{"ً":{"ٌ":157,"ٍ":"موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط ٣","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/akmtaharadobaiaan/","files":["01.pdf","02.pdf","03.pdf","04.pdf","05.pdf","06.pdf","07.pdf","08.pdf","09.pdf","10.pdf"]},"ّ":"الكتاب: موسوعة أحكام الطهارة، أدلة ومسائل وقواعد وضوابط\nالمؤلف: دبيان بن محمد الدبيان\nالناشر: (بدون ناشر)\nالطبعة: الثالثة، ١٤٣٦ هـ (صرح المؤلف بأن هذه الطبعة ناسخة لما قبلها)\nعدد الأجزاء: ١٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2576,"ٕ":18,"ٖ":1780758462,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الطبعة الثالثة","level":1,"page":2},{"title":"القسم الأول طهارة الحدث","level":1,"page":6},{"title":"كتاب المياه","level":2,"page":7},{"title":"الطهارة لدى الفقهاء على ثلاثة أقسام","level":3,"page":7},{"title":"القسم الأول: طهارة تعبدية غير معقولة المعنى","level":4,"page":7},{"title":"القسم الثاني من الطهارة: وهي الطهارة الحسية.","level":4,"page":8},{"title":"القسم الثالث: طهارة التفث.","level":4,"page":8},{"title":"تمهيد","level":3,"page":14},{"title":"المبحث الأول تعريف الطهارة","level":4,"page":14},{"title":"المبحث الثاني تعريف النجاسة","level":4,"page":19},{"title":"المبحث الثالث الأصل في المياه","level":4,"page":22},{"title":"دليل هذه القاعدة","level":5,"page":22},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":22},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":22},{"title":"الباب الأول في أقسام المياه","level":3,"page":24},{"title":"أدلة القائلين بأن الماء ثلاثة أقسام","level":4,"page":25},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":25},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":26},{"title":"الدليل الثالث","level":5,"page":39},{"title":"الدليل الرابع: من النظر.","level":5,"page":39},{"title":"أدلة القائلين بأن الماء قسمان","level":4,"page":40},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":40},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":40},{"title":"الدليل الثالث","level":5,"page":52},{"title":"الدليل الرابع","level":5,"page":53},{"title":"الدليل الخامس","level":5,"page":53},{"title":"الدليل السادس","level":5,"page":61},{"title":"الدليل السابع","level":5,"page":62},{"title":"الباب الثاني الوضوء بالماء المحرم كالمغصوب ونحوه","level":3,"page":64},{"title":"دليل من قال لا يرتفع به الحدث","level":4,"page":65},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":65},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":67},{"title":"الدليل الثالث","level":5,"page":69},{"title":"الدليل الرابع","level":5,"page":69},{"title":"أدلة القائلين بصحة الوضوء","level":4,"page":70},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":70},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":70},{"title":"دليل من فرق بين الحدث والخبث","level":4,"page":70},{"title":"الباب الثالث في رفع الحدث وإزالة الخبث من ماء زمزم","level":3,"page":72},{"title":"دليل من منع الطهارة من ماء زمزم مطلقا","level":4,"page":73},{"title":"دليل من فرق بين الغسل وبين الوضوء","level":4,"page":73},{"title":"دليل من فرق بين رفع الحدث وإزالة الخبث","level":4,"page":74},{"title":"دليل من جوز رفع الحدث والخبث","level":4,"page":74},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":74},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":74},{"title":"الدليل الثالث","level":5,"page":75},{"title":"الدليل الرابع","level":5,"page":75},{"title":"الدليل الخامس","level":5,"page":75},{"title":"الدليل السادس","level":5,"page":75},{"title":"الدليل السابع","level":5,"page":75},{"title":"الباب الرابع في الماء المتغير","level":3,"page":77},{"title":"الفصل الأول في الماء المتغير بالطاهرات","level":4,"page":77},{"title":"المبحث الأول الماء المتغير بطاهر غير ممازج","level":5,"page":77},{"title":"الفرع الأول التغير بغير ممازج لا يشمل اللون والطعم","level":6,"page":77},{"title":"الفرع الثاني في حكم الماء إذا تغير بطاهر غير ممازج","level":6,"page":79},{"title":"دليل من قال الماء طهور بلا كراهة","level":7,"page":80},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":80},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":80},{"title":"دليل من قال الماء طاهر غير مطهر","level":7,"page":81},{"title":"دليل من قال الماء طهور مكروه","level":7,"page":81},{"title":"المبحث الثاني الماء المتغير بطاهر يشق صون الماء عنه","level":5,"page":83},{"title":"دليل من قال إن الماء طهور","level":6,"page":84},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":84},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":85},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":85},{"title":"دليل من قال إن الماء طاهر غير مطهر","level":6,"page":85},{"title":"المبحث الثالث الماء المتغير بطول مكثه","level":5,"page":87},{"title":"الدليل على طهورية الماء الآجن","level":6,"page":87},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":87},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":88},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":91},{"title":"المبحث الرابع في الماء المالح","level":5,"page":92},{"title":"الفرع الأول في تغير الماء بملح موضوع فيه","level":6,"page":92},{"title":"دليل من قال الماء طهور","level":7,"page":94},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":94},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":95},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":95},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":96},{"title":"دليل من فرق بين الملح المائي والمعدني","level":7,"page":96},{"title":"الفرع الثاني الخلاف في طهورية ماء البحر","level":6,"page":98},{"title":"دليل الجمهور","level":7,"page":99},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":99},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":99},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":99},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":99},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":100},{"title":"دليل من قال لا يتطهر بماء البحر","level":7,"page":100},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":100},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":103},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":103},{"title":"المبحث الخامس إذا تغير الماء بشيء طاهر","level":5,"page":104},{"title":"الفرع الأول الماء المتغير بطاهر يمكن التحرز منه","level":6,"page":104},{"title":"دليل الجمهور على أن الماء طاهر","level":7,"page":106},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":106},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":106},{"title":"دليل من قال الماء طهور","level":7,"page":106},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":107},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":108},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":108},{"title":"الدليل الخامس: من الآثار","level":8,"page":108},{"title":"الفرع الثاني خلاف العلماء في الطهارة بالنبيذ","level":6,"page":113},{"title":"الدليل على أن الحدث يرفع بالماء الطهور","level":7,"page":114},{"title":"دليل الحنفية على جواز الوضوء بالنبيذ","level":7,"page":115},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":115},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":118},{"title":"الفصل الثاني الماء المتغير بالنجاسة","level":4,"page":129},{"title":"المبحث الأول الماء المتغير بمجاورة نجاسة","level":5,"page":129},{"title":"الفرع الأول المقصود من التغير بالمجاورة","level":6,"page":129},{"title":"الفرع الثاني حكم الماء المتغير بالمجاورة","level":6,"page":131},{"title":"الدليل على ذلك","level":7,"page":131},{"title":"الدليل الأول: الإجماع.","level":8,"page":131},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":132},{"title":"المبحث الثاني الماء المتغير بممازجة النجاسة","level":5,"page":133},{"title":"دليل الجمهور على نجاسة الماء","level":6,"page":134},{"title":"الدليل الأول: الإجماع.","level":7,"page":134},{"title":"الدليل الثاني: من النظر","level":7,"page":135},{"title":"دليل من قال: تغير ريح الماء بالنجاسة لا يضر","level":6,"page":138},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":138},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":138},{"title":"الباب الخامس في الماء المستعمل","level":3,"page":140},{"title":"الفصل الأول حكم الماء المستعمل في رفع الحدث","level":4,"page":140},{"title":"المبحث الأول في تعريف الماء المستعمل","level":5,"page":140},{"title":"المبحث الثاني خلاف العلماء في الماء المستعمل في رفع الحدث","level":5,"page":143},{"title":"دليل من قال بنجاسة الماء المستعمل","level":6,"page":145},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":145},{"title":"الدليل الثاني على نجاسة الماء المستعمل","level":7,"page":152},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":154},{"title":"دليل من قال الماء طاهر وليس بطهور","level":6,"page":155},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":155},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":155},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":156},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":156},{"title":"أما الأدلة على كون المستعمل ماء طاهرا غير طهور، منها","level":6,"page":156},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":156},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":158},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":159},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":160},{"title":"دليل من قال بأن الماء المستعمل طهور","level":6,"page":160},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":160},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":161},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":161},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":161},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":161},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":162},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":162},{"title":"دليل من قال الماء المستعمل طهور مكروه","level":6,"page":169},{"title":"الفصل الثاني الماء المستعمل في طهارة مستحبة","level":4,"page":170},{"title":"دليل القائلين بأنه طهور","level":5,"page":172},{"title":"دليل القائلين بأنه نجس","level":5,"page":172},{"title":"دليل القائلين بأنه طاهر غير طهور","level":5,"page":172},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":172},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":172},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":172},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":173},{"title":"الفصل الثالث الماء المستعمل في طهارة غير مشروعة","level":4,"page":174},{"title":"دليل من قال يصبح الماء مستعملا","level":5,"page":175},{"title":"دليل من قال الماء طهور غير مستعمل","level":5,"page":175},{"title":"دليل من قال طهور مكروه","level":5,"page":175},{"title":"الفصل الرابع الماء المستعمل في التبرد والنظافة","level":4,"page":177},{"title":"الفصل الخامس الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم","level":4,"page":179},{"title":"دليل الجمهور على أن الماء طهور","level":5,"page":182},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":182},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":182},{"title":"دليل من قال إن الماء ينجس","level":5,"page":182},{"title":"دليل الحنابلة على أن الماء طاهر","level":5,"page":182},{"title":"الفرع الأول حكم غسل اليد قبل إدخالها الإناء","level":5,"page":184},{"title":"دليل الجمهور على كون الغسل سنة","level":6,"page":185},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":185},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":185},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":186},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":187},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":188},{"title":"دليل الحنابلة على الوجوب","level":6,"page":188},{"title":"الفرع الثاني في التماس العلة في غسل اليد قبل إدخالها الإناء","level":5,"page":190},{"title":"الفرع الثالث في اختصاص الحكم في القيام من نوم الليل","level":5,"page":193},{"title":"دليل الجمهور على عدم التفريق بين نوم الليل والنهار","level":6,"page":194},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":194},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":195},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":195},{"title":"دليل الحنابلة على اختصاصه بنوم الليل","level":6,"page":196},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":196},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":197},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":197},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":198},{"title":"دليل من قال: الحكم يتعلق بالشك","level":6,"page":203},{"title":"الفصل السادس الماء المستعمل في إزالة النجاسة","level":4,"page":205},{"title":"دليل الحنفية على نجاسة الغسلات الثلاث","level":5,"page":207},{"title":"واستدل الحنفية على نجاسة الماء المنفصل من المحل النجس بأدلة منها","level":6,"page":207},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":207},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":208},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":209},{"title":"دليل المالكية على طهورية غسالة النجاسة غير المتغيرة","level":6,"page":210},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":210},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":210},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":211},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":211},{"title":"دليل الشافعية على كون الماء طاهرا","level":6,"page":212},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":212},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":212},{"title":"دليل الحنابلة في غسالة النجاسة","level":6,"page":213},{"title":"الباب السادس في فضل الوضوء","level":3,"page":215},{"title":"الفصل الأول حكم وضوء الرجال والنساء جميعا إذا كانوا من المحارم","level":4,"page":215},{"title":"مستند هذا الإجماع","level":5,"page":216},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":216},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":216},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":216},{"title":"الفصل الثاني في الوضوء بفضل المرأة","level":4,"page":218},{"title":"دليل الجمهور على أن فضل المرأة طهور","level":5,"page":222},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":222},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":222},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":223},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":224},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":224},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":224},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":224},{"title":"دليل من قال: لا يغتسل بفضل المرأة","level":5,"page":224},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":224},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":226},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":228},{"title":"الفصل الثالث في الوضوء بفضل الرجل","level":4,"page":234},{"title":"الباب السابع في الشك والاشتباه","level":3,"page":236},{"title":"الفصل الأول في حكم الماء ونحوه إذا كان مشكوكا فيه","level":4,"page":236},{"title":"دليل الجمهور على البناء على اليقين","level":5,"page":240},{"title":"دليل المالكية على وجوب النضح إذا شك في طهارة الثوب","level":5,"page":240},{"title":"الدليل الثاني على وجوب النضح","level":6,"page":242},{"title":"دليل المالكية على وجوب الغسل إذا شك في نجاسة البدن","level":5,"page":242},{"title":"الفصل الثاني إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس","level":4,"page":245},{"title":"دليل من قال يتيمم","level":5,"page":249},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":250},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":250},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":250},{"title":"دليل من قال يتحرى","level":5,"page":250},{"title":"دليل من قال يهرق أحدهما ثم يتوضأ بالآخر","level":5,"page":251},{"title":"دليل من قال يتوضأ بأحدهما ويصلي ثم يتوضأ بالأخر ويصلي","level":5,"page":251},{"title":"دليل من قال: يتوضأ بأيهما شاء","level":5,"page":251},{"title":"الفصل الثالث إذا اشتبه ماء طهور بماء طاهر","level":4,"page":253},{"title":"دليل من قال: يتوضأ بعدد الطاهر وزيادة إناء.","level":5,"page":254},{"title":"دليل من قال يتوضأ مرة واحدة من هذا غرفة ومن هذا غرفة.","level":5,"page":254},{"title":"دليل من قال: يتحرى","level":5,"page":255},{"title":"دليل من قال: يتخير","level":5,"page":255},{"title":"الفصل الرابع إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة","level":4,"page":256},{"title":"دليل من قال بالتحري","level":5,"page":258},{"title":"دليل من قال يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة.","level":5,"page":259},{"title":"دليل من قال يصلي عريانا.","level":5,"page":259},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":5,"page":259},{"title":"الفصل الخامس في الإخبار بنجاسة الماء","level":4,"page":260},{"title":"المبحث الأول إذا أخبره رجل أو امرأة بنجاسة الماء","level":5,"page":260},{"title":"المبحث الثاني إذا أخبره صبي عن طهارة أو نجاسة الماء","level":5,"page":265},{"title":"المبحث الثالث إذا أخبره فاسق عن نجاسة الماء","level":5,"page":268},{"title":"دليل من قال: إن غلب على ظنه صدقه قبله","level":6,"page":269},{"title":"دليل من قال: لا يقبل خبر الفاسق","level":6,"page":269},{"title":"المبحث الرابع في السؤال عن الماء","level":5,"page":270},{"title":"دليل من قال لا يسأل","level":6,"page":271},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":271},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":271},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":272},{"title":"دليل من قال: يلزمه السؤال","level":6,"page":272},{"title":"دليل من قال يلزمه الجواب إن علم نجاسة الماء","level":6,"page":272},{"title":"الباب الثامن في الماء النجس","level":3,"page":274},{"title":"الفصل الأول في الماء القليل إذا لاقته نجاسة فلم تغيره","level":4,"page":274},{"title":"دليل الحنفية على اعتبار الخلوص.","level":5,"page":277},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":277},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":289},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":291},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":295},{"title":"دليل من قال: لا ينجس الماء إلا بالتغير.","level":5,"page":296},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":296},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":296},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":296},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":297},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":297},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":298},{"title":"الفصل الثاني في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة","level":4,"page":300},{"title":"المبحث الأول في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره","level":5,"page":300},{"title":"المبحث الثاني في الماء الكثير إذا غيرته النجاسة","level":5,"page":303},{"title":"الفرع الأول في الكلام على بئر المقبرة","level":6,"page":306},{"title":"الفرع الثاني في الوضوء من بئر ثمود","level":6,"page":307},{"title":"الفصل الثالث في المائع غير الماء تخالطه نجاسة","level":4,"page":310},{"title":"دليل من قال بنجاسة المائع مطلقا إذا وقعت فيه نجاسة.","level":5,"page":312},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":312},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":317},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":317},{"title":"دليل من قال: المائع كالماء لا ينجس إلا بالتغير","level":5,"page":318},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":318},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":318},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":318},{"title":"الفصل الرابع في الماء المسخن","level":4,"page":320},{"title":"المبحث الأول في الماء المسخن بنجاسة","level":5,"page":320},{"title":"المبحث الثاني الماء المسخن بالشمس","level":5,"page":324},{"title":"دليل من قال: يكره","level":6,"page":325},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":325},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":326},{"title":"الباب التاسع في تطهير الماء المتنجس","level":3,"page":327},{"title":"المبحث الأول نجاسة الماء نجاسة حكمية","level":4,"page":327},{"title":"المبحث الثاني خلاف العلماء في كيفية تطهير الماء المتنجس","level":4,"page":329},{"title":"الباب العاشر باب الآنية","level":3,"page":338},{"title":"الفصل الأول في الأواني الثمينة من غير الذهب والفضة","level":4,"page":339},{"title":"دليل من قال بجواز استعمال الأواني الثمينة","level":5,"page":340},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":340},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":341},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":341},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":341},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":342},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":343},{"title":"دليل من قال يحرم استعمال الأواني الثمينة","level":5,"page":343},{"title":"دليل من قال يكره استعمالها","level":5,"page":344},{"title":"الفصل الثاني في الأواني من الذهب والفضة","level":4,"page":345},{"title":"المبحث الأول في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة","level":5,"page":345},{"title":"دليل من قال بالتحريم","level":6,"page":346},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":346},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":349},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":351},{"title":"دليل من قال: إن النهي عن الأكل والشرب للكراهة","level":6,"page":352},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":352},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":352},{"title":"دليل من قال: يحرم الشرب خاصة","level":6,"page":353},{"title":"المبحث الثاني في استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب","level":5,"page":354},{"title":"دليل من قال: لا يجوز.","level":6,"page":355},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":355},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":355},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":356},{"title":"دليل من قال: لا يحرم إلا الأكل والشرب خاصة","level":6,"page":358},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":358},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":358},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":361},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":363},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":364},{"title":"المبحث الثالث في الطهارة من آنية الذهب والفضة","level":5,"page":365},{"title":"دليل من قال: تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة.","level":6,"page":367},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":367},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":367},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":367},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":368},{"title":"دليل من قال لا تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة","level":6,"page":368},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":368},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":369},{"title":"دليل من قال يعيد الطهارة ما دام في الوقت.","level":6,"page":370},{"title":"المبحث الرابع في اتخاذ أواني الذهب والفضة","level":5,"page":371},{"title":"دليل من قال بتحريم الاتخاذ","level":6,"page":372},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":372},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":373},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":373},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":373},{"title":"دليل من قال بجواز الاتخاذ","level":6,"page":373},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":373},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":374},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":374},{"title":"دليل من قال بالكراهة","level":6,"page":375},{"title":"الفصل الثالث في الأواني المضببة بالذهب والفضة","level":4,"page":385},{"title":"المبحث الأول في تضبيب الأواني بالذهب","level":5,"page":385},{"title":"الفرع الأول في تعريف الضبة","level":6,"page":385},{"title":"الفرع الثاني في حكم تضبيب الأواني بالذهب","level":6,"page":386},{"title":"دليل من قال: يباح المضبب بالذهب","level":7,"page":388},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":388},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":389},{"title":"دليل من قال: يحرم التضبيب بالذهب.","level":7,"page":389},{"title":"دليل من قال: يكره التضبيب","level":7,"page":389},{"title":"دليل من قال: يحرم على الرجال خاصة","level":7,"page":389},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":389},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":389},{"title":"المبحث الثاني خلاف العلماء في التضبيب بالفضة","level":5,"page":391},{"title":"دليل من قال بالجواز.","level":6,"page":392},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":392},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":393},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":393},{"title":"دليل من قال بالتحريم.","level":6,"page":393},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":393},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":394},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":395},{"title":"الفصل الرابع في آنية الكفار","level":4,"page":398},{"title":"دليل من قال بالكراهة.","level":5,"page":400},{"title":"دليل المالكية على التفريق بين ما استعملوه وبين ما نسجوه","level":5,"page":401},{"title":"دليل من قال: يباح استعمال آنية المشركين.","level":5,"page":401},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":401},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":402},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":402},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":403},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":404},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":404},{"title":"دليل من فرق بين أهل الكتاب وغيرهم.","level":5,"page":408},{"title":"الفصل الخامس في الأواني المتخذة من الميتة","level":4,"page":410},{"title":"المبحث الأول في الأواني المتخذة من جلود الميتة","level":5,"page":410},{"title":"دليل من قال الدباغ لا يطهر وينتفع به بعد الدبغ في يابس أو ماء","level":6,"page":413},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":420},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":421},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":421},{"title":"دليل من قال الدباغ يطهر جميع الجلود.","level":6,"page":422},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":422},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":425},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":426},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":427},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":428},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":429},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":430},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":430},{"title":"دليل من استثنى جلد الكلب والخنزير.","level":6,"page":431},{"title":"دليل من قال بجواز الانتفاع بجلود الميتة ولو لم تدبغ.","level":6,"page":432},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":432},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":432},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":433},{"title":"دليل من قال: الدباغ لا يطهر إلا ما تطهره الذكاة.","level":6,"page":436},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":436},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":440},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":444},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":446},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":446},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":447},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":447},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":448},{"title":"المبحث الثاني في الآنية المتخذة من عظام الميتة وقرنها وحافرها","level":5,"page":449},{"title":"دليل الحنفية على طهارة عظام الميتة","level":6,"page":451},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":451},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":451},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":452},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":452},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":452},{"title":"دليل من قال بنجاسة عظام الميتة","level":6,"page":453},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":453},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":454},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":454},{"title":"دليل ابن حزم على تحريم البيع وجواز الانتفاع","level":6,"page":454},{"title":"المبحث الثالث في الآنية المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها","level":5,"page":456},{"title":"دليل من قال بطهارة شعر الميتة","level":6,"page":458},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":458},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":458},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":459},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":459},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":459},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":462},{"title":"دليل من قال بنجاسة الشعر ونحوه","level":6,"page":463},{"title":"دليل ابن حزم على طهارة الشعر بالدبغ","level":6,"page":465},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":6,"page":465},{"title":"الوضوء فرائضه وسننه ونواقضه","level":2,"page":466},{"title":"مقدمة الكتاب","level":3,"page":477},{"title":"المبحث الأول في تعريف الوضوء","level":4,"page":477},{"title":"المبحث الثاني في فضل الوضوء","level":4,"page":479},{"title":"المبحث الثالث في حكم الوضوء","level":4,"page":486},{"title":"-دليل من قال: لا يشرع التجديد قبل استعماله بعبادة مشروعة","level":5,"page":492},{"title":"الدليل الأول: النهي عن الزيادة على الثلاث.","level":6,"page":492},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":492},{"title":"- دليل من قال بالتجديد بعد الفاصل الطويل","level":5,"page":493},{"title":"المبحث الرابع متى شرع الوضوء؟","level":4,"page":495},{"title":"- دليل من قال بعدم الخصوصية","level":5,"page":497},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":497},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":498},{"title":"دليل من قال: الوضوء من خصائص هذه الأمة","level":5,"page":498},{"title":"- دليل من قال: الوضوء من خصائص هذه الأمة إلا الأنبياء","level":5,"page":499},{"title":"الباب الأول في شروط الوضوء","level":3,"page":503},{"title":"الشرط الأول الإسلام","level":4,"page":504},{"title":"- دليل من قال: إن الكافر لا يخاطب بفروع الشريعة.","level":5,"page":506},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":506},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":507},{"title":"- دليل من قال: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة","level":5,"page":508},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":508},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":508},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":508},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":508},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":509},{"title":"- دليل من قال: الكفار مخاطبون بالنواهي دون الأوامر","level":5,"page":510},{"title":"- دليل من قال: الكفار مخاطبون بالفروع إلا الجهاد","level":5,"page":510},{"title":"الشرط الثاني التكليف","level":4,"page":511},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":512},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":517},{"title":"الشرط الثالث ارتفاع دم الحيض والنفاس","level":4,"page":518},{"title":"الشرط الرابع في اشتراط طهورية الماء","level":4,"page":520},{"title":"الشرط الخامس إزالة ما يمنع وصول الماء إلى أعضاء الوضوء","level":4,"page":522},{"title":"الشرط السادس دخول الوقت على من به حدث دائم","level":4,"page":524},{"title":"الشرط السابع في الوضوء بالماء المحرم كالمغصوب","level":4,"page":526},{"title":"الشرط الثامن القدرة على استعمال الماء","level":4,"page":528},{"title":"الشرط التاسع قيام الحدث","level":4,"page":530},{"title":"والدليل على هذا من السنة والإجماع","level":5,"page":530},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":530},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":530},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":531},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":531},{"title":"الشرط العاشر النية","level":4,"page":534},{"title":"المبحث الأول تعريف النية","level":5,"page":534},{"title":"المبحث الثاني في حكم النية","level":5,"page":536},{"title":"المبحث الثالث في محل النية","level":5,"page":539},{"title":"- دليل من قال: النية محلها القلب","level":6,"page":540},{"title":"- دليل من قال: العقل في الدماغ","level":6,"page":541},{"title":"المبحث الرابع في أقسام النية","level":5,"page":543},{"title":"المبحث الخامس في الجهر بالنية","level":5,"page":545},{"title":"- دليل من قال: لا يشرع الجهر بالنية ولا التلفظ بها سرا","level":6,"page":547},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":547},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":547},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":547},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":548},{"title":"- دليل من قال: يشرع التلفظ بها سرا","level":6,"page":548},{"title":"- دليل من قال: يشرع التلفظ بالنسك خاصة","level":6,"page":548},{"title":"المبحث السادس الحكمة من مشروعية النية","level":5,"page":550},{"title":"المبحث السابع في شروط النية","level":5,"page":552},{"title":"الشرط الأول الإسلام","level":6,"page":553},{"title":"الشرط الثاني التمييز","level":6,"page":556},{"title":"الشرط الثالث عدم الإتيان بما ينافي النية حتى يفرغ من وضوئه","level":6,"page":558},{"title":"الشرط الرابع أن تكون النية مقارنة للمنوي أو متقدمة بشيء يسير","level":6,"page":559},{"title":"- دليل من قال بجواز تقديم ولو طال الفصل إذا لم يوجد فاصل أجنبي","level":7,"page":563},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":563},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":563},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":563},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":563},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":563},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":564},{"title":"- دليل من أجاز تقدم النية بشرط أن يكون التقدم يسيرا","level":7,"page":564},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":564},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":564},{"title":"-دليل من قال يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي","level":7,"page":565},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":565},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":565},{"title":"- دليل من اشترط دخول وقت العبادة","level":7,"page":565},{"title":"الشرط الخامس أن يكون جازما بالنية","level":6,"page":571},{"title":"المبحث الثامن في صفة النية","level":5,"page":577},{"title":"الفرع الأول إذا نوى طهارة مطلقة","level":6,"page":579},{"title":"الفرع الثاني إذا نوى ما تسن له الطهارة","level":6,"page":581},{"title":"الفرع الثالث إذا نوى ما لا تشرع له الطهارة","level":6,"page":583},{"title":"الفرع الرابع إذا نوى رفع الحدث ونية التبرد مقرونين","level":6,"page":584},{"title":"- دليل من قال: يرتفع حدثه","level":7,"page":585},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":585},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":585},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":586},{"title":"دليل من قال: لا يرتفع حدثه","level":7,"page":586},{"title":"الفرع الخامس إذا نوى رفع حدث واحد وعليه مجموعة أحداث","level":6,"page":587},{"title":"- الدليل على هذا من السنة","level":7,"page":587},{"title":"الباب الثاني سنن الوضوء","level":3,"page":593},{"title":"الفصل الأول في استحباب التسمية للوضوء","level":4,"page":593},{"title":"- دليل من قال: إن التسمية في الوضوء سنة","level":5,"page":595},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":595},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":596},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":597},{"title":"- دليل من قال بوجوب التسمية","level":5,"page":599},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":599},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":600},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":603},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":605},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":606},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":606},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":607},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":609},{"title":"- دليل من قال: لا تشرع التسمية","level":5,"page":611},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":611},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":611},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":612},{"title":"الفصل الثاني في استحباب السواك للوضوء","level":4,"page":616},{"title":"- دليل من قال: السواك مستحب وليس بسنة","level":5,"page":617},{"title":"-دليل من قال: السواك سنة عند الوضوء","level":5,"page":620},{"title":"- دليل من قال السواك قبل الوضوء","level":5,"page":623},{"title":"-دليل من قال السواك عند المضمضة","level":5,"page":623},{"title":"الفصل الثالث من سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثا","level":4,"page":625},{"title":"المبحث الأول غسل الكفين قبل إدخالها في الماء مختص بالآنية","level":5,"page":629},{"title":"- الدليل على أن غسل الكفين مختص بالآنية الصغيرة","level":6,"page":630},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":631},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":631},{"title":"- دليل من قال: إن تحقيق السنة يشمل الآنية وغيرها حتى ماء الأنهار","level":6,"page":631},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":631},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":632},{"title":"المبحث الثاني في إعادة غسل الكفين إذا توضأ ثم أحدث في أثناء وضوئه","level":5,"page":633},{"title":"المبحث الثالث في افتقار غسل الكفين إلى النية","level":5,"page":634},{"title":"الفصل الرابع من سنن الوضوء المضمضة والاستنشاق","level":4,"page":636},{"title":"المبحث الأول في حكم المضمضة والاستنشاق","level":5,"page":637},{"title":"المبحث الثاني في استحباب تقديم المضمضة على الاستنشاق","level":5,"page":642},{"title":"-دليل القائلين بأنه سنة","level":6,"page":643},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":643},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":643},{"title":"دليل من قال: التقديم شرط","level":6,"page":644},{"title":"المبحث الثالث المبالغة في المضمضة والاستنشاق","level":5,"page":645},{"title":"- الدليل على مشروعية المبالغة في الاستنشاق","level":6,"page":647},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":647},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":648},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":648},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":648},{"title":"- دليل من قال: لا تشرع المبالغة في المضمضة.","level":6,"page":648},{"title":"- دليل من قال بوجوب المبالغة فيهما","level":6,"page":649},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":649},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":649},{"title":"المبحث الرابع في حكم المبالغة بالمضمضة والاستنشاق للصائم","level":5,"page":650},{"title":"- دليل من قال: بكراهية المبالغة في المضمضة.","level":6,"page":651},{"title":"-دليل من قال: تحرم المبالغة في المضمضة والاستنشاق","level":6,"page":651},{"title":"- دليل من قال: لا تكره المبالغة في المضمضة للصائم.","level":6,"page":651},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":651},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":651},{"title":"المبحث الخامس في استنثار الماء بعد الاستنشاق","level":5,"page":653},{"title":"-دليل من قال: إن الاستنثار سنة.","level":6,"page":654},{"title":"- دليل من قال بالوجوب.","level":6,"page":654},{"title":"المبحث السادس في استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال","level":5,"page":656},{"title":"-دليل من قال المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال","level":6,"page":657},{"title":"أما الدليل على كون المضمضة والاستنشاق باليمين","level":7,"page":657},{"title":"وأما الدليل على كون الاستنثار بالشمال","level":7,"page":657},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":662},{"title":"المبحث السابع في الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة","level":5,"page":664},{"title":"- دليل من قال بالفصل بين المضمضة والاستنشاق","level":6,"page":665},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":665},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":667},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":668},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":668},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":669},{"title":"-دليل من قال: يجمع بين المضمضة والاستنشاق","level":6,"page":669},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":669},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":670},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":671},{"title":"فرع في صفة الجمع والفصل بين المضمضة والاستنشاق","level":6,"page":673},{"title":"- دليل من قال: يأخذ ثلاث غرفات.","level":7,"page":673},{"title":"-دليل من قال غرفة واحدة يتمضمض ويستنشق منها ثلاث مرات.","level":7,"page":674},{"title":"الفصل الخامس التخليل من سنن الوضوء","level":4,"page":675},{"title":"المبحث الأول في تعريف التخليل","level":5,"page":675},{"title":"المبحث الثاني في تخليل اللحية","level":5,"page":676},{"title":"أدلة القائلين باستحباب تخليل اللحية","level":6,"page":678},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":678},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":682},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":683},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":685},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":686},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":687},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":689},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":690},{"title":"الدليل التاسع","level":7,"page":691},{"title":"الدليل العاشر","level":7,"page":691},{"title":"الدليل الحادي عشر","level":7,"page":692},{"title":"الدليل الثاني عشر","level":7,"page":693},{"title":"الدليل الثالث عشر","level":7,"page":693},{"title":"الدليل الرابع عشر","level":7,"page":694},{"title":"الدليل الخامس عشر","level":7,"page":694},{"title":"الدليل السادس عشر: حديث أنس بن مالك ﵁.","level":7,"page":695},{"title":"- دليل من قال: يكره تخليل اللحية.","level":6,"page":701},{"title":"- دليل من قال: يجب التخليل","level":6,"page":702},{"title":"المبحث الثالث في صفة تخليل اللحية","level":5,"page":704},{"title":"المبحث الرابع في تخليل الأصابع","level":5,"page":707},{"title":"-دليل الجمهور.","level":6,"page":709},{"title":"الدليل الثاني: حديث ابن عباس","level":6,"page":709},{"title":"الدليل الثالث: حديث المستورد بن شداد.","level":6,"page":711},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":713},{"title":"أدلة القائلين بوجوب التخليل","level":6,"page":714},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":714},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":715},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":715},{"title":"- دليل التفريق بين أصابع اليدين والرجلين.","level":6,"page":716},{"title":"المبحث الخامس في صفة تخليل الأصابع","level":5,"page":718},{"title":"الفصل السادس في استحباب تحريك الخاتم الواسع","level":4,"page":720},{"title":"- دليل الجمهور على وجوب نزع الخاتم الضيق","level":5,"page":721},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":721},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":722},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":722},{"title":"دليل من قال: لا يجب عليه تحريكه ضيقا كان أو واسعا","level":5,"page":723},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":5,"page":723},{"title":"مبحث في ماء الأذنين","level":5,"page":724},{"title":"- دليل من قال: إن الأذنين من الرأس فيمسحان بماء الرأس","level":6,"page":725},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":725},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":727},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":728},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":729},{"title":"الدليل الخامس: حديث عبد الله بن زيد.","level":7,"page":731},{"title":"الدليل السادس: حديث عبد الله بن عمرو.","level":7,"page":732},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":733},{"title":"الدليل الثامن على أن الأذنين يمسحان مع الرأس","level":7,"page":744},{"title":"-دليل من قال: يسن أخذ ماء جديد للأذنين","level":6,"page":746},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":746},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":748},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":749},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":749},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":749},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":749},{"title":"- دليل من قال: الأذنان من الوجه","level":6,"page":750},{"title":"الفصل السابع من سنن الوضوء التيامن","level":4,"page":751},{"title":"أدلة الاستحباب","level":5,"page":751},{"title":"الدليل الأول: الإجماع.","level":6,"page":751},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":752},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":752},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":753},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":753},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":755},{"title":"- دليل من قال: بالوجوب","level":5,"page":755},{"title":"- دليل من قال: بالكراهة","level":5,"page":756},{"title":"الفصل الثامن من سنن الوضوء استحباب الغسلة الثانية والثالثة","level":4,"page":757},{"title":"-دليل من استحب الغسلة الثانية والثالثة فيما عدا الرأس","level":5,"page":760},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":760},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":761},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":761},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":762},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":762},{"title":"- دليل من قال: يستحب التثليث في الرأس","level":5,"page":762},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":763},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":764},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":767},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":768},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":769},{"title":"-دليل من قال: يمسح رأسه مرتين","level":5,"page":771},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":771},{"title":"الفصل التاسع استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه","level":4,"page":779},{"title":"- دليل من قال بالتحريم","level":5,"page":780},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":780},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":781},{"title":"- دليل من قال: بالكراهة","level":5,"page":781},{"title":"- دليل من اعتبر الاقتصاد من الآداب","level":5,"page":782},{"title":"الفصل العاشر في مسح العنق","level":4,"page":785},{"title":"- دليل الحنفية على استحباب مسح العنق","level":5,"page":785},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":787},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":787},{"title":"- دليل الجمهور على عدم استحباب مسح العنق","level":5,"page":788},{"title":"مبحث في كيفية مسح العنق عند القائلين به","level":5,"page":789},{"title":"الفصل الحادي عشر من سنن الوضوء دلك أعضاء الوضوء","level":4,"page":790},{"title":"- دليل الجمهور","level":5,"page":791},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":791},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":792},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":792},{"title":"- دليل المالكية على وجوب الدلك","level":5,"page":792},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":793},{"title":"الفصل الثاني عشر في إطالة الغرة والتحجيل","level":4,"page":794},{"title":"المبحث الأول في تعريف الغرة والتحجيل","level":5,"page":794},{"title":"المبحث الثاني في استحباب إطالة الغرة والتحجيل","level":5,"page":796},{"title":"- دليل من قال: تشرع إطالة الغرة والتحجيل","level":6,"page":797},{"title":"- دليل من قال: لا تشرع إطالتهما","level":6,"page":797},{"title":"- دليل من قال: تشرع إطالة التحجيل دون الغرة","level":6,"page":798},{"title":"الفصل الثالث عشر في تنشيف أعضاء الوضوء بمنديل ونحوه","level":4,"page":800},{"title":"- دليل من قال: بكراهة التنشيف","level":5,"page":801},{"title":"- دليل من قال: يشرع التنشيف","level":6,"page":803},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":804},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":805},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":806},{"title":"الفصل الرابع عشر يستحب تجديد الوضوء","level":4,"page":808},{"title":"- الدليل على استحباب تجديد الوضوء","level":5,"page":810},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":810},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":810},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":810},{"title":"- دليل من قال: لا يستحب التجديد حتى يفصل بينهما بمجلس أو صلاة","level":5,"page":812},{"title":"الفصل الخامس عشر في استقبال القبلة حال الوضوء","level":4,"page":813},{"title":"الفصل السادس عشر من سنن الوضوء أن يقول الذكر الوارد بعده","level":4,"page":815},{"title":"المبحث الأول في استحباب قول: اللهم اجعلني من التوابين والمتطهرين","level":5,"page":817},{"title":"المبحث الثاني في استحباب رفع البصر إلى السماء عند الدعاء بعد الوضوء","level":5,"page":821},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":821},{"title":"المبحث الثالث في الأذكار التي تقال عند غسل الأعضاء","level":5,"page":824},{"title":"المبحث الرابع في حكم الصلاة على النبي ﷺ والتسمية عند غسل الأعضاء","level":5,"page":827},{"title":"المبحث الخامس في حكم قراءة سورة القدر بعد الوضوء","level":5,"page":828},{"title":"الفصل السابع عشر في الاستعانة في الوضوء","level":4,"page":829},{"title":"الفصل الثامن عشر في الكلام أثناء الوضوء","level":4,"page":838},{"title":"- دليل من كره الكلام أثناء الوضوء","level":5,"page":839},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":839},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":839},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":840},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":840},{"title":"- دليل من قال: لا يكره الكلام أثناء الوضوء","level":5,"page":841},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":841},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":841},{"title":"الفصل التاسع عشر في الوضوء قبل الوقت","level":4,"page":843},{"title":"الفصل العشرون في تساوي الذكر والأنثى في أحكام الوضوء","level":4,"page":849},{"title":"الفصل الحادي والعشرون في تخفيف الوضوء المستحب","level":4,"page":851},{"title":"الباب الثالث في فروض الوضوء","level":3,"page":856},{"title":"توطئة في تعريف الفرض","level":4,"page":856},{"title":"الفصل الأول من فروض الوضوء غسل الوجه","level":4,"page":858},{"title":"المبحث الأول حد الوجه","level":5,"page":862},{"title":"الفرع الأول حد الوجه طولا وعرضا","level":6,"page":862},{"title":"الفرع الثاني حكم البياض الواقع بين العذار وبين الأذن","level":6,"page":866},{"title":"- دليل الجمهور","level":7,"page":868},{"title":"- دليل من قال: ليس من الوجه","level":7,"page":868},{"title":"- دليل من قال: سنة","level":7,"page":868},{"title":"الفرع الثالث في غسل شعر الوجه","level":6,"page":870},{"title":"المسألة الأولى في شعر اللحية","level":7,"page":870},{"title":"- دليل من فرق بين الشعر الخفيف والكثيف","level":8,"page":872},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":872},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":872},{"title":"- دليل من أوجب غسل البشرة مطلقا","level":8,"page":872},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":872},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":873},{"title":"الدليل الثالث","level":9,"page":873},{"title":"المسألة الثانية في مسح شعر اللحية","level":7,"page":875},{"title":"دليل من قال: يجب غسل اللحية","level":8,"page":876},{"title":"المسألة الثالثة شعر الوجه فيما عدا اللحية","level":7,"page":878},{"title":"المسألة الرابعة في غسل المسترسل من اللحية","level":7,"page":880},{"title":"- دليل من قال: يجب غسل المسترسل من اللحية.","level":8,"page":881},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":881},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":881},{"title":"الدليل الثالث","level":9,"page":881},{"title":"- دليل من قال: لا يشرع غسل المسترسل","level":8,"page":882},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":882},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":882},{"title":"دليل من قال: يسن ولا يجب","level":9,"page":882},{"title":"الفرع الرابع إذا غسل وجهه غسل جزءا من الجوانب المحيطة به","level":6,"page":884},{"title":"الفرع الخامس في الكلام على الأنف والفم","level":6,"page":885},{"title":"الفرع السادس في غسل ما تحت الذقن","level":6,"page":887},{"title":"الفصل الثاني من فروض الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين","level":4,"page":888},{"title":"المبحث الأول في غسل المرفقين مع اليدين","level":5,"page":890},{"title":"- دليل الجمهور","level":6,"page":891},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":891},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":892},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":893},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":894},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":894},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":896},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":896},{"title":"- دليل من قال: لا يجب غسل المرفقين","level":6,"page":897},{"title":"المبحث الثاني في غسل اليد الزائدة ونحوها من أعضاء الوضوء","level":5,"page":900},{"title":"المبحث الثالث في الجلد المنكشط","level":5,"page":903},{"title":"المبحث الرابع في أقطع اليد أو بعضها","level":5,"page":905},{"title":"المبحث الخامس في الوسخ يكون تحت الظفر","level":5,"page":908},{"title":"الفصل الثالث من فروض الوضوء مسح الرأس","level":4,"page":911},{"title":"المبحث الأول في القدر الواجب مسحه من الرأس","level":5,"page":913},{"title":"- دليل الحنفية على جواز الاقتصار على الناصية في المسح","level":6,"page":917},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":917},{"title":"الدليل الثاني على جواز الاقتصار على الناصية","level":7,"page":920},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":921},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":922},{"title":"- دليل من قال يجزئ أقل ما يتناوله المسح","level":6,"page":923},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":923},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":924},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":924},{"title":"- دليل من قال: يجب استيعاب الرأس بالمسح","level":6,"page":925},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":925},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":925},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":925},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":926},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":926},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":7,"page":926},{"title":"المبحث الثاني تكرار مسح الرأس","level":5,"page":927},{"title":"المبحث الثالث في مسح الأذنين","level":5,"page":928},{"title":"دليل الجمهور على أن مسحهما سنة","level":6,"page":929},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":929},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":930},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":931},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":931},{"title":"دليل