{"ً":{"ٌ":156,"ٍ":"التحقيقات على شرح الجلال للورقات","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/tahShWarqat/tahShWarqat.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التحقيقات على شرح الجلال للورقات\nالمؤلف: أبو زكريا فضل بن عبد الله مراد\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م\nالناشر: (مركز الراسخون، دار الظاهرية) - الكويت\nعدد الصفحات: ٣٨٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":2923,"ٕ":11,"ٖ":1780758462,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيقات","level":1,"page":2},{"title":"فائدة","level":2,"page":4},{"title":"ويسن له ثلاثة أمور","level":2,"page":4},{"title":"تنبيه","level":2,"page":4},{"title":"مقدمة شرح الجلال","level":1,"page":5},{"title":"قوله فهذه ورقات","level":2,"page":5},{"title":"قوله: أصول الفقه: فيه مسألتان","level":2,"page":6},{"title":"الأولى: تعريف الأصل لغة","level":3,"page":6},{"title":"الثانية: تعريف الأصل اصطلاحًا","level":3,"page":6},{"title":"بيان معنى الفقه","level":2,"page":8},{"title":"المسألة الأولى: قوله في تعريف الفقه لغة","level":3,"page":8},{"title":"المسألة الثانية: قولا الشيرازي والرازي في معنى الفقه وتحقيق المقام","level":3,"page":9},{"title":"تعريف الفقه اصطلاحًا","level":2,"page":12},{"title":"المسألة الأولى: الكلام عن المعرفة وبيان حقيقتها","level":3,"page":12},{"title":"المسألة الثانية: الفرق بين المعرفة والعلم","level":3,"page":13},{"title":"المسألة الثالثة: استعمال العلم، والظن كل واحد مكان الآخر ثابت لغة وشرعًا وعرفًا","level":3,"page":14},{"title":"المسألة الرابعة: هل يصلح المجاز في التعاريف؟","level":3,"page":14},{"title":"المسألة الخامسة: قوله: معرفة الأحكام","level":3,"page":16},{"title":"المسألة السادسة خرج \"بالأحكام","level":3,"page":17},{"title":"المسألة السابعة: خرج بقوله الشرعية.","level":3,"page":17},{"title":"المسألة الثامنة: قوله التي طريقها الاجتهاد","level":3,"page":18},{"title":"فائدة - من هو الخلافي؟","level":4,"page":19},{"title":"المسألة التاسعة: لماذا أغفل المصنف قيد \"العملية\" في تعريف الفقه وتحقيق المقام بما لا تجده في غيره؟","level":3,"page":20},{"title":"تحقيق هام لمعنى \"العملية \" في تعريف الفقه وما يتعلق بها من مباحث","level":4,"page":20},{"title":"أما المبحث الأول: فهو معنى العملية","level":5,"page":20},{"title":"مناقشة بعض الايرادات","level":6,"page":21},{"title":"تحقيق كلام أهل الأصول في إدخال مسائل الاعتقاد في الفقه.","level":6,"page":22},{"title":"أ. النظر إلى مسائل الاعتقاد من جهتين","level":7,"page":23},{"title":"ب) أعمال القلب داخلة في قيد العملية وتحقيق المسألة","level":7,"page":25},{"title":"جـ - والاعتقادات من حيث طرق استفادتها وثبوتها مقسمة إلى ثلاثة أقسام","level":7,"page":26},{"title":"المبحث الثاني: ما يحترز بهذه اللفظة \"العملية\"","level":5,"page":28},{"title":"المبحث الثالث: من زادها من علماء الأصول ومن أغفلها ومن عدل عنها لغيرها","level":5,"page":29},{"title":"المسائل القطعية لا تسمى فقها فيه ثلاث مسائل","level":6,"page":30},{"title":"الأولى: الأمثلة التي ذكرها وهي كون النية شرط في صوم رمضان مسألة اجتهادية","level":7,"page":30},{"title":"الثانية: ما كان من المسائل لا يحتاج إلى نظر واستدلال فلا يسمى فقهًا في اصطلاح أهل الأصول وإن كان فقها في أصل الشرع؛","level":7,"page":31},{"title":"الثالثة قوله: \"فالمعرفة هنا العلم بمعنى الظن\"","level":7,"page":31},{"title":"المسألة الأولى: قوله: \"والأحكام سبعة، الواجب، والمندوب، والمباح، والمحضور، والمكروه\"","level":6,"page":33},{"title":"شرح كلامه وبيان الفرق بين الإيجاب والوجوب ونحوه وتحقيق المقام","level":6,"page":33},{"title":"علة ذلك أن الحكم الشرعي ينظر فيه من ثلاث جهات","level":6,"page":33},{"title":"ثمرة المسألة","level":6,"page":35},{"title":"قوله: \"والأحكام سبعة\"","level":6,"page":37},{"title":"١ - لماذا لم يذكر الأحكام الوضعية السبب والشرط والمانع؟","level":7,"page":37},{"title":"٢ - لماذا خص الصحة، والفساد في الأحكام بالذكر دون الوضعية، والرخصة والعزيمة؟","level":7,"page":37},{"title":"بيان تعريف الواجب، والإيرادات عليه وردها، وتوضيح حيثية التعليل وحيثية التقييد","level":6,"page":40},{"title":"تنبيهات على الإيرادات الواردة","level":6,"page":40},{"title":"تتمة في أقسام الواجب","level":6,"page":42},{"title":"١ - فالموسع ما يتسع وقته له ولغيره","level":7,"page":42},{"title":"٢ - والمضيق ما لا يتسع وقته لغيره","level":7,"page":42},{"title":"٣ - أما العيني: فهو ما لزم كل فرد كالصلاة والصيام وبر الوالدين، وصلة الرحم، والصدق، والاخلاص","level":7,"page":43},{"title":"٤ - أما الكفائي: فعلامته إن قام به البعض سقط عن الآخرين","level":7,"page":43},{"title":"تعريف المندوب والمباح وفيه مسائل","level":6,"page":44},{"title":"- الأولى: تعريفه لغة","level":7,"page":44},{"title":"الثانية: تعريفه شرعا","level":7,"page":44},{"title":"- الثالثة: في أسمائه","level":7,"page":44},{"title":"- الرابعة: قوله من حيث وصفه بالمندوب","level":7,"page":45},{"title":"- الخامسة: فائدتان تتعلقان بالمندوب","level":7,"page":45},{"title":"١ - هل يترك المندوب إذا صار شعارا للمبتدعة؟ ثلاثة أوجه","level":8,"page":45},{"title":"٢) هل يترك المندوب خوف اعتقاد العامة وجوبه؟","level":8,"page":45},{"title":"- السادسة في قوله: \"المباح\"","level":7,"page":46},{"title":"السابعة","level":7,"page":47},{"title":"المسألة الأولى: تعريف المحضور","level":8,"page":48},{"title":"لغة","level":9,"page":48},{"title":"الثانية: ذكر في المحصول أسماءه","level":8,"page":48},{"title":"المسألة الثالثة","level":8,"page":48},{"title":"المسألة الرابعة","level":8,"page":48},{"title":"- بيان معنى الصحيح وتعاريفه","level":6,"page":50},{"title":"- الباطل وتعريفه، وهل يرادف الفاسد؟","level":6,"page":52},{"title":"المسألة الأولى: بيان الصواب في إثبات لفظة الباطل في النسخ وذكر السر في ذلك","level":7,"page":52},{"title":"المسألة الثانية: الفاسد والباطل مترادفان كما سبق إلا في مسائل، وبيان ذلك في المذاهب الاربعة","level":7,"page":53},{"title":"- تعريف العلم","level":6,"page":55},{"title":"- الجهل تعريفه وأقسامه وتعريف كل قسم؛ وفيه مسائل","level":6,"page":57},{"title":"المسألة الأولى: الجهل لغة نقيض العلم أو خلاف العلم","level":7,"page":57},{"title":"الثانية: الجهل اصطلاحا","level":7,"page":57},{"title":"الثالثة: قوله: \"وعلى قول المصنف لا يسمى هذا جهلًا\"","level":7,"page":58},{"title":"تقسيم العلم إلى ضروري ونظري","level":7,"page":59},{"title":"المسألة الأولى: ينقسم العلم إلى قسمين","level":8,"page":59},{"title":"المسألة الثانية: في تمثيله بالحواس الخمس الظاهرة","level":8,"page":60},{"title":"ثمرة الخلاف","level":9,"page":61},{"title":"المسألة الثالثة: عبر بالباء ولم يعبر باللام","level":8,"page":61},{"title":"المسألة الرابعة: \"قوله الظاهرة\" خرج بها الباطنة، وهي خمس","level":8,"page":61},{"title":"المسألة الخامسة: إنما قدم السمع على الجميع","level":8,"page":62},{"title":"الكلام على ما يتعلق بالنظر، والاستدلال، والدليل، والظن، والشك، وشرح كلام المصنف شرحا وافيا","level":7,"page":63},{"title":"المسألة الأولى: المقصود من كلامه تعريف خمسة أمور","level":8,"page":63},{"title":"المسألة الثانية: تعريفه للنظر بقوله: \"والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه ليؤدي إلى المطلوب\"","level":8,"page":64},{"title":"المسألة الثالثة: ما هو الفكر الوارد في تعريف النظر؟","level":8,"page":64},{"title":"المسألة الرابعة: معنى حركة النفس في المعقولات","level":8,"page":65},{"title":"المسألة الخامسة: شرح قوله في التعريف \"في حال المنظور فيه\"","level":8,"page":67},{"title":"المسألة السادسة: تعريفه للدليل وشرحه","level":8,"page":68},{"title":"المسألة السابعة: لم يذكر المصنف تعريف الدليل اصطلاحًا، وتعريفه وشرحه","level":8,"page":69},{"title":"بيان التعريف ومحترزاته","level":9,"page":69},{"title":"الأولى: تعريف أصول الفقه لقبا","level":8,"page":73},{"title":"الثانية: احترز بقوله طرقه الإجمالية بالطرق التفصيلية","level":8,"page":73},{"title":"الثالثة: قوله وكيفية الاستدلال بها","level":8,"page":74},{"title":"الرابعة: عدّد المصنف أبواب أصول الفقه هنا ترغيبا للطالب","level":8,"page":74},{"title":"أقسام الكلام أو المباحث اللغوية المتعلقة بعلم أصول الفقه","level":1,"page":75},{"title":"أقسام الكلام","level":2,"page":76},{"title":"المسألة الأولى: تقسيم الكلام إلى مفرد ومركب","level":3,"page":77},{"title":"المسألة الثانية: المفرد يدل على المعاني من عدة جهات، وتقسيمه إلى كلي وجزئي","level":3,"page":77},{"title":"القسم الأول: الكلي","level":4,"page":77},{"title":"القسم الثاني: الجزئي","level":4,"page":78},{"title":"المسألة الثالثة: المشترك وعلاقته بالمجمل، وبيان راجح الدلالة، وعلاقته بالظاهر والمؤول","level":3,"page":78},{"title":"المسألة الرابعة: تقسيم المركب","level":3,"page":78},{"title":"انقسام الكلام إلى حقيقة ومجاز","level":2,"page":81},{"title":"مسألة وجوب العمل بالحقيقة","level":2,"page":83},{"title":"أنواع المجاز وشرحه","level":1,"page":84},{"title":"المسألة الأولى: أقسام المجاز","level":2,"page":84},{"title":"المسألة الثانية في قوله: بالزيادة .. الخ .. وشرح التمثيل بقوله تعالى ﴿ليَسَ كَمِثْلِهِ شيئ﴾","level":2,"page":85},{"title":"المسألة الثالثة: المجاز بالحذف","level":2,"page":87},{"title":"المسألة الرابعة: كيف تدخل الزيادة والحذف في المجاز","level":2,"page":87},{"title":"المسألة الخامسة: المجاز بالنقل","level":2,"page":88},{"title":"المسألة السادسة: المجاز بالاستعارة.","level":2,"page":88},{"title":"الأمر والنهي","level":1,"page":90},{"title":"يتعلق بكلامه ﵀ عن الأمر مسائل","level":2,"page":91},{"title":"المسألة الأولى: الأمر، وتعريفه، وشرح التعريف","level":2,"page":91},{"title":"المسألة الثانية: تحقيق أن إطلاق الأمر يشمل القول والفعل","level":2,"page":93},{"title":"المسألة الثالثة قاعدة: الأمر عند الإطلاق والتجرد عن القرينة للوجوب","level":2,"page":95},{"title":"المسألة الرابعة: صيغة الأمر.","level":2,"page":97},{"title":"المسألة الخامسة: اشتراط العلو","level":2,"page":98},{"title":"المسألة السادسة: هل يقتضي التكرار","level":2,"page":98},{"title":"المسألة الأولى: هل الأمر يقتضي الفور وتحقيق نسبة المذاهب، وبيان وهم من نسب للحنفية الفور","level":3,"page":101},{"title":"المسألة الثانية: الأدلة على عدم اقتضاء الأمر الفور.","level":3,"page":103},{"title":"قاعدة: \"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب\"","level":2,"page":105},{"title":"المسألة الأولى: إطلاقات الفقهاء على القاعدة","level":3,"page":105},{"title":"المسألة الثانية: تمثيل الشارح بالطهارة للصلاة؛ جريًا على عادة المصنفين بالتمثيل بالمشهور","level":3,"page":106},{"title":"المسألة الثالثة: قاعدة ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب؛ كتحصيل النصاب للزكاة والاستطاعة للحج","level":3,"page":106},{"title":"المسألة الرابعة: من الفروع المبنية على القاعدة","level":3,"page":106},{"title":"قوله: والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب؛ لانتفاء التكليف","level":2,"page":109},{"title":"المسألة الأولى: \" السهو الذهول عن المعلوم كذا عرفه الأقدمون","level":3,"page":109},{"title":"المسألة الثانية: قوله لانتفاء التكليف عنهم، علته \"أن شرط المكلف أن يكون عاقلًا","level":3,"page":109},{"title":"المسألة الثالثة: في قوله: \"الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل\"","level":3,"page":111},{"title":"الكلام على قاعدة الأمر بالشيء نهي عن ضده وتحقيق المقام","level":2,"page":113},{"title":"أين وقع خلاف من خالف من الأصوليين في قاعدة الأمر بالشيء نهي عن ضده","level":2,"page":114},{"title":"مسائل فقهية مبنية على قاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده","level":2,"page":116},{"title":"فائدة: هذه القاعدة وهي الأمر بالشيء نهي عن ضده مقيدة بقيدين","level":2,"page":117},{"title":"خاتمة لطيفة: اختلفت عبارات الأصوليين في التعبير بهذه القاعدة","level":2,"page":117},{"title":"تحقيق الكلام على قاعدة النهي يقتضي الفساد، وشرح كلام المصنف وتفصيله","level":2,"page":119},{"title":"المسألة الأولى: قوله: \"ويدل النهي المطلق شرعًا على فساد المنهي عنه\"","level":3,"page":119},{"title":"المسألة الثانية: قوله: \"يفيد الفساد شرعًا\" .. وبيان أدلة ذلك","level":3,"page":120},{"title":"المسألة الثالثة: شرح ما ذكره المصنف من التفريق بين العبادات، والمعاملات في قاعدة النهي وتحقيق المقام","level":3,"page":122},{"title":"المسألة الرابعة: مذاهب العلماء في قاعدة النهي يدل على الفساد.","level":3,"page":125},{"title":"من معاني صيغة الأمر","level":2,"page":129},{"title":"العام والخاص","level":1,"page":131},{"title":"العام ذكر فيه ثلاثة أمور","level":2,"page":133},{"title":"المسألة الأولى: إن للعموم صيغة كما يدل عليه كلامه، وفي هذه المسألة مذاهب","level":3,"page":133},{"title":"الثانية: يستفاد من صيغ العموم أن مدلولها كليةٌ، وليس (كل)","level":3,"page":134},{"title":"الثالثة: قوله ألفاظه احتراز عما يستفاد به العموم من غير هذه الطريق","level":3,"page":135},{"title":"الرابعة قوله: \"الاسم- الواحد- المعرف بالألف واللام\"","level":3,"page":137},{"title":"الخامسة قوله: واسم الجمع المعرف باللام","level":3,"page":138},{"title":"السادسة: فروع مبنية على مسألة المفرد المعرف والمفرد المضاف","level":3,"page":138},{"title":"السابعة: فروع مبنية على مسألة الجمع المعرف والجمع المضاف","level":3,"page":139},{"title":"الثامنة: من صيغ العموم الأسماء المبهمة وما يتعلق بها","level":3,"page":140},{"title":"التاسعة: النكرات في سياق النفي أو النهي","level":3,"page":142},{"title":"العاشرة: دلالة النكرة في سياق النفي على العموم","level":3,"page":143},{"title":"العموم من عوارض الألفاظ","level":4,"page":146},{"title":"الخاص وتعريفه وشرح التعريف","level":2,"page":150},{"title":"القسم الأول: المخصصات المتصلة","level":3,"page":153},{"title":"التخصيص بالاستثناء","level":4,"page":153},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الاستثناء وشرحه","level":5,"page":153},{"title":"المسألة الثانية: شروط الاستثناء","level":5,"page":155},{"title":"المسألة الثالثة: يجوز تقدم المستثنى بلا خلاف","level":5,"page":158},{"title":"المسألة الرابعة: الاستثناء من الجنس ومن غيره قوله","level":5,"page":158},{"title":"التخصيص بالشرط","level":4,"page":159},{"title":"تعريف الشرط","level":5,"page":160},{"title":"أنواع الشرط","level":5,"page":160},{"title":"تقدم الشرط وتأخره","level":5,"page":161},{"title":"التخصيص بالصفة","level":4,"page":161},{"title":"المسألة الأولى: اعلم أن لفظ رقبة وردت في القرآن في أربعة مواضع","level":5,"page":162},{"title":"المسألة الثانية: إذا خرجت الصفة مخرج الغالب، كانت للتوضيح لا للتخصيص.","level":5,"page":162},{"title":"فائدة خاتمة: المخصصات اثنا عشر مخصصا، نظمتها في بيت واحد وبيانها مع أمثلتها.","level":6,"page":163},{"title":"بيان مراتب التخصيص","level":3,"page":165},{"title":"الأولى: تخصيص الكتاب بالكتاب","level":4,"page":166},{"title":"الثانية: تخصيص الكتاب بالسنة","level":4,"page":166},{"title":"الثالثة: تخصيص السنة بالسنة.","level":4,"page":166},{"title":"الرابعة: تخصيص السنة بالكتاب","level":4,"page":167},{"title":"الخامسة: تخصيص النطق بالقياس","level":4,"page":167},{"title":"المجمل والمبين","level":1,"page":170},{"title":"المسألة الأولى: المجمل في اللغة والاصطلاح، وبيان أنواعه","level":2,"page":171},{"title":"المسألة الثانية: بيان أسباب الإجمال","level":2,"page":173},{"title":"١ - الاشتراك","level":3,"page":173},{"title":"أ. الاشتراك في الاسم","level":4,"page":173},{"title":"ب. الاشتراك في الفعل","level":4,"page":173},{"title":"جـ. الاشتراك في الحرف","level":4,"page":173},{"title":"٢ - المجمل بسبب التصريف","level":3,"page":174},{"title":"٣ - المجمل بسبب مرجع الضمير","level":3,"page":174},{"title":"٤ - المجمل بسبب التركيب","level":3,"page":174},{"title":"٥ - المجمل بسبب تعدد المجاز مع تعذر الحقيقة","level":3,"page":175},{"title":"٦ - الإجمال بسبب ورود المجهول على المعلوم","level":3,"page":176},{"title":"المسألة الثالثة: في مسائل ظُنت من المجمل وليست منه","level":2,"page":176},{"title":"المسألة الرابعة: حكم المجمل","level":2,"page":181},{"title":"المسألة الخامسة: وقوع المجمل في الكتاب والسنة","level":2,"page":181},{"title":"المسألة السادسة المبين","level":2,"page":182},{"title":"النص وما يتعلق به","level":2,"page":183},{"title":"المسألة الأولى: تعريف النص","level":2,"page":183},{"title":"المسألة الثانية: إطلاقات النص","level":2,"page":184},{"title":"أ-إطلاقه عند الفقهاء","level":3,"page":184},{"title":"ب-إطلاقه عند الأصوليين","level":3,"page":184},{"title":"جـ-إطلاقه بمعنى الظاهر","level":3,"page":184},{"title":"د-إطلاقه في وضع اللغة","level":3,"page":184},{"title":"المسألة الثالثة: حكم النص","level":2,"page":185},{"title":"الظاهر والمؤل","level":1,"page":186},{"title":"الظاهر والمؤول وبيان أسبابهما","level":2,"page":187},{"title":"وأسباب الظهور والتأويل","level":2,"page":188},{"title":"الأفعال","level":1,"page":193},{"title":"أفعال النبي ﷺ","level":2,"page":194},{"title":"المسألة الأولى: أفعاله ﷺ قسمان كليان","level":3,"page":194},{"title":"القسم الأول: ما كان على وجه القربة والطاعة","level":4,"page":194},{"title":"القسم الثاني: ما كان على غير وجه القربة والطاعة","level":4,"page":195},{"title":"المسألة الثانية: والجميع راجع إلى أربعة أنواع","level":3,"page":195},{"title":"الأول: ما كان بيانًا لمجمل","level":4,"page":195},{"title":"الثاني: ما كان خاصًا به ﵊","level":4,"page":196},{"title":"الثالث: ما كان فعله ﷺ جبلة أو عرفا","level":4,"page":197},{"title":"الرابع: ما فعله النبي ﷺ ابتداءً","level":4,"page":198},{"title":"المسألة الثالثة: حكم تركه ﵊ والوصول إلى قاعدة تضبط ذلك من خلال تتبع السنن التركية","level":3,"page":200},{"title":"قوله \"وإقرار صاحب الشريعة\" فيه مسائل","level":2,"page":206},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الإقرار وحكمه","level":3,"page":206},{"title":"المسألة الثانية: إقراره ﵊ حجة","level":3,"page":207},{"title":"المسألة الثالثة: شروط حجية التقرير","level":3,"page":207},{"title":"الشرط الأول: أن يعلم به ﷺ","level":4,"page":207},{"title":"الشرط الثاني: أن يكون قادرا ًعلى الإنكار","level":4,"page":208},{"title":"الشرط الثالث: ألا يكون الفعل مما يفعله الكفار، فإنه لا أثر له اتفاقًا","level":4,"page":208},{"title":"النسخ","level":1,"page":209},{"title":"النسخ وما يتعلق به من المسائل","level":2,"page":211},{"title":"المسألة الأولى: في تعريفه لغة واصطلاحًا","level":3,"page":211},{"title":"المسألة الثانية: شرح التعريف وبيان محترزاته وقيوده","level":3,"page":212},{"title":"المسألة الثالثة: الفرق بين النسخ والتخصيص من ثمانية أوجه","level":3,"page":213},{"title":"المسألة الرابعة: إطلاقات النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين","level":3,"page":215},{"title":"المسألة الخامسة: حكمة النسخ","level":3,"page":215},{"title":"أنواع النسخ وأقسامه وفيه ثمان مسائل","level":2,"page":217},{"title":"المسألة الأولى قوله: ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم","level":3,"page":217},{"title":"الثانية: قوله ونسخ الحكم وبقاء الرسم","level":3,"page":217},{"title":"الثالثة قوله: ونسخ الأمرين معًا","level":3,"page":218},{"title":"الرابعة: حكم مس المحدث لمنسوخ التلاوة","level":3,"page":218},{"title":"الخامسة: لا يشترط في الناسخ أن يتقدم في ترتيب المصحف على المنسوخ","level":3,"page":219},{"title":"السادسة: أقسام النسخ من حيث البدل وعدمه","level":3,"page":219},{"title":"السابعة: النسخ بالكتاب والسنة","level":3,"page":222},{"title":"الثامنة: نسخ الكتاب بالسنة منعه الشافعي في الرسالة وغيرها","level":3,"page":222},{"title":"التعارض وأحكامه","level":1,"page":224},{"title":"فصل في التعارض","level":2,"page":225},{"title":"التعارض وأقسامه وماذا يصنع المجتهد عنده وفيه مسائل","level":3,"page":226},{"title":"المسألة الأولى: قوله: \"تعارض الأدلة\" أي: في نظر المجتهد أما في نفس الأمر فلا","level":4,"page":226},{"title":"المسألة الثانية: قوله: إذا تعارض نطقان","level":4,"page":226},{"title":"المسألة الثالثة: أنواع التعارض في النطق أربعة","level":4,"page":227},{"title":"الرابعة قوله: وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ","level":4,"page":228},{"title":"تعارض الخاصين","level":3,"page":230},{"title":"فمثال الجمع بين الخاصين","level":4,"page":231},{"title":"أما إن لم يستطع الجمع فمثّله المصنف بحديثين","level":4,"page":231},{"title":"تعارض العام مع الخاص نوعان","level":3,"page":234},{"title":"النوع الأول: وهو تعارض العام والخاص المطلقين","level":4,"page":234},{"title":"النوع الثاني: تعارض عام وخاص وجهيين","level":4,"page":235},{"title":"أولا: المرجحات من جهة الاسناد","level":5,"page":237},{"title":"ثانيًا: المرجحات الراجعة إلى المتن: وهي كثيرة منها","level":5,"page":241},{"title":"الإجماع","level":1,"page":243},{"title":"تعريف الإجماع وشرحه ومحترزاته في مسائل عشر","level":2,"page":244},{"title":"الأولى: في تعريف الإجماع لغة","level":3,"page":244},{"title":"الثانية: قوله اتفاق علماء العصر","level":3,"page":244},{"title":"الثالثة: يشترط فيمن يعتد بقوله في الإجماع مع الاجتهاد","level":3,"page":245},{"title":"الرابعة: قوله الاتفاق","level":3,"page":245},{"title":"الخامسة: المقصود بالعصر لحظة الاتفاق","level":3,"page":246},{"title":"السادسة: قوله على حكم الحادثة","level":3,"page":246},{"title":"السابعة: وقوله نعني بالعلماء الفقهاء","level":3,"page":246},{"title":"الثامنة: ويؤخذ من قوله \"علماء أهل العصر\"","level":3,"page":247},{"title":"التاسعة: شمل قوله \"علماء أهل العصر\" الذكور، والإناث","level":3,"page":247},{"title":"العاشرة: أما البلوغ فاشتراط العدالة مغن عن ذكره","level":3,"page":248},{"title":"حجية الإجماع وفيه مسائل","level":2,"page":249},{"title":"قوله: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها","level":3,"page":249},{"title":"المسألة الثانية: فالإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم","level":3,"page":250},{"title":"الثالثة: الإجماع حجة شرعية كان من الصحابة","level":3,"page":251},{"title":"مسألة انقراض العصر في الاجماع","level":2,"page":252},{"title":"أما ما احتج به من شرط انقراض العصر","level":2,"page":253},{"title":"أقسام الإجماع","level":2,"page":256},{"title":"شروط الإجماع السكوتي عند القائلين به","level":2,"page":257},{"title":"محترزات هذه الشروط، والغرض منها","level":2,"page":257},{"title":"هل قول الصحابي حجة","level":2,"page":259},{"title":"فهل هو حجة؟","level":2,"page":259},{"title":"الأخبار","level":1,"page":260},{"title":"الأخبار ويتعلق بهذا المبحث مسائل","level":2,"page":261},{"title":"الأولى: الكلام نوعان: إما إنشاء، وإما إخبار","level":3,"page":261},{"title":"الثانية: في تعريف الخبر","level":3,"page":261},{"title":"الثالثة: الصدق: هو ما طابق الواقع فإن خالفه فكذب","level":3,"page":262},{"title":"الرابعة: قوله: \"لاحتماله لهما من حيث أنه خبر \"","level":3,"page":263},{"title":"الخامسة: مورد الصدق والكذب في الخبر","level":3,"page":263},{"title":"تقسيم الأخبار من حيث التواتر وغيره وبيان شروط التواتر","level":2,"page":265},{"title":"١ - شروط ترجع إلى المخبرين","level":3,"page":265},{"title":"٢ - أما الشروط التي ترجع إلى الخبر","level":3,"page":265},{"title":"٣ - أما شروطه التي ترجع إلى المتلقي","level":3,"page":266},{"title":"الفرق بين نقل الكتاب والسنة والاحكام الشرعية ونقل غيرها والتنبيه على خطأ يقع فيه من لم يحقق الأمر","level":2,"page":266},{"title":"الآحاد تعريفه وما يتعلق به من المسائل","level":2,"page":269},{"title":"المسألة الأولى: الآحاد هو ما لم يبلغ حد التواتر، وهو أقسام","level":3,"page":269},{"title":"الثانية: المسند","level":3,"page":269},{"title":"الثالثة: المرسل وتعريفه.","level":3,"page":270},{"title":"تعريفه لغة واصطلاحًا","level":4,"page":270},{"title":"تعريفه اصطلاحًا عند الأصوليين والمحدثين","level":4,"page":271},{"title":"الرابعة: حكم العمل بالمرسل وبيان مذاهب العلماء فيه.","level":3,"page":272},{"title":"الخامسة: عواضد المرسل","level":3,"page":274},{"title":"السادسة: مراسيل سعيد ابن المسيب عند الشافعي.","level":3,"page":275},{"title":"القياس","level":1,"page":278},{"title":"تعريف القياس لغة واصطلاحًا، وبيان أقسامه، وأركانه وشرط كل ركن بما يناسب المقام.","level":2,"page":279},{"title":"الأولى: تعريفه لغة واصطلاحا","level":3,"page":279},{"title":"الثانية: العلة","level":4,"page":280},{"title":"الثالثة قوله: كقياس الأرز على البر في الربا بجامع الطعم.","level":4,"page":281},{"title":"أقسام القياس باعتبارات عديدة، وفيه مسائل","level":3,"page":282},{"title":"المسألة الأولى: تقسيمه من حيث إيجاب الحكم","level":4,"page":282},{"title":"المسألة الثانية: تقسيمه من حيث كون العلة جلية أو خفية.","level":4,"page":283},{"title":"المسألة الثالثة: تقسيمه من حيث كون العلة أقوى أو مساوية أو أدنى.","level":4,"page":283},{"title":"المسألة الرابعة: تقسيمه من حيث مناسبة العلة للحكم.","level":4,"page":283},{"title":"الخامسة: تقسيمه من حيث طريق استخراج العلة.","level":4,"page":283},{"title":"السادسة: تقسيمه من حيث إفادته لحكم مماثل أو مناقض أو لا مماثل ولا مناقض.","level":4,"page":284},{"title":"السابعة: رد التقاسيم إلى واحد.","level":4,"page":284},{"title":"النوع الأول: قياس العلة","level":3,"page":285},{"title":"المسألة الأولى قوله: فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم.","level":4,"page":285},{"title":"المسألة الثانية: اقتصر المصنف في قياس العلة على هذا النوع فقط.","level":4,"page":285},{"title":"المسألة الثالثة: قياس العلة بحسب استقراء كلام أهل الأصول راجع إلى أربعة أنواع","level":4,"page":286},{"title":"طرق استنباط العلة","level":5,"page":288},{"title":"النوع الثاني: قياس الدلالة","level":3,"page":290},{"title":"المسألة الأولى: هذا النوع من القياس ملحق بالخفي.","level":4,"page":290},{"title":"المسألة الثانية: قوله في تعريفه هو الاستدلال بأحد النظيرين على الأخر.","level":4,"page":290},{"title":"المسألة الثالثة: وهناك نوع آخر من قياس الدلالة، وهو الاستدلال بالحكم على العلة","level":4,"page":291},{"title":"المسألة الرابعة: قوله إن تكون العلة دالة على الحكم.","level":4,"page":291},{"title":"المسألة الخامسة: قوله كما قال أبو حنيفة.","level":4,"page":291},{"title":"النوع الثالث: قياس الشبه.","level":3,"page":292},{"title":"شروط الفرع والأصل","level":2,"page":294},{"title":"المسألة الأولى: ما يشترط في الفرع","level":3,"page":294},{"title":"الثانية: قوله أن يجمع بينهما بمناسب للحكم.","level":3,"page":295},{"title":"الثالثة: وجود العلة في الفرع ثلاثة أقسام.","level":3,"page":295},{"title":"الرابعة: شروط الأصل.","level":3,"page":296},{"title":"شروط العلة","level":2,"page":298},{"title":"الأولى: إطلاقاتها.","level":3,"page":298},{"title":"الثانية شروطها","level":3,"page":298},{"title":"وهل يجوز كون الحكمة هي العلة؟","level":4,"page":299},{"title":"الثالثة: انتقاض العلة.","level":3,"page":300},{"title":"الرابعة: تمثيل المصنف القتل بالمثقل وبيانه، والجواب على النقض بجوابين","level":3,"page":302},{"title":"مسألة: قوادح العلة راجعة إلى خمسة قوادح","level":4,"page":303},{"title":"شروط الحكم","level":2,"page":305},{"title":"قوله: والعلة هي الجالبة للحكم بمناسبتها له.","level":3,"page":306},{"title":"المسألة الأولى: أن العلة هي الجالبة للحكم بمعنى المقتضية للحكم،","level":4,"page":306},{"title":"المسألة الثاني: قوله \"بمناسبتها له\"","level":4,"page":306},{"title":"وفي العلة ما هي خمسة أقوال","level":5,"page":306},{"title":"الحظر والإباحة","level":1,"page":308},{"title":"المسألة الأولى: بيان أن الأصل الإباحة، وأن الحرام محصور مفصل في الشرع.","level":2,"page":309},{"title":"المسألة الثانية: تحرير ما نُسِب إلى أبي حنيفة من أن الأصل التحريم، وبيان الخطأ في النقل.","level":2,"page":311},{"title":"الاستصحاب","level":1,"page":314},{"title":"المسألة الأولى: بيان أنواعه.","level":2,"page":315},{"title":"المسألة الثانية: الاحتجاج به.","level":2,"page":316},{"title":"المسألة الثالثة: استصحاب الإجماع وبيان الخلاف فيه.","level":2,"page":316},{"title":"ترتيب الأدلة والترجيح بينها","level":1,"page":318},{"title":"ترتيب الأدلة مبحث هام يذكره الأصوليون لضبط مراتب الأدلة؛","level":2,"page":319},{"title":"المسألة الأولى: بيان قاعدة هامة وأصل كلي في الباب، ذكره المصنف وشرحه، وبيان دخوله في كل أبواب الأصول.","level":3,"page":319},{"title":"المسألة الثانية: خمس قواعد مستخلصة من كلام المصنف في ترتيب الأدلة.","level":3,"page":322},{"title":"شروط المفتي والمستفتي","level":1,"page":324},{"title":"قوله: ومن شرط المفتي وهو المجتهد.","level":2,"page":326},{"title":"هل يجوز الخروج عن الخلاف السابق المستقر وإحداث قول آخر.","level":3,"page":327},{"title":"مسائل مشابهة لهذه المسألة نذكرها تتميما للفائدة.","level":3,"page":329},{"title":"قوله: عارفًا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة.","level":2,"page":330},{"title":"قوله: ومعرفة الرجال الراوين للأخبار ليأخذ برواية المقبول منهم دون المجروح.","level":2,"page":331},{"title":"قوله: وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها؛ ليوافق ذلك في اجتهاده ولا يخالفه.","level":2,"page":331},{"title":"قوله: ومنها معرفته بقواعد الأصول وغير ذلك.","level":2,"page":332},{"title":"متى تتعين الفتوى على المفتي.","level":2,"page":333},{"title":"قوله: ومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد.","level":2,"page":333},{"title":"خاتمة فيها أمور هامة تتعلق بالمفتي والإفتاء.","level":2,"page":334},{"title":"الاجتهاد","level":1,"page":337},{"title":"قوله: \"كامل الآلة\"، احتراز عن مجتهد المذهب والفتوى؛ لأن للعلماء مراتب","level":2,"page":339},{"title":"١. مرتبة المجتهد المستقل","level":3,"page":339},{"title":"٢. المنتسب إلى مذهب، وهو أربعة","level":3,"page":339},{"title":"واعلم أنه لا يخلو عصر من مجتهد.","level":2,"page":340},{"title":"هل كل مجتهد مصيب.","level":2,"page":343}],"ٛ":{"1,3":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,79":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,110":104,"1,111":105,"1,112":106,"1,113":107,"1,114":108,"1,115":109,"1,116":110,"1,117":111,"1,118":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,130":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,195":186,"1,197":187,"1,198":188,"1,199":189,"1,200":190,"1,201":191,"1,202":192,"1,203":193,"1,205":194,"1,206":195,"1,207":196,"1,208":197,"1,209":198,"1,210":199,"1,211":200,"1,212":201,"1,213":202,"1,214":203,"1,215":204,"1,216":205,"1,217":206,"1,218":207,"1,219":208,"1,221":209,"1,223":210,"1,224":211,"1,225":212,"1,226":213,"1,227":214,"1,228":215,"1,229":216,"1,230":217,"1,231":218,"1,232":219,"1,233":220,"1,234":221,"1,235":222,"1,236":223,"1,237":224,"1,239":225,"1,240":226,"1,241":227,"1,242":228,"1,243":229,"1,244":230,"1,245":231,"1,246":232,"1,247":233,"1,248":234,"1,249":235,"1,250":236,"1,251":237,"1,252":238,"1,253":239,"1,254":240,"1,255":241,"1,256":242,"1,257":243,"1,259":244,"1,260":245,"1,261":246,"1,262":247,"1,263":248,"1,264":249,"1,265":250,"1,266":251,"1,267":252,"1,268":253,"1,269":254,"1,270":255,"1,271":256,"1,272":257,"1,273":258,"1,274":259,"1,275":260,"1,277":261,"1,278":262,"1,279":263,"1,280":264,"1,281":265,"1,282":266,"1,283":267,"1,284":268,"1,285":269,"1,286":270,"1,287":271,"1,288":272,"1,289":273,"1,290":274,"1,291":275,"1,292":276,"1,293":277,"1,295":278,"1,297":279,"1,298":280,"1,299":281,"1,300":282,"1,301":283,"1,302":284,"1,303":285,"1,304":286,"1,305":287,"1,306":288,"1,307":289,"1,308":290,"1,309":291,"1,310":292,"1,311":293,"1,312":294,"1,313":295,"1,314":296,"1,315":297,"1,316":298,"1,317":299,"1,318":300,"1,319":301,"1,320":302,"1,321":303,"1,322":304,"1,323":305,"1,324":306,"1,325":307,"1,327":308,"1,329":309,"1,330":310,"1,331":311,"1,332":312,"1,333":313,"1,335":314,"1,337":315,"1,338":316,"1,339":317,"1,341":318,"1,343":319,"1,344":320,"1,345":321,"1,346":322,"1,347":323,"1,349":324,"1,351":325,"1,352":326,"1,353":327,"1,354":328,"1,355":329,"1,356":330,"1,357":331,"1,358":332,"1,359":333,"1,360":334,"1,361":335,"1,362":336,"1,363":337,"1,365":338,"1,366":339,"1,367":340,"1,368":341,"1,369":342,"1,370":343,"1,371":344},"ٜ":{"1":[3,371]},"ٝ":["1,3","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,79","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,195","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,221","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,295","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,327","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,335","1,337","1,338","1,339","1,341","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,349","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2,3,4],"5":[5,6],"6":[7,8,9],"8":[10,11],"9":[12],"12":[13,14],"13":[15],"14":[16,17],"16":[18],"17":[19,20],"18":[21],"19":[22],"20":[23,24,25],"21":[26],"22":[27],"23":[28],"25":[29],"26":[30],"28":[31],"29":[32],"30":[33,34],"31":[35,36],"33":[37,38,39],"35":[40],"37":[41,42,43],"40":[44,45],"42":[46,47,48],"43":[49,50],"44":[51,52,53,54],"45":[55,56,57,58],"46":[59],"47":[60],"48":[61,62,63,64,65],"50":[66],"52":[67,68],"53":[69],"55":[70],"57":[71,72,73],"58":[74],"59":[75,76],"60":[77],"61":[78,79,80],"62":[81],"63":[82,83],"64":[84,85],"65":[86],"67":[87],"68":[88],"69":[89,90],"73":[91,92],"74":[93,94],"75":[95],"76":[96],"77":[97,98,99],"78":[100,101,102],"81":[103],"83":[104],"84":[105,106],"85":[107],"87":[108,109],"88":[110,111],"90":[112],"91":[113,114],"93":[115],"95":[116],"97":[117],"98":[118,119],"101":[120],"103":[121],"105":[122,123],"106":[124,125,126],"109":[127,128,129],"111":[130],"113":[131],"114":[132],"116":[133],"117":[134,135],"119":[136,137],"120":[138],"122":[139],"125":[140],"129":[141],"131":[142],"133":[143,144],"134":[145],"135":[146],"137":[147],"138":[148,149],"139":[150],"140":[151],"142":[152],"143":[153],"146":[154],"150":[155],"153":[156,157,158],"155":[159],"158":[160,161],"159":[162],"160":[163,164],"161":[165,166],"162":[167,168],"163":[169],"165":[170],"166":[171,172,173],"167":[174,175],"170":[176],"171":[177],"173":[178,179,180,181,182],"174":[183,184,185],"175":[186],"176":[187,188],"181":[189,190],"182":[191],"183":[192,193],"184":[194,195,196,197,198],"185":[199],"186":[200],"187":[201],"188":[202],"193":[203],"194":[204,205,206],"195":[207,208,209],"196":[210],"197":[211],"198":[212],"200":[213],"206":[214,215],"207":[216,217,218],"208":[219,220],"209":[221],"211":[222,223],"212":[224],"213":[225],"215":[226,227],"217":[228,229,230],"218":[231,232],"219":[233,234],"222":[235,236],"224":[237],"225":[238],"226":[239,240,241],"227":[242],"228":[243],"230":[244],"231":[245,246],"234":[247,248],"235":[249],"237":[250],"241":[251],"243":[252],"244":[253,254,255],"245":[256,257],"246":[258,259,260],"247":[261,262],"248":[263],"249":[264,265],"250":[266],"251":[267],"252":[268],"253":[269],"256":[270],"257":[271,272],"259":[273,274],"260":[275],"261":[276,277,278],"262":[279],"263":[280,281],"265":[282,283,284],"266":[285,286],"269":[287,288,289],"270":[290,291],"271":[292],"272":[293],"274":[294],"275":[295],"278":[296],"279":[297,298],"280":[299],"281":[300],"282":[301,302],"283":[303,304,305,306],"284":[307,308],"285":[309,310,311],"286":[312],"288":[313],"290":[314,315,316],"291":[317,318,319],"292":[320],"294":[321,322],"295":[323,324],"296":[325],"298":[326,327,328],"299":[329],"300":[330],"302":[331],"303":[332],"305":[333],"306":[334,335,336,337],"308":[338],"309":[339],"311":[340],"314":[341],"315":[342],"316":[343,344],"318":[345],"319":[346,347],"322":[348],"324":[349],"326":[350],"327":[351],"329":[352],"330":[353],"331":[354,355],"332":[356],"333":[357,358],"334":[359],"337":[360],"339":[361,362,363],"340":[364],"343":[365]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"التحقيقات\nعلى\nشرح الجلال للورقات\n\nتأليف\nأبي زكريا\nفضل بن عبد الله مراد\n\nالأستاذ بكلية الشريعة جامعة قطر\nأستاذ مقاصد الشريعة والفقه وأصوله وقواعده بجامعة الإيمان سابقًا","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nوبه ثقتي\n\nالحمد لله رب العالمين والصلاة على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\nيقول أفقر العباد إلى ربه ومولاه أبو زكريا فضل بن عبد الله مراد اليماني\nبسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على الصادق المصدوق، أما بعد فهذا إيضاح وشرح على شرح الجلال المحلي للورقات.\nجمعت تحقيقاته وفرائده من كتب الأصول؛ لينتفع بها المدرس للورقات وشرحه، وتبصرة للطالب النبيه على المباحث المتعلقة بالكتاب تعلقا قريبا.\nوقد نقلت المذاهب من الكتب الأصول بلا واسطة، وحققت مذاهب القوم في المسائل التي نسب إليهم خلاف ما ذهبوا إليه.\nوبنيت الفروع الفقهية على تلك الأصول؛ ليتضح للطالب بالمثال ما لا يتضح بالمقال.\nوأسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه وينفع به قارئه والناظر فيه، طالبا الدعاء لي ولوالدي ومشايخي، موقنا أن الخلل وارد على الإنسان فمن رأى ذلك سدد وقارب وبالله ثقتي وعليه اعتمادي وتوكلي وهو حسبي ونعم الوكيل.","vol":"1","page":5},{"text":"أقول:\nإنما اقتصر الإمام الجويني على البسملة دون الحمدلة تأسيًا بأول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، قال الحافظ: فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها ... ويؤيده وقوع كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك، وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون حمدلة وغيرها.\nكما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل (^١) ...، وحديث البراء في قصة سهيل ابن عمرو في صلح الحديبية (^٢)، وغير ذلك من الأحاديث.\nوهذا يشعر بأن لفظ الحمد والشهادة إنما يحتاج إليه في الخطب، دون الرسائل والوثائق، و\"تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري، وشيوخ شيوخه، وأهل عصره كمالك في الموطأ، وعبد الرزاق في المصنف، وأحمد في المسند، وأبي داود في السنن، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه خطبة ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم افتتح كتابه بخطبة ... وقد استقر عمل الأئمة المصنفين افتتاح كتب العلم بالبسملة وكذا معظم كتب الرسائل\" ا. هـ كلام الحافظ ﵀ (^٣).\nوقد جرى السلف في تصانيفهم على الحمد والصلاة، والسلام لفظًا، والاكتفاء بالبسملة في الكتابة، ويؤيده ما رواه الخطيب في الجامع عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي ﷺ إذا كتب الحديث، ولا يكتبها.\nوالحامل لهم على ذلك إسراع أو غيره، أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصًا بالخطب دون الكتب (^٤)، وأيضًا فإن الابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم كاف مع ما رتب عليه\n_________\n(^١) صحيح البخاري، برقم: ٧.\n(^٢) صحيح البخاري، برقم: ٢٧٣١.\n(^٣) فتح الباري على البخاري ١/ ٨١ بتصرف\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":6},{"text":"من أسماء الصفات الرحمن الرحيم، ولا يعنى بالحمد إلا هذا لأنه الوصف بالجميل على جهة التفضيل كما أفاد العسقلاني ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>فائدة:</span>\nقال بعضهم: يجب من جهة الصنائع على كل شارع في تصنيف أربعة أمور البسملة، والحمد، والصلاة على النبي ﷺ، والتشهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>ويسن له ثلاثة أمور:</span>\nتسمية نفسه، وتسمية كتابه، والابتداء على المقصود وهو المعروف ببراعة الاستهلال (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>تنبيه:</span> لا منافاة بين ما ذكره الحافظ من عمل السلف على الاكتفاء بالبسملة كتابةً وبين ما قاله النووي عليه رحمة الله تعالى في شرحه لمسلم: \"هذا الذي فعله من ذكره الصلاة على النبي ﷺ بعد الحمدلة عادة العلماء ﵃\" (^٢). إذ المقصود في كلام الحافظ عمل المتقدمين ممن في طبقة البخاري وممن هو أعلى طبقة وكذا من نزل عن طبقته، ممن لم يقدم في ابتداءاته خطبة، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة حَمِد وشهد كما صنع مسلم وغيره\" (^٣).\nفقول النووي عادة العلماء أي من قدم خطبة بين يدي تصنيفه والله أعلم.\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) شرح النووي على مسلم ١/ ١٥٩ طبعة دار القلم.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":7},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nهذه ورقات قليلة، تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، ينتفع بها المبتدئ وغيره\nوذلك أي لفظ أصول الفقه، مؤلف من جزئين أحدهما أصول والآخر الفقه\nمفردين من الإفراد مقابل التركيب لا التثنية والجمع، والمؤلف يعرف بمعرفة ما ألف منه.\nفالأصل الذي هو مفرد الجزء الأول ما يبنى عليه غيره\nكأصل الجدار أي أساسه وأصل الشجرة أي طرفها الثابت في الأرض.\nوالفرع الذي هو مقابل الأصل ما يبنى على غيره كفروع الشجرة لأصلها وفروع الفقه لأصوله.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-6>  قوله فهذه ورقات</span>.\nجمع سلامة منكر وهي تدل على القلة، وإنما صرح الشارح بقوله قليلة مع فهمه من قوله ورقات؛ للتنصيص على استعمال هذا الجمع في موضوعه لئلا يتوهم خروجه عنه إذ يستعمل للكثرة.\nوقد أطال المحشون هنا الكلام على مرجع الإشارة هل هو ما في الذهن أو ما في الخارج أو الألفاظ أو النقوش أو المعاني بما لا طائل تحته.\n- قوله: فصول.\nالفصل: جملة مختصة من العلم مشتملة على مسائل غالبًا، وسمي فصلًا لانفصاله عن غيره بمغايرته له وتميزه عنه.","vol":"1","page":8},{"text":"- قوله: ينتفع بها المبتدئ وغيره.\nانتفاع المبتدئ بالتعلم، وغيره باستفادة ما فيها، أو تذكره لجلالة فوائدها وعزة كثير منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>قوله: أصول الفقه ... فيه مسألتان</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-8> الأولى: تعريف الأصل لغة</span>\nعرفه المصنف لغة، فقال: ما يُبنى عليه غيره، أي: بناءً حسيا، كالجدار على أساسه أو معنويًا، كالفقه على أصوله.\nوقد اعترض على هذا بالوالد وفرعه فإنه لا يبنى عليه بل يتفرع منه؛ ولذلك قال بعضهم: ما منه الشيء. ولكنه غير جامع لخروج أصل الجدار.\nولذلك قال الآمدي: أصل كل شيء هو: ما يستند تحقق ذلك الشيء إليه (^١).\nوقال الإمام: ما يحتاج إليه الشيء (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الثانية: تعريف الأصل اصطلاحًا</span>.\nلم يتعرض المصنف للأصل اصطلاحًا.\nوله أربعة معان مشهورة (^٣):\nالأول: الدليل كقولهم أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي: دليلها.\nقال في الكوكب: \"وهذا الإطلاق هو المراد هنا\" (^٤) ا. هـ.\n_________\n(^١) الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ٨.\n(^٢) انهاية السول ١/ ٧. الإمام الرازي في المحصول والمنتخب وتبعه الأرموي\n(^٣) فواتح الرحموت ١/ ٨٨ - شرح الكوكب المنير ١/ ٣٩، ارشاد الفحول ص ٣، رفع الحاجب ١/ ٤٤.\n(^٤) شرح الكوكب المنير ١/ ٣٩.","vol":"1","page":9},{"text":"الثاني: الرجحان كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي الراجح عند السامع الحقيقة لا المجاز، ـ\nالثالث: القاعدة المستمرة. كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل.\nالرابع: المقيس عليه. وبعضهم جعل بدلًا عن هذه (القاعدة). كما يقال الفاعل مرفوع أصل من أصول النحو (^١).\n_________\n(^١) فواتح الرحموت ١/ ٨٨ -","vol":"1","page":10},{"text":"والفقه الذي هو الجزء الثاني، له معنى لغوي وهو الفهم.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>بيان معنى الفقه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المسألة الأولى: قوله في تعريف الفقه لغة:</span> الفهم\nأقول صرح أهل اللغة كما في القاموس مادة ف. ق. هـ\nأن الفقه بالكسر: العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغلب على علم الدين لشرفه ا. هـ. وفي مختار الصحاح الفقه الفهم هذا أصله ثم خص به علم الشريعة ا. هـ.\nوفي الأساس للزمخشري: قال أعرابي لقيس بن عمر: شهدت عليك بالفقه. أي: بالفهم والفطنة (^١)\nوذكر ابن منظور هذه القصة في اللسان، وقال: الفقه العلم بالشيء، والفهم له. وغلب على علم الدين لسيادته، وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم ....\nوالفقه في الأصل الفهم يقال: أوتي فلان فقهًا في الدين أي: فهمًا فيه، قال الله ﷿: \"لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ\" [التوبة: ١٢٢]، أي ليكونوا علماء به ... وفقه فقهًا بمعنى علم علمًا ... الخ (^٢)\nفتحصل من هذا: أن كلام أهل العربية متوارد على أن الأصل في الفقه: الفهم، ويطلق كذلك على العلم، والفطنة.\n_________\n(^١) الأساس للزمخشري ص: ٤٧٩.\n(^٢) لسان العرب (١٣/ ٥٢٢).","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المسألة الثانية: قولا الشيرازي والرازي في معنى الفقه وتحقيق المقام</span>\nومن العلماء (الشيرازي) من زاد قيدا آخر هو الفهم الدقيق، وزاد غيره (الرازي) بأنه فهم غرض المتكلم\nولمناقشة ذلك نقول:\n١_ تخصيصه بالفهم الدقيق إخراج له عن أصل وضعه اللغوي وملاحظة الوضع الاصطلاحي، فأنت ترى أهل اللسان لم يذكروا هذا القيد.\nوالذي قيده بهذا القيد هو الإمام الشيرازي في شرح اللمع، كما نبه عليه الإمام القرافي في نفائس الأصول وأقره (^١)، ولم ينتبه الطوفي أنه في شرح اللمع لا في اللمع فقال: ولم أجده في اللمع فلعله في غيره أو في غير مظنته (^٢).\nوفي البحر المحيط نسبته إلى أبي إسحاق الشيرازي وصاحب اللباب من الحنفية (^٣).\nوقد اطلعت بعد هذا على كلام للإمام الإسنوي في شرحه لمنهاج البيضاوي يرد به كلام الشيرازي مستدلًا بكلام أهل اللسان فقال: \"وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع، هو فهم الأشياء الدقيقة فلا يقال: فقهت أن السماء فوقنا، وقال الآمدي: هو الفهم.\nوهذا هو الصواب، فقد قال الجوهري: الفقه الفهم، تقول: فقهت كلامك بكسر القاف أفقه بفتحها في المضارع أي فهمت أفهم، قال الله تعالى: \" فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا \" [النساء: ٧٨]. وقال تعالى: \" مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ \" [هود: ٩١]. وقال تعالى: \"وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ \" [الإسراء: ٤٤]. ا. هـ كلامه (^٤).\n_________\n(^١) نفائس الأصول شرح المحصول ١/ ١١٩ - ١٢٠.\n(^٢) شرح مختصر الروضة للطوفي ١/ ١٣٢.\n(^٣) البحر المحيط للزركشي ١/ ١٤.\n(^٤) نهاية السول ١/ ١٥ مع البدخشي وقد ناقشت دليل الامام الشيرازي بأكثر من هذا في كتابنا سبيل الأصول الى إرشاد الفحول يسر الله تمامه.","vol":"1","page":12},{"text":"ونحوه قال الرهوني في شرحه على المختصر وصحح ما ذهب إليه الأكثر من أن الفقه الفهم (^١). وهذا هو مذهب أكثر الأصوليين غير أبي إسحاق الشيرازي ومن تبعه (^٢).\nوقد حقق الطوفي الكلام على المسألة ونقل فيها قول الشيرازي وغيره ثم قال: فقد تحقق بما ذكرته أن الفقه هو الفهم. ا. هـ (^٣).\n٢_ وقيده الإمام الرازي بالخطاب فقال: \"الفقه في اللغة: فهم غرض المتكلم من كلامه\" وتعقب بأنه: \"يرد عليه أن المنقول عن اللغة أن الفقه هو مطلق الفهم\" (^٤). ا. هـ.\nوأصل هذا للإمام أبي الحسن في المعتمد، (^٥) وتبعه في المحصول كما قال الزركشي في البحر ورده، (^٦) ونقل عن ابن دقيق العيد قوله: وهذا تقييد للمطلق بما لا يتقيد به.\nودليل الإمام استعمالها في الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]. ونحوها من الآيات أي ما نفهم خطابك، وأورد عليه أهل الأصول نحو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩].\nقال في البحر: وهذا لا يختص بالفهم من الخطاب بل عدم الفهم مطلقًا من الأدلة العقلية والسمعية وطرق الاعتبار (^٧). وقال الإمام الهندي: وأما من فسره بأنه عبارة عن فهم غرض المتكلم فقد زاد قيدًا غير معتبر في مفهومه يدل عليه ما أنشدناه من الشعر، وقوله تعالى: \"وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ\" [الإسراء: ٤٤]. لأنه نفي عنهم فقه تسبيحهم، وتسبيحهم ليس بالكلام على ما هو مذهب المحققين (^٨). ا. هـ، ومن العلماء من قال الفقه\n_________\n(^١) تحفة المسئول في شرح مختصر منتهى السول ١/ ١٤٦ تحقيق د/ شبيلي.\n(^٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٤٠ حيث نسبه إلى أكثر أهل الأصول.\n(^٣) شرح مختصر الروضة ١/ ١٣٠\n(^٤) شرح الكوكب ١/ ٤٠.\n(^٥) المعتمد ص ٥.\n(^٦) البحر المحيط ١/ ١٣ - ١٤.\n(^٧) البحر المحيط ١/ ١٣ شرح مختصر الروضة للطوفي ١/ ١٣٢.\n(^٨) نهاية الوصول ١/ ١٩.","vol":"1","page":13},{"text":"لغةً: العلم، كالقاضي أبي يعلي في العدة (^١).\nقلت: وهو وارد في كلام العرب كما عرفت مما سقته لك من نقل عن أهل اللسان، لكنه في أصل الوضع اللغوي بمعنى الفهم كما صرح به في اللسان.\nإذًا الفقه في اللغة يطلق على:\n- الفهم: كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].\n- العلم: ومنه قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، أي: ليكونوا علماء به.\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي ١/ ١٣١ وراجع البحر المحيط فإنه ذكر مقولات أخرى في معناه ١/ ١٣.","vol":"1","page":14},{"text":"ومعنى شرعي وهو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة وأن الوتر مندوب.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>تعريف الفقه اصطلاحًا:</span>\nفيه مسائل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المسألة الأولى: الكلام عن المعرفة وبيان حقيقتها</span>\nالمعرفة ترادف العلم في اللسان:\nقال الجوهري: \"علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته\". وفي القاموس: \"عرفه معرفةً ... علمه\".\nوفي علم: قال: علمه، كسمعه، علمًا، بالكسر: عرفه.\nوفي اللسان مادة عرف: العرفان: العلم وفيه في مادة علم: وعلمت الشيء أعلمته علمًا: عرفته، ويجوز أن تقول علمت الشيء بمعنى عرفته وخبرته.\nوفي مختار الصحاح: (العارف) بمعنى كالعليم، والعالم.\nوفي مادة علم: \"وعلم الشيء بالكسر يعلمه علمًا عرفه\".\nوتعبير المصنف في تعريف الفقه بالمعرفة، وقوله فيما سيجيء: العلم معرفة، كأنه حاول به التنبيه على أن المراد بالمعرفة والعلم واحد، لا كما اصطلح عليه البعض من التفرقة (^١).\n_________\n(^١) شرح الورقات لابن إمام الكاملية ص ٩٠.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المسألة الثانية: الفرق بين المعرفة والعلم:</span>\nقال العلماء: إن المعرفة في الاصطلاح إدراك البسائط تصورًا، أو تصديقًا.\nأو هي: إدراك الجزئيات.\nأو هي: الإدراك بعد الجهل.\nأو هي: الإدراك الأخير من إدراكين لشيء واحد يتخللهما عدمٌ (^١).\nوالعلم: يختص بإدراك المركبات تصورًا أو تصديقًا.\nويقال: عرفت الله دون علمته (^٢)، وفي شرح المواقف: إن علمه تعالى لا يسمى معرفة إجماعًا لا اصطلاحًا، ولا لغة (^٣).\nوهكذا يقال في البقية.\nفالعلم يختص بإدراك الكليات أعم من أن يكون مفهومًا كليًا أو قاعدة كلية.\nوكما أن المعرفة تختص بأنها: إدراك بعد جهل، أو إدراك الأخير من إدراكين ... الخ.\nفالعلم بخلاف ذلك.\nولهذا لا يوصف الباري تعالى بالعارف ويوصف بالعالم، إذ علمه تعالى لا عن جهل سبق، ولا عن إدراكين بينهما عدم.\nولكن ينسب إليه الفعل من باب المقابلة، والمشاكلة ولذلك قال شيخ الإسلام أبو زرعة العراقي في نكته على منهاج الأُصول: وقد وقع إطلاق المعرفة على الله تعالى في\n_________\n(^١) المصدر السابق. لأن الادراك الأول هو السؤال ما هو؟ ثم يلحق السؤال مرحلة التأمل وهي المراد بقوله يتخللهما عدم ثم يليها الادراك الأخير وهو تصوره ما هو.\n(^٢) الشرح الكبير ١/ ١٨٤، وشرح بن إمام الكامليه ٩٠/ ٩١.\n(^٣) شرح المواقف للأيجي ١/ ٧١.","vol":"1","page":16},{"text":"كلام النبي ﷺ، وأقوال أصحابه، وأهل اللغة (^١)\nقلت: ومنه الحديث المشهور: إحفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المسألة الثالثة: استعمال العلم، والظن كل واحد مكان الآخر ثابت لغة وشرعًا وعرفًا</span>.\nقلت: بيّن في اللسان في مادة ظن: أن الظن يطلق في لغة العرب ويراد به اليقين أي: يقين الفكر، والتدبر، لا يقين العيان. فإنه لا يقال فيه إلا علم (^٣).\nوما نحن فيه من الأول.\nفعليه يجوز إطلاق العلم بمعنى الظن حقيقة لغوية وعرفية للفقهاء ونحوهم.\nبل وشرعية كما في قوله تعالى: \" الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ \" [البقرة: ٤٦]. أي: يعلمون علم اليقين مع أن هذا في مقام ثناء ومدح، ولا يستعمل فيه إلا ما يدل على أرفع الصفات الممدوحة فلا يمدحون بشيء محتمل للذم، فدل على أن الظن بمعنى العلم وارد في لغة العرب، والقرآن، واستعمال الفقهاء، فهو حقيقة على أي وجه والتفرقة بينهما اصطلاح حادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المسألة الرابعة: هل يصلح المجاز في التعاريف</span>؟\nالمجاز المشهور في التعاريف وارد. بل قال العلامة ابن السبكي في منع الموانع: \"وأما دخول المجاز في الحد فجائز إذا كان مشهورًا \". وأنا أقول: إني لم أر تعريفًا إلى الآن لا مجاز فيه، لا في المنطق، ولا في الكلام، ولا في الأصول، وهي العلوم التي تحرر فيها التعاريف أكثر من غيرها فما ظنك بغيرها. ا. هـ (^٤).\n_________\n(^١) راجع شرح ابن إمام الكامليه ٩٠/\n(^٢) الحديث في مسند أحمد ط الرسالة (٤/ ٤٠٩) ٢٦٦٩.\n(^٣) لسان العرب (١٣/ ٢٧٢)\n(^٤) الآيات البينات ١/ ٨٤. وشرح الورقات لابن قاسم ١/ ١٨٣.","vol":"1","page":17},{"text":"وقال ابن الأمير: \"وقد يقال (يعني العلم) على: ما يشمل الظن. وكثيرًا ما يستعمله الفقهاء في هذا الأخير، وهو معناه الأعم. (^١)\nوالمراد به هنا ما يشمل المعنيين جميعًا- أي: الاعتقاد الجازم ... الخ والظن فقط. فإن كان لفظ العلم مشترك بينهما، فاستعمال المشترك في معنييه- وإن كان مهجورًا في التعاريف- فالمقام هنا مشعر بالمراد فتزول الجهالة، وإن كان ليس بمشترك كما أفاده في المواقف، فإنه قال: إن تسمية الظن علمًا، وجعله مندرجًا فيه كما ذهب إليه الحكماء، مخالف لاستعمال اللغة، والعرف، والشرع.\nفقد قيل عليه إنه لا مانع من إطلاقه عليه مجازًا، والتعريف بالمجاز المشهور قد أجازوه. ا. هـ.\nولو سلم كونه مجازًا فهو مجاز مشهور يجوز استعماله في الحدود كما تقدم وإن سلم (^٢) \"فالتقييد بالحصول عن الاجتهاد قرينة واضحة لهذا المجاز، لوضوح أن الحاصل عن الاجتهاد لا يكون إلا ظنيًا\" (^٣).\nقلت: وقد عرفناك أن العلم بمعنى الظن حقيقة في اللغة، والقرآن، وعرف الفقه، فقول صاحب المواقف غير صحيح بل هو محاكمة للفظ إلى الاصطلاح الحادث.\nوالخلاصة:\n١ - أن استعمال العلم بمعنى الظن حقيقة لغوية، عرفية، شرعية.\n٢ - أن المجاز المشهور سائغ في الحدود.\n٣ - أن العلم هنا بمعنى الظن لتقييد حصوله عن اجتهاد.\n_________\n(^١) إجابة السائل شرح بغية الآمل في الاصول، ص ٢٢.\n(^٢) الشرح الكبير لابن قاسم ١/ ١٨٣.\n(^٣) الشرح الكبير لابن قاسم ١/ ٨٥.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المسألة الخامسة: قوله: معرفة الأحكام</span>\nهل المراد بمعرفة الأحكام جميعها، أم بعضها، أم غالبها.\nفإن قلنا بالأول: استحال أن يوجد فقيه أو مجتهد.\nوإن قلنا بالثاني: كان جميع الناس مستحقين لهذا الوصف، فيصح حينئذ وصف المقلد والعامي بذلك.\nوإن قلنا بالغالب: قيل الغلبة لا تنضبط، وغير المضبوط لا يضبط به.\nوسبب ورود ذلك في المسألة الاختلاف في حقيقة -أل- في الأحكام هل هي للجنس الاستغراقي أم لا؟\nفعلى الأول: لا يكون الحد جامعًا لخروج كثير من المجتهدين، وعلى الثاني: لا يكون الحد مانعًا لدخول المقلد والعامي.\nوالجواب أن المراد \"بمعرفة الأحكام\"، أي: معرفة بالاجتهاد تحقيقًا، وتهيؤًا قريبًا. وإنما قيدناها بالقرب ليخرج التهيؤ البعيد كتهيؤ العامي والمقلد (^١).\nوقيل إن التعريف صحيح على كلا التقديرين.\n١) فعلى تقدير أنها للاستغراق المقصود تهيؤه تهيؤًا قريبًا بحيث لو تأمل في المسألة أدركها.\n٢) وعلى تقدير عدم الاستغراق فالمقصود ما حصل عن ظن ومعرفة استدلالية، وهذا لا يكون في العامي والمقلد.\n_________\n(^١) نفائس الأصول بشرح المحصول للقرافي ١/ ١٢٢ وتحفة المسؤول شرح علي بن حاجب للرهوني ١/ ١٥٤، ورفع الحاجب للسبكي ١/ ٢٤٦، وبيان المختصر للأصفهاني ١/ ٢٨، ومختصر الروضة للطوفي ١/ ٤.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المسألة السادسة خرج \"بالأحكام</span>\"\n\" الذوات، والصفات، والأفعال \" قاله في الحاصل (^١).\nوبيانه أن العلم لا بد له من معلوم وهذا المعلوم أربعة:\n١) الجسم أو الذات.\n٢) الفعل.\n٣) الصفة.\n٤) الحكم.\nفالذات كالإنسان، والفعل كالضرب، والصفة كالسمرة والبياض، ونحوها والحكم هو: نسبة الفعل إلى الذات فتقول ضرب زيدٌ عمرًا.\nووجه هذا الحصر (^٢): \"أن المعلوم إن لم يكن محتاجًا إلى محل يقوم به فهو الجوهر كالجسم، وإن احتاج فإن كان سببًا للتأثير في غيره فهو الفعل كالضرب والشتم، وإن لم يكن سببًا فإن\nكان نسبة بين الأفعال والذوات فهو الحكم، وإن لم يكن فهو الصفة كالحمرة والسواد. فلما قيد العلم \"المعرفة\" بالحكم كان مخرجًا للثلاثة\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المسألة السابعة: خرج بقوله الشرعية</span>.\nالعقلية. كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أعظم من الجزء، والعادية كالطب والهندسة، وعن اللغوية والحسية كالعلم بأن النار محرقة (^٤)\n_________\n(^١) الحاصل من المحصول في الاصول لتاج الدين ابي عبد الله مهد بن الحسين الأرموي الامام الاصولي الفقيه الشافعي ٢/ ٢٠ تحقيق د / عبد السلام ابو ناجي دار المدار الاسلامي.\n(^٢) راجع نهاية السول للإسنوي ١/ ١٩ - ٢٠\n(^٣) المصدر السابق ١/ ٢١. وشرح جمع الجوامع للجلال ١/ ٤٥. لأن الحكم: \"نسبة أمر إلى آخر بالإيجاب، أو بالسلب كعلمنا بقيام زيد، أو بعدم قيامه\n(^٤) المصدر السابق ١/ ٢١. وشرح جمع الجوامع للجلال ١/ ٤٥.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المسألة الثامنة: قوله التي طريقها الاجتهاد</span>.\nهذه يجب أن تكون صفة لـ \"معرفة\"، أي: معرفة طريقها الاجتهاد؛ لأن هناك معرفة طريقها التقليد؛ لإخراج فقه المقلد والخلافي الآخذ عن إمامه المسألة بدليلها؛ وإنما نبهنا على هذا لأن المتبادر إلى الفهم أنها صفة للأحكام فيدخل علم المقلد في الحد.\nولا يقال إن جعل (التي طريقها الاجتهاد) قيدًا للأحكام كافٍ عن جعلها قيدًا للمعرفة، لأنا نقول: لا يقتضى تقييد الاحكام بذلك ألا يدخل في الحد علم المقلد؛ لأن علم المقلد يصدق عليه أنه \"معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد\"، إذ إن المقلد يعلم المسألة التي طريقها الاجتهاد ويعرفها، ولكن لا بالمعرفة الاجتهادية بل بالمعرفة التقليدية لإمامه. فتنبه لهذه الدقيقة وقد قرر شراح الكتاب ذلك؛ منهم بالتصريح: كالتاج الفزاري، والعبادي في شرحه على شرح المحلى، والدمياطي في حاشيته (^١)، ومنهم بغيره: كالمحلى لما قال: \"بخلاف ما ليس طريقه الاجتهاد\"، فيه إشارة إلى أن المقصود العلم الذي طريقه الاجتهاد.\nأي المعرفة التي طريقها الاجتهاد كما تقدم فيخرج به علم المقلد، ويخرج كذلك علم الباري ﷾، وعلم جبريل، وعلم رسول الله ﷺ (^٢):\nأما علم الله فلا يوصف بأنه مكتسب، ولا ضروري:\nأما الأول: فلإشعار الاكتساب بسبق الجهل المحال عليه تعالى، وأما الثاني: فلأن الضروري يطلق على معنيين:\n١. على ما لا يفتقر إلى نظر واستدلال.\n_________\n(^١) شرح العبادي مع إرشاد الفحول ١/ ١٤. وحاشية الدمياطي ص ٣. قال العبادي في شرحه \"ولو سلم عدم اللزوم فلا أقل من أنه أعنى جعل الموصوف الأحكام يوهم ذلك إيهامًا قويًا والاحتراز عنه مع إمكانه أولى بل واجب\" ص ٤\n(^٢) البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع ١/ ٤٥.","vol":"1","page":21},{"text":"٢. وعلى ما قارنه الاحتياج إليه.\nوهو بالمعنى الأول لا خير في إطلاقه على علم الله تعالى؛ ولكن لما كان يطلق على الثاني المنزه عنه علمه تعالى كان إطلاق الضروري على علمه تعالى موهمًا إرادة المعنى الثاني فامتنع إطلاقه لذلك.\nوأما علم جبريل فهو بما ينزل إليه من عند الله، بخلق علم ضروري يستفيد به الحكم منه، لا بواسطة النظر والاستدلال.\nكذا قالوا وهو ضرب من الكلام علي الغيب بلا برهان من كتاب ولا سنة.\nوعلم النبي ﷺ الأحكام مما يوحى إليه.\nوهذا واضح بناء على أن ذلك من النظر في الأدلة، ويحتمل عدم تسميته فقهًا بناءً على أن الله يخلق له علمًا ضروريًّا يدرك به ما اجتهد فيه. قولان (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>فائدة - من هو الخلافي</span>؟\nالخلافي المراد به: من يأخذ من المجتهد الحكم بدليل خاص إجمالي.\nوهل المراد الأخذ من نفس المجتهد كأخذ ابن القاسم عن مالك، والمزني عن الشافعي، أم المراد به كل حافظ لقول إمامه يريد تأييده في أي عصر ولو لم يشافه إمامه؟