{"ً":{"ٌ":1546,"ٍ":"تفسير النصوص في الفقه الإسلامي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/spdf_1546/","files":["tafns_1.pdf","tafns_2.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير النصوص في الفقه الإسلامي\n(دراسة مقارنة لمناهج استنباط الأحكام من النصوص وما ترتب على الاختلاف في الأصول من اختلاف في الفروع)\nالمؤلف: محمد أديب الصالح\nأصل الكتاب: أطروحة دكتوراة - كلية الحقوق، جامعة القاهرة\nالناشر: المكتب الإسلامي، بيروت - لبنان\nالطبعة: الخامسة، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\n(طبعة منقحة ومزيدة في التخريج والتبيين والتوثيق)\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2833,"ٕ":11,"ٖ":1770156133,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"الإهداء","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة الطبعة الثالثة","level":1,"page":4},{"title":"المقدمة","level":1,"page":6},{"title":"طريقة البحث","level":2,"page":12},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":14},{"title":"الباب التمهيدي نظرة الشريعة والقانون إلى تفسير النصوص","level":1,"page":18},{"title":"الفصل الأول البيان عند الأصوليين","level":2,"page":19},{"title":"أنواع البيان","level":3,"page":23},{"title":"تمهيد","level":4,"page":23},{"title":"بعد رسالة الشافعي","level":4,"page":25},{"title":"١ - بيان التقرير","level":5,"page":27},{"title":"٢ - بيان التغيير","level":5,"page":29},{"title":"٣ - بيان التبديل","level":5,"page":31},{"title":"٤ - بيان الضرورة","level":5,"page":33},{"title":"٥ - بيان التفسير","level":5,"page":37},{"title":"النصوص المرادة في البحث","level":3,"page":41},{"title":"مظان البحث في نصوص الأحكام","level":4,"page":43},{"title":"كتب أحكام القرآن","level":4,"page":44},{"title":"مظان أحاديث الأحكام","level":4,"page":45},{"title":"كتب أحاديث الأحكام","level":4,"page":47},{"title":"الفصل الثاني ماهية تفسير النصوص","level":2,"page":48},{"title":"علاقة هذا التفسير بالقول بالرأي","level":3,"page":50},{"title":"تفسير جائز ومطلوب","level":3,"page":55},{"title":"الاجتهاد المراد في التفسير","level":3,"page":63},{"title":"مجال الاجتهاد في التفسير","level":3,"page":71},{"title":"نشأة قواعد التفسير وتدوينها","level":3,"page":74},{"title":"الشافعي يدون قواعد للتفسير","level":3,"page":77},{"title":"الفصل الثالث نظرة عامة حول التفسير ومدارسه في القانون","level":2,"page":86},{"title":"معنى التفسير في القانون ومجاله. . . أنواع التفسير. . . مدارس التفسير معنى التفسير","level":3,"page":86},{"title":"مجال التفسير","level":4,"page":86},{"title":"أنواع التفسير في القانون","level":4,"page":88},{"title":"١ - التفسير التشريعي","level":5,"page":89},{"title":"من له سلطة التفسير","level":6,"page":90},{"title":"الإلزام في التفسير التشريعي","level":6,"page":91},{"title":"٢ - التفسير القضائي","level":5,"page":92},{"title":"٣ - التفسير الفقهي","level":5,"page":93},{"title":"بين التفسير القضائي والتفسير الفقهي","level":6,"page":93},{"title":"مذاهب التفسير العامة","level":4,"page":94},{"title":"أولا: (مدرسة الشرح على المتون) أو (مدرسة التزام النص)","level":5,"page":95},{"title":"الأسس التي قامت عليها المدرسة","level":6,"page":96},{"title":"١ - تقديس النصوص","level":7,"page":96},{"title":"٢ - الاعتداد بإرادة المشرع عند التفسير وتقديسها","level":7,"page":97},{"title":"٣ - حصر القانون بإرادة المشرع","level":7,"page":98},{"title":"الإرادة الحقيقية للشارع والإرادة المفترضة","level":6,"page":98},{"title":"الحكم على مدرسة الشرح على المتون","level":6,"page":100},{"title":"ثانيا: المدرسة التاريخية","level":5,"page":100},{"title":"الحكم على المدرسة التاريخية","level":6,"page":101},{"title":"ثالثا: المدرسة العلمية","level":5,"page":102},{"title":"الحكم على المدرسة العلمية","level":6,"page":103},{"title":"القسم الأول قواعد التفسير في حالات وضوح الألفاظ وإبهامها ودلالتها على الأحكام","level":1,"page":110},{"title":"الباب الأول الوضوح والإبهام في الألفاظ","level":2,"page":111},{"title":"الفصل الأول الواضح وأنواعه","level":3,"page":112},{"title":"تمهيد","level":4,"page":112},{"title":"مسلك الحنفية","level":5,"page":113},{"title":"مسلك المتكلمين","level":5,"page":113},{"title":"المبحث الأول منهج الحنفية في الواضح","level":4,"page":115},{"title":"المطلب الأول الظاهر","level":5,"page":115},{"title":"عماد التعريف","level":6,"page":116},{"title":"حكم الظاهر","level":6,"page":118},{"title":"المطلب الثاني النص","level":5,"page":118},{"title":"عماد التعريف","level":6,"page":120},{"title":"التعريف الذي نراه","level":6,"page":120},{"title":"النص: هل يشمل الخاص والعام؟","level":6,"page":122},{"title":"موقف الدبوسي والسرخسي","level":6,"page":123},{"title":"حكم النص","level":6,"page":123},{"title":"هل الوجوب قطعي في الظاهر والنص","level":6,"page":124},{"title":"رأينا في هذا الاختلاف","level":6,"page":124},{"title":"الظاهر والنص عند المتأخرين","level":6,"page":126},{"title":"موقف عبد العزيز البخاري","level":6,"page":127},{"title":"موقف العلماء من الاتجاهين","level":6,"page":129},{"title":"موقفنا من المسألة","level":6,"page":131},{"title":"التسلسل التاريخي لمسألة الظاهر والنص","level":6,"page":132},{"title":"المطلب الثالث المفسر","level":5,"page":133},{"title":"حكم المفسر","level":6,"page":136},{"title":"المطلب الرابع المحكم","level":5,"page":137},{"title":"أولاهما","level":6,"page":138},{"title":"المحكم لذاته والمحكم لغيره","level":6,"page":139},{"title":"حكم المحكم","level":6,"page":140},{"title":"تفاوت المراتب وأثره","level":6,"page":140},{"title":"نموذج لأقسام الواضح الأربعة","level":6,"page":141},{"title":"مدى شمول التفسير - كما أردناه - للأقسام الأربعة","level":6,"page":141},{"title":"المطلب الخامس أثر التفاوت بين الأقسام بتقديم أقواها عند التعارض","level":5,"page":143},{"title":"أولا - تعارض الظاهر مع النص","level":6,"page":143},{"title":"ثانيا: تعارض المحكم مع النص","level":6,"page":148},{"title":"ثالثا - التعارض بين النص والمفسر","level":6,"page":149},{"title":"موقف للميهوي","level":7,"page":154},{"title":"رابعا - تعارض المفسر مع المحكم","level":6,"page":155},{"title":"ما يرد على هذا المثال، ورأينا في ذلك","level":7,"page":155},{"title":"من تعارض الأقسام في بعض مسائل الفقه","level":7,"page":157},{"title":"المبحث الثاني الواضح عند المتكلمين الظاهر والنص","level":4,"page":159},{"title":"المطلب الأول مذهب الإمام الشافعي","level":5,"page":159},{"title":"المطلب الثاني النص والظاهر بعد الشافعي","level":5,"page":162},{"title":"مسلك الجويني","level":6,"page":163},{"title":"مسلك الغزالي","level":6,"page":164},{"title":"مسلك المتكلمين بعد الغزالي","level":6,"page":166},{"title":"اتجاهات أخرى","level":6,"page":167},{"title":"بين الأصوليين والفقهاء","level":6,"page":168},{"title":"مدى وجود النصوص بهذا المعنى في الكتاب والسنة","level":6,"page":169},{"title":"موقف أبي الطيب الطبري وإمام الحرمين","level":6,"page":169},{"title":"حكم النص","level":6,"page":170},{"title":"الظاهر","level":6,"page":171},{"title":"مسلك الباقلاني","level":6,"page":171},{"title":"نقد إمام الحرمين لتعريف الباقلاني وموقفنا من ذلك","level":6,"page":172},{"title":"نماذج من الظاهر","level":6,"page":174},{"title":"حكم الظاهر","level":6,"page":178},{"title":"متى يعمل بالظاهر؟","level":6,"page":178},{"title":"مقارنة","level":6,"page":179},{"title":"صورة أخرى لتقسيم المتكلمين","level":6,"page":180},{"title":"ما نفضله من الاصطلاحين في تقسيم الواضح","level":6,"page":180},{"title":"الفصل الثاني المبهم وأنواعه","level":3,"page":183},{"title":"المبحث الأول منهج الحنفية في المبهم","level":4,"page":183},{"title":"المطلب الأول الخفي","level":5,"page":184},{"title":"منشأ الإبهام في الخفي","level":6,"page":185},{"title":"حكم الطرار","level":6,"page":186},{"title":"اختلاف الأصوليين في طريق الحكم","level":6,"page":187},{"title":"حكم النباش","level":6,"page":189},{"title":"مذهب أبي حنيفة ومحمد","level":6,"page":189},{"title":"مذهب الجمهور","level":6,"page":190},{"title":"ما نرجحه في المسألة","level":6,"page":192},{"title":"حكم الخفي","level":6,"page":199},{"title":"من الخفي في نصوص القانون","level":6,"page":200},{"title":"المطلب الثاني المشكل","level":5,"page":203},{"title":"منشأ الإشكال","level":6,"page":204},{"title":"بين المشكل والخفي","level":6,"page":205},{"title":"الاحتجاج للقول الأول","level":6,"page":213},{"title":"موقف ابن قدامة","level":6,"page":215},{"title":"الاحتجاج للقول الثاني","level":6,"page":216},{"title":"ما نرجحه في المسألة","level":6,"page":217},{"title":"حكم المشكل","level":6,"page":219},{"title":"من المشكل في نصوص القانون","level":6,"page":219},{"title":"المطلب الثالث المجمل","level":5,"page":221},{"title":"رأينا في هذه التعريفات","level":6,"page":221},{"title":"التعريف الذي نراه","level":6,"page":222},{"title":"بين المجمل والمشكل","level":6,"page":222},{"title":"أنواع المجمل","level":6,"page":223},{"title":"أولا - النوع الأول","level":7,"page":223},{"title":"الصلاة","level":8,"page":224},{"title":"بيان السنة للإجمال في الصلاة","level":8,"page":225},{"title":"الزكاة","level":8,"page":227},{"title":"بيان السنة للإجمال في الزكاة","level":8,"page":228},{"title":"مدى بيان السنة للمجمل من الأحكام","level":8,"page":230},{"title":"ثانيا - النوع الثاني","level":7,"page":232},{"title":"ما نراه في هذا النوع من المجمل","level":8,"page":234},{"title":"حالتان للبيان","level":8,"page":235},{"title":"هذا النوع هل يوجد في كلام الناس؟","level":8,"page":236},{"title":"ثالثا - النوع الثالث","level":7,"page":237},{"title":"حكم المجمل","level":8,"page":239},{"title":"الربا والمجمل","level":8,"page":240},{"title":"ما نراه في الموضوع","level":8,"page":242},{"title":"كلمة أخيرة","level":8,"page":246},{"title":"من المجمل في نصوص القوانين","level":8,"page":246},{"title":"المطلب الرابع المتشابه","level":5,"page":249},{"title":"المتشابه في الاصطلاح وتطور النظر إليه عند الحنفية","level":6,"page":249},{"title":"طريق إزالة الإبهام في هذا المتشابه","level":6,"page":251},{"title":"١ - من ذلك قوله تعالى: ﴿بما عقدتم﴾ بالتشديد، و﴿عقدتم﴾ بالتخفيف من قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان","level":7,"page":251},{"title":"٢ - إباحة الوطء بانقطاع دم الحيض","level":7,"page":252},{"title":"٣ - فرض غسل الرجلين","level":7,"page":252},{"title":"مواطن وجود هذا المتشابه","level":6,"page":254},{"title":"حكم هذا المتشابه","level":6,"page":257},{"title":"ما نراه في أمر المتشابه","level":6,"page":257},{"title":"المبحث الثاني المبهم عند المتكلمين","level":4,"page":261},{"title":"تمهيد","level":5,"page":261},{"title":"المطلب الأول المجمل","level":5,"page":262},{"title":"أولا - مسالك الأئمة في تعريفه وما نراه فيها","level":6,"page":262},{"title":"مسلك الشيرازي","level":7,"page":262},{"title":"مسلك إمام الحرمين","level":7,"page":262},{"title":"مسلك الآمدي","level":7,"page":262},{"title":"مسلك ابن الحاجب","level":7,"page":262},{"title":"ما نراه في هذه التعريفات","level":7,"page":263},{"title":"ثانيا - موارد الإجمال","level":6,"page":263},{"title":"ثالثا - الإجمال في الأفعال","level":6,"page":265},{"title":"المطلب الثاني المتشابه","level":5,"page":266},{"title":"الآمدي والمتشابه","level":6,"page":267},{"title":"بين الآمدي وسابقيه","level":6,"page":267},{"title":"اتجاه لصاحب \"المنهاج\"","level":6,"page":268},{"title":"موقف الشيعة الإمامية","level":6,"page":269},{"title":"موقف الزيدية","level":6,"page":270},{"title":"موقف الإباضية","level":6,"page":271},{"title":"المبهم عند ابن حزم","level":6,"page":272},{"title":"بين ابن حزم والأصوليين","level":6,"page":272},{"title":"نتائج ومقارنة","level":6,"page":273},{"title":"ما نراه في تقسيم المبهم","level":6,"page":276},{"title":"من ثمرات الاختلاف في المجمل","level":6,"page":277},{"title":"الفصل الثالث التأويل","level":3,"page":282},{"title":"المبحث الأول تطور معنى التأويل ومجاله","level":4,"page":282},{"title":"تمهيد","level":5,"page":282},{"title":"المطلب الأول التأويل في اللغة، وفي عرف السلف ومن بعدهم","level":5,"page":283},{"title":"أولا - التأويل في اللغة","level":6,"page":283},{"title":"ثانيا - التأويل عند السلف","level":6,"page":284},{"title":"ثالثا - التأويل عند العلماء الأولين","level":6,"page":285},{"title":"المطلب الثاني التأويل في الاصطلاح","level":5,"page":290},{"title":"ماهية التأويل عند إمام الحرمين","level":6,"page":291},{"title":"ماهية التأويل عند الغزالي","level":6,"page":291},{"title":"بين الغزالي والآمدي","level":6,"page":291},{"title":"موقفنا من نقد الآمدي","level":6,"page":292},{"title":"ابن قدامة وتعريف الغزالي","level":6,"page":293},{"title":"الزيدية والتأويل","level":6,"page":293},{"title":"المطلب الثالث مجال التأويل","level":5,"page":295},{"title":"أولا - العمل بالظاهر هو الأصل","level":6,"page":295},{"title":"ثانيا - ما الذي يدخله التأويل؟","level":6,"page":298},{"title":"المبحث الثاني شروط التأويل وأنواعه","level":4,"page":302},{"title":"المطلب الأول شروط التأويل","level":5,"page":302},{"title":"المطلب الثاني أنواع التأويل","level":5,"page":309},{"title":"من التأويل القريب","level":6,"page":309},{"title":"من التأويل البعيد","level":6,"page":310},{"title":"المبحث الثالث من ثمرات الاختلاف في الحكم على التأويل","level":4,"page":316},{"title":"تمهيد","level":5,"page":316},{"title":"المطلب الأول من أحكام النكاح والكفارة والزكاة","level":5,"page":316},{"title":"أولا - من أسلم وعنده أربع نسوة أو أختان","level":6,"page":316},{"title":"موقف صاحب \"منهاج الوصول\"","level":7,"page":319},{"title":"ثانيا - مسألة الإطعام في الكفارة","level":6,"page":320},{"title":"موقف الغزالي من هذا التأويل","level":7,"page":321},{"title":"موقف الكمال بن الهمام","level":7,"page":322},{"title":"ما نرجحه في المسألة","level":7,"page":323},{"title":"ثالثا - دفع القيمة بدلا من العين","level":6,"page":324},{"title":"رأي بعض الإباضية","level":7,"page":326},{"title":"رأينا في المسألة","level":7,"page":326},{"title":"ضابط المسألة عند أبي زيد الدبوسي","level":7,"page":329},{"title":"المطلب الثاني من أحكام الصيام والذبائح","level":5,"page":330},{"title":"أولا - تبييت النية في الصيام","level":6,"page":330},{"title":"مع أبي جعفر الطحاوي","level":7,"page":334},{"title":"رأي إمام الحرمين في تأويل الطحاوي","level":7,"page":335},{"title":"ثانيا - ذكاة الجنين","level":6,"page":336},{"title":"الشافعية وتأويل الحديث","level":7,"page":338},{"title":"رواية النصب وموقف المنذري","level":7,"page":339},{"title":"المبحث الرابع طريق الجادة في التأويل وموقف الظاهرية","level":4,"page":343},{"title":"المطلب الأول طريق الجادة في التأويل","level":5,"page":343},{"title":"والمذهبية أيضا","level":6,"page":347},{"title":"المطلب الثاني موقف الظاهرية من التأويل","level":5,"page":349},{"title":"ماهية التأويل عند ابن حزم","level":6,"page":350},{"title":"أثر منهج ابن حزم في العموم والخصوص والأمر والنهي","level":6,"page":352},{"title":"رأينا في هذه النقطة","level":6,"page":354},{"title":"المطلب الثالث من ثمرات الاختلاف بين الظاهرية والجمهور","level":5,"page":356},{"title":"١ - مسألة الطهارة من ولوغ الكلب","level":6,"page":356},{"title":"٢ - مدلول النهي عن البول في الماء الراكد","level":6,"page":359},{"title":"رأي النووي وابن دقيق العيد في المسألة","level":7,"page":360},{"title":"٣ - مدلول قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]","level":6,"page":360},{"title":"الذي نرجحه","level":7,"page":362},{"title":"الآدمية في المسلم والكافر","level":7,"page":363},{"title":"من التأويل في القانون","level":7,"page":364},{"title":"الباب الثاني طرق دلالة الألفاظ على الأحكام","level":2,"page":367},{"title":"تمهيد","level":3,"page":368},{"title":"المراد بالنص هنا","level":4,"page":369},{"title":"الفصل الأول منهج الحنفية في طرق الدلالات","level":3,"page":370},{"title":"المبحث الأول عبارة النص","level":4,"page":373},{"title":"ماهية العبارة","level":5,"page":373},{"title":"أمثلة عبارة النص","level":5,"page":374},{"title":"من عبارات النص في القانون","level":5,"page":378},{"title":"المبحث الثاني إشارة النص","level":4,"page":380},{"title":"المطلب الأول ماهية الإشارة","level":5,"page":380},{"title":"الاختصاص بين العبارة والإشارة","level":6,"page":383},{"title":"رأينا في المسألة","level":6,"page":384},{"title":"أحكام أخرى","level":6,"page":385},{"title":"السرخسي وحديث الصدقة","level":6,"page":388},{"title":"الإشارة بين الظهور والخفاء","level":6,"page":390},{"title":"المطلب الثاني بين العبارة والإشارة","level":5,"page":392},{"title":"مدلول العبارة والإشارة","level":6,"page":392},{"title":"موقف الرهاوي","level":6,"page":393},{"title":"رأينا في المسألة","level":6,"page":394},{"title":"التعارض بين العبارة والإشارة","level":6,"page":395},{"title":"رأينا في هذا المثال","level":6,"page":396},{"title":"دليل الشافعي","level":6,"page":403},{"title":"دليل الحنفية على ما ذهبوا إليه","level":6,"page":405},{"title":"من إشارة النص في القانون","level":6,"page":407},{"title":"المبحث الثالث دلالة النص","level":4,"page":409},{"title":"المطلب الأول ماهية دلالة النص","level":5,"page":409},{"title":"بين ابن ملك والرهاوي","level":6,"page":415},{"title":"المطلب الثاني مدلول دلالة النص","level":5,"page":416},{"title":"أولا - دلالة النص بين القطعية والظنية","level":6,"page":416},{"title":"من دلالة النص القطعية","level":7,"page":417},{"title":"من دلالة النص الظنية","level":7,"page":418},{"title":"رأينا في المسألة","level":7,"page":421},{"title":"ثانيا: ثبوت العقوبات والكفارات بدلالة النص","level":6,"page":423},{"title":"تعارض دلالة النص مع الإشارة","level":7,"page":429},{"title":"من دلالة النص في القانون","level":7,"page":430},{"title":"المبحث الرابع دلالة الاقتضاء","level":4,"page":432},{"title":"المطلب الأول ماهية دلالة الاقتضاء","level":5,"page":432},{"title":"هذه الأنواع ودلالة الاقتضاء","level":6,"page":434},{"title":"موقف الدبوسي","level":6,"page":435},{"title":"موقف المتأخرين بعد الدبوسي","level":6,"page":435},{"title":"موقف التفتازاني","level":6,"page":437},{"title":"موقف صاحب \"فواتح الرحموت\" ورأينا في ذلك","level":6,"page":438},{"title":"الأمر الداعي إلى التفريق","level":6,"page":440},{"title":"المطلب الثاني عموم المقتضى","level":5,"page":442},{"title":"موقف الغزالي","level":6,"page":445},{"title":"من ثمرات الاختلاف في عموم المقتضى","level":6,"page":446},{"title":"ما نراه في الموضوع","level":6,"page":453},{"title":"مسلك ابن حزم في المسألة","level":6,"page":455},{"title":"طلاق المكره في القانون","level":6,"page":456},{"title":"المطلب الثالث مدلول دلالة الاقتضاء","level":5,"page":457},{"title":"حالة التعارض وأثرها","level":6,"page":458},{"title":"الفصل الثاني منهج المتكلمين في طرق الدلالات","level":3,"page":463},{"title":"المبحث الأول المنطوق والمفهوم","level":4,"page":463},{"title":"المطلب الأول المنطوق","level":5,"page":465},{"title":"أنواع المنطوق غير الصريح","level":6,"page":466},{"title":"المطلب الثاني المفهوم","level":5,"page":475},{"title":"أولا - مفهوم الموافقة","level":6,"page":475},{"title":"ثانيا - مفهوم المخالفة","level":6,"page":477},{"title":"أنواع مفهوم المخالفة","level":7,"page":477},{"title":"١ - مفهوم الصفة","level":8,"page":478},{"title":"٢ - مفهوم الشرط","level":8,"page":480},{"title":"٣ - مفهوم الغاية","level":8,"page":481},{"title":"٤ - مفهوم العدد","level":8,"page":482},{"title":"مقارنة بين منهجي الحنفية والمتكلمين","level":6,"page":484},{"title":"المبحث الثاني موقف العلماء من مفهوم الموافقة","level":4,"page":486},{"title":"المطلب الأول شرط مفهوم الموافقة، ونوع دلالته على الحكم","level":5,"page":486},{"title":"أولا - شرط مفهوم الموافقة","level":6,"page":486},{"title":"ثمرة الخلاف بين الاتجاهين","level":7,"page":490},{"title":"مفهوم الموافقة بين القطعية والظنية","level":7,"page":490},{"title":"رأينا في التقسيم","level":7,"page":493},{"title":"ثانيا - نوع دلالة مفهوم الموافقة على الحكم","level":6,"page":494},{"title":"موقف الإمام الشافعي","level":7,"page":496},{"title":"حقيقة الاختلاف ورأينا في ذلك","level":7,"page":498},{"title":"المطلب الثاني موقف ابن حزم من مفهوم الموافقة","level":5,"page":502},{"title":"الأساس الذي قام عليه مسلك ابن حزم","level":6,"page":505},{"title":"موقفنا من مسلك ابن حزم","level":6,"page":507},{"title":"الرأي الذي نرتضيه","level":6,"page":513},{"title":"المبحث الثالث موقف العلماء من مفهوم المخالفة بوجه عام","level":4,"page":519},{"title":"تمهيد","level":5,"page":519},{"title":"المسلك الأول","level":6,"page":519},{"title":"المسلك الثاني","level":6,"page":521},{"title":"موقف ابن حزم","level":7,"page":522},{"title":"المطلب الأول أدلة القول بمفهوم المخالفة وشروطه","level":5,"page":523},{"title":"اولا - من أدلة القول بمفهوم المخالفة","level":6,"page":523},{"title":"ثانيا - من شروط الأخذ بمفهوم المخالفة","level":6,"page":525},{"title":"المطلب الثاني أدلة نفي مفهوم المخالفة ومجاله","level":5,"page":530},{"title":"مفهوم المخالفة بين كلام الشارع ومصطلح الناس","level":6,"page":534},{"title":"المبحث الرابع موقف العلماء من بعض أنواع مفهوم المخالفة","level":4,"page":537},{"title":"المطلب الأول موقف العلماء من مفهوم الصفة","level":5,"page":537},{"title":"استدلال القائلين بمفهوم الصفة","level":6,"page":540},{"title":"استدلال النافين لمفهوم الصفة","level":6,"page":544},{"title":"استدلال الجويني لمذهبه","level":6,"page":545},{"title":"رأينا في موقف الجويني","level":6,"page":546},{"title":"من آثار الاختلاف في مفهوم الصفة","level":6,"page":547},{"title":"المطلب الثاني مفهوم العلماء من مفهوم الشرط","level":5,"page":551},{"title":"موقف القاضي عبد الجبار","level":6,"page":552},{"title":"رأينا في هذه النقطة","level":6,"page":553},{"title":"موقف الزيدية من المتكلمين","level":6,"page":553},{"title":"موقف وسط","level":6,"page":554},{"title":"رأينا في هذا الموقف","level":6,"page":555},{"title":"استدلال القائلين بمفهوم الشرط","level":6,"page":555},{"title":"موقف النافين من هذا الدليل","level":6,"page":556},{"title":"من استدلال النافين لمفهوم الشرط","level":6,"page":557},{"title":"من آثار الاختلاف في مفهوم الشرط","level":6,"page":559},{"title":"رأي الغزالي","level":6,"page":561},{"title":"المطلب الثالث موقف العلماء من مفهوم الغاية","level":5,"page":562},{"title":"دليل القول بمفهوم الغاية","level":6,"page":563},{"title":"رأينا في المسألة","level":6,"page":563},{"title":"من آثار الاختلاف في مفهوم الغاية","level":6,"page":564},{"title":"المطلب الرابع موقف العلماء من مفهومي العدد واللقب","level":5,"page":566},{"title":"أولا - موقف العلماء من مفهوم العدد","level":6,"page":566},{"title":"رأينا في الموضوع","level":7,"page":567},{"title":"من آثار الاختلاف في مفهوم العدد","level":7,"page":568},{"title":"ثانيا - موقف العلماء من مفهوم اللقب","level":6,"page":571},{"title":"الظاهرية ومفهوم اللقب","level":7,"page":572},{"title":"موقفنا من مفهوم المخالفة","level":7,"page":572},{"title":"المبحث الخامس موقف رجال القانون من الأخذ بالمفهوم","level":4,"page":575},{"title":"الأخذ بمفهوم الموافقة والاختلاف في تحديده","level":5,"page":575},{"title":"المسلك الأول","level":6,"page":576},{"title":"المسلك الثاني","level":6,"page":578},{"title":"رأينا في الموضوع","level":5,"page":579},{"title":"من أمثلة مفهوم الموافقة في القانون","level":5,"page":581},{"title":"محكمة النقض المصرية ومفهوم الموافقة","level":5,"page":581},{"title":"الأخذ بمفهوم المخالفة","level":5,"page":583},{"title":"الأخذ بمفهوم المخالفة في محكمة النقض بمصر","level":5,"page":584},{"title":"الاحتياط في الأخذ بمفهوم المخالفة","level":5,"page":585},{"title":"القسم الثاني قواعد التفسير في حالات شمول الألفاظ في دلالتها على الأحكام وعدم شمولها","level":1,"page":587},{"title":"المقدمة","level":2,"page":587},{"title":"الباب الأول دلاله الألفاظ على الأحكام في حالتي العموم والاشتراك","level":2,"page":592},{"title":"الفصل الأول العام","level":3,"page":593},{"title":"تمهيد","level":4,"page":593},{"title":"المبحث الأول صيغ العموم","level":4,"page":595},{"title":"المطلب الأول ماهية العام ومذاهب العلماء في ألفاظه","level":5,"page":595},{"title":"الفرق بين العام والمطلق","level":6,"page":597},{"title":"ألفاظ العموم","level":6,"page":597},{"title":"مذاهب العلماء فيما وضعت له ألفاظ العموم","level":6,"page":602},{"title":"مسلك البزدوي والسرخسي","level":6,"page":604},{"title":"مسلك عبد العزيز البخاري","level":6,"page":605},{"title":"رأينا في التقسيم","level":6,"page":605},{"title":"المطلب الثاني موقف العلماء من مذهب الوقف","level":5,"page":606},{"title":"الجواب عن الاشتراك","level":6,"page":608},{"title":"مسلك الإمام ابن حزم","level":6,"page":609},{"title":"الحجة الأولى","level":6,"page":609},{"title":"رد ابن حزم","level":6,"page":609},{"title":"رأينا في رد ابن حزم","level":6,"page":610},{"title":"الحجة الثانية","level":6,"page":611},{"title":"الحجة الثالثة","level":6,"page":612},{"title":"الحجة الرابعة","level":6,"page":613},{"title":"الحجة الخامسة","level":6,"page":615},{"title":"الحد الزمني للوقف","level":6,"page":618},{"title":"رأينا في الموضوع","level":6,"page":619},{"title":"المطلب الثالث موقف العلماء من القول بالخصوص","level":5,"page":622},{"title":"الحجة الأولى","level":6,"page":622},{"title":"الحجة الثانية","level":6,"page":624},{"title":"الحجة الثالثة","level":6,"page":626},{"title":"فساد وتناقض","level":6,"page":627},{"title":"موقف الشيخ الخضري","level":6,"page":627},{"title":"الحجة الرابعة","level":6,"page":628},{"title":"رأينا في مذهب الوقف والخصوص","level":6,"page":629},{"title":"المطلب الرابع موقف أرباب العموم","level":5,"page":630},{"title":"أولا: الاستدلال العقلي","level":6,"page":630},{"title":"مسلك ابن حزم","level":7,"page":630},{"title":"مسلك الشيرازي","level":7,"page":631},{"title":"مسلك البزدوي","level":7,"page":631},{"title":"مسلك السرخسي","level":7,"page":631},{"title":"مسلك الغزالي","level":7,"page":632},{"title":"دعوى القرائن ورد الغزالي عليها","level":7,"page":634},{"title":"مسلك ابن الحاجب","level":7,"page":635},{"title":"موقف العلماء من دليل ابن الحاجب","level":7,"page":636},{"title":"ما نراه في هذه النقطة","level":7,"page":637},{"title":"ثانيا: الاستدلال النقلي","level":6,"page":637},{"title":"إيراد وجوابه","level":7,"page":645},{"title":"رأينا في الموضوع","level":7,"page":647},{"title":"المبحث الثاني تخصيص العام","level":4,"page":649},{"title":"المطلب الأول موقف العلماء من جواز التخصيص","level":5,"page":650},{"title":"المطلب الثاني التخصيص بين الجمهور والحنفية","level":5,"page":652},{"title":"مذهب الجمهور","level":6,"page":652},{"title":"المخصصات وأنواعها","level":6,"page":654},{"title":"المخصص المستقل","level":6,"page":654},{"title":"رأينا في التخصيص بالعرف","level":6,"page":659},{"title":"المخصص غير المستقل","level":6,"page":662},{"title":"مذهب الحنفية","level":6,"page":665},{"title":"أنواع العام","level":6,"page":667},{"title":"الفرق بين العام الذي أريد به الخصوص والعام المطلق","level":6,"page":669},{"title":"المبحث الثالث دلالة العام","level":4,"page":671},{"title":"المطلب الأول دلالة العام بين القطعية والظنية","level":5,"page":671},{"title":"ما استدل به الجمهور","level":6,"page":673},{"title":"ما استدل به الحنفية","level":6,"page":674},{"title":"الجواب عن الاحتمال","level":6,"page":675},{"title":"موقف التفتازاني","level":6,"page":676},{"title":"موقف الخضري من ابن الهمام ورأينا في ذلك","level":6,"page":677},{"title":"موقف الشاطبي","level":6,"page":678},{"title":"رأينا في دلالة العام","level":6,"page":678},{"title":"المطلب الثاني ما ترتب على الاختلاف في دلالة العام","level":5,"page":680},{"title":"من آثار الاختلاف عند التطبيق","level":6,"page":683},{"title":"دعوى الإجماع في كل من المذهبين","level":6,"page":685},{"title":"المسألة الثانية","level":6,"page":687},{"title":"من آثار الاختلاف في التطبيق","level":6,"page":689},{"title":"الفصل الثاني المشترك","level":3,"page":692},{"title":"المبحث الأول ماهية المشترك وأسباب وجوده","level":4,"page":692},{"title":"تعريف المشترك","level":5,"page":693},{"title":"أسباب وجود المشترك","level":5,"page":694},{"title":"المبحث الثاني دلالة المشترك","level":4,"page":696},{"title":"المطلب الأول موقف العلماء من دلالة المشترك","level":5,"page":696},{"title":"عموم المشترك","level":6,"page":698},{"title":"الجواب عن آية السجود","level":6,"page":701},{"title":"موقف عبد العزيز البخاري والتفتازاني","level":6,"page":701},{"title":"المطلب الثاني من آثار الاختلاف في التطبيق","level":5,"page":703},{"title":"ما استدل به القائلون بالطهر","level":6,"page":705},{"title":"ما استدل به القائلون بأن القرء هو الحيضة","level":6,"page":707},{"title":"الباب الثاني دلالة الألفاظ على الأحكام في حالة الخصوص","level":2,"page":711},{"title":"تمهيد","level":3,"page":712},{"title":"الفصل الأول ماهية تفسير النصوص","level":3,"page":713},{"title":"المبحث الأول ماهية الخاص ودلالته","level":4,"page":713},{"title":"دلالة الخاص","level":5,"page":714},{"title":"مع عبد العزيز البخاري","level":5,"page":717},{"title":"القطع المراد في دلالة الخاص","level":5,"page":719},{"title":"علم الطمأنينة وعلم اليقين","level":5,"page":720},{"title":"المبحث الثاني من آثار قطعية الخاص في التطبيق","level":4,"page":722},{"title":"الفصل الثاني أنواع الخاص","level":3,"page":732},{"title":"تمهيد","level":4,"page":732},{"title":"الفرع الأول المطلق والمقيد","level":4,"page":733},{"title":"المبحث الأول ماهية المطلق والمقيد وحكمهما","level":5,"page":734},{"title":"المطلب الأول ماهية المطلق والمقيد","level":6,"page":734},{"title":"المطلق والمقيد في الاصطلاح","level":7,"page":735},{"title":"أولا: المطلق","level":7,"page":735},{"title":"التعريف الذي نراه","level":8,"page":736},{"title":"ثانيا: المقيد","level":7,"page":737},{"title":"التعريف الذي نراه","level":8,"page":738},{"title":"تفاوت مراتب المقيد","level":8,"page":739},{"title":"المطلب الثاني حكم كل من المطلق والمقيد","level":6,"page":739},{"title":"أولا: حكم المطلق","level":7,"page":739},{"title":"ثانيا: حكم المقيد","level":7,"page":743},{"title":"المبحث الثاني حمل المطلق على المقيد","level":5,"page":745},{"title":"المطلب الأول مسالك العلماء في حمل المطلق على المقيد","level":6,"page":745},{"title":"مدى تطبيق القاعدة عند الحنفية","level":7,"page":749},{"title":"رأينا في المسألة","level":7,"page":755},{"title":"المذاهب الأساسية في الموضوع","level":7,"page":760},{"title":"أثر مفهوم المخالفة فيما نحن فيه","level":7,"page":763},{"title":"القائلون بالحمل قياسا وموقف الحنفية منهم","level":7,"page":766},{"title":"المطلب الثاني شروط حمل المطلق على المقيد","level":6,"page":767},{"title":"رأينا في الموضوع","level":7,"page":769},{"title":"الفرع الثاني الأمر والنهي","level":4,"page":771},{"title":"تمهيد","level":5,"page":771},{"title":"المبحث الأول الأمر","level":5,"page":773},{"title":"المطلب الأول ماهية الأمر ودلالته","level":6,"page":773},{"title":"وجوه استعمال الأمر","level":7,"page":774},{"title":"دلالة الأمر","level":7,"page":777},{"title":"المطلب الثاني مسألك القائلين بالوجوب","level":6,"page":781},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":782},{"title":"ما يرد على هذا الدليل وجوابه","level":8,"page":783},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":784},{"title":"أولا: من نصوص الكتاب","level":8,"page":784},{"title":"ثانيا: من نصوص السنة","level":8,"page":791},{"title":"المطلب الثالث مسالك القائلين بغير الوجوب","level":6,"page":796},{"title":"مسلك القائلين بالندب","level":7,"page":796},{"title":"مسلك القائلين بالاشتراك","level":7,"page":797},{"title":"مسلك القائلين بمطلق الطلب","level":7,"page":798},{"title":"مسلك القائلين بالوقف","level":7,"page":799},{"title":"رأينا في دلالة الأمر","level":7,"page":800},{"title":"الأمر مع القرينة","level":7,"page":802},{"title":"موقفنا من مسالك العلماء في دلالة الأمر","level":7,"page":804},{"title":"من ثمرات الاختلاف في التطبيق","level":7,"page":806},{"title":"المطلب الرابع ما يدل عليه الأمر المطلق في الوحدة والكثرة","level":6,"page":811},{"title":"مسلك القائلين بمطلق الطلب","level":7,"page":814},{"title":"الاختلاف في مذهب إمام الحرمين ورأينا في الموضوع","level":7,"page":817},{"title":"الخلاف حول احتمال التكرار في المذاهب","level":7,"page":819},{"title":"رأينا في المسألة","level":7,"page":821},{"title":"مسلك القائلين بالمرة","level":7,"page":822},{"title":"حول وجود مذهب المرة","level":7,"page":823},{"title":"مسلك القائلين بالتكرار","level":7,"page":824},{"title":"الزنجاني ونسبة المذهب إلى الشافعي نفسه","level":7,"page":829},{"title":"مسلك القائلين بالمرة مع احتمال التكرار","level":7,"page":831},{"title":"حول نسبة المذهب إلى الشافعي","level":7,"page":832},{"title":"رأينا في المسألة","level":7,"page":834},{"title":"مسلك القائلين بالوقف","level":7,"page":835},{"title":"رأينا في دلالة الأمر من ناحية الوحدة والكثرة","level":7,"page":836},{"title":"المطلب الخامس دلالة الأمر المعلق بشرط أو المقيد بصفة من ناحية الوحدة والكثرة","level":6,"page":838},{"title":"أولا: عند الحنفية","level":7,"page":838},{"title":"موقف صاحب \"المرآة\" ورأينا في المسألة","level":8,"page":840},{"title":"ثمرة الاختلاف","level":8,"page":842},{"title":"ثانيا: عند المتكلمين","level":7,"page":843},{"title":"مسلك الشيرازي","level":8,"page":843},{"title":"مسلك الغزالي","level":8,"page":843},{"title":"مسلك ابن قدامة","level":8,"page":845},{"title":"مسلك الآمدي","level":8,"page":846},{"title":"مسلك ابن الحاجب والعضد","level":8,"page":849},{"title":"مسلك البيضاوي والإسنوي","level":8,"page":850},{"title":"المسالك الأساسية بين الحنفية والمتكلمين","level":8,"page":852},{"title":"ما نخلص إليه من نتائج، ورأينا في الموضوع","level":8,"page":854},{"title":"موقع القول بالتكرار عند التعليق في طريقتي الحنفية والمتكلمين","level":8,"page":855},{"title":"موقف بدران من ابن قدامة، ورأينا في ذلك","level":8,"page":857},{"title":"المطلب السادس دلالة الأمر على المجال الزمني لفعل المأمور به","level":6,"page":859},{"title":"رأينا في نسبة الفور إلى الحنفية","level":7,"page":863},{"title":"مسلك القائلين بمجرد الطلب","level":7,"page":865},{"title":"مسلك القائلين بالفور","level":7,"page":866},{"title":"رأينا في الموضوع","level":7,"page":869},{"title":"المطلب السابع دلالة الأمر الوارد بعد المنع والتحريم","level":6,"page":870},{"title":"القول بالإباحة","level":7,"page":872},{"title":"القول بالوجوب","level":7,"page":873},{"title":"جوابهم عن النصوص التي كان الأمر فيها بعد الحظر للإباحة","level":7,"page":875},{"title":"موقف ابن حزم من هذه النصوص","level":7,"page":876},{"title":"القول بالوقف","level":7,"page":877},{"title":"رأي الإسنوي في حقيقة مذهب الآمدي وما نراه في ذلك","level":7,"page":880},{"title":"رأينا في دلالة الأمر بعد الحظر والتحريم","level":7,"page":880},{"title":"المبحث الثاني النهي","level":5,"page":884},{"title":"المطلب الأول ماهية النهي ودلالته","level":6,"page":884},{"title":"تعريف النهي","level":7,"page":884},{"title":"وجوه استعمال صيغة النهي","level":7,"page":885},{"title":"دلالة النهي","level":7,"page":886},{"title":"ما نرجحه في المسألة","level":7,"page":887},{"title":"دلالة النهي على التكرار والمبادرة","level":7,"page":888},{"title":"رأينا في المسألة","level":7,"page":889},{"title":"ما يدل عليه النهي بعد الوجوب وموقف الجويني","level":7,"page":890},{"title":"موقف ابن الهمام من إمام الحرمين","level":7,"page":890},{"title":"المطلب الثاني أثر النهي في المنهي عنه","level":6,"page":891},{"title":"النهي عن التصرفات الحسية والنهي عن التصرفات الشرعية","level":7,"page":891},{"title":"أثر النهي في العبادات والمعاملات","level":7,"page":892},{"title":"أولا: حالة ورود النهي مطلقا","level":8,"page":893},{"title":"مسلك القائلين باقتضاء الفساد مطلقا","level":9,"page":894},{"title":"مسلك القائلين بعدم اقتضاء الفساد","level":9,"page":894},{"title":"ثانيا: حالة ورود النهي مع قرينة","level":8,"page":896},{"title":"موقف الحنابلة والظاهرية","level":7,"page":902},{"title":"رأينا في الموضوع","level":7,"page":902},{"title":"مسلك الجمهور","level":7,"page":903},{"title":"مسلك الحنفية","level":7,"page":903},{"title":"ما استدل به الجمهور","level":7,"page":904},{"title":"ما استدل به الحنفية","level":7,"page":905},{"title":"عرض القرافي لمذهب الحنفية","level":7,"page":907},{"title":"ما ترتب على الاختلاف بين الحنفية وغيرهم","level":7,"page":908},{"title":"معنى الفساد في العبادات عند الحنفية","level":7,"page":910},{"title":"ما بقي فيه الاختلاف","level":7,"page":910},{"title":"حقيقة الاختلاف في نظر الزركشي","level":7,"page":911},{"title":"رأينا في أثر النهي في المنهي عنه لوصفه","level":7,"page":912},{"title":"من آثار الاختلاف في التطبيق","level":7,"page":912},{"title":"مسلك الإمام ابن حزم","level":7,"page":914},{"title":"القرافي والحنابلة","level":7,"page":915},{"title":"حالة أخرى من الاختلاف","level":7,"page":920},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":924}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,117":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,206":198,"1,207":199,"1,208":200,"1,209":201,"1,210":202,"1,211":203,"1,212":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,246":238,"1,247":239,"1,248":240,"1,249":241,"1,250":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256,"1,265":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,291":282,"1,292":283,"1,293":284,"1,294":285,"1,295":286,"1,296":287,"1,297":288,"1,298":289,"1,299":290,"1,300":291,"1,301":292,"1,302":293,"1,303":294,"1,304":295,"1,305":296,"1,306":297,"1,307":298,"1,308":299,"1,309":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,316":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,320":311,"1,321":312,"1,322":313,"1,323":314,"1,324":315,"1,325":316,"1,326":317,"1,327":318,"1,328":319,"1,329":320,"1,330":321,"1,331":322,"1,332":323,"1,333":324,"1,334":325,"1,335":326,"1,336":327,"1,337":328,"1,338":329,"1,339":330,"1,340":331,"1,341":332,"1,342":333,"1,343":334,"1,344":335,"1,345":336,"1,346":337,"1,347":338,"1,348":339,"1,349":340,"1,350":341,"1,351":342,"1,352":343,"1,353":344,"1,354":345,"1,355":346,"1,356":347,"1,357":348,"1,358":349,"1,359":350,"1,360":351,"1,361":352,"1,362":353,"1,363":354,"1,364":355,"1,365":356,"1,366":357,"1,367":358,"1,368":359,"1,369":360,"1,370":361,"1,371":362,"1,372":363,"1,373":364,"1,374":365,"1,375":366,"1,377":367,"1,379":368,"1,380":369,"1,381":370,"1,382":371,"1,383":372,"1,384":373,"1,385":374,"1,386":375,"1,387":376,"1,388":377,"1,389":378,"1,390":379,"1,391":380,"1,392":381,"1,393":382,"1,394":383,"1,395":384,"1,396":385,"1,397":386,"1,398":387,"1,399":388,"1,400":389,"1,401":390,"1,402":391,"1,403":392,"1,404":393,"1,405":394,"1,406":395,"1,407":396,"1,408":397,"1,409":398,"1,410":399,"1,411":400,"1,412":401,"1,413":402,"1,414":403,"1,415":404,"1,416":405,"1,417":406,"1,418":407,"1,419":408,"1,420":409,"1,421":410,"1,422":411,"1,423":412,"1,424":413,"1,425":414,"1,426":415,"1,427":416,"1,428":417,"1,429":418,"1,430":419,"1,431":420,"1,432":421,"1,433":422,"1,434":423,"1,435":424,"1,436":425,"1,437":426,"1,438":427,"1,439":428,"1,440":429,"1,441":430,"1,442":431,"1,443":432,"1,444":433,"1,445":434,"1,446":435,"1,447":436,"1,448":437,"1,449":438,"1,450":439,"1,451":440,"1,452":441,"1,453":442,"1,454":443,"1,455":444,"1,456":445,"1,457":446,"1,458":447,"1,459":448,"1,460":449,"1,461":450,"1,462":451,"1,463":452,"1,464":453,"1,465":454,"1,466":455,"1,467":456,"1,468":457,"1,469":458,"1,470":459,"1,471":460,"1,472":461,"1,473":462,"1,475":463,"1,476":464,"1,477":465,"1,478":466,"1,479":467,"1,480":468,"1,481":469,"1,482":470,"1,483":471,"1,484":472,"1,485":473,"1,486":474,"1,487":475,"1,488":476,"1,489":477,"1,490":478,"1,491":479,"1,492":480,"1,493":481,"1,494":482,"1,495":483,"1,496":484,"1,497":485,"1,498":486,"1,499":487,"1,500":488,"1,501":489,"1,502":490,"1,503":491,"1,504":492,"1,505":493,"1,506":494,"1,507":495,"1,508":496,"1,509":497,"1,510":498,"1,511":499,"1,512":500,"1,513":501,"1,514":502,"1,515":503,"1,516":504,"1,517":505,"1,518":506,"1,519":507,"1,520":508,"1,521":509,"1,522":510,"1,523":511,"1,524":512,"1,525":513,"1,526":514,"1,527":515,"1,528":516,"1,529":517,"1,530":518,"1,531":519,"1,532":520,"1,533":521,"1,534":522,"1,535":523,"1,536":524,"1,537":525,"1,538":526,"1,539":527,"1,540":528,"1,541":529,"1,542":530,"1,543":531,"1,544":532,"1,545":533,"1,546":534,"1,547":535,"1,548":536,"1,549":537,"1,550":538,"1,551":539,"1,552":540,"1,553":541,"1,554":542,"1,555":543,"1,556":544,"1,557":545,"1,558":546,"1,559":547,"1,560":548,"1,561":549,"1,562":550,"1,563":551,"1,564":552,"1,565":553,"1,566":554,"1,567":555,"1,568":556,"1,569":557,"1,570":558,"1,571":559,"1,572":560,"1,573":561,"1,574":562,"1,575":563,"1,576":564,"1,577":565,"1,578":566,"1,579":567,"1,580":568,"1,581":569,"1,582":570,"1,583":571,"1,584":572,"1,585":573,"1,586":574,"1,587":575,"1,588":576,"1,589":577,"1,590":578,"1,591":579,"1,592":580,"1,593":581,"1,594":582,"1,595":583,"1,596":584,"1,597":585,"1,598":586,"2,5":587,"2,6":588,"2,7":589,"2,8":590,"2,9":591,"2,11":592,"2,13":593,"2,14":594,"2,15":595,"2,16":596,"2,17":597,"2,18":598,"2,19":599,"2,20":600,"2,21":601,"2,22":602,"2,23":603,"2,24":604,"2,25":605,"2,26":606,"2,27":607,"2,28":608,"2,29":609,"2,30":610,"2,31":611,"2,32":612,"2,33":613,"2,34":614,"2,35":615,"2,36":616,"2,37":617,"2,38":618,"2,39":619,"2,40":620,"2,41":621,"2,42":622,"2,43":623,"2,44":624,"2,45":625,"2,46":626,"2,47":627,"2,48":628,"2,49":629,"2,50":630,"2,51":631,"2,52":632,"2,53":633,"2,54":634,"2,55":635,"2,56":636,"2,57":637,"2,58":638,"2,59":639,"2,60":640,"2,61":641,"2,62":642,"2,63":643,"2,64":644,"2,65":645,"2,66":646,"2,67":647,"2,68":648,"2,69":649,"2,70":650,"2,71":651,"2,72":652,"2,73":653,"2,74":654,"2,75":655,"2,76":656,"2,77":657,"2,78":658,"2,79":659,"2,80":660,"2,81":661,"2,82":662,"2,83":663,"2,84":664,"2,85":665,"2,86":666,"2,87":667,"2,88":668,"2,89":669,"2,90":670,"2,91":671,"2,92":672,"2,93":673,"2,94":674,"2,95":675,"2,96":676,"2,97":677,"2,98":678,"2,99":679,"2,100":680,"2,101":681,"2,102":682,"2,103":683,"2,104":684,"2,105":685,"2,106":686,"2,107":687,"2,108":688,"2,109":689,"2,110":690,"2,111":691,"2,113":692,"2,114":693,"2,115":694,"2,116":695,"2,117":696,"2,118":697,"2,119":698,"2,120":699,"2,121":700,"2,122":701,"2,123":702,"2,124":703,"2,125":704,"2,126":705,"2,127":706,"2,128":707,"2,129":708,"2,130":709,"2,131":710,"2,133":711,"2,134":712,"2,135":713,"2,136":714,"2,137":715,"2,138":716,"2,139":717,"2,140":718,"2,141":719,"2,142":720,"2,143":721,"2,144":722,"2,145":723,"2,146":724,"2,147":725,"2,148":726,"2,149":727,"2,150":728,"2,151":729,"2,152":730,"2,153":731,"2,155":732,"2,156":733,"2,157":734,"2,158":735,"2,159":736,"2,160":737,"2,161":738,"2,162":739,"2,163":740,"2,164":741,"2,165":742,"2,166":743,"2,167":744,"2,168":745,"2,169":746,"2,170":747,"2,171":748,"2,172":749,"2,173":750,"2,174":751,"2,175":752,"2,176":753,"2,177":754,"2,178":755,"2,179":756,"2,180":757,"2,181":758,"2,182":759,"2,183":760,"2,184":761,"2,185":762,"2,186":763,"2,187":764,"2,188":765,"2,189":766,"2,190":767,"2,191":768,"2,192":769,"2,193":770,"2,194":771,"2,195":772,"2,196":773,"2,197":774,"2,198":775,"2,199":776,"2,200":777,"2,201":778,"2,202":779,"2,203":780,"2,204":781,"2,205":782,"2,206":783,"2,207":784,"2,208":785,"2,209":786,"2,210":787,"2,211":788,"2,212":789,"2,213":790,"2,214":791,"2,215":792,"2,216":793,"2,217":794,"2,218":795,"2,219":796,"2,220":797,"2,221":798,"2,222":799,"2,223":800,"2,224":801,"2,225":802,"2,226":803,"2,227":804,"2,228":805,"2,229":806,"2,230":807,"2,231":808,"2,232":809,"2,233":810,"2,234":811,"2,235":812,"2,236":813,"2,237":814,"2,238":815,"2,239":816,"2,240":817,"2,241":818,"2,242":819,"2,243":820,"2,244":821,"2,245":822,"2,246":823,"2,247":824,"2,248":825,"2,249":826,"2,250":827,"2,251":828,"2,252":829,"2,253":830,"2,254":831,"2,255":832,"2,256":833,"2,257":834,"2,258":835,"2,259":836,"2,260":837,"2,261":838,"2,262":839,"2,263":840,"2,264":841,"2,265":842,"2,266":843,"2,267":844,"2,268":845,"2,269":846,"2,270":847,"2,271":848,"2,272":849,"2,273":850,"2,274":851,"2,275":852,"2,276":853,"2,277":854,"2,278":855,"2,279":856,"2,280":857,"2,281":858,"2,282":859,"2,283":860,"2,284":861,"2,285":862,"2,286":863,"2,287":864,"2,288":865,"2,289":866,"2,290":867,"2,291":868,"2,292":869,"2,293":870,"2,294":871,"2,295":872,"2,296":873,"2,297":874,"2,298":875,"2,299":876,"2,300":877,"2,301":878,"2,302":879,"2,303":880,"2,304":881,"2,305":882,"2,306":883,"2,307":884,"2,308":885,"2,309":886,"2,310":887,"2,311":888,"2,312":889,"2,313":890,"2,314":891,"2,315":892,"2,316":893,"2,317":894,"2,318":895,"2,319":896,"2,320":897,"2,321":898,"2,322":899,"2,323":900,"2,324":901,"2,325":902,"2,326":903,"2,327":904,"2,328":905,"2,329":906,"2,330":907,"2,331":908,"2,332":909,"2,333":910,"2,334":911,"2,335":912,"2,336":913,"2,337":914,"2,338":915,"2,339":916,"2,340":917,"2,341":918,"2,342":919,"2,343":920,"2,344":921,"2,345":922,"2,346":923,"2,347":924,"2,348":925,"2,349":926,"2,350":927,"2,351":928,"2,352":929},"ٜ":{"1":[4,598],"2":[5,352]},"ٝ":["1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,117","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,377","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,11","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"6":[3],"12":[4],"14":[5],"18":[6],"19":[7],"23":[8,9],"25":[10],"27":[11],"29":[12],"31":[13],"33":[14],"37":[15],"41":[16],"43":[17],"44":[18],"45":[19],"47":[20],"48":[21],"50":[22],"55":[23],"63":[24],"71":[25],"74":[26],"77":[27],"86":[28,29,30],"88":[31],"89":[32],"90":[33],"91":[34],"92":[35],"93":[36,37],"94":[38],"95":[39],"96":[40,41],"97":[42],"98":[43,44],"100":[45,46],"101":[47],"102":[48],"103":[49],"110":[50],"111":[51],"112":[52,53],"113":[54,55],"115":[56,57],"116":[58],"118":[59,60],"120":[61,62],"122":[63],"123":[64,65],"124":[66,67],"126":[68],"127":[69],"129":[70],"131":[71],"132":[72],"133":[73],"136":[74],"137":[75],"138":[76],"139":[77],"140":[78,79],"141":[80,81],"143":[82,83],"148":[84],"149":[85],"154":[86],"155":[87,88],"157":[89],"159":[90,91],"162":[92],"163":[93],"164":[94],"166":[95],"167":[96],"168":[97],"169":[98,99],"170":[100],"171":[101,102],"172":[103],"174":[104],"178":[105,106],"179":[107],"180":[108,109],"183":[110,111],"184":[112],"185":[113],"186":[114],"187":[115],"189":[116,117],"190":[118],"192":[119],"199":[120],"200":[121],"203":[122],"204":[123],"205":[124],"213":[125],"215":[126],"216":[127],"217":[128],"219":[129,130],"221":[131,132],"222":[133,134],"223":[135,136],"224":[137],"225":[138],"227":[139],"228":[140],"230":[141],"232":[142],"234":[143],"235":[144],"236":[145],"237":[146],"239":[147],"240":[148],"242":[149],"246":[150,151],"249":[152,153],"251":[154,155],"252":[156,157],"254":[158],"257":[159,160],"261":[161,162],"262":[163,164,165,166,167,168],"263":[169,170],"265":[171],"266":[172],"267":[173,174],"268":[175],"269":[176],"270":[177],"271":[178],"272":[179,180],"273":[181],"276":[182],"277":[183],"282":[184,185,186],"283":[187,188],"284":[189],"285":[190],"290":[191],"291":[192,193,194],"292":[195],"293":[196,197],"295":[198,199],"298":[200],"302":[201,202],"309":[203,204],"310":[205],"316":[206,207,208,209],"319":[210],"320":[211],"321":[212],"322":[213],"323":[214],"324":[215],"326":[216,217],"329":[218],"330":[219,220],"334":[221],"335":[222],"336":[223],"338":[224],"339":[225],"343":[226,227],"347":[228],"349":[229],"350":[230],"352":[231],"354":[232],"356":[233,234],"359":[235],"360":[236,237],"362":[238],"363":[239],"364":[240],"367":[241],"368":[242],"369":[243],"370":[244],"373":[245,246],"374":[247],"378":[248],"380":[249,250],"383":[251],"384":[252],"385":[253],"388":[254],"390":[255],"392":[256,257],"393":[258],"394":[259],"395":[260],"396":[261],"403":[262],"405":[263],"407":[264],"409":[265,266],"415":[267],"416":[268,269],"417":[270],"418":[271],"421":[272],"423":[273],"429":[274],"430":[275],"432":[276,277],"434":[278],"435":[279,280],"437":[281],"438":[282],"440":[283],"442":[284],"445":[285],"446":[286],"453":[287],"455":[288],"456":[289],"457":[290],"458":[291],"463":[292,293],"465":[294],"466":[295],"475":[296,297],"477":[298,299],"478":[300],"480":[301],"481":[302],"482":[303],"484":[304],"486":[305,306,307],"490":[308,309],"493":[310],"494":[311],"496":[312],"498":[313],"502":[314],"505":[315],"507":[316],"513":[317],"519":[318,319,320],"521":[321],"522":[322],"523":[323,324],"525":[325],"530":[326],"534":[327],"537":[328,329],"540":[330],"544":[331],"545":[332],"546":[333],"547":[334],"551":[335],"552":[336],"553":[337,338],"554":[339],"555":[340,341],"556":[342],"557":[343],"559":[344],"561":[345],"562":[346],"563":[347,348],"564":[349],"566":[350,351],"567":[352],"568":[353],"571":[354],"572":[355,356],"575":[357,358],"576":[359],"578":[360],"579":[361],"581":[362,363],"583":[364],"584":[365],"585":[366],"587":[367,368],"592":[369],"593":[370,371],"595":[372,373],"597":[374,375],"602":[376],"604":[377],"605":[378,379],"606":[380],"608":[381],"609":[382,383,384],"610":[385],"611":[386],"612":[387],"613":[388],"615":[389],"618":[390],"619":[391],"622":[392,393],"624":[394],"626":[395],"627":[396,397],"628":[398],"629":[399],"630":[400,401,402],"631":[403,404,405],"632":[406],"634":[407],"635":[408],"636":[409],"637":[410,411],"645":[412],"647":[413],"649":[414],"650":[415],"652":[416,417],"654":[418,419],"659":[420],"662":[421],"665":[422],"667":[423],"669":[424],"671":[425,426],"673":[427],"674":[428],"675":[429],"676":[430],"677":[431],"678":[432,433],"680":[434],"683":[435],"685":[436],"687":[437],"689":[438],"692":[439,440],"693":[441],"694":[442],"696":[443,444],"698":[445],"701":[446,447],"703":[448],"705":[449],"707":[450],"711":[451],"712":[452],"713":[453,454],"714":[455],"717":[456],"719":[457],"720":[458],"722":[459],"732":[460,461],"733":[462],"734":[463,464],"735":[465,466],"736":[467],"737":[468],"738":[469],"739":[470,471,472],"743":[473],"745":[474,475],"749":[476],"755":[477],"760":[478],"763":[479],"766":[480],"767":[481],"769":[482],"771":[483,484],"773":[485,486],"774":[487],"777":[488],"781":[489],"782":[490],"783":[491],"784":[492,493],"791":[494],"796":[495,496],"797":[497],"798":[498],"799":[499],"800":[500],"802":[501],"804":[502],"806":[503],"811":[504],"814":[505],"817":[506],"819":[507],"821":[508],"822":[509],"823":[510],"824":[511],"829":[512],"831":[513],"832":[514],"834":[515],"835":[516],"836":[517],"838":[518,519],"840":[520],"842":[521],"843":[522,523,524],"845":[525],"846":[526],"849":[527],"850":[528],"852":[529],"854":[530],"855":[531],"857":[532],"859":[533],"863":[534],"865":[535],"866":[536],"869":[537],"870":[538],"872":[539],"873":[540],"875":[541],"876":[542],"877":[543],"880":[544,545],"884":[546,547,548],"885":[549],"886":[550],"887":[551],"888":[552],"889":[553],"890":[554,555],"891":[556,557],"892":[558],"893":[559],"894":[560,561],"896":[562],"902":[563,564],"903":[565,566],"904":[567],"905":[568],"907":[569],"908":[570],"910":[571,572],"911":[573],"912":[574,575],"914":[576],"915":[577],"920":[578],"924":[579]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"﷽\nنال المؤلف بهذا الكتاب درجة الدكتوراة بمرتبة الشرف الأولى مع التبادل مع الجامعات الأجنبية من كلية الحقوق بجامعة القاهرة وكانَ رئيسُ لجنة المُناقشةِ: العَلَّامَة الشيخ محمَّد أبو زهْرَة ﵀.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>الإهْدَاء</span>\nإلى الرائدة الأمينة على درب اليُتم الطويل .. والتي ما زالت تتابع الطريق، عطاءً ووفاءً .. ترجو بهما الله واليوم الآخر .. أُمي .. يرحمها الله (^١).\nإلى الرجل الذي عاش لا يخاف في الله لومة لائم حتى قضي في سبيل الهداية والحق، مثلًا رائعًا للعالم العامل المجاهد، ومربيًا ناصحًا لدينه ولأمته \"الشيخ إبراهيم الغلاييني\" … أستاذي.\n\nمحمد أديب الصالح\n_________\n(^١) توفيت غفر الله لها ورحمها رحمة واسعة في العاشر من ذي الحجة عام ١٤٠٣ هـ، ودفنت - بحمد الله - في البقيع. وأسأله تعالى أن يحشرها في زمرة المنعَم عليهم ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾.","vol":"1","page":5},{"text":"﷽\n\n• ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ\"﴾. . . [قرآن كريم]\n\n• «اللّهم فقِّههُ في الدّينَ وعلّمهُ التأويل». . . [من دعاء رسول الله لابن عبّاس]\n\n• «ليكنُ الذّي تعتمد عليهِ هذا الأثر، وَخُذ من الرأي ما يُفسر لكَ الحَديث». . . [عَبد الله بن المبارك]","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>مقدمة الطبعة الثالثة</span>\n﷽\nالحمد لله الذي له مقاليد السماوات والأرض، والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وقف الأمةَ على النهج السويِّ بقوله جلّ شأنه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وأصلي وأسلّم على إمام الهدى ومعلم الناس الخير، سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحابته، ومَن اهتدى بهديه واستنَّ بسنّته إلى يوم التناد.\nوَبَعْد، فعلى بركة الله أقدّم للقارئ الكريم الطبعة الثالثة من كتاب\n\"تفسير النصوص في الفقه الإسلامي\"\nبعد أن مضى على نفاد الطبعة الثانية عدد من السنوات، وحالت ظروف - كان لا حيلة في دفعها - دون إعادة الطبع.\nوإني إذ أشكر للإخوة الباحثين الذين شجّعوا على إخراج هذه الطبعة، وكانوا كرامًا على ساحة التقويم العلمي والثناء على العمل … أود الإشارة إلى أن مما حفزني إلى ذلك أيضًا، أن رواد المعرفة من الشباب الإسلامي - بصرف النظر عن التخصصات - بدأوا يتطلعون بجدية ووعي واضحين، إلى التعرف المبصر على مناهج علمائنا - رحمهم الله تعالى - في استنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنّة، والطرائق التي واجهوا بها تلك النصوص بوصفها قِوام الشريعة وينبوع الإسلام، وجاءت بلسان عربي مبين. ناهيك عن تبيُّن ما ترتب على ذلك من آثار فكرية عظيمة متسعة الجنبات.","vol":"1","page":7},{"text":"وما من ريب في أن تحقيق ذلك من شأنه أن يصحح المسار ويزيد الثقة بالمنهج المسلوك.\nولا يخفى أن التطلعات التي نومئ إليها، تصحبها الرغبة في أن يتحقق المراد بأسلوب ميسَّر قدر المستطاع، حيث الموضوعات الشائكة والبحوث الدقيقة التي يعوزها - أحيانًا - قدر لا بأس به من التذليل. والمأمول أن يسهم \"تفسير النصوص\" في تحقيق هذا المطلب بتوفيق الله تعالى.\nثم إن طلاب الدراسات العليا من مرحلتَي الماجستير والدكتوراه على ساحة هذا التخصص، قد صحب الكثيرُ منهم - كما علمت من عدد من الأساتذة والطلاب - هذا الكتابَ - والحمد لله - صحبة علمية ناجحة - سواء في أصل الاختيار لموضوع البحث، أو في جمع المادة العلمية، والاهتداء إلى المصادر، ثم تنسيق المعلومات وصياغتها بعد التمحيص والمقارنة والترجيح إن وُجدتْ بواعثُه. وذلك ما جعل توافر الكتاب بين أيدي الباحثين على هذا المستوى أمرًا نافعًا إن شاء الله.\nوإني لأسأل المولى تباركت أسماؤه - وعطاؤه هو العطاء - أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وأن يهب لي من لدنه مزيدًا من ستره وعونه وفضله، فلا ربَّ غيره ولا خير إلا خيره، له الحمد في الأولى والآخرة، وهو حسبي ونعم الوكيل.\n\nالرياض: ١ من شعبان ١٤٠٣ هـ\nمحمد أديب الصالح","vol":"1","page":8},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-3>المقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونصلي ونسلّم على نبينا محمد المبيِّن عن ربه كتابه، المبلغ عنه شريعته، وعلى آله وصحابته.\nوَبَعْد: فقد يكون من نافلة القول الحديث عن مكانة وأهمية تفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنّة؛ فإن إلى هذين الأصلين الكريمين مردَّ شريعة الإسلام في مصادرها الأولى؛ إذ إنهما الينبوعان الأساسيان لتلك المصادر التي هي طريق العلماء لاستنباط الأحكام.\nفالكتاب: وهو كليُّ الشريعة وأصل أصولها، كان سجلًا مباركًا تناول الأحكام - إلا قليلًا منها - بطريقة يزينها - في الغالب - طابع الإجمال.\nوتليه السنّة التي كانت ترجمان بيانه وتفصيله، وطريق الوصول إلى هدايته. وفي ذلك يخاطب الله من أولاء كرامة البيان: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. وكان البيان … وقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه: \"ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه .... \".\nومن هنا كان البحث في مناهج تفسير نصوص الكتاب والسنّة، والصلة بمسالك استنباط الأحكام عند الأئمة، جديرًا بمزيد من المعرفة، حريًا بكثير من الدقة والإدراك.","vol":"1","page":9},{"text":"ولقد وقفت أمتنا في الماضي على سبيل المعرفة - ويدها هي العليا - فأعطت لبني البشر عن طريق أئمتها الأعلام مناهج لتفسير النصوص، قائمةً على قواعد العربية، ومفهومات الشريعة في مقاصدها وأعرافها، فأوضحت معالم الطريق، وسلكت بالاستنباط أقوم السبل، وكان ذلك تحقيقًا لقول الله ﵎: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].\nوقد مرّت تلك المناهج في مراحل أدخلتها في الطور العلمي القائم على أُسس وقواعد، وذلك بعد أن كان التفسير مبنيًا على السليقة العربية، وفهم من نزل الكتاب بلسانهم في ظل البيان النبوي الحكيم.\nوهكذا كانت مناهج تفسير النصوص وقواعده عند أئمتنا الأولين: ثمرة جهود، ونتاج قرائح؛ فكانت الأساسَ الذي قام عليه البناء التشريعي، من حيث استخراجُ الأحكام من النصوص، ضمن إطار علمي من الضوابط، وفي ظل قواعد عامة تمنع الزلل، وتباعد عن الانحراف.\nولقد كان طبيعيًا - والعربية لسان شريعة الإسلام - أن توضع قواعد التفسير في ظل هذه الحقيقة. وهكذا وُضعت تلك القواعد بعد استقراء لأساليب العربية، وإدراك لطبيعتها في الخطاب، ومعرفة ما يمكن أن تؤديه الألفاظ والتراكيب من مدلولات، وإن كان للعرف الشرعي مكانه في التقديم، حين يدخل مدلول اللفظ العربي مع الشريعة في طور جديد.\nوقد حفلت المكتبة الفقهية الإسلامية بالكثير من الآثار في هذا الموضوع، غير أن طابعًا من التعقيد طبع كثيرًا من المؤلفات في أصول الفقه، الأمر الذي احتاجت هذه القضية الكبرى معه إلى كثير من البحث والتنقيب، بغية الوصول إلى خيرات تلك الكنوز الدفينة، وراء العبارة الغامضة والأسلوب الذي كثيرًا ما يستعصي على غير ذوي الاختصاص، وإن كان عذر أولئك المؤلفين؛ أنهم التزموا طرائق عصورهم التي عاشوا في ظلها، وتأثروا بأساليبها ومناهج التأليف فيها.\nومن هنا كان لا بد للانتفاع بهذه الثروة المباركة، من جهد دائب، في","vol":"1","page":10},{"text":"سبيل عرضها بأسلوب يجعلها قريبة المنال قدر المستطاع، ليمكن استخدامها في الطريق العملي، كما أراده لها الواضعون الأولون.\nوعلى ذلك: يبدو لزامًا على الباحث في تلك المناهج، إلى جانب صلته بالكتاب والسنّة والعربية، أن يكون على معرفة بالمفاتيح الأولى لمصطلحات أولئك الأئمة في التعبير والضوابط، كيما يتسنى له دخول حِمَىً فيه - على ما نعتقد - الخيرُ الكثير الوفير الذي يشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر ثروتنا الفقهية والتشريعية التي تميزت بها أمتنا عن سائر أمم الأرض.\nهذا: ولقد كانت تشدني إلى البحث في (تفسير النصوص)، رغبة في مغرفة طرائق الأئمة في الاستنباط، وكيفية تخريج الفروع الفقهية على أصولها التي تنتمي إليها، وهي رغبة آذنت منذ أيام الدراسة الجامعية في الأزهر وفي الحقوق في جامعة دمشق، حيث أضاءت يومئذ قبسًا في العقل والتفكير وبدأت - والحمد لله - تتفاعل مع النفس بدافع الاقتناع بها طريقًا لخدمة الإسلام، ثم كان من فَضل الله أن يسّر تعهدها ورعايتها بالاطلاع الدائب والمتابعة الواعية … وتوالت الأيام تمضي، وكان هذا البحث الذي أكرمني الله به موضوعًا لرسالة الدكتوراه، في كلية الحقوق - جامعة القاهرة، ولقد رأيتني، وأنا حفِيٌّ به، كَلِفٌ بِحَزْنِه وسهله، أعيش معه أيامًا غالية، أرجو أن تكون ظلالها على خطاي في متابعة الطريق .. طريق الإسلام الخالد الذي أيقظ الإنسانية من سبات، ولسوف تصحو على شريعته من جديد لترى فيها خير منقذ مما تعانيه من جاهلية وظلمات.\nوإذا كان لا بد من الإشارة إلى الأغراض التي يمكن أن يؤديها هذا الموضوع، فإنه يحقق أغراضًا كثيرة من أهمها:\nأولًا: الخروج من عهدة الامتثال لما جاء من الأمر بتدبُّر القرآن وتعقله ووعي السنّة والعمل بها، لتكون شريعة الله هي المحكَّمة؛ فلا يمكن أن يكون تدبر أو تعقل، ولا وعي أو عمل بتلك النصوص، إلا بفهمها والكشف عن معانيها؛ وذلك عن طريق التفسير.\nثانيًا: معرفة مسالك الأئمة في الاستنباط، والإحاطة بطرائق استخراجهم","vol":"1","page":11},{"text":"للأحكام من منابعها الأولى في عصور ما قبل التقليد، وهذا أمر ينير السبيل أمام الباحث، ليدرك كيف أن هذه الشريعة الغنية بأصولها وفروعها، كانت - وما تزال - قادرة على أن تُمِدَّ الإنسانية في ميدان الأنظمة والتشريع بما يضمن لها الخير، والقوة، والمنعة، والعدالة المطلقة.\nثالثًا: ولقد يكون من بديهيات القول، أن من الأغراض التي يؤديها الموضوع، إدراكَ جانب كبير من الاختلاف بين الأئمة - فيما اختلفوا فيه - كيف نشأ وإلى أي الموارد ينتمي؛ لأن من أسباب الاختلاف الحكمَ على النص عند التفسير.\nوبمعرفة الاختلاف وما يتصل به يسهل على الباحث الناطق بالضاد على الأقل قبل غيره، أن يَقْدُرَ الثروةَ الفقهية على اختلاف المذاهب فيها، حق قدرها، ويؤمن أن تشعُّب المذاهب في العصور الأولى من حضارتنا الفقهية لم يكن عبثًا، وإنما كان صورة لهذا البحر الزاخر من التشريع الذي وُلد - على غاية الكمال - وحيًا، ونما وترعرع - بالنسبة إلينا - بحثًا وفهمًا وتفريعًا، فكان شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.\nومما لا شك فيه: أن في معرفة مسالك الأئمة والاختلاف، تنميةً للملكة الفقهية الواعية عند الباحث، لما يرى من نماذج حية عند الفقهاء في القدرة على استخراج الأحكام ورد الفروع إلى أصولها، وكيف تختلف هذه الفروع باختلاف الضوابط والأصول؛ وذلك بعد التثبُّت من صحة النص إن كان من السنة.\nكما أن في ذلك ما يعطي القدرة على الدقة وضبط النفس، وعدم التسرع في حكم أو فتوى أو قضاء.\nومن هنا أقام الأولون العلم بالاختلاف، في موضع الإيضاح لمعالم الطريق.\nروى ابن عبد البر في كتابه \"جامع بيان العلم وفضله\" أن سعيد بن أبي عَروبة قال: مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالمًا.","vol":"1","page":12},{"text":"وروى عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالمًا باختلاف الناس؛ فإنه إن لم يكن كذلك، ردّ من العلم ما هو أوثقُ من الذي في يديه.\nرابعًا: فيما وراء بيان النبي ﷺ الذي هو من نصوص الأحكام، سواء في تقرير حكم قرآني أو بيان لمجمل الكتاب، أو إنشاء حكم جديد: لا بد من الإشارة إلى أن قواعد التفسير التي نحن بصدد الحديث عنها، ليست في موضع القداسة بحيث تحمل طابع الإلزام الديني.\nذلك أن هذه القواعد - كما أسلفنا - قامت على استقراء أساليب العربية، وإدراك المدلول الصحيح للخطاب في لسان العرب، وكذلك إدراك القواعد العامة للتشريع، فمن الممكن أن تكون طريقنا لفهم القانون وتفسيره، وعلى الأخص في بلادنا العربية التي أصبحت العربية فيها لغة القانون.\nوإذا كان عندنا - في البلاد العربية - دولة كالعراق ما تزال تستمد قانون الأحوال الشخصية من فقه الحنفية، فالبلاد العربية الأخرى - شأنَ بلدنا - تعتبر الشريعة الإسلامية بمذاهبها المتعددة الغامرة بالخير، مصدرًا لما يسمى بقانون الأحوال الشخصية، والقانون المدني ينتسب في كثير من أبوابه إلى أصولها.\nويمكن القول بلا تحفظ:\nإنه حتى القوانين التي كانت تنتمي إلى أصل أجنبي أصبحت الآن عربية، ويجب أن تفسر بناء على قواعد التفسير التي نمت وترعرعت في ظل بيان اللغة العربية.\nخصوصًا أن هذه القوانين تمثل واقع هذه الحقبة من حياة الأمة، وأنّ لغتها في خطاب المواطنين الذين يجب أن يفهموا القانون الذي يحكم تصرفاتهم: هي العربية. وإن كان هذا الواقع لا يعفي من تقرير أن واجب أمتنا الذي لا مندوحة عنه هو العودة الصحيحة إلى الشريعة لتكون هي الأصل في كل تقنين تريد.\nوتقرر الكثرة من علماء القانون اليوم: أنه حتى عند إبهام النص، لا ضرورة للعودة إلى النص الأجنبي، وإن كان البعض قد أجاز العودة في","vol":"1","page":13},{"text":"حالات نادرة من التعارض، ليكون ذلك طريقًا إلى ترجيح حكم على حكم.\nوفي ذلك يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري في معرض الحديث عن المادة ٢٩٣ عقوبات قديم في مصر والتي أصبحت ٣٣٦ من قانون العقوبات الجديد بعد أن يبين الرأيين في الموضوع ويوجه الرأي القائل بعدم العودة إلى النص الأجنبي: (على أنه يلاحظ أن مثل هذا الجدل إذا كان مما يسوغ التعرض له في ظل التقنينات القديمة التي وضعت أولًا باللغة الفرنسية، واعتبرت الترجمة العربية صيغة رسمية، فإنه لا يمكن أن تثور بالنسبة للتقنينات الجديدة، إذ لا شبهة في أن اللغة العربية هي الأصل، وعليها وحدها يكون المدار) (^١).\nولقد يبدو الأمر أكثر وضوحًا يوم نستأنف السير فتغدو الشريعة - كما أسلفنا - مصدرنا الأساسي في التقنين، ويكونَ حكمنا حكمًا بما أنزل الله.\nولا شكَّ أن الاستقلال التشريعي لأمة نهضت من عثار، وتحررت من سلطان الغاصبين، يجب أن يساوق الاستقلال السياسي، وإن أمتنا الغنية الثرية في هذا الميدان تفتقر إلى أمرين:\nالأول: الإيمان بذاتها وطاقاتها وأرضها الطيبة في شريعتها ولغتها.\nالثاني: أن تتولى هذه الثروةَ بعناية، وتعرضَها العرض الصحيح. وهذا لا يتنافى أبدًا مع الإفادة من تنظيم الآخرين، وما عندهم من نظريات كانت ثمرةَ الواقع الحضاري اليوم.\nوتبقى ثروتنا الفقهية، ومناهجها في التفسير: محط أنظار العالم، ونحن أجدر أن نستمسك بثروة نبتت في أرضنا، وجاءت دينًا بلغتنا، خصوصًا والعربية عندنا - كما سلف - أصبحت لغة القانون.\nوإني لأرجو أن يكون عملي في تفسير النصوص محاولة للإسهام في هذا الباب، والله المستعان.\n_________\n(^١) \"أصول القانون\" للسنهوري وأبو ستيت (ص ٢٤٢).","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>طريقة البحث:</span>\nوقد جريتُ في البحث على وضع القاعدة في موضعها من التطور التاريخي، حيث عملت على مراعاة التسلسل الزمني، فلا أعرض للرأي إلا حسب أسبقية وجوده زمنًا. وكنت أعود إلى اللغة وعرف الشريعة ومفهوم الصحابة والتابعين إذا أعوز الأمر، لإيضاح القاعدة ووضعها في إطارها من الضبط.\nأما من الناحية التطبيقية: فعندما يكون النص قرآنيًا: أعود لما ورد من تفسير له في كتاب أو سنة أو شيء من آثار السلف ثم أقوال المفسرين، وفي ضوء ذلك يكون الحكم على مقدار انطباق القاعدة على النص.\nوإذا كان النص واحدًا من نصوص السنّة: كان الأمر يقتضيني العناية بتخريج الحديث، وبيان ما قاله علماء الاختصاص فيه، ثم العودة إلى صنيعنا في النص القرآني، لنرى ما إذا كان هنالك ما يستعان به على تفسير الحديث: من كتاب أو سنّة أو أثر من آثار السلف، يظهر فيه استنباطهم للحكم كيف كان، كما يبدو فيه إلى أي حد يتفق أو يختلف ما سلكه المتأخرون بالنسبة لما سلكه المتقدمون.\nومسألة انطباق القاعدة على النص المراد استخراج الحكم منه: مسألة تَحُلُّ كثيرًا من العُقَد؛ لأنها توضح إلى أي حد استطاع أصحاب القاعدة، أن يلتزموا قاعدتهم عند الاستنباط، ورد الفرع إلى الأصل، وإيضاح النسبة بينهما؛ فقد تكون النسبة صحيحة، وقد لا تكون.\nعلى أن هذا لم يُعْفِ من الوقوف موقف البحث في الفرع الفقهي، مع النظر في نصوص الكتاب والسنّة وآثار السلف، ثم في كلام الفقهاء في الموضوع. ولقد حرصتُ على أن آخذ الأحكام من كتب أصحابها، لا من نقل أهل مذهب عن مذهب آخر.\nويجدر بنا أن نقرر: أن عرض القواعد، وتطبيقها على النصوص، كان من حيث الأصل على الطريقتين المعروفتين في أصول الفقه، وهما طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية، غير مهمل ما أرى في غيرهما، مع المقارنة دائمًا","vol":"1","page":15},{"text":"بين ما ذهب إليه العلماء في كل من الطريقتين المذكورتين، أو في داخل الطريقة نفسها، أو من خارج الاتجاه، والعناية بمواقف الظاهرية حين يلزم الأمر، مع بيان رأينا الخاص وترجيح ما نختاره بالدليل.\nأقول هذا غير ناسٍ أن الحديث عن مسالك الشيعة والزيدية والإباضية داخلٌ في إطار الحديث عن طريقة المتكلمين؛ على أني كنت أفرد كل فريق بالذكر حين أرى لزومًا لذلك.\nثم إني بعد ذلك كله لم أجد بدًا من استخدام التطبيقات القانونية، فجئت بأمثلة تطبيقية من القانون على كثير من القواعد، الأمر الذي يبين إمكان الإفادة من قواعد التفسير عندنا في فهم النصوص القانونية، كما أسلفت، ولقد عملت على المقارنة في عدد من المسائل التي جرى بحثها عند رجال القانون، كما في دلالة النص ونسبتها من القياس، والأخذ بمفهوم الموافقة بوجه عام، والأخذ بمفهوم المخالفة، حيث ينبني على هذه الضوابط العامة آثار كثيرة في التفريع.\nوإني إذ أقدّم هذا البحث المتواضع، لا أزعم لنفسي أنني أشفيت على الغاية، ولكنها محاولة إسهام في أمر أعتقد أنه بالغ الخطورة في كياننا الفقهي، وثروتنا التشريعية العظيمة، خصوصًا أن موضوع تفسير النصوص - إلى جانب أهميته الأصيلة في ذاته - كان ملتقى عدد من علوم الإسلام؛ من لغة، وتفسير، وأصول، وفقه، وحديث، ومصطلح، واختلاف، وغير ذلك، كالمنطق وما إليه، الأمر الذي يخدم هذا الركن من أركان التشريع، وهو الاستنباط من النص، عن طريق فهمه، والكشف عن معانيه ومدلولاته.\nولقد يبدو الأمر أكثر أهمية، إذا كنا على ذكر من أن مناهج تفسير النصوص التي يحتويها أصول الفقه، قد دخلت منذ زمن غير يسير طور الجمود على الشكل النظري في أذهان كثير من المؤلفين، وذلك ما باعدها عن السمة العملية التي هي طابعها الأصيل من قبل، ولعل الكشف اليوم عن خصائصها العظيمة، مع التطبيقات العملية، والعناية بربط الفروع والأحكام بالقواعد التي تنتمي إليها من الأصول، يساعد - بتعاون الباحثين - على أن تؤدي هذه المناهج دورها من جديد في عالم الفقه والقانون.","vol":"1","page":16},{"text":"هذا: وقد كان من توفيق الله إعداد الفهارس العلمية المنوّعة التي تلقي الضوء على ما زخرت به حواشي الكتاب، وتيسَّر الانتفاع بها، خصوصًا ما كان من الإحالات على المصادر، وإثبات الكثير من النصوص الموضحة للمراد والمؤيدة لأقوال أصحابها. ناهيك عن التوثيق والتخريج، وأني لم أدع أن أترجم لكل علم من الأعلام تدعو حاجة البحث لترجمته، وعلى كل؛ فصفحات الحواشي تفصح عن نفسها. علمًا بأنه كان من توفيق الله تعالى: أن التفاعل مع موضوع بحثنا \"تفسير النصوص\" حملني على تحقيق كتاب \"تخريج الفروع على الأصول\" للإمام الزنجاني وهو الكتاب الذي كان فريدًا في عصره، حيث وقعت على نسختين مخطوطتين له، مع عملي في الرسالة، وطبعته جامعة دمشق قبل مناقشة الرسالة بسنتين وذلك عام ١٩٦٢ م، ولله الحمد في الأولى والآخرة وعليه التكلان في كل حال.\n\n<span data-type='title' id=toc-5>خطة البحث:</span>\nوقد جعلت ما تضمنته الرسالة مشتملًا على: باب تمهيدي، وقسمين، وأربعة أبواب، وخاتمة؛ فكان الأمر كما يلي:\nالباب التمهيدي: نظرة الشريعة والقانون إلى التفسير.\nالفصل الأول: البيان عند الأصوليين.\nالفصل الثاني: ماهية تفسير النصوص.\nالفصل الثالث: نظرة عامة حول التفسير ومدارسه في القانون.\nالقسم الأول: قواعد التفسير في حالات وضوح الألفاظ وإبهامها ودلالتها على الأحكام:\nالباب الأول: الوضوح والإبهام في الألفاظ.\nالفصل الأول: الواضح وأنواعه.\nالمبحث الأول: منهج الحنفية في الواضح.\nالمبحث الثاني: منهج المتكلمين في الواضح.","vol":"1","page":17},{"text":"الفصل الثاني: المبهم وأنواعه.\nالمبحث الأول: منهج الحنفية في المبهم.\nالمبحث الثاني: منهج المتكلمين في المبهم.\nالفصل الثالث: التأويل.\nالمبحث الأول: تطور معنى التأويل ومجاله.\nالمبحث الثاني: شروط التأويل وأنواعه.\nالمبحث الثالث: من ثمرات الاختلاف في الحكم على التأويل.\nالمبحث الرابع: طريق الجادة في التأويل وموقف الظاهرية.\nالباب الثاني: طرق دلالة الألفاظ على الأحكام.\nالفصل الأول: منهج الحنفية في طرق الدلالات.\nالمبحث الأول: عبارة النص.\nالمبحث الثاني: إشارة النص.\nالمبحث الثالث: دلالة النص.\nالمبحث الرابع: دلالة الاقتضاء.\nالفصل الثاني: منهج المتكلمين في طرق الدلالات.\nالمبحث الأول: المنطوق والمفهوم.\nالمبحث الثاني: موقف العلماء من مفهوم الموافقة.\nالمبحث الثالث: موقف العلماء من مفهوم المخالفة بوجه عام.\nالمبحث الرابع: موقف العلماء من بعض أنواع مفهوم المخالفة.\nالمبحث الخامس: موقف علماء القانون من الأخذ بالمفهوم.\nالقسم الثاني: قواعد التفسير في حالات شمول الألفاظ في دلالتها على الأحكام وعدم شمولها.","vol":"1","page":18},{"text":"الباب الأول: دلالة الألفاظ على الأحكام في حالتي العموم والاشتراك.\nالفصل الأول: العام.\nالمبحث الأول: صيغ العموم\nالمبحث الثاني: تخصيص العام.\nالمبحث الثالث: دلالة العام.\nالفصل الثاني: المشترك.\nالمبحث الأول: ماهية المشترك وأسباب وجوده.\nالمبحث الثاني: دلالة المشترك.\nالباب الثاني: دلالة الألفاظ على الأحكام في حالة الخصوص (الخاص).\nالفصل الأول: ماهية الخاص ودلالته على الأحكام.\nالمبحث الأول: ماهية الخاص ونوع دلالته.\nالمبحث الثاني: من آثار قطعية الخاص عند التطبيق.\nالفصل الثاني: أنواع الخاص.\nالفرع الأول: المطلق والمقيد.\nالمبحث الأول: ماهية المطلق والمفيد وحكمهما.\nالمبحث الثاني: حمل المطلق على المقيد.\nالفرع الثاني: الأمر والنهي.\nالمبحث الأول: الأمر.\nالمبحث الثاني: النهي. الخاتمة.\nهذا: وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن مطبعة جامعة دمشق وذلك بين يدَي المناقشة والحكم.","vol":"1","page":19},{"text":"وها أنذا أقدّم الطبعة الثانية للقراء، لدواع، كان في مقدمتها: ما لمت من تقدير لجنة الحكم في جامعة القاهرة التي كانت برئاسة أستاذنا الكبير الشيخ محمد أبو زهرة، والتي قررت - مشكورة - ما يمكن أن يؤديه نشر هذا البحث من خير على صعيد الفكر الإسلامي بوجه عام، وعلى صعيد الشريعة والقانون بوجه خاص، يضاف إلى ذلك ما كان من إقبال على النسخ المعروضة من الكتاب في الأسواق، حيث استقبله كثير من الباحثين والمعنيين بهذه الشؤون برغبة وحرص كما كان له مكان فسيح في كثير من الجامعات والحمد لله. ولقد عملت على تنقيح الكتاب في الحدود التي تصل بين البحث والقارئ، وأضفت قدرًا من الزيادات التي لا بد منها عند إيضاح فكرة، أو توسع في الاستدلال أو تفريع على أصل. دعاني إلى ذلك رغبة المزيد من الاستيفاء، ثم التيسير والبيان قدر المستطاع لمن يريد معاناة موضوع قد يكون من أشق الموضوعات التي تضمها رحاب الشريعة التي أكرم الله أمتنا بأن تحملها للناس، طريقة هدًى وسعادة للفرد والجماعة، بل وللإنسانية جمعاء، وعلى تنوُّع الفهارس الميسَّرة في الطبعة الماضية، فقد زدتها في هذه الطبعة فهرسًا للأعلام يكون مفتاحًا لما يبتغيه القارئ في كثير من الأحيان.\nوإني لأسأل الله المبتدئَ لنا بنعمه قبل استحقاقها، المديمَها علينا، مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب من شكره، الجاعلَنا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهمًا في كتابه، ثم سنّة نبيه، قولًا وعملًا يؤدي به عنا حقه، ويوجب لنا نافلة مزيده (^١)، وأن يقيمنا على الطريقة الرائدة في خدمة شريعته، وله الحمد في الأولى والآخرة وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n* * *\n_________\n(^١) من كلام الإمام الشافعي في \"الرسالة\" (ص ١٩) بتحقيق العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>الباب التمهيدي نظرة الشّريعة والقانون إلى تفسير النّصوص</span>\nالبيان عند الأصوليين\nماهية تفسير النصوص\nحول التفسير ومدارسه في القانون","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>الفصل الأول البيان عند الأصوليين</span>\nباب البيان في الأصول - على تشعُّب مسالكه وتنوُّع مذاهب العلماء فيه - وثيق الصلة بمناهج تفسير النصوص، أصيل العلاقة بها، يهدي إلى ذلك ما يجده الباحث في معاني الألفاظ، وتحديد المصطلحات، من صادق النسب بين البيان والتفسير.\nلذا كان لزامًا أن يكون هذا الباب سبيلنا للكشف عن ماهية التفسير بالمعنى الذي نريد. ولسوف يعطينا ذلك مزيدًا من الوضوح في معالم استنباط الأحكام.\nوالبيان في اللغة: إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب، وأصله الكشف والظهور، فهو اسم لكل ما كشف عن معنى الكلام وأظهره (^١).\nقال أبو عثمان الجاحظ: (والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى وهتك الحجاب دون الضمير) (^٢).\nومنه قوله ﵊: \"إن من البيان لسحرًا\" (^٣) وهكذا يستعمل البيان لغة في الإظهار والظهور.\n_________\n(^١) راجع: \"النهاية\" و\"لسان العرب\" مادة (بين).\n(^٢) \"البيان والتبيين\" (١/ ٧٦).\n(^٣) الحديث بهذا اللفظ رواه مالك (الموطأ: ٧) وأحمد (٤٦٥١) والبخاري (٥٧٦٧) وأبو داود (٥٠٠٧) والترمذي (٢٠٢٨) عن ابن عمر ﵄، وهو عند أحمد (٣٠٢٦) وأبي داود (٥٠١١) عن ابن عباس بلفظ: \"إن من البيان لسحرًا\". وفي رواية للبخاري عن ابن عباس قال: جاء رجلان من الشرق فخطبا، فقال ﷺ: \"إن من البيان لسحرًا\". وفي لفظ لأبي داود عن أبي بن كعب قال: - جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فجعل يتكلم بكلام، فقال النبي ﷺ: \"إن من البيان لسحرًا وإن من الشعر حكمًا\". =","vol":"1","page":23},{"text":"ولم يبتعد الأصوليون عن المعنى اللغوي في تعريفهم للبيان، فهو عندهم (إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلًا عما تستَّر به).\nواعتبار البيان الإظهار دون الظهور، هو ما جرى عليه الإمام الشافعي وأكثر علماء الأصول من الحنفية، وعلى رأسهم فخر الإسلام البزدوي (^١) الذي قرر ذلك بقوله: (والمراد به - أي البيان - في هذا الباب عندنا الإظهار دون الظهور) (^٢).\nوقد عزا عبد العزيز البخاري (^٣) شارح \"أصول البزدوي\" القول بالظهور، إلى بعض الحنفية، وأكثر الشافعية، مبينًا أنهم جنحوا إلى ذلك بناء على أن الأصل في البيان لغةً: الظهور، حيث يقال: بأن لي هذا المعنى بيانًا - أي ظهر واتضح -، وبان الهلال: أي ظهر وانكشف.\nولقد يؤيد ما ذهب إليه الأولون من جعل المراد بالبيان عندهم الإظهار دون الظهور، أي أن أكثر استعماله جاء بمعنى الإظهار، فإن الرجل إذا قال: بيّن فلان كذا بيانًا، يفهم منه العربي أنه أظهره إظهارًا لم يبقَ معه شك،\n_________\n= وانظر: \"جامع الأصول في أحاديث الرسول\" لابن الأثير الجزري (٩٤١٨، ٣٢١٨، ٣٢١٩)، \"تخريج أحاديث البزدوي\" للقاسم بن قطلوبغا (ق ٣٤) مخطوطة دار الكتب المصرية، وهو الآن قيد الطبع بتحقيقنا، \"الجامع الصغير\" للسيوطي مع \"فيض القدير\" للمناوي (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، \"المقاصد الحسنة\" للسخاوي (ص ١٢٩)، \"كشف الخفا والإلباس\" للعجلوني (١/ ٢٥٣ - ٢٥٥).\n(^١) هو علي بن محمد، أبو الحسن فخر الإسلام البزدوي، من كبار الحنفية في الأصول والفقه والتفسير، كان من سكان سمرقند، ونسبته إلى قلعة بزدة. من تصانيفه: \"المبسوط\"، و\"كنز الأصول إلى معرفة الأصول\" ويعرف بـ \"أصول البزدوي\" و\"غناء الفقهاء\"، و\"شرح الجامع الصغير والكبير\" في الفقه، و\"تفسير القرآن\" توفي ﵀ في سنة ٤٨٢ هـ.\n(^٢) راجع: \"الرسالة\" للإمام الشافعي \"باب كيف البيان\" ص ٢١ فما بعدها تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر. \"أصول البزدوي\" (٣/ ٨٢٤) مع شرحه \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري.\n(^٣) هو عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري من كبار الحنفية في الأصول والفقه، من مصنفاته: \"كشف الأسرار\" في شرح أصول البزودي - وهو شرح متميَّز -، و\"غاية التحقيق\" شرح المنتخب الحسامي في الأصول للأخسيكثي، توفي سنة ٧٣٠ هـ.","vol":"1","page":24},{"text":"وإذا قيل: فلان ذو بيان، يراد منه الإظهار (^١).\nولقد كثر ورود البيان في التنزيل بمعنى الإظهار، كما يرى في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وقوله تباركت أسماؤه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٨، ١٩] أي إظهار معانيه وأحكامه وشرائعه إذا أشكل عليك يا محمد شيء من معانيه، أو إظهاره على لسانك بالوحي حتى تقرأه (^٢). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ٤] (^٣).\nوإن رسول الله ﷺ قلّده الله أمانة البيان لما أنزل إليه من كتاب فكان مأمورًا بأن يبين للناس ما ينزل إليه (^٤) ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].\nولم ينتقل الرسول صلوات الله عليه إلى الرفيق الأعلى، حتى أدّى أمانة البيان كما أمره مولاه وعهد إليه، ولو كان البيان بمعنى الظهور وهو العلم الواقع للمبيَّن له، لما كان رسول الله مؤديًا لتلك الأمانة (^٥).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٢٦)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٤٢٨)، \"مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول\" لمنلا خسرو (٢/ ١٢٢) مع حاشية الإزميري.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (٤/ ٥٢٩)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٤).\n(^٣) جاء في \"لسان العرب\" لابن منظور نقلًا عن الزجاج في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ قيل: إنه عنى بالإنسان هاهنا النبي ﷺ، ويجوز في اللغة أن يكون الإنسان اسمًا لجنس الناس جميعًا، ويكون على هذا ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ جعله مميزًا، حتى انفصل الإنسان ببيانه وتميزه من جميع الحيوان.\n(^٤) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص ٢١، ٢٩، ٣١)، \"أصول السرخسي\" (٢/ ٢٧)، \"جامع بيان العلم وفضله\" لابن عبد البر (٢/ ١٨٨ - ١٩٣).\n(^٥) قال شمس الأئمة السرخسي: (وقد كان رسول الله ﷺ مأمورًا بالبيان للناس … وقد علّمنا أنه بين للكل. ومَن وقع له العلم ببيانه أقر، ومَن لم يقع له أصر، ولو كان البيان عبارة عن العلم الواقع للمبين له لما كان هو - يعني رسول الله - متمِّمًا للبيان في حق الناس كلهم). انظر: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٢٧).","vol":"1","page":25},{"text":"ومن هنا قرر عبد العزيز البخاري في \"كشف الأسرار\": أن (مَن جعل البيان بمعنى الظهور دون الإظهار، يلزمه القول: بأن كثيرًا من الأحكام لا يجب على من لا يتأمل في النصوص، كما أنه لا يجب الإيمان على من لا يتأمل في الآيات الدالة، ما لم يتبين لهم ذلك، ومردُّ ذلك: أن الظهور عبارة عن العلم للمكلف بما أريد منه، ولم يحصل له ذلك، وهذا فاسد) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) راجع: (٣/ ٨٢٤ - ٨٢٥) وانظر: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٢٦ - ٢٧)، \"حاشية الإزميري على المرآة\" (٢/ ١٢٢).","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>أنواع البيان</span>\n<span data-type='title' id=toc-9>تمهيد:</span>\nبعد الذي مرّ من تعريف البيان في اللغة واصطلاح الأصوليين، يحسن أن نعلم أن لهذا البيان عند الأصوليين أنواعًا هي: بيان التقرير، بيان التغيير، بيان التبديل، بيان التفسير، ويضيف البعض: بيان الضرورة، ولكن الأمر يقتضينا من ناحية التاريخ والتطور: أن نعلم ما الذي كان قبل هذا التقسيم؟ وهذا ما يوجب الحديث عن البيان وأنواعه عند الإمام الشافعي ﵁، الذي كان أول من صنّف في هذا الموضوع. وسنكتفي باللمحة الموجزة، ونحن في طريقنا إلى التفصيل في الأنواع التي أشرنا إليها في مفتتح هذا الكلام.\n١ - لا يجد الباحث في رسالة الإمام الشافعي - التي هي فيما بلغنا أول مدونة في أصول الفقه وتفسير النصوص - وَضْعَ أسماء اصطلاحية معينة للبيان حسب الغرض الذي يؤديه، بأن يكون ذلك البيان للتقرير أو للتفسير … إلى غير ذلك من الأغراض التي يكون به أداؤها، وإنما يجد عرضًا مفصلًا لوجوه البيان في الشريعة حيث يكون بكتاب، أو بسنة أو باجتهاد … إلخ، فهي وجوه متعددة وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض، ومختلفًا عند من يجهل لسان العرب (^١).\nفقد عقد محمد بن إدريس الشافعي في \"رسالته\" بابًا تحت عنوان (كيف البيان) ذكر تحته خمسة أوجه للبيان: أجملَها ثم فصَّل القول في كل واحد منها على حِدة، وقد شفع كل وجه منها بالأمثلة والشواهد التي توضح ما\n_________\n(^١) انظر: \"الرسالة\" (ص ٢١).","vol":"1","page":27},{"text":"أراد. ولعل من الخير أن نعرض هذا الإجمال ونترك التفصيل لمن شاء الاستقصاء. قال الشافعي ﵀:\n(والبيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشعّبة الفروع. فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة: أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربة الاستواء عنده. وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض، ومختلفة عند من يجهل لسان العرب).\nثم كشف - رحمه الله تعالى - عن تلك الأوجه معدِّدًا لها بإجمال، وذلك قوله: (فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه، مما تعبدهم به، لما مضى من حكمه جلَّ ثناؤه: من وجوه:\nفمنها: ما أبانه لخلقه نصًا. مثل جمل فرائضه، أن عليهم صلاة وزكاة وحجًا وصومًا. وأنه حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونصَّ الزنى والخمر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبيّن لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بيّن نصًا.\nومنها: ما أحكم فرضه بكتابه، وبيّن كيف هو على لسان نبيه، مثلُ عدد الصلاة، والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه.\nومنها: ما سنَّ رسول الله ﷺ مما ليس فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله، والانتهاء إلى حكمه؛ فمن قَبِل عن رسول الله فبفرض الله قَبِل.\nومنها: ما فرض الله على خلقه الاجتهادَ في طلبه، وابتلى طاعته في غيره مما فرض عليهم (^١). فإنه يقول ﵎: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١].\nوبعد أن أورد الشافعي شواهد أخرى للاجتهاد (^٢) عاد - كما أسلفنا - على كل وجه من أوجه البيان المذكورة بمزيد من الشرح والإيضاح (^٣).\n_________\n(^١) \"الرسالة\" (ص ٢١ - ٢٣).\n(^٢) راجع: \"الرسالة\" (ص ٢٣ - ٢٥).\n(^٣) انظر ذلك في \"الرسالة\": (ص ٢٦ - ٥٣).","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>بعد رسالة الشافعي:</span>\n٢ - ولقد امتدت يد الاستقراء والتوسع في ميدان الاصطلاحات إلى مباحث البيان في تفسير النصوص، فرأينا الأصوليين - فيما بعد رسالة الشافعي - يقسمون البيان من حيث الوظيفة التي يمكن أن يؤديها من تقرير أو تفسير، أو تغيير أو تبديل … إلخ إلى أربعة أقسام، وأوصلها بعضهم إلى الخمسة (^١).\nفالقاضي أبو زيد الدبوسي (^٢): يقسم البيان إلى أربعة أقسام هي:\nبيان التقرير.\nوبيان التفسير.\nوبيان التغيير، وهو الاستثناء.\nوبيان التبديل - وهو التعليق - بالشرط (^٣).\nوأوصلها شمس الأئمة السرخسي (^٤) - إلى خمسة - حيث اتفق مع أبي زيد الدبوسي في الأربعة المذكورة، وضمّ إليها خامسًا وهو:\n_________\n(^١) انظر: \"تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع\" للدبوسي (ص ٤٢٩) مخطوطة دار الكتب المصرية، وطبع فيما بعد. \"أصول البزدوي\" (٣/ ٤٢٨) فما بعدها مع \"كشف الأسرار\".\n(^٢) هو عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي. أبو زيد، أحد القضاة السبعة في عصره.\nومن أجلّ كبار الحنفية من الفقهاء. وإليه انتهت مشيخة بخارى وسمرقند وما والاهما، وكان يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من وضع علم الخلاف. والديوسي نسبة إلى دبوسية قرية بين بخاري وسمرقند من أعمال الصغد من ما وراء النهر. وأجل تصانيفه: كتاب \"الأسرار في الأصول والفروع\"، و\"تقويم الأدلة\" في الأصول، و\"تأسيس النظر\" في الخلاف، وله \"خزانة الهدى\"، و\"نظم الفتاوى\". توفي سنة ٤٣٠ هـ.\n(^٣) راجع: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ٤٢٩) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٤) هو محمد بن أحمد بن سهل، أبو بكر شمس الأئمة من كبار قضاة الحنفية، يقال: إنه وصل إلى رتبة الاجتهاد. من أهل (سرخس) في خراسان. من أهم مصنفاته: \"المبسوط\" في الفقه، شرح \"الكافي\" للحاكم الشهيد وهو ثلاثون جزءًا أملاها وهو سجين بالجب في أوزجند (بفرغانه) وكان سبب سجنه صدعه بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله \"شرح الجامع الكبير للإمام محمد\" أيضًا، و\"شرح السير الكبير\" للإمام محمد أيضًا، و\"شرح مختصر الطحاوي\" و\"الأصول\" في أصول الفقه. توفي سنة ٤٨٣ هـ.","vol":"1","page":29},{"text":"بيان الضرورة (^١).\nأما البزدوي الذي تابعه الأكثرون فيما بعد: فقد عدّها خمسة هي:\nبيان التقرير.\nبيان التفسير.\nوبيان التغيير، وهو على نوعين: الاستثناء، والتعليق.\nوبيان الضرورة.\nوبيان التبديل، وهو: النسخ (^٢).\nوهكذا نرى أن ما اعتبره الدبوسي، والسرخسي: بيان تغيير، وبيان تبديل، هو عند البزدوي والأكثرين: بيان تبديل.\nوأن الدبوسي لم يذكر: بيان الضرورة.\nفاشترك السرخسي مع الدبوسي في جعل بيان التغيير هو: الاستثناء، وبيان التبديل هو: التعليق، وعدم اعتبار النسخ نوعًا من أنواع البيان.\nواختلف عنه بأنه اعتبر بيان الضرورة؛ مع أن أبا زيد لم يأتِ على ذكره. فكانت أقسام البيان أربعة عند الدبوسي، وخمسة عند شمس الأئمة.\nوقد اتفق السرخسي مع البزدوي ومن تابعه بأنها خمسة: منها بيان الضرورة، إلا أنه اختلف معه في عدم اعتبار النسخ: بيان تبديل.\nوستعرض فيما يأتي لكل واحد من الأقسام الخمسة، لنرى مع أيُّها يلتقي ما نريده من \"تفسير النصوص\".\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٢٦ - ٥٣).\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" (٣/ ٨٢٤ - ٨٢٥ - ٨٣٧)، مع شرحه \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>١ - بيان التقرير:</span>\nهذ أول وجه من أوجه البيان الخمسة التي اعتمدها البزدوي والأكثرون من بعده، كما مرّ وهي:\nبيان التقرير، بيان التفسير، بيان التغيير، وبيان التبديل - وهو النسخ - وبيان الضرورة.\nويرى في هذه الأوجه أنها تنوعت حسب الوظيفة التي يؤديها كل واحد منها كما أسلفنا، فما كان وظيفته التقرير سمي: بيان التقرير. وما أدى غرض التفسير سمي: بيان التفسير، وهكذا … وذلك فيما عدا بيان الضرورة الذي سمّاه الآخرون باسم سببه كذلك؛ لأنه بيان بسبب الضرورة.\nومن هنا قرر العلماء: أن إضافة البيان إلى التقرير، والتغيير، والتبديل، هي من قبيل إضافة الجنس إلى نوعه، كما في قولنا: علم الفقه، وعلم الطب … إلخ، أي بيانٌ، هو تقرير، وكذا في الباقي.\nأما إضافة البيان إلى الضرورة في قولهم: بيان ضرورة، فذلك من قبيل إضافة الشيء إلى سببه، أي بيانٌ يحصل بالضرورة (^١).\nوبيان التقرير: هو تأكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز، إن كان المراد بالكلام المؤكَّد حقيقتَه، أو بما يقطع احتمال الخصوص؛ إن كان المؤكَّد عامًا (^٢).\nفمن الأول - وهو ما يقطع احتمال المجاز - لفظ: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ من\n_________\n(^١) انظر: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري، شرح \"أصول البزدوي\" (٣/ ٨٢٦).\n(^٢) قال البزدوي: (أما بيان التقرير: فتفسيره أن كل حقيقة تحتمل المجاز، أو عام يحتمل الخصوص، إذ ألحق به ما يقطع الاحتمال: فهو بيان تقرير) وقال السرخسي: (فأما بيان التقرير: فهو في الحقيقة التي تحتمل المجاز والعام والذي يحتمل الخصوص). انظر: \"أصول البزدوي\" (٣/ ٨٢٥ - ٨٢٦) \"أصول السرخسي\" (٢/ ٢٨) هذا: ويلاحظ أن في ذكرنا للحقيقة التي تحتمل المجاز، والعام الذي يحتمل الخصوص، احترازًا عما لا يدخل في حيز واحد من هذين الاحتمالين من مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فإنه لا يحتمل المجاز ولا يحتمل الخصوص.","vol":"1","page":31},{"text":"قوله جلّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nفإن (الطائر) في الآية يحتمل أن يستعمل في حقيقته استعمالًا مجازيًا، ذلك أن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر، فيقال للبريد: طائر، مجازًا لأنه يسرع في مشيه، كما يقال: فلان يطير بهمته؛ وتقول للرجل: طِر في حاجتي، أي أسرع. فيكون قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ تقريرًا لموجَب الحقيقة، وقطعًا لاحتمال المجاز، فالمراد بالطائر حقيقة: الطائر المعروف، وقد قطع احتمال المجاز؛ فكان بيان تقرير (^١).\nومن الثاني: وهو ما يقطع احتمال الخصوص: لفظ: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ٣٠].\nفإن لفظ: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ لفظ عام يشمل جميع الملائكة، ويحتمل الخصوص؛ بأن يكون المراد بعضهم، فقطع هذا الاحتمال قوله جلّ وعلا: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ فكان ذلك بيانًا قاطعًا للاحتمال؛ وذلك أيضًا بيان التقرير (^٢).\nوقد ذكروا أن من بيان التقرير في مسائل الفقه: أن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق، ثم يقول: عنيت به الطلاق من النكاح، أي رفع قيد النكاح، وقد علل ذلك عبد العزيز البخاري بقوله: (لأن الطلاق - وإن كان رفع القيد في الأصل - غير مختص بالنكاح، لكنه صار مختصًا به في الشرع والعرف، فصار الطلاق برفع النكاح حقيقةً شرعيةً وعرفيةً. واحتمل رفع كل قيد باعتبار أصل الوضع. ولهذا لو نوى صدَقَ ديانة لا قضاء، فكان ذلك بمنزلة المجاز لهذه الحقيقة، فيقوله: (عنيت به الطلاق من النكاح، قرر مقتضى الكلام، وقطع احتمال المجاز) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٢٨)، \"أصول البزدوي\" مع شرحه \"كشف الأسرار\" (٢/ ٨٢٧)، \"تفسير القرطبي\" (٦/ ٤١٩).\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع شرحه لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٧)، \"أصول السرخسي\"، (٢/ ٢٨)، \"المنار للنسفي\" مع شرحه لابن ملك (٢/ ٦٨٨ - ٦٨٩).\n(^٣) انظر: \"كشف الأسرار\" (٣/ ٨٢٧).","vol":"1","page":32},{"text":"وهكذا يكون بيان التقرير، كما يلاحظ في المثالين السابقين، قاطعًا للاحتمال، مقررًا للحكم على ما اقتضاء الظاهر، وذلك أوضح مراتب البيان (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>٢ - بيان التغيير:</span>\nأما بيان التغيير: فهو كما يتضح من اسمه:\n(البيان الذي فيه تغيير لموجب اللفظ من المعنى الظاهر إلى غيره).\nقال منلا خسرو: (وحقيقته بيان أن الحكم لا يتناول بعض ما يتناوله لفظه، فوجب أن يتوقف أول الكلام على آخره حتى يصير المجموع كلامًا واحدًا، لئلا يلزم التناقض) (^٢).\nوذلك: كالتعليق بالشرط المؤخر في الذكر، كما في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار.\nوكالاستثناء، وذلك كما في قوله: لفلان عليّ ألف إلا مائة.\nفلولا الشرط في قوله: إن دخلت الدار، لوقع الطلاق في الحال.\nولولا الاستثناء في قوله: إلا مائة، بعد ذكر الألف، لكان الواجب عليه ألفًا.\nفبالإتيان بالشرط: صار الطلاق معلقًا، وبذكر الاستثناء: تغير وجوب المائة في ذمته، بعد أن كان الكلام يقتضي وجوب الألف.\nوقد قرر العلماء: أن تسمية التعليق، والاستثناء، ونحوهما، بيانًا: مجازٌ، لأن الشرط في قوله: إن دخلت الدار، يبطل كون الكلام إيقاعًا، ويصيِّره يمينًا. والاستثناء في قوله: ألف إلا مائة: يبطل الكلام في حق المائة.\n_________\n(^١) راجع: \"تسهيل الوصول إلى علم الأصول\" للشيخ محمد المحلاوي (ص ١١٨).\n(^٢) \"المرآة مع المرقاة\" لمنلا خسرو (٢/ ١٢٦).","vol":"1","page":33},{"text":"إلا أن في التعليق يبطل الكلام كله، وفي الاستثناء يبطل بعضه.\nفالإبطال لا يكون بيانًا حقيقة، لكنه مجاز من حيث إنه يبين أن الرجل يحلف ولا يطلق في التعليق، وأن عليه تسعمائة لا ألفًا في الاستثناء (^١).\nوهكذا نرى أن هذا البيان هو في الحقيقة إبطال، لذلك كانت تسميته: بيانًا مجازًا.\nهذا: ومثل الاستثناء والشرط: بدلُ البعض، نحو أكرم الرجالَ العلماءَ منهم، فإنه بيان تغيير، إذ بقوله: أكرم الرجال، يدخل العلماء وغيرهم، وبقوله: العلماء منهم، يخرج غير العلماء؛ فهو بيان تغيير (^٢).\nوكذلك الصفة: نحو أكرم بني تميم الطوال. والغاية: نحو أكرم الفقراء إلى أن يدخلوا، فيخرج الداخلون.\nويبدو أن الذين يذكرون هذه القيود، من استثناء، وشرط وغيرهما، على أنها من المغيِّرات، يذكرونها لا على سبيل الحصر، وإنما لاطراد التغيير بها، إذ قد يكون التغيير بغيرها، كما في العطف بعض الأحيان (^٣).\nعلى أن أبا زيد الدبوسي وشمس الأئمة السرخسي قد جعلا - كما أسلفنا - بيان التغيير منحصرًا بالاستثناء، واعتبرا التعليق بالشرط، بيان تبديل (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"المرآة مع المرقاة\" (٢/ ١٢٧).\n(^٢) وقد مثّل بعضهم لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فخرج غير المستطيع. انظر: \"مرقاة الوصول شرح مرآة الأصول\" لمنلا خرو (٢/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٣) قال صاحب \"المرآة\": (واعلم أن هذه الأشياء إنما تُعد من بيان التغيير، لاطراد تغييرها وإلا فلا حصر فيها، لوجود مغير غيرها كالعطف مثلًا، فإنه قد يكون مغيرًا كما إذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار، وعبدي حر إن كلمت فلانًا إن شاء الله تعالى، فإن عطف الشرطية الثانية على الأولى بعدما لحقها الاستثناء مغيّر لحكم الشرطية الأولى في حق الإبطال) \"المرآة مع المرقاة\" (٢/ ١٢٧).\n(^٤) انظر ما سلف (ص ٢٩ - ٣٠)","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>٣ - بيان التبديل:</span>\nومن أوجُه البيان عند العلماء: بيان التبديل، وهو: النسخ؛ وذلك أن يرد دليل شرعي متراخيًا عن دليل شرعي مقتضيًا خلاف حكمه؛ ولذلك عرفه الكثيرون بأنه: (بيان انتهاء حكم شرعي بدليل شرعي متراخ عنه) (^١).\nوقد يطلق النسخ على فعل الشارع، وإليه ذهب من قال: (هو رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر).\nوإنما جعل النسخ من أوجه البيان، لأنه بيان انتهاء مدة الحكم (^٢).\nوقد كان فيما أسلفنا من القول، أن من العلماء كالقاضي أبي زيد الدبوسي، وشمس الأئمة السرخسي: مَن يعتبر أن التعليق بالشرط، هو بيان التبديل، ولا يعدُّ النسخ من البيان.\nولقد انبنى هذا القول على أن النسخ رفع للحكم، لا إظهار للحكم، فحدُّ النسخ غير حدِّ البيان، نظرًا إلى أن النسخ - وإن كان بيان انتهاء مدة الحكم - لكن ذلك كائن في حق صاحب الشرع، فأما في حق العباد، فهو: رفع الحكم الثابت، وتبديله بحكم آخر، على ما كان معلومًا عندهم لو لم\n_________\n(^١) وجاء في \"معاني القرآن\" للقراء (١/ ٦٤): النسخ أن يعمل بالآية، ثم تنزل الأخرى ويعمل بها، وتترك الأولى. \"الكشاف\" للزمخشري (٢/ ٤٩٤)، \"المنهاج\" للقاضي البيضاوي مع شرحه لجمال الدين الإسنوي (٢/ ٢٣) بهامش التقرير والتحبير، \"المرآة مع المرقاة\" (٢/ ١٦٨)، \"مصادر التشريع الإسلامي\" (ص ١١٣) للمؤلف.\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٦)، \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٣) فما بعدها، \"التوضيح\" لصدر الشريعة مع \"التلويح\" للتفتازاني (٢/ ١٧)، \"التحرير\" للكمال بن الهمام مع \"التقرير والتحبير\" لابن أمير الحاج (٣/ ٤١)، \"منهاج الوصول\" للبيضاوي مع \"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٢٣) فما بعدها بهامش التقرير والتحبير. \"مرقاة الوصول\" شرح مرآة الأصول مع حاشية الإزميري (٢/ ١٢٦ - ١٢٨، ١٦٨). وانظر لبعض ثمرات الاختلاف في تحديد معنى النسخ: \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني بتحقيق المؤلف (ص ١٠).","vol":"1","page":35},{"text":"ينزل الناسخ، قالوا: وذلك بمنزلة القتل، فهو انتهاء الأجل في حق صاحب الشرع، وقطع الحياة في حق العباد، حتى أوجب القصاص والدية (^١).\nوقد أجاب القائلون بأن النسخ بيان تبديل: بأنه بيان على كل حال، فقد سمّي بيان تبديل، لأن وجهَ كل من البيان والتبديل قد ثبت فيه. أما البيان فلكون النسخ - كما مر - بيانًا لانتهاء مدة الحكم عند الله، وأما التبديل فلكونه رفعًا وإبطالًا بالنسبة إلينا (^٢).\nهذا: وللعلماء مباحث مستفيضة في النسخ، تتناول - إلى جانب تعريفه وماذا يراد به - جواز وقوعه، ومحله، وشرطه، وطرائف معرفة وقوعه، كما تتناول الناسخ والمنسوخ من حيث نسخ الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، والكتاب بالسنة، على ساحة الأحكام، والسنة بالكتاب، إلى غير ذلك من متعلقاته وما يرتبط به. يرى ذلك في مواطنه من كتب الأصول والتفسير (^٣).\n_________\n(^١) قال شمس الأئمة السرخسي: (ثم هو - يعني النسخ - في حق الشارع: بيان محض، فإن الله تعالى عالم بحقائق الأمور لا يعرب عنه مثقال ذرة، ثم إطلاق الأمر بشيء يوهمنا بقاء ذلك على التأبيد من غير أن تقطع القول به في زمن من ينزل عليه الوحي، فكان النسخ بيانًا لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع، وتبديلًا لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا، على ما كان معلومًا عندنا لو لم ينزل الناسخ؛ بمنزلة القتل؛ فإنه انتهاء الأجل في حق مَن هو عالم بعواقب الأمور، لأن المقتول ميت بأجله بلا شبهة، ولكن في حق القاتل جُعل جنابة، على معنى أنه يعتبر في حقه حتى يستوجب به القصاص، وإن كان ذلك موتًا بالأجل المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف: ٣٤] \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٤). وانظر: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ٤٢٩) فما بعدها مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٢) انظر: \"المرآة على المرقاة\" لمنلا خسرو مع حاشية الإزميري (٢/ ١٢٦ - ١٢٧، ١٦٨) هذا وقد جعل التفتازاني الأمر مرتبطًا بتحديد المراد من البيان في الاصطلاح؛ قال ﵀: (ولا يخفى أنه إن أريد بالبيان مجرد إظهار المقصود: فالنسخ بيان، كذا غيره من النصوص الواردة لبيان الأحكام ابتداء. وإن أريد إظهار ما هو المراد من كلام سابق: فليس بيانًا). انظر: \"التلويح\" للتفتازاني على \"التوضيح\" لصدر الشريعة (٢/ ١٧).\n(^٣) راجع: \"مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط\" للمؤلف (ص ١١٢) فما بعدها.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>٤ - بيان الضرورة:</span>\nأما بيان الضرورة: فيعنون به البيان بسبب الضرورة والإضافة فيه - كما سلف - هي نوع من إضافة الشيء إلى سببه. وهو كما قال شمس الأئمة السرخسي: (نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الأصل) (^١) فهو نوع توضيح بما لم يوضع للتوضيح (^٢)؛ لأن الموضوع للبيان في الأصل هو النطق، وهذا ما لم يقع البيان به، بل بالسكوت عنه لأجل الضرورة. ومن هنا اعتبر العلماء أن البيان وقع بسبب هذه الضرورة، بما لم يوضع له البيان (^٣).\nوعلى هذا: لم يعتبره القاضي أبو زيد الدبوسي من أوجه البيان - كما سلف - فكانت هذه الأوجه عند غيره خمسة، وعنده أربعة، والسرخسي اختلف معه في هذه، فاعتبر بيان الضرورة، وإن اتفق معه في شأن بيان التغيير، وعدم اعتبار النسخ وجهًا من وجوه البيان (^٤).\nوبيان الضرورة عند القائلين به على أربعة أنواع (^٥):\nالنوع الأول: ما يكون في حكم المنطوق، وذلك بأن يدل النطق على حكم المسكوت عنه، لكونه لازمًا لملزوم مذكور.\nوقد مثّلوا له بقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبْوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١].\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٠)، وانظر: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٦٧).\n(^٢) راجع: \"المرآة والمرقاة\" لمنلا خسرو (٣/ ١٦٦) مع حاشية الإزميري، \"المنار\" للنسفي وشرحه لابن ملك (٢/ ٧٠٧) مع حاشيتَي الرهاوي وعزمي زداه.\n(^٣) راجع: \"تسهيل الوصول\" للمحلاوي (ص ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٤) راجع: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ٤٢٩) فما بعدها، مخطوطة دار الكتب المصرية؛ \"أصول السرخسي\" (٢/ ٣٥ - ٥٠).\n(^٥) أجمل السرخسي هذه الأنواع بقوله: (وهو على أربعة أوجه: منه ما ينزل منزلة المنصوص عليه في البيان، ومنه ما يكون بيانًا بدلالة حال المتكلم، ومنه ما يكون بيانًا بضرورة دفع الغرور، ومنه ما يكون بيانًا بدلالة الكلام) \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٠).","vol":"1","page":37},{"text":"فإن قوله جلَّ وعلا: ﴿وَوَرِثَهُ أَبْوَاهُ﴾ في صدر الكلام، أوجب الشركة في الميراث من غير بيان نصيب كل من الأبوين.\nوتخصيص الأم بالثلث في قوله: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ صار بيانًا لاستحقاق الأب للباقي من التركة وهو الثلثان؛ إذ إن صدر الكلام مسوق لبيان نصيب كل من الأب والأم (^١).\nوبذلك صار نصيب الأب، كالمنصوص عليه عند ذكر الأم، كأنه قيل: فلأمه الثلث ولأبيه ما بقي؛ لأن إثبات الشركة - كما قالوا - على وجه الاختصاص بالشركتين، وتعيين نصيب أحدهما: تعيينٌ لنصيب الآخر بالضرورة (^٢).\nوهكذا لم يحصل البيان بمجرد ترك التنصيص على نصيب الأب، بل بدلالة صدر الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ إذ صار نصيب الأب لذلك، كالمنصوص عليه (^٣).\nالنوع الثاني: البيان بدلالة حال الساكت الذي وظيفته البيان، أو من شأنه التكلم في الحادثة؛ بسبب سكوته عند الحاجة إلى البيان (^٤). لأن البيان\n_________\n(^١) انظر: \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\" الطبري (٨/ ٣٨) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٩٨)، \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٠)، \"شرح السراجية\" للسيد الجرجاني (١٤ - ١٥).\n(^٢) انظر: \"حاشية الرهاوي\" على شرح ابن ملك لمنار النسفي (٢/ ٧٠٤).\n(^٣) \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٠) وقد ذكر البزدوي والسرخسي بعض النظائر لذلك في مسائل الفقه. قال شمس الأئمة: (وعلى هذا قال أصحابنا في المضاربة: إذا بيّن رب المال حصة المضارب من الربح، ولم يبين حصة نفسه: جاز العقد قياسًا واستحسانًا، لأن المضارب هو الذي يستحق بالشرط؛ وإنما الحاجة إلى بيان نصيبه خاصة، وقد وجد. ولو بيّن نصيب نفسه من الربح، ولم يبين نصيب المضارب: جاز العقد استحسانًا، لأن مقتضى المضاربة الشركة بينهما الربح، فبيان نصيب أحدهما يصير نصيب الآخر معلومًا، ويجعل ذلك كالمنطوق به فكأنه قال: ولك ما بقي .... وكذلك لو قال في وصيته: أوصيت لفلان وفلان بألف درهم؛ لفلان منها أربعمائة، فإن ذلك بيان أن للآخر ستمائة بمنزلة ما لو نصّ عليه). انظر: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٠)، \"أصول البزدوي\" (٣/ ٨٦٧).\n(^٤) راجع: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٠)، \"التوضيح\" لصدر الشريعة، و\"التلويح\" للتفتازاني (٢/ ٣٦ - ٤٠)، \"تسهيل الوصول\" للمحلاوي (ص ١٢٧).","vol":"1","page":38},{"text":"واجب عند الحاجة إليه، وذلك كسكوت صاحب الشرع صلوات الله عليه عن أمر يعاينه، من قول أو فعل، عن التغيير؛ كالذي شاهد من بياعات ومعاملات كان الناس يتعاملونها فيما بينهم، ومآكل ومشارب وملابس كانوا يستديمون مباشرتها، فأقرهم عليها، ولم ينكرها عليهم. فسكوته ﵊، وهو الموحى إليه بيان الشريعة، دلّ أن جميعها مباح في الشرع، إذ لا يجوز من النبي ﷺ أن يقر الناس على منكر محظور؛ ضرورة أن الشارع لا يسكت عن تغيير الباطل، وأن الله تعالى وصف نبيه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في قوله جلّ ذكره: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الأعراف: ١٥٧) فكان سكوته بيانًا، يدل على أن ما أقرهم عليه داخل في المعروف، خارج عن المنكر (^١).\nومن هذا البيان: سكوت الصحابة على أمر يفتي به عالم منهم، أو قضاء يقضي به مسؤول، فقد جُعل سكونهم بيانًا، لسلامة الفتوى التي صدرت من ذلك الصحابي، أو ذلك القضاء الذي صدر عمّن قضى به، وأن الأمر لم يخرج عن دائرة الشرع؛ لأن الواجب عليهم البيان بصفة الكمال، فسكوتهم بعد وجوب البيان: بيان.\nوقد ذكر علماء الحنفية مثالًا لذلك: سكوتهم - عليهم الرضوان - عن تقويم منفعة البدل في ولد المغرور، وهو الذي يطأ امرأة معتمدًا على ملك يمين، أو نكاح، على ظن أنها حرة، فتلد منه ثم تستحق. وقد قضى عمرُ في واقعة كهذه بالجارية لمولاها، وقضى على أبي الأولاد أن يفدي أولاده: الغلام بالغلام، والجارية بالجارية، من حيث القيمة، وسكت عن تقويم منافع الأمة المستحقة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فكان سكوته دليلًا على أن قيمة المنافع غير مضمونة، لأن الموضع موضع حاجة إلى البيان (^٢).\nومنه أيضًا: سكوت البكر في النكاح، إذا بلغها نكاح الولي؛ فقد جُعل\n_________\n(^١) انظر: \"كشف الأسرار\" على أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٦٨).\n(^٢) \"أصول البزدوي\" (٣/ ٨٦٩ - ٨٧٠) مع \"كشف الأسرار\"، \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٠ - ٥١).","vol":"1","page":39},{"text":"سكوتها بيانًا للرضا؛ وذلك لأجل الحياء الذي يمنعها من إظهار الرغبة في الرجال، وما دامت تستحيي من إظهار هذه الرغبة: اعتبر سكوتها إجازة بدلالة حالها (^١).\nالنوع الثالث: دلالة السكوت الذي جُعل بيانًا لضرورة دفع وقوع الناس في الغرر. وقد مثّلوا له: بسكوت المولى إذا رأى عبده يبيع ويشتري؛ فإن سكوته عن النهي يُجعل - كما يقول السرخسي - إذنًا له في التجارة، لضرورة دفع الغرور عن أولئك الذين يعاملون العبد؛ فإن الناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة مع عبده، وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين من المولى، ويستدلون بسكوته على رضاه، وهكذا جُعل سكوته كالتصريح بالإذن، لضرورة دفع الغرور.\nومن هذا النوع عند البزدوي والسرخسي ومن تبعهما: سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع، فإن هذا السكوت من الشفيع في مثل هذه الحال: يُجعل بمنزلة إسقاط الشفعة، وإنما جعل كذلك، لضرورة دفع الغرر عن المشتري (^٢).\nالنوع الرابع: ما يثبت ضرورة اختصار الكلام.\nومثاله عند الحنفية: ما إذا قال: لفلان عليّ مائة ودرهم، أو مائة ودينار، فإن ذلك بيان أن المعطوف وهو الدرهم أو الدينار من جنس المعطوف عليه وهو المائة؛ فيكون لفظ درهم، أو دينار، تفسيرًا لـ (مائة) في قوله: مائة درهم، أو مائة دينار؛ إذ كل من الدرهم والدينار بيّن بنفسه. ومثل البيِّن بنفسه: المقدرات الشرعية، كالمكيل والموزون؛ كأن يقول: لفلان عليّ مائة وقفيز حنطة، أو مائة وقنطار زيت؛ فإن كلًا من القفيز\n_________\n(^١) ولقد جعلوا من أمثلة هذا البيان أيضًا نكول المدعى عليه، وهو امتناعه عن الحلف بعد توجه اليمين عليه، فهذا النكول بيان لحال الناكل، وهي امتناعه عن أداء ما لزمه مع القدرة عليه. \"أصول البزدوي\" (٣/ ٨٦٩ - ٨٧٠)، \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٠ - ٥١)، \"التلويح\" على التوضيح (٢/ ٤٠).\n(^٢) \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (٣/ ٨٧٢)، \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥١)، \"المنار\" للنسفي مع \"شرحه\" لابن ملك و\"حاشيتَي الرهاوي وعزمي زاده\" (٢/ ٧٠٦).","vol":"1","page":40},{"text":"والقنطار يكون بيانًا للمائة التي عطف عليها (^١).\nهذا ما ذهب إليه الحنفية، وخالف في ذلك الشافعية؛ فلم يعتبروا المعطوف بيانًا للمعطوف عليه في كلٍّ من الحالتين السابقتين؛ لأن العطف يقتضي المغايرة؛ فالمائة مبهمة والعطف لم يوضع للتفسير، فيعود تفسير هذا المبهم للمبهِم نفسه وهكذا يُلزَم المقِرُّ بالمعطوف، ويكون القول قولَه في المعطوف عليه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>٥ - بيان التفسير:</span>\nأما بيان التفسير: فهو عند العلماء: (بيان ما فيه خفاء) (^٣) وقد مثّلوا لما فيه خفاء بـ (المشترك، والمجمل، والمشكل والخفي (^٤) ....).\nعلى أن فخر الإسلام البزدوي، وشمس الأئمة السرخسي قد اقتصرا\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٥٢)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٧٣)، \"المنار\" للنسفي وشرحه لابن ملك مع حاشية الرهاوي (٢/ ٧٠٦ - ٧٠٧)، \"الشامل\" شرح أصول البزدوي. مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٢) انظر: \"المهذب للشيرازي\" (٢/ ٣٤٩) فقد حكم الشيرازي بالخطأ على قول أبي ثور - فيمن قال: له علي ألف درهم -: إن الجميع تكون دراهم، وقرر أنه يلزمه درهم، ويرجع في تفسير الألف إلى المقر قال: (لأن العطف لا يقتضي أن يكون المعطوف من جنس المعطوف عليه لأنه قد يعطف الشيء على غير جنسه كما يعطف على جنسه). هذا ومن أهم ما أجاب به الحنفية عما ذهب إليه الشافعية: أن ما جعلوه بيانًا قد جرى مجرى العادة؛ فإن الناس اعتادوا حذف التفسير من المعطوف عليه في العدد، إذا كان المعطوف مفسرًا بنفسه، كما اعتادوا حذف التفسير طلبًا للإيجاز عند طول الكلام فيما يكثر استعماله، وذلك عند كثرة الوجوب بكثرة أسبابه وهذا فيما يثبت في الذمة في عامة المعاملات كالمكيل والموزون. انظر: \"السرخسي\" (٢/ ٥٢ - ٥٣) ابن ملك على \"المنار\" (٢/ ٧٠٧).\n(^٣) راجع: \"كشف الأسرار\" على \"أصول البزدوي\" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٧)، \"حاشية الرهاوي على شرح ملَك على المنار\" (١/ ١٨٩).\n(^٤) المشترك - كما سيأتي - هو اللفظ الذي وُضع لمعنيين مختلفين أو معاني مختلفة بأوضاع متعددة. والمجمل: هو الذي خفي من ذاته خفاء لا يدرك إلا ببيان من المجمل نفسه. وهذا عند الحنفية، ويرى الشافعية وغيرهم: أن من المجمل ما يمكن أن يكون بيانه من طريق المجتهد بالبحث والاجتهاد. أما المشكل: فهو اللفظ الذي خفي من ذاته خفاء يمكن زواله بالاجتهاد. وأما الخفي: فهو اللفظ الظاهر فيما وضع له، ولكن عرض له الخفاء عند التطبيق، فخفاؤه ليس من ذاته ولكن بعارض. وانظر ما يأتي في مباحث الواضح والمبهم من الألفاظ، وبحث المشترك.","vol":"1","page":41},{"text":"على ذكر المشترك والمجمل. حتى إذا جاء المتأخرون، أوضحوا أن الاقتصار على ذكر المشترك والمجمل، لم يكن للحصر، وإنما كان تسامحًا عند التمثيل؛ فعرّف عبد العزيز البخاري هذا النوع من البيان بقوله: (هو بيان ما فيه خفاء من المشترك والمجمل ونحوهما) (^١). وبعد أن مثّل صاحب \"مرآة الأصول\" بأكثر من المجمل والمشترك قال: (وإن تخصيص المشايخ المشترك والمجمل بالذكر تسامح) (^٢).\nوهكذا: قد يكون سبب الغموض والخفاء في النص: وجود لفظ فيه مشترك بين معنيين أو أكثر - كما سيأتي - ولم يعلم عن الشارع تعيين الواحد في المعنيين، أو المعاني التي وضع لها اللفظ. يبدو ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (البقرة: ٢٣٧).\nفـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ مشترك بين الزوج والولي .. وقد اختلفت أنظار العلماء في المراد منه في الآية الكريمة، وكانوا في ذلك على مذاهب عند تفسير النص كما سيأتي.\nكما يبدو في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فلفظ (القرء) مشترك بين الحيض والطهر في أصل الوضع، وقد استعملته العرب في كليهما. ومن هنا اختلفت أنظار العلماء أيضًا في تحديد المراد منه في النص عند تفسيره (^٣).\nوقد يكون سبب الخفاء: الإجمال في اللفظ؛ كما إذا استعمل الشارع لفظًا في معنًى شرعي أراده، ولكنه أجمله ولم يفصِّله، مع أن للَّفظ معنًى خاصًّا به في الأصل.\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٧) مع \"أصول البزدوي\".\nوانظر: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٢٨ - ٢٩) \"المنار\" للنسفي مع شرحه لابن ملك وحواشيه لابن الحلبي وعزمي زاده والرهاوي (٢/ ٦٨٩).\n(^٢) انظر: \"المرآة\" (٢/ ١٢٥).\n(^٣) راجع تفصيل مسألتي ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ و(القروء) فيما يأتي من مباحث: \"المشكل والمشترك\"، وانظر: \"أصول الفقه\" للأستاذ الشيخ زكريا البرديسي (ص ٣٩٢).","vol":"1","page":42},{"text":"وذلك كما يُرى في ألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج، والربا؛ فحين وردت هذه الألفاظ في نصوص الكتاب: لم يُرَدْ بها معانيها اللغوية، وإنما أريد بها معانٍ شرعيةٍ جاءت بمجيء الشريعة الجديدة، ولكن آيات الكتاب أجملت هذه الألفاظ ولم تبينها، وقد تكفلت السنن القولية والعملية ببيان هذا الإجمال وتفصيله، ليكون في مقدور المكلف أن يخرج من عهدة الامتثال لأوامر الشريعة، والاجتناب لنواهيها.\nوقد يكون سبب الخفاء في النص: أن يكون فيه لفظ مشكل بأن يكون اللفظ مشتركًا كما أسلفنا، أو يكون فيه غرابة تدعو إلى ضرورة التفسير كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] ولفظ (هَلُوع) لفظ غريب فكان لا بد من إزالة هذه الغرابة، ليزول الغموض والخفاء؛ والذي فسره وقرب معناه قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾.\nوقد يرد الخفاء عند التطبيق؛ كأن يكون في النص لفظ ظاهر فيما وضع له، ولكن التبس الأمر عند التطبيق على بعض الأفراد؛ لوجود وصف زائد في الفرد الجديد، أو نقصٍ فيه، أو لأي سبب من أسباب الالتباس، حيث يحتاج عند التطبيق إلى نظر، وتأمُّل، واستعانة بأمر خارج عن الصيغة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. حيث اشتبه الأمر عند تطبيق (السارق) على مرتكب جريمة فيها وصفُ زيادة أو نقص على السرقة؛ كالنبَّاش والطرَّار. ومن هنا يُرى أن الخفاء يمكن أن يكون من ذات اللفظ؛ كما في (المجمل، والمشكل) ويمكن أن يكون لعارض كما في (الخفي) (^١).\nوهكذا يكون بيان الخفاء في وظيفة (بيان التفسير) شاملًا لما قد يكون من عمل الشارع؛ كما في (المجمل)، ولما قد يكون من عمل المجتهد كما في (المشكل، والخفي).\nهذا: ومما اختلف فيه عند العلماء (التخصيص) الذي هو: قصر العام على بعض أفراده:\n_________\n(^١) انظر فيما يأتي: مباحث \"الواضح والمبهم من الألفاظ\" عند الحنفية والمتكلمين.","vol":"1","page":43},{"text":"فذهب الشافعية إلى أنه بيان تفسير.\nوذهب الحنفية إلى أنه بيان تغيير.\nومرد هذا الاختلاف: الحكم على دلالة العام على أفراده التي يشملها قبل التخصيص؛ هل هي دلالة قطعية، أو ظنية؟ فهي دلالة ظنية عند الشافعية - كما سيأتي في حينه - وقطعية عند الحنفية.\nوبناء على ذلك: كان التخصيص: بيانَ تفسير عند الشافعية؛ لأنه يفسر موجَب العام، ويوضح أنه يوجب الحكم في بعض الأفراد التي يشملها العام فقط.\nوكان بيانَ تغيير عند الحنفية؛ لأن التخصيص ينزل بدلالة العام من القطعية إلى الظنية، إذ إن من المتفق عليه: أن العام بعد التخصيص، يصبح ظنيَّ الدلالة (^١).\nهذا: وقد عدّ البزدوي والسرخسي وغيرهما من (بيان التفسير) في مسائل الفقه: قول الرجل لامرأته: أنت بائن، أو أنت عليّ حرام، أو غير ذلك من الكنايات ثم قوله: عنيت به الطلاق، فإن قوله: (عنيت به الطلاق) يكون بيان تفسير، ذلك لأن البينونة والحرمة مشتركة محتملة المعاني؛ فإذا قال: عنيت بهذا الكلام الطلاقَ، فقد رفع الإبهام، فكان بيان تفسير، ثم بعد التفسير يجب العمل بأصل الكلام فتقع البينونة والحرمة.\nومن بيان التفسير أيضًا ما إذا قال: لفلان عليّ ألف درهم - وفي البلد نقود مختلفة - كان (مشكلًا) لدخول المبلغ المقر به في أشكاله من النقود، فإذا قال: عنيت به نقد كذا: زال الإشكال، وصار هذا الكلام تفسيرًا له. قال السرخسي: (وسائر الكنايات في الطلاق والعناق على هذا أيضًا) (^٢).\n_________\n(^١) راجع فيما يأتي: \"مباحث العام ودلالته ومخصصاته\" عند العلماء، وانظر: \"مرآة الأصول على المرقاة\" لمنلا خسرو وحاشية الإزميري (٢/ ١٢٦).\n(^٢) انظر: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٢٨)، \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٧)، \"المرقاة\" مع \"المرآة\" لمنلا خسرو مع حاشية الإزميري (٢/ ١٢٦).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>النصوص المرادة في البحث</span>\nأما النصوص التي نريدها بقولنا: \"تفسير النصوص\"، فهي نصوص الأحكام من الكتاب والسنة (^١).\nوالكتاب: \"هو اللفظ العربي المعجز المنزل وحيًا على محمد صلوات الله وسلامه عليه، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب في المصاحف، المتعبَّد بتلاوته\".\nأما السنة فهي: ما أُثر عن رسول الله ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير. ويلتقي الكتاب والسنة بأن كلًا منهما وحي من عند الله تعالى، ولكن الكتاب وحي متلو، والسنة وحي غير متلو، والقرآن متواتر فهو قطعي الثبوت، والسنة قليلها متواتر، وأكثرها أخبار آحاد، لذا كانت ظنيَّة الثبوت بجملتها. ولا تستدعي الظنية عدم القبول، كما قد يتوهم البعض في عصرنا ولكنها في مقابل القطعية بالتواتر من الناحية الاصطلاحية.\nوالحديث الصحيح - ولو كان خبر آحاد - يوجب العلم قطعًا، ويرى كثير من الأئمة: الشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم: أنه يوجب العمل والعلم جميعًا.\nعلى أن لفظ \"الظن\" من المشترك وقد جاء في القرآن غير مرة بمعنى\n_________\n(^١) ولا علاقة لنا بمرحلة ثبوت النص؛ فالقرآن متواتر، والحكم على النص من السنّة منوط بعلوم الحديث ومصطلحه، حيث وضع علماؤنا - بمزيد من المعرفة والأمانة - أدق الضوابط وأحكمها لمعرفة الحديث المقبول والحديث المردود، والذي يعنينا في موضوعنا: إنما هو فقه النص، من حيث مناهج الاستنباط وطرائقه.","vol":"1","page":45},{"text":"اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: ٢٠].\nوعلى هذا: فنصوص الكتاب والسنة في تفسير النصوص واستنباط الأحكام: تلتقي في نقطة الاستنباط وتفترق في أن النص لا بد أن يكون على مستوى الاستنباط؛ فالقرآن الكريم مفروغ من قطعية ثبوته.\nأما نصوص السنة: فلا بد من معرفة حكم العلماء الأفذاذ ﵏ عليها بالقبول أو الرد وقد حصل ذلك - بحمد الله - على أكمل وجه، ولله الفضل والمنة.\nومن الخير أن نقرر أنه لا بد أن تكون نصوص السنة من ناحية الصحة، على مستوى الصلاحية لأن تؤخذ منها الأحكام.\nوإذا كنا نعني بالنصوص: نصوص الكتاب والسنة: فلان مرد سائر الأدلة الشرعية إليها: فالكتاب والسنّة هما أساس التشريع وقوام أحكام الإسلام. وما عداهما من الأدلة مستنبط منهما ومآله إليهما. علمًا بأن المقبول في مجال الأحكام من الأحاديث: هو الحديث الصحيح، والحديث الحسن.\nوالحديث الصحيح: \"هو الحديث الذي اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة\".\nأما الحديث الحسن: فهو أدنى درجة من الصحيح وهو عند العلماء على نوعين:\nأولهما: الحسن لذاته وهو: \"ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط ضبطًا غير تام إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة\".\nالثاني: الحسن لغيره وهو: \"الحديث الذي لا يخلو سنده من راوٍ مستورٍ ولكن ضعفه ليس بكثرة الخطأ أو اتصافه بمفسق كتهمة الكذب، أو أن يروي الحديث شيخ الراوي المستور، أو من فوقه بلفظه أو بمعناه\".\nوقد تضافرت جهود العلماء على تأكيد مقام الكتاب والسنّة من شريعة الإسلام، ووجوب التزام الأوامر فيهما واجتناب المناهي.","vol":"1","page":46},{"text":"قال ابن حزم في شأن القرآن: (ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هو عهدُ الله إلينا والذي ألزمَنا الإقرار به، والعمل بما فيه، وصحّ ينقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه: أن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف، المشهور في الآفاق كلها: وجب الانقياد لما فيه، فكان هو الأصلَ المرجوع إليه، لأننا وجدنا فيه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فما في القرآن من أمر ونهي: فواجبٌ الوقوف عنده) (^١).\nوقال في شأن السنّة: (لما بيّنّا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع: نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ ووجدناه ﷿ يقول فيه واصفًا لرسوله ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣] (^٢). فصحّ لنا بذلك أن الوحي من الله ﷿ إلى رسوله ﷺ على قسمين:\nأحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفًا معجز النظم - وهو القرآن -.\nوالثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظم ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ، وهو المبين عن الله ﷿ مراده منا، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\nثم قال أبو محمد: (ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول - الذي هو القرآن - ولا فرق (^٣)، فقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-17>مظان البحث في نصوص الأحكام:</span>\nهذا: ويرى المتتبع لنصوص الكتاب والسنّة، التي هي آيات الأحكام وأحاديث الأحكام فيما نحن بصدده من البحث، أن مظان النصوص في\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" (١/ ٩٥).\n(^٢) \"الإحكام في أصول الأحكام\" (١/ ٩٥ - ٩٦).\n(^٣) \"الإحكام في أصول الأحكام\" (١/ ٩٦ - ٩٧).","vol":"1","page":47},{"text":"ثروتنا التشريعية من ناحية التأليف، كانت في عدة ميادين؛ فآيات الأحكام مظانها كما يلي:\nأولًا: كتب التفسير؛ كتفسير ابن جرير الطبري وهو \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\"، و\"الكشاف\" للزمخشري، وتفسير القرطبي وهو \"الجامع لأحكام القرآن\".\nثانيًا: كتب السنة فقد درج الأئمة عند تصنيف هذه الكتب على إفراد باب خاص للتفسير، إلا ما كان من أمر المسانيد؛ فإن العلاقة مرتبطة بالمروي عنه، وليس من تقسيم للموضوعات، حتى يكون للتفسير باب خاص به.\nثالثًا: كتب الأصول وكتب الفقه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-18>كتب أحكام القرآن:</span>\nعلى أن كثيرًا من العلماء قد عنوا عناية خاصة بآيات الأحكام - وقد قدّرها الغزالي وابن العربي بخمسمائة آية - وكانوا في ذلك فريقين:\n١ - فريق أتى بها مع غيرها، وأفردها بالعناية والتوجيه الفقهي عند استنباط الأحكام، كما نرى في \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي.\n٢ - فريق أفردها بالتفسير فيما سمي بـ \"أحكام القرآن\"، وقد ذكر حاجي خليفة في \"كشف الظنون\" عددًا من هذه المؤلفات، منها:\n\"أحكام القرآن\" للشافعي وهو أول من صنف فيه.\n\"أحكام القرآن\" لأبي الحسن علي بن حجر المتوفى سنة ٢٨٢.\n\"أحكام القرآن\" لأبي الحسن علي بن موسى القمي الحنفي المتوفى سنة ٣٠٥.\n\"أحكام القرآن\" لأبي جعفر الطحاوي الحنفي المتوفى سنة ٣٢١.","vol":"1","page":48},{"text":"\"أحكام القرآن\" للقاسم بن أصبع القرطبي المتوفى سنة ٣٤٠.\nوقد أوصل العدد إلى ثلاثة عشر مؤلفًا. وكان فيما ذكره إضافة إلى ما قدّمنا ما هو مطبوع متداول معروف كـ \"أحكام القرآن\" لأبي بكر الجصاص الحنفي المتوفى سنة ٣٧٠.\nو\"أحكام القرآن\" لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ وقد جمعه من كلام الشافعي ﵀.\nو\"أحكام القرآن\" للقاضي محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المالكي المتوفى سنة ٥٤٣ وهو تفسير خمسمائة آية متعلقة بأحكام المكلفين.\nو\"أحكام القرآن\" لأبي الحسن المعروف بالكيا الهراسي الطبري البغدادي الشافعي المتوفى سنة ٥٠٤ هـ. وهو مخطوط (^١).\nقلت: ثم طبع محققًا على غير ما يرتضيه الباحثون المدققون. وقد حالت بيني وبين إخراجه من قبل ظروف، أستعين الله على تذليلها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-19>مظان أحاديث الأحكام:</span>\nأما مظان أحاديث الأحكام فهي:\n١ - كتب المسانيد، والصحاح، والسنن والآثار .. كما في \"موطأ مالك\"، و\"مسند أحمد\"، والكتب السنة، و\"سنن الدارقطني\"، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي وغيرها .. والتعداد هنا ليس على سبيل الحصر.\n٢ - كتب التفسير، لأن السنة بيان للقرآن.\n٣ - ثم كتب الأحكام من أصول الفقه، وفقه، وكل ما يمُتُّ إلى ذلك بصلة.\n_________\n(^١) يعمل المؤلف في تحقيق هذا الكتاب، ثم صدر محققًا في مصر تحقيقًا لم يرض عنه أهل العلم والتحقيق.","vol":"1","page":49},{"text":"والذي يلاحظ أن كتب السنن والآثار قد رتبت على حسب الأبواب من الفقه وغيره؛ فأحاديث الأحكام يجدها الباحث منشورة في أبواب الفقه، وأول من بدأ ذلك الإمام البخاري ﵀، الذي أبدع أيما إبداع في عقد الصلة بين الحديث أو جزء منه، وبين العنوان الذي يضعه، له حتى عُدَّ وضعه للعناوين على الأحاديث أو جزء منها: دلالة على فقهه ﵀ لأنه يكرر الحديث أو يقطِّعه حسبما يؤخذ منه من الأحكام، ولذلك فقد يذكره في أكثر من مناسبة، وكثيرًا ما يأتي بآية من القرآن عنوانًا لمجموعة من الأحاديث ترتبط مع هذه الآية بنوعية الحكم.\nوالحافظ ابن حجر العسقلاني الذي شرح \"صحيح البخاري\" بكتابه المشهور \"فتح الباري\" أفرد للحديث عن كتاب \"الصحيح\" وصاحبه، وعن منهجه في شرح الكتاب جزءًا خاصًّا اعتبره مقدمة للفتح.\nوكان مما قاله عن البخاري في هذه المقدمة: (ثم رأى - يعني البخاري - ألّا يخليه - أي الصحيح - من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام. فانتزع منها الدلالات البديعة وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة، قال الشيخ محيي الدين - يعني الإمام النووي - نفع الله به: (ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى: أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر فيه على قوله فيه خلاف عن النبي ﷺ أو نحو ذلك. وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقًا، وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا) (^١).\nوعندما تحدّث ابن حجر عن ضابط تراجم الأحاديث عند البخاري: بيّن أنه قد يأتي في الترجمة بلفظ المترجم له، أو بعضه، أو بمعناه، وأوضح أن ذلك قد يكون في الغالب ناشئًا عن احتمال لفظ الترجمة لأكثر من معنًى\n_________\n(^١) انظر: مقدمة \"فتح الباري\" للحافظ ابن حجر (ص ٦).","vol":"1","page":50},{"text":"واحد، فيعين البخاري أحد الاحتمالين بما يذكر تحتها من الحديث، وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك؛ بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة.\nوقد قرّر صاحب \"الفتح\" أن (الترجمة هنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه مثلًا: المراد بهذا الحديث العام: الخصوص، أو بهذا الحديث الخاص: العموم. . . أو أن ذلك الخاص: مراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في الخاص والعام، وكذا في شرح المشكل وتفسير الغامض، وتأويل الظاهر وتفصيل المجمل).\nثم قال الحافظ ﵀: (وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-20>كتب أحاديث الأحكام:</span>\nعلى أن بعض العلماء لم يعفوا أنفسهم من إفراد أحاديث الأحكام بمؤلفات خاصة كما نرى في \"شرح معاني الآثار\" لأبي جعفر الطحاوي، و\"معالم السنن\" للخطابي الذي اختار مجموعة كبرى من أحاديث الأحكام من \"سنن أبي داود\" وشرحها و\"منتقى الأخبار\" للمجد بن تيمية الذي شرحه الشوكاني بكتابه المشهور \"نيل الأوطار\" و\"بلوغ المرام\" لابن حجر العسقلاني حيث شرحه الصنعاني بكتابه \"سبل السلام\" و\"الإلمام\" لابن قدامة الذي شرحه ابن دقيق العيد في كتابه \"الإحكام\".\n* * *\n_________\n(^١) انظر: مقدمة \"الفتح الباري\" للحافظ ابن حجر (ص ١١).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>الفصل الثاني ماهية تفسير النصوص</span>\nويهمنا الآن: أن نحدد طبيعة العلاقة - التي أشرنا إليها من قبل - بين البيان، وبين ما نريده من (تفسير النصوص).\nولئن كنا نعني بالنصوص - كما تقدم - نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة (^١) - أعني المقبولة عند أهل الجرح والتعديل -.\nإننا نعني بالتفسير: (بيان معاني الألفاظ، ودلالتها على الأحكام للعمل بالنص على وضع يُفهم من النص).\nفإذا وضحَ ذلك، علمنا أن ما يرتبط من أوجه البيان السالفة الذكر بما نريد: إنما هو (بيان التفسير).\nفبيان الضرورة لا دخل له جوهريًا فيما نحن فيه، إذ إن دلالته قائمة على الضرورة، حيث اعتبر السكوت بيانًا من أجلها مع أن الأصل في البيان النطق، فليس في بيان الضرورة نص يراد تفسيره، وإن كان لا غنًى للمفسر عن الإحاطة بمدلول السكوت في واقعة ما، للاستعانة على تفسير نص مرتبط بها.\nوالأوجه الثلاثة الباقية من بيان التقرير، والتغيير، والتبديل - عند من يعد التبديل من البيان - كلُّها واقعة من قبل الشارع، وليست من عمل المجتهد الذي يقتصر عمله على البحث عن وجودها؛ فلا علاقة لها بإزالة خفاء، أو إيضاح إبهام من قبله، إلا ما يكون من معرفة وجودها وثبوتها خصوصًا (النسخ).\nأما بيان التفسير: وهو: بيان ما فيه خفاء، فينطوي تحته - كما سبق -\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ٤٥).","vol":"1","page":53},{"text":"بيان الشارع للمجمل، وبيان المجتهد لبقية أحوال الخفاء؛ فالمجال متسع للكشف عن المعاني وإظهارها وتبينها.\nوإذا كان لا بد لمن يقوم بتفسير النص: من معرفة ما وقع لهذا النص من أوجه البيان؛ فإن العلاقة المباشرة كائنة ببيان التفسير، والتفسيرُ بالمعنى الذي أردناه: مرتبط تمام الارتباط بإزالة الغموض إن وجد. فمن وظيفة المفسِّر أن يعمل بالبحث والاجتهاد على إزالة الغموض. ولقد يكون من عمله: إدراك ما إذا كان هنالك بيان من الشارع لما يريد تفسيره، أو نسخ له مثلًا، وما إذا كان هنالك تعارض ظاهري مع نص آخر. وعند ذلك يكون عمله: فيما وراء الساحة، التي صدر فيها عن الشارع بيان.\nعلى أن ما نراه من هذا الارتباط ببيان التفسير: لا ينفي أن التفسير بالمعنى الذي نعنيه، لا يبتعد عن أصل معنى البيان: وهو الإظهار والكشف، عندما نعبر عنه ببيان معاني الألفاظ ودلالتها على الأحكام، للعمل بالنص على وضع يفهم من النص.\nفمن التفسير: معرفة مرامي الألفاظ التي منها الواضح، ومنها المبهم، وإن كان بعض الواضح لا يخلو من احتمال - كما سيأتي -.\nوكذلك فإن منه: معرفة دلالات الألفاظ على الأحكام، حيث تتعدد وجوهها ومناحيها؛ فليس كل نص تكون دلالته على الحكم بعبارته، بل غير العبارة من طرق الدلالة على الحكم: متعدد، من إشارة ودلالة واقتضاء (^١) وإن شئت فقل: دلالة اللفظ فيها (المنطوق) وفيها (المفهوم)، وتحت المنطوق والمفهوم تنطوي كل طرق دلالة الألفاظ على المعاني والأحكام.\nثم إن من التفسير: إدراك معاني الألفاظ في حالات (عمومها،\n_________\n(^١) فعبارة النص: هي دلالة الكلام على المعنى المقصود من سياقه أصالة أو تبعًا. وإشارة النص: هي الدلالة على معنى التزامي لم يقصد من الكلام قصدًا أصليًا، ودلالة النص: هي الدلالة على ثبوت حكم المنصوص عليه للمسكوت عنه من طريق علة الحكم التي يمكن إدراكها بمجرد المعرفة باللغة. أما الاقتضاء: فهو دلالة الكلام على مسكوت يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته من الناحية الشرعية، أو العقلية. . . كما سيأتي.","vol":"1","page":54},{"text":"واشتراكها)؛ كيف يكون شمولها، ونوع دلالتها على ما تشمل من أفراد، وكذلك في حالات (حصوصها) حين يكون اللفظ مطلقًا أو مقيدًا، أو صيغة من صيغ التكليف في أمر أو نهي؛ وذلك من حيث علاقةُ المطلق بالمقيد ومتى يؤخذ بالمطلق على إطلاقه ومتى يجب تقييده، ثم من حيث دلالة صيغة التكليف، والعمل الذي في حدوده يخرج المكلف من عهدة الامتثال، وإذا كانت الصيغة نهيًا: ما هو أثر النهي في المنهي عنه (^١). . . إلخ.\nوهكذا تكون منافذ الاجتهاد مفتحة أمام المجتهد لبيان ما فيه خفاء في ظل ما ندعوه (بيان التفسير).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>علاقة هذا التفسير بالقول بالرأي:</span>\nهذا: ونودُّ أن نقرر أن تفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنّة بالمعنى الذي قررناه والذي اعتبر نوعًا من الاجتهاد، هو من التفسير المحمود الذي ترضى عنه الشريعة، ولا يتعارض مع مبادئ الكتاب والسنّة، فكله كائن فيما وراء بيان النبي ﷺ، وما أثر عن سلف هذه الأمة.\nوالذي يدعونا إلى ذلك: ما ثار من اختلاف بين العلماء - فيما يختص بتفسير القرآن - حول القول فيه بالرأي؛ فمن مجيز ومن محرَّم، وكان مردُّ ذلك آثارًا وردت في الموضوع، دعت إلى تعدد الأنظار، وتنوع المذاهب والمسالك.\nفقد روى سعيد بن جبير (^٢) عن ابن عباس (^٣) أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n(^١) انظر ما يأتي في مباحث العام والخاص.\n(^٢) هو سعيد بن جبير بن هشام الكوفي مولى والبة، روى عن ابن عباس وابن الزبير وابن عمر وغيرهم، وكان من كبار أئمة التابعين ومقدِّميهم في التفسير والحديث والفقه، وممن عُرف بالنُّسك والعبادة، والصدع بالحق، روي أن عبد الله بن عباس كان إذا حجّ وجاءه أهل الكوفة وسألوه يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء - يعني سعيد بن جبير -. وقال ميمون بن مهران: لقد مات ابن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه، مات ﵀ مقتولًا على يد الحجاج سنة ٩٥ هـ عن تسع وأربعين سنة، وقيل: عن سبع وخمسين سنة.\n(^٣) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ يقال له: =","vol":"1","page":55},{"text":"\"اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\" (^١).\nوروي عن جندب أن رسول الله ﷺ قال: \"مَن قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ\" (^٢) وقد ورد عن أبي بكر الصدّيق ﵁ قوله: \"أي أرض تُقِلُّني وأي سماء تُظِلُّني إذا قلت في القرآن برأيي\" (^٣).\nوكان جماع ما ذهب إليه الأكثرون من سلف هذه الأمة وخلفها - على تنوُّع السبل التي أُثرت عنهم في ذلك -: حمل هذه النصوص على التفسير الذي يخرج عن سَنن الشريعة في كتابها وسنتها ولسانها.\nفهذا إمام المفسرين أبو جعفر الطبري (^٤) يرى أن ذم التفسير بالرأي\n_________\n= الحبر والبحر لكثرة علمه، وقد دعا له رسول الله ﷺ بقوله: \"اللهم فقّهه في الدين وعلِّمه التأويل\"، وقد انتهت إليه الرياسة في الفتوى والتفسير، وكان أكثر الصحابة فتيا، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد الستة المكثرين لرواية الحديث، وقد شهد كبار الصحابة والتابعين بعلمه ومعرفته. قال ابن مسعود: نِعم ترجمان القرآن ابن عباس. وكان ابن عمر يقول: (ابن عباس أعلم أمة محمد بما أُنزل على محمد). وعلى ابن عباس يدور علم أهل مكة في التفسير والفقه، توفي ﵁ بالطائف سنة ٦٨ هـ عن واحد وسبعين عامًا.\n(^١) رواه ابن جرير الطبري، وقد أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود، وقال الترمذي: حديث حسن. وانظر: \"جامع الأصول\" لابن الأثير الجزري (٤٧٠). هذا وقد جاء الحديث بروايات متعددة كلها تدور على عبد الأعلى بن كثير (١/ ٥١) وانظر: تحقيق الشيخ أحمد شاكر في \"تفسير الطبري\" (١/ ٧٧) و(يتبوأ) أي ينزل ويحل.\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري (١/ ٧٩)، قال ابن كثير بعد نقل الخبر عن أبي جعفر: كما أخرجه أبو داود (٣٦٥٢) والترمذي (٢٩٥٢) والنسائي من حديث سهيل بن أبي حزم القطيعي كما قال المنذري، وقال الترمذي: (غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل).\nراجع: \"تفسير الطبري\" (١/ ٧٩)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥١) وانظر \"تفسير القرطبي\" (١/ ٢٧).\n(^٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١/ ٧٨) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥) و(نقلني) أي تحملني. أقل الشيء واستقله: رفعه وحمله. وقد ورد مثل الذي قاله أبو بكر عن عدد من الصحابة والتابعين، \"تفسير القرطبي\" (١/ ٢٩) فما بعدها، \"مقدمة في أصول التفسير\" لابن تيمية (ص ٢٦).\n(^٤) هو محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر، إمام المفسرين والمؤرخين - المجتهد - =","vol":"1","page":56},{"text":"محمول على ما كان من تأويل نصوص الكتاب، بما لا يدرَك علمُه إلا بنص بيان من رسول الله ﷺ، أو بدلالة قد نصَّها دالةٍ أمته على تأويله. وذلك كما في تفصيل مجمله، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم بعض خلقه، وما أشبه ذلك من أحكام آي الكتاب التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله ﷺ لأمته.\nفقد أتى أبو جعفر بالآثار الواردة في النهي عن القول في القرآن بالرأي، وبعد أن أوضح حَمْلَ ذلك على القول فيما لا يدرك علمه إلا ببيان من الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: (بل القائل في ذلك برأيه - وإن أصاب الحق فيه - فمخطئ فيما كان من فعلٍ يقبله فيه برأيه لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان. والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لم يعلم).\nقال أبو جعفر (وقد حرّم الله جلّ ثناؤه ذلك في كتابه على عباده فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف] (^١).\nوإذن: فما كان وراء ذلك، فجائز القول فيه بالرأي، ولا يدخل في نطاق المحظور المنهي عنه.\nوجاء الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ فزاد الأمر وضوحًا، حين قرر أن التفسير بالرأي جائز إلا في موضعين:\nالموضع الأول: أن يكون التفسير بالهوى، أو بأن يكون للمفسِّر في موضوع الآية رأي معين، وله ميل إليه بطبعه، فيتأول النص القرآني على\n_________\n= اللغوي، الثقة. ولد في آمل طبرستان. واستوطن بغداد وتوفي بها. ومن مصنفاته: تفسيره العظيم المسمى \"جامع البيان عن تأويل أي القرآن\"، \"أخبار الرسل والملوك\" ويعرف بـ \"تاريخ الطبري\"، \"القراءات\" وغيرها. توفي ﵀ سنة ٣١٠ هـ.\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٧٨ - ٧٩).","vol":"1","page":57},{"text":"وفق رأيه وهواه: ليحتج به على تصحيح غرضه وما يجنح إليه، ولو لم يكن له ذلك الميل، لم يطرق ذلك الباب من التفسير.\nوقد بيّن أبو حامد أن هذا تارة يكون مع العلم؛ كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يلبِّس به على خصمه.\nوتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه أي أن رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير، فلولا رأيُه: لما كان يترجح عنده ذلك التفسير.\nوتارة يكون له غرض صحيح، فيطلب له دليلًا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله ﷿: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ [طه] ويشير إلى قلبه، ويومئ إلى أنه المراد بفرعون. وكالذي يدعو إلى الاستغفار بالأسحار فيستدل بقوله ﷺ، فيما رواه الشيخان: \"تسحّروا فإن في السحور بركة\" وهو يعلم أن المراد به الأكل.\nوهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعّاظ في المقاصد الصحيحة تحسينًا للكلام وترغيبًا، وهو ممنوع. وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل. وينزِّلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعًا أنها غير مرادة (^١). فهذا هو الرأي المذموم المنهي عن القول به.\nوعلى ذلك: تكون النصوص الواردة في النهي عن القول في القرآن بالرأي، منصبّة على هذا الرأي الفاسد الذي كان قوامه الهوى، لا الاجتهاد الصحيح.\nالموضع الثاني: المسارعة إلى تفسير نصوص الكتاب، بظواهر الألفاظ\n_________\n(^١) انظر: \"إحياء علوم الدين\" (١/ ٤٣، ٢٩٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢٨ - ٢٩).","vol":"1","page":58},{"text":"في الآيات، من غير معرفة بالمنقول من الآثار في موضوعها، كما في أخبار الصحابة الذين شاهدوا التنزيل، وأدُّوا إلينا من السنن ما يكون بيانًا للكتاب، ومن غير مقابلةٍ لتلك الآيات بعضها ببعض حسب موقع كل منها من السياق وسبب النزول، كل ذلك مع التعرِّي عن معرفة الأعراف الشرعية؛ التي أدخلت كثيرًا من المعاني في ظهور جديد وعدم العلم بغرائب القرآن ومبهماته وأساليبه البيانية من إضمار، وحذف، وتقديم، وتأخير، وغير ذلك، وأساليب الاستنباط منه، من معرفة وجوه دلالة الألفاظ على معانيها، وحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد.\nفالتفسير في مثل هذه الحال: تفسير بالرأي، عارٍ عن مؤهلات النظر ووسائل المعرفة بمدلولات نصوص الكتاب، يعرض صاحبه للزلل والانحراف.\nفمَن لم يُحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية - كما يقول الغزالي - كثر غلطه، ودخل في زمرة من يفسر بالرأي، وعلى هذا: فلا بد - إلى جانب العربية - من السماع والنقل في ظاهر التفسير أولًا ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهُّم والاستنباط (^١).\nومما لا شك فيه: أن الغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن - وهو ما يستنبطه العلماء من دقيق المعاني - إلا بإحكام الظاهر (^٢)، ففي قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] المعنى وأتينا ثمود الناقة معجزة واضحة، وآية مبينة، على صدق رسالته،\n_________\n(^١) راجع: \"إحياء علوم الدين\" للغزالي (١/ ٢٩٨)، \"تفسير القرطبي\" (١/ ٢٨ - ٢٩)، \"مصادر الفقه الإسلامي الكتاب والسنّة\" لأستاذنا محمد أبي زهرة (ص ٥٥).\n(^٢) انظر: \"الإحياء\" (١/ ٩٢٨)، \"مقدمة التفسير\" للراغب الأصفهاني (٤٢٢ - ٤٢٢)، \"تفسير القرطبي\" (١/ ٢٩)، \"التفسير والمفسرون\" لمحمد حسين الذهبي (١/ ٢٥٩). هذا وقد عني العلماء ببيان مبهمات القرآن وجعلوه نوعًا من علوم هذا الكتاب حتى أفرده الإمام جلال الدين السيوطي برسالة عنوانها: \"مفحمات الأقران في مبهمات القرآن\".","vol":"1","page":59},{"text":"فظلموا أنفسهم بعقرها؛ فالأخذ بظاهر العربية فحسب، يجعل الناظر في الآية يظن أن لفظ (مبصرة) هو من الإبصار بالعين، وهو حال من الناقة وصفٌ لها في المعنى، ولا يدري بعد ذلك بماذا ظلموا أنفسهم وغيرهم. فهذا من الحذف والإضمار، وأمثال ذلك في القرآن كثير (^١).\nومن هنا قال ابن عطية في معنى خطأ القائل في القرآن برأيه وإن أصاب: (ومعنى هذا أن يُسألَ الرجل عن شيء من كتاب الله ﷿، فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته قوانين العلم: كالنحو والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحويون نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة: ليس قائلًا لمجرد رأيه).\nوقال القرطبي بعد أن نقل هذا الكلام: (قلت هذا صحيح وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإن من قال بما سنح في وهمه، وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول: فهو مخطئ، وإن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها: فهو ممدوح) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>تفسير جائز ومطلوب:</span>\nوهكذا يتقرر لدينا المبدأ الذي يجعل حظر القول في القرآن بالرأي، محدودًا في نطاق التفسير في ظل الهوى والشهوة، والبُعد عن لغة الكتاب التي بها نزل، والمجافاة لما صحّ من السنة وآثار السلف، إذ إن التفسير في هذه الحال اجتهاد لا ينبني على قوانين علم ونظر، بل هو على شفا جرف هارِ، وحسبك أنه قول من غير علم ولا هدًى، وجنوح إلى الرأي والهوى.\nوالباحث في هذا الموضوع: لا يعجزه أن يجد الأدلة المتضافرة على جواز التفسير بالرأي فيما وراء الحدود التي سلف عنها الحديث.\n_________\n(^١) راجع: \"الإحياء\" (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، \"تفسير القرطبي\" (١/ ٢٨).\n(^٢) انظر: \"جامع لأحكام القرآن\" (١/ ٢٨).","vol":"1","page":60},{"text":"١ - ففي الكتاب: كثير من النصوص التي تدعو إلى تدبُّر القرآن الكريم وتعقُّله وذلك للاستنارة بهديه والاعتبار بآياته، والعمل بأحكامه، والإفادة من إرشاده وعظاته.\nقال الله جل ذكره: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أم عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد ﷺ]- أي بل على قلوب أقفالها - وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص].\nومعلوم أن تدبُّر القرآن الكريم - ليتسنى العمل به - لا يمكن بدون فهم معانيه.\nوقال جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف] وعقل الكلام متضمن لفهمه، ولا شك أن كل كلام؛ فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، والقرآن الكريم لفظ ومعنى.\nومن هنا جاء القرآن الكريم على ذكر الاستنباط بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وهذا واضح في الدلالة على أن في هذا الكتاب ما يستنبطه أهل المعرفة العلماء باجتهادهم وعلمهم، بحيث يُعملون عقولهم، ويستخدمون قوانين العلم والنظر، للوصول إلى تلك المعاني.\nومن هنا كانت الحقيقة الراسخة عند العلماء: أن البُعد عن التفسير ضمن حدود اللغة والشريعة: عدول عما تعبّدنا الله به من معرفة الكتاب بفهم آياته وتدبُّره واستنباط أحكامه (^١).\nقال أبو الحسن الماوردي (^٢): (وقد حمل بعض المتورعة هذا الحديث - يعني: \"من قال في القرآن برأيه. . .\" - على ظاهره وامتنع من أن يستنبط\n_________\n(^١) راجع \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(^٢) هو القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري المعروف بالماوردي، من وجوه فقهاء الشافعية وكبارهم، كان من العلماء الباحثين ومن أقضى قضاة عصره؛ والماوردي نسبة إلى ماء الورد. من تصانيفه: \"الحاوي\" في الفقه الشافعي نيف وعشرون جزءًا، \"الأحكام السلطانية\"، \"أدب الدنيا والدين\"، \"أعلام النبوة\"، \"نصيحة الملوك والحكومات\"، \"معرفة الفضائل\"، \"الأمثال والحكم\" وغير ذلك. توفي ﵀ في بغداد ٤٥٠ هـ.","vol":"1","page":61},{"text":"معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبتها الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عما تُعُبِّدنا بمعرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام منه كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ولو صحّ ما ذهب إليه لم يُعلم شيء بالاستنباط. ولما فهم الأكثرُ من كتاب الله شيئًا (^١).\nوهكذا يبدو واضحًا، أن على العباد معرفة تفسير ما لم يحجب عنهم تأويله، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وأنه محال - كما يقول ابن جرير - أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له، ولا يعقل تأويله: (اعتبر بما لا فهم لك به، ولا معرفة من القيل والبيان والكلام) إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به. فأما قبل ذلك: فمستحيل أَمْرُهُ بتدبره والعمل به، وهو بمعناه جاهل (^٢).\n٢ - لقد ثبت أن النبي ﵊ دعا لعبد الله بن عباس بقوله: \"اللهم فقِّهه في الدين وعلّمه التأويل\" (^٣) فلو كان التأويل - وهو هنا التفسير - مقصورًا على السماع والنقل كالتنزيل نفسه، لما كان هناك من فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء.\nولو كان علم التفسير مأثورًا كله عن النبي ﵊ لقال: \"اللهم حفظه التأويل\". فدلّ ذلك - كما هو واضح - على أن المراد من التأويل الوارد في الدعاء: أمر آخر وراء النقل والسماع، ألا وهو التفسير بالرأي والاجتهاد. ولقد ظهرت آثار دعوة محمد ﷺ في ابن عباس فكان حبر هذه الأمة، خصوصًا في الفقه والتفسير.\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان في علوم القرآن\" المزركشي (٢/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(^٢) راجع: \"تفسير الطبري\" (١/ ٨٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٠٣٣) والبخاري (١٤٣) وابن حيان (٧٠٥٥)، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وللبخاري عدة روايات منها: \"اللهم فقّهه في الدين\" بدون \"وعلِّمه التأويل\"، ومنها أن النبي ﷺ ضمّ ابن عباس إلى صدره وقال: \"اللهم علّمه الكتاب\" (٧٥)، ومنها \"اللهم علِّمه الحكمة\"، وفي رواية لمسلم: \"اللهم فقِّهه\". وانظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ٢٨٦) من القسم الأول.","vol":"1","page":62},{"text":"٣ - رويت أخبار صحيحة، تدل على أن كثيرًا من الصحابة والتابعين، عُنوا بتفسير آي الكتاب وبيانها؛ ولو كان محظورًا لما فعلوه (^١).\nثم إنهم اختلفوا في تفسير كثير من النصوص على وجوه، وليس كل ما قالوه في التفسير، هو من المأثور عن النبي ﷺ، إذ كل ما ليس مما استأثر الله بعلمه، أو مما لم يكن بيانه خاصًّا بالرسول ﵊، قد فسروه برأيهم واجتهادهم (^٢) ووصلوا إلى معناه من طريق الاستنباط وإعمال الفكر، وذلك ينافي أن يكون الاجتهاد في التفسير محظورًا، بل كان تفسير آي الكتاب، وفقه معانيها، سبيلَهم إلى الخير والمعرفة، حتى قال سعيد بن جبير: (مَن قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي) (^٣).\nوجميل ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من أهل الرسوخ: أن اختلاف الصحابة في التفسير: هو اختلاف تنوُّع لا اختلاف تضاد.\nوكان أبو جعفر الطبري يقول: (إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذ به) (^٤).\n_________\n(^١) روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: \"نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس\"، وأخرج ابن جرير عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه فيقول ابن عباس: \"أكتب\" قال: حتى سأله عن التفسير. وعن شقيق بن سلمة قال: قرأ ابن عباس سورة البقرة، فجعل يفسرها فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت. وقد ورد مثل ذلك عن ابن مسعود؛ فعن مسروق قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمَ نزلت؟ وأين نزلت؟ ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. وعن مسروق أيضًا: \"كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار). انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٨٠ - ٨١).\n(^٢) من أمثلة ذلك رأي الصحابة في العَوْل في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين: أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت، ورأيهم في المُحرم يقع على أهله: بفساد حجه ووجوب المضي فيه والقضاء والهدي من قابل، ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما: أفطرنا وقضنا وأطعمنا لكل يوم مسكينًا، ورأيهم في الكلالة وغير ذلك. انظر: \"إعلام الموقعين\" لابن القيم (١ - ٨٢).\n(^٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٨١).\n(^٤) انظر: مقدمة الأستاذ محمود محمد شاكر لـ \"تفسير الطبري\" (١/ ١٠).","vol":"1","page":63},{"text":"وهكذا نعود لنؤكد ما قررناه من قبل أن الاجتهاد الذي نعنيه بـ \"تفسير النصوص\": هو من الرأي المحمود، الذي لا ينأى عن الشريعة بكتابها وسنتها ولسانها، وليس من الرأي الذي يكون من ورائه الهوى، أو الجهل.\nوبعد: فقد تبين مما سبق، أن الرأي على نوعين:\nأولهما: الرأي المحمود، وهو الذي يجري على موافقة معهود العرب في لسانها وأساليبها في الخطاب، مع مراعاة الكتاب والسنّة، وما أثر عن السلف.\nالثاني: الرأي المذموم، وهو الذي يجافي قوانين العربية، ولا يتفق مع الأدلة الشرعية، وقواعد الشريعة في البيان والأحكام.\nوللنوع الأول من وجهة نظر الفقه بمعناه العام: دور هام في الأصول والفروع، للعمل بشريعة الإسلام؛ فهو الرأي الذي يفسر النصوص، ويبين وجه الدلالة منها، ويقررها ويوضح محاسنها، ويسهل طرق الاستنباط منها، حيث يهيئ للمكلف سبيل الخروج من العهدة في امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وتحقيق الأحكام.\nوفي هذه الحدود، يلتقي قبلنا هذا، مع ما أسلفناه عن عبد الله بن المبارك إذ يقول بمناسبة الحديث والرأي: \"ليكن الذي تعتمد عليه هذا الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث وهذا هو الفهم الذي يختص الله به من يشاء من عباده\" (^١).\nوالنوع الثاني: هو الذي تخوّف منه السلف الأمناء على كتاب الله الكريم، فهو المقصود بكلام عمر بن الخطاب إذ يقول: \"ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بيّنٍ فسقُه، ولكني أخاف\n_________\n(^١) راجع: \"جامع بيان العلم وفضله\" لابن عبد البر (٢/ ٣٤) \"إعلام الموقعين عن رب العالمين\" لابن القيم (١/ ٨٢).","vol":"1","page":64},{"text":"عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله\" وكذلك كلام ابن مسعود إذ يقول: \"ستجدون أقوامًا يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطُّع\" (^١).\nوإذا كان الأمر كذلك: لا بد من حمل الكلام المنقول عن بعض السلف في التباعد عن القول في القرآن بالرأي، على ما يكون من النوع الثاني وهو الرأي المذموم؛ فهم لا يريدون أن يتكلموا فيما لا علم لهم به، خشية أن يقعوا في الخرص والتخمين.\nومن هنا جعل أبو جعفر الطبري إحجام من أحجم من السلف عن الخوض في التفسير، كفعل من أحجم منهم عن الفتيا عن الحوادث والنوازل، خوف أن لا يبلغ في اجتهاده ما كلف الله العلماءَ من عباده وفيه.\nوهكذا كان الإحجام عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره: الحذر من أن لا يبلغ المفسِّر أداء ما كُلِّف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة، غير موجود بين أظهرهم (^٢).\nولقد يؤيد ذلك: ما نرى في سيرة الصدّيق أبي بكر، حين سئل عن الكلالة فقال: \"إني سأقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولده\".\nوهو القائل كما أسلفنا: \"أي سماء تظلُّني وأي أرض تقلُّني إذا قلت في القرآن برأيي\"، فدلّ ذلك على أن تخوُّفه إنما كان من نوع معين من الرأي؛ فهو يخاف الله أن يقول برأي لا يستند إلى دليل، بل يعتمد على الخرص والتخمين، ولكنه يُقدم على القول فيما وراء ذلك.\n_________\n(^١) راجع: \"جامع بيان العلم وفضله\" لابن عبد البر (٢/ ٣٤) فما بعدها، \"مقدمة في أصول التفسير\" لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٩ - ٣٢).\n(^٢) راجع: \"تفسير الطبري\" (١/ ٨٩).","vol":"1","page":65},{"text":"وبهذا جمع العلماء بين الموقفين، ولم يروا فيهما أيَّ نوع من التعارض (^١).\nوهذه الوجهة من أبي بكر، ومن وراءه من الصحابة الذين شهدوا التنزيل، ومن جاء بعدهم، كانت من أهم العوامل في تكوين ما نراه من كنوز هذه الشريعة من مفهوم في كتاب الله، تتفق أو تختلف، حتى كانت من أغزر موارد العلم، لمن يريد الاجتهاد والاستنباط.\nفلقد سكتوا عما لم يعلموا، ولم يكتموا القول فيما يعلمون، أداءً للأمانة في بيان ما يجب عليهم بيانه.\nوقد صدق فيهم وفيمن استقام على طريقتهم قول النبي صلوات الله وسلامه عليه: \"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين\" (^٢).\nوهذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب على المرء السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب عليه القول فيما سئل عنه مما يعلمه (^٣) لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (^٤) ولما جاء في\n_________\n(^١) جاء ابن القيم بحديث الكلالة وما قال فيها أبو بكر، ثم جمع بينه وبين كلمة الخليفة الأول: \"أي سماء تُظلني\" وحديث: \"مَن قال في القرآن برأيه. . .\" وذلك قوله في \"إعلام الموقعين\": (فإن قيل كيف يجتمع هذا مع ما صحّ عنه من قوله: \"أي سماءٍ تُظلني. . .\" وكيف يجامع هذا الحديث الذي تقدم: \"مَن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\" فالجواب أن الرأي نوعان، أحدهما: رأي مجرد ولا دليل عليه، بل هو خرص وتخمين، فهذا الذي أعاذ الله الصدّيق والصحابة منه. . .).\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر وغيره. وانظر: \"تفسير القرطبي\" (١/ ٣١).\n(^٣) انظر: \"مقدمة في أصول التفسير\" لابن تيمية (ص ٢٩) فما بعدها.\n(^٤) والآية هي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾.","vol":"1","page":66},{"text":"الحديث المروي من طرق: \"مَن سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار\" (^١).\nوالآن وبعد الذي مر، نقف موقف التبصر أمام الأثر الذي أورده أبو جعفر الطبري في مقدمة تفسيره عن ابن عباس، وهو قوله ﵁: (التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها - وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى) (^٢).\nوقد وجد العلماء في هذا التقسيم من ترجمان القرآن ابن عباس للتفسير متسعًا حدَّد معالم الطريق، وأصاب المحز في توضيح المجال الذي يخوض فيه المفسر لآي الكتاب.\nفأما الذي تعرفه العرب: فهو الذي يُرجع فيه إلى لسانهم، وذلك في شأن اللغة والإعراب؛ فما كان من التفسير راجعًا إلى هذا القسم: فسبيل المفسر - كما يقول بدر الدين الزركشي - التوقف فيه على ما ورد في لسان العرب، وليس لغير العالم بحقائق اللغة ومفهوماتها تفسيره. أما ما لا يعذر أحد بجهله: فهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنًى واحدًا جليًا لا سواه، يعلم أنه مراد الله تعالى.\nقال الزركشي: (فهذا القسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وأنه لا شريك له في إلاهيته. . . ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ونحوها: طلب إدخال ماهية المأمور به في الوجود).\n_________\n(^١) أخرجه من رواية أبي هريرة الإمام أحمد في \"مسنده\" (٨٦٢٣)، وأبو داود (٣٦٥٨) والترمذي، (٢٦٤٩) وابن ماجه، والحاكم. وانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" (١/ ٢٠٠).\n(^٢) راجع: \"جامع البيان\" للطبري (١/ ٥٧)، \"مقدمة التفسير\" للراغب الأصفهاني (ص ٤٢٣) مع \"تنزيه القرآن عن المطاعن\" للقاضي عبد الجبار، \"مقدمة في أصول التفسير\" لابن تيمية (ص ٢٩ - ٣٢) \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ١٦٨) فما بعدها، \"التفسير والمفسرون\" للشيخ محمد حسين الذهبي (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":67},{"text":"أما ما لا يعلمه إلا الله تعالى: فهو ما يجري مجرى الغيوب، كما في الآيات المتضمنة قيام الساعة، وإنزال الغيث، وعلمَ ما في الأرحام، وتفسير الروح، والحروف المقطعة. وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريق إلى ذلك، إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه: نص قرآني، أو بيان من النبي ﷺ، أو إجماع الأمة على تأويله.\nأما ما لا يعلمه إلا العلماء: فهو استنباط الأحكام وما يتعلق به. قال الزركشي: (وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا: فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعلى العلماء إعمال الشواهد والدلائل وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>الاجتهاد المراد في التفسير:</span>\nوبعد الذي مرّ: يجدر بنا توكيد أن ما تعنيه من الاجتهاد في التفسير، هو نوع من الاجتهاد، الذي يقوم به الباحث لتبين معنى النص، وفقه المراد منه.\nولقد يظهر ذلك بالعودة إلى ماهية الاجتهاد، ووظيفته التي يؤديها عند العلماء. فالاجتهاد في اصطلاح الأصوليين: (هو بذل الفقيه (^٢) جهده\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٧٣ - ٧٦) \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ١٦٤) فما بعدها.\n(^٢) ذكر (الفقيه) في التعريف هو ما جرى عليه الأكثرون. ولم يجد السعد التفتازاني حاجة للاحتراز بقيد (الفقيه) فإنه لا يصير فقيهًا إلا بعد الاجتهاد، اللهم إلا أن يراد بالفقه التهيؤ لمعرفة الأحكام. . . ثم ظاهر كلام القوم: أنه لا يتصور فقيه غير مجتهد، ولا مجتهد غير فقيه على الإطلاق، \"حاشية السعد على شرح العضد المختصر ابن الحاجب\" (٢/ ٢٨٩) وقد اعتبر الكمال بن الهمام ادِّعاء التفتازاني عدم الحاجة لقيد (الفقيه) في التعريف سهوًا: لأن المذكور بذل الطاقة، لا الاجتهاد، ولا يتصور بذل الطاقة من غير الفقيه في طلب حكم شرعي.\nومال شارح التحرير ابن أمير الحاج، إلى ما ذهب إليه التفتازاني فقال في أثناء شرحه لكلام ابن الهمام مكرّرًا كلام السعد: (والظاهر من كلام الأصوليين أنه لا يتصور فقيه غير مجتهد، ولا مجتهد غير فقيه، وهو بالغ عاقل مسلم ذو ملكة يقتدر بها على استنتاج =","vol":"1","page":68},{"text":"للوصول إلى حكم شرعي من دليل تفصيلي من الأدلة التي يضعها الشارع للدلالة على الأحكام) (^١).\nولم يترك علماؤنا الأمر بدون تحديد؛ فليس بذل الجهد أيًا كانت صورته: يكون اجتهادًا في عرف الأصول، بل لا بد لتمام ذلك، من أن يبلغ المجتهد - باستفراغ وسعه في طلب الحكم من الدليل -: حدًا يحس معه العجز من نفسه عن مزيد طلب لذلك الحكم، لأنه استنفد كل المسالك التي لا بد من سلوكها للوصول إلى معرفة ما أراد (^٢).\n_________\n= الأحكام من مآخذها) \"التقرير والتحبير\" لابن أمير الحاج، شرح \"التحرير\" للكمال ابن الهمام (٣/ ٢٩١)، وانظر: \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٣٥٠) \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٤/ ٢١٨)، \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع شرحه للعضد وحاشية التفتازاني (٢/ ٢٨٩)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري، شرح \"أصول البزدوي\" (٤/ ١١٣٤) \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ٣٥٠).\n(^١) الدليل التفصيلي هو الذي يتعلق بقضية مخصوصة، ويدل على حكم معين؛ وذلك كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فهذا النص دليل تفصيلي، لأنه يتعلق بقضية مخصوصة، وهي أكل الميتة، ويدل على حكم معين، هو حرمة هذا الأكل. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فهو دليل تفصيلي يتعلق بزواج الأمهات، ويدل على حرمة هذا الزواج.\nانظر: \"أصول الفقه\" للشيخ زكريا البرديسي (ص ٤٥٩)، \"التشريع الجنائي الإسلامي\" للعلامة عبد القادر عودة ﵀ (١/ ٢٠٦).\nهذا قد جرى بعض الأصوليين، على أن الاجتهاد (بذل الفقيه جهده لتحصيل ظن بحكم شرعي) يريدون بذلك أن ما يصل إليه الفقيه ما هو إلا ظن، أي إدراك الطرف الراجح. وانظر: \"المدخل إلى فقه الإمام ابن حنبل\" لعبد القادر بدران (ص ١٧٨).\n(^٢) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٣٥٠) حيث يقول الغزالي: (والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب) قلت: ولعل لذلك ارتباطًا بالمعنى اللغوي، فالاجتهاد في اللغة بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال، ولا يستعمل - كما قالوا - إلا فيما فيه كلفة ومشقة. ولهذا لا يقال: اجتهد فلان في حمل خردلة، ومن هنا رأينا أبا الحسن الآمدي يذكر في صلب التعريف، بذل الوسع إلى غاية الإحساس بالعجز عن مزيد طلب، فيقول: (وأما في الاصطلاح فمخصوص - يعني الاجتهاد - باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسُّ من النفس العجز عن المزيد فيه) \"الإحكام\" للآمدي (٤/ ٢١٨).","vol":"1","page":69},{"text":"وعند الوقوف على ماهية الاجتهاد، كما حدَّدها علماء الأصول في الصورة التي عرضناها في تعريفه، يلاحظ أنه يشمل حالة عدم وجود نص على الحكم، كما يشمل حالة وجود نص عليه، فيكون الاجتهاد لاستنباط الحكم.\nفمجال الاجتهاد هو ما يعرض من الوقائع وذلك في حالتين:\n١ - أن تكون الوقائع غير منصوص على أحكامها.\nب - أن تكون مما نصّ على أحكامها، ولكن بنص غير قاطع ثبوتًا فهو ظني الثبوت، أو غير قاطع دلالة، فهو ظني الدلالة كما سيأتي.\nوعلى هذا: فمجال الاجتهاد متسع لاستنباط الأحكام للوقائع الجديدة في حالة عدم وجود النص؛ وذلك بما نصب الشارع من أمارات للدلالة على الأحكام (^١)، كما أنه متسع في حالة وجود النص.\nومن أبرز ألوان الاجتهاد في حالة عدم وجود النص: \"القياس\" الذي أخذ به جمهور المسلمين (^٢). ويمكن تعريفه بأنه (إعطاء واقعة مسكوتٍ عنها حكمَ واقعة منصوصٍ عليها، لتساويهما في علة جامعة لذلك الحكم، لا تدرك بمجرد معرفة اللغة).\nواجتهاد المستنبط، يقوم في هذه الحالة، على بذل الجهد للتحقق من إمكان القياس، وإعطاء الحكم للواقعة الجديدة: وذلك عن طريق البحث في\n_________\n(^١) كالقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، وسد الذرائع.\n(^٢) وقد خالف فيه إبراهيم بن سيار النظّام المتوفى سنة ٢٣١ هـ وداود بن علي الأصبهاني المتوفي سنة ٢٧٠ هـ والذي نشأ بظهوره مذهبُ الظاهرية، ذلك المذهب الذي أيقظه من رقاده أبو محمد علي بن حزم الأندلسي المتوفى سنة ٤٥٦ هـ غير أن داود يأخذ بما يسمونه القياس الجلي، وهو الذي يكون المقيس فيه أوْلى بالحكم من المقيس، أو مساويًا له؛ وهو ما يدعى عند الكثيرين: دلالة النص، أو مفهوم الموافقة. أما ابن حزم: فلم يفرق في الإنكار بين قياس جلي أو خفي. وخالف في القياس غير الجلي والقياس غير المنصوص على علته: الشيعةُ الإمامية. ومظان تفصيل ذلك مباحث القياس والتعليل في كتب الأصول. وانظر: \"مصادر التشريع ومناهج الاستنباط\" للمؤلف (ص ١٧٢).","vol":"1","page":70},{"text":"علة الحكم، ليصار إلى تعدية هذا الحكم، إلى كل واقعة وجدت فيها تلك العلة.\nأما في حالة وجود النص: فيقوم الاجتهاد - وهو الاجتهاد البياني - على تفهُّم معنى النص، والكشف عن مرامي ألفاظه، ومدلولاتها؛ فهو اجتهاد ضمن دائرة النص الموجود في حدود الأصول اللغوية والشرعية (^١).\nولقد مرّ بنا أن بيان التفسير هو بيان ما فيه خفاء؛ وأن التفسير الذي نعنيه: هو اجتهاد يؤدي وظيفة هذا البيان.\nأ - فاللفظ من حيث هو: قد يكون واضحًا، وقد يكون مبهمًا، وفي حالة وضوحه لا يخلو بعض أنواعه من الاحتمال الذي يجعله محتاجًا إلى تحديد المراد؛ فعلى المفسِّر أن يعلم أن اللفظ باق على احتماله؛ فهو من الظاهر، أو أنه قام الدليل الذي رجح غير المعنى الظاهر من ذلك اللفظ، فأصبح مؤولًا.\n_________\n(^١) وهكذا ترى أن دائرة الاجتهاد أوسع من دائرة القياس، وإن كان يطلق أحيانًا ويراد به القياس، وعلى كل فإن الاجتهاد يفترق عن القياس بما يلي:\n١ - يلاحظ الباحث بسهولة أن الاجتهاد أعم من القياس، فالاجتهاد حسب الذي أسلفنا: كما يشمل بذل الجهد فيما لا نص فيه للوصول إلى الحكم عن طريق القياس، أو الاستحسان، أو المصلحة المرسلة، أو الاستصحاب، أو أي طريق من طرق الاستنباط التي نصبت أمارة للدلالة على الحكم، فإنه يشمل بذل الجهد في حالة وجود النص للوصول إلى الحكم الشرعي، الذي دلّ عليه ذلك النص.\nأما القياس: فهو استفراغ الوسع فيما لا نص فيه، لإلحاقه بما فيه نص، والتسويةِ بينهما في الحكم؛ إذا ثبت اشتراك الواقعتين في العلة، فالاجتهاد أعم من القياس، وهكذا كان كل قياس اجتهادًا، ولا عكس.\n٢ - مجال الاجتهاد ما يعرض للمكلف من وقائع؛ سواء أكانت في حدود المنصوص أم في حدود غير المنصوص، ولا كذلك القياس فإن مجاله الوقائع التي لم ترد فيها النصوص.\n٣ - كان طبيعيًا والاجتهاد أعم من القياس أن تتعدد طرقه، بحيث تشمل - في حالة وجود النص -: بذل الجد لفهمه وبيانه والتوفيق بين ما ظاهره التعارض من النصوص والترجيح بينها، وبذل الجهد فيما لا نص فيه بالقياس وغيره، بينما لا يرى للقياس إلا طريقة واحدة هي البحث عن العلة للتسوية في الحكم بين الواقعتين.","vol":"1","page":71},{"text":"وهذا العمل من المستنبط، هو اجتهاد عن طريقه يدرك المعنى المراد (^١).\nوفي حالة إبهام اللفظ: تتعدد الألوان والمراتب؛ فمن المبهم ما يزول غموضه بعمل المجتهد وهو مجال التفسير، ومنه ما لا يزول غموضه، إلا ببيان من الشارع نفسه وهو المجمل.\nوالذي يعنينا الآن ما يمكن زواله بالاجتهاد (^٢). وإن كان لا بد للمفسر من معرفة ما إذا كان قد ورد بيان من الشارع لهذا المجمل أو لم يرد؛ لأن على هذه المعرفة تتوقف أحيانًا كثير من الأمور، إذ إن بيان الشارع يقطع الاحتمال.\nوهكذا فالخفي، وهو أقل أنواع المبهم غموضًا، لا يكلف المجتهد كبير عناء في إزالة خفائه؛ فإن مما يوضح السبل أمامه عند إرادة تطبيق الحكم على واقعة جديدة، الرجوعَ إلى مجموع النصوص في الموضوع، مع مراعاة مقاصد الشريعة، وحكمة التشريع.\nوالحاجة إلى الاجتهاد قائمة في إزالة غموض المشكل، الذي هو أكثر خفاء من سابقه، بسبب أن الغموض لم يكن لعارض، وإنما كان من ذات اللفظ نفسه، فمثلًا: المشترك، وهو أحد أنواعه كما أسلفنا، لا بد لإزالة الغموض فيه وتحديد أحد المعنيين أو المعاني التي وضع لها اللفظ: من\n_________\n(^١) راجع: \"مصادر الشريعة فيما لا نص فيه\" لعبد الوهاب خلاف (ص ٨٩) فما بعدها، \"مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط\" (ص ١٦٤) للمؤلف، \"أصول الفقه\" للشيخ زكريا البرديسي (٤٦٥) فما بعدها، \"المدخل للفقه الإسلامي\" للدكتور محمد سلام مدكور (ص ٢٨٠).\n(^٢) الحنفية - كما مر - هم القائلون بأن بيان المجمل لا يكون إلا ببيان من المجمل نفسه، ولكن الشافعية ومَن معهم من العلماء يرون أن من أفراد المجمل ما يمكن زوال الغموض فيه عن طريق الاجتهاد. ومرد ذلك إلى الاختلاف في تحديد معنى (المجمل) إذ إن المجمل عند الشافعية ومَن معهم يشمل المجمل والمشكل والخفي عند الحنفية. وسيأتي تفصيل ذلك في مباحث \"الواضح والمبهم من الألفاظ\"، عند الحنفية والمتكلمين.","vol":"1","page":72},{"text":"بحث القاضي، واجتهاد المجتهد، وذلك عن طريق العودة إلى مجموعة النصوص، وتحديد مدلولات اللفظ عند العرب مع الاستعانة الجادة بعرف الشارع ومقاصد الشريعة.\nوهكذا مع أن الخفاء في هذا النوع من المبهم، كان من ذات اللفظ، لم يمنع ذلك من إزالة الغموض باجتهاد المجتهد؛ فكانت الحاجة داعية لهذا الاجتهاد: وذلك لتحديد المعنى المراد، الذي به يخرج المكلف من العهدة فيسلك طريق الحِل، ويجتنب طريق الحرمة.\nب - وفي حالة وضع اللفظ للمعنى: قد يكون اللفظ عامًا؛ بحيث يدل بوضعه اللغوي على شموله واستغراقه جميع الأفراد التي يصدق عليها معناه، من غير حصر في كم معين.\nوقد يكون خاصًّا بحيث يدل على فرد واحد أو أفراد متعددة محصورة.\nومن وظيفة المفسر: الاجتهاد في معرفة مدى دلالة اللفظ العام، وهل هو باق على عمومه فتتسع دائرة الحكم، بحيث تشمل جميع الأفراد التي تنطوي تحته، أم أنه قد ورد عليه ما يخصصه، فتضيق دائرة الحكم؛ بحيث تُقصَرُ على بعض أفراد العام (^١).\nوإذا لم يكن عامًّا بل كان خاصًّا: فلا بد من الاجتهاد لتحديد نوعيته؛ فقد يكون مطلقًا بحيث يدل على فرد شائع في جنسه، وقد يكون مقيدًا، وهو على عكس المطلق، فلا بد من الاجتهاد، لمعرفة ما إذا كان المطلق باقيًا على إطلاقه، أم ورد عليه ما يقيده.\nوالاحتمالات قائمة؛ فليس في كل حالة يوجد فيها مطلق ومقيد، يمكن فيها حمل المطلق على المقيد.\nولدراسة مجموعة النصوص ذات العلاقة، وإدراك مدلولات ألفاظها\n_________\n(^١) راجع فيما يأتي: \"مباحث العام في ماهيته ودلالته وتخصيصه\".","vol":"1","page":73},{"text":"ضمن قواعد الشريعة، أثر كبير في تيسير سبل الدلالة على المعنى المراد، في مثل هذه الأحوال.\nولقد يكون الخاص صيغةً من صيغ التكليف، بحيث يدل على الأمر أو النهي. والمجتهد في إدراكه لماهية صيغ التكليف والبحث عن القرائن المرجحة، يهديه اجتهاده إلى معرفة ما إذا كان الأمر باقيًا على وجوبه، أم عرض له ما جعله للندب، أو الإباحة، أو غيرهما، وما إذا كان النهي باقيًا للتحريم، أم عرض له كذلك ما صرفه إلى غيره.\nكما أن الاجتهاد طريق المستنبط لإدراك أثر النهي في المنهي عنه. كل ذلك في ضوء القواعد التي وضعها العلماء للتفسير، وفي ظل مقاصد الشريعة ومبادئها العامة (^١).\nوهكذا تبدو الحاجة للاجتهاد، في حالة وضع اللفظ للمعنى في شتى أحواله، كما بدت في حالة غموض اللفظ، أو في حالة ظهوره عندما يكون في حيز الاحتمال.\nج - حتى إذا انتقلنا إلى دلالة الألفاظ على المعاني؛ رأينا أن الدلالة لا تكون دائمًا في حيِّز العبارة - كما أسلفنا - بحيث لا تحتاج إلى اجتهاد في إدراكها، وإنما قد تكون هذه الدلالة بإشارة النص، وفي الدلالة بالإشارة نوع خفاء لا يدرك إلا بالبحث والتأمُّل، وقد كان لعلمائنا - كما سيأتي - فسحة في ميدان الاستنباط من طريق هذه الدلالة، حتى رأينا من آثارهم كثيرًا من الأحكام التي كان مأخذها إشارة النص.\nوليس ذلك فحسب؛ فإن النص بدل بمقتضاه أيضًا، بحيث تتوقف في بعض الحالات صحة الكلام العقلية أو الشرعية، أو صدقه على مقتضَى لا بد من تقديره في ضوء الاجتهاد والبحث.\nوتلك دلالة، دعاها علماؤنا: دلالة الاقتضاء، وما أحسب الحاجة إلى الاجتهاد في مثل هذه الحال، موضع تردد أو شك.\n_________\n(^١) راجع فيما يأتي: \"مباحث المطلق والمقيد، والأمر والنهي\".","vol":"1","page":74},{"text":"على أن المقتضَى أثار عند علمائنا بحثَ صلاحيته للعموم، فهل يعمُّ أو لا يعم؟ وانبنى على ذلك اختلاف في كثير من الفروع، كانت أثرًا من آثار اختلافهم في مسالك الاستنباط التي قام عليها الاجتهاد في تفسير النص، وبيان دلالته على المعنى المراد.\nولقد يدل اللفظ على حكم للمسكوت، لاشتراكه مع المنطوق بعلة تدرك بمجرد معرفة اللغة، وقد اجتهد العلماء في الحكم على نوع هذه الدلالة، أهي دلالة لفظية أم قياسية؟ وترتب على ذلك آثار يأتي بحثها في الدلالات، نرى من خلالها ارتباط الفروع بقواعد الأصول (^١).\nوهكذا نرى في تشعُّب دلالة اللفظ على المعنى، وتنوُّع وجود هذه الدلالة: أن الحاجة ماسة للاجتهاد في التفسير؛ فالحكم - كما أسلفنا - لا يؤخذ من العبارة فحسب، بل قد يكون مدلول الإشارة أو الاقتضاء، أو الدلالة. وبصورة عامة - كما يرى الأكثرون -: إن اللفظ يدل بمنطوقه ومفهومه (^٢). كما سيأتي تفصيل ذلك في حينه.\nولعل ما ذكرناه في تطوافنا حول الاجتهاد في بيان النصوص، يلقي ضوءًا جديدًا على ما دعا إليه ابن المبارك من الاعتماد على الأثر، وأن يستخدم الرأي في تفسير النصوص، وذلك قوله - كما سبق -: \"ليكن الذي تعتمد عليه هذا الأثر وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث\".\nوالآن: إذا كان ما قدمناه شأن الاجتهاد في حالة وجود النص، وذلك بفهمه والكشف عن معانيه، إن أمرًا على جانب عظيم من الأهمية يجب أن يضاف إلى ما ذكر؛ وهو: أن القياس في حقيقته لا بد له من تفهُّم النص\n_________\n(^١) انظر ما يأتي: في مبحث \"دلالات الألفاظ على الأحكام\" عند الحنفية والمتكلمين.\n(^٢) والمفهوم قد يكون مفهوم موافقة، وهو ما يدعوه الحنفية \"دلالة النص\" وقد يكون مفهوم مخالفة، بحيث يدل اللفظ على حكم للمسكوت نقيض حكم المنطوق. وهذا المفهوم لم يقل به الحنفية في نصوص الكتاب والسنّة وقال به الشافعية وآخرون - كما سيأتي - ضمن حدود معينة. واستدعى ذلك منهم اجتهادًا في معرفة صلاحية النص لأن يؤخذ بمفهومه المخالف، وتحديد مجال هذا المفهوم.","vol":"1","page":75},{"text":"المقيس عليه، لأنه لا يتسنى إدراك العلة المشتركة بين الواقعة المنصوص عليها، وبين الواقعة الجديدة المراد إعطاؤها الحكم من جديد، ومعرفة توفر الشروط لكل ركن من أركان القياس: إلا بفهم النص فهمًا صحيحًا، وإدراكِ مرامي ألفاظه ومعرفة حدود العلة التي على أساسها قام الحكم، ومن أجلها كان التوجيه إليه.\nولن يكون الباحث قائسًا سليم القياس إلا بذلك. وتلك حقيقة كشف عنها الإمام محمد بن إدريس الشافعي وأوضحها أيما إيضاح (^١). وهكذا نقف لنرى الحاجة للاجتهاد، بالمعنى الذي أردناه، قائمة ومطلوبة في كلتا الحالين.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>مجال الاجتهاد في التفسير:</span>\nأشرنا فيما سبق إلى أن ما نعنيه بالنصوص: هو نصوص الأحكام في الكتاب والسنّة، ذلك أن إليهما مرد سائر الأدلة الأخرى، فهما منبعها الأصيل وموردها الذي تستقي منه.\nغير أن هذه النصوص لا تتسم كلها بطابع القطعية. صحيح أن نصوص الكتاب قطعية الثبوت؛ ولكن منها ما هو ظني الدلالة في كثير من الأحيان. وما صحّ من نصوص السنّة فهو قطعي الثبوت في حالة التواتر، والمتواتر\n_________\n(^١) بعد أن ذكر الشافعي ما يجب توافره في القائس - من المعرفة بالكتاب والسنّة، والصحة في العقل، والقدرة على التفريق بين المشتبه، والأناة في القول، وبلوغ غاية الجهد في ذلك مع الإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك -: قال: (فأما مَن تمّ عقله ولم يكن عالمًا بما وصفنا فلا يحل له أن يقول بقياس، وذلك أنه لا يعرف ما يقيس عليه كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم ولا خبرة له بِسَوْقه. ومن كان عالمًا بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة: فليس له أن يقول أيضًا بقياس لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني.\nوكذلك لو كان حافظًا مقصر العقل، أو مقصرًا عن علم لسان العرب: لم يكن له أن يقيس من قبل نقص عقله عن الآلة التي يجوز بها القياس). \"الرسالة\" بتحقيق أحمد محمد شاكر (ص ٥٠٩ - ٥١١)، وانظر: \"اختلاف الحديث\" (ص ٤٨ - ٤٩) بهامش الجزء السابع من \"الأم\" للشافعي أيضًا.","vol":"1","page":76},{"text":"من هذه النصوص قليل، وعلى هذا فإن نصوصًا كثيرة تبقى في دلالتها عند حدود الظنية. وما ليس بمتواتر من السنّة فهو ظني الثبوت وإن كانت هذه الظنية - وفق ما أشرنا من قبل - لا تعني الشك في الصحة بعد ثبوتها عند أهل الجرح والتعديل. لأن التعبير بالظن مسألة اصطلاحية بمقابل القطع بالتواتر، ويمكن القول بأنها غلبة ظن أقل ما تفيده: علم الطمأنينة، ذلك بأن تزكية علماء الجرح والتعديل والحكم على الحديث بالقبول لأنه المتصل السند من أوله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة: أقوى من تزكية الشاهدين عند القاضي. يعرف هذا من دراسة قواعد الجرح والتعديل وكل ما يتعلق بالحكم على النص عند المحدثين جزاهم الله كل خير، وقد يكون ظني الدلالة.\nومجال الاجتهاد في التفسير: هو النصوص الظنية سواء أكان ذلك من ناحية ثبوتها، أم من ناحية دلالتها؛ والظن من ناحية الدلالة يكون في الكتاب كما يكون في السنّة. والأمثلة على ذلك كثيرة وفيرة، ولعل أكثر ما سنقدمه من نصوص فيما يأتي من مباحث موضوعنا: كان مجالًا للاجتهاد، وميدانًا لتطبيق قواعد التفسير.\nوإذا أعجلتنا رغبة القارئ في إعطاء المثال: فلنقف عند النص التالي: يقول تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nفهذا النص يضم إلى قطعيته من ناحية الثبوت - لكونه قرآنًا - أنه قطعي في وجوب اعتداد المرأة بثلاثة قروء، إذ إن وجوب اعتداد المطلقة هذه الحِقبة الزمنية: دلّ عليه لفظ (ثلاثة) الذي هو عدد، والعدد خاص قطعي الدلالة لا يحتمل البيان، فكان الحكم قطعيًا لا يقبل الاجتهاد. إذ لا اجتهاد في مورد النص.\nولكن تحديد مدلول لفظ \"القرء\" والمراد منه، أهو الحيضة أم الطهر؟ يبقى مجالًا للاجتهاد عند تفسير النص، بحيث يكون على المجتهد البحث عن القرائن والمؤيدات التي تهدي إلى المراد من القرء؛ لأنه لفظ مشترك في أصل الوضع؛ فقد جاء عن العرب - كما هو منصوص - استعماله في","vol":"1","page":77},{"text":"الحيضة كما جاء استعماله في الطهر. وهكذا كان هذا النص القرآني، مجالًا للاجتهاد، لما كان من الظنية في دلالته على الحكم المراد (^١).\nهذا: وإن وسيلة المفسِّر في هذه الحدود من الاجتهاد، معرفةً بنصوص الأحكام من الكتاب والسنّة، وعلم بالعربية التي نزل بها الكتاب، وبالبيئة العربية التي نزل فيها الوحي. كل أولئك إلى معرفة بأسباب النزول وتاريخه، والضوابط التي وضعها العلماء لتفسير النص، والكشف عن معانيه ومدلولاته عندما يراد الاستنباط.\nولعل من الخير أن تقرر أن ما سندركه من قواعد التفسير: هو التطبيق العملي لهذه المعالم التي لا بد من توافرها، لمن يريد مواجهة النص، ليستنبط منه الحكم، ويدرك معناه على شكل سليم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الصاحبي في فقه اللغة\" (ص ٦٥)، وانظر: \"أصول الفقه\" للشيخ زكريا البرديسي (ص ٤٦٥ - ٤٦٦)، وراجع ما يأتي من مباحث المشترك.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>نشأة قواعد التفسير وتدوينها</span>\nإن ما يقال في تدوين أصول الفقه بشكل عام، يقال في تدوين تفسير النصوص، الذي هو جوهر أصول الفقه ولبابه. فقد انتقل رسول الله ﷺ إلى الدار الآخرة بعد أن أدّى أمانة التبليغ والبيان. فالذي أوحي إليه بلّغه للناس، وكان بجانب التبليغ يبيّن لأصحابه وهم أبناء العربية سليقةً - بقوله وفعله وسلوكه ومواعظه، وأقضيته وفتاواه - ما يلزم بيانه لفهم الكتاب، وما يلزم المكلفَ معرفته ليكون مسلمًا في عقيدته وعبادته ومعاملاته، بحيث يسير الفرد والجماعة في الطريق التي تضمن - مع البناء القديم - سعادة الدنيا والآخرة.\nوهكذا لم تكن حاجة إلى فقه مدوّن، أو مناهج لاستنباط الأحكام من كتاب الله وسنّة رسوله، ما دام الموحى إليه موجودًا يؤدي أمانة ربه في البيان، تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\nوجاء عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وهم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، ولديهم سنّة رسول الله ﷺ المبيّنة عن الله ما أراد، فكان لهم من سليقتهم العربية ومعرفتهم بأسباب النزول وطبيعة البيئة التي نزل فيها الوحي، وإدراكهم لأسرار التشريع، بما أدركوا من حال رسول الله ﷺ وقاله، وأسباب ورود الأحاديث: ما أغناهم عن وضع قواعد لتفسير النصوص، التي يراد استنباط الأحكام منها (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"الأم\" للشافعي (٧/ ١٤٥) \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/ ٨٦)، \"الإحكام\" لابن حزم (٢/ ١٢٤)، \"مقدمة الإبهاج\" لتقي الدين السبكي (١/ ٤).","vol":"1","page":79},{"text":"وإذا كانت الضوابط توضع، لتكون موازين للفهم والاستنباط، لئلا ينحرف المستنبط أو يزل، فإن ما توفر للصحابة من ملكة اللسان، والوقوف على أسرار التشريع بمعاصرة الوحي، ومعرفة بأسباب نزوله، وبيان المبلغ عن ربه ما أراد: كاف كل الكفاية لأداء الغرض الذي من أجله توضع الضوابط وتحدد الموازين (^١).\nولذلك يحمل إلينا تاريخهم، نماذج من الفهم في كتاب الله وسنّة رسوله، كانت مفردات لضوابط التفسير التي وضعت فيما بعد، وإنما كان ذلك منهم سليقة وملكة (^٢).\nوفيما يأتي من المباحث، كثير من النماذج، والأمثلة، على فهومهم واستنباطاتهم، وفي كتب التفسير والحديث والآثار: غناء لمن أراد مزيدًا من الاستقصاء (^٣).\nومضى الصحابة على ما ذكرنا، وجاء من بعدهم تلامذتهم التابعون الذين أخذوا عنهم فقه الكتاب والسنّة (^٤) وكل طبقة من هؤلاء التابعين تفقهوا على يد من كان عندهم من الصحابة، في البلد الذي يقطنونه، أو يرحلون إليه.\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٢/ ١٢٤ - ١٣٤) \"فتح الباري\" للحافظ ابن حجر (٣/ ١٨٢)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٢٨) رسائل ابن تيمية، \"رفع الملام عن الأئمة الأعلام\" (ص ٤) فما بعدها.\n(^٢) انظر كلامًا مفصّلًا نافعًا في: \"إعلام الموقعين\" (١/ ٨٠) منقولًا عن الشافعي ﵀، \"حجة الله البالغة\" للدهلوي (١/ ١٥٢ - ١٦١)، \"الإنصاف في أسباب الاختلاف\" للدهلوي (ص ٩) فما بعدها.\n(^٣) انظر: \"الآثار\" لمحمد بن الحسن (ص ٤٣) \"الأم\" للشافعي (٧/ ١٤٥)، \"صحيح الترمذي\" بشرح ابن العربي (١١/ ١٩٠) \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ١٥٧)، \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/ ١٠٣) فما بعدها، \"الإحكام\" لابن حزم (٢/ ١٢٥)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٢٢٣) \"رفع الملام عن الأئمة الأعلام\" لابن تيمية (ص ٤) فما بعدها، \"إعلام الموقعين\" لابن القيم (١/ ٢٨٠) فما بعدها.\n(^٤) كعطاء في مكة، وسعيد بن المسيب في المدينة، وعلقمة النخعي وإبراهيم النخعي والحسن البصري في العراق. وانظر: \"الإجابة\" للزركشي (ص ٩٧ - ٩٨) تحقيق سعيد الأفغاني.","vol":"1","page":80},{"text":"وتطوَّر الزمن، واتسع الفتح الإسلامي، واختلط العرب بغيرهم بحكم انسياحهم في البلاد المفتوحة، واتساع رقعة الدولة، فلم تعد العربية سليقة لكثير من الناس؛ وخاصة سكان الحضر، وكثرت الحوادث التي لم يكن للمسلمين عهد بها قبل الفتح. وكان ذلك كله مدعاةً لنوع من الضبط لمآخذ الأحكام الفقهية، ليتسنى للمجتهد فهم سليم لنصوص الكتاب والسنّة، وإعطاء أحكام لما يجدُّ من وقائع، لم تكن من ذي قبل.\nوقد تمخضت الحاجة إلى الضبط، وقوانين الاستنباط بجانب النصوص، وتنوُّع ظروف البلاد الإسلامية، عن وجود نزعتين في معالجة النص، وإعطاء الحكم لكل حادثة تجد:\nإحداهما: نزعة الحديث، وقد غلبت على أهل الحجاز وارث النبوة.\nالثانية: نزعة الرأي وقد غلبت في ذلك العصر على أهل العراق، وارث الحضارات.\nمع أن كلا الفريقين عنده الحديث وعنده الرأي، وكانت نهضة عظيمة ترمي إلى الوفاء بالحاجات العملية للمجتمع، وقد اتسع ميدان الجدل والمناظرة بين فقهاء النزعتين، كما بدأت تكثر في نظر الباحثين الاحتمالات، والاشتباهات في مدلولات النصوص، ومعاني الألفاظ، وكانت طبيعة هذه المرحلة، تقضي بأن يعنى كل فريق بضبط مسائله؛ فظهرت نثارات من الضوابط هنا وهناك، تعتمد على أذواق تربَّت في ظل الملكات الفكرية في الفقه، والحرص على الاستعانة بما جرى عليه الاستعمال عند الصحابة، وتلامذتهم من التابعين (^١).\nوتلك الضوابط، وإن لم تتضح معالمها، إلا أن الباحث يجزم أن فهوم أولئك الأئمة واجتهاداتهم، لم تكن عن عبث أو هوى، وإنما كانت ثمرة لما استضاء به ذهن الفقيه، وملكته الواعية المدركة، وإن كان ذلك لم\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (١/ ٢٨٠). وانظر: \"مذكرة في تاريخ التشريع الإسلامي\" لعبد الرحمن تاج ومحمد علي السايس (ص ١٥٩ - ١٦٢)، \"المدخل للفقه الإسلامي\" (ص ٤٤ - ٤٥) لمصطفى شلبي.","vol":"1","page":81},{"text":"يخرج إلى حيز الواقع على شكل قواعد مدونة (^١).\nحتى جاء الإمام الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤ هـ فوضع \"الرسالة\" في أصول الفقه. بناء على طلب الإمام الحجة الثقة عبد الرحمن بن مهدي: فكان عمله مرحلة طبيعية، واستجابة لحاجة أعلن عنها الواقع بعد منتصف القرن الثاني الهجري، ذلك الواقع الذي تمثّل في البُعد عن الملكات اللسانية والسليقة العربية الأولى، نتيجة الاختلاط بين العرب والأعاجم من المسلمين بعد الفتوح، مع ضرورة العلم بالقوانين والضوابط التي من طريقها تؤخذ الأحكام من الأدلة، كل ذلك إلى جانب ما كان من نزعتَي الرأي والحديث - كما سبقت الإشارة - قبل أن يعلن الشافعي عن وضع قواعد الاستنباط، حيث أدخل الفقه في الطور العلمي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-27>الشافعي يدون قواعد للتفسير:</span>\nوبدأ الشافعي طريقه فتفقه - أول ما تفقه - على أهل الحديث من علماء مكة، ثم ذهب إلى إمام أهل الحديث مالك بن أنس في المدينة، فلزمه وأفاد من علمه وفضله الكثير.\n_________\n(^١) راجع: مقدمة \"البحر المحيط\" للزركشي، مخطوطة دار الكتب المصرية. مقدمة \"الحاصل\" للأرموي، مختصر \"المحصول\" للرازي، مخطوطة دار الكتب المصرية.\nوانظر: \"مقدمة ابن خلدون\" تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي (٣/ ١٣٠)، \"التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية\" لمصطفى عبد الرازق (ص ٢٣٢) فما بعدها.\n(^٢) هذا: وقد أوضح ابن خلدون في \"مقدمته\" كيف دعت الحاجة إلى وضع قوانين الاستنباط، فقال عند حديثه عن تدوين أصول الفقه الذي تعتبر قواعد التفسير جوهره الذي يقوم عليه: (واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدَثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيَد مما عندهم من الملكات اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصًا: فمنهم أخذ معظمها. . فلما انقرض السلف، وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة - كما قررناه من قبل - واحتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوها فنًا قائمًا برأيه سمُّوه \"أصول الفقه\").\nراجع: \"مقدمة ابن خلدون\" بتحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي (٣/ ١٠٣٠)، وانظر: \"التمهيد في الفلسفة الإسلامية\" لمصطفى عبد الرازق (ص ٢٣٣) فما بعدها.","vol":"1","page":82},{"text":"ولقد تسنّى للشافعي، فيما بعد، أن يتصل بمحمد بن الحسن ﵀ فيأخذ فقه أهل العراق، فانضم هذا إلى ذاك، ومعهما ما استوعبه من فقه مكة بنشأته وإقامته فيها.\nكل هذا إلى إمامة في اللغة، ومعرفة بأساليب العرب في شعرها ونثرها، والبيئة التي نزل فيها الوحي. وإذ قد توافر ذلك كله لهذا الإمام الذكي الألمعي، بدأ بتوجيه الدراسات الفقهية وجهة علمية محددة، وهي وجهة العقل العلمي ووضع كتاب \"الرسالة\" استجابة لطلب عبد الرحمن بن مهدي - كما أسلفنا - التي تحدّث فيها عن الكتاب والسنّة ومراتب البيان، وعن الإجماع والقياس، ورتّب الأصول من كتاب وسنّة وإجماع وقياس وأنزلها منازلها.\nكما تحدّث عن الناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص، والأمر والنهي، وعن المجمل وتفصيله، كما بحث الاستحسان، وذكر الاختلاف الجائز منه والمحرم، وأوضح أهمية العلم بلسان العرب لمن يريد فهم الكتاب والسنّة. وما يجب لمن يريد أن يكون قيَّاسًا من معرفة بالواقع مع الاطلاع العلمي كل ذلك بأسلوب علمي منظّم، وبحث منطقي دقيق. وإن كانت الرسالة التي بين أيدينا هي الرسالة الصغرى التي اختصر فيها الرسالة الكبرى التي ما تزال في حيز الفقدان. وفي كتاب \"الأم\" وغيره الكثير من القواعد الأصولية وتخريج الفروع الفقهية على الأصول.\nويبدو أنه ليس هناك ما يدل على أن أحدًا قبل الإمام الشافعي قد ألّف في أصول الفقه وتفسير النصوص على أن ذلك علم قائم بذاته. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: لم نكن نعرف العموم والخصوص حتى ورد الشافعي. وقال الجويني في \"شرح الرسالة\": (لم يسبق الشافعي في تصانيف الأصول ومعرفتها، وقد حكي عن ابن عباس تخصيص عموم، وعن بعضهم القول بالمفهوم من بعدهم لم يُقل في الأصول شيء، ولم يكن لهم فيه قدم، فإنا رأينا كتب السلف من التابعين وتابعي التابعين","vol":"1","page":83},{"text":"وغيرهم ما رأيناهم صنّفوا فيه) (^١).\nوقد بيّن الرازي أن نسبة الشافعي إلى علم أصول الفقه كنسبة أرسططاليس إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض، وبعد أن قرر ذلك قال: (فكذلك هنا الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل \"أصول الفقه\" ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي يرجع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها، وترجيحاتها فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه ووضع للخلق قانونًا كليًا يرجع إليه في مراتب أدلة الشرع) (^٢).\nأما ما يروى من أن قواعد وضعت قبل الشافعي؛ فالمقصود بذلك في رأينا تلك النثارات المضيئة التي ألمحنا إليها (^٣) من قبل؛ بدليل أن الحنفية مثلًا يظهر في مصنفاتهم ما يدل بوضوح - كما سيأتي - على أن القواعد الأصولية عندهم تهدي إليها فروع الأصحاب السابقين وأن قواعدهم ضوابط لتلك الفروع. فترى مثلًا أبا بكر الجصاص (^٤) عندما يريد أن يستدل على عدم صلاحية الأخذ بمفهوم المخالفة، يأتي بفرع فقهي مروي عن محمد بن\n_________\n(^١) \"التمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية\" لمصطفى عبد الرازق (ص ٢٣٤) نقلًا عن نسخة خطية في المكتبة الأهلية بباريس.\n(^٢) \"مناقب الإمام الشافعي\" للرازي (ص ٩٨ - ١٠٢). وانظر: \"التمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية\" لمصطفى عبد الرزاق (ص ٢٣٤) فما بعدها. وانظر له أيضًا: المقال السابع في العدد ٢٩ من مجلة الرسالة سنة ١ مجلد ٢. وانظر في مناقشة القائلين بسبق بعض أئمة الجعفرية في هذا: \"أصول الفقه الجعفري\" (ص ٦ - ٩)، \"الإمام الصادق\" (ص ٢٦٨ - ٢٧٠) لأستاذنا أبي زهرة.\n(^٣) انظر ما سبق (ص ٨١).\n(^٤) هو أبو بكر أحمد بن علي المكنى بالرازي نسبة إلى الري، والملقب بالجصاص نسبة إلى العمل بالجص، من كبار متقدمي الحنفية في التفسير لآيات الأحكام، والفقه والأصول. وممن تفقه عليه: الجرجاني شيخ القدوري، وأبو الحسن الزعفراني، من مصنفاته: \"أحكام القرآن\"، \"أصول الفقه\"، \"شرح مختصر الكرخي\"، \"شرح مختصر الطحاوي\"، \"شرح الجامع الصغير وشرح الجامع الكبير\" لمحمد بن الحسن في الفقه. توفي ﵀ سنة ٣٧٠ هـ.","vol":"1","page":84},{"text":"الحسن ﵀ يستنتج منه ما أراد (^١)، ولو أن في القضية قاعدة أصولية من وضع أبي يوسف أو محمد بن الحسن لذكرها، ونجد مثل ذلك في كثير من القواعد التي لا تراه يستدل لها إلا بفروع منقولة عن الأئمة الأولين؛ فما دامت الفروع بهذا الشكل فمعنى ذلك في نظره أن القاعدة الأصولية هي: كيت وكيت.\nوجرى على هذه الطريقة من جاء بعد الجصاص من المؤلفين؛ يرى ذلك بوضوح عند البزدوي والسرخسي وغيرهما. فمثلًا: البزدوي في حديثه عن دلالة العام هل هي قطعية أو ظنية يقرر أنها قطعية لأن: (على هذا ذات فروع أصحابنا) (^٢). والسرخسي في بحث دلالة النص، وإثبات أنها ليست قياسًا، يستدل على ذلك بكثير من الفروع الفقهية المروية عن أئمة المذهب (^٣). ومثل ذلك كثير.\nوهكذا كانت رسالة الإمام الشافعي، حدثًا جديدًا أدخل تفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنّة، في طور علمي محدد القواعد، منضبط القوانين والموازين، وحسبها أنها فتحت الآفاق، ومهّدت السبيل حتى جاء الكاتبون بعد الشافعي، فتابعوا الطريق، حيث أوسعوا القول بتلك القواعد والقوانين، وعملوا على تنمية علم أصول الفقه وتنسيقه وتحرير مسائله، وإن كانت بعض المباحث قد زيدت فيه، وهي بعلم الكلام أوْلى وأحرى.\nويبدو أن الأمر بالنسبة للشافعي لم يقتصر على \"الرسالة\" فقط، بل إن آثارًا متعددة لهذا الإمام بحثت في أصول الفقه وتفسير النصوص (^٤) كالذي نرى في كتابه الموسوعي \"الأم\" وغيره من مصنفاته.\n_________\n(^١) راجع: \"أصول الفقه\" للجصاص (١/ ٤٩ ب) مخطوطة دار الكتب المصرية، وانظر ما يأتي في مبحث: \"مفهوم المخالفة\".\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" (١/ ٢٩١) فما بعدها.\n(^٣) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(^٤) انظر: \"البحر المحيط\" للزركشي مخطوط دار الكتب المصرية وقد طبع محققًا، و\"نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام\" للدكتور علي سامي النشار (ص ٩ - ١٠) وقال الزركشي =","vol":"1","page":85},{"text":"هذا: وإن المتتبع لآثار العلماء في هذا الباب، يرى أنه كان لهم بعد الشافعي طريقتان أساسيتان مختلفتان:\nإحداهما: طريقة نظرية، تقوم على تحقيق القواعد تحقيقًا منطقيًا، وإقرار ما يؤيده البرهان النقلي والعقلي منها، دون تأثر بفروع مذهب من المذاهب أو التقيد برأي إمام معين. فالمقصود في هذا الاتجاه: تحرير القاعدة وتنقيحها، من غير تطبيقها على أي مذهب تأييدًا أو نقضًا.\nومن هنا رأينا أن الكاتبين من الشافعية مثلًا، كثيرًا ما يختلفون في تحديد قاعدة من القواعد، بل كثيرًا ما نرى الخلاف بين واحد منهم أو أكثر وبين الإمام الشافعي واضع الرسالة نفسه، فمثلًا: نرى الإمام الشافعي يعتبر مفهوم الموافقة قياسًا جليًا، بينما نرى أكثر العلماء من الشافعية يفرقون بين القياس من حيث هو، وبين مفهوم الموافقة، ولسوف نرى في المباحث القادمة العديد من هذه النماذج.\nوواضح أن هذا التجرد عن الالتزام برأي الإمام نفسه، إنما كان ثمرة من ثمرات اتجاه يقوم على تحديد قانون للاستنباط، مقوماتُه الدليل القائم على صحته، لا رأي هذا الإمام أو ذاك (^١).\nوقد ظهر هذا الاتجاه عند الشافعية، والمالكية، والحنابلة، والشيعة الإمامية، والزيدية، والإباضية. ولقد كان فريق كبير من هؤلاء يكتبون وفق أسلوب علماء الكلام، فسميت الطريقة طريقة المتكلمين.\nالثانية: طريقة تقوم على محاولة ضبط فروع أئمة الحنفية، بقواعد جديدة تعتبر هي الأصول، ثم رد تلك الفروع إليها، فترى الباحثين قد جعلوا فروع\n_________\n= في \"البحر المحيط\": (الشافعي أول مَن صنّف في أصول الفقه، صنّف فيه كتاب \"الرسالة\" و\"كتاب أحكام القرآن\" و\"اختلاف الحديث\" و\"إبطال الاستحسان\" و\"كتاب القياس\" ثم تبعه المصنفون في علم الأصول، قال أحمد بن حنبل: لم نكن تعرف العموم والخصوص حتى ورد الشافعي). وانظر: مقدمة \"الحاصل\" للأرموي، مختصر \"المحصول\" للرازي. مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^١) راجع: \"مقدمة ابن خلدون\" (٣/ ١٠٣١) تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي.","vol":"1","page":86},{"text":"الإمام أبي حنيفة ﵀ وأصحابه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر وغيرهم، هي الأساس في الخط الذي جرى فيه سير القواعد المراد وضعها، فبدلًا من أن تكون هنالك قواعد تخضع لها فروع تستخرج منها، نجد هنا فروعًا تخضع لها القواعد، ولذلك نرى مثلًا أبا بكر الجصاص في كتابه \"الأصول\" يأتي بالقاعدة، وبعد أن يقررها يقول: على هذا دلّت فروع أصحابنا. وهذا ما نراه عند الدبوسي والسرخسي والبزدوي وغيرهم. وقد أشرت إلى ذلك من قبل.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة وفيرة (^١). . . كما يأتي التفصيل في مواطنه من البحث؛ ومن هنا كانوا إذا لم تنضبط القاعدة على بعض الفروع، شكّلوها بالشكل الذي يتفق مع ذلك الفرع الذي خرج عن القاعدة. فمثلًا: إنهم يقررون أن (المشترك) لا يطلق على معنييه جميعًا مرة واحدة، وحين يخرج من ذلك واقعة من يوصي لمواليه - والمولى يشمل المعيق والمعتَق - خرجوا على القاعدة الأولى وقالوا: المشترك لا يَعُمُّ: في حال النفي، لا في حال الإثبات.\nوبيان ذلك أنه على القاعدة الأولى: تبطل الوصية لجهالة الموصى له، وفي الحالة الثانية يمكن اعتبار الوصية غير باطلة، لأن الكلام مثبت لا منفي.\nوكما في مسألة (المقتضى والمحذوف) التي سيأتي الكلام عنها في دلالة الاقتضاء؛ فالحنفية لا يقولون بمعموم المقتضى، ولكن عندما اعترضت سبيلهم بعض الفروع: عمدوا إلى التفريق بين المقتضى والمحذوف؛ فالأول لا عموم له والثاني لا مانع من أن يكون له عموم، فما بدا أن له عمومًا - كما في بعض الفروع - فهو من المحذوف، وليس من المقتضى.\n_________\n(^١) انظر: \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (٣/ ٩٨)، مقدمة \"الإبهاج شرح المنهاج\" لتقي الدين السبكي (١/ ٤) \"أصول التشريع الإسلامي\" لعلي حسب الله (ص ٧).","vol":"1","page":87},{"text":"ولما كان الحنفية هم الذين ساروا على هذا الاتجاه: فقد نسبت الطريقة إليهم وسميت باسمهم. وتتميز هذه الطريقة بكثرة الفروع والتطبيقات.\nوهكذا يكون لدينا بعد تدوين الشافعي لقوانين الاستنباط طريقتان أصليتان هما: طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية هما الأساس لما كان وراءهما من الطرائق.\nهذا: وقد غنيت المكتبة الفقهية بالعديد من المصنفات على كل من الطريقتين حيث جرى فيها أصحابها على إبراز القواعد والتدليل عليها، وإيضاح معالم المذهب فيها (^١).\nعلى أن الأمر لم يقتصر في واقعه على ذلك، بل وجد من العلماء من جمع في تصنيفه بين الطريقتين كلتيهما (^٢).\n_________\n(^١) ومن أقدم هذه المصنفات على طريقة المتكلمين \"العمد\" أو \"العهد\" للقاضي عبد الجبار وشرحه \"المعتمد\" لأبي الحسين البصري تلميذ القاضي، وقد اطلعنا على \"المعتمد\" في \"فيلم\" لنسخة مخطوطة بمعهد المخطوطات للجامعة العربية وفيه نصوص من العمد التي تذكر لشرحها. وقد يسر لنا ذلك وكثيرًا غيره - مشكورًا - الأخ الأستاذ رشاد عبد المطلب. وبعد صدور الطبعة الأولى لكتابنا صدر \"المعتمد\" بجزأين ضخمين عن المعهد العربي الفرنسي بدمشق سنة ١٩٦٤ بتحقيق محمد حميد الله وآخرين. ومنها أيضًا \"البرهان\" لإمام الحرمين الجويني، ويوجد منه نسخة خطبة مصورة في دار الكتب المصرية، وقد يسر لنا الانتفاع بها وبكثير من المخطوطات غيرها في أصول الفقه والقواعد والاختلاف وفقه الكتاب والسنّة أمين قسم المخطوطات في الدار الأخ الأستاذ فؤاد السيد الذي لم يألُ جهدًا في هذه السبيل شكر الله له ولإخوانه هناك. وقد توفي الأستاذ فؤاد ﵀ قبل البدء بالطبعة الثانية هذه، والله المسؤول أن يجزل مثبوته ويجزيه عن العلم وأهله خير الجزاء.\nومن أقدم ما بين أيدينا على طريقة الحنفية \"أصول الفقه\" لأبي بكر الجصاص، و\"تقويم الأدلة\" لأبي زيد الدبوسي. وفي دار الكتب المصرية نسخة خطية لكل منهما، وينسب البعض لأبي الحسن الكرخي شيخ الجصاص كتابًا في أصول الفقه، والذين بين أيدينا من آثاره رسالة صغيرة بعنوان \"الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية\" هي بعلم الخلاف ألصق منها يعلم أصول الفقه.\n(^٢) كما يلاحظ في كتاب \"بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي\" و\"الإحكام\" للمظفر الساعاتي من الحنفية. المتوفى سنة ٦٩٤ هـ.","vol":"1","page":88},{"text":"ومن الخير أن نقرر أن بعض المؤلفين، خرج على الطريقتين ونهج نهجًا فلم يلتزم بأسسهما التزامًا كاملًا، وإنما سلك سبيلًا غير ذلك (^١).\nولقد كان ذلك كله، أثرًا من آثار استنارة الفكر الإسلامي، والعمل على تحديد معالم الطريق في استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة. ولقد بلغ علماؤنا في ذلك شأوًا بعيدًا حتى أصبح تحديد هذه المعالم وتذليل طرق الاستنباط وإيضاح سبله مرتبة فضل تقصد، ونافلة خير يبتغي بها رضوان الله.\n_________\n(^١) كما نرى في كتاب \"الإحكام في أصول الأحكام\" للإمام ابن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ. وقد تميز هذا الكتاب بذكر المصطلحات الأصولية التي نراها في أوله بين يدي مباحثه، ثم العناية بالسنن والآثار في أثناء عرض القواعد، إلى جانب الطابع الظاهري في الكتاب والتطبيقات العملية على الفروع.\nوكما نرى في \"تخريج الفروع على الأصول\" لأبي المناقب الزنجاني المتوفي سنة ٦٥٦ هـ. أحد أئمة الشافعية في العربية والفقه، وقد قام هذا الكتاب على تتبُّع المذهبين الحنفي والشافعي في أكثر أبواب الفقه وضبط الفروع فيهما بضوابط من أصول الفقه، والقواعد الفقهية، ورد الاختلاف في الفروع إلى الاختلاف في تلك الضوابط والأصول. وكان عمل المؤلف محاولة منهجية رائعة في بيان كيفية تفرع الأحكام عن أصولها وضوابطها في كلا المذهبين بطريقة منطقية سليمة تتسم بالدقة والتجرُّد.\nوقد وقعتُ على نسختين مخطوطتين منه إحداهما في دار الكتب المصرية، والثانية في الأزهر - وبها خروم - ثم تيسّر لي - بحمد الله - تحقيقه والتعليق عليه ونشره لأول مرة مقارنًا على النسختين المذكورتين معهدًا ميسّرًا للقارئ، وتمّ طبعه بعد الإنجاز أثناء عملي بالرسالة \"تفسير النصوص\" في مطبعة جامعة دمشق.\nولا ننسى كتاب \"الموافقات\" للإمام أبي إسحاق الشاطبي، الذي سار في عرض القواعد في ظل العناية بمقاصد الشريعة والمصالح التي يقدّرها الشارع، ويرسم ضوابطها، مع حرص على العناية باللغة والتوجيه إلى معرفة البيئة التي نزل فيها الوحي، ومن الكتب الجامعة كتاب \"إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول\" لمحمد علي الشوكاني من رجال القرن الثالث عشر.\nهذا: وفي مقدمات كتب الأصول، ومراجع الثقافة الإسلامية، غناء لمَن أراد الاستقصاء في مصنفات هذا العلم العظيم.\nوانظر: مقدمة \"نفائس الأصول\" للقرافي، شرح \"المحصول\" للرازي، مخطوط دار الكتب المصرية؛ ومقدمة \"البحر المحيط\" للزركشي، مخطوطة دار الكتب المصرية أيضًا.","vol":"1","page":89},{"text":"جاء في معرض الحديث عن القرآن قول الإمام الشافعي ﵀: (والناس في العلم بالقرآن طبقات: موقعهم من العلم، بقدر درجاتهم في العلم به. فحق على طلبة العلم، بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه: نصًا واستنباطًا. . فإن مَن أدرك علم أحكامه في كتابه، نصًا واستدلالًا، ووفّقه الله للقول، والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه، ودنياه، وانتفت عنه الرِيَب، ونوّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) \"الرسالة\" (ص ١٩) بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه لله.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>الفصل الثالث نظرة عامة حول التفسير وَمدارسه في القانون</span>\n<span data-type='title' id=toc-29>معنى التفسير في القانون ومجاله. . . أنواع التفسير. . . مدارس التفسير معنى التفسير:</span>\nيرى رجال القانون، أنه عندما يراد تطبيق قاعدة من القواعد القانونية على أحوال الحياة، وما يجدُّ فيها من وقائع، وذلك بإعمال حكمها على الحالات الواقعية التي يصدق عليها الغرض فيها، لا بد قبل ذلك من خطوة لازمة دائمًا لهذا التطبيق وهي: تحديد مدلول تلك القاعدة، لتحديد المعنى المراد منها؛ وذلك هو: التفسير.\nوإذن: فالتفسير عندهم: هو تحديد معنى القاعدة القانونية من واقع الألفاظ التي عبّر بها المشرع، وإن شئت قلت: التفسير: هو الاستدلال على الحكم القانوني من نصوص التشريع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>مجال التفسير:</span>\nلا خلاف بين رجال القانون، في أن التفسير يرد على النصوص التشريعية المراد تطبيقها؛ إذ إن القواعد التشريعية توضع في صورة كتابة رسمية، من سلطة مختصة يناط بها أمر التشريع.\nوعندما تريد جهة ما، استخلاص معنى القاعدة القانونية من مدلولات\n_________\n(^١) انظر: \"أصول القانون\" للسنهوري وأبو ستيت (ص ٢٣٥).","vol":"1","page":91},{"text":"الألفاظ التي عبّر بها المشرع: يقتضيها ذلك تفسير هذه الألفاظ التي تكوَّن منها النص القانوني لمعرفة حقيقة معناها الذي تدل عليه.\nوإذا كان التفسير يرد على النصوص التشريعية، فهو يرد إذن على بعض الكتب الدينية، التي تعتبر مصدرًا للأحكام القانونية؛ كالتوراة والقرآن، وسنّة الرسول ﵊.\nولكن هل يرد التفسير على القواعد العرفية (^١)؟\nلقد اختلفت الآراء في ذلك؛ فالأكثرون على أن التفسير لا يرد إلا على المصدر الذي يأتي باللفظ والمعنى معًا، والقاعدة العرفية ليست كذلك (^٢).\nويعطي بعض الفقهاء التفسير معنًى أوسع، بحيث لا يقتصر على القواعد التشريعية وغيرها من المصادر الرسمية، وإنما يشمل أيضًا البحث عن الحكم الواجب إعطاؤه لما يعرض في العمل من فروض لم تواجهها تلك القواعد، ومن ذلك: القواعد العرفية وذلك لإعطاء حكم في واقعة جديدة لم يتناولها نص القاعدة التشريعية (^٣).\nوالذي نميل إليه: هو قصر التفسير على المصدر الذي يأتي باللفظ\n_________\n(^١) القاعدة العرفية: (هي التي تنشأ عن العرف وهو سلوك الناس في مسألة معينة على نحو خاص).\n(^٢) جاء في \"أصول القانون\" للسنهوري، وأبو ستيت (أن التفسير لا يكون إلا بالنسبة للمصدر الذي يأتي بالمعنى واللفظ معًا، وهذا الوصف لا ينطبق إلا على التشريع، وبعض الكتب الدينية التي تعتبر مصدرًا للأحكام القانونية كالقرآن والتوراة، أما مصادر القانون الأخرى: فلا حاجة إلى تفسيرها، لأنها عبارة عن معنى مستقر لا يقيده لفظ خاص). انظر: \"أصول القانون\" (ص ٢٣٦).\n(^٣) انظر: الدكتور حسن كيرة في \"المدخل\" (ص ٥١١ - ٥٢٢) حيث قرر أن التفسير هو الوقوف على ما تتضمنه القاعدة القانونية من حكم والبحث عن الحكم الواجب إعطاؤه لما قد يعرض في العمل من فروض لم تواجهها القاعدة القانونية، وبعد أن بيّن ورود التفسير على كل القواعد أيًا كان مصدرها الرسمي قال: (فمشكلة التفسير إذن مشكلة عامة تثار بصدد كل المصادر الرسمية للقانون ثم تتجاوز ذلك كله - عند نقصها - إلى المصادر الأولية المكونة لجوهره).","vol":"1","page":92},{"text":"والمعنى معًا؛ لأن التوسع في معنى التفسير حتى يشمل ما وراء ذلك - وفيه البحث عن القواعد العرفية - تجاوز للمعنى الاصطلاحي للتفسير الذي هو: (بيان معنى القاعدة القانونية بتحديد مدلول الألفاظ التي عبّر بها المشرع) وهو معنًى لا ينبو أيضًا عن المعنى اللغوي للتفسير الذي هو الكشف والإظهار.\nفالقاعدة العرفية - كما مر - ليست نصًا مكتوبًا يحتوي على اللفظ والمعنى، ولكنها ثمرة لاعتياد الناس سلوكًا معينًا في أمر معين، فهذه القاعدة، وإن كانت تحتاج إلى بيان وإيضاح، ولكن ذلك يختلط في البحث عن سلوك الأفراد واستقراء عاداتهم، لتبين وجود تلك القاعدة، فإذا دلّ الاستقراء على وجودها: كان ذلك في الغالب سبيل الوصول إلى معناها المراد عند أولئك الأفراد الذين انتظم سلوكَهم ذلك العرف.\nوإذا كان الأمر كذلك، لم تكن القاعدة العرفية محلًا للتفسير (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-31>أنواع التفسير في القانون</span>\nلقد تنوّع التفسير بحسب الجهة التي تتولاه؛ فقد يقوم المشرع - ولو نادرًا - بالتفسير. والعادة أن يقوم به القضاء؛ لأنه هو الذي يتولى مهمة التطبيق، وكثيرًا ما يساعده في ذلك الفقه.\nوهكذا يكون للتفسير أنواع ثلاثة هي:\nالتفسير التشريعي.\nالتفسير القضائي.\nالتفسير الفقهي.\n_________\n(^١) انظر في ذلك: \"المدخل للعلوم القانونية\" للدكتور منصور مصطفي منصور (١/ ٢٤٥) ١٩٦٠ دار التأليف.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>١ - التفسير التشريعي:</span>\nالتفسير التشريعي: هو ما يصدر عن المشرع نفيه تفسيرًا لقانون سابق؛ فقد يشور خلاف حول قاعدة قانونية، وقد لا تهتدي بعض المحاكم أو أكثرها إلى ما يدل عليه نص من نصوص التشريع، فتقضي بما يخالف المعنى الذي قصده المشرع، وعندئذ يتدخل المشرع فيفسر النص الذي ثار حوله الخلاف، أو لم تهتدِ إليه بعض جهات القضاء، وبذلك يبين حقيقة مراده وقصده. ويسمى التشريع الذي يصدر لتفسير تشريع سابق \"التشريع\" أو \"القانون التفسيري\".\nوقد اختلف أمر هذا التفسير عن ذي قبل: ففي القانون الروماني والعصور الوسطى، كان هو الطريق الوحيدة لتفسير النصوص الغامضة، وكان القاضي يوقف الفصل في النزاع المعروض عليه، حتى يتدخل المشرع نفسه، فيصدر تفسيرًا لذلك التشريع الذي لم يدرك القاضي معناه ليطبقه على الواقعة المعروضة.\nأما في العصر الحديث: فقد أصبح التفسير التشريعي نادر الوقوع فلم يعد له إلا حظ ضئيل في التفسير، ومرد ذلك إلى تقرير مبدأ فصل السلطات، واقتصار المشرع على إصدار القواعد القانونية والإلزام بها، تاركًا إلى السلطة القضائية مهمة تفسير هذه القواعد، وتطبيقها على الوقائع المختلفة.\nومن أمثلة التفسير التشريعي في مصر: المرسوم بقانون الصادر في ٢ مايو (أيار) سنة ١٩٣٥ بتفسير المرسوم الصادر في ٢ أغسطس (آب) سنة ١٩١٤ الذي قضى بتقرير السعر الإلزامي لأوراق البنكنوت، وبطلان شرط الدفع بالذهب، واعتبار الوفاء بأوراق البنكنوت، كما لو كان حاصلًا بالعملة الذهبية. إذ لم تهتدِ المحاكم إلى التفسير الصحيح لبطلان شرط الدفع بالذهب، فبعض المحاكم قضى بصحته، والبعض الآخر قضى ببطلانه، وذهبت المحاكم المختلطة إلى التفريق بين المعاملات الداخلية فأبطلت الشرط فيها وبين المعاملات الدولية فاعتبرت الشرط فيها صحيحًا، ولذلك","vol":"1","page":94},{"text":"تدخل المشرع المصري لحسم الخلاف فأصدر مرسوم سنة ١٩٣٥ الذي قرر فيه أن البطلان المنصوص عليه في مرسوم ٢ مايو سنة ١٩١٤ لا يقتصر على المعاملات الداخلية، بل يشمل كذلك المعاملات الدولية، فكان مرسوم سنة ١٩٣٥ تفسيرًا لمرسوم سنة ١٩١٤، وهو تفسير تشريعي صادر من السلطة التشريعية نفسها.