الحنابلة على وجوب مسح الأذنين","level":6,"page":932},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":932},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":932},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":933},{"title":"الفرع الأول في صفة مسح الأذنين","level":6,"page":935},{"title":"الفرع الثاني تمسح الأذنان معا","level":6,"page":939},{"title":"المبحث الرابع في المسح على العمامة","level":5,"page":940},{"title":"المبحث الخامس في المسح على الخمار","level":5,"page":943},{"title":"المبحث السادس في المسح على القلانس.","level":5,"page":945},{"title":"الفصل الرابع من فروض الوضوء: غسل الرجلين","level":4,"page":947},{"title":"أدلة الجمهور","level":5,"page":948},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":948},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":948},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":948},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":949},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":949},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":950},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":950},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":951},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":951},{"title":"دليل من قال: إن فرض الرجلين المسح","level":5,"page":955},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":955},{"title":"الدليل الثاني على جواز مسح القدمين.","level":6,"page":957},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":962},{"title":"الدليل الرابع: من الآثار.","level":6,"page":963},{"title":"دليل من قال: يجوز الغسل والمسح","level":5,"page":963},{"title":"الفصل الخامس من فروض الوضوء الترتيب بين الأعضاء","level":4,"page":965},{"title":"دليل من قال: الترتيب سنة","level":5,"page":967},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":967},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":968},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":969},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":970},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":970},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":971},{"title":"دليل من قال بوجوب الترتيب","level":5,"page":971},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":971},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":972},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":973},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":973},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":974},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":977},{"title":"الفصل السادس من فروض الوضوء المولاة","level":4,"page":980},{"title":"دليل الحنفية على استحباب الموالاة","level":5,"page":982},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":982},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":982},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":982},{"title":"دليل من قال بوجوب الموالاة مطلقا","level":5,"page":983},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":983},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":985},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":986},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":986},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":986},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":987},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":987},{"title":"دليل المالكية على أن الموالاة واجبة وتسقط مع العذر","level":5,"page":987},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":987},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":987},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":988},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":988},{"title":"نواقض الوضوء","level":2,"page":994},{"title":"الباب الأول في مسببات الحدث","level":3,"page":994},{"title":"الفصل الأول في الخارج من السبيلين","level":4,"page":994},{"title":"المبحث الأول في البول والغائط","level":5,"page":994},{"title":"الفرع الأول في تعريف الغائط","level":6,"page":994},{"title":"الفرع الثاني خروج البول والغائط حدث ناقض للوضوء","level":6,"page":996},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":996},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":996},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":997},{"title":"المبحث الثاني في خروج الريح","level":5,"page":999},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":999},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":999},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1000},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1004},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1006},{"title":"المبحث الثالث في خروج المذي","level":5,"page":1007},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1008},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1008},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1009},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1009},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1009},{"title":"المبحث الرابع في خروج الودي","level":5,"page":1011},{"title":"دليل من قال: إن الودي ينقض الوضوء.","level":6,"page":1012},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1012},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1012},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1012},{"title":"المبحث الخامس في خروج دم الاستحاضة","level":5,"page":1015},{"title":"المبحث السادس في الخارج النادر من السبيلين","level":5,"page":1021},{"title":"الفصل الثاني خروج النجس من البدن من غير السبيلين","level":4,"page":1024},{"title":"المبحث الأول خروج البول والغائط من غير السبيلين","level":5,"page":1024},{"title":"دليل الحنفية والحنابلة على النقض مطلقا","level":6,"page":1025},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1025},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1025},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1026},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1026},{"title":"دليل من اشترط انسداد المخرج وكونه تحت المعدة","level":6,"page":1027},{"title":"المبحث الثاني في خروج البول والغائط من مخرج غير معتاد","level":5,"page":1028},{"title":"المبحث الثالث في خروج النجس عدا البول والغائط من غير السبيلين","level":5,"page":1029},{"title":"دليل من قال: خروج النجس ينقض الوضوء","level":6,"page":1030},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1030},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1031},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1038},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1041},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1042},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1043},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":1044},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":1045},{"title":"الدليل التاسع","level":7,"page":1045},{"title":"الدليل العاشر","level":7,"page":1046},{"title":"الدليل الحادي عشر من الآثار","level":7,"page":1046},{"title":"الدليل الثاني عشر","level":7,"page":1047},{"title":"الدليل الثاني عشر","level":7,"page":1049},{"title":"دليل من قال: لا يعتبر خروج النجس حدثا","level":6,"page":1050},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1050},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1050},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1051},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1052},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1053},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1053},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":1054},{"title":"الفصل الثالث من نواقض الوضوء زوال العقل","level":4,"page":1060},{"title":"المبحث الأول انتقاض الوضوء بالجنون والإغماء ونحوهما","level":5,"page":1060},{"title":"المبحث الثاني انتقاض الوضوء بزوال العقل بالنوم","level":5,"page":1063},{"title":"دليل من قال: النوم لا ينقض مطلقا.","level":6,"page":1065},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1065},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1066},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1066},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1067},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1075},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1077},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":1077},{"title":"دليل من قال: إن النوم ناقض للوضوء مطلقا.","level":6,"page":1078},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1078},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1079},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1079},{"title":"دليل من قال: لا ينقض إلا نوم المضطجع.","level":6,"page":1081},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1081},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1083},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1084},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1085},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1085},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1085},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":1086},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":1086},{"title":"الدليل التاسع","level":7,"page":1087},{"title":"دليل المالكية بأن النوم الثقيل ناقض للوضوء بخلاف الخفيف","level":6,"page":1087},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1087},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1088},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1089},{"title":"دليل الشافعية على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء","level":6,"page":1090},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1090},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1090},{"title":"الدليل الثالث والرابع","level":7,"page":1091},{"title":"دليل الحنابلة على أن النوم ناقض للوضوء إلا يسيره من قاعد أو قائم","level":6,"page":1091},{"title":"دليل من قال: لا ينقض النوم في الصلاة على أي هيئة كان","level":6,"page":1091},{"title":"الفصل الرابع في نقض الوضوء بمس الفرج","level":4,"page":1094},{"title":"المبحث الأول في نقض الوضوء من مس الذكر","level":5,"page":1094},{"title":"دليل من قال بوجوب الوضوء من مس الذكر مطلقا","level":6,"page":1096},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1096},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1110},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1112},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1114},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1117},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1118},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":1120},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":1120},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1121},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1128},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1129},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1129},{"title":"دليل من قال: يستحب الوضوء من مس الذكر","level":6,"page":1129},{"title":"دليل من قال: يجب إن كان المس بشهوة ولا يجب بدونها","level":6,"page":1130},{"title":"دليل من قال: ينقض مس الذكر بباطن الكف دون ظاهره.","level":6,"page":1131},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1133},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1133},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1133},{"title":"دليل من اشترط العمد في المس.","level":6,"page":1133},{"title":"المبحث الثاني في مس المرأة فرجها","level":5,"page":1135},{"title":"دليل من قال: يجب عليها الوضوء","level":6,"page":1137},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1137},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1137},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1138},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1138},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1139},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1139},{"title":"دليل من قال: لا ينتقض وضوء المرأة إذا مست فرجها.","level":6,"page":1141},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1141},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1141},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1141},{"title":"المبحث الثالث في مس المرأة ذكر الرجل أو العكس ومس فرج الصغير","level":5,"page":1143},{"title":"دليل من قال: لا ينقض مطلقا","level":6,"page":1144},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1144},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1144},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1144},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1145},{"title":"دليل من قال بالنقض مطلقا","level":6,"page":1146},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1146},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1148},{"title":"دليل من قال: حكم مس الفرج من الغير حكم مس بدن الأجنبية","level":6,"page":1148},{"title":"الفرع الأول في مس فرج الميت","level":6,"page":1149},{"title":"الفرع الثاني في مس الذكر المنفصل","level":6,"page":1151},{"title":"دليل من قال: لا ينقض.","level":7,"page":1151},{"title":"المبحث الرابع في الملموس ذكره","level":5,"page":1153},{"title":"دليل من قال بنقض الوضوء إن وجد منه قصد أو لذة","level":6,"page":1154},{"title":"دليل من قال لا ينتقض وضوء الملموس","level":6,"page":1154},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1154},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1154},{"title":"فرع في مس المرأة شفري فرجها","level":6,"page":1156},{"title":"دليل من قال: لا ينقض","level":7,"page":1157},{"title":"المبحث الخامس في مس فرج البهيمة","level":5,"page":1159},{"title":"دليل من قال بالنقض من مس فرج البهيمة","level":6,"page":1160},{"title":"دليل من قال بعدم النقض","level":6,"page":1160},{"title":"دليل من اشترط لوجوب الوضوء وجود اللذة","level":6,"page":1161},{"title":"دليل من فرق بين الحيوان الطاهر والحيوان النجس","level":6,"page":1161},{"title":"المبحث السادس مس الأنثيين والأليتين والرفغين","level":5,"page":1162},{"title":"المبحث السابع في مس الخنثى المشكل","level":5,"page":1164},{"title":"الفرع الأول في مس الخنثى المشكل فرجه","level":6,"page":1164},{"title":"دليل من قال: لا ينقض مطلقا","level":7,"page":1165},{"title":"دليل المالكية على النقض بمس فرج الخنثى المشكل","level":7,"page":1165},{"title":"دليل الشافعية والحنابلة","level":7,"page":1165},{"title":"الفرع الثاني في مس الأجنبي فرج الخنثى المشكل","level":5,"page":1167},{"title":"الفصل الخامس في مس المرأة والأمرد","level":4,"page":1171},{"title":"المبحث الأول في مس بدن المرأة من غير حائل","level":5,"page":1171},{"title":"دليل من قال: مس المرأة لا ينقض الوضوء","level":6,"page":1172},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1172},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1172},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1182},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1183},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1183},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1184},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1184},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":1185},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":1185},{"title":"الدليل التاسع","level":7,"page":1185},{"title":"دليل من قال: مس المرأة ينقض الوضوء مطلقا","level":6,"page":1186},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1186},{"title":"الدليل الثاني من الآثار","level":7,"page":1189},{"title":"دليل من قال: مس المرأة ينقض الوضوء إن كان بشهوة","level":6,"page":1193},{"title":"المبحث الثاني في مس شعر وظفر المرأة","level":5,"page":1195},{"title":"دليل من قال: مس الشعر والظفر ينقض الوضوء مطلقا","level":6,"page":1196},{"title":"دليل من قيد النقض بالشهوة","level":6,"page":1196},{"title":"المبحث الثالث في مس المرأة مع حائل","level":5,"page":1197},{"title":"دليل من قال: لا ينقض","level":6,"page":1198},{"title":"دليل من قال: ينقض إن كان الحائل رقيقا","level":6,"page":1198},{"title":"المبحث الرابع في مس المحارم","level":5,"page":1200},{"title":"دليل المالكية بالنقض","level":6,"page":1201},{"title":"المبحث الخامس في مس الطفلة الصغيرة بشهوة","level":5,"page":1203},{"title":"المبحث السادس في مس الأمرد","level":5,"page":1205},{"title":"الفصل السادس من نواقض الوضوء أكل لحم الجزور","level":4,"page":1209},{"title":"المبحث الأول في الوضوء من لحم الإبل","level":5,"page":1209},{"title":"دليل الجمهور على ترك الوضوء من لحوم الإبل","level":6,"page":1210},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1210},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1218},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1219},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1220},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1220},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1221},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":1222},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":1222},{"title":"الدليل على وجوب الوضوء من لحوم الإبل","level":6,"page":1222},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1222},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1224},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1227},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1228},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1228},{"title":"المبحث الثاني علة الوضوء من لحوم الإبل","level":5,"page":1232},{"title":"المبحث الثالث في الوضوء من شحم الإبل وكبده وطحاله ومصرانه","level":5,"page":1236},{"title":"دليل من قال بعدم النقض","level":6,"page":1237},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1237},{"title":"التعليل الثاني","level":7,"page":1238},{"title":"التعليل الثالث","level":7,"page":1238},{"title":"دليل من قال بالنقض","level":6,"page":1238},{"title":"المبحث الرابع في الوضوء من لبن الإبل","level":5,"page":1240},{"title":"دليل من قال: يتوضأ من ألبانها","level":6,"page":1240},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1240},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1241},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1241},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1242},{"title":"دليل من قال: بعدم النقض","level":6,"page":1242},{"title":"الدليل الأول.","level":7,"page":1242},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1242},{"title":"المبحث الخامس الوضوء من مرق لحم الإبل","level":5,"page":1244},{"title":"دليل من قال: لا يجب الوضوء من مرق اللحم","level":6,"page":1244},{"title":"دليل من قال: يتوضأ من المرق","level":6,"page":1244},{"title":"المبحث السادس الوضوء من أكل اللحوم الخبيثة كالسباع","level":5,"page":1246},{"title":"المبحث السابع في الوضوء مما مست النار","level":5,"page":1249},{"title":"الفصل السابع في نقض الوضوء من القهقهة في الصلاة","level":4,"page":1255},{"title":"دليل الحنفية على القول بالنقض","level":5,"page":1256},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1256},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1259},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1260},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1260},{"title":"دليل الجمهور على عدم النقض بالقهقهة.","level":5,"page":1261},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1261},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1261},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1261},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1262},{"title":"الفصل الثامن في نقض الوضوء بالردة","level":4,"page":1263},{"title":"دليل من قال: لا تبطل الردة الوضوء","level":5,"page":1264},{"title":"التعليل الأول","level":6,"page":1264},{"title":"التعليل الثاني","level":6,"page":1264},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1265},{"title":"دليل من قال: الردة تبطل الوضوء","level":5,"page":1265},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1265},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1266},{"title":"دليل من فرق بين الوضوء والتيمم","level":5,"page":1267},{"title":"الفصل التاسع في الوضوء من غسل الميت","level":4,"page":1269},{"title":"دليل من قال بالنقض","level":5,"page":1270},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1270},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1271},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1272},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1275},{"title":"دليل من قال: لا ينقض الوضوء","level":5,"page":1276},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1276},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1277},{"title":"الفصل العاشر في نقض الوضوء بالشك","level":4,"page":1278},{"title":"دليل الجمهور على عدم النقض","level":5,"page":1279},{"title":"دليل من قال يجب الوضوء بالشك إلا أن يكون في صلاة","level":5,"page":1279},{"title":"الفصل الحادي عشر كل ما يوجب الحدث الأكبر فإنه يوجب الوضوء","level":4,"page":1282},{"title":"دليل الجمهور","level":5,"page":1283},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1283},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1283},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1283},{"title":"دليل الحنابلة على وجوب الوضوء أو نيته","level":5,"page":1284},{"title":"دليل داود الظاهري بأن الوضوء شرط في صحة الغسل","level":5,"page":1284},{"title":"الباب الثاني فيما يحرم على المحدث","level":3,"page":1286},{"title":"الفصل الأول يحرم على المحدث فعل الصلاة","level":4,"page":1286},{"title":"الفصل الثاني في تحريم الطواف على المحدث","level":4,"page":1288},{"title":"الفصل الثالث في وجوب الوضوء لمس المصحف","level":4,"page":1290},{"title":"طهارة الممسوح بالماء","level":2,"page":1292},{"title":"تمهيد","level":3,"page":1299},{"title":"الباب الأول في حكم المسح","level":3,"page":1304},{"title":"الفصل الأول حكم المسح على الخفين","level":4,"page":1304},{"title":"أدلة الجمهور على جواز المسح على الخفين.","level":5,"page":1305},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1305},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1307},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1307},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1308},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1308},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1308},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":1309},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":1311},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":1311},{"title":"الدليل العاشر","level":6,"page":1311},{"title":"أدلة القائلين بجواز المسح في السفر خاصة","level":5,"page":1312},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1312},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1316},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1317},{"title":"أدلة القائلين بأنه لا يجوز المسح","level":5,"page":1317},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1317},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1318},{"title":"الدليل الثالث لمن منع المسح","level":6,"page":1321},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1325},{"title":"الفصل الثاني خلاف العلماء في المسح على الجوربين","level":4,"page":1328},{"title":"دليل القائلين بجواز المسح على الجوارب","level":5,"page":1330},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1330},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1334},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1335},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1336},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1338},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1344},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":1344},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":1345},{"title":"دليل من منع المسح أو اشترط أن تكون الجوارب مجلدة أو منعلة","level":5,"page":1346},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1346},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1347},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1349},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1351},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":6,"page":1351},{"title":"الفصل الثالث في المسح على النعلين","level":4,"page":1352},{"title":"دليل من قال بجواز المسح","level":5,"page":1354},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1354},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1354},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1356},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1357},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1358},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1359},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":1360},{"title":"الفصل الرابع في المسح على الخرق واللفائف","level":4,"page":1368},{"title":"دليل من قال لا يجوز المسح على اللفائف","level":5,"page":1369},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1369},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1370},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1370},{"title":"دليل من قال يجوز المسح على اللفائف","level":5,"page":1371},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1371},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1372},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1372},{"title":"الفصل الخامس في التفضيل بين المسح والغسل","level":4,"page":1373},{"title":"دليل الجمهور على أن الأفضل الغسل","level":5,"page":1375},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1375},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1375},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1375},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1376},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1376},{"title":"دليل من قال المسح أفضل","level":5,"page":1377},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1377},{"title":"الدليل الثاني: أن المسح على الخفين أيسر على المكلف من غسلهما، خاصة في أيام الريح الباردة، والماء البارد، وما كان أيسر فهو أولى.","level":6,"page":1381},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1381},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1382},{"title":"دليل من قال المسح والغسل سواء","level":5,"page":1383},{"title":"دليل من قال إن كان عليه الخف فالأفضل المسح، وإلا فالأفضل الغسل.","level":5,"page":1383},{"title":"الفصل السادس تردد المسح بين الرخصة والعزيمة","level":4,"page":1384},{"title":"دليل من قال المسح على الخفين رخصة","level":5,"page":1385},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1385},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1387},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1388},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1394},{"title":"دليل من قال المسح عزيمة.","level":5,"page":1395},{"title":"الفصل السابع المسح على الخفين رافع للحديث","level":4,"page":1396},{"title":"دليل من قال المسح رافع للحدث","level":5,"page":1397},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1397},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1397},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1398},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1398},{"title":"دليل من قال إن المسح مبيح لا رافع","level":5,"page":1398},{"title":"الفصل الثامن لبس الخف بقصد المسح","level":4,"page":1400},{"title":"دليل من قال بجواز المسح.","level":5,"page":1402},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1402},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1402},{"title":"دليل من قال لا يمسح.","level":6,"page":1402},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1402},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1402},{"title":"دليل من قال لا يستحب.","level":6,"page":1403},{"title":"الفصل التاسع في مسح من به حدث دائم","level":4,"page":1404},{"title":"دليل من قال يمسح من به حدث دائم كغيره","level":5,"page":1407},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1407},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1407},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1408},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1408},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1408},{"title":"دليل من قال يمسح ما لم يخرج الوقت","level":5,"page":1408},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1408},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1408},{"title":"دليل من قال يمسح فريضة واحدة","level":5,"page":1409},{"title":"دليل من قال لا تمسح مطلقا","level":5,"page":1409},{"title":"الباب الثاني في شروط المسح على الخفين","level":3,"page":1411},{"title":"الشرط الأول في طهارة الخف","level":4,"page":1411},{"title":"الشرط الثاني في اشتراط إباحة الخف","level":4,"page":1416},{"title":"دليل من قال لا يجوز المسح","level":5,"page":1417},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1418},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1418},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1419},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1419},{"title":"أدلة القائلين بصحة المسح","level":5,"page":1420},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1420},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1420},{"title":"الشرط الثالث في اشتراط كون الخف ساترا لما يجب غسله","level":4,"page":1422},{"title":"دليل من قال: لا يجوز المسح على الخف المخرق","level":5,"page":1423},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1423},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1424},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1424},{"title":"أدلة القائلين بجواز المسح على الخف المخرق","level":5,"page":1425},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1425},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1425},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1425},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1426},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1426},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1426},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":1427},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":1427},{"title":"دليل القائلين بالتفريق بين اليسير والكثير","level":5,"page":1427},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":5,"page":1428},{"title":"الشرط الرابع في اشتراط ثبوت الخف بنفسه على القدم","level":4,"page":1430},{"title":"دليل من قال: لا يجوز المسح عليه","level":5,"page":1431},{"title":"دليل من قال بجواز المسح","level":5,"page":1432},{"title":"الشرط الخامس في اشتراط إمكان متابعة المشي على الخف","level":4,"page":1433},{"title":"دليل من قال بهذا الشرط","level":5,"page":1435},{"title":"الشرط السادس في اشتراط أن يكون الخف من الجلد","level":4,"page":1437},{"title":"دليل الجمهور","level":5,"page":1438},{"title":"دليل المالكية على اشتراط الجلد","level":5,"page":1438},{"title":"الشرط السابع في اشتراط كون الخف يمنع وصول الماء إلى القدم","level":4,"page":1440},{"title":"دليل من اعتبره شرطا","level":5,"page":1441},{"title":"دليل من لم يعتبره شرطا","level":5,"page":1441},{"title":"الشرط الثامن أن يكون المسح في الطهارة الصغرى","level":4,"page":1442},{"title":"الدليل من السنة","level":5,"page":1443},{"title":"الشرط التاسع أن يكون المسح في المدة المأذون له فيها شرعا","level":4,"page":1445},{"title":"الشرط العاشر في اشتراط لبس الخف على طهارة مائية","level":4,"page":1446},{"title":"دليل الجمهور","level":5,"page":1447},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1447},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1447},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1448},{"title":"دليل القائلين بجواز المسح","level":5,"page":1448},{"title":"الشرط الحادي عشر في اشتراط لبس الخفين بعد كمال الطهارة","level":4,"page":1450},{"title":"دليل الجمهور","level":5,"page":1452},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1452},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1452},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1454},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1456},{"title":"دليل الحنفية على جواز المسح","level":5,"page":1457},{"title":"الشرط الثاني عشر يشترط في سليم القدمين أن يمسح على الخفين معا","level":4,"page":1459},{"title":"الشرط الثالث عشر أن يكون المسح على الخفين وما فيه معناهما","level":4,"page":1461},{"title":"الشرط الرابع عشر في اشتراط النية للمسح","level":4,"page":1463},{"title":"فرع إذا لبس الخفين وهو يدافع الأخبثين","level":5,"page":1467},{"title":"دليل الحنابلة","level":6,"page":1467},{"title":"الباب الثالث في صفة المسح","level":3,"page":1469},{"title":"الفصل الأول في المقدار المجزئ للمسح على الخفين","level":4,"page":1469},{"title":"دليل من قال يمسح بثلاثة أصابع","level":5,"page":1470},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1470},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1471},{"title":"دليل من قال يجب استيعاب ظاهر الخف","level":5,"page":1472},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1472},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1475},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1477},{"title":"الدليل الرابع: من الآثار.","level":6,"page":1478},{"title":"دليل من قال يجزئ ما يقع عليه اسم المسح","level":5,"page":1478},{"title":"دليل من قال يجب أن يمسح أكثر ظاهر الخف.","level":5,"page":1478},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1478},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1479},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1480},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1480},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1481},{"title":"الفصل الثاني في مسح أسفل الخف","level":4,"page":1483},{"title":"دليل من قال: لا يمسح أسفل الخف","level":5,"page":1484},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1484},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1485},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1485},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1485},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1486},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1486},{"title":"دليل من قال: يمسح أسفل الخف","level":5,"page":1486},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1486},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1490},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1490},{"title":"الفصل الثالث في غسل الخف بدلا من مسحه","level":4,"page":1493},{"title":"دليل من قال يجزئ مع الكراهة","level":5,"page":1494},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1494},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1494},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1496},{"title":"دليل من قال لا يجزئ","level":5,"page":1499},{"title":"دليل من قال إن مسح بيده على الخفين حال الغسل أجزأ","level":5,"page":1499},{"title":"الفصل الرابع في تكرار المسح","level":4,"page":1500},{"title":"دليل من قال لا يسن أو قال: يكره تكرار المسح.","level":5,"page":1501},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1501},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1501},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1501},{"title":"دليل من قال يستحب تكرار المسح ثلاثا","level":5,"page":1501},{"title":"الفصل الخامس في تقديم الرجل اليمنى بالمسح","level":4,"page":1503},{"title":"دليل من قال يمسحان معا","level":5,"page":1504},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1504},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1505},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1505},{"title":"دليل من قال تقدم اليمنى على اليسرى","level":5,"page":1506},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1506},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1506},{"title":"الباب الرابع خلاف العلماء في ابتداء مدة المسح","level":3,"page":1509},{"title":"دليل من قال ابتداء المدة من أول حدث بعد لبس الخف","level":4,"page":1511},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":1511},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":1511},{"title":"الدليل الثالث","level":5,"page":1512},{"title":"الدليل الرابع","level":5,"page":1512},{"title":"أدلة القائلين بأن المدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث","level":4,"page":1512},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":1512},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":1513},{"title":"الدليل الثالث","level":5,"page":1513},{"title":"الدليل الرابع","level":5,"page":1514},{"title":"الدليل الخامس","level":5,"page":1514},{"title":"دليل من قال ابتداء المدة من اللبس","level":4,"page":1515},{"title":"دليل من قال تبتدئ مدة المسح من أول صلاة صلاها إلى خمس صلوات","level":4,"page":1516},{"title":"دليل من قال: تبدأ المدة من أول مسح إلى تمام يوم وليلة","level":4,"page":1516},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":1516},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":1517},{"title":"الباب الخامس في السفر وأحكام المسح على الخفين","level":3,"page":1518},{"title":"الفصل الأول اختلاف التوقيت بين المسافر والمقيم","level":4,"page":1518},{"title":"دليل من قال بالتوقيت","level":5,"page":1521},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1521},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1521},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1526},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1527},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1529},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1529},{"title":"دليل من قال بعدم التوقيت","level":5,"page":1535},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1535},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1540},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1543},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1546},{"title":"دليل من قدر التوقيت بعدد الصلوات","level":5,"page":1550},{"title":"دليل من قال لا توقيت في حال الضرورة والمشقة الكبيرة","level":5,"page":1550},{"title":"الفصل الثاني في مقدار المسافة التي يسوغ فيها مسح المسافر","level":4,"page":1553},{"title":"دليل الجمهور القائلين بأربعة برد","level":5,"page":1556},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1556},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1557},{"title":"دليل من حدد بمسيرة ثلاثة أيام","level":5,"page":1559},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1559},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1561},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1561},{"title":"دليل من حدد المسافة بثلاثة أميال","level":5,"page":1561},{"title":"دليل من قال يمسح في كل ما يسمى سفرا عرفا","level":5,"page":1564},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1564},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1565},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1566},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1566},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1567},{"title":"الفصل الثالث إذا لبس الخف وهو مقيم ثم سافر","level":4,"page":1569},{"title":"دليل الجمهور على أنه يمسح مسح مسافر","level":5,"page":1571},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1571},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1571},{"title":"دليل الجمهور","level":5,"page":1573},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1573},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1573},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1574},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1574},{"title":"دليل الحنفية على كونه يمسح مسح مسافر.","level":5,"page":1574},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1574},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1574},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1575},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1575},{"title":"الفصل الرابع إذا مسح في السفر ثم أقام","level":4,"page":1576},{"title":"دليل الجمهور.","level":5,"page":1577},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1577},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1577},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1577},{"title":"الفصل الخامس إذا شك في ابتداء المسح","level":4,"page":1579},{"title":"الفصل السادس في مسح المسافر العاصي بسفره","level":4,"page":1581},{"title":"دليل الحنفية على جواز المسح","level":5,"page":1582},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1582},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1583},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1583},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1583},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1584},{"title":"دليل من قال: لا يمسح مسح مسافر","level":5,"page":1584},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1584},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1585},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1586},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1587},{"title":"دليل المالكية على المنع من الرخص المختصة بالسفر دون غيرها","level":5,"page":1588},{"title":"الباب السادس في أحكام لبس الخف على الخف","level":3,"page":1591},{"title":"الفصل الأول في جواز المسح إذا لبس خفا على خف","level":4,"page":1591},{"title":"أدلة القائلين بالجواز","level":5,"page":1592},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1592},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1596},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1596},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1597},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1597},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1597},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":1597},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":1597},{"title":"أدلة المانعين","level":5,"page":1598},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1598},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1598},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1599},{"title":"الفصل الثاني في مسح الخف الثاني إذا لبسه بعد الحدث","level":4,"page":1600},{"title":"الفصل الثالث في المسح على الخف المخرق","level":4,"page":1605},{"title":"الفصل الرابع إذا مسح الأعلى ثم خلعه","level":4,"page":1609},{"title":"الباب السابع مبطلات المسح على الخفين","level":3,"page":1613},{"title":"الفصل الأول إذا نزع خفيه بعد المسح وقبل تمام المدة","level":4,"page":1613},{"title":"دليل الحنفية على وجوب غسل القدم.","level":5,"page":1615},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1615},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1615},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1616},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1617},{"title":"دليل المالكية على وجوب غسل القدمين مباشرة.","level":5,"page":1617},{"title":"دليل من قال ببطلان الطهارة","level":6,"page":1618},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1619},{"title":"دليل من قال طهارته صحيحة.","level":6,"page":1619},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1620},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1620},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1620},{"title":"الفصل الثاني في بطلان الطهارة بظهور بعض محل الفرض","level":4,"page":1622},{"title":"دليل من قال تبطل الطهارة بظهور أكثر القدم.","level":5,"page":1624},{"title":"دليل من قال تبطل طهارته بظهور أكثر العقب.","level":5,"page":1624},{"title":"دليلهم هو نفس دليل القول السابق، من أنه لا يمكن المشي بهذه الصفة. ولأن الأكثر له حكم الكل.","level":5,"page":1624},{"title":"دليل من قال إذا نزع من ظهر القدم قدر ثلاثة أصابع بطل مسحه.","level":5,"page":1624},{"title":"الدليل على قول محمد بن الحسن","level":5,"page":1625},{"title":"دليل الشافعية","level":5,"page":1625},{"title":"دليل من قال تبطل طهارته مطلقا","level":5,"page":1625},{"title":"الفصل الثالث في استئناف الوضوء بانتهاء مدة المسح","level":4,"page":1628},{"title":"دليل من قال يجب غسل القدمين","level":5,"page":1629},{"title":"دليل من قال يجب استئناف الوضوء","level":5,"page":1630},{"title":"دليل من قال لا تبطل طهارته.","level":5,"page":1630},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1630},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1630},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1630},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1630},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1631},{"title":"الفصل الرابع في بطلان المسح بوجود الحدث الأكبر","level":4,"page":1632},{"title":"الباب الثامن في أحكام المسح على العمامة","level":3,"page":1634},{"title":"الفصل الأول في المسح على العمامة","level":4,"page":1634},{"title":"دليل الحنابلة على الجواز","level":5,"page":1636},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1636},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1644},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1646},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1652},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1652},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1654},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":1655},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":1656},{"title":"الدليل التاسع: من الآثار.","level":6,"page":1657},{"title":"أدلة المانعين","level":5,"page":1660},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1660},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1661},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1662},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1664},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1665},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1666},{"title":"الدليل السابع: من الآثار.","level":6,"page":1667},{"title":"الفصل الثاني في المسح على الخمار","level":4,"page":1669},{"title":"دليل من قال لا تمسح.","level":5,"page":1670},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1670},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1670},{"title":"الدليل الثالث، من الآثار.","level":6,"page":1671},{"title":"دليل من قال تمسح.","level":5,"page":1672},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1672},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1673},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1673},{"title":"الفصل الثالث في المسح على القلانس","level":4,"page":1675},{"title":"دليل من قال لا يمسح.","level":5,"page":1676},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1676},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1676},{"title":"دليل القائلين بالمسح.","level":5,"page":1677},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1677},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1677},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1678},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1678},{"title":"دليل من قال يشترط أن تكون مشدودة تحت الحلق.","level":5,"page":1678},{"title":"الفصل الرابع شروط المسح على العمامة","level":4,"page":1679},{"title":"الشرط الأول في اشتراط التحنيك أو الذؤابة في العمة","level":5,"page":1679},{"title":"دليل الحنابلة.","level":6,"page":1680},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1680},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1680},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1681},{"title":"دليل من قال لا يشترط.","level":6,"page":1681},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1681},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1681},{"title":"الشرط الثاني الخلاف في اشتراط لبسها على طهارة","level":5,"page":1683},{"title":"دليل الحنابلة على اشتراط الطهارة.","level":6,"page":1684},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1684},{"title":"دليل من قال لا تشترط الطهارة.","level":6,"page":1684},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1684},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1684},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1685},{"title":"الشرط الثالث الخلاف في توقيت المسح على العمامة","level":5,"page":1686},{"title":"دليل الحنابلة على اشتراط التوقيت.","level":6,"page":1687},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1687},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1687},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1688},{"title":"دليل من قال يمسح بلا توقيت","level":6,"page":1688},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1688},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1688},{"title":"الشرط الرابع لا تمسح العمامة إلا في الحدث الأصغر","level":5,"page":1689},{"title":"الشرط الخامس الخلاف في اشتراط استيعاب العمامة في المسح","level":5,"page":1691},{"title":"دليل من قال لا يجب الاستيعاب.","level":6,"page":1691},{"title":"دليل من قال بوجوب الاستيعاب.","level":6,"page":1692},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1692},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1692},{"title":"دليل من قال بالوجوب.","level":6,"page":1693},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1693},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1694},{"title":"دليل من قال لا يجب","level":6,"page":1694},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1694},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1694},{"title":"الشرط السادس يشترط أن تكون العمامة مباحة","level":5,"page":1696},{"title":"الشرط السابع أن تكون العمامة ساترة لما جرت العادة بستره","level":5,"page":1698},{"title":"الفصل الخامس خلع العمامة بعد المسح عليها","level":4,"page":1700},{"title":"الباب التاسع في المسح على الجبيرة","level":3,"page":1704},{"title":"الفصل الأول خلاف العلماء في جواز المسح على الجبيرة","level":4,"page":1704},{"title":"دليل القائلين بجواز المسح على الجبيرة","level":5,"page":1706},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1706},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1710},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1711},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1711},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1712},{"title":"الدليل السادس: من الآثار.","level":6,"page":1712},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":1714},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":1715},{"title":"أدلة القائلين بالتيمم","level":5,"page":1715},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1715},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1716},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1717},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1718},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1719},{"title":"دليل من قال يسقط فرضه ولا يمسح ولا يتيمم","level":5,"page":1720},{"title":"دليل من قال يجمع بين المسح والتيمم.","level":5,"page":1721},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1721},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1721},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1721},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1722},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1723},{"title":"الفصل الثاني في شروط المسح على الجبيرة","level":4,"page":1724},{"title":"الشرط الأول أن يكون الغسيل مما يضر بالعضو أو الجروح","level":5,"page":1724},{"title":"الشرط الثاني في اشتراط لبس الجبيرة على طهارة","level":5,"page":1726},{"title":"دليل الحنفية والمالكية على عدم اشتراط الطهارة","level":6,"page":1727},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1727},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1727},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1727},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1727},{"title":"دليل الحنابلة والشافعية على اشتراط الطهارة.","level":6,"page":1727},{"title":"الشرط الثالث في اشتراط ألا تتجاوز قدر الحاجة","level":5,"page":1729},{"title":"دليل من قال بالجمع بين المسح والتيمم.","level":6,"page":1731},{"title":"الشرط الرابع في اشتراط أن تكون الجبيرة مباحة","level":5,"page":1732},{"title":"الشرط الخامس في اشتراط أن يكون غالب البدن صحيحا","level":5,"page":1733},{"title":"الشرط السادس في اشتراط الجبيرة للمسح","level":5,"page":1735},{"title":"الشرط السابع في اشتراط أن تكون الجبيرة من خشب","level":5,"page":1737},{"title":"الفصل الثالث في إعادة المسح إذا سقطن الجبيرة أو أبدلها","level":4,"page":1739},{"title":"دليل الحنفية على التفريق بين كون السقوط عن برء وبين غيره","level":5,"page":1740},{"title":"دليل المالكية على وجوب مسحها أو غسل الموضع مباشرة","level":5,"page":1740},{"title":"دليل من قال تبطل الطهارة مطلقا","level":5,"page":1741},{"title":"الفصل الرابع في صفة المسح","level":4,"page":1742},{"title":"المبحث الأول في استيعاب الجبيرة بالمسح","level":5,"page":1742},{"title":"دليل من قال بوجوب التعميم","level":6,"page":1743},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1743},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1743},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1743},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1743},{"title":"دليل الحنفية بالاكتفاء بالأكثر","level":6,"page":1743},{"title":"دليل من قال يكفي مطلق المسح","level":6,"page":1744},{"title":"المبحث الثاني في تكرار المسح على الجبيرة إذا كانت على موضع يستحب تكرار غسله","level":5,"page":1745},{"title":"طهارة الغسل","level":2,"page":1751},{"title":"الباب الأول في موجبات الغسل","level":3,"page":1759},{"title":"الفصل الأول خروج المني","level":4,"page":1759},{"title":"المبحث الأول خروجه في اليقظة","level":5,"page":1759},{"title":"دليل الجمهور على اشتراط الدفق بلذة","level":6,"page":1761},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1761},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1761},{"title":"دليل الشافعية على وجوب الغسل بخروج المني كيفما كان","level":6,"page":1765},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1765},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1765},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1765},{"title":"الفرع الأول في اشتراط أن تكون اللذة مقارنة للخروج","level":6,"page":1767},{"title":"دليل من قال يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج","level":7,"page":1769},{"title":"دليل من اشترط أن تكون اللذة حال الانتقال، ولو لم تكن مقارنة للخروج.","level":7,"page":1769},{"title":"دليل من قال: يكفي وجود الشهوة حال انتقال المني ولو لم يخرج المني","level":7,"page":1769},{"title":"الفرع الثاني في تكرار خروج المني","level":6,"page":1771},{"title":"دليل من قال: يجب عليه الغسل مطلقا","level":7,"page":1773},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":1773},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":1773},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":1773},{"title":"دليل من قال: يجب عليه الغسل إن خرج قبل البول","level":7,"page":1773},{"title":"دليل من قال: يجب عليه الغسل إن خرج بعد البول","level":7,"page":1774},{"title":"الفرع الثالث إذا أنزل دون الفرج فسال الماء حتى دخل في الفرج ثم خرج","level":6,"page":1775},{"title":"دليل من قال: لا غسل عليها","level":7,"page":1777},{"title":"دليل من قال: يجب عليها الغسل","level":7,"page":1777},{"title":"دليل من اشترط اللذة","level":7,"page":1777},{"title":"المبحث الثاني خروج المني حال النوم","level":5,"page":1779},{"title":"الحالة الأولى: أن يتيقن أنه مني","level":6,"page":1780},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1780},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1780},{"title":"ودليل هذا القول","level":7,"page":1780},{"title":"الحالة الثانية: أن يتيقن أنه مذي","level":6,"page":1781},{"title":"الحالة الثالثة: أن يشك هل هو مني أو مذي؟","level":6,"page":1782},{"title":"القول الأول","level":7,"page":1782},{"title":"القول الثاني","level":7,"page":1782},{"title":"القول الثالث","level":7,"page":1783},{"title":"القول الرابع","level":7,"page":1783},{"title":"القول الخامس","level":7,"page":1783},{"title":"الفرع