\nأخذ العطار في حاشيته بالثاني (^٢)، ورد الأول وأشار إلى أنه وهم.\nبل الخلافي منسوب لعلم الخلاف أي المشتغل به في أي عصر.\n_________\n(^١) شرح العبادي مع إرشاد الفحول ١/ ١٤. وحاشية الدمياطي ص ٣. البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع ١/ ٤٥ ..\n(^٢) حاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٦٢.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المسألة التاسعة: لماذا أغفل المصنف قيد \"العملية\" في تعريف الفقه وتحقيق المقام بما لا تجده في غيره</span>؟\nأغفل إمام الحرمين قيدًا مشهورًا عند الأصوليين وهو \"العملية\" صفة للشرعية، مع أن غرض بعض أهل الفن من هذا القيد إخراج الأحكام الشرعية العلمية، أي الاعتقادية: كالعلم بأن الله واحد، وأنه يُرى في الآخرة، وأن الجنة والنار مخلوقتان (^١).\nوالجواب -والله أعلم-: أن المصنف أغفله ليدخل علم الاعتقاد، والأخلاق، والسلوك في حد الفقه، لأنه يتعلق به كيفية معاملة الخالق سبحانه، وهو فقه بل هو الفقه الأكبر فوجوب الصدق والإيمان، والبر، والتقوى، حكم فقهي، وحرمة الكذب، والخيانة، والفسق، والحسد، والقنوط كذلك حكم فقهي.\nوهكذا وجوب معاملة الخالق، وحرمة الشرك، والعقائد الفاسدة، كل هذا من الفقه الأكبر وهو فقه الأصول، وذاك فقه الفروع هذا ما ظهر لي. ثم تتبعت كلام المصنفين في الأصول فترجح عندي ذلك.\nوبيان ذلك بمباحث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>تحقيق هام لمعنى \"العملية \" في تعريف الفقه وما يتعلق بها من مباحث:</span>\nالأول: معنى العملية.\nالثاني: ما يحترز بها.\nالثالث: من زادها أو أغفلها أو أبدلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>أما المبحث الأول: فهو معنى العملية </span>(^٢):\nالعمل المراد به هنا ما يشمل عمل الجوارح الظاهرة والباطنة من الأفعال والأقوال.\n_________\n(^١) شرح جلال الدين المحلى على الجمع ١/ ٤٥.\n(^٢) الآيات البينات ١/ ٨١، والبناني والشربيني على الجمع ١/ ٤.","vol":"1","page":23},{"text":"هذا بالاتفاق، وسواء الأعمال القلبية كوجوب النية أو غيرها، وسيأتي لهذه الأخيرة مزيد من التحقيق فيما يأتي:\nفالمراد بالعملية إذًا الأحكام المتعلقة بالعمل من حيث الكيفية، والكيفية هي الوجوب وأخواته فنقول مثلًا: \"الوتر عملٌ\".\nوبأي كيفية يتعلق بعمل المكلف، فنقول بكيفية الندبية، فنقول الوتر مندوب. فالكيفية التي هي الندب هنا صفة للعمل الذي هو الوتر.\nفالعمل هو المحكوم عليه، ومتعلق النسبة التي هي الحكم صفة له.\nوكذا يقال: النية في الوضوء واجبة، المحكوم عليه فيه هو النية التي هي عمل قلبي، والمحكوم به الوجوب والحكم ثبوت الوجوب للنية ومتعلقه الذي هو الوجوب وصف للنية.\nوالفقه هو العلم بذلك الحكم أي: إدراك المسمى تصديقًا.\nفالفقه في المثالين المذكورين: معرفة ثبوت الوجوب للنية من أدلتها، ومعرفة ثبوت الندبية للوتر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>مناقشة بعض الايرادات</span>.\nالأول: قيل إن كون الأحكام الفقهية عملية حكم أغلبي، وإلا فمنها ما ليس عمليًا كطهارة الخمر إذا تخلل، وكمنع الرق الإرث، وغير ذلك.\nوالجواب: أن تعلق الفقه بها من حيث أن استعمال الخمر المستحيل خلًا جائز، وقسمة التركة على الأحرار واجبٌ وهكذا (^١).\nقلت فيندفع هنا ما قاله ابن قاسم في الآيات البينات:\n_________\n(^١) قاله العلامة البناني في حاشيته على جمع الجوامع ١/ ٤٤.","vol":"1","page":24},{"text":"الثاني: أفعال الصبي والمجنون، ومُتلَف البهائم. راجع إلى البحث عن فعل المكلف، ولا تكليف على صبي، ومجنون، وبهيمة.\nإذًا فتؤول حتى ترجع إلى فعل الولي، والمالك، وهكذا.\nبيان ذلك أنه يمنع من المحرمات كالزنا، وشرب الخمر، وأنه يؤمر بالطاعات كالصلاة، فينبغي تعميم الكيفية لنحو المنع في قولنا: زنا الصبي يمنع منه، ويؤدب عليه وجوبًا على وليه، ولنحو الأمر والضرب في قولنا: صلاة الصبي يؤمر بها لسبع، ويضرب عليها لعشر وإتلاف البهائم يضمنه صاحبها وقس على ذلك (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>تحقيق كلام أهل الأصول في إدخال مسائل الاعتقاد في الفقه</span>.\nهل المراد بالعمل ما يشمل الاعتقاد أم لا؟\nقال الإسنوي في نهاية السول (^٢): \" العملية احترز به عن العلم بالأحكام الشرعية غير العملية وهو أصول الدين، كالعلم بكون الإله واحدًا، سميعًا بصيرًا (^٣) \" ا. هـ.\nونُقِلَ هذا عن الباجي (^٤).\n_________\n(^١) الآيات البينات ١/ ٨١، والبناني والشربيني على الجمع ١/ ٤.\n(^٢) نهاية السول ١/ ٢١، قال: وكذلك أصول الفقه على ما قاله في المحصول واقتصر عليه قال: لأن العلم بكون الاجماع حجة مثلًا ليس علمًا بكيفية عمل، وتبعه على ذلك صاحب الحاصل وصاحب التحصيل، وفيه نظر، لأن حكم الشرع بكون الاجماع حجة مثلًا معناه أنه اذا وجد فقد وجب عليه العمل بمقتضاه والافتاء بموجبه، ولامعنى للعمل الا هذا لأنه نظير العلم بأن من زنى وجب على الامام حده وهو من الفقه ا. هـ.\n(^٣) وانظر الغيث الهامع لأبي زرعة العراقي ١/ ١٤. وممن نص على هذا الإمام سعد الدين في شرح التلويح ١/ ٢٢ فقال: \"وخرج العلم بالأحكام الشرعية النظرية وتسمى اعتقادية وأصولية وكون الإجماع حجة والإيمان واجب\" وكذا الشنقيطي في نثر الورد،\n(^٤) نقله عنه في البحر المحيط ١/ ١٥، وفي نفاس الأصول للقرافي ١/ ١٢١. وابن السبكي في الإبهاج إذ قال: \"وكان شيخنا أبو الحسن الباجي يختار أن قيد العملية احتراز عن أصول الدين\" ١/ ٣٦. وراجع شرح الكوكب الساطع للسيوطي ١/ ١٦، وشرح الجلال ١/ ٤٥.","vol":"1","page":25},{"text":"وجزم به الجلال في شرحه على الجمع فقال: \"وبقيد العملية: العلمُ بالأحكام الشرعية العلمية أي: الاعتقادية، كالعلم بأن الله واحد وأنه يُرى في الآخرة\".\nوكذا السعد في التلويح (^١).\nومما يجب التنبه له أن المقصود بالباجي هنا هو: أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب علاء الدين الباجي المولود في سنة إحدى وثلاثين وستمائة ٦٣١ هـ والمتوفي في السادس من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وسبعمائة وهو شيخ العلامة السبكي صاحب الإبهاج المتوفي سنة ٧٥٦ هـ، فلا يشتبه بأبي الوليد الباجي المالكي الأندلسي سليمان بن خلف الباجي فإنه آخر، وهو من علماء القرن الخامس توفي سنة ٤٧٤ هـ فليتنبه (^٢).\nفهؤلاء العلماء (الإسنوي - الجلال والسعد - الباجي) نقل عنهم إخراج مسائل الاعتقاد، والمتبادر إلى الأفهام إخراجُها على وجه الإطلاق، ولكن عند تتبع كلام علماء أهل الأصول في ذلك تبين معنى كلام الثلاثة، وأن له معنى غير المتبادر من أول وهلة، وبيان ذلك كما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>أ. النظر إلى مسائل الاعتقاد من جهتين:</span>\nالأولى: من جهة أنها خبريات، فهذا راجع إلى النظريات، وهو من علم العقيدة المسمى: بعلم الكلام. كالعلم بأن الله واحد، وأنهُ يَرى في الآخرة، وأن الجنة والنار مخلوقتان.\nفهذه وأمثالها خبريات راجعة إلى الجانب النظري لا العلمي، وبرجوعها إلى جانب\n_________\n(^١) شرح التلويح ١/ ٢٢ قال: \"وخرج العلم بالأحكام الشرعية النظرية وتسمى اعتقادية وأصولية ككون الإجماع حجة والإيمان واجب\" وكذا الشنقيطي في نثر الورد.\n(^٢) طبقات الشافعية ١/ ٣٣٩ حسن المحاضرة ١/ ٥٤٤ والدرر الكامنة ٣/ ٣٦.","vol":"1","page":26},{"text":"النظريات دخلت في علم العقائد وخرجت عن علم الفقه؛ لأن الفقه هو تنزيل الأحكام الخمسة على أفعال المكلفين.\nوالثانية: النظر إلى هذه من جهة أنها إنشائيات متعلقة بعمل قلبي، فقولنا: الجنة والنار مخلوقتان أمرٌ خبري يتعلق به عمل هو: الإيمان بذلك فالإيمان هو عمل القلب، والمحكوم به هو: الوجوب، والحكم (ثبوت وجوب الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان).\nوالفقه: إدراك ومعرفة ثبوت ذلك على المكلف بالأدلة التفصيلية بالاستدلال هذا هو إيضاح ما غمض في المسألة في كلام المتقدمين، فالفقه بهذا المعنى المبسط هو: معرفة ثبوت حكم شرعي من الأحكام الخمسة على فعل من أفعال المكلف فمن عرف الأحكام الشرعية وعرف اثباتها وتنزيلها على الواقع الذي هو من فعل المكلف فهو العالم الفقيه.\nإذًا: فعلمك بوجوب اعتقاد أن الله واحدٌ فقه، وعلمك أن الله واحد ليس بفقه بل هو من علم الكلام فالمتكلم يثبت الوحدانية، والفقيه يثبت وجوبها هكذا قرروا كاصطلاح وإلا فالفقه الأكبر معرفة الله سبحانه.\nوقال العلامة الشربيني: \"والحاصل أنه من حيث أنه حكم إنشائي تعلق به الخطاب من الفقه ... ومن حيث أنه يثبت له الاعتقاد من الكلام. وقد تقرر أن الموضوع للعلمين قد يكون واحدًا والاختلاف بالحيثية فليتأمل\" (^١).\nوقال السبكي في الإبهاج: \" يراد بالحكم الإنشائي لا الخبري ... وأما وجوب اعتقاد ذلك فهو حكم شرعي إنشائي\" (^٢).\nوفي منع الموانع: المراد بالحكم الإنشائي لا الخبري، وما لا يثبت إلا بالسمع ينظر\n_________\n(^١) تقريرات الشربيني على البناني والجلال على الجمع ١/ ٤٤.\n(^٢) الإبهاج ١/ ٣٦ وسيأتي نقل كلامه. وانظر نفائس الأصول في شرح المحصول (١/ ١٢١)","vol":"1","page":27},{"text":"فيه من جهتين:\n- إحداهما: أصل ثبوته وذلك ليس بإنشاء لأن السمع فيه مخبر لا منشئ كقولنا \"الجنة مخلوقة، والصراط حق\".\n- والثانية: وجوب اعتقاده وذلك حكم شرعي إنشائي وهو عندنا عمل من مسائل الفقه، وهو داخل في قولنا \"الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>ب) أعمال القلب داخلة في قيد العملية وتحقيق المسألة:</span>\nأعمال القلب داخلة في قولهم \"العملية\"، وذلك أن العمل موزع على الجوارح واللسان والقلب وهذا أمر ظاهر مشتهر بين أهل الأصول، ولذلك تعقب القرافي المحصول في الإتيان بلفظة \"العملية\" للاحتراز على الأعمال القلبية مع أنها داخلة في الفعل، قائلًا: فقوله -يعني الرازي: \"العملية يقتضي الاحتراز عن الأحكام الشرعية العملية الكائنة بالقلب دون عمل الجوارح، وعلى هذا يخرج بعض الفقه من الحد، لأن الفقيه كما يكون فقيهًا بالعلم بوجوب الصلاة والصوم، يكون فقيهًا بالعلم بوجوب النية والإخلاص، وتحريم الربا والحسد، وأمور كثيرة لا توجد إلا في القلب، فقد تعلق الفقه بعمل الجوارح والقلب أيضًا، فإخراجه يقتضي إخراج بعض المحدود فلا يكون الحد جامعًا\" (^١).\nووافقه السبكي فقال: \"إن أريد بالعمل عمل الجوارح والقلب، فلا تخرج- يعني الاعتقادات- لدخولها في أعمال القلب، وإن أريد بالعمل عمل الجوارح فقط خرجت النية وكثير من المسائل التي تكلم الفقهاء فيها كالردة وغيرها مما يتعلق بالقلب، ولذلك ترك الآمدي وابن الحاجب لفظ العملية وقالا: الفرعية؛ لأن النية من مسائل الفروع وإن كانت عمل قلب\" (^٢).\n_________\n(^١) نفائس الأصول بشرح المحصول ١/ ١٢١.\n(^٢) الإبهاج ١/ ٣٦.","vol":"1","page":28},{"text":"وفي منع الموانع قال: \"وقولكم: هل تسمى الاعتقادات، والنيات، والأقوال أفعالًا؟ جوابه أنها تسمى، وأما كون ذلك بالحقيقة، أو المجاز فيتوقف على نقل اللغة، والأظهر عندي أنه بالحقيقة\" (^١).\nومن هنا يُعلم أن عدول الآمدي، وابن الحاجب وغيرهما عن لفظ العملية إلى لفظ الفرعية احتجاجًا بأن النية من مسائل الفروع وليست عملًا ليس بجيد لأنها عمل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>جـ - والاعتقادات من حيث طرق استفادتها وثبوتها مقسمة إلى ثلاثة أقسام:</span>\n١ - ما يثبت بالعقل: كوجود الباري.\n٢ - ما ثبت بالعقل، والسمع: كالوحدانية. وهذان خرجا بقولنا الشرعية، وهي ما يتوقف على الشرع.\n٣ - ومنه ما لا يثبت إلا بالسمع: كمسألة رؤية المؤمنين لربهم، وأن الجنة مخلوقة، ونحو ذلك، وهذا \"قد يقال أنه داخل في الشرعية\" (^٣).\n\"لأنه ينظر إليه من جهتين: أحدهما أصل ثبوته، وليس ذلك بإنشاء لأن السمع فيه مخبر لا منشئ كقولنا الجنة مخلوقة والصراط حق.\nوالثانية: وجوب اعتقاده، وذلك حكم شرعي إنشائي، وهو عندنا عملي من مسائل الفقه، وهو داخل في قولنا: الحكم: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلف (^٤).\nأقول: وعندي أن الجميع راجع إلى الشرع، وذلك أن ما ثبت بالعقل لا يخلو: إما أن يوافقه الشرع، أو لا يوافقه؛ فإن وافقه فهو راجع إلى الشرع، وإن خالفه بطل أصلًا، وأما\n_________\n(^١) منع الموانع عن جمع الجوامع لعبد الوهاب السبكي\n(^٢) راجع الآيات البينات على شرح المحلي لجمع الجوامع وما قبلها ١/ ٨٤.\n(^٣) الإبهاج للسبكي ١/ ٣٦.\n(^٤) شرح الكوكب الساطع للسيوطي ١/ ١٧.","vol":"1","page":29},{"text":"ما ثبت بالسمع والعقل فراجع كذلك إلى الشرع لافتقاره لموافقته. وعليه فالاعتقادات داخلة تحت قولهم: \"الشرعية\".\nوالخلاصة: أن الاعتقادات داخلة في الشرعية، وأنها من أعمال القلب، وأن الفقه متعلق بالأعمال على وجه العموم. فيتحصل من هذا: أن الأعمال القلبية فقه، وأنها الفقه الأكبر؛ لتعلقها بمعاملة الباري سبحانه، وأن حد الفقه شامل لها من حيث أنها عمل للمكلف. والله أعلم.\nوبهذا التحقيق والتحرير تكشف سبب إغفال إمام الحرمين في متن الورقات لهذه اللفظة أعني \"العملية\" وذلك لما يرد عليها من إيرادات وما توهمه من إيهامات الحق خلافها.\nوسيزداد الأمر جلاءًا في المباحث الآتية الثاني وما يليه.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الثاني: ما يحترز بهذه اللفظة \"العملية</span>\":\nالعمليه احتراز عن أصول الفقه \"العلم بكون الإجماع، وخبر الواحد، والقياس حجة؛ فإن كل ذلك أحكام شرعية، مع أن العلم بها ليس من الفقه؛ لأن العلم بها ليس علمًا بكيفية عمل (^١) \" بمعنى أنها ليست علمًا بحكم عمل المكلف.\nإذ هي \"أمور تعلم ولا تعمل، ولا يقال للعالم بها: فقيه في العرف، بل أصولي فاحتاج لإخراجها عن الحد (^٢) \".\nوقال الأصفهاني (^٣): خرج به أصول الفقه، فإنه ليس بعملي، أي: ليس علمًا بكيفية عمل. قال ابن دقيق العيد: وفيه نظر، لأن الغاية المطلوبة منها العمل، فكيف يخرج بالعملية؟\nوقيل: احتراز عن أصول الديانات وقد تقدم تحقيق ذلك.\n_________\n(^١) شرح الكوكب الساطع للسيوطي ١/ ١٧.\n(^٢) نفائس الأصول بشرح المحصول ١/ ١٢١.\n(^٣) البحر المحيط ١/ ٥١.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثالث: من زادها من علماء الأصول ومن أغفلها ومن عدل عنها لغيرها:</span>\nذكرها الإمام الرازي فقال \"العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها، بحيث لا يعلم كونها في الدين ضرورة\" (^١)\nوالبيضاوي: \"العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية\" (^٢)، وزادها في جمع الجوامع، ومختصراته، ومنظوماته.\nومنهم من ذكرها بطريقة أخرى كالإمام الغزالي \"العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين\" ١/ ٤. وكذا الهندي في النهاية ٢٠/ ١.\nوصدر الشرعية في التنقيح ١/ ١٠: معرفة النفس ما لها وما عليها عملًا.\nوعدل عنها ابن الحاجب، والآمدي إلى الفرعية وقد تقدم ذلك.\nوأغفلها إمام الحرمين في الورقات، والشيرازي \"وتعريفه كتعريف إمام الحرمين في الورقات\" في اللمع، وأبو الحسن البصري في المعتمد ١/ ٤ إذ قال: \"جملة من العلوم بأحكام شرعية\".\nوالحاصل: أن من أغفلها فعل ذلك لما يرد عليها من إيراد وما توهمه مما ليس مرادًا. ومن ذكرها قصد إخراج علم أصول الفقه كالرازي، أو إخراج أصول الديانات من جهة معينة، وهي حيث لم يتعلق بها كيفية عمل كما سبق تحقيقه.\nفتبين من هذا ما المقصود من ذكرها، أو إغفالها. والله أعلم.\n_________\n(^١) المحصول ١/ ٤.\n(^٢) المنهاج.١/ ٢٢","vol":"1","page":32},{"text":"وأن النية من الليل شرط في صوم رمضان، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي، وغير واجبة في الحلي المباح، وأن القتل بمثقل يوجب القصاص، ونحو ذلك من مسائل الخلاف، بخلاف ما ليس طريقه الاجتهاد، كالعلم بأن الصلوات الخمس واجبة، وأن الزنا محرم، ونحو ذلك من المسائل القطعية فلا يسمى فقهًا فالمعرفة هنا العلم بمعنى الظن.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المسائل القطعية لا تسمى فقها فيه ثلاث مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الأولى: الأمثلة التي ذكرها وهي كون النية شرط في صوم رمضان مسألة اجتهادية</span>؛ لأن مبناها على النظر والاستدلال لذلك اختلف فيها العلماء، وهكذا بقية المسائل التي ذكرها.\nومعنى القتل بالمثقل. وهو ماكان بغير السيف، يقال القتل بالمثقَّل، أو بغير المحدد: وهو ما ليس له حد، كالعصا والحجر. واختلف الفقهاء في شأنه، هل يوجب القود؛ لأنه عمد، أو الدية؛ لأنه شبه عمد؟\nقال أبو حنيفة: القتل بمثقل إلا الحديد وما في معناه من نحاس وصنجة ميزان شبه عمد. واستثناء الحديد لأنه يعمل عمل السلاح\nوقال الصاحبان: القتل بمثقل كحجر عظيم أوخشبة عظيمة إذا كان مما يقتل غالبًا عمد.\nوقال الشافعية والحنابلة: أن القتل بالمثقل الذي يقتل غالبًا عمد.","vol":"1","page":33},{"text":"وقال المالكية: القتل بمثقل قتل عمد، سواء أكان مما يقتل غالبًا أم لا يقتل غالبًا، ما دام الفعل عدوانًا، لا على وجه اللعب والتأديب (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الثانية: ما كان من المسائل لا يحتاج إلى نظر واستدلال فلا يسمى فقهًا في اصطلاح أهل الأصول وإن كان فقها في أصل الشرع</span>؛ لأن علم القطعيات تتعلق به النذارة المقصودة في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]\nوبهذا يتضح أن الفقه عند الأصوليين هو ما فيه اجتهاد ونظر، وأن أصول الفقه وضعت لتقنين مسالك النظر والاجتهاد في المسائل الاجتهادية، فيدخل في النظر كل المسائل الاجتهادية في العقائد، والسلوك، والفروع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الثالثة قوله: \"فالمعرفة هنا العلم بمعنى الظن</span>\"\nالمقصود للشارح هنا، بيان أن المعرفة الواردة في تعريف الفقه هي المرادفة للعلم الشامل للظن،\nلا العلم المقصور على اليقيني والقطعي وقد تقدم نقل كلام أهل اللغة.\nونبه بقوله \"هنا\" ليخرج الاستعمال الآتي في تعريف العلم إذ المقصود بالعلم هناك ما لا يشمل الظن.\nوحاصل الكلام أنه قد تقرر في وضع اللغة ترادف المعرفة والعلم بلا قيد بخلافها في التعاريف الاصطلاحية، فهي في تعريف الفقه ترادف العلم الشامل للظن، وفي تعريف العلم الآتي \"معرفة المعلوم على ما هو عليه\"، فمعناها يختلف عنه- كما سيأتي بيانه-.\n_________\n(^١) المغني: ٦٣٨/ ٧ والفقه الاسلامي لوهبة الزحيلي ٧ - ٥٤٨.","vol":"1","page":34},{"text":"فعلم من هذا أنه: \"إنما قيد بهنا؛ لأن الظن ليس معناها الأصلي الغالب في الاستعمال، إذ قد ذكروا أنها ترادف العلم، وإنما قال فالمعرفة العلم بمعنى الظن ولم يقل المعرفة بمعنى الظن مع أنه أخصر؛ لأنه لم يشتهر إطلاقها بمعنى الظن بخلاف العلم\" (^١).\n_________\n(^١) شرح بن قاسم على الورقات المختصر ١٨/ ١ مع ارشاد الفحول، وانظر الشرح الكبير ١/ ١٨٤. ورفع الحاجب للسبكي ١/ ٢٤٦، وبيان المختصر للأصفهاني ١/ ٢٨، ومختصر الروضة للطوفي ١/ ٤.","vol":"1","page":35},{"text":"والأحكام المرادة فيما ذكر سبعة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور، والمكروه، والصحيح، والباطل.\nفالفقه العلم بالواجب والمندوب إلى آخر السبعة، أي: بأن هذا الفعل واجب وهذا مندوب وهذا مباح وهكذا إلى آخر جزيئات السبعة.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المسألة الأولى: قوله: \"والأحكام سبعة، الواجب، والمندوب، والمباح، والمحضور، والمكروه</span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>شرح كلامه وبيان الفرق بين الإيجاب والوجوب ونحوه وتحقيق المقام:</span>\nاعلم أن الأصوليين لهم ثلاث إطلاقات على الخمسة المذكورة، فيعبرون عن الأول تارة بالإيجاب، وتارة بالوجوب، وكذلك الباقي كما سنرى وقد تتبعت كلامهم المتناثر ولخصته هنا تلخيصًا تفهم به المسألة فهمًا دقيقًا بإذن الله فأقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>علة ذلك أن الحكم الشرعي ينظر فيه من ثلاث جهات:</span>\nالأولى: من جهة كونه خطاب الله تعالى، فيعبر عن الخمسة من هذه الجهة بالإيجاب، والندب، والإباحة، والحضر أو التحريم، والكراهة: فيقال هذا خطاب إيجاب، وهذا خطاب تحريم، وقس على ذلك.\nولذلك يقال لا إيجاب إلا لله، ولا تحريم إلا له، ولا حكم إلا له، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠]. أي: لا تحليل ولا تحريم ولا إيجاب إلا لله، ولا يقال لا واجب إلا لله أو لا وجوب إلا لله.\nولكن يقال لا فعلَ واجبٌ إلا بإيجاب الله، ويقال لا وجوب على مكلف إلا بإيجاب الله، فأنت ترى الفرق في التعبير والإطلاق بحسب اختلاف الجهة المنظور فيها.","vol":"1","page":36},{"text":"إذًا فالجهة الأولى بالنظر إلى الحاكم.\nأما الجهة الثانية: فهي بالنظر إلى تعلق الحكم بالمكلف فيقال: الوجوب والحرمة، والإباحة، الندب، والكراهة.\nويظهر الفرق بين الجهة الأولى والثانية في الإبدال من الآية: إِنْ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ، التقدير: \"لا إيجاب ولا تحريم، ولا إباحة إلا لله، فإن غيرنا بالوجوب والحرمة قلنا لا وجوب على مكلف، ولا حرمة إلا بإيجاب الله أو تحريمه.\nولا يصح لا وجوب ولا حرمة إلا لله فنلاحظ هنا ارتباط الوجوب والحرمة بفعل المكلف، وتبين أن الحكم هو: الإيجاب والتحريم ... الخ. ويعبر بها إذا أريد بيان مصدر الحكم فيقال: هذا إيجاب، أي: من الله تعالى.\nوهو من أوجب يوجب إيجابًا فهو موجب، ويضاف إلى الخطاب فيقال: هذا خطاب إيجاب، والإضافة بيانية؛ لأن الخطاب هو نفس الإيجاب، فالتقدير هذا خطاب هو الإيجاب أي: هذا إيجاب.\nأما الوجوب والحرمة فليستا الحكم، بل وصفان يدلان على تعلق الحكم بالمكلف فيعبر بهما إذا أريد بيان تعلق الحكم بالمحكوم عليه، وهو من وجب يجب وجوبًا فهو واجب.\nفإذا قلت: وجب وجوبًا ففاعله ضمير مستتر راجع إلى الحكم، وإذا قلت أوجب إيجابًا ففاعله ضمير مستتر راجع إلى الله.\nأما الجهة الثالثة: فهي بالنظر إلى فعل المكلف، من حيث الوضعية.\nفإذا أردنا بيان الصفة الشرعية لفعل المكلف فنقول: هذا فعل واجب، أو حرام ونحو ذلك: فصلة الرحم فعل. وتوصيفها الشرعي هو: واجب، فنقول وصْلُ الرحم واجب، ولا يقال وصل الرحم إيجاب، أو وجوب بل نقول حكمه الوجوب.","vol":"1","page":37},{"text":"إذًا فالإيجاب لله، والوجوب صفه للحكم، والواجب صفه لفعل المكلف، فظهر من خلال هذا أن الإيجاب ينظر فيه إلى الحكم، وأن الوجوب ينظر فيه إلى تعلقه بالحكم وينظر فيه إلى تعلقه بالمكلف، فهو واسطة بين الإيجاب والواجب، وأن الواجب ينظر فيه إلى فعل المكلف فقط. فالإيجاب هو الحكم، والوجوب صفته المتعلقة بفعل المكلف، والواجب هي صفة فعل المكلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>ثمرة المسألة </span>(^١):\n١ - لها ثمرة في التعاريف، فتعريف الإيجاب والوجوب غير تعريف الواجب (^٢).\n٢ - من حيث المعتقد وهو: أن الإيجاب متعلق بالكلام الأزلي، فالإيجاب هو الحكم وهو صفة لله تعالى. وأما الوجوب فهو من وجب إذا استقر وسقط، وهو هنا استقراره على المكلف بحسب الشروط التكليفية من فهم وقدرة، فالوجوب من هذه الحيثية هو الوجوب التنجيزي وهو الحادث. ومن حيثية تعلقه بالإيجاب الذي هو الحكم فهو قديم فيقال: في الإيجاب والوجوب حكم والحكم صفة الله تعالى، وأما الواجب فهو: فعل المكلف.\nقال الإمام القرافي: \"والذي ذكره (يعني الرازي) ليس حكمًا؛ لأن حكم الله -تعالى- هو الوجوب لا الواجب، بل الواجب هو فعل المكلف، فهو متعلق الحكم لا نفس الحكم، فشرع عند الحكم حد متعلقه، وأحدهما مباين للآخر؛ فإن الحكم صفة الله تعالى، ومتعلقه صفة للعبد، وأحدهما مباين للآخر؛ لأنه فعله فكان المتعيّن أن يقول: الوجوب هو الذي يذم تارك متعلقه شرعًا على بعض الوجوه، وهذا السؤال مطرد في جميع حدوده، وهذا التعبير لازم في الجميع. (^٣).\n_________\n(^١) الأحكام للآمدي ١/ ٩٢ - ٩٣.\n(^٢) الايجاب: خطاب الله تعالى التكليفي والوجوب: هو استقرار الحكم على المكلف والواجب: هو مايلزم من فعله\n(^٣) نفائس الأصول في شرح المحصول (١/ ٢٦٥).","vol":"1","page":38},{"text":"ولذلك نرى أهل الأصول يعرّفون الإيجاب أو الوجوب غير تعريفهم الواجب؛ ملاحظين هذه النكتة: ففي شرح الجلال المحلى مثلًا: \"فحد الإيجاب الخطاب المقتضي للفعل اقتضاءً جازمًا\" (^١).\nوقال ابن الحاجب: \"فإن كان طلبًا لفعل غير كف ينتهض تركه في جميع وقته سببًا للعقاب فوجوب، والواجب الفعل المتعلق للوجوب\" (^٢). فهم يفسّرون الوجوب، والإيجاب بالخطاب وبالطلب، بخلاف الواجب فتراهم يفسرونه بالفعل الذي اقتضاه خطاب الشرع على اختلاف في عباراتهم، لكنها ترجع إلى هذا المعنى.\nوقد صرح إمام الحرمين في البرهان بهذا فقال: \"والمرضى في معنى الواجب: أنه الفعل المقتضى من الشارع الذي يلام تاركه شرعا، وإنما ذكرنا المقتضى من الشارع فإنه معنى الإيجاب \" (^٣). ولذلك نصوا على: \"أن ما لا يتم الوجوب إلا به لا يجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب\" وهذا ظاهر.\nوالذي تلخص هنا: أن الواجب له تعريف خاص به من حيث أنه صفة فعل المكلف يذم ويمدح عليه، بخلاف الإيجاب، والوجوب فهما من جهة الحكم، والحكم صفة الحاكم فنحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] يسمى باعتبار النظر إلى نفسه التي هي صفة لله تعالى إيجابًا، ويسمى بالنظر إلى ما تعلق به، وهو فعل المكلف، وجوبًا.\nفهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فنرى العلماء تارة يعرّفون الإيجاب، وتارة يعرفون الوجوب نظرًا إلى الاعتبارين (^٤).\n_________\n(^١) شرح الجلال مع حاشيته البناني ١/ ٨٧.\n(^٢) رفع الحاجب ١/ ٤٨٤.\n(^٣) البرهان في أصول الفقه (١/ ١٠٧) وانظر شرح الجلال مع حاشيته البناني ١/ ٨٧.\n(^٤) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (١/ ٣٣٣)","vol":"1","page":39},{"text":"هذا هو تحقيق المسألة والله تعالى أعلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>قوله: \"والأحكام سبعة</span>\"\nأي: والأحكام التي ذكرناها في تعريف الفقه سبعة.\nوكان الأصل أن يقول وهي سبعة بالإضمار، وعدل عنه زيادة في الإيضاح للمبتدئ. ويرد هنا سؤالان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>١ - لماذا لم يذكر الأحكام الوضعية السبب والشرط والمانع</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٢ - لماذا خص الصحة، والفساد في الأحكام بالذكر دون الوضعية، والرخصة والعزيمة</span>؟\nوالجواب على ذلك: إن للأصوليين بحسب استقرائي مذهبين في المسألة:\nأفإمام الحرمين في الورقات، وفي البرهان (^٢) اقتصر على ذكر هذه ولم ينص على الأحكام الوضعية في تقسيم الحكم، وكذا القاضي البيضاوي في المنهاج (^٣).\nوالسبب يرجع إلى أن الأحكام الوضعية في حقيقة الأمر راجعة للأحكام التكليفية، فذكرها ضمنًا فيها، إذ الحكم التكليفي لا يتعلق بفعل المكلف إلا بتقرر الحكم الوضعي، بل التكليف العام لا يتعلق بالمكلف إلا بحكم وضعي هو: الفهم، والقدرة. وهذان هما سببا التكليف.\nويقال هذا في التكاليف الجزئية، كقولنا: الزكاة واجبة في هذا المال، إنما وجبت لوجود حكم وضعي هو السبب، والشرط كالنصاب وحولان الحول.\n_________\n(^١) راجع الأحكام للآمدي ١/ ٩٠، التمهيد ٤٨ ونهاية السؤل للأسنوي ١/ ٤٧ والآيات البينات ١/ ٧٤ والعطار على الجمع ١/ ٦٥، والتلويح ٢/ ١٢٢، وغيرها مما لا نطيل بذكره فقد استقرأت كثيرا من المراجع لجمع شتات المسألة.\n(^٢) البرهان ١/ ٨٥.\n(^٣) منهاج البيضاوي وشرحه الإبهاج ١ - ٦٧.","vol":"1","page":40},{"text":"لا يقال قد تتخلف القاعدة بالزكاة في مال الصبي، والأروش، والجنايات لغير المكلف وما أتلفته البهائم ونحوها من صبي ومجنون. فوجد الحكم الوضعي ولم يوجد التكليف؛ لانعدامه في الصبي، والمجنون، والبهائم.\nوما دام الأمر كذلك فلا بد من ذكر الأحكام الوضعية استقلالًا لا ضمنًا؛ لأننا نقول: لم تتخلّف الكلية؛ لأن الضمان وإخراج الزكاة واجب، ووجوبه حكم تكليفي، ولا يصلح تعلق الحكم التكليفي إلا بالمكلف، والصبي ونحوه غير مكلف، فأقام الشرع وليه مقامه في ذلك كله، فيخرج الزكاة عنه من ماله أي الصبي، ويضمن عنه، وأمثلة ذلك كما هو مسطور في كتب الفقه. هذا ما ترجح في تعليل ذلك والله أعلم (^١).\nب. والمذهب الثاني: جمهور الأصوليين أفردوها بالذكر تحت أقسام الحكم الشرعي، والمسألة سهلة.\nوالجواب على السؤال الثاني: أنه خص الصحة والفساد بالذكر؛ لأن الحكم إن تعلق بالمعاملات، فبالصحة أو بالبطلان، وإن تعلق بغير المعاملات. (^٢)\nكالعبادات وُصِف بالأحكام الخمسة المشهورة.\nفلهذا نص المصنف على الصحة والفساد؛ لاختصاصها في الغالب بالمعاملات، ولاختصاص غيرها بالعبادات. فيقال: هذا عقد صحيح أو فاسد، ولا يقال: عقد واجب غالبًا.\n_________\n(^١) وقد علل البعض بعلل منها:\nأ-أن المقصود التمثيل لا الحصر.\nب-أنه ذكر هذه لشهرتها.\nجـ-أنه يقصد بالأحكام النسب التامة ومن ثم تدخل الوضعية.\nد-لأنها مندرجة ضمنًا في الأحكام الوضعية وهو أرجحها والله أعلم. وراجع شرح جمع الجوامع مع العطار ١/ ٥٨ والشرح الكبير للورقات ١/ ١٨٨ وما بعدها. ورفع الحاجب ١/ ٤٨٣ ونفائس الأصول في شرح المحصول ٩١/ ١\n(^٢) شرح ابن إمام الكاملية على الورقات، ص: ٩١.","vol":"1","page":41},{"text":"هذا ولا يعني اختصاص العبادات بالأحكام الخمسة عدم استعمال غيرها فيها، بل المقصود أنه يستعمل في العبادات باشتهار ولا يستعمل في المعاملات غالبًا إلا الصحة والفساد، لذلك خصه؛ إذ لا يغني ذكر الخمسة عنه.\nوالقول في الرخصة والعزيمة كالقول في الأحكام الوضعية بل أظهر؛ لأنها راجعة إلى الأحكام الخمسة على تفصيل: فمنهم من خص العزيمة بالواجب كالغزالي، والآمدي، وزاد القرافي المندوب، ومنهم من جعلها شاملة للجميع كالحنفية (^١).\n_________\n(^١) تيسير التحرير ٢/ ٢٩٩، والمستصفى ١/ ٨٨، والآمدي ١/ ١٠١ والقرافي شرح التنقيح ١/ ٨٧ والبحر المحيط ١/ ٣٢٥ وروضة الناظر ٣٢/ ١","vol":"1","page":42},{"text":"فالواجب من حيث وصفه بالوجوب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.\nويكفي في صدق العقاب وجوده لواحد من العصاة مع العفو عن غيره.\nويجوز أن يريد ويترتب العقاب على تركه كما عبر به غيره فلا ينافي العفو.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>بيان تعريف الواجب، والإيرادات عليه وردها، وتوضيح حيثية التعليل وحيثية التقييد</span>.\n- قوله \"الواجب: في القاموس وجب يجب وجوبًا وجبة: لزم ... ووجب يجب وجبة: سقط\".\n- قوله: \"ما \" في حد الواجب. أي: فعل وهو: الشامل لعمل الجوارح، واللسان، والقلب.\n- قوله: يثاب على فعله: خرج به الحرام، والمكروه.\n- وقوله: ويعاقب على تركه: خرج به المندوب، والمباح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>تنبيهات على الإيرادات الواردة:</span>\nالأول: (أن قوله من حيث هو واجب) معنى الحيثية (^١)، أي من هذه الجهة؛ فهي حيثية تقييد لا حيثية تعليل.\nوالفرق بينهما: أن حيثية التعليل مشعرة بالعلية، كقولنا: النار من حيث أنها حارة تسخن، فهذه الحيثية تعليلية، لإشعارها بأن علة التسخين الحرارة، بخلاف الحيثية التقييدية، فلا تشعر بالعلية، بل هي مُقيِّدة فحسب، والمعنى: أن التعاريف يجب أن تقيد\n_________\n(^١) التلويح على التوضيح المؤلف: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفى: ٧٩٣ هـ) الناشر: مكتبة صبيح بمصر، ١ - ٤٢","vol":"1","page":43},{"text":"بهذه الحيثية لفظًا أو تقديرًا كما نبّه عليه السعد في التلويح، لئلا تختل الحقائق والحدود.\nفالواجب مثلًا يعتريه أمور خارجية فيختل حده؛ فقد يعمل أحد الواجب ولا يؤجر عليه للرياء مثلًا، مع أنه في تعريف الواجب يثاب فاعله.\nفهل نقول حد الواجب باطل، أو نقول هو مقيد بالحيثية؛ إذًا فلا يسلم حد إلا بهذه الحيثية التي تحصر النظر في الماهية فحسب وتقطعه عما يمكن أن يعتريه من الخارجيات.\nالثاني: أن الإثابة وعدٌ والوعد لا يتخلف منه سبحانه؛ لأنه نقص، وهو عليه مستحيل، بخلاف العقاب الذي هو وعيد فإنه راجع إلى المشيئة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ولذلك عبر بعضهم بـ \"يستحق العقاب\" بدلًا عن يعاقب، وبعضهم بـ\" يذم\" وجعلوها أفضل؛ لجواز العفو عن تاركه.\nومن هنا اعترض على الحد بأنه غير جامع؛ لخروج الواجب المعفو عن تركه لنسيان مثلًا، وأجاب الشارح بوجهين حاصلهما: (^١)\n١ - أن وقوعه على واحد من العصاة كاف في صدقه.\n٢ - أن معنى يعاقب، أي: يترتب عليه العقاب، والترتب: الاستحقاق، أي يستحق.\nالثالث: أن الأصوليين حصروا العقاب على الأخروي فقط، وأغفلوا العقوبات الدنيوية التي منها إدخاله تحت أوصاف الظالمين، الفاسقين، المجرمين.\nوهذا نوع من العقاب وهو لابس للعاصي لا محالة، ويترتب عليها أحكام مثل: رد الشهادة، والهجر، والتعزير، وعدم الصلاة عليه، ونحو هذه الأحكام، وقد يصل إلى الحد كقتل الإمام تارك الصلاة مثلًا بشروطه، وكقتال مانعي الزكاة وغيرها، وهذا جار في تعريف المحضور كما سيأتي، وما يترتب على اقترافه من الحدود، والتعازير،\n_________\n(^١) وانظر شرح ابن قاسم الكبير ١/ ٢٠١.","vol":"1","page":44},{"text":"والعقوبات والله أعلم.\nالرابع: أن هذه الاعتراضات المتعلقة بمسألة الثواب والعقاب غير واردة فيما أراه على التعريف؛ لأن التعاريف مقيدة بالحيثية السابقة التي تحصر النظر على الحقيقة والماهية والأصل.\nومن المعلوم أن الأصل: هو العقاب للعصاة لا العفو؛ إذ العفو استثناء ورحمة منه تعالى وهو متعلق بمشيئته. وهذا مما لا ينتقض به الحد إذ الحدود، والتعريفات مبناها على الأصول لا على الاستثناءات. والله أعلم.\nالخامس: ومما أورد على الحد أنه غير مانع لدخول، نحو المندوبات التي يعاقب على تركها، كالأذان، فإنه يقاتل أهل بلد لا يؤذن فيهم.\nوالجواب أن العقاب ليس على ترك المندوب، بل إما لأنه فرض كفاية، أو لأنه يدل تركه على الاستهانة بالدين، مع ملاحظة المعنى الذي ذكره الشاطبي من أن المندوب بالجزء يصير واجبًا بالكل (^١). فيندفع الإيراد والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>تتمة في أقسام الواجب:</span>\nينقسم الواجب إلى موسع ومضيق، وإلى كفائي وعيني، والى مخير ومعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>١ - فالموسع ما يتسع وقته له ولغيره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٢ - والمضيق ما لا يتسع وقته لغيره</span>.\nومن رحمة الله بالخلق أن الواجب الموسّع أكثر من المضيق؛ وهذا من أسرار الشرع، فمن المضيق: صيام شهر رمضان له وقت معين لا يتسع لغيره من جنسه، ونعني بهذا: أنه لا يوجد صيام في رمضان غير صيام الفرض.\n_________\n(^١) الموافقات (١/ ٢١٦)","vol":"1","page":45},{"text":"ووقوف عرفة واجب مضيق من حيث اليوم المعين لا قبله ولا بعده، ولكنه موسع من جهة أي ساعة في اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٣ - أما العيني: فهو ما لزم كل فرد كالصلاة والصيام وبر الوالدين، وصلة الرحم، والصدق، والاخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٤ - أما الكفائي: فعلامته إن قام به البعض سقط عن الآخرين</span>.\nهذا هو متعلق التكليف، وثمَّ مسائل منتشرة في المطولات لمن أراد التوسع. (^١)\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٢٣٣)، روضة الناظر وجنة المناظر (١/ ١٠٢)، الإبهاج في شرح المنهاج (١/ ١٠٠)","vol":"1","page":46},{"text":"والمندوب من حيث وصفه بالندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.\nوالمباح من حيث وصفه بالإباحة ما لا يثاب على فعله وتركه، ولا يعاقب على تركه وفعله أي ما لا يتعلق بكل من فعله وتركه ثواب ولا عقاب.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>تعريف المندوب والمباح وفيه مسائل:</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-52> الأولى: تعريفه لغة </span>هو مأخوذ من الندب، وهو الدعاء لأمر مهم، ومنه قول الشاعر:\nلا يسألون أخاهم حين يندبهم **** في النائبات على ما قال برهانا\nوالمندوب في الشرع الأصل المندوب إليه، لكن حذفت الصلة منه لفهم المعنى (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الثانية: تعريفه شرعا</span>\nقوله: ما يثاب على فعله: خرج به الحرام، والمكروه، والمباح.\nوقوله: ولا يعاقب: خرج به الواجب.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-54> الثالثة: في أسمائه:</span> يسمى المندوب نافلةً، وسنة، ومستحبًا، وتطوعًا، ومرغبًا فيه. قال في الجمع خلافًا لبعض أصحابنا زاد في المحصول إنه إحسان إذا كان نفعًا موصلًا إلى الغير مع القصد إلى نفعه (^٢).\n_________\n(^١) انظر المصباح المنير ٢/ ٥٩٧، والصحاح ١/ ٢٢٣، وتاج العروس ٢/ ٤٢٤.\n(^٢) انظر شرح المحلى على الجمع مع البناني ١/ ٩٠، والمحصول مع شرح القرافي ١/ ٢٣٨. والمشار إليه القاضي حسين وغيره، في نفيهم ترادفها حيث قالوا: هذا الفعل إن واظب عليه النبي ﷺ فهو السنة أو لم يواظب كأن فعله مرة، أو مرتين فهو المستحب، أو لم يفعله: وهو ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد فهو التطوع، ولم يتعرضوا للمندوب؛ لعمومه للأقسام الثلاثة. ورد الجمهور ذلك بأدلة منها: ولكن أنسى لأسن فسمى نسيانه سنةٌ على قدرته\"الإبهاج ١/ ٣٦ - التحصيل ١/ ١٧٥. والحديث في \"الموطأ\" (١/ ١٠٠) عن مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: \"إني لأنسى أو أنسى لأسن \" ط محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":47},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-55> الرابعة: قوله من حيث وصفه بالمندوب:</span> \"خرج بالقيد ما لو أقدم على ضد من أضداد المندوب وهو معصية في نفسه، فيلحقه الإثم إذا ترك المندوب من حيث عصيانه لا من حيث تركه المندوب\" (^١)\n-<span data-type=\"title\" id=toc-56> الخامسة: فائدتان تتعلقان بالمندوب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>١ - هل يترك المندوب إذا صار شعارا للمبتدعة؟\nثلاثة أوجه:</span>\n١. الأول: الصحيح لا يترك.\n٢. والثاني: يترك وهو ما أفتى به ابن أبي هريرة فترك الترجيع في الأذان، والجهر بالبسملة، والقنوت في الصبح، والتختم في اليمين، وتسطيح القبور محتجًا \"بأنه - ﷺ - ترك القيام للجنازة لما أخبر أن اليهود تفعله.\nونوقش بأنه ﷺ مشرع في فعله وتركه، بخلاف غيره.\n٣. الثالث: توسط الغزالي في المسألة فمنع الترك في السنن المستقلة كالقنوت، وأجاز في مسألة التسطيح الترك إذا صارت شعارا للمبتدعة. قال الزركشي والصحيح: المنع مطلقا. (¬<span data-type=\"title\" id=toc-58>٢)\n\n٢) هل يترك المندوب خوف اعتقاد العامة وجوبه</span>؟\nقال الزركشي: لا يترك لخوف اعتقاد العامة وجوبه خلافًا لمالك، ووافقه من أصحابنا أبو إسحاق المروزي فيما حكاه الدارمي في \"الاستذكار\" أنه قال: لا أحب أن\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٣٧٧).\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٣٨٧) البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٣٦٤).","vol":"1","page":48},{"text":"يداوم الإمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعة بالجمعة ونحوه؛ لئلا يعتقد العامة وجوبه. (^١)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-59> السادسة في قوله: \"المباح</span>\" هو: لغة المعلن، والمأذون، والموسع فيه.: وله في الاصطلاح إطلاقات فيسمى: حلالًا، وجائزًا.\nومن أسمائه الجائز، ويطلق الجائز على ما لا يمتنع شرعًا، فيتناول الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح (^٢).\nقوله: والمباح من حيث وصفه بالاباحة احتراز عن ايراد يقول كيف تقولون أن المباح لا يثاب فاعله وقد جاء في البخاري عن\nسعد بن أبي وقاص، أنه أخبره أن رسول الله ﷺ قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك» (^٣)\nفالجواب: أن هذا الأجر على النية الصالحة أو على سعة عطاء الله وفضله.\nأما المباح من حيث هو فلا يترتب عليه ثواب.\nفمن أكل رمانا أو عنبا مثلا فلا يتعلق بفعله ثواب ولا عقاب إلا لعوارض خارجية كأن يكون أكله إكراما لمهديه فيؤجر، أو كونه أكله مغصوبا فيأتم.\nقوله: ما لايثاب على فعله خرج به الواجب والمندوب ودخل الحرم والمكروه فإنهما لا يثتاب على فعلهما\nوكذلك لا يثاب على تركه دخل الواحب والمندوب فإنهما لا يثاب على تركهما وخرج به الحرام والمكروه فإنه يثاب على تركهما.\nهذا من جهة الثواب أما من جهة العقاب\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٣٨٨).\n(^٢) تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٢/ ٨٢)\n(^٣) صحيح البخاري (١/ ٢١).","vol":"1","page":49},{"text":"فقوله: ولا يعاقب على تركه وفعله اللفظة الأولى خرج بهه الحرام والمكروه والثانية دخل بها الواجب والمندوب لأنهما لا يعاقب على فعلهما\nفإنت ترى أن كلا من الواجب والمندوب من جهة والمحرم والمكروه من جهة أخرى يخرجان بلفظة ويدخلان بأخرى.\n\nقوله: ما لا يتعلق بكل من فعله وتركه ثواب ولا عقاب\nأي معا لأنه بهما معا يصدق المباح أما بكل واحد على الانفراد فلا يصدق بل يدخل معه غيره\nففعل الواجب فقط لا يتعلق به عقاب، وفعل الوتر المندوب لا يتعلق به عقاب، وفعل المحرم فقط لا يتعلق به ثواب وفعل المكروه فقط لا يتعلق به ثواب.\nفكان لا بد من تعلق الثواب والعقاب بالفعل والترك معا ليصدق الحد على المباح (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>السابعة:</span> ذكر الزركشي أن من صيغ المباح رفع الحرج وفي صحيح البخاري (١/ ٢٨)\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: «اذبح ولا حرج» فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: «ارم ولا حرج» فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج»\nومنها نفي الجناح: من كقوله تعالى ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] والجناح: الإثم، ومن ثم ذهب الشافعي إلى أن القصر مباح لا واجب (^٢)\n_________\n(^١) وانظر النفحات ص ٢١\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٣٦٧)","vol":"1","page":50},{"text":"والمحظور من حيث وصفه بالحظر أي الحرمة ما يثاب على تركه امتثالًا ويعاقب على فعله. ويكفي في صدق العقاب وجوده لواحد من العصاة مع العفو عن غيره.\nويجوز أن يريد ويترتب العقاب على فعله كما عبر به غيره فلا ينافي العفو.\nوالمكروه من حيث وصفه بالكراهة، ما يثاب على تركه امتثالًا ولا يعاقب على فعله.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المسألة الأولى: تعريف المحضور</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>لغة:</span> الممنوع منه، وهو الحرام (^١) قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] أي: حرمناه رضاعهن ومنعناه منهن، إذ لم يكن حينئذ مكلفًا، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] (^٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الثانية: ذكر في المحصول أسماءه:</span> \"المعصية، والذنب، ومزجور عنه، ومتوعد عليه، والقبيح\" (^٣).\nالثالثة: قوله امتثالًا خرج به من ترك الحرام غفلةً عنه، أو عجزًا، أو رياءً، والعجز إما لعدم القدرة أو لخوف أو إكراه أو حياءٍ فهذا لا يثاب على تركه له.\nواعلم أن هذا القيد لا داعي لذكره؛ لأنه قيد حيثي، والحيثيات معتبرة في التعاريف بلا تنصيص وذكر كما تقدم، أما في شرح التعاريف فلا بأس من ذلك كما فعله الشارح، وبهذا يندفع ما أورده ابن قاسم عليه بسبب ذكره. (^٤)\nالرابعة: تعريف المكروه.\n_________\n(^١) اللسان ٤٥/ مادة حضر.\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٣٣٦).\n(^٣) المحصول ١/ ٢٠ وانظر نهاية الوصول الى دراية الأصول للهندي ١/ ٦٣ الإرشاد ص ٦ وغيرها.\n(^٤) شرح ابن القاسم ١/ ٢٢٠.","vol":"1","page":51},{"text":"قوله: والمكروه لغة: اسم مفعول من كرهه إذا أبغضه ولم يحبه، فكل بغيض إلى النفوس فهو مكروه في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]\nوقول عمرو بن الإطنابة:\nوإقدامي على المكروه نفسي **** ... وضربي هامة البطل المشيح (^١).\nوفي المحصول \"المكروه\" يقال بالاشتراك على أحد أمور ثلاثة:\n- أحدها: ما نهى عنه نهي تنزيه، وهو الذي أشعر فاعله بأن تركه خير من فعله وإن لم يكن على فعله عقاب.\n- وثانيها: المحظور، وكثير ما يقول الشافعي ﵀: أكره كذا، وهو يريد به التحريم.\n- وثالثها: ترك الأولى؛ كترك صلاة الضحى، ويسمى ذلك مكروهًا لا لنهي ورد عن الترك بل لكثرة الفضل في فعلها، والله أعلم (^٢). وقد زاد في البحر آخر وهو:\n- الرابع: ما وقعت الشبهة في تحريمه كلحم السبع، ويسير النبيذ، هكذا عده الغزالي في \"المستصفى\" من أقسام الكراهة، وبه صرّح أصحابنا في الفروع في أكثر المسائل الاجتهادية المختلف في جوازها (^٣).\n_________\n(^١) المذكرة للشنقيطي ص ٢١\n(^٢) المحصول ١/ ٢٣٨\n(^٣) البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٣٩٤)","vol":"1","page":52},{"text":"والصحيح من حيث وصفه بالصحة، ما يتعلق به النفوذ ويعتد به، بأن استجمع ما يعتبر فيه شرعًا، عقدًا كان أو عبادة.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-66>  بيان معنى الصحيح وتعاريفه</span>\nقوله: والصحيح لغةً: ضد السقيم، والصحة: البراءة من كل عيب، وذهاب المرض كما في القاموس وشرحه.\n(قوله: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به): قلت ويكون ذلك بترتب آثار فعله عليه من انتقال الملك، وحل الاستمتاع في النكاح ونحو ذلك، هذا في العقود، والمعاملات. أما في العبادات: فترتب آثار فعله عليه يكون ببراءة الذمة، وسقوط الطلب.\nوحاصل كلامهم أن النفوذ يختص بالمعاملات والاعتداد بها، وبالعبادات، وهو في الأخيرة أشهر والذي يجمعهما هو: \"أن يقال الصحيح ماترتبت آثار فعله عليه\". (^١) ثم الآثار في العقود والمعاملات والعبادات كما تقدم.\nوقد رام جمع من الأصوليين حدًا جامعًا لهما في العبادة والمعاملات، فإمام الحرمين هنا قال: \"ما يتعلق به النفوذ ويعتد به\"، فقصد بالنفوذ المعاملات وبالاعتداد العبادات. والآمدي قال: \"وأما في عقود المعاملات، فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه. ولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج\" (^٢) ا. هـ، - ونحوه قال العضد في شرح المختصر: ولو فسرناها في العبادات وأرجعنا الخلاف إلى الخلاف في ثمرتها لكان حسنًا (^٣).\n_________\n(^١) انظر الأحكام للآمدي ١/ ١٣١ وفي شرح ابن إمام الكاملية \"والاعتداد والنفوذ معناهما واحد، لكن العبادة في الاصطلاح تتصف بالاعتداد لا بالنفوذ، فلذا جمع بينهما\".\n(^٢) الأحكام للآمدي ١/ ١٣١.\n(^٣) شرح العضد للمختصر ص ٨٨.","vol":"1","page":53},{"text":"فرأى أن التعريف الجامع. الصحيح في العبادات والمعاملات ما ترتبت ثمرته المطلوبة منه عليه.\nوالبيضاوي جمعهما بقوله: \"الصحة استتباع الغاية\" (^١).\nقال البدخشي: \" أي اقتضاء الشيء ترتب آثاره عليه سواء كان في العبادات أو المعاملات\". وقال الفتوحي: \"الصحة في عبادة سقوط القضاء بالفعل، وهذا عند الفقهاء\".\nوعند المتكلمين موافقة الأمر ... وفي معاملة ترتب أحكامها المقصودة بها عليها ... ويجمعهما ترتب أثر مطلوب من فعل عليه .. فبصحة عقد يترتب أثره من التمكن من التصرف فيما هو له ... وبصحة عبادة يترتب إجزاؤها وهو كفايتها في إسقاط التعبد\" (^٢) ا. هـ.\n\nوقال ابن الإمام القاسم: \"والصحة هي ترتب الآثار\" (^٣).\nوتيسيرًا على الطالب يمكن إرجاع هذه التعاريف إلى واحد من هذه الثلاثة:\n١ - الصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به.\n٢ - الصحة: استتباع الغاية.\n٣ - الصحة: ترتب الآثار.\nوأحسنها وأوضحها الأول: والله أعلم.\nقوله: بأن استجمع ما يعتبر فيه شرعا، هذا تفسير حسن للصحة والنفوذ لأنه يعرفك بم يصير الصحيح صحيحا ونافذا، وما يعتبر شرعا هي الشروط والأركان وانتفاء الموانع، فكل ما توافرت شروطه وأركانه وانتفت موانعه فهو الصحيح.\n_________\n(^١) منهاج البيضاوي بشرح الأسنوي والبدخشي ١/ ٥٨ - ٥٩. والإبهاج ١/ ٦٧ وشرح الاصفهاني ١/ ٦٩.\n(^٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٤٦٥ - ٤٦٩.\n(^٣) هداية العقول إلى غاية السؤل ١/ ٣٩٦.","vol":"1","page":54},{"text":"والباطل من حيث وصفه بالبطلان ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به، بأن لم يستجمع ما يعتبر فيه شرعًا، عقدًا كان أو عبادة.\nوالعقد يتصف بالنفوذ والاعتداد.\nوالعبادة تتصف بالاعتداد فقط اصطلاحًا.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-67>  الباطل وتعريفه، وهل يرادف الفاسد</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المسألة الأولى: بيان الصواب في إثبات لفظة الباطل في النسخ وذكر السر في ذلك</span>.\nقوله: الباطل: الملاحظ أنه ذكر هنا \"الباطل\"، وسماه حينما عدد الأحكام \"الفاسد\"، وهذا ما تظاهرت عليه النسخ: كشرح ابن الكاملية، وكذا التي عليها شرح المحلى مع حاشية الدمياطي، وشرح ابن قاسم (^١). وهذه اللفظة مثبتة في خمس نسخ خطية كما أفاد محقق الورقات (^٢)، وهذا هو المعول عليه.\nوعندي أن فيه نكتة دقيقة، وهي: أن هذا التنويع فيه إفادة للطالب أن الفاسد والباطل مترادفان في الأصل كما هو المقرر عندنا، وعند الحنابلة، والمالكية، بخلاف الحنفية.\nفلهذا السبب- والله أعلم- نوع المصنف العبارة.\n_________\n(^١) شرح ابن قاسم محقق على مخطوطات حققه السيد عبدالعزيز، وعبدالله ربيع، وشرح ابن الكاملية حققه عمر غنى كرسالة ماجستير، على عدة نسخ.\n(^٢) د/ حسام الدين عفانه وفقه الله ومع اتفاق خمس نسخ خطية، والشروح المذكورة على هذا التنويع رجح المحقق لفظة الباطل على الفاسد بلا مرجح إلا نسخة واحدة وشرحين فقط، وجعل ذكر المصنف للباطل دليلًا آخر على هذا الترجيح ولم يتنبه للنكتة. ثم إني اطلعت بعد إتمام الكتاب على نفس ما بينته في حاشية النفحات ص ٢٣","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المسألة الثانية: الفاسد والباطل مترادفان كما سبق إلا في مسائل، وبيان ذلك في المذاهب الاربعة:</span>\nأأما في الشافعية: ففي الكتابة، والخلع، والعارية، والوكالة، والتركة، والقراض.\nوفي العبادات في الحج كما في الأشباه والنظائر للسيوطي وحصرها النووي في أربعة فقط: الحج- والكتابة، والخلع، والعارية، ومنع الحصر الأسنوي (^١).\nب وأما الحنابلة: فقاعدتهم في غالب المسائل التي حكموا عليها بالفساد، أن الفاسد ما كان مختلفًا فيها بين العلماء، والتي حكموا عليه بالبطلان ما كان مجمعًا عليها، أو الخلاف فيها\nشاذ (^٢).\nت وأما المالكية: فاستثنوا مسألة واحدة في البيع الفاسد.\nقال في المراقي:\nبصحة العقد يكون الأثر ... وفي الفساد عكس هذا يظهر\nإن لم تكن حوالة، أو تلف ... تعلق الحق، ونقص يؤلف\nيعني أن المالكية خالفوا أصلهم في هذه المسألة، وراعوا فيها الخلاف فقالوا إن البيع الفاسد يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك فإذا لحقه أحد أربعة أشياء تقرر الملك بالقيمة، أو الثمن وهي: حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها بنحو بيع أو رهن (^٣) والله أعلم.\n_________\n(^١) راجع الأشباه والنظائر ١/ ١١٠ والتمهيد للأسنوي ص ٥٩ وما بعدها وشرحه على المنهاج ١/ ٥٩ وما بعدها.\n(^٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٤٧٤.\n(^٣) نثر الورود ١/ ٦٢ - ٦٣.","vol":"1","page":56},{"text":"وهذا كله بخلاف إطلاق الحنفية كما لا يخفى فإنهم يفرقون بين الباطل والفاسد.\nفالباطل هو ما انخرم فيه ركن أو شرط وهو معنى قولهم ممنوع بأصله ووصفه كمن صلى بدون وضوء مثلا أما الفاسد فهو ممنوع بوصفه الخارجي لا بأصله كمن صام يوم النحر لأنه أعرض عن ضيافة الله.","vol":"1","page":57},{"text":"والفقه بالمعنى الشرعي أخص من العلم لصدق العلم بالنحو وغيره، فكل فقه علم، وليس كل علم فقهًا.\nوالعلم معرفة المعلوم، أي إدراك ما من شأنه أن يعلم على ما هو به في الواقع، كإدراك الإنسان بأنه حيوان ناطق.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-70>  تعريف العلم:</span>\nقوله: \"العلم معرفة المعلوم\"، مسألة تعريف العلم وما يرد عليه مسألة طويلة الذيول، كثيرة العناء، قليلة الغناء، ولا يناسب أن نذكرها في هذا المختصر، ولكن نبين ما يتعلق ويليق بالمقام، ونجمل الكلام عليه في الآتي:\n١ - قوله في التعريف \"معرفة\" قلت: تقدم أن المعرفة تفترق مع العلم في أمور: كاختصاصها بالبسائط، والعلم بالمركبات، أو اختصاصها الجزئيات والعلم بالكليات أو أنها إدراك بعد جهل، أو آخر إدراكين بينهما عدم، بخلاف العلم في كل كما تقدم.\n٢ - لماذا جعل المصنف المعرفة جنس العلم مع أنها تفارقه بما تقدم.\nوالجواب: أن المعرفة هنا هي: الإدراك، وهو: (وصول النفس إلى المعنى بتمامه من نسبة أو غيرها) (^١). وهذا هو السر في قول الشارح مفسرًا كلام المصنف \"العلم معرفة المعلوم\"، أي: أدرك فتنبه.\n٣ - أن قول المصنف \"العلم معرفة المعلوم\" يلزم منه الدور؛ لأن المعلوم لا يعرف إلا بعد معرفة العلم؛ لأنه مشتق منه والعلم لا يعرف إلا بالمعلوم،\n_________\n(^١) شرح ابن إمام الكاملية. ص ٩٩","vol":"1","page":58},{"text":"وهذا دور وهو ممنوع في التعاريف والحدود.\nوهو كقول الشاعر:\nمسألة الدور جرت بيني وبين من أحب **** لولا مشيبي ما جفا لولا جفاه لم أشب\nوالجواب: أشار إليه الشارح بقوله: \"أي أدرك ما من شأنه أن يعلم\"، وبيان ذلك أن الحد هو: القول الشارح المبين لما أجمل في المحدود، وهو هو.\nلكن بطريق أوضح وأبسط فكلمة \"الواجب\" مثلًا مجملة، وبيانها بالقول الشارح \"ما يذم تاركه ويمدح فاعله\"، فهذه الكلمات التفصيلية تجمعها كلمة واحدة هي الواجب، وهكذا يقال في الإنسان وفي جميع المحدودات.\nوما نحن فيه كذلك؛ إذ أنّ (العلم) كلمة مجملة فصلت في القول الشارح: \"معرفة المعلوم على ما هو عليه\"، وبذا تزداد بصيرتنا به، فالحد: هو المحدود بعبارات رافعة للإبهام دافعة للإشتراك فلا دور.\nوإنما يقع الدور إذا وقع الجهل بعبارات القول الشارح التي هي مشتقة من المحدود، مع عدم إيضاحها كقولنا: العلم \"معرفة المعلوم\" ونحن لا نعرف المعلومات.\nأما إذا عرفنا المعلومات عرفنا أن طريقها التي أدركناها بها هي العلم فيكون العلم هو: إدراك المعلوم على ما هو عليه.\nوللإمام القرافي هنا كلام نفيس في نفائس الأصول يُرجع إليه هناك، ولم نورده لطوله. وقد استوفيت المقام وتحقيقه في شرحنا على إرشاد الفحول (سبيل الوصول الى إرشاد الفحول) يسر الله إتمامه.","vol":"1","page":59},{"text":"والجهل تصور الشيء، أي إدراكه على خلاف ما هو به في الواقع، كإدراك الفلاسفة أن العالم وهو ما سوى الله تعالى قديم.\nوبعضهم وصف هذا الجهل بالمركب، وجعل البسيط عدم العلم بالشيء، كعدم علمنا بما تحت الأرضين، وبما في بطون البحار.\nوعلى ما ذكره المصنف لا يسمى هذا جهلًا.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-71>  الجهل تعريفه وأقسامه وتعريف كل قسم؛ وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المسألة الأولى: الجهل لغة نقيض العلم أو خلاف العلم:</span>\n• جَهِل الشَّخْصُ: جفا وتسافه وحمُق وأظهر الطيشَ، ولا يستوي عالِمٌ وجهول:\nألا لا يجهلَن أحَدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] جهِلَ عليه: تصرَّف معه بحمق.\n• جهِل حقيقةَ الشَّيء جهِل بحقيقة الشَّيء: لم يعلم به، لم يعرفه.\nوكثير من الناس يجهلون أمورَ دينهم-جهِل بمعرفة القانون- ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الثانية: الجهل اصطلاحا</span>، له تعريفان ذكرهما الشارح: أحدهما تعريف الجهل المركب، والآخر البسيط.\nفقوله في تعريف الجهل المركب أو الجهل مطلقا: \"والجهل تصور الشيء\".\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٦٦٣) لسان العرب (١١/ ١٢٩) معجم اللغة العربية المعاصرة (١/ ٤١٣).","vol":"1","page":60},{"text":"التصور هنا ليس هو الذي يقابل التصديق كما هو المتبادر، ولكنه مطلق الإدراك ولذلك فسره بقوله: أي إدراكه. ومطلق الإدراك الشامل للتصور، والتصديق.\nأما التصور فعلى قولٍ.\nأعني: هل الجهل يدخل التصورات كما يدخل التصديقات أم لا؟ قولان: أما التصديقات فالجهل يدخلها جزمًا؛ لأنه تصور الشيء على غير ما هو عليه وهو يسمى بالجهل المركب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>الثالثة: قوله: \"وعلى قول المصنف لا يسمى هذا جهلًا</span>\":\nأي أن المصنف ذهب إلى حصر الجهل في المركب، وممن سلك هذا المسلك ابن السمعاني في القواطع، فقال: \"الجهل اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به، ولا بأس بالاعتقاد في حد الجهل\" ا. هـ.\nقال: في البحر بعد نقله لهذا، وهذا تعريف للمركب فقط، إذ البسيط لا اعتقاد فيه البتة، فكأنه ليس بجهل عنده وكذلك فعل جماعة من أئمتنا (^١).\nوعلى المشهور عند أهل الأصول أن الجهل منقسم إلى قسمين:\n١ - الأول البسيط، وهو: عدم العلم بالشيء الذي من شأنه أن يعلم قصدًا. وسمي بسيطًا؛ لأنه لا تركيب فيه وإنما هو شيء واحد.\n٢ - والثاني المركب: سمي بذلك لأنه من جزأين:\n- أحدهما عدم العلم.\n- والآخر اعتقاد غير مطابق، فهو يجهل ولا يدري أنه يجهل. (^٢)\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي ١/ ٥٦.\n(^٢) راجع شرح ابن إمام الكاملية ٩٩، ونفائس الأصول للقرافي ١/ ١٧٧، وراجع الجمع مع العطار ١/ ٢١١، والآيات البينات للعبادي ١/ ٢٦.","vol":"1","page":61},{"text":"والعلم الضروري ما لم يقع عن نظر واستدلال، كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، وهي السمع والبصر واللمس والشم والذوق، فإنه يحصل بمجرد الإحساس بها من غير نظر واستدلال.\nوأما العلم المكتسب فهو الموقوف على النظر والاستدلال، كالعلم بأن العالم حادث، فإنه موقوف على النظر في العالم وما نشاهده فيه من التغير، فينتقل من تغيره إلى حدوثه.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>تقسيم العلم إلى ضروري ونظري:</span>\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>المسألة الأولى: ينقسم العلم إلى قسمين:</span>\n١ - العلم الضروري: وهو ما يحصل ضرورة بدون مقدمات وتأمل وفكر، مثاله: العلم بأن النار محرقة، وأن الشمس تطلع نهارا، وأن الكل أكبر من الجزء. وهذه الأمور تدرك بالحواس الخمس الظاهرة.\n٢ - العلم النظري: وهو ما يحصل بالنظر وإعمال الفكر والاستدلال، مثاله: تشريعات الإسلام في المال والاقتصاد حل لمشاكل العالم من فقر، وتضخم، واحتكار المال في يد القلة من البشر وغيرها. فهذه تحتاج لنظر واستدلال وتقديم الدراسات.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المسألة الثانية: في تمثيله بالحواس الخمس الظاهرة</span>؛ إشارة إلى أن ما يدرك بها يسمى علمًا، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، فعنده \"العلم: ما يدرك بالحواس الخمس الظاهرة والباطنة\" (^١).\nومذهب الجمهور: الإحساس غير العلم؛ لأننا إذا علمنا شيئًا علمًا تامًا، ثم رأيناه وجدنا بين الحالتين فرقًا ضروريًا.\nوما تقدم عن الأشعري أحد قوليه في المسألة، وآخر قوليه: أنها ليست من قبيل العلوم، وهو الذي ارتضاه القاضي وإمام الحرمين (^٢).\nقلت: وقضية الخلاف، هل إدراك المحسوسات بالحواس هو العلم بها، أم أن الإدراك غير العلم؟\nلأنها عبارة عن آلات تنطبع عليها الأشياء صورة في العين، ورائحة في الأنف، وصوتًا في السمع، وذوقًا في اللسان، وملمسًا بالحس؛ لتوصلها إلى النفس التي هي محل العلم خلافٌ.\nولا بد هنا من معرفة ثلاثة أمور: (^٣)\n١. إدراك الحواس بالمحسوسات.\n٢. العلم بهذه المحسوسات.\n٣. العلم بعلوم أخرى تنشأ عن المحسوسات.\nقالوا: ولا إشكال في هذا الأخير أنه علم وهو مخالف للأول قطعًا.\n_________\n(^١) شرح ابن إمام الكاملية للورقات ص ١٠٠.\n(^٢) رفع الحاجب لابن السبكي ١/ ٢٦٨.\n(^٣) رفع الحاجب لابن السبكي ١/ ٢٦٨، والبحر المحيط ١/ ٤٨.","vol":"1","page":63},{"text":"وهل الثاني يخالف الأول أو هما شيء واحد؟\nعلى مذهب الأشعري القديم أنها شيء واحد، وعلى مذهب غيره التفريق بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>ثمرة الخلاف </span>(^١):\nقال الزركشي: \"اختلف في هذا الخلاف، فقال أبو القاسم الإسكاف إنه لفظي، وإن الفريقين على إن المدرك والمعلوم واحد، والإدراك والعلم بالمدرك مختلفان.\nوقال تلميذه إمام الحرمين: إنه معنوي على القول بالأحوال، كما أن العلم القديم والحادث يجمعهما حقيقة واحدة مع القطع باختلافهما، وحكى القرافي قولين في أن الإدراك للحواس أو للنفس بواسطة الحواس. ا. هـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>المسألة الثالثة: عبر بالباء ولم يعبر باللام </span>في: \"الواقع بإحدى الحواس\" ولم يقل \"لإحدى الحواس\"؛ ليشير إلى أن العلم حاصل بالحواس لا للحواس؛ لأنها مدركات فحسب، فهي آلة العلم وأن النفس تدرك الكليات أو الجزئيات. وأن نسبة الإدراك إلى قواها كنسبة القطع إلى السكين (^٢). أي أن السكين مجرد آلة، وكذلك الحواس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المسألة الرابعة: \"قوله الظاهرة\" خرج بها الباطنة، وهي خمس:</span>\n١ - الأولى: الحس المشترك، وهي: القوة التي ترشح فيها صورة الجزئيات المحسوسة بالحواس الخمس.\n٢ - الثانية: الحافظة للصور.\n٣ - الثالثة: الواهمة، وهي: التي تدرك المعاني الجزئية المتعلقة بالصور المحسوسة، كالعداوة الجزئية التي تدركها الشاة من الذئب فتهرب منه،\n_________\n(^١) البحر المحيط ١/ ٤٨.\n(^٢) شرح بن قاسم الكبير ١/ ٢٥٩، والمستصفى للغزالي ج ١، وحاشية الروضة ١/ ٥٧، ورفع الحاجب ١/ ٢٦٨، والغاية لابن الإمام القاسم وحواشيه ١/ ٦٢.","vol":"1","page":64},{"text":"والمحبة الجزئية التي تدركها الشاة من أمها فتميل إليها، فإن هذه المعاني لا بد لها من قدرة مدركة.\n٤ - الرابعة: القوة الحافظة للمعاني التي تدركها الواهمة.\n٥ - الخامسة: \"المتخيلة\" وهي التي تركب الصور والمعاني الجزئية \"فكر\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المسألة الخامسة: إنما قدم السمع على الجميع</span>؛ لأنه أوسع الحواس مجالًا من حيث أنه لا يختص بجهة بخلاف البصر، واختار هذا ابن قتيبة، وقال: قدم الله السمع على البصر فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [يونس: ٤٢]، ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣]. وقيل هما في درجة، ومنهم من قدم البصر لتعلقه بجميع الموجودات (^١).\n_________\n(^١) البحر المحيط ١/ ٥١.","vol":"1","page":65},{"text":"والنظر هو: الفكر في حال المنظور فيه ليؤدي إلى المطلوب.\nوالاستدلال: طلب الدليل ليؤدي إلى المطلوب.\nفمؤدى النظر والاستدلال واحد؛ فجمع المصنف بينهما في الإثبات والنفي تأكيدًا.\nوالدليل هو: المرشد إلى المطلوب؛ لأنه علامة عليه.\nوالظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر عند المجوز.\nوالشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر عند المجوز،\nفالتردد في قيام زيد ونفيه على السواء شك، ومع رجحان الثبوت أو الانتفاء ظن.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الكلام على ما يتعلق بالنظر، والاستدلال، والدليل، والظن، والشك، وشرح كلام المصنف شرحا وافيا</span>.\nوفيه مسائل:\nالأولى: المقصود من كلامه تعريف خمسة أمور، هي:\n١ - النظر.\n٢ - الاستدلال.\n٣ - الدليل.\n٤ - الظن.\n٥ - الشك.\nوسنتكلم عن هذه الأمور واحدا واحدا وما يندرج فيها.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المسألة الثانية: تعريفه للنظر بقوله: \"والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه ليؤدي إلى المطلوب</span>\".\nشرح التعريف: هذا التعريف للنظر في الاصطلاح.\nوهو في اللغة:\n_الانتظار، وتغليب الحدقة والرؤية، وبهذا المعنى يتعدى بـ (إلى)، فتقول: نظرت إليك.\n_ويأتي بمعنى الرأفة والرحمة، وبهذا المعنى يتعدى بـ (اللام)، فتقول: نظرت لليتيم، أي: نظر رحمة وإصلاح لأموره، وسمي الناظر لليتيم ناظرا من هذه، لهذا المعنى.\n_ ويأتي بمعنى التأمل والاعتبار، وبهذا المعنى يتعدى بـ (في)، فتقول: نظرت في المسألة.\nوالحاصل أن النظر إذا استعمل بفي يكون بمعنى الفكر، وبإلى بمعنى الرؤية، وباللام بمعنى الرحمة وبعلى بمعنى الغضب، وببين بمعنى الحكم كقولك نظرت بين القوم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المسألة الثالثة: ما هو الفكر الوارد في تعريف النظر</span>؟\nالفكر هو: حركة النفس في المعقولات مبتدئة من المطلوب، متعرضة للمعاني الحاضرة عندها، طالبة مباديه المؤدية إليه، إلى أن تجدها وترتبها، وترجع منها إلى المطلوب (^٢).\n_________\n(^١) القاموس في مادة نظر، واللسان مادة نظر، وراجع شرح ابن قاسم الكبير ١/ ٢٦٤، والنهاية لصفي الدين الهندي ١/ ٣٢.\n(^٢) شرح ابن إمام الكاملية ص ١٠٠.","vol":"1","page":67},{"text":"وإنما حصر في المعقولات؛ لأن حركتها في المحسوسات تسمى تخيلًا وقصرها على المعقولات مذهب المتقدمين.\nوأما انتقال النفس لغير طلب علم أو ظن كأكثر حديث النفس، فلا يسمى نظرًا بل شعورًا. قال جلال الدين المحلي في شرحه على الجمع: \"الفكر حركة النفس في المعقولات بخلاف حركتها في المحسوسات فتسمى تخيلًا \" (^١)\nقال المحشي: \"تبع الشارح في هذه الأقدمين القائلين بأن العقل لا يدرك المحسوسات أصلًا، وإنما تدركها الحواس، والعقل إنما يدرك الأمور الكلية.