\nومن أمثلة ذلك أيضًا: القانون السوري رقم ٣ تاريخ ٢٣/ ١١/ ١٩٥٤ المتضمن إضافة فقرة إلى قانون الانتخابات العامة تعتبر: \"محسنًا القراءة والكتابة من يحمل شهادة أو مصدقة رسمية تستلزم معرفة القراءة والكتابة، أو من نجح في امتحانات المرشحين، أو استحصل على حكم قضائي من المحكمة المختصة باستيفائه شرائط الترشيح\" وقد نصّ القانون المذكور في مادته الثانية صراحة أن نصه هذا تفسيري (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>مَن له سلطة التفسير:</span>\nهذا: والأصل أن السلطة أو الهيئة التي أصدرت التشريع، هي التي تقوم بتفسيره إذا احتاج إلى تفسير: فالسلطة التشريعية تختص بتفسير التشريعات الرئيسة، والسلطات الإدارية المختلفة تختص كل منها بتفسير ما تضعه من لوائح.\nغير أنه قد يخوّل المشرع سلطة تفسير التشريع الرئيسي، هيئةً أخرى غيرَ الهيئة التي أصدرت التشريع، وما تصدره من تفسير بعدُّه تفسيرًا تشريعيًا كذلك.\nومن الأمثلة القريبة على ذلك، ما حصل فيما يتعلق بتفسير المرسوم بقانون رقم ١٧٨ لسنة ١٩٥٢ الخاص بالإصلاح الزراعي في مصر حيث صدر المرسوم بقانون ٢٦٤ لسنة ١٥٩٢ ونصّ على أنه \"للَّجنة العليا تفسير\n_________\n(^١) وانظر: \"الوجيز في شرح القانون المدني\" للدكتور عدنان القوتلي (ص ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"1","page":95},{"text":"أحكام هذا القانون، وتعَدُّ قراراتها في هذا الشأن تفسيرًا تشريعيًا ملزمًا، وتنشر في الجريدة الرسمية\" وقد فسرت هذه اللجنة بعض قواعد قانون الإصلاح الزراعي بعدة قرارات أصدرتها في هذا الشأن، فكانت هذه القرارات تفسيرًا تشريعيًا صادرًا عن اللجنة بتفويض من السلطة التشريعية التي أصدرت القانون (^١).\nومن المقرر عند رجال القانون: أن التفسير التشريعي الذي يفسر تشريعًا سابقًا، يعتبر أنه صدر معه، فهو متمم له، فلا يقتصر سريانه على ما يحدث بعده من وقائع، وإنما يسري أيضًا على الوقائع السابقة التي حدثت منذ صدور التشريع الأول الذي ورد عليه التفسير، ومرد ذلك إلى أن هذا التفسير لا يُعَدُّ تشريعًا جديدًا أتى بحكم جديد، وإنما يُعَدُّ كاشفًا، أي مظهرًا لحقيقة المراد من ذلك التشريع السابق.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>الإلزام في التفسير التشريعي:</span>\nقلنا: إن التفسير التشريعي يُعَدُّ متممًا للتشريع الذي فسره، وكأنه صدر معه، وباعتبار أنه تشريع صادر عن المشرع، فهو يحمل قوة الإلزام للسلطة القضائية. فعلى القاضي أن يتقيد به عند تطبيق القاعدة القانونية من التشريع السابق، ولا تحق له مخالفة ما نصّ عليه هذا التفسير بحجة أنه لا يعبّر حقيقة عن معنى التشريع المفسر.\nولكن هذا، لا ينفي احتمال أن يتجاوز المشرع نطاق التفسير، فيضع قواعد جديدة، ونظرًا إلى هذا الاحتمال؛ فإنه لا بد لمعرفة القوة الملزمة لما يُعَدُّ تفسيرًا تشريعيًا منسوبًا إلى المشرع من التفريق بين حالتين:\nالحالة الأولى: أن يكون التفسير التشريعي صادرًا عن السلطة الرئيسية التي وضعت التشريع الذي ورد عليه التفسير، أو عن سلطة تملك تغيير هذا\n_________\n(^١) انظر: الدكتور سليمان مرقس في \"المدخل\" (٢٣٧ - ٢٣٩) طبعة سنة ١٩٦١، والدكتور منصور مصطفى منصور (ص ٢٤٦ - ٢٤٧) طبعة سنة ١٩٦٠.","vol":"1","page":96},{"text":"التشريع، وعندها يكون هذا التفسير التشريعي ملزمًا، لا تجوز مخالفته، ولو تضمن قواعد جديدة فيها تعديل للتشريع السابق، وإنما كان هذا الإلزام حتى في حالة التعديل؛ لأن المفروض أن السلطة التي أصدرت التشريع تملك تعديله؛ فلا تنافي ولا تجاوز.\nالحالة الثانية: أن يكون التفسير التشريعي صادرًا عن سلطة أو هيئة مخولة من قبل السلطة الرئيسية، التي هي صاحبة الحق في الأصل، وفي هذه الحال: يكون من الواجب على هذه الهيئة المخولة أن تقف عند حدود ما أذن لها به، فلا تتجاوز تفسيراتها نطاق ما تحتمله النصوص السابقة من تفسير.\nفإذا تجاوزت سلطتها: كان من حق القاضي - بما له من حق الرقابة على صحة التشريعات - أن يمتنع عن تطبيق النصوص التي جاء بها التفسير التشريعي فيما خرج عن حدود التفسير التي يحتملها النص التشريعي السابق.\nوقد حدث ذلك فعلًا، فيما أصدرته اللجنة العليا للإصلاح الزراعي في مصر التي حوّلها قانون ٢٦٤ سلطة تفسير قانون الإصلاح الزراعي ١٧٨ كما أشرنا سابقًا، فلم يؤخذ بالقرارات التي تجاوزت فيها سلطتها في التفسير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-35>٢ - التفسير القضائي </span>(^٢):\nذكرنا في صدر هذا المبحث، أن التفسير خطوة لازمة بين يدَيْ تطبيق التشريع، وأن القضاء هو الذي يقوم بتفسير التشريع، عندما يريد تطبيق نصوصه، وقواعده، على حالات واقعية ترفع له للفصل فيها، فالقاضي في تفسيره للقانون وتطبيقه، ينزل إلى معترك الحياة الواقعية لفض الخصومات، ورفع الحيف، وإقرار الحقوق.\n_________\n(^١) انظر: الدكتور منصور مصطفى منصور في \"المدخل\" (١/ ٢٤٧)، الدكتور إسماعيل غانم في \"الحقوق العينية الأصلية\" (ص ١٩).\n(^٢)  Geni (F)، Méthodes d'interprétation et soruces du droit positif، ٢ vol، Paris (nouveau tirage\nen ١٩٥٤).","vol":"1","page":97},{"text":"ومن هنا كان التفسير بالنسبة للقاضي، ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة للفصل في تلك الحالة من النزاع المعروض عليه، ولذلك كان من المقرر أنه لا يقبل رفع دعوى إلى القضاء، يطلب فيها صاحبها تفسير قاعدة قانونية غامضة، بل يجب أن يكون ذلك بمناسبة نزاع فعلي معروض على القضاء (^١).\nولقد كان طبيعيًا، أن يتأثر القاضي حين يفسر التشريع: بالظروف المحيطة والحاجات العملية، وما يمكن أن يترتب على تطبيق الرأي الذي يجنح إليه من نتائج في واقع الحياة؛ ولذلك فإنه يعمل دائمًا على جعل أحكام القانون، متمشية مع مقتضيات الأحوال، متفقة مع سير العدالة.\n\n<span data-type='title' id=toc-36>٣ - التفسير الفقهي:</span>\nأما التفسير الفقهي: فهو الذي نجده منثورًا في مباحث الفقهاء وشروحهم، وإذا عرض الفقيه لنص تشريعي: بحث فيه بشكل عام ليحصل على الحكم القانوني الذي يقصد المشرع إليه من النص، دون أن تكون أمامه حالة واقعية يهدف إلى تعرف حكم القانون فيها، ويستعين الفقيه على ما يريد من أبحاثه، بقواعد المنطق السليم، معتمدًا على ما تؤدي إليه هذه القواعد، دون نظر إلى النتائج العملية التي يمكن أن يؤدي إليها تطبيق التشريع حسب تفسيره الذي جنح إليه، فهو في بحثه: بعيد عن تلك الظروف والاعتبارات العملية التي تصحب الواقعة المعروضة على القضاء؛ فالتفسير عنده غاية لا وسيلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>بين التفسير القضائي والتفسير الفقهي:</span>\nوهكذا نلاحظ أن ما يغلب على التفسير القضائي: هو الطابع العملي، بينما يغلب على التفسير الفقهي: الطابع النظري؛ فالقاضي يراعي في تفسيره\n_________\n(^١) انظر: \"شرح القانون المدني المصري الجديد\" (الباب التمهيدي) للدكتور كامل مرسي (ص ٨٧ - ٨٨).","vol":"1","page":98},{"text":"مقتضيات الحياة العملية، بينما يغلب على الفقيه مراعاة المنطق البحث، لاستخلاص القواعد العامة (^١).\nوهذا الاختلاف بين الوجهتين في التفسير، يجعل التعاون بين القضاء والفقه، وكأنه غير ميسور.\nغير أن الفقه أخذ منذ أكثر من نصف قرن، يتجه في تفسيره للتشريع وجهة تتسم بالطابع العملي؛ فلم يعد يكتفي بالأبحاث النظرية، وإنما توجه إلى دراسة أحكام القضاء، ومراجعة تطبيقه لنصوص التشريع، على الحالات الواقعية، ليكون على علم بتلك الاعتبارات العملية التي تتأثر بها المحاكم (^٢).\nواتجاه الفقه في التفسير هذه الوجهة العملية: جعل من الفقه الفرنسي متعاونًا مع القضاء بعد انفصال دام طوال القرن التاسع عشر. ولقد كان هذا التعاون ولا يزال - كما يقرر بعض الفقهاء - من خير الوسائل لترقية القانون الفرنسي (^٣).\nوإذ قد عرضنا لمعنى التفسير وأنواعه، فلنبحث في اتجاهاته ومدارسه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-38>مذاهب التفسير العامة</span>\nما من شك، في أن النصوص التي يراد تفسيرها: تكون معبِّرة عن إرادة واضعيها، والمفروض في الوقت نفسه: أنها وضعت في المجتمع لتحكم تصرفات أفراده.\nوبمقدار ما يعطى من القيمة لقصد المشرع وإرادته من جهة، وما يعطى\n_________\n(^١) انظر: \"المدخل\" للدكتور عبد المنعم البدراوي (ص ١٠٩)، الدكتور مرقس (ص ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٢) راجع: الدكتور سليمان مرقس في \"المدخل\" (ص ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٣) انظر: \"أصول القانون\" للسنهوري وأبو ستيت (ص ٢٣٨).","vol":"1","page":99},{"text":"لحاجات وظروف المجتمع من القيمة، وقت تطبيق التشريع من جهة أخرى: تختلف الاتجاهات والمذاهب في التفسير.\nفهل تفسَّر النصوص التشريعية، في ظل إرادة المشرع عند وضعه التشريع، حقيقة كانت هذه الإرادة أو مفترضة؟ أم تفسر هذه النصوص، في ظل حاجات المجتمع وظروفه وقت تطبيق التشريع، دون إقامة وزن الإرادة المشرع؟\nلقد كان لكل من الاتجاهين أصحاب وأنصار، كما كان لمسالكَ بينهما أصحاب وأنصار.\nوهكذا اختلفت الاتجاهات والمذاهب في التفسير.\nولقد يقتضينا الوقوف على حقيقة الأمر، أن نعرض لأهم مدارس التفسير التي ينتسب إليها أهل المذاهب المختلفة. وهي: مدرسة الشرح على المتون، المدرسة التاريخية، المدرسة العلمية. وفيما يلي بيان ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-39>أولًا: (مدرسة الشرح على المتون) أو (مدرسة التزام النص):</span>\nتكونت هذه المدرسة في فرنسا، عقب ما وضعته من تقنينات في أوائل القرن التاسع عشر على أثر الثورة الفرنسية.\nوأصل تسميتها بمدرسة الشرح على المتون: يعود إلى ما درج عليه شرّاح تلك التقنينات من إحاطتها بقدر كبير من التقديس، وانصرافهم إلى شرح النصوص، بشكل تعليقات عليها، بحيث يجعلون النص متنًا يبذل الجهد في شرحه وتوضيحه؛ يفعلون ذلك غير خارجين حتى على الترتيب الشكلي للقانون، فهم يتقيدون بترتيب نصوص التقنيات وأرقام موادها.\nكل ذلك، إلى اعتقاد أن التقنينات التي يشرحونها، قد حوت كل ما يلزم من قواعد لمواجهة الحياة بوقائعها وظروفها، فهي كاملة تشمل كل القانون.","vol":"1","page":100},{"text":"ومن المؤكد، أن هذه المدرسة لا تنسب إلى فقيه معين، وإنما تنسب إلى ذلك الاتجاه الذي انتظم عددًا من الفقهاء تعاقبوا في دراساتهم وأبحاثهم، والتفوا على الخطة نفسها، وهم وإن لم يدوّنوا مبادئ مدرستهم وأصولها في مؤلف واحد: إلا أن المحدثين من الشرّاح استطاعوا أن يستخلصوا مبادئ هذه المدرسة، والأصول التي تقوم عليها، من كتابات أولئك الشرّاح في تعليقاتهم على النصوص.\nولقد حمل إلينا هؤلاء الشرّاح المحدثون، أن السابقين من الفقهاء إلى اتباع هذه الخطة - خطة الشرح على المتون - ثلاثة من عمداء كليات الحقوق في فرنسا. هم: \"برودون\" و\"دلفانكور\" و\"تولييه\" وتبعهم في ذلك آخرون من أساتذة القانون في فرنسا، وبلجيكا، الذين اشتهروا خلال القرن التاسع عشر. منهم: \"ديرانتون\" و\"أوبري\" و\"رو\" و\"ديمولومب\" و\"ماركاديه\" و\"ثروبلونج\" و\"لوران\" البلجيكي، وأخيرًا \"بودوي لاكانتيينري\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>الأسس التي قامت عليها المدرسة:</span>\nلقد قامت هذه المدرسة، كما يؤخذ من اتجاه أصحابها الذي ألمحنا إليه من قبل، على عدة أسس أهمها:\nتقديس النصوص التشريعية.\nتقديس إرادة المشرع عند التفسير.\nحصر القانون في إرادة المشرع.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>١ - تقديس النصوص:</span>\nيبدو من الآثار التي تركها فقهاء هذه المدرسة، أنهم لا يعرفون إلا النصوص التشريعية مصدرًا للقانون، فقد قال أحدهم: (إنني لا أعرف\n_________\n(^١) انظر: أستاذنا الدكتور البدراوي في \"المدخل\" (ص ٣٩٣ - ٣٩٤)، الدكتور مرقس (ص ٣٣٤)، \"مبادئ العلوم القانونية\" للدكتور محمد علي عرفه (١/ ٢٠٩).","vol":"1","page":101},{"text":"القانون المدني وإنما أنا أشرح مجموعة نابليون) وقال آخر: (إن شعاري وعقيدتي التي أومن بها، هي النصوص قبل كل شيء).\nوهكذا فإن مجموعة نابليون في نظر هؤلاء الفقهاء، قد حوت القانون بأكمله، وواجب الفقيه التقيد بنصوصها، وعدم تجاوزها أو الخروج عليها.\nعلى أن نظرة التقديس للنصوص بعد وضع القوانين، ظاهرة كثيرة الشيوع، وقد جاءت هذه المدرسة - كما أسلفنا - عقب حركة التقنين الكبرى في فرنسا؛ فليس بدعًا أن تتسم نظرة أولئك الفقهاء إلى تلك النصوص، يتلك السمة؛ حتى قال \"لوران\" البلجيكي - وهو أحد زعماء هذه المدرسة -: (إن التقنينات لم تدع مجالًا لتحكم الشارح، فليس من شأنه بعد الآن أن يضع القانون، إذ القانون قد وضع في نصوص تشريعية لا تحتمل الشك، فيتعين - حتى تحقق التقنينات فائدتها - أن يقنع الفقهاء والقضاة بمركزهم الجديد) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-42>٢ - الاعتداد بإرادة المشرع عند التفسير وتقديسها:</span>\nلم يقتصر فقهاء مدرسة الشرح على المتون، على تقديس النصوص، بل تعدُّوا ذلك إلى تقديس إرادة الشارع نفسه. والواقع أن تقديس إرادة الشارع ترتبت على تقديس النصوص، لأنهم لم يقدسوا النصوص إلا لأنهم رأوا فيها التعبير عن إرادة المشرع، ولذلك قرروا أن وظيفة الشارح: إنما هي البحث عن إرادة الشارع الحقيقية عند وضع التشريع، فإن لم يتوفر ذلك بخصوص واقعة معينة، فعليه اللجوء إلى إرادته المفترضة، وهي الإرادة التي يفترض المفسر أن الشارع كان يقصدها، لو أراد وضع حل لتلك الواقعة المعروضة، ولا يجوز التفتيش عن إرادة محتملة بنسبها الفقيه إلى المشرع، لو أنه وضع تشريعه في الوقت الذي يطبق فيه (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الدكتور البدراوي (ص ٣٩٥ - ٣٩٦)، الدكتور عرفه (١/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر: الدكتور البدراوي (٣٩٥ - ٣٩٦) الدكتور مرقس (ص ٣٣٥).","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>٣ - حصر القانون بإرادة المشرع:</span>\nولقد أدّى تقديس هذه المدرسة لإرادة المشرع، إلى حصر القانون بما يرد عن المشرع فقط، وهو القانون المكتوب، وعدم اعتبار العرف مصدرًا للقانون إلا بإجازة من المشرع نفسه وفي الحدود التي يجيزها، والأصل الجواز؛ فما لم ينهَ عنه الشارع، فقد أجازه، فلا يجوز أن ينشأ عرف يلغي حكمًا مخالفًا لما ينص عليه التشريع.\n\n<span data-type='title' id=toc-44>الإرادة الحقيقية للشارع والإرادة المفترضة:</span>\n١ - لذا فمن الممكن أن نقرر: أنه عندما يراد تفسير نص من النصوص - على رأي هذه المدرسة - لتطبيقه على واقعة معينة، وإعطاء الحكم فيها، فإن وظيفة المفسر: هي البحث عن إرادة المشرع الحقيقية، حين قام بوضع التشريع، وعدم اللجوء إلى إرادة محتملة للمشرع وقت تطبيق القانون.\nويرى الفقهاء أن هذه السبيل في التفسير، هي سبيل الثبات والاستقرار والبعد عن التحكم. أما لو فتح الباب للتفتيش عن إرادة أخرى محتملة، لكان ذلك مدعاة لاختلاف المفسرين، والوقوع في مزالق التحكم، الذي يضاد ما يلزم تهيئته للقانون من الاستقرار.\nوإرادة المشرع الحقيقية، تعرف عند الوضوح: من واقع الألفاظ ودلالتها. وتعرف عند الخفاء: بالرجوع إلى مصادر النصوص التاريخية والأعمال التحضيرية، كما يمكن أن تعرف بتقريب النصوص بعضها من بعض.\nب - وإذا وجد المفسر، أن النص لم يسعفه في إيجاد الحل لواقعة معينة معروضة عليه: فلا بد له من اللجوء - كما أسلفنا - إلى إرادة الشارع المفترضة، فينسب الحل إلى الشارع على أساس افتراض وجود إرادة له في الأخذ بهذا الحل، رافق ذلك إغفال التعبير عنها (^١).\n_________\n(^١) انظر: الدكتور حسن غيره في \"المدخل\" (ص ٥١٩)، الدكتور منصور مصطفى منصور (ص ٢٥٠)، الدكتور عدنان القوتلي في \"الوجيز\" (ص ١٩٤).","vol":"1","page":103},{"text":"ويستعين المفسر على ذلك، بالروح العامة للتشريع، ومبادئه الأصلية، ومسلك المشرع في واقعات أخرى مشابهة، وما إلى ذلك.\nومما لا شك فيه: أن القضاء حين يأخذ بالإرادة المفترضة للمشرع عند وضع التشريع، يختلف حكمه في الواقعة المعروضة، عما لو أخذ بإرادة محتملة للمشرع، وقت تطبيق التشريع.\nومن أمثلة ذلك: أن القانون المدني الفرنسي نصّ على \"عدم جواز التصرف في العقار الذي تقدمه الزوجة مهرًا لزوجها\"، وسكت عن بيان حكم المنقول؛ فلم يتعرض له؛ فهل يجوز التصرف في المنقول خلافًا للعقار؟ إن أمر معرفة الإرادة الحقيقية للمشرع غير متوافر؛ لأنه ليس أمام المفسر نص يستدل من واقع ألفاظه على تلك الإرادة. وهنا نكون بين أمرين:\nفإما أن نأخذ بإرادة مفترضة، وإما أن نأخذ بإرادة محتملة.\nفإذا أخذنا بالإرادة المفترضة للمشرع وقت وضع التشريع: وجب القول بجواز التصرف في المنقول، إذ إن النص على العقار دون المنقول: يجعل للمنقول حكمًا مخالفًا لحكم العقار. ولو أراد المشرع أن يسوِّي المنقول بالعقار، لنصّ عليه.\nهذا ما يقول به فقهاء مدرسة الشرح على المتون جريًا على خطتهم في التفسير. وحكمة التفرقة بين الحكمين - كما يقولون - ترجع إلى أن المنقول لم تكن له أهمية كبيرة وقت وضع مجموعة نابليون، في أوائل القرن التاسع عشر، ولذلك حمى المشرع العقار دون المنقول.\nأما لو أخذنا بالإرادة المحتملة للمشرع، وقت تطبيق هذا النص القانوني، لجاز القول بأن المنقول أصبح لا يقل أهمية عن العقار في الوقت الحاضر مما جعله يستحق الحماية نفسها، بحيث لا يجوز التصرف فيه، كما لا يجوز التصرف في العقار (^١).\n_________\n(^١) انظر: الدكتور البدراوي (ص ٣٩٦ - ٣٩٧)، الدكتور حسن كيره (ص ٥٢٢ - ٥٢٤).","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>الحكم على مدرسة الشرح على المتون:</span>\nذكرنا سابقًا، أن أصحاب مدرسة الشرح على المتون، يرون أن مذهبهم في التفسير، يكفل استقرار معنى التشريع وثباته، وهذا صحيح ويعتبر مزية لهذا المذهب.\nولكن بجانب هذه المزية، كانت هنالك مآخذ للعلماء عرَّضت المدرسة لنقد شديد؛ ذلك بأن قيامها على تقديس النصوص وإرادة المشرع، واعتبار هذه الإرادة هي المصدر الوحيد للقانون، جعلها تسير في طريق يؤدي إلى عرقلة سير القانون وجموده، والوصول في بعض الأحيان إلى نتائج قد تكون غير مقبولة عقلًا.\nفمن أجل الوصول إلى إرادة المشرع الحقيقية، تطرف الشرّاح في التعبُّد بالنصوص والألفاظ.\nومن أجل الوصول إلى إرادته المفترضة، وقت وضع التشريع، وإكسابها القداسة نفسها المعطاة للنصوص، لم يقيموا أي وزن لتطور المجتمع، وتغير ظروفه. وقد أدّى ذلك بالطبع إلى أن تنسب بعض الحلول زورًا إلى المشرع، لأنهم يطلبون إرادته وقت صدور التشريع، ويهربون من إرادة محتملة وقت التطبيق.\nوكان من نتيجة ذلك كله، أن المدرسة لم تقوَ على الصمود أمام النقد الذي وجهه إليها العلماء، فاضمحلت واختفت منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>ثانيًا: المدرسة التاريخية:</span>\nظهرت هذه المدرسة في ألمانيا، وهي تنسب إلى عدد من فقهائها وعلى رأسهم الفقيه الكبير \"سافيني\"، ولم تلقَ من الفقهاء الفرنسيين كبير تأييد، فلم يتابعها إلا عدد قليل منهم.\n_________\n(^١) انظر: \"الموجز في المدخل للقانون\" للدكتور حسن كيره (٢١٢)، \"أصول القانون\" للدكتور مختار القاضي (ص ٨٤).","vol":"1","page":105},{"text":"وقد كانت صدًى واضحًا لتعاليم المذهب التاريخي في تصور القانون، ذلك المذهب الذي يرى أن القانون ليس وليد إرادة واعية تتدبر في صنعه؛ فهو ليس من صنع المشرع، كما أنه ليس ثمرة التفكير والاستنباط، ولكنه نتاج الأمة ومنبعث منها، ووليد البيئة الاجتماعية المتطورة، فهو ينشأ في ضمير الجماعة، ويتطور تطورًا ذاتيًا دون أن يقيده شيء.\nونتيجة لتصور القانون على هذا الشكل، كانت وظيفة المشرع في هذه المدرسة: لا تعدو أن تكون تسجيلًا للقانون الذي تولد عن البيئة؛ فهو غير ذي دور فعّال في وضع القانون، وإرادتُه ليس لها قيمة في ذاتها، بل كل ما لها من قيمة: منحصر في تعبيرها عن حاجات المجتمع المتطورة المتجددة، التي هي مضمون تلك القواعد القانونية.\nفالنصوص التشريعية بعد صدورها، تنفصل عن إرادة واضعيها، وتصبح كائنًا حيًا متطورًا، يتفاعل مع الحياة الاجتماعية التي نشأ فيها، الأمر الذي يكسب النصوص مرونة تجعلها متلائمة مع ظروف الحياة المتطورة.\nوكانت ثمرة ذلك في التفسير: أن نصوص القانون، لا تفسر حسب إرادة الشارع الحقيقية أو المفترضة - كالذي رأيناه في مدرسة الشرح على المتون - وإنما تفسر وفقًا للظروف القائمة وقت التفسير.\nوهكذا لا يكون من وظيفة المفسر، البحث عن إرادة الشارع الحقيقية أو المفترضة، وإنما البحث عن الإرادة المحتملة، التي يمكن أن تصدر عن المشرع، لو أنه وضع النص في تلك الظروف القائمة عند تطبيق النص. لأن النص الأول كان نتاج الظروف التي أملته ووجد فيها، وبسببها.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>الحكم على المدرسة التاريخية:</span>\nولئن كان اتجاه هذه المدرسة في التفسير، يعطي النصوص التشريعية مرونة تجعلها قادرة على مواجهة الظروف، وتقديم الحلول في مراحل الحياة المتطورة، إلا أن هذه المرونة نفسها، قد تكون بابًا للتحكم وفرض الآراء","vol":"1","page":106},{"text":"الشخصية باسم القانون، وتحت ستار التفسير، فكلٌّ يفسر القانون حسب هواه وينسب هذا التفسير إلى القانون، باسم المرونة، وسد حاجات المجتمع.\nوإلى جانب ذلك: فإن هذا الاتجاه - على إطلاقه - يقضي على ما ينبغي للقانون من ثبات، وتحديد، واستقرار.\nوهكذا تخرج هذه المدرسة بالتفسير عن معناه الحقيقي، وهو بيان معنى النص القانوني، وتجعل منه أداة لتعديل القانون، أو إلغائه، أو خلق قواعد قانونية جديدة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-48>ثالثًا: المدرسة العلمية:</span>\nوثالث الاتجاهات في التفسير: اتجاه المدرسة العلمية، الذي هو اتجاه وسط بين الاتجاهين المتطرفين لمدرسة الشرح على المتون، والمدرسة التاريخية والاجتماعية.\nوزعيم المدرسة العلمية أو (مدرسة البحث العلمي الحر) هو الفقيه الفرنسي \"فرنسوا جني  Geni.F\".\nوالأساس الذي تقوم عليه هذه المدرسة في التفسير: هو الوقوف على إرادة المشرع، مع ملاحظة العوامل التي تتكوَّن منها القاعدة القانونية.\nوبيان ذلك: أن التشريع عمل إرادي؛ فقد وضعه المشرع معبرًا عن إرادته الواعية لتحقق غاية معينة، ولذلك كان من الواجب عند التفسير، البحث عن إرادة المشرع؛ ولكن الإرادة التي يجب البحث عنها في نظر \"جني\" هي الإرادة الحقيقية وحدها، وقت وضع التشريع، دون ما تسميه مدرسة الشرح على المتون بـ \"الإرادة المفترضة\" إذ لا يجوز في نظر هذا الفقيه، أن نفترض أمرًا وننسبه من عند أنفسنا إلى الشارع، فإذا لم يوجد\n_________\n(^١) انظر: \"المدخل\" للدكتور حسن كيره (ص ٥٢٤ - ٥٢٥).","vol":"1","page":107},{"text":"نص تشريعي يواجه الواقعة المعروضة، لجأنا إلى المصادر الرسمية الأخرى للقانون (^١) ومن أهمها العرف.\nفإذا لم تسعف المصادر الرسمية، بإيجاد الحل، لا يبقى إلا ما يسميه \"جيني\": \"البحث العلمي الحر\" أي الرجوع إلى جوهر القانون، بحقائقه التي يتكون منها؛ وهي الحقائق الطبيعية، والتاريخية، والعقلية، والمثالية (^٢)، فهي التي يمكن أن يستلهم منها المفسر قاعدة قانونية، عند افتقاد نص في التشريع.\n\n<span data-type='title' id=toc-49>الحكم على المدرسة العلمية:</span>\nلا شك في أن المدرسة العلمية، قد سلكت طريقًا وسطًا بين تطرف مدرسة الشرح على المتون، وبين تطرف المدرسة التاريخية؛ فلم تهمل إرادة المشرع الحقيقية، وفي الوقت نفسه أقامت لغير التشريع، وزنًا في أن يكون مصدرًا من مصادر القانون.\nوبعد ذلك كله: لم تقف دون مرونة القانون وقدرته على مواجهة الحياة، دون أن يؤدي ذلك إلى الفوضى كما فعلت المدرسة التاريخية.\nوالآن ....\nنترك هذه المدارس الثلاث التي نشأت للتفسير في أوربا، والتي كان من أقومها المدرسة العلمية؛ لنرى في أبحاثنا القادمة، أيَّ خصائص تميزت بها مناهج تفسير النصوص في الفقه الإسلامي.\n_________\n(^١) المصادر الرسمية للقانون هي: التي يستقي منها القاضي القاعدة القانونية التي يطبقها.\n(^٢) الحقائق الطبيعية هي: الظروف المادية التي يوجد فيها الإنسان، سواء تعلقت بتكوينه العضوي والنفسي والخلقي، أو تعلقت بالطبيعة نفسها كالمناخ وطبيعة التربة ونحو ذلك، أو كانت ظروفًا اقتصادية أو سياسية.\nوالحقائق التاريخية هي: ذلك التراث من القواعد والمبادئ الذي ترثه الأمة عن الأجيال السابقة.\nوالحقائق العقلية هي: الحقائق التي يكتشفها العقل من طبيعة الفرد، وعلاقته بغيره في المجتمع.\nأما الحقائق المثالية فهي: تلك النزعات المثالية، والميول والاتجاهات المعينة التي تساعد في تنظيم الروابط القانونية.","vol":"1","page":108},{"text":"وبين يدَيْ ذلك، لا بد من إشارة عابرة إلى أن بين التفسير في الشريعة وبين التفسير في القانون أشواطًا بعيدة من التفاوت، قد تجعل سبيل المقارنة - لو سلكت - نوعًا من التجوز:\nأ - فمن الناحية الزمنية: كان لمناهج التفسير في الشريعة السبق بما يزيد على ثلاثة عشر قرنًا من الزمان حيث تأصَّلت هذه المناهج وقامت راسخة البنيان، علمًا قائمًا بذاته، فيه كل مقومات الثبات والاستقرار، والقدرة على ضبط خطوات المفسِّر، التي تعصمه عن أي زلل أو انحراف.\nب - ومن الناحية الموضوعية: نرى أن مدارس التفسير التي وجدت في أوربا على اختلاف اتجاهاتها، وعلى اعترافنا، بأن أفضلها المدرسة العلمية التي سلكت سبيل الجادة بين المدرستين التقليدية والتاريخية؛ كل أولئك لا تصحبه ضوابط تحدد ما يراد عند التفسير، أو معايير تزن ما يتجه إليه القاضي، أو يقصده المشرع عندما يريد أن يفسر النص.\nوهذه الموسوعة الفرنسية، عند حديثها عن الحاجة إلى التفسير والبيان عند الإبهام في النصوص، تعرض لنا كيف أن القانون المدني الفرنسي، قد ظهر، وهو خلوٌ من أية ضوابط أو قواعد في هذا المضمار، الأمر الذي جعل القاضي يفسر القانون عند الاقتضاء تبعًا لمواهبه المسلكية، وحسب ذمته (^١) وإن كان ذلك تحت مراقبة محكمة التمييز.\nولم تطمئن الموسوعة الفرنسية إلى هذا الأمر، بل أعلنت مخاوفها من التفسير الذي يقوم به القضاة، دون الاستناد إلى قواعد في التفسير، وضوابط يعتمد عليها في البيان (^٢).\n_________\n(^١) وهو يستوحي ذلك من: روح القانون، ومن الوثائق التي سبقت وضعه، ومن مصادره التي استقى منها مستعينًا بعد ذلك كله بالمنطق والذوق السليم.\n(^٢) وذلك قولها: (ومن هنا يفهم كم هي خطرة هذه السلطة من التفسير، ولذلك فإن الفقهاء الرومان كانوا يقولون: إن أحسن القوانين هو القانون الذي يترك أقل ما يمكن من الحرية لأهواء القضاة) انظر:\nLa grande Encyclopédie des sciences des Lettres et des arts aut interpretation. ١.XX، P ٩٠٣ - ٩٠٤\nوراجع: \"المدخل إلى علم أصول الفقه\" (ص ٤ - ٦، ٣٧٧ - ٣٧٩) لأستاذنا الدكتور معروف الدواليبي.","vol":"1","page":109},{"text":"أما في الشريعة الإسلامية: فقد ألمحنا إلى خطوط عامة في قواعد التفسير، يأتي تفصيل ما بني عليها فيما يأتي من مباحث:\nففي دائرة من الضبط العلمي الدقيق، ترى مثلًا أنهم تتبعوا اللفظ - كما أشرنا من قبل - في حالات وضوحه وإيهامه، ووضعوا له الضوابط التي تتلاءم مع تدرجه في مراحل الوضوح ومراحل الإبهام، حيث يستضيء المفسّر بها ليكون على بيِّنة من أمره عند استنباط الحكم؛ فلا يحيد عن الجادة، ولا يخطئ الهدف.\nكما تتبعوا حالات دلالة اللفظ على الحكم، بشتى صورها، وألوانها مبينين بجلاء ووضوح، ما تعنيه كل حالة من الحالات، وأي دلالة تكون أوْلى بالتقديم إذا كان هنالك تنوُّع وتعدُّد في تلك الدلالات.\nوليس ذلك فحسب: بل وضعوا للَّفظ عند نسبته إلى معناه، موازين ومعايير، اتسعت لحالات شموله، وعدم شموله، وحقيقته، ومجازه .... وما يتفرع عن ذلك من قضايا ومسائل؛ كل ذلك في إطار من التأويل السليم.\nوهكذا تبدو تلك المناهج متكاملة، يجد الباحث في ظلها، أنس الطمأنينة، وروعة الدقة والضبط، وإمكان، استخدامها والإفادة منها على مرّ الأزمنة والعصور، ما دامت العربية دمها الدافق، وروحها الأصيل.\nوإذا كنا نكتفي الآن بالإشارة العابرة، واللمحة الموجزة، فلأن موضوع بحثنا القادم في القواعد وتحريرها في مختلف الاتجاهات، وضبط العلاقة بينها وبين ما نشأ عنها من فروع وأحكام، كله شاهد لما نقول.\nوإن تعجب، فعجب أن يضع بعض الناس أنفسهم، في موطن الحكم على قواعد التفسير في الفقه الإسلامي، وهم على حال لا يستطيعون معها إدراك أسرار العربية، والنسب الصحيح بينها وبين شريعة الإسلام.\nولنتوجه شطر نفر من المستشرقين الذين يريدون الكلام حول الكتاب","vol":"1","page":110},{"text":"والسنّة وعقيدة الإسلام وشريعته (^١) ولنأخذ منهم (جولد تسهير) في مسألة واحدة لنراه يقول قالة الأعجمي في لسانه وفؤاده.\nففي معرض الحديث عن المبدأ الإسلامي، في السهولة ودفع الحرج، يعطي رأيه في (الأمر والنهي)، اللذين عليهما مدار أكثر الأحكام التكليفية في الشريعة. ولا يكتفي بإدلاء دلوه في قضية غريبة عن لغته ومدركاته، بل يترك ساحة المعرفة والأصول التي يقوم عليها استنباط الأحكام في الفقه الإسلامي، ليخرج علينا بحكم، مفاده: أن تنوع مدلولات الأمر والنهي في الأحكام، إنما كان أثرًا لمحاولات التحلل من القسوة التي تبدو في بعض النصوص.\nوذلك حين يقرر، أن العلماء حركوا ذكاءهم، ليجدوا مخرجًا من المواضع الصعبة التي تمليها على المسلمين نصوص الأحكام القرآنية؛ فبعض الأمور المتصلبة: كانت تخفف، أو تطرح، بواسطة التوسع في شرح النصوص. وبواسطة التفسير يرجّح الوجوب، أو المنع في الفقه.\nويقرر أن عبارة الأمر أو المنع، تستخدم للتعبير عن الرغبة والاستحباب، أو الكراهة، ليكون ارتكاب ما أمر به في النصوص، أو نهي عنه لا يعاقب عليه ولا يعدُّ تخطيًا للقانون.\nوقد مثَّل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] جاعلًا اختلاف الفقهاء في بعض الأمور، منوطًا بمقدار الحرص على التحلل من التزام (النهي) في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ وإيجاد المخرج منه (^٢).\nوإذا عدنا إلى قواعد الأمر والنهي، كما سيأتي تفصيلها، نجد أثر اللغة والعرف الشرعي، في مسالك الاستنباط.\n_________\n(^١) انظر: كلام بروكلمان عن الوحي والقرآن في \"تاريخ الأدب العربي\" (١/ ١٣٥) فما بعدها، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار.\n(^٢) \"العقيدة والشريعة في الإسلام\" لجولد تسهير (ص ٦٦ - ٧٦)، والأمثلة كثيرة.","vol":"1","page":111},{"text":"ولقد قرر العلماء أن الأصل في الأمر الوجوب، وأن الأصل في النهي التحريم، والعدول عن ذلك لا يكون إلا بقرينة.\nوقد استندوا في ذلك إلى أصل المعنى اللغوي، وإلى استقراء ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه، ومن أخذ عنهم من التابعين.\nومن الواضح أن علماءنا خصوا هذه القواعد، بمزيد من العناية؛ لأن أكثر الأحكام التكليفية - كما سبق - قائمة على (إفعل، لا تفعل) فقد حدّدوا معنى الأمر، ومعنى النهي، ومدى العلاقة بين المعنى اللغوي، وبين المعنى الشرعي، وفضّلوا القول في مقتضى الأمر من حيث الوجوب أو غيره، ومقتضاه من ناحية الوحدة والتكرار، ومقتضاه من الناحية الزمنية؛ من حيث الفور، أو التراخي، إلى غير ذلك من المباحث العامرة بالمعرفة والخير.\nوقد فعلوا مثل ذلك في النهي، وإلى جانب هذا، كشفوا عن أثر النهي في المنهي عنه، سواء أكان ذلك في العبادات أم كان في العقود والمعاملات؛ لإعطاء الحكم فيما نهي عنه، من حيث الصحة، أو الفساد أو البطلان.\nوما أحسب أن في دنيا التشريع ما يداني هذا الاستقصاء، ولا تلك الدقة التي نرى آثارها في كتب الأصول والفروع، على تشعب في المذاهب وتنوع في الاجتهادات، البعيدة عن الهوى والانحراف، المنبعثة من الحرص على الحقيقة، كاملة غير منقوصة. والعضِّ عليها بالنواجذ طلبًا لمرضاة الله تعالى، وتحقيقًا لمصلحة الفرد والمجتمع والأمة.\nغير أن جولد تسهير، يحاول تنصيب نفسه للحُكم، حتى في قضية لها أكبر المساس بلغة غير لغته، وبيان جاء بغير لسانه.\nبل يريد أن ينقل القضية من ميدان الضوابط التي قامت على مدلولات اللغة وقواعد الشريعة، إلى ميدان الأخلاق والسلوك، ليتَّهم العلماء بالانحراف، حين يتحولون - على حد زعمه - في الأمر، عن الوجوب إلى غيره، كما يتحولون في النهي، عن التحريم إلى غيره، وراء الهوى.","vol":"1","page":112},{"text":"على أن الباحث المنصف، يرى أن من أهم ما تميّز به الاستنباط في شريعة الإسلام، هذه الضوابط، التي ضمنت سلامة الاتجاه في التفسير. وأن الأئمة الذين يخشون الله في كل ما يأخذون وما يدعون، لا يُحكم عليهم بمفهومات تقوم على الانحراف والتزوير.\nولكن الذين في قلوبهم مرض، يأبون إلا أن يعلنوا عن أنفسهم حتى بالانحراف عن الطريق التي تقوم على احترام قواعد المنطق، والبحث العلمي المجرد، الذي لا يتأثر بما في النفس من حاجات ورغبات … ترتبط أول ما ترتبط بالأغراض التي من أجلها وُجه المستشرقون لدراسة الثقافة الإسلامية وأوضاع الشعوب الإسلامية، تلك الأغراض التي تنتمي أول ما تنتمي إلى مناهج التبشير ومخططات الاستعمار. وهذا لا يعني بحال من الأحوال الغضَّ من منهجية عدد من المستشرقين في البحث، أو نفي أن يكون فيهم أحيانًا من يرى في دراسته - ولو اليسير - من الإخلاص للحقيقة والمعرفة.\nوعلى أية حال: فإن قواعد التفسير، التي تحمل في فقهنا عناصر خلودها، قد أثبتت وستثبت وجودها، كلما أُضيئت أمام رجال الفقه والقانون، سبل المعرفة، للصلة بمناهجها، وتبيّن خصائصها الأصيلة.\nولقد يرى الباحث كثيرًا من النماذج، التي تدل على إفادة كبريات مؤسساتنا القضائية من تلك القواعد؛ وذلك بردّ كثير من الأحكام إلى مبادئها (^١).\n_________\n(^١) انظر: لأمثلة ذلك في أحكام محكمة النقض المصرية الطعن ١٩٥٤ (الدائرة الجنائية ١/ ١٤)، الطعن ٤٤ (الدائرة المدنية ٢/ ٨٧٩) الطعن ٥ (الدائرة المدنية ٢/ ٩١٥)، الطعن ٩١، ٩٦ (الدائرة المدنية ١/ ٢٦٦) الطعن ٣٣ (الدائرة المدنية ١/ ٤٥)، الطعن ٥٢٣، (الدائرة الجنائية ١/ ١٧٣) الطعن ١٢١١ (الدائرة الجنائية ١/ ١٥٦)، الطعن ١٠٥٣ (الدائرة الجنائية ٢/ ٥٧٧) .. وفي فتاوى مجلس الدولة بسورية: انظر مثلًا: الرأي (٣٥٠ ف ٤/ ٢٠)، والرأي (٥٨ رقم خاص ١٩٦٠)، والرأي (٥١٤ ذ ف ٣ تاريخ ٢٤/ ٦/ ٩٦١)، والرأي (٤٩٢ ف تاريخ ١٨/ ٩/ ٩١١) والرأي (١٧٢ تاريخ ٢٦/ ٤/ ٩٦١)، والرأي (١٦٥ تاريخ ٢٨/ ٢/ ٩٦٢) وغير ذلك كثير لمَن أراد المزيد من الاستقصاء.","vol":"1","page":113},{"text":"كما أن كبار رجال القانون في العالم العربي خطوا أشواطًا واسعة في إبراز مجموعة من قواعد التفسير عندنا، وإعطائها ما تستحق من العناية (^١) الأمر الذي يسهِّل إمكان استخدامها في تفسير النصوص القانونية، في دنيا هذه الأمة التي جعلها الله خير أمة أُخرجت للناس.\nانظر على سبيل المثال: الكتاب المتألق بموضوعه وبحوثه أعني \"التشريع الجنائي الإسلامي\" لعبد القادر عودة ﵀ الذي أثبت بين يدَيْ الحديث عن مصادر التشريع الجنائي في الشريعة، قواعد هذه الشريعة في تفسير النصوص الأمر الذي يشعر بالمنهجية الواضحة في طريقة أخذه الأحكام من النصوص والضبط في رد الفروع إلى الأصول. بكل أمانة، وتجرد، حرصًا على تبين الحقيقة، ووقوفًا عند الحق الذي نزل به الكتاب.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: فتاوى مجلس الدولة (١/ ١٦٤) فما بعدها، وانظر أيضًا: مباحث التفسير في \"المدخل للعلوم القانونية\" عند الأستاذ الدكتور عبد المنعم البدراوي، وعند الدكتور مرقص وغيرهما.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>القِسْم الأَوَّل قواعد التّفسير في حالات وضوح الألفاظ وإبهامها ودَلالتها على الأحكام</span>","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>البَابُ الأَولُ الوضوح والإبهام في الألفاظ</span>\nالواضح وأنواعه، المبهم وأنواعه، التأويل","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>الفصل الأول الواضح وأنواعه</span>\n<span data-type='title' id=toc-53>تمهيد:</span>\nلتحديد دلالة اللفظ على معناه من ناحية الوضوح والإبهام: أثر ملحوظ في تفسير النصوص، واستنباط الأحكام، وقيام التكليف بمقتضى الألفاظ ومدلولاتها في الشريعة الإسلامية.\nوالألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة من آيات وأحاديث الأحكام، قسمها الأصوليون باعتبار وضوحها في الدلالة على الأحكام التي أرادها الشارع منها، إلى قسمين:\nالقسم الأول: واضح الدلالة على معناه، لا يحتاج فهم المعنى المراد منه، أو تطبيقه على الوقائع، إلى أمر خارج عنه.\nالقسم الثاني: مبهم الدلالة على معناه، يحتاج فهم المعنى المراد منه، أو تطبيقه على الوقائع، إلى أمر خارج عنه.\nوالألفاظ واضحة الدلالة، التي لا يحتاج فهم المراد منها إلى أمر خارج عنها: تتفاوت مراتب وضوحها في الدلالة على المعنى المراد؛ فهي ليست على درجة واحدة في وضوح الحكم، ولكن يلاحظ أن بعضها أوضح من البعض الآخر.\nكذلك الألفاظ مبهمة الدلالة، ليست على درجة واحدة في خفاء دلالتها على المعنى المراد، بل تتفاوت مراتب إبهامها، فبعضها أشد إيهامًا في دلالته على الحكم من البعض الآخر.","vol":"1","page":119},{"text":"وبناء على الوضوح والإبهام، ومقدار التفاوت في كل منهما: سلك كل من الحنفية والمتكلمين طريقًا في تقسيم الألفاظ من حيث الوضوحُ والإبهام في الدلالة على الأحكام.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>مسلك الحنفية:</span>\nفقسم علماء الحنفية اللفظ باعتبار الوضوح في دلالته على معناه، إلى أربعة أقسام:\n١ - الظاهر.\n٢ - النص.\n٣ - المفسّر.\n٤ - المحكم.\nوأعلاها رتبة في الوضوح: المحكم، يليه في ذلك المفسَّر، ثم النص، ثم الظاهر.\nكما قسموه باعتبار الخفاء في دلالته على معناه إلى أربعة أقسام مقابلة لتلك وهي:\n١ - الخفي.\n٢ - المشكل.\n٣ - المجمل.\n٤ - المتشابه.\nفالخفي يقابل الظاهر، والمشكل يقابل النص، والمجمل يقابل المفسَّر، والمتشابه يقابل المحكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>مسلك المتكلمين:</span>\nأما جمهرة المتكلمين: فقد قسَّموا اللفظ باعتبار وضوح الدلالة على المعنى المراد إلى قسمين:","vol":"1","page":120},{"text":"١ - الظاهر.\n٢ - النص.\nكما قسموا اللفظ باعتبار إبهامه عند الدلالة على المعنى المراد إلى قسمين أيضًا، على تشابك وتداخل أحيانًا نراهما عند التفصيل. والقسمان هما:\n١ - المجمل.\n٢ - المتشابه.\nوفيما يلي بيانٌ ودراسة لمنهج كلٍّ من الحنفية والمتكلمين في المسلك الذي سلكه كل فريق - من حيث تحرير القواعد، وتطبيقاتها على الفروع - ثم مقارنة تكشف عن ثمراتها في الموضوع.\n* * *","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>المبحث الأول منهج الحنفية في الواضح</span>\nقدّمنا أن الحنفية، قسموا اللفظ باعتبار الوضوح في الدلالة على معناه، ومراتب هذا الوضوح، إلى أربعة أقسام هي: الظاهر، النص، المفسّر، المحكم. وسنعرض لهذه الأقسام ومراتبها في الوضوح، لنرى أثر ذلك في تفسير النصوص واستنباط الأحكام.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-57>المطلب الأول الظاهر</span>\nعرّف أبو زيد الدبوسي الظاهر بأنه: (ما ظهر للسامع بنفس السمع) (^١).\nوقال فخر الإسلام البزدوي: (الظاهر اسم لكل كلام ظهر المراد به للسامع بصيغته) (^٢).\nوبأوضح من ذلك عرّفه السرخسي فقال: (الظاهر: ما يعرف المراد منه بنفس السماع من غير تأمُّل، وهو الذي يسبق إلى العقول والأوهام لظهوره موضوعًا فيما هو المراد) (^٣).\n_________\n(^١) \"تقويم الأدلة\" مخطوطة دار الكتب المصرية (ص ٢٠٦ فما بعدها).\n(^٢) \"أصول البزدوي\" بشرح عبد العزيز البخاري (١/ ٤٦).\n(^٣) راجع: \"أصول السرخسي\" (١١/ ١٦٤).","vol":"1","page":122},{"text":"ولقد ذكروا ما يفيد قبول كل من الظاهر والنص الذي هو أوضح منه - كما سيأتي - للتخصيص (^١) والتأويل والنسخ، وكيف أنه ذلك: يدخل الاحتمال كلًا منهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>عماد التعريف:</span>\nوهكذا يبدو من هذه التعريفات - على تماثلها - أن عماد الظاهر عند هؤلاء الأئمة، أن يكون اللفظ بحيث لا يتوقف فهم المراد منه على قرينة خارجية، لكن يتضح مدلوله المراد من الصيغة نفسها، فمجرد سماع اللفظ كافٍ للحكم على المعنى الذي يدل عليه ذلك اللفظ، ولكن مع الاحتمال.\nونستطيع بعد هذا الإيضاح، أن نعرّفه تعريفًا مبسَّطًا يفي بالغرض فنقول: (هو اللفظ الذي يدل على معناه بصيغته من غير توقف على قرينة خارجية، مع احتمال التخصيص والتأويل وقبول النسخ في عهد الرسالة).\nأ - ومن أمثلة الظاهر: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nفالمعروف من أسباب النزول أن الآية مسوقة لنفي التماثل بين البيع والربا، ردًا على المشركين الذين زعموا أن البيع مثل الربا، ورغم ذلك؛ فإنها في قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ظاهرة الدلالة في حل البيع وحرمة الربا، باللفظ نفسه دون حاجة إلى قرينة خارجية.\nوكلٌّ من (البيع)، و(الربا) لفظ عام يحتمل التخصيص الذي يقضي بتضييق دائرة شمول كل منهما، بحيث يقصر على أفراد منه دون أخرى.\n_________\n(^١) التخصيص عند الحنفية: قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن. والتأويل: إخراج اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر يحتمله بدليل أو قرينة، وهذا يشمل عند كثيرين - فيما يشمل - التخصيص؛ فيكون عطف التأويل على التخصيص من باب عطف العام على بعض أفراده. أما النسخ: فهو رفع الشارع حكمًا شرعيًا بدليل شرعي متراخٍ عنه.","vol":"1","page":123},{"text":"ب - ومن أمثلة الظاهر أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].\nفالآية ظاهرة الدلالة، في إباحة الزواج، بما طاب من النساء، دون توقف هذه الدلالة في الإباحة على أمر خارجي.\nهذا مع أن الآية لم تسق للدلالة على هذا الحكم، وإنما سبقت لأمور منها: تحديد الحل بأربع زوجات، وأنه إذا خيف الجور: فالواجب الاقتصار على واحدة، أو ما ملكت اليمين.\nفقد ورد في الصحاح - واللفظ لمسلم - عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى …﴾ الآية. قالت: \"يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقصد في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنّتهن من الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن … \" الحديث (^١).\nوفي \"جامع البيان\" للطبري: قال يونس بن يزيد: قال ربيعة في قول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قال: يقول: أتركوهنّ، فقد أحللت لكم أربعًا.\nوقال الحسن والضحاك وغيرهما: إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام؛ من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فَقَصَرَتْهُنَّ الآية على أربع (^٢).\n_________\n(^١) انظر: البخاري (٦/ ١١٦) (٢٤٩٤) و(٤٥٧٤) أول باب النكاح، مسلم (٥٠١٨)، أبو داود (٢٠٦٨)، النسائي (٣٣٤٦)، وانظر: \"تفسير القرطبي\" (٥/ ١١)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ١٥٠).\n(^٢) راجع: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٣٢) \"تفسير القرطبي\" (٥/ ١١).","vol":"1","page":124},{"text":"ج - كذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فقد سيقت الآية لبيان مراعاة وقت السنة، عند إرادة الطلاق (^١).\nومع ذلك: فهي ظاهرة الدلالة، في الأمر بأن لا يزيد المكلف على تطليقة واحدة؛ فهذه الدلالة من (الظاهر).\n\n<span data-type='title' id=toc-59>حكم الظاهر:</span>\nوحكم الظاهر: وجوبُ العمل بما دلّ عليه من الأحكام، حتى يقوم دليل صحيح على تخصيصه، أو تأويله، أو نسخه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-60>المطلب الثاني النص</span>\nالنص لغة: رفع الشيء، من نصَّ الحديث ينُصه نصًا: رفعه، وكل ما أُظهر فقد نُص، وفي \"النهاية\" من حديث عمرو بن دينار: ما رأيت رجلًا أنصَّ للحديث من الزهري، أي أرفعَ له وأسند.\nوفي حديث عبد الله بن زمعة، أنه تزوج بنت السائب، فلما نُصّت لتهدى إليه طلقها (^٢). أي فلما أقعدت على المنصة. والمِنصّة بكسر الميم: سرير العروس تظهر عليه لتُرى.\n_________\n(^١) روى البخاري (٥٢٥٢) و(٥٢٥١) عن ابن شهاب: أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر، أخبره أنه طلّق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ﷺ، فتغيّظ رسول الله ﷺ منه ثم قال: \"ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله ﷿\". وفي لفظ لمسلم (١٤٧١): \"فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء\"، كما أخرجه أبو دواد (٢١٧٩)، والنسائي (٣٣٨٩)، وابن ماجه (٢٠١٩) وانظر: \"الجامع الصحيح\" مع \"فتح الباري\" (٤٩٠٨) (٧١٦٠)، \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨).\n(^٢) \"النهاية\" (٤/ ١٤٨) وانظر: \"لسان العرب\" المادة (نصص).","vol":"1","page":125},{"text":"قالوا: وكل شيء أظهرته فقد نصصته، ومنه حديث هرقل - كما في النهاية - ينصُّكم، أي يستخرج رأيكم ويظهره.\nوقال الشاعر:\nأنصُّ الحديث إلى أهله … فإن الأمانة في نصّه\nوالنص أيضًا: التحريك حتى يستخرج أقصى سير الناقة، ومنه: نصّت الدابةُ في السير إذا أظهرت أقصى ما عندها.\nأما النص في الاصطلاح - وقد ردُّوه إلى المعنى اللغوي -:\nفقال فيه الدبوسي في \"التقويم\": \"هو الزائد على الظاهر بيانًا إذا قوبل به).\nوعرّفه البزدوي، مبينًا مورد الزيادة في الوضوح فقال: (النص ما ازداد وضوحًا على الظاهر بمعنى من المتكلم لا في نفس الصيغة).\nوزاد السرخسي التعريف - على عادته - وضوحًا فقال: (أما النص: فما يزداد وضوحًا، بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم، ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرًا بدون تلك القرينة) (^١).\nولم يكن بدعًا أن يستشهد هؤلاء الأئمة على تحديدهم الذي رأيناه من قبلُ للظاهر، باللغة.\nفالدبوسي يراه مأخوذًا من قولك: نصصت الدابة: إذا أظهرتَ سيرها بسبب منك فوق سيرها المعتاد، فهو اسم لما دون الخبب من الأنواع، والمِنصةُ اسم للعرش الذي تحمل عليه العروس لأنها سبب زيادة ظهور.\nوقريبًا من كلام الدبوسي، ذكر كل من البزدوي والسرخسي. والقصد من ذلك إيضاح الفارق بين الظاهر والنص.\n_________\n(^١) انظر: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (٢٠١ - ٢٠٧) مخطوطة دار الكتب المصرية، \"أصول البزدوي\" (١/ ٤٦). \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>عماد التعريف:</span>\nفعماد التعريف في النص: إثبات أن هناك زيادة في الظهور والوضوح، وأن هذه الزيادة لم تكن من الصيغة نفسِها، وإنما جاءت من المتكلم نفسِه، حيث يُعرف ذلك بالقرينة من سياق أو سباق … إلخ.\nلذا رأينا فخر الإسلام، حين يستشهد باللغة، يرى النص مأخوذًا من قولهم: نصصت الدابة، إذا استخرجت بتكلفك منها سيرًا فوق سيرها المعتاد، وذلك ما رأيناه عند صاحب التقويم حيث قال: (بسبب منك) أما مجلس العروس: فقد سمي منصة في نظر البزدوي لأنه ازداد ظهورًا على سائر المجالس، بفضل تكلف اتصل به من جهة الواضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>التعريف الذي نراه:</span>\nوإذا كانت القرينة التي تعرف بها زيادة الوضوح بمعنًى من المتكلم نفسه، تظهر أكثر ما تظهر، بأن يكون اللفظ مسوقًا للمعنى المراد، نستطيع أن نعرِّف النص في ضوء ما ذكر بأنه: (اللفظ الذي يدل على الحكم، الذي سيق لأجله الكلام دلالة واضحة، تحتمل التخصيص والتأويل، احتمالًا أضعف من احتمال الظاهر، مع قبول النسخ في عهد الرسالة).\nوإنما قلنا ذلك؛ لأن النص - بما زاد من وضوحه زيادة كانت بمعنًى من المتكلم: يُرى الاحتمال فيه أبعد من الاحتمال في الظاهر.\n١ - ومن أمثلة النص، قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nفهو نصٌّ في نفي التماثل بين البيع والربا، من ناحية الحل والحرمة؛ لأن الكلام سيق لبيان هذا الحكم، فازداد النص وضوحًا على الظاهر - وهو حل البيع وحرمة الربا - بمعنًى من المتكلم لا بمعنًى في الصيغة نفسها.\nب - كذلك قوله سبحانه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].\nفإنه نصَّ في بيان العدد الحلال من النساء، وقصرِ هذا العدد على أربع:","vol":"1","page":127},{"text":"وهذا الحكم الذي نذكره، هو مما قصد بالسياق، فزاده ذلك القصد وضوحًا على الظاهر - وهو حل النكاح - وكانت هذه الزيادة بمعنى من المتكلم، لا بمعنى في الصيغة نفسها، كما قلنا في المثال السابق.\nج - ومن الأمثلة أيضًا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].\nفإذا كانت الآية (ظاهرًا) في الأمر، بأن لا يزيد المكلف على طلقة واحدة، فهي (نص) في بيان المراعاة لوقت السنة، عند إرادة الطلاق؛ لأن الكلام سيق لذلك كما في قول الرسول ﷺ في شأن ابن عمر حين طلّق زوجته وهي حائض: \"ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسّها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء\" (^١).\nوهذا السوق زاد في وضوح النص على الظاهر في الآية، وكان ذلك بمعنى من المتكلم، ولم يكن من الصيغة.\nد - ومن هذا الباب: قوله جلّ وعلا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nفهو نص في دلالته على وجوب اعتداد المطلقة بثلاثة قروء؛ لأن الكلام سبق لبيان حكم الله ﷾، في جميع المطلقات من ذوات الأقراء، وهو وجوب أن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها إياها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت.\nويدخل في ذلك غير المدخول بهن، إلى أن يؤوَّل النص بقيام دليل يرجح غير هذا المعنى الظاهر الذي يشمل غير المدخول بهن. وقد جاء الدليل على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب].\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ١٢٥).","vol":"1","page":128},{"text":"وهكذا يتبين من المقارنة، بين الظاهر والنص، في هذه الأمثلة، والأمثلة التي سبقتها أن موجَب النص، هو موجَب الظاهر، ولكن النص يزداد وضوحًا على الظاهر، فيما يرجع إليه الوضوح والبيان، بمعنًى عرف من مراد المتكلم.\nوإنما يعرف ذلك عند المقابلة بينهما، ففي هذه الحال، يكون النص أوْلى من الظاهر - كما سيأتي -.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>النص: هل يشمل الخاص والعام؟</span>\nهذا: وقد قرر الأكثرون، أن النص يشمل الخاص والعام، وليس الخاص فقط؛ فليس احتمال العام للتخصيص، بأقوى من احتمال الخاص للتأويل (^١). وقد أوضح ذلك أبو بكر الجصاص، حين قرر أن ما يتناوله العام، فهو نص أيضًا.\nوذلك لأنه لا فرق بين الخاص المعين - إذا أُشير إليه بعينه، وبُيّن حكمه، وبين ما يتناوله العموم اسمًا لجميع ما تناوله، وانطوى تحته - وبين المنصوص وهو ما نصّ عليه باسمه.\nوقد استدلّ الجصاص لما يقول (بأن أحدًا من المسلمين لا يمتنع من إطلاق القول: بأن الله تعالى، قد نصّ على تحريم الأم بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ …﴾ الآية [النساء: ٢٣] (^٢).\nوأن قطع السارق منصوص عليه بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\n_________\n(^١) الخاص: كل لفظ وضع لمعنًى واحد على انفراد. والعام: كل لفظ ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنًى، بهذا عرفهما البزدوي (١/ ٣٣) وللبحث مزيد من الإيضاح عند الحديث عن دلالة العام، وهل هي قطعية أو ظنية؟ وسوف نرى أن العام غير المخصوص: هو قطعي الدلالة عند الحنفية ومعهم الشاطبي من المالكية، ظني الدلالة عند غيرهم.\n(^٢) وتمام الآية: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾.","vol":"1","page":129},{"text":"وكذلك جلد الزاني وإيجاب القصاص على قاتل العمد.\nوكلٌّ إنما نُصّ على حكمه بعموم لفظ ينتظم ما شمله الإثم، من غير إشارة إلى عين منصوصة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>موقف الدبوسي والسرخسي:</span>\nوقد كشف الدبوسي في \"التقويم\"، وتابعه السرخسي في \"الأصول\"، عن زعم بعض الفقهاء: أن النص لا يتناول إلا الخاص، وردَّ عليهم مبينًا أن الأمر ليس كذلك. وكان الرد مبنيًا على نقطتين:\nالأولى: أن أصل اشتقاق الكلمة جاء من النص وهو زيادة الظهور، وقد عرفنا أن النص ما يزداد وضوحًا لمعنًى من المتكلم، يظهر ذلك عند المقابلة بالظاهر: عامًا كان أو خاصًّا.\nالثانية: أن الالتباس الذي وقع به هؤلاء الزاعمون، إنما جاء من أن تلك القرينة التي دلت على زيادة الوضوح بمعنًى من المتكلم، إنما اختصت بالنص دون الظاهر؛ فجعل بعضهم الاسمَ للخاص فقط.\nوفي هذا المجال، يقول بعض هؤلاء الزاعمين: إن النص يكون مختصًا بالسبب الذي كان السياق له، فلا يثبت له موجب الظاهر.\nوردّ عليهم السرخسي بأن العبرة لعموم الخطاب، لا لخصوص السبب عندنا، فيكون النص (ظاهرًا) باعتبار صيغة الخطاب، (نصًا) باعتبار القرينة التي كان السباق لأجلها (^٢). وذلك بيِّنٌ فيما مرّ بنا من أمثلة، كانت ظاهرًا باعتبار صيغة الخطاب، نصًا باعتبار القرينة التي كان لأجلها السياق.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>حكم النص:</span>\nوحكم النص - كحكم الظاهر - وجوب العمل بما دلّ عليه، حتى يقوم دليل التأويل أو التخصيص، أو النسخ، علمًا بأن الاحتمال في النص أبعد\n_________\n(^١) \"أصول الخصاص\" مخطوطة دار الكتب المصرية ٤/ أ وقد طبع محققًا فيما بعد.\n(^٢) \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٥ - ١٦٦)؛ وراجع: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي مخطوطة دار الكتب المصرية (ص ٢٠٧) وقد طبع فيما بعد.","vol":"1","page":130},{"text":"منه في الظاهر - كما قدّمنا - لما زاد عليه من الوضوح بتلك القرينة. فكان النص أوْلى من الظاهر عند التقابل بينهما، ووجب حمل الظاهر عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-66>هل الوجوب قطعيٌّ في الظاهر والنص:</span>\nولكن: هل وجوب العمل بما يدل عليه الظاهر والنص، هو على سبيل القطع، أو على سبيل الظن؟\nأما مشايخ العراق، وفيهم الشيخ أبو الحسن الكرخي، وأبو بكر الجصاص: فمذهبهم وجوب العمل، أو ثبوت ما انتظمه كلُّ من الظاهر والنصر على وجه القطع واليقين.\nوإليه ذهب القاضي أبو زيد الدبوسي، ومَن تابعه من عامة المعتزلة. وقد عبّر البزدوي عن ذلك بقوله: (حكم الظاهر ثبوت ما انتظمه يقينًا، وكذلك النص، إلا أن هذا عند التعارض أوْلى منه).\nوهناك من يرى أن حكم الظاهر، وكذلك النص، وجوب العمل بما وضع له اللفظ ظاهرًا، لا قطعًا، مع الاحتمال المذكور، وتقديم النص عند التعارض، ووجوب اعتقاد حقيَّة ما أراد الله تعالى من ذلك.\nوممن قال بهذا القول: الشيخ أبو منصور الماتريدي (^١) وأصحاب الحديث، وبعض المعتزلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>رأينا في هذا الاختلاف:</span>\nوالذي يبدو: أن محل النزاع بين الفريقين، هو اختلاف النظرة إلى الاحتمال البعيد - وهو الذي لا تدل عليه قرينة -.\nفالفريق الأول، يرى أن هذا الاحتمال، لا عبرة له، فلا يتنافى مع القطعية. بينما يرى الفريق الثاني أن الاحتمال - وإن كان بعيدًا - يتنافى مع القطعية؛ فهو يوجب العمل دون العلم.\n_________\n(^١) هو محمد بن محمد بن محمود الماتريدي نسبة إلى \"ماتريد\" - محلة بسمرقند - وهو من أئمة علماء الكلام، له كتب في التوحيد وأصول الفقه والجدل، من كتبه: \"مآخذ الشرائع\" في أصول الفقه، و\"شرح الفقه الأكبر\" المنسوب لأبي حنيفة. مات بسمرقند سنة ٣٣٣ هـ.","vol":"1","page":131},{"text":"وهكذا يُرى أنه بمقدار تقويم الاحتمال البعيد، وأثره عند كل فريق، كانت النظرة إلى حكم الظاهر وحكم النص.\nفالفريق الأول، قال بالقطعية، والفريق الثاني، قال بالظنية.\nوصاحب \"كشف الأسرار\" - وهو من القائلين بالقول الأول - أوضح ذلك بقوله: (وحاصله: أن ما دخل تحت الاحتمال، ولو كان بعيدًا، لا يوجب العلم، بل يوجب العمل عندهم، كما في خبر الواحد والقياس، وعندنا، لا عبرة للاحتمال البعيد، وهو الذي لا تدل عليه قرينة لأن الناشئ عن إرادة المتكلم - وهي أمر باطن - لا يوقف عليه، والأحكام لا تعلق بالمعاني الباطنة، كرخص المسافر لا تتعلق بحقيقة المشقة، والنسب لا يتعلق بالإعلاق، والتكليف لا يتعلق باعتدال العقل، لكونها أمورًا باطنة؛ بل بالسفر الذي هو سبب المشقة، والفراش الذي هو دليل الإعلاق، والاحتلام الذي هو دليل اعتدال العقل) (^١).\nواضح أن المراد من القطع هنا معناه الأعم، وهو عدم احتمال اللفظ غير معناه احتمالًا ناشئًا عن دليل.\nفليس القطع في (الظاهر)، و(النص)، هو ذلك القطع الذي نراه في (المفسَّر) الذي لا يحتمل إلا النسخ في حياة الرسول ﷺ، أو الذي نراه في (المحكم) الذي لا يقبل حتى النسخ - كما سيأتي في المفسّر والمحكم -.\nوإذن فالعمل واجب قطعًا ويقينًا على الرأي الأول، مع وجود الاحتمال البعيد، أو ما هو أبعد منه، حسب درجة الوضوح في الظاهر والنص، فقد علمنا أن الاحتمال واقع في كل منهما، ولكن هذا الاحتمال في النص أبعد منه في الظاهر.\nوإذا كان المراد بالظن معناه الأعم أيضًا (^٢) - وهو أن يحتمل اللفظ غير\n_________\n(^١) انظر: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٤٨).\n(^٢) أورد صاحب \"فواتح الرحموت\" الرأيين ثم قال: (وما وقع من عبارات بعض المشايخ رحمهم الله تعالى من أن النص والظاهر ظنيان في الدلالة: فمرادهم الظن بالمعنى الأعم). انظر: \"فواتح الرحموت\" (٢/ ١٩) مع \"المستصفى\".","vol":"1","page":132},{"text":"معناه احتمالًا ناشئًا عن دليل، أو احتمالًا غير ناشئ عن دليل - فالخلاف، يكاد يكون لفظيًا؛ لأن الفريقين متفقان على احتمال النص والظاهر، غير معناهما، احتمالًا غير ناشئ عن دليل.\nولعل في كلام عبد العزيز البخاري نفسه، ما يؤيد الذي أشرنا إليه (^١).\nكما أن صاحب \"التلويح\"، بعد أن ذكر الرأي القائل بأن حكم كل من الظاهر والنص، وجوبُ الحكم قطعًا ويقينًا، وعلَّله بأن الاحتمال - وإن كان بعيدًا - قاطعٌ لليقين، وبعد أن أورد الرد على هذا القول، بأنه لا عبرة باحتمال لم ينشأ عن الدليل قال:\n(والحق أن كلًا منهما قد يفيد القطع - وهو الأصل - وقد يفيد الظن، وهو ما إذا كان احتمال غيرِ المراد: مما يعضده دليل) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>الظاهر والنص عند المتأخرين:</span>\nإن ما أوردناه من تعريف الظاهر والنص، وعدم اشتراط سوق الكلام للمعنى المراد في الظاهر، هو صنيع العلماء حتى نهاية القرن الخامس. وقد أتينا آنفًا على ذكر الدبوسي والبزدوي، كما أتينا على ذكر السرخسي المتوفى بعد البزدوي وذلك سنة ٤٩٠ هـ.\nولكن مرحلة جديدة نشأت فيما بعد؛ فحين جاء شرّاح كلام فخر الإسلام البزدوي، نهج أكثرهم نهجًا جديدًا، في التفريق بين الظاهر والنص، فشرطوا في تعريفهم للظاهر .. أن لا يكون الكلام مسوقًا للمعنى المراد. وفي المقابل: شرطوا للنص: أن يكون الكلام مسوقًا لذاك المعنى.\nفالظاهر، هو الذي لا يكون معناه الأصلي مقصودًا من السياق، والنص هو الذي يكون معناه الأصلي مقصودًا من السياق.\nوقد تابعهم على ذلك كثير ممن جاء بعدهم، بينما سار الفريق الآخر على نهج الأولين، الذين لم يشترطوا للظاهر، كون معناه غير مقصود بالسياق.\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٤٨).\n(^٢) انظر: \"التلويح مع التوضيح\" (١/ ١٢٦).","vol":"1","page":133},{"text":"ترى ذلك مثلًا عند حافظ الدين النسفي صاحب \"المنار\" الذي عرّف الظاهر بأنه: (اسم لكلام ظهر المراد به للسامع بصيغته)، كما عرّف النص بأنه: (ما ازداد وضوحًا على الظاهر لمعنًى من المتكلم لا في نفس الصيغة) (^١).\nوذلك ما رأيناه عند أهل القرنين الرابع والخامس، حيث لم يشترطوا عدم السوق في الظاهر، وقرروا أن الفرق بين النص، والظاهر، هو زيادة وضوح في النص بمعنًى من المتكلم، لا في الصيغة نفسها ..\nأما من ذكرنا من المتأخرين: فقد درجوا على القول بأن قصد المتكلم إذا اقترن بالظاهر صار نصًا، وشرطوا في الظاهر أن لا يكون معناه مقصودًا بالسوق أصلًا، تفريقًا بينه وبين النص.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>موقف عبد العزيز البخاري:</span>\nوقد نبّه إلى مخالفة المتأخرين - أو جمهرتهم - للمتقدمين في هذه المسألة العلَّامة عبد العزيز البخاري شارح \"أصول البزدوي\" في كتابه \"كشف الأسرار\" (^٢) وتابعه مَن بعده (^٣) في هذا التنبيه.\nوقد وجّه صاحب \"كشف الأسرار\" البخاري النقد للاتجاه الجديد، وكان هذا النقد قائمًا على أمرين:\nأولهما: أن في نهج المتأخرين، مخالفةً لما ذكره الأولون عن الظاهر، والنص، والتفريق بينهما.\nالثاني: - وهو الأقوى في نظرنا - إثبات أن كلام المتقدمين أسلم، وذلك عن طريق الفقه، والتحليل.\nأما عن الأمر الأول: فكلام المتأخرين، مخالف لعامة الكتب، ولما عليه\n_________\n(^١) انظر: \"المنار\" للنسفي وشروحه (١/ ٣٥٠).\n(^٢) (١/ ٤٦).\n(^٣) انظر على سبيل المثال: \"شرح المنار\" لابن ملك (١/ ٢٥٠)، و\"التلويح\" على \"التوضيح\" (١/ ١٢٤)، و\"حاشية الإزميري\" على \"المرآة\".","vol":"1","page":134},{"text":"الدبوسي في \"التقويم\"، وشمس الأئمة السرخسي في \"الأصول\"، وكذا فخر الإسلام البزدوي، وقد أوردنا كلامهم آنفًا.\nوينقل عبد العزيز البخاري عن بعض الأصحاب من علماء أصول الفقه: أن الظاهر (اسم لما يظهر المراد منه بمجرد السمع، من غير إطالة فكرة، ولا إجالة روية).\nوأن مثاله في الشرعيات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، وقوله جلَّ ذكره: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].\nوفي \"كشف الأسرار\" أيضًا (^١) أن السيد الإمام الأجل، أبا القاسم السمرقندي ﵀، كان يرى أن الظاهر ما ظهر المراد منه، لكنه يحتمل احتمالًا بعيدًا، على نحو ما يرى في الأمر: حيث يفهم منه الإيجاب، وإن كان يحتمل التهديد، ونحو ما يرى في النهي: حيث يدل على التحريم، وإن كان يحتمل التنزيه.\nوهكذا يكون كلام هؤلاء القوم جميعًا - كما يرى عبد العزيز البخاري - يدل على أن عدم السَوْق في الظاهر ليس بشرط، وأن الظاهر: ما ظهر المراد منه سواء أكان مسوقًا للمعنى المراد، أم كان غير مسوق له، ولو كان هذا الشرط مطلوبًا فيه، لذكره القوم، ولقيّدوه عند ذكر حدَّه بهذا القيد.\nوأما عن الأمر الثاني: فقد ظنّ المتأخرون أن ازدياد وضوح النص على الظاهر، كان بمجرد السَوْق.\nويرى عبد العزيز البخاري، أن الأمر ليس كما ظنوا. إذ ليس من فرقٍ في فهم المراد للسامع، بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] مع كونه مسوقًا في إطلاق النكاح، وبين قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] مع كونه غيرَ مسوق فيه، وإن كان يجوز أن\n_________\n(^١) راجع: (١/ ٤٧).","vol":"1","page":135},{"text":"يثبت لأحدهما بالسوق قوة يصلح بها للترجيح عند التعارض. وقد مثّل صاحب الكشف لذلك، بالخبرين المتساويين في الظهور، يجوز أن يثبت لأحدهما مزية على الآخر بالشهرة، أو التواتر، أو غيرهما من المعاني.\nوهكذا يكون ازدياد الوضوح في النص: بقرينة لفظية، تجعلنا نفهم معنًى قصده المتكلم، ذلك المعنى الذي لم نفهمه من الظاهر، دون هذه القرينة التي انضمت إلى النص.\nويتضح ذلك: بالتفرقة بين البيع والربا، من حيث الحِلُّ والحرمة؛ فإن هذا الأمر يفهم من ظاهر الكلام، بل من سياق الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث عُرِفَ أن الغرض نفيُ التماثل، وإثباتُ الفرق بينهما، وأن تقدير الكلام: وأَحلّ الله البيع، وحرّم الربا، فأنّى يتماثلان.\nولم يعرف هذا المعنى بدون تلك القرينة. فلو قيل ابتداء، دون أن يدلنا صدر الآية على دعوى التماثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] لم نستطع الحكم بأن الغرض إثباتُ التفرقة بين البيع والربا، وأنهما غير متماثلين.\nواعتبار اللفظ نصًا عن طريق انضمام قرينة لفظية، تجعلنا نفهم معنًى قصده المتكلم، لم يفهم من الظاهر بدون تلك القرينة: هو ما نراه عند السرخسي، حين يقرر في تعريف النص - كما مر - أنه: (ما يزداد بيانًا بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم، ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرًا، بدون تلك القرينة).\n\n<span data-type='title' id=toc-70>موقف العلماء من الاتجاهين:</span>\nلم يكن موقف العلماء من اتجاهَيْ المتقدمين والمتأخرين واحدًا فيما بعد.\n١ - فمنهم من تابع المتقدمين فيما ذهبوا إليه، غير ملتفت إلى ما جاء به المتأخرون.\n٢ - ومنهم من سلك سبيل المتأخرين، ودافع عن وجهة نظرهم فيما ذهبوا إليه.","vol":"1","page":136},{"text":"٣ - ومنهم مَن سلك سبيل الحياد بين الاتجاهين، واكتفى بعرض ما عند الفريقين.\nأ - فممّن تابع المتقدمين، وسلك نهجهم: صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود؛ فقد جاء في كتابه \"التوضيح\" قوله: (اللفظ إذا ظهر منه المراد، يسمى ظاهرًا بالنسبة إليه، ثم إن زاد الوضوح بأن سيق الكلامُ له يسمى نصًا).\nوهذا الكلام من صدر الشريعة، يدل بوضوح على التزام مذهب المتقدمين في هذه المسألة.\nوقد فهم السعد التفتازاني ذلك من كلام صدر الشريعة، حين قرر أن ظاهر كلامه المذكور مشعر بأن المعتبر في الظاهر: ظهور المراد منه، سواء أكان مسوقًا له أم لا، وأن المعتبر في النص كونه مسوقًا للمراد (^١) …\nب - وممن سلك سبيل المتأخرين وحمل عبء الدفاع عن وجهة نظرهم فيما ذهبوا إليه، عبد اللطيف بن مَلك في شرحه لكتاب \"المنار\" للحافظ النسفي.\nوقد ظهر ذلك في محاولته الردّ على كلام عبد العزيز البخاري في \"كشف الأسرار\" فيما فهمه من كلام البزدوي.\nوبيان ذلك: أن ابن ملك يرى في قول البزدوي عن النص بأنه: (ما ازداد وضوحًا على الظاهر بمعنًى من المتكلم لا في نفس الصيغة …) أن عبارة (بمعنًى من المتكلم) أعم من كونه قرينة نطقية، أو سَوْق كلام، أو غيره .... ولو كانت زيادة وضوحه، بانضمام قرينة نطقية تدل على أن قصد المتكلم ذلك المعنى: لم يبقَ محتملًا لتأويل، وهو في حيز المجاز، لتعين المراد حينئذ.\nوأكثر من هذا: فابن ملك لا يسلم أن الكل من العلماء، غفلوا عن هذا التفريق، فإن فخر الإسلام وصاحب \"المنتخب\" قالا في قوله تعالى:\n_________\n(^١) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":137},{"text":"﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] أنه نص في بيان العدد؛ لأنه سيق الكلام له.\nوهذا يقتضي أن يكون عدم السَوْق شرطًا في الظاهر، وإلا لما صحّ تعليلهما - أي فخر الإسلام وصاحب \"المنتخب\" - به.\nوقال ابن ملك: (وإنما لم يذكروا عدم السَوْق في الظاهر، اعتمادًا على كونه مفهومًا من تعريف النص) (^١).\nج - أما سبيل الحياد بين الاتجاهين: فممن سلكه صاحب \"التلويح\" سعد الدين التفتازاني.\nفقد جاء على كلام صدر الشريعة في الموضوع، واكتفى بالحكم عليه بأنه متفق مع ما عليه المتقدمون، ثم عرض لذكر ما عليه المتأخرون، مبيّنًا أن أقسام الواضح حسن اتجاه المتقدمين تكون متمايزة، وحسب اتجاه المتأخرين تكون متباينة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>موقفنا من المسألة:</span>\nوأُراني في ضوء ما سبق: أميلَ إلى تأييد البقاء على ما جرى عليه المتقدمون، في التفرقة بين الظاهر والنص، بازدياد الوضوح عن طريق قرينة لفظية تبرز معنًى عُرف من مراد المتكلم ....\n١ - وإذا كانت اللغة العربية نبراسنا الأول في فهم نصوص الأحكام، فإن\n_________\n(^١) شرح \"المنار\" لابن ملك (١/ ٣٥٢).\n(^٢) قال السعد بعد أن ذكر كلام صدر الشريعة: (وهذا هو الموافق لكلام المتقدمين، وقد مثَّلوا للظاهر بنحو ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ الآية [النساء]، ونحو ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ الآية [النور]، ونحو ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. فتكون الأربعة - يعني أقسام الواضح - أقسامًا متمايزة بحسب المفهوم واعتبار الحيثية، متداخلة بحسب الوجود، إلا أن المشهور بين المتأخرين أنها أقسام متباينة، وأنه يشترط في الظاهر كونه مسوقًا للمعنى الذي يجعل ظاهرًا فيه .... \" انظر: \"التلويح على التوضيح\" (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":138},{"text":"معنى النص لغة زيادة الظهور، ومنه نصصت الدابة، ومِنصة العروس .. إلخ.\nكما هو واضح في مصادر العربية مما نقلناه عن الأئمة في هذا الصدد.\n٢ - أما ما احتج به ابن ملك، من أن القرينة في كلام البزدوي، أعم من أن تكون نطقية أو غيرها: فإن السرخسي - وهو من رجال القرن الخامس الذين عاصروا البزدوي، وقد نقلنا كلامه من قبل - قد صرّح بأن النص ما يزداد وضوحًا، بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم.\nولئن كان ابن ملك يريد أن لا يحصر القرينة بكونها لفظية، إن في كلام السرخسي وأضرابه ما ينفي الذي أراده ابن ملك بعدم الحصر؛ ذلك بأن تلاقي كلام أهل الحِقبة الواحدة على أمر معيَّن، يقوِّي جانب الفهم الذي أرادوه، ويُبرز المعاني التي قصدوها في التعريفات، عند ضبط مناهجهم في استنباط الأحكام.\n٣ - ثم إن ابن ملك، أراد أن يأخذ اشتراط عدم السَوْق في (الظاهر)، من كلام المتقدمين أنفسهم؛ وذلك عن طريق مفهوم المخالفة (^١) حيث فسّروا آية التعدد بأنها (نص) في بيان العدد؛ لأنه سيق الكلام له.\nوأحسب أن في منطوق كلام البزدوي - كما قدّمنا - وكلام المعاصرين له بتأييد ما ذهبوا إليه من اللغة نفسها، ما يضعف مأخذ ابن ملك، ويقوِّي جانب الأخذ بما درج عليه المتقدمون (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-72>التسلسل التاريخي لمسألة الظاهر والنص:</span>\nوهكذا يظهر مما تقدم أن النظرة إلى الظاهر والنص عند الحنفية من علماء الأصول، قد مرّت في ثلاث مراحل:\nالأولى: وهي التي تمتد إلى نهاية القرن الخامس، حيث لا يشترط في الظاهر: عدم سَوْق الكلام للمعنى المراد.\n_________\n(^١) مفهوم المخالفة - كما سيأتي في مبحث الدلالات - هو: إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت لانتفاء القيد الذي قيّد به ذلك الحكم، والحنفية متفقون على عدم الأخذ بهذا المفهوم في نصوص الكتاب والسنّة، ومختلفون في الأخذ به في كلام الناس.\n(^٢) راجع ما سبق (ص ١٢٥ - ١٢٦) فما بعد.","vol":"1","page":139},{"text":"الثانية: وهي التي بدأت بعد القرن الخامس، حيث اشترط المتأخرون في الظاهر: عدم سَوْق الكلام للمعنى المراد، تفريقًا بينه وبين النص.\nالثالثة: وهي المرحلة التي وجدت بعد وجود أصحاب هذا الرأي من المتأخرين حيث اختلفت - كما أسلفنا - نظرة الباحثين.\nأ - فمن ملتزم لاتجاه المتقدمين.\nب - ومن ملتزم لاتجاه المتأخرين.\nج - ومن محايد يعرض المسألة كما يراها الفريقان دون ترجيح (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-73>المطلب الثالث المفسَّر</span>\nأما المفسَّر: فهو (اللفظ الذي يدل على الحكم دلالة واضحة، لا يبقى معها احتمال للتأويل، أو التخصيص، ولكنه مما يقبل النسخ في عهد الرسالة).\nوقد عبّر عنه السرخسي بأنه (اسم للمكشوف الذي يعرف المراد به مكشوفًا على وجه لا يبقى معه احتمال التأويل) (^٢).\nوبهذا كان المفسَّر فوق الظاهر والنص وضوحًا؛ لأن احتمال التأويل والتخصيص قائم فيهما. أما المفسَّر فلا يحتمل شيئًا من ذلك، ويتبدى هذا في كثير من نصوص الأحكام.\nمثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].\nفلفظ ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ وإن كان يحتمل التخصيص، بأن يراد فئة منهم مثلًا دون أخرى، إلا أن كلمة ﴿كَافَّةً﴾ تنفي أي احتمال للتخصيص بفرد أو فئة\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ١٣٦ - ١٣٧) فما بعد.\n(^٢) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٥).","vol":"1","page":140},{"text":"أو طائفة منهم، فلا يكون الخروج من عهدة امتثال الأمر، في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا﴾ إلا بقتال المشركين كافتهم، دون أي استثناء.\nوكذلك قوله جلّ وعلا في حدّ القَذَفة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤].\nوقوله تعالى في عقوبة الزنى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].\nفكل من كلمة ﴿ثَمَانِينَ﴾ في الآية الأولى، وكلمة ﴿مِائَةَ﴾ في الآية الثانية عدد، والعدد لا يحتمل الزيادة ولا النقص (^١)، فهو من المفسَّر؛ لذا كانت الدلالة في الآية الأولى على وجوب جلد القاذف ثمانين جلدة، وكانت الدلالة في الآية الثانية على وجوب جلد الزاني والزانية مائة جلدة: دلالة واضحة قطعية، لا تحتمل تأويلًا ولا تخصيصًا. ولكن هذه الأحكام كلها، كانت تحتمل النسخ في عهد الرسالة.\nوهكذا يكون من المفسَّر: العام إذا لحقه ما يمنع احتماله للتخصيص، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ص ٧٣]. فإن الملائكة جمعٌ عامٌّ محتمل للتخصيص؛ بأن يرد ما يدل على أن المراد بالملائكة: الأكثرون منهم مثلًا، فانسدّ باب التخصيص بذكر الكل في قوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ وذكر الكل احتمل تأويل التفرُّق بأن يكونوا قد سجدوا متفرقين، فقُطع ذلك بقوله تعالى: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ فصار مفسَّرًا (^٢).\nومن المفسَّر أيضًا: الصيغة التي ترد مجملة، ثم يلحقها بيان تفسيري قطعي من الشارع يبينها ويزيل إجمالها، حتى تصبح مفسَّرة لا تحتمل التأويل.\nوذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج].\n_________\n(^١) وإن كان عدد \"السبعين\" تستعمله العرب للتكثير أحيانًا.\n(^٢) راجع \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٥٠).","vol":"1","page":141},{"text":"فقد سئل أحمد بن يحين ما الهلع؟ فقال: قد فسّره الله ولا يكون تفسيرٌ أبينَ من تفسيره.\nوكقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، النساء: ٧٧] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].\nفألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، ألفاظ مجملة لها معان لغوية، واستعملها الشارع في معان خاصة، فأصبح لها إلى جانب المعاني اللغوية، معانٍ شرعية، وجاءت الآيات الكريمة على ذكرها جملة غير مفصَّلة فبيّنها رسول الله ﷺ، وفصَّل معانيَها بأقواله وأفعاله؛ فصلّى وقال: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلي\" (^١) وحجّ وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" (^٢) إلخ. وكتب في الزكاة ما كتب وبيّن حدود الصيام. فأصبحت هذه المجملات من المفسَّر.\nوهكذا كل (مجمل) في الكتاب، يصبح (مفسَّرًا) بعد أن يبيّنه القرآن أو السنّة القولية، أو الفعلية بيانًا قاطعًا، ويكون هذا البيان جزءًا مكملًا وذلك ما يسمى اليوم بالتفسير التشريعي؛ وهو الذي يصدر عن المشرع نفسه تفسيرًا لقانون سابق (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٢٨) و(٦٣١) و(٦٠٠٨) و(٧٢٤٦)، ومسلم (٦٧٤)، وأبو داود (٥٨٩)، والترمذي (٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٨)، وابن ماجه، (٩٧٩)، والدارقطني (١٠٦٨).\n(^٢) رواه أحمد (١٤٦٧٣) ومسلم والنسائي من حديث جابر بن عبد الله في رمي جمرة العقبة: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: \"لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه\" وفي رواية: \"لتأخذوا مناسككم\" وقال الإمام النووي عند شرح الحديث: (فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم … وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات، هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم. فخذوها عني واقبلوها، واحفظوها واعملوا بها، وعلَّموها الناس) ثم قال الإمام النووي: (وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلي\") \"شرح النووي على مسلم\" (٩/ ٤٥).\nوانظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ١٣٠) \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٥/ ٧٠) هذا: وفي \"فتح الباري\" للحافظ ابن حجر مع \"الجامع الصحيح\" قال ﷺ: \"خذوا عني مناسككم\" (٣/ ٢٦٤).\n(^٣) راجع ما سبق (ص ٩٦).","vol":"1","page":142},{"text":"وبيان الكتاب أمانة، قُلدها نبينا صلوات الله وسلامه عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\nوهكذا يكون للمفسَّر موردان:\nأحدهما: المورد المستفاد من الصيغة نفسها، بحيث لا تحتمل التأويل أو التخصيص.\nوالثاني: المورد المستفاد من بيان تفسيري قطعي، ملحق بالصيغة، صادر ممن له سلطة البيان؛ شأنَ المجمل الذي بيّنته السنة بيانًا قاطعًا.\nولقد أوضح ذلك البزدوي عندما عرّف المفسَّر بقوله: (وأما المفسَّر فما ازداد وضوحًا على النص سواء أكان بمعنًى في النص أم بغيره، بأن كان مجملًا فلحقه بيان قاطع، فانسدّ به باب التأويل، أو كان عامًا، فلحقه ما انسدّ به باب التخصيص) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-74>حكم المفسَّر:</span>\nوحكم المفسَّر: وجوب العمل بما دلّ عليه قطعًا، حتى يقوم الدليل على نسخه، فالمفسَّر: لا مجال لأن يصرف عن ظاهره ويرادَ منه معنًى آخر؛ إذ لا يقبل التأويل ولا التخصيص، وإنما يحتمل النسخ والتبديل، وذلك إذا كان ما دلّ عليه حكمًا من الأحكام الفرعية التي تقبل التبديل. وما لم يقم دليل على النسخ، فوجوب العمل بالمفسَّر قائم.\nوحري بنا أن نلاحظ أن النسخ لا يكون إلا بكتاب أو سنّة (^٢)، وما دام الأمر كذلك؛ فمجال النسخ مدة حياة النبي ﷺ إذ لا وحي منزَل، ولا سنّة محدَثة إلا في تلك الحِقبة.\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٥٠).\n(^٢) وهذه السنة يجب عند الحنفية أن تكون متواترة أو مشهورة وفق اصطلاحهم في \"المشهور\" … على تفصيل عند العلماء حول التناسخ في الأحكام بين نصوص الكتاب ونصوص السنّة يرى في موضعه من مباحث النسخ في أصول الفقه والتفسير.\nوانظر للمؤلف: \"مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط\" (ص ١٢٦ - ١٣٥) من مباحث النسخ.","vol":"1","page":143},{"text":"أما بعد وفاته ﵊: فجميع نصوص الكتاب والسنّة محكمة، لا تقبل النسخ أو الإبطال.\nوهكذا يمكن القول بأن كل ما يقوله العلماء عن احتمال النسخ بالنسبة للمفسَّر، أو غيره من: نص، أو ظاهر، فمجاله تلك الحِقبة الزمنية المباركة، وقد انتهى الأمر بانتهائها؛ لأنه لا يوجد بعد الرسول ﷺ سلطة تشريعية، تملك نسخًا أو تبديلًا، واجتهادات الفقهاء التي تأتي من بعد، لا تمنع الاحتمال، حتى الإجماع؛ فإنه لا ينشئ حكمًا وإنما يكشف عن حكم.\nهذا: ومن الواضح أن دلالة المفسَّر على الحكم، أقوى من دلالة النص، ومن دلالة الظاهر عليه؛ وما دام الأمر كذلك: فهو يقدَّم على أي واحد منهما، إذا حصل نوع من التعارض، ويُحمَل كلٌّ من النص والظاهر عليه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>المطلب الرابع المحكم</span>\nأما المحكَم: فهو (اللفظ الذي دلّ على معناه، دلالة واضحة قطعية، لا تحتمل تأويلًا، ولا تخصيصًا، ولا نسخًا حتى في حياة النبي ﷺ، ولا بعد وفاته بالأولى) وذلك كقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢، المائدة: ٢٣٦، المؤمنون: ٣٥] فقد ثبت بالدليل المعقول، أنه وصف دائم لا يجوز سقوطه.\nوالمحكَم: مأخوذ من أحكم: بمعنى أتقن، يقال: بناء محكم: أي مأمون الانقضاض، وقيل: هو من قول القائل: أحكمت فلانًا عن كذا، أي رددته ومنعته، ومنه قول أحدهم:\nأبني حنيفة أحكِموا سفهاءَكم … إني أخاف عليكمو أن أغضبا\n_________\n(^١) انظر: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٤٤)، \"المنار\" وشروحه (١/ ٣٥١) فما بعدها.","vol":"1","page":144},{"text":"ومنه أيضًا حَكَمة (^١) الفرس، سميت بذلك لأنها تذللها لراكبها حتى تمنعها من الجِماح. وفي \"النهاية\" لابن الأثير من حديث ابن عباس: \"قرأت المحكَم على عهد رسول الله ﷺ \" يريد المفصَّل من القرآن؛ لأنه لم ينسخ منه شيء (^٢).\nقال السرخسي: (فالمحكَم ممتنع من احتمال التأويل، ومن أن يرد عليه النسخ، ولهذا سمّى الله تعالى المحكمات: أمَّ الكتاب، أي الأصل الذي يكون المرجع إليه، بمنزلة الأم للولد، فإنه يُرجع إليها) (^٣).\nفالمحكَم، لا يحتمل التأويل بإرادة معنًى آخر، إن كان خاصًّا، ولا التخصيص بإرادة معنًى خاص، إن كان عامًا؛ لأنه مفصَّل ومفسَّر تفسيرًا، لا يتطرق معه أيُّ احتمال.\nأما النسخ: فإنه لا يحتمله في حياة النبي ﷺ - التي هي حِقبة التنزيل وعهد الرسالة - ولا بعدها.\nويبدو الإحكام في حالتين:\n\n<span data-type='title' id=toc-76>أولاهما:</span>\nأ - أن يكون الحكم الذي دلّ عليه اللفظ: حكمًا أساسيًا من قواعد الدين؛ كالإيمان بالله تعالى ووحدانيته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإخبار بما كان أو يكون.\nب - أو أن يكون ذلك الحكم: من أمهات الفاضل، وقواعد الأخلاق التي يقرها العقل السليم، والتي لا تختلف باختلاف الأحوال؛ كالعدل، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والوفاء بالعهد.\nالثانية: أن يكون ذلك المدلول حكمًا جزئيًا، ولكن وقع التصريح بتأييده ودوامه.\n_________\n(^١) الحَكمة: بفتح الحاء والكاف: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه، تمنعه من مخالفة راكبه.\n(^٢) راجع: \"النهاية\" (١/ ٢٦٤).\n(^٣) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٥) قالوا: وسميت مكة أم القرى لأن الناس يرجعون إليها في الحج وفي آخر الأمر.","vol":"1","page":145},{"text":"وذلك كما في قوله تعالى في تحريم أزواج النبي ﷺ من بعده: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].\nوقوله جلّ وعلا في قاذفي المحصنات وعدم قبول شهادتهم: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤].\nوقول الرسول ﷺ في شأن المتعة: \"إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمَن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا\" (^١).\nوقوله ﵊: \"الجهاد ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال\" (^٢).\nفقد اقترن بكل نص من هذه النصوص: ما أفاد تأبيد الحكم الذي اشتمل عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>المحكَم لذاته والمحكَم لغيره:</span>\nلقد عُلم مما سبق، أن عدم قابلية النسخ، يكون أحيانًا من ذات النص، وأحيانًا من خارج النص.\nأما من ذات النص: فكما في الأمثلة السالفة الذكر.\nوأما من خارج النص: فيكون لانتهاء عهد الرسالة، بوفاة النبي ﷺ من غير أن يثبت نسخ، وحِقبة النسخ محدودة بانقطاع الوحي، كما بيّنّا من قبل.\nففي الحالة الأولى: يكون المحكَم محكمًا لذاته، لأن الإحكام جاء من ذات النص.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٥٥٢) ومسلم (١٤٠٥) من رواية سبرة الجهني، وانظر: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٤٣).\n(^٢) من حديث أنس بن مالك الذي أخرجه أبو داود (٢٥٣٢)، وحكاه أحمد في رواية ابنه عبد الله، وانظر: \"مجمع الزوائد\" للهيثمي (١/ ٦)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٧/ ٢٢٥)، \"تخريج أحاديث البردوي\" للقاسم بن قطلوبغا (لوحة ٧) مخطوطة دار الكتب المصرية.","vol":"1","page":146},{"text":"وفي الحالة الثانية: يكون محكمًا لغيره؛ لأن الإحكام جاء من خارج النص، وهذا يشمل الأقسام الأربعة للواضح. قال عبد العزيز البخاري في \"الكشف\": (ثم انقطاع احتمال النسخ، قد يكون لمعنًى في ذاته، بأن لا يحتمل التبدل عقلًا، كالآيات الدالة على وجود الصانع وصفاته ﷻ، وحدوث العالم، وهذا يسمى محكمًا لعينه.\nوقد يكون بانقطاع الوحي، بوفاة النبي ﷺ، ويسمى هذا: محكمًا لغيره، وهذا النوع يشمل الظاهر والنص والمفسَّر والمحكَم) (^١)؛ لأن كل واحد من الظاهر والنص والمفسَّر، أصبح محكمًا من حيث انقطاع احتمال النسخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>حكم المحكَم:</span>\nوحكم المحكَم: أنه يجب العمل به قطعًا، فلا يحتمل صرفَه عن ظاهره إلى أي معنى آخر، كما أنه لا يحتمل النسخ والإبطال.\nومن هنا كانت دلالته على الحكم، أقوى من جميع الأنواع السابقة، فاللفظ مسوق لبيان هذا الحكم، والاحتمال بجميع أنواعه منتفٍ عنه. لذا كان طبيعيًا أن يقدّم على أي نوع من أنواع الواضح، يتعارض معه، ويُحْمَلَ ذلك النوع الآخر عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>تفاوت المراتب وأثره:</span>\nوهكذا يتبين لنا بعد البحث، أن أقسام الواضح عند الحنفية: ليست على درجة واحدة في الوضوح، وإنما هي متفاوتة المراتب في ذلك.\nفأقواها المحكَم، ويليه المفسَّر، ثم النص، ويأتي بعده الظاهر.\nوإنما تظهر ثمرة هذا التفاوت عند التعارض؛ حيث يقدم الأقوى من المتعارضين، كما سيأتي.\nويحسن أن نقرر أن التعارض المقصود هنا: هو التعارض الظاهري، وهو الذي يكون مردُّه نظرَ الناظر وبحثه، أما التعارض الحقيقي: فمنتفٍ عن\n_________\n(^١) \"كشف الأسرار\" (١/ ٥١)، وراجع: \"التوضيح\" (١/ ١٢٦).","vol":"1","page":147},{"text":"نصوص هذه الشريعة في ذاتها، ولا يجوز أن نحمِّل الشريعة أمرًا عائدًا إلى الباحث نفسه، لا إليها هي، علمًا بأن نصوصها منزَّهة عن العبث والتناقض.\n\n<span data-type='title' id=toc-80>نموذج لأقسام الواضح الأربعة:</span>\nحاول بعض الأصوليين أن يقدّم أنموذجًا لأقسام الواضح الأربعة في نص من النصوص.\nوكان النص هو قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر] (^١) حيث قرروا أنه يصلح نظيرًا لمراتب الوضوح في الأقسام الأربعة، باعتبارات أربعة:\nفهو (ظاهر) - كما يقولون - باعتبار دلالته على سجود الملائكة؛ لأن السجود لفظ خاص يحتمل التأويل، وذلك بأن يراد به نوع من الانحناء أو الخضوع، وليس السجود الحقيقي.\nوهو (نص): باعتبار دلالته على أن كل الملائكة قد سجدوا؛ فقد ازداد وضوحًا على الظاهر بمعنًى من المتكلم، لأنه سيق لبيان أنه لم يخرج عن طاعة الله في أمره بالسجود إلا إبليس.\nوهو (مفسَّر) باعتبار دلالته على قطع الاحتمال؛ فلقد كان محتملًا أن يكون الملائكة قد سجدوا متفرقين، فقطع هذا الاحتمال بقوله تعالى: ﴿أَجْمَعُونَ﴾.\nوقالوا: إنه (محكَم) باعتباره إخبارًا عن حادث وقع، وأخبار الشارع لا تقبل النسخ والإبطال.\nولكن البعض الآخرين لم يرتضوا ذلك، واعتبروا أن التمثيل بالآية للأقسام الأربعة غير منطبق عليها كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-81>مدى شمول التفسير - كما أردناه - للأقسام الأربعة:</span>\nأما شموله للظاهر والنص: فواضح؛ ذلك أن دلالتهما على الحكم - وإن كانت قطعية - فإن القطع هنا مراد به معناه الأعم، وهو عدم الاحتمال\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" شرح البزدوي (١/ ٥١)، \"التلويح على التوضيح\" (١/ ١٢١)، \"أصول التشريع الإسلامي\" للأستاذ علي حسب الله (ص ٢١٦).","vol":"1","page":148},{"text":"الناشئ عن دليل، فالاحتمال واقع، وإن كان بعيدًا، وهو في الظاهر أبعد منه في النص.\nفإذا كانت الحاجة إلى التفسير، تبدو واضحة عند وجود الاحتمال، فإن هذا - كما يُرى - منطبق على الظاهر والنص؛ إذ احتمال التأويل في الخاص، وصرفه عن معنًى إلى معنًى آخر: قائم، كما أن احتمال التخصيص في العام: قائم أيضًا.\nأما في المفسَّر والمحكَم: فالاحتمال منتفٍ، إذ إن كلًا منهما يدل على الحكم قطعًا، والقطع هنا مراد به معناه الأخص، وهو عدم الاحتمال أصلًا. فهما لا يحتملان تأويلًا ولا تخصيصًا.\nومسألة احتمال النسخ - بشروطه - في المفسَّر، ذات علاقة بالتاريخ لتحديد المتقدم والمتأخر، من حيث معرفة نزول الكتاب، أو حدوث السنّة القولية أو العملية الصالحة للنسخ - على صعيد الأحكام - عند من يقول بذلك، ليعلم الناسخ من المنسوخ.\nأما من حيث دلالة المفسَّر والمحكَم على المعنى: فما داما يدلان عليه دلالة قطعية لا تحتمل تأويلًا ولا تخصيصًا، فلن نجد بين أيدينا في هذين القسمين من أقسام الواضح، إلا حالة التعارض الظاهري بينهما.\nومن الممكن أن ندخل ذلك في نطاق التفسير - كما أردناه - تجوُّزًا لأن التعارض بينهما قد يُنتج حالة من الإبهام، تزول بمعرفة الأقوى، فيقدم المحكَم على المفسَّر. وإنما قلنا: (تجوُّزًا) لأن الترجيح بعد التعارض، قد يبدو قضاءً على النص، وليس تفسيرًا للنص.\nغير أن الذي يدعونا إلى ذلك: هو أن حالات الإبهام التي تنشأ من هذا التعارض الظاهري، بين النصوص في حالاتها المختلفة: قد أسهمت في أسباب الاختلاف بين الفقهاء إلى حد كبير، نتيجة اختلاف الفهوم والمدارك، ومدى الإحاطة بالدليل.\nكما أن إثبات التعارض، ثم إزالته عن طريق الحكم بالنسخ، أو التوفيق بين النصوص: كان ذا أثر واضح، في مسالك الاستنباط عند أئمة الفقه في","vol":"1","page":149},{"text":"شريعة الإسلام. الأمر الذي يذكِّر بقضية غايةٍ في الأهمية، وهي أن الصحابة عليهم الرحمة والرضوان: كانوا يتتبعون الأحدث فالأحدث من قول النبي ﷺ وفعله، وإقراره.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-82>المطلب الخامس أثر التفاوت بين الأقسام بتقديم أقواها عند التعارض</span>\nأشرنا فيما سلف إلى أن التفاوت بين أقسام الواضح، إنما يظهر أثره عند التعارض، حيث يقدَّم الأقوى من المتعارضين، ويحمل الآخر عليه. ولذلك صور تتبدَّى فيما نقدم من النماذج التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-83>أولًا - تعارض الظاهر مع النص:</span>\nأ - من حالات تعارض النص مع الظاهر في نصوص الكتاب: ما جاء في شأن حلِّ الزواج بالنساء غير المحرمات دون تحديد بعدد، مع ما جاء في تحديد ما يحل منهن بأربع زوجات.\nففي سورة النساء، بعد أن ذكر الله تعالى المحرمات من النساء قال سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (^١). وقال سبحانه في آية أخرى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].\n_________\n(^١) قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٣، ٢٤].","vol":"1","page":150},{"text":"فالآية الأولى: تدل على حل نكاح غير المحرمات المذكورات قبلًا، دون تحديد عدد، وهذه الدلالة من قبيل (الظاهر)، فيجوز للرجل بمقتضى عموم هذا الظاهر، أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات.\nوالآية الثانية: (نص) في اقتصار الحل على الأربع، فتحرم الزيادة على هذا العدد.\nوهكذا يقع التعارض فيما وراء الأربع، فهو حلال في الآية الأولى، حرام في الآية الثانية.\nوفي هذه الحالة يقدم الأقوى: فيرجح النص - وهو تحديد الحل بأربع، وتحريم ما وراءها - على الظاهر الذي لم يحُدَّ الحلال من الزوجات بعدد، ويحمل الثاني على الأول، لأن النص سيق أصالة لإفادة هذا الحكم: وهو تحديد ما يحل للمسلم بأربع.\nومن هنا كان من المقرر شرعًا، أنه لا يجوز للمسلم أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات.\nوقيل: الآية الأولى (نص) في اشتراط المهر، والآية الثانية من قبيل (الظاهر) في عدم اشتراطه؛ لأن الكلام ساكت عن ذكره ومطلَق عنه، فيترجح النص ويجب المال.\nب - ومن أمثلة ذلك من الكتاب أيضًا (^١) قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مع قوله سبحانه في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\nفالآية الأولى تعطي - بما سقيت له - أن مدة الرضاع مقدّرة بحولين، وهذا (نص). والآية الثانية تعطي أن هذه المدة ثلاثون شهرًا؛ لأنها سيقت لبيان منّة الوالدة على الولد، بدليل أول الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وهذا (ظاهر).\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" شرح المصنف النسفي على المنار (١/ ١٤٦).","vol":"1","page":151},{"text":"وبتقديم النص على الظاهر، ترجح الآية الأولى على الثانية، وتكون مدة الرضاع حولين. واعتبار مدة الرضاع حولين كاملين هو قول الصاحبين. والمثال الذي بين أيدينا للتعارض بين الظاهر والنص: مستقيم على قولهما.\nأما أبو حنيفة: فمدة الرضاع عنده ثلاثون شهرًا. والتقييد بحولين في الآية الأولى محمول في نظره على استحقاق الأجر؛ لأن المطلَّقة إذا طلبت أجرة الرضاع بعد حولين: لا يجبر الزوج على الإعطاء. ولو وقع ذلك في الحولين، يجبر على الإعطاء.\nفقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ أي لمن أراد من الآباء أن يُتم الرضاعة بالأجرة، وهذا لا يقتضي أن انتهاء مدة الرضاعة مطلقًا يكون بالحولين. . بل هو مدة استحقاق الأجر بالإرضاع (^١).\nوالراجح عندنا: ما ذهب إليه الصاحبان؛ لأن الحمل غير الفصال، والمجموع للحمل والفصال ثلاثون شهرًا، وليس هنالك ما يقوِّي حمل التقييد بالحولين في الآية الأولى على استحقاق الأجر (^٢). والجنوح إلى غير المعنى الظاهر للآية: يحتاج إلى دليل صالح لذلك.\nج - ويرى عبد العزيز البخاري صاحب \"كشف الأسرار\" أن مما يصلح مثالًا للتعارض بين الظاهر والنص من السنّة قوله ﵊: \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\" (^٣) مع قوله: \"مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\" (^٤).\nفالنص الأول (ظاهر) في نفي الجواز عمومًا في كل صلاة، فيتناول\n_________\n(^١) راجع: \"فتح القدير\" (٣/ ٥ - ٦).\n(^٢) انظر: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\"، و\"العناية\"، و\"حاشية سعدي جلبي\" (٣/ ٦).\n(^٣) رواه أحمد (٢٣٠٥٣) وأصحاب الكتب السنة بلفظ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" البخاري (٧٥٦)، مسلم (٣٩٤)، أبو داود (٨٢٢)، الترمذي (٢٤٧)، النسائي (٩١٠)، ابن ماجه (٨٣٧) بألفاظ مختلفة.\n(^٤) روي مسندًا من طرق كلها ضعاف، والصحيح أنه مرسل، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٨). وانظر ما يأتي في الحاشية: رقم (٢) من ص ١٥٤.","vol":"1","page":152},{"text":"صلاة المقتدي والمنفرد، وذلك أخذًا من نفي الجنس المفهوم من (لا). والثاني (نص) في الجواز؛ لأنه أشد وضوحًا في إفادة معناه، لأن استعمال (لا) لنفي الفضيلة، واستعمال العام في بعض مفهوماته شائع ذائع.\nوإذا كان الأمر كذلك: وقع التعارض في حق المقتدي، فيعمل بالنص ويحمل الأول وهو \"صلاة إلا بفاتحة الكتاب\" على المنفرد، أو على نفي الفضيلة (^١).\nهذا: والمسألة التي يتضمنها مثال صاحب \"الكشف\" - وهي حكم قراءة المأموم خلف الإمام - أمر تشعبت فيه المسالك وتعددت فيه الآراء. وجماع أقاويل الفقهاء فيه ثلاثة:\n١ - وجوب قراءة المأموم خلف إمامه، فيما يجهر به وفيما لا يجهر: سواء أسمع المؤتم قراءة الإمام أم لم يسمعها. ذهب إلى ذلك مكحول، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور.\n٢ - وجوب قراءة المأموم خلف إمامه، في الصلاة السرية، دون الجهرية وبذلك قال الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق.\n٣ - عدم القراءة خلف الإمام مطلقًا، جهر الإمام، أو أسرّ، وإليه ذهب سفيان الثوري والحنفية (^٢).\nوهذا القول الأخير، هو الذي دافع عنه صاحب \"كشف الأسرار\" في المثال المتقدم الذي جاء به ردًا على المخالفين، حيث اعتبر حكم القراءة خلف الإمام دائرًا بين حديثين: أحدهما نص، والآخر ظاهر، وطبيعي أن يقدَّم النص على الظاهر ويحمل الظاهر عليه.\nغير أن الفريق الآخر، يجيب على حجة الحنفية بأن حديث \"فقراءة الإمام له قراءة\" عام؛ لأن القراءة مصدر مضاف - وهو من صيغ العموم -\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار شرح أصول البزدوي\" (١/ ٤٩).\n(^٢) راجع: \"معالم السنن\" للخطابي (١/ ٢٠٥ - ٢٠٨) \"فتح القدير\" مع \"الهداية\" (١/ ٢٣٨ - ٢٤٠).","vol":"1","page":153},{"text":"وحديث قراءة الفاتحة خاص. فلا معارضة، ويبنى العام على الخاص، وصلاة المأموم صلاة حقيقية، فتنتفي عند انتفاء القراءة.\nوالذي نرتضيه، هو ما ذهب إليه القائلون بالقراءة، حيث يحمل العام على الخاص في هذه الحالة، خصوصًا وأن أحاديث صحيحة عدة، قضت بوجوب فاتحة الكتاب في كل ركعة، دون تفريق بين إمام ومأموم (^١).\nوهذه المجموعة من النصوص، صحيحة تجعل البراءة من عهدة قراءة الفاتحة، فيما نرى، صعبة المنال، ما دام دليل الترك لم يتوافر له ما توافر لتلك الأدلة.\nذلك أن الحديث المحتج به على عدم القراءة: حوله كلام من ناحية السند، وأقوى ما فيه أن يعتبر مرسلًا (^٢)، وقد أخذ الحنفية به لأنهم يعملون بالمرسل من الأحاديث.\n_________\n(^١) من هذه النصوص ما أخرجه الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة وغيرهم - كما سبق - من قوله ﷿: \"لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن\"، وقوله: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج\"، وقوله: \"لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد\".\n(^٢) المعروف عند المحدثين: أن (الحديث المرسل) هو: ما رواه التابعي عن رسول الله ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، صغيرًا كان التابعي كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، أو كبيرًا كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب. والذي اشتهر عند الأصوليين والفقهاء: أن المرسل يشمل المنقطع، وهو ما سقط منه راو واحد قبل التابعي، كما يشمل المعضل وهو ما سقط منه اثنان على التوالي.\nانظر: \"اختصار علوم الحديث\" للحافظ ابن كثير (ص ٣١)، \"نزهة النظر شرح نخبة الفكر\" لابن حجر العسقلاني (ص ٢٧)، \"تدريب الراوي، شرح تقريب النووي\" للسيوطي (ص ١١٧ - ١١٨).\nولقد ذكر الحديث الذي نحن بصدده المجد بن تيمية في \"منتقى الأخبار\" من رواية عبد الله بن شداد ثم قال: وقد روي مسندًا من طرق كلها ضعاف، والصحيح: أنه مرسل.\nوذكر ابن حجر في \"فتح الباري\" أنه ضعيف عند الحفاظ، وأنه قد أُعِلَّ من قِبَل الدارقطني وغيره (٢/ ١٦٤)، ورواه أحمد في \"المسند\" (١٤٦٤٣) بسند فيه انقطاع.\nأما الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ٦) فقد أطال الكلام في تخريجه للحديث، وذكر طرقه، وأوضح ما فيها من ضعف أو علة أو إرسال، وما يمكن أن يقوّي بعضه بعضًا من تلك الطرق. وحكى في مقدمة ذلك حكم الدارقطني الذي أشار إليه صاحب \"الفتح\". =","vol":"1","page":154},{"text":"وهكذا يبدو أن عبد العزيز البخاري ﵀، لو سلِم له المثال من ناحية الفقه والدراية؛ فإن قوة الدليل لم تسعفه من ناحية الرواية، حين أتى بالحديثين المذكورين ليضرب بهما مثلًا للتعارض في السنّة بين الظاهر والنص، وتقديم الأقوى منهما.\nفالحديث الأول - وهو حديث وجوب الفاتحة - يرويه أحمد وأصحاب الكتب الستة، وتدعمه نصوص صحيحة أخرى.\nوالحديث الثاني \"فقراءة الإمام له قراءة\" حوله قيل وقال، وأقوى ما فيه أنه (مرسل). وعلى ذلك: لا يكون للمثال ما يجعله في موطن القوة وسلامة التطبيق، على قبول أن يكون بين النصين حمل للعام على الخاص - كما سبق -.\n\n<span data-type='title' id=toc-84>ثانيًا: تعارض المحكَم مع النص:</span>\nويوردون لتعارض المحكَم مع النص قوله تعالى في سورة النساء الآية ٣: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ مع ما جاء في شأن زوجات الرسول ﷺ من قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].\nفالأول وهو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ. . .﴾ الآية - نص في إباحة أربع زوجات. وذلك يشمل زوجات الرسول ﷺ، بعد وفاته.\nغير أن الثاني وهو قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ. . .﴾ الآية، دلّ على تحريم الزواج بإحداهن بعد وفاته، والنص على التأبيد جعله محكمًا لا يحتمل النسخ والتبديل، فيقدم على النص في العمل بموجبه، ويحمل النص عليه.\n_________\n= وقد نقل الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢٨) ما قاله الدارقطني وهو: أنه لم يُسند الحديث إلى موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان، وأن الصواب إرساله إذ قد رواه سفيان الثوري، وشعبة، وإسرائيل، وسفيان بن عيينة وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلًا عن النبي ﷺ، وانظر \"سنن الدارقطني\": (١٢٣٣) و(١٢٣٤) و(١٢٥٣).","vol":"1","page":155},{"text":"على أن بعض الفضلاء قد جعل الآية تتردد بين النص والظاهر (^١) فاعتبر من أمثلة تعارض المحكَم مع النص أو الظاهر قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ. . .﴾ الآية [النساء: ٢٤]، ثم أتى بآية الأحزاب للمحكَم.\nومعلوم أن العلماء يسوقون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ. . .﴾ الآية، كما رأينا، مثالًا للظاهر في حل ما زاد على الأربع من غير المحرمات، حيث يعارض قوله سبحانه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وهو نص في الاقتصار على أربع زوجات.\nوهكذا تكون الآية الكريمة على رأي أولئك قد استخدمت ظاهرًا في مقابلة النص، ونصًا في مقابلة المحكَم.\nوإذا كان الأمر كذلك، فلعل آية التعدد - وهي نص - في تحديد ما احلّه الله من الزوجات الحرائر بأربع: أولى بالتمثيل للتعارض بين المحكَم والنص من آية حل ما زاد على الأربع، في مقابلة آية الأحزاب المحكمة في تحريم الزواج بأي من زوجات الرسول ﷺ بعد وفاته.\nوبذلك نكون قد قدّمنا أنموذجًا سليمًا للتعارض بين النص والمحكَم.\nفآية التعدد في سورة النساء: نص في حل الأربع من غير المحرمات، وآية الأحزاب محكمة في شأن زوجات النبي ﷺ، فيقدم المحكَم على النص، ويحمل النص عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>ثالثًا - التعارض بين النص والمفسَّر:</span>\nوقد مثَل بعض الأصوليين للتعارض بين النص والمفسّر من السنّة، بروايتين لحديث ورد في شأن وضوء المستحاضة للصلاة (^٢).\nأما الرواية الأولى: فهي التي جاءت عن عروة عن عائشة ﵂ قالت:\n_________\n(^١) انظر: \"سلم الوصول\" لعمر عبد الله (ص ٢٢٣) الطبعة الثانية.\n(^٢) \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٥١)، ابن ملك على \"المنار\" (١/ ٢٥٨)، \"نور الأنوار\" للميهوي (١/ ١٤٥ - ١٤٦).","vol":"1","page":156},{"text":"\"وجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: \"لا، إنما ذلك عِرق وليس بالحيضة، فاجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وصلِّي وإن قطر الدم على الحصير\" (^١).\nوأما الرواية الأخرى - كما يقولون -: فقد جاءت بلفظ: \"توضئي لوقت كل صلاة\" (^٢).\nفالحديث في الرواية الأولى: يدل على وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، فلا يصح لها أن تصلي بوضوء واحد أكثر من فريضة واحدة، ولو في وقت واحد، أداءً كانت تلك الصلاة أو قضاء، غير أن لها أن تصلي النافلة.\nوقد ذهب إلى ذلك الشافعي، وحكي عن عروة بن الزبير، وسفيان الثوري، وأحمد، وأبي ثور.\nويدل الحديث في الرواية الثانية، على وجوب الوضوء على المستحاضة، لوقت كل صلاة، لا لكل صلاة.\nوعلى ذلك، يصح لها أن تصلي بوضوء واحد، ما شاءت من الفرائض والنوافل ما دام وقت الصلاة باقيًا.\nوهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر (^٣).\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٤١٤٥) و(٢٦٢٥٥) والبخاري ومسلم وابن ماجه، كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٩). وقد ذكره الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٦٢)، وابن حزم في \"المحلى\" (١/ ٢٥٣).\nوانظر: البخاري: (٢٢٨)، مسلم (٣٣٣)، أبو داود (٢٨٢)، الترمذي (١٢٥)، النسائي (٣٥٧)، ابن حبان (١٣٤٨).\n(^٢) ذكره صاحب \"الهداية\" وانظر: \"فتح القدير\" (١/ ١٢٥) غير أن الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ٢٠٤) قال: غريب جدًّا، وقد ذكر بعضهم أن الإمام أبا حنيفة رواه.\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ٦٤)، \"المبسوط\" للسرخسي (٢/ ١٧).","vol":"1","page":157},{"text":"فالمثبتون للمثال: يعتبرون الروايتين من باب (النص) في الأولى، و(المفسَّر) في الثانية.\nفقوله: \"توضئي لكل صلاة\" (نص) يحتمل التأويل، وهو أن يكون المراد من قوله: \"لكل صلاة\" وقت كل صلاة؛ لأن اللام تستعار للوقت. يقال: آتيك لصلاة الظهر، أي وقتها.\nأما قوله: \"لوقت كل صلاة\" فهو (مفسر) لا يحتمل التأويل، لكون لفظ الوقت فيه صريحًا، فيقدم المفسَّر على النص، فيكون واجب المستحاضة الوضوءَ عند الوقت، لا عند الصلاة، وإن كان في تأويل (لكل صلاة) بـ (وقت كل صلاة) جنوح عن الحقيقة إلى المجاز، بلا دليل على هذا المجاز (^١).\nوالوضوء للوقت: هو ما ذهبت إليه الحنفية - كما قدّمنا - وهو أيضًا مذهب العترة (^٢)؛ فكان المقرر عند هؤلاء جميعًا أن المستحاضة إنما يجب عليها الوضوء، إذا دخل وقت الصلاة، وليس الواجب الوضوء لكل صلاة.\nومن هنا، كان لها أن تصلي بالوضوء الواحد ما شاءت من الفرائض والنوافل، ما دام الوقت باقيًا، وينتهي حكم الوضوء بانتهاء الوقت.\nأما على القول الأول: فعند كل صلاة يجب عليها الوضوء، فلا تصلي بالوضوء الواحد أكثر من فريضة، ولكن لها أن تصلي النافلة، كما مر.\nوقد فرّق العلماء بين الفريضة والنافلة؛ لأن النوافل تكثر؛ فلو ألزمت بالوضوء لكل نافلة لشقّ ذلك عليها (^٣).\nوفي نظرنا: أن التمثيل للتعارض بين النص والمفسّر، وتقديم الأقوى، بهاتين الروايتين، قد ينطبق من الناحية النظرية على ما رسمه العلماء من تعريف هذين القسمين من أقسام (واضح الدلالة) عند الحنفية.\n_________\n(^١) انظر: \"نيل الأوطار\" شرح \"منتقى الأخبار\" للشوكاني (١/ ٢٩٨).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٨).\n(^٣) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٤٦).","vol":"1","page":158},{"text":"ولكن لا بد من ملاحظة أمرين اثنين:\nأولهما: أن الروايتين ليستا على صعيد واحد من حيث الصحة، وصلاحية الاحتجاج؛ فالنص في الرواية الأولى حديث حكم عليه العلماء بالصحة، وأخرجته كتب الصحيح، أما النص الثاني المشتمل على ذكر (الوقت): فأقل ما فيه أنه حديث فيه مقال، حتى قال عنه الزيلعي الحنفي صاحب \"نصب الراية\": (غريب جدًّا).\nالأمر الثاني: أن المتقدمين من رجال المذهب يرون - فيما يبدو - أن ذهاب الإمام أبي حنيفة، ومَن ذكرنا من أصحابه ﵏ إلى الوضوء عند كل وقت صلاة، لم يكن لرواية فيها ذكر الوقت، وإنما كان البعض المعاني التي تقوم على النظر. ونحن نثبت هنا رأي أبي جعفر الطحاوي، أحد كبار أئمة المذهب المتقدمين (^١).\nفلقد قرر أن مذهب الحنفية في هذه المسألة، قوي من جهة النظر، دون أن يعرض لما عرض له علماء الأصول فيما بعد، من إثبات رواية اعتمدوا عليها فيما ذهبوا إليه.\nوقد كشف أبو جعفر عن قوة المذهب التي أشار إليها وأقام ذلك على عدة دعائم:\nمنها: أن القائلين بوجوب الوضوء لكل صلاة: أجمعوا على أنها إذا توضأت في وقت صلاة فلم تصلِّ حتى خرج الوقت، فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء، أنه ليس لها ذلك، حتى تتوضأ وضوءًا جديدًا.\n_________\n(^١) هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري، أبو جعفر الطحاوي، من كبار الفقهاء، انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر. ولد ونشأ في (طحا) بفتح الطاء والحاء المهملتين: قرية في صعيد مصر. وقد صحب خاله المزني الفقيه الشافعي صاحب \"المختصر\" وتفقه عليه ثم تحوّل إلى مذهب الحنفية. ولد أبو جعفر سنة ٢٢٩ هـ وتوفي سنة ٣٢١ هـ. له تصانيف عدة من أهمها: \"شرح معاني الآثار\" و\"مشكل الآثار\" و\"اختلاف الفقهاء\" و\"كتاب الشفعة\" و\"بيان السنّة\" (رسالة).\nوينظر: مقدمة \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢ - ٥)، \"الأعلام\" للزركلي (١/ ١٩٨)، \"شرح عقيدة الطحاوي\" (٢٣ م - ٢٥ م).","vol":"1","page":159},{"text":"كذلك، لو توضأت في وقت صلاة، فصلّت، ثم أرادت أن تتطوع بذلك الوضوء كان ذلك لها ما دامت في الوقت.\nفدلّ ذلك أن الذي ينقض تطهرها، هو خروج الوقت، وأن وضوءها يوجبه الوقت لا الصلاة.\nوالمعلوم أن المستحاضة، لو فاتتها صلوات، فأرادت أن تقضيهن، كان لها أن تجمعهن في وقت صلاة واحدة، بوضوء واحد.\nفلو كان الوضوء يجب عليها لكل صلاة، لكان يجب أن تتوضأ لكل صلاة من الصلوات الفائتات. فلما كانت تصليهن جميعًا بوضوء واحد: ثبت بذلك أن الوضوء الذي يجب عليها: هو لغير الصلاة وهو الوقت.\nقال أبو جعفر: (وحجة أخرى: أنا قد رأينا الطهارة تنتقض بأحداث، منها: الغائط، والبول. وطهارات تنتقض بخروج أوقات، وهي: الطهارة بالمسح على الخفَّين، ينقضها خروج وقت المسافر، وخروج وقت المقيم. وهذه الطهارات المتفق عليها، لم نجد فيما ينقضها صلاة، إنما ينقضها حدث، أو خروج وقت.\nوقد ثبت أن طهارة المستحاضة، طهارة ينقضها الحدث، وغير الحدث.\nفقال قوم: هذا الذي هو غير الحدث، هو خروج الوقت.\nوقال آخرون: هو فراغ من صلاة، ولم نجد الفراغ من الصلاة حدثًا فهو شيء غير ذلك، وقد وجدنا خروج الوقت حدثًا في غيره.\nفأولى الأشياء: أن نرجع في هذا الحدث المختلف فيه، فنجعلَه كالحدث الذي قد أُجمع عليه، ووُجد له أصل، ولا نجعله كما لم يجمع عليه، ولم نجد له أصلًا. فثبت بذلك قول من ذهب إلى أنها تتوضأ لكل وقت صلاة) (^١).\n_________\n(^١) راجع: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ٤٦) وانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ٢٠٤).","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>موقف للميهوي </span>(^١):\nوَبَعْد: فلقد جاء الميهوي ﵀ من متأخري الحنفية، على القاعدة في تقديم المفسّر على النص، وعملًا بذلك، اعتمد القول بالوضوء لكل وقت صلاة، ثم اعتبر أن مخالفة الشافعي في المسألة مردها عدم الانتباه إلى تقديم المفسّر على النص، فقال: (والشافعي ﵀ لم يتنبَّه لهذا فعمل بالحديث الأول) (^٢).\nهذا ما قاله الميهوي الذي أراد من الإمام الشافعي أن يعلم برواية يمكن أن توجد فيما بعد، ولم يقدم المفسّر على النص، فيوجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل وقت صلاة، ولكن التوفيق أخطأ محمد بن إدريس!! فلم ينتبه لهذا، وعمل بالحديث الأول.\nوإني لأحسب أن ما ذكرناه عن حال رواية (الوقت)، وما حكاه الزيلعي الحنفي في \"نصب الراية\" من أن الحديث بهذه الرواية غريب جدًّا (^٣). ثم ما قرره أبو جعفر الطحاوي من أن قوة المذهب جاءت من ناحية النظر (^٤).\nكل أولئك - إلى جانب قوة الرواية الأولى - كافٍ في بيان ضعف ما ذهب إليه الميهوي - غفر الله له -.\nوفي منطق الحِفاظ على الأسس السليمة للاستنباط: لا نستطيع أن نغفل الأهمية البالغة لقيمة النص الذي يراد استنباط الحكم منه، حتى أمر النظر الذي أخذه أبو جعفر ﵀ بعين الاعتبار: إنما يحسب حسابه حين لا يكون بين يدينا نص صحيح في الموضوع. أما إذا توافر النص الصحيح: فهو المقدّم على نص لا يدانيه صحة، وهو المقدّم على النظر أيضًا.\n_________\n(^١) هو أحمد بن أبي سعيد بن عبد الله، المعروف بملا جيون، من مصنفاته: \"نور الأنوار شرح المنارة\" للنسفي، توفي ﵀ سنة ١١٣٠ هـ.\n(^٢) راجع: \"نور الأنوار\" للميهوي (١/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(^٣) انظر ما سبق (ص ١٥٧) الحاشية ذات الرقم (٢).\n(^٤) انظر ما سبق (ص ١٥٩).","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>رابعًا - تعارض المفسَّر مع المحكَم:</span>\nومن تعارض المفسَّر مع المحكَم، قوله تعالى في شأن الشهادة والشهود: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] مع قوله تعالى في شأن المحدودين حد القذف: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (^١).\nفالنص الأول: مفسَّر في قبول شهادة العدول، فلا يحتمل قبول شهادة غيرهم؛ لأن الإشهاد إنما يكون للقبول عند الأداء. وإذا كان الأمر كذلك: فهو يقتضي بعمومه قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب؛ لأنه يصدق عليه أنه عدل بعد التوبة.\nوالنص الثاني: محكم، لوجود التأبيد فيه صريحًا، فيقتضي عدم قبول شهادة المحدود بالقذف وإن تاب. فيترجح النص الثاني - وهو المحكَم القاضي بعدم القبول - على النص الأول، وهو المفسَّر القاضي بالقبول؛ فلا تقبل شهادة من أقيم عليه حد القذف، ولو كان عدلًا وقت الشهادة؛ بأن تاب بعد إقامة الحد عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-88>ما يرد على هذا المثال، ورأينا في ذلك:</span>\nهذا: وقد يرد على التمثيل بالآيتين المذكورتين أنه إذا كانت الآية الثانية محكمة لما فيها من التأبيد، فإن الآية الأولى ليست من المفسَّر.\nأ - ذلك لأن المفسَّر - كما سبق - لا يحتمل إلا النسخ. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ يحتمل الإيجاب والندب بالاشتراك اللفظي أو المعنوي، أو بالحقيقة والمجاز، ويتناول بإطلاقه الأعمى والعبد، مع أن الإجماع منعقد على أنهما ليسا بمرادين.\nب - كما أنه من غير المسلَّم به، أن الإشهاد إنما يكون للقبول؛ لجواز\n_________\n(^١) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور].","vol":"1","page":162},{"text":"أن يكون للتحمل؛ فإن شهادة العميان وابني العاقدين، والمحدودين في قذفٍ: صحيحة، حتى إن النكاح ينعقد بشهادتهم، وإن لم تقبل شهادتهم.\nويمكن الجواب عن ذلك: بأن المفسَّر في الآية ليس ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ ولكنه ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾.\nوأن احتمال المجاز والاشتراك في ﴿أَشْهِدُوا﴾ واحتمال التخصيص في ضمير المخاطبين من قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ لا ينافيان كون ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ مفسرًا لاختلاف المحل. والعدالة لا تحتمل غير القبول، لأنها لم تقصد إلا للقبول، فهي لا تحتمل الأداء، وإن احتمله الإشهاد.\nوقد ذكر صاحب \"المرآة\" (^١) هذا الجواب، ولم يعطه القدرة على دفع الإيراد المذكور (^٢).\nأما الرهاوي في حاشيته على \"شرح ابن ملك للمنار\": فقد خرج من الاعتراض، بأن النظر على المثال ليس بقوي، وقرر أن إيراد المثال ليس من اللوازم، لأن الأصل يتعهد بالدليل، لا بالمثال، وإيراد المثال للتوضيح والتقريب (^٣).\nوما ذكره الرهاوي مقبول عندنا إلى حد بعيد، ويمكن أن يضاف إليه، أن الأحكام نسبية، وتعريفات هذه الأقسام من الواضح، ليس ضروريًا أن تبلغ من الدقة ما يمنع عدم التداخل بينها، ولو من وجه، وفي هذا ما يهوّن من أمر عدم انطباق المثال على التعريف من كل الوجوه.\nهذا: وحول قبول شهادة القاذف إذا تاب، كلام يُرى في مظانه من كتب\n_________\n(^١) هو محمد بن فراموز بن علي، المعروف بملا - أو منلا أو المولى - خسرو من كبار علماء الحنفية في الفقه والأصول. رومي الأصل. أسلم أبوه، ونشأ هو مسلمًا، فتبحّر في علوم المعقول والمنقول، وولي قضاء القسطنطينية وتوفي بها. من كتبه: \"درر الحكام في شرح غرر الأحكام\" و\"مرقاة الوصول في علم الأصول\" وشرحها \"مرآة الأصول\" و\"حاشية على المطول\" و\"حاشية على التلويح\" و\"حاشية على أنوار التنزيل\"، توفي سنة ٨٨٥ هـ.\n(^٢) راجع: \"المرآة بشرح المرقاة\" مع \"حاشية الأزميري\" (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦).\n(^٣) راجع: \"حاشية الرهاوي\" (١/ ٣٥٨).","vol":"1","page":163},{"text":"الفقه، كما يُرى في كتب الأصول عند مبحث الاستثناء إذا تعقب جملًا، هل يعود إليها جميعًا، أم إلى الأقرب منها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-89>من تعارض الأقسام في بعض مسائل الفقه:</span>\nلقد أورد العلماء نماذج من التعارض بين أقسام الواضح في بعض مسائل الفقه عند التطبيق، ولعل في ذكرها بعدما تقدم من نماذج النصوص، زيادةً في الإيضاح لتلك القواعد التي كان لها الأثر البيّن في استنباط الأحكام، وضبط الفروع.\nوهذا شمس الأئمة السرخسي يطالعنا في كتابه \"أصول السرخسي\" بعدد من تلك المسائل يقرر أنها من أمثلة التعارض التي يظهر فيها أثر التفاوت بين تلك الأقسام، بحيث يترجح الأقوى على الأضعف.\nقال ﵀: (وأمثاله - يعني التعارض - من مسائل الفقه: ما قال علماؤنا ﵏: فيمن تزوج امرأة شهرًا، فإنه يكون ذلك متعة لا نكاحًا، لأن قوله: (تزوجت) نص في النكاح، ولكن احتمال المتعة قائم فيه، وقوله: (شهرًا) مفسَّر في المتعة ليس فيه احتمال النكاح؛ فإن النكاح لا يحتمل التوقيت بحال، فإذا اجتمعا في الكلام رجَّحنا المفسَّر، فكان متعة لا نكاحًا.\nوقال في \"الجامع\": إذا قال الرجل لآخر: لي عليك ألف درهم، فقال: الحق، أو الصدق، أو اليقين: كان إقرارًا.\nولو قال: البر، أو الصلاح: لا يكون إقرارًا.\nفإن قال: البر الحق، أو البر الصدق، أو البر اليقين: كان إقرارًا.\nولو قال: الصلاح الحق، أو الصلاح الصدق، أو الصلاح اليقين: يكون ردًا لكلامه ولا يكون إقرارًا؛ لأن كلًّا من الحق، والصدق، واليقين: صفة\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: البرهان\" لإمام الحرمين (لوحة ١٠١ - ١٠٣) مخطوطة دار الكتب المصرية نسخة مصورة، \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني (ص ٢٠٤ - ٢٠٩) بتحقيق المؤلف.","vol":"1","page":164},{"text":"للخبر ظاهرًا؛ فإذا ذكره في موضع الجواب، كان محمولًا على الخبر الذي هو تصديق باعتبار الظاهر، مع احتمال فيه، وهو إرادة ابتداء الكلام، أي: الصدق أوْلى بك، أو الحق أو اليقين أوْلى بالاشتغال: من دعوى الباطل.\nفأما البر: فهو اسم لجميع أنواع الإحسان، لا يختص بالخبر؛ فهو وإن ذكر في موضع الجواب، يكون بمنزلة المجمل، لا يفهم منه الجواب عند الانفراد، فإن قرن ما به يكون ظاهره الجواب وذلك الصدق، أو الحق، أو اليقين، حمل ذلك المجمل على هذا البيان الظاهر، فيكون إقرارًا.\nفأما الصلاح: فليس فيه احتمال الخبر، بل هو محكم في أنه ابتداء كلام، لا جواب، فيحمل ما يقرن به من الظاهر على هذا المحكَم، ويجعل ذلك ردًا لكلامه، وابتداء أمر له باتباع الصلاح وترك دعوى الباطل (^١).\n* * *\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٦). هذا: والمجمل عند الحنفية - كما سيأتي - هو اللفظ الذي خفي من ذاته خفاءً جعله لا يدرَك إلا ببيان من المجمِل نفسِه.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>المبحث الثاني الواضح عند المتكلمين الظاهر والنص</span>\nونعرض فيما يلي لمذهب الشافعي، ثم لمذهب المتكلمين من بعده.\n\n<span data-type='title' id=toc-91>المطلب الأول مذهب الإمام الشافعي</span>\nالمعروف عن الإمام الشافعي ﵀ من كتبه: أنه لم يضع حدودًا بين الظاهر والنص: وهما في تعبيره اسمان لمسمى واحد، فالنص يطلق على الظاهر، والظاهر يطلق على النص.\nوقد ذكر العلماء ذلك عنه، وأوضحوه، حين تكلموا عن الواضح من الألفاظ، في معرض بيان منهجهم في تفسير النصوص.\nقال أبو الحسين البصري (^١) في \"المعتمد\": (وأما النص: فقد حدَّه الشافعي بأنه خطاب يعلم ما أريد به من الحكم، سواء كان مستقلًا بنفسه، أو علم المراد به بغيره، وكان يسمي المجمل نصًا) (^٢).\n_________\n(^١) هو محمد بن علي بن الطيب أحد أئمة المعتزلة الأعلام، له عدد من المؤلفات في أصول الدين وأصول الفقه، منها: \"المعتمد\" الذي شرح فيه كتاب \"العمد\" للقاضي عبد الجبار، والذي أخذ فخر الدين الرازي منه كتابه \"المحصول\"، توفي أبو الحسين في بغداد سنة ٤٣٦ هـ. \"وفيات الأعيان\" (٣/ ٤٠١).\n(^٢) انظر: ج ١ ص ٣١٩ بتحقيق محمد حميد الله. وانظر: \"البحر المحيط\" للزركشي.","vol":"1","page":166},{"text":"وقال إلكيا الطبري (^١): (نصّ الشافعي على أن النص كل خطاب علم ما أريد به من الحكم). قال: (وهذا يلائم الاشتقاق لأنه إذا كان كذلك كان قد أظهر المراد به وكشف عنه. ثم على هذا ينقسم النص إلى: ما يحتمل، وإلى ما لا يحتمل).\nوذكر الغزالي في \"المستصفى\" و\"المنخول\" مثل ذلك (^٢). كما ذكر قريبًا منه السبكي (^٣) في \"الإبهاج\" (^٤).\nوفي كتب الشافعي - كما قدّمنا - دليل على ما قاله هؤلاء العلماء.\nففي باب (كيف البيان) من \"الرسالة\".\nقال الشافعي: (والبيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول، متشعبة الفروع.\nفأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة: أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربةُ الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشدَّ تأكيد بيان من بعض، ومختلفةٌ عند كل من يجهل لسان العرب.\nقال الشافعي: فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه مما تعبّدهم به لما مضى من حكمه - جلّ ثناؤه - من وجوه:\n_________\n(^١) هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري الملقب بعماد الدين والمعروف بإلكيا الهراسي، و\"الكيا\" في الأعجمية: الكبير المقدّم بين الناس، تفقه على إمام الحرمين، وكان من كبار أئمة الشافعية في الأصول والفقه والتفسير. ودرّس بالمدرسة النظامية، وله عدد من المصنفات منها: \"التلويح\" في أصول الفقه، \"أحكام القرآن\" في التفسير، توفي أبو الحسن سنة ٥٠٤ هـ.\n(^٢) راجع: \"المستصفى\" للغزالي (١/ ٣٨٤).\n(^٣) هو عبد الوهاب بن علي، تاج الدين السبكي الملقب بقاضي القضاة وهو من كبار علماء الشافعية، كان فقيهًا أصوليًا مؤرخًا، وكان على جانب عظيم من القدرة على احتمال الأذى والصبر في سبيل الحق، وقد انتهت إليه رياسة القضاء بالشام، ودرّس في كثير من مدارس مصر والشام. من مصنفاته في الأصول: \"جمع الجوامع\" و\"شرح مختصر ابن الحاجب\" و\"الإبهاج في شرح المنهاج\" للبيضاوي، وقد بدأ أبوه تقي الدين السبكي هذا الشرح حتى وصل إلى قول البيضاوي: (الواجب أن تناول كل واحد فرض عين)، و\"الترشيح\" في اختيارات والده. ومن مصنفاته أيضًا: \"طبقات الشافعية الكبرى\" و\"الوسطى\"، و\"الصغرى\". توفي ﵀ سنة ٧٧١ هـ.\n(^٤) (١/ ٣٥٩) فما بعدها شرح \"منهاج\" البيضاوي.","vol":"1","page":167},{"text":"فمنها: ما أبانه لخلقه نصًّا، مثل جمل فرائضه، في أن عليهم صلاة، وزكاة، وحجًا، وصومًا، وأنه حرّم الفواحش: ما ظهر منها وما بطن، ونصّ الزنى، والخمر، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وبيّن لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بيَّن نصًا.\nومنها: ما أحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيه، مثل: عدد الصلوات، والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه.\nومنها: ما سنّ رسول الله ﷺ مما ليس فيه نص حكم. وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله ﷺ، والانتهاء إلى حكمه. فمن قبِل عن رسول الله ﷺ، فبفرض الله قبِل) (^١).\nوهكذا أطلق الإمام الشافعي، على ما يحتمل، وما لا يحتمل أنه نص.\nوفي مكان آخر يقابل النص بالمجمل فيقول:\n(وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان، أحدهما: نص كتاب فاتَّبعه رسول الله كما أنزل الله. والآخر: جملة بيّن رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها عامًا، أو خاصًّا، وكيف أراد أن يأتي به العباد، وكلاهما اتّبع فيه كتاب الله) (^٢).\nوممن تبنّى تعريف الشافعي للنص، وعدم التفريق بينه وبين الظاهر: القاضي أبو بكر الباقلاني (^٣).\nويبدو أن الإمام الشافعي ﵁، قد راعى المعنى اللغوي حين لم يفرّق بين النص والظاهر. قال إمام الحرمين في \"البرهان\":\n(أما الشافعي فإنه يسمّي الظواهر نصوصًا في مجاري كلامه، وكذلك القاضي، وهو صحيح في وضع اللغة؛ فإن النص معناه الظهور) (^٤).\n_________\n(^١) \"الرسالة\" (ص ٢١ - ٢٢) تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر.\n(^٢) \"الرسالة\" (ص ٩١).\n(^٣) هو محمد بن الطيب بن محمد من أفاضل علماء المالكية وأئمة الأشعريين، من مصنفاته: \"الإبانة\" شرح \"اللمع\" في أصول الدين، \"إعجاز القرآن\" ومنها: \"التمهيد\" و\"المقنع\" في أصول الفقه، وله \"كشف الأسرار وهتك الأستار\" في الرد على الباطنية، توفي سنة ٤٠٣ هـ.\n(^٤) انظر: \"البرهان\" مخطوطة دار الكتب المصرية نسخة مصورة، ثم طبع محققًا.","vol":"1","page":168},{"text":"وقال المازري (^١): (أشار الشافعي والقاضي أبو بكر إلى أن النص يسمى ظاهرًا، وليس ببعيد؛ لأن النص في أصل اللغة: الظهور) (^٢).\nوقال ابن بَرهان (^٣): (ولعل الشافعي إنما سمّى الظاهر نصًا، لأنه لمح فيه المعنى اللغوي) (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-92>المطلب الثاني النص والظاهر بعد الشافعي</span>\nولم يلتزم المتكلمون بعد الشافعي، نظرة الإمام إلى الظاهر، والنص، واعتبارهما اسمين لمسمًّى واحد، بل درج أكثرهم، على وضع حد يفصل بينهما: هو قبول الاحتمال، أو عدمه. وعلى هذا: فالنص: ما لا يقبل الاحتمال. والظاهر: ما يقبل الاحتمال.\nفكلُّ ما كانت دلالته على معناه بدرجة من القطع، لا يقبل الاحتمال فهو النص: وإلا: فهو الظاهر. وبيان ذلك فيما يلي:\n\n* النص *\nنقل صاحب \"المعتمد\" والزركشي (^٥)، عن القاضي عبد الجبار\n_________\n(^١) هو محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، أبو عبد الله. من مؤلفاته: \"إيضاح المحصول في الأصول\"، توفي سنة ٥٣٦ هـ.\n(^٢) راجع: \"البحر المحيط\" للزركشي (الظاهر والنص).\n(^٣) هو أحمد بن علي بن محمد الوكيل، كان حنبليًا وانتقل إلى مذهب الشافعي، له عدد من المصنفات في أصول الفقه، توفي سنة ٥٢٠ هـ.\n(^٤) انظر: \"البحر المحيط\" للزركشي. وراجع: \"المعتمد\" (١/ ٣١٧).\n(^٥) هو محمد بن بهادُر بن عبد الله الملقب ببدر الدين، من أعلام الشافعية في علوم القرآن والأصول والفقه والحديث، من مصنفاته: \"البرهان في علوم القرآن\" و\"البحر المحيط\" في أصول الفقه و\"لقطة العجلان\" في المنطق والأصول، و\"القواعد\" في الفقه. توفي ﵀ سنة ٧٩٤ هـ.","vol":"1","page":169},{"text":"أبو الحسن (^١) أن النص خطاب يمكن أن يعرف به المراد؛ وأن له شروطًا ثلاثة:\nالأول: أن يكون لفظًا (كلامًا) كما عبّر أبو الحسن.\nالثاني: أن لا يتناول إلا ما هو نص فيه، فإن كان نصًا في عين واحدة: وجب أن لا يتناول سواها، وإن كان نصًا في أشياء كثيرة: وجب أن لا يتناول ما سواها.\nالثالث: أن تكون إفادته لما يفيد، ظاهرة غير مجملة (^٢).\nوهكذا يظهر من كلام القاضي، تقرير عدم الاحتمال في النص، وبدا ذلك في الشرطين المذكورين إلى جانب كونه لفظًا.\nأما أبو إسحاق الشيرازي (^٣) فقد عرَّفه في كتابه \"اللمع\" بقوله: (النص لفظ دلّ على الحكم على وجه لا احتمال فيه) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>مسلك الجويني:</span>\nهذا وكان إمام الحرمين (^٥) صاحب \"البرهان\" واحدًا من هؤلاء الذين سلكوا هذا المسلك: ففرقوا بين الظاهر والنص.\n_________\n(^١) هو قاضي القضاة المشهور أبو الحسن عبد الجبار. من كبار شيوخ المعتزلة، وهو المراد حين يطلق (القاضي) ويكون الحديث عنهم. من مصنفاته: \"المغني\" عدد وافر من المجلدات و\"تثبيت دلائل النبوة\" و\"شرح الأصول الخمسة\" و\"تنزيه القرآن عن المطاعن\" في أصول الدين، و\"طبقات المعتزلة\". وله أيضًا: \"العمد\" في أصول الفقه الذي شرحه تلميذه أبو الحسين البصري في كتابه \"المعتمد\". توفي القاضي سنة ٤١٥ هـ.\n(^٢) راجع: \"المعتمد\" (١/ ٣١٩) لأبي الحسين البصري، \"البحر المحيط\" للزركشي.\n(^٣) هو إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزآبادي، من كبار علماء الشافعية ومدرسي النظامية. له العديد من المصنفات، منها: \"المهذب\" و\"التنبيه\" و\"اللمع\". توفي في بغداد سنة ٤٧٦ هـ. وانظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٣٢) للإمام النووي.\n(^٤) (ص ٢٦ - ٢٧).\n(^٥) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ويكنى أبا المعالي، وعُرف بـ \"إمام الحرمين\". اشتهر بعلمه وورعه وتصنيفه. من تصانيفه: \"نهاية المطلب في الفقه\" و\"البرهان\" في أصول الفقه، و\"الشامل\" في أصول الدين. توفي بالكرخ من ضواحي بغداد سنة ٤٧٨ هـ.","vol":"1","page":170},{"text":"وقد ردّ على بعض المتكلمين الذين اعترضوا على ذكر كلمة (لفظ) في التعريف عند محاولة تحقيق النص، حيث قالوا: (إن الفحوى تقع نصًا، وإن لم يكن معناها مصرحًا به لفظًا).\nواعتبر إمام الحرمين هذا الاعتراض ساقطًا: لأن الفحوى لا استقلال لها، فهي من المفهوم (^١). وقد استشهد الجويني بآية النهي عن التأفف معتبرًا أن النهي عن الضرب العنيف من النص؛ لأنه أولى بالنهي من التأفف. فإذا كان الله تعالى قد نهى عن قول: ﴿أُفٍّ﴾ دفعًا للأذى عن الوالدين؛ فإن هذه العلة أكثر توافرًا في الضرب العنيف. انظر إليه يقول في \"البرهان\":\n(ففي سياق الأمر بالبر والنهي عن العقوق، والاستحثاث على رعاية حقوق الوادين: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فكان سياق الكلام على هذا الوجه مفيدًا تحريم الضرب العنيف نصًا، وهو متلقى من نظم مخصوص، فالفحوى إذن آيلة إلى معنى الألفاظ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-94>مسلك الغزالي:</span>\nأما حجة الإسلام الغزالي: فقد جاءنا - إلى جانب المسلكين السابقين في تعريف النص - بمسلك ثالث، فوجدناه يعرف النص بأنه: (ما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل). وقد ذكر ذلك مفصّلًا. في \"المستصفى\"، حين بيّن أن النص اسم مشترك يطلق في تعارف العلماء على ثلاثة أوجه:\nالأول: ما أطلقه الشافعي ﵀؛ فإنّه سمى الظاهر نصًا، وهو منطبق على اللغة (^٣).\nالثاني: - وهو الأشهر -: ما لا يتطرق إليه احتمال أصلًا، لا على قرب\n_________\n(^١) مفهوم الموافقة هو: دلالة اللفظ على حكم في المسكوت أوْلى أو مساوٍ لحكم المنطوق وذلك لاشتراكهما في علة تُدرَك بمجرد معرفة اللغة. وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث الدلالات.\n(^٢) \"البرهان\" مخطوطة دار الكتب المصرية. نسخة مصورة (١/ لوحة ١١٠).\n(^٣) قال الغزالي هناك: (معنى هذا: حدُّه حدُّ الظاهر وهو اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع، فهو بالإضافة إلى ذلك المعنى الغالب ظاهر ونص) \"المستصفى\" (١/ ٣٨٥).","vol":"1","page":171},{"text":"ولا بُعد؛ كالخمسة مثلًا، فإنه نص في معناه لا يحتمل السنة ولا الأربعة، وكذلك لفظة الفرس لا تحتمل البعير أو غيره.\nالثالث: التعبير بالنص، عما يتطرق إليه احتمال مقبول ناشئ عن دليل. أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل: فلا يُخرج (اللفظَ) عن كونه نصًا (^١).\nوقد مال الغزالي إلى الإطلاق الثاني؛ معللًا ذلك بأن هذا الإطلاق، أوجه وأشهر، وعن الاشتباه بالظاهر أبعد.\nومن هنا جاء في \"المنخول\" - كما نقل الزركشي - قوله: (والمختار عندنا أن النص لا يتطرق إليه تأويل) (^٢).\nوهذا لا يتنافى عنده مع صحة إطلاق النص على الظاهر، على ما ذهب إليه الإمام الشافعي والقاضي، فذلك في نظر الغزالي صحيح لغة وشرعًا؛ لأنه ظاهر اللفظ.\nوهكذا نرى أن اختيار الغزالي للقول الثاني في النص، لم يكن لعدم جواز إطلاق النص على الظاهر، وإنما كان لشهرة هذا القول أولًا، ثم لما يترتب على هذا الإطلاق: من عدم التباس واحد من الظاهر والنص بالآخر ثانيًا.\nومن أمثلة النص في الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢].\nوقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١].\nومن أمثلته في السنّة:\nقوله ﷺ: \"في خمس ذود شاة\" (^٣) وغير ذلك من الألفاظ الصريحة في الأحكام.\n_________\n(^١) انظر: \"المستصفى\" (١/ ٣٨٤ - ٣٨٦).\n(^٢) راجع: \"البحر المحيط\" للزركشي مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٣) هو من حديث الصدقة في كتاب أبي بكر الذي رواه أنس ﵁. وقد أخرجه أحمد (٧٢) والبخاري (١٤٠٥) و(١٤٤٨) والنسائي (٢٤٤٧) وأبو داود (١٥٦٧) وابن خزيمة (٢٢٦١). وقطعه البخاري - كما يقول المجد عبد السلام بن تيمية في \"منتقى الأخبار\" في عشرة مواضع. ورواه الدارقطني كذلك. وقال الشوكاني: أخرجه أيضًا الشافعي والبيهقي والحاكم. وقال ابن حزم: هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصدِّيق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحد وصححه ابن حبان وغيره. وانظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٣٤).","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>مسلك المتكلمين بعد الغزالي:</span>\nهذا: ويبدو للباحث أن الإطلاق الثاني في تعريف النص، كان وجهة أكثر المتكلمين من علماء الأصول في القرن السادس، فما بعده، فتراهم يوردون الأقوال، وينقلون ما قاله الغزالي وأمثاله في الإطلاقات الثلاثة، ثم يرجحون ما ذهب إليه، من أن النص: (ما لا يقبل الاحتمال أصلًا).\nونعرض فيما يلي لبعض النماذج:\nأ - فابن قدامة المقدسي من الحنابلة (^١): يعرف النص بقوله: (هو ما يفيد بنفسه من غير احتمال) ويمثل له بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nويلاحظ أن ابن قدامة بعد أن قدّم هذا القول، أتى بتعريف آخر، فقال ﵀: (وقيل: هو الصريح بمعناه). ثم قرّر ابن قدامة أن اسم النص قد يطلق على الظاهر، ولا مانع منه، فإن النص في اللغة بمعنى الظهور. واستشهد لذلك بقول امرئ القيس:\nوجيد كجيد الريم ليس بفاحش … إذا هي نصّته ولا بمعطل\nوالذي اختاره فيما بعد: أن الأقرب تحديد النص بما ذكر أولًا؛ دفعًا للترادف والاشتراك.\nولا يهمل ابن قدامة ذكر المسلك الثالث، الذي حمله إلينا الغزالي، بأن النص قد يطلق على ما لا يتطرق إليه احتمال يعضده دليل (^٢).\n_________\n(^١) هو موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، كان حجة في المذهب الحنبلي، ومن كتبه: \"المغني\" مطبوع، وطبع محققًا من جديد، و\"المقنع\" في الفقه، وله في أصول الفقه \"روضة الناظر وجنة المناظر\" وقد كتبه على طريقة المتكلمين، وتولى شرح هذا الكتاب الشيخ عبد القادر بدران الشامي الدومي من رجال القرن الرابع عشر الهجري بكتاب سمّاه \"نزهة الخاطر العاطر\". توفي ابن قدامة بدمشق سنة ٦٢٠ هـ.\n(^٢) راجع: \"روضة الناظر\" لابن قدامة المقدسي مع شرحه لعبد القادر بدران (٢/ ٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":173},{"text":"ب - أما عضد الدين الإيجي (^١): فقد فهم من كلام ابن الحاجب المالكي (^٢) الذي حكاه في \"مختصر المنتهى\": أن النص ما دلّ دلالة قطعية (^٣).\nج - وذلك ما ذكره القاضي البيضاوي (^٤) في كتابه \"منهاج الأصول\".\nد - وهو الذي نقله التاج السبكي في \"الإبهاج\" عن ابن دقيق العيد (^٥). وحكاه الإسنوي في \"شرحه\" على \"منهاج الأصول\" للبيضاوي (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>اتجاهات أخرى:</span>\nهذا: وفي كلام العضد، عند ذكر ذلك التعريف، ما يدل على اتجاه آخر في تعريف النص، يجعله قسمًا من الظاهر لا قسيمًا له.\nوالظاهر عنده - كما سيأتي - (ما دلّ على معنىً دلالة ظنية) ولقد قال\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن أحمد من (إيج) بلدة من أعمال شيراز بفارس، وهو من كبار الشافعية. من مصنفاته: \"شرح مختصر ابن الحاجب\" في أصول الفقه و\"المواقف\" في أصول الدين. توفي ﵀ سنة ٧٥٦ هـ.\n(^٢) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر من كبار علماء المالكية، أخذ عنه كثير من العلماء كالقرافي وابن المنير وغيرهما، من مصنفاته: \"منتهى السول والأمل في علمَيْ الأصول والجدل\" الذي اختصره بكتابه \"مختصر منتهى السول والأمل\"، ومنها: \"شرح المفصل للزمخشري\" في اللغة. توفي ﵀ سنة ٦٤٦ هـ.\n(^٣) انظر: \"شرح العضد\" مع \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب (٢/ ٣٠٢).\n(^٤) هو القاضي عبد الله بن عمر بن محمد من كبار علماء الشافعية، من أهم مصنفاته: \"منهاج الوصول إلى علم الأصول\" في أصول الفقه، و\"أنوار التنزيل وأسرار التأويل\" في التفسير، توفي سنة ٦٨٥ هـ.\n(^٥) هو محمد بن علي بن وهب المالكي ثم الشافعي، تولى القضاء في مصر، من شيوخه العز بن عبد السلام. اشتهر إلى جانب علمه بالتقوى حتى لقّب تقي الدين. من مصنفاته: \"الإمام\" في الفقه، و\"إحكام الأحكام\" الذي شرح فيه كتاب ابن الأثير في أحاديث الأحكام، توفي سنة ٧٠٢ هـ.\n(^٦) راجع: \"الإبهاج\" (١/ ٣٦٠)، \"شرح الإسنوي للمنهاج\" (٢/ ٦٩٠).","vol":"1","page":174},{"text":"بعد تعريفه له: (وعلى هذا: فالنص - وهو ما دلّ دلالة قطعية - قسيم له، وقد يفسَّر بأنه: ما دلّ دلالة واضحة، فيكون قسمًا منه) (^١).\nفالعضد بجعله النص - على التفسير الثاني - قسمًا من الظاهر، أعطاه صيغة الاحتمال، في مقابل التفسير الأول، الذي يعطيه القطعية في الدلالة؛ لأن الدلالة الواضحة: أعمُّ من الظنية والقطعية.\nأما الزيدية - من المتكلمين - فقد قسَّموا النص إلى قسمين:\nجلي: وهو (اللفظ الدال على معنًى لا يحتمل غيره بضرورة الوضع اسمًا، أو حرفًا).\nخفي: وهو (اللفظ الدال على معنًى لا يحتمل غيره بضرورة النظر، لا بضرورة الوضع) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-97>بين الأصوليين والفقهاء:</span>\nويرى ابن دقيق العيد أنه، إلى جانب تعريف النصر بأنه: ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، يعتمد الفقهاء أن النص: هو اللفظ الذي دلالته قوية الظهور (^٣).\nهذا: وبعد الذي بيّناه نقرر أنه - وإن لم يكن من السهل تبيان الخط الدقيق الواضح الذي يفرق بين مدلول تعريف، وبين مدلول تعريف آخر - فإن للذوق الأصولي، وتكامل أسباب الفهم، كبيرَ الأثر في إمكان الإفادة من هذه التعريفات عند تفسير النصوص، وردْ الفروع إلى أصولها، وضوابطها، عند الاستنباط.\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير مع شرحه تيسير التحرير\" (١/ ١٤٣).\n(^٢) راجع: \"الفصول اللؤلؤية\" تأليف إبراهيم بن محمد (ص ٩٨ - ١٠٢) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٣) راجع: \"الإبهاج\" للسبكي، \"شرح المنهاج\" للبيضاوي (١/ ٣٦٠) فما بعدها.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>مدى وجود النصوص بهذا المعنى في الكتاب والسنّة:</span>\nلقد ذهب فريق من الأصوليين إلى أن النصوص بالمعنى القطعي للنص: عزيزة ونادرة في الكتاب والسنّة، حتى قالوا: لا يوجد ذلك إلا في ألفاظ معدودة كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩].\nوقوله ﷺ: \"يا أُنيس اغدُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\" (^١).\nوقوله صلوات الله عليه لأبي بردة الأسلمي في شأن الشاة التي ضحّى بها: \"ولن تجزئ أحدًا بعدك\" (^٢).\nولكن هؤلاء نظروا إلى اللفظ في ذاته، ولم يلتفتوا إلى القرائن الحالية أو المقالية، مع أن هذه القرائن هي التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى إبعاد الاحتمال عن اللفظ، حتى تجعلَه نصًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>موقف أبي الطيب الطبري وإمام الحرمين:</span>\nوقد حكى أبو الطيب الطبري (^٣) مذهب القائلين بندرة النص في الكتاب والسنّة، وقرّر أن الصحيح خلافه.\n_________\n(^١) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة واللفظ لمسلم، \"المسند\" (١٧١٦٨)، مسلم (٤٤١٠)، البخاري (٣٣١٤)، أبو داود (٤٤٤٥)، الترمذي (١٤٣٣)، النسائي (٥٤٢٥) و(٥٤٢٦)، ابن ماجه (٢٥٤٩). وانظر: \"منتقى الأخبار\" (٧/ ١٩) مع \"نيل الأوطار\"، \"بلوغ المرام\" لابن حجر (٤/ ٣) مع \"سبل السلام\" للصنعاني.\n(^٢) من حديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي. البخاري (٥٥٥٦)، مسلم (١٩٦١)، أبو داود (٢٨٠١)، الترمذي (١٥٠٨)، \"المسند\" (١٨٨٩٧).\nولفظ البخاري ومسلم وأحمد: عن البراء بن عازب قال: \"ضحّى خال لي يقال له: أبو بردة قبل الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ: \"شاتك شاة لحم\" فقال: يا رسول الله، إن عندي داجنًا جذعة من المعز، قال: \"اذبحها ولا تصلح لغيرك\" ثم قال: \"من ذبح قبل الصلاة، فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين\". وانظر: البخاري (٥٥٤٦) \"سنن أبي داود\" (٣/ ٢٨)، \"صحيح مسلم\" (١٣/ ١٤) بشرح النووي، \"سنن النسائي\" (٧/ ٢٢١) (١٥٦٣).\n(^٣) هو القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري شيخ صاحب \"المهذب\" الذي أثنى =","vol":"1","page":176},{"text":"كما أن إمام الحرمين اتهم هذا المذهب، بأنه قول من لا يحيطون بالغرض، لأنه لا يجوز إغفال القرائن الكثيرة التي تمنع الاحتمال، وترفع اللفظ إلى رتبة النص.\nوقد أوضح ذلك، بأن المقصود من النصوص: الاستقلال بإفادة المعاني على انحسام جهات التأويلات، وانقطاع مسالك الاحتمالات (^١).\nويرى الجويني أن هذا - وإن كان بعيدًا حصولُه بوضع الصيغ ردًا إلى اللغة - فما أكثر هذا الفرض من القرائن الحالية والمقالية، مع العلم أن القرينة قد تكون إجماعًا، أو اقتضاء عقل، إلى غير ذلك مما يرى مبثوثًا في نصوص الكتاب والسنّة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-100>حكم النص:</span>\nأما حكم النص: فهو أن يصار إليه، ويعمل بمدلوله قطعًا، ولا يعدل عنه إلا بنسخ.\n* * *\n_________\n= في طبقاته على علمه، وعقله، ودقة اجتهاده. شرح \"مختصر المزني\" وصنّف في الفقه الشافعي، والأصول، والخلاف، والجدل، ويقول علماء التراجم: إنه يعد بحق من كبار فقهاء الشافعية. بلغ من العمر سنتين ومائة فلم يختل عقله ولا تغير فهمه، توفي سنة ٤٥٠ هـ، \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٢٧٤).\n(^١) انظر: \"البرهان\" لوحة (١١١). وحكى الزركشي في \"البحر المحيط\": أن الباجي نقل مسألة ندرة النصوص عن أبي محمد بن اللبان الأصفهاني فقال: وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن أبي علي الطبري: أنه يعز وجود النصر إلا أن يكون كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ قال أبو الطيب: والصحيح خلافه. كما نقل الزركشي عن أبي النصر القشيري أنه قال: صار صائرون إلى عزة النصوص في الكتاب حتى لا يوجد إلا قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ومن السنّة \"تجزئك ولا تجزئ أحدًا بعدك\" \"اغذ يا أنيس\" وهذا ليس بشيء بل كل ما أفاد معنى على قطع، مع انحسام التأويل، فهو نص. \"البحر المحيط\" للزركشي (١/ ٣٧٤ فما بعد).\n(^٢) \"البرهان\" لإمام الحرمين (لوحة ١١٠ - ١١١)، و\"البحر المحيط\" للمزركشي (١/ ٣٧٣ فما بعد).","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>الظاهر</span>\nنقل الشوكاني (^١) عن القاضي قوله في الظاهر: (لفظه يغني عن تفسيره) (^٢) ولئن كان (النص) لا يحتمل التأويل عند المتكلمين، إن (الظاهر) عندهم هو الذي يحتمل التأويل. وقد عرّفه أبو إسحاق المروزي (^٣) بقوله: (الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنًى، وله عنده وجه في التأويل مسوغ لا يبتدر الظن والفهم. فهو بالنسبة للمعنى الراجح: ظاهر، وبالنسبة للمعنى المرجوح: مؤول) وهذا التعريف - كما يبدو - يشمل جميع أنواع الظواهر. والمؤول عندهم: هو اللفظ الذي صرف عن معناه الظاهر وأريد به المعنى المرجوح لدليل أو قرينة. وأوسع القول في ذلك الزركشي في \"البحر المحيط\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>مسلك الباقلاني:</span>\nغير أن أبا بكر الباقلاني ضيّق دائرة الظاهر فعرّفه بقوله:\n(هو لفظة معقولة المعنى، لها حقيقة ومجاز؛ فإن أُجريت على حقيقتها: كانت ظاهرًا، وإذا عدلت إلى جهة المجاز: كانت مؤولة) (^٥).\n_________\n(^١) هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني من أهل صنعاء، مجتهد من كبار فقهاء اليمن، يذكر المؤرخون أن له ١١٤ مؤلفًا. من مصنفاته: \"فتح القدير\" في التفسير، \"نيل الأوطار\" في الحديث والفقه وقد شرح فيه كتاب \"منتقى الأخبار\" للمجد بن تيمية، \"إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول\" في أصول الفقه، \"الدرر البهية في المسائل الفقهية\". في الفقه، توفي ﵀ سنة ١٢٥٠ هـ.\n(^٢) \"إرشاد الفحول\" (ص ١٧٥).\n(^٣) هو إبراهيم بن أحمد المروزي. ذكر النووي الاتفاق على عدالته وتوثيقه في روايته ودرايته. نشر مذهب الشافعي في العراق، وكان على جانب عظيم من العلم والمعرفة، شرح \"المختصر\"، وصنّف في الأصول، توفي بمصر سنة ٣٤٠ هـ.\n(^٤) ينظر: \"البحر المحيط\" (١/ ٣٧٣ و٣٧٦).\n(^٥) \"البحر المحيط\" للزركشي (١/ ٣٧٦)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٧٥).","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>نقد إمام الحرمين لتعريف الباقلاني وموقفنا من ذلك:</span>\nوقد نقد إمام الحرمين (^١) تعريف الباقلاني، نقدًا يقوم على أن هذا التعريف لا يشمل كثيرًا من المجازات الشائعة، والألفاظ الشرعية؛ كالصلاة، والصوم، والحج، التي نقلت من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي، فأصبح هذا المعنى الشرعي هو الظاهر، واللغوي هو المؤول.\nوقد قرّر الجويني، أن الذي ذكره القاضي، صحيحٌ في بعض الظواهر، ولكن تبقى من الظواهر أقسام، لا تحويها العبارة؛ فإنه ذكر تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، وجعل وجه الظهور: الجريان على الحقيقة، ووجه التأويل: الجريانَ على المجاز.\nفيخرج مما ذكره، المجازات الشائعة المستفيضة في الناس، المنتهية في جريانها حائدة عن الحقيقة، إلى منتهًى لا يفهم منه حقيقة موضوعة.\nوكذلك الألفاظ الشرعية؛ تلك الألفاظ التي وضع لها الشرع معاني معينة، وكان لها في اللغة معان أخرى؛ كالصلاة وغيرها؛ فحقيقتها في ألفاظ الشرع من أبعد التأويلات، إذا طلب الطالب الحمل عليها (^٢).\nوكلام إمام الحرمين - في رأينا - محل نظر؛ لأن القاضي الباقلاني لم يذكر أنه يريد الحقيقة اللغوية، وإنما يريد الحقيقة: وهي تشمل الحقيقة اللغوية، والشرعية، والعرفية؛ ومن الشرعية: الصلاة، ومن العرفية: الدابة مثلًا. وإن كنا لا نرى داعيًا لهذا التضييق الذي جنح إليه الباقلاني في التعبير.\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان\" (لوحة ١١١) فما بعدها.\n(^٢) قال إمام الحرمين: (كالدابة فإنها من دبّ يدبّ قطعًا، وهي على بناء فاعل يترتب على قياس مضطرد في الفعل المتصرف وحملها على الدبيب المحض حيد عن الظاهر، فإنها مختصة بأشياء تدب فهذا في ظاهره جهة المجاز، وتأويله جهة الحقيقة). انظر: \"البرهان\" (لوحة ١١١) فما بعدها، وفي المطبوع (١/ ٤١٦ - ٤١٧).","vol":"1","page":179},{"text":"وفي شمول تعريف أبي إسحاق المروزي: ما يتسع للدلالة الناشئة عن العرف الشرعي وغيره، إلى جانب الدلالة الناشئة عن الوضع اللغوي. ومجال ذلك متسع في استنباط الأحكام وتفسير نصوص الكتاب والسنّة، خصوصًا بعد وجود عرف شرعي نشأ بنشأة الإسلام، وبروز أحكام الشريعة.\nوهكذا نستطيع أن نقرر في ضوء ما تقدم: أن الظاهر (هو اللفظ الذي يدل على معناه دلالة ظنية، أي راجحة، ويحتمل غيره احتمالًا مرجوحًا) ويستوي في هذه الدلالة أن تكون ناشئة عن الوضع، كدلالة العام على جميع أفراده. أو ناشئة عن العرف، كدلالة الصلاة في الشرع على الأقوال والأفعال المخصوصة، المبتدأة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، ودلالة الصوم على الإمساك عن المفطر، من طلوع الفجر الصادق، إلى غروب الشمس (^١). وهكذا. . حين تكون الدلالة على بعض المعاني أرجح من بعض: سمي اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرًا وسمي بالنسبة إلى المرجوح مؤولًا؛ لكونه يؤول إلى الظهور عند اقتران الدليل.\nفمثلًا الاسم المنقول لعلاقة ولم يشتهر - كالأسد - دلالته على المعنى الأول، وهو السبع المفترس من قبيل الظاهر، ودلالته على المعنى الثاني - وهو الرجل الشجاع - من قبيل المؤول.\nونرى عكس ذلك في لفظة الصلاة، التي اشتهرت بمعنًى مخصوص في الشرع كما قدّمنا؛ فهي ظاهرة في المعنى الذي نقلت إليه، مؤولة في المعنى الأول.\n_________\n(^١) عرَّف الغزالي الظاهر بأنه (الذي يغلب على الظن فهم معنًى منه من غير قطع) واعترض الآمدي على هذا التعريف بأنه غير جامع مع اشتماله على زيادة مستغنًى عنها.\nأما أنه غير جامع: فلأنه يخرج ما فيه أصل الظن دون غلبة، مع كونه ظاهرًا. وأما الزيادة المستغنى عنها: فهي قوله: (من غير قطع) فإن من ضرورة كونه مفيدًا للظن أن لا يكون قطعيًا. قال الآمدي: والحق في ذلك أن يقال: (اللفظ الظاهر ما دلّ على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي ويحتمل غيره احتمالًا مرجوحًا) \"الإحكام\" (٣/ ٧٢ - ٧٣).","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>نماذج من الظاهر:</span>\nأ - وعلى هذا: يكون من الظاهر: مطلق صيغة الأمر، فالصيغة ظاهرة في الوجوب، مؤولة في الندب والإباحة (^١). . .\nوذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (^٢).\nفالأمر بالكتابة عند المداينة، ومثله الأمر بالإشهاد عند البيع: ظاهره الوجوب، ولكنه عند الجمهور: للندب. وقد ساعدهم على هذا التأويل قوله تعالى فيما بعد: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وذلك ما ذكره العلماء من أن الله خفّف الوجوب بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. . .﴾ حيث ذكر ذلك في معرض الأمر بالكتابة والرهن.\nوهكذا كان الأمر بالكَتْب عند الجمهور، ندبًا إلى حفظ الأموال، وإزالة الريب (^٣).\nوإذا كان الجمهور يرى، أن صارفًا صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب هنا، فإن ابن جرير الطبري من الأقدمين لا يعتبر هذا الصارف، ويرى وجوب كتب الديون على أربابها، فإن الكتب فرض بهذه الآية، بيعًا كان أو قرضًا، ويروي في ذلك عن ابن جريج: \"مَن ادّان فليكتب ومَن باع فليشهد\" (^٤).\n_________\n(^١) وسيأتي الحديث عن ذلك مفصّلًا في مباحث الأمر.\n(^٢) جزء من آية المداينة ٢٨٢ في سورة البقرة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.\n(^٣) قال القرطبي: (وإذا كان الغريم تقيًا لم يضره الكتاب، وإن كان غير ذلك: فالكتاب ثقاف في دينه. وحاجة صاحب الحق، ومما قوى قرينة الصرف عن الوجوب أن الله تعالى ندب إلى الكتاب فيما للمرء أن يهمله ويتركه بإجماع؛ فندبُه إنما هو على جهة الحيطة للناس). راجع: \"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/ ٣٨٣).\n(^٤) راجع: \"جامع البيان\" (٦/ ٤٧).","vol":"1","page":181},{"text":"وابن حزم من الظاهرية على هذا أيضًا؛ فالأمر في الآية عنده على ظاهره، وهو الوجوب (^١).\nومثل ذلك الإشهاد: يرى بعض التابعين، وعلى رأسهم عطاء: أنه واجب.\nبينما يرى الجمهور أن الأمر فيه للندب.\nوقد ذكر العلماء ما من أجله صُرف الأمر إلى الندب عن الوجوب.\nفنقل القرطبي عن بعض العلماء أن الإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقًا، منها: الكتاب. ومنها: الرهن. ومنها: الإشهاد.\nكما نقل أنه لا خلاف بين علماء الأمصار، أن الرهن مشروع بطريق الندب، لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد (^٢).\nب - ومن الظواهر أيضًا: مطلق صيغة النهي؛ فهي ظاهرة في التحريم عند الجمهور مؤولة، إذا حملت على التنزيه (^٣).\nمثال ذلك: اختلاف العلماء في الصلاة في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر الكعبة، هل هو حرام أو مكروه؟ بناء على نهي النبي ﷺ عن الصلاة في تلك الأماكن (^٤).\n_________\n(^١) \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (٣/ ٢٠ - ٢١).\n(^٢) راجع: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ٤٠٤).\n(^٣) سيأتي الكلام عن ذلك مفصّلًا في مباحث النهي.\n(^٤) عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلّى في سبعة مواطن: \"في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق، وفي الحمّام، وفي أعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله\" أخرجه الترمذي (٣٤٦) وابن ماجه (٧٤٦).\nانظر: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٤٢ - ١٤٤) وللحديث أكثر من رواية، وحول بعض رجال السند كلام انظره في المصدرين السابقين (٢/ ١٤٢ - ١٤٣). وانظر: \"جامع الأصول\" لابن الأثير الجزري: (٣٦٦٧).","vol":"1","page":182},{"text":"ج - ومنها: حمل مطلق صيغ العموم في اللغة على عمومها، فحملها على وجه الخصوص: مؤول، ويمثل العلماء لذلك بحديث: \"لا صيام لمن لم يبيّت النية من الليل\" (^١) فلفظة \"صيام\" نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم.\nوبناء على ما قلناه - فيما سبق - من اعتبار صيغ العموم من الظواهر: يكون حمل الصيام على وجه العموم - بحيث يشمل التبييت كل أفراد الصيام: من فرض، ونقل، وقضاء، ومنذور -: هو الظاهر.\nأما تخصيصه بإخراج بعض الصور منه: فهو المؤول. والفقهاء في ذلك على مذاهب، وعلى كل لا يخرج من العموم، إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه التبييت (^٢).\nد - هذا: وقد نقل الزركشي عن الأستاذ أبي إسحاق: أن الظهور كما\n_________\n(^١) يكثر استعمال هذا النص في كتب الأصول، غير أن أحاديث إجماع النية والتبييت من الليل في صوم الفريضة متعددة الروايات عن حفصة من طريق أخيها عبد الله بن عمر ﵄ على اختلاف بين الأئمة في رفع تلك الأحاديث أو وقفها.\nمن ذلك قوله ﷺ: \"مَن لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له\" رواه الترمذي (٧٣٠) والنسائي (٣٣١) وأبو داود (٢٤٥٤) وابن ماجه (١٧٠٠)، وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان وصححاه مرفوعًا، وانظر: \"جامع الأصول\" لابن الأثير الجزري (٤٣٩٩)، كما أخرجه الدارقطني (٢٢١٦) أيضًا، وانظر: \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٤/ ٢٠٧).\nومن ذلك قوله ﵊: \"مَن لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له\" انظر: \"سنن النسائي\" (٤/ ١٦٩)، \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ٣٢٥) وفي رواية: \"مَن لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له\" أخرجه ابن حزم في \"المحلى\" (٦/ ١٦٢) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠٢) وأخرج النسائي أيضًا \"مَن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا يصوم\" \"سنن النسائي\" (٤/ ١٩٦) أما يلفظ \"لا صيام\" في أول الكلام: فقد ورد ذلك من كلام حفصة \"لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر\" أخرجه النسائي في \"السنن\" (٤/ ١٩٧) وابن حزم في \"المحلى\" (٦/ ١٦١) وعن ابن عمر أيضًا عن حفصة \"لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر\" بزيادة لفظة \"الصيام\" (٤/ ١٩٧) من المرجع السابق، وانظر: \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني بتحقيق المؤلف (ص ٤٦ حاشية).\n(^٢) انظر: \"البرهان\" لإمام الحرمين الجويني (لوحة ١١١) (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":183},{"text":"يقع في الأمور التي ذكرنا، يقع في الأسماء، وفي الأفعال، وفي الحروف. وذلك: مثل حرف (إلى) فإنه ظاهر في التحديد والغاية، مؤول في الجمع (^١).\nوالآن، وفي ضوء ما تقدم: ليس في مقدورنا أن نغفل الحقيقة التي تدل على نفسها، وهي: أن ميدان الاختلاف قد اتسع أمام الفقهاء في تقويم الدواعي والأسباب، التي يمكن أن تجعل من اللفظ ظاهرًا في الدلالة، يحتمل ترجيح أحد معنيه على الآخر.\nوقد بني على هذا الاختلاف في التقويم: اختلاف في كثير من الفروع والأحكام.\nولنأخذ لذلك لفظ (الصعيد) في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nفالإمام الشافعي - وهو من أئمة اللغة - لا يقع الصعيد عنده إلا على التراب، فهما في نظره مترادفان؛ لذلك يرى أن التيمم لا يجوز إلا بما يقع عليه اسم الصعيد (^٢).\nوذهب الإمام مالك - في المشهور عنه - إلى جواز التيمُّم بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، كالحصى، والرمل، والتراب؛ وذلك لأنه يرى أن (الصعيد) يصدق على كل ما صعد على وجه الأرض (^٣).\nوإلى جانب المؤيدات التي يوردها كل من أصحاب المذهبين، يجيب\n_________\n(^١) راجع: \"البحر المحيط\" للزركشي (١/ ٣٧٦).\n(^٢) جاء في \"الأم\" (١/ ٤٣) تحت عنوان [باب التراب الذي يتيمم به ولا يتيمم] (قال الشافعي ﵀: قال الله ﵎: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣ والمائدة: ٦] قال الشافعي: وكل ما وقع عليه اسم صعيد لم تخالطه نجاسة فهو صعيد طيب يتيمم به، وكل ما حال عن اسم صعيد لم يتيمم به، ولا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار. قال الشافعي: فأما البطحاء الغليظة والرقيقة والكثيب الغليظ: فلا يقع عليه اسم صعيد. وإن خالطه تراب أو مدر يكون له غبار: كان الذي خالطه هو الصعيد).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (١/ ٧١) \"حاشية الدسوقي\" على الدردير (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":184},{"text":"المالكية: أن الصعيد إذا صدق على التراب فإما أن يسمى به، لأنه صعد على الأرض، وإما أن يسمى به، من غير اعتبار هذا الاشتقاق بل كتسميته بالتراب.\nوعلى التقدير الثاني يلزم الترادف، فوجب أن يكون الصعيد مباينًا للفظ التراب، ووجب اعتبار الاشتقاق فيه. وحينئذ يصدق على كل ما على الأرض أنه صعيد (^١).\nوهكذا بناء على حكم العلماء على الصعيد ما هو؟ وماذا يمكن أن يشمل؟ اختلفوا فيما يجوز التيمُّم به.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>حكم الظاهر:</span>\nأما حكم الظاهر: فهو وجوب أن يصار إلى معناه الظاهر ويعمل بمدلوله، وأنه لا يجوز تركه إلا بتأويل صحيح (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>متى يعمل بالظاهر؟</span>\nوعلى كل فلا يعمل بالظاهر فيما يحتاج إلى القطعي، لأن ظهور معناه غير مقطوع به، فلا يسوغ - كما قال الجويني - وضع الاستدلال به على ما هذا سبيله، ذلك أنه لا يصلح الظني حجةً في حكم يحتاج إلى القطعي (^٣).\nوقد جاء في \"البرهان\": الظاهر حيث لا يُطلَبُ العلمُ معمولٌ به، والمكلف محمول على الجريان على الظاهر (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) \"مفتاح الوصول\" للتلمساني (ص ٤٥).\n(^٢) \"روضة الناظر\" لابن قدامة (٢/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٣) قال إمام الحرمين: (وإن قدر ذلك مستدلُّ أشعرَ بجهله بأحد أمرين: إما أن يجهل كونه ظاهرًا، أو يعتقده نصًا، والأمر على خلاف ما يقدره. وإما أن يجهل مواقع العلوم عن مجال الظنون). انظر \"البرهان\" (لوحة ١٤٠ - ١٤١).\n(^٤) \"البرهان\" لوحة (١٤٠ - ١٤١)، (١/ ٤١٨ فما بعد).","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>مقارنة</span>\nولعل من المفيد حقًّا - بعد الذي ذكرناه عن الظاهر والنص عند المتكلمين -: أن نبين إلى أي حد تلتقي تقسيمات الحنفية للواضح (^١) مع تقسيمات المتكلمين.\nفالظاهر، كما يراه المتكلمون، وهو ما دلّ على معناه دلالة ظنية، يكون قسمًا من النص عند الحنفية؛ لأن الاحتمال قائم في كل منهما حسب الاصطلاح الذي كان الجنوح إليه.\nأما النص عند جمهرتهم: وهو ما دلّ على معناه دلالة قطعية، فهو كالمفسَّر عند الحنفية.\nوأما المفسَّر الذي رأيناه عند الحنفية: فلم يشتهر عند المتكلمين إطلاقه على معنًى اصطلاحي، كما اشتهر عند الحنفية.\nولقد استعمله الإمام الشافعي في مقابل ما اعتبره مجملًا، ففي معرض الاحتجاج بحديث \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" قال في \"الأم\": (والحديث عن رسول الله ﷺ \"فيما سقت السماء العشرة\" جملة. والمفسَّر يدل على الجملة) (^٢).\nوالرازي في \"المحصول\": أطلق اسم المفسَّر على نوعين من الألفاظ:\nأ - على اللفظ الواضح الذي لا يحتاج إلى التفسير لوضوحه.\nب - وعلى اللفظ الذي احتاج إلى تفسير وقد ورد تفسيره (^٣).\nأما المحكَم عند المتكلمين: فيشمل النص والظاهر، وعرّفه القاضي العضد: بأنه المتضح المعنى، سواء أكان نصًا أم ظاهرًا (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مباحث \"الواضح عند الحنفية\" فيما تقدم (ص ١١٩ فما بعد).\n(^٢) راجع: \"الأم\" للشافعي (٧/ ١٨٠).\n(^٣) راجع: \"المحصول\" للرازي. مخطوطة دار الكتب المصرية، وقد طبع محققًا (ح ١ ق ١/ ٣٣٦ فما بعد).\n(^٤) \"التحرير\" وشرحه \"التيسير\" (١/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"1","page":186},{"text":"وقال السبكي في \"الإبهاج\": (المحكَم جنس لنوعَيْه: النص والظاهر) (^١). وبهذا يشمل الأقسام الأربعة المذكورة في تقسيم الحنفية (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-108>صورة أخرى لتقسيم المتكلمين:</span>\nيقسم بعض الأصوليين من المتكلمين الواضح الدلالة إلى قسمين:\n١ - نص صريح: وهو ما دلّ على معنًى مفصّل متعيّن، ولا يحتمل التأويل.\n٢ - ونص غير صريح: وهو ما دلّ على معنًى، مع احتمال دلالته على غيره، وهذا ليس نصًا، وليس ظاهرًا.\nفعلى هذا: الظاهر والنص مترادافان؛ لأن كلًا منهما يحتمل التأويل (^٣).\nولقد فضّل الشيخ عبد الوهاب خلاف ﵀، هذا الاصطلاح على اصطلاح الحنفية، معللًا تفضيله، بأن بناء التفاوت في وضوح الدلالة على احتمال التأويل، وعدم احتماله: معقول؛ فإن المعنى المعيَّن الذي لا مجال للاختلاف في فهمه، ولا سبيل إلى فهم غيره: تكون دلالة النص عليه أوضح من دلالته على معنًى غير متعين يحتمل غيره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فهو يرى أن السَّوق أصالة أو عدمه، لا يظهر وجه لجعله أساسًا لتفاوت الوضوح (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>ما نفضّله من الاصطلاحَين في تقسيم الواضح:</span>\nوالاصطلاح المفضَّل لتقسيم الواضح في نظرنا: هو اصطلاح الحنفية؛ وذلك لأمور عدة، منها:\n_________\n(^١) راجع: \"الإبهاج\" شرح منهاج البضاوي لتاج الدين السبكي (١/ ١٣٦).\n(^٢) انظر: \"مسلم الثبوت\" (٢/ ١٩).\n(^٣) راجع: \"أصول الفقه\" لخلاف الحلقة الثانية للدراسات العليا (ص ١٦٠)، \"أصول الفقه\" للدراسات العليا في حقوق القاهرة للأستاذ الشيخ زكريا البرديسي (ص ١٧١).\n(^٤) انظر: \"أصول الفقه\" لخلاف (ص ١٦٠) الحلقة الثانية.","vol":"1","page":187},{"text":"أ - أنه أكثر استيعابًا للمعاني الحاصلة من تنوع الأدلة (^١).\nب - وأنه أكثر وضوحًا في الحدود والفوارق بين الأقسام، الأمر الذي يبين تدرجها في الوضوح، ومراتب هذا الوضوح.\nج - ولقد نتج عن ذلك يسر الدلالة على المراد، من أجل تحديد معالم النص المطلوب تفسيرُه، ومعرفة الحكم الذي يدل عليه.\nوعلى هذا: فإنا لا نرى أيضًا ما ذهب إليه الشيخ عبد الوهاب خلاف ﵀ من تفضيل الصورة الثانية من اصطلاح المتكلمين.\nذلك لأن تفاوت الوضوح على أساس الاحتمال أو عدمه، متوافر في تقسيم الحنفية، فمثلًا: احتمال التأويل في الخاص، واحتمال التخصيص في العام، وغير ذلك من الاحتمالات؛ لكل منها مكانه في تحديد مراتب الوضوح بين الأقسام.\nأما مسألة قصد المعنى المراد من السياق أصالة: فنحن معه في عدم ظهور وجه لجعله أساسًا لتفاوت الوضوح، وفي أن بعض النصوص قد يكون المتبادر إلى الفهم منها، هو المعنى غير المقصود أصالة من السياق.\nولقد أبنّا في صدر هذا المبحث أن مسألة السياق والقصد منه، درج فيها المتأخرون على غير طريقة المتقدمين؛ فالمتقدمون لم يشترطوا في الظاهر عدم السَّوق، وجعلوا التفاوت بين الظاهر والنص قائمًا على ازدياد وضوح النص على الظاهر بمعنًى من المتكلم، لا من الصيغة نفسِها؛ وذلك عن طريق قرينة نطقية - تنضم إليه سباقًا أو سياقًا - تدل على أن قصد المتكلم هو ذلك المعنى؛ كما في مثال التفريق بين البيع والربا، فإن التفريق لم يفهم من ظاهر الكلام، بل بسياق الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث دلّنا ذلك على أن الغرض إثبات التفرقة بينهما، وأن تقدير الكلام: أحلّ الله البيع وحرّم الربا فأنى يتماثلان (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" لابن الهمام وشرحه \"تيسير التحرير\" (١/ ١٤٤).\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٤٧).","vol":"1","page":188},{"text":"ولم يعرف هذا المعنى بدون تلك القرينة، بأن قيل ابتداء: أحَلَّ الله البَيْعَ وحرّم الرّبا.\nوهكذا تكاد تكون مسألة الاحتمال، في اعتراض الشيخ خلاف، منتفية. وعلى هذا: فمسألة جعل السوق أو عدمه أساسًا للتفاوت، يمكن أن تَرِدَ على اتجاه المتأخرين في تفريقهم بين الظاهر والنص.\nولكنها لا ترد على اتجاه المتقدمين الذين لا يشترطون في الظاهر عدم السوق، ويرون ازدياد الوضوح في النص قائمًا على معنًى من المتكلم، لا في الصيغة نفسها (^١).\nنقول هذا كله، غير ناسين أن اصطلاح المتكلمين أقرب إلى أرومة العربية الميمونة في مدلولاتها، ولكن الذي نبغيه - بجانب النسب المتصل بالعربية -: يُسر المصطلح، وسهولة ضبطه عند التطبيق.\n* * *\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ١٢٢ - ١٣٦).","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>الفصل الثاني المبهم وأنواعه</span>\n<span data-type='title' id=toc-111>المبحث الأول منهج الحنفية في المبهم</span>\nويراد بالمبهم هنا: اللفظ الذي خفيت دلالته على الحكم خفاءً لذاته، أو لعارض، فتوقف فهم المراد منه على شيء خارجي غيره. وقد يزول هذا الخفاء بالاجتهاد، فيفهم المراد، وقد يتعذر زواله إلا ببيان من الشارع.\nوكما قسم الحنفية (الواضح) إلى أربعة أقسام تتفاوت مراتبها في الوضوح، قسموا (المبهم) أيضًا إلى أربعة أقسام تتفاوت مراتبها في الخفاء، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.\nوهذه الأقسام هي: الخفي، المشكل، المجمل، المتشابه (^١).\nوستعرض لهذه الأقسام ومراتبها في الإبهام مع دراسة الأمثلة والمقارنة، لنرى أثر ذلك في تفسير النصوص، واستنباط الأحكام.\n_________\n(^١) وضع صاحب \"التلويح\" التفتازاني ضابطًا لهذه الأقسام الأربعة، يقوم على أن الخفاء في المبهم: إما أن يكون من اللفظ نفسه، وينطوي في ذلك: المشكل والمجمل والمتشابه. وإما أن يكون لعارض، ويسمى المبهم في هذه الحالة بالخفي، قال ﵀: (إذا حفي المراد من اللفظ، فخفاؤه إما لنفس اللفظ أو لعارض. الثاني يسمى خفيًا. والأول: إما أن يدرك بالعقل أو لا، الأول يسمى مشكلًا، والثاني: إما أن يدرك المراد بالنقل أو لا يدرك أصلًا. الأول يسمى مجملًا. والثاني متشابهًا. فهذه الأقسام متباينة بلا خلاف). انظر: \"التلويح مع التوضيح\" (١/ ١٢٦).","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>المطلب الأول الخفي</span>\nكما أن كان (الظاهر) أقلُّ أقسام الواضح وأدناها رتبة من ناحية الوضوح، كذلك (الخفي) يقابل الظاهر في أقسام المبهم، فهو أقل أنواعه خفاءً وأدناها رتبة.\nوالخفي في اللغة: مأخوذ من الخفاء وهو عدم الظهور، والستر والكتمان (^١).\nأما في الاصطلاح: فقد عرّفه العلماء بتعريفات متقاربة لا تكاد تتفاوت.\nفالدبوسي في \"تقويم الأدلة\" يعرّفه بأنه (ما خفي معناه بعارض دليل غير اللفظ في نفسه، فبعُد عن الفهم بذلك العارض، حتى لم يوجد إلا يطلب) (^٢).\nوقال البزدوي في \"الأصول\": (الخفي: ما اشتبه معناه، وخفي مراده بعارض غير الصيغة، لا ينال إلا بالطلب) (^٣).\nوحاول شمس الأئمة السرخسي أن يجمع بين التعريفين فقال: (هو اسم لما اشتبه معناه، وخفي المراد منه بعارض في الصيغة، يمنع نيل المراد بها إلا بالطلب) (^٤).\nوفي ضوء ما حكاه هؤلاء الأئمة في تعريف الخفي، وبحثهم فيما يصلح مثالًا له يمكن لنا - رغبة في الإيضاح والتبسيط والشمول - أن\n_________\n(^١) جاء في \"القاموس المحيط\": (خفي كرضي خفاء فهو خاف، وخفي: لم يظهر، وخفاه هو وأخفاه: ستره وكتمه، والخافية: ضد العلانية).\n(^٢) المخطوطة (ص ٢٠٤) وقد طبع - كما أسلفنا - (١/ ١١٧).\n(^٣) \"أصول البزدوي\" (١/ ٥٢).\n(^٤) \"أصول السرخسي\" (١/ ١٧٦).","vol":"1","page":192},{"text":"نعرّفه بأنه: (اللفظ الظاهر في دلالته على معناه، ولكن عرض له من خارج صيغته، ما جعل في انطباقه على بعض أفراده نوع من غموض وخفاء، لا يزول إلا بالطلب والاجتهاد، فيعتبر اللفظ خفيًا بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد).\n\n<span data-type='title' id=toc-113>منشأ الإبهام في الخفي:</span>\nومنشأ الإبهام في الخفي، أن يكون للفرد المراد إعطاؤه الحكم، اسم خاص به، أو أنه ينقص صفة، أو يزيد صفة عن سائر الأفراد.\nفهذه التسمية الخاصة، أو الزيادة، أو النقص، تحيطه بالاشتباه، فيصبح ذلك اللفظ الظاهر في الدلالة على معناه، خفيًا بالنسبة إلى هذا الفرد المطلوب معرفةُ حكمه؛ لأن هذا الفرد لا يدرك من اللفظ ذاته: أنه مما يتناوله ذلك اللفظ، بل لا بد للوصول إلى ذلك الإدراك من أمر خارجي.\nوطريقة إزالة الإبهام في الخفي - كما ألمحنا في التعريف -: هي نظر القاضي واجتهاد المجتهد. وعماد ذلك: الرجوعُ إلى النصوص المتعلقة بالمسألة المرادة بالحكم، ومراعاةُ التعليل ومقاصد الشريعة.\nوهذا مما يختلف فيه نظر الباحثين واجتهاد المجتهدين، ويظهر ذلك في المثالين التاليين:\nأ - جاء في شأن حد السرقة قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\nفلفظ (السارق) الذي هو - كما يقول الفقهاء - (آخذ المال المتقوم المملوك للغير خفية من حرز مثله): ظاهر الدلالة على معناه.\nفكل مَن انطبق عليه هذا المعنى، ولم يعرف بصفة أخرى سوى السرقة: فلفظ السارق ظاهر فيه.\nوحين أراد القضاء أن يقول كلمته في حكم بعض الأفراد من آخذي","vol":"1","page":193},{"text":"المال، وجد أن لفظ السارق خفي في الطرَار - النشال - وهو الذي يأخذ المال من الناس بنوع من المهارة والخفة، في يقظتهم، على حين غفلة منهم.\nكما وجد أنه خفي أيضًا في النباش، وهو من ينبش القبور ويأخذ أكفان الموتى.\nوكان منشأ الخفاء والغموض، عند تطبيق لفظ السارق على الطرار والنباش: اختصاص كل منهما باسم آخر، هو سبب سرقته الذي يعرف به.\nولإزالة هذا الخفاء، كان لا بد من النظر والتأمُّل؛ وذلك ليعلم ما إذا كان في الاسم الخاص زيادة على معنى السرقة، فيحكم على الجاني بالحدّ، أم كان فيه نقص عن معناها، فيكون التعزير هو العقوبة؛ وذلك لعدم استيفاء الشروط التي توجب حد القطع على السارق.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>حكم الطرار:</span>\nأما عن الطرّار: فقد أدّى البحث إلى اتفاق العلماء، على أن الطرار سارق وزيادة؛ فإذا كان السارق العادي بسارق - والأعين نائمة - فالطرار يسارق والأعين يقظة، يساعده في ذلك حذق، ومهارة، وخفة يد في الاستلاب، وبراعة منه في جنايته، وذلك ينبئ عن مبالغته في جريمته التي هي السرقة؛ الأمر الذي يجعله أكثر خطرًا من السارق العادي.\nلذا كان طبيعيًا ما نقل من الاتفاق، على اعتباره سارقًا، والحكم عليه بحد القطع (^١)، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ١١٧)، \"البزدوي مع \"الكشف\" (١/ ٥٢)، \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٧)، \"المرآة\" (١/ ٤٠٦)، \"فواتح الرحموت\" (٢/ ٢٠).","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>اختلاف الأصوليين في طريق الحكم:</span>\nولئن كان الاتفاق واقعًا بين العلماء على اعتبار الطرار سارقًا، فينطبق عليه حكم الحد بالقطع، لقد اختلف الأصوليون في طريق الحكم؛ هل كان بدلالة النص، أم بعبارة النص (^١)؟\nوقد ذهب إلى أن الحكم بإقامة حد السرقة على الطرار جاء عن طريق دلالة النص، شمس الأئمة السرخسي.\nفبعد أن بيّن في أصوله (^٢) أن اختصاص الطرار بهذا الاسم؛ إنما كان لزيادة في معنى السرقة، قرر أن تعدية الحكم بمثله مستقيم في الحدود؛ لأنه إثبات حكم النص بطريق الأولى؛ بمنزلة حرمة الشتم والضرب بالنص المحرَّم للتأفيف. وهكذا يرى ﵀ أن الطرار يأخذ حكم السارق بالأولى، وهذا من دلالة النص كما في تحريم الشتم وغيره للوالدين أخذًا من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وليس من القياس الذي يرى الحنفية عدم صلاحيته لأن تثبت به الحدود والكفارات (^٣).\nونقل صاحب \"فواتح الرحموت\" عن فخر الإسلام قوله في سرقة الطرار: (وهذه السرقة في غاية الكمال، وتعدية الحدود في مثله في نهاية الصحة والاستقامة) كما نقل كلام صاحب \"الكشف\" الذي أبان به أن ما أراده فخر الإسلام بالتعدية، إنما هو اطّراد الحكم بالدلالة لا بالقياس (^٤).\nوقد مشى الكمال بن الهمام (^٥) أيضًا على أن حد الطرار إنما وجب\n_________\n(^١) يراد بعبارة النص: دلالة اللفظ على المعنى المتبادر من الكلام الذي سيق له أصالة أو تبعًا. ويراد بدلالة النص: تعدي حكم المنطوق به إلى مسكوت عنه مساواةً أو بالألوية، لاشتراكهما في علة تدرَك لغة دون حاجة إلى النظر. وهذه الدلالة هي مفهوم الموافقة.\n(^٢) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٧).\n(^٣) المعروف أن الحنفية لا يثبتون الحدود والكفارات بالقياس، ولكنهم يثبتونها بدلالة النص؛ لأن إثباتها من هذه الطريق هو إثبات بظاهر النصر، وليس بالقياس والرأي.\n(^٤) انظر: \"فواتح الرحموت\" مع \"مسلم الثبوت\" (٢/ ٢٠ - ٢١).\n(^٥) هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد، من كبار الحنفية في الفقه، والأصول، وعلم الكلام، كان من خيرة مَن تولى قضاء الإسكندرية. وقد تخرّج على يديه كثير من =","vol":"1","page":195},{"text":"بالدلالة (^١).\nوقد يرد على القول بأن تعدية حكم السارق إلى الطرار، كان بدلالة النص، أن ظهور كون الطرار مما يتناوله لفظ السارق بعد البحث والتأمُّل، يتنافى مع ثبوت حكمه بدلالة النص، التي هي من باب تعدية حكم المنطوق إلى المسكوت.\nولا يدفع هذا الإيراد، ما أجاب به صاحب \"تيسير التحرير\" حين قال دفاعًا عن الكمال بن الهمام: (كأنه أراد ثبوت دلالته قبل الظهور) (^٢).\nوالراجح عندنا أن طريق الحكم في الطرار هو العبارة، ولا حاجة للانتقال من المنطوق إلى المفهوم، ليكون الحكم ثابتًا بالدلالة.\nحتى إن كلام فخر الإسلام، أثبت وجود مفهوم السرقة في الطرار على شكل الكمال. وهذا يوجب تناول الصيغة عبارة، فلا وجه لإطالة الطريق والجنوح إلى الدلالة.\nلذا كان من غير المقبول في نظر شارح \"مسلم الثبوت\" ما ذهب إليه صاحب \"الكشف\"، من أن الإمام فخر الإسلام أراد بالتعدية اطرادَ الحكم بالدلالة.\nبل الحق - في نظره - أن مراد هذا الإمام بالتعدية: المعنى اللغوي، وهو اطراد الحكم. ومقصوده أنه لما وجد الأخذ خفية في الطرار على الكمال، اطّرد الحكم في السارق وثبت فيه عبارةً.\n_________\n= العلماء؛ منهم: أقضى القضاة بدر الدين العراقي، وجمال الدين بن هشام المصري الحنبلي، وزين الدين بن قطلوبغا الحنفي، وسيف الدين بن قطلوبغا الحنفي أيضًا. وله كثير من المصنفات منها: \"التحرير\" في أصول الفقه، و\"فتح القدير شرح الهداية\" في الفقه حيث انتهى في الشرح إلى جزء من كتاب الوكالة، وأتمّ ذلك الشرح الشيخ قاضي زاده في كتاب أسماء \"نتائج الأفكار\" ومن مصنفاته أيضًا كتاب \"المسايرة\" في التوحيد، وله في النحو رسالة قيمة، توفي ﵀ سنة ٨٦١ هـ.\n(^١) راجع: \"التحرير\" لابن الهمام مع شرحه \"تيسير التحرير\" لأمير بادشاه (١/ ١٥٧).\n(^٢) راجع: \"تيسير التحرير\" (١/ ١٥٧).","vol":"1","page":196},{"text":"ونحن مع قولنا بثبوت الحكم في الطرار بالعبارة، نرى أن كلام فخر الإسلام محتمل لما ذهب إليه صاحب \"الكشف\"؛ لما أن التعبير بتعدية الحكم في الحدود، والكفارات، يتردد عند الحنفية بين عدم إثباته بالقياس، وبين إثباته بدلالة النص، كما سيأتي في مباحث الدلالة إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-116>حكم النباش:</span>\nأما النباش: فقد اختُلف في أمره؛ حيث كان لأبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله مذهب يخالف مذهب الجمهور الذي سنؤخر الحديث عنه بُغيةَ اليسر في بيان الرأي والترجيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-117>مذهب أبي حنيفة ومحمد:</span>\nذهب أبو حنيفة ومحمد، إلى أن انفراد النباش بهذا الاسم الخاص، إنما كان لنقص معنى السرقة فيه؛ فالمال الذي يأخذه - وهو الكفن - غير مرغوب فيه، بل هو مما تنفر منه النفوس، ولا تميل إليه، والمأخوذ ليس مملوكًا لأحد؛ فإذا كان عدم ملكيته من الميت ظاهرًا؛ فالورثة لا يملكون إلا ما زاد عن حاجة هذا الميت، ضمن الحدود التي رسمها الشارع. وفي الوقت نفسه لا يكون النباش سارقًا من حرز المثل؛ لأن القبر لم يعهد مكانًا لحفظ الأموال، وإنما أعدّ لدفن الموتى.\nكما أن السرقة في هذه الحال لا تكون خُفية، لأن السرقة إنما تكون بحيث تُتقى الأعين، ويُتحفَّظ من الناس.\nوهكذا لا تتوافر في النباش شروط السارق. وإذا كان الأمر كذلك: لم يتناوله لفظ (السارق) في الآية، فلم يعد فردًا من الأفراد التي ينطبق عليها حكمه.\nوعلى هذا ذهب الطرفان أبو حنيفة ومحمد، إلى الحكم على النباش بالتعزير بما يردعه عن هذا العمل المشين، لا بإقامة حد القطع الذي هو عقوبة السارق العادي.","vol":"1","page":197},{"text":"وما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمد، هو قول ابن عباس، والثوري، والأوزاعي، ومكحول، والزهري (^١).\nوقد ذكر ابن الهمام في \"فتح القدير\" ما رواه ابن أبي شيبة عن الزهري قال: أُتي مروان بقوم يختفون (^٢) - أي ينبشون القبور - فضربهم ونفاهم والصحابة متوافرون.\nوهذا الأثر، أخرجه أيضًا عبد الرزاق في \"مصنفه\"، عن معمر بزيادة (وطوّف بهم) (^٣).\nومثل ذلك، ما رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" أيضًا عن الزهري قال: أخذ نباش في زمن معاوية - وكان مروان على المدينة - فسأل مَن بحضرته من الصحابة والفقهاء، وأجمع رأيهم على أن يضرب ويطاف به.\nفبهذين الأثرين يؤيد الزهري رأيه بعدم القطع، استنادًا إلى سكوتِ عدد من الصحابة في الأثر الأول، وإجماعِ مَن كان في حضرة مروان في الأثر الثاني (^٤).\nواعتبار ذلك: يقتضي أن عدم الحكم على النباش بحد القطع، لم ينفرد فيه ابن عباس من الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما هو مذهبٌ لآخرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>مذهب الجمهور:</span>\nونترك هذا المذهب الذي جنح إليه الطرفان - أبو حنيفة ومحمد بن الحسن - لنرى الأئمة الثلاثة ومعهم أبو يوسف، يعتبرون النباش سارقًا. ويحكمون عليه بالقطع (^٥).\n_________\n(^١) راجع: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٦٠٨)، \"تفسير القرطبي\" (٦/ ١٦٤)، \"فتح القدير\" شرح الهداية (٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(^٢) في اللغة: خَفاه يَخفيه خَفْيًا وخُفيًّا: أظهره واستخرجه كاختفاه. انظر المادة في \"القاموس المحيط\".\n(^٣) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١١/ ٣٥٠) فما بعدها.\n(^٤) راجع: \"فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٤/ ٢٣٤).\n(^٥) وانظر: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥).","vol":"1","page":198},{"text":"ذلك أن لفظ السارق في الآية الكريمة عندهم: يتناول النباش. واختصاصه بهذا الاسم المعين ليس لنقص معنى السرقة فيه، ولكن للدلالة على سبب سرقته وهو النبش (^١).\nولئن كان الكفن مما ترغب عنه النفوس وتنفر منه، إن ذلك لا يخرجه عن كونه مالًا متقومًا. أما ملكية المال: فالكفن باق على حكم ملك الميت، وله مُطالبٌ من العباد، وهم أولياؤه، فيقومون بالمطالبة؛ كقيام ولي الصبي في الطلب بماله.\nكما أنه من غير المسلّم به، أن القبر ليس حرز مثل لهذا المال، فإن حرز كل شيء بحسب حاله الممكنة فيه، ولا يمكن ترك الميت عاريًا، فصارت هذه الحاجة قاضية بأن القبر حرز، قال ابن العربي: (وقد نبّه الله تعالى عليه بقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ [المرسلات] أي ليسكن فيها حيًا ويدفن فيها ميتًا.\nوأما قول بعضهم: إنه سرق من موضع ليس فيه ساكن وإنما تكون السرقة بحيث تتقى الأعين ويُتحفظ من الناس: فإن النباش قد أتى جنايته تحت جنح الليل، واتقى الأعين، وتعهّد وقتًا لا ناظر فيه ولا مارّ عليه، فكان بمنزلة ما لو سرق في وقت بروز الناس للعبد، وخلوّ البلد منهم جميعًا) (^٢).\nومذهب الجمهور الذي نشير إليه: هو قول عمر، وابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعائشة من الصحابة، وهو أيضًا قول أبي ثور، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وحماد، وعمر بن عبد العزيز، وإسحاق، وابن المنذر (^٣). وغيرهم من علماء الأمصار.\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٧).\n(^٢) راجع: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٦٠٨)، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ١٦٤).\n(^٣) انظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٣١٣)، \"فتح القدير\" لابن الهمام (٤/ ٢٣٤).","vol":"1","page":199},{"text":"وقد روى ابن حزم بالسند إلى عبد الرزاق، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه وجد قومًا يختفون القبور باليمن - أي ينبشونها - فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر أن يقطع أيديهم (^١).\nوذكر ابن قدامة المقدسي أن عائشة ﵂ قالت: (سارق أمواتنا كسارق أحيائنا).\nوعن سهيل بن أبي صالح قال: شهدت عبد الله بن الزبير قطع يد النباش.\nوحدّث حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة: أن الشعبي، والنخعي، ومسروق بن الأجدع، وزاذان، وأبا زرعة بن عمر، وعمرو بن حزم، قالوا في النباش: إذا أخذ المتاع: قُطِعَ.\nوعن إبراهيم النخعي قال: (إذا سرق النباش قدر ما يُقطع فيه: فعليه القطع) وعن الشعبي أنه سئل عن النباش فقال: (نقطع في أمواتنا، كما نقطع في أحيائنا) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-119>ما نرجحه في المسألة:</span>\nوالراجح عندنا في هذه المسألة، هو ما ذهب إليه الجمهور، الذين أخذوا بقول جمهرة الصحابة وعلماء الأمصار، من اعتبار النباش سارقًا، فيقطع إذا بلغت سرقته مبلغ ما تقطع فيه اليد.\nذلك: لأن معنى السرقة - كما سبق - متوافر في النباش لغة وشرعًا، خصوصًا وأن رسول الله ﷺ قد اعتبر القبر بيتًا للميت؛ فتحت باب (الحجة في قطع النباش) روى أبو داود في \"سننه\" عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا أبا ذر\" قلت: لبّيك يا رسول الله وسعدَيْك، قال:\n_________\n(^١) راجع: \"المحلى\" لابن حزم (١١/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(^٢) \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٧٢).","vol":"1","page":200},{"text":"\"وكيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون فيه البيت بالوصيف\" (^١) - يعني القبر - قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أو ما اختار الله لي ورسوله، قال: \"عليك بالصبر\" أو قال: \"تصبر\".\nقال الخطابي: (موضع استدلال أبي داود من الحديث: أنه سمّى القبر بيتًا، والبيت حرز، والسارق من الحرز مقطوع إذا بلغت سرقته مبلغ ما تقطع فيه اليد) (^٢).\nوأشار ابن الأثير إلى الحديث في \"النهاية\" وقال في آخر كلامه: (وقبر الميت بيته) (^٣).\nهذا إلى أن مصلحة الجماعة تقتضي ما ذهب إليه الجمهور؛ فالنباش يأتي بالحقير من العمل حين يقدم على سرقة الكفن، فينتهك حرمة الميت، ويرتكب الجناية التي تضم إلى السرقة، أنها تمثل خبث النفس، وسوء الطوية، وإهدار كرامة الإنسان.\nوتأييدًا لما جنحنا إليه: نرى من الخير أن نثبت هنا ما قاله ابن حزم إيضاحًا لمذهبه في المسألة، مع العلم أنه متفق مع الجمهور، على رأي له في مبلغ ما تقطع به يد السارق (^٤).\nفبعد أن سرد أبو محمد الأقوال والآثار، قرر أن قطع النباش - بصرف النظر عن هذا كله - ثابت بلغة الكتاب وما تفرضه الشريعة. قال ﵀: (والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق: أن كل هذا لا معنًى له، لكن الفرض هو ما افترض الله تعالى ورسوله ﵇ الرجوعَ إليه عند التنازع، إذ يقول\n_________\n(^١) الوصيف: العبد، والأمة: وصيفة، وجمعها وُصَفاء ووصائف، قال الخطابي: (يريد أن الفضاء من الأرض يضيق عن القبور ويشتغل الناس بأنفسهم عن الحفر لموتاهم حتى تبلغ قيمة القبر قيمة العبد) \"معالم السنن\" (٣/ ٣١٢).\n(^٢) راجع: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٣١٢ - ٣١٣).\n(^٣) راجع: \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٤/ ٢١٣).\n(^٤) انظر: \"المحلى\" (١١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":201},{"text":"تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية (^١) [النساء: ٥٩]. ففعلنا فوجدناه تعالى يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ووجدنا رسول الله ﷺ قد أوجب القطع على من سرق، بقوله ﵇: \"لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها\".\nووجدنا السارق في اللغة التي نزل بها القرآن، وبها خاطبنا الله تعالى، هو الآخذ شيئًا لم يبح الله تعالى أخذه، فيأخذه متملكًا له، مستخفيًا به، فوجدنا النباش هذه صفته؛ فصحّ أنه سارق، وإذ هو سارق، فقطع اليد على السارق، فقطع يده واجب، وبه نقول) (^٢).\nب - ومن أمثلة الخفي أيضًا لفظ (القاتل) من كلام الرسول ﷺ في حرمان قاتل مورثه من الإرث.\nفعن عمر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"ليس لقاتل ميراث\" (^٣). وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال في حديث له: \"مَن قتل قتيلًا فإنه لا يرثه … \".\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: \"لا يرث القاتل شيئًا\" (^٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَن قتل قتيلًا فإنه لا يرثه وإن لم يكن له وارث غيره - وإن كان والده أو ولده - فليس للقاتل ميراث\" (^٥).\n_________\n(^١) وتمام الآية: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾.\n(^٢) راجع: \"المحلى\" لابن حزم (١١/ ٣٣٠) وحديث \"لو أن فاطمة بنت محمد … \" أخرجه أحمد (٢٥٨١١) والبخاري (٣٤٧٥) ومسلم (١٣٨٦) في قصة المخزومية من رواية عائشة، كما رواه الترمذي (١٤٣٠) والنسائي (٤٩١٤).\n(^٣) رواه مالك في \"الموطأ\" (١٠) بلفظ: \"ليس لقاتل شيء\" وأحمد (٣٤٨) وابن ماجه (٢٦٤٥) والدارقطني (٤١٤٣). وانظر: \"المحلّى\" (١١/ ٣٣٠)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ٨١ - ٨٢).\n(^٤) رواه أبو داود. وانظر: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ٨٢)، وأخرجه الدارقطني من كلام عمر بلفظ: \"لا يرث القاتل خطأ أو عمدًا\" (٤٢١٢)، وعن الشعبي قال: قال عمر ﵁: \"لا يرث قاتل خطأ ولا عمد\". ورواه الدارمي (٣٠٨٥).\n(^٥) رواه الإمام أحمد (٣٤٧) بإسناده، وفي لفظ للبيهقي: فإن رسول الله ﷺ قضي: \"لبس لقاتل ميراث\". انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٢٢٠)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ٨١).","vol":"1","page":202},{"text":"فلفظ (القاتل) ظاهر الدلالة فيمن يباشر القتل الموجب للقصاص، وهو القتل عمدًا بدون وجه شرعي مبيح.\nويكاد يكون من المتفق عليه، أن قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئا، إلا ما حكي عن سعيد بن جبير وابن المسيب (^١).\nولا تعويل على هذا القول لشذوذه وقيام الدليل على خلافه.\nفإلى جانب ما أوردناه من أحاديث: روي أن عمر ﵁، أعطى دية ابن قتادة المذحجي لأخيه دون أبيه، وكان حذَفه بسيفه فقتله.\nقال ابن قدامة: (واشتهرت هذه القصة بين الصحابة ﵃ فلم تنكر فكانت إجماعًا) (^٢).\nحتى إذا تجاوزنا هذا النوع من القتل، وجدنا بعض الغموض والخفاء، يكتنف لفظ (القائل) في تطبيقه على بعض أفراده، فكان خفيًا في القتل خطأ، أو ما جرى مجرى الخطأ، والقتل بالتسبُّب (^٣)، وقتل الصبي، والمجنون، والنائم.\n_________\n(^١) كما أنه رأي الخوارج الذين لهم موقف معين من السنّة، ومن الأمور التي تركوا فيها العمل بالسنّة الصحيحة رجم الزاني المحصن، فقد ذهبوا إلى أن الواجب هو حد الجلد لعموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] مع أن الرسول ﷺ ذكر الرجم وأثبت أنه رجم. ومنها: قصر التحريم بالرضاع على مَن نصّت عليهم الآية في قوله ﷿: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] دون التفات إلى ما صحّ في السنّة من أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ومنها: إجازة الجمع بين المرأة وعمنها أو خالتها، لأن آية المحرمات لم تنص عليهما مع ثبوت تحريم هذا الجمع في السنّة. ومنها: جواز الوصية للوالدين والأقربين عملًا بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] علمًا بأن حديث \"لا وصية لوارث\" حديث صحيح، وهكذا لم يعملوا بما ورد من أحاديث صحيحة في الرجم وعموم التحريم بالرضاع، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ومنع الوصية لوارث. وانظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٥٧)، (٦/ ٥٧١، ٥٧٣)، \"تأويل مختلف الحديث\" لابن قتيبة (ص ٢٤١ - ٢٥٠).\n(^٢) راجع: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٢٩١)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٢١٩ - ٢٢٠).\n(^٣) القتل الجاري مجرى الخطأ: هو كان ينقلب النائم على إنسان \"مورثه\" فيقتله. أما القتل بالتسبُّب فهو: أن يصدر عن القاتل فعل يتسبّب عنه قتل مورثه؛ كأن يحفر حفرة في الطريق دون إذن السلطة، فيقع مورثه فيه ويُقتل.","vol":"1","page":203},{"text":"كما يبدو خفيًا في القائل عمدًا بوجهٍ شرعي مبيح، كالقتل دفاعًا عن النفس، وكالقتل قصاصًا وحدًّا، وكقتل العادل الباغي … إلى غير ذلك مما يُرى مفصّلًا في كتب الفروع.\nولإزالة الإبهام كان لا بد من البحث والتأمُّل، وذلك لتحديد ماهية القتل الذي يمنع من الإرث (^١)، وفي هذه السبيل نرى وجهات نظر متعددة في الموضوع، ترتب عليها نوع من الاختلاف عند التطبيق.\nأ - فذهب الحنفية إلى أن القتل الذي يمنع من الإرث، هو القتل الذي يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة.\nوعلى هذا فالقتل الذي تنطبق عليه هذه القاعدة هو العمد وشبه العمد والخطأ. لأن العمد يتعلق به وجوب القصاص، وشبه العمد، والخطأ يتعلق بكل منهما وجوب الكفارة.\nفالقاتل - يُمنع من الإرث عند الحنفية - في إحدى هذه الحالات الثلاث، ولا يمنع في غيرها، وذلك كما في قتل الوارث مورثه قصاصًا، أو حدًّا، أو دفعًا عن نفسه، وكما في قتل العادل مورثه الباغي.\nومثل ذلك ما إذا كان القتل بالتسبُّب دون المباشرة، كحافر البئر، وواضع الحجر في غير ملكه، وكذا إذا كان القاتل صبيًا، أو مجنونًا فلا منع من الإرث أيضًا (^٢).\nب - أما المالكية: فالقاتل الذي لا يرث عندهم، هو الذي يقتل عمدًا عدوانًا، دون وجه شرعي مبيح، سواء كان هذا القتل مباشرة أو بالتسبُّب، حتى لو كان القاتل صبيًا أو مجنونًا، فإنه يمنع من الإرث.\nأما القاتل عمدًا بحق، أو خطأ: فلا يمنع من الإرث عندهم (^٣).\n_________\n(^١) راجع تفصيلًا وافيًا في تحديد القتل المانع من الإرث عند الفقهاء، وموقف القانون من ذلك في كتاب: \"التشريع الجنائي الإسلامي\" للأستاذ عبد القادر عوده ﵀ (٢/ ١٨٥ - ١٨٧).\n(^٢) راجع: \"شرح السراجية\" للسيد الجرجاني (ص ٩ - ١٠).\n(^٣) راجع: \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" للدردير مع \"تقريرات الشيخ عليش\" (٤/ ٤٨٦).","vol":"1","page":204},{"text":"ج - وذهب الشافعية - في الصحيح عندهم - إلى أن القاتل لا يرث بحال، فلفظ (القاتل) في الحديث يشمل كل الأفراد. وقد استشهد الشيرازي في \"المهذب\" بحديث ابن عباس السابق: \"مَن قتل قتيلًا فإنه لا يرثه … \" ثم قال: (ولأن القاتل حُرِمَ الإرث حتى لا يجعل القتل ذريعة إلى استعجال الميراث، فوجب أن يحرم بكل حال لحسم الباب) (^١).\nد - أما الحنابلة: فقد جعلوا ضابط القتل المانع من الإرث: القتلَ بغير حق؛ وهو القتل المضمون بقَود، أو دية، أو كفارة.\nوعليه: فالقائل الذي لا يرث، هو قاتل العمد، وشبه العمد، والخطأ، والمتسبِّب، وكذا الصبيُّ، والمجنون، والنائم. وكلُّ قائل يعتبر قتله جاريًا مجرى الخطأ.\nأما القاتل بحق: فلا يمنع من الميراث. قال ابن قدامة: (وما ليس بمضمون بشيء مما ذكرنا - يعني القود، أو الدية، أو الكفارة - لم يُمنع من الميراث، كالقتل قصاصًا، أو حدًّا، أو دفعًا عن نفسه، وقتل العادل الباغي، أو من قصد مصلحة مَوْليّة بما له فعله، ومن أمَرَهُ إنسان عاقل كبير يبط (^٢) خُرّاجه، أو قطع سلعة (^٣) منه فتلف بذلك: وَرِثَهُ في ظاهر المذهب) (^٤).\nوقد روي عن الإمام أحمد قوله: (إذا قتل العادل الباغِيَ في الحرب يرثه). ونقل محمد بن الحكم عنه في أربعة شهود شهدوا على أختهم بالزنى فرجمت، فرَجَموا مع الناس قوله: (يرثونها، هم غير قتلة).\nوفي كتب الحنابلة أنه روي عن الإمام أحمد، ما يدل على أن القاتل عنده لا يرث بحال، كما هو مذهب الإمام الشافعي. ومنشأ ذلك ما جاء\n_________\n(^١) \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ١٤).\n(^٢) البَط: الشق، مصدر بط. يقال: بطّ الرجل الجرح بطأ، من باب (قتل) شقه.\n(^٣) السلعة: خراج كهيئة الغدة تتحرك بالتحريك. قال الأطباء كما في \"المصباح المنير\": هي ورم غليظ ملتزق باللحم يتحرك عند تحريكه، وله غلاف، وتقبل التزايد لأنها خارجة عن اللحم، ولهذا قال الفقهاء: يجوز قطعها عند الأمن.\n(^٤) راجع: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٢٩٢).","vol":"1","page":205},{"text":"عنه في رواية ابنَيْه صالح وعبد الله: (لا يرث العادل الباغي ولا يرث الباغي العادل). قال ابن قدامة (وهذا يدل على أن القتل يمنع الميراث بكل حال).\nوهكذا يكون لدينا عن الإمام أحمد في مقتل العادل الباغي روايتان:\nأولاهما: أنه يرثه. والثانية: أنه لا يرثه (^١).\nغير أن ابن قدامة استنتج من الرواية الثانية، ما يدل على أن القتل عند أحمد يمنع من الإرث بكل حال.\nهـ - ومذهب الجعفرية متفق مع مذهب المالكية في ضابط القتل المانع من الإرث، على خلاف عندهم في القاتل الخطأ، فلهم فيه ثلاثة أقوال:\nأولها: أنه لا يمنع من الميراث، وهو أرجح الأقوال وأقواها.\nوالثاني: أنه يمنع من الميراث.\nوالثالث: أنه يرث، ولكن لا يرث من الدية، لأنه إن ورث من الدية وهو الذي يؤديها، لا يكون قد أدّاها كاملة (^٢).\nوهكذا كان الخفاء الذي عرض لبعض أفراد (القاتل) كما ورد في\n_________\n(^١) على أن هناك ما يدل على أفضلية الرواية الأولى، مما يعلل ما عُبّر عنه بظاهر المذهب، وأن الرواية الثانية والاستدلال بها هو غير الظاهر وغير المعمول به من مذهب الإمام أحمد.\nفقد جاء في حاشية \"المقنع\": أن الرواية الأولى جزم بها القاضي في \"الجامع الصغير\" وأبو الخطاب والشريف في خلافيهما، و\"المغني\" و\"التبصرة\" و\"الترغيب\"؛ لأن الباغي آثم ظالم، فناسب أن لا يرث مع دخوله في عموم الأدلة، وهذا بخلاف العادل لأنه مأذون له في الفعل مثاب عليه.\nراجع: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٢٩١ - ٢٩٢)، \"المقنع\" لابن قدامة مع حاشيته (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢).\n(^٢) \"الميراث عند الجعفرية\" (ص ٧١ - ٧٢) لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة.","vol":"1","page":206},{"text":"الحديث الشريف، من انضمام أوصاف معينة لهذا البعض، كالخطأ أو التسبُّب وغيرهما: مدعاة للبحث والتأمُّل عند العلماء والمجتهدين لإزالة الاشتباه، وكان ما رأينا من اختلافهم فيمن يعاقَب بمنع الإرث من مقتوله، بعد أن اتفقوا على الجاني الذي كان لفظ (القاتل) في الحديث ظاهرًا فيه، وهو القاتل العمد بدون وجه شرعي يبيح له القتل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-120>حكم الخفي:</span>\nفي ضوء ما تقدم: ندرك أن حكم الخفي وجوب النظر، من بحث ونأمُّل، ليعلم المجتهد ما إذا كان الغموض ناشئًا عن مزية، هي زيادة في المعنى الذي كان اللفظ ظاهر الدلالة فيه، أم لنقص في هذا المعنى.\nفإن كانت المزية زيادةً في المعنى: عمل المجتهد بما أدّى إليه اجتهاده من إلحاق هذا الفرد بما ظهر المعنى فيه، فانطبق عليه وأخذ حكمه.\nوإن كانت المزية: نقصًا نشأ من اختصاص بعض الأفراد باسم معين، أو\n_________\n(^١) هذا: وبمذهب المالكية أخذ قانون المواريث رقم ٧٧ لسنة ١٩٤٣ بمصر، فقد جاء في المادة الخامسة منه ما يلي:\nمن موانع الإرث قتل المورث عمدًا، سواء أكان القاتل فاعلًا أصليًا أم شريكًا، أم كان شاهد زور أدّت شهادته إلى الحكم بالإعدام وتنفيذه، إذا كان القتل بلا حق ولا عذر وكان القائل عاقلًا بالغًا من العمر خمس عشرة سنة. ويُعد من الأعذار تجاوز حد الدفاع الشرعي.\nوعلى مثل ذلك نصّ القانون الإيراني في المادتين ٨٨٠ - ٨٨١ وهما كما يلي:\nالمادة ٨٨٠: القتل من موانع الإرث، فالذي يَقتل عمدًا من استحق هو في تركته لا يكون أهلًا لتلقي الإرث عنه، سواء أكان الفاعل وحده، أم كان واحدًا من القتلة.\nالمادة ٨٨١: لا تسري أحكام المادة السابقة إذا وقع القتل خطأ، أو كان تنفيذًا للقانون، أو حصل في حال الدفاع الشرعي عن النفس.\nغير أن الملاحظ أن المادة الخامسة من القانون المصري أوضح في الدلالة على المراد مما نصّ عليه القانون الإيراني في مادتَيْه لما اشتملت عليه من القيود والصور، وانظر: المصدر السابق (ص ٧١ - ٧٢).","vol":"1","page":207},{"text":"انضمام بعض الأوصاف إليه: حكم المجتهد بعدم إلحاق هذا البعض بإفراد اللفظ، وبأن حكمه لا ينطبق عليه.\nوفي المثالين السابقين: رأينا اختلاف أنظار العلماء، وكيف كان الحكم عند كلَّ بما أدّى إليه اجتهاده، ولقد كانوا في ذلك بعيدين كل البُعد عن أي غرض، أو هوًى، ولكلٍّ وجهة.\nوإنما كان هذا المقدار من البحث والتأمُّل، كافيًا في إزالة الإبهام في الخفي؛ لأن الخفاء لم يكن من ذات الصيغة، وإنما كان لعارض. لذا كان الخفي - كما قدّمنا في صدر البحث - أقل أنواع المبهم خفاء، فهو يقابل الظاهر الذي هو أقل مراتب الواضح ظهورًا.\nوقد اعترض البعض على جعل الخفي في مقابل الظاهر؛ بحجة أن الظاهر ظهوره من ذاته، والخفي خفاؤه لعارض.\nوجواب ذلك: أن الخفاء باللفظ نفسه فوق الخفاء بعارض، فلو كان المخفي ما يكون خفاؤه من ذات اللفظ، لم يكن في أول مراتب الخفاء، فلم يكن مقابلًا للظاهر الواقع في أول مراتب الظهور (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>من الخفي في نصوص القانون:</span>\n١ - نصت المادة الأولى من القانون السوري ذي الرقم/ ١٦٣/ لسنة ١٩٥٨ على ما يلي: \"تستبدل العقارات الوقفية المقرر عليها حق من حقوق القرار ذات الإجارة الطويلة كالمرصد، والحكر، والكدك، والمقاطعة، والإجارتين، والقميص، وشد المسكة، والكردار، بالقيمة المتعارف عليها في الإقليم السوري.\nوعلى كل من له حق التصرف بعقار من العقارات المذكورة، أن يطلب\n_________\n(^١) راجع: \"التلويح على التوضيح\" (١/ ١٢٦)، حاشية الرهاوي على شرح \"المنار\" لابن ملك (١/ ٣٥٨).","vol":"1","page":208},{"text":"استبدال ذلك العقار بالنقد\". وقد نصّت الفقرة الأولى من المادة/ ١٥/ من القانون المشار إليه على ما يلي: \"يحظر تحت طائلة بطلان المعاملات، ومسؤولية الموظفين المسلكية إجراء أية معاملة عقارية لدى دوائر السجل العقاري على حقوق العقار المذكور ما لم يستبدل الحق العيني العائد للوقف وفقًا لهذا القانون\".\nولقد خفيت كلمة (معاملة عقارية) عند التطبيق على بعض الأفراد التي يمكن أن تنطوي تحتها وهي: (معاملة إفراز الأراضي التي عليها حقوق وقفية) حيث كانت هناك صفة زائدة، مما جعل وزارة الأوقاف تشتبه في دخولها في حدود الحظر المنصوص عليه في المادة/ ١٥/ المذكورة أم لا؟\nوحين استفتي مجلس الدولة، أفتى بدخولها تحت ذلك الحظر. ولقد أزال المجلس الغموض عن هذا الخفي بما قدّم من حيثيات بنى عليها الرأي المذكور.\nمن هذه الحيثيات: أن الإفراز يقع على الملكية، ويقضي نهائيًا على الشيوع، فتحل الملكية الفردية محل الملكية الشائعة.\nكما أن عملية الإفراز تغير مكانية حق الملكية، ووصفه، وتوضح الحقوق المتداخلة مع بعضها البعض.\nونص المادة/ ١٥/ أطلق عبارة (المعاملة العقارية) ولم يجعلها محدودة بأي قيد، وهذا يعني أن جميع الإجراءات التي تتم بشأن العقار، تنطوي تحت مدلول هذه العبارة الشامل، والإفرازُ أحد هذه الإجراءات.\nوبناء على ذلك أجمعت آراء اللجنة المختصة على أن معاملات الإفراز تدخل في الحظر المنصوص عليه في المادة/ ١٥/ من القانون رقم/ ١٦٣/ لسنة ١٩٥٨ (^١).\n_________\n(^١) مجلس الدولة ٣٩٨ ف، ق/٣.","vol":"1","page":209},{"text":"وهكذا رأينا لفظ (معاملة عقارية) ظاهر الدلالة على المعنى المراد، ولكنه خفي عند التطبيق على بعض أفراده وهو (معاملات الإفراز)، لعارض عرض لذلك الفرد، ثم صدرت فتوى مجلس الدولة، بما أزال الغموض وأذهب الخفاء، حيث انطوى هذا النوع من المعاملات في حدود الحظر المنصوص عليه في المادة/ ١٥/ واعتبر واحدًا من مشتملاتها.\n٢ - عرَّف الشارع المصري في المادة/ ٢١١/ من قانون العقوبات السرقة بأنها \"اختلاس المنقول المملوك للغير\". ولقد ثار نوع من الصعوبة في تطبيق جريمة السرقة على سارق التيار الكهربائي، بسبب الخفاء في اعتبار التيار منقولًا أو غير منقول، ذلك لأن المنقول عادة هو الشيء المادي الذي يمكن نقله من مكان.\nوالذي انتهت إليه محكمة النقض هو اعتبار التيار الكهربائي من المنقول؛ وذلك لتوافر خصائص المنقول فيه: فهو ذو قيمة مالية، ويمكن ضبطه، وحيازته، ونقله من حيز إلى آخر. وإذا كان كذلك يكون نص المادة/ ٢١١/ عقوبات، متناولًا اختلاس الكهرباء ولا داعي لإخراجها منه (^١).\nوهكذا عرض الغموض عند التطبيق لنوعٍ من أنواع السرقة في النص حيث النيس أمر انطباق السرقة عليه - كما هو شأن الخفي - وأزالت محكمة النقض هذا الغموض.\n* * *\n_________\n(^١) راجع: \"المدخل للعلوم القانونية\" لأستاذنا الدكتور عبد المنعم البدراوي (ص ٢٢٧) هذا: ومن صور الخفاء أيضًا: ما ثار في موضوع التزوير من تساؤل بشأن الموظف الذي يغفل عمدًا إثبات ما كان يجب إثباته في المحضر، وهل ينطبق على عمله أنه طريق من طرق التزوير التي نصّ عليها الشارع ومنها جعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة؟ وقد لوحظ أن محكمة النقض المصرية اعتبرته كذلك وقررت أن الموظف في هذه الحالة مرتكب لجريمة التزوير التي يعاقب عليها القانون. وانظر: الدكتور البدراوي في \"المدخل\" (ص ٢٢٨).","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>المطلب الثاني المشكل</span>\nالمشكل: مأخوذ لغةً من قولهم: أشكل الأمر إذا دخل في أشكاله وأمثاله بحيث لا يعرف بدليل يتميز به، وذلك كقولهم: (أحرم) أي دخل في الحرم، و(أشتى) أي دخل في الشتاء (^١).\nقال أبو زيد الدبوسي في \"التقويم\": (وفوق الخفي المشكلُ: وهو الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعنى الذي وضعه له واضع اللغة، أو أراده المستعير، لدقة المعنى في نفسه لا بعارض حيلة) (^٢).\nوعرّفه السرخسي بأنه (اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله في إشكاله على وجه لا يعرف المراد إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال) (^٣).\nأما صاحب \"المرآة\" من المتأخرين فقد قال فيه: (أما المشكل: فما خفي مراده، بحيث لا يدرك إلا بالتأمُّل، إما لغموض في المعنى، أو لاستعارة بديعة) (^٤).\nوأنت ترى، أن تعريف صاحب المرأة، أقرب إلى تعريف الدبوسي منه إلى تعريف السرخسي، وإن كان المال واحدًا.\n_________\n(^١) وفي وصية علي ﵁ كما في \"النهاية\" لابن الأثير: (وأن لا يبيع من أولاد نخل هذه القرى ودية حتى يشكل أرضها غراسًا) أي حتى يكثر غراس النخل فيها، فيراها الناظر على غير الصفة التي عرفها به، فيشكل عليه أمرها. انظر \"النهاية\" لابن الأثير مع \"الدر النثير\" للسيوطي، (١/ ٢٣٣)، \"المصباح المنير\" (١/ ٤٣٨)، \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٥٢).\n(^٢) انظر: المخطوطة (ص ٢٠٦).\n(^٣) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٨).\n(^٤) انظر: \"المرآة\" (١/ ٤٠٨) مع \"حاشية الإزميري\".","vol":"1","page":211},{"text":"فالمراد من الدخول في الإشكال عند شمس الأئمة السرخسي، هو ما أُريد من كلام صاحب \"التقويم\".\nوالتعبير بالغموض في المعنى والاستعارة البديعة - كما جاء في كلام أبي زيد - أشار إليه فخر الإسلام البزدوي، حين قرر أن الخفاء في المشكل هو فوقه في الخفي، وبين أن مرد ذلك غموض في المعنى، واستعارة بديعة (^١). ثم تابع الدبوسيَّ والبزدويّ المتأخرون، كما رأينا عند صاحب \"المرأة\".\nوفي ضوء ما ذكر واستنادًا إلى ما قالوه في الفرق بين المشكل والخفي نستطيع أن نقرر: أن (المشكل اسم لما خفيَ المراد منه باللفظ نفسه، لدخوله في أشكاله، بحيث لا يدرك ذلك المراد، إلا بقرينة تميزه عن غيره، وذلك عن طريق البحث والتأمُّل بعد الطلب).\n\n<span data-type='title' id=toc-123>منشأ الإشكال:</span>\n١ - قد ينشأ الإشكال في المشكل من غموض في المعنى، بحيث يحتمل اللفظ في أصل وضعه المعانيَ المتعددة حقيقة، ويكون المراد منها واحدًا؛ لكنه قد دخل في إشكاله - وهي تلك المعاني المتعددة - فاختفى عن السامع وصار محتاجًا إلى الاجتهاد في تمييزه بدليل.\nوذلك كما في الألفاظ المشتركة؛ فإن اللفظ المشترك موضوع لغةً لأكثرَ من معنًى واحد، وليس في صيغته دلالة على معنى معين من المعاني التي وضع لها. وعلى ذلك فلا بد من الاجتهاد؛ وذلك بالتأمُّل بعد الطلب، لتمييز المعنى المراد عن غيره، بقرينة خارجية تعيّنه وتدل عليه.\n٢ - وقد يكون منشأ الإشكال: أن يُستعمل معنى مجازيٌّ للفظ من الألفاظ حتى يشتهر به، مع أنه موضوع في الأصل لمعنى آخر على سبيل الحقيقة.\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٥٢).","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>بين المشكل والخفي:</span>\nوالمشكل أشد إبهامًا من سابقه القسم الأول - وهو الخفي -، لذا كانت رتبته في أقسام المبهم تقابل (النص) الذي هو أعلى مرتبة من (الظاهر) في أقسام الواضح من الألفاظ.\nوإنما كان المشكل كذلك؛ لأن منشأ الغموض كائن فيه من اللفظ نفسه، بينما جاء الغموض والخفاء للخفي من عارض خارجي، والخفاء من ذات اللفظ، فوق الخفاء بعارض (^١).\nوبناء على هذا التفاوت، كان للاجتهاد في بيان المراد من المشكل شأن آخر، فهو أوسع دائرة من الاجتهاد المطلوب في بيان المراد من الخفي، ذلك أن المجتهد في الخفي يبحث في العارض الذي نشأ عنه الخفاء: هل هو زيادة في المعنى الذي دلّ عليه الظاهر، أم نقص فيه؟ فإلى أيهما أدّاه اجتهاده: رتّب الحكم عليه.\nأما في المشكل: فلا بد من التأمُّل في صيغة اللفظ، وفي أشكاله التي دخل فيها حتى كان ذلك سبب الغموض، وعندها قد يجد المجتهد دليلًا يعيّن المعنى المراد، وقد تكون المبالغة في التأمُّل طريقًا لهذا التعيين.\nوالحاجة إلى التأمُّل في الصيغة وفي الأشكال، هي التي دعت الجمهور إلى القول: بأن المشكل لا يكفي فيه مجرد الطلب، كما يكفي في الخفي، بل لا بد من التأمُّل بعد الطلب (^٢)؛ فهو نظير رجل اغترب عن وطنه، فاختلط بأمثاله، فإنه يُطلب أولًا أين هو؟ ثم يتأمل فيه ليتميز عن أمثاله.\nهذا: وإن الفرق في الخفاء بين المشكل والخفي، جعل المشكل يكاد\n_________\n(^١) راجع: \"تقويم الأدلة\" (ص ٢٦١)، \"التلويح على التوضيح\" (١/ ١٢٦).\n(^٢) قال البزدوي في معرض بيان أن المشكل أكثر غموضًا من الخفي (وهذا - يعني المشكل - فوق الأول - يعني الخفي - إذ لا ينال بالطلب، بل بالتأمُّل بعد الطلب ليتميز عن أشكاله) انظر: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":213},{"text":"يلتحق بالمجمل - الذي هو أشد الثلاثة خفاء - وكثير من العلماء لا يهتدون إلى الفرق بينهما.\nوقد أشار إلى ذلك أبو زيد في \"التقويم\" بعد أن عرّف المشكل وكشف عن مرتبته في الخفاء (^١).\nوفيما يلي بعض النماذج العملية التي تكشف عن طريقة العلماء في معالجة المشكل وما سلكوه في كيفية استنباط الحكم منه.\n١ - لقد اعتبر العلماء من (المشكل) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].\nفإن هذا النص ظاهر الدلالة في غسل ظاهر البدن، أما غسل الباطن فمتعذر: لذا سقط هذا الغسل بالإجماع.\nوقد وقع الإشكال في غسل الفم؛ فإن الفم باطن من وجه، حتى إن الصوم لا يفسد بابتلاع الريق، وظاهر من وجه، حتى إنه لا يفسد الصوم بدخول شيء فيه.\nوبالتأمُّل والاجتهاد رؤي اعتبار الوجهين.\nفألحق بالظاهر في الغسل من الجنابة؛ لأن التطهر من الجنابة جاء الأمر به في الآية بلفظ (فاطَّهروا) بالتشديد، الأمر الذي يدل على المبالغة والتكلف في التطهير، فيدخل لذلك غسل باطن الفم، إلحاقًا له بالظاهر.\nكما ألحق بالباطن في الوضوء؛ لأن الوضوء أكثر وقوعًا من الغسل، فكان مقتضى البعد عن الحرج: التخفيف وترك المبالغة، فلا تلزم المضمضة، وفي ذلك ما فيه من اليسر الذي هو سمة من سمات التكليف في شريعة الإسلام.\nوقد يرد على هذا التمثيل: أن المشكل ما كان في نفسه اشتباه، وهذا غير منطبق على ما ذُكِرَ؛ فإن التظهر معلوم لغة وشرعًا ولكنه اشتبه بالنسبة\n_________\n(^١) راجع: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ٢٦٤).","vol":"1","page":214},{"text":"إلى داخل الفم والأنف، كاشتباه لفظ السارق بالنسبة إلى الطرّار، والنباش، فيكون من قبيل (الخفي).\nويجاب عن ذلك: بأن من غير المسلّم به كونُ التطهر معلومًا شرعًا قبل الطلب والتأمُّل؛ وذلك أن معنى التطهر، غسل جميع ظاهر البدن، إلا أن فيه غموضًا لا يمكن زواله قبل الطلب والتأمُّل.\nوقد حدث ذلك الغموض من دخول باطن الفم والأنف في أشكاله، فكان لا بد من معرفة أن جميع ظاهر البدن هو البشرة، والشعر، مع داخل الفم والأنف أو بدونه، وذلك من نظائر المشكل، لا الخفي الذي ينال بمجرد الطلب (^١).\n٢ - ومن أمثلة المشكل (أنّى) في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (^٢).\nوبيان ذلك أن كلمة (أنّى) في كلام العرب تدل - إذا ابتدئ بها في الكلام - على المسألة عن الوجوه والمذاهب، فتقارب (أين) و(كيف) في المعنى.\nومن هنا نشأ الإبهام، حيث تداخلت معانيها ودخلت في أشكالها، الأمر الذي أوقع العلماء في التردد بين المعاني التي يمكن أن تؤول بها في هذه الآية، حتى تأوّلها بعضهم بمعنى (أين) وبعضهم بمعنى (كيف) وآخرون بمعنى (متى) إلى غير ذلك، مما قد يلتقي مع هذه المعاني أو يبتعد عنها.\nوبحسب تداخل المعاني في تعددها، وما ورد من الآثار، تعددت الأقوال واختلفت الاتجاهات.\nأ - فقال فريق: معنى (أنّى) في الآية: كيف. وفي ذلك عدد من الآثار: منها ما ورد عن ابن عباس من طريق سعيد بن جبير ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٥٣)، \"التوضيح مع التلويح\" (١/ ١٢٧)، \"المرأة\" (١/ ٤٠٩).\n(^٢) راجع: \"كشف الأسرار\" السابق (١/ ٥٣) فما بعدها.","vol":"1","page":215},{"text":"شِئْتُمْ﴾ قال: يأتيها كيف يشاء ما لم يكن يأتيها في دبرها، أو في الحيض. وروي مثل ذلك عن عكرمة ومجاهد وابن كعب وغيرهم.\nب - وذهب آخرون إلى تأويل (أنّى شئتم) بـ (متى شئتم). وقد روي ذلك عن الضحاك، ولعله مأخوذ مما أوضحه ابن عباس بقوله: (إذا اشتغل من هاهنا جئت من هاهنا، ولكن أنّى شئتم من الليل والنهار).\nج - وقال آخرون: معنى (أنى شئتم) أين شئتم وحيث شئتم. وقد روي ذلك عن ابن عمر ونافع وابن المسيب وآخرين. وفي هذا جواز إتيان المرأة في غير الموضع المعلوم.\nد - وذهب قوم إلى أن المعنى: ائتوا حرثكم كيف شئتم، إن شئتم فاعزلوا، وإن شتم فلا تعزلوا. وقد نسب ذلك إلى ابن عباس وإلى سعيد بن المسيب من التابعين (^١).\nوهكذا كان تداخل المعاني في كلمة (أنّى) أساسًا قام عليه الاختلاف في تأويل الآية، والحكم الذي دلّت عليه.\nوالذي عليه الجمهور من الصحابة والتابعين والعلماء من بعدهم، أن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ معناه: من أي وجه شئتم من وجوه المأتى (^٢).\nوبهذا يكون مدلول الآية، قصر الاتصال بالمرأة على الموضع الذي هو طريق النسل.\n_________\n(^١) راجع: لهذه الأقوال والآثار، وأقوال أخرى في المسألة \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٩٨ - ٤١٦). وانظر: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢١٢) فما بعدها.\nهذا: وقد تكفلت كتب التفسير، والحديث، والأحكام، ببيان هذه الأقوال وعلاقتها بما ورد من آثار في سبب نزول الآية.\n(^٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي جمع البيهقي (١/ ١٩٤)، \"الأم\" (٥/ ١٥٦)، \"مختصر المزني على هامش الأم\" (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، \"تفسير الطبري\" (١/ ٣٩٨ - ٤١٦)، \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٢/ ٢٣ - ٢٦)، \"سنن البيهقي\" (٧/ ١٩٤ - ١٩٩)، \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٧٤)، \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٩١ - ٩٤).","vol":"1","page":216},{"text":"ولقد دلّ على ذلك - إلى جانب الآثار - الطلب والتأمُّل، وذلك في أمرين نعرضهما فيما يلي:\n١ - أما الأمر الأول: فهو أن موضع الحرث هو موضع الولد، وذكر الحرث، يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرّم. والمأتى الحلال هو الذي دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nفقد روى البيهقي عن ابن عباس: (تأتيها كيف شئت مستقبلة ومستديرة، وعلى أي ذلك أردت، بعد أن لا تجاوز الفرج إلى غيره وهو قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (^١).\nوقال الإمام الشافعي: (وبيّنٌ أن موضع الحرث موضع الولد، وأن الله ﷿ أباح الإتيان فيه إلا في وقت الحيض. وإباحة الإتيان في موضع الحرث، يشبه أن يكون تحريم إتيان في غيره) (^٢).\nوقال أبو بكر الجصاص: (الحرث: المُزدَرَع، وجُعل في هذا الموضع كتابةً عن الجماع، وسمي النساء حرثًا لأنهن مزدرع الأولاد) (^٣).\nوقال إلكيا الهراسي الطبري: (وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ مع قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ما يدل على أن في المأتى اختصاصًا، وأنه مقصور على موضع الولد) (^٤).\n٢ - أما الأمر الثاني: فهو أن تحريم الاتصال بالزوجة في زمان الحيض بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] يدل بالأولى على تحريم الاتصال بها في الموضع الآخر، لأن الأذى - من نجاسة وقذر في الحالة الأولى - عارض، وفي الثانية دائم ولازم.\n_________\n(^١) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١٩٦).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" للإمام الشافعي (١/ ١٩٤). وراجع: \"الأم\" (٥/ ١٥٦)، و\"مختصر المزني\" على هامش \"الأم\" (٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(^٣) راجع: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٤١٥).\n(^٤) \"أحكام القرآن\" للكيا الهرَّاسي الطبري، مخطوطة دار الكتب المصرية، وانظر: \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٩٣).","vol":"1","page":217},{"text":"قال ابن العربي: (سألت الإمام القاضي الطوسي عن المسألة فقال: لا يجوز وطء المرأة في دبرها بحال؛ لأن الله تعالى حرّم الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة، فأوْلى أن يحرم الدبر بالنجاسة اللازمة) (^١).\nإذا تقرر ذلك: كان مدلول (أنّى) تعميمَ الأحوال، دون المحالِّ ويكون المراد من الآية، إباحة الإتيان من حيث شاء المكلف من وجوه المأتى، لا تعميم المحال بحيث يباح غير موضع الحرث.\nقال أبو جعفر الطبري بعد أن أورد الآثار وجنح إلى التحريم: (وإذا كان ذلك هو الصحيح فبيّنٌ خطأ قول من زعم أن قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ دليل على إباحة إتيان النساء في الأدبار؛ لأن الدبر لا محترث فيه، وإنما قال تعالى ذكره: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فأتوا الحرث من أي وجوهه شئتم، وأي محترث في الدبر فيقال: ائته من وجهه؟).\nوهكذا يستبين البُعد عن الصواب، في طريق من جنح إلى القول بإباحة إتيان النساء في الموضع الذي لا محترث فيه؛ لأنه لا محترث في الدبر حتى يكون الإتيان فيه مباحًا، كما تتبين صحة ما ورد من الآثار الصحيحة في سبب نزول الآية، وعلاقته بما كانت تقوله اليهود حول هذا الأمر: فقد روى البخاري ومسلم عن جابر: \"كانت اليهود يقولون: إذا جامع الرجل أهله من ورائها جاء الولد أحول\" فنزلت - فذكر الآية - وفي رواية لمسلم: \"كانت اليهود تقول: مَن أتى امرأته في قبُلها من دُبرها كان الولد أحول\" فنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٢) [البقرة: ٢٢٣].\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" (١/ ١٧٤). وابن العربي هو القاضي محمد بن عبد الله الإشبيلي المالكي أبو بكر، من حفّاظ الحديث، وممن بلغوا رتبة الاجتهاد، على براعة في التفسير واللغة والأدب. نُقل عن ابن بشكوال قوله فيه: ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفّاظها. من كتبه: \"أحكام القرآن\"، \"عارضة الأحوذي في شرح الترمذي\"، \"القبس في شرح الموطأ\"، \"الإنصاف في مسائل الخلاف\"، \"المحصول\" في أصول الفقه، \"العواصم من القواصم\". توفي سنة ٥٤٣ هـ.\n(^٢) راجع: \"تفسير الطبري\" (٤/ ٤١٦)، \"سنن البيهقي\" (٧/ ١٩٤ - ١٩٥). وراجع: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٤١٥ - ٤١٧)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" =","vol":"1","page":218},{"text":"٣ - ومما اعتبر من المشكل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ من الآية الواردة في شأن المطلَّقات قبل الدخول، ذوات المهر المسمى: وهي قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة].\nذلك أن المراد من ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يحتمل أن يكون الزوج، ويحتمل أن يكون الولي، ولذا كان لا بد من التأمُّل والاجتهاد للخروج من الإشكال.\nأ - فإذا كان المراد به الزوج: كان تأويل الآية، أن المرأة إذا فرض لها مهر، ثم طلقت قبل الدخول، وجب لها نصف المهر المفروض، إلا أن تعفو عن حقها وتترك ذلك النصف للزوج فلا تأخذ شيئًا، أو أن يعفو الزوج عن حقه - وهو نصف المهر - فيكون المهر كله للمرأة. وهكذا يتنصف المهر بالطلاق بينهما؛ فإن عفت المرأة عن النصف الذي لها وتركت للرجل جميع الصداق جاز، وإن عفا الرجل لها عن النصف الذي له، أكمل لها الصداق جميعه.\nعلى أن العفو مشروط عند العلماء: بأن يكون العافي منهما: رشيدًا جائزًا تصرفه في ماله، فإن كان صغيرًا، أو سفيهًا لم يصحّ عفوه؛ لأنه ليس له التصرف في ماله بهبة، ولا إسقاط.\nب - وإذا كان المراد به الوليّ: كان تأويل الآية، أن المرأة إذا فرض لها مهر، وطلقت قبل الدخول وجب لها نصف المهر، إلا إذا عفت عن ذلك النصف للرجل المطلَّق إن كانت أهلًا للتصرف - بأن لم تكن صغيرة أو محجورًا عليها - أو أسقطه وليها، إن لم تكن أهلًا للتصرف.\n_________\n= (٦/ ٢١٢ - ٢١٧). هذا: وإذا كنا قد عرضنا للمسألة من جانب التمثيل للمشكل بـ (أنّى) فإننا نترك التفصيل لمظانه؛ فهناك إلى جانب الآثار وتحرير الأقوال، الدفاع عن بعض مَن نُسب إليه القول بإباحة الإتيان في غير موضع الحرث، ثم ثبت عنه غير ذلك، وقد أشرنا إلى تلك المظان.","vol":"1","page":219},{"text":"والقول بأن الزوج هو المقصود من (الذي بيده عقدة النكاح) هو المروي عن علي، وابن عباس، وجبير بن مطعم الذي روى عنه الدارقطني أنه تزوج بامرأة من بني نصر، فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها بالصداق كاملًا، وقال: (أنا أحق بالعفو منها. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وأنا أحق بالعفو منها) (^١).\nوبه قال سعيد بن المسيب، وشريح (^٢)، وسعيد بن جبير، ونافع بن جبير، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن كعب، وطاوس، ومجاهد، وإياس بن معاوية، وجابر بن يزيد، وابن سيرين، والشعبي، والثوري، وإسحاق (^٣).\nأما القول بأن المقصود هو الولي: فقد روي عن ابن عباس أيضًا قال الدارقطني: هو قول إبراهيم، وعلقمة، والحسن. زاد غيره: عكرمة، وطاوس، وعطاء، وأبا الزناد، وزيد بن أسلم، وربيعة، وأبا الشعثاء، وابن شهاب، والأسود بن يزيد (^٤).\nأما الأئمة الأربعة فكانوا بعد النظر والتأمُّل فريقين:\n١ - فإلى القول الأول - وهو اعتبار أن (الذي بيده عقدة النكاح) هو الزوج - جنح أبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد في ظاهر المذهب (^٥).\n_________\n(^١) راجع: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(^٢) روى البيهقي عن شريح قولًا أجاز فيه عفو الأخ عن صداق أخته المطلقة قبل الدخول، فقال الشعبي حين بلغه ذلك: (والله ما قضى شريح قضاءً كان أحمق منه حين ترك قوله الأول وأخذ بهذا) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٥١).\n(^٣) راجع: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٥١ - ٢٥٢)، \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٧٢٩)، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ٢٠٦).\n(^٤) راجع: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٥٢)، \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٧٢٩ - ٧٣٠)، \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(^٥) راجع: \"الأم\" للشافعي (٥/ ٦٦، ١٥١)، \"أحكام القرآن\" للشافعي جمع أبي بكر البيهقي (١/ ٢٠٠)، \"مختصر المزني\" هامش جزء ٧ من \"الأم\" (٤/ ٣٤)، \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٥٢١ - ٥٢٣)، \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٧٢٩ - ٧٣٠).","vol":"1","page":220},{"text":"ب - وإلى القول الثاني - وهو اعتبار أن (الذي بيده عقدة النكاح) هو الولي - جنح مالك فيما رواه عنه ابن وهب، وأشهب، وابن عبد الحكم، وابن القاسم، ورواه البيهقي عن الشافعي في القديم وقال: (ثم رجع - يعني الشافعي - في الجديد إلى القول الأول، وهو القول الأصح والله أعلم بالصواب) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-125>الاحتجاج للقول الأول:</span>\nوكان من الحجج المؤيدة للقول الأول: أن حق العفو؛ من هبة، أو إسقاط، إنما هو لمن يملك، والولي لا يملك.\nوإذا كان الله ﵎ قد أمر بعدم نسيان الفضل: فأي فضل في أن يتصرف الإنسان بمال غيره، ولا شك أن ذلك ليس أقرب للتقوى، وإنما الأقرب للتقوى أن يعفو في حدود ملكه، فيتنازلَ حيث أمر الله بالتنازل، وذلك كله ينطبق على الزوج ولا ينطبق على الولي.\nوالإجماع منعقد على أن الولي، لا يملك أن يهب شيئًا من مال موليته، والمهرُ مالُها.\nوكذلك أجمع العلماء على أن الولي، لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق: لم يجز، فكذلك بعده.\nواحتج بعضهم بما روى الدارقطني من حديث قتيبة بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"ولي عقدة النكاح الزوج\" (^٢).\nوبيان ما أجملناه فيما يلي:\nلقد كانت عمدة الاحتجاج عند الشافعي ﵁، أن العفو إنما يكون لمن\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٥٢). وراجع: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥).\n(^٢) الدارقطني (٣٧١٨) وذكره ابن قدامة في \"المغني\" (٦/ ٧٢٩) كما ذكره البيهقي من رواية ابن لهيعة وقال: هذا غير محفوظ، وابن لهيعة غير محتَج به، والله أعلم \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٥١).","vol":"1","page":221},{"text":"له ما يعفوه، فقد قال عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: (وبيّنٌ عندي في الآية أن الذي بيده عقدة النكاح: الزوج، وذلك أنه إنما يعفو من له ما يعفوه، فلما ذكر الله جلّ وعز عفوها عما ملكت من نصف المهر، أشبه أن يكون ذكر عفوه لماله من جنس نصف المهر والله أعلم) (^١).\nأما أبو بكر الجصاص: فلم يعرض أيضًا لحديث عمرو بن شعيب، ولكنه أفاض في الاستدلال بشكل آخر، وأعتبر النزوع إلى القول الأول هو الموافق للأصول؛ فقد قرر أن اللفظ إذا احتمل المعاني، وجب حمله على الأصول، ولا خلاف أنه غير جائز للأب هبة شيء من مال المرأة للزوج، ولا لغيره. فكذلك المهر، لأنه مالها؛ فالقول بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، مخالف للأصول خارج عنها.