الأول إذا التذ في نومه ثم خرج منه المني في اليقظة من غير لذة","level":6,"page":1785},{"title":"الفرع الثاني في الرجل يذكر احتلاما ولم ير بللا","level":6,"page":1787},{"title":"دليل القائلين بعدم وجوب الغسل","level":7,"page":1788},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":1788},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":1789},{"title":"دليل من قال: يجب عليه الغسل","level":7,"page":1789},{"title":"دليل من فرق بين الرجل والمرأة","level":7,"page":1789},{"title":"الفرع الثالث إذا رأى منيا في ثوب ينام فيه هو وغيره","level":6,"page":1791},{"title":"دليل من قال بوجوب الغسل عليهما","level":7,"page":1792},{"title":"دليل من قال: لا يجب الغسل على واحد منهما","level":7,"page":1793},{"title":"دليل من قال: إن كانا زوجين وجب الغسل على الزوج","level":7,"page":1793},{"title":"دليل من قال: يستحب الغسل منهما","level":7,"page":1793},{"title":"الفصل الثاني في إيجاب الغسل من التقاء الختانين","level":4,"page":1795},{"title":"المبحث الأول في إيجاب الغسل بمجرد الإيلاج","level":5,"page":1795},{"title":"دليل من قال: لا يجب الغسل بالتقاء الختانين حتى ينزل","level":6,"page":1797},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1797},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1799},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1800},{"title":"دليل من قال: يجب الغسل بالتقاء الختانين ولو لم ينزل","level":6,"page":1802},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1802},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1805},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1811},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1814},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1815},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1816},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":1817},{"title":"الدليل التاسع","level":7,"page":1818},{"title":"المبحث الثاني في الإيلاج في فرج الصغيرة التي لا يوطأ مثلها","level":5,"page":1820},{"title":"دليل القائلين بعدم وجوب الغسل","level":6,"page":1821},{"title":"دليل القائلين بوجوب الغسل","level":6,"page":1821},{"title":"المبحث الثالث في الإيلاج في فرج الميت","level":5,"page":1822},{"title":"دليل من قال: لا يجب الغسل في فرج الميتة","level":6,"page":1823},{"title":"دليل من قال بوجوب الغسل","level":6,"page":1823},{"title":"المبحث الرابع في إيجاب الغسل على الصغير إذا جامع","level":5,"page":1825},{"title":"المبحث الخامس في إدخال ذكر النائم والمجنون ونحوهما في الفرج","level":5,"page":1828},{"title":"المبحث السادس في الإيلاج في فرج البهيمة","level":5,"page":1830},{"title":"دليل من قال بوجوب الغسل","level":6,"page":1831},{"title":"المبحث السابع في إدخال بعض الحشفة","level":5,"page":1832},{"title":"دليل من قال: يجب إدخال الحشفة","level":6,"page":1833},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1833},{"title":"دليل من قال: يكفي بعض الحشفة","level":6,"page":1835},{"title":"المبحث الثامن في إيلاج مقطوع الحشفة","level":5,"page":1836},{"title":"دليل من قال: لا بد من إيلاج جميع الذكر","level":6,"page":1837},{"title":"دليل من قال: يكفي إيلاج مقدار الحشفة","level":6,"page":1838},{"title":"المبحث التاسع في الإيلاج بالدبر","level":5,"page":1839},{"title":"دليل من قال: يوجب الغسل","level":6,"page":1840},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1840},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1840},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1840},{"title":"دليل من قال: لا يوجب الغسل","level":6,"page":1840},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1840},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1841},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1841},{"title":"المبحث العاشر في إدخال الأصبع ونحوها في الفرج","level":5,"page":1843},{"title":"دليل من قال: لا يجب الغسل","level":6,"page":1844},{"title":"دليل من قال: يجب عليه الغسل","level":6,"page":1844},{"title":"المبحث الحادي عشر في الإيلاج مع وجود حائل","level":5,"page":1845},{"title":"دليل من قال: لا يجب عليه الغسل مطلقا","level":6,"page":1846},{"title":"دليل من قال: يجب الوضوء مع الحائل","level":6,"page":1847},{"title":"دليل من قال بالتفريق بين الرقيق والغليظ","level":6,"page":1847},{"title":"المبحث الثاني عشر إذا أولج في قبل أو دبر خنثى مشكل","level":5,"page":1848},{"title":"دليل من قال: بعدم وجوب الغسل","level":6,"page":1849},{"title":"دليل المالكية على وجوب الغسل","level":6,"page":1849},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1849},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1850},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1850},{"title":"المبحث الثالث عشر لو غيب الرجل ذكره في دبر نفسه","level":5,"page":1852},{"title":"دليل الحنفية","level":6,"page":1853},{"title":"دليل من أوجب الغسل","level":6,"page":1853},{"title":"الفصل الثالث في الشك في موجب الغسل","level":4,"page":1854},{"title":"الفصل الرابع في إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم","level":4,"page":1857},{"title":"دليل من قال: يجب عليه الغسل مطلقا","level":5,"page":1858},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1858},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1861},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1864},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1865},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1866},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1867},{"title":"دليل من قال: لا يجب عليه الغسل مطلقا","level":5,"page":1867},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1867},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1867},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1868},{"title":"دليل من قال: يستحب له الغسل مطلقا","level":5,"page":1869},{"title":"دليل من قال: يجب عليه الغسل إن كان جنبا حال كفره","level":5,"page":1869},{"title":"الفصل الخامس في إيجاب الغسل بالموت أو تغسيل الميت","level":4,"page":1872},{"title":"المبحث الأول في وجوب غسل الميت","level":5,"page":1872},{"title":"دليل الجمهور","level":6,"page":1873},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1873},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1874},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1874},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1875},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1875},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1875},{"title":"دليل من قال: غسل الميت ليس بواجب.","level":6,"page":1879},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1879},{"title":"المبحث الثاني في الغسل من تغسيل الميت","level":5,"page":1881},{"title":"دليل من قال: يجب عليه الغسل","level":6,"page":1882},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1882},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1883},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1884},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1884},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1886},{"title":"دليل من قال: لا يشرع الغسل من تغسيل الميت","level":6,"page":1886},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1886},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1887},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1888},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1889},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1889},{"title":"دليل من قال: يجب الغسل من تغسيل الكافر","level":6,"page":1890},{"title":"دليل من قال: غسل الميت يوجب الوضوء فقط","level":6,"page":1891},{"title":"دليل من قال: يستحب الغسل ولا يجب","level":6,"page":1891},{"title":"الفصل السادس في غسل الجمعة","level":4,"page":1893},{"title":"المبحث الأول في وجوب غسل الجمعة","level":5,"page":1893},{"title":"دليل من قال: الغسل يوم الجمعة مسنون.","level":6,"page":1895},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1895},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1901},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1902},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1904},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":1905},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":1907},{"title":"دليل من قال: غسل الجمعة واجب.","level":6,"page":1907},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1907},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1908},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1908},{"title":"دليل من قال: الغسل واجب على من كان به رائحة كريهة.","level":6,"page":1913},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1913},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1914},{"title":"المبحث الثاني غسل الجمعة للصلاة لا لليوم","level":5,"page":1916},{"title":"دليل من قال: الغسل يوم الجمعة للصلاة","level":6,"page":1917},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1917},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1917},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1919},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":1919},{"title":"دليل من قال: الغسل لليوم، وليس للصلاة","level":6,"page":1920},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1920},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1920},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1921},{"title":"دليل من قال: لو اغتسل قبل الفجر ثم صلى الجمعة بذلك الغسل أجزأ","level":6,"page":1922},{"title":"المبحث الثالث في غسل من لا تجب عليه الجمعة","level":5,"page":1924},{"title":"دليل من قال: الغسل متعلق بالحضور، ولو لم تلزمه","level":6,"page":1926},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1926},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1926},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":1927},{"title":"دليل من قال: الغسل يلزم كل بالغ حضر الجمعة أو لا","level":6,"page":1928},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":1928},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":1928},{"title":"دليل من قال: الغسل واجب على الرجال دون النساء","level":6,"page":1929},{"title":"دليل من قال: يلزم الغسل لمن تلزمه الجمعة وإن تركها لعذر","level":6,"page":1930},{"title":"الفصل السابع من موجبات الغسل حيض المرأة","level":4,"page":1931},{"title":"الدليل من السنة على وجوب الاغتسال","level":5,"page":1932},{"title":"الفصل الثامن من موجبات الغسل النفاس","level":4,"page":1935},{"title":"الباب الثاني في الأغسال المستحبة","level":3,"page":1937},{"title":"الفصل الأول الغسل للإحرام","level":4,"page":1937},{"title":"دليل من قال: الغسل للإحرام مسنون","level":5,"page":1938},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1938},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1939},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1940},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1940},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1941},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":1941},{"title":"دليل ابن حزم على وجوب الغسل إذا خشيت فوات الحج","level":6,"page":1942},{"title":"دليل من قال: الغسل للإحرام واجب","level":6,"page":1944},{"title":"الفصل الثاني الغسل لدخول مكة","level":4,"page":1945},{"title":"الدليل على مشروعية الغسل لدخول مكة","level":5,"page":1946},{"title":"الفصل الثالث الاغتسال من زوال العقل","level":4,"page":1947},{"title":"دليل من قال بأن الغسل سنة","level":5,"page":1948},{"title":"دليل من قال: لا يشرع الغسل","level":5,"page":1949},{"title":"دليل من قال: الغسل واجب","level":5,"page":1950},{"title":"الفصل الرابع الغسل للعيدين","level":4,"page":1951},{"title":"المبحث الأول في وقت الاغتسال للعيد","level":5,"page":1960},{"title":"دليل من قال: يجوز بأي ساعة من الليل","level":6,"page":1961},{"title":"دليل من قال: الغسل بعد طلوع الصبح","level":6,"page":1961},{"title":"المبحث الثاني غسل العيد لليوم أو للصلاة","level":5,"page":1962},{"title":"الفصل الخامس الغسل يوم عرفة","level":4,"page":1964},{"title":"دليل من قال: يستحب الغسل","level":5,"page":1965},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1965},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1966},{"title":"دليل من قال: لا يستحب الغسل","level":5,"page":1966},{"title":"الفصل السادس في الاغتسال للوقوف بمزدلفة","level":4,"page":1968},{"title":"دليل من قال بالاستحباب","level":5,"page":1969},{"title":"دليل من قال: لا يستحب","level":5,"page":1969},{"title":"الفصل السابع في الاغتسال لرمي الجمار","level":4,"page":1970},{"title":"دليل المشروعية","level":5,"page":1971},{"title":"دليل من قال: لا يستحب","level":5,"page":1971},{"title":"الفصل الثامن الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء","level":4,"page":1972},{"title":"دليل من قال بالاستحباب","level":5,"page":1973},{"title":"دليل من قال: لا يستحب ذلك.","level":5,"page":1973},{"title":"الفصل التاسع الغسل من الحجامة","level":4,"page":1974},{"title":"دليل من قال بالاستحباب","level":5,"page":1975},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1975},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1975},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1976},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1976},{"title":"دليل من قال: لا يغتسل من الحجامة.","level":5,"page":1977},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1977},{"title":"دليل من قال: الاغتسال من الحجامة واجب.","level":5,"page":1977},{"title":"الباب الثالث أحكام الجنب","level":3,"page":1978},{"title":"الفصل الأول تحريم فعل الصلاة","level":4,"page":1978},{"title":"وهذا الحكم من المعلوم بالدين بالضرورة، ودل عليه أدلة كثيرة، منها","level":5,"page":1978},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1978},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1979},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1979},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1979},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1980},{"title":"الفصل الثاني في طواف الجنب","level":4,"page":1981},{"title":"دليل الجمهور على اشتراط الطهارة من الجنابة","level":5,"page":1982},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1982},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1984},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1986},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":1987},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":1989},{"title":"دليل من قال: الطهارة من الجنابة سنة في الطواف","level":5,"page":1990},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":1990},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1991},{"title":"دليل من قال: الطهارة واجبة، ويصح الطواف بدونها وتجبر بدم","level":5,"page":1992},{"title":"الفصل الثالث مكث الجنب في المسجد","level":4,"page":1994},{"title":"دليل من قال: لا يجوز للجنب المكث في المسجد","level":5,"page":1995},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":1999},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":1999},{"title":"دليل الحنابلة على جواز المكث بشرط الوضوء","level":5,"page":2007},{"title":"دليل من قال: يجوز مكث الجنب في المسجد","level":5,"page":2007},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2007},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2008},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2009},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":2010},{"title":"الفصل الرابع في قراءة الجنب للقرآن","level":4,"page":2012},{"title":"دليل الجمهور على منع الجنب من قراءة القرآن","level":5,"page":2013},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2013},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2015},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2015},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":2016},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":2016},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":2017},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":2018},{"title":"دليل من قال: يجوز للجنب قراءة القرآن","level":5,"page":2019},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2019},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2019},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2020},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":2020},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":2021},{"title":"الفصل الخامس في مس الجنب للمصحف","level":4,"page":2023},{"title":"الفصل السادس في صيام الجنب","level":4,"page":2024},{"title":"دليل الجمهور على صحة صوم الجنب","level":5,"page":2025},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2025},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2025},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2026},{"title":"دليل من قال: لا يصح صوم الجنب","level":5,"page":2026},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2026},{"title":"دليل من فرق بين الفرض والنفل أو بين المعذور وغير المعذور","level":5,"page":2036},{"title":"الفصل السابع في أذان وإقامة الجنب للصلاة","level":4,"page":2041},{"title":"المبحث الأول في أذان الجنب","level":5,"page":2041},{"title":"دليل من قال: لا يصح الأذان إلا بطهارة","level":6,"page":2042},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2043},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2043},{"title":"دليل من قال: يكره أذان الجنب","level":6,"page":2043},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2043},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2044},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2045},{"title":"دليل من قال: يصح الأذان من الجنب","level":6,"page":2045},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2045},{"title":"المبحث الثاني في إقامة الجنب للصلاة","level":5,"page":2047},{"title":"الفصل الثامن في نوم الجنب","level":4,"page":2049},{"title":"دليل من قال: للجنب أن ينام دون أن يمس ماء","level":5,"page":2053},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2053},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2060},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2064},{"title":"دليل القائلين بوجوب الوضوء إذا أراد الجنب أن ينام","level":5,"page":2064},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2064},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2065},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2065},{"title":"دليل من قال: يكره النوم للجنب بدون وضوء","level":5,"page":2066},{"title":"الفصل التاسع في أكل الجنب وشربه","level":4,"page":2067},{"title":"دليل من قال: يستحب له أن يغسل يديه","level":5,"page":2068},{"title":"دليل من قال: يستحب له الوضوء.","level":5,"page":2075},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2075},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2076},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":2077},{"title":"الفصل العاشر في استحباب الوضوء لمعاودة الوطء","level":4,"page":2078},{"title":"دليل من قال: يجب الوضوء لمعاودة الوطء","level":5,"page":2079},{"title":"دليل من قال: يستحب الوضوء","level":5,"page":2079},{"title":"دليل من قال: يغسل فرجه","level":5,"page":2081},{"title":"دليل من قال: يجب غسل فرجه إن كانت الموطوءة أخرى","level":5,"page":2082},{"title":"الفصل الحادي عشر في طهارة جسد الجنب وعرقه","level":4,"page":2083},{"title":"الدليل على طهارة بدن الجنب وعرقه.","level":5,"page":2084},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2084},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2084},{"title":"دليل الحنفية على نجاسة بدن الجنب","level":5,"page":2085},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2085},{"title":"الفصل الثاني عشر في انغماس الجنب في الماء الدائم","level":4,"page":2087},{"title":"المبحث الأول في حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم","level":5,"page":2088},{"title":"دليل من قال: يحرم الاغتسال في الماء الدائم","level":6,"page":2089},{"title":"دليل من قال: النهي عن الاغتسال في الماء الدائم للكراهة","level":6,"page":2089},{"title":"دليل من قال: يجوز بلا كراهة بشرط غسل الأذى","level":6,"page":2091},{"title":"دليل من قال: إن النهي عن الجمع بين البول والاغتسال","level":6,"page":2091},{"title":"المبحث الثاني أثر انغماس الجنب على الماء القليل","level":5,"page":2094},{"title":"الفصل الثالث عشر في ذبيحة الجنب","level":4,"page":2099},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":2099},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":2100},{"title":"الباب الرابع في آداب الغسل","level":3,"page":2102},{"title":"الفصل الأول تجنب الإسراف في الغسل","level":4,"page":2102},{"title":"دليل من قال: باستحباب الصاع للغسل","level":5,"page":2104},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2104},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2104},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2104},{"title":"دليل من قال: لا تقدير في ماء الغسل","level":5,"page":2105},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2105},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2105},{"title":"دليل من قال: لا يجزئ أقل من صاع","level":5,"page":2106},{"title":"الفصل الثاني من آداب الغسل أن يستتر عن أعين الناس","level":4,"page":2107},{"title":"المبحث الأول في حكم ستر العورة","level":5,"page":2108},{"title":"الفرع الأول ستر العورة عن النظر إليها من الأجانب","level":6,"page":2108},{"title":"الفرع الثاني في كشف العورة بالخلوة من غير حاجة","level":6,"page":2110},{"title":"دليل من قال بالتحريم","level":7,"page":2111},{"title":"دليل من قال: يستحب ولا يجب","level":7,"page":2113},{"title":"الفرع الثالث في كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليا","level":5,"page":2114},{"title":"دليل من قال بالجواز","level":6,"page":2115},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2115},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2116},{"title":"دليل من قال: يحرم التعري للاغتسال","level":6,"page":2116},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2116},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2117},{"title":"المبحث الثاني في ستر سائر البدن حال الغسل","level":5,"page":2118},{"title":"المبحث الثالث في دخول الحمام من أجل الاغتسال","level":5,"page":2119},{"title":"الفرع الأول في تعريف الحمام","level":6,"page":2119},{"title":"الفرع الثاني في دخول الحمام","level":6,"page":2121},{"title":"دليل من قال: يحرم الدخول للحمام","level":7,"page":2123},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2123},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2124},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2124},{"title":"الدليل الثالث للمانعين","level":8,"page":2125},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2127},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2128},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":2129},{"title":"الدليل السابع","level":8,"page":2131},{"title":"دليل من قال بالجواز مطلقا للرجال والنساء","level":7,"page":2139},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2139},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2140},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2140},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2141},{"title":"أدلة من فرق بين الرجال والنساء","level":7,"page":2142},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2142},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2144},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2145},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2146},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2147},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":2147},{"title":"الدليل السابع","level":8,"page":2151},{"title":"المبحث الرابع إذا دخل الحمام بنية الاغتسال ثم شك في حصول الاغتسال","level":5,"page":2154},{"title":"الفصل الثالث في اغتسال الرجل وزوجه من إناء واحد وهما جنبان","level":4,"page":2156},{"title":"الفصل الرابع التسمية في الغسل","level":4,"page":2162},{"title":"دليل من قال باستحباب التسمية في الغسل","level":5,"page":2164},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2164},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2166},{"title":"دليل الحنابلة على وجوب التسمية","level":5,"page":2167},{"title":"دليل من قال: التسمية غير مشروعة في الغسل.","level":5,"page":2167},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2167},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2167},{"title":"الفصل الخامس البداءة بغسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال","level":4,"page":2171},{"title":"الدليل على استحباب غسل الفرج في غسل الجنابة","level":5,"page":2173},{"title":"الفصل السادس غسل اليدين قبل الوضوء وقبل غسل الفرج","level":4,"page":2177},{"title":"المبحث الأول في محل غسل اليدين من غسل الجنابة","level":5,"page":2178},{"title":"المبحث الثاني هل يغسل يديه كليهما أو اليمنى فقط لأنها آلة الغرف","level":5,"page":2180},{"title":"المبحث الثالث الموجب لغسل اليدين في غسل الجنابة","level":5,"page":2183},{"title":"المبحث الرابع عدد غسل الكفين في ابتداء الغسل","level":5,"page":2187},{"title":"دليل الجمهور","level":6,"page":2187},{"title":"الفصل السابع من سنن الغسل الوضوء قبله","level":4,"page":2189},{"title":"المبحث الأول حكم الوضوء في غسل الجنابة","level":5,"page":2190},{"title":"المبحث الثاني في موضع الوضوء من غسل الجنابة","level":5,"page":2194},{"title":"دليل من قال الوضوء قبل الغسل","level":6,"page":2196},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2196},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2196},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2197},{"title":"الدليل الرابع من الآثار","level":7,"page":2198},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2199},{"title":"دليل من قال: الأفضل بعد الغسل","level":6,"page":2199},{"title":"دليل من قال: هو مخير إن شاء توضأ قبل الغسل أو بعده","level":6,"page":2199},{"title":"دليل من قال: إن نسي أن يتوضأ في أول غسله توضأ بعده","level":6,"page":2200},{"title":"المبحث الثالث ارتفاع الحدث الأصغر في الاغتسال","level":5,"page":2202},{"title":"دليل الجمهور على أنه يكفي الغسل وحده في رفع الحدثين","level":6,"page":2204},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2204},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2204},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2205},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2205},{"title":"دليل من قال: إذا لم ينو رفع الحدث الأصغر بالغسل لم يرتفع","level":6,"page":2206},{"title":"دليل من قال: لا يرتفع الحدث الأصغر حتى يتوضأ","level":6,"page":2206},{"title":"المبحث الرابع نية الوضوء في غسل الجنابة","level":5,"page":2208},{"title":"دليل من قال: يتوضأ بنية رفع الجنابة","level":6,"page":2210},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2210},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2210},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2213},{"title":"دليل من قال: إن كان عليه حدث وجنابة لزمه نية رفع الحدث الأصغر","level":6,"page":2213},{"title":"المبحث الخامس التثليث في وضوء الغسل","level":5,"page":2215},{"title":"الفصل الثامن استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل","level":4,"page":2218},{"title":"الفصل التاسع السنن الواردة في غسل الرأس","level":4,"page":2220},{"title":"المبحث الأول العمل في الرأس في وضوء الغسل","level":5,"page":2221},{"title":"دليل من قال: لا يمسح رأسه بل يغسله","level":6,"page":2223},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2223},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2224},{"title":"دليل من قال: يمسح رأسه، ثم يغسله.","level":6,"page":2224},{"title":"الدليل الثاني على مسح الرأس","level":7,"page":2226},{"title":"المبحث الثاني تخليل الشعر في غسل الجنابة","level":5,"page":2227},{"title":"المبحث الثالث استحباب التثليث في غسل الرأس","level":5,"page":2233},{"title":"دليل الجمهور على استحباب التثليث في غسل الرأس","level":6,"page":2234},{"title":"دليل من قال: لا يشرع التكرار في غسل الرأس","level":6,"page":2236},{"title":"المبحث الرابع الفرق بين الرجل والمرأة في عدد غسلات الرأس","level":5,"page":2238},{"title":"المبحث الخامس نقض الضفائر في غسل الجنابة","level":5,"page":2240},{"title":"المبحث السادس في غسل المسترسل","level":5,"page":2242},{"title":"الفصل العاشر استحباب التيامن في الاغتسال","level":4,"page":2244},{"title":"الفصل الحادي عشر التثليث في غسل البدن","level":4,"page":2248},{"title":"الفصل الثاني عشر في تأخير غسل الرجلين","level":4,"page":2250},{"title":"الفصل الثالث عشر في الموالاة في غسل الجنابة","level":4,"page":2252},{"title":"دليل المالكية على الوجوب","level":5,"page":2253},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2253},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2254},{"title":"دليل الجمهور","level":5,"page":2255},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2255},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2255},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2255},{"title":"الفصل الرابع عشر تدليك البدن في الغسل","level":4,"page":2257},{"title":"دليل الجمهور على عدم وجوب الدلك","level":5,"page":2258},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2258},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2259},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2259},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":2260},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":2260},{"title":"دليل المالكية على وجوب التدليك","level":5,"page":2260},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2260},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2261},{"title":"الباب الخامس في فروض الغسل","level":3,"page":2264},{"title":"الفرض الأول الماء الطهور مع القدرة عليه","level":4,"page":2264},{"title":"الفرض الثاني النية","level":4,"page":2267},{"title":"الفرض الثالث تعميم جميع البدن بالغسل","level":4,"page":2270},{"title":"الباب السادس في ذكر صفة الغسل الكامل والمجزئ","level":3,"page":2272},{"title":"طهارة البدل (الطهارة بالتراب)","level":2,"page":2274},{"title":"كتاب التيمم","level":3,"page":2275},{"title":"التمهيد","level":4,"page":2282},{"title":"المبحث الأول تعريف التيمم","level":5,"page":2282},{"title":"المبحث الثاني الأدلة على مشروعية التيمم","level":5,"page":2284},{"title":"المبحث الثالث في بدء مشروعية التيمم","level":5,"page":2286},{"title":"المبحث الرابع التيمم من خصائص الأمة المحمدية","level":5,"page":2290},{"title":"المبحث الخامس مشروعية التيمم على وفق القياس","level":5,"page":2296},{"title":"الباب الأول في حكم التيمم","level":4,"page":2301},{"title":"الفصل الأول طهارة التيمم بين الرخصة والعزيمة","level":5,"page":2301},{"title":"المبحث الأول في تعريف الرخصة","level":6,"page":2301},{"title":"المبحث الثاني في تردد التيمم بين الرخصة والعزيمة","level":6,"page":2303},{"title":"دليل من قال: التيمم رخصة","level":7,"page":2306},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2306},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2312},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2313},{"title":"دليل من قال: التيمم عزيمة، وليس برخصة","level":7,"page":2313},{"title":"دليل من فرق بين التيمم لفقد الماء وبين التيمم لبيعه بأكثر من ثمنه.","level":7,"page":2314},{"title":"الفصل الثاني طهارة التيمم ترفع الحدث","level":5,"page":2315},{"title":"دليل من قال: التيمم لا يرفع الحدث","level":6,"page":2317},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2317},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2317},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2318},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2319},{"title":"دليل من قال: إن التيمم يرفع الحدث","level":6,"page":2324},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2324},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2324},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2325},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2325},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2326},{"title":"الفصل الثالث في إمامة المتيمم للمتوضئ","level":5,"page":2327},{"title":"دليل من قال: تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ","level":6,"page":2329},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2329},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2330},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2330},{"title":"دليل من قال: لا تجوز إمامة المتيمم للمتوضئ","level":6,"page":2331},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2331},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2331},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2332},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2333},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2333},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":2334},{"title":"دليل من قال: يجوز إذا كان الإمام الأمير","level":6,"page":2334},{"title":"الفصل الرابع إذا عدم الماء والصعيد","level":5,"page":2336},{"title":"دليل من قال: لا يصلي","level":6,"page":2338},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2338},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2339},{"title":"دليل من قال: يصلي ولا يعيد","level":6,"page":2341},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2341},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2341},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2342},{"title":"دليل من قال: يصلي ويعيد","level":6,"page":2342},{"title":"الفصل الخامس في تأخير الصلاة لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت","level":5,"page":2344},{"title":"دليل من قال: يؤخر إلى آخر الوقت","level":6,"page":2345},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2345},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2346},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2346},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2347},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2348},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2348},{"title":"الفصل السادس في وطء عادم الماء","level":5,"page":2350},{"title":"دليل من قال: له أن يطأ زوجته.","level":6,"page":2352},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2352},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2352},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2353},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2354},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2354},{"title":"دليل من قال بالمنع","level":6,"page":2356},{"title":"دليل من قال بالكراهة","level":6,"page":2356},{"title":"الباب الثاني في الأسباب الموجبة للتيمم","level":4,"page":2357},{"title":"الفصل الأول مشروعية التيمم لفقد الماء","level":5,"page":2358},{"title":"المبحث الأول انعدام الماء","level":6,"page":2358},{"title":"دليل من قال: يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه","level":7,"page":2360},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2360},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2361},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2361},{"title":"دليل من قال: السفر شرط في جواز التيمم","level":7,"page":2362},{"title":"دليل من قال: يتيمم ويعيد","level":7,"page":2362},{"title":"المبحث الثاني إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة","level":5,"page":2365},{"title":"دليل من قال: يتيمم، ويدع الماء","level":6,"page":2366},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2366},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2367},{"title":"دليل من قال: يستعمل الماء، ثم يتيمم.","level":6,"page":2369},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2369},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2370},{"title":"دليل من فرق بين الوضوء والغسل","level":6,"page":2370},{"title":"المبحث الثالث لو كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط","level":5,"page":2372},{"title":"دليل الحنفية","level":6,"page":2373},{"title":"ودليل المالكية","level":6,"page":2373},{"title":"المبحث الرابع لو اجتمع حدث وخبث ووجد ماء يكفي أحدهما","level":5,"page":2375},{"title":"الفصل الثاني في تعذر استعمال الماء","level":5,"page":2378},{"title":"المبحث الأول في تيمم المريض","level":6,"page":2378},{"title":"دليل من قال: يكفي للتيمم وجود الحرج والمشقة، ولا يشترط الضرر","level":7,"page":2382},{"title":"دليل من قال: يتيمم المريض إذا خاف زيادة المرض أو تأخر البرء","level":7,"page":2383},{"title":"دليل من قال: يشترط خوف التلف","level":7,"page":2384},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2384},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2384},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2385},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2386},{"title":"المبحث الثاني في تيمم الصحيح إذا كان محتاجا للماء لشرب ونحوه","level":5,"page":2389},{"title":"المبحث الثالث في الماء يباع بأكثر من ثمنه","level":6,"page":2394},{"title":"دليل الحسن على وجوب شراء الماء ولو بماله كله","level":7,"page":2400},{"title":"دليل الجمهور على أن الزيادة إذا كانت فاحشة تيمم","level":7,"page":2400},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2400},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2400},{"title":"دليل المالكية على اعتبار الثلث","level":7,"page":2401},{"title":"دليل من قال: يلزمه الشراء إذا كان ذا مال ولا تجحف به الزيادة","level":7,"page":2401},{"title":"المبحث الرابع في قبول الرجل هبة الماء","level":5,"page":2403},{"title":"الفصل الثالث في التيمم خوفا من فوات العبادة","level":5,"page":2406},{"title":"المبحث الأول إذ خاف خروج وقت الفريضة","level":6,"page":2407},{"title":"دليل من قال: يتيمم ويصلي","level":7,"page":2411},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2411},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2411},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2412},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2412},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2413},{"title":"دليل من قال: يتوضأ، ولا يتيمم","level":7,"page":2413},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2413},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2413},{"title":"دليل ابن تيمية على التفريق بين النائم والناسي وبين غيرهما","level":7,"page":2414},{"title":"المبحث الثاني في التيمم خوفا من فوت صلاة الجنازة والعيد","level":6,"page":2417},{"title":"دليل من قال: يتيمم لفوت الجنازة.","level":7,"page":2419},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2419},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2421},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2422},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2423},{"title":"دليل من قال: لا يتيمم","level":7,"page":2424},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2424},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2424},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2425},{"title":"دليل من قال: يصلى على الجنازة بالتيمم بشرط إن تعينت عليه","level":7,"page":2425},{"title":"دليل الشعبي والطبري على جواز صلاة الجنازة بدون طهارة","level":7,"page":2426},{"title":"المبحث الثالث التيمم خوفا فوات الجمعة","level":6,"page":2428},{"title":"الباب الثالث في شروط التيمم","level":4,"page":2430},{"title":"الشرط الأول النية","level":5,"page":2430},{"title":"الفصل الأول في اشتراط النية لطهارة التيمم","level":6,"page":2431},{"title":"دليل الجمهور على اشتراط النية في الطهارتين الماء والتيمم","level":7,"page":2432},{"title":"دليل الحنفية على التفريق بين طهارة الماء وطهارة التراب","level":7,"page":2432},{"title":"دليل من قال: التيمم يصح بدون نية","level":7,"page":2434},{"title":"الفصل الثاني لو سفت الريح التراب على وجهه ونوى به التيمم","level":6,"page":2436},{"title":"دليل من قال: يصح تيممه","level":7,"page":2438},{"title":"دليل من قال: إن مسح أجزأ، وإلا فلا","level":7,"page":2438},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2438},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2438},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2439},{"title":"الفصل الثالث في صفة النية","level":6,"page":2440},{"title":"المبحث الأول لو نوى مطلق التيمم","level":7,"page":2441},{"title":"المبحث الثاني إذا نوى المتيمم رفع الحدث","level":7,"page":2445},{"title":"المبحث الثالث في اشتراط نية ما يتيمم عنه","level":7,"page":2447},{"title":"الفرع الأول لو تيمم ولم ينو ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر","level":8,"page":2447},{"title":"الفرع الثاني إذا تيمم للأصغر فهل يرتفع الأكبر","level":8,"page":2450},{"title":"دليل من قال: لا يصح تيممه عن الحدث الأكبر","level":9,"page":2452},{"title":"الدليل الأول","level":10,"page":2452},{"title":"الدليل الثاني","level":10,"page":2453},{"title":"الفرع الثالث: في نية ما يتيمم له من صلاة ونحوها","level":8,"page":2454},{"title":"دليل من قال: يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل","level":9,"page":2458},{"title":"الدليل الأول","level":10,"page":2458},{"title":"الدليل الثاني","level":10,"page":2458},{"title":"دليل من قال: إذا تيمم للنافلة لا يصلي بها الفريضة","level":9,"page":2459},{"title":"دليل من قال: لا يتيمم لنافلة","level":9,"page":2459},{"title":"دليل من قال: يصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل","level":9,"page":2466},{"title":"الدليل الأول","level":10,"page":2466},{"title":"الدليل الثاني","level":10,"page":2467},{"title":"الدليل الثالث","level":10,"page":2467},{"title":"دليل من قال: لا يصلي به أكثر من فريضة واحدة","level":9,"page":2468},{"title":"الدليل الأول","level":10,"page":2468},{"title":"الدليل الثاني","level":10,"page":2469},{"title":"الدليل الثالث","level":10,"page":2470},{"title":"الدليل الرابع","level":10,"page":2470},{"title":"الدليل الخامس","level":10,"page":2471},{"title":"المبحث الرابع لو تيمم يريد به تعليم الغير","level":7,"page":2475},{"title":"الشرط الثاني من شروط التيمم الإسلام","level":6,"page":2478},{"title":"الشرط الثالث التكليف","level":6,"page":2481},{"title":"الشرط الرابع انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور","level":6,"page":2483},{"title":"الشرط الخامس طلب الماء قبل التيمم","level":6,"page":2484},{"title":"دليل الجمهور على وجوب طلب الماء","level":7,"page":2485},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2485},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2485},{"title":"دليل الحنفية على أن طلب الماء إذا لم يكن معه ماء غير واجب","level":7,"page":2485},{"title":"الفرع الأول في تقدير المسافة التي تبيح التيمم ويسقط فيها طلب الماء","level":7,"page":2487},{"title":"الفرع الثاني لو تيمم ناسيا وجود الماء","level":7,"page":2494},{"title":"دليل من قال: لا تلزمه الإعادة، وتيممه صحيح","level":8,"page":2495},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":2495},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":2495},{"title":"دليل من قال: تلزمه الإعادة","level":8,"page":2496},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":2496},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":2497},{"title":"الدليل الثالث","level":9,"page":2498},{"title":"الشرط السادس في اشتراط دخول الوقت","level":6,"page":2499},{"title":"دليل من قال: لا يتيمم قبل دخول وقت العبادة","level":7,"page":2501},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2501},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2502},{"title":"دليل من قال: يجوز التيمم قبل دخول الوقت","level":7,"page":2503},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2503},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2503},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2503},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2504},{"title":"الشرط السابع في الشروط المتعلقة بالأرض المتيمم عليها","level":6,"page":2505},{"title":"الفرع الأول في التيمم بغير التراب","level":7,"page":2505},{"title":"دليل من قال: يتيمم بكل ما هو من جنس الأرض","level":8,"page":2509},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":2509},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":2509},{"title":"الدليل الثالث","level":9,"page":2510},{"title":"الدليل الرابع","level":9,"page":2510},{"title":"دليل من قال: التيمم خاص بالتراب ذي الغبار","level":8,"page":2510},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":2510},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":2511},{"title":"الدليل الثالث","level":9,"page":2512},{"title":"دليل من خص التيمم بالتراب والرمل","level":8,"page":2514},{"title":"الفرع الثاني في طهارة ما يتيمم به","level":7,"page":2516},{"title":"دليل من اشترط الطهارة","level":8,"page":2518},{"title":"دليل من قال: يعيد ما دام في الوقت","level":8,"page":2519},{"title":"الفرع الثالث في التيمم على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت","level":7,"page":2521},{"title":"دليل الحنفية في التفريق بين الصلاة والتيمم","level":8,"page":2522},{"title":"دليل من قال: يتيمم بها","level":8,"page":2522},{"title":"دليل من قال: لا يتيمم بها","level":8,"page":2522},{"title":"الفرع الرابع في التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة","level":7,"page":2523},{"title":"دليل من قال: يجوز التيمم بالتراب المستعمل","level":8,"page":2524},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":2524},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":2524},{"title":"الدليل الثالث","level":9,"page":2524},{"title":"الدليل الرابع","level":9,"page":2524},{"title":"الدليل الخامس","level":9,"page":2525},{"title":"دليل من قال: لا يجوز التيمم بالتراب المستعمل","level":8,"page":2525},{"title":"الفرع الخامس التيمم بالتراب المغصوب","level":7,"page":2526},{"title":"الباب الرابع فيما يتيمم عنه","level":4,"page":2528},{"title":"الفصل الأول في التيمم عن الحدث","level":5,"page":2528},{"title":"دليل من قال بمشروعية التيمم عن الجنابة","level":6,"page":2529},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2529},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2531},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2532},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2532},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2532},{"title":"دليل عمر وابن مسعود على أن الجنب لا يتيمم","level":6,"page":2533},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2533},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2533},{"title":"الفصل الثاني في التيمم عن النجاسة","level":5,"page":2537},{"title":"دليل من قال: لا يتيمم عن النجاسة","level":6,"page":2539},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2539},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2539},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2539},{"title":"دليل من قال: يصح التيمم عن النجاسة إذا كانت على البدن","level":6,"page":2539},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2539},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2540},{"title":"الباب الخامس في فروض التيمم","level":4,"page":2542},{"title":"الفرض الأول مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب","level":5,"page":2542},{"title":"المبحث الأول ضرب اليدين في الأرض ليمسح بهما وجهه ويديه","level":6,"page":2542},{"title":"دليل من قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين","level":7,"page":2544},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2544},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2548},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2549},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2550},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2552},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":2553},{"title":"دليل من قال: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين","level":7,"page":2553},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2553},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2554},{"title":"دليل من قال: التيمم إلى الآباط","level":7,"page":2555},{"title":"الدليل الثاني لمن قال: يمسح إلى الآباط","level":7,"page":2558},{"title":"المبحث الثاني استيعاب المسح للوجه واليدين","level":6,"page":2559},{"title":"دليل من قال: يجب الاستيعاب","level":7,"page":2562},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2563},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2563},{"title":"دليل من قال: مسح الأكثر يقوم مقام الكل","level":7,"page":2564},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2564},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2565},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2565},{"title":"المبحث الثالث مسح ما تحت الشعر الخفيف في التيمم","level":6,"page":2567},{"title":"المبحث الرابع صفة مسح الوجه واليدين عند الفقهاء","level":6,"page":2570},{"title":"المبحث الخامس في اشتراط ضرب الأرض بالكفين للتيمم","level":6,"page":2577},{"title":"المبحث السادس مسح الوجه بيد واحدة أو أصبع واحد","level":6,"page":2581},{"title":"دليل من قال: يجزئ يد واحدة","level":7,"page":2582},{"title":"دليل من قال: لا يجزئه","level":7,"page":2582},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2582},{"title":"الفرض الثاني حكم الترتيب في طهارة التيمم","level":5,"page":2583},{"title":"دليل من قال: إن الترتيب مسنون","level":6,"page":2584},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2584},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2584},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2585},{"title":"دليل من قال: يجب الترتيب","level":7,"page":2587},{"title":"دليل الأعمش على وجوب تقديم اليدين على الوجه","level":7,"page":2587},{"title":"دليل من قال: إن تيمم بضربتين كان الترتيب واجبا وإلا فلا","level":7,"page":2588},{"title":"الباب السادس في سنن التيمم","level":4,"page":2592},{"title":"الفصل الأول في التسمية","level":5,"page":2592},{"title":"دليل من قال: التسمية سنة","level":6,"page":2594},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2594},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2595},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2595},{"title":"دليل الحنابلة على وجوب التسمية مع الذكر","level":6,"page":2596},{"title":"دليل من قال: التسمية غير مشروعة في التيمم","level":6,"page":2597},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2597},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2598},{"title":"الفصل الثاني تكرار المسح في التيمم","level":5,"page":2599},{"title":"دليل من قال: لا يشرع التكرار","level":6,"page":2600},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2600},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2600},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2600},{"title":"دليل من قال: يشرع التكرار","level":6,"page":2601},{"title":"الفصل الثالث نفخ الأيدي بعد ضربهما في الأرض","level":5,"page":2602},{"title":"الدليل على استحباب النفخ","level":6,"page":2604},{"title":"الفصل الرابع في استحباب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى","level":5,"page":2606},{"title":"الفصل الخامس تجديد التيمم","level":5,"page":2609},{"title":"دليل من قال: لا يستحب","level":6,"page":2610},{"title":"الفصل السادس استقبال القبلة حال التيمم","level":5,"page":2611},{"title":"الفصل السابع إقبال اليدين وإدبارهما في التراب حال الضرب","level":5,"page":2613},{"title":"الفصل الثامن البداءة بأعلى الوجه حين المسح","level":5,"page":2614},{"title":"الفصل التاسع استحباب الصمت أثناء التيمم","level":5,"page":2615},{"title":"الباب السابع في مبطلات التيمم","level":4,"page":2617},{"title":"الفصل الأول يبطل التيمم ما يبطل الوضوء","level":5,"page":2617},{"title":"الفصل الثاني يبطل التيمم بوجود الماء","level":5,"page":2620},{"title":"المبحث الأول وجود الماء قبل الصلاة","level":6,"page":2620},{"title":"دليل الجمهور","level":7,"page":2621},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2621},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2621},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2622},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2622},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2623},{"title":"دليل أبي سلمة على أنه لا يلزمه استعمال الماء","level":7,"page":2623},{"title":"المبحث الثاني في وجود الماء أثناء الصلاة","level":6,"page":2625},{"title":"دليل من قال ببطلان الصلاة","level":7,"page":2627},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2627},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2628},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2628},{"title":"دليل من قال: يتم صلاته","level":7,"page":2629},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2629},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2631},{"title":"دليل الشافعية على التفريق بين الصلاة التي يلزمه إعادتها وبين غيرها","level":7,"page":2631},{"title":"دليل من قال: يتطهر ويبني على صلاته","level":7,"page":2632},{"title":"المبحث الثالث في وجود الماء بعد الفراغ من الصلاة","level":6,"page":2634},{"title":"دليل من قال: لا يعيد صلاته","level":7,"page":2635},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2635},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2636},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2636},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2638},{"title":"دليل من فرق بين الحضر والسفر","level":7,"page":2639},{"title":"دليل من قال: يستحب له الإعادة","level":7,"page":2639},{"title":"دليل من قال: يجب عليه الإعادة","level":7,"page":2639},{"title":"الفصل الثالث خروج الوقت","level":5,"page":2641},{"title":"القسم الثاني طهارة الخبث","level":1,"page":2647},{"title":"الأعيان النجسة وكيفية تطهيرها","level":2,"page":2647},{"title":"مقدمة الكتاب","level":3,"page":2657},{"title":"المبحث الأول تعريف النجاسة","level":4,"page":2657},{"title":"المبحث الثاني الأصل في الأشياء الطهارة","level":4,"page":2661},{"title":"المبحث الثالث أقسام النجاسات","level":4,"page":2665},{"title":"الباب الأول في الطاهر والنجس من الحيوان","level":3,"page":2668},{"title":"الفصل الأول في طهارة بني آدم","level":4,"page":2668},{"title":"المبحث الأول في طهارة المسلم","level":5,"page":2668},{"title":"دليل الجمهور","level":6,"page":2669},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2669},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2669},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2670},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2671},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2671},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":2672},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":2672},{"title":"دليل من قال: المحدث نجس نجاسة حكمية","level":6,"page":2673},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2673},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2674},{"title":"دليل من قال: يجب اعتزال الحائض حال الحيض","level":6,"page":2674},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2674},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2675},{"title":"المبحث الثاني في طهارة المشرك","level":5,"page":2678},{"title":"دليل من قال: إن بدن المشرك طاهر","level":6,"page":2679},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2679},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2680},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2681},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2682},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2683},{"title":"دليل من قال بنجاسة المشرك","level":6,"page":2683},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2683},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2684},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2685},{"title":"دليل من قال: إن المشرك ينجس بالموت","level":6,"page":2686},{"title":"المبحث الثالث في نجاسة بني آدم بالموت","level":5,"page":2687},{"title":"دليل من قال: إن ميتة الآدمي طاهرة","level":6,"page":2688},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2688},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2689},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2689},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2690},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2690},{"title":"دليل من قال: إن الميت نجس مطلقا","level":6,"page":2691},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2691},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2691},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2692},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2692},{"title":"دليل