\nوأما على طريق المناظرين القائلين بأن العقل يدرك المحسوسات أيضًا لكن بواسطة الحواس، فينبغي أن تسمى حركتها في المحسوسات فكرًا أيضًا \" ا. هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>المسألة الرابعة: معنى حركة النفس في المعقولات:</span>\nللنفس في المعقولات حركتان:\n١ - الحركة الأولى: من المطالب إلى المبادئ.\n٢ - الحركة الثانية: من المبادئ إلى المطالب.\nبيان ذلك أنك لو أردت أن تصل إلى أن النبّاش تقطع يده، فالحركة الأولى تبدأ بنظرة جملية في \"النباش تقطع يده\"، ثم تثبت بنظرة تفصيلية إلى المفردات \"النباش- القطع\" فتقول النباش ما هو: \"مختلس- سارق- ناهب\"، ثم يخلص لك أن المناسب لفظ سارق، وتنتهي هنا الحركة الأولى.\nوتبدأ الحركة الثانية من هنا، وهي: النباش سارق المال من حرز، وكل سارق من حرز تقطع يده، إذًا النباش تقطع يده، وهنا تنتهي الحركة الثانية.\n_________\n(^١) شرح الجلال مع البناني ١/ ١٤٣.","vol":"1","page":68},{"text":"هذا مثال تقريبي للمسألة وأهل الأصول يمثّلون بالإنسان حيوان، والعالم حادث ونحو ذلك من المنطقيات (^١)، والمثال السابق ألصق بالفن.\nعلى ضوء ما تقدم يتبين لنا أن الحركة الأولى هي نقطة البدء لتحصيل المطلوب، وأن الحركة الثانية هي المكملة لها، فبمجموعها يحصل المطلوب. لا بالحركة الثانية وحدها، ولا بالأولى وحدها.\nومن هنا نشأ الخلاف هل الفكر هو \"مجموع الحركتين\"، كما هو رأي القدماء حتى يكون النظر عبارة عنهما؟\nأو الحركة الثانية كما هو مذهب المتأخرين، فيكون النظر عبارة عنها فقط. والذي عليه المحققون الأول (^٢).\n_ لاحظنا فيما سبق أن حركة النفس تدريجية انتقالية، فهي تنتقل من المطلب إلى المبدأ، وتتدرج في ذلك حتى تصل إلى المطلوب النهائي (^٣).\nولذلك يزاد في الحد \"تدريجيًا\"؛ ليخرج الحدس فإنه انتقال النفس من المطلب إلى المبادئ دفعةً واحدةً لا تدريجيًا، ولما كان ذلك الانتقال قد يدخل فيه حركتها في المنام زادوا على الحد \"قصدًا\"، فيكون على هذا تعريف الفكر (^٤): \"حركة النفس في المعقولات أي انتقالها انتقالات تدريجيًا قصديًا\".\n_ تبين مما سبق محترزات التعريف:\nفخرج بالتدريجي: الانتقال الدفعي، كالحدس وهو الانتقال من المبادئ إلى\n_________\n(^١) راجع حاشية البناني على الجمع ١/ ١٤٣ وشرح ابن قاسم الكبير ١/ ٢٧١\n(^٢) راجع البحر المحيط ج ١/ ٣٢ مبحث النظر، وشرح ابن قاسم الكبير ١/ ٢٧١، والبناني على شرح المحلى للجمع ١/ ١٤٣.\n(^٣) راجع تقريرات الشربيني على حاشية البناني وشرح المحلى ١/ ١٤٢ وابن قاسم الكبير ١/ ٢٦٤ وما بعدها.\n(^٤) نفس المراجع.","vol":"1","page":69},{"text":"المطالب دفعة، وإن خرج بالقصدي أيضًا بناءً على أنه لا يكون قصديًا، وبالقصدي غيره كالانتقالات فيما يتوارد عليه من المعقولات بلا اختيار، كما في المنام فلا يسمى واحد منهما فكرًا فلا يكون نظرًا.\nوبالمعقولات: حركة النفس في المحسوسات فيسمى تخيلًا لا فكرًا، ... وبقوله ليؤدي ما لا يكون للتأدية فلا يسمى نظرًا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة الخامسة: شرح قوله في التعريف \"في حال المنظور فيه</span>\".\nما هو المنظور فيه؟\n١ - المنظور فيه المعلوم لا العلم، هذا رأي الجمهور.\n٢ - وعند الرازي: العلم لا المعلوم (^٢).\nومما يجدر التنبيه عليه قوله: \"في حال\"، فعدى النظر بفي ليخرج النظر الذي يتعدى بغيرها.\nوزاد الأمر إيضاحًا بـ \"حال\"؛ لأن النظر الذي هو الفكر يكون في الأحوال التي هي الأعراض والكيفيات، لا في الأعيان والجواهر الخارجية فإن هذه وظيفة البصر، بخلاف أحوالها فهي وظيفة الفكر.\nوهذه العقليات هي في الحقيقة متركبة من صور ذهنية للأعيان الخارجية ومن أمور علمية ذهنية وينبني على هذا أمور:\nالأولى: أن حركة النفس لا بد أن تكون في الحسيات التي هي المعلومات من جهة عقلية، بالتنقل بين صورها المنطبعة في الذهن، وهي من هذه الجهة يصدق عليها أنها عقليات، فمن ثَمّ قال المتقدمون أن حركة النفس في المعقولات لا في المحسوسات.\n_________\n(^١) الشرح المختصر للعبادي ١/ ٥١ بحاشية إرشاد الفحول.\n(^٢) شرح ابن قاسم ١/ ٢٦٧.","vol":"1","page":70},{"text":"والمتأخرون على أنها فيهما.\nوعندي أن الخلاف لفظي إذ الجميع متفقون على أن المحسوسات العقلية لا بد أن يشملها حركة النفس، ولكن عبر عنها بالعقليات نظرًا إلى محلها، وعبر عنها المتقدمون بالمحسوسات نظرًا إلى أصلها، فظن من ظن أن الخلاف حقيقي نظرًا لاختلاف التعبيرات، هذا ما ظهر لي بالتتبع والاستقراء لمبحوثهم وكلامهم، والله أعلم.\nالثانية: الجمع بين خلاف الجمهور والرازي المتقدم في أن النظر فيه هو المعلوم كما هو عندهم، أم العلم كما هو عند الرازي.\nوالتحقيق أنه لا خلاف بينهم إذ المعلوم عند الجمهور هو التصورات الذهنية، وهي علوم باتفاق؛ لأن العلم إما تصور أو تصديق فالتصور علم؛ لأنه لا يكون إلا صحيحًا (^١) كما حققوه، والتصديق علمٌ بخلاف فاسده.\nومن ثم عبر الرازي عن المعلومات بالعلم فلاحظ أن العلم شامل لـ\"تصور وتصديق\" التي هي المعلومات والعلوم- هذا ما ظهر لي والله أعلم- وقد أشار ابن قاسم في شرحه الكبير إلى هذا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>المسألة السادسة: تعريفه للدليل وشرحه</span>.\nقوله في التعريف \"إلى المطلوب\" أي من علم تصوري، أو تصديقي، أو ظني.\nقوله: \"الاستدلال طلب الدليل\"؛ ليؤدي إلى المطلوب.\nمع قوله: \"والدليل هو المرشد للمطلوب\"، ومع قوله في النظر: الفكر في حال المنظور ليوصل إلى المطلوب: أي تصور أو تصديق.\n_________\n(^١) راجع شرح المحلى على الجمع مع البناني ١/ ١٤٥.\n(^٢) الشرح الكبير ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.","vol":"1","page":71},{"text":"يتضح معنى قوله: \"فمؤدى النظر والاستدلال واحد\"، وسيقول قائل: إذا كان مؤدى النظر والاستدلال واحد، فلما جمع المصنف فيهما في الإثبات عند قوله السابق العلم المكتسب هو ما يقع عن نظر واستدلال؟ وفي النفي عند قوله الضروري ما لا يقع عن نظر واستدلال؟\nفالجواب ما أفاده الشارح بقوله: (فجمع المصنف بينهما في الإثبات والنفي تأكيدًا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>المسألة السابعة: لم يذكر المصنف تعريف الدليل اصطلاحًا، وتعريفه وشرحه</span>.\nوهو ما يمكن التوصل به إلى مطلوب خبري.\nوالمطلوب الخبري هنا معناه قضية تصديقية لا تصورية، فإن قيل قال المصنف: أن مؤداهما واحد، مع أن النظر يؤدي إلى مطلوب تصوري بالحدود والمعرفات، والدليل لا يوصل إلا إلى قضايا تصديقية تقتضي الصدق والكذب.\nفالجواب: أن مراد المصنف المعنى اللغوي للدليل لا المعنى الاصطلاحي، أو أنهما واحد من حيث الجملة كما أفاده ابن قاسم في الكبير والصغير (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>بيان التعريف ومحترزاته:</span>\nإنما قالوا: \"ما يمكن التوصل، ولم يقولوا ما يقع به\" (^٢)؛ للإشارة إلى أن المعتبر التوصل بالقوة: \"لأن الدليل يكون دليلًا نظر فيه أو لا، فلا يخرج عن كونه دليلًا؛ بعدم النظر فيه\" (^٣).\nقال الباجي (^٤): \"إن الدليل هو الذي يتضح به، ويسترشد ويتوصل به إلى المطلوب\n_________\n(^١) الشرح الكبير ١/ ٢٧٤ - والصغير ص ٥٣ مع الإرشاد للشوكاني.\n(^٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٥٢.\n(^٣) رفع الحاجب لابن السبكي ١/ ٤\n(^٤) الحدود ص ٣٨.","vol":"1","page":72},{"text":"وإن لم يكن استدلالٌ، ولا توصل به أحد، ولو كان جل وعلا خلق جمادًا، ولم يخلق من يستدل به على أن له محدثًا؛ لكان دليلًا على ذلك وإن لم يستدل به أحد؛ فالدليل دليل لنفسه، وإن لم يستدل به\" ا. هـ.\nوخرج بقولهم: \"بصحيح النظر\"، فاسده.\nوخرج بقولهم: \"مطلوب خبري\"، المطلوب التصوري كالحد والرسم.\nأن ما يوصل إليه الدليل \"مطلوب خبري\"، وهي الأحكام التصديقية كقولنا: \"النار محرقة، والصلاة واجبة، والفاتحة ركن في الصلاة، والنية واجبة في الوضوء\" وهكذا، وإذا دققت النظر في الأمثلة المذكورة تلاحظ أن القضية الأولى قطعية عادةً، وكذا الثانية شرعًا، وأما الثالثة والرابعة فظن.\nفالمطلوب الخبري يمكن أن يكون علمًا أو ظنًا. \"وعلى هذا عامة الفقهاء (^١) \" \"والأصوليين (^٢) \".\nوخص (أكثر (^٣» المتكلمين اسم الدليل ما دل بالمقطوع به من السمعي والعقلي، وأما الذي لا يفيد إلا الظن فيسمونه أمارة، وحكاه في التلخيص عن معظم المحققين، قال الزركشي: وزعم الآمدي أنه اصطلاح الأصوليين أيضًا (^٤)، وليس كذلك، بل المصنفون في أصول الفقه يطلقون الدليل على الأعم من ذلك، وصرح به جماعة من أصحابنا، كالشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي اسحاق، وابن الصباغ وحكاه عن أصحابنا، وسليم الرازي، وأبي الوليد الباجي من المالكية، والقاضي أبي\n_________\n(^١) رفع الحاجب ١/ ٢٥٣.\n(^٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٥٣.\n(^٣) قيد الأكثرية للشيرازي في اللمع، ص ٥، وإليه ذهب أبو الحسن البصري في المعتمد ١/ ١٠، والرازي في المحصول ١/ ١٩٦ مع شرحه النفائس.\n(^٤) البحر المحيط ١/ ٢٦.","vol":"1","page":73},{"text":"يعلي، وابن عقيل، والزاغوني من الحنابلة، وحكاه في التلخيص عن جمهور الفقهاء وحكاه القاضي أبو الطيب عن أهل اللغة (^١). وحكى القول الأول عن بعض المتكلمين.\nقلت وكما هو مذهب الشافعية هو مذهب الحنابلة كما في الكوكب (^٢)، وهو مذهب المالكية، وقد حكى الباجي من بعض المالكية القول بمذهب المتكلمين (^٣)، ورده وكذا هو مذهب الحنفية (^٤).\n_________\n(^١) وكذا الشيرازي في اللمع ص ٥ وابن السمعاني في القواطع ١/ ٣٣.\n(^٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٥٣ واختاره مجد الدين في المسودة ص ٥٧٣.\n(^٣) الحدود ص ٣١. وراجع في هذا النهاية للهندي ١/ ٣١. والقواطع لابن السمعاني ١/ ٣٤ وشرح الرهوني المالكي على ابن الحاجب ١/ ١٦٤.\n(^٤) التقرير والتحبير على التحرير ١/ ٦٩.","vol":"1","page":74},{"text":"وأصول الفقه الذي وضع فيه هذه الورقات طرقه، أي طرق الفقه على سبيل الإجمال كمطلق الأمر والنهي وفعل النبي - ﷺ - والإجماع والقياس والاستصحاب.\nمن حيث البحث عن أولها بأنه للوجوب\nوالثاني بأنه للحرمة والباقي بأنها حجج وغير ذلك مما سيأتي مع ما يتعلق به\nبخلاف طرقه على سبيل التفصيل نحو ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، (وصلاته - ﷺ - في الكعبة) كما أخرجه الشيخان.\nوالإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب حيث لا عاصب لهما.\nوقياس الأرز على البر في امتناع بيع بعضه ببعض، إلا مثلًا بمثل يدًا بيد، كما رواه مسلم.\nواستصحاب الطهارة لمن شك في بقائها، فليست من أصول الفقه وإن ذكر بعضها في كتبه تمثيلًا.\nوكيفية الاستدلال بها أي بطرق الفقه من حيث تفصيلها عند تعارضها لكونها ظنية من تقديم الخاص على العام والمقيد على المطلق وغير ذلك.\nوكيفية الاستدلال بها تجر إلى صفات من يستدل بها وهو المجتهد.\nفهذه الثلاثة هي الفن المسمى بأصول الفقه لتوقف الفقه عليه.\n\nوأبواب أصول الفقه:\nأقسام الكلام والأمر والنهي والعام والخاص ويذكر فيه المطلق والمقيد والمجمل والمبين والظاهر، وفي بعض النسخ والمؤول وسيأتي.\nوالأفعال والناسخ والمنسوخ والإجماع والأخبار والقياس والحظر والإباحة وترتيب الأدلة وصفة المفتي والمستفتي وأحكام المجتهدين.","vol":"1","page":75},{"text":"<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\nكلامه هنا مشتمل على تعريف أصول الفقه باعتبار لقبه، وفيه مسائل زيادة في الايضاح إذ إن كلامه غني عن الشرح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>الأولى: تعريف أصول الفقه لقبا</span>.\nوهو: طُرُقه الاجمالية، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستفيد.\nأما طرقه الاجمالية فمثّل لها بخمسة أمثلة، هي: الأمر، والنهي، والاجماع، والقياس، والاستصحاب.\nثم بين أن الأول وهو الأمر: الكلام الأصولي فيه من جهات منها أنه يفيد الوجوب، وأن الثاني في كلامه الذي هو النهي: الكلام فيه من جهة إفادته التحريم.\nوأما الباقي في كلامه فهي الاجماع، والقياس، والاستصحاب، والكلام عنها من جهات منها كونها حججا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الثانية: احترز بقوله طرقه الإجمالية بالطرق التفصيلية</span>، فليست من الأصول بل من الفقه، كما مثل بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢].\nفهذان دليلان على مسائل فرعية تفصيلية وليست مسائل إجمالية، فهذا ونحوه من علم الفقه لا الأصول.\nوكذلك \"وصلاته - ﷺ - في الكعبة\" كما أخرجه الشيخان (^١)، هذا دليل على مسألة فقهية لا أصولية وهي جواز الصلاة في الكعبة.\nوأما الإجماع من الجهة الفقهية فمسائله كثيرة، منها: الاجماع على أن بنت الابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، برقم: ١٥٩٨، ومسلم، برقم: ١٣٢٩.","vol":"1","page":76},{"text":"تأخذ السدس مع البنت الصلبية؛ تكميلا للثلثين وذلك بشرط عدم وجود معصب.\nوأما القياس من الجهة الفقهية فأمثلته كثيرة جدا، ومنه: قياس الأرز على البر في حرمة بيع بعضه ببعض، إلا مثلًا بمثل يدًا بيد.\nوأما الاستصحاب من الجهة الفقهية، فمثاله: استصحاب الطهارة لمن شك هل طهارته باقية أو لا، فجميع هذه المسائل وأمثالها ليست من أصول الفقه بل من الفقه، وإنما تذكر في الأصول من باب المثال فقط لإيضاح القواعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>الثالثة: قوله وكيفية الاستدلال بها</span>.\nأي كيفية الاستدلال بها على مسائل الفقه؟\nوهذا هو الركن الثاني لتعريف الأصول، وعبر بعضهم بكيفية الاستفادة منها، والمراد من هذا وذلك، هو بيان أن الاستدلال بالقواعد الأصولية هو من علم الأصول بل هو لبه وثمرته التي عليها المعول؛ لأن بها تعرف آليات استخراج الأحكام الشرعية، فنعرف أن العام يدل على العموم، والخاص على الخصوص وغير ذلك، ونعرف الموازين عند التعارض.\nوقوله: وكيفية الاستدلال بها تجر إلى صفات من يستدل بها وهو المجتهد.\nأي: أن ذكر المجتهد ذكر تكميلي للفائدة وليس من لب علم الاصول، ولذلك لم يذكره المصنف في تعريف الاصول، وإن كان بعضهم زاده، والأمر سهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الرابعة: عدّد المصنف أبواب أصول الفقه هنا ترغيبا للطالب</span>، وتقريبا للذهن حتى يتصورها جملة قبل الدخول في تفاصيلها.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>أقسام الكلام\nأو المباحث اللغوية المتعلقة بعلم أصول الفقه</span>","vol":"1","page":79},{"text":"فأما<span data-type=\"title\" id=toc-96> أقسام الكلام:</span>\nفأقل ما يتركب منه الكلام اسمان، نحو: زيد قائم.\nأو اسم وفعل، نحو: قام زيد.\nأو فعل وحرف، نحو: ما قام.\nأثبته بعضهم ولم يعد الضمير في قام الراجع إلى زيد مثلًا لعدم ظهوره.\nوالجمهور على عدِّه كلمة\nأو اسم وحرف، وذلك في النداء نحو يا زيد وإن كان المعنى أدعو أو أنادي زيدًا.\nوالكلام ينقسم إلى: أمر ونهي، نحو: قم ولا تقعد.\nوخبر، نحو: جاء زيد.\nواستخبار، وهو الاستفهام نحو هل قام زيد؟ فيقال: نعم أو لا.\nوينقسم أيضًا إلى تمنٍ، نحو: ليت الشباب يعود.\nوعرض، نحو: ألا تنزل عندنا.\nوقسم، نحو: والله لأفعلن كذا.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\nأقسام الكلام: ذكر هنا ما تمس الحاجة إليه وهي مبسوطة في المطولات.\nولما أنهى الكلام على ما تمس الحاجة إليه من مقدمات الفن، شرع فيما يتعلق بأصول الفقه من المباحث اللغوية (^١).\nإذ أصول الفقه مستمد من فنون متعددة أهمها علم العربية؛ إذ منها يعرف الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول.\nفإن قيل من أين تستمد هذه الأنواع من علم العربية؟\nفالجواب: إن الفقه مأخوذ من: \"القرآن والسنة\"، والإجماع والقياس راجعان إليهما.\nوالكتاب العزيز وأقواله ﷺ بلسان عربي مبين. ولما كانت الأحكام مأخوذة من الكتاب والسنة كالوجوب والحرمة؛ كان لا بد من معرفة معاني الألفاظ\n_________\n(^١) انظر الرهوني على ابن الحاجب ١/ ٢٨٤.","vol":"1","page":81},{"text":"وتقاسيمها. وسنوضح هذا في مسائل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>المسألة الأولى: تقسيم الكلام إلى مفرد ومركب</span>\nقسم أهل اللغة الكلام كالآتي:\n_ اللفظ: إما مفرد، وإما مركب.\n_ المفرد: اسم، وفعل، وحرف.\n_ واستفادة المعاني يكون من المفردات ومن المركبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المسألة الثانية: المفرد يدل على المعاني من عدة جهات، وتقسيمه إلى كلي وجزئي</span>\nيقسم الأصوليون المفرد إلى قسمين من حيث الدلالة كلي وجزئي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>القسم الأول: الكلي</span>\nأكلي: وهو ما يصدق على كثيرين كلفظ الإنسان، ويسمى الكلي اسم جنس عند النحويين .. وهذا الكلي قسمان:\n١ - متواطيء: إن استوى أفراده كالإنسان.\nفالإنسان له أفراد هم البشر، وكلهم متساوون في معنى الإنسان بلا فرق فهذا يسمى متواطئًا بمعنى أنه متساوي الإفراد في المعنى.\n٢ - ومشكك: إن تفاوتت الأفراد كالبياض.\nفالبياض اسم معلوم ما هو، لكنه يتفاوت من شيء إلى آخر، فيكون أشد في موضع، وأقل في موضع، آخر ومتوسط في غيره، ولهذا سمي مشككا بمعنى أنه متفاوت بين أفراده.\n\nويستفاد منه العموم إن دخل عليه نحو الألف واللام، ويستفاد منه الإطلاق إن","vol":"1","page":82},{"text":"كان نكرة نحو \"الإنسان\"، \"إنسان\" فالأول عام لأنه يشمل كل إنسان، والثاني مطلق لأنه يتحقق بأي إنسان.\nويرد على العام التخصيص بالخاص وعلى المطلق التقييد بالمقيد (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>القسم الثاني: الجزئي</span>\nب الجزئي: هو القسم الثاني للاسم. فالأول الكلي، والثاني الجزئي.\nمثال الجزئي: اسم العلم \"زيد\"، والمضمر نحو: \"هو، أنت، أنا، أنتما\" ونحو ذلك.\nوهذا هو الخاص، وضابطه: أن اللفظ الموضوع لواحد إن كان محصورًا كالعدد والتثنية، أو الواحد فخاص (^٢).\nالثالثة: المشترك وعلاقته بالمجمل، وبيان راجح الدلالة، وعلاقته بالظاهر والمؤول\nإن دل اللفظ على معان مختلفة بلفظ واحد فهو مشترك مثل لفظ القرء يطلق على الحيض والطهر\nوهو مجمل في حالة تساوي الدلالة بالنسبة إلى المعاني المتكاثرة (^٣).\nفإن ترجح أحد المعاني فهو ظاهر يقابله المؤل (^٤).\nكالصلاة فإنها بالنسبة إلى ذات الأركان ظاهر، وبالنسبة إلى الدعاء مؤول.\n\nالرابعة: تقسيم المركب\nما تقدم: هو دلالة اللفظ المفرد على المعاني.\n_________\n(^١) المصدر نفسه ١/ ٤٨.\n(^٢) انظر التلويح على التوضيح ١/ ٤٨.\n(^٣) شرح منهاج البيضاوي للأصفهاني ١/ ١٨٤ - ١٨٥.\n(^٤) راجع المحصول ١/ ٦٦ - وشرح المنهاج للأصفهاني ١/ ١٨٤، وشرح الأسنوي والبدخشي لمنهاج البيضاوي ١/ ١٧٩، وما بعدها ورفع الحاجب لابن السبكي ١/ ٣٤٩، وما بعدها، والرهوني على بن الحاجب ١/ ٢٩٨ وما بعدها.","vol":"1","page":83},{"text":"أما المركب: فهو جملة، وغير جملة (^١)\nوالجملة: ما وضع لإفادة ولا يتأتى إلا في: إسمين، أو فعل واسم أو حرف واسم عند البعض كما ذكره المصنف.\nإذا علم هذا فالمركب أنواع؛ لأنه إن: \"صيغ للإفهام، فإن أفاد بالذات طلبًا، فالطلب للماهية: استفهام، وللتحصيل مع الاستعلاء: أمر، ومع التساوي: التماس، ومع التسفل: سؤال، وإلا (أي: وإن لم تفد طلبًا بالذات) فتحتمل التصديق والتكذيب: خبر، وغيره، ويندرج فيه الترجي، والتمني، والقسم، والنداء\" (^٢).\nوقد ذكر الشارح أمثلتها.\n\nقوله: \"والكلام ينقسم إلى أمر ... \"\nهذا تقسيم آخر للكلام وهو انقسامه إلى: إنشاءات وخبر.\nوالإنشاء هو ما لا يدخل فيه الصدق والكذب وهو الأمر والنهي، والأمر هنا معناه: الكلام المشتمل على اسم أو فعل مغاير لنحو: لا تفعل، دال على طلب فعل أو ترك، قال ابن قاسم: \"وإنما حملناه على أعم من فعل الأمر؛ لأنه أقرب إلى استيفاء الأقسام، وإلا خرج اسم الفاعل والمضارع المقرون بلام الأمر\" (^٣).\nوأما الخبر المراد به الأمر نحو ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فيحتمل إدخاله هنا نظرًا لمعناه، بناءً على أن الدال على الطلب أعم مما بالوضع أو غيره، ويحتمل إدخاله في الخبر نظرًا للفظه، .\nقوله: \"ونهي\": كل كلام صدر بلا دال بالوضع على طلب الترك.\n_________\n(^١) مختصر بن الحاجب مع الرهوني ١/ ٢٩٨.\n(^٢) شرح الأصفهاني على منهاج البيضاوي ١/ ١٨٦.\n(^٣) الشرح الكبير ١/ ٣١٣.","vol":"1","page":84},{"text":"قوله: \"وينقسم الكلام إلى تمن، وعرض، وقسم\":\nالسر في إعادة الفعل في قوله وينقسم أيضًا؛ للإشارة إلى أن منهم من اقتصر في تقسيمه إلى ما تقدم من الأربعة، وهو منقول عن القدماء؛ ولما كان يرد على التقسيم هذه المذكورات أراد ﵀ بذلك الإشارة إلى هذين المذهبين (^١).\nقوله \"تمن\" هو: كلام دال بالوضع على طلب ما لا مطمع فيه أو ما فيه عسر والرجاء، طلب الممكن.\nقوله: \"عرض\": هو كلام دال بالوضع على الطلب برفق ولين نحو ألا تنزل عندنا.\nقوله: \"وقسم\": هو كلام دل على اليمين.\n\nفائدة: من المعلوم أن الأفعال تنقسم إلى: ماض، ومضارع، وأمر، ولكن لا يستعمل في جميع العقود والطلاق إلا الماضي؛ فتقول: بعت، واشتريت، ووهبت، ووقفت، وأسلمت، هذا مما لا خلاف فيه.\nأما إذا جاءت بصيغة المضارع أو الامر فمحل خلاف، ولم يستعمل المضارع إلا في أشهد في باب الشهادة. قال الزركشي: \" فأما المضارع: فلم يستعمل في الشرع في شيء أصلا إلا في لفظة \" أشهد \" في الشهادة، فإنها تعينت ولم يقم غيرها مقامها، وكذلك في اللعان سواء قلنا: إنه يمين أو شهادة، أو فيه شائبة من أحدهما، ويجوز في اليمين: أقسم بالله وأشهد، ولا يتعين. وأما الماضي: فيعمل به في الإنشاءات كالعقود والطلاق.\nوأما فعل الأمر: فهي مسألة الإيجاب والاستيجاب في العقود والطلاق، فكذا يعمل به في كل موضع يعمل بالماضي على الصحيح\" (^٢).\n_________\n(^١) راجع البحر المحيط ١/ ٤٤٠ وما بعدها والشرح الكبير لابن قاسم ١/ ٣١٨.\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٣٨).","vol":"1","page":85},{"text":"ومن وجه آخر ينقسم إلى: حقيقة ومجاز.\nفالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه.\nوقيل ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة، وإن لم يبق على موضوعه، كالصلاة في الهيئة المخصوصة، فإنه لم يبق على موضوعه اللغوي، وهو الدعاء بخير.\nوالدابة لذات الأربع كالحمار، فإنه لم يبق على موضوعه، وهو كل ما يدب على الأرض.\nوالمجاز ما تجوز، أي: تعدي به عن موضوعه هذا على المعنى الأول للحقيقة. وعلى الثاني هو ما استعمل في غير ما اصطلح عليه من المخاطبة.\nوالحقيقة إما لغوية بأن وضعها أهل اللغة كالأسد للحيوان المفترس.\nوإما شرعية بأن وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة.\nوإما عرفية بأن وضعها أهل العرف العام\nكالدابة لذات الأربع كالحمار، وهي لغة لكل ما يدب على الأرض.\nأو الخاص كالفاعل للاسم المرفوع عند النحاة.\nوهذا التقسيم ماشٍ على التعريف الثاني للحقيقة دون الأول القاصر على اللغوية.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>انقسام الكلام إلى حقيقة ومجاز</span>.\nقوله: ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز.\nهذا الوجه الذي أشار إليه هو تقسيم الكلام باعتبار استعماله، وفيه إشارة إلى أن الشيء الواحد قد تتنوع تقاسيمه بتنوع جهاته.\nقوله: فالحقيقة: ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل ما استعمل فيما اصطلح عليه، إنما جاء بتعريفين؛ لأن التعريف الأول خاص بالحقيقة اللغوية، والثاني شامل لها وللشرعية.","vol":"1","page":86},{"text":"قوله \"الحقيقة\": الحق (^١) في اللغة: هو الثابت، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ٧١]. أي وجبت وثبتت، وهو من أسمائه تعالى بهذا الاعتبار؛ لأنه الثابت أزلًا وأبدًا دون غيره من الموجودات، ويقال الحق لما يقابل الباطل؛ لأنه جدير بالثبوت كما أن الباطل بالزهوق، ومنه يقال: لذات الشيء وماهيته حقيقته؛ لأنها الثابتة واللازمة والحقيقة فعيلة (^٢).\nقوله في التعريف الأول: ما بقي في الاستعمال خرج به المهمل (^٣)، وما وضع ولم يستعمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازًا.\nوقوله: على موضوعه خرج المستعمل في غير ما وضع له غلطًا، كقولك خذ هذا الفرس مشيرًا إلى كتاب بين يديك، والمقصود بالوضع أي اللغوي.\nقوله في التعريف الثاني: \"ما اصطلح عليه\": شمل الحقيقة اللغوية، والعرفية، والشرعية وهذا أحسن ما قيل في حد الحقيقة كما قال الرازي، واختاره الآمدي، والبيضاوي، وأبو الحسين البصري وغيرهم (^٤).\nفائدة: هل إطلاق كلمة حقيقة: مجاز (الرازي) أو حقيقة (الأكثر)؛ لأنها إما أن تكون: اسم مفعول بمعنى المثبت ثم زيدت التاء لنقلها من الوصفية إلى الاسمية، أو تكون اسم فاعل بمعنى الثابت.\n_________\n(^١) راجع المنهاج مع شرحه للأصفهاني ١٧٨/ ١.\n(^٢) نهاية الوصول في دراية الأصول لصفي الدين ١/ ٢٥٩. راجع الغاية لابن الإمام القاسم وشرحه وحواشيه ١/ ٢٤٢ وشرح بن قاسم الكبير ١/ ٣٢٢ وغيرها.\n(^٣) هذا التعريف راجعه في المستصفى ١/ ٣٤١ والمختصر ١/ ١٣٨ والجمع مع المحلى ١/ ٣٠٠\n(^٤) المحصول ١/ ٣٩٧ والآمدي ١/ ٣٦ ونهاية السول على منهاج البيضاوي ١/ ١٩٦.","vol":"1","page":87},{"text":"خلاف جاء في البحر: والذي يقتضيه إطلاق أكثر الأصوليين أنه حقيقة، وهو الذي يظهر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>مسألة وجوب العمل بالحقيقة</span>\nوحكم الحقيقة: وجوب العمل بها عند استعمال اللفظ في حقيقة من غير بحث عن المجاز، وادّعى بعضهم فيه الإجماع، وأنه لا يتخرج على الخلاف الآتي في العام من العمل به قبل البحث عن المخصص، ولعل الفرق أن احتمال وجود المخصص أقوى؛ إذ ما من عام إلا وقد تطرق إليه التخصيص كما قاله إمام الحرمين.\nلكن صرح القرافي بأن المسألتين على السواء في جريان الخلاف (^٢).\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٦).\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٧)","vol":"1","page":88},{"text":"والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة:\n١_ فالمجاز بالزيادة، مثل قوله تعالى: ﴿ليَسَ كَمِثْلِهِ شيئ﴾ [الشورى: ١١] فالكاف زائدة وإلا فهي بمعنى مثل فيكون له تعالى مثل وهو محال، والقصد بهذا الكلام نفيه.\n٢_ والمجاز بالنقصان، مثل قوله تعالى: ﴿وَاسألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية.\nوقَرُب صدق تعريف المجاز على ما ذكر بأنه استعمل نفي مثل المثل في نفي المثل، وسؤال القرية في سؤال أهلها.\n٣_ والمجاز بالنقل كالغائط فيما يخرج من الإنسان، نقل إليه عن حقيقته وهي المكان المطمئن من الأرض تقضى فيه الحاجة بحيث لا يتبادر منه عرفًا إلا الخارج.\n٤_ والمجاز بالاستعارة، كقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، أي يسقط فشبه ميله إلى السقوط بإرادة السقوط التي هي من صفات الحي دون الجماد، والمجاز المبني على التشبيه يسمى استعارة.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>أنواع المجاز وشرحه</span>\nيتعلق بكلامه ﵀ مسائل:\nالأولى: أقسام المجاز.\nفقوله: والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان ..\nذكر أربعة أقسام للمجاز وبقي خامس، وهو: المجاز المرسل، وله علاقات كثيرة بخلاف مجاز الاستعارة، فعلاقته التشبيه فقط، والحاصل أن المجاز إما أن تكون علاقته التشبيه أولا.","vol":"1","page":89},{"text":"فالأول: المجاز بالاستعارة، والثاني: وهو ما ليس علاقته التشبيه، أربعة أنواع: مجاز بالنقل أو الزيادة أو النقص أو مجاز مرسل، ويسمى مرسلًا؛ لإطلاقه عن علاقة التشبيه، وقد ذكر له العلماء علاقات كثيرة منها: الجزئية، والكلية، والحالية، وباعتبار ما كان وما يكون، والسببية، والمسببية، والآلية وغيرها.\nوهو مستوفى في علم البيان ومطولات الفن.\nالثانية في قوله: بالزيادة .. الخ .. وشرح التمثيل بقوله تعالى ﴿ليَسَ كَمِثْلِهِ شيئ﴾\nقوله: فالكاف زائدة وإلا: أي: وإلا تكن زائدة. وقضية كلامه هنا هي: أن الكاف إن لم تكن زائدة اقتضى ذلك أن له ﷾ مثل؛ لأن التقدير حينئذ ليس مثل مثله شيء وهذا محال، فالكاف إذًا زائدة.\nوهذا الجواب اقتصر عليه الشارح جريًا على ما في الأصل وتيسيرًا للمبتدئ، وفيها أجوية ترجع إلى:\n- أن الكاف زائدة للتأكيد.\n- أو أن مثل بمعنى الذات.\n- أو الصفة.\nوفيها أجوبة خمسة (^١):\n_________\n(^١) شرح العلامة بهاء الدين السبكي على التلخيص المسمى بعروس الأفراح ٤/ ٢٣٣ وما بعدها. قال العلامة البيضاوي في الآية: والمراد من مثله ذاته كما في قولهم:\n\nمثلك لا يفعل كذا، على قصد المبالغة في نفيه عنه فإنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى، ونظيره قول رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب: أَلا وَفِيهِمْ الطَّيِّبُ الطَاهِرُ لِذَاتِهِ.\nومن قال الكاف فيه زائدة، لعله عنى أنه يعطى معنى لَّيْسَ مّثْلِهِ غير أنه آكد لما ذكرناه. وقيل «مثله» صفته أي ليس كصفته صفة.\".ا. هـ.","vol":"1","page":90},{"text":"الأول: أنها زائدة وهذا ما ذكره المصنف.\nالثاني: أنها للتأكيد، وهو قريب من الأول إلا أنهم شرحوه بمعنى زائد، وهو أن الكاف للتشبيه، ومثل للتشبيه فإذا أردت المبالغة جمعت بينهما فقلت: زيد كمثل عمرو، ومنه قول أوس بن حجر: وقتلى كمثل جذوع النّخيل.\nوقول الآخر: ما إن كمثلهم فى النّاس من أحد.\nوإذا كانت الكاف مؤكدة للتشبيه فى الإثبات، انسحب عليها هذا الحكم فى النفي، وقصد بها تأكيد نفي الشبه لا نفي الشبه المؤكد، وأنشد سيبويه: وصاليات ككما يؤثفين.\nفأدخل الكاف على الكاف.\n\nالثالث: زيادة مثل للتأكيد وأنشدوا عليه: مثلي لا يقبل من مثلكا\" (^١).\nالرابع: أن لفظة مثل يكنى بها عن الشخص نفسه، فإذا قصدوا المبالغة قالوا: مثلك لا يبخل، وهذا بليغ؛ لأنهم إذا نفوه عن المثل فمن باب أولى عنه، ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، فيكون أبلغ من قولك أنت لا تخفر. (^٢)\nولك أن ترد الأربعة إلى وجهين: التأكيد والكناية.\nوبقي جواب لأهل الكلام، وهو: أن نفي اللازم يدل على نفي الملزوم، واللازم هو مثل المثل، والملزوم المثل قال السبكي: \"وهذا معنى صحيح غير أن العربي الطبع يمجه من غير تأمل ويصان القرآن والكلام الفصيح عنه\" (^٣).\nوالحاصل أن الكاف زائدة للتأكيد أو أن مثل بمعنى: الذات والصفة.\n_________\n(^١) انظر المحصول ١/ ٣٩٧ والآمدي ١/ ٣٦ ونهاية السول على منهاج البيضاوي ١/ ١٩٦ المستصفى ١/ ٣٤١ والمختصر ١/ ١٣٨ والجمع مع المحلى ١/ ٣٠٠.\n(^٢) عروس الأفراح ٤/ ٢٣٣.\n(^٣) المصدر نفسه ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>المسألة الثالثة: المجاز بالحذف</span>.\nقوله: ممثلًا على المجاز بالنقص \"وَاسألِ القَرْيَةَ\" أي: أهل القرية ... الخ:\nإنما حمل على تقدير المضاف للقطع بأن المقصود من الآية سؤال أهل القرية لا سؤالها نفسها؛ لأن القرية عبارة عن الأبنية المجتمعة، وسؤالها وإجابتها خرقًا للعادة، وإن كان ممكنًا لكن ليس مرادًا، بل المراد فيها سؤال أهلها للاستشهاد بهم فيجيبوا بصدق أو بكذب؛ لأن الشاهد لا يكون جمادًا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>المسألة الرابعة: كيف تدخل الزيادة والحذف في المجاز</span>.\nتقدم أن تعريف المجاز هو: استعمال اللفظ في غير ما وضع له.\nإذا فكيف جعلتم الزيادة والحذف مجازًا، والتعريف لا يصدق عليهما، وللعلماء فيه ثلاثة أقوال:\n١ - أنه مشبه للمجاز وملحق به؛ لاشتراكهما فى التعدى عن الأصل وهذا قول السكاكي، وهو ما يفهم من كلام صاحب التلخيص.\n٢ - أن الزيادة فيها مجاز لا الحذف؛ لأنها استعملت في غير ما وضعت له وهو التأكيد، وهذا رأي السبكي.\n٣ - أنه ليس بمجاز لا الزيادة ولا الحذف، وهو رأي الجرجاني وبالغ في الرد على من اعتبره مجازا. (^٢)\nولهذا كله عبر الشارح معللا إدخال هذا ضمن المجاز، بقوله: \"وقرب\" ... الخ:\nوهذا تنبيه مهم من الشارح -رحمه الله تعالى- حاصله:\n_________\n(^١) الدسوقي على السعد شرح التلخيص ٤/ ٢٣٣.\n(^٢) عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح (٢/ ٢٠٣).","vol":"1","page":92},{"text":"إنه لما تقدم تعريف المجاز بأنه الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، لزم شموله للمجاز بالحذف والزيادة.\nولما كان يشكل على المبتدئ تصور ذلك الشمول بيّن -﵀- أن استعمال ﴿ليَسَ كَمِثْلِهِ شيئ﴾ [الشورى: ١١]، و﴿وَاسألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] في غير ما وضعت له؛ إذ الأول وضع لنفي مثل المثل، ثم نقل إلى أن صار تأكيدًا على نفي المثل.\nوكذا \" وَاسألِ القَرْيَةَ\" وضع لسؤال القرية ظاهرًا ثم نقل إلى أهلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>المسألة الخامسة: المجاز بالنقل</span>\nقوله: في المجاز بالنقل (نقل إليه عن حقيقته): أي وهي اللغوية؛ لأنها تطلق على المكان المطمئن من الأرض تقضى فيه الحاجة.\nوقوله: \"بحيث لا يتبادر منه عرفًا إلا الخارج\"، أي: يفيد أنه نقل إلى العرف وصار حقيقة عرفية، إذ التبادر دليل الحقيقة كما لا يخفى فهو مجاز بالنظر إلى اللغة، وحقيقة عرفية بالنظر إلى المنقول إليه وهو العرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>المسألة السادسة: المجاز بالاستعارة</span>.\nقوله: والمجاز المبني على التشبيه يسمى استعارة.\nتقدم أن المجاز إن كانت علاقته التشبيه فهو استعارة، وإلا فهوا المرسل، ومجاز الزيادة والنقص والنقل.\nتوضيح: التشبيه له ركنان: المشبه، والمشبه به. وله طرفان: وجه الشبه، وأداة التشبيه، فعند إثباتهما (أي وجه الشبه والمشبه) يسمى: تشبيهًا مرسلًا مفصلًا، نحو: زيد كالأسد في الشجاعة، فقد ذكر وجه الشبه وهو: الشجاعة، فهو مفصل. وذكرت أداته وهي: الكاف فهو مرسل.","vol":"1","page":93},{"text":"فإذا حذفت الأداة فقط سمي: تشبيهًا مؤكدًا مفصلا. فإذا حذف وجه الشبه فقط سمي مرسلًا مجملًا، فإذا حذفتهما سمي مؤكدًا مجملًا، وهو المعروف: بالتشبيه البليغ، فنقول \"زيد أسد\".\nوالملاحظ مما سبق أن الحذف والإثبات كان في الطرفين أي: الأداة ووجه الشبه، أما إذا حذفنا أحد الركنين فيها فهنا بيت القصيد.\nولا بد قبل هذا أن أنبه على أننا إذا حذفنا أحد الركنين، وجب أن نأتي بصفة من صفات المحذوف؛ لتدل عليه أو شيء من خصائصه ونضيفه إلى المذكور؛ فكأننا استعرناه عاريةً من صاحبه إلى الغير، ولذلك سميت استعارة. وإليك الأمثلة:\n١_ زيد أسد فإذا حذفت المشبه، وهو: زيد، فلا بد أن تستعير شيئًا من لوازمه الخاصة به مثل الخطابة أو الرماية، فتقول رأيت أسدًا يرمي، وتقول رأيت أسدًا يخطب.\n٢_ أما إذا حذفت المشبه به، وهو: الأسد، فكذلك لابد أن تأتي بشيء من لوازم الأسد وخصائصه، مثل: الزئير أو العرين، فتقول رأيت زيدًا في عرينه، وتقول هذا زيد يزأر في الحرب.\nولها تفاصيل كثيرة تؤخذ من كتب البلاغة، لكن هذه زبدتها للمبتدئ.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>الأمر والنهي</span>","vol":"1","page":95},{"text":"والأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، فإن كان الاستدعاء من المساوي سمي التماسًا\nأو من الأعلى سمي سؤالًا.\nوإن لم يكن على سبيل الوجوب بأن جوز الترك فظاهره أنه ليس بأمر أي في الحقيقة.\nوصيغته الدالة عليه إفعل نحو: اضرب، وأكرم، واشرب.\nوهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة الصارفة عن طلب الفعل تحمل عليه أي على الوجوب نحو: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: ٤٣]، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة فيحمل عليه أي على الندب أو الإباحة.\nمثال الندب: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [النور: ٣٣].\nومثال الإباحة (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]، وقد أجمعوا على عدم وجوب الكتابة والاصطياد.\nولا يقتضي التكرار على الصحيح، لأن ما قصد به من تحصيل المأمور به يتحقق بالمرة الواحدة، والأصل براءة الذمة مما زاد عليها،\nإلا إذا دل الدليل على قصد التكرار، فيعمل به كالأمر بالصلوات الخمس والأمر بصوم رمضان\nومقابل الصحيح أنه يقتضي التكرار.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>يتعلق بكلامه ﵀ عن الأمر مسائل:</span>\nالأولى: الأمر، وتعريفه، وشرح التعريف.\nقوله: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب:\nالاستدعاء جنس وهو شامل للقول والفعل، كالإشارة والكتابة ونحوها.","vol":"1","page":97},{"text":"وقوله: الفعل، يشمل: فعل القلب، واللسان، والجوارح.\nو\"استدعاء الفعل\" خرج ما ليس استدعاءً؛ لأن ما ليس باستدعاء ليس بأمر على الحقيقة كالتعجيز، كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]. والتهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. والتكوين كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. والإباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].\nفالصيغة صيغة الأمر بحق في هذه المواضع، غير أنه ليس بأمر على الحقيقة لعدم استدعاء الفعل فيها.\nوقوله: \"بالقول\"؛ لإخراج الإشارة والفعل؛ لأن الإشارة لا نسميها أمرًا على الحقيقة، وكذلك خرج الفعل فلا يسمى أمرا، ولهذا اختلف في أفعال الرسول ﷺ هل تسمى أمرًا؟\nفيه وجهان:\n- منهم من قال: تسمى أمرًا.\n- ومنهم من قال: لا تسمى أمرًا، صححه في اللمع؛ لأنها لو كانت أمرًا لتصرف الفعل منها تصرف الأمر بالقول فتقول أمر يأمر أمرا، وتقول في الفعل أمور.\nقوله: \"ممن هو دونه\"؛ لأن استدعاء الفعل من النظير، وممن هو أعلى منه لا يسمى أمرًا على الحقيقة وإن كانت صيغته صيغة الأمر، وإنما يسمى طلبًا ومسألة، وإذا استعمل فيه لفظ الأمر فعلى سبيل المجاز (^١).\nقوله: \"على سبيل الوجوب\": خرج به المندوب.\nقوله: \"إنه ليس بأمر أي في الحقيقة\": على المجاز والدليل على ذلك (لولا أن أشق\n_________\n(^١) شرح اللمع ١/ ١٩١ - ١٩٢.","vol":"1","page":98},{"text":"على أمتي لأمرتهم بالسواك) (^١)، فدل أن الأمر لا يكون إلا للوجوب (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المسألة الثانية: تحقيق أن إطلاق الأمر يشمل القول والفعل</span>\nوفي المسألة أربعة أقوال (^٣):\n١_ أن الأمر حقيقة في القول والفعل والشأن، ونحوه ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]. قال في البحر: حكاه ابن برهان عن كافة العلماء، وحكاه القاضي عبد الوهاب، والباجي عن أكثر أصحابنا، قال صاحب المعتمد: \" ولهذا قالوا: إن أفعال النبي - ﷺ - على الوجوب؛ لأنها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣].\n٢_ أن الأمر حقيقة في القول، مجاز في الفعل.\n٣_ أن الأمر مشترك بين القول والفعل، وهو قول الشريف المرتضى، وزاد أبو الحسين البصري أنه مشترك بين: القول، والفعل، والشأن، والصفة، والشيء، والطريق، اختاره في المعتمد.\n٤_ أنه متواطئ بين القول والفعل، نقل عن الآمدي وابن الحاجب.\nقلت: لا دليل على المجاز سوى التكلف، وهو معارض بالنقل المستفيض عن أهل العربية أنه يستعمل في القول والفعل والشأن وهذه كتب اللسان لمن أراد الرجوع، وقد رجعت إلى أصول مراجعها، فوجدتهم يستعملون الأمر في وضع العرب على الحال والشأن والطريقة، بدأ بالخليل في العين، ثم ابن سيدة في المحكم، مرورا بصاحب القاموس وتاجه، وصاحب لسان العرب، والمصباح، فكل هؤلاء ينقلون عن أهل اللسان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٧٢٤٠)، ومسلم في صحيحه، برقم: (٢٥٢).\n(^٢) وقد بسط الرازي في المحصول المسألة وأدلتها فراجعه ١٠/ ١٧٩ وما بعدها.\n(^٣) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٢٥٩).","vol":"1","page":99},{"text":"أنهم وضعوا الأمر للقول والفعل بإطلاق بلا فرق. (^١)\n_________\n(^١) العين (٨/ ٢٩٧)\nأمر: الأمر: نقيض النهي، والأمر واحد من أمور الناس.\nوجاء في المحكم والمحيط الأعظم (١٠/ ٢٩٨) والأمر الحادثة والجمع أمور لا يكسر على غير ذلك\nوفي إكمال الإعلام بتثليث الكلام (١/ ٥٣) لابن مالك وَالْأَمر: جمع أُمُور.\nوفي تاج العروس (١٠/ ٦٨) (﴾ الأمر: (معروف، وهو (ضد النهي، ﴿كالإمار﴾ ....\n(و) وقع أمر عظيم، أي (الحادثة، ج﴾ أمور)، لا يكسر على غير ذلك، وفي التنزيل العزيز: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]. ويقال: (أمر فلان مستقيم) وأموره مستقيمة.\nوقد وقع في مصنفات الأصول الفرق في الجمع، فقالوا: الأمر إذا كان بمعنى ضد النهي فجمعه أوامر، وإذا كان بمعنى الشأن فجمعه أمور، وعليه أكثر الفقهاء، وهو الجاري في ألسنة الأقوام.\n\nوحقق شيخنا في بعض الحواشي الأصولية ما نصه: اختلفوا في واحد ﴿أمور﴾ وأوامر؛ فقال الأصوليون: إن ﴿الأمر﴾ بمعنى القول المخصص يجمع على أوامر، وبمعنى الفعل أو الشأن يجمع على أمور، ولا يعرف من وافقهم إلا الجوهري في قوله: أمره بكذا أمرا وجمعه أوامر، وأما الأزهري فإنه قال: الأمر ضد النهي واحد الأمور. وفي المحكم: لا يجمع الأمر إلا على أمور، ولم يذكر أحد من النحاة أن فعلا يجمع على فواعل، أو أن شيئا من الثلاثيات يجمع على فواعل، ثم نقل شيخنا عن شرح البرهان كلاما ينبغي التأمل فيه. وفي لسان العرب (٤/ ٢٧)\nوأمرته بكذا أمرا، والجمع الأوامر. والأمير: ذو الأمر. والأمير: الآمر؛ قال:\nوالناس يلحون الأمير، إذا هم ... خطئوا الصواب، ولا يلام المرشد\nوإذا أمرت من أمر قلت: مر، وأصله أؤمر، فلما اجتمعت همزتان، وكثر استعمال الكلمة، حذفت الهمزة الأصلية فزال الساكن فاستغني عن الهمزة الزائدة، وقد جاء على الأصل. وفي التنزيل العزيز: وأمر أهلك بالصلاة؛ وفيه: خذ العفو وأمر بالعرف. والأمر: واحد الأمور؛ يقال: أمر فلان مستقيم وأموره مستقيمة. والأمر: الحادثة، والجمع أمور، لا يكسر على غير ذلك.\nوفي المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (١/ ٢١) (ء م ر): الأمر بمعنى الحال جمعه أمور وعليه ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، والأمر بمعنى الطلب جمعه أوامر فرقا بينهما، وجمع الأمر أوامر هكذا يتكلم به الناس، ومن الأئمة من يصححه ويقول في تأويله إن الأمر مأمور به ثم حول المفعول إلى فاعل كما قيل أمر عارف وأصله معروف وعيشة راضية، والأصل مرضية إلى غير ذلك، ثم جمع فاعل على فواعل فأوامر جمع مأمور، وإذا أمرت من هذا الفعل ولم يتقدمه حرف عطف حذفت الهمزة على غير قياس، وقلت مرة بكذا ونظيره كل وخذ وإن تقدمه حرف عطف فالمشهور رد الهمزة على القياس، فيقال وأمر بكذا ولا يعرف في كل وخذ إلا التخفيف مطلقا ..","vol":"1","page":100},{"text":"أما استدلال الشيرازي على أنه لا يشمل الفعل بدليل: أن جمع أمر أوامر، إذا أردت القول وأمور إذا أردت الفعل. فليس بدليل، بل هذا التفريق إن صح لا يدل على أكثر من اختلاف الجمع، لا على أن أحدهما حقيقة والآخر مجازا.\nهذا إن صح جمع أوامر في لغة العرب، فقد أنكره أهل العربية قاطبة والنحو وقرروا أنه لا يجمع فعل على فواعل، بل على فعول، جاء في تاج العروس: \"ولا يعرف من وافقهم إلا الجوهري في قوله: أمره بكذا أمرا وجمعه أوامر، وأما الأزهري فإنه قال: الأمر ضد النهي واحد الأمور. وفي المحكم: لا يجمع الأمر إلا على أمور، ولم يذكر أحد من النحاة أن فعلا يجمع على فواعل، أو أن شيئا من الثلاثيات يجمع على فواعل\".\nولما نقل هذا الجمع الفيومي إنما نقله عن أهل الأصول لا اللغة؛ لأن موضوع كتابه في غريب كتاب الرافعي وهو فقهي، وسبقه إلى هذا صاحب اللسان متفردا عن أهل العربية (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>المسألة الثالثة قاعدة: الأمر عند الإطلاق والتجرد عن القرينة للوجوب:</span>\nوالأدلة على ذلك (^٢):\n١ - ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فلو كان الأمر لغير الوجوب لما وبخه وذمه.\n٢ - ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. والوعيد والعذاب لا يكون إلا بترك الواجب، والمعصية، فدل أن مخالفة الأمر مخالفة للواجب، فالأمر للوجوب.\n_________\n(^١) لسان العرب (٤/ ٢٧) تاج العروس (١٠/ ٦٩) الفيومي (٧٧٠)\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٢٥٩) وما بعدها والنهاية للأرموي ٣/ ٨٥٧ وما بعدها.","vol":"1","page":101},{"text":"٣ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]. فذمهم على عدم امتثال الأمر فدل على أنه للوجوب.\n٤ - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. والقضاء بمعنى الحكم وانتفاء التخيير، يدل على أن الأمر للوجوب من الله ومن رسوله ﷺ.\n٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ووجهه أن النبي ﷺ فهم منه الوجوب، وكذا الصحابة لما في البخاري (^١) أن النبي ﷺ دعا أبا سعيد وهو في صلاته فلم يجبه فقال له: (ما منعك أن تستجيب وقد سمعت قول الله .. فذكر الآية).\n٦ - قوله ﷺ لبريرة لما اختارت فراق زوجها: (لو راجعتيه فإنه أبو أولادك) فقالت: أتأمرني بذلك يا رسول الله، فقال: (لا إنما أنا شافع)، فقالت: لا حاجة لي فيه). فنفيه ﷺ يدل أن الأمر للوجوب، ويقرر بريرة على ما فهمته من أنه إذا أمرها فقد وجب الامتثال.\n٧ - (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وهو ظاهر، والحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه.\n٨ - فعل الصحابة وتمسكهم بالأمر على الوجوب، وقد شاع وذاع بلا نكير ولا مخالف، كاستدلال أبي بكر ﵁ في قتال مانعي الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وأخذ عمر ﵁ للجزية من المجوس للحديث: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) (^٢)، وغسل الإناء سبعًا، والبدء بالصفا: (ابدأ بما بدأ الله) (^٣) وغيرها كثير لا يحصى.\n_________\n(^١) البخاري في التفسير ٥/ ١٤٦.\n(^٢) الحديث ضعفه الألباني في إرواء الغليل، برقم: (١٢٤٨).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، برقم: (١٢١٨).","vol":"1","page":102},{"text":"٩ - أن السيد إذا عاقب عبده على ترك ما أمره به سيده، فإن العقلاء من أهل اللسان لا يلومونه على ذلك بل يذمون العبد ويوبخونه على الترك.\n١٠ - تارك المأمور به عاص، بدليل ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المسألة الرابعة: صيغة الأمر</span>.\nقوله: \"وصيغته إفعل\": فيه إشارة إلى مسألة مشهورة في الأصول، وهي: هل للأمر صيغة أم لا؟ فمذهب الأربعة وعامة أهل العلم أن له صيغة (^٢)، وذهب أبو الحسن الأشعري ومن تبعه إلى أنه لا صيغة للأمر والنهي، وقالوا: لفظه لا يفيد بنفسه شيئًا، إلا بقرينة تنظم إليه ودليل يتصل به.\n(قال ابن السمعاني): وعندي أن هذا قول لم يسبقهم إليه أحد من العلماء، وقد ذكر بعض أصحابنا شيئًا من ذلك عن ابن سريج ولا يصح، وإذا قالوا: أن حقيقة الكلام معنى قائم في نفس المتكلم، والأمر والنهي كلام، فيكون قوله: إفعل ولا تفعل عبارة عن الأمر والنهي النفسي لا حقيقة الأمر والنهي، هذا أيضًا لا يعرفه الفقهاء، وإنما يعرفوا قوله: إفعل حقيقة في الأمر، وقوله: لا تفعل حقيقة في النهي. (^٣)\nوقد تعقب النقل عن الأشعري كبار الأئمة وخطئوه، كالإمام أبي إسحاق الشيرازي، (^٤) والإمام الغزالي، (^٥) والإمام الجويني (^٦) وغيرهم.\n_________\n(^١) القواطع لابن السمعاني وابن الحاجب وشرحه للرهوني ١/ ١٨٠ ..\n(^٢) القواطع لابن السمعاني ١/ ٧٥.\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) شرح اللمع ١/ ٢٠٦\n(^٥) المستصفى ١/ ٤٢٠\n(^٦) البرهان ١/ ٢١٣","vol":"1","page":103},{"text":"تنبيه: نوع الشارح الأمثلة حتى لا يتبادر إلى ذهن الطالب الاقتصار على وزن\"إفعل\"، نحو: \"اشرب\"، بل المراد فعل الأمر بسائر تصرفاته، نحو: كف، وذر، ودع، وافعل، وافعلا. قال الإسنوي: ويقوم مقامها، اسم الفعل والمضارع المقرون باللام (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>المسألة الخامسة: اشتراط العلو</span>.\nفي قوله: \"في تعريف الأمر ممن هو دونه\": هذا يدل أن الإمام الجويني -﵀- يختار شرط العلو في التعريف. وللعلماء في المسألة مذاهب أربعة:\n١ - اشتراط العلو. ٢ - اشتراط الاستعلاء. ٣ - اشتراطهما. ٤ - عدم اشتراط أي منهما.\nولأصحاب الشافعي قولان:\n_ القول الصحيح: اشتراط العلو وهو المذكور هنا، وفي البرهان، واللمع، والذريعة.\n_ عدم اشتراطهما، نص عليه زكريا في اللب وشرحه، وابن السبكي في الابتهاج، وصححاه مذهبًا وكذا الأسنوي في التمهيد، وفي رفع الحاجب \"وأراه رأي أكثر أصحابنا\" ا. هـ.\nوهو المنقول عن الإمام وأتباعه، والآمدي، واختاره ابن الحاجب (^٢). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>المسألة السادسة: هل يقتضي التكرار</span>.\nقوله: \"فيعمل به\": الضمير راجع إلى الدليل، أي: فيعمل بالدليل الدال على قصد التكرار\n_________\n(^١) نهاية السول ٢/ ٩.\n(^٢) رفع الحاجب ٢/ ٥١٠.","vol":"1","page":104},{"text":"ولم يقل المصنف فيقتضي التكرار؛ حتى لا يتوهم أن من مقتضى الأمر التكرار، بل المقتضى له الدليل الخارجي، نبه عليه ابن قاسم وقال: إن هذا من دقائق الكتاب (^١).\nقوله: \"ومقابل الصحيح\": أنه يقتضي التكرار، أي في المذهب، وهو بيان من الشارح لضعف هذا المقابل؛ ولأن المذهب أنه لا يفيد التكرار بل يفيد المرة ضرورةً وهذا الذي يدل عليه كلام الشافعي في الفروع، وعليه أكثر الأصحاب، وهو الصحيح الأشبه بمذاهب العلماء، ونقله الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا (^٢).\nوالقائل باقتضائه التكرار الأستاذ (أبو إسحاق الإسفرائيني)، والشيخ أبو حامد وغيرهما من أئمتنا\" (^٣).\nقوله: \"فيستوعب المأمور بالمطلوب ما يمكنه من زمان العمر\":\nخرج بقيد الإمكان: الضروريات، نحو: أكل، وشرب، وقضاء حاجة ونحوها (^٤).\nقوله: \"حيث لا بيان لحد المأمور به\"، أي: أما إذا ورد البيان للعدد أو الغاية ونحوهما فيحمل عليه.\nقوله: \"لانتفاء مرجح بعضه على بعض\" علة للاستيعاب إذ لو جاز إتباع المأمور في بعض منه دون بعض كان ترجيحًا بلا مرجح، وهو باطل.\nقوله: \"وقد أجمعوا على عدم وجوب الكتابة والاصطياد\": أما الكتابة؛ فلأنها في الأصل بيع ماله بماله فهذا محظور لا يجوز، ثم لما وقع الأمر به كان أمرًا بعد حظر، فدل على الإذن فيه، ولما رغب فيه كثيرًا في الشريعة كان من نوع المندوب. فهذا هو مدرك\n_________\n(^١) شرح بن قاسم الكبير ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦.\n(^٢) رفع الحاجب ٢/ ٥١٠\n(^٣) المصدر السابق ٢/ ٥١٠.\n(^٤) المصدر السابق ٢/ ٥١٠ وابن قاسم الكبير ١/ ٣٨٨ والنهاية للهندي ٣/ ٩٣٤.","vol":"1","page":105},{"text":"الإجماع فليتنبه (^١). وفي دعوى المصنف الإجماع نظر فالخلاف فيها شهير ذكره الطبري وغيره\nويتخرج على هذا الأمر بالاصطياد إذ هو بعد حظر فيدل على الإذن، وأدناه الإباحة والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر المحصول ١/ ٢/١٦٣ والآمدي ٢/ ١٤٣ والبرهان ١/ ٢٢٤ والمستصفى ٢/ ٢ ونهاية السول ٢/ ٢٧٤، والمختصر ٢/ ٥١٠ بشرح السبكي","vol":"1","page":106},{"text":"ولا يقتضي الفور؛ لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الأول دون الزمان الثاني.\nوقيل يقتضي الفور، وعلى ذلك بني قول من قال يقتضي التكرار.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>المسألة الأولى: هل الأمر يقتضي الفور وتحقيق نسبة المذاهب، وبيان وهم من نسب للحنفية الفور</span>\nقوله: \"ولا يقتضي الفور\": وعليه المعظم من الأصحاب (^١)، كأبى علي بن أبي هريرة، وأبي علي بن خيران، وأبي علي الطبري، وأبي بكر القفال، والغزالي، والإمام وأتباعه (^٢)، منهم البيضاوي، والآمدي، وابن الحاجب وهو المنقول عن القاضي أبي بكر من الأشاعرة وجماعة من المعتزلة نحو الجبائي وابنه، وأبي الحسن البصري (^٣).\nقال ابن السمعاني (^٤): \"وهو الأصح، وهو قول أكثر المتكلمين، ونصره أبو بكر محمد بن الطيب، وقال في المحصول أنه الحق، وصححه في جمع الجوامع (^٥)، والشيرازي في اللمع (^٦)، وزكريا في نهاية الوصول (^٧)، وقال الشوكاني: \"فالحق قول من قال أنه لمطلق الطلب من غير تقييد بفور ولا تراخٍ\" (^٨).\n_________\n(^١) النهاية للهندي ٣/ ٩٥٢ - ٩٥٤.\n(^٢) الإبهاج للسبكي ٢/ ٥٨.\n(^٣) النهاية للهندي ٣/ ٩٥٢ - ٩٥٤.\n(^٤) القواطع ١/ ٧٥.\n(^٥) المحصول ١/ ٢٤٧ - والجمع مع العطار ١/ ٤٨٣ وما بعدها والآمدي ٢/ ٣١ وابن الحاجب مع العضد ٢/ ٨٣.\n(^٦) اللمع ص ٥١.\n(^٧) نهاية الوصول ص ١١٤ إ.\n(^٨) إرشاد الفحول ص ١٨١.","vol":"1","page":107},{"text":"وقال ابن الأمير:\nولا على فور ولا تراخي *** قال بهذا جلة الأشياخ (^١).\nقال: والمعنى أن المختار في الأمر المطلق هو ما ذكرناه من عدم الدلالة من حيث هو على أحد الأربعة، أي: الفور، والتراخي، والمرة، والتكرار. ا. هـ.\nوهو مذهب الحنفية إلا الكرخي وقلة (^٢)، ورواية عن أحمد كما في المسودة (^٣)، ومذهب المغاربة من المالكية (^٤)، وأصل مذهب أحمد ومالك أنه للفور (^٥). وقد غلط من نسب المذهب القائل بالفور لمذهب الحنفية أو أكثرهم، وإنما نتج هذا عن نقل المذهب من غير كتبه بل من كتب الغير.\nتنبيه: نقل ابن السمعاني عن الأصحاب أن الأمر على التراخي، وهو عين المذهب المتقدم كما صرح به هو، وابن السبكي في الإبهاج، وصاحب البحر المحيط، وغيرهم فتنبه.\nقال في الابهاج ناقلا عن ابن السمعاني: \"إن معنى قولنا إنه على التراخي أنه ليس على التعجيل، قال والجملة أن قوله افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير تعرض الوقت.\nقلت: وعلى هذا التفسير فهذا المذهب هو المذهب الأول بعينه\" (^٦).\n_________\n(^١) إجابة السائل ٢٨٠ - ٢٨٣.\n(^٢) راجع فواتح الرحموت ١/ ٣٨٧ وكشف الأسرار للبخاري فقد نسب القول بعدم الفور إلى أكثر الأصحاب من الحنفية ١/ ٢٥٤. والتيسير ١/ ٣٥٦ والسرخسي ١/ ٢٦.\n(^٣) المسودة ص ٢٤.\n(^٤) أصول الباجي ١/ ٢١٨.\n(^٥) الروضة لابن قدامة في باب الأمر ٢/ ٢٠٠، والمسودة ص ٢٤، ونثر الورود ١/ ١٧٨ قال في المراقي\nوكونه للفور أصل المذهب ... وهو لدى القيد بتأخير أبي.\n(^٦) الإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ٥٩).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>المسألة الثانية: الأدلة على عدم اقتضاء الأمر الفور</span>.\nقوله: لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الأول دون الزمان الثاني:\nأي: فإذا صار ممتثلًا بالفعل في الزمان الأول، وجب أن يصير ممتثلًا في الزمان الثاني؛ لأن الغرض مجرد الإيجاد (^١).\nقلت ومن الأدلة كذلك (^٢):\n١ - أن الأمر حقيقة في طلب الفعل لا غير؛ لأن له دلالة على طلب الفعل إجماعًا، والأصل عدم دلالته على غيره.\n٢ - أنه استعمل في الفور وفي التراخي، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك؛ دفعًا للاشتراك والمجاز.\n٣ - دلالة الإجماع وذلك أنهم أجمعوا على أن من أدى الأمر المطلق في أول أوقات الإمكان، أو وسطها أو آخرها يعتبر ممتثلًا؛ كالنذور المطلقة، والصلاة، والصوم إن نذر ذلك مطلقًا، أو القضاء للصوم، ونحو ذلك من المسائل الكثيرة (^٣).\nوللقائلين بالثبوت أدلة محل إيرادها وما لها وما عليها لا يليق بهذا المختصر. والذي يتحصل أن مذهب الشافعية، والحنفية، والأرجح عند محققي المالكية: أنه لا يفيد الفور، وعن مذهب أحمد روايتان: أشهرهما أنه للفور.\nقوله: \"وقيل يقتضي الفور\": هذا مذهب الحنابلة، (^٤) والمالكية، وعن أحمد رواية\n_________\n(^١) اللمع للشيرازي ٥١.\n(^٢) راجع نهاية الهندي ٣/ ٩٥٦.\n(^٣) راجع المسودة ص ٢٤ - ٢٥.\n(^٤) روضة الناظر ٢/ ٢٠٠، الكوكب المنير ٣/ ٤٨.","vol":"1","page":109},{"text":"بعدم الفور، وعن المغاربة المالكية عدم الفور، ورجحه الباجي وابن الحاجب كما تقدم.\nقوله: \"وعلى ذلك\": أي القول بالفور \"قول من يقول إنه يقتضي التكرار\"\nسبق أن الحنابلة في أشهر الروايات قالوا بالفور، أما التكرار فبين علماء المذهب الحنبلي خلاف قوي في ذلك، والذي اختاره إماما المذهب ابن قدامة (^١)، ومجد الدين عدم التكرار، وهو قول أبي الخطاب، (^٢) ورجحه الطوفي. والمالكية اختلفوا كذلك إلا أن الأرجح عندهم أنه لا يفيد تكرارًا (^٣).\n_________\n(^١) الروضة ٢/ ٢٠٠.\n(^٢) المسودة ص ٢٠.\n(^٣) نثر الورود ١/ ١٨١.","vol":"1","page":110},{"text":"والأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به، كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة المؤدية إليها، فإن الصلاة لا تصح بدون الطهارة.\nوإذا فُعِلَ بالبناء للمفعول، أي المأمور به، يخرج المأمور عن العهدة، أي عهدة الأمر. ويتصف الفعل بالإجزاء.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>قاعدة: \"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب</span>\".\nهو في معنى قوله: (والأمر بإيجاد الفعل أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به): كالأمر بالصلوات أمر بالطهارة المؤدية إليها.\nوفيه مسائل:\nالأولى: إطلاقات الفقهاء على القاعدة، فيعبرون عنها تارة بمقدمة الواجب، وتارة بما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (^١)، وتارة الأمر بإيجاد الفعل أمر به ... كما ذكر المصنف، وتارة الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب، (^٢) والعبارات متقاربة.\nوالأشهر \"ما لا يتم الواجب ... \"، والأشمل ما ذكره المصنف من حيث أن الأمر قد يكون للندب فتكون مقدمته مندوبة، وربما كانت واجبة: كالشرط في صلاة التطوع.\nوقد تصح القاعدة في هذا المثال الأخير حتى على الإطلاق الثاني، وهو: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لأنه يجب الكف عن فاسد الصلاة عند إرادة التلبس بالصلاة؛ فوجب ما لا يتم إلا به، فلم يخرج عما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (^٣)\n_________\n(^١) البحر المحيط ١/ ١٧٩.\n(^٢) منهاج البيضاوي مع شرح الأسنوي والأشخر ١/ ١٠١.\n(^٣) شرح الجلال على الجمع مع البناني ١/ ١٩٤ ورفع الحاجب ١/ ٥٢٨.","vol":"1","page":111},{"text":"ويتبين من هذا سبب عدول المصنف عن العبارة المشهورة إلى هذه؛ مع التنبه إلى ما سبق أن الأمر في المندوب مجاز على ما أشار إليه المصنف، وسبق بحث المسألة وتقريرها والله أعلم. ومن القيود كذلك: قدرة المكلف على هذه المقدمة وإلا سقطت، ولذلك قال ابن الحاجب (^١): \"ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورًا شرطٌ واجبٌ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>المسألة الثانية: تمثيل الشارح بالطهارة للصلاة؛ جريًا على عادة المصنفين بالتمثيل بالمشهور</span>.\nولكن لماذا اقتصر عليه؟\nالذي يظهر أن اقتصاره عليه اختصارًا على المبتدئ، وفيه تنويه إلى نكتة لطيفة، وهي: مذهب المصنف إمام الحرمين في المسألة، وهو: أنه يرى أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، في الشروط الشرعية خاصة كالطهارة للصلاة دون ما عداه من الشروط العقلية، أو العادية وهو مذهب ابن الحاجب (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>المسألة الثالثة: قاعدة ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب؛ كتحصيل النصاب للزكاة والاستطاعة للحج</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>المسألة الرابعة: من الفروع المبنية على القاعدة:</span>\nإذا نسى صلاة من الخمس ولم يعلم أيها: لزمه الخمس، وإذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار: فيجب غسل الجميع، وتكفينهم، والصلاة عليهم، وينوي على المسلمين، وإذا كان عليه زكاة ولم يدر هل هي شاتان أم شاة: فإنه يلزمه الجميع (^٣).\nقوله: \"وإذا فعل يخرج المأمور عن العهد\" ويتصف ذلك الفعل المأمور به بالأجزاء، وهذه المسألة مشهورة عند الأصوليين بـ: \"الإتيان بالمأمور به، هل يقتضي الأجزاء أم لا\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق ١/ ٥٢٨ وراجع ما تقدم من الشرح الكبير والمحصول مع شرحه ٣/ ١٥١٢.\n(^٢) رفع الحاجب ١/ ٥٣١.\n(^٣) التمهيد للأسنوي ص ٨٥ وما بعدها.\n(^٤) نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي ٤/ ١٦٥٦.","vol":"1","page":112},{"text":"وحاصل هذا المبحث أن من امتثل الأمر وجاء به على الوجه المطلوب، اختلف فيه هل يقتضي ذلك الإجزاء أم لا؟\nوالإجزاء له تفسيران:\n- أحدهما وهو الأصح: أن المراد من كونه مجزيًا هو أن الإتيان به كاف في سقوط الأمر، وإنما يكون كافيًا إذا كان مستجمعًا لجميع الأمور المعتبرة فيه.\n- وثانيهما: أن المراد من الإجزاء: سقوط القضاء.\nوالخلاف جارٍ على التفسير الثاني، وخالف في ذلك أبو هاشم، وعبدالجبار وغيرهم من الفقهاء الأصوليين (^١).\nأما على التفسير الأول فلا خلاف:\nبيان ذلك أنه إذا أمر الله تعالى بفعل المأمور: إما أن يفعل المأمور به على الوجه الذي تناوله الأمر، أو يزيد على ما تناوله الأمر، أو ينقص، وإن فعل على الوجه الذي تناوله الأمر أجزأه ذلك بمجرد الأمر.\nوقال بعض المعتزلة: الأمر لا يدل على الإجزاء، بل يحتاج الإجزاء إلى دليل آخر، وهذا خطأ؛ لأنه قد فعل المأمور به على الوجه الذي تناوله الأمر فوجب أن يعود إلى ما كان عليه قبل الأمر \"أي وهي البراءة الأصلية\"، فأما إذا زاد على المأمور به بأن يأمره بالركوع ويزيد على ما يقع عليه الإسم، سقط الفرض عنه بأدنى ما يقع عليه الإسم، والزيادة على ذلك تطوع لا تدخل في الأمر.\nوقال بعض الناس الجميع واجب داخل في الأمر، وهذا باطل؛ لأن ما زاد على الإسم يجوز له تركه على الإطلاق، فإذا فعله لم يكن واجبًا كسائر النوافل.\n_________\n(^١) شرح المحصول ٤/ ١٦٥٦ ..","vol":"1","page":113},{"text":"\"فأما إذا نقص عن المأمور\" نظرت، إن نقص ما هو شرط في صحته، كالصلاة بغير قراءة الفاتحة لم يجزئه، ولم يدخل في الأمر؛ لأنه لم يأت بالمأمور به على الوجه الذي أمر به، وإن نقص منه ما ليس بشرط، كالتسمية في الطهارة، أجزأه عن المأمور (^١).\nإذا تبين هذا فقد قال ابن السبكي في رفع الحاجب: \"أن الخلاف بين الفريقين لفظي ولا يترتب عليه أثر في الفروع\" (^٢).\nفائدة: من دقائق هذا الكتاب أن المصنّف بين: أن فعل الأمر يلزم منه خروج المأمور عن العهدة، والعهدة هنا هي: المطالبة بالفعل بمعنى ذمة المكلف، فهو يشير إلى نتيجة المسألة في الحقيقة عند الجميع واحدة، وهي الخروج من عهدة الأمر المقتضي براءة الذمة، ويشير بهذا إلى أن الخلاف ليس بحقيقي.\nأما الشارح فبين اتصافه بالإجزاء وهو الذي فيه الخلاف المشار إليه، وإنما لم يشر إلى الخلاف اختصارًا؛ لعدم الثمرة الحقيقية للمسألة، ولضعف الخلاف. هذا ما ظهر للعبد الضعيف. والله أعلم.\n_________\n(^١) راجع اللمع ص ٥٩ وما بعدها.\n(^٢) رفع الحاجب ١/ ٥٣١.","vol":"1","page":114},{"text":"الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل\n\nهذه ترجمة يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون، وسيأتي الكلام في الكفار.\nوالساهي والصبي والمجنون، غير داخلين في الخطاب، لانتفاء التكليف عنهم. ويؤمر الساهي بعد ذهاب السهو عنه بجبر خلل السهو، كقضاء ما فاته من الصلاة، وضمان ما أتلفه من المال عنهم ... الخ:\nوالكفار مخاطبون بفروع الشرائع وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام؛ لقوله تعالى حكاية عن الكفار\n﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣]، وفائدة خطابهم بها عقابهم عليها إذ لا تصح منهم حال الكفر؛ لتوقفها على النية المتوقفة على الإسلام، ولا يؤاخذون بها بعد الإسلام ترغيبًا فيه.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>قوله: والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب؛ لانتفاء التكليف</span>.\nهذا المبحث هو مبحث المحكوم عليه وهو المكلف، وفيه تذكر شروط التكليف، ومن لا يشمله الأمر والنهي والتكليف في الجملة:\nويتعلق به مسائل:\nالأولى: \" السهو الذهول عن المعلوم كذا عرفه الأقدمون، أي: الغفلة عنه فينتبه له بأدنى تنبيه ... وأما النسيان فهو خلاف الذكر\". (^١) وزمن النسيان طويل بخلاف السهو\nالثانية: قوله لانتفاء التكليف عنهم، علته \"أن شرط المكلف أن يكون عاقلًا\n_________\n(^١) شرح الكوكب الساطع للسيوطي ١/ ٤٣ - ٤٤.","vol":"1","page":115},{"text":"فاهمًا للتكليف؛ لأن التكليف خطابٌ، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة\" (^١).\nوالذي يتحصل من كلام أهل الأصول أن المحكوم عليه شرطه العقل والفهم باتفاق، فخرج بذلك (^٢):\n١ - من لا يفهم ولا يعقل أصلًا: كالبهائم، والجماد.\n٢ - من له أصل الفهم لأصل الخطاب دون تفاصيله: كالمجنون، والصبي الذي لا يميز.\n٣ - من يفهم لا على الكمال، وهو الصبي المميز.\nويدخل فيه من كان مقاربًا لحالة البلوغ بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة، فإنه وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير أنه لما كان العقل والفهم خفيًا، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له ضابط يعرف به، جعل له الشارع ضابطًا وهو البلوغ، وحط عنه التكليف قبله تخفيفًا عليه.\n٤ - والسكران أسوأ من الصبي المميز في حالة غفلته وسكره، وما يلزمهم من الغرامات والضمان ونحو ذلك متعلق بأحكام الوضع، والكلام فيهم منتشر في الفروع والأصول.\n٥ - ويذكر هنا كذلك حكم المكره وتقسيمه إلى مجلئ وغيره مما هو مبسوط في المطولات.\n_________\n(^١) الأحكام للآمدي ١/ ٢١٥.\n(^٢) يراجع الأحكام للآمدي ١/ ٢١٥ وما بعدها والمستصفى وشرح المحلى على الجمع مع البناني ١/ ٦٨ والعضد شرح ابن الحاجب ص ٨٨، نهاية السول للأسنوي ١/ ١٣٦ وشرح البدخشي على المنهاج ١/ ١٣٦. وشرح ابن قاسم الكبير ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ والنهاية لصفي الدين الهندي ٣/ ١١١٨.","vol":"1","page":116},{"text":"وإنما لم يذكر المصنف السكران؛ لأنه إذا كان متعديًا عومل في الأحكام كالصاحي؛ تغليظًا عليه على ما تقرر في الفروع.