\nويرى الجصاص أن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ لا يجوز أن يتناول الولي بحال، لا حقيقة ولا مجازًا؛ لأن قوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يقتضي أن تكون العقدة موجودة وهي في يد من هي في يده؛ فأما عقدة غير موجودة، فغير جائز إطلاق اللفظ عليها بأنها في يد أحد، فلما لم تكن هناك عقدة موجودة في يد الولي قبل العقد ولا بعده، وقد كانت العقدة في يد الزوج قبل الطلاق، فقد تناوله اللفظ بحال، فوجب أن يكون حمله على الزوج أوْلى منه على الولي.\nولقد قوى هذه الأولوية عند أبي بكر قوله تعالى في نسق التلاوة: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ونَدْبه إلى الفضل في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وليس في هبة مال الغير إفضال منه على غيره، والمرأة لم يكن منها إفضال. وفي تجويز عفو الولي، إسقاط معنى الفضل المذكور في الآية.\nولا شك أن الزوج مندوب إلى ما دعت إليه الآية من هذا الخير، وعفوه وتكميل المهر للمرأة جائز منه، فوجب أن يكون مرادًا بها.\n_________\n(^١) راجع: \"الأم\" (٥/ ٦٦، ١٥١)، \"أحكام القرآن\" للشافعي (١/ ٢٠٠)، \"مختصر المزني\" بهامش \"الأم\" (٤/ ٣٤).","vol":"1","page":222},{"text":"ويرى الجصاص أن قيام الدليل على أن المراد بالآية الزوج، هو الحكَم فيما ورد عن السلف من قول بأنه الزوج، وقول بأنه الولي. ومما قاله في ذلك: (وإذا كان الزوج مرادًا انتفى أن يكون الولي مرادًا بها، لأن السلف تأوّلوه على أحد معنيين: إما الزوج وإما الولي، وإذ قد دللنا على أن الزوج مراد، وجب أن تمتنع إرادة الولي) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>موقف ابن قدامة:</span>\nأما ابن قدامة المقدسي: فقد احتجّ لظاهر مذهب أحمد بحديث الدارقطني، ثم قرر أن الزوج، هو الذي يملك قطع النكاح، وفسخه وإمساكه؛ فهو الذي بيده عقدة النكاح. وإذا كان الولي لا يملك هبة، أو إسقاط مهر المرأة - الذي هو مالها كغيره من أموالها وحقوقها - كسائر الأولياء، فالعفو في الآية: هو عفو الزوج عن حقه (^٢).\nوعلى ما يمكن أن يعترض على اعتبار الذي بيده العقدة هو الزوج، من أن فيه عدولًا عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب، أجاب ابن قدامة بأن هذا العدول غير ممتنع كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤].\nهذا: وقد ذكرنا من قبل، أن هذا الذي احتج له ابن قدامة هو ظاهر مذهب أحمد في رواية الجماعة.\nوقد روى عنه ابن منصور: إذا طلق امرأته - وهي بكر - قبل أن يدخل بها فعفا أبوها أو زوجها، ما أرى عفو الأب إلا جائزًا.\nغير إن أبا حفص اعتبر ما نقله ابن منصور، قولًا لأبي عبد الله قديمًا. وظاهر هذا القول أن المسألة رواية واحدة، وأن الإمام أحمد قد رجع عن\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٥٢١ - ٥٢٣).\n(^٢) \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٧٣٠).","vol":"1","page":223},{"text":"قوله بجواز عفو الأب، وذكر العلماء أنه هو الصحيح؛ لأن مذهبه أنه لا يجوز للأب إسقاط ديون ولده الصغير، إلا بما فيه مصلحته، ولا حظَّ للمرأة في هذا الإسقاط، فلا يصح.\nأما القول برواية ابن منصور: فقد قرر ابن قدامة، أنه لا يصح إلا بخمسة شروط:\nالأول: أن يكون أبًا؛ لأنه الذي يلي مالها ولا يتَّهم عليها.\nالثاني: أن تكون صغيرة ليكون وليًا على مالها، فإن الكبيرة تلي مال نفسها.\nالثالث: أن تكون بكرًا لتكون غير مبتذلة، ولأنه لا يملك تزويج الثيب وإن كانت صغيرة، ولا تكون ولايته عليها تامة.\nالرابع: أن تكون مطلقة، لأنها قبل الطلاق معرضة لإتلاف البضع.\nالخامس: أن تكون قبل الدخول، لأن ما بعده قد أتلف البضع، فلا يعفو عن بدل متلف (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>الاحتجاج للقول الثاني:</span>\nلقد كان من أهم ما احتج به للقول الثاني الذي يعتبر الذي بيده العقدة هو الولي: أن صيغة الخطاب في الآية وسياق الكلام، يدلان على أن هنالك أصنافًا ثلاثة من الأشخاص تعنيهم الآية:\nفقد ذكر الله الأزواج في صدر الآية، وخاطبهم، ثم ذكر النساء بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلم يبقَ إلا الولي.\nولو أراد الزوج لقال: (أو تعفوا) بصيغة خطاب الحاضر، ولا موجب للعدول عنه. ثم إن الزوجات على قسمين: من تستطيع العفو - وقد ذكرت -\n_________\n(^١) راجع: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٧٣١).","vol":"1","page":224},{"text":"ومن لا تستطيعه لصغر أو حجر عليها، فيقوم مقامها الولي.\nذكر أبو بكر بن العربي في \"أحكام القرآن\" (أن الله تعالى قال في أول الآية: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ … إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فذكر النسوان … ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فهذا ثالث، فلا يُرَدُّ إلى الزوج المتقدم إلا لو لم يكن لغيره وجود، وقد وجد - وهو الولي - فلا يجوز بعد هذا إسقاط فائدة التقدير، بجعل الثلاثة اثنين من غير ضرورة).\nوقال أبو بكر: (واعتبار الذي بيده عقدة النكاح هو الولي: أنظم في الكلام وأقرب إلى المرام، فالله تعالى حين ذكر النسوان قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ومعلوم أنه ليس كل امرأة تعفو، فإن الصغيرة أو العجوز لا عفو لها، فبيّن الله تعالى القسمين وقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ إن كنّ لذلك أهلًا، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، لأن الأمر فيه إليه) (^١). وقد تابع ابنَ العربي في ذلك القرطبي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-128>ما نرجحه في المسألة:</span>\nوالراجح عندنا ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، من اعتبار الزوج هو (الذي بيده عقدة النكاح).\nوفي الحجج التي أوردت مقنَع وأيُّ مقنع؛ فالحق أننا لا نتصور العفو إلا ممن له حق يتنازل عنه لغيره، والفضل الذي جاء النهي عن نسيانه، إنما يكون لمن يملكون أن يتفضلوا، والعقدة هي للذي بيده قطع النكاح وفسخه وإمساكه - كما قال ابن قدامة -.\nوما أحسب أن في كلام ابن العربي ﵀ ما يقوى على النهوض في وجه ما ذكره الشافعي، وما أفاض به أبو بكر الجصاص، وقد رأينا ابن\n_________\n(^١) راجع: \"أحكام القرآن\" (١/ ٢٢١).\n(^٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/ ٢٠٧).","vol":"1","page":225},{"text":"قدامة يدفع ضرورة أن يكون المراد الولي - لئلا يعود الكلام إلى الزوج بعد ذكره في صدر الآية وذكر النساء فيما بعد - بأن العدول عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب غير ممتنع.\nولقد حمّل ابن العربي الكلام أكثر مما يحمل، حين أصرّ على تأويل (يعفون) بقيد (إن كن أهلًا لذلك)؛ ليكون الولي هو المراد بما بعد (يعفون) حيث يقوم مقام من لا تملك العفو من النساء.\nوأوْلى بنا أن نعتبر الزوج هو المراد من الذي بيده العقدة، من أن نحمِّل الكلام قيدًا، قد يكون في بعض الحالات من المسلّمات، فالتي لا تملك أن تعفو، لا تكون ممن وجه إليها الخطاب، ويكون تصرف الولي أمرًا طبيعيًا.\nفإن كانت المرأة أهلًا للعفو بنفسها أو بوليها: عفت ولم تأخذ شيئًا من المهر. وإن عفا الزوج، كان للمرأة المهر كاملًا.\nولا شك في أن الجنوح إلى القول الأول، أسلم من جهة أن جواز ذلك معلوم من ضرورة الشرع، بينما نرى في الجنوح إلى القول الثاني زيادة في الشرع، تحتاج إلى دليل. وما اعتبره أنصار هذا القول دليلًا لما جنحوا إليه، لم نجد فيه مقنعًا.\nوبعد ذلك كله، يلاحظ أن الخطاب في الآية هو للأزواج، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فإذا لم يعتبر أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح، كان في ذلك تفكيك للنظم القرآني (^١).\nهذا: وقد اعتبر ابن رشد (^٢) أنّ من الزيادة على الشرع القول بأن\n_________\n(^١) انظر: \"أصول الفقه\" للأستاذ الشيخ زكريا البرديسي (ص ٣٩٢).\n(^٢) هو محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي، أبو الوليد، الفيلسوف من أهل قرطبة، يلقب بـ (ابن رشد الحفيد) تمييزًا له عن جده أبي الوليد محمد بن أحمد المتوفى سنة ٥٢٠ هـ، صنّف ابن رشد نحو خمسين كتابًا منها: \"فلسفة ابن رشد\"، \"التحصيل\" في اختلاف مذاهب العلماء، \"منهاج الأدلة\" في الأصول، \"تهافت التهافت\" في الرد على الغزالي، \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" في الفقه، \"الكليات\" في الطب. وقد ترجم إلى اللاتينية والإسبانية والعبرية، توفي سنة ٥٩٥ هـ.","vol":"1","page":226},{"text":"المقصود في الآية هو الولي، كما أن من العسير على القائل بذلك: أن يأتي بدليل يبين أن الآية هي في الولي أظهر منها في الزوج، قال ﵀: (ويشبه أن يكون هذان الاحتمان اللذان في الآية - يعني الزوج والولي - على السواء، لكن من جعله الزوج، لم يوجب حكمًا زائدًا في الآية: أي شرعًا زائدًا، لأن جواز ذلك معلوم من ضرورة الشرع، ومن جعله الولي: إما الأب وإما غيره، فقد زاد شرعًا؛ فلذلك يجب عليه أن يأتي بدليل يبين أن الآية أظهر في الولي منها في الزوج، وذلك شيء يعسر) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-129>حكم المشكل:</span>\nوهكذا يتبين مما تقدم في الأمثلة التي ذكرنا، أن حكم المشكل النظرُ أولًا في المعاني التي يحتملها اللفظ، وضبطُها، ثم الاجتهاد في البحث عن القرائن التي يمكن بواسطتها معرفة المعنى المراد من بين تلك المعاني المحتملة.\nوبذلك يُحتاج في الوصول إلى المعنى الذي يدل عليه اللفظ في المشكل، من الاجتهاد، ما لا يحتاج في الخفي، إذ إن المشكل - كما ذكرنا من قبل - أدْخَلُ في عدم الوضوح من الخفي، وقد كنا أسلفنا أن المشكل لا يكتفى في إزالة غموضه بالطلب، بل لا بد بعد هذا الطلب من البحث والتأمُّل.\n\n<span data-type='title' id=toc-130>من المشكل في نصوص القانون:</span>\nأ - من أمثلة المشكل في القانون لفظ (الليل) الذي جعل في قانون العقوبات المصري ظرفًا مشددًا لعقوبة السرقة، ولم يرد في نصوص الشارع تحديد للمعنى المراد من هذا اللفظ، فقد يراد به الليل بمعناه الفلكي: أي المدَّة المحصورة بين غروب الشمس وشروقها، وقد يراد به أيضًا المدَّة التي يخيم فيها الظلام بالفعل.\n_________\n(^١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥).","vol":"1","page":227},{"text":"وقد أخذ القضاء المصري بهذا المعنى الثاني، معلَّلًا ما جنح إليه، بأن الحِقبة التي يسود فيها الظلام فعلًا هي الحِقبة التي تتوافر فيها حكمة التشديد الذي أراده الشارع، نظرًا لما للظلام من رهبة في النفس، وما يهيئه من فرصة مواتية للجاني تسهل له ارتكاب جريمته.\nغير أن محكمة النقض، عادت فأخذت بالمعنى الأول للّيل، فقررت أن مقصود الشارع هو الليل الفلكي، وهو تلك الحِقبة الزمنية المحصورة بين غروب الشمس وشروقها (^١).\nب - ومن أمثلة المشكل أيضًا لفظ (الجدك) الذي ورد في المادة/ ٣٦٧/ من القانون المدني المصري القديم التي كانت تنص على أن للمحكمة أن تقضي ببقاء الإيجار لصالح المشتري (الجدك) رغم وجود المنع من التأجير من الباطن في عقد الإيجار.\nوإذا عدنا إلى معنى (الجدك)، رأيناه مأخوذًا من الفارسية ومعناه الرفوف المركبة في المحل التجاري، وقد جاء الإشكال من احتمال أن يكون المراد بالنص، مجرد بيع الأرفف، وأن يكون المراد بيع المحل التجاري. وقد انتهت المحاكم المصرية إلى الأخذ بالمعنى الثاني، فقررت أنه لا يجوز استمرار الإيجار لصالح المشتري، إلا إذا كان اشترى المحل التجاري، ولم يقتصر على شراء الأرفف. وقد ساعد القضاءَ على ذلك: أن المعنى هو الذي يتمشى مع العلة مع استمرار الإيجار لصالح المشتري كما نصّ القانون (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المجموعة الرسمية للنقض ١١، ٢٢ يناير ١٩١٠ رقم ١٢ المجموعة ١٧، ٢٦ يونيه ١٩١٥ رقم ٣٥. وانظر: \"المدخل للعلوم القانونية\" للأستاذ الدكتور عبد المنعم البدراوي (ص ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٢) راجع: \"أصول الفقه\" للشيخ عبد الوهاب خلاف. للدراسات العليا (الحلقة الأولى ص ١٧٨)، الدكتور البدراوي في \"المدخل للعلوم القانونية\" (ص ٢٢٩).","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>المطلب الثالث المجمل</span>\nالمجمَل لغة: المبهم والمجموع، مأخوذ من الإجمال وهو الإبهام، وعدم التفصيل، قالوا: أجمل الأمر: أبهمه، والشيءَ: جمعه عن تفرقة، والحسابَ: رده إلى الجملة، والجملة: جماعة كل شيء بكماله، ويقال: أجملت له الحساب والكلام (^١).\nأما المجمَل في الاصطلاحٍ: فقد عرّفه صاحب \"تقويم الأدلة\" بأنه (الذي لا يعقل معناه أصلًا لتوحُّش في اللغة وضعًا، أو المعنى استعارة) (^٢).\nوقال فخر الإسلام البزدوي في \"أصوله\": (هو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد منه اشتباهًا لا يدرك بنفس العبارة، بل بالرجوع إلى الاستفسار ثم الطلب، ثم التأمُّل) (^٣).\nوعرّفه شمس الأئمة السرخسي بأنه (لفظ لا يفهم المراد منه إلا باستفسار من المجمِل وبيانٍ من جهته، وذلك إما لتوحش في معنى الاستعارة، أو في صيغة عربية، مما يسميه أهل الأدب لغة غريبة) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>رأينا في هذه التعريفات:</span>\nوفي رأينا أن تعريف البزدوي يفضل تعريف صاحب \"التقويم\"، وذلك بما أبان من أن المعنى في المجمَل، إنما يدرك بالاستفسار من المجمِل، ثم الطلب، ثم التأمل، وإن كان لم يوضح أن الطلب والتأمل، إنما يحتاج\n_________\n(^١) انظر: المادة في \"لسان العرب\"، و\"القاموس المحيط\".\n(^٢) (ص ١٠٦) مخطوط دار الكتب المصرية.\n(^٣) \"أصول البزدوي\" وشرحه \"كشف الأسرار\" (١/ ٥٤) وبمثل تعريف البزدوي عرّفه النسفي صاحب \"المنار\". انظر: \"المنار\" وشروحه (١/ ٣٦٥).\n(^٤) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":229},{"text":"إليهما إذا لم يكن البيان شافيًا. أما صاحب \"التقويم\": فقد اقتصر على عدم عقل المعنى.\nغير أن تعريف الدبوسي يفضل تعريف البزدوي من حيث إنه أبان السبب في الغموض والخفاء، حين ذكر أنه توحش في اللغة وضعًا، أو المعنى استعارة، بينما اقتصر البزدوي على ازدحام المعاني، واشتباه المراد.\nعلى أنا حين نأخذ التعريفين جملة، ترى تعريف البزدوي أوضح في الدلالة على ما يريده علماء الأصول من المجمل.\nأما السرخسي: فقد جاء - فيما نرى - بمحتوى التعريفين السابقين وسلِم تعريفُه مما قد يبدو في كل واحد منهما، من عدم الإحاطة، أو إغفال ما يجب أن يشمله التعريف.\n\n<span data-type='title' id=toc-133>التعريف الذي نراه:</span>\nوفي ضوء التعريفات السابقة، وما ذكره العلماء من موارد للمجمل جعلته بسببها عدة أنواع، والأمثلة التي استخدموها لإيضاح ما يريدون: نختار أن نعرِّف المجمَل بأنه: (اللفظ الذي خفي من ذاته خفاء جعل المراد منه لا يدرك إلا ببيان من المجمل، سواء أكان ذلك الخفاء لانتقال اللفظ من معناه الظاهر في اللغة إلى معنى مخصوص أراده الشارع، أم كان لتزاحم المعاني المتساوية، أم كان لغرابة اللفظ نفسه).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>بين المجمَل والمشكل:</span>\nوالمجمَل أشد خِفاء من المشكل:\nذلك أن البيان في المجمَل، لا يكون إلا من قِبَلِ المجمل نفسه، بينما يمكن في المشكل، أن يكون بالبحث والتأمل بعد الطلب.\nلذلك كان المجمَل في أقسام غير واضح الدلالة، مقابلًا للمفسّر في أقسام الواضح.","vol":"1","page":230},{"text":"وهذا واقع، مع أن المجمَل والمشكل يشتركان في أن الغموض فيهما ذاتي، وليس بعارض كما في الخفي.\nوشمس الأئمة السرخسي بعد أن أورد تعريف المجمَل قال: (وتبيّن أن المجمَل فوق المشكل، فإن المراد في المشكل قائم، والحاجة إلى تمييزه من أشكاله. والمراد في المجمَل غير قائم، ولكن فيه توهم معرفة المراد بالبيان، والتفسير، وذلك البيان دليل آخر، غير متصل بهذه الصيغة، إلا أن يكون لفظ المجمَل فيه غلبة الاستعمال لمعنًى، فحينئذ يوقف على المراد بذلك الطريق) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-135>أنواع المجمَل:</span>\nلقد كان من نتيجة استقراء العلماء لموارد المجمَل، أن ردوها - كما أشرنا في التعريف - إلى أسباب ثلاثة:\nالأول: نقل اللفظ من معناه الظاهر في اللغة، إلى معنًى شرعي جديد.\nالثاني: تزاحم المعاني، وانسداد باب ترجيح واحد منها على غيره.\nالثالث: غرابة اللفظ (^٢).\nوتبعًا لهذه الأسباب في موارد الإجمال، كان المجمَل على ثلاثة أنواع.\nوفيما يلي بيان ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-136>أولًا - النوع الأول:</span>\nفالنوع الأول هو: ما كان إجماله بسبب نقل اللفظ من معناه اللغوي\n_________\n(^١) انظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٨)، وراجع: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ٢٠٦).\n(^٢) راجع لذلك على سبيل المثال: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي، \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٨)، \"أصول البزدوي\"، و\"كشف الأسرار\" (١/ ٤٣ - ٥٤ - ٥٥)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٢٧)، \"التقرير والتحبير\" مع \"التحرير\" (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":231},{"text":"الظاهر، إلى معنًى خاص غيرِ معلوم أراده الشارع من جديد. وهذا في نظرنا أغزر أنواع المجمل وجودًا؛ فكثير من المسميات أعطاها الشارع بعد الإسلام معنًى جديدًا وفقَ منهج الشريعة الجديدة؛ وذلك كالصلاة، والزكاة، وغيرهما من الألفاظ التي لها في العربية قبل الوضع الشرعي مدلول معين، وجاء الإسلام فأعطاها مدلولًا جديدًا خاصًّا، كساها نوعًا من الإجمال، ما كان من الممكن بيانه وتفصيله بالبحث أو الاجتهاد، وإنما تكفلت ببيانه السنّة القولية أو الفعلية (^١) ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل].\nوبيان ما أردناء من مثالَيْ الصلاة والزكاة فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-137>الصلاة:</span>\nالصلاة في اللغة - على ما يقوله جماهير أهل اللغة والفقه - الدعاء (^٢). وجاء الإسلام فأطلقها على العبادة المخصوصة، وإن كانت الصلة لم تنقطع بين المعنى اللغوي - وهو الدعاء - وبين المعنى الجديد.\nقال ابن الأثير عند ذكر الصلاة: (وهي العبادة المخصوصة، وأصلها في\n_________\n(^١) راجع: \"الرسالة\" للإمام الشافعي بتحقيق وتعليق الشيخ أحمد محمد شاكر (ص ١٧٦ - ٢١٠).\n(^٢) قال الأعشى:\nوصهباء طاف يهوديها … وأبرزها وعليها ختم\nوقابلها الريح في دنها … وصلّى على دنها وارتسم\nقال: دعا لها أن لا تحمض ولا تفسد.\nوقال الأعشى أيضًا:\nعليك مثل الذي صليت فاغتمضي … نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا\nقال ابن منظور: (معناه أنه يأمرها بأن تدعو له مثل دعائها، أي تعيد الدعاء له، ويروى: عليك مثلُ الذي صلّيت، برفع مثل، فهو رد عليها: أي عليك مثل دعائك، أي ينالك من الخير مثل الذي أردت لي ودعوت به لي) \"لسان العرب\" المادة.","vol":"1","page":232},{"text":"اللغة الدعاء فسميت ببعض أجزائها) (^١). وذلك ما ذكره الإمام النووي وغيره، فقد جاء في \"تهذيب الأسماء واللغات\": (وسميت الصلاة الشرعية صلاة لاشتمالها عليه - يعني الدعاء -) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>بيان السنّة للإجمال في الصلاة:</span>\nوهكذا جاء الإجمال من إعطاء لفظ الصلاة معنى شرعيًا، جديدًا، خاصًّا - وهو تلك العبادة المعروفة - بينما رأينا أن أصل معناه في اللغة الدعاء.\nغير أن القرآن الذي اهتمّ بهذه الفريضة اهتمامًا بالغًا، وأتى على ذكرها في كثير من المواطن: كقول الله ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾\n_________\n(^١) النهاية في \"غريب الحديث\" (١/ ٢٧٣) ومما قاله ابن الأثير هناك: وقيل: إن أصلها في اللغة التعظيم، وسميت العبادة صلاة لما فيها من تعظيم الرب تعالى.\n(^٢) انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" للإمام النووي (١/ ١٧٩) هذا: ولقد كان طبيعيًا أن يبحث العلماء في اشتقاق الصلاة؛ فقال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صلّى واصطلى إذا لزم، ومن ذلك: يصلى في النار أي يلزم النار، وقال أهل اللغة أيضًا: إنها من الصلوين وهما عرقان من جانبَيْ الذنب من الناقة وغيرها، وعظمان في الإنسان ينحنيان في الركوع والسجود، إذ إنهما أول موصل الفخذين، فكأنهما في الحقيقة مكتنفا العصعص.\nوإلى القول الأول - وهو الاشتقاق من اللزوم - مال الإمام الأزهري فقال: والقول عندي هو الأول، إنما الصلاة لزوم ما فرض الله تعالى، والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه \"اللسان\".\nأما الإمام النووي: فقد جنح إلى القول الثاني، واعتبره الأشهر والأظهر عند العلماء، وذلك قوله: (واختلف العلماء في اشتقاق الصلاة والأشهر الأظهر أنها في الصلوين … قالوا: ولهذا كتبت الصلاة في المصحف بالواو). انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٧٩)، \"شرح النووي\" لمسلم (٤/ ٧٥) هذا: ومن الغريب ما ذكر بعضهم أن هذه الكلمة معربة عن صلوتا التي هي باللسان العبري موضع الصلاة، وأنها استعملت في القرآن بهذا المعنى في قوله تعالى من سورة الحج، الآية ٤٠: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فيكون العرب أخذوا هذه الكلمة واستعملوها في معنى الدعاء والاستغفار على طريقة المجاز. انظر: \"تاريخ التشريع\" للخضري (ص ٤٢).","vol":"1","page":233},{"text":"[النساء]. لم يبين تفاصيلها وجزئياتها، من عدد ما فرض من الصلوات ومواقيتها، وعدد ركعاتها، وواجباتها، وسننها، ومفسداتها، وما إلى ذلك، وإنما ذكر أوقاتها إجمالًا.\nومن الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم] ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء] ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nوأشار القرآن إلى كيفية الصلاة إجمالًا، فجاء في ذلك قول الله جلّ ذكره: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nوكان لا بد من البيان: والذي أجمل هو الذي يبين. وما أجمله الله في كتابه شاء أن يكون بيانه من نبيه محمد ﵊ فتكفلت السنّة قولًا وعملًا ببيان ما تدعو الحاجة إلى بيانه، من عدد ما فرض من الصلوات، ومواقيتها، وعدد ركعاتها، وشروطها وواجباتها، وسننها … ليقوم بها المكلَّف فيكون مؤديًا ممتثلًا، خارجًا من العهدة.\nوكان الرسول صلوات الله عليه المبيّن عن ربه ﷿ ما أراد: يصلي بالمسلمين الصلوات الخمس بجماعة ويحرص على بيانها لهم قولًا وعملًا، حتى إنه صلّى مرة على المنبر يقوم ويركع ثم قال لهم: \"إنما فعلت هذا لتأتمُّوا بي ولتعلَّموا صلاتي\" (^١) وجاء في الصحيح مما رواه البخاري ومسلم قوله ﵇: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي\" (^٢) فكان في بيانه لما أجمل الكتاب، تحقيق ما من شأنه إقامة الصلاة حق الإقامة كما أمر الله.\n_________\n(^١) رواه البخاري - الجمعة - (٩١٧)، ومسلم - مساجد - (٥٤٤)، وأحمد في \"المسند\" (٢٢٨٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري - آداب - (٦٣١)، ومسلم - مساجد - (٦٧٤).","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>الزكاة:</span>\nأما الزكاة: فهي في اللغة النماء، يقال: زرع زاكٍ ومال زاكٍ: أي نامٍ بيّن الزكاء. وقد زكا الزرع، وزكت الأرض، وأزكت (^١).\nوترد أيضًا بمعنى التطهير (^٢) ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وجاء الإسلام ليعطي للزكاة معنًى جديدًا خاصًّا وهو: إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه، غير متصف بمانع شرعي يمنع من الصرف إليه (^٣).\nوكما تطلق الزكاة على الإعطاء المذكور: تطلق على الطائفة من المال المزكَّى بها، فهي من الأسماء المشتركة بين المال المُخرَج والفعل.\nوهذا لا يمنع أن الصلة واضحة بين المعنى اللغوي، والمعنى الجديد الذي أراده الشارع.\nوقد ذكر العلماء أن الزكاة تطلق في الشرع بالاعتبارين معًا، وهما: النماء، والتطهير.\nأما بالاعتبار الأول: فعلى معنى أن إخراجها سبب للنماء في المال.\nدليل ذلك ما صحّ في الحديث \"ما نقص مال من صدقة\" (^٤). ووجه\n_________\n(^١) ومنه قول الشاعر:\nوالمال يزكو بك مستكبرًا … يختال قد أشرف للناظر\n(^٢) انظر: \"أساس البلاغة\" للزمخشري (١/ ١٩٣)، \"النووي على مسلم\" (٧/ ٤٨)، \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (١/ ٤٠٣)، \"لسان العرب\".\n(^٣) راجع: \"فتح الباري\" (٣/ ١٦٨)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٢٢).\n(^٤) أخرجه القضاعي من حديث منصور عن يونس عن أبي سلمة مرفوعًا بزيادة \"ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا\"، ولفظ مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: \"ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه\" (٢٥٨٨) وكذا هو عند الترمذي. وانظر: \"المقاصد الحسنة\" للسخاوي (ص ٣٧٢ - ٣٧٣)، \"الجامع الصغير\" للسيوطي مع \"فيض القدير\" للمناوي (٥/ ٥٠٣).","vol":"1","page":235},{"text":"الدليل فيه - كما قال ابن دقيق العيد - أن النقصان محسوس بإخراج القدر الواجب، فلا يكون غير ناقص إلا بزيادة تبلغه إلى ما كان عليه.\nأو على معنًى أن متعلقها الأموال ذات النماء كعروض التجارة، والزراعة، وسميت بالنماء لتعلقها بها.\nأو على معنى مضاعفة الثواب، كما جاء \"إن الله يربي الصدقة حتى تكون كالجبل\" (^١).\nأما الاعتبار الثاني: فلأنها طهرة للنفس من رذيلة الشح، أو لأنها تطهِّر المكلَّف من الآثام.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>بيان السنّة للإجمال في الزكاة:</span>\nومهما يكن من أمر الصلة بين المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي من حيث النماء والتطهير في كليهما: فإن لفظ (الزكاة) أصبح مجملًا بعد أن كسته الشريعة هذا الثوب، بما أعطته من مدلول خاص، لم يكن معروفًا من قبل.\nوإذا كان القرآن قد أمر بالزكاة، وقرنها بإقامة الصلاة في أكثر من موطن من الآي، كما في قول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣ و…]. وتوعد مَن لا يؤتيها بعذاب من عنده كما في قوله سبحانه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت] وجعلَ عدم الإيتاء من صفات المشركين للتخويف من منعها، كما في قوله جلّ ذكره:\n_________\n(^١) \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (١/ ٤٠٣)، والحديث ذكره ابن دقيق العيد بهذا اللفظ، وفي \"معجم الزوائد\" عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ: \"إن الله يقبل الصدقة ويربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله\" رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله رجال الصحيح. \"معجم الزوائد\" (٣/ ١١). وعند مسلم من رواية أبي هريرة: \"ولا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه، فيربيها كما يربي أحدكم فَلُوَّه أو قَلُوصه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم\" (٢٣٤٠).","vol":"1","page":236},{"text":"﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة] وبيّن مصارفها بذكر الأصناف الثمانية، وذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠].\nأقول: إذا كان القرآن قد جاء بذلك كله، إنه لم يبين بالتفصيل حد المكلَّف بالزكاة، وما هو النصاب الذي تجب فيه الزكاة، ولا المقدار الواجب دفعه، وما هي مواقيتها وعددها. حتى جاءت السنّة بالبيان لكل ذلك.\nوقد روى العلماء في تفصيل ما أجمله الكتاب عددًا من الأحاديث الصحيحة مما كتبه رسول الله ﷺ إلى عمَّاله على الصدقات، أو مما حدَّث به أصحابه. من ذلك ما روي عن أنس، أن أبا بكر كتب لهم \"إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر بها الله ورسوله. فمَن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومَن سئل فوق ذلك فلا يعطه … \" (^١) ثم فصّل في صدقة المواشي.\nومنها ما جاء عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: \"كان رسول الله ﷺ قد كتب الصدقة، ولم يخرجها إلى عمالها حتى توفي، قال: فأخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها، قال: فقد هلك عمر يوم هلك، وإن ذلك لمقرون بوصيته\" الحديث (^٢).\nوعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس فيما دون خمس أواق من\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٧٤) عند الكلام على قول البخاري: باب ما أدي زكاته فليس بكنز لقول النبي ﷺ: \"ليس فيما دون خمس أواق صدقة\"، قلت: ومما ورد في التوعُّد على ترك الزكاة ما جاء في تفسير ﴿الْمَاعُونَ﴾ بأنه الزكاة المفروضة؛ فقد روي ذلك عن علي وابن عباس وابن الحنفية والضحاك وغيرهم.\nراجع: \"الرسالة\" للشافعي (ص ١٨٧)، \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٤٠١).\n(^٢) رواه أبو داود (١٥٧٦) وابن ماجه (١٨٠٠)، والنسائي في \"المجتبى\" (٢٤٤٦).\nوانظر: \"منتقى الأخبار\"، و\"نيل الأوطار\" (٤/ ١٣٤).","vol":"1","page":237},{"text":"الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة\" (^١).\nوهكذا انتقل المبيِّن صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى، وقد بيّن لأمته ما أجمله الكتاب، في شأن فريضة الزكاة، التي هي ركن من أركان الإسلام، ومن أفضل مظاهر العدالة الاجتماعية بين بني الإنسان.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>مدى بيان السنّة للمجمل من الأحكام:</span>\nوبعد أن اقتصرنا في التمثيل على ذكر الصلاة، والزكاة، رغبة في البُعد عن التطويل، تجدر الإشارة إلى أن كثيرًا من نصوص الكتاب المتعلقة بالأحكام التكليفية، قد جاءت في إطار مجمل، وما لم يبيّنه نص قرآني آخر، بيّنته السنّة وفصّلت أحكامه.\nوهذا يشمل - فيما يشمل - أحكام العبادات، والمعاملات، والجنايات، ونظام البيوت، وأحكام الجهاد والسِّير؛ من حرب وسلم، وعلاقات دولية، إلى غير ذلك من الأحكام، مما يرى مبثوثًا في مظانه من كتب الأصول والفروع.\nفالحج مثلًا: ورد مجملًا مفروضًا على من يجد السبيل وذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فبيّنت السنّة السبيل، وأنه الزاد والراحلة. كما أخبر الرسول الكريم بمواقيت الحج وأعماله، ومراتب تلك الأعمال وما سوى ذلك …\nوقال ﵊ فيما رواه مسلم عن جابر: \"لتأخذوا عني مناسككم\" وفي حجته ﵇ التي روى حديثها مسلم وأبو داود خير تفصيل وأفضل بيان (^٢).\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٦٢٢١)، وأبو داود (١٥٦٩)، وابن ماجه (١٧٩٨). انظر: المصدر السابق (٤/ ١٣٨) فما بعدها.\n(^٢) رواه أحمد (١١٨٣٥)، ومسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، وانظر: \"صحيح البخاري\": (١٤٥٣) و(١٤٥٤)، و\"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٧/ ٥٧)، و\"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٣٤).","vol":"1","page":238},{"text":"وعرض القرآن للمعاملات بشكل إجمالي، فأمر بالوفاء بالعقود بقوله جلّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا يشمل جميع الالتزامات. ونهى عن أكل أموال الناس بالباطل وأباح الربح من التجارة. ونصّ على حل البيع وحرمة الربا …\nولكن كان لا بد لهذا الإجمال من بيان وتفصيل؛ فكان في أقضية الرسول صلوات الله عليه، وأحاديثه: بيان ذلك بيانًا، نظم التعامل بين الناس، وسلك بهم سبيل التعاون المثمر والخير المشترك.\nوقلّ مثل ذلك في بعض أحكام الجنايات، فمثلًا كان نظام الديات معمولًا به عند العرب، فأبقاء القرآن وأشار إليه بإجمال، وأتت السنّة على ذلك بالتفصيل الواضح لأحكام الدية، وبيان مقدارها، وأحوالها، وجعلت بعضها على العاقلة (^١).\nوكانت أحكام الدية هذه، طائفة من أحكام القصاص الوارد في قوله سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة].\nوبعد هذه الإشارات العابرة، نرى لزامًا أن نشير إلى أن استقراء العلماء كان تامًّا، حين قرروا أنه ما من مجمل في الكتاب من نصوص الأحكام التكليفية، إلا وقد بيّنه الله، إما بنص قرآني، أو بهدي من نبيه ﵊.\nومن هنا كان لا بد لمن يريد الاستنباط من القرآن - وهو كلي الشريعة - أن ينظر في شرحه وبيانه وهو السنّة.\nقال الشاطبي (^٢) - بعد أن استشهد بالآيات والأحاديث على ضرورة النظر\n_________\n(^١) راجع: \"صحيح مسلم مع شرحه للنووي\" (٨/ ١٧٠ - ١٩٨).\nراجع: \"أصول الفقه\" لأستاذنا أبي زهرة (ص ١٢٥).\n(^٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشهير بـ \"الشاطبي\"، من كبار علماء المالكية في التفسير والأصول والفقه واللغة، وقد اشتهر إلى جانب علمه بالزهد والورع، من شيوخه أبو عبد الله الشريف التلمساني صاحب \"مفتاح الوصول إلى بناء الفروع =","vol":"1","page":239},{"text":"في السنّة عند إرادة أخذ الأحكام من الكتاب -: (فعلى هذا لا ينبغي الاستنباط من القرآن، دون شرحه وبيانه - وهو السنّة - لأنه إذا كان كليًا، وفيه أمور كلية، كما في شأن الصلاة والزكاة والحج والصوم، ونحوها، فلا محيص عن النظر في بيانه. وبعد ذلك ينظر في تفسير السلف الصالح - إن أعوزت السنّة - فإنهم أعرف به من غيرهم. وإلا فمطلق اللسان العربي لمن حصله يكفي فيما أعوز من ذلك) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-142>ثانيًا - النوع الثاني:</span>\nأما النوع الثاني من أنواع المجمَل: فهو ما يكون إجماله بسبب تعدد المعاني المتساوية وتزاحمها على اللفظ، وانتفاء القرينة التي ترجح أحد هذه المعاني.\nوذلك كالمشترك الذي انسدّ باب الترجيح فيه علمًا بأن اللفظ في المشترك موضوع لأكثر من معنى؛ كما في لفظ (عين) مثلًا الموضوعة للباصرة وللعين الجارية … إلخ (^٢)؛ فالمشترك ظاهر في أن المتكلم أراد هذا المعنى أو ذاك. ولكنه مجمل في تعيين ما أراده من المعنيين.\nأ - وقد مثّلوا له بلفظ (الموالي)؛ فإنه مشترك يطلق على المعتقين - بكسر التاء - والمعتقين بفتحها، حقيقة واستعمالًا.\nفلو أوصى إنسان بثلث ماله لمواليه - وله موال أعتقوه وموال أعتقهم - ومات قبل أن يبين الذين أرادهم بهذه الوصية، أهُمُ الأشخاص الذين أعتقوه أم هم الأشخاص الذين أعتقهم؟ كانت الوصية باطلة عند الحنفية في ظاهر\n_________\n= على الأصول\". من أهم مصنفات الشاطبي: \"الموافقات\" في أصول الفقه وقد سمّاه \"عنوان التعريف بأصول التكليف\" وطابع الكتاب العام العناية بمقاصد الشريعة والمصالح التي رعاها الشارع \"الاعتصام\" في المحدثات والبدع. توفي ﵀ سنة ٧٩٠ هـ. وانظر ما سبق (ص ٨٩) الحاشية.\n(^١) راجع: \"الموافقات\" للشاطبي (٣/ ٢١٨).\n(^٢) ومما قيل في تعريف المشترك: (هو اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعًا من حيث هما مختلفتان) \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٨).","vol":"1","page":240},{"text":"الرواية، وذلك لبقاء الموصى له مجهولًا بناء على تعذر العمل بعموم اللفظ، وعدم ترجيح صنف من الموالي على صنف آخر (^١).\nوهذا مبني على أن الحنفية - كما سيأتي في مبحث مشترك - لا يرون استعمال المشترك في جميع معانيه التي يدل على كل منها بعبارة واحدة: لأنه لا عموم له عندهم.\nوعلى هذا فما دامت قرينة الترجيح لم تتوافر؛ فلفظ (الموالي) مجمل لا سبيل إلى بيانه - ليزول ما لحقه من غموض وخفاء - إلا من قِبَل المجمِل وهو الموصي نفسُه.\nوبما أن البيان لم يحصل، وذلك نتيجة لموت الموصي دون أن يبين الصنف الذي يريد - فيكون الموصى له معلومًا -: حكم ببطلان تلك الوصية (^٢).\nجاء في الهداية (ومَن أوصى المواليه، وله موال أعتقهم، وموال أعتقوه، فالوصية باطلة) (^٣).\nعلى أنه قد روي عن الإمام أبي يوسف، القول بترجيح الموالي الذين أعتقوا الموصي وإعطائِهم الوصية، محتجًا لذلك بأن القيام بشكر المنعم واجب، وفضل الإنعام في حق المنعم عليه: مندوب، والصرف إلى الواجب أوْلى منه إلى المندوب.\nونحن مع صاحب \"العناية\" الذي لم يرتضِ هذا الترجيح، وأجاب عما احتجّ به أبو يوسف، بأن جهة المعتِقين التي رجحها، معارَضة بجهة أخرى مردُّها إلى العرف الذي جرى بوصية ثلث المال للفقراء، والغالب في المولى\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" مع \"العناية\"، و\"نتائج الأفكار\" (٨/ ٤٧٧).\n(^٢) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٤٣ - ٥٥)، \"التلويح\" مع \"التوضيح\" (١/ ١٢٧)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١٥٩)، \"الهداية\" بشرح العناية مع \"نتائج الأفكار\" (٨/ ٤٧٧).\n(^٣) راجع: \"الهداية\" بشرح \"العناية\" مع \"نتائج الأفكار\" لقاضي زاده (٨/ ٤٧٧).","vol":"1","page":241},{"text":"الأسفل الفقر، وفي الأعلى الغنى. والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، كما هو المروي عن أبي يوسف نفسه (^١).\nب - هذا: وقد مثّل عبد العزيز البخاري لهذا النوع من المجمَل أيضًا، ببعض أسماء الأضداد، لانسداد باب الترجيح فيها لغة. وذلك كلفظ (الصريم) فإنه يطلق في اللغة على الصبح والليل، وكلفظ (الناهل) الذي أطلقه العرب على الريّان والعطشان (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-143>ما نراه في هذا النوع من المجمَل:</span>\nوالذي نراه، أن هذا النوع من المجمَل، الذي يقوم على تساوي المعاني وانسداد باب الترجيح: لا مكان له في نصوص الأحكام من كتاب الله، أو سنة رسوله المبيِّنة عن الله ما أراد.\nوعمدتنا في ذلك، ما هو المختار عند العلماء - كما سلف - من أن صاحب الرسالة الذي أرسله الله بلسان قومه، لم ينتقل إلى جوار ربه حتى أدّى الأمانة وحقق ما أمره الله، من بيان كتابه المنزَل على عباده. وفي غير ذلك اتهام لمقام النبوة بعدم الخروج عن العهدة في امتثال ما أمر الله، وتحقيق ما جاء في الآية الكريمة ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وحاشا لله أن يكون ذلك؛ كيف والواقع العملي في السنّة - وهي المصدر الثاني من مصادر الشريعة - خير دليل على ما نقول.\nولقد نُقلت إلينا السنّة نقلًا وافيًا، يتسم - إلى جانب المنهج العلمي\n_________\n(^١) انظر: \"العناية شرح الهداية\" (٨/ ٤٧٧).\n(^٢) جاء في \"اللسان\" مادة (نهل) عن الجوهري وغيره: الناهل في كلام العرب: العطشان، والناهل: الذي شرب حتى روي. والناهل: العطشان، والريان، وهو من الأعداد، وقال النابغة:\nالطاعن الطعنة يوم الوغى … يشرب منها الأسل الناهل\nجعل الرماح كأنها تعطشت إلى الدم فإذا شرعت فيه رويت. وقال أبو عبيد: هو هاهنا الشارب وإن شئت العطشان، وقال أبو الوليد: ينهل: يشرب منه الأسل الشارب. وراجع المادة في \"القاموس المحيط\" (٤/ ١٣٩)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٤٣).","vol":"1","page":242},{"text":"المنضبط - بالدقة والحذر والأمانة. وقد عمل أئمة الحديث المخلصون على تنقيتها من آثار وضع الوضاعين، أو جهل الغافلين.\nعلى أن من المسلَّم به، أنه ليس كل من نقل السنن، قد أحاط بها، ولكن مجموع ما نقل يشكل إحاطة تجعلنا مطمئنين إلى أن الكتاب قد وصل إلينا بيانه، وما علينا إلا الاطلاع على هذا البيان وإدراك مراميه.\nوقد أشار الإمام الشافعي في أكثر من موطن إلى أن علم عامة أهل العلم إذا جُمع أتى على السنن، وما يذهب على واحد منهم نجده عند غيره، قال ﵀: (لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم: ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب إليه موجودًا عند غيره).\nثم قال: (وليس قليل ما ذهب من السنن على من جمع أكثرها، دليلًا على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يطلب عند نظراته ما ذهب عليه، حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله - بأبي هو وأمي - فيتفرد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وعوْا منها) (^١).\nوإذا كان الأمر كذلك، فكثير من المسائل التي تبدو مستعصية أو مثار اختلاف عند الاستنباط، يمكن أن يتبين وجه الحق فيها - ولو بغلبة الظن - عن طريق الإحاطة بما يتعلق بها من السنة، التي أدّت وظيفة البيان.\n\n<span data-type='title' id=toc-144>حالتان للبيان:</span>\nعلى أن البيان كما - أسلفنا - قد يكون شافيًا، فيصبح النص مفسَّرًا غنيًا عن أي إيضاح، فلا حاجة تدعو إلى أي تأمُّل أو اجتهاد. وقد لا يكون شافيًا، فيصبح المجمَل مشكلًا (^٢)؛ وذلك كالربا عند فريق من العلماء،\n_________\n(^١) راجع: \"الرسالة\" (ص ٤٢ - ٤٣)؛ وانظر هناك تعليق الشيخ أحمد شاكر، الواضح المسهب في إثبات ما قاله الإمام الشافعي، والاستدلال بهذا القول على بُعد نظر الإمام ودقته فيما ذهب إليه.\n(^٢) ولذلك سمى بعض الفضلاء هذا النوع من المجمل (المجمل المشكل). انظر: \"أصول الفقه\" للشيخ زكريا البرديسي (ص ٣٩٤).","vol":"1","page":243},{"text":"وعندها نكون أمام غموض نسبي مرده دخول اللفظ في أشكاله واختلاف وجهات النظر عند المستنبطين. ويمكن الكشف عن هذا الغموض بالبحث والاجتهاد، والاستعانة بالقرائن التي تؤدي إلى ترجيح معنى من المعاني المرادة من ذلك النص.\nوفي هذه الحال وأمثالها: حسبُ الباحث ما آل إليه الأمر من زوال الخفاء الذي يتسم به المجمَل، والذي لا ينكشف إلا ببيان من قبل المجمِل نفسه، والانتقالُ إلى خفاء نسبي يمكن أن يزول بالبحث والتأمُّل.\nوالنتيجة التي يمكن أن نخلص إليها هي: أنه سواء أكان البيان شافيًا، أم غير شاف: فهذا لا يتعارض مع المقرر المتفق عليه، بأن السنن - قوليةً وعمليةً وتقريرية - قد استوفت وظيفة البيان للكتاب، بحيث لا يبقى مجال للقول بوجود مشترك مثلًا قد انسدّ باب الترجيح فيه، الأمر الذي يدعو إلى وقف العمل به.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>هذا النوع هل يوجد في كلام الناس؟</span>\nوفي ضوء ما تقدم، يمكننا القول بأن مجال وجود هذا النوع من المجمَل، إنما هو كلام الناس؛ حيث يكون له أثره في الالتزام وفروع الأحكام.\nولعل مما يؤيد ذلك: أن علماء الأصول الذين أرادوا التمثيل له، مثّلوا بمسألة فقهية مرتبطة بكلام مكلف يوصي لمواليه، ويموتُ قبل بيان الصنف الذي يريد من معتِقين أو معتَقين كما ذكرنا آنفًا (^١).\nوقد رأينا أن ظاهر مذهب الحنفية اعتبار الوصية باطلة، لجهالة الموصى له نتيجة لانسداد باب الترجيح في هذا المشترك، الذي هو الموالي، والذي أصبح مجملًا لا يمكن بيانه إلا ممن أجمله، إذ لا عموم للمشترك عند الحنفية بمعنى أنه لا يدل على أكثر من معنًى من معانيه مرة واحدة.\n_________\n(^١) راجع ما سبق (ص ٢٤٠).","vol":"1","page":244},{"text":"على أن الاستشهاد بهذا المثال ينسجم - كما نرى - مع ما عليه ظاهر المذهب.\nغير أن هنالك أقوالًا أخرى قد تُخرجه عن هذه الدائرة.\n١ - من ذلك القول بترجيح مواليه الذين أعتقوه؛ شكرًا لإنعامهم كما هو مروي عن أبي يوسف ﵀، وإن كنا وافقنا - كما سبق - صاحب العناية بما ردّ به هذا الترجيح (^١).\n٢ - ومنها أيضًا القول: بأن الموالي عمومًا إذا اصطلحوا على أخذ الموصى به صحّ ذلك؛ لأن الجهالة تزول، كما في مسألة الإقرار لأحد هذين، وكما هو رأي الإمام محمد ﵀، قال عبد العزيز البخاري: (كذا في جامع المصنف وشمس الأئمة رحمهما الله تعالى) (^٢).\n٣ - وذكر ابن أمير الحاج قولًا لأبي حنيفة وأبي يوسف، بجواز الوصية المذكورة، وتكون للموالي من الفريقين (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-146>ثالثًا - النوع الثالث:</span>\nأما النوع الثالث من أنواع المجمَل: فهو ما يكون إجماله ناشئًا عن غرابة اللفظ في المعنى الذي استعمل فيه.\nمثال ذلك من الكتاب لفظ \"الهَلوع\" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ [المعارج]. فإن المراد به الحريص الجزوع؛ من الهلع: وهو الحرص، أو الجزع وقلة الصبر. قال الزمخشري: (الهلع: سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مسِّ الخير، من قولهم: ناقة هلواع: سريعة السير) (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" و\"العناية\" مع التكملة (٨/ ٤٧٥).\n(^٢) انظر: \"كشف الأسرار\" مع \"أصول البزدوي\" (١/ ٤٣).\n(^٣) \"التقرير والتحبير\" (١/ ١٥٩) مع \"التحرير\".\n(^٤) \"الكشاف\" (٤/ ٤٩٠).","vol":"1","page":245},{"text":"فإذا كان الهلوع شديد الحرص قليل الصبر، فإن استعماله في هذا المعنى غريب لا يمكن فهم المراد منه دون بيان، ولذلك بيّنه الله تعالى بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج].\nوهكذا بيّن الله تعالى ما أراد بـ (الهلوع) أفضل بيان؛ فهو الإنسان الذي إذا ناله شر، أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير، بخل ومنعه الناس.\nروي عن أحمد بن يحيى - وهو ثعلب صاحب \"الفصيح\" - (قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسّره الله، ولا يكون تفسير أبيَن من تفسيره) (^١).\nوقد جاء في الحديث ما يعطي المعنى الذي أراده الكتاب، وذلك فيما روى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"شَرّ ما في رجل شح هالع، وجبن خالع\" (^٢).\nوقال الفراء: الهَلوع: الضَجور. وصفته كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ (^٣).\nأما صاحب \"الكامل\" أبو العباس المبرد: فقال في الهلوع في ضوء البيان المتقدم: (رجل هلوع: إذا كان لا يصبر على خير، ولا على شر، حتى يفصل في كل واحد منهما على غير الحق) وأورد الآية الكريمة، كما أورد قول الشاعر:\nولي قلبٌ سقيم ليس يصحو … ونفسٌ ما تُفيق من الهُلوع (^٤)\nومثال هذا المجمل من السنّة لفظ (الرويبضة) الذي ورد في حديث النبي ﷺ حين ذكر من أشراط الساعة \"أن تنطق الرويبضة في أمر العامة\".\n_________\n(^١) انظر: المرجع السابق \"تفسير القرطبي\" (١٨/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، \"تفسير ابن جزي\" (٤/ ١٧).\n(^٢) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٤٢١).\n(^٣) انظر: \"لسان العرب\" مادة (هلع).\n(^٤) راجع المصدر السابق.","vol":"1","page":246},{"text":"فالرويبضة: هو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، ولكن استعماله بهذا المعنى في الحديث غريب. ولذلك جاء في تتمة الخبر سؤال السامعين عن المراد به حيث قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ فقال ﵇ مبيِّنًا: \"الرجل التافه ينطق في أمر العامة\" (^١).\nفكان المعنى: أن من أشراط الساعة: أن ترى الرجل العاجز التافه الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، يُقحم نفسه فيتكلم في الأمور العامة مع أنه - لعجزه وتفاهته - لا يُحسن أموره الخاصة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-147>حكم المجمَل:</span>\nوفي ضوء تعريف المجمَل وبيان أنواعه، وما يذكره العلماء من موجَبه وموارده: يمكن أن نقرر أن حكم المجمَل هو: اعتقادُ حقية المراد منه، وعدمُ العمل به حتى يرد بيان المراد منه، وطلبُ البيان من المُجْمِل واستفساره ليبيّنه.\nقال شمس الأئمة السرخسي في ذلك: (وحكمه - يعني المجمَل - اعتقاد الحقية فيما هو المراد، والتوقف فيه إلى أن يتبين بيان المُجْمِل، ثم استفسارُه ليبينه) (^٣).\nأما السعد التفتازاني: فلم يعرض لمسألة اعتقاد الحقية والتوقف فيما هو المراد، وكأنه اعتبرهما من المسلّمات، واكتفى بذكر الاستفسار، وطلب البيان فقال: (وحكم المجمَل الاستفسار وطلب البيان من المجمِل) (^٤).\n_________\n(^١) الحديث ذكره ابن الأثير في \"النهاية\" (١/ ٥٨)، وفي \"اللسان\" لابن منظور. قال أبو عبيد: ومما يثبت حديث الرويبضة الحديث الآخر: \"من أشراط الساعة أن يرى رعاء الشاء رؤوس الناس\" (٧/ ١٥٣) مادة (ربض).\n(^٢) راجع: الشيخ زكي الدين شعبان \"دلالة الكتاب والسنة على الأحكام الشرعية\" (ص ٢٨).\n(^٣) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٨) قلت: وقد تابع السرخسي في هذا كثيرون. راجع على سبيل المثال: \"المنار\" للنسفي وشروحه وحواشيه (١/ ٣٦٦)، \"المرآة\" (١/ ٤١٠).\n(^٤) راجع: \"التلويح\" للتفازاني مع \"التنقيح\" لصدر الشريعة (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":247},{"text":"وما قاله السرخسي مرجَّح في نظرنا على ما قاله صاحب \"التلويح\".\nوالذي دعانا إلى ترجيح ما ذهب إليه شمس الأئمة، هو ما يُرى فيه من الاستيفاء وزيادة الإيضاح.\nأ - ففي ذكر اعتقاد الحقِّيَّة فضلُ بيانٍ في الدلالة.\nب - أما التوقف عن العمل حتى يرد البيان من المجمل نفسه: فرغم أنه من المسلّمات ومن مستلزمات تعريف المجمَل، إلا أن في ذكره أيضًا زيادة وضوح في معرفة أبعاد حكم هذا القِسم من أقسام المبهم من الألفاظ، الذي بلغ من الخفاء حدًا، جعله يقابل المفسّر في أقسام واضح الدلالة منها.\nومعلوم مما سبق، أن التوقف عن العمل قبل البيان، إنما يكون في عهد الرسالة. أما بعد انقضاء تلك الفترة المباركة: فاعتقادنا - وهو ما يؤيده الواقع - أن البيان قد حصل فلا مجال للتوقف.\nلذا، فإن المكلَّف بعد معرفته بالأحكام؛ يعمل على بيِّنة وهدًى لأن مجمل الكتاب قد وقع له البيان.\nغير أن العلماء وجدوا أن البيان - كما أسلفنا من قبل - قد يكون شافيًا؛ كما في الصلاة والزكاة والحج ونحوها التي ورد عن الشارع فيها ذلك النوع الوافي من البيان.\nوقد لا يكون شافيًا، فينتقل اللفظ من حيز الإجمال إلى حيز الإشكال، وعندها يكون للمجتهد حق إزالة الغموض والخفاء بالبحث والتأمُّل، وذلك من غير حاجة إلى استفسار الشارع، وبيان جديد منه؛ فحسبه أنه فتح باب البيان. وعلى المجتهد إتمام الطريق حيث يهديه اجتهاده إلى القرائن التي تحدد المعنى المراد.\n\n<span data-type='title' id=toc-148>الربا والمجمَل:</span>\nهذا: وقد جنح المتقدمون من أصوليّي الحنفية، كالجصاص، والبزدوي، والسرخسي، إلى اعتبار الربا من المجمَل. وتابعهم في ذلك من بعدهم …\nوتعليل ذلك عند هؤلاء: أن (الربا) عبارة عن الزيادة والنماء في أصل الوضع اللغوي.","vol":"1","page":248},{"text":"وقد علمنا أنه ليس المراد ذلك في النصوص الشرعية، فإن البيع ما شرع إلا للاسترباح وطلب الزيادة، ولكن حرمة البيع كانت بسبب فضل خال عن العوض مشروط في العقد، وذلك فضل مال أو فضل حال - على ما يعرف في موضعه -.\nقال شمس الأئمة: (ومعلوم أن بالتأمُّل في الصيغة لا يعرف هذا إلا بدليل آخر، فكان مجملًا فيما هو المراد) (^١).\nوإذا كان السرخسي ﵀، لم يعرض لأمر بيان السنّة للربا، فقد عدّه كثيرون كالجصاص، والدبوسي، وعبد العزيز البخاري، من المجمَل الذي لم تستوفِ السنّة بيانه.\nذلك أن النبي ﷺ قال: \"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل يدًا بيد؛ فمَن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء\" (^٢).\nفهذا الحديث - على اختلاف رواياته - لم ينقل الربا من الإجمال إلى التفسير، وإنما نقله من الإجمال إلى الإشكال. وفي حالة الإشكال تبدو وظيفة المجتهدين في البحث والتأمُّل، لإزالة ما بقي في اللفظ من غموض وخفاء.\nولذلك بحث العلماء في ضبط الأوصاف الصالحة لعليّة التحريم، ثم التأمُّل في مقدار انطباق العلة على الصنف الجديد، المراد الحكم عليه بالحل، أو الحرمة.\nوقد عرض الجصّاص لهذه المسألة في كتابه \"أحكام القرآن\" (^٣)، وأبان أن بيان السنّة لمجمَل الربا لم يكن شافيًا.\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (ص ١٦٨ - ١٦٩)، وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٥٥١ - ٥٥٢)، \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٥٤ - ٥٥)، \"المرأة\" (١/ ١٤٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (١١٠٩١) ومسلم (٤٠٤٠) والنسائي (٤٥٧٩) من رواية أبي سعيد.\n(^٣) راجع: (١/ ٥٥٢) فما بعدها.","vol":"1","page":249},{"text":"وحين عرض لها عبد العزيز البخاري أشار إلى أنه فهم ذلك أيضًا من كلام أبي زيد الدبوسي، وعلل انتقال الربا من المجمَل إلى المشكل؛ بأن الربا مع إجماله هو اسم جنس محلَّى بأل، فيستغرق جميع أنواعه، والنبي ﵇، بيّن الحكم في الأشياء السنة من غير قصرٍ عليها، فيبقى الحكم فيما سواها، إلا أنه لما احتمل أن يوقف على ما وراءها بالتأمُّل في هذا البيان، نسمِّيه مشكلًا لا مجملًا (^١).\nوهكذا يلاحظ أن الربا - على هذا الاتجاه - مجمل في الكتاب قبل بيان السنّة، مشكل بعد البيان؛ لأن البيان لم يكن في حيز الاستيفاء بالنسبة إلينا.\n\n<span data-type='title' id=toc-149>ما نراه في الموضوع:</span>\nوالذي نراه عدم اعتبار لفظ (الربا) الوارد في القرآن من الألفاظ المجملة.\nذلك أنا لو احتكمنا إلى تعريف علماء الأصول من الحنفية لهذا القسم من أقسام المبهم من الألفاظ - حيث يجعلون من أركانه أنه بلغ من الخفاء حدًا أصبح معه بحيث لا يتضح المعنى المراد منه إلا ببيان من قِبل المجمِل نفسه - لبان لنا عدم انطباقه على لفظ (الربا) الذي ورد في كتاب الله، والذي نراه في الآية الكريمة ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة] وغيرها من الآيات.\n_________\n(^١) \"كشف الأسرار\" على \"أصول البزدوي\" (١/ ٥٥).","vol":"1","page":250},{"text":"وبيان ذلك أن الربا الذي اشتملت عليه الآيات، لم يكن خافيًا بالنسبة لمن نزل الكتاب بلغتهم وفي بيئتهم، بل كان من معهود الجاهلية، يتعاملون به ويأكلونه؛ فكان الرجل أيام الجاهلية يكون له على آخر دَيْن، فإذا حلَّ الأجل قال المدين للدائن: زدني في الأجل وأزيدك في مالك، فتكون زيادة المال من المدين الغريم، في مقابل زيادة الأجل وإعطاء المهلة من الدائن رب المال، وهذا ما يسمى \"ربا النسيئة\".\nوقد روى أبو جعفر الطبري في ذلك عن مجاهد أنه قال في الربا الذي نهى الله عنه: (كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدَيْن فيقول: لك كذا وكذا، وتؤخر عني، فيؤخر عنه). وروي عن قتادة (أن ربا أهل الجاهلية: يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمًى، فإذا حلّ الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخّر عنه) (^١).\nوقد أبان الله في كتابه أن القوم كانوا يتعاملون به وسمّى ذلك أكلًا فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكانوا يدَّعون أن الربا حلال كالبيع نفسه - فسواء عليهم أزادوا في أول البيع أم عند حلول أجل الدَيْن - فكذّبهم الله في قيلهم موضحًا أن الزيادتين اللتين إحداهما من وجه البيع، والأخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل، ليستا سواء؛ فالحلال منهما هي الزيادة من وجه البيع، أما التي من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل: فهي محرمة.\nوليست الزيادة من وجه المبيع نظير الزيادة من وجه الربا، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nومما يؤكد أن الربا المراد تحريمه في القرآن كان معهود العرب، ومما عرّفته بيئتهم من أنواع التعامل؛ أنه - بعد أن عرض القرآن للحرمة، وتوعّد من أكَل الربا بالعقاب - وعد من انتهى عن أكله بأن له ما أكل، وأخذ فأمضى، وذلك قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٧ - ٨).","vol":"1","page":251},{"text":"﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أما ما بقي من الربا: فواجبٌ تركه، ووضعه، والرضا برأس المال دون أي فَصْل. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].\nوقد روي عن السدي: أن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ....﴾ الآية، نزل في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة؛ كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو - وهم بنو عمرو بن عمير -، فجاء الإسلام ولهم أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ من فَضلٍ كان في الجاهلية من الربا (^١).\nوإذا كان الأمر على ما ذكرنا؛ من أن الربا كان معهودًا ومعروفًا من قبل، فهو لا يكون داخلًا في عداد المجمَل أو المشكل، كما هو مصطلح عليهما. وكان هذا النوع من الربا، هو المراد في قول النبي ﷺ في خطبة الوداع: \"ألا وإن رِبا الجاهلية موضوع وأول رِبًا أضع: رِبانا رِبا عمي العباس بن عبد المطلب\" (^٢) ويسمى هذا النوع - كما أسلفنا - (ربا النسيئة) أما الربا الذي ورد ذكره في حديث الأصناف السنة: فهو ما يسميه العلماء (ربا البيوع) أو (ربا الفضل) وتفصيل كل من النوعين معروف في مظانه من كتب الفروع.\nوبهذا يكون ما جاءت به السنّة في هذا الباب: نوعًا آخر، ذكرته وبيّنت حكمه (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢٢ - ٢٣)، وانظر هناك روايات أخرى في سبب نزول الآية.\n(^٢) أخرجه مسلم من خطبة النبي ﷺ في حجته من رواية جابر ﵁. انظر: \"صحيح مسلم \" بشرح النووي (٨/ ١٨٢).\n(^٣) على أن الحديث وإن كان منصبًا في الأصل على ربا الفضل فإنه يمكن أن يفهم ربا النسيئة من قوله ﵇: \"فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد\".","vol":"1","page":252},{"text":"وقد اتفق جمهور العلماء على تحريم الربا في الأصناف الستة التي جاءت بها السنّة، ولكنهم اختلفوا في تعيين العلة التي من أجلها كان التحريم، ليكون القياس في الأصناف الجديدة، ويصار إلى معرفة حكمها.\nأما الظاهرية: فالتحريم عندهم غير معلَّل؛ لأنهم من نفاة القياس، فلا تحريم في غير الأصناف السنة المذكورة في الحديث (^١).\nهذا ونودُّ أن نشير إلى أن الحكم على لفظ (الربا) الموجود في القرآن، بأنه (مجمل) بيّنته السنّة، قد ذهب إليه بعض العلماء من غير الحنفية، بل اعتبروه مما فسّرته السنّة، لا مما فسحت الطريق لبيانه فقط.\nفقد ذكر النووي في \"المجموع\" عن الماوردي من الشافعية (^٢) أنه قال: (واختلف أصحابنا فيما جاء به القرآن الكريم من تحريم الربا على وجهين: أحدهما: - أنه مجمل فسّرته السنّة - وكل ما جاءت به السنّة من أحكام الربا: فهو بيان لمجمل القرآن نقدًا أو نسيئة.\nالثاني: أن التحريم الذي جاء في القرآن، إنما تناول ما كان معهودًا للجاهلية من ربا النّساء، وطلب الزيادة في المال .. ثم وردت السنّة بزيادة الربا في النقد، مضافًا إلى ما جاء به القرآن، وهذا قول أبي حامد المروزي) (^٣).\nوممن قال بهذا، ومنع أن يكون الربا في الآيات من المجمل ابن العربي ﵀، وتبعه القرطبي (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"المحلى\" لابن حزم (٨/ ٤٦٩) فما بعدها.\n(^٢) هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري المعروف بـ (الماوردي)، من وجوه فقهاء الشافعية وكبارهم، وكان من العلماء الباحثين، ومن أقضى قضاة عصره، والماوردي نسبة إلى ماء الورد. من تصانيفه: \"الحاوي\" في الفقه الشافعي نيف وعشرون جزءًا، \"أدب الدنيا والدين\"، \"الأحكام السلطانية\"، \"أعلام النبوة\"، \"نصيحة الملوك والحكومات\"، \"معرفة الفضائل\"، \"الأمثال والحِكَم\" وغير ذلك. توفي الماوردي في بغداد سنة ٤٥٠ هـ. انظر: \"وفيات الأعيان\" لابن خلكان (٢/ ٤٤٤) \"الأعلام\" للزركلي (٥/ ١٤٦ - ١٤٧) وقد تقدمت ترجمته بأخصر من هذا في ص ٦١ ج ٢.\n(^٣) راجع: \"المجموع\" للنووي، شرح \"المهذب\" للشيرازي (٩/ ٣٩١).\n(^٤) راجع: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٥٠ - ٢٥١)، \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٣٥٦).","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type='title' id=toc-150>كلمة أخيرة:</span>\nوأخيرًا: فنحن وإن كنا نميل إلى عدم اعتبار الربا من المجمَل - كما أوضحنا ذلك - فإنا نرى أن الذين جنحوا إلى اعتباره من المجمَل: لم يتنكبوا الجادة التي رسموها لتعريفه، ولكنهم تجوّزوا - في نظرنا - حين غلَّبوا كون لفظ (الربا) انتقل من المعنى اللغوي - الذي هو الزيادة والنماء - إلى معنى جديد شرعي جاءت به السنّة - نظير ما نرى في الأسماء الشرعية كالصلاة، والزكاة، والحج ونحوها - دون أن يقيموا وزنًا لمعرفة العرب بنوع من الربا جاء القرآن بتحريمه، وردَّ مقالة مَن ادّعوا مماثلته للبيع في الحل.\nلذا عبّرنا في صدر حديثنا عدم انطباق التعريف عليه، ولم نقل ما يشعر بأكثر من ذلك.\nعلى أن هؤلاء الأئمة ﵏، لا يرون ضرورة انطباق التعريف تمامًا على المثال. وقد مرّ بنا في بعض أقسام واضح الدلالة، أن المراد من المثال: الدلالة والبيان، لا تمامُ الانطباق بكل ما في هذه الكلمة من معنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>من المجمَل في نصوص القوانين:</span>\nكثيرًا ما ترد في القوانين ألفاظ مجملة، تحتاج إلى إزالة الإبهام وإيضاح ما فيها من غموض، ويُرى أن اللوائح التنفيذية للقوانين تلعب دورًا هامًا في بيان ذلك الإجمال، وإذا ما حدثت صعوبةٌ ما في تطبيق نص من النصوص القانونية، فإن من حق المشرع - وقد يطلب إليه ذلك أحيانًا - أن يصدر قانونًا تفسيريًا يزيل الإبهام والغموض، ويوضح ما أراد من ذلك النص القانوني الذي اتسم بالخفاء والإبهام. وعلى كلٍّ فالتفسير يصدر ممن له حق التفسير.\n١ - مثال ذلك: كلمة (الرجوع) الواردة في قانون الوصية المصري رقم / ٧٨/ لسنة ١٩٣١ المنظم للتقاضي في المحاكم الشرعية. فقد نصّ القانون المذكور على أن \"الرجوع في حال الإنكار لا تسمع الدعوى فيه إلا بورقة رسمية، أو ورقة عرفية كتبت كلها بخط المتوفى وعليها توقيعه\". وقد اكتنف الإبهام كلمة (الرجوع) حتى أصدرت السلطة التي لها حق التفسير القانون رقم","vol":"1","page":254},{"text":"لسنة ١٩٤٦ وفسّر (الرجوع) الذي يحتاج إلى هذا بأنه الرجوع القولي (^١).\n٢ - كذلك كلمة (الأحوال الشخصية) الواردة في عبارة (وغير ذلك مما يتعلق بالأحوال الشخصية) في المادة / ١٦/ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية في مصر.\nفإن المراد من الكلمة كان مجملًا يحتاج إلى تفسير من الشارع نفسه الذي أجمله. وفعلًا فسره الشارع المصري أخيرًا في المادة / ٢/ من القانون رقم / ٩١/ لسنة ١٩٤٨ التي بيّنت المراد من الأحوال الشخصية، فأزالت ما كان يحوطها من إبهام (^٢).\n٣ - ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما كان من إجمال في المراد بـ (مَن يحسن القراءة والكتابة) الوارد في قانون الانتخابات السوري، وبقي الإجمال حتى صدر القانون رقم / ٣/ بتاريخ ٢٣/ ١١/ ١٩٥٤ المتضمن إضافة فقرة إلى قانون الانتخابات العامة تعتبر (محسنًا للقراءة والكتابة من يحمل شهادة أو مصدقة رسمية تستلزم معرفة بالقراءة والكتابة. أو من نجح في امتحانات المرشحين .. واستحصل على حكم قضائي من المحكمة المختصة باستيفائه شرائط الترشيح) .. وقد نصّ هذا القانون صراحة في مادته الثانية أن نصه هذا نص تفسيري (^٣).\n٤ - ومن هذا الباب، الإجمال الذي اتسم به الاستثناء المنصوص عليه في المادة / ٢٧/ من القانون السوري رقم / ٢٣٧/ وتاريخ ١/ ٥/ ١٩٥٦ الخاص بتنظيم مهنة مقاولي البناء في سوريا، حتى جاءت اللجنة المختصة وقررت أن هذا الاستثناء إنما يشمل الأبنية والأعمال الإنشائية التي تقوم بها الحكومة والمؤسسات العامة والبلديات عن طريق الأمانة فقط.\nوقد أيّدت الجمعية العمومية للقسم الاستشاري للفتوى والتشريع اللجنةَ المختصة فيما ذهبت إليه، برأي عام / ٦/ خاص / ٣٠ / وتاريخ ٨/ ٤/ ١٩٦٢.\n_________\n(^١) راجع: \"أصول الفقه\" لأستاذنا أبي زهرة (ص ١٢٧)\n(^٢) راجع: \"أصول الفقه\" الخلاف (ص ٢٠٥).\n(^٣) انظر أيضًا: \"الوجيز في الحقوق المدنية\" للدكتور عدنان القوتلي (ص ١٨٨).","vol":"1","page":255},{"text":"وقد جاء في رأي الجمعية بعد التأييد المذكور قولها: \"لذلك وبناء على هذا الرأي، تكون مشاريع الأبنية والأعمال الإنشائية التي تقوم بها الحكومة والمؤسسات العامة، والبلديات عن طريق التلزيم، تابعة لأحكام القانون رقم / ٢٣٧/ وتاريخ ١/ ٥/ ١٠٥٦ الأنف الذكر.\nوبناء على المادة / ١/ من هذا القانون التي تنص على أنه لا يجوز لأحد أن يزاول مهنة مقاولة البناء، ما لم يكن مسجَّلًا في إحدى النقابات: يقتضي عدم التعاقد مع أي مقاول لتنفيذ مشاريع الأبنية والأعمال الإنشائية، ما لم يبرز وثيقة تثبت تسجيله في إحدى نقابات مقاولي البناء\" (^١).\n٥ - ومنه أيضًا كلمة (تعويضات) الواردة في قانون خدمة ضباط الاحتياط في سورية. فقد نصّت المادة / ٣١/ من القانون رقم / ٢٣٤/ لسنة ١٩٥٩ بشأن خدمة ضباط الاحتياط في القوات المسلحة على ما يلي:\n\"تتحمل كل من دوائر الحكومة ومؤسساتها العامة كامل رواتب وتعويضات وأجور المستدعين منها كضباط احتياط عن مدة دعوتهم للخدمة في القوات المسلحة … \".\nوقد حصل التباس حول كلمة (تعويضات) لأن فيها نوعًا من الغموض والإبهام، وكان لوزارة المالية رأي معين في تطبيق مدلول هذه الكلمة. ولكن كان لا بد من التفسير لإزالة هذا الإجمال، فأصدر مجلس الدولة رأيه بإجماع آراء اللجنة المختصة مقررًا أن المقصود من كلمة (تعويضات) الواردة في نص المادة / ٣١/ من القانون رقم / ٢٣٤/ لسنة ١٩٥٩ بشأن قواعد خدمة ضباط الاحتياط بالقوات المسلحة: تلك التعويضات الشخصية، التي تتصل بشخص الموظف، وتكون تابعة للراتب في الوجود والعدم؛ كالتعويض العائلي مثلًا، فهي تشمل إذن كافة التعويضات التي يستحقها الموظف، ولو كان غائبًا على وجه قانوني ما دام يتقاضى راتبه، ولا تشمل التعويضات التي يشترط فيها وجود الموظف فعلًا على رأس عمله (^٢).\n_________\n(^١) بلاغ عام من وزارة الأشغال العامة رقم ٧١١، ١/ ٩ تاريخ ١٣/ ٦/ ١٩٦٢.\n(^٢) مجلس الدولة الرقم: ٢٩٤/ ف/ ٣/ ٥٣ تاريخ ١٨/ ٦/ ١٩٦٢.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-152>المطلب الرابع المتشابه</span>\nوآخر ما عدَّه أصوليو الحنفية من أقسام المبهم هو (المتشابه) وقد اعتبروه أشد هذه الأقسام خفاء وإيغالا في الإبهام.\nوالمتشابه في اللغة مأخوذ من: اشتبهت الأمور وتشابهت: التبست لإشباه بعضها بعضًا، وشبَّه عليه الأمر: لبَّس عليه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-153>المتشابه في الاصطلاح وتطور النظر إليه عند الحنفية:</span>\nأما في الاصطلاح: فقد مرّ المتشابه عند الحنفية بمرحلتين:\nأولاهما: المرحلة التي كان ينظر إليه فيها من خلال معنى المتشابه عربيةً، فهو أقرب إلى المفهوم اللغوي حيث يدل الاشتباء لغةً على الالتباس والتماثل والتشابه كما مرّ آنفًا، وتعريفهم له يدل على ذلك؛ فقد عرّفه أبو الحسن الكرخي بقوله: (المتشابه: ما يحتمل وجهين أو أكثر) فهو ذلك اللفظ الذي يتردد بين معنيين أو أكثر، وإنما يترجح واحد من المعنيين أو المعاني التي يحتملها، بقرينة تقوم على ذلك. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مجال وجوده وتطبيقه دائرة الأحكام التكليفية.\nوتنتهي هذه المرحلة - فيما نقدر - بانتهاء القرن الرابع الهجري على وجه التقريب.\n_________\n(^١) والمشتبهات من الأمور: المشكلات، والمتشابهات: المتماثلات يقال أيضًا: إياك والمشبهات: الأمور المشكلات، ومن ذلك: كما في \"النهاية\" حديث حذيفة وذكر فتنة فقال: (تشبه مقبلة، وتبين مدبرة) أي أنها إذا أقبلت شبهت على القوم، وأرتهم أنهم على الحق حتى يدخلوا فيها، ويركبوا منها ما لا يجوز، فإذا أدبرت وانقضت بان أمرها فعلم من دخل فيها أنه كان على الخطأ.\nوانظر: \"أساس البلاغة\" للزمخشري (ص ٢٢٨)، \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (١/ ٢٠٣)، \"لسان العرب\" المادة (شبه).","vol":"1","page":257},{"text":"وكما يبدو هذا الاتجاه عند أبي الحسن الكرخي من رجال المائة الثالثة للهجرة، فهو يبدو عند تلميذه الجصاص من رجال المائة الرابعة (^١).\nوأما الثانية: فهي المرحلة التي نراه فيها منبثقًا عن تصور نوع من الخفاء، هو الذروة في الغموض بالنسبة لأنواع اللفظ المبهم، حتى انقطع رجاء معرفة هذا المتشابه في الدنيا؛ فقد عرّفوه بعدة تعريفات مآلها أنه (اللفظ الذي خفي معناه المراد خفاء من نفسه، ولم يفسَّر بكتاب أو سنّة، فلا ترجى معرفته في الدنيا لأحد من الأمة، أو لا ترجى معرفته إلا للراسخين في العلم) (^٢).\nوهو بهذا على حال لا تتسق مع طبيعة الأحكام التكليفية. لهذا كان مجال وجوده بعض مسائل الاعتقاد وأصول الدين، الأمر الذي يدل على تأثر هذا الاتجاه بنظرة علماء الكلام الذين يتحركون في دائرة المعتقدات. أما علماء أصول الفقه: فمهمتهم رسم مناهج استنباط الأحكام من مصادرها، ليكون المكلّف على بيِّنة من أمره في الحكم الذي يطلب إليه أن يلتزمه، فإذا لم يعرف الحلال، من الحرام، من الواجب، من المندوب .. إلخ كيف يلتزم!! وانبهام المصدر يحول دون هذه المعرفة.\nوتبدأ هذه المرحلة في القرن الخامس الهجري، فنرى ذلك مثلًا عند الدبوسي، والبزدوي، والسرخسي، ومَن جاء من بعدهم.\nوقد تتابع العلماء في هذا الاتجاه ولم تظهر - فيما نعلم - عودة إلى ما كان عليه مفهوم المتشابه في المرحلة السابقة.\n_________\n(^١) \"أصول الفقه\" للجصاص (المتشابه) مخطوطة دار الكتب المصرية لوحة (٥٥ - ٥٦).\n(^٢) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١١٩)، \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٥٥)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٢٧ - ١٢٨)، \"المرآة\" (١/ ٤١٢/ ٤١٣).\nوانظر: كتاب \"موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول\" لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١١٩ - ١٢٠).","vol":"1","page":258},{"text":"وفيما يلي تفصيل لكل من هاتين المرحلتين التي مرّ فيهما المتشابه.\nأولًا: لقد كان تعريف المتشابه في المرحلة الأولى - كما سلف - قائمًا على المفهوم اللغوي وهو: \"الاحتمال وتردد اللفظ بين معنيين أو أكثر\"، وكان لذلك أثره في ساحة التكليف عند أخذ تلك الأحكام من النصوص، وقد نقل هذا الاتجاه عن عدد من العلماء كان في مقدمتهم الكرخي وأبو بكر الجصاص - رحمهما الله -.\nجاء في \"أحكام القرآن\" للجصاص قوله: (كان أبو الحسن ﵀ يقول: (المحكم ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما يحتمل وجهين أو أكثر) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-154>طريق إزالة الإبهام في هذا المتشابه:</span>\nوإذا كان المتشابه - على هذا التعريف - ما يحتمل أكثر من وجه: فطريق إزالة غموضه وخفائه - كما يرى الكرخي - حمله على المحكم الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا وردّه إليه.\nولقد كان طبيعيًا - والأمر على ما ذكرناه في التعريف - أن تكون دائرة وجود هذا النوع من المتشابه: نصوص الأحكام التكليفية؛ فهذا أبو الحسن - بعد أن يذكر سبيل المتشابه وأنها رده إلى المحكم - يقرر بوضوح أن ذلك في الفقه كثير، ويجيء بأمثلة متعددة - فيما نقل عنه الجصاص - يرى فيها أن تحديد المعنى بين المحتملات: كان عن طريق ذلك الحمل.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>١ - من ذلك قوله تعالى: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾ بالتشديد، و﴿عقدتم﴾ بالتخفيف من قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ </span>فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا\n_________\n(^١) انظر: \"أصول الفقه\" للجصاص (لوحة ٦٥ - ٦٦) مخطوطة دار الكتب المصرية.","vol":"1","page":259},{"text":"حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩] فقراءة التخفيف تحتمل عقد اليمين قولًا، كما تحتمل عقد القلب، وهو العزيمة والقصد إلى الترك، وقراءة التشديد تفيد اليمين المعقودة؛ فتحمل قراءة التخفيف على الأخرى التي لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا. فيحصل المعنى من القراءتين: عقد اليمين قولًا، فيكون المقصود من الآية: اليمينُ المنعقدةُ، ويكون حكم إيجاب الكفارة، مقصورًا على هذا الضرب من الأيمان، وهو أن تكون اليمين معقودة. ولا تجب في اليمين على الماضي، لأنها غير معقودة، وإنما هو خبر عن ماض، والخبر عن الماضي ليس بعقد سواء أكان صدقًا أم كذبًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-156>٢ - إباحة الوطء بانقطاع دم الحيض:</span>\nومن أمثلة ذلك أيضًا ﴿يَطْهُرْنَ﴾ و﴿يَطَّهَّرْنَ﴾ بالتخفيف والتشديد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فمَن قرأ بالتخفيف ﴿يَطْهُرْنَ﴾ أراد انقطاع الدم حيث لا يحتمل اللفظ غيره. ومَن قرأ بالتشديد ﴿يَطَّهَّرْنَ﴾، كان اللفظ محتملًا لانقطاع الدم والاغتسال، فلما احتمل اللفظ المعنيين، حُمل على ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، وهو انقطاع الدم. قال أبو بكر الجصاص: (فصارت قراءة التخفيف محكمة، وقراءة التشديد متشابهة، وحكم المتشابه أن يحمل على المحكم ويردَّ إليه، فيحصل معنى القراءتين على وجه واحد، وظاهرهما يقتضي إباحة الوطء بانقطاع الدم الذي هو خروج من الحيض) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-157>٣ - فرض غسل الرجلين:</span>\nقال أبو بكر الجصاص في كتابه \"أصول الفقه\": وكان أبو الحسن يقول\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٥٥٢)، \"أصول الفقه\" للجصاص (١/ ٣٧٤)، وراجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" و\"العناية\" وحاشية سعدي جلبي (٤/ ٣ - ٥).\n(^٢) راجع: \"أحكام القرآن\" (١/ ١١٢)، \"أصول الفقه\" له أيضًا (١/ ٣٧٥ فما بعد).\nوانظر: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" و\"العناية\" (١/ ١١٨).","vol":"1","page":260},{"text":"أيضًا في ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ من قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] أن قراءة النصب ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ لا تحتمل إلا عطفها على الغسل، وقراءة الخفض ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ تحتمل عطفها على الغسل ويكون خفضها بالمجاورة. وتحتمل العطف على المسح، فلما احتملت قراءة الخفض وجهين، ولم تحتمل قراءة النصب إلا وجهًا واحدًا: وجب أن يكون معنى قراءة الخفض محمولًا على قراءة النصب، فتكون الرجل مغسولة).\nوهكذا حمل أبو الحسن الكرخي قراءة الخفض في ﴿وأرجلِكم﴾ على قراءة النصب ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾؛ لأن الأولى - كما يرى - من (المتشابه) والثانية من (المحكم) فحمل الأول على الثاني، ورد ما يحتمل أكثر من معنًى، إلى ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا. ويكون مدلول الآية وجوب الغسل كما عليه الجمهور (^١) …\nثانيًا: وإذا انتهينا من المرحلة الأولى، فلنقرر أن المرحلة الثانية التي أشرنا إلى بعض أعلامها كان عماد تعريف المتشابه فيها - كما رأينا - (عدم رجاء معرفته لأحدٍ من الأمة في الدنيا، أو رجاء معرفته للراسخين في العلم فحسب) ولشدة خفائه، جعلوه في مقابل (المحكم) الذي هو ذروة أنواع واضح الدلالة من الألفاظ.\nفإذا كان المحكم لا يقبل التأويل، ولا التخصيص، ولا النسخ، فإن (المتشابه) بلغ من الخفاء درجة لا يرجى معها معرفته لأحد - وهو رأي الأكثرين - أو ترجى معرفته للراسخين في العلم.\nوعلى كل فهو من حيث الخفاء: فوق المجمل الذي يحتمل البيان من المجمِل نفسه (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول الفقه\" للجصاص (١/ ٣٧٥ فما بعد)، وانظر: كلام ابن الهمام في \"فتح القدير\" (١/ ٨).\n(^٢) انظر: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي ص ١١٨.","vol":"1","page":261},{"text":"هذا والاختلاف في كون المتشابه ترجى معرفته في الدنيا للراسخين في العلم، أو لا ترجى لأحد: منوط بالحكم على موطن الوقف في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].\nفمَن رأى الوقف على لفظ الجلالة في قوله: ﴿إِلَّا اللهُ﴾ حكم بأن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله؛ إذ قد استأثر بعلمه دون خلقه، وهذا قول الأكثرين.\nومن جعل الكلام موصولًا، فقرأ بعطف - ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ - على لفظ الجلالة، أي ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ حكم بأن الراسخين في العلم يمكن أن يعلموا تأويله.\nوالقول الأول - وهو الوقوف على لفظ الجلالة - هو الذي تطمئن إليه النفس ويبدو متسقًا مع حقيقة المتشابه المراد في الآية الكريمة (^١) وتفصيل ذلك معروف في مظانه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-158>مواطن وجود هذا المتشابه:</span>\nهذا: وقد ثبت للأئمة من أهل الاستنباط، نتيجةً للاستقراء والبحث: أن\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٤/ ٩ - ١٠).\n(^٢) وقد جاء شمس الأئمة السرخسي بمسألة (الرؤية في الآخرة) مثالًا للتشابه. فرؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة حق معلوم ثابت بالنص - كما يقول - وهو قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ثم هو موجود بصفة الكمال، وفي كونه مرئيًا لنفسه ولغيره معنى الكمال إلا أن الجهة ممتنعة، فإن الله تعالى لا جهة له. فكان متشابهًا فيما يرجع إلى كيفية الرؤية والجهة، مع كون أصل الرؤية ثابتًا بالنص معلومًا كرامة للمؤمنين … وبعد أن شنع ﵀ على المعتزلة بيّن كيف أن المؤمنين أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية، فلم يجوَّزوا الاشتغال بطلب ذلك كما وصف الله به الراسخين في العلم فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ \"أصول السرخسي\" (١/ ١٧٠).","vol":"1","page":262},{"text":"المتشابه بهذا المعنى، موجود في نصوص الكتاب والسنة (^١) وأن مواطن وجوده منها، هو ما له علاقة بالعقيدة وأصول الدين.\nوأما النصوص المتعلقة بالأحكام التكليفية: فليس فيها لفظ متشابه، لا سبيل إلى علم المراد منه.\nومن المتشابه بهذا المعنى: الحروف المقطعة التي بدئت بها بعض سور القرآن الكريم مثل: آلم، آلمر، حم، حم عسق، ص، ن، ق .. إلخ.\nفهذه الحروف في أوائل السور، لا تدل بنفسها على المراد منها، ولم تفسر بكتاب أو سنّة، فهي من المتشابه والله أعلم بمراده.\nومنه أيضًا ما استأثر الله بعلمه دون خلقه؛ من أمور ستكون: نحو الخبر عن وقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا وما أشبه ذلك.\nوهناك نصوص من الكتاب والسنّة جاءت على ذكر بعض الصفات والأفعال منسوبة إلى الله تعالى، قد توهم الحدوث ومشابهة الخلق، والله تعالى هو المنزَّه سبحانه عن التمثيل والتشبيه والجهة والجسمية … ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. فهذه النصوص نُمرَّها بلا تأويل ولا تكييف ولا تعطيل؛ من أمثلة ذلك: ما جاء من نسبة العين واليد والوجه والمكان مثل قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧] ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] (^٢) ﴿مَا يَكُونُ\n_________\n(^١) هذا ما عليه الأئمة المعتبرون وإن اختلفوا في بعض الجزئيات، وقد جنح الشيخ عبد الوهاب خلاف ﵀ إلى القول بعدم وجود المتشابه في القرآن، واحتج بما لا يغني إمام الاتجاه الآخر الذي توافرت له أوضح الأدلة وأقواها، ويبدو أنه لا مسوَّغ لتخوف الشيخ من وجود ما استأثر الله يعلمه في القرآن، لأن الأمر لم يتجاوز إلى نصوص الأحكام التكليفية - كما سنرى - وإذن فسلوك جادة السلف في فهم الكتاب والسنّة أوْلى وأحرى. انظر: \"علم أصول الفقه\" الخلاف (ص ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٤٥) وانظر: \"شرح حديث النزول\" (ص ٦) لشيخ الإسلام ابن تيمية، نشر المكتب الإسلامي بدمشق سنة ١٣٨١ هـ.","vol":"1","page":263},{"text":"مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢]. ونسبة المجيء إليه في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] والنزول الوارد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة من قوله ﵊: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثُلث الليل الآخر يقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فأعطيه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟ \" (^١).\nومثل ذلك قوله ﵊ فيما رواه الطبري في \"التفسير\" عن أبي هريرة: \"إن الله ﷿ يقبل الصدقة بيمينه ولا يقبل منها إلا ما كان طيبًا، والله يربّي لأحدكم لقمته كما يربّي أحدكم مهره وفصيله حتى يوافي يوم القيامة بها وهي أعظم من أُحد\" (^٢).\nقال الترمذي: (٢/ ٢٣ - ٢٤) وقال غير واحد من أهل العلم، في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا - قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ونؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنّة والجماعة. وسئل الإمام مالك ﵀ عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، و…] فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.\nوأما الجهمية: فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه: اليد، والسمع، والبصر. فتأولت\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ٢٣٦) حاشية. ومعنى هذا الحديث ثابت من حديث أبي هريرة من أوجه كثيرة. فقد رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة ما عدا أبا داود كما رواه ابن حبان وابن خزيمة. وقد جاء في ألفاظ هذا الحديث: (في يد الله) و(في كف الله) و(كف الرحمن).\n(^٢) انظر: \"تقويم الأدلة\"، و\"أصول السرخسي\" (١/ ١٦٩)، و\"التلويح\" (١/ ١٢٩)، و\"المرآة\" (١/ ٤١٣). وكون العبد مبتلىً به بنفس الاعتقاد: يعني أن ذلك غيْر داخل في مجال التكليف العملي من العبادات والمعاملات وغيرها من قضايا الفقه.","vol":"1","page":264},{"text":"الجهمية هذه الآيات وفسّروها على غير ما فسّر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد القوة، وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع. فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع: فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر، ولا يقول مثل: سمع ولا كسمع: فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال الله ﵎: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]). اهـ. وكلامهم هذا مردود ظاهر عواره.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>حكم هذا المتشابه:</span>\nوحكم المتشابه عند أهل هذا الاتجاه اعتقاد حقِّيَّته، والتسليم بترك طلب المراد منه والاشتغال بمحاولة الوقوف عليه، فيكون العبد مبتلًى بالاعتقاد نفسه، والتسليم لما يرد في النص؛ لأن ذلك من سمات المؤمن وصدق يقينه. قال أبو زيد الدبوسي: (وأما المتشابه: فحكمه التوقف أبدًا على اعتقاد الحقِّيَّة للمراد به فيكون العبد مبتلًى به بنفس الاعتقاد لا غير والله أعلم وهذا على رأي الجمهور حيث قراءة الوقف على لفظ الجلالة في قوله: ﴿إِلَّا الله﴾ (^١».\n\n<span data-type='title' id=toc-160>ما نراه في أمر المتشابه:</span>\nوإذا كنا قد اكتفينا بهذه الإلماحة عن (المتشابه) بهذا المعنى، فلم نفصّل القول في كلام العلماء حول وجود المتشابه في القرآن، والمذاهب فيما يمكن أن يعتبر من المتشابه أو لا يعتبر، والاختلاف في قراءة ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]، وما ينبني عليه من علم الراسخين في العلم، وإمكان الوقوف على المعنى المراد، أو عدم علمهم … إلى غير ذلك من المسائل. فإنما كان ذلك لاعتقادنا أن موطن هذه المسائل كلام المفسرين، وما عليه السلف في مضمون قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ\n_________\n(^١) انظر: \"أصول الفقه\" للخضري (ص ١٦٤ - ١٦٥)، \"أصول الفقه\" لأستاذنا أبي زهرة (ص ١٢٨ - ١٢٩) \"دلالة الكتاب والسنّة\" لزكي الدين شعبان (ص ٢٩).","vol":"1","page":265},{"text":"آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].\nوإذا كان نفر من علماء الأصول قد أطالوا القول في هذه المسائل: فهو نقل استطردوا له، ليس مكانه مباحث أدلة الأحكام، والمناهج التي يتوصل بها إلى استنباط تلك الأحكام، وإنما مكانه مباحث العقيدة.\nلذا أجاب بعضهم عن ذكر (المتشابه) في علم أصول الفقه - مع أنه لا يترتب عليه معرفة شيء من الأحكام التكليفية - بأنه ذكر من قبيل الاستطراد تتميمًا للأقسام. أما المتشابه على المعنى الذي أراده الكرخي والجصاص: فلا ريب أن موطنه نصوص الأحكام.\nومن الضرورة بمكان: توكيدُ أن وجود المتشابه بالمعنى الثاني في نصوص الأحكام التكليفية: يتنافى مع ما قررناه من قبل - وهو المختار عند المحققين - أن نصوص هذه الأحكام؛ ما كان من كتاب، أو سنّة، قد وردتنا ومعها بيانها: إما من ذاتها وإما من سنّة النبي ﵊. وما قلناه عن الحديث في (المشترك ينسد فيه باب الترجيح) هو بعض مما ينبغي أن يقال هنا إيضاحًا لهذه النقطة، كيف والأمر في حيز استنباط الأحكام، ومعرفة أسرار التشريع، وما به يخرج المكلف من العهدة. فلا يمكن أن يكون تكليف دون بيان وإيضاح، وكل ما له علاقة بالتكليف أو للناس حاجة لحكمه في الدنيا، فقد رحم الله عباده وأتاهم بما يوضحه ويبينه؛ ليكونوا من أمرهم على هدًى ومن طريقهم على بيَّنة، وإن كانوا يحتاجون إلى الاجتهاد مع بعض حالات البيان (^١). إذ كيف يكلفهم بشيء لا يخرجون من العهدة إلا بأن يعملوا به إن كان أمرًا، أو بأن يجتنبوه إن كان نهيًا وهو أمر لا يمكن أن يصل إليهم علمه، لا شك أن رحمة الله، وما كان من خصائص التشريع القرآني في رفع الحرج يأبى ذلك (^٢).\n_________\n(^١) والحاجة إلى معرفة المكلف بما يكلف به هو ما يسمى اليوم بـ (علنية القوانين).\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ١٨٠ - ١٨٢).","vol":"1","page":266},{"text":"وفي معرض ذلك يقرر إمام المفسرين ابن جرير الطبري أن جميع ما أنزل الله ﷿ من آي القرآن على رسوله ﷺ، فإنما أنزله بيانًا له ولأمته وهدًى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه حاجة، ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل …\nولقد أوضح ابن جرير ما أراد من الحاجة وعدمها، فأورد قول الله ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].\nقال أبو جعفر: (فأعلم النبي ﷺ أمته، أن تلك الآية التي أخبر الله جلّ ثناؤه عباده، أنها إذا جاءت لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك هي: طلوع الشمس من مغربها؛ فالذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك: هو العلم بوقت نفع التوبة بصفته، بغير تحديده بعدد السنين والشهور والأيام، فقد بيّن الله لهم ذلك بدلالة الكتاب، وأوضحه لهم على لسان رسوله مفسرًا. والذي لا حاجة بهم إلى علمه منه: هو العلم بمقدار المدة التي بينَ وقتِ نزول هذه الآية، ووقت حدوث تلك الآية؛ فإن ذلك مما لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا، وذلك هو العلم الذي استأثر الله جلّ ثناؤه به دون خلقه فحجبه عنهم) (^١).\nوهكذا يتقرر لدينا أن المتشابه بالمعنى الذي حدّده أصوليون الحنفية ﵏ في المرحلة الثانية، لا تبدو له نسبة حقيقية إلى مباحث أصول الفقه، وإنما هي نسبة مجازية لتتميم أقسام المبهم حسب تدرجها في الإبهام.\nفالخفي عرض له الغموض، ولم يكن من ذاته، وهو غموض يزول بأدنى تأمُّل.\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ١٨١).","vol":"1","page":267},{"text":"والمشكل خفاؤه من ذاته ولكنه حفاء يمكن أن يزول بالبحث والاجتهاد بعد الطلب.\nوالمجمل خفاؤه من ذاته، ولكنه لا يزول إلا ببيان من المجمِل نفسه ولو بفتح باب البيان على الأقل.\nويأتي بعد ذلك المتشابه الذي كان خفاؤه من ذاته، ولا ترجى معرفة المراد منه في الدنيا، فهو أشد الأقسام الأربعة خفاء، وإن كانت الأحكام التكليفية في النصوص ليست منه في قليل ولا كثير.\n* * *","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>المبحث الثاني المبهم عند المتكلمين</span>\n<span data-type='title' id=toc-162>تمهيد:</span>\nقدّمنا أن اللفظ المبهم يتدرج عند الحنفية في مراتب أربع؛ فيتنوع بحسبها أربعة أنواع بدءًا من الخفي إلى الأخفى، وهو المشكل - إلى الأشد خفاء، وهو المجمل - إلى اللفظ الذي لا ترجى معرفته في الدنيا، وهو المتشابه.\nولكن الباحث لا يجد هذا التصنيف عند المتكلمين من علماء أصول الفقه، فهم لم يعرضوا إلا للمجمل والمتشابه، وهما - فيما يبدو - جماع (المبهم من الألفاظ) عندهم.\nهذا إلى أن المسالك اختلفت في مقدار النسبة بين المجمل والمتشابه، فالأكثرون - كما سنرى - يجعلونهما شيئًا واحدًا. وآخرون يرون المتشابه نوعًا من أنواع المجمل. بينما نرى منهم من اعتبر المتشابه مشتركًا بين المجمل والمؤول (^١) … إلخ.\nوسنعرض لهذه المسالك دراسة وبحثًا، ثم نتَّخذ ما عليه الأكثر أساسًا للمقارنة بين اصطلاح الحنفية، واصطلاح المتكلمين.\n* * *\n_________\n(^١) والمؤول - كما سبق - هو الذي يؤول إلى الظهور لاقتران الدليل به.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>المطلب الأول المجمَل</span>\n<span data-type='title' id=toc-164>أولًا - مسالك الأئمة في تعريفه وما نراه فيها:</span>\n<span data-type='title' id=toc-165>مسلك الشيرازي:</span>\nقال أبو إسحاق الشيرازي: (المجمَل: هو ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر في معرفة المراد إلى غيره) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-166>مسلك إمام الحرمين:</span>\nأما الجويني: فبعد أن قرّر أن المجمَل قد يطلق على العموم من قولك: أجملتُ الحساب: إذا جمعتَ آحاده وأدرجته تحت صبغة جامعة، قال: (ولكن المجمَل في اصطلاح الأصوليين: هو المبهم، والمبهم هو الذي لا يعقل معناه، ولا يدرك منه مقصود اللافظ ومبتغاه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-167>مسلك الآمدي:</span>\nولقد أتى الآمدي ببعض التعريفات لأبي الحسين البصري وغيره وردها ثم رأى أن (الحق أن يقال: بأن المجمَل هو ما له دلالة على أحد أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-168>مسلك ابن الحاجب:</span>\nأما ابن الحاجب: فقد ذكر أن (المجمَل هو ما لم تتضح دلالته) (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"اللمع\" للشيرازي (ص ٢٧).\n(^٢) راجع: \"البرهان\" (لوحة ١١٠ - ١١١).\n(^٣) راجع له: \"الإحكام في أصول الأحكام\" (٣/ ٩) فما بعدها.\n(^٤) راجع: \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع \"شرح العضد\" (٢/ ٢٨٧). وانظر: \"تنقيح الفصول\" للقرافي مع \"الذخيرة\" (١/ ٩٩).","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>ما نراه في هذه التعريفات:</span>\nوالذي نراه أن مآل هذه التعريفات واحد تقريبًا؛ فكلها تقوم على أن اللفظ لم يكن واضحًا في الدلالة على المعنى المراد. وقد جاء ابن الحاجب بما أدّى الغرض مما أراده هؤلاء العلماء في تعريف المجمَل.\nلذا فمن الممكن أن نعرّفه بأنه (اللفظ الذي دلّ على المعنى المراد دلالة غير واضحة) وإنما قلنا ذلك؛ لأن الدلالة واقعة، فهو لفظ له دلالة وإن كان مجملًا، ولكنها دلالة غير متضحة، لما يكتنفه من الغموض بما تسبب عنه الإجمال (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-170>ثانيًا - موارد الإجمال:</span>\n١ - لقد جاء الشيرازي بعد التعريف: على بيان موارد الإجمال، فبيّن أنه على وجوه متعددة:\n١ - منها: أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شيء بعينه كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].\nوكقوله ﷺ: \"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها\" (^٢). فإن الحق في الآية والحديث مجهول الجنس والقدر؛ فيفتقر إلى البيان.\n_________\n(^١) راجع: \"شرح العضد\" لمختصر المنتهى (٢/ ٢٨٨).\n(^٢) من رواية عمر في حديث أبي هريرة هما دار من الكلام بين أبي بكر وعمر ﵄ في شأن قتال مانعي الزكاة بين يدي حروب الردة. رواه أحمد ٢/ ٣٤٥ (٢٣٩) وأصحاب الكتب السنة إلا ابن ماجه: البخاري (١٣٩٩) و(٢٩٤٦) مسلم (٢٠، ٢٢)، أبو داود (١٥٥٦)، الترمذي (٢٦٠٧)، النسائي (٣٤٣٣).\nوانظر: \"الجامع الصغير\" للسيوطي بشرح المناوي (٢/ ١٨٩)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٢٧ - ١٣٠)، \"جامع الأصول\" (٣٦).","vol":"1","page":271},{"text":"٢ - ومنها: أن يكون اللفظ في الوضع مشتركًا بين شيئين: كالقرء يقع على الحيض، ويقع على الطهر؛ فيفتقر إلى البيان.\n٣ - ومنها: أن يكون اللفظ موضوعًا لجملة معلومة، إلا أنه دخلها استثناء مجهول كقوله ﷿: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فإن ما أُحِلَّ من بهيمة الأنعام: قد صار مجملًا لما دخله من الاستثناء (^١).\nب - أما الآمدي: فقد ردّ موارد الإجمال إلى أسباب كثيرة، كان منها بعض ما رأيناه عند أبي إسحاق الشيرازي آنفًا.\nومن أهم ما جاء به الآمدي من أسباب الإجمال ما يلي:\n١ - الاشتراك في اللفظ المفرد عند القائلين بامتناع تعميمه، وذلك: إما بين مختلفين كالعين: للذهب والشمس، والمختار: للفاعل، والمفعول: أي لمن يختار ولمن يقع عليه الاختيار، أو بين ضدَّين كالقرء، للظهر والحيض.\nومثله الاشتراك في اللفظ المركب، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فإن العقدة مترددة بين الزوج والولي (^٢).\n٢ - ومن أسباب الإجمال عند الآمدي أيضًا: تخصيص العموم بصور مجهولة؛ كما لو قال: (اقتلوا المشركين) ثم قال بعد ذلك: (بعضهم غير مرادٍ لي من لفظي) فإن قوله: (اقتلوا المشركين) بعد ذلك، يكون مجملًا غير معلوم (^٣).\n٣ - ومن ذلك ما يكون بسبب إخراج اللفظ في عرف الشرع، عما وضع له في اللغة عند القائلين بذلك، قبل بيانه لنا، كما في ألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج.\n_________\n(^١) راجع: \"اللمع\" للشيرازي (ص ٢٧ - ٢٨).\n(^٢) انظر ما سبق (ص ٢١٩) فما بعد.\n(^٣) \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١١ - ١٣).","vol":"1","page":272},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] كله من المجمل؛ لعدم إشعار اللفظ بما هو المراد منه بعينه من الأفعال المخصوصة؛ لأنه مجمل بالنسبة إلى الوجوب (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-171>ثالثًا - الإجمال في الأفعال:</span>\nهذا: وقد أوضح الشيرازي، ومن بعده الآمدي، أن الإجمال كما يكون في الأقوال، يكون في الأفعال (^٢). وقد جعل أبو إسحاق من ذلك: أن يفعل رسول الله ﷺ فعلًا يحتمل وجهين احتمالًا واحدًا، مثل ما روي أنه ﷺ جمع في السفر (^٣)؛ فإنه مجمل؛ لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو في سفر قصير، فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل (^٤).\nومما جعله الشيرازي من المجمَل في الأفعال: أن يقضي النبي ﷺ في عين تحتمل حالتين احتمالًا واحدًا؛ مثل أن يُروى أن رجلًا أفطر فأمره النبي ﷺ بالكفارة، فهو مجمَل؛ فإنه يجوز أن يكون أفطر بجماع، ويجوز أن يكون أفطر بأكل؛ فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر - إلا بدليل (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) راجع: المصدر السابق (٣/ ١٣). وانظر: \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع \"شرح العضد\" (٢/ ٢٧٧ - ٢٨٨) وانظر ما سبق (ص ٢٣٢) فما بعد.\n(^٢) راجع: \"اللمع\" للشيرازي (ص ٢٧ - ٢٨)، \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٤).\n(^٣) عن أنس ﵁ قال: \"كان رسول الله ﷺ إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس، أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل يجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلّى الظهر ثم ركب\" رواه البخاري (١١١١) ومسلم (١٦٢٣). وفي رواية لمسلم (١٦٢٤): \"كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما\".\n(^٤) راجع: \"اللمع\" للشيرازي (ص ٢٧ - ٢٨).\n(^٥) راجع: المصدر السابق (ص ٢٨).","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>المطلب الثاني المتشابه</span>\nأما المتشابه: فالأكثرون على أنه (غير متضح المعنى) فهو والمجمّل سواء، وهو القول الأصح عند المتكلمين. فلقد أورد الشيرازي فيه عدة أقوال ذكر في مقدمتها أنه؛ هو المجمَل نفسه، قال ﵀: (وأما المتشابه: فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم مَن قال هو والمجمَل واحد. ومنهم مَن قال: المتشابه ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه. ومن الناس مَن قال: المتشابه هو القصص، والأمثال، والحكم، والحلال، والحرام. ومنهم مَن قال: المتشابه: الحروف المجموعة في أوائل السور مثل المص، والمر وغير ذلك. والصحيح هو الأول؛ لأن حقيقة المتشابه ما اشتبه معناه. وأما ما ذكروه: فلا يوصف بذلك) (^١).\nكما نقَل ﵀ عن بعضهم القول: بأنه ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه .. وغير ذلك، ثم قرّر أبو إسحاق أن الصحيح هو الأول؛ لأن حقيقة المتشابه ما اشتبه معناه، وأما ما ذكروه: فلا يوصف بذلك.\nوهكذا ترى أن أبا إسحاق يأخذ المتشابه من التشابه اللغوي، وبذلك يكون هو والمجمَل - عنده - على حد سواء.\nوإلى اعتبار أن المتشابه هو المجمَل، ذهب إمام الحرمين كما يتضح ذلك من كلامه؛ فقد جاء في \"البرهان\" قوله: (المختار عندنا أن المحكَم كل ما علم معناه وأدرك فحواه، والمتشابه هو المجمَل) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"اللمع\" (ص ٢٩).\n(^٢) انظر: \"البرهان\" الإمام الحرمين (١/ ٤٢٤) المخطوطة.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>الآمدي والمتشابه:</span>\nأما الآمدي: فالمتشابه عنده أعم من المجمّل؛ إذ إن المجمَل نوع من أنواعه.\nيدل على ذلك ما ذكره من أن المتشابه ما تعارض فيه الاحتمال وذلك:\n١ - إما بجهة التساوي؛ كالألفاظ المجملة وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لاحتمال القرء زمن الحيض والظهر على السوية، وقوله سبحانه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] لتردد ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ بين الزوج والولي، وقوله جلّ وعلا: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] لتردد معنى الملامسة بين اللمس باليد، والوطء.\nب - أو لا على جهة التساوي؛ كالأسماء المجازية، وما ظاهره موهم للتشبيه، وهو مفتقر إلى تأويل: كقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ونحوه من الكنايات والاستعارات المؤولة بتأويلات مناسبة لأفهام العرب.\nوقد ذكّرنا الآمدي بأبي إسحاق الشيرازي، وغيره من سابقيه حين كشف عن منزع التشابه في نظره، فقرر أن المتشابه سمي متشابهًا لاشتباه معناه على السامع.\n\n<span data-type='title' id=toc-174>بين الآمدي وسابقيه:</span>\nوهكذا يتبين لنا أن الآمدي - وإن لم يصرح بأن المجمَل والمتشابه شيء واحد - فقد جعل المجمَل نوعًا من المتشابه؛ فكل مجمل متشابه ولا عكس.","vol":"1","page":275},{"text":"ثم إن ما رأيناه عند الشيرازي والذين من بعده، من دعوى اشتقاق المتشابه من الاشتباه وربطه بذلك: هو ما رأيناه عند الأمدي؛ فالمسألة مسألة التباس على السامع، واشتباه بالمعنى المراد، ومبعث هذا الالتباس: ما يرى من الاحتمال الذي يحيط بذلك اللفظ، من حيث تعددُ المعاني وذلك ما نراه في المجمَل أيضًا.\nوبذلك يكون ما ذهب إليه الشيرازي وإمام الحرمين، هو الذي ذهب إليه الآمدي فيما بعد؛ من حيث انطباق المجمَل على المتشابه، وأن المتشابه هو ما لم تتضح دلالته. وإن كان للمتشابه موارد أخرى في نظر الآمدي.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>اتجاه لصاحب \"المنهاج\":</span>\nولقد كان للقاضي البيضاوي (^١) صاحب \"منهاج الأصول\" اتجاه آخر غير الذي رأيناه.\nفلئن كان ما قدّمنا من أن المتشابه: هو ما لم يتضح معناه، وأن ذلك اصطلاح الأكثر من المتكلمين، وأنه الذي اعتبر الأصح؛ لقد سلك صاحب \"المنهاج\" سبيلًا يجعل المتشابه مشتركًا بين المجمَل والمؤول.\nوقد فسَّر الشارحون لكلامه - ومنهم الإسنوي (^٢) - القدر المشترك بين\n_________\n(^١) وذلك قوله في \"المنهاج\": (والمشترك بين الظاهر والنص: المحكم، وبين المجمل والمؤول: المتشابه). راجع: \"منهاج البيضاوي\" بشرح الأسنوي وحاشية الشيخ بخيت (٢/ ٦١).\n(^٢) هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي، أبو محمد جمال الدين من كبار الشافعية في الفقه، والأصول والعربية، انتهت إليه رياسة الشافعية في القاهرة بعد أن قدم إليها من مسقط رأسه إسنا. ومن مصنفاته: \"المبهمات على الروضة\" في الفقه، \"نهاية السول شرح منهاج الأصول\" في أصول الفقه، وله أيضًا \"التمهيد في تخريج الفروع على الأصول\". توفي ﵀ سنة ٧٧٢ هـ. ينظر: \"الأعلام\" (٤/ ١٩٢)، \"الفتح المبين\" (٢/ ١٩٤).","vol":"1","page":276},{"text":"المجمَل والمؤول بعدم الرجحان. فقالوا: (ويمتاز المؤول بأنه مرجوح دون المجمَل) (^١).\nوعلى هذا يكون المتشابه ما ليس براجح، لا ما لا يتضح معناه كما هو قول الأكثرين (^٢).\nوهكذا يكون ما اتجه إليه البيضاوي في اصطلاحه، هو أن المتشابه (ما ليس براجح) بينما هو في الاصطلاح السابق: (ما لم يتضح معناه).\n\n<span data-type='title' id=toc-176>موقف الشيعة الإمامية </span>(^٣):\nلا يلاحظ الباحث عند الشيعة الإمامية - وهم على طريقة المتكلمين - خروجًا على اصطلاح أولئك، في النظرة إلى المبهم من الألفاظ بشكل عام، إلا ما كان من اصطلاحهم في المتشابه؛ فقد جنحوا إلى السبيل التي سلكها البيضاوي في \"المنهاج\".\nفبعد أن عرّف ابن المطهّر الحلي (^٤) المجمَل بما عرّفه المتكلمون: ذكر\n_________\n(^١) راجع: \"نهاية السول\" على \"المنهاج\" مع حاشية الشيخ بخيت (٢/ ٦١).\n(^٢) راجع: \"منهاج\" البيضاوي للإسنوي مع الحاشية للشيخ بخيت (٢/ ٦١)، \"التحرير\" مع \"التيسير\" (١/ ١٦٢) \"التقرير والتحبير\" (١/ ١٦١)، وانظر هنالك: تفنيد كلام البيضاوي والرد عليه. وراجع: \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (٢/ ٢٢).\n(^٣) الإمامية الإثنا عشرية: أكبر فرق الشيعة، وقد سمُّوا بذلك؛ لأن عقائدهم أُسست حول الإمام وهم القائلون بإمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ نصًا، ويسمون بالاثني عشرية لأنهم يسلسلون أئمتهم إلى إثني عشر إمامًا ويقفون عند هذا العدد. وإمام مذهبهم في الفقه جعفر الصادق المتوفى سنة ١٤٨ هـ. وقد كتب علماؤهم في أصول الفقه على طريقة المتكلمين.\nانظر: \"الملل والنحل\" للشهرستاني (١/ ٢١٨) مع \"الفصل\" لابن حزم.\n(^٤) هو الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي. من أئمة الشيعة نسبة إلى الحلة في العراق. له عدد كبير من المصنفات منها: \"تهذيب الوصول إلى علم الأصول\"، \"مبادئ الوصول إلى علم الأصول\"، \"نهاية الوصول إلى علم الأصول\"، \"مختلف الشيعة في أحكام الشريعة\"، \"نظم البراهين في أصول الدين\". توفي في الحلة سنة ٧٢٦ هـ.","vol":"1","page":277},{"text":"من أسباب الإجمال ما رأينا مثله في بعض ما ذكر الشيرازي والآمدي وغيرهما (^١).\nأما عن المتشابه: فقد جعله المشترك بين المؤول والمجمَل، وفسّر هذا الاشتراك بعدم الرجحان (^٢)، كصنيع القاضي البيضاوي، فيما رأينا من مسلكه الذي خالف فيه ما عليه الأكثرون.\nوعلى كلٍّ: فالخطب سهل، ما دام لم يترتب على الاختلاف في هذه الاصطلاحات عند المتكلمين: كبير اختلاف في الفروع والأحكام.\n\n<span data-type='title' id=toc-177>موقف الزيدية </span>(^٣):\nوأما الزيدية - وهم من المتكلمين أيضًا - فلم يخرجوا عن المسلك العام، حيث عرَّفوا المجمَل بما كانت دلالته غير واضحة (^٤). وإن كان\n_________\n(^١) فالإجمال عنده يكون في اللفظ: إما حال استعماله في موضوعه كالمشترك المحتمل لمعانيه، والمتواطئ المحتمل لكل فرد من جزئياته عند الأمر بأحدها مثل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. أو حال استعماله في بعض موضوعه: كالعام المخصص بالمجمل مثل ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] حيث قيد الإحصان بالمجهول. ومثل ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] أو حال كونه مستعملًا لا في موضوعه ولا في بعضه كالأسماء الشرعية والمجازية. وقد يكون الإجمال في الفعل … إلخ. راجع: \"تهذيب الوصول إلى علم الأصول\" للحلي، وشرحه \"منيّة اللبيب\" للحسني (ص ٤٨ - ٤٩).\n(^٢) وذلك قوله: والمشترك بينه - يعني المؤول - وبين المجمل - وهو نفي الرجحان - المتشابه. انظر: المرجع السابق (ص ٨)، و\"نهاية الوصول إلى علم الأصول\" للحلي (لوحة ١٢٤) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٣) الزيدية: فريق من الشيعة ينتسبون إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي المتوفى سنة ١٢٢ هـ. ويعتبر مذهبهم أعدل مذاهب الشيعة وأقربها إلى أهل السنَّة، من أول مصادر فقههم كتاب \"المجموع\" في الفقه للإمام زيد الذي وقف عليه المجمع العلمي في ميلانو، ومن أهم شروحه: \"الروض النضير\" شرح المجموع الفقهي الكبير لشرف الدين الحسين بن أحمد المتوفى سنة ٢٢١ هـ. وقد كتب علماؤهم في أصول الفقه على طريقة المتكلمين.\nانظر: \"الملل والنحل\" للشهرستاني (١/ ٢٠٧)، \"الأعلام\" للزركلي (٣/ ٩٩).\n(^٤) راجع: \"غاية السول\" في أصول الزيدية (١٥٤ - ١٥٦) مخطوطة دار الكتب المصرية.","vol":"1","page":278},{"text":"صاحب \"منهاج الوصول\" (^١) منهم قد ضيّق الدائرة في التعريف؛ فبعد أن نقل عن ابن الحاجب معنى المجمَل في اللغة قال: (وفي الاصطلاح: هو اللفظ الذي لا يفهم المراد به تفصيلًا، كأقيموا الصلاة؛ فإن العرب كانت لا تفهم من الصلاة إلا الدعاء، وأراد الشارع بها هنا غير الوضع الأصلي، وأجمله، حيث لم يبين مراده به في اللفظ، بل بيّنه الرسول ﷺ بفعله حيث قال: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلي\"، ونحوه) (^٢).\nفأنت ترى: أن ما عناء بالمجمَل هو حالة من حالات الإجمال التي أرادها الأصوليون من المتكلمين، ولا شك أن الذي عناه في التعريف يضيق عما أرادوه حين جعلوا المجمَل (غير متضح الدلالة).\n\n<span data-type='title' id=toc-178>موقف الإباضيَّة </span>(^٣):\nأما الإباضيَّة - وهم يكتبون على طريقة المتكلمين أيضًا - فلم يكن لهم أي مسلك متميز عما كتبه المتكلمون حول هذه النقطة من مباحث المبهم؛ فقد التزموا مذهب جمهرتهم في تحديد معنى المجمَل والمتشابه، وما إلى ذلك، والأمر واضح في الذي يجده الباحث عند السالمي في كتابه \"طلعة الشمس\" في أصول الفقه عند الإباضية (^٤).\n_________\n(^١) هو أحمد بن يحيى بن المرتضى بن مفضل بن منصور الحسني من سلالة الهادي إلى الحق، من أئمة الزيدية باليمن. من مؤلفاته في الفقه: \"البحر الزخار الجامع المذاهب علماء الأمصار\"، وفي أصول الفقه \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\". ثم إن كتاب \"معيار العقول\" كان قد جعله مقدمة أصولية للبحر الزخّار ثم أفرده بالشرح الذي سمّاه \"منهاج الوصول\" … وله في أصول الدين \"نكت الفرائد\". توفي ﵀ في جبل حجه غربي صنعاء سنة ٨٤٠ هـ.\n(^٢) راجع: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" (ق ٣٩/ ١) مخطوطة دار الكتب المصرية، \"الفصول اللؤلؤية\" (ق ٤٥) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٣) الإباضية هم فرقة معتدلة من الخوارج تنسب إلى عبد الله بن إباض التميمي المتوفى سنة ٨٥ أو ٨٦ هـ، وممن كتبوا في أصول الفقه على طريقة المتكلمين، على أن بعض علماتهم اليوم يستنكر النسبة إلى الخوارج، وأكثر ما يوجدون في \"عُمان\".\n(^٤) انظر: \"طلعة الشمس\" (١/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>المبهم عند ابن حزم:</span>\nهذا: وأما الإمام أبو محمد ابن حزم: فليس عنده في خفي الدلالة من الألفاظ إلا المجمَل. أما المتشابه: فلا وجود له البتة في شيء من نصوص الأحكام التكليفية، ومَن ادعى ذلك فهو - في نظره - جاهل لا علم له.\nأ - وقد عرّف المجمَل بأنه (لفظ يقتضي تفسيرًا يؤخذ من لفظ آخر) وأوضح ما أراد عندما عرّف المفسّر بأنه (لفظ يفهم منه معنى المجمَل المذكور) (^١).\nوالحاجة إلى التفسير التي يعنيها ابن حزم: هي الحاجة إلى الخروج من الاحتمال، التي يقتضيها غير متضح الدلالة، فالمؤدى واحد فيما بعد.\nب - وعندما جاء ابن حزم إلى المتشابه، حصره بأفراده في القرآن دون أن يعطيه أي تعريف يُشعر بتطابقه مع المجمَل، أو صلته به؛ فقرّر أن المتشابه لا يوجد في شيء من الشرائع، إلا بالإضافة إلى من جهل دون من علم، وهو في القرآن، وهو الذي نهينا عن اتباع تأويله، وعن طلبه، وأمرنا بالإيمان به جملة.\nوالمتشابه عند ابن حزم ينحصر في الأقسام التي في السور حيث أقسم الله ببعض مخلوقاته، والحروف المقطّعة التي في أوائل السور.\nقال ﵀: (وليس هو في القرآن إلا الأقسام التي في السور كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ١، ٢] ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١، ٢] والحروف المقطعة التي في أوائل السور، وكل ما عدا هذا من القرآن فهو محكم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-180>بين ابن حزم والأصوليين:</span>\nوهكذا يفترق ابن حزم عن الحنفية فيما اصطلحوا عليه في المبهم من الألفاظ.\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (١/ ٤٢).\n(^٢) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" (١/ ٤٨، ٤/ ١٢٣).","vol":"1","page":280},{"text":"وإذا كان قد التقى مع المتكلمين في تعريف المجمَل، فقد افترق عنهم أيضًا في عدم التعرض لأية علاقة بين المجمَل والمتشابه، ولو في الحدود التي أرادوها، بل جعل المتشابه محصورًا في غير دائرة الأحكام التكليفية، وطوى تحته أفرادًا معينة بذواتها.\nوبهذا تستطيع أن نقرر أن المبهم من الألفاظ عند ابن حزم هو: دائرة الشرائع - على حد تعبيره - وعنوانه: (المجمَل) الذي يقتضي تفسيرًا يؤخذ من لفظ آخر مفسّر، يفهم منه معنى المجمَل المذكور.\nولقد استراح أبو محمد ﵀ وأراح، حين فرّق بين المجمَل والمتشابه وجعل لكلِّ دائرته، والموطن الذي يمكن أن ينسب إليه، دون الوقوع في نوع من التعقيد، قد تنبو عنه طبيعة اللسان العربي الذي نزلت به شريعة القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>نتائج ومقارنة:</span>\nويمكن بعد هذا التطواف أن نخلص إلى ما يلي:\n١ - المجمَل عند المتكلمين: يشمل أنواع المبهم عند الحنفية ما عدا المتشابه؛ فهو أعم عند المتكلمين.\nلذلك كان كل مجمل عند الحنفية، مجملًا عند المتكلمين ولا عكس، ويتضح ذلك فيما مرّ بنا من أمثلة المجمَل عند المتكلمين؛ فلقد رأينا مثلًا ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يؤتى به في عداد أمثلة المجمَل، وهو عند الحنفية من المشكل كما نعلم.\nعلى أن المجمَل والمتشابه اسمان لمسمَّى واحد عند الجمهور من المتكلمين، ويعتبر بعضهم المجمَل نوعًا من المتشابه.\nأما المتشابه عند الحنفية في أقسام المبهم من الألفاظ: فله شأن آخر، ولقد أوضحنا فيما سبق رأينا في إدخاله ضمن تلك الزمرة، التي عُدَّ منها في مرحلته الثانية التي بدأت فيما نقدر بالقرن الخامس الهجري، وذكرنا من أعلامها الدبوسي، والبزدوي، والسرخسي، ومَن سلك سبيلهم فيما بعد.","vol":"1","page":281},{"text":"ب - كان من ثمرات هذا الاختلاف في الاصطلاح: أن بيان المجمَل عند المتكلمين، لا ينحصر في أن يكون من قِبل المجمِل نفسه، بل يمكن أن يكون بالقرائن والاجتهاد (^١).\n_________\n(^١) ذكر السالمي من الإباضية أن البيان يكون بالعقل والنقل من كتاب أو سنّة في قول أو فعل أو تقرير. كما يكون بالإجماع، وقد مثّل للبيان بالعقل بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] ونقل عن البدر الشماخي أن جميع حجج الله على الكفار بل الحجج مطلقًا، إنما بيانها بالعقل، يعني أن الرب سبحانه ألزم المشركين في احتجاجه عليهم أمورًا لا يمكن إنكارها عقلًا، فالعقل قاض بيان تلك الأمور فهو بيان عقلي.\nكما مثّل للبيان بالكتاب بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١]، فهي بيان للنصيب المفروض في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧] ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣].\nوجاء لبيان السنّة بالقول بقوله ﷺ: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\"، فهر بيان لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].\nوالبيان بالإجماع يراه اتفاقًا ممن أثبت حجية الإجماع وذلك نحو ما أجمعوا عليه من أن قول أبي بكر رضوان الله عليه: (وأيم الله لأقاتلن مَن فرق بين الصلاة والزكاة) بيان لقوله ﷺ: \"فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها\".\nقال السالمي: (فبيّن إجماعهم على قول الصدق أن من حقها أن لا يفرق بين الصلاة والزكاة). راجع: \"طلعة الشمس\" (١/ ١٨٨ - ١٩٠).\nأما صاحب \"منهاج الوصول\" من الزيدية: فقد نقل صحة البيان بكل من الأدلة السمعية وهي الكتاب والسنّة المقالية والإجماع والفعل والتقرير، وذكر خلاف أبي علي الدقاق في العقل، وخلاف أبي عبد الله البصري في التقرير، ورد قوليهما محتجًا برجوع الصحابة إلى كل من الفعل والتقرير من سننه ﵊. وبيانه ﷺ بفعله \"صلُّوا كما رأيتموني أصلي\"، \"خذوا عني مناسككم\". راجع: \"منهاج الوصول\" (ق ٣٩ / أ). هذا ويجب أن يعلم أن الإمامية يرون أن المعصومين عندهم هم أئمة البيان بعد النبي ﷺ وذلك من ثمرات اعتقادهم بالإمام وعصمته.\nراجع: \"تهذيب الوصول\" للحلي (ص ٤٦)، \"أصول الفقه الجعفري\" لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة (ص ١١٩).","vol":"1","page":282},{"text":"وهذا لا يعني أن كل أنواع المجمَل، يدرك بيانها بالاجتهاد أو القرائن، فإن هنالك نوعًا من المجمَل عند المتكلمين - وهو المجمّل عند الحنفية - لا يمكن أن يكون بيانه إلا من قِبل الذي أجمله، كما هو الأمر عند الحنفية سواء بسواء.\nج - أما عن المتشابه الذي يجري ذكره في الاصطلاحات المتقدمة: فإن الحديث عنه في الماضي لا يمنعنا من تصنيف القوم من خلال نظرتهم إليه كما يلي:\n١ - المتكلمون ومعهم من الحنفية أبو الحسن الكرخي، وأبو بكر الجصاص ومَن على شاكلتهما قبل القرن الخامس، الذي اصطلحوا على متشابه يمكن أن ينسب إلى نصوص الأحكام التكليفية، ورأينا أنه مع المجمَل على حد سواء، وإن كان هذان الفريقان قد يختلفان في تطبيق القاعدة على بعض الجزئيات.\n٢ - الحنفية بدءًا من القرن الخامس الذي جعلوا المتشابه مما يستأثر الله بعلمه أو يعلمه الراسخون، وأدرجوه - مع ذلك - في زمرةٍ موطنُها نصوص الأحكام التكليفية، وكان ذلك في حيز الكلام النظري الذي لا يمكن أن يتأثر به الواقع العملي؛ لأن الشريعة ومعرفة طبيعة الحكم الذي يراد للمكلف أن يلتزمه، مما يقتضي المعرفة بما هو في حدود التكليف.\n٣ - ابن حزم الذي حصر المبهم من الألفاظ في المجمَل وجعل المتشابه في غير دائرة الشرائع، فلا علاقة له بأي من نصوص الأحكام.\nد - لقد ترتب على هذا التطابق بين المجمَل والمتشابه في نظر المتكلمين أن بحثوا في الإجمال هل يمكن أن يبقى مستمرًا، أم لا بد أن يكون قد حصل له البيان؟\nولقد تناول هذه المسألة أولئك العلماء وقرروا - نتيجة الاستقراء وتمشيًا مع طبيعة التكليف وأنه لا يكون بالمحال -: أنه لا يمكن استمرار الإجمال فيما له علاقة بالتكليف.\nمن هؤلاء العلماء: إمام الحرمين الذي أتى على ذكر المجمَل والمتشابه، وبعد أن بيّن أن المتشابه هو المجمَل: اختار أن كل ما يوجب التكليف العلم به، يستحيل استمرار الإجمال فيه؛ لأن ذلك يجر إلى تكليف","vol":"1","page":283},{"text":"المحال. وما لا يتعلق بأحكام التكليف: لا يبعد استمرار الإجمال فيه، واستئثار الله تعالى بسرٍّ فيه. وقد قرّر ﵀ أنه ليس في العقل ما يحيل ذلك، كما أن السمع لم يرد بما يناقضه (^١).\nولقد عرضنا لهذه النقطة عند ذكر المتشابه في اصطلاح متأخري الحنفية، وأوضحنا هناك أن المتشابه - كما يراه أصحاب هذا الاصطلاح - لا يمكن أن يكون موطنه نصوص الأحكام التكليفية، وأن ذكره بين تلك الأقسام استطرادي. والأولى به والأحرى: علم الكلام.\nلذا، فإن إمام الحرمين، عرض للقضية من خلال هذا التطابق بين المجمَل والمتشابه، حيث أبان - كما سلف - أن ما له علاقة بالتكليف: لا يمكن استمرار الإجمال فيه، وما لا علاقة له به: فلا مانع من استئثار الله تعالى بسرَّ فيه: فإن المؤدى واحد؛ وهو أنه لا إجمال بعد الرسالة، ولا تشابه فيما له علاقة بالأحكام من نصوص الكتاب أو السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-182>ما نراه في تقسيم المبهم:</span>\nونحن بعد ذلك كله نميل إلى اصطلاح الحنفية في تقسيم المبهم من الألفاظ متدرجًا في مراتب الإبهام؛ من خفاء عارض يزول بأدنى تأمُّل وهي حال الخفي، إلى خفاءٍ ذاتي يمكن أن يزول بالقرائن والاجتهاد، وهي حال المشكل، إلى خفاء ذاتي لا يمكن أن يزول إلا ببيان من صاحبه، وهي حال المجمَل … أما المتشابه: فلنا فيه كلام - كما سبق - وهكذا نميل إلى هذا الاصطلاح، مع الاحتفاظ برأينا في المتشابه وذكره على أعلى صعيد من هذه الأقسام، حامدين للمتكلمين صنيعهم في إبعاد ما لا يمكن بيانه وإدراكُه: عن مواطن الأحكام.\nوعلى هذا: فما الذي يمنع من بقاء الخفي والمشكل والمجمَل، والإفادة مما كان عليه الأمر قبل القرن الخامس فيما رأينا عند أبي الحسن الكرخي وأبي بكر الجصاص؟ ما أحسبنا نعدو على الحقيقة، أو نسيء إلى مناهج الاستنباط، إذا سمّينا ذلك المجمّل بالمتشابه على المعنى اللغوي حيث يكون\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان\" لإمام الحرمين (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":284},{"text":"موطنه نصوص الأحكام. ويبقى ذاك المتشابه في دائرة العقيدة وأصول الدين. وهكذا يكون لدينا خفي، ومشكل، ومجمل يمكن أن نصطلح على تسميته أيضًا بالمتشابه، - كما عليه الأكثرون من المتكلمين - مفيدين من المعنى اللغوي، ومما كان عليه فريق من أعلام الحنفية؛ كالكرخي والجصاص.\nوإنا إذ نميل إلى تقسيم الحنفية - كما هو في تدرجه مع مراتب الخفاء باستثناء ذاك المتشابه - فإنما كان ذلك؛ لأنا نرى فيه عونًا على ضبط المبهم من الألفاظ، الأمر الذي يساعد على قدر أكبر من الفهم، والدقة في استنباط الحكم من النص بعد الاستعانة على تفسيره بما يمكن أن يفسره ويزيل غموضه وإبهامه، حسب المرتبة التي هو فيها من الإبهام.\nوأغلب الظن أن التقسيم عند الحنفية كان ثمرة معاناة الطرائق الاستنباط، ومحاولة ربط الفروع بالأصول. فإذا نحن أمام طريقة تأخذ بنا بسهولة ويسر، إلى حيث نعلم مواطن الإبهام ودرجة ذلك الإبهام، ونعلم أي طريق نسلك لتفسير النص وإزالة الغموض، بغية الوصول إلى المعنى المراد، ومعرفة الحكم الذي ينطوي عليه ذلك النص من كتاب الله أو سنّة رسوله صلوات الله وسلامه عليه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-183>من ثمرات الاختلاف في المجمل</span>\nلقد كان من ثمرات اختلاف وجهات النظر بشأن المجمَل: أن وقع الاختلاف في عدد من نصوص الأحكام؛ هل هي داخلة في حدود الإجمال أو لا؟ وقع ذلك بين الحنفية وغيرهم، كما وقع بين المتكلمين بعضهم مع بعض على اختلاف المذاهب، بل وقع في بعضها بين أرباب المذهب الواحد. ونماذج ذلك موفورة في كتب الأصول، كما أن كتب الفروع عمومًا لا يعني أصحابها أنفسهم - في الغالب - من الإلماح إلى مثل هذا الخلاف، كما يرى مثلًا في \"الهداية\" وشروحها حين يعرض لحكم مسح الرأس، وما","vol":"1","page":285},{"text":"هو مقدار ذلك المسح (^١). وسنكتفي هنا بذكر القليل عنوانًا لما وراءه من الكثير:\n١ - فمما جرى الاختلاف في إجماله: الألفاظ التي علّق التحليل والتحريم فيها بأعيان؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] من آية المحرمات في سورة النساء. وقوله جلّ وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].\nأ - فذهب الجمهور إلى أن هذه الألفاظ ليست من المجمَل، ووصف الشيرازي هذا القول بأنه الأصح، وممن قال بذلك: الزيدية (^٢) والإباضية (^٣). ونسبة الإمامية إلى الإمام جعفر الصادق ﵁ (^٤).\nب - وقال الكرخي والبصري وغيرهما: إنها مجملة.\nوكانت حجة الجمهور: أن التحليل والتحريم في مثل هذا، إذا أطلق عُقل منه التصرفات المقصودة لغة في عرف الاستعمال، فالذي يسبق إلى الفهم من قول القائل: هذا طعام حرام، هو تحريم أكله، ومن قول القائل: هذه المرأة حرام، هو تحريم وطئها. وتبادر الفهم عند الإطلاق: دليل الحقيقة.\nوعلى هذا يكون المراد من التحريم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ تحريمَ الوطء؛ لأن ذلك هو المطلوب الذي يعقل من تلك الأعيان، كما يكون المراد منه في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ تحريمَ الأكل، وما عقل المراد من لفظه لا يكون مجملًا. وإلى جانب ذلك استدل صاحب \"منهاج الوصول\" من الزيدية باستدلال الصحابة والتابعين بها على التحريم، ولو كانت مجملة لم يُستدل بها على شيء.\nواحتجّ القائلون بالإجمال: بأن العين لا توصف بالتحليل ولا بالتحريم، وإنما الذي يوصف بذلك: أفعالنا المتعلقة بتلك العين أو الأعيان. فالذي\n_________\n(^١) انظر: \"الهداية\" وشروحها خصوصًا \"العناية\" و\"الفتح القدير\" (١/ ١٠).\n(^٢) راجع: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" (ق ٤١/ أ) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٣) راجع: \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (١/ ١٧٧ - ١٨٠).\n(^٤) راجع: \"نهاية الوصول\" لابن المطهر الحلي (ق ١٢٧/ أ)، \"التهذيب\" للحلي مع شرح \"منية اللبيب\" للحسني (٤٩ - ٥٠)، \"أصول الفقه الجعفري\" للأستاذ أبي زهرة (ص ١٢٠).","vol":"1","page":286},{"text":"يحرم: هو فعل من تلك الأفعال المتعلقة بالأعيان المذكورة، والفعل غير مذكور، وليس بعض الأفعال أوْلى من البعض الآخر، فافتقر إلى بيان ما يحرم منها وما لا يحرم؛ فكان الإجمال لعدم اتضاح المعنى المراد، لعدم إمكان إجراء اللفظ على ظاهره.\nوهذا الكلام - فيما نرى - مدفوع بما احتج به الجمهور؛ فمن المسلّم به أن التحريم لا يضاف إلى الأعيان، وقول هؤلاء: ليس إضمار بعض الأحكام أوْلى من بعض، لا يرد؛ لأن عرف الاستعمال عيَّن المراد كما يعيّنه الوضع. فهذا الاستعمال حقيقة عرفية في اقتضاء إضافة التحريم إلى الفعل المطلوب من العين. وهو فيما نحن بصدده: تحريم الاستمتاع بالنسبة للأمهات. وتحريم الأكل بالنسبة للميتة. وهكذا فلا إجمال؛ لأن البعض متضح متعين بالعرف المذكور (^١).\n٢ - ومما جرى الاختلاف في إجماله أيضًا قوله ﵊ فيما رواه ابن عباس: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\" (^٢) وغير ذلك مما ينفي صفة، والمراد لازمٌ من لوازم هذا النفي.\nأ - وقد ذهب الجمهور إلى أنه غير مجمَل.\n_________\n(^١) راجع: \"اللمع\" للشيرازي (ص ٢٨) \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٤ - ١٥)، ابن الحاجب مع \"شرح العضد\" (٢/ ٨)، \"روضة الناظر\" لابن قدامة (٢/ ٤٦)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٦٩ - ٢٧٠)، \"أصول الحضري\" (ص ١٦٦).\n(^٢) هذا الحديث يروى في كثير من كتب الأصول والفقه، بلفظ: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" وجاء في \"اللآلئ المصنوعة\" قول السيوطي: (لا يوجد بهذا اللفظ. وأقرب ما وجد ما رواه ابن عدي في \"الكامل\" عن أبي بكرة بلفظ: \"رفع الله عن هذه الأمة ثلاثًا: الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه\" ....) وأخرج ابن ماجه (٢٠٤٥) عن ابن عباس يرفعه قال: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" وحكم عليه البوصيري بالانقطاع ورواه ابن حبان عنه يرفعه (٧٢١٩)، وكذا الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٦).\nوانظر: \"المقاصد الحسنة\" للسخاوي (ص ٢٢٨ - ٢٢٩)، \"كشف الخفا ومزيل الإلباس\" للعجلوني (١/ ٤٣٢)، \"المستدرك\" للحاكم (٢/ ١٩٨) وقد أورده بلفظ: \"تجاوز الله عن أمتى … \".","vol":"1","page":287},{"text":"ب - وذهب إلى الإجمال بعض الأصوليين كأبي الحسين أبي عبد الله البصري.\nاحتجّ الجمهور بالعرف الذي يحسب حسابه في مدلولات الخطاب؛ فإن العرف في مثل هذا التعبير قبل ورود الشرع: يعني رفع المؤاخذة ونفي العقوبة، فيكون المقصود الحكمَ الذي علم بعرف الاستعمال قبل الشرع، وهو رفع الإثم، وبذلك يكون اللفظ متضح المعنى، فلا إجمال (^١).\nوقد يرد على ذلك: أنه لو كان عرف الاستعمال، كما ذكر النافون للإجمال، لارتفع الضمان في الحديث، لكون الضمان من جملة المؤاخذات والعقوبات.\nوقد أجاب الآمدي عن ذلك بجوابين:\nالأول: - أنا لا نسلّم أن الضمان - من حيث هو ضمانٌ - عقوبةٌ، ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون وليسا أهلًا للعقوبة، وكذلك يجب على المضطر في المخمصة إذا أكل مال غيره، مع أن الأكل واجب عليه حفظًا لنفسه، وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى صف الكفار فأصاب مسلمًا، مع أنه مأمور بالرمي وهو مثاب عليه.\nالثاني: وإن سلّمنا أنه عقاب، لكن غايته لزوم تخصيص عموم اللفظ الدال على نفي كل عقاب، وذلك أسهل من القول بالإجمال (^٢).\nواحتجّ القائلون بالإجمال: بأن ظاهر اللفظ يقتضي - بوضعه لغة - وضعَ الخطأ والنسيان في نفسه، وذلك موجود، فيجب أن يكون المراد معنًى غيرَ\n_________\n(^١) راجع: \"اللمع\" للشيرازي (ص ٤٩)، \"روضة الناظر\" لابن قدامة (٢/ ٥٠ - ٥١)، ابن الحاجب مع \"العضد\" (٢/ ٢٨٩).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٨ - ٢٠)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٧١). وانظر: \"نهاية الوصول إلى علم الأصول\" للمطهر \"الحلي\" (١٢٧/ أ)، \"التهذيب\" مع \"شرح المنية\" (٤٩ - ٥٠)، \"منهاج الوصول في شرح معيار العقول\" من أصول الزيدية (ق ٤١/ أ)، \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (١/ ١٧٩ - ١٨١)، \"أصول الخضري\" (ص ١٦٨).","vol":"1","page":288},{"text":"مذكور؛ فافتقر إلى البيان، فكان مجملًا. ونقل ابن قدامة عن أبي الخطاب من الحنابلة أنه لو أراد نفي الإثم: لم يكن لهذه الأمة فيه مزية (^١).\nوأنت ترى أن ما قاله هؤلاء المثبتون للإجمال، لا يقوى على رفع ما قاله الجمهور الذين يرهنوا على اتضاح الدلالة من طريق عرف الاستعمال، إذا اتضحت الدلالة، فلا مجال للقول بالإجمال.\nوهكذا رأينا اختلافًا في الحكم على النصوص بالإجمال أو عدمه، نتيجة لاختلاف الأنظار إلى المجمَل، وما يمكن أن يلحقه من بيان.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"روضة الناظر\" لابن قدامة (٣/ ٥١).","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-184>الفصل الثالث التّأويل</span>\n<span data-type='title' id=toc-185>المبحث الأول تطور معنى التأويل ومجاله</span>\n<span data-type='title' id=toc-186>تمهيد:</span>\nيرى المتتبع لمصادر الفقه في الشريعة الإسلامية - أصولًا وفروعًا - الأثر الكبير الذي تركه التأويل في تفسير النصوص واستنباط الأحكام، ثم في اختلاف المجتهدين في مسالك هذا الاستنباط، وما بني عليه من رد الفروع إلى الأصول.\nولقد رأينا أن بعض الألفاظ الواضحة في دلالتها على معانيها، لم يسلم من إمكان التأويل؛ فالظاهر والنص عند الحنفية، والظاهر عند المتكلمين، والنص - على تعريف بعضهم -: كلها واضحة في الدلالة على المعنى المراد، ولكن وضوحها واقع ضمن حدود الاحتمال. لذلك كان لا بد من العناية بإفراد التأويل في مبحث خاص، يوضح حدوده في اللغة وفي عرف السلف، وفي اصطلاح علماء الأصول، ويبين أثره في تفسير النصوص عند استنباط الأحكام.\n* * *","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>المطلب الأول التأويل في اللغة، وفي عرف السلف ومن بعدهم</span>\n<span data-type='title' id=toc-188>أولًا - التأويل في اللغة:</span>\nالتأويل في اللغة هو: من آل الشيءُ يؤول إلى كذا، أي رجع إليه. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى (^١): (التأويل: التفسير، والمرجع والمصير) (^٢).\nوهذا ما قرّره أبو جعفر الطبري حيث قال: (وأما معنى \"التأويل\" في كلام العرب: فإنه التفسير والمرجع والمصير ..\nوأصله من (آل الشيء إلى كذا: إذا صار إليه: يؤول أوْلًا ومآلًا، وأوَّلته أنا: صيّرته إليه).\nوقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] أي جزاء، وذلك أن الجزاء هو الذي آل إليه أمر القوم وصار إليه. وقد أنشد بعض الرواة قول الأعشى:\nعلى أنها كانت تأوَّلُ حُبَّها … تأوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فأَصْحَبَا (^٣)\nوفي \"الصاحبي\" لابن فارس (^٤): التأويل آخر الأمر، وعاقبته، يقال:\n_________\n(^١) هو معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري، كان إباضيًا من أئمة اللغة والأدب، ومن حفّاظ الحديث. قال الجاحظ: لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه. له نحو مائتي مؤلِّف منها: \"مجاز القرآن\"، \"معاني القرآن\"، \"إعراب القرآن\"، \"طبقات الشعراء\". توفي سنة ٢٠٩ هـ.\n(^٢) \"مجاز القرآن\" (١/ ٨٧) طبع سنة ١٣٧٤ هـ. وانظر: \"لسان العرب\".\n(^٣) الربعي: الذي ولد في النتاج، والسقاب: جمع سَقْب بفتح فسكون هو ولد الناقة ساعة وضعه إذا علم أنه ذكر، وأصحب: ذل وانقاد وأطاع ويعني بقوله \"تأول حبها\": تغير حبها ومرجعه. وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرًا في قلبه، فآل من الصغر إلى العظم، فلم يزل يشب حتى أصحب فصار كبيرًا مثل أمه.\nانظر: \"الصاحبي\" لابن فارس (ص ١٦٤)، \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢٠٤).\n(^٤) هو أبو الحسين أحمد بن فارس القزويني أحد أئمة اللغة العربية في القرن الرابع =","vol":"1","page":292},{"text":"إلى أي شيء مآل هذا الأمر: أي مصيره وعقباه. وكذا قالوا في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] أي لا يعلم الآجال والمُدَدَ إلا اللهُ، لأن القوم قالوا في مدة هذه الملة ما قالوه؛ فأُعلموا أن مآل الأمر لا يعلمه إلا الله جلّ ثناؤه، واشتقاق الكلمة من المآل: وهو العاقبة والمصير (^١) ومنه يقال: تأوَّل فلان الآية الفلانية: أي نظر إلى ما يؤول إليه معناها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-189>ثانيًا - التأويل عند السلف:</span>\nويبدو أن التأويل بالمعنى الذي كشفنا عنه في اللغة، كان هو سبيلَ السلف في تحديد معناه، وما يراد به عند أخذ الأحكام من النصوص؛ فالقرآن نزل بلسان عربي، وهم يفهمونه على أساليب العربية ومدلولات ألفاظها في الخطاب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٣): كان لفظ التأويل في عرف السلف، يراد به ما أراده الله تعالى بلفظ التأويل في مثل قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] وقوله: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾\n_________\n= للهجرة. من مصنفاته: \"مقاييس اللغة\"، \"أصول الفقه\"، \"غريب إعراب القرآن\"، \"جامع التأويل في تفسير القرآن\"، \"الصاحبي\" الذي ألّفه لخزانة الصاحب بن عباد. توفي ﵀ في الري سنة ٣٩٥ هـ. وانظر: مقدمة الصاحبي في ترجمة المصنف.\n(^١) راجع: \"الصاحبي\" لابن فارس (ص ١٦٤) وقد روى هناك قول عبدة بن الطبيب:\nوللأحبة أيام تذكرها … وللنوى قبل يوم البين تأويل\n(^٢) راجع: \"مقدمة التفسير\" للراغب الأصفهاني (٤٠٢ - ٤٠٤).\n(^٣) هو أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، الإمام المجاهد، شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، أربت آثاره على ثلاثة آلاف مجلد، من أهم مصنفاته: \"منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية\"، \"الفتاوى\". توفي في دمشق سنة ٧٢٨ هـ.\n\"فوات الوفيات\" لابن شاكر (١/ ٧٧)، \"الأعلام\" (١/ ١٤٠)، \"مقدمة منهاج السنّة النبوية\" (ص ٥ - ٧) لمحققه الدكتور محمد رشاد سالم.","vol":"1","page":293},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ١٠٠، ٦، ٤٥، ٣٧] (^١).\nولقد يؤيد ذلك ما روي عن عائشة ﵂: \"كان النبي ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: \"سبحانك اللهم وبحمدك\"، يتأول القرآن\" (^٢) تعني أنه يفعل ذلك عملًا بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣].\nومثل ذلك ما حدّث به الزهري ﵀ قال: \"قلت لعروة: ما بال عائشة ﵂ تتم في السفر - يعني الصلاة - قال: تأولت كما تأول عثمان، أراد بتأويل عثمان ما روي عنه أنه أتمّ بمكة في الحج، وذلك أنه نوى الإقامة بها\" (^٣).\nحتى من الناحية العملية، كانوا يرون تأويل الكلام حالة كونه أمرًا ونهيًا، هو فعلُ المأمور به نفسه، وتركُ المنهي عنه قال سفيان بن عيينة: (السنّة تأويل الأمر والنهي) (^٤) فكأنه يرى أن التأويل في الأمر والنهي هو بامتثال ما يؤول إليه الطلب فيهما، وهو أن يفعل المؤمن ما أُمِرَ به، وينتهيَ عما نُهِيَ عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-190>ثالثًا - التأويل عند العلماء الأولين:</span>\nويبدو أن العلماء الأولين: لم يختلفوا في فهمهم للتأويل عن نهج السلف قبلهم، ولنأخذ مثالًا لذلك، صنيع الإمامين: محمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن جرير الطبري، في بعض ما خلفاء لنا من آثار.\nفالشافعي - أخذًا من معنى الإرجاع والتصيير - سمّى حمل اللفظ على معنًى من المعاني التي يحتملها: تأويلًا. فالتأويل في هذه الحالة: إرجاع\n_________\n(^١) انظر: \"موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول\" لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١١٩ - ١٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤)، وأبو داود (٨٧٧)، والنسائي (١٠٤٦، ١١٢٢)، وابن ماجه (٨٨٩) وغيرهم.\n(^٣) راجع: \"النهاية\" لابن الأثير (١/ ٥١).\n(^٤) راجع: \"موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول\" لابن تيمية (١/ ١٢٠) وما بعدها.","vol":"1","page":294},{"text":"اللفظ وتصييره إلى واحد من هذه المعاني المحتملة، ولا يكون ذلك إلا بدليل.\nوالاحتمال في نظر الشافعي، واقع حين لا يكون النص على الحكم من آية أو حديث واضحًا بيِّنًا في دلالته على المعنى المراد (^١).\nوفي \"الرسالة\" كثير من النماذج التي تدل على استعمال الشافعي التأويلَ بالمعنى الذي أردناه.\n١ - من ذلك ما جاء في معرض الدفاع عن التغليس بالفجر، في مقابل القول بالإسفار فيه: فقد روى بسنده عن رافع بن خَدِيْجٍ (^٢) أن رسول الله ﷺ قال: \"أسفِروا بالفجرِ، فإن ذلك أعظمُ للأجرِ - أو - أعظمُ لأجورِكم\" (^٣).\nكما روى بالسند أيضًا عن عروة عن عائشة قالت: \"كنَّ - النساءَ من المؤمنات - يصلين مع النبي الصبح، ثم ينصرفن، وهن متلفعاتٌ بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس\".\nولقد كان من دفاع الإمام الشافعي عن مذهبه في التغليس، تأويلٌ للتغليس في حديث عائشة، وتأويلٌ للإسفار في حديث رافع.\nأ - فحديث عائشة - كما يقول - أشبه بكتاب الله؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nومَن قدّم الصلاة في أول وقتها: كان أوْلى بالمحافظة عليها ممّن أخرها\n_________\n(^١) والواضح البيّن الدلالة: هو ما يعبر عنه بالنص حينًا وبالظاهر حينًا. وقد يعبر بالمبين والمفسر وكلها فيما يبدو تحمل عنده معنى الوضوح والبيان بيانًا انقطع معه الاحتمال.\n(^٢) هو الصحابي رافع بن خديج بن رافع الأنصاري الأوسي الحارثي أبو عبد الله، أو أبو خديج، روى عن النبي ﷺ وعن همه ظهير بن رافع: عُرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره، وأجازه يوم أحد فخرج بها وشهد ما بعدها. وقد أصابه سهم يوم أُحد فقال رسول الله ﷺ: \"أنا أشهد لك يوم القيامة\" وانتقضت جراحته زمن عبد الملك بن مروان فمات ﵁ بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ست وثمانين سنة. وانظر: \"الإصابة في تمييز الصحابة\" لابن حجر مع \"الاستيعاب\" لابن عبد البر (١/ ٤٨٣ - ٤٨٤).\n(^٣) حديث صحيح صححه الترمذي وغيره، الترمذي (١٥٤)، أبو داود (٤٢٤)، النسائي (٥٤٨، ٥٤٩) ابن ماجه (٦٧٢). وانظر: (ص ٢٨٢) من \"الرسالة\".","vol":"1","page":295},{"text":"عن أول الوقت، وقد علّل ذلك بقوله ﵀: (وقد رأينا الناس فيما وجب عليهم وفيما تطوَّعوا به يؤمرون بتعجيله إذا أمكن، لما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان والعِلل، الذي لا تجهله العقول) (^١).\nب - كذلك قرّر الشافعي أن خبر رافع بن خديج في الإسفار يوافق خبر عائشة من بعض الوجوه؛ وذلك أن رسول الله - لما حضّ الناس على تقديم الصلاة وأخبر بالفضل فيها -: احتمل أن يكون من الراغبين مَن يقدّمها قبل الفجر الآخر فقال: \"أسفِروا بالفجر\" يعني حتى يتبين الفجر الآخر معترضًا.\nج - وحين سأله مَن يتحدث إليه ويخالفه في مذهبه: أفيحتمل معنًى غير ذلك؟ قال الشافعي: (نعم يحتمل ما قلتَ، وما بين ما قلنا وقلتَ، وكلّ معنًى يقع عليه اسم الإسفار).\nد - وإذ قال السائل: فما جعل معناكم أوْلى من معناها؟ قال الشافعي: (بما وصفت من التأويل، وبأن النبي ﷺ قال: \"هما فجران: فأما الذي كأنه ذنب السّرحان (^٢) فلا يُحِلُّ شيئًا، ولا يحرِّمه، وأما الفجر المعترض: فيُحِلُّ الصلاة ويحرّم الطعام\" يعني: على مَن أراد الصلاة) (^٣).\nوهكذا كان من استدلال الشافعي على تقديم حديث عائشة في التغليس، تأويل حديث رافع: وذلك بالحمل على معنًى من المعاني المحتملة في مراد النبي ﷺ بالإسفار، بعد أن أوّل حديث عائشة بأنه أشبه بكتاب الله.\n٢ - وفي \"الرسالة\" أيضًا سمّى الشافعي الذهاب إلى أحد المعنيين في اللفظ المحتمل تأولًا؛ ففي دفاعه عن حجية خبر الواحد والعمل به: أبان أنه يجوز ترك الخبر، إذا كان الحديث مُحْتمِلًا معنيين، فيتأوّل العالم، فيذهب إلى أحدهما دون الآخر (^٤).\n٣ - وفي باب الاختلاف، وبيان المحرّم منه: لم يعتبر الشافعي التأول عند\n_________\n(^١) \"الرسالة\" (ص ٢٨٩).\n(^٢) السِّرحان: بكسر السين المهملة وسكون الراء: الذئب، وقيل: الأسد.\n(^٣) \"الرسالة\" (ص ٢٨٢ - ٢٩١)\n(^٤) راجع: \"الرسالة\" (ص ٤٥٨ - ٤٥٩).","vol":"1","page":296},{"text":"الاحتمال: من الاختلاف المحرّم؛ فقد ذكر أن كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه منصوصًا بيِّنًا: لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه.\nوما كان من ذلك يحتمل التأويل، ويدرك قياسًا، فذهب المتأول أو القايس إلى معنًى يحتمله الخبر أو القياس - وإن خالفه فيه غيره - لم أقل: إنه يضيّق عليه ضيقَ الخلاف في المنصوص (^١).\nوالطبري - وهو إمام المفسرين - يسمي تفسيره \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\" وفي مقدمة التفسير، وفي ثنايا متن الكتاب: ما يؤيد ذلك ويؤكده.\nفقد جاء في المقدمة: أن تأويل جميع القرآن على ثلاثة أوجه:\nأحدها: ما لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه.\nالثاني: ما خصَّ الله بعلم تأويله نبيَّه ﷺ؛ وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره - واجبِه وندبه وإرشاده -، وصنوفِ نهيه، ووظائفِ حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقاديرِ اللازم بعضَ خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيهِ التي لم يُدْرَك علمُها إلا بيان رسول الله ﷺ لأمته.\nوهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله ﷺ تأويلَه: بنصِّ منه عليه، أو بدلالة - قد نَصَبَها - دالةٍ أمتَهُ على تأويله.\nالثالث منها: ما يعلم تأويله كلُّ ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن. وذلك إقامة إعرابه، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون سواها؛ فإن ذلك لا يجهله أحد من أهل اللسان، دون الواجب من أحكامها التي خصّ الله بعلمها نبيَّه ﷺ، فلا يدرك علمه إلا ببيانه، دون ما استأثر الله يعلمه دون خلقه (^٢).\n_________\n(^١) \"الرسالة\" (ص ٥٦٠).\n(^٢) راجع: \"مقدمة التفسير\" (١/ ٧٤ - ٩٢) هذا وأحق المفسرين - في نظر أبي جعفر - بإصابة الحق في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد السبيل: أوضحهم حجة فيما تأول وفسر، أيًا كان ذلك المتأول والمفسر، بعد أن لا يكون خارجًا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر ذلك، عن أقوال السلف من الأئمة والخلف من التابعين وعلماء الأمة.","vol":"1","page":297},{"text":"أما في ثنايا الكتاب: فهو يسير وفق العنوان الذي وضعه لمؤلَّفه حيث عنى بالتأويل التفسير؛ فتراه يقول عند تفسير الآية: القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه … كذا … وهكذا.\nوعلى سبيل المثال جاء في تفسيره لسورة البقرة: القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [البقرة: ٢٦].\nقال الطبري: (تأويل ذلك …) ثم روى بالسند عن ابن عباس، ومرةً عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ هم المنافقون. ثم جاء بروايات أخرى، واختار ما أراده منها في معنى الآية بالحجة والدليل (^١).\nوفي آية المحرمات من سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] بيّنَ أبو جعفر اختلافَ أهل التأويل في معنى الآية، حيث قال بعضهم: معنى (الدخول) في هذا الموضع: الجماع، وروى ذلك عن ابن عباس بالسند. ثم روى عن عطاء أن (الدخول) في هذا الموضع: هو التجريد.\nوأنت ترى أن كلا المعنيين محتمل للفظ (الدخول) في هذا الموضع. وكان أولى القولين عند الطبري بالصواب في تأويل ذلك: قول ابن عباس من أن معنى (الدخول) الجماع والنكاح. واستدل على حمل اللفظ على هذا المعنى دون غيره: بأن هذا اللفظ لا يخلو معناه من أحد أمرين: إمّا أن يكون على الظاهر المتعارف من معاني الدخول في الناس - وهو الوصول إليها بالخلوة بها - أو يكون بمعنى الجماع. وفي إجماع الجميع: على أن خلوة الرجل بامرأته، لا تحرم عليه ابنتها إذا طلّقها قبل مسيسها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بالشهوة: ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع (^٢).\nوهكذا يتضح من الأمثلة التي سقناها من آثار السلف والعلماء الأولين\n_________\n(^١) انظر: \"التفسير\" (١/ ٤٠٩).\n(^٢) راجع: \"التفسير\" (٨/ ١٤٧ - ١٤٨).","vol":"1","page":298},{"text":"أنهم - كما أسلفنا - كانوا يستعملون التأويل في ضوء معناه اللغوي؛ فإما تفسير وكشف لمعنى اللفظ، أو حمله على معنًى من معاني يحتملها، مصحوبًا ذلك بالمحترزات التي أشير إليها في كلام الشافعيّ وابن جرير الطبري. وكلا الطريقين: ذو نسب إلى المعنى الأول الذي هو الكشف والتفسير، والرجوع والمصير، على ما ذكره الأولون في إيضاح معنى التأويل واشتقاقه في اللغة، ومن أين كان نسب الاشتقاق.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-191>المطلب الثاني التأويل في الاصطلاح</span>\nوبعد الذي عرضنا من مفهوم التأويل في اللغة، واستعمالِ السلف والعلماء الأولين من بعدهم، يحسن أن نقرر أنه: في أعقاب دخول أصول الفقه في طور القواعد المحدَّدة بعد رسالة الإمام الشافعي التي رسمت معالم الأصول، أصبح للتأويل عند الأصوليين معنًى هو أكثر تحديدًا من ذي قبل، وإن كان بينه وبين المعنى الأول صلة قربى. فلقد أخذ التأويل في الاصطلاح عند الأصوليين معنًى يتسق مع وجهتهم في استنباط الأحكام والانصراف عن معنًى إلى معنًى آخر عندما يتوافر الدليل على ذلك؛ فكان عمدة ما قالوه في هذا: أن التأويل: (صرفُ اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنًى مرجوح يحتمله، لدليل دلّ على ذلك) وهذا الصرف لا يقوم على القطع، بل يسير في ساحة الظن؛ ولذلك فرّقوا بينه وبين التفسير في الاصطلاح: بأن التفسير تبيين المراد من الكلام على سبيل القطع. أما التأويل: فإنه تبيين المراد من الكلام على سبيل الظن، ولهذا يحرم التفسير بالرأي: دون التأويل (^١).\n_________\n(^١) راجع: \"التلويح\" مع \"التوضيح\" (١/ ١٢٥). وانظر للتفسير بالرأي: \"مقدمة تفسير الطبري\" (١/ ٧٧ - ٨٠).","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-192>ماهية التأويل عند إمام الحرمين:</span>\nوقد عرّف إمام الحرمين التأويل بأنه: (ردُّ الظاهر إلى ما إليه مآلُه في دعوى المؤوَّل، وإنما يستعمل إذا عُلِّقَ بما يتلقى من الألفاظ منطوقًا أو مفهومًا) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-193>ماهية التأويل عند الغزالي:</span>\nوعرّفه الغزالي في \"المستصفى\" بقوله: (التأويل عبارة عن احتمال بعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-194>بين الغزالي والآمدي:</span>\nواعتبر الآمدي - ومن بعده ابن الحاجب - تعريف الغزالي غير صحيح، لأمور ثلاثة:\nأما أولًا: فلأن التأويل: ليس هو الاحتمالَ نفسه الذي حُمِلَ عليه اللفظ، بل هو حملُ اللفظ عليه نفسه، وفرقٌ بين الأمرين.\nوأما ثانيًا: فلان التعريف غير جامع؛ فإنه يخرج منه التأويل الذي يكون بصرف اللفظ عما هو ظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع، غير ظني، حيث قال الغزالي: (يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دلّ عليه الظاهر).\nوأما ثالثًا: فلان في التعريف أخذًا في حد التأويل من حيث هو تأويل، وهو أعم من التأويل بدليل، ولهذا يقال: تأويل من غير دليل، فتعريف التأويل على وجه يتوافر معه الاعتضاد بالدليل، لا يكون تعريفًا للتأويل المطلق، اللهم إلا أن يقال: إنما أراد الغزالي تعريف التأويل الصحيح دون غيره.\n_________\n(^١) \"البرهان\" (لوحة/ ١٤٠).\n(^٢) راجع: \"المستصفى\" (١/ ٣٧٨).","vol":"1","page":300},{"text":"قال الآمدي: (والحق في ذلك أن يقال: أما التأويل من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن الصحة والبطلان: فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر، مع احتماله له.\nوأما التأويل المقبول الصحيح فهو: حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله، بدليل يعضده) (^١).\nوبمثل ذلك عرَّفه ابن الحاجب فقال: (هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح بدليل يصيِّره راجحًا) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>موقفنا من نقد الآمدي:</span>\nولقد يكون في كلام الآمدي ﵀ ما يدعو إلى الأخذ والرد.\nأما في الأمر الأول: فنحن توافقه على ما ذهب إليه؛ إذ جعلُ الغزالي التأويلَ هو الاحتمالَ الذي حُمل عليه اللفظ: غيرُ مستقيم؛ لأن التأويل حُمِلَ اللفظ عليه نفسه، والاحتمال شرط له، إذ لا يصح حمل اللفظ على ما لا يحتمله. والفرق واضح بينهما.\nولكنه يُخالَف في الأمر الثاني؛ إذ إن الدليل الذي يصير إليه المعنى المرجوح: أغلبَ على الظن من المعنى الذي دلّ عليه الظاهر، لا ينافي أن يكون التأويل سليمًا، فيما إذا كان الدليل قاطعًا، بل هو داخل في التعريف من طريق الأولى، ولكنها ملاحقة الآمدي للغزالي في كل تعريف وفي كل كلمة .. رحمهما الله.\nأما عن الأمر الثالث: فأعتقد أن من الطبيعي أن يكون الغزالي قد قصد تعريف التأويل الصحيح، وسياق كلامه يدل على ذلك.\nولقد كان من الممكن للآمدي أن يعتبر كلام الغزالي مرادًا به التأويل\n_________\n(^١) راجع \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٣/ ٧٣ - ٧٤).\n(^٢) راجع: \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع \"شرح العضد\" (٢/ ٣٠٣).","vol":"1","page":301},{"text":"الصحيح، ثم ينقدَ التعريف على هذا الأساس، ولا يعدّ هذه النقطة إحدى نقاط ثلاث بنى عليها الحكم بعدم صحة التعريف.\nوفي اعتقادنا أن منهج بحث التأويل؛ في تعريفه لغةً، واصطلاحًا، ثم التعرض - بعد ذلك - إلى وضع الموازين للحكم عليه صحة أو فسادًا، قُربًا أو بُعدًا: كافٍ لاعتبار أن التأويل المقصود في الاصطلاح: إنما هو التأويل الصحيح. وإذا كان صنيع البعض أنهم يجنحون - كما فعل الآمدي - إلى تعريفه من وجه الاصطلاح، دون نظر إلى صحة أو فساد، ويضيفون عنصر الدليل، إذا أرادوا تعريف التأويل المقبول؛ فذلك في نظرنا هو الطريق الأسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-196>ابن قدامة وتعريف الغزالي:</span>\nهذا: وقد تفادى ابن قدامة المقدسي بعض ما أُخِذ على الغزالي في تعريفه للتأويل فقال: (التأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمالٍ مرجوحٍ به لاعتضاده بدليل، يصير به أغلبَ على الظن من المعنى الذي دلّ عليه الظاهر).\nفقد خالف الغزالي - مع اتباعٍ له في كثير من الأحيان - في جعل التأويل هو الاحتمالَ نفسَه، ولكنه وافقه في غلبة الظن، وكونهِ عَرَّفَ التأويل الصحيح، والآمدي وابن الحاجب أرادا من الغزالي أن يعرِّف التأويلَ من حيث هو تأويل، وإذا أراد الصحيح، كان عليه التقييدُ باعتضاد الاحتمال بالدليل.\nوإذا كنا قد اختلفنا مع الآمدي وابن الحاجب في بعض نقدهم لتعريف الغزالي، فإنا نرى أن ما جنح إليه ابن قدامة هو الأقرب إلى الذي نريد.\n\n<span data-type='title' id=toc-197>الزيدية والتأويل:</span>\nعرّف أحمد المرتضى صاحب \"منهاج الوصول\" من الزيدية التأويل في","vol":"1","page":302},{"text":"الاصطلاح بأنه: (صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، لقرينة اقتضت ذلك الصرف) أو (قصر اللفظ على بعض مدلوله لقرينة اقتضته).\nوأوضح ذلك بأن قوله ﷺ: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" (^١) قرينة اقتضت قصر العموم في قوله ﵊: \"فيما سقت السماء العشر\" (^٢) على بعض مدلوله (^٣).\nويلاحظ أن هذا التعريف، لا يخرج في جملته عن تعريف الآمدي وابن الحاجب مع شيء من التفصيل. كما أن صاحب \"منهاج الوصول\" قد تابع الآمدي وابن الحاجب في نقدهما تعريف الغزالي.\nولقد أتى صاحب \"منهاج الوصول\" على ذكر تعريف ابن الحاجب للتأويل في الاصطلاح، وهو: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح بدليل بصيِّره راجحًا، وقال: (وهو في معنى ما ذكرناه، خلا أن حدَّنا أرجحُ لكشفه عن الماهية) (^٤) ..\nوالذي نراه أن الأمر في التعريفين لا يحتمل هذه الأرجحية لتعريف الزيدية. فالخطب سهل، وتعريف ابن الحاجب صورة لأثر الضوابط المنطقية التي فرضت نفسها على علم أصول الفقه في تلك الأيام. ومحاولة المرتضى تفضيل تعريف الزيدية بأنه كشف عن الماهية، في حين أن تعريف ابن الحاجب لم يكشف عن ذلك: ظلٍّ لذلك الأثر المنطقي الجدلي.\n* * *\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ٢٣٨).\n(^٢) من حديث ابن عمر الذي أخرجه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا مسلمًا، البخاري (١٤٦٣)، أبو داود (١٥٩٦) الترمذي (٦٤٠)، النسائي (٢٤٦٧)، ابن ماجه (١٨١٢). وانظر \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٤٩ - ١٥٢).\n(^٣) راجع: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" (ق / ٤٨ - ٤٩) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٤) راجع: المصدر السابق (ق / ٤٩).","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-198>المطلب الثالث مجال التأويل</span>\nلعل من المفيد - ونحن في معرض التعرُّف على مجال التأويل - أن نعرض للنقطتين الأساسيتين في هذا المضمار وهما: أن العمل بالظاهر هو الأصل، ثم الكشف عن الذي يدخله التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-199>أولًا - العمل بالظاهر هو الأصل:</span>\nمن المتفق عليه عند جمهور الأمة أن الأصل في أخذ الأحكام من النصوص: عدم التأويل، وأن العمل بالمعنى الظاهر من النص: واجب، ولا يسوغ العدول عن الظاهر إلا بدليل يقتضي هذا العدول؛ فالعام على عمومه حتى يرد ما يخصصه، والمطلق على إطلاقه حتى يرد ما يقيده، وكذلك: الأمر على مدلوله في الوجوب حتى يقول الدليل على صرفه عن الوجوب إلى غيره، فالظاهر الذي تعرفه العرب من مخاطباتها، والذي يبدو للباحث لأول وهلة معنًى لألفاظ النص لا يعدل عنه إلى الباطن؛ - وهو الذي يدرَك من طريق البحث والتنقيب - إلا بدليل؛ وذلك ما قرره الأئمة، وأوضحه العلماء الأثبات.\nقال الإمام الشافعي في معرض حديثه عن نهي رسول الله ﷺ عن الصلاة في بعض الأوقات (^١) واحتمال الكلام أكثر من معنًى: (وهكذا غير هذا من حديث رسول الله ﷺ، هو على الظاهر من العام، حتى تأتي\n_________\n(^١) وذلك فيما روى مالك (٢٧) وأحمد (٥٥٨٦) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار من عبد الله، وأحمد (٥٥٨٦) عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها. ونهى رسول الله من الصلاة في تلك الساحات\".\nوانظر: \"الرسالة\" (ص ٣٢٠)، والحديث رواه الشافعي عن مالك أيضًا في \"اختلاف الحديث\" (ص ١٢٥ - ١٢٦) وفي \"الأم\" (١/ ١٣٠). وانظر: \"جامع الأصول\" (٣٣٣٤)، ابن ماجه (١٢٥٣) النسائي في \"الكبرى\" (١٤٥٨).","vol":"1","page":304},{"text":"الدلالة عنه كما وصفت، أو بإجماع المسلمين: أنه على باطن دون ظاهر (^١)، وخاصٍّ دون عام، فيجعلونه بما جاءت عليه الدلالة، ويطيعونه في الأمرين جميعًا) (^٢) وأكّد ذلك في موطن آخر فقال: (كل كلام كان عامًا ظاهرًا في سنّة رسول الله، فهو على ظهوره وعمومه، حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدل على أنه إنما أُريد في الجملة العامة في الظاهر: بعض الجملة دون بعض، كما وصفت من هذا، وما كان في مثل معناه) (^٣) وبالواضح من البيان اتجه الشافعي إلى تقرير هذا الأصل في كتابه \"اختلاف الحديث\" (^٤).\nفالقرآن عربي، والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها؛ ليس لأحد أن يحيل منها ظاهرًا إلى باطن، ولا عامًا إلى خاص، إلا بدلالة من كتاب الله، فإن لم تكن، فسنّة رسول الله تدل على أنه خاص دون عام، أو باطن دون ظاهر، أو إجماع من عامة العلماء الذين لا يجهلون كلهم كتابًا ولا سنّة، وهكذا السنّة.\nويرى الشافعي أن الوقوف عند الظاهر، وعدم الجنوح إلى الباطن والتأويل إلا بدليل: فيه العصمة عن الضياع في تعدد المعاني المحتملة، وانعدام الحجة لأحد على أحد.\nكما يرى الإمام ابن إدريس، أنه لو جاز في الحديث أن يحال شيء منه عن ظاهره إلى معنًى باطن يحتمله، كان أكثر الحديث يحتمل عددًا من\n_________\n(^١) (الظاهر) في كلام الشافعي والطبري وغيرهما - كما يبدو في عدة مواطن - يراد به: ما تعرفه العرب من كلامها في مخاطباتها، أما (الباطن) فهو ما يدركه العلماء من طريق الفقه والاستنباط، وليس (الباطن) الذي يتسلح به أهل الضلالة والأهواء عند تفسيرهم للنصوص، فيؤولون تلك التأويلات الباطلة التي لا يصلها بالعربية نسب، ولا تتفق مع مفهومات الشريعة في قليل ولا كثير.\n(^٢) \"الرسالة\" (ص ٣٢٢).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٣٤١).\n(^٤) انظر: \"اختلاف الحديث\" بهامش الجزء السابع من \"الأم\" (ص ٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":305},{"text":"المعاني، ولا يكون لأحد ذهب إلى معنًى منها: حجة على أحد ذهب إلى معنًى غيره، ولكن الحق فيها واحد؛ لأنها على ظاهرها وعمومها؛ إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ، أو قول عامة أهل العلم بأنها على خاص دون عام، وباطن دون ظاهر، إذا كانت - إذا صرفت إليه عن ظاهرها - محتملة للدخول في معناه (^١).\nأما أبو جعفر الطبري: فتفسيره الجامع يفيض بما يؤكد هذا المعنى، فهو كثيرًا ما يقول: (وغير جائز ترك الظاهر المفهوم إلى باطن لا دلالة على صحته) (^٢).\nوفي موطن من المواطن عند تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة] يذكر أن الأوْلى بالصواب أن يقال: (هو عام في كل ما قضاء الله وبرأه، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم. وغير جائز إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان) (^٣).\nوالخطابي (^٤) من رجال المائة الرابعة للهجرة: أوضح هذا الأمر في كتابه \"معالم السنن\" شرح سنن أبي داود بطريقة الاختيار أكثر من مرة. فعند ذكره لما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: \"مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\".\n_________\n(^١) راجع: المصدر السابق (ص ٢٧ - ٢٨).\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٥)، وراجع: (١/ ٧٢) التعليق رقم ٢ لأستاذنا محمود محمد شاكر.\n(^٣) راجع: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٤٦).\n(^٤) هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي أبو سليمان من نسل زيد بن الخطاب أخي عمر بن الخطاب فقيه محدث من أئمة الشافعية في القرن الرابع الهجري، بين العلماء خلاف حول حقيقة اسمه هل هو \"حمد\" بسكون الميم أو \"أحمد\" قال ﵀: اسمي \"حمد\" وكتبها الناس \"أحمد\" فتركته. من مصنفاته: \"معالم السنن\" شرح علمي رائع لـ \"سنن أبي داود\" بطريقة الاختيار \"شرح البخاري\" و\"إصلاح غلط المحدثين\" و\"غريب الحديث\" وغير ذلك، وله شعر أورد منه الثعالبي في \"يتيمة الدهر\" نتفًا جيدة، توفي ﵀ سنة ٣٨٨ هـ.","vol":"1","page":306},{"text":"قال أبو سليمان: (في هذا بيان أن كل شيء نهى عنه ﷺ من عقد نكاح، وعقد بيع، وغيرهما من العقود، فإنه منقوض مردود؛ لأن قوله: \"فهو رد\" يوجب ظاهره إفساده - يعني الأمر المحدَث - وإبطاله، إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير الظاهر، فيترك الكلام عليه لقيام الدليل فيه. والله أعلم) (^١).\nوعندما روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: \"ألا هلك المتنطّعون\" - ثلاث مرات - قال الشيخ الخطّابي: (المتنطّع: المتعمّق في الشيء، المتكلف للبحث عنه، على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم. فيه دليل على أن الحكم بظاهر الكلام، وأنه لا يترك الظاهر إلى غير ما كان له مساغ وأمكن فيه استعماله) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-200>ثانيًا - ما الذي يدخله التأويل؟</span>\nيرى الباحث أن ما يمكن أن يدخله التأويل قسمان:\nالقسم الأول: أغلب نصوص الأحكام التكليفية؛ لأن عوامل الاحتمال موفورة. ولا ضرر في ذلك ما توافر للفقيه دين يعصمه، واستقامة تُبعده عن الوقوع في مزالق الهوى، وتنأى به عن الانحراف، إلى جانب ما يلزم توافره من المعرفة بالعربية، وطرائق الخطاب في الكلام والسنّة، ومناهج العلماء في ذلك، حين يراد له أن يحمل مسؤولية استنباط الأحكام من كتاب الله وسنّة رسوله - صلوات الله عليه - المبين عن الله ما أراد.\nوقد علمنا من قريب، أنه حتى بعض أقسام الواضح عند الحنفية والمتكلمين: تحتمل التأويل …\n_________\n(^١) انظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٤/ ٢٩٩).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٣٠٠). وانظر لابن القيم في \"إعلام الموقعين\" (١٣/ ١١٩ - ١٢٢) كلامًا ضافيًا ونقولًا عن الشافعي حول هذه النقطة من أن الواجب حمل الكلام على ظاهره الذي هو ظاهره وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب، ولا يتم الفهم والتفهيم إلا بذلك.","vol":"1","page":307},{"text":"القسم الثاني: أصول الدين: كالعقائد وصفات الباري ﷿، وفواتح السور .. إلخ، على رأي البعض.\nوقد أطال العلماء في ذلك، وكان المجال متسعًا لبيان الآراء والمذاهب عند قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران].\nواصطراعُ المذاهب بالنسبة إلى السلف والخلف: معروف في مظانه من كتب التفسير والحديث وأصول الدين، وليس مما يدخل في موضوعنا: تفصيلها الآن (^١) كما أشرنا في مبحث المتشابه (^٢).\n_________\n(^١) ذكر الشوكاني في \"إرشاد الفحول\" خلاصة واقية لهذه المذاهب، فبيّن أن العلماء اختلفوا على ثلاثة مذاهب.\nالأول: أن لا يدخل التأويل فيها؛ بل تجرى على ظاهرها ولا يؤول شيء منها. وهذا قول المشبهة.\nالثاني: أن لها تأويلًا، ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. قال ابن برهان: وهذا قول السلف.\nالثالث: أنها مؤولة. قال ابن برهان: والأول من هذه المذاهب باطل. والآخران منقولان عن الصحابة، ونقل المذهب الثالث عن علي وابن مسعود وابن عباس وأُم سلمة.\nونقل الشوكاني عن إمام الحرمين والغزالي والرازي ما يفيد عودتهم إلى مذهب السلف فقال: (وهؤلاء الثلاثة هم الذين وسّعوا دائرة التأويل وطوّلوا ذيوله قد رجعوا آخرًا إلى مذهب السلف. وحكى الزركشي عن ابن دقيق العيد أنه قال: ونقول في الألفاظ المشكلة أنها صحة وصدق - وعلى الوجه الذي أراده الله. ومَن أوَّل شيئًا منها فإن كان تأويله قريبًا على ما يقتضيه لسان العرب، وتفهمه في مخاطباتها، لم ننكر عليه ولم نبدّعه. وإن كان تأويله بعيدًا توقفنا عنه واستبعدناه، ورجعنا إلى القاعدة في الإيمان بمعناه مع التنزيه).\n\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٧٦ - ١٧٧) وانظر: \"البحر المحيط\" للزركشي، مخطوطة دار الكتب المصرية، و\"مقدمة تفسير الطبري\" (١/ ٧٥ - ٩٣)، و\"إعلام الموقعين\" لابن القيم (٤/ ١٤٥ - ٢٥٣).\n(^٢) انظر ما سبق (ص ٢٥٧).","vol":"1","page":308},{"text":"هذا: ونحب أن نبادر إلى تقرير أن أنواعًا كثيرة من التأويل تجري في ميدان الاستنباط، منها: حمل الحقيقة على المجاز، وحمل المشترك على أحد معنيبه أو معانيه، وحمل المطلق على المقيد (^١)، وحمل العام على الخاص، وحمل الأمر على غير الوجوب، والنهي على غير التحريم، إلى غير ذلك مما يأتي في موطنه من البحث.\nومما ذكره صاحب \"مفتاح الوصول\" (^٢) من التأويل: الإضمار. وقد مثّل له باحتجاج القائلين بجواز عبور المسجد للجنب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]. إذ أضمر أصحاب هذا القول محذوفًا مقدرًا وهو (موضع الصلاة) فكان تأويل قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ لا تقربوا موضع الصلاة.\nوالذي ساعدهم على هذا التأويل: أنه لما استثني من النهي عابرو السبيل، دلّ ذلك على أن المراد موضع الصلاة، وهو المسجد، لا الصلاة نفسها، وتقييد جواز العبور بالسفر؛ بأن يراد بعابري السبيل: المسافرون لا دليل عليه، والعبور إنما يكون في المسافات القصيرة.\nوالقول بجواز العبور في المسجد: ذهب إليه ابن مسعود، وابن عباس، والشافعي وأصحابه ﵏.\nوقد وهِم التلمساني، فجعل تطبيق المثال منوطًا بمذهب مالك ﵀،\n_________\n(^١) المطلق: لفظ خاص منتشر في أفراده، لم يقيَّد بقيد لفظي يقلل شيوعه. والمقيّد: لفظ خاص قيّد بقيد لفظي قلل من شيوعه.\n(^٢) هو محمد بن أحمد الحسني أبو عبد الله، المشهور بالشريف التلمساني من المالكية، كان على براعة في علوم الشريعة وعدد غيرها من العلوم، من العلماء الذين تخرّجوا على يديه أبو إسحاق الشاطبي وابن خلدون، من مصنفاته: \"مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول\". توفي ﵀ سنة ٧٧١ هـ.","vol":"1","page":309},{"text":"مع أن مذهب مالك وأصحابه منع دخول المسجد بإطلاق؛ وحجتهم ما رواه أبو داود بالسند عن أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ قال: \"لا أحل المسجد لحائض ولا جنب\" ومثله ما رواه ابن ماجه عن أم سلمة أيضًا، وإن كان في الحديث قيل وقال من ناحية السند (^١).\n* * *\n_________\n(^١) راجع: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، \"مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول\" للتلمساني (ص ٥٧). وانظر: أبو داود (٢٣٢)، ابن خزيمة (١٣٢٧).\nهذا: وقد عرض ابن رشد لمسألة التأويل في الآية في كتابه \"بداية المجتهد\" فبعد أن بيّن أن للعلماء من دخول المسجد للجنب ثلاثة أقوال هي: منع ذلك بإطلاق وهو مذهب مالك وأصحابه. منع ذلك إلا لعابر فيه، لا مقيم وهو مذهب الشافعي وآخرين. إباحة ذلك للجميع وهو - فيما يحسب ابن رشد - مذهب قوم منهم داود وأصحابه، قال بعد ذلك: (وسبب اختلاف الشافعي وأهل الظاهر هو تردد قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ الآية [النساء: ٤٣]، بين أن يكون في الآية مجاز حتى يكون هنالك محذوف مقدّر وهو موضع الصلاة، ويكون عابرو السبيل استثناء من النهي عن قرب موضع الصلاة، وبين أن لا يكون هناك محذوف أصلًا، وتكون الآية على حقيقتها، ويكون عابر السبيل هو المسافر الذي عدم الماء وهو جنب، فمن رأى أن في الآية محذوفًا أجاز المرور للجنب في المسجد).\nقال ابن رشد: (وأما من منع العبور في المسجد: فلا أعلم له دليلًا إلا ظاهر ما روي عنه ﵊ أنه قال: \"لا أحل المسجد لجنب، ولا حائض\" وهو حديث غير ثابت عند أهل الحديث). انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٤٨).","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-201>المبحث الثاني شروط التأويل وأنواعه</span>\n<span data-type='title' id=toc-202>المطلب الأول شروط التأويل </span>(^١)\nوهكذا يقرر أئمة الشرع أن الأصل عدم التأويل، وأن التأويل خلاف الأصل، ولا يعدل عن الأصل إلى خلافه إلا بدليل.\nوعلى هدي هذا الأصل، وحفاظًا على نصوص الشريعة من نزعات الهوى: وضع الأئمة شروطًا دلّهم عليها الاستقراء، وما تمليه روح الشريعة ومقاصدها، والحفاظ على سلامة الخطاب - كما يدركه أهل اللسان وأئمة الاستنباط -؛ فهذه الشروط لا يعتبر التأويل صحيحًا مقبولًا إلا بتوافرها. فما استوفى شروطه: فهو المقبول، وإلا فهو الفاسد المردود. ومن أهم هذه الشروط ما يأتي:\n١ - أن يكون المعنى الذي أُوِّل إليه اللفظ من المعاني التي يحتملها\n_________\n(^١) إذا كنا نثبت هنا شروط التأويل من حيث هو؛ فإنه لا بد لمن يقوم بهذه المهمة أن يكون أهلًا للتأويل لأن التأويل نوع من أنواع الاجتهاد. وقد أفاض العلماء في ذكر الشروط التي يجب أن تتوافر للمجتهد سواء أكان مجتهدًا مطلقًا يفتي في جميع الأحكام، أم كان مجتهدًا في حكم أو أحكام خاصة.\nراجع: \"الموافقات\" للشاطبي (٤/ ١٠٥ - ١١٨)، \"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل\" لعبد القادر بدران (ص ١٨٣ - ١٨٦) وانظر: \"المدخل للفقه الإسلامي\" للدكتور محمد سلام مذكور (ص ٢٨٦ - ٢٩١)، \"أصول الفقه\" للأستاذ البرديسي (ص ٤٦٧ - ٤٧٢).","vol":"1","page":311},{"text":"اللفظ نفسه، ويدل عليها بطريق من طرق الدلالة، بمنطوقه أو مفهومه: على ما سنبيّنه فيما بعد. ويكون في الوقت نفسه موافقًا لوضع اللغة - ولو على سبيل المجاز - أو عرف الاستعمال، أو عادة صاحب الشرع … وذلك بالإضافة إلى كون اللفظ ظاهرًا فيما عُرِفَ عنه، وهذا يشمل - كما قدّمنا - الظاهر والنص عند الحنفية، والظاهر عند غيرهم.\nفالعام: إذا صرف عن العموم، وأريد به بعض أفراده بدليل: فهو تأويل صحيح، لأن العام يحتمل الخصوص، وحين يراد به بعض أفراده، فقد أوّل إلى معنًى يحتمله. والمطلق: إذا صُرِف عن الشيوع وحمل على المقيد بدليل فهو تأويل صحيح؛ لأن المطلق يحتمل التقييد، وحين حُمِلَ على المقيد: فقد أُوِّل إلى معنًى يحتمله. كذلك الحقيقة إذا صَرِفتْ إلى المجاز بقرينة مقبولة، فهو تأويل صحيح؛ لأنه صرف اللفظ إلى معنًى يحتمله بدليل.\nومن ذلك في أحكام الفقه: صرفُ الشاة عن ذاتها إلى قيمتها، نظرًا إلى غرض الشارع، أو ما يمكن أن يسمى حكمة التشريع: فهو تأويل صحيح، وإن كان الحكم على قربه أو بعده من المختلف فيه كما سيأتي.\nومثل ذلك: لو صرف البيع عن معناه الحقيقي إلى الهبة، لقيام الدليل على أنه تمليك بالمجان، فهو تأويل صحيح؛ لأنه صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنًى يحتمله.\nأما إذا كان المعنى الذي صرف إليه اللفظ: من المعاني التي لا يحتملها اللفظ نفسه، ولا يدل عليها بوجه من وجوه الدلالة، فلا يكون التأويل صحيحًا مقبولًا؛ فلو أريد بالشاة: البقرة أو الجمل، وأريد بالبيع: الوقف، أو أريد بالقرء: غير الحيض أو الظهر، مع أن العربية أطلقته عليهما فقط، اعتبر التأويل غير صحيح، ورُدَّ على صاحبه، لأنه تحميل للفظ ما لا يحتمله، وخروج عن سَنَنِ الشرع في لغته، أو عادته، أو عُرْفِ استعماله.\n٢ - أن يقوم على التأويل دليل صحيح، يدل على صرف اللفظ عن","vol":"1","page":312},{"text":"الظاهر إلى غيره (^١) وأن يكون هذا الدليل راجحًا على ظهور اللفظ في مدلوله.\nوذلك لأن الأصل في عبارات الشارع، ونصوص أحكامه: أنها قوالب لمدلولاتها الظاهرة، والواجب العمل بهذه الظواهر، إلا إذا قام دليل العدول عنها إلى غيرها.\nفالمطلق على إطلاقه هو الظاهر، ولا يعدل عن هذا الظاهر الشائع إلى التقييد، إلا بدليل يدل على إرادة هذا القيد، وظاهر الأمر: الوجوب، فيجب العمل بهذا الظاهر، ولا يُحْمَلُ الأمر على الندب أو الإرشاد إلا بدليل. وكذلك النهي: ظاهره التحريم، فلا يتحقق مدلوله إلا بالكف، أما العدول إلى الكراهة مثلًا: فلا يقبل إلا بدليل.\nوهكذا دلّت نصوص هذه الشريعة وروحها: أن مما يستقيم مع المنهج العام لاستنباط الأحكام: أن لا يُؤَوَّل الكلام، فيصرف عن معناه الظاهر إلى غيره: إلا بسند لهذا التأويل (^٢).\nولقد اعتبر إمام الحرمين أن المراتب في هذا المجال ثلاث:\nفإما تأويل مقبول: وذلك حين تقديم الدليل الذي يقوى على صرف الكلام عن الظاهر.\nوإما تأويل مردود غير سائغ: وذلك حين لا يقوى الدليل على صرف اللفظ عن ظاهره، إلى معنًى محتمل.\nوإما تعارض: وذلك حين يستوي المؤول وما عَضَدَ التأويلَ به.\nقال في \"البرهان\": (يعتبر المؤول بما يعضد التأويلَ به: فإن كان ظهور المؤول زائدًا على ظهور ما عُضِدَ التأويل به: فالتأويل مردود. وإن كان ما\n_________\n(^١) راجع: \"روضة الناظر وجنة المناظر\" لابن قدامة (٢/ ٣١ - ٣٢)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٧٧).\n(^٢) راجع: \"الروضة الناظر\" (٢/ ٣٣).","vol":"1","page":313},{"text":"عضد التأويل به أظهر: فالتأويل سائغ معمول به. وإن تساويا وقع ذلك في رتبة التعارض).\nوهكذا: ليس المطلوب عند الجويني، الدليل فقط، بل الدليل الذي يصلح سندًا للتأويل، بحيث يقوى على الصرف عن الظاهر إلى غيره.\nهذا: وقد يكون الاحتمال بعيدًا جدًّا، فيحتاج إلى دليل في غاية القوة. وقد يكون قريبًا فيكفيه أدنى دليل. وقد يكون متوسطًا فيَحتاج إلى دليل متوسط (^١).\nوقد اختلفت أنظار العلماء من الحنفية والمتكلمين حول تقديم بعض الأدلة وقوتها على إمكان الصرف عن الظاهر إلى غيره: وذلك كما يرى في تخصيص العام بخبر الواحد والقياس؛ فالحنفية لا يرون ذلك، والشافعية ومَن معهم يذهبون إليه، كما سيأتي:\nومثل ذلك الخلاف في تقييد المطلق في بعض الحالات، وغير ذلك من أمور سنعرض لها في موطنها من البحث.\nوعلى كل: فالدليل الذي يُبْنَى عليه التأويل: قد يكون قرينة، أو نصًا شرعيًا، وقد يكون قياسًا أو مبدأً من مبادئ الشريعة، وقد يكون غرض الشارع فيما من أجله كان الحكم.\nوالقرينة: تارة تكون متصلة بالظاهر المراد تأويله، وتارة تكون منفصلة عنه.\nأ - ويمكن التمثيل للقرينة المتصلة - كما في \"نزهة الخاطر\" - بما حصل بين الإمامين الشافعي وأحمد في شأن الرجوع بالهبة، وحكم العائد بهبته.\nفقد روى صالح وحنبل عن الإمام أحمد أنه قال: كلمت الشافعي في أن الواهب ليس له الرجوع فيما وهب لقوله ﵊: \"العائد\n_________\n(^١) راجع: \"روضة الناظر\" لابن قدامة مع \"نزهة الخاطر\" البدران (٢٢/ ٣).","vol":"1","page":314},{"text":"في هبته كالكلب يعود في قيئه\" (^١) فقال الشافعي - وهو يرى أن له الرجوع -: ليس بمحرّم على الكلب أن يعود في قيئه.\nقال أحمد: فقلت له: فقد قال النبي ﷺ: \"ليس لنا مثل السوء\" فسكت - يعني الشافعي - فالشافعي تمسك بالظاهر، وهو أن الكلب لم يحرم عليه الرجوع في قيئه؛ فالظاهر أن الواهب إذا رجع، مثله في عدم التحريم، لأن الظاهر من التشبيه استواء المشبه والمشبه به من كل وجه، مع احتمال أن يفترقا من بعض الوجوه، احتمالًا قويًا جدًّا.\nفضعف حينئذ جانب أحمد في الاستدلال جدًّا؛ لأنه لم يبقَ معه إلا احتمال ضعيف قوّاه بالقرينة المذكورة، وهي قوله ﵊ في صدر الحديث المذكور: \"ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالعائد في قيئه\" وهو دليل قوي. وجعل ذلك مقدّمًا على المثل المذكور وهو دليل الاهتمام به.\nفأفاد ذلك لغةً وعرفًا، أن الرجوع في الهبة مَثل سوء، وقد نفاه صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع يحرم إثباته، فلزم من ذلك عدم جواز الرجوع في الهبة فيجب نفيه.\nوهكذا لا يكون جائزًا للواهب الرجوع في هبته، لأن ذلك مثَلُ سوءٍ نفاه الشارع (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أصحاب الكتب السنة: البخاري (٢٥٨٩)، ومسلم (١٦٢٢)، أبو داود (٣٥٣٨)، الترمذي (١٢٩٨)، ابن ماجه (٢٣٨٥)، النسائي (٣٦٩٠) عن ابن عباس. وانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ١٢٦).\n(^٢) راجع: \"روضة الناظر\" لابن قدامة مع \"الشرح\" لبدران (٢/ ٣٤) هذا وقد أتى الشارح بمثال للقرينة المنفصلة من مسائل الفقه وهي ما ذكره الفقهاء في باب السير: فيمن جاء من أهل الجهاد بمشرك، فادعى أنه أمَّنه وأنكر المسلم فادعى أسره. ففيها أقوال: ثالثها أن القول قول من ظاهرٌ الحال صِدقه: فلو كان الكافر أظهر قرة، وبطشًا، وشهامة من المسلم؛ جعل ذلك قرينة في تقديم قوله، مع أن قول المسلم لإسلامه وعدالته أرجح، وقول الكافر مرجوح، لكن القرينة المنفصلة عضدته حتى صار أقوى من قول المسلم الراجح، والله أعلم. وانظر: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٤٤٧).","vol":"1","page":315},{"text":"ب - ومما ينبني على نص شرعي في التأويل: حكم مشروعية الانتفاع بجلد الميتة (^١)؛ فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ظاهر في تحريم جلدها دبغ أو لم يدبغ؛ لأن اللفظ عام يتناول جميع أجزائها، غير أن في الآية احتمال أن يكون الجلد غيرَ مراد بالعموم، من جهة أن إضافة التحريم إلى الميتة، يقتضي عرفًا تحريم الأكل، والجلد غير مأكول، فلا يتناوله عموم التحريم.\nوقد قوي هذا الاحتمال بما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"أيَّما إهاب دبغ فقد طهر\" (^٢) والحديث ظاهر عام، يتناول بعمومه إهاب الميتة.\nولكن حديثًا آخر ورد في شاة أُهديت لمولاة ميمونة، فماتت، حيث قال رسول الله ﷺ فيما رواه ابن عباس: \"هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به\" فقالوا: إنها ميتة، فقال: \"إنما حرم أكلها\" (^٣).\nفهذا النص جعلنا نحكم بسلامة التأويل الذي يقضي بإخراج ما دبغ من جلود الميتة، وحِلِّ الانتفاع به: من عموم التحريم في الآية الكريمة (^٤).\nج - ومثل ذلك ما ورد في شأن الدم من الآية نفسها، فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] يشمل بعمومه تحريم الدم المسفوح وغير المسفوح، وقد صرف هذا العام عن عمومه بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ\n_________\n(^١) تعددت المذاهب في حكم الانتفاع بجلد الميتة بشكل عام. وإذا سلم الانتفاع فهل يشمل الكلب والخنزير أم لا؟ ذكر النووي في شرحه على مسلم سبعة مذاهب، وأفاض الشوكاني في ذلك. وعلى كلٍّ فقد نسب القول بعدم الانتفاع بجلد الميتة وأنه لا يظهر شيء من جلود الميتة بالدباغ، إلى عمر بن الخطاب وولده عبد الله وعائشة، وهو إحدى الروايتين من أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك \"نيل الأوطار\" (١/ ٧٣/ ٧٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣١٩٨)، ومسلم (٣٦٦)، وأبو داود (٤١٢٠)، والترمذي (١٧٢٨)، وابن ماجه (٣٦٠٩)، والنسائي (٤٢٤١).\n(^٣) رواه أصحاب الكتب السنة: البخاري (٢٢٢١) و(٥٥٣١)، مسلم (٣٦٣)، أبو داود (٤٢١٠)، الترمذي (١٧٢٧)، النسائي (٤٢٣٧)، ابن ماجه (٣٦١٠)، وأحمد (٢٣٦٩) بألفاظ مختلفة، وانظر: \"منتقى الأخبار\" للمجد بن تيمية مع \"نيل الأوطار\" للشوكاني (١/ ٧٢ - ٧٥).\n(^٤) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ١٠)، \"البدائع\" للكاساني (١/ ٨٥ - ٨٦)، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" و\"العناية\" (١/ ٦٣)، \"نزهة الخاطر\" لبدران شرح \"روضة الناظر\" لابن قدامة (٢/ ٣٥).","vol":"1","page":316},{"text":"فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فأفادت الآية الثانية تخصيص الآية الأولى؛ وذلك ببيان أن المراد بالدم المحرّم: هو الدم المسفوح. وهكذا تساعد الآية الثانية التي ذكر فيها الدم المسفوح على تأويل الدم في الآية الأولى - وهو ظاهر عام يشمل المسفوح وغيره - بالدم المسفوح؛ فهو الحرام وما عداه حلال (^١).\nد - وقد يمثل لتأويل الظاهر بالقياس الراجح بمسألة الإطعام في كفارة القطع؛ فالله تعالى لم يذكر الإطعام في كفارة القتل الخطأ. وتركُ ذلك ظاهر في عدم وجوبه، إذ لو كان واجبًا لذكره كما ذكر التحرير والصيام. وعلى مذهب من يرى القياس في مثل هذا الباب، يمكن إثبات الإطعام في كفارة القتل قياسًا على إثباته في كفارة الظهار والصيام؛ لأن الكفارات حقوق الله تعالى، وحكم الامتثال واحد؛ فثبوت الإطعام في تلك الكفارات: تنبيه على إثباته في كفارة القتل (^٢) وسيأتي لذلك نظائر في حينها إن شاء الله.\nهـ - ومن تأويل الظاهر بغرض الشارع أو حكمة التشريع: تأويل الحنفية في شأن الزكاة بعضَ الذوات بقيمتها، ففي قوله ﷺ: \"في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة\" (^٣) صرفوا نص الحديث عن ظاهره الدال على أن الذي\n_________\n(^١) \"نزهة الخاطر\" لبدران (٢/ ٣٥)، \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٤٦٧).\n(^٢) راجع: \"روضة الناظر\" لابن قدامة مع \"نزهة الخاطر\" لبدران (٢/ ٣٥). وانظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢١٧)، \"تخريج الفروع على الأصول\" (ص ٥٦ - ٥٧).\n(^٣) اختلفت الروايات التي جاءت على ذكر سائمة الغنم في حديث الصدقة الذي رواه أنس عن أبي بكر ﵁؛ فرواية البخاري: \"وفي صدقة الغنم في سائمتها\" وعند أحمد في \"مسنده\" وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم في \"المستدرك\" جاءت الرواية بلفظ: \"وفي سائمة الغنم من كل أربعين شاة شاة … إلخ\" وهذه الرواية ذكرها ابن حزم في \"المحلى\" وفي رواية لأبي داود: \"وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين … إلخ\" وأخرج البيهقي في \"سننه الكبرى\": \"وصدقة الغنم في سائمتها .. \".\nانظر: \"صحيح البخاري\" مع \"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٢٠٦)، \"سنن النسائي\" (٥/ ٢٨)، \"معالم السنن\" للخطابي (٢/ ١٩)، \"المحلى\" لابن حزم (٦/ ٤٦)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ١٠٠)، \"الجامع الصغير\" للسيوطي مع شرحه للعزيزي (٣/ ٣٠)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٣٤ - ١٤٠)، \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني تحقيق المؤلف (ص ٧٣).","vol":"1","page":317},{"text":"يجزئ عن الأربعين شاةً: شاةً بعينها إلى قيمة الشاة المالية، فليس الضروري عندهم عين الشاة، بل يمكن أن تجزئ القيمة، ذلك أن حكمة التشريع نفع الفقير، ونفع الفقير - كما يتحقق بالشاة - يتحقق بقيمتها، بل قد يكون من الأنفع للفقير أن يعطى القيمة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-203>المطلب الثاني أنواع التأويل</span>\nقدّمنا أن الدليل الذي ينبني عليه التأويل، يجب أن يكون راجحًا على ظهور اللفظ في المعنى الذي يدل عليه، لذا كان طبيعيًا أن يسير مع درجة القرب أو البُعد للاحتمال. ومن هنا كان التأويل على مراتب: فقد يكون قريبًا، وقد يكون بعيدًا، وقد يكون في مرتبة هي أدنى إلى القرب، وفي أخرى أدنى إلى البُعد، وهي مرتبة التوسط. والواجب لكل نوع من هذه الأنواع مرجّحٌ يتناسب معه؛ فالتأويل القريب يكفي فيه أدنى مرجح، وعلى عكسه: البعيد، فيحتاج إلى المرجح القوي لجعله راجحًا على المعنى الظاهر من الكلام.\nوعلى كلٍّ: فلذوق الفقيه المتأول الأثر الكبير في اعتبار هذه المراتب، وتقويم حدودها، كما يظهر ذلك من تتبُّع الأمثلة، والنماذج في كتب الأصول والفروع …\nوها نحن أولاء نقدّم صورًا لكل من التأويل القريب والتأويل البعيد في نظر الباحثين، تضيء السبيل لما بينهما، مما هو أدنى إلى القرب أو أدنى إلى البُعد، حسب اتجاهات العلماء في الحكم على التأويل، ومرجحات ما يذهب إليه كل فريق.\n\n<span data-type='title' id=toc-204>من التأويل القريب:</span>\nأ - فمن التأويل القريب ما روى البيهقي عن الشافعي في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أنه قال: (إلا وجهها","vol":"1","page":318},{"text":"وكفَّيها) (^١) فتأوّل الشافعي (ما ظهر منها) بالوجه والكفَّين، إذ هما مظنّة الظهور. ورجح تأويلَه ما روي عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق ﵁ دخلت عليها، وعندها النبي ﷺ، في ثياب شامية رقاق، فضرب رسول الله ﷺ إلى الأرض ببصره وقال: \"ما هذا يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا\" وأشار إلى كفه ووجهه (^٢).\nب - ومنه أيضًا: تأويل الصلاة بالعزم عليها في قوله جلّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة]\nفإن القيام إلى الصلاة في هذه الآية مصروف عن معناه الظاهر إلى معنًى قريب محتمل، وهو العزم على أداء الصلاة.\nوالذي رجع هذا الاحتمال: أن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلفين بعد الشروع في الصلاة، إذ الوضوء شرط لصحتها، والشرط يوجد قبل المشروط لا بعده. وهو معنًى قريب يتبادر فهمه بمجرد قراءة الآية، أو سماعها (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-205>من التأويل البعيد:</span>\nأ - ومن التأويل البعيد: ما جنح إليه القائلون بوجوب مسح الرجلين في الوضوء لا غسلهما (^٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.\n_________\n(^١) راجع: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٨٤).\n(^٢) راجع: المصدر السابق (٧٦٧).\n(^٣) انظر: \"أصول الفقه\" لأستاذنا الشيخ زكريا البرديسي (ص ٣٨٩ - ٣٩٠)، \"دلالة الكتاب والسنّة على الأحكام الشرعية\" للشيخ زكي الدين شعبان (ص ١٧).\n(^٤) \"نهاية الوصول إلى علم الأصول\" للمطهر الحلي (ق ١٤٠) مخطوطة دار الكتب المصرية، \"المختصر النافع\" في فقه الإمامية لأبي القاسم الحلي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ (١/ ٦).","vol":"1","page":319},{"text":"وقد احتجُّوا بقراءة الجر في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وأن ذلك كان عطفًا على قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ وقراءة الخفض قراءة صحيحة سبعية؛ فجوّز التأويلَ بالمسح عندهم، هذا الاحتمالُ الذي جاء من هذه القراءة.\nولكن في الآثار واللغة ما يجعل هذا التأويل بعيدًا؛ فقد ثبت في الصحاح مداومته ﷺ على غسل الرجلين. ولم يثبت المسح عنه من وجه صحيح. وأمر بالغسل صراحة، وذلك فيما ورد من حديث جابر ﵁: \"أمرنا رسول الله ﷺ إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا\" (^١).\nكما ثبت أن رسول الله ﷺ قال بعد أن توضأ وضوءًا غسل فيه قدميه: \"فمَن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم\" (^٢) ولا شك أن المسح بالنسبة للغَسل نقص.\nوقد قال رسول الله ﷺ للأعرابي: \"توضأ كما أمرك الله\" ثم ذكر له صفة الوضوء، وفيها غسل الرجلين (^٣). وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقِبَه فقال: \"ويْلٌ للأعقاب من النار\" وقد أجمع الصحابة أيضًا على الغسل (^٤).\nوإلى جانب هذه الآثار: ثبت عن العرب استعمال المسح بمعنى الغسل، إذ إن المسح في كلامهم يكون غسلًا ويكون مسحًا، ومنه يقال: مسح الله\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٣٧٧). وانظر: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (١/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٢) أخرجه من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص: أحمد (٦٦٨٤)، أبو داود (١٣٥)، والنسائي (١٤٠) وفي \"الكبرى\" (٩٠)، وابن ماجه (٤٢٢) وابن خزيمة (١٧٤) وهو حديث حسن. وانظر: \"نيل الأوطار\" للشوكاني (١/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٣) انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ١٨٥) وانظر: حديث عمرو بن عبسة في \"سنن النسائي\" (١/ ٩١ - ٩٢) مع شرح السيوطي وحاشية السندي حيث قال السيوطي هناك عند قول الرسول ﷺ لعمرو بن عبسة: \"وغسلت رجليك إلى الكعبين\": (فيه تصريح بأن وظيفة الرجلين هي الغسل لا المسح).\n(^٤) \"مسلم\" (٥٧٢) من رواية أبي هريرة ﵁، وراجع: \"معالم السنن\" للخطابي (١/ ٥٠ - ٥١)، \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (١/ ٧٢)، \"نيل الأوطار\" (١/ ١٨٥ - ١٨٦).","vol":"1","page":320},{"text":"ما بك، أي: غسلك وطهّرك من الذنوب، ولذا قالوا: إن المراد بقراءة الخفض هو الغسل المراد بقراءة النصب التي لا احتمال فيها.\nثم: إن قراءة النصب في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ صريحة في عطف الأرجل على الأيدي، فتحمل قراءة الخفض على المجاورة (^١).\nعلى أن هنالك آثارًا عن الصحابة، تعطي أن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل؛ لبيان الترتيب في المغسول قبل الرجلين، والتقدير: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم).\nهذا: وقد ذكر القرطبي في \"تفسيره\" عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قرأ الحسن والحسين - رحمة الله عليهما - على عليٍّ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ أي بالخفض - فسمع علي ذلك - وكان يقضي بين الناس فقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ - يعني بالنصب - هذا من المقدم والمؤخر من الكلام، وروي عنه \"اغسلوا الأقدام إلى الكعبين\" (^٢).\nوهكذا يكون تأويل الآية بترك الغسل للرجلين، والاكتفاء بالمسح، تأويلًا بعيدًا، ويكون التأويل القريب المقبول حمل قراءة الخفض على قراءة النصب، لما ثبت من الآثار، ولما يشهد به صحيح اللغة واستعمال مَن بلُغتهم أُنزل الكتاب (^٣).\nب - ومن التأويل البعيد أيضًا: ما نسب إلى الشافعية في قول الرسول ﷺ: \"مَن ملك ذا رحمٍ محرم فهو حر\" (^٤) فقد حملوا ذا الرحم\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان\" (لوحة ١٥٦)، \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٨٩).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٩١ - ٩٣).\n(^٣) راجع: \"معالم السنن\" (١/ ٥٠ - ٥١)، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (١/ ٨)، \"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٥ - ٦).\n(^٤) رواه أحمد (٢٠١٦٧) وأبو داود (٣٩٤٩)، والترمذي (١٣٦٥)، وابن ماجه (٢٥٢٤) عن الحسن من رواية سمرة. وفي لفظ الأحمد \"فهو عتيق\". وبهذا اللفظ أيضًا أخرجه البيهقي من حديث ابن عمر ﵄. انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١٠/ ٢٨٩)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ٨٧).","vol":"1","page":321},{"text":"المحرم، على مَن هم عمود النسب فقط، وهم الأصول والفروع، وممن ذكر ذلك عنهم: أحد كبار أئمتهم الجويني وتابعه الآمدي وآخرون.\nقال إمام الحرمين في \"البرهان\": (إن صحّ أن رسول الله ﷺ قال: \"مَن ملك ذا رحم محرم فهو حر\" فلا يصح تأويل متّبعي الشافعية إذ يؤولون يحمل اللفظ على الذين هم عمود النسب وهم الأصول والفروع) (^١).\nهذا ما ذكره إمام الحرمين الجويني.\nأما ما يدل عليه الحديث من الحكم، وموقف الشافعي ﵀ ومتبعيه. فالذي ذكره الخطابي في \"معالم السنن\": أن أكثر أهل العلم على أن مَن ملك ذا رحم محرم عتق عليه. روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة وهو قول الحسن، وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي، والزبير، والحكم، وحماد. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان وأحمد وإسحاق (^٢).\nوقال الإمام مالك: يعتق عليه الولد، والوالد، والإخوة، ولا يعتق عليه غيرهم (^٣).\nقال أبو سليمان: (وقال الشافعي: لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته، ولا يعتق عليه أحد من ذوي قرابته ولحمته) (^٤).\nوتأويل الحديث على شكل يخصص ذوي الرحم المحرم بعمود النسب الذين هم الأصول والفروع فقط: تأويل بعيد ..\nفالحديث - كما يبدو - ظاهر الورود في تأسيس قاعدة، وتمهيد أصل في سياق الشرط والجزاء، والتنبيه على حرمة الرحم المحرم وصلته.\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان\" (لوحة ١٥٦).\n(^٢) انظر: معالم السنن (٤/ ٧٢)، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" و\"العناية\" (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢).\n(^٣) انظر: \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" للدردير (٤/ ٣٦٦).\n(^٤) راجع: \"معالم السنن\" (٤/ ٧٢)، \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٨٤).","vol":"1","page":322},{"text":"وهو قوي الظهور في قصد التعميم لكل ذي رحم محرم، وذلك مما يمتنع معه التأويل بالحمل على الأصول والفروع دون غيرهم (^١).\nوينسب إلى الشافعي ومَن وافقه على هذا الحكم: الاستدلال بقياس قرابة غير الوالدين والأولاد، على قرابة ابن العم؛ فقرابة ابن العم لا يتعلق بها ردُّ الشهادة، ولا تجب بها النفقة مع اختلاف الدين، كما أنها لا توجب التعصيب، فلتكن قرابة غير الوالدين والأولاد كذلك؛ فلا توجب العشق بالقرابة.\nوأمر آخر: هو أن هذا القريب، لو استحق على قريبه العنق عليه بالقرابة، لمُنع من بيعه إذا اشتراه، وهو مكاتَب كالولد والوالد. غير أن هذا القياس لم يكن مرضيًا عند الباحثين، لأنه جاء في مقابل نصوص ناطقة بأن مِلك ذي الرحم المحرم يوجب حريته.\nقال الشوكاني: (ولا يخفى أن نصب مثل هذه الأقيسة في مقابلة حديث سمرة وحديث ابن عمر: مما لا يلتفت إليه منصف) (^٢).\nهذا ومما يزيد في بُعد هذا التأويل: أنه لو كان القصد في الحديث مَن هم عمود النسب دون غيرهم، لما كانت هناك حاجة إلى العدول عن تخصيصهم بالذكر، إلى النطق بصيغة عامة تشملهم، وتشمل غيرهم، والأصل أن الظاهر على ما يدل عليه، ولا دليل يعطي قصر ذي الرحم المحرم الوارد في الحديث على فئة معينة من الأقرباء، إلا ما كان من\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٨٤).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٨٨) هذا: وحول الحديث كلام قاله بعض المحدثين، وقد دافع ابن حزم عن رواية ابن عمر \"فهو عتيق\" وقال: (هذا خبر صحيح تقوم به الحجة) وممن تبعه في الدفاع عن الحديث ابن التركماني في كتابه \"الجوهر النقي\" المطبوع مع \"سنن البيهقي\" وجزم بصحة الاحتجاج بالحديثين من رواية سمرة ورواية ابن عمر. وأكد الشوكاني في \"نيل الأوطار\" أن ما قيل في الحديثين - يعني روايتَيْ سمرة وابن عمر - ساقط لأنهما يعتقدان فيصلحان للاحتجاج.\nانظر: \"الجوهر النقي\" لابن التركماني (١٠/ ٨٩ - ٩٠)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٦/ ٨٨).","vol":"1","page":323},{"text":"القياس الذي لم يعتبر؛ لأنه جاء في مقابل نص سليم، قرر العلماء صلاحيته للاحتجاج، ومفهوم الخطاب فيه عام شامل.\nولعل ذلك كله، هو الذي جعل المحققين من قديم يحكمون ببطلان هذا التأويل. وذلك ما قرره صاحب \"البرهان\" الذي جاء على ذكر هذا التأويل عند الشافعية ثم قال: (وهو باطل عند ذوي التحقيق) (^١).\nوهكذا يكون تأويل \"ذوي الرحم المحرم\" بـ \"مَن هم عمود النسب فقط\": تأويلًا بعيدًا بشهادة العلماء المحققين؛ ذلك أنه لا يستند إلى دليل يقوى على صرف الظاهر عن مدلوله العام في ذي الرحم المحرم، إلى ذلك المعنى الآخر البعيد. واحتمالٌ بعيدٌ هذا البُعد: لا يكفي في ترجيحه الأدنى من الدليل، بل لا بد له من دليل قوي يتناسب مع بُعد الاحتمال.\n* * *\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان\" لإمام الحرمين (لوحة ١٥٦). وانظر: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٨٤) فما بعدها.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-206>المبحث الثالث من ثمرات الاختلاف في الحكم على التأويل</span>\n<span data-type='title' id=toc-207>تمهيد:</span>\nلما كان للتأويل أثره الواضح في مسائل الاختلاف الفرعية المستنبطة من النصوص، فقد درج المتكلمون الأصوليون من شافعية وغيرهم، على إيراد مجموعة تأويلات لبعض من نصوص الأحكام يرونها من تأويلات غيرهم البعيدة؛ ودلّ ذلك في نظرهم على بطلان أو ضعف مأخذ بعض الأحكام الفقهية التي دار حول مسائلها الاختلاف، والتي استنبطها العلماء من هذه النصوص عن طريق التأويل الذي اعتبروه تأويلًا بعيدًا، لا غناء في الدليل الذي قام عليه، وكان هو منزع صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى ذلك المعنى المرجوح المحتمل.\nوسنذكر عددًا من هذه الأحكام، غير ناسين ما قررناه من قبل أن الذوق الفقهي يلعب دوره الهام في الحكم على التأويل، بكونه قريبًا أو بعيدًا، وعلى مجاله بين القرب والبُعد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-208>المطلب الأول من أحكام النكاح والكفارة والزكاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-209>أولًا - مَن أسلم وعنده أربع نسوة أو أختان:</span>\n١ - روى الإمام الشافعي عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ: \"أمسك أربعًا وفارق","vol":"1","page":325},{"text":"سائرهن\" (^١).\nفالذي يدل عليه ظاهر الحديث: أن الكافر إذا أسلم، وعنده أكثر من أربع نسوة، له أن يبقيَ في عصمته مَن شاء منهن بحدود الأربع، وعليه أن يفارق الباقيات.\nوإلى هذا ذهب الشافعي ومالك وأحمد وداود (^٢)، وذكر ابن شداد (^٣) في كتابه \"دلائل الأحكام\" أن محمد بن الحسن رجع إلى هذا القول حين ناظره الشافعي في هذه المسألة (^٤).\nوقد ذهب إلى غير هذا أبو حنيفة والثوري (^٥).\nولقد أوّل الحنفية قول الرسول ﷺ: \"أمسك أربعًا وفارق سائرهن\" بأن المراد: ابتدئ زواج أربع منهن، إن كان الزواج بعقد واحد. وفارق سائرهن بأن لا تبتدئ العقد عليهن، وأمسك الأوائل منهن، إن كان الزواج مرتّبًا بعقدٍ لكل منهن، وفارق سائرهن: أي الأواخر.\n_________\n(^١) حول الرواية، يلفظ \"أمسِك\" كلام معروف في كتب الحديث وقد فصّل الترمذي القول فيه، وذكر ذلك البيهقي، والذي رواه أحمد (١١٢٨)، والترمذي، وابن ماجه (١٩٥٣) \"أسلم غيلان الثقفي على عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا\" وزاد أحمد في رواية: \"فلما كان في عهد عمر، طلّق نساءه وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن أن الشيطان فيما يسترق من السمع، سمع بموتك فقذف في نفسك، ولعلك لا تمكث إلا قليلًا. وأيم الله لتراجعن نساءك، ولتراجعن مالك، أو لأورثهنَّ منك ولآمرن بقبرك أن يُرجم كما رُجم قبر أبي رغال\"، وأبو رغال رجل من ثمود.\nانظر: \"ترتيب مسند الشافعي\" للسندي (٢/ ١٦)، \"الأم\" (٤/ ١٨٠)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١٨٣)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٧٠)، \"جامع الترمذي\" ص ٢٦٤.\n(^٢) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٥٢)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٩)، \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٦٢٠ - ٦٢١).\n(^٣) هو يوسف بن رافع بن تميم الأسدي أبو المحاسن بهاء الدين، ابن شداد. مؤرخ من كبار قضاة الشافعية وهو شيخ المؤرخ ابن خلكان. من مصنفاته: \"دلائل الأحكام\" في الحديث \"الموجز الباهر\" في الفروع \"ملجأ الحكام عند التباس الأحكام\" في القضاء، توفي سنة ٦٣٢ هـ.\n(^٤) مخطوطة الأحمدية في مكتبة أوقاف حلب (ق ٢٣٤).\n(^٥) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٢/ ٥١٦)، \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٤٩).","vol":"1","page":326},{"text":"وهكذا يكون الحكم بناء على هذا التأويل: أنه إن نكحهن معًا، فليس له إمساك واحدة منهن، وإن نكحهن متفرقات، أمسك أربعًا من الأوليات.\nوقد استند الحنفية في هذا التأويل إلى القياس؛ وذلك بتشبيه العقد على النسوة قبل الإسلام، بالعقد عليهن بعد الإسلام.\nفالمسلم إذا تزوج أكثر من أربع زوجات في عقد واحد، كان الزواج باطلًا في حق كل واحدة منهن وعليه أن يفارقهن جميعًا، وله بعد ذلك أن يتزوج بأربع منهن إذا شاء.\nولو تزوج أكثر من أربع في عقود مرتبة لكل واحدة منهن: لم يصح نكاح الزوائد على الأربع، ووجب عليه المفارقة، حتى لا يبقى في عصمته أكثر من أربع زوجات، وقوفًا عند حدود الشريعة. وبهذا القياس حكَم الحنفية في هذه الحالة - على الكافر إذا أسلم - حُكمهم على المسلم.\nولقد كان من الممكن أن يستقيم لهم أمر هذا القياس فيكون التأويل قريبًا، لولا عدة قرائن حقّت بالظاهر، فقوّته وباعدت الاحتمال، مما جعل تأويلهم غايةً في البُعد.\nأ - فالذي يسبق إلى الأفهام من لفظ الحديث: الاستدامة، لا ابتداء النكاح.\nب - كما أن الذي تدل عليه المفارقة هو: التسريح، لا ترك النكاح.\nج - ثم: إن هذا الخطاب وقع لغيلان بن سلمة، وهو حديث عهد بالإسلام، وليس له معرفة بأحكام الحلال والحرام من نكاح ولا غيره. ولو كان الحكم الذي أوّل الحنفية إليه الحديث هو المراد، لبيّنه الرسول ﷺ، وما أحوج رجلًا قريب عهد بالإسلام إلى بيان حكم لا يوقف عليه إلا بالبيان، خصوصًا في أمر يتوقف عليه استحلالُ يضع المرأة، وضبطُ الأنساب بين الناس (^١).\nد - يضاف إلى ذلك أنه لم يُنقَلْ تجديد عقد قط، لا من غيلان ولا من غيره، مع كثرة الكفار الذين أسلموا، ووجود رسول الله ﷺ المبين عن الله بين ظهرانيَهم.\n_________\n(^١) راجع: \"فتح القدير\" مع \"الهداية\" (٢/ ٥١٦).","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>موقف صاحب \"منهاج الوصول\":</span>\nولقد حاول أحمد المرتضى من الزيدية الدفاع عن تأويل الحنفية، فقرر أن اعتبار هذا التأويل بعيدًا: لا وجه له، فإن قوله: \"أمسك أربعًا\" يحتمل العقد احتمالًا ظاهرًا. أما القول بأنه لم ينقل تجديد عقد: فلعله أمسك الأوائل، فلم يُحْتَجْ إلى التجديد، إذ لم يصح أنه عقد على العشر في عقد واحد (^١).\nوأنت ترى أن الدفاع عن التأويل: يكاد يكون أضعف من التأويل نفسه.\nوهكذا وقع المتأولون في هذه المسألة بحكم مبني على تأويل جد بعيد؛ لأنهم أرادوا ترجيح الاحتمال البعيد بقياس ضعيف، في مقابل ظاهر قوي، مع أن البعيد من الاحتمالات، لا يقوى على ترجيحه على الظاهر، إلا القويُّ من الأدلة.\n٢ - وبمثل ما مرّ: تأوّل الحنفية حديث فيروز الديلمي، الذي روي أنه قال: \"أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما\" (^٢).\nفقد قاسوا فيروز الديلمي - وهو كافر أسلم - على المسلم؛ فكان تأويل \"طلق إحداهما\" فارقهما إذا كان العقد واحدًا، ثم تزوج بواحدة منهما إن شئت. وإذا كانتا بعقدين مرتبين، فزواج الأولى صحيح، وعليك أن تفارق الثانية؛ لأن زواجها لم يصح.\nوما قيل هناك عن هذا التأويل والحكم عليه بالبُعد: يقال هنا.\nولكن مما يزيد في ضعف تأويلهم هنا، ما جاء في بعض الروايات من لفظ: \"اختر أيهما شئت\" كان ذلك في رواية الترمذي، الأمر الذي دلّ صراحة على أن الترتيب غير معتبر (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" في أصول الزيدية (ق ٤٩) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٢) رواه أحمد (١٨٢٠٥)، وأبو داود (٢٢٤٣)، والترمذي (١١٢٨)، وابن ماجه (١٩٥٣)، وفي لفظ للترمذي (١١٢٩): \"اختر أيهما شئت\". وانظر: \"الأم\" للشافعي (٤/ ١٨١)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٧٠)، \"بلوغ المرام\" للحافظ ابن حجر مع \"سبل السلام\" للصنعاني (٣/ ١٤٨) \"جامع الترمذي\": (ص ٢٦٤).\n(^٣) \"الأم\" (٤/ ١٨٠ - ١٨١)، \"المستصفى\" للغزالي (١/ ٣٩٠ - ٣٩٢)، \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع شرحه للعضد (١/ ٣٠٤)، \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٧٦ - ٧٩).","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>ثانيًا - مسألة الإطعام في الكفارة:</span>\nأجمع أهل العلم على أن الواجب على المظاهر، إذا لم يجد الرقبة في كفارة الظهار، ولم يستطع الصيام: هو إطعام ستين مسكينًا، كما أمر الله في كتابه وكما جاء في سنّة نبيه ﷺ (^١).\nوقد ذهب مالك والشافعي وأحمد - في الراجح عنه - إلى أن الواجب إطعام ستين مسكينًا، لا يجزئه أقل من ذلك.\nواستدلوا على مذهبهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ فهو يدل دلالة ظاهرة على وجوب إطعام هذا العدد (^٢).\nوذهب أبو حنيفة وأحمد - في رواية حكاها عنه القاضي أبو الحسين - وزيد بن علي والناصر: إلى أنه لو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه ذلك. قالوا: وهذا في الإباحة من غير خلاف (^٣).\nأما الحنفية ومَن معهم: فقد أوّلوا النص القرآني بحَمْلِه على أن الواجب إطعام طعام ستين مسكينًا، ويجزئ ذلك بإعطاء هذا المقدار من الطعام ولو\n_________\n(^١) الظهار: أن يقول الرجل المسلم لزوجه: أنت عليّ كظهر أمي، وفي القرآن الكريم والسنة المطهرة بيان لحكم الله في هذا الأمر، وتفصيل ذلك يُرى في مظانه من كتب الفقه، قال تعالى في سورة المجادلة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾.\nوقد روى أبو داود (٢٢١٤) حديث خويلة بنت مالك بن ثعلبة التي قالت: \"ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه فأنزل الله ﷺ آية الظهار فقال: \"يعتق رقبة\" فقلت: لا يجد، قال: \"يصوم شهرين متتابعين\" قلت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: \"فليُطعم ستين مسكينًا\"، قلت: ما عنده من شيء يتصدّق به، قالت: فأتي ساعتئذ بعَرَق تمر، قال: \"قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينًا وارجعي إلى ابن عمك\" قالت: والعرق ستون صاعًا. وانظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٣٥٢).\n(^٢) راجع: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٣٥٢)، \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ٣)، \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٣٦٩)، \"بلوغ المرام\" مع \"سبل السلام\" (٣/ ٨٩).\n(^٣) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٣/ ٢٤٣)، \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٣٦٩).","vol":"1","page":329},{"text":"لمسكين واحد، وهكذا قدّروا لفظ (طعامِ) قبل (ستين) فكأن الآية قالت: (أو إطعام طعام ستين مسكينًا).\nواحتجوا لهذا التأويل: بأن المقصود من الآية التعريفُ بالقدر الذي يجب إطعامه لهذا العدد من المساكين؛ وذلك لسد الخلة، ودفع الحاجة، والحاجة تتجدد في كل يوم، فدفع حاجة مسكين واحد ستين يومًا كدفع حاجة ستين مسكينًا في يوم واحد. ثم إن هذا المسكين لم يستوفِ قوت يوم من هذه الكفارة، فجاز أن يعطى منها كاليوم الأول (^١).\nوقد حُكم من قبل الآخرين على هذا التأويل بالبُعد؛ وذلك للاعتبارات التالية:\nأ - إن المنصوص عليه ستون؛ فلا يجوز العدول عن هذا العدد، وفي التأويل المذكور اعتبار لفظ لم يذكر في الكلام وهو (طعام) وإلغاء للمنصوص عليه وهو العدد (ستون).\nب - ثم إن في إطعام ستين مسكينًا إحياءً لجماعة من المسلمين، وكفايتُهم يومًا واحدًا، فيتفرغون متعاونين في هذا اليوم لعبادة الله ﵎، ولدعائه لمن وجبت عليه الكفارة، فيغفر الله له ذلك، ويعم الانتفاع.\nج - وأخيرًا فإن القول بإجزاء إطعام هذا العدد من المساكين لواحد منهم: عمل بعلة تعود على ظاهر النص بالإبطال - كما قال ابن الحاجب وابن دقيق العيد (^٢) -. فالنص (إطعام ستين مسكينًا) والعمل في ظل التعليل بالحاجة: جعل مآله (فإطعام طعام ستين مسكينًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-212>موقف الغزالي من هذا التأويل:</span>\nلقد حكى الغزالي الشافعي في \"المستصفى\" ما يشعر بعدم استنكاره بل وقبوله تقريبًا للتأويل الذي جنح إليه الحنفية؛ فالاحتمال في نظره واقع، إذ يجوز أن يكون ذكر المساكين لبيان مقدار الواجب، ويكون المعنى: فإطعام\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" و\"العناية\" (٣/ ٢٤٣).\n(^٢) راجع: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ١٣).","vol":"1","page":330},{"text":"طعام ستين مسكينًا. ولقد قرر الغزالي أن لسان العرب يتسع لهذا التأويل، وإن كان دليل المؤولين تجريد النظر إلى مسألة سدِّ الخلّة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-213>موقف الكمال بن الهمام:</span>\nأما الكمال بن الهُمام من الحنفية: فقد اتجه غير اتجاه الحنفية في الحكم ولم يرتضِ ما جنحوا إليه من التأويل.\nوقد بنى مخالفته لهم، وسلوكه سبيل الجمهور في المسألة، على أن حكم إطعام ستين مسكينًا نصت عليه الآية الكريمة. ومن المتفق عليه: أنه لا يجوز العمل بعلة تعود على ظاهر النص بالإبطال - كما سلف من قريب - والتعليلُ الذي بنى عليه الحنفية تأويلهم: من هذا القبيل.\nولذلك نراه يقول في \"فتح القدير\" عند تعليقه على ما ذُكر في \"الهداية\" وشرحها حول المسألة (^٢): (إن الله تعالى نص على ستين مسكينًا، ويتكرر الحاجة في مسكين واحد: لا يصير هو ستين. فكان التعليل بأن المقصود سد خلة المحتاج - والحاجة تتجدد في كل يوم فالدفع إليه في اليوم الثاني كالدفع إلى غيره - مبطلًا لمقتضى النص فلا يجوز) (^٣).\nهذا: وقد أوضح ابن الهمام أن غاية ما يعطيه كلامهم - يعني المتأولين - أنْ يتكرَّر الحاجة يتكرر المسكين حكمًا، فكان تعددًا حكمًا، وردَّ على ذلك\n_________\n(^١) قال ﵀: (وليس هذا - يعني التأويل المذكور - ممتنعًا في لسان العرب، نعم دليله تجريد النظر إلى مسألة سد الخلة). انظر: \"المستصفى\" (١/ ٤٠١).\n(^٢) انظر: \"فتح القدير\" مع \"الهداية\" (٣/ ٢٤٣)، \"التحرير\" لابن الهمام وشرحه \"التيسير\" (١/ ١٤٦).\n(^٣) وقد استشهد ابن الهمام على أن الحنفية أشد موافقة لعدم اعتبار تعليل يبطل مقتضى النص: بمسألة ما إذا ملْك مسكينًا واحدًا وظيفة ستين بدفعة واحدة، فإنه لا يجوز لأن التفريق واجب بالنص، فيكون المدفوع كله عن وظيفة واحدة كما إذا رمي الجمرات السبع بمرة واحدة، تحتسب عن رمية واحدة، مع أن تفريق الدفع غير مصرّح به. وإنما هو مدلول التزامي لعدد المساكين الستين. فالنص على العدد أولى لأنه المستلزم. انظر: \"فتح القدير\" (٣/ ٢٤٤).","vol":"1","page":331},{"text":"بما فيه مقنع لمن أراد، وأكد المعنى الذي أشرنا إليه من قبل وهو: أن الظاهر إنما هو عددٌ معدودُه ذوات المساكين، مع عقلية أن العدد مما يقصد؛ لما في تعميم الجميع من بركة الجماعة، وشمول المنفعة. واجتماع القلوب على المحبة والدعاء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-214>ما نرجحه في المسألة:</span>\nوالراجح فيما نرى: هو ما ذهب إليه الجمهور، ووافقهم فيه الكمال بن الهمام من الحنفية في اعتبار العدد في الآية. نقرر هذا مخالفين الغزالي فيما ذهب إليه مؤيدًا للحنفية في اعتبار احتمالٍ ضعيفٍ؛ هو مراعاة سد حاجة الفقير، مع أنه ليس من دليل قوي يرتفع بهذا الاحتمال، ليرجح على الظاهر الذي ذهب إليه الجمهور.\nأ - فالذي يطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا، لم يخرج من عهدة العمل بما وجب عليه في كتاب الله، وسنّة رسوله صلوات الله عليه؛ لأنه لم يطعم ستين مسكينًا، فلم يجزئه كما لو دفعها في يوم واحد.\nب - كما أن في النزوع إلى هذا الرأي اعتبارَ أن عدد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين، والله قد أمر بعدد المساكين لا بعدد الأيام. وعلى هذا: فالامتثال في هذه الكفارة، إنما يكون بإطعام العدد الذي جاء الأمر به (^٢).\nهذا: وما أثير هنا من خلاف حول هذه المسألة، يرد مثله في الكفارات الأخرى، حين يكون موجَب الأمر إطعامَ عدد معين من المساكين، كما في كفارة الجماع في رمضان، إذ أمر النبي ﷺ سلمة بن صخر البياضي (^٣) أن\n_________\n(^١) راجع: \"فتح القدير\" و\"العناية\" مع \"الهداية\" (٣/ ٢٤٣).\n(^٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٣٦٩)، \"تفسير القرطبي\" (٦/ ٢٧٨)، \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٣/ ٨٠)، \"الإحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ١٣).\n(^٣) اختلف العلماء حول اسم هذا الصحابي فقيل: سَلَمة، وقيل: سلمان، والذي جزم به ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" وابن حجر في \"الإصابة\" أنه سلمة، قال البغوي: لا أعلم له حديثًا مسندًا إلا حديث الظهار.\n\"الإصابة\" مع \"الاستيعاب\" (٢/ ٦٤) وانظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١١٩).","vol":"1","page":332},{"text":"يطعم ستين مسكينًا (^١). وكما في كفارة اليمين المنعقدة، حين يكون الواجب إطعام عشرة مساكين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-215>ثالثًا - دفع القيمة بدلًا من العين:</span>\nمن المسائل الخلافية التي اعتبر فيها تأويل الحنفية بعيدًا: جواز دفع القيمة بدلًا من العين في الزكوات، والكفارات، وصدقة الفطر، والنذر.\nفالشافعية: يرون وجوب دفع العين المنصوص عليها، ولا يجزئ في\nالواجب غيرها اتباعًا للنصوص، كما في الهدي والأضحية (^٣).\nوالحنفية: لا مانع عندهم من دفع القيمة، استنادًا إلى غرض الشارع في سد الخلة ودفع الحاجة (^٤) وذلك يتوافر في القيمة كما يتوافر في العين.\n_________\n(^١) عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: \"ما أهلكك؟ \" قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: \"هل تجد رقبة تعتقها؟ \" قال: لا، قال: \"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ \" قال: لا، قال: \"فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ \" قال: لا، قال: فمكث عند النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أتيَ النبي ﷺ بعَرق فيه تمر، والعرق المكتل. قال: \"أين السائل؟ \" فقال: أنا، قال: \"خذ هذا فتصدّق به\" فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرمين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه\".\nرواه أحمد (٢٧٠٣) وأصحاب الكتب السنة واللفظ للبخاري (١٩٣٦)، مسلم (١١١١)، أبو داود (٢٣٩٠ - ٢٣٩٢) الترمذي (٧٢٤)، ابن ماجه (١٩٧١)، \"الموطأ\" (ص ١٩٨)، الدارمي (١٧٢٣). وانظر: \"معالم السنن\" (٢/ ١١٦)، \"فتح الباري\" مع \"الجامع الصحيح\" (٤/ ١١٩)، \"مستقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٢٧)، \"جامع الأصول\" (٤٦١٦).\n(^٢) اليمين المنعقدة هي: الحلف على فعل أمر مستقبل، أو عدم فعله. فإذا حنث الحالف: لزمته الكفارة، وقد ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].\n(^٣) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ١٤٤)، \"المنهاج\" للنووي مع شرحه \"مغني المحتاج\" للخطيب (١/ ٣٦٩) فما بعدها.\n(^٤) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (١/ ٥٠٧ - ٥٠٨).","vol":"1","page":333},{"text":"ولنأخذ مثالًا لذلك من الزكاة، يكون أنموذجًا لما انتهجه كل من الفريقين في المسألة.\nجاء في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ في الصدقة مما رواه الزهري عن سالم عن أبيه: \"وفي سائمة الغنم في أربعين شاة، شاة\" (^١).\nفالشافعية - أخذًا من هذا الحديث -: يرون وجوب الشاة عينًا، ولا يجيزون دفع قيمتها، لأن ذلك هو المنصوص؛ إذ الحديث ظاهر الدلالة في وجوب الشاة على التعيين، ولا يكون الخروج من العهدة إلا بدفعها عينًا.\nوالحنفية: تأوّلوا هذا النص، فحملوا الشاة على العين أو القيمة، فكان موجب الحديث في الأربعين شاة، عين الشاة أو قيمتها، يجزئ أيَّ منهما في امتثال الأمر على السواء؛ إذ إن كلًا منهما يحقق غرض الشارع في سد خلة الفقير ودفع حاجة المحتاج.\nولقد استبعد الشافعية وغيرهم هذا التأويل؛ ومن أهم ما استندوا إليه في ذلك ما يلي:\nأ - فالحديث خصّ الشاة بالذكر، فكان قويّ الظهور في وجوبها على التعيين، وإذا كان قد خصّها بالذكر، فلا بد في ذلك من إضمار حكم وهو: إما الندب أو الوجوب، وإضمار الندب ممتنع لعدم اختصاص الشاة الواحدة من النصاب به، فلم يبقَ غير الواجب، وهذا الواجب قد يكون مقصودًا للشارع من فرضية الزكاة، لتحقيق معنى الأخوة، بمشاركة الفقير الغني في جنس ماله.\nب - على أن جواز أخذ القيمة استنادًا إلى تحقيق غرض الشارع بسد الخلة ودفع الحاجة، عملٌ بعلة مستنبطة عادت على ظاهر النص بالإبطال، وهذا متفق على عدم قبوله (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٢/ ١٣٢) رقم (١٥٦٨). وانظر ما سبق (ص ٣١٧ الحاشية رقم ٣).\n(^٢) راجع \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٧٩).","vol":"1","page":334},{"text":"وممن استبعد هذا التأويل: ابن الحاجب (^١) والزيدية (^٢)، والأكثرون من الإباضية الذين قرروا - كما ذكر السالمي الإباضي (^٣) - أن الحنفية بهذا التأويل ألغوا بعض لفظ الحديث، وهو شاة، وقدروا فيه ما ليس منه، وهو قيمة الشاة، من غير سبب يقتضي هذا التقدير، وبلا علة توجب ذلك الإلغاء، مع أنه يمكن أن يكون المقصود ذات الشاة لأجل البركة والنمو في المال (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-216>رأي بعض الإباضية:</span>\nوقد نزع إلى جواز إخراج قيمة الشاة عن الشاة نفسها في الزكاة، بعض الإباضية؛ ولكن يرى السالمي أن نزوعهم إلى هذا الرأي، لم يكن بحمل الشاة على قيمتها تصنيع الحنفية، بل لعله كان من باب القياس، حيث قاسوا القيمة على الشاة، بجامع أن كلًا منهما دفع الحاجة الفقير (^٥).\nوأنت ترى أن الفرق يسير بين هؤلاء وبين الحنفية؛ فالمؤدى واحد وإن اختلفت السبيل، على أن طريق الحنفية أقوم، فقد أوّلوا واستندوا إلى القوي من الدليل حين حكموا بأخذ القيمة، ولم يحكّموا قياسًا مع وجود النص.\nويبدو أن السالمي ﵀ لم يرتضِ لذويه تأويل الحنفية، فطرّق احتمال أن يكون صنيعهم في دائرة القياس.\n\n<span data-type='title' id=toc-217>رأينا في المسألة:</span>\nوفي رأينا أن الأمر في هذه المسألة من التأويل، يختلف عن سابقتها في\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" بشرح العضد (١/ ٣٠٥).\n(^٢) انظر: \"المنهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" (ق ٤٨ - ٤٩).\n(^٣) هو عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد فقيه مؤرخ من أعيان الإباضية، من تصانيفه: \"شرح طلعة الشمس على ألفيته المسماة شمس الأصول\" في أصول الفقه، \"تحفة الأعيان في تاريخ عمان\". توفي في عمان سنة ١٣٣٢ هـ.\n(^٤) راجع: \"طلعة الشمس\" للسالمي (١/ ١٧١ - ١٧٢).\n(^٥) راجع: المصدر السابق (١/ ٣٧٢)، \"النيل وشفاء العليل\" في فقه الإباضية لعبد العزيز بن إبراهيم مع شرحه لمحمد بن يوسف أطفيش (٢/ ٩٢ - ٩٣).","vol":"1","page":335},{"text":"إطعام العدد من المساكين، ولهذا فإنا ترجح ما ذهب إليه الحنفية من جواز أخذ القيمة، مخالفين من استبعد تأويلهم للنص، أو حكم عليه بما هو أكثر من البُعد.\nوعمدتنا في هذا الترجيح ما يلي:\n١ - إن الاحتمال في أن يكون المراد بالشاة، وجوبَ القيمة إلى جانب التعبيين، واقع على الأقل من ناحية اللسان العربي، والعبرة في الدليل الذي يقوى على دفع هذا الاحتمال إلى رتبة الرجحان على الظاهر. وقد وجد الدليل نصًا ومعقولًا.\nأ - أما النص: فقد روي أن معاذًا ﵁ قال لأهل اليمن: \"ائتوني بخميس مكان الذرة والشعير: أهون عليكم، وخير لأصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة\" (^١).\nفقد قبل معاذ بدليل العين الواجبة في الزكاة، من ذرة، وشعير، ثيابًا يسهل وجودها في اليمن، ويعزُّ في الحجاز، فهي أسهل دفعًا على المكلفين، وأوفر مصلحة لأصحاب النبي ﷺ لحاجتهم إليها في المدينة.\nب - وروى البخاري أيضًا من حديث ثمامة أن أنسًا ﵁ حدّثه أن أبا بكر ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله ورسوله ﷺ: \"مَن بلغتْ عنده من الإبل صَدَقَةُ الجَذَعَةِ - وليست عنده جذعة وعنده حُقَّة - فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استَيسرنا له أو عشرين درهمًا، ومَن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدّق عشرين درهمًا أو شاتين .. \" (^٢) الحديث.\n_________\n(^١) رواه البخاري معلقًا. وقد وصله يحيى بن آدم القرشي في كتاب \"الخراج\". وانظر: \"مقدمة فتح الباري\" (ص ١٥)، \"التقرير والتحبير\" شرح \"التحرير\" (١/ ١٥٧). والخميس من الثياب: ما طوله خمسة أذرع وفي رواية للبخاري (خميص) فيكون مذكرَ الخميصة وهي كساء صغير فاستعارها للثوب \"النهاية\". واللبيس: الثوب يُلبس كثيرًا.\n(^٢) راجع: \"صحيح البخاري\" (٢/ ١١٧) (١٤٤٨)، النسائي (٢٤٤٧)، اين ماجه (١٨٠٠).","vol":"1","page":336},{"text":"والانتقال من العين إلى القيمة في الحديث، دليل على أن المقصود ليس خصوص عين السن المعيّنة، وإلا لسقط إن تعذّر أو وجب شراؤه ودفعه.\nج - وروى ابن أبي شيبة (^١) في \"مصنفه\" أن النبي ﷺ أبصر ناقة حسنة في إبل الصدقة فقال: \"ما هذه؟ \" قال صاحب الصدقة: إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الإبل، قال: \"نعم\". قال الكمال بن الهمام: (إذًا فعلمنا أن التنصيص على الأسنان المخصوصة والشاة، لبيان قدر المالية وتخصيصها في التعبير، لأنها أسهل على أرباب المواشي) (^٢).\nوهكذا نرى في هذه الآثار ما يرجح جواز أخذ القيمة لأنها قوَّت الاحتمال الذي يدل عليه لفظ الحديث.\n٢ - وأما المعقول: فإن التعليل بغرض الشارع من الزكاة - وهو سد خلّة الفقير ودفع حاجة ذوي الحاجة، وهذا يتأدى بكل من العين والقيمة - هو تعليل مقبول، وليس قضاء على الظاهر، ولا إبطالًا لمدلوله، بل هو توسعة لمحل الحكم، فالشاة المنصوص عليها بعد التعليل: محلّ للدفع، كما أن قيمتها: محل أيضًا، وفي التعليل دائمًا توسعة لمحل الحكم، فإذا دفعت القيم فقد استوفى المكلف مراد النص (^٣). واليوم - ونحن نبحث هذا الحكم - نرى أنفسنا مع الاتجاه الذي يعطي القيمة ما يعطي العين، خصوصًا إذا وضعنا في حسابنا إلى جانب الدليل الشرعي، واقع تطور الثروة، وواقع حاجات الناس.\n_________\n(^١) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، يقع مصنفه في مجلدين ضخمين جمع فيه الآحاديث وأقوال الصحابة وفتاوى التابعين مرتّبًا على أبواب الفقه، وقد طبعه من جديد محققًا، مخرجةً نصوصُه، مفهرسًا فهرسة علمية، بأكثر من خمسة وثلاثين مجلدًا، المحدث المحقق الأخ العلامة الشيخ محمد عوامه شكر الله له. توفي ابن أبي شيبة سنة ٢٣٥ هـ. \"الرسالة المستطرفة\" (ص ٣١).\n(^٢) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٥٠٩) \"شرح الهداية\".\n(^٣) \"تأسيس النظر\" للدبوسي (ص ٥٤)، \"فتح القدير\" لابن الهمام (١/ ٥٠٩).","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-218>ضابط المسألة عند أبي زيد الدبوسي:</span>\nوبعد: فإن أبا زيد الدبوسي قد ضبط هذه المسألة وسابقتها (^١) ومثيلاتها تحت أصل واحد، قوامه: استيفاء مراد النص في الصدقة، وهو سد الخلة ودفع الحاجة. وقد اعتبر هذا الأصل مما اختلف فيه الحنفية مع الإمام الشافعي، ورَدَّ إليه كثيرًا من مسائل الخلاف الفرعية في المذهبين.\nقال ﵀: (الأصل عند علمائنا أن مَن وجبت عليه الصدقة إذا تصدّق على وجه يستوفي به مراد النص منه، أجزاء عما وجب عليه. وعنده - يعني الشافعي - لا يجزيه. وعلى هذا مسائل:\nقال أصحابنا: إذا وجبت الزكاة في الدراهم، فأدّى بدلها حنطة أو غيرها جاز عندنا؛ لأن مراد النص سد خلة الفقير ودفع حاجته، وقد حصل. وكذلك في صدقة الفطر، وكفارة اليمين، وكلّ صدقة وجبت بإيجاب الله تعالى، أو وجبت بإيجاب العبد على نفسه، فإنه يجزيه أن يعطي القيمة عندنا. وعند الإمام أبي عبد الله الشافعي: لا يجوز. ثم قال: وعلى هذا ما قال أصحابنا: إذا تصدّق على مسكين واحد في كفارة يمينه عشرة أيام كل يوم بمنَوَين أو مُدَّين حنطة: جاز. وعند أبي عبد الله لا يجزيه. وعلى هذا قال أصحابنا: إن المظاهر إذا أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا كل يوم بمنوين حنطة: أنه يجزيه عندنا. وعند الإمام أبي عبد الله الشافعي لا يجزيه) (^٢).\nثم أتى أبو زيد بعدد من المسائل الأخرى.\nونحن إذ لم نرتضِ تأويل الحنفية في مسألة الإطعام السابقة، لا نوافق الإمام الدبوسي على هذا التعميم في الأصل الذي وضعه، وقد أسلفنا من قبل: أن تأويل العدد (ستين) في المسألة الماضية (بطعام ستين) لم يقم عليه\n_________\n(^١) وهي التي قامت على تأويل ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ بإطعام طعام ستين مسكينًا. انظر ما سبق (ص ٣٣٠).\n(^٢) راجع: \"تأسيس النظر\" للدبوسي (ص ٥٤).","vol":"1","page":338},{"text":"دليل يقوِّي العدول عن الظاهر إليه، وهذا الرأي هو ما جنح إليه ابن الهمام من كبار الحنفية كما سبق (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-219>المطلب الثاني من أحكام الصيام والذبائح</span>\n<span data-type='title' id=toc-220>أولًا - تبييت النية في الصيام:</span>\nومما يذكر في تأويلات الحنفية البعيدة: تأويلهم لقوله ﵊ فيما رواه ابن عمر ﵄: \"مَن لم يبيِّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له\" (^٢).\nوبيان ذلك: أن الشافعية يشترطون لصحة الصيام فيما عدا النقل: تبييت النية من الليل؛ سواء في ذلك فرض رمضان، والكفارة، والنذر - مطلقًا كان أو معينًا - مستدلين بالحديث المذكور.\nومنزع الاستدلال عندهم، أن قوله ﵊: \"لا صيام\" نكرة في سياق النفي، فتعُمُّ كل صيام، وعلى هذا: فلا يخرج عن ذلك إلا ما قام عليه الدليل، والنفيُ في نظرهم متوجه إلى الصحة أو ذات الصوم الشرعي.\nوهكذا يكون الحديث ظاهر الدلالة على وجوب تبييت النية في جميع أنواع الصوم، دون تمييز بين فرض، أو نقل؛ وسواء أكان الفرض معينًا أم غير معين (^٣).\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ٣٣١).\n(^٢) أخرجه النسائي (٢٣٣١)، وأبو دارد (٢٤٥٤)، ابن ماجه (١٧٠٠)، وانظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ٣٢٥).\n(^٣) راجع: \"المنهاج\" مع \"مغني المحتاج\" (١/ ١٢٣) وهذا التبييت هو مذهب مالك وأحمد. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٩٢)، \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٩١ - ٩٢).","vol":"1","page":339},{"text":"إلا أن صوم النفل خرج من عموم الحديث، لدليل دلّ على أن الحديث قاصر في وجوب تبييت النية على ما عدا التطوع، فكان مذهبهم أن صوم الناقلة يجوز بنيةٍ في النهار، شريطة أن تكون قبل زوال الشمس على الراجح (^١).\nوالدليل: هو ما جاء في الحديث عن السيدة عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: \"هل عندكم من شيء؟ \" فقلنا: لا، فقال: \"فإني إذن صائم\" ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله أُهدي لنا خَيْسٌ، فقال: \"أرينيه فلقد أصبحت صائمًا\" فأكل (^٢).\nويبدو أن هذا كان فيما بعدُ من عمل الصحابة رضوان الله عليهم. قال البخاري: (وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: فإني صائم يومي هذا. قال: وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة ﵃) (^٣).\nأما الحنفية: ففيما عدا صوم التطوع، قسموا الصوم الواجب إلى قسمين:\nأ - ما يتعلق بزمان بعينه؛ كصوم رمضان، والنذر المعين.\nب - ما يثبت في الذمة؛ كقضاء رمضان، والنذر المطلق وصوم الكفارة.\n_________\n(^١) قال ابن حجر في \"الفتح\": (وهذا هو الأصح عند الشافعية، والذي نقله ابن المنذر عن الشافعي من الجواز مطلقًا سواء أكان مثل الزوال أم بعده: هو أحد القولين للشافعي) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠٠).\n(^٢) رواه أحمد (٢٦٢٥٠) ومسلم وأصحاب السنن واللفظ لمسلم (٢٧٠٧)، وفي لفظ للنسائي قال: \"يا عائشة، إنما منزلة مَن صام في غير رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل اخرج صدقة ماله، فجاد منها بما شاء فأمضاء، وبخل منها بما شاه فأمسكه\" أبو دارد (٢٤٥٥) الترمذي، (٧٣٣، ٧٣٤)، النسائي (٢٣٢٤، ٢٣٢٥، ٢٣٢٦) ابن ماجه (١٧٠١).\nوالحيس: تمر يُنزع نواء ويُدق مع أقِط ويعجنان بالسمن حتى يبقى كالثريد. وانظر: \"صحيح مسلم\" مع شرحه \"المنهاج\" للنووي (٨/ ٢٧٥ - ٢٧٦).