من قال: إن الكافر الميت نجس بخلاف المؤمن","level":6,"page":2695},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2695},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2695},{"title":"الفصل الثاني في الحيوان غير الآدمي","level":4,"page":2697},{"title":"المبحث الأول في الحيوان البري الحي غير المأكول","level":5,"page":2697},{"title":"الفرع الأول في طهارة الهرة","level":6,"page":2697},{"title":"دليل الحنفية","level":7,"page":2698},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2698},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2700},{"title":"دليل الجمهور","level":7,"page":2701},{"title":"الفرع الثاني في الحيوان المركوب كالحمار والبغل","level":6,"page":2710},{"title":"دليل الجمهور","level":7,"page":2711},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2711},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2711},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2711},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2712},{"title":"دليل من قال بنجاسة الحمار والبغل","level":7,"page":2712},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2712},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2713},{"title":"الفرع الثالث في نجاسة الكلب","level":6,"page":2721},{"title":"دليل من قال بطهارة عين الكلب","level":7,"page":2722},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2722},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2724},{"title":"دليل من قال بنجاسة الكلاب.","level":7,"page":2725},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2725},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2727},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2728},{"title":"الفرع الرابع في نجاسة الخنزير","level":6,"page":2731},{"title":"دليل من قال بنجاسة الخنزير.","level":7,"page":2732},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2732},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2733},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2734},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2734},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2735},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2735},{"title":"دليل من قال بالطهارة","level":7,"page":2736},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2736},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2736},{"title":"الفرع الخامس في نجاسة سباع البهائم والطير","level":6,"page":2738},{"title":"دليل من قال بالنجاسة","level":7,"page":2739},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2739},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2740},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2741},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2741},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2741},{"title":"دليل من قال بطهارة سباع البهائم والطير","level":7,"page":2742},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2742},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2742},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2743},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2744},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2745},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":2746},{"title":"المبحث الثاني في الحيوان البري المأكول","level":5,"page":2747},{"title":"الفرع الأول في طهارة المأكول الحي أو المذكى","level":6,"page":2747},{"title":"الفرع الثاني في نجاسة الحيوان البري بالموت","level":6,"page":2749},{"title":"المسألة الأولى في نجاسة الحيوان البري بالموت مما له نفس سائلة","level":7,"page":2749},{"title":"دليل الجمهور على نجاسة الميتة","level":8,"page":2750},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":2750},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":2750},{"title":"الدليل الثالث","level":9,"page":2751},{"title":"الدليل الرابع","level":9,"page":2752},{"title":"دليل الشوكاني على طهارة الميتة","level":8,"page":2752},{"title":"الدليل الأول","level":9,"page":2752},{"title":"الدليل الثاني","level":9,"page":2753},{"title":"المسألة الثانية في الحيوان البري الذي لا نفس له سائلة","level":7,"page":2754},{"title":"المطلب الأول المقصود من قول الفقهاء لا نفس له سائلة","level":8,"page":2754},{"title":"المطلب الثاني في طهارة ما لا نفس له سائلة وهو حي","level":8,"page":2757},{"title":"دليل من قال بطهارة ما لا نفس له سائلة مطلقا","level":9,"page":2758},{"title":"الدليل الأول","level":10,"page":2758},{"title":"الدليل الثاني","level":10,"page":2758},{"title":"الدليل الثالث","level":10,"page":2759},{"title":"الدليل الرابع","level":10,"page":2760},{"title":"الدليل الخامس","level":10,"page":2761},{"title":"الدليل السادس","level":10,"page":2761},{"title":"الدليل السابع","level":10,"page":2762},{"title":"دليل من قال: بنجاسة ما لا نفس له سائلة إذا كان متولدا من نجس","level":9,"page":2762},{"title":"الدليل الأول","level":10,"page":2762},{"title":"المطلب الثالث في طهارة ميتة ما لا نفس له سائلة","level":8,"page":2764},{"title":"دليل من قال بطهارة ميتة ما لا نفس له سائلة مطلقا","level":9,"page":2766},{"title":"الدليل الأول","level":10,"page":2766},{"title":"الدليل الثاني","level":10,"page":2766},{"title":"دليل من قال بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة","level":9,"page":2767},{"title":"الدليل الأول","level":10,"page":2767},{"title":"الدليل الثاني","level":10,"page":2767},{"title":"دليل من قال: يعطى حكم ما تولد منه","level":9,"page":2770},{"title":"المبحث الثالث في طهارة الحيوان البحري","level":5,"page":2771},{"title":"دليل الحنفية على اقتصار الإباحة على ميتة السمك خاصة","level":6,"page":2772},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2772},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2773},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2773},{"title":"دليل من قال: يباح حيوان البحر كله","level":7,"page":2776},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2776},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2777},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2777},{"title":"المبحث الرابع في الجلالة","level":5,"page":2779},{"title":"الفرع الأول في تعريف الجلالة","level":6,"page":2779},{"title":"الفرع الثاني في حكم لحم الجلالة وركوبها وشرب لبنها","level":6,"page":2782},{"title":"دليل من قال بالكراهة أو التحريم","level":7,"page":2783},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2783},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2785},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2786},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2787},{"title":"دليل من قال: لا بأس بالجلالة ركوبا وحلبا ولحما","level":7,"page":2788},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2788},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2788},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2788},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2788},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2788},{"title":"المبحث الخامس في الأجزاء المنفصلة من الحيوان","level":5,"page":2793},{"title":"الفرع الأول في الشحم واللحم إذا انفصلا من الحيوان وهو حي","level":6,"page":2793},{"title":"الفرع الثاني في شعر الحيوان وريشه ووبره","level":6,"page":2796},{"title":"الفرع الثالث في طهارة العظم من الحيوان","level":6,"page":2800},{"title":"الفرع الرابع في عصب الحيوان","level":6,"page":2803},{"title":"دليل الحنفية على طهارة عصب الميتة","level":7,"page":2804},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2804},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2805},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2805},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2805},{"title":"دليل الجمهور على نجاسة العصب","level":7,"page":2806},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2806},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2806},{"title":"الفرع الخامس في جلد الميتة","level":6,"page":2808},{"title":"الباب الثاني في فضلات الحيوان","level":3,"page":2811},{"title":"الفصل الأول في البول والغائط والروث","level":4,"page":2811},{"title":"المبحث الأول في بول الآدمي وعذرته","level":5,"page":2811},{"title":"الفرع الأول في بول الصبي والجارية","level":6,"page":2811},{"title":"دليل من قال بطهارته","level":7,"page":2812},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2812},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2813},{"title":"الفرع الثاني ذكر العلة التي أوجبت التفريق بين بول الغلام والجارية","level":6,"page":2815},{"title":"الفرع الثالث في البول والغائط من الآدمي الكبير","level":6,"page":2818},{"title":"المبحث الثاني في بول وروث الحيوان","level":5,"page":2821},{"title":"الفرع الأول في بول وروث الحيوان المأكول","level":6,"page":2821},{"title":"دليل من قال بالطهارة","level":7,"page":2822},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2822},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2822},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2823},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2823},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2824},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":2825},{"title":"الدليل السابع","level":8,"page":2826},{"title":"الدليل الثامن","level":8,"page":2827},{"title":"الدليل التاسع","level":8,"page":2827},{"title":"دليل من قال بالنجاسة","level":7,"page":2827},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2827},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2829},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2830},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2831},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2832},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":2833},{"title":"الدليل السابع","level":8,"page":2834},{"title":"الدليل الثامن","level":8,"page":2834},{"title":"الدليل التاسع","level":8,"page":2837},{"title":"دليل الحنفية في التفريق بين ما يذرق في الهواء وبين غيره","level":7,"page":2837},{"title":"دليل داود على طهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي","level":7,"page":2838},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2838},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2839},{"title":"الفرع الثاني في بول وروث الحيوان غير المأكول","level":6,"page":2840},{"title":"دليل من قال بنجاسة البول والروث","level":7,"page":2841},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2841},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2841},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2841},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2841},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2842},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":2842},{"title":"دليل من قال بالطهارة","level":7,"page":2843},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2843},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2843},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2844},{"title":"الفصل الثاني في المني والمذي والودي من الحيوان","level":4,"page":2847},{"title":"المبحث الأول في المني الخارج من الإنسان","level":5,"page":2847},{"title":"الفرع الأول في طهارة مني بني آدم","level":6,"page":2847},{"title":"الفرع الثاني في المني الخارج بعد الاستجمار","level":6,"page":2851},{"title":"دليل من قال بنجاسته","level":7,"page":2851},{"title":"دليل الحنابلة","level":7,"page":2852},{"title":"الفرع الثالث في طهارة ماء المرأة","level":6,"page":2854},{"title":"المبحث الثاني في مني الحيوان","level":5,"page":2856},{"title":"دليل من قال بنجاسة مني الحيوان مطلقا","level":6,"page":2857},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2857},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2857},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2857},{"title":"دليل من قال بطهارة مني كل حيوان عدا الكلب والخنزير","level":6,"page":2857},{"title":"دليل من فرق بين مني الحيوان المأكول وغير المأكول","level":6,"page":2858},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2858},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2858},{"title":"المبحث الثالث في نجاسة المذي","level":5,"page":2859},{"title":"الفرع الأول في نجاسة مذي الإنسان","level":6,"page":2859},{"title":"دليل من قال: إن المذي نجس.","level":7,"page":2860},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2860},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2860},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2861},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":2863},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":2863},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":2864},{"title":"دليل من قال بطهارته","level":7,"page":2864},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":2864},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2864},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":2865},{"title":"الفرع الثاني مذي الحيوان غير الآدمي","level":6,"page":2866},{"title":"المبحث الرابع في نجاسة الودي","level":5,"page":2867},{"title":"الدليل على نجاسة الودي","level":6,"page":2868},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2868},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2868},{"title":"دليل من قال: إن الودي طاهر","level":6,"page":2869},{"title":"الفصل الثالث في حكم الدم","level":4,"page":2870},{"title":"المبحث الأول في نجاسة دم الحيض","level":5,"page":2870},{"title":"مستند الإجماع على نجاسة دم الحيض","level":6,"page":2871},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2871},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2872},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2873},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2873},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2874},{"title":"المبحث الثاني في نجاسة دم الإنسان من عرق ونحوه","level":5,"page":2875},{"title":"دليل من قال بنجاسة الدم المسفوح","level":6,"page":2877},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2877},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2878},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2879},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2879},{"title":"أدلة من قال: إن الدم طاهر","level":6,"page":2879},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2879},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2880},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2880},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2881},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2881},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":2882},{"title":"الدليل الخامس: من الآثار","level":7,"page":2883},{"title":"المبحث الثالث في دم الشهيد","level":5,"page":2886},{"title":"دليل من قال بطهارته","level":6,"page":2887},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2887},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2887},{"title":"دليل من قال بنجاسته","level":6,"page":2888},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2888},{"title":"المبحث الرابع في دم الحيوان الذي لا نفس له سائلة","level":5,"page":2890},{"title":"المبحث الخامس في علقة الحيوان الطاهر","level":5,"page":2895},{"title":"دليل من قال بالنجاسة","level":6,"page":2896},{"title":"دليل من قال بالطهارة","level":6,"page":2896},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2896},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2896},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2897},{"title":"المبحث السادس في دم القلب واللحم والدم الباقي في العروق بعد الذبح من الحيوان المأكول","level":5,"page":2898},{"title":"الدليل على طهارة دم العروق","level":6,"page":2899},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2899},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2899},{"title":"المبحث السابع في دم الكبد والطحال","level":5,"page":2901},{"title":"دليل الجمهور","level":6,"page":2902},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2903},{"title":"دليل الشافعية على النجاسة","level":6,"page":2903},{"title":"المبحث الثامن في دم السمك","level":5,"page":2904},{"title":"دليل من قال بطهارته","level":6,"page":2905},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2905},{"title":"دليل من قال بنجاسته","level":6,"page":2906},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2906},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2906},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2906},{"title":"الفصل الرابع في طهارة القيء","level":4,"page":2907},{"title":"دليل من قال بنجاسته مطلقا","level":5,"page":2909},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2909},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2909},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2910},{"title":"دليل من قال بطهارته مطلقا","level":5,"page":2912},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2912},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2912},{"title":"دليل من قال: ينجس إن تغير وإلا فطاهر","level":5,"page":2913},{"title":"دليل من قال: ينجس إن أشبه العذرة وإلا فطاهر","level":5,"page":2913},{"title":"دليل من قال: ينجس إن كان من حيوان لا يؤكل لحمه","level":5,"page":2913},{"title":"الفصل الخامس في طهارة القلس","level":4,"page":2915},{"title":"الفصل السادس في طهارة رطوبة الفرج","level":4,"page":2917},{"title":"دليل من قال بطهارة رطوبة الفرج","level":5,"page":2919},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2919},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2919},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2920},{"title":"دليل من قال: رطوبة الفرج نجسة","level":5,"page":2920},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2920},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2921},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2922},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":2923},{"title":"دليل من قال بطهارتها إن كانت من مباحة الأكل","level":5,"page":2923},{"title":"دليل من قال: ما أصاب منه في حال الجماع فنجس","level":5,"page":2923},{"title":"الفصل السابع في اللبن","level":4,"page":2924},{"title":"المبحث الأول في طهارة لبن الآدمي الحي","level":5,"page":2924},{"title":"المبحث الثاني في طهارة لبن الآدمي الميت","level":5,"page":2925},{"title":"دليل من قال: إن لبن المرأة الميتة نجس","level":6,"page":2926},{"title":"المبحث الثالث في لبن البهيمة المأكولة حال الحياة أو بعد التذكية الشرعية","level":5,"page":2927},{"title":"المبحث الرابع في لبن الميتة إذا كانت من حيوان مأكول","level":5,"page":2929},{"title":"دليل من قال بالطهارة","level":6,"page":2930},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2930},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2930},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2931},{"title":"دليل من قال بالنجاسة","level":6,"page":2931},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2931},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2932},{"title":"المبحث الخامس في لبن الحيوان غير المأكول حيا وميتا","level":5,"page":2934},{"title":"الفصل الثامن في طهارة إنفحة الميتة","level":4,"page":2939},{"title":"دليل من قال بالطهارة","level":5,"page":2940},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2940},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2940},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2940},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":2941},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":2941},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":2945},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":2946},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":2946},{"title":"دليل من قال بالنجاسة","level":5,"page":2947},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2947},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2947},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2948},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":2949},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":2950},{"title":"دليل من فرق بين الجامد والمائع","level":5,"page":2950},{"title":"الفصل التاسع في القيح والصديد","level":4,"page":2951},{"title":"دليل الجمهور على نجاسة القيح والصديد","level":5,"page":2952},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2952},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2953},{"title":"دليل من قال بطهارة القيح والصديد","level":5,"page":2953},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2953},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2953},{"title":"الفصل العاشر في بيض الحيوان","level":4,"page":2954},{"title":"المبحث الأول في بيض مأكول اللحم","level":5,"page":2954},{"title":"دليل من قال بالطهارة مطلقا","level":6,"page":2956},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2956},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2956},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":2956},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":2956},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":2956},{"title":"دليل من قال بالنجاسة مطلقا","level":6,"page":2956},{"title":"دليل من قال: إن صلب قشرها فهي طاهرة وإلا فهي نجسة","level":6,"page":2957},{"title":"المبحث الثاني في بيض غير مأكول اللحم","level":5,"page":2958},{"title":"دليل من قال بالطهارة","level":6,"page":2959},{"title":"دليل من قال بالنجاسة","level":6,"page":2959},{"title":"دليل من قال: إن البيض تبع لأصله","level":6,"page":2959},{"title":"المبحث الثالث في البيض الفاسد","level":5,"page":2960},{"title":"دليل الجمهور","level":6,"page":2961},{"title":"دليل من قال بالطهارة","level":6,"page":2961},{"title":"المبحث الرابع سلق البيض بماء نجس","level":5,"page":2962},{"title":"دليل الجمهور","level":6,"page":2962},{"title":"دليل المالكية","level":6,"page":2963},{"title":"الباب الثالث في الآسار","level":3,"page":2964},{"title":"الفصل الأول في سؤر الآدمي","level":4,"page":2964},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":2965},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":2965},{"title":"الدليل الثالث","level":5,"page":2965},{"title":"الفصل الثاني في طهارة سؤر الحيوان المأكول لحمه","level":4,"page":2968},{"title":"واستدلوا","level":5,"page":2968},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2968},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2968},{"title":"الفصل الثالث في طهارة سؤر الحيوان غير مأكول اللحم","level":4,"page":2969},{"title":"المبحث الأول في سؤر الهرة وما دونها في الخلقة","level":5,"page":2970},{"title":"دليل من قال: يكره سؤر الهرة","level":6,"page":2971},{"title":"دليل من قال بطهارة سؤرها","level":7,"page":2971},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2972},{"title":"دليل من قال: يغسل الإناء من ولوغ الهر","level":7,"page":2972},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":2973},{"title":"المبحث الثاني في طهارة سؤر البغل والحمار","level":5,"page":2974},{"title":"المبحث الثالث في سؤر سباع البهائم والطير","level":5,"page":2976},{"title":"المبحث الرابع في سؤر الخنزير","level":5,"page":2981},{"title":"المبحث الخامس في سؤر الكلب","level":5,"page":2983},{"title":"دليل الجمهور","level":6,"page":2984},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2984},{"title":"دليل المالكية على طهارة سؤره","level":6,"page":2984},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":2984},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":2985},{"title":"الباب الرابع في الجمادات","level":3,"page":2987},{"title":"الفصل الأول في طهارة الخمر","level":4,"page":2987},{"title":"دليل من قال: إن الخمر نجسة","level":5,"page":2988},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2988},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2990},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2991},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":2992},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":2992},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":2993},{"title":"دليل من قال: إن الخمر طاهرة","level":5,"page":2995},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":2995},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":2995},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":2997},{"title":"الفصل الثاني في حكم الطيب الموجود فيه كحول","level":4,"page":2999},{"title":"دليل من قال بالنجاسة","level":5,"page":3000},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3000},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3001},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3001},{"title":"دليل من قال بطهارة العطور ونحوها","level":5,"page":3001},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3001},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3001},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3001},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3002},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3003},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3003},{"title":"الفصل الثالث في الحشيشة المسكرة","level":4,"page":3004},{"title":"دليل من قال طاهرة","level":5,"page":3005},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3005},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3005},{"title":"دليل من قال بالنجاسة","level":5,"page":3005},{"title":"دليل من قال: إن ميعت نجست","level":5,"page":3005},{"title":"الباب الخامس في حكم الطهارة من النجاسة","level":3,"page":3007},{"title":"الفصل الأول في حكم إزالة النجاسة","level":4,"page":3007},{"title":"الفصل الثاني في الصلاة مع التلبس بالنجاسة","level":4,"page":3009},{"title":"دليل من قال: إن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة","level":5,"page":3011},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3011},{"title":"الدليل الثاني على أن الطهارة شرط لصحة الصلاة","level":6,"page":3015},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3016},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3017},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3017},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3018},{"title":"دليل من قال: إن الطهارة من النجاسة واجبة، وليست بشرط","level":5,"page":3019},{"title":"دليل من قال: الطهارة من النجاسة سنة","level":5,"page":3019},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3019},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3020},{"title":"الفصل الثالث في اشتراط الفورية في إزالة النجاسة","level":4,"page":3022},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":3023},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":3023},{"title":"الفصل الرابع اشتراط النية في إزالة النجاسة","level":4,"page":3025},{"title":"الفصل الخامس فيما يعفى عنه من النجاسات","level":4,"page":3027},{"title":"دليل من قال: إنه طاهر","level":5,"page":3031},{"title":"دليل من قال: إنها نجسة","level":5,"page":3032},{"title":"الفصل السادس مذاهب العلماء في العفو عن النجاسات","level":4,"page":3033},{"title":"الفصل السابع فيما يحرم استعماله في إزالة النجاسة","level":4,"page":3045},{"title":"المبحث الأول إزالة النجاسة بالكتب الشرعية","level":5,"page":3045},{"title":"المبحث الثاني في إزالة النجاسة بالأطعمة","level":5,"page":3047},{"title":"المبحث الثالث في إزالة النجاسة بالعظام والروث","level":5,"page":3052},{"title":"الباب السادس في كيفية إزالة النجاسة","level":3,"page":3055},{"title":"الفصل الأول في إزالة النجاسة بالماء","level":4,"page":3055},{"title":"المبحث الأول في مشروعية إزالة النجاسة بالماء","level":5,"page":3055},{"title":"دليل من قال: يجوز إزالة النجاسة بالماء","level":6,"page":3057},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3057},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3057},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3057},{"title":"دليل من قال: لا يستنجي بالماء","level":6,"page":3058},{"title":"المبحث الثاني في تعين الماء لإزالة النجاسة","level":5,"page":3059},{"title":"المبحث الثالث تكرار الغسل في إزالة النجاسة","level":5,"page":3063},{"title":"المبحث الرابع في بقاء لون أو رائحة النجاسة بعد التطهير","level":5,"page":3065},{"title":"دليل من قال: لا يضر بقاء اللون والرائحة معا","level":6,"page":3066},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3066},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3067},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3068},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3068},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3069},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":3069},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":3070},{"title":"دليل من قال: يشترط إزالة اللون والرائحة","level":6,"page":3070},{"title":"دليل من فرق بين الرائحة واللون","level":6,"page":3070},{"title":"المبحث الخامس في إضافة مطهر مع الماء لإزالة اللون أو الرائحة","level":5,"page":3072},{"title":"دليل من قال لا يجب الاستعانة بغير الماء","level":6,"page":3072},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3072},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3073},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3073},{"title":"دليل من استحب إضافة مطهر أخر إلى الماء لإزالة لون النجاسة","level":6,"page":3073},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3073},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3074},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3075},{"title":"دليل من قال بوجوب إضافة شيء إلى الماء إذا أمكن إزالة لون النجاسة","level":6,"page":3075},{"title":"المبحث السادس في اشتراط عصر الثياب النجسة عند غسل النجاسة","level":5,"page":3077},{"title":"دليل من قال يشترط العصر","level":6,"page":3078},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3078},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3078},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3079},{"title":"دليل من قال: لا يشترط العصر","level":6,"page":3079},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3079},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3079},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3080},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3080},{"title":"المبحث السابع في حكم الحت والقرص","level":5,"page":3081},{"title":"دليل من قال بالاستحباب","level":6,"page":3081},{"title":"دليل من قال بالوجوب","level":6,"page":3082},{"title":"المبحث الثامن في كيفية تطهير المذي","level":5,"page":3083},{"title":"المبحث التاسع في الكلام على غسالة النجاسة","level":5,"page":3086},{"title":"الفصل الثاني في كيفية التطهير بالنضح","level":4,"page":3089},{"title":"المبحث الأول في تطهير بول الرضيع الذكر بالنضح","level":5,"page":3089},{"title":"دليل من قال لا فرق بين بول الصبي والجارية في وجوب الغسل","level":6,"page":3090},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3090},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3093},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3094},{"title":"دليل من قال بالتفريق بين بول الجارية وبول الغلام","level":6,"page":3094},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3094},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3095},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3095},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3096},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3099},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":3103},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":3103},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":3105},{"title":"دليل من قال يكفي النضح فيهما","level":6,"page":3106},{"title":"دليل ابن حزم على التفريق بين بول الذكر مطلقا وبول الأنثى","level":6,"page":3107},{"title":"المبحث الثاني في تطهير المذي يصيب الثوب","level":5,"page":3109},{"title":"دليل من قال: يجب غسل المذي","level":6,"page":3110},{"title":"دليل من قال: يكفي فيه النضح","level":6,"page":3110},{"title":"الفصل الثالث في كيفية تطهير النجاسة بغير الماء","level":4,"page":3114},{"title":"المبحث الأول في التطهير بالمسح","level":5,"page":3114},{"title":"الفرع الأول تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف والمرآة والسكين بالمسح","level":6,"page":3114},{"title":"دليل من قال: المسح مطهر للأشياء الصقيلة","level":7,"page":3115},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3115},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3116},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3116},{"title":"دليل من قال: لا بد من غسلها","level":7,"page":3116},{"title":"الفرع الثاني في الاستجمار بالحجارة","level":6,"page":3117},{"title":"الفرع الثالث المسح هل يطهر حقيقة أو حكما","level":6,"page":3119},{"title":"الفرع الرابع وجوب تكرار المسح في إزالة النجاسة","level":6,"page":3121},{"title":"المبحث الثاني في التطهير بالدلك","level":5,"page":3123},{"title":"المبحث الثالث التطهير بالجفاف","level":5,"page":3130},{"title":"دليل من قال: إن النجاسة يطهرها الجفاف","level":6,"page":3131},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3131},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3132},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3132},{"title":"دليل من قال: إن الجفاف غير مطهر","level":6,"page":3133},{"title":"المبحث الرابع التطهير بالاستحالة","level":5,"page":3134},{"title":"دليل من قال: إن الاستحالة مطهرة","level":6,"page":3135},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3135},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3136},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3137},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3137},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3137},{"title":"دليل من قال: إن الاستحالة غير مطهرة","level":6,"page":3138},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3138},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3140},{"title":"الفصل الرابع في كيفية تطهير المائع المتنجس","level":4,"page":3142},{"title":"المبحث الأول في كيفية تطهير الماء المتنجس","level":5,"page":3142},{"title":"الفرع الأول الماء المتغير بالنجاسة متنجس وليس نجسا","level":6,"page":3142},{"title":"الفرع الثاني أن يزول تغير الماء الكثير بنفسه","level":6,"page":3144},{"title":"دليل من قال: إن الماء يتحول إلى طهور","level":7,"page":3146},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3146},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3146},{"title":"دليل من قال: إنه نجس","level":7,"page":3147},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3147},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3147},{"title":"دليل من قال: يكون الماء طاهرا غير مطهر","level":7,"page":3147},{"title":"الفرع الثالث أن يزول تغير الماء بإضافة ماء آخر عليه","level":6,"page":3149},{"title":"الشرط الأول: أن يكون الماء المضاف طهورا، وهذا شرط عند المالكية، والحنابلة، وليس بشرط عند الشافعية، إذ لا مانع أن تضيف عندهم ماء نجسا إذا كان بإضافته سوف يزول تغير الماء بالنجاسة.","level":7,"page":3152},{"title":"الشرط الثاني: أن يكون المضاف كثيرا -قلتان فأكثر- وهذا شرط للحنابلة، وليس بشرط عند المالكية، والشافعية.","level":7,"page":3152},{"title":"الشرط الثالث: أن يبلغ الماء قلتين بعد الإضافة، وليس بشرط عند المالكية، وأما الحنابلة فلا يكفي هذا عندهم؛ لأنهم يشترطون أن يكون المضاف نفسه قلتين.","level":7,"page":3152},{"title":"الفرع الرابع أن يزول تغير الماء بإضافة تراب أو طين","level":6,"page":3154},{"title":"دليل من قال: إن الماء يطهر بإضافة التراب مطلقا","level":7,"page":3155},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3155},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3155},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3155},{"title":"دليل من قال: إن التراب لا يطهر مطلقا","level":7,"page":3156},{"title":"دليل من اشترط ألا يتكدر الماء بالتراب","level":7,"page":3156},{"title":"الفرع الخامس أن يزول تغير الماء بالنزح","level":6,"page":3157},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3159},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3159},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3159},{"title":"المبحث الثاني في تطهير المائعات سوى الماء","level":5,"page":3166},{"title":"الفصل الخامس في كيفية تطهير الأرض المتنجسة","level":4,"page":3170},{"title":"دليل من قال بوجوب حفر الأرض","level":5,"page":3171},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3171},{"title":"دليل من قال: يكفي صب الماء على الأرض حتى يذهب بالنجاسة.","level":5,"page":3173},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3174},{"title":"الفصل السادس في كيفية تطهير بعض النجاسات المخصوصة","level":4,"page":3176},{"title":"المبحث الأول في كيفية التطهير من ولوغ الكلب","level":5,"page":3176},{"title":"الفرع الأول في عدد الغسلات من نجاسة الكلب","level":6,"page":3176},{"title":"دليل الحنفية على وجوب الغسل ثلاث مرات","level":7,"page":3178},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3178},{"title":"دليل من قال: يستحب غسله سبعا ولا يجب","level":7,"page":3187},{"title":"دليل من قال بوجوب الغسل سبعا مع التتريب","level":7,"page":3188},{"title":"الفرع الثاني في وضع الصابون والأشنان بدلا من التراب","level":6,"page":3189},{"title":"دليل من قال: لا بد من التراب ولا يقوم غيره مقامه","level":7,"page":3190},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3190},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3190},{"title":"دليل من قال: يجزئ عن التراب غيره","level":7,"page":3190},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3190},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3191},{"title":"دليل من قال: يجزئ عند فقد التراب","level":7,"page":3191},{"title":"الفرع الثالث في تعفير الإناء بتراب نجس","level":6,"page":3192},{"title":"دليل القائلين باشتراط الطهارة","level":7,"page":3192},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3192},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3193},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3193},{"title":"دليل من قال: لا يشترط طهارة التراب","level":7,"page":3194},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3194},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3194},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3194},{"title":"الفرع الرابع في كيفية الطهارة من بول الكلب ورجيعه","level":6,"page":3195},{"title":"دليل من قال: يجب التسبيع من نجاسة الكلب مطلقا","level":7,"page":3196},{"title":"دليل من قال: التسبيع خاص بالولوغ","level":7,"page":3196},{"title":"الفرع الخامس في قيام الغسلة الثامنة مقام التراب","level":6,"page":3197},{"title":"دليل من قال: تنوب الغسلة الثامنة عن التراب","level":7,"page":3197},{"title":"دليل من قال: لا بد من التراب","level":7,"page":3198},{"title":"دليل من قال: يكفي إذا فقد التراب","level":7,"page":3198},{"title":"الفرع السادس في صفة التطهير بالتراب","level":6,"page":3200},{"title":"دليل من قال: لا يكفي ذر التراب","level":7,"page":3200},{"title":"دليل من قال: يكفي ذر التراب","level":7,"page":3201},{"title":"المبحث الثاني في كيفية التطهير من نجاسة الخنزير","level":5,"page":3202},{"title":"دليل من قال: يلحق الخنزير بالكلب","level":6,"page":3203},{"title":"دليل من قال: لا فرق بين نجاسة الخنزير وبين غيره من النجاسات","level":6,"page":3203},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3203},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3204},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3204},{"title":"الطهارة من حاجة الإنسان الطبيعية","level":2,"page":3205},{"title":"مقدمة","level":3,"page":3206},{"title":"تمهيد في التعريف اللغوي","level":3,"page":3214},{"title":"تعريف الاستنجاء","level":4,"page":3214},{"title":"تعريف الاستجمار","level":4,"page":3215},{"title":"تعريف الاستطابة","level":4,"page":3215},{"title":"تعريف الاستبراء","level":4,"page":3216},{"title":"تعريف الاستنقاء","level":4,"page":3216},{"title":"الباب الأول في حكم الاستنجاء","level":3,"page":3218},{"title":"الفصل الأول خلاف العلماء في حكم الاستنجاء","level":4,"page":3218},{"title":"دليل من قال: الاستنجاء سنة","level":5,"page":3219},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3219},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3220},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3222},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3223},{"title":"دليل من قال بوجوب الاستنجاء","level":5,"page":3223},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3223},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3225},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3226},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3227},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3227},{"title":"الفصل الثاني هل الاستنجاء على الفور أم على التراخي؟","level":4,"page":3229},{"title":"الدليل بأن الاستنجاء على التراخي","level":5,"page":3229},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3229},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3230},{"title":"الفصل الثالث في العاجز عن الاستنجاء","level":4,"page":3231},{"title":"دليل من قال بسقوط الاستنجاء عند العجز","level":5,"page":3232},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3232},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3232},{"title":"دليل من قال: يلزمه إن كان عنده أمة أو زوجة متطوعة","level":5,"page":3233},{"title":"الباب الثاني في آداب الخلاء","level":3,"page":3236},{"title":"الفصل الأول في آداب تتعلق بالدخول والخروج وقضاء الحاجة","level":4,"page":3236},{"title":"المبحث الأول في حكم التسمية عند الدخول","level":5,"page":3236},{"title":"دليل من قال بمشروعية التسمية","level":6,"page":3237},{"title":"الدليل الأول: الإجماع.","level":7,"page":3237},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3237},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3238},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3239},{"title":"المبحث الثاني في حكم التعوذ من الخبث والخبائث","level":5,"page":3243},{"title":"الفرع الأول في محل هذه الآداب","level":6,"page":3246},{"title":"دليل من قال: الذكر خاص بالحشوش","level":7,"page":3247},{"title":"دليل من قال الذكر ليس خاصا في البنيان","level":7,"page":3248},{"title":"الفرع الثاني متى يقال الذكر الوارد في دخول الخلاء","level":6,"page":3250},{"title":"الفرع الثالث في إعاذة الطفل بالذكر الوارد","level":6,"page":3251},{"title":"المبحث الثالث استحباب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء","level":5,"page":3253},{"title":"دليل الاستحباب","level":6,"page":3253},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3254},{"title":"المبحث الرابع في حكم تقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج","level":5,"page":3255},{"title":"دليل المشروعية","level":6,"page":3255},{"title":"الدليل الأول: الإجماع.","level":7,"page":3255},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3256},{"title":"المبحث الخامس في الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة","level":5,"page":3264},{"title":"دليل من قال بالاستحباب","level":6,"page":3265},{"title":"الدليل الأول: من الأثر.","level":7,"page":3265},{"title":"الدليل الثاني: من النظر.","level":7,"page":3265},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3266},{"title":"دليل من قال: لا يشرع.","level":6,"page":3267},{"title":"المبحث السادس في الكلام أثناء قضاء الحاجة","level":5,"page":3268},{"title":"الفرع الأول في ذكر الله تعالى داخل الخلاء","level":6,"page":3268},{"title":"دليل من قال يكره ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة","level":7,"page":3270},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3270},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3271},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3273},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":3275},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":3277},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":3278},{"title":"دليل من قال: يذكر الله حتى في الخلاء","level":7,"page":3278},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3278},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3279},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3279},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":3280},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":3280},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":3281},{"title":"الفرع الثاني في الكلام في الخلاء","level":6,"page":3284},{"title":"دليل الكراهة","level":7,"page":3285},{"title":"دليل من قال: يكره التنحنح","level":7,"page":3287},{"title":"دليل من قال: لا يكره","level":7,"page":3288},{"title":"المبحث السابع في اللبث على الحاجة فوق الحاجة","level":5,"page":3289},{"title":"دليل من منع المكث فوق الحاجة","level":6,"page":3290},{"title":"المبحث الثامن في استحباب تغطية الرأس حال قضاء الحاجة","level":5,"page":3292},{"title":"دليل الاستحباب","level":6,"page":3292},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3293},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3294},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3294},{"title":"المبحث التاسع في مسح الذكر عند الفراغ من البول","level":5,"page":3297},{"title":"دليل من قال بوجوب الاستبراء بسلت ونحوه","level":6,"page":3298},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3299},{"title":"دليل من قال بالسنية","level":6,"page":3300},{"title":"دليل من قال: لا يشرع","level":6,"page":3300},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3300},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3300},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3300},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3301},{"title":"المبحث العاشر في نتر الذكر","level":5,"page":3302},{"title":"الفرع الأول في تعريف النتر","level":6,"page":3302},{"title":"الفرع الثاني في حكم نتر البول","level":6,"page":3303},{"title":"دليل من قال: النتر مشروع","level":7,"page":3304},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3304},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3304},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3304},{"title":"دليل من قال لا يشرع النتر","level":7,"page":3305},{"title":"المبحث الحادي عشر في حكم قول غفرانك بعد الخروج من الخلاء","level":5,"page":3307},{"title":"المبحث الثاني عشر في حكم الحمد بعد الخروج من الخلاء","level":5,"page":3312},{"title":"دليل الاستحباب","level":6,"page":3312},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3312},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3313},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3314},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3315},{"title":"المبحث الثالث عشر في حكم تنظيف اليد بعد غسل دبره","level":5,"page":3317},{"title":"دليل الاستحباب","level":6,"page":3318},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3318},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3318},{"title":"المبحث الرابع عشر في حكم البول واقفا","level":5,"page":3321},{"title":"دليل من قال: لا بأس بالبول قائما","level":6,"page":3322},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3322},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3322},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3323},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3324},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3325},{"title":"دليل من قال يكره البول قائما","level":6,"page":3325},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3326},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3327},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3328},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3328},{"title":"المبحث الخامس عشر استحباب أن يهيئ ما يستجمر به قبل جلوسه","level":5,"page":3331},{"title":"دليل الاستحباب","level":6,"page":3331},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3331},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3332},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3332},{"title":"الفصل الثاني في آداب قضاء الحاجة المتعلقة بالمكان","level":4,"page":3333},{"title":"المبحث الأول في طلب المكان الرخو","level":5,"page":3333},{"title":"الدليل الأول: الإجماع.","level":6,"page":3333},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3334},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3334},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3336},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3337},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3338},{"title":"المبحث الثاني في استحباب الاستتار","level":5,"page":3339},{"title":"الفرع الأول في حكم التواري عن أعين الناس في الفضاء","level":6,"page":3339},{"title":"دليل المشروعية","level":7,"page":3340},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3340},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3340},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3340},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":3341},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":3342},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":3343},{"title":"الدليل السابع","level":8,"page":3343},{"title":"الدليل الثامن","level":8,"page":3344},{"title":"الدليل التاسع","level":8,"page":3346},{"title":"الدليل العاشر","level":8,"page":3346},{"title":"الدليل الحادي عشر","level":8,"page":3347},{"title":"الفرع الثاني في ستر العورة عن الناس عند قضاء الحاجة","level":6,"page":3350},{"title":"أدلة وجوب ستر العورة","level":7,"page":3351},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3352},{"title":"الدليل الثالث: من الإجماع.","level":8,"page":3352},{"title":"الفرع الثالث في رفع الثوب قبل الدنو من الأرض","level":6,"page":3353},{"title":"دليل من قال: يستحب أن لا يرفع ثوبه من الأرض","level":7,"page":3354},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3354},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3354},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3355},{"title":"دليل من قال: يحرم كشف ثوبه قبل دنوه من الأرض","level":7,"page":3355},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3355},{"title":"الفرع الرابع إذا اضطر إلى كشف العورة أمام الغير لقضاء الحاجة","level":6,"page":3358},{"title":"المبحث الثالث في كراهية استقبال الريح","level":5,"page":3359},{"title":"دليل الكراهة","level":6,"page":3359},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3359},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3360},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3361},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3361},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3361},{"title":"المبحث الرابع في حكم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط","level":5,"page":3362},{"title":"دليل من قال بالتحريم مطلقا في الصحراء والبنيان","level":6,"page":3364},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3364},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3364},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3365},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3365},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3366},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":3367},{"title":"الدليل السادس.","level":7,"page":3368},{"title":"دليل من قال بالجواز مطلقا","level":6,"page":3368},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3368},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3369},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3371},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3373},{"title":"دليل من فرق بين الصحراء والبنيان","level":6,"page":3376},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3376},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3377},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3378},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3379},{"title":"دليل من قال بكراهة الاستقبال والاستدبار","level":6,"page":3380},{"title":"دليل من قال يحرم الاستقبال مطلقا ويحل الاستدبار مطلقا","level":6,"page":3381},{"title":"دليل من قال بجواز الاستدبار في البنيان فقط","level":6,"page":3381},{"title":"دليل من قال: يحرم حتى في القبلة المنسوخة","level":6,"page":3381},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3381},{"title":"دليل من قال: التحريم خاص بأهل المدينة ومن على سمتها","level":6,"page":3383},{"title":"المبحث الخامس في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء","level":5,"page":3385},{"title":"المبحث السادس في استقبال النيرين (الشمس والقمر)","level":5,"page":3387},{"title":"دليل من قال بالكراهة","level":6,"page":3388},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3388},{"title":"دليل من قال: لا يكره استقبال الشمس والقمر","level":6,"page":3389},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3389},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3389},{"title":"المبحث السابع في البول في الطريق والظل النافع وتحت شجرة مثمرة","level":5,"page":3391},{"title":"أدلة القائلين بالتحريم","level":6,"page":3392},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3392},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3392},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3393},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3394},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3396},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":3396},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":3397},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":3398},{"title":"الدليل التاسع","level":7,"page":3399},{"title":"الدليل العاشر","level":7,"page":3399},{"title":"الدليل الحادي عشر","level":7,"page":3400},{"title":"الدليل الثاني عشر","level":7,"page":3401},{"title":"المبحث الثامن التبول في المسجد","level":5,"page":3406},{"title":"دليل من قال يحرم البول في المسجد","level":6,"page":3407},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3407},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3407},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3408},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3408},{"title":"دليل من قال: يجوز البول في إناء في المسجد","level":6,"page":3409},{"title":"المبحث التاسع في البول في الشق ونحوه","level":5,"page":3411},{"title":"دليل الكراهة","level":6,"page":3412},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3412},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3412},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3415},{"title":"المبحث العاشر في البول على القبر","level":5,"page":3416},{"title":"دليل من قال: يحرم البول عليه.","level":6,"page":3417},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3417},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3418},{"title":"دليل من قال: يكره البول بقربه","level":6,"page":3418},{"title":"دليل من قال: لا يكره البول بقرب القبر","level":6,"page":3418},{"title":"المبحث الحادي عشر التبول في الإناء","level":5,"page":3420},{"title":"دليل من جوز البول في إناء","level":6,"page":3421},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3421},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3421},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3422},{"title":"دليل من قيده بالحاجة","level":6,"page":3422},{"title":"دليل من خص الكراهة بالآنية النفيسة","level":6,"page":3422},{"title":"المبحث الثاني عشر في التحول عن موضع قضاء الحاجة عند الاستنجاء","level":5,"page":3424},{"title":"دليل الاستحباب","level":6,"page":3425},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3425},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3425},{"title":"الباب الثالث في صفة الاستنجاء والاستجمار","level":3,"page":3427},{"title":"الفصل الأول في التسمية عند الاستنجاء والاستجمار","level":4,"page":3427},{"title":"الفصل الثاني حكم النية للاستنجاء","level":4,"page":3431},{"title":"دليل الجمهور على عدم اشتراط النية","level":5,"page":3432},{"title":"الدليل الأول: الإجماع.","level":6,"page":3432},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3432},{"title":"دليل المالكية على اشتراط النية","level":5,"page":3432},{"title":"الفصل الثالث يبدأ الرجل بالقبل قبل الدبر","level":4,"page":3434},{"title":"الفصل الرابع