\nقوله: ويؤمر الساهي بعد ذهاب السهو عنه بجبر خلل السهو، كقضاء ما فاته من الصلاة، وضمان ما أتلفه من المال عنهم ... الخ:\nيدل قوله يؤمر الساهي .. أنه أمر جديد غير الأول، وهذا في حالة القضاء فقط أما إن كان السهو والوقت باق فليس بأمر جديد لأن زمن التكليف الذي حدده الشرع باق، وكذلك من سها في صلاته فسلم عن اثنتين في صلاة رباعية أو ثلاثية فنبه فإنه يأتي بما سها عنه وليس بأمر جديد.\nوقوله: وضمان ما أتلفه من المال .. وكذلك النفس والأعضاء من الانسان يضمنه بالدية والأرش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>المسألة الثالثة: في قوله: \"الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل</span>\" ...\nلطيفة هامة: أتى بالاسم الموصول (الذي) وهي للعاقل فيمن يشمله الخطاب، وأتى (بما) التي لا للعاقل فيما لا يدخل؛ لينبه على أن العقل هو مناط التكليف، ولو لم يأت في هذا الباب إلا بهذه الإشارة الدقيقة لكفي فلله دره\" (^١).\nفائدة: قول المصنف: \"الذي يدخل في الأمر والنهي\"، مع قوله: \"يدخل في خطاب الله\" فيه: أن الأمر والنهي شاملان للأحكام الخمسة، أما الأربعة فظاهر.\nوأما الإباحة فهي تبع، لكنّ الصحيح أن الصبي غير داخل في خطاب الإيجاب والتحريم.\n_________\n(^١) راجع ابن قاسم الكبير ١/ ٤٠٦ وقرة العين في شرح ورقات إمام الحرمين ص ٢٥ المطبوع بهامش لطائف الإشارات.","vol":"1","page":117},{"text":"أما خطاب الندب والإباحة فيشمله على ما هو مقتضى كلام أصحابنا في الفروع، حيث قالوا: إنه مأمور من جهة الشرع بالندب. ولهذا جعلوا له إنكار المنكر ويثاب عليه (^١).\nوقال السيوطي نقلًا عن ابن السبكي: \"خطاب الندب ثابت في حق الصبي، فإنه مأمور بالصلاة، من جهة الشارع أمر ندب، مثاب عليها، وكذلك يوجد في حقه خطاب الإباحة، والكراهة حيث يوجد خطاب الندب، وهو ما إذا كان مميزًا انتهى\" (^٢).\nوفي الروضة: \"وليس لأحد منعه من كسر الملاهي، وإراقة الخمر وغيرها من المنكرات كما ليس له منع البالغ، فإن الصبي وإن لم يكن مكلفًا فهو من أهل القرب، وليس هذا من الولايات\" (^٣).\n_________\n(^١) البحر المحيط ١/ ٢٨٠.\n(^٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ٢/ ٤.\n(^٣) الروضة للنووي ٦/ ١٨. وقد بسط الإمام السيوطي المقام وفصله في الأشباه فراجعه.","vol":"1","page":118},{"text":"والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده.\nفإذا قال له: اسكن كان ناهيًا له عن التحرك، أو لا تتحرك، كان آمرًا له بالسكون.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>الكلام على قاعدة الأمر بالشيء نهي عن ضده وتحقيق المقام</span>.\nقوله: \"والأمر بالشيء نهي عن ضده\":\nهذه قاعدة شهيرة من قواعد الأصول وعليها المذاهب الأربعة (^١)، وهو ما اختاره ابن الأمير والشوكاني إذ قال: \"وإذا عرفت ما حررناه من الأدلة والردود، فاعلم أن الأرجح في هذه المسألة أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده بالمعنى الأعم\" (^٢).\nوقد خالف في هذه المسألة جماعة من الأصوليين، والتحقيق القول بها لما يلي:\n١ - أن التكليف بالواجب مع عدم النهي عن الشيء المضاد له تكليف بما لا يطاق.\n٢ - أن عدم النهي عنه يؤدي إلى جواز التلبس بهذا الضد، مما يؤدي إلى ضياع الواجب وهذا خلاف مقتضى التكليف.\n٣ - أن الشريعة قائمة على إخراج المكلف عن داعية الهوى، وفي عدم النهي عما يضاد التكليف مناقضته لهذه القطعية.\n٤ - أن فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك أضداده، وما لا يتم فعل المأمور به دون تركه فهو واجب الترك إن كان الأمر للإيجاب، ومندوب إلى تركه إن كان\n_________\n(^١) جمع الجوامع بشرح المحلى وحاشية البناني ١/ ٣٨٦، ومنهاج البيضاوي وشرح الأسنوي والأشخر ١/ ١٠٦ وشرح الأصفهاني ١/ ١١١ واللمع ص ٥٧ وشرح الكوكب المنير ونسبه للأربعة ٣/ ٥١ والمسودة ٤٩ ونسبه للأربعة، ونسبه في نثرا لورود إلى أكثر المالكية ١/ ١٨٩، وفي التلويح إلى مذهب أبي حنيفة ١/ ٤٢١ وإجابة السائل لابن الأمير ص ٢٩٠، والروضة وشرحها للنحلة ١/ ٤٦٦.\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":119},{"text":"الأمر للندب\" (^١)، لذلك لا يتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك الضد فهو كالطهارة في الصلاة (^٢).\n٥ - أن الأمر بالشيء أمر بما هو من ضروراته، ومن ضروراته هنا ترك ما يؤدي إلى تفويته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>أين وقع خلاف من خالف من الأصوليين في قاعدة الأمر بالشيء نهي عن ضده</span>\nلتوضيح هذا الأمر لابد أن نبين ما يلي:\n- أولًا: الأمر بالشيء نهي عنه ..... غير صحيحة للتناقض.\n- ثانيًا: الأمر بالشيء نهي عن تركه ..... صحيحة بإجماع.\nلأن معناها النهي عن ترك ما أمر الشرع به، فقول الله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، هو بمعنى لا تتركوا الصلاة. وهذا هو معنى قول الأصوليين: أن يكون هذا الضد وجوديًا لا عدميًا؛ لأن العدمي هو النقيض ولا خلاف أنه منهي عنه قطعًا، فقولنا: قم، نهي عن ترك القيام؛ لأنه نقيضه فقم= لا تترك القيام فهذا يسمى نقيضًا لأنه عدمي.\nإذا فقاعدة: الأمر بالشيء نهي عن تركه إجماعية. إنما الخلاف في الضد الوجودي فقولنا قم هل هو نهي عن ضده الوجودي الذي هو القعود والاضطجاع، هذا الخلاف فتنبه، وهذه هي فائدة هذا القيد: (الضد الوجودي)، وقد نبه عليها أكثر الأصوليين، وقد ذكر في جمع الجوامع الشرطين فقال:\n\"مسألةٌ: قال الشيخ والقاضي الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده الوجودي، والحاصل أن الأمر بالشيء له منافيان: أحدهما منافٍ عدمي وهو النقيض والإجماع على أن الأمر بالشيء نهي عن نقيضه العدمي، أما المنافي الوجودي فهو ما يسمى بالضد فهل\n_________\n(^١) الأحكام للآمدي ٢/ ٢٥٢.\n(^٢) اللمع ص ٥٧ والروضة لابن قدامة مع النملة ١/ ٤٧٢.","vol":"1","page":120},{"text":"الأمر بالشيء نهي عن ضده الوجودي أم لا هنا الخلاف\" (^١).\n- ثالثًا: الأمر بالشيء نهي عن ضده.\nمما تقدم يتبين أن هذه القاعدة هي محل البحث، وذلك أنّ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] أمر، ومعلوم أن هذا الأمر ملزم قطعًا، فإذا حضر وقت الصلاة وتضيق، فهل يجوز للإنسان أن يتشاغل عنها بالنوم، أو الذهاب إلى السوق، أو العمل؟\nالجواب: لا يجوز بلا خلاف؛ لأن التشاغل بها مؤد إلى عدم طاعة الأمر بالصلاة، وهذه هي ما تسمى عند أهل الأصول الضد. من هنا قرر الفقهاء في المذاهب الأربعة وغيرها كما تقدم قاعدة: (أن الأمر بالشيء نهي عن ضده)، بمعنى: أن الأمر بالصلاة يتضمن أو يستلزم النهي عن التشاغل بأضدادها، فدلالته من طريق الاستلزام لا عن طريق نفس اللفظ؛ لأن لفظ (أقيموا) غير لفظ (لا تقيموا).\nوهناك من المتكلّمين من ذهب إلى أن الأمر بالشيء هو عين النهي عند ضده (^٢) وليس كذلك؛ لأن لذاك لفظا ولذاك لفظا آخر، فكيف يكون هو عينه؟ إلا إن قالوا إنه عينه من جهة المعنى فيكون الخلاف لفظي، وبهذا يتبين أن الخلاف كما قرره صاحب التلويح:\n- ليس في المفهومين للقطع بأن الأمر بالشيء مخالف لمفهوم النهي عنه.\n- ولا في اللفظين للقطع بأن صيغة الأمر \"إفعل\" وصيغة النهي \"لا تفعل\".\n- وإنما الخلاف في أن الشيء المعين إذا أمر به فهل يتضمن أو يستلزم النهي عن ضده معنى أم أنه عينه أم لا هذا ولا ذاك (^٣).\n_________\n(^١) حاشية سيلان على شرح الغاية لابن الإمام القاسم ٢/ ١٦٤.\n(^٢) انظر تيسير التحبير على كتاب التحرير لابن الهمام الحنفي ج ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣. والجمع مع المحلى والبناني ١/ ٣٨٦، وعليه جماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأتباعه وعليه جماعة من أهل الأصول أما أبو الحسين وعبد الجبار فعلى قواعد الجمهور.\nكابن الحاجب والغزالي ونسب إلى إمام الحرمين\n(^٣) التلويح ١/ ٤٣١.","vol":"1","page":121},{"text":"قد يكون الضد متعددًا\nوالمنسوب إلى العامة أي من العلماء وجماهيرهم من الشافعية، والحنفية، والمالكية، والحنابلة، والمحدثين:\n١_ الأمر بالشيء نهي عن ضد ذلك الشيء إن كان الضد واحدًا، فالأمر بالإيمان نهي عن الكفر.\n٢_ وإن لم يكن الضد واحدًا فهو نهي الكل ... فالأمر بالقيام نهي عن القعود، والاضطجاع، والسجود وغيرها، والأمر بإقامة الصلاة نهي عن كل ما يتشاغل به عنها من جميع الأضداد (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>مسائل فقهية مبنية على قاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده</span>.\n١ - لو قال لزوجته: لو خالفت نهي فأنت طالق، ثم قال: قومي فقعدت. ففي وقوع الطلاق خلاف مستند إلى هذا الأصل (^٢).\n٢ - ما لو سرق المصلي في صلاته أو لبس حريرًا أو نظر محرمًا، فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فيكون الأمر بالصلاة هو عين النهي عن السرقة مثلًا، فتبطل الصلاة بناء على أن النهي يستلزم الفساد، فعين السرقة منهي عنها في الصلاة بنفس الأمر بالصلاة، فعلى أن النهي يقتضي الفساد فالصلاة باطلة (^٣).\n٣ - ومن ذلك أن القيام في الصلاة مأمور به، فإذا جلس ثم تلافى القيام فمن العلماء من أبطل صلاته لهذا ومنهم من منع؛ لأن هذا الضد لم يفوت المقصود من الأمر لأنه تلافاه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر تيسير التحبير على كتاب التحرير لابن الهمام الحنفي ج ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣. والجمع مع المحلى والبناني ١/ ٣٨٦\n(^٢) الابهاج بشرح منهاج البيضاوي ١/ ١٢٥.\n(^٣) المذكرة للشنقيطي ص ٢٨ - ٢٩.\n(^٤) التلويح ١/ ٤٢٣ وما بعدها والتحرير مع شرحه لابن الهمام ج ١/ ٣٧٣.","vol":"1","page":122},{"text":"٤ - ومنها السجود على مكان نجس، أبطلها أبو حنيفة، ومحمد، ولم يبطلها أبو يوسف إذا تدارك وسجد على طاهر (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>فائدة: هذه القاعدة وهي الأمر بالشيء نهي عن ضده مقيدة بقيدين:</span>\n- الأول: أن يكون الشيء معيّنًا، فخرج الأمر بمبهم من أشياء فلا يعد نهيًا عن ضده، ولا متضمنًا له، قال في شرح الذريعة قطعًا (^٢).\nمثاله الأمر بواحد من خصال الكفار المخيرة ليس نهيًا عن ضده؛ لأن له تركه ابتداءً والانتقال إلى غيره، ونوقش بأن الضد هنا هو ترك الكل.\n- الثاني: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده الوجودي وقد تقدم هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>خاتمة لطيفة: اختلفت عبارات الأصوليين في التعبير بهذه القاعدة</span>.\n١_ فمنهم- كما هنا- من قال \"الأمر بالشيء نهي عن ضده\".\n٢_ ومنهم من ذكر القيود كعبارة الجمع المتقدمة، وهي: الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده الوجودي.\n٣_ ومنهم من قال كالبيضاوي في المنهاج: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه.\n٤_وشرط في التوضيح أن يكون الضد مفوتًا لمقصود الأمر، فكأن القاعدة ستكون على هذا الأمر بالشيء نهي عن الضد المفوت لمقصوده تحريمًا.\nوإلا فكراهة يعني إن لم يفوت،\n_________\n(^١) نفس المصادر السابقة.\n(^٢) شرح الذريعة للأشخر ١/ ١٥٩.","vol":"1","page":123},{"text":"والأشهر والأخصر الأشمل ما هنا لشمولها للواجب والمندوب، أما كونه معينًا فأهملها المصنف؛ لأن الأمر بأحد الأشياء مبهمًا ضده الاشتغال بغير الجميع، مع عدم العزم على الامتثال في المستقبل لأنه موسع (^١).\nفالقيود التي ذكرها بعض الأصوليين مفهومة لزومًا، والتعاريف تصان عن التطويل خاصة في مثل هذا المختصر، وهذا من روائع هذا الكتاب هذا ما ظهر للفقير إلى الله والله أعلم.\nقوله: \"والنهي عن الشيء أمر بضده\":\nالكلام فيها قريب مما تقدم في سابقتها.\nقال المحقق السعد في التلويح، وهو يتكلم على حرمة ضد الأمر وضد النهي: \"التحقيق أن حرمة كل منهما إنما تكون من حيث أنه ضد المأمور به ... كالأمر بالإيمان يوجب حرمة النفاق واليهودية والنصرانية؛ لكونها من أفراد الكفر، وفي النهي عن الشيء لا يجب إلا ضد واحد، إذ ترك القيام يحصل بكل من القعود والاضطجاع.\nوحاصل هذا الكلام أن وجوب الشيء يدل على حرمة تركه، وحرمة الشيء تدل على وجوب تركه، وهذا مما لا يتطلب فيه نزاع\" (^٢) ا. هـ.\n_________\n(^١) الجمع بشرح الجلال والبناني ١/ ٢٨٦ ونكتفي بالإحالة في المسألة إلى ما سبق من المراجع.\n(^٢) التلويح ١/ ٤٢٢.","vol":"1","page":124},{"text":"والنهي استدعاء أي طلب الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، على وزان ما تقدم في حد الأمر.\nويدل النهي المطلق شرعًا على فساد المنهي عنه في العبادات، سواء نهي عنها لعينها كصلاة الحائض وصومها أو لأمر لازم لها\nكصوم يوم النحر والصلاة في الأوقات المكروهة.\nوفي المعاملات إن رجع إلى نفس العقد كما في بيع الحصاة.\nأو لأمر داخل فيه كبيع الملاقيح. أو لأمر خارج عنه لازم له كما في بيع درهم بدرهمين، فإن كان غير لازم له، كالوضوء بالماء المغصوب مثلًا، وكالبيع وقت نداء الجمعة لم يدل على الفساد خلافًا لما يفهمه كلام المصنف.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\nهذا البحث عقده المصنف للنهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>تحقيق الكلام على قاعدة النهي يقتضي الفساد، وشرح كلام المصنف وتفصيله</span>.\nما قيل في تعريف الأمر يأتي هنا فلا معنى لتكراره وإلى هذا أشار بقوله: \"على وزان ما تقدم في حد الأمر\"، وما يهم هنا هو ما ذكره المصنف من قاعدة: \"النهي المطلق يقتضي الفساد شرعا\"، وبحثنا سيكون في هذه القاعدة، وسنقسمه إلى مسائل:\nالأولى: قوله: \"ويدل النهي المطلق شرعًا على فساد المنهي عنه\"\nقوله النهي المطلق قيد هام خرج به المقترن بقرينة تدل على الفساد أو عدمه، فهذا مما لا خلاف فيه:\n١ - مثال ما فيه قرينة الفساد، قوله - ﷺ -: (لا تزوج المرأة المرأة،","vol":"1","page":125},{"text":"ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تنكح نفسها) (^١)، فإن الجملة الأخيرة منه، وهي: \"فإن الزانية\" دليل على إنه باطل؛ لأن الشرع جعله زنى وليس عقد نكاح.\n\n٢ - نهيه عن بيع الكلب، وقال فيه: (إن جاء وطلب ثمنه فاملأ كفه ترابا) (^٢)، فهذه قرينة تدل على عدم انتقال الملك؛ لأنه لو صح البيع لوجب الثمن.\n٣ - نهيه عن الاستنجاء بالعظم أو الروث، وقال: (إنهما لا يطهران) (^٣).\n٤ - ومثال ما فيه قرينة الصحة حديث: (ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها) (^٤)، فإن إثبات الخيار فيه قرينة تقتضي أن البيع قد انعقد ولم يقتض فسادا.\n٥ - نهيه عن تلقي الركبان، وإثبات الخيار لصاحبه إذا ورد السوق دليل على صحة العقد.\n٦ - النهي عن الطلاق في الحيض في الحديث فيه أمر بالمراجعة وهو دليل على أنه واقع (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>المسألة الثانية: قوله: \"يفيد الفساد شرعًا\" .. وبيان أدلة ذلك:</span>\nتقييده بالشرع:\n- أولًا: من ذهب الى اقتضائه الفساد إن توجه النهي إلى العين، هم: الأئمة الأربعة، والظاهرية، وبعض المتكلمين (^٦).\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه في سننه برقم: (١٥٣٩)، والدارقطني مطولًا (٣/ ٢٢٧) من عدة طرق، وصححه الألباني.\n(^٢) رواه أبو داود في سننه، برقم: (٣٤٨٢)، وصحح إسناده الألباني.\n(^٣) رواه الدارقطني في العلل، (٨/ ٢٣٩)، وصحح إسناده.\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، رقم: (٢١٤٨)، ومسلم في صحيحه برقم: (١٥١٥)، واللفظ له.\n(^٥) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٣/ ٨٤).\n(^٦) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٣٩٧).","vol":"1","page":126},{"text":"- ثانيًا: هل اقتضاؤه للفساد أمر مأخوذ من الوضع العربي أو من الشرع؟\nالأول: غير وارد؛ لأن وضع العرب للنهي لا يقتضي أكثر من طلب الكف جزما أوغير جزم،\nفلا بد أن يكون اقتضاؤه للفساد أمرًا من قبل الشرع.\nلكن أين هو الدليل الشرعي على ذلك؟ والجواب: أن هناك أدلة منها:\n١ - الأول: حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد) (^١)، ووجه الدلالة أنه قضى على كل ما خالف الشرع بالرد وهو البطلان أو عدم قبول العمل.\nولفظ الشرع محتمل لهما فيحمل عليهما معا؛ لأنه إذا كان باطلا كان غير مقبول.\n٢ - الثاني: قوله ﷺ في صفقة الصاع بالصاعين من التمر: (أوه أوه، عين الربا عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتره). (^٢)\n٣ - الثالث: ما جاء عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (^٣).\nونحو هذه فكل ما ورد من هذا النوع، النفي فيه لا يتجه إلا إلى الحقيقة الشرعية فدل نفيها على بطلانها، وهذا دليل على أن النفي الشرعي يقتضي البطلان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٢٦٩٧).\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٢٣١٢)، واللفظ له، ومسلم في صحيحه، برقم: (١٥٩٤).\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٨٢٢)، ومسلم في صحيحه، برقم: (٣٩٤).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المسألة الثالثة: شرح ما ذكره المصنف من التفريق بين العبادات، والمعاملات في قاعدة النهي وتحقيق المقام</span>.\nوهو أن النهي يقتضي الفاسد مطلقًا في العبادات وبتفصيل في المعاملات، وهو ما نقله البيضاوي في المنهاج:\n١_ ففي العبادات إن ورد النهي سواء كان راجعًا إلى الذات أو إلى أمر خارج عنها؛ لأن الشرع عند أمره بالعبادة قاصد طلبها، وعند نهيه عنها قاصد الترك، ولا يجتمع قصد الفعل وقصد الترك والجمع بينهما غير ممكن.\n- مثال ما توجه فيه النهي إلى العين أو الذات: النهي عن صلاة الحائض وصومها، فهذا النهي متوجه إلى ذات الصلاة وقاصد الترك، فإن أدت الحائض الصلاة أو الصوم فقد عملت ما أمرت بتركه ونهيت عن فعله، فخالفت مقصد الشرع في الترك وما خالف الشرع فهو رد.\n- ومثال ما توجه فيه النهي إلى وصف مقارن في العبادات: النهي عن صوم يوم العيد، والنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، فمن فعل شيئًا من هذا فهو باطل على أصل هذه القاعدة.\nفالصوم في أصله مأمور به لكن توجه النهي إلى وصف مقارن هو اليوم، وكذلك الصلاة مأمور بها، وتوجه النهي عنها في الأوقات المكروهة إلى الوقت فهذا معنى المقارن.\nأما صلاة الحائض وصومها فقد توجه النهي إلى الشرط وهي الطهارة عن الحيض للصلاة والصيام والشرط يلزم من عدمه العدم.\n٢_ أما في المعاملات فهو أقسام:\nالأول: ما توجه فيه النهي إلى نفس العقد كبيع الحصاة، وله أربعة تفسيرات:","vol":"1","page":128},{"text":"- أن يجعلا نفس الرمي بيعا.\n_ أن يقول له بعتك ما وقعت عليه الحصى من السلع.\n_ بعتك ما انتهت إليه رمية الحصى من الأرض.\n_ أن يقول له ينقطع خيارك برمي الحصى.\nفعلى التفسير الأول: عاد النهي الى نفس البيع؛ لأن مجرد الرمي لا يكون عقد بيع\nوعلى التفسير الثاني والثالث: يكون النهي عائدًا إلى أمر داخل في الماهية، وهو عين المبيع والعلم به ركن للبيع، وهو هنا شديد الجهالة والغرر فبطل لعود النهي إلى الركن.\nأما على التفسير الرابع: فالنهي عائد إلى أمر خارجي وهو انقطاع الخيار، فلا إبطال بحسب القاعدة، وعليه فمراد الشارح هو التفسير الأول فقط؛ لأنه عائد إلى نفس البيع وذات العقد.\nأما التفسيران الثاني والثالث: فيصلحان مثالًا للنوع الآخر من النهي وهو الآتي:\nالثاني: أن يتوجه النهي إلى أمر داخل في العقد ومعنى هذا أن يكون من أركانه أوشروطه. مثاله: بيع الملاقيح، وهي ما في بطون الأمهات من الأجنة.\nفإن ما في بطون الأمهات من الأجنة هو المبيع، ومعلوم أن المبيع ركن من أركان العقد، وهو هنا معدوم، أو مجهول شديد الجهالة؛ فاتجه النهي إليه لاختلاله، واختلال الركن يبطل البيع.\nالثالث: أن يتجه النهي إلى أمر خارجي عن الماهية والذات، ولكن هذا الأمر الخارجي لازم له. وهي بيوع الربا:\nفربا النسيئة والتفرق قبل القبض في الربويات مبطل لها، والنهي متوجه إلى أمر خارجي، عن العقد؛ لأن العقد كامل الأركان والشروط، إلا أن الشرع نهى عن الربا ولم","vol":"1","page":129},{"text":"يسم في الشرع بيعا أصلًا.\nفقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولو كان بيعًا لقال: وأحل البيع وحرم بيع الربا، فلما جعله قسيما مغايرا، علمنا أنه ليس ببيع أصلا.\nلذلك فهو باطل والنهي متوجّه إلى أمر خارجي لازم للعقد وهو كونه نسيئة أو تفرقًا قبل التقابض، وإنما سمي لازما؛ لأن المتعاقدين ألزما عقدهما به.\nوأما ما مثل به المصنف، وهو بيع درهم بدرهمين، فالنهي فيه متجه إلى هذه الزيادة، وهي وصف خارجي في العقد لزم بإلزام المتعاقدين لعقدهما به، فأبطله الشرع لأنه ربا.\nالرابع: أن يتجه النهي إلى أمر خارجي لا علاقة له بالعقد أصلًا.\nوذلك كالنهي عن البيع حال نداء الجمعة، فإن النهي لأجل منع تفويت صلاة الجمعة.\nومثاله كذلك الوضوء بماء مغصوب فإن النهي عن الغصب لا عن الوضوء، فهو أمر خارجي عنه، لأنه حقيقة الغصب موجودة خارج الوضوء، ومنهي عنها عموما بلا ارتباط بينه وبين الوضوء. فلا بطلان في هذا النوع.\nتنبيه: قول الشارح: في هذا النوع: \"لم يدل على الفساد خلافًا لما يفهمه كلام المصنف\"\nيشير به إلى أن الوضوء بماء مغصوب باطل على حسب القاعدة التي قررها المصنف، وهي: أن النهي يقتضي الفساد مطلقا في العبادات.\nمع أن مذهب الشافعي لا يبطلها، والتحقيق أن مذهب الشافعي التفصيل في العبادات والمعاملات، قال الزركشي: \"إن كان لعينه أو لوصفه اللازم له فهو الفساد بخلاف ما لو كان لغيره سواء كان عبادة وعقدًا، وهذا الذي ينبغي أن يكون مذهب","vol":"1","page":130},{"text":"الشافعي، وتصرفه في الأدلة يقتضيه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>المسألة الرابعة: مذاهب العلماء في قاعدة النهي يدل على الفساد</span>.\nولتسهيل هذا الأمر يمكن تقسيم البحث كالتالي:\n- أولًا: من ذهب إلى أن النهي لا يقتضي الفساد مطلقا لا في العبادات ولا في المعاملات،\nسواء رجع إلى ذاته أو وصفه أو لغيره وهذا مذهب معزو للمتكلمين، ونقل عن الأشعري والقاضيين عبد الجبار وأبي بكر (^٢)\nقلت: وتفرد الغزالي من بين أصحاب الشافعي في القول بهذا المذهب في المعاملات، (^٣) ونقله الزركشي عن القفال الشاشي في البحر، وبالغ صاحب المحصول فجعله عن أكثر الفقهاء، وإن صح النقل عنه فهو متعقب؛ لأن المذاهب الأربعة والظاهرية على القول بالفساد على تفاصيل كما سيأتي فأي فقهاء يعنيهم.\n- ثانيًا: ذهب الأئمة الأربعة والظاهرية وبعض المتكلمين إلى أن النهي إذا عاد إلى عين وذات الشيء اقتضى فساده؛ عبادة أو معاملة، قال الخطابي: هذا مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه. (^٤)\nقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: مذهبنا الذي نص عليه الشافعي، وأكد القول فيه في باب: \" البحيرة والسائبة \" أن النهي إذا ورد متجرّدا اقتضى فساد الفعل المنهي عنه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وداود، وأهل الظاهر، وكافة أهل العلم. انتهى (^٥)\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٣٨٨).\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٣٨٥)\n(^٣) المستصفى (ص: ٢٢٣).\n(^٤) شرح التلويح على التوضيح (١/ ٤٢٤) نشر البنود على مراقي السعود (١/ ٢٠٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٣٨٤) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٣/ ٩٤)\n(^٥) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٣٨٤)","vol":"1","page":131},{"text":"- ثالثًا: إذا عاد النهي إلى وصف لازم اقتضى الفساد، وهذا مذهب الشافعي وأحمد ومالك. (^١)\nقلت: وإنما خالف الحنفية هنا فقالوا يقتضي الفساد في وصفه لا في أصله فبيع درهم بدرهمين يصحح بإسقاط الدرهم الزائد؛ لأن النهي متعلق به (^٢).\nرابعا: إن توجه النهي إلى المجاور أو ما يسمى بالمقارن غير اللازم.\nكالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة، والوضوء بماء مغصوب، فهذا يقتضي الفساد عند الحنابلة، ونقله في شرح التحرير عن الظاهرية والمالكية. (^٣)\nوإن يك الأمر عن النهي انفصل ... فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل\nوذا إلى الجمهور ذو انتساب ... وقيل بالأجر مع العقاب\nوقد روى البطلان والقضاء ... وقيل ذا فقط له انتفاء\nمثل الصلاة بالحرير والذهب ... أو في مكان الغصب والوضو انقلب\nومعطن ومنهج ومقبرة ... كنيسة وذي حميم مجزرة\nقال الآمدي: لا خلاف أنه لا يقتضي الفساد إلا ما نقل عن مالك وأحمد. قلت:\nما نقله عن مالك هو ما نقله عنه ابن العربي في المحصول، حيث حكى أن\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٣٩٧) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٣/ ٩٤) وما بعدها، ونشر البنود على مراقي السعود (١/ ٢٠٢) قال في المراقي مع شرحه:\nوجاء في الصحيح للفساد *** إن لم يجي الدليل للسداد\nبعدم النفع وزيد الخلل\nيعني: أن النهي لفظيا كان أو نفسيا، تحريما كان أو تنزيها في العبادات والمعاملات، مستلزم لفساد المنهي عنه والفساد ضد الصحة لكن المراد منه هنا لازمه وهو عدم الاعتداد بالمنهي عنه إذا وقع بمعنى الفساد في العبادات وقوعها على نوع من الخلل يوجب بقاء الذمة مشغولة بها ومعناه في المعاملات عدم ترتب آثارها عليها إلا أن يتصل بها ما يقرر آثارها على أصولنا في البيع وغيره.\n(^٢) شرح التلويح على التوضيح (١/ ٤٢١)\n(^٣) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٣/ ٩٤)","vol":"1","page":132},{"text":"أصحاب مالك رووا عنه قولين: ثم بين أن الصحيح من المذهب أن النهي على قسمين:\n- نهي يكون لمعنى في المنهي عنه.\n- ونهي يكون لمعنى في غيره.\nفإن كان لمعنى في المنهي عنه دل على فساده،\nوإن كان لمعنى في غير المنهي عنه فذلك يختلف، إلا أن الأغلب فيه أنه لا يدل على الفساد، (^١) لكن المنقول في معتمد المذهب الصحة. (^٢)\n\nومعنى قوله: إلى الجمهور، يعني: جمهور المالكية وغيرهم. فدل هذا على أن جمهور المالكية يرون هذا التفصيل وفاقًا للشافعي، لكن في المعاملات لهم تفاصيل حتى أن القرافي على تمكنه من المذهب يقول: قاعدة أهل المذهب أن النهي يدل على الفساد، وتفاريعهم تقتضي أنه يدل على شبهة الصحة.\nبل أطلق في الذخيرة اقتضاؤه للفساد في العبادات والمعاملات. (^٣)\nخامسا: إن توجه النهي إلى غير العقد بل إلى وسائله ونحوها.\nمثاله تلقي الركبان، أو نجش، أو سوم على سوم أخيه، أو خطبته، أو تدليس أو تصرية، فهذه الأمور: النهي متوجه فيها إلى غير العقد بل إلى وسائله، أومقدماته ونحوها.\nفهذا لا يفسد عند الأكثر منهم المذاهب الأربعة. (^٤)\n_________\n(^١) المحصول لابن العربي (ص: ٧١)\n(^٢) نشر البنود على مراقي السعود (١/ ١٧٩)\n(^٣) الذخيرة للقرافي (١/ ٨٦) نشر البنود على مراقي السعود (١/ ٢٠٣)\n(^٤) راجع شرح التلويح على التوضيح (١/ ٤٢٤) وما بعدها ونشر البنود على مراقي السعود (١/ ٢٠٢) وما بعدها والبحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٣٨٤) وما بعدها ومختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٣/ ٩٤) وما بعدها.","vol":"1","page":133},{"text":"الخلاصة: أن النهي توجّه إلى العين فهو يقتضي الفساد عند الأربعة، والظاهرية وغيرهم.\nوإذا توجه إلى وصف لازم اقتضى الفساد عندهم كذلك، سوى أبي حنيفة.\nوإذا توجه النهي إلى العقد لوصف خارجي قارنه، اقتضى الفساد عند الحنابلة، والظاهرية فقط، ونقل عن المالكية في قول.\nوإذا توجه إلى أمر غير العقد بل إلى مقدماته كالسوم على سوم أخيك، فلا يقتضي الفساد عند الكل وينظر الظاهرية.\nواعلم أن في الأصول أقوال أخرى، لكن ما ذكرته لك هو الزبدة، فإن الكلام منتشر جدا في هذا الموضع، أما في الفروع فهو أكثر انتشارا؛ نظرا للاختلاف في تطبيق القاعدة في ذلك الفرع المعين، فتجد مخالفات في كل مذهب لأصله في القاعدة، وسبب ذلك ليس عدم عمله بالقاعدة، بل لورود ما يعارضها في ذلك الفرع المعين، فتتنازع عنده المدارك فيختلف الحكم.","vol":"1","page":134},{"text":"وترد، أي: توجد صيغة الأمر والمراد به، أي بالأمر: الإباحة كما تقدم.\nأو التهديد نحو ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾\nأو التسوية نحو ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾، أو التكوين نحو: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>من معاني صيغة الأمر:</span>\n١ - قوله: \"وترد صيغة الأمر والمراد به الإباحة ... \"، لصيغة الأمر عند الاطلاق والتجرد معنى واحد في خطاب الشرع هو الوجوب، وقد تقدم.\nوإذا دلت قرينة على غير الوجوب حمل عليه، ولا يُحمل على غير الوجوب إلا بقرينة صارفة، وقد ورد الأمر لأكثر من ثلاثين معنى بحسب القرائن الدالة عليه، ذكر المصنف بعضها اختصارًا وتسهيلًا على المبتدئ.\n٢ - قوله الإباحة: مثالها ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥]. فهذا أمر مقصوده الإباحة والامتنان، بدلالة رغدا، ودلالة حيث شئتما، ولأنها وردت مورد الامتنان وهذا دليل على الاباحة.\n٣ - مثّل للتهديد بقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. ودلالتها على التهديد واضحة؛ لأن لو كان تكليفا بالوجوب أو الندب لاقتضى نقض الشرع، في التكليف بالواجبات.\n٤ - وأما التسوية فمثاله قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]. والقرينة الصارفة لها هي الحال، بدلالة حال أهل النار المخاطبين بهذا، فهو لا يقصد خطاب إيجاب عليهم؛ لأنه لا تكليف في الآخرة، ولقرينة ختام الآية (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ).","vol":"1","page":135},{"text":"٥ - وأما التكوين في قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] فليس مقصوده تكليفهم أن يكونوا قردة، فهذا مما لا قدرة للإنسان به، وإنما مراده الأمر التكويني الصادر من الله ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>العام والخاص</span>","vol":"1","page":137},{"text":"وأما العام فهو ما عمّ شيئين فصاعدًا من غير حصر،\nمن قوله عممت زيدًا وعمرًا بالعطاء، وعممت جميع الناس بالعطاء أي شملتهم به، ففي العام شمول.\nوألفاظه الموضوعة له أربعة:\n١_ الاسم الواحد المعرف بالألف واللام، نحو ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَءَامَنُوا﴾.\n٢_ واسم الجمع المعرف باللام\nنحو ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾\n٣_ والأسماء المبهمة كمن فيمن يعقل، كمن دخل داري فهو آمن، وما فيما لا يعقل، نحو ما جاءني منك أخذته.\nوأي استفهامية أو شرطية أو موصولة في الجميع، ...\nأي من يعقل وما لا يعقل، نحو أي عبيدي جاءك أحسن إليه،\nوأي الأشياء أردت أعطيتكه.\nوأين في المكان نحو أين ما تكن أكن معك.\nومتى في الزمان، نحو متى شئت جئتك.\nوما في الاستفهام، نحو ما عندك؟\nوالجزاء، نحو ما تعمل تجز به.\nوفي نسخة والخبر بدل الجزاء نحو علمت ما عملت.\nوغيره كالخبر على النسخة الأولى والجزاء على الثانية.\n٤_ ولا في النكرات نحو لا رجل في الدار.","vol":"1","page":139},{"text":"<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>العام ذكر فيه ثلاثة أمور:</span> الأول: تعريفه، الثاني: ألفاظه، الثالث: محله.\nقوله: \"وأما العام\" العطف على ما سبق من التقاسيم وأل للعهد الذكري.\nقوله: \"فهو ما عمّ شيئين فصاعدًا من غير حصر\"، فيه أمور:\n- أحدها قوله \"ما\": أي لفظ عم شيئين.\n- ثانيها: أخذ كلمة \"عم\" في تعريف العام فيه دور، والذي عليه جماعات من الأصوليين \"ما استغرق\".\n- ثالثها قوله: عم بمعنى الشمول والاستغراق؛ ليخرج المطلق فعمومه بدلي لا استغراقي.\n- رابعها قوله: من غير حصر؛ ليخرج المحصور نحو عشرة، وألف، ونحو ذلك من أسماء الأعداد.\nقوله: \"وألفاظه الموضوعة له أربعة\"، فيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>المسألة الأولى: إن للعموم صيغة كما يدل عليه كلامه، وفي هذه المسألة مذاهب </span>(^١)\n١. المذهب الأول: أن للعموم صيغة، وهذا هو المذهب المنقول عن الشافعي ﵀، وعليه تظافر كلامه تصريحًا وتلويحًا في سائر كتبه، كالرسالة (^٢)\n_________\n(^١) التلويح على التوضيح ١/ ٨٧، وتيسير التحرير ١/ ١٩٧، وفواتح الرحموت ١/ ٢٥٩، وراجع نثر الورود ١/ ٢٥١، والمذكرة للشنقيطي ٢٠٤، وشرح الكوكب المنير ٣/ ١٠٨، والأحكام لابن حزم ١/ ٣٣٨.\n(^٢) الرسالة، ص ٢٩٥ - ٣٢٢.","vol":"1","page":140},{"text":"وغيرها. وعلى هذا المذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والظاهرية، وعامة المتكلمين.\n٢. المذهب الثاني: أن هذه الصيغ حقيقية في الخصوص، مجاز في العموم، وهو محكي عن الجبائي، والبلخي، والثلجي، ويسمى هذا مذهب أرباب الخصوص، والأول مذهب أرباب العموم (^١).\n٣. المذهب الثالث: أنها مشتركة بين العموم والخصوص، وهو قول أبي بكر الباقلاني، والأشعري في أحد قوليه.\n٤. المذهب الرابع: الوقف وهو للأشعري، ونسب القول بالوقف للباجي، وهناك مذاهب أخرى ضمنتها المطولات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>الثانية: يستفاد من صيغ العموم أن مدلولها كليةٌ، وليس (كل)</span>\nوذلك أن صيغ العموم تستغرق أفرادها فردًا فردًا، وهذا هو معنى الكلية؛ إذ هي المحكوم فيها على كل فرد فرد، لا يبقى فردٌ إثباتًا أو سلبًا بالمطابقة، كالقواعد الكلية كما صرح به أرباب الأصول. (^٢)\nفنحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، بمنزلة اقتلوا زيدًا المشرك، وعمرًا المشرك، وبكرًا المشرك ... الخ.\nوهو كقولنا: كل رجل يشبعه رغيفان. أي كل واحد على انفراده.\nأما كونه ليس كليًا؛ فلأن الكلي ما اشترك في مفهومه كثيرون، كالحيوان والإنسان من غير نظر إلى الأفراد، نحو الرجل خير من المرأة، أي: حقيقته أفضل من حقيقتها،\n_________\n(^١) أحكام الآمدي ٢/ ٢٩٣، واختار الآمدي القول بحمل هذه الألفاظ على الخصوص؛ لأنه اليقين والوقف فيما زاد على ذلك.\n(^٢) تيسير التحرير ١/ ١٩٣، نفائس الأصول للقرافي ٤/ ٢٩٩، الجمع مع شرح البناني ١/ ٤٠٥، الكوكب المنير ٣/ ١١٢.","vol":"1","page":141},{"text":"وكثيرًا ما يفضل بعض أفرادها بعض أفراده.\nأما كونه ليس كلًا؛ فلأن الكل حكمه متجه للكل، فهو حكمٌ على المجموع لا على الأفراد فرد فرد، كأسماء الأعداد فقولنا كل رجل يحمل الصخرة العظيمة، أي: المجموع لا كل واحد على انفراده.\nفصيغة العموم للكلية، ويقابلها الجزئية.\nوالجزئية كقولنا: بعض العدد زوج.\nوصيغة المطلق والنكرات للكلي، ويقابلها الجزئي، مثل: إنسان كلي، والجزئي هي الأعلام نحو: زيد، وعمرو.\nوأسماء الأعداد للكل، ويقابله الجزء. والجزء ما دخل في تركيب الكل .. نحو عشرة كل، والخمسة جزء منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>الثالثة: قوله ألفاظه احتراز عما يستفاد به العموم من غير هذه الطريق</span>.\nطريق استفادة العموم من الألفاظ الموضوعة له.\nوقد تكلم عنها جماعات من أهل الأصول كالشاطبي وغيره من أصحاب المبسوطات، كاستفادته من الاستقراء لجزئيات الشريعة في قضية معينة، وغير ذلك مما هو مبسوط في المطولات، كالعموم المستفاد بالعرف وبالعقل (^١).\nقوله: الموضوعة له أربعة (^٢):\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي ٣/ ٢٦٤، وشرح الكوكب المنير ٣/ ١١٥.\n(^٢) راجع رفع الحاجب لابن السبكي ٣/ ٨٦، وتحفة المسئول على ابن الحاجب للرهوني ٣/ ٨٣ وشرح المنهاج للأسنوي والبدخشي ٢/ ٣٩٨ وتشنيف المسامع للزركشي ١/ ٣٣٥ والتقرير والتحيير على التيسير بن الهمام ١/ ٢٣٢ والآيات البينات لابن القاسم ٢/ ٣٦٦.","vol":"1","page":142},{"text":"حصرها في هذه الأربعة لأن الجميع راجع إليها لا يخرج عنها فهو إما اسم مبهم أو منكر، أو معرف جمعًا وإفرادًا، أو منفي بلا، أما كل وجميع فلم يذكرهما.\nواعلم أن العموم إما أن يكون بحسب اللغة، وإما أن يكون بحسب العرف، وإما أن يكون بحسب العقل:\nالأول: العموم باللغة، وهو نوعان: إما أن يدل بنفسه، وبقرينة تنضم إليه.\nفالعموم لغة بنفسه:\n- إما أن يتناول جميع ذوي العقول وغيرهم، كـ \"أي\" للكل، وكل، وجميع.\n- وإما أن يتناول ذوي العقول - فقط-، كـ \"مَنْ\".\n- وإما أن يتناول غير ذوي العقول، نحو: \"ما\" لغير العالمين.\n- وإما أن يتناول المكان خاصة، نحو: \"أين\" للمكان.\n- وإما أن يتناول الزمان، نحو: \"متى\" للزمان.\nوالعموم لغة بقرينة:\n- في الإثبات كالجمع المحلى بالألف واللام، والجمع المضاف نحو \"أولادكم\"، وكذا اسم الجنس المحلى بالألف واللام \"النحل\"، والمضاف نحو \"عن أمره\".\n- أو بقرينة في النفي كوقوع النكرة في سياق النفي نحو لا رجل في الدار.\nالثاني: وأما العموم عرفًا، فمثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فإن التحريم يدل على تحريم عين الأمهات وليس مرادا، بل المراد تحريم عموم الاستمتاع، فإن العرف يفيد تحريم وجوه الاستمتاعات التي تفعل بالزوجة، وليس ذلك مأخوذا","vol":"1","page":143},{"text":"من مجرد اللغة (^١).\nالثالث: وأما العموم عقلًا كترتيب الحكم على الوصف فيدخل فيه القياس، فعمومه للحكم المسكوت عنه في الفرع ليس باللفظ لكن بالعلة (^٢).\nفالمصنف ﵀ ذكر النوع الأول ولم يتعرض لغيره.\nتنبيه: نسب الآمدي وجماعة من أهل الأصول القول بأنه ليس للعموم صيغة للمرجئة، (^٣) وعلل ذلك الإمام الجصاص في أصوله بأنهم (^٤): \"إنما ذهبوا هذا المذهب؛ لأن الوعيدية من المعتزلة وغيرهم ألزموهم في المناظرة بآيات؛ لعموم الآيات الدالة على دخول العاصي النار والخلود فيها، وهي ألفاظ تعم المسلم والكافر، فحتى يدفعوا هذا الإلزام النافي لمذهبهم لجأوا إلى إنكار أن هناك صيغة للعموم تدل عليه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>الرابعة قوله: \"الاسم- الواحد- المعرف بالألف واللام</span>\"\nأي المفرد المحلى باللام للعموم، ما لم يتحقق عهد لتبادره إلى الذهن (^٥)\nنحو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: كل بيع، وخص منه الفاسد كالربا خلافًا للإمام الرازي في نفيه العموم عنه مطلقًا، فهو عنده للجنس الصادق ببعض أفراده كما في \"لبست الثوب وشربت الماء\"؛ لأنه المتيقن ما لم تقم قرينة على العموم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢].\n_________\n(^١) انظر النهاية لصفي الدين الهندي ٣/ ١٢٣٢ البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٨٢).\n(^٢) شرح المنهاج للأصفهاني ١/ ٣٥٤.\n(^٣) إحكام الأحكام ٢/ ٢٩٣ وهداية العقول شرح الغاية في الأصول لابن الإمام القاسم ٢/ ٤٠٠ وفي حاشيته تفسير المعنى بذلك بقوله: \"محمد بن المثنى من المالكية ومحمد بن شجاع من الحنفية وغيرهما\" وقد سبقت الإشارة إلى هؤلاء وتحفة المسئول على ابن الحاجب للرهوني ٣/ ٨٣\n(^٤) أصول الجصاص ١/ ١٠٠.\n(^٥) شرح المحلى على الجمع بحاشية البناني ١/ ٤١٣.","vol":"1","page":144},{"text":"وكذا المفرد المضاف إلى معرفة للعموم على الصحيح ما لم يتحقق عهد نحو: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]. أي: كل أمر الرسول وخص منه أمر الندب، وهذا المذهب هو مذهب الشافعي، والأكثرية، ونقله الرازي عن الفقهاء والمبرد وهو مذهب الحنفية، (^١) والمالكية، (^٢) والحنابلة، (^٣) وغيرهم (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>الخامسة قوله: واسم الجمع المعرف باللام </span>(^٥)\nنحو ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]\nأو الإضافة نحو ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]؛ لتبادره إلى الذهن ما لم يتحقق عهد خلافًا لأبي هاشم مطلقًا، ولإمام الحرمين في نفيه العموم عنه إذا احتمل معهودًا فهو عنده باحتمال العهد متردد بينه وبين العموم حتى تقوم قرينة، أما إذا تحقق عهد صرف إليه جزمًا. وهذا هو مذهب الجميع إلا من أشرنا إليه.\nتنبيه: واعلم أن الرازي يخالف في عموم الاسم المفرد المعرف بالألف واللام، لا في المضاف كما نبه عليه الأسنوي (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>السادسة: فروع مبنية على مسألة المفرد المعرف والمفرد المضاف </span>(^٧):\n١ - الاستدلال على بطلان ما فيه غرر: (نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر) (^٨)\n_________\n(^١) فواتح الرحموت ١/ ٢٦٠.\n(^٢) نثر الورود ١/ ٢٥٦.\n(^٣) شرح الكوكب المنير ٣/ ١٣٢ ..\n(^٤) المصدر نفسه ٣/ ١٣٢.\n(^٥) هداية العقول شرح الغاية لابن الإمام القاسم ٢/ ٢٠٤.\n(^٦) التمهيد للاسنوي ٣٢٨.\n(^٧) التمهيد للأسنوي ٣٢٩.\n(^٨) أخرجه مسلم في صحيحه، برقم: (١٥١٣).","vol":"1","page":145},{"text":"٢ - وعلى بطلان بيع اللحم بالحيوان مأكولًا كان أو غير مأكول؛ لحديث (نهى عن بيع اللحم بالحيوان) (^١).\n٣ - وعلى نجاسة الأبوال كلها، بقوله: (تنزهوا من البول) (^٢)، وفي الصحيح (كان لا يستنزه من البول) (^٣).\n٤ - ومنه: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (^٤) يعني: أي أمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>السابعة: فروع مبنية على مسألة الجمع المعرف والجمع المضاف </span>(^٥):\n١ - (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) في التشهد: (فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض) (^٦).\n٢ - ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. أي: كل محسن.\n٣ - ﴿فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ١٨]. أي: كل واحد منهم.\n٤ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. في الإضافة أي: كل أم لكم.\n٥ - ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١].\n٦ - أفتى العلماء بحرمة التلقيب بـ (ملك الملوك)؛ لهذا المدرك (^٧)، وقد جاء في الحديث (إن أخنع اسم عند الله تعالى رجل يسمى ملك الأملاك) (^٨).\nولهذا أجاب الماوردي على علماء بغداد سنة ٤٢٩ هـ، لما استولى أحد\n_________\n(^١) عند مالك في الموطأ في البيع ٢٧.\n(^٢) عند الدارقطني ١/ ١٢٧، وقال عنه الألباني: صحيح لغيره. صحيح الترغيب، برقم: (١٥٩).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، برقم: (٢٩٢).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٤٤٢٥)، ومسلم في صحيحه، ١/ ٣٠٢\n(^٥) شرح الكوكب المنير ٣/ ١٣٠ الجمع مع شرح البناني ١/ ٤٠٥\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (١٢٠٢).\n(^٧) التمهيد للأسنوي ٣١١ - ٣١٢.\n(^٨) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٦٢٠٦)، ومسلم في صحيحه، برقم: (٢١٤٣).","vol":"1","page":146},{"text":"الملوك على بغداد لقب نفسه شاه شاه الأعظم ملك الملوك، وخطب له بذلك على المنبر واستفتي العلماء فأجاز بعضهم، ورد عليهم الماوردي ﵀ عليه وعلى الجميع؛ لأن إضافة ملك الملوك تدل على العموم وكذا الألف واللام.\n٧ - هل يجوز الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بمغفرة جميع الذنوب أو بعدم دخولهم النار؟ أفتى القرافي بالمنع، ونقله عن شيخه ابن عبد السلام؛ لإفادتها العموم مع القطع بإخبار الله عن دخول بعضهم النار.\n٨ - ومنه احتجاج الشافعي على كفارة الغموس: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>الثامنة: من صيغ العموم الأسماء المبهمة وما يتعلق بها:</span>\nقوله: \"الأسماء المبهمة\" (^٢)، أما الموصولات فلأنها لا يعلم معانيها منها بالتعيين وإن اعتبر في معانيها الإشارة إلى التعيين، وإنما تعرف معانيها من الصلة، وأما غيرها فلأنها لا تدل على معين.\nوقوله \"كمن\": أتى بالكاف؛ إشارة إلى عدم الحصر إذ منها: حيثما، والذي، والتي.\nقوله: \"كمن فيمن يعقل\": نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ونقول في الاستفهام: من الذي عندك؟\nقوله: \" وما فيما لا يعقل\" نحو قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. ونقول في الاستفهام: ما عندك؟\n\"\n_________\n(^١) مفتاح الوصول لابن التلمساني ص ٧٠.\n(^٢) ابن قاسم في الشرح الكبير ٢/ ١٠١ - ١٠٨","vol":"1","page":147},{"text":"واستعمال من\" فيمن يعقل، و\"ما\" فيما لا يعقل شائع قد ورد في الكتاب والسنة وكلام العرب (^١).\nفائدة: عدل البيضاوي في المنهاج عن قولهم من في العاقل وإن كانت هذه المشهورة إلى قوله من للعالمين بكسر اللام \"لمعنى حسن غفل عنه الشارحون ذكره ابن عصفور في شرح المقرب وغيره، وهو أن من يطلق على الله تعالى كقوله تعالى: (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) وكذلك أي كقوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ) (الأنعام: ١٩) والباري ﷾ يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل، فلو عبر به لكان تعبيرًا غير شامل\" (^٢).\nقوله: وأي استفهامية أو شرطية موصولة في الجميع:\nنحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢٠]. وقوله ﷺ: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل) (^٣) في العاقل وفي غيره: ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ﴾ [القصص: ٢٨]. وفي الاستفهام أي وقت تخرج؟\nقال ابن العراقي: \"وأي\" عامة فيما تضاف إليه من الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، ومنه: أي امرأة نكحت نفسها ... \" وإنما قيدها المصنف بالاستفهامية أو الشرطية أو الموصولة لتخرج الصفة، نحو مررت برجل أي رجل، والحال نحو: مررت بزيد أي رجل\" (^٤)\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير ٣/ ١٢٠ - ١٢٢. ابن قاسم في الشرح الكبير ٢/ ١٠١ - ١٠٨\n(^٢) شرح المنهاج للأسنوي مع شرح البدخشَي ٢/ ٣٩٨\n(^٣) أخرجه الترمذي في سننه، برقم: (١١٠٢) وغيره، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.\n(^٤) شرح الكوكب المنير ٣/ ١٢٢.","vol":"1","page":148},{"text":"وهذه القيود الثلاثة في من وما؛ ليخرج الموصوفة نحو: مررت بمن معجب لك، وما إذا كانت نكرة موصوفة نحو: مررت بما معجب لك أي شيء. (^١)\nتنبيه: خالف الأسنوي في دعوى عدم عموم (أي ومن) الموصولتين نحو: \"مررت بمن قام، أي: بالذي قام\" قال الجلال: وهو صحيح في هذا ونحوه مما قامت فيه قرينة الخصوص لا مطلقًا\" (^٢) ا. هـ.\n\nقوله: \"وأين في المكان\" وحيثما: شرطيتين، وتزيد أين بالاستفهام.\nقوله: \"ومتى في الزمان\" استفهامية أو شرطية، نحو: متى تجيئني؟ (^٣) والشرطية كما مثل\nقوله: \"وما في الاستفهام والجزاء\" أعادها؛ لأنه لم يذكر هذا سابقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>التاسعة: النكرات في سياق النفي أو النهي</span>.\nقوله: \"في النكرات\" ويعبر الأصوليون عنه بقولهم: النكرة في سياق النفي أو نحوه ويقصدون النهي، وإنما اقتصر المصنف على لا؛ لأنها أم الباب، ولعدم خفائها، وتخفيفًا على المبتدئ، وليكون ما ذكره له قاعدة.\nوقول المصنف: ولا في النكرات، وقول غيره: \"النكرة في سياق النفي\"، هذا التركيب هو المفيد للعموم. فالنكرات استفادت العموم من النهي أو النفي المنصوب بواسطة لا وأخواتها.\n_________\n(^١) شرح ابن قاسم الكبير ٢/ ١٢٣ وشرح الأسنوي على المنهاج ٢/ ٣٩٨\n(^٢) شرح ابن قاسم الكبير ٢/ ٦٠٣ وشرح الأسنوي على المنهاج ٢/ ٣٩٨ وشرح الجلال على الجمع مع البناني ١/ ٤٠٥\n(^٣) المراجع السابقة.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>العاشرة: دلالة النكرة في سياق النفي على العموم</span>.\nأولا: وهي من حيث دلالتها على العموم، قسمان: قسم يكون نصًا، وصورته ما إذا بنيت فيه النكرة على الفتح لتركبها مع لا، نحو: لا إله إلا الله (^١)\nوله صورة أخرى، وهي: زيادة من على النكرة، نحو قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وما في الدار من رجل.\nومن صوره كذلك (^٢) \" إن كانت النكرة صادقة على القليل والكثير كشيء، أو ملازمة للنفي كديار، وعريب ونحو أحد، إذا لم تقدر همزته بدلًا من واو (^٣) \".\nوما عدا هذه الصور تفيد العموم من باب الظهور لا النص، نحو: \"ما في الدار رجل\" وأفادت هذه العموم مذهب سيبويه (^٤).\nثانيًا: إذا وقعت النكرة في سياق الشرط كانت للعموم أيضًا، صرح به في البرهان وارتضاه الأبياري في شرحه، واقتضاه كلام الآمدي وابن الحاجب في مسألة لا آكل (^٥).\nثالثًا: تقدم أن النفي كالنهي فيما تقدم، وخالف بعضهم في أنها في سياق النفي ليست للعموم، وهو مخصوم بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]. ردًا على من قال: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]؛ لأنه لو لم يكن عامًا لما حصل به الرد (^٦)\n_________\n(^١) شرح ابن قاسم الكبير ٢/ ٦٠٣ وشرح الأسنوي على المنهاج ٢/ ٣٩٨ وشرح الجلال على الجمع مع البناني ١/ ٤٠٥.\n(^٢) شرح المنهاج للأسنوي مع البدخشي ٢/ ٤٠٣.\n(^٣) شرح ابن قاسم الكبير ٢/ ١١١.\n(^٤) شرح المنهاج للأسنوي مع البدخشي ٢/ ٤٠٣.\n(^٥) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٣/ ١٤١).\n(^٦) شرح الكوكب المنير ٣/ ١٣٦ - ١٣٧.","vol":"1","page":150},{"text":"ومن أوضح الأدلة على المسألة، كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، \"فلو لم يكن صدر الكلام نفيًا لكل معبود بحق لما كان إثبات الواحد الحق تعالى توحيدًا \" (^١).\nرابعا: هل تفيد النكرة في سياق النفي العموم وضعًا أم لزومًا؟ (^٢)\nبمعنى: هل إفادتها للعموم على كل فرد مطابقةً بالوضع العربي؟ أم أنها تفيد استغراق الماهية الجنسية مطابقةً وأفرادها على طريق التضمن واللزوم؟ كونهم يدخلون تحت مسمى الماهية.\n- الأول: مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك، والجمهور، وحققه القرافي رحمه الله تعالى.\n- والثاني: منسوب إلى أبي حنيفة والسبكي تقي الدين والد تاج الدين، وتظهر ثمرة الخلاف في التخصيص بالنية، فيجوز على مذهب الشافعي وغيره لا على مذهب أبي حنيفة في مسألة: والله لا آكل، فالشافعي يقول الحذف للمفاعيل يعم، وهو مذهب الجمهور المالكية، والحنابلة، وأبي يوسف من الحنفية وغيرهم.\nوالمسألة مفروضة في نحو: والله لا آكل وإن أكلت فأنت طالق. فيحنث بأي أكل، وتطلق بأي أكل كذلك، وهذا متفق عليه بين الفريقين.\nوإنما اختلفوا في التخصيص بالنية لا التخصيص باللفظ فلا خلاف بينهم، فأبو حنيفة يقول: لا تخصيص بالنية، وحجته أنه ليس بملفوظ ولا في حكم الملفوظ والعموم، إنما هو من عوارض الألفاظ، وإنما استفدنا حنثه بعموم الأكل، وكذا طلاقها\n_________\n(^١) التلويح على التوضيح للسعد ١/ ٩٨.\n(^٢) راجع نهاية الوصول للأرموي الهندي ٤/ ١٣٧٦ والآمدي ٢/ ٢٥١ نهاية السول ٢/ ٧٣ وشرح الكوكب المنير ٣/ ٢٠٤ والمستصفى ٢/ ٦٢ تيسير التحرير ١/ ٢٤٧ - الإبهاج ٢/ ١١٧ وغيرها، كرفع الحاجب والغاية لابن الإمام القاسم ٢/ ٢٣.","vol":"1","page":151},{"text":"بالعموم العقلي لا بالعموم اللفظي، واحتج كذلك أن النفي إنما هو للماهية لا للأفراد بمعنى أنها للقدر المشترك ولا يدخله تخصيص.\nوأدلة الجمهور:\nأنه لو قال: إن أكلت أكلًا فأنت طالق، أو قال: والله لا آكل أكلًا، ونوى مأكولًا بعينه فإنه لا يحنث بغيره إجماعًا.\nفكذا لو قال إن أكلت فأنت طالق، أو قال: والله لا آكل؛ لأن الأول إنما قبل فيه التخصيص عنده؛ لوجود المصدر الذي يتناول القليل والكثير، وهو موجود في الفعل ضمنًا ضرورة أنه مشتق منه والمضمر كالملفوظ، بدليل أنه لو قال لامرأته: طلقي نفسك ونوى ثلاثًا فإنه تقع نيته إجماعًا\" (^١).\n\nقوله: لا رجل في الدار (^٢)\nومن الأمثلة من القرآن: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. وقوله: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١]. وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢]. وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٥١]. وقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. [البقرة: ١٨٨]. والأفعال تنحل مصدرًا، أي: لا طغيان لا قتل لا زنا لا أكل ... الخ.\n\" لأن نفي الفعل نفي لمصدره\" (^٣).\n_________\n(^١) المراجع السابقة.\n(^٢) شرح الكوكب المنير ٣/ ١٣٧.\n(^٣) نثر الورود للشنقيطي ١/ ٢٥٦.","vol":"1","page":152},{"text":"والعموم من صفات النطق ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه، كما في جمعه - ﷺ - بين الصلاتين في السفر رواه البخاري، فإنه لا يعم السفر الطويل والقصير، فإنه إنما يقع في واحد منهما.\nوكما في قضائه - ﷺ - بالشفعة للجار. رواه النسائي عن الحسن مرسلًا، فإنه لا يعم كل جار، لاحتمال خصوصية في ذلك الجار.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>العموم من عوارض الألفاظ</span>، أي: من خصائصها؛ لأن العرب وضعت ألفاظا معينة تدل على العموم، وقد استقرأها العلماء، وتقدم الكلام عما ذكره المصنف من هذه الألفاظ قبل قليل.\nوبقي هنا أن نجيب على تساؤل: هل يمكن استفادة العموم من غير الالفاظ؟\nوالمصنف عليه رحمة الله عقد هذا المبحث للجواب عن هذا السؤال، وخلاصة ما ذكره أن العموم لا يستفاد إلا من النطق فقط، وأنه لا عموم في الأفعال.\n١_ مثاله: صلى رسول الله ﷺ في الكعبة (^١)، (فصلى): فعل ليس فيه ما يدل على العموم حتى يشمل صلاة الفرض والنافلة.\nولو قال ﷺ ذلك بالقول، مثلا: الصلاة في الكعبة جائزة أو نحو ذلك، لعم صلاة الفرض والنفل؛ لأن أل في الصلاة من ألفاظ العموم.\nوبهذا رد الشافعية على الحنفية في مسألة تجويزهم صلاة الفرض في الكعبة استدلالا\n_________\n(^١) جاء في الحديث أن ابن عمر سأل بلالًا ﵄، فقال: \"يا بلال، صلى رسول اله ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم .. \"والحديث متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (١١٦٧)، واللفظ له، ومسلم في صحيحه، برقم: (١٣٢٩).","vol":"1","page":153},{"text":"بهذا الحديث، والحنفية لم يقولوا أن الفعل له عموم، لكن وجه الحاقهم الفرض بالنفل هو القياس أو معنى النص (^١).\n٢_ وأما المثال الآخر فهو حديث: (قضى النبي ﷺ بالشفعة للجار) (^٢)، (وقضى) فعل في مكان معين وشخص معين، فلا يستفاد منه العموم؛ لأن الفعل له زمن معين ومكان معين، وعليه فلا يستدل بهذا الحديث على جواز الشفعة لكل جار، لعدم إفادته العموم لأنه فعل، والأفعال لا عموم لها.\nوإنما يستدل به من استدل وهم الحنفية لا لعمومه، بل من جهة القياس على ذلك الجار؛ لأن لفظة الجار مشعرة بالتعليل.\nتنبيه: أفعال النبي ﷺ هي تشريع عام للأمة إلى يوم القيامة، وعمومها بدليل آخر لا بدلالة الفعل على العموم فإنه لا يدل، والأدلة على اتباعه والاقتداء بأفعاله كثيرة من الكتاب، والسنن، وأفعال الصحابة بلا خلاف.\nإذا فالعموم في الأصل يستفاد من الألفاظ الدالة عليه. هذا هو أصل القاعدة لكن قد يستفاد العموم بمعنى النص أو علة النص، فالأول كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]. دخل فيه قطعًا الضرب، مع أنه ليس مشمولا باللفظ العام، لكن عمه المعنى.\nوأما الثاني: فقياس النقود الورقية المعاصرة على الذهب والفضة في الربا؛ لأن العلة هي كونها قيم الأشياء، وهذه متحققة في النقود الورقية المعاصرة.\n_________\n(^١) شرح التلويح على التوضيح (١/ ١١٦).\n(^٢) مسند أحمد ط الرسالة (٢/ ٢٤٥) عن علي، وابن مسعود: \" قضى رسول الله ﷺ بالجوار \"","vol":"1","page":154},{"text":"وهناك عموم المحذوفات أو المتعلقات كما تقدم قبل قليل في مسألة: (والله لا آكل)، ... فإنه لو أكل أي طعام يحنث؛ لأن هناك عموما يعم كل محذوف تقديره لا آكل أي طعام.\nوفي عموم المقتضى خلاف، وكذلك عموم المشترك، والشافعي يقول بعموم المشترك نحو: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فاللمس مشترك على اللمس باليد والجماع، ومن العجب أن الغزالي في المستصفى تعقّب إمامه الشافعي في هذا وغيره فقال: مسألة الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه: عندنا خلافا للقاضي، والشافعي؛ لأن المشترك لم يوضع للجمع، مثاله القرء للطهر، والحيض، والجارية للسفينة، والأمة، والمشترى للكوكب وقابل البيع (^١)، ثم ناقش المسألة ورجع في بعض إلى رأي الشافعي.\nوليس هذا الموضع الوحيد الذي يتعقب بل في غيره، فمثلا: قال ناقدا قاعدة الشافعي الشهيرة ترك الاستفصال: \"فإن قيل ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم، وهذا من كلام الشافعي قلنا: من أين ذلك؟ ولعله - ﵇ - عرف خصوص الحال فأجاب بناء على معرفته، ولم يستفصل، فهذا تقرير عموم بالوهم المجرد.\" (^٢)\nومفهوم المخالفة عام لكن مستفاد من جهة المعنى، وإنما الخلاف في عمومه قائم هل له عموم لفظي بناء على أن العموم للألفاظ لا المعاني أو للمعاني والألفاظ؟\n_________\n(^١) المستصفى (ص: ٢٤٠)، وهذا يدل أن الغزالي في الأصول مجتهد مستقل، وأما في الفروع فالمذهب يكبله، مع قدرته على أن يكون له قوله ومذهبه الفقهي، لكن سلطان العادات الجارية حينئذ شكلت خطرا كبيرا على كل من استقل بالرأي الفقهي.\n(^٢) المستصفى (ص: ٢٣٥).","vol":"1","page":155},{"text":"فالخلاف لفظي قال زكريا: وأما من جهة المعنى فهو شامل لجميع صوره ما عدا المذكور بما مر من عرف وإن صار به منطوقا أو معنى (^١)\n_________\n(^١) غاية الوصول في شرح لب الأصول (ص: ٧٦).","vol":"1","page":156},{"text":"والخاص يقابل العام، فيقال فيه ما لا يتناول شيئين فصاعدًا من غير حصر، نحو رجل ورجلين وثلاثة رجال. والتخصيص تمييز بعض الجملة أي إخراجه كإخراج المعاهدين من قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>الخاص وتعريفه وشرح التعريف</span>.\nقوله: \"والخاص يقابل العام\" .. أي: مقابله في التقسيم المنهجي الأصولي، كما أن المقيد مقابل المطلق، والمجمل مقابل المبين، وبين المتقابلين ارتباط وعلاقة دلالية. وهذا ما جعلهما متقابلين.\nقوله: \"فيقال\"، الفاء تفريعية على كلامه أنه مقابل للعام، أي: فبناء على هذا التقابل يكون تعريف الخاص أخص من تعريف العام، فإذا كان العام شرطه أن يتناول شيئين فصاعدا من غير حصر، فالخاص ليس من شرطه ذلك، بل قد يتناول واحدا فقط أو اثنين أو أكثر لكن بشرط الحصر.\nولذلك مثّل له برجل واحد، وبرجلين، وبثلاثة رجال، فهذا كله خاص لأنه محصور بعدد معين. إذا فالخاص ما تناول محصورا.\nقوله: \"التخصيص\" .... هو الفعل أو الأثر المترتب على الخاص؛ لأن الخاص لما تناول محصورا، والعام تناول غير محصور ... فإن كان تناولهما لما تناولاه توارد على نفس المحل فهنا يحصل التعارض بين الخاص والعام وترتب على ذلك ما يسمى بالتخصيص.\nوهو إخراج بعض أفراد العام، وهو ما عبر عنه المؤلف بقوله: \"تمييز بعض الجملة\"، ثم فسر التمييز بالاخراج. مثاله: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]","vol":"1","page":157},{"text":"فهذا عام بدلالة دخول الألف والام على الجمع، فيعم كل مشرك، لكن يخرج منه المعاهدون بدليل خاص وهو: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ [التوبة: ٤].\nومثاله كذلك: حديث: (فيما سقت السماء العشر) فهذا عام في كل ما سقته السماء قل أو كثر، لكن خصه حديث: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (^١)\n_________\n(^١) سيأتي تخريج الحديثين.","vol":"1","page":158},{"text":"وهو ينقسم إلى متصل ومنفصل: فالمتصل الاستثناء وسيأتي مثاله.\nوالشرط نحو أكرم بني تميم إن جاؤوك، أي الجائين منهم.\nوالتقييد بالصفة، نحو أكرم بني تميم الفقهاء.\nوالاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في الكلام، نحو جاء القوم إلا زيدًا.\nوإنما يصح الاستثناء بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء نحو له عليَّ عشرة إلا تسعة، فلو قال إلا عشرة، لم يصح، وتلزمه العشرة.\nومن شرطه أن يكون متصلًا بالكلام، فلو قال جاء الفقهاء، ثم قال بعد يوم إلا زيدًا، لم يصح.\nويجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، نحو ما قام إلا زيدًا أحدٌ.\nويجوز الاستثناء من الجنس كما تقدم. ومن غيره، نحو جاء القوم إلا الحمير.\nوالشرط المخصص، يجوز أن يتقدم على المشروط نحو إن جاءك بنو تميم فأكرمهم.\nوالمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، كما في كفارة القتل.\nوأطلقت في بعض المواضع، كما في كفارة الظهار، فيحمل المطلق على المقيد احتياطًا.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\nهذا المبحث معقود لبيان أقسام الدليل المخصص، وهو ما يعرف بالمخصصات المتصلة والمنفصلة:\nقوله: \"وهو ينقسم\" ... الضمير راجع إلى التخصيص؛ لأنه أقرب ما يحمل عليه، وتقديره\nوهو، أي: التخصيص ينقسم إلى تخصيص بدليل متصل أو بدليل منفصل.","vol":"1","page":159},{"text":"وسنتكلم عن هذين القسمين تفصيلًا بما يليق بهذا المختصر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>القسم الأول: المخصصات المتصلة</span>.\nذكر منها المصنف ثلاثة:\n- الأول: الاستثناء.\n- الثاني: الشرط.\n- الثالث: الصفة.\nولنبدأ في الكلام على الاستثناء وما يتعلق به من المسائل (^١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>التخصيص بالاستثناء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>المسألة الأولى: تعريف الاستثناء وشرحه</span>.\nوهو لغة: بمعنى العطف والعود، كقولهم: ثنيت الحبل إذا عطفت بعضه على بعض. وقيل: بمعنى الصرف والصد من قولهم: ثنيت فلانا عن رأيه، وقال ابن فارس: لأنه قد ثنى ذكره مرة في الجملة، ومرة في التفصيل. (^٢)\nعرفه اصطلاحا بقوله: \"الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في الكلام\".\nأي فالاستثناء: إخراج الشيء من حيز الكلام قبله، إذ لولا الاستثناء لكان من ضمن الكلام لغة.\nوهذا التعريف هو ما عليه الأكثر.\nالمسألة الثانية: أن الاستثناء لا يكون إلا من المعارف، ولذلك مثل له المؤلف بقوله\n_________\n(^١) شرح التلويح على التوضيح (٢/ ٤٩) نشر البنود على مراقي السعود (١/ ٢٤٨) المستصفى (ص: ٢٥٨) نهاية السول شرح منهاج الوصول (ص: ٢٠٠) التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٥٣٩).\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٣٦٨).","vol":"1","page":160},{"text":"جاء القوم إلا زيدا.\nأما من النكرات فلا يجوز لغة؛ لأن ما بعدها لا يدخل فيها، كقولك: جاء رجال إلا زيدا، فزيد لم يدخل بمقتضى اللغة. أو جاء قوم إلا زيدا.\nلكن لو قلت جاء الرجال إلا زيدا جاز؛ لأنه معرفة وعام يدخل فيه زيد لغة.\nلكن إذا كانت النكرة مفيدة أو موصوفة جاز الاستثناء منها؛ لأنها قريبة من المعرفة كما قرره بن مالك.\nومثاله اشتريت عمارة إلا الدور الأعلى منها، فهي هنا قريبة من المعرفة؛ لأنها معينة عند المتكلم.\nالمسألة الثالثة: أشكل معنى الاستثناء على البعض، فقالوا إن كان زيد قد دخل حقيقة فلا يمكن إخراجه بمجرد الكلام بالاستثناء، وإن كان لم يدخل فلماذا استثنيتموه أصلا؟\nوالجواب: أن دخوله تقديري في ذهن السامع، فإذا قلت: قام القوم فإن السامع يحكم بدخول زيد لأنه من القوم. ولكنك تريد إزالة هذا التوهم فتستثني.\nوقد استشكلوا هذا في الاستثناء في العدد كذلك فقولك له على عشرة إلا ثلاثة.\nفأول الكلام الإقرار بعشرة وآخره ينقضه. وقد قال بعضهم كما نقل ابن الحاجب: أن المقصود مجازي بقرينة، وإلا فالمراد بعشرة سبعة وهذا باطل؛ لأن العشرة نص كما هو معلوم فكيف يكون مجازا.\nوالذي عليه الكثير أن لفظ عشرة يشمل كامل العدد نصًا، وأن الاستثناء تخصيص فهو تخصيص بعد عموم.\nوعلى هذا فالاستثناء مبين لغرض المتكلم به، بالمستثنى منه، فإذا قال: له علي عشرة","vol":"1","page":161},{"text":"كان ظاهرًا في الجميع ويحتمل إرادة بعضها مجازا، فإذا قال: إلا ثلاثة، فقد بين أن مراده بالعشرة سبعة فقط كما في سائر التخصيصات (^١)\nوالذي أراه أن العرب استعملت أسلوب الاستثناء كتركيبة واحدة لا ينظر إلى أولها بدون آخرها، فمعنى له على عشرة إلا ثلاثة يساوي له على سبعة.\nفيجوز استعمال لفظين عند العرب لإفادة الغرض، أحدهما مركب وهو له على عشرة إلا ثلاثة، والثاني غير مركب له على سبعة.\nفهما اسمان لمسمى واحد، ثم اطلعت على أن هذا المذهب نحى إليه إمام الحرمين والباقلاني كما في شرح التحرير.\nواعلم أن الاستثناء أبلغ في تقرير الكلام في ذهن السامع لأنه يدل على دقة التفاصيل، ويقصد تأكيد الضبط، لذلك جاء في القرآن: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]. وهذا أبلغ من فلبث فيهم تسعمئة وخمسين عاما؛ لأنه يفهم السامع ويقع في نفسه أبلغ وأشد فهذا المقصود في لغة العرب من الاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>المسألة الثانية: شروط الاستثناء</span>.\nللاستثناء شروط ذكر منها المصنف شرطين وفي المطولات بسط ذلك، (^٢) وسنقتصر على شرح ما ذكره المصنف.\nالشرط الأول: ذكره في قوله: \"إن يبقى من المستثنى منه شيء\".\nنحو له عليَّ عشرة إلا تسعة، فلو قال إلا عشرة، لم يصح، وتلزمه العشرة.\nولهذه المسألة ثلاث صور:\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٣٦٨) التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٥٤٠)\n(^٢) راجع هذه المسائل في شرح التلويح على التوضيح (٢/ ٤٩) نشر البنود على مراقي السعود (١/ ٢٤٨) المستصفى (ص: ٢٥٨) نهاية السول شرح منهاج الوصول (ص: ٢٠٠) التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٥٣٩).","vol":"1","page":162},{"text":"١_ استثناء الكل من الكل، وهذا باطل لا يجوز في مذهب الشافعي والثلاثة الأئمة.\n٢_ استثناء الأكثر من الكل، وهذا جائز في المذهب، وكذا للحنفية.\nفتقول له على عشرة إلا سبعة، ومنعه أحمد في المعتمد من المذهب.\n٣_ استثناء النصف وما دونه، وهو جائز عند الأربعة والأكثر، ونقل عن مالك أنه لا يجيز إلا الأقل قال في المراقي:\nوالمثل عند الأكثرين مبطل **** ولجوازه يدل المدخل\nوجوز الأكثر عند الجل **** ومالك أوجب للأقل\n\nوالشرط الثاني: ذكره في قوله: \"إن يكون متصلًا بالكلام\".\nفلو قال جاء الفقهاء، ثم قال بعد يوم إلا زيدًا، لم يصح.\nما ذكره المؤلف هو الذي عليه المذاهب الأربعة، وغيرها حاشا ما نقل عن ابن عباس، فقيل عنه إلى سنة، وقيل شهر، وقيل أبدا، وقيل لم يثبت عنه سندا، وقيل رجع.