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٩٩)، \"النووي على مسلم\" (٨/ ٣٤)، \"نيل الأوطار\" مع \"منتقى الأخبار\" (٤/ ٢١٨).","vol":"1","page":340},{"text":"فالقسم الأول: وهو صيام رمضان والنذر المعين، وكذلك صوم التطوع لا يشترط فيه تبييت النية من الليل، بل تصح النية نهارًا شريطة أن تقع قبل نصف النهار، فلو لم يبيت المكلف الصوم بعد غروب الشمس، وأصبح ممسكًا عن الطعام والشراب وكل مفطر، فله أن ينوي - إلى ما قبل نصف النهار - صومَ ذلك النهار ويقع صومه صحيحًا.\nأما القسم الثاني: وهو قضاء رمضان، والنذر المطلق، وصوم الكفارة: فقد شرطوا في صحته تبييتَ النية من الليل؛ لأنه غير متعين فلا بد من التعيين من الابتداء (^١).\nوبيان ذلك: أنهم أوَّلوا تبييت النية، فأخرجوا كل صوم النفل بحديث عائشة المتقدم، كما هو صنيع الشافعية ومَن معهم.\nوفي تأويلهم للحديث أيضًا: أخرجوا صوم رمضان، والنذر المعيَّن، مستندين في هذا التأويل إلى ما روى البخاري ومسلم في \"صحيحيهما\" عن سلمة بن الأكوع ﵁: \"أن النبي ﷺ بعث رجلًا في الناس يوم عاشوراء: أن مَن أكل فليُتِم، أو فليصم، ومَن لم يأكل فلا يأكل\" (^٢).\nقالوا: دلّ هذا الحديث على أن مَن تعيّن عليه صوم يوم، ولم ينوِه ليلًا: أنه يجزئه أن ينوي صيامه نهارًا - وهذا بناء على أن صوم عاشوراء كان واجبًا - وأنه لا فرق بين هذا المعيّن وبين النفل، ورأوا في ذلك جمعًا بين الأدلة، الذي هو أوْلى من العمل ببعضها، وإهمال البعض الآخر.\nوفي رأينا أن تأويل الحنفية بحمل حديث التبييت على الصيام الواجب غير المعين، قد يكون بعيدًا لعدة أمور.\n١ - فظاهر الحديث العمومُ في كل صوم. والمتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنما هو الصوم الأصلي المتخاطب به في اللغات، وهو يشمل الفرض المعيَّن وغير المعيَّن كما يشمل النفل. وتخصيصُ هذا العام بإخراج الأكثر\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" و\"العناية\" (٢/ ٤٥ - ٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠٠)، \"صحيح مسلم\" بشرح النووي (٨/ ١٣).","vol":"1","page":341},{"text":"الغالب، وإبقاء الأقل النادر الذي لا يتبادر إلى الذهن وحده، جنوحٌ إلى ترجيح الاحتمال البعيد على الظاهر القوي. وإذا كان الشارع لم يقصد بنفي الصوم إلا الواجب غير المعين، فالخطاب به - كما يقول ابن الحاجب - يكون كاللغز (^١) ما لم تكن هناك قرينة تصرف الخطاب عن ظاهر عمومه.\n٢ - ثم إن الحديث الذي استندوا إليه في تأويلهم هذا: لم يرد في صوم رمضان، وإنما ورد في صوم عاشوراء، وصوم عاشوراء نسخت فرضيته، وانتظم في سلك المندوبات، حيث لا يشترط لصحته تبييت النية من الليل، شأنَ كل نافلة من الصوم (^٢). فقد روى مسلم في \"صحيحه\" عن عائشة ﵂ قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه؛ فلما هاجر إلى المدينة، صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: \"مَن شاء صامه، ومَن شاء تركه\" (^٣).\n٣ - وهذا على فرض التسليم بأن صوم عاشوراء كان واجبًا قبل أن يفترض صيام شهر رمضان. ولكن هنالك مَن يقول: لم يكن واجبًا قبل فرض رمضان بل كان مستحبًا، فصحّ بنية من النهار، وهو أشهر الوجهين عند الشافعية كما قال النووي (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر ابن الحاجب\" مع \"شرح العضد\" (١/ ٣٠٤)، \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٨٣). هذا وقد أورد أحمد المرتضى من الزيدية رأي ابن الحاجب في أن الشارع إذا لم بقصد إلا هذه - يعني الواجب غير المعين - فالخطاب به كاللغز، وقال: (ولعمري إنه كما ذكر إن لم يكن ثم قرينة تصرف الخطاب عن ظاهر عمومه). انظر: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" (ق ٤٨ - ٤٩) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٢) على أن المندوب في صوم يوم عاشوراء أن يصام معه التاسع بُعدًا عن التشبُّه باليهود كما ورد في السنّة. انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ٣٣٧ - ٣٣٩)، \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(^٣) انظر: \"صحيح مسلم\" وشرحه للنووي (٨/ ٤).\n(^٤) يستدل هؤلاء بما ورد في الصحيح عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيبًا بالمدينة - يعني في قدمة قدمها - خطبهم يوم عاشوراء فقال: (أين علماؤكم يا أهل المدينة سمعت رسول الله ﷺ يقول - لهذا اليوم -: \"هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم فمَن أحبّ منكم أن يصوم فليصم، ومَن أحبّ أن يفطر فليفطر\" \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٨/ ٨) (٢٦٤٨).","vol":"1","page":342},{"text":"نود بعد ذلك كله أن تذكر أن ابن الحاجب وشارحه العضد قد قررا: أنه (إن صحّ المانع من الحمل على الظاهر في الحديث - وهو صوم الفرض مطلقًا بما أوَّله الحنفية - دليلًا على صحة الصيام بنية من النهار في الواجب المعين، فينبغي أن يطلب له أقرب تأويل؛ مثل أن يحمل النفي في قوله ﵊: \"لا صيام\" على نفي الفضيلة) ولعل ذلك كان من ابن الحاجب والعضد متابعة لإمام الحرمين الذي ذكر في \"البرهان\" أن من تأويلاتهم - يعني الحنفية - حمل النفي على الكمال، ورغم رده على هذا التأويل، اعتبره بالنظر إلى مسالك التأويلات، أقرب قليلًا من التأويل السابق (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-221>مع أبي جعفر الطحاوي:</span>\nوبعد: فلا نستطيع أن نترك الكلام في هذه المسألة قبل بيان رأي أبي جعفر الطحاوي؛ فلقد أبعد النجعة ﵀، إذ كان من تأويله للحديث: أنه فرَّق بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه كعاشوراء، فتجزئ النية في النهار، أو لا في يوم بعينه كرمضان، فلا يجزئ إلا بنية من الليل، وبين صوم التطوع فيجزئ في الليل والنهار.\nولقد رأى في ذلك جمعًا بين الأدلة وبُعدًا عن تضادِّها. قال في \"شرح معاني الآثار\" بعد أن أورد الآثار في الموضوع مبيِّنًا أن حكم النية التي يُدْخَلُ بها في الصوم على ثلاثة أوجه:\n(فما كان منه فرضًا في يوم بعينه كانت تلك النية مجزية قبل دخول ذلك اليوم في الليل، وفي ذلك اليوم أيضًا:\nوما كان منه فرضًا لا في يوم بعينه، كانت النية التي يُدْخَلُ بها فيه في الليلة التي قبله، ولم تجز بعد دخول اليوم.\n_________\n(^١) \"البرهان\" لإمام الحرمين (لوحة ١٤٥) \"مختصر المنتهي\" بشرح العضد (١/ ٣٠٦).","vol":"1","page":343},{"text":"وما كان منه تطوعًا، كانت النية التي يدخل بها فيه في الليل الذي قبله، وفي النهار الذي بعد ذلك).\nثم أبان ما يفترق به رأيه عن رأي أبي حنيفة وصاحبَيْه فقال:\n(فهذا هو الوجه الذي تُخَرَّج عليه الآثار التي ذكرنا، ولا تتضاد، فهو أولى ما حُمِلتْ عليه، وإلى ذلك كان يذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن إلا أنهم يقولون: ما كان منه يجزئ النية فيه بعد طلوع الفجر مما ذكرنا، فإنها تجزئ في صدر النهار الأول، ولا تجزئ فيما بعد ذلك) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-222>رأي إمام الحرمين في تأويل الطحاوي:</span>\nولقد ردّ إمام الحرمين تأويل الطحاوي من وجهين:\nالأول: أن العربي الناشئ في منبت اللغة لا يفهم النهي عن إيقاع نية صوم الغد في يوم قبله.\nالثاني: أن هذا النفي إنما يذكر نهيًا عن الذهول، وتحذيرًا من الغفلة، واستحثاثًا على تقديم التبييت.\nواعتبر الجويني أن ما ذكره الطحاوي في الوجه الثاني: يجري مجرى النصوص التي لا ينكرها محصِّل. ومع هذا الرد قال إمام الحرمين في شأن تأويل الطحاوي: (وهذا كلام غث، لا أصل له، يحط من مرتبة الطحاوي - إن صحّ النقل عنه -) (^٢) ويبدو أن الطحاوي قد قال هذا الكلام؛ كما أثبتناه من \"شرح معاني الآثار\". ونقل ابن حجر في \"الفتح\" (^٣) كلام إمام الحرمين في \"البرهان\" ولم يعلق عليه بشيء.\nونحن - إذا كنا نوافق صاحب \"البرهان\" على رد التأويل بما يُظْهِرُ بُعْدَه\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٢٧).\n(^٢) \"البرهان\" (١ لوحة ١٤٤، ١٤٥).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٠١) مع \"الجامع الصحيح\".","vol":"1","page":344},{"text":"أو شذوذَه، إنا لا نوافق على ما كان من الحكم على كلام أبي جعفر الطحاوي في هذه النقطة بالغثاثة، وأنه لا أصل له، مع اعتقادنا أن الطحاوي ﵀ أبعَد في تأويله أكثر مما أبعد من قبله.\nوالذي يدعونا إلى وقوف هذا الموقف، أن الاحتمال - وإن كان ضعيفًا - موجود، وما دام الأمر كذلك: فلا داعي لهذا الإغراق في الحط من قدر ما ذهب إليه أبو جعفر. وقد ذكرنا سابقًا ما للذوق الفقهي من أثر في المرتبة التي يعطاها التأويل المقبول، ورحم الله الإمامين كليهما وأجزل لهما المثوبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-223>ثانيًا - ذكاة الجنين:</span>\nاختلف العلماء في حكم الجنين يخرج من بطن أمه المذكَّاة ميتًا: هل تعتبر ذكاة أمه ذكاة له؛ فيحل أكله دون حاجة إلى تذكية جديدة أم يعتبر حرامًا لا يحل أكله، لأن ذبح أمه ليس ذبحًا له؟\nذهب الثوري، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، إلى أن ذكاة الجنين ذكاةُ أمه، فيحل أكله ولا يحتاج إلى ذبح جديد (^١).\nوقال مالك: يحل إذا خرج وقد أشعر - أي نبت عليه الشعر - لرواية عن ابن عمر في هذا (^٢).\nوذهب أبو حنيفة وزفر، والحسن بن زياد (^٣) إلى أنه لا يحل أكله. وقد\n_________\n(^١) راجع: \"المنهاج\" للنووي مع شرحه \"مغني المحتاج\" للشربيني الخطيب (٣/ ٣٠٧)، المقنع\" لابن قدامة مع الحاشية (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢)، \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٤٢).\n(^٢) وروى معمر عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: \"إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه\".\nوانظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣)، \"المقنع\" لابن قدامة مع الحاشية (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢) \"جامع الترمذي\" (١٤٧٦) (ص ٣٤٨).\n(^٣) نسب هذا القول إلى الحسن بن زياد الكاساني في \"البدائع\" (٥/ ٤٢)، أما الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٨/ ١٥١) فقد نسب إليه ما يقوله الشافعي.","vol":"1","page":345},{"text":"قال بهذا القول ابن حزم الذي ادّعى فيه أيضًا قولًا لمالك (^١).\nاحتجّ الأولون بما صحّ عن النبي ﷺ أنه قال في الجنين: \"ذكاته ذكاة أمه\" (^٢).\nفالحديث ظاهر الدلالة في حلِّ أكل الجنين الميت، لأن ذكاة أمه اعتبرت ذكاة له ببيان رسول الله ﷺ. قال الخطابي بعد أن أورد الحديث: (فيه بيان جواز أكل الجنين إذا ذكيت أمه، وإن لم يحدث للجنين ذكاة. وواضح أن المسؤول عنه هو الجنين الميت؛ إذ لا يظن بالسائلين الجهلُ عما خرج حيًا: أنه لا بد من ذكاته (^٣).\nوقد احتجّ أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة]، وبأن ذكاة نفسٍ لا تكون ذكاة نفسين، فالجنين الميت لا تسري عليه ذكاة أمه.\nوأوّلَ الحديث \"ذكاته ذكاة أمه\" بحمله على التشبيه، على معنى أن الجنين يذكّى كما تذكّى أمه. فكأنه قال: أي فذكُّوه.\nوعلى هذا: فالمراد من الحديث عند أبي حنيفة: بيان حكم الجنين الذي يخرج من بطن أمه المذكاة حيًا. وبهذا أخرج الحديث عن موطن الاستدلال للمذهب الأول.\n_________\n(^١) روى ابن حزم بالسند إلى عبد الله بن حيان. قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله الناقة تذبح - في بطنها جنين يرتكض - فيشق بطنها فيخرج جنينها، أيؤكل؟ قال: نعم. قلت: وإن الأوزاعي قال: لا يؤكل. قال: أصاب الأوزاعي. قال ابن حزم: (فهذا قول لمالك أيضًا) \"المحلى\" (٧/ ٤٢٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (١١٣٦٣)، وأبو داود (٢٨٢٧)، والترمذي (١٤٧٦)، وابن ماجه (٣١٩٩). وفي رواية لأحمد وأبي داود (٢٨٢٧): قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: \"كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه\".\n(^٣) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ٢٨٢)، \"نصب الراية\" (٤/ ١٨٩)، \"نيل الأوطار\" (٨/ ١٥٠).","vol":"1","page":346},{"text":"وقد يقال في شأن الاحتجاج بالآية الكريمة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ …﴾: بأنه احتجاج بالعام المخصوص في مقابل الخاص؛ فالحديث قد أخرج هذا الجنين من حكم الميتة الوارد في الآية، لأنه اعتبره مذكًّى بذكاة أمه …\nواعتبار ابن رشد له من \"المنخنقة\" (^١) مدفوع أيضًا بأن الحديث أخرجه من حدود المنخنقة، لأنه طاب وحلَّ أكله بما طابت به أمه من الذكاة.\nأما أن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين: فقد نقل القرطبي في \"تفسيره\" عن ابن المنذر (^٢) أنه قال: (وفي قول النبي ﷺ: \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\" دليل على أن الجنين غير الأم وهو - أي أبو حنيفة - يقول: لو أعتقت أمه وهي حامل: أن عتق الحمل عتق أمه، وهذا ما يلزم أن ذكاته ذكاة أمه، ولأنه إذا جاز أن يكون عتق واحد عتق اثنين - جاز أن يكون ذكاة واحد ذكاة اثنين) (^٣).\nوهكذا اعتبر ابن المنذر الجنين تابعًا لأمه حقيقة (^٤).\nهذا وإن صاحب \"المصنِّف\" ابن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٣٥ هـ والذي روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما، اعتبر أبا حنيفة مخالفًا للأثر في هذه المسألة (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-224>الشافعية وتأويل الحديث:</span>\nولقد اعتبر الشافعية تأويل أبي حنيفة للحديث من التأويلات البعيدة؛\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (١/ ٤٤٢).\n(^٢) هو أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري نزيل مكة، اشتهر بالتفسير. له عدد من المصنفات منها: \"الإشراف\" و\"المبسوط\" و\"الإجماع\". توفي ﵀ سنة ٣١٨ هـ.\n(^٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٦/ ٥١).\n(^٤) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٤٢).\n(^٥) وذلك في الباب الخامس من مصنفه، الذي عقده تحت عنوان (هذا ما خالف فيه أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله ﷺ) وردّ فيه على إمام أهل العراق في خمس وعشرين ومائة مسألة. وانظر: \"النكت الطريفة في التحدُّث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة\" الذي ألّفه الشيخ زاهد الكوثري ﵀ لهذا الغرض وأعطى رأيه في كل مسألة على حدة، وراجع لمسألتنا (ص ٦٢) من الكتاب.","vol":"1","page":347},{"text":"وذلك لأن في هذا التأويل تقديرًا لكلمة التشبيه، وهي الكاف أو مثل فكأنه قال: \"كذكاة أو مثل ذكاة أمه\" والأصل عدم التقدير، وارتكاب خلاف الأصل يحتاج إلى دليل.\nواعتبر الخطابي لفظ \"ذكاة أمه\" تعليلًا، ولم يرضَ الجنوح إلى أنه من التشبيه؛ فحين ادّعى بعض المتأولين أن التشبيه هنا على معنى قول الشاعر:\nفَعَيْناكِ عَيناها وَجِيدُكِ جِيدُها\nأي كأن عينيك عيناها في الشبه، وجيدك جيدها، ردّ أبو سليمان ذلك بأن هذه القصة تبطل التأويل وتدحضه، لأن قوله: \"فإن ذكاته ذكاة أمه\" تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة ثانية. فثبت أنه على معنى النيابة عنها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-225>رواية النصب وموقف المنذري </span>(^٢):\nعلى أن البعض يؤيد التأويل بحمل الحديث على التشبيه، وذلك بما ورد من النصب في بعض الروايات.\nفقد جاء في \"النهاية\" لابن الأثير: (أن الحديث يروى بالرفع والنصب، فمَن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو ذكاة أمه، فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين، فلا يحتاج إلى ذبح مستأنف. ومن نصَب كان التقدير ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما حذف الجارّ نصب أو على تقدير: يذكّى تذكية مثل ذكاة أمه. فحذف المصدر وصفته وأقام المضاف إليه مقامه. فلا بد عنده من ذبح الجنين إذا خرج حيًا. ومنهم من يرويه بنصب الذكاتين أي ذكوا الجنين ذكاة أمه) (^٣).\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٨٢).\n(^٢) هو الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، أبو محمد زكي الدين المنذري صاحب \"الترغيب والترهيب\" و\"المختصر\" وغيرهما، توفي سنة ٦٥٦ هـ.\n(^٣) \"النهاية\" (٢/ ٤٨).","vol":"1","page":348},{"text":"والروايات التي أخرجها المحدثون هي بالرفع، ولم يذكر لنا ابن الأثير عن أيٍّ منهم كانت رواية النصب. وقد رأينا موقف ابن أبي شيبة في \"المصنف\" وموقف الخطابي في \"المعالم\".\nولهذا وجدنا الحافظ المنذري يتهم بالغرض من روى الحديث بالنصب، ويقرر أنه غير المحفوظ عند الأئمة المعتبرين.\nقال في \"المختصر\": (وقد روى هذا الحديث بعضهم - لغرض له -: \"ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه\" بنصب \"ذكاة\" الثانية لتوجب ابتداء الذكاة فيه إذا خرج، ولا يكتفى بذكاة أمه. وليس بشيء، وإنما هو بالرفع، كما هو المحفوظ عن أئمة هذا الشأن، وأبطلها بعضهم يقوله: \"فإن ذكاته ذكاة أمه\" بأنه تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة) (^١).\nهذا: وعلى فرض التسليم برواية النصب التي رفضها الحافظ المنذري بشدة: فإنه - كما قدّمنا - لا يُظن بالسائلين الجهل بوجوب ذكاة ما خرج حيًا، أما الشك فدائرة احتماله فيما خرج ميتًا، ولقد رأينا في رواية أحمد وأبي داود قول السائلين لرسول الله ﷺ: (أنلقيه أم نأكله؟) وما نحسبهم يريدون إلقاء جنين خرج حيًا من بطن أمه، فالمعروف لديهم أن مثله يحل بالتذكية. وكل سؤال - كما توحي كلمة الإلقاء - إنما هو عن الجنين الميت.\nولا يسعنا بعدما تقدم إلا ترجيح ما ذهب إليه الجمهور.\nفحديث أبي سعيد سليم من ناحية صلاحيته للاحتجاج، ولا يتعارض مع آية المائدة [٣]: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ …﴾.\nكما أن ما ذهب إليه الجمهور هو مذهب الصحابة، والتابعين ومَن بعدهم من علماء الأمصار (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ١٩١ - ١٩٢).\n(^٢) هذا وقد نقل ذلك الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ١٩١ - ١٩٢) ولم يعلق عليه بشيء.","vol":"1","page":349},{"text":"قال ابن المنذر: (لم يروَ عن أحد من الصحابة والتابعين أو علماء الأمصار، أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه، غير ما روي عن أبي حنيفة. قال: ولا أحسب أصحابه وافقوه عليه) (^١).\nوقد أخرج ابن حزم في \"المحلَّى\" عن ابن عباس: (أنه أشار إلى جنين ناقة وأخذ بذنبه وقال: هذا من بهيمة الأنعام).\nكما أخرج عن أبي الزبير عن جابر: (نحرُ جنين الناقة نحرُ أمه). وعن إبراهيم عن ابن مسعود: (ذكاة الجنين ذكاة أمه).\nقال ابن حزم: (وهو قول إبراهيم والشعبي، والقاسم بن محمد، وطاوس، وأبي ظبيان وأبي إسحاق السَّبِيْعي، والحسن، وسعيد بن المسيب، ونافع، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي ليلى والزهري) (^٢).\nهذا: وإذا ثبت ما ذكره صاحب \"نيل الأوطار\" من أن الحديث روي بلفظ: \"ذكاة الجنين في ذكاة أمه\" أي كائنة أو حاصلة في ذكاة أمه. وأنه روي بلفظ: \"ذكاة الجنين بذكاة أمه\"، والباء للسببية، فيكون المعنى أن الجنين حكم عليه بالحل تذكيةً بسبب ذكاة أمه (^٣).\nنقول: إذا ثبت ذلك، كان الحديث من النصوص الصريحة المفسَّرة التي لا تحتاج إلى تأويل، ولا يدخل لفظها في دائرة الاحتمال لمعنًى لا بد من دليل عليه كي يترجح على الظاهر.\nوهكذا تكون روايات الحديث، التي تحتمل التأويل، لم يظفر لها القائلون بحرمة الجنين - يخرج من بطن أُمه المذكاة ميتًا - بدليل قوي يصرف الظاهر من الحديث - وهو حل هذا الجنين - إلى غير الظاهر، من جَعْلِ المراد من الجنين في الحديث: الجنين الحي. وإذا لم يستوفِ التأويل\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" للخطابي (٤/ ٢٨٢).\n(^٢) \"المحلى\" (٧/ ٤١٩ - ٤٢٠).\n(^٣) انظر: \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٨/ ١٥١).","vol":"1","page":350},{"text":"شروطه - ومنها قوة الدليل التي تتناسب مع ضعف الاحتمال -: يكون تأويلًا بعيدًا، والجنوح إليه جنوح إلى الضعيف في مقابلة القوي.\nوقد أوردنا من الأدلة ما كشف عن أن مذهب الجمهور الذي رجحناه في هذه المسألة، هو السبيل التي سلكها الصحابة والتابعون وعلماء الأمصار، والتي لم تنْأ بنا عن مدلولات الشريعة ومفهومات اللغة، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>المبحث الرابع طريق الجادة في التأويل وموقف الظاهرية</span>\n<span data-type='title' id=toc-227>المطلب الأول طريق الجادة في التأويل</span>\nأما بعد: فإن التأويل باب من أبواب الاستنباط العقلي القويم، وطريق من طرق الاجتهاد في بيان النصوص.\nوهو في حدود الشروط التي حددها علماؤنا: مقبول ومرضي؛ ذلك أن هذه الشروط قد استوحيت من روح هذه الشريعة ولغتها، وعرفها في ظل هدي الكتاب والسنّة.\nوالطريق التي رسمها الأئمة هي طريق الجادة. فإذا حاد عنها المتأول، فقد سلك بنفسه سبيل الانحراف، وحاد إلى حيث لا تؤمن العاقبة، ولا يُضمن المصير.\nوفي الأمثلة التي مررنا بها قريبًا، كشفٌ لبعض الملامح عن صورة كريمة للجادة الوسطى التي سلكها رواد الفقه الأمناء على هذه الشريعة. فقد يكون التأويل قريبًا في نظر فريق، وبعيدًا في نظر فريق آخر. ولكن المحور لا يخرج عن دائرة اللغة ولو باحتمال. كما لا يبتعد عن حدود الشريعة في مبادئها ومقاصدها، ولو كان في ذلك الكلفة في بعض الأحيان، وللذوق الفقهي وملكة الاستنباط - كما أشرت غير مرة -: الأثر الواضح فيما كان أولئك الأئمة يسلكون.","vol":"1","page":352},{"text":"أما أن يفتح باب التأويل على مصراعيه بعيدًا عن مفهومات الشريعة ومدلولات لغة الخطاب فيها، التي هي لغة القرآن، ولسان المبين عن ربه محمد - صلوات الله وسلامه عليه - فذلك هو النزول على حكم الهوى والسير وراء الشهرة، والانقياد للنزعات التي قد تشقي صاحبها، أو تودي به إلى مهاوي الضلال.\nولقد جنحت بعض الفرق إلى تأويل النصوص، حسب العقيدة التي ارتضاها أصحابها لأنفسهم، حيث أصبحت عندهم أفكار ثابتة غير مرضيَّة، وباتت عملية التأويل عملية شد وجذب لهذه النصوص إلى الفكر الذي يريدون، والطريق التي يسلكون.\nوالأمثلة على ذلك موفورة لمن أراد، ولكنا نجتزئ هنا باليسير من تلك التأويلات.\n١ - \"فالمرجئة\"، مثلًا: عندما قرروا أن الله تعالى لا يعاقب أحدًا من المسلمين؛ إذ العمل مؤخر عن النية والقصد، كما أنه لا تضر مع الإيمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة (^١)، عمدوا إلى تأويل الآيات والأخبار الدالة على العقاب، سواء في ذلك المتعلق منها بالعقائد، أو المرتبط بالأحكام التكليفية، فقالوا: (كل الآيات والأخبار الدالة على العقاب ليس المراد منها ظاهرها بل المراد التخويف، وفائدته الإحجام عن المعاصي).\nوالخطورة التي تكمن وراء هذا الاتجاه واضحة لكل ذي عينين. وأبسط ما في الأمر تعطيل نصوص الكتاب والسنّة، بإهمال مدلولاتها. لذلك قال البيضاوي: (إن فتح هذا الباب يرفع الوثوق عن أقوال الله تعالى وأقوال رسوله؛ إذ ما من خطاب إلا ويحتمل أن يراد به غير ظاهره. وأيضًا فالإحجام إنما يكون عند العقاب ولا عقاب) (^٢).\n_________\n(^١) انظر لتفصيل القول في \"المرجئة\": \"الملل والنحل\" للشهرستاني المطبوع على هامش \"الفصل\" لابن حزم (١/ ١٨٦)، \"فجر الإسلام\" لأحمد أمين (ص ٢٩٢ - ٢٩٣).\n(^٢) \"منهاج البيضاوي\" بشرح الإسنوي تعليق الشيخ بخيت (٢/ ١٩٤).","vol":"1","page":353},{"text":"ب - أما \"الباطنية\": فلهم تأويلات يطول مجال استقصائها. وحسبك أنهم - في سبيل ما يهدفون إليه من هدم الإسلام - قد ألقوا ستارًا على ظاهر الكتاب والسنّة، وأعطوا لأنفسهم الحق في مخالفة أي عرف لغوي أو شرعي، ما دام الفهم الذي أرادوه متوافقًا مع ما زيّن لهم الهوى وسؤل لهم الشيطان وأصبح أفكارًا ثابتة تعتبر هي الأصل، وتقوم المحاولات لشد النصوص إليها؛ فأفكارهم متبوعة، والنصوص تابعة. ووظيفة هذه النصوص ملء القوالب التي يريدون والعياذ بالله تعالى (^١).\nفلقد أوّلوا ثعبان موسى من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ بـ \"حجته\" (^٢).\nكما أوّلوا نبع الماء من بين الأصابع بكثرة العلم (^٣).\nوفرضت عليهم الإباحية والتحلُّل من ربقة الدين أن يؤولوا الأمهات في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء]، بالعلماء الأئمة، وأن يؤولوا التحريم بالمخالفة، وانتهاك الحرمة، واستحلُّوا بذلك ما حرَّم الله؛ فحلالٌ نكاح البنات والأخوات وجميع المحارم، بحجة أن الأخ أحق بأخته، والأب أولى بابنته. . إلخ. ولا غرابة في هذا ما داموا قد حوّلوا الآية عما أُنزلت من أجله في بيان المحرَّمات من النساء، بما أوّلوها ذلك التأويل الباطل الذي لا\n_________\n(^١) انظر للباطنية بشعبها وفرقها التي وصل بعضها إلى حدود الوثنية من سوء التأويل: \"الملل والنحل\" للشهرستاني (١/ ١٩٥ - ٢٢٤، ٢/ ١) فما بعدها.\n(^٢) في الكلام عن عصا موسى جاء قول الله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾ [طه].\n(^٣) روي حديث نبع الماء من بين أصابعه ﵊ جماعة من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود. وانظر: \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" (١/ ٢٨٥ - ٢٨٧) للقاضي عياض اليحصبي، المتوفى سنة ٥٤٥ هـ.","vol":"1","page":354},{"text":"يمت إلى مفهومات الشريعة أو قواعد العربية بصلة؛ فأين \"الأمهات\" من \"العلماء\" وأين \"التحريم\" من \"مخالفة الأئمة وانتهاك حرماتهم\"؟!!\nولقد قرر ابن حزم: أن الروافض إنما ضلّت بتركها الظاهر، والقول بالهوى بغير علم، ولا هدىً من الله ﷿، ولا سلطان، ولا برهان.\nوقد نقل لنا عنهم عددًا من التأويلات يأخذك الهول المرعب عندما تقع عيناك على شيء منها؛ ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] يقول ابن حزم: (قالوا: ليس هذا على ظاهره ولم يرد الله تعالى بقرة قط. إنما هي عائشة ﵂ ولعن مَن عقّها).\nوقالوا: (الجبت والطاغوت) (^١) في قوله تعالى: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] ليسا على ظاهرهما، إنما هما أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما، ولعنَ مَن سبّهما).\nوقالوا: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور] ليس هذا على ظاهره إنما السماء محمد، والجبال أصحابه.\nوقالوا: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] ليس هذا على ظاهره. إنما النحل بنو هاشم. والذي يخرج من بطونها هو العلم.\nويذكر أبو محمد أن بعض مَن سلكوا طريقهم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر] ليس الثياب على ظاهر الكلام، إنما هو القلب.\nوقالوا: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦] ليس على ظاهره إنما هو ابنٌ ذكر، وأما الأنثى: فلا.\nوفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ليس الكلام على ظاهره، إنما أراد من غير قبيلتكم (^٢).\n_________\n(^١) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] والجبت: الأصنام وكل ما عُبد من دون الله. والطاغوت: الشيطان.\n(^٢) انظر: \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (٣/ ٤٠ - ٤١).","vol":"1","page":355},{"text":"هذا: ومَن أراد الاستقصاء: فمظانُّ ذلك موفورة في كتب التفسير، وأصول الدين، والفقه، والفرق، وما شابه ذلك؛ مما كتب عن الملل والنحل ومعتقداتها وتأويلاتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-228>والمذهبية أيضًا:</span>\nونحن نرى بكل حيطة، أن من غير الجائز أن تكون المذهبية رائد الباحثين في الفقه وأصوله؛ فلا يصح أن تكون مسألة ما قد أُعطيت حكمًا من الأحكام، ثم يكون حظ النصوص من التأويل، أن تُردّ لتوافق - ولو عنوة - ذلك الحكم الذي أُعطي للمسألة، كما اجتهد فيه بعض العلماء والفقهاء في مذهب من المذاهب.\nومن هنا: فنحن لا نرتضي ما قرره في هذا المضمار الإمام أبو الحسن الكرخي في رسالته \"الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية\" (^١) حين وضع الآية والحديث موضعًا، لا يتسق مع البحث الحر البعيد عن المذهبية الضيقة.\nانظر إليه ﵀ يقول: (الأصل أن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تحمل على النسخ أو على الترجيح، والأوْلى أن تحمل على التأويل من جهة التوفيق).\nويقول: (الأصل أن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا، فإنه يحمل على النسخ أو على أنه معارض بمثله، ثم يصار إلى دليل آخر، أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح، أو يحمل على التوفيق، وإنما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل: فإن قامت دلالة النسخ: يحمل عليه وإن قامت الدلالة على غيره: صرنا إليه) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٤٨).\n(^٢) إذا كنا لا ترتضي ذلك من الكرخي ﵀، فهذا لا يمنع الظن بأنه إنما أراد أن الأصحاب لم يخالفوا آية ولا حديثًا، وإن وجدت المخالفة الظاهرية فإنما ذلك لنسخ أو تأويل، والله أعلم.","vol":"1","page":356},{"text":"وكان حريًا أن تكون المذاهب وأقوال أصحابها تبعًا لما نزل به الكتاب، وما بيّنته السنّة، فكما أن فتح مجال الاجتهاد والتصرف بالنصوص - دون حدود من الكفاءة دينًا وعلمًا ومعرفة بلغة الشريعة وأصولها - ينذر بالخطر والتشتيت. كذلك جعل المذهب هو المحور، وتطويع النصوص له ولآراء أصحابه، فيه المضرة، والبُعد عن جادة الحق في كثير من الأحيان.\nوالناظر في تاريخ أي إمام من أئمة المذاهب الجماعية أو الفردية (^١) يرى أنهم كانوا على أعز جانب وأغلاه، من الحيطة والحذر والحرص على أن يكون سيرهم ومسالكهم في الاستنباط، وراء الآيات، والأحاديث الثابتة، وما فهمه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، دون إغماض أعينهم عن واقع الحياة - على تفاوت بينهم في هذه النظرة أو تلك - ولقد أدّى هؤلاء العلماء الأمانة خير ما يكون الأداء، وعلى الذين يلونهم التزام الطريق، دون نكران للأصول التي كانت معالم الطريق.\nولنتابع السير لنرى كم فعل الهوى وجب الظهور من الأفاعيل في عصرنا هذا؛ فأنت تسمع كل يوم صوتًا حول مسألة من مسائل هذه الشريعة؛ فيومًا تأويل لبعض مسائل الطلاق وتعدد الزوجات. ويومًا كلام حول إباحة الفطر في رمضان. وفي يوم آخر كلام منمّق حول الربا أو حول الجهاد والتعامل مع الآخرين، لتحليل ما حرّم الله. يجري كل هذا في بحر من التأويلات التي تضم - إلى بُعدها عن اللغة - أنها لا ترضي الله ولا ترضي رسوله صلوات الله عليه، وإن كانت ترضي شهوة، وتجلب لقائليها بعض الخير في الدنيا. علمًا بأن واقعية الإسلام في تقدير المصالح، وبعده عن الحرج، وقدْرُه إنسانية الإنسان وحريته قدرهما. - فيها غناء لأهل الاستقامة، ومقنع لمن أراد مقنعًا.\n_________\n(^١) يراد بالمذاهب الجماعية: تلك المذاهب التي نُسبت إلى إمام معين بعد أن تكونت من آراء الفقهاء وأستاذهم الذي ينتسبون إليه؛ كالمذهب المالكي والحنفي والشافعي والحنبلي، أما المذاهب الفردية: فهي تلك الآراء التي تنقل بأسماء أصحابها بشكل فردي، وذلك كما في مذاهب الصحابة ومن يليهم، كما في مذاهب سعيد بن المسيب، والحسن البصري والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة والأوزاعي وغيرهم.","vol":"1","page":357},{"text":"وما درى هؤلاء أنهم قد يخدمون بذلك - راضين أو كارهين - مَن لا يريدون لهذه الأمة الخير ويترقبون بشريعتها كل سوء، وودُّوا لو أن كل ما يربطها بكتاب الله وسنّة نبيه مزّق كلّ ممزق، وشرِّد أيما تشريد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-229>المطلب الثاني موقف الظاهرية من التأويل</span>\nمن المعروف أن عماد المذهب الظاهري - الذي بدأه داود بن علي، وأيقظه ابن حزم فيما بعد - الأخذ بظواهر النصوص من الكتاب والسنة؛ فإن لم يكن: فالإجماع، وهم لا يرتضون إلا إجماع الصحابة باعتباره مستندًا إلى دليل عن الرسول، دون الالتفات إلى تأويل أو تعليل (^١) بل إن القياس مرفوض رفضًا باتًا. فالنصوص كلها في حكم النص المفسَّر الذي لا يحتاج إلى تأويل أو تعليل.\nوقد وضح هذا الاتجاه منذ تحوَّلَ داود الظاهري المتوفى سنة ٢٧٠ هـ عن تبعيته للشافعي واتخذ لنفسه طريقًا جديدة، قوامها ما ذكرنا من الأخذ بالظاهر، وعدم التحول عنه إلا بدليل - من الكتاب والسنّة أو الإجماع - يدل على أنه يراد به غير الظاهر.\nومما يؤثر عن داود قوله: (إن في عمومات الكتاب والسنّة ما يفي بكل جواب)، وازداد الاتجاه وضوحًا حين جاء ابن حزم من رجال المائة الخامسة للهجرة، ليبتعث المذهب الظاهري بعد ركود طويل.\nولم يكتفِ ابن حزم بالتأصيل أو التفريع - على لغته وأسلوبه وطريقته - بل ربما كانت له أمور في هذه الظاهرية، زادت على ما جاء به داود، وأصبح ﵀ إمامًا ظاهريًا مجتهدًا، لا من أتباع ومقلِّدي داود الظاهري.\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" (٣/ ٤١).","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type='title' id=toc-230>ماهية التأويل عند ابن حزم:</span>\nعرّف ابن حزم التأويل بقوله: (هو نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره وعما وضع له في اللغة إلى معنًى آخر. فإن كان نقلُه قد صحّ ببرهان وكان ناقله واجبَ الطاعةِ: فهو حق. وإن كان نقلُه بخلاف ذلك: اطُّرح ولم يُلتفت إليه، وحُكم على ذلك النقل بأنه باطل) (^١).\nفالأصل عند الظاهرية - وكما قرر ابن حزم - الأخذ بظاهر اللفظ من ناحية اللغة. فاللغات إنما رتّبها الله ﷿ ليقع بها البيان، واللغات ليست شيئًا غير الألفاظ المركبة على المعاني المبينة عن مسمياتها.\nفلا يجوز أن يصرف اللفظ عن ظاهره ومعناه اللغوي، إلا بنص آخر، أو إجماع. قال ابن حزم في ذلك: (فإن قالوا: بأي شيء تعرفون ما صرف الكلام عن ظاهره؟ قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: تعرف ذلك بظاهر آخر مخبر بذلك، أو بإجماع متيقن منقولٍ عن النبي ﷺ على أنه مصروف عن ظاهره) (^٢).\nوأخذًا من قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣] ذامًّا لقوم يحرِّفون الكلم عن مواضعه، قرر ابن حزم أنه لا بيان أجلى من هذه الآية في أنه لا يحل صرف النصوص عن موضعها في اللغة، ولا تحريفها عن موضعها في اللسان. وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] دليل على أن اتباع الظاهر فرض، وأنه لا يحل تعدّيه أصلًا.\nوقد أخذ ابن حزم ذلك، لأن الآية نهت المؤمنين أن يقولوا الكلمة التي يتأولها اليهود إيذاءً لرسول الله ﵊، إذ جعلوا ﴿رَاعِنَا﴾ من الرعونة، أو نوعًا من الشتم بلغتهم فأمر الصحابة أن يقولوا كلمة تؤدي معنى ﴿رَاعِنَا﴾ من المراعاة كما يريدونه هم وهي كلمة ﴿انْظُرْنَا﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"تاريخ التشريع الإسلامي\" للخضري (ص ٢٦٧ - ٢٦٨)، \"تاريخ التشريع الإسلامي ومصادره\" للدكتور محمد سلام مذكور (ص ١٩٤ - ١٩٥)، \"ابن حزم\" لأستاذنا أبي زهرة (ص ٤١١) فما بعدها.\n(^٢) انظر: \"الإحكام\" لابن حزم (١/ ٤٢).","vol":"1","page":359},{"text":"ومما استشهد به ابن حزم لإثبات ما يقوله من وجوب الأخذ بالظاهر وعدم التحول عنه إلا بنص أو إجماع، ما ورد في شأن صلاة النبي عليه وسلم على رأس المنافقين ابن سلول عند وفاته من حديث ابن عمر: لما توفي عبد الله بن أُبي بن سلول قام النبي ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه! فقال رسول الله ﷺ: \"إنما خيّرني الله تعالى فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيد على السبعين مرة\" قال: إنه منافق. فصلّى عليه رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (^١).\nففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شيء على ظاهره، إذ حمل رسول الله ﷺ اللفظ الوارد بـ (أو) على التخيير، فلما جاء النهي المجرد حمله على الوجوب.\nوإذا كان صرف الكلام عن ظاهره، والجنوح إلى التأويل عند الظاهرية، لا يكون إلا ببيان من نص القرآن، أو نص كلام رسول الله ﷺ، أو إجماع متيقن؛ فإن تجاوز هذه الحدود المرسومة، يعتبر في نظر ابن حزم افتراءً على الله وتعديًا لحدوده، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنّة.\nأ - فالله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ويقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\nواتباع غير هذا السبيل حرام وفسق ومعصية للّه تعالى، فمَن ترك ظاهر اللفظ، وطلب معانيَ لا يدل عليها لفظ الوحي، فقد افترى على الله ﷿.\nب - وقد روى ابن حزم أن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: \"ما كان رسول الله ﷺ يتأول شيئًا من القرآن، إلا آيًا بعدد أخبره بهن جبريل ﵇\".\n_________\n(^١) الحديث أخرجه البخاري (٤٦٧٠ - ٤٦٧٢)، ومسلم (٢٤٠٠) و(٢٧٧٤). وانظر: \"تفسير ابن كثير\" في سورة التوبة (٢/ ٧٨) \"الكشاف\" للزمخشري (٢/ ٢٣٣)، \"فتح الباري\" مع \"الصحيح البخاري\" ٨/ ٤٢٢ فما بعد.","vol":"1","page":360},{"text":"ويستنبط أبو محمد من هذا الخبر أنه إذا كان محمد بن عبد الله الموحى إليه لا يؤول القرآن إلا بوحي، فأوْلى ألا يؤوله أحد من بعده إلا لظاهر آخر. وذلك قوله: (فإذا كان النبي ﷺ لا يتأول شيئًا من القرآن إلا بوحي فيُخرجه عن ظاهره إلى التأويل؛ فمَن فعل خلاف ذلك فقد خالف الله تعالى ورسوله ﷺ. وقد نهى تعالى وحرّم أن يقال عليه ما لم يعلمه القاتل.\nوإذا كنا لا نعلم إلا ما علمنا: فترك الظاهر الذي علمناه وتعديه - إلى تأويل لم يأتِ به ظاهر آخر - حرامٌ وفسق ومعصية للّه تعالى.\nوقد أنذر الله تعالى وأعذر، فمَن أبصر فلنفسه ومَن عمي فعليها.\nثم أخرج ابن حزم عن جعفر بن برقان أنه قال: قال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا حدّثت بالحديث عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له الأمثال.\nقال أبو محمد: (وصدق أبو هريرة ﵁ ونصح وبالله تعالى التوفيق) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-231>أثر منهج ابن حزم في العموم والخصوص والأمر والنهي:</span>\nعلمنا في صدر مبحث التأويل، أن العموم والخصوص والأمر والنهي: من المجالات المتسعة للتأويل؛ فتخصيص العام، وصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وصرف النهي عن التحريم إلى كراهة التنزيه: كل ذلك من باب التأويل. ولا بد لهذا الصرف من استيفاء الشروط التي وضعها العلماء.\nونحن الآن لسنا في صدد بحث العموم والخصوص والأمر والنهي، فسيأتي ذلك في موطنه إن شاء الله. ولكنها لمحة عابرة لإظهار الأثر الناجم عن موقف الظاهرية من التأويل.\nوذلك في نظرة ابن حزم إلى العموم والخصوص ومدلول كلِّ من الأمر والنهي.\n١ - فالألفاظ عند ابن حزم على العموم، إلا ما أخرجه عن العموم دليل حق.\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (٣/ ٤٤).","vol":"1","page":361},{"text":"فقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة:]. عام في كل مسكين وكل فقير، وكل عامل عليها، وكل مؤلف قلبه. وكل ما سمي رقبة إلا أن يخصَّ شيئًا من ذلك نصٌّ أو إجماع.\nب - وتساوقا مع أخذه بالظاهر وعدم الالتفات إلى التأويل: كان كل أمر عنده على الوجوب، وكل نهي على التحريم إلا إذا جاء نص أو إجماع مبني على نص يدل على غيره.\nوعلى أساس هذه النظرة: قد خالف الفقهاء في كثير من المسائل.\n١ - فمن ذلك أخذه من قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] أنّ مكاتبة العبد فرض لازم (^١) على السيد إذا طلب العبد المكاتبة، وكان قادرًا على القيام بها.\n٢ - اعتبر الزواج فرضًا على كل قادر على الوطء يجد من أين يتزوج، ولو لم يخشَ الزنى أو يترقبه (^٢) - كما يقول الآخرون - أخذًا من قوله ﷺ: \"يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\" (^٣) فظاهر الأمر الوجوب، ولا دليل يُخرجه عن هذا الظاهر.\n_________\n(^١) أخرج البخاري - تعليقًا - \"باب المكاتب ونجومه. . .\" عن موسى بن أنس أن سيرين سال أنس بن مالك المكاتبة - وكان كثير المال - فأبى، فضربه عمر بالدرة، وتلا عمر: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ وانظر: \"فتح الباري\" مع \"الجامع الصحيح\" ٥/ ٢٢٨ \"الموطأ\" بشرح الزرقاني (٤/ ١٠٢)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (١٠١ - ١٠٢)، \"جامع الأصول\": (٥٩٤٤).\n(^٢) راجع: \"المحلى\" (٩/ ٤٤٠).\n(^٣) رواه أحمد (١/ ٤٣٢، ٤١١٢) وأصحاب الكتب الستة، البخاري (٥٠٦٥)، مسلم (١٤٠٠)، أبو داود (٢٠٤٦) الترمذي (١٠٨١)، النسائي (٢٢٣٩)، ابن ماجه (١٨٤٥). وانظر في حكم الزواج للقادر عليه، عند العلماء: \"نيل الأوطار\" (٦/ ١١٠ - ١١١)، \"الميزان\" للشعراني (٢/ ١٢٣) - ١٢٤) والوجاء شبيه بالخصاء.","vol":"1","page":362},{"text":"ولقد أطال ابن حزم في الدفاع عن هذا الاتجاه الظاهري، ورد على المخالفين بطريقته الخاصة في الرد. ولقد بلغه قول بكر البشري: إنما ضلّت الخوارج بحملها القرآن على ظاهره فندّد بهذا القول، وردّ أيضًا فأحسن الرد.\nقال ﵀ في \"الإحكام\": (وأما قول بكر: إن الخوارج إنما ضلّت باتباعها الظاهر: فقد كذب وأفك، وافترى وأثم. ما ضلّت إلا بما ضلّ هو، من تعلقهم بآيات ما، وتركوا غيرها، وتركوا بيان الذي أمره الله ﷿ أن يبين للناس ما نزل إليهم، كما تركه بكر أيضًا - وهو رسول الله ﷺ - ولو أنهم جمعوا آيَ القرآن كلها وكلام النبي ﷺ وجعلوه كله لازمًا وحكمًا واحدًا ومتّبعًا كله لاهتدوا. على أن الخوارج أعذر منه وأقل ضلالًا؛ لأنهم لم يلتزموا قبول خبر الواحد. وأما هو: فالتزم وجوبه ثم أقدم على استحلال عصيانه.\nوالقول الصحيح: هو أن الروافض إنما ضلّت بتركها الظاهر واتباعها ما اتبع بكر ونظراؤه من التقليد، والقول بالهوى بغير علم ولا هدّى من الله ﷿ ولا سلطان ولا برهان (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-232>رأينا في هذه النقطة:</span>\nونحن مع تسليمنا بأن الأخذ بالظاهر هو الأصل، وأن طريق الظاهرية أقرب إلى السلامة. . نرى أن ما يقوله الظاهرية وابن حزم فيمن يخالف الأخذ بالظاهر، إنما ينطبق على المغالين بالتأويل أمثال بعض الفرق كالمرجئة والباطنية، وقد رأينا نماذج من كلامهم فيما سبق، ونقل هو إلينا شيئًا من كلام بكر البشري.\nأما الأئمة المعتبرون الذين أخذوا بالتأويل: فقد وضعوا له الشروط التي أسلفنا الحديث عنها، وهي شروط إذا التزمها المؤول كان في مأمن عن\n_________\n(^١) \"الإحكام في أصول الأحكام\" (٣/ ٤٠).","vol":"1","page":363},{"text":"الزيغ والانحراف واتباع غير ما أنزل الله، وما إلى ذلك من المزالق والدركات التي يرمي بها ابن حزم مَن يؤولون الكلام ويأخذونه على غير ظاهره.\nولقد ذكرنا من قبل - إلى جانب الشروط التي وضعها العلماء في هدي الكتاب والسنّة - أن الأصل عندهم هو الأخذ بالظاهر، ونقلنا في هذا كلامًا عن الشافعي والطبري والخطابي يعطي أن الأصل أخذ الكلام على ظاهره (^١).\nوإذا توفرت بواعث التأويل: كان الجنوح إليه إنما يقع ضمن إطار محدد وشروط مرسومة، وذلك في نظرنا السبيل الواضحة المأمونة.\nولقد أبنّا من قبل أن الأئمة الأولين، لا تدل سيرتهم العلمية على رضاهم أن تكون المذهبية حاكمة التأويل، وإنما التأويل من وراء الكتاب والسنّة ومفهومات الشريعة ومدلولات اللغة.\nولقد كانت الجادة التي سلكها الجمهور في نزوعهم إلى التأويل - عندما تتوفر بواعثه - سبيلًا واضحة المعالم ضمن حدود وقيود وضوابط متّسقة كل الاتساق مع مقاصد الشريعة السمحة، ورحابة لغة القرآن الكريم.\nأما الجمود عند الظاهر: فقد كان سببًا لوقوع الظاهرية في كثير من الغرائب والأحكام التي تبدو نابية عن لغة وروح شريعة الإسلام (^٢). وسنكتفي بتقديم بعض النماذج دليلًا لما نقول.\n* * *\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ٣٠٤ - ٣٠٥).\n(^٢) نقرر ذلك. مع اعتقادنا الجازم أن ما نقوله من وجود غرائب ومتناقضات، لا يغض - على الخصوص - من قدر الإمام ابن حزم، الذي كان - بحق - علَمًا من أعلام تاريخنا العظيم. وفي معرض استنباط الأحكام نذكر بحق - أيضًا - أن كتابَيْه \"الإحكام في أصول الأحكام\" في أصول الفقه، و\"المحلى\" في الفقه، من مفاخر ثروتنا التشريعية المباركة على مدى العصور. . والعصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>المطلب الثالث من ثمرات الاختلاف بين الظاهرية والجمهور</span>\n<span data-type='title' id=toc-234>١ - مسألة الطهارة من ولوغ الكلب:</span>\nقال ابن حزم: (فإن ولغ في الإناء كلب - أيَّ إناء كان وأيَّ كلب كان. كلب صيد أو غيره كبيرًا أو صغيرًا - فالغرض إهراق ما في الإناء كائنًا ما كان، ثم يغسل سبع مرات ولا بد. أولاهن بالتراب مع الماء، وذلك الماء الذي يطهَّر به الإناء: طاهر حلال.\nفإن أكل الكلب في الإناء، ولم يلغ فيه، أو أدخلَ رجله أو ذنبه أو وقع بكلِّه فيه: لم يلزم غسل الإناء، ولا إهراق ما فيه البتة، وهو حلال طاهر كله كما كان.\nوكذلك: لو ولغ الكلب في بقعة في الأرض، أو في يد إنسان، أو في ما لا يسمى إناء: فلا يلزم شيء من ذلك، ولا إهراق ما فيه، والولوغ هو الشرب فقط؛ فلو مسَّ لعابُ الكلب أو عرقُه الجسدَ أو الثوبَ أو الإناء، أو متاعًا ما، أو الصيد: ففرضٌ إزالة ذلك بما أزاله؛ ماءً كان أو غيره، ولا بد من كل ما ذكرنا، إلا من الثوب فلا يُزال إلا بالماء) (^١).\nودليل ابن حزم لهذه المسألة بشعبها المتعددة، ما حدّث به أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات\" (^٢) وفي رواية: \"طَهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب\" (^٣).\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١/ ١٠٩ - ١١٢)\n(^٢) رواه مسلم (٦٤٦)، والنسائي (٦٦)، وابن ماجه (٣٦٣). وانظر: \"مسلم بشرح النووي\" (٣/ ١٧٤) \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (١/ ٤٤).\n(^٣) رواه أحمد (٨١٤٨)، ومسلم (٦٤٩)، وأبو داود (٧١)، والنسائي (٣٣٨)، وابن ماجه (٣٣٦).","vol":"1","page":365},{"text":"وإذا تركنا الشعبة الأولى من المسألة، وهي إهراق الماء وغسل الإناء بالماء سبع مرات أولاهن بالتراب، نرى العجب فيما بقي.\nإن ابن حزم يريد النص!! ولم يأتِ نص باجتناب الماء الذي يغسل به الإناء الذي ولغ فيه الكلب، ولا شريعة - كما يقول - إلا بما أخبر به رسول الله ﷺ، وما عدا ذلك فهو مما لم يأذن به رسول الله تعالى. والماء حلال شربه، طاهر، فلا يحرم إلا بأمر منه ﵇.\nولكنا لا نوافق أبا محمد على ما ذهب إليه، ونرى أن في الحديث دليلًا على أن الماء المولوغ فيه نجس؛ ذلك لأن الذي قد مسّه الكلب هو الماء دون الإناء، فلولا أن الماء نجس لم يجب تطهير الإناء منه (^١). ودلالة الحديث على ما نقول: هي الدلالة الصريحة الواضحة التي لا تحتاج إلى تأويل (^٢).\nوهكذا كانت شدة التمسك بالظاهر عند ابن حزم على هذا النحو: مدعاة لترك مدلول الظاهر نفسه.\nوإن تعجب: فعجبٌ وقوفه عند الظاهر من الولوغ في الإناء؛ فالرسول ﵇ كما يرى هو - أمر بهرق ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب، ولم يخص شيئًا من شيء، ولم يأمر ﵇ باجتناب ما ولغ فيه في غير الإناء، بل نهى عن إضاعة المال.\nفالمنجّس هو الولوغ والمتنجّس هو الإناء، بهذا أتى النص، فما ولغ فيه في غير الإناء: في بقعة أرض، أو يد إنسان أو فيما لا يسمى إناء فلا مدعاة لغسله، ولا هرق ما فيه.\nوإذا كان المنصوص عليه هو الولوغ: فالحفاظ على الوقوف عند الذي\n_________\n(^١) انظر: \"معالم السنن\" للخطابي (١/ ٤٠).\n(^٢) قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على كلام ابن حزم: (معاذ الله أن يكون هذا الماء طاهرًا وهو مما دلّ قوله ﷺ: \"طهور إناء أحدكم\" على نجاسته بمعناه الظاهر الذي لا يحتاج إلى تأويل، وهو ماء قذر مستكرَه) \"المحلى\" (١/ ١١١) الحاشية (٢).","vol":"1","page":366},{"text":"أذن الله به من الشريعة: أن يفرق بين الولوغ وغيره. فما عدا الولوغ؛ كأن يأكل الكلب في الإناء، أو يقع فيه، أو يُدخل فيه بعض أعضائه من ذنَب أو يد أو رجل: فهو طاهر لا يحرم ولا ينجس إلا بدليل. ولا دليل.\nوقد اعتمد ابن حزم في ذلك على الاستصحاب (^١)، إذ الأصل في المباحات الطهارة فما كان من مطاعم ومشارب، وسائر المباحات فهو حلال بيقين، فلا ينتقل من حال الإباحة والطهارة، إلى حالة الحرمة والنجاسة إلا بنص، والنصُّ قد اقتصر على الولوغ في الإناء، وهذه خارجة عن النص، فيبقى ما ذهب إليه الجمهور في الحكم بالتنجيس والحرمة: دعوى بلا دليل.\nأليس عجيبًا أن يغمض الإمام الظاهري أبو محمد عينيه عن معاني الشريعة التي تلتقي مع الطباع السليمة، ولا تتعدى حدود المعقول فيفرق بين أكل الكلب من الإناء وبين شربه منه؟! بل يفرق بين الشرب وبين وقوع الكلب فيه أو بعضه في الإناء. والكلب قذر في كل حال؟؟ إنه خوف التأويل - كما يرى - والحفاظ على شريعة الله أن ينالها التغيير والتبديل.\nأما وجوب إزالة لعاب الكلب وعرقه في أي شيء كان: فليس دليله عند ابن حزم حديث الولوغ، وإنما هو تحريم الله كل ذي ناب من السباع، والكلب ذو ناب من السباع، فهو حرام بلا شك. ولعابه وعرقه حرام لأن بعض الحرام حرام، والحرام فرضٌ إزالته واجتنابه.\nوالإزالة هنا تصح عنده بكل ما يؤدي الغرض، ما عدا الثوب فلا تصح إزالة لعاب الكلب وعرقه عنه إلا بالماء لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤].\nوفي أعقاب هذا الحكم، نريد أن نقول ما قاله الشيخ أحمد شاكر في هذا المقام:\n(أفليس ما أكل منه الكلب من طعام، أو وقع فيه من شراب، أو دخل\n_________\n(^١) الاستصحاب هو: الحكم على الشيء بما كان ثابتًا له أو منفيًا عنه في الماضي لعدم قيام الدليل على تغييره.","vol":"1","page":367},{"text":"فيه بعض أعضائه: بقي فيه شيء من لعابه، أو عرقه أو نتنه، ويحرم تناوله وتجنُّب إراقته لذلك؟ اللهم غفرًا) (^١).\nهذا ومما يتعلق بمسألة الطهارة من ولوغ الكلب ما ذهب إليه الشافعي من وجوب الغسل من ولوغ الخنزير في الإناء سبعًا كما يغسل من الكلب (^٢). وابن حزم لم يرتض هذا الحكم من الشافعي؛ فقياس الخنزير على الكلب - كما يقول - خطأ ظاهر - لو كان القياس حقًّا - وكما لم يجز أن يقاس الخنزير على الكلب في اتخاذه وأكل صيده، فكذلك لا يجوز أن يقاس الخنزير على الكلب في عدد غسل الإناء من ولوغه. فكيف والقياس كله - في نظره - باطل.\n\n<span data-type='title' id=toc-235>٢ - مدلول النهي عن البول في الماء الراكد:</span>\nأخرج ابن حزم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه\" (^٣).\nاستدلّ ابن حزم بالحديث على أن البول مخصوص بالبول في الماء، حتى لو بال خارج الماء، فجرى البول إلى الماء، أو لو بال في إناء وصبّه في الماء لم يضرَّ عنده.\nقالبائل في الماء الراكد الذي لا يجري: حرام عليه الوضوء بذلك الماء والاغتسال به لفرض أو لغيره. وحكمه التيمُّم إن لم يجد غيره، وذلك الماء: طاهر حلال شربُه له ولغيره، إن لم يغير البول شيئًا من أوصافه. وحلالٌ الوضوء به والغسل لغيره.\nفلو أحدث في الماء، أو بال خارجًا منه، ثم جرى البول فيه، فهو\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١/ ١١٢) حاشية، وانظر: \"معالم السنن\" (١/ ٣٩)، \"فتح الباري\" (١/ ١٩٤).\n(^٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٤) \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٤٨ - ٤٩).\n(^٣) رواه البخاري (٢٣٩)، ومسلم (٢٨٢)، وأبو داود (٦٩)، والترمذي (٦٨) وصححه، والنسائي (٥٧) وابن ماجه (٣٤٤). وانظر: \"معالم السنن\" (١/ ٣٨)، \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":368},{"text":"طاهر ويجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره، إلا أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئًا من أوصاف الماء، فلا يجزئ حينئذ استعماله أصلًا، لا له ولا لغيره (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-236>رأي النووي وابن دقيق العيد في المسألة:</span>\nلقد حكى النووي هذا القول عن داود بن علي، وقرّر أن الذي ذهب إليه خلاف إجماع العلماء وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر.\nوحين جاء ابن دقيق العيد على ذكر هذا الحكم، قرر فيه أن مما يعلم بطلانه قطعًا، ما ذهبت إليه الظاهرية الجامدة، من أن الحكم مخصوص بالبول في الماء.\nوالعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم: لاستواء الأمرين في الحصول في الماء، وأن المقصود اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء. وليس هذا من مجال الظنون، بل هو مقطوع به (^٢).\nفابن دقيق العيد - وهو ذاهب مذهب الجمهور - يرى أن مدلول الحديث عام في اجتناب ما وقعت فيه النجاسة، لا أنه مخصوص بالبول في الماء. ومن إسناد الحكم إلى الظاهرية الجامدة - على حد تعبيره - يفهم أن الرأي ليس رأي ابن حزم فقط إنما هو رأي المذهب. يؤيد ذلك أن النووي نسب ذلك إلى داود (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-237>٣ - مدلول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]:</span>\nذهب ابن حزم مستدلًا بهذه الآية إلى الحكم بنجاسة الكفار نجاسة عين: وقد صرّح بأن لعاب الكفار من الرجال والنساء - الكتابيين وغيرهم -\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(^٢) \"إحكام الأحكام\" (١/ ٦٥). وانظر: \"سبل السلام\" للصنعاني (١/ ٢٧).\n(^٣) \"شرح مسلم\" للنووي (٣/ ١٨٨).","vol":"1","page":369},{"text":"نَجِسٌ كله، وكذلك العَرَق منهم والدَّمْعُ، وكل ما كان منهم، لأن البعض من النجس نجس.\nوقد أيّد ما فهم من ظاهر الآية بما روي عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ لقيه وهو جنب، فحاد عنه، فاغتسل ثم جاء فقال: كنت جنبًا، فقال: \"إن المسلم لا ينجس\" (^١).\nولقد عجب ممن يقول بطهارة المشركين مع وجود الآية الكريمة ونص هذا الحديث. وذلك قوله في \"المحلَّى\": (وما فهم قط من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] مع قول نبيه ﷺ: \"إن المؤمن لا ينجس\" أن المشركين طاهرون. ولا عجب في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نصّ الله تعالى أنهم نَجَس إنهم طاهرون) (^٢).\nوهكذا نرى ابن حزم يقف عند ظاهر اللفظ من الآية والحديث ويعتبر ذلك نصًا فيما ذهب إليه.\nأما الجمهور: فقد ذهبوا إلى طهارة لعاب الكفار، وعرقهم، ودمعهم وما إلى ذلك.\nوتأوّلوا الآية المذكورة بحَمل النجاسة على ما يتعلق بالاعتقاد والاستقذار.\nكما تأوّلوا الحديث: \"إن المسلم لا ينجس\" على معنى أن المسلم طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفُّظه عن النجاسة.\nوقد استندوا في تأويلهم إلى حل زواج الكتابيات، مع أن الزواج يدعو إلى أتم المخالطة، ولا يمكن مع هذه المخالطة الاحتراز عن آثارهن: من\n_________\n(^١) رواه أحمد بلفظ: \"إن المؤمن\" (٢٣٦٥٣) وأبو داود (٢٣٠) والنسائي (٢٦٧) وابن ماجه (٥٣٥)، وروى أحمد وأصحاب الكتب الستة نحوه من حديث أبي هريرة وفيه: \"إن المؤمن لا ينجس\": البخاري (٢٨٣)، مسلم (٣٧١)، أبو داود (٢٣١)، الترمذي (١٢١)، ابن ماجه (٥٣٤)، النسائي (٢٦٩)، أحمد في \"المسند\" (٧٢١١).\n(^٢) \"المحلى\" (١/ ١٣٠).","vol":"1","page":370},{"text":"عرق وريق في بدن المؤمن وثوبه وفراشه. ومع ذلك، فلا يجب من غسل الكتابية إلا ما يجب من غسل المسلمة (^١).\nولم يرتضِ ابن حزم الاحتجاج بحل زواج الكتابيات، فذلك لا يؤدي في نظره إلى حل اللعاب والعرق والدمع، وكأنه يرى أن كلًا من المسألتين يجري في طريق.\nوكان من الطرائف جوابُه عن مسألة عدم استطاعة الاحتراز مع الزواج والمضاجعة حيث قال: (فإن قيل: إنه لا يقدر على التحفُّظ من ذلك. قلنا: هذا خطأ بل يفعل فيما مسَّه من لعابها وعرقها مثل الذي يفعل إذا مسَّه بولُها أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق. ولا حرج في ذلك). وينتقل أبو محمد إلى القول: (ثم هبك أنه لو صحّ ذلك في نساء أهل الكتاب، من أين لهم طهارة رجالهم أو طهارة النساء والرجال من غير أهل الكتاب. فإن أجابوا بالقياس ردّ عليهم ببطلان القياس) (^٢) ولا بدع أن يطلب ابن حزم نصًا لكل مسألة على حدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-238>الذي نرجحه:</span>\nوالمقبول عندنا أن تأويل الآية والحديث: سليم لا غبار عليه، لما استند إليه من الأدلة وذلك ما يجعلنا نرجح مذهب الجمهور.\nفقد أباح الله للمؤمنين طعام أهل الكتاب، ومؤاكلتهم، ولن يخلو هذا من آثارهم. وفي إباحته للزواج بالكتابيات (^٣) من الآثار ما لا يمكن التحرُّز عنه في مخالطتهن - كما تقدم -.\nوإن في هدي رسول الله ﷺ ما يؤيد هذا المذهب، فلقد توضأ\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣١)، \"سبل السلام\" (١/ ٤٢) \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٨).\n(^٢) \"المحلى\" (١/ ١٣٠).\n(^٣) قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].","vol":"1","page":371},{"text":"رسول الله ﷺ من مزادة مشركة. وربط ثمامة بن أثال - وهو مشرك - بسارية من سواري المسجد. وأكل من الشاة التي أهدتها إليه يهودية من خيبر. وأكل الجبن المجلوب من بلاد النصارى (^١) وأكل من خبز الشعير والإهالة لما دعاه يهودي إلى ذلك (^٢). وحين استشاره المسلمون في الاستمتاع بآنية الكفار، أقرّهم عليه مع كونها مظنّة لملابستهم ومحلًا للمنفصل عن رطوبتهم ولعابهم (^٣).\nفهذا وغيره من الأدلة والقرائن: يعطي ما ذهب إليه جماهير السلف والخلف، من أن الكافر حكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم. وأن المراد من نجس المشركين في الآية: نجاستهم المعنوية؛ لاعتقاد الباطل وعدم الحرص على الطهارات، وأنهم لا يتحرزونه من النجاسات؛ فيما يستحلونه كأكل لحم الخنزير وشرب الخمر. وقس على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-239>الآدمية في المسلم والكافر:</span>\nفإذا أضفنا إلى كل ما مر، أن آدمية الإنسان سبب في تكريمه تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء]. وأن من أغراض هذه الشريعة: تحقيق المعنى الإنساني كما ينبغي في هذه الأرض، رأينا أن العدول عن رأي الجمهور: عدول إلى ما لا يلتفت إليه، وسعي وراء ما لا يتفق مع روح شريعة إنسانيةٍ حققت كرامة الإنسان.\n_________\n(^١) أخرج ذلك أحمد من حديث أبي سعيد الخدري (١٣٢٣٣) و(١٣٨٩٦)، وأبو داود من حديث ابن عمر. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" (٨/ ١٠٣)، \"نيل الأوطار\" (١/ ٣١ - ٨٤) \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (١/ ٥٣).\n(^٢) روى أحمد (١٣٢٣٣) عن أنس (أن يهوديًا دعا النبي صلى الله عليه وآله إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه).\nالإهالة: ما يؤتدَم به من الأدهان، السنخة: المتغيرة الربح. \"النهاية\" (١/ ٥٣).\n(^٣) روى الترمذي (١٥٦٠) أن رسول الله ﷺ سئل عن قدور المجوس فقال: \"أنقوها غسلا واطبخوا فيها\" وانظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ٨٤) وفي الباب عدد من الأحاديث الصحيحة وهي في مدلولاتها ترد اعتراض المعترضين وتؤيد مذهب الجمهور.","vol":"1","page":372},{"text":"وليس بدعًا بعد هذا: أن نرى الإمام النووي لا يعبأ بمخالفة الاتجاه الظاهري في المسألة، ويعتبر الإجماع منعقدًا على ما ذكرناه.\nقال في شرحه \"الصحيح مسلم\": (وأما الكافر: فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف. وأما قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فالمراد نجاسة الاعتقاد والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما.\nفإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلمًا كان أو كافرًا، فعرقُه ولعابه ودمعه طاهرات، سواء كان محدثًا أو جنبًا أو حائضًا أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين) (^١).\nوالآن: وبعد الذي عرضنا من موقف الظاهرية من التأويل نود أن نقرر مرة أخرى: أن طريق الجادة في التأويل: هو طريق الجمهور، فهو يتسم بالاعتدال والانسجام مع روح الشريعة ولغتها. فلا جمود عند الظاهر الذي قد يؤدي إلى البُعد عن مدلول الخطاب في اللغة، ولا انحراف مع الهوى بتأويلات فاسدة ظالمة تنأى بالمسلم عن كتاب الله وبيانه، واللغة التي كانت لسان الوحي وسبيل البيان.\n\n<span data-type='title' id=toc-240>من التأويل في القانون:</span>\n١ - قضت المادة/ ٧٥/ من المرسوم التشريعي رقم/ ٢٠٤/ تاريخ ١١/ ١٢/ ١٩٦١ المتعلق بتنظيم وزارة الأوقاف في الجمهورية العربية السورية بإعفاء أماكن العبادة والعقارات الوقفية والخيرية من بعض الرسوم.\nوقد أوّلت بعض الجهات هذا النص بما يجعل كلمة (أماكن العبادة. . .) تشمل الأماكن التي تخص غير المسلمين، وطالبت تلك الجهات وزارة\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٤/ ٦٦).","vol":"1","page":373},{"text":"الشؤون البلدية والقروية بإعفائها من الرسوم التي نصّت عليها المادة/ ٧٥/ الآنفة الذكر.\nواستفتت الوزارة المذكورة مجلس الدولة الذي أصدر رأيًا يحكم فيه بعدم صحة ذلك التأويل، وأن الإعفاء من بعض الرسوم المقررة في المادة / ٧٥/ من المرسوم التشريعي/ ٢٠٤/ ينصرف إلى الأماكن التي تخص المسلمين دون غيرهم.\nوقد قام رأي مجلس الدولة - الذي يعتبر التأويل الصحيح المقبول لنص المادة /٧٥/ - على عدة حيثيات كان من أهمها:\n١ - أن المادتين الأولى والثانية وجميع مواد القانون: تنظم وزارة الأوقاف الإسلامية فقط دون غيرها. لا سيما وأن الوزارة قد سميت باسم وزارة الأوقاف الإسلامية.\nب - ثم إن الاحتمال الذي يرى في عبارة (أماكن العبادة) ينفيه نفيًا قاطعًا: أن النص قد ورد في القانون المنظم للأوقاف الإسلامية فقط دون أن يتعرض لأي نوع من أنواع الأوقاف وأماكن العبادة لغير المسلمين.\nلهذا، ولحيثيات أخرى قد تنطوي تحت ما ذكرناه: أجمعت آراء اللجنة المختصة على أن الإعفاء المقرر بموجب المادة/ ٧٥/ من المرسوم التشريعي رقم/ ٢٠٤/ تاريخ /١١/ ١٢/ ١٩٦١ المتعلق بتنظيم الأوقاف ينحصر بأماكن العبادة والمقابر والعقارات الوقفية الخيرية للمسلمين فقط دون غيرهم (^١).\nوهكذا كان التأويل الأول غير مقبول، لأن ذلك الاحتمال الضعيف لم يسعفه أي دليل يمكن أن يرقى به إلى رتبة ما دلّ عليه ظاهر النص، وقد قدم مجلس الدولة - من القانون نفسه - المؤيدات التي دلّت بوضوح على أن مدلول المادة/ ٧٥/ من الإعفاء لا يشمل - بحال - أيًا من أوقاف غير المسلمين.\n_________\n(^١) مجلس الدولة رقم ١٦١/ ق ٤/ ف.","vol":"1","page":374},{"text":"٢ - جاء في المادة ١٥١/ ٢١٣ من القانون المدني المصري الملغى: أن كل عمل يُحدث ضررًا بالغير تترتب عليه مسؤولية فاعله.\nولكن يبدو أن المشرع حين وضع القاعدة العامة في هذه المادة، لم ينظر إلى الأحوال الخاصة المختلفة؛ إذ قد يكون العمل مضرًا في بعض الحالات، ومع ذلك لا يُلزم فاعله بدفع تعويض، إذا كان عمله بناءً على حق، ولذلك كان من الممكن التأويل في المادة المذكورة لتنسجم مع تلك الحالات التي لم يراعها المشرع.\nولكن لم يرتضِ رجال القانون أن يؤدي التأويل إلى تغيير هذا النص؛ فرأينا الدكتور محمد كامل مرسي ﵀ في شرحه للقانون المدني يوجب عدم التوسع في هذا الأمر - يعني التأويل -؛ لأن الأصل - كما يقول - هو أنه ما دام القانون صريحًا، فلا يجوز - بدعوى تأويله - تغيير نصوصه بناء على أن روح القانون تدعو لذلك التغيير - حتى لو كان من رأي القاضي الشخصي أن النص غير عادل - لأن مرجع ذلك إلى المشرع، ومهمة القاضي في الأصل: مقصورة على الحكم بمقتضى القانون، لا الحكم على القانون (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"شرح القانون المدني الجديد\" الباب التمهيدي. . (ص ٨٩ - ٩٢) للدكتور محمد كامل مرسي، وانظر: الدكتور منصور (١/ ٢٠ - ٢٥٨).","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>البَابُ الثَّاني طرق دلالة الألفاظ على الأحكام</span>\nمنهج الحنفية في طرق الدلالات\nمنهج المتكلمين في طرق الدلالات","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-242>تمهيد:</span>\nلا بد لتفسير النص الشرعي في كتاب أو سنّة تفسيرًا صحيحًا عند الاستنباط، من إدراك سليم لدلالات الألفاظ على المعاني المرادة من الكلام.\nوعلماؤنا الذين أقاموا أصول الفقه على خير الدعائم وأفضلها - في ظل العربية ومنطق الاستدلال الشرعي - قد تباينت أنظارهم في طرق دلالة الألفاظ على الأحكام، وضوابط تلك الطرق، الأمر الذي وطّأ لتنوُّع مصطلحاتهم في هذا المضمار، فسلك كل فريق مسلكًا خاصًّا له سماته ومميزاته. واختلاف المسالك في الأصول، كان له أثره الواضح في الفروع.\nهذا ومما لا شك فيه: أن دلالة الألفاظ على الأحكام لها طرق متعددة: فالنص الشرعي أو القانوني: ليست دلالته على الحكم قاصرة على ما يفهم من عبارته؛ بل كثيرًا ما تكون الدلالة على الحكم من طريق الإشارة، أو المفهوم، أو الاقتضاء.\nولكل واحد من طرق الدلالة اعتباره في إعطاء الحكم وإلزام المكلف العمل بهذا الحكم ليخرج من العهدة، على تفاوت في المراتب، يقتضي تقديم الأقوى من تلك الدلالات على الأضعف عند التقابل.\nومن هنا قال علماء الأصول: يجب العمل بما تدل عليه عبارة النص وما تدل عليه روحه ومعقوله (^١).\n_________\n(^١) ولقد جاء النص في القانون المدني المصري والقانون المدني السوري على العمل بما يدل عليه لفظ النص التشريعي أو فحواه. ففي المادة الأولى من القانون المدني المصري جاء ما يلي: \"تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها\" ومثله نص المادة الأولى من القانون المدني السوري. =","vol":"1","page":379},{"text":"وهكذا كان خروج المكلف من العهدة، منوطًا بالعمل بما يدل عليه النص - على اختلاف طرق الدلالة -. وكان عدم العمل بأي واحد يتعين العمل به من هذه الدلالات - على اختلاف قوتها - تعطيلًا للنص.\nونحن موردون هنا اصطلاح كل من الحنفية والمتكلمين في طرق دلالة ألفاظ النصوص من الكتاب والسنّة على الأحكام: حيث نبدأ بطريقة الحنفية جريًا على ما سلكناه فيما مضى، ثم نثنِّي بطريقة المتكلمين، غير ناسين أن نقف في أثناء ذلك عند معالم الاختلاف بين الفريقين؛ لترى أيّ طاقات أصولية وفقهية تكشفت عنها أمثال هذه المباحث، وما كان لذلك من أثر في مناهج تفسير النصوص، وما انبنى عليه من ثمرات في الفروع والأحكام.\n\n<span data-type='title' id=toc-243>المراد بالنص هنا:</span>\nونحب أن نقدّم بين يدَيْ مصطلح الفريقين: أنهم يطلقون النصوص في هذا المجال على غير ملفوظٍ مفهوم المعنى من الكتاب والسنّة، سواء أكان ظاهرًا أم نصًا أم مفسرًا. حقيقة أم مجازًا. خاصًّا أم عامًا. . . وليس المراد \"النص\" بالمعنى الاصطلاحي الذي مرّ في مباحث \"واضح الدلالة من الألفاظ\". وعلى هذا كان التمسك في إثبات الحكم بظاهر أو مفسر أو خاص أو عام - استدلالًا بعبارة النص لا غير - هو العمل بظاهر ما سبق الكلام له.\nقال صاحب \"كشف الأسرار\" البخاري: (والمراد من العمل عمل المجتهد، وهو إثبات الحكم، لا العمل بالجوارح، كما إذا قيل: الصلاة فريضة لقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ والزنى حرام لقوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] فهذا وأمثاله هو العمل بظاهر النص والاستدلال بعبارته) (^١).\n_________\n= وانظر: \"المدخل للعلوم القانونية\" للدكتور البدراوي (ص ٢١٣ - ٢١٤)، \"المدخل للعلوم القانونية\" للدكتور سليمان مرقص (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤) الطبعة الثالثة.\n(^١) \"كشف الأسرار\" مع \"أصول البزدوي\" (١/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-244>الفصل الأول منهج الحنفيّة في طرق الدّلالات</span>\nيرى المتتبع لما كتبه علماء الأصول من الحنفية؛ كالدبوسي والبزدوي والسرخسي، ومَن جاء بعدهم وسلك نهجهم: أنهم يقسمون طرق دلالة الألفاظ على الأحكام إلى أربعة أقسام هي:\nدلالة العبارة، ودلالة الإشارة، ودلالة النص، ودلالة الاقتضاء. ويعتبرون ما عداها، كأخذ الحكم من مفهوم المخالفة، أو أخذه من حمل المطلق على المقيد في بعض الحالات - كما سيأتي بحث كل في موطنه - من التمسكات الفاسدة (^١).\nووجه الضبط في هذه الطرق الأربعة: أن دلالة النص على الحكم:\nإما أن تكون ثابتة باللفظ نفسه.\nأو لا تكون كذلك.\nأ - والدلالة التي تثبت باللفظ نفسه:\nإما أن تكون مقصودة منه فهو مسوق لها.\nأو غير مقصودة.\nفإن كانت مقصودة: فهي العبارة، ويدعونها في أبحاثهم (عبارة النص) وإن كانت غير مقصودة: فهي الإشارة وهي تلك التي يدعونها (إشارة النص).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٥٥).","vol":"1","page":381},{"text":"ب - والدلالة التي لا تثبت باللفظ نفسه:\nإما أن تكون مفهومة من اللفظ لغة.\nأو تكون مفهومة منه شرعًا.\nففي حال فهمها منه لغة تسمى: (دلالة النص).\nوفي حال فهمها منه شرعًا تسمى: (دلالة الاقتضاء) (^١) وما وراء هذه الطرق هو التمسكات الفاسدة.\nوقد جاء التفتازاني في \"التلويح\" على وجه ضبط طرق الدلالة كما ذكرناها فقال: (ووجه ضبطه - على ما ذكره القوم - أن الحكم المستفاد من النظم: إما أن يكون ثابتًا بنفس النظم أو لا، والأول: إن كان النظم مسوقًا له فهو العبارة، وإلا فهو الإشارة، والثاني: إن كان الحكم مفهومًا منه لغة فهي الدلالة، أو شرعًا فهو الاقتضاء، وإلا فهو التمسُّكات الفاسدة) (^٢).\nوينبغي أن يعلم أن الأحكام الثابتة بأي طريق من هذه الطرق الأربعة للدلالة، تكون ثابتة بظاهر النص، دون القياس والرأي.\nلذا رأينا القاضي أبا زيد الدبوسي في \"تقويم الأدلة\" يبحث الدلالات من خلال الأحكام الثابتة بها، ويقدّم لنا الموضوع تحت عنوان (القول في أقسام الأحكام الثابتة بالظاهر دون القياس بالرأي) ثم يقول: هذه الأحكام الأربعة (الثابت بعبارة النص، والثابت بإشارة النص، والثابت بدلالة النص، والثابت بمقتضى النص. . .) ثم يتابع البحث في كل واحد منها على حدة (^٣).\nوجاء شمس الأئمة السرخسي، ليسلك السبيل نفسَها، ففي كتابه \"الأصول\" يطالع القارئ بابًا بعنوان (بيان الأحكام الثابتة بظاهر النص دون\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"الكشف\" (١/ ٢٨ - ٦٨)، \"كشف الأسرار على المنار\" (١/ ٢٦٧).\n(^٢) \"التلويح على التوضيح\" (١/ ٥٣٠).\n(^٣) راجع: \"التقويم\" (ص ٢٣١) مخطوطة دار الكتب المصرية.","vol":"1","page":382},{"text":"القياس والرأي). وجريًا على الطريقة نفسها قال ﵀: (هذه الأحكام تنقسم أربعة أقسام: الثابت بعبارة النص، والثابت بإشارته، والثابت بدلالته، والثابت بمقتضاه).\nثم جاء على كل واحد من الأقسام بالتعريف والإيضاح وبالأمثلة والشواهد من نصوص الكتاب والسنّة (^١).\nوكان في ذلك قدر كبير مشترك بينه وبين مَن سبقه، ثم جاء مَن بعدَه، فصنع صنيعه في سلوك سبيل سلفه من العلماء (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٦).\n(^٢) انظر على سبيل المثال: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٦٨)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٣٠)، \"المنار\" مع شرحه \"كشف الأسرار\" للنسفي (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-245>المبحث الأول عبارة النص</span>\n<span data-type='title' id=toc-246>ماهية العبارة:</span>\nتأتي العبارة في اللغة في معرض التفسير والبيان.\nيقال: عبرَ الرؤيا يعبرها عبرًا، وعبارة وعبَّرها: فسَّرها. وعبَّر عما في نفسه: أعرب وبيّن، والاسم: العِبرة والعِبارة، ويقال: حسَن العبارة: أي حسن البيان.\nأما في الاصطلاح: فدلالة العبارة عند الحنفية هي: (دلالة اللفظ على الحكم المَسوقِ له الكلام أصالةً أو تبعًا، بلا تأمُّل).\nفهي دلالة صريحة بلا نظر ولا بحث، وهي دلالة على ما سبق لأجله الكلام، سواء سيق له أصالةً أو تبعًا.\nلهذا قال السرخسي عن الحكم الثابت بالعبارة: (فأما الثابت بالعبارة: فهو ما كان السياق لأجله، ويعلم قبل التأمُّل أن ظاهر النص متناول له) (^١).\nوقال البزدوي في معرض الاستدلال بالعبارة: (والاستدلال بعبارة النص هو العمل بظاهر ما سيق الكلام له) (^٢).\nوقد عبّرنا بالسَّوْق أصالة أو تبعًا، لما رأينا من الأمثلة التي أوردوها العبارة النص التي نحن بصددها - وسنرى شيئًا من تلك الأمثلة - ولما شُرح\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٦).\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٦٨).","vol":"1","page":384},{"text":"به كلام البزدوي وغيره بأن المراد بالسَّوْق ما يشمل السَّوْق أصالة والسَّوق تبعًا (^١).\nفحين يدل اللفظ على حكم سبق له الكلام أصالة أو تبعًا وكان ذلك على سبيل التبادر بلا تأمُّل - كما قال السرخسي -: فهي دلالة العبارة.\nوالذي نراه هنا في أمر السوق أصالة وتبعًا، هو غير ما رأيناه في النص من أقسام واضح الدلالة فقد اشترط له المتأخرون - كما سبق - أن يكون السوق مقصودًا له أصالة لا تبعًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-247>أمثلة عبارة النص:</span>\nوفي نصوص الأحكام العديدُ من الأمثلة على دلالة العبارة؛ بل إن الأمثلة في الفقه والقانون أكثر من أن تحصى (^٣) لأن النص هو الثوب الذي يُلبسه الشارع للحكم الخاص المقصود من التشريع، حيث تصاغ الألفاظ والعبارات لتدل عليه. فكل نص شرعي له معنى تدل عليه عباراته وظواهر ألفاظه.\n_________\n(^١) قال الشيخ عبد العزيز البخاري في شرحه لأصول البزدوي \"كشف الأسرار\" (١/ ٦٨): (واعلم أن دلالة الكلام على المعنى باعتبار النظم على ثلاث مراتب:\nإحداها: أن يدل على المعنى ويكون ذلك المعنى هو المقصود الأصلي منه كالعدد في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.\nوالثانية: أن يدل على معنًى ولا يكون مقصودًا أصليًا فيه كإباحة النكاح من هذه الآية.\nوالثالثة: أن يدل على معنًى هو من لوازم مدلول اللفظ وموضوعه كانعقاد بيع الكلب من قوله ﵊: \"إن من السحت ثمن الكلب. . .\" الحديث. ثم قال في آخر كلامه: وإذا عرفت هذا فاعلم أن المراد هاهنا من كون الكلام مسوقًا لمعنًى: أن يدل على مفهومه مطلقًا سواء كان مقصودًا أصليًا أو لم يكن).\n(^٢) انظر ما سبق (ص ١٢٥ - ١٣٠).\n(^٣) قال الدكتور عبد المنعم البدراوي في معرض عبارة النص: (والأمثلة على ذلك لا تحصى؛ لأن كل نص قانوني إنما ساقه الشارع الحكم خاص قصد تشريعه به، وصاغ ألفاظه وعباراته بحيث تدل دلالة واضحة عليه) \"المدخل للعلوم القانونية\" (ص ٢١٧).\nوانظر: \"المدخل للعلوم القانونية\" للدكتور سليمان مرقص (١/ ٢٠٥)، \"المدخل للعلوم القانونية\" للدكتور منصور مصطفى منصور (١/ ١٥٧).","vol":"1","page":385},{"text":"ولقد عني علماؤنا بعرض الأمثلة العبارة النص، وقرروا عدم التفريق بين المقصود من السياق أصالة والمقصود منه تبعًا، وبيّنوا كيف أن النص إذا ورد، ودلّ باللفظ نفسه على حكمٍ - كان هو المقصود أصالة من ورود النص - ثم دلّ معه على حكم لم يكن مقصودًا أصالة من الورود وإنما جاء تبعًا: كانت الدلالة على الحكم الأول وعلى الحكم الثاني: دلالة عبارة.\n١ - فمن أمثلة العبارة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].\nفإن هذا النص يدل على عدد من الأحكام هي:\nأ - إباحة الزواج.\nب - وإباحته بأكثر من واحدة ممن حلّ من النساء - في حدود الأربع - مع الاطمئنان إلى إمكان العدل وعدم الخوف من الجور، وظلم الزوجات.\nج - وأخيرًا وجوب الاقتصار على زوجة واحدة، إذا خيف عدم العدل عند التعدد.\nوكل هذه الأحكام: معانٍ دلّ عليها هذا النص القرآني، وهي مستفادة من الألفاظ نفسِها والعبارات بشكل واضح.\nفقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ دلّ على إباحة الزواج.\nوقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ دلّ على إباحة التعدد في حدود أربع زوجات.\nأما وجوب الاقتصار على زوجة واحدة عند خوف الجور: فدلّ عليه قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.\nغير أن هذه الأحكام المذكورة ليست كلُّها على صعيد السوق أصالة؛ بل إن الحُكمين: إباحة الأربع، ووجوب الاقتصار على الواحدة عند خوف الجور، هما المقصودان أصالة من السوق.\nأما الحكم الأول - وهو إباحة الزواج - فمقصود تبعًا، كما علم ذلك من","vol":"1","page":386},{"text":"أسباب النزول: فقد ورد في ذلك - كما ذكر الطبري - أن القوم كانوا يتحوّبون (^١) في أموال اليتامى أن لا يعدلوا فيها، ولا يتحوّبون في النساء، أن لا يعدلوا فيهن، فقيل لهم: كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى، فكذلك، فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، ولا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك، وإن خفتم ألا تعدلوا أيضًا في الزيادة عن الواحدة: فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهن؛ من واحدة أو ما ملكت أيمانكم).\nوعن السُّدي: كانوا يتشدّدون في اليتامى ولا يتشدّدون في النساء؛ ينكح أحدهم النسوة فلا يعدل بينهن، فنزلت (^٢). وروي مثل ذلك عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهما (^٣).\nوإذن فحكمُ إباحة التعدد مع عدم الزيادة على أربع، ووجوبِ الاقتصار على الواحدة عند خوف الجور - كما جاء في الآية - مقصودان أصالة وقد استتبعا بيان إباحة الزواج.\nفحكم الإباحة مقصود تبعًا لا أصالة، وقد ذُكر ليُتوصل به إلى المقصود أصالة، وهما الحكمان: الثاني والثالث.\nودلالة الآية على هذه الأحكام الثلاثة: دلالة بعبارة النص، مع أنها - أي الأحكام - ليست كلها على درجة واحد من القصد في السَّوق.\nهذا: ولقد بلغت أحكام هذه الآية من الوضوح حدًا جعل القولَ بإباحة الجمع بين أكثر من أربع زوجات حرائر، مرة واحدة: ضربًا من الانحراف والفساد في التأويل، والخروج على مفهوم اللغة وروح الشريعة. فلقد نسب إلى الرافضة القول بإباحة تسع نسوة للرجل أخذًا من قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. وردّ عليهم ابن العربي مقالتهم هذه وحكم عليها بالجهالة،\n_________\n(^١) يجدون حرجًا.\n(^٢) يعني قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].\n(^٣) راجع: \"جامع البيان\" للطبري (٧/ ٥٣٦)، \"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٥) وغيرهما.","vol":"1","page":387},{"text":"لأن مقصود الكلام ونظام المعنى - كما قال: فلكم نكاح أربع، فإن لم تعدلوا فثلاث، فإن لم تعدلوا فاثنتين، فإن لم تعدلوا فواحدة، فنقَل العاجز عن هذه الرتب إلى منتهى قدرته - وهي الواحدة من ابتداء الحل - وهي الأربع.\nقال ابن العربي: (ولو كان المراد تسعَ نسوة لكان تقدير الكلام: فانكحوا تسع نسوة، فإن لم تعدلوا فواحدة. وهذا من ركيك البيان الذي لا يليق بالقرآن، لا سيما وقد ثبت من رواية أبي داود والدارقطني وغيرهم أن النبي ﷺ قال لغيلان الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة: \"اختر منهن أربعًا وفارق سائرهن\") (^١).\nوأخذًا من عبارة النص في الآية وحديث غيلان قال الإمام ابن حزم: بعد أن قرر أنه لا يحِل لأحد أن يتزوج أكثر من أربع نسوة: (وأيضًا فلم يختلف في أنه لا يحل لأحد من أهل الإسلام زواج أكثر من أربع نسوة، وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يصح لهم عقد الإسلام) (^٢).\n٢ - ومن دلالة العبارة أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فإن مدلول الآية ظاهر في حكمين كل منهما مقصود من سياق النص: أما الأول: فهو حل البيع وحرمة الربا.\nوأما الثاني: فهو التفرقة بين البيع والربا، ونفي المماثلة بينهما؛ فالأول حلال، والثاني حرام.\nغير أن الحكم الثاني - وهو نفي التماثل - مقصود أصالة من السياق؛ لأن الآية سيقت للرد على الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا.\n_________\n(^١) راجع \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣١٢ - ٣١٣)، ونسب القرطبي (٥/ ١٧) إلى بعض أهل الظاهر القول بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكًا منه بأن العدد في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع. وهذا - كما قال القرطبي - جهل باللسان والسنّة وإجماع الأمة.\n(^٢) انظر: \"المحلى\" (٩/ ٤٤١).","vol":"1","page":388},{"text":"أما الحكم الأول - وهو حل البيع وحرمة الربا - فمقصود من السياق تبعًا (^١) لأن نفي المماثلة استتبع بيان حكم كلٍّ منهما، حتى يُتوصل من اختلاف الحكمين إلى عدم التماثل بينهما.\nلهذا: فإن كون هذا الحكم غيرَ مقصود أصالة من السياق، لا يمنع أن الدلالة عليه دلالة بعبارة النص، فالدلالة على الحكمين المذكورين في الآية الكريمة دلالة عبارة.\nوفي هذا نقل عبد العزيز البخاري في \"كشف الأسرار\" عن صدر الإسلام في (أصوله) قوله: (الحكم الثابت بعين النص أي بعبارته: ما أثبته النص بنفسه وسياقه كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فعين النص توجب إباحة البيع، وحرمة الربا، والتفرقة بينهما).\nقال عبد العزيز البخاري: (فسوَّى بين ما هو مقصود أصلي وهو الفرق، وبين ما ليس كذلك وهو حل البيع وحرمة الربا، وجعلهما ثابتين بعبارة النص لا بإشارته) (^٢).\nوالأمثلة لهذه الطريق من طرق الدلالة، تعز على الحصر، فالأصل - كما أسلفنا - أن الشارع يكسو ما أراده في خطابه للمكلفين بهذه الألفاظ التي تدل على المراد بـ \"عبارة النص\".\n\n<span data-type='title' id=toc-248>من عبارات النص في القانون:</span>\nومن أمثلة عبارة النص في القانون ما يلي:\n١ - جاء في المادة/ ٩٠/ من القانون المدني السوري ما يلي:\n١ - \"تعتبر أموالًا عامة العقارات والمنقولات التي للدولة، أو الأشخاص الاعتبارية العامة والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل، أو بمقتضى قانون أو مرسوم\".\n_________\n(^١) راجع ما سبق (ص ١٢٧).\n(^٢) انظر: \"كشف الأسرار\" مع \"أصول البزدوي\" (١/ ٦٨).","vol":"1","page":389},{"text":"ب - \"وهذه الأموال لا يجوز التصرف فيها أو الحجز عليها أو تملكها بالتقادم\".\nفدلالة الفقرة الأولى على معنى قُصِدَ من سياق الكلام - وهو ما يعتبره القانون من الأموال العامة - دلالة بعبارة النص.\nوكذلك دلالة الفقرة الثانية على المعنى الذي قصد من السياق - وهو عدم جواز التصرف بتلك الأموال أو حجزها أو تملكها بالتقادم - هو دلالة بعبارة النص أيضًا.\n٢ - جاء في المادة الرابعة من القانون المدني المصري أن \"مَن يستعمل حقه استعمالًا مشروعًا لا يكون مسؤولًا عما ينشأ عن ذلك من ضرره\".\nفنص هذه المادة يدل على عدم مسؤولية صاحب الحق الذي يستعمله استعمالًا مشروعًا، عن الأضرار التي قد تصيب غيره من هذا الاستعمال، فدلالة المادة على هذا الحكم المقصود من سياق الكلام: دلالة بعبارة النص.\n٣ - نصت المادة/ ٢٧٤/ من قانون العقوبات المصري على ما يلي:\n\"المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، ولكن لزوجها حق إيقاف تنفيذ الحكم برضائه معاشرتها\".\nفهذه المادة دلّت على ما يأتي:\n١ - العقوبة التي تستحقها الزوجة بسبب الزنى.\n٢ - حبس الزوجة مدة لا تزيد على سنتين.\n٣ - إعطاء الحق للزوج بإيقاف تنفيذ تلك العقوبة برضائه معاشرة الزوجة.\nفدلالة المادة على هذه المعاني المذكورة - وهي معان سيق لأجلها الكلام -: دلالة بعبارة النص (^١).\n_________\n(^١) وانظر: \"أصول الفقه\" لأستاذنا البرديسي (ص ٣٦٦)، \"المدخل للعوم القانونية\" للدكتور البدراوي (ص ٢١٧).","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>المبحث الثاني إشارة النص</span>\n<span data-type='title' id=toc-250>المطلب الأول ماهية الإشارة</span>\nوأما دلالة الإشارة: فهي (دلالة اللفظ على حكم غير مقصود، ولا سيق له النص، ولكنه لازم للحكم الذي سيق لإفادته الكلام، وليس بظاهر من كل وجه) (^١). فهي دلالة باللازم، إذ يُرى مثلًا أنه يلزم من كون التعبير كذا. . كذا.\nقال أبو زيد الدبوسي في \"التقويم\": (الثابت بالإشارة: ما يوجبه سياق الكلام، ولا يتناوله، ولكن يوجبه الظاهر نفسه بمعناه، من غير زيادة عليه، أو نقصان عنه، وبمثله يظهر حدُّ البلاغة، ويبلغ حدَّ الإعجاز) (^٢).\nوفي الكلام عن الاستدلال بالإشارة قال فخر الإسلام البزدوي: (هو العمل بما ثبت بنظمه لغة، لكنه غير مقصود ولا سيق له النص وليس بظاهر من كل وجه) (^٣). وقد نظَّر له الشارح عبد العزيز البخاري من المحسوس: برجل ينظر ببصره إلى شيء، ويدرك مع ذلك غيره بإشارته.\nوهكذا يكون مدلول كل من العبارة والإشارة: ثابتًا بالنص، وإنما يظهر\n_________\n(^١) انظر: \"أصول البزدوي\" مع \"الكشف\" (١/ ٦٨).\n(^٢) راجع: (ص ٢٣٢) من مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٣) \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٦٨ - ٦٩).","vol":"1","page":391},{"text":"التفاوت عند التعارض، لأن الأول سيق الكلام من أجله، والثاني لم يُسَق من أجله - كما سيأتي - وذلك ما كشف عنه شمس الأئمة السرخسي، حين قرر أن الثابت بالإشارة والعبارة، كل واحد منهما يكون ثابتًا بالنص، وإن كان التعارض قد يظهر التفاوت بين الحكمين (^١).\n١ - ومن أمثلة الدلالة بالإشارة قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر].\nفإن قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ. . .﴾ الآية، يدل بعبارته على استحقاق نصيب من الفيء - وهو ما يأخذه المسلمون من العدو بلا قتال - للفقراء المهاجرين، لأن الآية سيقت لبيان هذا الحكم كما ورد في قوله جلّ وعلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾.\nودلّ هذا النص بالإشارة على زوال ملكيته عما خلّفوا بمكة لاستيلاء الكفار عليها، فإن الله تعالى سمّاهم فقراء مع إضافة الديار والأموال إليهم، قال شمس الأئمة: (والفقير حقيقة مَن لا يملك المال، لا من بعدت يده عن المال. . . وهذا حكم ثابت لصيغة الكلام من غير زيادة ولا نقصان، فعرفنا أنه ثابت بإشارة النص) (^٢).\nوهكذا كانت دلالة هذا النص (للفقراء المهاجرين. .) على زوال ملكية المهاجرين لأموالهم وعقاراتهم التي خلّفوها بمكة - لأنه لا سلطان لهم عليها - دلالة بإشارة النص، إذ يلزم من إضافة الديار والأموال إليهم، أن\n_________\n(^١) انظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٦).\n(^٢) راجع: \"تقويم الأدلة\" (ص ٢٣٢) \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٦٩ - ٧٠) \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٦) \"كشف الأسرار شرح المصنف على المنارة\" (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":392},{"text":"ذلك كان لهم بمكة بلدهم الذي هاجروا منه، ولكن لا سلطان لهم عليه الآن، فهم فقراء، وإذن: فالملكية الحقيقية إنما تكون بالسلطان على ما يملك، لا بنسبة المال فحسب، دون سلطان لصاحبه عليه. أما الكمال ابن الهمام: فيخالف الآخرين في التطبيق، ويرى أن الدلالة على زوال الملك هي دلالة اقتضاء لا دلالة إشارة. ولا نرى موافقته في هذا الرأي: لأن دلالة الاقتضاء - كما سيأتي - هي الدلالة على ما يتوقف عليه صحة الكلام شرعًا أو لغة. وهنا ليس الأمر كذلك، بل الدلالة واقعة باللازم، إذ يلزم من تسميتهم فقراء - مع إضافة الديار والأموال إليهم - زوال الملكية كما تقدم (^١).\n٢ - ومن أمثلة ذلك ما نجد في قول الله جلّ وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة].\nفهذا النص القرآنيُّ يدل بالعبارة، على إباحة الأكل والشرب والاستمتاع بالزوجات، في جميع الليل من أيام رمضان، إلى طلوع الفجر الصادق (^٢).\nويدل بالإشارة على أن من أصبح جُنُبًا: فصومه في ذلك اليوم تام، لأن الله قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وإذا كان الاتصال مباحًا في أي وقت من الليل، فقد يطلع الفجر عليه وهو جنب، لأن الاغتسال يكون بعد طلوع الفجر لا محالة، فيلزم من ذلك أن يحكم على الصيام بأنه تام في\n_________\n(^١) انظر: \"التحرير\" مع \"التيسير\" (١/ ٨٩).\n(^٢) رجع ابن العربي أن الآية نزلت في شأن عمر لما روى أبو داود في (أبواب الأذان) قال: جاء عمر ﵁ فأراد أهله فقالت: إني قد نمت، فظنّ أنها تعتل فأتاها، فلما أصبح نزلت هذه الآية. انظر: \"أحكام القرآن\" (١/ ٩٠).","vol":"1","page":393},{"text":"مثل هذه الحال. وهذا الحكم فهمه ابن عباس بما أعطي من فقه في الدين (^١).\n٣ - ومن أمثلة الدلالة بالإشارة أيضًا ما يدل عليه باللازم قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة].\nفالآية تدل بالعبارة على أن نفقة الوالدات، من رزق وكسوة: واجبة على الآباء، لأن هذا هو المتبادر من ظاهر اللفظ، وكان سياق الكلام لأجله (^٢).\nوتدل بالإشارة على أن نسب الولد إلى أبيه دون أمه؛ لأن النص في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أضاف الولد إليه بحرف اللام التي هي للاختصاص. ومن أنواع هذا الاختصاص: الاختصاص بالنسب، فيكون قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ دالًا بالإشارة على أن الأب هو المختص بنسبة الولد إليه، لأن الولد لا يختص بالوالد من حيث الملك: بالإجماع، فيكون مختصًا به من حيث النسب.\nوهكذا لزم من إضافة الولد إلى أبيه بلام الاختصاص في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ - والاختصاص لا يكون بالملك - أن يكون النسب للاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-251>الاختصاص بين العبارة والإشارة:</span>\nوالذي ذكرناه من أن حكم النسب مدلول عليه بالإشارة: هو ما جرى\n_________\n(^١) روى نافع قال: سألت أم سلمة عن الرجل يصبح وهو جنب يريد الصوم، قالت: \"كان رسول الله ﷺ يُصبح جنبًا من الوقاع لا من الاحتلام ثم يغتسل ويُتِم صومه\" أخرجه ابن ماجه (١٧٠٤). وهو عند أبي داود عن عائشة وأم سلمة ﵄ (٢٣٨٨) وعن عائشة (٢٣٨٩). وانظر: البخاري (١٩٣٠)، مسلم (١١٠٩)، الترمذي (٧٧٩)، \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٩٤).\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٣).","vol":"1","page":394},{"text":"عليه الدبوسي والبزدوي والسرخسي ومَن تابعهم من المتأخرين. قال أبو زيد: (وفيها - يعني الآية - إشارة: بالإضافة إلى الوالد بلام التمليك إلى أن الأنساب للآباء) (^١).\nوقال فخر الإسلام: (وأشار بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ إلى أن النسب إلى الآباء). ومثل ذلك ما قاله السرخسي في \"الأصول\" (^٢).\nوجاء عبد العزيز البخاري، ليقول في شرحه لكلام البزدوي: (وفي ذِكْرِ المولود له، دون ذِكْرِ الوالد إشارةٌ إلى أن النسب إلى الأب، لأنه تعالى أضاف الولد إليه بحرف الاختصاص، فيدل على أنه هو المختص بالنسبة إليه) (^٣).\nغير أن بعض الفضلاء رأى أن التوجيه إلى دلالة الإشارة غير صحيح، واعتبر أن المسألة من دلالة العبارة.\nوحجته في ذلك: أن لفظ اللام باتفاق الجميع موضوع للاختصاص، والاختصاص له أنواع كثيرة. ومن أنواعه اختصاص الوالد بنسب الولد إليه فتكون دلالته عليه من قبيل الدلالة على المعنى الموضوع له وليس من قبيل الدلالة على اللازم، ودلالة اللفظ على المعنى الموضوع له أو على جزئه من قبيل العبارة لا الإشارة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>رأينا في المسألة:</span>\nوالراجح في نظرنا: ما ذهب إليه الجمهور من اعتبار الدلالة على اختصاص الوالد بالنسب: دلالة إشارة:\n_________\n(^١) راجع: \"تقويم الأدلة\" (ص ٢٣٢) فما بعدها.\n(^٢) انظر: \"أصول البزدوي\" مع \"الكشف\" (١/ ٦٩)، \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٦).\n(^٣) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري مع \"أصول البزدوي\" (١/ ٦٩)، \"المنار\" و\"شرحه لابن ملك وحواشيه\" (٢/ ٥٢٢).\n(^٤) راجع: \"دلالة الكتاب والسنّة على الأحكام الشرعية\" للأستاذ الشيخ زكي الدين شعبان (ص ٣٢).","vol":"1","page":395},{"text":"أ - فمن غير المسلَّم به أن حكم النسب جزء داخل في المعنى الموضوع له. وقد ادّعى ذلك صاحب \"التنقيح\"، وردَّ صاحب \"المرآة\" هذه الدعوى - التي سمّاها زعمًا - بأن النسب لازم للمعنى الموضوع له - يعني الولادة للاب - فيدل عليه النظم بإشارته بالالتزام، فيكون لازمًا ذاتيًا بالمعنى المذكور، لا جزءًا داخلًا في المعنى الموضوع له (^١).\n- ثم إن مرد الأمر بعد ذلك إلى ماهية إشارة النص. فالإشارة عند الأصوليين، تقوم على أن الكلام لم يسق للحكم أصلًا ولا تبعًا، وهم لم يدّعوا أن الإشارة مرتبطة بانفصال المعنى عن الكلمة. ولذلك يعتبرون أن الثابت بالعبارة والثابت بالإشارة: كلاهما ثابت بالنص، وإنما يظهر التفاوت بينهما - كما نقلنا عن السرخسي وغيره - عند المقابلة؛ لأن الحكم الذي دلّت عليه العبارة سيق لأجله الكلام؛ والحكم الذي دلّت عليه الإشارة لم يُسق لأجله الكلام.\nوالنص القرآني الذي يدور حوله البحث، لم يُسق - أصالة ولا تبعًا - من أجل بيان اختصاص نسب الولد بأبيه دون أمه، وإنما هي إشارة باللازم - قد تكون بعيدة بعض الشيء - فهمها العلماء من ذكر المولود له، والإضافة بلام الاختصاص.\nوعليه: فإن الأصوليين منسجمون مع تعريفهم لإشارة النص، ولا غبار على المثال؛ إذ السياق لهذا الحكم غير موجود أصالة ولا تبعًا، وإنما أُخذ الحكم إشارة باللازم الذاتي للمعنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-253>أحكام أخرى:</span>\nهذا: وهناك أحكام أخرى ترتبت على حكم اختصاص النسب وكانت لازمة له، واعتبرت الدلالة عليها دلالة إشارة أيضًا. ومنها:\n١ - أن الولد يكون قرشيًا إذا كان أبوه من قريش، ولو كانت أمه غير\n_________\n(^١) راجع: \"المرآة\" مع \"المرقاة\" (٢/ ٧٥)، \"التنقيح\" مع \"التوضيح والتلويح\" (١/ ١٣٠) وانظر: \"أصول الفقه\" للأستاذ البرديسي (ص ٣٦٧).","vol":"1","page":396},{"text":"قرشية أو أعجمية، وهذا الاعتبار يظهر في الكفاءة والإمامة الكبرى، والعكس بالعكس (^١).\n٢ - أن نفقة الولد واجبة على أبيه لا يشاركه فيها أحد، لأنه هو المختص بالإضافة إليه، والغُرم بالغُنم؛ إذ النفقة تبنى على هذه الإضافة (^٢).\n٣ - وبناء على اختصاص النسب أيضًا، كان للوالد وحده حق تملك مال ولده عند الحاجة؛ لأن نسب الولد إلى أبيه، فأعطي الأب هذا الحق عند الحاجة إليه من غير إلزامه بأي عوض.\nوهذا الحكم مأخوذ من إشارة النص في الآية، جاء صريحًا فيما رواه جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال ﵊: \"أنت ومالك لأبيك\" (^٣).\nولذلك قال فخر الإسلام البزدوي: (وأشار بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ إلى أن النسب إلى الآباء، وإلى قوله ﵊: \"أنت ومالك لأبيك\") (^٤) فجعل حكم الوالد في تملك مال ولده عند الحاجة إشارةً تقوي أخذ الحكم نفسه من الحديث.\nوإنما قالوا: حق التملك ولم يقولوا: حق الملك؛ لأن الحديث مؤول - كما قال ابن الهمام - بما ورد عن عائشة فيما رواه الحاكم وصححه البيهقي مرفوعًا عن النبي ﷺ: \"إن أولادكم هبة لكم، يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور، وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها\"، أو يقال: إن اختصاص مال الولد بالأب من حيث الملك بالقوة لا بالفعل، فيكون له حق\n_________\n(^١) انظر: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٧٠)، \"المنار\" وشروحه وحواشيه معه (١/ ٥٢٣) \"مرقاة الوصول\" مع \"مرآة الأصول\" (٢/ ٧٥).\n(^٢) انظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٧)، \"المرآة\" (٢/ ٧٥).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه، وراجع: \"كشف الخفاء\" للعجلوني (١/ ٣٠٧) فقد ذكر عدة روايات للحديث. وانظر: \"كشف الأسرار\" مع \"البزدوي\" (١/ ٧١).\n(^٤) انظر: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٧٠) فما بعد.","vol":"1","page":397},{"text":"التملك فيه، لا حق الملك فيه الذي هو بالفعل. ثم إن الأب يرث السدس من ولده مع وجود ولد الولد، فلو كان الكل ملكه لم يكن لغيره شيء (^١).\n٤ - ومن ذلك أن الأب لا يستوجب العقوبة بسبب ولده، فلا يقتل به إذا قتله، ولا يقام عليه حد القذف إذا اتهمه بالزنى (^٢). وكذلك لا يستوجب الحبس بما لابنِه عليه من دَيْن، إلا ما كان من أمر النفقة، فإن الدَيْن المترتب عليها مستثنى، فيحبس به الوالد لما في قطعها من إتلاف نفس الولد (^٣).\nوكل هذه الأحكام ترتبت على حكم اختصاص النسب كما قدّمنا؛ فهي أحكام لم تُسَق الآية لبيانها، وإنما كانت لازمة لاختصاص الوالد بنسبة الولد إليه دون الأم.\nولقد جاء أبو بكر الجصاص على حكم عدم قتل الوالد بولده، واستدل له بقول الرسول ﷺ فيما رواه عمر: \"ولا يُقتل والد بولده\" وبحديث ابن عباس: \"لا يُقَادُ الوالد بولده\" ثم قال: (وروي عن النبي ﵊ أنه قال الرجل: \"أنت ومالك لأبيك\" فأضاف نفسه إليه بلفظ يقتضي الملك في الظاهر، والأب وإن كان غير مالك لابنه في الحقيقة؛ فإن ذلك لا يُسقط استدلالنا بإطلاق الإضافة لأن القود تسقطه الشبهة، وصحة هذه الإضافة شبهة في سقوطه) (^٤).\n٤ - ومن أمثلة الدلالة بالإشارة ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا\n_________\n(^١) انظر: \"فتح القدير على الهداية\" (٣/ ٣٤٩)، \"أنوار الحلك شرح المنار\" (١/ ٢٥٤)، \"حاشية ابن عابدين\" (٣/ ٣٤٩).\n(^٢) قال السرخسي في \"الأصول\" (١/ ٢٣٧): (ولثبوت التأويل في نفسه وماله قلنا: لا يستوجب العقوبة بإتلاف نفسه ولا بوطء جاريته وإن علم حرمتها عليه).\n(^٣) جاء في \"فتح القدير\" (٣/ ٣٤٤): ولا يحبس والد - وإن علا - في دين والده - وإن سفل - إلا في النفقة؛ لأن في الامتناع إتلاف النفس ولا يحل للأب ذلك.\n(^٤) راجع: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٦٨ - ١٦٩).","vol":"1","page":398},{"text":"بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف].\nفالثابت بالعبارة: ظهور المنّة للوالد على الولد؛ لأن السياق يدل على ذلك، فقد أمر الله تعالى بالإحسان للوالدين، ثم بيّن السبب في جانب الأم، بأنها حملت الولد كرهًا على كره، ثم ذكر الحمل والفصال إيذانًا بأن مشقة الحمل لم تقتصر على زمن قليل، بل هي مع مشقات الرضاع معتدة هذه المدة.\nوفي الآية أيضًا: إشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ فقد ثبت في آية أخرى أن مدة الفصال حولان كما قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] وبذلك يبقى للحمل ستة أشهر، وقد خفي ذلك على كثير من الصحابة ﵃ وأدرك غامضه ابن عباس أو علي ﵄، وقبل ذلك الصحابة واستحسنوه.\nجاء في تفسير القرطبي عند هذا الموضوع: (قال ابن عباس: إذا حملت تسعة أشهر أرضعت واحدًا وعشرين شهرًا، وإن حملت ستة أشهر أرضعتْ أربعة وعشرين شهرًا. وروي أن عثمان قد أتي بامرأة قد ولدت في سنة أشهر فأراد أن يقضي عليها بالحد، فقال له علي ﵁: ليس ذلك عليها، قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فالرضاع أربعة وعشرون شهرًا والحمل سنة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدَّها) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-254>السرخسي وحديث الصدقة:</span>\nهذا وقد أفاض شمس الأئمة السرخسي في استنباط الأحكام عن طريق دلالة الإشارة، من بعض نصوص السنّة وذلك حين أورد في كتابه \"الأصول\" الحديث الوارد بشأن مستحقي هذه الصدقة وهو قوله عليه\n_________\n(^١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٦/ ١٩٣) وانظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٧)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٧٢).","vol":"1","page":399},{"text":"الصلاة والسلام: \"أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم\" (^١).\nفقد قرر ﵀:\nأ - أن الثابت بالعبارة وجوب زكاة الفطر، ولزوم أدائها إلى الفقراء يوم العيد وذلك ما كان لأجله السياق.\nب - وأنه ثبت بالإشارة عدة أحكام:\nمنها: أن هذه الزكاة إنما تجب على الأغنياء لأن الإغناء لا يتحقق إلا من الغني، وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه.\nومنها: أن زكاة الفطر لا تُعطى إلا لذوي الحاجة؛ لأنهم هم الذين يتصور إغناؤهم بامتثال الأمر.\nومنها: أن إخراجها ينبغي أن يكون قبل الخروج إلى المصلّى لصلاة العيد؛ وذلك ليستغني الفقير عن المسألة، فيحضر إلى الصلاة خالي القلب من شواغل القوت للعيال فلا يحتاج إلى السؤال.\nومنها: أن وجوب الأداء يتعلق بطلوع الفجر، لأن اليوم اسم للوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأن ما يغني المحتاج عن المسألة في ذلك اليوم أداء فيه.\nومنها: أن الخروج من عهدة الوجوب في زكاة الفطر، يكون بإخراجها من أي مال، لأنه ما دام المعتبر هو الإغناء فذلك يحصل بالمال المطلق، وربما كان حصوله بالنقد أتم من حصوله بالحنطة والتمر والشعير.\n_________\n(^١) روى أحمد عن ابن مسعود (٥٣٤٥) و(٦٤٢٩)، وأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه: البخاري (١٥٠٣)، مسلم (٩٨٦)، أبو داود (١٦١٠)، الترمذي (٦٧٧)، النسائي (٢٥٠٤) عن ابن عمر \"أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة\"، قال الشوكاني: (وقد رواه أبو معشر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: كان يأمرنا أن نُخرجها قبل أن نصلي، فإذا انصرف قسمه بينهم وقال: \"اغنوهم من الطلب\"، أخرجه سعيد بن منصور، ولكن أبو معشر ضعيف، ووهم ابن العربي في عزو هذه الزيادة المسلم). راجع: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٩٥)، \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ١٩٠٩)، \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٥٨١).","vol":"1","page":400},{"text":"ومنها: أن الأوْلى أن يَصْرف الشخص صدقته إلى مسكين واحد؛ فذلك أجدر أن يُحقق الإغناء المطلوب في ذلك اليوم. قال شمس الأئمة: (وإذا فرقها على المساكين كان هذا في الإغناء دون الأول، وما كان أكمل فيما هو المنصوص عليه فهو أفضل) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-255>الإشارة بين الظهور والخفاء:</span>\nبعد الذي رأينا من مجموعة الأحكام التي أُخذت من نصوص الكتاب والسنّة بطريق دلالة الإشارة، نلاحظ أن الإشارات تتفاوت ظهورًا وخفاءً.\nأ - فمنها ما يمكن إدراكه بأدنى تأمُّل.\nب - ومنها ما يحتاج إلى الأكثر والأوفر منه؛ ذلك لأنها معانٍ التزاميةٌ للنصوص المترتبة على مدلولاتها، ولا بد لإدراك هذه الإشارات من مزيد من التمرُّس بألفاظ الشريعة ومدلولات اللغة، وإن شئت قلت: لا بد من الملكة التي تضيء السبيل في هذا المضمار.\nولذلك تفاوتت العقول والأفهام في إدراكها. واختلف العلماء في ذلك لاختلافهم في التأمُّل، ومن هنا قبل - كما جاء في \"أصول السرخسي\" - (الإشارة من العبارة بمنزلة \"الكناية والتعريض\" من \"التصريح\"، أو بمنزلة \"المشكل\" من \"الواضح\") (^٢).\nولقد مرّت بنا عن الصدر الأول حوادث تدل على هذا التفاوت حيث يفطن البعض إلى الحكم، ولا يفطن له آخرون؛ كالذي رأينا حول قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله جلّ وعلا: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] فما فطن له علي أو ابن عباس أو كلاهما\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤٠ - ٢٤١) وقد قال السرخسي بعد ذكر تلك الأحكام: (فهذه أحكام عرفناها بإشارة النص وهو معنى جوامع الكلم الذي قال رسول الله ﷺ: \"أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارًا\").\n(^٢) انظر: (١/ ٢٣٦).","vol":"1","page":401},{"text":"- حسب الروايات - لم يفطن أكثر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وإنما كان عندهم ذلك التهيؤ بحيث استحسنوا جميعًا، وارتضوا ما ذهب إليه واحد أو اثنان منهم في فهم كتاب الله؛ من دره الحد عن امرأة ولدت لستة أشهر، وكان ذلك سبيلًا يحتذى فيما بعد.\nولكنا نرى في مقابل ذلك أنه مهما يكن من أمر القيمة التي يمكن أن تعطى للحكم بالإشارة أو للذين أدركوه، فإنه من غير المرضي ولا المناسب بحال، أن تتخذ الإشارة سبيلًا للتمحُّل في الفهم، والإيغال في الكلفة، لتطويع النص باسم الالتزام، وربطه بفروع قد لا يبدو لها نسب أصيل إليه، كما لا تبدو لها علاقة منضبطة تشعر بأن الحكم من لوازم هذا النص، ومما يترتب على مدلوله بالعبارة (^١).\nولقد يكون في كثير من المراجع التي نشير إليها في أثناء كتابة هذا البحث: نماذج من هذه الطريقة المحفوفة بالكلفة، ومحاولة تطويع الألفاظ قسرًا، لإحداث العلاقة بين النص وبين بعض الأحكام (^٢).\nوذلك كالذي رأينا من حديث صدقة الفطر آنفًا، وكالذي يرى الباحث حول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ من آية الصيام [١٨٧] في سورة البقرة، وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ من آية الرضاع [٢٣٣] في سورة البقرة أيضًا. ومثل ذلك كثير (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"علم أصول الفقه\" للشيخ عبد الوهاب خلاف (ص ١٧١)، \"أصول الفقه\" لأستاذنا أبي زهرة (ص ١٣٥)، \"دلائلات ألفاظ الكتاب والسنّة على الأحكام\" للأستاذ زكي شعبان (ص ٣٢).\n(^٢) راجع على سبيل المثال: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ٢٣٥ - ٢٣٧)، \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، \"التوضيح\" لصدر الشريعة (١/ ١٣٠ - ١٣١)، \"كشف الأسرار شرح المنار\" للمصنف (١/ ٢٤٩ - ٢٥١).\n(^٣) فمن الأحكام التي أُخذت من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] بدلالة الإشارة: صحة نية الصوم بعد طلوع الفجر؛ بحجة أن ﴿ثُمَّ﴾ للتعقيب مع التراخي؛ فحين أمر بأداء الصوم بعد طلوع الفجر - وذلك يكون بالنية والإمساك - عرفنا صحة الصوم بعد طلوع الفجر، وأن جواز التقديم للتخفيف؛ إذ لا معنى لاشتراط نية الأداء - كما يقول السرخسي - في غير وقت الأداء حقيقة. ومما أُخذ من قوله تعالى: =","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>المطلب الثاني بين العبارة والإشارة</span>\n<span data-type='title' id=toc-257>مدلول العبارة والإشارة:</span>\nماذا يفيد الحكم الذي يؤخذ من طريق كلٍّ من العبارة والإشارة؟ هل يفيد القطع؟ أم يفيد الظن؟\nالواقع أن الذي يمكن الوصول إليه من كلام القوم: أنه في كلا الطريقين: العبارة والإشارة يثبت الحكم قطعًا بالمعنى الأخص، وهو إذا لم يكن هناك احتمال ناشئ عن دليل، كما يمكن أن يكون ثبوت الحكم في الإشارة ظنيًا.\nوعلى رأي البعض يمكن أن يكون الثابت بالعبارة والإشارة ظنيين.\nأما الذي عليه الدبوسي والسرخسي: فهو أن الثابت بالعبارة قطعي، وأن الثابت بالإشارة يتردد بين القطعية والظنية؛ فمنه ما يكون قطعيًا، ومنه ما يكون ظنيًا حسب اختلاف الأحوال ومواقع الكلام، وذلك قول السرخسي في \"الأصول\": (الإشارة من العبارة بمنزلة الكناية والتعريض من التصريح، أو بمنزلة المشكل من الواضح؛ فمنه ما يكون موجبًا للعلم قطعًا، بمنزلة الثابت بالعبارة، ومنه ما لا يكون موجبًا للعلم،\n_________\n= ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن وجوب النفقة منصرف إلى سائر القرابات؛ فإن الوراثة في الأصل باعتبار القرابة. كما أخذ أيضًا أن نفقة الوالدين على الأولاد لا تكون باعتبار ميراثهما بدليل أن الآية اعتبرت صفة الوراثة في سائر القرابات. قال السرخسي: (فعرفنا أن فيما بين الأولاد والأباء إنما يعتبر نفس الولاد، ولهذا قلنا في أصح الروايتين: إن المعسر إذا كان له ابن وبنت - وهما موسران - فنفقته عليهما نصفان).\nوانظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٧ - ٢٣٨) فما بعدها، \"التوضيح\" لصدر الشريعة مع \"التلويح\" للتفتازاني (١/ ١٣١/ ١٣٣)، \"كشف الأسرار شرح المصنف للمنار\" (١/ ٢٤٩ - ٢٥١)، \"المرقاة\" مع \"المرآة\" (٢/ ٧٦) فما بعدها.","vol":"1","page":403},{"text":"وذلك عند اشتراك الحقيقة والمجاز في الاحتمال مرادًا بالكلام) (^١).\nفنرى من كلام شمس الأئمة أن قطعية الثابت بالعبارة أمر مقرر مفروغ منه.\nأما الثابت بالإشارة: فهو الذي تعرض له حالتا القطعية والظنية، وتبدو الظنية عندما يكون المعنى محتملًا للحقيقة والمجاز.\nفالحقيقة للثابت بالعبارة، وعندها يتسم الحكم بالقطعية.\nوالمجاز للثابت بالإشارة، وعندها يتسم الحكم بالظنية.\nوقد سلك هذه السبيل الشيخ عبد العزيز البخاري، وحمل كلام فخر الإسلام البزدوي عليه (^٢).\nوذهب كثير من المتأخرين إلى أن الإشارة - من حيث هي إشارة - كالعبارة، لأن دلالة كل منهما لفظية وهي تفيد القطع، وأما ما ذُكر في بعض الصور، فإنما كان بسبب العوارض، فلا يقدح في قطعية الإشارة من حيث هي (^٣).\nوذلك ما قرره ابن ملك في \"شرحه لمنار النسفي\" فعند قول صاحب \"المنار\": (وهما - أي العبارة والإشارة - سواء في إيجاب الحكم …) قال: (أشار به إلى أنه يجوز أن يقع بينهما تفاوت في القطعية لأن العبارة قطعية، والإشارة قطعية وقد تكون غير قطعية) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-258>موقف الرهاوي:</span>\nأما الرهاوي في \"حاشيته على شرح ابن ملك\": فلم يرتضِ حتمية\n_________\n(^١) (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) وراجع: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(^٢) انظر: \"كشف الأسرار\" (١/ ٧٠).\n(^٣) انظر: \"مرقاة الوصول\" لملا خسرو (١/ ٧٧).\n(^٤) انظر: \"المنار\" و\"شرحه\" لابن ملك مع \"الحواشي\" (١/ ٥٢٤).","vol":"1","page":404},{"text":"القطع بالنسبة لعبارة النص، بل رأى أن كلًا من العبارة والإشارة يمكن أن تجرى عليه القطعية والظنية؛ فبعد أن أتى على كلام ابن ملك قال: (والحق أنهما قد تكونان قطعيتين وظنيتين) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-259>رأينا في المسألة:</span>\nوالذي نميل إليه هو ما ذهب إليه السرخسي ومَن تابعه.\nفمدلول عبارة النص قطعي الدلالة، لما أنه ليس فيه احتمال ناشئ عن دليل.\nأما مدلول الإشارة: فيمكن أن يكون قطعيًا، كما يمكن أن يكون ظنيًا، لما قد يكون من احتمال ناشئ عن دليل.\nوهذا المدلول بالإشارة: لا خلاف فيه من حيث إنه معنًى لازم مترتب على ما دلّت عليه عبارة النص، ولكن طريق الظنية إليه - من ناحية المجاز على الأقل - مفتّحة الأبواب.\nعلى أن ما ذهب إليه الرهاوي من إمكان الظنية في عبارة النص، يمكن حمله على الحالة التي تكون فيها العبارة من العام المخصوص، لأن العام - عند الحنفية - إذا دخله الخصوص أصبح ظنيًا، ولكن القوم عندما يحكمون بالقطعية على عبارة النص، فإنهم يريدون العبارة من حيث هي.\nأما بعد أن تعرض لها - وهي من قبيل العام - حالة الخصوص فذاك أمر آخر؛ لأن الظنية في هذه الحال لم تعرض لها من حيث هي عبارة نص، وإنما عرضت لها من كونها عامًا دخله الخصوص (^٢).\nوعلى أية حال: فما أحسب هذا الاختلاف، من النوع الذي يمكن أن تختلف الأحكام بوجوده، خصوصًا وأن الاتفاق حاصل على أن القطعية\n_________\n(^١) راجع: \"حاشية الرهاوي على شرح ابن ملك\" (١/ ٥٢٤).\n(^٢) انظر: \"المنار\" مع \"شرحه\" لابن ملك، و\"حاشية الرهاوي\" عليه (١/ ٥٥).","vol":"1","page":405},{"text":"كثيرًا ما يراد بها معناها الأعم، وهو عدم وجود احتمال ناشئ عن دليل، وأن العام إذا دخله الخصوص يصبح ظني الدلالة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-260>التعارض بين العبارة والإشارة:</span>\nفي حديثنا عن الحكم الثابت بالعبارة والحكم الثابت بالإشارة: رأينا الخلاف الواقع في القطعية والظنية، وأن الأكثر على أن العبارة والإشارة يفيدان القطعية، وأن الإشارة تفيد الظنية.\nونريد أن نبين هنا: أنه حتى في الحال التي يكون موجَبُ كل من العبارة والإشارة قطعيًا، فإن التفاوت بينهما حاصل عند المعارضة من ناحية القصد بالسياق أو عدمه.\nفالحكم الثابت بالعبارة يكون هو المقصود أولًا وبالذات، والكلام قد سيق لأجله أصالة أو تبعًا، بينما لا نرى ذلك في الحكم الثابت بالإشارة؛ إذ إن الكلام لم يُسق من أجله لا أصالة ولا تبعًا. ولا شك في أن ما يكون مقصودًا من السياق، أقوى مما لا يكون مقصودًا منه.\nومن الطبيعي أن يظهر أثر ذلك عند التعارض - كما أشرنا من قبل - فيقدم الحكم الثابت بالعبارة، على الحكم الثابت بالإشارة، مع أن كلًا منهما يعتبر ثابتًا بالنص.\n١ - ومن النصوص التي أوردوها لذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] مع قوله جلّ وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].\nفمدلول العبارة في النص الأول: ظاهر في وجوب القصاص من القاتل المعتدي، إذ معنى قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ فرض عليكم. قال أبو جعفر\n_________\n(^١) انظر: \"التوضيح\" مع \"التنقيح\" (١/ ٣٥، ١٢٩) وانظر: \"مختصر المنار\" لابن حبب الحلبي مع \"شرحه\" لقاسم بن قطلوبغا، مخطوطة دار الكتب المصرية.","vol":"1","page":406},{"text":"الطبري: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ فرض عليكم (^١).\nوإذا تأملنا النص الثاني من سورة النساء: وجدناه يدل بالإشارة على أن لا قصاص على القاتل المعتدي؛ لأن الله تعالى جعل جزاءه الخلود في جهنم وغضب عليه وأعدّ له العذاب العظيم. وقد اقتصر على ذلك في مقام البيان، والاقتصار في مقام البيان - كما قالوا - يفيد الحصر.\nوعليه فالقاتل المعتدي ليس له جزاء في الدنيا، وإنما جزاؤه أخروي وهو الخلود في جهنم، إذ إن الاقتصار على الجزاء الأخروي في مقام البيان، استلزم أنه لا جزاء عليه في الدنيا.\nفيقدم الحكم الثابت بالعبارة على ما ثبت بالإشارة، ويكون القصاص واجبًا على القاتل المعتدي، وهو ذلك القاتل عمدًا بغير حق (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-261>رأينا في هذا المثال:</span>\nعلى أن لنا أن نعفي أنفسنا من هذا المثال، فتقرر في هذه المسألة أن الله ﵎ بعد أن ذكر حكم من قتل المسلم خطأ في قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢] ذكر في الآية التي تليها حكم من قتله عامدًا واقتصر على ذكر عقوبته في الدار الآخرة؛ لأنه ذكر عقوبته في الدنيا - وهي القصاص - في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].\nوهكذا يتحصّل لدينا: أن الله أوجب القصاص في القتل العمد في آية\n_________\n(^١) راجع: الطبري في \"جامع البيان\" (٣/ ١٧٨) وانظر هناك حدود هذا الفرض في معنى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾.\n(^٢) راجع: \"دلالات الكتاب والسنة على الأحكام الشرعية\" لزكي الدين شعبان (ص ٣٤)، \"أصول الفقه\" لأستاذنا أبي زهرة (ص ١٣٩).","vol":"1","page":407},{"text":"البقرة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وأوجب الدية والكفارة في القتل الخطأ في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً …﴾ الآية.\nفعُلم أن الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد، وكان من شدة هول الجريمة: أن أضاف الله إلى العقوبة الدنيوية - وهي قتل القاتل قصاصًا - عقوبة أخروية، هي الغضب الإلهي، والخلود في جهنم والعذاب العظيم.\nوإني لأخشى أن نتجنى على مقصد الشارع في حفظ الأنفس، حين نحوِّل آية الجزاء الأخروي بما فيها من التهديد والإبعاد، والإبراق والإرعاد - كما قال الزمخشري - إلى أنها تعطي بـ (إشارة النص) عدم عقوبة القاتل في الدنيا.\nفهي - كما يدرك بملاحظة النصوص مجتمعة - لم تُسق للعقوبة الدنيوية، ولكن سيقت لبيان فداحة الأمر في قتل المؤمن، وجاءت بعقوبة أخروية تضاف إلى ما جاءت به سورة البقرة من العقوبة الدنيوية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ تلك العقوبة التي تنظم أمور المجتمع، وتحفظ على الأفراد والجماعات حياتهم مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة] (^١).\nولقد جاءت السنّة بالتهويل من أمر تلك الجريمة في أحاديث كثيرة: من ذلك ما رواه ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: \"لَزوالُ الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم\" (^٢).\nومهما يكن من أمر، فإن الآية تعد قتل المؤمن من الكبائر، بل لقد حصل الخلاف في قبول توبة القاتل. والمروي عن ابن عباس أنه لا توبة له؛ فقد أخرج ابن جرير الطبري عن سالم بن أبي الجعد قال: \"كنا عند ابن عباس بعدما كُفَّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في\n_________\n(^١) راجع: \"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٤٢٧) \"تفسير آيات الأحكام\" للسايس وإخوانه (٢/ ١٢١ - ١٢٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٣٩٥) والنسائي (٣٩٨٦) و(٣٩٨٧). وروى الزمخشري في \"الكشاف\" أن رسول الله ﷺ قال: \"إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون مَن هدم بنيانه\" (١/ ٤٢٧).","vol":"1","page":408},{"text":"رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا. قال: أفرأيت إن تاب، وآمن وعمل صالحًا، ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه، وأنَّى له التوبة والهدى؟ فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم ﷺ يقول: \"ثكلته أُمه: رجل قتل رجلًا متعمدًا جاء يوم القيامة أخذًا بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا في قِبَل عرش الرحمن يلزم قاتله بيده الأخرى يقول: سل هذا فيمَ قتلني؟ \" والذي نفس عبد الله بيده لقد أُنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم ﷺ، وما نزل بعدها من برهان\" (^١).\n٢ - ومن الأمثلة التي يوردونها للتعارض بين العبارة والإشارة قوله تعالى في آية الرضاعة من سورة البقرة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nفهذا النص يدل بالإشارة - فيما يدل عليه من أحكام مرّ بعضها آنفًا - أن الأب مقدّم في حق الإنفاق من مال الابن على مَن سواء ممن لهم حق النفقة من الأقرباء بما في ذلك الأم، فإذا كان الولد لا يستطيع النفقة عليهما، بل على واحد منهما، قُدم الأب على الأم، لأن الأب عندما وجبت عليه وحده النفقة على الابن كان ذلك الأب مقدّمًا على غيره عند الحاجة إلى النفقة.\nولكن هذا الحكم الثابت بالإشارة معارض بما روى أبو هريرة أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: مَن أحق الناس بحُسن صحابتي يا رسول الله؟ فقال ﷺ: \"أمك\" قال: ثم مَن؟ قال: \"أُمك\" قال: ثم مَن؟ قال: \"أُمك\" قال: ثم مَن؟ قال: \"أبوك\" (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"تفسير الطبري\" (٩/ ٦٣)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٣٦ - ٥٣٧)، \"تفسير آيات الأحكام\" بإشراف السايس (٢/ ١٢٦).\n(^٢) رواه البخاري (٥٩٧١) ومسلم «٦٤٤٧) وابن ماجه (٢٧٠٦). وفي رواية: يا رسول الله مَن أحق الناس بحُسن الصحبة؟ قال: \"أُمك ثم أُمك، ثم أباك ثم أدناك ثم أدناك\" قال الإمام النووي: (\"ثم أباك\" هكذا منصوب بفعل محذوف، أي ثم بُرّ أباك)، وانظر: \"جامع الأصول\" لابن الأثير (١٨٩).","vol":"1","page":409},{"text":"فهذا النص من السنّة يدل بعبارته على تقديم الأم على الأب في النفقة، وما دام الأقوى هو المقدّم عند التعارض، وجب تقديم الحكم الثابت بعبارة النص - الذي أفاد تقديم الأم - على الحكم الثابت بإشارة النص - الذي أفاد تقديم الأب - وتكون الأم أوْلى من الأب في النفقة.\nوالواقع أن فقهاء الحنفية قد عرضوا مسألة تقديم الأب أو الأم في حق النفقة، في حالة كون الابن عاجزًا عن الإنفاق، غير عاجز عن الكسب - والأب والأم موجودان وكلاهما بحاجة إلى النفقة - لأن الأب عاجز عن الكسب، فاستوى مع الأم العاجزة بطبيعة أنوثتها، أو هي استوت معه لهذا، إذ قرروا أن الأم تعتبر كالأب العاجز لأن الأنوثة وحدها: عجز.\nففي هذه الحالة إذا كان الولد لا يستطيع الإنفاق إلا على أحد أبويه، فالأم أحق بالإنفاق عند الحنفية، وهذا هو القول المعتبر، وقيل: الأب أحق. وقيل: تقسم النفقة بينهما\" (^١).\nعلى أنه لا بد - في رأينا - من نظرة جديدة إلى واقع المرأة اليوم، وما تفتح أمامها من مجالات للعمل، قد تكون مشروعة في بعض الأحيان، وعلى أساس هذه النظرة يمكن تفضيل قول على قول، مما ذكره هؤلاء الأئمة ﵏.\n_________\n(^١) راجع: \"البدائع\" (٤/ ٣٦) فما بعدها، \"الهداية وفتح القدير\" (٣/ ٣٤٧)، \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٧٦٣) هذا: وتفصيل أمر هذه النفقة الواجبة على الولد في الحال المذكورة: أن الولد في حال قدرته على الكسب وعجزه عن الاتفاق، إما أن يكون له فَصْل كسب عن حاجة أو لا، فإن كان له فَصْل كسب، أجبر على إنفاق الفاضل، وعلى مَن يرث الأب - حين عدم الابن - أن يكمل النفقة. وإن لم يكن للولد فَضْل كسب: فإن كان يعيش وحده: لم يُجبر على ضم أحد من أبويه إليه قضاء، ويلزمه ذلك ديانة.\nوإن كان له عيال: أُجبر على ضم أحد أبويه - على الحد الذي مر - قضاء وديانة يطعمه مما يطعمهم لأن طعام الأربعة - كما قالوا - يكفي الخمسة من غير أن يضرهم ضررًا فاحشًا بخلاف طعام الواحد إذا قسم على الاثنين فإنه يضره ضررًا بالغًا - إذ يأكل حينئذ ما لا يكفيه لغذائه، فيضعف عن الكسب. وإذا كانت الأم - لمجرد عجزها بكونها أُنثى -: تستوي مع الأب الزمِن: تعرض حالة وجودهما معًا والابن علي الأمر الذي ذكرنا.","vol":"1","page":410},{"text":"وهكذا كان ما ذهب إليه الفقهاء من الحنفية ثلاثة أقوال في المسألة، كما ذكرنا.\nالأول: تقديم الأم فهي أحق لعجزها.\nالثاني: تقديم الأب فهو أحق لأنه هو الذي يجب عليه نفقة الابن في صغره.\nالثالث: تقسيم النفقة بينهما.\nوقد اعتبر القول الأول هو المنصور عند الحنفية، وعبّر عنه صاحب \"الدر المختار\" بقوله: (لو لم يقدر إلا على نفقة أحد والديه فالأم أحق) وبعد أن ذكر ابن عابدين (^١) القولين الآخرين، أيّد القول الأول برواية ثالثة لحديث: (حُسن الصحابة) فقال: (ويؤيد الأول ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسّنه عن معاوية التستري: قلت يا رسول الله مَن أبرّ؟ قال: \"أُمك\" قلت: ثم مَن؟ قال: \"أُمك\" قلت: ثم مَن؟ قال: \"أباك ثم الأقرب فالأقرب\" (^٢).\nومن الواضح أن الفقهاء الذين جنحوا إلى تقديم الأم في حق النفقة في تلك الحال، لم يكن المرجح الأول عندهم مسألة تقديم العبارة على الإشارة، وإنما هو عجز الأم بطبيعة أنوثتها؛ وأيّد ابن عابدين هذا الرأي بالحديث الآنف الذكر.\nوفي رأينا: أن الاتجاه إلى اعتبار الحديث مؤيدًا للحكم لا أساسًا قام عليه الحكم، يهوِّن من طلب إثبات أن هذا الحديث من \"المشهور\" ليصلح بيانًا لعام الكتاب إذا جرينا على أن الإشارة لها عموم كما هو مذهب الأكثرين.\n_________\n(^١) هو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز، مولده ووفاته في دمشق، كان إمام الحنفية في عصره. من أهم مصنفاته: \"رد المحتار على الدر المختار\" ويُعرف بـ \"حاشية ابن عابدين\"، \"مجموعة رسائل\" في موضوعات شتى هامة. توفي ﵀ سنة ١٢٥٢ هـ.\n(^٢) راجع: ابن عابدين (٢/ ٦٧٣ - ٦٧٧)، \"شرح قانون الأحوال الشخصية\" للأستاذ الدكتور مصطفى السباعي ﵀ (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥).","vol":"1","page":411},{"text":"نقول هذا: لأن الحديث لا يقوى على الوقوف في مقابلة الكتاب فيخصص عامه، ويقيد مطلقه عند الحنفية إلا إذا كان متواترًا أو مشهورًا؛ فحين يراد تقديم حديث: (حسن الصحابة) \"عبارة\" على الآية \"إشارة\" يجب إثبات أن هذا الحديث من المشهور.\n٣ - هذا: ومما مثّل به كثير من الأصوليين (^١) للتعارض بين عبارة النص وإشارة النص، ما روي عن أبي أُمامة الباهلي (^٢) أن النبي ﷺ قال: \"أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها وأكثره عشرة أيام\" (^٣) مع ما روي أنه ﷺ قال في النساء: \"إنهن ناقصات عقل ودين\" فقيل: ما نقصان دينهن؟ فقال ﷺ: \"تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي\".\nقالوا: إن هذا الحديث، وإن كان مسوقًا لمسألة نقص العقل والدين في المرأة، إلا أن دلالة الإشارة فيه تعطي أن مدة الحيض خمسة عشر يومًا - كما هو مذهب الشافعي - لأن ما تقع فيه المرأة من ترك الصلاة والصوم شطر دهرها، إنما كان بسبب ما يعرض لها من الحيض في كل شهر، والشطر (^٤) هو النصف فيلزم من هذا أن مدة الحيض خمسة عشر يومًا حتى\n_________\n(^١) انظر مثلًا: \"المنار\" للنسفي مع \"شرحه\" لابن ملك وحاشيتَيْ الرهاوي وعزمي زاده (١/ ٢٢٥).\n(^٢) هو الصحابي صُدَي (بالتصغير) بن عجلان الباهلي أبو أمامة، مشهور بكنيته وروى عن النبي ﷺ وعن عمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وعدد غيرهم. قال ابن حبان: كان مع علي في صفين، توفي ﵁ سنة ٨٦ هـ.\n(^٣) أخرجه الطبراني (٧٥٨٦) والدارقطني (٨٤٦) وانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ١٩١)، \"التعليق المغني على الدارقطني\" (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦).\n(^٤) هذا وممن اعتبر حجة الشافعي فيما ذهب إليه قائمة على دلالة الإشارة من حديث الشطر المدعى: صاحب \"منهاج الوصول\" من الزيدية، فلم يعرض لنقد رواية الحديث، وإنما ادعى فقط أن إشارة الحديث هي حجة الشافعي على ما ذهب إليه، ورأى أنها ليست بالواضحة، إذ الشطر ليس بموضوع للنصف فقط، بل للبعض، وإن زاد على النصف أو نقص عنه بدليل قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: ١٤٤ و١٤٩ و١٥٠) وقوله ﷺ: \"الوضوء شطر الإيمان\" ولم يرد أنه نصف باتفاق \"منهاج الوصول\" (ق ١٤١).","vol":"1","page":412},{"text":"يتحقق أن تركها للصيام والصلاة يستغرق نصف عمرها الذي جاء الحديث على ذكره.\nوهكذا يقع التعارض بين الحكم الثابت بالعبارة: وهو أن أكثر الحيض عشرة أيام كما هو مذهب الحنفية، وبين الحكم الثابت بالإشارة: وهو أن أكثره خمسة عشر يومًا، كما هو مذهب الشافعي.\nوفي المعارضة يقدم الأقوى؛ فيؤخذ بالحكم الثابت بعبارة النص دون الثابت بإشارة النص.\nوتكون النتيجة لذلك: أن بين أيدينا نصًا دلّ بعبارته على أن أكثر مدة الحيض عشرة أيام، أخذ به الحنفية. ونصًا آخر دلّ بإشارته على أن المدة أكثرها خمسة عشر يومًا، أخذ به الشافعي، فتُعَدُّ أكثر مدة الحيض عشرة أيام، أخذًا بمدلول العبارة.\nرأينا في المثال:\nغير أن هنالك ما يدعو للقول بأن هذا التمثيل غير صحيح:\nأ - فالحديث الثاني: وهو حديث الشطر، لم يصح وروده بهذا اللفظ وقد ذكر البيهقي أنه لم يجده في شيء من كتب الحديث. وقال ابن الجوزي: (^١) هذا الحديث لا يعرف، وقال النووي: إنه باطل (^٢).\nوالصحيح فيه ما رواه البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن أبي سعيد\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي أبو الفرج، علّامة عصره في التاريخ والحديث والتفسير، نسبته إلى مشرعة الجوز من محل بغداد، ذكر العلماء أن له حوالي ثلاثمائة مصنف منها: \"المنتظم في تاريخ الملوك والأمم\" مطبوع ستة أجزاء منه، \"مناقب عمر بن عبد العزيز\"، وكتاب \"الضعفاء والمتروكين\" في رجال الحديث، و\"نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر\"، و\"زاد المسير\" في التفسير، و\"الموضوعات\" في الحديث. توفي ﵀ بغداد سنة ٥٩٧ هـ.\n(^٢) راجع: \"فتح القدير\" (١/ ١١٣) \"المنار\" و\"شرحه\" لابن ملك مع \"حاشية الرهاوي\" (١/ ٥٢٥)، \"المرقاة\" مع \"المرآة\" (٢/ ٧٧ - ٧٨) زكي الدين شعبان في \"دلالة الكتاب والسنة على الأحكام الشرعية\" (ص ٣٥).","vol":"1","page":413},{"text":"الخدري قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمرّ على النساء، فقال: \"يا معشر النساء تصدّقن فإني أريتُكن أكثر أهل النار\" فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ فقال: \"تُكثرن اللعن وتُكفُرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن\" قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: \"أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ \" قلن: بلى، قال: \"فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تُصلِّ ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: \"فذلك من نقصان دينها\" (^١).\nب - هذا من جهة الرواية، أما من جهة فقه الحديث ومعرفة الواضح والمبهم من ألفاظه التي بها يستدل على الحكم: فإن الشطر - لو صحّ الحديث - ليس متمحضًا للنصف لغة، ولكنه يطلق على البعض أيضًا، ورأي العلماء أنه لا يراد به في الحديث هنا إلا البعض بناءً على احتساب مدة الحمل والإياس من العمر ولا حيض فيها (^٢).\nولعل من الخير أن لا نقف عند حدود صحة المثال أو عدم صحته، بل نكشف عن بعض الجوانب الأخرى من المسألة.\nذلك أننا نريد أن نرى إلى أي حد ينطبق - على ما بين أيدينا من آثار الشافعي - القول باعتماده على الحديث المذكور في القول بأن أكثر الحيض أو أقله من الأمور التي تبنى على خطابات الشارع، أم على التوقيف المبني على الاستقراء والتتبُّع لحالات متعددة؟\nوماذا كانت حجة الحنفية في الاستدلال على أن أكثر مدة الحيض عشرة أيام؟\n\n<span data-type='title' id=toc-262>دليل الشافعي:</span>\nالواقع أن كلام الشافعي عن الموضوع لا يدل من قريب أو بعيد على\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٧٩).\n(^٢) راجع: \"المنار\" و\"شرحه\" لابن ملك مع \"حاشيتَيْ الرهاوي وعزمي زاده\" (١/ ٢٢٥)، \"مرقاة الوصول\" مع \"المرآة\" (٢/ ٧٨).","vol":"1","page":414},{"text":"احتجاجه بالحديث المتقدم، وإنما بنى رأيه على الاستقراء والتتبُّع لعدد من الحالات عند بنات حواء، نقلها إليه مَن يثق بدينه وأمانته من المسلمين.\nوذلك ظاهر في معرض حديثه عن مسألة أقل الحيض.\nجاء في \"الأم\" من كلام طويل له مع بعضهم (قلت: قد رأيت امرأة أُثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يومًا ولا تزيد عليه، وأُثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاث وعن نساء أنهن لم يزلن يحضن خمسة عشر يومًا، وعن امرأة أو أكثر أنها لم تزل تحيض ثلاث عشرة) (^١).\nوحين استدلّ صاحبه بما روى عن أنس بن مالك من طريق الجلد بن أيوب أنه قال: \"قرء المرأة - أو قرء حيض المرأة - ثلاث أو أربع حتى انتهى إلى عشر\" ردّ الحديث بما قاله له ابن عليّة: الجلد بن أيوب أعرابي لا يعرف الحديث (^٢).\nوتفاوتُ مدة أكثر الحيض، وإن كان يترتب عليه الكثير من أحكام الحلال والحرام مما هو معلوم في مظانه من كتب الفقه، إلا أن المسألة عند الإمام الشافعي - كما رأينا - متعلقة بجبلَّة بنات حواء. والحكم على المدة طولًا أو قصرًا في أقل الحيض وأكثره: مرتبط بالوجود نتيجة الاستقراء والتتبع.\nوذلك ما فهمه الفقهاء من كلام الشافعي، وكانت عمدتُهم في الاستدلال على مدة أقل الحيض وأكثره، وجودَ حالات متعددة يمكن - بمجموعتها - أن تعطي حكمًا.\nوالشيرازي صاحب \"المهذب\" قد استدلّ على أقل الحيض بالوجود، ثم روى عن عطاء أنه قال: \"رأيت من النساء من تحيض يومًا وتحيض\n_________\n(^١) انظر: (١/ ٥٥).\n(^٢) انظر: \"الأم\" (١/ ٥٥) وجاء في \"المغني\" لابن قدامة المقدسي (١/ ٣٠٩)، (وحديث أنس يرويه الجلد بن أيوب وهو ضعيف. قال ابن عيينة: هو محدَث لا أصل له، وقال أحمد في حديث أنس: ليس هو شيئًا، هذا من قبل الجلد بن أيوب، قيل: إن محمد بن إسحاق رواه، وقال: ما أراه سمعه إلا من الحسن بن دينار وضعّفه جدًّا).","vol":"1","page":415},{"text":"خمسة عشر يومًا\"، كما روى عن أبي عبد الله الزبيري ﵀ قوله: \"كان في نسائنا من تحيض يومًا وتحيض خمسة عشر يومًا\" ثم قال: وأكثره - أي الحيض - خمسة عشر يومًا، لما روينا عن عطاء وأبي عبد الله الزبيري.\nولم يعرض الشيرازي إلى ذكر \"حديث الشطر\" إلا عند الحديث عن أقل طهرٍ حاصلٍ بين دمَيْن وأنه خمسة عشر يومًا، ولكنه اعترف أنه لم يجده بهذا اللفظ: قال ﵀: (وأقل ظهر فاصل بين الدمَيْن خمسة عشر يومًا لا أعرف فيه خلافًا، فإن صحّ ما يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال في النساء: \"نقصان دينهن أن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي\"، دلّ ذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، لكني لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقه) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-263>دليل الحنفية على ما ذهبوا إليه:</span>\nعلمت أن المنقول عن الإمام الشافعي أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا. والحنفية على أن هذه المدة عشرة أيام.\nوقد استدل صاحب \"الهداية\" وغيره على مذهب الحنفية بحديث: \"أقل الحيض للجارية البكر والشيب ثلاثة أيام ولياليها وأكثره عشرة أيام\".\nوهذا الحديث الذي رواه الدراقطني عن أبي أمامة الباهلي قد نقل صاحب \"فتح القدير\" عن أئمة الحديث ضعفه، ثم أورد ابن الهمام ﵀ في ذلك عددًا من الأحاديث الضعيفة أيضًا، منها: حديث أنس بن مالك الذي رواه الجلد بن أيوب - وقد تحدثنا عنه آنفًا - ثم قال في ختام ذلك: (فهذه عدة أحاديث عن النبي ﷺ متعددة الطرق، وذلك يرفع الضعيف إلى الحسن، والمقدرات الشرعية مما لا تدرك بالرأي، فالموقوف فيها حكمه الرفع بل تسكن النفس - بكثرة ما روي فيه عن الصحابة والتابعين - إلى أن المرفوع مما أجاد فيه ذلك الراوي الضعيف، وبالجملة: فله أصل في الشرع. بخلاف قولهم: أكثره خمسة عشر يومًا، فلم نعلم فيه حديثًا حسنًا\n_________\n(^١) \"المهذب\" (١/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"1","page":416},{"text":"ولا ضعيفًا، وإنما تمسكوا فيه بما ورد عنه ﷺ أنه قال في صفة النساء: \"تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي\" ثم قال صاحب \"فتح القدير\": (وهو لو صحّ لم يكن فيه حجة لكن قال البيهقي: إنه لم يجده، وقال ابن الجوزي في التحقيق: هذا حديث لا يعرف، وأقره عليه صاحب \"التنفيح\") (^١).\nوهكذا يرى أنه ليس في الأمر نص قوي يثبت المدعى، ولهذا تعود المسألة في نظرنا - كما قلنا من قبل - إلى إثبات وجود حالات على شكل معين يمكن أن تكوّن حكمًا. وهذا ما جعل ابن الهمام يقرر أن المقدرات الشرعية مما لا يدرَك بالرأي، للموقوف فيها حكم الرفع؛ إذ هي نقلُ واقعةٍ أنها حصلت.\nوبالرغم من عدم اعتماد الشافعي على حديث: (الشطر) وبنائه الحكم على الموجود، وسلوك العلماء من بعده - كما رأينا عند الشيرازي - هذا السبيل في الاستدلال (^٢): يرى ابن الهمام - كما يرى فريق من الأصوليين والفقهاء - أن دليل الشافعي على ما ذهب إليه هو ذلك الحديث وهو ما رأيناه عند صاحب \"منهاج الوصول\" من الزيدية الذي أورده حجة للشافعي ورد هذه الحجة بأنها غير واضحة (^٣).\nوعلى أية حال: فإنا نؤكد أن الأمر في نظرنا، يجب أن يقوم على الاستقراء وإثبات الوقائع؛ لأنه مرتبط بجبلة الأنثى. وهذا مما سار عليه الشافعي ومَن بعده.\nوقد تكون مجموعة الأخبار الضعيفة التي رواها ابن الهمام مبعثًا للميل إلى أن أكثر مدة الحيض عشرة أيام، ولكن لا على أنها - كما قال - تكوّن أصلًا في الشرع لهذه المسألة في الجملة، بينما الغير لا أصل عنده، ولكن\n_________\n(^١) راجع: \"فتح القدير\" (١/ ١١٢ - ١١٣) وانظر: في الحكم على الحديث أيضًا: \"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ١٩١ - ١٩٢) من باب الحيض.\n(^٢) راجع: \"الأم\" للشافعي (١/ ٥٥ - ٤٦)، \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٣) راجع: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":417},{"text":"على أنها أخبار عن وجود وقائع، ولكل من الفريقين أن يؤكد وجود ما يدّعي، بما يوثَق به من الأخبار.\nولو جاءنا عن النبي ﷺ الحديث الصحيح لجزمنا بصحة الوجود، لأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه: لا يبني على النادر ويترك الغالب الكثير.\nولقد كان العلماء من وراء ثبوت هذه الوقائع؛ فذهب أحمد إلى أن أكثر مدة الحيض - كما هو عند الشافعي - خمسة عشر يومًا، ونقل إسحاق بن راهويه عن عطاء: الحيض يوم واحد، وقال سعيد بن جبير: أكثره ثلاثة عشر يومًا، بينما يرى الإمام أبو حنيفة والصاحبان: أن أقله ثلاثة، وأكثره عشرة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-264>من إشارة النص في القانون:</span>\nمن أمثلة دلالة الإشارة في نصوص القانون ما يلي:\n١ - جاء في المادة من قانون العقوبات المصري أن \"المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على السنتين، ولكن لزوجها أن يقف تنفيذ الحكم برضائه معاشرتها\".\nفقد دلت هذه المادة بعبارة النص - كما أسلفنا في حينه - على أمرين هما: عقوبةُ الزوجة التي ثبت زناها، وحقُّ الزوج في وقف تنفيذ هذه العقوبة.\nوتدل المادة المذكورة من طريق إشارة النص على أن زنى الزوجة ليس له طابع الجرائم العامة، فهو ليس جناية على المجتمع في نظر الشارع، وإنما هو جناية على الزوج، وهذا لازم لتخويل حق إسقاط العقوبة للزوج؛ إذ لو كان جناية على المجتمع كالسرقة مثلًا، ما ثبت لأحد حق إسقاط عقوبته.\n٢ - جاء في المادة /١٥٥/ من القانون المدني المصري الملغى أنه\n_________\n(^١) راجع: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٣٠٨)، \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٣٨ - ٣٩)، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (١/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"1","page":418},{"text":"\"يجب على الفروع وأزواجهم ما دامت الزوجية قائمة أن ينفقوا على الأصول وأزواجهم\".\nوقالت المادة /١٥٦/ منه \"كذلك يجب على الأصول القيام بالنفقة على فروعهم، وأزواج الفروع، والأزواج أيضًا ملزمون بـ (النفقة) على بعضهم\".\nوفي المادة /١٥٧/ منه أيضًا جاء النص على أن \"تقدير النفقات يكون بمراعاة لوازم من تفرض لهم، ويُسر من تفرض عليهم. وعلى كل حال يلزم دفع النفقات شهرًا بشهر مقدّمًا\".\nفإذا كانت كل مادة من هذه المواد الثلاث، تعطي بعبارة النص حكمًا موضوعيًا من أحكام النفقات، فإنه يفهم منها بإشارة النص اختصاص المحاكم الأهلية بالقضاء بها؛ لأن النص عليها في القانون المدني الذي تطبقه يلزم منه وجوب تطبيق هذه المحاكم لتلك الأحكام. فهذا الاختصاص معنًى لازم لورود المواد المذكورة في القانون، وهو غير مقصود من السياق أصالة ولا تبعًا، فهو مفهوم بالالتزام من طريق إشارة النص (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"علم أصول الفقه\" للعلامة الشيخ عبد الوهاب خلاف (ص ١٧٠ - ١٧١)، \"المدخل للعلوم القانونية\" للدكتور البدراوي (ص ٢١٨ - ٢١٩) الدكتور مرقص (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\nهذا: ومن إشارة النص ما جاء في المادة /٨٣٨/ من القانون المدني المصري في باب قسمة المال الشائع: من أن المحكمة الجزئية تفصل في المنازعات التي تتعلق بتكوين الحصص، وفي كل المنازعات الأخرى. فإن نص هذه المادة يدل بعبارته على أن المحكمة الجزئية - وهي صاحبة الاختصاص في دعاوى القسمة أيًا كانت قيمتها - تفصل بنفسها في المنازعات ذات العلاقة بتكوين الحصص، كما تفصل أيضًا في غير ذلك من المنازعات التي يتوقف عليها إجراء القسمة: كالمنازعات المتعلقة بملكية بعض الشركاء، أو بمقدار أنصبتهم إذا كانت هذه المنازعات تدخل ضمن اختصاصها وفقًا للقواعد العامة، وإلا فإنها لا تفصل فيها بنفسها. وإذا كان ما ذكرنا هو مدلول المادة المذكورة من طريق عبارة النص. فإنها تدل بإشارة النص عن طريق الالتزام أن توقِف المحكمة الجزئية إجراءات القسمة إذا أُثير لديها نزاع من هذا النوع الأخير، وكان يدخل بطبيعته ضمن اختصاص المحكمة الابتدائية، إلى أن تفصل هذه المحكمة الأخيرة في هذا النزاع. وانظر: الدكتور مرقص (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-265>المبحث الثالث دلالة النص</span>\n<span data-type='title' id=toc-266>المطلب الأول ماهية دلالة النص</span>\nوأما دلالة النص فهي: دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، لاشتراكهما في معنًى يدرِك كل عارف باللغة أنه مناط الحكم من غير حاجة إلى نظر واجتهاد، يستوي في ذلك أن يكون ما سكت عنه أوْلى بالحكم مما ذكر، أو مساويًا له.\nفحين تدل عبارة النص على حكم، ويفهم من النص هذا الحكمُ في واقعة أخرى مسكوت عنها غير منطوق بها، لتحقق موجَب الحكم لغة: تسمى هذه الدلالة \"دلالة النص\".\nوعلى هذا يدل كلام القوم عن هذا النوع من طرق دلالة اللفظ على الحكم، وإن اختلف التعبير (^١).\nومن أوضح ما جاء في تعريفها ما نراه عند صدر الشريعة حيث يقول:\n_________\n(^١) قال الشيخ عبد العزيز البخاري في \"كشف الأسرار\": (دلالة النص هي فهم غير المنطوق من المنطوق بسياق الكلام ومقصوده).\nوكان بعضهم أصرح منه في ذكر المعنى اللغوي فقال: (دلالة النص هي الجمع بين المنصوص وغير المنصوص بالمعنى اللغوي). راجع: \"كشف الأسرار\" على \"البزدوي\" (١/ ٧٣).","vol":"1","page":420},{"text":"(هي دلالة اللفظ على الحكم في شيء يوجد فيه معنى يفهم كل من يعرف اللغة أن الحكم في المنطوق لأجل ذلك المعنى) (^١).\nومن هنا اعتبر العلماء أن الحكم الثابت بدلالة النص، ثابت بطريق المفهوم اللغوي، لا بطريق الاجتهاد والاستنباط؛ لأن موجَب الحكم الذي تحقق في المسكوت عنه - كما تحقق في عبارة النص - إنما كان إدراكه بمجرد المعرفة باللغة، وإن كان الظهور والوضوح على مراتب تتفاوت بحسب طبيعة النص، وحسب إدراك من يريد استنباط الحكم من النص.\nومسألة ثبوت الحكم بالمعنى اللغوي، جاءت صريحة فيما كتب البزدوي والسرخسي ومن تبعهما. قال فخر الإسلام: (وأما الثابت بدلالة النص: فما ثبت بمعنى النص لغةً لا استنباطًا) (^٢).\nوقال شمس الأئمة السرخسي: (فأما الثابت بدلالة النص: فهو ما ثبت بمعنى النظم لغة، لا استنباطًا بالرأي) (^٣).\nهذا: ولأن الحكم في هذه الدلالة يؤخذ من معنى النص، لا من لفظه سماها بعضهم \"دلالة الدلالة\" ويسميها الكثيرون \"فحوى الخطاب\" لأن فحوى الكلام معناه، ومنه قولهم - كما في \"أساس البلاغة\" -: عرفت ذلك في فحوى كلامه، بالمد: أي فيما تنسمت من مراده بما تكلم به، ولهذا المعنى أيضًا يسمونها \"لحن الخطاب\" لأن الفحوى واللحن والمعنى سواء (^٤).\nويسميها الشافعية ومن معهم - كما سيأتي - \"مفهوم الموافقة\" لأن مدلول اللفظ في محل السكوت موافق لمدلوله في محل النطق، فما دلّت عليه العبارة وما دلّت عليه الدلالة: متوافقان في موجَب الحكم كما قدّمنا (^٥).\n_________\n(^١) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٣١).\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" (١/ ٧٣) مع \"شرحه\" لعبد العزيز البخاري.\n(^٣) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤١).\n(^٤) \"أساس البلاغة\" (ص ٢٣٥ - ٢٣٦)، وانظر: المادة في \"المصباح المنير\".\n(^٥) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٧٣)، \"التلويح\" (١/ ١٣٣).","vol":"1","page":421},{"text":"وهكذا اختلفت التسميات لهذا الطريق من طرق الدلالة على الحكم، باختلاف النظرة إلى الوجوه المتعددة والحيثيات.\n١ - ومما يذكر من أمثلة دلالة النص: ما يعطيه قول الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣].\nفإن عبارة النص في الآية تدل على تحريم التأفيف، وأن الواجب على الولد أن يستعمل مع الوالدين حسن الخلق، ولين الجانب، والاحتمال، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما قد يستثقل من مؤنهما: ﴿أُفٍّ﴾، فضلًا عما يزيد عليه، فالله ضيّق الأمر في مراعاتهما - كما قال الزمخشري - حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنقلت من المتضجر، مع موجِبات الضجر ومقتضِياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة (^١).\nوكل عارف باللغة العربية، يدرك أن المعنى الذي كان من أجله تحزيم هذا الأدنى من الكلام، وهو قول: ﴿أُفٍّ﴾ إنما هو الإيذاء والإيلام للوالدين، وأن المقصودَ من تحريم التأليف والنَّهر، كفُّ الأذى عنهما، ومراعاةُ حرمتهما.\nوهذا المعنى موجود في الضرب والشتم وما أشبه ذلك، فيتناولها النص وتعتبر حرامًا، فتعطى حكم التأفيف والنهر الذي ثبت بعبارة النص، ويكون ثبوت التحريم فيها بـ \"دلالة النص\".\nبل إن الشتم والضرب وما جرى مجراهما - من أي نوع من أنواع الأذى - تعتبر حرامًا بالأولى لأن الإيذاء - الذي أدركنا لغة أنه موجَب الحكم - موجود بشكل أوفى وأوضح في هذه الأمور، والنهي عن الأقل يحمل حتمية النهي عن الأكثر (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"الكشاف\" للزمخشري (٢/ ٥١٣).\n(^٢) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":422},{"text":"٢ - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥].\nفعبارة النص في الشطر الأول من الآية: تدل على أن فريقًا من أهل الكتاب يتصف بالأمانة، إلى حد أنه لو ائتُمن على قنطار، فإنه يؤديه.\nويفهم من ذلك بطريق الأولى وبمجرد المعرفة باللغة: أن هذا الفريق لو كان ما ائتمن عليه أقلَّ من القنطار، فإنه يؤديه، لأن من يكون أمينًا في الكثير، فهو في القليل أمينٌ بالأولى.\nوالشطر الثاني من الآية: يدل العبارة على أن فريقًا آخر من أهل الكتاب أنفسهم يتسم بالخيانة، حتى إنه لو ائتمن على دينار فإنه لا يؤديه إلى مَن ائتمنه.\nويفهم من ذلك بطريق دلالة النص، أن هذا الفريق الذي لا يؤدي أمانة الدينار، لو ائتمن على ما هو أكثر من دينار، لا يؤديه إلى مَن ائتمنه عليه بالطريق الأولى؛ لأن مَن سمته الخيانة في القليل، فهو خائن في الكثير بالأولى.\nوهكذا يكون معنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانتهم - وإن كانت كثيرة - وفيهم الخائن الذي لا يؤدي ما ائتمن عليه - وإن كان حقيرًا - ومَن كان أمينًا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومَن كان خائنًا في القليل، فهو في الكثير خائن بالأولى (^١).\n٣ - ومن أمثلة دلالة النص أيضًا قوله جلّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠].\nفهذا النص القرآني يدل بعبارته على أن أكل أموال اليتامى ظلمًا حرام،\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١٢ - ١١٣)، تفسير \"فتح القدير\" للشوكاني (١/ ٣٢٢).","vol":"1","page":423},{"text":"وسبب هذا التحريم الذي يتبادر بمجرد المعرفة باللغة، هو تهديد أموال اليتامى وإتلافها وتضيعها عليهم.\nوعلى هذا يتناول التحريم كل ما من شأنه تفويت هذا المال: من إحراقٍ، وتبديدٍ بأي نوع من أنواعه، وتقصير في المحافظة عليه من قبل ولي اليتيم؛ لأن ذلك يعتبر أكلًا ظالمًا لأموال اليتامى. فثبوت التحريم واقع من طريق دلالة النص، لأنها كلها تستوي مع ما ورد في الآية بأنها اعتداء على مال القاصر العاجز عن دفع الاعتداء.\n٤ - ومثل ذلك قوله تعالى في آية المحرمات من سورة النساء: (﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣].\nفإن عبارة النص واضحة في الدلالة على تحريم الزواج بالأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت.\nولقد يبدو لكل عالم بالوضع: أن سبب التحريم في هؤلاء النساء هو القرابة المقتضية لنوع خاص من الإعزاز والتكريم. وهذا السبب الموجب للحكم يبدو متوافرًا على شكل أوفى وأزيَد، في الجدّات، وبنات الأولاد، فإن العمات والخالات أولاد الجدات، وبنات الأولاد أقرب من بنات الإخوة والأخوات.\nفيكون النص الدال بعبارته على تحريم الزواج بالعمات والخالات، دالًّا بالأولى على تحريم الجدات، فيحرم الزواج بهن، حرمتَه بالعمات والخالات. كذلك يتناول التحريم بطريق دلالة النص: بنات الأولاد، ويحرم الزواج بهن حرمته بينات الأخوة وبنات الأخوات.\nوهكذا تناول النص بروحه ومعناه، محرماتٍ تبدو أوْلى من المحرمات المذكورات التي تناولتها العبارة.","vol":"1","page":424},{"text":"٥ - هذا وقد ضرب شمس الأئمة السرخسي لدلالة النص أمثلة من السنّة، قرر أن الأحكام فيها أُخذت من النصوص بطريق دلالة النص لا بطريق القياس.\n- كان من ذلك ما روي \"أن ماعزًا (^١) زنى - وهو محصن - فرُجم\" (^٢) فقد رُجم ماعز لأنه زنى وقد أُحصن، لا لأنه ماعز.\nقال شمس الأئمة: (وقد علمنا أنه ما رجم ماعز، إلا لأنه زنى في حالة الإحصان. فإذا ثبت هذا الحكم في غيره كان ثابتًا بدلالة النص لا بالقياس.\nوهكذا يرى شمس الأئمة أن النص على أن ماعزًا المحصن زنى فرُجم؛ كما تناول ماعزًا بعبارته، فهو يتناول أي إنسان يتوفر فيه المعنى الذي من أجله رُجم ماعز. وهو معنًى يرى السرخسي أنه يدرك بمجرد المعرفة باللغة ولا يحتاج إلى اجتهاد أو استنباط (^٣).\n_________\n(^١) هو ماعز بن مالك الأسلمي، قال ابن حبان: له صحبة. وهو الذي رُجم - كما في \"الصحيحين\" وغيرهما - في عهد النبي ﷺ، وفي بعض طرق حديثه أن النبي ﷺ قال: \"لقد تاب توبة لو تابها طائفة من أمتي لأجزأت عنهم\" وفي \"صحيح أبي عوانة\" و\"ابن حبان \" وغيرهما عن جابر أن النبي ﷺ لما رجم ماعز بن مالك قال: \"لقد رأيته يتحصص في أنهار الجنة\".\n(^٢) قصة ماعز ﵁ رواها - عن عدد من الصحابة: كابن عباس وأبي هريرة وزيد بن خالد وغيرهم - الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن حبان وأبو عوانة بروايات متعددة وألفاظ مختلفة، واتفق الشيخان على إحدى الروايات دون تسمية صاحب القصة. وفي رواية لأبي داود عن ابن عباس قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فاعترف بالزنا مرتين فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنى مرتين فقال: \"شهدتَ على نفسك أربع مرات، اذهبوا به فارجموه\".\nوفي رواية له أيضًا عن يزيد بن نعيم بن هزال قال لرسول ﷺ: \"إنك قد قلتَها أربع مرات فيمن ...... \".\nانظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٣١٧) \"فتح الباري\" مع \"الجامع الصحيح\" لابن حجر (١٢/ ١٨٠) طبعة الخشاب، \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني بتحقيق المؤلف (ص ١٨١ - ١٨٢).\n(^٣) انظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-267>بين ابن ملك والرهاوي:</span>\nغير أن ابن ملك ﵀ لم يُرضه هذا المثال، واعتبره ضربًا من التكلف؛ وذلك لأن تناول الحكم لغير ماعز ثابت بعبارة نص آخر وهو ما روى البخاري في \"صحيحه\" عن عمر ﵁ أنه ﵇ قال: \"ألا وإن الرجم حق على مَن زنى وقد أحصن\"، وإذا ثبت ذلك: كان الأخذ بدلالة النص من التكلُّف.\nغير أن يحيى الرهاوي أجاب في حاشيته عما أورده ابن ملك، بأن الحديث الذي جاء به موقوف وليس بمرفوع، فهو جزء من خطبة لعمر ﵁ قرر فيها: \"أن رسول الله ﷺ قد رَجَمَ\".\nاللهم إلا أن يقال: إن الحديث الموقوف يؤخذ به، ويكون له حكم المرفوع في الأمور التوقيفية التي لا مجال للرأي فيها.\nوعلى أية حال: فلا مانع - كما يرى الرهاوي - أن يكون مرد الحكم إلى عبارة النص من جهة، وإلى دلالة النص من جهة أخرى. والسلف ﵃ لم يحصروا ثبوت الحكم في غير ماعز بطريق الدلالة، بل كان ذلك مثالًا مثَّلوا به لهذا النوع من طرق الدلالة على الأحكام (^١).\n_________\n(^١) راجع: \"المنار\" مع \"شرح ابن ملك\" و\"حاشية الرهاوي\" (١/ ٥٣١) هذا: ومما أورده السرخسي لهذه الأدلة من نصوص السنّة ما روي أنه ﵇ قال للمستحاضة: \"إنه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صلاة\" قال شمس الأئمة بعد أن ذكر الحديث: (ثم ثبت ذلك الحكم في سائر الدماء التي تسيل من العروق فيكون ثابتًا بدلالة النص).\nفهنا أيضًا يرى السرخسي ﵀: أن العلة في حكم الوضوء لكل صلاة الثابت بعبارة النص، هي أن الدم الذي سال هو دم عرق انفجر وهو دم الاستحاضة، واعتبر أن هذه العلة تدرَك باللغة، وما دام الأمر كذلك، فما ثبت في سائر الدماء التي تسيل من العروق، ثبت بدلالة النص.\nراجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، وانظر مزيدًا من الأمثلة هناك وفي \"كشف الأسرار\" شرح النسفي لكتابه \"المنار\" (١/ ٢٥٥)، وانظر لحديث المستحاضة: \"نصب الراية \" للزيلعي (١/ ٢٠٣)، \"مجمع الزوائد\" للحافظ الهيثمي (١/ ٢٨٠)، \"تخريج أحاديث البزدوي\" لابن قطلوبغا (لوحة ٤٧) مخطوطة دار الكتب المصرية وقد حققتهُ بالاشتراك، وهو تقريبًا في طريقه إلى الطبع - إن شاء الله -.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type='title' id=toc-268>المطلب الثاني مدلول دلالة النص</span>\n<span data-type='title' id=toc-269>أولًا - دلالة النص بين القطعية والظنية:</span>\nأ - لا يكاد الباحث يجد عند المتقدمين من الأصوليين، كالبزدوي والسرخسي: ما يُشعر بتقسيم دلالة النص إلى قطعية وظنية؛ بل إن كلًا من فخر الإسلام وشمس الأئمة قد عرض للحكم الثابت بهذه الدلالة، دون أن يصفه بالقطع أو الظن، وكان المهم عندهما تحديد الفارق بينها وبين القياس.\nففي دلالة النص: يدرك المعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت بمجرد معرفة اللغة، بينما لا بد لإدراك العلة بين المقيس والمقيس عليه في القياس من صفة القدرة على الاستنباط.\nوقد أفاض السرخسي في الأمثلة من نصوص الكتاب والسنّة وبيان مدلولاتها من الأحكام، وتأكيد أن هذه الأحكام ثبتت بدلالة النص ولم تثبت بالقياس.\nوإذا كان مجرد العلم باللغة كافيًا لإدراك العلة التي يمكن أن تجمع بين المنطوق والمسكوت عنه في دلالة النص، لقد كان حريًا أن يكشف البزدوي والسرخسي النقاب عن هذه الفكرة التي لزم عنها أن دلالة النص يشترك في فهمها حتى غير الفقهاء، بينما لا يستطيع كشف العلة في القياس إلا الفقهاء والمستنبطون. هذه هي النقطة الأساسية التي عُني بإيضاحها - كما قدّمنا - أولئك العلماء، ألا وهي تحديد الفارق بين دلالة النص وبين القياس، أما كون هذه الدلالة قطعية أو ظنية: فهم لم يُعنَوا بهذا الأمر.\nب - غير أنا نجد عند بعض المتأخرين تقسيم دلالة النص إلى قطعية وظنية.","vol":"1","page":427},{"text":"نرى ذلك مثلًا عند عبد العزيز البخاري من رجال المائة الثامنة للهجرة، كما نراه عند الكمال بن الهمام من رجال المائة التاسعة (^١)، ومن تابعهما في هذه الطريق.\n١ - فالقطعية: هي ما قطع فيها بموجَب الحكم المنصوص عليه؛ فوجوده يكون كذلك في المسكوت عنه الذي يراد تعدية الحكم إليه.\n٢ - أما الظنية: فهي التي لم يقطع فيها بموجَب الحكم المنصوص عليه، أو لم يمكن القطع بوجوده في المسكوت عنه، لاحتمال أن يكون غيره هو المقصود.\nولقد كان مرد القطعية والظنية عندهم، أن المعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت في الأولى معلوم قطعًا، بينما نراه في الثانية، وهو في حالة احتمال أن يكون غيرُه هو المقصود (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-270>من دلالة النص القطعية:</span>\n١ - ويمكن التمثيل لدلالة النص القطعية بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣].\nفدلالة النهي عن التأفيف، على تحريم إيذاء الوالدين بأي لون من ألوان الإيذاء، كالضرب، والشتم دلالة قطعية، لأنها تُعلم على سبيل اليقين، ويساعدنا في ذلك الأمر بالإحسان في صدر الآية.\nذلك لأن المعنى المقصود في تحريم التأفيف والنهر المنصوص عليهما،\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٧)، \"التحرير مع التقرير والتحبير\" (١/ ١١٣ - ١١٥).\n(^٢) قال الشيخ عبد العزيز البخاري بعد أن تحدّث عن العلة وهي المعنى المقصود: (ثم إن كان ذلك المعنى المقصود معلومًا قطعًا كما في تحريم التأفيف: فالدلالة قطعية، وإن احتمل أن يكون غيره هو المقصود كما في إيجاب الكفارة على المفطر بالأكل والشرب: فهي ظنية) \"كشف الأسرار\" على \"أصول البزدوي\" (١/ ٧٣).","vol":"1","page":428},{"text":"إنما هو الإيذاء، ولا شك أن تحقق هذا المعنى في أمثال الضرب والشتم من أنواع الأذى من الوضوح بمكان.\n٢ - ومثل ذلك ما رأيناه في الحديث عن أهل الكتاب من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥].\nفإنا نحكم بقطعية الدلالة في الشطر الأول من الآية حين دلّت على تأدية ما دون القنطار، وذلك لأنا نقطع بأن الأمانة هي المعنى المقصود في تأدية ما دون القنطار المسكوت عنه؛ فإن مَن يكون أمينًا في الكثير ويؤديه إلى صاحب الحق متى طلب منه، فهو في القليل وأدائه عند الطلب أمين على وجه القطع بالأولى.\nوما قيل في شطر الآية الأول، يقال في شطرها الثاني، على اختلاف في المعنى بين الأمانة والخيانة.\nوهكذا توافر في المثالين المذكورين ما جعلنا نحكم بأن دلالة النص قطعية في كل منهما، إذ إن المعنى المقصود الذي اشترك فيه المنطوق والمسكوت، معلوم على سبيل القطع.\n\n<span data-type='title' id=toc-271>من دلالة النص الظنية:</span>\nومثال الدلالة الظنية: إيجاب الكفارة بالأكل أو الشرب عمدًا في نهار رمضان بدلالة النص، بعد أن ثبت وجوبها بالوقاع فيه عمدًا بعبارة النص.\nفقد ذهب إلى ذلك الحنفية، والمالكية؛ وهو المحكي عن عطاء، والزهري، والحسن، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق.\nأما الشافعي وأحمد: فلم يوجبا الكفارة بذلك. وهو قول سعيد بن والنخعي، وابن سيرين، وحماد (^١).\n_________\n(^١) راجع: \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ١١٥)، \"فتح القدير\" (٢/ ٦٨ - ٧٠)، \"المهذب\" للشيرازي (١/ ١٨٢) \"الموطأ\" مع شرحه \"المنتقى\" للباجي (٢/ ٥١ - ٥٢).","vol":"1","page":429},{"text":"وبيان ذلك فيما رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة أن رجلًا جاء إلى النبي ﵊ فقال: هلكت يا رسول الله، فقال: \"وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: \"هل تجد ما تعتق رقبة؟ \" قال: لا، قال: \"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ \" قال: لا، قال: \"فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ \" قال: لا، قال: ثم جلس فأتيَ النبي ﷺ بعَرَق تمر، قال: \"تصدّق بهذا\" قال: فهل على أفقر منا، فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا؟ فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: \"اذهب فأطعمه أهلك\" (^١).\nفالحديث يدل بعبارة النص على وجوب الكفارة على مَن واقع عمدًا في نهار رمضان.\nوذلك واضح كل الوضوح فيما كان من النبي ﷺ مع هذا الرجل الذي قال له: هلكت، ومراده أنه واقع امرأته في نهار رمضان.\nوسبب هذا الحكم - كما يدرك بمجرد المعرفة باللغة - هي الجناية على الصوم وتفويت ركنه وهو الإمساك عن المفطرات التي منها الوقاع. وإن\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٦٩٤٤) و(٧٢٩٠) والبخاري (٢٦٠٠) و(١٧١٠) ومسلم (١١١١) وأبو داود (٢٣٩٠) و(٢٣٩١) والترمذي (٧٢٤) وابن ماجه (١٦٧١) والنسائي في \"الكبرى\" (٣١٠٢) كما أخرجه الدارقطني (٢٣٠٣) وغيرهم بألفاظ متقاربة. وقد ذكر السرخسي الحديث بزيادة \"وأهلكت\" وهي رواية للدارقطني (٢٣٩٨). ولكن هذه الزيادة فيها مقال محصّله أنها وردت من طريق الأوزاعي، ومن طريق ابن عيينة. وقد ذكر ابن حجر في \"الفتح\" نقلًا عن البيهقي أن جميع أصحاب الأوزاعي روى الحديث بدونها، كذلك ذكر الخطابي في \"المعالم\" أنها توجد في رواية أصحاب ابن عيينة عنه وإنما ذكروا قول الرجل: \"هلكت\" حسب. قال أبو سليمان: غير أن بعض أصحابنا حدثني أن المعلَّى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان، فذكر هذا الحرف فيه، وهو غير محفوظ، والمعلى ليس بذاك في الحفظ والإتقان، غير أن ابن الجوزي تعقب الخطابي بأنه لا يعرف أحدًا طعن في المعلى.\nراجع: \"معالم السنن\" (٢/ ١١٨)، \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ١٦)، \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٩)، \"فتح الباري\" (٥/ ١٢٢) طبعة الخشاب، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٢٢٧).","vol":"1","page":430},{"text":"الأكل والشرب عمدًا يتحقق فيهما هذا المعنى، فيثبت لكل منهما من طريق دلالة النص حكم الجماع المدلول عليه بعبارة النص.\nقال السرخسي: (وقد علمنا أنه لم يرد الجناية على البضع لأن فعل الجماع حصل منه في محل مملوك له، فلا يكون جناية لعينه، ألا ترى أنه لو كان ناسيًا لصومه، لم يكن ذلك منه جناية أصلًا، فعرفنا أن جنايته كانت على الصوم باعتبار ركنه الذي يتأدى به وقد علم أن ركن الصوم الكفُّ عن اقتضاء شهوة البطن وشهوة الفرج، ووجوبَ الكفارة للزجر عن الجناية على الصوم) (^١).\nغير أن عَدَّ سبب وجوب الكفارة تفويتَ ركن الصوم، وهو الكف عن المفطرات عمومًا، لم يمنع احتمالًا آخر وهو أن يكون السبب تفويتَ ركن الصوم بهذا المفطر بعينه وهو الوقاع؛ كما ذهب إلى ذلك سعيد بن جبير، والنخعي، وابن سيرين، وحماد، والشافعي، وأحمد.\nوهذا ما يجعل تلك العلة ثابتة على سبيل الظن. وبذلك تكون دلالة النص على وجوب الكفارة على من يأكل أو يشرب عمدًا في نهار رمضان: دلالة ظنية.\nولكن هذه الظنية، لم تمنع اعتبارها \"دلالة نص\"، وأخذَ الحكم عن طريقها؛ لأن الشرط في دلالة النص - كما أسلفنا - أن يكون المعنى الذي لأجله ثبت الحكم في المنصوص عليه: يدرَك بمجرد المعرفة باللغة، الفقيهُ وغير الفقيه في ذلك سواء. أما أن يكون الثابت بهذا المعنى في المسكوت عنه مما يعرفه أهل اللسان: فليس بشرط.\nوإذا كان الشافعي وأحمد ومن قال بقولهما، لم يوجبوا الكفارة، فلأن الأصل عدم الكفارة إلا فيما ورد الشرع به. وقد ورد الشرع بالكفارة في معناه، إذ العلة عندهم تفويت ركن الصوم بنوع خاص من المفطرات وهو الوقاع. والأكلُ والشربُ عمدًا لا يجتمعان معه في هذه العلة (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، \"مسلم الثبوت\" مع شرحه \"فواتح الرحموت\" (١/ ٤٠٩)، \"المنار\" وشروحه لابن ملك وحواشيه (١/ ٥٣٢).\n(^٢) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ١٨٢)، \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ١١٥). وانظر: \"كشف الأسرار شرح المصنف على المنار\" (١/ ٢٥٥ - ٢٦٦)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١٣).","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type='title' id=toc-272>رأينا في المسألة:</span>\nوالراجح عندنا أن الاعتماد على دلالة النص وحدها في أمر هذه الكفارة - وهي دلالة ظنية هنا - لا يدعو إلى القناعة والاطمئنان، خصوصًا وأن دلالة النص مرتبط أمرها باللغة والوضع، لا بالاستنباط والاجتهاد.\nلذا لم يرتض بعض الأصوليين من الحنفية عدّ مثل هذه الأحكام في الدلالات، فقد رأينا الميهوي في \"نور الأنوار\" بعد أن ذكر أن الشافعي لم يوجب الكفارة إلا بالجماع؛ لأن العلة عنده الجماع وليس إفساد الصوم قال: (ولهذا قالوا: إن عدّ مثل هذه الأحكام في الدلالة لا يحسن لأن الشافعي ﵀ لم يعرف هذا مع أنه من أهل اللسان، فكان ينبغي أن يعدّ في القياس، ثم قال: ومثل هذا كثير لنا وله) (^١).\nنذكر هذا، ونذكر معه أن المالكية والحنفية في واقع الأمر لم يعتمدوا على هذه الدلالة وحدها، وإنما كانت من جملة الأدلة أو المؤيدات.\n١ - فلقد استدلّ الحنفية بما في \"الصحيحين\" عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ \"أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يُطعم ستين مسكينًا\".\nوقد ردّ ابن الهمام في \"فتح القدير\" على القول بأن المراد في الحديث الجماع - كما جاء مفسَّرًا برواية من نحو عشرين رجلًا -: بأن وجه الاستدلال به تعليق الكفارة بالإفطار في عبارة الراوي - وهو أبو هريرة ﵁ -؛ إذ أفاد أنه فهم من خصوص الأحوال التي يشاهدها في قضائه ﵊، أو سمع ما يفيد أن إيجابها عليه باعتبار أنه إفطار، لا باعتبار خصوص الإفطار فيصح التمسك به (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"نور الأنوار\" للميهوي (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(^٢) انظر: \"فتح القدير\" لابن الهمام، \"شرح الهداية\" (٢/ ٧٠) هذا وقد أورد صاحب \"فتح القدير\" رواية أخرى للحديث هي من مراسيل سعيد بن المسيب. ومراسيل سعيد مقبولة حتى عند الشافعي الذي لا يدقق في قبول المرسل. أما الحنفية: فالمرسل حجة عندهم مطلقًا، فتكون هذه الرواية من مراسيل سعيد حجة بجانب رواية أبي هريرة الآنفة الذكر على التوجيه الذي رأيناه. راجع: \"الهداية\" و\"العناية\" مع \"فتح القدير\" (٢/ ٧٠) فما بعدها.","vol":"1","page":432},{"text":"وبعد الآثار، يأتي دور دلالة النص في استدلال الفقهاء، فيحاول ابن الهمام - صنيعَ صاحب الهداية - أن يبرهن على أن وجوب الكفارة بالأكل والشرب عمدًا في نهار رمضان: ثابت بدلالة النص ثبوتَه في الجماع بعبارة النص (^١).\nب - أما عن المالكية: فقد جاء في \"الموطأ\" ذكر رواية أبي هريرة التي تعلق الكفارة بالإفطار، وذكر صاحب \"المنتقى\" أن رواة الحديث اختلفوا فذكر أصحاب \"الموطأ\" وأكثر الرواة عن مالك: \"أن رجلًا أفطر في رمضان\" وخالفهم جماعة من الرواة فقالوا: \"إن رجلًا أفطر بجماع\" وعلى هذا فهناك رواية معترَف بها عن مالك، تربط الكفارة بالإفطار لا بإفطار مخصوص هو الجماع (^٢).\nغير أن شرّاح \"الموطأ\" لم يقتصروا في الاستدلال على هذه الرواية، ولكن فهموا أن العلة في وجوب الكفارة هي هتك حرمة الشهر، وذلك متوافر في الطعام والشراب عمدًا توافُره في الجماع، وهذا ما سمّاه الحنفية \"دلالة النص\".\nولقد عدّ المالكية المفطرات من أكل، وشرب، ووقاع، وخروج دم، وحيض … إلخ، ونقلوا عن مالك أن غير المعذور تلزمه الكفارة بها كلها، على أي وجه وقع فطره من العمد والهتك لحرمة الصوم.\nقال صاحب \"المنتقى\": (والدليل على ما نقوله: أن هذا قصَد إلى\n_________\n(^١) قال في \"فتح القدير\" (٢/ ٧١) بعد ذكر الآثار: (وأيضًا دلالة نص الكفارة بالجماع تفيده؛ للعلم بأن من عَلِمَ استواء الجماع والأكل والشرب في أن ركن الصوم الكف عن كلّها، ثم علم لزوم عقوبة على مَن فوّت الكف عن بعضها: جزم بلزومها على مَن فوّت الكف عن البعض الآخر حكمًا؛ لأن العلم بذلك الاستواء غير متوقف فيه على أهلية الاجتهاد، أعني بعد حصول العلمين: يحصل العلم الثالث، ويفهم كل عالم بهما أن المؤثر في لزومها تفويت الركن لا خصوص ركن).\nوانظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢١٧) وراجع: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (٢٤٠ - ٢٤٤)، \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤٣).\n(^٢) راجع: \"الموطأ\" مع شرح \"المنتقى\" (٢/ ٥١ - ٥٢).","vol":"1","page":433},{"text":"الفطر وهتك حرمة الصوم بما يقع به الفطر، فوجبت الكفارة كالمجامع) (^١).\nوهكذا نرى أن الحنفية والمالكية، لم يكن اعتمادهم فيما جنحوا إليه: دلالة النص وحدها، أو التعليل بالهتك فقط - كما عبّر المالكية - وإنما أسعفتهم الرواية أيضًا؛ بل قدّموا الرواية على غيرها في الاستدلال، حين رتِّبوا ما استدلوا به على الحكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-273>ثانيًا: ثبوت العقوبات والكفارات بدلالة النص:</span>\nوعلى كل فمهما يكن الأمر في مسألة وجوب كفارة الأكل والشرب عمدًا في رمضان، فإن الحنفية بشكل عام يثبتون الحدود والكفارات بدلالة النص وإن كانوا لا يثبتونها بالقياس.\nولكن حين تكون دلالة النص ظنية، يكون هناك مجال للاختلاف في الحكم الذي يثبت بها.\nلذا لم يقتصر الأمر على الخلاف بين الحنفية وغيرهم في هذا المجال، ولكن رأينا بعض النماذج التي وقع فيها الخلاف بين أئمة المذهب أنفسهم.\n١ - فالاختلاف على العلة في كفارة القتل الخطأ، جعل الشافعية يقفون في كفارة القتل العمد عند قولٍ، هو غير ما رآه الحنفية والمالكية والحنابلة.\nذلك بأن الشافعية رأوا أن العلة في وجوب الكفارة بالقتل الخطأ، إنما هي الزجر عن القتل، وذلك في القتل العمد أوْلى؛ فتجب في القتل العمد بدلالة النص.\nفإذا وجبت في الخطأ - وعنصر القصد إلى القتل غير متوافر - فلأنْ تجب في العمد - وعنصر العمد متوافر - أجدر وأحرى، وهو ما يناسب الزجر عن القتل وإزهاق الأرواح (^٢).\n_________\n(^١) \"المنتقى\" للباجي (٢/ ٥٢).\n(^٢) راجع: \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ٤٠٩)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١٣)، \"كشف الأسرار\" شرح المصنف على المنار (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).","vol":"1","page":434},{"text":"أما الحنفية والمالكية والحنابلة: فلم يروا وجوب الكفارة في القتل العمد؛ لأن العلة الموجبة لها في القتل الخطأ والتي تثبت بعبارة النص: إنما هي تدارك ما صدر من تهاون المخطئ وعدم تثبُّته، الأمر الذي أدى إلى إهلاك النفس المحترمة المعصومة. وليست الكفارة زجرًا؛ لأن المخطئ غير آثم واعتبار المأثم فيه ساقط.\nفالعلة التي توافرت في القتل الخطأ، لم تتوافر في القتل العمد؛ إذ إنه كبيرة محضة، والجريمة فيه أقوى من الجريمة في القتل الخطأ، ولا يلزم من تدارك التهاون بالكفارة، صلاحيتها لتدارك ما هو الأقوى.\nوما يُتدارك به الأخف، لا يصلح أن يُتداركَ به الأقوى، خصوصًا والخطأ لا مأثم فيه كما قدّمنا (^١).\nقال شارح \"مسلم الثبوت\": (ولا يلزم من محو شيء ذنبًا: محوُه ما هو أعلى منه، كيف ونفس الخطأ لا ذنب فيه) (^٢).\nوهكذا اختلف الحكم في القتل العمد، باختلاف العلة التي من أجلها رأى الأئمة وجوب الكفارة في القتل الخطأ.\n٢ - ومثل هذا الاختلاف في هذه العلة، حصل الاختلاف في العلة التي أوجبت كفارة اليمين المنعقدة (^٣) التي ثبتت بعبارة النص في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ\n_________\n(^١) راجع: \"تبيين الحقائق شرح الكنز\" للزيلعي، و\"حاشية الشلبي\" (٦/ ٩٩ - ١٠٠)، \"شرح القدوري\" (ص ٣٢٣)، \"المقنع\" لابن قدامة (٣/ ٤٣٠)، \"الرسالة\" للقيرواني (ص ١٠٨)، \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٢٧٨) قال الدسوقي: إنما لم تجب الكفارة في العمد ووجبت في الخطأ، مع أن مقتضى الظاهر العكس، لأنهم رأوا أن العامد لا تكفيه الكفارة لجنايته، لأنها أعظم من أن تكفَّر كما قالوا في اليمين الغموس.\n(^٢) راجع: (١/ ٤٠٩) مع \"فواتح الرحموت\"، \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤٣)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١٣)، \"المنار\" وشروحه (١/ ٥٣٣).\n(^٣) مرّ بنا فيما سبق أن اليمين المنعقدة هي الحلف على أمر في المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وإذا حنث الحالف لزمته الكفارة، وانظر: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٤/ ٥).","vol":"1","page":435},{"text":"عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].\nونتيجة لهذا الاختلاف: افترق الشافعية والحنفية في شأن كفارة اليمين الغموس (^١).\nفالإمام الشافعي الذي يرى أن علة الكفارة في المنعقدة: هو الزجر؛ رأى وجوب الكفارة في اليمين الغموس؛ لأنها فيها أوْلى وأحرى.\nأما الحنفية: فلا يرون الزجر علة في اليمين المنعقدة، وإنما العلة تداركُ التهاون الذي صدر عنه انتهاك اسم الله تعالى، واليمين الغموس كبيرة لا يكفّرها - وهي الأقوى - ما كفَّر الأقل، وهو التهاون في اليمين المنعقدة، فلا تجب الكفارة في اليمين الغموس، كما لم تجب في كفارة القتل العمد حسبما قدّمنا آنفًا.\nهذا: ويرى الباحث أن الأمر بين الشافعية والحنفية في حكم اليمين الغموس، لم يقتصر الاحتجاج فيه على دلالة النص وحدها.\nفقد جاء في \"السنن الكبرى\" للبيهقي (قال الشافعي: فإن قال: وما\n_________\n(^١) اليمين الغموس: أن يحلف على أمر أنه كان ولم يكن، أو على أمر أنه لم يكن وكان. وفي \"الهداية\": (فالغموس هو الحلف على أمر ماض يتعمد الكذب فيه) قال ابن الهمام: وسميت غموسًا لغمسها صاحبها في الإثم في النار، وفي \"صحيح ابن حبان\" من حديث أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَن حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم حرَّم الله عليه الجنة، وأدخله النار\". وفي \"الصحيحين\" البخاري (٢٤١٦) مسلم (١٣٨): \"لقي الله وهو عليه غضبان\". وفي \"سنن أبي داود\" (٣٢٤٣) من حديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَن حلف على يمين مصبورة كاذبًا فليتبوأ مقعده من النار\" والمراد بالمصبورة: الملزمة بالقضاء والحكم، أي المحبوس عليها، لأنها مصبور عليها. وقيل للشعبي: ما اليمين الغموس؟ قال: يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها كاذب. وهذه اليمين الغموس من الكبائر، وذلك لما ثبت في \"صحيح البخاري\" من حديث ابن عمر ﵄: أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: \"الشرك بالله\"، قال: ثم ماذا؟ قال: \"عقوق الوالدين\" قال: ثم ماذا؟ قال: \"اليمين الغموس\". وانظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ١٢٨) \"الهداية\" مع \"فتح القدير والعناية\" (٤/ ٣ - ٤).","vol":"1","page":436},{"text":"الحجة في أن يكفّر وقد عمد الباطل؟ قيل: أقربها قول النبي ﷺ: \"فليأتِ الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه\" فقد أمره أن يعمد الحنث) فقد اعتمد الشافعي الحديث في الأمر بعمد الحنث واستدل به على التكفير. والحديث رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم: \"إذا آليت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأتِ الذي هو خير وكفّر عن يمينك\" (^١).\nولقد ردّ ابن التركماني (^٢) صاحب \"الجوهر النقي\" بأن الله أوجب الكفارة في اليمين المعقودة على مستقبل يمكن فيه الحنث والبر، والغموس ليست كذلك، لأنها على ماض ليس فيه أمر ينتظر فيه الحنث أو البر.\nوقوله ﷺ: \"فليأتِ الذي هو خير\" ورد فيمن سبق منه يمين متعقدةٌ يجب عليه الكفارة إذا حنث فيها بالنص، ولما كانت على معصية أمره الشارع بالحنث فيها، فعمدُ الحنث فيها مأمور به، وعمد الغموس منهي عنه؛ فكيف يقاس على تلك؟ ثم ذكر ﷺ عن ابن مسعود عدم القول بالكفارة في الغموس، ونقل عن كتاب \"الأشراف\" لابن المنذر عن الحسن مثل ذلك، ثم قرر أنه قول مالك والأوزاعي، والثوري، ومَن تبعهم، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي، وأنه لا دليل من كتاب أو سنّة على القول بالكفارة وأن اليمين التي يقتطع بها حرام أعظم من أن تكفر (^٣).\n٣ - ومما اختلف فيه أئمة الحنفية أنفسهم: حكم اللواطة.\n_________\n(^١) راجع: \"سنن البيهقي\" (١٠/ ٣٦ - ٣٨).\n(^٢) هو علي بن عثمان بن إبراهيم أبو الحسن المارديني الشهير بابن التركماني، من أهل مصر، كان من قضاة الحنفية ومن علماء الحديث واللغة. من مصنفاته: \"المنتخب\" في علوم الحديث، \"تخريج أحاديث الهداية\" و\"الجوهر النقي في الرد على البيهقي\" وهذا الكتاب مطبوع بالهند بحاشية \"سنن البيهقي\" في عشرة أجزاء. وقد صورت الطبعة الهندية الآن في بيروت. توفي ﵀ سنة ٧٥٠ هـ.\n(^٣) انظر: \"الجوهر النقي\" لابن التركماني (١٠/ ٣٨) المطبوع مع \"السنن الكبرى\" للبيهقي.","vol":"1","page":437},{"text":"فبينما يَرى أبو حنيفة التعزيز في حق مرتكب هذه الجريمة، يرى أبو يوسف ومحمد بن الحسن أن عمل قوم لوط هو بمنزلة الزنى، وأن على المرتكب حد الزاني، وهو رأي الإمام الشافعي (^١).\nوأبو يوسف ومحمد يوجبان حد الزنى في اللواطة: بدلالة النص، لأن العلة التي كانت مناط وجوب الحد في الزنى: سفح الماء في محل محرم مشتهى. وهذا المعنى أكثر توفرًا في اللواطة، فالحرمة فيها أبلغ وإنما تبدل اسم المحل؛ فيثبت حد اللواطة بدلالة النص.\nفقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] يدل بطريق العبارة على حد الزاني والزانية، ويدل بطريق الدلالة على ثبوت الحد نفسه للِّواطة.\nأما الإمام أبو حنيفة: فيرى - كما نقل عنه - أن المناط في الزنى هلاك نفس معنًى وحكمًا، لأن الولد الذي يتخلق من السفاح هو في حكم المعدوم من عدة وجوه: منها ضياع النسب، وعدم وجود المسؤول عن الإنفاق، وهذا غير متوافر فيما نحن فيه؛ لأن الموضع ليس موضع حرث، إلى جانب أن الشهوة في الزنى ثابتة من الطرفين بخلافها في اللواطة، وأن هذا مما تنفر منه الطباع السليمة. ولذلك لم يرَ وجوب الحد وإنما أوجب التعزير.\nوالذي يبدو أن الجزم بحد الزنى في اللواطة من طريق دلالة النص، مما لا تطمئن إليه النفس، خصوصًا وأن الحد مشروع زجرًا، وذلك يكون عند دعاء الطبع من الجانبين وهو - كما قدّمنا - غير متوافر هنا. وفي باب العقوبات تعتبر صفة الكمال لما في النقصان من شبهة العدم، ودرء الحدود بالشبهات أمر معروف في الشريعة ومطلوب. والمفروض بما يؤخذ من\n_________\n(^١) يرى مالك والليث الرجم، محصنًا كان المجرم أو غير محصن، وهو رواية عن أحمد. والذي ذهب إليه الصاحبان والشافعي: هو قول عثمان البتي والحسن بن صالح، والحسن، وإبراهيم وعطاء، وهو رواية أخرى عن أحمد أيضًا. راجع: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٠٣)، \"المغني\" (٨/ ١٨٦ - ١٨٧)، \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٦٨)، \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٤/ ٣١٤) فما بعدها. \"الهداية مع فتح القدير والعناية\" (٤/ ١٥٠ - ١٥١).","vol":"1","page":438},{"text":"طريق دلالة النص أن يفهم بمجرد المعرفة باللغة (^١).\nولكن عند القائلين بالحد - إلى جانب دلالة النص - قوله ﵊: \"إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان\" (^٢) ولقد أشرنا فيما سبق إلى أن هنالك من قال بالقتل حدًا للواطة؛ محصنًا كان المجرم، أو غير محصن.\nوكان من أدلة المذهب قوله ﵊ فيما رواه أبو داود: \"مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به\"، وفي لفظ: \"فارجموا الأعلى والأسفل\" (^٣).\nوإذا عدنا إلى مواطن تفصيل ذلك في كتب الأحكام، وجدنا اعتمادًا على الأدلة من النصوص، وتقويمًا مرموقًا لمدلول التهويل من شأن هذه الجريمة في القرآن الكريم، حين ذكرها بمعرض الحديث عن الأخلاق الشاذة والسلوك المنحرف عند قوم لوط، وفي الأحاديث الواردة في تحريمها والتشنيع على فاعليها (^٤).\nقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\": (وما أحقَّ مرتكب هذه الجريمة ومقارف هذه الرذيلة الذميمة، بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين ويعذب تعذيبًا يكسر شوكة الفسقة المتمردين.\n_________\n(^١) ومن هنا رأينا بعض العلماء أمثال صدر الشريعة والتفتازاني: لم يُرضهم اعتبار حد القتل بالمثقل مما يجب بدلالة النص، لأن المعنى الموجب ليس مما يُفهم لغة بل رأيًا، فهو من قبيل القياس، ولما لم يكن مثبتًا للحد والقصاص - كما يقول السعد - ادّعوا فيه دلالة النص. راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤٣)، \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ٤٠٩ - ٤١٠)، \"كشف الأسرار شرح المصنف على المنار\" (١/ ٢٥٧)، \"التوضيح والتلويح\" (١/ ١٣٦).\n(^٢) أخرجه البيهقي من حديث أبي موسى، وراجع: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٨٨)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٢٢).\n(^٣) وراجع: \"المغني\" (٨/ ١٨٨)، \"المنتقى\" مع \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٢٢ - ١٢٤).\n(^٤) انظر مثلًا الآيات: ٧٧ - ٨٣ من سورة هود، ٦١ - ٧٧ من سورة النحل، ١٦٠ - ١٧٥ من سورة الشعراء، ٣٢ - ٣٩ من سورة القمر. وانظر: \"مجمع الزوائد\" للحافظ الهيثمي (٩/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٢٢ - ١٢٤)، \"بلوغ المرام مع سبل السلام\" (٤/ ١٣ - ١٤).","vol":"1","page":439},{"text":"فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصْلى من العقوبة ما يكون في الشدة والشناعة مشابهًا لعقوبتهم. وقد خف الله تعالى بهم واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيّبهم) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-274>تعارض دلالة النص مع الإشارة:</span>\nعرضنا عند البحث في إشارة النص ما يتعلق بحكمها من اتجاهات، وأوضحنا أن الأكثرين على القول بقطعيتها، وقد ترد ظنية.\nوتبين مما سبق: أن حكم دلالة النص هو حكم إشارة النص؛ فيكون الثابت بها كالثابت بالإشارة؛ لأن في كليهما أخذًا بمعقول النص وروحه ومفهومه من ناحية الوضع اللغوي، لا من ناحية الرأي والاستنباط.\nوإذا كانت الإشارة تتَّسم بالقطعية وقد تكون ظنية، فكذلك: دلالة النص، تلك الدلالة التي رأينا المتأخرين يقسمونها إلى قطعية وظنية، وقد مرّ بنا نماذج عن مدلولاتها في حالتَيْ قطعيتها وظنيّتها (^٢).\nإلا أنه في حالة تعارض دلالة الإشارة مع دلالة النص، تقدّم الإشارة على الدلالة: لأن الإشارة تدل على الحكم باللفظ نفسه وصيغته، وإن كان ذلك بطريق الالتزام.\nأما دلالة النص: فقد مرّ بنا أن دلالتها على الحكم، مردها معرفة المناط الذي كان موجب الحكم، وذلك عن طريق اللغة، فهي تدل باللفظ نفسه ولكن بواسطة المعنى الذي كان الموجب للحكم في عبارة النص، ومعرفة تحققه في المسكوت عنه.\nوهكذا تكون دلالة الإشارة: دلالة مباشرة عن طريق الالتزام، ودلالة النص: دلالة بواسطة المعنى الذي كان مناط الحكم. وما يدل بلا واسطة أقوى مما يدل بواسطة، فترجحت الإشارة على الدلالة عند التعارض.\nوقد عبّر عن ذلك ابن ملك في شرحه \"المنار\" بأن (الإشارة وجد فيها\n_________\n(^١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٢٤).\n(^٢) راجع ما سبق (ص ٤٢٧).","vol":"1","page":440},{"text":"النظم والمعنى اللغوي، والدلالة لم يوجد فيه إلا المعنى اللغوي وعند المعارضة يتقابل المعنيان فيبقى النظم في الإشارة سالمًا عن المعارضة فيحصل الترجيح) (^١).\nومما يمكن التمثيل به لهذا التعارض أن الشافعية - كما تقدّم في حينه - أثبتوا وجوب الكفارة في القتل العمد عن طريق دلالة النص في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] لأنها - كما قالوا - لما وجبت في القتل الخطأ مع قيام العذر، كان وجوبها بالقتل العمد أوْلى (^٢).\nوقال الحنفية: لئن سلّمنا بوجوب الكفارة في القتل العمد بدلالة النص، إلا أن هذه الدلالة تعارضها الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].\nفإن هذا النص يدل بطريق الإشارة - كما أسلفنا - على عدم وجوب الكفارة على القاتل المعتدي، وقد فهم ذلك من الاقتصار على هذا الجزء في مقام البيان، مما أفاد الحصر، فتعارضت الدلالة التي توجب الكفارة، مع الإشارة التي لا توجبها، فقدّم الأقوى - وهو الإشارة - وحكمنا بعدم وجوب الكفارة في القتل العمد (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-275>من دلالة النص في القانون:</span>\n١ - نصت المادة /١١٤١/ فقرة أولى \"ح\" من القانون المدني المصري على اعتبار النفقة المستحقة للأقارب في الأشهر الستة الأخيرة: من الحقوق الممتازة.\nفدلت عبارة النص على نفقة الأقارب، أما نفقة الزوجة: فلم تأتِ المادة على ذكرها، غير أن امتياز نفقة الزوجة يمكن استنباطه من طريق دلالة النص؛ لأن العلة في المنطوق - وهو الأقارب - والمسكوت عنه - وهو الزوجة -\n_________\n(^١) راجع: \"المنار وشرحه\" لابن ملك (١/ ٥٢٩).\n(^٢) انظر ما سبق (ص ٤٠٦ - ٤٠٧).\n(^٣) راجع: \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ٩٠٤) \"المنار وشرحه\" لابن ملك (١/ ٥٢٩)، \"كشف الأسرار شرح المصنف على المنار\" (١/ ٢٥٣) فما بعدها.","vol":"1","page":441},{"text":"واحد، بل يمكن القول بأن هذا الحكم يثبت لنفقة الزوجة من باب أولى.\n٢ - جاء في المادة من القانون المدني المصري أن \"على المؤجر أن يتعهد العين المؤجرة بالصيانة لتبقى على الحالة التي سلَّمت بها وأن يقوم في أثناء الإجارة بجميع الترميمات الضرورية دون الترميمات التأجيرية\".\nفتدل عبارة النص في هذه المادة: على أن الترميمات التأجيرية لا يكلف بها المؤجر، والمعنى الذي كان من أجله عدم التكليف هو الضرر، وهو أمر يدرك بمجرد المعرفة باللغة، وهذا المعنى متوافر في تكليف المؤجر بإحداث غرفة، بشكل أقوى.\nفيؤخذ من طريق دلالة النص: عدم تكليف المؤجر بإحداث غرفة في العين المستأجرة لوجود سبب الحكم المنطوق في المسكوت بشكل أقوى.\n٣ - وفي قانون العقوبات المصري نصت المادة على أن \"المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، ولزوجها حق إيقاف تنفيذ العقوبة برضائه معاشرتها\".\nفيؤخذ من المادة المذكورة بطريق دلالة النص، أن للزوج إيقاف السير في دعوى الزنى قبل الحكم فيها، لأن من ملك بمنطوق النص وقف تنفيذ الحكم بعد صدوره، يملك بالأولى وقف إجراءات الدعوى.\n٤ - كذلك جاء في المادة من القانون المذكور: أن \"مَن فاجأ زوجته حالة تلبُّسها بالزنى وقتلها هي وشريكها في الحال، يعاقب بالحبس بدلًا من عقوبة الجناية\".\nفيفهم من المادة المذكورة بدلالة النص، أن الزوج لو ضرب زوجته المتلبسة بالزنى هي ومن يزني بها ضربًا أحدث عاهة مستديمة اعتبرت جريمته جنحة لا جناية؛ لأن هذا أوْلى بالتخفيف من جريمة القتل نفسها التي دلّت على التخفيف فيها عبارة النص (^١).\n_________\n(^١) وانظر: \"أصول الفقه\" للشيخ زكريا البرديسي (ص ٣٧٢ - ٣٧٣)، \"المدخل للعلوم القانونية\" لأستاذنا الدكتور البدراوي (ص ٢٢١ - ٢٢٢).","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>المبحث الرابع دلالة الاقتضاء</span>\nفي حديثنا عن هذه الطريق من طرق الدلالة نعرض لماهية دلالة الاقتضاء، ثم لعموم المقتضى، وما ترتب على الاختلاف فيه، ومن بعد: نأتي على مدلول دلالة الاقتضاء. وسنرى ذلك في المطالب التالية:\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-277>المطلب الأول ماهية دلالة الاقتضاء</span>\nإذا كان صدق الكلام أو صحتُه الشرعية أو العقلية، تتوقف على معنًى خارج عن اللفظ، قيل للدلالة على هذا المعنى المقدَّر: \"دلالة اقتضاء\"، لأن استقامة الكلام تقتضي هذا المعنى وتستدعيه.\nوالحامل على التقدير والزيادة: هو \"المقتضِي\".\nوالمزيد: هو \"المقتضَى\".\nوالدلالة على أن هذا الكلام لا يستقيم إلا بذلك التقدير والزيادة: هو \"الاقتضاء\".\nوما ثبت به هو \"حكم المقتضَى\".\nلذا فمن الممكن أن نعرّف دلالة الاقتضاء بأنها: (دلالة الكلام على معنًى يتوقف على تقديره صدق الكلام، أو صحته شرعًا أو عقلًا).","vol":"1","page":443},{"text":"وقد قال صاحب \"التلويح\": (الاقتضاء دلالة اللفظ على معنًى خارج يتوقف عليه صدقه أو صحته الشرعية أو العقلية) (^١).\nوهكذا لم تكن الدلالة على الحكم في هذا النوع من طرق الدلالة: بالصيغة أو بمعناها، بل بأمر زائد اقتضاء صدق الكلام، أو صحته.\nهذا: والمعنى الذي يتوقف صدق الكلام أو صحته على تقديره، هو عند عامة الأصوليين من الحنفية، وجميع أصحاب الشافعي، وجميع المعتزلة على ثلاثة أقسام (^٢):\n١ - ما وجب تقديره ضرورة صدق الكلام؛ كما في قوله ﷺ فيما رواه ابن عباس: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه\" (^٣).\nفإن الخطأ والنسيان لم يُرفعا، بدليل وقوع الأمة في كل منهما، وكذلك رفع العمل بعد وقوعه محالٌ. مع أن ظاهر النص يفيد أن الخطأ والنسيان وما استكرهت عليه الأمة موضوع عنها.\nوعلى هذا: فلا بد لصدق هذا الكلام - وهو واقع من الرسول المعصوم ﵇ من تقدير محذوف، بأن تقول: \"وضع إثم الخطأ … أو حكمه\". وبهذا التقدير يتفق الكلام مع الواقع ولا يخالفه.\n٢ - ما وجب تقديره ضرورة صحة الكلام عقلًا كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف: ٨٢].\nفإن هذا الكلام لا يصح عقلًا إلا بتقدير: (واسأل أهل القرية) لأن السؤال للتبيين، وإذا كان كذلك فالمسؤول يجب أن يكون من أهل البيان، فاقتضى الكلام تقدير (الأهل) ليصح ويستقيم (^٤).\nوكما في قوله جلّ وعلا: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾ [العلق: ١٧] فهذا الكلام لا يصح\n_________\n(^١) راجع: \"التلويح مع التوضيح\" (١/ ١٣٧).\n(^٢) راجع: \"كشف الأسرار على أصول البزدوي\" (١/ ٧٦).\n(^٣) انظر الكلام عن هذا الحديث في (ص ٢٨٧) مما سبق.\n(^٤) قال الزمخشري: (معنى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾: أرسل إلى أهلها فسلهم عن كنه القصة).\nراجع: \"الكشاف\" (٢/ ٣٨٨). وانظر: تفسير \"فتح القدير\" للشوكاني (٣/ ٤٤).","vol":"1","page":444},{"text":"عقلًا، لأن النادي - وهو المكان - لا يدعى لذلك كان لا بد من مقدّر يستقيم به الكلام، وذلك المقدَّر هو (أهل) ويكون تقدير الآية (فليدع أهل ناديه) وبذلك يصح الكلام ويستقيم (^١).\n٣ - ما وجب تقديره ضرورة صحة الكلام شرعًا.\nومثاله: الأمر بالتحرير في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الذي هو في معنى الأمر، أي فحرروا رقبة.\nفهذا الأمر مقتضٍ للملك؛ لأن تحرير الحر لا يتصور، وكذا تحرير ملك الغير عن نفسه. فملك الرقبة ثابت بالنص اقتضاءً. فصار التقدير: (فتحرير رقبة مملوكة) (^٢).\nومن ذلك قول الإنسان لمن يملك عبدًا: \"أعتق عبدك عني بألف … \" مثلًا، فإن هذا يدل اقتضاءً على شراء عبده منه؛ لأنه لا ينوب عنه عتقه إلا بعد أن يتملكه منه بشرائه، فالشراء ثابت بنص هذه الصيغة اقتضاءً.\n\n<span data-type='title' id=toc-278>هذه الأنواع ودلالة الاقتضاء:</span>\nوهذه الأنواع الثلاثة المذكورة تدخل في دلالة الاقتضاء عند عامة الأصوليين من متقدمي الحنفية وأصحاب الشافعي ومَن تابعهم، ويسمى المقدَّر فيها - كما قدّمنا - مقتضى بوزن اسم المفعول؛ لأن صدق الكلام، أو صحته عقلًا أو شرعًا: اقتضاه.\nفهم جعلوا المحذوف من باب المقتضى، ولم يفصلوا بينهما.\nوقد قالوا في تحديد المقتضى - كما يذكر عبد العزيز البخاري -: هو جعل غير المنطوق منطوقًا لتصحيح المنطوق، وبهذا يشمل الجميع.\n_________\n(^١) انظر: \"مذكرات أصول الفقه\" للدراسات العليا في حقوق القاهرة للأستاذ الشيخ زكريا البرديسي (ص ١٦١).\n(^٢) راجع: \"كشف الأسرار مع البزدوي\" (١/ ٧٦)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٤٠)، \"التيسير\" مع \"التقرير والتحير\" (١/ ١١٠) وانظر: \"علم أصول الفقه\" لخلاف (١٧٤ - ١٧٥).","vol":"1","page":445},{"text":"ففي الأمثلة السابقة على رأي الجمهور تكون دلالة الجملة في: \"إن الله وضع عن أمتي .... \" على كلمة (حكم) أو (إثم) من قبيل دلالة الاقتضاء. ومثل ذلك دلالة (وأسأل القرية) على (الأهل)، ودلالة الأمر بالتحرير على (التملُّك).\n\n<span data-type='title' id=toc-279>موقف الدبوسي:</span>\nوالقاضي الإمام أبو زيد الدبوسي في \"تقويمه\" تابع المتقدمين وجعل ما وجب تقديره لصدق الكلام، وما وجب لصحته عقلًا أو شرعًا، قسمًا واحدًا فقال: (المقتضى زيادة على النص لم يتحقق معنى النص بدونها فاقتضاها النص ليتحقق معناه ولا يلغو).\nفأدخل المحذوف في هذا التعريف. ومثّل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقال: (أي أهلَها اقتضاء لأن السؤال للتبيُّن فاقتضى موجَب هذا الكلام أن يكون المسؤول من أهل البيان ليفيد، فثبت الأهل اقتضاءً ليفيد) كما أتى أبو زيد بحديث الخطأ والنسيان، وحديث \"الأعمال بالنيات\" (^١) وأبان أن المراد حكم الأعمال، فإن عينها تثبت بلا نية (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-280>موقف المتأخرين بعد الدبوسي:</span>\nغير أن فخر الإسلام البزدوي، وشمس الأئمة السرخسي، ومن تابعهما أطلقوا اسم \"المقتضى\" على ما أضمر لصحة الكلام شرعًا، وجعلوا ما وراء ذلك قسمًا واحدًا سمُّوه \"محذوفًا\" أو مضمرًا.\n_________\n(^١) هذا جزء من حديث عمر بن الخطاب ﵁ المشهور، وقد أورده بهذا اللفظ الدبوسي والسرخسي وغيرهما، ولكن حول الرواية بجمع \"النيات\" كلام للمحدثين، ونص الحديث - كما رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه\" وانظر: \"المسند\" (١٦٨)، البخاري (٥٤)، مسلم (١٩٠٧)، أبو داود (٢٢٠١)، الترمذي (١٦٤٧)، ابن ماجه (٤٢٢٧)، النسائي (٧٥) و(٣٤٣٧).\nوراجع: \"منتقى الأخبار\" للمجد بن تيمية مع \"نيل الأوطار\" للشوكاني (١/ ١٤٧ - ١٤٩).\n(^٢) راجع: \"تقويم الأدلة\" (٢٤٤) مخطوط دار الكتب المصرية، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٢/ ٥٦٤).","vol":"1","page":446},{"text":"لذا كانت دلالة الاقتضاء عندهم هي: (الدلالة على معنًى يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته شرعًا) (^١).\nومن هنا رأينا صاحب \"التلويح\" بعد أن عرفها بدلالة اللفظ على معنى خارج يتوقف صدقه أو صحته العقلية أو الشرعية قال: (وقد يقيد بالشرعية احترازًا عن المحذوف مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾) (^٢).\nويبدو أن الذي بدأ سلوك سبيل التفريق بين المقتضى والمحذوف هو البزدوي ﵀ (^٣)، وجاء السرخسي ففصَّل في الأمر واعتبر من السهو التسوية بينهما؛ لأن المحذوف غير المقتضى.\nوعلّل ذلك بأن من عادة أهل اللسان حذف بعض الكلام للاختصار، إذا كان فيما بقي دليل على المحذوف، ثم ثبوت هذا المحذوف من هذا الوجه يكون لغة، وثبوت المقتضى يكون شرعًا لا لغة.\nوعلامة الفرق بينهما في نظر شمس الأئمة: أن المقتضى تبع يصح باعتباره المقتضى، إذ صار كالمصرح به، والمحذوف ليس بتبع، بل عند التصريح به ينتقل الحكم إليه، إلا أن يثبت ما هو المنصوص، قال ﵀: (ولا شك إن ما ينقل غير ما يصحح المنصوص) (^٤).\nوالأمثلة التي سقناها للمتقدمين والتي أورد بعضها أو جلَّها القاضي الدبوسي، جاء على ذكرها البزدوي موضحًا ما يدخل منها في إطار المقتضى، وما يدخل في إطار المحذوف (^٥).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"الكشف\" (١/ ٧٥ - ٧٦) (٢/ ٥٦٤)، \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٥١)، التوضيح مع \"التلويح\" (١/ ١٣٧).\n(^٢) راجع: \"التلويح\" (١/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٣) انظر: \"أصول البزدوي\" (١/ ٧٨) (٢/ ٥٦٢).\n(^٤) راجع \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٥١ - ٢٥٢) غير أن عبد العزيز البخاري أكد أن حقيقة الفرق بينهم: هي كون المحذوف أمرًا لغويًا، والمقتضى أمرًا شرعيًا، \"الكشف\" (٢/ ٥٦٥).\n(^٥) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٧٨) فما بعدها.","vol":"1","page":447},{"text":"وكان ذلك صنيع السرخسي أيضًا:\nففي قول القائل لمخاطَبه: (أعتق عبدك عني) محذوف، ويثبت التمليك بطريق الاقتضاء ليصح المنصوص فكأنه قال: (بع عبدك عني بكذا وكن وكيلي في الإعتاق).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ يرى السرخسي أن الأهل محذوف للاختصار، فإن فيما بقي من الكلام دليلًا عليه، وعند التصريح بهذا المحذوف يتحول السؤال عن القرية إلى الأهل لا أن يتحقق به المنصوص. وكذلك في قوله ﵇: \"رُفع عن أمتي الخطأ … \" فإن عند التصريح بالحكم يتحول الرفع إلى الحكم لا إلى ما وقع التنصيص عليه مع المحذوف، ومثله قوله ﵇: \"الأعمال بالنيات\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-281>موقف التفتازاني:</span>\nوقد اعترض التفتازاني صاحب \"التلويح\" على هذا التفريق بين المقتضى والمحذوف - وهو اعتراض أشار إليه صاحب \"كشف الأسرار\" في شرحه لكلام البزدوي (^٢) - بأنه إن أريد بتوجه الفرق بين المقتضى والمحذوف: وجود التغيير وعدمه، فلا تغيير في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] أي فضرب فانشقّ الحجر فانفجرت، وقوله جلّ ذكره: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [يوسف] أي فنزع فرأى غلامًا متعلقًا بالحبل فقال: يا بشرى.\nكذلك لا تغيير في مثل قوله سبحانه حكاية: ﴿فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٥، ٤٦] أي أرسلوه فأتاه وقال: أيها الصديق. ولا يمكن أن يجعل هذا من باب الاقتضاء - على ما ذكر الذين فرقوا بين المقتضى والمحذوف -\n_________\n(^١) \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٥٢).\n(^٢) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥).","vol":"1","page":448},{"text":"لأنه ليس بأمر شرعي، وإذا كان كذلك لا يحصل التفريق بينهما بهذه العلامة وهي وجود التغيير وعدمه.\nوإن أريد أن عدم التغيير لازم في المقتضى، وليس بلازم في المحذوف، لم يتميز المحذوف الذي لا تغيير فيه عن المقتضى (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-282>موقف صاحب \"فواتح الرحموت\" ورأينا في ذلك:</span>\nهذا: وما أورده عبد العزيز البخاري والتفتازاني: وجيه في نظرنا، ولا يدفعه ما ذكره صاحب \"فواتح الرحموت\" من أن الذين فرقوا بين المحذوف والمقتضى لم يريدوا جمع الصور في الحذف والاقتضاء، وإنما أرادوا بعض الصور المختلف فيها (^٢).\nوذلك لأن الذين فرقوا بينهما من المتأخرين، كالبزدوي والسرخسي وأضرابهما لم يقولوا ما قاله صاحب \"الفواتح\" بعد زمن طويل، وقد قرر عبد العزيز البخاري أن التفريق كان مسلكًا جديدًا للمتأخرين، وفي مقدمتهم فخر الإسلام البزدوي، وقد خالفوا فيه حتى القاضي الدبوسي الذي كان مع الجمهور فيما هم عليه من عدم التفريق بين المقتضى والمحذوف.\nعلى أن الذي دعاهم إلى التفريق - كما سنرى - عدم قولهم بعموم المقتضى، ووجود مسائل لا يمكن الإغماض عن العموم فيها، وليكن ما ذكره صاحب \"فواتح الرحموت\" رأيه هو، ويبقى الاعتراض على التفريق محتفظًا بوجاهته.\nعلى أنه قد تابع التفتازاني في اعتراضه كثيرون من أمثال ابن ملك وغيره من شرّاح \"المنار\" وأوضحوا رأيهم بالعديد من الأمثلة (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"التلويح\" مع \"التوضيح\" (١/ ١٤١)، \"كشف الأسرار\" (٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥).\n(^٢) راجع: \"فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت\" (٢/ ٤١٢).\n(^٣) راجع: \"شرح المنار\" لابن ملك وحواشيه (١/ ٥٣٧ - ٥٣٨).","vol":"1","page":449},{"text":"ولقد يؤيد ما ذهبنا إليه ما قرره يحيى الرهاوي في \"حاشيته\" على شرح ابن ملك \"لمنار النسفي\"، من أن الأمر في التفريق وإعطاء كل من القسمين تسمية معينة: إما أن يكون اصطلاحيًا، أو لا.\nأ - فإذا كان يقوم على الاصطلاح: فلا مشاحة في الاصطلاح.\nب - وإن كان يقوم على حدود وفوارق صحيحة بين المقتضى والمحذوف: فلا بد من إقامة الدليل المقبول.\nقرّر ذلك مع عدم رضاه عن اعتبارهما شيئًا واحدًا كما ذهب إليه القاضي أبو زيد والجمهور (^١).\nوهكذا يبدو أن ما جنح إليه صاحب \"الفواتح\" لا يقوى على رد اعتراض التفتازاني الذي أشار إليه البخاري من قبل، ففي المسألة مسلكان واضحان:\nمسلك الجمهور من المتقدمين ومعهم أبو زيد الدبوسي.\nومسلك المتأخرين وعلى رأسهم البزدوي والسرخسي.\nوالمسلك الأول قائم على عدم التفريق.\nأما المسلك الثاني: فيقوم على التفريق. وعماده أن المقتضى ينحصر فيما يلزم ثبوته لصحة الكلام شرعًا لا لغة وعقلًا.\n_________\n(^١) قال ﵀ في (١/ ٥٣٨) من \"حاشيته على شرح ابن ملك\": (والحاصل أن الفرق بين المقتضى والمحذوف - كما اختاره شمس الأئمة وفخر الإسلام ومن تابعهما -: مشكل، وكذا جعلهما من قبيل واحد - كما اختاره القاضي أبو زيد ومَن تابعه - لأن علماءنا اتفقوا على أن المقتضى لا عموم له، والمحذوف له عموم بالإجماع، فلا يمكن جعلهما من قبيل واحد. والتحقيق أن المقتضى إن كان أمرًا اصطلاحيًا: فلا مشاحة في الاصطلاح، فإن لكل طائفة أن يصطلحوا بما شاءوا. وإن كان غير اصطلاحي: فلا بد لمَن يرجّح مذهبه أن يقيم الدليل على ما ذكره) وانظر: \"حاشية الرهاوي\" (١/ ٥٣٧ - ٥٣٨).","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-283>الأمر الداعي إلى التفريق:</span>\nأما الداعي إلى التفريق: فهو أن القول بعموم المقتضى - كما سيأتي - غير مقبول عند عامة الحنفية وفيهم الدبوسي، وعندما وُجِدَ أن بعض الأمثلة (^١) لا يمكن الإغماض عن العموم فيها، قال المتأخرون: هذا من المحذوف، والمحذوف غير المقتضى. من ذلك ما إذا قال لامرأته: طلِّقي نفسك؛ فإن \"طلاقًا\" الذي هو المصدر، غير مذكور، ونية الثلاث والعموم فيه صحيحة، فعزوا ثبوت العموم إلى كون المصدر ثابتًا لغة لا شرعًا؛ فما ثبت لغة هو المحذوف، وما ثبت شرعًا هو المقتضى. بل عندما وُجِدَ أن القول بالعموم في حديث: (وضع الخطأ والنسيان): يتنافى مع ما عند أئمة المذهب من أقوال في شأن الإكراه والنسيان وما يترتب عليهما من أحكام في العبادات والمعاملات قالوا: إن سقوط عمومه ليس من قبيل الاقتضاء ولكنه من قبيل الاشتراك، والمشترك لا يقبل العموم، وقالوا مثل ذلك في حديث: \"الأعمال بالنية\" (^٢).\nوالذي يلاحظ أنهم قالوا في هذين الحديثين المذكورين: إنهما من قبيل المحذوف الذي له عموم، ثم لم يجدوا بدًّا من القول بأن عدم العموم جاء من الاشتراك.\nعلى أن الشيخ عبد العزيز البخاري، قد كشف بجلاء عن أن المقدَّر في الحديثين ليس من باب الحذف الذي بيّنه المتأخرون، لأن الكلام بدونه مفيد للمعنى لغة، ولهذا لو صدر مثله عن غير الرسول ﷺ، لما قدر فيه شيء، بل يحمل على حقيقته إن أمكن، وإلا فعلى الكذب.\nوإنما قدر فيهما ما ذكرناه ضرورة صدق الرسول ﷺ، فكيف يكون هذا من باب اللغة، بل هو من باب الاقتضاء مع ذلك التغير.\n_________\n(^١) راجع ذلك مفصلًا في: \"أصول البزدوي\" (١/ ٧٥ - ٧٧) (٢/ ٥٥٨ - ٥٧٠)، \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٥٠ - ٢٥٤).\n(^٢) راجع: \"كشف الأسرار على أصول البزدوي\" (٢/ ٥٦٦).","vol":"1","page":451},{"text":"أما القول بأن المقتضى: لتصحيح المعنى وتقريره، فلا يصلح مغيرًا له: فمسلم، ولكن المقتضى لتصحيح مجموع الكلام وتقويم معناه، لا لإقرار كلماته - وذلك حاصل مع التغير الذي ذكره البزدوي والسرخسي - فلا يكون مبطلًا، بل مقررًا ومصححًا (^١).\nهذا: وما أشرنا إليه من أن المتأخرين إنما حملهم على مخالفة المتقدمين والقول بالتفريق بين المقتضى والمحذوف: بعض المسائل التي لم تنطبق على المنهج الذي التزموه، عرض له الشيخ البخاري، وبيّن أنه حجة أيضًا مجروحة وذلك قوله: (وأما المسائل التي صحّت فيها نية العموم وهي التي حملتكم على مخالفة المتقدمين، فليست من باب الاقتضاء على هذه الطريقة أيضًا، لأن المصدر في قوله: (طلِّقي نفسك) مثلًا ليس بمقدّر ولا غير مذكور بل معناه إفعلي فعل التطليق، والكلامان ينبئان عن معنًى واحد إلا أن أحدهما أوجز، مثل الأسد والغضنفر، فكأن المصدر مذكور، فيصح فيه نية التعميم) (^٢).\nوهكذا يبدو أنه لا مسوِّغ للتفريق بين \"المقتضى\" و\"المحذوف\"، وإعطاء كل منهما تسمية معينة إلا اعتبار الاصطلاح، انسجامًا مع أحكام فقهية مقررة، سنعرض لبعضها في كلامنا على عموم المقتضى الذي يُرى أن عدم قبوله محور هام في الموضوع، ولقد رأينا عالِمًا كالرهاوي يشير إلى مسألة الاصطلاح، ثم لا يرى مسوغًا غيرها، إلا الاعتراف بالإشكال في حالة الجنوح إلى عدم التفريق؛ لأن القوم متفقون على عدم القول بعموم المقتضى (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار على أصول البزدوي\" (٢/ ٥٦٦) فما بعدها.\n(^٢) راجع: المصدر السابق (٢/ ٥٦٨)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٣٨ - ١٤٠).\n(^٣) راجع: \"حاشية الرهاوي\" على ابن ملك (١/ ٥٣٨).","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>المطلب الثاني عموم المقتضى</span>\nقدّمنا أن المقتضى عند المتقدمين - ومعهم القاضي الإمام أبو زيد الدبوسي -: ما وجب تقديره لصدق الكلام، أو صحته العقلية، أو الشرعية.\nونحب أن نبيّن هنا أن ما يصلح للتقدير: إذا كان عدة أمور يختلف المعنى باختلافها: كان تعيين واحد منها مجالًا للاجتهاد والنظر.\nوذلك كما في قوله ﷺ فيما رواه الحسن عن سمرة: \"على اليد ما أخذت حتى تؤديه\" (^١) فهذا الكلام من المعصوم، يقتضي - ليكون مفيدًا - تقدير: حفظ ما أخذت، أو ضمانه، أو رده، ولا يصح تقدير الثالث وهو الرد؛ لأنه جعل غاية للحكم بقوله: \"حتى تؤديه\".\nومن المقرر عند علمائنا أن الشيء لا يكون غاية لنفسه، فيبقى النص دالًا بالاقتضاء على الحفظ أو الضمان. فمن قدّر الحفظ، لم يوجب الضمان على الوديع والمستعير.\nومَن قدّر الضمان، أوجبه عليهما، وإن كانت هناك أدلة أخرى لكل من الفريقين (^٢).\nوإذا تعيَّن المقتضى بالقرينة:\n١ - فإن كان خاصًّا: فلا كلام فيه، كما إذا تعلق التحليل أو التحريم بالأعيان كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ\n_________\n(^١) رواه أحمد (٥/ ٨) وأبو داود (٣٥٦١) والترمذي (١٢٦٦) وابن ماجه (٢٤٠٠) والدارمي (٢٥٩٩). وانظر: \"جامع الأصول\" (٥٩٩٧).\n(^٢) راجع: \"الهداية\" مع \"العناية\" و\"نتائج الأفكار\" (٧/ ٨٨/ ١٠٣)، \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٣٥٩) \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٣/ ٣١٣ - ٣١٥) \"أصول التشريع\" للشيخ علي حسب الله (ص ٢٣٠).","vol":"1","page":453},{"text":"الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فإن المتبادر من تحريم الأمهات: الزواج بهن، كما أن المتبادر من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير: أكلُها. وقد مرّ مثل ذلك في المجمل (^١).\nب - وإن كان المقتضى عامًا يشمل أفرادًا كثيرين، فقد اختلف فيه اختلافًا كان له أثره في كثير من الفروع والأحكام، وقد اضطررنا للإشارة إلى ذلك في أكثر من موطن لدى بحثنا للمقتضى.\nفنسب إلى الشافعي ﵀ القول ببقائه في هذه الحال على عمومه وشموله لكل الأفراد التي تحته؛ لأن المقتضى الذي تعيّن تقديره بمنزلة النص، حتى كان الحكم الثابت به بمنزلة الثابت بالنص، لا بالقياس، فيجوز فيه العموم، كما يجوز في النص (^٢).\nوقد نسبه إلى الشافعي ومن معه، كثير من أصوليّي الحنفية كالدبوسي وعبد العزيز البخاري، ونقل هذه النسبة أيضًا التفتازاني من الشافعية (^٣).\nولكن إذا عدنا إلى المصادر الأصولية للمتكلمين: نجد أن البعض ذكروا مذهبين: القول بعموم المقتضى، وعدم القول به، مقدِّمين هذا القول الثاني في الذكر (^٤).\nكما نجد البعض الآخر لا يذكرون إلا عدم القول بعموم المقتضى؛ كالذي نرى عند أبي الحسن الآمدي الذي عقد في باب العموم فصلًا خاصًّا بعنوان \"المقتضى لا عموم له\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر (ص ٢٨٦) مما سبق.\n(^٢) راجع: \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٤٤)، \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ٢٤٤) فما بعدها، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٥٥٧).\n(^٣) انظر: \"تقويم الأدلة\" (ص ٢٤٤)، \"كشف الأسرار \" لعبد العزيز البخاري (١/ ٥٥٧)، \"التلويح \" للتفتازاني (١/ ١٣٧).\n(^٤) انظر: \"جمع الجوامع\" لتقي الدين السبكي (١/ ٢٤٤).\n(^٥) \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٢/ ٣٦٣) فما بعد.","vol":"1","page":454},{"text":"وسنرى قريبًا مذهب الغزالي في هذا.\nوذهب عامة الحنفية وكثيرون غيرهم إلى أنه لا عموم للمقتضى؛ وذلك لأن ثبوته كان للضرورة، حتى إذا كان الكلام مفيدًا للحكم بدونه: لم يصح إثباته لغة ولا شرعًا، وإذا كان للضرورة: فلتقدر الضرورة بقدرها، ولا حاجة لإثبات العموم فيه ما دام الكلام مفيدًا بدونه، ويبقى فيما وراء موضع الضرورة - وهو استقامة الكلام - فلا يثبت فيه العموم، كأكل الميتة لما أبيح للضرورة قدر بقدرها وهو سد الرمق، وفيما وراء ذلك من الحمل والتناول إلى الشبع، لا يثبت حكم الإباحة فيه.\nوذلك قول القاضي الدبوسي في \"التقويم\": (إن مقتضى النص ساقط من النص نفسه في الأصل، وإنما يثبت ضرورة أن يصير الكلام مفيدًا، فيتقدر بقدر الضرورة، وإذا ثبت بالقدر الذي يصير به الكلام مفيدًا: زالت الضرورة المثبتة …).\nوبعد أن نظّر ﵀ لذلك بضرورة أكل الميتة الذي يقدر بقدره قال: (بخلاف الثابت بالنص نفسه، لأن ثبوت معناه من الأصل، فلا يسقط إذا كان عامًا إلا بدلالة كحِلِّ الذبيحة) (^١).\nولقد تابع الدبوسيَّ في التنظير بأكل الميتة، مَن كتب بعده من المتأخرين (^٢). وهذا يدل على مقدار استنكارهم للقول بعموم المقتضى، وحرصهم على الاتجاه المقابل.\nوهكذا يرى القائلون بعموم المقتضى: إثبات كل فرد من أفراد العام في هذا المقتضى.\nبينما يرى الحنفية ومن معهم: أنه يكفي إثبات فرد من الأفراد في\n_________\n(^١) راجع: \"تقويم الأدلة\" (ص ٢٤٥).\n(^٢) قال البزدوي: (فأما الاقتضاء: فأمر شرعي ضروري مثل تحليل الميتة بالضرورة، فلا يزيد عنها) (٢/ ٥٦٦). وانظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":455},{"text":"المقتضى ليصبح الكلام مفيدًا، ولا دلالة على إثبات ما وراءه، بل يبقى عدمه الأصلي بمنزلة المسكوت عنه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-285>موقف الغزالي:</span>\nوالغزالي من المتكلمين - وقد جنح إلى أن المقتضى لا عموم له - استدل لما ذهب إليه؛ بأن العموم للألفاظ، لا للمعاني، فتضمُّنها من ضرورة الألفاظ وبيّن ذلك بقوله ﵇: \"لا صيام لمَن لم يبيّت الصيام\" (^٢) فإن ظاهره ينفي صورة الصوم حسًا، لكن وجب رده إلى نفي الحكم وهو نفي الإجزاء والكمال (^٣).\nهذا: ومن الأمثلة التي ترد في الموضوع قوله ﷺ: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" فوضْعُ الخطأ والنسيان وما استكرهت الأمة عليه - أي رفعه - محال بعد الوقوع، فيصير كذبًا، لو أريد عين ما نصّ عليه الحديث، وهذا لا يجوز على النبي ﷺ، فقدّر ضرورة صدق الكلام لفظُ (حكمَ) وهو عام في أصل الوضع يشمل الحكم الدنيوي من حيث الصحة شرعًا، كما يشمل الحكم الأخروي وهو المؤاخذة بالعقاب.\nفالذين أخذوا بالعموم: يُبقون هذه الزيادة المقدّرة على عمومها ويقولون: إن المتبادر من نص الحديث نفيُ الحقيقة وهي عين الخطأ والنسيان وما استكرهت عليه الأمة. ولما كان ذلك متعذرًا وجب حمل الكلام على أقرب مجاز ملائم، وهو نفي جميع الآثار، دنيويةً كانت أو\n_________\n(^١) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٣٧) وانظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٥٠).\n(^٢) انظر ما سبق (ص ١٨٣) وانظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٢/ ١٣٣)، \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ٣٢٥)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٢٠٢)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٠٧) \"المحلى\" (٦/ ١٦١).\n(^٣) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٦١).","vol":"1","page":456},{"text":"أخروية، فضرورة صدق الكلام تشمل كل الأفراد التي ينطوي تحتها لفظ الحكم الذي قدرناه.\nأما الحنفية: فقد رأوا أن ضرورة التقدير - والضرورة تقدر بقدرها - تندفع بأحد نوعَيْ الحكم المقدّر. وما دام وضع الحكم الأخروي وهو المؤاخذة بالعقاب متفقًا عليه، فقد اكتفوا بتقديره، ورأوا في ذلك خروجًا من عهدة الإفادة وصدق الكلام، فتزول الضرورة، ولا يُتعدى إلى حكم آخر.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-286>من ثمرات الاختلاف في عموم المقتضى</span>\nهذا وقد بنى العلماء على القول بعموم المقتضى، أو عدم القول به الكثير من الأحكام.\nوفي الحديث المشار إليه عدد من الفروع المتعلقة بالخطأ والنسيان أو الإكراه، اختلفت أنظارهم في الحكم عليها بناءً على ما ذكرناه.\nوفي طريق الحنفية سنسير على رأي المتقدمين الذين يرون في الحديث مثالًا لدلالة الاقتضاء، ولكن المقتضى لا عموم له. أما المتأخرون ما عدا الدبوسي: فقد رأينا أنهم اعتبروا المقدَّر في الحديث من \"المحذوف\" خروجًا من القول في الحكم أيضًا، لئلا يشمل الدنيوي والأخروي معًا، حيث قالوا: إنه من قبيل المشترك والمشترك لا عموم له.\n١ - من هذه الأحكام: أن من تكلم في صلاته مخطئًا، أو ناسيًا، بطلت صلاته عند الحنفية؛ لأن الذي وضع عن الأمة في حديث ابن عباس هو الإثم المقتضي للعقوبة في الآخرة - كما أسلفنا - وليس البطلانَ المقتضي للإعادة وهو الحكم الدنيوي (^١).\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (١/ ٢٨٠ - ٢٨١).","vol":"1","page":457},{"text":"ولم تبطل الصلاة عند الشافعية: لأن الحكم المرفوع يشمل الدنيوي والأخروي، فلا تبطل الصلاة بالكلام القليل في الدنيا، ولا يأثم المصلي الذي تكلم في صلاته مخطئًا أو ناسيًا: في الآخرة (^١).\n٢ - ومنها أيضًا أن مَن أكل مخطئًا أو مكرهًا - وهو صائم - فعليه القضاء عند الحنفية والمالكية. ولا قضاء عليه عند الشافعية والحنابلة وابن حزم (^٢).\nعلى أن دليل الشافعية هنا لم يكن مسألة عموم المقتضى فحسب - سيرًا مع القائلين بعموم المقتضى منهم - وذلك بأن يشمل الوضع الوارد في الحديث الإثم وهو الحكم الأخروي، كما يشمل الإفطار الذي يوجب القضاء وهو الحكم الدنيوي. بل اعتبروا المخطئ والمكره بالناسي الذي ورد حكمه فيما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلوات الله عليه وسلم قال: \"مَن نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتِم صومه، فإنما الله أطعمه وسقاه\" (^٣). بل قالوا: المكره أوْلى من الناسي، لأنه مخاطَب بالأكل لدفع الضرر عن نفسه، والناسي ليس مخاطَبًا بأمر ولا نهي، ولذلك ردّ الإمام النووي في \"المنهاج\" قول مَن ادعى أن الأظهر في الصائم يأكل مكرهًا: أنه يفطر، فقال بعد هذا: (قلت: الأظهر لا يفطر).\n_________\n(^١) راجع: \"منهاج النووي مع مغني المحتاج\" (١/ ٤٣٠).\n(^٢) راجع \"المحلى\" (٦/ ٢٢٠)، \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (١/ ٥٢٥).\nويلاحظ أن المالكية اتفقوا مع الحنفية في وجوب القضاء على المفطر مكرهًا، مع أنهم يختلفون معهم - كما سنرى - في طلاق المكره إذ لا يرون وقوعه، والسبب في ذلك: أن المالكية متفقون مع الحنفية في عدم اشتراط الرضا في موانع العبادات، خلافًا للشافعية والحنابلة والظاهرية، ولكنهم مختلفون معهم في اشتراط الرضا للأسباب الناقلة للملكية التي لا تقبل الفسخ؛ كالطلاق والفسخ والخلع وأمثالهما. وانظر: \"الإكراه بين الشريعة القانون\" للأستاذ الشيخ زكريا البرديسي (ص ٣٩٣ - ٣٩٤).\n(^٣) رواه أحمد (٩٤٨٥) وأصحاب الكتب السنة إلا النسائي: البخاري (١٩٣٣)، مسلم (١١٥٥)، أبو داود (٢٣٩٨) الترمذي (٧٢١)، ابن ماجه (١٦٧٣). وانظر: \"جامع الأصول\" (٤٤٣١)، \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٢٧٠٩)، \"فتح الباري مع الجامع الصحيح\" (٦٦٦٩). وراجع: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢١٨)، \"فتح القدير\" (٢/ ٦٣)، \"مغني المحتاج\" مع \"المنهاج\" (١/ ٤٣٠).","vol":"1","page":458},{"text":"وهكذا حقق النووي أن مذهب الشافعية عدم الفطر في حالة الإكراه (^١). وإلى هذا القول جنح - من الحنفية - زفر أيضًا (^٢).\nأما الحنابلة: فقد اقتصروا في الاستدلال على أن من أكل مخطئًا أو مكرهًا - وهو صائم - لا يفطر بحديث: \"إن الله وضع عن أُمتي … \" إلخ، آخذين بعموم المقتضى، وأن المقدّر - وهو الحكم - لا يقتصر على الحكم الأخروي وهو المؤاخذة بالعقاب، وإنما يشمل الحكم الدنيوي أيضًا - وهو في مسألتنا عدم الفطر - لئلا يلزم القضاء، سواء أكل الصائم مخطئًا أو مكرهًا. وقد عدّ صاحب \"المغني\" المفطرات ثم قال: (إن المفطَّر للصوم في هذا كله ما كان عن عمد وقصد).\nعلى أن الإكراه في حالة خاصة - وهو الإكراه بالوعيد - نقل عن بعضهم احتمالُ الفطر فيه (^٣).\n٣ - ومن المسائل التي يرتبط بها كثير من أحكام الحلال والحرام في الأسرة والعلاقات الزوجية مما له علاقة بالحديث المتقدم بناء على قاعدة عموم المقتضى: طلاق المكره، وهل يقع أو لا يقع؟ فللأئمة أنظار مختلفة في الموضوع.\nصحيح أن الحديث لم يكن وحده محورَ الاستدلال، ولكنه كان في ضمن الأدلة التي كانت محط أنظار العلماء فيما كان من الحكم في هذه المسألة.\nفالقول بعموم المقتضى، أو عدم القول به، كان ذا أثر يذكر في إعطاء الحكم.\n_________\n(^١) انظر: \"المنهاج مع مغني المحتاج\" (١/ ٤٣٠).\n(^٢) راجع: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٩١)، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٢/ ٦٢ - ٦٣).\n(^٣) قال ابن قدامة ﵀: (وأما إن أُكره على شيء من ذلك بالوعيد ففعله: فقال ابن عقيل: قال أصحابنا: لا يفطر به أيضًا لقول النبي ﷺ: \"عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه\" قال: ويحتمل عندي أن يفطر لأنه فعل المفطر لدفع الضرر عن نفسه، فأشبه المريض يفطر لدفع المرض، ومن يشرب لدفع العطش). راجع: \"المغني\" (٣/ ١١٤ - ١١٥)، وانظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢١٨ - ٢١٩).","vol":"1","page":459},{"text":"وبيان ذلك أن الأئمة اختلفوا في وقوع طلاق المكره:\n١ - فذهب الحنفية: إلى أن طلاقه واقع. وهذا القول مروي عن النخعي وابن المسيب، والثوري والشعبي، وعمر بن عبد العزيز (^١).\nوالحجة في ذلك: أن الطلاق إذا صدر من الهازل وقع، كما دلّ على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"ثلاث جِدُّهن جِدُّ، وهَزْلهُنَّ جِدُّ: النكاحُ والطلاقُ والرَّجْعَة\" (^٢) ووقوعه من الهازل دليل على عدم اشتراط القصد في الطلاق عند مباشرة سببه، والقصدِ إلى النطق به، وذلك شأن المكره؛ إذ في كليهما توافر لفظ الطلاق، ولم يقصد الناطق به معناه.\nوما دام الأمر كذلك: فهو يقع من المكره، كما وقع من الهازل.\nوهكذا يُرى أن الحنفية قد جنحوا إلى القياس فيما ذهبوا إليه؛ فقاسوا المكره على الهازل من حيث وقوعُ الطلاق، بجامع توافر لفظ الطلاق في كلتا الحالتين، وعدم قصد الناطق معناه (^٣).\nويرى الكاساني أن عموم النصوص وإطلاقاتها تقتضي شرعية هذا الطلاق، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقوله ﷺ: \"كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه\" (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية والعناية\" مع \"فتح القدير\" (٣/ ٣٩)، \"البدائع\" (٣/ ١٠٠) (٧/ ٧١٢)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(^٢) رواه أبو داود (٢١٩٤) والترمذي (١١٨٤) وابن ماجه (٢٠٣٩)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وانظر: \"جامع الأصول\" لابن الأثير (٥٧٩٥)، \"نيل الأوطار\" مع \"المنتقى\" (٦/ ٢٤٩) العزيزي على \"الجامع الصغير\" (٢/ ١٤٩) والمشهور في كتب الفقه (العتاق) بدل (الرجعة) قال ابن العربي: وروي بدل \"الرجعة\" \"العتق\" ولم يصح، وقال ابن حجر: وقع عند الغزالي \"العتاق\" بدل \"الرجعة\" ولم أجده. \"فيض القدير\" (٣/ ٣٠٠).\n(^٣) راجع: \"البدائع\" (٣/ ١٨٢) \"الهداية\" مع \"العناية\"، و\"فتح القدير\" (٣/ ٣٩)، \"فرق الزواج\" (ص ٥٦) لأستاذنا الشيخ علي الخفيف.\n(^٤) الحديث أخرجه الترمذي في \"السنن\" - \"الجامع الصحيح\" (١١٩١) عن أبي هريرة بلفظ: \"كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله\" وضعّفه. وذكره ابن حزم في \"المحلى\" باللفظ نفسه عن عكرمة عن ابن عباس من طريق عطاء بن عجلان وحكم عليه بالسقوط، لأن عطاء بن عجلان هذا مذكور بالكذب. \"المحلى\" (١٠/ ٢٠٣)، وانظر: \"فتح القدير شرح الهداية\" (٣/ ٣٨) \"جامع الأصول\" لابن الأثير (٥٧٦٢).","vol":"1","page":460},{"text":"ب - وذهب الأئمة الثلاثة، والشيعة الإمامية، والزيدية، وابن حزم إلى أن طلاق المكره غير واقع (^١). وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وابن الزبير.\nفقد روي عن علي بن حنظلة من طريق سفيان الثوري قال عمر بن الخطاب: \"ليس الرجل بأمين على نفسه إذا أخَفْتَه أو ضربتَه أو أوثقتَه\" وروي عن قدامة الجمحي: \"أن رجلًا على عهد عمر بن الخطاب تدلّى بحبل ليشتار عسلًا (^٢) فأتت امرأته فجلست على الحبل فقالت: ليطلقها ثلاثًا وإلا قطعت الحبل، فذكَّرها الله والإسلام فأبت فطلقها ثلاثًا ثم خرج إلى عمر فذكر ذلك له، فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق\" (^٣).\nوأخرج ابن حزم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الحسن أن علي بن أبي طالب: كان لا يجيز طلاق المكره.\nكما أخرج من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ثابت الأعرج قال: سألت عمر وابن الزبير عن طلاق المكره فقالا جميعًا: \"ليس بشيء\".\nوعن أبي يزيد المدني عن ابن عباس قال: \"ليس لمكره ولا مضطر طلاق\".\n_________\n(^١) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٧٨) \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١١٨)، \"الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٦٧) \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٤)، \"المقنع\" لابن قدامة (٣/ ١٣٤)، \"المختصر النافع في فقه الإمامية\" لأبي القاسم الحلي (١/ ١٩٧)، \"منهاج الوصول في شرح معيار العقول\" في أصول الزيدية (ق ١٤٢) مخطوط دار الكتب المصرية.\n(^٢) يقال: شار العسل يشوره، واشتاره يشتاره: إذا اجتناه من خلاياه ومواضعه. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٢/ ٢٤٠)، \"المصباح المنير\" للفيومي (ص ٤٤٦).\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور وأبو عبيد القاسم بن سلام. انظر: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٥٠)، \"المحلى\" (١٠/ ٢٠٢).","vol":"1","page":461},{"text":"وعن يحيى بن أبي كثير عن ابن عباس: \"أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئًا\" (^١).\nوعمدة الاحتجاج لأصحاب هذا القول: الحديث الذي دار حوله الكلام في صدر هذا المبحث وهو قوله ﷺ: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" وقد احتج به ابن حزم وأورده عن ابن عباس أيضًا بلفظ: \"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" والإكراه يعدم الرضا ولا يجامع الاختيار.\nولم يفرق هؤلاء الأئمة بين حُكم وحُكم، بل أخذوا من الحديث أن الله وضع عن الأمة حكم هذه الأمور الثلاثة بنوعَيْه الدنيوي والأخروي.\nولقد روي أن عطاء احتج على عدم وقوع طلاق المكره بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٢) [النحل: ١٠٦] وقال: \"الشرك أعظم من الطلاق\" (^٣)، فهو يراه أوْلى بعدم سريان حكمه على المكره، ولم يفرق عطاء بين وقوع الطلاق، وبين المؤاخذة في الآخرة.\nومما استُدل به على هذا القول أيضًا: ما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا طلاق ولا عتاق في إغلاق\" (^٤) وذكره ابن قدامة في \"المغني\" بلفظ: \"لا طلاق في إغلاق\" بإسقاط \"ولا عتاق\" وقد فسَّر علماء\n_________\n(^١) هذا وقد صحّ عن الحسن البصري قوله: \"طلاق المكرَه لا يجوز\" وهو أحد قولَيْ عمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس وأبي الشعثاء جابر بن يزيد، وأيوب السختياني، وإسحاق ثور، وأبي عبيد، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وغيرهم. راجع: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٤)، \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١١٨)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٥٠).\n(^٢) من قوله تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح مرسلًا عن عطاء، وانظر له \"السنن\" (١١٤٢) ١/ ٢٧٤، \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٥٠).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٦٨٩٢) وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦). وانظر: \"جامع الأصول\" لابن الأثير (٥٧٦٤)، \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٢٤٢)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١١٨).","vol":"1","page":462},{"text":"الغريب الإغلاق بالإكراه (^١).\nهذا: وقد ردّ الحنفية الاحتجاج بحديث ابن عباس، لأنه من باب المقتضى ولا عموم للمقتضى عندهم. فإذا كان المقدّر اقتضاء: إن الله وضع عن أمتي حكم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. فلا يجوز أن يعمم ذلك حتى يشمل أحكام الدنيا والآخرة، وإنما يقتصر على فرد تتأدى به ضرورة صدق الكلام، ويبقى ما وراءه من أفراد العام على عدمه الأصلي.\nفإما أن يقدر الحكم الدنيوي، وإما أن يقدر الحكم الأخروي.\nولكن الحكم الأخروي - وهو المؤاخذة بالعقاب - متفق عليه، فيكون هو المراد، ولا يراد الآخر معه. وبهذا يصبح معنى الحديث: إن الله وضع عن أمتي إثم الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه.\nوهكذا يرى أصحاب هذا الرأي، أن القول بعدم عموم المقتضى من المسلَّمات، ولما كان الحكم بعدم وقوع طلاق المكره، يتنافى مع هذه القاعدة، فالقول فيه مردود؛ لأن اعتبار الحديث دالًا بالاقتضاء على وضع حكم الدنيا وحكم الآخرة يؤدي إلى التعميم في المقتضى، وهذا في نظرهم غير سليم.\nجاء في \"فتح القدير\" لابن الهمام عن ردّه للأخذ بالحديث: أنه من باب المقتضى ولا عموم له، ولا يجوز تقدير الحكم الذي يعم أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، بل إما حكم الدنيا، وإما حكم الآخرة، والإجماع على أن حكم الآخرة - وهو المؤاخذة - مراد فلا يراد الآخر معه، وإلا عمم (^٢).\nغير أن القائلين بعدم الوقوع أوردوا على الآخرين، أن قياس المكره على الهازل قياس مع الفارق، لأن المكره قد أُكره على التلفُّظ بالسبب ونطق به عن اختيار، وإن كان غير راضٍ بحكمه.\n_________\n(^١) روي ذلك عن ابن قتيبة، والخطابي، وابن السيد، وغيرهم. وذكر ابن قدامة عن أبي عبيد والقتيبي أيضًا أن معناه \"في إكراه\" وقال أبو بكر: سألت ابن دريد وأبا طاهر النحويين فقالا: يريد الإكراه لأنه إذا أُكره انغلق عليه رأيه. انظر: \"المغني\" (٧/ ١١٨)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٥٠).\n(^٢) \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٣/ ٣٩)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (٢/ ١٩٧).","vol":"1","page":463},{"text":"وفرقٌ كبير بين الحالين؛ لأن الأول - وهو الهازل - يناسبه التغليظ عليه بما كان له من اختيار، بخلاف الثاني - وهو المكره - لأنه معذور فيما أقدم عليه.\nوقد ردّ الحنفية بأن المكره أيضًا مختار اختيارًا كاملًا في القصد إلى السبب، إلا أنه غير راض بالحكم، لأنه عَرَفَ الشرَّين، فوازن بينهما واختار أيسرهما وأهونهما عليه، وكونه محمولًا على ما اختاره منهما: لا يؤثر في نفي الحكم، فوجب أن يقع طلاقه لذلك، كما وقع طلاق الهازل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-287>ما نراه في الموضوع:</span>\nوالذي نميل إليه هو الأخذ برأي الجمهور؛ لأنه الأرجح في نظرنا، وذلك لعدة أمور:\n١ - فأصحاب الرأي الأول وهو وقوع طلاق المكره تقوم حجتهم على\n_________\n(^١) انظر: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٣/ ٣٩)، \"تبيين الحقائق شرح الكنز\" للزيلعي مع \"حاشية الشلبي\" (٢/ ١٩٥) وقد أيّد ابن الهمام ما قالوه من أن الحمل على هذا الاختيار لا يؤثر في نفي الحكم، بحديث حذيفة وأبيه حين حلّفهما المشركون، فقال لهما ﷺ: \"نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم\" قال ﵀: (فبيّن أن اليمين طوعًا أو كرهًا سواء، فعلم أن لا تأثير للإكراه في نفي الحكم المتعلق بمجرد اللفظ عن اختيار، بخلاف البيع لأن حكمه يتعلق باللفظ وما يقوم مقامه مع الرضا وهو منتفٍ بالإكراه).\nوهكذا أنهى صاحب \"فتح القدير\" رده على القول بأن قياس المكره على الهازل قياس مع الفارق برد آخر. وردّ على الحنفية بتفريقهم بين المكره في الطلاق والمكره في العقود - من بيع وشراء وإجارة وغيرها - بأن حكم البيع أو غيره من هذه العقود، يتعلق باللفظ وما يقوم مقامه مع الرضا، وهو منتفٍ بالإكراه، فما دام غير راض بالحكم فله أن يفسخ العقد، بخلاف الإكراه في الطلاق: فإن عدم الرضا غير مخل به، فيقع طلاق المكره. ولا ينعقد بيع المكره أو شراؤه أو إجارته. وهكذا يفرق الحنفية بين نوعَيّ الأسباب الناقلة للملكية، فما كان منها قابلًا للفسخ كالبيع والشراء والإجارة: لا بد فيه من الرضا، ولذلك لا يلزم بالإكراه؛ فمَن أُكره على البيع: لا يلزمه، لانعدام الرضا الذي هو شرطه. أما ما كان منها لا يقبل النسخ: كالطلاق والخلع، فلا يشترطون فيه الرضا لترتب الحكم، فمَن أُكره على الطلاق: فطلاقه واقع، ومَن أكره على الخلع: فخلعه صحيح.\nانظر: \"فتح القدير\" لابن الهمام (٣/ ٣٩)، \"التلويح على التوضيح\" (٢/ ١٩٧)، \"فرق الزواج\" لأستاذنا الشيخ علي الخفيف (ص ٥٧).","vol":"1","page":464},{"text":"النظر فقط، دون أن يكون لديهم أدلة من النصوص الصحيحة كالتي عند الآخرين.\n٢ - أما عدم التسليم بدلالة حديث ابن عباس: \"إن الله وضع عن أمتي .... \": على أن طلاق المكره لا يقع فهو - كما رأينا - قائم على اصطلاح قد لا يسلم به كثير من الآخرين.\nعلى أنا نريد أن نعيد إلى الذاكرة، ما قلناه سابقًا من أن اعتبار هذا الحديث في عداد أمثلة المقتضى، هو رأي المتقدمين من الحنفية ومعهم أبو زيد الدبوسي من المتأخرين.\nأما البزدوي والسرخسي ومن تابعهما: فلا يرون (الحكم) الذي قدر في الحديث من \"المقتضى\" بل من \"المحذوف\"، ولما كانوا يقولون بعموم المحذوف، اعتبروا لفظ (الحكم) هنا من المشترك، والمشترك لا عموم له في نظرهم.\nوهكذا انصرفت دلالة الاقتضاء في الحديث، إلى الحكم الأخروي - وهو المؤاخذة - عند المتقدمين والمتأخرين.\nأما المتقدمون ومعهم الدبوسي: فلأنه من المقتضى، والمقتضى لا عموم له. وأما المتأخرون: فلأن لفظ الحكم الذي قدّرناه بدلالة الاقتضاء من المشترك. وإذا كان الأمر في كلا الحالين اصطلاحيًا: فإنما يقوى الحكم الذي ينبني على الاصطلاح، أو يضعف؛ بقدر ما يتهيأ له من الأدلة والقرائن. ولقد رأينا من كبار التابعين: كعطاء من يستدل على عدم الوقوع بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ويقول: الشرك أعظم من الطلاق. وقد سلك عطاء هذه الطريق في الاستدلال قبل أن تتحدد قواعد أصول الفقه، فيقولَ قوم: للمقتضى عموم، ويقولَ آخرون: لا عموم له.\n٣ - إن حديث \"لا طلاق ولا عتاق في إغلاق\" واضح في الدلالة على المراد؛ فقد نفى رسول الله ﷺ أن يقع واحد من هاتين في حالة الإكراه، ولئن فسر بعضهم الإغلاق بالغضب، لقد ردّ جمهور العلماء هذا التفسير؛","vol":"1","page":465},{"text":"فإنه لو كان كذلك: لم يقع على أحد طلاق، لأن أحدًا لا يطلِّق حتى يغضب (^١).\n٤ - ويؤيد ما ذهبنا إليه، ما ذكرناه عن الصحابة ومن بعدهم، وما حصل من فتوى عمر ﵁، بعدم وقوع طلاق الرجل الذي هددته امرأته بقطع الحبل وهو يشتار العسل، إن لم يطلقها؛ فلقد قالها عمر بوضوح: \"ارجع إلى أهلك ليس هذا بطلاق\".\n٥ - على أن الأمر بعد هذا كلّه، واضح في أن المكرَه قد حُمل على الطلاق بغير حق، فلا يصح أن يلتزِم بآثار هذا الإكراه.\nقال صاحب \"المهذب\" بعد أن أورد حديث ابن عباس: (ولأنه قول حُمل عليه بغير حق فلم يصح، كالمسلم إذا أُكره على كلمة الكفر) (^٢).\nوكان ذلك أيضًا صنيعَ ابن قدامة، حيث وصف كلام المكره على الطلاق، بأنه قول حُمل عليه بغير حق، فلم يثبت له حكم، ككلمة الكفر إذا أُكره عليها (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-288>مسلك ابن حزم في المَسْألة:</span>\nأما ابن حزم: فقد سلك مسلكًا خاصًّا، حيث اعتبر هذا الإكراه بغير حق، عملًا بلا نية؛ فطلاق المكره غير لازم له، لأن رسول الله ﷺ يقول: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\" فصحّ أن كل عمل بلا نية، فهو باطل لا يعتد به. وطلاق المكره عمل بلا نية فهو باطل، وإنما هو حاكٍ ما أُمر بقوله فقط، ولا طلاق على حاكٍ كلامًا لم يعتقده. وقد صحّ عن رسول الله ﷺ قوله: \"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه\" (^٤).\nهذا: وللعلماء مباحث مستفيضة تتناول حقيقة الإكراه، وأركانه،\n_________\n(^١) راجع: \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٥٠) هذا وقد أعلّ الحديث بأن في إسناده محمد بن عبيد بن صالح - الذي ضعّفه أبو حاتم الرازي - ولكن البيهقي رواه من طرق أخرى سليمة.\n(^٢) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٧٨).\n(^٣) راجع: \"المغني\" (٧/ ١١٨) فما بعدها.\n(^٤) راجع: \"المحلى\" (١٠/ ٢٠٥).","vol":"1","page":466},{"text":"وشروطه، وأنواعه، ومعياره في الشريعة، وأثره في الأحكام والتصرفات ما كان منه بحق وما كان بغير حق … إلخ، نتركها لمظانها من كتب الأصول والفقه (^١) لئلا نخرج عما نحن في سبيله.\nولكن نرى لزامًا ضرورة التذكير بأن الشافعية يشترطون لعدم وقوع الطلاق في حالة الإكراه: أن يكون هذا الإكراء بغير حق، والإكراه بحق يكون من القاضي، بسبب يوجب ذلك شرعًا، كما إذا أُكره المُولي على الطلاق، فإنه يقع لأنه إكراه بحق.\nويبدو أن ذلك شرط عند الجميع؛ لأنه من باب دفع الظلم، فلا يُعد إكراهًا يذهب بالاختيار الواجب.\nومن هنا قسم المالكية الإكراه إلى قسمين: شرعي وغير شرعي، ومذهب المدونة الذي عليه الفتوى أن الإكراه غير الشرعي لا يقع به الطلاق، أما الإكراه الشرعي: فهو طوع يقع به الطلاق جزمًا، كما لو حلف بالطلاق لا ينفق على زوجته، أو لا يطيع أبويه، أو لا يقضي دَيْنه الذي عليه. فإذا أكرهه القاضي على الإنفاق على زوجته، أو على طاعة أبويه، أو على قضاء دَيْنه لزمه الطلاق (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-289>طلاق المكره في القانون:</span>\nكان قانون الأحوال الشخصية في مصر يأخذ بمذهب الإمام أبي حنيفة في حكم طلاق المكره، حتى إذا صدر القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩ والذي\n_________\n(^١) وراجع: \"الإكراه بين الشريعة والقانون\" للشيخ زكريا البرديسي (ص ٣٩٠) فما بعدها.\n(^٢) \"الشرح الكبير\" مع \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٦٧). هذا: ولقد يبدو أن إكراه القاضي للمكلف على الطلاق في بعض الحالات، إنما هو إكراه على الطلاق ليقع الطلاق، ولو لم يقع لم يحصل المقصود. جاء في \"المغني\" لابن قدامة: (وإن كان الإكراه بحق نحو إكراه المولى على الطلاق بعد التربُّص إذا لم يفيء، وإكراهه الرجلين اللذين زوّجهما وليان، ولا يعلم السابق منهما على الطلاق؛ لأنه قول حمل عليه بحق فصح، كإسلام المرتد إذا أُكره عليه. ولأنه إنما جاء إكراهه على الطلاق ليقع طلاقه، فلو لم يقع لم يحصل المقصود). انظر: (٧/ ١١٨ - ١١٩).","vol":"1","page":467},{"text":"تضمن بعض الإصلاحات في قانون الأحوال الشخصية، نصّت أول مادة منه على عدم وقوع طلاق المكره أخذًا بمذهب الأئمة الثلاثة. ومنذ ذلك التاريخ جرى عليه العمل كما جرى العمل على ذلك في السودان منذ سنة ١٩٣٥.\nوفي سورية أيضًا كان العمل في قانون الأحوال الشخصية على وقوع طلاق المكره، حتى صدر قانون سنة ١٩٥٣ فنص في المادة/ ٨٩ - ١/ أنه لا يقع طلاق السكران، ولا المدهوش، ولا المكره. فأخذ بمذهب الأئمة الثلاثة في المكره والسكران حيث روعي عموم المقتضى في حديث ابن عباس. وهكذا رأى المشرّع في البلاد العربية، أن روح التشريع تقضي بالأخذ بهذا الاتجاه، لما في ذلك من مصلحة الناس. وهو اتجاه لا تعوزه قوة الدليل، سواء من ناحية اللغة أو من ناحية قواعد التشريع (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-290>المطلب الثالث مدلول دلالة الاقتضاء</span>\nقدّمنا في صدر حديثنا عن دلالة الألفاظ على الأحكام: أن شمس الأئمة السرخسي ﵀ طوى أحكام الدلالات تحت قوله: (بيان الأحكام الثابتة بظاهر النص دون القياس والرأي) (^٢). فالحكم الثابت بأي واحدة من الدلالات الأربع المتقدمة، ثابت بظاهر النص دون القياس والرأي.\nلذلك كان حكم \"دلالة الاقتضاء\"، أنه يثبت بها الحكم شرعًا ثبوته بالعبارة، والإشارة، ودلالة النص.\nولكن هذا لا يعني أنها مع الدلالات الثلاث المذكورة في القوة سواء، بل هي على حال أقلَّ منها، ومردُّ ذلك إلى أن الحكم الذي تناولته، لم\n_________\n(^١) راجع: \"فرق الزواج\" لشيخنا علي الخفيف (ص ٥٧)، \"شرح قانون الأحوال الشخصية\" للأستاذ الدكتور مصطفى السباعي ﵀ (١/ ٢١٩).\n(^٢) \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٣٦) فما بعدها.","vol":"1","page":468},{"text":"يدل عليه اللفظ بصيغته، ولا بمعناه لغة. وإنما ثبت ضرورة صدق الكلام أو صحته.\nوفرقٌ بين ما ثبت بصيغة اللفظ، أو معناه لغةً، فكان ثابتًا من كل وجه، وبين ما استدعته ضرورة تصحيح الكلام واستقامته، فزيد من أجلها، فهو غير ثابت فيما وراء استقامة الكلام وصحته.\n\n<span data-type='title' id=toc-291>حالة التعارض وأثرها:</span>\nوإنما يظهر التفاوت عند التعارض؛ فإذا تعارضت دلالة الاقتضاء مع غيرها من الدلالات المتقدمة، قدمت هذه الدلالات على دلالة الاقتضاء، أخذًا بالأقوى دون الأضعف عند التعارض (^١).\nولقد كان طبيعيًا أن يتقرر تقديم الدلالات الثلاث على دلالة الاقتضاء، نتيجة للتفاوت الذي ذكرناه، حيث يتأخر الأضعف عن الأقوى.\nولكن من الناحية العملية: قرر صاحب \"كشف الأسرار\" أنه لم يجد لمعارضة المقتضى للأقسام التي تقدمته نظيرًا (^٢). ثم ساق مثالًا عدَّه تمحُّلا من بعض الشارحين، وردّه بانعدام المعارضة التي ادعاها ذلك الشارح، وبنى عليها المثال.\nوالمثال المشار إليه هو: (ما إذا باع رجل من آخر عبدًا بألفَيْ درهم، ثم قال البائع للمشتري قبل نقد الثمن: أعتق عبدك عني هذا بألف درهم، فأعتقه، فلا يجوز البيع؛ لأن دلالة النص في شأن ما ورد في حق زيد بن أرقم (^٣) بفساد شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن (^٤) توجب أن\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٢/ ٥٥٦)، \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ٤١٢).\n(^٢) انظر: \"كشف الأسرار\" (٢/ ٥٥٦).\n(^٣) هو الصحابي أبو عمرو زيد بن أرقم الخزرجي المدني، غزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة وروي له عن رسول الله سبعون حديثًا، نزل الكوفة وتوفي بها سنة ٥٦ وقيل سنة ٦٨ هـ.\n(^٤) حديث زيد بن أرقم أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" كما أخرجه كل من الدارقطني والبيهقي في \"سننه\"، ورواية عبد الرزاق في \"المصنف\" جاءت عن أبي إسحاق السبيعي عن =","vol":"1","page":469},{"text":"لا يجوز، والاقتضاء يدل على الجواز، فترجح الدلالة على الاقتضاء.\nوإنما قلنا: إنه دلالة، لأن ثبوت الحكم في حق غير زيد كان بمقتضى النص لا بالنظم، كثبوت الرجم في حق غير ماعز).\nقال عبد العزيز البخاري: (ولكن لقائل أن يقول: لا نسلم المعارضة لأن من شرطها تساوي الحجتين، ولا تساوي؛ لأن المقتضي الذي قام المقتضى به: كلامُ الآمر، والدلالة ثابتة بالسنّة فأنى يتعارضان. ولأن عدم الجواز فيما ذكر من الصورة، إن ثبت، ليس لترجح الدلالة على المقتضى، فإنهما لو صرّحا بالبيع بأن قال المشتري: بعت هذا العبد منك بألف، وقال البائع: قبلت، لا يجوز أيضًا، بل لأن موجَب ذلك النص عدم الجواز من غير معارضة نص آخر إياه، فلا يكون هذا نظير معارضة الدلالة المقتضى) (^١).\nهذا: ومن الممكن إذا سرنا مع القائلين بعموم المقتضى أن نذكر مثالًا لتقديم العبارة على الاقتضاء: عقوبة القتل خطأ. فقد قال ﷺ: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه\".\nفإنه بالنسبة للخطأ يقدم عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] إذ إن دلالة الاقتضاء في الحديث توجب رفع الإثم. ولو كان هذا سائغًا على عمومه لكان مؤداه ألا يعاقب المخطئ ولكنه قدّم نص العقاب (^٢).\n_________\n= امرأته: \"أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها امرأة فقالت: كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى العطاء، ثم ابتعتها منه بستمائة، فنقدته الستمائة، وكتبت عليه ثمانمائة، فقالت عائشة: بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى زيد بن أرقم، إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، فقالت المرأة: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ فقالت: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] انظر: \"سنن الدارقطني\": ٣/ ٤٧٧ (٣٠٠٢) و(٣٠٠٣) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ٢٣١)، \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني تحقيق المؤلف (ص ٨٤)، \"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة\" للزركشي، تحقيق سعيد الأفغاني (ص ١٤٨).\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٢/ ٥٥٦ - ٥٥٧).\n(^٢) راجع: \"أصول الفقه\" لأستاذنا أبي زهرة (ص ١٤٠). وانظر: \"دلالة الكتاب والسنة على الأحكام الشرعية\" زكي الدين شعبان (ص ٤١).","vol":"1","page":470},{"text":"وكذلك بالنسبة للنسيان: كان مقتضى دلالة الاقتضاء في الحديث، ألّا يقضي الناس الصلاة، وصريح النص يقول: \"مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها\" (^١).\nوهكذا يستقيم التمثيل إذا قلنا بعموم المقتضى، بحيث يشمل الرفع الحكمَ الدنيوي والأخرويَّ، فعندها يتحقق التعارض بين دلالة الاقتضاء التي هي رفع حكم الخطأ والنسيان في الدنيا والآخرة، ودلالة العبارة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ودلالة العبارة أيضًا في قول النبي ﷺ: \"مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها\".\nوذلك لأن موجَب دلالة الاقتضاء حينئذ: رفع الحكم الدنيوي والأخروي عن القاتل خطأ، وعن تارك الصلاة نسيانًا، وموجَب عبارة النص في الآية والحديث، عدمُ الحكم الدنيوي فقط عنهما، وما دامت دلالة العبارة أقوى من دلالة الاقتضاء، فإنها تقدم عليها عند التعارض فيُلزَم القاتل خطأ بالعقوبة، ويُلزم التارك للصلاة نسيانًا بالقضاء.\nأما إذا لم نقل بعموم المقتضى: فلا تعارض بين موجَب دلالة الاقتضاء في الحديث وهو وضع الإثم عن المخطئ والناسي، وبين مَوجب عبارة\n_________\n(^١) أما الحديث: فقد جاء بروايات متعددة، من ذلك ما روى أحمد (١٣٥٨٥) والبخاري (٥٩٧) ومسلم (١٥٥٨) عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: \"مَن نسي صلاة فليصلِّها إذا ذكرها، ولا كفارة لها إلا ذلك\". ولمسلم: \"إذا وقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلِّها إذا ذكرها فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وأخرج أحمد وأصحاب الكتب السنة إلا البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"مَن نسي صلاة فليصلِّها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وانظر: \"الجامع الصحيح مع فتح الباري\": (٥٩٧) مسلم (٦٨٠) أبو داود (٤٣٥) الترمذي (٣١٦٣)، النسائي (٦١٨)، ابن ماجه (٦٩٦) و(٦٩٧). وعن أبي قتادة قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة فقال: \"إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها\" رواه النسائي والترمذي وصححه - انظر: \"معالم السنن\" للخطابي (١/ ١٣٦)، \"صحيح البخاري مع فتح الباري\" (٢/ ٢٧)، \"منتقى الأخبار\" (٢/ ٢٦).","vol":"1","page":471},{"text":"النص في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] من وجوب الكفارة والدية على القاتل خطأ، وفي قوله ﵊: \"مَن نام عن صلاة أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها\" من وجوب قضاء الصلاة على من تركها ناسيًا.\nوإنما قلنا ذلك: لأن القول بعدم العموم في المقتضى، يجعلنا نقول برفع الإثم فقط وهو العقوبة في الآخرة.\nوعلى هذا: فالحكم الذي يثبت في الحديث من طريق دلالة الاقتضاء، لا يشمل الحكم الدنيوي، وإنما هو قاصر على رفع الحكم الأخروي عن المخطئ والناسي، وإذا كان الأمر كذلك: فأي تناف بين هذا وبين وجوب العقوبة الدنيوية عليهما.\nوبعد ذلك كله: نود أن نكرر التنبيه على أن كثيرًا من الفروع عند الشافعية وغيرهم - وقد رأينا بعض ذلك من قريب - يبدو فيها الأخذ بأن للمقتضى عمومًا، وربما وجدنا تعليل ذلك في نقطتين:\nأولاهما: أن الشافعية وغيرهم يرون الدلالة في مثل هذه الحال، وكأنها دلالة بصريح النص، وأن تقدير المقتضى أمر يدركه من له أدنى إلمام باللغة، ولذلك تراهم لا يعتبرون تعليق التحليل أو التحريم بالأعيان من المجمل، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقوله ﷺ: \"لا صيام لمن لم يبيِّت النية من الليل\"، بينما يعدها الحنفية من المجمل.\nالثانية: ما نجده عند السعد التفتازاني حين يفصِّل القول ويحققه في أمر ما ينسب إلى الشافعي من القول بعموم المقتضى. قال ﵀: (وقد ينسب القول بعموم المقتضى إلى الشافعي ﵀. وتحقيق ذلك أن المقتضى - بلفظ اسم الفاعل - عنده ما يتوقف صدقه أو صحته عقلًا أو شرعًا أو لغةً على تقدير وهو \"المقتضى\" اسم مفعول. فإذا وجد تقديرات متعددة يستقيم الكلام بكل واحد منها: فلا عموم له عنده أيضًا بمعنى أنه لا يصح تقدير الجميع بل يقدر واحد بدليل، فإن لم يوجد دليل معين لأحدها كان بمنزلة","vol":"1","page":472},{"text":"المجمل. ثم إذا تعين بدليل: فهو كالمذكور، لأن الملفوظ والمقدّر سواء في إفادة المعنى؛ فإن كان من صيغ العموم: فعامٌ وإلا فلا.\nفعلى هذا يكون العموم من صفة اللفظ ويكون إثباته ضروريًا لأن مدلول اللفظ لا ينفك عنه. وبيّنوا الخلاف فيما إذا قال: والله لا آكل، أو إن أكلت فعبدي حر، فعند الشافعي ﵀ يجوز نية طعام دون طعام، تخصيصًا للعام أعني النكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط لأن المعنى: لا آكل طعامًا. وعند أبي حنيفة ﵀ لا يجوز لأنه ليس بعام فلا يقبل التخصيص ولا خلاف في شمول الحكم وشيوعه لكل طعام بل الشيوع عند أبي حنيفة ﵀ أوكَد لأنه لا ينقض أصلًا، لكنه مبني على وجود المحلوف عليه في كل صورة لا على عموم المقتضى) (^١).\nوهكذا: نكون قد انتهينا إلى أن دلالات الألفاظ على الأحكام عند الحنفية لها طرق أربع أعلاها عبارة النص، وتليها إشارة النص، ثم دلالة النص، وتأتي بعد ذلك دلالة الاقتضاء.\nوإنما يظهر تفاوت هذه الدلالات في القوة عند التعارض، ودلالة النص غير القياس. فكل حكم ثبت بواحد من هذه الطرق الأربع. فهو ثابت بظاهر النص دون القياس والرأي - كما سبق -.\n* * *\n_________\n(^١) \"التلويح\" للسعد التفتازاني (١/ ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>الفصل الثاني منهج المتكلمين في طرق الدّلالات</span>\n<span data-type='title' id=toc-293>المبحث الأول المنطوق والمفهوم</span>\nدلالة اللفظ العربي على الحكم تنقسم في نظر المتكلمين إلى قسمين أساسين هما: دلالة المنطوق، ودلالة المفهوم.\n١ - أما دلالة المنطوق فهي: (دلالة اللفظ على حكم ذكر في الكلام ونطق به؛ مطابقةً، أو تضمنًا، أو التزامًا) (^١)، نحو دلالة قوله تعالى في آية المحرمات: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] على تحريم نكاح الربيبة في حجر الرجل من زوجته التي دخل بها. فدلالة هذا القسم من آية المحرَّمات - التي جاءت لبيان من يحرم على الرجل الزواج بهن - على تحريم الربيبة: هي دلالة بالمنطوق.\n- وأما دلالة المفهوم فهي: (دلالة اللفظ على حكم لم يذكر في الكلام ولم ينطق به) نحو دلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] على تحريم أي نوع من أنواع الأذى للوالدين. فهذه الدلالة ليست\n_________\n(^١) المطابقة: دلالة اللفظ على تمام ما وضع له من حيث هو تمامه. والتضمن: دلالة اللفظ على جزء ما وضع له من حيث هو جزؤه. والالتزام - كما سبق - دلالة اللفظ على لازم خارج عن المعنى الموضوع له اللفظ من حيث هو لازمه. وانظر: \"التقرير والتحبير شرح التحرير\" (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":475},{"text":"دلالة بالملفوظ الذي هو محل النطق ولكنها دلالة بما فُهم من هذا الملفوظ وهو المفهوم.\nوذلك ما أشار إليه إمام الحرمين حين جعل ما يستفاد من اللفظ على نوعين: أحدهما متلقًى من المنطوق، والثاني: ما يُشعر به المنطوق، وإن لم يكن منطوقًا به، وهو المفهوم (^١).\nوعلى هذا تكون الدلالة: دلالةً على المنطوق، ودلالة على المفهوم فكلٌّ من المنطوق والمفهوم: مدلولٌ لا دلالة.\nأما ابن الحاجب: فقد قسّم الدلالة إلى قسمين:\nمنطوق: وهو ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق، أي أنه يكون حكمًا للمذكور، وحالًا من أحواله، سواء أذكر ذلك الحكم ونطق به أم لا.\nومفهوم: وهو ما دلّ لا في محل النطق، بأن يكون حكمًا لغير المذكور. وقد تابع ابنَ الحاجب في ذلك كثيرون.\nقال صاحب \"منهاج الوصول\" من الزيدية: (اللفظ العربي في دلالته على وجهين: أحدهما: يدل على المعنى بمنطوقه أي باعتبار ما وضعه الواضع علامة له أو يستلزمه مدلوله. والآخر: يدل عليه بمفهومه لا بمنطوقه، لأنه: إما أن يدل عليه في محل النطق: فهو المنطوق، أو في غير محله: فهر المفهوم) (^٢).\nوعلى هذا يكون المنطوق والمفهوم قسمين للدلالة، فالمنطوق دلالة، والمفهوم دلالة (^٣).\nوهكذا يكون المسلك الأول قد جعل كلًا من المنطوق والمفهوم مدلولًا.\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان\" (١/ لوحة ١٢٠).\n(^٢) راجع: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" مخطوط دار الكتب المصرية (ق ١٤١).\n(^٣) انظر: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرح العضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ١٧١)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١١).","vol":"1","page":476},{"text":"أما المسلك الثاني: فقد جعل كلًا منهما دلالة، والمآل واحد. وسنشرع في بيان ما يتعلق بكل من المنطوق والمفهوم من طرق الدلالة، وما كان للعلماء فيهما من مذاهب، حيث ندرسها مع المقارنة، غير ناسين أن نقف عند بعض الأحكام الفرعية التي كانت من آثار الاختلاف في القواعد والأصول.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-294>المطلب الأول المنطوق</span>\nولقد قسّم المتكلمون المنطوق إلى قسمين:\nمنطوق صريح.\nومنطوق غير صريح (^١).\nأ - فالمنطوق الصريح: (هو دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة، أو التضمن، إذ إن اللفظ قد وضع له) وهو (عبارة النص) عند الحنفية.\nوذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث دلّ النص بمنطوقه الصريح على جواز البيع وتحريم الربا.\nب - أما المنطوق غير الصريح: (فهو دلالة اللفظ على الحكم بطريق الالتزام؛ إذ إن اللفظ مستلزم لذلك المعنى).\nفاللفظ لم يوضع للحكم، ولكن الحكم فيه لازم للمعنى الذي وضع له ذلك اللفظ. وذلك كالذي مرّ بنا سابقًا من دلالة قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] على أن النسب يكون للأب لا للأم، وعلى أن نفقة الولد على الأب دون الأم.\nفإن لفظ اللام لم يوضع لإفادة هذين الحكمين، ولكن كلًا منهما لازم للحكم المنصوص عليه في الآية (^٢).\n_________\n(^١) \"مختصر المنتهى\" مع \"شرح العضد وحواشيه\" (٢/ ١٧١)، \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ١٣)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١١).\n(^٢) انظر ما سبق من دلالة الإشارة (ص ٣٩١).","vol":"1","page":477},{"text":"ومما يلاحظ أن الالتزام عند ابن الحاجب ومن تابعه معتبر من المنطوق، بينما أدرجه بعض الشافعية - ومنهم صاحب \"المنهاج\" - في المفهوم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-295>أنواع المنطوق غير الصريح:</span>\nهذا وقد دلّ الاستقراء على أن المنطوق غير الصريح له في الدلالة على الحكم أنواع ثلاثة:\n١ - دلالة اقتضاء.\n٢ - دلالة إيماء.\n٣ - دلالة إشارة.\nوكان طريق الحصر في هذه الأنواع: أن المدلول عليه بالالتزام: إما أن يكون مقصودًا للمتكلم من اللفظ بالذات، وإما أن لا يكون مقصودًا.\n١ - فإن كان مقصودًا للمتكلم: فذلك بحكم الاستقراء قسمان:\nأحدهما: أن يتوقف على ذلك المدلول: صدق الكلام، أو صحته العقلية، أو الشرعية.\nالثاني: أن لا يتوقف عليه ذلك.\nفإن توقف على المدلول صدق الكلام أو صحته عقلًا أو شرعًا: فدلالة اللفظ عليه تسمى (دلالة اقتضاء) أي أن اللفظ يقتضي ذلك المدلول، وليس بنص صريح فيه.\nوإن لم يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته: فدلالة اللفظ عليه تسمى (دلالة إيماء) ويسميها بعضهم: (دلالة تنبيه).\nب - وإن لم يكن المدلول عليه بالالتزام مقصودًا للمتكلم: فدلالة اللفظ عليه تسمى (دلالة إشارة).\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى بشرح العضد وحاشية السعد\" (٢/ ١٧١)، \"المنهاج\" للبيضاوي مع \"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ١١٧)، \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ٤١٣).","vol":"1","page":478},{"text":"وإذن فالاقتضاء والإيماء ترتبطان بكون اللازم مقصودًا للمتكلم. بينما ترتبط الإشارة يكون اللازم غير مقصود له. والدلالات الثلاث منطوية تحت المنطوق غير الصريح.\nوهكذا يكون لدينا تحت المنطوق أربع دلالات:\nالأولى: دلالة المنطوق الصريح، وهي (دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة أو التضمن) وسمّاها صاحب \"منهاج الوصول\" من الزيدية بالنص (^١) وأمثلة عبارة النص عند الحنفية: أمثلتها (^٢).\nالثانية: دلالة الاقتضاء، وهي (دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته العقلية أو الشرعية).\nوقد عرّفها الآمدي بقوله: (وهي ما كان المدلول فيه مضمرًا، إما لضرورة صدق الكلام، وإما لصحة وقوع الملفوظ) ثم بيّن أن صحة الملفوظ به: إما أن تتوقف على المضمر عقلًا أو شرعًا (^٣). وقد مرّ بنا العديد من الأمثلة على ذلك لدى بحثنا لدلالة الاقتضاء عند الحنفية، وما تبع ذلك من مسألة المقتضى والمحذوف، وهل هما شيء واحد أو مختلفان، ومسألةِ عموم المقتضى وما جرى فيها من الخلاف (^٤).\nونضيف هنا ما يمكن أن يمثّل به حال كون المضمر في الكلام مما تتوقف عليه صحة الكلام الشرعية، وذلك ما نراه في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] حيث قدّر العلماء مضمرًا هو \"فأفطر\"، وبذلك يكون مجرى النص: فمَن كان منكم مريضًا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر (^٥).\n_________\n(^١) راجع: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" (ق ١٤١) فما بعدها.\n(^٢) انظر ما سبق (ص ٣٨٤).\n(^٣) راجع: \"الأحكام\" للآمدي (٣/ ٩١).\n(^٤) انظر ما سبق (ص ٤٤٥ - ٤٥٦).\n(^٥) راجع \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٧٨)، \"روضة الناظر\" لابن قدامة مع الشرح لبدران (٢/ ١٩٨).","vol":"1","page":479},{"text":"وبيان ذلك أن الجمهور على صحة صوم رمضان في السفر، خلافًا للإمام ابن حزم الذي يرى حرمة هذا الصوم في السفر ووجوب الفطر على المكلف (^١).\nوعليه: فقضاء الصوم على المسافر عند الجمهور، إنما يجب إذا أفطر في السفر. أما إذا صام في سفره: فلا موجب للقضاء، وعلى هذا فلا بد من إضمار (فأفطر) في الآية.\nولقد تأيّد مذهب الجمهور في الإضمار بالسنّة القولية والعملية؛ فقد ورد عن النبي ﷺ عدد من الأحاديث التي تدل على صحة الصوم في السفر، وإذا صحّ صوم رمضان في السفر: فالقضاء لا يكون إلا على من أفطر.\nمن هذه الأحاديث ما روي عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي (^٢) قال للنبي ﷺ: أأصوم في السفر؟ - وكان كثير الصيام - فقال: \"إن شئت فصُم وإن شئت فأفطر\" (^٣).\n_________\n(^١) قال ﵀: (ومَن سافر - سفر طاعة أو سفر معصية، أو لا طاعة ولا معصية -: ففرضٌ عليه الفطر إذا تجاوز ميلًا أو بلغه أو إزاءه. وقد بطل صومه حينئذ لا قبل ذلك في أيام أُخر، وله أن يصومه تطوعًا، أو عن واجب لزمه، أو قضاء عن رمضان حال لزمه، وإن وافق فيه يوم نذره صامه لنذره) \"المحلى\" (٦/ ٢٤٣).\nهذا وقد حكي عن بعض الصحابة ورجال من السلف أنه لا يجزئ الصوم في السفر عن القرض، وأن مَن صام في السفر وجب عليه قضاؤه، ومن أهم ما استدل به لذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فالظاهر من الآية: فعليه عدة، أو: فالواجب عدة خلافًا لما تأوله الجمهور: (فأفطر فعدة). وكذلك قوله ﷺ فيما رواه البخاري: \"ليس من البر الصيام في السفر\". ومقابل البر الإثم، وإذا كان آثمًا بصومه لم يجزئه. وانظر \"فتح الباري\" مع \"الجامع الصحيح\" (٤/ ١٥٩).\n(^٢) هو الصحابي حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي، أبو صالح، وقيل: أبو محمد، روي له عن رسول الله ﷺ تسعة أحاديث منها حديث الصيام المذكور، وكان كثير العبادة، وقد شهد فتح إفريقية مع عبد الله بن سعد وكانت له فيها مقامات محمودة. توفي ﵁ سنة إحدى وستين للهجرة وهو ابن إحدى وسبعين سنة وقيل ابن ثمانين.\n(^٣) أخرجه أحمد وأصحاب الكتب السنة واللفظ للبخاري: \"الجامع الصحيح\" مع \"فتح الباري\" (١٩٤٣) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٢٦٢٠) \"جامع الأصول\" لابن الأثير (٤٥٨٣).","vol":"1","page":480},{"text":"ففي هذا الحديث دليل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، وهو وإن لم يكن فيه تصريح بأن الصوم كان في رمضان، ففي رواية مسلم أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليّ جناح؟ فقال ﷺ: \"هي رخصة من الله فمَن أخذ بها فحسن، ومَن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه\" (^١).\nقال ابن حجر في \"الفتح\": (وهذا ما يُشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة، وذلك أن الرخصة إنما تطلق في مقابل ما هو واجب).\nثم قال الحافظ: (وأصرح منه ما أخرجه أبو داود والحاكم أنه قال: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني رمضان - وأنا أجد القوة، وأجدني أن أصوم أهون عليّ من أن أؤخره، فيكون دَيْنًا عليّ، فقال: \"أيّ ذلك شئت يا حمزة\") (^٢).\nوكان ابن العربي قد عرض لهذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وأبان أن سنة الرسول ﷺ، واللغة بفصاحتها وجزالة القول فيها، تؤيدان ما ذهب إليه الجمهور من إضمار (فأفطر).\n_________\n(^١) راجع: \"فتح الباري\" مع \"الجامع الصحيح\" (٤/ ١٥٦)، \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ١٧)، \"منتقى الأخبار\" مع نيل الأوطار\" (٤/ ٢٣٥).\n(^٢) راجع: \"فتح الباري (٤/ ١٥٦ - ١٥٧)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٨) هذا: ومما يؤيد ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في أن الصوم المسؤول عنه: هو صوم رمضان، ما أخرج الإمام أحمد (٢٨٠٥٣) والبخاري (١٩٤٥) ومسلم (٢٦٢٥) و(٢٦٢٦) وأبو داود (٢٤٠٩) عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: \"خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة\". قال ابن دقيق العيد: (وهذا تصريح بأن هذا الصوم وقع في رمضان، ومذهب جمهور الفقهاء صحة صوم المسافر، والظاهرية خالفت فيه - أو بعضهم - بناء على ظاهر لفظ القرآن من غير اعتبار للإضمار، وهذا الحديث يرد عليهم) \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد. وانظر: (٢/ ١٧ - ١٨) \"معالم السنن\" للخطابي (٢/ ١٢٣)، \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ٣٣٣)، \"جامع الأصول\" لابن الأثير (٤٥٨٩)، \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٢٦٢٥).","vol":"1","page":481},{"text":"وذلك قوله في \"أحكام القرآن\": (قال علماؤنا: هذا القول من لطيف الفصاحة، لأن تقريره فأفطر فعدّة من أيام أُخر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] تقديره: (فحلق ففدية). ثم عرض ابن العربي إلى من خالف ذلك فقال: (وقد عزي إلى قوم أن مَن سافر في رمضان قضاه، صامه أو أفطره. وهذا لا يقول به إلا ضعفاء الأعاجم، فإن جزالة القول وقوة فصاحته تقتضي (فأفطر) وقد ثبت عن النبي ﷺ الصوم في السفر قولًا وفعلًا) (^١).\nوهكذا يثبت بالدليل ضرورة إثبات (فأفطر) لأن صحة الكلام الشرعية تقتضيها، فدلالة النص القرآني على ارتباط قضاء رمضان للمسافر: بالإفطار؛ وذلك لإضمار (فأفطر) التي توقفت عليها صحة الكلام شرعًا كما ثبت في السنّة الصحيحة، فدلالة النص على إضمار هذه الكلمة دلالة اقتضاء.\nالثالثة: دلالة الإيماء: (وهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلًا أو شرعًا، في حين أن الحكم المقترن لو لم يكن للتعليل، لكان اقترانه به غير مقبول ولا مستساغ؛ إذ لا ملاءمة بينه وبين ما اقترن به) (^٢).\n١ - كما لو ورد عن الشارع حكم مرتّب على وصف بحرف الفاء، للدلالة على التعقيب في كلام الله أو كلام رسوله أو كلام الراوي عن الرسول (^٣).\nأما في كلام الله تعالى: فكما في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].\n_________\n(^١) راجع: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٨).\n(^٢) انظر: \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب وشرحه العضد مع \"حاشية التفتازاني\" (٢/ ١٧٢).\n(^٣) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، \"مختصر ابن الحاجب\" مع \"شرحه للعضد وحاشية التفتازاني\" (٢/ ١٧٢).","vol":"1","page":482},{"text":"فالأمر بقطع اليد في الآية، رتّبه الشارع على السرقة لوجوب القطع. ولولا ذلك لكان هذا الاقتران غير مقبول.\nوأما في كلام الرسول: فكقوله ﵇: \"مَن أحيا أرضًا ميّتة فهي له، وليس لِعِرْقِ ظالم حق\" (^١).\nففي هذا النص من السنّة: رتّب الرسول ﷺ ملك الأرض الموات على إحيائها، بحرف الفاء في قوله: \"فهي له\" فهذه دلالة إيماء وتنبيه على أن الإحياء للأرض الميتة هو علة الملك.\nأما في كلام الراوي: فقد مثّل الآمدي لذلك بقوله: سها رسول الله ﷺ في الصلاة، فسجد. وزنى ماعز، فرجمه رسول الله ﷺ (^٢).\nوهنا كما في الصور السابقة: رتب السجود على السهو والرجم على الزنى بحرف الفاء.\nفدلّ على أن ما رُتب عليه الحكم بالفاء: هو علة له.\nوذلك في جميع هذه الصور - كما قرّر الآمدي - يدل على أن ما رتب عليه الحكم (بالفاء) يكون علة للحكم لكون (الفاء) في اللغة ظاهرة في التعقيب، ويلزم من إفادتها التعقيب السببية؛ لأنه لا معنى لكون الوصف سببًا، إلا أن يثبت الحكم عقيبه، وإن كان ذلك على سبيل الظاهر لا على سبيل القطع (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٦٩١) وأبو داود (٣٠٧٣) والترمذي (١٣٧٨) من رواية سعيد بن زيد. راجع: \"جامع الأصول\" لابن الأثير (١٣٦)، \"منتقى الأخبار مع نيل الأوطار\" (٥/ ٣١٩). ولأبي داود (٣٠٧٦) والدارقطني (٢٩٣٨) رواية مطولة عن عروة بن الزبير، وانظر: \"التعليق المغني على الدارقطني\": (٣/ ٤٤٤) فما بعد، \"نيل الأوطار\" (٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨).\n(^٢) انظر (ص ٤٢٥ - ٤٢٦) مما سبق.\n(^٣) في \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٣٦٧) وليس ذلك قطعًا بل ظاهرًا، لأن الفاء في اللغة قد ترد بمعنى (الواو) في إرادة الجمع المطلق. وقد ترد بمعنى (ثمَّ) في إرادة التأخير مع المهلة ....، غير أنها ظاهرة في التعقيب، بعيدة فيما سواه).","vol":"1","page":483},{"text":"وما ذكرناه من الحالات التي تظهر فيها دلالة الإيماء تتفاوت مراتبه، فأعلى الحالات رتبة ما ورد في كلام الله تعالى، ثم ما ورد في كلام رسوله، ثم ما ورد في كلام الراوي (^١).\n٢ - ومن هذا القبيل أيضًا: ما لو حدثت واقعة فرفعت إلى النبي ﷺ، فحكم عقيبها بحكم، فإنه يدل بطريق الإيماء والتنبيه على كون ما حدث: علةً لذلك الحكم.\nوذلك كما سبق من حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: \"ما أهلكك؟ \" قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم - وفي رواية - أصبت أهلي في رمضان، فقال رسول الله ﷺ: \"هل تجد رقبة تعتقها؟ … \" الحديث (^٢) فإن الحكم بوجوب الكفارة على الأعرابي عقيب قوله: وقعت على امرأتي … يدل بطريق الإيماء والتنبيه على أن الوقاع كان علةً لوجوب الكفارة؛ وذلك لأنا تعلم أن الأعرابي إنما سأل النبي ﷺ عن واقعته لبيان حكمها شرعًا، وأن النبي - وهو المبيَّن للشريعة - إنما ذكر ذلك الحكم في معرض الجواب له.\nوإذا كان جوابًا عن سؤاله، فالسؤال الذي كان الحكم جوابًا عنه: يكون ذكرُه مقدّرًا في الجواب؛ فهو مذكور تقديرًا في كلام النبي ﷺ للأعرابي فكأنه قال: واقعتَ فكفر. وفي نصوص الشريعة إذا رُتب الحكم على وصف بحرف \"الفاء\" التي هي للتعقيب أصالة: فإنه يدل بطريق الإيماء على أن هذا\n_________\n(^١) قال الآمدي: (سواء أكان - يعني الراوي - فقيهًا أم لم يكن. لكنه إن كان فقيهًا كان الظن بقوله أظهر. وإذا لم يكن فقيهًا، وإن كان في أدنى الرُتَب، غير أنه مغلَّب على الظن، لأنه إذا قال: سها رسول الله ﷺ فسجد، فالظاهر من حاله مع كونه متديِّنًا عالِمًا يكون الفاء موضوعة للتعقيب: أنه لم يفهم إلا أن السهو سبب للسجود، وإلا لما رُتب السجود على السهو بالفاء، لما فيه من التدليس بنقل ما يفهم منه السببية، ولا يكون سببًا، بل ولما كان تعليقه للسجود بالسهر أوْلى من غيره) \"الإحكام\" (٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨).\n(^٢) انظر ما سبق (ص ٤٢٩ - ٤٣١) راجع: \"إحكام الآمدي\" (٣/ ٣٦٨)، \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (٤١٣)، \"إرشاد الفحول\" (ص ٢١٢).","vol":"1","page":484},{"text":"الوصف علة لذلك الحكم، فكذلك إذا رتب الحكم على الوصف بالفاء تقديرًا: فإنه يدل على أن ذلك علة له (^١).\nولكن هل دلالة الإيماء في حال كون الفاء مقدّرة، هي في الظهور كما لو كانت الفاء محققة؟\nلقد ذكر العلماء أن الأولى دون الثانية في الظهور، شأنَ الفرق بين التقدير والتحقيق، ولاحتمال أن يكون المتكلم قد بدأ الكلام لا عن قصد الجواب، ولكن ذلك بعيد في حق النبي ﵇ فيما فرض السؤال عنه.\nوهكذا يكون وجوب الكفارة الذي نطق به الرسول: قويَّ الدلالة إيماءً على أن العلة في هذا الحكم هي الوقاع المذكور. ولا يقدح في قوة هذا الإيماء كونُ الفاء مقدّرة لا محققة، كما لا يقدح فيه احتمال أن يكون قد بدأ الكلام لا عن قصد الجواب (^٢).\nالرابعة: دلالة الإشارة (وهي دلالة اللفظ على لازم غير مقصود للمتكلم، لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته) فيقال: أشار النص إلى الحكم؛ فهو لم يقتضه ولا أومأ إليه (^٣).\nقال الغزالي: (فكما أن المتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ: فيسمى إشارة. فكذلك قد يتبع اللفظَ ما لم يقصد به ويبنى عليه) (^٤). وفيما أوردناه من الأسئلة لإشارة النص لدى بحثها عند الحنفية غناء عن التكرار هنا في بحثها لدى المتكلمين. ولقد يكون من\n_________\n(^١) راجع: الآمدي في \"الإحكام\" (٣/ ٣٦٨). ولقد ذكرنا فيما مضى عن الخلاف بين الحنفية وغيرهم حول كون العلة الموجبة للكفارة في حديث الأعرابي هي الوقاع بعينه أم انتهاك حرمة رمضان بالإفطار سواء أكان ذلك بالوقاع أم بالأكل والشرب، انظر ذلك في (ص ٤٢٩ - ٤٣٠) مما سبق.\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٣٦٨).\n(^٣) راجع: \"البرهان\" لإمام الحرمين (١/ لوحة ١١٩) فما بعدها، \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع \"شرح العضد وحاشية التفتازاني\" (٢/ ١٧٢)، \"منهاج الوصول\" في أصول الزيدية (ق ١٤٢/ ب).\n(^٤) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ١٨٨)، \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ٤١٤).","vol":"1","page":485},{"text":"الغريب أن يورد الغزالي والآمدي وغيرهما مثالًا للإشارة: دلالة حديث: \"تقعد إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم\" - بذكر (الشطر) -: على أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا، مستدلين لذلك بأن ذكر الشطر، كان للمبالغة في نقصان الدين، والمبالغة تقتضي ذكر أكثر ما يتعلق به الغرض، فلو كان زمان ترك الصلاة أكثر من الشطر وهو النصف لذكره الرسول ﷺ (^١).\nوقد كنا حققنا ضعف تلك الرواية، وذكرنا الرواية الصحيحة للحديث بلفظ البخاري، وهي عارية عن كلمة \"الشطر\" (^٢) غير ناسين أن نبيّن أنه لو صحّت رواية الشطر، فإنها لا تفي بالاستدلال؛ لأن هذه الكلمة ليست مقتصرة في اللفظ على النصف وإنما تأتي لمعانيَ أخرى.\nعلى أن الشافعي ﵀ كما حققنا هناك - لم يعتمد في تقرير أكثر مدة الحيض على مثل هذه الروايات من الأحاديث، وإنما اعتمد على الاستقراء من حالات بنات حواء. ولكل مجتهد نصيب (^٣).\nوعمل الغزالي وأمثاله ﵏، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على أن استنباط أحكام الشريعة من نصوص السنّة، لا تكفي فيه البضاعة المزجاة من الحديث، بل لا بد - إلى جانب الفقه والقدرة على الاستنباط - من معرفة بنصوص السنّة التي استوفت شروطها من حيث صلاحيتها للاحتجاج، وبذلك يصح أن تكون موارد للأحكام، وكم لأئمة الحديث ﵏ من فضائل لا تُنكر في هذا المضمار، فقد تكفّلوا بتحرير المرحلة الأولى - وفق منهج علمي أمين للإفادة من السنّة الكريمة، وهي مرحلة ثبوت النص، تلك المرحلة التي لا بد منها لسلامة المورد في استنباط الأحكام.\n_________\n(^١) انظر: \"المستصفى\" (٢/ ١٨٨)، \"إحكام الآمدي\" (٣/ ٩٢)، \"ابن الحاجب بشرح العضد مع التفتازاني\" (٢/ ١٧٢).\n(^٢) انظر ما سبق (ص ٤١٢ - ٤١٤).\n(^٣) انظر ما سبق (ص ٤١٤ - ٤١٦).","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type='title' id=toc-296>المطلب الثاني المفهوم</span>\nأما دلالة المفهوم: فتنقسم إلى قسمين:\nأولهما: (مفهوم الموافقة).\nالثاني: (مفهوم المخالفة).\nوقد أطلق ابن فورك (^١) على الأول اسم (مفهوم الخطاب) وعلى الثاني (دليل الخطاب) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-297>أولًا - مفهوم الموافقة:</span>\nأما مفهوم الموافقة - (وهو دلالة النص عند الحنفية - فهو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه، وموافقته له نفيًا وإثباتًا، لاشتراكهما في معنًى يدرك بمجرد معرفة اللغة؛ دون الحاجة إلى بحث واجتهاد). وسمّي مفهوم موافقة لأن المسكوت عنه موافقٌ في الحكم للمذكور.\nوكنا ذكرنا في حينه عند الكلام عن دلالة النص عند الحنفية، أنها تسمى أيضًا فحوى الخطاب، ولحن الخطاب؛ لأن الحكم الذي يثبت للمذكور بمنطوق النص: يثبت لغير المذكور بروحه ومعناه ومعقوله (^٣).\n_________\n(^١) هو محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني أبو بكر من فقهاء الشافعية، عالم بالأصول والكلام، بلغت تصانيفه قريبًا من المائة منها: \"مشكل الحديث وغريبه\". توفي سنة ٤٠٦ هـ.\n(^٢) جاء في \"البرهان\" لإمام الحرمين (١/ لوحة ١٢١) (وذكر الأستاذ أبو بكر بن فورك في مجموعاته فصلًا لفظًا بيّن فيه قسمَيْ المفهوم فقال: ما دلّ على الموافقة فهو الذي يسمى مفهوم الخطاب، وما دلّ على المخالفة فهو الذي يسمى دليل الخطاب. وهذا راجع إلى تلقيب قريب).\n(^٣) انظر ما سبق (ص ٤٢١ - ٤٢٢).","vol":"1","page":487},{"text":"والفحوى واللحن عند ابن الحاجب اسمان لمسمى واحد وهو مفهوم الموافقة (^١). وذلك ما جرى عليه الزيدية أيضًا من المتكلمين (^٢).\nويرى ابن السبكي أن المسكوت عنه إن كان أوْلى بالحكم من المنطوق: سمي المفهوم (فحوى الخطاب) وإن كان مساويًا له فهو (لحن الخطاب) (^٣). وعلى هذا فالفحوى واللحن قسمان لمفهوم الموافقة - لا قسيمان له -. وهذا ما ارتضاه الشوكاني في \"إرشاد الفحول\".\nوقد حكي عن الماوردي والروياني (^٤) في الفرق بين فحوى الخطاب ولحن الخطاب وجهان:\nأحدهما: أن الفحوى: ما نبّه عليه اللفظ، واللحن: ما لاح في اللفظ.\nوثانيهما: أن الفحوى: ما دلّ على ما هو أقوى منه، واللحن ما دلّ على مثله (^٥).\nوذلك - كما يُرى - من الأمور الاصطلاحية التي بني الاختلاف فيها على مقدار ما يرى صاحب الاصطلاح من انطباق مصطلحه على العربية التي هي لغة هذه الشريعة.\nوعلى أية حال: مهما اختلفت الأسماء، فإن مفهوم الموافقة مَقولٌ به من\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد والتفتازاني\" (٢/ ١٧٢).\n(^٢) راجع: \"منهاج الوصول\" في أصول الزيدية (ق/ ١٠٤)، \"الفصول اللؤلؤية\" (ق/ ١٠٢).\n(^٣) انظر: \"جمع الجوامع\" مع \"حاشية البناني\" (١/ ٢٤١).\n(^٤) هو عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد أبو المحاسن فخر الإسلام الروياني. فقيه شافعي، له تصانيف منها: \"بحر المذهب\" مخطوط من أطول كتب الشافعية، توفي سنة ٥٠٢ هـ.\n(^٥) كما حكى الشوكاني عن القفال: أن فحوى الخطاب: ما دلّ المظهر على السقط، واللحن: ما يكون محالًا على غير المراد. راجع: \"إرشاد الفحول\" (ص ١٧٨).","vol":"1","page":488},{"text":"عامة أئمة هذه الشريعة - كما سيأتي - لم يخرج عن ذلك إلا بعض الظاهرية، وهو المعروف عند الحنفية - كما أسلفنا - بدلالة النص، وقد عرضنا لعدد من الأمثلة هناك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-298>ثانيًا - مفهوم المخالفة:</span>\nأما مفهوم المخالفة: فيمكن تعريفه في ضوء ما مرّ، وما ذكروه من تعريفات له بأنه: (دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالفٍ لما دلّ عليه المنطوق، لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في الحكم) (^٢).\nويسمونه - كما قال ابن فورك - دليل الخطاب.\nوإنما سمي \"مفهوم المخالفة\"، لما يرى من المخالفة بين حكم المذكور وغير المذكور.\nوسمي \"دلالة الخطاب\"؛ لأن دليله من جنس الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه (^٣).\nأما الحنفية: فقد سمُّوه (المخصوص بالذكر) واعتبروا التمسُّك به من التمسُّكات الفاسدة، وذلك ما عبّر عنه البزدوي والسرخسي وغيرهما: أنه من العمل بالنصوص بوجوه فاسدة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-299>أنواع مفهوم المخالفة:</span>\nهذا، ولما كان القيد في حكم المنطوق معتبرًا في مفهوم المخالفة، فقد تنوّع هذا المفهوم حسب نوع القيد إلى أنواع كثيرة، أوصلها بعضهم،\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ٤٢١) فما بعد.\n(^٢) راجع: \"ابن الحاجب مع العضد والسعد\" (٢/ ١٧٢)، \"الآمدي\" (٣/ ٩٩)، \"المحلى على جمع الجوامع\" (١/ ٢٤٥)، \"دلالة الكتاب والسنة على الأحكام الشرعية\" (ص ٤٣).\n(^٣) راجع: \"إرشاد الفحول\" (ص ١٧٩).\n(^٤) راجع على سبيل المثال: \"البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (٢/ ٣٧٥).","vol":"1","page":489},{"text":"كالآمدي إلى العشرة (^١). وسنشير إلى عدد منها موضحًا بالأمثلة تاركين التفصيل إلى حيث أوانُ التفصيل. فمنها:\n\n<span data-type='title' id=toc-300>١ - مفهوم الصفة:</span>\n(وهو دلالة اللفظ المقيّد بوصف على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت الذي انتفى عنه ذلك الوصف).\n١ - وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].\nفإنه يدل بمنطوقه على أن المسلم إذا لم يملك القدرة على الزواج بالحرائر: يحل له الزواج بالإماء المؤمنات. كما يدل بمفهومه المخالف على أنه في هذه الحال: يحرم عليه الزواج بالإماء الكافرات.\nوالسبب في ذلك: انتفاء الوصف الذي قيد به الحكم في المنطوق - وهو الإيمان - فيثبوت وصف الإيمان، كان الحِلُّ، وبانتفائه انتفى الحِلُّ، وكانت الحرمة.\n٢ - وكما في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].\nفهو يدل بمنطوقه على وجوب التبيُّن إن جاء الفاسق بالنبأ، ويدل بمفهومه المخالف أنه إن جاء العَدْلُ لم يجب ذلك.\n٣ - ومن ذلك قوله ﵊ فيما ذكره الآمدي وغيره: \"في الغنم السائمة زكاة\" (^٢) فإنه يدل بمنطوقه على وجوب الزكاة في الغنم\n_________\n(^١) ومن هؤلاء الشوكاني من المتأخرين فقد ذكر في \"إرشاد الفحول\": مفهوم الصفة، ومفهوم العلة، ومفهوم الشرط، ومفهوم العدد، ومفهوم الغابة، ومفهوم اللقب، ومفهوم الحصر، ومفهوم الحال، ومفهوم الزمان، ومفهوم المكان، إلا أنه جعل الثلاثة الأخيرة راجعة إلى مفهوم الصفة (ص ١٨١ - ١٨٣).\n(^٢) انظر تحقيق رواية الحديث في (الحاشية ٣ ص ٣١٧) مما سبق.","vol":"1","page":490},{"text":"السائمة. ويدل بمفهومه المخالف على أن الغنم المعلومة لا زكاة فيها، وذلك لانتفاء وصف السَّوم الذي قُيّد به وجوب الزكاة في المنطوق.\n٤ - ومنه أيضًا ما جاء في حديث التأبير من قوله ﷺ: \"مَن باع نخلًا قد أُبّرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع\" (^١).\nفهذا النص يدل بمنطوقه على أن ثمرة النخل الذي بيع بعد تأبيره يستحقها البائع، إلا إذا اشترط المشتري على البائع أن يكون الثمر له.\nكما يدل بمفهوم المخالفة: على أن ثمرة النخل الذي بيع قبل تأبيره، لا يستحقها البائع وإنما يستحقها المشتري، وذلك لأن استحقاق البائع قُيّد بالتأبير؛ فعندما انتفى هذا الوصف، ثبت نقيض حكم المنطوق، وهو استحقاق المشتري، بدل استحقاق البائع.\n٥ - ومثله قوله ﷺ: \"لَيّ الواجد يحلّ عِرْضَه وعقوبته\" (^٢) فإن الحديث يدل بمنطوقه على أن للدائن أن يتكلم في حق المدين الذي يقدر على الدفع ويماطل، كما أن للقاضي أن يعاقبه إذا طلب الدائن ذلك (^٣).\n_________\n(^١) الحديث بهذا اللفظ: أخرجه البخاري (٢٣٧٩) من رواية ابن عمر ﵄. وأخرجه ابن ماجه (٢٢١٠) عن ابن عمر أيضًا بلفظ: \"مَن ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع .... \". وراجع: \"فتح الباري\" مع \"الجامع الصحيح\" (٤/ ٢٧٥) (٢٣٧٩)، \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٨٢).\n(^٢) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في \"المستدرك\" من رواية عمرو بن الشريد، وعلّقه البخاري، قال العجلوني في \"كشف الخفاء\": وهو بمعنى الحديث المشهور الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة بلفظ: \"مطل الغني ظلم\". انظر: \"الجامع الصغير\" مع \"فيض القدير\" (٥/ ٤٠٠)، \"المقاصد الحسنة\" للسخاوي (ص ٢٨٨)، \"كشف الخفاء\" للعجلوني (٢/ ١٧٤)، \"جامع الأصول\" لابن الأثير (٤/ ٤١٣) (٢٥٣٧)، أحمد (٨٨٨٣)، البخاري (٢٢٨٧) مسلم (١٥٦٤)، أبو دارد (٣٣٤٥) الترمذي (١٣٠٨)، ابن ماجه (٢٤٠٣)، النسائي (٤٦٨٨).\n(^٣) قال المناوي: \"يُحل عرضه بأن يقول له الدائن: أنت ظالم، أنت مماطل، ونحوه مما ليس بقذف ولا فحش، وعقوبته: بأن يعزّره القاضي على عدم الأداء بنحو حبس\". انظر: \"فيض القدير\" شرح \"الجامع الصغير\" (٥/ ٤٠٠)، \"العزيزي على الجامع الصغير\" (٣/ ٢٣٠).","vol":"1","page":491},{"text":"ولئن كان هذا النص النبوي يدل بمنطوقه على ذلك، إنه يدل بمفهومه على أن مَطْل المدين الفقير لا يبيح عرضه ولا عقوبته، وإنما قلنا ذلك: لانتفاء وصف الغنى الذي قُيّد به ذلك الحكم الذي دلّ عليه المنطوق.\n\n<span data-type='title' id=toc-301>٢ - مفهوم الشرط:</span>\n(وهو دلالة اللفظ الذي علق الحكم فيه بشرط: على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت الذي انتفى عنه ذلك الشرط).\n١ - وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].\nفإنه يدل بمنطوقه على وجوب النفقة للمطلقة طلاقًا بائنًا - وهي المبتوتة - إذا كانت حاملًا. ويدل بمفهومه المخالف: على أن المبتوتة التي لا يتوافر فيها شرط الحمل - فتكون حائلًا -: لا تجب لها النفقة؛ لانتفاء الشرط الذي علق عليه الحكم في المنطوق.\nفانتفى الحكم - وهو النفقة - بانتفاء الشرط - وهو الحمل - قال الإمام الشافعي بعد أن ذكر الآية: (فلما أوجب الله لها نفقة بالحمل: دلّ من أن لا نفقة لها بخلاف الحمل) (^١).\n٢ - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].\nولئن جئنا بهذا النص سابقًا في معرض \"مفهوم الوصف\": إنه يدل\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المزني\" (٥/ ٧٨)، \"أحكام القرآن\" للشافعي (١/ ٢٦١ - ٢٦٢) قلت: وفي \"الأم\" (٥/ ٢١٩) بعد أن أورد الشافعي الآية قال: (دلّ على أن الصنف الذي أمر بالنفقة على ذوات الأحمال؛ منهن صنف دلّ الكتاب على أن لا نفقة على غير ذوات الأحمال منهن لأنه إذا وجب لمطلقة بصفة نفقة، ففي ذلك دليل على أنه لا يجب نفقة لمن كانت في غير صفتها من المطلقات) فنظر الشافعي ﵀ إلى الصفة. والذين يوردون الآية في معرض مفهوم الشرط: ينظرون إلى اشتراط هذه الصفة وتعليق الحكم على وجودها، والمآل واحد، ففي الآية (مفهوم) وصف من وجه، (ومفهوم شرط) من وجه آخر.","vol":"1","page":492},{"text":"بمنطوقه أيضًا أن للمسلم عند عدم القدرة على الزواج بالحرائر، أن يتزوج بالإماء المؤمنات. وكونُ الزواج بالإماء المؤمنات حلالًا، علّقه الشارع على شرط عدم الطول، وهو العجز عن الزواج بالحرائر.\nلذلك: فإن النص يدل بمفهومه المخالف على حرمة الزواج بالإماء عند القدرة على الزواج بالحرائر؛ لأن هذا الحِل قد اشترط له عدم استطاعة الطول، وإذا انتفى هذا الشرط: انتفى الحِل بانتفائه.\n٣ - ومن ذلك: قوله جلّ وعلا: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].\nفإذا كان هذا النص يدل بمنطوقه - كما هو واضح - على حل أخذ شيء من المرأة إذا طابت نفسها بذلك؛ فإنه يدل بمفهومه المخالف، على حرمة أخذ هذا الشيء إذا لم تطب نفس المرأة به؛ لأن حِلَّ الأخذ الذي دلّ عليه المنطوق: عُلِّق في الآية على رضا الزوجة، فكان الرضا شرطًا في الحِل الذي انتفى بانتفائه.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>٣ - مفهوم الغاية:</span>\n(وهو دلالة النص - الذي قيد الحكم فيه بغاية - على حكم للمسكوت بعد هذه الغاية مخالفٍ للحكم الذي قبلها).\n١ - ومن أمثلته قوله جلّ وعلا في معرض أحكام الصيام: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] و﴿حَتَّى﴾ بمعنى الغاية وهي انتهاء الشيء وتمامه، وحكم الغاية أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها.\nفبدل النص بالمنطوق: على إباحة تناول الطعام والشراب في ليل رمضان إلى الفجر الذي هو غاية الجل.\nويدل بالمفهوم المخالف: على أن الأكل والشرب حرام بعد هذه الغاية، وهي طلوع الفجر الصادق.","vol":"1","page":493},{"text":"وهكذا كان حكم ما بعد (حتى) مخالفًا لحكم ما قبلها.\nوما يقال في (حتى) التي هي للغاية يقال في (إلى) فهي تأتي بمعنى الغاية أيضًا، فإذا دلّت بمنطوقها على وجوب الصيام بياضَ النهار، فإنها تدل بمفهومها المخالف على عدم وجوب الصيام في الليل.\n٢ - ومنها قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nفمدلول الآية من طريق المنطوق: تحريم إتيان النساء قبل أن يطهرن، وذلك بانتهاء زمن الحيض أو الاغتسال، على خلاف في المسألة (^١).\nأما مدلولها من طريق المفهوم المخالف: فهو جواز الإتيان بعد انتهاء زمن الحيض والاغتسال (^٢).\n٣ - ومثل ذلك قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].\nفالمدلول الواضح لمنطوق الآية: تحريم المطلقة ثلاثًا على زوجها، واستمرار هذا التحريم حتى تتزوج برجل آخر.\nأما مفهوم الآية المخالف: فهو أن المطلقة إذا نكحت زوجًا آخر: حلّت لزوجها الأول (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-303>٤ - مفهوم العدد:</span>\nوهو دلالة النص - الذي قُيِّد الحكم فيه بعدد مخصوص - على ثبوت حكم للمسكوت مخالف لحكم المنطوق، لانتفاء ذلك القيد.\n_________\n(^١) راجع ما سبق (ص ٢٦٠).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٠٠)، \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٦٥).\n(^٣) انظر: \"الآمدي\" (٣/ ١٠١)، \"ابن الحاجب مع العضد والتفتازاني\" (٢/ ١٧٣).","vol":"1","page":494},{"text":"١ - مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].\n٢ - وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].\nفإن تقييد وجوب الجلد في الآية الأولى بمائة، وفي الثانية بثمانين: يدل بطريق المفهوم المخالف: على أن الزائد عليها لا يجب (^١).\nهذه هي الأقسام التي ذكرها ابن الحاجب لمفهوم المخالفة (^٢)، اقتصرنا عليها الآن، لنعود فيما بعد إلى التفصيل الذي وعدنا أن يكون في حينه - إن شاء الله -.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"ابن الحاجب\" مع \"العضد والتفتازاني\"، \"إرشاد الفحول\" (١٨٠)، \"أصول الفقه\" للخضري (ص ١٨٠).\n(^٢) راجع: \"مختصر المنتهى بشرح العضد وحاشية التفتازاني\" (١/ ١٧٤ - ١٨٤).","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type='title' id=toc-304>مقارنة بين منهجَيْ الحنفية والمتكلمين</span>\nوهكذا نكون انتهينا من بيان طرق الدلالة عند الحنفية والمتكلمين، حيث توافقت التسميات في كثير، وتخالفت في قليل، حسب المنهج الذي رسمه لنفسه كل من الفريقين، والنظرة التي نظرها إلى اللفظ، وكيفية دلالته على المعنى المراد.\nفالحنفية: جعلوا دلالة اللفظ على المعنى، متى كان ذلك مقصودًا - ولو تبعًا - دلالة بعبارة النص.\nوجعلوا ما كانت الدلالة عليه بطريق الالتزام ولم يقصد أصلًا، إشارة النص. والدلالتان: العبارة والإشارة من منطوق النص.\nوما دلّ عليه اللفظ بواسطة معنًى مفهوم منه: سمُّوه دلالة النص وفحوى النص، ومفهوم موافقة، ولم يجعلوه منطوقًا؛ لأن الملاحظ روح النص ومعقوله.\nوجعلوا دلالة اللفظ على ما يتوقف عليه صدقُ الكلام، أو صحتُه: اقتضاءً، على خلاف بين المتقدمين والمتأخرين، فهو ليس بمنطوق، ولا مفهوم.\nواعتبروا الدلالة على الحكم بأية واحدة من هذه الدلالات الأربع: دلالةً بظاهر النص، لا بالقياس والرأي.\nأما المتكلمون: فقد نظروا إلى دلالة اللفظ على الحكم من زاوية أخرى؛ فقسموا الدلالة إلى منطوق ومفهوم، وانطوى عندهم ما يدل بصريح النص، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإشارة: تحت المنطوق. بينما جعلوا مفهوم الموافقة - الذي هو دلالة النص عند الحنفية -: من المفهوم.\nوقالوا بمفهوم المخالفة: وهو دلالة لم يقل بها الحنفية. بل اعتبروها من التمسكات الفاسدة.\nوهكذا يمكن أن نخلص بعد المقارنة إلى النتائج التالية:\n١ - الدلالات عند الحنفية أربع، وهي عند المتكلمين خمس. وهؤلاء","vol":"1","page":496},{"text":"يقولون بمفهوم المخالفة، وأولئك لا يقولون به، ولا يعتبرونه من طرق الدلالة، على اختلاف في تعميم هذا الحكم، حتى يشمل كلام الناس مع نصوص الكتاب والسنّة، أو عدم تعميمه كما سيأتي. إذ إن الحنفية متفقون على عدم الأخذ به في نصوص الكتاب والسنّة.\n٢ - الحنفية والمتكلمون متفقون فيما يختص بدلالة الاقتضاء ودلالة الإشارة.\n٣ - ما يسمى بالمنطوق الصريح، والذي سمّاه بعضهم بالنص مع دلالة الإيماء عند المتكلمين، يندرجان فيما أسماء الحنفية مثالًا لدلالة النص، وذلك كما في رجم غير ماعز من المحصَنين، لأن ماعزًا رُجم وهو محصَن.\n٤ - دلالة النص عند الحنفية: هي مفهوم الموافقة، أو لحن الخطاب أو فحواه عند المتكلمين، وإن كان بعض الحنفية أيضًا سمّاها \"مفهوم الموافقة\".\nوعلى أية حال: فهذا الطريق من طرق الدلالة على الأحكام معتبر عندهم جميعًا، وهو ما عليه جمهور المسلمين لم يخالف فيه إلا ابن حزم الذي نَقل أن ما جنح إليه هو مذهب الظاهرية.\nوأنت ترى أنه - فيما عدا مفهوم المخالفة - يبدو مآل الاصطلاحيين اتفاقًا على الدلالات الأربع عند الحنفية والمتكلمين وإن اختلفت في بعضها التسميات، أو تعددت. على أن اصطلاح الحنفية يبدو أسهل تناولًا وضبطًا للطريق التي تكون دليل الاستنباط. وإن كان اصطلاح المتكلمين يبدو أكثر التصاقًا باللغة في معنى الدلالات.\nوما دام الأمر يقوم على الاصطلاح في التسمية، وليس فيه مجافاة للغة التنزيل: فلا مشاحة في الاصطلاح.\nنقرر ذلك ونضيف إليه، عدم موافقتنا للحنفية في إهمال الأخذ بمفهوم المخالفة في نصوص الكتاب والسنة، وسيأتي لذلك مزيد من البيان عند تفصيل القول بهذا المفهوم.","vol":"1","page":497},{"text":"<span data-type='title' id=toc-305>المبحث الثاني موقف العلماء من مفهوم الموافقة</span>\nنعرض فيما يلي لإيضاح جوانب مهمة من موقف العلماء من هذه الطريق من طرق الدلالة، وهو مفهوم الموافقة، فندرس ما شرط العلماء لهذا المفهوم، ونوع دلالته على الحكم من ناحية القطعية والظنية، وهل هذه الدلالة من قبيل الدلالة اللفظية أو من قبيل القياس الجلي، كما نأتي على ثمرة الاختلاف، ثم ندرس موقف ابن حزم من هذا المفهوم مع المقارنة، وسنرى ذلك كله في المطلبين التاليين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-306>المطلب الأول شرط مفهوم الموافقة، ونوع دلالته على الحكم</span>\n<span data-type='title' id=toc-307>أولًا - شرط مفهوم الموافقة:</span>\nكان فيما رأينا عند الحنفية والمتكلمين، اتفاق كلمة القائلين بمفهوم الموافقة أو \"دلالة النص\" كما يسمِّيه الحنفية، على أن هذه الطريق من طرق الدلالة، قائمة على اشتراك المنطوق والمسكوت عنه في معنًى، لا يحتاج إدراكه إلى اجتهاد واستنباط. وإنما يدرك بمجرد المعرفة باللغة والوضع. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] يدرك كل عارف باللغة: أن المقصود بالنهي الذي لأجله كان التحريم: هو الأذى، وأن","vol":"1","page":498},{"text":"الضرب والشتم تثبت حرمتهما بطريق الأولى، فهما أشد من التأفيف الذي دلّ عليه المنطوق، وما دام المعنى الذي من أجله كان التحريم هو الأذى، فيكون من الحرام أيُّ نوع من أنواع الأذى للوالدين، أو الإساءة إليهما، بعد النص على تحريم قول (أُفٍّ) الذي هو أقل ما يمكن أن يتصور من الأذى.\nولكن جرى الخلاف في النسبة بين المنطوق والمسكوت عنه.\nفهل يشترط في مفهوم الموافقة: أن يكون المسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق، لكون مناط الحكم أكثر توافرًا فيه من المنطوق؟ أم لا يشترط ذلك، وتكفي المساواة، بأن يكون مناط الحكم على حال واحدة من التوافر في المنطوق والمسكوت؟\nلقد كان العلماء في ذلك فريقين:\n١ - ذهب الفريق الأول إلى عدم اشتراط أولوية المسكوت بالحكم من المنطوق، واعتبروا مِلاك الأمر، أن لا يكون المعنى في المسكوت عنه: أقل مناسبة للحكم من المنطوق به، سواء أكانت هنالك مساواة أم أولوية.\nوهذا رأي الحنفية. وقد رأينا ذلك عند الدبوسي والسرخسي ومَن بعدهما (^١).\nويرى الزركشي أنه ظاهر كلام الجمهور من الشافعية وغيرهم. وهو واضح عند الغزالي وفخر الدين الرازي وأتباعهما الذين جعلوا مفهوم الموافقة قسمين: تارة يكون أوْلى، وتارة يكون مساويًا (^٢).\nوممن نصّ على ذلك البيضاوي في \"المنهاج\" وشارحه الإسنوي (^٣).\nولقد احتجّ هؤلاء لما ذهبوا إليه من عدم اشتراط الأولوية: بأن من\n_________\n(^١) راجع: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (٢٤٠ - ٢٤٤)، \"أصول البزدوي\" مع \"الكشف\" (٢٥/ ١٤ - ٧٦)، \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤٥) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"المحصول\" للرازي، مخطوطة دار الكتب المصرية، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٧٨).\n(^٣) انظر: \"المنهاج\" مع \"نهاية السول وحاشية الشيخ بخيت\" (٢/ ٢٣١).","vol":"1","page":499},{"text":"المعلوم قطعًا أنه قد يفهم ثبوتُ حكم المنطوق به للمسكوت عنه، مع عدم أولويته بالحكم: بفهم المناط لغة دون حاجة إلى بحث واجتهاد، كما في تحريم إتلاف مال اليتيم بإحراقه، أو إضاعته؛ أخذًا من تحريم أكله ظلمًا.\nوإهدار هذا النوع من الدلالة - كما قال ابن الهمام - مما لا وجه له، لأنه بعد فرض فهم ثبوت حكم المنطوق للمسكوت، لفهم المناط لغة - كما هو موضوع النزاع -. يجدر اعتبار هذه الدلالة، لا إهدارُها وعدمُ الالتفات إليها (^١).\nب - أما الفريق الثاني: فذهبوا إلى اشتراط أولوية المسكوت بالحكم من المنطوق، لأنه يكون أشدَّ مناسبة واقتضاء للحكم في محل السكوت، من اقتضائه له في محل النطق.\nفلا يكفي لتسمية الدلالة على الحكم \"مفهوم الموافقة\": أن يكون المنطوق والمسكوت على حالة من التساوي في الحكم.\nوقد نقل هذا القول إمام الحرمين الجويني في \"البرهان\" عن الشافعي (^٢) وهو قول أبي إسحاق الشيرازي، ونُقل أيضًا - كما يقول الشوكاني - عن الأكثرين (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" مع \"التيسير\" (١/ ٩٤)، \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ٤٠٩) هذا: وقال صاحب \"التقرير والتحبير\" في حكمه على هذا القول تعليقًا على كلام ابن الهمام: (إن كان هذا - يعني الأولوية - شرطًا منهم لمجرد تسميتها اصطلاحًا بمفهوم الموافقة، كما اصطلح بعضهم على تسمية الدلالة على ما هو أوْلى بالحكم من المنطوق: بفحوى الخطاب وعلى ما هو مساوٍ له فيه: بلحن الخطاب كما حكاه صاحب \"القواطع\". وأما الاحتجاج به فكالأولى اتفاقًا كما ذكره غير واحد: فلا مشاحة في الاصطلاح). انظر: \"التقرير والتحبير شرح التحرير\" (١/ ١١٢) \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ٤٠٩).\n(^٢) قال إمام الحرمين: (ونحن نورد معاني كلامه - يعني الشافعي - فمما ذكره قال: المفهوم قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، أما مفهوم الموافقة: فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للمنطوق به من جهة الأولى) وقال في مكان آخر: (ومَن قال بمفهوم الموافقة، حصر مفهوم الموافقة في إشعار الأدنى في قصة المتكلم بالأعلى): (١/ لوحة ١٣٢).\n(^٣) انظر: \"إرشاد الفحول\" (ص ١٧٨).","vol":"1","page":500},{"text":"وبه قال الآمدي وابن الحاجب (^١).\nولقد كانت حجة هؤلاء فيما ذهبوا إليه: أن المسكوت إذا كان أولى بالحكم من المنطوق، لأن المعنى في المسكوت أشدُّ مناسبة للحكم من المعنى المنطوق به: فإنه يمكن فهم اتحادهما بالحكم جَزْمًا، لبُعد أن يكون هناك احتمال للتعبُّد في ثبوت الحكم المنطوق، نظرًا لأولوية المسكوت عنه بالحكم من المنطوق.\nأما عند المساواة: فإن احتمال التعبُّد في ثبوت الحكم بالمنطوق: قائم، وهو مانع من إلحاق المسكوت بالمنطوق. ولذلك لا يمكن فهم اتحادهما بالحكم من النص على حكم المنطوق عرفًا. فإذا الحق المسكوت بالمنطوق، مع قيام هذا الاحتمال: كان الإلحاق بطريق القياس، لا بطريق المفهوم.\nولكن هذا نقلٌ للمسألة عن محل النزاع، وهو المنطوق، الذي اشترك مع المسكوت في معنًى يدرك بمجرد معرفة اللغة. وكونُ المناط الذي انبني عليه الحكم في المنطوق والمسكوت يدرك لغةً: ينفي احتمال التعبُّد في ثبوت الحكم بالمنطوق عرفًا (^٢).\nولا خفاء في وضوح ما استدلّ به الجمهور وقوتِه؛ خصوصًا وأن إدراك المعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت: منوط باللغة، ولذلك فنحن نميل إلى عدم اشتراط الأولوية، والاكتفاء بما ذهب إليه الأكثرون من الاكتفاء بأن لا يكون المعنى في المسكوت أقل مناسبة للحكم منه في المنطوق، وهذا المذهب هو الذي جنح إليه الشوكاني من المتأخرين واعتبره هو الصواب (^٣).\n_________\n(^١) قال الآمدي بعد أن أورد عددًا من الأمثلة لمفهوم الموافقة: (والدلالة في جميع هذه الأقسام لا تخرج من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى وبالأعلى على الأدنى. ويكون الحكم في محل السكوت أوْلى منه في محل النطق. وإنما يكون كذلك أن لو عُرف المقصود من الحكم في محل النطق من سياق الكلام، وعرف أنه أشد مناسبة واقتضاء للحكم في محل السكوت من اقتضائه له في محل النطق). راجع: \"الإحكام\" (٣/ ٩٥ - ٩٦)، وانظر \"ابن الحاجب مع العضد وحاشية التفتازاني\" (٢/ ١٧٣).\n(^٢) راجع: \"الآمدي\" (٣/ ٩٥ - ٩٦) (٤/ ٣٠ - ٣١) \"زكي شعبان\" (ص ٩٤ - ٩٥).\n(^٣) راجع: \"إرشاد الفحول\" (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type='title' id=toc-308>ثمرة الخلاف بين الاتجاهين:</span>\nوإنما تظهر ثمرة الخلاف بين الاتجاهين: في اختلاف النظرة إلى حالة المساواة بين المسكوت عنه والمنطوق به في الحكم.\nفالقائلون بوجوب الأولوية في مفهوم الموافقة: يرون أن ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه في حال المساواة، إنما يكون بطريق القياس، وليس بطريق النص، وفرق بين ما تجري عليه أحكام القياس، وبين ما يأخذ حكم المنصوص.\nأما القائلون بعدم اشتراط الأولوية: فثبوت حكم المنطوق للمسكوت في حال المساواة، إنما يكون بطريق النص المقابل للقياس، فيأخذ حكم المنصوص، ولا يدخل في عداد ما تجري عليه أحكام القياس، وذلك ما رأيناه عند الحنفية والمتكلمين وألمحنا إليه غير مرة، فكلاهما يعتبر المدلول عليه من هذه الطريق، مدلولًا عليه بالنص وإن اختلفت التسمية في الطريق؛ فالحنفية يسمُّونها \"دلالة النص\"، والشافعية يعتبرونها من المفهوم فيسمونها \"مفهوم الموافقة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-309>مفهوم الموافقة بين القطعية والظنية:</span>\nفي مبحث دلالة النص عند الحنفية: رأيناهم يقسمونها إلى قطعية وظنية، وذلك ما نراه عند إمام الحرمين والآمدي وغيرهما من المتكلمين، حيث قسموا مفهوم الموافقة إلى قطعي وظني:\nأ - فالقطعي: ما يكون فيه التعليلُ بالمعنى، وكونه أشدَّ مناسبة للحكم في المسكوت عنه من المنطوق به: قطعيين.\nب - والظني ما يكون فيه التعليل بالمعنى، وكونِه أشدَّ مناسبة للحكم في المسكوت عنه: ظنيين، أو أحدهما ظنيًا.\nوقد عبّر إمام الحرمين عن الأول بالنص، وعن الثاني بالظاهر (^١).\n_________\n(^١) فبعد أن بيّن أن مَن قال بمفهوم الموافقة: حصر مفهوم الموافقة في إشعار الأدنى - في قصد المتكلم - بالأعلى قال: (ثم ينقسم ذلك إلى ما يقع نصًا وإلى ما يقع ظاهرًا). \"البرهان\" (١/ لوحة ١٢١).","vol":"1","page":502},{"text":"وقد مثّلوا للقطعي بآية التأفيف، حيث عُلم من سياق الآية أن حكمة تحريم التأفيف: إنما هي دفع الأذى عن الوالدين. والأذى في الشتم والضرب: أشد.\nكما مثلوا له بآية ائتمان أهل الكتاب (^١). فالشق الأول من الآية: يدل على أن مؤدي القنطار يؤدي الدينار إذا اؤتمن عليه بطريق الأولى، لأن مؤدي الكثير يؤدي القليل بطريق الأولى، فالائتمان في القليل أشد وأقوى (^٢).\nواعتبروا من أمثلة الظني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].\nفإنه وإن دلّ على وجوب الكفارة في القتل العمد، لكونه أولى بالمؤاخذة - كما يقول الشافعي -: فإن ذلك ليس على سبيل القطع، إذ من المحتمل أن لا يكون موجِب الكفارة في القتل الخطأ هو المؤاخذة، لقوله ﵊: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه\" وإنما يكون موجِبها التقصير الذي ترتب عليه إزهاق روح ذلك المؤمن (^٣).\nومن أمثلته أيضًا قوله جلّ وعلا: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة]. حيث وجبت الكفارة في اليمين المنعقدة.\n_________\n(^١) وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران].\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٩/ ٩٩)، \"التحرير\" مع \"التيسير\" (١/ ٩٥)، \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١٣) \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ٤٠٩).\n(^٣) قال الآمدي: (ومن ذلك سميت كفارة. وجناية المتعمد فوق جناية المخطئ وعند ذلك فلا يلزم من كون الكفارة رافعة لإثم أدنى الجنايتين: أن تكون رافعة لإثم أعلاهما) \"الإحكام\" (٣/ ٩٩).","vol":"1","page":503},{"text":"فإن الشافعي ﵀ أوجب الكفارة في اليمين الغموس، بطريق الأولى.\nوما قيل في كفارة القتل الخطأ: يقال هنا؛ فالدلالة عليها ظنية لا قطعية، لإمكان أن تكون الكفارة موجَبة بطريق التلافي للتهاون والتقصير، لا موجبة للزجر ورفع المؤاخذة التي وضعها حديث ابن عباس: \"إن الله وضع عن أُمتي. . .\" (^١).\nوإلى عدم وجوب الكفارة في القتل الخطأ واليمين الغموس: ذهب الحنفية كما رأينا من قبل (^٢).\nعلى أن الخلاف واقع في كون معنى العبادة هو الأغلب في الكفارة، أم معنى العقوبة، حتى لا يكون وجوبها في القتل العمد العدوان والغموس، مساويًا لوجوبها في القتل الخطأ واليمين المنعقدة، فضلًا عن أن يكون هذا الوجوب أولى فيهما، لجواز أن يكونا غير قابلين للتدارك والتلافي بهذا المقدّر وهو الكفارة، لعظمهما وكبر الجناية فيهما (^٣).\nومن هنا جاز الاختلاف في مفهوم الموافقة الظني الذي ترتب عليه الاختلاف في عدد من الفروع والأحكام كما رأينا في هذين المثالين، وكما رأينا من اختلاف أبي يوسف ومحمد مع الإمام أبي حنيفة في وجوب الحد باللواطة، وقد مرّ في حينه، حيث أوجب الصاحبان فيه حد الزنى، ولم يوجب ذلك أبو حنيفة ﵀ (^٤).\nومما كان للاختلاف في حكمه علاقة بهذا الباب: القتل بالمثقَّل من حجر، أو خشب.\nفقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى عدم وجوب القود به.\n_________\n(^١) راجع: \"الآمدي\" (٣/ ٩٩)، \"ابن الحاجب\" مع \"شرح العضد وحاشية السعد\" (٢/ ١٧٣)، \"التحرير\" مع \"التيسير\" (١/ ٩٦)، \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١٤).\n(^٢) وانظر: \"تخريج الفروع على الأصول\" (ص ١٩٨).\n(^٣) راجع: \"حاشية السعد على شرح العضد\" (٢/ ١٧٣)، \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١٥).\n(^٤) راجع ما سبق (ص ٤٣٨) فما بعدها.","vol":"1","page":504},{"text":"وذهب الصاحبان أبو يوسف ومحمد والأئمة الثلاثة إلى إيجاب القود.\nوذلك لأن معنى القتل العمد الذي هو مناط الحكم في نظر أبي حنيفة: غير متحقق بالقتل بالمثقّل، بينما رآه الآخرون متحققًا به (^١).\nوقد مال الكمال بن الهمام إلى قول الصاحبين، واعتبره أوجَهَ من قول أبي حنيفة.\nوأُراني معه فيما ذهب إليه؛ لأن القتل العمد العدوان، يتحقق بما لا تحتمله البنية من المثقّل، لأنه يزهق الروح بنفسه والجارح يزهق بواسطة السراية، فادعاء قصد القتل بالمثقل في العمدية مرجوح - كما قرر صاحب \"التحرير\" - وأدلة كل من القولين مبسوطة في مظانها من كتب الفقه والأصول (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-310>رأينا في التقسيم:</span>\nهذا: وقد رأى بعض علماء الأصول أن تقسيم مفهوم الموافقة إلى قطعي وظني، لا يتفق مع القول بأن هذه الدلالة تدرك بمجرد معرفة اللغة من غير رأي واجتهاد، ولذلك لا بد من أحد أمرين: إما حصر مفهوم الموافقة بالقطعي، أو ذكر شيء يضمن انطباق التعريف (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" مع \"نتائج الأفكار\" لقاضي زاده (٨/ ٢٥٠)، \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ٢٤٢) \"تخريج الفروع على الأصول\" (ص ١٩٧).\n(^٢) راجع: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ٢٤٢) \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤٣)، \"التيسير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١٤ - ١١٥)، \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٦٣٨)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٧/ ٢٢١).\n(^٣) قال صاحب \"التقرير والتحبير\": (ولقائل أن يقول: القول بأن من الدلالة قسمًا ظنيًا تنازعته آراء الأئمة المجتهدين واختلفت فيه أفهام العلماء المبرزين، مع أن الدلالة ما يفهم من اللفظ بمجرد فهم اللغة من غير احتياج إلى رأي واجتهاد: مشكل، لظهور عدم صدق هذا عليه؛ فإن هذا يوجب توارد الأفهام عليه من غير خفاء ولا اختلاف كما في القسم القطعي. . . فالظاهر حينئذ: إما حصرها فيه، أو ذكر شيء في بيانها يصحح صدقها على هذا أيضًا، والله سبحانه أعلم).","vol":"1","page":505},{"text":"والذي نراه أن الأمر أمر اصطلاح، لأن الذين قالوا بتقسيم مفهوم الموافقة إلى قطعي وظني هم من القائلين باشتراط أولوية المسكوت عنه بالحكم من المنطوق به، ولذلك أدرجوا حالة المساواة في القياس.\nولو كان القول بالقطعية والظنية مقتصرًا على الجمهور الذين لم يشترطوا الأولوية، لكان في البحث متسع للقول، واعتبار حالة الأولى: من القطعي، وحالة المساواة: من الظني، ولكن الأمر موجود عند الفريقين، وقد رأيناه سابقًا عند الحنفية لدى بحثنا لدلالة النص، كما ألمحنا إلى ذلك من قبل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-311>ثانيًا - نوع دلالة مفهوم الموافقة على الحكم:</span>\nإذا كان جمهور علماء الأمة قد اتفقوا على دلالة مفهوم الموافقة على حكم المسكوت عنه: فإنهم اختلفوا في نوع هذه الدلالة؛ هل هي دلالة لفظية، أم دلالة قياسية؟.\nأ - فقد ذهب قوم إلى أنها دلالة لفظية، بمعنى أنها تحصل بطريق الفهم من اللفظ في غير محل النطق، وذلك معنى قولهم: الموافقة مفهوم، لا منطوق ولا قياس.\nوهو ظاهر كلام التاج السبكي في \"جمع الجوامع\" (^٢).\nوقد جعل هؤلاء الثابت بها، كالثابت بالمنطوق، لاستنادها إلى المعنى المفهوم من الكلام لغةً بطريق الانتقال من الأدنى إلى الأعلى، أو من أحد المتساويين إلى الآخر.\nفهي دلالة فوق الدلالة القياسية؛ لأن المعنى الذي هو مناط الحكم في المنطوق: يفهم بمجرد المعرفة باللغة، فتدل هي على الحكم نفسه في السكوت، لأجل ذلك المعنى، فكان الثابت بمفهوم الموافقة: كالثابت بالمنطوق، وفوق الثابت بالقياس.\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ٤٢٨) فما بعدها.\n(^٢) (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":506},{"text":"وقد أشرنا غيرَ مرة إلى تصريح الحنفية بأن الثابت بالدلالات الأربع عندهم - ومنها دلالة النص التي هي مفهوم الموافقة -: ثابت بظاهر النص، لا بالقياس ولا بالرأي، لأن المعنى الذي يُفهم أن الحكم في المنطوق ثابت لأجله: يدرك في القياس بالرأي والاجتهاد، بينما إدراكه في المفهوم - أو دلالة النص - حاصل باللغة الموضوعة لإفادة المعاني. فالنهي عن التأفيف في قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] إذا كان يدل بالمطابقة على تحريم التأفيف، إنه يدل بالالتزام والتبع للمنطوق: على تحريم الضرب والشتم، ونحوهما بواسطة فهم المعنى الذي من أجله كان تحريم التأفيف وهو الإيذاء، وذلك عن طريق اللغة، دون حاجة إلى اجتهاد أو استنباط.\nوقد احتجّ هؤلاء بأن مفهوم الموافقة ثابت قبل شرعية القياس، والعرب إنما وضعت هذه الألفاظ لتأكيد الحكم في محل السكوت وأن ذلك أفصح من التصريح بالحكم في المسكوت (^١).\nثم إن الأصل في القياس: لا يجوز أن يكون جزءًا من الفرع ومندرجًا فيه بالإجماع، وذلك قد يقع فيما نحن فيه.\nوبعد ذلك: فالقياس نظري؛ لذا شرط في القايس الاجتهاد، بخلاف مفهوم الموافقة الذي يكفي لإدراك الحكم في المسكوت عن طريقه، مجرد معرفة اللغة، ولذلك شارك أهل الرأي غيرهم فيه (^٢).\nوأصحاب هذا القول هم جمهور الحنفية والمتكلمين من الشافعية والمالكية والحنابلة، وبه قالت الإمامية (^٣).\n_________\n(^١) قال الآمدي: (ولهذا فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقًا للآخر قالوا: هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس. وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم: هذا الفرس سابق لهذا الفرس). راجع \"الإحكام\" (٣/ ٩٧)، \"ابن الحاجب\" مع \"العضد وحواشيه\" (٢/ ١٧٣) \"البيضاوي\" مع \"الإسنوي وبخيت\" (٢/ ٢٠٤)، \"جمع الجوامع\" مع \"حاشية البناني\" (٢/ ٢٠٤).\n(^٢) راجع \"حاشية السعد على العضد\" (٢/ ١٧٣)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٧٣) \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١٠٩).\n(^٣) قال الشوكاني: (وذهب المتكلمون بأسرهم: الأشعرية والمعتزلة إلى أنه - أي مفهوم =","vol":"1","page":507},{"text":"ب - وذهب آخرون إلى أن هذه الدلالة دلالة قياسية؛ بمعنى أنها حاصلة بالقياس الأولى، أو المساوي، وهما نوعان للقياس الجلي، والقياس الجلي: هو ما كانت العملة المشتركة فيه بين الأصل والفرع، وجودُها في الفرع منه: أقوى من وجودها في الأصل، أو وجودُها في الفرع: مساوٍ لوجودها في الأصل.\nودليلهم على ذلك: ما هو معلوم في مفهوم الموافقة من توقف ثبوت الحكم للمسكوت: على معرفة المعنى الذي هو مناط الحكم، ولا بد في معرفته من نوع نظر، وهذا هو القياس؛ ففي آية التأفيف، لما توقف ثبوت الحكم على معرفة المعنى، وقد وجد أصل كالتأفيف، وفرع كالضرب، وعلة جامعة مؤثرة كدفع الأذى: كان قياسًا، إذ لا معنى للقياس إلا ذلك (^١).\nفلو قطع النظر عن المعنى الذي سبق له الكلام - وهو كف الأذى عن الوالدين، وعن كون هذا المعنى الذي هو مناط التحريم هو في الشتم والضرب أشد منه في التأفيف -: لما قضي بتحريم الشتم والضرب إجماعًا.\nوقد سمُّوه قياسًا جليًا لظهوره؛ إذ إن الوصف الجامع بين الأصل والفرع: ثابت بالتأثير (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-312>موقف الإمام الشافعي:</span>\nولقد نصّ الإمام الشافعي في \"الرسالة\" على اعتبار مفهوم الموافقة من القياس الجلي، وذلك قوله في باب الاستحسان: (والقياس وجوه يجمعها\n_________\n= الموافقة - مستفاد من النطق وليس بقياس. قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: الصحيح من المذاهب أنه جار مجرى النطق، واعتبر دلالته لفظية). راجع: \"إرشاد الفحول\" (ص ١٧٨). وانظر: \"تهذيب الوصول\" للحلي (ص ١٠٠ - ١٠١)، \"نهاية الوصول\" (ق ١١٣) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^١) انظر لأركان القياس وشروط هذه الأركان: \"مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط\" للمؤلف (ص ١٧٤) فما بعد.\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٩٧)، \"ابن الحاجب مع شرح العضد وحواشيه\" (٢/ ١٧٣)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٧٣ - ٧٤) \"المنهاج\" للبيضاوي مع \"شرح الإسنوي وحاشية بخيت\" (٢/ ٢٠٤)، \"جمع الجوامع\" (٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":508},{"text":"القياس، ويتفرق بها ابتداء قياس كل واحد منها أو مصدره أو هما، لعلها وبعضها أوضح من بعض.\nفأقوى القياس: أن يحرّم الله في كتابه أو يحرّم رسول الله القليل من الشيء، فيعلم أن قليله إذا حُرِّم، كان كثيره مثل قليله في التحريم أو أكثر، بفضل الكثرة على القلة.\nوكذلك إذا حُمد على يسير من الطاعة، كان ما هو أكثر منها أولى أن يحمد عليه. وكذلك إذا أباح كثير شيء، كان الأقل منه أولى أن يكون مباحًا) (^١).\nوقد أورد ﵀ أمثلة أوضح بها ما أراد فقال: (قال رسول الله ﷺ: \"إن الله حرّم من المؤمن دمه وماله وأن يظن به إلا خيرًا\" (^٢) فإذا حرّم أن يظن به ظنًا مخالفًا للخير يظهره: كان ما هو أكثر من الظن المظهَر ظنًا من التصريح له بقول غير الحق أوْلى أن يحرّم، ثم كيف ما زيد في ذلك كان أحرم.\nقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة].\nفكان ما هو أكثر من مثقال ذرة من الخير: أحمد، وما هو أكثر من مثقال ذرة من الشر: أعظم في المأثم.\nوأباح لنا دماء أهل الكفر المقاتلين غير المعاهدين وأموالهم، لم يحظر علينا منها شيئًا أذكره، فكان ما نلنا من أبدانهم دون الدماء، ومن أموالهم دون كلها، أوْلى أن يكون مباحًا) (^٣).\nثم بيّن الشافعي أن من أهل العلم من لا يرضى بتسمية ذلك قياسًا،\n_________\n(^١) راجع: \"الرسالة\" (ص ٥١٣).\n(^٢) معنى هذا الحديث وارد في أحاديث كثيرة. انظر: تعليق العلَّامة الشيخ أحمد محمد شاكر في (ص ٥١٤) من \"الرسالة\" للإمام الشافعي.\n(^٣) راجع: \"الرسالة\" (ص ٥١٣ - ٥١٥).","vol":"1","page":509},{"text":"وترك لهم اصطلاحهم دون نقد فقال: (وقد يمتنع بعض أهل العلم من أن يسمى هذا (قياسًا) ويقول: هذا معنى ما أحلّ الله وحرّم، وحمد وذم، لأنه داخل في جملته، فهو بعينه لا قياس على غيره.\nويقول مثل هذا القول في غير هذا، مما كان في معنى الحلال، فأحلّ والحرام، فحرّم.\nويمتنع أن يسمي (القياس) إلا ما كان يحتمل أن يشبَّه بما احتمل أن يكون فيه شبهًا من معنيين مختلفين، فصرفه على أن يقيسه على أحدهما دون الآخر).\nثم عرض إلى رأي آخرين من أهل العلم فقال: (ويقول غيرهم من أهل العلم: ما عدا النص من الكتاب والسنّة فكان في معناه: فهو قياس) (^١).\nوبهذا القول قال بعض الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة (^٢).\nوممن قال به من الشافعية: الشيرازي وإمام الحرمين والشاشي، وجنح إليه أيضًا الكثير من الزيدية (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-313>حقيقة الاختلاف ورأينا في ذلك:</span>\nلقد قال قوم: إن الخلاف لفظي في هذه النقطة؛ فالكل متفقون على اعتبار هذا النوع من الدلالة على الحكم؛ سواء أسمَوه مفهوم الموافقة - دلالة نص - أم سمَّوه قياسًا جليًا.\nفمَن نظر إلى إلحاق المسكوت بالمنطوق، على أنه إلحاق فرع بأصل لاشتراكهما في علة جامعة بينهما: اعتبره قياسًا جليًا.\n_________\n(^١) راجع: \"الرسالة\" باب الاستحسان (ص ٥١٢ - ٥١٧).\n(^٢) راجع: \"التقرير والتحبير\" (١/ ١٠٩)، \"روضة الناظر\" لابن قدامة (٢/ ٢٠١)، \"المنهاج\" مع \"الإسنوي والشيخ بخيت\" (٢/ ٢٠٤).\n(^٣) قال صاحب \"منهاج الوصول\": (قال كثير من أصحابنا: إن دلالة الفحوى من القياس فهي دلالة قياس لا منطوق خطاب ولا مفهوم، فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] دلالته على تحريم ضربهما قياسية لا نطقية). \"منهاج الوصول\" في أصول الزيدية (ق ١٠٩/ ب).","vol":"1","page":510},{"text":"ومَن نظر إلى أن المعنى الذي هو مناط الحكم، والذي كان واسطة إلحاق المسكوت بالمنطوق، يدرك بمجرد معرفة اللغة دون حاجة إلى اجتهاد واستنباط، أسماء مفهوم موافقة أو دلالة نص.\nوقد سلك هذه السبيل إمام الحرمين فاعتبر الخلاف لفظيًا. وأوضح ذلك الغزالي مصرحًا بأن مرد المسألة إلى الاصطلاح، وعلى الباحث إدراك حقيقة هذا الجنس من الدلالة (^١).\nواعتبار أن الخلاف نظري سلك سبيله أيضًا البيضاوي وعدد من الباحثين كالسعد التفتازاني (^٢).\nحتى إن البيضاوي جعل هذه الدلالة مفهومًا تارة، وقياسًا تارة أخرى، لأن لكل من التعبيرين وجهًا حسب النظرة إلى أوجه الدلالة نفسها (^٣).\nوعندما ذكر تاج الدين السبكي في \"جمع الجوامع\": (أن بين المفهوم والقياس تنافيًا) تعقّبه البناني (^٤) في حاشيته، بأن هذا مخالف لقوله في \"شرح المختصر\": لا تنافي بينهما فإن للمفهوم جهتين، هو باعتبار إحداهما مستند إلى اللفظ: فكان مفهومًا، وباعتبار الأخرى: قياس، ومن ثم قال\n_________\n(^١) قال الغزالي في معرض آية التأفيف: (فإن قيل: الضرب حرام قياسًا على التأفيف؛ لأن التأفيف إنما حرم للإيذاء، وهذا الإيذاء فوقه، قلنا: إن أردت بكونه قياسًا: أنه محتاج إلى تأمُّل واستنباط علة: فهو خطأ، وإن أردت أنه مسكوت فُهم من منطوق، فهو صحيح بشرط أن يفهم أنه أسبق إلى الفهم من المنطوق، أو هو معه وليس متأخرًا عنه، وهذا قد يسمى مفهوم الموافقة، وقد يسمى فحوى اللفظ، ولكل فريق اصطلاح آخر، فلا تلتفت إلى الألفاظ واجتهد في إدراك حقيقة هذا الجنس). راجع: \"المستصفى\" (٢/ ١٩١ - ١٩٢).\n(^٢) راجع: \"حاشية البناني على جمع الجوامع\" (١/ ٢٤٥).\n(^٣) قال المحلى في \"شرحه لجمع الجوامع\": (ومنهم مَن جعله تارة مفهومًا وأخرى قياسًا كالبيضاوي، فقال الصفي الهندي: لا تنافي بينهما لأن المفهوم مسكوت والقياس إلحاق مسكوت بمنطوق) انظر: \"جمع الجوامع\" مع \"شرح المحلى وحاشية البناني\" (١/ ٢٤٥).\n(^٤) هو عبد الرحمن بن جاد الله من علماء المالكية. من مصنفاته: حاشيته على \"شرح الجلال المحلى لجمع الجوامع\". توفي سنة ١١٩٨ هـ.","vol":"1","page":511},{"text":"السعد: الخلاف لفظي، وأشار إليه إمام الحرمين في \"البرهان\" (^١).\nوالذي نرى أن هذا الخلاف - وإن كان نظريًا، مردُّه إلى التسمية والاصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح - لكن الأمر يقتضينا التفريق بين موقف الشافعية ومَن يوافقهم من جهة، وبين موقف الحنفية والشيعة الإمامية من جهة أخرى، وذلك من خلال نقطتين:\nالأولى: إثبات الحدود والكفارات بالقياس أو عدمُه.\nالثانية: القول بالقياس أو عدم القول به:\nأ - فموقف الشافعية لا يتأثر مع أي من الاصطلاحين بالنسبة لإثبات الحدود والكفارات؛ فهم يثبتون الحدود والكفارات بالقياس، كما يثبتونها بمفهوم الموافقة.\nفهذه الدلالة المختلف على تسميتها سواء أكانت مفهوم موافقة، أم كانت قياسًا جليًا: صالحةً لإثبات حد أو كفارة، وبذلك لا يترتب على الاختلاف في الجنوح لأي من المصطلحين أثر عملي.\nب - أما موقف الحنفية: فإنه يتأثر بالاختلاف؛ ذلك لأنهم لا يثبتون الحدود والكفارات بالقياس من أي نوع كان، مع أن دلالة النص صالحة لإثبات الحد والكفارة عندهم كما مر في حينه (^٢).\nولقد أتى أبو زيد الدبوسي في \"التقويم\" بعدد كبير من الأمثلة التطبيقية - ومنها ما ثبت به حد أو كفارة - مبرهنًا أن هذه أحكام أُخذت من دلالة النص ولم تؤخذ من القياس (^٣). وتبعه في ذلك مَن بعده عدد من الباحثين حتى إن السرخسي أتى بالأمثلة نفسها وزاد عليها، وكان يحاول بعد كل مثل في الآية أو الحديث، أن يؤكد مجدَّدًا على أن ثبوت الحكم المأخوذ من هذا النص أو ذاك، إنما كان بطريق دلالة النص - مفهوم موافقة - لا بطريق\n_________\n(^١) انظر المصدر السابق: \"مختصر المنتهى لابن الحاجب مع العضد والسعد\" (٢/ ١٧٣)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (١/ ١٧٨).\n(^٢) انظر ما سبق (ص ٤٣٥).\n(^٣) راجع: \"التقويم\" (ص ٢٣٧ - ٢٤٤) وقد ذكر هنالك ثلاثة عشر مثالًا.","vol":"1","page":512},{"text":"القياس. ولقد قال في \"الأصول\" بعد أن فرّق بين دلالة النص والقياس: (ولذلك جوّزنا إثبات العقوبات والكفارات بدلالة النص، وإن كنا لا نجوّز ذلك بالقياس) (^١).\nج - أما الإمامية: فلو استوى عندهم مفهوم الموافقة مع القياس، لما قالوا بمفهوم الموافقة؛ لأنهم منكرون لحجية القياس، ومفهوم الموافقة يساويه مع أنهم قالوا به. وعلى ذلك فموقفهم يتأثر أيضًا بالاختلاف بين المصطلحين.\nوعلى أية حال، فالأمر الذي لا مرية فيه: هو أن دلالة مفهوم الموافقة على إثبات حكم المنطوق للمسكوت عنه، بالأولى أو بالمساواة، هي عند القائلين بها: دلالةٌ لفظية التزامية - كما قدمنا في صدر هذا المبحث - والمعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت، لا يتوقف إدراكه على البحث والاجتهاد، وإنما تهدي إليه معرفة اللغة، بينما نرى أن القياس المتنازع في حجيته والعمل به بين الجمهور وغيرهم - حتى لم يقل به الظاهرية والشيعة الإمامية - ليس مجرد إلحاق مسكوت بمنطوق لاشتراكهما في علة الحكم التي يمكن إدراكها من أي طريق. وإنما هو إلحاق أصل بفرع لعلة تجمعهما، وطريق إدراكها النظر والاجتهاد، ولاستنباطها مسالك أفاض في ذكرها العلماء في مباحث القياس. فلا بدع أن يكون نفاته مِمَّن يقول بمفهوم الموافقة كالشيعة الإمامية (^٢).\nوهكذا يكون لزامًا علينا عندما نقرر أن النزاع لفظي أو غير لفظي: أن تفرق بين ثلاثة مسالك:\n١ - مسلك الحنفية من حيث رفضُهم لإثبات الحدود والكفارات بالقياس، وصحة إثباتها بدلالة النص.\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٤١ - ٢٤٢) ومن هنا قال صاحب \"التقرير والتحبير\": وقيل: النزاع لفظي، وعندي فيه نظر بالنسبة إلى ما عليه مشايخنا من أنه لا يصح إثبات الحدود والكفارات بالقياس ويصح بدلالة النص (١/ ١١٠).\n(^٢) راجع: \"تهذيب الوصول إلى علم الأصول\" لابن المطهر الحلي مع \"شرحه منية اللبيب\" (١٠٠ - ١٠١)، \"نهاية الوصول إلى علم الأصول\" لابن المطهر الحلي (ق ١١٣) مخطوطة دار الكتب المصرية.","vol":"1","page":513},{"text":"٢ - مسلك الشافعية ومَن قال بقولهم، من حيث صحةُ ثبوت الحدود والكفارات بالقياس عندهم ثبوتَها بمفهوم الموافقة.\n٣ - مسلك الشيعة الإمامية من حيث نفيهم للقياس، مع قولهم بمفهوم الموافقة.\nكل أولئك مع ملاحظة أن هنالك تمايزًا بين مفهوم الموافقة وبين القياس المختلف على حجيته والعمل به عند العلماء، ذلك التمايز الذي عبّر عنه أبو زيد الدبوسي بقوله: (فالقياس هنا استنباط علة من النص بالرأي ظهر أثرها في الحكم - بالشرع لا باللغة - متعديًا إلى محل لا نص فيه، لا استنباط معنى باللغة متعديًا إلى محل لا نص فيه) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-314>المطلب الثاني موقف ابن حزم من مفهوم الموافقة</span>\nمن المعلوم أن مسلك الاستنباط عند ابن حزم باعث الظاهرية في القرن الخامس الهجري، كان من دعائمه نفي القياس، وعدم القول به، أو اعتباره طريقًا من طرق الدلالة على الحكم.\nوقد اعتبر القول بمفهوم الموافقة قولًا بالقياس، وإذا كان الأمر كذلك: فالأخذ بهذه الطريق من طرق الدلالة على الأحكام، هو في نظره جنوح إلى غير السبيل السوي.\nلأن كل خطاب وكل قضية، فإنما تعطي ما فيها، ولا تعطي حكمًا في غيرها، لا أن ما عداها موافق لها، ولا أنه مخالف لها، لكن كل ما عداها موقوف على دليله. ولقد جاء ابن حزم في كتابه \"الإحكام\" بمسألة المفاهيم تحت عنوان \"دليل الخطاب\" وأفاض في نفي الموافق منها والمخالف.\nوعبّر عن الموافق بأنه: ما يفهم منه أن ما عدا القضية التي خوطبنا بها،\n_________\n(^١) \"تقويم الأدلة\" (ص ٢٣٦).","vol":"1","page":514},{"text":"فحكمها كحكم هذه التي خوطبنا بها. وكان ﵀ كيِّسًا حين عدّ من سمَّوا مفهوم الموافقة قياسًا: من الأكياس، فكأنه رآهم أبعد عن التناقض مع أنفسهم، وإن كان يراهم منحرفين بسبب قولهم بالقياس.\nوفي رده لمفهوم الموافقة اعتبره على لسان القائلين به قسمًا من أقسام دليل الخطاب، كما ذكرنا (^١).\nويلاحظ الباحث أن ردّه على القائلين بهذا المفهوم قد سار في طريقين: الأولى: طريق رد القياس وذلك بإقامة الأدلة التي يراها صالحة لهدم كل ما جاء به القائلون بالقياس، ومهّد لذلك بزعمه أن القول بالقياس هو اتجاه طوائف من المتأخرين ولا علاقة للمتقدمين به، وإذا كان مفهوم الموافقة قياسًا في نظره، فكل ما يقال في رد القياس: فهو صالح لرد مفهوم الموافقة، لأن القياس باطل بجميع أنواعه (^٢).\nجاء في كتابه \"الإحكام في أصول الأحكام\" قوله عن القيّاسين: (وقسموا القياس ثلاثة أقسام:\nفقسم: هو قسم الأشبه والأولى، وهو أن قالوا: إذا حكم في أمر كذا بحكم كذا: فأمر كذا أولى بذلك الحكم، وذلك نحو قول أصحاب الشافعي: إذا كانت الكفارة واجبة في قتل الخطأ، وفي اليمين التي ليست غموسًا: فقاتل العمد وحالف اليمين الغموس أوْلى بذلك وأحوج إلى الكفارة.\nوقسم ثان: وهو قسم المثل: وهو نحو قول أبي حنيفة ومالك: إذا كان الواطئ في نهار رمضان عمدًا تلزمه الكفارة: فالمتعمد للأكل مثله في\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" (٧/ ٢ - ٤) \"النُّبذ\" لابن حزم تعليق الكوثري (ص ٥٢)، \"ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتعليل\" له أيضًا تحقيق سعيد الأفغاني (ص ٢٧).\n(^٢) قال في \"الإحكام\" (٧/ ٥٣): (ذهب طوائف من المتأخرين من أهل الفتيا إلى القول بالقياس في الدين، وذكروا أن مسائل ونوازل، لا ذكر لها في نص كلام الله تعالى ولا في سنة رسول الله ﷺ، ولا أجمع الناس عليها، قالوا: فننظر إلى ما يشبهها مما ذكر في القرآن، أو في سنة رسول الله ﷺ فنحكم فيما لا نص فيه ولا إجماع، بمثل الحكم فيما فيه نص أو إجماع، لاتفاقهما في العلة التي هي علامة الحكم، هذا قول جميع حذّاق أصحاب القياس).","vol":"1","page":515},{"text":"ذلك. . . وكقول الشافعي: إذا وجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا: فهو من الخنزير كذلك. . . إلخ.\nوالقسم الثالث: قسم الأدنى: وهو نحو قول مالك وأبي حنيفة: إذا وجب القطع في مقدار ما في السرقة - وهو عضو يستباح - فالصداق في النكاح مثله. فهذه أقسام القياس عند المتحذلقين به.\nوذهب أصحاب الظاهر إلى إبطال القول بالقياس في الدين جملة، وقالوا لا يجوز الحكم البتة في شيء من الأشياء كلها إلا بنص كلام الله تعالى، أو نص كلام النبي ﷺ أو بما صحّ عنه ﷺ من فعل أو إقرار أو إجماع من جميع علماء الأمة كلها متيقن أنه قاله كل واحد منهم، أو بدليل من النص، أو من الإجماع المذكور الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا) (^١).\nوجاء ابن حزم بنصوص تدل - كما يقول - على أنه لا علم في الدين إلا ما علّمنا الله، وما جاءت به كتبه ورسله، والقياس في الدين علم ليس عن طريق الله، ولم يأذن به، وهو حينئذ من الشيطان لأن الله ﷾ يقول عن إبليس اللعين: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة] والقائل بالقياس، مفتر على الله بأن دينه لم يكمل والله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٢) ففي نصوص الشريعة الكفاية، لأن أحكام الحوادث فيها متقررة ثابتة ولا حاجة إلى القياس بأي نوع من أنواعه (^٣).\nب - أما الطريق الثانية التي سلكها ابن حزم - وهي متكاملة مع الأولى -: فهي أنه أتى بمجموعة من النصوص التي يوردها الجمهور في معرض مفهوم الموافقة\n_________\n(^١) \"الإحكام في أصول الأحكام\" (٧/ ٥٥ - ٥٦).\n(^٢) قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة].\n(^٣) راجع: \"الإحكام\" (٨/ ١ - ٩) \"النبذ في أصول الفقه الظاهري\" لابن حزم تعليق الشيخ زاهد الكوثري (ص ٥٠ - ٥٣).","vol":"1","page":516},{"text":"- والقياس - وحاول أن يهدم استدلالهم بأنها - أي تلك النصوص - تعطي أحكامًا عن طريق المفهوم، أو القياس - على حد تعبيره - وأن القول بغير ذلك خروج عن المعقول وعن اللغة. ولم يعتبر ما جاؤوا به حول هذه النصوص حججًا أو شبهًا على الأقل، وإنما اعتبر ذلك - سامحه الله - نوعًا من الشعب والتمويه.\nقال في \"الإحكام\": (وقد شغب أصحاب القول بالقياس بأشياء موّهوا بها. . . فمما شغبوا به آن قالوا: قال الله ﷿: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فوجب إذ منع من قول (أُف) للوالدين أن يكون ضربهما، أو قتلهما أيضًا ممنوع لأنهما أولى من قول (أُف) وقال تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] قالوا: فوجب أن ما فوق القنطار وما دونه، داخل كل ذلك في حكم القنطار في المنع من أخذه، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] قالوا: فعلمنا أن ما فوق الذرة وما دونها يرى أيضًا. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] قالوا: فعلمنا أن ما فوق القنطار والدينار وما دونهما في حكم القنطار والدينار، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] قالوا: فعلمنا أن ما عدا الأكل من اللباس وغيره حرام إذا كان بالباطل، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] قالوا: فعلمنا أن قتلهم لغير الإملاق حرام، كما هو خشية الإملاق.\nومما جاء به ابن حزم عن الجمهور أنهم قالوا: وقول الناس: لا تعطِ فلانًا حبّة، فإنه مفهوم منه أن ما فوق الحبة وما دونها داخل كل ذلك في حكم الحبة، وأنهم قالوا: ومَن ادعى من الآيات السالفة فهمَ ما عدا ما فيها من غيرها: فهو خارج عن المعقول وعن اللغة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-315>الأساس الذي قام عليه مسلك ابن حزم:</span>\nوابن حزم في موقفه من مفهوم الموافقة، إنما يعتمد عمومًا على أن ما ترد إليه كل الأحكام المأخوذة من النصوص السابقة، إنما هو نصوص\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" (٧/ ٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":517},{"text":"أُخر، أو إجماع متيقن، أو ضرورة المشاهدة بالحواس والعقل فقط.\nولذلك قال بعد أن حدّد معالم الاتجاه: (فإن لم نجد نصًا ولا إجماعًا ولا ضرورة اقتصرنا على ما جاء به النص ووقفنا حيث وقف ولا مزيد) (^١).\nومن هذا المنطلق الذي يرى ابن حزم سلامته، قرّر في آية التأفيف أنه لو لم يرد غير لفظة (أُفٍّ) لما كان فيها تحريم ضربهما، ولا قتلهما، ولما كان فيها إلا تحريم قول (أُفٍّ) ولكن لما قال الله تعالى في الآية نفسها: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء] اقتضت هذه الألفاظ الإحسان، والقول الكريم، وخفض الجناح، والذل والرحمة لهما، والمنع من انتهارهما، وأوجبت أن يؤتى إليهما كل بر وكل خير، وكل رفق.\nفبهذه الألفاظ والأحاديث الواردة، وجب بِرُّ الوالدين بكل وجه وبكل معنى، والمنع من كل ضرر وعقوق بأي وجه كان، لا بالنهي عن قول: (أُفٍّ).\nقال ابن حزم: وبالألفاظ التي ذكرنا وجب ضرورة أن مَن سبّهما أو تبرّم عليهما أو منعهما رِفْدَهُ في أي شيء كان من غير الحرام فلم يحسن إليهما، ولا خفض لهما جناح الذل من الرحمة).\nوأراد أبو محمد أن يؤكد المعنى الذي ألحّ عليه - وهو أن حكم السب والإيذاء وما شاكل ذلك إنما جاء من الأمر بالإحسان وما إليه - فقرر أن النهي عن قول (أُفٍّ) لو كان مغنيًا عما سواه من وجوه الأذى: لما كان لذكر الله تعالى في الآية نفسها، مع النهي عن قول: (أُفٍّ)، القولَ عن النَّهرْ، والأمر بالإحسان وخفض الجناح والذل لهما معنى، فلما لم يقتصر تعالى على ذكر الأف وحدَه، بطل قول من ادعى أن بذكر الأف علم ما عداه، وصح ضرورة أن لكل لفظة من الآية معنى غير سائر الفاظها (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" (٧/ ٦١).\n(^٢) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" (٧/ ٥٧ - ٥٩).","vol":"1","page":518},{"text":"ويبلغ أبو محمد المدى في عدم الالتفات إلى ما عند الآخرين، فيحاول - في استدلاله على أن تحريم الضرب والشتم لم يكن من النهي عن قول (أُفٍّ) - أن يقدم ذلك على شكل واقعة قضائية تبدو متفَقًا على نتيجتها في الحكم فيقول: (ومن البرهان الضروري على أن نهي الله تعالى عن أن يقول المرء لوالديه: (أُفٍّ) ليس نهيًا عن الضرب ولا عن القتل، ولا عما عدا الأُف -: أن من حدّث عن إنسان قتل آخر أو ضربه حتى كسر أضلاعه، وقذفه بالحديد وبصق في وجهه فشهد عليه من شهد ذلك كله، فقال الشاهد: إن زيدًا - يعني القاتل أو القاذف أو الضارب - قال لعمرو (أُفٍّ) يعني المقتول أو المضروب أو المقذوف -: لكان بإجماع منا ومنهم - يعني الجمهور - كاذبًا آفكًا شاهد زور مفتريًا مردود الشهادة).\nوكان طبيعيًا أن ينتهي ﵀ من هذا العرض إلى القول: (فكيف يريد هؤلاء القوم منا أن نحكم بما يقرُّون أنه كذب؟ فكيف يستجيزون أن ينسبوا إلى الله تعالى الحكم بما يشهدون أنه كذب؟ ونحن نعوذ بالله العظيم من أن نقول: إن نهي الله ﷿ عن قول (أُفٍّ) للوالدين يفهم منه النهي عن الضرب لهما أو القتل أو القذف) (^١).\nولقد قال مثل ذلك أو قريبًا منه في جميع النصوص التي أوردها في مدَّعى الجمهور، وكان يتخلل حديثه ما أعرضنا عن ذكره من الكلام الذي يعرفه كل من قرأ كتب الإمام ابن حزم وعرف طريقته في الرد على الآخرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-316>موقفنا من مسلك ابن حزم:</span>\n١ - قد لا يكون من مقتضيات بحثنا أن نخوض مع الإمام ابن حزم في الاحتجاج للقياس الذي يردُّه ولا يقول به، ولكن جزمه باعتبار مفهوم الموافقة من القياس، ومناقشة نصوص الجمهور من هذه الزاوية: يوجب علينا أن نشير إلى نقطتين لا بد من الإشارة إليهما.\n_________\n(^١) \"الإحكام\" (٥٨ - ٥٩) \"ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل\" (ص ٢٩) لابن حزم.","vol":"1","page":519},{"text":"أولاهما: أن ادعاء أبي محمد ﵀ وحدة الموقف مع الظاهرية من جميع الوجوه بالنسبة للقياس أمر فيه نظر (^١).\nوأن قوله بأن القياس بدعة طوائف من المتأخرين، مع أن فيهم أبا حنيفة والشافعي ومالكًا، فضلًا عما هنالك من نماذج للقياس وقعت قبلهم في عصر الصحابة والتابعين، قول فيه الكثير من الإهمال لمعالم الحقيقة، يجعل ما يستدل به في بعض الأحيان دليلًا لغيره (^٢).\nالثانية: أن مفهوم الموافقة - في نظرنا - ليس قياسًا بالمعنى الحقيقي للقياس الذي يقوم على الاستنباط والتأمُّل لمعرفة العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه، وقد أشرنا إلى ذلك حين رجحنا رأي الجمهور بأن دلالة مفهوم الموافقة على الحكم دلالة لفظية لا قياسية. وأساس ذلك: أن إدراك المعنى الذي يجمع بين المنطوق والمسكوت عنه، يكون بمجرد معرفة اللغة.\nأما تسمية هذا المفهوم من قبل الإمام الشافعي قياسًا: فذلك - فيما نرى - طريق في التسمية قبل تحديد المصطلحات لا يقدم ولا يؤخر. ولعل الداعي إلى ذلك، إنما كان مجرد اشتراك المسكوت عنه مع المنطوق في المعنى الواحد، وإن كان إدراكه في هذه الحال لا يحتاج إلى أكثر من المعرفة باللغة، حتى اشترك في ذلك الفقيه وغير الفقيه. وابن حزم لا يستطيع أن ينكر إمامة الإمام الشافعي في العربية فضلًا عن الفقه والأصول.\nقال الزركشي موضحًا هذا المعنى: (واعلم أن هذا النوع البديع - يعني\n_________\n(^١) إذ ينقل العلماء - مثلًا - عن داود بن علي الظاهري أنه مع نفيه للقياس بوجه عام، كان يقول ببعض أنواعه وهو القياس الجلي الذي هو عند الكثيرين \"مفهوم الموافقة\" ولا تختلف إلا التسمية والمسمى واحد. انظر: \"جامع بيان العلم وفضله\" لابن عبد البر (٢/ ٥٥ - ٦٩)، \"الإحكام\" للآمدي (٤/ ٤٢) فما بعدها، \"إعلام الموقعين\" (١/ ١٩٧) فما بعد، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٢٩).\n(^٢) راجع الكثير من الأدلة والشواهد على ذلك في: \"جامع بيان العلم وفضله\" لابن عبد البر (٢/ ٥٥ - ٦٩)، \"الإحكام\" للآمدي (٤/ ٤٢) فما بعدها، \"إعلام الموقعين\" (١/ ١٩٧) فما بعدها، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٢٩).","vol":"1","page":520},{"text":"مفهوم الموافقة - ينظر إليه من ستر رقيق، وطريق تحصيله فهم المعنى وتقييده من سياق الكلام. . . فإن قيل: فإذا ابتنى الفهم على تخيُّل المعنى: كان بطريق القياس كما صار إليه الشافعي!\nقيل: ما يتأخر من نظم الكلام وما يتقدم فهمه على اللفظ، ويقترن به، لا يكون قياسًا حقيقيًا؛ لأن القياس ما يحتاج فيه إلى استنباط وتأمُّل، فإن أطلق القائل بأنه قياس، اسم القياس عليه وأراد ما ذكرناه فلا مضايقة في التسمية) (^١).\n٢ - أما عن النصوص: فقد يكون من الخير الاكتفاء بوقفات يسيرة مع أبي محمد ﵀ في آية التأفيف.\nولقد رأينا أن ردَّه لاستنباط تحريم الشتم والضرب وما إليهما من قول: (أُفٍّ) كان من عدة نواحي:\nالأولى: أن تحريم هذه الأنواع من الإيذاء للوالدين، إنما كان مما نصّت عليه الآية في بدئها بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وفي تتمتها من قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]، ومن نصوص أخرى في الكتاب والسنة.\nوأنه لو لم يرد غير لفظة (أُفٍّ) لما كان فيها نفسها تحريم ما ذكرنا من أنواع الإيذاء.\nالثانية: النهي عن قول (أُفٍّ) في الآية لم يغن عن النهي عن النهر، والأمر بالإحسان، وخفض الجناح، والذل للوالدين، ولو كان مغنيًا لما كان لذكر هذه الأمور معنى، أما وإنها قد ذكرت: فليقتصر على حدود كلمة (أُفٍّ) إذ صحّ ضرورة أن لكل لفظة من الآية معنًى غير معنى سائر ألفاظها.\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ٢١).","vol":"1","page":521},{"text":"الثالثة: أن من شهد على قاتل أو قاذف أو ضارب أن ما صنعه المتهم مع خصمه هو قول: (أُفٍّ) اعتبرت شهادته باطلة عند الجميع. وهذا معناه أن (أُفٍّ) لم تعن القتل والضرب والقذف. . . لا شك في ذلك عند مَن له معرفة بشيء من اللغة - على حد تعبير ابن حزم.\nوسنقف مع الإمام أبي محمد وقفة يسيرة عند كل واحدة من هذه النواحي الثلاث.\n١ - أما عن الناحية الأولى: فإن من بدهيات العقول وأبسط مدركات اللغة التي بها يتفاهم الناس، ويدركون المعاني المرادة من خطاب بعضهم بعضًا، أن النهي عن التأفيف لا يمكن أن يستساغ معه الضرب أو القتل أو القذف للوالدين، أو غير ذلك من أنواع الإيذاء، والقول بغير ذلك مخالف لتلك البدهيات عند العقل، وأبسط المدركات في اللغة.\nذلك لأن المنع من قول: (أُفٍّ) - كما ذكرنا غيرَ مرة - لم يكن لذات التأفيف وإنما كان لما في هذه الكلمة على قلة حروفها وهي بمعنى التضجر من الإيذاء، والعارف باللغة لا يعوزه أن يفهم بكل سهولة ويسر، أن النهي عن التأفيف إنما قصد منه دفع الأذى عن الوالدين في شتى أنواعه وصوره؛ فالنهي عن الأدنى يعطي النهي عما هو أعلى منه أو يساويه (^١).\nوهذا المعنى من دفع الأذى، يفهم من المنع من التأفيف لغة دون حاجة إلى رأي واستنباط، كفهم الإيلام من الضرب.\nقال عبد العزيز البخاري: (إذا قيل: اضرب فلانًا أو لا تضربه يفهم منه لغة أن المقصود إيصال الألم بهذه الطريق إليه أو منعه عنه، ولهذا لو حلف لا يضربه، فضربه بعد الموت لا يحنث، ولو حلف ليضربنه فلم يضربه، فضربه بعد الموت لم يبر، فكذلك معنى الأذى من التأفيف، ثم تعدى حكم التأفيف - وهو الحرمة - إلى الضرب والشتم بذلك المعنى للتيقن بتعلق\n_________\n(^١) انظر: \"المدخل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل\" (ص ١٢٧) لعبد القادر بدران، \"البرهان\" للزركشي (٢/ ١٩) فما بعدها.","vol":"1","page":522},{"text":"الحرمة به لا بالصورة، حتى إن من لا يعرف هذا اللفظ، أو كان من قوم هذا في لغتهم إكرام لم تثبت الحرمة في حقه، ولما تعلق الحكم بالإيذاء في التأفيف صار في التقدير كأنه قيل: \"لا تؤذهما\" فتثبت الحرمة عامة) (^١).\nوهكذا كما فهم من الأمر بالضرب الإيلام بهذه الطريقة، فهم من النهي عن قول: (أُفٍّ) منع الأذى، وثبتت الحرمة على وجه يأخذ صفة العموم.\nثم إن الأمر بالإحسان للوالدين في صدر الآية، ثم النهي عن نهرهما، والأمر بخفض الجناح لهما والدعاء لهما بالرحمة، لا يعني عدم استفادة النهي عن الأذى بشتى مظاهره وأشكاله، وتحريم أدناه وأعلاه.\nفقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء] إذا كان يقضي بوجوب الإحسان إلى الوالدين، فهو يحتم برَّهما بكل معنى يشتمل عليه البر، ويمنع بالتالي إلحاق أي ضرر بهما، والسير في أي طريق يؤدي إلى عقوقهما، وإنما استفيد ذلك من طريق المنطوق، بعد أن أخذ المنع من التأفيف بطريق المفهوم.\nوإذا كنا في معرض المعرفة لأحكام معاملة الولد لوالديه؛ فإن استفادة تحريم الإيذاء لهما، وبذل الجهد للحفاظ على كرامتهما وحرمتهما إذا جاءت من طريقَيْ المفهوم والمنطوق: يكون فيها مزيد من الإشارة بخطر هذه الحقوق لمخلوقَين كانا سبب وجود الولد في هذه الحياة.\nوالعناية بتأكيد الأحكام، وتقريرها في الأذهان في عدد من المواطن، وبأساليب شتى من الكلام، معروف من طريقة القرآن الكريم الذي أنزله الله هدًى ونورًا لعباده، كما هو معروف من طريق السنّة النبوية المبينة عن الله ما أراد في قرآنه المجيد.\nب - أما عن الناحية الثانية: وهي أنه لو أغنى النهي عن التأفيف عن النهي عما سواه من وجوه الأذى، لما كان للنهي عن النهر والأمر بالإحسان\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٧٤)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٦٦).","vol":"1","page":523},{"text":"وخفض الجناح والذل لهما معنى: فإن ذلك تناول للمسألة من وجه آخر أقحمه ابن حزم ﵀، ذلك الوجه هو كون اللفظ مغنيًا عن ذكر غيره أو غير مغني.\nفالجمهور لم يقولوا: إن النهي عن التأفيف مغنٍ عما عداه، وإنما قالوا: إنه يدل بمفهومه على المنع مما عداه من أنواع الإيذاء.\nأما كونه مغنيًا أو غير مغنٍ: فشيء آخر.\nعلى أن هذا النهي في الواقع، لا يغني عما عداه لأنه نهي إجمالي، وما ذكر بعده تفصيل لما يجب للوالدين من حقوق.\nوالإجمال في مثل هذا المقام لا يغني عن التفصيل.\nوبذلك يتضح أن قول ابن حزم تفريعًا على ما تقدم: (فلما لم يقتصر تعالى على ذكر (الأُف) وحده بطل قول مَن ادعى أن بذكر الأُف علم ما عداه. .) غير ذي موضوع (^١).\nج - أما عن الناحية الثالثة التي قدّم فيها برهانه على شكل واقعة قضائية: فإنه يلزم فيها الجمهور بما لم يلتزموه.\nفالجمهور لم يقولوا: التأفيف يشمل بوضع اللغة القتل والضرب والقذف ونحوها من أنواع الإيذاء التي اشتملت عليها الواقعة، حتى يرد عليهم ما ذكره من قضية الشهادة، لأن الشاهد شهد بغير الذي حصل، وإنما قالوا - كما هو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار -: بأن النهي عن التأفيف يستلزم المنع من القتل، والضرب، والقذف وغيرها من أنواع الأذى، لتحقق المعنى الذي هو مناط النهي فيها، وشتان بين الأمرين.\nوإذا كان ابن حزم قد بنى برهانه في هذه الناحية، على اتهام الجمهور بالقول: إن التأفيف يشمل تلك الأنواع من الأذى وضعًا، - وهم لا يقولون بذلك -: أصبح من المجافاة للصواب الحكم على مخالفيه بالرأي، أنهم\n_________\n(^١) راجع: \"دلالة الكتاب والسنّة على الأحكام الشرعية\" للشيخ زكي الدين شعبان (ص ٥٣)، \"الأحكام\" لابن حزم (٧/ ٥٨).","vol":"1","page":524},{"text":"يستجيزون أن ينسبوا إلى الله تعالى الحكم بما يشهدون أنه كذب؛ فهم لم ينسبوا إلى الله تعالى الحكم بأن التأفيف يتناول الضرب وغيره، وإنما فهموا أن نهيه عن التأفيف يستلزم النهي عن الإيذاء، أيًا كان ذلك الإيذاء.\nهذا: ولعل في الكلام عن هذه الآية الكريمة غناء عن الوقوف مع ابن حزم في كل جزئية من الجزئيات التي أوردها حول الموضوع، فالمحور واحد وألوان الهجوم والرد متشابهة.\n\n<span data-type='title' id=toc-317>الرأي الذي نرتضيه:</span>\nوالذي نراه أن القول بمفهوم الموافقة (دلالة النص) سواء اعتبر قياسًا جليًا أو لم يعتبر، هو من مفاخر هذه الشريعة في تفسير النصوص واستنباط ما يمكن أن تدل عليه من أحكام في غير المنطوق.\nوهذا يدل بلا ريب: على أن علماءنا قد أوتوا من الإدراك لأسرار هذه الشريعة، ومدلول الخطاب في لغتها، ما جعلهم ينطلقون من حدود اللفظ المجرد، إلى ما يمكن أن يفهم منه بروحه وفحواه عن طريق الذوق الفقهي السليم، في حدود اللغة التي نزل بها الكتاب الكريم، وفي ذلك ما فيه من دفع الحرج والإسهام في إعطاء أحكام لما قد يجدُّ من حوادث - في ظل المجتمع الإسلامي - لا تتناهى مع الزمن.\nبل إن الحنفية اعتبروا هذه الطريق من الدلالة، دلالة بظاهر اللفظ، شأنها شأن العبارة والإشارة. . .\nوإن أعلام القانون اليوم - نتيجة للتطور الحقوقي - يرون في مفهوم الموافقة - كما سيأتي - طريقًا بيِّنة من طرق تفسير النصوص.\nفاتجاه الجمهور الذي تنكَّبه ابن حزم، هو المتساوق مع طبيعة لغتنا، وما كان يدركه العربي من الخطاب. وإن من الخروج على أساليب لغة التنزيل في التعبير عن مدلولاتها: نفيَ هذه الطريق في الدلالة وعدم اعتبارها سبيلًا يفيد الحكم في المسكوت عنه مما وراء الألفاظ.\nفالعرب إنما وضعوا هذه الألفاظ للمبالغة في التأكيد للحكم في محل المسكوت، واعتبروها أفصح من التصريح بالحكم في محل المسكوت. .","vol":"1","page":525},{"text":"قال الآمدي في \"الإحكام\": (ولهذا فإنهم - يعني العرب - إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقًا للآخر قالوا: \"هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس\" وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم: \"هذا الفرس سابق لهذا الفرس\"، وكذلك إذا قالوا: \"فلان يأسف لشم رائحة مطبخه\" فإنه أفصح عندهم وأبلغ من قولهم: \"فلان لا يُطعم ولا يسقي\") (^١).\nوحسبنا أن نقرر أنه لو قال والد لولده: لا تعط زيدًا حبة، ولا تقل له أُف، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه، فإن الذي يتبادر إلى الفهم عند كل عارف باللغة امتناع إعطاء ما فوق الحبة وامتناع الشتم والضرب، وامتناع الظلم بالدينار وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق التعبيس من هجر الكلام وغيره.\nولو حلف إنسان لا يأكل لفلان لقمة ولا يشرب من مائه جرعة، كان ذلك موجبًا لامتناعه من أكل ما زاد على اللقمة كالرغيف، وشرب ما زاد على الجرعة. . . ونظائر ذلك كثيرة (^٢).\nوأصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وهم أهل اللسان والفاهمون في ظل البيان فهموا - كما يقول الآمدي - من قول النبي ﷺ في شأن اللقطة: \"إعرف وكاءها وعِفاصها\" (^٣) حفظ ما التقط من الدنانير\n_________\n(^١) انظر: \"الأحكام\" للآمدي (٣/ ٩٧).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٩٦) فما بعدها.\n(^٣) أخرج أحمد (١٧١٧٢) والأئمة الستة عدا النسائي. البخاري (٢٤٢٨)، مسلم (٤٤٧٩)، أبو داود (١٧٠٦)، الترمذي (١٣٧٣)، ابن ماجه (٢٥٠٧) عن زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله ﷺ عن لُقَطَة الذهب والورق، فقال: \"اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر، فأدّها إليه. . .\" الحديث، ولم يقل فيه أحمد: \"الذهب والورق\". انظر: \"فتح الباري\" للحافظ مع \"الجامع الصحيح\" للبخاري: (٢٤٢٨) \"منتقى الأخبار مع نيل الأوطار\" (٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨) و\"الوكاء\" بكسر الواو والمد: الخيط الذي يُشد به الوعاء الذي تكون فيه النفقة. و\"العفاص\" بكسر العين المهملة وتخفيف الفاء، وبعد الألف صاد مهملة: الوعاء الذي تكون فيه النفقة، جلدًا كان أو غيره. وانظر اللُّقطة وأحكامها: \"الهداية\" مع \"فتح القدير والعناية\" (٤/ ٤٢٣) فما بعدها، \"نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار\" (٥/ ٣٥٦ - ٣٦٥).","vol":"1","page":526},{"text":"لا حفظ الوكاء والعفاص فحسب (^١).\nبل لقد روي عن بعض الصحابة استخدام هذا المفهوم، للدلالة على الحكم في أوسع مما ذكرناه.\nفقد أخرج الترمذي في الجامع الصحيح أن أبا سعيد الخدري (^٢) قرأ قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] وقال: هذا نبيكم ﷺ يوحى إليه وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم (^٣)؟ وواضح أن قوله: \"فكيف بكم اليوم\"، يعطي الكثير مما نريد.\nوهكذا تتبين سلامة ما ذهب إليه الجمهور، فلقد سلكوا الجادة ولم يتنكبوا طريق الصواب.\nورحم الله الإمام الظاهري لقد خاف من القول بمفهوم الموافقة الوقوع في القول بالقياس - وهو على رأس نفاته من الظاهرية بعد داود - الظاهري الذي كان يقول به، مع أن هذا الطريق من طرق الدلالة على الحكم قال به - كما ذكرنا من قبل - الإمامية هم من نفاة القياس، حيث يرفضونه ولا يرون الاحتجاج به، إذ ليس مفهوم الموافقة الذي جعله الإمام الشافعي ﵀ من القياس الجلي قياسًا عندهم.\nعلى أنا بعد ذلك كله: معاذ الله أن نعتقد أن أبا محمد قد أُتي من قبل اللغة نفسها - وهو من هو معرفة بها وقدرة مشهودة في التعبير - ولكن مردَّ\n_________\n(^١) ومما ذكره الآمدي أنهم فهموا من قوله ﷺ في الغنيمة: \"أدُّوا الخيط والمخيط\" أداء الرحال وغيرها. ومن قوله: \"مَن سرق عصا مسلم فعليه ردها\" رد ما زاد على ذلك. \"الإحكام\" (٣/ ٩٦).\n(^٢) هو الصحابي سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد الخدري. مشهور بكنيته روى عن النبي ﷺ الكثير، كما روى عن عدد من الصحابة، وهو من أفقه أحداثهم اختلف المؤرخون في تاريخ وفاته. فنقل ابن حجر عن الواقدي أن ذلك كان سنة أربع وسبعين، وقيل أربع وستين، وقال المدائني: مات سنة ثلاث وستين، وقال العسكري: مات سنة خمس وستين.\n(^٣) \"جامع الترمذي - السنن\" (١٢/ ١٥٤ - ١٥٥) (٣٢٦٩).","vol":"1","page":527},{"text":"الأمر إلى حس مرهف نحو القياس، ناشئ عن المبالغة في التمسك بالظاهر. ومفهومُ الموافقة في نظره كما أسلفنا واحد من أفراد القياس، فكان ما كان من مجافاة اللغة في هذه المسألة (^١).\nعلى أن القياس بأنواعه التي ذكرها العلماء، وفي الحدود التي وضعوها لضبطه وسلامة الأخذ به: لا يمكن أن يكون خروجًا عن النص أو حكمًا بغير ما أنزل الله.\nولقد نتج عن تشدُّد ابن حزم في التمسك بالظاهر: أنه لم يكتفِ بإغلاق بابه دون القياس، بل أغلقه بإحكام مُتَكلَّفٍ دون مفهوم الموافقة أيضًا، مع أن إدراك الحكم عن طريقة لا يحتاج إلى رأي واجتهاد.\nولنترك الكلام مع أبي محمد مكتفين بما ذكرنا في صدر حديثنا عن مفهوم الموافقة (دلالة النص) عند الحنفية والمتكلمين، وبقدر من المناقشة له في آية التأفيف، لنقرر أن ادعاء خروج القائلين بمفهوم الموافقة عن حدود المعقول والشريعة واللغة، ادعاء أعوزته سلامة الاحتجاج حتى كاد يصبح دعوى بلا دليل.\n_________\n(^١) ومن هنا رأينا العلماء لا يرتضون ما ذهب إليه ولا يلتمسون له العذر، قال الذهبي في معرض كلام أبي محمد عن آية التأفيف: (قلت: يا هذا بهذا الجمود وأمثاله جعلت على عرضك سبيلًا، ونصبت نفسك أعجوبة وضحكة. بل يقال لك: ما فهم أحد قط من عربي ولا نبطي ولا عاقل ولا واع، أن النهي عن قول \"أُف\" للوالدين إلا وما فوقها أولى بالنهي منها، وهل يفهم ذو حسٍّ سليم إلا هذا؟ وهل هذا إلا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأصغر على الأكبر؟ بل مثل هذا مما أمن فيه حفظ اللسان العربي بل والعجمي والتركي والنبطي وجميع خطاب بني آدم.\nوهل إذا قال: (لا تنهر والديك) إلا والنهي عن شتمهما أو لعنهما أو ضربهما حتى يستغيثا أو خنقهما حتى يموتا بطريق الأولى؟ إذ ما كان أبلغ من قول (أُف) أو انتهارهما فإن فيه ما في ذلك وزيادة بيقين، وتقرير مثل هذا الضرب هي، فإن الرجل إذا قال لامرأته: (لا تكلمي الرجال أضربك) فذهبت وزنت مع الرجال ولم تكلمهم كلمة، كانت عاصية له قطعًا بل كانت أشد عصيانًا بذاك وأحق بالضرب وأوْلى من أن لو كلمت الرجال فقط. .) انظر: \"ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل\" للإمام ابن حزم، تحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني (ص ٢٩).","vol":"1","page":528},{"text":"ولهذا رأينا إمامًا كأبي بكر الباقلاني لم يقم وزنًا لإنكار مفهوم الموافقة وقال: (القول بمفهوم الموافقة من حيث الجملة مجمع عليه).\nوقال ابن رشد: (لا ينبغي للظاهرية أن يخالفوا في مفهوم الموافقة لأنه من باب السمع، والذي ردّ ذلك يردُّ نوعًا من الخطاب).\nواعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية مخالفة ابن حزم للجمهور في هذه القضية: مكابرة (^١).\nوعلى هدي هذا المسلك، من اعتبار مفهوم الموافقة طريقًا من طرق الدلالة على الأحكام، عُني الباحثون بعلوم القرآن بإبرازه وتقديمه. حتى رأينا إمامًا كالزركشي من رجال المائة الثامنة للهجرة يفرده بفصل خاص من باب معرفة أحكام القرآن. وإن كان أتى به تحت اسم تنبيه الخطاب.\nوقد بيّن ﵀ أن تنبيه الخطاب يأتي في الطلب، كما يأتي في الخبر، وأوضح ما يريد بعدد من الأمثلة التي تزيح الغشاوة وتنير السبيل (^٢).\n_________\n(^١) راجع \"البحر المحيط\" للزركشي ج ٢ مخطوط دار الكتب المصرية. \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٦٦).\n(^٢) قال ﵀: (ومما تستثمر منه الأحكام: تنبيه الخطاب؛ وهو إما في الطلب كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فنهيه عن القليل منه يدل على الكثير، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] يدل على تحريم الإحراق والإتلاف.\nوإما في الخبر:\nفإما أن يكون بالتنبيه بالقليل على الكثير كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ [الزلزلة: ٧] فنبّه على أن الرطل والقنطار لا يضيع لك عنده، وكقوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر]، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء]، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء]، ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] مع خفائه ودقته، فهو بألا يذهب عنه الشيء الجليل الظاهر: أولى.\nوإما بالكثير على القليل، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فهذا من التنبيه على أنه يؤدي إليك الدينار وما تحته، ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ فهذا من الأول؛ وهو التنبيه بالقليل على الكثير؛ فدلّ بالتنبيه على أنك لا تأمنه بقنطار، يعكس الأول.\nومثل قوله في فرش أهل الجنة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وقد علمنا أن أعلى ما =","vol":"1","page":529},{"text":"وهذا يدل مرة أخرى على عظيم اعتبار العلماء لهذا المسلك من مالك الاستنباط، ومقدار تقويمهم لمقاييس العربية التي بها نزلت شريعة الإسلام. فالباب الذي جاء الكلام تحته عند الزركشي هو من أهم أبواب كتابه \"البرهان\" لأن محتواه معرفة أحكام القرآن الذي هو كتاب الشريعة الأول والمصدر الذي مآل كل المصادر إليه.\n* * *\n_________\n= عندنا هو الإستبرق الذي هو الحسن من الديباج، فإذا كان بطائن (فرش) أهل الجنة ذلك، فعلم أن وجوهها في العلم إلى غاية لا يعقل معناها.\nوكذلك قوله في شراب أهل الجنة: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] وإنما يرى من الكأس الختام، وأعلى ما عندنا رائحة المسك وهو أدنى شراب أهل الجنة؛ فليتبين اللبيب إذا كان الثفل: الذي فيه المسك، أيش يكون حشو الكأس، فيظهر حشو للكأس بفضل الختام) قال ﵀: (وهذا من التنبيه الخفي).\nوقوله: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] فنبّه على حصول البركة فيه من باب أولى)، \"البرهان في علوم القرآن\" (٢/ ١٩ - ٢١).","vol":"1","page":530},{"text":"<span data-type='title' id=toc-318>المبحث الثالث موقف العلماء من مفهوم المخالفة بوجه عام </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-319>تمهيد:</span>\nمن المعلوم أن مفهوم المخالفة - كما مر - هو (دلالة اللفظ على مخالفة حكم المسكوت عنه لحكم المنطوق، وذلك لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في هذا الحكم).\nولقد كان للعلماء في ذلك مسلكان أساسيان نعرض لهما فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-320>المسلك الأول:</span>\nأما المسلك الأول: فهو الذي يعتبر مفهوم المخالفة حجة في الشريعة وطريقًا من طرق الدلالة على الحكم في نصوص الكتاب والسنّة.\nفالألفاظ كما تدل بمنطوقها ومفهومها الموافق: تدل أيضًا بمفهومها المخالف (^١).\nفمفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، يلتقيان في أن مستند فهم الحكم في محل السكوت، إنما هو النظر إلى فائدة تخصيص محل النطق بالذكر دون غيره، سواء أكان من قبيل مفهوم الموافقة، أم من قبيل مفهوم المخالفة.\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١٥) فما بعد. \"البرهان في علوم القرآن\" لبدر الدين الزركشي (٢/ ٢١ - ٢٣) \"مذكرات في أصول الفقه للدراسات العليا في حقوق القاهرة\" (ص ١٦٣) فما بعدها للأستاذ البرديسي.","vol":"1","page":531},{"text":"ولا يؤثر في ذلك أن يفترقا من جهة أن فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم الموافقة: تأكيدُ (مثل) حكم المنطوق في محل المسكوت عنه.\nوأن فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم المخالفة: إنما هي تأكيد (نفيِ مثلِ) حكم المنطوق في محل المسكوت عنه (^١).\nوعلى هذا: فإذا كان الكلام مقيدًا بقيد، ودلّ النص بمنطوقه على حكم: دلّ بمفهومه المخالف على نقيض الحكم؛ لانتفاء القيد الذي من أجله كان ذلك الحكم.\nمثال ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة].\nفإن قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يدل بمنطوقه على أن ما ذبح مقترنًا باسم غير الله تعالى؛ كمخلوق أو صنم، ونحوه: حرام.\nويدل بمفهومه المخالف، على أن ما ذبح، ولم يذكر فيه اسم غير الله: فهو حلال.\nوأصحاب هذا الاتجاه هم الجمهور (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٠١)، \"ابن الحاجب مع العضد والسعد\" (٢/ ١٧٣)، \"منهاج البيضاوي\" مع \"شرحه للإسنوي وحواشي الشيخ بخيت\" (٢/ ٢٠٥)، \"جمع الجوامع\" لابن السبكي مع \"شرحه للمحلي وحاشية البناني\" (١/ ٢٤٧).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" للأمدي (٣/ ١٠٢)، \"الآيات البيِّنات\" لابن قاسم العبادي على شرح المحلى لجمع الجوامع (٢/ ٢٣).","vol":"1","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>المسلك الثاني:</span>\nوالمسلك الثاني: هو الذي لا يعتبر مفهوم المخالفة حجة في الشريعة، ولا يراه طريقًا من طرق الدلالة على الحكم في نصوص الكتاب والسنّة.\nفالنصوص تدل بمنطوق ألفاظها في محل النطق. وتدل بمفهومها الموافق في محل السكوت، وليس لها مفهوم مخالف تدل به على الأحكام.\nوإذا انتفى حكم المنطوق عن المسكوت في نص من النصوص، فذلك لدليل آخر، كالعدم الأصلي أو البراءة الأصلية. وذلك كانتفاء وجوب الزكاة عن الغنم المعلوفة، وانتفاء حل التزوج بالأمة غيرِ المؤمنة.\nفانتفاء وجوب الزكاة عن الغنم المعلوفة: ليس مستفادًا من تقييد وجوب الزكاة في الغنم بكونها سائمة في قول النبي ﷺ: \"وفي سائمة الغنم من كل أربعين شاة شاة\" (^١) وإنما هو مستفاد من العدم الأصلي إذ الأصل عدم وجوب الزكاة، وقد ورد النص بوجوبها في الموصوفة بالسوم (السائمة) فيبقى ما عداها على العدم الأصلي وهو انتفاء الوجوب.\nوكذلك انتفاء حل الزواج بالأمة غير المؤمنة: ليس مستفادًا من تقييد حل الزواج، بأن تكون الأمة مؤمنة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٠].\nولكنه مستفاد من الأصل: إذ الأصل هو الحرمة، وقد ورد النص بالحل في شأن الفتيات المؤمنات، فيبقى ما عداهن على العدم الأصلي وهو الحرمة.\n_________\n(^١) من حديث الصدقة فيما أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١١٣٢٧) وأبو داود (١٥٦٨) والترمذي (٦٢١) والنسائي (٢٤٤٧) وابن ماجه (١٨٠٠) والحاكم في \"المستدرك\"، وانظر: (ص ٣١٧) مما سبق، وينظر: \"الجامع الصحيح\" للبخاري (١٤٤٨) و(١٤٥٣) مع \"فتح الباري\".","vol":"1","page":533},{"text":"وأصحاب هذا المسلك هم الحنفية (^١) الذين يسمون مفهوم المخالفة: \"المخصوص بالذكر\". قال أبو بكر الجصاص في \"أصوله\": (ومذهب أصحابنا أن المخصوص بالذكر حكمُه مقصور عليه، ولا دلالة فيه على أن حكم ما عداه بخلافه) (^٢).\nوحكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في \"شرح اللُّمع\" عن القفال الشاشي وأبي حامد المروزي (^٣).\nواختلف النقل عن الأشعري: فنسب إليه القول بمفهوم المخالفة، كما نسب إليه عدم القول به (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-322>موقف ابن حزم:</span>\nومن الطبيعي أن يكون ابن حزم من أهل هذا الاتجاه؛ فهو لم يقل بمفهوم الموافقة حتى يقول بالآخر، فإذا كان لم يرتضِ القول بإعطاء حكم المنطوق للمسكوت في حال المساواة أو الأولوية، خشية الوقوع في القياس، فهو بنفي مفهوم المخالفة أولى وأحرى.\nولقد كان هجومه في \"الإحكام\" و\"النُّبَذ\" و\"مُلَخَّص إبطال القياس. .\" و\"المحلَّى\" على المفاهيم جملة. وسمّى في بعض المواطن كلًا من مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة \"دليل الخطاب\" (^٥).\nوهكذا يكون ابن حزم في موقفه من مفهوم الموافقة مخالفًا للجمهور،\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (٣/ ٥٧٣)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١١٥).\n(^٢) راجع: \"أصول الجصاص\" (ق ٤٩/ ب) مخطوط دار الكتب المصرية.\n(^٣) راجع: \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٧٩).\n(^٤) المصدر السابق (ص ١٧٩)\n(^٥) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٧/ ٥٣) فما بعدها، وانظر له \"النبذ\" (ص ٥٢) تعليق الشيخ الكوثري، \"ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل\" (ص ٢٩).","vol":"1","page":534},{"text":"ولكنه في مفهوم المخالفة يلتقي مع الحنفية، وفريق من المتكلمين الذين ينكرون حجية هذا المفهوم، أو بعض أنواعه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-323>المطلب الأول أدلة القول بمفهوم المخالفة وشروطه</span>\n<span data-type='title' id=toc-324>اولًا - من أدلة القول بمفهوم المخالفة:</span>\nلقد استدلّ الجمهور على ما ذهبوا إليه من اعتبار هذا المفهوم طريقًا من طرق الدلالة على الحكم بالنص والمعقول.\n١ - أما النص:\nأ - فقالوا: إن حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه في صدقة الغنم بإثبات وصف السوم وذلك قوله: \"وفي صدقة الغنم في سائمتها. . .\" أثبتَ بمنطوقه الزكاة في السائمة التي ترعى في الكلأ المباح، ونفاها عن غير السائمة. وإذن: فلا زكاة في المعلوفة: وهذا الحكم يثبت من طريق \"مفهوم المخالفة\".\nوقد أخذ بهذا الحكم جمهور الفقهاء، ومنهم الحنفية، حيث لم يخالف في ذلك إلا مالك والليث بن سعد (^١) اللذين قررا أن المعلوفة تجب فيها الزكاة (^٢).\n_________\n(^١) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث. إمام أهل مصر في الفقه والحديث، قال الإمام الشافعي: الليث بن سعد أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، توفي ﵀ سنة ١٧٥ هـ ودفن بمصر في القرافة الصغرى.\n(^٢) انظر: \"الموطأ\" مع \"شرحه للزرقاني\" (٢/ ١١٣)، \"تبيين الحقائق\" للزيلعي، \"شرح الكنز\" (١/ ٢٥٩)، \"المهذب\" للشيرازي (١/ ١٤٢) \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٥٧٦) قال ابن قدامة: (قال أحمد: ليس في العوامل زكاة، وأهل المدينة يرون فيها الزكاة، وليس عندهم في هذا أصل).","vol":"1","page":535},{"text":"ب - وقالوا أيضًا: إن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] دلّ بمنطوقه - كما هو إجماع الفقهاء - أن الأمة لا يصح زواج الرجل منها إذا كانت هنالك حرة في عصمته.\nواعتبر الفقهاء إباحة الأمة مشروطة بعدم القدرة على الحرة، أخذًا من الآية الكريمة (^١)، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا من طريق مفهوم المخالفة.\nولولا الأخذُ بمفهوم المخالفة في الآية، ونفي الحكم للمسكوت بانتفاء القيد، لكان زواج الأمة مباحًا لمن تكون في عصمته حرة، باعتبار أنه لا يقوم بها سبب من أسباب التحريم بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بعد أن ذكر المحرمات من النساء.\n٢ - وأما المعقول:\nفقالوا: إن الذي يتفق مع المنطق البياني السليم: أن القيد من وصف، أو شرط، أو غاية. . إلخ لا يمكن أن يوجد عبثًا، وإنما يكون ذكره لسبب، فإذا لم يكن هنالك مقاصد بيانية أخرى من وراء ذكر القيد - من ترغيب، أو ترهيب، أو نحوهما - ولم يقم دليل خاص على حكم المسكوت غير أخذه من التقييد - كما سيأتي في شروط الأخذ بهذا المفهوم - كان لا بد من الأخذ بهذا الطريق من طرق الدلالة.\nفإذا كان الحِلُّ مقيَّدًا بقيدٍ ما: فالتحريم يكون عند تخلف هذا القيد، وإذا كانت الحرمة مقيدة بقيد ما: فالحكم بالحل يكون إذا تخلّف ذلك القيد. والعدول عن ذلك معناه ادعاء أن ذكر القيد في نصوص الكتاب والسنّة كان عبثًا بلا فائدة، والعبث لا يمكن صدوره من الشارع الحكيم. وقد وقع الأخذ به من الصحابة وأعلام اللغة (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٤٤ - ٤٥)، \"تبين الحقائق\" للزيلعي (٢/ ١١١).\n(^٢) راجع: \"روضة الناظر\" لابن قدامة مع \"الشرح\" لبدران (٢/ ٢٠٦، ٢٠٧)، \"الإسنوي والبدخشي في شرحَيْهما لمنهاج البيضاوي\" (١/ ٣٩٦) فما بعد.","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type='title' id=toc-325>ثانيًا - من شروط الأخذ بمفهوم المخالفة </span>(^١):\nلمفهوم المخالفة بأنواعه شروط اتفق عليها الآخذون به؛ فإذا توافرت اعتبروه طريقًا للدلالة على الحكم، وإذا لم تتوافر بأن تخلفت كلها، أو واحد منها، لم يتحقق مفهوم المخالفة عندهم من أصله، وهي شروط - كما سنرى - تحلُّ كثيرًا من العقد، وتمهد الطريق لتقارب مسالك الأئمة في شأن الأخذ بهذا المفهوم إلى حد بعيد.\nومن أهم هذه الشروط ما يلي:\nالشرط الأول: ألّا يوجد في المسكوت المراد إعطاؤه حكمًا - وهو ضد حكم المنطوق - دليل خاص يدل على حكمه، فإن وجد هذا الدليل الخاص: فهو طريق الحكم، لا مفهوم المخالفة.\nوفي نصوص الكتاب والسنّة العديد من النماذج التي كان للمسكوت فيها دليل خاص، فلم يؤخذ فيها بمفهوم المخالفة، وإنما أخذ للمسكوت ضد حكم المنطوق؛ من ذلك الدليل الخاص.\nمن ذلك ما يلي:\nأ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة].\nفمفهوم المخالفة في هذا النص: ألَّا يُقْتَل الذكَر بالأنثى، فلا يكون قصاص بينهما. ولكن العلماء اعتبروا أن مفهوم المخالفة لم يتحقق؛ لأن القصاص بين الرجل والأنثى، وجد فيه نص خاص يدل على وجوبه، وهو ما جاء في سورة المائدة من قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٤٤ - ١٤٦)، \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد\" (٢/ ١٧٤)، \"مفتاح الوصول\" للتلمساني (ص ٦٦) \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٧٩)، \"القواعد والفوائد الأصولية\" لابن اللحام (ص ٢٩٠).","vol":"1","page":537},{"text":"بِالنَّفْسِ﴾ فهذا حديث عن التوراة، وأن الله فرض فيها على بني إسرائيل عقوبة قتل النفس، وذلك شرع لنا، لأن القرآن قرَّره ولم يرد ناسخ (^١) بل هنالك ما يدل على تثبيته والأخذ به. وحصل الإجماع على أن الذكَر يقتل بالأنثى، ولم يؤخذ بمفهوم المخالفة.\nب - وقال جلّ وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء].\nفإن تقييد قصر الصلاة بالخوف، يدل بمفهومه المخالف على عدم جواز القصر في حالة الأمن.\nولكن مفهوم المخالفة لم يتحقق؛ لأن نصًّا خاصًّا قد دلّ على هذا الحكم في المسكوت عنه، وهو جواز القصر في حالة الأمن.\nفقد ورد \"أن يعلى بن أمية (^٢) توقف في هذه الآية فسأل عمر بن الخطاب ﵁: كيف نقصر وقد أمنا؟ والله يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقال عمر: عجبت مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: \"صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\" (^٣) فدلّ هذا الحديث الذي ورد في جواب عمر ليعلى بن أمية أن شرط الخوف لم يرد للتقييد؛ فجواز قصر الصلاة من أربع إلى اثنتين في حالة الأمن قائم، وأنه صدقة من الله تصدّق بها على عباده، تخفيفًا، ودفعًا للحرج عنهم.\n_________\n(^١) وهذا بناء على القول المختار من أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ.\n(^٢) هو الصحابي يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي ﵁. استعمله عمر على بعض اليمن واستعمله عثمان على صنعاء، يقول النووي: روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وعشرون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، قتل وهو مع علي ﵁ بصفين سنة ٣٧ هـ.\n(^٣) رواه أحمد (٢٤٤) وأصحاب الكتب الستة إلا البخاري: مسلم (١٥٧١)، أبو داود (١١٩٩)، الترمذي (٣٠٣٤) النسائي (١٤٣٢)، ابن ماجه (١٠٦٥). وانظر: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢١٢) فما بعدها، وراجع: \"مقارنة المذاهب في الفقه\" لشلتوت والسايس (ص ٣٠ - ٣٨).","vol":"1","page":538},{"text":"وهكذا وجد الدليل الخاص الذي دلّ على حكم المسكوت - وهو قصر الصلاة في حالة الأمن - فلم يعمل بمفهوم المخالفة.\nالشرط الثاني: ألّا يكون للقيد الذي قُيِّد به النص، فائدةٌ أخرى، غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت؛ وذلك كالترغيب، أو الترهيب، أو التنفير من واقع، أو التفخيم له، وتأكيد الحال، أو الامتنان. . . إلخ، أو غير ذلك مما يشعر أن الحكم ليس مرتبطًا بهذا القيد، وأن التقييد إنما كان لغرض آخر.\nوبيان ذلك فيما يلي:\n١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠].\nفلو أخذنا بمفهوم المخالفة: لكان الربا الخالي عن المضاعفة غير حرام.\nولكن مفهوم المخالفة غير متحقق هنا، ولا يؤخذ به؛ لأن وصف الربا بالأضعاف المضاعفة في الآية، جاء للتنفير مما كانوا عليه في الجاهلية من الزيادة على رأس المال، ومضاعفة هذه الزيادة سنة بعد أخرى (^١) الأمر الذي يؤدي إلى استئصال مال الغريم، وهتك ستره وإحداث الفوارق الظالمة في المجتمع، وقد قام الدليل على أن وصف المضاعفة هو للتنفير من الواقع الذي كانوا عليه، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة].\nوهكذا لم يدل التقييد بوصف المضاعفة على إباحة الربا؛ لأن هذا الوصف لم يكن لإثبات خلاف التحريم عند انتفائه، وإنما كان للتنفير والتشنيع على مَن يأتي هذا النوع من التعامل الذي كان واقعًا يسود المجتمع الجاهلي.\n_________\n(^١) راجع: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٠٤)، \"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٣٦٥).","vol":"1","page":539},{"text":"ب - وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] فتقييد اللحم بكونه طريًا، لا يمنع أكل ما ليس بطري؛ لأن الوصف إنما قُصد به امتنان الله على عباده بهذه النعمة.\nج - وجاء في الحديث الشريف قول النبي ﷺ: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحُدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج\" (^١).\nفإن التقييد بوصف المرأة بالإيمان بالله واليوم الآخر في هذا النص: إنما قصد منه التفخيم وتأكيد الحال للحث على امتثال ما يأمر به الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، إذ الإيمان بالله واليوم الآخر مدعاة لامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وعلى هذا لا يتحقق المفهوم المخالف هنا، ليستدل به على إباحة إحداد المرأة على غير زوجها أكثر من المدة المذكورة في الحديث، إذا كانت لا تؤمن بالله واليوم الآخر.\nالشرط الثالث: أن يكون الكلام الذي ذُكر فيه القيد مستقلًا، فلو ذُكر على وجه التبعية لشيء آخر، فلا مفهوم له (^٢).\nوذلك كقوله تعالى في شأن مباشرة النساء: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nفإن تقييد الاعتكاف بكونه في المساجد لا يتحقق فيه مفهوم المخالفة، فيكون الاعتكاف بغير المسجد غير مانع من المباشرة؛ لأن الاعتكاف واقعيًا لا يكون إلا في المسجد، فامتنع أن يكون لهذا التقييد أيُّ مفهوم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد والأئمة السنة من رواية أم حبيبة، إلا ابن ماجه فمن رواية حفصة ﵂. \"مسند أحمد\" (٢٧٩٤٢)، البخاري (١٢٨٠) مسلم (١٤٨٦)، أبو داود (٢٢٩٩)، الترمذي (١١٩٥)، النسائي (٣٥٠٠)، ابن ماجه (٢٠٨٤).\n(^٢) راجع: \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٣) راجع: \"المهذب للشيرازي\" (١/ ١٩٤) \"معالم السنن\" للخطابي (٢/ ١٤٢)، \"الهداية\" مع \"فتح القدير والعناية\" (٢/ ١١٣)، \"الزيلعي على الكنز\" (١/ ٣٥٢) مع حاشية الشلبي.","vol":"1","page":540},{"text":"الشرط الرابع: ألّا يكون ذكر القيد في النص قد خرج مخرج الغالب (^١).\nأ - وذلك كما في قوله تعالى حين جاء على ذكر المحرمات من النساء [الآية: ٢٣]: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾.\nفإن الغالب كون الربائب في حجور أزواج أُمهاتهن؛ فقيّد به لذلك، لا لأن حكم اللاتي لسن في الحجور بخلافه، فيكون الزواج بهن حلالًا؛ فذكر ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ تأكيد للوصف لا شرط للحكم، إذ من المجمع عليه أن زواج الرجل بربيبته من زوجته المدخول بها حرام، لم يخرج عن ذلك إلا ابن حزم ومَن معه من الظاهرية سيرًا مع ما يرونه الظاهر (^٢).\nوذلك قول ابن العربي: (وهي - يعني الربيبة - محرّمة بإجماع الأمة سواء كانت في حجر الرجل أو في حجر حاضنتها غير أمها، وتبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ تأكيد للوصف وليس بشرط في الحكم) (^٣).\nب - ومثله قول الله جلّ وعلا في معرض الطلاق في مقابل عوض: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^٤).\nوذلك أن الخلع إنما يكون عند خوف أن لا يقوم كل من الزوجين بما أمر الله، فتفتدي الزوجة نفسها بمال تعطيه الزوج نظير تطليقها.\nفلا يؤخذ من النص عن طريق مفهوم المخالفة: أنه لا يجوز الخلع عند عدم الخوف. جاء في \"فتح القدير\" لابن الهمام: (وهذا الشرط - يعني ما جاء في الآية - خرج مخرج الغالب إذ الباعث على الاختلاع غالبًا ذلك،\n_________\n(^١) كان من الممكن أن يندرج هذا الشرط تحت مفردات الشرط الثاني، ولكن سرنا على طريقة ابن الحاجب في إفراده بالكلام، لما له من أهمية في الاختلاف. انظر: \"مختصر المنتهى\" مع شرحه للعضد وحاشية السعد (٢/ ١٧٣) فما بعدها، \"المحلى على جمع الجوامع\" (١/ ٢٤٧).\n(^٢) ويرويه بعضهم قولًا لعلي بن أبي طالب ﵁.\n(^٣) راجع: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٧٨)، \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٥٢٧) فما بعدها.\n(^٤) جزء من الآية/ ٢٢٩/ في سورة البقرة وهي قوله تعالى: (﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾.","vol":"1","page":541},{"text":"لا أنه شرط معتبر المفهوم وهو مشاقَّتها) ثم ذكر بالتضعيف رأي القدوري في اعتبار المشاقة شرطًا لإباحة أن تأخذ المخالعة المال. وقد أورد صاحب \"العناية\" كلام القدوري وقال: (وفيه تأمُّل) (^١).\nوهكذا ذهب الأكثرون إلى أن الخلع جائز في مثل هذه الحال (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-326>المطلب الثاني أدلة نفي مفهوم المخالفة ومجاله</span>\n١ - يرى الحنفية - كما أسلفنا - أن انتفاء حكم المنطوق عن المسكوت في نصّ من النصوص: مردُّه العدم الأصلي أو البراءة الأصلية في حل أو حرمة، وأن النصوص الشرعية في الكتاب والسنّة لا تعطي ما يدل على الأخذ بمفهوم المخالفة، بل هي واردة بما يدل على فساد سلوك هذه السبيل في اعتباره طريقًا من طرق الدلالة على الأحكام.\nأ - من ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا\n_________\n(^١) انظر: \"فتح القدير\" مع \"العناية\" (٣/ ١٩٩).\n(^٢) هذا ما ذهب إليه الجمهور ومنهم أبو حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي، ونقل الحنابلة عن أحمد عدم الجواز، وإليه ذهب ابن المنذر والظاهرية.\nومما احتج به الجمهور ما أخرجه البخاري (٥٢٧٣) من حديث ابن عباس وأبو داود (٢٢٢٧) والنسائي (٣٤٦٢) من حديث عَمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة:\n\"أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر بعد الدخول في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"أتردين عليه حديقته؟ \" قالت: نعم، قال رسول ﷺ: \"إقبل الحديقة وطلّقها طلقة واحدة\".\nوانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٩) مع \"صحيح البخاري\"، \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٧١)، \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢٣٥) \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٥٣ - ٥٤)، \"المقنع\" لابن قدامة (٣/ ١١٤) مع حاشيته، \"الهداية مع فتح القدير والعناية\" (٣/ ١٩٩)، \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" لابن رشد (٢/ ٦٧)، \"محاضرات في الفقه المقارن في الطلاق للدراسات العليا في حقوق القاهرة\" (ص ٢١٧) فما بعدها لأستاذنا الشيخ محمد الزفزاف ﵀.","vol":"1","page":542},{"text":"فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة].\nأفاد هذا النص بمنطوقه أن الظلم حرام في حِقبة زمنية مداها هذه الأشهر الأربعة من السنة، وهي الأشهر الحرم.\nولو أخذ بمفهوم المخالفة، لثبت عدم النهي عن الظلم في غير هذه الأشهر الأربعة، ولكان مؤدَّى ذلك: أن الظلم حرامٌ فيها فقط، مباح فيما عداها من سائر أشهر السنة، وهذا خارج عن قواعد الشريعة وأحكامها ولم يقل به أحد، فالظلم حرام في كل الأوقات، كما تدل على ذلك نصوص الكتاب والسنّة (^١).\nب - ومن ذلك أيضًا قول الله جلّ وعلا: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف].\nفالنهي عن أن يقول: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ مقيّد بقيد زمني، هو أن يكون الفعل في الغد.\nفالآية تدل بمنطوقها على أن النهي مقيد بأن يكون الفعل في الغد، وتفيد بالمفهوم المخالف أن ما يفعله بعد يومين أو ثلاثة، غير منهي عن القول فيه: إني فاعل ذلك إذا لم يقل: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ مع أن النهي عن ذلك ثابت في كل الأوقات.\nوهكذا يؤدي بنا الأخذ بمفهوم المخالفة في هذه الآية، إلى أن يكون\n_________\n(^١) راجع: \"أصول الفقه\" لأستاذنا أبي زهرة (ص ١٤٢)، \"أصول الفقه\" للأستاذ الشيخ زكريا البرديسي (ص ٢٧٧ - ٢٧٨) هذا: والعلماء على أن تخصيص الأشهر الحرم بالذكر والنهي عن الظلم فيها: إنما هو تشريف لها وبيان لعظم حرمتها. جاء في \"تفسير القرطبي\" (٨/ ١٣٤ - ١٣٥): (خصّ الله تعالى الأربعة الأشهر الحرم بالذكر، ونهى عن الظلم فيها تشريفًا لها، وإن كان منهيًا عنه في كل الزمان. كما قال: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] على هذا أكثر أهل التأويل). وانظر: \"الكشاف\" للزمخشري (٢/ ١١١).","vol":"1","page":543},{"text":"مباحًا للشخص أن يقول: إني فاعل ذلك بعد سنة أو سنين مثلًا دون أن يقيد هذا الكلام بقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وهذا يتنافى مع العبودية للّه.\nوهكذا نرى فيما تقدم، أن الأخذ بمفهوم المخالفة، أدى إلى معنًى فاسد، يتناقض مع قواعد الشريعة ومقرراتها.\nوإذا كان الأمر كذلك: فهذا دليل على أن أسلوب القرآن والحديث لا يتَّسع لفهم الأحكام من النصوص بهذه الطريقة التي تعطي حكم المنطوق للمسكوت، لانتفاء قيد قيَّد به المنطوق.\nفهي لا تصلح أن تكون طريقًا من طرق دلالة الألفاظ على الأحكام في نصوص الكتاب والسنّة.\n٢ - ومما استدل به نفاة مفهوم المخالفة أيضًا: أن القيود في كثير من الأحيان لا تذكر لبيان أن وجود الحكم مرتبط بالقيد، بل تذكر للترغيب أو الترهيب أو بيان الواقع.\nوأتوا بأمثلة أورد بعضها القائلون بمفهوم المخالفة عند ذكرهم للشروط الواجب توافرها للأخذ بهذا المفهوم، كما سلف (^١). ومن ذلك ما يلي:\nأ - قال الله تعالى في شأن المحرمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (^٢).\nقالوا: قد اشتمل هذا القسم من آية المحرمات على قيدين:\nالأول: وصف الربائب بكونهن في حجور الأزواج.\nالثاني: وصف أم الربيبة بكونها مدخولًا بها من الزوج.\n_________\n(^١) انظر ما سلف (ص ٥٣٧) فما بعد.\n(^٢) راجع: \"التحرير مع التقرير والتحبير\" (١/ ١١٥) فما بعدها.","vol":"1","page":544},{"text":"ولا شك أن القيد الثاني لو تخلف لكان الحِلُّ، ولكن القرآن كشف عن الحكم، ولم يترك مجالًا للأخذ بمفهوم المخالفة حيث تنتفي الحرمة بانتفاء ذلك القيد، بل بيّن الحِلَّ بقوله جلّ وعلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فجاء النص مفسِّرًا ومبينًا الحكم في حالتَيْ كون أم الربيبة مدخولًا بها، أو غير مدخول.\nأما القيد الأول: فلو أخذ بمفهوم المخالفة عند تخلُّفه، بأن لم تكن الربيبة في حجر الزوج، لحكمنا بالحل. ولم يقل بذلك أحد من سلف أو خلف، إلا ما كان من ابن حزم ومَن معه من أهل الظاهر، كما سبق، فقد شرطوا للتحريم أن تكون الربيبة في حجر من تزوج بأمها، فإذا لم تكن في حجره وفارق أمها ولو بعد الدخول كانت له حلالًا (^١). ووصف الربائب بكونهن في حجور الأزواج، لم يكن قيدًا ينتفي الحكم بانتفائه، وإنما كان للتنفير من زواج الربيبة، ولأن الغالب أنه ما دامت الأم مع زوجها، فالربيبة موجودة في حجر هذا الزوج.\nب - وجاء في نصوص الكتاب الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ [النور].\nفهذا النص يدل بمنطوقه على عدم جواز إكراه الفتيات على البغاء، إن أردن الستر، والاستقامة، وعدم الانزلاق والانحراف، وهو ما عبّر عنه الكتاب بالتحصُّن.\nولو أخذنا بمفهوم المخالفة، حيث ينتفي الحكم بانتفاء القيد - وهو شرط إرادتهن التحصن -: لأدّى بنا الأمر إلى جواز إكراه الفتيات على البغاء إن لم يردن التحصُّن، وهذا غير وارد مطلقًا فالله لا يأمر بالفحشاء، وشرط إرادتهن التحصن إنما ذكر لبيان الواقع لأن ذلك هو الذي يصوّر وقوع الإكراه، وقد كان عند ابن أُبي بن سلول بعض الجواري اللاتي يُكرههن على البغاء طلبًا لكسب المال من طريقهن.\n_________\n(^١) راجع: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٥٢٧) فما بعدها، وانظر (ص ٥٤١) مما سبق.","vol":"1","page":545},{"text":"فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى: لم يتصور إكراه (^١) ولم يكن ذكره ليكون شرطًا تنتفي حُرمةُ الإكراه على البغاء بانتفائه، بالأولى.\nوهكذا يتبين من النصّين المذكورين أن القيدين - وهما الوصف في الأول، والشرط في الثاني - لم يكونا لتقييد الحكم؛ بل كان الوصف - في الأول - للتنفير وبيان الغالب وهو كون الربائب في حجور الأزواج، وكان الشرط - في الثاني - لبيان واقع الإكراه كيف يكون.\n٣ - ويمكن لنفاة مفهوم المخالفة أن يؤيدوا وجهة نظرهم أيضًا بمبدأ تعليل الأحكام، فالأحكام أكثرها معلّل في نظر الجمهور (^٢)، وإذا كانت كذلك، فإنها تتعدى إلى غير موضع النص لاتحاد المناط. وعلى ذلك لا يكون المسكوت الذي انتفى عنه القيد خاليًا من الحكم حتى نعطيه نقيض حكم المنطوق المقيّد بذلك القيد. وهذا لا يدع مجالًا للأخذ بمفهوم المخالفة، لأن احتمال وجود العلة في غير المنصوص: قائم، فيكون من غير المعقول: أن يثبت فيه نقيض الحكم بمفهوم المخالفة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-327>مفهوم المخالفة بين كلام الشارع ومصطلح الناس:</span>\nوالآن: هل القول بمفهوم المخالفة أو عدم القول به، يشمل مع نصوص الكتاب والسنّة كلام الناس؟\nأما القائلون بمفهوم المخالفة في كلام الشارع: فهم قائلون به أيضًا في كلام الناس في مصنفاتهم وعقودهم. . . إلخ. إلا ما روي عن بعض الشافعية من المتأخرين، أنه قصر القول بمفهوم المخالفة على الكتاب والسنة فقط (^٤).\n_________\n(^١) ولذلك اعتبر ابن العربي أن من الغفلة عن الحقائق: التعلق بالمفهوم في الآية. انظر \"احكام القرآن\" (٣/ ١٣٧٤).\n(^٢) راجع: \"إعلام الموقعين\" (١/ ١٩٧) فما بعد، \"محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي في حقوق القاهرة\" (ص ٣٤، ٤٥) لأستاذنا الشيخ فرج السنهوري، تاريخ التشريع الإسلامي (ص ١٥٤ - ١٥٥)، \"المدخل للفقه الإسلامي\" (ص ١٤٥) للأستاذ محمد سلام مدكور.\n(^٣) راجع: \"أصول الفقه\" لأستاذنا أبي زهرة (ص ١٤٣).\n(^٤) انظر: \"البحر المحيط\" للزركشي ج ٢، \"إرشاد الفحول\" (ص ١٧٩).","vol":"1","page":546},{"text":"والحنفية عمومًا - في نفيهم لمفهوم المخالفة -: متفقون على هذا النفي في نصوص الكتاب والسنّة. وفيما عدا ذلك خلاف.\nأ - فالذي صرّح به أبو بكر الجصاص ورواه عن شيخه أبي الحسن الكرخي: عدمُ التفريق بين كلام الله ورسوله، وبين كلام الناس؛ فمفهوم المخالفة منفي فيهما، صرّح بذلك في كتابه \"الأصول\" إذ إنه بعد أن قرّر المذهب وعزاه إلى شيخه أبي الحسن، استشهد بكلام لأبي الحسن عن أبي يوسف، يقتضي عدم القول بالمفهوم المخالف في عدد من الآيات.\nثم قال: (وروى محمد بن الحسن في \"السير الكبير\" قال: إذا حاصر المسلمون حصنًا من حصون المشركين، فقال رجل من أهل الحصن: أمّنوني على أن أنزل إليكم، على أن أدلكم على مائة رأس من السبي في قرية كذا، فأمّنه المسلمون، فنزل، ثم لم يخبر بشيء: فإنه يرد إلى مأمنه لأنه لم يقل: إن لم أدلَّكم فلا أمان لي).\nقال أبو بكر: (فلم يجعل محمد وقوع الأمان على هذا الشرط: دليلًا على أنه متى لم يفِ بالشرط، فلا أمان له، وهذا يدل من مذهبه دلالة واضحة على أن التخصيص بالذكر، أو التعليق بالشرط، لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه) (^١).\nوهكذا نرى الجصاص استشهد بواقعة عن محمد بن الحسن في كلام الناس، لم يأخذ فيها بمفهوم المخالفة.\nب - أما المتأخرون من الحنفية: فحصروا نفي القول بمفهوم المخالفة بأقسامه، في كلام الشارع فقط، وقالوا به في المصنفات الفقهية، وفي كلام الناس في عقودهم وشروطهم، وسائر عباراتهم، نزولًا على حكم العُرف والعادة؛ إذ جرت العادة أن الناس لا يقيدون كلامهم بقيد من هذه القيود، إلا لفائدة. وذلك ما صرّح به الكمال بن الهمام في \"التحرير\" حيث قال: (والحنفية ينفونه بأقسامه في كلام الشارع فقط) (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول الجصاص\" (١/ ٤٩ ب) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٢) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١٧٧).","vol":"1","page":547},{"text":"وأيّد ذلك صاحب \"التقرير والتحبير\" (^١) بما نقل عن شمس الأئمة الكردري (^٢) أن خصيص الشيء بالذكر، لا يدل على نفي الحكم عما عداه في خطابات الشارع، فأما في متفاهم الناس وعرفهم، وفي المعاملات والعقليات: فإنه يدل (^٣).\nوهكذا يكون المتكلمون ومتأخرو الحنفية، متفقين على القول بمفهوم المخالفة في كلام الناس ومصطلحاتهم، فالفقهاء مثلًا يقصدون بذكر الحكم في المنطوق نفيَه عن المفهوم غالبًا، كقولهم: تجب الجمعة على كل ذكر حر بالغ عاقل مقيم؛ فإنهم يريدون بهذه الصفات نفيَ الوجوب عن مخالفها، ويستدل به الفقيه على نفي الوجوب على المرأة والعبد والصبي. . إلخ (^٤).\n_________\n(^١) هو محمد بن محمد بن محمد بن الحسن المعروف بابن أمير الحاج الحلبي، كان من مشاهير علماء الحنفية في حلب، له عدد من المصنفات منها: \"التقرير والتحبير شرح التحرير\" لابن الهمام. توفي ﵀ بحلب سنة ٨٧٩ هـ.\n(^٢) هو عبد الغفور بن لقمان بن محمد تاج الدين، أبو المفاخر الكردري نسبة إلى كردر (قرية بخوارزم). تولى قضاء حلب وكان من أعلام الحنفية، من مصنفاته: \"شرح الجامع الصغير\" و\"شرح الجامع الكبير\" في الفقه و\"حيرة الفقهاء\" جمع فيه ما يَحار في حلِّه العلماء.\n(^٣) راجع: \"التقرير والتحبير شرح التحرير\" (١/ ١١٧).\n(^٤) على أن ابن عابدين ﵀ ذكر في \"رد المحتار\" بعد أن نقل عن العلامة قاسم أن المفهوم غير معتبر في النصوص: أنه (قد يقال: إن مراده بقوله في المفهوم: أنه لا يعتبر مفهومه، كما لا يعتبر في نصوص الشارع، وفي البيري: نحن لا نقول بالمفهوم، كما هو مقرر، ونصّ عليه الخصاف وأفتى به العلامة قاسم، وقال ابن عابدين: (وبه صرّح في الخيرية أيضًا، أي فإذا قال: وقفت على أولادي الذكور: يصرف إلى الذكور منهم بحكم المنطوق، وأما الإناث فلا يعطى لهن، لعدم ما يدل على الإعطاء إلا إذا دلّ في كلامه دليل على إعطائهن ابتداء لا يحكم المعارضة، لكن نقل البيري في محل آخر عن \"المصفى\"، و\"خزانة الروايات\" و\"السراجية\": أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه في متفاهم الناس وفي الروايات) ثم أيّد ابن عابدين ذلك بكلام ابن أمير الحاج الذي أثبتناه، ثم قال: (فعُلم أن المتأخرين على اعتبار المفهوم في غير النصوص الشرعية). انظر: \"رد المحتار على الدر\" (٣/ ٤١٦، ١/ ٧٥)، رسالة \"رسم المفتي\" لابن عابدين (ص ٤٥).","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type='title' id=toc-328>المبحث الرابع موقف العلماء من بعض أنواع مفهوم المخالفة</span>\nكان فيما أسلفنا من القول، أن مررنا على مسلك كل من النافين والمثبتين لمفهوم المخالفة، وحيث انتهى بنا المطاف إلى هذه النقطة، نرى لزامًا أن نعرض لمواقف العلماء من بضع أنواع هذا المفهوم؛ لأن القائلين به بشكل عام، اختلفوا أيضًا في هذه الأنواع، وكان لكل فريق أدلته فيما ذهب إليه، وسنعرض لذلك، مع الوقوف عند بعض الآثار الفقهية التي انبنت على ما كان من اختلاف.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-329>المطلب الأول موقف العلماء من مفهوم الصفة</span>\nلقد علم مما سبق: أن مفهوم الصفة، هو (دلالة النص على ثبوت خلافِ الحكم المقيّد بوصف، لمَن انتفى عنه ذلك الوصف).\nوقبل بيان الاتجاهات في شأن مفهوم الصفة، لا بد من بيان أن الصفة المرادة هنا عند الأصوليين، هي مطلق التقييد بلفظ آخر، ليس بشرط، ولا عدد، ولا غاية، ولا يريدون بها النعت النحوي فقط. ولذلك فإن الاحتمال واقع، والحاجة إلى التفسير متحققة في تلك النصوص المقيّدة بصفة، سواء أكانت هذه الصفة نعتًا نحويًا مثل \"في الغنم السائمة زكاة\"، أو مضافًا نحو \"في سائمة الغنم الزكاة\" أو ظرف كما في قوله ﷺ: \"مَن ابتاع نخلًا بعد أن","vol":"1","page":549},{"text":"تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع\" (^١).\nوقد اتسع مدى الاختلاف بين العلماء في حجية مفهوم الصفة الذي هو من أهم أنواع مفهوم المخالفة. وأبرز الأقوال فيه ثلاثة:\nالأول: أنه حجة يعتبر طريقًا من طرق الدلالة على الحكم، فإذا قُيد حكمٌ ما بصفة، دلّ ذلك على نفي الحكم عما عدا المتصف بهذه الصفة، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والأشعري وجماعة من المتكلمين، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام وجماعة من أهل العربية (^٢).\nالثاني: أنه ليس بحجة، فلا يعتبر طريقًا من طرق الدلالة على الحكم؛ فإذا قيد الحكم بصفة، لم يدل ذلك على نفي ذلك الحكم عما عدا المتصف بتلك الصفة، وإذا حصل وانتفى الحكم في هذه الحال، فإنما ذلك لدليل آخر. وإليه ذهب الحنفية - كما سلف - والمالكية والغزالي والآمدي من الشافعية (^٣)، وكذا الشيعة الإمامية (^٤) والزيدية (^٥)، ووافقهم من أئمة اللغة: الأخفش (^٦)، وابن فارس، وابن جنّي (^٧).\nالثالث: أنه حجة في حال وليس حجة في أخرى: فهو حجة إذا كان الوصف مناسبًا للحكم كما في قوله ﵇: \"في سائمة الغنم زكاة\".\nفإن التقييد بالسوم وهو الرعي في الكلأ المباح دون إرهاق صاحب\n_________\n(^١) انظر ما سلف (ص ٤٩١).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٠٣)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٦٨).\n(^٣) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٠٣) فما بعدها.\n(^٤) انظر: \"تهذيب الوصول\" لابن المطهر الحلي (ص ٢٣ - ٢٤)، \"منية اللبيب شرح التهذيب\" للحسني (١٠٥ - ١٠٧).\n(^٥) راجع: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" في أصول الزيدية (ق ٤٦) فما بعدها.\n(^٦) هو سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، أبو الحسن المعروف بالأخفش الأوسط، من أهل بلخ، وسكن البصرة، نحوي عالم باللغة والأدب. أخذ العربية عن سيبويه، وهو الذي زاد في العروض بحر الخبب. من مصنفاته: \"تفسير معاني القرآن\" و\"الاشتقاق\" و\"معاني الشعر\". توفي سنة ٢١٥ هـ.\n(^٧) هو عثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح. من أئمة الأدب والنحو، له كثير من المصنفات منها: \"الخصائص في اللغة\"، \"التنبيه\" في شرح ديوان الحماسة وكان المتنبي يقول: ابن جني أعرف بشعري مني. توفي ببغداد سنة ٣٩٢ هـ.","vol":"1","page":550},{"text":"الماشية بثمن يشعر بسهولة الانتفاع ووفرته. وهذا يناسب فرض الزكاة في الغنم التي ترعى في ذلك الكلأ المباح.\nأما إذا كان الوصف غير مناسب للحكم، كما لو قال: \"في الغنم البيضاء زكاة\" فلا يدل هذا التقييد على انتفاء الحكم عما تخلف عنه هذا القيد. وإليه ذهب إمام الحرمين، مع اعترافه أن الشافعي اعتبر الصفة دون تفريق بين ما يناسب وما لا يناسب، جاء في \"البرهان\": (واعتبر الشافعي الصفة ولم يفصلها، واستقر رأبي على تقسيمها وإلحاق ما لا يناسب باللقب) (^١) مع العلم أن مفهوم اللقب لا يقول به الجمهور (^٢).\nومع هذا، فقد اختلف النقل عن الجويني في مذهبه الذي ذكرناه سابقًا، فنقل الرازي عنه المنع من الأخذ بمفهوم الصفة مطلقًا، ونقل ابن الحاجب الجواز (^٣).\nولكن الاحتكام إلى نص كلامه في \"البرهان\" يزيل الإشكال، بحيث يثبت لدينا أن كل واحد قد نقل طرفًا مما استقر عليه رأي الرجل، فمذهبه - كما يستخلص من كلامه - يقوم على التفريق بين الوصف المناسب وغير المناسب، فمفهوم الصفة معتبر عنده إذا كان الوصف مناسبًا، وغير معتبر إذا لم يكن مناسبًا (^٤). ومن هنا\n_________\n(^١) \"البرهان\" (١ / لوحة ١٢٨) مخطوطة دار الكتب المصرية. نسخة مصورة. قلت: وإلى جانب هذه الأقوال الثلاثة، فرق أبو عبد الله البصري من المعتزلة وقال: (إنه حجة في ثلاثة أحوال:\n١ - أن يكون الخطاب قد ورد البيان: كما في الحديث في الغنم السائمة زكاة\".\n٢ - أن يكون قد ورد للتعليم: كما في خبر \"التحالف عند التخالف والسلعة قائمة\".\n٣ - أن يكون ما عدا الصفة داخلًا تحت الصفة: كالحكم بالشاهدين، فإنه يدل على أنه لا يحكم بالشاهد الواحد لأنه داخل تحت الشاهدين، ولا يدل على النفي فيما سوى ذلك). راجع: \"إحكام الآمدي\" (٣/ ١٠٣)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٨١).\n(^٢) مفهوم اللقب: (هو دلالة اسم الجنس أو اسم العلم على انتقاء حكمه المذكور عما عداء) ولم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة.\n(^٣) راجع: \"إرشاد الفحول\" (ص ١٨١).\n(^٤) وممن قال بهذا القول: الزين من المنير وقد اعتبره هو الراجح، فقد نقل عنه الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" قوله بمناسبة \"سائمة الغنم\": (والراجح في مفهوم الصفة أنها إن كانت تناسب الحكم مناسبة العلة لمعلولها: اعتبرت، وإلا فلا، ولا شك أن السَوْم يُشعر بخفة المؤنة ودرء المشقة، فالراجح اعتباره هنا). انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥١).","vol":"1","page":551},{"text":"اختلف النقل، ونسب إلى إمام الحرمين الأخذ بهذا المفهوم، والمنع منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-330>استدلال القائلين بمفهوم الصفة:</span>\nلقد أورد الآمدي كثيرًا من الأدلة النقلية والعقلية للقائلين بمفهوم الصفة، وحاول أن يردها واحدًا بعد واحد، ولكن هذه الأدلة في نظرنا ترجع في الأهمية إلى دليلين اثنين:\nالأول: أخذ أئمة اللغة بمفهوم الصفة.\nالثاني: تخصيص الصفة بالذكر وتقييد الكلام بها: لا بد أن يكون لفائدة.\nوإيضاح ذلك كما يلي:\nالدليل الأول: لقد استدلوا بما روي عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال بهذا المفهوم واعتبره طريقًا من طرق الدلالة على الحكم. ففي قوله ﷺ: \"لَيُّ الواجد يُحِل عِرْضُه وعقوبتُه. فهم أبو عبيد أن الرسول ﷺ أراد أن مَن ليس بواجد: لا يحل عرضُه وعقوبتُه. وصحّ عنه أنه قيل له في قوله ﷺ: \"لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا حتى يَرِيَهُ (^١) خير له من أن يمتلئ شعرًا\" (^٢) إن المراد بالشعر فيه الهجاء مطلقًا أو هجاء الرسول خاصة؟ فقال: لو لم يكن كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى؛ لأن قليله وكثيره سواء، فجعل الامتلاء من الشعر الكثير يوجب ذلك.\nقال الآمدي: (ووجه الاحتجاج به: أن فهم تعلُّق الذم على امتلاء الجوف من ذلك مخالف لما دونه).\nولم يقتصر الأمر على أبي عبيد. فقد قال بمفهوم الصفة - كما قدّمنا -\n_________\n(^١) برِيَه: من الوَرْي وهو الداء، يقال: وَرْى يَوْرِي فهو موري إذا أصاب جوفَه الداء.\n(^٢) رواه أحمد في \"مسنده\" وأصحاب الكتب السنة. وانظر: \"الجامع الصحيح\" للبخاري مع \"فتح الباري\" (٦١٥٥)، \"جامع الأصول\" لابن الأثير (٣٢٢٠)، \"الجامع الصغير\" للسيوطي مع \"فيض القدير\" للمناوي (٥/ ٢٥٩).","vol":"1","page":552},{"text":"الإمام الشافعي - وهو من أئمة اللغة - وقد احتج بقوله الأصمعي (^١) وصحّح عليه دواوين الهذليين. وإذا كان أبو عبيد والإمام الشافعي - وهما إمامان من أئمة اللغة عالمان بأسرارها، وتنوُّع أساليبها ومدلول الخطاب فيها، يقولان بهذا المفهوم، فيستدلان على أن الكلام المقيّد بصفة، يدل بمفهومه المخالف على نفي الحكم عمن تخلفت عنه هذه الصفة - فذلك دليل على أن ذلك مفهوم لغةً، ولو لم يكن التقييد بالصفة يدل على ذلك لغةً، لما حصل هذا الفهم.\nوقد يرد على ذلك أمران:\nأولهما: أنه ليس في كلام أبي عبيد ولا الشافعي ما يُشعر بنقل ذلك عن العرب، فلا يبعد أن يكون قولهما بمفهوم الصفة إنما جاء عن طريق الاجتهاد، فيكون مذهبًا خاصًّا لمن قاله، وليس في ذلك ما يلزم الآخرين؛ على أنه لو ثبت نقل أبي عبيد أو الشافعي ذلك عن العرب، فمن غير المسلَّم به ثبوت ذلك في مثل هذه القاعدة اللغوية التي ينبني على القول بها كثير من الأحكام في أمور الحلال والحرام، لكون هذا النقل من أخبار الآحاد، وهو مما لا يصح فيه نقل اللغة.\nوقد نقل إمام الحرمين كلام المثبتين لمفهوم الصفة على إطلاقه واحتجاجهم بأبي عبيد والإمام الشافعي، ثم قال:\n(وهذا المسلك فيه نظر، فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط، وهم في مسلكهم في محل النزاع مطالبون بالدليل، والأعرابي يُنطقه طبعه، فيقع التمسُّك بمنظومه ومنثوره، ولا يعدم من يتمسك بهذه الطريقة المعارضة) (^٢).\n_________\n(^١) هو عبد الملك بن قُريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي. راوية العرب وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والحديث والبلدان. نسبته إلى جده أصمع، ومولده روفاته بالبصرة، أخباره كثيرة جدًّا، وله عدد كبير من التصانيف منها: \"الإبل\" و\"الأضداد\" و\"المترادف\". توفي أبو سعيد سنة ٢١٦ هـ.\n(^٢) \"البرهان\" (١/ لوحة ١٢٣)، وانظر: \"أصول الجصاص\" (ق ٥٢/ أ) مخطوط دار الكتب المصرية. \"تهذيب الوصول\" لابن المظهر الحلي الشيعي (ص ٢٣ - ٢٤)، \"المنية اللبيب شرح التهذيب\" للحسني (ص ١٠٥ - ١٠٧).","vol":"1","page":553},{"text":"الثاني: أن الأخفش وهو أحد أئمة العربية أيضًا لم يقل: بأن تقييد الحكم بالصفة على نفيه عمن انتفت عنه تلك الصفة، وعلى ذلك يكون ما فهمه أبو عبيد والشافعي معارضًا بما فهمه الأخفش، وهذا يدل على أن نفي الحكم عن غير الموصوف، ليس من فهم اللغة اتفاقًا كما يدّعي من يثبت ذلك.\nولكن الفريق الأول لم تعوزه الإجابة عما أورده هؤلاء.\nأ - أما عن الإيراد الأول .. وهو عدم قبول ما جاء به أبو عبيد والشافعي، فقد قالوا: إن أكثر اللغة إنما يثبت بقول الأئمة: إن معنى اللفظ كذا، والاحتمال قائم أن لا يكون معنى اللفظ كذلك.\nولكن هذا الاحتمال لم يمنع من إفادة الظن بأن هذا المعنى هو معنى اللفظ لغة، ولو كان ذلك قادحًا في ثبوت هذا القدر من اللغة، لما ثبت مفهوم شيء من اللغات.\nب - أما عن معارضة الأخفش لما فهمه أبو عبيد والشافعي: فقد أجابوا عنها بأن نفي الأخفش لمفهوم الصفة، لم يبلغ من قوة الثبوت ما بلغه قول ذينك الإمامين به، فإن أبا عبيد قد كرّر ذلك في مواضع من كلامه كما علمت، فصار القدر المشترك مستفيضًا.\nوالشافعي روى عنه ذلك أصحابه مع كثرتهم، كما رواه عنه المخالفون له، ولا كذلك طريق الرواية عن الأخفش، فإن الرواية عنه لا تداني في النقل والثبوت الرواية تلك.\nعلى أن أبا عبيد والشافعي - وهما أصح من الأخفش علمًا وشهرة - يشهدان بالإثبات، والأخفش يشهد بالنفي، ومن القواعد المقررة أن المثبت أوْلى بالقبول من النافي؛ لأن النافي إنما ينفي لعدم الوجدان، وعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود إلا ظنًا، والمثبت يثبت للوجدان، والوجدان بدل على الوجود قطعًا (^١).\n_________\n(^١) \"مختصر المنتهى\" مع \"شرح العضد\" (٢/ ١٧٥)، \"أصول الجصاص\" (ق ٥٣/ أ).","vol":"1","page":554},{"text":"الدليل الثاني: قالوا: إن ورود النص في الكتاب والسنة مقيّدًا بواحد من القيود؛ كالصفة ونحوها، لا بد أن يكون لفائدة؛ كالتأكيد والتقرير، أو بيان الأغلب وغيرهما، فإذا أريد تفسير نص من النصوص، وحاول المجتهد بيان مدلولات الألفاظ، أو تطبيق النص على واقعة أخرى إيجابًا أو سلبًا: كان لا بد لذلك من بحث عن فائدة ذكر القيد في النص؛ فإذا لم تظهر تلك الفائدة، حكم بأن التقييد إنما كان لتخصيص الحكم بما وجدت فيه هذه الصفة، ونفيِه عما عداه.\nوفي هذه الحال، لو لم يكن في التخصيص بالوصف الدلالة على نفي الحكم عن الغير، لما كان لذكر الصفة التي قيدت الحكم في النص فائدة؛ لأن التقدير عدم الفوائد الأُخر.\nوتجرد كلام أي واحد من البلغاء عن الفائدة لا يجوز؛ فأوْلى ألا يحصل ذلك في كلام الله، وكلام رسوله ﷺ.\nوقد عبّر العضد في \"شرحه لمختصر المنتهى\" عن ذلك بقوله: (لو لم يكن في التخصيص بالوصف الدلالة على نفي الحكم عن الغير، لكان ذكر الوصف ترجيحًا بلا مرجح، لأن التقدير عدم الفوائد الأُخر، واللازم باطل، لأنه لا يستقيم تشخيص كلام آحاد البلغاء بشيء على غير فائدة مرجحة، فكلام الله ورسوله أجدر، وليس هذا إثباتًا للوضع بما فيه من الفائدة، بل بالاستقراء عنهم أن كل ما ظن أن لا فائدة في اللفظ سواء: تعين أن يكون مرادًا، وهذا كذلك، فاندرج في القاعدة الكلية الاستقرائية) (^١).\nولا يضعف هذا الاستدلال في نظرنا، ما قد يرد من أن فوائد التقييد قد تكون أكثر من أن يحاط بها، خصوصًا في نصوص الكتاب والسنّة، وأن من مجانبة الحيطة والتثبُّت الحكمَ بأن فائدة التقييد بالصفة إثباتَ الحكم لمَن وجدت فيه ونفيَه عما عداه.\nنعم لا يضعفه في نظرنا؛ لأن ما يجنح إليه المجتهد من حمله ذكر\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى لابن الحاجب\" مع \"شرح العضد وحاشية السعد\" (٢/ ١٧٥).","vol":"1","page":555},{"text":"الصفة في النص على تلك الفائدة، إنما هو غلبة ظن، وغلبة الظن كافية في ثبوت هذه الدلالة والعمل بها، لأنها باتفاق القائلين بها ظنية، فلا يشترط في إثباتها القطع) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-331>استدلال النافين لمفهوم الصفة:</span>\nكان من أهم ما استدل به النافون لمفهوم الصفة مطلقًا - إلى جانب ما أوردوه على المثبتين - أن اعتبار التقييد بالصفة طريقًا يدل على نفي الحكم عن غير المتصف بتلك الصفة: له علاقة ماسة باللغة، فيجب أن يثبت بما تثبت به الأوضاع اللغوية.\nوالثبوت في هذا المجال، لا يكون من طريق العقل؛ إذ لا دخل للعقل في ذلك، فلا بد من النقل، والنقل لا يكفي فيه خبر الآحاد، بل لا بد من التواتر، والتواتر غير متوافر في مسألة مفهوم الصفة بالاتفاق، إذ لو كان موجودًا لما وقع الاختلاف.\nولم يعوز الجمهور أن يردوا على هذا الدليل، بأنه لا مانع يمنع من الأخذ بهذه الدلالة التي تثبت عن طريق خبر الآحاد. والمطالبة بالطريق القطعية: إلزام بسلوك المتعذر من سبل الإثبات، ولو امتنع اعتبار ثبوت مثل هذه الدلالة بطريق الآحاد، لأذى ذلك إلى تعطيل التمسُّك بأكثر اللغة التي هي لغةُ الكتاب والسنّة، ومفتاحُ الوصول إلى فهم نصوص الأحكام.\nوطابع الظنية في القواعد اللغوية التي يستعان بها على استنباط الأحكام: مقرر ومعروف، لذا كان نقل علماء اللغة المعروفين بعلمهم، الموثوقين بأمانة نقلهم، هو عمدة الأئمة في إثبات الأحكام الشرعية المستندة إلى الألفاظ اللغوية، فكانوا لا يكتفون في فهم معاني الألفاظ بالآحاد كنقلهم عن\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٤٦) التجارية أولى سنة ١٣٥٦، \"مختصر المنتهى\" مع \"شرح العضد وحاشية السعد\" (٢/ ١٧٥): \"التلويح على التوضيح\" (١/ ١٤٣)، زكي الدين شعبان في \"دلالة الكتاب والسنة على الأحكام الشرعية\" (ص ٦٣).","vol":"1","page":556},{"text":"الأصمعي والخليل (^١) وأبي عبيد وسيبويه (^٢). وإنما كان الأمر كذلك، لأن من المتعذر الحصول على التواتر في مثل هذه الأمور، فأنّى لناقل بيت من الشعر الجاهلي بالتواتر، أو إثبات أن العرب كانت تفهم كذا أو تقول كذا، بالتواتر (^٣). على أن الحكم الذي يرتبه العلماء على القاعدة اللغوية - كما قدّمنا - لا يوصف بالقطعية، وإنما الأمر في حدود غلبة الظن.\n\n<span data-type='title' id=toc-332>استدلال الجويني لمذهبه:</span>\nقدّمنا عند ذكر المذاهب أن إمام الحرمين فرق بين حالين:\nفإذا كان الوصف المذكور مناسبًا للحكم الذي أُعطي للمنطوق: قال بمفهوم الصفة، وإذا لم يكن مناسبًا: لم يقل به.\nولقد استدل على ذلك باللغة: فقرر أن المفهوم من دلالات الخطاب في اللغة العربية: أن الوصف إذا كان مناسبًا للحكم: كان علة له، والعلة يرتبط بها المعلول وجودًا وعدمًا، فيوجد الحكم بوجودها وينتفي بانتفائها.\nأما إذا كان الوصف غير مناسب: فمعنى ذلك أنه لا ارتباط بينه وبين الحكم، فلا بدل التقييد بالوصف في هذه الحال على انتفائه، ويصبح الأمر كما في مفهوم اللقب (^٤).\n_________\n(^١) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، أبو عبد الرحمن. من أئمة اللغة والأدب، شيخ سيبويه وواضع \"علم العروض\". وقد أبدع بدائع لم يسبق إليها، من مصنفاته: \"العين في اللغة\". توفي سنة ١٧٠ هـ.\n(^٢) هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء أبو بشر الملقب بسيبويه، إمام النحاة وأول مَن بسْط علم النحو، له في النحر \"كتاب سيبويه\" لم يصنع قبله ولا بعده مثله، توفي ﵀ سنة ١٨٠ هـ.\n(^٣) راجع: \"حاشية السعد التفتازاني على شرح العضد لمختصر المنتهى\" (٢/ ١٧٩).\n(^٤) قال ﵀: (فإن قيل: خصصتم بالذكر الملة المناسبة للأحكام، وقد أطلق القائلون بالمفهوم أقوالهم بإثبات المفهوم بكل موصوف، قلنا: الحق الذي نراه أن كل صفة لا يفهم منها مناسبة للمحكم: فالموصوف كالملقب بلقبه، والقول في تخصيصه بالذكر كالقول في تخصيص المسميات بألقابها، فقول القائل: زيد يشبع إذا أكل، كقوله: الأبيض يشبع، إذ لا أثر للبياض فيما ذكر، كما لا أثر للتسمية بزيد فيه). انظر: \"البرهان\" (١/ لوحة ١٣٨).","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type='title' id=toc-333>رأينا في موقف الجويني:</span>\nوالذي نراه أن هذا التفريق من إمام الحرمين - وإن كان لا يترتب عليه كبير أثر في الأحكام - فإنه منقوض بما أثبته الجمهور من أن العرب فيما نقله أئمة اللغة كأبي عبيد والشافعي، لم يفرقوا بين وصف مناسب وغير مناسب، وإمام الحرمين ﵀ يقر التفريق مع نقله عن الإمام الشافعي - وهو مَن هو في اللغة ومعرفة أساليبها في الخطاب - القول بمفهوم الصفة دون تفريق بين أن يكون الوصف في الحكم مناسبًا، أو غير مناسب.\nوإذا كان الباعث لإمام الحرمين على هذا الاتجاه: هو الحيطة والمنطق، فإن في شروط الأخذ بمفهوم المخالفة غناءً وأيَّ غناء.\nولعل من الخير أن نثبت هنا ما ذكره الجويني نفسه عن الإمام الشافعي حول مفهوم الصفة، ففيه القول الفصل لترجيح ما ذهب إليه الجمهور من الأخذ بهذا النوع من طرق الدلالة، الذي هو متسق مع ما تقتضيه مفهومات اللغة، خصوصًا وأن الأخذ به، لا يكون إلا في إطار الشروط التي اعتبرها العلماء لمفهوم المخالفة.\nجاء في \"البرهان\" نقلًا عن الشافعي ﵀ (إذا خصص الشارع موصوفًا بالذكر: فلا شك أنه لا يُحمل تخصيصه على وفاق من غير انتحاء قصد التخصيص، وإجراء الكلام من غير تجريد القصد إليه: يزري بأوساط الناس، فكيف ذلك بسيد الخليفة؟ فإذا تبين أنه إذا خصص فقد قصد إلى التخصيص، فينبغي على ذلك أن قصد الرسول ﷺ بيان الشرع، ينبغي أن يكون محمولًا على غرض صحيح، إذ المقصود العريُّ عن الأغراض الصحيحة، لا يليق بمنصب رسول الله ﷺ؛ فإذا ثبت القصد واستدعاؤه غرضًا، فليكن ذلك الغرض آيلًا إلى مقتضى الشرع، وإذا كان كذلك، وقد انحسمت جهات الاحتمالات في إفادة التخصيص انحصر القول في أن تخصيص الشيء الموصوف بالذكر، يدل على أن العاريَ عنها، حكمه بخلاف حكم المنصف بها. والذي يعضد ذلك من طريق التمثيل: أن الرجل إذا قال: السودان إذا عطشوا لم يروهم إلا الماء، عُدَّ ذلك من ركبك الكلام","vol":"1","page":558},{"text":"وهجره وقيل لقائله: لا معنى لذكر السودان وتخصيصهم، مع العلم بأن مَن عداهم في معناهم) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-334>من آثار الاختلاف في مفهوم الصفة:</span>\nلقد كان لاختلاف أنظار العلماء إلى مفهوم الصفة، من حيث اعتباره طريقًا يدل على الحكم، أو عدم اعتباره، أثر يذكر في الفروع والأحكام، ولقد يقع المتتبع لأبواب الفقه على كثير من النماذج التي يطول استقصاؤها، وسنكتفي من ذلك بما يلي:\n١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] ولئن كان قد جرت الإشارة إلى هذه الآية في حديثنا من قبل، إنه لا بد لنا الآن من الوقوف عند واحد من أحكامها، لنرى اختلاف وجهات نظر العلماء، نتيجة لإثبات مفهوم الصفة، أو نفيه فيها.\nففي نص الآية، وصفّ قيدَ المحصنات والفتيات بكونهن مؤمنات، الأمر الذي جعل الآية تدل بمنطوقها على أن زواج المسلم بالفتيات المؤمنات إنما يجوز عند عدم طَوْل المحصنات المؤمنات من الحرائر.\nأما الزواج بالفتيات الكتابيات: فقد اختلف القول فيه للاختلاف في مفهوم الصفة.\nأ - فذهب المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية إلى عدم الجواز (^٢) أخذًا\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان\" (لوحة ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٢) راجع: \"متن الرسالة\" لابن أبي زيد القيرواني (ص ٧٨)، \"الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي وتقريرات عليش\" (٢/ ٢٦٧)، \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٤٤)، \"المغني\" (٧/ ٥٠٨)، \"الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير\" (٤/ ٤٤ - ٤٥)، \"الهداية\" مع \"فتح =","vol":"1","page":559},{"text":"بمفهوم الصفة في قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إذ إن الآية جعلت الإيمان من القيود التي انبنى عليها حكم الجل، فإذا انتفى هذا القيد - وهو وصف الإيمان -: انتفى الجل بانتفائه، وعلى ذلك: لا يحل في هذه الحال الزواج بالفتيات الكتابيات.\nولأنه قد شرط في تزوج الأمة المسلمة أن يكون عند عدم طَوْل الحرة المؤمنة، وأن تكون هناك خشية من العنت. والمدلولُ الواضح لهذا: أن زواج الحر بالأمة المسلمة، إنما حلّ عند تحقق الضرورة المستوجبة لهذا الزواج، وإذا كان حل الأمة المسلمة مرتبطًا بضرورة استوجبته: كان ذلك دليلًا على عدم حِل تزوج الكتابية مطلقًا (^١).\nولأن الفتاة الكتابية إن كانت لكافر استرقَّ ولده منها، وإن كانت لمسلم لم يؤمن أن يبيعها من كافر فيسترقّ ولده منها، فيكون الزواج محتملًا لاسترقاق الولد (^٢).\nب - والحنفية - لأنهم لا يقولون بدلالة مفهوم الصفة - حكموا بحل التزوج من الأمة سواء أكانت كتابية أم مسلمة. وسواء أكان ذلك عند طول الحرة أم عند عدم طولها. فالأصل عندهم قول الله جلّ وعلا: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ....﴾ الآية [النساء: ٣]. وقوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء [الآية: ٢٤] ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. والأمة الكتابية منطوية تحت عموم هذين النصين، فلا تخرج إلا بدليل، والمفهومُ المخالف - ومنه\n_________\n= القدير\" (٢/ ٣٧٦)، وقد نقلت عن أحمد رواية بحل الزواج من الأمة الكتابية وأنه قال: لا بأس بها، إلا أن الخلال ردّ هذه الرواية، ونقل عن أحمد عدم الحل لقول الله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ [النساء: ٢٥] قال الخلال: (فشرط في إباحة نكاحهن الإيمان ولم يوجد، وتفارق المسلمة؛ لأنه لا يؤدي إلى استرقاق الكافر ولدها، لأن الكافر لا يقر ملكه على مسلمةً، والكافرة تكون ملكًا لكافر، ولا يقر ملكه عليها وولدها مملوك لسيدها). انظر: \"المغني\" مع \"الشرح الكبير\" (٧/ ٥٠٩).\n(^١) راجع: \"أسباب اختلاف الفقهاء\" لأستاذنا الخفيف (ص ١٥٠).\n(^٢) هذا وممن قال يعدم الحِل: الثوري والأوزاعي والليث وإسحاق. راجع: \"المهذب\" للشيرازي (٤/ ٢٤ - ٢٥)، \"المغني\" لابن قدامة مع \"الشرح الكبير\" (٧/ ٥٠٩).","vol":"1","page":560},{"text":"مفهوم الصفة - لا يعتبر دليلًا عندهم (^١).\nوإذا كان الحنفية قد أجازوا نكاح الأمة الكتابية، فإنهم لم يجيزوا نكاح الأمة على الحرة؛ لنهي السُنة عن ذلك بقوله ﵊: \"لا تُنكح الأمة على الحرة\" (^٢).\n٢ - روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"مَن ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع\".\nوقد جئنا بهذا الحديث في صدر كلامنا عن مفهوم المخالفة بشكل عام (^٣)، وسترى كيف ولَّد اختلاف النظر إلى مفهوم الصفة فيه، اختلافًا في حكم ثمر النخل المؤبَّر؛ هل يدخل في المبيع إذا بيع النخل، أو لا يدخل؟\nوالتأبير في اللغة: التشقيق والتلقيح، ومعناه: شق طلع النخلة ليُذرَّ فيها من طَلْع النخلة الذكَر (^٤).\nويرى الناظر في هذا النص من السنة، أن الحديث يدل بمنطوقه على أن النخل المؤبر إذا بيع وعليه ثمر: لا يدخل هذا الثمر في البيع، بل يبقى على ملك البائع.\nوعرضت للعلماء عند تفسير هذا النص مسألة أخرى، وهي حكم الثمر إذا لم يكن النخل مؤبرًا، هل يدخل هذا الثمر في ملك المشتري، أم يستمر على ملك البائع، شأنه في حالة التأبير؟\nلا شك أن الأخذ بمفهوم الصفة، يعطي أن الثمر - إذا لم يكن النخل\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٢/ ٣٧٦).\n(^٢) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" من مراسيل الحسن، وذكر ابن الهمام عددًا من الآثار عن الصحابة والتابعين بهذا المعنى انظر: \"فتح القدير\" (٢/ ٣٧٧).\n(^٣) انظر ما سبق (ص ٤٩١).\n(^٤) قال ابن الهمام: (التأبير: التلقيح، وهو أن يشق عناقيد الكم ويذرَّ فيها من طلْع الفحل فإنه يصلح ثمر إناث النخل). \"الفتح\" (٥/ ٩٩)، وانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (١/ ١٠).","vol":"1","page":561},{"text":"مؤبَّرًا - يدخل في بيع النخل عند بيعه، ويصبح على ملك المشتري؛ لأن بقاءه على ملك البائع جاء في النص مقيّدًا بوصف تأبير النخل، وما دامت الصفة قد انتفت: فالحكم في المسكوت يكون مخالفًا لما دلّ عليه المنطوق.\nوإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء (^١). وقد أوضح ابن قدامة أخذ الجمهور بمفهوم الحديث، وأن الحكم أخذ من هذا المفهوم، حين قرر أن الحديث جعل التأبير حدًا لملك البائع للثمرة، فيكون ما قَبْلَه للمشتري وإلا لم يكن حدًّا، ولا كان ذكر التأبير مفيدًا (^٢).\nوذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن ثمر النخل لا يدخل في بيعه، سواء أكان مؤبرًا أم غير مؤبر، وذلك بناء على عدم الأخذ بمفهوم الصفة، فقيد التأبير في الحديث، لا يدل على نفي الحكم عند عدمه، وإذا كان النص قد دلّ على حكم الثمر المؤبَّر: فإن الثمر الذي لم يؤبَّر مسكوت عنه.\nولقد قرر الحنفية أن الثمر لا يدخل في بيع النخل، إلا إذا اشتمل العقد على التصريح بدخوله فيه، أو اشترط المشتري أن يكون هذا الثمر له، وبنوا ذلك على قياس الثمر على الزرع في أرض مبيعة، من حيث عدم دخول الزرع في بيع الأرض متصلًا بالأرض، ولكن اتصاله للقطع لا للبقاء، والثمرُ مثله في ذلك، فيأخذ الثاني حكم الأول قياسًا: لاشتراكهما في علة واحدة، وهي أن اتصالهما بالأرض للقطع لا للبقاء (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢٧٩)، \"المغني\" مع \"الشرح الكبير\" (٥/ ١٩١)، \"البدائع\" (٥/ ١٦٤) \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٥/ ٩٩)، \"أسباب اختلاف الفقهاء\" لأستاذنا الشيخ علي الخفيف (ص ١٥٢).\n(^٢) راجع: \"المغني\" مع \"الشرح الكبير\" (٤/ ١٩١).\n(^٣) ولقد أراد ابن الهمام أن يلزم الشافعية بهذا القياس، ويرتب عليه وجوب تقديمه على مفهوم الصفة في الحديث، لأنهم يقدمون القياس على المفهوم فقال: (والذي يلزم من الوجه القياس على الزرع … وهو قياس صحيح وهم يقدمون القياس على المفهوم إذا تعارضا، وحينئذ فيجب أن يحمل الإبار على الإثمار فعلّق به الحكم بقوله: \"نخلًا مؤبرًا\" يعني مثمرًا). انظر: \"فتح القدير\" (٥/ ٩٩ - ١٠٠)، وراجع: \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٨٢).","vol":"1","page":562},{"text":"هذا: وما ذهب إليه الحنفية: هو قول الأوزاعي (^١) ﵀.\nوهكذا رأينا في المثالين السابقين مدى ما كان للأخذ بمفهوم الوصف - وعدم الأخذ به من أثر في الفروع الفقهية، ومثل هذا كثير يلقاه الباحث في مظانه من كتب الأحكام.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-335>المطلب الثاني مفهوم العلماء من مفهوم الشرط</span>\nمرّ بنا في صدر هذا المبحث ما يفيد أن مفهوم الشرط (هو: دلالة النص على ثبوت نقيض الحكم المقيّد بشرط عند انعدام ذلك الشرط).\nوقبل بيان المذاهب في هذا المفهوم يحسن أن نشير إلى أمرين اثنين:\nأولهما: أن الشرط في اصطلاح أصوليي علماء الكلام: هو ما يتوقف عليه المشروط، ولا يكون داخلًا في المشروط، ولا مؤثرًا فيه).\nوفي اصطلاح النحاة: هو ما دخل عليه أحد الحرفين (إن) أو (إذا) أو ما يقوم مقامهما، مما يدل على سبية الأول، ومسبية الثاني. وهذا الشرط اللغوي، هو المراد هنا (^٢).\nالثاني: أن ما يدور عليه البحث عند العلماء، وجرى بينهم الاختلاف في شأنه وأثرَ ذلك في فروع الفقه هو: طريق الدلالة على نقيض الحكم المقيّد بشرط عند انعدام ذلك الشرط، وكان للعلماء في ذلك مذهبان أساسيان:\nالأول: أن التعليق بالشرط: هو الذي يدل على انتفاء الحكم، وثبوتِ نقيضه عند انعدام ذلك الشرط، فالحكم يستفاد من اللفظ بدلالة مفهوم الشرط، ويكون حكمًا شرعيًا.\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمد الأوزاعي، أبو عمرو. إمام الديار الشامية في الفقه والحديث والزهد، ذكر أنه أجاب في سبعين ألف مسألة أو نحوها، سكن بيروت وتوفي بها مرابطًا. من آثاره: \"السنن\" في الفقه و\"المسائل\". توفي سنة ١٥٧ هـ.\n(^٢) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٤٩)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٦٨) مطبعة السعادة بمصر.","vol":"1","page":563},{"text":"الثاني: أن التعليق بالشرط: لا يدل على ثبوت نقيض الحكم عند انعدام ذلك الشرط، فلا مفهوم للشرط. أما الحكم: فيستفاد من البراءة الأصلية، أو العدم الأصلي.\nوأصحاب المذهب الأول: هم القائلون بمفهوم الصفة، ووافقهم في ذلك بعض من خالف في مفهوم الصفة، ونقله إمام الحرمين عن أكثر العلماء (^١).\nوممن نُقل عنهم القول به من الحنفية: الإمام أبو الحسن الكرخي، ذكر ذلك الآمدي في \"الإحكام\" (^٢)، كما حكاه صاحب \"منهاج الوصول\" أحمد المرتضى من الزيدية (^٣).\nأما أصحاب المذهب الثاني: فهم - كما نقل صاحب \"المحصول\" - أكثر المعتزلة، والمحققون من الحنفية، قال الشوكاني: (وروي عن أبي حنيفة) ونقله ابن التلمساني عن مالك، واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني والغزالي والآمدي (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-336>موقف القاضي عبد الجبار:</span>\nلقد عدّ الآمدي القاضيَ عبد الجبار من نفاة مفهوم الشرط (^٥):\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٢٦)، \"البحر المحيط\" للزركشي ح ٢ مخطوط دار الكتب المصرية، \"إرشاد الفحول\" (ص ١٨١)، \"تهذيب الوصول إلى علم الأصول\" لابن المطهر الحلي (ص ٢٣)، \"منية اللبيب في شرح التهذيب\" للحسني (ص ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٢) \"الآمدي\" (٣/ ١٢٦).\n(^٣) قال ﵀: (وأما الكرخي: فأوجب الأخذ بمفهوم الشرط مطلقًا، ومن ثَم منع الحكم بشاهد ويمين لمفهوم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فشرط في صحة الحكم مع عدم الشاهدين: أن يشهد رجل وامرأتان، فمفهومه: أنه إذا لم يحصل ذلك لم يصح الحكم). انظر: \"منهاج الوصول\" في أصول الزيدية (ق ٤٦).\n(^٤) \"الآمدي\" (٣/ ١٢٦)، \"البحر المحيط\" للزركشي ح ٢، \"المحصول\" للرازي مخطوط دار الكتب المصرية، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٨١) وقد طبع محققًا.\n(^٥) وذلك قوله: (وذهب القاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار وأبو عبد الله البصري إلى أن الحكم لا يكون على العدم عند عدم الشرط، وهو المختار)، راجع: \"الإحكام\" (٣/ ١٢٦)، وانظر: \"ابن الحاجب مع العضد وحاشية السعد\" (٢/ ١٨٠).","vol":"1","page":564},{"text":"وجاء صاحب \"منهاج الوصول\" من الزيدية لينقل إلينا عن قاضي القضاة (أن مفهوم الشرط يؤخذ به من جهة المعنى فقط، لا من جهة الوضع اللغوي، فإنهم لم يضعوه ليفيد كونَ انتفائه سببًا في انتفاء الحكم، بل ليفيد كونَ ثبوته شرطًا في ثبوت الحكم، وهو إنما يفيد انتفاء الحكم بانتفائه من جهة معناه فقط، إذ لو لم يفد كون ما عداه بخلافه لم يكن لذكره فائدة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-337>رأينا في هذه النقطة:</span>\nوإنا لنرى أن مؤدى ما نقله صاحب \"منهاج الوصول\": هو تلاقي القاضي عبد الجبار القائلين بمفهوم الشرط من حيث الدلالة على الحكم، غير أنه يرى أن انتفاء الحكم بانتفاء الشرط، إنما جاء من جهة المعنى، لا من جهة الوضع اللغوي، والذي أكد هذا التلاقي قوله: (إذ لو لم يُفد كونَ ما عداه بخلافه، لم يكن لذكره فائدة).\nوعلى هذا: فمن الممكن حمل ما نقله الآمدي عن القاضي عبد الجبار، أن المقصود به الشطر الأول من الكلام، وهو أن الانتفاء لم يكن من الوضع اللغوي، وإن كان صاحب \"الإحكام\" حين وضع القاضي عبد الجبار في عداد القائلين: - بأن الحكم لا يكون على العدم عند عدم الشرط - في مقابل المذهب الآخر الذي يرى العكس تمامًا: جعل التوفيق بين النقلين عسير المنال بعض الشيء، إلا أن يكون صاحب \"منهاج الوصول\" قد وقع على ما لم يقع عليه غيره من كلام القاضي عبد الجبار.\n\n<span data-type='title' id=toc-338>موقف الزيدية من المتكلمين:</span>\nيبدو أنه كان للزيدية أكثر من اتجاه في موقفهم من مفهوم الشرط.\nأ - فقد روي عن بعضهم القول به، كما روي نفيه عن آخرين (^٢).\n_________\n(^١) \"منهاج الوصول\" في أصول الزيدية (ق ٤٦).\n(^٢) قال صاحب \"الفصول اللؤلؤية\": (ومفهوم الشرط نحو: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] يعمل به الكرخي وأبو الحسين وابن سريج والرازي وكثير ممن لا يعتبر مفهوم الصفة. وخلافًا لبعض أئمتنا والشيخين والقاضي، والجويني والغزالي والباقلاني) فهذا قول بمفهوم الشرط واعتباره دليلًا. راجع \"الفصول اللؤلؤية\" في أصول الزيدية (ق ١٠٤/ ١).","vol":"1","page":565},{"text":"ب - أما صاحب \"منهاج الوصول\" فبعد أن أتى على ذكر القولين في نفي مفهوم الشرط وإثباته قال: (وقد صحح الأصحاب القولَ الأول - يعني النفي - وتابعناهم حيث قلنا: إنما يدل اللفظ على المعنى الذي وُضع له بظاهره، لأنه يوضع ليفيد المعنى عند سماع حروفه، والمفهوم ليس بظاهر، فلا تكون دلالته لفظية) (^١) فهذا نفي لمفهوم الشرط وعدمُ اعتباره دليلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-339>موقف وسط:</span>\nج - ثم أراد صاحب \"منهاج الوصول\" أن يتوسط في الأمر بين المثبتين والنافين، فقرر قبوله للأخذ بمفهوم الشرط، إذا حصلت دلالة أو أمارة تقتضي أنه لا شرط يقتضي ذلك الحكم، غير هذا الشرط، وبذلك لا يستقل مفهوم الشرط في الدلالة على الحكم، ولكن يدل عليه إذا اقترن أمارة مصاحبة، ولذا كان لزامًا على المجتهد البحث والتفتيش عن الأمارات المقتضية للحكم الشرعي، ثم تكون الثمرة عن بيِّنة وهًدى.\nولنترك الكلام لصاحب الفكرة يوضحها كما يشاء.\nقال ﵀: (ليس لنا أن نقطع بانتفاء المشروط لمجرد انتفاء شرط معين، لجواز أن يكون للحكم شروط متعددة، فإذا لم يثبت الحكم لانتفاء هذا الشرط وجوّزنا أن لذلك الحكم شرطًا آخر - إن حصل قام مقام هذا الشرط في اقتضاء الحكم - لم نقطع بانتفاء الحكم لمجرد انتفاء ذلك الشرط، بل له ولحصول دلالة أو أمارة تقتضي أنه لا شرط يقتضي ذلك الحكم غير هذا الشرط، فحينئذ يُقطع بانتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، وإذا كان كذلك: فمفهوم الشرط لا يستقل دليلًا على انتفاء المشروط بانتفائه، بل مع ضميمة، فبذلك يبطل قول من أطلق كونه دليلًا مأخوذًا به، ويبطل قول من أطلق أنه لا يؤخذ به.\nوبعد أن قرر - أن الطريق إلى معرفة كون الحكم ليس له شروط إذا انتفى أحدها جاز أن يخلفه الآخر: إنما هو البحث والتفتيش عن الأدلة\n_________\n(^١) راجع: \"منهاج الوصول\" (ق ٤٦).","vol":"1","page":566},{"text":"والأمارات المقتضية للأحكام الشرعية - قال: (فعلى المجتهد البحث عن ذلك، كما يلزمه البحث عن المخصص وتقييد المطلقات ونحو ذلك، فإن لم يجد: عمل بمفهوم الشرط، وقطع على أنه لو كان ثمَّ شرط يخلفه: لبيّنه الله تعالى للمكلفين، ولم يجز إخفاؤه عليهم) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-340>رأينا في هذا الموقف:</span>\nوإنا لنرى أن صاحب \"منهاج الوصول\" قد أسلم نفسه إلى المركب الخشن، في محاولة كان يغنيه عنها تقويم الشروط التي وضعها العلماء بعد الاستقراء لمفهوم المخالفة بشكل عام، فلقد وضعوا مفهوم المخالفة - ومنه مفهوم الشرط - في إطار من القيود التي تمنع الانزلاق، وتبعد عن الوقوع في إعطاء الحكم بلا دليل، ولقد رأينا أهمها من ذي قبل (^٢).\nعلى أن مفهوم الشرط عندما نقول به مع الضميمة التي أشار إليها، لا ندري: هل الضميمة هي الدليل، أم مفهوم الشرط هو الدليل؟\nومهما يكن من أمر، فإنه إذا اعترف بصلاحيته لأن يكون دليلًا مع الضميمة، فمعنى ذلك أنه خرج على رأي النافين لمفهوم الشرط الذين لا يمكن أن يروا فيه دليلًا على الحكم، وأن الحكم - كما قدّمنا - جاء من البراءة الأصلية، أو العدم الأصلي.\nوإذا كان قد اعترض على هذا الفريق، وأبطل قوله، فليكن مع فريق المثبتين، دون تغاضٍ عن أي شرط من الشروط التي وضعوها للأخذ بمفهوم المخالفة، ولو فعل ﵀: لاستراح وأراح.\n\n<span data-type='title' id=toc-341>استدلال القائلين بمفهوم الشرط:</span>\nلما كان الشرط صفةً في المعنى: فقد استدلّ القائلون بمفهوم الشرط بما استدلوا به لإثبات مفهوم الصفة، وقد مرّ بنا بعض ذلك (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"منهاج الوصول\" (ق ٤٦ - ٤٧).\n(^٢) راجع ما سبق (ص ٥٣٧) فما بعدها.\n(^٣) انظر ما سلف (ص ٥٥٢).","vol":"1","page":567},{"text":"على أنهم قد استدلوا إلى جانب ذلك بأدلة من أهمها في نظرنا ما يلي:\n١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١].\nولقد فهم يعلى بن أمية من تعليق القصر على الخوف، بناء على الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾: أن القصر غير مشروع عند عدم الخوف، حيث سأل عمر بن الخطاب فقال: ما بالنا نقصر وقد أمِنا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ وتلا الآية. وأقرّه عمر فقال: تعجبت مما تعجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: \"صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\" (^١).\nففهم عمر ويعلى بن أمية عدم جواز القصر لانتفاء الخوف؛ وإقرار النبي ﷺ لهما على ما فهماه: دليل على أن تعليق الحكم على شرط، يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء ذلك الشرط.\nولولا أن الأمر كذلك: لما تبادر إليهما هذا الفهم، ولما تعجبا من جواز القصر حالةَ الأمن، ولما أقرّ رسول الله عمر على تعجُّبه وجعل القصر جاريًا مجرى الرخصة، فهو صدقة تصدّق الله بها على المسلمين، وكان من الممكن أن يبين لهما - وهو المبين عن ربه ما أراد - أن الآية ليست كما فهما، وأن الوجهة السليمة فيها غيرُ الذي دعاهما إلى التعجب (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-342>موقف النافين من هذا الدليل:</span>\nغير أن النافين لمفهوم الشرط، أوردوا على هذا الدليل: أن فهم عمر ويَعلى لعدم جواز القصر في حالة الأمن، يحتمل أن يكون مبعثه أن الأصل في الصلاة عدم القصر، وحيث ورد القصر حالة الخوف بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ فيبقى ما عدا هذه الحالة\n_________\n(^١) راجع ما سلف (ص ٥٣٨).\n(^٢) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٢٦١)، \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢١٢).","vol":"1","page":568},{"text":"على حكم الأصل، ولا يجوز العدول عن الأصل إلا بدليل، ولما لم يجدا الدليل الذي يدل على العدول تعجبًا.\nفإذا كان هذا الاحتمال واقعًا، لم يتعين أن يكونا قد فهما من تعليق الحكم بالشرط، الدلالة على نفي القصر عند انتفاء الخوف (^١).\nوكان من الممكن، في رأينا، أن يسلم لنفاة المفهوم هذا الإيراد، لولا أن مجرى الواقعة لا يساعد عليه، خصوصًا إذا اعتمدنا أن الأصل في الصلاة - كما يقول الحنفية - ليس الإتمام حتى يكون هو مبعثَ التعجب، وإنما الأصل في الصلاة القصر، بدليل ما روي عن عائشة ﵂ قالت: \"فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر\" (^٢) فلم يبقَ للتعجب وجه سوى اشتراط الخوف، وعدم القصر عند عدمه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-343>من استدلال النافين لمفهوم الشرط:</span>\nكان من أهم ما استدل به نفاة مفهوم الشرط، بجانب اعتراضهم على دليل المثبتين: وجود بعض النصوص التي يذكر فيها الشرط، ولا تدل على انتفاء الحكم الذي علق على الشرط، عند انتفاء ذلك الشرط (^٤).\nمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣].\nففي هذا النص: علق النهي عن إكراه الفتيات على البغاء، بإرادتهن\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١٢٦).\n(^٢) رواه البخاري (٣٥٠)، ومسلم (١٥٦٨)، وأبو داود (١١٩٨)، والنسائي (٤٥٤)، واللفظ للبخاري.\n(^٣) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٢٩)، \"البحر المحيط\" للزركشي ح ٢ مخطوط، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١٢٦)، \"منهاج الوصول\" في أصول الزيدية (ق ٤٦)، \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع \"شرحه للعضد وحاشية السعد\" (٢/ ١٧٦).\n(^٤) راجع ما استدل به الغزالي في \"المستصفى\" (٢/ ٤٦) طبع مصطفى محمد أولى، والآمدي في \"الإحكام\" (٣/ ١٣١).","vol":"1","page":569},{"text":"التحصُّن، ولو ثبت مفهوم الشرط: لثبت جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصُّن، مع أن الإكراه على الزنى غير جائز بحال من الأحوال إجماعًا وهو من المسلمات في الشريعة الإسلامية، فنحن أمام نص علّق الحكم على شرط، ولم ينتفِ بانعدام ذلك الشرط (^١).\nوما أحسب الأمر بحاجة إلى مزيد من الحديث عما يرد على هذا الاستدلال: فقد كان مما عرضناه في شروط الأخذ بمفهوم المخالفة عند الجمهور ألّا يكون له فائدة أخرى؛ كالتأكيد والتقرير، والامتنان أو الترغيب والترهيب، أو التنفير والتشنيع، أو أن يكون قد خرج مخرج الأغلب.\nوفي النص الذي يدور حوله الكلام كان المراد من التعليق بالشرط: التنفير مما كان عليه أهل الجاهلية وفعله عبد الله بن أبي رأسُ المنافقين، أو أنه خرج مخرج الأغلب إذ إن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصُّن منه، أما عند الرغبة في الزنى: فلا يتصور إكراه عليه، وذلك قول ابن العربي: (إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصُّن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى: لم يتصور إكراه) (^٢).\nومعلوم أن في مثل هذه الحال: ينتفي القول بالمفهوم عند الجمهور (^٣).\nوهكذا يتبدَّى لنا أن اتجاه المثبتين لمفهوم الشرط: اتجاه لا يعوزه سند\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع \"العضد وحاشية السعد\" (٢/ ١٨١).\n(^٢) راجع: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ١٣٧٤).\n(^٣) وقال عضد الدين الإيجي جوابًا على مَن يأخذ بالمفهوم بالآية: (وقد يجاب عنه، يعني المفهوم، بأنه يدل على عدم الحرمة عند عدم الإرادة وأنه ثابت إذ لا يمكن الإكراه حينئذ، لأنهن إذا لم يردن التحصن لم يَكرهن البغاء، والإكراه إنما هو إلزام فعل مكروه، وإذا لم يمكن: لم يتعلق به التحريم، لأن شرط التكليف الإمكان، ولا يلزم من عدم التحريم الإباحة) \"العضد وحاشية السعد\": (٢/ ١٨١). على أنا قد أشرنا فيما سلف إلى أن ابن العربي ﵀ قد اعتبر من الغفلة القول في الآية بمفهوم المخالفة حيث يقول: (ولا يجوز الإكراه بحال، فتعلق بعض الغافلين بشيء من دليل الخطاب في هذه الآية، وذكروه في كتب الأصول لغفلتهم عن الحقائق في بعض المعاني. وهذا مما لا يحتاج إليه، وإنما ذكر الله إرادة التحصُّن من المرأة، لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى: لم يتصور إكراه) \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٣٧٤).","vol":"1","page":570},{"text":"من اللغة أو مفهومات الشريعة، خصوصًا إذا نظرنا إلى الأمر في حدود تلك الشروط المخصوصة التي وضعت للأخذ بمفهوم المخالفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-344>من آثار الاختلاف في مفهوم الشرط:</span>\nإن الذي قلناه في مفهوم الوصف يمكن أن نقوله هنا، وبيان ذلك فيما يلي:\n١ - لو عدنا إلى الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ حتى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] لرأينا هذا النص القرآني قد قيّد الحِل في تزوج الأمة المسلمة بشرطين:\nالأول: عدم استطاعة من يريد الزواج، طَوْلَ المحصنات المؤمنات من الحرائر.\nالثاني: خشية العنت، والمراد به في الآية: الوقوع في الزنى (^١).\nفإذا انتفى أحد هذين الشرطين؛ بأن كان الرجل قادرًا على الزواج بالحرة المؤمنة، أو كان على حال لا يخشى معها الوقوع في الزنى: حرم الزواج بالأمة المؤمنة وذلك لدلالة مفهوم الشرط على ذلك. إذ إن تعليق الحل على ذينك الشرطين: جعله ينتفي بانتفاء واحد منهما.\nوقد ذهب إلى هذا القول - أخذًا بمفهوم الشرط -: المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) \"الروض النفير\" (٤/ ٤٤) هذا: ولأهمية خشية العنت قال قتادة والثوري: إذا خاف العنت: حلَّ له نكاح الأمة وإن وجد الطول؛ لأن إباحتها لضرورة خوف العنت، وقد وجدت، فلا يندفع إلا ينكاح الأمة، فأشبه عادم الطول. \"المغني\" (٥١٠/ ٧) مع \"الشرح الكبير\".\n(^٢) وهذا القول هو المروي عن جابر وابن عباس، وبه قال عطاء وطاوس والزهري وعمرو بن دينار ومكحول وإسحاق. راجع \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٤٥)، \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٥٠٩ - ٥١٠) مع \"الشرح الكبير\".","vol":"1","page":571},{"text":"وخالف الحنفية في ذلك: فأباحوا تزوج الأمة الكتابية مطلقًا، سواء أكان ذلك عند القدرة على زواج الأمة المؤمنة، أم كان عند عدم القدرة على ذلك. وسواء أكانت هنالك خشية من الوقوع في العنت أم لم تكن، إذ لا يقولون بمفهوم المخالفة، فلا يدل الاشتراط في الآية على عدم الحل عند عدم توافر القدرة، أو عدم خشية العنت.\nوقد كنا أشرنا في أكثر من مناسبة، إلى أنهم يرون أن ما لم يتعرض له النص، فهو مسكوت عنه، فيُرجع في حكمه إلى دليل آخر. والزواج بالأمة الكتابية - عند عدم توافر ما اشترط في الآية - مسكوتٌ عنه، وهو مندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ولم يوجد ما يخرجه من هذا العموم، جاء في \"الهداية\" و\"فتح القدير\": (وعندنا الجواز مطلقٌ في حالة الضرورة، وعدمها، في المسلمة والكتابية، وعند طول الحرة، لإطلاق المقتضى من قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فلا يخرج منه شيء، إلا بما يوجب التخصيص) (^١).\n٢ - قال الله تعالى في شأن المطلقات ثلاثًا: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].\nفهذا النص يدل بمنطوقه على وجوب النفقة للبائنة ثلاثًا إذا كانت حاملًا، وهذا ما عليه اتفاق الفقهاء.\nولكن الاختلاف: وقع في وجوب النفقة لتلك المطلقة، إذا كانت حائلًا.\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٢/ ٣٧٦) هذا: وقد حكى صاحب \"الروض النضير\" أن ما ذهب إليه الحنفية من الجواز مطلقًا، حُكي مذهبًا للإمام زيد بن علي ﵁. إذ مفهوم الشرط غير معمول به، ولو سلم فهو قد خرج مخرج الأغلب ولا مفهوم له. راجع: \"الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير\" (٤/ ٤٥)، وانظر: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" في أصول الزيدية (ص ٤٦) مخطوط دار الكتب المصرية.","vol":"1","page":572},{"text":"وأخذًا بمفهوم الشرط، ذهب الجمهور إلى أنها لا تجب.\nوقد استدلوا لذلك، بأن تعليق وجوب النفقة بشرط الحمل: دلّ على انتفاء الوجوب عند عدم الحمل (^١)، فإذا كانت حاملًا: فلها النفقة، وإذا كانت حائلًا: فلا نفقة لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-345>رأي الغزالي:</span>\nوالغزالي - وهو ممن لا يقولون بمفهوم الشرط - وافق على أن النفقة لا تجب للبائن الحائل؛ ولكن ليس من طريق المفهوم، بل من طريق آخر، وهو انتفاء النفقة بانتفاء النكاح.\nقال ﵀: (ويجوز أن نوافق الشافعي في هذه المسألة، وإن خالفناه في المفهوم، من حيث إن انقطاع ملك النكاح يوجب سقوط النفقة إلا ما استُثني، والحامل هي المستثنى، فتبقى الحائل على أصل النفي، وانتهت نفقتها لا بالشرط، لكن بانتفاء النكاح الذي كان علة النفقة) (^٢).\nوذهب الحنفية إلى وجوب النفقة للمطلقة ثلاثًا، سواء أكانت حاملًا أم حائلًا؛ إذ إنهم لا يأخذون بمفهوم الشرط، فلا دلالة لاشتراط الحمل على نقيض وجوب الإنفاق، وهو عدمُه، فيبقى الحكم على أصله وهو وجوب النفقة؛ فإن الزوجة قبل الطلاق كانت نفقتها واجبة على زوجها لاحتباسها لحقّ الزوج ومنفعته، وهذا الاحتباس باق بعد الطلاق ما دامت العدة، وببقائه تبقى النفقة، لا فرق بين أن تكون المطلقة حاملًا، أو غير حامل.\nوإذا كان النص القرآني قد صرّح بوجوب النفقة للحامل، فإنه ساكت\n_________\n(^١) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ١٦٤)، \"المنهاج\" للنووي مع \"مغني المحتاج\" للخطيب (٣/ ٤٤١) \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٢٨٨) مع \"الشرح الكبير\"، \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣٢٢) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٤٧) المطبعة التجارية أولى سنة ١٣٥٦ هـ.","vol":"1","page":573},{"text":"عن نفقة الحائل، ومقتضى النفقة قائم وهو قوله ﵊ فيما روى جابر ﵁: \"للمطلقة ثلاثًا: النفقة والسكنى\" (^١).\nوالحائل منطوية تحت هذا العموم، وما داموا لا يقولون بالمفهوم، فلا سبيل إلى إخراجها واعتبارِ أن النفقة غير واجبة لها (^٢).\nوهكذا يتبين لنا الاختلاف في تفسير النصَّين كليهما: وكيف تأثر التفسير باختلاف النظرة إلى مفهوم الشرط.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-346>المطلب الثالث موقف العلماء من مفهوم الغاية</span>\nعلمنا مما سبق، أن مفهوم الغاية: (هو دلالة النص الذي قُيِّد بغاية، على انتفاء ما جاء فيه من حكم بعد هذه الغاية، وثبوت نقيضه عند ذلك).\nوالمسلكان الأساسيان عند العلماء بالنسبة إليه: قائمان، شأن بقية المفاهيم، إلا أن في مفهوم الغاية جديدًا من حيث النظرة إليه.\nذلك أنه قد قال به مع الجمهور، من لم يقل بمفهوم الشرط؛ كالقاضي\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني عن جابر ﵁ بلفظ: \"المطلقة ثلاثًا لها: السكنى والنفقة\" (٣٩٤٠) وفي سنده حرب بن أبي العالية لا يحتج به \"السنن\" مع \"التعليق المغني\": (٥/ ٣٩).\nهذا ومما كان له أهمية في الاختلاف بشأن نفقة المبتوتة: حديث فاطمة بنت قيس التي ذكرت أن رسول الله ﷺ قال: \"لا سكنى لها ولا نفقة\" ولم يرضَ عمر بروايتها، والحديث رواه مسلم (٣٦٨٩) وأبو داود (٢٢٨٨) والترمذي (١١٨٠) والنسائي (٣٤٠٣) وابن ماجه (٢٠٢٤). وانظر: \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (١٠/ ٩٤) فما بعدها، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٣/ ٤٤١)، \"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ٢٧٣).\n(^٢) راجع: \"الهداية\". مع \"العناية وفتح القدير\" (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠). وممن قال بهذا القول: ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، والبتي والعنبري، وهو المروي عن عمر وابن مسعود. راجع: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٢٨٩)، وانظر: \"أصول الفقه\" لأستاذنا البرديسي (ص ٣٨٠).","vol":"1","page":574},{"text":"أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأبي الحسين. وممن قال به أيضًا: القاضي عبد الجبار (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-347>دليل القول بمفهوم الغاية:</span>\nولا نرى موجبًا للإطالة في استدلال كل من المثبتين والنافين لهذا المفهوم، فإن الأكثر قائلون به، والجمهور قد استدلوا له بالأدلة المثبتة لمفهوم الصفة؛ لأن الغاية قيد، والقيود أوصاف - في المعنى - للمقيَّد.\nفالأدلة التي تدل على حجية مفهوم الصفة، تدل على حجية مفهوم الغاية، بهذا الاعتبار (^٢).\nوقالوا أيضًا: إن قول القائل: صوموا إلى أن تغيب الشمس، معناه: آخرُ وجوب الصوم غيبوبةُ الشمس، فلو قدّرنا ثبوت الوجوب بعد أن غابت الشمس، لم تكن الغيبوبة آخرًا وهو خلاف المنطوق (^٣).\nوقد أورد النافون لمفهوم الغاية على هذا الاستدلال: أن الكلام في الآخر نفسِه، لا فيما بعد الآخر؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] المرافق آخِر، وليس النزاع في دخول ما بعد المرافق (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-348>رأينا في المسألة:</span>\nوفي رأينا، أن هذا الإيراد لا يقوى على رد القول بمفهوم الغاية؛ فإن كلمة (حتى) و(إلى) لانتهاء الغابة، والتقييد بحرف الغابة - كما هو معلوم من الوضع اللغوي - يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية. ولهذا فإنه لو قال قائل لولده: لا تعط زيدًا درهمًا حتى يقوم، وأعطِ أخاك حتى يرضى،\n_________\n(^١) وقد نقل الشوكاني عن ابن القشيري قوله: وإليه ذهب معظم نفاة المفهوم، قال: (وحكى ابن برهان وصاحب \"المعتمد\" الاتفاق عليه). راجع: \"الآمدي\" (٣/ ١٣٣)، \"إرشاد الفحول\" (ص ١٨٣)، \"تهذيب الوصول\" للحلي (ص ٢٤ - ٢٥)، \"منية اللبيب\" للحسني (ص ١٠٨).\n(^٢) راجع: \"زكي الدين شعبان\" (ص ٦٨).\n(^٣) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعقد\" (٢/ ١٨١).\n(^٤) راجع: المصدر السابق \"الآمدي\" (٣/ ١٣٤).","vol":"1","page":575},{"text":"فإنه لا يحسن الاستفهام بعد ذلك، بأن يقول: فهل أعطيه إذا قام، وهل أمتنع عن إعطائه إذا رضي؟ ولولا أن التقييد بالغاية يدل على انتفاء الحكم عما بعدها: لما كان كذلك.\nفإذا كان هذا الأمر معروفًا من توقيف اللغة، فمن المجافاة لطبيعة الخطاب في اللغة: إنكار القول بهذا المفهوم (^١).\nولم يكن الشوكاني - في نظرنا - مغاليًا حين قرر أن نفاة هذا المفهوم، لم يتمسكوا بشيء يصلح للتمسك به قط، بل صمّموا على منعه طردًا لباب المنع من العمل بالمفاهيم، وليس ذلك بشيء (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-349>من آثار الاختلاف في مفهوم الغاية:</span>\nكان للقول بمفهوم الغاية، أو عدم القول به: أثر واضح في الأحكام، وليس معنى ذلك أن الأحكام كانت تختلف دائمًا، وإنما قد تتفق، ولكن يكون الاختلاف في المأخذ.\nأ - فقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يدل بمنطوقه على إباحة الأكل والشرب إلى الغاية التي ذكرت في النص، وهي طلوع الفجر الصادق.\nوإذا أخذنا بالمفهوم المخالف: رأينا أن التقييد بالغاية يدل على عدم إباحة الأكل والشرب بعد الفجر الصادق، وهو الغاية التي ذكرت في النص.\n_________\n(^١) ومن هنا قال القاضي في \"التقريب\" كما نقل عنه الشوكاني: (صار معظم نفاة دليل الخطاب إلى أن التقيد بحرف الغاية يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية)، وقال: (ولهذا أجمعوا على تسميتها غاية، وهذا من توقيف اللغة معلوم فكان بمنزلة قولهم: تعليق الحكم بالغاية موضوع للدلالة على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها). وجاء في \"منهاج الوصول\" للمرتضى عن قاضي القضاة: (أن المعلوم من اللغة العربية أن وضع لفظ الغاية لرفع الحكم عما بعدها في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] حيث أوضح بلفظ الغاية أن منتهى وقت تحريم وطئهن حصول طهرهن، وهذا بالاتفاق يفيد رفع تحريم وطئهن عند طهرهن). راجع: \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٨٢)، \"منهاج الوصول شرح معيار العقول\" (ق ٤٦)، \"الفصول اللؤلؤية\" (ق ١٠٤)، \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الفحول\" (ص ١٨٢).","vol":"1","page":576},{"text":"غير أنه يلاحظ أن العلماء متفقون على هذا الحكم، اتفاقهم على سابقه، فالأكل أو الشرب حرام بعد طلوع الفجر، يفطر فاعله. ولكن الذين يقولون بمفهوم الغاية، يرونه مدلولًا للتقييد بحتى.\nأما الحنفية: فلا يرونه من مدلول النص المقيَّد بالغاية، ولكن تدل عليه نصوص أخرى (^١).\nب - ومثل ذلك قوله جل وعلا في شأن طلاق الثلاث: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة].\nفالنص واضح في دلالة منطوقه على عدم جل المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول، حتى تتزوج برجل آخر.\nوالتقييد بالغاية بحرف (حتى) يدل على جِلّ المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول، بعد أن تتزوج بغيره ثم يفارقها، فالأخذ بمفهوم الغاية: يعطى هذا الحكم.\nولكن إذا كان القائلون بهذا المفهوم يعتبرون الحكم المذكور مدلول التقيُّد بحتى: فإن الحنفية - وهم لا يقولون بمفهوم المخالفة - يرون أن هذا الحكم إنما دلّت عليه نصوص أخرى، ولولا تلك النصوص، لاعتبروه حكمًا مسكوتًا عنه، يُرجع فيه إلى أصله من براءة أو عدمٍ أصلي (^٢) … إلخ.\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" و\"فتح القدير\" (٢/ ٦٣). وانظر: \"مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول\" للتلمساني (ص ٦٨)، \"المهذب\" للشيرازي (١/ ١٨٢)، \"منهاج الوصول\" في أصول الزيدي (ق ٤٦/ ب)، \"الفصول اللؤلؤية\" (ق ١٠٤).\n(^٢) راجع: \"البدائع\" (٣/ ١٨٧)، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٣/ ١٧٤ - ١٧٥).","vol":"1","page":577},{"text":"وهكذا رأينا ثمرة اختلاف النظرة إلى مفهوم الغاية هنا: في اعتبار الدلالة على الحكم من أين جاءت؟ فالقائلون بمفهوم الغاية: اعتبروا الحكم في المثالين مدلولًا للتقييد بالغاية، فكان حكم ما بعد الغاية مخالفًا لحكم ما قبلها، وغيرُ القائلين بالمفهوم: اعتبروا الحكم مدلول نصوص أخرى وردت في الموضوع (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-350>المطلب الرابع موقف العلماء من مفهومي العدد واللقب</span>\n<span data-type='title' id=toc-351>أولًا - موقف العلماء من مفهوم العدد:</span>\nعلمنا في حديثنا عن المفهوم فيما سبق، أن مفهوم العدد: (هو دلالة النص المقيّد بعدد مخصوص على انتفاء الحكم عند عدم تحقق هذا العدد).\nوهذا المفهوم قال به الجمهور، وهو المنقول عن مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وداود الظاهري، أما المانعون من مفهوم الصفة: فلا يقولون به.\nوالذي يبدو: أنه ليس هنالك ما يدعو إلى الزيادة عما قلناه في مفهوم الصفة؛ لأن أكثر العلماء يعتبرون المفهومَيْن شيئًا واحدًا، كما نقل الشوكاني (^٢).\nوالآمدي - بعد أن أفرده بعنوان خاص وحرّر نقطة الخلاف فيه وهي: أن تخصيص الحكم بالعدد هل يدل على انتفاء الحكم فيه أو لا يدل؟ وقرر أنه لا يدل - لم يأتِ باستدلال جديد على ما ذهب إليه، ولكن بيَّن أنه\n_________\n(^١) راجع: \"أسباب اختلاف الفقهاء\" لأستاذنا علي الخفيف (ص ١٥٥).\n(^٢) جاء في \"إرشاد الفحول\": قال الشيخ حامد وابن السمعاني: (وهو دليل كالصفة سواء) (ص ١٨١).","vol":"1","page":578},{"text":"المختار لما ذكر في المسائل المتقدمة ثم قال: (ومَن نازع في ذلك فلا يخرج في احتجاجه - على مذهبه - عما ذكرناه فيما تقدم، وقد عرف ما فيه) (^١).\nورأينا ابن الحاجب وغيره يستدلون لإثبات مفهوم الصفة بقوله تعالى لنبيه ﷺ في شأن الاستغفار للمنافقين: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] حيث قال رسول الله ﷺ: \"لأزيدن على السبعين\" (^٢) وفُهم منه أن ما زاد على السبعين: فحُكمه بخلاف السبعين.\nقال العضد الإيجي: (وذلك مفهوم العدد. وكل من قال به قال بمفهوم الصفة، فيثبت مفهوم الصفة) (^٣).\nفأثبت ابن الحاجب وشارحه الإيجي مفهوم الصفة عن طريق مفهوم العدد.\n\n<span data-type='title' id=toc-352>رأينا في الموضوع:</span>\nعلى أن الباحث يرى أن العمدة في الاحتجاج لهذا المفهوم - شأن ما سبق - هي اللغة. ولقد دافع الشوكاني في \"إرشاد الفحول\" عن اتجاه المثبتين استنادًا إلى اللغة حين قال: (والحق ما ذهب إليه الأولون - يعني القائلين به - والعمل به معلوم من لغة العرب ومن الشرع، فإن مَن أمر بأمر وقيَّده بعدد مخصوص، فزاد المأمور على ذلك العدد أو نقص عنه: فأنكر عليه الآمر الزيادة أو النقص: كان هذا الإنكار مقبولًا عند كل من يعرف لغة العرب، فإن ادّعى أنه قد فعل ما أمر به - مع كونه نقص عنه أو زاد عليه - كانت دعواه هذه مردودة عند كل من يعرف لغة العرب) (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" (٣/ ١٣٦)، \"منهاج الوصول\" في أصول الزيدية (ق ٤٦/ ب).\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ الطبري في \"جامع البيان\" وقد ورد في \"الصحاح\" بألفاظ مختلفة وذكر لوروده أكثر من سبب. انظر: \"جامع البيان\" للطبري (١٤/ ٣٩٤) فما بعد، \"فتح الباري\" (٣/ ١١٠، ١٨١)، \"أسباب النزول\" للواحدي (ص ١٩٢).\n(^٣) انظر: \"ابن الحاجب العضد والسعد\" (٢/ ١٧٦).\n(^٤) راجع: \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٨١).","vol":"1","page":579},{"text":"فإذا أضيف إلى ذلك: اعتبار الشروط المخصوصة التي وضعت للأخذ بمفهوم المخالفة: لم يكن علينا - حين نأخذ به - من سبيل.