هل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين","level":4,"page":3436},{"title":"دليل من قال: يكفي غلبة الظن","level":5,"page":3437},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3437},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3438},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3439},{"title":"دليل من قال: لا بد من اليقين","level":5,"page":3439},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3439},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3439},{"title":"الفصل الخامس في صفة الإنقاء","level":4,"page":3440},{"title":"المبحث الأول في صفة الإنقاء بالحجر","level":5,"page":3440},{"title":"المبحث الثاني في صفة الإنقاء بالماء","level":5,"page":3442},{"title":"دليل من قال: لا يشترط في الاستنجاء عدد معين","level":6,"page":3443},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3443},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3444},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3444},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3446},{"title":"دليل من قال: يجب غسل النجاسة في الاستنجاء سبع مرات","level":6,"page":3446},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3447},{"title":"دليل من قال: يشترط ثلاث غسلات","level":6,"page":3448},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3448},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3448},{"title":"الفصل السادس في الأثر المتبقي بعد الاستجمار","level":4,"page":3450},{"title":"فرع ما تطاير من الماء وقت الاستنجاء","level":5,"page":3455},{"title":"الفصل السابع القول في قطع الاستنجاء على وتر","level":4,"page":3456},{"title":"دليل استحباب قطع الاستنجاء على وتر.","level":5,"page":3458},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3458},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3458},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3458},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3459},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3460},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":3461},{"title":"دليل من قال: إن الإيتار واجب","level":5,"page":3462},{"title":"دليل من قال: يحصل الإيتار ولو بحجر واحد","level":5,"page":3463},{"title":"الفصل الثامن في صفة المسح بالأحجار","level":4,"page":3465},{"title":"دليل من قال: لا كيفية للاستنجاء","level":5,"page":3467},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3467},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3467},{"title":"دليل من قال: يمسح بالأول من المقدم وبالثاني عكسه وبالثالث كالأول","level":5,"page":3467},{"title":"دليل من طلب تعميم المحل بكل حجر","level":5,"page":3468},{"title":"دليل من فرق الأحجار بين الصفحتين والمسربة","level":5,"page":3468},{"title":"الفصل التاسع لا يباشر الاستنجاء بيده اليمنى ولا يمس ذكره بها","level":4,"page":3470},{"title":"المبحث الأول هل يكره مس الذكر باليمين مطلقا أو حال البول فقط","level":5,"page":3474},{"title":"دليل من قال: يكره حال البول","level":6,"page":3474},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3474},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3475},{"title":"دليل من قال يكره مس الذكر مطلقا","level":6,"page":3477},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3477},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3478},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3478},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3479},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3479},{"title":"المبحث الثاني في صحة الاستنجاء باليمين إذا وقع","level":5,"page":3480},{"title":"دليل من قال: لا يجزئ","level":6,"page":3480},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3480},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3481},{"title":"دليل من قال يجزئ مع الإثم","level":6,"page":3482},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3482},{"title":"المبحث الثالث إشكال وجوابه","level":5,"page":3483},{"title":"المبحث الرابع حكم مس الدبر باليمين حال قضاء الحاجة","level":5,"page":3485},{"title":"المبحث الخامس حكم مس فرج المرأة","level":5,"page":3486},{"title":"دليل ابن حزم","level":6,"page":3486},{"title":"الفصل العاشر الشك بعد الفراغ من الاستنجاء","level":4,"page":3487},{"title":"دليل القول بأن الشك بعد العبادة لا يؤثر","level":5,"page":3488},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3488},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3488},{"title":"الفصل الحادي عشر نضح الماء على الفرج والسراويل","level":4,"page":3489},{"title":"دليل من قال: ينضح فرجه","level":5,"page":3490},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3490},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3492},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3492},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3493},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3494},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3496},{"title":"دليل من قال: لا ينضح فرجه","level":5,"page":3496},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3496},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3496},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3497},{"title":"دليل من قال: ينضح إن كان الشيطان يريبه كثيرا","level":5,"page":3497},{"title":"الباب الرابع في الاستجمار","level":3,"page":3498},{"title":"الفصل الأول خلاف العلماء في جواز الاستجمار","level":4,"page":3498},{"title":"الأدلة على جواز الاستجمار بالحجارة","level":5,"page":3499},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3499},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3499},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3500},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3500},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3501},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3502},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":3503},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":3504},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":3505},{"title":"دليل من قال: الاستجمار لا يجزي إلا لمن عدم الماء","level":5,"page":3506},{"title":"الفصل الثاني في شروط الاستجمار","level":4,"page":3507},{"title":"الشرط الأول في اشتراط ثلاثة أحجار","level":5,"page":3507},{"title":"دليل الحنفية والمالكية على الاكتفاء بحجر واحد","level":6,"page":3508},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3508},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3511},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3512},{"title":"دليل الشافعية والحنابلة على اشتراط الثلاث","level":6,"page":3512},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3512},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3513},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3513},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3514},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3514},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":3514},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":3515},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":3515},{"title":"المبحث الأول في الاكتفاء بحجر واحد له ثلاث شعب","level":6,"page":3517},{"title":"دليل من قال: يكفي حجر واحد له ثلاث شعب","level":7,"page":3518},{"title":"دليل من قال: لا بد من ثلاثة أحجار","level":7,"page":3518},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3518},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3518},{"title":"الشرط الثاني أن تكون الأحجار ونحوها طاهرة","level":5,"page":3520},{"title":"الدليل على اشتراط الطهارة","level":6,"page":3521},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3521},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3522},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3522},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3522},{"title":"دليل من قال: يجزئ الاستجمار بكل مزيل ولو كان نجسا","level":6,"page":3523},{"title":"الشرط الثالث أن يكون المستنجى به غير عظم وروث","level":5,"page":3524},{"title":"دليل من قال: لا يستنجي بعظم وروث","level":6,"page":3525},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3525},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3525},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3526},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3526},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3526},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":3527},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":3528},{"title":"دليل من قال: يجوز الاستنجاء بالعظم والروث","level":6,"page":3530},{"title":"دليل من قال: لا يستنجي، وإذا استنجى أجزأ","level":6,"page":3530},{"title":"فرع النهي عن العظام والروث للكراهة أو للتحريم","level":6,"page":3531},{"title":"دليل من قال: يكره","level":7,"page":3533},{"title":"دليل من قال: يحرم","level":7,"page":3533},{"title":"دليل من قال: يكره إن كان العظم والروث طاهرين ويحرم إن كانا نجسين","level":7,"page":3533},{"title":"الشرط الرابع في اشتراط أن يكون المستجمر به من الأحجار","level":5,"page":3535},{"title":"دليل الجمهور على جواز الورق والخشب","level":6,"page":3536},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3536},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3537},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3537},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3538},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3538},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":3539},{"title":"دليل ابن حزم على وجوب الاقتصار على الماء أو الحجارة","level":6,"page":3539},{"title":"الشرط الخامس أن يكون الحجر ونحوه منقيا","level":5,"page":3541},{"title":"فرع في تعين الاستنجاء بالماء على من استنجى بالزجاج","level":6,"page":3543},{"title":"الشرط السادس في اشتراط أن يكون المستجمر به جامدا","level":5,"page":3545},{"title":"دليل الحنفية على إزالة الاستجمار بكل مائع ورطب","level":6,"page":3546},{"title":"دليل الجمهور على اشتراط الماء أو الجامد","level":6,"page":3547},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3547},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3548},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3548},{"title":"دليل من قال: تزال النجاسة بأي مزيل","level":6,"page":3549},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3549},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3549},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3550},{"title":"الشرط السابع ألا يكون المستجمر به حممة","level":5,"page":3551},{"title":"دليل من قال: بالكراهة أو المنع","level":6,"page":3552},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3554},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3554},{"title":"دليل من قال يجزئ الاستنجاء بالحممة","level":6,"page":3554},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3554},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3555},{"title":"الشرط الثامن أن يكون المستجمر به غير محترم","level":5,"page":3556},{"title":"المبحث الأول الاستنجاء بالكتب الشرعية","level":6,"page":3556},{"title":"تعليل من قال: لا يجزئ","level":7,"page":3558},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3558},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3558},{"title":"المبحث الثاني ألا يكون المستنجى به مطعوما","level":5,"page":3560},{"title":"دليل المنع من الاستنجاء بالطعام","level":6,"page":3561},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3561},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3561},{"title":"المبحث الثالث أن يكون المستنجى به مباحا","level":5,"page":3563},{"title":"دليل اشتراط الإباحة","level":6,"page":3564},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3564},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3564},{"title":"المبحث الرابع ألا يكون المستنجى به حيوانا","level":5,"page":3567},{"title":"الفرع الأول الاستنجاء بشيء من الحيوان متصل به","level":6,"page":3567},{"title":"دليل من حرم الاستنجاء بما هو متصل بحيوان","level":7,"page":3568},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3568},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3568},{"title":"دليل من قال: بالجواز","level":7,"page":3568},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3568},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3569},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3569},{"title":"دليل من قال: يكره الاستنجاء بالحيوان","level":7,"page":3569},{"title":"الفرع الثاني الاستنجاء بجلد الحيوان المنفصل","level":5,"page":3570},{"title":"دليل من قال: يشترط أن يكون مذكى","level":6,"page":3572},{"title":"دليل من قال بالجواز مطلقا","level":6,"page":3572},{"title":"الفرع الثالث ما منع الاستنجاء به لحرمته لا يجوز البول عليه","level":5,"page":3573},{"title":"الباب الخامس في ما يستنجى منه","level":3,"page":3574},{"title":"الفصل الأول في الاستنجاء من البول والغائط","level":4,"page":3574},{"title":"الفصل الثاني في الاستنجاء من المذي","level":4,"page":3578},{"title":"دليل من قال: يغسل موضع الحشفة","level":5,"page":3579},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3580},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3581},{"title":"دليل من قال: يجب غسل ذكره كله ولا يكفي الاستجمار","level":5,"page":3582},{"title":"دليل من قال: يغسل ذكره وأنثييه","level":5,"page":3583},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3583},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3588},{"title":"دليل من قال: يجزئ الاستجمار بالحجارة","level":5,"page":3588},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3588},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3589},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3592},{"title":"الفصل الثالث في الاستنجاء من الودي","level":4,"page":3593},{"title":"دليل من قال: يتعين الماء","level":5,"page":3595},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3595},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3596},{"title":"دليل من قال: يكفي فيه الاستجمار","level":5,"page":3596},{"title":"دليل من قال: إن الودي طاهر","level":5,"page":3596},{"title":"الفصل الرابع في الاستنجاء من المني","level":4,"page":3598},{"title":"دليل من قال يستنجى من المني وأنه نجس","level":5,"page":3601},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3601},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3602},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3606},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3606},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3607},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3608},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3609},{"title":"دليل من قال بطهارة المني","level":5,"page":3610},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3610},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3610},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3610},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3616},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3617},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3618},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":3618},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":3619},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":3620},{"title":"الفصل الخامس في الاستنجاء من الحدث الدائم","level":4,"page":3622},{"title":"المبحث الأول هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة حدثا أم يعفى عنه","level":5,"page":3622},{"title":"دليل من اعتبر الخروج الدائم للبول ونحوه حدثا","level":6,"page":3623},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3623},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3630},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3633},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3635},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":3636},{"title":"دليل المالكية على أن الخارج الدائم لا يجب منه الوضوء","level":6,"page":3637},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3637},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3637},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3638},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3638},{"title":"المبحث الثاني الكلام في غسل فرج من به حدث دائم عند الوضوء","level":5,"page":3640},{"title":"دليل الحنفية على أن الاستنجاء لا يجب","level":6,"page":3643},{"title":"المبحث الثالث شد عصابة الفرج عند الوضوء","level":5,"page":3644},{"title":"الأدلة على وجوب التلجم والتحفظ","level":6,"page":3645},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3645},{"title":"الفصل السادس في الاستنجاء من البعر الناشف والحصاة والدود","level":4,"page":3654},{"title":"دليل من قال: لا يستنجي","level":5,"page":3655},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3655},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3655},{"title":"دليل من قال: يستنجي منها","level":5,"page":3656},{"title":"الفصل السابع في الاستنجاء من الريح","level":4,"page":3657},{"title":"دليل من قال: لا يستنجي","level":5,"page":3658},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3658},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3658},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3659},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3659},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3659},{"title":"دليل من قال: يشرع الاستنجاء منها","level":5,"page":3660},{"title":"الباب السادس في الاستنجاء بالماء","level":3,"page":3661},{"title":"الفصل الأول خلاف العلماء في الاستنجاء بالماء","level":4,"page":3661},{"title":"دليل من قال: يجوز الاستنجاء بالماء","level":5,"page":3662},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3662},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3663},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3664},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3666},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3667},{"title":"دليل من قال: لا يستنجي بالماء","level":5,"page":3667},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3667},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3668},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3668},{"title":"الفصل الثاني أيهما أفضل الاستنجاء أم الاستجمار؟","level":4,"page":3669},{"title":"دليل من قال: الماء أفضل","level":5,"page":3670},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3670},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3670},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3670},{"title":"الفصل الثالث في الجمع بين الحجارة والماء","level":4,"page":3672},{"title":"دليل من قال باستحباب الجمع بين الحجارة والماء","level":5,"page":3673},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3673},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3678},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3679},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3679},{"title":"دليل من قال: لا يجمع بين الحجارة والماء","level":5,"page":3680},{"title":"الفصل الرابع متى يتعين الاستنجاء بالماء","level":4,"page":3682},{"title":"المبحث الأول إذا تجاوز الخارج موضع العادة","level":5,"page":3682},{"title":"دليل من قال: يتعين الماء إذا انتشر الخارج","level":5,"page":3685},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3685},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3685},{"title":"دليل من قال: يجزئ الاستجمار مطلقا تجاوز أم لا","level":5,"page":3685},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3685},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3685},{"title":"المبحث الثاني إذا استجمر بمنهي عنه ثم استجمر بعده بمباح فهل يتعين الماء؟","level":5,"page":3687},{"title":"المبحث الثالث يتعين الماء في الاستنجاء من المذي","level":5,"page":3688},{"title":"المبحث الثالث يتعين الماء في الاستنجاء من الدم والقيح","level":5,"page":3690},{"title":"المبحث الرابع هل يتعين الماء في بول المرأة؟","level":5,"page":3692},{"title":"دليل من قال يتعين الماء في بول المرأة مطلقا","level":6,"page":3693},{"title":"دليل من قال: يتعين الماء إذا نزل إلى ظاهر المهبل","level":6,"page":3693},{"title":"دليل من قال: يجزئ الاستجمار مطلقا","level":6,"page":3693},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3693},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3694},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3694},{"title":"المبحث الخامس هل يتعين الماء إذا عرق فسال أثر الاستجمار؟","level":5,"page":3695},{"title":"المبحث السادس هل يتعين الماء إذا خرج الحدث من غير السبيلين","level":5,"page":3697},{"title":"دليل من قال: يجزئ فيه الاستجمار مطلقا","level":6,"page":3698},{"title":"دليل من قال: يتعين الماء","level":6,"page":3698},{"title":"دليل من فرق بين ما تحت المعدة وما فوق المعدة","level":6,"page":3698},{"title":"دليل من اشترط أن ينسد المخرج المعتاد","level":6,"page":3699},{"title":"الباب السابع حكم الترتيب بين الاستنجاء والوضوء","level":3,"page":3700},{"title":"دليل الجمهور","level":4,"page":3701},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":3701},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":3701},{"title":"الدليل الثالث","level":5,"page":3701},{"title":"دليل من قال: يجب تقدم الاستنجاء على الوضوء","level":4,"page":3702},{"title":"الطهارة من الدماء الطبيعية","level":2,"page":3704},{"title":"تمهيد","level":3,"page":3705},{"title":"المقدمة","level":3,"page":3717},{"title":"المبحث الأول تعريف الحيض","level":4,"page":3717},{"title":"المبحث الثاني في أسماء الحيض","level":4,"page":3720},{"title":"المبحث الثالث في تاريخ ابتداء الحيض","level":4,"page":3724},{"title":"أدلة القول الأول","level":5,"page":3724},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3724},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3725},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3727},{"title":"الدليل على اعتبار الإنبات من علامات البلوغ","level":5,"page":3735},{"title":"دليل من قال: يحصل البلوغ بتمام خمس عشرة سنة","level":5,"page":3739},{"title":"دليل من قال: إن البلوغ بالسن يكون بثماني عشرة","level":5,"page":3740},{"title":"دليل ابن حزم على أن البلوغ بالسن لا يكون إلا بتمام تسع عشرة.","level":5,"page":3742},{"title":"الباب الأول في أحكام الحيض من حيث مقداره ووقته","level":3,"page":3743},{"title":"الفصل الأول في السن الذي تحيض فيه المرأة","level":4,"page":3743},{"title":"المبحث الأول التحديد بالسن تقريب لا تحديد","level":5,"page":3752},{"title":"المبحث الثاني المعتبر بالتحديد السنون القمرية","level":5,"page":3754},{"title":"المبحث الثالث في دم الصغيرة التي لا يمكن أن تحيض","level":5,"page":3756},{"title":"الفصل الثاني منتهى سن الحيض عند النساء","level":4,"page":3760},{"title":"دليل من قال: لا حيض بعد الخمسين","level":5,"page":3762},{"title":"دليل من حد سن اليأس بالستين أو السبعين أو نحوهما","level":5,"page":3763},{"title":"دليل من قال: الدم من الخمسين إلى الستين مشكوك فيه","level":5,"page":3764},{"title":"دليل من قال: لا حد بالسن لمنتهى الحيض","level":5,"page":3765},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3765},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3765},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3766},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3766},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3767},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3767},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":3768},{"title":"فرع إذا انقطع الدم عن الكبيرة ثم عاد","level":5,"page":3770},{"title":"الفصل الثالث في إمكان الحيض من الحمل","level":4,"page":3774},{"title":"- أدلة من قال: الحامل لا تحيض","level":5,"page":3775},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3780},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3781},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3782},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3782},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3783},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":3784},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":3785},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":3785},{"title":"أدلة القائلين بأن الحامل تحيض","level":5,"page":3786},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3786},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3786},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3787},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3788},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3788},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3789},{"title":"الفصل الرابع في أقل الحيض","level":4,"page":3794},{"title":"أدلة القائلين بأن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها","level":5,"page":3795},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3795},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3796},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3797},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3798},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3799},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3799},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":3800},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":3801},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":3802},{"title":"دليل من قال: أقل الحيض ثلاثة أيام بليلتيها المتخللتين","level":5,"page":3802},{"title":"دليل من قال: أقل الحيض يوم وليلة","level":5,"page":3803},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3803},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3804},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3805},{"title":"دليل من قال: أقل الحيض يوم بدون ليلة","level":5,"page":3808},{"title":"دليل من قال: لا حد لأقله","level":5,"page":3809},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3809},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3809},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3810},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3810},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3810},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3811},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":3811},{"title":"المبحث الأول أثر الاختلاف في أقل الحيض على عدة المطلقة","level":5,"page":3812},{"title":"المبحث الثاني في الدم إذا نقص عن أقل الحيض","level":5,"page":3817},{"title":"الفصل الخامس في أكثر الحيض","level":4,"page":3819},{"title":"أدلة الجمهور على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما","level":5,"page":3820},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3820},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3822},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3822},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3823},{"title":"أدلة القائلين بأن أكثر الحيض عشرة أيام","level":5,"page":3823},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3823},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3823},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3824},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3824},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3824},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3824},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":3825},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":3826},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":3827},{"title":"دليل من قال: أكثر الحيض سبعة عشر يوما","level":5,"page":3827},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3827},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3828},{"title":"دليل من قال: لا حد لأكثر الحيض","level":5,"page":3828},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3828},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3828},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3829},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3829},{"title":"الفصل السادس في غالب الحيض","level":4,"page":3832},{"title":"الأدلة على أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة","level":5,"page":3832},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3832},{"title":"الفصل السابع في أقل الطهر","level":4,"page":3835},{"title":"دليل من قال: أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوما","level":5,"page":3836},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3836},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3837},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3837},{"title":"دليل من قال: أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما","level":5,"page":3837},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3837},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3838},{"title":"دليل من قال: أقل الطهر تسعة عشر يوما","level":5,"page":3838},{"title":"دليل من قال: أقل الطهر عشرة أو ثمانية أو خسمة","level":5,"page":3839},{"title":"دليل من قال: لا حد لأقل الطهر","level":5,"page":3839},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3839},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3840},{"title":"الفصل الثامن في أكثر الطهر","level":4,"page":3841},{"title":"الفصل التاسع في غالب الطهر","level":4,"page":3843},{"title":"الباب الثاني في المبتدأة","level":3,"page":3845},{"title":"الفصل الأول في حكم المبتدأة","level":4,"page":3846},{"title":"المبحث الأول في المبتدأة إذا لم يتجاوز دمها أكثر الحيض","level":5,"page":3846},{"title":"دليل من قال: لا تصلي ولا تصوم حتى يتجاوز أكثر الحيض","level":6,"page":3848},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3848},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3848},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3848},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":3849},{"title":"دليل الحنابلة على التكرار ثلاثا","level":6,"page":3849},{"title":"دليل من قال: لا تصلي حتى يستمر بها الدم أقل مدة الحيض","level":6,"page":3850},{"title":"دليل من قال: تترك الصلاة والصيام ستة أيام أو سبعة أيام فقط","level":6,"page":3851},{"title":"المبحث الثاني أن يتجاوز دم المبتدأة أكثر الحيض","level":5,"page":3854},{"title":"المبحث الثالث أن ينقطع دم المبتدأة لأدنى من أقل الحيض","level":5,"page":3857},{"title":"الفصل الثاني في ثبوت العادة للمبتدأة","level":4,"page":3859},{"title":"دليل من قال: إن العادة تثبت بمرتين","level":5,"page":3864},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3864},{"title":"دليل من قال: العادة تثبت بثلاث مرات","level":5,"page":3864},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3864},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3865},{"title":"الباب الثالث في الطوارئ على الحيض","level":3,"page":3866},{"title":"الفصل الأول إذا زاد الدم على عادة المرأة","level":4,"page":3867},{"title":"دليل هذا القول","level":5,"page":3873},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3875},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3876},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3876},{"title":"الفصل الثاني في طهارة المرأة قبل تمام عادتها","level":4,"page":3878},{"title":"الفصل الثالث في النقاء المتخلل بين الدمين","level":4,"page":3880},{"title":"دليل آخر: قالوا: قياسا على اشتراط النصاب في الزكاة، فكمال النصاب وحده شرط لوجوب الزكاة، ونقصانه في أثناء الحول لا يؤثر.","level":5,"page":3882},{"title":"دليل الحنابلة على كون النقاء طهرا: نص، ونظر.","level":5,"page":3889},{"title":"دليلهم","level":5,"page":3890},{"title":"الفصل الرابع إذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت","level":4,"page":3891},{"title":"دليل القائلين بأن العادة إذا تقدمت أو تأخرت فهي حيض","level":5,"page":3892},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3892},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3892},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3893},{"title":"دليل من قال يشترط التكرار مرتين","level":5,"page":3893},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3893},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3894},{"title":"دليل الحنابلة على اشتراط التكرار","level":5,"page":3894},{"title":"الفصل الخامس في تعاطي دواء يقطع الحيض أو يعجل نزوله","level":4,"page":3895},{"title":"دليل من قال بمنع العزل","level":5,"page":3897},{"title":"دليل جواز العزل","level":5,"page":3897},{"title":"دليل من علقه بإذن الزوجة","level":5,"page":3898},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3898},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3898},{"title":"الدليل الثالث: من الآثار.","level":6,"page":3899},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3899},{"title":"الفصل السادس في الصفرة والكدرة","level":4,"page":3905},{"title":"المبحث الأول ألوان الدم الخارج من المرأة","level":5,"page":3905},{"title":"المبحث الثاني حكم الصفرة والكدرة","level":5,"page":3908},{"title":"دليل من قال: الصفرة والكدرة حيض مطلقا","level":6,"page":3910},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":3910},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3910},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3912},{"title":"دليل من قال: بأن الصفرة والكدرة ليست حيضا مطلقا","level":6,"page":3913},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":3915},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":3916},{"title":"دليل من فرق بين الكدرة في أول الحيض وفي آخر الحيض","level":6,"page":3917},{"title":"دليل من قال: الصفرة والكدرة حيض إن كانت في زمن الحيض","level":6,"page":3917},{"title":"الفرع الأول في رؤية الكدرة قبل التحقق من نزول العادة","level":6,"page":3923},{"title":"الفرع الثاني في الاحتجاج بقول الصحابي كنا نفعل","level":6,"page":3925},{"title":"الباب الرابع في طهارة الحائض","level":3,"page":3931},{"title":"الفصل الأول في مخالطة الحائض وطهارة عرقها وسؤرها وثيابها","level":4,"page":3931},{"title":"والأدلة على هذه المسألة كثيرة","level":5,"page":3931},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3931},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3932},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":3933},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":3934},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":3934},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":3934},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":3935},{"title":"واستدلوا بما يلي","level":5,"page":3938},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":3939},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":3939},{"title":"الفصل الثاني في طهارة الحائض من الحدث","level":4,"page":3942},{"title":"المبحث الأول في حكم غسل المرأة من الحيض","level":5,"page":3942},{"title":"المبحث الثاني خلاف العلماء في الموجب للغسل","level":5,"page":3944},{"title":"دليل من قال: الموجب للغسل انقطاع الدم","level":6,"page":3945},{"title":"دليل من قال: يجب بإرادة القيام إلى الصلاة","level":6,"page":3946},{"title":"المبحث الثالث في صفة الغسل من المحيض","level":5,"page":3947},{"title":"الفرع الأول في اشتراط النية للطهارة","level":6,"page":3948},{"title":"أدلة الجمهور على أن النية شرط","level":7,"page":3949},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3949},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3950},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3951},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":3952},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":3952},{"title":"أدلة من قال: إن النية ليست شرطا في الوضوء وفي التيمم","level":7,"page":3953},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3953},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3953},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3954},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":3954},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":3955},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":3955},{"title":"الدليل السابع","level":8,"page":3956},{"title":"الدليل الثامن","level":8,"page":3956},{"title":"دليل من قال: النية شرط في طهارة التيمم دون طهارة الماء","level":7,"page":3957},{"title":"الفرع الثاني في استحباب التسمية في غسل الحيض","level":6,"page":3960},{"title":"دليل الجمهور على استحباب التسمية","level":7,"page":3961},{"title":"الدليل الثاني من القياس","level":8,"page":3961},{"title":"دليل الحنابلة على وجوب التسمية","level":7,"page":3962},{"title":"الفرع الثالث في وضوء الغسل","level":6,"page":3965},{"title":"أدلة الجمهور على أن الوضوء في الغسل سنة","level":7,"page":3966},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3966},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3966},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3966},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":3967},{"title":"دليل من قال: الوضوء شرط في صحة الغسل","level":7,"page":3967},{"title":"دليل ابن حزم على أن الوضوء لا يشرع في غسل الحيض","level":7,"page":3967},{"title":"دليل القائلين بأن نية الطهارة الكبرى تجزئ عن نية الصغرى","level":7,"page":3976},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3976},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3976},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3977},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":3977},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":3978},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":3978},{"title":"الدليل السابع","level":8,"page":3979},{"title":"دليل الحنفية بأن نية الحدث الأصغر والأكبر ليست واجبة","level":7,"page":3979},{"title":"دليل الحنابلة على وجوب الوضوء أو نيته في غسل الحيض","level":7,"page":3979},{"title":"دليل من قال لا يجب غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى","level":7,"page":3980},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3980},{"title":"دليل ابن حزم في التفريق بين غسل الجنابة وبين غيره","level":7,"page":3982},{"title":"دليل من أوجب المضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء","level":7,"page":3984},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3984},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3985},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3986},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":3987},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":3990},{"title":"دليل من قال: بوجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل","level":7,"page":3992},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":3992},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":3995},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":3996},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":3996},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":3997},{"title":"دليل من قال بوجوب الاستنشاق دون المضمضة","level":7,"page":3999},{"title":"دليل من قال: المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء دون الغسل","level":7,"page":4000},{"title":"دليل الجمهور على استحباب التثليث في وضوء الغسل.","level":7,"page":4006},{"title":"دليل من قال: الوضوء في الغسل مرة مرة إلا الكفين والرأس","level":7,"page":4009},{"title":"الفرع الرابع في نقض المرأة رأسها في غسل الحيض","level":6,"page":4018},{"title":"دليل من قال: لا تنقض رأسها مطلقا في الحيض والجنابة","level":7,"page":4019},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4019},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4020},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":4021},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":4021},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":4022},{"title":"دليل من قال: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة","level":7,"page":4022},{"title":"دليل من فرق بين الجنابة والحيض","level":7,"page":4023},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4024},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":4025},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":4025},{"title":"الفرع الخامس في غسل المسترسل من الشعر","level":6,"page":4027},{"title":"أدلة الجمهور على وجوب غسل المسترسل","level":7,"page":4028},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4028},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":4029},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":4030},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":4030},{"title":"الدليل السادس","level":8,"page":4031},{"title":"الدليل السابع","level":8,"page":4031},{"title":"الدليل الثامن","level":8,"page":4033},{"title":"أدلة من قال: لا يجب غسل باطن الضفائر ولا المسترسل من الشعر","level":7,"page":4034},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4034},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4036},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":4036},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":4037},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":4037},{"title":"الفرع السادس في التثليث في غسل البدن","level":6,"page":4041},{"title":"أدلة الجمهور في استحباب غسل البدن ثلاثا","level":7,"page":4042},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4042},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4042},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":4043},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":4045},{"title":"الدليل الخامس","level":8,"page":4046},{"title":"دليل من قال: لا يستحب التثليث في غسل البدن من الحدث الأكبر","level":7,"page":4047},{"title":"دليل التفريق بين غسل الحيض وبين غسل الجنابة","level":7,"page":4048},{"title":"والدليل على استحبابه التثليث في غسل الميتة","level":7,"page":4048},{"title":"الفرع السابع في صفة غسل الرجلين","level":5,"page":4050},{"title":"دليل من قال يؤخر غسل رجليه","level":6,"page":4051},{"title":"دليل من قال: لا يؤخر غسل القدمين","level":6,"page":4052},{"title":"دليل من قال: التقديم والتأخير سواء","level":6,"page":4052},{"title":"دليل من قال: إن التقديم والتأخير يتعلق بالمكان","level":6,"page":4052},{"title":"دليل من قال يغسل القدمين مرتين مع الوضوء وفي نهاية الغسل","level":6,"page":4052},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":6,"page":4054},{"title":"الفرع الثامن الفرق بين غسل الحيض وغسل الجنابة","level":5,"page":4056},{"title":"الفرع التاسع صفة الغسل الكامل والمجزئ","level":5,"page":4062},{"title":"الفصل الثالث في طهارة الحائض من دم الحيض","level":4,"page":4066},{"title":"المبحث الأول في نجاسة دم الحيض","level":5,"page":4066},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4067},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4069},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4070},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4072},{"title":"المبحث الثاني في تعين الماء في إزالة دم الحيض","level":5,"page":4073},{"title":"دليل الشوكاني على تقسيمه النجاسة إلى ثلاثة أقسام","level":6,"page":4075},{"title":"المبحث الثالث في وجوب تكرار الغسل من دم الحيض","level":5,"page":4076},{"title":"دليل من قال: لا يشترط التكرار في غسل النجاسات","level":6,"page":4077},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4077},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4077},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4078},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4078},{"title":"دليل الحنابلة على وجوب غسل النجاسات سبعا","level":6,"page":4078},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4078},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4080},{"title":"دليل الحنفية على التفريق بين النجاسة المرئية وغير المرئية","level":6,"page":4080},{"title":"الدليل الثاني للحنفية","level":7,"page":4084},{"title":"المبحث الرابع علامة الطهر عند الحائض","level":5,"page":4086},{"title":"دليل من قال إن كانت ترى القصة البيضاء فلا عبرة بالجفوف","level":6,"page":4090},{"title":"دليل من قال إذا رأت أحدهما القصة والجفوف فقد طهرت","level":6,"page":4090},{"title":"دليل من قال: تطهر بانقطاع الدم الأسود","level":6,"page":4091},{"title":"الباب الخامس فيما يتعلق بالحائض من أحكام العبادات","level":3,"page":4092},{"title":"الفصل الأول في تعبد الحائض بكتاب الله","level":4,"page":4092},{"title":"المبحث الأول في قراءة القرآن للحائض","level":5,"page":4092},{"title":"أدلة الجمهور على منع الحائض من قراءة القرآن","level":6,"page":4094},{"title":"استدل الحنفية والشافعية والحنابلة على منع الحائض بأدلة منها","level":7,"page":4094},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4094},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4096},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":4097},{"title":"أدلة القائلين بجواز قراءة الحائض القرآن","level":6,"page":4111},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4111},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4112},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4112},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4113},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4115},{"title":"دليل من فرق بين الحيض والجنابة","level":6,"page":4115},{"title":"دليل من أذن في قراءة الآية والآيتين","level":6,"page":4116},{"title":"المبحث الثاني في مس الحائض والمحدث المصحف","level":5,"page":4119},{"title":"أدلة الجمهور على اشتراط الطهارة","level":6,"page":4120},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4120},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4122},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4123},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4124},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4126},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":4127},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":4140},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":4142},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":4144},{"title":"أدلة القائلين بجواز مس المصحف بدون طهارة","level":6,"page":4146},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4146},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4147},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4147},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4148},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4149},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":4150},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":4151},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":4151},{"title":"الدليل التاسع","level":7,"page":4151},{"title":"المبحث الثالث في سجود التلاوة والشكر من الحائض","level":5,"page":4154},{"title":"دليل الجمهور على اشتراط الطهارة","level":6,"page":4155},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4157},{"title":"دليل من قال: لا تشترط الطهارة","level":6,"page":4157},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4157},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4157},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4158},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4159},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4159},{"title":"دليل من لم يشترط الطهارة","level":6,"page":4161},{"title":"الفصل الثاني في أحكام الحائض من حيث الصلاة","level":4,"page":4162},{"title":"المبحث الأول تحرم الصلاة من الحائض ولا يستحب لها القضاء","level":5,"page":4162},{"title":"أدلة من قال: لا تصلي الحائض ولا تقضي","level":6,"page":4163},{"title":"أما الأدلة على كونها لا تصلي فكثيرة، منها","level":7,"page":4163},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4163},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4164},{"title":"وأما الأدلة على كون الحائض لا تقضي الصلاة","level":7,"page":4165},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4165},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4166},{"title":"دليل من ذهب إلى وجوب قضاء الصلاة من الخوارج","level":7,"page":4167},{"title":"المبحث الثاني في جلوس الحائض في مصلاها تذكر الله بقدر الصلاة","level":5,"page":4171},{"title":"دليل من استحب لها الذكر وقت الصلاة","level":6,"page":4172},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4172},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4173},{"title":"المبحث الثالث في احتساب أجر الصلاة للحائض","level":5,"page":4177},{"title":"المبحث الرابع في استحباب قضاء الصلاة للحائض","level":5,"page":4179},{"title":"الفرع الأول في قضاء ركعتي الطواف للحائض","level":6,"page":4184},{"title":"المبحث الخامس في قضاء الصلاة إذا طرأ الحيض في الوقت","level":5,"page":4186},{"title":"دليل الحنفية على أنها إذا حاضت في الوقت لا يجب عليها القضاء","level":6,"page":4189},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4189},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4190},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4190},{"title":"دليل المالكية على وجوب القضاء إذا بقي من الوقت أقل من ركعة.","level":6,"page":4190},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4190},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4191},{"title":"دليل الشافعية على أن القضاء يجب بإدراك وقت يسع فعل الصلاة","level":6,"page":4191},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4191},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4192},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4192},{"title":"دليل من قال: يجب القضاء إذا أدركت من أول الوقت مقدار ركعة","level":6,"page":4195},{"title":"دليل الحنابلة على أنها إذا أدركت قدر تكبيرة الإحرام وجب القضاء","level":6,"page":4198},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4198},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4199},{"title":"دليل من قال: إذا حاضت وقد بقي من الوقت ما لا يسع لفعل الصلاة وجب القضاء.","level":6,"page":4199},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4199},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4200},{"title":"المبحث السادس في وجوب الصلاة على الحائض إذا طهرت في الوقت","level":5,"page":4201},{"title":"دليل من قال: إذا أدركت مقدار تكبيرة الإحرام وجبت الصلاة.","level":6,"page":4203},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4203},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4203},{"title":"دليل من قال: تجب الصلاة إذا أدركت مقدار ركعة","level":6,"page":4203},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4203},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4204},{"title":"دليل من قال: تجب الظهر بإدراك وقت العصر، والمغرب بإدراك العشاء.","level":6,"page":4204},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4204},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4205},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4205},{"title":"دليل من قال: إذا أدركت من العصر ما يسع الظهر وركعة وجبتا","level":6,"page":4207},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":6,"page":4207},{"title":"المبحث السابع في اشتراط إدراك وقت يسع للطهارة","level":5,"page":4209},{"title":"دليل من اشترط للوجوب زمن الطهارة","level":6,"page":4210},{"title":"دليل من لم يشترط إدراك زمن يسع للطهارة","level":6,"page":4210},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4210},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4210},{"title":"الفصل الثالث أحكام الحائض من حيث الصوم","level":4,"page":4211},{"title":"المبحث الأول يحرم الصوم ويجب القضاء إذا طهرت","level":5,"page":4211},{"title":"المبحث الثاني في إمساك الحائض عن الأكل إذا طهرت في أثناء النهار","level":5,"page":4213},{"title":"أدلة القائلين بوجوب الإمساك","level":6,"page":4214},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4214},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4214},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4214},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4214},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4215},{"title":"دليل من قال: لا يجب عليها الإمساك","level":6,"page":4215},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4215},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4215},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4216},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4216},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4216},{"title":"المبحث الثالث في المرأة تطهر قبل الفجر ولا تغتسل إلا بعد طلوع الصبح","level":5,"page":4217},{"title":"دليل الجمهور على صحة صومها","level":6,"page":4219},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4219},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4219},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4219},{"title":"دليل من قال: لا يصح صومها مطلقا حتى تغتسل قبل الفجر","level":6,"page":4220},{"title":"دليل من اشترط أن تطهر من الحيض في وقت يسعها فيه الاغتسال.","level":6,"page":4221},{"title":"المبحث الرابع في سقوط الكفارة إذا أفطرت بالجماع ثم نزل الحيض","level":5,"page":4222},{"title":"دليل الحنفية على سقوط الكفارة","level":6,"page":4223},{"title":"الفصل الرابع في أحكام الحائض من حيث المسجد","level":4,"page":4224},{"title":"المبحث الأول في مكث الحائض بالمسجد","level":5,"page":4224},{"title":"أدلة الجمهور القائلين بالمنع","level":6,"page":4225},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4225},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4228},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4230},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4232},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4237},{"title":"أدلة القائلين بجواز مكث الحائض في المسجد","level":6,"page":4238},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4238},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4239},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4239},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4241},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4244},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":4245},{"title":"المبحث الثاني في مرور الحائض في المسجد بلا مكث","level":5,"page":4247},{"title":"أدلة القائلين بجواز مرور الحائض في المسجد","level":6,"page":4248},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4248},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4249},{"title":"المبحث الثالث في اعتكاف الحائض","level":5,"page":4252},{"title":"دليل من قال: لا يصح اعتكاف الحائض","level":6,"page":4253},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4253},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4253},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4254},{"title":"دليل القائلين بصحة الاعتكاف مع الحيض","level":6,"page":4257},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4257},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4257},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4257},{"title":"فرع إذا حاضت المرأة وهي معتكفة","level":6,"page":4259},{"title":"دليل الجمهور على جواز خروجها إلى منزلها إذا حاضت","level":7,"page":4260},{"title":"دليل من استحب أن تمكث في رحبة المسجد","level":7,"page":4260},{"title":"الفصل الخامس في أحكام الحائض من حيث المناسك","level":4,"page":4262},{"title":"المبحث الأول في إحرام الحائض والنفساء في الحج والعمرة","level":5,"page":4262},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4262},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4263},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4263},{"title":"المبحث الثاني في اشتراط الطهارة للطواف","level":5,"page":4265},{"title":"الأدلة على اشتراط الطهارة من الحيض والحدث الأصغر","level":6,"page":4266},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4266},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4268},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4270},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4270},{"title":"الدليل الخامس على اشتراط الطهارة.","level":7,"page":4277},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":4278},{"title":"دليل من قال الطهارة واجبة ويصح الطواف بدونها وتجبر بدم","level":6,"page":4279},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4281},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4281},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4286},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4287},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":6,"page":4288},{"title":"المبحث الثالث في الحائض إذا اضطرت للطواف","level":5,"page":4289},{"title":"أدلة