\nونقل بعضهم عن ذيل تاريخ بغداد لابن النجار قصة في هذا حدثت للإمام الشيرزاي، وذلك أنه أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطريق، وإذا برجل على رأسه سلة فيها بقل وهو يقول لآخر: مذهب ابن عباس في تراخي الاستثناء غير صحيح، ولو صح لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى التوسل إلى البر بذلك، فقال الشيخ أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل البقل يرد على ابن عباس لا تستحق أن يخرج منها. (^١)\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٣٨٢) التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٥٦٤)","vol":"1","page":163},{"text":"ولكني لم أجدها لا في تاريخ بغداد ولا في الذيل فلعلها في غير مضنتها منه، أو أنها زيادة من حاشية أو طرة، ولكني وجدتها في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، أن أبا بكر بن العربي ﵀ قال: سمعت فتاة من بغداد تقول لجارتها: لو كان مذهب ابن عباس في الاستثناء صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، بل كان يقول استثن. حكاه أبو العباس القرافي. (^١)\nفائدة: لا يصح الاستثناء إلا نطقًا في المذاهب الأربعة إلا لخائف ومظلوم. عزاه في التحبير شرح التحرير فينظر (^٢).\nفائدة قال في البحر: الاستثناء من التحريم إباحة، ولم يتعرض لها الأصوليون، وذكرها صاحب \"الذخائر\" من الفقهاء في باب العدد في قوله - ﷺ -: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) (^٣)، واستشكل الاستدلال بالحديث على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها. وقال القاضي الحسين في تعليقه: هذا الاستثناء للواجب من المحرم؛ لأن الإحداد على غير الزوج فوق الثلاث حرام، وعلى الزوج واجب، وإنما الصحيح أنه يستثنى الواجب من الجائز، والحرام من المباح، ويمكن الاحتجاج بالحديث على جواز الاستثناء من غير الجنس (^٤).\n_________\n(^١) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (١/ ٢٧٩)\n(^٢) التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٥٦٤)\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (١٢٨١)، وأخرجه مسلم في صحيحه، برقم: (١٤٨٦).\n(^٤) البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٤٠٦)","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>المسألة الثالثة: يجوز تقدم المستثنى بلا خلاف</span>.\nقوله: ويجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، نحو ما قام إلا زيدًا أحدٌ.\nأقول: تقديم المستثنى جائز في لغة العرب ولا خلاف في هذه المسألة (^١)\nوهو وارد في السنة الصحيحة، ومنه قوله ﷺ: (لست أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها) (^٢) وكقول الكميت:\nوما لي إلا آل أحمد شيعة **** ومالي إلا مذهب الحق مذهب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>المسألة الرابعة: الاستثناء من الجنس ومن غيره\nقوله:</span> ويجوز الاستثناء من الجنس كما تقدم ومن غيره، نحو: جاء القوم إلا الحمير.\n١_ الاستثناء من الجنس جائز لا خلاف كما تقدم.\n٢_ أما من غير الجنس فهو واقع في القرآن وأقوال العرب بلا شك وهذا يكفي.\nوالذين أنكروه في اللغة تأولوا ما وقع في اللغة أنه راجع إلى الجنس الشامل للكل وعليه فالخلاف لفظي، مثال وقوعه في القرآن: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]. فالاستثناء هنا من غير جنس اللغو ولا التأثيم؛ لأن السلام ليس بلغو ولا تأثيم، وقدّره البعض أنه مستثنى من القول؛ لأن القول جنس للكل فيكون التقدير: لا يسمعون فيها قولا لغوا، ولا تأثيما، إلا قولا سلاما.\nومثاله كذلك قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]، فالعلم\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٥٧٠)\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٦٦٤٩) واللفظ له، ومسلم في صحيحه، برقم: (١٦٤٩).","vol":"1","page":165},{"text":"إما جنس الظن واليقين فيكون متصلا، أو يكون التقدير ما لهم به من معرفة بعلم إلا معرفة بالظن والتخرص.\n\nومثال آخر قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١]، والتقدير أنه داخل تبعا في الحضور، وقال البعض كان من الملائكة وهذا يرده قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. وهذا نص على أنه من غيرهم وأنه شمله الأمر؛ لأنه حكم عليه بالفسق وهو الخروج عن أمر ربه.\nفهذا دليل على صحة الاستثناء المنقطع، وأن التقديرات التي يقدرها المانعون والمجيبون تكلفات؛ لأن اللغة سماعية، وإنما وقع الخلاف لأنهم عرفوا الاستثناء بأنه إخراج ما لولاه لدخل في الكلام المستثنى .. وهذا أوقعهم في هذا الاشكال، فالتعاريف توقع كثيرا في الاشكالات وتقع مناظرات وأجوبه وقيل وقال حول هذا، ولا يوجد تعريف من هذا النوع لا إشكال فيه.\nومن وقوع الاستثناء المنقطع في كلام العرب، قوله:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس\n\"فاليعافير قد تؤانس، فكأنه قال: ليس بها من يؤنس به إلا هذا النوع. والحاصل: أن المنقطع يكون مستثنى من مقدر، أو من مفهوم لفظ لا من منطوقه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>التخصيص بالشرط</span>.\nقوله: والشرط المخصص، يجوز أن يتقدم على المشروط، نحو: إن جاءك بنو تميم فأكرمهم.\nهذا هو النوع الثاني من أنواع المخصصات التي ذكرها المصنف.\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٣٧١)","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>تعريف الشرط:</span>\nوتعريفه لغة: العلامة، ومنه أشراط الساعة، أي: علامتها، وجمعه على هذا المعنى أشراط، والوارد على لسان الفقهاء هو الشرط الذي جمعه شروط.\nوتعريفه اصطلاحا: ما يلزم من عدمه العدم .. وقد تقدم في أول الكتاب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>أنواع الشرط </span>والفرق بينه وبين المانع والسبب.\nوالشرط أربعة أنواع:\n١_ شرط شرعي: كشرط الطهارة للصلاة فيلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود الصلاة.\n٢_ شرط عقلي: كشرط الحياة للعلم فيلزم من عدم الحياة عدم العلم، ولا يلزم من وجودها أن يكون عالما؛ لأنه قد يكون جاهلا إلا إن قصد بالعلم مايشترك فيه الجميع.\n٣_ شرط لغوي: إن دخلت الدار فأنت طالق. فإذا وجد الدخول وجد الطلاق وإذا عدم الدخول عدم الطلاق.\n٤_ الشرط العادي: وهو ما يشترط في العاديات أي جرت به العادات كشرط السحاب للمطر، فعدم السحاب عدم للمطر عادة، وشرط زواج الذكر بالأنثى لوجود الولد، وشرط الطائرة للسفر جوا.\nوبهذا يتبين أن المشترك في تعريف الشروط بأنواعها هو ما قدمناه في قولنا: الشرط","vol":"1","page":167},{"text":"ما يلزم من عدمه العدم.\nوتعريف المانع: عكس الشرط فيلزم من وجوده عدم.\nوتعريف السبب: ما يلزم من وجوده وجود، ومن عدمه العدم، كزوال الشمس لدخول وقت صلاة الظهر.\nفالخلاصة: أن \"المعتبر في المانع وجوده، وفي الشرط عدمه، وفي السبب وجوده وعدمه ومثاله الزكاة، فالسبب النصاب، والحول شرط، والدين مانع عند من يراه مانعا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>تقدم الشرط وتأخره:</span>\nيجوز تقدم الشرط وتأخره، وتقديمه هو الأصل؛ لأنه متقدم في الوجود على المشروط، ومثل للتقدم بقوله: إن جاءك بنو تميم فأكرمهم، وللتأخر بقوله: أكرم بني تميم إن جاؤوك، أي: الجائين منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>التخصيص بالصفة:</span>\nهذا هو القسم الثالث من المخصصات المتصلة، وهي: الصفة.\nقوله: والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، كما في كفارة القتل.\nوأطلقت في بعض المواضع، كما في كفارة الظهار، فيحمل المطلق على المقيد احتياطًا.\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٤٤٠)","vol":"1","page":168},{"text":"فيه مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>المسألة الأولى: اعلم أن لفظ رقبة وردت في القرآن في أربعة مواضع:</span>\nفي قتل الخطأ، وكفارة اليمين، والظهار، ومطلق الصدقة، وهي على الترتيب كما يلي:\n١_ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\n٢_ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].\n٣_ ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣].\n٤_ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣].\nفأطلقت في ثلاثة مواضع، وقيدت فقط في كفارة قتل الخطأ بكونها رقبة مؤمنة، فهل نقيد كفارة اليمين وكفارة الظهار، ومطلق الصدقات أن تكون مؤمنة. المؤلف وهو مذهب الشافعي يقول بالتقييد، لكن يلاحظ في قوله احتياطا: أن المسألة خرجت على الاحتياط لا الايجاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>المسألة الثانية: إذا خرجت الصفة مخرج الغالب، كانت للتوضيح لا للتخصيص</span>.\nومن ثم اختلف العلماء في حديث: (عارية مضمونة)، (^١) هل كلمة مضمونه للتوضيح؛ لأن الأصل في العارية الضمان وهذه الصفة كاشفة. أم أنها للتقييد فيكون\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، برقم: (٣٥٦٢)، وأحمد في مسنده، برقم: (١٥٣٣٧)، والنسائي في السنن الكبرى، برقم: (٥٧٧٩)، وصححه الألباني في إرواء العليل، برقم: (١٥١٥).","vol":"1","page":169},{"text":"الأصل عدم الضمان إلا بنص؛ لذلك كانت العارية على الضمان عند الشافعية، وعند الحنفية على الأمانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>فائدة خاتمة: المخصصات اثنا عشر مخصصا، نظمتها في بيت واحد وبيانها مع أمثلتها</span>.\nتقدم أن المصنف ذكر ثلاثة مخصصات تيسيرا على المبتدئ، وقد نظمت جميع المخصصات في بيت واحد أول الطلب، أذكره هنا ليحفظه من أراد حفظها جميعا:\nمز صف وجر غ اثن مفعولان **** شرط وحال بدل ظرفان\nوبيانها كما يلي:\n١_ \"مز\" يعني التمييز، مثاله: له عندي كذا وكذا درهما، فيلزمه درهمان على المذهب (الشافعي). وفي قول درهم وشيء آخر، والمعتمد الأول؛ لأن التمييز راجع للكل لا للأخير.\n٢_ \"صف\" نعني به: الصفة، وقد تقدمت.\n٣_ \"وجر\"، نعني به: التخصيص بالجار والمجرور، مثاله: (لا يقتل مسلم بكافر) وهل يعود للأول فقط أم يشمل ما بعده وهو: (ولا ذو عهد في عهده). (^١)\n٤_ \"غ\": بفعل الأمر للغاية، مثاله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\n٥_ \"اثن\": بهمزة وصل، وفعل الأمر للثنيا، ونعني به: أن من المخصصات الاستثناء، وقد مر.\n٦_٧_ مفعولان: نعني به المفعول به، والمفعول لأجله، كقولك: اضربه تأديبا،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه برقم: (٤٥٣٠)، والنسائي في سننه برقم: (٤٧٣٤)، وأحمد (٩٩٣) باختلاف يسيير، وغيرهم، والحديث إسناده صحيح على شرط الشيخين. انظر: مسند أحمد، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠١ م (٢/ ٢٨٦).","vol":"1","page":170},{"text":"فهذا تخصيص للضرب بأن يكون للتأديب فقط.\n٨_ شرط: نعني به التخصيص بالشرط وقد مر.\n١٠_ وحال: نعني به التخصيص بالحال، مثاله: أكرم الطلاب ناجحين لا غير.\n١١_ ١٢_ ظرفان: نعني به التخصيص بظرف الزمان، نحو: أكرم زيدا يوم الخميس. وظرف المكان مثل: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].","vol":"1","page":171},{"text":"ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، نحو قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ)، خصَّ بقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي حلٌ لكم.\nوتخصيص الكتاب بالسنة، كتخصيص قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُم) إلى آخر الآية الشامل للولد الكافر بحديث الصحيحين: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم).\n\nوتخصيص السنة بالكتاب كتخصيص حديث الصحيحين: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، بقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) إلى قوله (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وإن وردت السنة بالتيمم أيضًا بعد نزول الآية.\n\nوتخصيص السنة بالسنة كتخصيص حديث الصحيحين: (فيما سقت السماء العشر) بحديثهما (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة).\n\nوتخصيص النطق بالقياس، ونعني بالنطق قول الله تعالى وقول الرسول - ﷺ -؛ لأن القياس يستند إلى نص من كتاب أو سنة فكأنه المخصص.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>بيان مراتب التخصيص:</span>\nذكر المؤلف هنا مراتب التخصيص، وهي خمسة:","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>الأولى: تخصيص الكتاب بالكتاب</span>.\nأما تخصيص الكتاب بالكتاب، فمثاله: تحريم نكاح عموم المشركات، ثم خص بالنص نساء أهل الكتاب فأباح نكاحهن كما ذكر المصنف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>الثانية: تخصيص الكتاب بالسنة</span>.\nالصحيح جوازه؛ لأن التعبد بخبر الواحد الصحيح مقرر شرعًا بل مقطوع به، لذلك قطعت الرقاب بشهادة اثنين، وكذلك ملكت الأموال، وحصل النكاح بشهادة اثنين، ودخول رمضان وخروجه، ودخول الأوقات الشرعية والوقوف بعرفة والعيد، وجلد الشارب، وقطع السارق، وجلد الزاني وغير ذلك كلها بأخبار الآحاد.\nلذلك نقل في البحر إجماع الصحابة على تخصيص الكتاب بالسنة: كنفي ميراث القاتل بقوله ﷺ: (القاتل لا يرث) (^١)، مع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، والنهي عن الجمع بين المرأة وعمتها (^٢) مع قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، إلى غير ذلك\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>الثالثة: تخصيص السنة بالسنة</span>.\nوقد مثل له المصنف بحديث: (فيما سقت السماء العشر) (^٤) بحديث: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (^٥). فالحديث الأول يقتضي عموم إخراج الزكاة من القليل والكثير، والحديث الثاني يخص ذلك بما بلغ النصاب وهو خمسة أوسق.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه، برقم: (٢١٠٩)، وابن ماجه في سننه برقم: (٢٧٣٥)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، برقم: (٢٠٦٦) وصححه الألباني.\n(^٣) البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٤٨٧)\n(^٤) أخرجه الترمذي في سننه، برقم: (٦٣٩)، وابن ماجه في سننه برقم: (١٨١٦)، وصححه الألباني.\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه، برقم: (٩٧٩).","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>الرابعة: تخصيص السنة بالكتاب</span>.\nوقد مثل له المصنف بحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (^١)، فهذا عموم يقتضي أنه لا يقبل غير الوضوء، لكنه مخصوص بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الخامسة: تخصيص النطق بالقياس</span>.\nتخصيص الكتاب والسنة بالقياس، له تطبيقات فقهية كثيرة، منها ما اتفق عليها، ومنها ما فيه خلاف، وسأنقل لك بعضا منها مما وقفت عليه من كتب الفقه والأصول:\n- مثال تخصيص الكتاب بالقياس:\n- قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فهذا عام الرقيق ذكورًا وإناثًا، ولغيرهم ذكورًا وإناثًا، لكن ورد نص آخر أخرج الإماء فحكم عليهن بالنصف فقط، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. ولم يرد نص في الذكور من الرقيق يخرجهم؛ فقاسهم العلماء على الإماء فخصص النص إذا بنص وبقياس.\n- ومثاله كذلك قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾، إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، فيجوز الأكل من الهدي كله بالنص، لكن ورد الإجماع على أن هدي جزاء الصيد لا يؤكل منه لدلالة آيته فيه. والعلة أنه دم جزاء. فهل يقاس عليه دم التمتع لأنه دم فيه معنى الجزاء؛ لأنه عوض عن ترفه؟\nقال بهذا البعض كالشافعية.\n- ومنه أن عدة الحامل الوضع بنص الآية، فيشمل الجميع. ولكن في حال زوجة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٦٩٥٤).","vol":"1","page":174},{"text":"الصغير الذي لا يمكن منه الوطء فمات وظهر منها حمل فلا تدخل في عموم الآية؛ للقطع بأنه ليس منه، فلا تعتد عدة الحامل قياسًا على من حملت بعد وفاة زوجها بما لا يمكن نسبته إليه.\n- ومن تخصيص السنة بالقياس.\n- تخصيص مالك عموم حديث: (إذا جاء أحدكم المسجد، فليركع ركعتين) (^١)، وذلك لمن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فإن الأمر بالإنصات وارد، وصلاة ركعتين والإمام يخطب له نفس الحكم قياسا، فيخص به الحديث عند من قال به.\n- ومن ذلك: خلاف أبي حنيفة في إيجابه إخراج زكاة الخيل إن قصد منها النسل، وكانت سائمة قياسًا على بقية السوائم، فخص بهذا القياس عموم حديث: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة) (^٢) وعضد هذا القياس بحديث: (ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها) (^٣)، فقال الحق هو: الزكاة.\n- مثال آخر حديث: (فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) (^٤)، خصه الأئمة غير أبي حنيفة بالقياس، فلم يوجبوا العمل\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٤٤٤) ومسلم في صحيحه، برقم: (٧١٤)، وأبو داود في سننه، برقم: (٤٦٧) باختلاف يسير، والترمذي في سننه برقم: (٣١٦) واللفظ له، وقد صححه الألباني ﵀.\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (١٤٦٤)، ومسلم في صحيحه برقم: (٩٨٢)، والترمذي في سننه، برقم (٦٢٨)، وأحمد في مسنده (٧٢٩٥)، باختلاف يسير، وأبو داود في سننه، برقم: (١٥٩٥)، والنسائي في سننه، برقم: (٢٤٦٩)، وابن ماجه في سننه برقم: (١٨١٢)، واللفظ لهم.\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٢٣٧١)، ومسلم في صحيحه، برقم: (٩٨٧) بنحوه.\n(^٤) تقدم تخريجه، ص: ١٤٠.","vol":"1","page":175},{"text":"بعموم فيما سقت، بل قالوا بوجوب الزكاة فقط في المقتات؛ لأن مقصود الشرع هو سد خلة الفقير، وهذه لا تتحقق إلا في المقتاتات، فهذا المعنى يخصص العموم، وخالفهم أبوحنيفة فغلب العموم.\n- مثال آخر حديث: (وفي العين نصف الدية) (^١) متفق على العمل به عند الفقهاء، لكن اختلفوا في الأعور هل يدفع له نصف دية إن فقئت عينه أم دية كاملة؟ ... قال مالك: دية كاملة قياسا على ذي العينين؛ لأن عين الأعور تؤدي ما تؤديه عينا الصحيح، فهذا قياس خص به عموم النص.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٤٣/ ١٢)، وصحح إسناده أحمد شاكر.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>المجمل والمبين</span>","vol":"1","page":177},{"text":"والمجمل ما يفتقر إلى البيان، نحو: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فإنه يحتمل الأطهار والحيض؛ لاشتراك القرء بين الحيض والطهر.\nوالبيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي أي الاتضاح، والمبين هو النص.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\nالمجمل والمبين\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>المسألة الأولى: المجمل في اللغة والاصطلاح، وبيان أنواعه</span>.\nفي اللغة يطلق على ثلاثة أمور:\n١ - المبهم: من أجمل الأمر أي أبهمه.\n٢ - وقيل المجموع: من أجمل الحساب إذا جمع وجعل جملة واحدة.\n٣ - وقيل التحصيل: من أجمل الشيء إذا حصله\" (^١).\nوعبر بـ \"ما\" ليشمل القول والفعل، إذ الإجمال يدخلهما:\nفمثال الإجمال في القول: كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لاحتماله الإطهار والحيض، فيفتقر حينئذ إلى البيان من دليل آخر مرجح لأحد المعنيين. فذهب الشافعي، ومالك، وفقهاء المدينة، وأحد الروايتين عن أحمد إلى أنها الإطهار بدليل اللغة والشرع.\n_________\n(^١) البحر المحيط ٣/ ٤٣.","vol":"1","page":179},{"text":"أما اللغة: فقول أبي بصير ميمون بن قيس البكري الأعشى الأكبر:\nوفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا\nمورثة مالًا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيه من قروء نسائكا (^١)\n\nأي أنه بغزوك تورث المال والرفعة فيكون ذلك عوضًا عما ضاع من إطهار نسائك بسبب الغزو.\nومن الشرع قوله ﷺ: (فإن بدا له أن يطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يُطلق لها النساء) (^٢)، فدل على أن المراد بالأقراء الأطهار\" (^٣).\nيستدل الحنفية والحنابلة على أنه الحيض؛ بقوله ﷺ: (دعي الصلاة أيام أقرائك) (^٤) يعني: حيضك. وبآية الطلاق: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. وبين القوم مناظرات وجوابات طويلة الذيول محلها كتب الفروع، والغرض هنا التمثيل.\nومثال الإجمال في الفعل: أن النبي ﷺ مسح بناصية وعلى العمامة (^٥). فيحتمل أنه جمع بينهما، ويحتمل أنه مسح مرة على الناصية ومرة أخرى على العمامة وحدها، فجمع راوي الحديث حكاية الأمرين، والجمع أحد معاني الإجمال في اللغة كما تقدم، فاحتاج هنا إلى البيان من خارج. والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر ديوان الأعشى ١٣٢.\n(^٢) الحديث له طرق كثيرة، أخرجه أبو داود برقم: (٢١٧٩)، وابن ماجه برقم: (٢٠١٩) وغيرهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٣٦٧).\n(^٣) فتح الباري ٩/ ٣٨٦.\n(^٤) أخرجه البيهقي في السنن الصغير (٣/ ١٢٥)، والحديث مروي من طرق أخرى.\n(^٥) انظر الحديث عند مسلم، برقم: (٢٧٤).","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المسألة الثانية: بيان أسباب الإجمال </span>(¬<span data-type=\"title\" id=toc-179>١):\n١ - الاشتراك:</span> وهو ثلاثة أنواع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>أ. الاشتراك في الاسم:</span> كما في لفظة قروء، في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nولفظة: \"العتيق\" في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. فإن العتيق يطلق بالاشتراك على القديم، وعلى المعتق من الجبابرة، وعلى الكريم وكلها قيل به في الآية (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>ب. الاشتراك في الفعل:</span>\n_كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]. فإنه مشترك بين إقبال الليل وإدباره.\n_ وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. فإنه مشترك بين قولهم عدل به غيره إذا سواه به.\n- ومنه قول جرير:\nأثعلبة الفوارس أم رياحًا ... عدلت بهم طهية والخشابا\n\nأي: سويتهم بهم، وبين قولهم عدل بمعنى مال صد (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>جـ. الاشتراك في الحرف:</span>\nومن أمثلته الواو في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ\n_________\n(^١) أضواء البيان المقدمة ١/ص ٨.\n(^٢) انظر المحصول مع شرحه الكاشف للأصفهاني ٥/ ٢٨ وما بعدها.\n(^٣) أضواء البيان المقدمة ص ٩.","vol":"1","page":181},{"text":"آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. فإنها محتملة للعطف: فيكون الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه، ومحتملة للاستئناف: فيكون الله تعالى مستأثرًا بعلمه دون خلقه. (^١)\nوحمله الجمهور على الابتداء\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-183>٢).\n\n٢ - المجمل بسبب التصريف:</span>\nنحو قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ لاحتماله أن يكون مبنيًا للمعلوم فيكون النهي للوالدة عن المضارة؟ وأن يكون مبنيًا لما لم يسم فاعله فيكون النهي متجها إلى الوالد، أو المولود له أن يضاروا والدة الطفل.\nومثله المختار لتردده بين الفاعل والمفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>٣ - المجمل بسبب مرجع الضمير </span>(^٣):\nكقوله ﷺ: (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) (^٤)\nفيحتمل أن الضمير راجع إلى الغارز، أي: لا يمنعه أن يفعل ذلك في جدار نفسه، وعليه الشافعي في البويطي وهو الجديد.\nوقيل على الجار؛ وعليه الإمام أحمد وأصحابه (^٥)؛ لحديث: (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس) (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>٤ - المجمل بسبب التركيب:</span>\nبأن تكون المعاني المرادة من المفردات معلومة، لكن يكون المراد من المركب نفسه\n_________\n(^١) شرح جمع الجوامع للمحلى مع حاشية العطار ٢/ ٩٦.\n(^٢) المصدر نفسه ٢/ ٩٦.\n(^٣) شرح المحلى على الجمع مع حاشية العطار ٢/ ٩٥، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٢.\n(^٤) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٢٤٦٣)، ومسلم في صحيحه، برقم: (١٦٠٩)، واللفظ لمسلم.\n(^٥) انظر شرح الكوكب المنير للفتوحي ٣/ ٤١٧.\n(^٦) رواه الحاكم وهو صحيح وانظر المحلي ٢/ ٩٥.","vol":"1","page":182},{"text":"مجهولًا محوجًا إلى بيان، نحو قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].\nفـ\"الذي بيده عقدة النكاح يحتمل أنه الزوج: كما هو مذهب الشافعي، (^١) والحنفية، (^٢) وقاله الإمام أحمد، وقاله كثير من الصحابة والتابعين\" (^٣). ويحتمل أنه الأب: كما قاله مالك (^٤) في جمع من التابعين، والشيخ تقي الدين\" (^٥).\nوالذي يظهر لي أن المراد ليس الزوج؛ بدليل أنه إذا طلق قبل الدخول تبين منه مباشرة بلا عدة، فكيف يكون بيده عقدة النكاح وقد بانت منه ولم يعد له بها صلة! إلا أن يقال هو باعتبار ما كان وهذا بعيد، أو يقال إن الزوج أسقط حقه قبل نطقه الطلاق فيكون مشمولا بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٥ - المجمل بسبب تعدد المجاز مع تعذر الحقيقة </span>(^٦):\nمثالها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. وحديث: (ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (^٧)، عند القائلين بأنه مجمل لتعذر الحمل على الحقيقة؛ لأن الأعيان لا يتعلق بها التحريم لأن التحريم حكم شرعي، والأحكام إنما تتعلق بأفعال المكلفين هذا في الأول.\nوفي الثاني: لا يمكن حمله على الحقيقة، إذ الخطأ موجود فتعين المجاز فيما هذا سبيله، فيقدر شيء محذوف ليستقيم الكلام، ولكن هذه المقدرات متعددة إذ يحتمل أنه\n_________\n(^١) شرح المحلى على الجمع مع حاشية العطار ٢/ ٩٦.\n(^٢) فواتح الرحموت ٢/ ٣٢.\n(^٣) التحبير شرح التحرير للمرداوي ٦/ ٢٧٥٥.\n(^٤) مفتاح الوصول لابن التلمساني ص ٤٤٧.\n(^٥) التحبير للمرداوي ٦/ ٢٧٥٥.\n(^٦) انظر البحر المحيط للزركشي ٣ ص ٥٠، ومفتاح الأصول لابن التلمساني ص ٤٦٢، وشرح الغاية للإمام الحسين بن القاسم والتحبير للمرداوي ٦/ ٢٧٥٨.\n(^٧) صححه الألباني في صحيح الجامع بلفظ وضع، برقم: (٣٥١٥)","vol":"1","page":183},{"text":"رفع الإثم أو الضمان والاحتمال متساوٍ ولا مرجح فكان مجملًا.\nوسيأتي ذكر جواب المحققين عن هذين المثالين، والغرض هنا إيضاح القاعدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>٦ - الإجمال بسبب ورود المجهول على المعلوم:</span>\nلأن المجهول إذا ورد على المعلوم صير المعلوم مجهولًا نحو:\nأ-الاستثناء للمجهول: كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]. للجهل بمعناه قبل نزول مبينه، أي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. ويسرى الإجمال إلى المستثنى منه، أي: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]. (^١)\nب-عدم تعيين مرجح الصفة: نحو زيد طبيب ماهر، لتردد ماهر بين رجوعه إلى طبيب وإلى زيد، ويختلف المعنى باعتبارهما (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>المسألة الثالثة: في مسائل ظُنت من المجمل وليست منه</span>.\n١ - لا إجمال فيما وجب فيه التقدير، وهي ثلاثة أنواع:\nأ- ما وجب فيه التقدير لتوقف صدق الكلام عليه نحو: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، فإنه لا بد من تقدير الحكم أو المؤاخذة لتعذر حمله على حقيقته فإنها واقعة (^٣).\nب-ما وجب فيه التقدير عقلًا؛ لأنه لا يثبت الملفوظ به عقلًا إلا بتقدير، (^٤) نحو قوله تعالى: ﴿فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]. فإنه يلزم عقلًا إضمار -فضرب-\n_________\n(^١) شرح الجلال على الجمع مع حاشية البناني ٢/ ٦٢.\n(^٢) المصدر نفسه ٢/ ٦٣ - ٦٤.\n(^٣) تشنيف المسامع بشرح جمع الجوامع للزركشي ج ١/ ١٦٤، وانظر تيسير التحرير ١/ ١٦٩، ومفتاح الوصول ص ٣، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٤٢٤.\n(^٤) تشنيف المسامع ١/ ١٦٤.","vol":"1","page":184},{"text":"وكذلك: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فلو لم يقدر فيه أهل القرية لم يصح عقلًا.\nجـ- ما يمتنع ثبوته شرعًا إلا به، نحو: \"أعتق عبدك عني على ألف\"، فلا بد من تقدير البيع له ثم إعتاقه عنه ليصح شرعًا.\n٢ - لا إجمال فيما اتضحت دلالته عرفًا في المذاهب الأربعة (^١):\nوهو: ما توجد فيه التحليل أو التحريم إلى الأعيان، نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. إذ التحليل والتحريم من الأحكام الشرعية، وهي لا تتعلق إلا بأفعال المكلفين، وفعل المكلف يقدر على حسب العرف، فهو في الأول: الأكل، والثاني: الاستمتاع.\nوهكذا ففي المأكولات يقدر الأكل، وفي المشروبات الشرب، وفي الملبوسات اللبس، وفي الموطوءات الوطء، فإذا أطلق أحد هذه الألفاظ سيتضح المعنى المراد من غير توقف، فتلك الدلالة متضحة لا إجمال فيها (^٢).\nما توجه فيه النفي إلى الذوات:\nنحو: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (^٣)، (لا نكاح إلا بولي) (^٤) ونحوها.\nلأنه قد اشتهر في العرف نفي الشيء لنفي فائدته، كقولهم: لا علم إلا ما نفع، ولا عمل\n_________\n(^١) انظر فواتح الرحموت ٢/ ٣٨، وتيسير التحرير ١/ ١٦٦ - ١٦٩، ونثر الورود على مراقي السعود ١/ ٣٣٣، مفتاح الوصول ص ٤٦١، وشرح المحلى للجمع ٢/ ٩٣ - ٩٤ مع حاشية العطار وغاية الوصول شرح لب الأصول لزكريا ص ١٤٨. وشرح الكوكب المنير ٣/ ٤١٩.\n(^٢) شرح الكوكب المنير ٣/ ٤٢٠، ولم يخالف إلا الكرخي من الحنفية على أن ابن عبد الشكور في فواتح الرحموت ردعليه ٢/ ٣٣، وخالف أبو عبدالله البصري من المعتزلة.\n(^٣) صحيح مسلم (١/ ٢٩٥)\n(^٤) أخرجه ابن ماجه في سننه، برقم: (١٥٣٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم: (٧٥٥٦).","vol":"1","page":185},{"text":"إلا بنية، ولا بلدة إلا بسلطان. يراد به نفي الفائدة والجدوى (^١).\nفتتعين هنا الصحة دون الكمال؛ لأن ما لا يصح كالعدم في عدم الجدوى بخلاف ما لا كمال فيه، هذا إن لم يثبت في مثله عرف أصلًا، فإن ثبت عرف شرعي في إطلاق الصلاة، والصيام، والنكاح ونحوها على الصحيح كان المعنى لا صلاة صحيحة، ولا صيام صحيح، ولا عمل صحيح، فالنفي لها ممكن فلا تقدير؛ فلا إجمال.\nوإن ثبت عرف فيه لغوي وهو أن مثله يقصد نفي الفائدة والجدوى نحو: لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا طاعة إلا لله تعين فلا إجمال (^٢).\nوالمرجح لنفي الصحة موجود وهو قربه من نفي الذات، فإن ما انتفت صحته لا يعتد به فيكون كالمعدوم، بخلاف ما انتفى كماله فقد يعتد به (^٣).\nفتحصل أن هذا لا إجمال فيه، لأن:\n١ - النفي متوجه إلى الذوات الشرعية أو اللغوية، وكلاهما لا إجمال فيه.\n٢ - عرف الشرع تقدير الصحة فتثبت، وعرف اللغة تقدير نفي الجدوى والفائدة.\n٣ - ولأن تقدير الصحة أقرب إلى نفي الذات بخلاف الكمال.\nوخالف في هذه المسألة أبوبكر الباقلاني كما نسب إليه، والنقل غير صحيح عنه بل مشنع على القائل به (^٤).\nكما أن نسبته إلى الحنفية وهْم، (^٥) فالمعتمد عندهم نفي الحقيقة الشرعية والصحة\n_________\n(^١) روضة الناظر ٢/ ٤٩.\n(^٢) شرح الغاية ٢/ ٣٥٠.\n(^٣) شرح المحلى على الجمع مع حاشية البناني ٢/ ٦١.\n(^٤) انظر التقريب والإرشاد ١/ ٣٨١.\n(^٥) كما نسبه إليهم في روضة الناظر ٢/ ٤٧ وغيره.","vol":"1","page":186},{"text":"إلا ما ثبت فيه دليل صارف، نحو: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) فقد حملوه على نفي الكمال، لقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وهم مع هذا قالوا بوجوبها (^١).\n٥ - ما تردد بين الحقيقة الشرعية واللغوية فلا إجمال فيه، ويحمل على الشرعية في المذاهب الأربعة، وهو نوعان:\nأ-إذا كان اللفظ مسمى في اللغة ومسمى في الشرع: كالصلاة والصوم وضعا في اللغة للدعاء والإمساك، وفي الشرع لأمرين عباديين معلومين.\nفالمختار في المذاهب الأربعة أنه \"ظاهر في المسمى الشرعي في الإثبات والنهي\" (^٢).\nفمثاله في الإثبات: قوله ﷺ (إني إذًا صائم)، (^٣) أي: الصوم الشرعي (^٤). فيستدل به على جواز النية في النفل بالنهار (^٥).\nوكقوله ﵊: (توضئوا مما مست النار)، (^٦) يحمل على الوضوء الشرعي لا اللغوي، كذلك حديث: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) (^٧).\n_________\n(^١) انظر فواتح الرحموت ٢/ ٣٨ ونهاية الوصول إلى علم الأصول الجامع لأحكام الآمدي والبزدوي لابن الساعاتي الحنفي ١/ ٧٠، وتيسير التحرير لابن بادشاه وابن الهمام، التقرير والتحيير ١/ ٢٦٤.\n(^٢) تيسير التحرير ١/ ١٧٢ وفواتح الرحموت ٢/ ٤١، وشرح المحلى على الجمع مع حاشية للبناني ومفتاح الوصول لابن التلمساني ص ٤٦٩، والتحبير شرح التحرير للمرداوي ٦/ ٢٧٨٦.\n(^٣) تيسير التحرير ١/ ١٧٢.\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الصيام باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال برقم ١١٥٤.\n(^٥) التحبير شرح التحرير ٦/ ٢٧٩٠.\n(^٦) أخرجه مسلم في صحيحه، برقم: (٣٥٣).\n(^٧) أخرجه أبو داود في سننه برقم: (١٩٢)، والنسائي، برقم: (١٨٥) واللفظ له، وقد صححه الألباني في صحيح النسائي.","vol":"1","page":187},{"text":"ومثاله في النهي: (نهى عن صوم يوم النحر) (^١)، يحمل على الصوم الشرعي (^٢): (ودعي الصلاة أيام أقرائك) مجمع على حمله على الشرعية لا اللغوية.\nب-إذا حمل الشارع لفظًا شرعيًا على لفظ شرعي آخر فلا إجمال:\nكقوله ﷺ: (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى قد أحل لكم فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير) (^٣) صحيح.\nفالطواف في حقيقته الشرعية غير الصلاة في الحقيقة الشرعية، فعلى ماذا يحمل هذا اللفظ؟\nهل على الحقيقة الشرعية؟ أم على اللغوية؟\nإن حملناه على اللغوية كان المعنى \"الطواف بالبيت دعاء\" إلا أن تمام الحديث يأباه. وإن حملناه على الشرعية فلا بد من تقدير وجه للتشبيه، فيكون المعنى \"الطواف بالبيت كالصلاة\" في لزوم الطهارة وستر العورة والنية وغيره. وهذا هو المعنى الشرعي.\nوهو الذي يحمل عليه مثل هذا؛ لأن النبي ﷺ إنما بعث لبيان الشرعيات لا اللغويات.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٦٦)، ومسلم في صحيحه، رقم: (١١٣٧).\n(^٢) خلافًا للغزالي القائل- أن ما ورد في الإثبات والأمر فهو للمعنى الشرعي وما ورد في النهي فهو مجمل مستدلًا بأنه إذ لولا إمكانه لما قيل له لا تفعل إذ لا يقال للأعمى لا تبصر المستصفى ١/ ٣٥٩، وأجيب عنه بالإجماع على أن المقصود من قوله ﷺ \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" الصلاة الشرعية وليست مجملة. وأن قوله هذا مفضي إلى القول بإجمال قوله تعالى: \" وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى \" \" إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ \" وغيرها وهذا باطل.\n(^٣) انظر تيسير التحرير ١/ ١٧٤، ١٧٥، وجمع الجوامع وشرحه للمحلى مع حاشية العطار ٢/ ٩٧، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٤٣٣، لباب المحصول لابن رشيق المالكي ٢/ ٤٨٣، وهداية العقول ٢/ ٣٥٥.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>المسألة الرابعة: حكم المجمل</span>\n\"حكم المجمل التوقف\" (^١)، \"إلى أن يرد تفسيره\" (^٢)، فـ \"لا يصح الاحتجاج بظاهره في شيء يقع فيه النزاع\" (^٣).\n- متى يعمل بالمجمل وهو على إجماله:\nيعمل بالمجمل وهو على إجماله إذا أمكن حمله على جميع معانيه غير المتنافية، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].\nفإن السلطان مجمل يحتمل الحجة، والدية، والقود، والشافعي يخير بين القتل وغيره؛ لأن الكل بالإضافة إلى اللفظ سواء (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>المسألة الخامسة: وقوع المجمل في الكتاب والسنة:</span>\nالمجمل واقع في الكتاب والسنة؛ لأنهما بلغة العرب \"والعرب تجمل كلامها ثم تفسره، فيكون كالكلمة الواحدة\" (^٥)، ولم يخالف في هذا غير داود، \"والحجة عليه من الكتاب لا يحصى ولا يعد، وإنكاره مكابرة\" (^٦)، وقد مر كثير منه \"ولا يتصور الإجمال في القياس\" (^٧)؛ لأنه إلحاق فرع بأصل في الحكم لعلة جامعة وهذا مما لا يمكن فيه إجمال.\nوقد علل العلماء وقوع الإجمال في الكتاب والسنة بأمرين (^٨):\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير ٦/ ٢٧٥٢.\n(^٢) البحر المحيط ٣/ ٤٥.\n(^٣) المصدر نفسه ٣/ ٤٥.\n(^٤) البحر المحيط للزركشي ٣/ ٤٦.\n(^٥) المصدر نفسه ٣/ ٤٣.\n(^٦) التحبير شرح التحرير ٦/ ٢٧٥٣.\n(^٧) البحر المحيط ٣/ ٤٤.\n(^٨) المصدر نفسه ٣/ ٤٤.","vol":"1","page":189},{"text":"١ - ليكون إجماله توطئة للنفس على قبول ما يتعقبه من البيان، فإنه لو بدأ في تكليف الصلاة وبينها لجاز أن تنفر النفوس منها ولا تنفر من إجمالها.\n٢ - إن الله تعالى جعل من الأحكام جليًا وجعل منها خفيًا؛ ليتفاضل الناس في العلم بها، ويثابوا على الاستنباط لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>المسألة السادسة المبين:</span>\nلما كان المجمل يحتاج إلى البيان؛ أتبعه المؤلف بالبيان وتعريفه، ثم ذكر ما يقع له البيان وهو المبين باسم المفعول وهو النص من الكتاب والسنة، ولما كان المبين بالقول والفعل بدأ المصنف بالأقوال فذكر النص والظاهر، وثنى بأفعاله ﵊ وتقريراته، ثم ذكر النسخ لأنه بيان مدة الحكم.\nالبيان إخراج الشيء من حيز الاشكال.\nقوله: \"من حيز الأشكال إلى حيز التجلي\". الإشكال أعم من الإجمال إذ الإجمال نوع من أنواع الإشكال، والتجلي أنواع، فمنها: النص، والظاهر، والمؤول بالدليل، وقد بدأ المصنف بالنص، فقال:","vol":"1","page":190},{"text":"والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، كزيد في رأيت زيدًا.\nوقيل ما تأويله تنزيله، نحو ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، فإنه بمجرد ما ينزل يفهم معناه.\nوهو مشتق من منصة العروس، وهو الكرسي، لارتفاعه على غيره في فهم معناه من غير توقف.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>النص وما يتعلق به</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>المسألة الأولى: تعريف النص</span>.\nقوله: \"النص ما .. \"، أي: \"لفظ\"، فالنص هو لفظ لا يحتمل إلا معنى واحد.\nوعدم احتماله لمعنى آخر ولو مرجوحًا يخرج به المشترك، فإنه لفظ يحتمل معانٍ بالتساوي، والمتواطئ فإنه لفظ يحتمل معنى واحدًا بتفاوت.\nويخرج الظاهر لاحتماله معنى مرجوحًا، ويخرج المجمل لاحتماله معانٍ، وخرج كذلك المؤول لاحتماله معنى راجحًا. مثاله: \"رأيت زيدًا\" فإنه لا يحتمل غير الذات المشخصة (^١).\nومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. \"فإن هذا لا يحتمل ما زاد على العشرة ولا ما نقص عنها\" (^٢).\nوعن على ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (فإذا كانت لك مائتا درهم\n_________\n(^١) التحقيقات شرح الورقات للكيلاني ص ٣٤٤.\n(^٢) شرح ابن قاسم الصغير ص ١٣٢.","vol":"1","page":191},{"text":"وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم) (^١). فهذا نص صريح في وجوب إخراج خمسة دراهم إذا بلغت الفضة مئتا درهم، لا يحتمل غيره زيادة أو نقصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>المسألة الثانية: إطلاقات النص:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>أ-إطلاقه عند الفقهاء:</span>\nالنص عند الفقهاء يطلق بمعنى: ما دل على الحكم من كتاب أو سنة كيفما كانت دلالته نصًا كان ظاهرًا أو مؤولًا. وهكذا استعمال أهل الخلاف (^٢). فهو عندهم في مقابل الإجماع والقياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>ب-إطلاقه عند الأصوليين:</span>\nوأهل الأصول يطلقونه على: ما لا يحتمل إلا معنى واحد أو ما تأويله تنزيله، أي: ما لا يتوقف فهم تنزيله على أمر خارجي، بل يفهم بمجرد بلوغه وسماعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>جـ-إطلاقه بمعنى الظاهر:</span>\nأما إطلاق النص بمعنى الظاهر فهو وارد عن الإمام الشافعي عليه رحمة الله تعالى في الرسالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>د-إطلاقه في وضع اللغة:</span>\nأما في اللسان فجاء النص بمعنى الرفع والظهور (^٣). \"تقول نصصت الحديث إذا رفعته إلى صاحبه ...، فإذا ظهرت دلالة اللفظ على المعنى بحيث لا ينصرف إليه احتمال كان ذلك منتهى الدلالة وغايتها، فسمي نصًا\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، برقم: (١٥٧٣)، وصححه الألباني.\n(^٢) انظر شرح بن الفركاح ص ٢٠٤.\n(^٣) القاموس ص ٨١٦، تاج العروس ٩/ ٣٦٩.\n(^٤) شرح ابن الفركاح ص ٢٠٤.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المسألة الثالثة: حكم النص:</span>\nوجوب العمل به إن خلا من معارض يضاهيه قوة، أو ناسخ، أو علة في ثبوته من جهة السند، بالنسبة للسنة المطهرة.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>الظاهر والمؤل</span>","vol":"1","page":195},{"text":"والظاهر ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، كالأسد في رأيت اليوم أسدًا، فإنه ظاهر في الحيوان المفترس، لأن المعنى الحقيقي محتمل للرجل الشجاع بدله فإن حمل اللفظ على المعنى الآخر سمي مؤولًا وإنما يؤول بالدليل كما قال.\nويؤول الظاهر بالدليل ويسمى ظاهرًا بالدليل، أي كما يسمى مؤولًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ﴾ ظاهره جمع يد، وذلك محال في حق الله تعالى فصرف إلى معنى القوة بالدليل العقلي القاطع\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الظاهر والمؤول وبيان أسبابهما</span>.\nالقول إن دل إما أن يدل بمنطوقه أو بمفهومه، فأما منطوقه: فهو الأمر والنهي، والعام الخاص، والمطلق والمقيد، والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين.\nوأما مفهومه: فهو إما مفهوم الموافقة وهو لحن الخطاب، أو مفهوم الأولى، أو مفهوم المخالفة.\nأما المنطوق فإما أن يدل على طلب أو لا، فإن دل على طلب الفعل: فهو الأمر، وإن دل على طلب الترك: فهو النهي، وقد تقدم الكلام عليهما.\nوغيرهما المباح هذا من حيث دلالته على الطلب.\nأما من حيث قوة الشمول، فهو: العام والخاص، والمطلق والمقيد.\nأما من حيث قوة الوضوح، فهو: مجمل أو مبين، أما المبين: فهو إما نص أو ظاهر أو مؤول.","vol":"1","page":197},{"text":"- أما النص فهو: مالا يحتمل غير معنى واحد، مثاله: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا) (^١)، فإن التسبيع نص لا يحتمل غيره.\n- وأما الظاهر: فهو الراجح في معناه، ويحتمل ضدًا مرجوحًا.\n- وأما المؤول: فهو المصروف عن ظاهره بدليل. ويكون حكمه كالظاهر كما سيأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>وأسباب الظهور والتأويل</span>.\n- الانفراد، والاشتراك أو الترادف.\nفمثال الاشتراك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣].فهو دليل على أن الأمر للوجوب، وأجيب بأن المراد شأنه لأنه مشترك بينهما.\nومثال الترادف: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (^٢)، استدل به أحمد على أن الجلد الميتة لا ينتفع به مدبوغا وغير مدبوغ.\nوأجيب بأن الإهاب في اللغة هو: الجلد غير المدبوغ، فلا يجوز أن ينتفع به، وقال أحمد الإهاب مرادف للجلد مطلقا دبغ أو لم يدبغ. والجمهور أنه لا يرادفه بل الإهاب لغة لا يطلق إلا على جلد غير مدبوغ.\n- الحقيقة بأقسامها الثلاثة: اللغوية، والشرعية، والعرفية.\nوقد تقدم الكلام على كل نوع، فالحقيقة الشرعية هي: الظاهر، وهي مقدمة على\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (١٧٢) بلفظ: إذا شرب، ومسلم في صحيحه، برقم: (٢٧٩)، وغيرهما.\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، برقم: (٤١٢٨)، والترمذي في سننه، برقم: (١٧٢٩)، والنسائي في سننه برقم (٤٢٤٩) وابن ماجه في سننه، برقم: (٣٦١٣)، وأحمد في مسنده برقم: (١٨٧٨٠)، وقال عنه الأمام أحمد: أرجو أن يكون صحيحًا.","vol":"1","page":198},{"text":"غيرها في ألفاظ الشرع، ومثال ذلك: (الطواف بالبيت صلاة) (^١)، فحملها قوم على الشرعية فأوجبوا الطهارة للطواف، وهذا هو الظاهر لأنها الحقيقة الشرعية. وقال آخرون هي محمولة على اللغوية، وهذا تأويل يحتاج لدليل.\nومثاله: (لا ينكح المحرم) فدل على أنه لا يجوز للمحرم عقد النكاح، ومن أجازه قال النكاح هو الوطء: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فهو دليل على اللمس بالبشرة على الظاهر فيه من اللغة والشرع؛ لأن الشرع ليس له حقيقة خاصة هنا، ومن قال هو الجماع فقد أوله إلى المجاز، ودليله أن النبي ﷺ قبّل ولم يتوضأ، وكذا كانت تلمس عائشة قدميه وهو ساجد في قيام الليل، فهو من المؤول على هذا.\n- من أسباب ظهور اللفظ: عدم احتمال الحذف والإضمار.\nمثاله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]. فهذا ظاهر في أنه لا يجوز للجنب دخول الصلاة، لكن قوله: إلا عابري سبيل، دل على محذوف تقديره مواضع الصلاة أي المساجد، وهذا صرف للظاهر بدليل، وهو المؤول.\nويقدر الحذف. فهذا مؤل بدليل\n- ومن أسباب الظهور: عدم التقدير ويقابله المؤول وهو ما فيه تقدير.\nومثاله: (لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده) (^٢) أي: ولا يقتل المعاهد بكافر، لكن دل الإجماع على أن المعاهد يُقتل بالمعاهد، إذا فمعنى النص أنه لا يقتل المعاهد بكافر حربي.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه، برقم: (٩٦٠)، وأبو يعلى، برقم: (٢٥٩٩)، وابن خزيمة (٢٧٣٩) باختلاف يسير، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم: (١١٠٢).\n(^٢) تقدم تخريجه، ص: ١٣٧.","vol":"1","page":199},{"text":"فصار في هذه الجملة مؤولا بدليل.\nأما الجملة الأولى وهي: (لا يقتل مسلم بكافر) فتبقى على ظاهرها، إلا أن الأحناف قيدوها بنفس القيد، فقالوا: (لا يقتل مسلم بكافر حربي)، أي: أما بغيره فيقتل، ودليلهم أن التقدير بالإجماع في اللفظة الأخيرة فتؤول به اللفظة الأولى. وجوابه: أن هذا تأويل ضعيف؛ لعدم قوة الاستدلال على صرفه.\nوالخلاصة أن في هذا الحديث ظاهر في أوله، ومؤول بالاجماع في آخره.\n- ومن أسباب الظهور: عدم الإضمار فإن ادعي الإضمار فهو تأويل لابد من دليل له.\nمثاله: ظاهر حديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل كل ذي ناب من السباع) (^١) أن السباع محرمة.\nفذهب إلى تحريمها الأربعة، ووردت رواية ابن القاسم عن مالك أنها مكروهة جمعا بينها وبين آية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ولما عورض بما في الموطأ من النص على التحريم، احتمل الإضمار وهو أن المراد تحريم مأكول السباع، وهذا يوافق قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] وأجيب بأن الإضمار خلاف الأصل.\nوحديث أبي هريرة المشار إليه هو عن النبي - ﵊ - أنه قال: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام) (^٢)، قال مالك: عقبه وعلى ذلك الأمر عندنا .. (^٣).\n- ظهور اللفظ في كونه مفيدا للتأسيس لا التأكيد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (٥٧٨٠) ومسلم في صحيحه، برقم: (١٩٣٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، برقم: (٢٦٣٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.\n(^٣) راجع بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٣/ ٢٠).","vol":"1","page":200},{"text":"مثاله: أن مالكًا حمل الأمر بالمتعة على الندب لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. أي: على المتفضلين المتجملين، وما كان من باب الإجمال والإحسان فليس بواجب (^١)\nويجاب عنه: بأن الآية الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. أي: واجب على كل مؤمن، فيكون لفظ المحسنين من باب التأكيد لا إثبات حكم جديد؛ دفعا للتعارض، والجواب أن التأسيس هو الأصل الظاهر أما التأكيد فهو تأويل يحتاج لدليل. والذي يرجح الوجوب على قول الجمهور أن لفظة حقا تدل على الواجب فيكون المحسنين تأكيدا.\n- ظهور اللفظ في كونه عاما.\nفالعام من الظاهر؛ لأن دلالته كلية على أفراده. وقد تقدم.\n- ظهور اللفظ في كونه مطلقا.\nفالمطلق ظاهر على ما دل عليه، فلفظ (رقبة) ظاهر في كونها مؤمنة أو غير مؤمنة. ومن قيدها بالإيمان فقد أوّله فيكون عنده من باب المؤول وقد تقدم الكلام على المطلق.\nقوله: (فإن حمل اللفظ على المعنى الآخر سمي مؤولًا).\nأقول كل ما تقدم الظاهر إذا حمل على مقابله بدليل فهو: المؤول، ويكون بالدليل في حكم الظاهر، فالمشترك، والمجازات، والحذف، والاضمار، والتقديم، والتأخير، والتخصيص، والتقييد كل هذه من المؤول، فإن كانت بالدليل فهي في قوة الظاهر.\nوقوله: وإنما يؤول بالدليل ... هذا شرط الجواز؛ لأنه إن لم يكن بدليل فهو هوى، وكل ترجيح بغير مرجح هوى، ولا اعتبار له في الاستدلال. فإن أصر صاحبه فهو أحمق أو صاحب هوى.\n_________\n(^١) راجع بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٣/ ١١٧) وانظر كذلك مفتاح الوصول لابن التلمساني ٤٧٠.","vol":"1","page":201},{"text":"قوله: ويسمى ظاهرًا بالدليل، أي كما يسمى مؤولًا.\nأي أن المؤول له إطلاقان فيسمى الظاهر بالدليل، ويسمى مؤولا.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>الأفعال</span>","vol":"1","page":203},{"text":"الأفعال\nهذه ترجمة:\nفعل صاحب الشريعة يعني النبي - ﷺ - لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو لا يكون.\n١_فإن كان على وجه القربة والطاعة.\n_فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، كزيادته - ﷺ - في النكاح على أربع نسوة.\n_ وإن لم يدل لا يختص به، لأن الله تعالى قال: (لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا. في حقه وحقنا لأنه الأحوط.\nومن أصحابنا من قال يحمل على الندب، لأنه المتحقق بعد الطلب. ومنهم من قال يتوقف فيه، لتعارض الأدلة في ذلك.\n٢_ وإن كان على وجه غير وجه القربة والطاعة، فيحمل على الإباحة، في حقه وحقنا.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>أفعال النبي ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>المسألة الأولى: أفعاله ﷺ قسمان كليان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>القسم الأول: ما كان على وجه القربة والطاعة</span>، وهو أنواع:\n١_ ما عمله ﷺ وثبت الدليل باختصاصه به.\n٢_ ما عمله ﵊ بيانًا لمجمل.","vol":"1","page":205},{"text":"٣_ ما عمله ابتداءً ولم يكن خاصًا به ولا بيانًا لمجمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>القسم الثاني: ما كان على غير وجه القربة والطاعة</span>، وهو أنواع:\n١ - ما فعله صلى الله جبلة.\n٢ - ما فعله جبلة وفيه نوع تشريع.\n٣ - ما عمله لا على وجه القربة ولا على وجه الجبلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>المسألة الثانية: والجميع راجع إلى أربعة أنواع:</span>\n١ - ما كان بيانًا لمجمل.\n٢ - ما كان خاصًا به.\n٣ - ما كان جبلة.\n٤ - ما فعله ابتداءً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>الأول: ما كان بيانًا لمجمل</span>\nكبيانه ﷺ بفعله، قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (^١).\nوكبيانه للوضوء، والمناسك، والحدود كقطع يد السارق من الكوع، \"وهذا متفق عليه عند العلماء، وواجب عليه ﷺ الإعلام به لوجوب التبليغ عليه\" (^٢).\nولو كان في أصله مندوبًا، إذ وجوب البيان والبلاغ شيء، وكون أصل الفعل مندوبًا شيء آخر، فيجري فيه الحكمان من جهتين منفصلتين (^٣).\nويعرف كون هذا الفعل بيانًا بأحد أمرين (^٤):\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا في جماعة برقم ٦٣١.\n(^٢) التجبير شرح التحرير للمرداوي ٣/ ١٤٦٣.\n(^٣) انظر المصدر السابق ٣/ ١٤٧٠٠.\n(^٤) انظر شرح العضد على ابن الحاجب في باب الافعال.","vol":"1","page":206},{"text":"- الأول: بالقول، كقوله ﷺ: (خذوا عني مناسككم) (^١).\n- الثاني: بالقرينة، وهو وقوع الفعل بعد إجمال، كقطع يد السارق من الكوع دون المرفق والعضد بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>الثاني: ما كان خاصًا به ﵊</span>\n- فنحو الزيادة في النكاح على أربع، ووضع الجريدتين على قبر المعذبين؛ لاختصاصه بإطلاعه على عذابهما بخلاف غيره؛ لأن فاعله مدع حصول العذاب لصاحب القبر المراد وضع الجريدة عليه. وهذا ضرب من التخرص على الله تعالى بغير علم فلا يجوز، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. ولذلك لم يفعله أحد من صحابته ﵊ على شدة حرصهم على الخير والمسارعة فيه على خلاف في المسألة.\n- ومن اختصاصاته إسقاط إيجاب القسم عليه بين زوجاته؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَوْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]. وكان قسمه بينهن من حسن عشرته وجميل خلقه ..\n- ومنها أن عينه تنام ولا ينام قلبه، فكان ينام حتى ينفح ثم يقوم ولا يتوضأ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في سننه، برقم: (٣٠٦٢) والطحاوي في أحكام القرآن، برقم: (١٣٥٩) وغيرهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم: (٧٨٨٢).\n(^٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب كان النبي ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه، برقم: (٣٣٧٦).","vol":"1","page":207},{"text":"- ومنها شرب المرأة لبوله ﷺ إن صح. (^١)\n- ومنها رؤيته من خلفه. (^٢)\n- ومنها وجوب صلاة الليل عليه في قول.\n- ومنها قوله ﷺ: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>الثالث: ما كان فعله ﷺ جبلة أو عرفا</span>.\n- فمنه ما هو جبلي محض: كالقيام والقعود، والحركات البشرية كتصرفات الأعضاء، وحركات الجسد، فهذا في حكم المباح ولا يتعلق به أمر ولا نهي.\n- ومنه ما لا يمكن القول بمشروعية الاقتداء به، كسعاله في سورة المؤمنين في صلاة الفجر، وكقوله \"أع. أع\" وهو يستاك على لسان كأنه يتهوع.\n- ومنه ما يمكن القول به كما كان يفعل ابن عمر ﵁ من تتبع مواضع رسول الله ﷺ، مع أنه لم يوافقه الصحابة على ذلك.\n- ومنه حبه ﷺ للحلوى والعسل، وتتبعه للدباء في الإناء، وكره نفسه أكل الضب، وحبه للكتف، وهو باب واسع.\nوالأصل فيه الإباحة وعدم التشريع، لكن من فعل شيئًا من ذلك حبًا لرسول الله ﷺ أجر؛ كما قال أنس ﵁ فما زلت أحب الدباء من يومئذ.\n- ومنه نوع آخر وهو ما احتمل أن يخرج عن الجبلة إلى التشريع؛ بمواظبته ﷺ على وجه معروف ووجه مخصوص، من دون إرشاد منه إلى\n_________\n(^١) الحديث رواه الحاكم في مستدركه، (٤/ ٧٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٦٧)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٨٩، ٩٠). وإسناد الحديث ضعيف.\n(^٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٤١٨)، ومسلم في صحيحه برقم: (٤٢٤).\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (١٩٦٥)، ومسلم في صحيحه برقم: (١١٠٣) واللفظ له.","vol":"1","page":208},{"text":"بعض الهيئات وإلا لكان مندوبًا، كنومه ﷺ على شقه الأيمن.\nوحكم هذا النوع فيه خلاف، فحمله أكثر المحدثين كما حكاه أبو إسحاق على الندب، وحمله غيرهم على الأصل وهو عدم التشريع (^١).\n- ومنه باب موافقته العرف، نحو: إطلاقه ﷺ لشعره إلى المنكبين، ولبسه ما يلبس قومه من عمامة وإزار ونحو ذلك، فما كان فيه مجرد فعل فالتشريع العام فيه جواز موافقة العرف ما لم يخالف الشريعة في أمر أو نهي.\nما لم يأت ما يعضده بدليل آخر كما هو شأن إعفاء اللحية، فتأخذ حكمًا مستقلًا، أما مجرد الفعل فقد ثبت أن عثمان بن عفان ﵁ كانت له ظفائر. وهذه العادة كانت معروفة عند العرب، فإذا تغير العرف كما هو الحال في زماننا. فأطال أحدٌ شعره إطالة خارجة عن العادة أو ظفره لم يعد متبعًا، بل يدخل في ذم الشهرة، وقد يعزر من فعله إن كان تميعًا وخروجا إلى التأنث، وقد أفتى بعض علماء عصرنا بهذا وقد سمعته تسجيلا من شيخنا ابن عثيمين ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>الرابع: ما فعله النبي ﷺ ابتداءً</span>.\nبلا بيان لمجمل، أو خصوصية، أو جبلة فهذا الأصل فيه التشريع، وهو مذهب الجماهير من القوم؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].\nأما كونه واجبًا أو مندوبًا على الخصوص، أو مباحا فمحتاج لدليل آخر يدل عليه. فذكر المؤلف أنه إن كان على وجه القربة والطاعة فالمذهب على القول بالوجوب لأنه الأحوط، وقيل بالندب لأنه أقل الطلب، وقيل بالوقف لعدم ظهور الترجيح.\nأما إن كان لا على وجه القربة فهو مباح في حقه وحقنا.\n_________\n(^١) اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: ٦٨) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":209},{"text":"تتبع ما فعله النبي ﷺ ابتداء، وبيان الحكم في ذلك.\nمن أمثلة هذا النوع بالتتبع:\n_ الجلوس بين الخطبتين يوم الجمعة. (^١)\n-وضجعة الفجر. (^٢)\n- وذهابه يوم العيد من طريق ورجوعه من آخر. (^٣)\n- وهجره للثلاثة. (^٤)\n- وغزوة أول النهار أو آخره إذا هبت الأرواح. (^٥)\n- وصلاته على شهداء أحد بعد ثمان سنوات. (^٦)\n- ولبسه خاتمه بيمينه، أو شماله. (^٧)\n_ ونزوله بالمحصب. (^٨)\n_ وتوكأه على عصا إذا خطب. (^٩)\n_________\n(^١) - صحيح البخاري (٩٢٨) (كان النبيُّ ﷺ يَخطُبُ خُطبتَينِ يَقعُدُ بينَهما)\n(^٢) - صحيح البخاري (١١٦٠)، عن عائشة ﵂: (كان النبيُّ ﷺ إذا صلَّى ركعتيْ الفجرِ اضطجعَ على شِقِّهِ الأيمنِ)\n(^٣) - صحيح البخاري (٩٨٦) عن جابر بن عبد الله: (كان إذا كان يومُ عيدٍ خالفَ الطريقَ)\n(^٤) - متفق عليه: صحيح البخاري (٤٤١٨)، صحيح مسلم (٢٧٦٩)\n(^٥)\n(^٦) - صحيح البخاري (٤٠٤٢)، وصحيح مسلم (٢٢٩٦)، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ).\n(^٧) سنن أبي داود (٤٢٢٦) النَّبِيَّ ﷺ: (كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ).\n(^٨) - صحيح البخاري (١٧٥٦)\n(^٩) - أخرجه أبو داود في سننه (١٠٩٦)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود.","vol":"1","page":210},{"text":"- وحمل العنزة إذا بال. (^١)\n- وانصرافه بعد الصَّلاة عن يمينه وشماله (^٢).\n- واتخاذه منبرًا. (^٣)\nفهذه الأمثلة منها ما هو واجب كجلسة الخطبتين كما قال الشافعي (^٤):\nوتردد في ركعتي الطواف (^٥).\nومنها ما هو مندوب:\nومنها ما يدل على الإباحة والجواز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>المسألة الثالثة: حكم تركه ﵊ والوصول إلى قاعدة تضبط ذلك من خلال تتبع السنن التركية:</span>\nما تقدم هو فيما فعله ﷺ أما ما تركه:\nفقال بن السمعاني إذا ترك الرسول شيئًا وجب علينا متابعته ألا ترى أنه ﵇ لما قدم إليه الضب، فأمسك عنه وترك أكله، فأمسك عنه الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: إني أعافه ولما قرب إليه قدر فيه بقول وثوم ونحوها فأمسك عن الأكل أمسكوا عنه حتى قال: كلوا فإني أناجي من لا تناجون (^٦).\n_________\n(^١) - متفق عليه: صحيح البخاري (١٥٢)، صحيح مسلم (٢٧١).\n(^٢) مسند أحمد أحمد (٤/ ٢٣٩) من حديث عبدالله بن مسعود: (كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ينصرف حيث أراد: كان أكثر انصراف رسول الله - ﷺ - على شقه الأيسر إلى حجرته).\n(^٣) - متفق عليه: صحيح البخاري (٩١٧)، صحيح مسلم (٥٤٤).\n(^٤) انظر البحر المحيط ٣/ ٢٥٣.\n(^٥) المصدر نفسه ٣/ ٢٥٤.\n(^٦) المصدر نفسه ٣/ ٢٨١.","vol":"1","page":211},{"text":"ووجه ما قاله بن السمعاني:\nأنه لا يمكن أن يكون تركه لذلك الفعل ذنبًا فيكون حرامًا لعصمته عن فعل المعاصي ولا مكروهًا إذ المكروه يتوقى منه أصحاب المروءات فضلًا عن النبي ﷺ ولا مباحًا إذ لو كان يفهم منه ذلك لما ترك الصحابة الأكل لتركه.\nفلم يبق إلا الندب أو الوجوب وكلاهما محتمل فوجب علينا متابعته في الترك حتى يتبين لنا أنه مندوب، ويترجح الوجوب بأنه لو كان لهم ألا يتركوا لبين لهم النبي ﷺ حينما رآهم امتنعوا لامتناعه أنه ليس عليهم ذلك فلما لم يبين دل على أنه أقرهم على متابعته في الترك وهذا دليل على وجوب ترك ما تركه النبي ﷺ ابتداءً بلا بيان لوجه الترك مع إقراره لصحابته متابعته لما علم من عظيم شفقته على أمته فيما يشق عليهم- فلو كان في الأمر سعة لبين لهم الرخصة كما هو معلوم من أمره بالاستقراء.\nوقد استقرأت كل ما وقفت عليه من التروك وتتبعت ذلك في السنة حسب طاقتي لأصل إلى قاعدة في تركه ﵊ فمما وقفت عليه:\n- تركه شرب العصير بعد ثلاث (^١).\n- تركه الوضوء من ما مست النار (^٢).\n- تركه كسر الأصنام لعلة (^٣).\n- تركه قتل ابن أبي بلتعة لعلة (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٠٠٤).\n(^٢) سنن أبي داود (١٩٢ جامع الترمذي (٨٠).\n(^٣) حتى كان عام الفتح. صحيح مسلم (١٧٨١).\n(^٤) صحيح البخاري (٤٩٠٥)","vol":"1","page":212},{"text":"- تركه الجهر بالقراءة في الرواتب ولو كانت راتبة لصلاة جهرية\n- تركه الحكم بالحد بمجرد الشبه (^١).\n- تركه التطبيق في الصلاة. (^٢)\n- تركه الجهر بالبسملة\n- تركه التصريح بما يستحيا منه \"سبحان الله تطهرني\" (^٣).\n- تركه الإنكار على أبي بكر حيثما قال للكافر أمصص بظر اللات (^٤).\n- تركه الدُّخول لأجل التصاوير (^٥).\n- تركه قتل أهل الأهواء. (^٦)\n- تركه للمسجد في يوم العيد (^٧).\n- تركه تأويل الصفات والمتشابه\n- تركه الاستخلاف (^٨).\n- تركه النَّوم بعد الفجر.\n- تركه لبس الإنبجانية في الصَّلاة (^٩).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٨١٥)\n(^٢) السنن الكبرى للنسائي (٩٦٨٨)، .\n(^٣) صحيح البخاري (٣١٤.\n(^٤) مسند أحمد ط الرسالة (٣١/ ٢١٥ - ٢١٢.\n(^٥) السنن الكبرى للنسائي (٩٦٨٨)، .\n(^٦) صحيح البخاري (٤/ ٩١) في قصة ذي الخويصرة\n(^٧) صحيح البخاري (٩٥٦\n(^٨) صحيح مسلم (١٨٢٣).\n(^٩) مسند أحمد ط الرسالة (٤٠/ ٢٢٣ - ٢٢٢).","vol":"1","page":213},{"text":"- ما مست يده يد امرأة قط (^١).\n- تركه صيام الجمعة (^٢).\n- أو تحري يوم السبت (^٣).\n- تركه صيام العشر من ذي الحجة (^٤).\n- لا يصلي على رجل عليه دين (^٥).\n- لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة.\n- لا يصوم شهرا كاملًا غير شعبان (^٦).\n- لا يضيف الخصم إلا ومعه خصم (^٧).\n\nوفي كشف الخفا للعجلوني \"كان ﷺ لا يأكل الطعام الحار\" (^٨).\nكان ﵊ لا يأكل يوم النحر حتى يرجع\" (^٩)،\nوكذلك تركه الأذان في العيدين، والاستسقاء، وإذا صام في غير رمضان فلا يصوم كله إلا المحرم،\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٢٨٧٥.\n(^٢) سنن ابن ماجه ت الأرنؤوط (١٧٢٣).\n(^٣) سنن الترمذي (٧٤٤ سنن أبي داود (٢٤٢١). السنن الكبرى للبيهقي (٨٤٩٦)\n(^٤) سنن ابن ماجه (١٧٢٩.\n(^٥) سنن ابن ماجه (٢٤١٥.\n(^٦) مسند أحمد ط الرسالة (٤٠/ ١٤١ سنن ابن ماجه (١٧١٠)\n(^٧) السنن الصغير للبيهقي (٣٢٦٥) عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ نَزَلَ بِهِ ثُمَّ قَدَّمَ خَصْمًا لَهُ: (تَحَوَّلْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَانَا أَنْ نُضِيفَ الْخَصْمَ إِلَّا وَخَصْمُهُ مَعَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَانَ \" لَا يُضِيفُ الْخَصْمَ إِلَّا وَخَصْمُهُ مَعَهُ\").\n(^٨) كشف الخفاء ١/ ٢٨٠.\n(^٩) ابن ماجه - ١٧٥٦.","vol":"1","page":214},{"text":"وتركه للتمطي لأنه من الشيطان كما ورد أنه ﷺ كان لا يتمطى لأنه من الشيطان (^١).\nومنه عدم استعماله النورة بل كان إذا كثر شعره حلقه (^٢)،\nومنه أنه كان لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة (^٣).\nومنه أنه ﵊ كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء رفعًا كثيرًا إلا في الاستسقاء (^٤).\nومنه تركه التنفل في السفر (^٥).\nوكان ﵊ لا يستلم الركنين الشاميين (^٦).\nوكان لا يصلي بعد الجمعة شيئًا في المسجد (^٧).\nوتركه الصلاة في لحف نسائه (^٨).\nوتركه تنشيف أعضائه في الوضوء (^٩).\nفهذه الأمثلة التي جمعتها توضح قاعدة التروك، بجلاء ويتبين من خلالها أن تركه ﵊ أقسام\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٦١٣.\n(^٢) البيهقي ١/ ١٥٢. فتح الباري ١٠/ ٣٤٤.\n(^٣) أحمد ٦/ ١٩ الترمذي ١٠٧، النسائي ٢٠٩ - ابن ماجه - ٥٧٩، .\n(^٤) أحمد ٣/ ٢٨٢ أبوداود. ١١٧٠ - النسائي ٣/ ١٥٨، ٢٤٩ - ابن ماجه - ١١٨٠، الدارقطني ٢/ ٦٩، وأصله في البخاري ٢/ ٣٩، ٤/ ٢٣١.\n(^٥) فتح الباري ٢/ ٥٧٧، راجع إرواء الغليل ٣/ ٤.\n(^٦) عبدالرزاق ٨٩٤٢.\n(^٧) البيهقي ٢/ ٤٧٧.\n(^٨) الترمذي ٦٠٠.\n(^٩) صحيح البخاري (١/ ٦٢).","vol":"1","page":215},{"text":"الأول: إن كان مما يتعلق بالعبادات فالجادة إتباعه في الترك حيث ترك، ومخالفته بدعة إلا إن بين بقوله. مثاله تركه صيام يوم وإفطار يوم مع أنه أخبر أنه خير الصيام فدل هذا على أنه إنما ترك حتى لا يشق على أمته. لا أن من صام يوما وأفطر فهو آثم\nالثاني: إن كان في غير العبادات من الأمور العادية أو الجبلية كتركه أكل الطعام الحار مثلًا فهذا من المباح وأما ما تعلق بالعرف فيتابع العرف إن لم يخالف الشرع.\nالثالث: ماكان في الأمور المتعلقه بالمصالح العامة كترك الاستخلاف فهذا ينظر فيه إلى المصلحة زمانًا ومكانًا.\nالرابع: إن كان مما يتبين فيه السبب كتركه الأكل للثوم لعله \"إني أناجي من لا تناجي\" عمل بمقتضى السبب،\nالخامس: إن كان تركه لأمر قد فعله من قبل، فالترك إما لبيان الجواز وقد يكون للنسخ كتركه القيام للجنازة.