\nنقول هذا، ذاكرين أن العرب كثيرًا ما تستعمل (السبعين) للدلالة على الكثرة، دون نظر إلى مفهوم المخالفة، فالمراد الكثرة وكفى. لذا: لا بد من وضع ذلك في الاعتبار عند البحث في مفهوم العدد، ثم تقدير القرائن التي تحفُّ بالكلام، للوصول إلى المقصود بعد ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-353>من آثار الاختلاف في مفهوم العدد:</span>\nيرى المتتبع للأحكام أثرًا ملحوظًا لاختلاف نظرة العلماء إلى مفهوم العدد من حيث القولُ به واعتبارُه دليلًا على الحكم، أو عدم اعتباره، ومن النماذج التي تدل على ذلك ما يأتي:\n١ - قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢].\nفهذا النص يدل بمنطوقه على أن حد جريمة الزنى لكل من الزانية والزاني مائة جلدة.\nوإذا أخذنا بمفهومه المخالف: فإنه يدل على عدم اعتبار الحد مُقامًا، إذا لم يستوف هذا العدد.\nفالقائلون بمفهوم العدد، يرون أن ورود الحد مقيّدًا في النص بمائة، يدل بمفهومه على أن الخروج من العهدة بإقامة الحد على مرتكب جناية الزنى: إنما يكون بالمائة، فإذا نقص العدد، فالحدُّ غير مقام، والعهدةُ باقية.\nأما الذين لا يقولون بمفهوم العدد من العلماء: فإنهم إذ يرون الآية تدل بمنطوقها على تحقق الحد بمائة جلدة، يقررون أن عدم التحقق بأقل من هذا العدد: ليس مستفادًا من مدلول النص بمفهومه المخالف، ولكنه هو مستفاد من أدلة أخرى.","vol":"1","page":580},{"text":"ب - ويقال مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فالقائلون بمفهوم العدد، يرون أن عدم تحقق إقامة الحد بأقلَّ من ثمانين يدل عليه النص بمفهومه المخالف؛ فإذا كان العدد أقل من المذكور في النص: فالعهدة في إقامة الحد باقية.\nأما الذين لا يقولون بمفهوم العدد: فعدم تحقق إقامة الحد بأقل من ثمانين جلدة، لا يدل عليه النص بمفهوم العدد، وإنما يستفاد من أدلة أخرى.\nج - وهذا مثال من السنّة أحاط به ما أبعدَ القولَ بمفهوم العدد فيه. حتى من قبل الآخذين بمفهوم المخالفة - كما سنرى - فقد روي أن الرسول ﷺ قال لحَبّان بن منقذ: \"إذا بايعت فقل: لا خلابة ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فاردد\" (^١) فهذا النص يدل بمنطوقه على أن مدة الخيار التي حدّدها رسول الله ﷺ ثلاث ليال.\nولكن العلماء لم يقولوا في هذا النص بالمفهوم المخالف، فلم يستدلوا بذكر العدد في النص على عدم الزيادة على الليالي الثلاث، بحيث لا يصح أن تزيد مدة الخيار على ثلاث.\nومن هنا ذهب قوم إلى جواز اشتراط الخيار في المدة التي يتم اتفاق العاقدين عليها، قلّت هذه المدة أو كثرت.\n_________\n(^١) من حديث طويل أخرجه بألفاظ مختلفة: الشافعي وأحمد (١٣٢٧٦) و(٦١٣٤) والبخاري وابن الجارود وابن حبان (٥٠٤٩)، والحاكم في \"المستدرك\"، والدارقطني (٣٠٠٩) و(٣٠١١) والحميدي. وانظر: أبو داود (٣٥٠١) الترمذي (١٢٥٠)، النسائي (٧/ ٢٥٢)، ابن ماجه (٢٣٥٤).\nوحبان بن منقذ صحابي أنصاري خزرجي مات في خلافة عثمان. وقد جنح كثيرون إلى أن القصة لمنقذ والد حبان، وصحح ذلك النووي. وفي رواية البخاري: ابن عمر، والخلابة بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام: الخديعة. انظر: \"فتح الباري\" مع \"صحيح البخاري\" (٢٤٠٧، ٢٤١٤، ٦٩٦٤، ٢١١٢) (٤/ ٢٨٣)، \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (١٠/ ١٧٧)، \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٩٤)، \"سنن الدارقطني\" مع \"التعليق المغني\": (٣٠١١).","vol":"1","page":581},{"text":"وهو قول أحمد بن حنبل وأبي يوسف ومحمد (^١).\nوذهب مالك إلى الجواز فيما زاد على الثلاث أيضًا، ولكن قيّده بألَّا يزيد ما يتفقُ عليه المتعاقدان عن حاجتهما، مثل قرية لا يصل المسافر إليها في أقل من أربعة أيام، لأن الخيار للحاجة، فيقدر بقدرها (^٢).\nوأنت ترى أن في ذلك عدم الأخذ بمفهوم العدد.\nوذهب أبو حنيفة والشافعي وزفر: إلى عدم جواز الزيادة في الخيار على ثلاثة أيام.\nولكنهم لم يعتبروا ذلك من مفهوم العدد، بأن يُستدل بذكر العدد في النص على عدم جواز الزيادة عليه، وإنما أرجعوه إلى أن اشتراط ثلاثة أيام: جاء على خلاف القياس، فيقتصر فيه على ما ورد به النص (^٣).\nوهكذا ترى أن الحديث المذكور لم يقل فيه أحد بمفهوم العدد، سواء في ذلك من يقول بمفهوم المخالفة ومن لا يقول، حتى إن الإمام الشافعي رأى مع أبي حنيفة وزفر، أن الوقوف عند العدد المذكور في النص وعدم جواز الزيادة عليه، لم يكن من دلالة مفهوم العدد في ذلك النص؛ لما أن اشتراط هذا العدد من الأيام: قد جاء على خلاف القياس، وإذن فليُقتصر فيه على ما ورد به النص، وهكذا فقد أحاط بالعدد في حديث \"الخلابة\" ما منع من الأخذ بالمفهوم المخالف فيه.\nويتبدى من النصوص المذكورة - التي تعتبر نماذج تدل على ما وراءها -: أثر النظرة إلى القاعدة الأصولية في فروع الأحكام بحيث يقع الاختلاف في الفروع الفقهية ثمرة للاختلاف في القواعد الأصولية.\n_________\n(^١) راجع: \"فتح القدير\" (٥/ ١١٠)، \"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٩٥ - ٩٦) قال ابن قدامة: (وحكي ذلك عن الحسن بن صالح والعنبري وابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور).\n(^٢) راجع: \"الخرشي على مختصر خليل\" (٥/ ١٠٩)، \"أسباب اختلاف الفقهاء\" للخفيف (ص ١٥٧).\n(^٣) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢٥٨)، \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٣)، \"الهداية\" مع \"فتح القدير والعناية\" (٥/ ١١٠ - ١١١).","vol":"1","page":582},{"text":"<span data-type='title' id=toc-354>ثانيًا - موقف العلماء من مفهوم اللقب:</span>\nونفصل القول بهذا المفهوم الذي اكتفينا بالإشارة إليه من قبل، لنبين أنه غير معترف به من القائلين بمفهوم المخالفة، إلا مَن استثني.\nومفهوم اللقب: هو (دلالة منطوق اسم الجنس أو اسم العلم على نفي حكمه المذكور عما عداه). وقد مثَّل الآمدي للأول بحديث الأصناف السنة في تحريم الربا وهو قوله ﵇: \"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر، والتمر بالتمر … إلخ\"، الحديث (^١).\nوللثاني بقولنا: \"زيد قائم\".\nفإذا قلنا بمفهوم اللقب: فما عدا الأصناف السنة التي تناولها الحديث: لا تعتبر أصنافًا ربوية. وما عدا زيد: فهو غير قائم.\nولم يقل بهذا المفهوم إلا الدقاق (^٢)، وبعض الحنابلة. أما الجمهور جميعًا، فهم على خلاف ذلك (^٣)، ولهذا قال الغزالي: (وقد أقر ببطلانه كل محصِّل من القائلين بالمفهوم) (^٤).\nوالراجح عندنا: أن القول بمفهوم اللقب، مذهب ظاهر العوار لا سند له من لغة أو عقل أو شرع، فالعربي يفهم بكل بداهة وبساطة أن مَن قال: رأيت عليًا، لم يكن نقيض ذلك أنه لم يرَ غيره قطعًا. وأما إذا دلّت القرينة على العمل به في بعض الصور: فمرد ذلك إلى القرينة، وذلك خارج عن محل النزاع (^٥).\n_________\n(^١) انظر ما سلف: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٣٧).\n(^٢) هو محمد بن محمد بن جعفر البغدادي الشافعي، أبو بكر، من آثاره: \"شرح المختصر\"، توفي سنة ٣٩٢ هـ.\n(^٣) \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٧٣ فما بعد)، \"مختصر المنتهى\" (٢/ ١٨٢)، \"المدخل\" لبدران (ص ١٢٨).\n(^٤) راجع \"المستصفى\" (٢/ ٤٦)، \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ١٣٧)، \"ابن الحاجب\" (٢/ ١٨٢). وانظر مزيد تفصيل في ذلك عند الشوكاني في \"إرشاد الفحول\" (ص ١٨٣).\n(^٥) راجع: \"سلم الوصول\" للتلمساني (ص ٦٧).","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type='title' id=toc-355>الظاهرية ومفهوم اللقب:</span>\nمرّ بنا في صدر هذا المبحث أن الظاهرية - وفيهم الإمام ابن حزم - لا يقولون بمفهوم المخالفة مطلقًا، وإذا كان القائلون بمفهوم المخالفة لا يقولون بمفهوم اللقب: فالظاهرية أجدر بذلك.\nومن هنا كان من غير المقبول: ما ينسب إليهم من أنهم أثبتوا مفهوم اللقب بناء على ما ذهبوا إليه من عدم إثبات الربا في غير ما نصّ عليه في حديث الأشياء الستة \"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر … إلخ\" إذ قرروا أنه لا ربا في الأرز والذرة والزبيب ونحوها، مما لم يذكر في الحديث.\nذلك أن قصر الربا على الأشياء الستة الواردة في الحديث. ليس مرده عندهم دلالةَ الحديث على نفي الحكم المذكور به عما سكت عنه، بل مرده: أن أهل الظاهر إنما يعملون بالمنطوق فقط.\nأما ما سكت عنه الشارع: فهو على الإباحة الأصلية، وعلى ذلك فهم لا يثبتون الريا في غير الأصناف السنة المذكورة في الحديث؛ بناء على الإباحة الأصلية، أو بناء على أنه واجب عندهم بدون نص يدل على الوجوب (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-356>موقفنا من مفهوم المخالفة:</span>\nهذا وبعد أن عرضنا لمفهوم المخالفة، وشروطه، وأنواعه، وموقف العلماء منه بوجه عام، وموقفهم من أهم أنواعه، ورأينا الأدلة التي استند إليها كل فريق: نقرر أن الأدلة التي انبنى عليها القول بمفهوم المخالفة، تجعلنا نرتضي طريق الجمهور فيما ذهبوا إليه.\nفإثبات هذا المفهوم واعتباره طريقًا من طرق الدلالة على الحكم: يتسق مع طبيعة لغة العرب، ومدلولات الخطاب فيها.\nوقد علمنا أن القول به قد صدر عن رجال هم من أئمة اللغة وأعلام البيان فيها، كالإمام محمد بن إدريس الشافعي وأبي عبيد القاسم بن سلّام، وإن كان الشافعي يضم إلى الإمامة في اللغة إمامة في الفقه والحديث، والاستنباط.\n_________\n(^١) راجع: \"المحلى\" لابن حزم (٨/ ٤٦٧ - ٤٧٠)، \"جامع بيان العلم وفضله\" لابن عبد البر (٢/ ٧٤ - ٧٦) \"أسباب اختلاف الفقهاء\" للأستاذ الشيخ علي الخفيف (ص ١٤٨).","vol":"1","page":584},{"text":"كما أن الأخذ بهذا المفهوم: يفسح المجال للعقلية الفقهية أن تنطلق في ميدان الاستنباط؛ فلا تقف عند ظاهر اللفظ، وإنما تستشف ما وراءه ما دام ذلك لا ينبو عن اللغة، ولا يجافي عرف الشرع.\nولقد أثبت التطور الحقوقي أن رجال الفقه والقانون لا غنًى لهم عن القول بمفهوم المخالفة، فرأينا أعلام القانون - كما سيأتي - يعتبرونه طريقًا من طرق التفسير للنصوص؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر، لا بد أن يكون لفائدة، وإلا كان ذلك عبثًا، كما قرر علماؤنا الأولون.\nولقد أشرنا من قبل إلى أهمية الضوابط التي احتاط بها العلماء للأخذ بمفهوم المخالفة، تلك الضوابط التي كانت ثمرة استقراء لحالات الارتباط بين فروع الأحكام، والأصول التي تنبني عليها. وفي هذه الضوابط الجوابُ عن كثير من الاعتراضات، بل وعلى الأدلة التي أقامها النافون للقول بمفهوم المخالفة.\nعلى أن الأمر بعد ذلك كله، لا يخرج عن مفهوم الصحابة فيما عرفوه من لغتهم، وما عهدوه من رسول الله المبين عن ربه ﷿. وقد رأينا من قبل ما جرى من الكلام حول حديث \"لأزيدن على السبعين\" وحول قصة عمر ويعلى بن أمية. ومثل ذلك كثير (^١).\nولعل من الخير أن نذكر هنا ما قاله الزركشي في معرض الحديث عن مفهوم المخالفة، فقد جاء في \"البحر المحيط\": (وفي \"صحيح البخاري\" في كتاب الجنائز عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار\" قلت أنا: ومَن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\" قال الزركشي: وهذا مصير منه إلى القول بالمفهوم) (^٢).\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ٥٣٨).\n(^٢) راجع: \"البحر المحيط للزركشي\" ج ٢ مخطوطة دار الكتب المصرية. هذا وأخرج الحديث الإمام أحمد، ففي \"المسند\" عن ابن مسعود: (خصلتان إحداهما سمعتها من رسول الله ﷺ، والأخرى من نفسي: \"مَن مات وهو يجعل لله ندًّا دخل النار\". وأنا أقول: مَن مات لا يجعل الله ندًّا ولا يُشرك به شيئًا دخل الجنة). \"المسند\" (٥/ ١٨٦ - ١٨٧) تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر.","vol":"1","page":585},{"text":"وهكذا يجتمع للقول بمفهوم المخالفة - حتى في نصوص الكتاب والسنة - سند اللغة فيما نقل عن أئمتها، وعرف الشرع فيما عهد من الصحابة الذين لم يكدر صفوَ سليقتهم مكدّر، إلى جانب ما منَّ الله به عليهم من فهم كتاب الله وسنّة رسوله، في ظل هداية صاحب الرسالة.\nكما يجتمع له أن القول: به لم يكن متروكًا دون ضوابط أو قيود، وإنما أحاطت به شروط تجيب عن كل اعتراض يمكن أن يورده النافون له، والمستنكرون للقول به (^١).\nويتوفر له على أرض الواقع القانوني ما أثبت التطور في مسالك الاستنباط عند رجال القانون - كما سنرى -: أنه لا بد من الأخذ بمفهوم المخالفة، واعتباره طريقًا من طرق الدلالة على الأحكام محاطًا بضوابط تنأى به عن مزالق الانحراف.\nوهكذا يكون القول بمفهوم المخالفة - بالتحديد الذي كشفنا عنه فيما سلف من القول - مسلكًا واضح المعالم، مأمون العاقبة، وطريقًا لا تعوزه الحجة، ولا ينأى عنه الدليل (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) راجع: \"حاشية العبادي على شرح المحلي لجمع الجوامع\" لابن السبكي (٣/ ٣٢ - ٣٦)، \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ٢١ - ٢٣).\n(^٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي الطبري (ق ٢٣٥).","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type='title' id=toc-357>المبحث الخامس موقف رجال القانون من الأخذ بالمفهوم</span>\nلقد اعتبر \"المفهوم\" عند شرّاح القانون طريقًا من طرق تفسير النصوص لاستخراج الأحكام. فكما يستخرج الحكم من النص عن طريق دلالة \"المنطوق\" التي هي: دلالة اللفظ على حكم شرعي مذكور في الكلام، يستخرج أيضًا عن طريق دلالة \"المفهوم\" التي هي دلالة اللفظ على حكم شيء لم يذكر في الكلام.\nفدلالة المفهوم عندهم: تقابل دلالة المنطوق، شأنها في قواعد التفسير عند الأصوليين.\nوعند الأخذ بالمفهوم في تفسير النصوص القانونية: نراه معتبرًا بنوعَيْه الموافق والمخالف؛ ذلك أن دلالة المفهوم - كما هو معلوم - قد تكون دلالة على حكم موافق لحكم المنطوق وتسمى: (مفهوم موافقة). وقد تكون دلالة على حكم مخالفٍ لحكم المنطوق وتسمى: (مفهوم مخالفة)، وكلاهما طريق معتبر في تفسير النص.\nولا شك أن الأخذ بالمفهوم بنوعَيْه الموافق والمخالف - إلى جانب المنطوق - في تفسير النص، هو المقصود من المادة الأولى من المجموعة المدنية في القانونين المصري والسوري التي نصت في فقرتها الأولى على أنه \"تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها\".\n\n<span data-type='title' id=toc-358>الأخذ بمفهوم الموافقة والاختلاف في تحديده:</span>\nمرّ بنا في مباحث مفهوم الموافقة عند الأصوليين، أن إعطاء حكم المنطوق للمسكوت بطريق مفهوم الموافقة، إنما يكون لاشتراكهما في معنًى","vol":"1","page":587},{"text":"يدرك بمجرد معرفة اللغة، من غير حاجة إلى استنباط أو اجتهاد بالرأي، سواء أكان ذلك بالتساوي، أم كان المسكوت عنه أوْلى من المنطوق.\nوعلى هذا؛ اعتبرت هذه الدلالة عند الحنفية وكثيرين معهم من المتكلمين، دلالة بظاهر اللفظ وليست قياسًا؛ لأن من أركان القياس أن يشترك المقيس والمقيس عليه بعلة لا تدرك إلا بالاجتهاد والاستنباط، وبناء على ذلك لا تثبت الحدود والكفارات - عند الحنفية - بالقياس، وتثبت بدلالة النص (مفهوم الموافقة) بينما تثبت عند الشافعية وآخرين بالقياس.\nوالإمامية - كما أسلفنا من قبل - وهم من نفاة القياس، قالوا بمفهوم الموافقة. ولم يخرج على القول به إلا الظاهرية، حتى إن الذين اعتبروا مفهوم الموافقة قياسًا سمُّوه قياسًا جليًا. أما القياس على إطلاقه - وفيه الخفي -: فلم يعتبر عند الأصوليين مفهوم موافقة.\nولقد أعدنا هذه الفكرة إلى الأذهان، لنرى إلى أي حد التزم الباحثون في تفسير القانون، تحديد مفهوم الموافقة بالمعنى المراد في قواعد التفسير في أصول الفقه.\nالواقع أنا نرى مسلكين في الموضوع:\n\n<span data-type='title' id=toc-359>المسلك الأول:</span>\nأما الأول: فهو مسلك يقوم على التفريق بين مفهوم الموافقة، والقياس، ويعتبر مفهوم الموافقة في حالتي المساواة والأولوية، طريقًا من طرق التفسير في المنصوص عليه.\nأما القياس على إطلاقه: فإنما يستخدم في حالة عدم وجود النص.\nيقول الأستاذ الدكتور عبد المنعم البدراوي: (ويقصد بمفهوم الموافقة: دلالة النص على ثبوت حكم المنصوص عليه للمسكوت عنه بواسطة علة الحكم التي يمكن فهمها بمجرد فهم اللغة، من غير حاجة إلى الاجتهاد والرأي، فهو الحكم الذي فهم من روح النص ومعقوله) (^١) ثم أبان كيف أن\n_________\n(^١) وجاء بعد ذلك قوله: (فالنص قد يدل بلفظه وعبارته على حكم معين لعلة استوجبت هذا الحكم، ولا يتوقف فهم هذه العلة على الاجتهاد والرأي، بل يفهمها كل مَن يعرف =","vol":"1","page":588},{"text":"هذا يفترق عن القياس على إطلاقه، وكيف أن العلة في القياس، لا تدرَك بمجرد معرفة الألفاظ ومعانيها، وإنما تحتاج في إدراكها إلى الاجتهاد والرأي.\nوقال الدكتور سليمان مرقص بعد كلامه عن مفهوم الموافقة: (ويسمى هذا الطريق من طرق الاستدلال: القياسَ الجليّ: سواء أكان ذلك في حال المساواة  Raisonnement a Pari  أم في حالة الأولوية  a fortoni  لأن المساواة أو الأولوية بين المنطوق والمفهوم الموافق له تكون ظاهرة ويمكن تحصيلها بمجرد فهم اللغة من غير توقف على اجتهاد أو استنباط، وذلك بخلاف الأمر في القياس الخفي) (^١).\nثم في الكلام عن حالة عدم النص، جاء بالقياس طريقًا لاستنباط الحكم، فبيّن أن المراد بالقياس هنا، القياس الخفي الذي لا يظهر بمجرد فهم اللغة، بل يحتاج إلى جهد واستنباط، لا القياس الجليُّ الذي تقدّم ذكره (^٢).\nوهكذا يتضح لنا أن هذا المسلك - كما ذكرنا - يقوم على التفريق بين مفهوم الموافقة في حالتَيْ الأولوية والمساواة - أيًا كانت تسميته - وبين القياس على إطلاقه، فالعلة المشتركة بين المنطوق والمسكوت في الأول: لا تحتاج في إدراكها إلى رأي واجتهاد، وإنما تدرَك بمجرد فهم اللغة، بينما نرى العلة المشتركة في القياس بين المقيس والمقيس عليه، لا بد في إدراكها من الرأي والاجتهاد، فلا يكفي فهم اللغة.\nوالتفسير بمفهوم الموافقة لاستخراج الحكم: يكون في حالة وجود النص، بينما يكون التفسير بالقياس: في حالة عدم النص.\n_________\n= الألفاظ ومعانيها، فإذا وجدت حالة لا يتناولها النص بمنطوقه، ولكنها تشترك مع الحالة المنصوص عليها في النص في العلة التي استوجبت الحكم: ثبت نفس الحكم للحالة المسكوت عنها، وذلك سواء أكان المسكوت عنه مساويًا للمنصوص عنه في العلة، أم كانت العلة متوافرة بشكل أقرى، ويسمى مفهوم الموافقة \"القياس الجلي\"  apari  في الحالة الأولى، و\"القياس الأولوي\" أو المفهوم من \"باب أولى\"  fortiori  في الحالة الثانية، وعند ذكر القياس الذي يحتاج إلى رأي واجتهاد والذي يسمى أحيانًا \"القياس الخفي\"، ثم أشار إلى أنه سيبين حكمه في حالة عدم وجود النص). انظر: \"المدخل للعلوم القانونية\" (ص ٢٢١).\n(^١) راجع: \"المدخل للعلوم القانونية\" للدكتور سليمان مرقص (١/ ٢٠٨) طبعة ١٩٥٧.\n(^٢) راجع: المصدر السابق (١/ ٢٢٨). وانظر: \"البدراوي\" (ص ٢٤٠).","vol":"1","page":589},{"text":"وبذلك كانت الدلالة بطريق المفهوم في هذا المسلك على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>المسلك الثاني:</span>\nأما المسلك الثاني: فيقوم على عدم التفريق بين القياس - على إطلاقه - وبين مفهوم الموافقة، فعند الحديث عن طرق تفسير النص الداخلية: يُجْعَلُ أهم هذه الطرق:\n١ - الاستنتاج بطريق القياس (أو بمفهوم الموافقة).\n٢ - الاستنتاج بطريق الأولى (أو قياس الأولى).\n٣ - الاستنتاج من مفهوم المخالفة (^١).\nيذكر ذلك في هذا المسلك دون التعرض لبيان أن موطن الإفادة من القياس: هو حالة عدم وجود النص.\nففي \"أصول القانون\" للسنهوري وأبو ستيت مثلًا: جاء بعد تعدادهما أهمَّ طرق التفسير الداخلية ما يلي:\nالاستنتاج بطريق القياس (أو مفهوم الموافقة).\nوهو أن يستنبط المفسر حكمًا غيرَ منصوص عليه بالقياس على حكم منصوص عليه؛ لاتحادهما في العلة.\nثم: الاستنتاج من باب أوْلى (أو قياس الأولى) وهو أن تكون هناك حالة منصوص على حكمها، وتكون علة الحكم أكثر توافرًا في حالة أخرى غير منصوص على الحكم فيها، فينسحب الحكم في الحالة المنصوص عليها على الحالة غير المنصوص عليها من باب أوْلى (^٢).\nوهذا المسلك الذي لا يفرق بين القياس - على إطلاقه - وبين مفهوم الموافقة\n_________\n(^١) تذكر هذه الطرق الداخلية للتفسير مضافًا إليها: (تقريب النصوص المتعلقة بموضوع واحد بعضها إلى بعض). وهناك طرق خارجية للتفسير هي: (حكمة التشريع، الأعمال التحضيرية  Travaux preparatoires،  العادات، المصدر التاريخي). انظر: \"أصول القانون\" للسنهوري وأبو ستيت (ص ٢٤٩) طبع لجنة التأليف سنة ١٩٥٢.\n(^٢) راجع: \"أصول القانون\" للسنهوري وأبو ستيت (ص ٢٤٥).","vol":"1","page":590},{"text":"الذي يعنيه علماء الأصول في الشريعة الإسلامية: كان صنيع عدد من الباحثين.\nفمثلًا رأينا الدكتور عدنان القوتلي، بعد أن يأتي على التعريف المذكور للقياس (مفهوم الموافقة) كما نقلناه عن صاحبي \"أصول القانون\" يقرر أن فقهاء الإسلام يطلقون على القياس بالمعنى المذكور: اسم (مفهوم الموافقة) هكذا، بدون أي تحفُّظ أو تفريق بين قياس جلي، وبين قياس خفي.\nوكذلك دون مراعاة أن العلة التي تدرك بمجرد فهم اللغة، هي مفهوم الموافقة، وأن العلة التي لا تدرك إلا بالاجتهاد والرأي: هي سمة القياس على إطلاقه (^١).\nوهكذا: يلاحظ أن هذا المسلك يفترق عن سابقه الذي يقوم على التفريق بين مفهوم الموافقة والقياس، بثلاثة أمور:\nأولها: عدم التفرقة بين القياس وبين مفهوم الموافقة؛ فكلاهما قياس يسبب علة اشترك فيها المنطوق والسكوت عنه، أيًا كانت صفة هذه العلة، سواء أكانت مما يمكن إدراكه بمجرد المعرفة باللغة، أم كانت مما لا يمكن إدراكه إلا بالرأي والاجتهاد.\nالثاني: التفريق بين حالتَي مفهوم الموافقة، من حيث مساواة المنطوق مع المسكوت في العلة، أو أولوية المسكوت بها على المنطوق.\nفالحالة الأولى: مفهوم موافقة أو قياس، والحالة الثانية: استنتاج من باب أوْلى، أو قياس الأولى.\nالثالث: عدم التفريق بين وجود النص أو عدمه؛ فمفهوم الموافقة والاستنتاج بالأولى: كلاهما قياس، وكلاهما طريق من طرق تفسير النص الداخلية.\n\n<span data-type='title' id=toc-361>رأينا في الموضوع:</span>\nوإنا لنرى أن المسلك الأول، الذي يقوم على التفريق بين القياس على إطلاقه - وفيه القياس الخفي - وبين مفهوم الموافقة: هو الطريق الذي\n_________\n(^١) راجع: \"الوجيز في شرح القانون المدني\" للدكتور عدنان القوتلي (ص ١٩٦) الطبعة الرابعة، وانظر: \"محاضرات في المدخل للقانون\" للدكتور حسن كيرة (ص ٢٢٠ - ٢٢١)، \"مبادئ العلوم القانونية\" لمحمد علي عرفة (١/ ١٩٥ - ١٩٧) الطبعة الثانية.","vol":"1","page":591},{"text":"ينسجم مع مقررات قواعد التفسير عند الأصوليين والفقهاء، تلك القواعد التي تربطها أعظم أواصر القربى والنسب، بالعربية لغة التنزيل التي هي عندنا لغة الشريعة والقانون، دون أن يكون في ذلك إهمال للمصطلحات العرفية عند تعارضها مع ألفاظها، فاللفظ ذو الدلالة العرقية في الاصطلاح: يراعى عند التفسير، ويقدَّم معناه على معنى اللفظ العادي.\nوفي حصر القياس الخفي بحالة عدم وجود النص: تحديد واضح للمجال الذي يمكن أن يفيد منه المفسر، إذا عرضت له حالة نصّ عليها القانون، أو عرضت أخرى لم ينص عليها القانون.\nوما أحسب أن الحيطة المطلوبة عند الاستنباط بالقياس فيما لا نص فيه: تكون مطلوبة عند تفسير النص الموجود بطريق مفهوم الموافقة في حالتَيْه من المساواة أو الأولوية؛ لأن المفسِّر يستخرج حكمًا يشترك المنطوق بعلة واضحة، لا يحتاج إدراكها إلى جهد وإعمال رأي للاستنباط، وإنما يكفي لذلك معرفته باللغة.\nوبعد هذا: فقد لا يكون من معاد القول أن نقرر أن ثروتنا في الأصول والفقه تحتاج منا إلى المزيد من العناية بفهمها وإدراك مصطلحاتها، لتستطيع أن نقول الكلمة التي لا تعوزها سلامة الدليل فيما نريد إصداره من أحكام.\nولقد رأينا من قبلُ مدى الدقة التي اتسمت بها بحوث الأصوليين في مفهوم الموافقة، والنتائج التي ترتبت على اعتباره قياسًا جليًا، أو عدم اعتباره.\nفالحنفية: لو اعتبروه قياسًا، لما صلح دليلًا عندهم لإثبات الحدود والكفارات، والذين اعتبروه قياسًا جليًا لم تتأثر أحكامهم بهذا الاعتبار، لأنهم يثبتون الحدود والكفارات بالقياس.\nوالشيعة الإمامية: لو اعتبروا مفهوم الموافقة قياسًا: لما قالوا به، لأنهم من نفاة القياس. وابن حزم لتمسُّكه بالظاهر على شكل معين - قد يوقعه في التناقض في بعض الأحيان - اعتبر مفهوم الموافقة صورة من صور القياس الذي ينكره ولا يعتبره حجة، وردّ على القائلين به، وهم الجمهرة الكبرى والكثرة الكاثرة من علماء الشريعة الإسلامية!!.","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type='title' id=toc-362>من أمثلة مفهوم الموافقة في القانون:</span>\nإن ما ذكرناه عند دلالة النص من أمثلة لها في القانون: يصلح أمثلة هنا (^١)، ونضيف إلى ذلك ما يلي:\n١ - جاء في المادة / ٩٤ / من المرسوم التشريعي السوري رقم / ٨٠/ أنه \"لا يجوز لأحد من قضاة الحكم، أو النيابة، أن يكمل النصاب أو يمثل الحق العام في قضية بينه وبين أحد المحامين المترافعين فيها: مصاهرةٌ أو قرابة من الدرجة الرابعة وما دون\".\nفيؤخذ من هذا النص بطريق مفهوم الموافقة، أن الوكيل المحامي في قضية: لا يجوز له إذا أصبح قاضيًا أن ينظر في القضية نفسها التي كان وكيلًا فيها، لأن المعنى الذي كان من أجله المنع في حالة المصاهرة أو القرابة من الدرجة الرابعة متوافر في هذه الحالة أيضًا.\n٢ - نصت المادة / ١٣٢/ من القانون المدني في مصر على أنه \"يجوز أن يكون موضوع الالتزام شيئًا مستقبلًا\"، وإذا كان الأمر كذلك: فجواز أن يكون موضوع الالتزام حاليًا وموجودًا، حاصل من باب أوْلى بدلالة مفهوم الموافقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-363>محكمة النقض المصرية ومفهوم الموافقة:</span>\nهذا: وقد أخذت محكمة النقض المصرية في عدد من أحكامها بمفهوم الموافقة (^٢)؛ ومن ذلك الأحكام الآتية:\n١ - جاء في أحد طعونها على بعض الأحكام الجنائية في تطبيق المادة / ٣٢٤/ من قانون العقوبات ما يلي:\n(إن المادة / ٣٢٤/ أتت بنص عام يعاقب إطلاقًا كل مَن سوّلت له نفسه دخول منزل بقصد ارتكاب جريمة فيه، فلا معنى لتضييق دائرة التحقيق بجعله يتناول حالات دون أخرى، لا سيما أن هذا التطبيق يتنافى مع روح النص؛ إذ القول بأن حكم هذه المادة لا يتناول سوى الحالات التي لا\n_________\n(^١) انظر ما سبق (ص ٤٤١ - ٤٤٢).\n(^٢) \"الدائرة الجنائية\" (١/ ٢٩٣) القاعدة رقم ١، جلسة ٥/ ١١/ ٩٣٤ طعن رقم ٢٠٥٢ سنة ٤ ق.","vol":"1","page":593},{"text":"تتعين فيها الجرمية: يؤدي إلى نتيجة غير مقبولة وهي: تمييز الجاني الذي يشرع في ارتكاب جريمة، مع أن كليهما دخل البيت لغرض إجرامي. وكان أولهما أكثر إمعانًا في تنفيذ ما انتوى من شر، وأوْلى بجزاء القانون على فعلته، وإذن فالمادة / ٣٢٤ / ع تطبَّق حتى في حالة ما إذا وقعت فعلًا الجريمة التي كان الدخول في البيت سبيلًا لارتكابها، أو كانت قد شرع فيها سواء أكان ذلك الشروع معاقَبًا عليه، أم لا).\n٢ - وفي طعن لمحكمة النقض قررت فيه اعتبار جريمة الإتلاف جناية إذا كان السلاح مع الشريك المرافق للفاعل الأصلي وقت ارتكاب الجريمة جاء ما يلي:\n(إن المادة / ٣٢٢ / ع \"قديم\" تعتبر جريمة الإتلاف جنابة إذا وقعت من شخص واحد يحمل سلاحًا، فإذا ثبت أن السلاح لم يكن مع الفاعل الأصلي بل كان مع الشريك المرافق له وقت ارتكاب الجريمة، وجب من باب أوْلى اعتبار الحادثة جناية، لتحقق غرض الشارع مع وجود سلاح في متناول الفاعل الأصلي، وقت ارتكاب الجريمة) (^١).\n٣ - وفي شأن عدم الإجازة صراحة أو ضمنًا للاتفاق على الفائدة التي تزيد على الحد الزائد بمقتضى القانون، جاء في طعن محكمة النقض ما يلي:\n(إن كل اتفاق على فائدة تزيد على الحد الجائز الاتفاق عليه قانونًا يكون باطلًا فيما زاد على هذا الحد، وهذا البطلان مطلق، لأن سببه مخالفة القانون والنظام العام، ولذلك لا تصح إجازته ولو صراحة.\nومن باب أوْلى، لا تصح إجازته ضمنًا باستبدال دين آخر به، أو إقراره بصلح ولو كان أمام القاضي. وكل ما دفع زائدًا على الفوائد الجائز الاتفاق عليها يجوز، بمقتضى المادة / ١٤/ من القانون المدني، المطالبة برده، فإن حكم هذه المادة عام غير مقصور على الأحوال التي يكون الدفع فيها واقعًا عن غلط) (^٢).\n_________\n(^١) \"الدائرة الجنائية\" (١/ ١٤) القاعدة ٤ جلسة ٢٢/ ٥/ ١٩٣٢ طعن رقم ١٦٥٤ سنة ٣ ق.\n(^٢) \"الدائرة المدنية\" (١/ ٢٦٦) القاعدة ٥٦ جلسة ٩/ ٥/ ١٩٤٠ طعن رقم ٤٩ سنة ٩ ق.","vol":"1","page":594},{"text":"<span data-type='title' id=toc-364>الأخذ بمفهوم المخالفة:</span>\nقدّمنا أن شرّاح القانون أخذوا في تفسير النصوص بالمفهوم بنوعَيْه، واعتبروا كلًا من مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، طريقًا يدل على حكم المسكوت، وبذلك سلكوا سبيل الجمهور عند فقهاء المسلمين.\nولئن رأينا اختلافًا عن المسلك الصحيح عند البعض في مفهوم الموافقة، إن الاتفاق واقع على الأخذ بمفهوم المخالفة بمعناه المعروف في قواعد التفسير عند علماء الأصول وهو: دلالة اللفظ على حكم للمسكوت، مخالفٍ لحكم المنطوق، وذلك لانتقاء قيد من القيود المعتبرة في هذا الحكم. فالنص كما يدل بمنطوقه، ومفهومه الموافق، يدل أيضًا بمفهومه المخالف. ومن أمثلة ذلك ما يلي:\n١ - نصت المادة / ٤٦٦/ من القانون المدني في مصر على أنه \"إذا باع شخص شيئًا معينًا بالذات وهو لا يملكه، جاز للمشتري أن يطلب إبطال البيع\" فمنطوق النص يدل على جواز إبطال البيع إذا كان المبيع معينًا، حيث قيّد الحكم بوصف المبيع بالتعيين.\nفيدل النص بمفهومه المخالف - وهو هنا مفهوم الوصف - على أن بيع الشيء غير المعين بالذات ليس قابلًا للإبطال (^١).\n٢ - قضت المادة الرابعة من القانون المدني أن مَن استعمل حقه استعمالًا مشروعًا: لا يكون مسؤولًا عما ينشأ عن ذلك من ضرر.\nوهي تدل بمفهومها المخالف: أن مَن يستعمل حقه استعمالًا غير مشروع: يكون مسؤولًا عما ينشأ عن هذا الاستعمال من ضرر، فانتفى حكم عدم المسؤولية بانتفاء وصف المشروعية الذي قيّد به الاستعمال.\nوهكذا يلاحظ في هذين المثالين أن المفهوم المخالف فيهما هو من نوع مفهوم الوصف.\n٣ - نصت المادة / ٤٣٧/ من القانون المدني المصري على أنه \"إذا هلك المبيع قبل التسليم لسبب لا بد للبائع فيه، فسخ المبيع واسترد المشتري\n_________\n(^١) راجع: \"المدخل\" للدكتور البدراوي (ص ٢٢٢ - ٢٢٣).","vol":"1","page":595},{"text":"الثمن، إلا إذا كان الهلاك بعد إنذار المشتري لتسلم المبيع\".\nفقد عُلّق فسخ البيع - وهو الحكم الذي يستفاد من منطوق النص - على هلاك المبيع قبل التسليم، أو إعذار البائع المشتري لتسلُّم المبيع، فيدل نص المادة بمفهومه المخالف - وهو هنا مفهوم الشرط - على أنه إذا هلك المبيع بعد التسليم، أو هلك بعد إعذار البائع المشتري لتسلم المبيع: لا ينفسخ البيع ولا يسترد المشتري الثمن (^١).\n٤ - نصت المادة / ٦٠٥ / أ على أنه \"إذا انتقلت ملكية العين المؤجرة اختيارًا أو جبرًا إلى شخص آخر: فلا يكون الإيجار نافذًا في حق ذلك الشخص إذا لم يكن له تاريخ ثابت سابق على التصرف الذي نقل الملكية\".\nفهذا النص يدل بمفهومه المخالف على أن الإيجار الذي له تاريخ ثابت سابق على التصرف الناقل لملكية العين المؤجرة: ينفذ في حق المالك الجديد.\n\n<span data-type='title' id=toc-365>الأخذ بمفهوم المخالفة في محكمة النقض بمصر:</span>\n١ - نصت المادة / ٦٢/ من قانون العقوبات على أنه \"لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار في عمله وقت ارتكاب الفعل، إما لجنون أو عامة في العقل، أو لغيبوبة ناشئة عن عقاقير مخدّرة أيًا كان نوعها إذا أخذها قهرًا عنه، أو على غير علم بها\".\nفيدل النص بمفهومه المخالف: على أن المتهم إذا أخذ المادة المخدرة مختارًا عن علم بحقيقة أمرها، فإنه يعاقَب.\nوذلك ما قضت به محكمة النقض حين قررت: أن الغيبوبة المانعة من العقاب هي التي تكون ناشئة عن مادة مخدرة يكون المتهم قد تناولها قهرًا عنه أو على غير علم بها، أما إذا كان قد تعاطاها مختارًا عن علم بحقيقة أمرها فإنه يكون مسؤولًا عن الجرائم التي تقع منه وهو تحت تأثيرها مهما كانت ملابسات تناوله إياها (^٢).\n_________\n(^١) راجع: الدكتور مرقس في \"المدخل\" (١/ ٢٠٩).\n(^٢) راجع: \"الدائرة الجنائية\" لمحكمة النقض (١/ ١٧٣) القاعدة رقم ١١ (جلسة ١٢/ ٢/ ١٩٤٠ طعن رقم ٥٢٣ سنة ١٠ ق)، \"المدخل\" للأستاذ البدراوي (ص ٢٢٣).","vol":"1","page":596},{"text":"٢ - وجاء في \"الدائرة الجنائية لمحكمة النقض\" بشأن قيام الجريمة المنصوص عليها في المادة / ٧٣٠/ من قانون العقوبات: أن الشرط إذا لم يتوافر: فلا جريمة.\n\"يشترط لقيام الجريمة المنصوص عليها في المادة / ٣٧٠/ من قانون العقوبات أن يكون المتهم قد دخل مسكنًا في حيازة آخر بقصد منع حيازته بالقوة، أو ارتكاب جريمة فيه؛ فإذا لم يثبت أن الدخول كان لغرض من هذين فلا تنطبق المادة (^١).\n٣ - وفي شأن سلطان المجالس البلدية في حق فرض الرسوم المختلفة وأن ذلك محدود بأن يكون ما تفرضه في دائرة اختصاصها، وإلا لم يكن من حقها ذلك؛ جاء في الدائرة المدنية لمحكمة النقض ما يلي:\n\"الثابت من المواد: ٩ و١٠ و٢٣ من القانون رقم ١٤٥ لسنة ١٩٤٤ التي حوّلت المجالس البلدية حق فرض الرسوم المختلفة: أن سلطان المجالس في هذا الخصوص محدود بدائرة اختصاصها، وهي التي تحدد دائمًا بمراسيم ترفق بها رسومات توضح المعالم وتُبعد الشبهات.\nوإذن فمتى كان المخزن الذي فرض عليه الرسم: يخرج عن دائرة اختصاص المجلس البلدي: فإن القرار الصادر بفرض هذا الرسم يكون باطلًا ولا يغيِّر من ذلك أن يكون المخزن المفروض عليه الرسم يستمد الماء والنور من المجلس البلدي بمقتضى عقد اشتراك خاص (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-366>الاحتياط في الأخذ بمفهوم المخالفة:</span>\nإن شرّاح القانون حين قرروا العمل بمفهوم المخالفة واعتباره طريقًا من طرق دلالة الألفاظ على الأحكام، لم يهملوا الدعوة إلى وجوب الاحتياط عند الأخذ بهذه الطريق، فلا يستنبط الحكم من النص بمفهومه المخالف: إلا إذا كانت دلالة هذا المفهوم على غاية من القوة كما في الأمثلة التي ذكرنا.\n_________\n(^١) راجع: \"الدائرة الجنائية\" لمحكمة النقض (١/ ٢٧٤) القاعدة رقم ٢٦٩ (جلسة ٨/ ٦/ ١٩٤٢ طعن رقم ١٤٤٨ سنة ١٣ ق).\n(^٢) راجع: \"الدائرة المدنية\" لمحكمة النقض (٢/ ٨٠٨) القاعدة رقم ١٤٧ (جلسة ١٠/ ٣/ ١٩٥٥ طعن رقم ٢٢/ ٣٩٥ ق).","vol":"1","page":597},{"text":"وإنما دعا الشرّاح إلى أخذ الحيطة والحذر في الموضوع: أن الاستدلال بطريق مفهوم المخالفة كثير الخطورة، لأن حكم المنطوق قد يكون واردًا على سبيل التمثيل أو بيان الأغلب، أو إشارة إلى حكمة خاصة لا يدل المفهوم المخالف على عكسها، فلا يصح العمل به.\nمثال ذلك:\nالمادة / ٤٢١/ من القانون المدني المصري التي تنص على \"أن البيع بشرط التجربة يعتبر معلقًا على شرط واقف هو قبول المبيع\".\nفلا يصح أن يستدل بهذه المادة من طريق المفهوم المخالف: أن البيع على أي شرط آخر كشرط المذاق مثلًا، أو شرط الرؤية، يكون بيعًا باتًا ولا يعتبر معلّقًا على شرط واقف.\nومثل ذلك أيضًا: المادة / ٢٢٩/ مدني قديم التي كانت تنص على وسائل إثبات التاريخ. فقد كانت تدل بمفهومها المخالف على أن ما عدا الوسائل المنصوص عليها فيها لا يثبت به التاريخ بوجه رسمي.\nولكن محكمة النقض رفضت الأخذ بهذا المفهوم المخالف وقررت أن هذه الوسائل ليست واردة بالمادة على سبيل الحصر، وأن ثبوت التاريخ يمكن أن يتحقق بغيرها من الوسائل كما إذا قدمت ورقة في قضية تناولتها المرافعة في الجلسة التي نظرت فيها تلك القضية (^١).\nهذا: وقد رأينا عند بحث مفهوم المخالفة في أصول الفقه كيف أن الآخذين به - وهم الجمهور - قد أحاطوه بإطار من الشروط التي تضمن في العمل به سلامة الطريق في استنباط الأحكام من النصوص.\nوإذن: فاعتبار مفهوم المخالفة طريقًا يدل على الحكم، ليس أمرًا متروكًا على إطلاقه، وإنما هو أمر محوط بالكثير من الحيطة والاحتراس، سواء أكان ذلك في الشريعة أم كان في القانون، وبذلك يؤدي غرضه في الاستنباط على الوجه الأكمل.\n_________\n(^١) راجع: \"المدخل\" للدكتور مرقس (١/ ٢١٠)، \"المدخل\" للأستاذ الدكتور البدراوي (ص ٢٢٢)، \"أصول القانون\" للسنهوري وأبو ستيت (ص ٢٤٧).","vol":"1","page":598},{"text":"<span data-type='title' id=toc-368>المقدمة</span>\n﷽\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على محمد بن عبد الله نبي الهدى والرحمة الذي ابتعثه الله بالإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فأنقذنا به من الهلكة، وهدانا برسالته في عقيدتها وشريعتها إلى خير ما فيه سعادة الدنيا والآخرة.\nوَبَعْد، فهذا هو المجلد الثاني من كتاب \"تفسير النصوص\" ومضمونه القسم الثاني من الموضوعات التي تناولها الكتاب.\nوهذا القسم يشتمل على بابين هما من أهم أبواب تفسير نصوص الكتاب والسنّة، ومناهج مقارنة لاستنباط الأحكام منها؛ كما أنهما يبحثان في دلالة الألفاظ على الأحكام في حالتي العموم والاشتراك، ودلالة الألفاظ على الأحكام في حالة الخصوص، وما يتعلق بكل واحد منها - على سعته - من قواعد ومسائل؛ خصوصًا ما يرتبط بقضايا العموم والخصوص.\nولعل من بعض ملامح الأهمية الكبرى التي تنطوي عليها موضوعات هذا القسم من الكتاب، أن غالبية الأحكام في القرآن تحمل طابع الإجمال والعموم، وأنه كانت للعلماء مذاهب في الحكم على صيغ العام ومدلولاتها، وأن معارك حامية الوطيس دارت من خلال تلك المذاهب، انتصر فيها مذهب أرباب العموم، حيث انحسر أمامه مذهب الواقفية ومذهب أرباب الخصوص.\nناهيك عن دلالة العام واختلاف نظرة العلماء إليها، من حيث القطعية والظنية قبل التخصيص وبعده، وما ترتب على ذلك من آثار تزخر بها كتب الأحكام والفروع.","vol":"2","page":5},{"text":"ولقد كان من توفيق الله ما أقدرنيه - بجانب تحرير هذه المسائل - من الكشف عن مذهب ابن حزم ﵀ في تحديد من هم الواقفية، ثم الحكم عليهم، وكيف أنه قد وسَّع دائرة التعميم حتى اتهم كثيرًا من مخالفيه بأنهم من الواقفية في العديد من المسائل، وأرجو أن أكون قد حرَّرت هذا الموضوع بما يزيل اللبس ويقف بالقارئ موقف الموضوعية والتجرد في الحكم.\nوإذا غادرنا هذه الأمور: نرى ما كان من قواعد الأئمة واختلافهم في أمر التخصيص ومسائله، وانعكاس ذلك على الاختلاف في الأحكام والفروع، وهو باب عريض من أبواب الاستنباط ظهرت فيه مواقف الأئمة ونظراتهم البصيرة إلى النصوص، وأي الأسباب صالح للتخصيص وأيها لا يصلح، الأمر الذي يسهِّل للباحث أن يرد الفروع إلى أصولها، ويسلم منازع الاختلاف في العديد من الفروع الفقهية عند العلماء.\nهذا: وإن الاشتراك في الألفاظ كثير، والاشتراك ظاهرة في لغتنا الكريمة، وهو أمر وثيق الصلة بالاستنباط، ودلالات الخطاب عند العرب الذين جاءت نصوص الكتاب والسنّة على وفق ما يفهمون ويدركون من طبيعة لغتهم ودلالة الخطاب فيها.\nومباحث الخاص يعطيها علماؤنا قدرًا كبيرًا من العناية، حتى إن الكثير منهم يجعلها في مقدمة موضوعات الأصول وهي تشمل - فيما تشمل - قواعد الاستنباط في حالات الإطلاق، وفي حالات التقييد، لأن في النصوص المطلقَ والمقيدَ. ولقد واجه علماؤنا ذلك ورسموا الطريق لأخذ الحكم من خلاله، وإن اختلفوا في العديد من القواعد.\nومن أبرز ما اشتملت عليه مباحث الخاص: \"الأمر والنهي\"، وإذا قلنا: \"الأمر والنهي\" فمعنى ذلك: البحثُ في صيغ التكليف التي مدار أكثرها على \"افعل، لا تفعل\".\nوالساحة التي تتحرك فيها صيغ التكليف ساحة بعيدة المدى متسعة الأرجاء، لما أن متعلقاتها كلُّ تلك النصوص التي تشتمل على ذلك الخطاب التكليفي في شؤون أحكام الشريعة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة","vol":"2","page":6},{"text":"والسلام. ولكل من الأمر والنهي دلالته المستقاة من طبيعة اللغة ومفهومات الشريعة، حتى إذا جاءت القرائن، كنت ملزمًا لأن تحكم بحسب هذه القرائن التي حفت بالنص. وبجانب ذلك ما أكثر الحالات التي تمليها طبيعة التكليف، وخطابه من خلال تلك الحالات، ولقد كان لعلمائنا القدح المعلى في وضع الضوابط لهذا كله، من أجل أن يسير الاستنباط على الخط الواضح المستنير.\nوفي يقيني أن وقفات الباحث عند كثير من الأمور التي ألمحنا إليها، تحريرًا لموطن النزاع، أو ترجيحًا واختيارًا بالدليل لاتجاه دون آخر، أو استكمالًا للآثار المترتبة على الاختلاف وتعدد وجهات النظر بعد التنقيب في المخطوط والمطبوع من مصادرها الأصلية الأولى، وحسب التسلسل التاريخي: كل ذلك ضرورة تمليها أمانة المعرفة والتحقيق العلمي، خصوصًا في تلك القضايا المرتبطة بالحلال والحرام، ثم خروج المكلف من العهدة بأن يفعل أو لا يفعل.\nومن بعض ما يدل عليه ذلك - بجانب تفرد أمتنا بهذه المناهج - الدلالة على أن الفقه الذي رسم علماؤنا قواعد استنباط أحكامه من النصوص، كان معاناة واتباعًا للنص، وفهمًا يتسم بالأمانة والحرص على أن تكون النصوص متبوعة لا تابعة، ولم يكن نقلًا عشوائيًا دون تبصر وتمثُّل لأمانة الحرص على النص، والاجتهاد في فهمه إن وجد، وفيما وراء ذلك إن لم يوجد.\nعلى أني - ولله الحمد والمنة - لم آل جهدًا في كشف مواقف الضعف التي جنح إليها بعض العلماء ﵏، من استغراق في التقدير لأقوال المذهب في مقابل النص، حتى بدا النص وكأنه تابع لا متبوع، ثم في بيان غلو البعض في تطبيق القاعدة الأصولية، دون نظر إلى مكانة النص الذي يدور حوله الاختلاف من كونه مقبولًا أو مردودًا. وقد أشرت إلى ذلك أيضًا في خاتمة هذا الجزء - بحيث يمكن إنهاء الاختلاف، لو سبق ذلك - حين يتعلق الأمر بالسنة المطهرة - تحرير نص الحديث المختلف في شأنه عند الاستنباط منه والحكم بصلاحيته للاستنباط أو عدم صلاحيته لذلك.\nوإنك واجد عند ابن حزم ﵀ على جلالة قدره وكبر فضله - العديد","vol":"2","page":7},{"text":"من المواقف التي شغلته فيها حدة التمسك بمذهبه الظاهري عن رؤية كل جزئيات المسألة في علاقته بالأئمة ﵏، ولقد أشرت إلى ذلك بالقدر الذي تسمح به طبيعة البحث.\nهذا: ولقد استعنت الله في أن لا أدع - مع السير بالموضوعات على تشعبها واتساعها - أن أقارن المذاهب على اختلاف النزعات والمناهج، ومع الأمثلة والشواهد الموضحة: كان لا بد من وقفات هامة عند ثمرات التطبيق القاعدة الأصولية كما تظهر هذه الثمرات في الفروع والأحكام، بحيث تتجلى نتيجة اختلاف الاتجاهات وتعدد النظرات إلى القضية الواحدة، فيما كان من الاختلاف في الفروع الأمر الذي يمكِّن الباحث من تخريج الفرع على الأصل.\nوبعد تلك الرحلة الطويلة مع الكتاب في قسميه وصلت إلى بعض النتائج التي أثبتها في خاتمة الكتاب، وآمل أن أكون قد وفيت يصنع الفهارس التي وعدت بها في فاتحة المجلد الأول، الأمر يسهل على الباحث أن يضع بين يديه مفاتيح الكتاب.\nولعل طبيعة معالجة \"تفسير النصوص\" كانت من الأمور التي دعت إلى تقسيم الكتاب إلى مجلدين، فقد وجدت في ذلك ما يناسب فائدة القارئ ومعاونته، بجانب الأمور الطباعية والفنية، أما تأخر هذا المجلد الثاني في الظهور: فقد كان الأمور تبدو خارجة عن طرق الناشر والمؤلف.\nوفي خاتمة المطاف: إن في ابتغاء مرضاة ربنا جل وعلا ما ينسي الكثير من متاعب الطريق ويجعل من الصعاب هشيمًا تذروه الرياح.\nوإني أسأل الله سبحانه - وهو المحمود على كل حال - أن يجعل من هذا الجهد المتواضع بابًا إلى غفر الزلات وتبديل السيئات بالحسنات، وأن يتقبله صفحات في خدمة دينه وشريعته، إنه نعم المولى ونعم النصير وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n٢٩ من رجب ١٣٩١\nمحمد أديب الصالح","vol":"2","page":8},{"text":"القِسْمُ الثَّاني قواعد التّفسير في حالات شمول الألفاظ في دلالتها على الأحكام وعدم شمولها","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-369>البَابُ الأَولُ دلاله الألفاظ على الأحكام في حالتي العموم والاشتراك</span>\nويشتمل على فصلين:\nالفصل الأول: العام\nالفصل الثاني: المشترك","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>الفصل الأول العام</span>\n<span data-type='title' id=toc-371>تمهيد:</span>\nمن خصائص لغة التنزيل في مدلولات ألفاظها: أن اللفظ كثيرًا ما يرد عامًا بحيث يفيد الشمول، فيدل على أفراد كثيرة غير محصورة يستغرقها، وإنه قد يطرأ عليه ما يخرج بعض الأفراد التي يشملها في أصل الوضع. أو يرد ما يُظهر أن العموم غير مراد.\nوقد جاءت الشريعة الإسلامية، والعربية المباركة: لغةُ البيان في نصوص أحكامها من الكتاب والسنة، وحين خاطب الله بشريعته العرب: خاطبها بلسانها على ما تعرف من معانيها، وما تألف من اتساع هذا اللسان، فكان طبيعيًا أن تبدو في تصوص الكتاب والسنة خاصة: إفادةُ الشمول وأن العموم قد يكون مرادًا، كما قد يكون غير مراد (^١).\nومن هنا كان لا بد عند استنباط الأحكام من تلك النصوص: معرفة العام في ماهيته، وألفاظه، وأقسامه، ونوع دلالته على الحكم، وأبعاد شموله لما تحته من أفراد، وما قد يطرأ على ذلك.\nولقد كانت عناية علماء الأصول واضحة في مباحث العام؛ لأن طابع التكليف في الكتاب العزيز كان يتسم بالإجمال والعموم (^٢) وقد جاء تعريف\n_________\n(^١) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي، ص (٥٢).\n(^٢) انظر للمؤلف: \"مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط\"، (ص ٣٣٦ - ٣٣٧)، جامعة دمشق.","vol":"2","page":13},{"text":"هذا الكتاب الكريم بأمور الشريعة وأحكامها في قواعد كلية عامة على الأكثر، فكان لا بد من أن يكون بيانها بالسنة، ومضى عصر النبي ﷺ، والصحابةُ يدركون مفهوم العام من لغة التنزيل في ضوء معهودهم من دلالة الخطاب، وبيانِ النبي ﵊. ولكن انقراض عصر الصحابة قبل كمال تدوين السنة التي تولت البيان، - وكان ذلك من مناقب عمر بن عبد العزيز - جعل الأفهام تختلف في فهم بعض عمومات الكتاب وكلياته. والقرآن الكريم حمَّال للمعاني كما هو معلوم.\nولما كان الكتاب والسنة هما الأصلان الأساسيان للشريعة، والسنة مبينة للكتاب، كان لا بد عند تدوين قواعد تفسير النصوص من وضع ضوابط للعام وما يتعلق به، كيما يتسنى معرفة ما يشمله العام في النص من الأحكام أولًا، ثم الأبعاد التي في حدودها يمكن الخروج فقهيًا من العهدة ثانيًا.\nوهكذا كانت مباحث العموم جليلة الخطر عظيمة الأثر، لما يترتب على المعرفة بها والإحاطة بوجوها من الصلة بجانب عظيم من جوانب الاستنباط، وما ينشأ عن ذلك من إدراك لمدى ارتباط الأحكام بأصولها الكبرى، وضوابطها التي كان عليها البناء.\nوسندرس في القادم من أبحاثنا \"العام\" في ماهيته، وألفاظه، ومذاهب العلماء فيما وضعت له تلك الألفاظ، ثم تخصيص العام، ونوع دلالة العام على الحكم من حيث القطعية والظنية، وما يتعلق بهذه الأمور كلها غير ناسين أن نقف عند العديد من الآثار الفقهية التي ترتبت على اختلاف مذاهب العلماء وتنوع نظراتهم في هذه الزمرة من قواعد التفسير.\n* * *","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-372>المبحث الأول صيغ العموم</span>\n<span data-type='title' id=toc-373>المطلب الأول ماهية العام ومذاهب العلماء في ألفاظه</span>\nالعام في لغة التنزيل اسم فاعل من عمَّ بمعنى شمل، مأخوذ من العموم. وهو لغة: الشمول يقال: مطر عام أي شامل شمل الأمكنة كلها، وخصب عام أي عمَّ الأعيان ووسع البلاد، ونخلة عميمة أي طويلة. ولذلك قال ابن فارس: (العام: الذي يأتي على الجملة لا يغادر منها شيئًا كما في قول الله جلَّ ثناؤه: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] وقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢، ....]) (^١).\nأما في الاصطلاح: فيمكن تعريفه أخذًا من كلام الأكثرين بأنه: (اللفظ الموضوع وضعًا واحدًا للدلالة على جميع ما يصلح له من الأفراد، على سبيل الشمول والاستغراق من غير حصر في كمية معينة أو عدد معين) (^٢).\nوكذلك لفظ (السارق) و(السارقة) في قول الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\nفإنه عام لأنه موضوع وضعًا واحدًا، ليدل على شمول واستغراق كل\n_________\n(^١) انظر: \"الصاحبي في فقه اللغة\" لابن فارس، (ص ١٧٨ - ١٧٩)، وانظر: \"المزهر للسيوطي\" (١/ ٤٢٦) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٣٣)، \"أصول السرخسي\" (١/ ١٢٥).","vol":"2","page":15},{"text":"سارق وسارقة من غير حصر في عدد معين، فكل من صدق عليه أنه سارق قطعت يده.\nوكذلك لفظ \"من\" في قوله ﵊ يوم الفتح: \"من ألقى السلاح فهو آمن\" (^١).\nفإنه لفظ عام، يدل على استغراق وشمول كل فرد ألقى سلاحه من غير حصر في فرد معين أو أفراد معينين؛ فكل من انطبق عليه معنى القاء السلاح كان آمنًا (^٢).\nهذا: وقد ضرب الإمام الشافعي أمثلة للعام قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر] وقوله سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التغابن: ٣] وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ثم قال: (فكل شيء من سماء وأرض، وذي روح وشجر وغير ذلك، فالله خلقه. وكلُّ دابة فعلى الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها) (^٣).\n_________\n(^١) من حديث طويل رواه أبو هريرة ﵁ بشأن فتح مكة الذي وقع سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ حيث ورد في \"صحيح مسلم\": وصعد رسول الله ﷺ الصفا، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن … \" الحديث. \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (١٢/ ١٣٢ - ١٣٣) (٤٥٩٨).\nوانظر: \"طبقات ابن سعد\" (١٥/ ١٣٥) طبع بيروت، \"نيل الأوطار\" للشوكاني، \"شرح منتقى الأخبار\" للمجد بن تيمية (٨/ ٢٥) والحديث في \"المسند\" برقم (٧٩٠٩).\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٣)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٠٥ - ١٠٦)، مطبعة السعادة - أولى، \"أصول الفقه\" للشيخ عبد الوهاب خلاف (ص ٢١٢): \"أصول الفقه\" للشيخ زكريا البرديسي (ص ٣٩٩) فما بعدها.\n(^٣) راجع: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص ٥٣ - ٥٤)، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-374>الفرق بين العام والمطلق:</span>\nمن هنا يظهر الفرق بين العام والمطلق: فالعام يدل على شمول اللفظ لجميع أفراده من غير حصر، بينما نجد المطلق - كما سيأتي في مباحث الخاص - بدل على فرد شائع أو أفراد شائعة في جنسه، لا على جميع الأفراد.\nوهكذا نرى العام يتناول، دفعة واحدة، كل ما ينطبق عليه معناه من الأفراد.\nبينما لا يتناول المطلق إلا فردًا شائعًا من الأفراد.\nولذلك قال الأصوليون: (عموم العام شمولي وعموم المطلق بدلي). وفرق بين الشمولي والبدلي. قال الشوكاني: (والفرق بين عموم الشمول وعموم البدل: أن عموم الشمول كلي يُحكم فيه على كل فرد فرد، وعموم البدل كلي من حيث إنه لا يمنع تصوير مفهومه من وقوع الشركة فيه، ولكن لا يحكم فيه على كل فرد فرد، بل على فرد شائع في أفراده، يتناولها على سبيل البدل ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة واحدة) (^١).\nفالخروج من العهدة بالنسبة للمطلق يكون بأي فرد من الأفراد الشائعة في جنسه، بينما لا يكون ذلك في العام إلا بتناول الأفراد التي يشملها جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-375>ألفاظ العموم:</span>\nللعموم ألفاظ كثيرة تدل عليه نجتزئ منها بما يلي:\n١ - لفظ ﴿كُلُّ﴾، ولفظ ﴿جَمِيعٌ﴾ فإنهما يدلان على العموم فيما يضافان إليه مثل ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١] ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].\n_________\n(^١) راجع: \"إرشاد الفحول\" (ص ١٠٧).","vol":"2","page":17},{"text":"غير أن العموم فيما دخلت عليه ﴿كُلُّ﴾ إفرادي، يتعلق الحكم فيه بكل فرد، بقطع النظر عن غيره، وفيما دخلت عليه ﴿جَمِيعٌ﴾ جماعي: يتعلق الحكم فيه بالمجموع (^١).\nوفي أهمية لفظة ﴿كُلُّ﴾ في العموم نقل الشوكاني عن القاضي عبد الوهاب (^٢) قوله: (ليس بعد ﴿كُلُّ﴾ في كلام العرب كلمة أعم منها، ولا فرق بين أن تقع مبتدأ بها أو تابعة) (^٣).\n٢ - الجمع المعرف باللام الاستغراقية: مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]:\nفلفظ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ في الآية الأولى، ولفظ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ في الآية الثانية جميع معرف باللام التي تفيد الاستغراق، ولهذا كان شاملًا لكل مطلَّقة في الأولى، كما أنه شامل لكل مؤمنٍ في الثانية.\n٣ - الجمع المعرف بالإضافة: كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وقوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" (٢/ ٩)، \"التوضيح\" (١/ ٦٠).\n(^٢) هو عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي، أبو محمد، القاضي، من فقهاء المالكية. سمع وروى، وكان شيخ المالكية في عصره، كان ثقة أثنى عليه الخطيب البغدادي بأنه لم يلق أفقه منه. من مصنفاته: \"التلقين\" في الفقه، و\"عيون المسائل\" و\"النصرة لمذهب مالك\" و\"شرح المدونة\" و\"الإشراف على مسائل الخلاف\". توفي ﵀ في مصر سنة ٤٢٢ هـ.\n(^٣) راجع: \"إرشاد الفحول\" (ص ١١٠) هذا: وتكاد هذه اللفظة تكون هي رمز العموم عند العرب، قال السيوطي في \"المزهر\" بعد تعريفه للعام: (وقد عقد له الثعالبي في فقه اللغة \"باب الكليات\" وهو ما أطلق أئمة اللغة في تفسيره لفظة الكل فمن ذلك: كل ما علاك فأظلك فهو سماء. (كلّ) أرض مستوية فهي صعيد …). انظر: \"المزهر\" (١/ ٤٥٦) فما بعدها.","vol":"2","page":18},{"text":"[النساء: ٢٣] فإن كلًا من الألفاظ في ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ في الآية الأولى و﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ في الآية الثانية و﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ في الآية الثالثة: جمع مضاف يفيد العموم؛ فهو يشمل جميع الأموال والأولاد والأمهات دون حصر بعدد معين.\nوأما الجميع المنكَّر: فقد اختلف العلماء في عمومه، والأكثرون أنه غير عام.\nوقد استدل القائلون بالعموم بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢].\nفلفظ ﴿آلِهَةٌ﴾ جمع منكر، وهو عام؛ بدليل ما حصل من الاستثناء منه، والاستثناء أمارة العموم.\nورد الأكثرون، بأنه يطلق على الأفراد التي ينطبق عليها على سبيل البدل، وأن الاستدلال بالآية غير صحيح؛ لأن ﴿إِلَّا﴾ فيها ليست للاستثناء بل هي بمعنى ﴿غَيْرِ﴾ صفة لما قبلها، ولو كانت للاستثناء لوجب نصب ما بعدها وهو لفظ الجلالة؛ لأن الكلام تام موجب - كما يقول النحويون - ولفظ الجلالة مرفوع بلا خلاف (^١) فلم يسلم لهم الاستدلال بالآية، ووضح أن القول بأن الجمع المنكَّر لا يفيد العموم: هو الفول المقبول (^٢).\n٤ - المفرد المعرف بأل التي تفيد الاستغراق، أو بالإضافة: مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].\n_________\n(^١) وكون \"إلا\" في الآية بمعنى غير، نقله العلماء عن الكسائي وسيبويه. ففي معرض تفسير الآية في \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١١/ ٢٧٩) جاء قوله: (قال الكسائي وسيبويه: \"إلا\" بمعنى غير، فلما جعلت \"إلا\" في موضع غير، أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب (غير) كما قال:\nوكل أخ مفارقه أخوه … لعمر أبيك إلا الفرقدان\nوحكى سيبويه: لو كان معنا رجلٌ إلا زيدٍ لهلكنا).\n(^٢) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٥١) فما بعدها، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ١٨٩ - ١٩٠).","vol":"2","page":19},{"text":"فلفظ كلّ من ﴿الْبَيْعَ﴾ و﴿الرِّبَا﴾ في الآية الأولى و﴿الزَّانِيَةُ﴾ و﴿الزَّانِي﴾ في الآية الثانية، معرف بأل الجنسية التي تفيد الاستغراق؛ فهو عام يشمل كل الأفراد التي بصدق عليها، دون حصر بكمية معينة أو عدد معين.\n٥ - أسماء الشرط: كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nفلفظ ﴿مَن﴾ الشرطية عام في الآيتين، يفيد في الآية الأولى: أن كل من يقتل مؤمنًا على سبيل الخطأ، فعليه أن يحرر رقبة مؤمنة كفارةً لجنايته.\nويفيد في الآية الثانية: أن كل من يصل إلى علمه حلول شهر رمضان، وجب عليه الصوم.\n٦ - أسماء الاستفهام كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥، الحديد: ١١].\nهذا: وإن ﴿مَن﴾ إذا وقعت شرطية أو استفهامية أفادت العموم قطعًا، أما إذا وقعت موصوفة أو موصوفة فقد تكون للعموم، وقد تكون للخصوص، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥، محمد: ١٦] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] فإن المراد بـ ﴿مَن﴾ في الآيتين: بعض مخصوص من المنافقين (^١).\n٧ - النكرة الواقعة في سياق النفي: كقوله ﵊ في شأن الهجرة بعد فتح مكة: \"لا هجرة بعد الفتح\" (^٢) وقوله في شأن الوصية:\n_________\n(^١) راجع: \"أصول الفقه\" للأستاذ البرديسي (ص ٤٠٢).\n(^٢) من حديث أخرجه أحمد (١٩٩١) و(٢٣٩٦) وأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: \"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا\": البخاري (٢٧٨٣) و(٢٨٢٥) مسلم (١٣٥٣)، أبو داود (٢٤٨٠)، الترمذي (١٥٩٠)، النسائي في \"الكبرى\" (٨٧٠٣)، وأخرج البخاري (٣٩٠٠)، ومسلم (١٨٦٤) عن عائشة مثله. انظر: \"منتقى الأخبار مع نيل الأوطار\" (٨/ ٢٧ - ٢٨) \"الجامع الصغير\" مع \"فيض القدير\" للمناوي (٦/ ٤٨٣).\nهذا: والمراد من الفتح: \"فتح مكة\"؛ فقد أخرج أحمد (١٥٩٤٤) والبخاري =","vol":"2","page":20},{"text":"\"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث\" (^١).\nأو في سياق النهي: كقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].\nفكلمتا \"هجرة\" في النص الأول و\"وصية\" في النص الثاني: كل منهما نكرة وقعت في سياق النفي، فتعيد العموم.\nكما أن كلمة ﴿أَحَدٍ﴾ في الآية: نكرة وقعت في سياق النهي فتفيد العموم أيضًا. أما النكرة في سياق الإثبات: فلا تعم (^٢).\n_________\n= (٣٠٧٩) ومسلم (٦/ ٢٧) عن مجاشع بن مسعود: \"أنه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي ﷺ فقال: هذا مجالد، جاء يبايعك على الهجرة، فقال: لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد\". انظر: \"منتقى الأخبار\" للمجد بن تيمية (٨/ ٢٨) مع \"نيل الأوطار\" للشوكاني، \"جامع الأصول\" لابن الجزري (٤٨).\n(^١) الحديث أخرجه من رواية أبي أمامة ﵁: أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، كما أخرجه من رواية عمرو بن خارجة: أحمد (١٨٢٥١) والترمذي (٢١٢١) والنسائي (٣٦٤١) وابن ماجه (٢٧١٢)، وصححه الترمذي. وأخرجه الشافعي عن سليمان الأحول عن مجاهد بلفظ: \"لا وصية لوارث\" \"الأم\" (٤/ ٢٧، ٣٦، ٤٠)، \"الرسالة\" (ص ١٤٠). وأخرجه الدارقطني من رواية ابن عباس بلفظ: \"لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة\" (٤٢٩٧)، ومن رواية عمرو بن شعيب بلفظ: \"لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة\" (٤٩٥٤): انظر للحديث ورواياته وألفاظه وما قيل فيه: \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، \"تخريج أحاديث البزدوي\" للقاسم بن قطلوبغا مخطوطة، قيد الطبع إن شاء الله، \"فيض القدير\" للمناوي، \"شرح الجامع الصغير\" للسيوطي (٠٦/ ٤٤٠). وانظر: التعليق المستفيض للشيخ أحمد محمد شاكر في \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص ١٤٠ - ١٤٣).\n(^٢) ولقد أوضح بعض العلماء ذللك فقال: (التحقيق قولهم: النكرة في سياق النفي نعم، وفي سياق الإثبات لا تعم: إنك إذا قلت: ما رأيت رجلًا، عم ذلك نفي كل رجل، فإنك صرحت بنفي رؤية رجل واحد والباقي على الأصل - وهو عدم الرؤية - فيعم كل رجل. وإذا قلت: رأيت رجلًا، فقد أثبت الرؤية الواحد فقط، وبقي الباقي على أصله - وهو عدم الرؤية - فلا تعم).\nانظر: هامش \"التمهيد\" للإسنوي: نسخة دار الكتب المصرية المخطوطة (ق ٥٨).","vol":"2","page":21},{"text":"٨ - النكرة الموصوفة بوصف عام: كقوله تعالى في شأن تحريم زواج المسلمات بغير المسلمين: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقوله سبحانه: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣].\nفلفظ ﴿عبد﴾ في الآية الأولى، ولفظ ﴿قَوْلٌ﴾ في الآية الثانية: كل منهما يفيد العموم، لأنه نكرة موضوفة.\n٩ - الأسماء الموصولة: كما في قوله جلَّ ثناؤه في وصف آكلي الربا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله سبحانه بعد ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].\nفلفظ ﴿الَّذِينَ﴾ في الآية الأولى عام يشمل كل آكل الربا، ولفظ ﴿مَا﴾ في الآية الثانية عام يشمل من عدا المحرمات المذكورات في آية محرمات النساء من قوله تعالى: (﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣].\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-376>مذاهب العلماء فيما وضعت له ألفاظ العموم</span>\nاختلفت أنظار العلماء فيما وضعت له ألفاظ العموم، وكانت المذاهب في ذلك ثلاثة:\nالأول: مذهب عامة الأشاعرة وبعض المتكلمين: وهو \"التوقف\": فإذا ورد لفظ من الفاظ العموم: وجب التوقف عن العمل به، حتى يقوم دليل عموم أو خصوص. وسمي أهل هذا المذهب بـ \"الواقفية\". ولم يكن هؤلاء","vol":"2","page":22},{"text":"في القرون الثلاثة الأولى بل وجدوا - كما يرى السرخسي - في القرن الرابع الهجري (^١).\nالثاني: مذهب البلخي (^٢) من الحنفية والجبائي (^٣) من المعتزلة: وهو \"الجزم بأخص الخصوص\"، ومعنى ذلك حمل صيغة العموم على بعض ما يقتضيه الاسم في اللغة دون بعض - كالواحد في الجنس، والثلاثة في الجمع - والتوقف فيما وراء ذلك. ويسمى هذا المذهب (مذهب أرباب الخصوص) (^٤).\nالثالث: إثبات الحكم في جميع ما يتناوله العموم من أفراد؛ فالعام على ظاهره من شمول ما ينطوي تحته من تلك الأفراد، لا يصرف عن ذلك إلا بدليل. وأصحاب هذا المذهب: هم الجمهور، ويسمون (أرباب العموم) (^٥).\nوهذا التقسيم الذي ألمحنا إليه، درج عليه الإمام الغزالي من\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٢).\n(^٢) هو محمد بن الفضل بن العباس البلخي أبو عبد الله. فقيه حنفي من الصوفية، ومن أجلة مشايخ خراسان. من آثاره: \"الفتاوى\". مات بسمرقند سنة ٣١٩ هـ.\nهذا: وقد جاء في \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري أنه أبو عبد الله الثلجي ونقل ذلك الدكتور الدواليبي في كتابه \"المدخل إلى أصول الفقه\" ص ١٢٧. والذي يرجح عندنا أنه البلخي: ما ذكره السرخسي عن أهل هذا المذهب: أنهم من أهل القرن الرابع الهجري، والثلجي متوفى سنة ٢٦٦ هـ.\n(^٣) هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام أبو علي المعروف بالجُبَّائي نسبة إلى (جُبَى) من قرى البصرة. كان إمام أئمة المعتزلة، ورئيسهم في البصرة، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب، وعنه أخذ شيخ السنة: أبو الحسن الأشعري عليم الكلام. من آثاره: \"تفسير\" حافل مطول رد عليه الأشعري. توفي سنة ٣٠٣ هـ ودفن في جُبَى.\n(^٤) انظر: \"الإحكام\" الآمدي (٣/ ٩٧).\n(^٥) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٢٩) فما بعد، \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٢) وما بعد.","vol":"2","page":23},{"text":"المتكلمين (^١) كما درج عليه من الحنفية صاحب \"التوضيح\"، ومن تابعه من المتأخرين (^٢).\nغير أن الغزالي جعل الخلاف بين العلماء حول صيغ خمسة من صيغ العموم، وهي:\nألفاظ الجموع، \"من\" و\"ما\" إذا وردا للشرط والجزاء. ألفاظ النفي. الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف ولام التعريف. والألفاظ المؤكدة. بينما لم يحدد ذلك الآخرون، بل عرضوا للخلاف في صيغ العموم بوجه عام.\n\n<span data-type='title' id=toc-377>مسلك البزدوي والسرخسي:</span>\nأما فخر الإسلام البزدوي: فقد جعل أرباب الخصوص فرقة من الواقفية؛ فعنده: (أرباب العموم)، و(الواقفية) - ومنهم أرباب الخصوص - (^٣). وكان ذلك اتجاه شمس الأئمة السرخسي الذي ذكر في معرض بيان حكم العام أن (بعض المتأخرين ممن لا سلف لهم في القرون الثلاثة قالوا: حكمه الوقف حتى يتبين المراد منه، بمنزلة المشترك أو المجمل. ويسمى هؤلاء، \"الواقفية\") ثم بيَّن ﵀ أن أرباب الخصوص فرقة من الواقفية حين قال: (إلا أن منهم - يعني الواقعية - من يقولون يثبت به أخص الخصوص، وفيما وراء ذلك الحكم: هو الوقف، حتى يتبين المراد بالدليل) وبعد ذلك بيَّن مذهب أرباب العموم دون أن يطلق عليهم هذه التسمية (^٤).\nوعلى هذا يكون اتجاه الواقفية وأرباب الخصوص قد ظهر في القرن الرابع الهجري، كما أشرنا، سواء اعتبرنا أرباب المخصوص فرقة خاصة، أم اعتبرناهم شعبة من الواقفية.\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٣٥).\n(^٢) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٣٨)، \"مرقاة الوصول شرح المرآة\" مع \"حاشية الإزميري\" (١/ ٣٥٠) وما بعدها.\n(^٣) انظر: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (٩/ ٢٩١) وما بعدها.\n(^٤) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٢) فما بعد.","vol":"2","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-378>مسلك عبد العزيز البخاري:</span>\nأما عبد العزيز البخاري صاحب \"كشف الأسرار\": فقد قسم الواقفية إلى خميس فرق؛ عدَّ أرباب الخصوص واحدة منها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-379>رأينا في التقسيم:</span>\nويبدو لي أن الخطب سهل في جعل مذهب أخص الخصوص قسيمًا لمذهب الواقفية، أو قسمًا منه، وإن كان الفرق يبدو في أن أرباب الخصوص يتوقفون فيما وراء ما يدل عليه أخص الخصوص، وأولئك\n_________\n(^١) فتراه بعد أن بين أن مذهب الواقفية وجوب الوقف في كل عام حتى يقوم الدليل على العموم أو الخصوص. قال: (وقد تحزبوا فرقًا:\n١ - فمنهم من قال: ليس في اللغة صيغة مبنية للعموم خاصة لا تكون مشتركة بينه وبين غيره، والألفاظ التي ادعاها أرباب العموم أنها عامة لا تفيد عمومًا ولا خصوصًا، بل هي مشتركة بينهما أو هي مجملة؛ فيُتوقف في حق العمل والاعتقاد جميعًا إلا أن يقوم الدليل على المراد، كما يتوقف في المشترك أو كما يتوقف في المجمل. والخبر والأمر والنهي في ذلك سواء. وهو مذهب عامة الأشعرية وعامة المرجئة، وإليه مال أبو سعيد البردعي من أصحابنا. فعند هؤلاء لا يصح التمسك\nيعلم أصلًا.\n٢ - ومنهم من قال: يثبت به أخص الخصوص وهو الواحد في اسم الجنس والثلاثة في صيغة الجمع ويتوقف فيما وراء ذلك إلى أن يقوم الخليل ويسمون أصحاب الخصوص، وبه أخذ أبو عبد الله الثلجي من أصحابنا، وأبو عبد الله الجبائي من المعتزلة.\n٣ - ومنهم من توقف في حق الكل في حق الاعتقاد دون العمل فقالوا: يجب أن يعتقد على الإبهام أن ما أراده الله تعالى من العموم والخصوص الظهر فهو حق ولكنه يوجب العمل فيصبح التمسك بظواهر العمومات في الأحكام لا في الاعتقادات. وهو مذهب مشايخ سمرقند ورئيسهم الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي ﵏.\n٤ - ومنهم من فرق بين الخير وبين الأمر والنهي على العموم وهذا قول حكاه أبو الطيب بن شهاب عن أبي حسن الكرخي.\n٥ - ومنهم من توقف في الأمر والنهي وأجرى الأخبار على ظواهرها في العموم). انظر: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).","vol":"2","page":25},{"text":"يتوقفون في مدلول العام كلية، أو لا يرون للعام صيغة - كما يقول البعض - وهم يتوقفون حتى يقوم دليل عموم أو خصوص.\nوعلى كلٍّ سنسير على طريقة جعلهم فرقتين، ليتسنى عوض الأدلة ومناقشتها بوضوح، وبذلك يتبين في هذا المعترك طريق المذهب الذي يثبت الدليل سلامته، واتساقه مع مفهومات الشريعة ولغة التنزيل.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-380>المطلب الثاني موقف العلماء من مذهب الوقف</span>\nاستدل الواقفية على ما ذهبوا إليه بعدة أدلة أهمها ما يلي:\n١ - إن الألفاظ التي يُدَّعى عمومُها هي من قبيل المجمل، وحكم المجمل التوقف حتى يأتي البيان، إذ من المحتمل أن يكون المراد بعضَ ما تناوله ذلك اللفظ، وهذا البعض لا يمكن معرفته بالتأمل في صيغة اللفظ، كما في المشكل: بل لا بد من ورود البيان من المبيَّن.\nأ - يؤيد ذلك أنه يستقيم أن يقرن بالعام على وجه البيان والتفسير: ما هو المراد به من العموم، فيؤكد بكل وأجمع، حيث يقال: جاء القوم كلهم أو أجمعون، الأمر الذي يفيد الشمول والاستغراق، ولو كان مطلق هذا اللفظ يوجب العموم، فيكون للاستغراق والشمول: لم يستقم تفسيره بلفظ آخر كالخاص؛ فإنه لا يستقيم أن يقرن به ما يكون ثابتًا بموجبه، فلا يقال: جاءني زيد كله أو جميعه.\nولما استقام في العام أن يقرن به ما يفسره ويبينه، عرفنا أنه غيرُ موجب للإحاطة بنفسه، والبعض الذي هو مراد منه غير معلوم، فيكون بمنزلة المجمل (^١).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٤)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٢٩٩)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٣٨).","vol":"2","page":26},{"text":"ب - كما أن دلالة أعداد الجمع مختلفة من غير أولوية للبعض؛ فجمع القلة يصيح أن يراد منه كل عدد من الثلاثة إلى العشرة، وجمع الكثرة يصح أن يراد منه كل عدد من العشرة إلى ما لا نهاية.\nفإذا قال قائلٌ: لفلان علي أفلُسُ، يصح بأنه من الثلاثة إلى العشرة فيكون مجملًا (^١).\nوقد أجيب عن الشق الأولى من هذا الدليل: بأن التأكيد دليل العموم والاستغراق، وإلا لكان تأييسًا لا تأكيدًا، كما صرح بذلك أئمة العربية (^٢).\nوأجيب عن الشق الثاني، وهو اختلاف أعداد المجمع: بأنا نحمل العام على الكل احترازًا عن ترجيح البعض بلا مرجع فلا إجمال (^٣).\n٢ - أما الدليل الثاني للواقفية: فهو اعتبارهم العام من المشترك فإنه - أي العام - كما يطلق على الكثير، يطلق على الواحد، والأصل في الإطلاق الحقيقة؛ فيكون مشترَكًا.\nوقد جاء في القرآن الكريم ذكر الجمع مرادًا به الواحد؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]\n_________\n(^١) \"التوضيح\" (١/ ٣٨).\n(^٢) راجع: \"التلويح\" لسعد الدين التفتازاني (٩/ ٣٨) فما بعدها. أما الإزميري في حاشيته على \"المرأة\": فقد أتى بمسألة التأكيد جوابًا عن الإجمال، فبدلًا من أن يكون ذلك دليلًا للوافقية، اعتبره ردًا على دعوى الإجمال، ودليلًا لأرباب العموم، كما يأتي في أدلتهم. فقال ﵀: (وأجيب عن الأول - يعني الإجمال - بأن العام يحمل على الكل احترازًا عن ترجيح البعض بلا مرجح، وبأنه يصح تأكيده بكل وأجمعين، نحو جاءني القوم كلهم أجمعون ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ٣٠] إلى غير ذلك، والتأكيد دليل العموم والاستغراق وإلا لكان تأسيسًا لا تأكيدًا وقد أجمعوا على أنه تأكيد لا تأسيس). فأنت ترى أن قضية التأكيد بكل وأجمع جاء بها الواقفية دليلًا لهم على خصومهم وإذا بالإزميري يأتي بها دليلًا ضد الواقفية أنفسهم حيث صاغ الجواب على دليل الواقفية بالإجمال بشكل دليل جديد له ردًا على الواقفية. انظر: حاشية الإزميري على \"المرآة\" (١/ ٣٥٠).\n(^٣) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٣٨).","vol":"2","page":27},{"text":"فالمراد بلفظ الناس الأولِ: نُعَيْمُ بن مسعود (^١) أو أعرابي آخر، كما أن المراد بلفظ ﴿النَّاسِ﴾ الثاني: أهلُ مكة؛ فاللفظ عام، والمراد واحد (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-381>الجواب عن الاشتراك:</span>\nوقد أجاب السعد التفتازاني صاحب \"التلويح\" على هذا الدليل بأن المجاز راجح على الاشتراك، فيحمل عليه للقطع بأنه حقيقة في الكثير. ثم أكد ذلك بإجماع أئمة اللغة فقال: (على أن كون الجمع مجازًا في الواحد مما أجمع عليه أئمة اللغة) (^٣).\nومعلوم أن المراد بالجمع هنا عند أئمة اللغة: (ما يعم صيغة الجمع كالرجال واسم الجمع كالناس).\nوبهذا يكون الاستدلال بذكر ﴿النَّاسِ﴾ في الآية حين قُصد نُعيم بن مسعود أو أعرابي آخر، عديم الجدوى، ما دام اسم الجمع - كالناس - مما أجمع أئمة اللغة على أنه يستعمل في الواحد. ويبدو أن الواقفية لم يكونوا على استقرار\n_________\n(^١) هو نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي، صحابي من ذوي العقل الراجح، هاجر إلى رسول الله سرًا أيام الخندق فأسلم وكتم إسلامه وعاد إلى الأحزاب فخذل المشركين وبني قريظة فتفرقوا … قال ابن عبد البر: وقيل: إنه الذي نزلت فيه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣] يعني نعيم بن مسعود وحده، سكن ﵁ المدينة وتوفي في خلافة عثمان نحو سنة ٣٠ هـ. وقيل: قتل يوم \"الجمل\" قبل قدوم علي ﵁ إلى البصرة.\n(^٢) ذهب إلى أن المراد بلفظ \"الناس\" الأول: هو نعيم بن مسعود: مجاهد ومقاتل وعكرمة والكلبي، فاللفظ عام ومعناه خاص، وقال السدي: هو أعرابي جُعِلَ له جُعْلٌ على ذلك، وذكر القرطبي عن السدي أنه لما تجهز النبي ﷺ وأصحابه للمسير إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المناقفون وقالوا: أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا، وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا؛ فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد. فقالوا: \"حسبنا الله ونعم الوكيل\". \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠).\nوانظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ٤٠٥)، ابن كثير (١/ ٤٢٩).\n(^٣) راجع: \"التشريح\" (١/ ٣٩).","vol":"2","page":28},{"text":"في ادعاء الاشتراك، أو الإجمال في ألفاظ العموم. بل كانوا يستدلون بهذا تارة، وبذلك تارة أخرى، كما كشف عن ذلك صاحب \"التلويح\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-382>مسلك الإمام ابن حزم:</span>\nأما ابن حزم: فقد كان له من أهل هذا المذهب موقف لا يُغني عن بحثه والتأني في الوقوف عنده، ما مررنا به من مناقشة بعض أئمة الأصول لهذه الطائفة من الباحثين؛ لأن الوقف والأخذ بالظاهر: على طرفي نقيض. وقد أورد أبو محمد للواقفية من خلال منهجه الخاص عددًا من الحجج التي يعوزها التنظيم والتسلسل، وتولى الرد عليها. وسنعرض لطائفة مما استطعنا - بعد لأيٍ - استخلاصه من تلك الحجج والرد عليها، وبيان ذلك فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-383>الحجة الأولى:</span>\nكان فيما أورده ابن حزم على لسان الواقفية: أن الألفاظ مقتضيةٌ للعموم بصيغها حين وُجدت؛ كما لا يوجد اسم السواد على البياض. فلما وجدنا ألفاظًا ظاهرُها العموم، والمرادُ بها الخصوص: علمنا أنها لا تحمل على العموم إلا بدليل (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-384>رد ابن حزم:</span>\nويرد ابن حزم على هذه الحجة ردًا يأخذ طريقه على مرحلتين:\nأ - يقرر أبو محمد أن وجود الفاظ منقولة عن موضوعها في اللغة،\n_________\n(^١) انظر: \"التلويح\" (١/ ٣٨).\n(^٢) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (٣/ ٩٨) فما بعدها.\nهذا: وقد أوردنا هذه الحجة من قريب حيث ذكرها على لسان الواقفية بعض الأصوليين غير ابن حزم وهناك رأينا أن الواقفية مثلوا لما ذهبوا إليه هنا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية إذ كان ظاهر اللفظ \"الناس\" عامًا والمراد به فرد من أفراده وهو الصحابي نعيم بن مسعود أو أعرابي آخر حسب اختلاف الروايات. وكان رد العلماء - كما سلف - أن ذلك من المجاز المعروف في اللغة عند أئمة العربية. انظر ما سلف (٢٧ - ٢٨).","vol":"2","page":29},{"text":"ليس بموجب أن يُعَطَّلَ كل لفظ، ويفسد وقوع الأسماء على مسمياتها، ولو عطلنا كل لفظ، وقطعناه عن معناه لوجود ألفاظ منقولة عن مسمياتها في اللغة، لكان وجودنا آيات منسوخة لا يجوز العمل بها: موجبًا لترك العمل بشيء من سائر الآيات كلها، إلا بدليل يوجب العمل بها من غير لفظها.\nقال أبو محمد: (ومن قال هذا فقد كفر بإجماع. ومن لم يقله فقد تناقض، ودل على فساد مذهبه) (^١).\nب - وفي تتمة الرد يحاول ﵀ أن يرد دعواهم بأن الصيغ المدعى إفادتُها العموم، ليست موضوعة لذلك، كما لا يوضع اسم السواد على البياض.\nوقام رده على إمكان وضع أسود على غير اللون فيقال: فلان أسود من فلان، من معنى السيادة، وليس ذلك بمبطل أن يكون السواد موضوعًا لعدم الألوان.\nوكذلك على إمكان أن يقال للأسود: أبو البيضاء، وليس ذلك بمبطل أن يكون البياض موضوعًا للوَّن المفرق للبصر (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-385>رأينا في رد ابن حزم:</span>\nولئن كنا نخالف الواقفية فيما ذهبوا إليه من القول بالوقف، إنا لا نتفق مع ابن حزم ﵀ في طريق رده لهذه الحجة المنقولة عنهم في الاستدلال لمذهبهم الذي خالفوا فيه الجمهور.\nأ - أما عن الشق الأول: وهو مسألة النسخ، فلعل هذا التنظير من ابن حزم غير صحيح على إطلاقه؛ إذ إن ادعاء أرباب الوقف بأن لا صيغ للعموم، لأنهم وجدوا ألفاظًا ظاهرُها العموم والمراد بها الخصوص: هو غير النسخ، فالنسخ قام الدليل الشرعي على وقوعه في نظر العلماء (^٣)، أما صيغ\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" (٣/ ٩٩).\n(^٢) المصدر نفسه (٣/ ٩٩) فما بعد.\n(^٣) لم يخالف في النسخ إلا أبو مسلم الأصفهاني فقد منع وقوعه في القرآن وجوزه عقلًا.","vol":"2","page":30},{"text":"العموم: فهؤلاء ينكرون وجودها لهذا الغرض في أصل الوضع، وذلك لأنها أُطلقت وأريد بها الخصوصُ كما يدَّعون.\nب - أما عن الشق الثاني: وهو مسألة السواد والبياض، فنرى ابن حزم يخرج عن الدائرة التي بجري فيها الاستدلال.\nوالقوم في دعواهم أن السواد لا يوضع على البياض، إنما يحصرون كلامهم في الألوان. أما أن يلزمهم ابن حزم باشتقاق أسود من السيادة الذي هو على وزن أفضل، كما أن أسود اللون المعروف على وزن أفعل: فهذا يذكرنا باتهامه للكثيرين بالسفسطة.\nوكان يحسبه أن يرد عليهم: بأن العموم الذي أريد به الخصوص، كان في حالات قام الدليل عليها، وإلا فهي داخلة في باب المجاز، كما سيأتي في بعض ردوده على المخالفين، وكما رد غيره من أرباب مذهب العموم، وقد رأينا ذلك من قبل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-386>الحجة الثانية:</span>\nولأرباب الوقف حجة وصفها ابن حزم بالتمويه، فذكر أنهم موهوا أيضًا بما هو عليهم لا لهم: وهو تردد بني إسرائيل في أمره تعالى لهم بذبح البقرة. يعني ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٦٧ - ٧١].\nوالحق أنها شبهة واهية؛ لأن الله ذكر ترددهم في معرض الذم الشديد.\n_________\n(^١) انظر ما سلف (ص ٢/ ٢٨).","vol":"2","page":31},{"text":"ولقد نعى ابن حزم على الواقفية تذرعهم بهذه الشبهة حيث حاولوا تقوية مذهبهم بأنه موافق لأمر ذمَّه الله ﷿. ولو لم يكن في تردد بني إسرائيل إلا قولُهم لموسى ﵇: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ جوابًا لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ لكفى. ومن خاطبه نبي عن الله ﷿ بأمرٍ ما؛ فجعله المخاطب هزوًا فقد كفر.\nوذكر من شعبهم … أنهم قالوا: نحن في الخطاب الوارد: كالحاكم شهد عنده شاهدان؛ فلا بد من السؤال عنهما، والتوقفِ حتى تصح عدالتهما.\nوهذا - كما يقول ابن حزم - تشبيه فاسد؛ لأن الشاهدين لو صحت عندنا عدالتهما قبل الشهادة: فهما على تلك العدالة، ولا يصبح التوقف في شهادتهما.\nوكذلك ما أيقنا أنه خطاب الله تعالى، أو خطاب رسول الله ﷺ لنا. وإنما تتوقف في الشاهدين إذا لم نعلمهما، كما نتوقف في الخبر إذا لم يصح عندنا أنه عن النبي ﷺ؛ فلا نحكم بشيء من ذلك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-387>الحجة الثالثة:</span>\nومما احتج به أرباب الوقف أيضًا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وهو ﷿ غير مخلوق. كما احتجوا بالآية التي ورد ذكرها أكثر من مرة فيما سبق وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قالوا: وإنما قال لهم ذلك بعض الناس، وهو نُعيم بن مسعود، أو آخر، وإنما كان الجامعون لهم بعض الناس لا كلهم.\nويرى ابن حزم - كما نرى معه - أنه لا دليل لهم في أي من الآيتين:\nأما الآية الأولى: فالمفهوم من النص أن المراد بخلقه تعالى كل شيء: كل ما دونه ﷿ على العموم، لأنه لما كان تعالى هو الذي خلق كل شيء\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ١٠٢) فما بعدها.","vol":"2","page":32},{"text":"- ومن المحال أن يُحدِث أحد نفسه - صح أن اللفظ لم يأت قط ليشمل الخالق فيما ذكر أنه خلقه (^١).\nأما الآية الثانية: فواقع الحال يدل على أن العموم المقصود: هو ما قام في العقل، لا العموم على إطلاقه.\nفالمخبرون لهؤلاء بأن الناس قد جمعوا لهم: غير الناس المخبرين لهم. والناس الجامعون لهم: غير الناس المخبرين لهم - كما هو معلوم - والطائفتان معًا: غير الطائفة المجموع لها (^٢).\nوهكذا خرجت الألفاظ عن موضوعها في اللغة بدليل، وهذا ما لا ينكره ابن حزم. لذا يقول: (وإنما ننكر دعوى إخراج الألفاظ عن مفهومها بلا دليل) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-388>الحجة الرابعة:</span>\nوهذه حجة لأرباب الوقف رأينا غير ابن حزم يوردها على لسان الواقفية. وهي حجة اعتبرها هو من التمويه أيضًا، وهي قولهم: لو كان للعموم صيغة تقتضيه ولفظ موضوع له، لما كان لدخول التأكيد عليه معني؛ لأنه كان يلتقي في ذلك باللفظ الدال على العموم.\nوقد أحسن ﵀ حين قرر بوضوح: أنه لو كان هذا صحيحًا: لكان كلامهم متناقضًا؛ لأنا نجد التأكيد يأتي مرتين وثلاثًا، فلو كان التأكيد الأول يأتي لإخراج اللفظ من الخصوص إلى العموم، لكان التأكيد الثاني مثله أيضًا، ولوجب أن يكون مُخرجًا للكلام المؤكد بالتأكيد الأول عن الخصوص إلى العموم؛ فكان يكون التأكيد الأولى خصوصًا عمومًا معًا وهذا\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" (٣/ ١٠٤) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"الرسالة\" للشافعي (ص ٥٨ - ٦٠)، \"الإنصاف\" للبطليوسي (ص ٩٣).\n(^٣) انظر: \"الإحكام\" (٣/ ١٠٤)، وراجع: \"الصاحبي\" لابن فارس (ص ١٧٨).","vol":"2","page":33},{"text":"لا يعقل، وقد قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر] (^١) فلا يعقل أنه أراد (مجتمعين) بل جائز أن يكون الذين أتوا أتوا أفرادًا مفترقين.\nوفي بعض جولاته مع الواقفية في رد هذه الحجة: اتهمهم بالكفر معتبرًا احتجاجهم بالتأكيد تعليمًا لربهم - والعياذ بالله - أشياء استدركوها … وأن هذا جرى على عادتهم في الحكم بالقياس في أشياء ادعوا أن ربهم تعالى لم يذكرها ولا حكم فيها. وأعلن ﵀ براءته إلى الله تعالى من ذلك.\nوبعد هذا قرر أن التأكيد في اللغة كثير الوجود، كتكراره تعالى ما كرر من الأخبار، وكتكراره ﷿ في سورة واحدة: يأتي ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن] إحدى وثلاثين مرة: و﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠، الحج: ١٨] و﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء].\nولهذا التكرار أعظم فائدة، والتأكيد مثله، لأنه تعالى علم أن سيكون في خلقه قوم يرومون إبطال الحقائق: فحسم من دعاواهم ما شاء بالتأكيد، وليقيم بذلك الحجة عليهم.\nأما إذا ترك التأكيد فليضلوا فيها، ويستحقّ منهم من قلد وعاند المذاب الأليم، ويؤجر من أطاع وسلَّم الأجر الجزيل (^٢).\n_________\n(^١) هذا: وقد ذكر أبو محمد بن حزم أن بعض أرباب الوقف أجاب عن قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ أن معنى قوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ بعد أن ذكر كلهم هو غير الذي في ﴿كُلُّهُمْ﴾ لأن ﴿كُلُّهُمْ﴾ هو مخرج لقوله تعالى: ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾ من الخصوص إلى العموم و﴿أَجْمَعُونَ﴾ دال على أنهم سجدوا مجتمعين لا مفترقين. قال ابن حزم: (وهذه مجاهرة في اللغة لا يعرفها أهل اللغة، ولا يعرف أحد من أهل اللسان أن قول القائل: أتاني القوم أجمعون أنه أراد مجتمعين بل جائز أن يكون الذين أتوا أفرادًا مفترقين، وهذه هي الغلطة التي حذر منها الأوائل). \"الإحكام\": (٣/ ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٢) وأوضح ابن حزم أنه إذا كان التكرار لإقامة الحجة، كيما يهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، فليس لذلك علاقة بأصل الوجوب، فليس التكرار موجبًا ولا عدمه مسقطًا للوجوب. فلو أنه تعالى لم يكرر ما كرر من أخبار الأمم السالفة ومن أمره بإقامة الصلاة، وأمره بإيتاء الزكاة في غير ما موضع، ومن أمره =","vol":"2","page":34},{"text":"أما معنى التأكيد عنده: فهو (كمعنى قول القائل: أنا شهدت فلانًا ونظرت إليه بعيني هاتين، وهو يفعل أمر كذا، وقد علمنا أن النظر لا يكون إلا بالعينين، وكذلك يقول: سمعت بأذني، والسمع لا يكون منا إلا بالأذنين. ولو سكت عن ذلك لعلمنا من خبره كالذي علمنا إذا ذكر العيتين والأذنين ولا فرق) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-389>الحجة الخامسة:</span>\nومما ذكر ابن حزم عن الواقعية: اعتبارُهم أن مما ينفي أن تكون للعموم صيغة، حسنَ الاستثناء منه، وحسنَ الاستفهام.\nأ - فلو كان العموم حقًّا، لما حسن الاستثناء منه وصرفه إلى الخصوص.\nوقد رد ذلك ابن حزم واعتبره في غاية التمويه، لأن العموم صيغة ورود اللفظ الجامع الأشياء ركب ذلك اللفظ عليها؛ فإذا جاء الاستثناء كان ذلك اللفظ مع الاستثناء معًا، صيغة للخصوص، قال أبو محمد:\n_________\n= تعالى بالإيمان، واجتناب الكفر في غير ما سورة، ومن ذكر الجنة والنار في غير ما سورة! لما كان ذلك مسقطًا لوجوب ما وجب من ذلك كله؛ إذ كرره ولكان ذلك واجبًا بذكره مرة واحدة، كوجوبه إذا ذكر ألف ألف مرة ولا فرق، ولكان الشك في كل خير ذكر مرة واحدة أو - تكذيبه - يوجب الكفر، كوجوب الكفر بالشك فيما كررة ألف مرة، وكوجوب الكفر بتكذيبه ولا فرق.\nويقرر أبو محمد أنه لا فرق عند أحد من الأمة بين صحة قصة يوسف وبين صحة قصة موسى ﵉ مع أن قصة موسى ذكرت في مواضع كثيرة من القرآن، وقصة يوسف لم ترد إلا مرة واحدة ومن شك في ذلك فهو مشرك حلال الدم والمال.\nوإذا كانت هذه نظرة ابن حزم إلى التكرار فالتأكيد كالتكرار ولا فرق، ولو لم يؤكد تعالى ما أكد، لكان واجبًا وعامًا لما يقتضيه اسمه كوجوبه بعد التأكيد ولا فرق. انظر: \"الإحكام\" (٣/ ١٠٥).\n(^١) راجع: \"الإحكام\" (٣/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"2","page":35},{"text":"(وهذا نص قولنا؛ فورود الاستثناء عبارة عن الخصوص، وعدم وروده عبارة عن العموم). ولم يكتف بذلك، بل عكس عليهم السؤال نفسه فقال: (لو كان للخصوص صيغة لما كان للاستثناء معنًى، لأنه لم يكن يستفاد به فائدة أكثر من اللفظ قبل ورود الاستثناء) (^١).\nب - ولو كان اللفظ يقتضي العموم، لما حسن فيه الاستفهام. ولما حسُن فيه الاستفهام: علمنا أنه لا يقتضي العموم بنص لفظه.\nوكان ذلك في نظر ابن حزم كسابقه وهو الاستثناء؛ والاستفهام يحسن من جاهل بحدود الكلام، أما استفهام المستفهم عن الآية أو الحديث: فمذموم. وقد أنكر ذلك رسول الله ﷺ وقال: \"اتركوني ما تركتكم\" (^٢).\n_________\n(^١) راجع: المصدر السابق (٣/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(^٢) الحديث بلفظ: \"اتركوني ما تركتكم\" رواه الطبري في \"التفسير\" وحكم عليه بالصحة (١١/ ١٠٨ - ١١٢). وبلفظ: \"ذروني ما تركتكم\" رواه أحمد في \"مسنده\" (٧٣٦١). كما رواه بلفظ: \"اتركوني … \" البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧) والترمذي (٢٦٧٩) والنسائي (٢٦١٩) وابن ماجه (٢) وراجع: \"منتقى الأخبار مع نيل الأوطار\" (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\nقلت: والحديث - فيما يبدو من روح الكتاب والسنة - متوجه إلى السؤال الذي يمكن أن يترتب عليه مزيد من الالتزامات التي قد لا يطبقها المسلمون، وتؤدي بهم إلى الحرج، أما الاستفهام للمعرفة والإيضاح - كما أشار ابن حزم - فهو ممدوح فضلًا عن أن يكون مذمومًا. راجع ما قاله المفسرون عند قوله تعالى في سروة المائدة [١٠١]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وبخاصة الطبري (١١/ ٩٨ - ١١٦)، والقرطبي (٦/ ٣٣٠ - ٣٣٤)، وراجع كذلك ما قاله شُرّاح الحديث نفسه. وقد حملت إلينا آيات الكتاب الكثير من الأسئلة والجواب عنها كما في السؤال عن الخمر والميسر، وعن الإنفاق، وعن المحيض، وعن الأهلة، وعن الحلال من الأطعمة وغيرها. كما حملت إلينا كتب السنة عددًا من الأحاديث التي جاءت أجوبة الأسئلة سألها الصحابة فيما يتعلق بالأحكام، من ذلك حديث بيع الرطب، وحديث الوضوء بماء البحر، وحديث ماء بئر بُضاعة، وحديث الخراج بالضمان، الذي جاء جوابًا لمن سأل عن الذي اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد فيه عيبًا … إلى غير ذلك وهو كثير.\nولقد أحسن الحافظ في \"الفتح\" حين استوفى الكلام عن السؤال الممدوح والسؤال المذموم، وقد حكى ﵀ عن ابن العربي قوله في معرض: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ =","vol":"2","page":36},{"text":"وكما عكس عليهم سؤال الاستثناء، يعكس سؤال الاستفهام؛ فيقال لهم - في رأي ابن حزم - لو كان اللفظ يفهم منه الخصوص: لما كان للاستفهام معني. ويؤكد أرباب الوقف حجتهم بأن الاستفهام لا يحسن في الخبر عن الواحد؛ لأنه مفهوم من نص لفظه.\nويدفع ذلك ابن حزم بأن الاستفهام يحسن في الواحد، كحسنه في العموم؛ وذلك أن يقول القائل: أتاني اليوم زيد، فيقول السامع: أجاءك زيد نفسه؟ إما على سبيل الإكبار، وإما على سبيل السرور، أو على بعض الوجوه المشاهدة. وهذا أمر معلوم لا ينكره ذو عقل (^١).\n_________\n= أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾: (وقد اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع، تعلقًا بهذه الآية، وليس كذلك، لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المسألة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك).\nومما قرره صاحب \"الفتح\" هناك: أن من أمعن في البحث عن كتاب الله، محافظًا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل. وحصّل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرًا على ما يصلح للحجة منها: فإنه الذي يحمد وينتفع به، وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم). \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٠٦ - ٢٠٨) طبعة الخشاب.\n(^١) والاستفهام عن الواحد قد يحسن في الشريعة أيضًا من طالب راحة أو تخفيف كما سأل ابن أم مكتوم إذا نزلت آية المجاهدين فطلب أن يخرج له عذر من عموم اللفظ الوارد. وقد كان له كفاية في غير هذه الآية في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١]. وما أشبه ذلك. وكسؤال العباس في الإذخر: فاستثني من العموم في النهي على أن يختلي خلا الحرم بمكة \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ١٠٧).\nويعني ابن حزم ما روى أحمد (٢٩٩٢) والبخاري (١١٢) ومسلم (١٣٥٥) من أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لما فتح مكة قال: \"لا يُخْتَلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد\" فقال العباس: إلا الإذخر، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ: \"إلا الإذخر\". وفي لفظ لهم: \"لا يعضد شجرها\" بدل \"لا يُخْتَلى شوكها\".\nوقد يحسن الاستفهام في العدد كقول القائل: أتاني عشرة من الناس في أمر كذا: فيقول له السامع: أعشرة؟ فيقول: نعم، وذلك نحو قول الله ﷿: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فقد كنا نعلم لو لم يذكر الله تعالى العشرة أن ثلاثاء وسبعة = عشرة. وقد كنا نعلم بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ أنها =","vol":"2","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-390>الحد الزمني للوقف:</span>\nهذا وفي خاتمة المطاف، كان لا بد من إيراد هذا السؤال الذي أحرج الواقفية؛ فقد تساءل ابن حزم عن الحد الزمني للوقف وإلى متى يكون؟ وقرر ﵀ أنهم - يعني الواقفية - إن حدّوا حدًّا كانوا متحكمين بلا دليل، وإن قالوا: حتى ننظر في دلائل القرآن والسنة سألناهم: فقلنا لهم: فإن لم تجدوا دليلًا على عموم ولا خصوص، ولم تجدوا غير اللفظ الوارد ماذا تصنعون؟ فإن قالوا: تقف أبدًا أقروا بالعصيان ومخالفة الأوامر، وأدى قولهم إلى أن الله تعالى لم يبين مراده، وأن الرسول ﷺ لم يبين ولا بلَّغ، وهذا كفر.\nوإن قالوا: إن لم نجد دليلًا على الخصوص: صرنا إلى العموم، فقد رجعوا إلى ما أنكروا، وأقروا بأنهم إنما حملوا الكلام على العموم بصيغته ولفظه، وبعدم الدليل. وهذا هو نفس قولنا الذي أبوه (^١).\nوهكذا فقد قطع الإمام ابن حزم رحلة طويلة مع الواقفية، عرضنا على القارئ بعض معالم الطريق فيها، ولئن بدا أبو محمد قاسيًا في الحكم بعض الأحيان، فهي قسوة مطلوبة حين يكون هنالك تعطيل لنصوص الشريعة ومحاولة للإتيان على بنيانها من القواعد. نقول هذا اختلاف معه - كما سيأتي - في تطبيق المبدأ على كثير من المتهمين.\nولقد كان ابن حزم - على تشعب المسالك في معركته مع الواقفية - واضحًا في بيان ما أراد، وما اعتقد أنه حق؛ فالأخذ بالعموم هو الأصل، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل (^٢).\n_________\n= عشرة لكنه تعالى ذكر \"كاملة\" كما شاء فلما صح كل ما ذكرنا وحسن الاستفهام عن اسم واحد وعن العدد وهو لا يحتمل صرفًا عن وجهة أصلًا: ولم يكن ذلك مجيزًا لوقوع الواحد على أكثر من واحد، وكذلك في العدد: لم يكن أيضًا وقوع الاستفهام في العموم مرحبًا لإسقاط حمله على العموم. \"الإحكام\" (٣/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^١) راجع: \"الإحكام\" (٣/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٢) انظر إليه بصور المذهب جوابًا عن واحد من أسئلة الواقفية حين يقول: (وسألونا أيضًا فقالوا: كيف تعتقدون في الآية والحديث قبل تفهمكم؟ فالجواب: إننا نعتقد العموم، لا بد من ذلك. =","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-391>رأينا في الموضوع:</span>\nوالذي نخلص إليه بعد الجولة الماضية بين الواقفية ومخالفيهم في الرأي، أنه ليس للواقفية فيما ذهبوا إليه سند من اللغة أو الشرع، ولذا فإنا نخالفهم في أمر الوقف، ونرى اعتقاد عموم الألفاظ في الأزمان والأعيان إلا ما قام الدليل على أنه خارج عن العموم، كما سيأتي في مذهب أرباب العموم وتأييدنا له.\nإلا أننا بعد كل الذي رأيناه من خطورة هذا المذهب والتخوف منه على النصوص، لا بد من أن نتساءل: هل كان لمذهب أرباب الوقف آثار عملية في فروع الأحكام؟\nالواقع أنا لا نرى للواقفية في فروع الفقه رأيًا أوقفوا فيه النص دون عموم أو خصوص.\nومعنى ذلك: أنها أبحاث نظرية اتخذت طريقها في مرحلة ما قبل أن يتبين لهم الدليل، والنتائج دلت على أنه قد ظهر لهم إما دليل العموم، وإما دليل الخصوص، فكانت فروغ المسائل منطبقة على هذه الأصول.\nوإلى جانب ذلك: من الممكن أن نقرر أن المحور الذي كانت تدور حوله أكثر هذه الآراء عند الواقفية: إنما هو - فيما يبدو - محور الكلام في العقائد، وليس في الأحكام التكليفية التي جاء بها القرآن وتكفلت السنة بيانها البيان الشافي في أكثر الأحيان، وإن لم يكن هذا البيان شافيًا لحكمة يعلمها الشارع: كان بيانًا ينقل الألفاظ من الإجمال إلى الإشكال، حيث يعمل الاجتهاد عمله وتساعد القرائن على الاهتداء إلى المعنى المراد.\n_________\n= إلا أننا في أول سماعنا، وقبل تفقهنا، لسنا مفتين ولا حكامًا، ولا منذرين حتى نتفقه؛ فإذا تفقهنا: حملنا حينئذ كل لفظ على ظاهره وعمومه، وحكمنا بذلك وأفتينا، وتدينا إلا ما قام عليه دليل: أنه ليس على ظاهره وعمومه، فنصير إليه، ولو أن حاكمًا أو مفتيًا لم يبلغه تخصيص ما بلغه من العموم، لكان الفرض عليهما الحكم بالذي بلغهما من العموم. وإلا فهما فاسقان حتى يبلغهما الخصوص فيصيران إليه). \"الإحكام\" (٣/ ١٠١).","vol":"2","page":39},{"text":"ومعلوم أن صاحب السنة صلوات الله عليه انتقل إلى الرفيق الأعلى، وقد أدى أمانة ربه في التبليغ والبيان، وترك الأمة على بيضاء نقية ليلها كنهارها؛ فكل ما كانت الأمة بحاجة إلى بيانه ﵊ فقد بينه فكما كان جِدَّ أمينٍ في التبليغ: كان جِدَّ أمين في البيان (^١).\nولعل مما يساعد على تقرير ما نقول: أن أكثر القائلين بالوقف، هم من علماء الكلام، وأبرز من ينسب إليهم المذهب: هم فريق من الأشاعرة وضم الغزالي إليهم القاضي - وهو هنا الجبائي - وجماعة من المتكلمين (^٢).\nأما الأشعري (^٣) نفسه: فلم يُنسب المذهب إليه بجزم؛ ذكر العضد شارح ابن الحاجب عنه، أنه مرة يقول: بالوقف، ومرة يحكم على ألفاظ العموم بالاشتراك وإن كان الاشتراك من بعض حجج الواقفية.\nوالوقف الذي نسب إلى القاضي، أوضحه الغزالي بأنا لا ندري أوضع لها أم لا؟ أو ندري أنه وضع لها ولا ندري أحقيقة منفردًا أو مشتركًا مجازًا. ولقد نأى ابن الحاجب بالمذهب عن الأحكام التكليفية حين ذكر ما قيل: أن الوقف في الأخبار دون الأمر والنهي (^٤) مع العلم أن أكثر الأحكام التكليفية مدارها على \"افعل\" \"لا تفعل\" وما هو في معناهما.\nعلى أن عدم وجود آثار عملية للمذهب وكونه - فيما يبدو - أقرب إلى\n_________\n(^١) انظر ما سلف، (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(^٢) \"المستصفى\" (٢/ ٤٦) ويلاحظ هنا: أن الذي يريده الغزالي من المتكلمين: علماء الكلام، لا الباحثون على طريقة المتكلمين في الأصول، وهم الشافعية ومن سلك نهجهم في أصول الفقه.\n(^٣) هو علي بن إسماعيل، أبو الحسن من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري، مؤسس مذهب الأشاعرة، ومن الأئمة المجتهدين، بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب، منها: \"مقالات الإسلاميين\" و\"الإبانة عن أصول الديانة\". توفي ببغداد سنة ٣٢٤ هـ.\n(^٤) \"مختصر المنتهى بشرح العضد وحاشية السعد\" (٢/ ١٠٢) وراجع الشوكاني في \"إرشاد الفحول\" (ص ١١٦) فقد ذكر تسعة مواطن للوقف حسب اختلاف أرباب المذهب، كان أكثرها يدور حول مسائل من العقيدة كالوعد والوعيد وحكم مرتكب الكبيرة … الخ.","vol":"2","page":40},{"text":"أهل الكلام، لا يعفي من تحديد معالمه وبيان مداه والاهتمام بشأن الحكم عليه؛ لأنه يحمل بين ثناياه شديد الخطر على الشريعة فيما لو خرج إلى نصوص الأحكام. وأي حاجة بنا للوقف بعد بيان من قلده الله أمانة البيان، وإعطاء حرية الاجتهاد ضمن حدود الشريعة.\nوأخيرًا إذا كان ابن حزم يرى في بعض المالكية، والحنفية، والشافعية من الفقهاء: قائلين بالوقف؛ فذلك وقف يراه هو، قد يكون ثمرة من ثمرات ظاهريته ﵀ (^١).\nوما حاول أن يلزمهم فيه من بعض المسائل، كان لا غناء فيه؛ إذ إنه لم يُقم دليلًا واحدًا على تعطيلهم نصًا واحدًا من نصوص الأحكام في كتاب أو سنة (^٢).\nفهو ينسب إليهم القول بالوقف من حيث الاتجاه، ثم يتهمهم بالتناقض لأنهم لم يكونوا واقفية في الاستنباط من بعض النصوص، ففي كتابه \"الإحكام\" يأتي بجملة من نصوص الأحكام؛ كآية قطع السارق وآية جلد الزناة، وآية التحريم بالرضاع (^٣)، وبعد بيان الأحكام التي أخذوها من هذه النصوص والتي لم يسلكوا فيها نهجه في الاستنباط: حكم عليهم بالتناقض، فقال: (تناقضوا في هذه الآيات بلا دليل فحملوا بعضها على العموم وبعضها على الخصوص، فتركوا قولهم بالوقف وحملوا على العموم ما قد صح الخصوص فيه) (^٤).\nوليت الإمام أبا محمد اكتفى بتهمة التناقض، بل نظمهم فيما بعد في سلك من جعلهم بمنزلة من قال: لما وجدت في الكلام كذبًا كثيرًا، فأنا أحمله كله على الكذب، ووجدت في الشريعة منسوخًا كثيرًا لا يحل العمل به، فأنا أحمله على أنه منسوخ، أو أقف عن العمل بجميعه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ١٠٩) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" (٣/ ١٠٩ - ١١١).\n(^٣) راجع: المصدر السابق (٣/ ١٠٩ - ١١٧) وما بعدها.\n(^٤) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ١١١) فما بعد.\n(^٥) المصدر السابق: (٣/ ١١١ - ١٢٥).","vol":"2","page":41},{"text":"إلا إننا مع ابن حزم في أن تعطيل أي نص من نصوص الأحكام ليس من الإسلام في شيء، بل هو حرب على الشريعة، ولكنا نخالفه في تحديد من هم المعطلون لنصوص الأحكام، فتهمة تعطيل النصوص: أمر في غاية الخطورة، لا نرى إلصاقه بأولئك الناس الذين كانوا في علمهم وسلوكهم وآثارهم منارات هدًى، ومعالم حق في طريق العمل بنصوص الكتاب الكريم والسنة الصحيحة، على أساس علمي سليم، يتسم بالمنهجية ورد الفروع إلى الأصول.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-392>المطلب الثالث موقف العلماء من القول بالخصوص</span>\nأما أرباب الخصوص - وهم الذين يحملون الألفاظ على بعض ما تقتضيه في اللغة دون بعض، وهو أقل قدر يُتيقن بأنه مراد -: فكان مما استدلوا به على ما ذهبوا إليه ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-393>الحجة الأولى:</span>\nلقد احتجوا ببعض النصوص كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وقوله سبحانه: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. وقوله جلَّ وعلا: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤٢].\nوذلك بأن ألفاظ العام في هذه الآيات أريد بها الخصوص.\nففي الآيتين الأولى والثانية ورد لفظ ﴿كُلّ﴾ التي يدعى أنها من الفاظ العموم.\nوفي الآية الثالثة نكرة في سياق النفي وهي كما يدعى تقيد العموم، غير أنا علمنا أن الريح لم تدمر كل شيء في العالم، وأن بلقيس لم تؤت كل شيء … وهكذا.","vol":"2","page":42},{"text":"ولكن ابن حزم لا يسلم بما فهمه أرباب الخصوص من هذه النصوص؛ فكلُّه لا حجة لهم فيه.\nففي قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لم يذكر ذلك وأمسك، بل قال: ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ وإذن فهي قد دمرت كل شيء على العموم من الأشياء التي أمر الله تعالى تدميرها؛ فصح بالنص عموم هذا اللفظ.\nوفي قوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤٢] إبطال لقولهم - كما يرى ابن حزم - لأنه إنما أخبر أنها دمرت كل شيء أتت عليه، لا كل شيء لم تأتِ عليه (^١).\nوأما قوله تعالى عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فإنما حكى تعالى مخبرًا به لنا عن علمه، أو ما حققه الله من خير من نقل إلينا خبره. وقد نقل الله تعالى إلينا أقوالًا كثيرة عن اليهود والنصارى ليست مما تصح.\nولئن جاء في الآيات على لسان سليمان ﵇ قوله سبحانه: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أم كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [النمل: ٢٧] (^٢) فإن الله جلَّ وعلا لم يخبرنا أن الهدهد صدق في كل ما ذكر؛ فلا حجة لهم في هذه الآية أصلًا.\nوفي ختام رده على احتجاجهم بهذه النصوص، وأنه أريد بها الخصوص لا العموم. أورد عليهم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ١٠٢ - ١٠٣)، وانظر: \"كشف الأسرار\" شرح المصنف على \"المنار\" (٤/ ١١٥).\n(^٢) وفي (٣/ ٩٩) من \"الإحكام\" قال: (وقد احتج عليهم - يعني أرباب الخصوص - بعض من تقدم من القائلين بالعموم فقال: ليس إلى وجود لفظ عام يراد به الخصوص: سبيل البتة إلا بدليل وارد يبين أنه منقول عن مرتبة إلى غيرها كالدليل على تخصيص قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ فصح بالنص وبالظاهر وبمقتضى اللفظ: أنها لم تدمر من الأشياء إلا ما أمرت بتدميره. وهذا لفظ خصوص لبعض الأشياء لا لفظ عموم لجميعها، لكنه عموم لما قصد به، وكذلك كل لفظ عموم أريد به الخصوص) قال: (فلما صح ذلك، بطل ما احتجوا به من وجودهم لفظًا ظاهره العموم المطلق ويراد به الخصوص).","vol":"2","page":43},{"text":"أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ [الأحقاف: ٢٦] (^١).\nوتساءل عن قوله تعالى في هذه الآية بأن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئًا أهو على عمومه؟ أم يقولون: إنها أغنت عنهم شيئًا؟ (فإن قلتم ذلك، كذبتم ربكم، وإن لم تقولوا، تركتم مذهبكم الفاسد).\nعلى أن المتتبع لآي القرآن الكريم التي ترد فيها هذه الألفاظ يرى أن الأصل هو العموم، وما أريد به الخصوص فإنما كان لدليل قام، وعلى ذلك يقول ابن حزم في أعقاب مناقشته لهم بآية السمع والأبصار والأفئدة: (ومثل هذا في القرآن كثير جدًّا، بل هو الذي لا يوجد غيره أصلًا في شيء من القرآن والكلام، إلا في مواضع بسيرة قد قام الدليل على خصوصها، ولولا قيام الدليل علي خصوصها لم يحل لأحد أن يحملها إلا على العموم، وبالله التوفيق) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-394>الحجة الثانية:</span>\nومن حججهم - كما يقول أبو محمد - أنهم قالوا: (لم نجد قط خطابًا إلا خاصًّا، لا عامًا فصح أن كل خطاب فإنما قصد به من بلغه ذلك الخطاب من العاقلين البالغين خاصة دون غيرهم).\nورد ابن حزم عليهم يقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩، …] فإن هذا لا يمكن أن يحمل على الخاص، وإلا كان الزيغ والخروج على ما جاء في الكتاب.\nأما الاحتجاج بتوجيه الخطاب إلى البالغين العاقلين العالمين بالأمر دون غيرهم: فإنما ذلك بنص وارد فيهم، إذ إن الشرع حدد مناط التكليف؛ فحيث كان الخطاب: فالمقصود به من حدَّده الشارع، فهو عموم لهؤلاء كلهم. ولم يقل أحد بأن العموم معناه أن يقصد بالخطاب العام، كل موجود\n_________\n(^١) \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ١٠٣) وانظر: شرح المصنف على \"المنار\" (١/ ١١٥).\n(^٢) \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (٣/ ٢٠٣).","vol":"2","page":44},{"text":"في العالم، وإنما المقصود من اقتضاه اللفظ الوارد، وكل ما اقتضاه الخطاب. فعلى هذا قلنا بالعموم.\nوهكذا يريد القائلون بالعموم: حملَ كل لفظ على ما يقتضي، ولو لم يقتض إلا اثنين من النوع فإن ذلك عموم لهما، لذا فإنهم ينكرون تخصيص ما اقتضاه بلا دليل، أو التوقفَ فيه بلا دليل.\nففي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] يلتزم أرباب الخصوص ألا يحرموا كثيرًا مما نكح الآباء إلا بدليل غير هذه الآية مبينٍ لكل عين في ذاتها.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] قد يلزم من مذهبهم إلا ينفذوا قتل نفس إلا بدليل.\nوقل مثل ذلك في حديث رسول الله ﷺ عن الربا في الأصناف الستة حيث يقول: \"الذهَبُ بالذهَبِ، والفِضةُ بالفِضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعير، والتمْرُ بالتمْرِ، والمِلحُ بالمِلْح، مِثلًا بمثل سواءً بسواءٍ يدًا بيد، فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصناف فبيعوا كَيْفَ شِئْتمْ إذا كان يدًا بيد\" (^١).\nفمقتضى مذهبهم ألا يعتبر الربا في كل بر، وكل شعير، وكل تمر وكل ملح، وكل ذهب، وكل فضة (^٢).\nوإذا وقفنا عند قوله ﵊: \"كلُّ مُسكر حرام\" (^٣): نرى من لازم مذهبهم عدم حمل التحريم على كل مسكر، بل على أقل ما يمكن\n_________\n(^١) الحديث بهذا اللفظ، أخرجه أحمد من رواية أبي هريرة (٩٦٣٧)، ومسلم من رواية عبادة بن الصامت (١٥٨٧).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ١٠٠).\n(^٣) الحديث رواه أحمد (٤٦٤٤) وأصحاب الكتب الستة: البخاري (٥٥٧٥)، مسلم (٢٠٠٣)، أبو داود، (٣٦٧٩)، الترمذي (١٨٦٤)، ابن ماجه (٣٣٨٧)، والنسائي (٥٥٨٢) و(٥٥٨٥). وراجع: \"منتقى الأخبار\" (١٨٠٨)، والعزيزي مع \"الجامع الصغير\" (٣/ ٨٧).","vol":"2","page":45},{"text":"أن يقع عليه التحريم، مع أن تفسير النص بشكل سليم يقضي بوجوب حمل التحريم في آية المحرمات على كل من ذكر منهن، وحمله في آية القتل علي كل نفس محرم الله قتلها إلا بالحق، إذ إن القول بالعموم يقضي بداهة بإنكار أن تُستباح نفس بلا دليل.\nكما يقضي بحمل التحريم في حديث أصناف الربا الستة: على كل واحد منها بشكل كلي، وحمله في حديث تحريم المسكر: على كل مسكر يقع تحت الكلية المطلقة الواردة في الحديث سواء أكان من العنب أم من غيره.\nولقد كان ابن حزم ﵀ على حق حين قال: (وكل من تعدى هذا فقد أبطل حكم اللغة، وحكم العقل، وحكم الديانة).\nوهكذا يمكن أن يظهر عوار مذهب أرباب الخصوص، حين يلزمهم ابن حزم في التحليل أو التحريم أن يفتشوا - لكل عين في ذاتها - عن دليل جديد (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-395>الحجة الثالثة:</span>\nوقال أرباب الخصوص: إن الخصوص هو القدر المستيقن دخوله تحت هذه الألفاظ، لأنها إن كانت موضوعة له: فهو المراد، وإن كانت للعموم: كان هذا القدر داخلًا في المراد. فعلى كلا التقديرين يلزم ثبوت أقل الجمع.\nفلفظ \"الفقراء والمساكين\" مثلًا ينزل على أقل الجميع، أما الباقي فمشكوك فيه، ولا سبيل إلى إثبات حكم في الشك.\n_________\n(^١) راجع: \"إحكام ابن حزم\" (٣/ ١٠٠)، وانظر للرد على أرباب الخصوص أيضًا: \"الإحكام\" (٣/ ١١٦ - ١٢٤) هذا: ويلاحظ أن ابن حزم يكرر كثيرًا ويؤكد قوله: (لم ننكر - تجنيًا - تخصيص العموم بدليل نص آخر، أو ضرورةِ حسّ، وإنما أنكرنا تخصيصه بلا دليل).","vol":"2","page":46},{"text":"وهكذا يكون جعل هذه الألفاظ حقيقة للخصوص المتيقن أولى من جعلها للعموم المشكوك فيه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-396>فساد وتناقض:</span>\nونحن مع الإمام الغزالي في حكمه بفساد هذا الاستدلال، وتناقضه. أما الفساد: فلأن كون هذا القدر الذي يعنونه مستيقنًا، لا يدل على كونه مجازًا في الباقي، وكون الفعل الواحد مستيقنًا في الأمر لا يوجب كونه مجازًا في التكرار.\nوأما التناقض: فلأن قولهم: إن الثلاثة هو المفهوم فقط يناقض قولهم: الباقي مشكوك فيه؛ لأنه إن كان هو المفهوم فقط: فالباقي غير داخل قطعًا، وإن كانوا شاكين في الباقي: فقد شكوا في نفس المسألة؛ فإن الخلاف قائم في الباقي، وأخطأوا في قولهم: إن الثلاثة مفهوم فقط (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-397>موقف الشيخ الخضري </span>(^٣):\nوقد ذهب الخضري ﵀ إلى تفسير كلام الغزالي بأنه عودة إلى مذهب أرباب الوقف (^٤). وله في رأينا أن يقول ذلك على ضوء مذهب الغزالي\n_________\n(^١) \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٤٥).\n(^٢) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٤٥ - ٤٦).\n(^٣) هو محمد بن عفيفي الباجوري المعروف بالشيخ الخضري من علماء الشريعة الإسلامية والأدب وتاريخ الإسلام. تولى التدريس بمدرسة القضاء الشرعي مدة ١٢ سنة ثم كان أستاذًا للتاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية. له كثير من المصنفات. منها: \"أصول الفقه\"، \"تاريخ التشريع الإسلامي\"، \"نور اليقين في سيرة سيد المرسلين\"، و\"نقد كتاب: في الشعر الجاهلي\" لطه حسين. توفي ﵀ في القاهرة ودفن بها سنة ١٣٤٥ هـ.\n(^٤) \"أصول الفقه\" للشيخ الخضري (ص ١٨٤).","vol":"2","page":47},{"text":"القائل بالعموم. غير أن ذلك لا يجعلنا من القائلين بالوقف بعد أن أثبتنا رأينا في هذا المذهب من قبل، فنحن نوافق الغزالي بأن كلام أرباب الخصوص في هذه الحجة الثالثة يحمل الفساد والتناقض.\nعلى أن النسبة بين أرباب الخصوص وأرباب الوقف معروفة؛ حتى عُدُّوا عند كثيرين - كما أسلفنا من قبل - فريقًا منهم (^١).\nأما صاحب \"التلويح\": فقد رد على هذا الاستدلال من قبل أرباب الخصوص بأمرين:\nالأول: أن في حمل لفظ العموم على أقل الجمع، إثبات اللغة بالترجيح، وذلك لا يجوز؛ لأن اللغة لا تثبت إلا بالنقل كما هو معلوم، ونحن من وراء اللغة في أمثال هذه الأمور.\nالثاني: لو سلم هذا: فإن حمل هذه الألفاظ على العموم، أحوط؛ لاحتمال أن يراد بها العموم، فلو حملناها على أقل الجمع: أضعنا غير هذا الجمع مما يدخل في العموم، وذلك يؤدي إلى مخالفة الأمر، وعدم الخروج من العهدة عند العمل؛ فالأخذ بالحيطة أولى حتى إذا قام دليل الخصوص جنحنا إليه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-398>الحجة الرابعة:</span>\nواستدل أرباب الخصوص بما اشتهر عند العلماء (^٣) حتى صار مثلًا قولهم: (ما من عام إلا وقد خص منه) والظاهر أنه للأغلب حقيقة، وفي الأقل مجاز تقليلًا للمجاز.\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٤٨). وانظر ما سلف (٢/ ٢٤) فما بعدها.\n(^٢) انظر: \"التلويح\" مع \"التوضيح\" (١/ ٣٩) ابن الحاجب \"بشرح العضد\" (١/ ٢١٨).\n(^٣) راجع: \"حاشية المرآة\" للإزميري (١/ ٣٥٠).","vol":"2","page":48},{"text":"وأجيب عن هذا: بأن الحاجة إلى دليل مخصص عند إرادة التخصيص، في أنها للعموم، ولا تحمل على الخصوص إلا بدليل؛ وهو دليل المجاز في الخصوص، والحقيقة في العموم.\nثم إن ظهور كونها حقيقة للأغلب، الأمر المفهوم من كلمة: (ما من عام إلا وقد خص منه) إنما يكون عند عدم الدليل على أنه للأقل. وقد توافرت الأدلة - كما سيأتي - أن الخروج من العموم إلى الخصوص لم يكن إلا بدليل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-399>رأينا في مذهب الوقف والخصوص:</span>\nوالذي نراه في القول بالوقف أو الخصوص (^٢)، أنه مذهب يحمل في ثناياه عوامل الحكم عليه. وقد حكم عليه فعلًا بالانهزام فلا أثر له في فروع الفقه وأقوال الفقهاء، وإنما ميدانه علم الكلام.\nوحسبك أنه - كما تقدم - قد يؤدي لو عمل به إلى تعطيل بعض الأحكام عند الاستنباط من النصوص.\nثم إنه - والحق يقال - مجانب لما عليه العرب في لغتهم ومفهوم الخطاب فيها. ونصوص الكتاب والسنة - وهي عربية من لسان عربي مبين - لا بد في فهمها من إدراك مدلولات الألفاظ في اللغة، ونحن من وراثها ما دام لم يثبت لدينا اسم عربي شرعي جديد.\nوقد رأينا في صدر هذا المبحث أن للعام عند العرب صيغًا تدل عليه، وسيأتي تفصيل ذلك، وجاءت خطابات الشارع عامة، إلا ما قام الدليل على خروجه عن العموم.\n_________\n(^١) راجع: \"المرأة\" مع \"حاشية الإزميري\" (١/ ٣٥٠) فما بعدها.\n(^٢) سواء في ذلك أاعتبرناهما مذهبين أم اعتبرنا القائلين بالخصوص فرقة من الواقفية.","vol":"2","page":49},{"text":"وعلى أية حال: يكفي أن يتنكب القائلون بالوقف أو الخصوص، طريق اللغة وعرف الشرع، ليكون مذهبهم غير ذي موضوع.\nعلى أنا نعتقد - كما أسلفنا - أنه انهزم في معترك الاستنباط، فلم يكن له أي أثر عملي. وفي كتب الأحكام وآثار الأئمة خير دليل لما نقول.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-400>المطلب الرابع موقف أرباب العموم</span>\nاستدل القائلون بالعموم - وهم الجمهور - على مذهبهم بنوعين من الأدلة: عقلية ونقلية - ونعرض فيما يلي للعقلية ثم للنقلية.\n\n<span data-type='title' id=toc-401>أولًا: الاستدلال العقلي:</span>\nكان للأئمة في الاستدلال العقلي لهذا المذهب مسالك نعرض لنماذج منها فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-402>مسلك ابن حزم:</span>\nيرى ابن حزم في كتابه \"الإحكام\": أن اللغة إنما وضعت ليقع بها التفاهم: فلا بد لكل معنى من اسم يختص به فلا بد لعموم الأجناس من اسم، ولعموم كل نوع من اسم، وهكذا أبدًا إلى أن يكون لكل شخص اسمه. وبعد أن اتهم ابن حزم المخالفين لذلك بالسفسطة قال:\n(ولا فرق بين الأخبار والأوامر في كل ذلك، وكل اسم فهو يقتضي عموم ما يقع تحته، ولا يتعدى إلى غير ما يقع تحته، والوعد والوعيد في كل ذلك كسائر الخطاب ولا فرق) (^١). ثم قال: (والحديث والقرآن كله كلفظة واحدة، فلا يحكم بآية دون أخرى، ولا بحديث دون آخر، بل يضم\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" (٣/ ١١٨).","vol":"2","page":50},{"text":"كل ذلك بعضُه إلى بعض، إذ ليس بعض ذلك أولى بالإيقاع من بعض، ومن قال غير هذا فقد تحكم بلا دليل) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-403>مسلك الشيرازي:</span>\nأما أبو إسحاق الشيرازي: فقد استدل على أن للعموم صيغة بأن العرب فرقت بين الواحد والاثنين والثلاثة فقالوا: رجل، ورجلان، ورجال، كما فرقت بين الأعيان في الأسماء فقالوا: رجل، وفرس، وحمار؛ فلو كان احتمال لفظ الجميع للواحد والاثنين كاحتماله لما زاد، لم يكن لهذا التفريق معنى. ثم إن العموم مما تدعو الحاجة إليه في مخاطباتهم، فلا بد أن يكونوا قد وضعوا له لفظًا يدل عليه كما وضعوا لكل ما يحتاجون إليه من الأعيان (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-404>مسلك البزدوي:</span>\nوكذلك يرى البزدوي أن معنى العموم مقصود بين الناس شرعًا وعرفًا؛ فلا بد أن يكون له لفظ موضوع مختص به كسائر المقاصد، إذ الألفاظ لا تقصَّر عن المعاني التي يقصد بها تفهيم الغير (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-405>مسلك السرخسي:</span>\nأما السرخسي: فقد قرر في أصوله (أن موجب العمل بالعام قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]. والاتباع لفظ خاص في اللغة بمعنى معلوم، وفي المُنزَل عام وخاص؛ فيجب بهذا الخاص اتباع جميع المنزل، والاتباع إنما يكون بالاعتقاد والعمل به وليس في التوقف اتباع للمنزل، فعرفنا أن العمل واجب في جميع ما أنزل على ما أوجبه صيغة الكلام إلا ما يظهر نسخه بدليل (^٤).\n_________\n(^١) راجع \"الإحكام\" (٣/ ١١٨).\n(^٢) راجع: \"اللمع\" للشيرازي (ص ١٥).\n(^٣) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٣٠١).\n(^٤) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٥).","vol":"2","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-406>مسلك الغزالي:</span>\nوقد أورد الغزالي جملة من أدلة أرباب العموم العقلية، ونقدها جميعًا بإيراد العديد من الاعتراضات (^١).\nومن أهم هذه الأدلة: ما رأيناه آنفًا من أن أهل اللغة قد عقلوا معنى العموم واستغراق الجنس واحتاجوا إليه، فلا بد أنهم وضعوا له صيغة ولفظًا، نظير وضعهم أسماء للأعداد، والأنواع والأشخاص، والأجناس التي عقلوها لحاجتهم إليها.\nوأورد على هذا الدليل اعتراضات أهمها: أن هذا قياس واستدلال في اللغة، واللغة كتبت توقيفًا ونقلًا، لا قياسًا واستدلالًا، بل هي كسنن الرسول ﵊.\nثم: إذا سُلّم أن ذلك واجب في الحكمة، فمن أين لواضعي اللغة أن يكونوا معصومين من الخطأ، حتى لا يخالفوا الحكمة في وضعها، وهم في حكم من يترك ما لا تقتضي الحكمةُ تركَه (^٢)؟\nعلى أن الإمام الغزالي الذي تناول أدلة أرباب العموم بالنقد: تبنى مذهب العموم وسلك سبيلًا اعتبرها الطريق المختار عنده لإثبات ذلك العموم.\nالأمر الذي دل على أن الغزالي لا ينقد المذهب نفسه، وإنما ينقد الطرق التي اختارها أرباب العموم للاستدلال على صحة المذهب.\nوالطريق المختارة عنده في إثبات العموم، تقوم على أن صيغ العموم محتاجٌ إليها في جميع اللغات: لا في لغة العرب وحدها، فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق، فلا يضعوها مع الحاجة إليها. واستدل على هذا الوضع بأمور أربعة (^٣) هي:\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٤٨) مع \"مسلم الثبوت\".\n(^٢) \"المستصفى\" (٢/ ٤٨) فما بعدها.\n(^٣) اعتبرها الشيخ الخضري ﵀ ثلاثة إذ جعل الأول والثاني واحدًا مع أن الغزالي صرح باعتبارها أربعة. انظر: (ص ١٨٣) من كتابه \"أصول الفقه\" الطبعة الأولى.","vol":"2","page":52},{"text":"١ - الاعتراض على من عصى الأمر العام.\n٢ - وسقوط الاعتراض عمن أطاع.\n٣ - ولزوم النقض والخلف عن الخبر العام.\n٤ - وجواز بناء الاستحلال على المحللات العامة.\nأما عن الأمرين الأول والثاني: فقد قرر الغزالي أن السيد إذا قال لعبده: من دخل اليوم داري فأعطه درهمًا أو رغيفًا، فأعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه، فإن عاتبه في إعطائه واحدًا من الداخلين مثلًا وقال: لم أعطيت هذا من جملتهم وهو قصير، وإنما أردت الطوال، أو هو أسود وإنما أردت البيض؟ فللعبد أن يقول: ما أمرتني بإعطاء الطوال ولا البيض، بل بإعطاء من دخل، وهذا دخل، فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام في اللغات كلها: رأوا اعتراض السيد ساقطًا وعُذْرَ العبد متوجهًا، وقالوا للسيد: أنت أسرته بإعطاء من دخل، وهذا قد دخل.\nولو أنه أعطى الجميع إلا واحدًا، فعاتبه السيد وقال: لم لم تعطه؟ فقال العبد: لأن هذا طويل. أو أبيض وكان لفظك عامًا فقلت: لعلك أردت القصار أو السود، استوجب التأديب بهذا الكلام وقيل له: ما لك وللنظر إلى الطول واللون، وقد أمرت بإعطاء الداخل؟ فهذا معنى سقوط الاعتراض عن المطيع، وتوجهه على العاصي (^١).\nوأما لزوم النقض والخُلف عن الخبر العام: فيتضح فيما لو قال: ما رأيت اليوم أحدًا، وكان قد رأى جماعة، كان كلامه خلفًا منقوضًا وكذبًا؛ فإن قال: أردت أحدًا غير تلك الجماعة: كان مستنكرًا، وهذه النكرة من صيغ الجمع، فإن النكرة في النفي تعم عند القائلين بالعموم.\nوحين قال اليهود: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٤٨) فما بعد.","vol":"2","page":53},{"text":"أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] (^١) وإنما أورد هذا نقضًا على كلامهم، ولو لم يكن عامًا، لما ورد النقض عليهم، فإن هم أرادوا غير موسى: فَلِمَ لزم دخول موسى تحت اسم البشر (^٢).\nأما الاستحلال بالعموم: فإذا قال الرجل: أعتقت عبيدي وإمائي ومات عقيب قوله: جاز لمن سمعه أن يزوج من أي عبيده شاء، ويتزوج من أي جواريه شاء بغير رضا الورثة. وإذا قال: العبيد الذين هم في يدي: مِلكٌ لفلان، كان ذلك إقرارًا محكومًا به في الجميع. وبناء الأحكام على أمثال هذه العمومات في جميع اللغات لا ينحصر.\nولا خلاف في أنه لو قال: أنفق على عبدي غانم، أو على زوجتي زينب، أو قال: غانم حر، وزينب طالق، وله عبدان: اسمهما غانم، وزوجتان اسمهما زينب، فتجب المراجعة والاستفهام؛ لأنه أتى باسم مشترك غير مفهوم.\nفإن كان لفظ العموم فيما وراء أقل الجمع مشتركًا: فينبغي أن يجب التوقف على العبد إذا أعطى ثلاثة ممن دخل الدار، وينبغي أن يراجع الباقي، وليس كذلك عند العقلاء كلهم في اللغات كلها (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-407>دعوى القرائن ورد الغزالي عليها:</span>\nولقد أتى الغزالي بما قد يرد من أن العموم فيما تقدم إنما كان بالقرائن.\nوأجاب عن ذلك حيث قال:\n(فإن قيل: إن سلم لكم ما ذكرتموه: فإنما يسلم بسبب القرائن لا بمجرد اللفظ، فإن عريَ من القرائن: فلا يسلم. قلنا كل قرينة قدرتموها: فعلينا أن نقدر نفيها ويبقى حكم الاعتراض والنقض كما سبق، فإن غايتهم\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٣٤).\n(^٢) \"المستصفى\" (٢/ ٤٩).\n(^٣) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٤٩ - ٥٠)، وانظر: \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني (ص ١١) بتحقيق المؤلف.","vol":"2","page":54},{"text":"أن يقولوا: إذا قال: أنفق على عبيدي وجواري في غيبتي كان مطيعًا بالإنفاق على الجميع، لأجل قرينة الحاجة إلى النفقة، أو أعط من دخل داري فهو بقرينة إكرام الزائر.\nفهذا وما يجري مجراه إذا قدروه، فسبيلنا أن نقدر أضدادها، فإنه لو قال: لا تنفق على عبيدي وزوجاتي كان عاصيًا بالإنفاق، مطيعًا. بالتضييع ولو قال: اضربهم لم يكن عليه أن يقتصر على ثلاثة، بل إذا ضرب جميعهم: عُدَّ مطيعًا، ولو قال: من دخل داري فخذ منه شيئًا: بقي العموم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-408>مسلك ابن الحاجب:</span>\nأما ابن الحاجب: فقام استدلاله على أن العموم معنى ظاهر يعقله الأكثر، والحاجة ماسة إلى التعبير، فوجب وضع ألفاظ تدل على عادة كثير من المعاني التي وضعت لها ألفاظ تدل عليها لظهورها، والحاجة إلى التعبير عنها مما لا يحصى؛ كالواحد والاثنين والخبر والاستخبارات.\nوكان ابن الحاجب وهو يثبت أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، قد قرر أن للعموم صيغة وذلك في قوله: (فالنكرة في النفي للعموم حقيقة، فللعموم صيغة) (^٢).\nوجاء الشوكاني من المتأخرين، فاعتبر كلام ابن الحاجب في أثر الاستدلال على عموم النكترة الواردة في سياق النفي: دليلًا من أدلة أرباب العموم العقلية.\nفبعد أن أورد الدليل الأول الذي جاء به ابن الحاجب والذي تابعه فيه من تابعه قال: (واحتجوا أيضًا بأن السيد إذا قال لعبده: لا تضرب أحدًا:\n_________\n(^١) \"المستصفى\" (٢/ ٥٠)، وانظر: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٠١).\n(^٢) \"مختصر المنتهى بشرح العضد\" (١/ ٢١٦ - ٢١٧).","vol":"2","page":55},{"text":"فهم منه العموم، حتى لو ضرب واحدًا عُدَّ مخالفًا، والتبادر دليل الحقيقة، والنكرة في النفي للعموم حقيقة، فللعموم صيغة) (^١).\nوإذا قارنا بين كلام الشوكاني وما ذكره ابن الحاجب - فيما ألمحنا إليه - عن النكرة: رأيناه يأتي بكلام ابن الحاجب تمامًا ويعتبره دليلًا مستقلًا إلى جانب الدليل الأول الذي جاء به القوم، والذي يقوم على أن العموم معنى ظاهر يعقله الأكثر، والحاجة ماسة إلى التعبير عنه.\nوالراجح عندنا: أن الشوكاني قد تجوّز حين اعتبره دليلًا مستقلًا ونسبه إليهم، مع أنهم قد اعتمدوا الدليل الأول، كما سنرى عند من تأخروا تاريخيًا عن ابن الحاجب.\nوإذا كنا نريد اعتبار الكلام عن أحد أدوات العموم دليلًا قائمًا بنفسه لأرباب العموم، فهذا يمكن أن يقال في كل صيغة من صيغ العموم وأدواته.\n\n<span data-type='title' id=toc-409>موقف العلماء من دليل ابن الحاجب:</span>\nأ - لقد جاء العضد في شرحه لـ \"مختصر ابن الحاجب\": على هذا الدليل وأجاب عنه بأنه قد يستغنى عن الوضع للمسوم خاصة، بالمجاز والمشترك فلا يكون ظاهرًا في العموم، وذلك كخصوص الروائح والطعوم، استُغنيَ فيها عن الوضع بالتقييد بالإضافة، نحو رائحة العود والمسك، ولم يؤد ذلك إلى إهماله (^٢).\nب - أما صدر الشريعة فقد أورد في توضيحه وتنقيحه هذا الدليل ولكن التفتازاني لم يسلم له ذلك وجاء عليه باعتراضين:\nأولهما: ما رأيناه عند العضد من الاستغناء عن الوضع بالمجاز والمشترك (^٣).\n_________\n(^١) \"إرشاد الفحول\"، ص ١١٥.\n(^٢) \"شرح العضد لمختصر المنتهى\": (١/ ٢١٧).\n(^٣) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٣٩).","vol":"2","page":56},{"text":"وأما الثاني: فهو أن في هذا الدليل إثبات الوضع بالقياس، واللغة لا تثبت بالقياس (^١) وذلك ما رأيناه عند الغزالي (^٢).\nونحن نميل إلى ما ذهب إليه صاحب \"التلويح\" من أن ما استدل به ابن الحاجب جنوح إلى إثبات اللغة بالقياس، وليس من حقنا أن نتحكم في وضع اللغة، وإنما نتلقاها سماعًا كما نطق بها أربابها واعتبروا مدلولات كلماتها في الخطاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-410>ما نراه في هذه النقطة:</span>\nإني - على رأي لي في الاستدلال العقلي لهذه النقطة - أميل إلى ما ذهب إليه ابن حزم والبزدوي والغزالي وغيرهم بأن اللغة إنما وضعت ليقع بها التفاهم، فلا بد لكل معنىً من اسم يختص به، فلا بد لعموم الأجناس من اسم، ولعموم كل نوع من اسم، وهكذا أبدًا إلى أن يكون لكل شخص اسمه (^٣).\nوبذلك يمكن تفادي ما ورد من اعتراض على ما جاء به أولئك المستدلون، ولعلنا لا نغالي إذا وقفنا مع الإمام أبي محمد في أن عدم القول بالعموم على الأساس المذكور: عكس للأمور على وجهها وإفسادٌ للحقائق.\n\n<span data-type='title' id=toc-411>ثانيًا: الاستدلال النقلي:</span>\nإذا كنا لا ننكر أهمية الاستدلال العقلي في هذا المضمار: فإن النقل هنا عن سلف هذه الأمة بعد نبيها صلوات الله وسلامه عليه أبلغ في وأقوى في الاحتجاج.\n_________\n(^١) \"التلويح\" (١/ ٣٩).\n(^٢) راجع ما سلف (٢/ ٥٢) فما بعدها.\n(^٣) انظر ما سلف (٢/ ٥٠) فما بعد.","vol":"2","page":57},{"text":"ومن هنا كانت عمدة أرباب العموم في الاستدلال على ما ذهبوا إليه من القول بالعموم وعدم العدول عنه إلا بدليل، ما ظهر من الاستدلال بالعموم عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة ﵃ على وجه لا يمكن إنكاره.\nفقد أجرى الصحابة ألفاظ الكتاب والسنة - وهم أهل اللغة والآخذون عن المبيِّن ﵊ على العموم، إلا ما دل الدليل على تخصيصه. ولقد ثبت أنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص، لا دليل العموم (^١) فعلوا ذلك والرسول صلوات الله عليه بين ظهرانيهم يفقههم ويبين لهم، ويسلك بهم سبيل الفهم السليم لكتاب الله ﷿. وبيان ذلك فيما يلي:\n١ - روى أبو جعفر الطبري في \"تفسيره\" عن أبي هريرة قال: (خرج رسول الله ﷺ على أُبيّ (^٢) وهو يصلي فدعاه: \"أي أبي\" فالتفت إليه أُبي ولم يجبه. ثم أن أُبيًا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك أي رسول الله! قال: \"وعليك، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ \" فقال: يا رسول الله كنت أصلي، قال: \"أفلم تجد فيما أوحي إليّ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟ \" قال: بلى، يا رسول الله! لا أعود) (^٣).\nففي توجيه الرسول أخذ بالعموم إذ إن أُبيًا واحدٌ ممن وجه إليهم الخطاب.\n٢ - وأخرج البخاري في باب \"الخيل الثلاثة\" من كتاب الجهاد عن أبي هريرة من حديث طويل جاء في آخره: فسئل رسول الله ﷺ عن الحمر\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري \"شرح أصول البزدوي\" (١/ ٣٠٣).\n(^٢) هو الصحابي الجليل أُبي بن كعب بن قيس الأنصاري البخاري أبو المنذر، سيد القراء كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وأخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم، مات ﵁ في خلافة عثمان ﵁ سنة ٣٠ هـ. \"الاستيعاب\" (١/ ٣٠)، \"الإصابة\" (١/ ٣١).\n(^٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٤٦٦).","vol":"2","page":58},{"text":"الأهلية، فقال: \"ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٨].\nوفي رواية له قال: \"سئل النبي ﷺ عن الحُمر فقال: \"لم ينزل عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] \" (^١).\nفاستدل رسول الله ﷺ بعموم ﴿مَنْ﴾ لما لم يذكر له حكم، لأن السائل سأل عن صدقة الحُمُر الأهلية، وليس لها حكم خاص (^٢).\nفعلمنا ﷺ استنباط الحكم من العموم، فيما ليس له حكم نصًا (^٣).\nأما أخذ الصحابة ومن بعدهم من الأئمة بالعموم: فهو ثابت متوارث.\n١ - فحين اختلف الصِّديق أبو بكر مع الصحابة في قتال مانعي الزكاة استدل عمر - كما يقول الآمدي (^٤) - بقوله ﵊: \"أمرت أن\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥/ ١٧٥ - ١٧٦)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ٢٣٠).\n(^٢) قال ابن حجر: (والمراد أن الآية دلته على أن من عمل في اقتناء الحمر طاعة، رأى ثواب ذلك، وأن من عمل معصية رأى عقاب ذلك، قال ابن بطال: فيه تعليم الاستنباط والقياس، لأنه شبه ما لم يذكر الله حكمه في كتابه - وهو الحمر - بما ذكره من عمل مثقال ذرة من خير أو شر. إذ كان معناهما واحدًا، قال: وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا فهم له عنده.\nوتعقب ابن المنيّر بأن هذا ليس من القياس في شيء، وإنما هو استدلال بالعموم، وإثبات لصيغته، خلافًا لمن أنكر أو وقف. وفيه تحقيق لإثبات العمل بظواهر العموم، وأنها ملزمة، حتى يدل دليل التخصيص، وفيه إشارة إلى الفرق بين الحكم الخاص المنصوص، والعام الظاهر، وأن المظاهر دون المنصوص في الدلالة)، \"فتح الباري\" (٦/ ٤٣).\n(^٣) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (ص ١/ ٣٠١)، \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٥)، \"الفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية\" لمحمود حمزة (ص ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(^٤) \"الإحكام\" (٢/ ٢٩٥)، وانظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٥).","vol":"2","page":59},{"text":"أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" وهو عام (^١). ثم استدل أبو بكر لما ذهب إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة] فرجعوا إلى قوله وهذا عام أيضًا.\nوفي رواية أن أبا بكر عدل إلى التعليق بالاستثناء وهو قوله ﷺ: \"إلا بحقها\" فدل على أن لفظ الجمع المعرف: للعموم.\n٢ - وحين امتنع أبو بكر ﵁ من توريث فاطمة ﵂ من أبيها ﵊ مع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] احتج بقوله ﷺ: \"لا نورث ما تركناه صدقة\" (^٢).\nوقد كان من فاطمة وعدد من الصحابة تساؤل عن وجود هذا الحديث، ليكون مخصصًا لعموم آية الميراث؛ الأمر الذي دل على فهمهم الطبيعي للعموم من نصوص الأحكام التي وردت بلغتهم.\n٣ - ومنها احتجاج عبد الله بن مسعود على علي ﵄ في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، إذ قال علي: إنها تعتد بأبعد الأجلين أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾\n_________\n(^١) الحديث رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.\n(^٢) الحديث أخرجه أحمد (٩) و(٣٤٩) و(٢٥٦٣٨) والشيخان -: البخاري (١٧٢٨) ومسلم (١٧٥٧) - عن عدد من الصحابة غير أبي بكر، فمن عمر أنه قال لعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد وعلي والعباس: (أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \"لا نورث ما تركناه صدقة؟ \" قالوا: نعم). وعن عائشة: (أن أزواج النبي ﷺ حين توفي، أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قال النبي ﷺ: \"لا نورث ما تركناه صدقة؟ \"). وروى أحمد والترمذي وصححه عن أبي هريرة: (أن فاطمة ﵂ قالت لأبي بكر: من يرثك إذا مت؟ قال: ولدي وأهلي، قالت: فما لنا لا نرث النبي ﷺ؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"إن النبي لا يورث\" ولكن أعول من كان رسول الله ﷺ يعول، وأنفق على من كان رسول الله ﷺ ينفق). راجع: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ٨١ - ٨٢).","vol":"2","page":60},{"text":"[الطلاق: ٢] أي: عدتُهن وضع حملهن، وهذا يقتضي أنها تعتد بوضع الحمل، والتاريخ غير معلوم، فوجب القول بأبعد الأجلين احتياطًا.\nوذهب ابن مسعود إلى أنها تعتد يوضع الحمل لا غير؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ متأخر في النزول عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ الآية [البقرة] وذلك قوله: (أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة، لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^١) ويعني بسورة النساء القصرى سورة الطلاق حيث نزلت بعد سورة البقرة. والمراد - كما قال ابن حجر - بعض كل؛ فمن البقرة قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ومن الطلاق قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾).\nووجه الاستدلال بهذه الواقعة على العموم، يراه البزدوي والسرخسي في أن ابن مسعود ﵁ استدل بالعام في قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ على أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل لا غير، وجعل الخاص في عدة المتوفى عنها زوجها منسوخًا بهذا العام في حق الحامل (^٢).\n_________\n(^١) الحديث بهذا اللفظ رواه البخاري والنسائي، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ: \"من شاء لاعنته. . .\" بعد أن بلغه أن عليًا يقول: تعتد آخر الأجلين.\nانظر: \"صحيح البخاري\" في تفسير سورة البقرة (٦/ ٢٩) وفي تفسير سورة الطلاق (٦/ ١٥٦)، \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٢٩٠ - ٢٩١)، \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\" لابن حجر (٨/ ١٤٤، ٥٠٢، ٥٠٣)، \"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ٢٥٦)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٦/ ٣٠٤) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٣٠١ - ٣٠٣)، \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٦).\nهذا: والتناسخ بين الآيتين هو ما يوجبه ظاهر كلام عبد الله بن مسعود لأول وهلة.\nولكن أكثر العلماء على خلاف ذلك. قال الخطابي: (فظاهر كلامه - يعني ابن =","vol":"2","page":61},{"text":"ويرى عبد العزيز البخاري شارح \"أصول البزدوي\" أن كلًّا من النصين في سورة البقرة، وسورة الطلاق، عام من وجه، خاص من وجه.\nفقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ عام من حيث إنه يتناول المتوفى عنها زوجها، وغيرها.\nوخاص من حيث إنه لا يتناوله إلا أولاتِ الأحمال.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ خاص بالنسبة إلى الأول، من حيث إنه لا يتناول إلا المتوفى عنها زوجها. عام من حيث إنه يتناول المتوفى عنها زوجها، حاملًا كانت أو غير حامل. فنسخ قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ بعمومه حكم هذا النص الخاص النسبي في حق الحامل، لكونه متأخرًا عنه (^١).\nوهكذا نرى أن كل واحد من علي وابن مسعود ﵄ عمل بالعموم كما هو موجب الصيغة. إلا أن أحدهما جمع بين النصين لعدم علمه بالتاريخ، والآخر عمل بالمتأخر لمعرفته به.\nهذا والذي رأيناه من مذهب ابن مسعود: هو ما ذهب إليه الجمهور،\n_________\n= مسعود - يدل على أنه حمله على النسخ فذهب إلى أن ما في سورة الطلاق ناسخ لما في سورة البقرة، وعامة العلماء لا يحملونه على النسخ، بلى يرتبون إحدى الآيتين على الأخرى، فيجعلون التي في سورة البقرة في عدة الحوائل وهذه في الحوامل) ومن هنا أوّل ابن حجر كلام ابن مسعود بأنه: إن كان هناك نسخ فالمتأخر هو الناسخ، وبعد هذا التأويل قال: (وإلا فالتحقيق أن لا نسخ هناك بل عموم آية البقرة مخصوص بآية الطلاق). انظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٢٩٠ - ٢٩١)، \"فتح الباري\" (٨/ ٥٠٢).\nقلت: وبين الحنفية وغيرهم اختلاف في الاصطلاح حول معنى التخصيص، فالتخصيص عند الحنفية - كما سيأتي - لا بد أن يكون بدليل مستقل مقترن، ولا يشترط غيرهم الاقتران. ومن هنا: كان ما يسميه غير الحنفية تخصيصًا في بعض الأحيان: يسميه الحنفية نسخًا.\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار شرح البزدوي\" (١/ ٣٠٢): \"كشف الأسرار\" مع \"شرح المنار\" للنسفي (١/ ١١٥ - ١١٦).","vol":"2","page":62},{"text":"وهو الراجح عندنا: فأبسط ما يدرك لغة: أن النص في سورة البقرة ظاهره العموم، وأن كل من مات عنها زوجها تكون عدتها أربعة أشهر وعشرًا، ولكن النص في سورة الطلاق ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ …﴾ أخرج الحامل المتوفى عنها زوجها من العموم، فصرف العام عن عمومه، وهو التخصيص، أما العمل بالنصين معًا جمعًا بين العام والخاص على هذه الصفة: فلا يناسب - بعد معرفة التاريخ بين النصين - قوانين اللغة ولا قواعد الشرع (^١).\n٤ - ولما نزل قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] سمع بذلك عبد الله بن أم مكتوم، وكان ضرير البصر فأتى رسول الله ﷺ وشكا ضرارته وقال: يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت، فنزل قوله جلَّ وعلا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٢). وهكذا عقل ابن أم مكتوم بعربيته وإدراك معاني ألفاظها، عموم لفظ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ وخشي على نفسه إن لم يجاهد، حتى جاءت الرخصة بقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ حيث خروج هؤلاء من العموم الذي أفاده لفظ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) قال الشوكاني في \"فتح القدير\": (والحق ما قاله الجمهور، والجمع بين العام والخاص على هذه الصفة لا يناسب قوانين اللغة ولا قواعد الشرع، ولا معنى لإخراج الخاص من بين أفراد العام إلا بيان أن حكمه مغاير تحكم العام ومخالف له. وقد صح عنه ﷺ أنه أذن لسبيعة الأسلمية أن تتزوج بعد الوضع والتربص الثاني، والتصبر عن النكاح) تفسير \"فتح القدير\" (١/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(^٢) والحديث رواه عن ابن عباس الطبري في \"التفسير\"، وقد رواه البخاري (٤٥٩٢) ومسلم (١٨٩٨) والترمذي (١٦٧٠) والنسائي (٣١٠١) وغيرهم بألفاظ مختلفة، وفي لفظ للبخاري من رواية البراء بن عازب ﵁ أنه (لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ: \"ادعوا فلانًا\"، فجاء ومعه الدواة واللوح، أو الكتف، فقال: اكتب: \"لا يستوي المقاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله\" وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله أنا ضرير، فنزلت مكانها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. انظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ٨٧ - ٩٣)، \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\" (٨/ ٢٥٩ - ٢٦٠).","vol":"2","page":63},{"text":"٥ - ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء] قال ابن الزبعري من الكفار: أنا أخصم لكم محمدًا، فجاء وقال: أليس عُبِدَ الملائكةُ وعُبِدَ المسيح؟ فيجب أن يكونوا من حصب جهنم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء] تنبيهًا على صرف العام عن شموله لبعض أفراده بالتخصيص، ولم ينكر النبي ﷺ ولا أصحابه تعلقه بعموم الآية (^١).\n٦ - كذلك لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه، فبين لهم النبي ﷺ أن الظلم المراد بالآية هو الشرك (^٢)، وليس على عمومه في شمول ما ينطوي تحته من أفراد.\nوفهمُ الصحابة للعموم من الآية، هو الذي دعاهم إلى التساؤل والتخوف حتى طمأنهم رسول الله صلوات الله عليه ببيان المراد من الظلم الوارد في الآية، وأنه أعلى أنواعه وهو الشرك (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص ٢٢٩ - ٢٣٠)، \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٩٧) فما بعد. \"تفسير ابن جُزَيْ\" (٣/ ٣٣). وانظر: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٠٣).\n(^٢) جاء هذا الخبر في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود ﵁. فقد أخرجه الطبري في \"التفسير\". كما رواه البخاري في \"الصحيح\" في كتاب الإيمان (٣٢) وفي التفسير، ورواه مسلم (١٣٤) والترمذي (٣٠٦٧) وأحمد (٤٢٤٠)، وانظر: \"تفسير الطبري\" (١١/ ٤٩٤) فما بعد. \"فتح الباري\" لابن حجر (١/ ٨١، ٨٢، ٨/ ٢٢١ - ٢٢٢)، \"الموافقات\" للشاطبي (٣/ ١٥٨).\n(^٣) هذا وقد ذكر ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ٨٢) عن الخطابي أنه قال: (كان الشرك عند الصحابة أكبر من أن يلقب بالظلم، فحملوا الظلم في الآية على ما عداه - يعني من المعاصي - فسألوا عن ذلك …\nغير أن ابن حجر قال عن كلام الخطابي: (وفيه نظر) وذهب إلى أنهم حملوا الظلم على عمومه، الشرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع المؤلف يعني البخاري بقوله: ظلم دون ظلم. قال: (وإنما حملوه على العموم، لأن قوله \"بظلم\" نكرة في =","vol":"2","page":64},{"text":"هذا والذي أوردناه من الشواهد قليل جدًّا من كثير. وفي ذلك كله ما يدل على أن الصحابة كانوا يرون وجوب العمل بالعام، وإجراءه على عمومه إلا إذا قام دليل على تخصيصه، وأنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص، لا دليل العموم (^١).\nوبناءً على هذا: نُقل إلينا إجماعهم على إجراء قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله ﵊: \"لا وصية لوارث\" (^٢) \"مَن ألقى السلاح فهو آمن\" (^٣) … إلى غير ذلك - مما لا يحصى - على العموم.\nوذلك ما سلكه التابعون والأئمة من بعدهم، قبل ظهور الواقفية في القرن الرابع كما سلف، لذا كان القول بالتوقف أو بأخص الخصوص - كما يقول عبد العزيز البخاري - مخالفًا للإجماع فوجب رده (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-412>إيراد وجوابه:</span>\nوأهم ما أورد على الاحتجاج للعموم بهذا القول: القول بأن إجراء الصحابة ما ذكر من الآيات والأخبار على التعميم: لم يكن بناء على عموم تلك الألفاظ، وإنما كان بناء على ما اقترن بها من العلل كالسرقة، والزنى، وقتل الظالم إلى غير ذلك.\n_________\n= سياق النفي لكن عمومها هنا بحسب الظاهر - قال المحققون: إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم ويقويه نحو: (من) في قوله: ما جاءني من رجل، أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر كما فهمه الصحابة من هذه الآية وبين لهم النبي ﷺ أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام أي أريد به الخاص؛ فالمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك).\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٦) فما بعدها.\n(^٢) انظر ما سلف (٢/ ٢١).\n(^٣) انظر ما سلف (٢/ ١٦).\n(^٤) راجع: \"كشف الأسرار شرح أصول البزدوي\" (١/ ٣٠٣).","vol":"2","page":65},{"text":"ذكر ذلك الإمام الغزالي مع أنه من أرباب العموم؛ لأنه ارتضى سبيلًا آخر للاستدلال كما مر (^١).\nوتابعه الآمدي فيه وهو من أرباب الخصوص (^٢).\nوالواقع أن ذلك منقوض بأن المنقول احتجاج بعضهم على بعض بصيغة العموم فقط، وهم الذين نزل القرآن بلغتهم وهذا يقين.\nوتوقع القرينة أو البيان شك، ولا يترك اليقين للشك؛ لأن في قولهم تعطيلًا للمنقول، وإحالة عن سبب آخر لم يعرف.\nثم إن لزوم العمل بالمُنزَل، كما قال السرخي، حكم ثابت إلى يوم القيامة، فلو كان ذلك في حقهم باعتبار دليل آخر، ما وسعهم ترك النقل فيه، ولو نقلوا ذلك لظهر وانتشر (^٣).\nكيف ورسول الله ﷺ المبلغ عن ربه، أعطاء الله وظيفة البيان لكتابه، وقد نقل إلينا بيانه ﵊. فما احتج به الصحابة رضوان الله عليهم ولا بيان معه، والقرينة مشكوك بأمرها، فمرده إلى العموم في هذه الأمثلة المتقدمة.\nثم إن فتح هذا الباب: يؤدي إلى أن لا يثبت للفظ مفهوم ظاهر، لجواز أن يفهم بالقرائن، فإن الناقلين لنا لم ينقلوا نص الواضع، بل أخذوا الأكثر في تتبع موارد الاستعمال (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٤٤ - ٤٥)، \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٦).\n(^٢) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٢/ ٣٠٨).\n(^٣) وقد أيد شمس الأئمة ما قال بحديث أبي بكر حين بلغه اختلاف الصحابة في نقل الأخبار حيث جمعهم فقال: إنكم إذا اختلفتم فمن بعدكم يكون أشد اختلافًا … الحديث إلى أن قال: فيكم كتاب الله تعالى، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه. قال السرخسي: (ولم يخالف أحد منهم في ذلك، فعرفنا أنهم عرفوا المراد بعين ما هو المنقول إلينا، لا بدليل آخر غير منقول إلينا) \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٦).\n(^٤) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٣٩).","vol":"2","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-413>رأينا في الموضوع:</span>\nونحن أميل ما نكون إلى الدليل النقلي من اللغة، وعمل الصحابة رضوان الله عليهم حسب سليقتهم، وما رسمه لهم المبين عن الله صلوات الله وسلامه عليه.\nوالطابع العربي للقرآن والسنة، هو الذي يجعلنا أقل ميلًا إلى الأدلة المنطقية في أمر هو أقرب ما يكون إلى صميم اللغة وطبيعة التعبير في اللسان العربي، إلى جانب عرف الاستعمال الشرعي.\nويغلب على الظن أن أكثر الأصوليين عندما كتبوا في أصول الفقه: كانوا متأثرين بالطابع المنطقي والفلسفي. وإذا كان تفسير النص قد وضعت له القواعد ورسمت له المناهج، فعلينا أن لا ننسى أبدًا أن نصوص القرآن والسنة عربية قبل كل شيء ومن ورائها مقاصد الشريعة.\nوعلى أية حال: فقد ثبت بالمعقوله والمنقول صحة ما ذهب إليه القائلون بالعموم، وهو الاتجاه الذي نراه ونؤمن بوجوب اعتباره أساسًا من أسس الفهم لكتاب الله وسنة رسوله عند تفسير النصوص.\n١ - وذلك لأنه الاتجاه الذي يتسم بطابع الحفاظ على مفاهيم اللغة التي نزل بها الوحي.\nب - كما أنه الاتجاه الذي تُضمن معه سلامة اتباع السلف في نهجهم المأخوذ عن المبين عن ربه محمد صلوات الله وسلامه عليه.\nج - وهو بعد ذلك كله: الاتجاه الذي يباعد بين المكلف، وبين أي احتمال لتعطيل نص من نصوص الأحكام.\nد - وقد مر بنا في أكثر من مناسبة، أن العرب قد عرفت العموم في لسانها واستعملت له الصيغ التي تدل عليه حتى رأينا إمامًا كالشافعي - وهو من هو في الإمامة في اللغة - بعد أن يوضح في رسالته ما هو معلوم من طبيعة اللسان العربي في خطابه بالعموم، عقد للعام عدة أبواب.","vol":"2","page":67},{"text":"فباب في بيان ما نزل من الكتاب عامًا يراد به العام، ويدخله الخصوص.\nوباب في بيان ما أنزل من الكتاب عامَّ الظاهر، وهو يجمع العام والخصوص.\nوباب في بيان ما نزل من الكتاب عامًا يراد به كلَّه الخاص. . .\nوضرب أمثلة لكل منها توضح ما أراد (^١).\nمن ذلك قوله ﵀: \"فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها. وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عامًا ظاهرًا يراد به العام الظاهر، ويستغنى بأول هذا منه على آخره. وعامًا ظاهرًا يراد به العام ويدخله الخاص، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه. وعامًا ظاهرًا يراد به الخاص. وظاهرًا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره. فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره\" (^٢).\nوفي أعقاب ما قررناه يمكن أن نخلص إلى النتائج التالية:\n١ - القول بالعموم يتسق مع طبيعة اللغة التي نزل بها الكتاب، ومع عرف الاستعمال لدى المبين ﵊ وأصحابه والسلف من بعدهم.\n٢ - القول بالعموم قول بالخصوص وزيادة.\n٣ - القول بالوقف في نصوص الأحكام: تعطيل لأحكام الله كما قال ابن حزم.\n٤ - القول بالخصوص دون قرينة أو مخصص: أقل ما فيه الخروج على اللغة العربية التي بها نزل الكتاب.\n_________\n(^١) \"الرسالة\" (٥٣ - ٦٢). وانظر: \"الصاحبي في فقه اللغة\" و\"سنن العرب في كلامها\" لابن فارس (ص ١٧٨ - ١٧٩)، \"المزهر في علوم اللغة وأنواعها\" للسيوطي (١/ ٤٢٦ - ٤٣٥).\n(^٢) \"الرسالة\" (ص ٥١ - ٥٢). وانظر: \"البرهان\" للزركشي (٢/ ٣٧٠ - ٣٧٣).","vol":"2","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-414>المبحث الثاني تخصيص العام</span>\nكان فيما رأيناه من الحديث عن المذاهب فيما وضعت له صيغ العموم: أن الجمهور من المتكلمين والحنفية - وهم أرباب العموم - متفقون على أن العام موضوع لاستغراق ما يصدق عليه من الأفراد، ولذا فهو يوجب الحكم في جميع هذه الأفراد الداخلة تحته، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة، و. . .] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].\nونريد أن نبين الآن: أن العام كثيرًا ما يرد الدليل الدال على صرفه عن العموم، وإرادة بعض الأفراد التي يشملها، وذلك هو التخصيص؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] حيث قصر العقل الوجوب الوارد في النص على المكلفين دون غيرهم، مع أن لفظ ﴿النَّاسِ﴾ عام يشمل المكلفين وغيرهم كالصبيان والمجانين، ونظائر ذلك في الكتاب والسنة كثيرة (^١).\nفالتخصيص: هو (صرف العام عن عمومه وإرادة بعض ما ينطوي تحته من أفراد) وسنعرض الأهم الجوانب التي تتعلق به من حيث تفسيرُ النصوص فيما يلي:\n_________\n(^١) مثل تخصيص الحديث الصحيح: \"لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا\" لعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فإن هذا يقتضي عموم القطع، فخص بالحديث ما دون ربع دينار فلا قطع به. وانظر: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٣١).","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>المطلب الأول موقف العلماء من جواز التخصيص</span>\nلم يتفق العلماء على عدم وجود من يخالف في جواز التخصيص؛ فبينما يطالعنا الغزالي بأنه لا يعلم خلافًا في ذلك، يحدثنا الآمدي وابن الحاجب وابن الهمام: أن شذوذًا قد خالفوا في الأمر، ولعل الغزالي لم يعبأ بهذا الشذوذ.\nجاء في \"المستصفى \": (لا نعرف خلافًا بين القائلين بالعموم في جواز تخصيصه بالدليل: إما بدليل العقل، أو السمع أو غيرهما، وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] و﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا﴾ [القصص: ٥٧] و﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] و﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] و﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] و﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وقوله ﷺ: \"فيما سقت السماء العشر\" (^١).\nفإن جميع هذه العمومات مخصصة بشروط في الأصل والمحل والسبب، وقلما يوجد عام لا يخصص. مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة، و…] فإنه باق على العموم (^٢).\nأما الآمدي: فقد قرر في كتابه \"الإحكام\": أن اتفاق القائلين بالعموم\n_________\n(^١) بهذا اللفظ ذكر الغزالي الحديث في \"المستصفى\" وهو ما رواه الشافعي في \"الأم\" (٧/ ١٨٠). وقد روى أحمد عن جابر (١٤٧٢١) وأصحاب الكتب الستة إلا مسلمًا عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًا العشر؛ وفيما سقي بالنضح نصف العشر\" البخاري (١٤٨٣) وأبو داود (١٥٩٦) والترمذي (٩٤٠) والنسائي (٢٤٨٨) وابن ماجه (١٨١٧). لكن لفظ النسائي وأبي داود وابن ماجه \"بعلًا\" بدل \"عثَريًا\". والعثري: بفتح العين المهملة وفتح الثاء المثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي. \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٩٤)، \"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ٣٨٥).\n(^٢) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٢٧)، طبع مصطفى محمد سنة ١٣٥٦ هـ أولى.","vol":"2","page":70},{"text":"قائم على جواز تخصيصه على أي حال كان من الإخبار والأمر، خلافًا لشذوذ لا يؤبه لهم في تخصيص الخبر.\nوما أجمله الغزالي في استدلاله على جواز تخصيص العام: فصله الآمدي حين أثبت أن جواز التخصيص قائم على الشرع والمعقول.\nأ - أما في الشرع: فقد وقع التخصيص في الكتاب كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر] وليس خالقًا لذاته ولا قادرًا عليها وهي شيء، وقوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات] وقد أتت على الأرض والجبال ولم تجعلها رميمًا. وقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ و﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الخبرية المخصصة، حتى إنه قد قيل: لم يرد عام إلا وهو مخصص إلا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة، و…] ولو لم يكن ذلك جائزًا لما وقع في الكتاب (^١).\nب - أما عن الاستدلال بالمعقول: فقد قرر الآمدي: أنه لا معنى لتخصيص العموم سوى صرف اللفظ عن جهة العموم الذي هو حقيقة فيه، إلى جهة الخصوص بطريق المجاز، والتجوزُ غير ممتنع في ذاته.\nوأضاف الآمدي إلى ما سبق قوله: (ويدل على جواز التخصيص: الأوامر العامة، وإن لم نعرف فيها خلافًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مع خروج أهل الذمة عنه وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] مع أنه ليس كل سارق يقطع، ولا كل زان يجلد، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] مع خروج الكافر والرقيق والقاتل عنه) (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٤١٠)، وانظر: \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ٢٧١ - ٢٧٣)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٣٤) مطبعة السعادة سنة ١٣٢٧ هـ.\n(^٢) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٢/ ٤٠١ - ٤١١).","vol":"2","page":71},{"text":"أما ابن الحاجب: فقد اقتصر على قوله: (التخصيص جائز إلا عند شذوذ) دون أن يحاول مناقشة المخالفين أو الرد عليهم، واكتفى بأن ذلك من الشذوذ.\nوجاء شارحه القاضي العضد ليستدل ويردَّ بما رد به الغزالي والآمدي ولكن بإيجاز (^١).\nوهكذا نرى أنه إلى جانب المعقول - وهو أنه لا يترتب على التخصيص مجال؛ لأنه عدول عن الحقيقة إلى المجاز بدليل - توافرت النصوص على وقوع التخصيص. وإذن فهو جائز لا محالة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-416>المطلب الثاني التخصيص بين الجمهور والحنفية</span>\nإذا كان الاتفاق واقعًا - إلا عند شذوذ - على جواز تخصيص العام بالدليل، وذلك بصرفه عن عمومه إلى إرادة بعض الأفراد التي يتناولها: فإن الخلاف واقع بين الجمهور والحنفية فيما يجب توافره في الدليل الذي يدل على هذا الصرف، ليكون ذلك تخصيصًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-417>مذهب الجمهور:</span>\nفالجمهور يرون أن صرف العام عن عمومه في شمول ما ينطوي تحته\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد وحاشية السعد\" (٢/ ١٣٠)، وانظر: \"التحرير\" مع \"التقرير\" و\"التحبير\" (١/ ٢٤٣ - ٢٤٥). وثبوت التخصيص جعل الخضري ﵀ يعتبر أنه لا داعي للاشتغال بالاعتراض وجوابه في هذا المقام فقال: (ولما كنا لا نعقل أن يوجد شخص يرى الحجر على المتكلم أن يتكلم بلفظ عام ينتظم أفرادًا ثم يبين بكلام متصل به أنه يريد بعض أفراد هذا العام لا كلها، وخصوصًا بعد أن ثبت وجود هذا النوع في كلام الله وكلام رسوله وكلام الناس في متعارفهم: لم نشأ أن نشتغل بالاعتراض والجواب في هذا المقام)، \"أصول الفقه\" للخضري (ص ٢١٢ - ٢١٣).","vol":"2","page":72},{"text":"من أفراد وقصره على بعض تلك الأفراد: هو التخصيص والبيان مطلقًا (^١)، سواء أكان الدليل الذي صرف العام عن عمومه وقصره على بعض أفراده مستقلًا، أم غير مستقل، وسواء أكان موصولًا في العام بالذكر، أم منفصلًا عنه.\nإلا أنهم يشترطون فيه إذا كان منفصلًا عن العام: أن لا يتأخر وروده عن العمل بهذا العام، فإن تأخر وروده عن العمل به: كان نسخًا للعام لا تخصيصًا له، وفرق بين النسخ الذي هو رفع الحكم بالدليل، وبين التخصيص الذي هو بيان أن المراد من العام بعض أفراده (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"الرسالة\" للشافعي (ص ١٤٨)، ابن الحاجب مع \"العضد\" و\"السعد\" (١/ ١٢٩).\n(^٢) والعلماء بعد تعريفهم للنسخ بأنه رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر ذكروا عددًا من الوجوه التي بها يفترق النسخ من التخصيص.\nمنها: أن التخصيص لا يكون إلا لبعض الأفراد، والنسخ يكون لها كلها.\nومنها: أن النسخ يتطرق إلى كل حكم سواء أكان ثابتًا في حق شخص واحد أم في حق أشخاص كثيرة، والتخصيص لا يتطرق إلا إلى الأول.\nومنها: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ ولا يجوز تأخير التخصيص من وقت العمل بالمخصوص.\nومنها: أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته بخلاف التخصيص، فإنه بيان المراد باللفظ العام.\nومنها: أن التخصيص بيان ما أريد بالعموم. والنسخ بيان ما لم يرد بالمنسوخ.\nومنها: أن النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل والقرائن وسائر أدلة السمع.\nومنها: أن التخصيص يجوز أن يكون بالإجماع، والنسخ لا يجوز أن يكون به.\nومنها: أن التخصيص لا يدخل في غير العام، أما النسخ فإنه يرفع حكم العام والخاص، وعند الحنفية: لا بد من اقتران المخصص بالعام والاتصال به. بينما يكون الناسخ متأخرًا بمن العام، ومتراخيًا عنه، ليكون رافعًا للحكم عن بعض الأفراد بعد ثبوته لها.\nانظر: \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٤٢ - ١٤٣)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل (ص ١١٣)، \"أصول الفقه\" للأستاذ الشيخ زكريا البرديسي (ص ٤٢٨ - ٤٢٩).","vol":"2","page":73},{"text":"ولهذا كان التخصيص عندهم: (هو صرف العام عن عمومه وقصره على بعض ما يتناوله من الأفراد لدليل يدل على ذلك). قال ابن الحاجب: (التخصيص قصر العام على بعض مسمياته) (^١).\nوعرفه الشوكاني بقوله: (هو إخراج بعض ما كان داخلًا تحت العموم على تقدير عدم المخصص) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-418>المخصصات وأنواعها</span>\nهذا وقد دل الاستقراء على أن الدليل المخصص: إما أن يكون مستقلًا، وإما أن يكون غير مستقل.\n\n<span data-type='title' id=toc-419>المخصص المستقل:</span>\nفالمخصص المستقل: (هو ما لا يكون جزءًا من النص الذي ورد فيه اللفظ العام)، وهو على عدة أنواع أهمها:\n١ - دليل الحس: فإذا ورد الشرع بعموم يشهد الحس باختصاصه ببعض ما اشتمل عليه العموم: كان ذلك مخصصًا للعموم، وبه خصص قوله تعالى حكاية عن بلقيس ملكة سبأ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وما كان في يد سليمان - كما يقول الغزالي - لم يكن في يدها وهو شيء. كما خصص بالحس قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] فقد خرج من العام الواردِ في النص: السماء والأرض، وأمور كثيرة دل عليها الحس.\n٢ - دليل العقل: وذلك كما في النصوص التي ورد فيها الخطاب بتكاليف شرعية، على سبيل العموم كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرح العضد\" و\"حاشية السعد\" (١/ ١٢٩).\n(^٢) راجع: \"إرشاد الفحول\" (ص ١٤٢). وانظر: \"أصول الخضري\" (ص ٢٠٨).","vol":"2","page":74},{"text":"الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nفالخطاب بالحج والصوم للعموم، ولكن العقل قد دل على إخراج من ليس أهلًا للتكليف كالصبي والمجنون، لاستحالة تكليف من لا يفهم (^١).\nهذا وقد ذكر العلماء أن هنالك من أنكر جواز التخصيص بالعقل. وكان ممن ردَّ عليهم مقالتهم هذه أبو الحسين البصري، وأبو حامد الغزالي.\nأ - أما البصري: فقد رد عليهم بمسألة التكليف بالعبادة، ودخول الصبي والمجنون تحت الخطاب، أو عدم دخولهما. وذلك ما جاء في كتابه \"المعتمد\" من أنه يقال لهؤلاء: (أتعلمون بالعقل أن الله سبحانه لم يرد بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] المجانين والأطفال أم لا؟ فإن قالوا: نعلم ذلك لكنا لا نسميه تخصيصًا، خالفوا في الاسم ووافقوا في المعنى، وقيل لهم: ليس للتخصيص معنى إلا أن يخرج من الخطاب بعض ما تناوله من الأشخاص.\nوإن قالوا بالثاني: فهو فاسد؛ لأن الصبي والمجنون لا يمكنهما فهم المراد، لا على جملة ولا على تفصيل، وإرادة الفهم ممن لا يتمكن منه: تكليف لما لا يطاق، وتعالى الله عن ذلك (^٢).\nب - أما الغزالي: فقد كان في مسلكه أكثر وضوحًا، حين أورد على لسان المنكرين لاعتبار العقل مخصصًا إيرادين، وأجاب عنهما:\nالإيراد الأول: أن المخصص يجب أن يكون متأخرًا والعقل سابق على أدلة السمع.\n_________\n(^١) راجع: \"المعتمد\" لأبي الحسين البصري، ج ١، مخطوطة معهد المخطوطات بالجامعة العربية (فيلم)، \"جمع الجوامع\" لابن السبكي مع \"شرح المحلى\" و\"حاشية البناني\" (٢/ ٢٤ - ٢٥).\n(^٢) راجع: \"المعتمد\" لأبي الحسين البصري، ج ١، فيلم معهد المخطوطات بالجامعة العربية.","vol":"2","page":75},{"text":"الإيراد الثاني: أن التخصيص إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ. وخلاف المعقول لا يمكن أن يتناول اللفظ.\nوقد أجاب عن الإيراد الأول: بأن تسمية الأدلة مخصصات تجوُّز، والمقصود أن الدليل يعرِّف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصًّا: قال في ذلك: (ودليل العقل يجوز أن يبين لنا أن الله تعالى ما أراد بقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢، …] نفسَه وذاته، فإنه وإن تقدم دليل العقل: فهو موجود أيضًا عند نزول اللفظ، وإنما يسمى مخصصًا بعد نزول الآية لا قبله) (^١).\nوأجاب عن الإيراد الثاني - وهو أن خلاف المعقول لا يمكن دخوله تحت اللفظ - بأنه يدخل تحت اللفظ من حيث اللسان، ولكن يكون قائله كاذبًا، ولما وجب الصدق في كلام الله تعالى: تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة، مع الشمول اللفظ له من حيث الوضع (^٢).\n٣ - دليل العرف: والعرف قولي وعملي (^٣).\nأ - فالقولي: (هو استعمال اللفظ في معنى هو غير تمام مدلوله، بحيث إذا أطلق انصرف إليه من غير قرينة) (^٤)، وقال ابن أمير الحاج: (هو أن يتعارف قوم إطلاق لفظ المعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلا ذاك المعنى) (^٥).\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٢٧)، مطبعة مصطفى محمد سنة ١٣٥٦ هـ أولى.\n(^٢) راجع: المصدر السابق، وانظر: \"التحرير\" مع \"التقرير\" و\"التحبير\" (١/ ٢٤٣).\n(^٣) انظر: رسالة \"نشر العرف\" لابن عابدين. المجموعة (٢/ ١١٥)، و\"تاريخ التشريع الإسلامي ومصادره\" للأستاذ محمد سلام مدكور (ص ٢٤٤).\n(^٤) راجع: \"المستصفى\" (١/ ٣٤٧) فما بعد مع \"مسلم الثبوت\" (١/ ٣٤٥)، رسالة \"نشر العرف\" لابن عابدين، \"العرف والعادة في رأي الفقهاء\" لأحمد فهمي أبو سُنّة (ص ١٨ - ١٩).\n(^٥) \"التقرير والتحبير\" مع \"التحرير\" (١/ ٢٨٢).","vol":"2","page":76},{"text":"وطريقة تكوين العرف القولي: أن يُتفق على هجر المعنى الأصلي للَّفظ، ونقلِ هذا اللفظ بواسطة الاستعمال الشائع المتكرر، إلى المعنى الثاني.\nمثال ذلك: إطلاق الدرهم على النقد الغالب، مع أنه كان يطلق في الأصل على كل فرد من أفراد الدراهم (^١).\nوهذا النوع من العرف متفق على أنه يخصص العام: ففي قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] البيع بالمعنى اللغوي هو المبادلة في المال وغيره، وبالمعنى الشرعي مبادلة المال بالمال؛ فحين يراد تفسير هذا النص: يؤخذ البيع على المعنى الذي هو في عرف الشارع، لا المعنى اللغوي، فيخصص به العموم. وفي شأن الدراهم قال العلماء: إذا ذكر لفظ الدراهم في عقد من العقود: ينصرف إلى النقد الغالي للبلد لا إلى كل فرد من أفراد تلك الدراهم، حملًا للفظ على معناه العرفي، فيخصص العام بالعرف (^٢).\nب - أما العرف العملي: فهو ما تعارف عليه الناس وجرى عليه العمل عندهم، سواء أكان ذلك عامًا كاستصناع الأواني والأحذية، ودخول الحمام من غير تعيين زمن ولا أجرة، أو خاصًّا ببلد كتعارف أهل العراق إطلاق لفظ الدابة على الفرس، وكتعارف أهل البوادي على اعتبار الأنعام رأس المال عندهم. أو بملةٍ كجعل العيد الأسبوعي للمسلمين يوم الجمعة، وسبب هذا العرف هو التعامل (^٣).\n_________\n(^١) \"التقرير والتحبير\" (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، \"نشر العرف\" لابن عابدين، \"العرف والعادة\" لأبي سُنّة (ص ١٨ - ١٩).\n(^٢) \"نهاية السول للإسنوي شرح منهاج الأصول للبيضاوي\" (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠) مع تعليق الشيخ بخيت، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٢٨٢)، \"العرف والعادة في رأي الفقهاء\" للشيخ أبي سُنّة (ص ٩١)، \"المدخل\" لأستاذنا الشيخ مصطفى الزرقا (٢/ ٨٨٢).\n(^٣) \"رسالة نشر العرف\" لابن عابدين من مجموعة الرسائل (٢/ ١١٥ - ١١٦)، \"العرف والعادة\" لأحمد فهمي أبو سُنّه (ص ١٩).","vol":"2","page":77},{"text":"ولقد اختلفت أنظار العلماء في تخصيص العام بالعرف العملي:\nفذهب الحنفية وجمهور المالكية إلى التخصيص: بحيث يحمل العام على ما يقضي به العرف (^١). وذهب العلماء الآخرون إلى عدمه (^٢).\nوعلى هذا: لو كان الطعام الغالب في البلد الذي جرى فيه العرف هو البر، وقال الشارع: حرمت الربا في الطعام، اقتصرت الحرمة على الغالب من الطعام - وهو البر - عند القائلين بالتخصيص، وعمَّت في كل ما يطعم عند غيرهم.\nومن أمثلة ذلك: تخصيص الوالدات في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nفلفظ (الوالدات) عام في هذا النص، ولكن العرف خص منه الوالدة الرفيعة القدر التي ليس من عادة مثيلاتها إرضاع أولادهن إن كان الولد يقبل ثدي غيرها: للمصلحة العرفية، كما ذهب إلى ذلك الإمام مالك ﵀. وهكذا أصبح العام وهو (الوالدات) قاصرًا على غير هذا النوع الذي خصه العرف العملي (^٣).\nوعلى أية حال: فسواء أكان العرف قوليًا أم عمليًا، لا بد أن يكون\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير\" و\"التحبير\" (١/ ٢٨٢)، \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٢/ ١٤٣).\nهذا: وأما القرافي من المالكية: فقد ذهب غير هذا المذهب، وقرر أن العرف لا يصلح لتخصيص اللفظ ولا تقييده، وتابعه على رأيه خليل بن إسحاق المالكي. \"الفروق\" للقرافي (١/ ١٧٣ الفرق/ ٢٨)، \"العرف والعادة\" لأبي سنة (ص ١٢٤)، \"المدخل الفقهي العام\" للأستاذ مصطفى الزرقاء (٢/ ٨٨٨).\n(^٢) راجع: \"منهاج البيضاوي\" مع شرحه للإسنوي (٢/ ٤٦٩) لما بعدها، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٢٨٢)، \"العرف والعادة في رأي الفقهاء\" (ص ٩١ - ٩٤، ١٢٤).\n(^٣) راجع: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٠٤)، \"الفروق\" للقرافي (١/ ١٨٧).","vol":"2","page":78},{"text":"موجودًا عند صدور العام الذي يراد حمله عليه وبيانُه به. ولذلك كان من الأهمية بمكان: معرفةُ معهودات العرب في أساليب كلامهم في بيئتهم التي كانت مهبط الوحي ومتنزل الشريعة.\nأما إذا كان العرف طارئًا: فلا يمكن تخصيص العام به، إلا إذا كان\nعامًا وأمكن رده إلى أصل من الأصول الشرعية، كالإجماع السكوتي بأن يجري العرف في عصر المجتهدين بفعل شيء أو تركه ويقرَّ منهم، وكالسنة التقريرية بحيث يجري عرف بأمر في عصر النبي ﷺ فيرد إليه العرف، ونسبة التخصيص إليه تجوز (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-420>رأينا في التخصيص بالعرف:</span>\nوالذي يظهر لنا أن التخصيص بالعرف - ضمن الحدود التي ذكرنا - يتلاءم كل الملاءمة مع مقصد الشارع في حرصه على فهم الشريعة التي نزلت بلسان عربي، فإذا وضعنا في الاعتبار عادات العرب الذين نزل فيهم الكتاب العربي، وراعينا عرفهم في الألفاظ والمعاني ومدلولات الخطاب: كان ذلك خير عون لفهم كتاب الله وسنة رسوله ﵇ (^٢).\nومن هنا قرر الشاطبي في \"الموافقات\": أنه (لا بد لمن أراد الخوض في علم القرآن والسنة من معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري عاداتها حالة التنزيل من عند الله والبيان من رسوله، لأن الجهل بها موقع في الإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة).\nوقد أتى الشاطبي لذلك بعدة أمثلة كان منها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إذ (يحتمل أنه أمر بالإتمام، كما يحتمل أنه أمر بأصل الحج، فإذا علم أن العرب كانوا قبل الإسلام آخذين به، ولكن على تغير بعض الشعائر، ونقص جملة منها؛ كالوقوف بعرفة وأشباه ذلك في\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" (١/ ٣٤٨) أميرية، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٨٩)، \"العرف والعادة في رأي الفقهاء\" لأحمد فهمي أبو سُنّة (ص ٩٥).\n(^٢) \"العرف والعادة في رأي الفقهاء\" للشيخ أحمد فهمي أبو سُنّه (ص ٥ - ٦).","vol":"2","page":79},{"text":"وثنياتهم، علم أن هذا أمر بالإتمام، وإزالة النقص الذي أحدثته وثنيتهم. وإنما جاء لهذا بإيجاب الحج نصًا في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (^١).\nكما أن اعتبار العرف في هذا المجال: يؤكد طابع الاتساع والشمول في هذه الشريعة والقدرة على مواصلة طريقها الإنساني مهما تطور الزمن (^٢).\n٤ - النص من الكتاب والسنة: سواء أكان واردًا بعد ذكر العام أي موصولًا به، أم منفصلًا عنه. وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن والحديث.\nأ - فمن تخصيص العام بنص مخصوص به، قوله تعالى في شأن الصيام: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nفإن قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ عام في دلالته على وجوب الصيام على كل من ثبت له دخول شهر رمضان من المكلفين، وقد صُرف هذا العام عن عمومه، فخُص منه المريض والمسافر، فلهما أن يفطرا ويقضيا. وكان التخصيص بنص مستقل موصول بالعام في النزول وهو قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nفإن لفظ ﴿الْبَيْعَ﴾ في هذا النص عام يشمل كل ما يطلق عليه مبادلة مال بمال، والربا مبادلة مال بمال؛ فيدخل في عموم لفظ البيع، ولكن الربا خُص من هذا العموم بنص مستقل عن جملته، موصول به في النزول، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فتبين من النصين أن البيع مصروف عن عمومه في شمول جميع الأفراد التي تنطوي تحته بالنسبة لمحكمه، وهو حِلُّ التعامل\n_________\n(^١) راجع: \"الموافقات\" (٣/ ١٥١).\n(^٢) \"المدخل الفقهي العام إلى الحقوق المدنية\" للأستاذ مصطفى الزرقاء (٢/ ٨٢٤).","vol":"2","page":80},{"text":"بتلك الأفراد، فالربا محرم، قصر عمومَ البيع عن شموله بالحِل (^١).\nب - ومن تخصيص العام بنص منفصل عنه: قول الله جلَّ ذكره في شأن عدة المطلقات: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nفهذا النص يوجب بعمومه العدة ثلاثة قروء على كل مطلقة، سواء أكانت حاملًا أم حائلًا، وسواء أكان طلاقها بعد الدخول أم قبله.\nولكن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] يدل على أن المطلقة الحامل مخصوصة من هذا العموم.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] يدل على أن المطلقة قبل الدخول: لا تجب عليها العدة، فيكون هذا النص مخصصًا لعموم المطلقات في الآية الأولى صارفًا للنص عن عمومه حيث لا يشمل اللواتي يكون طلاقهن قبل الدخول (^٢).\nومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذا النص يدل بعمومه على أن كل متوفى عنها زوجها: فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام ولكن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] خصص هذا العموم، فصُرف عن عمومه، وخرجت منه الحوامل، بحيث حدد انتهاء عدتهن بوضع الحمل (^٣).\nومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] مع قول\n_________\n(^١) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٤٤)، \"أصول الفقه\" للبرديسي (ص ٤٠٧).\n(^٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٤/ ٢٠٢)، \"أصول الفقه\" للأستاذ البرديسي (ص ٤٠٧).\n(^٣) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٢/ ٤٦٥).","vol":"2","page":81},{"text":"الرسول ﷺ في شأن البحر حين سئل عن حل الوضوء بمائه \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (^١).\nفلفظ ﴿الْمَيْتَةُ﴾ في الآية الكريمة: عام يشمل كل ميتة سواء أكانت ميتة من حيوان البحر، أو البر. ولكن الحديث صَرف هذا العام عن عمومه، فخصص الميتة بغير البحر، فأصبحت الميتة المحرم أكلها لا تشمل هذه الميتة؛ فحيوان البحر حلال لا تلزم فيه الذكاة الشرعية التي تلزم في غيره من أجل المحل.\n\n<span data-type='title' id=toc-421>المخصص غير المستقل:</span>\nإذا كان المخصص المستقل: هو ما لا يكون جزءًا من النص المشتمل من العام: فإن المخصص غير المستقل: هو ما يكون جزءًا من هذا النص المشتمل عليه، فهو غير تام بنفسه. وله عدة أنواع أهمها ما يلي:\n١ - الاستثناء المتصل كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].\nفإن قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ عام يشمل كل كافر، ولكن الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ صرف هذا العام عن عمومه، وجعله قاصرًا على من كفر راضيًا مختارًا (^٢).\n_________\n(^١) روى أحمد (٨٧٢٠) و(٩٠٨٨) وأبو داود (٨٣) والترمذي (٦٩) والنسائي (٣٣٢) وابن ماجه (٣٨٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: (سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته\") \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٤). وانظر: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" \"والعناية\" (١/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٢) هذا: وقد ذكر العلماء للاستثناء أحكامًا كثيرة كان منها: حكم الجمل المتعاقبة بالواو ونحوها إذا دخلها الاستثناء. فقد ذهب أصحاب الشافعي إلي أن الاستثناء يرجع إلى جميعها، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يرجع إلى الجملة الأخيرة: وقد انبنى على ذلك اختلاف في بعض الأحكام. ومن هذا القبيل قوله =","vol":"2","page":82},{"text":"٢ - الشرط - كقوله تعالى في آية المواريث: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢].\nفحالة عدم الولد للزوجة، هي الشرط الذي قَصر استحقاق الأزواج لنصف ما تركت الزوجة من الميراث، ولولا هذا الشرط، لأفاد النص استحقاق الأزواج النصف في جميع الحالات.\nومن ذلك قوله جلَّ ثناؤه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. أي إذا تركوا ما نهى الله عنه.\nفهذا الشرط خصص عموم الآية فيما جاءت فيه.\n٣ - الصفة: قاله الشوكاني: (والمراد بها هنا: المعنوية - على ما حققه علماء البيان لا مجرد النعت المذكور في علم النحو) (^١).\nفهذه الصفة تصرف العام عن شموله. وتوجب قصره على ما توجد فيه فقط، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].\nفلفظ: (الفتيات) في الآية عام يشمل المؤمنات وغير المؤمنات، ولكن وَصْفَهُ بالمؤمنات، جعله مقصورًا على المؤمنات دون غيرهن، فالذي يحل من ملك اليمين لغير مستطيع الطول: هو الفتاة الموصوفة بالإيمان.\n_________\n= تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور]. فالشافعية يرتفع رد شهادة الفاسق عندهم إذا تاب، كما يرتفع الفسق بناء على الاستثناء إلى جميع الجمل. أما الحنفية فقد ردوا شهادة المحدود بالقذف وإن تاب، بناء على عودة الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط. انظر: \"البرهان\" لإمام الحرمين (لوحة ١٠١ - ١٠٣)، \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني بتحقيق المؤلف (٢٠٧ - ٢٠٨)، \"التحرير\" مع \"شرحه تيسير التحرير\" (١/ ٣٠٢) فما بعدها، \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٤٣٧).\n(^١) راجع: \"إرشاد الفحول\" (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":83},{"text":"٤ - الغاية: وهي نهاية الشيء المقتضيةُ لثبوت الحكم قبلها وانتفائه بعدها، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].\nوقد قُيد التخصيص بالغاية من قبل بعض المتأخرين، وذلك بأن يتقدمها لفظ يشملها لو لم يؤت بها. قال صاحب \"إرشاد الفحول\": (وقد أطلق الأصوليون كون الغاية من المخصصات ولم يقيدوا ذلك، وقيد ذلك بعض المتأخرين بالغاية التي تقدمها لفظ يشملها لو لم يؤت بها؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة]).\nفإن هذه الغاية لو لم يؤت بها لقاتلنا المشركين، أعطوا الجزية أو لم يعطوها (^١).\n٥ - وقد عد ابن الحاجب من هذه المخصصات: بدل البعض من الكل (^٢)، وذلك كقولك: أكرم القوم علماءهم، ومثَّل له الشوكاني بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١].\nهذا: وقد ذكر القرافي في \"تنقيح الفصول\" أن المخصصات عند المالكية خمسة عشر وكانت:\n١ - العقل، ٢ - والإجماع، ٣ - والكتاب بالكتاب، ٤ - والقياس الجلي والخفي ولو كان العام كتابًا أو سنة متواترة، ٥ - والسنة المتواترة بمثلها، ٦ - والكتاب بالسنة المتواترة، ٧ - والكتاب بخبر الآحاد، ٨ - والكتاب والسنة بفعله وإقراره ﵇، ٩ - والعادات، ١٠ - والشرط، ١١ - والاستثناء، ١٢ - والصفة، ١٣ - والغاية، ١٤ - والاستفهام، ١٥ - والحسن.\nويرى أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة أن كثيرًا من هذه المخصصات ليست في حقيقة الأمر مخصصات، وإنما هي قرائن حالية أو قيود في القول\n_________\n(^١) /١٦ \"إرشاد الفحول\" (ص ١٥٤).\n(^٢) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ١٣٢).","vol":"2","page":84},{"text":"لا يتم الكلام إلا بها، فالعقل والحسن من القرائن الحالية، والاستثناء والشرط والصفة والغاية: قيود.\nولا يصح في نظر أستاذنا أن تحسب هذه الأمور على المالكية؛ (لأن غيرهم سلم بمعناها وإن لم يعطها الاسم الذي أعطوا). فليس تقييد العام بها موضع الخلاف وإنما الخلاف في تسميتها مخصصات.\nولست أدري سر التخوف على المالكية من أن تحسب عليهم هذه الأمور من المخصصات ما دام الأمر يدور في ساحة الاصطلاح، وماذا عليهم إذا سموا أمرًا من الأمور مخصصًا وأسماء غيرهم قيدًا أو قرينة ما دمنا تسلم أن تقييد العام بما ذكروا ليس موضع خلاف، وإنما الخلاف في تسميتها كلها مخصصات. وإذا كان إمام كالقرافي يرتضي ذلك ويعُدُّ خمسة عشر مخصصًا للعام، فمعنى ذلك أن هذا أمر مقرر في المذهب، ومعروف عند المحققين، فلماذا نتخوف على المالكية ما ارتضوه لأنفسهم في دائرة منهج لتفسير النصوص خرَّجوا فيه الفروع على الأصول، وقد ذكر القرافي نفسه في مقدمة كتابه: أنه يذكر ما يتعين أن يكون على خاطر الفقيه من أصول الفقه وقواعد الشرع واصطلاحات العلماء، حتى تُخرَّجَ الفروع على القواعد والأصول، فإن كان فقهٌ لم يخرَّج على القواعد فليس بشيء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-422>مذهب الحنفية:</span>\nأما الحنفية: فإنهم يشترطون في الدليل ليكون مخصصًا للعام: أن يكون مستقبلًا عن جملة العام، مقارنًا له في الزمان، بأن يردا عن الشارع في وقت واحد (^٢) وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فإن دليل التخصيص في هذه الآية مستقل مقارن، وكقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ\n_________\n(^١) انظر: \"مالك\" (ص ٢٧٠) لأستاذنا الشيخ محمد أبي زهرة، \"تنقيح الفصول\" (ص ٥٦ - ٨٦) مع \"الذخيرة\".\n(^٢) \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٤٢) فما بعد، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٠٦).","vol":"2","page":85},{"text":"مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فهذا تخصيص أيضًا؛ لأن الدليل المخصص مستقل مقترن بالعام.\nولذلك جاء عبد العزيز البخاري بعدة تعاريف وقرر أن المعتبر عند الحنفية أن التخصيص (هو: قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن).\nقال في \"كشف الأسرار\": (فقيل: تخصيص العموم: بيان ما لم يرد باللفظ العام، وقيل: هو إخراج ما تناوله الخطاب عنه، وقيل: هو تعريف أن المراد باللفظ الموضوع للعموم: إنما هو الخصوص، وقيل: هو قصر العام على بعض مسمياته) وبعد أن أورد ذلك كله قال: (وفي كل هذه العبارات كلام، والحد الصحيح على مذهبنا أن يقال: هو قصر العام علي بعض أفراده بدليل مستقل مقترن) (^١).\nوهكذا نرى أن الدليل غير المستقل، كالاستثناء والشرط والغاية والصفة، لا يسمى صرفُ العام عن عمومه بواسطته تخصيصًا عند الحنفية، بل يسمى قصرًا، لأنه لا بد للتخصيص عندهم من معنى المعارضة، وليس في الاستثناء والصفة ونحوهما ذلك (^٢).\nوإذا كان الدليل مستقلًا، ولكنه لم يكن مقارنًا للعام بل متراخيًا عنه، فلا يسمى قصر العام بواسطته على بعض أفراده تخصيصًا، بل نسخًا أي رفعًا للحكم كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن ذلك نسخ جزئي عندهم، لا تخصيص.\nوكقول الرسول ﷺ في شأن البحر: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (^٣). بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار شرح أصول البزدوي\" (١/ ٣٠٦).\n(^٢) انظر: \"أصول الفقه\" للخضري (ص ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(^٣) انظر ما سلف، ٢/ ٨٢.","vol":"2","page":86},{"text":"وذلك ما قرره عبد العزيز البخاري حين تكلم عن المحترزات في تعريف التخصيص فقال: (وبقولنا: \"مقترن\" احتراز عن الناسخ؛ فإنه إذا تراخى دليل التخصيص يكون نسخًا لا تخصيصًا) (^١).\nهذا: وبناء على أن دليل التخصيص عند الحنفية، يجب أن يكون مستقلًا مقترنًا: انحصر المخصص العام عندهم في ثلاثة أشياء هي: العقل، والعرف، والنص المستقل المقترن بالعام.\nولهذا رأينا في الأمثلة المتقدمة أن ما أسماه غير الحنفية تخصيصًا، لم يكن عند الحنفية كذلك؛ لأن حد التخصيص عندهم هو غيره عند أولئك (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-423>أنواع العام</span>\nوفي أعقاب الكلام على التخصيص: يحسن أن نبين أنه ثبت للعلماء - نتيجة لاستقراء النصوص وإدراك أساليب الخطاب فيها - أن العام يتنوع حسب وروده إلى أنواع ثلاثة:\nالأول: ما أريد به العموم قطعًا: وهو العام الذي صاحبته قرينة تنفي احتمال تخصيصه. فإذا ورد في النص عام على هذه الشاكلة، حكمنا بعمومه على وجه القطع، فكان شاملًا لكل ما يستغرقه من أفراد.\nوذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وقوله سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١، و…] وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار شرح أصول البزدوي\" (١/ ٣٠٧)، وانظر: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٢) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٤٢ - ٤٣)، \"أصول الخضري\" (ص ٢٠٨) فما بعدها.","vol":"2","page":87},{"text":"ففي كل واحدة من الآيات الثلاث: تقرير سنة إلهية لا تتبدل ولا يطرأ عليها التخصيص، لذا كان العموم مقطوعًا به في كل منها جميعًا، ولا يحتمل أن يراد به الخصوص (^١).\nوذلك قول الشافعي في شأن الآيتين الأولى والثانية: (فكل شيء من سماء وأرض وذي روح، وشجر، وغير ذلك: فالله خلقه، وكل دابة فعلى الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها) (^٢).\nالثاني: ما أريد به الخصوص قطعًا: وهو الذي اصطحب بقرينة تنفي أن يكون العموم مرادًا، وتدل على أن المراد من هذا العام إنما هو بعض الأفراد.\nمثال ذلك قول الله جلَّ ذكره: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nفلفظ ﴿وَلِلَّهِ﴾ في هذا النص عام يشمل المكلفين وغيرهم كالأطفال والمجانين، ولكن هذا العام أريد به خصوص المكلفين؛ لأن العقل يقضي بخروج الصبي والمجنون؛ فتخصيص العام بالعقل في النص المذكور، جعل من المقطوع به أن العام وهو ﴿النَّاسِ﴾ مراد منه الخصوص.\nومثله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] (^٣).\nفكلُّ من ﴿لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ و﴿الْأَعْرَابِ﴾ في الآية عام أريد به خصوص القادرين، لأن العقل يقضي بخروج العجزة. وهكذا كان المراد من العموم في الآية: من أطاق الجهاد من الرجال.\n_________\n(^١) راجع: \"الرسالة\" للشافعي: (ص ٥٣ - ٩٤): \"أصول الفقه\" للشيخ عبد الوهاب خلاف (ص ٢١٩)، \"أصول الفقه\" لأستاذنا البرديسي (ص ٤٠٤).\n(^٢) \"الرسالة\" (ص ٥٤).\n(^٣) انظر: \"أصول الفقه\" لخلاف (ص ٢١٩).","vol":"2","page":88},{"text":"على أنه ليس لأحد منهم أن يرغب بنفسه عن نفس النبي ﷺ، أطاق الجهاد، أو لم يطقه (^١).\nومثله أيضًا قوله سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء] (^٢).\nففي قوله: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ عموم أريد به الخصوص، لأن كل القرية - كما يقول الشافعي - لم يكن ظالمًا، فقد كان فيهم المسلم، ولكنهم كانوا مكثورين، وكانوا فيها أقل (^٣).\nالثالث: العام المطلق: وهو الذي لم تصحبه قرينة تنفي احتمال تخصيصه، ولا قرينة تنفي دلالته. نجد ذلك في أكثر النصوص التي وردت فيها صيغ العموم مطلقة عن القرائن اللفظية، أو العقلية، أو العرفية.\nوهذا النوع من أنواع العام: ظاهر في العموم، حتى يقوم الدليل على تخصيصه (^٤) مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-424>الفرق بين العام الذي أريد به الخصوص والعام المطلق:</span>\nومما سبق يتبين الفرق بين العام الذي أريد به الخصوص، والعام المطلق.\nفالأول: هو العام الذي يرد - حين يرد - وقد صاحبته قرينة تدل على أن\n_________\n(^١) راجع: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص ٥٤).\n(^٢) هذا: والمراد بالقرية هنا \"مكة\" قال أبو جعفر الطبري: (والعرب تسمي كل مدينة \"قرية\" - يعني: التي قد ظلمنا أهلها - وهي في هذا الموضع، فيما فسر أهل التأويل \"مكة\") \"تفسير الطبري\" (٨/ ٥٤٣).\n(^٣) انظر: \"رسالة الشافعي\" (ص ٥٥).\n(^٤) راجع: \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٤٠ - ١٤١)، \"أصول الفقه\" للشيخ عبد الوهاب خلاف (ص ١١٩ - ١٢٠)، \"أصول الفقه\" لأستاذنا البرديسي (ص ٤٠٤).","vol":"2","page":89},{"text":"المراد به الخصوص لا العموم، وذلك كما في خطابات التكليف العامة، وقد رأينا منها آنفًا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] حيث تدل القرينة على أن المراد به بعض الأفراد التي يشملها، وهذا - كما أسلفنا - ظاهر في دلالته على العموم، حتى يقوم دليل على التخصيص، بحيث يراد بعض أفراده دون بعض (^١).\nأما الثاني: فهو مطلق عما ينفي احتمال تخصيصه، وهما ينفي دلالته على العموم.\n* * *\n_________\n(^١) هذا وقد جاءت الفروق التي ذكرناها على لسان العلماء: تفريقًا بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص، وقد جاء الشوكاني في \"إرشاد الفحول\" بعدد من المذاهب في ذلك: منها ما ذكره عن ابن دقيق العيد: أن العام المخصوص أعم من الأول، وقد أوضح ذلك بقوله: (ألا ترى أن المتكلم إذا أراد باللفظ أولًا ما دل عليه ظاهر العموم ثم أخرج بعد ذلك ما دل عليه اللفظ، كان عامًا مخصوصًا ولم يكن عامًا أريد به الخصوص، ويقال: إنه منسوخ بالنسبة إلى البعض الذي أخرج، وهذا متوجه إلى قصد العموم، بخلاف ما إذا نطق بالعام مريدًا بعض ما يتناوله).\nوبعد عرض المذاهب في التفريق: قرر الشوكاني: أن العام الذي أريد به الخصوص مجاز على كل تقدير، وأما العام للمخصوص، فهو الذي لا تقوم قرينة عند تكلم المتكلم به على أنه أراد به بعض أفراده، فيبقى متناولًا لأفراده على العموم، وهي عند هذا التناول حقيقة. فإذا جاء المتكلم بما يدل على إخراج البعض منه، كان على الخلاف المتقدم - يعني خلاف العلماء حول العام بعد تخصيصه - هل هو حقيقة في الباقي أم مجاز) \"إرشاد الفحول\" (ص ١٤٠ - ١٤١). وانظر ما ذهب إليه صاحب المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل في \"المدخل\" (ص ١١٢ - ١١٣).","vol":"2","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-425>المبحث الثالث دلالة العام</span>\n<span data-type='title' id=toc-426>المطلب الأول دلالة العام بين القطعية والظنية</span>\nلقد كانت أدلة أرباب العموم على مذهبهم - كما رأينا - واضحة كل الوضوح بحيث انتصر هذا المذهب، وظهرت آثاره في استنباط الأحكام، إذ سانده العقل وطبيعة اللغة، وموارد الاستعمال عند السلف ﵏.\nولكن الذي اختلفت فيه أنظار القائلين بالعموم: هو دلالة العام على ما يشمل من أفراد.\nوقد فرقوا بين أن يكون عامًا قد دخله التخصيص، وبين أن يكون عامًا لم يدخله التخصيص.\n١ - أما النوع الأول - وهو العام الذي دخله التخصيص -: فهم متفقون على أن دلالته على ما بقي من الأفراد، بعد أن خص منها البعض: دلالة ظنية لا قطعية، فيجوز تخصيصه بالدليل الظني كخبر الواحد والقياس بلا خلاف (^١).\nومرد ذلك عندهم، أن الغالب في الدليل الذي يدل على التخصيص:\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٤): \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٢٩٤).","vol":"2","page":91},{"text":"لا بدَّ أن يكون معلَّلًا بمعنىً قام عليه التخصيص، وهذا المعنى الذي هو العلة، قد يتحقق في بعض الأفراد الباقية بعد ذلك التخصيص.\nوإذا كان الأمر كذلك: فكل فرد من الباقي بعد التخصيص، محتملًا لأن يكون خارجًا عن دلالة العام.\nومع قيام هذا الاحتمال: لا يكون العام في دلالته على الأفراد الباقية قطعيَّ الدلالة، بل ظنيها، فيجوز تخصيصه بخبر الواحد والقياس (^١).\n٢ - هذا فيما يتعلق بالنوع الأول. أما النوع الثاني - وهو العام الذي لم يدخله التخصيص: فالعلماء على خلاف في دلالته من حيث القطعية والظنية:\nأ - فذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، - ومعهم أبو منصور الماتريدي من الحنفية ومن تابعه من مشايخ سمرقند - إلى أن دلالة العام على كل فرد بخصوصه: دلالة ظنية (^٢) لا قطعية، بخلاف دلالة الخاص على معناه التي هي قطعية، لا يعدل عنها إلا بقرينة.\n_________\n(^١) مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣، الأنفال: ٣٩] عام خُصَّ منه الذمي والمستأمن بإجماع، فأصبح ظنيًا، وجاز أن يخصص بخبر الواحد وهو قوله ﷺ لخالد بن الوليد ﵁ وأرضاه: \"لا تقتلن امرأة ولا عسيفًا\". وصح - بناء على القاعدة المذكورة - أن يخصص بالقياس، فإذا قلنا: المشلول كالمرأة بجامع أن كلًا ليس من أهل الحِرابة، فكما لا تقتل المرأة لا يقتل المشلول؛ كان هذا القياس مخصَّصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وهكذا تخرج المرأة من عموم النص بخبر الواحد، كما يخرج المشلول بالقياس. وإنما كان ذلك ممكنًا، لأن العام سبق تخصيصه فأصبح ظنيًا يقوى الدليل الظني على تخصيصه عند الحنفية.\nراجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٠٦) فما بعدها، \"أصول الفقه\" للأستاذ الشيخ زكريا البرديسي (ص ٤٠٣).\n(^٢) راجع: \"البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٠٤)، وانظر: \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (١/ ٣٠) على أن النقل قد اختلف عن الشافعي في ذلك، ففي كلام إمام الحرمين وابن القشيري ما يشعر بالقطعية، ولكن =","vol":"2","page":92},{"text":"ب - وذهب عامة مشايخ العراق من الحنفية، وفيهم أبو الحسن الكرخي وأبو بكر الجصاص، إلى أن دلالة العام على كل فرد بخصوصه: قطعية لا ظنية، بمنزلة دلالة الخاص على معناه، إذ إن دلالة الخاص قطعية كما يأتي. وتابعهم في ذلك القاضي أبو زيد المدبوسي وعامة المتأخرين، والشاطبي من المالكية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-427>ما استدل به الجمهور:</span>\nولقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه من ظنية الدلالة في العام، بأن كل عام يحتمل التخصيص تقريبًا، بمعنى أن العام لا يخلو من قصره على بعض ما يتناوله من الأفراد إلا بقرينة تصرف هذا الاحتمال كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة، و…] وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].\nولقد شاع ذلك، حتى صار قولهم: (ما من عام إلا وقد خص منه البعض) بمنزلة المثل. وكان هذا نتيجة لما ثبت من الاستقراء لنصوص الشريعة العربية التي دخل التخصيصُ الكثيرَ من ألفاظ العموم فيها.\nومن الطبيعي أن يورث ذلك شبهة في دلالة العام على كل فرد\n_________\n= الإمام أبا الحسين الطبري قرر في كتابه \"التلويح\" - كما نقل الزركشي - أن الشافعي على غير ذلك، ومثله ما نقل الأبياري في \"شرح البرهان\".\nومهما يكن من أمر: فإن تخصيص الشافعي لنصوص الكتاب بخبر الواحد الذي كثيرًا ما دافع عنه، مع تسميته الظواهر نصوصًا: يدل على قوله بالظنية، قال الكيا الطبري: (وهذا - يعني القطع - لم يصح عنه، وإن صح عنه فالحق غيره، فإن المسميات النادرة يجوز أن لا تراد بلفظ العام، ويجب منه أن التخصيص إذا ورد في موضع آخر كان نسخًا، وذلك خلاف رأي الشافعي). \"البحر المحيط\" للزركشي، ج ١، مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^١) راجع: \"أصول الفقه\" للجصاص (ق ١١) فما بعدها \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٠٤ - ٣٠٦)، \"الموافقات\" (٣/ ١٦٤ - ١٦٥) بتعليق الخضر حسين.","vol":"2","page":93},{"text":"بخصوصه، سواء أظهر له مخصص أم لا، ويصير دليلًا على احتمال الاقتصار على البعض.\nوإذا ثبت الاحتمال انتفى القطع واليقين، لأن القطع واليقين لا يثبتان مع الاحتمال، فلا نقول: دلالة العام قطعية وهو محتمل للتخصيص (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-428>ما استدل به الحنفية:</span>\nلقد أخذ الحنفية قطعية العام من فروع الإمام أبي حنيفة وأصحابه. قال البزدوي: (العام عندنا يوجب الحكم فيما تناوله قطعًا ويقينًا بمنزلة الخاص فيما يتناوله. والدليل على أن المذهب هو الذي حكينا أن أبا حنيفة ﵀ قال: إن الخاص لا يقضي على العام، بل يجوز أن ينسخ الخاص به مثل حديث العرنيين في بول ما يؤكل لحمه نُسخ - وهو خاص - بقول النبي ﵇: \"استنزهوا من البول\" (^٢) ومثل قوله ﵇: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" نُسخ بقوله: \"ما سقته السماء ففيه العشر\" (^٣). ولِما ذكر محمد ﵀ فيمن أوصى بخاتمه لإنسان، ثم بالفَص منه لآخر بكلام مفصول: أن الحلقة للأول والفصُّ بينهما، وإنما استحقه الأول بالعموم، والثاني بالخصوص. وهذا قولهم جميعًا (^٤).\nثم استدلوا على ما ذهبوا إليه من القطعية، بأن العموم مما وضع له اللفظ باتفاق جمهور العلماء - كما مر سابقًا - واللفظ إذا وضع لمعنًى كان ذلك\n_________\n(^١) انظر: \"روضة الناظر\" لابن قدامة (٢/ ١٦٦)، \"التلويح على التوضيح\" (١/ ٤٠).\n(^٢) حديثه العُرَنيين رواه أحمد (١٢٠٤٢) والبخاري (٢٣٣) وابن حبان (١٣٨٦) والدارقطني (٤٧٦) وغيرهم. أما حديث: \"استنزهوا … \" فقد أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣ (٤٦٤)، والحاكم من حديث ابن عباس، وأخرجه الطبراني من حديث أنس وقال: المحفوظ: أنه مرسل.\n(^٣) انظر ما سبق: (١/ ٢٣٧، ٣٠٣).\n(^٤) \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٣٩١ - ٣٩٢).","vol":"2","page":94},{"text":"المعنى لازمًا له وثابتًا به قطعًا عند إطلاقه حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، وما دام اللفظ موضوعًا للعموم: فإن العموم يلزم ويثبت به قطعًا حتى يقوم دليل الخصوص، كالخاص يثبت مسماه قطعًا حتى يقوم دليل المجاز، ومجرد الاحتمالات التي لا دليل عليها: لا أثر لها في الألفاظ (^١).\nفقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. يشمل قطعًا كل متوفىً عنها زوجها إلا إذا جاء المخصص، سواء أكانت الوفاة قبل الدخول، أم كانت بعده (^٢).\nوكذلك قوله جلَّ وعلا: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. يشمل عدة كل معتدة لا ترى الحيض، يأسًا أو صغرًا، على سبيل القطع، سواء أكان ذلك قبل الدخول أم بعد الدخول، إلا إذا ثبت المخصص (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-429>الجواب عن الاحتمال:</span>\nومسألة احتمال التخصيص في العام التي هي معتمد دليل القائلين بالظنية: أجاب عنها الحنفية بأنهم لا ينفون أي احتمال كان، وإنما ينفون الاحتمال الناشيء من دليل، فلا اعتبار لاحتمال غير ناشئ عن دليل - كما ذكر انفًا - فإذا خص من العام بعض أفراده، كان احتمال التخصيص فيما بقي ناشئًا عن دليل فيعتبر؛ لذا يصبح العام في هذه الحال ظني الدلالة (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" (١/ ٣٩٤)، \"أصول السرخسي\" (١/ ١٣٧)، \"التوضيح\" (١/ ٤٠).\n(^٢) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٣٩ - ٤٠)، \"المرأة\" مع \"المرقاة والحاشية\" (١/ ٣٥٣).\n(^٣) راجع: \"نور الأنوار\" للميهوي، \"شرح المنار\" للنسفي (١/ ١١١).\n(^٤) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ١٠٤ - ١٠٧)، \"المنار وشرحه\" لابن ملك (١/ ٢٨٧)، \"نور الأنوار\" للميهوي (١/ ١١١)، قال الميهوي في شرحه لكلام النسفي: (نقول: هذا احتمال ناشئ بلا دليل وهو لا يعتبر، وإذا خص منه البعض، كان احتمالًا ناشئًا عن دليل، فيكون معتبرًا).","vol":"2","page":95},{"text":"وقد قرر الحنفية ذلك بناء على اصطلاحهم في المخصص، حيث لا يعتبرون التخصيص إلا بدليل مستقل مقترن - كما أسلفنا -.\nفما اعتبره غيرهم تخصيصًا حتى شاع أنه ما من عام إلا وقد خص منه البعض، هو منفي في نظرهم بناء على اصطلاحهم في تحديد الدليل الذي يكون به التخصيص.\nقال صدر الشريعة في \"التوضيح\": (لا نسلم أن التخصيص الذي يورث الشبهة، الاحتمالُ شائعٌ فيه: بل هو في غاية القلة، لأنه إنما يكون بكلام مستقل موصول بالعام) (^١) فرد صدر الشريعة على الجمهور بما هو اصطلاح الحنفية في المخصص.\n\n<span data-type='title' id=toc-430>موقف التفتازاني:</span>\nغير أن التفتازاني لم يرتض كلام صدر الشريعة، وأوضح ذلك بأن القائلين بطنية دلالة العام بناءً على الاحتمال الناشئ من وفرة التخصيص، إنما يريدون بالتخصيص: قصر العام على بعض المسميات، سواء أكان بغير مستقل أم بمستقل، موصول، أو متراخ، ولا شك في شيوعه وكثرته بهذا المعنى.\nوعلى ذلك قرر صاحب \"التلويح\" أنه إذا وقع النزاع في إطلاق اسم التخصيص على ما يكون بغير المستقل، أو بالمستقل المتراخي، فللجمهور أن يقولوا: قصر العام على بعض مسمياته شائع فيه، بمعنى أن أكثر المسميات مقصور على البعض، فيورث الشبهة في تناول الحكم لجميع الأفراد في العام، سواء أظهر له مخصص أم لا، ويصير دليلًا على احتمال الاقتصار على البعض فلا يكون قطعيًا (^٢).\nولقد تابع الكمال بن الهمام صاحب \"التحرير\" السعدَ التفتازاني في هذا\n_________\n(^١) راجع: \"التوضيح\" (١/ ٤٠ - ٤١).\n(^٢) راجع: \"التلويح على التوضيح\" (١/ ٤٠ - ٤١).","vol":"2","page":96},{"text":"حين قرر (أن المؤثر في ظنية العام من حيث الدلالة على العموم: كثرةُ إرادة البعض فقط، لا مع اعتبار تسميته مخصصًا في الاصطلاح إذ لا دخل للتسمية في هذا المعنى) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-431>موقف الخضري من ابن الهمام ورأينا في ذلك:</span>\nومن العجيب أن الشيخ الخضري ﵀ لم يرتض ملاحظة الكمال على هذا الرد، وقرر أنه لا حقَّ له في ذلك؛ لأن الخلاف ليس في الأسامي والاصطلاحات وإنما هو خلاف حقيقي.\nفقد جاء باستدلال الجمهور بمسألة (ما من عام إلا خصص) ثم بردّ بعض الحنفية عليه بما يشترطونه للتخصيص من كون الدليل المخصص مستقلًا مقترنًا وقال: (وهو كلام وجيه جدًّا بناء على ما قرره الحنفية من اشتراط المقارنة في المخصص، وأن النص المتراخي فضلًا عن أنه لا يسمى مخصصًا، لا يدل على أنه أريد بالعام بعض أفراده. ومن هذا يفهم أنه لا حق لابن الهمام في ملاحظته على هذا الرد، لأن الخلاف ليس في الأسامي والاصطلاحات وإنما هو خلاف حقيقي) (^٢).\nصحيح أن الخلاف بين كون العام قطعي الدلالة أو ظنيها خلاف حقيقي لما ترتب عليه من الآثار، التي كان لها شأن في الفروع والأحكام - كما سيأتي - ولكن الذي يريده ابن الهمام ومن قبله السعد التفتازاني ينصبُّ - في رأينا - على فكرة الاحتمال على إطلاقها. ومن هنا جاءت الملاحقة على التقييد بالمستقل المقترن؛ إذ هو اصطلاح القائلين بهذا القول وحدهم.\nوهذا ينفي الوجاهة التي أرادها الخضري: فالراجح - كما يبدو - ما ذهب إليه التفتازاني وابن الهمام.\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" مع \"شرحه تيسير التحرير\" (١/ ٢٦٦).\n(^٢) راجع: \"أصول الخضري\" (ص ١٨٧).","vol":"2","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-432>موقف الشاطبي:</span>\nمر بنا أن الشاطبي من القائلين بقطعية دلالة العام، ولقد أبدى تخوفًا شديدًا من القول بالظنية، واعتبر أن في ذلك ما يقتضي إبطال الكليات القرآنية، وإسقاط الاستدلال بالقرآن جملة، إلا لجهة من التساهل وتحسين الظن، لا على تحقيق النظر والقطع بالحكم.\nويرى الشاطبي أن القول بالظنية: يتنافى مع ما هو معلوم من أن النبي ﷺ بعث بجوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارًا على وجه هو أبلغ ما يكون، وأقرب ما يمكن التحصيل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-433>رأينا في دلالة العام:</span>\nوالذي نميل إليه في دلالة العام: هو ما ذهب إليه الجمهور، لأن احتمال صرفِ العام عن عصومه وقصرِه على بعض أفراده قائم، يلاحظ ذلك\n_________\n(^١) جاء في \"الموافقات\" بعد الحديث عن شناعة الاختلاف في حجية العام بعد التخصيص أو عدم حجيته: (ولقد أدى إشكال هذا الموضع إلى شناعة أخرى وهي أن عمومات القرآن ليس فيها ما هو معتد به في حقيقة من العموم وإن قيل بأنه حجة بعد التخصيص. وفيه ما يقتضي إيطال الكليات القرآنية، وإسقاط الاستدلاله بها جملة إلا بجهة من التساهل وتحسين الظن، لا على تحقيق النظر والمقطع بالحكم. وفي هذا - إذا تؤمل - توهين الأدلة الشرعية وتضعيف الاستناد إليها) وبعد أن عرض تذكر ما يروى عن ابن عباس أنه ما من عام إلا مخصَّص.\nقال: (وجميع ذلك مخالف لكلام العرب، ومخالف لما كان عليه السلف الصالح من القطع بمعلوماته التي فهموها تحقيقًا بحسب قصد العرب في اللسان، وبحسب قصد الشارع في موارد الأحكام). ثم عرض الابتعاث النبي ﷺ بجوامع الكلم، وقرر أن رأس هذه الجوامع في التعبير: العمومات (فإذا فرض أنها ليست بموجودة في القرآن جوامع، بل على وجه تفتقر فيه إلى مخصَّصات ومقيدات وأمور أخر، فقد خرجت تلك العمومات عن أن تكون جوامع مختصرة).\nثم قال: (وما نقل عن ابن عباس - إن ثبتت عن طريق صحيح - فيحتمل التأويل. فالحق في صيغ العموم - إذا وردت - أنها على عمومها في الأصل الاستعمالي) \"الموافقات\" بتعليق الخضر حسين (٣/ ١٦٤ - ١٦٥).","vol":"2","page":98},{"text":"- كما سبق - في غالب عمومات الكتاب والسنة، سواء أسمى القائلون بالقطعية هذا القصر تخصيصًا، أم لم يسموه، كما أوضح ذلك التفتازاني وابن الهمام.\nولا نرى مبررًا لتخوف الشاطبي على كليات القرآن وعموماته، فالعدول إلى التخصيص: لا يكون إلا بالدليل، وليس الأمر متروكًا بلا ضوابط أو قيود.\nثم إن إبطال الكليات القرآنية: يمكن أن ينطبق على مذهب الوقف فيما لو تعدى إلى نصوص الأحكام، ولا ينطبق على القائلين بالعموم.\nوعلى الأخص إذا علمنا أن الظنية المرادة، هي الظنية في دلالة العام على كل فرد من أفراده، لأن دلالة العام على أصل المعنى هي في نظرهم دلالة قطعية.\nثم ماذا يقول أبو إسحاق في واقع نصوص الكتاب والسنة التي صرف غالبها عن عمومه إلى الخصوص، وهي واردة بلسان من نزل القرآن بلغتهم! إنه فيما تحسب لا يملك دفع هذا الواقع، ولو أنه اعتبر أن ما ذهب إليه الجمهور خارجًا على العربية واستعمال السلف!.\nوبعد ذلك: فإنا لا نرى أيَّ تناف بين كون دلالة العام ظنية، وبين ثبوت جوامع الكلم فيما بعث به رسول الله ﷺ، فلا عدوان على ذلك ما دمنا نعتبر العام على ظاهره، ولا نجنح إلى التخصيص إلا بدليل.\nورسول الله صلوات الله عليه إذا كان قد بعث بجوامع الكلم، فهذا لا يتنافى مع ما قُلّده من أمانة البيان الذي كان منه تخصيص كثير من عمومات القرآن، كما ثبت ذلك بالنقل العلميِّ السليم.\nنقول هذا كله دفعًا لما قد يتوهم من إطلاق بعضهم: إن القرآن الكريم قطعي الثبوت وفيه ما هو ظني الدلالة. علمًا بأن اصطلاح \"ظنية العام\" عند","vol":"2","page":99},{"text":"الجمهور هو الذي جعل لخبر الآحاد المقبول عند أهل الجرح والتعديل دورًا في بيان القرآن الكريم كما سيأتي.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-434>المطلب الثاني ما ترتب على الاختلاف في دلالة العام</span>\nولقد ترتب على الاختلاف دلالة العام: اختلاف العلماء في مسألتين هامتين كان لهما أثر كبير في تفسير النصوص واستنباط الأحكام.\nالمسألة الأولى: جواز تخصيص العام من الكتاب أو السنة المتواترة: بالدليل الظني ابتداء كخبر الواحد (^١) والقياس.\n_________\n(^١) الخبر المتواتر: (هو الخبر الذي اتصل بنا من رسول الله ﷺ اتصالًا بلا شبهة حتى صار كالمعاين المسموع، وذلك أن يرويه قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم وتباين أماكنهم، ويدوم هذا الحد فيكون آخره كأوله، وأوسطه كطرفيه)، وقد قرر العلماء أن المتواتر يوجب علم اليقين بمنزلة العيان علمًا ضروريًا. وانظر: \"أصول البزدوي\" (٢/ ٣٦).\nأما خبر الواحد: (فهو كل خبر يرويه الواحد والاثنان فصاعدًا دون أن يبلغ درجة التواتر، وهو عند الأكثر لا يفيد العلم بنفسه سواء أفاده بالقرائن أم لم يفده أصلًا ولكن يوجب العمل). وانظر: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\": (٢/ ٢٧٠)، \"التوضيح\" و\"التلويح\": (٢/ ٣).\nالخبر المشهور: وقد ألحق الحنفية بالمتواتر - من حيث تخصيص العام - الخبر المشهور وهو عندهم: (ما يكون من الآحاد في العصر الأول - أي عصر الصحابة - ثم ينقله في العصر الثاني وما بعده قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب). أما المشهور في علم أصول الحديث: فهو (ما يرويه أكثر من اثنين في كل طبقة من طبقات الرواة ولم يصل إلى حد التواتر) وهكذا يكون الحديث المشهور عند الحنفية قسيمًا للآحاد والمتواتر، فهو واسطة بينهما. أما عند المحدثين: فهو قسم من الآحاد، وهو ما لم يبلغ رتبة التواتر. قال ابن عابدين: (والذي وقع الخلاف في تبديع منكِره أو تكفيره: هو المشهور المصطلح عند الأصوليين - يعني الحنفية - لا =","vol":"2","page":100},{"text":"فالحنفية لا يجيزون هذا التخصيص، لأن العام من الكتاب أو السنة المتواترة قطعيٌّ في ثبوته وفي دلالته، والقطعي لا يصح تخصيصه بالظني (^١).\nقال عبد العزيز البخاري: (العام من الكتاب والسنة المتواترة لا يحتمل الخصوص أي لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد والقياس لأنهما ظنيان فلا يجوز تخصيص القطعي بهما، لأن التخصيص بطريق المعارضة والظني لا يعارض القطعي) (^٢).\nأما الجمهور: فيجيزون هذا التخصيص لأن العام عندهم - كما أسلفنا - ظني الدلالة، فيصح أن يخصص بالظني كخبر الآحاد، والقياس الذي ثبتت علته بنص أو إجماع (^٣).\nهذا وقد أيد الحنفية رأيهم بأن ما ذهبوا إليه هو قول أبي بكر وعمر وعبد الله بن عباس وعائشة ﵃: وأوردوا قصة فاطمة بنت قيس مع عمر ﵁ حين ادعت أنه ﵇ جعل لها النفقة والسكنى وهي مبتوتة، فقال عمر: \"كيف نترك كتاب ربنا لقبول امرأة\" ورفض أن يأخذ بحديثها (^٤)، والمقصود بالكتاب هنا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦].\n_________\n= عند المحدثين. وقد قرر الكمال بن الهمام: أن الحق الاتفاق على عدم الإكفار بالمشهور لآحادية أصله، فلم يكن تكذيبًا له ﵊ بل تخطئة للمجتهدين. وانظر \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ١٧٦ - ١٧٧). نعود إلى التذكير بهذا وإن مر الكثير منه في المجلد الأول: لضرورة ذلك هنا.\n(^١) راجع: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (٣٧٨ - ٣٧٩). مخطوطة دار الكتب المصرية، \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\": لعبد العزيز البخاري (١/ ٢٩٤).\n(^٢) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٢٩٤).\n(^٣) راجع: \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية السعد\" (٣/ ١٤٩ - ١٥١)، \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٤٧٦، ٤٩١)، \"أصول الفقه\" للجاجرمي (ق ٣٢) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٤) انظر ما سلف (١/ ٥٧٤).","vol":"2","page":101},{"text":"وقد أجاب القائلون بالتخصيص: بأن عمر إنما قال مقالته هذه لتردده في صحة الحديث لا لرده تخصيص عموم الكتاب بالسنة الآحادية؛ فإنه لم يقل: كيف نخصص كتاب ربنا بخبر آحادي وإنما قال: \"كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة\" (^١) ولو كان خبر الآحاد مردودًا مطلقًا، لما احتاج إلى هذا التعليل. قال الشوكاني: (ويؤيد ذلك ما في \"صحيح مسلم\" وغيره بلفظ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت. فأفاد هذا أن عمر تردد في كونها حفظت أو نسيت، ولو علم أنها حفظت ذلك وأوردته كما سمعته لم يتردد في العمل بما روته) (^٢).\nوكان من الجمهور أن أيدوا ما ذهبوا إليه أيضًا بما عرف عن الصحابة من تخصيص عمومات الكتاب بخبر الآحاد؛ فقد خصصوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] الذي يشمل نكاح المرأة على عمتها وخالتها - بما جاء في الحديث الصحيح: \"نهى النبي ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها\" (^٣) كما خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وهو يوجب الميراث للأولاد عمومًا، بقوله ﵇: \"لا نورث ما تركناه صدقة\" (^٤) ومثل ذلك كثير.\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٧)، ابن الحاجب مع \"العضد والسعد\": (٢/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٢) راجع: \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٥٨)، وانظر: \"نهاية الوصول\" للمطهر الحلي (ص ١١٠) مخطوط دار الكتب المصرية.\n(^٣) الحديث أخرجه أحمد (٩٩٥٣) و(٩٩٩٦) وأصحاب الكتب الستة: البخاري (٥١٠٨) و(٥١٠٩) ومسلم (١٤٠٨) وأبو داود (٢٠٦٦) والترمذي (١١٢٥) والنسائي (٣٢٩٥) وابن ماجه (١٩٢٩) من رواية أبي هريرة ﵁. وفي رواية: \"نهى أن يُجْمَعَ بين المرأة وعمتها وخالتها\" رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه والترمذي. وفي لفظ لأبي داود من رواية أبي هريرة أيضًا: \"لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على ابنة أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أخيها\".\nوانظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ١٩٨)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٥٦) فما بعدها. وراجع: \"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ١٩٠).\n(^٤) انظر ما سلف، ٢/ ٦٠.","vol":"2","page":102},{"text":"وقد رد الحنفية ذلك: بأن مثل هذه الأحاديث من المشهور فهي آحاد في العصر الأول ولكنها تواترت فيما بعد. والمشهور يخصص العام عندهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-435>من آثار الاختلاف عند التطبيق:</span>\nكان للاختلاف في تخصيص العام ابتداء بخبر الواحد والقياس: أثر واضح في كثير من الأحكام. تذكر من ذلك على سبيل المثال ما يلي:\nقال الله تعالى في سورة الأنعام الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وروي عنه ﵊ أنه قال: \"المسلم\n_________\n(^١) مما عده الحنفية من المشهور الذي يخصص العام قبل تخصيصه: حديث الدارقطني الموقوف على عمر ﵁: \"لا يرث القاتل خطأً ولا عمدًا\" (٤٢١٢)، ورواه الدارمي (٣٠٨٥) وعدَّ السرخسي من المشهور أيضًا حديث: \"لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة\". راجع: \"المبسوط\" (٤/ ١٩٧)، \"التقرير والتحبير شرح التحرير\" (٢/ ٢١٩).\nعلى أن الإجابة بشهرة الأخبار لا تدفع - في نظرنا - واقع الاحتجاج بأخبار الآحاد؛ لأن الاصطلاح على تسمية نوع من خبر الآحاد مشهورًا لاعتبارات معينة عند الحنفية - لا ينفي عنه صفة الآحادية، وحسبنا من خبر الآحاد: أن يكون مستوفيًا شروط القبول بسنده ومتنه. ولذا كان من غير المقبول عندنا: ما قرره الأستاذ الفاضل عمر عبد الله من \"أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد غير معقول\". إن الرسول ﵊ هو المبين، فهل إذا وجدنا الحديث الصحيح نقف من بيان الكتاب به لأنه ليس متواترًا ولا مشهورًا. لقد رأينا إمامًا كالشافعي المتوفي سنة ٢٠٤ هـ يعني في رسالته أشد العنابة بضبط طرق الاستدلال، فلا ينكر التخصيص بخبر الآحاد، ولكن يحرص كل الحرص على أن يكون هذا الخبر صحيحًا، أتراه كان يتصرف تصرفًا غير معقول أم كان يأخذ بالكتاب أولًا وبالسنة التي فيها بيان القرآن ثانيًا؟\nانظر: \"سلم الوصول إلى علم الأصول\" للأستاذ عمر عبد الله (ص ٢٠٢)، \"الرسالة\" للشافعي (ص ٦٤ - ٧٣ - ٣٦٩ - ٤٧١)، وانظر ما يقوله الدهلوي في \"الإنصاف\" (ص ٧١)، \"حجة الله البالغة\" (١/ ١٤٦).","vol":"2","page":103},{"text":"يذبح على اسم الله سمّى أو لم يسم\" (^١)، وفي رواية: \"ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله عليها أو لم يذكره\" (^٢).\nفذهب الحنفية إلى تحريم الأكل من الحيوان الذي لم يذكر اسم الله عليه عند ذبحه عمدًا، تمسكًا بعموم الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا …﴾ ولم يخصصوا هذا العموم بالحديث المذكور؛ لأنه خبر آحاد وهو ظني، فلا يخصص عموم نص الآية ابتداء، الذي هو قطعي الدلالة إلى جانب كونه قطعي الثبوت (^٣).\nقاله صاحب \"العناية\": (وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] عام مؤكد بمن التي تفيد التأكيد، وتأكيد العام ينفي احتمال الخصوص فهو غير محتمل للتخصيص) (^٤).\nوهكذا يكون من مقتضي العموم عند الحنفية، وعدم تخصيص الآية بالحديث: حرمةُ الأكل من الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها، سواء أكان ذلك عمدًا أم نسيانًا.\nغير أنهم أجازوا الأكل من الذبيحة إذا تركت التسمية عليها نسيانًا، لأنهم اعتبروا الناسي ذاكرًا حكمًا، فهر ليس بتارك ذكر اسم الله تعالى؛ لأن الشارع - كما يرون - أقام الملة في هذه الحال مقام الذكر، مراعاة لعذر كان من جهة المكلف وهو النسيان، وذلك لدفع الحرج، كما أقام\n_________\n(^١) الحديث بهذا اللفظ ذكره صاحب \"الهداية\" وقال عنه الزيلعي في \"نصب الراية\": (غريب بهذا اللفظ) ثم ذكر أحاديث بمعناه، منها ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: \"المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم. وليذكر اسم الله، ثم ليأكل\" \"نصب الراية\" (٤/ ١٨٢). وانظر: \"سنن الدارقطني\" ٥/ ٣٥ (٤٨٠٨) وكلام صاحب \"التعليق المغني\" حول هذا الحديث.\n(^٢) الحديث من مراسيل أبي داود من رواية ثور بن يزيد عن الصلت. \"نصب الراية\" (٤/ ١٨٢).\n(^٣) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦).\n(^٤) راجع: \"الهداية\" مع \"العناية\" (٨/ ٥٥).","vol":"2","page":104},{"text":"الأكل ناسيًا في أثناء الصوم مقام الإمساك، وإذا اعتُبر الناسي ذاكرًا حكمًا: بقيت الآية على عمومها. وإلى حِل ما تركت التسمية عليه نسيانًا ذهب علي وابن عباس ﵄ (^١).\nأما الشافعية: فقد خصصوا الآية بالحديث، فأباحوا الأكل من قبيحة المسلم إذا ترك التسمية عليها عمدًا، جريًا على قاعدتهم في جواز تخصيص العام ابتداء بخبر الواحد، فعام الكتاب ظني الدلالة وإن كان قطعي الثبوت والظني يجوز تخصيصه بالظني.\nوتأولوا الآية أيضًا بأن المقصود ما ذكر عليه غير اسم الله تعالى؛ كالذي يذبح للأوثان بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، قال الرملي: (وسياق الآية دال عليه فإنه قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والحالة التي يكون فيها فسقًا هي الإهلال لغير الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] (^٢).\nويرى بعض الحنفية من المتأخرين كالميهوي وغيره، أن الشافعية قد ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه عملًا بتخصيص العام بخبر الواحد والقياس أيضًا، إذ قاسوا تارك ذكر اسم الله عمدًا على تاركه نسيانًا، ورد الحنفية هذا القياس، بأن التارك نسيانًا غير خارج من عموم الآية، فهو ذاكر حكمًا كما مر (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-436>دعوى الإجماع في كل من المذهبين:</span>\nهذا: وقد أيد كل من الحنفية والشافعية ما ذهبوا إليه بعد الاستدلال المذكور بدعوى الإجماع فيما اتجهوا إليه، وكل يدعيه في جانب من جوانب المسألة.\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" مع \"العناية ونتائج الأفكار\" لقاضي زاده (٨/ ٥٤).\n(^٢) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢٥١)، \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني بتحقيق المؤلف (ص ١٩٤)، \"نهاية المحتاج\" للرملي (٨/ ١١٢) مع \"حاشيتي الشبراملسي والرشيدي\".\n(^٣) راجع: \"نور الأنوار شرح المنار\" للميهوي (١١٣ - ١١٥).","vol":"2","page":105},{"text":"فقد جاء في \"الهداية\" مثلًا: (والشافعي مخالف للإجماع، فإنه لا خلاف فيمن كان قبله، في حرمة متروك التسمية عامدًا، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيًا، فمن مذهب عمر أنه يحرم، ومن مذهب علي وابن عباس ﵃ أنه يحل، بخلاف متروك التسمية عامدًا.\nولهذا قال أبو يوسف والمشايخ ﵏: إن متروك التسمية عمدًا لا يسع فيه الاجتهاد، ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفًا للإجماع) (^١).\nأما صاحب \"نهاية المحتاج\" - من الشافعية -: فقرر أيضًا في معرض استدلاله على أن المقصود من الآية تحريم ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى أن (الإجماع قام على أن من أكل ذبيحة مسلم لم يسم عليها فليس بفاسق) (^٢).\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٨/ ٢٥٤) وانظر: \"نتائج الأفكار\" لقاضي زاده الذي لم يرتض كلام صاحب الهداية من دعوى الإجماع على حرمة متروك التسمية عمدًا قبل الشافعي، ثم دعوى عدم احتمال \"ما لم يذكر اسم الله عليه\" للتخصيص مع أن جعل الناسي ذاكرًا لا يتصور بدون تخصيص الناسي من عموم قوله تعالى: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ لمن كان عامدًا وناسيًا قال ﵀: (وتخصيص الشيء مما هو غير محتمل للتخصيص غير متصور أيضًا فتحقق التنافي بين الكلامين)، \"نتائج الأفكار\" (٨/ ٥٦).\n(^٢) راجع: \"نهاية المحتاج\" (٨/ ١١٢) مع \"حاشيتي الشبراملسي والرشيدي\".\nوانظر: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢٥١). هذا: وأما عن التخصيص بالقياس: فقد جاه الزنجاني على ذكر: أن الشافعي حيث ذهب إلى أن دلالة العام ظنية، جوز تخصيص العام بالقياس - إذ هو دليل شرعي معمول به - قياسًا بمسألة تفرعت من هذا الأصل هي: حكم مباح الدم يلتجئ إلى الحرم فقال:\n(ويتفرع من هذا الأصل: أن مباح الدم إذا التجأ إلى المحرم لا يعصمه الالتجاء عند الشافعي طردًا للقياس الجلي - يعني أمر رسول الله ﷺ عندما قُتل عاصم بن ثابت الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة إن أمكن - كما ذكر الرازي. أو أمره بقتل نفر، منهم ابن الأخطل يوم الفتح.\nثم قال: (وعندهم - يعني الحنفية - يعصمه ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-437>المسألة الثانية:</span>\nومما ترتب على الاختلاف في دلالة العام: ما إذا ورد عام وخاص، واختلف حكمهما؛ بأن دل أحدهما على حكم يخالف ما دل عليه الآخر.\nفالجمهور - تمشيًا مع ظنية العام -، لا يحكمون بالتعارض بينهما، وإنما يخصصون العام بالأخص منه، فيعملون بالخاص فيما دل عليه، ويعملون بالعام فيما وراء ذلك، لأن التعارض منتف بين العام الذي هو ظني الدلالة، وبين الخاص الذي هو قطعيها (^١).\nأما الحنفية: - فجريًا على قاعدتهم في قطعية العام - يحكمون في هذه الحالة بالتعارض بينهما في القدر الذي دل عليه الخاص لتساويهما في القطعية (^٢). وعندئذ نكون أمام ثلاثة أحوال (^٣).\nأ - فإذا علم مجيء الخاص بعد العام من غير تراخ: كان مخصصًا له ومبينًا - كما ذكر من قبل - (^٤).\nوذلك كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] مع قوله جلَّ وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ مع قوله: ﴿وَأَحَلَّ\n_________\n= فالشافعي خصص عموم هذا النص بالقياس لقيام موجب الاستيفاء وبُعد احتمال المانع، إذ لا مناسبة بين اللياذ إلى الحرم، وإسقاط حقوق الآدميين المبنية على الشح والضنة والمضايقة. كيف وقد ظهر إلغاؤه فيما إذا أنشأ القتل في الحرم، وفي قطع الطرق. وأبو حنيفة لم يجوز تخصيص هذا العموم بالقياس وإن كان جليًا). \"تخريج الفروع على الأصول\" للإمام الزنجاني: (ص ١٧٥ - ١٧٧) بتحقيق المؤلف.\nوانظر: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٢٩٦ - ٢٩٨)، \"التفسير الكبير\" للفخر الرازي (٤/ ٥٢ - ٥٣).\n(^١) انظر: \"أصول الفقه\" للخضري (ص ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(^٢) راجع: \"التوضيح مع التلويح\" (١/ ٤١).\n(^٣) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٤٢)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٤١).\n(^٤) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٤٢)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٤١).","vol":"2","page":107},{"text":"اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ففي آيتي الصيام والبيع: عُلِمَ مجيء الخاص بعد العام، وكان ذلك من غير تراخ؛ فكان الخاص مبينًا للعام على سبيل التخصيص.