من قال: تسقط الطهارة بالعجز ويصح طوافها","level":6,"page":4291},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4291},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4292},{"title":"المبحث الرابع في سعي الحائض بين الصفا والمروة","level":5,"page":4301},{"title":"المبحث الخامس في المرأة تحيض قبل طواف العمرة وتخشى فوات الحج","level":5,"page":4306},{"title":"دليل الحنفية على رفض العمرة","level":6,"page":4307},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4307},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4321},{"title":"دليل الجمهور على أن الحائض تحرم بالحج وتصير قارنة","level":6,"page":4321},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4321},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4322},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4322},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4322},{"title":"المبحث السادس طواف الوداع يسقط عن الحائض","level":5,"page":4324},{"title":"الدليل على رجوع زيد وابن عمر عن قولهما","level":6,"page":4325},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4325},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4325},{"title":"دليل عمر على وجوب طواف الوداع على الحائض","level":6,"page":4327},{"title":"المبحث السابع إذا نفرت الحائض قبل طواف الوداع","level":5,"page":4330},{"title":"دليل من قال لا يلزمها الرجوع إذا بلغت مسافة القصر","level":6,"page":4331},{"title":"دليل من علق الرجوع ما لم تفارق البنيان","level":6,"page":4331},{"title":"دليل من علق الرجوع ما لم تفارق الحرم","level":6,"page":4331},{"title":"المبحث الثامن لا يستحب للحائض والنفساء الدعاء عند باب المسجد الحرام","level":5,"page":4333},{"title":"المبحث التاسع طواف الوداع للمستحاضة","level":5,"page":4335},{"title":"الباب السادس في أحكام الحائض من حيث العلاقات الزوجية","level":3,"page":4337},{"title":"الفصل الأول في وطء الحائض","level":4,"page":4337},{"title":"المبحث الأول في تحريم وطء الحائض في فرجها","level":5,"page":4337},{"title":"المبحث الثاني في مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة","level":5,"page":4343},{"title":"أدلة الجمهور على تحريم المباشرة من تحت الإزار","level":6,"page":4345},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4346},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4346},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4348},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4349},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":4352},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":4352},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":4353},{"title":"أدلة القائلين لا يحرم من الحائض إلا الفرج خاصة","level":6,"page":4356},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4356},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4357},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4358},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4358},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4359},{"title":"دليل من قال يستحب أن يباشرها من فوق الإزار ولا يجب","level":6,"page":4362},{"title":"دليل من قال: يجوز مباشرة ما تحت الإزار إن وثق بضبط نفسه","level":6,"page":4362},{"title":"المبحث الثالث في الاستمتاع بما تحت الإزار بالنظر واللمس","level":5,"page":4364},{"title":"المبحث الرابع في كفارة من جامع امرأته وهي حائض","level":5,"page":4366},{"title":"دليل القائلين بأ نه لا يجب عليه إلا التوبة والاستغفار","level":6,"page":4389},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4389},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4390},{"title":"دليل القائلين باستحباب الكفارة","level":6,"page":4390},{"title":"دليل القائلين إن كان الدم كذا فدينار أو كذا فنصف دينار","level":6,"page":4391},{"title":"دليل من قال: هو مخير بين دينار ونصف دينار","level":6,"page":4392},{"title":"دليل من قال: عليه خمسا دينار","level":6,"page":4393},{"title":"دليل من قال: يعتق نسمه أو قال: عليه كفارة من جامع في نهار رمضان","level":6,"page":4393},{"title":"المبحث الخامس في تصديق الرجل زوجه إذا أخبرته بأنها حائض","level":5,"page":4395},{"title":"المبحث السادس في كفر من استحل جماع الحائض في فرجها","level":5,"page":4396},{"title":"المبحث السابع جماع الحائض من اللمم وليس من الكبائر","level":5,"page":4398},{"title":"دليل الحنفية والشافعية على أن جماع الحائض كبيرة","level":6,"page":4399},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4399},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4403},{"title":"دليل الحنابلة بأن وطء الحائض ليس كبيرة","level":6,"page":4404},{"title":"المبحث الثامن في وجوب الكفارة على من جامع الحائض جاهل أو ناسيا","level":5,"page":4405},{"title":"المبحث التاسع إخراج القيمة في كفارة جماع الحائض","level":5,"page":4408},{"title":"المبحث العاشر في لزوم المرأة كفارة جماع الحائض","level":5,"page":4410},{"title":"الفصل الثاني في طلاق الحائض","level":4,"page":4412},{"title":"أدلة الجمهور على وقوع الطلاق","level":5,"page":4413},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4413},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4415},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4418},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4420},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4423},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":4425},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":4428},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":4431},{"title":"أدلة القائلين بأن طلاق الحائض لا يقع","level":5,"page":4433},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4433},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4435},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4436},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4444},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4446},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":4447},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":4449},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":4449},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":4451},{"title":"الدليل العاشر","level":6,"page":4451},{"title":"الفصل الثالث في الخلع وقت الحيض","level":4,"page":4454},{"title":"المبحث الأول تعريف الخلع","level":5,"page":4454},{"title":"تعريف الخلع","level":6,"page":4454},{"title":"المبحث الثاني في حكم الخلع","level":5,"page":4455},{"title":"دليل القول بأنه لا يجوز","level":6,"page":4455},{"title":"دليل من قال: لا يحل الخلع إلا في حالة الزنا","level":6,"page":4456},{"title":"المبحث الثالث في صحة خلع الحائض","level":5,"page":4458},{"title":"دليل من قال: الخلع طلاق مطلقا نوى أو لم ينو.","level":6,"page":4459},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4459},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4461},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4462},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4462},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4463},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":4463},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":4464},{"title":"أدلة القائلين بأن الخلع فسخ","level":6,"page":4464},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4464},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4465},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4465},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4467},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4467},{"title":"دليل من قال الخلع فسخ إلا إن نوى به الطلاق","level":6,"page":4468},{"title":"الدليل الأول: الإجماع.","level":7,"page":4468},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4468},{"title":"الدليل الثالث: من النظر","level":7,"page":4469},{"title":"الباب السابع في أحكام المستحاضة","level":3,"page":4470},{"title":"تمهيد","level":4,"page":4470},{"title":"المبحث الأول في تعريف الاستحاضة","level":5,"page":4470},{"title":"المبحث الثاني في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة","level":5,"page":4476},{"title":"الفصل الأول في المستحاضة المبتدأة","level":4,"page":4488},{"title":"المبحث الأول في تعريف المبتدأة ومتى تكون مستحاضة؟","level":5,"page":4488},{"title":"المبحث الثاني في حكم المستحاضة المبتدأة","level":5,"page":4491},{"title":"الفرع الأول في المستحاضة المبتدأة إذا كانت مميزة","level":6,"page":4492},{"title":"دليل الحنفية: بأنها تجلس عشرة أيام فقط","level":7,"page":4493},{"title":"دليل الجمهور على العمل بالتمييز","level":7,"page":4494},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4494},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4495},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":4496},{"title":"الدليل الرابع","level":8,"page":4496},{"title":"دليل أبي يوسف على وجوب الاغتسال بعد ثلاثة أيام والصيام والقضاء","level":7,"page":4496},{"title":"الفرع الثاني في المستحاضة المبتدأة إذا كانت غير مميزة","level":6,"page":4498},{"title":"دليل من قال تجلس عشرة أيام","level":7,"page":4500},{"title":"دليل من قال: تجلس خمسة عشر يوما","level":7,"page":4500},{"title":"دليل من قال: تقعد أيام لداتها","level":7,"page":4500},{"title":"دليل من قال: تقعد أيام لداتها ثم تستظهر بثلاثة أيام","level":7,"page":4501},{"title":"دليل من قال: تجلس يوما وليلة","level":7,"page":4501},{"title":"دليل من قال تجلس ستة أيام أو سبعة أيام غالب عادة النساء","level":7,"page":4502},{"title":"الفصل الثاني في تقدير طهر المستحاضة المبتدأة","level":4,"page":4508},{"title":"دليل من قدر الحيض والطهر في الشهر مرة واحدة","level":5,"page":4510},{"title":"دليل من قدر طهر المستحاضة بستة عشر يوما","level":5,"page":4510},{"title":"دليل من قدر طهر المستحاضة بثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين يوما","level":5,"page":4511},{"title":"دليل المالكية على أن الطهر يستمر إلى إقبال دم جديد","level":5,"page":4511},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":5,"page":4512},{"title":"الفصل الثالث في المستحاضة المعتادة","level":4,"page":4513},{"title":"المبحث الأول في المستحاضة المعتادة المميزة","level":5,"page":4514},{"title":"دليل من قال: تعمل المستحاضة بالعادة دون التمييز","level":6,"page":4517},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4517},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4518},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4519},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4519},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4521},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":4522},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":4523},{"title":"دليل من قال: تعمل بالتمييز ولا عبرة بالعادة","level":6,"page":4523},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4523},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4530},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4531},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4532},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4532},{"title":"دليل المالكية على أن المميزة تجلس منه قدر عادتها وغير المميزة طاهر أبدا","level":6,"page":4533},{"title":"القول الراجح","level":6,"page":4534},{"title":"المبحث الثاني في المستحاضة المعتادة غير المميزة","level":5,"page":4535},{"title":"دليل الجمهور على اعتبار العادة","level":6,"page":4538},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4538},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4538},{"title":"دليل من قال: تجلس عادتها وتستظهر بثلاثة أيام","level":6,"page":4539},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4539},{"title":"الدليل الثاني من القياس","level":7,"page":4540},{"title":"دليل من قال: تقعد المستحاضة المعتادة خمسة عشر يوما","level":6,"page":4541},{"title":"الفصل الرابع في المرأة المستحاضة المتحيرة","level":4,"page":4543},{"title":"المبحث الأول في المستحاضة المتحيرة بالعدد","level":5,"page":4545},{"title":"المبحث الثاني في المستحاضة المتحيرة بالوقت فقط","level":5,"page":4550},{"title":"المبحث الثالث في المتحيرة في العدد والوقت","level":5,"page":4555},{"title":"الدليل على هذا العنت والتشديد.","level":6,"page":4558},{"title":"الفصل الخامس في طهارة المستحاضة","level":4,"page":4561},{"title":"المبحث الأول في وجوب الوضوء من دم الاستحاضة","level":5,"page":4561},{"title":"دليل القائلين بوجوب الوضوء لكل صلاة","level":6,"page":4562},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4563},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4564},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4564},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4564},{"title":"دليل القائلين بوجوب الوضوء لوقت كل صلاة","level":6,"page":4565},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4565},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4565},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4566},{"title":"دليل الشافعية على وجوب الوضوء لكل فريضة دون النافلة","level":6,"page":4567},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4568},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4568},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4568},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4569},{"title":"الفرع الأول في غسل فرج المستحاضة عند الوضوء","level":6,"page":4571},{"title":"أدلة الحنفية على وجوب الاستنجاء وغسل الفرج من دم الاستحاضة","level":7,"page":4574},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4574},{"title":"الفرع الثاني في شد عصابة الفرج عند الوضوء","level":6,"page":4577},{"title":"الأدلة على وجوب التلجم والتحفظ","level":7,"page":4578},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4578},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":4579},{"title":"الفصل السادس في وجوب الغسل على المستحاضة","level":4,"page":4581},{"title":"أدلة من قال يجب عليها الغسل لكل صلاة","level":5,"page":4582},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4582},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4583},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4590},{"title":"أدلة من قال تغتسل لكل صلاتين مجموعتين وتغتسل للفجر غسلا واحدا","level":5,"page":4591},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4591},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4593},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4594},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4597},{"title":"دليل من قال: تغتسل في كل يوم غسلا واحدا","level":5,"page":4599},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4600},{"title":"دليل من قال: تغتسل من الظهر إلى الظهر","level":5,"page":4601},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4602},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4603},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4603},{"title":"الفصل السابع في وطء المستحاضة","level":4,"page":4604},{"title":"أدلة الجمهور على جواز وطء المستحاضة","level":5,"page":4606},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4606},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4606},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4607},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4608},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4608},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":4609},{"title":"دليل من منع وطء المستحاضة","level":5,"page":4610},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4610},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4610},{"title":"دليل من قال بالكراهة","level":5,"page":4612},{"title":"الباب الثامن في أحكام النفاس","level":3,"page":4613},{"title":"التمهيد في تعريف النفاس","level":4,"page":4613},{"title":"الفصل الأول بأي شيء يثبت حكم النفاس","level":4,"page":4618},{"title":"الفصل الثاني في أحكام السقط","level":4,"page":4622},{"title":"المبحث الأول في أسباب الإسقاط","level":5,"page":4624},{"title":"المبحث الثاني في الحكم التكليفي للإجهاض","level":5,"page":4625},{"title":"الفرع الأول في الإجهاض بعد نفخ الروح","level":6,"page":4625},{"title":"الأدلة على تحريم الإسقاط بعد نفخ الروح","level":7,"page":4625},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4625},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4626},{"title":"الدليل على أن نفخ الروح يكون بعد تمام أربعة أشهر","level":7,"page":4627},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4627},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4628},{"title":"الفرع الثاني في الإجهاض قبل نفخ الروح","level":6,"page":4629},{"title":"أدلة القائلين بتحريم إسقاط النطفة","level":7,"page":4631},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4632},{"title":"الدليل الثالث","level":8,"page":4633},{"title":"دليل من أباح إسقاط النطفة","level":7,"page":4633},{"title":"الدليل الأول","level":8,"page":4633},{"title":"الدليل الثاني","level":8,"page":4634},{"title":"دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل التخلق","level":7,"page":4635},{"title":"دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح","level":7,"page":4635},{"title":"الفرع الثالث في الإجهاض للضرورة بعد نفخ الروح","level":6,"page":4638},{"title":"دليل القائلين بجواز إسقاط الجنين إنقاذا لآمه","level":7,"page":4639},{"title":"المبحث الثالث في وقت تخلق الجنين","level":5,"page":4642},{"title":"الفصل الثالث في حكم الدم النازل مع الولادة","level":4,"page":4669},{"title":"دليل من لم يعتبره نفاسا","level":5,"page":4670},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4670},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4670},{"title":"الفصل الرابع في الدم الذي تراه الحامل قبل الولادة","level":4,"page":4674},{"title":"دليل الحنابلة على أن الدم قبل الولادة بيوم أو يومين نفاس","level":5,"page":4675},{"title":"الفصل الخامس في النقاء المتخلل بين الدمين","level":4,"page":4676},{"title":"القول الأول: في مذهب الحنفية قولان","level":5,"page":4676},{"title":"القول الثاني: مذهب المالكية في النفاس المتقطع","level":5,"page":4677},{"title":"القول الثالث: ذهب الشافعية","level":5,"page":4677},{"title":"القول الرابع: في المذهب الحنبلي روايتان","level":5,"page":4679},{"title":"القول الخامس: قال أبو ثور","level":5,"page":4679},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":5,"page":4679},{"title":"الفصل السادس في المرأة تلد ولم تر دما","level":4,"page":4680},{"title":"دليل من قال: لا يجب الغسل","level":5,"page":4682},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4682},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4682},{"title":"الفصل السابع في جماع النفساء إذا طهرت قبل الأربعين","level":4,"page":4684},{"title":"دليل الجمهور على إباحة الوطء","level":5,"page":4685},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4685},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4685},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4685},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4685},{"title":"دليل الحنابلة على كراهة الوطء","level":5,"page":4685},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4685},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4686},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4686},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4686},{"title":"دليل من قال: يحرم الوطء","level":5,"page":4687},{"title":"الفصل الثامن في أقل النفاس","level":4,"page":4688},{"title":"أدلة الجمهور على أن النفاس لا حد لأقله","level":5,"page":4690},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4690},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4690},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4690},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4691},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4691},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4692},{"title":"الفصل التاسع في أكثر مدة النفاس","level":4,"page":4694},{"title":"أدلة من قال: أكثر النفاس أربعون","level":5,"page":4696},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4696},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4699},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4699},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4700},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4701},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":4702},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":4702},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":4704},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":4705},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4706},{"title":"أدلة القائلين بأن أكثر النفاس ستون","level":5,"page":4706},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4708},{"title":"دليل من قال لا حد لأكثر النفاس","level":5,"page":4709},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4709},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4709},{"title":"الفصل العاشر في ابتداء مدة النفاس إذا وضعت توأمين","level":4,"page":4713},{"title":"دليل من قال: ابتداء النفاس من الأول","level":5,"page":4714},{"title":"دليل من قال: ابتداء النفاس من الولد الثاني","level":5,"page":4715},{"title":"دليل من قال: ابتداؤه من الأول وتستأنف المدة من الثاني","level":5,"page":4716},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":5,"page":4716},{"title":"الفصل الحادي عشر في الأحكام المترتبة على النفاس","level":4,"page":4717},{"title":"القسم الثالث طهارة التفث","level":1,"page":4724},{"title":"سنن الفطرة","level":2,"page":4724},{"title":"مقدمة","level":3,"page":4725},{"title":"تمهيد في تعريف الفطرة وذكر خصالها","level":3,"page":4736},{"title":"المبحث الأول في تعريف الفطرة","level":4,"page":4736},{"title":"دليل من قال الفطرة: الخلقة","level":5,"page":4738},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4738},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4738},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4739},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4740},{"title":"دليل من قال: الفطرة: البداءة، والفاطر البادئ","level":5,"page":4740},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4740},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4741},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4742},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4743},{"title":"دليل من قال: الفطرة السنة","level":5,"page":4744},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4744},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4746},{"title":"دليل من قال الفطرة هي الإسلام","level":5,"page":4747},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4747},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4747},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4748},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4749},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4750},{"title":"دليل من قال الفطرة الميثاق والعهد","level":5,"page":4751},{"title":"الراجح من هذه الأقوال","level":5,"page":4761},{"title":"فرع مناسبة تسمية هذه الخصال خصال الفطرة","level":5,"page":4762},{"title":"المبحث الثاني ذكر خصال الفطرة","level":4,"page":4763},{"title":"الباب الأول في الختان","level":3,"page":4765},{"title":"الفصل الأول في تعريف الختان","level":4,"page":4765},{"title":"الفصل الثاني في كيفية الختان","level":4,"page":4766},{"title":"الفصل الثالث ذكر أول من اختتن","level":4,"page":4771},{"title":"دليلهم على ذلك","level":5,"page":4771},{"title":"الدليل الأول: الإجماع.","level":6,"page":4771},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4771},{"title":"الفصل الرابع في وقت الختان","level":4,"page":4777},{"title":"أدلة القائلين من سبع إلى عشر","level":5,"page":4779},{"title":"أدلة القائلين بالاستحباب في اليوم السابع","level":5,"page":4779},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4779},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4780},{"title":"- دليل القائلين بكراهة اليوم السابع.","level":5,"page":4785},{"title":"دليل القائلين بأنه يحرم ختانه قبل عشر سنين.","level":5,"page":4785},{"title":"دليل من قال: لا يجب الختان إلا بالبلوغ.","level":5,"page":4786},{"title":"الدليل الثاني من النظر","level":6,"page":4786},{"title":"دليل من قال: يجب على الولي أن يختن الصغير قبل البلوغ","level":5,"page":4786},{"title":"الفصل الخامس في حكم الختان","level":4,"page":4789},{"title":"المبحث الأول في ختان الذكر","level":5,"page":4789},{"title":"دليل القائلين بأن الختان سنة","level":6,"page":4791},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4791},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4794},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4799},{"title":"دليل القائلين بالوجوب.","level":6,"page":4800},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4800},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4802},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4803},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":4803},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":4804},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":4804},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":4805},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":4805},{"title":"الدليل التاسع","level":7,"page":4805},{"title":"المبحث الثاني في ختان المرأة","level":5,"page":4807},{"title":"دليل القائلين بأنه سنة","level":6,"page":4808},{"title":"دليل القائلين بأنه واجب في حق المرأة","level":6,"page":4809},{"title":"دليل القائلين بأنه مستحب وليس بسنة","level":6,"page":4809},{"title":"فرع في أنواع الخفاض","level":6,"page":4813},{"title":"المبحث الثالث في ختان الخنثى","level":5,"page":4815},{"title":"دليل القائلين بأنه يختن ولكن من أمته أو زوجته","level":6,"page":4817},{"title":"دليل القائلين بأن على الإمام أن يزوجه امرأة ختانة","level":6,"page":4817},{"title":"دليل القائلين لا يجوز ختانه مطلقا","level":6,"page":4817},{"title":"دليل من قال يجب ختان فرجيه بعد البلوغ","level":6,"page":4818},{"title":"فرع حكم ما لو كان للرجل ذكران","level":6,"page":4819},{"title":"المبحث الرابع في حكم ختان الميت","level":5,"page":4820},{"title":"دليل من قال لا يختن مطلقا","level":6,"page":4821},{"title":"دليل من قال يختن مطلقا","level":6,"page":4821},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4821},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4821},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4822},{"title":"دليل من قال يختن إن كان كبيرا","level":6,"page":4822},{"title":"الفصل السادس في من يولد وهو مختون","level":4,"page":4824},{"title":"دليل من قال يجب إمرار الموسى.","level":5,"page":4825},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4825},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4826},{"title":"دليل من قال لا يجب","level":5,"page":4826},{"title":"المبحث الأول: في قول العرب ختنه القمر","level":5,"page":4827},{"title":"المبحث الثاني إذا عالج الحشفة حتى انكشفت بدون ختان","level":5,"page":4828},{"title":"الفصل السابع في موانع الختان","level":4,"page":4829},{"title":"الفصل الثامن في عبادة الأقلف","level":4,"page":4831},{"title":"المبحث الأول في طهارة الأقلف","level":5,"page":4831},{"title":"المبحث الثاني في إمامة الأقلف","level":5,"page":4834},{"title":"دليل من قال: تصح إمامته","level":6,"page":4836},{"title":"دليل من قال: تكره إمامته","level":6,"page":4836},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4836},{"title":"دليل من قال لا تصح صلاته","level":6,"page":4836},{"title":"المبحث الثالث في ذبيحة الأقلف","level":5,"page":4838},{"title":"دليل من قال لا تحل ذبيحته","level":6,"page":4839},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4839},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4839},{"title":"دليل من قال يجوز أكل ذبيحته","level":6,"page":4840},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4840},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4840},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4840},{"title":"دليل من قال بالكراهة","level":6,"page":4840},{"title":"المبحث الرابع في حج الأقلف","level":5,"page":4842},{"title":"المبحث الخامس في شهادة الأقلف","level":5,"page":4843},{"title":"دليل من قال تقبل شهادته","level":6,"page":4844},{"title":"دليل من قال ترد شهادته","level":6,"page":4844},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4844},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4844},{"title":"الفصل التاسع إجابة الدعوة في وليمة الختان","level":4,"page":4845},{"title":"دليل من قال بالسنية","level":5,"page":4847},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4847},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4848},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4848},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4848},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4849},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4850},{"title":"دليل من قال بالكراهة","level":5,"page":4850},{"title":"دليل من قال بالإباحة","level":5,"page":4851},{"title":"الفصل العاشر في ضمان ما أتلف بالختان","level":4,"page":4852},{"title":"الفصل الحادي عشر في فوائد الختان","level":4,"page":4858},{"title":"الباب الثاني في الاستحداد","level":3,"page":4863},{"title":"تمهيد في تعريف الاستحداد","level":4,"page":4863},{"title":"الاستحداد لغة","level":5,"page":4863},{"title":"الاستحداد اصطلاحا","level":5,"page":4863},{"title":"الفصل الأول حكم الاستحداد","level":4,"page":4865},{"title":"دليل الجمهور على الاستحباب","level":5,"page":4866},{"title":"دليل القائلين بالوجوب","level":5,"page":4866},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4866},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4867},{"title":"الفصل الثاني في وقت الاستحداد","level":4,"page":4871},{"title":"دليل من وقت بالأربعين","level":5,"page":4873},{"title":"الفصل الثالث في كيفية الاستحداد","level":4,"page":4874},{"title":"دليل من قال السنة الحلق ويكره النتف للجنسين","level":5,"page":4875},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4875},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4875},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4875},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4876},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4876},{"title":"دليل من قال يزيل الشعر بأي شيء","level":5,"page":4877},{"title":"دليل من قال الحلق للرجل والنتف للمرأة","level":5,"page":4877},{"title":"الفصل الرابع في حلق شعر الدبر","level":4,"page":4878},{"title":"دليل من قال بالاستحباب","level":5,"page":4879},{"title":"دليل من قال لا يشرع","level":5,"page":4880},{"title":"دليل من قال بالإباحة","level":5,"page":4880},{"title":"الفصل الخامس في حلق شعر عانة الميت","level":4,"page":4881},{"title":"دليل من قال بالتحريم","level":5,"page":4883},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4883},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4883},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4883},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4883},{"title":"دليل من قال بالكراهة","level":5,"page":4883},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4884},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4884},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4884},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4884},{"title":"دليل من قال بالجواز أو الاستحباب","level":5,"page":4884},{"title":"المبحث الأول صفة حلق عانة الميت على القول بالجواز","level":5,"page":4886},{"title":"المبحث الثاني في دفن تفث الميت","level":5,"page":4888},{"title":"المبحث الثالث في تولي الأجنبي حلق العانة","level":5,"page":4890},{"title":"المبحث الرابع في استخدام النورة","level":5,"page":4892},{"title":"الباب الثالث في تقليم الأظفار","level":3,"page":4902},{"title":"تمهيد: وفيه مبحثان","level":4,"page":4902},{"title":"المبحث الأول تعريف تقليم الأظفار","level":5,"page":4902},{"title":"المبحث الثاني تقليم الأظفار من سنن الفطرة","level":5,"page":4903},{"title":"الفصل الأول في حكم تقليم الأظفار","level":4,"page":4905},{"title":"المبحث الأول في إجبار أحد الزوجين الآخر على تقليم أظفاره","level":5,"page":4909},{"title":"المبحث الثاني في توفير الأظفار في الحرب","level":5,"page":4911},{"title":"دليلهم على هذا الاستحسان","level":6,"page":4911},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4911},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4912},{"title":"الفصل الثاني في استحباب تقليم الأظفار في يوم معين","level":4,"page":4915},{"title":"دليل من قال يستحب التقليم يوم الجمعة","level":5,"page":4916},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4916},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4917},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4918},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4919},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4920},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":4921},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":4921},{"title":"دليل من قال: يستحب تقليم الأظفار يوم الخميس","level":5,"page":4922},{"title":"دليل من قال لا توقيت في تقليم الأظفار والمعتبر طولها","level":5,"page":4924},{"title":"الفصل الثالث في كيفية تقليم الأظفار","level":4,"page":4926},{"title":"دليل الشافعية على تقديم المسبحة ثم الوسطى","level":5,"page":4927},{"title":"دليل استحباب المخالفة بتقديم الخنصر ثم الوسطى ثم الإبهام","level":5,"page":4928},{"title":"الفصل الرابع في إزالة الوسخ من تحت الظفر","level":4,"page":4931},{"title":"دليل من قال تجب إزالته ولا يصح الوضوء معه","level":5,"page":4932},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4932},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4932},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4932},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4934},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4935},{"title":"دليل من قال: لا تجب إزالته","level":5,"page":4935},{"title":"دليل من قال يعفى عن يسير النجاسة في الظفر وغيره","level":5,"page":4937},{"title":"الفصل الخامس في دفن الظفر والشعر","level":4,"page":4939},{"title":"دليلهم على هذا الاستحباب","level":5,"page":4939},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4941},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4942},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4943},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":4943},{"title":"الفصل السادس في إعادة الوضوء بعد تقليم الأظفار","level":4,"page":4944},{"title":"دليل من قال ليس عليه شيء","level":5,"page":4945},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4945},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4946},{"title":"دليل من قال عليه الوضوء أو مسحه بالماء","level":5,"page":4946},{"title":"الباب الرابع في نتف الإبط","level":3,"page":4948},{"title":"تمهيد في تعريف الإبط","level":4,"page":4948},{"title":"تعريف الإبط","level":5,"page":4948},{"title":"الفصل الأول حكم نتف الإبط والتوقيت فيه","level":4,"page":4949},{"title":"الفصل الثاني في كيفية نتف الإبط","level":4,"page":4952},{"title":"دليل من قال بأن السنة النتف","level":5,"page":4952},{"title":"الفصل الثالث الوضوء من نتف الإبط","level":4,"page":4955},{"title":"الباب الخامس في الشارب","level":3,"page":4958},{"title":"الفصل الأول حكم قص الشارب","level":4,"page":4961},{"title":"دليل القائلين بالوجوب","level":5,"page":4962},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4962},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4963},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4963},{"title":"دليل القائلين بان قص الشارب سنة.","level":5,"page":4964},{"title":"الفصل الثاني في تقديم القص على الحلق في الشارب","level":4,"page":4966},{"title":"دليل من قال: السنة قص الشارب","level":5,"page":4967},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4967},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4967},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4967},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4968},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4969},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":4970},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":4971},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":4971},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":4972},{"title":"الدليل العاشر","level":6,"page":4972},{"title":"الدليل الحادي عشر","level":6,"page":4972},{"title":"الدليل الثاني عشر","level":6,"page":4973},{"title":"الدليل الثالث عشر","level":6,"page":4974},{"title":"الدليل الرابع عشر","level":6,"page":4974},{"title":"دليل من قال: السنة الحلق","level":5,"page":4975},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":4975},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":4975},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":4976},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":4976},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":4977},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":4978},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":4978},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":4979},{"title":"دليل من قال بالتخيير بين الحلق والقص","level":5,"page":4980},{"title":"مبحث كلام أهل العلم في السبالين","level":5,"page":4983},{"title":"دليل من قال بقص السبالين","level":6,"page":4983},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4983},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4984},{"title":"دليل من قال بقص السبالين","level":6,"page":4985},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":4985},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":4986},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":4987},{"title":"الفصل الثالث التوقيت في قص الشارب","level":4,"page":4988},{"title":"الباب السادس: في أحكام اللحية","level":3,"page":4989},{"title":"تمهيد تعريف اللحية","level":4,"page":4989},{"title":"مقدمة","level":5,"page":4989},{"title":"تعريف اللحية","level":5,"page":4989},{"title":"الفصل الأول ما جاء في أن إعفاء اللحية من الفطرة","level":4,"page":4992},{"title":"الفصل الثاني في حكم شعر اللحية","level":4,"page":4993},{"title":"المبحث الأول في تحريم حلق اللحية","level":5,"page":4993},{"title":"دليل تحريم حلق اللحية","level":6,"page":4996},{"title":"الدليل الأول: الإجماع","level":7,"page":4996},{"title":"الدليل الثاني: من السنة","level":7,"page":4996},{"title":"دليل من قال بجواز حلق شعر الخدين","level":6,"page":4998},{"title":"دليل من قال: يكره حلق اللحية","level":6,"page":4998},{"title":"المبحث الثاني حكم الأخذ من اللحية","level":5,"page":5006},{"title":"دليل من كره أن يأخذ من اللحية شيئا إلا في النسك","level":6,"page":5011},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":5011},{"title":"الدليل الثاني على كراهة الأخذ من اللحية خارج النسك","level":7,"page":5014},{"title":"أدلة القائلين بجواز الأخذ من اللحية","level":6,"page":5015},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":5015},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":5015},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":5016},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":5018},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":5022},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":5023},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":5024},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":5025},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":5026},{"title":"الدليل التاسع","level":7,"page":5027},{"title":"الدليل العاشر","level":7,"page":5027},{"title":"الفصل الثالث حلق ما تحت الذقن","level":4,"page":5039},{"title":"الفصل الرابع في نتف الشيب","level":4,"page":5041},{"title":"دليل من قال بالكراهة","level":5,"page":5042},{"title":"دليل من قال بالتحريم","level":5,"page":5049},{"title":"دليل من قال بالجواز","level":5,"page":5049},{"title":"الفصل الخامس في تغيير الشيب","level":4,"page":5050},{"title":"المبحث الأول تغيير الشيب بغير السواد","level":5,"page":5050},{"title":"دليل من قال بالسنية","level":6,"page":5052},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":5052},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":5053},{"title":"دليل من قال يباح تغيير الشيب وليس بسنة","level":6,"page":5053},{"title":"دليل من قال لا يسن تغيير الشيب","level":6,"page":5055},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":5055},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":5055},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":5056},{"title":"المبحث الثاني تغيير الشيب بالسواد","level":5,"page":5058},{"title":"دليل القائلين بالتحريم","level":6,"page":5061},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":5061},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":5069},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":5072},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":5075},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":5078},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":5087},{"title":"الدليل السابع","level":7,"page":5087},{"title":"الدليل الثامن","level":7,"page":5088},{"title":"الدليل التاسع","level":7,"page":5089},{"title":"دليل القائلين بكراهة الخضاب بالسواد","level":6,"page":5090},{"title":"دليل من قال يجوز تغيير الشيب بالسواد","level":6,"page":5096},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":5096},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":5096},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":5096},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":5097},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":5098},{"title":"الدليل السادس","level":7,"page":5098},{"title":"دليل القائلين بأنه يجوز للمرأة دون الرجل","level":6,"page":5099},{"title":"الفصل السادس في غسل البراجم","level":4,"page":5103},{"title":"تعريف البراجم","level":5,"page":5103},{"title":"الدليل على استحباب غسل البراجم","level":6,"page":5104},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":5104},{"title":"الدليل الثالث","level":7,"page":5104},{"title":"الدليل الرابع","level":7,"page":5106},{"title":"الدليل الخامس","level":7,"page":5106},{"title":"الباب السابع في شعر الرأس","level":3,"page":5108},{"title":"الفصل الأول في النهي عن القزع","level":4,"page":5108},{"title":"المبحث الأول في تعريف القزع","level":5,"page":5108},{"title":"المبحث الثاني في حكم القزع","level":5,"page":5111},{"title":"دليل الكراهة.","level":6,"page":5112},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":5112},{"title":"الدليل الثاني على الكراهة","level":7,"page":5114},{"title":"الفصل الثاني في حلق شعر الرأس","level":4,"page":5115},{"title":"دليل من قال: تركه أفضل إذا كان قادرا على تعهده وتنظيفه","level":5,"page":5116},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5116},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5117},{"title":"دليل من قال حلق الرأس بدعة","level":5,"page":5119},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5119},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5119},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":5119},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":5120},{"title":"دليل من قال يباح الحلق","level":5,"page":5120},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5120},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5121},{"title":"دليل من قال السنة حلق الشعر","level":5,"page":5122},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5123},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5124},{"title":"الفصل الثالث في الترجل وصفته","level":4,"page":5131},{"title":"دليل من قال الترجل غبا","level":5,"page":5133},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5133},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5133},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":5135},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":5136},{"title":"دليل من قال له أن يترجل ما شاء","level":5,"page":5137},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5137},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5138},{"title":"كتاب السواك","level":2,"page":5142},{"title":"مقدمة","level":3,"page":5142},{"title":"التمهيد","level":3,"page":5144},{"title":"المبحث الأول تعريف السواك","level":4,"page":5144},{"title":"المبحث الثاني في فضل السواك","level":4,"page":5145},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":5145},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":5154},{"title":"الدليل الثالث","level":5,"page":5154},{"title":"الدليل الرابع: الإجماع.","level":5,"page":5158},{"title":"المبحث الثالث هل الصلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك","level":4,"page":5159},{"title":"المبحث الرابع في كون السواك من سنن الفطرة","level":4,"page":5167},{"title":"المبحث الخامس استحباب السواك في الشرائع السابقة","level":4,"page":5168},{"title":"الباب الأول في ذكر جنس ما يتسوك به","level":3,"page":5173},{"title":"الفصل الأول في التسوك بالعود وأي السواك به أفضل","level":4,"page":5173},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":5176},{"title":"الدليل على كون السواك من الزيتون","level":5,"page":5179},{"title":"الفصل الثاني لا يتسوك بعود يضر اللثة","level":4,"page":5182},{"title":"دليل الكراهة أو التحريم","level":5,"page":5183},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5183},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5183},{"title":"الفصل الثالث التسوك بما له رائحة ذكية","level":4,"page":5184},{"title":"الفصل الرابع التسوك بالأصبع والخرقة","level":4,"page":5187},{"title":"دليل من قال السواك بأصبع الغير يصيب السنة دون أصبعه","level":5,"page":5189},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5190},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5191},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":5193},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":5194},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":5194},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":5195},{"title":"الفصل الخامس إصابة السنة باستعمال المعجون","level":4,"page":5197},{"title":"الباب الثاني صفة السواك","level":3,"page":5202},{"title":"الفصل الأول التفضيل بين الرطب واليابس من السواك","level":4,"page":5202},{"title":"دليل من استحب أن يكون السواك رطبا","level":5,"page":5203},{"title":"دليل من استحب كون السواك يابسا قد ندي بالماء","level":5,"page":5203},{"title":"الفصل الثاني في طول السواك وعرضه","level":4,"page":5204},{"title":"الفصل الثالث التسوك بعود لا يعرفه","level":4,"page":5206},{"title":"الباب الثالث في أحكام التسوك","level":3,"page":5207},{"title":"الفصل الأول حكم السواك","level":4,"page":5207},{"title":"الأدلة على استحباب السواك","level":5,"page":5209},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5209},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5213},{"title":"دليل من قال بوجوب السواك","level":5,"page":5215},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5215},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5219},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":5220},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":5223},{"title":"دليل من قال السواك واجب على النبي ﷺ خاصة.","level":5,"page":5223},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5223},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5226},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":5227},{"title":"الفصل الثاني حكم السواك للصائم","level":4,"page":5228},{"title":"دليل القائلين بالكراهة","level":5,"page":5229},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5229},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5229},{"title":"دليل من قال: السواك مشروع مطلقا قبل الزوال وبعده","level":5,"page":5235},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5235},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5236},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":5237},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":5238},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":5239},{"title":"الدليل الخامس والسادس","level":6,"page":5240},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":5241},{"title":"الدليل السابع: من الآثار","level":6,"page":5241},{"title":"مبحث عموم طيب الخلوف للدنيا والآخرة","level":5,"page":5245},{"title":"دليل من قال: ذلك خاص في الآخرة","level":6,"page":5245},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":5249},{"title":"دليل من قال: ذلك عام في الدنيا والآخرة","level":6,"page":5249},{"title":"الدليل الأول","level":7,"page":5249},{"title":"الدليل الثاني","level":7,"page":5250},{"title":"الفصل الثالث التسوك في المسجد","level":4,"page":5253},{"title":"دليل الكراهة","level":5,"page":5254},{"title":"دليل من قال: لا يكره","level":5,"page":5255},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5256},{"title":"الفصل الرابع التسوك بحضرة الناس","level":4,"page":5257},{"title":"دليل من قال: لا يكره.","level":5,"page":5258},{"title":"الفصل الخامس التسوك في الخلاء","level":4,"page":5259},{"title":"الفصل السادس إمكانية ترتيب الأجر على التسوك بما يضر","level":4,"page":5260},{"title":"الفصل السابع في التسمية للسواك","level":4,"page":5262},{"title":"الباب الرابع في ذكر المواضع التي يتأكد فيها السواك","level":3,"page":5264},{"title":"الفصل الأول السواك عند الصلاة","level":4,"page":5265},{"title":"دليل من قال: السواك واجب عند الصلاة.","level":5,"page":5267},{"title":"دليل الجمهور على استحباب السواك عند الصلاة.","level":5,"page":5267},{"title":"دليل من قال: يستحب للصلاة عند الوضوء لا عند الصلاة.","level":5,"page":5267},{"title":"دليل من كره السواك في المسجد","level":5,"page":5268},{"title":"الفصل الثاني السواك عند الوضوء","level":4,"page":5269},{"title":"دليل من قال: السواك مستحب وليس بسنة","level":5,"page":5270},{"title":"دليل من قال: السواك سنة عند الوضوء","level":5,"page":5271},{"title":"دليل من قال السواك قبل الوضوء","level":5,"page":5274},{"title":"دليل من قال السواك عند المضمضة","level":5,"page":5274},{"title":"الفصل الثالث في مشروعية السواك للغسل والتيمم","level":4,"page":5276},{"title":"الفصل الرابع في استحباب السواك عند الانتباه من النوم","level":4,"page":5278},{"title":"الدليل على استحبابه","level":5,"page":5278},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5278},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5280},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":5281},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":5283},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":5283},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":5284},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":5285},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":5286},{"title":"الدليل التاسع","level":6,"page":5286},{"title":"الفصل الخامس يستحب السواك عند تغير الفم","level":4,"page":5287},{"title":"الدليل على استحباب السواك عند تغير الفم","level":5,"page":5288},{"title":"الفصل السادس استحباب السواك عند دخول البيت","level":4,"page":5289},{"title":"الفصل السابع التسوك عند دخول المسجد","level":4,"page":5291},{"title":"الفصل الثامن التسوك عند قراءة القرآن","level":4,"page":5293},{"title":"المبحث الأول في استحباب السواك لسجود التلاوة والشكر","level":5,"page":5296},{"title":"المبحث الثاني الاستياك للقراءة بعد السجود","level":5,"page":5298},{"title":"الفصل التاسع التسوك للجمعة","level":4,"page":5299},{"title":"الدليل الأول","level":5,"page":5299},{"title":"الدليل الثاني","level":5,"page":5300},{"title":"الفصل العاشر في استحباب التسوك عند الاحتضار","level":4,"page":5301},{"title":"دليلهم على هذا","level":5,"page":5301},{"title":"الباب الخامس في صفة التسوك","level":3,"page":5303},{"title":"الفصل الأول في كيفية التسوك","level":4,"page":5303},{"title":"دليل من قال: المستحب أن يستك عرضا","level":5,"page":5304},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5307},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5308},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5308},{"title":"الفصل الثاني في البداءة بجانب فمه الأيمن عند التسوك","level":4,"page":5309},{"title":"الدليل على أن المتسوك يبدأ بالجانب الأيمن","level":5,"page":5309},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5309},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5310},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":5310},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":5310},{"title":"الفصل الثالث أفضلية السواك بيده اليمنى أو اليسرى","level":4,"page":5311},{"title":"دليل من قال يمسك السواك باليد اليمنى","level":5,"page":5312},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":5312},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5314},{"title":"دليل من قال يتسوك بيده اليسرى","level":5,"page":5314},{"title":"دليل من فرق بين أن يقصد به العبادة أو يقصد به التنظيف","level":5,"page":5316},{"title":"الفصل الرابع في كيفية أخذ السواك","level":4,"page":5317},{"title":"الفصل الخامس الكلام في قبض السواك","level":4,"page":5319},{"title":"دليل الكراهة","level":5,"page":5319},{"title":"الفصل السادس في موضع السواك من الرجل","level":4,"page":5320},{"title":"الدليل على استحبابه.","level":5,"page":5320},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":5321},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":5321},{"title":"الفصل السابع في الاستياك حال الاضطجاع","level":4,"page":5323},{"title":"الفصل الثامن أقل ما تحصل به السنة من الاستياك","level":4,"page":5325},{"title":"دليل من قال: أقله ثلاث","level":5,"page":5325},{"title":"دليل من قال يحصل بمرة","level":5,"page":5326},{"title":"الفصل التاسع احتياج التسوك إلى نية","level":4,"page":5327},{"title":"دليلهم على أن السواك يحتاج إلى نية","level":5,"page":5327},{"title":"الفصل العاشر فوائد متممة لمباحث السواك","level":4,"page":5329},{"title":"الفائدة الأولى استحباب غسل السواك","level":5,"page":5329},{"title":"الفائدة الثانية إباحة التسوك بسواك الغير","level":5,"page":5331},{"title":"الدليل على ذلك","level":6,"page":5331},{"title":"الفائدة الثالثة في دفع السواك للأكبر وليس للأيمن","level":5,"page":5334},{"title":"الفائدة الرابعة في بلع الريق عند ابتداء السواك","level":5,"page":5335},{"title":"الفائدة الخامسة في الدعاء عند السواك","level":5,"page":5336},{"title":"الفائدة السادسة في منافع السواك","level":5,"page":5338},{"title":"الفائدة السابعة العلك بالنسبة للمرأة","level":5,"page":5342},{"title":"الفائدة الثامنة التسوك والإمام يصلي","level":5,"page":5344},{"title":"الفائدة التاسعة في الوضوء من فضل السواك","level":5,"page":5346},{"title":"الفائدة العاشرة في استحباب السواك من شجر مر؟","level":5,"page":5349},{"title":"الفائدة الحادية عشرة التسوك بطرف السواك","level":5,"page":5350},{"title":"الفائدة الثانية عشرة في التسوك بالقصب","level":5,"page":5351},{"title":"الفائدة الثالثة عشرة تعويد الصبي على السواك","level":5,"page":5352},{"title":"الفائدة الرابعة عشرة في لقطة السواك","level":5,"page":5359},{"title":"الفائدة الخامسة عشرة يتسوك المحرم كما يتسوك الحلال","level":5,"page":5361},{"title":"الفائدة السادسة عشرة فائدة طبية في السواك","level":5,"page":5362},{"title":"الفائدة السابعة عشرة الأدب والسواك","level":5,"page":5366},{"title":"الفائدة الثامنة عشرة والأخيرة صفة شجرة