\nفالحاصل أنه لا يطلق في هذا الوضع قاعدة عامة ولكن يفصل فيه التفصيل المذكور هذا ما ظهر لي بالتتبع والله أعلم.","vol":"1","page":216},{"text":"وإقرار صاحب الشريعة - ﷺ - على القول من أحد هو قول صاحب الشريعة أي كقوله - ﷺ -.\nوإقراره على الفعل من أحد كفعله، لأنه معصوم عن أن يقر أحدًا على منكر، مثال ذلك إقراره - ﷺ - أبا بكر على قوله بإعطاء سلب القتيل لقاتله.\nوإقراره خالد بن الوليد على أكل الضب متفق عليهما.\nوما فُعِلَ في وقته - ﷺ - في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره، فحكمه حكم ما فُعِلَ في مجلسه، كعلمه بحلف أبي بكر - ﵁ - أنه لا يأكل الطعام في وقت غيظه ثم أكل لما رأى الأكل خيرًا، كما يؤخذ من حديث مسلم في الأطعمة.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>قوله \"وإقرار صاحب الشريعة\" فيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>المسألة الأولى: تعريف الإقرار وحكمه</span>.\nالإقرار هو: \"أن يسكت النبي ﷺ عن إنكار قول، أو فعل قيل، أو فُعل بين يديه أو في عصره، وعلم به\" (^١).\nوحكمه أنه: \"منزل منزلة فعله في كونه مباحًا؛ لأنه لا يقر على باطل\" (^٢).\nولأنه لو لم يكن تشريعا لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة لإيهام الجواز والنسخ (^٣).\nوهذا الحكم لا يختص بالفاعل الذي سكت عنه بل يتعدى إلى غيره من الناس (^٤).\n_________\n(^١) البحر المحيط ٣/ ٢٧٠.\n(^٢) المصدر نفسه ٣/ ٢٧٠.\n(^٣) التحبير ٣/ ١٤٩١.\n(^٤) انظر: جمع الجوامع بشرح المحلي ٢/ ٩٧ بحاشية البناني والتحبير ٣/ ١٤٩٣ خلافًا للقاضي أبي بكر الباقلاني قال لأن السكوت ليس بخطاب حتى يعم، وأجيب بأنه كالخطاب فيعم.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المسألة الثانية: إقراره ﵊ حجة</span>؛ لأنه ﵊ لا يقر أحدًا على الخطأ ولا المعصية؛ \"لأن التقرير على الفعل معصية، فالعاصم له من فعل المعصية عاصم له من التقرير عليها\" (^١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>المسألة الثالثة: شروط حجية التقرير</span>.\nإنما يكون التقرير حجة بشروط هي (^٢):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>الشرط الأول: أن يعلم به ﷺ</span>.\nوهذا شامل لثلاثة أنواع:\nأ- ما كان واقعًا بين يديه: نحو احتجاج الشافعية على قضاء فوائت النوافل في الأوقات المكروهة، بما روى قيس بن قهد قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أصلي ركعتين بعد صلاة الصبح فقال: (ما هاتان الركعتان يا قيس؟) فقلت: يا رسول الله لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان الركعتان، فسكت ﷺ (^٣).\nب- ما وقع في زمانه وكان مشهورًا يغلب على الظن علمه به ﵊: كصلاة معاذ معه العشاء، ثم يصليها بقومه إمامًا إذا انقلب إليهم. والقصة في البخاري وغيره وبه استدل الشافعي على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل.\nج- ما وقع في زمانه مما يخفى: كقول بعض الصحابة ﵃: \"كنا نكسل على عهد رسول الله ﷺ ولا نغتسل\"، وبه احتج على أن موجب الغسل\n_________\n(^١) مفتاح الأصول لابن التلمساني ص ٥٨٤.\n(^٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٢٧١.\n(^٣) الترمذي وصححه أحمد شاكر في شرحه على الترمذي، ٢/ ٢٨٧.","vol":"1","page":218},{"text":"الإنزال لا الإيلاج. إلا أنه قد تقرر نسخه فالغرض هنا التمثيل.\nوأوضح منه حديث جابر كنا \"نعزل والقرآن ينزل\" (^١).\nوقد اختلف قول الشافعي في الأقط هل يجوز إخراجه في الفطرة أم لا؟ على قولين:\n\"لأنه لم يكن قد علم أنه بلغ النبي ﵇ ما كانوا يخرجونه في الزكاة في الأقط، لأنه روى عن بعض الصحابة أنه قال كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من أقط\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>الشرط الثاني: أن يكون قادرًا على الإنكار</span>، قاله ابن الحاجب وفيه نظر؛ لقول الفقهاء إن من خصائصه عدم سقوط وجوب تغيير المنكر بالخوف على النفس لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾. [المائدة: ٦٧]. وقوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]؛ ولأنه لو سكت لأوهم الجواز (^٣). وزاد بعضهم ألا يكون غيره قد أنكر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>الشرط الثالث: ألا يكون الفعل مما يفعله الكفار، فإنه لا أثر له اتفاقًا </span>(^٤).\nفلا يدل سكوته على إقراره لهم، وهذا في غير المنافق، أما هو فيعامل ظاهرًا على ما تقتضيه الشريعة في أهل الإسلام، إلا إذا ثبت أنه سكت عنهم إعراضًا أو لوضوح قبح ما يفعلون، أو خوف فتنة أو نحو ذلك (^٥). والله أعلم.\n_________\n(^١) البحر المحيط ٣/ ٢٧٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه في الزكاة باب صدقة الفطر صاع من طعام، برقم: (١٥٠٦).\n(^٣) انظر البحر المحيط، ٣/ ٢٧٢.\n(^٤) التحبير شرح التحرير، ٣/ ١٤٩٣.\n(^٥) البحر المحيط ٣/ ٢٧٣، الأحكام للآمدي ١/ ١٨٨، والتحبير ٣/ ١٤٩٣، وجمع الجوامع بحاشية البناني ٢/ ٩٦.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>النسخ</span>","vol":"1","page":221},{"text":"وأما النسخ فمعناه لغة الإزالة، يقال نسخت الشمس الظل إذا أزالته ورفعته بانبساطها.\nوقيل معناه النقل من قولهم نسخت ما في هذا الكتاب إذا نقلته بأشكال كتابته.\nوحدُّه شرعًا الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه هذا حد للناسخ.\nويؤخذ منه حد النسخ بأنه رفع الحكم المذكور بخطاب إلى آخره، أي رفع تعلقه بالفعل، فخرج بقوله الثابت بالخطاب، رفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية، أي عدم التكليف بشيء.\nوبقولنا بخطاب المأخوذ من كلامه الرفع بالموت والجنون.\nوبقوله على وجه إلى آخره، ما لو كان الخطاب الأول مغيًا بغاية أو معللًا بمعنى، وصرح الخطاب الثاني بمقتضى ذلك.\nفإنه لا يسمى ناسخًا للأول\nمثاله: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فتحريم البيع مغيا بانقضاء الجمعة، فلا يقال إن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ناسخ للأول بل بيَّن غاية التحريم.\nوكذا قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ لا يقال نسخه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ لأن التحريم للإحرام وقد زال.\nوخرج بقوله مع تراخيه عنه، ما اتصل بالخطاب من صفة أو شرط أو استثناء.","vol":"1","page":223},{"text":"<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>النسخ وما يتعلق به من المسائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>المسألة الأولى: في تعريفه لغة واصطلاحًا</span>.\nفأما في اللغة فله معنيان:\n١. الإزلة: وهذا وارد في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. [البقرة: ١٠٦].\nقال في اللسان: \"والنسخ إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه\"، واستدل بالآية.\n٢. النقل: ومنه نسخت الكتاب، كما في اللسان وغيره، وإنما حكاه المصنف بقيل؛ ليشير إلى تضعيفه، إذ النسخ في الحقيقة اللغوية يطلق على الأول عند الأكثر من أهل اللغة والأصول (^١)، أما الثاني فإطلاقه عليه مجاز كذا قالوا.\n٣. وهناك قول ثالث أنه مشترك (^٢)، وهو قول الغزالي وقبله القاضي الباقلاني.\nوهو الذي تدل عليه قواميس العربية، كما سبق نقله عن اللسان.\n٤. وقول رابع: أنه للقدر المشترك وهو التغيير (^٣). وهو التواطؤ المنقول عن ابن المُنير (^٤).\nأما تعريفه اصطلاحًا: فقال المصنف: الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه.\n_________\n(^١) انظر التمهيد للكلوذاني ج ٢/ ٣٣٥، وتقويم النظر للدبوسي ص ٢٢٨، والمعتمد لأبي الحسين البصري ١/ ٣٩٤، وشرح الغاية للحسين بن القاسم ٢/ ٤٠٦، ونهاية الوصول للهندي ص ٢٢١٣، والإبهاج لآل السبكي ٢/ ٢٢١. واللسان ج ١٤ مادة نسخ\n(^٢) المستصفى ١/ ١٠٧.\n(^٣) كما يفهمه كلام الجصاص في الفصول ١/ ٣٥٤.\n(^٤) التحبير شرح التحرير ص ٢٩٧٣.","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>المسألة الثانية: شرح التعريف وبيان محترزاته وقيوده</span>\nقوله: \"الخطاب\" يشمل المنطوق والمفهوم، ويخرج القياس والإجماع؛ لأنهما لا يكونان ناسخين.\nوشمل الخطابُ الفعلَ، فإنه يكون ناسخًا، فإنه خطاب تقديرًا (^١).\nومثاله: \"كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار\".\nقوله على رفع الحكم: يتناول الأمر والنهي، والأخبار التي بمعنى الأمر والنهي، أما الأخبار التي يلزم من نسخها تكذيب للمخبر، فلا نسخ فيها.\nوالحكم هنا متعلقه فعل المكلف، حتى لا يرد قولهم: إن الحكم قديم فكيف يرفع؟ وبالرفع خرج التخصيص والتبيين؛ لأنه لا يرفع به الحكم.\nوقوله: \"الثابت بالخطاب المتقدم\": خرج به رفع الثابت بدون خطاب بل ثباته بالبراءة الأصلية، فالخطاب الوارد ابتداءً يرفعها ولا يسمى نسخًا، وإلا لسميت الشريعة كلها ناسخة؛ لأن أغلب الأحكام جاءت ابتداءً، هذا بالنظر الاصطلاحي المحدث في الأصول. أما النظر الشرعي فإن شريعتنا ناسخة لشرائع الأمم السابقة في كل ما ورد به النص مخالفًا لهم، ولذلك عندي أن يضاف إلى الحد \"في شريعتنا\"؛ لئلا يرد رفع شريعتنا لخطاب شريعة سابقة- ولم أر من تعرض لهذا- فإنه لا يسمى عندهم نسخًا بالنظر الاصطلاحي وإن كان كذلك في الحقيقة.\nوقوله: \"على وجه لولاه لكان ثابتًا\": احتراز عما لو كان الخطاب الأول مغيا بغاية، فإنه يرتفع عند غايته، وهذا لا يسمى نسخًا؛ لأنه ليس بخطاب متأخر نحو قوله تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. فلا يعتبر منسوخًا بالآية الأخرى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]؛ لأن التحريم حكم مغي بغاية ينتهي بها، فالنص\n_________\n(^١) انظر شرح البدخشي ٢/ ٤٩٨.","vol":"1","page":225},{"text":"الآخر لو لم يرد لفهم المعنى بدونه فوروده زيادة للبيان لا نسخًا له.\nومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]\nوقوله: \"مع تراخيه عنه\": خرج به التخصيص والتبيين؛ لأنه لا يشترط فيها التراخي (^١)، وبهذا تعرف شروط النسخ.\nوقول الشارح هذا حد للناسخ، أي: أن إمام الحرمين بهذا التعريف إنما عرف الناسخ لا النسخ فإن النسخ رفع الحكم ... الخ.\nتنبيه: لماذا قال الشارح: أي: رفع تعلقه بالحكم؟ والجواب: أن كلامه هذا فيه رد على إيراد مشهور هو: أن خطاب الله قديم فكيف يرفع؟ فالجواب: أنه رفع لما تعلق به من أفعال المكلفين لا له (^٢)، وقد تقدم قريبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>المسألة الثالثة: الفرق بين النسخ والتخصيص من ثمانية أوجه </span>(^٣):\nالأول: أن التخصيص مبين أن مدلول اللفظ الخاص لم يكن مرادًا من لفظ العام الدال عليه بخلاف النسخ، فإن مدلوله كان مرادًا بالحكم ثم رفع بالنسخ.\nنحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ثم خصص منه: ملتزم الجزية، المعاهد، والنساء، والأطفال، فعلم أن النص لم يكن شاملًا لهم.\n_________\n(^١) انظر مرآة الأصول شرح مرقاه الوصول لمنلا خسرو ٢/ ١٦٩، والتحقيقات شرح الورقات لابن قاوان ص ٣٥٨، وفواتح الرحموت ٢/ ٥٣، وتيسير التحرير ٣/ ١٧٨، وأحكام الآمدي ٣٠/ ١٥٠، وشرح البدخشي والأسنوي على المنهاج ٢/ ٤٩٨، والتحبير ص ٢٩٨٠، وشرح بن الفركاح للورقات ص ٢١٥، وغيرها.\n(^٢) وانظر مع ما سبق روضة الناظر مع شرح النملة ٢/ ٦٧٧، والنهاية للهندي ص ٢٢٣١، والمستصفى ٢/ ١٠٩.\n(^٣) انظر المستصفى ٢/ ١٠١٠ - ١١١، والروضة ٢/ ٦٧٧، وما بعدها والواضح لابن عقيل ٤/ ٢٤٠، ولباب المحصول لابن رشيق ١٠/ ٢٩٥، وشرح مختصر الروضة ٢/ ٥٨٧.","vol":"1","page":226},{"text":"الثاني: أن التخصيص يكون فيما يمكن تبعيضه لا فيما لا يمكن أن يتبعض، بخلاف النسخ فنسخ القبلة إلى البيت الحرام لا أفراد له فلا يسمى تخصيصًا بل نسخًا، ولذلك النسخ يرد على النص والظاهر، ولا يرد التخصيص إلا على العموم\" (^١).\nالثالث: أن النسخ لا يقع إلا متراخيًا عن المنسوخ بخلاف التخصيص، \"بل يجب اقترانه عند من لا يجوز تأخير البيان\" (^٢).\nالرابع: أن النسخ لا يكون إلا بخطاب، والتخصيص قد يكون به، وبدلالة العقل، و\"الإجماع\"، (^٣) والقرائن وسائر أدلة السمع\" (^٤).\nالخامس: النسخ مبطل لدلالة المنسوخ \"في مستقبل الزمان بالكلية\" (^٥) بخلاف التخصيص فغير اللفظ المخصص يبقى على عمومه.\nالسادس: إن التخصيص يجوز بخبر الواحد والقياس، والنسخ لا يكون بقياس ولا بخبر الواحد وفيه خلاف سيأتي تحقيقه.\nالسابع: النسخ بيان مقدار زمان الحكم وإخراجه عما غلب على الظن من تأبيده، والتخصيص يبين مقدار الأعيان والأحوال والصفات (^٦).\nالثامن: النسخ لا يدخل الأخبار إن أدى إلى تكذيب خبر الله ورسوله، وهذا عند الأكثر بخلاف التخصيص (^٧).\n_________\n(^١) لباب المحصول ١/ ٢٩٥.\n(^٢) المستصفى ٢/ ١١٠.\n(^٣) شرح مختصر الروضة للطوفي ٢/ ٥٨٨.\n(^٤) المستصفى ٢/ ١١١.\n(^٥) المستصفى ٢/ ١١١.\n(^٦) الواضح لابن عقيل ٤/ ٢٤٢.\n(^٧) انظر الروضة بشرح النملة ٢/ ٦٨٨ - ٦٨٩.","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>المسألة الرابعة: إطلاقات النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين:</span>\nيطلق النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين على التخصيص والتقييد، وسببه\" أن المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه بل المعمل هو المقيد، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئًا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ وكذلك العام مع الخاص\" (^١).\nولذلك قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا﴾. [الشورى: ٢٠]. إنها منسوخة بقوله تعالى في الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]. فسماه نسخًا وهو تقييد (^٢)، وهذا منقول عنه وعن جماعات غيره من التابعين (^٣).\nومن العام قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. [النور: ٣١]. قال ابن عباس ﵁ منسوخ بقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠]، \"وليس بنسخ إنما هو تخصيص لما تقدم من العموم\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>المسألة الخامسة: حكمة النسخ</span>.\nالنسخ وقع معظمه بالمدينة لما اقتضته الحكمة الإلهية في تمهيد الأحكام، فكان فيه تأسيس أولًا للقريب العهد بالإسلام، واستئلاف لهم، حتى أكمل الدين واستقرت الشريعة؛ لأن القلوب إذا واجهتها بما تنكر دفعة واحدة ردتها جملة واحدة.\nوفيه تعليم لفقه الداعية والعالم والمتعلم، حيث يأخذ الناس بما يفقهون بالتدرج، فيبدأ بالمنكر الأكبر، ثم الذي يليه وهكذا حتى يحصل كمال التبليغ للشريعة المطهرة. والله أعلم.\n_________\n(^١) الموافقات ٣/ ٣٤٤.\n(^٢) نفس المصدر ٣/ ٣٤٥.\n(^٣) راجع المصدر السابق ٣/ ٣٤٦ وما بعدها.\n(^٤) نفس المصدر ٣/ ٣٥٤.","vol":"1","page":228},{"text":"١_ ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم، نحو: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة). قال عمر - ﵁ -: (فإنَّا قد قرأناها) رواه الشافعي وغيره.\n(وقد رجم - ﷺ - المحصنين) متفق عليه. وهما المراد بالشيخ والشيخة.\n٢_ ونسخ الحكم وبقاء الرسم نحو: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ) نسخ بآية: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).\n٣_ ونسخ الأمرين معًا نحو حديث مسلم عن عائشة ﵂: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات يحرمن).\nوينقسم النسخ إلى بدل وإلى غير بدل:\nالأول: كما في نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة وسيأتي.\nوالثاني: كما في نسخ قوله تعالى: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً).\n_ وإلى ما هو أغلظ كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية إلى تعيين، قال الله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) إلى قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).\n_ وإلى ما هو أخف كنسخ قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) بقوله تعالى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ).","vol":"1","page":229},{"text":"<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>أنواع النسخ وأقسامه وفيه ثمان مسائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>المسألة الأولى قوله: ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم:</span>\nهذا مذهب الأربعة، (^١) والظاهرية (^٢).\n\nوهذا النوع من النسخ وعكسه، وهو نسخ الحكم وبقاء التلاوة: متفق عليه بين العلماء خلافًا \"لطائفة شاذة من المعتزلة\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>الثانية: قوله ونسخ الحكم وبقاء الرسم</span>.\nمثل لهذا النوع بآية العدة، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، يدل على أن العدة حول كامل، وقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] يدل على أنها أربعة أشهر وعشرا.\nقال القرطبي وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. (^٤)\n_________\n(^١) فواتح الرحموت ٢/ ٧٣، والبحر المحيط ٣/ ١٨١، والتحبير ص ٣٠٢٩، وشرح تنقيح الفصول ص ٣٠٩. شرح الغاية ٢/ ٤٣٤، وخالف فيه بعض المعتزلة والذي في المعتمد ١/ ٤٦٨، القول بقول الجمهور وإنما نقل الخلاف عن السرخسي الحنفي وهو الذي نص عليه في كتابه في الأصول ٢/ ٧٨\n(^٢) الأحكام لابن حزم ٣/ ١٩٧. والحديث الذي أورده المصنف عن عمر أصله في صحيح البخاري برقم ٦٨٣٠ ومسلم برقم ١٦٩١ بلفظ: (إن الله بعث محمد ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله).\nوالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.\nورواية المصنف عند أحمد وابن ماجة رقم ٢٥٥٣ والشافعي\n(^٣) الأحكام للآمدي ٣/ ٢٠١.\n(^٤) تفسير القرطبي (٣/ ١٧٤) (٣/ ٢٢٦)","vol":"1","page":230},{"text":"ثم نقل الخلاف عن مجاهد أنه قال: إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثم جعل الله لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله ﷿: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠].\nقلت: وردّ قوم قول مجاهد وهو الصواب، وعندي أنه ليس فيه نقض للإجماع إن صح؛ لأن الإجماع على أن العدة أربعة أشهر وعشرا، وهذه الآية تدل على السكنى وفيها خلاف حتى في الأربعة أشهر وعشرا.\nفللمتوفي عنها زوجها سكنى حول بما فيه زمن العدة، وجعل الله هذه السكنى اختيارية بالنسبة لها، لذلك قال: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) أي: غير إخراج لهن منكم، أما هي فقال: (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>الثالثة قوله: ونسخ الأمرين معًا</span>.\nأي: ما نسخ حكمه ورسمه، مثاله: \"عشر رضعات يحرمن\"، نسخن: \"بخمس رضعات معلومات يحرمن\".\nقالت عائشة فتوفى رسول الله ﷺ وهو فيما يتلى، أي: عند من لم يعلم أنه نسخ تلاوته، بدليل عدم إثباته في المصاحف إجماعًا، هذا تأويل البيهقي، وقال ابن السمعاني: يعني أنه يتلى حكمه دون لفظه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>الرابعة: حكم مس المحدث لمنسوخ التلاوة</span>.\nأصح الوجهين عند الشافعية: جواز مس المحدث المنسوخ تلاوةً، وتبطل الصلاة بذكره فيها. وقال ابن الحاجب: أنه الأشبه.\nوقال الآمدي: تردد فيه الأصوليون والأشبه المنع.\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط ٣/ ١٨١.","vol":"1","page":231},{"text":"وهو ما ذكره الرافعي وجهًا عن ابن كج للأصحاب، والصحيح خلافه\" (^١).\n\"أما المنسوخ حكمه دون لفظه فله حكم ما لم ينسخ بالإجماع\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>الخامسة: لا يشترط في الناسخ أن يتقدم في ترتيب المصحف على المنسوخ</span>.\nكآية: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ناسخة لآية: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. ونحو: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] مع: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، إذ الأولى بعد التحويل، والثانية قبله. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>السادسة: أقسام النسخ من حيث البدل وعدمه</span>.\n١. ما نسخ إلى بدل:\nوهذا البدل:\nأ- أما أن يكون مثل المنسوخ المبدل منه في التخفيف أو التغليظ: كنسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة.\nب- أو نسخه إلى ما هو أخف: كنسخ العدة حولًا إلى أربعة أشهر وعشرا، ونسخ تحريم الأكل بعد النوم في ليل رمضان إلى حله (^٤)، ونسخ تقديم الصدقة في النجوى (^٥).\nوهذان القسمان لا خلاف فيهما (^٦).\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٣/ ١٨٣.\n(^٢) المصدر نفسه.\n(^٣) المصدر نفسه.\n(^٤) الآمدي ٣/ ١٩٦.\n(^٥) المعتمد لأبي الحسين البصري ١/ ٣٨٤.\n(^٦) البحر المحيط ٣/ ١١٣.","vol":"1","page":232},{"text":"ج- نسخه إلى ما هو أغلظ منه، \"والجمهور على جوازه\" (^١).\nمثاله: وضع القتال في أول الإسلام ثم نسخه بفرض القتال، وهذا متعقب؛ لأن وضع القتال كان على البراءة الأصلية.\nونسخ الإمساك في الزنا بالرجم في حق الثيب، والجلد في حق البكر، ففي الأول تغليظ.\nوذهب قوم من الظاهرية إلى المنع، ونقله ابن السمعاني عن داود (^٢)، ونقله الزركشي (^٣)، والآمدي (^٤) عن بعض أصحاب الشافعي.\nوالقول \"بالجواز مطلقًا هو الأشبه (^٥) \"؛ لأن العقل لا يحيل ذلك، ولوقوعه في الشرع كما مُثِّل.\n٢_ ما نسخ إلى غير بدل:\nوهو جائز عند الجمهور، ومنع شذوذ من المعتزلة، والصحيح جوازه وأنه واقع بدليل نسخ تقديم الصدقة في النجوى إلى غير بدل (^٦). والله أعلم.\n_________\n(^١) البحر المحيط ٣/ ١٧٣.\n(^٢) المصدر نفسه ٣/ ١٧٤.\n(^٣) في الأحكام ٣/ ١٩٧.\n(^٤) البحر المحيط ٣/ ١٧٤.\n(^٥) المصدر نفسه ٣/ ١٧٤\n(^٦) انظر المعتمد لأبي الحسين البصري ١/ ٣٨٤، الإبهاج لابن السبكي ٢/ ٢٣٨، وأحكام الآمدي ٣/ ١٩٥.","vol":"1","page":233},{"text":"١_ ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب كما تقدم في آيتي العدة وآيتي المصابرة.\n٢_ ونسخ السنة بالكتاب كما تقدم في نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة الفعلية كما في حديث الصحيحين بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)\nوبالسنة نحو حديث مسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها).\n٣_ وسكت عن نسخ الكتاب بالسنة وقد قيل بجوازه ومثل له بقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)، مع حديث الترمذي وغيره: (لا وصية لوارث).\nواعترض بأنه خبر واحد، وسيأتي أنه لا ينسخ المتواتر بالآحاد.\nوفي نسخة ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة، أي: بخلاف تخصيصه بها كما تقدم لأن التخصيص أهون من النسخ.\n٤_ ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر.\n٥_ ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر.\n٦_ ولا يجوز نسخ المتواتر كالقرآن بالآحاد، لأنه دونه في القوة، والراجح جواز ذلك؛ لأن محل النسخ هو الحكم والدلالة عليه بالمتواتر ظنية كالآحاد.","vol":"1","page":234},{"text":"<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>السابعة: النسخ بالكتاب والسنة</span>\nقوله: ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب الخ (^١).\nخلاصة ما قيل في هذه المسألة: أن نسخ القرآن بالقرآن جائز، ويجوز نسخ السنة بالسنة كحديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور) (^٢)\nوكذلك السنة بالقرآن، خلافا للشافعي في الرسالة، بدليل أن رسول الله ﷺ كان يصلي إلى بيت المقدس، ثم نسخ بالقرآن وهذا من نسخ القرآن للسنة.\nقال الزركشي في البحر: \"لا خلاف في جواز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر، وأما نسخ المتواتر سنة أو قرآنا بالآحاد فالكلام في الجواز والوقوع\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>الثامنة: نسخ الكتاب بالسنة منعه الشافعي في الرسالة وغيرها</span>\nقوله: \"وسكت عن نسخ القرآن بالسنة وقد قيل بجوازه\"، إنما سكت إمام الحرمين لشدة الخلاف في المسألة وما ذهب إليه الشافعي أنه لا يجوز، بدليل ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، ولا مثل للقرآن إلا القرآن.\n_واستدل من أجاز أن حديث: (لا وصية لوارث) نسخ آية الوصية، ونوقش بأن النسخ هو ببيان آيات المواريث بدليل أول الحديث: (إن الله أعطى لكل\n_________\n(^١) راجع شرح التلويح على التوضيح (٢/ ٦٧) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (٢/ ١١٢) التحبير شرح التحرير (٦/ ٣٠٤٠) نشر البنود على مراقي السعود (١/ ٣٠١) البحر المحيط في أصول الفقه (٥/ ٢٩٩)\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده برقم: (١٣٤٨٧)، وأبو يعلى برقم: (٣٧٠٧) مطولًا، والحاكم في مستدركه برقم: (١٣٩٣) واللفظ له، وقد حسّن إسناده الألباني ﵀ في أحكام الجنائز: (٢٢٨).\n(^٣) البحر المحيط في أصول الفقه (٥/ ٢٩٩).","vol":"1","page":235},{"text":"ذي حق حقه فلا وصية لوارث).\n_ وأما تحريم كل ذي ناب من السباع مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فيمكن القول بأنه معضود بالآية، وهي: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n_ وأما تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها مع قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فهو تخصيص للبعض لا نسخا.\n_ وكذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، جاءت السنة بجواز الانتفاع بالجلد بالدبغ، ونوقش بأنه تخصيص لا نسخ؛ ولأن محل تحريم الميتة هو ما في قوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فتبين أن التحريم وارد على الأكل فقط.\n_ وقوله: والراجح جواز ذلك؛ لأن محل النسخ هو الحكم والدلالة عليه بالمتواتر ظنية كالآحاد.\nرجح الشارح جواز نسخ القرآن بالآحاد؛ معللا ذلك أن دلالة الآية ظنية وليست قطعية، فجاز من هذه الجهة؛ لأن محل النسخ هو الدلالة وليس الرسم، والدلالة ظنية فجاز نسخها بالظني.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>التعارض وأحكامه</span>","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>فصل في التعارض</span>\nإذا تعارض نطقان، فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين أو أحدهما عامًا والآخر خاصًا أو كل واحد منهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه.\n١_ فإن كانا عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع بحمل كل منهما على حال، مثاله حديث: (شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد)، وحديث: (خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد)، فحمل الأول على ما إذا كان من له الشهادة عالمًا بها، والثاني على ما إذا لم يكن عالمًا بها.\nوالثاني رواه مسلم بلفظ: (ألا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها).\nوالأول متفق على معناه في حديث: (خيركم قرني ثم الذي يلونهم) إلى قوله: (ثم يكون بعدهم قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا).\nوإن لم يمكن الجمع بينهما، يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، أي إلى أن يظهر مرجح أحدهما، مثاله قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهمْ) وقوله تعالى: (وَأَنْ تجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) فالأول يجوز جمع الأختين بملك اليمين، والثاني يحرم ذلك، فرجح التحريم لأنه أحوط.\nفإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر كما في آيتي عدة الوفاة وآيتي المصابرة وقد تقدمت الأربع.","vol":"1","page":239},{"text":"<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>التعارض وأقسامه وماذا يصنع المجتهد عنده وفيه مسائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>المسألة الأولى: قوله: \"تعارض الأدلة\" أي: في نظر المجتهد أما في نفس الأمر فلا</span>.\nوتعريف التعارض لغة: هو التمانع؛ لأن كل واحدة من البينات تعرض للأخرى وتمنع نفوذها.\nواصطلاحًا: \"تعارض الدليلين من حيث الدلالة، وقيل هو اقتضاء كل من الدليلين عدم مقتضى الآخر، وقيل استواء الأمارتين\" (^١).\nوأعلم أنه لا يمكن التعارض بين قطعيين: عقليين كانا، أو نقلين أو مختلفين؛ إذ لو جاز لاجتمع المتنافيان.\nأما إذا تعارض قطعي وظني فيقدم القطعي لقوته (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>المسألة الثانية: قوله: إذا تعارض نطقان</span>.\nاحترز بالنطقين عن تعارض النطق والفعل أو الفعلين أو الأقيسة أو الإجماعات أو المفاهيم وكلها في المبسوطات، (^٣) مع أنه أورد في التمثيل لتعارض الخاصين مثالين فعليين، فلعل مقصوده بالنطق الكتاب والسنة؛ ليحترز بهذا القيد عن تعارض الأقيسة، والإجماعات، أو المفاهيم.\n_________\n(^١) المستصفى ٢/ ٣٩٥، شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٠٥، وفواتح الرحموت ٢/ ١٨٩، التلويح ٢/ ١٠٢، تيسير التحرير ٣/ ١٣٦.\n(^٢) انظر الإبهاج شرح المنهاج لتاج الدين السبكي ٣/ ٢١٣، وشرح الكوكب المنير ٣/ ١٥١.\n(^٣) انظر شرح ابن قاسم ٢/ ٧، والآيات البينات له كذلك ٣/ ١٧٨، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٢٩٩، وشرح مختصر بن الحاجب للعضد ٢/ ٢٦.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>المسألة الثالثة: أنواع التعارض في النطق أربعة</span>.\n١_ بين عامين.\n٢_ بين خاصين.\n٣_ بين عام وخاص.\n٤_ بين عموم وخصوص وجهي.\nأما الأول فهو كثير مثل له المؤلف بحديث:\nإن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن) (^١)، وحديث:\nألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) (^٢)، وهذان عامان بدلالة الاسم الموصل (الذي) فهو من ألفاظ العموم كما مر.\nفيسلك عند التعارض أربع طرق على الترتيب:\nالأولى: الجمع بين الدليلين، إذ الجمع عمل بهما.\nالثانية: إن لم يمكن الجمع، فينظر في التاريخ إن وجد فيكون الثاني ناسخًا ويشترط ثبوت النسخ.\nالثالثة: إن لم يعلم التاريخ رجعنا إلى الترجيح بأحد طرق الترجيح المعروفة في الأصول.\nالرابعة: التوقف حتى يتبين لنا وجه للجمع أو الترجيح.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣/ ١٧١)\n(^٢) صحيح مسلم (٣/ ١٣٤٤)","vol":"1","page":241},{"text":"ففي الحديثين سالفي الذكر: يمكن الجمع بينهما بطرق عديدة فيحمل شر الشهود على الذي أثارت شهادته فتنة بعد صلح.\nويحمل خير الشهود على الذي أظهرت شهادته حقا لذي حق لولاه ما أخذه.\nأو يحمل شر الشهود على من كان من له الشهادة عالما بها كما قال المصنف لأن علمه بها يدل على تركها لعلة.\nويحمل خير الشهود على من كان من له الشهادة غير عالم بها.\n_ ومن الأمثلة حكم ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم وعلمنا ذلك فإن من العلماء من كرهه، وهو قول مالك. ومنهم من أباحه، وهو قول أشهب. ومنهم من حرمه، وهو الشافعي.\nوالسبب تعارض عمومين في آيتين\n١_ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]\n٢_ ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]\nفمن غلب عموم وما أهل به لغير الله قال بالحرمة، ومن جعل آية طعام أهل الكتاب أخص فيهم استثناها من عموم الآية الأخرى فأباح، ومن جمع بين الدليلين كرهه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>الرابعة قوله: وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ</span>.\nيفهم من كلامه أنه عند تعذر الجمع ننتقل إلى الطريقة الثانية وهي التاريخ، فإن علم التاريخ وعلم المتأخر فظاهر كلامه أنه يحمل على النسخ كآيتي العدة، فالأولى قضت بأن العدة سنة، والثانية أربعة أشهر وعشرا.\n_________\n(^١) انظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢/ ٢١٣)","vol":"1","page":242},{"text":"ومثالها كذلك آيتي المصابرة فإن الأولى قضت بصبر عشرين من المسلمين أمام مئتين وصبر مئة أمام ألف، ثم خفف الله عنهم في الآية الأخرى بأن جعل الصبر لألف أمام ألفين.\nأما إن لم يعلم التاريخ، ولم نستطع الجمع بين الدليلين العامين؛ فإنا ننتقل إلى البحث عن مرجحات خارجية كالكثرة أو موافقتها القياس والقواعد ونحو ذلك.\nمثال ذلك: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦]، فهذه الآية تبيح ملك اليمين مطلقا سواء كان في الأجانب أم الأختين، لكن الآية الأخرى قضت بتحريم الجمع بين الأختين: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].\nفهي عامة تتناول تحريم الجمع بين الأختين بالزواج أو بملك اليمين نظرا لعمومها. والجمع متعذر، ولم يثبت نسخ، فبقي الترجيح بأمر خارجي، فوجدنا أن تحريم جمع الأختين موافق لقاعدة تغليب جانب الحضر لأنه أحوط.","vol":"1","page":243},{"text":"وكذا إن كانا خاصين أي: فإن أمكن الجمع بينهما جمع كما في حديث (أنه - ﷺ - توضأ وغسل رجليه) وهذا مشهور في الصحيحين وغيرهما.\nوحديث (أنه - ﷺ - توضأ ورش الماء على قدميه وهما في النعلين) رواه النسائي والبيهقي وغيرهما.\nفجمع بينهما بأن الرش في حال التجديد لما في بعض الطرق (أن هذا وضوء من لم يحدث).\nوإن لم يمكن الجمع بينهما ولم يعلم التاريخ يتوقف فيهما إلى ظهور مرجح لأحدهما مثاله ما جاء: (أنه - ﷺ - سئل عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال: ما فوق الإزار) رواه أبو داود.\nوجاء أنه - ﷺ - قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) أي الوطء رواه مسلم.\nومن جملته الوطء فيما فوق الإزار، فتعارضا فيه فرجح بعضهم التحريم احتياطًا، وبعضهم الحل لأنه الأصل في المنكوحة.\nوإن علم التاريخ نسخ المتقدم بالمتأخر كما تقدم في حديث زيارة القبور.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>تعارض الخاصين</span>\nقوله: \"وكذا إن كانا خاصين\" معناه: عند تعارض الخاصين يسلك فيهما نفس ما سلك في العامين.\nفيبدأ أولا بالجمع بين الدليلين، فإن لم يستطع الجمع نظر إلى النسخ، فإن نقل النسخ بما يثبته عمل به.\nوإنما قلنا بهذا حتى لا يرجع للنسخ بأدنى احتمال كمجرد علم التاريخ، فإن التأخر في التاريخ ليس دليلا مطلقا على النسخ، فقد بالغ في هذا الموضع البعض فادعوا النسخ","vol":"1","page":244},{"text":"في كثير مما تعذر عندهم الجمع بمجرد أن راو الحديث متأخر الإسلام.\nفإذا لم يثبت أن أحدهما ناسخًا بدليل تقوم به حجة، فعلى الناظر أن يسلك بعد هذا طريق الترجيح، فإن لم يتبين له ترجيح توقف حتى يظهر له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>فمثال الجمع بين الخاصين:</span>\n\"أنه - ﷺ - توضأ وغسل رجليه\" (^١)، وحديث: \"أنه - ﷺ - توضأ ورش الماء على قدميه وهما في النعلين\"، فالحديث الأول نص على غسل الرجلين، والحديث الثاني ذكر أنه رش الماء على قدميه. فإما أن يقال هذا جائز، وهذا جائز؛ لأنهما فعلان لا عموم لهما.\nإلا أن هذا الجمع معارض بحديث: (ويل للأعقاب من النار) (^٢)، وحديث: (أنه رأى على قدم أحدهم لمعة لم يمسها الماء فقال له أعد وضوءك) (^٣).\nوالرش لا يستوعب القدم، فكان هذا الجمع غير مفيد؛ لذلك جمع بينهما على أن الرش في حال وضوء التجديد للوضوء، بدليل رواية أخرى للحديث، هذا وضوء من لم يحدث.\nوسلك بعض العلماء مسلكا آخر هو مسلك الترجيح، فرجحوا الغسل لأنه ثابث بالطرق الصحيحة المتواترة في نقل وضوئة ﷺ، وضعفوا هذا الحديث من جهة النقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>أما إن لم يستطع الجمع فمثّله المصنف بحديثين:</span>\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، برقم: (٢٣٥).\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (١٦٥)، ومسلم في صحيحه، برقم: (٢٤١).\n(^٣) سنن أبي داود ت الأرنؤوط (١/ ١٢٧)","vol":"1","page":245},{"text":"الأول: (افعلوا كل شيء إلا النكاح) (^١).\nوالثاني: لما سئل عما يباح من الحائض، فقال: (ما فوق الإزار). (^٢)\nفالأول يفيد جواز ما فوق الإزار وما تحت الإزار إلا الوطء في الفرج، والثاني يفيد إباحة ما فوق الإزار بمنطوقه، ويفيد بمفهومه المنع مما تحت الإزار.\nفيصرف مفهوم الثاني على منطوق الأول، فيقال: إن المفهوم يدل على تحريم الوطء في الفرج ومفهوم ما تحت الإزار كناية عنه، مصرح به في الحديث الأول، أو يقال بالترجيح؛ وذلك أن المنطوق مقدم على المفهوم.\nأما ما ذهب إليه الشارح أن معنى ما حل ما فوق الإزار هو الوطء، وهو معارض لصريح منع النكاح فوق وتحت الإزار، فهو مستبعد لأن الوطء يطلق عليه في الفرج.\nوعلى ما تقدم من مسالك الجمع اختلفت المذاهب في المسألة: \"فذهب أحمد - ﵀ - إلى إباحته، وروي ذلك عن عكرمة، وعطاء، والشعبي، والثوري، وإسحاق، ونحوه قال الحكم: فإنه قال: لا بأس أن تضع على فرجها ثوبا ما لم يدخله. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يباح\". (^٣)\nقوله: وإن علم التاريخ نسخ المتقدم بالمتأخر كما تقدم في حديث زيارة القبور ..\nليس الذهاب إلى النسخ في حديث زيارة القبور مأخوذ من العلم بالتاريخ بل من النص الصريح في النسخ: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها.\nوكونه متأخرا عنه هو تعليل مستنبط، لكن مجرد التأخر لا يدل جزما على النسخ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، برقم: (٣٠٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، برقم: (١٣٧٥) مختصرًا، وأحمد في مسنده (١/ ١٤)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٣١٢) باختلاف يسير عندهم، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم: (١٢٤٣).\n(^٣) المغني لابن قدامة (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":246},{"text":"٣_ وإن كان أحدهما عامًا والآخر خاصًا فيخص العام بالخاص، كتخصيص حديث الصحيحين: (فيما سقت السماء العشر) بحديثهما: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) كما تقدم.\n٤_ وإن كان كل واحد منهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر بأن يمكن ذلك: مثاله حديث أبي داود وغيره: (إذا بلغ الماء قلتين فإنه لا ينجس) مع حديث ابن ماجة وغيره: (الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه).\nفالأول خاص بالقلتين عام في المتغير وغيره.\nوالثاني خاص في المتغير عام في القلتين وما دونهما.\nفخص عموم الأول بخصوص الثاني حتى يحكم بأن ماء القلتين ينجس بالتغير، وخص عموم الثاني بخصوص الأول حتى يحكم بأن ما دون القلتين ينجس وإن لم يتغير.\nفإن لم يمكن تخصيص عموم كل منهما بخصوص الآخر احتيج إلى الترجيح بينهما فيما تعارضا فيه، مثاله حديث البخاري: (من بدل دينه فاقتلوه)\nوحديث الصحيحين (أنه - ﷺ - نهى عن قتل النساء) فالأول عام في الرجال والنساء خاص بأهل الردة.\nوالثاني خاص بالنساء عام في الحربيات والمرتدات، فتعارضا في المرتدة هل تقتل أم لا؟ والراجح أنها تقتل.","vol":"1","page":247},{"text":"الشرح والايضاح\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>تعارض العام مع الخاص نوعان</span>.\nينقسم تعارض العام والخاص إلى نوعين:\n١_ تعارض العام المطلق مع الخاص المطلق.\n٢_ تعارض العام الوجهي مع الخاص الوجهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>النوع الأول: وهو تعارض العام والخاص المطلقين</span>\nمثاله تعارض عموم حديث الصحيحين: (فيما سقت السماء العشر)، بخصوص حديث الصحيحين كذلك: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)\nوبيانه أن الأول عام في كل قليل وكثير فتخرج الزكاة منه قل أو كثر، والثاني: خاص في خمسة أوسق فلا زكاة فيما دون ذلك.\nفيبنى العام على الخاص وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وقال به في هذه المسألة أبو يوسف ومحمد خلافًا لأبي حنيفة، حيث رجح العموم لأنه عنده قطعي، وإذا تأخر عن الخاص نسخه كلية، وإذا تقدم عليه نسخه الخاص في محل التعارض إن كان متراخيا عنه وإن كان متصلا به فهو تخصيص.\nهذه قاعدته، ولم يثبت هنا تاريخ فيبقى العام على عمومه، ويعمل بالخاص في زكاة التجارة، فلا زكاة فيما دون خمسة أوسق تجارية إذا بلغت قيمتها مئتي درهم (^١).\nومن المسائل الشهيرة في التعارض بين العام والخاص إعارة الجدار للجار لغرز خشبة ونحوها فذهب الشافعي في القديم، وأحمد إلى الوجوب؛ لما ثبت عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره)، ثم\n_________\n(^١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/ ٥٩) شرح التلويح على التوضيح (١/ ٧٤).","vol":"1","page":248},{"text":"يقول أبو هريرة ﵁: \"ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم\" (^١)\nوذهب غيرهم إلى أن له المنع، وعمدة مالك وأبي حنيفة قوله -﵊ -: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) (^٢)\nفرجحا عموم هذا على خصوص حديث أبي هريرة، وجمع بينهما مالك بالندب لحديث أبي هريرة. قال ابن رشد: \"وقد عذل الشافعي مالكا لإدخاله هذه الأحاديث في موطئه، وتركه الأخذ بها\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>النوع الثاني: تعارض عام وخاص وجهيين</span>\nبمعنى أن يكون أحدهما عاما من وجه خاصا من وجه، والآخر كذلك:\nقوله: \"فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر بأن يمكن ذلك\"\nما ذكره المصنف هو قاعدة التعامل مع هذا النوع، وهي أن ينظر إلى العموم في الحديثين فيخص بالخصوص في الحديثين:\n١_ مثاله: (إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين) (^٤). وقوله - ﵊ -: (لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر) (^٥) فها هنا عمومان وخصوصان: أحدهما: في الزمان، والآخر: في الصلاة.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص: ١٤٥.\n(^٢) أحمد في مسنده (٥/ ٧٢) الدارقطنى (٣٠٠) وأبو يعلى والبيهقى (٦/ ١٠٠)، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم: (١٤٥٩).\n(^٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٩٩).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (٤٤٤)، ومسلم في صحيحه، برقم: (٧١٤)، والترمذي في سننه، برقم: (٣١٦) واللفظ له.\n(^٥) أخرجه ابن أبى شيبة (٢/ ٧٦/١) والدارقطنى (ص ٩١ و١٦١)، وقال الألباني: فيه الأفريقي عبد الرحمن بن زياد. انظر: إرواء الغليل برقم (٤٧٨). ج ٢/ ص: ٢٣٥.","vol":"1","page":249},{"text":"فالحديث الأول: زمانه عام في كل وقت جاء الشخص إلى المسجد وخاص في صلاة التحية، والحديث الثاني: زمانه خاص ببعد الفجر والصلاة المنهية عامة لكل صلاة.\nفمن استثنى خاص الصلاة من عامها قال تجوز التحية بعد ركعتي الفجر، ومن استثنى خاص الزمان من عمومه قال لا يصلي في هذا الوقت شيء. (^١)\n٢_ ومثل المصنف له بحديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) (^٢)، وحديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) (^٣).\nفحديث القلتين عمومه أنه لا ينجس تغير أم لا، فيخص بخصوص الحديث الأخر وهي إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه وهي مجمع على ثبوتها عملا لا سندا، وعموم حديث لا ينجسه شيء يخص بخصوص حديث القلتين.\nوقوله: \"بأن يمكن ذلك\"\nيفيد أنه قد لا يمكن إعمال هذه القاعدة وهي تخصيص عموم كل حديث بخصوص الآخر، وفي هذه الحالة يسلك مسلك الترجيح. مثاله: حديث البخاري: (من بدل دينه فاقتلوه) (^٤)، وفي حديث (أنه - ﷺ - نهى عن قتل النساء). (^٥)\n_________\n(^١) انظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ٢١٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، برقم: (٦٤) واللفظ له، والترمذي في سننه برقم: (٦٧)، والنسائي في سننه برقم (٣٢٨)، وابن ماجه في سننه، برقم: (٥١٧)، وأحمد في مسنده برقم: (٤٦٠٥) باختلاف يسير، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم (٢٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود في سننه، برقم: (٦٦)، والترمذي في سننه، برقم: (٦٦)، والنسائي في سننه، برقم: (٣٢٦)، وأحمد في مسنده، برقم: (١١٢٧٥) مطولًا، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم (١٤).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (٣٠١٧)\n(^٥) مسند أحمد ط الرسالة (٣٩/ ٥٠٦)","vol":"1","page":250},{"text":"فالأول: عام يفيد قتل المرتد رجلا كان أو امرأة خاص في الردة.\nوالثاني: عام يفيد عدم قتل المرأة لا في ردة ولا حرب. خاص بالمرأة.\nفتعارضا في قتل المرتدة، فعلى القاعدة نحمل عموم الأول على خصوص الثاني فيكون المعنى من بدل دينه فاقتلوه إلا المرأة، وعموم الثاني بخصوص الأول فيكون المعنى: نهى عن قتل النساء إلا المرتدة فتقتل، فلا يحصل الجمع.\nوهنا يطلب الترجيح، والراجح: قتلها؛ لأن نهى عن قتل النساء، خص إجماعا بآية القصاص فلو قتلت أحد عمدا قتلت به فدل أن عموم الحديث غير مراد، بل هو خاص بنساء أهل الحرب، فلا يقتلن بدليل نصوص أخرى صريحة بذلك.\nوقد أوصل بعضهم طرق الترجيح إلى ستين طريقًا وسأذكر أهمها:\nإذ المرجحات لا حصر لها؛ لأن إذ كل ما أفاد زيادة ظن على الضبط فهو مرجح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>أولا: المرجحات من جهة الاسناد:</span>\nوسأذكر عشرة من أهمها:\n١ - سن الراوي: ومثاله احتجاج المالكية والشافعية على: أن الإفراد بالحج أفضل بحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ أفرد بالحج حين أحرم\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الحج ٨/ ٢١٦.\nوأجيب بأنهما سواء في العمر أو بينهما تفاوت بعام لأن أنسًا خدم النبي ﷺ وعمره عشر سنوات عند قدومه إلى المدينة وقام بخدمته عشر سنوات إلى أن مات ﵊ في السنة العاشرة بعد حجة الوداع فكان أنس في حجة الوداع في العشرين أو التاسعة عشرة، وأما ابن عمر فقد عرض يوم أحد وعمره ١٤ عامًا فاستصغره النبي ﷺ وهي في السنة الثالثة فيكون عمره في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة ٢١ عامًا هذا حاصل جواب ابن حزم وغيره وابن التركماني في الجوهر النقي، وبه يرد ما جاء عن ابن عمر أن أنسًا كان صغيرًا إذ ذاك يدخل على النساء مكشفات الرؤوس.","vol":"1","page":251},{"text":"فتقول الحنفية هذا معارض بحديث أنس: أنه سمع رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعًا (^١)، والجواب: أن ابن عمر كان في حجة الوداع كبيرًا وكان أنس صغيرًا والكبير أتقن وأضبط (^٢).\n٢. أن يكون أحدهما أعلم، وأفقه، وأتقن من الراوي الآخر: \"فيقدم على من دونه؛ لأنه أعرف بما يُسمع\" (^٣)، كتقديم حديث عائشة في الإفراد بالحج (^٤)، على حديث أنس أنه لبى بهما. لأنها أعلم وأفقه منه.\nوكتقديم حديثها \"أنه ﷺ كان يصبح جنبًا من غير احتلام ويصوم\" (^٥)، على رواية أبي هريرة \"من أصبح جنبًا فلا صوم له\" (^٦)، لـ \"أن عائشة كانت أفقه من أبي هريرة\" (^٧).\n٣. أن يكون أحدهما مباشرًا للقصة، أو كانت القصة تتعلق به فيقدم، \"لأن المباشر أقعد بما باشر، وأعرف وأثبت\" (^٨)، ومن أمثلته: ترجيح خبر أبي رافع في تزوج النبي ﷺ ميمونة وهما حلالان على خبر ابن عباس (^٩).\nلأن أبا رافع، كان السفير بينهما (^١٠)، وكذا حديث عائشة المتقدم في أنه ﷺ يصبح جنبًا ويصوم على حديث أبي هريرة (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم عن أنس ٨/ ٢١٧\n(^٢) انظر مفتاح الوصول لابن التلمساني صـ ٦٢٣ واللمع صـ ١٧٥\n(^٣) اللمع ص ١٧٦.\n(^٤) أخرجه مسلم ٨/ ١٤٩.\n(^٥) مسلم في الصيام رقم ١١٠٩.\n(^٦) رواه أحمد في المسند ٢/ ٢٤٨.\n(^٧) البحر المحيط ٤/ ٧.\n(^٨) مفتاح الأصول ص ٦٢٤.\n(^٩) أخرجه أحمد ٦/ ٣٢٩، وأبو داود رقم ١٨٤٣، والترمذي ٣/ ٢٠٠، وغيرهما.\n(^١٠) أخرجه البخاري ٤/ ٥١ رقم ١٨٣٧، مسلم ٩/ ٩٦.\n(^١١) انظر البحر المحيط، ٤/ ٤٤٨.","vol":"1","page":252},{"text":"٤. أن يكون أحد الراويين صاحب الواقعة: كترجيح حديث ميمونة ﵂: \"تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان\" (^١) على رواية ابن عباس المذكورة.\n٥. الترجيح بأكثرية الصحبة والملازمة: لما يحصل معها من زيادة ظن عند الناظر؛ لأن كثرة الصحبة وطول الملازمة تفيد المعرفة بأحوال المصحوب؛ ولذلك قدمت رواية محمد بن جعفر غندر في شعبة لطول ملازمته (عشرين عامًا) كما جاء في ترجمته وقد قلت في هذا في منظومتي في قواعد الأسانيد:\nوقدموا محمد بن جعفر ... \"فهو لدى الخلف بتقديم حر\"\nمعتمد عند الجميع فيه ... لعلل ذكرها بفيه\nعشرين عامًا شعبة صحبت ... وإن سمعت خبرًا كتبت\n\n٦. كثرة الرواة المخبرين: كترجيح حديث إيجاب الوضوء من مس الذكر (^٢)، على حديث طلق: (هل هو إلا بضعة منك) (^٣).\nوكترجيح أحاديث رفع اليدين في الصلاة، لبلوغها حد التواتر على رواية إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود ﵁: \"أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا يعود\"، هذا مع ضعفه ونكارة زيادة ثم لا يعود (^٤). وأمثلته كثيرة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الناس برقم ١٨٤٣ وهو صحيح.\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٤٠٦، وأبو داود ١/ ١٢٦، والترمذي ١/ ١٢٦، والنسائي ١/ ١٠٠، وابن ماجة ١/ ١٦١، وغيرهم وهو صحيح.\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢، وأبو داود ١/ ١٢٧، والترمذي ١/ ٣١، والنسائي ١/ ١٠١، وابن ماجة ١/ ١٦٣.\n(^٤) وقد صنف فيها البخاري جزءًا خاصًا، وجمع أحاديثها كثير من العلماء كاين الملقن، وابن حجر، والزيلعي، وابن الجوزي وغيرهم وقد خرجت أكثرها في تعليقي على رسالة شيخنا العلامة محمد قطران في الضم والرفع والتأمين.","vol":"1","page":253},{"text":"٧. اشتهار العدالة والضبط: لذلك قدمت رواية حسن العقيدة على المبتدع، وقدم العدل المختبر على مقابله، والعدل بالتزكية الصريحة على غيره، والعدل بالعمل بمروياته على ضده، والعدل بكثرة المزكين على نظيره، وقدم الأضبط بكثرة عدد، أو حفظ، أو كتاب أو قلة الشذوذ في مروياته (^١).\n٨. القرب من النبي ﷺ: ولذلك قدمت روايات أزواجه ﵅ على غيرهن فيما لا يطلع عليه غيرهن غالبًا من شأنه ﷺ. وقدمت رواية ابن عمر ﵄ في الإفراد على غيره؛ لأنه كان آخذًا بزمام ناقة رسول الله ﷺ.\n٩. عدم اختلاف الرواية عن الراوي: إذ الاختلاف دليل قلة الضبط وعكسه عكسه، ولذلك قدمت رواية من روى عدم الاستئناف في فريضة الإبل بعد مائة وعشرين على القاضية بالاستئناف.\nففي حديث ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ قال: فإذا زادتْ على عشرينَ ومئةٍ ففي كلِّ خمسين حِقَّةٌ وفي كلِّ أربعينَ ابنةُ لبونٍ) أخرجه أبو داود ٢/ ٢٢٤ وغيره وله شواهد كحديث أنس في البخاري ٣/ ٣١٧ وغيره. ورواه عمرو بن حزم، وعلي كرواية ابن عمر ﵄ وفي إحدى روايتيه خلافها، أن النبي ﷺ قال: (إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة) (^٢). أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٢٥، وغيره وحسنه الحافظ في الدراية ١/ ١٥١ وقال: \"إلا أنه اختلف فيه على أبي اسحاق\".\n١٠. أن يكون متأخر الإسلام، فيرجح على غيره؛ لأنه أقل احتمالًا للنسخ، ولذلك\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٥٨ وما بعدها.\n(^٢) ومعنى استئناف الفريضة أن يعاد الحساب بعد مائة وعشرين فيما زاد من أول الفرائض ففي خمس إبل تزيد شاه وفي عشر شاتان وهكذا وهذا مذهب الحنفية خلافًا للأئمة الثلاثة: انظر بداية المجتهد ٢/ ٨٧.","vol":"1","page":254},{"text":"رجح حديث جرير في المسح على الخفين، لإسلامه بعد نزول المائدة، وحديث بسرة في مس الذكر على حديث طلق؛ لأنه أعنى حديث طلق قصته أثناء بناء المسجد.\nفهذه نبذة من المرجحات الراجعة إلى الإسناد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>ثانيًا: المرجحات الراجعة إلى المتن: وهي كثيرة منها </span>(^١):\n١ - أن يكون أحدهما إثباتًا والآخر نفيًا، فيقدم الإثبات، لأن معه زيادة علم.\nكترجيح حديث بلال: (إن النبي ﷺ دخل البيت فصلى فيه) على حديث: (أنه دخل البيت ولم يصل فيه)\n٢ - أن يكون أحدهما ناقلًا عن أصل البراءة والآخر مبق، فيقدم الناقل: كترجيح حديث نقض الوضوء من مس الذكر على عدمه.\n٣ - أن يكون في أحدهما احتياط؛ لقوله ﷺ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (^٢)، وهو من أصول الإسلام، كترجيح حديث: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، على رواية: (فاقدروا له).\nفإن العمل بهذه الأخيرة على أحد تأويلاتها يدخل في صوم يوم الشك المنصوص صراحة على تحريم صومه، بخلاف الأولى من صراحتها.\n٤ - تقديم الحاضر على المبيح: كمنع المحرم من النكاح على حديث ابن عباس ﵄ المفيد للجواز.\n٥ - تقديم الوارد على سبب على غير الوارد على سبب، نحو تقديم حديث:\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٥٨ وما بعدها. واللمع للشيرازي ص ١٧٧ وما بعدها، ومفتاح الوصول ص ٦٣٧ وما بعدها.\n(^٢) أخرجه الترمذي في سننه، برقم: (٢٥١٨)، وأحمد في مسنده برقم: (١٧٢٣) واللفظ لهما، والنسائي في سننه برقم: (٥٧١١) مختصرًا، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.","vol":"1","page":255},{"text":"\"مر النبي ﷺ بشاة ميمونة فقال: (هلا أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به)، فقالت: إنها ميتة، فقال: (إنما حرم أكلها). وفي رواية: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، على حديث: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)؛ لأن الأول وارد على سبب، بخلاف الآخر لذلك طرأ عليه الاحتمال.\n٦ - أن يكون أحدهما قصد به الحكم والآخر ليس كذلك، كحديث المواقيت الصريحة تقدم على حديث إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى الحديث.\n٧ - تقديم ما دل بالمنطوق والمفهوم على الحكم على ما دل على أحدهما، كتقديم حديث جابر في الشفعة عند البخاري (٣/ ٧٩): (جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة) (^١). فقد دل أولا بمنطوقه على أن الشفعة فيما لم يقسم، ومفهومه أن ما قسم لا شفعة فيه، وهو ما ورد منطوقا في الحديث.\nأما حديث الجار أحق بصقبه في البخاري فدل بمنطوقه فقط.\n٨ - تقديم المنطوق على المفهوم: كتقديم منطوق حديث: (الماء طهور) على مفهوم حديث: (القلتين).\n٩ - أن يكون أحدهما قولًا وفعلًا والآخر أحدهما.\n١٠ - أن يكون أحدهما قولًا والآخر فعلًا، كتقديم حديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال الغائط على حديث ابن عمر ﵄ أنه رأى النبي ﷺ مستدبرا الكعبة. وبالجملة فطرق الترجيح لا تنحصر وضابطها كل ما دل على زيادة ظن بضبط الرواية. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (٢٢١٣).","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>الإجماع</span>","vol":"1","page":257},{"text":"وأما الإجماع فهو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة فلا يعتبر وفاق العوام لهم. ونعني بالعلماء الفقهاء فلا يعتبر موافقة الأصوليين لهم.\nونعني بالحادثة الحادثة الشرعية، لأنها محل نظر الفقهاء بخلاف اللغوية مثلًا، فإنما يجمع فيها علماء اللغة.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>تعريف الإجماع وشرحه ومحترزاته في مسائل عشر:</span>\nقوله: \"وأما الإجماع فهو اتفاق ... الخ: يتعلق بكلامه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الأولى: في تعريف الإجماع لغة </span>(^١): يأتي بمعنى: الاتفاق، ولعل هذا هو السر في ترك الشارح تعريفه لغةً، كما أنه بمعنى: العزم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾. [يونس: ٧١].\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>الثانية: قوله اتفاق علماء العصر</span>\nالمقصود بالعالم هنا المجتهد:\nأفلا عبرة بمن لم يبلغ درجة الاجتهاد من أهل العلم، فهذا أحد محترزات التعريف.\nب وخرج به بالأولى \"العامة\" فلا يعتد بإجماعهم ولا بخلافهم\" (^٢)، وهذا هو\n_________\n(^١) انظر القاموس ٣/ ١٥، مختار الصحاح ص ١٢٦، مادة جمع، ولسان العرب ٢/ ٣٥٨، وتاج العروس ١١/ ٧٥.\n(^٢) انظر القواطع لأبن السمعاني ٣/ ١٦١، والبحر المحيط ٤/ ٤٦٤، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٢٢٤، وأصول السرخسي ١/ ٣١٣، والتحبير شرح التحرير ص ١٥٥١، وقال قوم: معتبرٌ وآخرون في المسائل العامة المشتهرة كمسائل فرضية الصلاة ... وهذا كله باطل إذا لم يعرف ذلك إلا بواسطة أهل العلم فقد أدركنا في بعض مناطق في بلاد الإسلام من يعتقد عدم فرضية الصلاة والصوم على النساء ولا الحجاب \" من العوام فكيف يعتقد بإجماعهم بل سمعت من العوام من لايقول بحرمة الزنا والعياذ بالله.","vol":"1","page":259},{"text":"الصحيح المعتمد عند جميع العلماء ومن نسب إليه خلافه فهو غلط من ناقله، كما نسب إلى ابن السمعاني مع أنه ينكر هذا ويبطله، أو شذوذ لا يعد في مسائل العلم لظهور بطلانه، إذ يلزم تعذر الإجماع بالمرة ولذلك لم يقل بهذا القول أحد من السلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>الثالثة: يشترط فيمن يعتد بقوله في الإجماع مع الاجتهاد:</span> العدالة عند الأكثر.\nقال ابن برهان: هو قول كافة الفقهاء والمتكلمين (^١) يعني المعظم، والأكثر (^٢).\nوعلة ذلك أن الفاسق قد يتلاعب بالدين فلا عبرة بقوله، ولذلك انعقد إجماع العلماء على الحجر على المفتي الماجن، وحرمة استفتائه وإفتائه.\nومقتضى هذا الإجماع يجب أن يطرد في عدم اعتبار قوله في خلاف ولا إجماع.\nوهذا كله إذا كان فسقه بغير تأويل أما بتأويل فمعتبر كالعدل (^٣)، وفرّق البعض بين فاسق بَّين مأخذه وكان صالحًا للأخذ به فيعتبر وإلا فلا (^٤)، قال ابن السمعاني: ولا بأس بهذا القول (^٥).\nويدل للمسألة قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]، وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، \"فالمأمور باتباعه منهم المؤمنون ومن أناب إلى الله تعالى، دون أهل الضلال والفاسقين\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>الرابعة: قوله الاتفاق:</span> خرج به ما إذا خالف الواحد، أو الإثنان فلا يعتبر إجماعًا.\n_________\n(^١) انظر الوصول إلى الأصول ٢/ ٨٦.\n(^٢) انظر التحبير شرح التحرير ص ١٥٦٠.\n(^٣) المصدر نفسه ص ١٥٦١.\n(^٤) المصدر نفسه ص ١٥٦١.\n(^٥) القواطع ٣/ ١٠٦٥.\n(^٦) أصول الجصاص ٣/ ٢٥٧","vol":"1","page":260},{"text":"لأن \"العصمة إنما تثبت بإجماع علماء الأمة للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع بل هو مختلف فيه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] \" (^١).\nوالاتفاق إما في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، وما في معناه من التقرير والسكوت\" (^٢)، وخرج به كذلك: اتفاق أهل المدينة أو الحرمين أو المصرين البصرة والكوفة أو أهل البيت، فجميع هؤلاء بعض علماء الأمة، والمعتبر في الإجماع الكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>الخامسة: المقصود بالعصر لحظة الاتفاق</span>، فمن وجد من العلماء المجتهدين لحظة الاتفاق فهو داخل فيمن يعتد بهم؛ حتى لا يتوهم لزوم انعقاد الإجماع إلى آخر الزمان، وأنه لا يتم إلا باتفاق مجتهدي جميع الأمصار إلى يوم القيامة (^٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>السادسة: قوله على حكم الحادثة </span>أي: الشرعية، إذ لا مدخل لاجتهاد المجتهدين من علماء الشريعة إلا في مسائل الشرع حلالًا وحرامًا، فلا يعتبر إجماع الفقهاء على مسألة غير شرعية: كالطب، والهندسة، والنحو، والكلام وغير هذا إلا فيما يتعلق بالجانب الشرعي من هذه المسائل ونحوها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>السابعة: وقوله نعني بالعلماء الفقهاء:</span> فلا يعتبر موافقة الأصوليين لهم؛ وتعليله أنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية، فهم عوام بالإضافة إلى المجتهدين (^٤)؛ لأن نظر الأصولي غير نظر الفقيه.\nوإنما ذُكر إخراج الأصولي دون غيره- تمثيلًا-؛ ولأنه إذا لم يعتبر هو فغيره أولى بعدم الاعتبار، لذلك يخرج \"من عرف الحديث فقط، أو اللغة، أو علم الكلام ونحوه كعلم\n_________\n(^١) المستصفى ١/ ١٨٦، خلافًا عما نقل عن ابن جرير وأبي الحسين المعتزلي، والجصاص انظر شرح بن الفركاح ص ٢٤٤.\n(^٢) شرح بن قاوان على الورقات المسمى التحقيقات ص ٤٠٢، وانظر التحبير ص ١٥٢٢ وما بعدها.\n(^٣) البزدوي ٣/ ٤٢٤، والسعد في التلويح على التوضيح ٢/ ٥١.\n(^٤) انظر شرح بن الفركاح ص ٢٤٦.","vol":"1","page":261},{"text":"العربية، والمعاني والبيان، والتصريف؛ لأنه من جملة المقلدين فلا تعتبر مخالفتهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>الثامنة: ويؤخذ من قوله \"علماء أهل العصر</span>\":\nعدم الاعتداد بقول المجتهد الواحد أو فعله مثلًا إذا لم يكن في العصر غيره؛ لانتفاء الاتفاق عنه، فإنه لا يتصور من أقل من اثنين فلا يكون إجماعًا.\nوهل يحتج به؟ قولان حكاهما الآمدي وابن الحاجب من غير ترجيح، وصرح الإمام الرازي وأتباعه بأنه حجة، واختار في جمع الجوامع أنه غير حجة، وعلى أنه حجة: لو تغير اجتهاده قال الأسنوي: ففي الأخذ بالثاني نظر يحتاج إلى تأمل، وكذلك لو حدث مجتهد آخر وأداه اجتهاده إلى خلافه انتهى (^٢).\nومما يدل على هذا أن الإجماع هو في اللغة: ما اتفق عليه اثنان فصاعدًا، وهو الاتفاق، وهو حينئذ مضاف إلى من أجمع عليه\" (^٣).\nفلا يشترط حينئذ بلوغ المجمعين حد التواتر، بل لو لم يوجد غير اثنين لكفى (^٤) بخلاف الواحد فلا يعتبر، \"وكذلك إجماع العوام عند خلو الزمان من المجتهد لا عبرة به\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>التاسعة: شمل قوله \"علماء أهل العصر\" الذكور، والإناث </span>فـ\"من بلغ من النساء والعبيد مبلغ الاجتهاد فإنه يعتد بخلافه ولا ينعقد الإجماع مع خلافه، والرق والأنوثة لا يؤثران في اعتبار الخلاف كما لا يؤثران في قبول الرواية والفتوى\" (^٦).\n_________\n(^١) التحبير ص ١٥٥٥، وانظر شرح بن قاسم ٢/ ٣٥٨.\n(^٢) انظر شرح بن قاسم ٢/ ٣٥٨، والآمدي ١/ ٣٦٠، وابن الحاجب ٢/ ٣٦، والمحصول ٢/ ٩٣، والآيات البينات ٣/ ٢٩٤، ونهاية السول ٢/ ٢٧٦.\n(^٣) الأحكام لابن حزم ١/ ٤٧،\n(^٤) انظر تيسير التحرير ٣/ ٢٣٥، والمستصفى ١/ ١٨٨، والجمع مع البينات ٢/ ١٨١، وسلاسل الذهب ص ٣٤١، وروضة الناظر ١/ ٣٤٦، وإرشاد الفحول ص ٨٩.\n(^٥) البحر المحيط ٤/ ٤٦٥.\n(^٦) المصدر نفسه ٤/ ٤٧٥.","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>العاشرة: أما البلوغ فاشتراط العدالة مغن عن ذكره</span>، إذ لا يوصف به صبي في الاعتبار الشرعي ولو وصف به عرفًا، إذ العدل إذا أطلق في الشريعة فالمقصود به المكلف البالغ المجتنب لمقتضيات الفسق وخوارم المروءة، كارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة أومخالفة مقتضيات المروءة. هذا ما ظهر لي والله أعلم.","vol":"1","page":263},{"text":"وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله - ﷺ -: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) رواه الترمذي وغيره.\nوالشرع ورد بعصمة هذه الأمة لهذا الحديث ونحوه\nوالإجماع حجة على العصر الثاني ومن بعده وفي أي عصر كان من عصر الصحابة ومن بعدهم.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>حجية الإجماع وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>قوله: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها</span>.\nانفراد هذه الأمة الإسلامية بهذه المزية مما توافرت وتظافرت عليه أدلة الكتاب والسنة المحصلة للناظر العلم القطعي بهذا، بخلاف غيرها من الأمم: فقد أجمعت النصارى على أن المسيح ابن الله، واليهود على أن عزيرًا ابن الله، وكله باطل وضلال، على أنهم لم يجمعوا بالمعنى المصطلح عليه حقيقةً وإنما الكثرة.\nومن الأدلة على هذا قوله ﷺ: (إن الله تعالى قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة) (^١)، وهو حديث ثابت مشهور له طرق كثيرة، استدل به العلماء جيلًا بعد جيل على عصمة هذه الأمة بمجموعها عن الخطأ والضلال.\nومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط العدول، فلو أمكن اجتماعهم على ضلال لبطلت شهادتهم على غيرهم، ومنه قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فلو كان يرضى عن طريق غير طريقة المتبعين المقتفين لهم بإحسان\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، برقم (٨٢)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزياداته برقم (١٧٨٦).","vol":"1","page":264},{"text":"لما كان للآية معنى، فدل أن إجماعهم معصوم، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، والشاهد فيه: ومن اتبعني، فأمته هي المتبعة له وهي على بصيرة، ولو جاز إجماعهم على ضلال لكانوا على غير بصيرة.\nوقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، فالأمة على الصراط المستقيم وغيرها على ضلال وغضب، ولو جاز اجتماعهم على ضلال فلا مزية لهم حينئذ، وتصير الآية عبثًا وهو باطل.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وسبيل المؤمنين هو ما أجمعوا عليه لعدم اجتماعهم على ضلالة.\nومن الأحاديث كل ما دل على لزوم الجماعة، وعدم الشذوذ عنها، والخروج عليها وهي كثيرة جدًا بالغة حد التواتر، ولو لم يكن فيها دلالة على أن جماعتهم على الهدى لما كان للوعيد الشديد لمن شذ عنهم أو شاقهم أو خرج على جماعتهم كبير معنى؛ لاحتمال أنه هو على الهدى ولأدى إلى التناقض.\nإذا تبين هذا وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>المسألة الثانية: فالإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم</span>، خلافًا للشيعة والخوارج والنظّام من المعتزلة\" (^١).