\nب - أما إن علم تأخر مجيء الخاص من العام، بأن جاء بعده على التراخي: كان هذا الخاص ناسخًا للعام في القدر الذي اختلفا فيه، متي تساوى معه في الثبوت (^١).\nيتضح ذلك بقوله تعالى في شأن حد القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، مع قوله جلَّ ثناؤه في شأن اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ [النور: ٦].\nفالنص الأول عام يشمل الأزواج وغيرهم وذلك واضح في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ …﴾.\nوالنص الثاني خاص بالأزواج كما هو ظاهر، وقد ثبت تأخر هذه الآية في النزول عن الآية الأولى، وإن كانت متصلة بها من حيث النظم والترتيب. ودليل التأخر في النزول ما جاء في الصحاح أن هلال بن أمية (^٢) قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سمحاء، فقال له النبي ﷺ: \"البينة أو حد في ظهرك\"، فقال هلال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: \"البينة أو حد في ظهرك\"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ\n_________\n(^١) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٤١) فما بعدها. \"المنار\" للنسفي مع \"نور الأنوار\" للميهوي (١/ ١١١ - ١١٢) فما بعدها.\n(^٢) هو الصحابي هلال بن أمية بن عامر الأنصاري الواقفي، شهد بدرًا وما بعدها. وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا - رضوان الله عليهم - وتاب الله عليهم.","vol":"2","page":108},{"text":"فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ [النور: ٦] (^١).\nفتكون هذه الآية - وهي من الخاص - قد تأخرت عن سابقتها - وهي من العام - فتعتبر ناسخة لها نسخًا جزئيًا فيما تعارضا فيه مما يشمله العام قبل التخصيص - وهم الأزواج - فبعد أن كان حكم الزوج إذا قذف زوجته وعجز عن البنية إقامة حد القذف - كما تقضي بذلك الآية الأولى - أصبح حكمه إجراء اللعان بينه وبين زوجته على الطريقة التي نصت عليها الآيات فيما بعد، وهي أن يشهد الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فإذا شهد ذلك وأرادت الزوجة أن تدرأ عن نفسها العذاب، فعليها أن تشهد أربع شهادات إنه لمن الكاذبين فيما رماها به، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.\nج - وإن لم يعلم تأخر الخاص عن العام ولا مقارنته له، وقع التعارض بينهما، فيعمل بالراجح منهما. فإن لم يتوافر ما يرجح أحدهما على الآخر: تساقطًا فلم يعمل بواحد منهما فيما دل عليه الأخص (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-438>من آثار الاختلاف في التطبيق:</span>\nكما كان للاختلاف في مسألة تخصيص العام بخبر الواحد والقياس: أثر في الاستنباط، كذلك كان لهذه المسألة التي نحن بصددها أثره في أحكام عدة، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:\nورد في شأن نصاب الزكاة عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"فيما سقت\n_________\n(^١) حديث هلال بن أمية أخرجه أحمد (٢١٣١) وأصحاب الكتب الستة: البخاري (٤٧٤٨) ومسلم (١٤٩٣) وأبو داود (٢٢٥٦) والترمذي (٣١٧٩) والنسائي (٣٤٧٣) وابن ماجه (٢٠٦٧) بألفاظ مختلفة من رواية ابن عباس، وأخرجه النسائي من رواية أنس. وانظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٢٦٦ - ٢٦٣)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٦٢ - ١٦٣) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٤١).","vol":"2","page":109},{"text":"السماء والعيون، أو كان عثريًا العشر، وفيما سُقيَ بالنضح نصف العشر\" (^١).\nكما ورد في ذلك أيضًا عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة\" (^٢).\nفالنص الأول عام، يدل على وجوب الزكاة في القليل والكثير مما يخرج من الأرض، دون تحديد نصاب معين لزرع أو ثمر، ومقتضى ذلك: وجوب العشر في كل ما تأتي به الأرض قلَّ أو كثر.\nوالنص الثاني خاص، يدل على عدم وجوب الزكاة فيما دون خمسة أوسق؛ فهو لا يشمل ما دون ذلك من الزرع والثمار.\nومقتضى هذا: أن العشر لا يجب إلا إذا بلغ ما تعطيه الأرض نصابًا مقداره خمسة أوسق، فما فوق (^٣).\nوهكذا يقع الاختلاف بين الحديثين فيما دون الخمسة أوسق؛ فالعام يثبته والخاص ينفيه.\nوذهب أبو حنيفة ﵀ إلى عدم اشتراط نصاب معين لوجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض، ذلك لأن العام والخاص قد تعارضا فيما دون الخمسة أوسق ولم يعلم الراجح منهما، ولكن يرجع الحديث الأولى لأنه أشهر من الثاني.\nثم إن في وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض: احتياطًا لتبرئة الذمة، والخروج من العهدة.\nوذلك بالإضافة إلى أن في ذلك مصلحة لذوي الحاجة والمستحقين،\n_________\n(^١) الحديث رواه رجال الصحيح إلا مسلمًا. والنضح: الساقية، ويقال البعير الذي يستقى به الماء من البئر: الناضح. وانظر: (٢/ ٧٠) مما سلف.\n(^٢) رواه أحمد (١١٨٣٥) والأئمة الستة: البخاري (١٤٠٥) ومسلم (٩٧٩) وأبو داود (١٥٥٨) والترمذي (٦٢٦) وابن ماجه (١٧٩٣) والنسائي (٢٤٤٥). وانظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ٩٤٩) فما بعدها.\n(^٣) راجع: \"الأم\" الشافعي (٢/ ٣٢).","vol":"2","page":110},{"text":"وهكذا رجع أبو حنيفة العام على الخاص لتوافر هذه المرجحات (^١).\nوذهب الجمهور إلى تخصيص الحديث الأول بالثاني؛ فاشترطوا لوجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض: أن يبلغ نصابًا قدره خمسة أوسق، فلا تجب الزكاة فيما دون ذلك (^٢).\nوكان ذلك بناء على تخصيص العموم الوارد في حديث \"فيما سقت السماء … \" بحديث الأوسق، حيث يقضي الخاص على العام فيخصصه ويبينه (^٣). وهكذا اختلف الحكم في الفرع بناء على الاختلاف في الأصل - أعني القاعدة الأصولية -.\n* * *\n_________\n(^١) وما ذهب إليه الحنفية: هو قول ابن عباس، وزيد بن علي، والنخعي. راجع: \"الهداية\" و\"فتح القدير\" (٢/ ٣): \"كشف الأسرار شرح أصول البزدوي\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٢٩٨).\n(^٢) راجع: \"المهذب\" الشيرازي (١/ ١٥٤) \"نهاية المحتاج\" للرملي (٨/ ١١٢)، \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٦٨٩) فما بعدها. \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).\n(^٣) قال النووي: (اختلف العلماء في أنه: هل تجب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض .. إلا الحشيش والحطب ونحوهما أم يختص؟ فعمم أبو حنيفة وخصص الجمهور …) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥٤٧).","vol":"2","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-439>الفصل الثاني المشترك</span>\n<span data-type='title' id=toc-440>المبحث الأول ماهية المشترك وأسباب وجوده</span>\nيرى المتتبع لأساليب الخطاب في اللغة العربية، وكيفية وقوع الأسماء على مسمياتها: أنه كثيرًا ما تسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، كما نرى في عين العام، وعين المال، وعين السحاب. وهذا ما يدعى في اللغة بالمشترك (^١).\nولقد تعرض للباحث في الكتاب والسنة كثير من النصوص التي تشتمل على ألفاظ مشتركة، حيث يدل اللفظ على أكثر من معنى، وكان ذلك سببًا لاختلاف أنظار العلماء فيما أراده الشارع من تلك الألفاظ، وهذا الاختلاف انبني عليه انختلاف فيما يدل عليه النص المشتمل على اللفظ المشترك من أحكام.\nولما للمشترك من أثر في استنباط الأحكام: عُني العلماء بتحديد ماهيته، وإيضاح أسباب الاشتراك، ودلالة المشترك على الحكم كيف تكون. وستعرض - ولو بإيجاز - لأهم جوانب في المشترك والتي لا بد منها في\n_________\n(^١) انظر: \"الصاحبي\" لابن فارس (ص ١٧١)، \"المزهر\" للسيوطي (١/ ٣٦٩) فما بعدها.","vol":"2","page":113},{"text":"طريق الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة التي جاءت بلغةٍ كثيرًا ما يقع الاسم الواحد فيها على شيئين أو أشياء كثيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-441>تعريف المشترك:</span>\nالمشترك: (هو اللفظ الموضوع للدلالة على معنيين أو معان مختلفة بأوضاع متعددة) (^١).\nوقد عرفه البزدوي في \"الأصول\": بأنه (كل لفظ احتمل معنى من المعاني المختلفة أو اسمًا من الأسماء على اختلاف المعاني على وجه لا يثبت إلا وأحد من الجملة مرادًا به) (^٢).\nوقد تخوف الشارح عبد العزيز البخاري من أن يوهم قول البزدوي: (من المعاني) أن عدد الثلاث: شرط في الاشتراك كما هو شرط في العموم، فأبان أن الأمر ليس كذلك، وأن الاشتراك يثبت بين المعنيين والاسمين أيضًا قال ﵀: (ولهذا قيل في حده: هو اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعًا أو لا من حيث هما مختلفتان) (^٣).\nمثال ذلك: لفظ (العين): فإنه يطلق على الباصرة، وعين الشمس وما يتبع من الماء، والجاسوس، وعلى سحاب ينشأ من قِبل القبلة والمالِ الناض، وقد وضع هذا اللفظ لكل منها بوضعٍ على حِدة.\n_________\n(^١) قاتل السيوطي: (وقد حده أهل الأصول: بأنه اللفظ الواحد الدال على معنيين دلالة واحدة فأكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة) \"المزهر\" (٤/ ١٧١).\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٧ - ٣٨)، وانظر: \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (١/ ١٣٤).\n(^٣) \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ١٣٤) ومن هنا قال السالمي في \"طلعة الشمس\": (وحاصله أن المشترك هو ما تكرر فيه الوضع بحسب معانيه من غير إهمال لبعضها، ويكون اسمًا: كالقرء للطهر والحيض. وفعلًا: كعَسعَسَ لـ \"أقبل\" ولـ \"أدبر\" وحرفًا: كـ \"من\" الجارة تكون للتبعيض والابتداء وغيرهما من معانيها.","vol":"2","page":114},{"text":"وكذلك (القرء): فإنه يطلق على الحيض، كما يطلق على الطهر وهو المدة الزمنية بين الحيضتين. وقد وضع لكل منهما بوضع خاص، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nومن المشترك في كتاب الله أيضًا: لفظ (قضى) فقد جاء بمعنى (حتم) كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢]؛ وبمعنى: (أمر) كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي أمر، كما جاء بمعنى (أعلم) كقوله جلَّ وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] أي أعلمناهم، وجاء بمعنى (صنع) كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] وكقوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١] أي اعملوا ما أنتم عاملون (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-442>أسباب وجود المشترك:</span>\nيبدو للباحث أن وجود المشترك يرجع إلى عدة أسباب منها:\n١ - اختلاف القبائل العربية في إطلاق الألفاظ على المعاني، حيث تصطلح قبيلة على إطلاق لفظ على معنى معين، وتصطلح قبيلة أخرى على إطلاق اللفظ نفسه على معنًى آخر وتصطلح قبيلة ثالثة على معنًى ثالث وهكذا.\nوقد لا يكون بين المعنيين أو المعاني مناسبة ما، فيصير اللفظ موضوعًا لمعنيين أو أكثر، وينقل إلينا اللفظ مستعملًا في معنيين أو أكثر من غير نص على اختلاف الواضع (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"الصاحبي\" لأحمد بن فارس (ص ١٧١): \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٨ - ٣٩)، وانظر الكثير من الأمثلة في: \"المزهر\" السيوطي (١/ ٣٦٩ - ٣٨٤).\n(^٢) وقد يكون ذلك من واضع واحد لغرض الإبهام على السامع في المعنى الثاني. وقد ذكروا في ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق وقد سأله رجل عن النبي ﷺ وقت ذهابهما إلى الغار: من هذا؟ قال: هذا رجل يهديني السبيل. \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري: (١/ ٣٩)، \"المزهر\" للسيوطي (١/ ٣٦٩).","vol":"2","page":115},{"text":"٢ - أن يكون اللفظ موضوعًا لمعنى مشترك بين معنيين، فتصلح الكلمة لكل من المعنيين، لوجود لمعنى الجامع بينهما، وعلى توالي الزمن يغفل الناس هذا المعنى الجامع، فيعدون الكلمة من قبيل المشترك اللفظي كالقرء، فإنه اسم لكل وقت اعتيد فيه أمر خاص فيقال: (للحُمى قرء) أي: دور معتاد تكون فيه، (وللمرأة قرء) أي: وقت تحيض فيه ووقت تطهر فيه، (وللثريا قرء) أي: وقت اعتيد معها نزول المطر فيه.\n٣ - أن يكون اللفظ موضوعًا لمعنى، ويستعمل في معنًى آخر على سبيل المجاز لعلاقة بين هذا المعنى والمعنى الأول، ثم يشتهر استعمال هذا اللفظ في المعنى المجازي، وينسى التجوز مع الزمن، حتى يصير حقيقة عرقية فيه، وينقل اللفظ إلى أبناء اللسان على أنه حقيقة في المعنيين، لا على الأول أنه حقيقة وعلى الثاني أنه مجاز.\n٤ - أن ينقل اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى اصطلاحي، فيكون حقيقة لغوية في الأول وعرفية في الثاني، وينقل اللفظ إلينا على أن له معنيين حقيقين، وبذلك يكون مشتركًا بينهما (^١).\n* * *\n_________\n(^١) راجع: \"مفتاح الوصول\" للتلمساني (ص ٤٤)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٩). \"طلعة الشمس\" للسالمي (١/ ١٣٤)، \"أصول الفقه\" للبرديسي (ص ٣٩٦).","vol":"2","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-443>المبحث الثاني دلالة المشترك</span>\n<span data-type='title' id=toc-444>المطلب الأول موقف العلماء من دلالة المشترك</span>\nلا شك في أن العمل بما تدل عليه الألفاظ هو المطلوب في التشريع؛ فإذا ورد المشترك من غير أن يرد تصريح بإرادة معنييه أو معانيه، فمعنى ذلك أن هنالك إبهامًا في النص الذي ورد فيه المشترك، فلا بد من سلوك السبيل لإزالته كي يتسنى العمل بمدلول اللفظ، ويخرج المكلف من العهدة.\nومن هنا قرر العلماء أن الاشتراك خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين الاشتراك وعدمه، فعدم الاشتراك أرجح (^١): وإذا تحقق الاشتراك فالباحث في نص من نصوص الأحكام يكون أمام حالتين:\nالحالة الأولى: أن يكون اللفظ المشترك الوارد في نص شرعي مشتركًا بين معنًى لغوي ومعنًى اصطلاحي شرعي؛ فهنا يتعين أن يراد بالمشترك معناه الاصطلاحي الشرعي؛ وذلك كألفاظ الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والطلاق، الواردة في الكتاب والسنة؛ فالمراد من كل واحد منها المعنى الشرعي، لا اللغوي. ولا يراد اللغوي إلا إذا وجدت قرينة تصرف اللفظ عن معناه الاصطلاحي الشرعي.\n_________\n(^١) انظر: \"نهاية الوصول\" للمطهر الحلي (ص ٣٥) مخطوطة دار الكتب المصرية.","vol":"2","page":117},{"text":"فلفظ الصيام موضوع لغة للإمساك، وجاء الشارع ليضعه للعبادة المعروفة، فعندما يرد في كتاب أو سنة، فالمراد المعنى الشرعي ما دامت القرينة المصارفة ثم توجد.\nوإذا كنا نقرر أنه لا خلاف بين العلماء في لزوم الأخذ بالمعنى الذي تدل عليه القرينة، فإن الأنظار تختلف في تقويم هذه القرينة أو القرائن المرجحة لمعنى على آخر، فما يكون صالحًا للترجيح عند فريق، قد لا يكون صالحًا عند آخرين، وكثيرًا ما ينتج ذلك اتجاهَ كل إلى معنًى غيرِ المعنى الذي اتجه إليه غيره بناء على تفاوت الأنظار فيما يصلح للترجيح.\nمثال الصرف بالقرينة قبوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦] فإن الصلاة من الألفاظ المشتركة بين المعنى اللغوي - وهو الدعاء - والمعنى الشرعي، وهو الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم - كما مر في المجمل - وقد دلت القرينة اللفظية على أن المراد في هذا النص: المعنى اللغوي - وهو الدعاء - لا المعنى الشرعي الذي هو العبادة المخصوصة (^١).\nوهكذا يؤخذ بالمعنى الشرعي الذي وضعه الشارع للفظ، إلا إذا توافرت القرينة بإرادة المعنى اللغوي، لأن الشارع عندما نقل اللفظ عن معناه اللغوي إلى المعنى الخاص الذي استعمله في خطابات الشريعة، كان هذا اللفظ في لسان الشارع متعين الدلالة على ما كان اصطلاحًا للشارع، لأن المطلوب في التشريع - كما أسلفنا - هو العمل بما تدل عليه الألفاظ (^٢).\nالحالة الثانية: أن يكون اللفظ المشترك الوارد في النص الشرعي مشتركًا بين معنيين أو عدة معان، وليس للشارع عرض خاص يعين واحدًا من المعنيين. أو المعاني التي وضع لها المشترك.\n_________\n(^١) راجع: \"أصول الخضري\" (ص ١٧٥)، \"أصول الفقه\" لخلاف (ص ٢١١)، \"أصول الفقه\" للبرديسي (ص ٣٩٧).\n(^٢) \"أصول الحضري\" (ص ١٧٥).","vol":"2","page":118},{"text":"فإذا كان كذلك: وجب الاجتهاد لتعيين المعنى المراد، حيث يستعين المجتهد بالقرائن والإمارات، وحكمة التشريع، ومقاصد الشريعة على هذا التعيين (^١).\nففي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] رجح الحنفية كون الواو للاستئناف في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فكان ذلك مؤيدًا لما اتجهوا إليه من أن النهي في الآية إنما هو عن الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها مطلقًا سواء أذكر غيره كالأصنام أم لم يذكر، فمتروك التسمية من الذبائح على وجه العمد: حرام أكله عندهم (^٢).\nويرجع الشافعية أن الواو في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ للحال، فكان ذلك مؤيدًا لما ذهبوا إليه من أن المقصود في الآية النهي عما ذكر عليه غير اسم الله؛ كأن تذكر الأصنام مثلًا، فكأنه قال: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه والحال إنه لفسق، أي: ذكر عليه غير اسم الله، ولذلك كان الحكم عندهم: حلَّ متروك التسمية من الذبائح، ولو كان الترك متعمدًا (^٣).\nوقد مر بنا في مبحث التخصيص بخبر الواحد والقياس ما كان للسنة من أثر فيما اتجه إليه كل مذهب، في هذا الحكم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-445>عموم المشترك:</span>\nحين لا تقوم القرينة التي تعين المعنى المراد من المشترك، بحيث ترجحه على غيره، هل يصح في هذه الحال أن يراد من المشترك كل واحد من معنييه أو معانيه بإطلاق واحد، بحيث يكون الحكم المتعلق به ثابتًا لكل\n_________\n(^١) راجع: \"أصول الفقه\" للخضري (ص ١٧٥)، \"أصول الفقه\" لخلاف (ص ٢١٢).\n(^٢) راجع: \"الهداية\" مع \"العناية\" (٨/ ٥٤ - ٥٥)، \"أصول الفقه\" للبرديسي (ص ٣٩٧).\n(^٣) راجع: \"نهاية المحتاج\" للرملي (٨/ ١١٢).\n(^٤) انظر ما سلف (٢/ ١٠٣ - ١٠٥).","vol":"2","page":119},{"text":"واحد منها؟ أم لا يصح ذلك، ويجب التوقف حتى يقوم الدليل على تعيين واحد من المعنيين، أو المعاني؟\nلقد جرى في ذلك، اختلاف العلماء:\n١ - فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر الباقلاني، وجماعة من الشافعية، وفريق من مشايخ المعتزلة كالجبائي والقاضي عبد الجبار وغيرهم، إلى جواز أن يراد من المشترك جميع معانيه، سواء أكان واردًا في النفي أم في الإثبات، ولكن بشرط أن لا يمتنع الجمع بين المعاني؛ وذلك كاستعمال العين في الباصرة والشمس. أما إذا امتنع الجمع: كالقرء في الحيض والطهر، لم يصح ذلك (^١).\nفترى مذهب الشافعي - كما حكى الآمدي - أنه إذا تجرد اللفظ المشترك عن القرينة الصارفة إلى واحد من معنييه، وجب حمله على المعنيين (^٢).\nوقد استدل على هذا المذهب بأمرين:\nأولهما: أن اللفظ استوت نسبته إلى كل المسميات، فليس تَعَيُّنُ البعض منها بأولى من البعض، فيحمل على الجميع احتياطًا.\nالثاني: مما يدل على الجواز: وقوعه كقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].\nفقد أريد بالسجود - وهو لفظ واحد - معنيان مختلفان؟ لأن سجود الناس إنما يكون بوضع الجبهة على الأرض، أما سجود غيرهم: فمعناه الخشوع والانقياد.\nقالوا: والدليل على أن المراد من سجود الناس وضع الجبهة على الأرض\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣٥٢) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"البرهان\" لإمام الحرمين (لوحة ٨٦) مخطوطة دار الكتب المصرية، \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣٥٢) فما بعدها.","vol":"2","page":120},{"text":"لا الخشوع، تخصيص كثير من الناس بالسجود، دون من عداهم ممن حق عليه العذاب، مع استوائهم في السجود بمعنى الخشوع والخضوع (^١).\n٢ - وذهب الحنفية وبعض الشافعية، ومنهم إمام الحرمين، وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري وغيرهما، وكذلك الإباضية في الصحيح عندهم: إلى منع ذلك مطلقًا، فلا يراد بالمشترك إلا واحد من معانيه سواء أكان واردًا في النفي، أم في الإثبات (^٢).\nوقد عرض إمام الحرمين لمذهب الشافعي والواقعة التي علم منها هذا المذهب، ثم أعرب عن رأيه المخالف لما ذهب إليه الإمام محمد بن إدريس، وهو عدم جواز إطلاق المشترك على معانيه إطلاقًا واحدًا؛ معللًا ذلك بأن المشترك صالح لاتخاذ معان على البدل، ولم يوضع وضعًا مشعرًا بالاحتواء عليها (^٣).\n_________\n(^١) راجع \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع شرحه \"للعضد وحاشية السعد\" (٢/ ١١١ - ١١٤).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣٥٢)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٤٠)، \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (١/ ١٣٨).\n(^٣) قال إمام الحرمين: (المشترك إذا ورد مطلقًا فقد ذهب ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه محمول على جميع معانيه إذا لم يمنع مانع، ولم يفرق هؤلاء بين أن يكون اللفظ حقيقة في محامله وبين أن يكون حقيقة في بعضها، مجازًا في بعضها، وهذا ظاهر اختيار الشافعي، فإنه قال في مفاوضة جرت له في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. فقيل له: قد يراد بالملامسة المواقعة. قال: هي معمولة على اللمس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازًا.\nوالذي أراه أن اللفظ المشترك إذا ورد مطلقًا لم يحمل في موجب الإطلاق على المحامل: فإنه صالح لاتخاذ معان على البدل، ولم يوضع وضعًا مشعرًا بالاحتواء عليها، فادعاء إشعاره بالجميع بعيد عن التحصيل) على أن الجويني قد صرح بأنه لا يمنع أن يراد بالمشترك: جميع محامله إذا كانت قرينة متصلة مشعرة بذلك - وذلك قوله: (فإن قيل: بم تنفصلون عما ذكره القاضي. قلنا: ما ذكره يؤول إلى اشتقاق لفظ الحقيقة والمجاز، فإذا رد الكلام إلى حمل الملامسة على الحس باليد والوقاع فهما معنيان كغيرهما)، \"البرهان\" لإمام الحرمين: (لوحة ٨٦) مخطوطة دار الكتب المصرية نسخة مصورة.","vol":"2","page":121},{"text":"واستدل لهذا المذهب: بأن المشترك لم يوضع لمعانيه بوضع واحد، وإنما وضع كل معنًى من معانيه بوضع خاص، فإرادة جميع المعاني منه في نص واحد مخالفة لهذا الوضع العربي في اللغة. ومخالفةُ الوضع العربي في اللغة لا تجوز لما يلزم من الجمع بين المتنافين؛ إذ يكون كل واحد من المعنيين مثلًا مرادًا، وغير مراد بآن واحد (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-446>الجواب عن آية السجود:</span>\nوقد أجاب أصحاب هذا المذهب عن آية السجود التي استدل بها أولئك: بأن السجود في الآية الكريمة معناه الخشوع والانقياد، سواء أكان قهريًا أم اختياريًا. وهذا كما يتحقق في الناس يتحقق في غيرهم، فلا يختلف المعنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-447>موقف عبد العزيز البخاري والتفتازاني:</span>\nولكن هذا الجواب لم يرضه عبد العزيز البخاري ولا التفتازاني، لأنه إن أريد بالانقياد امتثال أوامر التكاليف ونواهيها: فهو لا يصح في غير المكلفين. وإن أريد امتثال حكم التكوين والتسخير، أو مطلق الإطاعة أعم من هذا وذاك: فشموله لجميع الناس ظاهر، فلا بد أن يكون في كثير من الناس بمعنى آخر يخصهم كوضع الجبهة أو امتثال التكاليف. ولذلك قال صاحب \"التلويح\": (الأظهر في الجواب عن الآية ما ذكره القوم من أنها على حذف الفعل أي: ويسجد كثير من الناس، على أن المراد بالسجود\n_________\n(^١) قال عبد العزيز البخاري: (يوضحه أن اللفظ بمنزلة الكسوة للمعاني لا يجوز أن يكتسيها شخصان، كل واحد بكمالها في زمان واحد. فكذا لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على أحد مفهوميه بحيث يكون هو تمام معناه ويدل على المفهوم الآخر كذلك أيضًا في ذلك الزمان، نعم إنما يجوز ذلك لو كان كل واحد من مفهوميه: جزء المعنى، فتكون دلالته على المجموع من حيث هو مجموع وقد اتفقوا أنه ليس كذلك).\nراجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري شريح أصول البزدوي (١/ ٤٠ - ٤١)، \"المنار\" للنسفي مع \"شرح ابن مالك\" و\"حاشيتي ابن الحلبي وعزمي زاده\" (١/ ١٤٣) فما بعدها. وانظر: \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (١/ ١٣٨).","vol":"2","page":122},{"text":"الأول الانقياد والخضوع، وقد دل على شموله جميع الناس ذكر ﴿مَن فِي الأَرْضِ﴾، وبالتالي سجود الطاعة والعبادة، وهو غير شامل لجميع الناس) (^١).\n٣ - وقال بعض فقهاء الحنفية: إنه يجوز أن يراد بالمشترك كل واحد من معانيه في النفي دون الإثبات، وقد بنوا على ذلك ما جاء في باب الوصية من \"أن من أوصى بثلث ماله لمواليه، وكان له موالٍ أعتقوه، وموالٍ أعتقهم، ومات الموصي قبل البيان بطلت وصيته\" (^٢).\nوإنما حكموا ببطلان الوصية لأن اسم المولى مشترك بين المعتِق والمعتق، فيحتمل أن يكون المراد في الوصية المولى الأعلى وهو الذي أعتق، ويحتمل أن يكون المراد المولى الأسفل وهو الذي أُعتق، ولا يصح أن يكون كل منهما مرادًا: لأن المشترك وارد في الإثبات، والمشترك إذا ورد في الإثبات لا يفيد العموم، بل يكون المراد منه واحدًا من معانيه فقط. ولما كان الموصي قد مات ولم يعين من هو المراد في وصيته: وقعت الجهالة في الموصى له، والوصية للمجهول لا تصح (^٣). وقد مر بنا أن المشترك الذي انسد باب الترجيح فيه هو نوع من أنواع المجمل عند الحنفية (^٤).\nوبنوا على ذلك أيضًا ما جاء في باب الأيمان: من أن من حلف لا يكلم موالي فلان، كان قَسَمُه شاملًا للمولى الأعلى والأسفل فيحنث بتكليمه أيَّ واحد منهما.\n_________\n(^١) راجع: \"التلويح\" للتفتازاني (١/ ٦٩)، وانظر: \"الكشاف\" (٣/ ١١٧) حيث يقرر الزمخشري من المعتزلة أنه يرفع \"كثير\" بفعل مضمر يدل عليه قوله: \"يسجد\" (أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة، قال: (ولم أقل: أفسر \"يسجد\" الذي هو ظاهر بمعنى الطاعة والعبادة في حق هؤلاء؛ لأن اللفظ الواحد لا يصح استعماله في حالة واحدة على معنيين مختلفين).\n(^٢) انظر: \"الهداية\" مع \"العناية\" (٨/ ٤٧٧).\n(^٣) راجع: \"الهداية\" مع \"العناية\" و\"نتائج الأفكار\" (٨/ ٤٧٧ - ٤٧٨).\n(^٤) انظر ما سلف (١/ ٢٤٠ - ٢٤٢).","vol":"2","page":123},{"text":"لأن لفظ المولى في هذه المسألة وارد في سياق النفي، والمشترك الوارد بعد النفي: يراد به جميع معانيه. قال ابن الهمام في \"التحرير\": (وفي المبسوط حلف لا أكلم مواليك وله أعلون وأسفلون، فأيّهم كلم حنث به؛ لأن المشترك في النفي يعم وهو المختار) (^١).\nففي المسألة الأولى، وهي مسألة الوصية، لم يعمّ المشترك؛ لأنه كان في سياق الإثبات، وفي المسألة الثانية، وهي مسألة اليمين، شمل؛ لأنه كان في سياق النفي.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-448>المطلب الثاني من آثار الاختلاف في التطبيق</span>\nكان من الطبيعي أن ينبني على الاختلاف في بعض مسائل المشترك: اختلاف في بعض الأحكام عند تفسير النصوص ومن ذلك ما يلي:\nأ - مر بنا في أكثر من مناسبة قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولقد تباينت أنظار العلماء في الحِقبة الزمنية التي يجب أن تعتدها المطلقة بناءً على تباين أنظارهم في المراد من القرء في هذه الآية.\nولقد عرفنا من قريب أن القرء من الألفاظ المشتركة في اللغة العربية، لا خلاف في ذلك بين أئمة اللغة والفقهاء، وقد حكى يعقوب بن السكيت (^٢)\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (٢١٢ - ٢١٣).\n(^٢) هو يعقوب بن إسحاق أبو يوسف بن السكيت: إمام في اللغة والأدب، أصله من خوزستان وتعلم بغداد، قال ثعلب: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت. له كثير من المصنفات منها: \"إصلاح المنطق\" الذي قال المبرد فيه: ما رأيت للبغداديين كتابًا أحسن منه و\"الألفاظ\" و\"الأضداد\" و\"القلب والإبدال\" و\"غريب القرآن\" وعدد من الشروح لعدد من دواوين الشعر العربي. توفي ﵁ سنة ٢٤٤ هـ.","vol":"2","page":124},{"text":"وغيره من اللغويين أن العرب تقول: أَقْرأَت المرأة إذا طهرت، وأَقْرأَت: إذا حاضت، وذلك أن القرء في كلام العرب معناه الوقت فلذلك صلح للظهر والحيض معًا.\nولعل على ذلك قول الشاعر:\nشنئت العَقر عَقربني شَليل … إذا هبت لقارئها الرياح (^١)\nوقد جاء القرء بمعنى الطهر في قول الأعشى:\nأفي كل عام أنت جاشم غزوة … تشد لأقصاها عزيم عزائكا\nمورثةً مالًا وفي الحي رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا\nأي: لما ضاع من أطهار زوجاته وذلك لاشتغاله بالغزو والقتال عن الاستمتاع بهن.\nوجاء القرء بمعنى الحيض في قوله ﷺ بشأن أحكام المستحاضة:\n\"تدع الصلاة أيام أقرائها\" (^٢) أي: أيام حيضها لأنها هي المدة التي يجب فيها ترك الصلاة.\nوهو في الآية الكريمة ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يحتمل كلًا من الطهر والحيض.\nفإن حملناه على الطهر، كان الواجب على المطلقة أن تعتد بثلاثة أطهار، فإن احتسبنا الظهر الذي وقع الطلاق فيه من العدة: اعتبرت العدة\n_________\n(^١) شليل: هو جد جرير بن عبد الله البجلي، والبيت لمالك بن الحارث الهذلي، وانظر: \"الإنصاف\" للبطليوسي (ص ١٣).\n(^٢) من حديث أخرجه أبو داود (٢٩٧) وابن ماجه (٦٢٥) والترمذي (١٢٦) عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال في المستحاضة: \"تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي\". وروى أحمد (٢٦٢٠٠) وابن ماجه من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أن الرسول ﷺ قال لها: \"اجتنبي الصلاة أيام محيضك\" \"نصب الراية\" (١/ ٢٠٣)، \"تخريج أحاديث البزدوي\" للقاسم بن قطلوبغا مخطوط دار الكتب المصرية (ص ٤٧)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨).","vol":"2","page":125},{"text":"منتهية بابتداء الحيضة الثالثة، وإن لم يحتسب من العدة: لم تنته عدتها إلا بابتداء الحيضة الرابعة.\nوإن حمل القرء على الحيض وجب على المطلقة أن تعتد بثلاث حيضات، فلا تنتهي عدتها إلا بانتهاء الحيضة الثالثة.\nوقد اختلف في تعيين المعنى المراد من القرء في الآية:\nفذهب مالك والشافعي وأحمد - في رواية - وداود الظاهري وأبو ثور إلى أن المراد الطهر. وهو قول عائشة، والمروي عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، كما أنه قول فقهاء المدينة السبعة (^١)، وقتادة والزهري وأبان بن عثمان (^٢).\nوذهب أبو حنيفة وأحمد بن حنبل إلى أن المراد الحيض. وهو قول الخلفاء الراشدين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأبي موسى الأشعري، وكثير من الصحابة والتابعين، وهو مذهب العترة والحسن البصري والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-449>ما استدل به القائلون بالطهر:</span>\nاستدل القائلون بأن القروء في الآية مراد بها الأطهار بأدلة أهمها ما يلي:\n_________\n(^١) هؤلاء الفقهاء هم أشهر فقهاء المدينة في عصر التابعين الذين أخذوا الفقه عن أصحاب رسول الله ﷺ وهم: سعيد بن المسيب المتوفى سنة ٩٤ هـ، وعروة بن الزبير المتوفي سنة ٩٤ هـ، وأبو بكر بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٩٤ هـ، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود المتوفى سنة ٩٨ هـ، وخارجة بن زيد المتوفى سنة ٩٩ هـ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر المتوفى سنة ١٠٥ هـ، وسليمان بن يسار المتوفى سنة ١٠٧ هـ.\nوانظر: \"محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي للدراسات العليا في حقوق القاهرة\" (ص ٣٢) لأستاذنا الشيخ فرح السنهوري.\n(^٢) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص ٥٦٥ - ٥٧٠) مع الحاشية للشيخ أحمد شاكر. \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٤٥٣)، \"فِرَق الزواج\" لأستاذنا الشيخ علي الخفيف (ص ٣٣٩) فما بعدها.\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٩)، \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٤٥٢)، \"فرق الزواج\" للشيخ علي الخفيف (ص ٣٣٩) فما بعدها.","vol":"2","page":126},{"text":"١ - إن تأنيث اسم العدد وهو \"ثلاثة\" يدل لغة على أن الممدود مذكر والمذكر هو الطهر لا الحيضة، وعلى ذلك تكون الأطهار هي المراد من لفظ \"القروء\" الوارد في الآية الكريمة.\n٢ - ومن جهة ثانية فإن الله تعالى يقول في سورة الطلاق (الآية ١): ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ والمعنى: في عدتهن؛ لأن اللام هنا بمعنى في، مثل قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة وقد أمر الرسول صلوات الله عليه أن يكون الطلاق وقت الطهر، وذلك حين قال لعمر وقد أخبره أن ابنه عبد الله طلق امرأته وهي حائض: \"مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تظهر، ثم تحيض ثم تظهر، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق فيها النساء\" (^١).\nوإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يكون الطهر هو المعتبر في المدة فإن قول الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لوقت يعتدون به فيكون ذلك الوقت هو الوقت الذي أمر الرسول أن يكون الطلاق فيه وهو الطهر.\nفما قاله الرسول ﷺ لعمر في شأن طلاق ابنه عبد الله لزوجته، يدل على أن زمن الظهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلَّق فيه النساء؛ إذ إن العلماء متفقون على أن المرأة إذا طلقها الرجل في حيضها لم تعتد بتلك\n_________\n(^١) عن ابن عمر ﵄: (أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ. فتغيظ منه رسول الله ﷺ ثم قال: \"ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء\") وفي لفظ: \"فتلك العدة كما أمر الله تعالى\" رواه أحمد (٣٠٤) و(٦١١٩) وأصحاب الكتب الستة -: البخاري (٤٩٠٨) مسلم (١٤٧١) أبو داود (٢١٧٩) ابن ماجه (٢٠١٩) النسائي (٣٣٨٩) - إلا الترمذي: فإن له منه إلى الأمر بالرجعة (١١٧٥).\nوانظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٢/ ٢٩، ٣١، ٣٤ - ٣٧)، \"منتقى الأخبار مع نيل الأوطار\" (٦/ ٢٣٥) فما بعدها.","vol":"2","page":127},{"text":"الحيضة؛ فإذا طلقها الرجل في طهر لم يطأها فيه اعتدَّت بما بقي منه، ولو كان هذا الباقي لحظة، ثم استقبلت طهرًا ثانيًا بعد حيض، ثم ثالثًا بعد حيضة ثالثة، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للزواج وخرجت من العدة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-450>ما استدل به القائلون بأن القرء هو الحيضة:</span>\nواستدل القائلون بأن القروء في الآية مراد بها الحَيض بأدلة أهمها ما يلي:\n١ - إن قول الرسول ﷺ بشأن المستحاضة: \"تدع الصلاة أيام أقرائها\" واستعماله للقرء في الحيض مما يدل على أن عرف الشريعة قائم على تخصيص القرء بالحيض دون الطهر.\nومما يؤيد ذلك في نظرهم قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]. حيث جعل الاعتداد بالأشهر مكان الاعتداد بالحيض الميؤوس منه، وفي ذلك دلالة على أن الحيض هو المعتبر في العدة لا الطهر.\n٢ - إن العدة إنما شرعت للمرأة بعد حصول الفرقة بينها وبين زوجها، لتعرف براءة الرحم من الحمل، كيلا تختلط الأنساب، وإنما يكون ذلك بالحيض لا بالطهر.\n٣ - ومما استدلوا به أن لفظ ﴿ثَلَاثَة﴾ الوارد في الآية خاص، ودلالة الخاص على معناه دلالة قطعية، ولا يتحقق مدلول الثلاثة التي هي الخاص هنا، إلا بأن تعتد المطلقة ثلاثة قروء كاملة من غير زيادة ولا نقصان، وذلك لا يحصل إلا إذا اعتبر المراد من القرء الحيض لا الطهر، لأن من المتفق عليه أن الطلاق المشروع - كما من قريبًا - هو ما يكون والمرأة في حال طهرها.\nفإذا حصل الطلاق في الطهر واحتسب من العدة، كانت العدة طهرين\n_________\n(^١) راجع: \"فرق الزواج\" لأستاذنا علي الخفيف (ص ٣٤٠).","vol":"2","page":128},{"text":"كاملين وبعض الطهر، وهو المدة الزمنية التي بقيت من الطهر الذي وقع الطلاق فيه.\nوإن لم يحتسب ذلك الطهر من العدة، كانت العدة ثلاثة أطهار وبعض الطهر، ففي كلا الحالين: - حال احتساب الطهر الذي وقع الطلاق فيه من العدة، وحال عدم احتسابه - يؤول الأمر إلى عدم تحقق مدلول الخاص - وهو ثلاثة - بالنقصان منها، أو الزيادة عليها، وذلك غير جائز (^١).\nوهكذا نرى الاتفاق قائمًا على أن القرء مشترك بين الحيض والظهر، ولكن الخلاف كان لتفاوت الأنظار في تقييم الأدلة التي ترجح أحد المعنيين على الآخر في الآية الكريمة، وعلى أساس ذلك تحتسب العدة، إما بالحِيَض وإما بالأطهار (^٢).\nب - ومما ارتبط الخلاف فيه بالمشترك - كما يرى الزنجاني - مسألة تخيير ولي المقتول عمدًا بين القصاص والدية.\nفقد ذهب الشافعي ﵀ إلى أن موجب العمد التخيير بين القصاص\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٢٨).\n(^٢) زيادة في إيضاح المذهبين، راجع: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص ٥٦٣ - ٥٦٩)، \"الأم\" مع \"مختصر المزني\" (٥/ ٢ - ٤ و١٩١ - ١٩٢)، \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٢/ ٣٤ - ٣٧) \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٤٥٢) فما بعدها؛ وانظر كلام الشيخ أحمد شاكر المسهب في إثبات أن القرء الوارد في الآية مراد به الحيضة، وذلك في تعليقه على كلام الشافعي في \"الرسالة\" (ص ٥٦٧ - ٥٧١) ثم رد الأستاذ الشيخ عبد الغني عبد الخالق الرد المفصل على ما ذهب إليه الشيخ شاكر، وذلك في التعليق على \"أحكام القرآن\" للشافعي الذي جمعه البيهقي (١/ ٢٤٤) فما بعدها. ولعل من الخير أن نثبت هذا ما قاله أستاذنا الشيخ علي الخفيف في \"فرق الزواج\": (ومسألة يحدث فيها الخلاف بين من ذكرنا وليس يوجد فيها دليل قاطع - مسألة لا يتيسر البت فيها ولا القطع فيها برأي، وإن كان ابن القيم قد رجح أن المراد بالقرء في الآية: الحيض؛ بناء على أن ذلك رأي كبار الصحابة الذين يرجع إليهم في الفتيا، وأن ظاهر آية الأقراء يدل على ذلك …)، \"فرق الزواج\" (ص ٣٤٦).","vol":"2","page":129},{"text":"والدية، أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فإن السلطان يحتمل الدية والقصاص.\nفالشافعي خيَّر بينهما وأثبت وصف الوجوب لكل واحد منهما سيرًا مع قاعدته في عموم المشترك.\nقال النووي في \"المنهاج\": (موجب العمد القود، والدية بدل عند سقوطه. وفي قول: أحدهما مبهمًا، وعلى القولين: للولي عفو على الدية بغير رضا الجاني) (^١).\nوذهب الحنفية إلى عدم التخيير بين القصاص والدية، لأنه لا عموم للمشترك عندهم. جاء في \"الهداية\" بشأن القود: (وهو واجب عينًا وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل) (^٢).\nج - ومن أمثلة المشترك الذي وقع الخلاف فيه: اختلاف الفقهاء في معنى \"نكح\"، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].\nفإن هذه اللفظة مشتركة بين العقد والوطء، وبسبب هذا الاشتراك نشأ الاختلاف في معنى الآية وهو اختلاف في أمر بالغ الأهمية في شؤون الأسرة والبيوت.\nوقد وردت هذه الكلمة في القرآن و\"لسان العرب\"، بمعنى الوطء مرة كما وردت بمعنى العقد أخرى، وكان طبيعيًا أن يختلف المجتهدون في تعيين المعنى المراد، وكان لا بد من البحث عن القرائن والأدلة التي ترجع في نص من النصوص أحد المعنيين، أو المعاني، إذا لم يعينه الشارع.\nففي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ\n_________\n(^١) راجع: \"مغني المحتاج شرح المنهاج\" (٤/ ٢٠)، \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ١٨٨)، \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني بتحقيق المؤلف (ص ١٦٦ - ١٦٧) مع الحاشية.\n(^٢) انظر: \"الهداية\" مع \"العناية\" و\"نتائج الأفكار\" (٨/ ٢٤٧).","vol":"2","page":130},{"text":"سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] (^١) حملها أبو حنيفة على الوطء حكم يحرمة زواج الابن بمزنية أبيه (^٢).\nوحملها الشافعي وآخرون على العقد، وترتب على ذلك عدم تحريم من زنى بها الأب على الابن (^٣).\nوهكذا كان الاشتراك في كلمة \"نكح\" وعدم تصريح الشارع بإرادة أحد المعنيين: الوطء أو العقد في الآية الآنفة الذكر: مدعاة للاختلاف والبحث عن القرائن والمؤيدات لترجيح أحد المعنيين.\nوأمثلة المشترك يراها المتتبع لكتب الأحكام وقد ذكر البطليوسي صاحب \"الإنصاف\" من الأمثلة: \"أو\" في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣] حيث ذهب قوم إلى أن ﴿أَوْ﴾ في الآية للتخيير كما ذهب آخرون إلى أنها للتفصيل والتعيين، وهي تستعمل في لسان العرب لكلا المعنيين.\nوبناءً على أنها للتخيير: يكون الإمام مخيرًا في العقوبات التي عرضت لها الآية، وبناء على أنها للتفصيل: لا يكون تخيير بل من حارب وقتل وأخذ المال صلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده (^٤).\nوالحق أن ميدان الاجتهاد متسع - كما أسلفنا - في تفسير النصوص لإزالة الغموض الطارئ من الاشتراك، بحيث يمكن تعيين المعنى المراد من اللفظ المشترك ليتسنى الخروج من العهدة في العمل بمدلول اللفظ الوارد في النص الشرعي من كتاب أو سنة.\n_________\n(^١) انظر: \"الإسلام عقيدة وشريعة\" الشيخ محمود شلتوت (ص ٥٢٣).\n(^٢) النظر: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٢/ ٣٥٧)، \"المنهاج\" مع \"مغني المحتاج\" (٣/ ١٧٨).\n(^٣) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٤٣).\n(^٤) انظر: \"الإنصاف\" للبطليوسي (ص ١٩).","vol":"2","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-451>الباب الثاني دلالة الألفاظ على الأحكام في حالة الخصوص</span>\nالخاص\nويشتمل على فصلين:\n- ماهية الخاص ودلالته على الأحكام.\n- أنواع الخاص.","vol":"2","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-452>تمهيد:</span>\nكما يطلق اللفظ في لسان العرب، فيدل على الاستغراق والشمول دون حصر بعدد معين، فيكون عامًا، كذلك يطلق في المقابل ليدل على معنًى واحد على سبيل الانفراد أو على كثير محصور فيكون خاصًّا.\nولدراسة \"الخاص\" في ميدان تفسير النصوص أهمية يرى أثرها في عناية العلماء وجهودهم، ذلك لأن الخاص في ماهيته ودلالته وأنواعه له علاقة واضحة بمسالك الأئمة في الاستنباط، وما نشأ عن ذلك من اختلاف في الفروع والأحكام؛ فهو يقابل العام، كما أنه قطعي في دلالته على الأحكام. وأنواعه كثيرة منها العدد، والمطلق والمقيد، وصيغ التكليف من أمر ونهي.\nوستعرض في القادم من أبحاثنا إلى ماهية الخاص ودلالته وبعض أنواعه، لندرس منها المطلق، والمقيد، وحمل المطلق على المقيد، كما تعرض للأمر ودلالته وما يتعلق به، وللنهي ودلالته وأثره في المنهي عنه، إلى غير ذلك من بعض الجوانب التي لها أثرها في تفريع الأحكام عند الاستنباط من النصوص.\n* * *","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-453>الفصل الأول ماهية تفسير النصوص</span>\n<span data-type='title' id=toc-454>المبحث الأول ماهية الخاص ودلالته</span>\nالاختصاص في اللغة: التفرد وقطع الشركة، وكل اسم لمسمى معلوم على الانفراد يقال له: خاص، ومنه خصَّه بالشيء: أفرده به دون غيره ويقال: اختص فلان بالأمر وتخصص له: إذا انفرد. وخصني فلان بكذا: أي أفرده لي. وفلان خاص فلان (^١) ومنه قول أبي زيد:\nإن امرأ خصني عمدًا مودَّته … على التنائي لعندي غير مكفور (^٢)\nولا يبدو في تعريف الخاص في الاصطلاح ابتعاد عن المعنى اللغوي؛\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٢٥ - ١٢٦)، \"أساس البلاغة\" للزمخشري (ص ١١٢)، \"اللسان\" (٧/ ٢٤).\n(^٢) في \"اللسان\" (٧/ ٢٤ - ٢٥): (فإنه زاد (خصني بمودته)، فحذف الحرف وأوصل الفعل. وقد يجوز أن يريد خصني لمودته إياي فيكون كقوله: وأغفر عوراء الكريم ادخاره).\nقال ابن سيده: وإنما وجهناه على هذين الوجهين، لأنه لم نسمع في الكلام (خصصته) متعدية إلى مفعولين.","vol":"2","page":135},{"text":"فقد عرفه فخر الإسلام البزدوي بأنه: (كل لفظ وضع لمعنًى واحد على انفراد وقطع المشاركة) (^١).\nوبمثل ذلك عرفه شمس الأئمة السرخسي فقال: (هو كل لفظ وضع لمعنًى واحد على الانفراد) (^٢).\nويبدو أن العلماء يعنون بالمعنى الواحد: ما يتناول الحقيقي والاعتباري، فيدخل فيه أسماء العدد كاثنين وثلاثة وأربعة التي تدل على كثير محصور، إذ إنها وضعت وضعًا واحدًا للكثير، وهي مستغرقة جميع ما يصلح لها، لكن هذا الكثير محصور، ومن هنا كانت من الخاص (^٣).\nوما دام المراد بالخصوص الانفراد وقطع الاشتراك، فقد يكون الخاص واحدًا بالشخصي كزيد، وقد يكون بالنوع كرجل وإنسان، وقد يكون بالجنس كحيوان، وقد يكون واحدًا بالمعاني كالعلم والجهل (^٤).\nوعلى هدي ما ذكر يمكن أن نقول في تعريف الخاص: (هو اللفظ الذي وضع على معنًى واحد على سبيل الانفراد أو على كثير محصور). وبقولنا: (أو على كثير محصور) نكون كشفنا عن المعنى الواحد الاعتباري كأسماء الأعداد، فشمله التعريف مع المعنى الواحد الحقيقي.\nوالمثال الحقيقي: إنسان، وأحمد، وكتاب، والمثال الاعتباري: أربعة، وخمسة، وستة، وسائر أسماء الأعداد.\n\n<span data-type='title' id=toc-455>دلالة الخاص:</span>\nلقد تناول العلماء الخاص بالمعنى المتقدم، وقرروا نتيجة للبحث والاستقراء حكمه من حيث الدلالة على المعنى المراد، وهل هي قطعية أو\n_________\n(^١) \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٣٠ - ٣١).\n(^٢) \"أصول السرخسي\" (١/ ١٢٥).\n(^٣) راجع \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٣٣) \"المرآة\" (١/ ١٢٧).\n(^٤) انظر: \"أصول التشريع الإسلامي\" لعلي حسب الله (ص ١٦٠).","vol":"2","page":136},{"text":"ظنية. وإنما عُنوا بذلك، لما يترتب على القطعية والظنية من الآثار في الفروع والأحكام.\nولقد كان ما وصلوا إليه: أن دلالة الخاص قطعية: فهو يتناول مدلوله قطعًا، وبذا يتيقن ما أريد به من الحكم الشرعي. ولا يصرف عن المعنى الذي دل عليه، إلا بدليل يدل على تأويله وإرادة ذلك المعنى الآخر.\nقال فخر الإسلام البزدوي: (اللفظ الخاص يتناول المخصوص قطعًا ويقينًا بلا شبهة لما أريد به الحكم، ولا يخلو الخاص عن هذا في أصل الوضع وإن احتمل التغير عن أصل وضعه لكن لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان لكونه بينًا لما وضع له) (^١).\nوذلك ما عبر عنه شمس الأئمة السرخسي (بمعرفة المراد باللفظ ووجوب العمل فيما هو موضوع له لغة، لا يخلو خاص عن ذلك، وإن كان يحتمل أن يتغير اللفظ عن موضوعه عند قيام الدليل، فيصير عبارة عنه مجازًا، ولكنه غير محتمل للتصرف فيه بيانًا، فإنه مبين في نفسه عامل فيما هو موضوع له بلا شبهة) (^٢).\nوهكذا جاءت القطعية من كونه بينًا في نفسه يتناول الخصوص قطعًا ويقينًا بلا شبهة.\nومن أمثلة الخاص: لفظ ﴿مِائَةَ﴾ في قوله تعالى في حد الزنى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾.\nولفظ ﴿ثَمَانِينَ﴾ في قوله تعالى في حد القذف: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٧٩).\n(^٢) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٢٨)، \"التوضيح\" و\"التلويح\" (١/ ٣٥).","vol":"2","page":137},{"text":"الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٢ - ٤].\nفالمائة، والثمانون، وهما من أسماء الأعداد، يدلُّ كل منهما على المعنين الذي وُضع له دلالة قطعية ولا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان (^١).\nومنها أيضًا لفظ ﴿رَقَبَةٍ﴾ و﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ و﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ في قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].\nوإذا كانت هذه الألفاظ من \"الخاص\": فإن الآية تدل دلالة قطعية على أن كفارة اليمين المنعقدة هي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام من غير زيادة أو نقصان، لأن هذه الألفاظ تناولت الحكم المخصوص قطعًا حسبما وضعت له بلا شبهة.\nوقد ذهب إلى هذا القطع البزدوي والسرخسي ومن تبعهما، وإن كان الخاص يحتمل التغيُّر قبل أن يراد به غير موضوعه مجازًا، إذا قام الدليل. وإنما جنحوا إلى ذلك: لأن هذا الاحتمال لما لم يدل عليه دليل اعتبر كأن لم يكن، وجعل هو والعدم سواء، فلم يؤثر في تناول الخاص للحكم المخصوص على وجه القطع (^٢).\nويمكن الاستعانة بالمجاز لإيضاح ما نقول، فإذا قال قائل: واجهت أسدًا، من غير قرينة في الكلام: فإن لفظ الأسد، يدل في هذه العبارة على\n_________\n(^١) راجع: \"أصول التشريع الإسلامي\" للشيخ علي حسب الله (ص ١٦٩).\n(^٢) قال عبد العزيز البخاري: (ألا ترى أنه لم يمتنع أحد من الدخول تحت السقف مع أن الاحتمال للسقوط ثابت جزءًا. لكنه لما لم يقم عليه دليل، ألحق بالعدم. هذا هو المسموع عن الثقات) \"كشف الأسرار شرح أصول البزدوي\" (١/ ٧٩).","vol":"2","page":138},{"text":"الحيوان المخصوص الذي وضعت له الكلمة على وجه القطع. ومع هذا يحتمل أن يكون المراد منه على سبيل المجاز: الرجل الشجاع، إلا أن هذا الاحتمال - مع كونه مرافقًا للقطع في المعنى الأول - لما لم يكن ناشئًا عن دليل: لم يقم له أي وزن، واعتبر مع العدم على حد سواء.\nقال صاحب \"كشف الأسرار\": (وبيانه أن لفظ الأسد الموضوع للحيوان المخصوص في قولك: رأيت أسدًا من غير قرينة تقبل أن يراد به الشجاع مجازًا، فهذا هو الاحتمال، وإرادة الشجاع هو المحتمل. فإذا قلنا: المراد منه موضوعه قطعًا، فالمراد بالقطع المحتمل لأن ثبوته متوقف على قيام الدليل ولم يوجد، فيكون منقطعًا لا محالة، لا قطع الاحتمال. إذ صلاحية اللفظ باقية؛ حتى لو انقطع الاحتمال أيضًا يسمى محكمًا، فثبت أن القطع يجتمع مع الاحتمال) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-456>مع عبد العزيز البخاري:</span>\nولقد يسعنا أن نسير مع عبد العزيز البخاري في محاولته التدليل على إمكان اجتماع القطع مع الاحتمال؛ وذلك أن الاحتمال - كما يقول - صفة اللفظ وهو صلاحيتُه لأن يراد به غير الموضوع له، وإرادةُ الغير هو المحتمل، فقولنا: (قطعًا) راجع إلى المحتمل لا إلى الاحتمال.\nرحم الله صاحب \"كشف الأسرار\" فقد أجهد نفسه في التفريق بين القطع المحتمل وقطع الاحتمال، ثم ثباتِ أن المراد القطع المحتمل لا قطع الاحتمال، أنه كان يكفيه تجلية أن المراد بالقطع معناه الأعم؛ لأنا مهما حاولنا: فالاحتمال واقع، وما أحسب القادحين في القطعية من أجل هذا الاحتمال متنكبين طريق الجادة. وإن كان التفريق بين المعنى الأعم للقطع والمعنى الأخص: تفريق مقبول ومقنع إلى حد كبير، بحيث يكاد الأمر يكون في حدود الاختلاف اللفظي والوقوف عند المصطلحات (^٢).\n_________\n(^١) راجع المصدر السابق.\n(^٢) \"التلويح\" مع \"التوضيح\" (١/ ٣٤ - ٣٥).","vol":"2","page":139},{"text":"ولقد زاد الرهاوي في حاشيته على \"المنار\" هذه النقطة إيضاحًا؛ حين قرر أن القائل بالقطع لا يقول بالمعنى الأخص، إذ احتمال المجاز قائم اتفاقًا. ولهذا يحق تأكيده فيكون المراد القطع بالمعنى الأعم، إذ الخلاف في المجرد عن القرائن الصارفة، والمعنى الأعم فيه قرينة. فيكون المراد نفي القطع بالمعنى الأخص (^١).\nوعلى هذا نكون انتهينا إلى أن أهل المذهب الأول والمعترضين: ملتقون عند الاحتمال، ولكن الأولين لا يرون مانعًا من القطعية لأنه احتمال غير ناشئ عن دليل، والمعترضون يرون أن الاحتمال - مطلقًا - قادح في القطعية؛ فإذا اعتبرنا القطع على نوعين: أعم وأخص، أصبح الخطب سهلًا وانحلت العقدة.\nهذا وأمثلة الخاص كثيرة موفورة في نصوص الأحكام من الكتاب والسنة.\nفقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٦].\nيدل دلالة قطعية على وجوب إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الرسول، لأن صيغ الأوامر من قبيل \"الخاص\".\nوفي قول الله جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] دلالةٌ قطعية على تحريم القتل بدون حق، لأن صيغ النواهي من \"الخاص\" أيضًا.\nكذلك العدد من \"الخاص\" ففي قوله تعالى من آيات المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ\n_________\n(^١) راجع: \"حاشية الرهاوي على شرح المنار\" لابن ملك (١/ ٦٧ - ٦٨)، وانظر: \"المرآة\" (١/ ١٣٢).","vol":"2","page":140},{"text":"فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء] نرى ألفاظ الثلثين، والنصف، والثلث، والربع، والثمن، تدل على معانيها وتعطي أحكامها بشكل قطعي، ولا تحتمل الصرف عنه إلى غيره من ذاتها؛ لأنها من الخاص.\nومثل ما مر أيضًا: قوله ﷺ: \"في صدقة الغنم في سائمتها من كل أربعين شاة شاة\" (^١).\nفالحكم المستفاد منه، هو تقدير النصاب الذي تجب الزكاة فيه من الغنم بأربعين، وتقدير الواجب بشاة، بلا احتمال زيادة أو نقص في النصاب وما يجب فيه. وكذلك ما ورد في مثل تلك النصوص، فإنه من الخاص وتدل على معانيها الدلالة المذكورة.\n\n<span data-type='title' id=toc-457>القطع المراد في دلالة الخاص:</span>\nلقد اتضح مما سبق: أن القطع فيما نحن فيه يطلق ويراد به أحد معنيين:\nأما الأولى: قهر إطلاقه على نفي الاحتمال أصلًا.\nوأما الثاني: فهو إطلاقه على نفي الاحتمال الناشئ عن دليل.\nوالثاني أعم من الأول، لأن احتمال الناشئ عن دليل أخص من مطلق الاحتمال. ونقيض الأخص أعم من نقيض الأعم.\nوالقطع المواد في قولهم: (الخاص يتناول المخصوص قطعًا …) إنما هو القطع بالمعنى الأعم، وهو نفي الاحتمال أصلًا.\nقال صدر الشريعة عندما قرر أن الخاص من حيث هو خاص: يوجب\n_________\n(^١) انظر ما سلف: (١/ ٣١٧)، \"تخريج الفروع على الأصول\" (ص ٧٣).","vol":"2","page":141},{"text":"الحكم قطعًا: (والمراد هاهنا المعنى الأعم وهو أن لا يكون له احتمال ناشئ عن دليل، لا أن لا يكون له احتمال أصلًا) (^١).\nولقد يرد على هذا أن الاحتمال قادح في اليقين، فلا قطع مع الاحتمال، لذا قالوا: إن الخاص يوجب اليقين ما دام الاحتمال قائمًا:\nولكن هذا الإيراد دُفع - كما مر - بأن الاحتمال لما لم يقم عليه دليل: ألحق بالعلم، فلا يمتنع القطع به. فالخاص يحتمل أن يكون المراد به معنًى آخر غير معناه الذي وضع له، ولكن لما لم يقم دليل على أنه المراد: صار المعنى الموضوع له مقطوعًا به (^٢)، ولهذا فالخاص عند الحنفية لا يحتمل البيان.\n\n<span data-type='title' id=toc-458>علم الطمأنينة وعلم اليقين:</span>\nهذا ومن الجدير بالذكر أن القطع بالمعنى العام، وهو عدم الاحتمال الناشئ عن دليل، يسمى عند العلماء \"علم الطمأنينة\"، كالعلم المستفاد من الظاهر، والنص، والخاص، والعام، والحديث المشهور عند الحقية.\nأما القطع بالمعنى الخاص، وهو عدم الاحتمال مطلقًا سواء أكان ناشئًا عن دليل، أم غير ناشئ عن دليل، فيسميه العلماء \"علم اليقين\". وذلك كالسلم المستفاد من المتواتر والمفسَّر والمحكم، والنص عند الشافعية كما تقدم. فالخاص - وهو مما يوجب علم الطمأنينة - يمكن أن يتحول إلى معنى آخر بطريق المجاز، إذا قام الدليل المناسب، وإن كان لا يحتمل البيان من ذاته فيما وضع له (^٣).\nوهكذا إذا قام الدليل الذي لا ينزل عن درجة الخاص في القوة، يمكن به تأويل ذلك الخاص عن معناه إلى معنى آخر من المعاني التي يحتملها.\n_________\n(^١) \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٣٥).\n(^٢) راجع: \"كشف الأسرار\" (١/ ٧٩)، وانظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٢٨).\n(^٣) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٢٩).","vol":"2","page":142},{"text":"كالذي رأينا من تأويل الحنفية الشاة في حديث نصاب الأربعين السابق بما يعم الذات والقيمة، وتأويلهم إطعام الستين مسكينًا بإطعام مسكين واحد ستين يومًا، وغير ذلك من الفروع التي مر بنا بعض نماذجها في مباحث التأويل (^١).\nومن هنا كان حديث الآحاد مثلًا - لا يقوى على تأويل الخاص عن معناه إلى معنى آخر يحتمله، لأن الخاص يفيد القطع فيما يدل عليه، بينما لا يفيد حديث الآحاد إلا الظن من الناحية الاصطلاحية في مقابل القطع.\n* * *\n_________\n(^١) انظر ما سلف: (١/ ١٢٩).","vol":"2","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-459>المبحث الثاني من آثار قطعية الخاص في التطبيق</span>\nلقد كان للقول بأن الخاص قطعيُّ الدلالة، وأنه لا يحتمل البيان: أثر كبير في تفسير النصوص ومآخذ الأحكام.\nثم إن المتتبع لكتب الأصول عند الحنفية - مثلًا - يرى أنهم جنحوا إلى بناء بعض الفروع على قطعية الخاص، وخرّجوها عليها، وهي فروع قال بها أئمة المذهب أو بعضهم، ولكن لم يكن ذلك منهم بناء على قطعية الخاص، وإنما كان في الغالب لأدلة أخرى قامت لديهم على ما ذهبوا إليه.\nوكان ما قصده هؤلاء الأصوليون ﵏ شأنهم في كثير من الفروع التي يخرّجونها على القواعد الأصولية - تقوية مسلك أولئك الأئمة فيما ذهبوا إليه في استنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، وتأكيد أن فروع الأحكام مرتبطة بما تتصل به من قواعد الأصول، وليست خلوًا من هذه القواعد التي ترد إليها، وترتبط بها ارتباط الجزئيات بالكليات. وإن كانوا قد اعتبروا تلك الفروع - في كثير من الأحيان - سبيلهم إلى ثبوت القاعدة بعد البحث والاستقراء.\nوإنها لجهود بعثت في القواعد الأصولية نوعًا من الحياة، جعلتها تعيش مع الفروع الفقهية في إطار من النسب المتصل في العدد من النصوص، وإن كانت تبدو أحيانًا مع بعض الفروع وهي على غير هذه الحال.\nمن أمثلة ذلك ما رأينا في بعض أنواع المجمل - وهو المشترك الذي ينسد فيه باب الترجيح - والتفريق عند بعضهم في هذه الحالة بين الإثبات","vol":"2","page":144},{"text":"والنفي في عموم المشترك، ومنها ما جاء في قاعدة عموم المقتضى واللجوء إلى التفريق بين المقتضى والمحذوف عندما خرجت بعض الفروع عن القاعدة.\nولعل من ذلك أيضًا ما يلاحظ في أمر تخصيص العام بخبر الواحد، أو تقييد المطلق به، حيث وضعت قاعدة الحديث المشهور جوابًا على تخصيص كثير من العمومات، أو تقييد المطلق أحيانًا بأخبار الآحاد، إلى غير ذلك من الأسئلة التي ترى في مظانها من كتب الأصول والفروع وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.\n١ - ومما بناه أصوليو الحنفية على قطعية الخاص: الحكم على الأقراء أنها الحِيَض في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وجعلُ عدة المطلقات غيرِ الحوامل وغير الصغيرات والآيساتِ: تُحتسب بالحِيَض لا بالأطهار خلافًا للشافعية والمالكية (^١).\nومنزع ذلك عندهم: أن لفظ ﴿ثَلَاثَةَ﴾ من الخاص، لأنه موضوع العدد معلوم لغة لا يحتمل النقصان عنه أو الزيادة عليه. ولا يتحقق مدلول هذا العدد إلا إذا حملت الأقراء على مرات الحيض. إذ بذلك يكون التربص بثلاثة قروء كوامل.\nأما احتساب الأطهار: ففيه ترك للعمل بلفظ الثلاث، لأنه لا يمكن بالأطهار استكمال قروء ثلاثة. وعدم الاستكمال إما بنقصان أو زيادة.\nذلك أن الطهر الذي يقع فيه الطلاق عملًا بالسنة، إن احتسب من الأقراء، تكون مدة العدة للمطلقة قُرأين وبعض القرء، وهو الذي يقع فيه الطلاق.\n_________\n(^١) راجع: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٤٣٣)، \"أصول البزدوي\" مع \"الكشف\" (١/ ٨٠)، \"أصول السرخسي\" (١/ ١٢٨)، \"المرأة\" (١/ ١٤٠)، \"الهداية\" و\"فتح القدير\" (٣/ ٢٧٠ - ٢٧٢)، \"المهذب للشيرازي\" (٢/ ١٤٣)، \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٢/ ٤٦٧).","vol":"2","page":145},{"text":"وإن لم يحتسب ذلك الطهر من الأقراء، وأوجبنا على المرأة أن تتربص ثلاثة أطهار كاملة خلافَ الظهر الذي يقع الطلاق فيه: لزم الزيادة وكانت العدة ثلاثة قروء وبعض القرء، وهو الذي يقع الطلاق فيه.\nوفي كلا الحالين - من النقص والزيادة - تفويت لموجَب الخاص، وهو هنا ثلاثة آحاد. أما إذا حملت القروء على مرات الحيض واحتسبت العدة بها - كما قال الحنفية - فإن موجب الخاص وهو الثلاثة قروء يتحقق بثلاث حيضات كوامل، دون زيادة ولا نقصان (^١).\nوذلك ما ذهب إليه أبو بكر الجصاص في \"أحكام القرآن\" عند قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وتابعه علماء الأصول كالبزدوي والسرخسي وغيرهما من العلماء.\nقال أبو بكر: (واعتبار الطهر فيه يمنع استيفاءها بكمالها فيمن طلقها للسنة، لأن طلاق السنة أن يوقعه في طهر لم يجامعها فيه، فلا بد إذا كان كذلك من أن يصادف طلاقه طهرًا قد مضى بعضه. ثم تعتد بعده بطهرين آخرين - فهذان طهران وبعض الثالث - فلما تعذر استيفاء الثلاثة إذا أراد طلاق السنة علمنا أن المراد الحيض الذي يمكن استيفاء العدد المذكور بكماله (^٢).\nوقد جاء الجصاص على اعتراض يمكن أن يورده الآخرون، وهو أن الله تعالى قال في كتابه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] والمراد شهران وبعض الثالث ولم يعتبر ذلك عدوانًا على مدلول الأشهر.\nومما أجاب به عن هذا الاعتراض المحتمل، أن الأشهُر لم تحصر بعدد وإنما ذكرت بلفظ الجمع، والأقراء محصورة بعدد لا يحتمل الأقل منه وهو\n_________\n(^١) انظر: \"الهداية\" و\"فتح القدير\" (٢/ ٢٧٠ - ٢٧٢)، \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٨٠)، \"أصول الفقه\" للشيخ زكريا البرديسي (ص ٤١١).\n(^٢) انظر: \"أحكام القرآن\" (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤) \"أصول البزدوي\" (١/ ٧٩) فما بعدها مع \"كشف الأسرار\".","vol":"2","page":146},{"text":"الثلاثة. قال أبو بكر: (ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: رأيت ثلاثة رجال ومرادك رجلان، وجائز أن تقول رأيت رجالًا والمراد رجلان) (^١).\nوالراجح عندنا: أن استخدام قطعية الخاص للاستدلال على أن القروء هي مرات الحيض وأن عدة أولئك المطلقات تحتسب بالحيض لا بالأطهار: هو جانب من الاستدلال أو مما يستأنس به للاستدلال، وإلا فالمسألة من باب \"المشترك\" (^٢). وجميع الفقهاء متفقون على أن القرء موضوع لغة لكل من الطهر والحيض. والأمر بعد ذلك أمر ترجيح بالأدلة والقرائن، ولكل وجهة في الموضوع (^٣). وقد أتينا على ذكر المسألة في موطنها من بحث المشترك حيث رأينا أدلة كل من الأئمة على ما يرى أنه الصواب، وأنه هو الذي به يحقق موجب قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (^٤).\n٢ - ومن ذلك مسألة فرضية الطمأنينة في الصلاة، فالإمام أبو حنيفة ومعه محمد بن الحسن لا يشترطها لصحة الصلاة، بينما يراها أبو يوسف والإمام الشافعي فرضًا من الفروض لا تصح الصلاة إلا بها.\nوالأصل عند أبي حنيفة وصاحبه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (^٥) والركوع يتأدى بأدنى انحناء؛ لأن اللفظ موضوع لغة للميل عن الاستواء يقال: ركعت النخلة إذا مالت، وركع البعير إذا طأطأ رأسه (^٦).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) راجع: \"أبو حنيفة\" (ص ٢٤٧) لأستاذنا الشيخ أبي زهرة. وانظر ما سلف (٢/ ١٢٩).\n(^٣) راجع: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١١١)، \"فرق الزواج\" لأستاذنا علي الخفيف (ص ٢٣٩) فما بعدها.\n(^٤) انظر ما سلف (٢/ ١٢٤) فما بعدها.\n(^٥) قال تعالى في سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾، وراجع: \"القرطبي\" (١/ ٢٩٣).\n(^٦) وقال لبيد:\nاخبر أخبار القرون التي مضت … أدب كأني كلما قمت راكع","vol":"2","page":147},{"text":"فدلالة الركوع في ذلك: من دلالة الخاص فهي قطعية في موجبه الموضوع له لغة، فلا تحتمل البيان وراءها، فإذا أريد تقييد ذاك الميلان فيجب أن يكون بدليل في قوة الخاص، وإلا كان ذلك تركًا للعمل بما وضع له هذا الخاص لغة، كما لو اعتبرنا الطمأنينة فرضًا، أخذًا من حديث الأعرابي المسيء صلاته الذي هو حديث آحاد (^١).\nفقد جاء في الحديث الصحيح: \"أن النبي ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: \"ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ\". فرجع فصلى كما صلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: \"ارجع فصلِّ فإنك لم تصلّ\" - ثلاثًا - فقال: والذي بعثك بالحق لا أُحسن غيره فعلمني، فقال: \"إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها\" (^٢).\nفقوله ﷺ: \"ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ\" حديث آحاد رتبته - من صحته - ظنية، لا يقوى - كما يرون - على الزيادة على الخاص القطعي وهو قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ باعتبار أن الخاص لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان، لكونه بينًا لما وضع له من ذلك (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" و\"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٧٩)، \"الهداية\" للمرغيناني مع \"فتح القدير\" لابن الهمام (١/ ٢١١).\n(^٢) أخرجه عن أبي هريرة أحمد (٩٦٣٣) وأصحاب الكتب الستة: البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧) وأبو داود (٨٥٦) والترمذي (٣٠٣) وابن ماجه (١٠٦٠) والنسائي (٨٨٤)، واللفظ للبخاري. وفي الباب عن رفاعة بن رافع عند الترمذي وأبي داود والنسائي. وانظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ١٣٦ - ١٣٧)، \"الإحكام لابن دقيق العيد\" (١/ ٢٧٤) فما بعدها، \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣١، ٢٣٢) \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (١/ ٢١١)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٧٢) فما بعدها. هذا وقد ذكر ابن أبي شيبة أن المسيء صلاته هو خلاد بن رافع ﵁.\n(^٣) \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٦/ ٨١ - ٨٢)، =","vol":"2","page":148},{"text":"٣ - ومن ذلك قوله تعالى في سورة المائدة [الآية: ٦]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n= هذا: وقد استدل بحديث المسيء صلاته السابق على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة وبه قال الجمهور. والحنفية - فيما وراء الإمام أبي يوسف - أيضًا لم يتفقوا على السنية، فالناظر في كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي مثلًا يراه كالصريح في الوجوب عندهم فإنه ترجم في كتابه \"شرح معاني الآثار\" مقدار الركوع والسجود، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله: \"سبحان ربي العظيم ثلاثًا في الركوع، سبحان ربي الأعلى ثلاثًا في السجود\" وقال: (فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود لا يجزئ أقل منه) … ثم قال: (وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: مقدار الركوع أن يركع حتى يستوي راكعًا، ومقدار السجود أن يسجد حتى يطمئن ساجدًا …) وذكر بعد ذلك احتجاجهم لذلك بحديث المسيء صلاته، موردًا له روايتين: إحداهما عن رفاعة بن رافع، والثانية عن أبي هريرة، ثم قال: (فأخبر رسول الله ﷺ في هذين الحديثين بالقرض الذي لا بد منه ولا تتم الصلاة إلا به، فعلمنا أن ما سوى ذلك إنما أريد أنه أدنى ما يبتغى من الفضل، وإن كان ذلك الحديث - الذي ذلك فيه - منقطعًا عنه غير مكافئ لهذين الحديثين في إسنادهما، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى) \"شرح معاني الآثار\": (١/ ١٣٧)، وانظر: \"فتح الباري\": (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١) أميرية.\nوقال ابن دقيق العيد - من الشافعية -: (تكرر من الفقهاء، الاستدلال على وجوب ما ذكر في الحديث - حديث قم فصل - وعدم وجوب ما لم يذكر فيه. فأما وجوب ما ذكر فيه: فلتعلق الأمر به، وأما عدم وجوب غيره: فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لأمر زائد على ذلك، وهو أن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر … ويتقوى ذلك بكونه ﷺ ذكر ما تعلقت به الإساءة … قال ﵀: إذا تقرر هذا فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في هذا الحديث، فلنا أن نتمسك في وجوبه وبالعكس … لكن يحتاج إلى جمع طرق هذا الحديث، وإحصاء الأمور المذكورة فيه، والأخذ بالزائد فالزائد، ثم إنْ عارضَ الوجوبَ أو عدمه، دليل أقوى منه: عُمل به، وإن جاءت صيغة الأمر في حديث آخر بشيء لم يذكر في هذا الحديث: قدمت)، \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\nوانظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٠ - ٢٣٢) حيث نقل الحافظ كلام ابن دقيق العيد، ثم كيف امتثل ما أشار إليه لجميع طرق الحديث القوية، وأهمل الزيادات التي اشتملت عليها.","vol":"2","page":149},{"text":"آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.\nفدلالة الآية على أفعال الوضوء من غسل ومسح ثابتة بهذا النص على وجه القطع، فلا تحتمل البيان وراء ذلك.\nفاشتراط النية كما في قوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\" (^١)، واشتراط التسمية كما في قوله ﷺ: \"لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه\" (^٢) ليكون كل من النية والتسمية فرضًا لا يزول الحدث بدونه مع وجود الغسل والمسح، لا يكون عملًا بالخاص، وإنما يكون من باب نسخ القطعي، وهو الخاص، بالظني وهو خبر الواحد.\nوهكذا فإن الآية عند الحنفية لا تحتاج إلى بيان من ذاتها، والحديثان المذكورات وأمثالهما أحاديث آحاد لا تقوى على نسخ القرآن (^٣).\nهذه مسائل قليلة من عدد كثير ذكره البزدوي والسرخسي، وتابعهما فيها أو في أكثرها الأصوليون الذين أتوا بعدهما من الحنفية، وأنت ترى أنا أتينا بنموذجين من هذه المسائل:\nأولهما: مسألة القروء وأنها مرات الحيض تحقيقًا لموجب النص.\nوالثاني: ثلاث مسائل من الوضوء والصلاة، وقوامها أن الخاص القطعي لا يقوى على بيانه حديث الآحاد الظني.\nوالنموذجان وإن كانا يلتقيان عند تأكيد قطعية الخاص، وبناء الحكم عليها بناء يحقق موجَبَهُ فيما وضع له دون أن يحتمل البيان، إلا أن مسألة\n_________\n(^١) من حديث عمر الذي أخرجه أحمد (١٦٨) وأصحاب الكتب الستة: البخاري (٥٤) ومسلم (١٩٠٧)، أبو داود (٢٢٠١) الترمذي (١٦٤٧)، النسائي (٧٥)، ابن ماجه (٤٢٢٧).\n(^٢) رواه أحمد (٩٤١٨)، وأبو داود (١٠١)، وابن ماجه (٣٩٩). وانظر: \"منتقى الأخبار\" و\"نيل الأوطار\" (١/ ١٥٠).\n(^٣) وراجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٢٨، ١٢٩): \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٨٣)، \"الهداية\" و\"فتح القدير\" (١/ ١٣ - ٢١).","vol":"2","page":150},{"text":"الأقراء تحقيق مجرد للقطعية يرتبط به الحكم، دون أن يكون هنالك بحث حول دليل ظني كخبر الآحاد يراد بيان الخاص عن طريقه.\nففي اعتبار أن القروء مرات الحيض، وأن بها تحتسب عدة ذلك النوع من المطلقات، تحقيق لموجَب الخاص فيما وضع له، ولقد قلنا هناك: إن المسألة من بحث \"المشترك\"، وموضوع الخاص فيها جانب من الاستدلال أو مما يستأنس به للاستدلال.\nهذه حال النموذج الأول. أما النموذج الثاني: ففيه زيادة على الأول، وهي أن الحكم مرتبط بعدم بيان الخاص بالظني وهو خبر الآحاد؛ فالطمأنينة في الصلاة: القول بفرضيتها ترك لموجَب الخاص، وذلك ببيانه بالظني مع أنه هو قطعي.\nوكذلك الأمر في فرض التسمية والنية للوضوء، فإنَّ مرد القول بعدم الفرضية في ذلك كله، الوقوف عند مدلول الخاص ودلالته القطعية عليه.\nولعل من المفيد أن نشير إلى أن الأصوليين لم يرد في كلامهم ما يشعر بنسبة قاعدة قطعية الخاص إلى الإمام أبي حنيفة وأصحابه وإنما أسندوها إلى علمائهم (^١).\nوقد أشرنا من قبل إلى جهود أولئك الأعلام في الاستقراء لربط ما ورد عن أئمة المذهب من جزئيات بقواعد أصولية (^٢)، ونحن إذا كنا نحمد لهم هذا الصنيع الكريم، فما نحسب أن فقهاء العراق كان الأمر في هذه النقطة عندهم أمر \"خاص قطعي\" و\"خبر آحاد ظني\"، وإنما مرد الأمر - كما تمليه ظروفهم وصلتهم بالحديث - حيطة في الأخذ بخبر الواحد ما أمكن العمل بالنص القرآني.\nوأكثر من هذا: لعل ما بلغ أبا يوسف من حديث الاطمئنان في الصلاة\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" (١/ ٧٩) فما بعدها، \"أصول السرخسي\": (١/ ١٢٨).\n(^٢) انظر ما سلف (٢/ ١٤٤).","vol":"2","page":151},{"text":"مثلًا: لم يبلغ الإمام أبا حنيفة - رحمهما الله -، إضافة إلى ما عهد عنه من تورع في شأن العبادات (^١).\nوإذن فليكن مناط القبول أو الرفض، صحة الحديث أو عدم صحته لا توهينه واعتباره لا يقوى على بيان الخاص لأنه خبر آحاد، علمًا بأن المقبول من الحديث في ساحة الأحكام هو الصحيح والحسن كما أسلفنا من قبل. ثم إن ظنية خبر الآحاد المقبول عند علماء الحديث: لا تعني نزوله عن درجة الصلاحية لبيان القرآن الكريم؛ ذلك بأنه ظني - اصطلاحًا - في مقابل القطعي اصطلاحًا وهو المتواتر، كما نقول: حرف جر زائد وحرف جر أصلي، فهذا لا يعني أن حرف الجر الزائد لا معنى لوجوده، بل قد يؤدي دورًا بلاغيًا مكينًا، فالقضية قضية اصطلاح وكفى، والمهم أن يكون الحديث مقبولًا عند أهل الحديث ليؤدي مهمة البيان.\nوأغلب الظن أن من أحجم عن قبول خبر الآحاد من أئمة المذهب إنما كان إحجامه لما كان من رواج الكذب على رسول الله ﷺ، أما وقد ماز علماؤنا الخبيث من الطيب وبينوا صحيح السنة من غيره فليكن ما نبتغيه:\n_________\n(^١) يقول أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة: (وعندي أن الفروع التي ذكروها تدل على أن فقهاء العراق ما كانوا يأخذون بحديث الواحد ما أمكن إعمال النص القرآني وما تَبَيَّنَتْ دلالته، وذلك هو المنهاج الذي ذكره العلماء عنهم، فهم يأخذون بدلالات القرآن، ومفهوم عبارته، وإشارته، ويتركون حديث الآحاد عند ذلك احتياطًا في قبول الرواية، وترجيحًا لنص قرآني لا شك في صدقه، على رواية حديث محتمل الصدق في وقت راج فيه الكذب على رسول الله ﷺ. وهذا على فرض أن أبا حنيفة عندما قرر هذه الفروع كان يعلم بالأحاديث المروية في بابها، وإني أشك في أنه كان يعلم بهذه عندما قرر هذه الأحكام، إذ إن أكثرها يتعلق بالعبادات، وأبو حنيفة كان يحتاط في العبادات، والأحاديث العروبة - وإن كانت أحاديث آحاد - تحتمل الآيات المذكورة الاجتماع بها وإعمال نصها بجوار ما تدل عليه، كما أعمل أبي يوسف حديث الاطمئنان في الركوع والسجود مع الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، \"أبو حنيفية\" لشيخنا (ص ٢٤٨ - ٢٤٩).","vol":"2","page":152},{"text":"صحة الحديث وذلك بانطباقه على قواعد الجرح والتعديل تلك القواعد المنضبطة الأمينة التي تفردت بها أمتنا عن أسم الأرض قاطبة. ولن تعوزنا موارد السُّنن التي هي قانون البيان، ولن يهيم الباحث الواعي في الليل بعد أن طلع النهار.\nوما أحسب الباحث إلا سيجد كثيرًا من النماذج، كالذي رأينا من أخذ الإمام أبي يوسف بحديث المسيء صلاته، وحكمه بفرضية الطمأنينة في الصلاة، مع أن الحديث خبر آحاد.\n* * *","vol":"2","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-460>الفصل الثاني أنواع الخاص</span>\n<span data-type='title' id=toc-461>تمهيد:</span>\nللخاص أنواع كثيرة - كما أشرنا من قبل - تتعدد باعتبار الحالة والصفة التي يرد فيها، فقد يرد مطلقًا عن التقييد، فيكون فردًا شائعًا في جنسه، وقد يرد مقيدًا بقيد من وصف أو شرط أو نحوهما، فيتحدد شيوعه، وقد يأتي على صيغة الأمر بالفعل، كما يأتي على صيغة النهي عن الفعل، وذلك حين يكون واردًا للطلب، وقد يكون الخاص عددًا.\nوسنعرض في أبحاثنا: للمطلق والمقيد وحكمهما، وحمل المطلق على المقيد، كما نعرض للأمر والنهي ومداهما. لما لذلك من ارتباط بالتشريع اللفظي.\nفنصوص الأحكام في الكتاب والسنة: جاءت وفي ألفاظها الكثير من المطلق، والكثير من المقيد، وقد يكون هنالك ما يوجب حمل المطلق على المقيد، وقد لا يكون؛ جرى في ذلك اختلاف العلماء.\nكذلك يلاحظ أن غالبية الأحكام التكليفية في الشريعة قائمة على طلب الفعل، وطلب الكف، اللذين هما الأمر والنهي على تعدد الصور التي تعبر عنهما. والخروجُ من العهدة لا بد له من إدراك المدلول الواضح لما كان به التكليف. ومن هنا كان البحث في أنواع الخاص هذه، بالغ الأهمية، في تفسير النصوص واستنباط الأحكام. ولسوف نجد مصداق ذلك - إن شاء الله - فيما نتناوله في الأبحاث التالية من تلك الأنواع.\n* * *","vol":"2","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-462>الفرع الأول المطلق والمقيد</span>\nأسلفنا أن اللفظ في النص: قد يرد في حالة إطلاق لا يقيده قيد، وقد يرد في حالة تقييد بصفة، أو شرط، أو نحوهما، وأنه في الحالة الأولى \"مطلق\"، وفي المحالة الثانية \"مقيد\".\nولا بد عند تفسير النصوص من معرفة مدلول اللفظ في حالة إطلاقه، ومدلوله في حالة تقييده.\nوإلى جانب ذلك: لا بد من معرفة مدى سلطان المفيد على المطلق من حيث تقييدُه، أو عدم تقييدِه، وقد كان ذلك مجال اختلاف بين العلماء تعددت فيه آراؤهم، وتقاريت أو تباعدت أنظارهم، الأمر الذي ترتب عليه اختلاف في كثير من الفروع والأحكام.\nلذا كان لا بد من معرض للمطلق والمقيد لغة واصطلاحًا، وبيان حكم كل من المطلق والمقيد، ومتى يحمل المطلق على المقيد؟ مع وقفات موضوعية عند بعض ثمرات الاختلاف في الفروع والأحكام عند التطبيق؛ تلك الثمرات التي بنيت على اختلاف العلماء في هذه الضوابط، التي كان إليها مردُّ الفروع والأحكام.\n* * *","vol":"2","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-463>المبحث الأول ماهية المطلق والمقيد وحكمهما</span>\n<span data-type='title' id=toc-464>المطلب الأول ماهية المطلق والمقيد</span>\nقال ابن فارس في كتابه \"الصاحبي\" تحت عنوان \"الخطاب المطلق والمقيد\": (أما الإطلاق: فأن يذكر الشيء باسمه لا يقرن به صفة، ولا شرط، ولا زمان، ولا عدد، ولا شيء يشبه ذلك.\nوالتقييد: أن يذكر بقرين من بعض ما ذكرناه، فيكون ذلك القرين زائدًا في المعنى - من ذلك أن يقول القائل: \"زيد ليث\" فهذا إنما شبهه بليث في شجاعته، فإذا قال: \"هو كالليث الحَرِب\"، فقد زاد \"الحرِب\" وهو الغضبان الذي حُربَ فريستَه، أي: سُلبها، فإذا كان كذا كان أدهى له) (^١).\n_________\n(^١) ثم أتي الصاحبي على شعر العرب فقال: (ومن المطلق قوله: تراتبها مصقولة كالسجنجل. قال الصاحبي: فشبه صدرها بالمرآة، لم يزد على هذا. ثم قال: وذكر ذو الرمة أخرى فؤاد في المعنى حتى قيد، فقال: ووجه كمرآة الغريبة أسجح. فذكر امرؤ القيس السجنجل، وزاد الثاني ذكر الغريبة فزاد في المعنى، وذلك أن الغربية ليس لها من يعلمها محاسنها من مساويها، فهي تحتاج أن تكون مرآتها أصفى وأنقى لتريها ما تحتاج إلى رؤيته من سنن وجهها. ومنه قول الأعشى:\nتروح على آل المحلق جفنة … كجابية الشيخ العراقي تفهق\nفشبه الجفنة بالجابية وهي الحوض، وقيدها بذكر الشيخ العراقي، لأن العراقي إذا كتان بالبدو ولم يعرف مواضع الماء ومواقع الغيث: فهو على جمع الماء الكثير أحرص من البدوي العارف بالمنافع والأحساء. =","vol":"2","page":157},{"text":"هذا: ويبدو كما يذكر ابن قدامة: (أن المطلق والمقيد في الألفاظ مستعاران منهما في الأشخاص يقال: رجل أو حيوان مطلق: إذا خلا من قيد أو عقال أو شكال. ومقيد: إذا كان في رجله قيد أو عقال أو شكال، أو نحو ذلك من موانع الحيوان من الحركة الطبيعية الاختيارية التي ينتشر بها بين جنسه، فإذا قلنا: \"أعتق رقبة\" فهذه الرقبة شائعة في جنسها شيوع الحيوان المطلق بحركته الاختيارية بين جنسه، وإذا قلنا: \"أعتق رقبة مؤمنة\" كانت هذه الصفة لها كالقيد المميز للحيوان المقيد من بين أفراد جنسه ومانعة لها من الشيوع، كالقيد المانع للحيوان من الحركة في جنسه) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-465>المطلق والمقيد في الاصطلاح</span>\n<span data-type='title' id=toc-466>أولًا: المطلق:</span>\nأما المطلق: فقد عرفه علماء الأصول تعريفات متعددة تلتقي عند دلالته على الحقيقة من حيث هي، وذلك أنه يدل على فرد غير مقيد لفظًا بأي قيد، فهو شائع منتشر في جنسه. قال الرازي: (المطلق هو اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هي).\nوبمثل ذلك عرفه صدر الشريعة من الحنفية (^٢).\n_________\n= ثم قال الصاحبي: ومن هذا الباب قول حميد بن ثور يصف بعيرًا:\nمحلى بأطواق عتاق يبينها … على الضر راعي الثلة المتعفف\nفقال: \"راعي الثلة\" ولم يطلق اسم الراعي، وذلك أنهم يقولون: إن راعي الغنم أجهل الرعاة، فيقول: إن هذا البعير محلى بأطواق عتاق، أي كريمة، بينها رامي الثلة على جهله فكيف بغيره ممن يعرف). \"الصاحبي\": (ص ١٦٤ - ١٦٦).\n(^١) \"روضة الناظر\" لابن قدامة مع شرحها \"نزهة المخاطر العاطر\" لعبد القادر بدران (٢/ ١٩١).\n(^٢) \"المحصول\" للرازي، ح ١ ق ٢/ ٥٢١ \"التوضيح\" لصدر الشريعة مع \"التلويح\" للتفتازاني (١/ ٦٣).","vol":"2","page":158},{"text":"وعرفه ابن قدامة المقدسي من الحنابلة بأنه: (المتناول لواحد لا يعينه باعتبار حقيقة شاملة لمجنسه) وتابعه عبد القادر بدران \"شارح روضة الناظر\" فقال: (المطلق ما تناول واحدًا غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه) (^١).\nوقال الآمدي في \"الإحكام\": (المطلق هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-467>التعريف الذي نراه:</span>\nوهكذا يمكن لنا - في ضوء ما مر - جنوحًا إلى التيسير: أن نعرف المطلق بأنه \"اللفظ الذي يدل على الماهية بدون قيد يقلل من شيوعه\".\nفهو يتناول عند دلالته على موضوعه واحدًا غير معين، باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، دون أن يكون هنالك ما يقيده من وصف، أو شرط، أو زمان، أو مكان، أو غيرها.\nوبذلك تخرج عن المطلق مثلًا ألفاظُ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد، كما تخرج المعارف كـ \"زيد\" و\"أحمد\" وهكذا …\nفلفظ ﴿رَقَبَةٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البلد] لفظ خاص مطلق، إذ إنه تناول واحدًا غير معين من جنس الرقاب، لم يقيَّد بأي قيد يقلل من شيوعه في أفراده.\n_________\n(^١) راجع: \"روضة الناظر\" مع \"نزهة الخاطر العاطر\" (٢/ ١٩١)، \"المدخل\" لبدران أيضًا (ص ١١٩).\n(^٢) راجح \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٣)، وبمثل ذلك عرفه ابن الحاجب فقال: (المطلق ما على على شائع في جنسه)، راجع: \"مختصر المنتهى بشرح العضد\" (٢/ ٢٨٤) متسلسل.\nأما صاحب \"مسلم الثبوت\": فقال في تعريف المطلق: (هو ما دل على فرد ما منتشر)، راجع: \"مسلم الثبوت بشرح فوائح الرحموت\" (١/ ٣٦٠)، وانظر: \"مرآة الأصول\" (٣/ ٣٣٨)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٥٣) مطبعة السعادة.","vol":"2","page":159},{"text":"فالمطلوب تحرير رقبة من غير ملاحظة أن تكون واحدةً أو أكثر، مؤمنةً أو غير مؤمنة، بل المراد ما يسمى \"رقبة\".\nومثله لفظ ﴿الدَّمُ﴾ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] فالدم فرد شائع في جنس الدماء، لم يقلل من شيوعه أي قيد من القيود، فهو مطلق.\nكذلك لفظ \"ولي\" في قوله ﷺ: \"لا نكاح إلا بوليٍّ وشاهدي عدل\" (^١) مطلقٌ (^٢) إذ إن اللفظ تناول واحدًا غير معين من جنس الأولياء دون أي قيد يقيده.\n\n<span data-type='title' id=toc-468>ثانيًا: المقيد:</span>\nأما المقيد: فهو ما يقابل المطلق، على اختلاف التعريفات التي ذكرناها للمطلق، والتي تدور حول دلالة اللفظ على الماهية، بدون قيد يقلل من شيوعه.\nفمثلًا عرفه ابن قدامة المقدسي بأنه (اللفظ المتناول لمعيَّن أو غيرٍ معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه) (^٣).\nوقد عرفه العضد في شرحه لـ \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب بأنه (ما بدل لا على شائع في جنسه) وذلك بعد أن عرف ابن الحاجب المطلق بأنه (ما دل على شائع في جنسه) وقال: (والمقيد بخلافه) (^٤). أما صاحب \"مسلم الثبوت\": فقد عرفه بأنه (ما خرج عن انتشار بوجه ما) (^٥) بعد أن عرف المطلق بأنه: (ما دل على فرد ما منتشر) - كما أسلفنا -.\n_________\n(^١) الحديث أخرجه من رواية عمرو بن حسن: أحمد بن حنبل بطريق ابنه عبد الله (٢٢٦٠) و(١٩٩٨٤)، وباللفظ نفسه أخرجه البيهقي من رواية عائشة، كما أخرجه موقوفًا على عمر ﵁. انظر: \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٢٥ - ١٢٦)، \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤٩٥).\n(^٢) راجع: \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني (ص ١٣٤ - ١٣٥) تحقيق المؤلف.\n(^٣) راجع: \"روضة الناظر وجنة المناظر\" لابن قدامة مع الشرح لبدران (٢/ ١٩٦).\n(^٤) \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه\" (٢/ ٢٨٤) متسلسل.\n(^٥) راجع: \"مسلم الثبوت\" مع \"فواتح الرحموت\" (١/ ٣٦٠ - ٣٦٦).","vol":"2","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-469>التعريف الذي نراه:</span>\nلذا فمن الممكن تعريفه بأنه \"اللفظ الذي يدل على الماهية بقيد بقلل من شيوعه \" فهو يتناول عند دلالته على موضوعه واحدًا توفر فيه قيد من القيود.\nفلفظ ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ مثلًا في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] من الخاص العقيد، فالمراد بالتحرير: رقبة موصوفة بالإيمان، لا يجدي غيرها للخروج من عهدة الامتثال.\nوفي قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] قُيد الشهران بالتتابع.\nوفي قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قُيد الدم بكونه مسفوحًا.\nومن الأمثلة الثلاثة يتبين أن القيد جاء وصفًا زائدًا على حقيقة اللفظ نفسه، فـ \"الإيمان\" وصف زائد على حقيقة الرقبة نفسها، لأن الرقبة قد تكون مؤمنة وقد تكون كافرة. كما أن \"التتابع\" وصفٌ زائد على حقيقة الشهرين نفسيهما. كذلك \"السفح\" وصف زائد على حقيقة نفس الدم: فكان اللفظ في كل هذا من المقيد.\nوهكذا تتبين لنا مقابلة المقيد للمطلق - كما أسلفنا -، فالمطلق خال من القيد في دلالته على الحقيقة، إذ الفرد الذي يدل هو عليه: شائع منتشر.\nأما المقيد: فالفرد الذي يدل هذا المقيد عليه، غيرُ شائع في أفراده، إذ قلل من شيوعه قيد من القيود.\nهذا: ويلاحظ أن كلًا من الإطلاق والتقييد، قد يكونان في سياق الأمر حينًا، وفي سياق الخبر حينًا آخر.\nفمن الأول: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فلفظ الرقبة هو في الآية الأولى مطلق، وفي الثانية مقيد وكلاهما جاء في سياق الأمر.\nومن الثاني: قوله ﷺ: \"لا نكاح إلا بولي وشهود\" (^١) \"لا نكاح إلا بوَلي\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي عن الحارث عن علي ﵁.","vol":"2","page":161},{"text":"وشاهدي عدل\" (^١) فالشهادة في الحديث الأول جاءت مطلقة، وفي الحديث الثاني جاءت مقيدة، وكلاهما جاء في سياق الخبر.\n\n<span data-type='title' id=toc-470>تفاوت مراتب المقيد:</span>\nوليست الألفاظ المقيَّدة كلها بمرتبة واحدة؛ فذلك تابع لكثرة القيود وقلتها، فبمقدار ما تكثر القيود أو تقل، تتفاوت مراتب المقيد في تقييده.\nفالمقيد في قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ [التحريم: ٥] هو أعلى وأدخل في التقييد منه في قوله جلَّ وعلا: ﴿مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ لا غير وهكذا ....\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-471>المطلب الثاني حكم كلٍّ من المطلق والمقيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-472>أولًا: حكم المطلق:</span>\nمن المسلم به أن اللفظ إذا ورد في نص من النصوص مطلقًا: فالأصل العمل به على إطلاقه إلا إذا وجد دليل التقييد. ففي معرض تفسير النص: ليس من حق المفسر أن يقلل من شيوع ذلك اللفظ المطلق، إلا إذا قام الدليل على التقييد، بحيث يثبت وجود ما يفيد أن المراد من اللفظ المطلق الشائع في أفراد كثيرة، فردٌ واحد معين مقيد بقيد ما: من شرط، أو وصف، أو غير ذلك مما يحدُّ من ذلك الشيوع، ويحصرُ مدلول اللفظ في دائرة معينة محدودة بذلك القيد، فالمطلق على إطلاقه حتى يثبت ما يقيده (^٢).\nقال الزركشي: (والضابط أن الله تعالى إذا حكم في شيء بصفة أو شرط، ثم ورد حكم آخر مطلقًا: نُظر، فإن لم يكن له أصل إلا ذلك\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق: ١/ ٣٦٠ فيما بعد، وراجع: \"تخريج الفروع على الأصول\" (ص ١٣٤).\n(^٢) \"البرهان\" للزركشي (٢/ ١٩) فما بعدها.","vol":"2","page":162},{"text":"الحكم المقيّد: وجب تقييده به، وإن كان له أصل غيره: لم يكن ردُّه إلى أحدهما بأولى من الآخر).\nولقد يتضح ذلك بالأمثلة التالية:\n١ - جاء في سورة البقرة بشأن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها وأنها أربعة أشهر وعشرة أيام قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nفلفظ ﴿أَزْوَاجًا﴾ ورد في النص القرآني - كما نرى - مطلقًا عن التقييد بكون هؤلاء الأزواج مدخولًا بهن، أو غير مدخول بهن، ولم يزد هذا اللفظ في نص آخر موردًا يفيد تقييده.\nكما لم يقم عند العلماء دليل يفيد أن الأزواج اللاتي تتحدث عنهن الآية الكريمة لبيان عدتهن، إنما تكون العدة لهن بهذا القدر، إذا كن على حال كذا أو حال كذا، من دخول أو عدمه مثلًا.\nوعلى ذلك: فالعالم عند تفسير النص، يعمل بهذا اللفظ على إطلاقه، ومن هنا كان الحكم في ذلك: أن الرجل إذا توفي فعلى زوجته أن تعتد عدة الوفاة المقدرة في الآية بقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ سواء أكانت هذه الزوجة مدخولًا بها أم غير مدخول (^١).\n٢ - وفي حكم المريض أو المسافر في رمضان جاء قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nفلفظ ﴿أَيَّامٍ﴾ وارد في الآية مطلقًا عن أي قيد، كالتتابع أو غيره مثلًا، فظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقتضي إيجاب العدد فقط لا إيجاب التتابع (^٢)، وليس في نص آخر ما يفيد تحديد هذه الأيام بقيد ما.\nكما لم يقم لدى الجمهور دليل على أن المقصود بالأيام الواردة في آية الصوم أيام يشترط فيها كذا، أو أيام موصوفة بكذا، وعلى ذلك فليس أمام\n_________\n(^١) راجع: \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٨٣٠)، \"فرق الزواج\" لأستاذنا الخفيف (ص ٣٣٠).\n(^٢) انظر: \"البداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٩٩)، \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٤/ ٢٤٦).","vol":"2","page":163},{"text":"من يريد تفسير هذا النص القرآني: إلا أن يبقي المطلق على إطلاقه.\nفالأيام يمكن أن تكون متتابعة، ويمكن أن تكون متفرقة، ومن هنا كان الحكم عند الجمهور: أن من أفطر في رمضان لعذر المرض، أو السفر، وأراد قضاء الأيام التي فاتته، لم يجب عليه أن يصوم تلك الأيام بالتتابع، بل له أن يصومها متتابعة، وله أن يصومها متفرقة، يختار ما يشاء من الحالين، لأن النص الذي ألزمه قضاء أيام عما فاته، لم يقيد تلك الأيام بصفة معينة، أو شرط معين (^١).\nجاء في \"المبسوط\" للسرخي قوله: (وكل صوم في القرآن لم يذكره الله متابعًا فله أن يغرقه، وما ذكر متتابعًا فليس له أن يفرقه) … وبعد أن أتى على ذكر الصوم المفيد قال: (فأما ما لم يذكره متتابعًا: فصوم القضاء، قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ويجوز انقضاء متابعًا ومتفرقًا، لأنه مطلق عن الوصف، وقال ابن عباس ﵄: أبهموا ما أبهم الله) (^٢).\nعلى أن السنة قد أبدت ما جاء في الكتاب من إطلاق لفظ ﴿أَيَّامٍ﴾\n_________\n(^١) يقابل قول الجمهور ما ذهب إليه البعض من وجوب التتابع، وكانت الحجة في ذلك: ما رواه الدارقطني عن عائشة قالت: نزلتْ: \"فعدة من أيام أخر متتابعات\" فسقطت \"متتابعات\" وجاء في \"الموطأ\": أن \"متتابعات\" هي قراءة أبيّ بن كعب. وقد أجيب من ذلك بما قالته عائشة نفسها من سقوط \"متابعات\" على أن بين العلماء خلافًا حول العمل بقراءة الآحاد، ومنشأ الاختلاف: تقويمها بعد الحكم عليها بأنها ليست بقرآن؛ فالمتفق عليه عند المسلمين: أن القرآن هو ما ثبت بالتواتر. وأقوى ما يقال في القراءة الآحادية: اعتبارها بدرجة أخبار الآحاد، وفيما نحن فيه، عارضها ما هو أقوى منها من الأحاديث. وقد احتج أهل القول بالتتابع أيضًا: بما أخرج الدارقطني عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: \"من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطُعه\"، ولكن في رواية الحديث مقالًا عند الأئمة فقد قال عنه البيهقي: لا يصح إذ إن في إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم القاضي وهو مختلف فيه، وقد صرح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أذكر هذا الحديث بعينه على عبد الرحمن \"النيل الأوطار\" للشوكاني (٤/ ٢١٦ - ٢٤٧)، هذا ولابن رشد رأي فيما قام عليه الاختلاف بين الجمهور وغيرهم. انظره في \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٩٩).\n(^٢) راجع: \"المبسوطي\" (٣/ ٧٥).","vol":"2","page":164},{"text":"دون تقييد. فعن ابن عمر ﵂ أن النبي ﷺ قال: \"قضاء رمضان إن شاء فرَّق وإن شاء تابع\"، قال البخاري: قال ابن عباس: لا بأس أن يفرق لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (^١).\nوهكذا عملًا بمبدأ \"المطلق على إطلاقه حتى يثبت ما يقيده\" قرر الإمام السرخسي عدم الالتزام بالتابع في قضاء الصوم إذ كان الوارد في الشرع غير مقيد بالتتابع.\nأما إذا قام الدليل على تقييد المطلق: أصبح مدلوله مقيدًا، وانتفى عنه ذلك الشيوع في أفراده.\nفبينما كان الخروج من العهدة في المطلق يمكن أن يحصل بأي فرد من أفراده الشائعة: يُرى أن الخروج من العهدة في المقيد لا يكون إلا بذلك الفرد الذي توافر فيه ذلك القيد.\n٣ - ومن المطلق الذي قام الدليل على تقييده كلمة (وصية) التي وردت مطلقة في نص قرآني، وجاءت السنة فقيدتها.\nقال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فلفظ ﴿وَصِيَّةٍ﴾ مطلق، لم يفيد بمقدار معين من ربع ما يملك المكلف أو نصفه أو ثلثه … إلخ ولكن ثبت في السنة ما يدل على تقييد الوصية بما لا يزيد عن الثالث، وذلك فيما روي عن ابن عباس أنه قال: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: \"الثلث والثلث كثير\") (^٢) وجاء\n_________\n(^١) الحديث أخرجه الدارقطني من رواية ابن عمر (٢٣٢٩)، وقد أخرجه أيضًا من حديث ابن المنكدر قال: بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء شهر رمضان فقال: \"ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ والله أحق أن يعفو\" وقال: إسناده حسن مرسل (٣٣٣٣). وهذه الرواية: هي التي جاء بها السرخسي، وأخرجه البيهقي (٤/ ٢٥٩). وانظر: \"المبسوط\" (٣/ ٧٥) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٦٤). وانظر لكلمة ابن عباس: \"الصحيح البخاري\" مع \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٠٣٤) والشيخان: البخاري (٢٧٤٣) ومسلم (٤١٩٤).","vol":"2","page":165},{"text":"ذلك بوضوح عن النبي ﷺ حين قال لسعد بن أبي وقاص: \"الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس\" (^١).\nفمنعه من الوصية بأكثر من الثلث، فكانت السنة بيانًا لذلك المطلق الوارد في الآية، بحيث قيدته وأوضحت حدوده، فأوجبت أن تكون الوصية في حدود الثلث من مال ذلك الموصي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-473>ثانيًا: حكم المقيد:</span>\nلئن كان من الواجب أن يؤخذ بالمطلق على إطلاقه حتى يرد ما يقيده: إن الواجب في العقيد أن يعمل به مع تقييده، ولا يصح العدول إلى الإطلاق إلا بقيام دليل يدل على ذلك (^٣):\nأ - ومن المقيد الذي لم يقم دليل على إطلاقه ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ فيما ورد بشأن كفارة القتل الخطأ، حيث قال تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢].\nب - ومثله ما ورد في كفارة الظهار حيث قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤].\n_________\n(^١) تفصيل ذلك ما روى أحمد (١٥٤٦) وأصحاب الكتب الستة عن سعد بن أبي رقاص أنه قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله إني قد بالغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: \"لا\". قلت: فالشطر يا رسول الله، قال: \"لا\"، قلت: فالثلث، قال: \"الثالث كثير أو كبير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس\" البخاري (١٢٩٥) ومسلم (١٦٢٨) وأبو داود (٣٨٦٤) والترمذي (٢١١٦) والنسائي (٣٦٢٦) وابن ماجه (٢٧٠٨) وانظر: \"منتقى الأخبار مع نيل الأوطار\" (٦/ ٤٠ - ٤١)، \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ٤٠٠ - ٤٠١).\n(^٢) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٥٥٠) هذا: ولا بد للحنفية من ادعاء شهرة حديث الوصية ليقيّدَ مطلقَ القرآن لأن خبر الآحاد - كما مر - لا يخصص عموم الكتاب، ولا يقيد مطلقه عندهم.\n(^٣) راجع: \"البرهان\" للزركشي (٢/ ١٥) فما بعدها، \"إرشاد الفحول\" (ص ١٥٤) \"أسباب اختلاف الفقهاء\" لأستاذنا علي الخفيف (ص ١٣٤).","vol":"2","page":166},{"text":"فأوجب النص القرآني صوم الشهرين وقيَّدهما بأن يكونا متتابعين، وهكذا لا يكون من وجبت في حقه كفارة الصيام هذه مؤديًا ما وجب عليه، خارجًا من العهدة: إلا إذا صام شهرين متابعين، فلا يجزئه عمومهما متفرقين ولو فعل، لم يخرج من العهدة واعتبر كأنه لم يكفِّر (^١).\nففي الكفارتين المذكورتين: كفارة القتل، وكفارة الظهار، وردَ النص بقدر معلوم من المدة الزمنية، مقيَّدٍ بوصف التتابع، فيجب العمل بهذا الفيد ما دام لم يثبت دليل يُخرج المقيد إلى الإطلاق.\nوكما لا يجوز الإخلال بالقدر المنصوص وهو الشهران: فكذا لا يجوز الإخلال بالوصف الذي قيدا به وهو التتابع (^٢).\nولقد أوضح شمس الأئمة السرخسي - كما أسلفنا - بأن كل صوم في القرآن لم يذكره الله متتابعًا: فله أن يفرقه، وما ذكر متتابعًا: فليس له أن يفرقه، ثم قال ﵀: (أما المذكور متتابعًا: فصوم كفارة القتل وكفارة الظهار، فإن النص ورد بقدر معلوم مقيد بوصف، وكما لا يجوز الإخلال بالقدر المنصوص، فكذا بالوصف المنصوص) (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٧/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(^٢) راجع: \"المبسوط\" (٣/ ٧٥)، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" و\"العناية\" (٣/ ٢٣٣) فما بعدها.\n(^٣) راجع: \"المبسوط\" (٣/ ٧٥).","vol":"2","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-474>المبحث الثاني حمل المطلق على المقيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-475>المطلب الأول مسالك العلماء في حمل المطلق على المقيد</span>\nكان فيما ذكرناه آنفًا: بيان حكم الخاص المطلق، إذا ورد مطلقًا في نصر ولم يرد مطلقًا في نص آخر، أو لم يقم عند العلماء دليل على تقييده، وبيان حكم المقيد إذا ورد مقيدًا في نص، ولم يرد مطلقًا في نص آخر، أو لم يقم دليل أن المراد به الإطلاق لا التقييد، وحكم ما جاء مطلقًا وورد نص بتقييده.\nوفي مقابل ذلك: تعرض حالات أخرى لا بد من بيان حكم كل من المطلق والمقيد فيها.\nومنشأ هذه الحالات كلها: أن يرد اللفظ مطلقًا في نص، ويرد هو بعينه مقيدًا في نص آخر، ففي مثل هذا الوضع: هل يعمل بكل من المطلق والمقيد في موضعه، ويؤخذ الحكم من مدلول كل منهما على حدة، أم يحمل المطلق على المقيد، ويكون المراد بذلك المطلق الوارد في هذا النص، هو المقيد الوارد في نص آخر؟\nالواقع أن مذاهب العلماء تعددت في الموضوع، وقبل أن نعرض لتلك المذاهب، نود أن نشير إلى أن حمل المطلق على المقيد معناه: بيان المقيد للمطلق بأن يقلل من شيوعه. فبدلًا من أن يكون مدلول\nاللفظ حكمًا في فرد منتشر، يصبح حكمًا في فرد مقيد بالقيد نفسه","vol":"2","page":168},{"text":"الذي هو في المقيد؟ فعندما يطلب الشارع مثلًا عتق رقبة، يفيد في تحقيق المطلوب أيُّ رقبة، ولكن عندما نحمل هذا المطلق على المقيد الذي وصفت فيه الرقبة بالإيمان في نص آخر، لا تجزيء إلا الرقبة التي توافر فيها ذلك الوصف.\nولقد اتفق العلماء على جواز حمل المطلق على المقيد، ولكن اختلفت أنظارهم في الحالات التي يصح فيها هذا الحمل.\nوعن هذا الاختلاف نشأ اختلاف في عدد من الأحكام الشرعية، لأن تفاوت الأنظار في الأصول، ينبني عليه اختلاف فيما يتولد عنها من فروع وأحكام. وبيان حالات الاتفاق والاختلاف في حمل المطلق على المقيد فيما يلي:\nإذا ورد اللفظ الخاص مطلقًا في نص، وورد بعينه مقيدًا في نص آخر: فهو على وجهين:\nأولهما: أن يكون الإطلاق والتقييد في سبب الحكم، والحكم والموضوع متحدان.\nالثاني: أن يكون الإطلاق والتقييد في الحكم نفسه.\n١ - فإذا ورد في موضوع واحد نصان قد أفادا حكمًا واحدًا، ولكن جاء الإطلاق والتقييد في سبب هذا الحكم؛ فبين العلماء خلاف: أما الحنفية: فلا يحملون المطلق على المقيد بأن يجعلوا المفيد بيانًا للمطلق، بل يعتبرون كلًا منهما سببًا للحكم، ويعمل بكل في دائرته وحسب مدلوله (^١).\nوحجتهم في ذلك: أن الأصل التزام ما جاء عن الشارع في دلالات ألفاظه على الأحكام، فالمطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده؛ لأن كل\n_________\n(^١) انظر: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٢٩٦).","vol":"2","page":169},{"text":"نص حجة قائمة بذاتها، وتقييده من غير دليل من ذات اللفظ أو من الكلام في موضوعه: تضييق من غير أمر الشارع.\nفلا يلزم حمل المطلق على المقيد إلا إذا كان الأخذ بكل من المطلق والمقيد على حدة: مدعاة للتناقض، بأن يكون هناك تناف بين الإطلاق والتقييد. وحين يكون الإطلاق والتقييد في سبب الحكم: لا يقع أي تناف بينهما، فليس ما يمنع أن تتعدد الأسباب لحكم واحد، وهذا الحكم يثبت بأي واحد من هذه الأسباب، كما في انتقال الملك من شخص إلى آخر، فإنه حكم واحد، وله أسباب كثيرة؛ كالبيع والهبة والوصية، فيصبح أن يثبت بأي واحد منها (^١).\n٢ - وذهب الشافعية وغيرهم إلى حمل المطلق على المقيد، فيكون المقيد بيانًا للمطلق (^٢).\nوحجتهم في ذلك، أن التنافي واقع في هذه الحال بين الإطلاق والتقييد، لأنهما واردان في أمر واحد والأمر الواحد لا يجوز أن يكون مطلقًا ومقيدًا في آن واحد، ولهذا لا بد من جعل المقيد أصلًا يبين به المطلق، لأن المطلق ساكت عن القيد، والمقيد ناطق به، فهو أولى أن يكون أصلًا للبيان. وفي عدم حمل المطلق على المقيد وجعلِ المقيد مبينًا له: لا يكون لذكر القيد فائدة، ونصوص الشارع منزهة عن العبث.\nمثال ذلك: ما ورد في السنة بشأن صدقة الفطر، حيث جاء سبب الحكم مقيدًا بنص، ومطلقًا بنص آخر:\n_________\n(^١) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٦٤)، \"أصول الفقه\" للخضري (ص ٢٣٢).\n(^٢) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٦٤)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٢٩٦)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٥٤)، مطبعة السعادة، \"أصول الفقه\" للأستاذ الشيخ زكريا البرديسي (ص ٤١٣).","vol":"2","page":170},{"text":"أ - فقد ورد عن ابن عمر ﵄ قال: \"فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة\" (^١).\nب - وفي رواية أخرى عن عبد الله بن عمر أيضًا: \"فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر - أو قال: رمضان - على الذكر والأنثى، والحر والمملوك: صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير\" (^٢).\nفالموضوع في النصين واحد: وهو زكاة الفطر، والحكم فيهما واحد أيضًا، وهو وجوب زكاة الفطر، وجاء الإطلاق والتقييد في سبب الحكم، وهو من يمونه المزكي؛ فإنه سبب لوجوب صدقة الفطر.\nففي الرواية الأولى: جعل سبب وجوب هذه الصدقة: من يمونه المزكي ويلي عليه من المسلمين، وفي الرواية الثانية: جعل سبب الوجوب من يمونه المزكي مطلقًا، سواء أكان من المسلمين أم لم يكن، فالسبب في الرواية الأولى: مقيد بصفة الإسلام، وفي الثانية: مطلق.\nوعلى هذا وقع الاختلاف بين العلماء:\nفالحنفية لم يحملوا المطلق على المقيد، بل عملوا بكل منهما؛ فلم يعتبروا الإسلام سببًا في وجوب صدقة الفطر: فالمسلم وغير المسلم سواء في استحقاق هذه الصدقة، عملًا بالمقيد في النص الأول، والمطلق في النص الثاني.\n_________\n(^١) أخرجه الأئمة الستة: البخاري (١٥٠٨)، مسلم (٩٨٤)، أبو داود (١٦١١)، الترمذي (٦٧٥)، النسائي (٢٥٠٠)، ابن ماجه (١٨٢٥) عن ابن عمر ﵄، وفي رواية من دون: \"وأمر بها … \"، وانظر: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٥٣)، \"بلوغ المرام\" مع \"سبل السلام\" (٢/ ١٨٦).\n(^٢) انظر: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (١/ ٤١٥)، \"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ٤٠٦) \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني (ص ١٣٥) تحقيق المؤلف.","vol":"2","page":171},{"text":"بل إن أبا جعفر الطحاوي ﵀ من أئمة الحنفية - أراد أن يخرج المسألة عن حدود المطلق والمقيد، فحاول الجمع بين الروايتين بأن جعل قيد \"الإسلام\" في \"من المسلمين\"، صفة المخرجي الصدقة لا للمخرَج عنهم، وأُراني أميلَ إلى ما ذهب إليه الصنعاني من أن هذا التأويل يأباه ظاهر الحديث (^١).\nأما الشافعية ومن معهم من المالكية والحنابلة: فقد حملوا المطلق على المقيد، فلم يعتبروا إلا الإسلام سببًا في وجوب صدقة الفطر، وجنح إلى ذلك الشوكاني (^٢).\nوبناءً على ما تقدم أوجب الحنفية على المسلم صدقة من يمون من مسلمين وغيرهم (^٣).\nوقال غير الحنفية ممن ذكرنا: لا يخرج المسلم الصدقة إلا عمن يمون من المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-476>مدى تطبيق القاعدة عند الحنفية:</span>\nهذا: وقد أُورد على الحنفية: أنهم لم يلتزموا هذه القاعدة عند التطبيق في بعض النصوص.\nفإذا كانوا قد التزموها في صدقة الفطر، فأوجبوا على المسلم زكاة من\n_________\n(^١) انظر: \"سبل السلام\" (٢/ ١٨٧).\n(^٢) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ١١٣)، \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٥٦)، \"حاشية الدسوقي على الدردير\" (١/ ٥٠٥)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٥٤).\n(^٣) \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٢/ ٣٥)، \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني (ص ١٣٥). هذا: وممن قال يقول الحنفية: الإمام ابن حزم، فقد صح عنده - إلى جانب رواية لأبي سعيد: \"من المسلمين\" - رواية أبي هريرة: \"ليس علي المسلم في فرسه وعبده صدقة، إلا صدقة الفطر في الرقيق\" وقد عمل بهذه الرواية لأن ما فيها زائد على ما جاء فيما قبلها ولا تعارض بين الروايتين قال: (فوجبت تأدية زكاة الفطر على السيد عن رقيقه لا على الرقيق) \"المحلى\" (٦/ ١٣٣).","vol":"2","page":172},{"text":"يمونه مسلمًا كان أو غير مسلم، فإنهم لم يلتزموها في وجوب الزكاة في النّعم. ذلك أن زكاة النعم ورد في وجوبها عدد من النصوص كان فيها اختلاف في الإطلاق والتقييد، إذ جاءت النعم في بعضها مطلقة عن أي قيد، وجاءت في بعضها الآخر مقيدة بصفة السوم، وهو الرعي في الكلأ المباح، إذ ورد في شأن الإبل مثلًا قوله ﷺ: \"في خمس من الإبل شاة\" كما ورد أيضًا: \"في خمس من الإبل سائمةً شاة\" (^١) وكلا الروايتين في \"الصحيح\".\nوواضح أن الإطلاق والتقييد في سبب الحكم، والموضوع واحد وهو الزكاة؛ فحمل الشافعية المطلق على المقيد وأوجبوا الزكاة في السائمة فقط.\nولكن الحنفية أيضًا أوجبوا الزكاة في السائمة دون المعلوفة والمعاملة. وهذا ما يخالف قاعدتهم في عدم حمل المطلق على المقيد في هذه الحال؛ إذ لو عملوا بالمطلق والمقيد كليهما لأوجبوا الزكاة في السائمة والمعلوفة على السواء، واعتبروا كلًا منهما سببًا للحكم وهو وجوب الزكاة (^٢).\nوقد يجاب عن ذلك بأن ما أخذ به الحنفية في هذا الحكم من إيجاب الزكاة في السائمة من النَّعم فقط، لم يكن من طريق حمل المطلق على المقيد، وإنما كان من طريق النسخ، حيث يرون أن النص المقيد جاء متأخرًا عن النص المطلق، فكان ناسخًا له في غير السالمة.\nولكن هذا الجواب - على فرض التأكد من ثبوت تأخر المقيد عن المطلق - إنما يصلح لدفع ما ورد عليهم لو أنهم يقولون بمفهوم المخالفة\n_________\n(^١) الرواية الأولى: من حديث الصدقة في كتاب رسول الله ﷺ إلى عماله - الذي رواه مسلم عن أبيه، والرواية الثانية: من حديث الفرائض والسنن والديات في كتاب رسول الله ﷺ إلى اليمن الذي رواه أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده. وانظر لتفصيل روايات الحديثين: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٩٨ - ١٠٢)، \"المحلى\" لابن حزم (٦/ ٤٦)، \"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ٣٣٨ - ٣٤٣)، \"فتح الباري\" مع \"صحيح البخاري\" لابن حجر (٣/ ٢٥٠).\n(^٢) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" و\"العناية\" (٢/ ١٢٧) فما بعدها.","vol":"2","page":173},{"text":"حيث يأخذون بمفهوم الوصف في النص الذي ورد فيه القيد، فيكون بين النصين تعارض ويكون الأخير ناسخًا.\nولكنهم لا يقولون بمفهوم المخالفة، وعلى ذلك لا تعارض بين النصين، ولا يكون المتأخر منهما ناسخًا.\nولكن هذا أيضًا لا يجدي، ولو فرض - كما قال أستاذنا الشيخ علي الخفيف - لكان المنطوق أقوى دلالة من المفهوم فيعمل به ويكون السبب مِلكَ مطلق النعم (^١).\nوهكذا اتفق الحنفية مع الشافعية في هذا الحكم، وكان المفروض - لو أن الحنفية التزموا قاعدة عدم حمل المطلق على المفيد في هذه الحال -: أن يكون مذهبهم هو ما ذهب إليه المالكية من وجوب الزكاة في السوائم وفي غير السوائم (^٢).\nوإن كان لهم أن يقولوا: بأن الأصل عدم الزكاة، ثم جعل الرسول الزكاة في السائمة فالتزمنا بهديه ﵊.\nوإذ أتينا على حالة الإطلاق والتقييد في سبب الحكم مع أن الموضوع والحكم متحدان، فلننتقل إلى حالة الإطلاق والتقييد في الحكم نفسه.\n٢ - إذا وقع الإطلاق والتقييد في الحكم نفسه: فلذلك عدة صور؛ لأنه:\nإما أن يتحد الحكم في النصين، ويتحد أيضًا السبب الذي بني عليه الحكم في كل منهما.\nوإما أن يختلف الحكم في النصين، ويتحد السبب الذي بني عليه كل من الحكمين.\nوإما أن يتحد الحكم في النصين، ويختلف السبب الذي بني عليه الحكم في كل منهما.\n_________\n(^١) راجع: \"أسباب اختلاف الفقهاء\" لأستاذنا الشيخ الخفيف (ص ١٣٦).\n(^٢) راجع: \"حاشية الدسوقي على الدردير\" (١/ ٤٣٢).","vol":"2","page":174},{"text":"أ - فإن اتحد الحكم والسبب الذي بني عليه الحكم في النصين الواردين؛ فالاتفاق حاصل بين العلماء على اعتبار المقيد بيانًا المطلق وحمل المطلق عليه.\nعلى أن بعضهم نقل اختلافًا عن الحنفية، وأن بعضهم ذهب إلى الحمل، والآخر ذهب إلى عدمه. ونقل آخرون اختلافًا عن المالكية وبعض الحنابلة، ولكن المحققين صححوا أنه لا خلاف يعتد به.\nقال الشوكاني ﵀: (وقد نقل الاتفاق في هذا القسم القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي عبد الوهاب وابن فورك والكيا الطبري وغيرهم. وقال ابن برهان في \"الأوسط\": اختلف أصحاب أبي حنيفة في هذا القسم فذهب بعضهم إلى أنه لا يحمل، والصحيح من مذهبهم أنه يحمل. ونقل أبو زيد الحنفي وأبو منصور الماتريدي في \"تفسيره\" أن أبا حنيفة يقول بالحمل في هذه الصورة. وحكى الطرطوسي الخلاف فيه عن المالكية وبعض الحنابلة. وفيه نظر فإن من جملة من نقل الاتفاق القاضي عبد الوهاب وهو من المالكية) (^١).\nمثال ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وقوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. والدم المسفوح هو الدم المهراق الذي سال عن مكانه (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد الفحول\" (ص ١٥٤) مطبعة السعادة.\n(^٢) قال ابن جرير: (يقال منه: سفحت دمه، إذا أرقته، أسفحه سفحًا، فهو دم مسفوح كما قال طرفة بن العبد:\nإنسي وجدّك ما هجوتك … والأنصاب يسفَح فوقهن دم\nوكما قال عبيد بن الأبرص:\nإذا ما عاده منها نساءٌ … سفحن الدمع من بعد الرنين\nيعني: صببن وأسلن الدمع)، \"تفسير الطبري\" (١٢/ ١٤٥).","vol":"2","page":175},{"text":"فلم يختلف العلماء - أخذًا من هذين النصين - أن المحرم هو الدم المسفوح لا سواء.\nوبيان ذلك أن الحكم في النصين واحد، وهو تحريم تناول الدم، والسبب واحد؛ وهو ها يصيب العرب من الأذى في هذا التناول، وجاء لفظ \"الدم\" مطلقًا في أحد النصين ومقيدًا بكونه مسفوحًا في الآخر.\nفحمل الأئمة المطلق على المقيد، فكانت دلالة النصين مجتمعين: أن المحرَّم ليس هو الدم مطلقًا، وإنما هو الدم المسفوح، أما ما يبقي في اللحم والعروق: فإنه حلال يجوز تناوله (^١).\nجاء عن قتادة قوله: \"حُرِّم الدم ما كان مسفوحًا، وأما لحم خالطه دم فلا بأس به\"، وذلك ما قرر الطبري أن في اشتراط أن يكون الدم مسفوحًا: الدليل الواضح على أن ما لم يكن منه مسفوحًا: فحلال غير نجس (^٢).\nومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] (^٣) وقول الرسول ﷺ في بيانه للتيمم فيما رواه ابن عمر وجابر: \"التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين\" (^٤).\nفالأيدي وردت في الآية مطلقة عن القيد، وهي في الحديث مقيدة بالمرفقين، والحكم في النصين واحد: هو وجوب المسح، والسبب واحد: وهو الحدث وإرادة الصلاة، فجعل المقيد بيانًا للمطلق وحمل المطلق عليه،\n_________\n(^١) انظر: \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\" (١٢/ ١٩٣).\n(^٢) المصدر السابق: (١٢/ ١٩٣).\n(^٣) وفي سورة النساء، الآية: ٤٣ دون ﴿مِنْهُ﴾.\n(^٤) حديث ابن عمر أخرجه الدارقطني (٦٨٥) والحاكم (١/ ٢٧٩) والبيهقي، أما حديث جابر: فأخرجه الدارقطني (٦٩١) والحاكم (١/ ١٨٠) وانظر: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٨٦) \"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ١٥٠ - ١٥١)، \"سبل السلام\" للصنعاني (١/ ٩٦).","vol":"2","page":176},{"text":"فكان الواجب في التيمم مسح اليدين إلى المرفقين، وذلك ما ذهب إليه الحنفية والشافعية (^١).\nأما المالكية: فلا يوجبون المسح إلى المرفقين، وإنما يكفي عندهم المسح إلى الكوعين (^٢). وكذلك الحنابلة؛ فقد نصوا على الرسغين، حتى نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد قوله: من قال: (إن التيمم إلى المرفقين فهو شيء زاده من عنده) (^٣).\nولكن لم يكن ذلك، لأنهم لا يحملون المطلق على المقيد في هذه الصورة، بل الذي صح عندهم من السنة هو ما رواه عمار بن ياسر قال: \"أجنبت فتمعكت في الصعيد وصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: \"إنما كان يكفيك هكذا\"، وضرب النبي ﷺ يكفيه على الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه\" وفي رواية عنه أن النبي ﷺ قال له: \"في التيمم ضربة للوجه واليدين\" (^٤) فجعلوا حديث عمار الذي لا يأتي على ذكر \"المرفقين\" بيانًا للآية وقيدوا ما ورد فيها من إطلاق.\nوهكذا نرى أن الاختلاف في القدر المطلوب بمسح اليدين في التيمم:\n_________\n(^١) راجع: \"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٤٠٧)، \"الإحكام\" لابن دقيق العيد ١/ ١٥١ - ١٥٢)، وانظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ٤١٤) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"المقدمات الممهدات\" لابن رشد الجد (١/ ٧٩)، \"الذخيرة\" للقرافي (١/ ٣٥٣) فما بعدها. \"الدسوقي على الدردير\" (١٥٥١) هذا: وقد نقل ابن رشد الحفيد في \"بداية المجتهد\" أن المشهور في المذهب المالكي هو المسح إلى المرفقين، وأن المروي عن مالك فرضية المسح إلى الكفين واستحبابه إلى المرفقين. على أن ما أسماه ابن رشد الحفيد مشهور المذهب: قد اقتصر ابن رشد الجد على نسبته إلى نافع ومحمد بن الحكم من المالكية، \"بداية المجتهد\" (١/ ٦٨ - ٦٩)، \"المقدمات الممهدات\" (١/ ٧٩).\n(^٣) راجع: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٢٤٤) فما بعدها. \"المدخل\" لابن بدران (ص ١٢٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٣٨ - ٣٤٣) بألفاظ مختلفة في الطهارة والتيمم، وأخرجه مسلم (٣٦٨) وأبو داود (٣١٨) والنسائي (٣١٢) والترمذي (١٤٤) وابن ماجه (٥٦٥). وانظر: \"فتح الباري\" للحافظ ابن حجر (١/ ٣٧٧).","vol":"2","page":177},{"text":"لم يكن لاختلاف في حمل المطلق على المقيد فيما نحن فيه، ولكن من الاختلاف في نظرتهم إلى النص الذي جرى به التقييد.\nفالفريقان حملوا المطلق على المقيد، ولكنَّ كلًّا منهما قيد الإطلاق بالنص الذي ثبت عنده من السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-477>رأينا في المسألة:</span>\nوفي رأينا أن الاتفاق على حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة - وهي صورة اتحاد المحكم في النصين واتحاد السبب الذي بني عليه الحكم - يبدو هو المقبول. ذلك لأن اتحاد الحكم والسبب الذي بني عليه الحكم، لا يتصور معه اختلاف بالإطلاق والتقييد، فذلك يؤدي إلى التنافي، لأن ما يقتضيه الإطلاق: يخالف ما يقتضيه التقييد.\nفإذا كان المكلف يخرج من عهدة العمل بالمطلق، بأن يمتثل في أي فرد من أفراده، فإنه لا يخرج من العهدة في الحقيقة في المقيد، إلا بالامتثال في هذا الفرد المعين الذي اقترن به ما أفاد التقييد.\nب - وهذه صورة أخرى جرى فيها اتفاق العلماء أيضًا، ولكن لا على حمل المطلق على المقيد، بل على عدم حمله عليه. وهي: ما إذا اختلف الحكم في النصين واختلف السبب الذي بني عليه الحكم في كل منهما. فهنا لا يعتبر المقيد بيانًا للمطلق، ولا يحمل المطلق عليه، بل يعمل بكل منهما حيث ورد، إذ ليس ما يدعو للحمل فلا ارتباط بينهما ولا علاقة، وقد حكى الاتفاق على ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني، والكيا الهراسي الطبري وغيرهم (^١).\nمثال ذلك قوله تعالى في شأن حد السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقوله في آية الوضوء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].\n_________\n(^١) راجع: \"إرشاد الفحول\" (ص ٦٥٤).","vol":"2","page":178},{"text":"فالحكم في هذين النصين مختلف؛ إذ إنه وجوب القطع في الأول، ووجوب الغسل في الثاني.\nكما أن السبب في الحكمين مختلف أيضًا؛ فهو في الحكم الأول: جناية السرقة، وفي الحكم الثاني: القيام إلى الصلاة وإرادتها.\nفلم يعتبر العلماء المقيد بيانًا للمطلق، ولم يحملوا المطلق عليه (^١).\nولكن الإطلاق في آية السرقة الذي يقتضي قطع يد السارق دون قيد يقيدها: قد جاء في السنة ما دل على تقييده بالرسغ، حيث رُوي أن النبي ﷺ أمر بقطع يد سارق من المفضل (^٢).\nج - والصورة الثالثة لهذه الحال: أن يختلف الحكم في النصين ويتحدّ السبب الذي بني عليه الحكم في كل منهما، فلا يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق أيضًا شأن الصورة السابقة.\nمثال ذلك: ما جاء في شأن الوضوء من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nفالحكم في النصين مختلف، وهو وجوب الغسل في النص الأول.\n_________\n(^١) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٦٤)، \"شرح ابن ملك على المنار\" (٢/ ٥٣٦ - ٥٣٧).\n(^٢) أخرج ابن عدي في \"الكامل\" والبيهقي في \"السنن الكبرى\" عن عبد الله بن عمرو: \"قطع النبي ﷺ سارقًا من المفصل\". كما أخرج ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" والبيهقي في \"السنن الكبرى\" عن رجاء بن حيوة: \"أن النبي ﷺ قطع يد سارق من المفصل\"، والمراد بالمفصل هنا - كما ذكر البيهقي - مفصل الكف. انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٨/ ٢٧٠ - ٢٧١) \"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ٢٨٠) فما بعدها. وراجع: \"تفسير القرطبي\" (٦/ ١٧١» \"الأحكام السلطانية\" للقاضي أبي يعلى (ص ٢٥٠).","vol":"2","page":179},{"text":"ووجوب المسح في النص الثاني، والسبب في الحكمين متحد؛ فهو في الوضوء والتيمم: القيام إلى الصلاة وإرادتها، وجاء لفظ الأيدي مقيدًا بالمرافق في النص الأول، كما جاء مطلقًا من هذا القيد في النص الثاني.\nفلم يكن خلاف بين العلماء في عدم حمل المطلق في آية التيمم على المقيد في آية الوضوء، وكان مقتضى هذا: أن يكون الواجب في التيمم مسح اليدين كلتيهما، فلا يجزئ المكلفَ إلا ذلك. غير أن هذا الإطلاق في آية التيمم: ورد في السنة - كما مر بنا من قبل - ما دل على تقييده بالمرافق، كما في حديث ابن عمر وجابر الذي أخذ به المالكية والحنابلة (^١).\nوعلى أية حال، لقد بينت السنة آية التيمم، فقيدت إطلاقها تقييدًا اختلفت الأنظار في تحديده بناء على القدر الذي جاءت به السنة التي تبين عن الله ما أراد.\nفالمالكية والحنابلة: يجزئ عندهم في التيمم: مسح الكفين، بينما لا يجزئ عند الحنفية والشافعية إلا مسح الذراعين (^٢).\nد - أما الصورة الرابعة التي تنطوي تحت حالة الإطلاق والتقيد في الحكم: فهي: أن يكون الحكم في النصين متحدًا، ويكون السبب الذي بني عليه الحكم في كل منهما مختلفًا.\nولقد اختلفت أنظار العلماء حول حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة، أو عدمه.\n١ - فذهب الحنفية إلى أن المطلق لا يعمل على المقيد هنا وإنما يعمل بكل منهما؛ فالمطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده (^٣).\n_________\n(^١) انظر ما سلف (٢/ ١٧٦) فما بعدها.\n(^٢) انظر ما سلف (٢/ ١٧٦ - ١٧٧).\n(^٣) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"2","page":180},{"text":"٢ - وذهب الشافعية إلى حمل المطلق على المقيد، ولكنهم كانوا في ذلك فريقين: فالجمهور منهم يرون الحمل دون شروط؛ فهو حملٌ من طريق اللفظ.\nوبعض المحققين منهم كالشيرازي والبيضاوي من المتأخرين: يرون تقييد المطلق بالقياس على المقيد، وهم لا يدَّعون وجوب هذا القياس، ولكن يقولون: إن حصل القياس الصحيح: ثبت التقييد وإلا فلا.\nوإذن فهؤلاء المحققون يرون حمل المطلق على المقيد إذا توافرت العلة الجامعة بينهما، وإلا فلا يقيدون المطلق بالمقيد. واعتبر الرازي هذا المذهب أعدل المذاهب ونسبه الآمدي وغيره إلى الإمام الشافعي (^١).\nوقد نقل عن بعض الشافعية، أن حمل المطلق على المقيد من جنسه موقوف على الدليل؛ فإن قام الدليل على تقييده: قيد، وإن لم يقم الدليل: صار كالذي لم يرد فيه نص، فيعدل عنه إلى غيره من الأدلة.\nوقد رد الزركشي هذا المذهب حيث قال: (وهذا أفسد المذاهب لأن النصوص المحتملة يكون الاجتهاد فيها عائدًا إليها ولا يعدل إلى غيره) (^٢).\n٣ - وقد اختلف النقل عن المالكية: فقال التلمساني منهم: (وأما إن اختلف المسبب واتحد الحكم: فإنه يحمل المطلق على المقيد بجامع، وقيل: بغير جامع، ولا يحمل إن لم يكن جامع) (^٣).\nونقل الشوكاني عن القاضي عبد الوهاب من المالكية أيضًا، أن أكثر المالكية لا يجيزون حمل المطلق على المقيد، دون تفصيل.\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٧). \"البحر المحيط\" للزركشي، ٣/ ٩ فما بعد. \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٥٤).\n(^٢) \"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ١١)، \"إرشاد الفحول\" (ص ١٥٤).\n(^٣) \"مفتاح الوصول\" للتلمساني (ص ٦٢).","vol":"2","page":181},{"text":"كما أن ابن قدامة المقدسي من الحنابلة: ذكر في كتابه \"روضة الناظر\" عن المالكية القول بالحمل دون أي تفصيل أيضًا، وتابعه في ذلك شارحه عبد القادر بن بدران (^١).\nونرى من نقل التلمساني والقاضي عبد الوهاب، أن المالكية إجمالًا: يقولون بالحمل إذا توافرت العلة الجامعة، ولعلهم في ذلك يلتقون مع بعض محققي الشافعية الذين أوردنا مذهبهم آنفًا.\n٤ - أما الحنابلة: فقد اختلفوا في الحمل أو عدمه.\nفالقاضي أبو يعلى (^٢) يرى في هذه الصورة حمل المطلق على المقيد وتقييده به.\nواختار أبو إسحاق بن شاقلا عدم جواز الحمل، فيعمل بكل من المطلق والمقيد في موضعه، وذكر ابن قدامة المقدسي أنه روي عن أحمد ﵀ ما يدل على ذلك.\nوقال أبو الخطاب (^٣): إن عضده قياس: حمل عليه، وإلا فلا.\nوبهذا يكون للحنابلة ثلاثة أقوال:\nقول يتفقون فيه مع الحنفية، وهو القول بعدم الحمل.\nقول يتفقون فيه مع جمهور الشافعية، وهو القول بالحمل مطلقًا.\n_________\n(^١) انظر: \"روضة الناظر ونزهة الخاطر\" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٢) هو القاضي محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء أبو يعلى، من إعلام الحنابلة في الأصول، والفروع، والحديث، وأصول الدين. له كثير من المصنفات جاء على ذكرها ولده محمد في \"طبقات الحنابلة\". منها: \"أحكام القرآن\" و\"عيون المسائل\" و\"الأحكام السلطانية\" و\"فضائل أحمد\" توفي ﵀ سنة ٤٥٨ هـ.\n(^٣) هو محفوظ بن أحمد بن حسن الكلوذاني من رجال الطبقة السادسة في المذهب الحنبلي ومن أصحاب القاضي أبي يعلى، توفي سنة ٥١٠ هـ.","vol":"2","page":182},{"text":"قول يتفقون فيه مع بعض محققي الشافعية، وهو القول بالحمل إذا توافر القياس (^١).\nهذا: وقد نقل الشوكاني مذهبًا يقوم على أن يعتبر أغلظ الحكمين في المقيد، فإن كان الحكم المقيد أغلظ، حُمل المطلق على المقيد، ولا يحمل على إطلاقه إلا بدليل؛ لأن التغليظ إلزام، وما تضمنه الإلزام لا يسقط التزامه باحتمال.\nوكان عجيبًا أن يعتبر الماوردي هذا المذهب أولى المذاهب، ونحن مع الشوكاني الذي اعتبره أبعدها عن الصواب (^٢)، إذ ما الحكمة في أن تحكم تفسيرَ النصوص روحُ الحرج والتغليظ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-478>المذاهب الأساسية في الموضوع:</span>\nوهكذا يكون لدينا في حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم واختلاف السبب ثلاثة مذاهب أساسية هي:\n١ - عدم جواز الحمل لفظًا دون شرط.\n٢ - وجوب الحمل لفظًا دون شروط، فيكون الحمل لغة من طريق اللفظ.\n٣ - وجوب الحمل عن طريق القياس، حين تتوافر العلة المشتركة بين المطلق والمقيد.\nهذا: والمثال لما نحن بصدده قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقوله تعالى في كفارة\n_________\n(^١) راجع: \"روضة الناظر\" (٢/ ١٩٤)، \"القواعد والفوائد الأصولية\" لعلاء الدين بن اللحام (ص ٢٨٠) فما بعدها، \"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل\" لعبد القادر بدران (ص ١٢٠ - ١٢١).\n(^٢) راجع: \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٥٥).","vol":"2","page":183},{"text":"الظهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] (^١).\nفإن الرقبة المطلوب تحريرها وردت في النص الأولى مقيدة بالإيمان، أما في النص الثاني: فقد وردت مطلقة من هذا القيد، والحكم في كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار متحد وهو تحرير الرقبة، ولكن السبب في الحكم مختلف، فهو في الأول: القتل الخطأ، وفي الثاني: إرادة المُظاهر العود إلى الاستمتاع بزوجته حيث يحنث بيمينه.\nفالحنفية لا يحملون المطلق على المقيد في النصين، ويوجبون العمل بكل منهما حيث ورد؛ ففي كفارة الظهار: تجزئ الرقبة الكافرة، عملًا بالمطلق الوارد في شأنها وهو قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أما في كفارة القتل الخطأ: فلا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة، عملًا بالمقيد الوارد في شأنها وهو قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] (^٢).\nأما القائلون بحمل المطلق على المقيد: فاعتبروا أن آية القتل الخطأ قد قيدت إطلاق آية الظهار؛ ففي كلا الكفارتين: كفارةِ القتل الخطأ وكفارةِ الظهار: لا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة (^٣).\nوحجة الحنفية - كما ذكرنا سابقًا في حالة اتحاد الموضوع والحكم واختلاف السبب - أن الأصل التزام ما جاء به الشارع من دلالات ألفاظه على الأحكام، فكل نص حجة قائمة بذاتها، والتقييد بلا دليل عدول عن هذا الاعتبار، ولذلك فلا يُلجأ إلى حمل المطلق على المقيد إلا عند التنافي\n_________\n(^١) راجع: \"أحكام القرآن\" للشافعي جمع أبي بكر البيهقي (١/ ٢٣٦)، \"الأم\" (٧/ ٢١ - ٢٢، ٢٦٦ - ٢٦٧)، \"سنن البيهقي\" مع \"الجوهر النقي\" (٨/ ٣٨٧).\n(^٢) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٦٤ - ٦٥)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٢٩٦)، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٣/ ٢٣٤) فما بعدها، \"الهداية\" مع \"نتائج الأفكار\" (١/ ٢٥٢).\n(^٣) راجع: \"جمع الجوامع\" لابن السبكي مع \"شرحه للجلال المحلي\" و\"حاشية البناني\" (٣/ ٥٦) فما بعدها، \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ١١٤ - ١١٥).","vol":"2","page":184},{"text":"بين الحكمين، بحيث يؤدي العمل بكل منهما إلى التناقض، وهذا مأمون فيما نحن فيه من اختلاف السبب؛ فالشارع في خطابه أوجب الرقبة على إطلاقها في موضع، وأوجبها مقيدة بالإيمان في موضع، وليس في ذلك من تعارض، والعمل بكل من الحكمين ممكن بدون أي تناف (^١).\nأما القائلون بحمل المطلق على المقيد دون شرط في هذه الصورة: فقد اعتبروا ذلك من باب المحذوف الذي سبق إلى الفهم معناه كما في قول الشاعر:\nنحن بما عندنا وأنت بما … عندك راض والرأي مختلف\nأي: نحن بما عندنا راضون.\nومما احتج به هؤلاء على اعتبار المطلق محمولًا على المقيد هاهنا: أن القرآن كالكلمة الواحدة في وجوب بناء بعضه على بعض، فإذا وردت كلمة في القرآن مبينةً حكمًا من أحكامه، فلا بد أن يكون الحكم واحدًا في كل موضع تذكر فيه الكلمة، فإذا نص على الإيمان في كفارة القتل: لزم هذا الإيمان في كفارة الظهار أيضًا، كأن القيد متصل به كذلك، لئلا يكون هناك تختلف بين النصوص الواردة في حكم واحد.\nولكن يرد على هذه الحجة: أن القرآن كالكلمة الواحدة في أنها لا تتناقض، لا في كل شيء، وإلا وجب أن يتقيد كل عام ومطلق: بكل خاص ومقيد (^٢).\nوعلى هذا فاعتبار الوحدة في كلام الله: إنما يكون عند الحاجة إلى التفسير، وهذه الحاجة قد تكون عندما يؤدي العمل بكل من المطلق والمقيد إلى التنافي، كما إذا كان كل من الحكم والسبب الذي بني عليه في\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (٢/ ٦٠٨)، \"فتح القدير\" لابن الهمام (٣/ ٢٣٥).\n(^٢) راجع: \"المنهاج\" للبيضاوي مع \"شرحه\" للإسنوي (٢/ ١٧٠)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٢٩٦)، \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ١٧).","vol":"2","page":185},{"text":"النصوص المختلفة متحدًا، أما فيما نحن فيه من اختلاف السبب الذي بني عليه الحكم في هذه النصوص: فلا حاجة لاعتبار الوحدة لعدم التنافي - كما سلف -.\nولقد كان إمام الحرمين شديد الوطأة على من احتجوا بوحدة كلام الله على حمل المطلق على المقيد هاهنا، واعتبر كلامهم من الهذيان لأن كلام الله فيه الأحكام المختلفة المتباينة من نفي وإثبات وأمر وزجر … فادعاء الوحدة مع الأحكام المتغايرة: أمر غير مقبول.\nقال ﵀: (إن هذا الاستدلال من فنون الهذيان، فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله مختلفة متباينة، لبعضها حكم التعلق والاختصاص، ولبعضها حكم الاستقلال والانقطاع، فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم واحد - مع العلم بأن كتاب الله فيه النفي والإثبات، والأمر والزجر - فقد ادعى أمرًا عظيمًا) (^١).\nومما احتجوا به أيضًا: أن المطلق ساكت عن ذكر القيد، فلا يدل عليه ولا ينفيه، والسكوت عدم. أما المقيد: فهو ناطق بالقيد الذي يوجب الجواز عند وجوده، وبنفيه عند عدمه، فكان كالمفسر، فكان أولى أن يجعل أصلًا يبنى المطلق عليه، وبذلك يكون المقبل صارفًا للمطلق عن إطلاقه ومبينًا المراد منه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-479>أثر مفهوم المخالفة فيما نحن فيه:</span>\nوأنت ترى أن هذه الحجة قائمة على اعتبار مفهوم المخالفة، والواقع أن الاختلاف فيما نحن فيه: يرجع إلى الاختلاف في ذلك المفهوم، فقوله\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان\" مخطوطة دار الكتب المصرية، \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ١٧) \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٥٤).\n(^٢) انظر: \"جمع الجوامع\" مع \"شرحه للمحلي وحاشية البناني\" (٢/ ٤٨ - ٤٩)، \"منهاج البيضاوي \" مع \"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ١٧٠ - ١٧١)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"2","page":186},{"text":"تعالى في شأن كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] يدل على إجزاء كل من الرقبة المؤمنة وغير المؤمنة، وقوله في شأن كفارة القتل الخطأ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يدل بمنطوقة على إجزاء الرقبة المؤمنة، ويدل بمفهومه المخالف - عند القائلين به - على عدم أجزاء الرقبة غير المؤمنة، لانتفاء المقيد الذي قيد به الحكم في المنطوق.\nوعلى ذلك يُرى بين النصين تعارض في الرقبة غير المؤمنة، إذ النص المطلق يدل على أنها تجزئ في الكفارة. والنص المقيد بدل على أنها لا تجزئ، فيجب حمل المطلق على المقيد. وعندها يشترط لتكون الرقبة مجزئة في كفارة الظهار وفي كفارة القتل الخطأ: أن تكون مؤمنة.\nأما الحنفية - وهم ينكرون مفهوم المخالفة -: فتقييد ﴿الرقبة﴾ في كفارة القتل الخطأ بوصف الإيمان، لا يدل عندهم على أن حكم ما عداها بخلافها؛ فالنص يدل على إجزاء الرقبة المؤمنة، ولكنه لا ينفي الجواز عن غير المؤمنة، بل هو ساكت عنها، فلا تنافي بين المطلق والمقيد، ولا داعي للحمل (^١).\nولذلك ردوا هذه الحمية السابقة، بما ردوا به مفهوم المخالفة، حتى إن فخر الإسلام البزدوي بعد رد مفهوم المخالفة بأنواعه كحجة شرعية قال: (وأبعد من هذه الجملة: ما قاله الشافعي من حمل المطلق على المقيد في حادثة واحدة بطريقي الدلالة) (^٢).\nومعنى كلامه - كما يرى عبد العزيز البخاري - أنه إذا كان الخطأ في مفهوم المخالفة من وجه واحد - وهو إضافة النفي إلى النص الموجب - فهو في حمل المطلق على المقيد: أبعد عن الصواب، لأن الخطأ فيه من وجهين:\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار على أصول البزدوي\" (٢/ ٦٠٩ - ٦١٠).\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (٢/ ٦٠٨) فما بعدها.","vol":"2","page":187},{"text":"أولهما: إضافة النفي إلى النص الموجب.\nوالثاني: إبطال الإطلاق بما هو ساكت (^١).\nعلى أنه مما يجب التنبه إليه، أن فخر الإسلام البزدوي عندما أراد أن ينفي القول بحمل المطلق على المقيد في الصورة المذكورة، جاء في كلامه (وعندنا لا يحمل المطلق على المقيد أبدًا) مما اضطر الكاتبين إلى تأويل قوله: (أبدًا) أنه لا يعني نفي الحمل بالكلية. قال عبد العزيز البخاري في شرحه لكلامه: (ولا تلتفت إلى ما توهم البعض أن المزاد نفي الحمل بالكلية وإن كان القيد والإطلاق في حكم واحد في حادثة واحدة، فإن ذلك مخالف للروايات أجمع) ثم أورد عدة نصوص عن القوم تؤيد ما يقول. منها ما نقله من شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ في شرح كتاب \"الصوم\": إنما لا يحمل المطلق على العقيد عندنا: إذا وجد القيد والإطلاق في سبب الحكم، كما في صدقة الفطر، أو في نوعين مختلفين من حكم السبب، كما في كفارة الظهار، فإنه ذكر الإعتاق والصوم فيها مقيدين بالقبلية على المسيس والإطعام مطلقًا ولم يحمل المطلق على المقيد، فأما إذا وردا في شيء واحد من حكم السبب: فإنه يحمل المطلق على المقيد، كما في حديث الأعرابي: قال له النبي ﷺ: \"صم شهرين متتابعين\"، وروي أنه قال له: \"صم شهرين\" وهذا لأن الحكم الواحد لا يجوز أن يكون مطلقًا ومقيدًا.\nقبال: (وذكر شمس الأئمة ﵀ في شرح كتاب \"الزكاة\" في أثناء مسألة، أن المطلق محمول على المقيد في هذا الباب، لأنها في حادثة واحدة في حكم واحد. وذكر في شرح كتاب \"الأيمان\" في اشتراط التتابع في صوم كفارة اليمين، وأن ها هنا المطلق والمقيد في الحكم وهو الصوم الواجب كفارة، وبين التتابع والتفرق منافاة في حكم واحد، فمن ضرورة ثبوت صفة التتابع أن لا يبقى مطلقًا) (^٢).\n_________\n(^١) \"أصول البزدوي\" (٢/ ٦٠٩ - ٦١٠) فما بعد.\n(^٢) انظر: \"أصول البزدوي\" (٢/ ٦٠٩ - ٦١٠).","vol":"2","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-480>القائلون بالحمل قياسًا وموقف الحنفية منهم:</span>\nأما الذين يقولون بالحمل عن طريق القياس - وهم من محققي الشافعية - كالشيرازي، والرازي، والبيضاوي من المتأخرين وبعض المالكية، وأبي الخطاب من الحنابلة فهم - كما قدمنا - لا يوجبون القياس كلما وجد مطلق ومقيد، وإنما يرون حمل المطلق على المقيد فيما نحن فيه، من طريق القياس، إذا توفرت علة جامعة بين المطلق والمقيد (^١).\nوذلك ما جزم به البيضاوي في \"المنهاج\"، حين قرر أنه إن حصل قياس صحيح مقتضٍ لتقييد المطلق: قُيّدَ، كاشتراك الظهار والقتل الخطأ في خلاص الرقبة المؤمنة عن قيد الرق، لتشوف الشارع إليه، وإن لم يحصل ذلك: فلا (^١).\nومثله ما جاء في \"جمع الجوامع\" من تعليل الحمل باشتراك الكفارتين في القتل الخطأ والظهار: بحرمة سببهما (^٢) فلا تكون الكفارة إلا بتحقيق الغاية العلوية، وهي خلاص الرقبة المؤمنة، لما ثبت من تشوف الشارع إليه، وطالبه بتأكيد، فلولا هذا الاشتراك: لم يقولوا بالحمل.\nوهكذا يرى القائلون بالحمل عن طريق القياس، أن ذلك قد توافر في نصي هاتين الكفارتين، فلا يكون الخروج من العهدة: إلا بتحرير الرقبة المؤمنة التي حرص الشارع كل الحرص على تحريرها، فهو مع حرصه على تحرير الرقاب الأخرى، يرى أن المؤمنة أولى وأحرى.\nهذا: ومن ثمرات الاختلاف بين القول بحمل المطلق على المقيد لفظًا، وبين القول بالحمل قياسًا، ما ذكره الرازي في \"المحصول\" حيث قال: (إذا أطلق الحكم في موضع وقيد مثله في موضعين بقيدين متضادين كيف يكون حكمه؟ مثاله: قضاء رمضان الوارد مطلقًا في قوله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ\n_________\n(^١) راجع: \"المنهاج للبيضاوي\" و\"شرحه\" للإسنوي (٢/ ١٧٠ - ١٧١) مع البدخشي. وانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص ٢٥).\n(^٢) راجع: \"جمع الجوامع\" لابن السبكي مع \"شرحه للمحلي\" (٢/ ٤٨ - ٤٩)، و\"حاشية البناني مع تعليقات الشربيني\".","vol":"2","page":189},{"text":"أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وصوم التمتع الوارد مقيدًا بالتفريق في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وصوم كفارة الظهار الوارد مقيدًا بالتتابع في قوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] قال: فمن زعم أن المطلق يتقيَّد بالمقيد لفظًا: ترك المطلق هاهنا على إطلاقه، لأنه ليس تقييده بأحدهما أولى من تقييده بالآخر، ومن حمل المطلق على المقيد للقياس: حمله هاهنا على ما كان القياس عليه أولى). وهذه قاعدة يظهر أثرها في كثير من الأحكام (^١).\nوقد منع الحنفية الحمل عن طريق القياس أيضًا، لأن القياس يجب ألا يعارضه مقتضى نص في المقيس، وحمل المطلق على المقيد هنا: رفعٌ لما اقتضاء المطلق من إجزاء المقيد وغيره، وحكمٌ بأن غير المقيد لا يجزئ، ففي مثالنا: حين نحمل المطلق على المقيد، لا يخرج المكلف عن العهدة إلا بتحرير الرقبة المقيدة بالإيمان، حتى في كفارة الظهار. وهذا رفع لما يقتضيه المطلق من إجزاء أي رقبة، سواء أكانت مؤمنة أم لم تكن (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-481>المطلب الثاني شروط حمل المطلق على المقيد</span>\nلقد أحاط القائلون بحمل المطلق على المقيد مذهبهم بإطار من الاحتراس والدقة، فاشترطوا للحمل شروطًا، أوصلها الشوكاني في \"إرشاد الفحول\" إلى سبعة (^٣)، معظمها متفق عليه، نذكر أهمها فيما يلي:\n_________\n(^١) \"المحصول\" للرازي (ح ١ ق ٣/ ٢٢٢)، \"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ١٨١) مع البدخشي، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٥٦).\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (٢/ ٦٠٨). \"فتح القدير\" لابن الهمام (٣/ ٢٣٥)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٢٩٦) فما بعدها.\n(^٣) انظر: \"البرهان\" للزركشي (٢/ ١٥ - ١٨)، \"إرشاد الفحول\" (ص ١٦٦ - ١٦٧).","vol":"2","page":190},{"text":"الأول: أن يكون المقيد من باب الصفات، مع ثبوت الذوات في الموضعين، فأما في إثبات أصل الحكم من زيادة أو عدد: فلا يحمل المطلق على المقيد.\nوذلك كما في إيجاب غسل الأعضاء الأربعة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] مع الاقتصار على عضوين في التيمم يقوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] فإن الاتفاق حاصل على أن المطلق لا يحمل على المقيد في هذين النصين في آية الوضوء، وذلك لأن في الحمل إثبات حكم لم يذكر، وحملُ المطلق على المقيد يختص - كما ذكرنا - بالصفات.\nالثاني: أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد، كما في تقييد ميراث الزوجين بأن يكون بعد الوصية والدَّين، وذلك بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] مع إطلاق الميراث فيما أطلق فيه، فيكون ما أطلق من المواريث كلها مقيدًا بأن يكون بعد الوصية والدين.\nالثالث: أن يكون المطلق والمقيد على صورة لا يمكن معها الجمع بينهما إلا بالحمل، لأن إعمالهما ما أمكن، أولى من تعطيل ما دل عليه أحدهما (^١).\nالرابع: أن لا يذكر مع المقيد قدر زائد يشعر أن القيد إنما كان لأجل ذلك القدر الزائد، فإذا كان الأمر كذلك، فالمقطوع به عدم جواز الحمل.\nالخامس: أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد؛ فإن قام دليل على ذلك لم يصبح حمل المطلق على المقيد (^٢).\n_________\n(^١) ينقل الشوكاني أن ابن الرفعة من الشافعية قد ذكر هذا الشرط في كتابه \"المطلب\". \"إرشاد الفحول\" (ص ١٦٦).\n(^٢) راجع \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٦٤)، \"إرشاد الفحول\" (ص ١٦٨)، \"الفروق\" (١/ ١٩٥).","vol":"2","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-482>رأينا في الموضوع:</span>\nوالذي نراه: هو ما ذهب إليه الجمهور في اختلافهم مع الحنفية من حمل المطلق على المقيد.\nفمما لا ريب فيه: أن المقيد ناطق والمطلق ساكت، فالمقيد أولى أن يكون بيانًا للمطلق، ما دام الحكم متحدًا وإن اختلف السبب: وجميل ما ذكره الزنجاني في تعليل الحمل حين قال: (لأن الحكيم إنما يزيد في الكلام لزيادة في البيان، فلم يحسن إلغاء تلك الزيادة، بل يجعل كأنه قالهما معًا، ولأن موجب المقيد متيقن وموجَب المطلق محتمل) (^١).\nولقد رأينا من قبل كيف أن الحنفية لم يمكنهم - في نظر الآخرين - التزام قاعدتهم في عدم حمل المطلق على المقيد في حالة اتحاد الموضوع والحكم، واختلاف السبب في الإطلاق والتقييد، فلم يوجبوا الزكاة إلا في السائمة من النعم، مع وجود الإطلاق عن السوم إلى جانب التقييد به في النصوص.\nثم إن وحدة كلام الله تعالى مهما قيل في شأنها: فهي بمعنى تآخي الأحكام وتجانسها: واقعة ومحققة. ففي القتل والظهار: الكفارةُ في كل منهما كفارة عن ذنب، وقد أوجب الله في إحداهما أن تكون عتق رقبة مؤمنة. والمعنى الذي من أجله كان ذلك - وهو تحرير رقاب المؤمنين نظرًا لأخوتهم بسبب الإيمان - متحقق في الظهار، فوجبه في كفارته: أن يكون الحكم كذلك.\nوعلى أية حال: فإن اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي - كما قال الشوكاني - حصول التناسب بينهما بجهة الحمل قال ﵀: (ولا نحتاج في مثل ذلك إلى هذا الاستدلال البعيد، فالحق ما ذهب إليه القائلون بالمحمل) (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"تخريج الفروع على الأصول\" بتحقيق المؤلف (ص ١٣٤).\n(^٢) راجع: \"إرشاد الفحول\" (ص ١٥٥)، \"أسباب اختلاف الفقهاء\" للخفيف (ص ١٢٨).","vol":"2","page":192},{"text":"ومن هنا فإن القائلين بحمل المطلق على المقيد بما أحاطوه من ضوابط: لم يخرجوا على قواعدهم في ذلك، حتى رأينا إمامًا كالقرافي المالكي يؤكد هذا المعنى ويدافع عنه. قال ﵀: (وكان قاضي القضاة صدر الدين الحنفي يقول: إن الشافعية تركوا أصلهم لا لموجب فيما ورد عن رسول الله ﷺ: \"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب\" وورد \"أولاهن بالتراب\" فقوله: \"إحداهن\" مطلق، وقوله ﵇: \"أولاهن\" مقيد بكونه أولًا، ولم يحملوا المطلق على المقيد فيعينوا الأولى يل أبقوا الإطلاق على إطلاقه … ثم قرر القرافي أن هذا لا يلزمهم - يعني الشافعية - لأجل قاعدة أصولية مذكورة في هذا الباب، وهي أنا إذا قلنا بحمل المطلق على المقيد، فورد المطلق مقيدًا بقيدين متضادين، فتعذر الجمع بينهما: تساقطا، فإن اقتضى القياس الحمل على أحدهما ترجَّح، وفي هذا الحديث ورد المطلق فيه مقيدًا بقيدين متضادين، فورد \"أولاهن\" وورد \"أخراهن\" فتساقطا وبقي \"إحداهن\" على إطلاقه فلم يخالف الشافعية أصولهم) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الفروق\" للقرافي. المسألة الأولى من الفرق الحادي والثلاثين (١/ ١٩٢ - ١٩٣) قلت: ذكر القاعدة التي ذكرها القرافي الرازي في \"المحصول\" والإسنوي في \"نهاية السول\" وقد أشرنا إلى ذلك من تقريب (٢/ ٢٢٧).","vol":"2","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-483>الفرع الثاني الأمر والنهي</span>\n<span data-type='title' id=toc-484>تمهيد:</span>\nقال شمس الأئمة السرخسي ﵀: (أحق ما يبدأ به في البيان الأمر والنهي، لأن معظم الابتلاء بهما، وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام ويتميز الحلال من الحرام) (^١).\nقال ذلك في مقدمة كتابه \"الأصول\" وهو كلام - بمنهجيته ودقته - جدير بأن يقال ونحن في معرض تفسير النصوص ومسالك الأئمة في الاستنباط، لأن الأحكام التكليفية أكثرُها قائم على طلب الفعل، وطلب الكف.\nفالطلب بأمره ونهيه: قدر مشترك منبث في نصوص الأحكام من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.\nلهذا كان لا بد لمن يريد تفسير هذه النصوص من أن يعرف \"الأمر والنهي\" ومداهما في شريعة الإسلام.\nومن الجدير أن لا ننسى ما كان لهما، من أثر في علم الاختلاف، حيث تعددت أنظار المجتهدين في المدلول الشرعي لهما، وما يمكن أن يترتب على ذلك من اختلاف في الفروع والأحكام.\nثم إن خروج المكلف من العهدة: لا يمكن إلا بضبط ما تدل عليه\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١١).","vol":"2","page":194},{"text":"الأوامر والنواهي، حيث يكون على بينة من أمره في أداء المأمور به، واجتناب المنهي عنه.\nومن هنا كان لأئمة الاستنباط جهودهم المبرورة في هذه السبيل، التي يتعلق بها أكثر الأحكام التكليفية في شريعة الإسلام.\nولسوف نرى في الصفحات التالية - إن شاء الله - مظاهر ذلك وآثاره، فيما حققوا من قواعد، وفيما خرّجوا من الفروع على الأصول.\n* * *","vol":"2","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-485>المبحث الأول الأمر</span>\n<span data-type='title' id=toc-486>المطلب الأول ماهية الأمر ودلالته</span>\nالأمر \"هو اللفظ الدال على طلب الفعل على جهة الاستعلاء\" (^١) سواء أكان هذا الطلب بصيغة فعل الأمر التي هي \"افعل\" كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨].\nأم كان بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر كقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].\nأم كان بالجملة الخبرية التي لم يقصد منها الإخبار، وإنما قصد منها الطلب كما في قوله جلَّ وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nفالمقصود من الجملة الخبرية في الآية الأولى، ليس الإخبارَ عن إرضاع الوالدات لأولادهن مدة زمنية مقدارها حولان كاملان، لمن أراد أن يتم الرضاعة. وإنما المقصود الطلب، فكأنه قال: ليرضع الوالدات أولادهن،\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرح العضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٧٧).","vol":"2","page":196},{"text":"قال تاج الدين السبكي: (وهذا أبلغ من عكسه؛ لأن الناطق بالخبر مريدًا به الأمر، كأنه نزَّل المأمور به منزلة الواقع) (^١).\nوكذلك في الآية الثانية، ليس المقصود الإخبار وإنما المقصود أمر المطلقات بأن تكون عدتهن ثلاثة قروء. وهذا أيضًا أبلغ من عكسه، كما قال تاج الدين السبكي هناك.\n\n<span data-type='title' id=toc-487>وجوه استعمال الأمر:</span>\nلم يكن موقف العلماء متفقًا في معنى الأمر الذي هو دلالته - كما سيأتي - ولكن قرروا من حيث الاستعمال: أن صيغة الأمر تستعمل في عدد كبير من الوجوه.\nفقد يجيء الأمر للإيجاب كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وللندب كما في قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] إذ يرى الكثيرون أن المكاتبة مندوبة أخذًا من الآية (^٢). كما يجيء للتأديب كقوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة (^٣): \"سم االله وكل بيمينك وكل مما يليك\" (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"الإبهاج\" لتاج الدين السبكي، \"شرح منهاج البيضاوي\" (٢/ ١٢ - ١٣)، \"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٢٨٧).\n(^٢) ذهب مسروق وعطاء والضحاك وعمرو بن دينار وعكرمة إلى أن الأمر في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ للوجوب واختاره ابن جرير الطبري والظاهرية.\nانظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٢٢٣) فما بعدها، \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ١٣٧٠)، \"الكشاف\" (٣/ ٢٨٨)، \"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ٢١٧)، \"الزرقاني على الموطأ\" (٤/ ١٠٣) \"جامع البيان\": ١٧/ ٢٨٩.\n(^٣) هو الصحابي أبو حفص عمر بن أبي سلمة وأم سلمة - عبد الله بن عبد الأسد المخزومي القرشي ابن الصحابيين، ربيب رسول الله ﷺ، ولد بأرض الحبشة مع أبويه وهما مهاجران، روي له عن رسول الله ﷺ اثنا عشر حديثًا روى البخاري ومسلم منها حديثين. توفي ﵁ عام ٨٣ هـ.\n(^٤) أخرجه البخاري - الأطعمة - (٥٣٧٦)، ومسلم - الأشربة - (٢٠٢٢).","vol":"2","page":197},{"text":"وقد يجيء كقول الله جلَّ وعلا في شأن كتابة الدين والإشهاد عليه فيما ذهب إليه الجمهور (^١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقد فرق العلماء بين الندب، والإرشاد بأن الندب طلب فعل يتعلق به ثواب الآخرة، والإرشاد طلب فعل تتعلق به منافع الدنيا.\nومن وجود استعمال الأمر: الإباحة كما في قوله سبحانه: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] (^٢) وكما في قوله ﵇ حينما سئل عن الجنين يوجد في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة ميتًا أنلقيه أم نأكله: \"كلوه فإن ذكاته ذكاة أمه\" (^٣). والوعيد نحو قوله جلَّ ثناؤه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ومن الوعيد الإنذار كقوله سبحانه: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥]، [الروم: ٣٤].\nومنها: الامتنان كقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ١١٤]\n_________\n(^١) وذهب الضحاك وابن جريج إلى الوجوب، واختاره ابن جرير الطبري والظاهرية. انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٧)، \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٣٨٣).\n(^٢) مثل البيضاوي في \"المنهاج\" الإباحة بقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ قال الإسنوي: (هكذا قرروه وفيه نظر، فإن الأكل والشرب واجبات لإحياء النفس. فالصواب حمل كلام المصنف - يعني البيضاوي - على إرادة قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾ انظر: الإسنوي على \"المنهاج\" بهامش \"التقرير والتحبير\": (١/ ٢٥٥).\n(^٣) انظر ما سلف (١/ ٢٥٥)، ومن الإباحة عند الجمهور، الأمر بالانتشار والابتغاء في قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾، راجع: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٦).\n\n(تعليق الشاملة): وقع في المطبوع هنا بعض خلل في مواضع الهوامش، أصلحناه من الطبعات السابقة للكتاب.","vol":"2","page":198},{"text":"والإكرام كقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ [الحجر: ٤٦] والتعجيز كقوله سبحانه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣].\nومن ذلك أيضًا استعمال الأمر للإهانة كقوله - جلَّ ذكره -: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩] وللتسوية كقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] وللدعاء كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧ و١٩٣] وللتمني كقولك لشخص تراه: \"كن فلانا\". وللخبر كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] والمعنى أنهم سيضحكون قليلًا ويبكون كثيرًا. وللتفويض والتسليم نحو قوله سبحانه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] وللمشورة كقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] وللتلهف والتحسير كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ [آل عمران: ١١٩].\nومن وجوه استعماله أيضًا:\nالاعتبار، نحو قوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] والتكذيب: كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] والتبصير: نحو قوله سبحانه: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ [الزخرف: ٨٣] والتسخير: كقوله جلَّ وعلا: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥ والأعراف: ١٦٦].\nوبعد هذا العرض للمعاني التي يستعمل فيها الأمر، نود أن نبين أن بعضها قد يكون متداخلًا مع غيره في بعض الأحيان، الأمر الذي جعل العلماء يختلفون في تعدادها كثرة وقلة (^١) وللقرينة - كما سيأتي - أثر كبير في اعتبار وجه الاستعمال، وتحديد الصنف الذي ينتمي إليه.\n_________\n(^١) انظر: \"المستصفى\" للغزالي (١/ ١٦٤)، تجارية أُولى سنة ١٣٥٦ هـ.\n\n(تعليق الشاملة): وقع في المطبوع هنا بعض خلل في مواضع الهوامش، أصلحناه من الطبعات السابقة للكتاب.","vol":"2","page":199},{"text":"ولذلك قال الغزالي بعد أن ذكر الوجوه الخمسة عشر الأولى مما أثبتناه: (وهذه الأوجه عدها الأصوليون شغفًا منهم بالتكثير - وبعضها كالمتداخل، فإن قوله: \"كل مما يليك\" جعل للتأديب وهو داخل في الندب، والآداب مندوب إليها. وقوله: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ للإنذار وهو قريب من قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] الذي هو للتهديد (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-488>دلالة الأمر:</span>\nلقد اتسع ميدان الاختلاف بين العلماء فيما يدل عليه الأمر، إذ كونه\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" (١/ ١٦٤)، وانظر تفصيلًا وافيًا لأكثر هذه المعاني عند الإسنوي في \"شرحه لمنهاج القاضي البيضاوي\" (١/ ٢٥٣ - ٢٥٧) بهامش \"التقرير والتحبير\"، وراجع: \"الإبهاج\" لتاج الدين السبكي في \"شرحه للمنهاج\" (٢/ ١٢ - ١٣). على أن أكثر المعاني التي أوردها علماء الأصول في وجود استعمال الأمر لها من اللغة العربية شواهد ففي شعر العرب وكلامهم كثير مما يدل على ذلك.\nفمن الوعيد في القول قول عبيد:\nحتى سقيناهم بكأس مرة … فيها المثمل نافعًا فليشربوا\nومن الندب قول الشاعر:\n. . . . . . . . . . … فقلت لراعيها انتشر وتبقل\nومن التعجيز قول القائل:\nخل الطريق لمن يبني المنار بها … وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر\nومن التعجب قول كعب بن زهير:\nأحسن بها خله لو أنها صدقت … موعودها ولو أن النصح مقبول\nومن التلهيف والتحسير قول جرير:\nموتوا من الغيظ غمًا في جزيرتكم … لن تقطعوا بطن واد دونه مضر\nومن الدعاء قول الراجز:\nما مسها من نقب ولا دبر … اغفر له اللهم إن كان فجر\nومن التمني قول امرئ القيس:\nألا أيها الليل الطويل ألا انجلي … بصبح وما الإصباح منك بأمثال\nوغير ذلك كثير مما يرى مبثوثًا في كتب اللغة والأدب وانظر: \"الصاحبي\" لابن فارس (ص ١٥٤ - ١٥٧).\n\n(تعليق الشاملة): وقع في المطبوع هنا بعض خلل في مواضع الهوامش، أصلحناه من الطبعات السابقة للكتاب.","vol":"2","page":200},{"text":"يستعمل على وجوه متعددة كما رأينا أنفًا: لا يعني أن كل معنًى من هذه المعاني هو على الحقيقة.\nومدار الخلاف: هو المعنى الحقيقي للأمر، لأن التسوية مثلًا أو غيرها مما سبق، إنما استفيدت من القرائن.\nفإذا ورد أمر من الأوامر في نص من نصوص الكتاب أو السنة، فهل يدل على الوجوب؟ ومعنى ذلك أن تاركه عاص مستحق للعقاب والمكلف لا يخرج من العهدة إلا بالإتيان بالمأمور به. أم أنه للمندب فلا يستحق المكلف العقاب يتركه، أم هو للإباحة فقط، أم هو لغير ذلك من المعاني؟.\nلقد حملت إلينا كتب الأصول عددًا من المذاهب في هذا الموضوع نعرض لأهمها، ثم نرجح ما نختار فيما يلي:\nالأول: ما ذهب إليه الجمهور: وهو أن الأمر يدل على الوجوب حقيقة، وإنما يصرف إلى غيره بقرينة، وقد ذكر الجويني والآمدي أنه مذهب الشافعي (^١) وقال أبو بكر الجصاص من الحنفية: (هو مذهب أصحابنا، وإليه كان يذهب شيخنا أبو الحسن) (^٢) وصحح هذا المذهب ابن الحاجب والبيضاوي، والمطهَّر الحلي من الشيعة، وقال الإمام الرازي: إنه الحق - وقيل: هو الذي أملاء الأشعري على أصحاب (^٣) أبي إسحاق الإسفراييني (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢١٠)، \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع العضد والسعد.\n(^٢) راجع: \"أصول الفقه\" للجصاص (ق ٩٦ / ب)، مخطوط دار الكتب المصرية.\n(^٣) راجع: \"منهاج البيضاوي\" مع \"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٢٥٧). \"نهاية الوصول إلى علم الأصول\" للمطهر الحلي (ص ٤٨ - ٥٢) مخطوط دار الكتب المصرية \"المحصول\" للرازي (ح ١ ق ٢/ ٦٦، ٦٩ فما بعدها).\n(^٤) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني من أعلام الشافعية في الكلام، والأصول، والفقه، وكان ثقة في رواية الحديث، ومن أركان المذهب الأشعري وقيل: إنه بلغ رتبة الاجتهاد. من مصنفاته كتاب: \"الجامع في أصول الدين\". توفي ﵀ سنة ٤١٨.","vol":"2","page":201},{"text":"الثاني: أن الأمر حقيقة في الندب: وإليه ذهب أبو هاشم وعامة المعتزلة وجماعة من الفقهاء، وقد حكاه الغزالي والآمدي قولًا للشافعي (^١).\nالثالث: الوقف في تعيين مدلول الأمر حقيقة: وأصحاب هذا المذهب يسمون بالواقفية. وهؤلاء يرون أن الأمر ما دام يستعمل في معان كثيرة بعضها على الحقيقة اتفاقًا، وبعضها على المجاز (^٢) اتفاقًا؛ فعند الإطلاق يكون محتملًا للكثير من المعاني، وبسبب هذا الاحتمال، يتوقفون حتى يأتي البيان. وهؤلاء فريقان:\nأ - فقد حكي عن ابن سريج (^٣) من الشافعية وعن الأشعري - في رواية - وكذلك عن بعض الشيعة، الوقفُ في تعيين المعنى المراد من الأمر عند الاستعمال، لا في تعيين المعنى الموضوع له عند الاستعمال، لأنه موضوع عند هؤلاء بالاشتراك للوجوب، والندب والإباحة، والتهديد.\nفإذا جاء الأمر، كان محتملًا لهذه المعاني الأربعة، ولا بد لتعيين المراد من البيان فيتوقفون حتى يرد ذلك البيان (^٤).\nب - أما الغزالي والقاضي الباقلاني والأشعري - في رواية - وجماعة من المحققين: فالتوقف كائن عندهم في تعيين الموضوع له الأمرُ حقيقة، وقد صرح الغزالي بهذا المذهب في \"المستصفى\" واختاره (^٥).\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٧٩).\n(^٢) والمجاز - كما هو معلوم - استعمال اللفظ في غير ما وضع له، لقرينة مانعة من الاستعمال الأصلي.\n(^٣) هو أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، أبو العباس فقيه الشافعية في عصره. تولى القضاء بشيراز ونشر المذهب الشافعي في كثير من الآفاق، له نحو ٤٠٠ مصنفًا. توفي ﵀ سنة ٣٠٦ م.\n(^٤) راجع: \"مختصر المنتهى\" (٢/ ٧٩)، \"إرشاد الفحول\" (ص ٨٩).\n(^٥) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٢) فما بعدها، \"الفصول اللؤلؤية في أصول الزيدية\" (ص ٥١ - ٥٢) مخطوطة دار الكتب المصرية، \"البرهان\" لإمام الحرمين (لوحة ٤٦) مخطوطة دار الكتب المصرية، \"التلويح\" (١/ ١٥٢).","vol":"2","page":202},{"text":"وقد نقله الرازي عنه في \"المحصول\" - كما يقول الإسنوي - على الصواب. غير أن الذي جاء في \"المنخول\" يدل على أن الغزالي يقول بالوجوب، فقد قال هناك: (وظاهر الأمر الوجوب، وما عداه فالصيغة مستعارة فيه) قال الإسنوي: (هذا لفظه وهو مخالف لكلامه في \"المستصفى\") (^١) وذكر مثل ذلك ابن اللحام (^٢) من الحنابلة في قواعده (^٣).\nالرابع: القول بالاشتراك: فقيل: الأمر مشترك بين الوجوب والندب اشتراكًا لفظيًا. وهو قول للشافعي في رواية عنه وقيل: إنه مشترك اشتراكًا لفظيًا بين الوجوب والندب والإباحة.\nوحكي عن جمهور الشيعة أنه مشترك بين هذه المعاني الثلاثة، ومعها التهديد وغيره (^٤).\nالخامس: القول بأن الأمر للمقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب، أي ترجيح الفعل على الترك: وهذا المذهب منسوب إلى أبي منصور الماتريدي ومشايخ سمرقند، وقد أوضح ذلك المحلّي في شرحه على \"جمع الجوامع\" فحين ذكر السبكي أن صيغة الأمر عند أبي منصور: هي للقدر المشترك بين الوجوب والندب، قرر المحلى أن القدر المشترك بينهما هو الطلب، حذرًا من الاشتراك والمجاز (فاستعمالها في كل منهما من حيث إنه طلب استعمال حقيقي، والوجوب الطلب المجازم كالإيجاب. تقول\n_________\n(^١) انظر: \"الإسنوي على المنهاج\" (١/ ٢٥٩)، وراجع: \"المنخول\" للإمام الغزالي (ص ١٠٧ - ١٠٨) بتحقيق الأستاذ الشيخ محمد حسن هيتو وقد صدر لأول مرة قبيل بدئنا بطباعة هذا الجزء من الكتاب.\n(^٢) هو علي بن محمد بن عباس بن شيبان البعلي الحنبلي: علاء الدين المعروف بابن اللحام وهي حرفة أبيه، أصله من بعلبك، درس في الجامع الأموي بدمشق في حلقة ابن رجب بعده. من مصنفاته: \"القواعد والفوائد الأصولية\"، \"اختيارات ابن تيمية\". توفي ﵀ سنة ٨٠٣ هـ.\n(^٣) \"والقواعد والفوائد الأصولية\" لابن اللحام (ص ١٦٠).\n(^٤) \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢١٠) \"نهاية الوصول\" للمطهر الحلي (٥٠ - ٥٢) مخطوطة دار الكتب المصرية.","vol":"2","page":203},{"text":"منه: وجب كذا: أي طُلب بالبناء. للمفعول طلبًا جازمًا) (^١) وعلى هذا فموجَب الأمر واحد وهو الطلب، فهو حقيقة فيه.\nالسادس: القول بأن الأمر للقدر المشترك بين الوجوب والندب والإباحة، وهو الإذن برفع الحرج عن الفعل: وعلى هذا فموجب الأمر حينئذ واحد أيضًا، وهو الإذن، فهو حقيقة فيه (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-489>المطلب الثاني مسألك القائلين بالوجوب</span>\nوقبل عرضنا لأدلة القول بالوجوب، نرى لزامًا علينا أن نوضح أن القائلين بالوجوب اختلفوا: هل كان الوجوب بوضع اللغة والشرع أم بوضع الشرع فقط؟\nفذهب الجمهور إلى أنه بوضع اللغة والشرع.\nوذهب البلخي وأبو عبد الله البصري والجويني إلى أنه يوضع الشرع فقط.\nوالواقع أن المستفاد من اللغة: جزم الطلب، إذ إن صيغة (افعل) أو ما في معناها، هي في وضع اللغة لجزم الطلب على الحقيقة وفي غيره مجاز. أما الوجوب: فقد استفيد من الشرع؛ وذلك بما حصل من التوعد بالعقاب على مخالفة ذلك الطلب الجازم. قال ابن القيم: (ويستفاد لكون الأمر المطلق للوجوب من ذمه - يعني الشارع - لمن خالفه وتسميته إياه عاصيًا، وترتيبه عليه العقاب العاجلي أو الآجل) (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" (١/ ٤٢٦) \"جمع الجوامع\" مع \"شرحه للمحلي\" و\"حاشية البناني\" (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).\n(^٢) انظر: \"جمع الجوامع\" مع \"شرحه\" للمحلي (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧)، \"إرشاد الفحول\" (ص ٨٩)، \"الفصول اللؤلؤية في أصول الزيدية\" (٥٢) مخطوط دار الكتيب المصرية.\n(^٣) راجع: \"بدائع الفوائد\" لابن القيم (٤/ ٣).","vol":"2","page":204},{"text":"وقد أوضح السعد التفتازاني العلاقة بين الطلب الجازم في اللغة، وترتيب المقلب على الترك في الشرع، حيث أفاد الوجوب، فقال: (الأمر حقيقة لغوية في الإيجاب بمعنى الإلزام وطلب الفعل وإرادته جزمًا، وحقيقة شرعية في الإيجاب بمعنى الطلب والحكم باستحقاق تاركه الذم والعقاب لا بمعنى إرادة وجود الفعل، والأدلة يدل بعضها على الأول وبعضها على الثاني) (^١).\nوهكذا نرى أن هذه الشريحة التي جاءت بلسان عربي مبين: يدل الأمر في نصوصها على الوجوب، إذ إن الأمر في أصل اللغة حقيقة في جزم الطلب، وجاء الشرع فأمر ورتب على ترك المأمور به المؤاخذة والعقاب، فكانت دلالة الأمر على الوجوب في نصوص الشريعة العربية تابعة من اللغة والشرع معًا.\nولقد سار استدلال القائلين بالوجوب في طريقين:\nأولهما: الاستشهاد بموقف أعلى اللغة والسلف من دلالة الأمر، بما يعطي أنه للوجوب.\nالثاني: استقراء دلالة الأمر في عدد من نصوص الكتاب والسنة، مما دل على أنه للوجوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-490>الدليل الأول:</span>\nأ - من المعلوم أن الأمر في اللغة - كما ذكرنا آنفًا - هو للطلب الجازم، ومن الأمور التي لا تقبل الجدل أن أهل اللغة متفقون على ذم من يخالف الأمر، فلو أمر والد ولده بأمر فلم يمتثل عدَّ عاصيًا، ولا يُذم ويوصف بالعصيان، إلا من كان مخالفًا لما كان عليه أن يفعله (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"التلويح على التوضيح\" (١/ ١٥٣)، \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (٢/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٢) راجح: \"مختصر المنتهى\". مع \"العضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨٠)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٠٤) \"الفصول اللؤلؤية في أصول الزيدية\" (ص ٥٢).","vol":"2","page":205},{"text":"ويكفي ذلك من مدلول اللغة؛ فإن الوجوب بمعناه الشرعي مرتبط بما جاءت به الشريعة من مفهومات جديدة، عن الحلال، والحرام والثواب، والعقاب.\nقال أحمد بن فارس: (الأمر عند العرب ما إذا لم يفعله المأمور سمي عاصيًا).\nوقال في مسألة الوجوب: (فإن قال قائل: فما حال الأمر في وجوبه وغير وجوبه؟ قيل له: أما العرب فليس يحفظ عنهم في ذلك شيء، غير أن العادة جارية بأن من أمر خادمه بسقيه ماء فلم يفعل: أن خادمه عاص وأن الآمر معصي) (^١).\nب - وأما عن موقف السلف: فإن في الآثار المروية عنهم - وهي السبيل التي تصلنا بحِقبة التنزيل - ما يدل بوضوح على تكرار استدلالهم بصيغة الأمر أو ما في معناها على الوجوب، مع تجردها عن القرائن.\nولقد شاع هذا الاستدلال واستفاض، وظهرت آثاره في مآخذهم للأحكام، دون أن يلقى ما يدل على استنكار ما يجنحون إليه، الأمر أوجب العلم العادي بأن دلالة الأمر هي الوجوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>ما يرد على هذا الدليل وجوابه:</span>\nولقد يرد على ذلك، أن الوجوب الذي يُرى في استدلال السلف: مرده إلى قرائن حفت به، فنقلته من الندب إلى الوجوب، بدليل أنهم استدلوا بالأمر على كثير من الأحكام التي تقع في دائرة الندب.\nولكن هذا مردود بما دل عليه الاستقراء من أن القرائن التي صرفت الوجوب إلى الندب في صنيع السلف، هي قرائن تفيد بذاتها الندب. أما الوجوب: فلا يحتاج إلى قرينة، لتبادره إلى الذهن، فهو الأصل، والتحول عنه إنما كان بالقرائن التي عينت معنى من المعاني الأخرى.\nوذلك ما قرره الشوكاني تبعًا لابن الحاجب والكمال بن الهمام\n_________\n(^١) انظر: \"الصاحبي\" (ص ١٥٤ - ١٥٧).","vol":"2","page":206},{"text":"وغيرهما، حين ذكر أن استدلالهم - يعني السلف - بما استدلوا به على الندب، إنما كان بقرائن صارفة عن المعنى الحقيقي - وهو الوجوب - معينة للمعنى المجازي - وهو الندب - علمنا ذلك باستقراء الواقع منهم في الصيغ المنسوب إليها الوجوب، والصيغ المنسوب إليها الندب في الكتاب والسنة، وعلمنا بالتتبع أن فهم الوجوب لا يحتاج إلى قرينة، لتبادره إلى الذهن، بخلاف فهم الندب، فإنه يحتاج إليها (^١).\nولقد يرد أيضًا على الاستدلال بصنيع السلف، أنه استدلال بدليل ظني، والأدلة الظنية غير مقبولة في الأصول.\nوابن الحاجب لم يسلّم بهذه الظنية، ولكنه قرر مع شارحه العضد: أنه لو سُلّم كونُ ما ينقل عن السلف دليلًا ظنيًا: لكفى هذا الدليل في الأصول، وإلا تعذر العمل بأكثر الظواهر، لأنها لا تفيد إلا الظن، والقطعُ لا سبيل إليه، فالظهور ونقل الآحاد كافيان في مدلولات الألفاظ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-492>الدليل الثاني:</span>\nأما الدليل الثاني: فتعرض فيه لمجموعة من نصوص الأحكام في الكتاب والسنة التي نوردها فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-493>أولًا: من نصوص الكتاب:</span>\n١ - إن الله ﵎ ذم إبليس على مخالفة ما أُمر به من السجود لآدم؛ وذلك في قوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف] (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ١٤)، \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨٠)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٠٤)، \"الفصول اللؤلؤية في أصول الزيدية\" (ص ٥٢) \"إرشاد الفحول\" (ص ٨٩).\n(^٢) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨٠).\n(^٣) راجع المصدر السابق (٢/ ٨٠).\nوانظر: \"جمع الجوامع\" للسبكي مع \"شرحه للمحلي بحاشية البناني\" (١/ ٣٧٧).","vol":"2","page":207},{"text":"فإبليس لم يسجد إذ أمره الله بالسجود، بينما امتثل الملائكة فسجدوا.\nولقد دلت الآية على توجيه الذم لإبليس على هذه المخالفة باستفهام فيه الإنكار والتوبيخ، وذلك في قوله سبحانه: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾.\nفإذا ثبت الذم على ترك المأمور: ثبت أن الأمر للوجوب، ولو لم تفد صيغة الأمر الوجوب: لما كان مجرد ترك السجود - وهو المأمور به، المعلوم من فعل الأمر ﴿اسْجُدُوا﴾ - موجبًا للذم الذي رأيناه في هذا الاستفهام، ولو حصل الذم في مثل هذه الحال لكان عبثًا، ولكان لإبليس الحق في أن يقول: إنك ما ألزمتني فلم التوبيخ والإنكار والاعتراض (^١)؟.\nوهكذا يكون ذم إبليس وطرده من الجنة دار الكرامة: لمخالفة ما أُمر به وعدم امتثاله: دليلًا على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب.\nوقد يرد على هذا التعميم، أن صيغة الأمر تفيد الوجوب مطلقًا، فهمًا من قوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ إذ لا مانع أن تفيد وجوب السجود، ولكن من أين جاء كونها حقيقة لهذا؟\nوفي رأينا أن قوله تعالى ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ بعد قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ يفيد تحليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر، لأن قوله: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ مذكور في معرض التحليل والأمر الوارد في الآية والمذكور في قوله: ﴿أَمَرْتُكَ﴾ يفيد كونه أمرًا على إطلاقه، لا كونه أمرًا مخصوصًا في صورة مخصوصة.\nهذا إلى أن الأمر بالسجود في قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا﴾ كان بلا قرينة، إذ لا مانع من الصرف إلى المجاز لو وجدت القرينة.\nوعلى هذا وجب أن يكون ترك الأمر - من حيث هو أمر - موجبًا للذم، وذلك يفيد أن كل أمر فإنه يقتضي الوجوب (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"ابن الحاجب\" مع \"العضد\" و\"التفتازاني\" (٢/ ٨٠).\n(^٢) راجع: مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد\" (٢/ ٨٠)، \"المنهاج\" للبيضاوي مع \"شرحه نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٢٦٠) بهامش \"التقرير والتحبير\"، \"طلعة الشمس\" للسالمي الأباضي (ص ٣٩).","vol":"2","page":208},{"text":"٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ [المرسلات] (^١).\nفدلت الآية على ذم هؤلاء القوم بأنهم لا يركعون إذا أمروا بالركوع، وقد جاء الذم من ترك ما أمروا بفعله فلم يفعلوه، ولو كان الأمر لا يفيد الوجوب، لما كان تركهم لما أمروا به سببًا لذمهم ومقت الله إياهم (^٢).\nوقد يرد على هذا الاستدلال: أن الذم إنما كان بسبب كفرهم. ولكنه مدفوع بأنه تعالى ذمهم على كفرهم من وجوه كثيرة، إلا أن ذمه لهم في هذه الآية إنما كان - كما هو النص - لأنهم تركوا الامتثال، فلم يفعلوا المأمور به.\nفعلم أن ترك المأمور به مدعاة للإنكار والذم، وأن المأمور لا يخرج من العهدة إلا بامتثال ما أمر به، والإتيانِ بما اقتضته صيغة الأمر (^٣).\n٣ - قال الله جلَّ ثناؤه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (^٤).\nيلاحظ في هذا النص القرآني أن الله ﷿ يحذر الذين يخالفون أمره أن تحل بهم المحنة في الدنيا، أو يصيبهم العذاب الأليم في الآخرة.\n_________\n(^١) قيل: نزلت الآية في ثقيف حين أمرهم رسول الله ﷺ بالصلاة فقالوا: لا ننحني فإنها مسبة علينا، أخرجه أبو داود وأحمد وابن أبي شيبة والطبراني. وانظر: \"الكشاف للزمخشري مع الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف للحافظ ابن حجر\" (٤/ ٥٤٦) \"تفسير القرطبي\" (١٩/ ١٦٦).\n(^٢) راجع: \"الإسنوي على المنهاج\" (١/ ٢٦٠)، \"إرشاد الفحول\" (ص ٨٩).\n(^٣) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٠٤)، \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (٢/ ٣٩)، \"إرشاد الفحول\" (ص ٨٩).\n(^٤) سورة النور، والآية هي قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾.","vol":"2","page":209},{"text":"فرتب العقوبة على تلك الجناية التي حذرهم منها، وهي المخالفة عن أمره (^١).\nوهكذا نجد في الآية تهديدًا يعطي أن ظاهر الأمر الوجوب، إذ إن الذي استحق العقاب إنما استحقه على ترك المأمور به.\nولا أدل على معنى الوجوب في الأمر: من أن يستحق المكلف العقاب على ترك موجَب الأمر ومقتضاه، ولولا ذلك لكان التحذير من المخالفة لا معنى له، وعُدَّ من العبث. قال السعد التفتازاني: (والأقرب أن يقال: المفهوم من الآية التهديد على مخالفة الأمر وإلحاق الوعيد بها، فيجب أن تكون مخالفة الأمر حرامًا وتركًا للواجب ليلحق بها الوعيد والتهديد) (^٢).\nهذا وقد جاء الإمام الشافعي بهذه الآية في \"الرسالة\" ضمن مجموعة من النصوص القرآنية الأخرى في (باب ما أمر الله من طاعة رسول الله) وقال في آخر كلامه حول تلك النصوص: (فأحكم فرضه بإلزام خلقه طاعة رسوله وإعلامهم أنها طاعته. . . فجمع لهم أن أعلمهم أن الفرضَ عليهم اتباعُ أمره وأمرِ رسوله، وأن طاعةَ رسوله طاعتهُ، ثم أعلمهم أنه فرض على رسوله اتباع أمره جلَّ ثناؤه) (^٣). وهذا واضح في ذهاب الشافعي إلى أن الأمر للوجوب بدليل من الآية السابقة وغيرها. وقد قرر ذلك الغزالي وصوّبه\n_________\n(^١) والمقصود بالمخالفة عن الأمر في الآية: جرى فيه الخلاف: فجنح الأخفش وابن قتيبة إلى اعتبار \"عن\" صلة فكأنه قال: \"يخالفون أمره\"، وذهب الزمخشري إلى أن المخالفة عن الأمر هي: الصد عنه، قال في \"الكشاف\": (الذين يخالفون عن أمره: الذين يصدون عن أمره، بحذف المفعول) ويرى البعض تضمين المخالفة معنى الإعراض، فيصبح المعنى: \"يعرضون عن أمره ويميلون عن سننه\".\nولا تخفى وجاهة القول الذي ذهب إليه الأخفش وذكره ابن قتيبة. انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة (ص ١٩٥)، \"الكشاف\" (٣/ ٢٠٥)، \"التفسير الكبير\" للرازي: (٢٤/ ٤٠).\n(^٢) انظر: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (٦/ ١٥٤).\n(^٣) راجع: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ف ٢٨٠، ٢٨١).","vol":"2","page":210},{"text":"حين قال: (والشافعي حمل أوامر الشرع على الوجوب. وقد أصاب؛ إذ ثبت لنا بالقرائن أن من خالف أمر رسول الله ﷺ: عصى وتعرض للعقاب) (^١).\n٤ - ومما استدل به القائلون بالوجوب: ما يقرره القرآن من الحكم على تارك المأمور به أنه عاص، وذلك في قوله تعالى على لسان موسى يخاطب أخاه هارون ﵇: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه] حين ترك مقتضى ما أمره به وهو أن يخلفه في قومه، فقد قال له من قبل ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] وهو أمر مجرد عن أي قرينة. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣].\nففي هذا دلالة على أن تارك الأمر عاص. ولقد اعتبر ابن الحاجب وشارحه العضد، أن الاستدلال على الوجوب بهاتين الآيتين بيِّن لا يحتاج إلى تفصيل (^٢) وذلك ما ذهب إليه ابن الهمام حين قرر أن العاصي متوعَّد وذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ فترتيب الوعيد على الترك - كما يقول - دليل الوجوب (^٣).\n٥ - ومن الأدلة على أن الأمر الموجوب: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ\n_________\n(^١) انظر: \"المنخول\" (ص ١٠٨).\n(^٢) جاء في \"مختصر المنتهى وشرحه\" (٢/ ٨٠): (ولنا أيضًا أن تارك المأمور به عاص، وكل عاص متوعد. وهو دليل الوجوب. أما الأول فلقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي تركت مقتضاه، إجماعًا. وأما الثاني فلقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ والثالث بيّن.\nوانظر: \"نهاية السول شرح الإسنوي لمنهاج البيضاوي\" (١/ ٢٦٤)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ٩٠)، \"الفصول اللؤلؤية في أصول الزيدية\" (ص ٥٢)، \"غاية السول في علم الأصول\" للزيدية (ص ١٠٩).\n(^٣) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٥٠) وإن كان ابن الهمام يرى أن الأمر في قوله: ﴿اخْلُفْنِي﴾ ليس مجردًا عن القرينة التي تدل على الوجوب وهي قوله: ﴿وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف].","vol":"2","page":211},{"text":"وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦] (^١).\nومعنى الآية، أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة، اختيار مع أمر الله وأمر رسوله، بل الواجب عليهم الانقياد والامتثال، وهذا ليس خاصًّا بجماعة أو طائفة من المؤمنين، بل هو للجميع؛ لأن الضمير في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ راجع إلى الجمع الذي يقتضيه قوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ فإن معناه العموم، لأنه نكرة في سياق النفي. وهذا لا يتعارض مع وجود سبب خاص للنزول - كما سيأتي - لأن خصوص السبب عند الكثيرين: لا يمنع عموم اللفظ.\nوالذي نقوله من دلالة هذه الآية على أن الأمر للوجوب، هو ما فهمه ابن عباس ﵁، فقد روى ابن كثير في \"تفسيره\" ما روى ابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهما عن ابن جريج قال: أخبرني عامر بن مصعب عن طاوس قال: أنه سأل ابن عباس عن ركعتين بعد العصر: فنهاه، لأن السنة غير ذلك، وقرأ ابن عباس ﵁: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (^٢).\nوهذا الأثر، جاء أوضح من ذلك في رسالة الشافعي حيث قال: أخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج أن طاوسًا أخبره أنه سأل ابن عباس عن المركعتين بعد العصر، فنهاه عنهما، قال طاوس: فقلت ما أدعهما، فقال ابن عباس: \"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون لهم الخيرة من أمرهم\".\nقال الإمام الشافعي: (فرأى ابن عباس الحجة قائمة بخبره عن النبي ﷺ، ودله بتلاوة كتاب الله على أن فرضًا عليه أن لا تكون له الخيرة إذا قضى الله ورسوله أمرًا) (^٣).\n_________\n(^١) والقضاء هنا معناه الحكم الذي هو إتمام الشيء قولًا، لأنه المناسب للإسناد إلى الرسول ﷺ.\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٤٩٠).\n(^٣) راجع: \"الرسالة\" (ف ١٢٢٠)، \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٤٨٩ - ٤٩٠).","vol":"2","page":212},{"text":"هذا: وقد صدّر الإمام المطلبي بهذه الآية ما ذكره في باب (طاعة رسول الله مقرونة بطاعة الله ومذكورة وحدها) وختم الباب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^١).\nولقد أورد ابن حزم الآية أيضًا دليلًا على أن الأمر في الكتاب والسنة للوجوب، حيث رأى النص جازمًا في نفي الاختيار وإذا بطل الاختيار: فقد لزم الوجوب ضرورة؛ لأن الاختيار إنما يكون فيما ليس بواجب. جاء في \"الإحكام\" قوله: (فكل ما أمر الله به ورسوله فلا اختبار فيه لأحد، وإذا بطل الاختيار: فقد لزم الوجوب ضرورة؛ لأن الاختيار هو في الندب والإباحة اللذين فيهما الخيرة إن شئنا فعلنا وإن لم نشأ لم نفعل، فأبطل الله ﷿ الاختيار في كل أمر يرد من عند نبيه ﷺ، وثبت بذلك الوجوب والفرض في جميع أوامرهما، ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث وهو الترك فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب] وهكذا يكون عند ابن حزم وجوب الفعل فيما جاء به الأمر، والندب والإباحة فيما جاء به التخيير، وترك المأمور معصية، والمعصية ضلال مبين.\nوقد أوضح ذلك مرة ثانية فقال: (وليس يقابَل الأمر الوارد إلا بأحد\n_________\n(^١) في سورة الأنفال: ٢٠ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾.\nومما يساعد على فهم أن الأمر للوجوب من الآية السابقة في سورة الأحزاب ما ذكره العلماء من سبب النزول فقد روي \"أن رسول الله ﷺ خطب زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة وأبى أخوها عبد الله فنزلت الآية فقال: رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياها\".\nوقيل: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي ﷺ فقال: \"قد قبلت\" وزوجها زيدًا فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله ﷺ فزوجنا عبده فنزلت الآية.\nراجع: \"تفسير القرآن العظيم\" لابن كثير (٣/ ٤٨٩) \"الكشاف\" للزمخشري (٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧).","vol":"2","page":213},{"text":"ثلاثة أوجه لا رابع لها، فعلم ذلك بضرورة الطبيعة بل ببديهة العقل: إما الوجوب - وهو قولنا - وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك وقد أبطل الله ﷿ هذا الوجه في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وإما الترك - وهو المعصية فأخبر تعالى أن من فعل ذلك فقد ضل ضلالًا مبينًا، فارتفع الإشكال جملة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-494>ثانيًا: من نصوص السنة:</span>\n١ - ومن أوضح الأدلة في نصوص السنة ما ورد في كتب الصحيح من قوله ﵊: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" (^٢).\nووجه دلالة هذا النص على أن الأمر للوجوب، أنه لو أمر الرسول ﷺ بالسواك عند كل صلاة لوجب فعله، سواء أكان في ذلك مشقة أم لم يكن.\nولكنه لا يريد أن يشق على أمته فلم يأمرهم به.\nوإنما فهم ذلك من أن \"لولا\" عند علماء العربية حرف امتناع لموجود، فهي كلمة تمنع الشيء لوقوع غيره، فيكون امتناع الأمر بالسواك في الحديث إنما حصل لوجود المشقة، واستحباب السواك عند كل صلاة ثابت، وإذن فالمنتفي للمشقة إنما هو الوجوب، وبأن الندب لا مشقة فيه فتركه جائز.\nوهكذا لم يأمر الرسول ﷺ الأمة باستعمال السواك عند كل صلاة، لئلا يوقع الناس في المشقة، لأن الخروج من عهدة الأمر، لا يكون إلا بالعمل بالمأمور به، والعمل بالمأمور به هنا هو الاستياك عند كل صلاة، وفي ذلك\n_________\n(^١) راجع عن \"الأحكام\" (٣/ ٢٠ - ٢٢) وانظر: إرشاد الفحول\" (ص ٩٠)، \"طالعة الشمس\" للسالمي الإباضي (٢/ ٤٠).\n(^٢) رواه عن أبي هريرة أحمد (٩٥٤٤) وأصحاب الكتب الستة: البخاري (٨٧٧) ومسلم (٢٥٢) وأبو داود (٤٦) والترمذي (٢٢) وابن ماجه (٢٨٧) والنسائي (٧)، وذكره البخاري في مواضع مختلفة. وانظر: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (١/ ١٠٤).","vol":"2","page":214},{"text":"ما فيه من الحرج، فلم يأمر به لئلا يكون واجبًا. وهذا يقتضي أن الأمر للوجوب (^١).\nولقد عبر الخطابي من ذلك بكل جلاء ووضوح؛ فبعد أن أخذ من الحديث عدم وجوب السواك قال: (وفيه دليل أن أصل أوامره - يعني الرسول ﷺ - على الوجوب، ولولا أنه إذا أمرنا بالشيء صار واجبًا لم يكن تقوله: \"لأمرتهم به\" معنى، وكيف يشق عليهم من الأمر بالشيء وهو إذا أمر به لم يجب ولم يلزم؟ فثبت أنه على الوجوب ما لم يقم دليل على خلافه (^٢).\nقال أبو الوليد الباجي (^٣) في شرحه \"للموطأ\": (فالمراد هنا الوجوب واللزوم دون الندب، فقد ندب ﷺ إلى السواك، وليس في الندب إليه مشقة؛ لأنه إعلام بفضيلته واستدعاء لفضله، لما فيه من جزيل الثواب) (^٤).\nوهذا الاتجاه كان صنيع الزرقاني (^٥) أيضًا ولكن بشكل أوضح، إذ قال عندما عرض للحديث في شرحه \"الموطأ\": (وفيه دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين:\n_________\n(^١) راجع: \"مفتاح الوصول\" للتلمساني (ص ١٧)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ٩٠).\n(^٢) راجع: \"معالم السنن\" للخطابي (١/ ٢٩).\n(^٣) هو سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي أبو الوليد الباجي، أحد أئمة المسلمين ومن كبار رجال الحديث، وفقهاء المالكية، تنقّل بين عدد من بلدان المغرب والمشرق، وكانت إقامته بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا، وبينه وبين ابن حزم مناظرات وفصول، له عدد من المصنفات منها: \"المنتقى\" شرح \"موطأ مالك\" و\"شرح المدونة\" و\"إحكام الفصول في أحكام الأصول\". توفي ﵀ بالمرية سنة ٤٧٤ هـ.\n(^٤) راجع: \"الموطأ مع شرحه\" للباجي (١/ ١٢٩).\n(^٥) هو محمد بن عبد الباقي الزرقاني المصري الأزهري المالكي أبو عبد الله قال صاحب \"الأعلام\": \"إنه خاتمة المحدثين بالديار المصرية\"، من مصنفاته: \"شرح موطأ الإمام مالك\"، \"تلخيص المقاصد الحسنة\" في الحديث. توفي ﵀ سنة ١١٢٢ هـ.","vol":"2","page":215},{"text":"أحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان الندب لما جاز النفي.\nثانيهما: أنه جعل الأمر للمشقة عليهم، وإنما يتحقق إذا كان للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه، لأنه جائز الترك (^١).\nولقد كان من آثار ذلك، عملًا بهذا الحديث، أن اتجه جمهور العلماء إلى عدم وجوب السواك؛ لأن الرسول ﷺ لو أراد من الأمة أن تفعله: لأمرهم به، شق عليهم أو لم يشق، ويبقى حكم الاستياك في حيز الندب والاستحباب (^٢).\n_________\n(^١) راجع: الزرقاني في \"الشرح الموطأ\" (١/ ١٣٣).\n(^٢) قال ابن قدامة: (أكثر أهل العلم يرون السواك سنة غير واجب، ولا نعلم أحدًا قال بوجوبه إلا إسحاق وداود لأنه مأمور به والأمر يقتضي الوجوب) \"المغني\" (١/ ٩٥).\nوما يستند إليه داود وإسحاق بن راهويه هو ما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن حنظلة: \"أن النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا وغير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة\".\nوالذي نقله الزرقاني عن إسحاق بن راهويه أنه قال: هو واجب لكل صلاة فمن تركه عامدًا بطلت صلاته، قال: وعن داود هو واجب ولكن ليس شرطًا.\nونفى الزرقاني أن يكون قد ثبت شيء مما يروى في ورود الأمر بالسواك على إطلاقه، وذلك كالذي رواه ابن ماجه عن أبي أمامة مرفوعًا: \"تسوكوا\" وما رواه أحمد على هذا النحو وذلك في حديث ابن عباس. \"الموطأ\" مع \"شرحه\" للزرقاني (١/ ١٣٣).\nوهكذا لا يبقى لدى من يقول بالوجوب إلا حديث استبدال الوضوء لكل صلاة بالسواك الذي رواه أبو داود من طريق حنظلة.\nهذا وحديث أبي داود الذي جعل السواك فيه بدلًا عن الوضوء لكل صلاة لم يعرض له الخطابي عند شرحه لما ورد في شأن السواك من \"سنن أبي داود\" وإنما أورد الحديث ثم قال:\n(فيه من الفقه أن السواك غير واجب وذلك أن كلمة \"لولا\" كلمة تمنع الشيء لوقوع غيره، فصار الوجوب بها ممنوعًا، ولو كان السواك واجبًا لأمر به شق أو لم يشق) \"معالم السنن\" (١/ ٢٩). =","vol":"2","page":216},{"text":"٢ - ومن الأدلة ما ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ أنكر على أبي\n_________\n= ولعل الخطابي حذا في ذلك حذو الإمام الشافعي الذي نقل عنه أنه قال عند ذكر الحديث: وفيه دليل على أن السواك ليس بواجب، لأنه لو كان واجبًا لأمرهم به شق عليهم أو لم يشق.\nهذا: وقد جرت محاولة للجمع بين الحديثين من أبي جعفر الطحاوي وابن قدامة المقدسي.\nأما أبو جعفر الطحاوي: فقد نفى أن يكون السواك واجبًا عملًا بحديث: \"لولا أن أشق على أمتي. . .\" والمأمور في حديث ابن حنظلة إنما هو النبي ﷺ ولا علاقة للأمة به \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٥ - ٢٨).\nفقد أتى أبو جعفر بالحديثين. وبعد أن أخذ عن حديث ابن حنظلة نسخ الوضوء لكل صلاة وأن الوضوء يجزئ ما لم يكن الحدث، وبعد أن بين مجال كل من الحديثين، قال ﵀:\n(فثبت بقوله ﷺ: \"لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" أنه لم يأمرهم بذلك، وأن ذلك ليس عليهم، وأن في ارتفاع ذلك عنهم - وهو المجعول بدلًا من الوضوء لكل صلاة - على أن الوضوء لكل صلاة لم يكن عليهم ولا أُمروا به، وأن المأمور به النبي ﷺ دونهم، وأن حكمه كان في ذلك غير حكمهم).\nوهكذا ترى أن أبا جعفر الطحاوي أخرج حديث ابن حنظلة عن حيز المعارضة لحديث \"لولا أن أشق. . .\" فالأول خاص بالرسول صلوات الله عليه، والثاني يثبت أن الأمر بالسواك لم يحصل. والسواك جعل بالحديث الأول بدلًا من الوضوء لكل صلاة، والأمة لم تؤمر في الأصل بالوضوء لكل صلاة، بدليل أنها لم تؤمر بالسواك الذي جعل بدلًا عن الوضوء لكل صلاة. فلا البدل ولا المبدل منه تعلق واحد منهما بالأمة، وإذن فالسواك لكل صلاة خاص بالرسول ﵇، وأما بالنسبة لأمته فذلك غير واجب بل هو أمر مستحب.\nأما ابن قدامة فقد أورد الحديثين وأراد الجمع بينهما من أحد طريقين:\nأ - فإما أن يقال: إن الأمر في حديث القائلين بالوجوب هو أمر ندب واستحباب لأن الذي امتنع في حديث: \"لولا أن أشق. . .\" أمر إيجاب.\nب - وإما أن يقال: إن ما جاء في حديث استبدال الوضوء لكل صلاة بالسواك يحتمل أنه كان واجبًا على النبي ﷺ بالخصوص.\nوهكذا أراد ابن قدامة الجمع بين الحديثين بأحد طريقين كان أحدهما احتمال أن يكون الوجوب في حق النبي ﷺ على الخصوص. \"المغني\" (١/ ٩٥). =","vol":"2","page":217},{"text":"سعيد بن المعلى إذ ناداه فلم يستجب له - وكان يصلي - فقال له رسول الله ﷺ: \"ألم يقل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] \" (^١).\nفقد أفهم النبي ﷺ أصحابه بهذا: أن مطلق الأمر يفيد الوجوب، وكان إنكاره على أبي سعيد بن المعلى أنه لم يجب نداءه، مع كونه واقفًا في الصلاة، فدل هذا الإنكار على أن الأمر في قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ يشمل كل الأحوال، حتى ولو كان المسلم واقفًا في الصلاة، لا يعد ذلك عذرًا في عدم الاستجابة التي فرضت يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (^٢).\n_________\n= بينما رأينا أبا جعفر الطحاوي يجزم بهذه الخصوصية. وما ذهب إليه أبو جعفر هو الراجح في نظرنا لأن السواك الذي جعل بدلًا عن الوضوء لكل صلاة لم يأمر الرسول ﷺ به الأمة، ومعنى ذلك أن الوضوء لكل صلاة لم يكن عليها أيضًا، فهي لم تخاطب بالأصل، والرسول لم يأمرها بالسواك الذي هو البدل، وهكذا يكون لكل من الحديثين دائرته التي هي مجال دلالته على الحكم؛ فأحدهما يقرر أمرًا خاصًّا بالرسول، والآخر يقرر عدم وجوب السواك لأن الرسول لم يأمر به.\nولقد رأينا الإمام الشافعي يأخذ من الحديث الذي هو دليل الجمهور عدم وجوب السواك دون أن يعرض للحديث الآخر، كما رأينا ممن تابعه إمامًا كالخطابي يصنع صنيعه فيقتصر على الاستدلال من الحديث على أن السواك غير واجب أيضًا، ثم يردف ذلك باستنتاج أن أوامر الرسول صلوات الله عليه على الوجوب.\n(^١) جاء في رواية أخرى ذكر أُبي بن كعب، بدلًا من أبي سعيد المعلى، فقد أخرج ابن عبد البر بالسند عن أبي هريرة قال: (خرج رسول الله ﷺ على أبي بن كعب وهو يصلي فقال رسول الله ﷺ: \"يا أُبي\"، فالتفت إليه ولم يجبه وصلى فخفض ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله: \"يا أُبي ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك\" فقال: يا رسول الله كنت أُصلي قال: \"أفلم تجد فيما أوحي إلي إن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ \" قال: بلى يا رسول الله، ولا أعود إن شاء الله).\nانظر: \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٤٦٦) \"جامع بيان العلم\" (٢/ ٦٤)، ما سلف (٢/ ٨٥).\n(^٢) راجع: \"الإحكام في أُصول الأحكام\" لابن حزم (٣/ ٢٠ - ٢١).","vol":"2","page":218},{"text":"وفي خاتمة الاستقراء لمواطن دلالة الأمر في هذه المجموعة من نصوص الكتاب والسنة: يتضح لدينا أن ما يدل عليه الأمر: هو الوجوب على وجه الحقيقة، وليس أبين من استعمال كتاب الله، وسنة رسوله، حيث إن الكتاب هو المصدر الأول لهذه الشريعة والسنة في بيانه والمصدر الثاني من بعده. فعلى هدي الاستعمال فيهما: يسير استنباط الأحكام من النصوص في طريق بعيدة عن الانحراف لا تجافي عرف الشريعة، ولا تهمل مدلولات الخطاب في لسان العرب (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-495>المطلب الثالث مسالك القائلين بغير الوجوب</span>\n<span data-type='title' id=toc-496>مسلك القائلين بالندب:</span>\nكان من أهم ما استدل به القائلون بأن الأمر حقيقة في الندب: ما ثبت في السنة الصحيحة من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم\" (^٢).\nووجه الاستدلال بالحديث: أن الرسول صلوات الله عليه، رد الأمر إلى مشيئتنا، وذلك هو معنى الندب، حيث لا يأثم المأمور بالترك؛ فله أن يفعل، وله أن لا يفعل.\nوكان جواب الجمهور على ذلك: أن الحديث في الواقع يصلح دليلًا للقول بالوجوب؛ لأن ما لا نستطيعه لا يجب علينا، وإنما يجب علينا ما\n_________\n(^١) راجع: \"التلويح على التوضيح\" (١/ ١٥٥)، \"مفتاح الوصول\" للتلمساني (١/ ١٧).\n(^٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" وهو جزء من حديث متفق عليه. البخاري (٧٢٨٨)، مسلم (١٣٣٧). وراجع: \"إرشاد الفحول\" (ص ٩١) \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٠٦).","vol":"2","page":219},{"text":"نستطيعه، أما المندوب: فلا حرج في تركه مع الاستطاعة، وهو مرتبط بمشيئتنا أيضًا.\nولقد اعتبر صاحب \"التقرير والتحبير\" ذهولًا عظيمًا، القول بأن الحديث رد الأمر إلى مشيئة المأمورين، فقال عند الرد على أصحاب هذا المذهب: (ثم لا خفاء في أن قولهم: رده إلى مشيئتنا مع روايتهم الحديث بلفظ: \"ما استطعتم\" ذهول عظيم) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-497>مسلك القائلين بالاشتراك:</span>\nوالقائلون بالاشتراك اللفظي؛ سواء بين الوجوب والندب، أو بين الوجوب والندب والإباحة، أو بين هذه الثلاثة ومعها التهديد: استدلوا بثبوت إطلاق الأمر حقيقة على أكثر من الوجوب.\nفالقائلون بالاشتراك بين الوجوب والندب: يدعون ثبوت إطلاق الأمر حقيقة عليهما.\nوالقائلون بالاشتراك بين الوجوب والندب والإباحة: يدعون ثبوت إطلاق الأمر حقيقة على هذه المعاني الثلاثة.\nوالقائلون بالاشتراك بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد: يدعون ثبوت إطلاق الأمر حقيقة عليها جميعًا.\nووجه ثبوت إطلاق الأمر حقيقة على أكثر من الوجوب عندهم: أنه قد ثبت الإطلاق، والأصل فيه الحقيقة.\nوالرد الطبيعي على هذا الادعاء: أن المجاز أولى من الاشتراك؛ وذلك من أبسط القواعد في خطابات العربية التي هي لغة الكتاب والسنة.\nولقد تبين من أدلة الجمهور: أن الوجوب متعين للحقيقة عند الإطلاق، فتكون دلالة الأمر على المعاني الباقية من قبيل المجاز (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨١).\n(^٢) انظر: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٨٠٦).","vol":"2","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-498>مسلك القائلين بمطلق الطلب:</span>\nأما القائلون بأن الأمر لمطلق الطلب: فقد احتجوا بأنه ثبت رجحان الطلب، الذي هو المعنى المشترك، بين الوجوب والندب بالضرورة من اللغة، ولم يقم ما يدل على تخصيصه بواحد منهما، وهو الوجوب.\nومعنى ذلك أن الرجحان قد ثبت لغة في الواجب، كما ثبت في المندوب، وجعلُ هذا الرجحان لواحد منهما - وهو الواجب - تقييد بلا دليل، فيكون القول به عاريًا عن السند. وإذن فلا بد من القول بأن الأمر للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب، وقالوا هذا دفعًا للاشتراك والمجاز (^١).\nولكن الذي قاله هؤلاء مدفوع بما يلي:\nأ - في أدلة الوجوب التي ساقها الجمهور: ما يدل على أن تقييد الأمر بالوجوب حقيقة قائم على الدليل، وليس تخصيصًا بدون دليل.\nب - ثم إن جعل الأمر لمطلق الطلب: إثبات للغة بلوازم الماهيات، وذلك - كما يرى ابن الحاجب وشارحه العضد - أن القائلين بهذا القول، جعلوا الرجحان لازمًا للوجوب والندب، فجعلوا باعتباره صيغة الأمر لهما، مع احتمال أن تكون للمقيد بأحدهما وللمشترك بينهما، وذلك باطل (^٢).\nوهكذا، يبدو اتجاه القائلين بأن الأمر لمطلق الطلب في نظرنا: غير سليم.\nفالدليل قائم على تقييد الأمر بأنه حقيقة في الوجوب، وادعاؤهم: إثبات للُّغة بلوازم الماهيات.\nوما قيل هنا، يقال لمن جنحوا إلى أن الأمر يفيد الإذن؛ لأنه موضوع\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" و\"شرحه للعضد\" مع \"حاشية السعد\" (٢/ ٨١).\n(^٢) راجع: \"مختصر المنتهى\" السابق (٢/ ٨١) \"جمع الجوامع\" لابن السبكي \"بحاشية البناني\" (١/ ٣٧٥ - ٣٧٧)، \"منهاج البيضاوي\" مع \"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ١٦٥) بهامش \"التقرير والتحبير\".","vol":"2","page":221},{"text":"للقدر المشترك بين الوجوب والندب والإباحة، ذلك أن هؤلاء أيضًا احتجوا بأن الإذن ثبت بضرورة اللغة، وأن التقييد بواحد من المعاني الثلاثة - وهو الوجوب - لا دليل عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-499>مسلك القائلين بالوقف:</span>\nوإذا أتينا إلى القائلين بالوقف، رأيناهم يستدلون على ما ذهبوا إليه من التوقف: بأنه لو ثبتت دلالة الأمر على الوجوب أو غيره: لثبتت بدليل، وليس هناك من دليل؛ ذلك أن الدليل إما أن يكون عن طريق العقل أو عن طريق النقل.\nأما العقل: فلا مدخل له في مثل هذه الأمور.\nوأما النقل: فإما نقل آحادٍ: فلا يفيد العلم، وإما نقل بالتواتر الذي يوجب استواء طبقات الباحثين فيه، فلو وقع هذا التواتر في النقل، لامتنع الاختلاف في مدلول الأمر حقيقة، ولكن الاختلاف واقع، ومعنى ذلك أن النقل لم يحصل بالتواتر. فإذا كان العرب قد أطلقوا الصيغة للندب مرة، وللوجوب أخرى مثلًا، ولم يوقفونا على أنها موضوعة لواحد دون الآخر: وجب التوقف (^١).\n_________\n(^١) راجع \"المستصفى\" (١/ ٤٢٧) \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٢١٠)، \"مختصر المنتهى\" مع \"شرح العضد\" و\"حاشيته للسعد\" (٢/ ٨١)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٠٦) هذا وقد فصل الغزالي هذا الدليل الذي اعتبره قاطعًا حين قرر أن أهل اللغة لم يبينوا أن صيغة \"افعل\" أو ما في معناها موضوعة لواحد من الوجوب، والندب والإباحة والتهديد، إذ إن ذلك يجب أن يعلم بطريق النقل حيث إنه لا دخل للعقل في اللغات.\nوطريق النقل للغات لا يقبل الغزالي فيه أخبار الآحاد. أما التواتر فلا يعدو أربعة أوجه:\nأ - فإما أن ينقل من أهل اللغة عند وضعهم أنهم صرحوا بأنهم وضعوه كذا وأقروا به بعد الوضع.\nب - وإما أن ينقل عن الشارع الأخبار من أهل اللغة بذلك أو تصديق من ادعى ذلك. =","vol":"2","page":222},{"text":"هذا ما يحتج به الواقفية، سواء منهم من يتوقف في تعيين المعنى المراد من الأمر، ومن يتوقف في تعيين الموضوع له الأمر حقيقة.\nولكن الجمهور لم تعوزهم الإجابة على هذا الاستدلال، فمن غير المسلم به أنه ليس إلا دليل النقل الذي يريدون وهو غير متوافر، بل هنالك الأدلة الاستقرائية الكثيرة - وقد رأينا قسمًا منها - التي كانت ثمرة جهود العلماء في تتبع مظان استعمال الألفاظ ودلالتها على معانيها، وفي تلك الأدلة من نصوص الكتاب والسنة: ما يجعل القول بالتوقف غير ذي موضوع (^١).\nعلى أن القائلين بالتوقف لا يعدو مذهبم - في نظرنا - الحدود النظرية للنقاش المنطقي، وهم لا يعدمون حين يتضح الخلاق الأمر على الوجوب، أن يجدوا قرينة يدَّعون أنها هي التي رجحت معنًى على آخر.\nولو رأينا توقفًا في نصوص الأحكام بعد بيان السنة واتضاح معالم الطريق: لقلنا مع ابن حزم: إن في هذا الاتجاه تجميدًا للنصوص وتعطيلًا للأحكام.\n\n<span data-type='title' id=toc-500>رأينا في دلالة الأمر:</span>\nوالآن، وبعد تطواف مجرد مع أدلة العلماء في دلالة الأمر، نرى أن نلقي عصا التسيار لنختار مذهب الجمهور، في أن الأمر يدل بحقيقته على\n_________\n= ج - وإما أن ينقل من أهل الإجماع.\nد - وإما أن يذكر بين يدي جماعة يمتنع عليهم السكوت على الباطل ولم ينكروه. وهذه الأوجه الأربعة التي هي أوجه تصحيح النقل يرى الغزالي أن دعوى شيء منها في قوله: \"أمرنا بكذا\" لا يمكن وما دام لا يمكن فمعنى ذلك أنا لم نستطع أن نقف من طريق النقل السليم على أن أهل اللغة قد وضعوا الأمر لمعني دون آخر على الحقيقة. وإذا كان الأمر كذلك: فليس من حقنا أن تنسب إليهم ما لم يصرحوا به، بل نتوقف عن التقول والاختراع عليهم. انظر: \"المستصفى\" (١/ ٤٢٧) فما بعدها.\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" (٢/ ٨١)، \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (٢/ ٤٠).","vol":"2","page":223},{"text":"الوجوب، ونرى أن يكون ذلك قاعدة لفهم مدلولات الطلب في نصوص الكتاب والسنة عند التفسير.\nوما أحسب هذا الاتجاه بحاجة إلى مزيد من التأييد، فالقرآن - وهو كلي الشريعة - الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، والرسول الذي أنزل عليه القرآن: أرسله الله من ذؤابة العرب بلسان قومه، ليبين للناس ما نزل إليهم.\nوالأمر في هذا اللسان الذي هو لغة الكتاب والسنة: يقيد الطلب الجازم على وجه الحقيقة، واللفظ عند إطلاقه يدل على معناه الحقيقي الذي وضع له، ولا يصرف عنه إلا لقرينة.\nثم إن الأوامر في كلام الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، اقترن أكثرها بالوعيد على المخالفة بالعقاب العاجل، أو الآجل، أو كليهما معًا، الأمر الذي جعل العرف الإسلامي يقضي بأن الامتثال طاعة تجلب الخير والثواب وأن المخالفة معصية توقع في المهلكة والعذاب.\nولقد كان من ثمرات ذلك: أن أصبح شعار المسلم، هو امتثاله لما يومر به خروجًا من العهدة، وأداء لحق الله وحق رسوله.\nكما أصبح ذلك هو النبراس الواضح والطريق المتبع لأولئك القوم من أصحاب رسول الله صلوات الله عليه الذين تربوا في مدرسة النبوة مؤهلين - مع الإيمان - بسليقة عربية يدركون معها مدلولات الخطاب في أوامر الله وأوامر رسوله.\nولقد رأينا من قبل كيف أن ابن عباس ﵄، احتج على طاوس في شأن الركعتين بعد العصر اللتين هما خلاف السنة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (^١).\nوروي عن ابن مسعود: (أنه جاء يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب،\n_________\n(^١) انظر \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ف ١٢٢٠)، و\"تفسير القرآن العظيم\" (٣/ ٤٨٩) فيما بعد.","vol":"2","page":224},{"text":"فسمعه يقول: \"اجلسوا\"، فجلس بباب المسجد، فرآه النبي ﷺ فقال له: \"تعال يا عبد الله بن مسعود\") (^١). و(سمع عبد الله بن أبي رواحة - وهو بالطريق - رسول الله وهو يقول: \"اجلسوا\"، فجلس في الطريق، فمر به رسول الله ﷺ فقال: \"ما شأنك؟ \" فقال: سمعتك تقول: \"اجلسوا\"، فجلست، فقال له النبي ﷺ: \"زادك الله طاعة\") (^٢).\nأما توقف أبي سعيد بن المعلى - كما رأينا من قبل - أو أُبيّ بن كعب عن الاستجابة لنداء رسول الله صلوات الله عليه: فلم يكن لأنه لا يفهم الأمر للوجوب، وإنما كان لأنه لم يكن يتصور أن الإجابة مطلوبة في كل الأحوال، حتى لو كان من يناديه رسول الله ﷺ واقفًا في الصلاة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-501>الأمر مع القرينة:</span>\nوإذا كنا تقرر اختيار أن الأمر للوجوب، فإنما ذلك عند تجرد الأمر عن القرائن الصارفة إلى معنًى آخر. فأما إن احتفت بالأمر قرينة تبين المراد من الطلب: خرجت المسألة عن موضوع الاختلاف، وحُمل الأمر على ما دلت عليه هذه القرينة.\nفقد يرد الأمر في نص، وتدل القرينة على أن هذا الأمر للندب، ويرد، وتدل القرينة على أنه للإباحة أو الإرشاد، وقد نرى أمرًا في نص ثالث تدل القرينة على أنه للتهديد. . . وهكذا نستطيع أن نقرر أن الاستعمالات المجازية التي أوردناها في صدر هذا المبحث، والتي لها من اللغة وكلام العرب الأصيل: شواهد، هي معان مجازية يتحول الوجوب إليها بما يصحب الأمر من قرائن.\nوفي نصوص الكتاب والسنة الكثير من الأوامر، التي دلت على غير\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في كتاب الجمعة من \"السنن\" (١٠٩١). وانظر: \"جامع بيان العلم وفضله\" لابن عبد البر (٢/ ٦٤).\n(^٢) ذكره ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/ ٦٤).\n(^٣) انظر ما سلف: (٣/ ٦٤) فما بعد.","vol":"2","page":225},{"text":"الوجوب. وما كان ذلك إلا لقرائن صحبتها فحولت مدلول الأمر من الوجوب إلى غيره.\nوفي أمثلتنا على المعاني التي يستعمل فيها الأمر، كثير من هذا.\nذلك قول الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٠]. حيث حمل العلماء الأمر في الآية على الإباحة والإذن؛ وذلك لأن الأكل والشرب من الأمور التي تستدعيها طبيعة الحياة، ولا يستغني عنها الإنسان في نمو جسمه والحفاظ عليه.\nفكان ذلك قرينة على أن الأمر بالأكل والشرب في الآية: ليس للوجوب، وإنما هو للإباحة والإذن. على أن هذا لا ينفي وجوب الأكل أو الشرب عندما يكون في ترك واحد منهما قتل للإنسان؛ إذ حرام عليه أن يمتنع حتى يقتل نفسه.\nومنه قول الرسول صلوات الله عليه لعبد الرحمن بن عوف في شأن وليمة الزفاف: \"أولم بشاة\" (^١) فالأمر عند الجمهور محمول على الندب، بقرينة أن مثل هذه الأمور إنما يتعلق بأحوال الناس الخاصة وأعرافهم وعاداتهم، وقد يكون في الوجوب حرج يباعد عنه الدين.\nومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فإن الجمهور: - كما سبق - ذهبوا إلى أن الأمر بالكتابة في هذا النص ليس للوجوب، وإنما هو للإرشاد إلى ما يضع التعامل بين الناس في إطار من الحيطة يحفظ الحقوق لأصحابها، والقرينة التي صرفت\n_________\n(^١) أخرج أحمد من رواية أبي سعيد الخدري (١٣٤١١) والأئمة الستة: البخاري (٢٠٤٨) مسلم (١٤٣٧)، أبو داود (٢١٠٩)، الترمذي (١٩٣٣)، النسائي (٣٣٥١)، ابن ماجه (١٩٠٧) بألفاظ مختلفة من رواية أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف آثار صفرة فقال: \"ما هذا؟ \" فقال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة على نواة من ذهب، فقال له الرسول: \"أولم ولو بشاة\" وذهب الظاهرية، وكذلك الشافعية في قول أو وجه إلى وجوب الوليمة. انظر: \"المحلى\" (٩/ ٤٥٠) \"المنهاج\" مع \"مغني المحتاج\" (٣/ ٢٤٥)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٨٧).","vol":"2","page":226},{"text":"الأمر بكتابة الدين عن الوجوب إلى الإرشاد، هو قول الله جلّ وعلا بعد هذه الآية: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nإذ دل هذا النص على أن الدائن إذا وثق بمدينه، فله أن لا يكتب الدين عليه. ومعنى ذلك أنه إذا لم يكتب في هذه الحالة لا يكون مخالفًا لأمر الله (^١).\nومن ذلك أيضًا ما رويَ من قول الرسول صلوات الله عليه لعمر بن أبي سلمة - وهو غلام صغير -: \"سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك\" (^٢) حيث قرر العلماء أن الأمر فيه ليس للوجوب وإنما هو محمول على التأديب والتهذيب، وتعويد الطفل محاسن الأخلاق والعادات.\nوقرينة صرف الأمر عن الوجوب إلى ما ذكرنا، هي كون المأمور هنا، ليس أهلًا للتكليف حتى يكلف ويلتزم.\n\n<span data-type='title' id=toc-502>موقفنا من مسالك العلماء في دلالة الأمر:</span>\nلقد كان للخلاف بين العلماء في دلالة الأمر: أثره الواضح في الأحكام التي استنبطوها من نصوص الكتاب والسنة، وإذا كان الجمهور على أن مدلول الأمر هو الوجوب، ولا يصرف عنه إلا بقرينة، فكثيرًا ما اختلفت أنظارهم في وجود القرينة، أو عدم وجودها، وفي تقويم هذه القرينة إن وجدت، ومقدار صلاحها لصرف الأمر عن ظاهره - وهو الوجوب - إلى معنى آخر؛ فقد تصلح للصرف عند أناس، ولا تصلح عند آخرين.\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإن الخلاف لم يكن بينهم وبين القائلين بأن مدلول الأمر هو الندب أو غيره من المعاني الأخرى، بقدر ما كان بينهم وبين الظاهرية، ذلك أن القائلين بأن الأمر للندب أو غيره مثلًا: يتفقون أحيانًا صنع الجمهور في النتيجة وإن اختلفت الطريق.\n_________\n(^١) انظر ما سلف (٢/ ١٩٨).\n(^٢) راجع: \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٨/ ١٣٤)، ما سلف (٢/ ١٩٧).","vol":"2","page":227},{"text":"فالجمهور يقولون: الأصل هو الوجوب، والندب مثلًا جاء من القرينة، وأولئك يقولون: الأصل هو الندب. ويظهر ذلك في كثير من أبواب الفقه لمن أراد الاستقصاء (^١).\nأما الظاهرية: فالأصل عندهم هو الأخذ بالظاهر على الشكل الذي يرون. والظاهر في دلالة الأمر هو الوجوب، ولقد رأينا في مبحث التأويل أن ابن حزم يرى في العدول عن الوجوب - الذي هو الظاهر - إلى غيره، انحرافًا عن الطريق الصحيح، وتقولًا على الله ورسوله، وخروجًا على مدلولات الخطاب في لغة القرآن (^٢).\nوعند استدلالنا فيما سبق على الأمر للوجوب، رأينا القسمة عند ابن حزم ثلاثية: فإما أمر: فهو يقتضي الوجوب، وإما تخيير: فهو يقتضي الندب، وإما ترك: فهو المعصية والضلال.\nفابن حزم لا يرى صارفًا عن الوجوب إلى غيره يسمى القرينة، وإنما يرى نديًا يقوم على التصريح بالتخيير، والعدول عن ذلك معصية أخبر الله أن من فعلها فقد ضل ضلالًا مبينًا.\nوهكذا تأثرت الأحكام في الفروع، باختلاف العلماء فيما بنيت عليه من قواعد وأصول؛ فمن وقوف عند الظاهر يحكم بأن كل أمر فهو للوجوب دون التفات إلى القرائن، إلى تفاوت الأنظار في الوجوب أو الندب أو الإباحية. . . أو الاشتراك أو غير ذلك، إلى تعدد الآراء عند القائلين بالوجوب أنفسِهم في وجود القرينة أو عدم وجودها، وإن وجدت: ففي مقدار صلاحيتها لصرف الأمر عن الوجوب.\nوعلى أية حال: فإذا كنا نرى أن الأمر في حقيقته للوجوب، فلسنا مع ابن حزم في عدم الالتفات مطلقًا لأي قرينة؛ لأن الاستعمالات المجازية عن طريق القرائن واقعة في اللغة التي يتهم ابن حزم الجمهور بالخروج عنها، وهذا واضح في فهم السلف ﵏ أتم الوضوح.\n_________\n(^١) انظر ما سلف (٢/ ٢٢٥) فما بعدها.\n(^٢) انظر ما سلف (١/ ٣٥٨) فما بعدها.","vol":"2","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-503>من ثمرات الاختلاف في التطبيق</span>\nمرّ بنا من خلال عرضنا لبعض مباحث الأمر عدد من الأمثلة التي وضح فيها اختلاف العلماء في بعض الأحكام، نتيجة الاختلاف في مدلول الأمر في نصٍ من كتاب أو سنة.\nوذلك كالذي رأينا في أحكام كتب الدين، والإشهاد عليه، وكون الإشهاد على شكل معيَّن. تلك الأحكام الواردة في آية المداينة من سورة البقرة، حيث تعددت مذاهب العلماء في مدلول الأمر فكانت وجوبًا أو غيره.\nوكالذي سلَف في حكم مكاتبة الرقيق أخذًا من الأمر في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٢٣] حيث تعددت الأقوال في حكم هذه المكاتبة من وجوب وغيره.\nوكالذي رأينا أيضًا من حكم الوليمة في الزفاف أخذًا من قوله ﵊ لعبد الرحمن بن عوف: \"أولِم ولو بشاة\" حيث رأي الظاهرية، وقول أو وجه عند الشافعية: وجوب الوليمة، ورأي غيرهم استحبابها؛ لأن الأمر في الحديث محصول على الندب في نظرهم. وأمثال ذلك كثير وكثير، يراه المتتبع لكتب الأحكام.\nونقدم الآن يسيرًا من الأمثلة الأخرى، لعل فيها شيئًا من البيان لبعض ثمرات الاختلاف في مدلول الأمر عند التطبيق، وأنا إذ نكتفي باليسير، نأمل أن يشفع لهذا الاكتفاء: كون اليسير دليلًا على ما وراءه من الكثير.\nأ - من ذلك ما يرى الباحث في أحكام الحوالة، مما يدور حول مدلول الأمر في قوله ﵊ فيما رواه أبو هريرة ﵁: \"مطل الغني ظلم، فإذا أُتبع أحدكم على مليء فليُتبَع\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٨٤)، وأحمد (٥٣٩٥)، والبخاري (٢٢٨٧) بألفاظ مختلفة هذا أحدها، ومسلم (١٥٦٤)، وأبو داود (٢٣٤٥)، والنسائي (٤٦٩١)، والترمذي (١٣٠٨)، وابن ماجه (٢٤٠٣)، والبزار، ولفظ \"الموطأ\" ورواية البخاري =","vol":"2","page":229},{"text":"فقوله ﷺ: \"فليتبع\"، وهو أمر، مأخوذ من قولنا: أتبعت فلانًا: إذا جعلته تابعًا للغير. والمراد هاهنا تبعيته في طلب الحق بالحوالة، قال الحافظ ابن حجر: و\"معنى قوله أتبع فليتبع، أي أحيل فليحتل\" (^١). فإذا أحال المدين دائنه على شخص ثالث مليء ليستوفي منه دينه، فهل يجب على هذا المدين قبول الحوالة على المليء أم لا يجب؟ لقد اختلفت في مدلول هذا الأمر أنظار العلماء:\n١ - فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون: إلى أن الأمر في الحديث مصروف من الوجوب.\nأ - وإذا كان كذلك فقد اعتبره البعض كالخطابي: للإذن والإباحة. جاء في \"معالم السنن\": (وقوله: \"فليتبع\" معناه: فليحتل، وهذا ليس على الوجوب وإنما هو على الإذن له والإباحة فيه، إن اختار ذلك وشاء) وإليه جنح ابن الهمام في \"فتح القدير\" واعتبره هو الحق الظاهر (^٢).\nب - والجمهور على أن الأمر في الحديث للندب، كما قرر ابن دقيق العيد؛ فللمدين اختيار الاحتيال وله عدمه. وممن ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، الذي اعتبر أن القول بالإباحة: قول شاذ (^٣).\n_________\n= ومسلم: \"وإذا أتبع\" بالواو وبهذا اللفظ ذكره ابن حزم في \"المحلى\" وفي رواية لأحمد: \"وإذا أحيل على مليء فليحتل\" وفي لفظ لابن ماجه برواية ابن عمر: \"فإذا أحلت على مليء فاتبعه\" بتشديد التاء. وانظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٦٥ - ٦٦)، \"المنتقى شرح الموطأ\" لأبي الوليد الباجي (٥/ ٦٦ - ٦٧) \"المحلى\" لابن حزم (٨/ ١٠٨)، \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ١٥٦ - ١٥٧)، \"فتح الباري\" (٤ - ٣٨١) فما بعدها.\n(^١) راجع: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ١٥٧)، \"فتح الباري\" (٣٨١ - ٣٨٢).\n(^٢) انظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٦٦)، \"فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٤٤٤).\n(^٣) راجع: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٨٢). هذا وقد نقل محمد الزرقاني كلام ابن حجر بنصه في \"شرحه للموطأ\". انظر: (٣/ ٣٢٥).","vol":"2","page":230},{"text":"وعلى أية حال: فقد صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب عند الجمهور؛ لما في هذا الأمر من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده والتخفيف عنه، وذلك بتحويل الحق عنه وترك تكليفه التحصيل بالطلب والإحسانُ مستحب (^١).\n٢ - وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير الطبري وأهل الظاهر على ظاهره من الوجوب، ولم يروا ما يدعو إلى صرفه عنه، فإذا أحيل الدائن على مليء فواجب أن يحول ماله عليه (^٢) ونقل الخطابي عن داود الظاهري أنه يُكره على ذلك إن أباه (^٣).\nوهكذا كان لاختلاف العلماء في مدلول الأمر في هذا النص من نصوص السنة: أثره في الحكم المترتب عليه.\n٢ - ومنه ما جاء في حكم الإسراع بالجنازة: فقد جاء عن رسول الله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: \"أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة: فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك: فشر تضعونه عن رقابكم\" (^٤).\nفقد جرى اختلاف العلماء في مدلول الأمر من قوله ﷺ: \"أسرعوا\".\nأ - فالجمهور على أن هذا الأمر للاستحباب، قال ابن قدامة المقدسي:\n_________\n(^١) انظر: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ١٥٧)، \"فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٥/ ٤٤٤) \"شرح الزرقاني لموطأ الإمام مالك\" (٣/ ٣٢٥) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٨٢)، \"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٥٢٧)، قال الخرقي: ومن أحيل بحقه على مليء فواجب عليه أن يحتال.\n(^٣) راجع: \"معالم السنن\" (٣/ ٦٦)، وانظر تفصيلًا أوفى عند ابن حزم في \"المحلى\" (٨/ ١٠٨) فما بعدها. هذا وقد نقل ابن العربي إجماع أهل القرون الثلاثة السابقة على خلاف القول بالوجوب. وانظر \"طرح التثريب\" للزين العراقي (٦/ ١٦٥).\n(^٤) أخرجه أحمد (٧٢٦٥) وأصحاب الكتب الستة: البخاري (١٣١٥)، مسلم (٩٤٤)، أبو داود (٣١٨١)، الترمذي (١٠١٥)، ابن ماجه (١٤٧٧)، النسائي (١٩١٠). وانظر: ابن دقيق العيد مع التعليق (٢/ ٤٧٣).","vol":"2","page":231},{"text":"(لا خلاف بين الأئمة ﵏ في استحباب الإسراع بالجنازة) (^١) وقد صرح أبو إسحاق الشيرازي بذلك في \"المهذب\" حين قال: (ويستحب الإسراع بالجنازة) مستشهدًا لما ذهب إليه بالحديث الآنف الذكر والذي ورد فيه الأمر بالإسراع بالجنازة (^٢).\nب - وذهب ابن حزم إلى أن الإسراع واجب حملًا للأمر على ظاهره في قوله ﵊: \"أسرعوا\" (^٣).\nهذا: والمراد بالإسراع عند الجمهور: ما فوق سجية المشي المعتاد، وذلك بحيث لا ينتهي الإسراع، إلى شدة يُخاف معها حدوث مفسدة بالميت (^٤)، قال الحافظ في \"الفتح\": (والحاصل أنه يستحب الإسراع، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت، أو مشقة على الحامل أو المشيع؛ لئلا ينافي المقصود من النظافة، أو عدم إدخال المشقة على المسلم) (^٥).\nومما يؤيد ذلك ما جاء في الحديث أنه \"مُرَّ على رسول الله ﷺ بجنازة تمخض مخض الزّق، فقال رسول الله ﷺ: \"عليكم القصدَ في جنائزكم\" (^٦).\n_________\n(^١) راجع: \"المغني\" (٢/ ٤٧٣).\n(^٢) راجع \"المهذب\" (١/ ١٣٥)، وقال ابن دقيق العيد: (والسنة الإسراع كما جاء في الحديث)، \"إحكام الأحكام\" (١/ ٣٩٨).\n(^٣) راجع: \"المحلى\" (٥/ ١٥٤ - ١٥٥) قال ابن حزم: (ويجب الإسراع بالجنازة واستدل بحديث: \"أسرعوا. .\" وبعمل الصحابة حيث روى عن أبي بكرة قال: \"لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وإنا لنكاد نرمل بالجنازة\").\n(^٤) انظر: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (١/ ٣٩٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٧)، وانظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٣)، \"الهداية مع فتح القدير\" (١/ ٤٦٨).\n(^٦) أخرجه أحمد في \"المسند\" (١٩٨٧٠) عن أبي سعيد ﵁. وفي رواية له عن أبي موسى ﵁ قال: (مرت برسول الله ﷺ جنازة تمخض مخض الزق، فقال رسول الله ﷺ: \"عليكم القصد\") وانظر: \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٤٧٣) \"فتح القدير\" لابن الهمام (١/ ٤٦٨)، \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٤/ ٧٣ - ٧٤).","vol":"2","page":232},{"text":"وهكذا وجد الجمهور القرينة التي صرفت الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، بينما حمله ابن حزم على الوجوب ليس إلا. واعتبر ما ذهب إليه شذوذًا عند الكثيرين (^١).\n٣ - جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: \"إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولين إذا لم تستح فاصنع ما شئت\" (^٢).\nولقد كان البحثُ حول تحديد مدلول الأمر في قوله ﷺ: \"فاصنع ما شئت\" مجالًا لتعدد الأقوال فيما هو المراد من هذا الأمر في نص من نصوص السنة، يعطي للحياء عظيم الأهمية والاعتبار.\nوكانت أهم هذه الأقوال ثلاثة:\nأحدها: أن الأمر في النص: معناه الخبر وإن كان لفظه لفظ الأمر. فكأنه يقول: إذا لم يمنعك الحياء فعلت ما شئت أي ما تدعوك إليه نفسك قال الخطابي: (وإلى نحو من هذا ذهب أبو عبد القاسم بن سلام رحمة الله عليه) (^٣).\nالثاني: أن الأمر هنا للوعيد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وإليه ذهب أبو العباس أحمد بن فارس.\nالثالث: ما ذهب إليه أبو إسحاق المروزي أن قوله ﵇: \"فاصنع ما شئت\" معناه أن ينظر فإذا كان الشيء الذي يريد أن يفعله مما لا يستحي منه فليفعله، قال الخطابي: (يريد أن ما يستحي منه فلا يفعله) (^٤).\nوهكذا تبدو الأقوال الثلاثة نتيجة الاجتهاد العلماء في البحث عما يمكن أن يصرف الأمر عن مدلول إلى آخر.\n_________\n(^١) راجع: \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٧)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٨٣) و(٣٤٨٤) وأبو داود (٤٧٩٧) وابن ماجه (٤١٨٣).\nوانظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٤/ ١٠٩ - ١١٠).\n(^٣) انظر: \"معالم السنن\" (٤/ ١١٠).\n(^٤) المصدر السابق: (٤/ ١١٠).","vol":"2","page":233},{"text":"هذا وقد رتب أبو سليمان الخطابي الأقوال الثلاثة على الشكل الذي أوردناه.\nوالذي نختاره هو القول الأول؛ لما يلاحظ من أن الرسول ﵊ جعل ما يفعله الإنسان من القبيح: إنما يكون نتيجة لفقدان الحياء.\nولقد جئنا بهذا القدر من الأمثلة نموذجًا لما تزخر به بطون الكتب في هذه الشريعة؛ فأكثر الأحكام - كما ذكرنا غير مرة - قائم على الطلب في أمره ونهيه، ولقد أدى علماؤنا الأمانة حين لم يألوا جهدًا في بذل المستطاع عند تفسير النصوص: ببيان مدلولات الأمر، كاشفين أثر ذلك في الأحكام، تجد ذلك في كتب الأصول والفروع وتفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنة. وقد بلغ من عنايتهم في ذلك: أن عالمًا من علماء الحديث كالبيهقي (^١) ﵀ أفرد في \"السنن الكبرى\" بابًا خاصًّا، للأمر متى يكون الوجوب ومتى يكون للندب والإرشاد ومثل ذلك كثير.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-504>المطلب الرابع ما يدل عليه الأمر المطلق في الوحدة والكثرة</span>\nيرى المتتبع لمباحث العلماء في تفسير النصوص أن مسألة هامة قد عرضت لهم في مدلول الأمر: وذلك من ناحية ما يقتضيه من الوحدة أو الكثرة. ولقد كان ذلك ميدان اختلاف في وجهات النظر، حتى تعددت المذاهب وعُنيَ كل فريق بالاستدلال على ما أراد.\n_________\n(^١) هو أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر البيهقي من أعلام الشافعية وأئمة الحديث ومفاخر الإسلام، قال الذهبي: (لو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبًا يجتهد فيه، لكان قادرًا لسعة علومه ومعرفته بالاختلاف) وقد عمل في كتبه جاهدًا لنصرة مذهب الشافعي وتأييد آرائه. صنف زهاء ألف جزء منها: \"السنن الكبرى\" و\"السنن الصغرى\" و\"دلائل النبوة\" و\"المبسوط\" و\"الجامع المصنف في شعب الإيمان\". توفي ﵀ سنة ٤٥٨ هـ.","vol":"2","page":234},{"text":"وسنعرض لأهم هذه المذاهب، ثم نأتي بأدلة كل منها، ونرجع ما نراه المختار. وبيان ذلك فيما يلي:\n١ - كان في مقدمة هذه المذاهب القول، بأن الأمر لمطلق الطلب من غير إشعار بالوحدة أو الكثرة، فهو لا يقتضي المرة، كما لا يقتضي التكرار، وعلى ذلك: فهو لا يدل على فعل المأمور به مرة واحدة بخصوصها، كما لا يدل على فعله متكررًا، وإنما يدل على ما به يحصل وجود الفعل، والمرة أقل ما يمكن أن يتحقق به هذا الوجود للفعل، فصارت من ضروريات الإتيان بالمأمور به.