الأراك","level":5,"page":5370}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"2,4":466,"2,5":467,"2,6":468,"2,7":469,"2,8":470,"2,9":471,"2,10":472,"2,11":473,"2,12":474,"2,13":475,"2,14":476,"2,15":477,"2,16":478,"2,17":479,"2,18":480,"2,19":481,"2,20":482,"2,21":483,"2,22":484,"2,23":485,"2,24":486,"2,25":487,"2,26":488,"2,27":489,"2,28":490,"2,29":491,"2,30":492,"2,31":493,"2,32":494,"2,33":495,"2,34":496,"2,35":497,"2,36":498,"2,37":499,"2,38":500,"2,39":501,"2,40":502,"2,41":503,"2,42":504,"2,43":505,"2,44":506,"2,45":507,"2,46":508,"2,47":509,"2,48":510,"2,49":511,"2,50":512,"2,51":513,"2,52":514,"2,53":515,"2,54":516,"2,55":517,"2,56":518,"2,57":519,"2,58":520,"2,59":521,"2,60":522,"2,61":523,"2,62":524,"2,63":525,"2,64":526,"2,65":527,"2,66":528,"2,67":529,"2,68":530,"2,69":531,"2,70":532,"2,71":533,"2,72":534,"2,73":535,"2,74":536,"2,75":537,"2,76":538,"2,77":539,"2,78":540,"2,79":541,"2,80":542,"2,81":543,"2,82":544,"2,83":545,"2,84":546,"2,85":547,"2,86":548,"2,87":549,"2,88":550,"2,89":551,"2,90":552,"2,91":553,"2,92":554,"2,93":555,"2,94":556,"2,95":557,"2,96":558,"2,97":559,"2,98":560,"2,99":561,"2,100":562,"2,101":563,"2,102":564,"2,103":565,"2,104":566,"2,105":567,"2,106":568,"2,107":569,"2,108":570,"2,109":571,"2,110":572,"2,111":573,"2,112":574,"2,113":575,"2,114":576,"2,115":577,"2,116":578,"2,117":579,"2,118":580,"2,119":581,"2,120":582,"2,121":583,"2,122":584,"2,123":585,"2,124":586,"2,125":587,"2,126":588,"2,127":589,"2,128":590,"2,129":591,"2,130":592,"2,131":593,"2,132":594,"2,133":595,"2,134":596,"2,135":597,"2,136":598,"2,137":599,"2,138":600,"2,139":601,"2,140":602,"2,141":603,"2,142":604,"2,143":605,"2,144":606,"2,145":607,"2,146":608,"2,147":609,"2,148":610,"2,149":611,"2,150":612,"2,151":613,"2,152":614,"2,153":615,"2,154":616,"2,155":617,"2,156":618,"2,157":619,"2,158":620,"2,159":621,"2,160":622,"2,161":623,"2,162":624,"2,163":625,"2,164":626,"2,165":627,"2,166":628,"2,167":629,"2,168":630,"2,169":631,"2,170":632,"2,171":633,"2,172":634,"2,173":635,"2,174":636,"2,175":637,"2,176":638,"2,177":639,"2,178":640,"2,179":641,"2,180":642,"2,181":643,"2,182":644,"2,183":645,"2,184":646,"2,185":647,"2,186":648,"2,187":649,"2,188":650,"2,189":651,"2,190":652,"2,191":653,"2,192":654,"2,193":655,"2,194":656,"2,195":657,"2,196":658,"2,197":659,"2,198":660,"2,199":661,"2,200":662,"2,201":663,"2,202":664,"2,203":665,"2,204":666,"2,205":667,"2,206":668,"2,207":669,"2,208":670,"2,209":671,"2,210":672,"2,211":673,"2,212":674,"2,213":675,"2,214":676,"2,215":677,"2,216":678,"2,217":679,"2,218":680,"2,219":681,"2,220":682,"2,221":683,"2,222":684,"2,223":685,"2,224":686,"2,225":687,"2,226":688,"2,227":689,"2,228":690,"2,229":691,"2,230":692,"2,231":693,"2,232":694,"2,233":695,"2,234":696,"2,235":697,"2,236":698,"2,237":699,"2,238":700,"2,239":701,"2,240":702,"2,241":703,"2,242":704,"2,243":705,"2,244":706,"2,245":707,"2,246":708,"2,247":709,"2,248":710,"2,249":711,"2,250":712,"2,251":713,"2,252":714,"2,253":715,"2,254":716,"2,255":717,"2,256":718,"2,257":719,"2,258":720,"2,259":721,"2,260":722,"2,261":723,"2,262":724,"2,263":725,"2,264":726,"2,265":727,"2,266":728,"2,267":729,"2,268":730,"2,269":731,"2,270":732,"2,271":733,"2,272":734,"2,273":735,"2,274":736,"2,275":737,"2,276":738,"2,277":739,"2,278":740,"2,279":741,"2,280":742,"2,281":743,"2,282":744,"2,283":745,"2,284":746,"2,285":747,"2,286":748,"2,287":749,"2,288":750,"2,289":751,"2,290":752,"2,291":753,"2,292":754,"2,293":755,"2,294":756,"2,295":757,"2,296":758,"2,297":759,"2,298":760,"2,299":761,"2,300":762,"2,301":763,"2,302":764,"2,303":765,"2,304":766,"2,305":767,"2,306":768,"2,307":769,"2,308":770,"2,309":771,"2,310":772,"2,311":773,"2,312":774,"2,313":775,"2,314":776,"2,315":777,"2,316":778,"2,317":779,"2,318":780,"2,319":781,"2,320":782,"2,321":783,"2,322":784,"2,323":785,"2,324":786,"2,325":787,"2,326":788,"2,327":789,"2,328":790,"2,329":791,"2,330":792,"2,331":793,"2,332":794,"2,333":795,"2,334":796,"2,335":797,"2,336":798,"2,337":799,"2,338":800,"2,339":801,"2,340":802,"2,341":803,"2,342":804,"2,343":805,"2,344":806,"2,345":807,"2,346":808,"2,347":809,"2,348":810,"2,349":811,"2,350":812,"2,351":813,"2,352":814,"2,353":815,"2,354":816,"2,355":817,"2,356":818,"2,357":819,"2,358":820,"2,359":821,"2,360":822,"2,361":823,"2,362":824,"2,363":825,"2,364":826,"2,365":827,"2,366":828,"2,367":829,"2,368":830,"2,369":831,"2,370":832,"2,371":833,"2,372":834,"2,373":835,"2,374":836,"2,375":837,"2,376":838,"2,377":839,"2,378":840,"2,379":841,"2,380":842,"2,381":843,"2,382":844,"2,383":845,"2,384":846,"2,385":847,"2,386":848,"2,387":849,"2,388":850,"2,389":851,"2,390":852,"2,391":853,"2,392":854,"2,393":855,"2,394":856,"2,395":857,"2,396":858,"2,397":859,"2,398":860,"2,399":861,"2,400":862,"2,401":863,"2,402":864,"2,403":865,"2,404":866,"2,405":867,"2,406":868,"2,407":869,"2,408":870,"2,409":871,"2,410":872,"2,411":873,"2,412":874,"2,413":875,"2,414":876,"2,415":877,"2,416":878,"2,417":879,"2,418":880,"2,419":881,"2,420":882,"2,421":883,"2,422":884,"2,423":885,"2,424":886,"2,425":887,"2,426":888,"2,427":889,"2,428":890,"2,429":891,"2,430":892,"2,431":893,"2,432":894,"2,433":895,"2,434":896,"2,435":897,"2,436":898,"2,437":899,"2,438":900,"2,439":901,"2,440":902,"2,441":903,"2,442":904,"2,443":905,"2,444":906,"2,445":907,"2,446":908,"2,447":909,"2,448":910,"2,449":911,"2,450":912,"2,451":913,"2,452":914,"2,453":915,"2,454":916,"2,455":917,"2,456":918,"2,457":919,"2,458":920,"2,459":921,"2,460":922,"2,461":923,"2,462":924,"2,463":925,"2,464":926,"2,465":927,"2,466":928,"2,467":929,"2,468":930,"2,469":931,"2,470":932,"2,471":933,"2,472":934,"2,473":935,"2,474":936,"2,475":937,"2,476":938,"2,477":939,"2,478":940,"2,479":941,"2,480":942,"2,481":943,"2,482":944,"2,483":945,"2,484":946,"2,485":947,"2,486":948,"2,487":949,"2,488":950,"2,489":951,"2,490":952,"2,491":953,"2,492":954,"2,493":955,"2,494":956,"2,495":957,"2,496":958,"2,497":959,"2,498":960,"2,499":961,"2,500":962,"2,501":963,"2,502":964,"2,503":965,"2,504":966,"2,505":967,"2,506":968,"2,507":969,"2,508":970,"2,509":971,"2,510":972,"2,511":973,"2,512":974,"2,513":975,"2,514":976,"2,515":977,"2,516":978,"2,517":979,"2,518":980,"2,519":981,"2,520":982,"2,521":983,"2,522":984,"2,523":985,"2,524":986,"2,525":987,"2,526":988,"2,527":989,"2,528":990,"2,529":991,"2,530":992,"2,531":993,"2,532":994,"2,533":995,"2,534":996,"2,535":997,"2,536":998,"2,537":999,"2,538":1000,"2,539":1001,"2,540":1002,"2,541":1003,"2,542":1004,"2,543":1005,"2,544":1006,"2,545":1007,"2,546":1008,"2,547":1009,"2,548":1010,"2,549":1011,"2,550":1012,"2,551":1013,"2,552":1014,"2,553":1015,"2,554":1016,"2,555":1017,"2,556":1018,"2,557":1019,"2,558":1020,"2,559":1021,"2,560":1022,"2,561":1023,"2,562":1024,"2,563":1025,"2,564":1026,"2,565":1027,"2,566":1028,"2,567":1029,"2,568":1030,"2,569":1031,"2,570":1032,"2,571":1033,"2,572":1034,"2,573":1035,"2,574":1036,"2,575":1037,"2,576":1038,"2,577":1039,"2,578":1040,"2,579":1041,"2,580":1042,"2,581":1043,"2,582":1044,"2,583":1045,"2,584":1046,"2,585":1047,"2,586":1048,"2,587":1049,"2,588":1050,"2,589":1051,"2,590":1052,"2,591":1053,"2,592":1054,"2,593":1055,"2,594":1056,"2,595":1057,"2,596":1058,"2,597":1059,"2,598":1060,"2,599":1061,"2,600":1062,"2,601":1063,"2,602":1064,"2,603":1065,"2,604":1066,"2,605":1067,"2,606":1068,"2,607":1069,"2,608":1070,"2,609":1071,"2,610":1072,"2,611":1073,"2,612":1074,"2,613":1075,"2,614":1076,"2,615":1077,"2,616":1078,"2,617":1079,"2,618":1080,"2,619":1081,"2,620":1082,"2,621":1083,"2,622":1084,"2,623":1085,"2,624":1086,"2,625":1087,"2,626":1088,"2,627":1089,"2,628":1090,"2,629":1091,"2,630":1092,"2,631":1093,"2,632":1094,"2,633":1095,"2,634":1096,"2,635":1097,"2,636":1098,"2,637":1099,"2,638":1100,"2,639":1101,"2,640":1102,"2,641":1103,"2,642":1104,"2,643":1105,"2,644":1106,"2,645":1107,"2,646":1108,"2,647":1109,"2,648":1110,"2,649":1111,"2,650":1112,"2,651":1113,"2,652":1114,"2,653":1115,"2,654":1116,"2,655":1117,"2,656":1118,"2,657":1119,"2,658":1120,"2,659":1121,"2,660":1122,"2,661":1123,"2,662":1124,"2,663":1125,"2,664":1126,"2,665":1127,"2,666":1128,"2,667":1129,"2,668":1130,"2,669":1131,"2,670":1132,"2,671":1133,"2,672":1134,"2,673":1135,"2,674":1136,"2,675":1137,"2,676":1138,"2,677":1139,"2,678":1140,"2,679":1141,"2,680":1142,"2,681":1143,"2,682":1144,"2,683":1145,"2,684":1146,"2,685":1147,"2,686":1148,"2,687":1149,"2,688":1150,"2,689":1151,"2,690":1152,"2,691":1153,"2,692":1154,"2,693":1155,"2,694":1156,"2,695":1157,"2,696":1158,"2,697":1159,"2,698":1160,"2,699":1161,"2,700":1162,"2,701":1163,"2,702":1164,"2,703":1165,"2,704":1166,"2,705":1167,"2,706":1168,"2,707":1169,"2,708":1170,"2,709":1171,"2,710":1172,"2,711":1173,"2,712":1174,"2,713":1175,"2,714":1176,"2,715":1177,"2,716":1178,"2,717":1179,"2,718":1180,"2,719":1181,"2,720":1182,"2,721":1183,"2,722":1184,"2,723":1185,"2,724":1186,"2,725":1187,"2,726":1188,"2,727":1189,"2,728":1190,"2,729":1191,"2,730":1192,"2,731":1193,"2,732":1194,"2,733":1195,"2,734":1196,"2,735":1197,"2,736":1198,"2,737":1199,"2,738":1200,"2,739":1201,"2,740":1202,"2,741":1203,"2,742":1204,"2,743":1205,"2,744":1206,"2,745":1207,"2,746":1208,"2,747":1209,"2,748":1210,"2,749":1211,"2,750":1212,"2,751":1213,"2,752":1214,"2,753":1215,"2,754":1216,"2,755":1217,"2,756":1218,"2,757":1219,"2,758":1220,"2,759":1221,"2,760":1222,"2,761":1223,"2,762":1224,"2,763":1225,"2,764":1226,"2,765":1227,"2,766":1228,"2,767":1229,"2,768":1230,"2,769":1231,"2,770":1232,"2,771":1233,"2,772":1234,"2,773":1235,"2,774":1236,"2,775":1237,"2,776":1238,"2,777":1239,"2,778":1240,"2,779":1241,"2,780":1242,"2,781":1243,"2,782":1244,"2,783":1245,"2,784":1246,"2,785":1247,"2,786":1248,"2,787":1249,"2,788":1250,"2,789":1251,"2,790":1252,"2,791":1253,"2,792":1254,"2,793":1255,"2,794":1256,"2,795":1257,"2,796":1258,"2,797":1259,"2,798":1260,"2,799":1261,"2,800":1262,"2,801":1263,"2,802":1264,"2,803":1265,"2,804":1266,"2,805":1267,"2,806":1268,"2,807":1269,"2,808":1270,"2,809":1271,"2,810":1272,"2,811":1273,"2,812":1274,"2,813":1275,"2,814":1276,"2,815":1277,"2,816":1278,"2,817":1279,"2,818":1280,"2,819":1281,"2,820":1282,"2,821":1283,"2,822":1284,"2,823":1285,"2,824":1286,"2,825":1287,"2,826":1288,"2,827":1289,"2,828":1290,"2,829":1291,"3,4":1292,"3,5":1293,"3,6":1294,"3,7":1295,"3,8":1296,"3,9":1297,"3,10":1298,"3,11":1299,"3,12":1300,"3,13":1301,"3,14":1302,"3,15":1303,"3,16":1304,"3,17":1305,"3,18":1306,"3,19":1307,"3,20":1308,"3,21":1309,"3,22":1310,"3,23":1311,"3,24":1312,"3,25":1313,"3,26":1314,"3,27":1315,"3,28":1316,"3,29":1317,"3,30":1318,"3,31":1319,"3,32":1320,"3,33":1321,"3,34":1322,"3,35":1323,"3,36":1324,"3,37":1325,"3,38":1326,"3,39":1327,"3,40":1328,"3,41":1329,"3,42":1330,"3,43":1331,"3,44":1332,"3,45":1333,"3,46":1334,"3,47":1335,"3,48":1336,"3,49":1337,"3,50":1338,"3,51":1339,"3,52":1340,"3,53":1341,"3,54":1342,"3,55":1343,"3,56":1344,"3,57":1345,"3,58":1346,"3,59":1347,"3,60":1348,"3,61":1349,"3,62":1350,"3,63":1351,"3,64":1352,"3,65":1353,"3,66":1354,"3,67":1355,"3,68":1356,"3,69":1357,"3,70":1358,"3,71":1359,"3,72":1360,"3,73":1361,"3,74":1362,"3,75":1363,"3,76":1364,"3,77":1365,"3,78":1366,"3,79":1367,"3,80":1368,"3,81":1369,"3,82":1370,"3,83":1371,"3,84":1372,"3,85":1373,"3,86":1374,"3,87":1375,"3,88":1376,"3,89":1377,"3,90":1378,"3,91":1379,"3,92":1380,"3,93":1381,"3,94":1382,"3,95":1383,"3,96":1384,"3,97":1385,"3,98":1386,"3,99":1387,"3,100":1388,"3,101":1389,"3,102":1390,"3,103":1391,"3,104":1392,"3,105":1393,"3,106":1394,"3,107":1395,"3,108":1396,"3,109":1397,"3,110":1398,"3,111":1399,"3,112":1400,"3,113":1401,"3,114":1402,"3,115":1403,"3,116":1404,"3,117":1405,"3,118":1406,"3,119":1407,"3,120":1408,"3,121":1409,"3,122":1410,"3,123":1411,"3,124":1412,"3,125":1413,"3,126":1414,"3,127":1415,"3,128":1416,"3,129":1417,"3,130":1418,"3,131":1419,"3,132":1420,"3,133":1421,"3,134":1422,"3,135":1423,"3,136":1424,"3,137":1425,"3,138":1426,"3,139":1427,"3,140":1428,"3,141":1429,"3,142":1430,"3,143":1431,"3,144":1432,"3,145":1433,"3,146":1434,"3,147":1435,"3,148":1436,"3,149":1437,"3,150":1438,"3,151":1439,"3,152":1440,"3,153":1441,"3,154":1442,"3,155":1443,"3,156":1444,"3,157":1445,"3,158":1446,"3,159":1447,"3,160":1448,"3,161":1449,"3,162":1450,"3,163":1451,"3,164":1452,"3,165":1453,"3,166":1454,"3,167":1455,"3,168":1456,"3,169":1457,"3,170":1458,"3,171":1459,"3,172":1460,"3,173":1461,"3,174":1462,"3,175":1463,"3,176":1464,"3,177":1465,"3,178":1466,"3,179":1467,"3,180":1468,"3,181":1469,"3,182":1470,"3,183":1471,"3,184":1472,"3,185":1473,"3,186":1474,"3,187":1475,"3,188":1476,"3,189":1477,"3,190":1478,"3,191":1479,"3,192":1480,"3,193":1481,"3,194":1482,"3,195":1483,"3,196":1484,"3,197":1485,"3,198":1486,"3,199":1487,"3,200":1488,"3,201":1489,"3,202":1490,"3,203":1491,"3,204":1492,"3,205":1493,"3,206":1494,"3,207":1495,"3,208":1496,"3,209":1497,"3,210":1498,"3,211":1499,"3,212":1500,"3,213":1501,"3,214":1502,"3,215":1503,"3,216":1504,"3,217":1505,"3,218":1506,"3,219":1507,"3,220":1508,"3,221":1509,"3,222":1510,"3,223":1511,"3,224":1512,"3,225":1513,"3,226":1514,"3,227":1515,"3,228":1516,"3,229":1517,"3,230":1518,"3,231":1519,"3,232":1520,"3,233":1521,"3,234":1522,"3,235":1523,"3,236":1524,"3,237":1525,"3,238":1526,"3,239":1527,"3,240":1528,"3,241":1529,"3,242":1530,"3,243":1531,"3,244":1532,"3,245":1533,"3,246":1534,"3,247":1535,"3,248":1536,"3,249":1537,"3,250":1538,"3,251":1539,"3,252":1540,"3,253":1541,"3,254":1542,"3,255":1543,"3,256":1544,"3,257":1545,"3,258":1546,"3,259":1547,"3,260":1548,"3,261":1549,"3,262":1550,"3,263":1551,"3,264":1552,"3,265":1553,"3,266":1554,"3,267":1555,"3,268":1556,"3,269":1557,"3,270":1558,"3,271":1559,"3,272":1560,"3,273":1561,"3,274":1562,"3,275":1563,"3,276":1564,"3,277":1565,"3,278":1566,"3,279":1567,"3,280":1568,"3,281":1569,"3,282":1570,"3,283":1571,"3,284":1572,"3,285":1573,"3,286":1574,"3,287":1575,"3,288":1576,"3,289":1577,"3,290":1578,"3,291":1579,"3,292":1580,"3,293":1581,"3,294":1582,"3,295":1583,"3,296":1584,"3,297":1585,"3,298":1586,"3,299":1587,"3,300":1588,"3,301":1589,"3,302":1590,"3,303":1591,"3,304":1592,"3,305":1593,"3,306":1594,"3,307":1595,"3,308":1596,"3,309":1597,"3,310":1598,"3,311":1599,"3,312":1600,"3,313":1601,"3,314":1602,"3,315":1603,"3,316":1604,"3,317":1605,"3,318":1606,"3,319":1607,"3,320":1608,"3,321":1609,"3,322":1610,"3,323":1611,"3,324":1612,"3,325":1613,"3,326":1614,"3,327":1615,"3,328":1616,"3,329":1617,"3,330":1618,"3,331":1619,"3,332":1620,"3,333":1621,"3,334":1622,"3,335":1623,"3,336":1624,"3,337":1625,"3,338":1626,"3,339":1627,"3,340":1628,"3,341":1629,"3,342":1630,"3,343":1631,"3,344":1632,"3,345":1633,"3,346":1634,"3,347":1635,"3,348":1636,"3,349":1637,"3,350":1638,"3,351":1639,"3,352":1640,"3,353":1641,"3,354":1642,"3,355":1643,"3,356":1644,"3,357":1645,"3,358":1646,"3,359":1647,"3,360":1648,"3,361":1649,"3,362":1650,"3,363":1651,"3,364":1652,"3,365":1653,"3,366":1654,"3,367":1655,"3,368":1656,"3,369":1657,"3,370":1658,"3,371":1659,"3,372":1660,"3,373":1661,"3,374":1662,"3,375":1663,"3,376":1664,"3,377":1665,"3,378":1666,"3,379":1667,"3,380":1668,"3,381":1669,"3,382":1670,"3,383":1671,"3,384":1672,"3,385":1673,"3,386":1674,"3,387":1675,"3,388":1676,"3,389":1677,"3,390":1678,"3,391":1679,"3,392":1680,"3,393":1681,"3,394":1682,"3,395":1683,"3,396":1684,"3,397":1685,"3,398":1686,"3,399":1687,"3,400":1688,"3,401":1689,"3,402":1690,"3,403":1691,"3,404":1692,"3,405":1693,"3,406":1694,"3,407":1695,"3,408":1696,"3,409":1697,"3,410":1698,"3,411":1699,"3,412":1700,"3,413":1701,"3,414":1702,"3,415":1703,"3,416":1704,"3,417":1705,"3,418":1706,"3,419":1707,"3,420":1708,"3,421":1709,"3,422":1710,"3,423":1711,"3,424":1712,"3,425":1713,"3,426":1714,"3,427":1715,"3,428":1716,"3,429":1717,"3,430":1718,"3,431":1719,"3,432":1720,"3,433":1721,"3,434":1722,"3,435":1723,"3,436":1724,"3,437":1725,"3,438":1726,"3,439":1727,"3,440":1728,"3,441":1729,"3,442":1730,"3,443":1731,"3,444":1732,"3,445":1733,"3,446":1734,"3,447":1735,"3,448":1736,"3,449":1737,"3,450":1738,"3,451":1739,"3,452":1740,"3,453":1741,"3,454":1742,"3,455":1743,"3,456":1744,"3,457":1745,"3,458":1746,"3,459":1747,"3,460":1748,"3,461":1749,"3,462":1750,"4,4":1751,"4,5":1752,"4,6":1753,"4,7":1754,"4,8":1755,"4,9":1756,"4,10":1757,"4,11":1758,"4,13":1759,"4,14":1760,"4,15":1761,"4,16":1762,"4,17":1763,"4,18":1764,"4,19":1765,"4,20":1766,"4,21":1767,"4,22":1768,"4,23":1769,"4,24":1770,"4,25":1771,"4,26":1772,"4,27":1773,"4,28":1774,"4,29":1775,"4,30":1776,"4,31":1777,"4,32":1778,"4,33":1779,"4,34":1780,"4,35":1781,"4,36":1782,"4,37":1783,"4,38":1784,"4,39":1785,"4,40":1786,"4,41":1787,"4,42":1788,"4,43":1789,"4,44":1790,"4,45":1791,"4,46":1792,"4,47":1793,"4,48":1794,"4,49":1795,"4,50":1796,"4,51":1797,"4,52":1798,"4,53":1799,"4,54":1800,"4,55":1801,"4,56":1802,"4,57":1803,"4,58":1804,"4,59":1805,"4,60":1806,"4,61":1807,"4,62":1808,"4,63":1809,"4,64":1810,"4,65":1811,"4,66":1812,"4,67":1813,"4,68":1814,"4,69":1815,"4,70":1816,"4,71":1817,"4,72":1818,"4,73":1819,"4,74":1820,"4,75":1821,"4,76":1822,"4,77":1823,"4,78":1824,"4,79":1825,"4,80":1826,"4,81":1827,"4,82":1828,"4,83":1829,"4,84":1830,"4,85":1831,"4,86":1832,"4,87":1833,"4,88":1834,"4,89":1835,"4,90":1836,"4,91":1837,"4,92":1838,"4,93":1839,"4,94":1840,"4,95":1841,"4,96":1842,"4,97":1843,"4,98":1844,"4,99":1845,"4,100":1846,"4,101":1847,"4,102":1848,"4,103":1849,"4,104":1850,"4,105":1851,"4,106":1852,"4,107":1853,"4,108":1854,"4,109":1855,"4,110":1856,"4,111":1857,"4,112":1858,"4,113":1859,"4,114":1860,"4,115":1861,"4,116":1862,"4,117":1863,"4,118":1864,"4,119":1865,"4,120":1866,"4,121":1867,"4,122":1868,"4,123":1869,"4,124":1870,"4,125":1871,"4,126":1872,"4,127":1873,"4,128":1874,"4,129":1875,"4,130":1876,"4,131":1877,"4,132":1878,"4,133":1879,"4,134":1880,"4,135":1881,"4,136":1882,"4,137":1883,"4,138":1884,"4,139":1885,"4,140":1886,"4,141":1887,"4,142":1888,"4,143":1889,"4,144":1890,"4,145":1891,"4,146":1892,"4,147":1893,"4,148":1894,"4,149":1895,"4,150":1896,"4,151":1897,"4,152":1898,"4,153":1899,"4,154":1900,"4,155":1901,"4,156":1902,"4,157":1903,"4,158":1904,"4,159":1905,"4,160":1906,"4,161":1907,"4,162":1908,"4,163":1909,"4,164":1910,"4,165":1911,"4,166":1912,"4,167":1913,"4,168":1914,"4,169":1915,"4,170":1916,"4,171":1917,"4,172":1918,"4,173":1919,"4,174":1920,"4,175":1921,"4,176":1922,"4,177":1923,"4,178":1924,"4,179":1925,"4,180":1926,"4,181":1927,"4,182":1928,"4,183":1929,"4,184":1930,"4,185":1931,"4,186":1932,"4,187":1933,"4,188":1934,"4,189":1935,"4,190":1936,"4,191":1937,"4,192":1938,"4,193":1939,"4,194":1940,"4,195":1941,"4,196":1942,"4,197":1943,"4,198":1944,"4,199":1945,"4,200":1946,"4,201":1947,"4,202":1948,"4,203":1949,"4,204":1950,"4,205":1951,"4,206":1952,"4,207":1953,"4,208":1954,"4,209":1955,"4,210":1956,"4,211":1957,"4,212":1958,"4,213":1959,"4,214":1960,"4,215":1961,"4,216":1962,"4,217":1963,"4,218":1964,"4,219":1965,"4,220":1966,"4,221":1967,"4,222":1968,"4,223":1969,"4,224":1970,"4,225":1971,"4,226":1972,"4,227":1973,"4,228":1974,"4,229":1975,"4,230":1976,"4,231":1977,"4,232":1978,"4,233":1979,"4,234":1980,"4,235":1981,"4,236":1982,"4,237":1983,"4,238":1984,"4,239":1985,"4,240":1986,"4,241":1987,"4,242":1988,"4,243":1989,"4,244":1990,"4,245":1991,"4,246":1992,"4,247":1993,"4,248":1994,"4,249":1995,"4,250":1996,"4,251":1997,"4,252":1998,"4,253":1999,"4,254":2000,"4,255":2001,"4,256":2002,"4,257":2003,"4,258":2004,"4,259":2005,"4,260":2006,"4,261":2007,"4,262":2008,"4,263":2009,"4,264":2010,"4,265":2011,"4,266":2012,"4,267":2013,"4,268":2014,"4,269":2015,"4,270":2016,"4,271":2017,"4,272":2018,"4,273":2019,"4,274":2020,"4,275":2021,"4,276":2022,"4,277":2023,"4,278":2024,"4,279":2025,"4,280":2026,"4,281":2027,"4,282":2028,"4,283":2029,"4,284":2030,"4,285":2031,"4,286":2032,"4,287":2033,"4,288":2034,"4,289":2035,"4,290":2036,"4,291":2037,"4,292":2038,"4,293":2039,"4,294":2040,"4,295":2041,"4,296":2042,"4,297":2043,"4,298":2044,"4,299":2045,"4,300":2046,"4,301":2047,"4,302":2048,"4,303":2049,"4,304":2050,"4,305":2051,"4,306":2052,"4,307":2053,"4,308":2054,"4,309":2055,"4,310":2056,"4,311":2057,"4,312":2058,"4,313":2059,"4,314":2060,"4,315":2061,"4,316":2062,"4,317":2063,"4,318":2064,"4,319":2065,"4,320":2066,"4,321":2067,"4,322":2068,"4,323":2069,"4,324":2070,"4,325":2071,"4,326":2072,"4,327":2073,"4,328":2074,"4,329":2075,"4,330":2076,"4,331":2077,"4,332":2078,"4,333":2079,"4,334":2080,"4,335":2081,"4,336":2082,"4,337":2083,"4,338":2084,"4,339":2085,"4,340":2086,"4,341":2087,"4,342":2088,"4,343":2089,"4,344":2090,"4,345":2091,"4,346":2092,"4,347":2093,"4,348":2094,"4,349":2095,"4,350":2096,"4,351":2097,"4,352":2098,"4,353":2099,"4,354":2100,"4,355":2101,"4,356":2102,"4,357":2103,"4,358":2104,"4,359":2105,"4,360":2106,"4,361":2107,"4,362":2108,"4,363":2109,"4,364":2110,"4,365":2111,"4,366":2112,"4,367":2113,"4,368":2114,"4,369":2115,"4,370":2116,"4,371":2117,"4,372":2118,"4,373":2119,"4,374":2120,"4,375":2121,"4,376":2122,"4,377":2123,"4,378":2124,"4,379":2125,"4,380":2126,"4,381":2127,"4,382":2128,"4,383":2129,"4,384":2130,"4,385":2131,"4,386":2132,"4,387":2133,"4,388":2134,"4,389":2135,"4,390":2136,"4,391":2137,"4,392":2138,"4,393":2139,"4,394":2140,"4,395":2141,"4,396":2142,"4,397":2143,"4,398":2144,"4,399":2145,"4,400":2146,"4,401":2147,"4,402":2148,"4,403":2149,"4,404":2150,"4,405":2151,"4,406":2152,"4,407":2153,"4,408":2154,"4,409":2155,"4,410":2156,"4,411":2157,"4,412":2158,"4,413":2159,"4,414":2160,"4,415":2161,"4,416":2162,"4,417":2163,"4,418":2164,"4,419":2165,"4,420":2166,"4,421":2167,"4,422":2168,"4,423":2169,"4,424":2170,"4,425":2171,"4,426":2172,"4,427":2173,"4,428":2174,"4,429":2175,"4,430":2176,"4,431":2177,"4,432":2178,"4,433":2179,"4,434":2180,"4,435":2181,"4,436":2182,"4,437":2183,"4,438":2184,"4,439":2185,"4,440":2186,"4,441":2187,"4,442":2188,"4,443":2189,"4,444":2190,"4,445":2191,"4,446":2192,"4,447":2193,"4,448":2194,"4,449":2195,"4,450":2196,"4,451":2197,"4,452":2198,"4,453":2199,"4,454":2200,"4,455":2201,"4,456":2202,"4,457":2203,"4,458":2204,"4,459":2205,"4,460":2206,"4,461":2207,"4,462":2208,"4,463":2209,"4,464":2210,"4,465":2211,"4,466":2212,"4,467":2213,"4,468":2214,"4,469":2215,"4,470":2216,"4,471":2217,"4,472":2218,"4,473":2219,"4,474":2220,"4,475":2221,"4,476":2222,"4,477":2223,"4,478":2224,"4,479":2225,"4,480":2226,"4,481":2227,"4,482":2228,"4,483":2229,"4,484":2230,"4,485":2231,"4,486":2232,"4,487":2233,"4,488":2234,"4,489":2235,"4,490":2236,"4,491":2237,"4,492":2238,"4,493":2239,"4,494":2240,"4,495":2241,"4,496":2242,"4,497":2243,"4,498":2244,"4,499":2245,"4,500":2246,"4,501":2247,"4,502":2248,"4,503":2249,"4,504":2250,"4,505":2251,"4,506":2252,"4,507":2253,"4,508":2254,"4,509":2255,"4,510":2256,"4,511":2257,"4,512":2258,"4,513":2259,"4,514":2260,"4,515":2261,"4,516":2262,"4,517":2263,"4,518":2264,"4,519":2265,"4,520":2266,"4,521":2267,"4,522":2268,"4,523":2269,"4,524":2270,"4,525":2271,"4,526":2272,"4,527":2273,"5,3":2274,"5,4":2275,"5,5":2276,"5,6":2277,"5,7":2278,"5,8":2279,"5,9":2280,"5,10":2281,"5,11":2282,"5,12":2283,"5,13":2284,"5,14":2285,"5,15":2286,"5,16":2287,"5,17":2288,"5,18":2289,"5,19":2290,"5,20":2291,"5,21":2292,"5,22":2293,"5,23":2294,"5,24":2295,"5,25":2296,"5,26":2297,"5,27":2298,"5,28":2299,"5,29":2300,"5,30":2301,"5,31":2302,"5,32":2303,"5,33":2304,"5,34":2305,"5,35":2306,"5,36":2307,"5,37":2308,"5,38":2309,"5,39":2310,"5,40":2311,"5,41":2312,"5,42":2313,"5,43":2314,"5,44":2315,"5,45":2316,"5,46":2317,"5,47":2318,"5,48":2319,"5,49":2320,"5,50":2321,"5,51":2322,"5,52":2323,"5,53":2324,"5,54":2325,"5,55":2326,"5,56":2327,"5,57":2328,"5,58":2329,"5,59":2330,"5,60":2331,"5,61":2332,"5,62":2333,"5,63":2334,"5,64":2335,"5,65":2336,"5,66":2337,"5,67":2338,"5,68":2339,"5,69":2340,"5,70":2341,"5,71":2342,"5,72":2343,"5,73":2344,"5,74":2345,"5,75":2346,"5,76":2347,"5,77":2348,"5,78":2349,"5,79":2350,"5,80":2351,"5,81":2352,"5,82":2353,"5,83":2354,"5,84":2355,"5,85":2356,"5,86":2357,"5,87":2358,"5,88":2359,"5,89":2360,"5,90":2361,"5,91":2362,"5,92":2363,"5,93":2364,"5,94":2365,"5,95":2366,"5,96":2367,"5,97":2368,"5,98":2369,"5,99":2370,"5,100":2371,"5,101":2372,"5,102":2373,"5,103":2374,"5,104":2375,"5,105":2376,"5,106":2377,"5,107":2378,"5,108":2379,"5,109":2380,"5,110":2381,"5,111":2382,"5,112":2383,"5,113":2384,"5,114":2385,"5,115":2386,"5,116":2387,"5,117":2388,"5,118":2389,"5,119":2390,"5,120":2391,"5,121":2392,"5,122":2393,"5,123":2394,"5,124":2395,"5,125":2396,"5,126":2397,"5,127":2398,"5,128":2399,"5,129":2400,"5,130":2401,"5,131":2402,"5,132":2403,"5,133":2404,"5,134":2405,"5,135":2406,"5,136":2407,"5,137":2408,"5,138":2409,"5,139":2410,"5,140":2411,"5,141":2412,"5,142":2413,"5,143":2414,"5,144":2415,"5,145":2416,"5,146":2417,"5,147":2418,"5,148":2419,"5,149":2420,"5,150":2421,"5,151":2422,"5,152":2423,"5,153":2424,"5,154":2425,"5,155":2426,"5,156":2427,"5,157":2428,"5,158":2429,"5,159":2430,"5,160":2431,"5,161":2432,"5,162":2433,"5,163":2434,"5,164":2435,"5,165":2436,"5,166":2437,"5,167":2438,"5,168":2439,"5,169":2440,"5,170":2441,"5,171":2442,"5,172":2443,"5,173":2444,"5,174":2445,"5,175":2446,"5,176":2447,"5,177":2448,"5,178":2449,"5,179":2450,"5,180":2451,"5,181":2452,"5,182":2453,"5,183":2454,"5,184":2455,"5,185":2456,"5,186":2457,"5,187":2458,"5,188":2459,"5,189":2460,"5,190":2461,"5,191":2462,"5,192":2463,"5,193":2464,"5,194":2465,"5,195":2466,"5,196":2467,"5,197":2468,"5,198":2469,"5,199":2470,"5,200":2471,"5,201":2472,"5,202":2473,"5,203":2474,"5,204":2475,"5,205":2476,"5,206":2477,"5,207":2478,"5,208":2479,"5,209":2480,"5,210":2481,"5,211":2482,"5,212":2483,"5,213":2484,"5,214":2485,"5,215":2486,"5,216":2487,"5,217":2488,"5,218":2489,"5,219":2490,"5,220":2491,"5,221":2492,"5,222":2493,"5,223":2494,"5,224":2495,"5,225":2496,"5,226":2497,"5,227":2498,"5,228":2499,"5,229":2500,"5,230":2501,"5,231":2502,"5,232":2503,"5,233":2504,"5,234":2505,"5,235":2506,"5,236":2507,"5,237":2508,"5,238":2509,"5,239":2510,"5,240":2511,"5,241":2512,"5,242":2513,"5,243":2514,"5,244":2515,"5,245":2516,"5,246":2517,"5,247":2518,"5,248":2519,"5,249":2520,"5,250":2521,"5,251":2522,"5,252":2523,"5,253":2524,"5,254":2525,"5,255":2526,"5,256":2527,"5,257":2528,"5,258":2529,"5,259":2530,"5,260":2531,"5,261":2532,"5,262":2533,"5,263":2534,"5,264":2535,"5,265":2536,"5,266":2537,"5,267":2538,"5,268":2539,"5,269":2540,"5,270":2541,"5,271":2542,"5,272":2543,"5,273":2544,"5,274":2545,"5,275":2546,"5,276":2547,"5,277":2548,"5,278":2549,"5,279":2550,"5,280":2551,"5,281":2552,"5,283":2553,"5,284":2554,"5,285":2555,"5,286":2556,"5,287":2557,"5,288":2558,"5,289":2559,"5,290":2560,"5,291":2561,"5,292":2562,"5,293":2563,"5,294":2564,"5,295":2565,"5,296":2566,"5,297":2567,"5,298":2568,"5,299":2569,"5,300":2570,"5,301":2571,"5,302":2572,"5,303":2573,"5,304":2574,"5,305":2575,"5,306":2576,"5,307":2577,"5,308":2578,"5,309":2579,"5,310":2580,"5,311":2581,"5,312":2582,"5,313":2583,"5,314":2584,"5,315":2585,"5,316":2586,"5,317":2587,"5,318":2588,"5,319":2589,"5,320":2590,"5,321":2591,"5,322":2592,"5,323":2593,"5,324":2594,"5,325":2595,"5,326":2596,"5,327":2597,"5,328":2598,"5,329":2599,"5,330":2600,"5,331":2601,"5,332":2602,"5,333":2603,"5,334":2604,"5,335":2605,"5,336":2606,"5,337":2607,"5,338":2608,"5,339":2609,"5,340":2610,"5,341":2611,"5,342":2612,"5,343":2613,"5,344":2614,"5,345":2615,"5,346":2616,"5,347":2617,"5,348":2618,"5,349":2619,"5,350":2620,"5,351":2621,"5,352":2622,"5,353":2623,"5,354":2624,"5,355":2625,"5,356":2626,"5,357":2627,"5,358":2628,"5,359":2629,"5,360":2630,"5,361":2631,"5,362":2632,"5,363":2633,"5,364":2634,"5,365":2635,"5,366":2636,"5,367":2637,"5,368":2638,"5,369":2639,"5,370":2640,"5,371":2641,"5,372":2642,"5,373":2643,"5,374":2644,"5,375":2645,"5,376":2646,"6,4":2647,"6,5":2648,"6,6":2649,"6,7":2650,"6,8":2651,"6,9":2652,"6,10":2653,"6,11":2654,"6,12":2655,"6,13":2656,"6,15":2657,"6,16":2658,"6,17":2659,"6,18":2660,"6,19":2661,"6,20":2662,"6,21":2663,"6,22":2664,"6,23":2665,"6,24":2666,"6,25":2667,"6,26":2668,"6,27":2669,"6,28":2670,"6,29":2671,"6,30":2672,"6,31":2673,"6,32":2674,"6,33":2675,"6,34":2676,"6,35":2677,"6,36":2678,"6,37":2679,"6,38":2680,"6,39":2681,"6,40":2682,"6,41":2683,"6,42":2684,"6,43":2685,"6,44":2686,"6,45":2687,"6,46":2688,"6,47":2689,"6,48":2690,"6,49":2691,"6,50":2692,"6,51":2693,"6,52":2694,"6,53":2695,"6,54":2696,"6,55":2697,"6,56":2698,"6,57":2699,"6,58":2700,"6,59":2701,"6,60":2702,"6,61":2703,"6,62":2704,"6,63":2705,"6,64":2706,"6,65":2707,"6,66":2708,"6,67":2709,"6,68":2710,"6,69":2711,"6,70":2712,"6,71":2713,"6,72":2714,"6,73":2715,"6,74":2716,"6,75":2717,"6,76":2718,"6,77":2719,"6,78":2720,"6,79":2721,"6,80":2722,"6,81":2723,"6,82":2724,"6,83":2725,"6,84":2726,"6,85":2727,"6,86":2728,"6,87":2729,"6,88":2730,"6,89":2731,"6,90":2732,"6,91":2733,"6,92":2734,"6,93":2735,"6,94":2736,"6,95":2737,"6,96":2738,"6,97":2739,"6,98":2740,"6,99":2741,"6,100":2742,"6,101":2743,"6,102":2744,"6,103":2745,"6,104":2746,"6,105":2747,"6,106":2748,"6,107":2749,"6,108":2750,"6,109":2751,"6,110":2752,"6,111":2753,"6,112":2754,"6,113":2755,"6,114":2756,"6,115":2757,"6,116":2758,"6,117":2759,"6,118":2760,"6,119":2761,"6,120":2762,"6,121":2763,"6,122":2764,"6,123":2765,"6,124":2766,"6,125":2767,"6,126":2768,"6,127":2769,"6,128":2770,"6,129":2771,"6,130":2772,"6,131":2773,"6,132":2774,"6,133":2775,"6,134":2776,"6,135":2777,"6,136":2778,"6,137":2779,"6,138":2780,"6,139":2781,"6,140":2782,"6,141":2783,"6,142":2784,"6,143":2785,"6,144":2786,"6,145":2787,"6,146":2788,"6,147":2789,"6,148":2790,"6,149":2791,"6,150":2792,"6,151":2793,"6,152":2794,"6,153":2795,"6,154":2796,"6,155":2797,"6,156":2798,"6,157":2799,"6,158":2800,"6,159":2801,"6,160":2802,"6,161":2803,"6,162":2804,"6,163":2805,"6,164":2806,"6,165":2807,"6,166":2808,"6,167":2809,"6,168":2810,"6,169":2811,"6,170":2812,"6,171":2813,"6,172":2814,"6,173":2815,"6,174":2816,"6,175":2817,"6,176":2818,"6,177":2819,"6,178":2820,"6,179":2821,"6,180":2822,"6,181":2823,"6,182":2824,"6,183":2825,"6,184":2826,"6,185":2827,"6,186":2828,"6,187":2829,"6,188":2830,"6,189":2831,"6,190":2832,"6,191":2833,"6,192":2834,"6,193":2835,"6,194":2836,"6,195":2837,"6,196":2838,"6,197":2839,"6,198":2840,"6,199":2841,"6,200":2842,"6,201":2843,"6,202":2844,"6,203":2845,"6,204":2846,"6,205":2847,"6,206":2848,"6,207":2849,"6,208":2850,"6,209":2851,"6,210":2852,"6,211":2853,"6,212":2854,"6,213":2855,"6,214":2856,"6,215":2857,"6,216":2858,"6,217":2859,"6,218":2860,"6,219":2861,"6,220":2862,"6,221":2863,"6,222":2864,"6,223":2865,"6,224":2866,"6,225":2867,"6,226":2868,"6,227":2869,"6,228":2870,"6,229":2871,"6,230":2872,"6,231":2873,"6,232":2874,"6,233":2875,"6,234":2876,"6,235":2877,"6,236":2878,"6,237":2879,"6,238":2880,"6,239":2881,"6,240":2882,"6,241":2883,"6,242":2884,"6,243":2885,"6,244":2886,"6,245":2887,"6,246":2888,"6,247":2889,"6,248":2890,"6,249":2891,"6,250":2892,"6,251":2893,"6,252":2894,"6,253":2895,"6,254":2896,"6,255":2897,"6,256":2898,"6,257":2899,"6,258":2900,"6,259":2901,"6,260":2902,"6,261":2903,"6,262":2904,"6,263":2905,"6,264":2906,"6,265":2907,"6,266":2908,"6,267":2909,"6,268":2910,"6,269":2911,"6,270":2912,"6,271":2913,"6,272":2914,"6,273":2915,"6,274":2916,"6,275":2917,"6,276":2918,"6,277":2919,"6,278":2920,"6,279":2921,"6,280":2922,"6,281":2923,"6,282":2924,"6,283":2925,"6,284":2926,"6,285":2927,"6,286":2928,"6,287":2929,"6,288":2930,"6,289":2931,"6,290":2932,"6,291":2933,"6,292":2934,"6,293":2935,"6,294":2936,"6,295":2937,"6,296":2938,"6,297":2939,"6,298":2940,"6,299":2941,"6,300":2942,"6,301":2943,"6,302":2944,"6,303":2945,"6,304":2946,"6,305":2947,"6,306":2948,"6,307":2949,"6,308":2950,"6,309":2951,"6,310":2952,"6,311":2953,"6,312":2954,"6,313":2955,"6,314":2956,"6,315":2957,"6,316":2958,"6,317":2959,"6,318":2960,"6,319":2961,"6,320":2962,"6,321":2963,"6,322":2964,"6,323":2965,"6,324":2966,"6,325":2967,"6,326":2968,"6,327":2969,"6,328":2970,"6,329":2971,"6,330":2972,"6,331":2973,"6,332":2974,"6,333":2975,"6,334":2976,"6,335":2977,"6,336":2978,"6,337":2979,"6,338":2980,"6,339":2981,"6,340":2982,"6,341":2983,"6,342":2984,"6,343":2985,"6,344":2986,"6,345":2987,"6,346":2988,"6,347":2989,"6,348":2990,"6,349":2991,"6,350":2992,"6,351":2993,"6,352":2994,"6,353":2995,"6,354":2996,"6,355":2997,"6,356":2998,"6,357":2999,"6,358":3000,"6,359":3001,"6,360":3002,"6,361":3003,"6,362":3004,"6,363":3005,"6,364":3006,"6,365":3007,"6,366":3008,"6,367":3009,"6,368":3010,"6,369":3011,"6,370":3012,"6,371":3013,"6,372":3014,"6,373":3015,"6,374":3016,"6,375":3017,"6,376":3018,"6,377":3019,"6,378":3020,"6,379":3021,"6,380":3022,"6,381":3023,"6,382":3024,"6,383":3025,"6,384":3026,"6,385":3027,"6,386":3028,"6,387":3029,"6,388":3030,"6,389":3031,"6,390":3032,"6,391":3033,"6,392":3034,"6,393":3035,"6,394":3036,"6,395":3037,"6,396":3038,"6,397":3039,"6,398":3040,"6,399":3041,"6,400":3042,"6,401":3043,"6,402":3044,"6,403":3045,"6,404":3046,"6,405":3047,"6,406":3048,"6,407":3049,"6,408":3050,"6,409":3051,"6,410":3052,"6,411":3053,"6,412":3054,"6,413":3055,"6,414":3056,"6,415":3057,"6,416":3058,"6,417":3059,"6,418":3060,"6,419":3061,"6,420":3062,"6,421":3063,"6,422":3064,"6,423":3065,"6,424":3066,"6,425":3067,"6,426":3068,"6,427":3069,"6,428":3070,"6,429":3071,"6,430":3072,"6,431":3073,"6,432":3074,"6,433":3075,"6,434":3076,"6,435":3077,"6,436":3078,"6,437":3079,"6,438":3080,"6,439":3081,"6,440":3082,"6,441":3083,"6,442":3084,"6,443":3085,"6,444":3086,"6,445":3087,"6,446":3088,"6,447":3089,"6,448":3090,"6,449":3091,"6,450":3092,"6,451":3093,"6,452":3094,"6,453":3095,"6,454":3096,"6,455":3097,"6,456":3098,"6,457":3099,"6,458":3100,"6,459":3101,"6,460":3102,"6,461":3103,"6,462":3104,"6,463":3105,"6,464":3106,"6,465":3107,"6,466":3108,"6,467":3109,"6,468":3110,"6,469":3111,"6,470":3112,"6,471":3113,"6,472":3114,"6,473":3115,"6,474":3116,"6,475":3117,"6,476":3118,"6,477":3119,"6,478":3120,"6,479":3121,"6,480":3122,"6,481":3123,"6,482":3124,"6,483":3125,"6,484":3126,"6,485":3127,"6,486":3128,"6,487":3129,"6,488":3130,"6,489":3131,"6,490":3132,"6,491":3133,"6,492":3134,"6,493":3135,"6,494":3136,"6,495":3137,"6,496":3138,"6,497":3139,"6,498":3140,"6,499":3141,"6,500":3142,"6,501":3143,"6,502":3144,"6,503":3145,"6,504":3146,"6,505":3147,"6,506":3148,"6,507":3149,"6,508":3150,"6,509":3151,"6,510":3152,"6,511":3153,"6,512":3154,"6,513":3155,"6,514":3156,"6,515":3157,"6,516":3158,"6,517":3159,"6,518":3160,"6,519":3161,"6,520":3162,"6,521":3163,"6,522":3164,"6,523":3165,"6,524":3166,"6,525":3167,"6,526":3168,"6,527":3169,"6,528":3170,"6,529":3171,"6,530":3172,"6,531":3173,"6,532":3174,"6,533":3175,"6,534":3176,"6,535":3177,"6,536":3178,"6,537":3179,"6,538":3180,"6,539":3181,"6,540":3182,"6,541":3183,"6,542":3184,"6,543":3185,"6,544":3186,"6,545":3187,"6,546":3188,"6,547":3189,"6,548":3190,"6,549":3191,"6,550":3192,"6,551":3193,"6,552":3194,"6,553":3195,"6,554":3196,"6,555":3197,"6,556":3198,"6,557":3199,"6,558":3200,"6,559":3201,"6,560":3202,"6,561":3203,"6,562":3204,"7,4":3205,"7,5":3206,"7,6":3207,"7,7":3208,"7,8":3209,"7,9":3210,"7,10":3211,"7,11":3212,"7,12":3213,"7,13":3214,"7,14":3215,"7,15":3216,"7,16":3217,"7,17":3218,"7,18":3219,"7,19":3220,"7,20":3221,"7,21":3222,"7,22":3223,"7,23":3224,"7,24":3225,"7,25":3226,"7,26":3227,"7,27":3228,"7,28":3229,"7,29":3230,"7,30":3231,"7,31":3232,"7,32":3233,"7,33":3234,"7,34":3235,"7,35":3236,"7,36":3237,"7,37":3238,"7,38":3239,"7,39":3240,"7,40":3241,"7,41":3242,"7,42":3243,"7,43":3244,"7,44":3245,"7,45":3246,"7,46":3247,"7,47":3248,"7,48":3249,"7,49":3250,"7,50":3251,"7,51":3252,"7,52":3253,"7,53":3254,"7,54":3255,"7,55":3256,"7,56":3257,"7,57":3258,"7,58":3259,"7,59":3260,"7,60":3261,"7,61":3262,"7,62":3263,"7,63":3264,"7,64":3265,"7,65":3266,"7,66":3267,"7,67":3268,"7,68":3269,"7,69":3270,"7,70":3271,"7,71":3272,"7,72":3273,"7,73":3274,"7,74":3275,"7,75":3276,"7,76":3277,"7,77":3278,"7,78":3279,"7,79":3280,"7,80":3281,"7,81":3282,"7,82":3283,"7,83":3284,"7,84":3285,"7,85":3286,"7,86":3287,"7,87":3288,"7,88":3289,"7,89":3290,"7,90":3291,"7,91":3292,"7,92":3293,"7,93":3294,"7,94":3295,"7,95":3296,"7,96":3297,"7,97":3298,"7,98":3299,"7,99":3300,"7,100":3301,"7,101":3302,"7,102":3303,"7,103":3304,"7,104":3305,"7,105":3306,"7,106":3307,"7,107":3308,"7,108":3309,"7,109":3310,"7,110":3311,"7,111":3312,"7,112":3313,"7,113":3314,"7,114":3315,"7,115":3316,"7,116":3317,"7,117":3318,"7,118":3319,"7,119":3320,"7,120":3321,"7,121":3322,"7,122":3323,"7,123":3324,"7,124":3325,"7,125":3326,"7,126":3327,"7,127":3328,"7,128":3329,"7,129":3330,"7,130":3331,"7,131":3332,"7,132":3333,"7,133":3334,"7,134":3335,"7,135":3336,"7,136":3337,"7,137":3338,"7,138":3339,"7,139":3340,"7,140":3341,"7,141":3342,"7,142":3343,"7,143":3344,"7,144":3345,"7,145":3346,"7,146":3347,"7,147":3348,"7,148":3349,"7,149":3350,"7,150":3351,"7,151":3352,"7,152":3353,"7,153":3354,"7,154":3355,"7,155":3356,"7,156":3357,"7,157":3358,"7,158":3359,"7,159":3360,"7,160":3361,"7,161":3362,"7,162":3363,"7,163":3364,"7,164":3365,"7,165":3366,"7,166":3367,"7,168":3368,"7,169":3369,"7,170":3370,"7,171":3371,"7,172":3372,"7,173":3373,"7,174":3374,"7,175":3375,"7,176":3376,"7,177":3377,"7,178":3378,"7,179":3379,"7,180":3380,"7,181":3381,"7,182":3382,"7,183":3383,"7,184":3384,"7,185":3385,"7,186":3386,"7,187":3387,"7,188":3388,"7,189":3389,"7,190":3390,"7,191":3391,"7,192":3392,"7,193":3393,"7,194":3394,"7,195":3395,"7,196":3396,"7,197":3397,"7,198":3398,"7,199":3399,"7,200":3400,"7,201":3401,"7,202":3402,"7,203":3403,"7,204":3404,"7,205":3405,"7,206":3406,"7,207":3407,"7,208":3408,"7,209":3409,"7,210":3410,"7,211":3411,"7,212":3412,"7,213":3413,"7,214":3414,"7,215":3415,"7,216":3416,"7,217":3417,"7,218":3418,"7,219":3419,"7,220":3420,"7,221":3421,"7,222":3422,"7,223":3423,"7,224":3424,"7,225":3425,"7,226":3426,"7,227":3427,"7,228":3428,"7,229":3429,"7,230":3430,"7,231":3431,"7,232":3432,"7,233":3433,"7,234":3434,"7,235":3435,"7,236":3436,"7,237":3437,"7,238":3438,"7,239":3439,"7,240":3440,"7,241":3441,"7,242":3442,"7,243":3443,"7,244":3444,"7,245":3445,"7,246":3446,"7,247":3447,"7,248":3448,"7,249":3449,"7,250":3450,"7,251":3451,"7,252":3452,"7,253":3453,"7,254":3454,"7,255":3455,"7,256":3456,"7,257":3457,"7,258":3458,"7,259":3459,"7,260":3460,"7,261":3461,"7,262":3462,"7,263":3463,"7,264":3464,"7,265":3465,"7,266":3466,"7,267":3467,"7,268":3468,"7,269":3469,"7,270":3470,"7,271":3471,"7,272":3472,"7,273":3473,"7,274":3474,"7,275":3475,"7,276":3476,"7,277":3477,"7,278":3478,"7,279":3479,"7,280":3480,"7,281":3481,"7,282":3482,"7,283":3483,"7,284":3484,"7,285":3485,"7,286":3486,"7,287":3487,"7,288":3488,"7,289":3489,"7,290":3490,"7,291":3491,"7,292":3492,"7,293":3493,"7,294":3494,"7,295":3495,"7,296":3496,"7,297":3497,"7,298":3498,"7,299":3499,"7,300":3500,"7,301":3501,"7,302":3502,"7,303":3503,"7,304":3504,"7,305":3505,"7,306":3506,"7,307":3507,"7,308":3508,"7,309":3509,"7,310":3510,"7,311":3511,"7,312":3512,"7,313":3513,"7,314":3514,"7,315":3515,"7,316":3516,"7,317":3517,"7,318":3518,"7,319":3519,"7,320":3520,"7,321":3521,"7,322":3522,"7,323":3523,"7,324":3524,"7,325":3525,"7,326":3526,"7,327":3527,"7,328":3528,"7,329":3529,"7,330":3530,"7,331":3531,"7,332":3532,"7,333":3533,"7,334":3534,"7,335":3535,"7,336":3536,"7,337":3537,"7,338":3538,"7,339":3539,"7,340":3540,"7,341":3541,"7,342":3542,"7,343":3543,"7,344":3544,"7,345":3545,"7,346":3546,"7,347":3547,"7,348":3548,"7,349":3549,"7,350":3550,"7,351":3551,"7,352":3552,"7,353":3553,"7,354":3554,"7,355":3555,"7,356":3556,"7,357":3557,"7,358":3558,"7,359":3559,"7,360":3560,"7,361":3561,"7,362":3562,"7,363":3563,"7,364":3564,"7,365":3565,"7,366":3566,"7,367":3567,"7,368":3568,"7,369":3569,"7,370":3570,"7,371":3571,"7,372":3572,"7,373":3573,"7,374":3574,"7,375":3575,"7,376":3576,"7,377":3577,"7,378":3578,"7,379":3579,"7,380":3580,"7,381":3581,"7,382":3582,"7,383":3583,"7,384":3584,"7,385":3585,"7,386":3586,"7,387":3587,"7,388":3588,"7,389":3589,"7,390":3590,"7,391":3591,"7,392":3592,"7,393":3593,"7,394":3594,"7,395":3595,"7,396":3596,"7,397":3597,"7,398":3598,"7,399":3599,"7,400":3600,"7,401":3601,"7,402":3602,"7,403":3603,"7,404":3604,"7,405":3605,"7,406":3606,"7,407":3607,"7,408":3608,"7,409":3609,"7,410":3610,"7,411":3611,"7,412":3612,"7,413":3613,"7,414":3614,"7,415":3615,"7,416":3616,"7,417":3617,"7,418":3618,"7,419":3619,"7,420":3620,"7,421":3621,"7,422":3622,"7,423":3623,"7,424":3624,"7,425":3625,"7,426":3626,"7,427":3627,"7,428":3628,"7,429":3629,"7,430":3630,"7,431":3631,"7,432":3632,"7,433":3633,"7,434":3634,"7,435":3635,"7,436":3636,"7,437":3637,"7,438":3638,"7,439":3639,"7,440":3640,"7,441":3641,"7,442":3642,"7,443":3643,"7,444":3644,"7,445":3645,"7,446":3646,"7,447":3647,"7,448":3648,"7,449":3649,"7,450":3650,"7,451":3651,"7,452":3652,"7,453":3653,"7,454":3654,"7,455":3655,"7,456":3656,"7,457":3657,"7,458":3658,"7,459":3659,"7,460":3660,"7,461":3661,"7,462":3662,"7,463":3663,"7,464":3664,"7,465":3665,"7,466":3666,"7,467":3667,"7,468":3668,"7,469":3669,"7,470":3670,"7,471":3671,"7,472":3672,"7,473":3673,"7,474":3674,"7,475":3675,"7,476":3676,"7,477":3677,"7,478":3678,"7,479":3679,"7,480":3680,"7,481":3681,"7,482":3682,"7,483":3683,"7,484":3684,"7,485":3685,"7,486":3686,"7,487":3687,"7,488":3688,"7,489":3689,"7,490":3690,"7,491":3691,"7,492":3692,"7,493":3693,"7,494":3694,"7,495":3695,"7,496":3696,"7,497":3697,"7,498":3698,"7,499":3699,"7,500":3700,"7,501":3701,"7,502":3702,"7,503":3703,"8,4":3704,"8,5":3705,"8,6":3706,"8,7":3707,"8,8":3708,"8,9":3709,"8,10":3710,"8,11":3711,"8,12":3712,"8,13":3713,"8,14":3714,"8,15":3715,"8,16":3716,"8,17":3717,"8,18":3718,"8,19":3719,"8,20":3720,"8,21":3721,"8,22":3722,"8,23":3723,"8,24":3724,"8,25":3725,"8,26":3726,"8,27":3727,"8,28":3728,"8,30":3729,"8,31":3730,"8,32":3731,"8,33":3732,"8,34":3733,"8,35":3734,"8,36":3735,"8,37":3736,"8,38":3737,"8,39":3738,"8,40":3739,"8,41":3740,"8,42":3741,"8,43":3742,"8,44":3743,"8,45":3744,"8,46":3745,"8,47":3746,"8,48":3747,"8,49":3748,"8,50":3749,"8,51":3750,"8,52":3751,"8,53":3752,"8,54":3753,"8,55":3754,"8,56":3755,"8,57":3756,"8,58":3757,"8,59":3758,"8,60":3759,"8,61":3760,"8,62":3761,"8,63":3762,"8,64":3763,"8,65":3764,"8,66":3765,"8,67":3766,"8,68":3767,"8,69":3768,"8,70":3769,"8,71":3770,"8,72":3771,"8,73":3772,"8,74":3773,"8,75":3774,"8,76":3775,"8,77":3776,"8,78":3777,"8,79":3778,"8,80":3779,"8,81":3780,"8,82":3781,"8,83":3782,"8,84":3783,"8,85":3784,"8,86":3785,"8,87":3786,"8,88":3787,"8,89":3788,"8,90":3789,"8,91":3790,"8,92":3791,"8,93":3792,"8,94":3793,"8,95":3794,"8,96":3795,"8,97":3796,"8,98":3797,"8,99":3798,"8,100":3799,"8,101":3800,"8,102":3801,"8,103":3802,"8,104":3803,"8,105":3804,"8,106":3805,"8,107":3806,"8,108":3807,"8,109":3808,"8,110":3809,"8,111":3810,"8,112":3811,"8,113":3812,"8,114":3813,"8,115":3814,"8,116":3815,"8,117":3816,"8,118":3817,"8,119":3818,"8,120":3819,"8,121":3820,"8,122":3821,"8,123":3822,"8,124":3823,"8,125":3824,"8,126":3825,"8,127":3826,"8,128":3827,"8,129":3828,"8,130":3829,"8,131":3830,"8,132":3831,"8,133":3832,"8,134":3833,"8,135":3834,"8,136":3835,"8,137":3836,"8,138":3837,"8,139":3838,"8,140":3839,"8,141":3840,"8,142":3841,"8,143":3842,"8,144":3843,"8,145":3844,"8,146":3845,"8,147":3846,"8,148":3847,"8,149":3848,"8,150":3849,"8,151":3850,"8,152":3851,"8,153":3852,"8,154":3853,"8,155":3854,"8,156":3855,"8,157":3856,"8,158":3857,"8,159":3858,"8,160":3859,"8,161":3860,"8,162":3861,"8,163":3862,"8,164":3863,"8,165":3864,"8,167":3865,"8,168":3866,"8,169":3867,"8,170":3868,"8,171":3869,"8,172":3870,"8,173":3871,"8,174":3872,"8,175":3873,"8,176":3874,"8,177":3875,"8,178":3876,"8,179":3877,"8,180":3878,"8,181":3879,"8,182":3880,"8,183":3881,"8,184":3882,"8,185":3883,"8,186":3884,"8,187":3885,"8,188":3886,"8,189":3887,"8,190":3888,"8,191":3889,"8,192":3890,"8,193":3891,"8,194":3892,"8,195":3893,"8,196":3894,"8,197":3895,"8,198":3896,"8,199":3897,"8,200":3898,"8,201":3899,"8,202":3900,"8,203":3901,"8,204":3902,"8,205":3903,"8,206":3904,"8,207":3905,"8,208":3906,"8,209":3907,"8,210":3908,"8,211":3909,"8,212":3910,"8,213":3911,"8,214":3912,"8,215":3913,"8,216":3914,"8,217":3915,"8,218":3916,"8,219":3917,"8,220":3918,"8,221":3919,"8,222":3920,"8,223":3921,"8,224":3922,"8,225":3923,"8,226":3924,"8,227":3925,"8,228":3926,"8,229":3927,"8,230":3928,"8,231":3929,"8,232":3930,"8,233":3931,"8,234":3932,"8,235":3933,"8,236":3934,"8,237":3935,"8,238":3936,"8,239":3937,"8,240":3938,"8,241":3939,"8,242":3940,"8,243":3941,"8,244":3942,"8,245":3943,"8,246":3944,"8,247":3945,"8,248":3946,"8,249":3947,"8,250":3948,"8,251":3949,"8,252":3950,"8,253":3951,"8,254":3952,"8,255":3953,"8,256":3954,"8,257":3955,"8,258":3956,"8,259":3957,"8,260":3958,"8,261":3959,"8,262":3960,"8,263":3961,"8,264":3962,"8,265":3963,"8,266":3964,"8,267":3965,"8,268":3966,"8,269":3967,"8,270":3968,"8,271":3969,"8,272":3970,"8,273":3971,"8,274":3972,"8,275":3973,"8,276":3974,"8,277":3975,"8,278":3976,"8,279":3977,"8,280":3978,"8,281":3979,"8,282":3980,"8,283":3981,"8,284":3982,"8,285":3983,"8,286":3984,"8,287":3985,"8,288":3986,"8,289":3987,"8,290":3988,"8,291":3989,"8,292":3990,"8,293":3991,"8,294":3992,"8,295":3993,"8,296":3994,"8,297":3995,"8,298":3996,"8,299":3997,"8,300":3998,"8,301":3999,"8,302":4000,"8,303":4001,"8,304":4002,"8,305":4003,"8,306":4004,"8,307":4005,"8,308":4006,"8,309":4007,"8,310":4008,"8,311":4009,"8,312":4010,"8,313":4011,"8,314":4012,"8,315":4013,"8,316":4014,"8,317":4015,"8,318":4016,"8,319":4017,"8,320":4018,"8,321":4019,"8,322":4020,"8,323":4021,"8,324":4022,"8,325":4023,"8,326":4024,"8,327":4025,"8,328":4026,"8,329":4027,"8,330":4028,"8,331":4029,"8,332":4030,"8,333":4031,"8,334":4032,"8,335":4033,"8,336":4034,"8,337":4035,"8,338":4036,"8,339":4037,"8,340":4038,"8,341":4039,"8,342":4040,"8,343":4041,"8,344":4042,"8,345":4043,"8,346":4044,"8,347":4045,"8,348":4046,"8,349":4047,"8,350":4048,"8,351":4049,"8,352":4050,"8,353":4051,"8,354":4052,"8,355":4053,"8,356":4054,"8,357":4055,"8,358":4056,"8,359":4057,"8,360":4058,"8,361":4059,"8,362":4060,"8,363":4061,"8,364":4062,"8,365":4063,"8,366":4064,"8,367":4065,"8,368":4066,"8,369":4067,"8,370":4068,"8,371":4069,"8,372":4070,"8,373":4071,"8,374":4072,"8,375":4073,"8,376":4074,"8,377":4075,"8,378":4076,"8,379":4077,"8,380":4078,"8,381":4079,"8,382":4080,"8,383":4081,"8,384":4082,"8,385":4083,"8,386":4084,"8,387":4085,"8,388":4086,"8,389":4087,"8,390":4088,"8,391":4089,"8,392":4090,"8,393":4091,"8,394":4092,"8,395":4093,"8,396":4094,"8,397":4095,"8,398":4096,"8,399":4097,"8,400":4098,"8,401":4099,"8,402":4100,"8,403":4101,"8,404":4102,"8,405":4103,"8,406":4104,"8,407":4105,"8,408":4106,"8,409":4107,"8,410":4108,"8,411":4109,"8,412":4110,"8,413":4111,"8,414":4112,"8,415":4113,"8,416":4114,"8,417":4115,"8,418":4116,"8,419":4117,"8,420":4118,"8,421":4119,"8,422":4120,"8,423":4121,"8,424":4122,"8,425":4123,"8,426":4124,"8,427":4125,"8,428":4126,"8,429":4127,"8,430":4128,"8,431":4129,"8,432":4130,"8,433":4131,"8,434":4132,"8,435":4133,"8,436":4134,"8,437":4135,"8,438":4136,"8,439":4137,"8,440":4138,"8,441":4139,"8,442":4140,"8,443":4141,"8,444":4142,"8,445":4143,"8,446":4144,"8,447":4145,"8,448":4146,"8,449":4147,"8,450":4148,"8,451":4149,"8,452":4150,"8,453":4151,"8,454":4152,"8,455":4153,"8,456":4154,"8,457":4155,"8,458":4156,"8,459":4157,"8,460":4158,"8,461":4159,"8,462":4160,"8,463":4161,"8,464":4162,"8,465":4163,"8,466":4164,"8,467":4165,"8,468":4166,"8,469":4167,"8,470":4168,"8,471":4169,"8,472":4170,"8,473":4171,"8,474":4172,"8,475":4173,"8,476":4174,"8,477":4175,"8,478":4176,"8,479":4177,"8,480":4178,"8,481":4179,"8,482":4180,"8,483":4181,"8,484":4182,"8,485":4183,"8,486":4184,"8,487":4185,"8,488":4186,"8,489":4187,"8,490":4188,"8,491":4189,"8,492":4190,"8,493":4191,"8,494":4192,"8,495":4193,"8,496":4194,"8,497":4195,"8,498":4196,"8,499":4197,"8,500":4198,"8,501":4199,"8,502":4200,"8,503":4201,"8,504":4202,"8,505":4203,"8,506":4204,"8,507":4205,"8,508":4206,"8,509":4207,"8,510":4208,"8,511":4209,"8,512":4210,"8,513":4211,"8,514":4212,"8,515":4213,"8,516":4214,"8,517":4215,"8,518":4216,"8,519":4217,"8,520":4218,"8,521":4219,"8,522":4220,"8,523":4221,"8,524":4222,"8,525":4223,"8,526":4224,"8,527":4225,"8,528":4226,"8,529":4227,"8,530":4228,"8,531":4229,"8,532":4230,"8,533":4231,"8,534":4232,"8,535":4233,"8,536":4234,"8,537":4235,"8,538":4236,"8,539":4237,"8,540":4238,"8,541":4239,"8,542":4240,"8,543":4241,"8,544":4242,"8,545":4243,"8,546":4244,"8,547":4245,"8,548":4246,"8,549":4247,"8,550":4248,"8,551":4249,"8,552":4250,"8,553":4251,"8,554":4252,"8,555":4253,"8,556":4254,"8,557":4255,"8,558":4256,"8,559":4257,"8,560":4258,"8,561":4259,"8,562":4260,"9,4":4261,"9,5":4262,"9,6":4263,"9,7":4264,"9,8":4265,"9,9":4266,"9,10":4267,"9,11":4268,"9,12":4269,"9,13":4270,"9,14":4271,"9,15":4272,"9,16":4273,"9,17":4274,"9,18":4275,"9,19":4276,"9,20":4277,"9,21":4278,"9,22":4279,"9,23":4280,"9,24":4281,"9,25":4282,"9,26":4283,"9,27":4284,"9,28":4285,"9,29":4286,"9,30":4287,"9,31":4288,"9,32":4289,"9,33":4290,"9,34":4291,"9,35":4292,"9,36":4293,"9,37":4294,"9,38":4295,"9,39":4296,"9,40":4297,"9,41":4298,"9,42":4299,"9,43":4300,"9,44":4301,"9,45":4302,"9,46":4303,"9,47":4304,"9,48":4305,"9,49":4306,"9,50":4307,"9,51":4308,"9,52":4309,"9,53":4310,"9,54":4311,"9,55":4312,"9,56":4313,"9,57":4314,"9,58":4315,"9,59":4316,"9,60":4317,"9,61":4318,"9,62":4319,"9,63":4320,"9,64":4321,"9,65":4322,"9,66":4323,"9,67":4324,"9,68":4325,"9,69":4326,"9,70":4327,"9,71":4328,"9,72":4329,"9,73":4330,"9,74":4331,"9,75":4332,"9,76":4333,"9,77":4334,"9,78":4335,"9,79":4336,"9,80":4337,"9,81":4338,"9,82":4339,"9,83":4340,"9,84":4341,"9,85":4342,"9,86":4343,"9,87":4344,"9,88":4345,"9,89":4346,"9,90":4347,"9,91":4348,"9,92":4349,"9,93":4350,"9,94":4351,"9,95":4352,"9,96":4353,"9,97":4354,"9,98":4355,"9,99":4356,"9,100":4357,"9,101":4358,"9,102":4359,"9,103":4360,"9,104":4361,"9,105":4362,"9,106":4363,"9,107":4364,"9,108":4365,"9,109":4366,"9,110":4367,"9,111":4368,"9,112":4369,"9,113":4370,"9,114":4371,"9,115":4372,"9,116":4373,"9,117":4374,"9,118":4375,"9,119":4376,"9,120":4377,"9,121":4378,"9,122":4379,"9,123":4380,"9,124":4381,"9,125":4382,"9,126":4383,"9,127":4384,"9,128":4385,"9,129":4386,"9,130":4387,"9,131":4388,"9,132":4389,"9,133":4390,"9,134":4391,"9,135":4392,"9,136":4393,"9,137":4394,"9,138":4395,"9,139":4396,"9,140":4397,"9,141":4398,"9,142":4399,"9,143":4400,"9,144":4401,"9,145":4402,"9,146":4403,"9,147":4404,"9,148":4405,"9,149":4406,"9,150":4407,"9,151":4408,"9,152":4409,"9,153":4410,"9,154":4411,"9,155":4412,"9,156":4413,"9,157":4414,"9,158":4415,"9,159":4416,"9,160":4417,"9,161":4418,"9,162":4419,"9,163":4420,"9,164":4421,"9,165":4422,"9,166":4423,"9,167":4424,"9,168":4425,"9,169":4426,"9,170":4427,"9,171":4428,"9,172":4429,"9,173":4430,"9,174":4431,"9,175":4432,"9,176":4433,"9,177":4434,"9,178":4435,"9,179":4436,"9,180":4437,"9,181":4438,"9,182":4439,"9,183":4440,"9,184":4441,"9,185":4442,"9,186":4443,"9,187":4444,"9,188":4445,"9,189":4446,"9,190":4447,"9,191":4448,"9,192":4449,"9,193":4450,"9,194":4451,"9,195":4452,"9,196":4453,"9,197":4454,"9,198":4455,"9,199":4456,"9,200":4457,"9,201":4458,"9,202":4459,"9,203":4460,"9,204":4461,"9,205":4462,"9,206":4463,"9,207":4464,"9,208":4465,"9,209":4466,"9,210":4467,"9,211":4468,"9,212":4469,"9,213":4470,"9,214":4471,"9,215":4472,"9,216":4473,"9,217":4474,"9,218":4475,"9,219":4476,"9,220":4477,"9,221":4478,"9,222":4479,"9,223":4480,"9,224":4481,"9,225":4482,"9,226":4483,"9,227":4484,"9,228":4485,"9,229":4486,"9,230":4487,"9,231":4488,"9,232":4489,"9,233":4490,"9,234":4491,"9,235":4492,"9,236":4493,"9,237":4494,"9,238":4495,"9,239":4496,"9,240":4497,"9,241":4498,"9,242":4499,"9,243":4500,"9,244":4501,"9,245":4502,"9,246":4503,"9,247":4504,"9,248":4505,"9,249":4506,"9,250":4507,"9,251":4508,"9,252":4509,"9,253":4510,"9,254":4511,"9,255":4512,"9,256":4513,"9,257":4514,"9,258":4515,"9,259":4516,"9,260":4517,"9,261":4518,"9,262":4519,"9,263":4520,"9,264":4521,"9,265":4522,"9,266":4523,"9,267":4524,"9,268":4525,"9,269":4526,"9,270":4527,"9,271":4528,"9,272":4529,"9,273":4530,"9,274":4531,"9,275":4532,"9,276":4533,"9,277":4534,"9,278":4535,"9,279":4536,"9,280":4537,"9,281":4538,"9,282":4539,"9,283":4540,"9,284":4541,"9,285":4542,"9,286":4543,"9,287":4544,"9,288":4545,"9,289":4546,"9,290":4547,"9,291":4548,"9,292":4549,"9,293":4550,"9,294":4551,"9,295":4552,"9,296":4553,"9,297":4554,"9,298":4555,"9,299":4556,"9,300":4557,"9,301":4558,"9,302":4559,"9,303":4560,"9,304":4561,"9,305":4562,"9,306":4563,"9,307":4564,"9,308":4565,"9,309":4566,"9,310":4567,"9,311":4568,"9,312":4569,"9,313":4570,"9,314":4571,"9,315":4572,"9,316":4573,"9,317":4574,"9,318":4575,"9,319":4576,"9,320":4577,"9,321":4578,"9,322":4579,"9,323":4580,"9,324":4581,"9,325":4582,"9,326":4583,"9,327":4584,"9,328":4585,"9,329":4586,"9,330":4587,"9,331":4588,"9,332":4589,"9,333":4590,"9,334":4591,"9,335":4592,"9,336":4593,"9,337":4594,"9,338":4595,"9,339":4596,"9,340":4597,"9,341":4598,"9,342":4599,"9,343":4600,"9,344":4601,"9,345":4602,"9,346":4603,"9,347":4604,"9,348":4605,"9,349":4606,"9,350":4607,"9,351":4608,"9,352":4609,"9,353":4610,"9,354":4611,"9,355":4612,"9,356":4613,"9,357":4614,"9,358":4615,"9,359":4616,"9,360":4617,"9,361":4618,"9,362":4619,"9,363":4620,"9,364":4621,"9,365":4622,"9,366":4623,"9,367":4624,"9,368":4625,"9,369":4626,"9,370":4627,"9,371":4628,"9,372":4629,"9,373":4630,"9,374":4631,"9,375":4632,"9,376":4633,"9,377":4634,"9,378":4635,"9,379":4636,"9,380":4637,"9,381":4638,"9,382":4639,"9,383":4640,"9,384":4641,"9,385":4642,"9,386":4643,"9,387":4644,"9,388":4645,"9,389":4646,"9,390":4647,"9,391":4648,"9,392":4649,"9,393":4650,"9,394":4651,"9,395":4652,"9,396":4653,"9,397":4654,"9,398":4655,"9,399":4656,"9,400":4657,"9,401":4658,"9,402":4659,"9,403":4660,"9,404":4661,"9,405":4662,"9,406":4663,"9,407":4664,"9,408":4665,"9,409":4666,"9,410":4667,"9,411":4668,"9,412":4669,"9,413":4670,"9,414":4671,"9,415":4672,"9,416":4673,"9,417":4674,"9,418":4675,"9,419":4676,"9,420":4677,"9,421":4678,"9,422":4679,"9,423":4680,"9,424":4681,"9,425":4682,"9,426":4683,"9,427":4684,"9,428":4685,"9,429":4686,"9,430":4687,"9,431":4688,"9,432":4689,"9,433":4690,"9,434":4691,"9,435":4692,"9,436":4693,"9,437":4694,"9,438":4695,"9,439":4696,"9,440":4697,"9,441":4698,"9,442":4699,"9,443":4700,"9,444":4701,"9,445":4702,"9,446":4703,"9,447":4704,"9,448":4705,"9,449":4706,"9,450":4707,"9,451":4708,"9,452":4709,"9,453":4710,"9,454":4711,"9,455":4712,"9,456":4713,"9,457":4714,"9,458":4715,"9,459":4716,"9,460":4717,"9,461":4718,"9,462":4719,"9,463":4720,"9,464":4721,"9,465":4722,"9,466":4723,"10,4":4724,"10,5":4725,"10,6":4726,"10,7":4727,"10,8":4728,"10,9":4729,"10,10":4730,"10,11":4731,"10,12":4732,"10,13":4733,"10,14":4734,"10,15":4735,"10,16":4736,"10,17":4737,"10,18":4738,"10,19":4739,"10,20":4740,"10,21":4741,"10,22":4742,"10,23":4743,"10,24":4744,"10,25":4745,"10,26":4746,"10,27":4747,"10,28":4748,"10,29":4749,"10,30":4750,"10,31":4751,"10,32":4752,"10,33":4753,"10,34":4754,"10,35":4755,"10,36":4756,"10,37":4757,"10,38":4758,"10,39":4759,"10,40":4760,"10,41":4761,"10,42":4762,"10,43":4763,"10,44":4764,"10,45":4765,"10,46":4766,"10,47":4767,"10,48":4768,"10,49":4769,"10,50":4770,"10,51":4771,"10,52":4772,"10,53":4773,"10,54":4774,"10,55":4775,"10,56":4776,"10,57":4777,"10,58":4778,"10,59":4779,"10,60":4780,"10,61":4781,"10,62":4782,"10,63":4783,"10,64":4784,"10,65":4785,"10,66":4786,"10,67":4