\nوالمقصود بالشيعة أي: الإمامية، أما الزيدية فهم قائلون به، جاء في هداية العقول للحسين بن القاسم: \"وهو حجة شرعية عند أكثر المسلمين خلافًا للنظام وبعض الخوارج، والإمامة، وإن حكي عنهم الوفاق على أنه حجة، فليس لكونه إجماعًا بل\n_________\n(^١) الأحكام للآمدي ١/ ٢٨٦، وانظر الأحكام لابن حزم ٤/ ١٢٨.","vol":"1","page":265},{"text":"لاشتماله على قول الإمام المعصوم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>الثالثة: الإجماع حجة شرعية كان من الصحابة</span>، أم من بعدهم من التابعين في كل عصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وزعم داود اقتصاره على الصحابة دون غيرهم، وخالفه ابن حزم، والأئمة الأربعة، وأصحابهم، وسائر العلماء من مختلف المذاهب (^٢).\n_________\n(^١) ج ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨، وفي حاشيته قال الديلمي وسبب منعهم حجيته الإجماع أن قواعد اعتقادهم أكثرها تخالف الإجماع وعرفوا أنهم لو قالوا به لزمهم حجة الإجماع فنفوا كونه حجة ليكونوا مطلقين في الأحكام أ. هـ.\n(^٢) انظر: الرسالة للشافعي ص ٣٩، ٥٠٨، والأصول للشاشي ص ٢٨٧، وأصول الجصاص ٣/ ٢٥٧، والشيرازي في التصبرة ص ٣٥٩، والآمدي في الأحكام ١/ ٢٨٦، والأرموي في التحصيل ٢/ ٨٤، وكشف الأسرار للبزدوي ٣/ ٤٥١.","vol":"1","page":266},{"text":"ولا يشترط في حجيته انقراض العصر، بأن يموت أهله على الصحيح؛ لسكوت أدلة الحجية عنه.\nوقيل يشترط، لجواز أن يطرأ لبعضهم ما يخالف اجتهاده فيرجع عنه.\nوأجيب بأنه لا يجوز له الرجوع عنه، لإجماعهم عليه.\nفإن قلنا انقراض العصر شرط، فيعتبر في انعقاد الإجماع قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد.\nولهم على هذا القول إن يرجعوا عن ذلك الحكم، الذي أدى اجتهادهم إليه.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>مسألة انقراض العصر في الاجماع</span>\nانقراض العصر معناه هنا: أنه إذا أجمع أهل عصر على قول فهل هذا القول يعد إجماعًا بمجرد انعقاده، أم أنه لا يثبت الإجماع ما دام أهله باقين حتى ينقرضوا جميعًا بالموت؛ لاحتمال رجوعهم حال حياتهم؟ الصحيح الذي عليه المذاهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، (^١) والظاهرية، (^٢) وغيرهم (^٣) أنه ليس بشرط، بل يعد الإجماع حجة صحيحة بعد لحظة انعقاده، ولا يعتد بخلاف من خالف بعد ذلك؛ لأن الاجتهاد يعد سائغًا \"ما لم يوجد نص أو إجماع، فإذا وجد نص أو إجماع سقط جواز الاجتهاد\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر تيسير التحرير ٢/ ٢٣٠. وفواتح الرحموت ٢/ ٢٢٤. والآيات البينات ٣/ ٢٩٤، ٢٩٥، ومفتاح الأصول ص ٧٤٣.\n(^٢) انظر الأحكام لأبن حزم ٤/ ص ٥٥٨.\n(^٣) انظر هداية العقول ١/ ٥٦٧.\n(^٤) أصول الجصاص ٣/ ٣٤٦.","vol":"1","page":267},{"text":"بل لا يصح إجماع ينقض إجماعًا سابقًا صحيحًا في عين المسألة، (^١) وإنما ضعف العلماء القول باشتراط الانقراض (^٢):\nأ- لتعذر معرفته، مما يفضي إلى عدم القول بإجماع البتة.\nب- بعموم الأدلة على حجية الإجماع بلا تفصيل، فدل على عدم اشتراط انقراض العصر.\nوهذا هو ما حمل ابن حزم على قوله: \"وليت شعري متى يمكنه التطوف عليهم في آفاقهم، بل ألَاّ يزايلهم إلى أن يموتوا ومتى جمعوا له في صعيد واحد ما في الرعونة أكثر من هذا، ولا في الهزل والتدين بالباطل ما يفوق هذا، ونعوذ بالله العظيم من الضلال\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>أما ما احتج به من شرط انقراض العصر:</span>\nفرأي على في جواز بيع أمهات الأولاد، مع أن عمر والصحابة وفيهم علي ﵃ منعوا ذلك، ورد هذا بأنهم لم يجمعوا على ذلك، بل الخلاف منقول عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير وابن عباس في رواية (^٤) فلم ينعقد إجماع إذًا.\nوهو \"إنما يدل على اتفاق جماعة عليه لا على أنه قول كل الأمة\" (^٥)، ويدل له قول جابر بن عبدالله ﵁: \"بعناهن على زمن النبي ﷺ، وأبي بكر وشطر من ولاية عمر\" (^٦). أخرجه أبو داود وابن ماجة وغيرهما.\n_________\n(^١) المعتمد للبصري ج ١/ ٤٠.\n(^٢) وهو قول أحمد وأكثر اصحابه وابن فورك وسليم وحكى عن الأشعري والمعتزلة (التحبير ص ١٦١٧)، والمنقول عن الأشعري والمعتزلة خلافه، هداية العقول ١/ ٥٦٧.\n(^٣) أصول الاحكام ٤/ ٥٦٠.\n(^٤) هداية العقول ١/ ٥٦٨.\n(^٥) هداية العقول ١/ ٥٦٨.\n(^٦) أخرجه: أبو داود في السنن برقم (٣٩٥٤)، وابن ماجة في سننه برقم (٢٥١٧).","vol":"1","page":268},{"text":"وهكذا مخالفة عمر لأبي بكر في قسمة الفيء، ففضل عمر وسوّى أبوبكر كانت في زمن أبي بكر فلم ينعقد إجماعًا (^١)، ومخالفة علي لهم في أن حد الخمر ثمانون فجعلها علي أربعين (^٢)؛ لأن عمر زاد تعزيرًا لا عن إجماع (^٣). وإلى هذا الخلاف أشار بقوله:\n\"وقيل يشترط لجواز أن يطرأ لبعضهم ما يخالف اجتهاده فيرجع عنه\".\nالذي شرط انقراض العصر هو الإمام أحمد، وبه قال أكثر أصحابه، واختاره ابن فورك، وسليم الرازي (^٤)، وفي المسألة أقوال أخرى:\n١ - يعتبر الانقراض للإجماع السكوتي؛ لضعفه دون غيره، اختاره الآمدي (^٥) وجماعة (^٦).\n٢ - ونقل عن الجويني أن الإجماع إذا كان عن قياس؛ اشترط له انقراض العصر وإلا فلا\" (^٧).\n٣ - وقيل إن بقي عدد التواتر من المجمعين اشترط انقراض العصر وإلا فلا (^٨)، فيؤثر رجوع البعض في الحالة الأولى بخلاف الثانية فلا يؤثر.\n٤ - وقيل يعتبر انقراض العصر في إجماع الصحابة دون إجماع غيرهم، وهو ظاهر كلام الطبري\" (^٩).\n_________\n(^١) انظر سنن البيهقي ٦/ ٣٤٨ - ٢٣٠.\n(^٢) أخرجه مسلم ٢/ رقم ١٣٣١.\n(^٣) الأحكام لابن حزم ٤/ ٥٦٥.\n(^٤) انظر التمهيد لأبي الخطاب ٣/ ٣٤٨٠، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٢٤٦، والتحبير ٤ ص ١٦١٧.\n(^٥) الاحكام ١/ ٣٦٦.\n(^٦) أبو إسحاق الإسفرائيني وأبو الطيب الطبري البندينجي وأبو علي الجبائي كما في البحر المحيط ٤/ ٥١٢، وروضة الناظر ١/ ٣٦٧.\n(^٧) انظر الغيث الهامع لابن العراقي ٢/ ١١٤، وخطأ ابن الحاجب في نقله هذا عن إمام الحرمين\n(^٨) الغيث الهامع لابن العراقي ٢/ ١١٤.\n(^٩) التحبير ٤/ ١٦٢٢.","vol":"1","page":269},{"text":"فتحصل في المسألة ستة أقوال كلها مضعفة إلا الأول\nقوله: \"وأجيب بأنه لا يجوز له الرجوع عنه لإجماعهم عليه\".\nوتعليله أن في رجوع المجتهد عن قول المجمعين مخالفة للإجماع وهو غير جائز، وللخصم أن يجيب قائلًا: لا أسلم أنه إجماع حتى يستقر بالانقراض، وعليه فرجوع المجتهد لا يعتبر مخالفة للإجماع، ورد بأن عدم التسليم بأنه إجماع مفض إلى عدم وقوع إجماع البتة وهو باطل. وإليه أشار بقوله: \"فإن قلنا انقراض العصر شرط ... الخ\".","vol":"1","page":270},{"text":"والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم؛ كأن يقولوا بجواز شيء أو يفعلوه، فيدل فعلهم له على جوازه لعصمتهم كما تقدم.\nوبقول البعض وفعل البعض وانتشار ذلك القول أو الفعل وسكوت الباقين عنه، ويسمى ذلك: بالإجماع السكوتي.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>أقسام الإجماع:</span>\n١ - إجماع قولي: بأن يفتي به سائر أهل الاجتهاد بلا خلاف بينهم.\n٢ - إجماع فعلي: وهو أن يفعله أهل الاجتهاد باتفاق.\n٣ - أن يقول البعض، ويسكت الباقون، أو يفعله ويسكت الباقون وهذا ما يسمى بالإجماع السكوتي.\nوفيه خلاف بين العلماء:\nأفأكثر الحنفية، والمالكية، وأحمد وأصحابه، وحكي عن الشافعي وأكثر أصحابه: أن المجتهد إذا قال قولًا وانتشر ولم يُنكر: قبل استقرار المذاهب أنه إجماع (^١).\nب المذهب الجديد للشافعي هو أنه لا ينسب إلى ساكت قول، فلا يعتبر السكوت إجماعًا ولا حجة، قال إمام الحرمين: إنه ظاهر المذهب ... واختاره (^٢). وقال الغزالي: نص عليه في الجديد (^٣)، وقال الباقلاني: أنه آخر\n_________\n(^١) انظر تيسير التحرير ٣/ ٢٤٦، والمنخول ص ٣٨١، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٢٥٢، والتمهيد ٣/ ٣٢٣، وإحكام الفصول للباجي ص ٤٧٤، وشرح جمع الجوامع ٢/ ١٨٩.\n(^٢) البرهان ١/ ٧٠١.\n(^٣) المنخول ص ٣١٨.","vol":"1","page":271},{"text":"أقوال الشافعي (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>شروط الإجماع السكوتي عند القائلين به:</span>\nلقد شرط الذين ذهبوا إلى الإجماع السكوتي وحجيته شروطًا لاعتباره (^٢):\n- الأول: أن يكون في المسائل التكليفية بخلاف ما ليس كذلك، نحو قولهم مثلًا: عمار أفضل من حذيفة.\n- الثاني: ألا يكون هناك أمارة سخط، وإن لم يصرحوا به.\n- الثالث: أن يمضي زمن يتسع للنظر من المجتهدين.\n- الرابع: ألا ينكر ذلك مع طول الزمان.\n- الخامس: أن يكون في محل الاجتهاد.\n- السادس: أن يطلعوا على ذلك.\n- السابع: أن يكون قبل استقرار المذاهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>محترزات هذه الشروط، والغرض منها:</span>\n- أما الأول: فخرج به ما ليس من مسائل التكليف، إذ المجتهد لا يتكلم وجوبًا عليه إلا فيها، فلا يعد سكوته في غيرها إقرارًا بل فسيكون إعراضًا عن الخوض فيما لا طائل فيه لعده من الفضول.\n- والثاني: ما إذا وجدت أمارة سخط، فإنه ليس بحجة بلا خلاف.\n- وبالثالث: ما إذا لم يتسع الوقت لنظر المجتهد.\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٩٤.\n(^٢) انظر التحبير ٤ ص ٢٢١١ وما بعدها.","vol":"1","page":272},{"text":"- وبالرابع: إن أنكر مع طول زمن؛ إذ الإنكار علامة على عدم الموافقة وإنما أخره لعلة.\n- وبالخامس: خرجت الأمور الثابتة قطعًا، فالسكوت عمن أفتى بخلاها ليس دليلًا على موافقته، بل قد يعد استهجانًا له وإعراضًا عنه.\n- وبالسادس: إن لم يطلعوا عليه.\n- وبالسابع: ما كان بعد استقرار المذاهب، فلا أثر للسكوت قطعًا: كإفتاء مقلد سكت عنه المخالفون للعلم بمذهبهم ومذهبه، كحنبلي يفتي بنقض الوضوء بمس الذكر فلا يدل سكوت من يخالفه كالحنفية على موافقته. والله أعلم.","vol":"1","page":273},{"text":"وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره، على القول الجديد.\nوفي القديم حجة لحديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وأجيب بضعفه.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>هل قول الصحابي حجة:</span>\nقول الصحابي الواحد إذا نُقل عنه: كفتوى أو قضاء ونحوه في حادثة شرعية، لم يرد فيها نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولم ينقل هذا القول عن أحد من الصحابة لا موافقة ولا خلافًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>فهل هو حجة</span>؟\nالمنصوص عن الشافعي في الرسالة هو أنه يذهب \"إلى إتباع قولٍ واحد\" قال: إذا لم أجد كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا ولا شيئًا في معناه يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس\"، وقل ما يوجد من قول الواحد منهم لا يخالفه غيره من هذا\" (^١).\nونقل عنه أصحابه من نقله الجديد خلاف هذا، وهو الذي أوقع الاضطراب في تحرير مذهب الشافعي الجديد في الاحتجاج بقول الصحابي بشروطه المتقدمة، أما في القديم فهو قائل بحجيته وفاقًا لأبي حنيفة، وأكثر أصحابه، ومالك وأصحابه وأحمد وأصحابه.\n_________\n(^١) الرسالة ص ٥٩٨.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>الأخبار</span>","vol":"1","page":275},{"text":"وأما الأخبار فالخبر ما يدخله الصدق والكذب؛ لاحتماله لهما من حيث إنه خبر كقولك قام زيد يحتمل أن يكون صدقًا وأن يكون كذبًا، وقد يقطع بصدقه أو كذبه لأمر خارجي.\nالأول: كخبر الله تعالى، والثاني: كقولك الضدان يجتمعان.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>الأخبار ويتعلق بهذا المبحث مسائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>الأولى: الكلام نوعان: إما إنشاء، وإما إخبار</span>.\nوهو في القرآن: إما خبر عن الخالق، وإما خبر عن المخلوق.\nوالإنشاء هو: الأحكام كالأمر والنهي.\nوالخبر عن المخلوق هو: القصص، وعن الخالق: ذكر أسمائه وصفاته (^١).\nفأصل السعادة تصديق خبره وطاعة أمره، وأصل الشقاوة معارضة خبره وأمره بالرأي والهوى، وهذا هو: معارضته النص بالرأي وتقديم الهوى على الشرع.\nولهذا كان ضلال من ضل من أهل الكلام والنظر في النوع الخبري بمعارضته خبر الله عن نفسه، وعن خلقه بعقلهم ورأيهم، وضلال من ضل من أهل العبادة والفقه في النوع الطلبي؛ بمعارضته أمر الله الذي هو شرعه بأهوائهم وآرائهم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>الثانية: في تعريف الخبر</span>.\nأما لغة فهو: \"مشتق من الخبار، وهي الأرض الرخوة؛ لأن الخبر يثير الفائدة، كما\n_________\n(^١) انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٧/ ١٣٤.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٠٥.","vol":"1","page":277},{"text":"أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر\" (^١).\nوهو في الاصطلاح:\nأ- عند أهل الأصول: المحتمل للصدق والكذب، وزاد إمام الحرمين، أو بدلًا عن الواو معللًا امتناع اجتماع الضدين في خبر واحد (^٢). وتعقبه القرافي: بأنه اجتماع القبولين، لا المقبولين وبينها فرق واضح؛ إذ كون الشيء قابلًا للضدين لا يدل على اجتماع المقبولين معًا في نفس الوقت (^٣).\nوقال غيره المحتمل للتصديق والتكذيب (^٤).\nب- وله تعاريف أخرى مبسوطة في المطولات، اختار المصنف هنا أشهرها، وذهب آخرون إلى أنه لا يحد لأنه ضروري (^٥).\nوأجاب صاحب الفوائد الغياثية وقد صحح أنه ضروري: بأن تعريفاته تنبيهات فإن التعريف قد لا يراد به إحداث تصور وتحصيله (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>الثالثة: الصدق: هو ما طابق الواقع فإن خالفه فكذب </span>(^٧).\nهذا قول الجمهور (^٨)، وجعل الجاحظ بينهما واسطة، فقال: الصدق: هو المطابق مع اعتقاد كونه مطابقًا. والكذب: هو الذي لا يكون مطابقًا مع اعتقاد عدم المطابقة، فأما الذي ليس معه اعتقاد فإنه لا يوصف بصدق ولا كذب، مطابقًا كان أو غير مطابق (^٩).\n_________\n(^١) البحر المحيط ٣/ ٢٨٢.\n(^٢) انظر التلخيص ١/ ٢٦٤.\n(^٣) انظر نفائس الأصول على المحصول للقرافي ٦/ ٢٩٠٨.\n(^٤) البحر المحيط ٣/ ٢٨٢.\n(^٥) انظر التحبير للمرداوي ٤/ ١٧٠٥.\n(^٦) انظر شرح بن قاسم الكبير ٢/ ٣٨٨، والغياثي هو المعز الأيجي المتوفي سنة ٧٥٦ هـ كذا في حاشيته بتصرف.\n(^٧) انظر جمع الجوامع مع العطار ٢/ ١٤٠.\n(^٨) انظر التمهيد للأسنوي ٤٤٤.\n(^٩) المصدر نفسه ص ٤٤٤.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>الرابعة: قوله: \"لاحتماله لهما من حيث أنه خبر </span>\"\nهو ما عبر عنه جماعة من الأصوليين بقولهم لذاته وذلك ليخرج:\nأ- الخبر عن الواجب، فلا يقع إلا صدقًا، وقد يعلم صدقه ضرورة: كعلمنا بأن الجزء أصغر من الكل، وقد يعلم صدقه بالدليل: كثبوت الصانع، واتصافه بصفاته اللائقة بجلاله وكماله (^١).\nب- وليخرج الخبر عن المحال، فلا يكون إلا كذبًا بالضرورة؛ لاجتماع الضدين أو انخراق العادات المستمرة، أو بالدليل نحو الخبر عن ثبوت حادث بلا محدث له (^٢).\nج- أما الخبر عن الجائزات، فنحو الخبر عن وجود ما يصح وجوده وعدمه، وهو منقسم إلى: ما يدرك صدقه ضرورة وهو الخبر المتواتر، أو لا يدرك صدقه قطعًا وهو الآحاد.\nوقوله: \"لاحتمال\" كالاستدراك على الأصل، حيث قال: ما يدخله؛ لأن الدخول يكون قطعيًا، والقطع إنما يستفاد من خارج أما الخبر من حيث هو خبر فهو محتمل للصدق والكذب مجرد احتمال غير مقطوع به.\nفإذا قطع بالصدق أو بالكذب فلأمور خارجة عنه: كخصوصية القائل في خبر الله ورسوله، وخصوصية الطرفين في نحو اجتماع الضدين (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>الخامسة: مورد الصدق والكذب في الخبر </span>(^٤).\nإنما هو النسبة المرادة منه لا ما تضمنه، فإذا قيل: زيد بن بكر قائم كان المراد إثبات\n_________\n(^١) انظر التلخيص ١/ ٢٦٥.\n(^٢) نفس المصدر.\n(^٣) انظر شرح ابن قاسم ٢/ ٣٨٥.\n(^٤) الغيث الهامع ٢/ ٤٧٦.","vol":"1","page":279},{"text":"القيام لزيد فحسب، ولا يستفاد منه ضمنًا إثبات البنوة.\nوهذه المسألة هي الأصل، إلا في حالة ما إذا أريد من المتكلم قصد هذا الأمر الضمني، فيكون له قصدان: قصد في الأصل وقصد بالطبع؛ فعندئذ يعمل بهذا وهذا، ومنه الحديث المرفوع في صحيح البخاري: (يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد) (^١).\nوكذلك استدل الشافعي وغيره على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩]، وقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٤٥٨١)، ومسلم في صحيحه برقم: (١٨٣)، وهذا ما أورده ابن العراقي إشكالًا على القاعدة والقيد الذي ذكرته في الاستثناء بقولي إلا في حالة- يرفعه.","vol":"1","page":280},{"text":"والخبر ينقسم إلى قسمين: آحاد ومتواتر.\nفالمتواتر ما يوجب العلم، وهو: أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب عن مثلهم، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه فيكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع، لا عن اجتهاد كالإخبار عن مشاهدة مكة أو سماع خبر الله تعالى من النبي - ﷺ - بخلاف الإخبار عن مجتهد فيه كإخبار الفلاسفة بقدم العالم.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>تقسيم الأخبار من حيث التواتر وغيره وبيان شروط التواتر</span>\nقال رحمه الله تعالى: والخبر ينقسم إلى آحاد ومتواتر، فالمتواتر له شروط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>١ - شروط ترجع إلى المخبرين </span>(^١):\nأ- أن يبلغ عدد المخبرين إلى مبلغ يمتنع عادةً تواطؤهم على الكذب، وذلك يختلف باختلاف القرائن، والوقائع، والمخبرين، فلا تحديد في العدد الذي يحصل به التواتر.\nب- الاتفاق على المخبر عنه ولو معنى.\nج- اشتراط التواتر في كل طبقة من الطبقات، وهو معنى قولهم لا بد من استواء الطرفين والواسطة، ولهذا لا يصح ما نقله النصارى عن صلب عيسى، لعدم حصول التواتر في الطبقة الأولى وكذا ما نقلته الشيعة من النص على إمامة علي ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>٢ - أما الشروط التي ترجع إلى الخبر:</span>\nفهو أن يكون منتهاه الحس، لا النظر والاجتهاد، فإذا تواتر سمع الخبر من مصدره\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط ٣/ ٢٩٦ وما بعدها.","vol":"1","page":281},{"text":"أو رؤيته، أو ملمسه ككون يد رسول الله ﷺ ألين من الحرير أو شمه ككون المسك رائحته طيبة، فهذه الأمور تفيد التواتر، أما ما رجع إلى النظر الفكري، نحو استنباطات الفلاسفة والمتكلمين فلا مدخل لها في التواتر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>٣ - أما شروطه التي ترجع إلى المتلقي:</span>\nفهي أن يكون من أهل العلم إذ يستحيل حصول العلم من مجنون، أو غير عاقل؛ أو عامي فيما تواتر من الأحاديث.\nومنها أن يكون السامع منفكًا عن اعتقاد ما يخالف الخبر؛ لشبهة دليل أو تقليد إمام ذكره الشريف المرتضى وتبعه البيضاوي، وهو مردود بأن النقل المتواتر إذا وصل إلى السامع أفاده العلم بالتولد لا بالعادة.\nبمعنى أنه بمجرد وصوله إليه يهجم عليه العلم ضرورة، فيكون منكره مكابرًا لعدم استطاعته دفع ما أفاده التواتر، أو يكون عاميًا بالتواتر في نحو حديث النبي ﷺ إذ هو لا يدرك حقيقة اجتماع الجم الكثير عليه لأنه من خصيصة أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>الفرق بين نقل الكتاب والسنة والاحكام الشرعية ونقل غيرها والتنبيه على خطأ يقع فيه من لم يحقق الأمر</span>.\nواعلم أن التواتر في غير نقل الكتاب والسنة والأحكام الشرعية لا يشترط فيه عدالة الناقلين، بل يجوز ولو كفارًا أو فسقة، لذلك يحصل العلم اليقيني بما يتواتر عن الكفار المخبرين بموت ملكهم مثلًا، وكذلك ما تواتر من وجود قارات وبلاد لم نرها وإنما أتانا الخبر من طريقهم.\nأما التواتر في نقل الحديث الشريف أو الفتاوى والأحكام الشرعية فيشترط الإسلام والعدالة، ولذلك لا يحكم بتواتر حديث حتى نفتش في طبقاته ورجاله إلى رسول الله ﷺ إن كان حديثا، فإذا نقله أهل العدالة والضبط التام، أو من دونهم حتى","vol":"1","page":282},{"text":"لو كان فيه ضعف يسير يصلح معه في المتابعات والشواهد صح اعتباره في عدد التواتر، أما أحاديث الوضاعين والمتروكين وأضرابهم فلا يعتد بها أصلًا؛ لأنها ليست من الشريعة من هذا الوجه، ولو ثبت كونها من طرق أخرى إلا أن هذا الوجه فيه كذاب أو وضاع، والغالب عليهم سرقة الأحاديث ووضع الأسانيد تكثرًا وتصنعًا؛ فلا يعتد به البتة؛ وقد يغتر البعض بمجيئه من هذه الطريق التي فيها كذاب أو متروك فيجعلها ثابتة لثبوت أصلها، ويجعل الأصل الصحيح المروي من طريق أخرى شاهدًا على صدق الكذاب ولو في هذا الموضع فقط.\nوهذا غلط فاحش إذ الكذاب والمتروك سبيله وضع الأسانيد، أو سرقتها وصناعتها التي لا وجود لها من طريقه البتة، وإنما نبهنا على هذا الموضع؛ لأن بعضهم غلط فحمل كلام الأصوليين القائلين بعدم اشتراط العدالة على غير محمله، وإنما مرادهم أن هذا الشرط موجود في المتواتر من حيث هو في الأصل لا أنهم يقصدون تواتر الكتاب والسنة والأحكام، والدليل على هذا أنهم اشترطوا العدالة في أهل الإجماع معللين أنه حكم شرعي فيجب في ناقله العدالة، بخلاف التواتر كما ذكره في البحر المحيط، وهي إشارة إلى ما عرفناك من فقه هذه المسألة فقولهم حكم شرعي بخلاف التواتر يدل على شيئين:\n١ - أن كل حكم شرعي يشترط في نقله العدالة.\n٢ - أن التواتر المقصود هنا الذي لا يشترط فيه العدالة ما ليس من الأحكام الشرعية، أما التواتر في نقل الآثار والأحكام فهو من الشريعة فيشترط ذلك. والله أعلم.","vol":"1","page":283},{"text":"والآحاد: وهو مقابل المتواتر، هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم؛ لاحتمال الخطأ فيه.\nوينقسم إلى قسمين: مرسل ومسند.\nفالمسند: ما اتصل إسناده بأن صرح برواته كلهم.\nوالمرسل: ما لم يتصل إسناده بأن أسقط بعض رواته.\nفإن كان من مراسيل غير الصحابة ﵃ فليس بحجة؛ لاحتمال أن يكون الساقط مجروحًا، إلا مراسيل سعيد بن المسيب من التابعين أسقط الصحابي وعزاها للنبي - ﷺ - فهي حجة، فإنها فتشت أي فتش عنها فوجدت مسانيد أي رواها له الصحابي الذي أسقطه عن النبي - ﷺ -، وهو في الغالب صهره أبو زوجته أبو هريرة - ﵁.\nأما مراسيل الصحابة بأن يروي صحابي عن صحابي عن النبي - ﷺ - ثم يسقط الثاني، فحجة لأن الصحابة كلهم عدول.\nوالعنعنة بأن يقال حدثنا فلان عن فلان إلى آخره، تدخل على الإسناد، أي على حكمه فيكون الحديث المروي بها في حكم المسند، لا المرسل لاتصال سنده في الظاهر.\nوإذا قرأ الشيخ وغيره يسمعه يجوز للراوي أن يقول حدثني وأخبرني.\nوإن قرأ هو على الشيخ، يقول أخبرني ولا يقول حدثني؛ لأنه لم يحدثه. ومنهم من أجاز حدثني، وعليه عرف أهل الحديث لأن القصد الإعلام بالرواية عن الشيخ.\nوإن أجازه الشيخ من غير قراءة، فيقول أجازني أو أخبرني إجازة.","vol":"1","page":284},{"text":"<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>الآحاد تعريفه وما يتعلق به من المسائل</span>\nالأولى: الآحاد هو ما لم يبلغ حد التواتر، وهو أقسام:\n١ - المشهور: وهو ما رواه أكثر من اثنين ما لم يبلغ حد التواتر.\n٢ - العزيز: وهو ما في إحدى طبقاته راويان فقط.\n٣ - الغريب: ما وجد في إحدى طبقاته راوٍ واحد فقط.\nوقد تكون الغرابة في أصله عند الصحابي أو في الأثناء.\nحكم العمل بخبر الآحاد:\nيجب العمل بخبر الآحاد، ومن رده من أهل البدع رد أكثر شريعة الإسلام، وقد \"اقترن به إجماع أهل العلم بالحديث على تلقيه بالتصديق\" (^١)، وهو أعني: \"خبر الواحد المتلقي بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد وهو قول أكثر أصحاب الأشعري كالإسفرائيني وابن فورك\" (^٢)، وهو قول \"جماهير السلف والخلف\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>الثانية: المسند</span>\nقوله: \"فالمسند ما اتصل إسناده بأن صرح برواته كلهم\"، خرج بكلامه هذا ما في سنده انقطاع: كالمرسل، والمنقطع، والمعلق، والمعضل.\nفإن كان السقط في طبقة الصحابي فهو المرسل، وإن كان من عند المصنف فهو المعلق وهو عكس هذا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٨/ص ٤١.\n(^٢) نفس المصدر.\n(^٣) نفس المصدر ج ١٨ /ص ٤٨.","vol":"1","page":285},{"text":"وإن كان في الأثناء فينظر فإن سقط منه رجل واحد أو أكثر من موضعين لا على وجه التتالي فهو المنقطع، وإن كان بالتتالي فهو المعضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>الثالثة: المرسل وتعريفه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>تعريفه لغة واصطلاحًا:</span>\nأ. لغة: هو من أرسلت الشيء إذا أطلقته، ومن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]، \"فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف\" (^١).\nب. وقيل: هو من قولهم: جاء القوم إرسالًا، أي: قطعًا متفرقين كما في اللسان، فكأن رواة المرسل \"كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها\" (^٢).\nج. \"وقيل: يحتمل أن يكون أصله من الاسترسال وهو الطمأنينة إلى الإنسان والثقة به فيما يحدثه\" (^٣)، فكأن المرسل أطمأن إلى من أرسل عنه.\nد. \"وقيل: يجوز أن يكون المرسل من قولهم ناقة مرسال أي: سريعة السير.\nقال كعب بن زهير:\nأمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل\nفكأن المرسل للحديث أسرع فيه عجلًا فحذف بعض إسناده (^٤)، \"والكل محتمل\" (^٥).\n_________\n(^١) جامع التحصيل للعلائي صـ ١٤.\n(^٢) جامع التحصيل ص ١٤.\n(^٣) المصدر نفسه.\n(^٤) المصدر نفسه.\n(^٥) المصدر نفسه.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>تعريفه اصطلاحًا عند الأصوليين والمحدثين</span>.\nأ- عند الأصوليين: ما سقط بعض رواته.\nفلم يلاحظ الأصوليون كون السقط في بدايته، أو آخره، أو أثنائه، كما لاحظ ذلك أهل الاصطلاح خاصة المتأخرون منهم.\nفيدخل في تعريف الأصوليين، المنقطع، والمعلق، والمعضل والمرسل المصطلح عليه عند أهل الحديث، وهذا المذهب هو في حقيقته مذهب المتقدمين من أهل الحديث، \"وعليه يدل كلام أبي حاتم الرازي وابنه عبد الرحمن، وغيرهما من أئمة الحديث\" (^١).\nوهذا اختيار أبي داود في مراسيله، والخطيب، وجماعة\" (^٢)، وهو تعريف أبي الحسن بن القطان (^٣)، وعليه \"أكثر الأصوليين\" (^٤).\nب- عند الأكثر من متأخري المحدثين: \"المرسل ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ مما سمعه من غيره\" (^٥).\n- فدخل في \"التابعي\": كبار التابعين وصغارهم.\n- وخرج به ما السقط فيه حاصل أثناء سنده من منقطع، ومعضل، أو في طرفه من عند المصنف وهو المعلق.\n- وخرج به مراسيل الصحابة عن بعضهم فلا يعد في حكم المرسل؛ لأنه سمعه من صحابي مثله أو أكبر منه، والجهالة في الصحابي لا تضر.\n_________\n(^١) جامع التحصيل للعلاني، ص ٢٥.\n(^٢) النكت على كتاب بن الصلاح لابن حجر ٢/ ٥٤٤.\n(^٣) المصدر نفسه.\n(^٤) المصدر نفسه ٢/ ٥٤٣.\n(^٥) النكت على إبن الصلاح ٢/ ٥٤٦.","vol":"1","page":287},{"text":"- وقوله إلى النبي ﷺ خرج به ما أضافة التابعي إلى الصحابي ولم يلقه، أو يسمع منه، فننظر إن كان حديثًا عن النبي ﷺ فهو منقطع وكثيرًا ما يطلق عليه الإرسال، أو كان أثرًا من الصحابي من قوله فكذلك.\nوقوله: \"مما سمعه من غيره\": خرج به من لقي النبي ﷺ كافرًا وسمع منه حال الكفر، ثم أسلم وحدث بما سمعه منه: كالتنوخي رسول هرقل، فهذا له حكم الاتصال لا الإرسال (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>الرابعة: حكم العمل بالمرسل وبيان مذاهب العلماء فيه</span>.\n- العلماء كالمتفقين على وجوب العمل بالمرسل إذا عضد بعاضد يقويه، كما سيأتي ذكرها بعد قليل.\n- أما إذا لم يعضده عاضد، فمذهب أبي حنيفة (^٢)، ومالك (^٣)، وجمهور أصحابهما، وأحمد وأصحابه (^٤)، وجمهور أهل الأصول (^٥)، قبول المرسل والاحتجاج به.\nبل نقل ابن جرير الطبري أن التابعين أجمعوا بأسرهم على قبول المراسيل، ولم يأت عن أحد إنكاره إلى رأس المائتين (^٦)، وكذا قال أبو الوليد الباجي: إنكار كونه حجة بدعة حدثت بعد المائتين، وذلك لقبولهم مراسيل الأئمة من غير نكير (^٧) ا. هـ.\n_________\n(^١) انظر فتح المغيث شرح ألفية الحديث ١/ ١٣٥.\n(^٢) انظر تيسير التحرير ٣/ ١٠٢.\n(^٣) انظر مفتاح الأصول لابن التلمساني ص ٣٥٢، ونشر البنود على مراقي السعود ٢/ ٦٥.\n(^٤) التحبير شرح التحرير للمرداوي ٥/ ٢١٤٠.\n(^٥) انظر التحبير شرح التحرير للمرداوي ٥/ ٢١٤٠، وكذا هذا النقل للرازي في المحصول.\n(^٦) انظر تحبير التحرير ٥/ ٢١٤١.\n(^٧) نفس المصدر.","vol":"1","page":288},{"text":"فقد \"اشتهر إرسال الأئمة كالشعبي، والحسن، والنخعي، وابن المسيب وغيرهم، واشتهر قبول مرسلهم بلا نكير فكان إجماعًا\" (^١).\nولذلك قال الإمام أبو داود: في رسالته إلى أهل مكة: \"وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره رضوان الله عليهم، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة\" (^٢).\nولا يحتج بالمرسل أكثر أهل الحديث وكذا الشافعي، والظاهرية، قال العراقي:\nورده جماهر النقاد ... **** للجهل بالساقط في الإسناد.\nوقال الإمام مسلم في مقدمة الصحيح: \"والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالإخبار ليس بحجة\".\nوأجابوا عما نقله المحتجون به من الإجماع المتقدم: أن النقل غير صحيح فقد رد المرسل في التابعين سعيد بن المسيب، وابن سيرين والزهري، والأوزاعي (^٣)، ولذلك قال ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (^٤).\nوجاء قبل الشافعي ابن مهدي والقطان وغير واحد ممن رد المرسل (^٥).\n_________\n(^١) تحبير التحرير ٣/ ١٠٣.\n(^٢) ص ٢٤ - ٢٥.\n(^٣) توضيح الأفكار للصنعاني ١/ ٢٩٢.\n(^٤) انظر مقدمة صحيح مسلم.\n(^٥) انظر فتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوي ١/ ١٣٦.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>الخامسة: عواضد المرسل</span>.\nإذا عضد المرسل بما يقويه أصبح حجة عند الجميع، ومن عواضده:\nأ. أن يسند من غير طريق المرسل الأول سواء كان هذا المسند صحيحًا، أو كان ضعيفًا يعتبر به في الشواهد (^١)، أو كان حسنًا، فيرتقي الحديث إلى الصحيح لغيره (^٢).\nوالفائدة في حالة المسند الصحيح هي: زيادة قوة تفيد في الترجيح، فيكون في المسألة حديثان صحيحان حتى لو عارضهما حديث صحيح من طريق واحد وتعذر الجمع قدمناهما عليه كما أفاده النووي في مقدمة المجموع.\nمثاله حديث: (المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم) (^٣). رواه الشافعي مرسلًا من طريق يونس بن عبيد عن الحسن أن النبي ﷺ فذكره، ورواته ثقات وله شاهد من حديث ابن عمر مسندًا عند ابن ماجة (^٤)، إلا أن في سنده مروان بن سالم الجزري تركه البخاري وغيره (^٥)؛ فلا يعتد به.\nوجاء الحديث عن أبي محذورة مسندًا عند الطبراني (^٦)، والبيهقي (^٧)، وفي سنده يحيى الحماني قال أحمد وابن نمير \"كذاب\"، وزاد أحمد \"أنه يسرق الحديث\". ووثقه جماعة كابن معين. وقال الحافظ: \"حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث\".\n_________\n(^١) انظر الرسالة ص ٤٦٢، وكتاب النكت على ابن الصلاح للزركشي ص ٥٧٤.\n(^٢) انظر جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص ٣٨.\n(^٣) الأم ١/ ٧٥.\n(^٤) في السنن ١/رقم ٢٣٦.\n(^٥) التاريخ الكبير ٧/ ٣٧٣.\n(^٦) الطبراني في الكبير ٨/ ٢٠٩.\n(^٧) البيهقي ٨/ ٤٢٦.","vol":"1","page":290},{"text":"قلت: الراجح عدم صلاحيته في الشواهد، إذ هذا الجرح المفسر يثير الريبة من صحة مجيء الحديث عنه؛ لأنه قد يكون مما سرقه، ولكن له شواهد صحيحة من حديث أبي هريرة، وعائشة، وأبي أمامة وغيرهم ﵃: \"الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن\" فتشهد للمرسل ويصح. والله أعلم.\nب. أن يجيء مرسل آخر صالح في الشواهد والمتابعات ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن وجد ذلك كانت دلالة يقوى له مرسله، مثاله: مرسل أبي سعيد المهري قال رسول الله ﷺ: (لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا وصلوا حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) (^١).\nوقد قواه شيخ الإسلام لمجيء مرسل آخر من وجه غير الأول عن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (^٢).\nج. تقوية المرسل بالموقوف عن الصحابي: وهي مع كونها معتبرة عند أهل العلم إلا أنها ليست في القوة كالأولى (^٣).\nد. أن يفتي أكثر أهل العلم بما يقتضيه المرسل: فهذا فيه تقوية له، إذ لا يكون هذا إلا دالًا على ثبوت أصله ولكنه أضعف من السابق (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>السادسة: مراسيل سعيد ابن المسيب عند الشافعي</span>.\nالقول الأول: قول الخطيب والبيهقي في عدم الفرق بين مراسيل سعيد وغيره عند الشافعي، والنووي رجح ترجيح الخطيب والبيهقي (^٥).\n_________\n(^١) الرسالة ص ٤٦٢.\n(^٢) انظر اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٥٦.\n(^٣) انظر الرسالة ص ٤٦٢.\n(^٤) انظر جامع التحصيل ص ٣٩.\n(^٥) المجموع شرح المهذب (١/ ٦٠).","vol":"1","page":291},{"text":"وأما القول الثاني: فيفرق بين مرسل سعيد فيعتمده وبين غيره فلا، وهو الذي ذكره المؤلف هنا وكذلك نقله الخطيب والبيهقي، وإن كانا لم يرجحاه فقد رجحه غير واحد كالقفال، واستدل بنص الشافعي في الأم، وأراد النووي أن يتعقبه فحمل كلام الشافعي الصريح على ما تقدم من التفصيل؛ وهذا قول للشافعي منصوص في الرسالة.\nوقال النووي وأما قول القفال: قال الشافعي في الرهن الصغير: مرسل سعيد عندنا حجة، فهو محمول على التفصيل الذي قدمناه عن البيهقي والخطيب والمحققين.\nثم نقل العمل به عن إبي حنيفة ومالك في المشهور عنه وأحمد وكثيرين من الفقهاء أو أكثرهم يحتج به ونقله الغزالي عن الجماهير: وقال أبو عمر بن عبد البر وغيره ولا خلاف أنه لا يجوز العمل به إذا كان مرسله غير متحرز يرسل عن غير الثقات (^١).\nقال في الحاوي:\nومذهب الشافعي في الجديد: أنه مرسل سعيد وغيره ليس بحجة، وإنما قال مرسل سعيد عندنا حسن لهذه الأمور التي وصفنا استئناسا بإرساله ثم اعتمادا على ما قاربه من الدليل، فيصير المرسل حينئذ مع ما قاربه حجة (^٢)\nقلت: والذي في الرهن الصغير:\nقال: أي المناظر فكيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا، ولم تقبلوه عن غيره؟ قلنا: لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا آثره عن أحد فيما عرفنا عنه إلا ثقة معروف، فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعه، ورأينا غيره يسمي المجهول ويسمي من يرغب عن الرواية عنه ويرسل عن النبي ﷺ، وعن بعض من لم يلحق من أصحابه المستنكر، الذي لا يوجد له شيء يسدده، ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم ولم نحاب أحدا، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفنا\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (١/ ٦٠).\n(^٢) الحاوي الكبير (٥/ ١٥٨).","vol":"1","page":292},{"text":"من صحة روايته، وقد أخبرني غير واحد من أهل العلم عن يحيى بن أبي أنيسة عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثل حديث ابن أبي ذئب ا. هـ. (^١)\nفتأمل كلام الشافعي هنا فهو واضح جدا في القول الآخر، وهذا هو سبب القولين، والله أعلم.\nوالنووي لو رجح بناء على تتبعه لكان كلامه هو الفصل، لكنه هنا قلد فقط قول الخطيب والبيهقي وأثنى عليهما، وهذا الترجيح مع جلالته لا يرتقي إلى الترجيح الذي يكون عن تتبعه هو؛ لذلك اختار إمام الحرمين قول الاحتجاج في جماعة، واختار النووي التفصيل تبعا للخطيب والبيهقي. هذا ما ظهر للعبد الفقير في هذا المقام والله أعلم.\nوالعنعنة: بأن يقال حدثنا ... الخ.\nشرط كون الحديث المعنعن في حكم المسند: ألا يكون الراوي الذي يعنعن مدلسًا، وإلا فلا يحكم له بالاتصال.\nأما صيغ التحديث فذكر منها المؤلف: حدثني وأخبرني، وتستعمل إذا سمع الطالب من الشيخ، أما إذا قرأ على الشيخ، فيقول: أخبرني فقط، وقيل بالجواز، أما الإجازة فيصرح فيها بقوله حدثي إجازة.\n_________\n(^١) الأم للشافعي (٣/ ١٩٢) وراجع المجموع شرح المهذب (١١/ ٢٠٧)","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>القياس</span>","vol":"1","page":295},{"text":"وأما القياس فهو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم، كقياس الأرز على البر في الربا بجامع الطعم.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>تعريف القياس لغة واصطلاحًا، وبيان أقسامه، وأركانه وشرط كل ركن بما يناسب المقام</span>.\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>الأولى: تعريفه لغة واصطلاحا:</span> عبارة عن التقدير، ومنه قست الأرض بالمتر، وقست الثوب بالذراع أي قدرته بذلك (^١).\nأما تعريفه اصطلاحا: فهو رد الفرع، وهو المسألة الحادثة والنازلة المستجدة التي لا نص فيها.\nوالمراد إلحاقها بالأصل المنصوص عليه بالكتاب والسنة، أو المجمع عليها.\nإلى الأصل: وهو ما نص عليه، أو أجمع عليه؛ لعلة تجمعهما: أي بوصف موجود في الأصل والفرع.\nوعرفه في جمع الجوامع: حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة حكمه عند الحامل (^٢)\nوثم تعاريف أخرى، قال إمام الحرمين: أقرب العبارات ما ذكره القاضي إذ قال: \"القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر يجمع بينهما من\n_________\n(^١) انظر الأحكام للآمدي ٣/ ٢٦١.\n(^٢) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٣/ ١٥٠).","vol":"1","page":297},{"text":"إثبات حكم أو صفة أو نفيهما\" (^١).\nوقد ذكر ابن السمعاني أن هذا تعريف المتكلمين، أما الفقهاء فقالوا: \"حمل فرع على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما\" (^٢)، فعلى هذا يكون تعريف المصنف راجعًا إلى الطريقة الفقهية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>الثانية: العلة:</span> هي وصف ظاهر منضبط يوجد الحكم بوجوده وينتفي بانتفائه.\nوقولهم ظاهر: احتراز عن الأوصاف الخفية، فإنه لا يعلل بها ولا تناط بها الأحكام، فالشريعة لا تحيل على علة خفية، بل على علة ظاهرة.\nمثال ذلك: من قتل شخصًا عمدًا عدوانًا وجب فيه القصاص، والعمد العدوان أمر خفي في القلب لا يطلع عليه، فأحلنا معرفته إلى أمر ظاهر وهي الآلة، فالقاتل بآلة حادة قاتلة، دال على ما خفي في باطنه وهو العمد العدوان، فاستدللنا بالآلة الظاهرة على الحالة الباطنة وهي العمد العدوان.\nوكذلك الأمر في الأنساب: إذ علق الشرع ثبوت النسب على أمر ظاهر هو العقد لا على الوطء؛ لأنه خفي لا يُطلَّع عليه.\nوقولهم: منضبط في تعريف العلة: احتراز عن الأوصاف غير المنضبطة فلا يحصل بها التعليل في الأحكام، مثاله: المشقة لو جعلناها علة للقصر والجمع والفطر في السفر، لما انضبط الأمر لاختلاف أحوال الناس، فمنهم من يشق عليه السفر، ومنهم من لا يشق\n_________\n(^١) البرهان في أصول الفقه (٢/ ٥) قال: وذكر غيره عبارات في روم ضبط القياس نائية عن الصواب فمن مقرب مع إخلال ومن مبعد والمعتبر في العبارات العبارة التي جمعها القاضي وكل من أتى بها فقد طبق.\nوهكذا في التلخيص في أصول الفقه (٣/ ١٤٤) وهو ما اختاره تلميذه الغزالي في المستصفى\n(^٢) قواطع الأدلة في الأصول (٢/ ٧٠). وهو ما اختاره ابن الحاجب وعزاه الزركشي في البحر الى المحققين، البحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ٨) قائلا: فالمحققون أنه: مساواة فرع لأصل في علة الحكم، أو زيادته عليه في المعنى المعتبر في الحكم. واختاره في مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٤/ ٦)","vol":"1","page":298},{"text":"عليه، ومنهم من يشق عليه مشقة خفيفة أو متوسطة.\nوكذلك من عمل الأعمال الشاقة في الحضر، كعمال الحفريات، والبناء، والطرقات، والمناجم ونحوها، فلو جعلنا علة جواز الإفطار المشقة؛ لجاز لهؤلاء وهم في الحضر أن يترخصوا بالفطر والجمع والقصر ونحو ذلك.\nفلما كانت هذه المشقة غير منضبطة لم تعلق عليها الأحكام، بل علقت بأمر منضبط هو حصول السفر، فكل من سمى مسافرًا في العرف ترخص، وهذا الوصف أعني السفر وصف منضبط فأنيطت به الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>الثالثة قوله: كقياس الأرز على البر في الربا بجامع الطعم</span>.\nوعليه فالأصل المقيس عليه البر، وهو منصوص عليه في قوله ﷺ: (والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء) (^١).\nوالفرع: الأرز وهو غير منصوص عليه.\nوالعلة الجامعة: هي الطُّعم بالضم على مذهب الشافعي، وكونه مقتاتًا مدخرًا على مذهب مالك، وكونه مكيلًا أو موزونًا على مذهب أبي حنيفة وأحمد.\nوالحكم: هو حرمة ربا الفضل والنسيئة في الأرز.\n_________\n(^١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢١٣٤) ومسلم في صحيحه برقم (١٥٨٦).","vol":"1","page":299},{"text":"وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nإلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>أقسام القياس باعتبارات عديدة، وفيه مسائل:</span> (^١)\nالأولى: تقسيمه من حيث إيجاب الحكم.\nيقسم إلى: قياس علة ودلالة، وقياس في معنى الأصل وشبه.\nفمثال الأول: ما كان منصوصا على العلة، كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، أو كان من باب الأولى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أو كانت العلة مجمعًا عليها؛ لأن \"كل ما استنبط من العلل وأجمع المسلمون عليها فهو جلي، كإجماعهم على أن الحد للردع والزجر عن ارتكاب المعاصي\". (^٢)\nومثال الثاني: استنباط العلة من خلال الحكم، فجواز صلاة الوتر على الراحلة هذا حكم، وهو يدل على العلة وهي كون الوتر نافلة وليس واجبا، فهذا قياس دلالة كما سيأتي الكلام عليه وشرحه.\nومثال الثالث: وهو قياس الشبه وسيأتي.\nوأما الرابع وهو القياس في معنى الأصل: فهو ما ليس فيه فارق كقياس حرق مال اليتيم على أكله؛ لأنه مساو له ولا فرق.\n_________\n(^١) انظر الأحكام للآمدي ٣/ ٢٦١. العدة في أصول الفقه (٤/ ١٣٢٥) اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: ٩٩) المحصول لابن العربي (ص: ١٢٦) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٣) بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (٣/ ١٤٠) البحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ٤٩) الأنجم الزاهرات على حل ألفاظ الورقات (ص: ٢٢٩)\n(^٢) اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: ٩٩)","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>المسألة الثانية: تقسيمه من حيث كون العلة جلية أو خفية</span>.\nففي الفرع قسموه إلى: جلي وخفي.\n- فالجلي: كقياس تأفيف على ضرب.\n- والخفي \"ما كان معناه غامضا؛ لتقابل المعنيين أو لتقابل المعانى، مثل: تعليل الربا في البر المنصوص عليه إما بالطعم أو بالكيل أو القوت، ولابد من ترجيح أحد هذه المعانى على الآخر من طريق المعنى الذى يكون دالا على التحريم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>المسألة الثالثة: تقسيمه من حيث كون العلة أقوى أو مساوية أو أدنى</span>.\nإلى قياس الأولى، والقياس المساوي: كقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم، وقياس الأدون وهو الخفي كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>المسألة الرابعة: تقسيمه من حيث مناسبة العلة للحكم</span>.\nفقد قسم بهذا الاعتبار إلى: مؤثر وملائم.\nفالمؤثر ما كانت العلة فيه منصوصة أو مجمع عليها، وتقدم مثاله في الجلي.\nوالملائم ما أثر جنس العلة في جنس الحكم: كجعل المشقة علة لجلب التيسير، أو جنس العلة في عين الحكم، كجعل دفع الحرج علة على الجمع في المطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>الخامسة: تقسيمه من حيث طريق استخراج العلة</span>.\nإلى قياس طرد، وعكس، وشبه، وسبر، ومناسب، وهذا الأخير سمي قياس إخالة.\nفالطرد: وجود الحكم بوجود العلة، والعكس انتفاؤه، والشبه تقدم، والسبر هو من مسالك العلة، وهو أن يلجأ إلى معرفة العلة بحصر كل ما يمكن أن يعلل به، ثم\n_________\n(^١) قواطع الأدلة في الأصول (٢/ ١٣٠) واللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: ٩٩)","vol":"1","page":301},{"text":"يحرر الصحيح منها.\nوأما المناسب: فهو الإخالة، وهو قياس العلة وهو مؤثر وملائم وتقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>السادسة: تقسيمه من حيث إفادته لحكم مماثل أو مناقض أو لا مماثل ولا مناقض</span>.\n- فالأول: قياس العلة، وهو المسمى بالقياس إذا أطلق.\n- والثاني: قياس العكس.\n- والثالث: قياس الدلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>السابعة: رد التقاسيم إلى واحد</span>.\nوجميع هذه الأقسام يدخل بعضها تحت بعض، كما رأيت في الأمثلة وقد تختلف أنظار العلماء في جعل المثال من هذا النوع أو ذاك.\nوبتأمل ما سطره علماء الفن فإن أعدل وأصح تقسيم هو: الأول، وهو ما ذكره المؤلف، وهو تقسيم القياس إلى قياس علة ودلالة وشبه، وجرى عليه جمع من الأصوليين كالشيرازي.\nوبيان دخول جميع الأقسام فيه: أن قياس العلة ينقسم إلى جلي وخفي، وإلى قياس الأولى والمساوي والأدنى، وإلى مؤثر وملائم، وطرد وعكس، وأن قياس الدلالة يوصف أحيانا بكونه جليًا وأحيانا بكونه خفيًا.\nوأن قياس الشبه يوصف بكونه جليًا إذا كان الشبه واضحًا، وخفيًا إن كان الشبه غير ظاهر،\nوسيأتي تفصيل كل نوع.","vol":"1","page":302},{"text":"فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم، بحيث لا يحسن عقلًا تخلفه عنها كقياس الضرب على التأفيف للوالدين في التحريم بعلة الإيذاء.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>النوع الأول: قياس العلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>المسألة الأولى قوله: فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم</span>.\nالعلة لا توجب الحكم إلا إذا كانت لا تتخلف، وهي نوعان: قياس الأولى، والقياس في معنى الأصل.\n١ - فأما قياس الأولى: فهو ما كان الحكم فيه أولى من الأصل، كالنهي عن التأفيف يلزم قطعا النهي عن الضرب.\nفالعلة موجبة للحكم ولا يحسن عقلا أن يقال يجوز الضرب ويحرم التأفيف، وعبر بقوله ويحسن عقلا، حتى يبين أنها في الاحتمال العقلي قد لا توجب لكن لا يحسن ذلك؛ وذلك لأن الاستحالة العقلية هي ما لا يمكن للعقل أن يفرضه أو يتصوره مجرد تصور، مثاله: إن الثلاثة شفع أو تساوي واحدا.\n٢ - والقياس في معنى الأصل: وهو القياس بنفي الفارق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>المسألة الثانية: اقتصر المصنف في قياس العلة على هذا النوع فقط</span>.\nولكن غيره من أهل الأصول ذكروا أن \"قياس العلة يكون الجامع فيه وصفا مناسبا كالإسكار بين الخمر والنبيذ، فإن فساد العقل مناسب للتحريم لعظم المفسدة \"، (^١) وأن\n_________\n(^١) الفروق للقرافي (٣/ ٢٦٣) وانظر اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: ٩٩) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٤) بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (٣/ ١٣٥) البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٤٩٢) التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام (٣/ ٢٢١) التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٤٦٠) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٣/ ٤٠٥) اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: ٩٩)","vol":"1","page":303},{"text":"\"كل وصف ظهر كونه مناطًا للحكم فاتباعه من قبيل قياس العلة\". (^١)\nوبناء على هذا فيكون المصنف عليه ﵀ قد اقتصر على نوع واحد تخفيفا على المبتدئ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>المسألة الثالثة: قياس العلة بحسب استقراء كلام أهل الأصول راجع إلى أربعة أنواع:</span>\nمقطوع، وجلي، وظاهر، وخفي (^٢)\nأما المقطوع فهو نوعان هما:\n١_ أعلاها ما كانت العلة فيه أولى: كقياس الضرب على التأفيف، وإلحاق العمياء بالعوراء؛ لأن العمى عور مرتين.\n٢_ يليه عدم الفارق وهو القياس في معنى الأصل: كموت الحيوان في السمن يلحق به الزيت، لعدم الفارق ولا يتعرض هنا للعلة بل لنفي الفارق المؤثر حتى يعلم أنه لا فرق مؤثر قطعا.\nوهذان النوعان قال قوم ليس من القياس بل دلالتهما من اللفظ، وقد جعلهما العلماء من المقطوع به، أما ما ليس مقطوعا به فهو أنواع بعضها أقوى من بعض، فمنه الجلي والظاهر والخفي.\n٣_ أما الجلي وقد يسمى ظاهرا، فهو ما كانت العلة فيه ثابتة بالنص أو بإجماع، كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، أما ثبوتها بالنص فهو قسمان:\n- الأول: ما هو صريح في التعليل.\n- الثاني: ما يستفاد فيه التعليل بالتنبيه والإيماء.\n_________\n(^١) تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٤/ ١٢٢) روضة الناظر وجنة المناظر (٢/ ٢٤٣)\n(^٢) روضة الناظر وجنة المناظر (٢/ ٢٤٣)","vol":"1","page":304},{"text":"فمثال ما هو صريح في التعليل: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧]، ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢]، ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوقول النبي ﷺ: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) (^١)، و(إنما نهيتكم من أجل الدافة) (^٢).\nوأما مثال النوع الثاني: وهو التنبيه والإيماء، وهو أقسام إلا أن حاصلها ما يقترن في الحكم بوصف: كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالحكم هو اعتزال الحائض والعلة الأذى، و﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فالحكم القطع، والعلة السرقة.\nوقول النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه) (^٣)، فالحكم القتلن والعلة الردة، و(من أحيا أرضا ميتة فهي له)، (^٤) فالحكم تمليك الارض، والعلة إحياء الموات.\nوقوله ﷺ: (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين) (^٥) الحكم ليست الهرة نجسة، والعلة كونها طوافة عليكم.\n٤_ أما الظاهر: فهو ما حصلت العلة فيه بطريق الاستنباط، وليس فيها من جهة\n_________\n(^١) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (٦٢٤١) واللفظ له، ومسلم في صحيحه برقم (٢١٥٦).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، برقم (١٩٧١).\n(^٣) أخرجه البخاري ي صحيحه، برقم (٦٩٢٢).\n(^٤) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة التضعيف قبل حديث (٢٣٣٥)، وأخرجه موصولًا الترمذي في سننه، برقم: (١٣٧٩) واللفظ له، وأخرجه مطولًا النسائي في السنن الكبرى، برقم: (٥٧٥٧) بنحوه، وأحمد في مسنده برقم: (١٤٦٣٦)، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم: (١٥٥٠).\n(^٥) أخرجه أبو داود في صحيحه، برقم (٧٥) وقال الألباني حسن صحيح.","vol":"1","page":305},{"text":"اللفظ تنبيه أولوي، ولا مساو، ولا نص، ولا مجمع عليه، مثاله: علة الربا، فإنها غير منصوصة لذلك اختلفت الأنظار في تحصيل على الربا، وهو مراتب وبعضها قد يلحق بالظاهر وبعضها بالخفي، وقد ألحق الشيرازي هذا النوع بالخفي ومثل له بعلة الربا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>طرق استنباط العلة:</span>\nواستنباط العلة: بنص أو إجماع أو استنباط، أما الأولان فتقدما، وأما استنباط العلة فيكون بثلاث طرق: طريق المناسبة أو السبر والتقسيم أو الدوران.\n١_ المناسبة تنقسم: إلى مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل. (^٢)\nمؤثر: وهو ما أثر عين العلة في عين الحكم، وهو ما ثبتت فيه العلة بنص أو إجماع، فمثال ما ثبت بالنص، قوله ﷺ: (كل مسكر حرام) (^٣)، فعين العلة وهي الإسكار أثرت في عين الحكم وهو التحريم.\nومثال ما ثبت بالاجماع: إثبات الولاية المالية على الصغير، فعين العلة الصغر، وعين الحكم الولاية المالية.\nملائم: وهو ما أثر جنس العلة في عين الحكم، أو أثر عين العلة في جنس الحكم، فمثال الأول: تأثير دفع الحرج في جواز جمع الصلاة في المطر، فدفع الحرج جنس علة، والجمع في المطر عين الحكم.\nومثال الثاني: تأثير السفر في التخفيف، فالسفر عين علة، والتخفيف جنس حكم؛\n_________\n(^١) اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: ٩٩)\n(^٢) المستصفى (ص: ٣١٠) روضة الناظر وجنة المناظر (٢/ ٢١٠) مفتاح الوصول للتلمساني ٧١٣ إجابة السائل شرح بغية الآمل (ص: ٢٠٢)\n(^٣) أخرجه مسلم، برقم (٢٠٠٢).","vol":"1","page":306},{"text":"لأنه شامل لعدد من التخفيفات: كقصر الصلاة والفطر، أو تأثير الغرر في تحريم التأمين بأنواعه.\nغريب: وهو ما أثر جنس العلة في جنس الحكم، مثاله: تأثير جنس المصالح في الأحكام، وبعضهم جعل الغريب ما ليس فيه تأثير.\nمرسل: وهو المصالح المرسلة ولها مراتب في القوة محلها مطولات الفن ..\n٢_ أما السبر والتقسيم: فهو تتبع كل ما يحتمل صلوحه للتعليل، ثم غربلتها للوصول إلى العلة، مثاله: تحريم الميتة ما علتها؟\nفيقال التحريم يكون إما لكونها محترمة، أو لكونها ضارة أو لنجاستها.\nثم يقال: ليست محترمة، وليس للضرر لأنها قد لا تضر، فبقي أن التحريم هو للنجاسة، فالميتة نجسة.\n٣_ أما معرفة العلة بالدوران فمعناه: كون الحكم يدور معها وجودا وعدما، وهو ما يسمى عند البعض كابن الحاجب والآمدي: الطرد والعكس.\nفكلما وجد الإسكار وجد التحريم، وإذا انعدم انعدم، والجمهور على العمل به.","vol":"1","page":307},{"text":"وقياس الدلالة هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم، ولا تكون موجبة للحكم، كقياس مال الصبي على مال البالغ في وجوب الزكاة فيه بجامع أنه مال نام.\nويجوز أن يقال لا تجب في مال الصبي كما قال به أبو حنيفة.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>النوع الثاني: قياس الدلالة</span>\nهذا هو النوع الثاني من أنواع القياس وفيه مسائل (^١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>المسألة الأولى: هذا النوع من القياس ملحق بالخفي</span>.\nقال الشيرازي: وهذا الضرب من القياس يجري مجرى الخفي من قياس العلة في الاحتمال، إلا أن يتفق فيه ما يجمع على دلالته فيصير كالجلي في نقض الحكم به (^٢).\nومعنى قوله ينقض به الحكم، أي: حكم القاضي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>المسألة الثانية: قوله في تعريفه هو الاستدلال بأحد النظيرين على الأخر</span>.\nالنظير هو المثل، وقد جاء في القرآن هذا النوع من القياس فأخبرنا الله سبحانه أنه يحي الأرض ونظيره أحياء الموتى، وأخبرنا أنه خلقنا أول مرة فكذلك الإعادة المرة الأخرى، وأخبرنا بأنه خلق السماوات والأرض، وقال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].\n_________\n(^١) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٣/ ٤٠٥) اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: ١٠٠) المعونة في الجدل للشيرازي (ص: ٣٧) البرهان في أصول الفقه (٢/ ٥٦) المحصول لابن العربي (ص: ١٢٦)\n(^٢) اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: ١٠٠)","vol":"1","page":308},{"text":"وكذلك استدل الفقهاء على أن وجوب الزكاة في مال الصبي إلحاقا له بمال البالغ؛ لأنه هذا مال نام وهذا مال نام، فهذا نظير هذا.\nأو نقول وجبت الزكاة في زرع الصبي فنلحق به وجوب زكاة ماله؛ لأنه إذا وجب العشر في المال وجب ربع العشر.\nوالحاصل أن قياس الدلالة ليس استدلالا بالعلة بل بأثرها، فنستدل بوجوده على وجودها وبعدمه على عدمها (^١)، وقديما قالت العرب: البعرة تدل على البعير.\nمثال آخر: من كان عليه دين، وعنده مال نقدي أو تجارة فإن الشافعية قالوا بأنه يزكي، ولا يؤثر الدين، والدليل على هذا أن زكاة الحيوان والزرع تجب عليه، فاستدلوا بالنظير على النظير؛ لأنه لما لم يؤثر الدين في منع زكاة الحيوان والزرع فكيف يؤثر في نظيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>المسألة الثالثة: وهناك نوع آخر من قياس الدلالة، وهو الاستدلال بالحكم على العلة</span>\nمثاله: أن الحنفية قالوا إن الوتر واجب، فقال لهم الفقهاء: هل يجوز أن يصلى على الراحلة، فقالوا نعم، فقالوا لو كان واجبا لما صح على الراحلة، فجواز صلاته على الراحلة دل على علة الجواز وهو كونه نفلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>المسألة الرابعة: قوله إن تكون العلة دالة على الحكم</span>.\nمعنى كلامه أن العلة ليست موجبة له بل محتملة بأن تكون دالة في نظر مجتهد على الحكم، وغير دالة في نظر آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>المسألة الخامسة: قوله كما قال أبو حنيفة</span>.\nعلة قوله: إنه تكليف عبادي لا يجب إلا على البالغ، وإنما قال بزكاة الزرع في مال الصغير؛ لأنه حق متعلق بالأرض.\n_________\n(^١) المحصول للرازي (٥/ ٣٤٦)","vol":"1","page":309},{"text":"وقياس الشبه هو الفرع المتردد بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبهًا، كما في العبد إذا أتلف فإنه متردد في الضمان بين الإنسان الحر من حيث أنه آدمي، وبين البهيمة من حيث أنه مال، وهو بالمال أكثر شبهًا من الحر، بدليل أنه يباع ويورث ويوقف وتضمن أجزاؤه بما نقص من قيمته.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>النوع الثالث: قياس الشبه</span>.\nهذا النوع من القياس لا يستند إلى قياس أولوي، ولا مساو، ولا يرجع إلى علة لا بالنص ولا بالإجماع، ولا بالاستنباط بمناسب، أو بالسبر والتقسيم أو الاطراد والانعكاس، وهذا كله قياس العلة.\nكما أنه ليس بقياس أحد النظيرين على الآخر ولا بمعرفة أثر العلة فيكون قياس دلالة، وقد أمر الله في القرآن بالحكم في جزاء الصيد بالمثل، ولما كان الصيد لا مثل له تحقيقا؛ اعتبر الصحابة الشبه الصوري والشبه المعنوي، فمثاله: إذا اجتمع الشبه الصوري والمعنوي من صاد غزالا ففيه شاة للشبه من الجهتين، أما إذا كان الشبه المعنوي أقرب عمل به مثاله: لو صاد نعامة فشببها الصوري هو الدجاج، لكن شبهها الأقرب إلى تحقيق المماثلة في الجزاء هو الجمل.\nفقياس الشبه قريب من هذا النوع إلا أن ما يقصد في الأصول، تحديدا هو أن يكون فرع يشبه أصلا في عدة أوصاف، ولكنه يشبه أصلا آخر كذلك في أخرى، وهذا النوع من القياس الخفي لذلك اختلفوا في العمل به، وللشافعي قولان. (^١)\n_________\n(^١) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٣/ ٤٠٤) اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: ١٠١)","vol":"1","page":310},{"text":"وقد حرر إمام الحرمين في البرهان قياس الشبه، وأبان مراتبه، وكيفية معرفة القوي منه والضعيف، وجعله شاملا كثير من أنواع القياس وبين (^١):\n١_ أن منه ما يفيد العلم، وهو ما يسمى القياس في معنى الأصل.\n٢_ وأدنى منه ما أفاد غلبة الظن وهو مراتب، ومنه قياس الشافعي الزبيب على التمر.\n٣_ ثم يأتي بعده قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية؛ حتى قال الشافعي: طهارتان فكيف تفترقان.\n٤_ ثم ذكر مثال العبد الذي ذكره الشارح، فهذه كلها عند إمام الحرمين من قياس الشبه.\nوالحاصل أن قياس الشبه احتج به الشافعي في مواضع، وعليه أكثر أصحابه خلافا لأكثر الحنفية (^٢)\nولكن كما قال الغزالي: لعل جل أقيسة الفقهاء ترجع إليها، إذ يعسر إظهار تأثير العلل بالنص والإجماع والمناسبة المصلحية (^٣).\nثم ضرب أمثلة كثيرة على استعمال الفقهاء من مختلف المذاهب لهذا النوع، مثاله قول أبي حنيفة: لا يتكرر مسح الرأس تشبيها له بالخف والتيمم. وقال الشافعي: أصل طهارته بالماء أشبه الوجه في التكرار، وإنما قال (أصل) احترازا عن الخف لأنه بدل.\n_________\n(^١) البرهان في أصول الفقه (٢/ ٢١٧)\n(^٢) البرهان في أصول الفقه (٢/ ٢١٧) قواطع الأدلة في الأصول (٢/ ١٦٤)\n(^٣) المستصفى (ص: ٣١٧)","vol":"1","page":311},{"text":"ومن شرط الفرع أن يكون مناسبًا للأصل فيما يجمع به بينهما للحكم، أي أن يجمع بينهما بمناسب للحكم.\nومن شرط الأصل أن يكون ثابتًا بدليل متفق عليه بين الخصمين، ليكون القياس حجة على الخصم.\nفإن لم يكن خصم فالشرط ثبوت حكم الأصل بدليل يقول به القيَّاس.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>شروط الفرع والأصل </span>(^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>المسألة الأولى: ما يشترط في الفرع</span>\nقوله: \"ومن شرط الفرع ... \": إنما ذكر من الدالة على التبعيض؛ لأن هناك شروطا أخرى لم يذكرها هنا طلبا للاختصار على المبتدئ، ونص عليها أهل الأصول منها:\n١_ أن تكون العلة التي في الأصل موجودة في الفرع، فإن كانت عين علة في الأصل كانت عين علة في الفرع، مثاله: الزيادة في الدين على رأس المال ربا محرم، وهذه الزيادة موجودة في رد زيادة على الدين إذا تضخمت العملة فهي ربا محرم.\n٢_ ومثالها كذلك: قياس عظم الميتة على لحمها في النجاسة عند المالكية والشافعية، وقال الحنفية: ليس العلة التي في الأصل موجودة في الفرع وهي الحياة؛ لأن العظام لا تحلها الحياة (^٢)\nوالجواب أن فيها حياة بدليل، قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ١٣٦)\n(^٢) التلمساني وشرحه، ص: ٥٥٧ والبحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ١٣٦)","vol":"1","page":312},{"text":"٣_ كذلك إن كانت العلة في الأصل جنس علة فيجب أن تكون في الفرع جنس علة، كقولهم العلة في وجوب القصاص في الأطراف هي الجناية، وهي نفس العلة في الأصل وهو القتل، والحكم هو القصاص فيهما، والجناية جنس عله؛ لأنها تشمل الجناية على الأطراف وعلى النفس. (^١)\n٤_ ومن الشروط في الفرع أن لا يكون قبل الأصل (^٢)، مثاله: الوضوء شرع قبل التيمم، فقاس الجمهور -خلافا للحنفية- الوضوء على التيمم في وجوب التيمم، فيقال: كيف يقاس الوضوء وهو متقدم على المتأخر؟\nوجوابه أنه استدلال على وجود العلة؛ لأن وجوب النية في الفرع وهو التيمم كان، لأنه عبادة محضة وهذه في الوضوء بتمامها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>الثانية: قوله أن يجمع بينهما بمناسب للحكم</span>.\nبين أن شرط الفرع أن يكون الجامع بينه وبين الأصل مناسبا للحكم، فلو لم تكن العلة مناسبة للحكم كانت خطأ.\nومعنى مناسبتها أن يظهر فيها المصلحة، أو الحكمة التي لأجلها شرع الحكم، فالعلة في تحريم الخمر هي الاسكار وهي علة مناسبة للتحريم؛ لأن الخمر يذهب العقل الذي هو مناط التكليف، وبه تستقيم الحياة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>الثالثة: وجود العلة في الفرع ثلاثة أقسام</span>.\n١ - أعلى: وهو قياس الأولى، مثاله قياس الضرب على التأفيف في الحرمة، فإن الضرب أشد حرمة وأولى بالتحريم.\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ٢٤٨) التلمساني وشرحه ٥٥٧، والبحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ١٣٦)\n(^٢) التلمساني وشرحه ٥٥٧ والبحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ١٣٦)\n(^٣) المستصفى (ص: ٣١٠) روضة الناظر وجنة المناظر (٢/ ٢١٠) مفتاح الوصول للتلمساني ٧١٣.","vol":"1","page":313},{"text":"٢ - مساو: وهو لحن الخطاب، كأن يقاس إحراق مال اليتيم على أكله في الحرمة، وقياس النبيذ على الخمر وكلًا من هذين قطعي (^١).\n٣ - أدنى: وهو القياس الظني: \"ويسمى قياس الأدون\" (^٢). كقياس التفاح على البر في أنه لا يباع إلا يدًا بيد، ونحو ذلك بجامع الطعم، وإنما سمي أدنى لاحتمال أن تكون العلة هي الطعم أو الكيل أو القوت على الخلاف المعروف في الفروع.\nوظهر بذلك أنه ليس المراد بالأدون ألا يوجد فيه المعنى بتمامه، بل أن تكون العلة في الأصل ظنية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>الرابعة: شروط الأصل</span>. (^٣)\nأ- الشرط الأول: أن يكون ثابتًا؛ لأن ما لا ثبوت له لا يبنى عليه، ويثبت بأمرين:\n-بالنص عليه كتعليل تقسيم الفيء، بقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧].\n-أو اتفاق بين الخصمين، كأن اتفقا على أن العلة في الربا هي كونه مكيلًا موزونًا.\nوقوله: \"فإن لم يكن خصم فالشرط ثبوت حكم الأصل بدليل يقول به القياس بتشديد الياء، والمقصود ذو القياس، أي: القائس. (^٤)\nب-الشرط الثاني: أن يكون أصلًا مستقلًا لا أنه أثبته بالقياس على محل آخر، مثاله: أن يقيس الذرة على الأرز المقيس على البر فلا يصح لأنه تطويل، قال السبكي: وهذا الشرط معتبر عند الجماهير من أصحابنا والحنفية، وخالف\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير للمرداوي ص ٣٢٩٩.\n(^٢) المرجع السابق ص ٣٢٩٩.\n(^٣) الإبهاج في شرح المنهاج (٣/ ١٥٦) شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٠٠) مفتاح الوصول للتلمساني ٦٦٩\n(^٤) حاشية السنوسي على شرح الحطاب للورقات ص ١٧٣.","vol":"1","page":314},{"text":"فيه بعض المعتزلة والحنابلة وأبو عبد الله البصري (^١).\nوعدم كونه شرطا هو مذهب المالكية (^٢)، ولأن هذا الشرط قد يحصل فيه خلاف لم ينص عليه المؤلف فلا يشترط غير كونه متفقا عليه بينهما، فإن اتفقا على القياس جاز بين الخصمين ذلك، ومن أمثلتها: قياس زكاة الأسهم على زكاة المستغلات، وقياس المستغلات على الأرض.\nجـ- الشرط الثالث: ألا يكون منسوخًا؛ لأن القياس على المنسوخ لا يجوز (^٣)، وقد انبنى على هذا الشرط خلاف في بعض الفروع:\nوسبب الخلاف هل المحل المقيس عليه منسوخ أم لا؟\nمثاله: حكم تبييت النية، ذهب الشافعية إلى وجوب تبييت النية في صوم الفريضة، وذهب الحنفية إلى عدم وجوب التبييت.\nقاس الحنفية ذلك على صيام عاشورا أول وجوبه، فالتبييت لم يكن واجبا وهو واجب، قال الشافعية هذا منسوخ.\nالجواب: المنسوخ هو وجوب عاشوراء، ولا يلزم من نسخ حكم الوجوب نسخ التبييت، فمسألة التبييت من عدمها لم تنسخ، فتبقى على ماهي عليه.\n_________\n(^١) الإبهاج في شرح المنهاج (٣/ ١٥٧).\n(^٢) مفتاح الوصول للتلمساني ٦٨١\n(^٣) مفتاح الوصول للتلمساني ٦٦٩ ومنها أن الظهار كان طلاقا للزوجة لا الامة لان الامة لا ينعقد فيها طلاق\nولكنه نسخ الى تحريم الاستمتاع ..