\nفإذا ورد الأمر في الكتاب أو السنة؛ فإن المكلف يخرج من عهدة الامتثال، بأن يأتي بما يحقق وجود ما أمر به، وأقل ما يمكن أن يحقق ذلك هو المرة، فإذا فعل المأمورَ به مرة: فقد خرج من العهدة واعتبر مؤديًا لما أمر به.\nوإتيانه بالمرة مطلوب، لا على أن الأمر يدل عليها بذاته، بل على أنها أقل ما به يمكن حصول الفحل المطلوب أداؤه.\nوبناء على هذا المذهب؛ فإن دلالة الأمر على تكرار المأمور به أحيانًا: لا تستفاد من الأمر، وإنما تستفاد من القرائن التي تحيط به؛ كأن يكون الأمر معلقًا على شرط، أو مقيدًا بوصف يعتبر الشارع كلًا منهما علة أو سببًا للمأمور به؛ وذلك كتقييد الأمر بجلد الزاني بالزنى في قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فإن الأمر يدل في هذا النص على طلب الجلد وإقامة حد الزنى وتكراره كلما وجد الزنى؛ لأن الشارع جعل الزنى علة، أو سببًا لوجوب الجلد فيتكرر بتكرره.\nوقد ذهب إلى أن الأمر لمطلق الطلب - كما يقول الشوكاني - جماعة من المحققين، واختاره الحنفية وإمام الحرمين، والآمدي، والرازي، وابن الحاجب. وهو ما نراه عند البيضاوي والسبكي الذي قال: (وأراه رأي أكثر أصحابنا).","vol":"2","page":235},{"text":"واختاره أيضًا المعتزلة وأبو الحسين البصري (^١). والمتأخرون من أئمة الزيدية، وهو أيضًا مذهب الإباضية، كما نصّ على ذلك السالمي في \"طلعة الشمس\" (^٢).\n٢ - وقال قوم: إن الأمر يقتضي المرة الواحدة لفظًا، فإذا ورد الأمر في الكتاب والسنة: فالخروج من العهدة: يكون بالإتيان بمرة واحدة؛ لأن الأمر يدل عليها بذاته.\nوالفرق بين هذا المذهب وسابقه - كما يلاحظ - أن المرة هناك لا يدل عليها الأمر بذاته، وإنما هي أقل ما به يتأدى المأمور به، أما هنا: فالمرة الواحدة بخصوصها: يدل عليها الأمر بذاته. فمدلوله هناك مطلق الطلب، ومدلوله هنا المرة الواحدة.\nوقد عزا هذا المذهب أبو إسحاق الإسفراييني إلى أكثر الشافعية وقال: (إنه مقتضى كلام الشافعي وإنه الصحيح الأشبه بمذاهب العلماء، وهو رواية عن أبي الحسين البصري).\nعلى أن ابن الحاجب لم يصرح بأصحاب هذا المذهب، وإنما عبر عنهم بالكثير، وقال العضد: (وقال كثير مثل أبي الحسين وغيره: هو للمرة ولا يحتمل التكرار) (^٣) وعزاه الشوكاني إلى أبي علي الجبائي وأبي عبد الله البصري وأبي هاشم وإلى جماعة من قدماء الحنفية (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٠) فما بعدها، \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ١٢٣) فما بعدها، \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨١)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١١)، \"نهاية السول\" للإسنوي مع \"المنهاج\" للبيضاوي (١/ ٢٦٩) على \"هامش التقرير والتحير\"، \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٢).\n(^٢) راجع: \"الفصول اللؤلؤية\" (٥٣ - ٥٤)، مخطوطة دار الكتب المصرية، \"طلعة الشمس مع الشرح\" للسالمي الإباضي (٢/ ٤٦).\n(^٣) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرح العضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨٠)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١١) \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٢).\n(^٤) راجع المصدر السابق (ص ٩٢).","vol":"2","page":236},{"text":"٣ - وقال آخرون: إن الأمر يقتضي التكرار مدة العمر مع الإمكان، إلا إذا قام دليل على خلاف ذلك: وقيدوه بالإمكان، لتخرج أزمنة ضروريات الإنسان وقضاء حاجاته، فالأمر يدل عند هؤلاء على فعل المأمور به متكررًا، فلا يكون الخروج من عهدة الامتثال إلا بذلك.\nوإليه ذهب أبو إسحاق الشيرازي، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين (^١).\n٤ - وقيل: إن الأمر يدل على المرة مع احتمال التكرار، وعزاه بعضهم إلى الشافعي (^٢). والفرق بين هذا وسابقه: أنه على المذهب الأول: يثبت التكرار من غير قرينة. أما على هذا المذهب: فلا يثبت التكرار إلا بقرينة، فالأمر هناك يوجب التكرار، وهنا يحتمله.\n٥ - ومن المذاهب في ذلك: القول بالوقف في كون صيغة الأمر لمطلق الطلب، أو للمرة، أو للتكرار؛ على اختلاف في تفسير هذا الوقف.\nفقيل: المراد منه لا ندري أوضع المرة، أو للتكرار، أو للمطلق من غير دلالة على مرة أو تكرار، وقيل: المراد أنه لا يدرى مراد المتكلم، للاشتراك اللفظي بين المعاني المذكورة، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، وجماعة، ويراه الإسنوي مذهب إمام الحرمين (^٣) - كما سيأتي -.\n\n<span data-type='title' id=toc-505>مسلك القائلين بمطلق الطلب:</span>\n١ - كان من أهم ما استدل به أصحاب هذا المذهب: أن صيغة الأمر في اللغة بهيئتها ومادتها: إنما تدل على طلب الفعل فقط، فقد أطبق أهل العربية - كما يرى ابن الهمام وغيره (^٤) - على أن هيئة الأمر لا دلالة لها إلا\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرح العضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨٢)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١١).\n(^٢) راجع: \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١١)؛ \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٢).\n(^٣) راجع: \"نهاية السول للإسنوي شرح منهاج البيضاوي\" (١/ ٢٧٠) بهامش \"التقرير والتحبير\".\n(^٤) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١١)، \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٢).","vol":"2","page":237},{"text":"على الطلب في خصوص زمان، أما خصوص المطلوب: من قيام وقعود وغيرهما فإنما هو من المادة، ولا دلالة للمادة على غير مجرد الفعل، فحصل من مجموع الهيئة والمادة في الأمر، أن تمام مدلول الصيغة هو طلب الفعل فقط، والبراءة بالخروج من عهدة الامتثال في الأمر، تحصل بفعل المأمور به مرة واحدة، لأن المرة الواحدة تحقق ما هو المطلوب بإدخاله في الوجود، لأنه لا يوجد بأقل منها.\nوبهذا يندفع ما يحتج به القائلون بالمرة - كما سيأتي - من أن الامتثال يحصل بالمرة فيكون الأمر لها.\nوإنما تندفع هذه الحجة وتصبح عديمة الجدوى؛ لأن حصول الامتثال بالمرة لا يستدعي اعتبارها جزءًا من مدلول الأمر، بل هي لازم من لوازم معناه؛ لأن ما حصل كان على تقدير الإطلاق كما عرفنا، لا على التقييد بمرة (^١).\n٢ - ومما استدلوا به - وهو ما نراه عند ابن الحاجب وغيره -: أن مدلول صيغة الأمر: طلب حقيقة الفعل، والمرة والتكرار خارجان عن حقيقته، فيجب أن تحصل البراءة من عهدة الامتثال به في أيهما وجد، ولا يتقيد بأحدهما دون الآخر.\nوقد أورد على ذلك: أنه استدلال بمحل النزاع؛ فإن نفاة كون الأمر لمطلق الطلب، منهم من يرى أن صيغة الأمر للحقيقة المقيدة بالمرة، ومنهم من يرى أنها للحقيقة المقيدة بالتكرار.\n٣ - كما استدلوا أيضًا بأن المرة والتكرار من صفات الفعل؛ كالقلة والكثرة، لأنك تقول: ضربًا قليلًا أو كثيرًا أو مكررًا، أو غير مكرر، فيقيد الفعل بصفاته المتنوعة، قال القاضي العضد: (ومن المعلوم أن الموصوف بالصفات المتقابلة لا دلالة له على خصوصية شيء منها، وإذا ثبت ذلك: فمعنى \"اضرب\" طلب ضرب فلا يدل على صفة للضرب من تكرار أو مرة).\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (٣١١ - ٣١٢).","vol":"2","page":238},{"text":"ولكن أورد على هذا أيضًا: أنه إنما يقتضي انتقاء دلالة المادة - وهي المصدر - على المرة والتكرار، والكلام في الصيغة هل هي تدل على شيء منهما أم تدل على مطلق الطلب؟ وعلى ذلك فلم لا يجوز أن تدل الصيغة على المرة والتكرار، وهو المتنازع فيه، واحتمال الصيغة لهما لا يمنع ظهور أحدهما، والمدعى إنما هو الدلالة ظاهرًا لا نصًا.\nعلى أن الإيرادين في نظرنا: ليسا من الظهور بحيث يصلح واحد منهما للقضاء على ما أورد عليه.\nفالذي نحن فيه، هو الذي يدل عليه صفة الأمر على وجه الحقيقة من الوحدة والكثرة، وقد دل استعمال اللغة أنها تدل على مطلق الطلب.\nولذا نرى القاضي العضد نفسه حين أوردهما على ابن الحاجب، أوردهما على صيغة التضعيف، حيث قال بعد أن عرض الدليلين بوضوح. (وقد يقال: دليلاك يفيدان عدم الدلالة عليهما بالمادة، فلم لا يدل عليهما بالصيغة - وهو المتنازع فيه - واحتمالهما لا يمنع ظهور أحدهما) (^١).\n٤ - ويرى الرازي أن الأمر قد ورد في نصوص الكتاب والسنة للتكرار، كما ورد للمرة، ويرد مثل ذلك في حق العباد، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل. فلا بد من جعله للقدر المشترك بين التكرار والمرة، وهو ما به يتحقق وجود المأمور به، وبناء على ذلك لا يدل على التكرار ولا على المرة الواحدة. جاء في \"المحصول\": (أن صيغة الفعل لطلب إدخال ماهية المصدر في الوجود، فوجب أن لا تدل على التكرار).\nبيان الأولى: أن المسلمين أجمعوا على أن أوامر الله تعالى منها ما جاء على التكرار كما في قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ومنها ما جاء على غير التكرار كما في الحج.\nوفي حق العباد أيضًا قد لا يفيد التكرار؛ فإن السيد إذا أمر عبده بدخول\n_________\n(^١) انظر: \"شرح العقد لمختصر المنتهى\" مع \"حاشية السعد\" (١/ ٨٢).","vol":"2","page":239},{"text":"الدار أو بشراء اللحم: لم يعقل منه التكرار، ولو ذمه السيد على ترك التكرار للامه العقلاء. ولو كرر العبد الدخول: حَسُنَ من السيد أن يلومه ويقول له: إني أمرتك بالدخول وقد دخلت فيكفي ذلك، وما أمرناك بتكرار الدخول. وقد يفيد التكرار، فإنه إذا قال: (احفظ دابتي فحفظها ثم أطلقها يذم) (^١).\nقال ﵀: (إذا ثبت هذا فنقول: الاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين، وما ذلك إلا طلب إدخال ماهية المصدر في الوجود، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يدل على التكرار، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الصورتين المختلفتين لا دلالة فيه على ما به تمتاز إحدى الصورتين عن الأخرى، لا بالوضع ولا بالالتزام. والأمر لا دلالة فيه البتة على التكرار ولا على المرة الواحدة، بل على طلب الماهية من حيث هي هي، إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة، فصارت المرة الواحدة من ضروريات المأمور به، فلا جرم دل على المرة الواحدة من هذا الوجه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-506>الاختلاف في مذهب إمام الحرمين ورأينا في الموضوع:</span>\nهذا: وقد ذكر الآمدي عن إمام المحرمين الجويني أنه من القائلين بأن الأمر المطلق لا يقتضي المرة ولا التكرار، ولكن يقتضي ما به يتحقق وجود الفعل، وقال ابن الحاجب: (صيغة الأمر بمجردها لا تدل على تكرار ولا على مرة وهو مختار الإمام) وجاء شارحه القاضي العضد ليقول: (صيغة الأمر بمجردها لا تدل على فعل المأمور به متكررًا ولا على فعله مرة واحدة\n_________\n(^١) \"المحصول\" للرازي (ح ١ ق ٢/ ١٦٣) فما بعد، \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٣).\n(^٢) راجع \"المحصول\" للرازي (ح ١ ق ٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٣)، وانظر: \"مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول\" للتلمساني (ص ١٨ - ١٩)، \"طلعة الشمس\" للسالمي (١/ ٥١).","vol":"2","page":240},{"text":"وهو مختار إمام الحرمين) (^١) والشوكاني، من المحدثين، نص على ذلك أيضًا في كتابه \"إرشاد الفصول\" غير أن الإسنوي في \"شرحه لمنهاج البيضاوي\" ينكر أن يكون إمام الحرمين من أهل هذا المذهب، وإنما هو من أهل التوقف، قال في \"نهاية السول\": (واختار إمام الحرمين التوقف، ونقل عنه ابن الحاجب المذهب الأول تبعًا للآمدي) ثم قال الإسنوي: (وليس كذلك فافهمه) (^٢).\nوأنت ترى أن الإسنوي لم يرتض ما ذهب إليه الآمدي ومن تابعه، دون أن يأتينا بما يثبت مدعاه، فقد اقتصر على نفي ما رأه الآمدي وابن الحاجب في مذهب إمام الحرمين، وقرر أن مذهبه التوقف وحضر القارئ على أن يفهم ذلك:\nونحن الآن أمام نقلين: أحدهما للآمدي وتابعه فيه ابن الحاجب والآخر للإسنوي.\nوالحق في نظرنا هو ما ذهب إليه الآمدي:\nذلك لأنا لو صرفنا النظر عن قرب صاحب \"الإحكام\" من الجويني زمنًا، وأنه قد يكون عرف من مذهبه وآرائه في تفسير النصوص ما لم يعرفه المتأخرون، ثم احتكمنا إلى كلام إمام الحرمين في \"البرهان\" - الذي هو بالنسبة إلينا مصدر كلامه حتى الآن - فستجد نص \"البرهان\" صريحًا في أن الأمر عند الجويني يقتضي ما به يتحقق وجود الفعل - وهو المرة - ولكنه يتوقف فيما وراء ذلك حتى يرد البيان.\nقال ﵀: (الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال، والمرة الواحدة لا بد منها، وأنا على الوقف في الزيادة، فلست أنفيها ولست أثبتها، والقول في ذلك يتوقف على القرينة).\n_________\n(^١) راجع \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٢٥) فما بعدها، \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد والسعد\" (٢/ ٨١ - ٨٢).\n(^٢) \"نهاية السول\" (١/ ٢٧٠) هامش \"التقرير والتحبير\".","vol":"2","page":241},{"text":"والدليل القاطع فيه: أن صيغة الأمر وجملة صيغ الألفاظ عن المصدر، والمصدر لا يقتضي استغراقًا، ولا يختص بالمرة الواحدة، والأمر استدعاء المصدر، فنزل على حكمه ووجب من ذلك القطع بالمرة الواحدة، والمتوقف فيما سواها، فإن المصدر لم يوضع للاستغراق وإنما هو صالح له لو وصف به. . . وذلك يستدعي إبانة بقرينة) (^١).\nوهكذا نرى هذا الكلام واضحًا في ثبوت ما ادعاء الآمدي عن إمام الحرمين في أن الأمر لمطلق الطلب، وأن المرة ضرورية للملك، أما توقفه فيما زاد على تلك المرة: فموضوع آخر. ولعل نقطة التوقف فيما وراء المرة التي هي ضرورية للامتثال، هي التي جلبته الالتباس للإسنوي، خصوصًا وأن إمام المحرمين معروف عنه الوقف في عدد من المواطن.\n\n<span data-type='title' id=toc-507>الخلاف حول احتمال التكرار في المذاهب:</span>\nعرفنا أن أصحاب هذا المذهب هم الحنفية وكثير من محققي المتكلمين كإمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب والرازي وغيرهم، والعلماء حين يتحدثون عن هذا المذهب والقاتلين به يتحدثون دون وضع فوارق ضمن المذهب بين الحنفية وغيرهم، غير أن هنالك أمرًا يدعونا للتساؤل، وهو احتمال التكرار الذي صرح به بعض المتكلمين كالآمدي، حين قرر أن الأمر لمطلق الطلب والمرة ضرورية لتحقق وجود المأمور به، ولكنه يحتمل التكرار، فإذا توافرت القرينة انصرف إليه (^٢).\nواستدل الآمدي على ذلك بأنه إذا قال إنسان لآخر: (صلّ أو صم) فقد أمره بإيقاع فعل الصلاة والصوم وهو مصدر (افعل) والمصدر محتمل للاستغراق والعدد، ولهذا يصح تفسيره به فإنه لو قال لزوجته: (أنت طالق\n_________\n(^١) \"البرهان\" (١/ لوحة ٤٧/ أ) مخطوط دار الكتب المصرية، نسخة مصورة.\n(^٢) قال الآمدي: (والمختار أن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال وهو معلوم قطعًا والتكرار محتمل فإن اقترن به قرينة أشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل عليه وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافية) \"الإحكام\" (٢/ ٢٢٥).","vol":"2","page":242},{"text":"ثلاثًا) وقع به ما كان تفسيرًا للمصدر وهو الطلاق، ولو اقتصر على قوله: (أنت طالق) لم يقع سوى طلقة واحدة مع احتمال اللفظ الثلاث (^١).\nهذا هو المذهب كما يراه الآمدي، ولكن ذلك لم يمنع علماء الأصول من الحنفية، من عد الآمدي وغيره، مع الحنفية القائلين بأن موجب الأمر مطلق الطلب، والمرة ضرورية للامتثال كما فعل صاحب \"مسلم الثبوت\" وغيره كصاحب \"تيسير التحرير\" وصاحب \"التقرير والتحبير\" (^٢). مع تصريح السرخسي والبزدوي وغيرهما من قبلُ: أن الأمر لا يقتضي التكرار ولا يحتمله.\nفهل من فارق بين الاتجاهين بعد التقائهما في أن الأمر لمطلق الطلب؟.\nلقد اعتبر صاحب \"مسلم الثبوت\" أن الاتجاه واحد بين الحنفية، وبين من يقول بهذا القول من المتكلمين، حيث قال في حديثه عن مذهب الحنفية: (والأمر لطلب الفعل مطلقًا عندنا فيبرأ بالمرة ويحتمل التكرار) (^٣).\nفكلام صاحب \"مسلم الثبوت\" - كما ترى - يلتقي تمام الالتقاء مع كلام الآمدي، فكلاهما يقرر ضرورة المرة للامتثال، وكلاهما يقرر احتمال التكرار.\nغير أن صاحب \"سلم الوصول إلى نهاية السول\" (^٤) في شرحه لكلام الإسنوي، أورد كلام صاحب \"مسلم الثبوت\"، واعتبر من مجانبة الصواب التسوية بين اتجاهي الحنفية والمتكلمين، وقد قال في ذلك: (فالحنفية يقولون بأن الأمر لطلب الفعل مطلقًا وأنه لا يحتمل التكرار، لأن التكرار\n_________\n(^١) انظر: \"الإحكام\" (٢/ ٢٢٥).\n(^٢) راجع: \"تيسير التحرير\" (١/ ٣٥٣) \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١١).\n(^٣) راجع: \"سلم الوصول إلى نهاية السول\" للشيخ بخيت (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n(^٤) هو الشيخ محمد بخيت بن حسين المطيعي من كبار رجال الأزهر في القرن الرابع عشر الهجري تولى إفتاء الديار المصرية سنة ١٩١٤ وتخرج على يديه كثير من العلماء، من مصنفاته: \"سلم الوصول إلى نهاية السول\"، \"إرشاد الأمة إلى أحكام أهل الذمة\". توفي ﵀ سنة ١٣٥٤ هـ.","vol":"2","page":243},{"text":"إثبات الفعل مرة بعد أخرى فهو ملزوم العدد، وقد نص صاحب \"المسلم\" نفسه بعد ذلك أنه لا يحتمل العدد عند الحنفية، وإذا لم يحتمل العدد لم يحتمل التكرار بالطريق الأولى) ثم قرر أن الفرق بين الاتجاهين: بعد اتفاق الفريقين على أن الأمر لطلب الفعل مطلقًا: أنه عند الحنفية لا يحتمل التكرار، وعند الآخرين يحتمل التكرار (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-508>رأينا في المسألة:</span>\nويبدو لي أنه ليس هناك ما يمنع من القول باحتمال التكرار، بعد الاتفاق على أن مدلول الأمر ليس هو المرة، وإنما هو ما يتحقق به وجود المأمور به. وإذ ذاك تكون دلالته على هذا القدر الذي يحصل بالمرة من طريق الحقيقة، ودلالته على ما وراء ذلك من طريق المجاز. فإذا توافرت القرينة: فيها ونعمت، وإلا اقتصر على مدلوله الأول، كما قلنا عند دلالة الأمر على الوجوب.\nوالحنفية لا يجافي قواعدَهم اعتبار أن دلالة الأمر في هذا المقام من باب الظاهر الذي يمكن تأويله بالقرينة.\nولعل ذلك هو ما دعا علماء الأصول الحنفية إلى عدم التفرقة بين الحنفية والمتكلمين في هذا المذهب (^٢)، وهو أيضًا ما دعا صاحب \"مسلَّم الثبوت\" لأن يصرح باحتمال التكرار، إذ كون الأمر يدل على العدد مثلًا عند توافر القرينة، كأن يقول لزوجته: (أنت طالق ثلاثًا) ليس معناه القول بأن مدلول الأمر هو المرة، ويحتمل التكرار كما يقول أصحاب هذا المذهب (^٣).\nعلى أن الجصاص من متقدمي علماء الأصول الحنفية، قد صرح بما\n_________\n(^١) راجع: \"سلم الوصول إلى نهاية السول\" للشيخ محمد بخيت المطيعي (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n(^٢) راجع: \"التحرير\" مع شرحه \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١١).\n(^٣) راجع: \"مسلم الثبوت\" (١/ ٣٨٤) فما بعدها.","vol":"2","page":244},{"text":"يستأنس به لما نحن فيه فقد قال في كتابه \"الأصول\": (والذي يدل عليه مذهب أصحابنا: أن الأمر يقتضي الفعل مرة واحدة ويحتمل أكثر منها، إلا أن الأظهر حمله على الأقل حتى تقوم الدلالة على إرادة أكثر منه لأن الزيادة لا تقوم إلا بدلالة) (^١).\nوقد استند في ذلك إلى فروع الأصحاب حيث قال: (والذي يدل على ذلك من مذهب أصحابنا قولهم فيمن قال لامرأته: (طلقي نفسك) أن هذا على واحدة إلا أن يريد ثلاثة فيكون ثلاثًا. . . فهذا يقتضي أن يكون مذهبهم في الأمر إذا لم يتعلق بعدد مذكور في اللفظ أنه يتناول مرة واحدة، ويحتمل أكثر منها، إلا أنه لا يحمل على الأكثر إلا بدلالة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-509>مسلك القائلين بالمرة:</span>\nكان من أهم ما استدل به أصحاب هذا المذهب: أن فعل المرة هو عنوان البراءة من عهدة الامتثال.\nوما دام الامتثال يحصل بالمرة، فمعنى ذلك أن الأمر يدل عليها، فلو قال الرجل لولده مثلًا: ادخل الدار فدخلها عد ممتثلًا عرفًا.\nوقد رأينا عند استدلالنا للمذهب الأول القائم على أن الأمر لمجرد الطلب: أن أصحاب هذا المذهب لا يعوزهم الرد على هذا الاستدلال؛ فمن المسلم به أن المرة تُخرج من عهدة الأمر، ولكن لا على اعتبارها جزءًا من مدلوله بحيث يدل عليها بذاته، بل على أنها لازم معناه، لأن أهل اللغة متفقون - كما أسلفنا - على أن تمام مدلول صيغة الأمر هو طلب الفعل، والمرة هي أقل ما به يمكن الخروج من عهدة الامتثال؛ فدلالة الأمر عليها حاصلة من هذه الناحية، لا من ناحية كونها مرة واحدة بخصوصها (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول الفقه\" للجصاص (١/ ق ١٠١/ أ) مخطوطة دار المكتب المصرية، وانظر: \"تقويم الأدلة\" للدبوسي (ص ٤٨) مخطوطة الدار أيضًا.\n(^٢) راجع: \"أصول الفقه\" للجصاص (١/ ق، ١٠١/ أ).\n(^٣) انظر ما سلف (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦) فما بعدها.","vol":"2","page":245},{"text":"ففي المثال المذكور: إنما عُد الولد ممتثلًا لأن المأمور به - وهو الحقيقة - حصل في ضمن المرة، لا لأن الأمر ظاهر في المرة بخصوصها فإنه غير ظاهر فيها، ولا في التكرار، بل في المشترك، ويحصل في ضمنهما، ولولا ذلك لما امتثل بالتكرار.\n\n<span data-type='title' id=toc-510>حول وجود مذهب المرة:</span>\nلقد علمنا من قبل أن القول بالمرة معزو إلى أكثر الشافعية، وأن أبا إسحاق الإسفراييني يرى أنه مقتضى كلام الشافعي، وأنه الصحيح الأشبه بمذاهب العظماء.\nغير أن بعض العلماء يرى أن القول بأن مقتضى الأمر مرة واحدة بخصوصها: ليس مذهبًا قائمًا بذاته، وأن الذين يعبرون بالمرة إنما يريدون ما يقوله أصحاب المذهب الأول من أن المرة ضرورية لتحقيق وجود الفعل المأمور به، فإذا عبروا بالمرة فهذا مرادهم.\nفقد نقل عبد القادر بدران في كتابه \"نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر\" لابن قدامة المقدسي، عن الواسطي أحد شراح \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب: أنه قال عند ذكره لمذهب أكثر الشافعية: (وإنما تفيد - أي صيغة الأمر - طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة، ثم لا يمكن إدخال الماهية في الموجود بأقل من مرة فوقعت المرة ضرورة) وأضاف إلى ذلك قوله: (وهو رأي أكثر أصحابنا - يعني الشافعية - وإن صرح أحد منهم باقتضاء المرة فهذا مراده) (^١).\nوالسبكي بعد أن عرض للقائلين بالمرة قال: (النَّقَلة لهذا عن أصحابنا لا يفرقون بينه وبين الرأي المختار، وليس غرضهم إلا نفي التكرار، والخروج من العهدة بالمرة) واستدل السبكي على ذلك بقوله: (ولذا لم يحك أحد منهم المذهب المختار مع حكاية هذا، فهو عندهم هو) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"نزهة الخاطر العاطر\" لبدران شرح \"روضة الناظر\" لابن قدامة (٢/ ٧٨).\n(^٢) راجع: \"جمع الجوامع\" مع \"شرح المحلى\" و\"حاشية البناني\" (١/ ٣٧٩)، \"التقرير والتحبير شرح التحرير\" (١/ ٣١١).","vol":"2","page":246},{"text":"وعلى أية حال: سواء أكان هذا القول مذهبًا قائمًا بذاته، أم كان قولًا يراد به غيره؛ فإن الاستدلال لادعاء أن مقتضى الأمر مرةٌ واحدة بخصوصها على غاية من الضعف - كما رأينا - فهو لا يقوى على الصمود أمام المذهب الذي اختاره الأكثرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-511>مسلك القائلين بالتكرار:</span>\nلقد كان أهم ما احتج به أصحاب مذهب التكرار: ما ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: \"أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا\"، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله، فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: \"لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم\" ثم قال: \"ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء، فدعوه\") (^١).\nوطريق الاحتجاج بهذا الحديث عند أصحاب هذا المذهب: أنه لو لم تكن صيغة الأمر في قوله ﵊: \"حُجوا\" ترجب التكرار لما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣٧) وفي رواية للنسائي (٢٦١٨) تصريح بأن السائل هو الأقرع بن حابس ﵁ ونص هذه الرواية: (عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قام فقال: \"إن الله كتب عليكم الحج\"، فقال: الأقرع بن حابس التيمي: كل عام يا رسول الله؟ فسكت فقال: \"لو قلت نعم لوجبت، ثم إذًا لا تسمعون ولا تطيعون، ولكنه حجة واحدة\". وقد أشار الإمام النووي إلى هذه الرواية في \"شرحه تصحيح مسلم\" حين قال: (هذا الرجل السائل هو الأقرع بن حابس كذا جاء مبينًا في غير هذه الرواية). وللنسائي أيضًا رواية أخرى باختلاف يسير عن رواية مسلم وهي: (عن أبي هريرة قال: خطب رسول الله ﷺ الناس فقال: \"إن الله ﷿ قد فرض عليكم الحج\"، فقال رجل: في كل عام؟ فسكت عنه حتى أعاده ثلاثًا، فقال: \"لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بالشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم من شيء فاجتنبوه\" \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٩/ ١٠٠)، \"النسائي بحاشية السندي على شرح السيوطي\" (٥/ ١١٠ - ١١١). وانظر ما سلف: (٢/ ٢١٩).","vol":"2","page":247},{"text":"أشكل ذلك على السائل وهو الأقرع بن حابس، مع أنه من أهل اللسان.\nقالوا: ولا يرد على ذلك أن الأقرع بن حابس، لو فهم لما سأل لأنا نقول: علم أن في حمل الأمر على موجبه من التكرار حرجًا عظيمًا، والحرج منفي في الدين يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ومن هنا جاءه الإشكال فسأل.\nهذا من جهة: ومن جهة أخرى فإن الرسول ﷺ، لمَّا لم ينكر عليه سؤاله عما ليس من محتملات اللفظ، وإنما اشتغل ببيان معنى دفع الحرج في الاكتفاء بمرة واحدة، عرفنا أن موجب هذه الصيغة (^١) التكرار.\nوهكذا: ففي استشكال الأقرع بن حابس - وهو من أهل اللسان - والنصوص عربية، وعدم إنكار النبي ﷺ، وبيانه أن في التكرار حرجًا، ودفع الحرج يكون بالمرة والواحدة في العمر، دليل على أن صيغة الأمر توجب التكرار، فيكون معنى قوله ﵊: \"لو قلت: نعم لوجبت\" لو قلت: نعم، لتقرر الوجوب كل عام، وهو المستفاد من الأمر. ويرى البزدوي في تصويره لهذا الاستدلال أنه لو لم يحتمل اللفظ، لما أشكل عليه، أي أن اللفظ عند الأقرع احتمل المرة والتكرار ولولا الاحتمال، لما أشكل عليه، والتكرار من المرة يجري مجرى العموم من الخصوص؛ فيجب القول بالعموم حتى يقوم دليل الخصوص (^٢).\nوقد أجيب عن هذه الحجة بأن الأقرع ﵁ لم يكن سؤاله لأنه فهم التكرار، وإنما كان سؤاله لما أشكل عليه من سبب الحج أهو الوقت وهو متكرر؟ فيتكرر الحج بتكرره قياسًا على سائر العبادات من الصلاة والصوم والزكاة حيث تكررت بتكرر الأوقات، أم هو البيت الحرام وهو ليس بمتكرر فلا يتكرر الحج (^٣)؟\n_________\n(^١) انظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٠).\n(^٢) انظر: \"البزدوي\" (١/ ١٢٤)، و\"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ١٢٥).\n(^٣) انظر: صدر الشريعة في \"التوضيح\" والتفتازاني في \"التلويح\" (١/ ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"2","page":248},{"text":"أما شمس الأئمة السرخسي، فقد رد عليهم بما احتجوا به حين قرر أن الحديث نفسه ناطق بنفي التكرار. ففي قوله ﵇: \"لو قلت في كل عام لوجبت\": دليل على أن الوجوب كل عام كان منوطًا بأن يقول: نعم، لا بمطلق الأمر (^١).\nويرى الإمام النووي (^٢): أن قوله ﵊: \"ذروني ما تركتكم\" ظاهر في أن الأمر لا يقتضي التكرار (^٣).\nكما يرى بعض العلماء: أن احتمال التكرار قد يكون جاء للأقرع من جهة الاشتقاق إلا من جهة الأمر، لأن الحج في اللغة قصدٌ فيه تكرر. قال الأزهري: (الحج من قولك: حججته إذا أتيته مرة بعد أخرى) وقال الخليل: (الحج كثرة القصد إلى معظّم).\nولقد نقل النووي عن الماوردي أنه قال: (ويحتمل أنه إنما احتمل التكرار عنده - يعني الأقرع - من وجه آخر، لأن الحج في اللغة قصد فيه تكرر، فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق لا من مطلق الأمر) (^٤).\nهذا: وللقائلين بالتكرار شبه أوردها العلماء وردّوا عليها، وقد حصرها الإمام الغزالي بثلاث، وأوصلها الآمدي إلى إحدى عشرة، وقد وصلت عنده إلى هذا العدد من تفصيلٍ لبعض ما أجمله الغزالي حينًا، وزيادة على ما أتى به حينًا آخر، أما ابن الحاجب: فقد أورد شيئًا من كلامهم وردَّ عليه دون أن يسميه شبهًا.\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٥).\n(^٢) هو الإمام العالم العامل المحقق يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحوراني النووي الشافعي أبو زكريا محيي الدين الذي اشتهر - مع غزارة علمه - بزهادته وصدعه بالحق. مولده ووفاته في نوا (من قرى حوران بسورية) كان علامة بالفقه والحديث والأصول والرجال وما إليها من علوم الشريعة، له كثير من المصنفات في شتى العلوم منها: \"شرح صحيح مسلم\"، \"رياض الصالحين\" \"المنهاج\"، \"المجموع\" من أوسع مراجع الفقه الشافعي \"شرح المهذب\" للشيرازي ولم يتم. \"تهذيب الأسماء واللغات\". توفي ﵁ سنة ٦٧٦ هـ.\n(^٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٩/ ١٠١).\n(^٤) وانظر: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٩/ ١٠١).","vol":"2","page":249},{"text":"الشبهة الأولى: أن قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يعم كل مشرك فقوله: \"صم وصل\" ينبغي أن يعم جميع الأزمان لأن إضافته إلى جميع الأزمان واحد كإضافة لفظ المشرك إلى جميع الأشخاص.\nوأنت ترى أنهم يريدون أن يجعلوا من قوله: \"صم وصل\" نظيرًا لقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ من ناحية شمول جميع الأزمان في الثاني، مقابلَ شمول كل مشرك في الأول.\nولم يرتض الإمام الغزالي ومن تابعه هذا التنظير، فقرروا أنه عند تسليم صيغة العموم؛ فليس \"صم وصل\" نظيرًا لقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بل نظيره أن يقال: \"صم الأيام\" و\"صل في الأوقات\" أما مجرد قوله: \"صم\": فلا يتعرض للزمان لا بعموم، ولا بخصوص، لكن الزمان من ضرورته كالمكان، ولا يجب عموم الأماكن بالفعل، وإن كان نسبة الفعل إلى كل مكان على وتيرة واحدة وكذلك الزمان (^١).\nالشبهة الثانية: أنهم أرادوا أن يقيسوا الأمر في قوله: \"صم\" على النهي في قوله: \"لا تصم\" فكما أن موجب النهي ترك الصوم أبدًا؛ فليكن موجب الأمر فعل الصوم أبدًا.\nوهذا مردود من عدة أوجه:\nأولها: أن هذا قياس في اللغات وهو باطل لأنها تثبت بالتوقيف (^٢).\nالثاني: غير مسلم أن لزوم الانتهاء مطلقًا كان بمجرد اللفظ.\nبل لو قيل للصائم: لا تصم، يجوز أن يقول: نهاني عن صوم هذا اليوم أو عن الصوم أبدًا؟ فيستفسر، بل التصريح أن يقول: لا تصم أبدًا، ولا تصم يومًا واحدًا، فإذا اقتصر على قوله: \"لا تصم\"، فأنهى يومًا واحدًا جاز أن يقال: قضى حق النهي.\n_________\n(^١) انظر: \"المستصفى\" (٢/ ٥) \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٣١)، \"مختصر المنتهى بشرح العضد وحاشية السعد\" (٢/ ٨٢).\n(^٢) انظر: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٣١)، \"مختصر المنتهى بشرح العضد وحاشية السعد\" (٢/ ٨٢)، \"إرشاد الفصول\" (ص ٩٢) السعادة.","vol":"2","page":250},{"text":"ولا يرد على ذلك: أن هناك مناهي شرعية وعرفية قد أخذت حالة الدوام؛ كعدم الزنى والسرقة، وسائر الفواحش مطلقًا؛ فهذا الدوام إنما عرف بأدلة أفادت علمًا ضروريًا، بأن الشرع يريد عدمها على الدوام وفي كل حال، لا بمجرد صيغة النهي.\nفالأدلة هي التي أفادت العلم الضروري هنا، لا مجرد صيغة النهي. قال الغزالي: (وهذا كما أنا نوجب الإيمان دائمًا لا بمجرد قوله: ﴿آمَنُوا﴾ لكن الأدلة دلت على أن دوام الإيمان مقصود) (^١).\nالثالث: أنا نفرق - ولعله الأصح - بين الأمر والنهي؛ فالأمر لا يدل على أن المأمور ينبغي أن يوجد مطلقًا، والنهي يدل على أن المنهي عنه ينبغي أن لا يوجد مطلقًا.\nوالنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم؛ فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا، ومثَّل الإمام الغزالي لهذا بمن قال في اليمين: لأفعلن؛ فإنه يبرَّ بمرة، ومن قال: لأصومن؛ صدق وعده بمرة. ومن قال: لا أصوم كان كاذبًا بصيام مرة (^٢).\nأما الآمدي: فقد فرق بينهما؛ بأن من أمر غيره أن يضرب، فقد أمره بإيقاع مصدر الأمر وهو الضرب، فإذا ضرب مرة واحدة يصبح أن يقال: وجد الضرب، وإذا قال له: لا تضرب، فمقتضاه عدم إيقاع الضرب، فإذا انتهى في بعض الأوقات دون البعض، يصح أن يقال: لم يعدم الضرب.\nومن جهة أخرى: فإن حمل الأمر على التكرار: مما يفضي إلى تعطيل الأشغال كلها، مما ينتج عنه توقف الحوائج المهمة.\nكما أنه يفضي كذلك إلى امتناع الإتيان بالمأمورات التي لا يمكن اجتماعها، بينما نرى أن حمل النهي على التكرار، لا يفضي إلى ذلك؛ إذ\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٥ - ٦) مع \"مسلم الثبوت\"، \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٢).\n(^٢) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٦ - ٧).","vol":"2","page":251},{"text":"يمكن الانتهاء عن أشياء كثيرة في حال واحدة (^١).\nهذا وقد سار ابن حزم من قبل في هذه الطريق، فقرر أن ترك المرء أفعالًا كثيرة في وقت واحد موجود واجب، وفعلُه بخلاف ذلك، بل إن المرء في حال نومه وأكله وصلاته ونظره في أسبابه: تارك لكل ما نهي عن تركه إن أراد الترك، وليس الأمر كذلك، بل لا يقدر على أداء أكثر الأوامر في الأحوال التي ذكرنا.\nوإذا كان النهي أمرًا بالترك: فإن الترك ممكن لكل أحد، وليس يمتنع الترك على مخلوق. أما الفعل: فهو بخلاف ذلك؛ فمنه الممكن ومنه ما لا يقدر عليه (^٢).\nالشبهة الثالثة: أن أوامر الشارع في الصوم والصلاة والزكاة، حملت على التكوير، فدل ذلك على أن الأمر موضوع له.\nوأجيب من ذلك بأن التكرار إنما استفيد من أدلة أخرى لا من ظاهر الأمر، وإلا كان ما حمل من الأوامر على المرة الواحدة؛ كالحج ونحوه مستفادًا من ظاهر الأمر، ويلزم من ذلك إما التناقض، أو اعتقاد الظهور في أحد الأمرين دون الآخر من غير أولوية، وهو محال.\nوقد حمل الأمر في الحج على المرة الواحدة، وإذن فليدلَّ على أنه موضوع له، فإن كان هذا الأمر بالدليل، كما هو واضح في حديث الأقرع بن حابس، فكذلك الأوامر الأخرى بالصلاة والزكاة والصوم، حملت على التكرار بأدلة وقرائن (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-512>الزنجاني ونسبة المذهب إلى الشافعي نفسه:</span>\nمر بنا عند الحديث عن مذهب اقتضاء الأمر للتكرار، أن ممن قال به أبو إسحاق الشيرازي وأبو إسحاق الإسفراييني، وجماعة من الفقهاء\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٣١).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٧٣) فما بعدها.\n(^٣) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٧)، \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٣٠).","vol":"2","page":252},{"text":"والمتكلمين، ولم نر فيمن نقلنا عنهم نسبةَ المذاهب إلى أصحابها: من نَسب هذا المذهب إلى الشافعي ﵀ بالذات.\nغير أن أبا المناقب الزنجاني أحد أئمة الشافعية في القرن السابع الهجري، تفرد بذلك في كتابه \"تخريج الفروع على الأصول\" حيث قرر بكل وضوح: أن الأمر المطلق عند الشافعي يقتضي التكرار (^١).\nوقد وضع في مقابل ذلك مذهب عدم التكرار الذي ذهب إليه الحنفية - كما يقول - ثم احتج لكل من المذهبين، وعلى طريقته لم ينتصر لأحدهما على الآخر (^٢) وبنى على ذلك عددًا من الفروع.\nولتفرده فيما جنح إليه من نسبة المذهب إلى الشافعي بالذات، نرى من الأفضل أن نثبت نص كلامه. قال ﵀ (ذهب الشافعي ﵁ إلى أن مطلق الأمر يقتضي التكرار، وإليه ذهب طائفة من العلماء) ....\nواحتج في ذلك بأن قول القائل: \"افعل\"، أمر بإيجاد جنس الفعل، فإنه لو صرح بذلك وقال: \"أوجد الضرب\" كان ذلك صحيحًا، واسم الجنس يقتضي الاستغراق، وهذا المعنى لا يُثنى ولا يجمع، فيتناول أعدادًا من الفعل لا نهاية لها؛ فإن الجنس متناول للوجود الكائن، والذي يكاد أن سيكون إلى قيام الساعة.\nفلا جرم نقول: يجب عليه إثبات ما قدر عليه، فإن عجز مسقط، لا لأنه من مقتضى الصبغة بل لعجزه.\nثم قال: وذهب الحنفية إلى أنه لا يقتضي التكرار.\n_________\n(^١) راجع: \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني بتحقيق المؤلف (ص ٢٢ - ٢٤).\n(^٢) لم يكن هم الزنجاني في كتابه نصر مذهب على مذهب وإنما كان همه بيان المنهج الذي انتظم بناء الفروع على الأصول عند الحنفية والشافعية، ومع أنه شافعي المذهب تراه في عرضه الأصل المختلف عليه، والأحكام التي تفرعت عنه على غاية من التجرد. وانظر إيضاحنا لهذه النقطة في مقدمتنا لتحقيق الكتاب \"تخريج الفروع على الأصول\": (ص ٢٠) فما بعد.","vol":"2","page":253},{"text":"واحتجوا في ذلك بأن التكرار معنى زائد من الفعل، لأن مقتضى قوله: \"افعل\" أن يفعل ما يصير به فاعلًا، وهو بالمرة الواحدة يصير فاعلًا على الحقيقة، فمدعي الزيادة يحتاج إلى دليل) (^١).\nوإذا تركنا للزنجاني أمر نسبة هذا المذهب إلى الشافعي نفسه، فإنا مع القائلين بنفي اقتضاء التكرار عن صيغة الأمر المطلق، لما رأينا سابقًا من أدلة ذلك ولما ذكر هو دليلًا للحنفية في الموضوع. ولهذا الرأي مزيد من البيان نأتي إليه قريبًا إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-513>مسلك القائلين بالمرة مع احتمال التكرار:</span>\nلقد أورد فخر الإسلام البزدوي سؤال الأقرع بن حابس الذي استدل به القائلون بالتكرار دليلًا لاحتمال التكرار؛ حيث قرر هؤلاء أنه لو لم يحتمل اللفظ في قوله ﵇: \"حجوا\" لما أشكل ذلك على الأقرع؛ فاحتمال\n_________\n(^١) ثم رتب على ذلك عددًا من الأحكام فقال: (ويتفرع عن هذا الأصل مسائل:\nمنها: أنه لا يجمع بين فريضتين بتيمم واحد عند الشافعي، لأن مقتضى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] أن كل قائم إلى الصلاة يؤمر بالغسل بالماء إن قدر وبالمسح بالتراب إن عجز، والمتيمم في المكتوبة الثانية قاتم إلى الصلاة مأمور بالغسل إن قدر، فليكن مأمورًا بالمسح إن عجز. هذا ما يقتضيه ظاهر اللفظ أن يستثنى منه ما يقوم الدليل عليه، وعلى هذا لا يجوز فعل النوافل على وجهه.\nومنها: أنه لا يجوز التيمم لفريضة قبل دخول وقتها عند الشافعي، لأنه أمر بالغسل عند القيام إلى الصلاة، والأمر عام، غير أنه ترك العمل به في الوضوء لدليل، وهو أنه صار مقصودًا في نفسه، حتى تعبدنا فيه بالتكرار والتجديد، بخلاف التيمم فيبقى على مقتضى الصيغة.\nوعنده - يعني أبا حنيفة - يجوز: لما ذكرناه).\nانظر: (ص ٢٣) من \"تخريج الفروع على الأصول\" وراجع معها: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٧٥)، \"مفتاح الوصول\" للتلمساني (ص ١٩).","vol":"2","page":254},{"text":"التكرار هو الذي دعا هذا الصحابي - وهو من أهل اللسان - أن يستفهم من الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن التكرار.\nولكن يرد على هذا الاستدلال أن كون الأمر ظاهرًا في المرة، لا يستلزم كون السؤال في محل الحاجة؛ لجواز العمل بما كان الأمر ظاهرًا فيه - وهو المرة - دون الحاجة إلى الاستخبار عن الاحتمال المرجوح وهو التكرار.\nوهذا بخلاف ما لو كان مراد المتكلم خفيًا على السامع، فإن السؤال حينئذ يكون في محل الحاجة.\nثم يقال هنا أيضًا ما قاله الأكثرون في رد وجوب التكرار: من أن الإشكال عند الأقرع، قد يكون مرده سبب الحج؛ فإذا كان السبب هو الوقت، فمعنى ذلك أن الحج مطلوب على التكرار، قياسًا على الصلاة والصوم وغيرهما، وإذا كان السبب هو البيت، فالمحج غير مطلوب على التكرار؛ لأن البيت لا يتكرر.\nومن هنا يكون ما نُفي به وجوب التكرار، صالحًا لنفي احتمال التكرار بعد المرة (^١).\nوهكذا يُرى أن الاستدلال على أن الأمر للمرة مع احتمال التكرار - بحديث الأقرع بن حابس - لم يسلم لأصحابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-514>حول نسبة المذهب إلى الشافعي:</span>\nدرج أكثر علماء الأصول من الحنفية على نسبة هذا المذهب إلى الإمام الشافعي ﵀، فتراهم يوردون القول باحتمال التكرار في مقابل القول بوجوبه، مع الاستدلال له، والرد على هذا الاستدلال أو تركه ثم إقامة الدليل على المذهب المختار.\nفالبزدوي يعرض لمذهب احتمال التكرار ويقول: (وهو قول الشافعي) (^٢)\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ١٣٥). وانظر ما سلف (ص ٢٥٤)، الزنجاني (ص ٣٣)، ابن حزم (٣/ ٧٥)، \"مفتاح الوصول\" التلمساني (ص ١٩).\n(^٢) \"أصول البزدوي\" (١/ ١٢٥) مع \"كشف الأسرار\".","vol":"2","page":255},{"text":"ويقول السرخسي في معرض تعداده للمذاهب: (وقال الشافعي: مطلقة لا يوجب التكرار لكن يحتمله) (^١).\nوتابعهما في ذلك من بعدهم من المؤلفين، فترى صدر الشريعة مثلًا يقول: (وعند الشافعي ﵀ يحتمله) (^٢) وقد مشى على ذلك بعض المحدثين وأكد صحة ما ذهب إليه بقوله: (هكذا هو منقول في المحررات) (^٣).\nإلا أن فريقًا آخر منهم صرح بنفي ذلك، فقد نقل عبد العزيز البخاري في \"كشف الأسرار\" عن أبي اليسر قوله: (الأمر بالفعل لا يقتضي التكرار ولا يحتمله معلقًا كان أو مطلقًا وهو قول مالك والشافعي وعامة الفقهاء) (^٤) وعند قول النسفي في \"المنار\": (وقال الشافعي يحتمله) قال عزمي زاده في حاشيته: (وإن كان لا يوجبه، يعني التكرار، وهذا رواية عن الشافعي ﵀، والصحيح أن مذهبه كمذهبنا كذا في فصول البدائع) (^٥).\nهذا ما نراه عند أصوليي الحنفية في نسبة المذهب إلى الإمام محمد بن إدريس.\nوإذا توجهنا شطر الذين كتبوا على طريقة المتكلمين رأيناهم لا ينسبون ذلك إليه (^٦). إلا أن الشوكاني ﵀ ذكر أن المذهب مروي عن الشافعي،\n_________\n(^١) \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٠).\n(^٢) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٥٨)، وانظر: \"ابن ملك في شرحه لمنار النسفي \" (١/ ١٣٧) مع حواشي ابن الحلبي وعزمي زاده والرهاوي.\n(^٣) راجع: \"الوسيط في أصول فقه الحنفية\" للشيخ أحمد فهمي أبو سنة.\n(^٤) \"كشف الأسرار\" (١/ ١٣٣).\n(^٥) راجع: \"المنار مع شرحه لابن ملك وحواشيه\" (١/ ١٣٧).\n(^٦) راجع على سبيل المثال \"اللمع\" للشيرازي (ص ٨)، \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٢ - ٤)، \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٢٥) فما بعدها، \"مختصر المنتهي\" لابن الحاجب و\"شرحه للعضد\" (٢/ ٨١ - ٨٢) مع \"حاشية السعد\"، \"المنهاج البيضاوي وشرحه للإسنوي\" (٢/ ٤٣) مع البدخشي، \"جميح الجوامع\" للسبكي و\"شرحه للمحلي\" مع \"حاشية البناني\" (٢/ ٣٩٧).","vol":"2","page":256},{"text":"دون أن يقفنا على من رواه عنه. جاء في \"إرشاد الفحول\": (وقيل: إنها - أي صيغة الأمر - للمرة وتحتمل التكرار، وهذا مروي عن الشافعي) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-515>رأينا في المسألة:</span>\nعلى أن الشافعي لم يفرد الأمر بابًا خاصًّا في الرسالة لنجد فيه ما يدل عليه الأمر من وحدة وكثرة، وإنما جام الحديث عن الأمر فيما ذكره تحت باب \"فرض الله طاعة رسوله مقرونة بطاعة الله، ومذكورة وحدها\" (^٢) وما ذكره تحت باب \"ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحى إليه\" (^٣) مما يفهم منه أن الأمر في الأصل للوجوب، أما ما نحن فيه من تكرار واجب، أو محتمل: فلم يعرض له.\nويبدو إلى جانب ذلك: أن الأصوليين من المتكلمين لم يجدوا في الأحكام التي استنبطها الشافعي من النصوص، ما يدل على جنوحه إلى هذا المذهب، ولذلك لم ينسبوه إليه.\nوقد يكون من الواضح أن إمكان الالتباس واقع بين القول بأن صيغة الأمر لمطلق الطلب مع احتمال التكرار، وبين القول بأن صيغة الأمر تدل على المرة مع احتمال التكرار، خصوصًا إذا وضعنا في الحسبان ما جنح إليه المواسطي أحد شراح \"مختصر المنتهى\" والسبكي - كما مر سابقًا (^٤) - من أن القائلين بالمرة من الشافعية إنما يعنون القول المختار - وهو أن الأمر يدل على مطلق الطلب، وأقلُّ ما يتحقق به هو المرة.\nهذا: مع العلم أن القول بالمرة، يراه أبو إسحاق الإسفراييني مقتضى كلام الشافعي كما أسلفنا ذلك من قبل (^٥).\n_________\n(^١) \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٢).\n(^٢) راجع: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص ٧٩).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٨٥).\n(^٤) انظر ما سلف: (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦).\n(^٥) انظر ما سلف: (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"2","page":257},{"text":"نقول هذا كله غير ناسين أن من المتفق عليه بين الفريقين - إذا كان هنالك فريقان - أنه إذا توافرت القرينة التي تدل على التكرار، وكانت من القوة بحيث يمكن بها التحويل عن الظاهر إلى المحتمل، كان لا بد من السير مع ما دلت عليه تلك القرينة من التكرار، وعدم الاكتفاء بالمرة للخروج من العهدة، سواء أكان ذلك من جهة أن المرة أقل ما به يتحقق وجود المأمور به في الأصل، أم من جهة أنها مدلول عليها بخصوصها في صيغة الأمر.\n\n<span data-type='title' id=toc-516>مسلك القائلين بالوقف:</span>\nمر بنا أن القاتلين بالوقف يتوقفون في كون صيغة الأمر، هي لمطلق الطلب، أو للمرة، أو للتكرار.\nوقد استدلوا على مذهبهم بما استدلوا به للتوقف في كون صيغة الأمر المطلق للوجوب، أو لغيره.\nفإذا كانوا هنالك ينفون قيام دليل على أن مدلول الأمر هو الوجوب أو غيره؛ فإنهم هنا ينفون قيام دليل على أن مدلول الأمر من ناحية الموحدة والكثرة، هو واحد من الثلاثة التي هي مطلق الطلب، والمرة، والتكرار.\nوذلك لأن الدليل على استعمالها في هذا الواحد، دون غيره أما أن يقوم من طريق العقل، أو من طريق النقل، والعقل الصرف لا مدخل له في هذه الأمور، فلم يبق غير النقل.\nفإما أن يقوم الدليل من طريق الآحاد، أو من طريق التواتر.\nفإذا قام من طريق الآحاد: فهو غير مقبول، إذ الآحاد لا تفيد العلم، وهو المطلوب في هذه المسألة التي نحن بصددها.\nأما التواتر: فلو حصل، لم يكن خلاف؛ لأنه يوجب استواء طبقات الباحثين فيه، إذ لا بد للكل من الاطلاع عليه لبذلهم جهدهم في طلبه، ولكن الاختلاف ثابت، ومعنى ذلك أن التواتر لم يقع.","vol":"2","page":258},{"text":"ويجاب عن ذلك بأن الظن كاف في مثل هذه الأمور، وإلا لتعطل العمل بكثير من الظواهر (^١). وقد رأينا عند الاستدلال للمذهب الأول إطباق أهل العربية على أن الأمر لمطلق الطلب، وما وراء ذلك يثبت بالقرينة، فلا داعي للتوقف (^٢).\nوقد توسط إمام الحرمين بين الأكثرين أهل المذهب الأول. والواقفية فتوقف فيما وراء المرة التي هي أقل ما يحقق وجود المأمور به، وشارك أولئك بأن الأمر المطلق الطلب، وقد رأينا في كلامه من قبل ما ينفي ادعاء الإسنوي أن صاحب \"البرهان\" من الواقفية الذين يدور الحديث معهم في هذه النقطة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-517>رأينا في دلالة الأمر من ناحية الوحدة والكثرة:</span>\nهذا: وبعد الذي رأينا من أدلة المذاهب سنختار ما درج عليه الأكثرون والذي يعبر عنه بالمذهب بالمختار وهو الدلالة على مطلق الطلب.\nفهو المذهب الذي يحدد مدلول صيغة الأمر المطلق في الوحدة والكثرة، في ضوء مفهومات العربية التي بها نزل الكتاب.\nوغير خاف أن في حمل الأمر على التكرار: تفسيرًا للغة بما يرجع إلى المشقة والتعذر، كما قرر الإمام ابن حزم.\nوالرسول صلوات الله وسلامه عليه حين ذكر النهي، أمرنا أن تجتنب ما نهانا عنه.\nوفي معرض المأمورات، أمرنا أن نفعل مما أمرنا به، ما استطعنا، ولم\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨٣)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١٣).\n(^٢) انظر ما سلف (٢/ ٢٢٢) فما بعدها.\n(^٣) انظر ما سلف (٢/ ٢٤٠).","vol":"2","page":259},{"text":"يقل ﵊: \"فأتوه ما استطعتم\" وكان حينئذ يلزم التكرار وإنما جاء (بمن) التي تفيد التبعيض وقال: فأتوا منه ما استطعتم\".\nومن أدى من الأمر ما استطاع: فقد فعل ما أمر به، ومن فعل ما أمر به: فقد سقط عنه موجَب الأمر.\nوفي هذا بُعد عن التكليف بما لا يطاق، الذي يلزم من حمل صيغة الأمر على التكرار (^١).\nقال ابن حزم: (والقول بالتكرار باطل، لأنه تكليف ما لا يطاق، أو القول بلا برهان، وكلاهما باطل، لأننا نسألهم - يعني أهل المذهب - عن تكرار الأوامر المختلفة، وبعضها يقطع عن فعل بعض، فلا بد ضرورة من ترك جميعها إلا واحدًا، فأيها هو الواجب؟ وهذا هو القول بلا برهان. وكل ما كان كذلك فهو باطل بلا شك (^٢).\nوهكذا يرجح في نظرنا أن الأمر المطلق، يدل على مجرد الطلب دون إشعار بالوحدة أو الكثرة، ويتحقق ذلك بمرة واحدة، فإذا قامت قرينة تشعر بإرادة التكرار جنحنا إليه، لهذه القرينة، وإلا اقتصرنا عند تفسير النص على أقل ما يتحقق به وجود المأمور به.\nمثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [للبقرة: ١٨٥] (^٣) فقد دل الأمر في هذا النص على التكرار، ولم يكن ذلك من ذات الأمر، وإنما كان من تعليق هذا الأمر - وهو طلب الصوم - على شرط متكرر وهو شهود الشهر، فعلى المكلف كلما شهد الشهر أن يصوم، ولا يخرج عن عهدة الامتثال إلا بذلك. وقد أشرنا من قبل إلى وجوب إقامة حد الزنى وتكراره كلما وجد الزنى، لأن الشارع قيد الأمر بجلد الزاني بالرني إذ جعله\n_________\n(^١) انظر: \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (٣/ ٧٥).\n(^٢) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (٣/ ٧٥).\n(^٣) راجع: \"أصول الفقه\" للشيخ زكريا البرديسي (ص ٤١٨).","vol":"2","page":260},{"text":"سببًا أو علة لوجوب الجلد، ومن هنا جاء التكرار، لا من كون الأمر يدل على التكرار.\nوهكذا: فالأصل في مدلول الأمر مطلق الطلب، وما وراء ذلك لا بد لثبوته من القرينة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-518>المطلب الخامس دلالة الأمر المعلق بشرط أو المقيد بصفة من ناحية الوحدة والكثرة</span>\nهناك اتفاق على أن مسألة الأمر المعلق بشرط، أو المقيد بصفة: لا تَرِدُ إلا عند القائلين بأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار.\nأما عند أولئك القائلين بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار: فإن اقتضاء المعلق بشرط، أو المقيد بصفة للتكرار: كائن عندهم بالأولى.\nوسنعرض للمسألة لنراها عند كل من الحنفية والمتكلمين فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-519>أولًا: عند الحنفية:</span>\nنسب إلى بعض العلماء من الحنفية القول بأن الأمر إذا علق بشرط أو قيد بصفة: يقتضي التكرار.\n١ - واحتجوا بنصوص من الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].\nففي النص الأول: قيد الأمر بالطهارة، بكونه عند تحقق وصف الجنابة؛ فهو يتكرر بتكرر الجنابة المتعلقة به.\nوفي النص الثاني: قيد الأمر بالصلاة، بتحقق وصف دلوك الشمس، فهو يتكرر بتكرر الدلوك لتقييده به.","vol":"2","page":261},{"text":"٢ - واحتجوا أيضًا بأن الشرط كالعلة؛ فإنه إذا وجد الشرط وجد المشروط، كما أنه إذا وجدت العلة وجد المعلول، ثم لا خلاف أن الأمر المتعلق بالعلة يتكرر بتكررها، فكذا المتعلق بالشرط (^١).\nوقد نسب البزدوي هذا المذهب - في خلال عرضه للمذاهب - إلى بعض مشايخ الحنفية (^٢) وتابعه في ذلك من تابعه من المصنفين (^٣) ونسبه السعد التفتازاني إلى الدبوسي (^٤). غير أن شمس الأئمة السرخسي، بعد أن جاء على ذكر المذهب قال في موضع آخر: (والصحيح عندي أن هذا ليس بمذهب علمائنا ﵏ (^٥).\nويفهم من كلام السرخي الذي نراه، أنه ما دام العلماء الذين يعنيهم لم يقولوا باقتضاء التكرار في الأمر المطلق: فهم - أو فريق منهم - لا يقولون بالتكرار أيضًا، ولو كان الأمر معلقًا بشرط أو مقيدًا بوصف؛ إذ إن المعلق بالشرط يكون عند وجود الشرط كالمنجز (^٦).\nثم إن السرخسي بعد أن نفي المذهب من علماء الحنفية، أيّد رأيه بمسألة من مسائل الفقه، ثم قرر أن النصوص التي يوردها أصحاب هذا المذهب، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] إنما جاء التكرار من تجدد السبب\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٢٤).\n(^٢) قال ﵀: (وقال بعض مشايخنا: لا يوجبه ولا يحتمله - يعني التكرار - إلا أن يكون معلقًا بشرط أو مخصوصًا بوصف: \"أصول المبزدوي\" (١/ ١٢٢)، و\"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ١٢٤)، وانظر: \"التحرير\" و\"شرحه التيسير\" (١/ ٣٥١) فما بعدها.\n(^٣) انظر مثلًا: \"التوضيح\" (١/ ١٥٨)، و\"المنار وحواشيه\" (١/ ١٣٨)، و\"مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول\" (١/ ١٨٩).\n(^٤) راجع: \"التلويح\" (١/ ١٥٩).\n(^٥) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢١ - ٢٢).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (١/ ٢١) فما بعدها.","vol":"2","page":262},{"text":"الذي جمله الشرع موجبًا للحكم (^١).\nففي قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ جعل الدلوك وهو زوال الشمس (^٢) سببًا موجبًا للصلاة؛ فكلما دلكت الشمس: وجبت الصلاة، فلم يتجدد وجوب الصلاة من التقييد بالوصف، وإنما تجدد بتجدد السبب وهو الدلوك.\nوهكذا ارتبط الأمر هنا بالزمان المتكرر، وهو السبب، فتكرر بتكرره (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-520>موقف صاحب \"المرآة\" ورأينا في المسألة:</span>\nعلى أن بعض المتأخرين - وهو صاحب \"المرآة\". أورد على القول\n_________\n(^١) قال ﵀: (فإن من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، لم تطلق بهذا اللفظ إلا مرة، وإن تكرر منها الدخول لم تطلق إلا واحدة وإن نوى أكثر من ذلك، وهذا لأن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز. وهذه الصيغة لا تحتمل العدد والتكرار عند التنجيز فكذلك عند التعليق بالشرط إذا وجد الشرط. وإذا اعتبرنا التعليق بالشرط معدوم الأثر كالمنجز، فالتكرار في النصوص التي يوردها أصحاب المذهب من مثل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] و﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الخ إنما كان من تجدد السبب المقتضي لتجدد المسبب لا من مطلق الأمر أو المعلق بشرط أو المقيد يوصف؛ فلا أثر للتعليق بالشرط أو التقييد بالموصف في التكرار، وإنما جاء التكرار من تجدد السبب الذي جعله الشرع موجبًا له) \"الأصول\" (١/ ٢١ - ٢٢).\n(^٢) للدلوك معنيان: الغروب والزوال، جاء في \"الكشاف\" للزمخشري: (دلكت الشمس: غربت. وقيل زالت. وروي عن النبي ﷺ: \"أتاني جبريل ﵇ لدلوك الشمس حين زالت الشمس. فصلى بي الظهر\". واشتقاقه من الدلك. لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس. وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر) \"الكشاف\" (٢/ ٥٣٥).\n(^٣) وهذا هو الجواب في نظر السرخسي عن كل ما يستدل به أصحاب هذا المذهب من نصوص العبادات أو المعاملات أو العقوبات التي فيها تعليق يشرط أو تقييد بوصف، وكل ما كان من تكرار فهو ناشئ من تجدد الأسباب لا من التعليق أو التقييد. والأقرع بن حابس لما أشكل عليه حكم الحج فسأل جاءه الإشكال من احتمال أن يكون سبب الحج هو الوقت، أو ما هو غير متكرر وهو البيت، والوقت شرط الأداء وفي قوله ﵊: \"بل مرة\" جوابًا للأقرع: بيان أن السبب الموجب بجعل الشرع إياه إنما هو البيت) \"أصول السرخسي\" (١/ ٢١ - ٢٢).","vol":"2","page":263},{"text":"بتكرار الحكم بتجدد السبب (أن أداء العبادات كالصوم والصلاة مثلًا واجب على سبيل التكرار فلا يخلو: إما أن يكون مضافًا إلى الأسباب أو إلى الأوامر. وإضافة هذا الوجوب إلى الأسباب باطل؛ لأن وجوب الأداء لا يضاف إلى السبب؛ فتعين الثاني وهو الإضافة إلى الأوامر. وأجيب عن هذا الإيراد، بأن المراد هاهنا العلل، لا الأسباب المحضة كما ظن. وكثيرًا ما يطلق السبب على العلة، ولا شك أن تكرار العلة يستلزم تكرار المعلول) (^١).\nغير أن صاحب \"المرآة\" لم يعجبه هذا الجواب، ورأى أن القول بأن المراد بالأسباب العلل لا يدفع الإشكال، وأن الأفضل بقاء إضافة التكرار إلى الأمر؛ بأن يعتبر متوجهًا في أول الوقت في الصوم، وفي آخره في الصلاة بحيث يتكرر الوقت يتكرر توجه الأمر، ويتكرر توجهه يتكرر وجوب الأداء.\nقال ﵀: (لأن حاصله - أي السبب المتجدد في الصوم والصلاة - هو الوقت. ووجوب الأداء المكرر لا يضاف إلى الوقت حتى يكون تكرره بتكرره، وإنما يضاف إلى الأمر وهو ليس بمتكرر، فتعين اقتضاؤه التكرار. ولا يدفعه العدول عن تسمية الوقت سببًا إلى تسميته علة. فالصواب في الجواب: أن يختار إضافة تكرار وجوب الأداء إلى الأمر، لا بمعنى أن الأمر الواحد يدل على التكرار ويحتمله، بل بمعنى أن الأمر يعتبر متوجهًا في أول الوقت في الصوم وآخره في الصلاة، فيتكرر الوقت بتكرر توجه الأمر، ويتكرر توجهه يتكرر وجوب الأداء) (^٢).\nونحن لا نوافق صاحب \"المرآة\" في تحوله عن رد التكرار إلى تجدد الأسباب، حين يراد بها العلل، غير أنا نضيف ما يراه الإمام الغزالي أن العلة - حتى الشرعية - ليست لوحدها عامل التكرار، وإنما معها قرينة التعبد؛ إذ نحن متعبدون شرعًا بالعلل. فتكرر العلة يستلزم تكرار المعلول، والعلة معتبرة شرعًا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"المرآة\" (١/ ١٨٩ - ١٩٠).\n(^٢) \"المرآة\" (١/ ١٩٠).\n(^٣) راجع: \"المستصفى \" (٢/ ٨).","vol":"2","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-521>ثمرة الاختلاف:</span>\nوقد أورد صدر الشريعة في \"التوضيح\" مسألة بناها على أصلهم تُظهر ثمرة الخلاف بين القائلين بعدم التكرار - حتى عند التعليق، أو التقييد - وبين أرباب هذا المذهب.\nوالمسألة هي: إن دخلت الدار فطلقي نفسك، فعلى مذهب هؤلاء: ينبغي أن يثبت التكرار. قال: (وإنما قلت: ينبغي؛ لأنه لا رواية عن هؤلاء في هذه المسألة، لكن بناء على أصلهم وهو أنه يوجب التكرار إذا كان معلقًا بشرط، يجب أن يثبت التكرار عندهم).\nولو رجعنا إلى كلامه عنهم عند عرض مذهبهم، لرأيناه يعبر بالاحتمال حيث يقول: (وعند بعض علمائنا: لا يحتمل التكرار إلا أن يكون معلقًا بشرط أو مخصوصًا بوصف) بينما عبر بالوجوب عند عرضه للمسألة التي بناها على أصلهم (^١). ولقد أصرَّ التفتازاني على أن المذهب عند القائلين به هو وجوب التكرار، وذلك حين كشف في \"التلويح\" عن تناقض الكلام عند صدر الشريعة الذي أثبت الاحتمال عند نسبة المذهب إلى بعض العلماء، ثم اعترف بالوجوب، حين أتى بالمسألة الفقهية المذكورة (^٢).\nومن هنا ترى أن هذا المذهب، يقوم على وجوب التكرار عند التعليق أو التقييد، حتى لا ينتفي إلا بدليل، وهذا غير الاحتمال، وإنما يظهر أثر ذلك عند تفريع الأحكام.\n_________\n(^١) انظر: \"التلويح للتفتازاني\" على التوضيح تصدر الشريعة\" (١/ ١٥٩).\n(^٢) قال السعد التفتازاني: (وظاهر عبارة المصنف رحمه الله تعالى - يعني صدر الشريعة - أن المعلق بالشرط أن الوصف يحتمل التكرار. والحق أنه يوجبه على هذا المذهب حتى لا ينتفي إلا بدليل كما صرح به المصنف ﵀ في مسألة إن دخلت الدار فطلقي نفسك ولهذا عبر في التقويم عن هذا المذهب أن المطلق لا يقتضي تكرارًا لكن المعلق بشرط أو المقيد بوصف يتكرر بتكرره) \"التلويح\" (١/ ١٥٨ - ١٠٩).","vol":"2","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-522>ثانيًا: عند المتكلمين:</span>\nوالآن نسير مع طريقة المتكلمين لنرى كيف اتجهوا في هذه المسألة.\n\n<span data-type='title' id=toc-523>مسلك الشيرازي:</span>\nيرى أبو إسحاق الشيرازي أن الأمر المعلق بالشرط لا يقتضي التكرار، فتراه بعد أن أورد الرأيين في الموضوع؛ رأيَ القائلين بالتكرار، ورأيَ القائلين بعدمه: قرر أن القول بعدم التكرار هو الأصح.\nوقام احتجاجه لما ذهب إليه، على التنظير بين الأمر المعلق والأمر المتجز؛ فما دام المنجز لا يقتضي تكرارًا، فالمعلق كذلك؛ إذ إنه لا فرق بينهما في نظره، فلا فرق بين قول الرجل لزوجته: أنت طالق، وبين قوله: إذا زالت الشمس فأنت طالق (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-524>مسلك الغزالي:</span>\nأما الإمام الغزالي: فقد عرض لنا ما قررناه في مقدمة البحث، من أن مسألة التكرار بالأمر المعلق، إنما ترد عند القائلين بأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، والذين انقسموا في الأمر المضاف إلى الشرط إلى فريقين فقال قوم: لا أثر للإضافة وقال آخرون: يتكرر بتكرر الشرط.\nوالمختار عنده أنه لا أثر للشرط. ويوافق الشيرازي في الاحتجاج فيقول: (لأن قوله: أضربه أمر ليس يقتضي التكرار فقوله: اضربه إن كان قائمًا، أو إذا كان قائمًا، لا يقتضيه أيضًا، بل لا يريد إلا اختصاص الضرب الذي يقتضيه الإطلاق بحالة القيام وهو كقوله لوكيله: طلق زوجتي إن دخلت الدار، لا يقتضي التكرار بتكرار الدخول، بل لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، لم يتكرر بتكرر الدخول إلا أن يقول: كلما دخلت الدار).\n_________\n(^١) قال ﵀: (لأن كل ما لا يقتضي التكرار إذا كان مطلقًا لم يقتض التكرار إذا كان بالشرط؛ كالطلاق، لا فرق بين أن يقول: أنت طالق، وبين أن يقول: إذا زالت الشمس فأنت طالق) \"اللمع\" (ص ٨).","vol":"2","page":266},{"text":"ولا يقتصر الغزالي على هذه الأمثلة بل يرى أن مثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله ﷺ: \"إذا زالت الشمس فصل\" وقول الرجل لزوجاته: من شهدت منكن الشهر فهي طالق، ومن زالت عليها الشمس فهي طالق (^١).\nوفي النصوص التي يرى فيها الأمر مقتضيًا للتكرار، يكون مرد التكرار عند الغزالي إلى الدليل الجديد، لا إلى التعليق نفسه سواء أقيلَ: إن الشرط كالعلة، والحكم يتكرر بتكرار العلة، أم قيل إن التكرار كان بالأسباب.\nفالقائلون برد التكرار إلى أن الشرط كالعلة، والحكم يتكرر بتكرر العلة، فليتكرر بتكرر الشرط، وأن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الأسباب: هم في نظر الغزالي قائلون بأن الأمر المعلق يقتضي التكرار، لذا كان كل شق من كلامهم شبهة أخذ على نفسه الرد عليها.\n١ - أما رد التكرار إلى العلة: فقد أجاب عنه، بأن العلة التي كان إليها الرد: إما أن تكون عقلية، وإما أن تكون شرعية.\nفالعقلية: لا يعقل وجود ذاتها دون المعلول.\nوالشرعية: لا ينفصل النظر إليها عن ارتباطها بالقرينة، ذلك أنه لا يسلم تكرر المحكم بمجرد إضافته إلى العلة، بل لا بد من القرينة، والقرينة هي التعبد بالقياس القائم على العلة المشتركة بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن الشريعة أمرت باتباعها؛ لأنها اعتبرت أن الحكم يثبت بها، فالتكرار ليس من الإضافة إلى العلة، ولكن من قرينة الأمر باتباع العلة.\nب - أما تكرار الأوامر بتكرار الأسباب: فليس ذلك بموجب اللغة، بل بدليل شرعي في كل شرط. ومن أورد واقعة كان عدم التكرار فيها بدليل، يرد عليه وقائع كان التكرار فيها بدليل أيضًا؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا …﴾\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٧ - ٨).","vol":"2","page":267},{"text":"[المائدة: ٢] لم يكن التكرار إلا بدليل شرعي في كل شرط، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ولا يتكرر الوجوب بتكرر الاستطاعة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-525>مسلك ابن قدامة:</span>\nأما ابن قدامة المقدسي: فقد أورد الخلاف في اقتضاء الأمر المعلق التكرارَ، وعدمَ اقتضائه، وجاء بحجج القائلين بالتكرار، ثم برهن على ما رآه المختار وهو عدم التكرار.\nوكان ما أورده من حجج القائلين بالتكرار، هو اعتمادهم على التسوية بين العلة والشرط؛ بحيث يكون تعلقُ الحكم بالشرط، كتعلقه بالعلة. وما دام الأمر كذلك؛ فإن المحكم كما يتكرر بتكرر عليه يتكرر بتكرره شرطه.\nهذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنه لا اختصاص للحكم بالشرط الأول دون بقية الشروط. ودليل اعتباره: النهيُ المعلّق على شرط، فكما يقتضي\n_________\n(^١) قال ﵀: (ولهم شبهتان):\n(الشبهة الأولى: أن الحكم يتكرر بتكرر العلة، والشرط كالعلة فإن علل الشرع علامات.\nقلنا: إن كانت عقلية فهي موجبة لذاتها ولا يعقل وجود ذاتها دون المعلول، وإن كانت شرعية فلسنا نسلم تكرر الحكم بمجرد إضافته الحكم إلى العلة ما لم تقترن به قرينة أخرى وهي التعبد بالقياس، ومعنى التعبد بالقياس الأمر باتباع العلة، وكأن الشرع يقول: الحكم يثبت بها فاتبعوها.\nالشبهة الثانية: أن أوامر الشرع إنما تتكرر يتكرر الأسباب كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ و﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ قلنا: ليس ذلك بموجب اللغة وبمجرد الإضافة، بل بدليل شرعي في كل شرط، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ولا يتكرر الوجوب بتكرر الاستطاعة.\nفإن أحالوا ذلك على الدليل أحلنا ما يتكرر أيضًا على الدليل، كذلك ومن قام إلى الصلاة غير محدث فلا يتكرر عليه، ومن كان جنبًا فليس عليه أن يتطهر إذا لم يرد الصلاة، فلم يتكرر مطلقًا، لكن اتبع فيه موجب الدليل) انظر: \"المستصفى\": (٢/ ٨) فما بعدها.","vol":"2","page":268},{"text":"النهي المعلق التكرار، يجب أن يقتضي ذلك الأمر، لأن النهي والأمر يلتقيان في أن كلًا منهما طلب (^١).\nولم يرد ابن قدامة إلا على مسألة التسوية بين العلة والشرط:\nفالعلة تقتضي حكمها، فيوجد هذا الحكم بوجودها.\nوالشرط لا يقتضي الحكم، وإنما هو بيان الزمان الحكم، فإذا وجد ثبت عنده ما كان يثبت بالأمر المطلق، كاليمين والنذر … إلخ (^٢).\nوعلى هذا فيمكن أن يكون ابن قدامة من القائلين بالتكرار حين يكون الشرط أو الوصف علة مقتضية للحكم يوجد بوجودها، وإلا فلا تكرار.\n\n<span data-type='title' id=toc-526>مسلك الآمدي:</span>\nأما الآمدي: فيلخص محل النزاع بين الفريقين المثبتين للتكرار والمنافين له، بأن ما علق به المأمور من الشرط أو الصفة:\nإما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس الأمر لوجوب الفعل المأمور به، كالزنى لإقامة الحد:\nأو لا يكون كذلك: بلى الحكم متوقف عليه من غير تأثير له فيه، كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنى.\nفإن كان الأول - أي الذي ثبت كونه علة لوجوب الفعل المأمور به - فالاتفاق كما يرى واقع على تكرر الفعل بتكرره.\n_________\n(^١) يريد أصحاب هذه المحجة (كما ترى) قياس الأمر على النهي؛ فإذا كان النهي يتكرر إذا علق بشرط فالأمر كذلك لأن كليهما طلب. وهذا في غاية الضعف؛ لأن النهي - كما سيأتي - يقتضي التكرار دون أن يكون معلقًا بشرط أو مقيدًا بوصف؛ لأن المطلوب في النهي - وهو الامتناع - لا يحصل إلا بالتكرار، وليس كذلك الأمر، وسيأتي ذلك قريبًا في كلام الآمدي.\n(^٢) راجع: \"روضة الناظر مع الشرح\" لعبد القادر بدران (٢/ ٨٥).","vol":"2","page":269},{"text":"ويستند الآمدي في ذلك إلى:\nأ - تكرر العلة التي يتكرر بتكررها المعلول.\nب - وإلى الاتفاق على التعبد باتباع العلة مهما وجدت؛ فالتكرار مستند إلى تكرار العلة، لا إلى الأمر.\nوإن كان الثاني - وهو الذي يتوقف عليه الحكم من غير تأثير له فيه - فهو - في نظره - محل الاختلاف.\nفمن قائل بالتكرار. ومن قائل بعدمه. والمختار أنه لا تكرار.\nوقد أورد لأصحاب هذا المذهب حججًا اعتبرها واهية، رد اثنتين منها لأنهما تقومان على القياس في اللغة، ثم أصلح الثالثة وبين ما يجب أن يقال في الاحتجاج (^١).\nثم أورد ستة اعتراضات على القائلين بهذا المذهب: أهمها: نصوص كان الأمر المعلق فيها مقتضيًا للتكرار. والتسوية بين الشرط والعلة، والتسوية بين الأمر المعلق والنهي المعلق، إذ النهي المعلق على الشرط مفيد للتكرار والأمر ضد النهي فكان مشاركًا في حكمه ضرورة اشتراكهما في الطلب والاقتضاء، ثم عدم اختصاص الحكم بالشرط الأول دون بقية الشروط.\nوهذه الاعتراضات هي التي أوردها ابن قدامة حججًا للقائلين بالتكرار ما عدا النصوص، فإنه ثم يأت بها، وقد رأينا أنه لم يرد إلا على مسألة تسوية العلة بالشرط (^٢).\nأ - وقد أجاب الآمدي عن النصوص التي وقع التكرار في أحكامها حيث الأوامر معلقة بشروط أو صفات كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٣٥ - ٢٤١).\n(^٢) راجع: \"روضة الناظر لابن قدامة مع الشرح\" لعبد القادر بدران (٢/ ٧٩ - ٨٥).","vol":"2","page":270},{"text":"الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة] وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور]. أجاب بأنه إذا كان الشرط أو الصفة علة للحكم المكرر في نفس الأمر: فالتكرار لم يكن بالأمر، وإنما كان التكرار بالعلة الموجبة للحكم، ولا كلام فيه.\nفإذا لم يكن الشرط أو الصفة، علة للحكم المكرر في نفس الأمر، فيجب اعتقاد كونه متكررًا لدليل اقتضاه، غير الأمر المعلق بالشرط أو الصفة، لما ذكر من عدم اقتضائه، ولأنه قد لا يتكرر الفعل المأمور به بتكرر الشرط كما في الأمر بالحج، فإنه مشروط بالاستطاعة وهو غير متكرر بتكررها.\nب - وأجاب عن التسوية بين العلة والشرط، بأن الشرط غير موجب للحكم. أما العلة: فهي موجبة للحكم، فلا يلزم من تكرر الحكم بتكرر العلة، تكرره بتكرر الشرط. وهكذا ينفي الآمدي التسوية بين العلة والشرط، بأن العلة موجبة للحكم، والشرطُ ليس كذلك (^١).\nج - أما عن عدم اختصاص الحكم بالشرط الأول دون بقية الشروط: فأجاب بأن ذلك إنما يلزم القائلين بأن الأمر يقتضي الفور، وهو لا يقول به؛ بل الأمر مقتض للامتثال مع استواء التقديم والتأخير فيه، فإذا علم تجدد الشرط غلب على الظن بقاء المأمور، ويكون قد اقتضى تعلق المأمور به على الشروط كلها على طريق البدل، من غير اختصاص له ببعضها دون بعض.\nوأما إذا لم يغلب على الظن تجدد الشرط، ولا بقاء المأمور إلى حالة\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" (٢/ ٢٤٠).","vol":"2","page":271},{"text":"وجود الشرط الثاني، فقد تعيَّن اختصاص المأمور بالشرط الأول، لعدم تحقق ما سواه (^١).\nد - أما عن التسوية بين النهي المعلق على شرط، والأمر المعلق على شرط: فقد أجاب الآمدي بأنه قياس في اللغة وهو باطل، كيف وأنا لا نسلم أن النهي المضاف إلى الشرط يتكرر بتكرر الشرط، بل ما اقتضاء النهي إنما هو دوام المنع عند تحقق الشرط الأول، سواء تجدد الشرط ثانيًا أو لم يتجدد (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-527>مسلك ابن الحاجب والعضد:</span>\nوابن الحاجب (^٣) وشارحه العضد، نهجا نهج الآمدي فيما ذهب إليه من تحرير محل النزاع، والتفريق بين ما ثبت كونه علة موجبة للحكم في نفس الأمر، وما لم يثبت من الصفات أو الشروط، وأن الاتفاق واقع على التكرار في الأول، وأن الخلاف في الثاني. ثم المختار عدم التكرار.\nوهكذا يكون مذهب الآمدي ومن وافقه كابن الحاجب والعضد، بارزًا في تحرير محل النزاع؛ فالشرط أو الوصف حين يكون علة: يقتضي وجود الحكم بنفس الأمر، فالتكرار واقع بالاتفاق، وإلا فالخلاف. واعتمد هؤلاء عدم التكرار في هذه الحالة، حين لا يكون الشرط أو الوصف علة موجبة للحكم في نفس الأمر.\nوالذي رأيناه عند الآمدي من إتيان بحجج الآخرين ثم ردّها، وإيراد الاعتراضات، ثم ردها واحدًا واحدًا، تابعه في أكثره ابن الحاجب وشارحه العضد (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(^٢) انظر: \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٢/ ٢٤١).\n(^٣) راجع: \"مختصر المنتهى بشرح العضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨٣).\n(^٤) انظر المصدر السابق مع الحاشية (٢/ ٨٣).","vol":"2","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-528>مسلك البيضاوي والإسنوي:</span>\nوالقاضي البيضاوي صاحب \"منهاج الوصول\"، يرى أن الأمر المعلق على الشرط والصفة لا يقتضي التكرار لفظًا، وإنما يقتضيه قياسًا: بمعنى أن التكرار لا يكون بموجب اللغة، بل يكون بمقتضى القياس.\nوذلك لأن ترتيب الحكم على الوصف أو الشرط، يفيد علِّية الشرط أو الصفة لذلك الحكم، فيتكرر الحكم بتكرر ذلك؛ لأن المعلول يتكرر بتكرر العلة (^١).\nفحين نعبر بالقياس، وأن التعليق بالوصف أو الشرط مشعر بالعلية، فمعنى ذلك أن التكرار لم يكن من الأمر، وإنما كان من اقتضاء تكرار المعلول بتكرر العلة.\nوقد مثل البيضاوي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وبقوله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\nفترتيب الحكم في النص الأول على الشرط، وفي الثانية على الوصف، أفاد العلِّية في المحكم، ومن هنا جاء التكرار.\nهذا وترتيب الحكم على الوصف أو الشرط، إنما يفيد العلية إذا كان في نصوص الكتاب أو السنة؛ لأن المعتبر تعليل الشارع. أما في كلام الناس: فليس كذلك.\nومن هنا يجيء الجواب على عدم لزوم تكرار الطلاق بتكرار القيام فيما إذا قال: إن قمت فأنت طالق؛ لأن وقوع الطلاق حكم شرعي، وآحاد الناس لا عبرة بتعليلهم في أحكام الله تعالى، لأن من نصب علة لحكم، فإنما يتكرر حكمه بتكرر علته لا حكم غيره، فلذلك لم يتكرر الطلاق منه، قال الإسنوي:\n_________\n(^١) \"منهاج الوصول مع شرحه نهاية السول\" (٢/ ٤٨ - ٤٩) مع \"البدخشي\".\nوانظر: \"جمع الجوامع للسبكي مع شرحه للمحلي وحاشية البناني بتقرير الشربيني\" (١/ ٢٨١).","vol":"2","page":273},{"text":"(ألا ترى أنه لو صرَّح بالتعليل فقال: أطلقها لقيامها، لم تطلق امرأة أخري له قامت) (^١).\nوقد نقل الإسنوي في \"نهاية السول\" المذهب المذكور - وهو اقتضاء الأمر المعلق التكرار قياسًا لا لفظًا - عن الإمام الرازي في \"المحصول\" وذكر أنه عنده المذهب المختار.\nومن هنا لم يرتض الإسنوي من الآمدي وابن الحاجب ادعاءهما الاتفاق على أن ما ثبت من الشرط أو الصفة كونه علة الوجوب الفعل المأمور به، فإن الفعل يتكرر بتكروه، كالزنى بالنسبة لإقامة الحد، وأن الاختلاف كان فيما له يثبت كونه علة كالإحصان، بدليل أن الإمام الرازي أورد الآيتين الكريمتين حين مثل بالسرقة والجنابة، مع أنه قد ثبت التعليل بهما، وتابعه في ذلك البيضاوي (^٢).\nومن قبل رأينا أن التكرار عند الإمام الغزالي، مردُّه لقرينة أو دليل جديد يدل عليه، لا للتعليق نفسه، سواء أقيل: إن الشرط كالعلة والحكم يتكرر بتكرر العلة فليتكرر بتكرر الشرط، أم قيل: إن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الأسباب.\nففي الحالة الأولى: إن كانت العلة شرعية، فلا بد من القرينة وهي التعبد بالقياس.\n_________\n(^١) \"نهاية السول مع البدخشي\" (٢/ ٥٠)، وفي تقرير شيخ الإسلام الشربيني على حاشية البناني على شرح \"جمع الجوامع\" (١/ ٣٨٠) يقول الصفدي: (إن الشارع إذا رتب حكمًا على شرط جعله علة لذلك الحكم، وكل ما جعله الشارع علة لشيء يعتبر في الشرع عليته لذلك الشيء، بخلاف تعليل غير الشارع فإنه لا يلزم اعتباره فيه ووقع الطلاق الأول إنما هو للتعليق لا للعلية فمتى وقع لا علة لوقوع غيره لأن القيام ليس علة حتى يقع كلما وجد طلاق).\n(^٢) \"منهاج البيضاوي\" مع \"نهاية السول والبدخشي\" (٢/ ٥٠). وانظر: \"مسلم الثبوت\" (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧). \"الآيات البينات\" لابن قاسم العبادي على شرح \"جمع الجوامع\" (٢/ ٢٢٣).","vol":"2","page":274},{"text":"وفي الحالة الثانية: جاء التكرار من دليل شرعي في كل شرط.\nوفي رأينا: أن موقفًا كهذا، لا يعتبر إلا القرينة أو الدليل، لا يساعد - في الأصل - على ادعاء الاتفاق في الشكل الذي صوره الآمدي، ووافقه عليه ابن الحاجب وشارحه العضد.\nفإذا ضم هذا إلى موقف الإمام الرازي الذي اختاره القاضي البيضاوي، كان ادعاء الاتفاق الذي أراده الآمدي محل نظر كما قال الإسنوي.\n\n<span data-type='title' id=toc-529>المسالك الأساسية بين الحنفية والمتكلمين:</span>\nوهكذا نرى أننا في مسألة اقتضاء التكرار في الأمر المعلق بشرط أو المقيد بوصف، سواء أشعر ذلك بالعلية أم لا: أمام ثلاثة مسالك:\nالأولى: مسلك القائلين بأن الأمر إذا علق بشرط أو قيد بوصف، يقتضي التكرار لفظًا أي الوضع، وهم القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار، بل قولهم هنا يكون بالأولى، ثم الفئة من الحنفية التي ذكرها البزدوي ثم لم ينف ذلك عنها. وذكرها السرخسي ونفى ذلك عنها. وتابع البزدوي في ذلك من تابعه من المتأخرين كما أسلفنا الحديث عنهم، حيث يقولون: وقال بعض علمائنا يقتضي التكرار إذا علق بشرط أو قيد بوصف (^١).\nالثاني: مسلك القائلين بعدم التكرار، سواء أشعر التعليق بالعلِّية أم (^٢).\n_________\n(^١) انظر ما سلف (٢/ ٢٤٥).\n(^٢) لقد نقلنا من قبل أن الإسنوي في \"نهاية السول\" (٢/ ٥٠) لم يرتض من الآمدي وابن الحاجب ادعاءهما الاتفاق على أن ما ثبت من الشرط أو الصفة كونه علة لوجوب الفعل المأمور به فإن الفعل يتكرر بتكرره: كالزنى لإقامة الحد واعتبارهما الخلاف فيما لم يثبت كونه علة كالإحصان، بدليل أن الإمام الرازي أورد آيتي السرقة والجنابة مع أنه قد ثبت التعليل بها. وقال صاحب \"مسلم الثبوت\" (١/ ٣٦٨): (فدعوى الإجماع في العلة كما في المختصر وغيره غلط). وقال هنا صاحب \"فواتح الرحموت\": (بعد ثبوت تحقق الخلاف على ما نحو ما حكى المصنف انتفى الإجماع قطعًا، لكن يبعد كل البعد إنكار الحكم بعد ثبوت علية العلة إلا من منكري القياس مطلقًا) فكأنه يقف موقف المستغرب لهذا القول إلا إذا كان أصحابه من الظاهرية.","vol":"2","page":275},{"text":"الثالث: مسلك الجمهرة من الحنفية والمتكلمين الذين يقولون بعدم التكرار من الصيغة نفسها، ويردّون التكرار إلى ما هو غير التعليق بالشرط، أو التقييد بالوصف.\nأ - فالبزدوي والسرخسي ومن وراءهما من الحنفية يردون التكرار في نصوص الكتاب والسنة إلى الأسباب؛ فوجوب الأداء إنما يتكرر بتجدد الأسباب لا بالتعليق بالشرط، أو التقييد بالوصف، حتى إذا لم يكن الشرط أو الوصف سببًا لا يدل الكلام على التكرار المشروط لتكرر الشرط، لأن وجود الشرط لا يقتضي وجود المشروط، بخلاف السبب، فإن وجوده يقتضي وجود المسبب (^١).\nوالمتكلمون يصرحون برد التكرار إلى تجدد العلل، حيث إن تكرر العلة يستلزم تكرر المعلول.\nغير أنهم قد اختلفت تعبيراتهم؛ فالشيرازي ينفي التكرار ويدافع عن رأيه بما يشبه دفاع السرخسي عن الحنفية. والآمدي وابن الحاجب وابن قدامة وابن السبكي والمحلي والبناني والعبادي، يرون التكرار إن أشعر التعليقُ أو التقييد بالعلية. ويعبر البيضاوي ومن بعده الإسنوي تبعًا للإمام الرازي في \"المحصول\" بأن التعليق أو التقييد يقتضي التكرار قياسًا لا لفظًا. غير أن الإمام الغزالي كما رأينا، ينفرد بأن مرد التكرار إلى العلة لا يقتضي أنها وحدها، وإنما معها قرينة اعتبار الشرع للعلة الشرعية، وأنا متعبدون بها.\nأما العلة العقلية: فهي وإن كانت موجبة لذاتها، فإنه لا يعقل وجود ذاتها دون المعلول.\nأما إذا أردنا تكرار أوامر الشرع إلى الأسباب: فليس ذلك من وضع اللغة، بل بدليل شرعي في كل شرط.\nوهكذا تتضح معالم الخلاف بين القائلين بالتكرار، وبين الجمهرة التي لا تقول به.\n_________\n(^١) \"مذكرات في أصول الفقه\" لأحمد فهمي أبو سنة (ص ١٥٧).","vol":"2","page":276},{"text":"فأولئك يقولون: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار لفظًا - أي بوضع اللغة - وإذا علق أو قيد اقتضى التكرار بالأولى.\nوهؤلاء لا يقولون بذلك، على اختلاف طرائقهم في التعبير الوصول إلى تقرير الحقيقة التي يريدون …\nفإذا كان الإمام الغزالي، يرى أن العلة ليست وحدها - عندما تتجدد - عاملَ التكرار في وجوب أداء أوامر الشرع، بل هناك القرينة وهي اعتبار الشرع للعلة وأنا متعبدون بها، فأحسب أن التعبد بالعلة هو الأساس الذي قام عليه قول من ذكروا مسألة الإشعار بالعلية: لأن الشرع فعلًا هو الذي أعطى للعلة هذه القيمة؛ ففيما عدا الظاهرية تقريبًا، ترى الجمهور على اعتبار العلة؛ لما قام لديهم من أدلة الشرع على اعتبارها.\nقال صاحب \"فواتح الرحموت\": (لكن يبعد كل البعد إنكار الحكم بعد ثبوت علية العلة إلا من منكري القياس مطلقًا) (^١).\nوإذا تقرر ذلك: كان القول بالعلة الشرعية، أو بالعلة ومعها القرينة، لا يحمل خلافًا في الجوهر، وإنما هو خلاف لفظي.\nأما القول بالأسباب: فقد رأى بعض الأصوليين كما مرّ، أن المراد بالأسباب هنا العلل (^٢) ومن أولى من اتباع أبي حنيفة بالقول بالعلة والقياس. ولعل الخلاف في الفروع الناشئة عن هذا الأصل، مردُّه مقدار تقييم كل من الفرقاء لارتباط الحكم بتلك العلة أو ذلك السبب، وتقدير العلاقة بينهما ومقدار اعتبار النسبة بين الحكم وما علق به الأمر من شرط أو قُيد به من وصف … إلخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-530>ما نخلص إليه من نتائج، ورأينا في الموضوع:</span>\nوهكذا نخلص بعدما تقدم إلى النتائج التالية:\n_________\n(^١) انظر: \"فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت\" (١/ ٣٨٧).\n(^٢) انظر ما تقدم (٢/ ٢٦٣).","vol":"2","page":277},{"text":"١ - أن الجمهور النافين للتكرار باعتبار الصيغة، يريدون أنها غير موضوعة له (^١).\n٢ - القول برد التكرار إلى العلة: قائم على اعتبار الشرع لها.\n٣ - المراد بالأسباب فيمن رد التكرار إلى تجددها: هو العلل، كما نقلنا عن صاحب \"المرآة\" وإنما الاختلاف في الاصطلاح، بل إن صاحب \"فواتح الرحموت\" جاء بالمسألة على الشكل التالي:\n(صيغة الأمر المعلق بشرط أو صفة، قيل: للتكرار مطلقًا، وقيل: ليس له مطلقًا، فإن كان علة فهو يتكرر بتكررها. والحق نعم يتكرر وقيل: لا) (^٢).\nوعلى هذا: فإننا نختار أن الأمر إذا علق على علة ثابتة عليتُها بالدليل: وجب تكرار الفعل بتكرر العلة، فما ثبتت عليته كالزنى في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وكالسرقة في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وكالجنابة في قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فهو واضح وليس محل نزاع - كما قال العضد - أما في غير هذه الحال: فنرى أن التكرار لا يثبت إلا بدليل خاص، يهدينا إلى ذلك أن الحج لم يتكرر بتكرر الاستطاعة فالمطلوب أداؤه مرة واحدة، ولو وجدت الاستطاعة بعدها لم يجب وأمثال ذلك كثيرة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-531>موقع القول بالتكرار عند التعليق في طريقتي الحنفية والمتكلمين:</span>\nقد يكون من الخير بعد الجولة مع مسالك العلماء في التكرار عند التعليق، أن نبيِّن موقع هذا القول في طريقتي الحنفية والمتكلمين، وذلك بالكشف عن نقطتين اثنتين:\nالأولى: أن القول بالتكرار عند التعليق: اعتبره الحنفية مذهبًا قائمًا بذاته\n_________\n(^١) انظر: \"مسلم الثبوت\" مع \"المستصفى\" (١/ ٣٨٧).\n(^٢) راجع: \"المرآة\" (١/ ٣٦٨).\n(^٣) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨٣).","vol":"2","page":278},{"text":"وناقشوه على هذا الأساس، سواء أكان هنالك اعتراف بوجود جماعة من الحنفية يقولون به، أم لم يكن. واعتباره مذهبًا قائمًا بذاته نراه عند القاضي الدبوسي في \"التقويم\" (^١) كما نراه عند فخر الإسلام البزدوي (^٢)، وشمس الأئمة السرخسي (^٣).\nغير أن شمس الأئمة السرخسي يقرر - كما أسلفنا من قبل - أن الصحيح عنده كون التكرار عند التعليق: ليس بمذهب العلماء الحنفية ﵏ (^٤).\nأما المتكلمون: فقد لا يتضح من آثارهم اعتبار هذا القول عند جميعهم على أنه مذهب قائم بذاته.\nفالبعض اعتبروه مذهبًا قائمًا بذاته، كما نرى عند أبي إسحاق الشيرازي (^٥)، بينما نرى الغزالي يكتفي بأن يجعل من هذا القول مسألة مختصة بالقائلين بأن الأمر ليس للتكرار، الذين اختلفت مسالكهم في الحكم عليها (^٦).\nونسير مع الزمن قليلًا، لنرى الآمدي بعد الغزالي يفرد لهذا القول مسألة خاصة من مسائل الأمر هي \"المسألة الرابعة\" (^٧).\nالثانية: يلاحظ أن الحنفية والمتكلمين كانوا في عرضهم للمسألة يعتبرون أن الأمر المعلَّق بشرط أو المقيد بصفة: ليس قسيمًا للأمر\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ١٢٣) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ١٢٢ - ١٢٤).\n(^٣) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٠ - ٢١).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٠).\n(^٥) راجع: \"اللمع\" للشيرازي (ص ٨) فما بعدها.\n(^٦) انظر: \"المستصفى\" (٢/ ٧).\n(^٧) قال تحت هذه الحالة: (الأمر المعلق بشرط كقوله: \"إذا زالت الشمس فصلوا\" أو صفة كقوله: \"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرر الشرط أبو الصفة أو لا …؟) انظر: \"الإحكام\" (٢/ ٢٢٥ - ٢٣٥).","vol":"2","page":279},{"text":"المطلق، فالأمر المطلق في هذا المجال هو المجرد عن قرينة التكرار أو المرة، سواء أكان معلقًا بشرط أو مؤقتًا بوقت أو مخصوصًا بوصف، أو مجردًا عن جميع ذلك. ويظهر هذا في ثنايا حديثنا عن مسالكهم فيما أسلفنا من القول (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-532>موقف بدران من ابن قدامة، ورأينا في ذلك:</span>\nلم يكن لابن قدامة مسلك جديد من النسبة القائمة بين الأمر المعلق إلى الأمر المطلق، وأن الأمر المعلَّق بشرط أو المقيد بوصف: ليس قسيمًا للأمر المطلق، وأن الأمر العريَّ عن القرائن ليس هو العريَّ من تعليق بشرط أو تقييد بصفة، وكان واضحًا من كلامه أن آراء العلماء من اقتضاء التكرار أو عدمه في الأمر، واقتضائه إن كان الأمر معلقًا بشرط .... كلها تَرِدُ على الأمر المطلق، أي العري عن قرينة المرة أو التكرار (^٢).\nغير أن الشارح لم يعجبه مسلك ابن قدامة، في جعله القول بالتكرار عند التعليق بالشرط ينسلك في ظل الأمر المطلق؛ فقد قرر أن (هذا القول ليس من الأقوال التي يصح دخولها تحت فرض المسألة لأن المسألة مفروضة في أن الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أم لا؟ والمقترن بالشرط ليس مطلقًا فالتكرار فيه لقرينة الشرط لا لكونه أمرًا) (^٣).\nولست مع الشيخ بدران ﵀ في نقده لابن قدامة، لأن مسلك ابن قدامة هو المسلك السليم حين لم يجعل التعليق بالشرط مقيدًا للأمر، وكان\n_________\n(^١) انظر: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ١٥٩)، \"جمع الجوامع\" مع \"شرحه للمحلي\" و\"حاشية اللبناني\" (١/ ٣٨٠).\n(^٢) راجع: \"روضة الناظر\" لابن قدامة مع شرحه \"نزهة الخاطر العاطر\" لعبد القادر بدران (٢/ ٧٨) فما بعدها.\n(^٣) انظر: \"نزهة الخاطر العاطر\" (٢/ ٧٩) وقد تحكم ﵀ بكلام المصنف فعرَّف المطلق كما يريد هو لا كما أراد المصنف ففي (٢/ ٧٨) قال ابن قدامة: (الأمر المطلق لا يقتضي التكرار ....) الخ فقال هو: - أعني الشارح - (الأمر المطلق أي غير المقيد بالمرة ولا بالتكرار ولا بصفة ولا بشرط).","vol":"2","page":280},{"text":"صنيعه في هذا صنيع كل من سلفه ممن كتبوا حول هذه القضية، واعتبروا المطلق هو المجرد من قرينة التكرار أو المرة، كما ذكرنا من قبل.\nولقد أوضح التفتازاني هذه النقطة، حين قرر أن المراد بالأمر المطلق هو المجرد عن قرينة التكرار أو المرة، سواء كان مؤقتًا بوقت، أو معلقًا بشرط، أو مخصوصًا بوصف، أو مجردًا من جميع ذلك (^١).\nوكان جواب التفتازاني ﵀: على إشكال قد يرد، كما أورده بعد أمد شارح \"روضة الناظر\" لابن قدامة.\nوالجلال المحلى في \"شرحه على جمع الجوامع\" لابن السبكي، قال في معرض الحديث عن الأمر المعلق بشرط أو صفة: (ويحمل المعلق المذكور على المرة بقرينة، كما في أمر الحج المعلق بالاستطاعة، فإن لم يعلق الأمر فللمرة، ويحمل على التكرار بقرينة) (^٢). فالحج قد علق بالاستطاعة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nفعلى مذهب التكرار بالأمر المعلق بالشرط والصفة: يتكرر الحج بتكرر الاستطاعة، لأن الآية على تقدير: من استطاع فليحج. أو ليحج المستطيع. ولكن قول الرسول ﷺ: \"بل للأبد\" جوابًا للأقرع بن حابس أو غيره حسب الروايات - كما مر - كان قرينة دالة على المرة (^٣).\nذلك لأن المسائل قال: \"ألعامنا هذا أم إلى الأبد؟ \".\n_________\n(^١) قال التفتازاني: (فإن قلت: الكلام في الأمر المطلق، والمعلق بشرط أو وصف مقيد، فلا يكون مما نحن فيه، وحينئذ لا معنى لقوله - يعني صدر الشريعة -: لا لمطلق الأمر، لأن الخصم لم يدع أنه لمطلق الأمر بل للمقيد بشرط أو وصف، قلت: قد سبق أن المراد بالأمر المطلق هو المجرد عن قرينة التكرار أو المرة سواء كان مؤقتًا بوقت أو معلقًا بشرط أو مخصوصًا بوصفه أو مجردًا عن جميع ذلك وحينئذ لا إشكال).\n(^٢) \"شرح جمع الجوامع\" مع \"حاشية البناني\" و\"تقرير الشربيني\" (١/ ٣٨٠).\n(^٣) انظر: \"حاشية البناني على شرح جمع الجوامع\" (١/ ٣٨٠).","vol":"2","page":281},{"text":"وبهذا يتضح صواب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن قدامة ﵀ حين لم يخرج عما أراده القوم، واصطلحوا عليه، وأحاطوه بسياج من الأدلة والبراهين، فهو لم يعتبر الشرط قرينة من القرائن، ولذا أدرج مذهب التعليق تحت الأمر المطلق؛ لأن المراد بالأمر المطلق: العريُّ عن قرينة المرة أو التكرار، لا العريُّ حتى عن التعليق بشرط أو صفة، كما أراد الشيخ بدران، وحكم عليه بأنه أدخل تحت فرض المسألة قولًا ليس من الأقوال التي يصح دخوله تحتها.\nوقد عرّف الشيخ بدران المطلق كما يريد، فجعله العري عن قرينة المرة، والتكرار، والشرط، والصفة (^١) وأراد أن يحاسب المصنف على نتيجة هذا التعريف، بينما كان المصنف متسق الخطا، ومنسجمًا كل الانسجام مع طريقة من قبله، حين أتى بمذهب التعليق تحت الأمر المطلق وهو - كما يرى - العريُ عن قرينة الأمر والتكرار.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-533>المطلب السادس دلالة الأمر على المجال الزمني لفعل المأمور به</span>\nكما عني العلماء ببحث دلالة الأمر على الوجوب أو غيره، وبحث دلالته على الوحدة أبو الكثرة، عنوا أيضًا بتحديد المجال الزمني الذي يخرج فيه المكلف من عهدة الامتثال في الإتيان بما أمر به.\nواقتضاهم ذلك أن يبحثوا في دلالة الأمر من هذه الناحية. وهل هي الأداء على الفور، ومعنى ذلك أن على المكلف المبادرة بالامتثال دون تأخير.\nأم هي على التراخي، وعندها يكون في وسعه أن لا يبادر على الفور؟\nأما القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار؛ فهم قائلون بأنه يقتضي الفور ضرورة؛ لأن القول بالتكرار يلزم منه استغراق الأوقات بالفعل المأمور به مرة بعد أخري، وعليه فلا بد من المبادرة.\n_________\n(^١) انظر: \"نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر\" (١/ ٧٨) فما بعدها.","vol":"2","page":282},{"text":"وقد احتج هؤلاء للفور بما احتجوا به للتكرار (^١). وما قيل في رد اقتضاء التكرار، يقال في رد اقتضاء الفور (^٢).\nأما من عدا القائلين بالتكرار: فقد فرقوا بين الأمر المقيد بوقت، والأمر غير المقيد بوقت.\nأ - فإذا كان الأمر مقيدًا بوقت يفوت الأداء بفواته؛ كالأمر بالصلوات الخمس، فلا خلاف في أن دلالة الأمر في هذه الحال: هي وجوب أداء الفعل في وقته.\nب - أما إذا لم يكن مقيدًا بوقت؛ كالأمر بالكفارات، وقضاء ما فات من الصوم والصلاة، فقد اختلفت أنظار العلماء فيه.\n١ - فقال قوم: إن الأمر في هذه الحال لا يدل على الفور، ولا على التراخي - على اختلاف في التعبير عن ذلك - بل يدل على مطلق الفعل. أما الفور أو التراخي: فيكون بالقرينة.\nوعلى هذا يكون من الجائز للمكلف تأخير المطلوب منه بالأمر، على وجه لا يفوت به، وفي هذه الحال لا يكون آثمًا.\nهذا من ناحية الخروج من العهدة، أما من ناحية الفضيلة: فالأولى في حقه المسارعة إلى الامتثال، والمبادرة إلى الفعل بمجرد التمكن، عملًا بعموم الأدلة الداعية إلى السباق في الخير، والبدار إلى اغتنام فرصه ومناسباته، كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران] (^٣) وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ\n_________\n(^١) انظر ما سلف (٢/ ٢٤٧) فما بعدها.\n(^٢) انظر ما سلف (٢/ ٢٤٨) فما بعدها.\n(^٣) قال الزمخشري: (ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة الإقبال على ما يستحقان به) وقال الشوكاني: (أي سارعوا إلى ما يوجب المغفرة من الطاعات) \"الكشاف\" (١/ ٢١٩)، \"تفسير فتح القدير\" (٣٤٨١)، وانظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٠٧).","vol":"2","page":283},{"text":"مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] (^١).\nوهذا هو الصحيح عند الحنفية (^٢). وعزي إلى الشافعي وأصحابه. قال العضد متابعًا ابن الحاجب الذي قرر ذلك: (روي عن الشافعي مثل ما اخترناه في كونه للتكرار، وهو أنه لا يدل على الفور ولا على التراخي، بل على مطلق الفعل وأيُّهما حصل كان مجزئًا (^٣). واختاره الرازي والآمدي وابن الحاجب، وهو ما جنح إليه التلمساني في \"مفتاح الوصول\"، وقال به البيضاوي في \"المنهاج\" (^٤).\nويبدو أن نسبة هذا المذهب إلى أبي حنيفة والشافعي، إنما كانت استنتاجًا من فروعهما في الأحكام، فقد قال ابن برهان (^٥): (لم ينقل عن الشافعي وأبي حنيفة نص، وإنما فروعهما تدل على ذلك) (^٦). وذلك أيضًا ما ذكره إمام الحرمين بالنسبة للشافعي فقد جاء في \"البرهان\": (وذهب ذاهبون إلى أن مقتضاها - يعني صيغة الأمر - الامتثال مقدمًا أو مؤخرًا وهذا\n_________\n(^١) روى أبو جعفر الطبري عن الربيع: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فسارعوا في الخيرات. وذلك ما قرره أبو جعفر حين قال: ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ فبادروا وسارعوا من \"الاستباق\" وهو المبادرة والإسراع) \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٩٦).\n(^٢) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٢٦)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١٥ - ٣١٦).\n(^٣) راجع: \"البرهان\" لإمام الحرمين (٢/ ٤٨/ أ) مخطوطة دار الكتب المصرية، \"المستصفى\" (٢/ ٢ - ٣)، \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد\" و\"السعد\" (٢/ ٨١ - ٨٢).\n(^٤) راجع: \"البرهان\" (١/ ٤٨/ أ)، \"مفتاح الوصول\" (ص ١٨)، \"المنهاج مع شرحه للإسنوي\": (١/ ٢٧٥).\n(^٥) هو أحمد بن علي بن محمد الوكيل المعروف بابن برهان، من علماء الشافعية في الفقه والأصول والحديث، كان حنبلي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، تفقه على الشاشي والكيا الطبري وأضرابهما، درس بالنظامية شهرًا واحدًا وعزل، من مصنفاته: \"البسيط\"، \"الوسيط\": \"الأوسط\"، \"الوجيز\" في أُصول الفقه.\n(^٦) راجع: \"التقرير والتحبير\" (٣١٦١)، \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٤) مطبعة السعادة.","vol":"2","page":284},{"text":"منسوب إلى الشافعي وأصحابه، وهو الأليق بتفريعاته في الفقه، وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول (^١).\n٢ - وقيل: يوجب الفور في أول أوقات الإمكان، فالواجب على المكلف امتثال المأمور به عقيب ورود الأمر، فلو تأخر في ذلك: عُدَّ عاصيًا لأنه لم يخرج عن العهدة بالفورية.\nوهذا المذهب - كما جاء في \"التقرير والتحبير\" - معزو إلى المالكية وبعض الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية، وقد صرح البزدوي والسرخسي بأنه مذهب أبي الحسن الكرخي (^٢)، وهو ما ذكره أيضًا الشوكاني في \"إرشاد الفحول\" (^٣).\nعلى أنا أشرنا آنفًا إلى أن ابن الحاجب - وهو من المالكية - اختار المذهب الأول، وهو دلالة الأمر على مطلق الفعل واعتبره هو الصحيح، وجرى في بحثه على الاستدلال له، والرد على أدلة الآخرين (^٤).\nثم إن التلمساني - من المالكية أيضًا - اعتبر المذهب الأول هو ما جرى عليه المحققون (^٥).\nوممن قال بالفور: الإباضية. قال السالمي: (ونسب القول بالفور في الأمر المطلق إلى كثير من فقهاء قومنا، وكثير من متكلميهم، وهو ظاهر كلام ابن بركة حيث أوجب تعجيل الحج عند الإمكان) (^٦).\nأما الزيدية: فمنهم من قال بالفور، ومنهم من قال بالتراخي (^٧).\n_________\n(^١) انظر: \"البرهان\" (١/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(^٢) راجع: \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١٦).\n(^٣) انظر: (ص ٩٤) من \"إرشاد الفحول\".\n(^٤) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨١ - ٨٢).\n(^٥) راجع: \"مفتاح الوصول\" (ص ١٨).\n(^٦) راجع: \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (١/ ٤٦).\n(^٧) راجع: \"الفصول اللؤلؤية في أصول الزيدية\" لابن الوزير (ص ٥٣ - ٥٥).","vol":"2","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-534>رأينا في نسبة الفور إلى الحنفية:</span>\nنسب القول بالفور إلى الحنفية في بعض كتب الشافعية، كما نرى عند القاضي البيضاوي والإسنوي، قال البيضاوي: (الأمر المطلق لا يفيد الفور خلافًا للحنفية) وقال الإسنوي عند تعداد المذاهب التي ذكرها صاحب \"المنهاج\": (الثاني: أنه يفيد الفور وجوبًا وهو مذهب الحنفية، غير أن الواقع يهدي إلى أن القول بالفور، هو مذهب بعض الحنفية ومنهم الكرخي كما صرح بذلك البزدوي والسرخسي) (^١).\nولو رجعنا إلى البزدوي والسرخسي ومن تابعهما، وجدنا أن الصحيح عندهم هو المذهب الأول الذي يرى أن الأمر المطلق لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا، وإنما هو لمجرد الطلب، وهو ما ذكرناه حين عرضنا لأصحاب هذا المذهب (^٢) وذلك ما نراه عند صدر الشريعة في \"التوضيح\" وما بيّن التفتازاني في حاشيته \"التلويح\" أنه المختار حيث قال: (والمختار أنه لا يدل على الفور ولا على التراخي بل كل منهما بالقرينة) (^٣). وقد صرح به\n_________\n(^١) راجع: \"المنهاج\" مع \"نهاية السول\" (١/ ٢٧٩).\n(^٢) راجع: \"البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٢٥٤)، \"أُصول السرخسي\" (٢٦١) فما بعدها.\n(^٣) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٢٠٢) هذا: وقد اختلف التعبير عن المذهب فعبر عنه قوم بالتراخي بمعنى عدم التقييد بالحال، وغير صدر الشريعة بالتراخي وأراد به ما هو أعم من الفور وغيره، وابن الهمام كما سنرى كان واضحًا كالتفتازاني فعبر بمجرد الطلب، وعند كلام صدر الشريعة حرر التفتازاني المسألة بما يشير أن التعابير مختلفة ولكن المراد أن الأمر المطلق ليس على الفور ولا على التراخي الذي هو مقابل الفور، بل هو لمجرد الطلب ولا يدل على أحدهما إلا بقرينة، ونحن نورد تحقيق التفتازاني فيما يلي. قال ﵀: (والصحيح من مذهب علماء الحنفية أنه للتراخي إلا أن مرادهم بالتراخي عدم التقيد بالحال، واصطلح المصنف، يعني صدر الشريعة، على أن المراد بالتراخي عدم التقييد بالحال لا التقييد بالاستقبال، فالتراخي عنده أعم من الفور وغيره. وذلك لأنه لما استدل على كون مطلق الأمر للتراخي بأن الأمر جاء للفور وجاء للتراخي، فلا يثبت الفور إلا بالقرينة، فعند الإطلاق وعدم القرينة يثبت التراخي لضرورة عدم قرينة الفور لا بدلالة الأمر، =","vol":"2","page":286},{"text":"الكمال بن الهمام في \"التحرير\" حين أبان أن الأمر غير المقيد بوقت: هو لمجرد الطلب فيجوز التأخير، وجاء ابن أمير الحاج فقرر في شرحه لكلام ابن الهمام: أن التأخير يجوز على وجه لا يفوت المأمور به أصلًا، وأن البدار به يجوز ثم قال: (وهو الصحيح عند الحنفية) (^١).\nعلى أنه يبدو من تعبير التفتازاني بالمختار، وتعبير أبي أمير الحاج بالصحيح: أنهم لا يغفلون أن هنالك من يقول بالفور من الحنفية كما أشرنا من قبل - وهو ما صرح به صاحب \"التقرير والتحبير\" فيما بعد من أن القول بالفور معزو إلى البعض منهم، ولكنه قول خارج على الصحيح وخارج على المختار عند أهل المذهب.\nوهكذا يظهر لنا أن الإطلاق في نسبة القول بالفور إلى الحنفية دون إيضاح أن المختار أو الصحيح عندهم غير ذلك: لا يتسق مع المحرر في كتبهم. وعلى ذلك: فمن الخير إذا كان هنالك اختلاف بين الشافعية والحنفية مثلًا في بعض الفروع؛ أن لا نردَّه إلى اختلافهم في الفور والتراخي، وإنما إلى تقديم القرينة التي صرفت الأمر المطلق عن مجرد الطلب، إلى غيره عند كل فريق (^٢) مثلما جرى في اختلافهم بشأن الحج: فهو واجب على الفور عند الحنفية، وعلى التراخي عند الشافعية كما سيأتي.\n_________\n= كان لمعارض أن يقول: جاء للفور وللتراخي فلا يثبت التراخي إلا بقرينة، فعند عدمها يثبت الفور، فدفعها المصنف ﵀ بأن الفور أمر زائد ثبوتي فيحتاج إلى القرينة بخلاف التراخي فإنه عدم أصلي، فصار ما ذكره موافقًا لما هو المختار من أن مطلق الأمر ليس على الفور، فلا دلالة للأمر على أحدهما بل كل منهما بالقرينة) \"التلويح\" (١/ ٢٠٢).\n(^١) راجع: \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١٦).\n(^٢) راجع: \"السرخسي في الأصول\" (١/ ٢٦)، والزنجاني في \"تخريج الفروع على الأصول\": (ص ٤٠ - ٤١) حيث نسب السرخسي القول بالفورية إلى الشافعي استنتاجًا من كلام له في \"الأم\"، ونسبه الزنجاني إلى مذهب الشافعي دون بيان أي اتجاه آخر في المذهب، وفرع على ذلك عددًا من المسائل. وانظر تعليقنا على هذا في (ص ٤١) عن \"تخريج الفروع على الأصول\".","vol":"2","page":287},{"text":"<span data-type='title' id=toc-535>مسلك القائلين بمجرد الطلب:</span>\n١ - استدل القائلون بأن الأمر لمجرد الطلب دون فور أو تراخ إلا بقرينة، بما استدلوا به على أنه لا يدل على الوحدة أو الكثرة إلا بقرينة؛ وهو ما ثبت لديهم من إطباق أهل العربية على أن صيغة الأمر لا دلالة لها على الطلب دون خصوص زمان، أما خصوص المطلوب فعله: فهو من المادة، ولا دلالة لها إلا على مجرد الفعل، فحصل من مجموع الصيغة والمادة: أن تمام مدلول الصيغة والمادة هو طلب الفعل دون تقييد بالفور أو التراخي.\nوإذا كان مدلول الأمر هو طلب حقيقة الفعل: فالفور والتراخي أمران خارجان عن الحقيقة؛ إذ هما من صفات الفعل فلا دلالة الأمر عليهما، وإنما يفهم ذلك بالقرائن، فلا بد من جعلها حقيقة في القدر المشترك بين الفور والتراخي.\nوالموضوع لإفادة القدر المشترك بين القسمين، لا يكون فيه إشعار بخصوصية أحدهما على التعيين، لأن تلك الخصوصية - كما يقولون - مغايرة لمسمى اللفظ، وغير لازمة.\nوهكذا يثبت لدينا أن اللفظ في الأمر، لا إشعار له بخصوص كونه فورًا، ولا بخصوص كونه تراخيًا (^١). قال التلمساني في \"مفتاح الوصول\": (والمحققون من الأصوليين يرون أن الأمر المطلق لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا، لأنه تارة يتقيد بالفور، كما إذا قال لعبده: \"سافر الآن\"، فإنه يقتضي الفور، وتارة يتقيد بالتراخي، كما إذا قال له: \"سافر رأس الشهر\" فإنه يقتضي التراخي، فإذا أمره بأمر مطلق من غير تقييد بفور ولا بتراخٍ، فإنه يكون محتملًا لهما، وما كان محتملًا لشيئين، فلا يكون مقتضيًا لواحد منهما بعينه) (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٢٥٤). وانظر: \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد والسعد\" (٢/ ٨٤).\n(^٢) انظر: \"مفتاح الوصول\" للتلمساني (ص ١٨).","vol":"2","page":288},{"text":"ب - ومما استدلوا به أنه لو قال والد لولده: افعل هذا الفعل الآن، أو افعل هذا الفعل غدًا، لم يكن متناقضًا في الحالتين وكان ذلك مقبولًا منه، ولو كان الأمر مقتضيًا للفور لكان لفظ \"الآن\" في الأولى لغوًا، ولفظ \"غدًا\" في الثاني نقضًا لمعناه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-536>مسلك القائلين بالفور:</span>\nأ - جاء فيما استدل به أهل هذا المذهب: أن كل مخبر بكلام خبري: كالقائل: زيد قائم، وعمرو في الدار، وكلُّ منشئٍ: كالقائل: بعت فلانًا، وهي طالق: فإنما يقصد الزمان الحاضر عند الإطلاق عن القرائن حتى يكون موجدًا للبيع والطلاق بما ذكر، فكذلك الأمر، إلحاقًا له بالأعم الأغلب. والجامع بينه وبين الخبر: أن كلًا منهما من أقسام الكلام، وبينه وبين سائر الإنشاءات التي يقصد بها الحاضر، كون كل منهما إنشاء (^٢).\nولم يسلم هذا الدليل لأصحابه، وذلك لسببين:\nأولهما: أنه قياس في اللغة، لأن فيما قالوه قياسًا للأمر في إفادته للفور على غيره من الخبر والإنشاء. والقياس في اللغة - كما هو معلوم - غير جائز.\nالثاني: أن الأمر يفترق عن غيره من الخبر والإنشاء، وذلك أن الأمر فيه دلالة على الاستقبال قطعًا، فلا يمكن توجهه إلى الحال؛ لأن الحاصل لا يطلب، والاستقبال الذي يتوجه إليه الأمر؛ إما المطلق، وإما الأقرب إلى الحال، وكلاهما في حيز الاحتمال، فلا يصار إليه إلا الدليل.\n_________\n(^١) ومما استدل به أيضًا - كما يذكر الشوكاني - أن أهل اللغة قالوا: لا فرق بين قولنا: \"تفعل\" وبين قولنا: \"افعل\"، إلا أن الأول خبر، والثاني إنشاء، ولكن قولنا \"تفعل\" لا إشعار له بشيء من الأوقات، فإنه يكفي في صدقه الإتيان به في أي وقت كان، فكذلك الأمر، وإلا لكان بينهما فرق سوى كون أحدهما خبرًا والثاني إنشاء. انظر: \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٤).\n(^٢) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد\" و\"السعد\" (٢/ ٨٤ - ٨٥)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١٦).","vol":"2","page":289},{"text":"وهكذا يكون ما قالوه قياسًا في اللغة وهو غير جائز فيما لو كان الأمر غير مختلف الحكم مع ما قيس عليه، فكيف والمقيس مع المقيس عليه مفترقان (^١)؟.\nب - ومما استدلوا به أيضًا: أن النهي يفيد الفور، فكذا الأمر، والجامع بينهما أن كلًا منهما طلب.\nوقد وقعوا في هذا الدليل بما وقعوا في سابقه من القياس في اللغة وهو غير جائز.\nثم إن الفور ضروري في النهي، لأن المطلوب في النهي - كما أشرنا في مبحث التكرار - الترك باستمرار، والمطلوب في الأمر ليس كذلك (^٢).\nوأيضًا: فإن الامتثال بترك المنهي عنه، هو المطلوب بالنهي، وترك المنهي عنه لا يتحقق إلا بأن يكون الترك في كل الأوقات، لا أن النهي يفيد الفور؛ فالنفور ضروري في الامتثال للنهي، وليس هو المدلول للنهي (^٣).\nج - ولقد رأى القائلون بالفور في ذم إبليس على ترك المبادرة بالسجود، حين أمر فلم يفعل: دليلًا على ما يريدون. وبيان ذلك إن الله تعالى ذم إبليس بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] والذم إنما كان بسبب عدم المبادرة، فدل ذلك على أن الفور هو مدلول الأمر، وإلا لم يكن هنالك مجال لذم. إبليس على عدم مبادرته بالسجود (^٤).\nوقد يسلم هذا الدليل لأصحابه، لو أن الأمر مطلق غير مقيد بوقت\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨٤ - ٨٥)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١٦)، \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٤).\n(^٢) انظر المصدر السابق: (ص ٩٤) فما بعد.\n(^٣) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد\" و\"السعد\" (٢/ ٨٤)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١٦) \"إرشاد الفحول\" (ص ٩٤).\n(^٤) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد والسعد\" (٢/ ٨٤).","vol":"2","page":290},{"text":"معين، ولكن السجود المطلوب، كان بوقت معين هو وقت تسوية آدم ونفخ الروح فيه، حيث قال جلَّ ذكره: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر: ٢٩]. وقد امتثل الملائكة فسجدوا، وفوَّت إبليس الامتثال، فلم يسجد في هذا الوقت الذي عُيِّن للسجود، فجاء الذم من ترك الامتثال في ذلك الوقت المعين. قال ابن أمير الحاج: (فامتناع تأخير السجود عن زمان التسوية والنفخ، مستفاد من امتناع تأخير المظروف عن ظرفه الزماني لا من مجرد الأمر) (^١).\nد - ونسير مع القائلين بالفور، لنراهم يستدلون أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (^٢) وقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] (^٣) ووجه الاستدلال أن المقصود بالمغفرة في النص الأول سببها، وهو فعل المأمور به، لأن المغفرة نفسها ليست من مقدور العبد.\nفيكون في الآية، أمر بالمسارعة إلى الطاعة والامتثال، بفعل المأمور به، وذلك بفعل الخيرات التي جاء الأمر باستباقها في النص الثاني، وعلى هذا: فمن الواجب المسارعة إلى هذا الخير واستباقه، وإنما يتحقق ذلك بفعل المأمور به على وجه الفور (^٤).\nغير أن الآخرين يحملون الأمر بالمسارعة والاستباق في الآيتين على الأفضلية، لا على الوجوب، وقالوا من ذلك: إنه لو حمل الأمر على الوجوب هنا: لوجب الفور، فلم يكن هناك مسارعة ولا استباق؛ لأنهما إنما يتصوران حيث يكون في المأمور به فسحة وتوسع، لا أن يكون فيه ضيق وتقييد (^٥)،\n_________\n(^١) راجع: \"التقرير والتحبير شرح التحرير\" (١/ ٣١٧).\n(^٢) انظر ما سلف: (٢/ ٢٨٣).\n(^٣) انظر ما سلف: (٢/ ٣٨٤).\n(^٤) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"شرح العضد\" و\"حاشية السعد\" (٢/ ٨٤)، \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٤٥)، \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (١/ ٤٦).\n(^٥) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١٧).","vol":"2","page":291},{"text":"وكما ذكر القاضي العضد: (لا يقال لمن قيل له: صم غدًا، فصام، أنه سارع إليه أو استبق) (^١).\nهذه هي أهم الأدلة التي جاء بها القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي الفور، وقد رأيت، كيف أن أهل المذهب الأول قد أوردوا على كل منها ما منع الاستدلال به، أو أضعفه على الأقل.\n\n<span data-type='title' id=toc-537>رأينا في الموضوع:</span>\nهذا: وقد ظهر مما تقدم أن السلك الذي ينتظم الاتجاه في مسألة دلالة الأمر على الوحدة أو التكرار، كما ينتظم الاتجاه في مسألة دلالته على الفور أو التراخي: إنما هو كون الأمر لمجرد الطلب - كما ثبت لدى الجمهور - وأن الوحدة والتكرار، والفور والتراخي، أمور خارجة صالحة لأن يقيد بها عن طريق القرائن.\nولذا فإننا نميل في مسألة الفور والتراخي، إلى ما اعتبر المذهب المختار عند الحنفية والصحيح عند الشافعية ومن معهم؛ وهو أن الأمر المجرد لا يدل على فور أو تراخ، وإنما يدل على مطلق الطلب: لأنه ليس في لفظ الأمر المجرد عن القرينة ما يقتضي وجوب التعجيل بفعل المأمور به، ولا ما يقتضي جواز التأخير، فكان لا بد من الاعتماد على القرائن لتحديد المجال الزمني الذي يبرأ المكلف عن العهدة إذا امتثل فيه.\nوحسنٌ ما أوضحه صاحب \"منهاج الوصول\" من الزيدية حيث قال: (والحق عندي في هذه المسألة؛ أن لفظ الأمر إنما وضع لمجرد الطلب. والفورُ والتراخي، ونحوهما من التكرار والمرة، موقوفة على القرائن الخارجة عنه، حاليةً كانت، أم مقاليةً، لأنه ليس في لفظ الأمر مع تجرده عن القرائن ما يقتضي وجوب التعجيل، ولا ما يقتضي جواز التأخير، فوجب أن يعتمد في ذلك على القرائن فيختلف الحال بحسبها).\n_________\n(^١) راجع: \"العضد على مختصر المنتهى\" (٢/ ٨٤) مع السعد.","vol":"2","page":292},{"text":"ثم قال: (ولهذا حُكم بأن الحج على التراخي بقرينةٍ، هي تراخيه ﷺ بعد نزول آية الحج، وحكم على غيره بأنه للفور بقرينة (^١).\nفإن تجرد عن القرائن: أفاد مجرد الطلب لا غير، فمتى أتى المكلف بالمطلوب فقد امتثل في أي وقت فعل ذلك) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-538>المطلب السابع دلالة الأمر الوارد بعد المنع والتحريم</span>\nفي صدر هذا الموضوع: عرضنا لمذاهب العلماء في مدلول الأمر من ناحية الوجوب أو غيره، وكان الأمر الذي تحدثنا عنه هو غير المسبوق بمنع المأمور به وتحريمه.\n_________\n(^١) ذهب إلى أن الحج واجب على الفور: مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف، ومن أهل البيت: زيد بن علي والهادي والمؤيد بالله والناصر وكذلك ابن حزم.\nوقال الشافعي والأوزاعي ومحمد بن الحسن وأبو حنيفة في رواية، ومن أهل البيت: القاسم بن إبراهيم وأبو طالب: أنه على التراخي.\nومن أهم ما استدل به الفريق الأول ما رواه الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: \"تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له\" واستدل ابن قدامة أيضًا بأن الأمر يقتضي الفور. ومن أهم ما استدل به الفريق الآخر أن فريضة الحج نزلت بعد الهجرة وأمّر رسول الله أبا بكر على الحجيج، وتخلف هو عن الحج بالمدينة بعد منصرفه من تبوك، لا محاربًا ولا مشغولًا، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج، وأزواج رسول الله ﷺ، ولو كان الوجوب للفور لما حصل التخلف.\nوانظر في المذهبين: \"الأم\" للشافعي (٢/ ١٠٠ - ١٠١)، \"المهذب\" للشيرازي (١/ ١٩٩)، \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٥١ - ٥٢)، \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٤٠) فما بعدها، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" و\"العناية\" (٢/ ١٢٣) فما بعدها، \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" للدردير (٢/ ٣ - ٤)، \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٤/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(^٢) راجع: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" (ص ١٧)، مخطوطة دار الكتب المصرية، وانظر: \"أصول فخر الإسلام البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١٦).","vol":"2","page":293},{"text":"ولكن الأوامر ليست كلها كذلك. فكثيرًا ما تُطالع الباحث في دلالات الألفاظ على الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، نصوص يرد الأمر فيها مسبوقًا بمنع المأمور به وتحريمه، كما في أمر المتحللين من الإحرام بالاصطياد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] (^١) فإنه وارد بعد المنع منه في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١].\nوكما في الأمر بأدخار لحوم الأضاحي بعد النهي عنه في قول الرسول ﷺ: \"إنما نهيتكم من أجل الدافّة، فكلوا وادخروا وتصدقوا) (^٢) وذلك بعد نهيت: \"نهيت أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث\".\nفالأمر بالادخار سبقه النهي عنه - كما هي نص الحديث -.\nولقد كانت للعلماء مذاهب في دلالة الأمر بعد أن يسبقه التحريم، نعرض لأهمها فيما يلي:\nأ - فالقائلون بأن موجَب الأمر قبل التحريم: هو الندب، أو الإباحة، فهو عندهم بعد التحريم كذلك، ولا حاجة إلى تجديد البحث في هذا المسلك.\nب - أما القائلون بأن موجب الأمر قبل الحظر: هو الوجوب، فقد اختلفوا على ثلاثة مذاهب:\nالأول: القول بأن الأمر الوارد على هذه الشاكلة: يدل على الإباحة.\nالثاني: القول بأن الأمر الوارد بعد الحظر والتحريم: يدل على الوجوب.\nالثالث: القول بأن الأمر الوارد بعد الحظر والتحريم: يدل على ما كان عليه من قبل ورود المنع.\n_________\n(^١) قال الزمخشري: \"فاصطادرا\" إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادرا: \"الكشاف\": (١/ ٤٦٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٤٧٥٣) والشيخان وأبو داود والترمذي وغيرهم. من حديث برواية عائشة ﵂، البخاري (٥٥٧١)، مسلم (١٩٧٧)، أبو داود (٣٨١٢)، الترمذي (١٥١٠).","vol":"2","page":294},{"text":"ج - أما أرباب الوقف: فعندهم جديد، سنراه في عرضنا لرأي كل من إمام الحرمين والغزالي والآمدي.\n\n<span data-type='title' id=toc-539>القول بالإباحة:</span>\nأما القول بالإباحة: فهو المروي عن الشافعي وعدد من أصحابه وقد نقله عن الشافعي - كما ذكر الإسنوي - القيرواني في كتاب \"المستوعب\" - وابن التلمساني في \"شرح المعالم\"، والأصفهاني في \"شرح المحصول\" (^١).\nكما نقله ابن برهان والآمدي أيضًا عن أكثر الفقهاء (^٢)، ورجحه ابن الحاجب في \"مختصر المنتهي\" (^٣)، والتلمساني في \"مفتاح الوصول\" (^٤)، ونسبه السالمي إلى الإباضية (^٥).\nوقد احتج العلماء لهذا القول، بأن الغالب في عرف الشارع استعمال الأمر بعد الحظر للإباحة كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] بعد قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فالأمر بالانتشار في الأرض بعد الصلاة طلبًا للرزق من طريق البيع وغيره: إنما كان للإباحة عند الجمهور، وقد جاء بعد المنع في قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (^٦).\nوكقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] بعد المنع من الاصطياد في قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وقد أشرنا إلى ذلك آنفًا.\nوكقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالأمر بالإتيان بعد تطهر الزوجة للإباحة وقد جاء بعد المنع من القربان في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\n_________\n(^١) راجع: \"نهاية السول للإسنوي شرح منهاج البيضاوي\" (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(^٢) انظر: \"الإحكام\" الآمدي (٢/ ٢٦).\n(^٣) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد\" و\"السعد\" (٢/ ٩١).\n(^٤) انظر: (ص ١٦).\n(^٥) راجع: \"طلعة الشمس\" (١/ ٤٦).\n(^٦) انظر ما سلف (٢/ ١٩٧)، \"فتح الباري\" لابن حجر العسقلاني (٢/ ٣٥٦).","vol":"2","page":295},{"text":"ومثل ذلك ما جاء في الحديث من قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" (^١).\nفالأمر بزيارة القبور هنا للإباحة، وقد جاء بعد منع الرسول منها كما هو نص الحديث (^٢).\nومثله أيضًا ما أشرنا إليه من حديث ادخار لحوم الأضاحي حيث جاءت الإباحة بعد نهيه ﵊ عنه.\nوإذا كان الغالب في عرف الشرع استعمال الأمر بعد المنع والتحريم للإباحة، فذلك يدل على أن ورود الأمر بعد الحظر، قرينة على صرف الأمر عن الوجوب للإباحة، لأنه المتبادر إلى الفهم، وهو حاصل بالإباحة. والوجوبُ أو الندبُ لا بد له من دليل.\nويضاف إلى ذلك، أن عجز المأمور قرينة دالة على أن المقصود ظهور عجزه، لا وجود الفعل، فصار كأن الآمر قال: قد كنت منعتك فرقعت من كذا، فرفعت ذلك المنع، وأذنت لك فيه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-540>القول بالوجوب:</span>\nأما القول بالوجوب: فهو قول ابن حزم وعامة متأخري الحنفية، بل عزاه عبد العزيز البخاري في \"كشف الأسرار\" إلى عامة القائلين بالوجوب قبل الحظر وذلك قوله: (واعلم أن جمهور الأصوليين على أن موجب الأمر المطلق قبل الحظر وبعده سواء، فمن قال بأن موجبه التوقف أو الندب أو\n_________\n(^١) من حديث أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٩٧٧) من رواية بريدة، وفي لفظ للترمذي (١٠٥٤): \"قد كنت نهيتكم من زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة\". وانظر: \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٧/ ٤٦)، \"منتقى الأخبار\" مع \"نيل الأوطار\" (٤/ ١١٧).\n(^٢) وقال ابن حزم: هي فرض ولو مرة \"المحلى\" (٥/ ١٦٠).\n(^٣) راجع: \"مفتاح الوصول\" للتلمساني (ص ١٦)، \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد\" و\"السعد\": (٢/ ٩١ - ٩٧)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٠٨).","vol":"2","page":296},{"text":"الإباحة قبل الحظر فكذلك يقول بعده، ومن قال بأن موجبه الوجوب قبل الحظر، فعامتهم على أن موجبه الوجوب بعد الحظر أيضًا) (^١). وقد أوضح ابن حزم مذهبه بقوله: (فإذا نسخ الحظر نظرنا فإن جاء نسخه بلفظ الأمر، وجب فعله بعد أن كان حرامًا) (^٢).\nوممن قال بالوجوب أيضًا القاضي أبو الطيب الطبري، وأبو إسحاق الشيرازي، والإمام الرازي والبيضاوي والإسنوي، ونقله ابن برهان في \"الوجيز\" عن القاضي، كما نقله الآمدي عن المعتزلة (^٣) ونسبه صاحب \"غابة السول\" إلى الزيدية (^٤).\nوقد احتج أصحاب هذا القول: بأن مقتضى الوجوب قائم؛ إذ الأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، فالوجوب هو الأصل، ومجيء الأمر بعد الحظر لا يصلح قرينة على صرفه من إفادة الوجوب إلى غيره فوروده بعد الحرمة، لا يعارض ما ثبت له من الوجوب، فوجب حملة على ما دل عليه قبل المنع، عملًا بالمقتضى السالم عن المعارضة، لأنه كما جاز الانتقال من المنع إلى الإذن: جاز الانتقال منه إلى الإيجاب وقد ثبتت دلالة بعض الأوامر على الوجوب، مع ورودها بعد الحظر والتحريم كقول الله جلَّ وعلا: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فإن الأمر بقتال المشركين وارد بعد تحريمه في الأشهر الحرم، والاتفاق حاصل على أن هذا الأمر للوجوب وكقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] بعد قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ\n_________\n(^١) راجع: \"كشف الأسرار على أصول البزدوي\" (١/ ١٢٠).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم: (٢/ ٧٦ - ٧٨) وسيأتي رده المسهب على المقائلين بالإباحة وأنها مدلول عليها من استقراء النصوص.\n(^٣) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٦٠)، \"المنهاج للبيضاوي مع شرحه للإسنوي\" (١/ ٢٦٨)، \"جمع الجوامع\" مع \"شرحه\" للمحلي (١/ ٣٧٨)، \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٠٧).\n(^٤) انظر: \"غاية السول في أصول الزيدية\" (ص ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"2","page":297},{"text":"فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب]، فالانتشار في هذه الآية هو الخروج عن بيوت النبي ﷺ، وهو فرض. فلا يحل لهم القعود بعد أن يطعموا ما دعوا إلى طعامه. وكجوابه ﷺ لفاطمة بنت حبيش حين جاءته فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ حيث قال: \"لا إنما ذلك دم عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي\" (^١) ولا شك أن أمر الرسول صلوات الله عليه لفاطمة بعد انتهاء الحيضة للوجوب، وهو وارد بعد الحظر والتحريم الذي ثبت في الحديث نفسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-541>جوابهم عن النصوص التي كان الأمر فيها بعد الحظر للإباحة:</span>\nوقد أجاب هؤلاء عن بعض النصوص التي كان الأمر فيها بعد الحظر للإباحة - ومنها ما أوردناه آنفًا: أن المثال الجزئي لا يصح قاعدة كلية.\nكما أن الإباحة في هذه النصوص، إنما فهمت بقرائن أخرى غير التحريم الذي سبقها، حتى لو لم يسبق هذا التحريم، لفُهمت الإباحة أيضًا من تلك القرائن. فالاصطياد بعد التحلل من الإحرام وغيرُه من الأحكام التي تثبت بتلك النصوص، إنما هي أحكام شرعت حقًّا للعبد، فلو وجبت لصارت حقًّا عليه لله تعالى، فيعود الأمر على موضوعه بالنقض قال عبد العزيز البخاري في بيان ذلك: (ولهذا لم يحمل الأمر بالكتابة عند المداينة، ولا الأمر بالإشهاد عند المبايعة على الإيجاب، وإن لم يتقدمه حظر لئلا يصير حقًّا علينا بعدما شرع حقًّا لنا) (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عن عائشة ﵂ بألفاظ مختلفة: البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٢٣٣)، والنسائي (٢١٢)، وأبو داود (٢٨٢)، والترمذي (١٢٥)، وابن ماجه (٦٢١).\n(^٢) راجع: \"كشف الأسرار على البزدري\" (١/ ١٢١)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٠٧) \"أُصول الفقه\" لزكي الدين شعبان (ص ٨٦ - ٨٧).","vol":"2","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-542>موقف ابن حزم من هذه النصوص:</span>\nذكر ابن حزم من نصوص القائلين بأن الأمر بعد الحظر للإباحة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقوله ﵇: \"كنت نهيتكم من زيارة القبور فزوروها\" (^١) \"وعن الانتباذ في الظروف فانتبذوا\" (^٢) وقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوإذا كان القائلون بالوجوب بعد الحظر، قد أرجعوا دلالة الأمر على الإباحة في هذه النصوص وغيرها إلى قرائن أخرى، فإن ابن حزم أوضح أن بعضها قامت الإباحة فيه على الدليل، وبعضها لم يسلّم مع الآخرين أن الأمر فيه للإباحة، وإنما هو للوجوب. وأبو محمد يسلم بغير الوجوب إذا قام عليه الدليل، ولكنه ينكر العدول عن البرهان إلى الهوى والرأي الفاسد: قال في \"الإحكام\": (وأما الأوامر التي ذكرنا من قبل فإن دلائل النصوص قد صحت على أنها ندب، ونحن لا نأبى الإقرار بما أتى به نص، بل نبادر إلى قبوله، وإنما ننكر الحكم بالآراء الفاسدة والأهواء الزائفة بغير برهان من الله ﷿.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] يرى ابن حزم أن الذي أفهمنا دلالة الأمر على الإباحة في هذه الآية هو فعل الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإن رسول الله حل من عمرته ومن حجه، ولم يصطد؛ فعلمنا أنه ندب وإباحة.\nأما في قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فقد فسر ابن حزم الأمر بما صح عن النبي ﷺ: \"أن\n_________\n(^١) انظر ما سلف (٢/ ٢٩٩).\n(^٢) روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ (٢٥٥٤٤) قال: نهى رسول الله ﷺ عن النبيذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت ثم قال بعد ذلك: \"ألا كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية فاشربوا فيما شئتم ولا تشربوا مسكرًا من شاء أوكي سقاءه على إثم\" ومثله عن أنس. وانظر للكلام عن المذاهب في الانتباذ. \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٨/ ١٩٤) فما بعدها.","vol":"2","page":299},{"text":"الملائكة لا تزال تصلي على المرء ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه ما لم يحدث\" (^١) ولم يخص صلاة من صلاة، بحيث شمل صلاة الجمعة وغيرها مع أن الصلاة التي ورد الأمر بالانتشار بعدها هي صلاة الجمعة، فصح أن الانتشار مباح، إلا للحدث، والنظر في مصالح نفسه وأهله: فهو فرض.\nوفي قوله ﷺ بعد النهي عن زيارة القبور: \"إلا فزوروها\" بيّن ابن حزم أن الفرض لا يكون إلا محدودًا، أو موكولًا إلى المرء ما فعل منه، أو محمولًا على الطاقة والمعروف، وليس في زيارة القبور نص بشيء من هذه الموجوه. ثم لو كان فرضًا: لكان زائرها مرة واحدة قد أدى فرضه في ذلك لما تقدم من إبطال التكرار.\nوعن أمر الرسول ﷺ بالانتباذ بعد نهيه عنه، قرر ابن حزم ما ثبت أن الرسول لم ينتبذ وإنما كان ينتبذ له، فصح أن الانتباذ ليس فرضًا ولكنه إباحة.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] اعتبر ابن حزم الأمر في هذا النص للوجوب؛ فالمباشرة من الرجل لزوجته فرض ولا بد، ولا يحل له هجرها في المضجع، ولا الامتناع من وطئها إلا بتجافيها له عن ذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-543>القول بالوقف:</span>\nهذا ولم يخلُ الأمر بعد الحظر من القول بالوقف في دلالته حتى يرد البيان، ولكن كان ذلك على وجوه متعددة، كما سنرى عند إمام المحرمين والغزالي والآمدي، حيث وعدنا بذلك من قبل.\nأ - فإمام الحرمين صريح في هذا التوقف دون أي تفصيل، وقد قال في \"البرهان\" بعد الحديث عما نحن فيه: (والحق عندي الوقف في هذه القضية، فلا يمكن القضاء على مطلقها، وقد قام الحظر بالإيجاب\n_________\n(^١) انظر: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٧٦ - ٧٨).\n(^٢) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" (٣/ ٧٦ - ٧٨).","vol":"2","page":300},{"text":"وبالإباحة، فلئن كانت الصيغة في الإطلاق موضوعة للاقتضاء، فهي مع الحظر مشكلة فتعين الوقوف إلى البيان) (^١).\nب - أما الغزالي: فالمختار عنده التفريق بين حالتين:\nأولهما: ما إذا كان الحظر السابق عارضًا لعلة وعلقت صيغة \"افعل\" بزوالها.\nالثانية: ما إذا لم يكن الحظر السابق لعلة، ولا صيغة \"افعل\" علقت بزوالها.\nفإذا كان الحظر السابق عارضًا لعلة وعلقت صيغة \"افعل\" بزوالها كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط، حتى يرجع حكمه إلى ما قبله، وإن احتمل أن يكون رفع هذا الحظر بندب وإباحة، لكن الأغلب ما ذكرناه، كقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وكقوله ﷺ: \"كنت نهيتكم من لحوم الأضاحي فادخروا.\nأما إذا لم يكن الحظر عارضًا لعلة، ولا صيغة \"افعل\" علقت بزوالها: فيبقى موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب والإباحة، قال الغزالي: (ونزيح هاهنا احتمال الإباحة، ويكون هذا قرينة تزيح هذا الاحتمال وإن لم تعينه. إذ لا يمكن دعوى عرف الاستعمال في هذه الصيغة حتى يغلب العرف الوضع) (^٢).\nوهذا التفريق بين الحالتين عند الغزالي منوط بما إذا ورد الأمر بصيغة \"افعل\" فإذا لم ترد صيغة \"افعل\" لكن قال مثلًا: فإذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد، فهذا في نظر أبي حامد يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة لأنه عرف في هذه الصورة، وقوله: \"أمرتكم بكذا\" يضاهي قوله: \"افعل\" في جميع المواضع لا في هذه الصورة وما يقرب منها (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"البرهان\" (١/ لوحة ٦٠/ أ) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٢) راجع: \"المستصفى \" (١/ ٤٣٥) مع \"مسلم الثبوت\".\n(^٣) راجع: \"المستصفى\" (١/ ٤٣٥).","vol":"2","page":301},{"text":"ج - أما أبو الحسن الآمدي: فقد جعل صيغة الأمر بعد الحظر مترددة بين الإباحة والوجوب، وسواء أقلنا بالتساوي، أم بوجوب الترجيح؛ فالتوقف لا بد منه. وكان اختياره لهذا المسلك قائمًا على أن صيغة \"افعل\" إذا وردت بعد الحظر، احتمل أن تكون مصروفة إلى الإباحة ورفع الحجر، واحتمل أن تكون مصروفة إلى الوجوب.\nأما الأول: فكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وكما في قوله ﷺ: \"كنت نهيتكم من ادخار لحوم الأضاحي فادخروا\".\nوأما الثاني: فقد مثل له الآمدي بما لو قيل للحائض: إذا زال عنك الحيض فصلي وصومي (^١).\nوإذ انتهى الآمدي من هذه الوقفة أمام نصوص بعضُها يحتمل الإباحة وبعضُها يحتمل الوجوب: انتقل بنا إلى مرحلة ثانية يستكمل فيها أن التوقف لا بد منه، وهي حال احتمال الإباحة واحتمال الوجوب، ففي هذه الحال: إما أن يقال: بتساوي الاحتمالين، أو بترجيح أحدهما على الآخر.\nفإن قيل: بالتساوي، امتنع الجزم بأحدهما، ووجب التوقف.\nوإن قيل: بوجوب الترجيح وامتناع التعارض من كل وجه، فليس اختصاص الوجوب بالترجيح أولى من الإباحة إلا أن يقوم دليل على تخصيص الوجوب بذلك، والأصلُ عدمه، وعلى هذا أيضًا يجب التوقف.\nولقد أكد الآمدي استبعاد الصرف إلى الوجوب في هذه الحال بقوله: (كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح، نظرًا إلى غلبة ورود مثل ذلك للإباحة دون الوجوب، وعلى كل تقدير فيمتنع الصرف إلى الوجوب) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"الإحكام\" (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"2","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-544>رأي الإسنوي في حقيقة مذهب الآمدي وما نراه في ذلك:</span>\nلقد عدّ الإسنوي أبا الحسن الآمدي من القائلين بالتوقف في هذه المسألة، ثم قرر أن صاحب \"الإحكام\" له مع ذلك ميل إلى الإباحة، وقد أخذ الإسنوي هذا الميل من قول الآمدي: (واحتمال الإباحة أرجح نظرًا لغلبته).\nوالذي في \"الإحكام\" - كما نقلنا عبارة الآمدي من قبل - هو (كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح). فالاحتمال الذي يعنيه الآمدي، ليس احتمال الإباحة مطلقًا، ولكنه احتمال الحمل عليها نظرًا إلى غلبة ورود مثل ذلك للإباحة دون الوجوب.\nوعلى كلٍّ: فقد قرر الآمدي بعد ذلك - بما لا يحتمل الشك - أنه يقول بالتوقف، ويعتبره الأصح، وذلك ما عناه بقوله: (وبالجملة فهذه المسألة مستمدة من مسألة أن صيغة \"افعل\" إذا وردت مطلقة هل هي ظاهرة في الوجوب، أو الندب، أو موقوفة؟) فربَط هذه المسألة بمسألة ورود \"افعل\" مطلقة دون أن يسبقها حظر.\nونعود إلى ما نقلناه عن مذهبه في دلالة الأمر من قبل لنراه يقول: (ومنهم من توقف: وهو مذهب الأشعري ﵀، ومن تابعه من أصحابه كالقاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما، وهو الأصح (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-545>رأينا في دلالة الأمر بعد الحظر والتحريم:</span>\nهذا: وبعد عرضنا لمذهب القول بالإباحة، والقول بالوجوب، ثم القول بالتوقف، نلاحظ أن النصوص التي كانت مستند الاحتجاج لا تعطي بمجموعتها جزمًا بوجوب أو إباحة، لأن منها ما دل الأمر فيه بعد الحظر على الإباحة، ومنها ما دل فيه على الوجوب، وإن كانت نصوص الإباحة تبدو أكثر لدى الاستقراء، ولا يعني ذلك أن المخرج هو القول بالتوقف،\n_________\n(^١) راجع: المصدر السابق (٢/ ٢٦٠).","vol":"2","page":303},{"text":"لأن وجود نصوص تعطي الإباحة، ونصوصٍ تعطي الوجوب، ليس مقتضاه تجميدَ هذه النصوص بنوعيها في انتظار بيان جديد.\nولكن الذي يفرضه واقع دلالة الأمر بعد الحظر في هذه النصوص - وهو ما نختاره رأيًا في الموضوع - أن الأمر في هذه الحال يدل على رفع الحظر والتحريم، ورجوع المأمور به إلى الحكم الذي كان له قبل ورود الحظر، من إباحة، أو وجوب، أو غيرهما.\nوذلك ما اختاره ابن الهمام وصرح به في \"التحرير\" (^١) ذلك لأن الاستقراء للأوامر الواردة بعد الحظر والتحريم، يدل على أن حكم المأمور به هو الحكم الذي كان ثابتًا له قبل ورود الحظر والتحريم، والمتتبع لكتب الأحكام يجد الكثير من الأمثلة على ما نقول.\nففيما ذكرناه آنفًا نجد مجموعة من الأحكام، منها الصباح، ومنها الواجب وهي أحكام دل عليها الأمر بعد الحظر، وكانت ثابتة للمأمور به قبل أن يرد الحظر.\n١ - من ذلك: الاصطياد فإنه كان صباحًا ثم منع الشارع منه في حالة الإحرام بحيث لا يحل للحاج وهو محرم أن يصطاد، ثم جاء الأمر بالاصطياد بعد التحلل من الإحرام والانتهاء منه بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقد أسلفنا من قبل اتفاق العلماء على أن الأمر في الآية للإباحة، وهو الحكم نفسه الذي كان ثابتًا للاصطياد قبل أن يرد عليه الحظر والتحريم.\nوقد جاء حكم الإباحة للاصطياد في مجموعة من الأحكام الأخرى على لسان عدد من التابعين منهم: عطاء ومجاهد، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: (خمس آيات من كتاب الله رخصة وليست بعزيمة ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨] فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٠٨).","vol":"2","page":304},{"text":"[المائدة: ٢] من شاء فعل ومن لم يشأ لم يفعل، ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فمن شاء صام ومن شاء أفطر ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] إن شاء كاتب وإن شاء لم يفعل، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] إن شاء انتشر وإن شاء لم ينتشر) (^١). وقد ورد مثل ذلك عن مجاهد.\n٢ - ومن ذلك أيضًا: زيارة القبور لتذكر الآخرة والاتعاظ بالموت، فإنها من المستحب - وقد نهى الرسول عنها لحكمة تتعلق بالبعد عما قد يتصل بمظاهر الوثنية وعادات الجاهلية، ويعد هذا النهي أمر بها من جديد حيث قال: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة\" (^٢) ومن المتفق عليه عند الجمهور أن زيارة القبور مستحبة وليست بواجب - ونقلنا تفصيلًا في ذلك عن ابن حزم (^٣) - والندبُ الذي دل عليه الأمر بعد الحظر: هو حكم الزيارة نفسُه قبل ورود النهي.\n٣ - ومنه: قتال المشركين، وهو من الواجبات المعلومة في الشريعة، وقد منع منه الشارع في الأشهر الحرم - كما أسلفنا - ثم أمر به بعد انقضاء تلك الأشهر بقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وليس من خلاف بين العلماء في أن قتال المشركين بعد انقضاء الأشهر الحرم واجب أخذًا من الأمر به بعد الحظر. وهذا الرجوب هو الحكم نفسه الذي كان ثابتًا له قبل المحظر والتحريم، ولا يسقط عن المكلف إلا بعذر مشروع.\n٤ - ومنه: الصلاة بالنسبة للحائض بعد أن تطهر، فإن الصلاة في الأصل واجبة، وجاء الحديث بنهي الحائض عن الصلاة أيام أقرائها وبعد هذا الحظر أمرها الرسول ﷺ بأن تصلي وذلك بقوله: \"فإذا أدبرت فاغسلي\n_________\n(^١) راجع: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٢٥٥).\n(^٢) انظر ما سلف: (٢/ ٢٩٦).\n(^٣) راجع: \"الإحكام\" (٢/ ٥١ - ٥٢)، \"المحلى\" لابن حزم (٥/ ١٦٠).","vol":"2","page":305},{"text":"عنك الدم وصلي\" فهذا الأمر بعد الحظر دل على وجوب الصلاة للحائض، وهو نفس الحكم الذي كان ثابتًا للصلاة قبل الحظر والتحريم.\nوهكذا نرى مما تقدم: أن الحظر قرينة دالة على رفع الحكم الذي كان ثابتًا للمأمور به قبل وروده. فإذا زال الحظر انتفى المانع الذي منع من الحكم السابق، فيبقي ما كان من قبل، سواء أكان إباحة أم وجوبًا، حتى كأن الشارع قال - كما ذكر ابن أمير الحاج -: قد كنت منعت من كذا وقد رفعت ذلك المنع، واستمر ما كان مشروعًا قبل المنع على الوجه الذي كان مشروعًا قبله (^١).\nهذا: وإن الجزم بمدلول الأمر - وهو الحكم نفسه الذي كان للمأمور به قبل المحظر كما دل عليه الاستقراء - يدفع القول بالتوقف القائم على التردد بين الإباحة والوجوب … وفي الوقت نفسه لا يرفع الفائدة التي يمكن أن تترتب على القول بالإباحة، أو القول بالوجوب؛ ذلك لأن الاتفاق حاصل تقريبًا على الأحكام التي تستنبط من النصوص المشتملة على أوامر واردة بعد الحظر.\nوإذا حصل خلاف ما، فمرده في الغالب إلى تقديم القرينة التي يمكن أن تصرف الوجوب إلى الإباحة مثلًا أو العكس، لأنه لا نزاع - كما قال التفتازاني - في الحمل على ما يقتضيه المقام عند انضمام القرينة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣١٨)، \"الإباحة\" للأستاذ سلام مدكور (ص ٢٤٧).\n(^٢) راجع: \"التلويح\" مع \"التوضيح\" (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-546>المبحث الثاني النهي</span>\n<span data-type='title' id=toc-547>المطلب الأول ماهية النهي ودلالته</span>\nذكرنا فيما قدمناه سابقًا ما لصيغ التكليف من أثر في تفسير النصوص واستنباط الأحكام، مرده إلى أن غالب الأحكام الشرعية قائم على طلب الفعل - وهو الأمر -، وطلب الكف - وهو النهي -. وقد عرضنا \"للأمر\" وأهم ما يتصل به من بحوث، وتعرض الآن \"للنهي\" وأهم ما يتعلق به كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-548>تعريف النهي:</span>\nالنهي هو: (القول الدال على طلب الامتناع من الفعل على جهة الاستعلاء).\nوهذا الطلب يكون بصيغة \"لا تفعل\"، وهي صيغة النهي المعروفة كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١، والإسراء: ٣٣] وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nويكون بما يجري مجراها كما في صيغة الأمر الدال على الكف، كقوله تعالى في شأن تلبية نداء الجمعة ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].\nوكما في مادة النهي مثل قوله سبحانه: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠]، وكما في الجمل الخيرية المستعملة في النهي، من طريق","vol":"2","page":307},{"text":"التحريم، أو نفي الحل كقوله تعالى في شأن المحرمات من النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء]، وقوله في شأن أخذ عوض من المطلقات: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة].\n\n<span data-type='title' id=toc-549>وجوه استعمال صيغة النهي:</span>\nوصيغة النهي في اللغة: حقيقة في طلب الترك واقتضائه - كما يقول الآمدي - ولكن ورد استعمالها على وجوه عدة (^١).\nمنها التحريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nوالكراهة: كقوله جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].\nوالإرشاد: كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].\nوبيان العاقبة كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢].\nوالدعاء: كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٢/ ٢٧٥).","vol":"2","page":308},{"text":"واليأس: كقوله جلَّ وعلا: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم: ٧].\nوالتحقير: كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه].\n\n<span data-type='title' id=toc-550>دلالة النهي:</span>\nلما كان النهي مقابلًا للأمر، فكما اختلف العلماء في دلالة الأمر المجرد عن القرائن، على الوجوب أو غيره، اختلفوا في دلالة النهي المجرد عن القرائن، على التحريم أو غيره، والمذاهب هناك هي المذاهب هنا على التقابل.\nفذهب الجمهور إلى أن النهي المطلق - وهو المجرد عن القرائن - يدل على تحريم المنهي عنه على وجه الحقيقة، ولا يدل على غير التحريم إلا بقرينة. فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] دل على تحريم زواج المسلم بالمشركات.\nوقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] دل على تحريم الاعتداء على أموال الآخرين.\nفإذا توافرت القرينة، صُرف النهي عن التحريم إلي ذلك الوجه الذي دلت عليه تلك القرينة، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فإن النهي في قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ محمول عند بعض العلماء على الكراهة (^١) وذلك لوجود القرينة التي صرفت النهي عن التحريم إلى الكراهة، وهي أن النهي عن البيع، ليس الحقيقته وذاته، وإنما هو للمخوف من الاشتغال به عن أداء الواجب من تلبية النداء والمبادرة إلى الجمعة، فسدًّا للذريعة، نهي المكلف ما قد يؤدي إلى إهمال ما هو واجب في حقه. ولذلك كان من لا يجب عليه حضور الجمعة، لا ينهي عن البيع والشراء.\nولو تتبعنا وجوه الاستعمال التي أتينا على ذكرها آنفًا: لرأينا أن النهي\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٨/ ١٠٨)، \"تفسير آيات الاحكام\" بإشراف السايس (٤/ ١٥٢).","vol":"2","page":309},{"text":"إنما دل على غير التحريم، لوجود القرينة الصارفة عن التحريم إلى غيره.\nوذهب بعض علماء الأصول إلى أن النهي المجرد عن القرائن، يدل على الكرامة على وجه الحقيقة، ولا يدل على التحريم إلا بقرينة.\nوذهب آخرون إلى أن النهي حقيقة في التحريم والكراهة على سبيل الاشتراك اللفظي، ولا يدل على واحد منهما إلا بالقرينة، كما ذهب البعض إلى التوقف؛ وذلك كالذي تقدم في الأمر. فما رأيناه من المذاهب هناك نراه هنا على طريق التقابل كما أسلفنا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-551>ما نرجحه في المسألة:</span>\nوالراجح في نظرنا هو ما ذهب إليه الجمهور، من دلالة النهي المطلق على التحريم، وهو ما يجب أن يكون الأساس في فهم ما ورد من النهي في نصوص الكتاب والسنة لاستنباط الأحكام؛ ذلك لأن النهي المجرد عن القرائن موضوع لغةً للدلالة حقيقة على طلب الترك على وجه المختم واللزوم - كما أشرنا من قبل - وعندما جاءت الشريعة التي أنزلت بلسان العرب، أحاطت عدم الانتهاء عما ينهى عنه، بإطار من الإلزام الشرعي إلى جانب الإلزام اللغوي، فمن يفعل المنهي عنه مهدد بالعقوبة، وموصوف بالعصيان والخروج على طاعة الله وطاعة رسوله؛ وذلك لأنه خالف ما طلب منه.\nوهكذا أصبح ما يدل عليه النهي لغة، من طلب الترك على وجه الحتم واللزوم، هو التحريم في العرف الشرعي. وعلى هذا: فمن الممكن أن نقرر أن دلالة النهي على التحريم، قائمة على اللغة والشرع.\nوإذا كانت النصوص واردة بلسان العرب وعلى مقتضيات الخطاب عندهم، والمناهي عاصٍ مرتكبُها محكوم عليه بالعقاب؛ فإن من الطبيعي أن\n_________\n(^١) قال العضد: (والخلاف في أنه - يعني النهي - هل له صيغة، وفي صيغته أهي ظاهرة في المنظر دون الكراهية أو بالعكس، أو مشتركة أو للمشترك، أو موقوفة كما تقدم في صيغة الأمر)، وأجمع: \"مختصر المنتهي\" مع \"العضد\" و\"السعد\" (٢/ ٩٥ - ٩٦) \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٢٩).","vol":"2","page":310},{"text":"يفسر نهي الله ونهي رسوله في النصوص، في ضوء اعتبار أن التحريم هو المعنى الحقيقي للنهي، وعدم صرف هذا المعنى إلى غيره إلا بقرينة، وذلك ما نجده عند الصحابة والتابعين، فإن الآثار المروية عنهم تدل على أنهم كانوا يحتجُّون بالنهي على التحريم، إلا إذا ثبت ما يصرف عنه إلى غيره (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-552>دلالة النهي على التكرار والمبادرة:</span>\nإذا كان الخلاف قد طال مداه في دلالة الأمر على الوحدة أو الكثرة، ودلالتِه على الفور أو التراخي: فإن الاتفاق حاصل تقريبًا بين الأصوليين على أن النهي يدل على طلب الكف عن المنهي عنه باستمرار، وعلى الفور الذي هو من مستلزمات الاستمرار، وقد صححه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما (^٢). ونقل عن ابن برهان الإجماع عليه (^٣).\nذلك لأن ما يدل عليه النهي من الترك الحتمي، لا يمكن أن يتحقق إلا باستغراق الأوقات كلها، خلافًا للأمر الذي يمكن أن يتحقق مدلوله بمرة.\nولكن يبدو أن هناك قلةً ذهبوا إلى أن النهي يدل على مطلق الكف من غير دلالة على الدوام والمرة، كما في الأمر، وهو عند الرازي في \"المحصول\" (^٤).\nوحجتهم في ذلك أن النهي قد يرد للتكرار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] وقد يرد الخلافه كقول الطبيب للمريض: (لا تشرب اللبن ولا تأكل اللحم) والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فيكون حقيقة في القدر المشترك.\nولكن هذا مردود بأن الأمر غير النهي من هذه الناحية. فالأمر كما أسلفنا - يمكن أن يتحقق مدلوله - وهو طلب الفعل - بمرة، بينما النهي لا يمكن\n_________\n(^١) راجع للشافعي في هذا \"الرسالة\" (ص ٣٤٣)، \"الأم\" (٨/ ٢٩٥ - ٢٦٧)، \"اختلاف الحديث\" (٢٣٨ - ٢٤١، ٢٥٤ - ٢٥٧)، وانظر: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ١٧ - ١٨).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٨٤)، \"مختصر المنتهي\" مع \"العضد\" و\"السعد\" (٢/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٣) انظر: \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٢٩).\n(^٤) راجع: \"شرح المنهاج\" للإسنوي (١/ ٢٩٧).","vol":"2","page":311},{"text":"أن يتحقق مدلوله - وهو طلب الامتناع عن الفعل - إلا بالاستمرار الذي هو التكرار ليستغرق الأوقات كلها، وهذا بطبيعة الحال يستلزم الفورية.\nثم إن عدم التكرار في المثال الذي أتوا به من كلام الطبيب، إنما كان لقرينة المرض، فكأن الطبيب يقول للمريض: لا تفعل كذا مدة المرض، والكلام في الأمر المجرد عن القرائن.\nويبدو أن الآمدي لم يعبأ بمخالفة القلة التي خالفت هذه المسألة فقال: (اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائمًا خلافًا لبعض الشاذين) (^١). وتابعه في ذلك العضد الإيجي فقال: (وقد خالف في ذلك شذوذ) (^٢) وقال ابن الهمام: (وموجَبها - يعني صيغة النهي - الفور والتكرار، أي الاستمرار، خلافًا لشذوذ) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-553>رأينا في المسألة:</span>\nوالذي يظهر لنا أن ما ذهبت إليه الأكثرية المطلقة من العلماء، هو الحق، لأن طبيعة الفعل غير طبيعة الامتناع. صحيح أن الأمر والنهي يشتركان في أن كلًا منهما للطلب، ولكن الأمر لطلب الفعل، بينما النهي لطلب الترك والامتناع، وما أحسب أحدًا يقرُّ أن الامتناع يمكن أن يتحقق بمرة، ثم تكون الإباحة، ونحتاج إلى قرينة جديدة تدل على طلب الترك من جديد.\nولذلك لا يخرج المكلف عن عهدة الامتثال في النهي، إلا بالكف والامتناع عما نُهي عنه حالًا وفي جميع الأوقات، ومن نهي عن شيء ثم فعله ولو مرة واحدة في أي وقت من الأوقات لم يعتبَر منتهيًا عما نهي عن فعله، ولا ممتثلًا فيما طُلب منه أن يكف عنه.\nوهذا ما كان عليه السلف؛ فقد نقل عنهم العلماء الاستدلال بالنهي على الترك مع اختلاف الأوقات دون تخصيص بوقت دون آخر.\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٨٤)، \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٢٩).\n(^٢) راجع: \"شرح العضد المختصر المنتهي\" مع \"حاشية السعد\" (٢/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٣) انظر: \"التحرير\" لابن الهمام مع \"شرحه التقرير والتحبير\" (١/ ٣٢٩).","vol":"2","page":312},{"text":"ومن هذا اعتبر ابن برهان هذا القول في حيز الإجماع (^١)، ولم يعبأ الآمدي والعضد وابن الهمام - كما أسلفنا - بما حصل من مخالفة (^٢).\nوهكذا فالأمر يدل على مطلق الطلب الذي يمكن أن يتحقق بمرة، والنهي يقتضي الفور والتكرار.\n\n<span data-type='title' id=toc-554>ما يدل عليه النهي بعد الوجوب وموقف الجويني:</span>\nكما بحث العلماء دلالة الأمر بعد الحظر، بحثوا دلالة النهي بعد الوجوب، وقد نقل الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإجماع على أن النهي بعد الوجوب للحظر، وليس للإباحة؛ فالنهي حين يرد - وقد سبقه الوجوب -: لا يعتبر هذا الوجوب السابق قرينة تصرف النهي عن التحريم إلى الإباحة (^٣).\nأما إمام الحرمين الذي توقف في دلالة الأمر بعد الحظر - كما ذكرنا سابقًا (^٤) -: فقد توقف في هذه المسألة أيضًا، ولم يسلم بما ذهب إليه الأخرون فقال في \"البرهان\": (ذكر الأستاذ أبو إسحاق أن صيغة النهي بعد تقدم الوجوب محمولة على الحظر، والوجوب السابق لا ينتهض قرينة في حمل المنهي على رفع الوجوب، وادعى الوفاق في ذلك، ولست أرى ذلك مسلَّمًا، أما أنا: فساحبٌ ذيلَ الوقف عليه كما قدمته في صيغة الأمر بعد الحظر، وما أرى المخالفين يسلمون ذلك) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-555>موقف ابن الهمام من إمام الحرمين:</span>\nويرى ابن الهمام أن كلام إمام المحرمين لا يكون وجيهًا في دفع ما قاله الآخرون إلا بالطعن في نقل الإجماع على هذه المسألة، ونقلِ الخلاف\n_________\n(^١) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٢٩).\n(^٢) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد\" و\"السعد\" (٢/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٣) راجع: \"التحرير\" لابن الهمام مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٢٩).\n(^٤) انظر ما سلف (٢/ ٣٠٠).\n(^٥) راجع: \"البرهان\" (١/ ٦١)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٢٩).","vol":"2","page":313},{"text":"فيها، إذ بتقدير صحة الإجماع على أن النهي بعد الوجوب ليس للإباحة، يلزم استقراء العلماء أن تقدم الرجوب على النهي، ليس قرينة تصرف التحريم إلى الإباحة.\nغير أن ابن أمير الحاج في شرحه لكلام ابن الهمام، رأى أن ظاهر كلام إمام المحرمين، يدل على أنه لم يقله إلا تخمينًا، فلا يقدح فيما نقله الأستاذ أبو إسحاق (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-556>المطلب الثاني أثر النهي في المنهي عنه</span>\nفي أثر النهي في المنهي عنه نتناول أثر النهي في التصرفات الحسِّية، وأثر النهي في التصرفات الشرعية بوجه عام، ثم أثر النهي في العبادات والمعاملات.\n\n<span data-type='title' id=toc-557>النهي عن التصرفات الحسية والنهي عن التصرفات الشرعية:</span>\nيرد النهي المطلق على نوعين:\nالأول: نهي عن التصرفات الحسية: وهي التي تعرف حسًّا، ولا يتوقف حصولها وتحققها على الشرع؛ كالزنى، والقتل، وشرب الخمر وأمثالها، فإن تحققها لا يتوقف - كما قال العلماء - على الشرع لأنها كانت معلومة قبل الإسلام لأهل الملل جميعًا.\nالثاني: النهي عن التصرفات الشرعية: وهي التي لا تعرف إلا من طريق الشرع؛ فهي أمور وضعها الشارع لتترتب عليها آثار دنيوية وأخروية، في مصلحة الفرد والجماعة، وحدد لها أركانًا وشروطًا لا يعتبر - إلا بها - أثر النهي في العبادات والمعاملات؛ وذلك كالصلاة، والصوم، والبيع وما إلى ذلك.\n_________\n(^١) انظر: \"التقرير والتحبير شرح التحرير\" (١/ ٣٢٩).","vol":"2","page":314},{"text":"فإن كون الصلاة والصوم قربةً وعبادة على هذه الهيئة، وكون البيع على الشكل الذي وصفه الإسلام بالحل: لم يكن معلومًا قبل الشرع.\nقد يرد على ذلك: أن من يصلي ويبيع، يعلم حسًا أنه يفعل ذلك كما يعلم شرب الخمر والقتل.\nولكن هذا الإيراد مدفوع بأن الذي يأتي من طريق الحس، هو معرفة أنها أفعال من حيث هي أفعال، أما من حيث كونها صلاة وعقدًا، حتى كانت الصلاة سبب ثواب، وعقد البيع سبب ملك، فلا يعرف إلا بالشرع الذي حدد هذه الأمور بأركانها وشروطها، وما يصبح منها وما لا يصح (^١).\nوإذا علمنا أن النهي يكون من التصرفات الحسية، ويكون عن التصرفات الشرعية، فمن الخير أن نبين أن ما ذكرنا من مدلول الأمر في التحريم، إنما يشمل التصرفات بنوعيها من ناحية طلب الامتناع عنها.\nولكن له أثرًا خاصًّا في التصرفات الشرعية، من عبادات ومعاملات؛ وذلك من ناحية ما يترتب عليها من أحكام ثبتت بالشرع، وهذا الأثر اختلفت مذاهب العلماء فيه. وبيان ذلك فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-558>أثر النهي في العبادات والمعاملات:</span>\nيرى المتتبع الموارد الأحكام في نصوص الكتاب والسنة، أن الشارع قد ينهى في حالات خاصة عن بعض الأعمال المشروعة للمكلف! كالصلاة، والصيام، والبيع، والنكاح وغيرها من عبادات ومعاملات. وقد اختلف العلماء في أثر نهي الشارع عن هذه الأعمال من حيث بقاؤها بعد النهي مشروعة، تترتب عليها آثارها، أو غير مشروعة، فلا تترتب عليها تلك الآثار.\nوبيان اتجاهات العلماء في هذه المسألة، يقتضينا أن تعرض للنهي في حالتين:\nالأولى: حالة الإطلاق: وهي ما إذا ورد، دون أن ترافقه قرينة تشعر بأن النهي عن العمل كان لذات المنهي عنه، أو لغيره.\n_________\n(^١) راجع: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٣٥٧).","vol":"2","page":315},{"text":"الثانية: حالة وروده، مع قرينة تشعر أن النهي عن العمل كان لذات المنهي عنه، أو وصفه، أو أمر خارج عنه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-559>أولًا: حالة ورود النهي مطلقًا:</span>\nفإذا ورد النهي مطلقًا: دون أي قرينة تشعر بما ذكرنا: فالعلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب:\nأ - لقد ذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي، ومالك، والحنابلةُ وجميعُ أهل الظاهر، إلى أن النهي في هذا الحال: يدل على فساد المنهي عنه وبطلانه؛ سواء أكان ذلك في العبادات، أم في المعاملات، ونسب الآمدي هذا القبول إلى بعض الحنفية أيضًا (^٢).\nب - وذهب الحنفية، وبعض محققي الشافعية كالقفال الشاشي، وإمام الحرمين، إلى أن النهي في هذه الحال: لا يقتضي فساد المنهي عنه، وإلى ذلك أيضًا ذهب بعض المعتزلة كأبي عبد الله البصري، والقاضي عبد الجبار، وهو الصحيح عند الزيدية وبعض الإباضية (^٣).\nج - وقال قوم: إن النهي يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات. وقد ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصري والرازي وابن الملاحمي وآخرون (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٧٥)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٢٩).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٢٥٧) فما بعدها.\n(^٣) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، \"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٢٥٦)، \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" في أصول الزيدية (ص ٢٣) مخطوطة دار الكتب المصرية، \"طلعة الشمس\" للسالمي الإباضي (١/ ٧٢ - ٧٣).\n(^٤) راجع: \"المستصفى \" (٢/ ٩ - ١١)، \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٢/ ٢٧٦)، \"إرشاد الفحول\" (ص ١٠٣).","vol":"2","page":316},{"text":"<span data-type='title' id=toc-560>مسلك القائلين باقتضاء الفساد مطلقًا:</span>\nوقد استدل الشافعية ومن معهم على ما ذهبوا إليه: بأن الشارع عندما ينهي المكلف عن عملٍ ما نهيًا مطلقًا، دون أن يقيده بما يدل أنه لذات المنهي عنه، أو لغيره من صفة عرضت له، أو أمر خارج عنه: فإن ذلك النهي يكون منصبًا على ذات الشيء من طريق الحقيقة؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، والكمال في النهي عن الشيء إنما يكون لذاته، فلا ينصرف إلى غيره إلا مجازًا، وذلك يحتاج إلى دليل.\nفإذا قام دليل على خلاف ما صُرف إليه النهي المطلق، وهو ذات الشيء المنهي عنه، توجه النهي إلى ما قام الدليل عليه كأن يكون لوصف مجاور ينفك عن الفعل النهي عنه (^١).\nعلى أن من العلماء - كما سيأتي - من لا يفرق بين الحالين: حالة قيام الدليل على إرادة غير الذات، أو عدم قيامه. ومن هؤلاء أهل الظاهر والحنابلة (^٢).\nثم إن سلامة التصرفات الشرعية من عبادات ومعاملات، إنما تُستعد من حكم الشارع بصحتها؛ لاستيفائها ما حدد لها في أوامره ونواهيه، كي تكون صحيحة، والنهي مع الإقرار بسلامتها: مدعاة لتناقض تنزه عنه أحكام الشارع.\n\n<span data-type='title' id=toc-561>مسلك القائلين بعدم اقتضاء الفساد:</span>\nأما عدم اقتضاء الفساد: فقد استُدل له بأن المراد بالفساد: تخلف الأحكام عن تلك التصرفات المشروعة، وخروجُ هذه التصرفات عن كونها\n_________\n(^١) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد\" و\"السعد\" (٢/ ٩٥ - ٩٧)، \"أسباب اختلاف الفقهاء\" لأستاذنا الشيخ علي الخفيف (ص ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٥٩ - ٦٦) فما بعدها، \"المدخل\" لبدران (ص ١٠٥).","vol":"2","page":317},{"text":"أسبابًا للأحكام. والفساد بهذا المعنى لا يقتضيه النهي في المنهي عنه؛ لأن النهي عن العمل لا يكون مناقضًا لمشروعيته على هذا التفسير، فلو صرح الشارع وقال: نهيتك عن الطلاق في الحيض لعينه، لكن إن فعلت بانت زوجتك. ونهيتك من إزالة النجاسة عن الثوب بالماء المغصوب، لكن إن فعلت طهر الثوب. ونهيتك عن ذبح شاة الغير بسكين الغير من غير إذن، لكن إن فعلت حلت الذبيحة؛ فشيء من هذا ليس يمتنع ولا يتناقض، بخلاف قوله: حرمت عليك الطلاق، وأمرتك به، أو أبحته لك، وحرمت عليك الاستيلاد الجارية الابن وأوجبته عليك، فإن ذلك متناقض لا يعقل؛ لأن التحريم يضاد الإيجاب، ولكن لا يضاد هذا الإيجاب كون المحرم منصوبًا علامة الملك والحل وسائر الأحكام (^١).\nثم أن الفساد في المنهي عنه: إما أن بدل من جهة اللغة، وإما أن يدل من جهة الشرع.\nأما من حيث اللغة: فالأحكام الشرعية لا يناسبها اللفظ - كما يقول الغزالي - من حيث وضعُ اللسان، إذ يعقل أن يقول العربي: هذا العقد الذي يفيد الملك والأحكام، إياك أن تفعله وتقوم عليه.\nوأما من حيث الشرع: فلم يقم دليل على أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه (^٢).\nواحتج صاحب \"منهاج الوصول\" من الزيدية أيضًا بأن النهي لا يكفي في اقتضاء الفساد، بل لا بد من الدليل؛ فبعد أن قرر أن هذا القول هو الصحيح عندهم قال: (والحجة لنا على تصحيحه أن معنى كون الشيء فاسدًا: أنه لم يقع موقع الصحيح في سقوط القضاء واقتضاء التمليك، والمعلوم أن المنهي عنه قد يقع صحيحًا كطلاق البدعة، والبيع وقت النداء،\n_________\n(^١) راجع: \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٢٥ - ٢٦)، \"الفصول اللؤلؤية\" في أصول الزيدية (ص ٦٣) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٢) راجع: \"المستصفى\" (٢/ ٢٦).","vol":"2","page":318},{"text":"فلا يكفي النهي في اقتضاء الفساد، بل لا بد من الدليل، إذ لفظ النهي لا يفيده كما ذكرنا من أن المنهي عنه قد يصح (^١).\nثم إن النهي عن العبادة بعد أمر المكلف بها، يجعل الأمر والنهي واردين على محل واحد، فيقع التناقض، وقد ذكر الغزالي (أن النهي يضاد كون المنهي عنه قربة وطاعة؛ لأن الطاعة عبارة عما يوافق الأمر، والأمر والنهي متضادان) (^٢).\nوهكذا يكون النهي عن أفعال العبادة، مستوجبًا بطلانها وعدم مشروعيتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-562>ثانيًا: حالة ورود النهي مع قرينة:</span>\nأما إذا ورد النهي مقترنًا بما يدل على أنه لذات المنهي عنه، أو لغيره: فذلك لا يعدو حالات ثلاث: عرض العلماء في كل واحدة منها لأثر ذلك النهي في المنهي عنه، واختلفت آراؤهم في بعض ذلك (^٣).\nوقد ترتب على اتفاقهم واختلافهم آثار واضحة في الأحكام التي بنيت على ما ذهب إليه كل فريق.\n_________\n(^١) راجع: \"منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول\" (ص ٢٣) مخطوطة دار الكتب المصرية.\n(^٢) انظر: \"المستصفى\" (٢/ ٣٠).\n(^٣) لخص صاحب \"التلويح\" هذه الحالات وضم إليها حالة إطلاق النهي بلا قرينة فقال: (الفعل الشرعي المنهي عنه إن دل دليل على أن تبعه لعينه فباطل، وإن دل دليل على أنه لغيره فذلك: إن كان مجاورًا فصحيح مكروه وإن كان وصفًا ففاسد عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وباطل عند الشافعي - رحمه الله تعالى -، وإن لم يدل الدليل على أن قبحه لعينه يفسد بوصفه لعدم قيام الدليل على أن القبح لوصفه)، \"التلويح\" للتفتازاني (١/ ٢١٦).\nوانظر: \"منهاج الوصول\" في أصول الزيدية (عمر ٢٣)، \"طلعة الشمس\" (١/ ٦٩ - ٧٢)، \"الفصول اللؤلؤية\" في أصول الزيدية (ص ٦٣).","vol":"2","page":319},{"text":"وفيما يلي بيان هذه الحالات، وموقف العلماء من كل واحدة منها، والآثار التي ترتبت على ذلك في بعض الأحكام.\nالحالة الأولى: أن يكون النهي عن العمل لذاته وحقيقته، سواء أكان ذلك في الأفعال، أم في عقود المعاملات والأنكحة.\nوذلك كالنهي عن الزواج بالمحارم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء]. وكالنهي عن بيع الميتة التي هي حرام بنص قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة].\nوالتي جاء النص على حرمة بيعها يقوله ﵊: \"إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام … \" الحديث (^١).\nوكالنهي عن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبّلة. فقد روي عن ابن\n_________\n(^١) أخرج الإمام أحمد (١٤٥٢٦)، وأصحاب الكتب الستة: البخاري (٢٢٣٦)، مسلم (١٩٨١)، أبو داود (٣٤٨٦)، الترمذي (١٢٩٧)، ابن ماجه (٢١٦٧)، النسائي (٤٦٦٩)، عن جابر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام\"، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: \"لا، هو حرام\"، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: \"قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه\". جملوه بفتح الجيم والميم: أذابوه، والجميل: الشحم المذاب.","vol":"2","page":320},{"text":"عباس: أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة (^١).\nوعن ابن عمر: \"أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة وكان بيعًا يبتاعه أهل الجاهلية. كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم ينتج الذي في بطنها\" (^٢).\nوعن سعيد بن المسيب أنه قال: \"لا ربا في الحيوان، وإنما نهي من الحيوان من ثلاثة: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبّلة، والمضامين: بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح: بيع ما في ظهور الجمال\" (^٣).\nومثل ذلك في العبادات النهي عن صلاة المحدث. . . الخ.\nفالنهي في كل من هذه الأعمال المذكورة: نهي عن العمل لذاته وحقيقته؛ وذلك لما هو واقع من الخلل في أركانه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في \"معجمه الكبير\" و\"البزار في مسنده\". وانظر: \"نصب الراية\" (٤/ ١٠).\n(^٢) أخرجه الأئمة الستة: البخاري (٢١٤٣)، مسلم (١٥١٤)، أبو داود (٣٣٨٠)، الترمذي (١٢٢٩)، ابن ماجه (٢١٩٧)، النسائي (٤٦٢٣)، وفي لفظ للشيخين: \"وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت\" وفي لفظ للبخاري: \"ثم تحمل التي نتجت\". انظر: \"فتح الباري\" و\"نصب الراية\" (٤/ ١١).\nوالمضامين: جميع مضمون وهو ما في أصلاب الفحول من الماء. والملاقيح: جمع ملقوحة وهي ما في البطن من الجنين. يقال: لقحت الناقة وولدها ملقوح به، إلا أنهم استعملوه بحذف الجار. وحكى الأزهري عن ابن الأعرابي أنها جمع ملقوح أيضًا، وحبل الحبلة: - بفتح الباء والحاء جمع حابل كفسقة جمع فاسق - ولد الأنثى التي ما تزال في بطن أمها. وقد كانوا في الجاهلية يبيعون الجنين في صورة من هذه الصور وجاءت الشريعة فحرمت ذلك كما بينته الأحاديث. وانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (٣/ ٢٦/ ٤/ ٦٣).\n(^٣) رواه مالك في \"الموطأ\". وجاء بعده: قال مالك: (لا ينبغي أن يشتري أحد شيئًا من الحيوان يعينه إذا كان غائبًا عنه. وإن كان قد رآه ورضيه على أن ينقد ثمنه لا قريبًا ولا بعيدًا قال مالك: وإنما كره ذلك؛ لأن البائع ينتفع بالثمن ولا يدري هل توجد تلك السلعة على ما رأها المبتاع أم لا فلذلك كره ذلك، ولا بأس به إذا كان مضمونًا موصوفًا) \"الموطأ\" مع \"المنتقى\" (٥/ ٢٢). وانظر: \"الهداية\" و\"فتح القدير\" (٥/ ١٩٢)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٢٢٠).","vol":"2","page":321},{"text":"والعلماء متفقون على أن هذا النوع من النهي، يقتضي بطلان المنهي عنه؛ فإذا أتى به المكلف يقع باطلًا غير مشروع أصلًا، فلا يترتب عليه أي أثر من الآثار التي رتبها الشارع على العمل المشروع، فلا يمنع وجوب القضاء في العبادة، ولا ينتج في العقود، فلا يكون البيع مثلًا سببًا للملك؛ والتزوج بالمحارم لا ينعقد، فلا يثبت به نسب، ولا مصاهرة، ولا توارث لانعدام محل العقد.\nوصلاة المحدث باطلة، لانعدام ركن الطهارة فلا يترتب عليها ثواب، ولا تسقط بها الفريضة.\nوبيع الميتة باطل أيضًا؛ لاختلال ركن من أركان العقد وهو المبيع. وقل مثل ذلك في المضامين والملاقيح وحبل الحملة؛ فمحل العقد - وهو المبيع - معدوم وانعدام المحل أبطل شرعية هذا البيع، فلم يكن سببًا من أسباب الملك الذي لا يقوم إلا بالمحل (^١).\nومما استدل به العلماء على ما اتفقوا عليه من أن النهي عن العمل لذاته وحقيقته، يقتضي البطلان والفساد: قوله ﵊: \"مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^٢) والمنهي عنه هو على غير أمر الشارع قطعًا، إذ المنهي عنه ليس مأمورًا به، ولذلك يكون مردودًا بنص الحديث،\n_________\n(^١) قال ابن هبيرة في شأن المضامين والملاقيح وجبل الحلة: (واتفقوا - يعني أرباب المذاهب - على أن بيع المضامين - وهو بيع ما في بطون الأنعام - وبيع الملاقيح - وهو بيع ما في ظهورها - وبيع حبل الحبلة - وهو نتاج الجنين - باطل).\nراجع: \"الإفصاح عن معاني الصحاح\" لابن هبيرة الحنبلي: (ص ١٨٦). وانظر: ابن الهمام في \"فتح القدير\" حيث يقول: (وإنما بطل هذا البيع فعسى أن لا تلد تلك الناقة أو تموت قبل ذلك) (٥/ ١٩٢).\n(^٢) أخرجه من رواية عائشة أحمد في \"مسنده\" (٢٥١٢٨) و(٢٤٤٥٠)، ومسلم (١٧١٨)، والبخاري في \"خلق أفعال العباد\" (ص ٤٣). وانظر: \"التعليق المغني على الدارقطني\" (٥/ ٤٠٣) وهو عند ابن حبان (٢٦) و(٢٧)، الدارقطني (٤٥٣٦).","vol":"2","page":322},{"text":"أي باطلًا لا حكم له، فهو معدوم المشروعية أصلًا، لا يترتب عليه أي أثر من آثار العمل المشروع (^١).\nثم إن الصحابة ومن بعدهم كانوا دائمًا يستدلون على بطلان الأفعال والعقود: بنهي الشارع عنها من غير نكير من أحد منهم، وذلك كاستدلال ابن عمر على بطلان نكاح المشركات بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] واستدلالهم على تحريم الربا بما ورد من النهي في الكتاب والسنة، ومثل ذلك كثير (^٢).\nالحالة الثانية: أن يكون النهي عن العمل لوصف مجاور ينفك عنه، فهو غير لازم له، كالنهي عن الصلاة في الثوب المسروق (^٣) والصلاة في الأرض المغصوبة (^٤). والنهي من البيع وقت النداء للجمعة (^٥)، والنهي من الوطء في الحيض (^٦). . . ففي هذه الحال يرى جمهور العلماء أن النهي لا يقتضي بطلان العمل ولا فساده، بل يبقى صحيحًا يتصف بالمشروعية وتترتب عليه آثاره المقصودة منه، إلا أنه يكون مكروهًا فيترتب على فاعله الإثم.\nوذلك لأن جهة المشروعية فيه: تخالف جهة النهي، فلا تلازم بينهما؛\n_________\n(^١) جاء في \"فيض القدير\" للمناوي: (وفيه - يعني الحديث - دليل للقاعدة الأصولية أن مطلق النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهي عنه مخترع محدث، وقد حكم عليه بالرد المستلزم للفساد، قاله الشيخ ابن حجر الهيتمي: وزعم أن القواعد الكلية لا تثبت بخبر الواحد باطل، قال العلائي: وفيه أيضًا دليل على اعتبار ما المسلمون عليه من جهة الأمر الشرعي أو العادة المستقرة؛ فإن عموم قوله: \"ليس عليه أمرنا\" يشمله) قال: (وهذا الحديث أصل من أصول الشريعة). انظر: \"فيض القدير شرح الجامع الصغير\" للسيوطي (٦/ ١٨٣ - ١٨٣).\n(^٢) راجع: \"مختصر المنتهى\" مع \"العضد\" و\"السعد\" (٢/ ٩٦)، الآمدي في \"الإحكام\" (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٢)، \"إرشاد الفحول\" (ص ١٠٤).\n(^٣) راجع: \"الفروق\" للقرافي (٢/ ٨٥).\n(^٤) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٦٤)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٢١٧).\n(^٥) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ١١٠)، \"أصول السرخسي\" (١/ ٨١).\n(^٦) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٢١٦).","vol":"2","page":323},{"text":"إذ إن مخالفة رغبة الشارع تستوجب الإثم، ولكن لا تستوجب عدم ترتب الأثر. وهكذا تترتب الآثار على العمل المنهي عنه في هذه الحال، باعتبار وقوعه كاملًا على وجه الحقيقة حسبما رسم الشارع.\nأما المكلف: فيناله الإثم، لما صاحبَ العملَ من مخالفة رغبة الشارع التي هي خارجة عن تلك الحقيقة (^١). فالوطء في الحيض تترتب عليه آثاره وإن أثم فاعله؛ فتعتبر الزوجة الموطوءة في الحيض مدخولًا بها حقيقة، وتحل لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثًا. من قبل.\nوالصلاة في الأرض المغصوبة تُخرج المكلف عن العهدة، ولكنه يأثم بسبب ما جاورها من الغصب. وكذلك الصلاة في الثوب المسروق، والبيع يوم الجمعة وقت النداء: يفيد آثاره (^٢).\nفالنهي مثلًا عن البيع وقت النداء يوم الجمعة بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ إنما كان لئلا يقع الإخلال بالسعي الواجب إلى الجمعة - كما أسلفنا - وهو أمر مجاور تلبيح قابل للانفكاك عنه؛ فإن البيع يوجد بدون الإخلال بالسعي، بأن يتبايع المتبايعان في الطريق ذاهبين إليها، والإخلال بالسعي يوجد بدون المبيع بأن يمكثا في الطريق من غير بيع.\nوقد فصَّل أبو إسحاق الشيرازي في حكم البيع يوم الجمعة، فقرر أن البيع إن كان قبل الزوال، لم يكره للمكلف، وإن كان بعد الزوال وقبل ظهور الإمام كُره؛ فإن ظهر الإمام وأذَّن المؤذن، حرم لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].\nوقال الشيرازي: (فإن تبايع رجلان أحدهما من أهل فرض الجمعة والآخر ليس من أهل الفرض أثمًا جميعًا؛ لأن أحدهما توجه عليه الفرض وقد اشتغل عنه، والآخر شغله عن الفرض) ثم قرر ﵀ أن البيع\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٨١)، \"الفروق\" للقرافي (٢/ ٨٤).\n(^٢) راجح: \"أصول السرخسي\" (١/ ٨١)، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٣٠)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٢١٦).","vol":"2","page":324},{"text":"لا يبطل؛ لأن النهي لا يختص بالعقد، فلم يمنع الصحة؛ كالصلاة في الأرض المغصوبة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-563>موقف الحنابلة والظاهرية:</span>\nأما الحنابلة والظاهرية: فقد سوَّوا بين الأصل وغيره، من وصف، أو أمر خارج عنه في موارد النهي كلها؛ فلا فرق بين أن يكون النهي لذات المنهي عنه، أو لوصفه، أو لأمر خارج عنه. واستدلوا لذلك بأن النهي يعتمد المفاسد، فمتى ورد النهي: بطل التصرف، وأصبح معدومًا شرعًا والمعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا؛ لأن العمل في هذه الحال يقع على خلاف ما يطلب الشارع (^٢).\nفالصلاة في ثوب مغصوب، أو في دار مغصوبة: هي معدومة شرعًا فإذا أتي بها المكلف وقعت باطلة، لأنها غير مشروعة، فلم يترتب عليها أثرها الشرعي.\nقال ابن حزم في \"الإحكام\": (وكل أمر علق بوصف ما، لا يتم ذلك العمل المأمور به إلا بما علق به فلم يأت به المأمور كما أمر: فلم يفعل ما أمر به، فهو باق عليه وهو عاص بما فعل، والمعصية لا تنوب عن الطاعة ولا يشكل ذلك في عقل ذي عقل) (^٣).\nوقد أتى ابن حزم بعدد من المسائل ومنها الصلاة في ثوب مغصوب أو في دار مغصوبة وستأتي في آثار الاختلاف.\n\n<span data-type='title' id=toc-564>رأينا في الموضوع:</span>\nوالذي يظهر لنا أن الحنابلة والظاهرية لم يأتوا بما يقنع في دعواهم اقتضاءَ النهي يقتضي الفساد في المنهي عنه لأمر خارج.\n_________\n(^١) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ١١٠)، وانظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٨١)، \"قواعد الأحكام\" للعز بن عبد السلام (٢/ ٢٢ - ٢٤).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٥٩ - ٦١)، \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٧٦)، \"الفروق\" للقرافي (٢/ ٨٤).\n(^٣) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"2","page":325},{"text":"فالجمهور لا يغفلون أثر النهي في الشريعة، ولكن إذا تبين أن النهي لم يكن لذات العمل الشرعي المنهي عنه أو لوصفه - على خلاف فيه - فمعنى ذلك أن المكلف إذا أتى بهذا العمل، فقد حصلت حقيقة المأمور به؛ فالصلاة من حيث هي صلاة، تقع على حقيقتها في الأرض المغصوبة، ويبقى النهي منصبًا على الجناية على الغير بغصب أرضه، فهو أمر مجاور لا يؤثر في صحة الحكم، فالصلاة صحيحة، وإثم الغصب ثابت على المغتصب.\nالحالة الثالثة: أن يكون النهي لوصفه لازم للمنهي عنه: كالنهي عن صوم يوم العيد، والنهي عن البيع المشتمل على الربا، والمبيع بشرط يخالف مقتضى العقد كما سيأتي (^١).\nوقد اختلفت أنظار العلماء في هذه المسألة:\n\n<span data-type='title' id=toc-565>مسلك الجمهور:</span>\nفذهب الجمهور إلى أن النهي عن العمل لوصف لازم له، يقتضي فساد كل من أصل العمل ووصفه، ويطلقون عليه اسم \"الفاسد\" و\"الباطل\" وبذلك يكون نظيرَ النهي عن العمل لذاته فهو مثله غير مشروع، ولا يترتب عليه أي أثر من آثاره المقصودة منه. وهكذا يقررون أن النهي عن العمل لذاته، والنهيَ عنه لوصفه اللازم له سيان في اقتضاء نساد المنهي عنه وبطلانه، واعتباره غير مشروع لا بأصله، ولا بوصفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-566>مسلك الحنفية:</span>\nوذهب الحنفية إلى أن النهي في هذه الحال: يقتضي فساد الوصف فقط. أما أصل العمل: فهو باق على مشروعيته ويطلقون عليه اسم \"الفاسد\" ويرتبون عليه بعض الآثار دون بعض.\n_________\n(^١) انظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٨٠) فما بعدها، \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢٦٨).","vol":"2","page":326},{"text":"فصوم يومي الفطر والنحر وأيام التشريق (^١)، والبيع المشتمل على الربا، والبيع بشرط يخالف مقتضى العقد (^٢): هي من قبيل \"الباطل\" عند الجمهور، و\"الفاسد\" عند الحنفية.\n\n<span data-type='title' id=toc-567>ما استدل به الجمهور:</span>\nوقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه، بأن طلب الشارع تلك المأمورات الشرعية، ونهيه أن تكون متصفة بوصف خاص، كما في النهي عن صوم يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق، وكما في النهي عن البيع بشرط يخالف مقتضى العقد، حيث ثبت في الصحيح - كما تقدم - أن الرسول ﷺ نهى عن بيع وشرط، وكالذي نراه في كثير من المنهيات: يدل بوضوح على أن الشارع إنما يريد القيام بالعمل الذي أمر به، خاليًا عن ذلك الوصف المنهي عنه.\nفإن وقع العمل المأمور به متصفًا بالوصف المنهي عنه: لا يعتبر أنه ذلك العمل الذي طلبه الشارع؛ ولذا لا ينبني عليه الأثر الذي رتبه على وجوده وقصده منه؛ لأنه غير مشروع، باعتبار أن مطلق النهي يعني انعدام كون المنهي عنه مشروعًا. وصفة القبح في المنهي عنه - وإن كانت لمعنى اتصل به وصفًا - فذلك دليل على أنه لم يبق مشروعًا؛ لأن ذلك الوصف لا يفارق المنهي عنه، ومع وجوده لا يكون مشروعًا، فبه يخرج عن أن يكون\n_________\n(^١) روى أحمد (١١٣٤٨) والشيخان: البخاري (١١٩٧) ومسلم (٨٢٧) عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ \"أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم النحر\" ولأحمد (١٥٧٣٥) و(١٤٥٦) عن سعد بن أبي وقاص قال: \"أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أيام منى أنها أيام أكل وشرب ولا صوم فيها، يعني أيام التشريق\"، وللدارقطني (٢٤٠٩) عن أنس: \"أن النبي ﷺ نهى عن صوم خمسة أيام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق\" \"السنن\": (٣/ ٢٠٩).\n(^٢) أخرج الطبراني في \"المعجم الأوسط\": أن النبي ﷺ \"نهي عن بيع وشرط\" \"نصب الراية\" (٤/ ١٧).","vol":"2","page":327},{"text":"مشروعًا أصلًا (^١) وقد قال رسول الله ﷺ: \"مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^٢).\nثم إن المنقول عن السلف احتجاجهم بالنهي على بطلان بعض التصرفات الشرعية: فقد احتج عمر على أن نكاح المشركات باطل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ولم ينكر عليه منكر (^٣).\nواحتج الصحابة على بطلان عقود الربا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله سبحانه: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] وقول الرسول ﷺ في حديث الأشياء الستة: \"ولا تبيعوا الذهب بالذهب … \" (^٤) الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-568>ما استدل به الحنفية:</span>\nيرى الحنفية أن كون النهي عن الأمر الشرعي لوصفه، يقتضي مشروعيته بأصله؛ فالنهي عنه لوصفه، لا يستوي مع النهي عنه لذاته وحقيقته؛ لأنه لو كان الأمر كذلك: لامتنع المسمى - وهو ذلك الأمر المشروع - لامتناع كونه قبيحًا لعينه، حال كونه مشروعًا أمر به الشارع (^٥).\nفمثلًا: النهي عن صوم العيد: معناه أمر الشارع المكلف بالامتناع عن إحداث صيام يوم العيد على وضعه الشرعي؛ فلو اعتبر النهي عن الصيام، نهيًا لذات الصوم وحقيقته، لكان الصيام يوم العيد قبيحًا لذاته، أي لأنه صيام، ولا يمكن أن يكون ذلك في عرف الشريعة وقواعدها؛ لأن الصيام\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٨٢ - ٨٣)، \"منهاج الوصول\" للبيضاوي وشرحه للإسنوي (١/ ٧٤) فما بعدها مع البدخشي، \"سلم الوصول لشرح نهاية السول\" للشيخ محمد بخيت المطيعي (٢/ ٢٩٦) فما بعدها.\n(^٢) انظر ما سلف (٢/ ٣٢٢).\n(^٣) راجع: \"روضة الناظر\" لابن قدامة (٢/ ١٤٤)، \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٧٩).\n(^٤) انظر ما سلف (١/ ٢٤٩).\n(^٥) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٢١٦) فما بعدها.","vol":"2","page":328},{"text":"لذاته عبادة رتب الشارع على فعلها الثواب، ولا يمكن أن يكون الأمر القبيح لذاته قربة وطريقًا إلى الثواب، بلى لا يمكن أن يكون لذلك مشروعًا، ولذلك وجب أن ينصرف النهي - كما قدمنا - إلى الوصف اللازم له (^١).\nفالصيام المنهي عنه يوم العيد: مشروع بأصله، بالنظر إلى ذاته، ولكنه قبيح لما اتصل به، وهو الإعراض عن ضيافة الله تعالى في ذلك اليوم.\nومثل ذلك يقال في البيع بشرط فاسد؛ فالبيع الذي نُهيَ عنه في هذه الحال: مشروع بأصله بالنظر إلى ذاته، ولكنه قبيح لما اتصل به، وهو الشرط الذي ينافي مقتضى العقد، وهذا يقال في سائر الحالات؛ سواء أكان المنهي عنه لوصفه: عبادة من العبادات، أو عقدًا من العقود الشرعية في الأنكحة والمعاملات (^٢).\nولهذا يثبت لكل من الأصل والوصف مقتضاء؛ فالبيع مثلًا فيما ذكرناه يثبت به الملك، لوجود حقيقته بتوافر الركن والمحل، وفي الوقت نفسه يجب فسخه خروجًا من الحرمة، نظرًا لوجود الوصف المنهي عنه، وإن كان وجوب الفسخ خروجًا من الحرمة - كما يرى ابن الهمام - لا يكون إلا فيما يمكن رفعه، كالبيع بالخمر مثلًا؛ إذ يمكن فسخ العقد، أو الاتفاق على ثمن مشروع غير الخمر. بخلاف ما لا يمكن رفعه، كحل ما ذبح وهو ملك الغير؛ فإذا ذبح ملك الغير: فالحل واقع مع الإثم على الفاعل، ولكن الرفع غير ممكن، إذ لا قدرة للعبد على رفع المعصية المترتبة على هذا الفعل المنهي عنه - وهو ذبحه حيوان الغير بغير إذنه - بإعادته إلى ملك صاحبه وبالروح، فلا يكون مأمورًا بهذا.\nقال ابن أمير الحاج: (والمفيد لهذا ما أخرج الدارقطني بسند جيد من\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٨٥) فما بعدها، \"التلويح على التوضيح\" (١/ ٢١٦) فما بعدها، \"سلم الوصول تشريح نهاية السول\" للشيخ بخيت (٢/ ٣٠١).\n(^٢) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٨٥) فما بعدها، \"التوضيح\" و\"التلويح\" (١/ ٢١٦ - ٢١٧).","vol":"2","page":329},{"text":"رسول الله ﷺ: \"لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-569>عرض القرافي لمذهب الحنفية:</span>\nويعجبني عرض القرافي لمذهب الحنفية، حيث أتى به منسوبًا إلى أبي حنيفة ثم حكم على المسلك بأنه فقه حسن، وذلك بالرغم من نسبة المبالغة إليهم فيما جنحوا إليه. جاء في \"الفروق\" من أثر النهي في المنهي عنه لا لذاته: (هذا الفرق بالغ أبو حنيفة في اعتباره، حتى أثبت عقود الربا وإفادتها الملك في أصل المال الربوي وردّ الزائد؛ فإذا باع درهمًا بدرهمين: أوجب العقد درهمًا من الدرهمين، ويرد الدرهم الزائد، وكذلك بقية الربويات (^٢).\nوقال صاحب \"الفروق\" بعد عدد من الأمثلة: (قال أبو حنيفة: أصل الماهية سالم عن المفسدة، والنهي إنما هو في الخارج عنها؛ فلو قلنا بالفساد مطلقًا، لسوينا بين الماهية المتضمنة للفساد، وبين السالمة عن الفساد؛ ولو قلنا بالصحة مطلقًا لسوينا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها، وبين المتضمنة للفساد في صفاتها، وذلك غير جائز؛ فإن التسوية بين مواطن الفساد، وبين السالم عن الفساد: خلاف القواعد، فتعين حينئذ أن يقابل الأصل بالأصل، والوصف بالوصف فنقول: أصل الماهية سالم عن النهي؛ والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم: الصحة حتى يرد نهي، فيثبت لأصل الماهية الأصلُ الذي هو الصحة، ويثبت للوصف - الذي هو الزيادة - المتضمنة للمفسدة: الوصف العارض وهو النهي، فيفسد الوصف دون الأصل، وهو المطلوب) قال القرافي: (وهو فقه حسن) (^٣).\n_________\n(^١) راجع: \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٣٤).\n(^٢) (٣/ ٨٢).\n(^٣) \"الفروق\" (٢/ ٨٣ - ٨٤)، وانظر في مذهبي الجمهور والحنفية: \"أصول البزدوي\" مع \"كشف الأسرار\" (١/ ٢٥٨) فما بعدها، \"مختصر المنتهى\" لابن الحاجب مع \"العضد\" و\"السعد\" (٢/ ٩٨ - ٩٩)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (٢١٦١) فما بعدها، \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٣٠) فما بعدها، \"إرشاد الفحول\" (ص ١٠٤)، \"أصول الفقه\" للشيخ محمد الخضري (ص ٢٤١ - ٢٤٣).","vol":"2","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-570>ما ترتب على الاختلاف بين الحنفية وغيرهم:</span>\nوهكذا نرى مما سبق: أن المنهي عنه لوصفه، هو عند الجمهور كالمنهي عنه لذاته وحقيقته؛ فيقع من المكلف باطلًا غير مشروع، إلا إذا دل الدليل على أن النهي كان لأمر مجاور، كالبيع وقت النداء يوم الجمعة.\nوأما عند الحنفية: فهو صحيح بأصله دون وصفه، ويطلقون عليه اسم الفاسد، إلا إذا دل الدليل على أن النهي كان لذات المنهي عنه حقيقة، كبيع الجنين في بطن أمه.\nوبناءً على ذلك، لم يكن لدى الجمهور فرق بين الفساد والبطلان؛ فهما مترادفان، إذ كل منهما يدل على أن الفعل المنهي عنه وقع على خلاف ما طُلب من المكلف، فلم يعتبره الشارع، ولم يرتب عليه الأثر الذي يرتبه على نظيره المشروع.\nوهكذا يطلقونهما ويريدون بهما معنى واحدًا، وهو في العبادات: عدم سقوط القضاء بالفعل، وفي عقود المعاملات: تخلف الأحكام عنها، وخروجها عن كونها أسبابًا مفيدة للأحكام. وذلك على مقابلة الصحة التي تدل على أن الفعل وقع من المكلف على وفق ما طلب الشارع، رتب عليه آثاره المقصودة منه. وهي في العبادات: كون الفعل مسقطًا للقضاء، وفي عقود المعاملات: كون العقد سببًا لترتب ثمراته المطلوبة شرعًا عليه، كما في ترتب الملك على البيع (^١).\nأما الحنفية: فقد فرقوا بين البطلان والفساد، وجعلوا كلًا منهما لمعنى.\nفالبطلان هو وقوع العمل مخالفًا لأمر الشارع في أصله ووصفه، ومعنى ذلك أن العمل وقع معيبًا في ذاته، ولم يرتب الشارع عليه أثرًا لذلك.\nوالفساد وقوع العمل مخالفًا لأمر الشارع في وصفه دون أصله، ومعنى ذلك أن العمل وقع سليمًا من ناحية ذاته، وأصابه العيب الذي نهى عنه الشارع لأجله من ناحية وصفه المتصل به.\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" للآمدي (١/ ١٨٦)، \"مختصر المنتهى\" مع \"شرحه للعضد\" و\"حاشية التفتازاني\" (٢/ ٩٨ - ٩٩).","vol":"2","page":331},{"text":"وطبعًا: الصحة وقوع العمل موافقًا لأمر الشارع في أصله ووصفه، ومعنى ذلك أن العمل وقع على وفق ما أمر الشارع من ناحية ذاته، ولم يصبه عيب في وصف من أوصافه جعل الشارع ينهي عنه.\nولهذا كان المشهور عند علماء الحنفية، أن الصحيح ما كان مشروعًا بأصله ووصفه، والفاسد ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، والباطل ما ليس مشروعًا أصلًا لا بأصله ولا بوصفه (^١).\nولذلك فالصحة قد تقابل الفساد كما تقابل البطلان. قال عبد العزيز البخاري: (واعلم أن الصحة عندنا قد تطلق أيضًا على مقابلة الفاسد، كما تطلق على مقابلة الباطل فإذا حكمنا على شيء بالصحة: فمعناه أنه مشروع بأصله ووصفه جميعًا، بخلاف الباطل: فإنه ليس بمشروع أصلًا، وبخلاف الفاسد: فإنه مشروع بأصله دون وصفه (^٢).\nومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح بين الجمهور والحنفية: أن الجمهور يرون أن النهي يقتضي عدم وجود المنهي عنه شرعًا، دون نظر إلى سبب النهي؛ فحين اعتبروا المنهي عنه لوصفه - من حيث أثرُ النهي - كالمنهي عنه لذاته وحقيقته - بحيث يقتضي النهيُ فساد كل من الأصل والوصف - لم يكن عندهم عمل مشروع بأصله دون وصفه، حتى يطلقوا عليه اسمًا هو بين الصحيح والباطل، كما صنع الحنفية.\nأما الحنفية: فلا يقطعون النهي عن سببه؛ فهم ينظرون إلى السبب الذي من أجله كان التهي. فحين اعتبروا المنهي عنه لوصف لازم له، يختلف عن المنهي عنه لذاته وحقيقته، فجعلوا أثر النهي فيه فساد الوصف فقط، مع بقاء الأصل مشروعًا تترتب عليه آثاره المقصودة منه، وجعلوا أثر النهي في المنهي عنه لذاته وحقيقته فساد كل من الأصل والوصف: كان عندهم إلى جانب الصحيح عملان:\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٨١) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"كشف الأسرار أصول البزدوي\" (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٢١٦ - ٢٢٠)، \"الفروق\" للقرافي (٢/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"2","page":332},{"text":"أحدهما: غير مشروع بأصله ولا بوصفه وهو \"الباطل\".\nوالثاني: مشروع بأصله دون وصفه وهو \"الفاسد\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-571>معنى الفساد في العبادات عند الحنفية:</span>\nعلى أن التفريق بين البطلان والفساد عند الحنفية، كائن في عقود المعاملات. أمل العبادات: فقد صرح ابن الهمام أن الفساد فيها هو البطلان، لأن المقصود من العبادة التقرب إلى الله تعالى ونيل ثوابه، فإذا لم يتوافر لها ما يجعلها سببًا لمحكمها الذي شرعت له: تحقق فيها وصف البطلان إذ إنها تصبح عديمة الفائدة. فإذا صام المكلف يوم العيد مثلًا، لم ينله الثواب الذي شرع له الصوم، ولم تبرأ ذمته من صوم واجب آخر. جاء في \"التحرير وشرحه التقرير\" في معرض كلام ابن الهمام عن البطلان: (ويجب مثله في العبادات كصوم العيد، فإن النهي عنه ملازم، وهو الإعراض عن ضيافة الله تعالى، فكان - بعد كونه حرامًا لانعقاد الإجماع عليه بعد النهي عنه -: باطلًا لعدم الحل والثواب) (^٢). ولما كان في النكاح ناحية تعبدية: كان فاسدُه كباطله على سواء (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-572>ما بقي فيه الاختلاف:</span>\nوهكذا ترى أن الفساد بمعنى البطلان في العبادات، متفق عليه بين جميع الفرقاء، حتى الحنفية الذين كان التفريق بين الفساد والبطلان من اصطلاحهم. وقد بقي الاختلاف في المعاملات: ورغم حكم الحنفية بصحة الأصل دون الوصف، وترتيبهم الآثار المقصودة على العمل المنهي عنه: فقد أحاطوا ذلك بوجوب إزالة سبب النهي الذي اقتضى الإثم بقصاد الوصف ما أمكن، وكما مر سابقًا: عندما يجعلون البيع بالخمر سيبًا للملك: يعتبرون المكلف في\n_________\n(^١) وانظر: \"كشف الأسرار\" (١/ ٢٥٩)، وانظر: \"تخريج الفروع على الأصول\" للزنجاني بتحقيق المؤلف (ص ٧٦ - ٧٧).\n(^٢) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٣١ و٣٣٢)، وانظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٨٣).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٣٣٥)، \"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٣٨٢).","vol":"2","page":333},{"text":"الوقت نفسه آثمًا ويوجبون عليه إزالة ما تسبب منه الإثم، وذلك إما باستبدال الخمر بغيره، ليكون ثمنًا في الصفقة، أو بفسخ العقد (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-573>حقيقة الاختلاف في نظر الزركشي:</span>\nهذا: وقد جاء الزركشي الشافعي في كتابه \"البحر المحيط\" على الاختلاف بين الحنفية وغيرهم في مسألة \"أثر النهي في المنهي عنه لوصف متصل به\" وصوَّر حقيقة الخلاف وإلى أين مرده فقال: (واعلم أن حقيقة الخلاف بيننا وبين الحنفية: يرجع إلى مسألة أخرى وهي: أن الشارع إذا أمر بشيء مطلقًا، ثم نهي عنه في بعض أحواله، هل يقتضي ذلك النهي إلحاق شرط بالمأمور به حتى يقال: إنه لا يصح بدون ذلك الشرط، ويصير الفعل الواقع بدونه كالعدم، كما في الفعل الذي اختل منه شرطه الثابت بشرطيته بدليل آخر، أم لا يكون كذلك)؟ ثم أتى الزركشي على ذكر المذهبين بناءً على حقيقة الاختلاف - كما يراه - وأورد مثالين للتطبيق هما: النهي عن صوم يوم النحر الذي عرضنا له من قبل فقال:\n(مثاله الأمر بالصوم والنهي عن إيقاعه يوم النحر، والأمر بالطواف والنهي عن إيقاعه في حال الحيض وغيره.\nفالشافعي والجمهور قالوا: النهي على هذا الوجه يقتضي الفساد، وإلحاق شرط بالمأمور به لا تثبت صحته بدونه.\nوذهبت الحنفية إلى تخصيص الفساد بالوصف عنه دون الأصل المتصف به حتى لو أتى به المكلف على الوجه المنهي عنه يكون صحيحًا بحسب الأصل، فاسدًا بحسب الوصف إن كان ذلك النهي نهي فساد، وإلا فمجرد النهي عنه لا يدل على الفساد بل على الصحة) (^٢).\n_________\n(^١) راجع: \"أصول السرخسي\" (١/ ٨٨) فما بعدها، \"التوضيح\" لصدر الشريعة مع \"التلويح\" لسعد الدين التفتازاني (١/ ٢١٨) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٦٥) فما بعد.","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-574>رأينا في أثر النهي في المنهي عنه لوصفه:</span>\nوالذي نميل إليه فيما يقتضيه النهي من أثر في المنهي عنه لوصف لازم يتصل به، هو ما ذهب إليه الحنفية من تفريق بين أثرِ مجاله العلاقة بين المكلف والشارع، وأثرِ مجاله العلاقة بين الفرد والآخرين من حيث التعامل، وتحقيقُ المصالح في حياة الناس ومعاشهم.\nفالأثر الأول - وهو الإثم - ثابت على المكلف تجب المبادرة إلى إزالة سببه. والأثر الثاني: منتج لما رتبه الشارع على العقد الذي استوفى أركانه وشروطه من ثمرات مقصودة، كما في جعل البيع سببًا للملك.\nوالذي يحملنا على هذا الميل - إلى جانب ما استدل به الحنفية - ما نراه في هذا الاتجام من كونه أقرب إلى تيسير شؤون الحياة، وتأمين مصالح الناس التي لها في الشريعة وزن ومقدار، خصوصًا وأن الحوادث لا تتناهى، والأيام تحمل إلينا كل يوم جديدًا من العقود، وأنواع التعامل.\nعلى أن الحنفية، لم يغفلوا الحفاظ على إلزام المكلف العملَ على التخلص من الإثم بإزالة سببة، وفي هذا جمع لسلامة العلاقة بين المكلف والشارع، وبين المكلف والآخرين، لأن التعامل في شريعتنا لا يجوز بحال أن يكون طريقًا لمعصية من شرع هذه الشريعة.\nنقول هذا كله، مع الشعور بأثر الاصطلاحات في مسالك هؤلاء الأئمة، الأمر الذي يدعو إلى مزيد من الحذر عند التطبيق. ومبعث ذلك أن ما ذهب إليه الجمهور. تسنده قوة الدليل من اللغة، وما قد يفهم من عمل السلف، بالإضافة إلى شيء من الصعوبة في تطبيق مذهب الحنفية في الفروع عند استنباط الأحكام من النصوص، ونماذج ذلك عديدة في كتب الفقه ومظان الأحكام، وعلى كلٍ فلا بد للذوق الفقهي من أن يعمل عمله، فيذلل الكثير من العقبات.\n\n<span data-type='title' id=toc-575>من آثار الاختلاف في التطبيق:</span>\nكان للاختلاف فيما يقتضيه النهي من أثر في العمل الشرعي المنهي عنه: آثار واضحة في اختلاف العلماء عند تفسير النصوص واستنباط الأحكام، ونحن موردون فيما يلي بعض الأحكام التي تُظهر أثر الاختلاف بين","vol":"2","page":335},{"text":"الجمهور وبين الحنابلة والظاهرية، فيما يقتضيه النهي من أثر في المنهي عنه لأمر خارج، وبعضًا آخر، مما يظهر أثر الاختلاف بين الحنفية والجمهور، فيما يقتضيه النهي من أثر في المنهي عنه لوصف لازم له.\nأ - علمنا مما سبق: أن الاختلاف بين الجمهور، وبين الحنابلة والظاهرية: قائم على اعتبار أن النهي لأمر خارج عن العمل المنهي عنه، لا يؤثر في صحة هذا العمل، وإذا أتى به المكلف يقع صحيحًا.\nأما الحنابلة والظاهرية: فيرون أثر النهي في المنهي عنه لأمر خارج، يقتضي البطلان، وإذا أتي به المكلف، وقع باطلًا لأنه غير مشروع (^١).\nومن المسائل التي ظهر فيها الخلاف بناء على هذه القاعدة: الوضوء بماء مغصوب، والصلاة في ثوب مغصوب أو مسروق، والصلاة في أرض مغصوبة، والصلاة بطهارة مسبح فيها على خف مغصوب. فكل هذه الأحكام واقعة تحت النهي عن الغصب والاعتداء، فالحنابلة والظاهرية يعتبرونها كلها باطلة، لأن النهي يعتمد المفاسد، وما دامت هذه الأمور منهيًا عنها، فهي فاسدة وباطلة، دون تفريق بين أن يكون النهي لذاتها، أو لوصف لازم لها، أو خارج عنها. ومثل ذلك: الذبح بسكين مغصوبة عند الظاهرية كما سيأتي.\nفالوضوء بماء مغصوب: لا يعتبر طهارة مشروعة، والصلاة به صلاة بغير وضوء.\nوالصلاة في ثوب مغصوب، أو مسروق، أو في أرض مغصوبة: باطلة، والذبيحة بسكين مغصوبة: حرام عند الظاهرية لا تحل، فهي: كالميتة (^٢).\nوالجمهور يرون أن النهي في هذه الأحكام، إنما هو لأمر خارج عن المنهي عنه، فتقع العبادة مشروعة صحيحة، وتقع الذبيحة بالسكين المغصوبة حلالًا، مع إثم الغصب في الأحوال كلها (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٥٩) فما بعدها، \"روضة الناظر\" (٢/ ١١٤).\n(^٢) انظر: \"المقنع لابن قدامة مع حاشيته\" (١/ ١٣٣)، \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٣) \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٦٤)، \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٣١٦) فما بعدها، \"الفروق\" للقرافي (٢/ ٨٥) فما بعدها.","vol":"2","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-576>مسلك الإمام ابن حزم:</span>\nوقد أتى ابن حزم بعدد من هذه الأحكام في جملة أحكام أخرى تطبيقًا على القاعدة المذكورة، من اقتضاء النهي الفساد في المنهي عنه مطلقًا. فبعد أن قرر القاعدة - كما أسلفنا من قبل - وأبان أن الإتيان بالمنهي عنه معصية، والمعصية لا تنوب عن الطاعة، ذكر الصلاة بثوب نجس ممن يعلم ذلك، ويعلم أنه لا يجوز له ذلك الفعل، والصلاة في مكان منهي عن الإقامة فيه كمكان نجس، أو مكان مغصوب، أو في عطن الإبل، أو إلى قبر، والذبح بسكين مغصوبة، وذبح حيوان الغير بغير إذن صاحبه، والوضوء بماء مغصوب، أو بآنية فضة، أو بإناء من ذهب.\nوبعد تعداد هذه المسائل: قرر أن كل ما مرَّ، لا يتأدَّى فيه فرض (فمن صلى كما ذكرنا: لم يصل ومن توضأ كما ذكرنا: فلم يتوضأ، ومن ذبح كما ذكرنا: فلم يذبح، وهي ميتة لا يحل لأحد أكلها، لا لربها ولا لغيره، وعلى ذابحها ضمان مثلها حية).\nوقد علل ابن حزم ما حكم به من البطلان في تلك المسائل: أن فعلها وقع على خلاف أمر الشارع وقد قال ﷺ: \"مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^١) ثم فصَّل أبو محمد في وقوع تلك الأفعال من المكلف على خلاف أمر الشارع فقال: (وقد نهاه الله تعالى عن استعمال تلك السكين، وعن ذبح حيوان غيره بغير إذن مالكه، وعن الإقامة في المكان المغصوب، وأمر بضرورة الإقامة للصلاة، وبتذكية ما يحل أكله. وبضرورة العقل: علمنا أن المأمور به هو غير العمل المنهي عنه، ولا يتشكل في العقل غير ذلك).\nثم أبان ﵀ أن تلك المناهي، لو كانت هي المأمورات، لكان الله ﷿ آمرًا بها، ناهيًا عنها، إنسانًا واحدًا، في وقت واحد، في حال واحدة، وهذا مما قد تنزَّه الحكيم عنه في إخباره تعالى أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها (^١).\n_________\n(^١) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"2","page":337},{"text":"وقد أورد ابن حزم مسائل على لسان بعض المعترضين: كان المناسب أن تأخذ الأحكام الماضية نفسها، مع أنه لم يعطها ذلك، من هذه المسائل: الطلاق، أو الإعتاق في مكان مغصوب، وتعلُّم القرآن في مصحف مغصوب (^١).\nوبعد أن اتهم المعترض بالجهل، رد ما أورد عليه: بأن الطلاق والعتاق والبيع والعطايا والصدقات، لفظ لا يقتضي إقامةً مأمورًا بها، بل مباح للمكلف أن يطلّق، ويفعل ذلك وهو يمشي، أو وهو يسبح في الماء، فليس مرتبطًا بالإقامة في المكان.\nأما الصلاة: فلا بد لها من الإقامة في المكان إلا عند الضرورة. أما تعلم القرآن بالمصحف المغصوب: فقد أجاب عنه، بأن التعلم ليس مرتبطًا بجنس المصحف، وقد يتعلم المرء تلقينًا، ثم أيضًا هو في حال حفظه غير مستعمل لشيء مغصوب، وكذلك في قراءته ما حفظ في صلاته (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-577>القرافي والحنابلة:</span>\nكان فيما قرره القرافي - من المالكية - عن مذهب الحنابلة في الموضوع: أنهم بالغوا في إلغاء الفرق بين كون النهي عن العمل لذاته، أو لغيره، حتى اعتبروا النهي لأمر خارج عنه مستويًا مع أي نهي آخر.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٣/ ٦٠).\n(^٢) راجع: \"الإحكام\" لابن حزم (٣/ ٦٠ - ٦١).\nهذا وقد اعتبر الشيخ أحمد شاكر كلام ابن حزم من المغالطة سواء عند الاستدلال على بطلان الأعمال الأولى، أو الرد على المعترض وذلك قوله: (في الموضعين مغالطة واضحة من المؤلف ﵀ …، فإنا لو قلنا بما ارتضى لكان الرجال إذا صلى وهو يبغض أخاه المؤمن بطلت صلاته لأنه صلى مرتكبًا محرمًا كما في الثوب المغصوب سواء، والمثل على هذا كثيرة) ثم جنح الشيخ شاكر ﵀ إلى قريب من مذهب الجمهور في هذه القاعدة واعتبر ذلك - في رأيه - أقرب إلى الصواب. راجح التعليق في \"الإحكام\" (٣/ ٦١).","vol":"2","page":338},{"text":"وقد أتي على ذكر عدد من المسائل عندهم والتي أوردها ابن حزم. وأبان القراقي أن حكمهم ببطلان العمل في هذه الأحكام، مردُّه تسويتهم بين موارد النهي جميعًا في الأصل والوصف، فالمنهي على إطلاقه، يوقع العمل معدومًا شرعًا، والمعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا.\nفمن صلى بغير وضوء حسًا: فصلاته باطلة، فكذلك صلاة المتوضئ بالماء المغصوب باطلة.\nوكذلك الصلاة في الثوب المغصوب والمسروق، والذبح بالسكين المغصوبة والمسروقة، فهي كلها معدومة شرعًا فتكون معدومةً حسًا.\nومن فرى الأوداج بغير أداة حسًا لم تؤكل ذبيحته، فكذلك ذبيحة الذابح بسكين مغصوبة.\nولم يحاول القرافي الجواب عن كل مسألة بذاتها، وإنما أفرد ثلاث مسائل بالذكر هي: الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة بطهارة مُسح فيها على خف مغصوب، والصلاة في ثوب مغصوب، وقد ذكر مع هذه مثيلتين لها مبينًا أن محور الحكم في هذه المسائل عند الحنابلة: هو ما ذكرنا فيما قبل، ثم أجاب عن كل واحدة من الثلاث المذكورة.\n١ - فحكم المالكية والشافعية والحنفية بصحة الصلاة في الدار المغصوبة، مبني على ملاحظة أن متعلَّق الأمر قد وجد فيها بكماله، مع متعلق النهي؛ فالصلاة من حيث هي صلاة حاصلة، غير أن المصلي جنى على حق صاحب الدار، فالنهي في المجاور، والنهي في المجاور عندهم لا يؤثر في صحة الحكم (^١).\n٢ - وبمثل ذلك أجاب عن المسألة الثانية؛ فطهارة غاصب الخف صحيحة، والصلاة بهذه الطهارة صحيحة، والمدرَك في ذلك: أن المصلي في هذه الحال محصل للطهارة بكمالها على الوجه المطلوب شرعًا، وإنما\n_________\n(^١) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٦٤)، \"أصول السرخسي\" (٨٥١) فما بعدها، \"الفروق\" للقرافي (٢/ ٨٥).","vol":"2","page":339},{"text":"هو جان على حق صاحب الخف كالصلاة في الدار المغصوبة (^١).\n٣ - وعلى المنوال نفسه، جرى في المسألة الثالثة: فالذي يصلي في ثوب مغصوب، أو يتوضأ بماء مغصوب، أو يحج بمال حرام: كل هذه المسائل سواء في الصحة خلافًا لأحمد.\nوالعلة - كما ذكر القرافي - ما تقدم من أن حقيقة المأمور به من الحج والسترة، وصورة التطهير: قد وجدت من حيث المصلحة، لا من حيث الإذن الشرعي، وإذا حصلت حقيقة المأمور به من حيث المصلحة: كان النهي مجاورًا فهو نهي عن الجناية على الغير كما في الدار المغصوبة (^٢).\nويبدو أن القرافي أفرد هذه المسائل بالذكر، لتكون نماذج لما وراءها، وما قيل فيها يقال في غيرها، وهو كثير في كتب الأصول والفروع، وقد رأينا عند ابن حزم عددًا من ذلك، وعلى كل فأثر الاختلاف في قواعد الأصول واضح فيما انبنى عليها من مسائل في الفروع (^٣).\nب - أما الاختلاف بين الحنفية والجمهور - وفيهم الشافعية -: فقد قام - كما أسلفنا - على أن الجمهور يُلحق المنهي عنه لوصفه بالمنهي عنه لذاته، فهما في البطلان سواء. والحنفية يعتبرون المنهي عنه لوصف لازم، صحيحًا بأصله، فاسدًا بوصفه.\nوقد انبنى على هذا الاختلاف بين الجمهور والحنفية اختلاف في كثير من الأحكام.\nمن ذللك - في المعاملات - بعض العقود التي نهى عنها الشارع لوصف ملازم.\nفالشافعية - تمشيًا مع أصلهم في أثر النهي في المنهي عنه لوصفه -\n_________\n(^١) راجع: \"الفروق\" للقرافي (٢/ ٨٥) فما بعدها.\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٨٥) فما بعدها.\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٨٥ - ٨٦).","vol":"2","page":340},{"text":"يحكمون ببطلان أو فساد هذه العقود، على تساوٍ في البطلان والفساد عندهم دون تفريق.\nوالحنفية - تمشيًا مع أصلهم أيضًا في التفريق بين المنهي عنه لذاته والمنهي عنه لوصفه - يحكمون بفسادها؛ فهي صحيحة بأصلها، فاسدة بوصفها، ولذلك تفيد الملك بالقبض، مع وجوب العمل على إزالة سبب النهي لرفع الإثم.\nمن هذه العقود: البيع بجعل الخمر أو الخنزير فيه ثمنًا للمبيع (^١)، فإن الخمر منصوص على اجتنابها، والخنزير منصوص على نجاسته، والبيع المشتمل على الربا، فالربا منصوص على تحريمه في الكتاب والسنة (^٢).\nوكذلك البيع بشرط، يتنافى مع مقتضى العقد، والرسول صلوات الله عليه \"نهى عن بيع وشرط\" وذلك: كالبيع بشرط أن يبيعه المشتري سلعة أخرى، أو أن يقدم له قرضًا، وبيع الثوب بشرط أن يخيطه البائع، وبيع الزرع بشرط أن يحصده البائع.\nفكل هذه البيوع فاسدة أو باطلة عند الشافعية، لأنها منهي عنها نهيًا لوصف ملازم لها، وإذا وقعت، وقعت غير مشروعة، فلا يترتب عليها أي أثر من الآثار التي رتبها الشارع على المعقود الصحيحة، فهي عقود وقعت مخالفة لأمر الشارع، ولا يمكن أن يكون أثر ما خولف فيه الشارع هو أثرَ ما امتثل فيه أمره (^٣).\nأما الحنفية: فيعتبرونها فاسدة لا باطلة؛ لأن النهي عنها ليس لذاتها بنى لوصف لازم لها خارج عن حقيقة البيع. فإذا وقع البيع، وقع صحيحًا على حقيقته؛ لأن الخلل في الوصف لا في الذات.\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" (٥/ ١٨٤) فما بعدها.\n(^٢) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢٧٢) فما بعدها، \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٥/ ١٨٤) فما بعدها.\n(^٣) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢٦١)، \"المنهاج\" للنووي مع \"مغني المحتاج\" للشربيني الخطيب (٢/ ١١)، \"تخريج الفروع على الأصول\" (ص ٨٩)، \"نهاية السول\" (٢/ ٦٣ - ٦٤) مع البدخشي.","vol":"2","page":341},{"text":"قال صاحب \"الهداية\" في شأن البيع بالخمر والخنزير: (والبيع بالخمر والخنزير فاسد الوجود حقيقة البيع وهو مبادلة المال بالمال) (^١).\nوجاء في \"التوضيح\": (أما البيع بالخمر: فإن الخمر مال غير متقوم؛ فجعلُها ثمنًا لا يبطل البيع لما ذكرنا أن الثمن غير مقصود، بل تابع ووسيلة، فيجري مجرى الأوصاف التابعة، لأن ركن البيع - وهو مبادلة المال بالمال - متحقق، لكن المبادلة التامة لم توجد لعدم المال المتقوم في أحد الجانبين) (^٢).\nوفي شأن البيع المشتمل على الربا قال صدر الشريعة: (ركن البيع - وهو مبادلة المال بالمال - قد وجد، لكن لم توجد المبادلة التامة، فأصل المبادلة حاصل، لا وصفها وهو كونها تامة) (^٣).\nأما في: شأن البيع بشرط: فقد قال التفتازاني في \"التلويح\": (وقد نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط، والنهي راجع للشرط، فيبقى أصل العقد صحيحًا مفيدًا للملك، لكن بصفة الفساد والحرمة، فالشرط أمر زائد على البيع لازم له، لكونه مشروطًا في نفس العقد، وهو المراد بالوصف في هذا المقام) (^٤).\nوهكذا تكون هذه العقود - كما سبق - مشروعةَ بأصلها غيرَ مشروعة بوصفها، ولذلك اعتبرها الحنفية موجودة في نظر الشارع تترتب عليها بعض الآثار التي تترتب على العقود الصحيحة، كثبوت الملك إذا اتصل بها القبض، ومعنى ذلك أنها - مع النهي عنها لوصفها - ظلت صالحة لأن تكون سببًا للملك، بينما الباطل لا يكون كذلك (^٥).\n_________\n(^١) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٥/ ١٨٦).\n(^٢) راجع: \"التوضيح\" (١/ ٢٢٠).\n(^٣) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٤) راجع: \"التلويح\" (١/ ٢١٨). هذا وقد خرج السرخسي على القاعدة المذكورة عددًا من المسائل بالإضافة إلى ما أوردناه. انظرها في \"الأصول\" (١/ ٨٩) فما بعدها.\n(^٥) راجع: \"التحرير\" مع \"التقرير والتحبير\" (١/ ٣٣٣): \"أسباب اختلاف الفقهاء\" لشيخنا علي الخفيف (ص ١٢٧ - ١٢٨).","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type='title' id=toc-578>حالة أخرى من الاختلاف:</span>\nولقد كان من أسباب الاختلاف فيما نحن فيه من اقتضاء النهي الفساد أو غيره في المنهي عنه: تفاوت الأنظار في تقدير ما كان النهي لأجله، أهو وصف ملازم للمنهي عنه، أم وصف خارج عنه؟ وباختلاف التقديرين: كان يختلف الحكم.\n١ - من ذلك - في العبادات - ما جرى من الاختلاف في حكم صلاة النفل في الأوقات المكروهة التي وردت في السنة؛ كما في حديث عقبة بن عامر ﵁: \"ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب\" (^١).\nفمن هذا الحديث وغيره من الأخبار الصحيحة الدالة على كراهة الصلاة في هذه الأوقات: ذهب الشافعية إلى أن التنفل في الأوقات المذكورة باطل، فإذا أراد المكلف أن يتنفل فيها لم تنعقد صلاته، وهم يذهبون إلى ذلك - مع الخلاف بينهم - في أن الكراهة تحريمية أو تنزيهية - لأن النهي إذا تناول المنهي عنه لذاته أو لوصف لازم له: اقتضى الفساد عندهم، سواء أكان التحريم أم كان للتنزيه (^٢).\nومن هنا يبدو الفرق بين هذا الحكم وبين ما ذكرناه عن الصلاة في الأرض المغصوبة، عند الحديث عن النهي لأمر خارج عن المنهي عنه.\nفقد رأوا أن الصلاة تنعقد في الأرض المغصوبة، وتعتبر صحيحة، أما هنا: فلا تنعقد في أي وقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٨٣١)، وأبو داود (٣١٩٢)، والترمذي (١٠٣٠)، وابن ماجه (١٥١٩)، والنسائي (٥٦٠)، وانظر: \"صحيح مسلم بشرح النووي\" هناك (٦/ ١١٠) فما بعدها، \"نيل الأوطار على منتقى الأخبار\" (٣/ ٩٣ - ٩٨).\n(^٢) راجع: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٩٢)، \"قواعد الأحكام في مصالح الأنام\" للعز بن عبد السلام (٢/ ٢٢ - ٢٤)، \"شرح النووي لصحيح مسلم\" (٦/ ١١٠) فما بعدها، \"أسباب اختلاف الفقهاء\" لأستاذنا الخفيف (ص ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"2","page":343},{"text":"ذلك لأن النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة يتناول - كما مر - أمرًا خارجًا عن المنهي عنه، هو الجناية على حق الغير بالاغتصاب. أما حقيقة الصلاة: فتحصل كاملة غير منقوصة، لأن النهي لأمر خارج عند الجمهور، لا يؤثر في صحة العمل المشروع (^١).\nأما هنا: فالنهي عن الصلاة في الوقت المكروه، نهي عن العمل لوصف لازم له، لأن الزمن يذهب جزء منه مع الفعل، فكان النهي عن الصلاة في هذا الوقت: دالًّا على عدم صرف ذلك الوقت في ذلك الفعل.\nوبذلك ظهر تعلق النهي يوصف لازم المصلاة المنهي عنها، من ناحية أنه لا يتصور وجود فعل، إلا بإذهاب جزء من الزمن، فلا يتصور وجود الصلاة في الوقت المكروه، دون إذهاب جزء منه.\nأما المكان: فلا علاقة له بالأداء هنا، إذ لا يذهب أي شيء منه عند القيام بالعمل، فكان النهي بالنظر إليه: نهيًا لأمر خارج مجاور للمنهي عنه. وهو في الأرض المغصوبة - كما تقدم -: الجناية على حق الغير بالغصب (^٢).\nأما الحنفية: فقد ذهبوا إلى صحة انعقاد صلاة النفل في تلك الأوقات المكروهة المنهي عنها (^٣).\nوذلك؛ لأنهم اعتبروا النهي عن الصلاة في هذه الأوقات راجعًا إلى أمر مجاور للمنهي عنه، لا توصف ملازم، إذ إن الوقت - كما يقولون - ظرف للصلاة لا معيار لها، فيكون تعلقه بها تعلقَ المجاورة لا تعلق الوصفية.\nولذا فإن النهي المذكور لا يوجب الفساد، وإنما يوجب النقصان، والنفل لا يطلب أداؤه كاملًا؛ فلو شرع في صلاة النفل في وقت من\n_________\n(^١) راجع: \"التوضيح\" مع \"التلويح\" (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).\n(^٢) انظر: \"أسباب اختلاف الفقهاء\" لأستاذنا الشيخ الخفيف (من ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٣) راجع: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" و\"العناية\" (١/ ١٦٠) فما بعدها.","vol":"2","page":344},{"text":"الأوقات المكروهات؛ يجب عليه إتمامها، ولو أفسد هذه الصلاة: يجب عليه قضاؤها (^١).\nعلى أن هذه المسألة تختلف عن مسألة الصوم في يوم العيد، فقد مر بنا أن الشافعية اعتبروا النهي عن الصوم في بعض الأيام - ومنها يوم الفطر ويوم الأضحى - نهيًا عن العمل لوصف لازم، وذلك لأن الوقت معيار الصوم الذي هو عبادة مقدرة بالوقت، فيكون هذا الوقت كالوصف له، ففساد الوقت يوجب فساد الصوم.\nفإن شرع المكلّف في الصوم في الأيام المنهية، لم يجب عليه الإتمام بل يجب الرفض، فإذا رفض الصوم لم يجب عليه قضاؤه (^٢).\nبينما رأينا عكس ذلك في صلاة النفل في الأوقات التي ورد النهي عنها.\n٢ - ومن ذلك - في المعاملات - بعض العقود التي كان الحظر فيها راجعًا إلى فقدان ولاية أحد العاقدين، كبيع الفضولي، وبيع المرهون، وبيع السفيه، وبيع الصبي المميز. فقد جرى الخلاف في الحكم على هذه العقود، نتيجة الاختلاف في تقدير ما كان النهي لأجله.\nفذهب الشافعية إلى الحكم بالبطلان - شأن البيع بالخمر وغيره - لأن النهي عنها في نظرهم لوصف ملازم (^٣).\nأما الحنفية: فذهبوا إلى الحكم بالصحة مع الوقف، فكل عقد من العقود المذكورة صحيحٌ موقوف على إجازة صاحب الحق في إجازته، فإذا أجازه اعتبر نافذًا (^٤).\n_________\n(^١) راجع: \"أسباب اختلاف الفقهاء\" للشيخ علي الخفيف (ص ١٣٠).\n(^٢) انظر ما سلف (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨) \"المهذب\" (١/ ١٨٩).\n(^٣) راجع: \"المنهاج\" للنووي مع \"مغني المحتاج\" للخطيب (٢/ ٧، ١٥).\n(^٤) راجع: \"الهداية\" مع \"العناية\" و\"فتح القدير\" (٥/ ٣٠٩) فما بعدها.","vol":"2","page":345},{"text":"فبيع الفضولي موقوف على إجازة المالك، وبيع السفيه والصبي موقوف على إجازة القيم أو الولي، أو الوصي، حسب اختلاف الأحوال (^١).\nومرد ذلك عند الحنفية: أن النهي لم يكن لوصف لازم للعقود، وإنما كان لتعلق حق الغير بالبيع، أو للمحافظة على مال السفيه أو الصبي لنقص إدراكه.\nفهذه العقود باعتبار صدورها من أهلها في محلها: صحيحة، وباعتبار وجود المانع من تعلق حق الغير أو المحافظة على مال السفيه أو الصبي: موقوفة، فإذا زال المانع، بأن أجازها من له حق الإجازة، اعتبرت نافذة.\n* * *\n_________\n(^١) راجع: \"بدائع الصنائع\" للكاشاني (٥/ ١٤٨) فما بعدها، \"الهداية\" مع \"فتح التقدير\" و\"العناية\" (٥/ ٣٠٩) فما بعدها، \"أسباب اختلاف الفقهاء\" للخفيف.","vol":"2","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-579>الخاتمَة</span>\nوالآن .. وبعد أن عرضنا - فيما سلف - للحديث من البيان وأنواعه، وعن ماهية تفسير النصوص، وعلاقة ذلك ببيان التفسير، وأوضحنا كيف أنه نوع من الاجتهاد المطلوب المرغّب فيه، وعرّجنا بنظرة عامة على التفسير ومدارسه في القانون، وأشرنا إلى بعض خصائص التفسير في الشريعة وكشفنا عن قواعده في حالات وضوح الألفاظ وإبهامها، وحالات دلالة هذه الألفاظ على الأحكام، ثم حالات شمول الألفاظ أو عدم شمولها في وضعها لمعانيها، وتبينّا في كل ذلك موقف العلماء من التأويل، وما أحاطوه به من حدود وقيود تسلك به سبله المأمونة، وتحافظ على الأسس التي بنوه عليها مما لا يخرج عن حدود العربية ومعالم الشريعة. ورأينا كيف حرّر علماؤنا تلك القواعد في إطار من الضبط العلمي والدقة المنطقية، نتيجة استقراء لأساليب العربية ومقاصد الشريعة وقواعدها، ووقفنا على ما كان لهذه القواعد من آثار واضحة في فهم كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه، وهما عماد الملة وينبوع الشريعة نود أن نقرر الأمور التالية:\nأولًا: إن من الأهمية بمكان: العناية بالعربية في هذا المضمار، لما لها من صلة بشريعة الإسلام؛ فيها نزل الكتاب، وبها كان بيان الكتاب من الرسول الموحي إليه بهذا البيان (^١).\n_________\n(^١) وقد دعا إلى ذلك الصحابة والتابعون وأوسع علماؤنا الأولون القول فيه والدعوة إليه؛ حتى كانت العربية في مدلولاتها وأساليب الخطاب فيها: هي الركن الركين القواعد التفسير في الشريعة. ولقد رأينا الإمام الشافعي بعد أن يتحدث عن عربية القرآن يقول: (وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون =","vol":"2","page":347},{"text":"ثانيًا: لا بد قبل تفسير نصوص السنة لاستنباط الأحكام، من سعي حثيث وراء التثبت من صحة تلك النصوص وصلاحيتها لأن تكون مصدرًا للأحكام، وذلك بتخريجها ومعرفة حكم العلماء عليها من حيث السند (^١).\nوبذلك يجتمع ثبوت النص إلى فقه النص، ويتكامل الطريق ويتوفر للبناء الفقهي الكيان الواضح السليم.\nولقد رأينا في عدد من المباحث المتقدمة كيف أن العلة في تباين الأحكام كانت تكمن وراء صلاحية النص الذي كان مجالًا لتطبيق القاعدة الأصولية، أو عدم صلاحيته لأن يؤخذ منه الحكم.\nففي مجال استنباط الأحكام: لا تكفي العناية بفقه الحديث دون التفات إلى قولى العلماء فيه من حيث كونه صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا أو غير ذلك لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي يقوم عليه الفقه لما أنه بيان الكتاب، ولا بد لسلامة البنيان من سلامة الأساس الذي يقوم عليه (^٢). كما لا تكفي\n_________\n= غيره؛ لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبة التي دخلت على من جهل لسانها) \"الرسالة\" (ف ١٦٩، ص ٥٠) بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر.\nوانظر كلام ابن حزم في هذا الموضوع في: \"الإحكام في أصول الأحكام\". (١/ ٣٥، ٥٢)، وراجع مقدمة \"تفسير البحر المحيط\" لأبي حيان (١/ ٥ - ٧).\n(^١) ولقد عني علماؤنا بتخريج أحاديث عدد من مراجع الفقه والأصول، وأرجو أن تتاح لي الفرصة في القريب العاجل لنشر كتاب: \"تخريج أحاديث البزدوي\" للقاسم بن قطلوبغا من الحنفية المتوفى ٨٧٩ هـ والنسخة المخطوطة التي اعتمدتها في التحقيق تتميز بإجازة من المؤلف نفسه وقد توافر غيرها والحمد لله.\nولهذا الكتاب في رأيي أهمية بالغة لأن أصول البزدوي يأتي في مقدمة الكتب المعتمدة في علم أصول الفقه عند الحنفية ومن الخبر بمكان معرفة حكم علماء الحديث على نصوص السنة التي أثبتها البزدوي في كتابه عند التطبيق.\n(^٢) قال الخطابي في بيان ذلك: (لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا من بناء وعمارة فهو خراب) \"معالم السنن\" (١/ ٣).","vol":"2","page":348},{"text":"العناية بسند الحديث دون نظر إلى فقهه (^١) وتبيين معانيه ومدلولات ألفاظه، وما ترمي إليه على أسس العربية ومفاهيم الشريعة.\nوقديمًا شكا أبو سليمان الخطابي - من رجال المائة الرابعة - في مقدمة شرحه لأحاديث الأحكام في \"سنن أبي داود\" من انقسام أهل العلم في عصره إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر ولّى أكثرهم ظهره للفقه والفهم، وأصحاب فقه ونظر لا يعرّج أكثرهم من الحديث إلا على أقلّه، وأبان أن منهجه يقوم على الأمرين الذين لا بد منهما: عناية بسند الحديث في رجاله ورواته، وعناية بمتن الحديث من حيث فقهُه واستنباط الأحكام منه (^٢).\nوكل هذا الذي نقوله ينطبق على ما بين أيدينا من نصوص، كان في فهمها وانطباق القواعد الأصولية عليها في استنباط الأحكام أخذ ورد عند العلماء، ولكن وراء ذلك أنه قد تكون مسألة خلافية، مرد الاختلاف فيها أن نصًا من النصوص قد لا يكون وصل إلى بعض رجال المذاهب كالذي رأينا مثلًا في احتمال الخاص البيان وعدم احتماله بالنسبة لحديث الأعرابي المسيء صلاته حيث رأينا أن من الممكن أن لا يكون الإمام أبو حنيفة ﵀ قد وصله هذا الحديث ولو وصله فكان له حكم آخر في أمر الطمأنينة في الركوع والسجود، ولما رأينا اختلافًا في هذه القضية.\nثالثًا: إن الطريقة التي تقوم على تقرير قواعد الأصول، ثم تخريج الفروع عليها، وبيان مدى ارتباط الفرع بالأصل، هي الطريقة التي نرى وجوب إحلالها مكانها اللائق في ميدان التعليم والاختصاص؛ لأن ذلك كفيلٌ بتربية المملكة الفقهية الواعية القادرة على الإفادة من مسالك الأئمة ومواجهة النصوص بفهم وإدراك، قمينٌ بإخراج قواعد التفسير عن عزلتها\n_________\n(^١) وانظر: \"معرفة علوم الحديث\" (ص ٦٣) للحاكم أبي عبد الله النيسابوري.\n(^٢) قال ﵀: (ورجوت أن يكون الفقيه إذا ما نظر إلى ما أثبته في هذا الكتاب - يعني \"معالم السنن\" - من معاني الحديث، ونهجته من طرق الفقه المتشعبة عنه دعاه ذلك إلى طلب الحديث وتتبع علمه، وإذا تأمله صاحب الحديث رغبه في الفقه وتعلمه) \"معالم السنن\" (١/ ٣ - ٦).","vol":"2","page":349},{"text":"وإعادتها إلى الميدان الذي كان غايةَ الأولين من وضعها، وهو الميدان العملي في الاستنباط، وبناء الفروع على الأصول.\nكما أن سلوك هذه السبيل - كما أسلفنا من قبل - يفسح المجال أمام العقلى المستنير لإدراك حقيقة الاختلاف بين العلماء والأساس الذي يقوم عليه (^١).\nرابعًا: لا بد من عناية خاصة بمباحث التأويل؛ لأن ذلك - إلى جانب ما فيه من تعرّف على الأثر الذي تركه التأويل في أحكام الشريعة وفروعها - فيه تحديد معالم الطريق في فهم النصوص، والتزام الجادة عند معالجتها، الأمر الذي يكشف تأويل المنحرفين في عقائدهم أو عقولهم، ويساعد في مجال الفقه على تبيّن الطريق المذهبية في تأويل النصوص وإلى أي مدى كانت ملتزمة بين المذهب وأصل الطريق، لأنه - كما سلف - ليس من الجائز أن تكون سبيلنا في التأويل شدّ النصوص إلى حكم معيّن قرره مذهب من المذاهب، وإنما الواجب أن تكون وراء النص ومدلوله، ولا يضرنا فيما بعد أن يلتقي المدلول مع هذا المذهب أو ذاك أو يخرج عليهما بعد أن سلكنا سبيل الجادة في الفهم والاستنباط، ومراعاة مقاصد الشريعة ركن ركين في سلامة هذا الاتجاه.\nخامسًا: ليس من اليسير الحكم بأن مظاهر الاختلاف بين المذاهب، كثيرًا ما تكون اختلافًا في الاصطلاح، ويكون المال فيما بعد إلى حكم واحد عند التفريع؛ فقوم مثلًا يأخذون بالمفهوم المخالف، ويردون الحكم إلى هذا المفهوم، وآخرون لا يأخذون به، وتبحث لتجد الفريقين متفقين على الحكم نفسه؛ فهؤلاء عن طريق المفهوم، وأولئك عن طريق غيره.\nوأمثال هذا كثير تجده في مثل قطعية العام وظنيته، وتخصيص العام، وحمل المطلق على المقيد، وغير ذلك مما يقع عليه الباحث فيما عرضنا\n_________\n(^١) انظر مقدمة المؤلف في تحقيقه لكتاب: \"تخريج الفروع على الأصول\" للإمام الزنجاني (ص ١٢ - ١٤).","vol":"2","page":350},{"text":"من القواعد وصلتها بفروع الأئمة عند أخذ الأحكام من النصوص.\nالاختلاف في القاعدة الأصولية يُرى أن مرده أحيانًا: التسمية الإصطلاحية؛ فعندما يقرر الحنفية أن المجمل لا يكون بيانه إلا من الشارع نفسه ويقول غيرهم: إن البيان يمكن أن يكون بالاجتهاد، يرى أن مرد هذا الاختلاف: تحديد معنى المجمل عند كل من الفريقين فهو عند الحنفية مخصوص بما لا يمكن بيانه إلا من الشارع، وعند غيرهم يشمل هذه الحال وغيرها، بحيث تنطوي تحته مراحل من الإبهام يري الحنفية أن بعضها يمكن أن يزول بيان من المجتهد، دون توقف على بيان الشارع نفسه.\nسادسًا: على هدي ما سبق تعود لنؤكد ما قررناه في صدر هذا الكتاب من أن أشواطًا بعيدة يلاحظها الباحث بين موقف الشريعة من التفسير، وبين موقف القانون منه ويكاد طريق المقارنة يكون مسدودًا إلا على سبيل المجاز والتنبيه كما أشرنا من قبل.\nكما نؤكد ما قررناه من وجوب الإفادة من هذه القواعد في تفسير نصوص القانون في البلاد العربية التي أصبحت العربية فيها لغة القانون وهذا يقتضينا مزيدًا من العناية بهذه القواعد في مجال التعليم والاختصاص ودور القضاء والتشريع على الطريقة العملية، وذلك عن طريق تخريج الفروع على أصولها وضوابطها، لئلا تبقى مناهجنا في التفسير في معزل عن استنارة الفكر الحقوقي بها، والقدرة على استخدامها فيما نريد. ولقد يكون ذلك إسهامًا في إزالة الركام من طريق أحكام الشريعة لتكون هي المصدر الحقيقي للتشريع، وإن كان الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ، ولا بد من العمل على استئناف الحياة الإسلامية الواعية، وإنشاء المجتمع الإسلامي الذي يكون الحكم بالشريعة المباركة امتدادًا طبيعيًا لوجوده الذاتي الأصيل بالإسلام، واستجابة صادقة لقضاياه الناجزة والطارئة. لأنا دائمًا عندما نكرر أن الأحكام تتناهى والوقائع لا تتناهى فإنما نعني بذلك تلك الوقائع التي تطرأ في المجتمع الذي يحكمه الإسلام، وإلا فليست الشريعة مسؤولة عن إيجاد الحلول لقضايا طارئة تنبت في مجتمعات جاهلية ليس للإسلام نصيب في","vol":"2","page":351},{"text":"رسم شؤون حياتها أو وضع منهج لتصرفاتها. نقول هذا ونحن على يقين من أن الطريق إلى استئناف الحياة الإسلامية التي يكون الفقه استجابة لها طريق شائكة تحتاج إلى تضحيات في أكثر حاجتها إلى التنقيب في فروع الأحكام، ولكنها ضريبة الإيمان والتصديق برسالة صاحب الشريعة ﵊ ولمثل هذا فليعمل العاملون الذين يريدون الخير لأمتنا، بل للبشرية جمعاء.\nوأخيرًا فإنا نودع القول في \"تفسير النصوص\" لنذكر قول محمد بن الحنفية: \"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم\"، وما رواه مالك بن أنس عن ابن شهاب حيث قال: \"إن هذا العلم أدب الله الذي أدب به نبيه ﷺ، وأدَّب النبي ﷺ أمته به، وهو أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أدى عليه، فمن سمع علمًا فليجعله حجة فيما بينه وبين نبيه\".\nوالحمد لله الذي هدانا لهذا، ونسأله أن يتقبل هذا اليسير من العمل وأن يجعله طريقًا إلى مغفرته وستره، وزلفى إلى مثوبته ورضاه، وصلى الله على نبينا محمد إمام الهدى والرحمة، وعلى آله وصحابته أجمعين.\n* * *","vol":"2","page":352}]}