\nفهل تلحق الامة في الظهار؟\nخلاف ... فمن قال لا تلحق قال نعم أن الظهار كان مخصوصا بالزوجة فنسخ ولم يعد طلاقا لكن لم ينسخ المحل وهو الزوجة\nوجوابه: أنه لما نسخ الحكم من ظهار بمعنى الطلاق الى ظهار بمعنى الاستمتاع صار أعم فدخلت الأمة فيه.\nوأما المحل فهو الزوجة ولم يطرا عليه نسخ بل زيادة محل آخر هو الأمة.","vol":"1","page":315},{"text":"ومن شرط العلة أن تطّرد في معلولاتها، ولا تنتقض لفظًا ولا معنى، فمتى انتقضت لفظًا بأن صدقت الأوصاف المعبر بها عنها في صورة بدون الحكم أو معنى بأن وجد المعنى المعلل به في صورة بدون الحكم فسد القياس.\nالأول: كأن يقال في القتل بمثقل أنه قتل عمد عدوان فيجب به القصاص، كالقتل بالمحدد، فينتقض ذلك بقتل الوالد ولده فإنه لا يجب به قصاص.\nوالثاني: كأن يقال تجب الزكاة في المواشي لدفع حاجة الفقير، فيقال ينتقض ذلك بوجوده في الجواهر ولا زكاة فيها.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>شروط العلة </span>(^١):\nالكلام في العلة فيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>الأولى: إطلاقاتها</span>.\nللعلة أسام في الاصطلاح، وهي: السبب، والأمارة، والداعي، والمستدعي، والباعث، والحامل، والمناط، والدليل، والمقتضي، والموجب، والمؤثر (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>الثانية شروطها:</span>\nتقدم أن تعريف العلة: وصف ظاهر منضبط يدور معه الحكم وجودا وعدما، وهذا التعريف جامع لشروطها وهي أن تكون مطردة، ظاهرة، غير خفية، يوجد معها الحكم وينتفي إذا انتفت.\n_________\n(^١) تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٤/ ٥٢ تيسير الوصول إلى منهاج الأصول لابن امام الكاملية (٦/ ٦٣) المعتمد (٢/ ٢٨٩) المستصفى (ص: ٣١٥) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٨٩) شرح تنقيح الفصول في علم الأصول للقرافي (٢/ ٣٦٥) .. البحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ١٦٨)\n(^٢) اشرح مختصر الروضة (٣/ ٣١٥) للطوفي نقله عن البزدوي.","vol":"1","page":316},{"text":"- الشرط الأول: أن تكون وصفًا ظاهرًا؛ لأن غير الظاهر يخفى تعلق الحكم به، مثاله: أن الله جعل الرضى مناطا للبيع، ولما كان الرضى أمرا قلبيا جعلت علاماته دليلا عليه، وهذه العلامات هي إما أقوال أو أفعال، فالأقوال: أن يقول بعت واشتريت وهو ما يسمى بالإيجاب والقبول، والأفعال هو أن يدفع الثمن والأخر يقبضه السلعة.\nوقد علق الشافعية البيع على الإيجاب والقبول، وأجاز غيرهم التعاطي، وفصل الحنفية بأن جعلوا التعاطي لما تجري به العادات فالبيوع الصغيرة بالمعاطاة وبيوع الأمور ذي الشأن لابد فيه من الألفاظ. (^١)\n- الشرط الثاني: الانضباط فلا يعلل بما لا ينضبط، فلا يقال في علة القصر في السفر علته المشقة؛ لأنها تختلف من شخص لآخر ومن سفر لآخر، فالعلة هي السفر، (^٢) ودفع المشقة هي الحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>وهل يجوز كون الحكمة هي العلة</span>؟ وهي الحاجة إلى جلب مصلحة أو دفع مفسدة؟\nأجاز جماعة كالرازي ومنع آخرون، وشرط الآمدي والهندي للجواز كونها ظاهرة منضبطة بنفسها، وعن الشافعي الجواز وأن اعتبارها هو الأصل، وإنما اعتبرت المظنة للتسهيل، ومنعها أبو حنيفة.\nولهذا اختلفوا في المزنيّ بها تعطى حكم البكر أو الثيب في اعتبار السكوت، فالحكمة هي أن البكر تستحي، والعلة هي البكارة. وعكس ذلك الثيب، فإن جعلنا الحكمة قلنا المزنيّ بها لا تستح كالبكر بل تلحق بالثيب، وإن اعتبرنا العلة وهي الثيوبة الشرعية قلنا لها حكم البكر؛ لأن ثيوبتها غير شرعية.\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٨٨).\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ١٦٨).","vol":"1","page":317},{"text":"ومن المسائل التي هي تعبد محض: عدة الصغيرة، مع أن العدة شرعت استبراء للرحم والصغيرة لا تحمل (^١).\n- الشرط الثالث: الاطّراد: وهو ما ذكره المصنف واكتفى به، والاطراد في معلولاتها هو أنها إذا وجدت وجد الحكم وعكسه، (^٢) وبعضهم يقول مطردة منعكسة وهو ما يعرف بالدوران.\nوالعكس هو أن العلة إذا انتفت انتفى الحكم، إلا إذا كان الحكم معللا بعلتين وفي هذه المسألة خلاف مثاله: أن نقض الوضوء علته خروج البول أو الغائط أو المس ونحو ذلك وهذه علل.\nوقد أجاب القرافي عن هذا بأن علل الشرع معرفات للحكم ويجوز تعدد المعرفات، (^٣) فإذا وجدت العلة ولم يوجد الحكم كان دليلا على نقضها، وهذا ما بينه المصنف.\n- الشرط الرابع: ألا يعارضها ما هو أقوى منها من العلل. (^٤)\n- الشرط الخامس: ألا يعارضها نص أو إجماع. (^٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>الثالثة: انتقاض العلة</span>.\nقوله: \"فمتى انتقضت لفظًا بأن صدقت الأوصاف المعبر بها عنها في صورة بدون الحكم\"\nيعني: وجدت العلة ولم يوجد الحكم.\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٨٨).\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ١٧١). تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٤/ ٥٢).\n(^٣) شرح تنقيح الفصول في علم الأصول (٢/ ٣٦٥).\n(^٤) البحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ١٧١).\n(^٥) المصدر نفسه (٧/ ١٧١.","vol":"1","page":318},{"text":"مثل أن يقال: العلة في الربا الوزن، ثم لا يجري الربا في الحديد وهو موزون فنقول: العلة غير صحيحة.\nومثل أن يقال: العلة من قصر الصلاة في السفر وجود المشقة، فنقول المشقة في عمال الحفريات والبناء والمناجم أشد ولا يجوز لهم قصر الصلاة.\nوقوله: \"فمتى انتقضت لفظًا أو معنى\".\nانتقاض اللفظ يتبعه انتقاض المعنى، والعكس فلا فرق. وقد استشكل الشراح هذا التقسيم لتساويهما وعدم الفرق بينهما (^١).\nوالذي يظهر- والله أعلم - أن بينهما فرقًا وذلك أن الانتقاض اللفظي للعلة خاص بنوع من العلل هو ما يعرف عندهم بعين العلة، وهي التي لا تشترك فيها معانٍ كثيرة بل لها معنى واحد معين، بخلاف العلة المعنوية وهي ما تعرف بجنس العلة، مثل: المشقة، ودفع الحرج، والولاية.\nفإن هذه العلل أجناس تشمل معانٍ متفاوتة، فالولاية مثلًا: تشمل الولاية على المال، والولاية على الصغير، والولاية على الزواج، بخلاف عين العلة مثل: (قتل عمد عدوان) فإنه لفظ واحد معين لا يعبر عنه بغيره، ولا يختلف من حيث أنه إزهاق.\nبخلاف حاجة الفقير فإن الحاجات متعددة مختلفة.\nوقد يعبر عنها برفع الحرج، أو المشقة، أو الكفاية أو الإغناء، ونحو ذلك فالمقصود هنا المعنى لا اللفظ وهناك اللفظ والمعنى. هذا ما يقتضيه كلامه والله أعلم.\nوما ذكره المصنف فيه:\n١_ أن شرط العلة هو أنه كلما وُجِدَت وُجِدَ الحكم، وهذا هو الاطراد كما سبق.\n_________\n(^١) انظر شرح ابن قاسم المطبوع بحاشية إرشاد الفحول ٢٢٠ - ٢٢١.","vol":"1","page":319},{"text":"٢_ ويتبين من كلامه أنها لو وجدت ولم يوجد الحكم فهي منتقضة، والنقض من قوادح العلة، فقد بين هنا شرطها وأحد أهم قوادحها، وقد اختلف فيه أهل الأصول على أربعة مذاهب: (^١)\n- الأول: أن هذا ينقض العلة.\n- الثاني: لا ينقضها مطلقا بل يجعل من باب تخصيص العلة، كما أن تخصيص العام لا ينقضه.\nفيقال مثلًا: خروج البول علة في نقض الحدث، فيقال قد وجدت العلة ولم يوجد الحكم في صاحب سلس البول، فإنه والمستحاضة وضوءهما صحيح مع خروج الحدث.\nوجوابه إن هذا مخصص للعلة بالنص، وتخصيص العلة جائز.\n- الثالث: إن كان النقض في العلة لمانع فهذا لا يقتضي أنها باطلة، أن من قتل شخص عمدا وعدوانا قتل به قصاصا، والعلة هي كونه عمدا وعدوانا، ولكن قد يقوم مانع هو العفو من الأولياء، وليس فيه هذا إبطال للعلة، وكذلك قد يقال هذا في قتل الوالد لولده؛ لأن مانع الوالدية يمنع تأثير العلة.\n- الرابع: إن الوصف إذا ثبت كونه علة بالنص فلا ينقضها معترض في صورة من الصور، أما إذا كانت العلة غير منصوصة فيجوز نقضها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>الرابعة: تمثيل المصنف القتل بالمثقل وبيانه، والجواب على النقض بجوابين:</span>\nالقتل بالمثقل العلة فيه موجودة، وهو إزهاق نفس عمدا وعدوانا، فيجب فيه القصاص فيقول المانع وهو الحنفي: قد وجد هذا الوصف وهو القتل عمدا وعدوانا ولم يوجد الحكم وذلك في مسألة قتل الوالد لولده.\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول في علم الأصول للقرافي، رسالة ماجستير (٢/ ٣٤٩).","vol":"1","page":320},{"text":"والجواب على النقض يكون بأحد أمرين:\n١_ أن يقال بعدم وجود العلة في صورة النقض.\nففي قتل الوالد لولده لا يمكن عادة أن يقتله عمدا وعدوانا لما في قلبه من الرحمة والحنو، فالعلة ليست تامة حتى يتم النقض.\n٢_ أو يقال بالفرق أو وجود المانع، فالمانع مثلًا هنا: قيام الوالدية وهي شبهة، والحد يدرأ بالشبهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>مسألة: قوادح العلة راجعة إلى خمسة قوادح </span>(^١)\n١_ النقض وقد ذكرناه وجوابه.\n٢_ والعكس هو أن يوجد الحكم بدون العلة، وجوابه بإثبات علة أخرى على القول بتعدد العلل وهو الصحيح، فإذا وجد نقض الوضوء بدون أن يخرج البول فلابد من علة أخرى كالنوم مثلا.\nعدم التأثير: وهو من الأول أو قريب منه، كمن قال إن العلة في الخمر هي لونه، فهذه العلة يوجد الحكم معها وقد تنتفي ولا ينتفي الحكم، فتبين أن وجودها مع الحكم إنما هو بالمصاحبة فقط لا بالتعليل.\n٣_ ادعاء الفارق، فمثلا: من قال لا تجوز الهبة مع الغرر لأنها عقد ينقل به الملك كالبيع، فالجواب إبداء الفارق بأن البيع عقد مكايسة بخلاف الهبة فهي إحسان.\n٤_ القول بالموجب بفتح الجيم، ومعناه: التسليم للحكم لكن عدم التسليم بالعلة، كمن يقول في الخيل الزكاة، بدليل ولم ينس حق الله في رقابها والحق الزكاة؛ لأنها سائمة قياسا على الإبل، فيقال نسلم الزكاة في الخيل\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول في علم الأصول للقرافي، رسالة ماجستير (٢/ ٣٤٩).","vol":"1","page":321},{"text":"ولكن العلة التجارة.\nأو التسليم بالدليل لكنه لا يتناول محل النزاع، كالاستدلال بأن المحرم لو مات في إحرامه أنه لا يمس طيبا ولا يخمر رأسه بحديث الصحيحين: في رجل وقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال ﷺ: (ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعثيوم القيامة ملبيًا) (^١)، فيقول المعارض أنا أسلم بالدليل وبما يقتضيه الدليل، لكن لا أسلم أنه في كل محرم بل في هذا المحرم فقط.\n٥_ ومن القوادح القلب، وهو أن تثبت بنفس علته عكسها، كقولهم الاعتكاف هو مكث في مكان مخصوص فيشترط له الصوم، فيقال: الاعتكاف مكث في محل مخصوص فلا يشترط له الصوم كعرفة.\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري، برقم (١٢٦٥) واللفظ له، ومسلم برقم (١٢٠٦).","vol":"1","page":322},{"text":"ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات، أي: تابعًا لها في ذلك إن وجدت وجد وإن انتفت انتفى.\nوالعلة هي الجالبة للحكم بمناسبتها له، والحكم هو المجلوب للعلة لما ذكر.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>شروط الحكم </span>(^١):\n١_سبق أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهذا ما ذكره المؤلف هنا، فإن تخلف الحكم عن العلة كانت علة منقوضة، وإن وجد بدونها فهي علة غير مؤثرة.\n٢_ومن شروطه أن يكون حكم الفرع مساويًا لحكم الأصل: نحو قياس بيع الغائب على زواج الغائب بجامع أنه عقد لغائب فيصح فهذا مساوٍ لهذا في الحكم.\n٣_أن يكون الحكم شرعيًا، فإن كان عقليًا أو من المسائل الأصولية العقائدية لم يثبت القياس؛ لأنها قطعية لا تثبت بالظنيات، إلا إذا كانت الظنيات أخبارا فعلى خلاف مشهور، وكذلك إن كان لغويًا ففي إثبات القياس فيه اختلاف.\n٤_ من شروط الحكم ألا يكون خاصا بمحله، كخصائص النبي ﷺ.\n٥_ ولا يكون معدولًا به عن سنن القياس، كشهادة خزيمة، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود، والكفارات.\n_________\n(^١) بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (٣/ ١٧) الأنجم الزاهرات على حل ألفاظ الورقات (ص: ٢٣٦) روضة الناظر، ٢/ ٣١٠/ ٣١٢ قواطع الأدلة في الأصول (٢/ ١٤٣) إجابة السائل شرح بغية الآمل (ص: ١٧٨).","vol":"1","page":323},{"text":"قال ابن الأمير في منظومته الأصولية:\nهَذَا وأركان الْقيَاس أَرْبَعه ... أصل وَفرع حكمه والجامعه\nفَشرط حكم مَا يعد أصلا ... أَن لَا يكون النّسخ فِيهِ حلا\nوَلَا يكون خَارِجا عَن السّنَن ... كشفعة الْجَار على مَا فِي السّنَن\nوَلَا يكون الحكم بِالْقِيَاسِ ... قَالَ بِهَذَا جلة الأكياس\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>قوله: والعلة هي الجالبة للحكم بمناسبتها له</span>.\nفيه مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>المسألة الأولى: أن العلة هي الجالبة للحكم بمعنى المقتضية للحكم</span>، أو يقال هي المثيرة للحكم وهذه التعبيرات متقاربة، وإنما هي جالبة للحكم بنصب الشرع لها إما نصا أو دلالة. فالنص: بأن ينص عليها صراحة أو بترتيب حكم عليها وقد تقدم.\nأو دلالة: وهو ما يرجع إلى نظر المجتهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>المسألة الثاني: قوله \"بمناسبتها له</span>\" تنبيه هام من المصنف أن العلة يتعلق الحكم بها بناء على وصف مناسب، وهذه المناسبة هي الحكمة الكامنة في العلة وهي روحها التي لأجلها وضعت العلل فالعلل خادمة للحكم، فإن لم يكن مناسبة فإما أن الناظر لم يدركها أو أن تعليله خطأ، وقد تقدم الكلام قبل قليل على الحكمة.\nقوله \"والحكم هو المجلوب للعلة لما ذكر\" أي: لما ذكر من أن العلة مناسبة في اقتضاء الحكم وجلبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>وفي العلة ما هي خمسة أقوال:</span>","vol":"1","page":324},{"text":"واعلم أن قول المصنف هي الجالبة هو اختيار جماعة منهم الماوردي، وابن أبي هريرة، وابن السمعاني، والآمدي، وابن الحاجب وغيرهم، وذلك أنها الوصف الباعث على التشريع لمصلحة ومناسبة.\nالثاني: أنها موجبة للحكم، وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أقوال:\n_ أنها موجبة للحكم بإيجاب الله لها.\n_ أنها موجبة بذاتها، وهو قول المعتزلة.\n_ أنها موجبة للحكم عادة، وهو قول الرازي.\nفهذه أربعة أقوال.\nوالخامس: أنها المعرف للحكم، وهذا موافق لقول الأشعري المنسوب له عدم التعليل بمعنى الجلب والإثارة والتأثير. (^١)\n_________\n(^١) راجع البحر المحيط في أصول الفقه (٧/ ١٤٤) فقد سرد الأقوال وناقشها وكذلك ابن السمعاني في القواطع تقدم.","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>الحظر والإباحة</span>","vol":"1","page":327},{"text":"وأما الحظر والإباحة، فمن الناس من يقول إن الأشياء بعد البعثة على الحظر، أي على صفة هي الحظر إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر.\nومن الناس من يقول بضده، وهو أن الأصل في الأشياء بعد البعثة أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع.\nوالصحيح التفصيل، وهو أن المضار على التحريم، والمنافع على الحل.\nأما قبل البعثة فلا حكم يتعلق بأحد؛ لانتفاء الرسول الموصل إليه.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\nالحظر والإباحة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>المسألة الأولى: بيان أن الأصل الإباحة، وأن الحرام محصور مفصل في الشرع</span>.\nاعلم أن هناك اضطرابا في تحرير هذه المسألة، وبعضهم خلط بينها وبين الأخرى المقيدة بما قبل البعثة، أما بعد البعثة فإن الله فصّل الحرام تفصيلًا، وأحل ما سواه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فما حرمه من الأشياء فصّله سبحانه وما لم يحرمه فهو من المباح.\n١_ ففي الأبضاع بين المحرمات، ثم قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤].\nفأباح ما سوى المحرمات المنصوصات، والإباحة عن طريق الزواج الشرعي لا الزنا، وحرم نكاح المشركات سوى الكتابيات بنصوص واضحة صريحة.","vol":"1","page":329},{"text":"٢_ وفي المطعومات، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nفما كان سوى هذه فهو حلّ سوى ما نصت عليه السنن، كتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.\n٣_ وفي عموم الشرع، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ففصّلها تفصيلًا إلى آخر الآيات.\n٤_ وفي اللباس والزينة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢ - ٣٣]\n٥_ وفي المخلوقات على الأرض، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].\n٦_ وفي المعاملات، قال تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\n٧_ وفي عموم ما لم ينزل فيه تحريم، قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١].\n٨_ وفي ضبط ما ليس فيه نص على التحريم، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n٩_ وفي المشروبات حرم المسكر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].","vol":"1","page":330},{"text":"فتحصّل من تتبع النصوص أن ما لم ينصّ على التحريم فهو مباح.\nومن الأدلة قوله ﷺ: (الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهة). (^١)\nفالحرام بيّن واضح وما سواه حلال واضح، والحرام محصور بالنصّ والحلال غيره وهو غير محصور، وهو الذي الأصل فيه الإباحة.\nأما المشتبهات فهي محل نظر، وهي ما يمكن أن تتجاذبها أصول التحريم وأصول الحل، والتجاذب واضح، وإنما شرطنا وضوح التجاذب؛ لأن ما لا وضوح في تجاذبه مشمول بأدلة الإباحة لأن الحرام مفصل بالنص، والحلال ما سواه. ولهذا فالأصل في الأشياء الإباحة هذا ما لا مناص عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>المسألة الثانية: تحرير ما نُسِب إلى أبي حنيفة من أن الأصل التحريم، وبيان الخطأ في النقل</span>.\nالأصل في الأشياء الإباحة ذهب إليه الشافعي، وجمهور الحنفية، والجمهور من غيرهم.\nوأما من ذهب إلى أن الأصل التحريم ونسبه إلى أبي حنيفة فقد أخطأ، فكتب مذهبه تنصّ على أن من نسبه إليه هم الشافعية.\nقال ابن نجيم في الأشباه: \"الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على عدم الإباحة، وهو مذهب الشافعي - ﵀ -، أو التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة ونسبه الشافعية إلى أبي حنيفة - ﵀-\". (^٢)\nوعلق عليه الحموي بقوله: \"قوله: الأصل في الأشياء الإباحة إلخ ذكر العلامة قاسم بن قطلوبغا في بعض تعاليقه أن المختار أن الأصل الإباحة عند جمهور أصحابنا\". (^٣)\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري، برقم (٥٢) ومسلم برقم: (١٥٩٩)\n(^٢) غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (١/ ٢٢٣).\n(^٣) المصدر نفسه (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":331},{"text":"ثم نقل صاحب الأشباه القول بالتوقف والقول بالإباحة عن البعض، ونقل عن الهداية إن الأباحة أصل، وهكذا تجد اضطرابا في تحرير المذهب عند الحنفية فمن أطلق القول عن أبي حنيفة فلم يصب.\nومن ثم نقل صاحب التحرير من الحنفية الإجماع عن البزدوي الحنفي؛ على أن الأصل في الأموال الإباحة ما لم يظهر دليل الحرمة، ومعلوم أن الأموال ما عدا الإنسان مما يمكن تموله، وهذا يعني كل مطعوم وملبوس ومشروب ومركوب ومسكون وهلم جرا ... وهذا نص كلامه.\nهذا ونقل البيضاوي أن من يقول الأصل في الأشياء الإباحة يعني في المنافع، وأما في المضار فالأصل فيها التحريم، وقال الأسنوي: \"هذا بعد ورود الشرع بمقتضى أدلته، وأما قبله فالمختار الوقف، وفي أصول البزدوي بعد ورود الشرع الأموال على الإباحة بالإجماع ما لم يظهر دليل الحرمة؛ لأن الله تعالى أباحها بقوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] \". (^١)\nالمسألة الثالثة: فروع تتعلق بقاعدة الأصل في الأشياء الإباحة.\nقال الزركشي: وعلى هذه القاعدة يتخرّج كثير من المسائل المشكل حالها، وبه يظهر وهم من خرجها على أن الأصل في الأشياء الحل أو الإباحة.\nومنها الحيوان المشكل أمره وفيه وجهان أصحهما الحل، وذكر الرافعي في كتاب الأطعمة أن في موضع الإشكال يميل الشافعي -﵀- إلى الإباحة، ويميل أبو حنيفة -﵀- إلى التحريم.\nومنها النبات المجهول تسميته، قال المتولي يحرم أكله، وخالفه النووي وهو الأقرب\n_________\n(^١) تيسير التحرير (٢/ ١٧٢).","vol":"1","page":332},{"text":"الموافق للمحكي عن الشافعي - ﵀ - في التي قبلها، والذي قاله المتولي يشبه المحكي فيها عن أبي حنيفة - ﵀ -.\nومنها إذا لم يعرف حال (النهر) هل هو مباح أو مملوك، هل يجري عليه حكم الإباحة أو الملك، حكى الماوردي فيه وجهين (مبنيين) على أن الأصل الحظر أو الإباحة. (^١)\nقوله: الصحيح التفصيل وهو أن المضار. ا. هـ. هذا هو الصحيح في جمع الجوامع (^٢).\n_________\n(^١) المنثور في القواعد الفقهية (٢/ ٧٢)\n(^٢) الآيات البينات ٤/ ١٩٣.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>الاستصحاب</span>","vol":"1","page":335},{"text":"ومعنى استصحاب الحال الذي يحتج به كما سيأتي: أن يستصحب الأصل، أي العدم الأصلي عند عدم الدليل الشرعي، بأن لم يجده المجتهد بعد البحث عنه بقدر الطاقة،\nكأن لم يجد دليلًا على وجوب صوم رجب، فيقول: لا يجب باستصحاب الحال، أي العدم الأصلي وهو حجة جزمًا.\nأما الاستصحاب المشهور: الذي هو ثبوت أمر في الزمن الثاني لثبوته في الأول فحجة عندنا دون الحنفية، فلا زكاة عندنا في عشرين دينارًا ناقصة تروج رواج الكاملة بالاستصحاب.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\nالاستصحاب وبيان أنواعه، وما يُحتجّ بها بإجماع واختلاف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>المسألة الأولى: بيان أنواعه</span>.\n١_ استصحاب العدم الأصلي: كنفي وجوب صلاة سادسة، ونفي وجوب صيام شوال، فالعقل يدل على العدم؛ لأن الشرع لم ينص عليه، قال الزركشي: وأصحابنا مطبقون على أنه حجة وفيه خلاف لغيرهم. وهذا هو الذي عناه المؤلف بقوله: \"ومعنى استصحاب الحال الذي يحتج به كما سيأتي\".\nأن يستصحب الأصل: أي العدم الأصلي عند عدم الدليل الشرعي، بأن لم يجده المجتهد بعد البحث عنه بقدر الطاقة.\nوقوله: \"الذي يحتج به\"، أي: جميع العلماء كما سيأتي.\n٢_ استصحاب ما يدل عليه العموم أو النص إلى أن يرد المخصص أو الناسخ، قال الزركشي: ولم يختلف أصحابنا في أنه حجة، ومنع ابن السمعاني من تسميته","vol":"1","page":337},{"text":"بالاستصحاب، قال: لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ لا الاستصحاب.\n٣_ استصحاب الحكم الثابت: فالأصل بقاء الملك والأصل بقاء الزوجية، فالشرع دل على ثبوت الملك حتى يثبت بالحجة ما يزيله، ودل على ثبوت الزوجية حتى يثبت الطلاق.\nوهو الذي عرفه العلماء بأنه ثبوت أمر في الثاني لثبوته في الأول؛ لفقدان ما يصلح للتغيير (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>المسألة الثانية: الاحتجاج به</span>.\nقال الزركشي: ولا نعرف في الثلاثة خلافًا عندنا، ونقل ابن إمام الكاملية أن الأوّلين حجة جزما، والثالث حجة كذلك؛ لأنه عمل بدلالة النصوص (^٢).\nونقل القاضي أبو يعلى الإجماع، فقال: استصحاب براءة الذمة من الوجوب حتى يدل دليل شرعي عليه. وهذا صحيح بالإجماع من أهل العلم. (^٣)\nأما ما نُقل عن الحنفية من الخلاف في النوع الثالث: فالمنقول عنهم أنه حجة للدفع لا للرفع. والمالكية يوافقون الشافعية في القول بالاستصحاب (^٤).\nقلت: ولا ينبغي أن يكون خلاف في النوع الثاني كذلك؛ لأن دلالته من لفظه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>المسألة الثالثة: استصحاب الإجماع وبيان الخلاف فيه</span>.\n٤_ استصحاب الإجماع السابق هو النوع الرابع من الاستصحاب، وهذا النوع لا يكاد يسلم؛ لأن المخالف يعارضه باستصحاب آخر، ولذلك قال الشافعية\n_________\n(^١) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٣/ ٤٢٦) تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٤/ ٢٢٥).\n(^٢) تيسير الوصول إلى منهاج الأصول (٦/ ١٠٥).\n(^٣) العدة في أصول الفقه (٤/ ١٢٦٢).\n(^٤) تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٤/ ٢٢٥) ومفتاح ابن التلمساني ٦٦٣.","vol":"1","page":338},{"text":"فيمن رأى الماء في الصلاة وهو متيمم يستصحب الصحة؛ لأنه دخل صلاته بإجماع.\nوقوبل أن ذمّته مشغولة بالفرض بالإجماع ولا تخرج منه إلا بالإجماع؛ لهذا فأكثر الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على عدم الاحتجاج به، واحتج به الآمدي، وابن سريج، والمزني، والصيرفي. (^١)\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ١٢٧) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٣/ ٤٢٥). البرهان في أصول الفقه (٢/ ١٧١) المستصفى (ص: ١٥٩). المحصول لابن العربي (ص: ١٣٠) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٣/ ٣٨٨) تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٤/ ٢٢٥) ومفتاح ابن التلمساني ٦٦٣.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>ترتيب الأدلة والترجيح بينها</span>","vol":"1","page":341},{"text":"- وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي، وذلك كالظاهر والمؤول فيقدم اللفظ في معناه الحقيقي على معناه المجازي.\n- والموجب للعلم على الموجب للظن، وذلك كالمتواتر والآحاد، فيقدم الأول إلا أن يكون عامًا فيخص بالثاني، كما تقدم من تخصيص الكتاب بالسنة.\n- والنطق من كتاب أو سنة على القياس إلا أن يكون النطق عامًا، فيخص بالقياس كما تقدم.\n- والقياس الجلي على الخفي، وذلك كقياس العلة على قياس الشبه.\n_ فإن وجد في النطق من كتاب أو سنة ما يغير الأصل، أي: العدم الأصلي الذي يعبر عن استصحابه باستصحاب الحال، فواضح أنه يعمل بالنطق. وإلا، أي: وإن لم يوجد ذلك، فيستصحب الحال، أي: العدم الأصلي أي يعمل به.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>ترتيب الأدلة مبحث هام يذكره الأصوليون لضبط مراتب الأدلة</span>؛ حتى لا يستدل العالم بدليل مع وجود الأقوى منه في الترتيب والتقديم، والأدلة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. (^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>المسألة الأولى: بيان قاعدة هامة وأصل كلي في الباب، ذكره المصنف وشرحه، وبيان دخوله في كل أبواب الأصول</span>.\n_________\n(^١) المستصفى (ص: ٣٧٤) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٧٣) المحصول لابن العربي (ص: ١٣٤) نهاية الوصول في دراية الأصول (٨/ ٣٦٥١) التحبير شرح التحرير (٨/ ٤١١٧) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (ص: ٣٠٤).","vol":"1","page":343},{"text":"قوله: \"وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي\"، هذه قاعدة كلية جامعة مانعة تدخل في كل باب، إذ لابد للمجتهد من معرفة الجلي من الخفي في كل الأدلة.\nوالأدلة هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وهذه القاعدة تدخل في جميعها، ففي القرآن الكريم يقدم الدليل الجلي على الخفي.\nوالجلي: شامل للنص والظاهر، والنص مقدم على الظاهر.\nوالخفي: كالمؤول بأنواع التأويل، من صرف عن الحقيقة إلى المجاز أو دعوى الإضمار أو التركيب أو دعوى التأكيد أو التقديم والتأخير أو دعوى الخصوص أو التقييد.\nوقد قدمنا لك في بابها جميعها مع أمثلتها.\nوجميع ما تقدم من الأبواب: في الأحكام السبعة، واللغات، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والنص، وأفعال النبي ﷺ وتقريراته وأقواله، والإجماع والقياس، والاستصحاب، والحظر والإباحة، كلها فيها جلي وخفي، فيقدم الجلي الواضح الدلالة على ما خفيت دلالته.\nففي الأحكام الخمسة: قدم الحظر على البقية؛ لأنه دفع مفسدة، وهي مقدمة على جلب مصلحة في الجملة، وقدم الندب على الإباحة؛ لأنه ناقل. وقدم الواجب على الندب. وقدمت الكراهة على الندب.\nوفي اللغات: يقدم ما له معنى واحد على ما احتمل معان بالاشتراك، وتقدم الحقيقة على المجاز، ويقدم المقتضى على الإيماء والتنبيه، ويقدم الإيماء والتنبيه على المفهوم، ويقدم المنطوق على المفهوم. وهكذا ..\nويقدم مثبت من الأخبار على النافي إلا في الحدود فيقدم الدرء على الاثبات.","vol":"1","page":344},{"text":"وفي الأمر والنهي: يقدم النهي على الأمر؛ لأنه صريح مفيد للتكرار والدوام، ولأنه دفع مفسدة.\nوفي العام: يقدم بعض الألفاظ على بعض، فيقدم العام بأدوات الشرط: كمن، وما، وأي، على العام بنفي الجنس؛ لأن الشرطي نص على التعليل. ويقدم العام على الخاص إلا عند التعارض فيقدم الخاص.\nأما الإجماع: فبعض الأصوليين قدمه على الكتاب والسنة وهذا غلط، وقد حمله صاحب المذكرة على الإجماع القطعي المستند لنص، (^١) وهذا مخالف لما صرّحوا به من أن الإجماع مقدم على الكتاب والسنة سواء القطعي القولي أو الآحادي القولي أو السكوتي المتواتر أو الآحادي.\nجاء في مختصر التحرير: وهو أنواع، أحدها: الإجماع النطقي المتواتر وهو أعلاها، ثم يليه الإجماع النطقي الثابت بالآحاد، ثم يليه الإجماع السكوتي المتواتر، ثم يليه الإجماع السكوتي الثابت بالآحاد، فهذه الأنواع الأربعة كلها مقدمة على باقي الأدلة. (^٢)\nوهكذا يقدم الإجماع القولي القاطع على غيره من السكوتي.\nوأما في القياس: فيقدم الجلي على الخفي في جميع القياسات، وقد تقدم بيان الجلي والخفي في محله من القياس.\nوأما في الاستصحاب: فيقدم الجلي وهو المجمع عليه، وهو النوع الأول من الاستصحاب وقد قدمناه في بابه.\nقوله: \"وذلك كالظاهر والمؤول، فيقدم اللفظ في معناه الحقيقي على معناه المجازي\".\n_________\n(^١) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (ص: ٣٠٤).\n(^٢) شرح الكوكب المنير (٤/ ٦٠١)","vol":"1","page":345},{"text":"الإشارة في قوله \"ذلك\" راجعة إلى الجلي على الخفي، أي: وذلك التقديم مثاله كالظاهر والمؤول، وتقديم الحقيقة على المجاز، وقد ضرب مثالين متعلقان بالألفاظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>المسألة الثانية: خمس قواعد مستخلصة من كلام المصنف في ترتيب الأدلة</span>.\nالقاعدة الأولى: يبدأ النظر في الكتاب والسنة.\nوأغفل المصنف تقديم الإجماع على الكتاب والسنة كما فعل جمع من الأصوليين؛ لأنه مسلك ضعيف، إذ كيف يقدم الإجماع على نص الكتاب والسنة.\n\nالقاعدة الثانية: يقدم الموجب للعلم على الموجب للظن.\nفعلى المجتهد البدء بالتواتر إن وجد، وإلا فالآحاد.\nإلا في حالة أن يكون المتواتر عاما والآحاد خاصا فيخص به كما تقدم في تخصيص المتواتر بالآحاد.\nالقاعدة الثالثة: ويقدم النطق من الكتاب والسنة على الدليل الرابع في الرتبة وهو القياس.\nفلا يلجأ إلى القياس مع الكتاب والسنن، أما إذا حصل تعارض بين القياس والمنقول من كتاب وسنة، فالقياس يرد ويسمى فاسد الإعتبار.\nالقاعدة الرابعة: يقدم القياس الجلي على الخفي.\nالقاعدة الخامسة: يقدم النطق من كتاب أو سنة على الاستصحاب.\nوما تقدم في هذا الباب هو خاص بترتيب الأدلة، أما حالها عند التعارض فهو مبحث آخر تقدم في باب مستقل وقد تقدم في بابه.\nوقد قسم الأصوليون ذلك إلى: ما كان التعارض بين منقولين أو معقولين أو منقول ومعقول.","vol":"1","page":346},{"text":"أما المنقولين: فالترجيح بينهما يكون بالسند، والمتن، والخارج.\nوأما المعقولين وهو القياس: فالترجيح راجع إلى الأصل، والفرع، والخارج.\nوأما بين منقول ومعقول: أي بين الكتاب والسنة والقياس، فالمقدّم هو النطق من كتاب أوسنة. إلا أن يكون النطق عاما كما قال المصنف.\nقوله القياس الجلي على الخفي.\nالقياس الجلي: منه ما قطع فيه بإلغاء الفارق، أو كان احتمال الفارق ضعيفًا، وتقدمت أنواعه.\nوالقياس الخفي: منه ما كان احتمال تأثير الفارق فيه قويًا، ومنه تفريق أبي حنيفة بين القتل بالمثقل والمحدد، فأوجب القصاص في الثاني دون الأول.\nوالفرق أن المثقل أصل وضعه للتأديب، لا للقتل وهذه شبهة تدرأ الحد.\nورد هذا بأن احتمال قوة الفرق لا يمنع إلغاءه لاعتبار آخر كما هنا، فإن إزهاق المهجة هو المعتبر مع ما يقتل غالبًا.\nقوله: \"فإن وجد في النطق من كتاب وسنة\" أي: وما هو راجع إليهما: كالإجماع والقياس والمفهوم، فإن هذه إذا وجدت لم يلجأ إلى الاستصحاب.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>شروط المفتي والمستفتي</span>","vol":"1","page":349},{"text":"ومن شرط المفتي وهو المجتهد أن يكون عالمًا بالفقه أصلًا وفرعًا، خلافًا ومذهبًا، أي بمسائل الفقه، وقواعده وفروعه، وبما فيها من الخلاف، ليذهب إلى قول منه ولا يخالفه، بأن يحدث قولًا آخر، لاستلزام اتفاق من قبله بعدم ذهابهم إليه على نفيه.\nوأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد عارفًا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة ومعرفة الرجال الراوين للأخبار؛ ليأخذ برواية المقبول منهم دون المجروح.\nوتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها ليوافق ذلك في اجتهاده ولا يخالفه، وما ذكره من قوله عارفًا إلى آخره من جملة آلة الاجتهاد.\nومنها معرفته بقواعد الأصول وغير ذلك.\nومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد، فيقلد المفتي في الفتيا.\nفإن لم يكن الشخص من أهل التقليد بأن كان من أهل الاجتهاد، فليس له أن يستفتي كما قال، وليس للعالم أي: المجتهد أن يقلد لتمكنه من الاجتهاد.\nوالتقليد: قبول قول القائل بلا حجة يذكرها، فعلى هذا قبول قول النبي - ﷺ - فيما يذكره من الأحكام يسمى تقليدًا.\nومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله، أي لا تعلم مأخذه في ذلك.\nفإن قلنا إن النبي - ﷺ - كان يقول بالقياس، ...\nبأن يجتهد فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليدًا، لاحتمال أن يكون عن اجتهاد.","vol":"1","page":351},{"text":"وإن قلنا إنه لا يجتهد وإنما يقول عن وحي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فلا يسمى قبول قوله تقليدًا، لاستناده إلى الوحي.\n<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>قوله: ومن شرط المفتي وهو المجتهد</span>.\nأتى بمن التبعيضية؛ لأنه لم يتقص شروط المفتي، (^١)\nوإنما ذكر هنا شرطًا وحدًا وهو\n_________\n(^١) روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٩٥) وللنووي هنا كلام نفيس أنقله بكاملة لأهميته قال:\n\nوإنما يحصل أهلية الاجتهاد لمن علم أمورا أحدها كتاب الله تعالى، ولا يشترط العلم بجميعه، بل مما يتعلق بالأحكام، ولا يشترط حفظه عن ظهر القلب، ومن الأصحاب من ينازع ظاهر كلامه فيه. الثاني: سنة رسول الله - ﷺ - لا جميعها، بل ما يتعلق منها بالأحكام، ويشترط أن يعرف منها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، وحال الرواة جرحا وتعديلا. الثالث: أقاويل علماء الصحابة ومن بعدهم - ﵁ - إجماعا واختلافا. الرابع: القياس فيعرف جليه وخفيه، وتمييز الصحيح من الفاسد. الخامس: لسان العرب لغة وإعرابا؛ لأن الشرع ورد بالعربية وبهذه الجهة يعرف عموم اللفظ وخصوصه وإطلاقه وتقييده، وإجماله وبيانه. قال أصحابنا: ولا يشترط التبحر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة جمل منها، وزاد الغزالي تخفيفات ذكرها في أصول الفقه منها: أنه لا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية فيه بجميع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود، ويكفي أن يعرف مواقع كل باب، فيراجعه إذا احتاج إلى العمل بذلك الباب.\nقلت: لا يصح التمثيل بسنن أبي داود فإنه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمه، وذلك ظاهر، بل معرفته ضرورية لمن له أدنى اطلاع. وكم في صحيح البخاري ومسلم من حديث حكمي ليس في سنن أبي داود. وأما ما في كتابي الترمذي والنسائي وغيرهما من الكتب المعتمدة فكثرته وشهرته غنية عن التصريح بها. - والله أعلم -.\nومنها: أنه لا يشترط ضبط جميع مواضع الإجماع والاختلاف بل يكفي أن يعرف في المسألة التي يفتي فيها أن قوله لا يخالف الإجماع، بأن يعلم أنه وافق بعض المتقدمين، أو يغلب على ظنه أن المسألة لم يتكلم فيها الأولون بل تولدت في عصره، وعلى قياس معرفة الناسخ والمنسوخ. ومنها: أن كل حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته فلا حاجة إلى البحث عن عدالة رواته، وما عدا ذلك ينبغي أن يكتفي في عدالة رواته بتعديل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل.\nقلت: هذه المسألة مما أطبق جمهور الأصحاب عليه، وشذ من شرط في التعديل اثنين، وقوله: تواترت عدالة رواته يعني مع ضبطهم. ولو قال: أهلية رواته كان أولى ليشمل العدالة والضبط. وقوله: أجمع السلف على قبوله يعني على العمل به، ولا يكفي عملهم على وفقه، فقد يعملون على وفقه بغيره. - والله أعلم -.","vol":"1","page":352},{"text":"الاجتهاد، ثم بين أن هذا الشرط يشتمل على: العلم بالفقه، ولابد أن يكون علمه بالفقه أصلا وفرعا، خلافا ومذهبا.\nوأصلا هنا تشمل الأول: علمه بأصول الفقه وقواعده، وعلمه بأصول المسائل الفقهية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وعلمه بمسائل الفقه الكبرى في كل باب؛ لأنها أصول الأبواب.\nوأما قوله: \"وفرعا\"، فمعناه علمه بفروع المسائل.\nوأما قوله: \"وخلافا\"، فمعناه اطّلاعه على الخلاف الفقهي ومحله، وبالضرورة على الاجماع؛ لأن من اطلع على محلات الخلاف علم مواطن الإجماع.\nومعنى قوله: \"مذهبا\"، علمه بفقه المذهب.\nوإنما شرط فيه ذلك؛ لأن معرفته بالخلاف تطلعه على أدلة كل فريق، ومناهجهم في الاستدلال وتقرير المسائل، وهذا يفيده في تحرير المسألة ومحل النزاع فيها، ومعرفة الحق فيها.\nويستفيد معرفة مواطن الإجماع فيعمل به ولا يخرقه إن كان صحيحا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>هل يجوز الخروج عن الخلاف السابق المستقر وإحداث قول آخر</span>.\nقوله: \"ليذهب إلى قول منه ولا يخالفه، بأن يحدث قولًا آخر؛ لاستلزام اتفاق من قبله بعدم ذهابهم إليه على نفيه\".\nالمسألة من حيث هي أعني هل يجوز إحداث قول ثالث بعد القولين أو قول آخر بعد انحصار الخلاف في أقوال، وبتتبع كلام أهل الأصول فيها تبين أن هذه المسألة فيها","vol":"1","page":353},{"text":"ثلاثة مذاهب: (^١)\nالأول: المنع مطلقا؛ لأنه خرق للإجماع على عدم قول آخر.\nوهذا ما ذهب إليه الجمهور: منهم عامة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.\nقال في البحر: وهذا وهو قول الجمهور، وقال إلكيا: إنه الصحيح وبه الفتوى، وقال ابن برهان: إنه مذهبنا، وجزم به القفال الشاشي في كتابه، والقاضي أبو الطيب، وكذا الروياني، والصيرفي، ... وهو مذهب عامة الفقهاء، ونص عليه الشافعي.\nالقول الثاني: الجواز مطلقا، وهو قول لبعض الحنفية، كذا نقلوا عن الحنفية لكن بالرجوع إلى مصادر الحنفية تبين أنهم متفقون على المنع من إحداث قول ثالث بعد اختلاف الصحابة، أما غير الصحابة فذهب البعض إلى المنع، والآخرون إلى الجواز، والجواز منقول كذلك عن داود، وأنكر ذلك النقل ابن حزم.\nالقول الثالث: التفصيل، وهو إحداث قول فيه اشتراك مع القولين، قال في البحر المحيط: \"وهو الحق عند المتأخرين أن الثالث إن لزم منه رفع ما أجمعوا عليه لم يجز إحداثه، وإلا جاز، وكلام الشافعي في الرسالة.\nقلت: ودليل الجواز فعل التابعين مع الصحابة، ومثال هذه المسألة مسألة الحرام، وهي: إذا قال لزوجته أنت عليّ حرام، فإن الصحابة اختلفوا في هذه المسألة على خمسة أقاويل، وأحدث مسروق قولًا سادسًا، وقال لا أبالي أحرم امرأتي أم قصعة من ثريد. يعني أنه ليس بشيء.\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة في الأصول (١/ ٤٨٨) البحر المحيط في أصول الفقه (٦/ ٥١٨) التحبير شرح التحرير (٤/ ١٦٤٢) تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٢/ ٢٧٣) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٣/ ١٣٧) الفائق في أصول الفقه (٢/ ١٢٢) تيسير الوصول إلى منهاج الأصول لابن إمام الكاملية (٥/ ٩١) المعتمد (٢/ ٤٤) العدة في أصول الفقه (٤/ ١١١٣) التبصرة في أصول الفقه للشيرازي (ص: ٣٨٧) التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٩٠) المستصفى (ص: ١٥٤) المحصول لابن العربي (ص: ١٢٣) المحصول للرازي (٤/ ١٢٨) روضة الناظر وجنة المناظر (١/ ٤٣١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٦٨) المسودة في أصول الفقه (ص: ٣٢٦) شرح مختصر الروضة (٣/ ٨٩) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٣/ ٢٣٥) نشر البنود على مراقي السعود (٢/ ٩٢).","vol":"1","page":354},{"text":"وكذلك أحدث ابن سيرين قولًا ثالثًا في مسألة زوجة وأبوين، وزوج وأبوين، فذهب ابن عباس إلى أن لها ثلث الجميع في المسألتين، وذهب الصحابة إلى أن لها ثلث الباقي في المسألتين، وفصل ابن سيرين، فقال: بثلث المال للأم في مسألة زوجة وأبوين، وقال: بثلث الباقي للأم في مسألة زوج وأبوين، ولم ينكر عليه أحد.\nوكذلك قال الصحابة: أن الجد مع الأخوة إما يسقطهم أو يقاسمهم، وجاء ابن حزم فقال: الجد ساقط بالأخوة.\nوقال أحمد في مسألة قراءة الجنب للقرآن: بأن له أن يقرأ بعض الآية، مع أن الصحابة قالوا بقولين فقط هو المنع مطلقا، والجواز مطلقا، وهكذا فعل مالك، ومنهم من أجاز للحائض لا للجنب، ولم ينكر عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>مسائل مشابهة لهذه المسألة نذكرها تتميما للفائدة</span>. (^١)\n١_ أما إحداث تفصيل بعد قولين تقدما، أحدهما نفيا والآخر إثباتا، فهذا جائز عند الأكثر من العلماء.\n٢_ وكذلك إحداث دليل آخر جائز عند الأكثر؛ لأن من سبق غير متعبد باستيعاب الأدلة في المسألة، بل يكتفي بواحد.\n٣_ وكذلك إحداث تأويل آخر ليس فيه إبطال ما تقدم، جوزه الجمهور.\n٤_ أما الإجماع من المتأخرين على أحد القولين أو الأقوال المتقدمة فليس إجماعا عند الجمهور؛ لأن الأقوال لا تموت بموت أصحابها كما قال الشافعي، وقال أكثر الحنفية أنه إجماع، وثمَّ أقوال أخرى.\nقوله: وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، عارفًا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام.\n_________\n(^١) انظر التحبير شرح التحرير (٤/ ١٦٤٢) وغيره مما سبق.","vol":"1","page":355},{"text":"ذكر ستة أمور تُشترط للمجتهد إضافة للعلم بالفقه أصلًا، وفرعًا، وخلافًا، ومذهبًا:\n١_معرفة بما يحتاج له من النحو.\n٢_ معرفة ما يحتاج له من اللغة.\n٣_ معرفة الرجال.\n٤_ معرفة آيات الأحكام وتفسيرها.\n٥_ العلم بأحاديث الأحكام وما تحويه من الأحكام.\n٦_قواعد الأصول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>قوله: عارفًا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة</span>.\nمعرفة لغة العرب؛ لأن الشرع نزل بها فمن لم يعرفها لا يكون مجتهدًا، والناس هنا قسمان:\n- قسم لا يعرف لسان العرب نطقًا فضلًا عن معرفة بلاغته، ونحوه، وصرفه، ومفرداته، فهذا الواجب الأول عليه تعلم نطقها، ومن ثم معرفة ألفاظها وقواعدها.\n- وقسم عارف بها كونه من أهلها أو تعلمها، فواجب عليه للاجتهاد معرفة أساليب لغة العرب، وبلاغتها، وتصاريفها ونحوها.\nولا يشترط كونه كسيبويه، والخليل، وأضاربهم كما قال الشاطبي؛ لأن هذا غير متوفر حتى في الأئمة الأربعة؛ لأن سيبويه عالم بما يحتاج إليه في الاستنباط وما لا يحتاج إليه البتة.\nبل المراد معرفة ما يحتاجه من اللغة للاستنباط، ولا يمكن هذا إلا بكثرة المطالعة والبحث فيما يتعلق بالمعاني والبيان والبديع، وأساليب اللغة، وتصاريفها، ومفرداتها،","vol":"1","page":356},{"text":"وأضدادها، وإعرابها، لا أن يقتصر على مختصر من المختصرات في ذلك.\nقال الإمام الشافعي: يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه. وقال الماوردي: ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>قوله: ومعرفة الرجال الراوين للأخبار ليأخذ برواية المقبول منهم دون المجروح</span>.\nهذا من أهم شروط المجتهد، ليتمكن من معرفة الصحيح من السقيم، وعليه أن يقرأ في علم المصطلح كتبًا كثيرة: كمقدمة ابن الصلاح وشروحها، وتقييدات العراقي، ونكت ابن حجر. ومختصراتها: كمختصر النووي وشرحه تدريب الراوي للسيوطي، وشروح نظمها للعراقي والسيوطي، ويدمن على قراءة علم العلل: كعلل ابن أبي حاتم، وعلل الدارقطني، وعلل الترمذي وشرحها لابن رجب، فهو نافع جدا خاصة ما أضافه ابن رجب عليها من الأبواب، ذكر فيها كثيرا من مهمات علم العلل.\nوقد نظمت كثيرا من هذه العلل أثناء تدريس هذا السفر العظيم.\nوعليه أن يطلع على طبقات المدلسين وأسماء المختلطين، ويعرف من روى له قبل الاختلاط أو بعده.\nوقد نظمت جميع المدلسين في ليلة في مئتي بيت، ثم شرحتها في التنفيس عما تضمّنه الجوهر النفيس، ثم اختصرتها فنظمتها في جلسة واحدة زهاء خمسين بيتا.\nوعليه أن يعلم كيف يصل إلى رجال الإسناد ويميزهم، ويعرف طبقاتهم. وهذا كله لازم للمجتهد ليكمل نظره وعلمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>قوله: وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها؛ ليوافق ذلك في اجتهاده ولا يخالفه</span>.\n_________\n(^١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (٢/ ٢٠٩).","vol":"1","page":357},{"text":"العلم بنصوص الكتاب والسنة، ومعنى العلم بهما: هو المعرفة إما الحفظ وإما معرفة مظانها. ولايشترط معرفة جميع نصوص القرآن والسنن، بل ما يتعلق بالأحكام.\nوحصرها البعض بنحو خمسمئة آية، وبيّن الماوردي أن هذا الحصر إنما هو لأنهم رأوا مقاتل بن سليمان أفرد آيات الأحكام في تصنيف وجعلها خمسمائة آية.\nأما السنة فمنهم من قال خمس مئة حديث، ومنهم من قال ثلاثة آلاف حديث، وشدد أحمد لما سئل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي، يكفيه مائة ألف؟ قال: لا. قلت: مائتا ألف؟ قال: لا. قلت ثلاثمائة ألف؟ قال: لا. قلت: أربعمائة ألف؟ قال: لا. قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو.\nوهذا محمول على أكمل العلماء (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>قوله: ومنها معرفته بقواعد الأصول وغير ذلك</span>.\nوعليه أن يعرف فيه المواضع التي تتعلق بالاستنباط، وهي الأحكام الخمسة، ودلالات الألفاظ من عموم وخصوص، وأمر ونهي، ومطلق ومقيد، ونص وظاهر، ومجمل ومبين ومؤول، وصحة وضعف، وناسخ ومنسوخ.\n_________\n(^١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (٢/ ٢٠٨) قال الشوكاني:\n\nولا يخفاك أن كلام أهل العلم في هذا الباب بعضه من قبيل الإفراط، وبعضه من قبيل التفريط.\nوالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالما بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن، كالأمهات الست وما يلتحق بها: مشرفا على ما اشتملت عليه المسانيد، والمستخرجات، والكتب التي التزم مصنفوها الصحة، ولا يشترط في هذا أن تكون محفوظة له، مستحضرة في ذهنه، بل أن يكون ممن يتمكن من استخراجها من مواضعها، بالبحث عنها عند الحاجة إلى ذلك، وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها، والحسن، والضعيف، بحيث يعرف حال رجال الإسناد معرفة يتمكن بها من الحكم على الحديث بأحد الأوصاف المذكورة، وليس من شرط ذلك أن يكون حافظا لحال الرجال عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل من معرفة حال الرجال، مع كونه ممن له معرفة تامة بما يوجب الجرح، وما لا يوجبه من الأسباب، وما هو مقبول منها، وما هو مردود، وما هو قادح من العلل، وما هو غير قادح.","vol":"1","page":358},{"text":"وأن يعلم الأدلة التي يبنى عليها الفقه، وهي الكتاب والسنة وما هو راجع إليها من إجماع وقياس، ولا بد أن يعرف القياس معرفة تامة ما له وما عليه، ويعرف ترتيب الأدلة، والتعارض والترجيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>متى تتعين الفتوى على المفتي</span>.\nقال النووي: ومتى لم يكن في الموضع إلا واحد يصلح للفتوى تعين عليه أن يفتي، وإن كان هناك غيره فهو من فروض الكفايات، ومع هذا فلا يحل التسارع إليه، فقد كانت الصحابة - ﵃ - مع مشاهدتهم الوحي يحيل بعضهم على بعض في الفتوى، ويحترزون عن استعمال الرأي والقياس ما أمكن. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>قوله: ومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد</span>.\nفيقلد المفتي في الفتيا، فإن لم يكن الشخص من أهل التقليد: بأن كان من أهل الاجتهاد، فليس له أن يستفتي كما قال، وليس للعالم أي المجتهد أن يقلد؛ لتمكنه من الاجتهاد إلخ.\nوالتقليد: قبول قول القائل بلا حجة يذكرها، وفيه أمور:\n١_ أن المستفتي لا بد أن يكون مقلدًا لا عالمًا.\nوبيّن الشارح أن المراد بقوله: \"ليس للعالم\" أنه يقصد العالم المجتهد، وهذا يفيد أن العالم هو من عرف الأحكام الشرعية بالاستنباط، أما من عرفها بالتقليد فليس بعالم، لكن يدخل فيهم في الإطلاق العرفي؛ لأن من وقف على العلماء دخل المقلد، ومن كان عالما فلا يستفتي لأنه يعرف الحكم بنظره.\n٢_ العالم إن ذهب إلى قول باجتهاد فهو ما يعتقد أنه الحق.\n_________\n(^١) راجع روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٩٥).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":359},{"text":"وإن ضاق الوقت ولا يحضره في المسألة حكم، جاز له الأخذ بقول غيره أو استفتاؤه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].\n٣_ تعريف التقليد: هو أخذ قول القول بلا حجة يبينها أو بدون معرفة مأخذه.\nثم بني على هذا التعريف مسألة من فضول الكلام ولا تعلق لها بالأصول من قريب ولا بعيد، والصحيح أن الأخذ بقول النبي ﷺ اتباعا؛ لأن قوله حجة فكيف يقال إنك لا تدري مأخذه أو بلا حجة يوردها.\nهذا عجب. قال الزركشي: واختار ابن السمعاني أنه لا يسمى تقليدا، بل هو اتباع شخص، لأن الدليل قد قام في أن له حجة، فلا يكون قبول قوله قبول قول في الدين من قائله بلا حجة. وأغرب القاضي في التقريب \" فنقل الإجماع على أن الآخذ بقول النبي - ﵊ -، والراجع إليه ليس بمقلد، بل هو صائر إلى دليل وعلم يقين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>خاتمة فيها أمور هامة تتعلق بالمفتي والإفتاء</span>.\nلما كان \"الحق دقيقًا غامضًا لا يدركه إلا الأقلون ويعجز عنه الأكثرون؛ لأنه يحتاج إلى شروط كثيرة من الممارسة، والتفرغ للنظر، ونفاد القريحة، والخلو عن الشواغل\" (^٢)، بين العلماء من يجوز استفتاؤه ومن لا يجوز، ونحن نذكر أهم ذلك بإيجاز كما يلي:\n١ - لا يستفتي إلا من عُرف بالعلم والعدالة، أما من عُرف بالجهل أو الفسق، فلا يسأل اتفاقًا، فلا يُستفتى إلا من استفاضت أهليته، وعلمت عدالته (^٣)، بل نص العلماء أن المجهول الذي لا يُعرف علمه ولا جهله لا يجوز استفتاؤه،\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (٨/ ٣١٧)\n(^٢) تيسير التحرير ٤/ ٣٤٨، والأحكام للآمدي ٤/ ٣١١، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ٤/ ٥٤٤، ونثر الورد، شرح مراقي السعود للشنقيطي ٢/ ٦٤٤، والغاية للحسين بن القاسم ٢/ ٦٧٨.\n(^٣) الروضة للنووي ١١/ ٣٩٠.","vol":"1","page":360},{"text":"فضلًا عمن عرف بعدم العلم (^١).\n٢ - \"ويحرم الحكم والفتيا بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح إجماعًا\" (^٢)، فلا يجوز في الشرع الإفتاء بلا جزم بالراجح، \"فإن لم يظهر له الراجح انتظر ظهوره أو امتنع من المسألة كما فعله كثير (^٣) من أهل العلم.\n٣ - \"ولا تصح الفتيا من فاسق لغيره وإن كان مجتهدًا، ... ولا يسأله غيره لعدم حصول المقصود، والوثوق به\". (^٤)\n٤ - يحرم استفتاء من عُرف بالتساهل، وتتبع الرُّخص وهو فاسق لا ثقة به. نص العلماء أنه \"لا يجوز للمفتي أن يتساهل في فتواه، فمن عرف بذلك لم يجز أن يستفتي\". (^٥)\n٥ - وأنه يجب عليه التحري، وتكرار النظر، وعدم التسرع، وينبغي له أن يشاور من يثق بعلمه، وأن يلجأ إلى الله تعالى، أما أن \"تحمله أغراض فاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبهة طلبًا للترخيص على من يروم نفعه، أو التغليط على من يروم ضره\" (^٦)، فإنه قد ارتكب كبيرة من الكبائر العظيمة، ومن فعل هذا فلا وثوق به (^٧)، وقد \"فسق وحرم استفتاؤه\" (^٨).\n٦ - حرمة إفتاء العامي غيره ولو علم المسألة بدليلها، قال النووي: \"ويشترط فيه -أي المفتي- أهلية الاجتهاد، فلو عرف العامي مسألة أو مسائل بدليلها\n_________\n(^١) المصدر السابق ١١/ ٣٩٠.\n(^٢) كشاف القناع عن متن الإقناع ٦/ ٢٩٦.\n(^٣) الروضة للنووي ١١/ ١١٠.\n(^٤) المصدر السابق ١١/ ١٠٠ - ١١٠، وكشاف القناع ٦/ ٣٠٠.\n(^٥) المصدر نفسه ١١/ ١١٠\n(^٦) الروضة للنووي ١١/ ١١٠\n(^٧) المصدر نفسه ١١/ ١١٠.\n(^٨) كشاف القناع ٦/ ٣٠٧.","vol":"1","page":361},{"text":"لم يكن له أن يفتي بها، ولا لغيره أن يقلده ويأخذ بقوله\" (^١).\n٧ - لو أفتى المقلد مفت واحد، وعمل به المقلد لزمه قطعًا، وليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها إجماعًا (^٢).\n٨ - المقلد غير المجتهد إذا كان فقيه النفس، يجوز له أن يخبر عن مذهب مجتهد في المسألة \"ولا يكون مفتيًا في تلك الحالة وإنما هو مخبر، فيحتاج أن يجيء عن رجل بعينه من أهل الاجتهاد فيكون معمولًا بخبره لا بفتياه\" (^٣)؛ لأنه لا يجوز الاختيار إلا لعالم بكتاب وسنة، وقال أكثر العلماء: يجوز لغير المجتهد أن يفتي إن كان مطّلعا على المأخذ أهلًا للنظر (^٤).\n\"ودونهم في الرتبة: أن يكون فقيه النفس حافظًا للمذهب، قادرًا على التخريج والترجيح، فهل له الإفتاء بذلك؟ أقوال: أصحها يجوز، والثاني المنع، والثالث عند عدم المجتهد\". (^٥)\nقال النووي: والعالم الذي لم يبلغ غاية الاجتهاد كالعامي، في أنه لا يجوز تقليده على الصحيح. (^٦)\n_________\n(^١) الروضة للنووي ١١/ ٩٩.\n(^٢) نقله ابن الحاجب، والهندي وغيرهما انظرالتحبير شرح التحرير للمرداوي ٨/ ٤٠٩٥، كالآمدي في الأحكام ٤/ ٢٣٨، والأصفهاني في شرح مختصر ابن الحاجب ١٢٣١٦، والأسنوي في نهاية السؤل ٣/ ٨٧٨.، وابن الهمام في تيسير التحرير ٤/ ٢٥٣، ونقل عن الزركشي أن فيه خلاف ولو بعد العمل، ورجح المرداوي في التحبير شرح التحرير أنه إن وقع في نفسه صحته وأنه الحق لزمه ٨/ ٤٩٦؛ لأنه يؤدي إلى التلاعب بالشرع، والتشهي والهوى وهو خلاف مقصد الشريعة ..\n(^٣) التحبير شرح التحرير ٨/ ٤٠٧٢.\n(^٤) المصدر نفسه ٨/ ٤٠٧٢.\n(^٥) المصدر نفسه، ٨/ ٤٠٧٣.والقول بالجواز هو قول الأكثر كالآمدي وابن الحاجب كما في الغيث الهامع شرح جمع الجوامع ٣/ ٩٠١ لولي الدين أبي زرعة أحمد العراقي.\n(^٦) روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٩٩).","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>الاجتهاد</span>","vol":"1","page":363},{"text":"وأما الاجتهاد: فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض المقصود من العلم ليحصل له.\nوالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد كما تقدم فإن اجتهد في الفروع وأصاب فله أجران على اجتهاده وإصابته.\nوإن اجتهد فيها وأخطأ فله أجر واحد على اجتهاده، وسيأتي دليل ذلك.\nومنهم من قال كل مجتهد في الفروع مصيب، بناءًا على أن حكم الله تعالى في حقه وحق مقلده ما أدى إليه اجتهاده.\nولا يجوز أن يقال كل مجتهد في الأصول الكلامية أي العقائد مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى في قولهم بالتثليث، والمجوس في قولهم بالأصلين للعالم النور والظلمة، والكفار في نفيهم التوحيد وبعثة الرسل والمعاد في الآخرة، والملحدين في نفيهم صفاته تعالى كالكلام وخلقه أفعال العباد وكونه مرئيًا في الآخرة وغير ذلك.\n(ودليل من قال ليس كل مجتهد في الفروع مصيبًا قوله - ﷺ -: «من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» وجه الدليل أن النبي - ﷺ - خطَّأ المجتهد تارة وصوبه أخرى).\nوالحديث رواه الشيخان، ولفظ البخاري: (إذا اجتهد الحاكم فحكم فأصاب فله أجران وإذا حكم فأخطأ فله أجر).\n(والله أعلم).\nوالحمد لله على نعمائه، وصلى الله على سيدنا محمد خير رسله وأنبيائه","vol":"1","page":365},{"text":"<hr><span data-type=\"title\">[الشرح والإيضاح]</span>\n\n\nالاجتهاد وما يتعلق بتصويب المجتهدين.\nفيه مسائل:\n\nالمسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-361> قوله: \"كامل الآلة\"، احتراز عن مجتهد المذهب والفتوى؛ لأن للعلماء مراتب </span>(¬<span data-type=\"title\" id=toc-362>١):\n١. مرتبة المجتهد المستقل</span>.\nوهو: من كان فقيهًا بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وما التحق بهما على التفصيل، عالمًا بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها، عارفًا من علوم القرآن والحديث، والناسخ والمنسوخ، والنحو واللغة والتصريف، واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها، ذا دراية وارتياض في استعمال ذلك، عالمًا بالفقه ضابطًا لأمهات مسائله وتفاريعه، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المجتهد، والمفتي المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>٢. المنتسب إلى مذهب، وهو أربعة:</span>\nأ. المنتسب لمذهب معين مع عدم تقليد إمامه في المذهب ولا في الدليل: وهذا مجتهد مستقل إلا أنه ينسب إلى هذا الإمام لسلوكه طريقه في الاجتهاد.\nب. مجتهد مقيد، وهو: من قُيّد بمذهب إمامه مستقلًا بتقرير أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده، وشرط كونه عالمًا بالفقه، وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلًا، بصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التخريج والاستنباط، قيمًا بإلحاق ما ليس منصوصًا عليه\n_________\n(^١) انظر: مقدمة المجموع للإمام النووي: ١/ ٤٢ وما بعدها، وانظر: الإنصاف للمرداوي: ١١/ ١٨٣، وتشنيف المسامع للزركشي: ٢/ ٣٩٨.","vol":"1","page":366},{"text":"لإمامه بأصوله.\nولا يعري عن شوب تقليد له؛ لإخلاله ببعض أدوات المستقل بأن يخل بالحديث أو العربية.\nج. فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره، يصور ويقرر ويحرر، ويمهد ويزيف ويرجح، لكنه ليس كأهل المرتبة السابقة في حفظ المذهب والارتياض في الاستنباط، أو معرفة الأصول ونحوها من أدواتهم.\nد. حافظ المذهب ناقل له، فاهم لواضحاته ومشكلاته، لكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد في نقله وفتواه بالمذهب، وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس، فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم. هذا كلام النووي وحاصله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>واعلم أنه لا يخلو عصر من مجتهد</span>.\nوما قاله الغزالي من خلو العصر عن المجتهد المستقل رده العلماء وزيفوه، ونقل الاتفاق بل بالغ البعض فادعى الاتفاق، وقد تعجب الزركشي من نقل الإجماع؛ لأن المسألة خلافية، وقد خالف في ذلك الحنابلة وبعض أئمة الشافعية.\nوبه جزم الأستاذ أبو إسحاق، والزبيري، ونقل الاتفاق عجيب، والمسألة خلافية بيننا وبين الحنابلة، وساعدهم بعض أئمتنا فقالوا: لا يجوز خلو العصر عن مجتهد، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق، والزبيري، ونسبه أبو إسحاق إلى الفقهاء، قال ومعناه: أن الله تعالى لو أخلى زمانا من قائم بحجة زال التكليف. (^١)\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط في أصول الفقه (٨/ ٢٤١) قال الزركشي:\nوأما قول الغزالي: وقد خلا العصر عن المجتهد المستقل فقد سبقه إليه القفال شيخ الخراسانيين، فقيل: المراد مجتهد قائم بالقضاء، فإن المحققين من العلماء كانوا يرغبون عنه، ولا يلي في زمانهم غالبا إلا من هو دون ذلك وكيف يمكن القضاء على الأعصار بخلوها عن مجتهد والقفال نفسه كان يقول للسائل في مسألة الصبرة: تسأل عن مذهب الشافعي أم ما عندي؟ وقال، هو والشيخ أبو علي والقاضي الحسين: لسنا مقلدين للشافعي، بل وافق رأينا رأيه فماذا كلام من يدعي رتبة الاجتهاد ولم يختلف اثنان أن بن عبد السلام بلغ رتبة الاجتهاد وكذلك ابن دقيق العيد، وانظر الإمام أبو العباس ابن سريج المتوفي سنة ٣٠٦ هـ وآراؤه الأصولية (ص: ١٩٠) فواتح الرحموت بهامش المستصفى ٢/ ٣٦٢ ط الأميرية - بولاق إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (٢/ ٢١٥) وكما رد هذه الدعوى الزركشي وكثير من العلماء وقد أطال الشوكاني الجواب على ذلك وألف السيوطي رسالة في الرد والصنعاني: قال الشوكاني: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (٢/ ٢١٥)\n\nومن حصر فضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على من تقدم عصره، فقد تجرأ على الله ﷿، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة.\nويا لله العجب من مقالات هي جهالات، وضلالات، فإن هذه المقالة تستلزم رفع التعبد بالكتاب والسنة، وأنه لم يبق إلا تقليد الرجال، الذين هم متعبدون بالكتاب والسنة، كتعبد من جاء بعدهم على حد سواء، فإن كان التعبد بالكتاب والسنة مختصا بمن كانوا في العصور السابقة، ولم يبق لهؤلاء إلا التقليد لمن تقدمهم، ولا يتمكنون من معرفة أحكام الله، من كتاب الله وسنة رسوله، فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة، والمقالة الزائفة، وهل النسخ إلا هذا ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].","vol":"1","page":367},{"text":"والحاصل أن من ادعى خلو عصره عن مجتهد أو اقفال باب الاجتهاد؛ وهو بذل الوسع في الاستنباط من الكتاب والسنة يلزمه أن التعبد بالكتاب والسنة قد انقطع، ولم يبق سوى التعبد بأقوال الخلق وفهومهم.\nومن قال قد انقطع الاجتهاد: إن كان هو مقلدا فقوله باطل حتى يأتي بقول مجتهد قال بهذا،\nوإن كان هو مجتهدا فقد نقض نفسه؛ لأنه قال هذا بالاجتهاد وهذا أيضا مخالف لأقوال الأئمة في عدم تقليدهم والأخذ من حيث أخذوا.\nأما الحذلقة في تأويل صريح كلامهم فهو هوى أو تعصب أو تقليد.\nأما تقسيم المجتهدين إلى: مستقل وهو متعذر وإلى مطلق ومقيد، فهي نفحة من نفحات التقليد وأثر من آثاره، كيف والنووي بيّن أن المستقل غير متعذر كما تقدم النقل عنه، ومن قال إن المستقل من له أصول مستقلة عن الغير فقد كذب، وراجع ما نقلناه عن النووي قبل قليل.","vol":"1","page":368},{"text":"فالأصول واحدة، هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، أما ما فيها اختلاف من عمل أهل المدينة، وإجماع أهل الكوفة، وفتوى الصحابي، والمصحلة المرسلة، والعرف، والاستحسان، فلا تلزم مطلقا ولا ترد مطلقا.\nوأما دلالات الألفاظ فمرجعها العربية، ومعرفة الصحيح والضعيف فمرجعها كتب الحديث، أما منهجية التعارض أو تقديم بعض الأدلة على بعض فأغلبه متفق عليه، والمختلف فيه ينظر في ترجيح بعضه على بعض.\nوأما كون مذهب معين له أصل مستقل فلا تجد هذا إلا فيما يمكن الاختلاف عليه، أما الأصول المتفق عليها فهي معلومة، وعليها مدار الاجتهاد.\nوالشروط التي لا تلزم للاجتهاد لم يقل أحد من الناس أنه يشترط اتباع أصل مختلف فيه، بل هي علمه بالكتاب والسنة والأصول واللغة وعلم الحديث ومواطن الإجماع، هذه هي أصول الاجتهاد المستقل.\nأما قولهم إن أي مجتهد لا يمكنه أن يأتي بقول جديد في المسألة بل يرجح، وهذا ليس اجتهادا مستقلا؛ فجوابه: أن أبا حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد كلهم سبقوا بمسائل الفقه من الطبقات التي قبلهم الى الصحابة، فقد يوافق أحد الأ ئمة ما تقدم وقد يخالفه، وليس معنى هذا أنه مجتهد غير مستقل بل المسألة لا تحتمل سوى هذه الأقوال.\nفتقسيم المجتهدين إلى: مستقلين، ومطلقين، ومقيدين؛ اصطلاح تقليدي مذهبي فقط، أما الشروط المطلوبة للمجتهد المستقل فأجمع عليها أهل الأصول والفقهاء في باب الاجتهاد، فدع عنك تضيق ما وسعه الله على خلقه، فإن كنت لا ترى نفسك أهلًا لهذه المنازل فالزم التقليد؛ لأنك عامي بلا خلاف كما تقدم نقل الإجماع عن النووي، ولا تحاول دفع رحمة الله التي يفتحها على من يشاء من خلقه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢].","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>هل كل مجتهد مصيب</span>.\nالمسائل تنقسم إلى: المسائل العقائدية، والمسائل غير العقائدية كالفقه. (^١)\nأما العقائد فالمصيب فيها واحد، ونافي الاسلام مخطئ آثم كافر، وهم اليهود والنصارى، ولو كان الخلاف في العقائد التي هي أصول الشريعة سائغا؛ لأدى إلى احتمال تصويب قول النصارى في التثليث، وقول اليهود عزير بن الله.\nأما المسائل غير العقلية وهي التي ليست أصلا من أصول الشرع المجمع عليه، فتنقسم إلى: ما ليس عليه برهان، وإلى ما عليه برهان، فالتي عليها برهان: المصيب فيها واحد بالإجماع.\nأما المسألة التي لا قاطع فيها، فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن سريج إلى أن كل مجتهد مصيب، وذهب غيرهم من العلماء إلى أن المصيب واحد وهو ما نقل عن الشافعي وجمهور العلماء.\nويتفرع عن هذا الأصل (^٢):\nأن من اشتبهت عليه القبلة واجتهد وصلى إلى جهة غلب على ظنه أنها جهة القبلة، ثم بان له يقين الخطأ يلزمه القضاء عند الشافعي؛ لفوات الحق المتعين، والخطأ ينفي الإثم دون القضاء، كما ينفي التأثيم دون التضمين في باب الغرامات.\nوعندهم لا يلزمه القضاء؛ لتصويبه فيما مضى وإن بان أنه خطأ.\n\nوالحمد لله رب العالمين على فضله ونعمته، وصلوات الله على محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(^١) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٤/ ٥٨٦) (٤/ ٥٨٧) البحر المحيط في أصول الفقه (٨/ ٢٨٠) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص: ٨٠).\n(^٢) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص: ٨٠).","vol":"1","page":370},{"text":"تم آخر هذا الشرح يوم الاثنين: الخامس من جمادى الأولى، عام ألف وأربعمئة وتسع وثلاثين من هجرة النبي ﷺ الموافق ٢٢ - ١ - ٢٠١٨. بقلم الفقير إلى ربه ومولاه فضل بن عبد الله مراد- اليمن","vol":"1","page":371}]}