787,"10,68":4788,"10,69":4789,"10,70":4790,"10,71":4791,"10,72":4792,"10,73":4793,"10,74":4794,"10,75":4795,"10,76":4796,"10,77":4797,"10,78":4798,"10,79":4799,"10,80":4800,"10,81":4801,"10,82":4802,"10,83":4803,"10,84":4804,"10,85":4805,"10,86":4806,"10,87":4807,"10,88":4808,"10,89":4809,"10,90":4810,"10,91":4811,"10,92":4812,"10,93":4813,"10,94":4814,"10,95":4815,"10,96":4816,"10,97":4817,"10,98":4818,"10,99":4819,"10,100":4820,"10,101":4821,"10,102":4822,"10,103":4823,"10,104":4824,"10,105":4825,"10,106":4826,"10,107":4827,"10,108":4828,"10,109":4829,"10,110":4830,"10,111":4831,"10,112":4832,"10,113":4833,"10,114":4834,"10,115":4835,"10,116":4836,"10,117":4837,"10,118":4838,"10,119":4839,"10,120":4840,"10,121":4841,"10,122":4842,"10,123":4843,"10,124":4844,"10,125":4845,"10,126":4846,"10,127":4847,"10,128":4848,"10,129":4849,"10,130":4850,"10,131":4851,"10,132":4852,"10,133":4853,"10,134":4854,"10,135":4855,"10,136":4856,"10,137":4857,"10,138":4858,"10,139":4859,"10,140":4860,"10,141":4861,"10,142":4862,"10,143":4863,"10,144":4864,"10,145":4865,"10,146":4866,"10,147":4867,"10,148":4868,"10,149":4869,"10,150":4870,"10,151":4871,"10,152":4872,"10,153":4873,"10,154":4874,"10,155":4875,"10,156":4876,"10,157":4877,"10,158":4878,"10,159":4879,"10,160":4880,"10,161":4881,"10,162":4882,"10,163":4883,"10,164":4884,"10,165":4885,"10,166":4886,"10,167":4887,"10,168":4888,"10,169":4889,"10,170":4890,"10,171":4891,"10,172":4892,"10,173":4893,"10,174":4894,"10,175":4895,"10,176":4896,"10,177":4897,"10,178":4898,"10,179":4899,"10,180":4900,"10,181":4901,"10,182":4902,"10,183":4903,"10,184":4904,"10,185":4905,"10,186":4906,"10,187":4907,"10,188":4908,"10,189":4909,"10,190":4910,"10,191":4911,"10,192":4912,"10,193":4913,"10,194":4914,"10,195":4915,"10,196":4916,"10,197":4917,"10,198":4918,"10,199":4919,"10,200":4920,"10,201":4921,"10,202":4922,"10,203":4923,"10,204":4924,"10,205":4925,"10,206":4926,"10,207":4927,"10,208":4928,"10,209":4929,"10,210":4930,"10,211":4931,"10,212":4932,"10,213":4933,"10,214":4934,"10,215":4935,"10,216":4936,"10,217":4937,"10,218":4938,"10,219":4939,"10,220":4940,"10,221":4941,"10,222":4942,"10,223":4943,"10,224":4944,"10,225":4945,"10,226":4946,"10,227":4947,"10,228":4948,"10,229":4949,"10,230":4950,"10,231":4951,"10,232":4952,"10,233":4953,"10,234":4954,"10,235":4955,"10,236":4956,"10,237":4957,"10,238":4958,"10,239":4959,"10,240":4960,"10,241":4961,"10,242":4962,"10,243":4963,"10,244":4964,"10,245":4965,"10,246":4966,"10,247":4967,"10,248":4968,"10,249":4969,"10,250":4970,"10,251":4971,"10,252":4972,"10,253":4973,"10,254":4974,"10,255":4975,"10,256":4976,"10,257":4977,"10,258":4978,"10,259":4979,"10,260":4980,"10,261":4981,"10,262":4982,"10,263":4983,"10,264":4984,"10,265":4985,"10,266":4986,"10,267":4987,"10,268":4988,"10,269":4989,"10,270":4990,"10,271":4991,"10,272":4992,"10,273":4993,"10,274":4994,"10,275":4995,"10,276":4996,"10,277":4997,"10,278":4998,"10,279":4999,"10,280":5000,"10,281":5001,"10,282":5002,"10,283":5003,"10,284":5004,"10,285":5005,"10,286":5006,"10,287":5007,"10,288":5008,"10,289":5009,"10,290":5010,"10,291":5011,"10,292":5012,"10,293":5013,"10,294":5014,"10,295":5015,"10,296":5016,"10,297":5017,"10,298":5018,"10,299":5019,"10,300":5020,"10,301":5021,"10,302":5022,"10,303":5023,"10,304":5024,"10,305":5025,"10,306":5026,"10,307":5027,"10,308":5028,"10,309":5029,"10,310":5030,"10,311":5031,"10,312":5032,"10,313":5033,"10,314":5034,"10,315":5035,"10,316":5036,"10,317":5037,"10,318":5038,"10,319":5039,"10,320":5040,"10,321":5041,"10,322":5042,"10,323":5043,"10,324":5044,"10,325":5045,"10,326":5046,"10,327":5047,"10,328":5048,"10,329":5049,"10,330":5050,"10,331":5051,"10,332":5052,"10,333":5053,"10,334":5054,"10,335":5055,"10,336":5056,"10,337":5057,"10,338":5058,"10,339":5059,"10,340":5060,"10,341":5061,"10,342":5062,"10,343":5063,"10,344":5064,"10,345":5065,"10,346":5066,"10,347":5067,"10,348":5068,"10,349":5069,"10,350":5070,"10,351":5071,"10,352":5072,"10,353":5073,"10,354":5074,"10,355":5075,"10,356":5076,"10,357":5077,"10,358":5078,"10,359":5079,"10,360":5080,"10,361":5081,"10,362":5082,"10,363":5083,"10,364":5084,"10,365":5085,"10,366":5086,"10,367":5087,"10,368":5088,"10,369":5089,"10,370":5090,"10,371":5091,"10,372":5092,"10,373":5093,"10,374":5094,"10,375":5095,"10,376":5096,"10,377":5097,"10,378":5098,"10,379":5099,"10,380":5100,"10,381":5101,"10,382":5102,"10,383":5103,"10,384":5104,"10,385":5105,"10,386":5106,"10,387":5107,"10,388":5108,"10,389":5109,"10,390":5110,"10,391":5111,"10,392":5112,"10,393":5113,"10,394":5114,"10,395":5115,"10,396":5116,"10,397":5117,"10,398":5118,"10,399":5119,"10,400":5120,"10,401":5121,"10,402":5122,"10,403":5123,"10,404":5124,"10,405":5125,"10,406":5126,"10,407":5127,"10,408":5128,"10,409":5129,"10,410":5130,"10,411":5131,"10,412":5132,"10,413":5133,"10,414":5134,"10,415":5135,"10,416":5136,"10,417":5137,"10,418":5138,"10,419":5139,"10,420":5140,"10,421":5141,"10,422":5142,"10,423":5143,"10,424":5144,"10,425":5145,"10,426":5146,"10,427":5147,"10,428":5148,"10,429":5149,"10,430":5150,"10,431":5151,"10,432":5152,"10,433":5153,"10,434":5154,"10,435":5155,"10,436":5156,"10,437":5157,"10,438":5158,"10,439":5159,"10,440":5160,"10,441":5161,"10,442":5162,"10,443":5163,"10,444":5164,"10,445":5165,"10,446":5166,"10,447":5167,"10,448":5168,"10,449":5169,"10,450":5170,"10,451":5171,"10,452":5172,"10,453":5173,"10,454":5174,"10,455":5175,"10,456":5176,"10,457":5177,"10,458":5178,"10,459":5179,"10,460":5180,"10,461":5181,"10,462":5182,"10,463":5183,"10,464":5184,"10,465":5185,"10,466":5186,"10,467":5187,"10,468":5188,"10,469":5189,"10,470":5190,"10,471":5191,"10,472":5192,"10,473":5193,"10,474":5194,"10,475":5195,"10,476":5196,"10,477":5197,"10,478":5198,"10,479":5199,"10,480":5200,"10,481":5201,"10,482":5202,"10,483":5203,"10,484":5204,"10,485":5205,"10,486":5206,"10,487":5207,"10,488":5208,"10,489":5209,"10,490":5210,"10,491":5211,"10,492":5212,"10,493":5213,"10,494":5214,"10,495":5215,"10,496":5216,"10,497":5217,"10,498":5218,"10,499":5219,"10,500":5220,"10,501":5221,"10,502":5222,"10,503":5223,"10,504":5224,"10,505":5225,"10,506":5226,"10,507":5227,"10,508":5228,"10,509":5229,"10,510":5230,"10,511":5231,"10,512":5232,"10,513":5233,"10,514":5234,"10,515":5235,"10,516":5236,"10,517":5237,"10,518":5238,"10,519":5239,"10,520":5240,"10,521":5241,"10,522":5242,"10,523":5243,"10,524":5244,"10,525":5245,"10,526":5246,"10,527":5247,"10,528":5248,"10,529":5249,"10,530":5250,"10,531":5251,"10,532":5252,"10,533":5253,"10,534":5254,"10,535":5255,"10,536":5256,"10,537":5257,"10,538":5258,"10,539":5259,"10,540":5260,"10,541":5261,"10,542":5262,"10,543":5263,"10,544":5264,"10,545":5265,"10,546":5266,"10,547":5267,"10,548":5268,"10,549":5269,"10,550":5270,"10,551":5271,"10,552":5272,"10,553":5273,"10,554":5274,"10,555":5275,"10,556":5276,"10,557":5277,"10,558":5278,"10,559":5279,"10,560":5280,"10,561":5281,"10,562":5282,"10,563":5283,"10,564":5284,"10,565":5285,"10,566":5286,"10,568":5287,"10,569":5288,"10,570":5289,"10,571":5290,"10,572":5291,"10,573":5292,"10,574":5293,"10,575":5294,"10,576":5295,"10,578":5296,"10,579":5297,"10,580":5298,"10,581":5299,"10,582":5300,"10,583":5301,"10,584":5302,"10,585":5303,"10,586":5304,"10,587":5305,"10,588":5306,"10,589":5307,"10,590":5308,"10,591":5309,"10,592":5310,"10,594":5311,"10,595":5312,"10,596":5313,"10,597":5314,"10,598":5315,"10,599":5316,"10,600":5317,"10,601":5318,"10,602":5319,"10,603":5320,"10,605":5321,"10,606":5322,"10,607":5323,"10,608":5324,"10,609":5325,"10,610":5326,"10,611":5327,"10,612":5328,"10,613":5329,"10,614":5330,"10,615":5331,"10,616":5332,"10,617":5333,"10,618":5334,"10,619":5335,"10,620":5336,"10,621":5337,"10,622":5338,"10,623":5339,"10,624":5340,"10,625":5341,"10,626":5342,"10,627":5343,"10,628":5344,"10,629":5345,"10,630":5346,"10,631":5347,"10,632":5348,"10,633":5349,"10,634":5350,"10,635":5351,"10,636":5352,"10,637":5353,"10,638":5354,"10,639":5355,"10,640":5356,"10,641":5357,"10,642":5358,"10,643":5359,"10,644":5360,"10,645":5361,"10,646":5362,"10,647":5363,"10,648":5364,"10,649":5365,"10,650":5366,"10,651":5367,"10,652":5368,"10,653":5369,"10,654":5370,"10,655":5371},"ٜ":{"1":[4,468],"2":[4,829],"3":[4,462],"4":[4,527],"5":[3,376],"6":[4,562],"7":[4,503],"8":[4,562],"9":[4,466],"10":[4,655]},"ٝ":["1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,336","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,342","10,343","10,344","10,345","10,346","10,347","10,348","10,349","10,350","10,351","10,352","10,353","10,354","10,355","10,356","10,357","10,358","10,359","10,360","10,361","10,362","10,363","10,364","10,365","10,366","10,367","10,368","10,369","10,370","10,371","10,372","10,373","10,374","10,375","10,376","10,377","10,378","10,379","10,380","10,381","10,382","10,383","10,384","10,385","10,386","10,387","10,388","10,389","10,390","10,391","10,392","10,393","10,394","10,395","10,396","10,397","10,398","10,399","10,400","10,401","10,402","10,403","10,404","10,405","10,406","10,407","10,408","10,409","10,410","10,411","10,412","10,413","10,414","10,415","10,416","10,417","10,418","10,419","10,420","10,421","10,422","10,423","10,424","10,425","10,426","10,427","10,428","10,429","10,430","10,431","10,432","10,433","10,434","10,435","10,436","10,437","10,438","10,439","10,440","10,441","10,442","10,443","10,444","10,445","10,446","10,447","10,448","10,449","10,450","10,451","10,452","10,453","10,454","10,455","10,456","10,457","10,458","10,459","10,460","10,461","10,462","10,463","10,464","10,465","10,466","10,467","10,468","10,469","10,470","10,471","10,472","10,473","10,474","10,475","10,476","10,477","10,478","10,479","10,480","10,481","10,482","10,483","10,484","10,485","10,486","10,487","10,488","10,489","10,490","10,491","10,492","10,493","10,494","10,495","10,496","10,497","10,498","10,499","10,500","10,501","10,502","10,503","10,504","10,505","10,506","10,507","10,508","10,509","10,510","10,511","10,512","10,513","10,514","10,515","10,516","10,517","10,518","10,519","10,520","10,521","10,522","10,523","10,524","10,525","10,526","10,527","10,528","10,529","10,530","10,531","10,532","10,533","10,534","10,535","10,536","10,537","10,538","10,539","10,540","10,541","10,542","10,543","10,544","10,545","10,546","10,547","10,548","10,549","10,550","10,551","10,552","10,553","10,554","10,555","10,556","10,557","10,558","10,559","10,560","10,561","10,562","10,563","10,564","10,565","10,566","10,568","10,569","10,570","10,571","10,572","10,573","10,574","10,575","10,576","10,578","10,579","10,580","10,581","10,582","10,583","10,584","10,585","10,586","10,587","10,588","10,589","10,590","10,591","10,592","10,594","10,595","10,596","10,597","10,598","10,599","10,600","10,601","10,602","10,603","10,605","10,606","10,607","10,608","10,609","10,610","10,611","10,612","10,613","10,614","10,615","10,616","10,617","10,618","10,619","10,620","10,621","10,622","10,623","10,624","10,625","10,626","10,627","10,628","10,629","10,630","10,631","10,632","10,633","10,634","10,635","10,636","10,637","10,638","10,639","10,640","10,641","10,642","10,643","10,644","10,645","10,646","10,647","10,648","10,649","10,650","10,651","10,652","10,653","10,654","10,655"],"ٞ":{"2":[1],"6":[2],"7":[3,4,5],"8":[6,7],"14":[8,9],"19":[10],"22":[11,12,13,14],"24":[15],"25":[16,17],"26":[18],"39":[19,20],"40":[21,22,23],"52":[24],"53":[25,26],"61":[27],"62":[28],"64":[29],"65":[30,31],"67":[32],"69":[33,34],"70":[35,36,37,38],"72":[39],"73":[40,41],"74":[42,43,44,45],"75":[46,47,48,49,50],"77":[51,52,53,54],"79":[55],"80":[56,57,58],"81":[59,60],"83":[61],"84":[62,63],"85":[64,65,66],"87":[67,68,69],"88":[70],"91":[71],"92":[72,73],"94":[74,75],"95":[76,77],"96":[78,79],"98":[80],"99":[81,82,83,84,85],"100":[86,87,88],"103":[89,90],"104":[91,92],"106":[93,94,95,96],"107":[97],"108":[98,99,100],"113":[101],"114":[102],"115":[103,104],"118":[105],"129":[106,107,108],"131":[109,110,111],"132":[112],"133":[113],"134":[114,115],"135":[116],"138":[117,118,119],"140":[120,121,122],"143":[123],"145":[124,125],"152":[126],"154":[127],"155":[128,129,130],"156":[131,132,133,134],"158":[135],"159":[136],"160":[137,138,139],"161":[140,141,142,143],"162":[144,145],"169":[146],"170":[147],"172":[148,149,150,151,152,153],"173":[154],"174":[155],"175":[156,157,158],"177":[159],"179":[160],"182":[161,162,163,164,165],"184":[166],"185":[167,168,169],"186":[170],"187":[171],"188":[172,173],"190":[174],"193":[175],"194":[176,177],"195":[178,179],"196":[180,181],"197":[182,183],"198":[184],"203":[185],"205":[186],"207":[187,188,189],"208":[190],"209":[191],"210":[192,193,194],"211":[195,196],"212":[197,198,199],"213":[200],"215":[201,202],"216":[203,204,205,206],"218":[207],"222":[208,209,210],"223":[211],"224":[212,213,214,215,216,217],"226":[218],"228":[219],"234":[220],"236":[221,222],"240":[223,224],"242":[225,226],"245":[227],"249":[228],"250":[229,230,231,232],"251":[233,234,235],"253":[236],"254":[237,238],"255":[239,240],"256":[241],"258":[242],"259":[243,244,245],"260":[246,247],"265":[248],"268":[249],"269":[250,251],"270":[252],"271":[253,254,255],"272":[256,257,258],"274":[259,260],"277":[261,262],"289":[263],"291":[264],"295":[265],"296":[266,267,268,269],"297":[270,271],"298":[272],"300":[273,274],"303":[275],"306":[276],"307":[277],"310":[278],"312":[279,280],"317":[281,282],"318":[283,284,285,286],"320":[287,288],"324":[289],"325":[290,291],"326":[292],"327":[293,294],"329":[295],"338":[296],"339":[297],"340":[298,299],"341":[300,301,302],"342":[303],"343":[304,305],"344":[306],"345":[307,308],"346":[309,310],"349":[311],"351":[312],"352":[313,314,315],"353":[316],"354":[317],"355":[318,319,320],"356":[321],"358":[322,323,324],"361":[325],"363":[326],"364":[327],"365":[328],"367":[329,330,331,332],"368":[333,334,335],"369":[336],"370":[337],"371":[338],"372":[339,340],"373":[341,342,343,344,345],"374":[346,347],"375":[348],"385":[349,350,351],"386":[352],"388":[353,354],"389":[355,356,357,358,359,360],"391":[361],"392":[362,363],"393":[364,365,366,367],"394":[368],"395":[369],"398":[370],"400":[371],"401":[372,373,374],"402":[375,376],"403":[377],"404":[378,379],"408":[380],"410":[381,382],"413":[383],"420":[384],"421":[385,386],"422":[387,388],"425":[389],"426":[390],"427":[391],"428":[392],"429":[393],"430":[394,395],"431":[396],"432":[397,398,399],"433":[400],"436":[401,402],"440":[403],"444":[404],"446":[405,406],"447":[407,408],"448":[409],"449":[410],"451":[411,412,413],"452":[414,415,416],"453":[417,418],"454":[419,420,421],"456":[422],"458":[423,424,425],"459":[426,427,428],"462":[429],"463":[430],"465":[431,432],"466":[433],"477":[434,435],"479":[436],"486":[437],"492":[438,439,440],"493":[441],"495":[442],"497":[443,444],"498":[445,446],"499":[447],"503":[448],"504":[449],"506":[450,451],"507":[452],"508":[453,454,455,456,457],"509":[458],"510":[459,460],"511":[461],"512":[462],"517":[463],"518":[464],"520":[465],"522":[466],"524":[467],"526":[468],"528":[469],"530":[470,471,472,473],"531":[474,475],"534":[476,477],"536":[478],"539":[479],"540":[480],"541":[481],"543":[482],"545":[483],"547":[484,485,486,487],"548":[488,489,490],"550":[491],"552":[492],"553":[493],"556":[494],"558":[495],"559":[496],"563":[497,498,499,500,501,502],"564":[503,504,505,506],"565":[507,508,509,510],"571":[511],"577":[512],"579":[513],"581":[514],"583":[515],"584":[516],"585":[517,518,519],"586":[520,521],"587":[522,523],"593":[524,525],"595":[526,527],"596":[528],"597":[529],"599":[530,531],"600":[532],"603":[533],"605":[534],"606":[535,536],"607":[537],"609":[538],"611":[539,540,541],"612":[542],"616":[543],"617":[544],"620":[545],"623":[546,547],"625":[548],"629":[549],"630":[550],"631":[551,552,553,554],"632":[555],"633":[556],"634":[557],"636":[558],"637":[559],"642":[560],"643":[561,562,563],"644":[564],"645":[565],"647":[566,567],"648":[568,569,570,571],"649":[572,573,574],"650":[575],"651":[576,577,578,579,580],"653":[581],"654":[582,583],"656":[584],"657":[585,586,587],"662":[588],"664":[589],"665":[590,591],"667":[592],"668":[593,594],"669":[595,596,597],"670":[598],"671":[599],"673":[600,601],"674":[602],"675":[603,604],"676":[605],"678":[606,607],"682":[608],"683":[609],"685":[610],"686":[611],"687":[612],"689":[613],"690":[614],"691":[615,616],"692":[617],"693":[618,619],"694":[620,621],"695":[622],"701":[623],"702":[624],"704":[625],"707":[626],"709":[627,628],"711":[629],"713":[630],"714":[631,632],"715":[633,634],"716":[635],"718":[636],"720":[637],"721":[638,639],"722":[640,641],"723":[642,643],"724":[644],"725":[645,646],"727":[647],"728":[648],"729":[649],"731":[650],"732":[651],"733":[652],"744":[653],"746":[654,655],"748":[656],"749":[657,658,659,660],"750":[661],"751":[662,663,664],"752":[665,666],"753":[667,668],"755":[669,670],"756":[671],"757":[672],"760":[673,674],"761":[675,676],"762":[677,678,679],"763":[680],"764":[681],"767":[682],"768":[683],"769":[684],"771":[685,686],"779":[687],"780":[688,689],"781":[690,691],"782":[692],"785":[693,694],"787":[695,696],"788":[697],"789":[698],"790":[699],"791":[700,701],"792":[702,703,704],"793":[705],"794":[706,707],"796":[708],"797":[709,710],"798":[711],"800":[712],"801":[713],"803":[714],"804":[715],"805":[716],"806":[717],"808":[718],"810":[719,720,721,722],"812":[723],"813":[724],"815":[725],"817":[726],"821":[727,728],"824":[729],"827":[730],"828":[731],"829":[732],"838":[733],"839":[734,735,736],"840":[737,738],"841":[739,740,741],"843":[742],"849":[743],"851":[744],"856":[745,746],"858":[747],"862":[748,749],"866":[750],"868":[751,752,753],"870":[754,755],"872":[756,757,758,759,760],"873":[761,762],"875":[763],"876":[764],"878":[765],"880":[766],"881":[767,768,769,770],"882":[771,772,773,774],"884":[775],"885":[776],"887":[777],"888":[778],"890":[779],"891":[780,781],"892":[782],"893":[783],"894":[784,785],"896":[786,787],"897":[788],"900":[789],"903":[790],"905":[791],"908":[792],"911":[793],"913":[794],"917":[795,796],"920":[797],"921":[798],"922":[799],"923":[800,801],"924":[802,803],"925":[804,805,806,807],"926":[808,809,810],"927":[811],"928":[812],"929":[813,814],"930":[815],"931":[816,817],"932":[818,819,820],"933":[821],"935":[822],"939":[823],"940":[824],"943":[825],"945":[826],"947":[827],"948":[828,829,830,831],"949":[832,833],"950":[834,835],"951":[836,837],"955":[838,839],"957":[840],"962":[841],"963":[842,843],"965":[844],"967":[845,846],"968":[847],"969":[848],"970":[849,850],"971":[851,852,853],"972":[854],"973":[855,856],"974":[857],"977":[858],"980":[859],"982":[860,861,862,863],"983":[864,865],"985":[866],"986":[867,868,869],"987":[870,871,872,873,874],"988":[875,876],"994":[877,878,879,880,881],"996":[882,883,884],"997":[885],"999":[886,887,888],"1000":[889],"1004":[890],"1006":[891],"1007":[892],"1008":[893,894],"1009":[895,896,897],"1011":[898],"1012":[899,900,901,902],"1015":[903],"1021":[904],"1024":[905,906],"1025":[907,908,909],"1026":[910,911],"1027":[912],"1028":[913],"1029":[914],"1030":[915,916],"1031":[917],"1038":[918],"1041":[919],"1042":[920],"1043":[921],"1044":[922],"1045":[923,924],"1046":[925,926],"1047":[927],"1049":[928],"1050":[929,930,931],"1051":[932],"1052":[933],"1053":[934,935],"1054":[936],"1060":[937,938],"1063":[939],"1065":[940,941],"1066":[942,943],"1067":[944],"1075":[945],"1077":[946,947],"1078":[948,949],"1079":[950,951],"1081":[952,953],"1083":[954],"1084":[955],"1085":[956,957,958],"1086":[959,960],"1087":[961,962,963],"1088":[964],"1089":[965],"1090":[966,967,968],"1091":[969,970,971],"1094":[972,973],"1096":[974,975],"1110":[976],"1112":[977],"1114":[978],"1117":[979],"1118":[980],"1120":[981,982],"1121":[983],"1128":[984],"1129":[985,986,987],"1130":[988],"1131":[989],"1133":[990,991,992,993],"1135":[994],"1137":[995,996,997],"1138":[998,999],"1139":[1000,1001],"1141":[1002,1003,1004,1005],"1143":[1006],"1144":[1007,1008,1009,1010],"1145":[1011],"1146":[1012,1013],"1148":[1014,1015],"1149":[1016],"1151":[1017,1018],"1153":[1019],"1154":[1020,1021,1022,1023],"1156":[1024],"1157":[1025],"1159":[1026],"1160":[1027,1028],"1161":[1029,1030],"1162":[1031],"1164":[1032,1033],"1165":[1034,1035,1036],"1167":[1037],"1171":[1038,1039],"1172":[1040,1041,1042],"1182":[1043],"1183":[1044,1045],"1184":[1046,1047],"1185":[1048,1049,1050],"1186":[1051,1052],"1189":[1053],"1193":[1054],"1195":[1055],"1196":[1056,1057],"1197":[1058],"1198":[1059,1060],"1200":[1061],"1201":[1062],"1203":[1063],"1205":[1064],"1209":[1065,1066],"1210":[1067,1068],"1218":[1069],"1219":[1070],"1220":[1071,1072],"1221":[1073],"1222":[1074,1075,1076,1077],"1224":[1078],"1227":[1079],"1228":[1080,1081],"1232":[1082],"1236":[1083],"1237":[1084,1085],"1238":[1086,1087,1088],"1240":[1089,1090,1091],"1241":[1092,1093],"1242":[1094,1095,1096,1097],"1244":[1098,1099,1100],"1246":[1101],"1249":[1102],"1255":[1103],"1256":[1104,1105],"1259":[1106],"1260":[1107,1108],"1261":[1109,1110,1111,1112],"1262":[1113],"1263":[1114],"1264":[1115,1116,1117],"1265":[1118,1119,1120],"1266":[1121],"1267":[1122],"1269":[1123],"1270":[1124,1125],"1271":[1126],"1272":[1127],"1275":[1128],"1276":[1129,1130],"1277":[1131],"1278":[1132],"1279":[1133,1134],"1282":[1135],"1283":[1136,1137,1138,1139],"1284":[1140,1141],"1286":[1142,1143],"1288":[1144],"1290":[1145],"1292":[1146],"1299":[1147],"1304":[1148,1149],"1305":[1150,1151],"1307":[1152,1153],"1308":[1154,1155,1156],"1309":[1157],"1311":[1158,1159,1160],"1312":[1161,1162],"1316":[1163],"1317":[1164,1165,1166],"1318":[1167],"1321":[1168],"1325":[1169],"1328":[1170],"1330":[1171,1172],"1334":[1173],"1335":[1174],"1336":[1175],"1338":[1176],"1344":[1177,1178],"1345":[1179],"1346":[1180,1181],"1347":[1182],"1349":[1183],"1351":[1184,1185],"1352":[1186],"1354":[1187,1188,1189],"1356":[1190],"1357":[1191],"1358":[1192],"1359":[1193],"1360":[1194],"1368":[1195],"1369":[1196,1197],"1370":[1198,1199],"1371":[1200,1201],"1372":[1202,1203],"1373":[1204],"1375":[1205,1206,1207,1208],"1376":[1209,1210],"1377":[1211,1212],"1381":[1213,1214],"1382":[1215],"1383":[1216,1217],"1384":[1218],"1385":[1219,1220],"1387":[1221],"1388":[1222],"1394":[1223],"1395":[1224],"1396":[1225],"1397":[1226,1227,1228],"1398":[1229,1230,1231],"1400":[1232],"1402":[1233,1234,1235,1236,1237,1238],"1403":[1239],"1404":[1240],"1407":[1241,1242,1243],"1408":[1244,1245,1246,1247,1248,1249],"1409":[1250,1251],"1411":[1252,1253],"1416":[1254],"1417":[1255],"1418":[1256,1257],"1419":[1258,1259],"1420":[1260,1261,1262],"1422":[1263],"1423":[1264,1265],"1424":[1266,1267],"1425":[1268,1269,1270,1271],"1426":[1272,1273,1274],"1427":[1275,1276,1277],"1428":[1278],"1430":[1279],"1431":[1280],"1432":[1281],"1433":[1282],"1435":[1283],"1437":[1284],"1438":[1285,1286],"1440":[1287],"1441":[1288,1289],"1442":[1290],"1443":[1291],"1445":[1292],"1446":[1293],"1447":[1294,1295,1296],"1448":[1297,1298],"1450":[1299],"1452":[1300,1301,1302],"1454":[1303],"1456":[1304],"1457":[1305],"1459":[1306],"1461":[1307],"1463":[1308],"1467":[1309,1310],"1469":[1311,1312],"1470":[1313,1314],"1471":[1315],"1472":[1316,1317],"1475":[1318],"1477":[1319],"1478":[1320,1321,1322,1323],"1479":[1324],"1480":[1325,1326],"1481":[1327],"1483":[1328],"1484":[1329,1330],"1485":[1331,1332,1333],"1486":[1334,1335,1336,1337],"1490":[1338,1339],"1493":[1340],"1494":[1341,1342,1343],"1496":[1344],"1499":[1345,1346],"1500":[1347],"1501":[1348,1349,1350,1351,1352],"1503":[1353],"1504":[1354,1355],"1505":[1356,1357],"1506":[1358,1359,1360],"1509":[1361],"1511":[1362,1363,1364],"1512":[1365,1366,1367,1368],"1513":[1369,1370],"1514":[1371,1372],"1515":[1373],"1516":[1374,1375,1376],"1517":[1377],"1518":[1378,1379],"1521":[1380,1381,1382],"1526":[1383],"1527":[1384],"1529":[1385,1386],"1535":[1387,1388],"1540":[1389],"1543":[1390],"1546":[1391],"1550":[1392,1393],"1553":[1394],"1556":[1395,1396],"1557":[1397],"1559":[1398,1399],"1561":[1400,1401,1402],"1564":[1403,1404],"1565":[1405],"1566":[1406,1407],"1567":[1408],"1569":[1409],"1571":[1410,1411,1412],"1573":[1413,1414,1415],"1574":[1416,1417,1418,1419,1420],"1575":[1421,1422],"1576":[1423],"1577":[1424,1425,1426,1427],"1579":[1428],"1581":[1429],"1582":[1430,1431],"1583":[1432,1433,1434],"1584":[1435,1436,1437],"1585":[1438],"1586":[1439],"1587":[1440],"1588":[1441],"1591":[1442,1443],"1592":[1444,1445],"1596":[1446,1447],"1597":[1448,1449,1450,1451,1452],"1598":[1453,1454,1455],"1599":[1456],"1600":[1457],"1605":[1458],"1609":[1459],"1613":[1460,1461],"1615":[1462,1463,1464],"1616":[1465],"1617":[1466,1467],"1618":[1468],"1619":[1469,1470],"1620":[1471,1472,1473],"1622":[1474],"1624":[1475,1476,1477,1478],"1625":[1479,1480,1481],"1628":[1482],"1629":[1483],"1630":[1484,1485,1486,1487,1488,1489],"1631":[1490],"1632":[1491],"1634":[1492,1493],"1636":[1494,1495],"1644":[1496],"1646":[1497],"1652":[1498,1499],"1654":[1500],"1655":[1501],"1656":[1502],"1657":[1503],"1660":[1504,1505],"1661":[1506],"1662":[1507],"1664":[1508],"1665":[1509],"1666":[1510],"1667":[1511],"1669":[1512],"1670":[1513,1514,1515],"1671":[1516],"1672":[1517,1518],"1673":[1519,1520],"1675":[1521],"1676":[1522,1523,1524],"1677":[1525,1526,1527],"1678":[1528,1529,1530],"1679":[1531,1532],"1680":[1533,1534,1535],"1681":[1536,1537,1538,1539],"1683":[1540],"1684":[1541,1542,1543,1544,1545],"1685":[1546],"1686":[1547],"1687":[1548,1549,1550],"1688":[1551,1552,1553,1554],"1689":[1555],"1691":[1556,1557],"1692":[1558,1559,1560],"1693":[1561,1562],"1694":[1563,1564,1565,1566],"1696":[1567],"1698":[1568],"1700":[1569],"1704":[1570,1571],"1706":[1572,1573],"1710":[1574],"1711":[1575,1576],"1712":[1577,1578],"1714":[1579],"1715":[1580,1581,1582],"1716":[1583],"1717":[1584],"1718":[1585],"1719":[1586],"1720":[1587],"1721":[1588,1589,1590,1591],"1722":[1592],"1723":[1593],"1724":[1594,1595],"1726":[1596],"1727":[1597,1598,1599,1600,1601,1602],"1729":[1603],"1731":[1604],"1732":[1605],"1733":[1606],"1735":[1607],"1737":[1608],"1739":[1609],"1740":[1610,1611],"1741":[1612],"1742":[1613,1614],"1743":[1615,1616,1617,1618,1619,1620],"1744":[1621],"1745":[1622],"1751":[1623],"1759":[1624,1625,1626],"1761":[1627,1628,1629],"1765":[1630,1631,1632,1633],"1767":[1634],"1769":[1635,1636,1637],"1771":[1638],"1773":[1639,1640,1641,1642,1643],"1774":[1644],"1775":[1645],"1777":[1646,1647,1648],"1779":[1649],"1780":[1650,1651,1652,1653],"1781":[1654],"1782":[1655,1656,1657],"1783":[1658,1659,1660],"1785":[1661],"1787":[1662],"1788":[1663,1664],"1789":[1665,1666,1667],"1791":[1668],"1792":[1669],"1793":[1670,1671,1672],"1795":[1673,1674],"1797":[1675,1676],"1799":[1677],"1800":[1678],"1802":[1679,1680],"1805":[1681],"1811":[1682],"1814":[1683],"1815":[1684],"1816":[1685],"1817":[1686],"1818":[1687],"1820":[1688],"1821":[1689,1690],"1822":[1691],"1823":[1692,1693],"1825":[1694],"1828":[1695],"1830":[1696],"1831":[1697],"1832":[1698],"1833":[1699,1700],"1835":[1701],"1836":[1702],"1837":[1703],"1838":[1704],"1839":[1705],"1840":[1706,1707,1708,1709,1710,1711],"1841":[1712,1713],"1843":[1714],"1844":[1715,1716],"1845":[1717],"1846":[1718],"1847":[1719,1720],"1848":[1721],"1849":[1722,1723,1724],"1850":[1725,1726],"1852":[1727],"1853":[1728,1729],"1854":[1730],"1857":[1731],"1858":[1732,1733],"1861":[1734],"1864":[1735],"1865":[1736],"1866":[1737],"1867":[1738,1739,1740,1741],"1868":[1742],"1869":[1743,1744],"1872":[1745,1746],"1873":[1747,1748],"1874":[1749,1750],"1875":[1751,1752,1753],"1879":[1754,1755],"1881":[1756],"1882":[1757,1758],"1883":[1759],"1884":[1760,1761],"1886":[1762,1763,1764],"1887":[1765],"1888":[1766],"1889":[1767,1768],"1890":[1769],"1891":[1770,1771],"1893":[1772,1773],"1895":[1774,1775],"1901":[1776],"1902":[1777],"1904":[1778],"1905":[1779],"1907":[1780,1781,1782],"1908":[1783,1784],"1913":[1785,1786],"1914":[1787],"1916":[1788],"1917":[1789,1790,1791],"1919":[1792,1793],"1920":[1794,1795,1796],"1921":[1797],"1922":[1798],"1924":[1799],"1926":[1800,1801,1802],"1927":[1803],"1928":[1804,1805,1806],"1929":[1807],"1930":[1808],"1931":[1809],"1932":[1810],"1935":[1811],"1937":[1812,1813],"1938":[1814,1815],"1939":[1816],"1940":[1817,1818],"1941":[1819,1820],"1942":[1821],"1944":[1822],"1945":[1823],"1946":[1824],"1947":[1825],"1948":[1826],"1949":[1827],"1950":[1828],"1951":[1829],"1960":[1830],"1961":[1831,1832],"1962":[1833],"1964":[1834],"1965":[1835,1836],"1966":[1837,1838],"1968":[1839],"1969":[1840,1841],"1970":[1842],"1971":[1843,1844],"1972":[1845],"1973":[1846,1847],"1974":[1848],"1975":[1849,1850,1851],"1976":[1852,1853],"1977":[1854,1855,1856],"1978":[1857,1858,1859,1860],"1979":[1861,1862,1863],"1980":[1864],"1981":[1865],"1982":[1866,1867],"1984":[1868],"1986":[1869],"1987":[1870],"1989":[1871],"1990":[1872,1873],"1991":[1874],"1992":[1875],"1994":[1876],"1995":[1877],"1999":[1878,1879],"2007":[1880,1881,1882],"2008":[1883],"2009":[1884],"2010":[1885],"2012":[1886],"2013":[1887,1888],"2015":[1889,1890],"2016":[1891,1892],"2017":[1893],"2018":[1894],"2019":[1895,1896,1897],"2020":[1898,1899],"2021":[1900],"2023":[1901],"2024":[1902],"2025":[1903,1904,1905],"2026":[1906,1907,1908],"2036":[1909],"2041":[1910,1911],"2042":[1912],"2043":[1913,1914,1915,1916],"2044":[1917],"2045":[1918,1919,1920],"2047":[1921],"2049":[1922],"2053":[1923,1924],"2060":[1925],"2064":[1926,1927,1928],"2065":[1929,1930],"2066":[1931],"2067":[1932],"2068":[1933],"2075":[1934,1935],"2076":[1936],"2077":[1937],"2078":[1938],"2079":[1939,1940],"2081":[1941],"2082":[1942],"2083":[1943],"2084":[1944,1945,1946],"2085":[1947,1948],"2087":[1949],"2088":[1950],"2089":[1951,1952],"2091":[1953,1954],"2094":[1955],"2099":[1956,1957],"2100":[1958],"2102":[1959,1960],"2104":[1961,1962,1963,1964],"2105":[1965,1966,1967],"2106":[1968],"2107":[1969],"2108":[1970,1971],"2110":[1972],"2111":[1973],"2113":[1974],"2114":[1975],"2115":[1976,1977],"2116":[1978,1979,1980],"2117":[1981],"2118":[1982],"2119":[1983,1984],"2121":[1985],"2123":[1986,1987],"2124":[1988,1989],"2125":[1990],"2127":[1991],"2128":[1992],"2129":[1993],"2131":[1994],"2139":[1995,1996],"2140":[1997,1998],"2141":[1999],"2142":[2000,2001],"2144":[2002],"2145":[2003],"2146":[2004],"2147":[2005,2006],"2151":[2007],"2154":[2008],"2156":[2009],"2162":[2010],"2164":[2011,2012],"2166":[2013],"2167":[2014,2015,2016,2017],"2171":[2018],"2173":[2019],"2177":[2020],"2178":[2021],"2180":[2022],"2183":[2023],"2187":[2024,2025],"2189":[2026],"2190":[2027],"2194":[2028],"2196":[2029,2030,2031],"2197":[2032],"2198":[2033],"2199":[2034,2035,2036],"2200":[2037],"2202":[2038],"2204":[2039,2040,2041],"2205":[2042,2043],"2206":[2044,2045],"2208":[2046],"2210":[2047,2048,2049],"2213":[2050,2051],"2215":[2052],"2218":[2053],"2220":[2054],"2221":[2055],"2223":[2056,2057],"2224":[2058,2059],"2226":[2060],"2227":[2061],"2233":[2062],"2234":[2063],"2236":[2064],"2238":[2065],"2240":[2066],"2242":[2067],"2244":[2068],"2248":[2069],"2250":[2070],"2252":[2071],"2253":[2072,2073],"2254":[2074],"2255":[2075,2076,2077,2078],"2257":[2079],"2258":[2080,2081],"2259":[2082,2083],"2260":[2084,2085,2086,2087],"2261":[2088],"2264":[2089,2090],"2267":[2091],"2270":[2092],"2272":[2093],"2274":[2094],"2275":[2095],"2282":[2096,2097],"2284":[2098],"2286":[2099],"2290":[2100],"2296":[2101],"2301":[2102,2103,2104],"2303":[2105],"2306":[2106,2107],"2312":[2108],"2313":[2109,2110],"2314":[2111],"2315":[2112],"2317":[2113,2114,2115],"2318":[2116],"2319":[2117],"2324":[2118,2119,2120],"2325":[2121,2122],"2326":[2123],"2327":[2124],"2329":[2125,2126],"2330":[2127,2128],"2331":[2129,2130,2131],"2332":[2132],"2333":[2133,2134],"2334":[2135,2136],"2336":[2137],"2338":[2138,2139],"2339":[2140],"2341":[2141,2142,2143],"2342":[2144,2145],"2344":[2146],"2345":[2147,2148],"2346":[2149,2150],"2347":[2151],"2348":[2152,2153],"2350":[2154],"2352":[2155,2156,2157],"2353":[2158],"2354":[2159,2160],"2356":[2161,2162],"2357":[2163],"2358":[2164,2165],"2360":[2166,2167],"2361":[2168,2169],"2362":[2170,2171],"2365":[2172],"2366":[2173,2174],"2367":[2175],"2369":[2176,2177],"2370":[2178,2179],"2372":[2180],"2373":[2181,2182],"2375":[2183],"2378":[2184,2185],"2382":[2186],"2383":[2187],"2384":[2188,2189,2190],"2385":[2191],"2386":[2192],"2389":[2193],"2394":[2194],"2400":[2195,2196,2197,2198],"2401":[2199,2200],"2403":[2201],"2406":[2202],"2407":[2203],"2411":[2204,2205,2206],"2412":[2207,2208],"2413":[2209,2210,2211,2212],"2414":[2213],"2417":[2214],"2419":[2215,2216],"2421":[2217],"2422":[2218],"2423":[2219],"2424":[2220,2221,2222],"2425":[2223,2224],"2426":[2225],"2428":[2226],"2430":[2227,2228],"2431":[2229],"2432":[2230,2231],"2434":[2232],"2436":[2233],"2438":[2234,2235,2236,2237],"2439":[2238],"2440":[2239],"2441":[2240],"2445":[2241],"2447":[2242,2243],"2450":[2244],"2452":[2245,2246],"2453":[2247],"2454":[2248],"2458":[2249,2250,2251],"2459":[2252,2253],"2466":[2254,2255],"2467":[2256,2257],"2468":[2258,2259],"2469":[2260],"2470":[2261,2262],"2471":[2263],"2475":[2264],"2478":[2265],"2481":[2266],"2483":[2267],"2484":[2268],"2485":[2269,2270,2271,2272],"2487":[2273],"2494":[2274],"2495":[2275,2276,2277],"2496":[2278,2279],"2497":[2280],"2498":[2281],"2499":[2282],"2501":[2283,2284],"2502":[2285],"2503":[2286,2287,2288,2289],"2504":[2290],"2505":[2291,2292],"2509":[2293,2294,2295],"2510":[2296,2297,2298,2299],"2511":[2300],"2512":[2301],"2514":[2302],"2516":[2303],"2518":[2304],"2519":[2305],"2521":[2306],"2522":[2307,2308,2309],"2523":[2310],"2524":[2311,2312,2313,2314,2315],"2525":[2316,2317],"2526":[2318],"2528":[2319,2320],"2529":[2321,2322],"2531":[2323],"2532":[2324,2325,2326],"2533":[2327,2328,2329],"2537":[2330],"2539":[2331,2332,2333,2334,2335,2336],"2540":[2337],"2542":[2338,2339,2340],"2544":[2341,2342],"2548":[2343],"2549":[2344],"2550":[2345],"2552":[2346],"2553":[2347,2348,2349],"2554":[2350],"2555":[2351],"2558":[2352],"2559":[2353],"2562":[2354],"2563":[2355,2356],"2564":[2357,2358],"2565":[2359,2360],"2567":[2361],"2570":[2362],"2577":[2363],"2581":[2364],"2582":[2365,2366,2367],"2583":[2368],"2584":[2369,2370,2371],"2585":[2372],"2587":[2373,2374],"2588":[2375],"2592":[2376,2377],"2594":[2378,2379],"2595":[2380,2381],"2596":[2382],"2597":[2383,2384],"2598":[2385],"2599":[2386],"2600":[2387,2388,2389,2390],"2601":[2391],"2602":[2392],"2604":[2393],"2606":[2394],"2609":[2395],"2610":[2396],"2611":[2397],"2613":[2398],"2614":[2399],"2615":[2400],"2617":[2401,2402],"2620":[2403,2404],"2621":[2405,2406,2407],"2622":[2408,2409],"2623":[2410,2411],"2625":[2412],"2627":[2413,2414],"2628":[2415,2416],"2629":[2417,2418],"2631":[2419,2420],"2632":[2421],"2634":[2422],"2635":[2423,2424],"2636":[2425,2426],"2638":[2427],"2639":[2428,2429,2430],"2641":[2431],"2647":[2432,2433],"2657":[2434,2435],"2661":[2436],"2665":[2437],"2668":[2438,2439,2440],"2669":[2441,2442,2443],"2670":[2444],"2671":[2445,2446],"2672":[2447,2448],"2673":[2449,2450],"2674":[2451,2452,2453],"2675":[2454],"2678":[2455],"2679":[2456,2457],"2680":[2458],"2681":[2459],"2682":[2460],"2683":[2461,2462,2463],"2684":[2464],"2685":[2465],"2686":[2466],"2687":[2467],"2688":[2468,2469],"2689":[2470,2471],"2690":[2472,2473],"2691":[2474,2475,2476],"2692":[2477,2478],"2695":[2479,2480,2481],"2697":[2482,2483,2484],"2698":[2485,2486],"2700":[2487],"2701":[2488],"2710":[2489],"2711":[2490,2491,2492,2493],"2712":[2494,2495,2496],"2713":[2497],"2721":[2498],"2722":[2499,2500],"2724":[2501],"2725":[2502,2503],"2727":[2504],"2728":[2505],"2731":[2506],"2732":[2507,2508],"2733":[2509],"2734":[2510,2511],"2735":[2512,2513],"2736":[2514,2515,2516],"2738":[2517],"2739":[2518,2519],"2740":[2520],"2741":[2521,2522,2523],"2742":[2524,2525,2526],"2743":[2527],"2744":[2528],"2745":[2529],"2746":[2530],"2747":[2531,2532],"2749":[2533,2534],"2750":[2535,2536,2537],"2751":[2538],"2752":[2539,2540,2541],"2753":[2542],"2754":[2543,2544],"2757":[2545],"2758":[2546,2547,2548],"2759":[2549],"2760":[2550],"2761":[2551,2552],"2762":[2553,2554,2555],"2764":[2556],"2766":[2557,2558,2559],"2767":[2560,2561,2562],"2770":[2563],"2771":[2564],"2772":[2565,2566],"2773":[2567,2568],"2776":[2569,2570],"2777":[2571,2572],"2779":[2573,2574],"2782":[2575],"2783":[2576,2577],"2785":[2578],"2786":[2579],"2787":[2580],"2788":[2581,2582,2583,2584,2585,2586],"2793":[2587,2588],"2796":[2589],"2800":[2590],"2803":[2591],"2804":[2592,2593],"2805":[2594,2595,2596],"2806":[2597,2598,2599],"2808":[2600],"2811":[2601,2602,2603,2604],"2812":[2605,2606],"2813":[2607],"2815":[2608],"2818":[2609],"2821":[2610,2611],"2822":[2612,2613,2614],"2823":[2615,2616],"2824":[2617],"2825":[2618],"2826":[2619],"2827":[2620,2621,2622,2623],"2829":[2624],"2830":[2625],"2831":[2626],"2832":[2627],"2833":[2628],"2834":[2629,2630],"2837":[2631,2632],"2838":[2633,2634],"2839":[2635],"2840":[2636],"2841":[2637,2638,2639,2640,2641],"2842":[2642,2643],"2843":[2644,2645,2646],"2844":[2647],"2847":[2648,2649,2650],"2851":[2651,2652],"2852":[2653],"2854":[2654],"2856":[2655],"2857":[2656,2657,2658,2659,2660],"2858":[2661,2662,2663],"2859":[2664,2665],"2860":[2666,2667,2668],"2861":[2669],"2863":[2670,2671],"2864":[2672,2673,2674,2675],"2865":[2676],"2866":[2677],"2867":[2678],"2868":[2679,2680,2681],"2869":[2682],"2870":[2683,2684],"2871":[2685,2686],"2872":[2687],"2873":[2688,2689],"2874":[2690],"2875":[2691],"2877":[2692,2693],"2878":[2694],"2879":[2695,2696,2697,2698],"2880":[2699,2700],"2881":[2701,2702],"2882":[2703],"2883":[2704],"2886":[2705],"2887":[2706,2707,2708],"2888":[2709,2710],"2890":[2711],"2895":[2712],"2896":[2713,2714,2715,2716],"2897":[2717],"2898":[2718],"2899":[2719,2720,2721],"2901":[2722],"2902":[2723],"2903":[2724,2725],"2904":[2726],"2905":[2727,2728],"2906":[2729,2730,2731,2732],"2907":[2733],"2909":[2734,2735,2736],"2910":[2737],"2912":[2738,2739,2740],"2913":[2741,2742,2743],"2915":[2744],"2917":[2745],"2919":[2746,2747,2748],"2920":[2749,2750,2751],"2921":[2752],"2922":[2753],"2923":[2754,2755,2756],"2924":[2757,2758],"2925":[2759],"2926":[2760],"2927":[2761],"2929":[2762],"2930":[2763,2764,2765],"2931":[2766,2767,2768],"2932":[2769],"2934":[2770],"2939":[2771],"2940":[2772,2773,2774,2775],"2941":[2776,2777],"2945":[2778],"2946":[2779,2780],"2947":[2781,2782,2783],"2948":[2784],"2949":[2785],"2950":[2786,2787],"2951":[2788],"2952":[2789,2790],"2953":[2791,2792,2793,2794],"2954":[2795,2796],"2956":[2797,2798,2799,2800,2801,2802,2803],"2957":[2804],"2958":[2805],"2959":[2806,2807,2808],"2960":[2809],"2961":[2810,2811],"2962":[2812,2813],"2963":[2814],"2964":[2815,2816],"2965":[2817,2818,2819],"2968":[2820,2821,2822,2823],"2969":[2824],"2970":[2825],"2971":[2826,2827],"2972":[2828,2829],"2973":[2830],"2974":[2831],"2976":[2832],"2981":[2833],"2983":[2834],"2984":[2835,2836,2837,2838],"2985":[2839],"2987":[2840,2841],"2988":[2842,2843],"2990":[2844],"2991":[2845],"2992":[2846,2847],"2993":[2848],"2995":[2849,2850,2851],"2997":[2852],"2999":[2853],"3000":[2854,2855],"3001":[2856,2857,2858,2859,2860,2861],"3002":[2862],"3003":[2863,2864],"3004":[2865],"3005":[2866,2867,2868,2869,2870],"3007":[2871,2872],"3009":[2873],"3011":[2874,2875],"3015":[2876],"3016":[2877],"3017":[2878,2879],"3018":[2880],"3019":[2881,2882,2883],"3020":[2884],"3022":[2885],"3023":[2886,2887],"3025":[2888],"3027":[2889],"3031":[2890],"3032":[2891],"3033":[2892],"3045":[2893,2894],"3047":[2895],"3052":[2896],"3055":[2897,2898,2899],"3057":[2900,2901,2902,2903],"3058":[2904],"3059":[2905],"3063":[2906],"3065":[2907],"3066":[2908,2909],"3067":[2910],"3068":[2911,2912],"3069":[2913,2914],"3070":[2915,2916,2917],"3072":[2918,2919,2920],"3073":[2921,2922,2923,2924],"3074":[2925],"3075":[2926,2927],"3077":[2928],"3078":[2929,2930,2931],"3079":[2932,2933,2934,2935],"3080":[2936,2937],"3081":[2938,2939],"3082":[2940],"3083":[2941],"3086":[2942],"3089":[2943,2944],"3090":[2945,2946],"3093":[2947],"3094":[2948,2949,2950],"3095":[2951,2952],"3096":[2953],"3099":[2954],"3103":[2955,2956],"3105":[2957],"3106":[2958],"3107":[2959],"3109":[2960],"3110":[2961,2962],"3114":[2963,2964,2965],"3115":[2966,2967],"3116":[2968,2969,2970],"3117":[2971],"3119":[2972],"3121":[2973],"3123":[2974],"3130":[2975],"3131":[2976,2977],"3132":[2978,2979],"3133":[2980],"3134":[2981],"3135":[2982,2983],"3136":[2984],"3137":[2985,2986,2987],"3138":[2988,2989],"3140":[2990],"3142":[2991,2992,2993],"3144":[2994],"3146":[2995,2996,2997],"3147":[2998,2999,3000,3001],"3149":[3002],"3152":[3003,3004,3005],"3154":[3006],"3155":[3007,3008,3009,3010],"3156":[3011,3012],"3157":[3013],"3159":[3014,3015,3016],"3166":[3017],"3170":[3018],"3171":[3019,3020],"3173":[3021],"3174":[3022],"3176":[3023,3024,3025],"3178":[3026,3027],"3187":[3028],"3188":[3029],"3189":[3030],"3190":[3031,3032,3033,3034,3035],"3191":[3036,3037],"3192":[3038,3039,3040],"3193":[3041,3042],"3194":[3043,3044,3045,3046],"3195":[3047],"3196":[3048,3049],"3197":[3050,3051],"3198":[3052,3053],"3200":[3054,3055],"3201":[3056],"3202":[3057],"3203":[3058,3059,3060],"3204":[3061,3062],"3205":[3063],"3206":[3064],"3214":[3065,3066],"3215":[3067,3068],"3216":[3069,3070],"3218":[3071,3072],"3219":[3073,3074],"3220":[3075],"3222":[3076],"3223":[3077,3078,3079],"3225":[3080],"3226":[3081],"3227":[3082,3083],"3229":[3084,3085,3086],"3230":[3087],"3231":[3088],"3232":[3089,3090,3091],"3233":[3092],"3236":[3093,3094,3095],"3237":[3096,3097,3098],"3238":[3099],"3239":[3100],"3243":[3101],"3246":[3102],"3247":[3103],"3248":[3104],"3250":[3105],"3251":[3106],"3253":[3107,3108],"3254":[3109],"3255":[3110,3111,3112],"3256":[3113],"3264":[3114],"3265":[3115,3116,3117],"3266":[3118],"3267":[3119],"3268":[3120,3121],"3270":[3122,3123],"3271":[3124],"3273":[3125],"3275":[3126],"3277":[3127],"3278":[3128,3129,3130],"3279":[3131,3132],"3280":[3133,3134],"3281":[3135],"3284":[3136],"3285":[3137],"3287":[3138],"3288":[3139],"3289":[3140],"3290":[3141],"3292":[3142,3143],"3293":[3144],"3294":[3145,3146],"3297":[3147],"3298":[3148],"3299":[3149],"3300":[3150,3151,3152,3153,3154],"3301":[3155],"3302":[3156,3157],"3303":[3158],"3304":[3159,3160,3161,3162],"3305":[3163],"3307":[3164],"3312":[3165,3166,3167],"3313":[3168],"3314":[3169],"3315":[3170],"3317":[3171],"3318":[3172,3173,3174],"3321":[3175],"3322":[3176,3177,3178],"3323":[3179],"3324":[3180],"3325":[3181,3182],"3326":[3183],"3327":[3184],"3328":[3185,3186],"3331":[3187,3188,3189],"3332":[3190,3191],"3333":[3192,3193,3194],"3334":[3195,3196],"3336":[3197],"3337":[3198],"3338":[3199],"3339":[3200,3201],"3340":[3202,3203,3204,3205],"3341":[3206],"3342":[3207],"3343":[3208,3209],"3344":[3210],"3346":[3211,3212],"3347":[3213],"3350":[3214],"3351":[3215],"3352":[3216,3217],"3353":[3218],"3354":[3219,3220,3221],"3355":[3222,3223,3224],"3358":[3225],"3359":[3226,3227,3228],"3360":[3229],"3361":[3230,3231,3232],"3362":[3233],"3364":[3234,3235,3236],"3365":[3237,3238],"3366":[3239],"3367":[3240],"3368":[3241,3242,3243],"3369":[3244],"3371":[3245],"3373":[3246],"3376":[3247,3248],"3377":[3249],"3378":[3250],"3379":[3251],"3380":[3252],"3381":[3253,3254,3255,3256],"3383":[3257],"3385":[3258],"3387":[3259],"3388":[3260,3261],"3389":[3262,3263,3264],"3391":[3265],"3392":[3266,3267,3268],"3393":[3269],"3394":[3270],"3396":[3271,3272],"3397":[3273],"3398":[3274],"3399":[3275,3276],"3400":[3277],"3401":[3278],"3406":[3279],"3407":[3280,3281,3282],"3408":[3283,3284],"3409":[3285],"3411":[3286],"3412":[3287,3288,3289],"3415":[3290],"3416":[3291],"3417":[3292,3293],"3418":[3294,3295,3296],"3420":[3297],"3421":[3298,3299,3300],"3422":[3301,3302,3303],"3424":[3304],"3425":[3305,3306,3307],"3427":[3308,3309],"3431":[3310],"3432":[3311,3312,3313,3314],"3434":[3315],"3436":[3316],"3437":[3317,3318],"3438":[3319],"3439":[3320,3321,3322,3323],"3440":[3324,3325],"3442":[3326],"3443":[3327,3328],"3444":[3329,3330],"3446":[3331,3332],"3447":[3333],"3448":[3334,3335,3336],"3450":[3337],"3455":[3338],"3456":[3339],"3458":[3340,3341,3342,3343],"3459":[3344],"3460":[3345],"3461":[3346],"3462":[3347],"3463":[3348],"3465":[3349],"3467":[3350,3351,3352,3353],"3468":[3354,3355],"3470":[3356],"3474":[3357,3358,3359],"3475":[3360],"3477":[3361,3362],"3478":[3363,3364],"3479":[3365,3366],"3480":[3367,3368,3369],"3481":[3370],"3482":[3371,3372],"3483":[3373],"3485":[3374],"3486":[3375,3376],"3487":[3377],"3488":[3378,3379,3380],"3489":[3381],"3490":[3382,3383],"3492":[3384,3385],"3493":[3386],"3494":[3387],"3496":[3388,3389,3390,3391],"3497":[3392,3393],"3498":[3394,3395],"3499":[3396,3397,3398],"3500":[3399,3400],"3501":[3401],"3502":[3402],"3503":[3403],"3504":[3404],"3505":[3405],"3506":[3406],"3507":[3407,3408],"3508":[3409,3410],"3511":[3411],"3512":[3412,3413,3414],"3513":[3415,3416],"3514":[3417,3418,3419],"3515":[3420,3421],"3517":[3422],"3518":[3423,3424,3425,3426],"3520":[3427],"3521":[3428,3429],"3522":[3430,3431,3432],"3523":[3433],"3524":[3434],"3525":[3435,3436,3437],"3526":[3438,3439,3440],"3527":[3441],"3528":[3442],"3530":[3443,3444],"3531":[3445],"3533":[3446,3447,3448],"3535":[3449],"3536":[3450,3451],"3537":[3452,3453],"3538":[3454,3455],"3539":[3456,3457],"3541":[3458],"3543":[3459],"3545":[3460],"3546":[3461],"3547":[3462,3463],"3548":[3464,3465],"3549":[3466,3467,3468],"3550":[3469],"3551":[3470],"3552":[3471],"3554":[3472,3473,3474,3475],"3555":[3476],"3556":[3477,3478],"3558":[3479,3480,3481],"3560":[3482],"3561":[3483,3484,3485],"3563":[3486],"3564":[3487,3488,3489],"3567":[3490,3491],"3568":[3492,3493,3494,3495,3496],"3569":[3497,3498,3499],"3570":[3500],"3572":[3501,3502],"3573":[3503],"3574":[3504,3505],"3578":[3506],"3579":[3507],"3580":[3508],"3581":[3509],"3582":[3510],"3583":[3511,3512],"3588":[3513,3514,3515],"3589":[3516],"3592":[3517],"3593":[3518],"3595":[3519,3520],"3596":[3521,3522,3523],"3598":[3524],"3601":[3525,3526],"3602":[3527],"3606":[3528,3529],"3607":[3530],"3608":[3531],"3609":[3532],"3610":[3533,3534,3535,3536],"3616":[3537],"3617":[3538],"3618":[3539,3540],"3619":[3541],"3620":[3542],"3622":[3543,3544],"3623":[3545,3546],"3630":[3547],"3633":[3548],"3635":[3549],"3636":[3550],"3637":[3551,3552,3553],"3638":[3554,3555],"3640":[3556],"3643":[3557],"3644":[3558],"3645":[3559,3560],"3654":[3561],"3655":[3562,3563,3564],"3656":[3565],"3657":[3566],"3658":[3567,3568,3569],"3659":[3570,3571,3572],"3660":[3573],"3661":[3574,3575],"3662":[3576,3577],"3663":[3578],"3664":[3579],"3666":[3580],"3667":[3581,3582,3583],"3668":[3584,3585],"3669":[3586],"3670":[3587,3588,3589,3590],"3672":[3591],"3673":[3592,3593],"3678":[3594],"3679":[3595,3596],"3680":[3597],"3682":[3598,3599],"3685":[3600,3601,3602,3603,3604,3605],"3687":[3606],"3688":[3607],"3690":[3608],"3692":[3609],"3693":[3610,3611,3612,3613],"3694":[3614,3615],"3695":[3616],"3697":[3617],"3698":[3618,3619,3620],"3699":[3621],"3700":[3622],"3701":[3623,3624,3625,3626],"3702":[3627],"3704":[3628],"3705":[3629],"3717":[3630,3631],"3720":[3632],"3724":[3633,3634,3635],"3725":[3636],"3727":[3637],"3735":[3638],"3739":[3639],"3740":[3640],"3742":[3641],"3743":[3642,3643],"3752":[3644],"3754":[3645],"3756":[3646],"3760":[3647],"3762":[3648],"3763":[3649],"3764":[3650],"3765":[3651,3652,3653],"3766":[3654,3655],"3767":[3656,3657],"3768":[3658],"3770":[3659],"3774":[3660],"3775":[3661],"3780":[3662],"3781":[3663],"3782":[3664,3665],"3783":[3666],"3784":[3667],"3785":[3668,3669],"3786":[3670,3671,3672],"3787":[3673],"3788":[3674,3675],"3789":[3676],"3794":[3677],"3795":[3678,3679],"3796":[3680],"3797":[3681],"3798":[3682],"3799":[3683,3684],"3800":[3685],"3801":[3686],"3802":[3687,3688],"3803":[3689,3690],"3804":[3691],"3805":[3692],"3808":[3693],"3809":[3694,3695,3696],"3810":[3697,3698,3699],"3811":[3700,3701],"3812":[3702],"3817":[3703],"3819":[3704],"3820":[3705,3706],"3822":[3707,3708],"3823":[3709,3710,3711,3712],"3824":[3713,3714,3715,3716],"3825":[3717],"3826":[3718],"3827":[3719,3720,3721],"3828":[3722,3723,3724,3725],"3829":[3726,3727],"3832":[3728,3729,3730],"3835":[3731],"3836":[3732,3733],"3837":[3734,3735,3736,3737],"3838":[3738,3739],"3839":[3740,3741,3742],"3840":[3743],"3841":[3744],"3843":[3745],"3845":[3746],"3846":[3747,3748],"3848":[3749,3750,3751,3752],"3849":[3753,3754],"3850":[3755],"3851":[3756],"3854":[3757],"3857":[3758],"3859":[3759],"3864":[3760,3761,3762,3763],"3865":[3764],"3866":[3765],"3867":[3766],"3873":[3767],"3875":[3768],"3876":[3769,3770],"3878":[3771],"3880":[3772],"3882":[3773],"3889":[3774],"3890":[3775],"3891":[3776],"3892":[3777,3778,3779],"3893":[3780,3781,3782],"3894":[3783,3784],"3895":[3785],"3897":[3786,3787],"3898":[3788,3789,3790],"3899":[3791,3792],"3905":[3793,3794],"3908":[3795],"3910":[3796,3797,3798],"3912":[3799],"3913":[3800],"3915":[3801],"3916":[3802],"3917":[3803,3804],"3923":[3805],"3925":[3806],"3931":[3807,3808,3809,3810],"3932":[3811],"3933":[3812],"3934":[3813,3814,3815],"3935":[3816],"3938":[3817],"3939":[3818,3819],"3942":[3820,3821],"3944":[3822],"3945":[3823],"3946":[3824],"3947":[3825],"3948":[3826],"3949":[3827,3828],"3950":[3829],"3951":[3830],"3952":[3831,3832],"3953":[3833,3834,3835],"3954":[3836,3837],"3955":[3838,3839],"3956":[3840,3841],"3957":[3842],"3960":[3843],"3961":[3844,3845],"3962":[3846],"3965":[3847],"3966":[3848,3849,3850,3851],"3967":[3852,3853,3854],"3976":[3855,3856,3857],"3977":[3858,3859],"3978":[3860,3861],"3979":[3862,3863,3864],"3980":[3865,3866],"3982":[3867],"3984":[3868,3869],"3985":[3870],"3986":[3871],"3987":[3872],"3990":[3873],"3992":[3874,3875],"3995":[3876],"3996":[3877,3878],"3997":[3879],"3999":[3880],"4000":[3881],"4006":[3882],"4009":[3883],"4018":[3884],"4019":[3885,3886],"4020":[3887],"4021":[3888,3889],"4022":[3890,3891],"4023":[3892],"4024":[3893],"4025":[3894,3895],"4027":[3896],"4028":[3897,3898],"4029":[3899],"4030":[3900,3901],"4031":[3902,3903],"4033":[3904],"4034":[3905,3906],"4036":[3907,3908],"4037":[3909,3910],"4041":[3911],"4042":[3912,3913,3914],"4043":[3915],"4045":[3916],"4046":[3917],"4047":[3918],"4048":[3919,3920],"4050":[3921],"4051":[3922],"4052":[3923,3924,3925,3926],"4054":[3927],"4056":[3928],"4062":[3929],"4066":[3930,3931],"4067":[3932],"4069":[3933],"4070":[3934],"4072":[3935],"4073":[3936],"4075":[3937],"4076":[3938],"4077":[3939,3940,3941],"4078":[3942,3943,3944,3945],"4080":[3946,3947],"4084":[3948],"4086":[3949],"4090":[3950,3951],"4091":[3952],"4092":[3953,3954,3955],"4094":[3956,3957,3958],"4096":[3959],"4097":[3960],"4111":[3961,3962],"4112":[3963,3964],"4113":[3965],"4115":[3966,3967],"4116":[3968],"4119":[3969],"4120":[3970,3971],"4122":[3972],"4123":[3973],"4124":[3974],"4126":[3975],"4127":[3976],"4140":[3977],"4142":[3978],"4144":[3979],"4146":[3980,3981],"4147":[3982,3983],"4148":[3984],"4149":[3985],"4150":[3986],"4151":[3987,3988,3989],"4154":[3990],"4155":[3991],"4157":[3992,3993,3994,3995],"4158":[3996],"4159":[3997,3998],"4161":[3999],"4162":[4000,4001],"4163":[4002,4003,4004],"4164":[4005],"4165":[4006,4007],"4166":[4008],"4167":[4009],"4171":[4010],"4172":[4011,4012],"4173":[4013],"4177":[4014],"4179":[4015],"4184":[4016],"4186":[4017],"4189":[4018,4019],"4190":[4020,4021,4022,4023],"4191":[4024,4025,4026],"4192":[4027,4028],"4195":[4029],"4198":[4030,4031],"4199":[4032,4033,4034],"4200":[4035],"4201":[4036],"4203":[4037,4038,4039,4040,4041],"4204":[4042,4043,4044],"4205":[4045,4046],"4207":[4047,4048],"4209":[4049],"4210":[4050,4051,4052,4053],"4211":[4054,4055],"4213":[4056],"4214":[4057,4058,4059,4060,4061],"4215":[4062,4063,4064,4065],"4216":[4066,4067,4068],"4217":[4069],"4219":[4070,4071,4072,4073],"4220":[4074],"4221":[4075],"4222":[4076],"4223":[4077],"4224":[4078,4079],"4225":[4080,4081],"4228":[4082],"4230":[4083],"4232":[4084],"4237":[4085],"4238":[4086,4087],"4239":[4088,4089],"4241":[4090],"4244":[4091],"4245":[4092],"4247":[4093],"4248":[4094,4095],"4249":[4096],"4252":[4097],"4253":[4098,4099,4100],"4254":[4101],"4257":[4102,4103,4104,4105],"4259":[4106],"4260":[4107,4108],"4262":[4109,4110,4111],"4263":[4112,4113],"4265":[4114],"4266":[4115,4116],"4268":[4117],"4270":[4118,4119],"4277":[4120],"4278":[4121],"4279":[4122],"4281":[4123,4124],"4286":[4125],"4287":[4126],"4288":[4127],"4289":[4128],"4291":[4129,4130],"4292":[4131],"4301":[4132],"4306":[4133],"4307":[4134,4135],"4321":[4136,4137,4138],"4322":[4139,4140,4141],"4324":[4142],"4325":[4143,4144,4145],"4327":[4146],"4330":[4147],"4331":[4148,4149,4150],"4333":[4151],"4335":[4152],"4337":[4153,4154,4155],"4343":[4156],"4345":[4157],"4346":[4158,4159],"4348":[4160],"4349":[4161],"4352":[4162,4163],"4353":[4164],"4356":[4165,4166],"4357":[4167],"4358":[4168,4169],"4359":[4170],"4362":[4171,4172],"4364":[4173],"4366":[4174],"4389":[4175,4176],"4390":[4177,4178],"4391":[4179],"4392":[4180],"4393":[4181,4182],"4395":[4183],"4396":[4184],"4398":[4185],"4399":[4186,4187],"4403":[4188],"4404":[4189],"4405":[4190],"4408":[4191],"4410":[4192],"4412":[4193],"4413":[4194,4195],"4415":[4196],"4418":[4197],"4420":[4198],"4423":[4199],"4425":[4200],"4428":[4201],"4431":[4202],"4433":[4203,4204],"4435":[4205],"4436":[4206],"4444":[4207],"4446":[4208],"4447":[4209],"4449":[4210,4211],"4451":[4212,4213],"4454":[4214,4215,4216],"4455":[4217,4218],"4456":[4219],"4458":[4220],"4459":[4221,4222],"4461":[4223],"4462":[4224,4225],"4463":[4226,4227],"4464":[4228,4229,4230],"4465":[4231,4232],"4467":[4233,4234],"4468":[4235,4236,4237],"4469":[4238],"4470":[4239,4240,4241],"4476":[4242],"4488":[4243,4244],"4491":[4245],"4492":[4246],"4493":[4247],"4494":[4248,4249],"4495":[4250],"4496":[4251,4252,4253],"4498":[4254],"4500":[4255,4256,4257],"4501":[4258,4259],"4502":[4260],"4508":[4261],"4510":[4262,4263],"4511":[4264,4265],"4512":[4266],"4513":[4267],"4514":[4268],"4517":[4269,4270],"4518":[4271],"4519":[4272,4273],"4521":[4274],"4522":[4275],"4523":[4276,4277,4278],"4530":[4279],"4531":[4280],"4532":[4281,4282],"4533":[4283],"4534":[4284],"4535":[4285],"4538":[4286,4287,4288],"4539":[4289,4290],"4540":[4291],"4541":[4292],"4543":[4293],"4545":[4294],"4550":[4295],"4555":[4296],"4558":[4297],"4561":[4298,4299],"4562":[4300],"4563":[4301],"4564":[4302,4303,4304],"4565":[4305,4306,4307],"4566":[4308],"4567":[4309],"4568":[4310,4311,4312],"4569":[4313],"4571":[4314],"4574":[4315,4316],"4577":[4317],"4578":[4318,4319],"4579":[4320],"4581":[4321],"4582":[4322,4323],"4583":[4324],"4590":[4325],"4591":[4326,4327],"4593":[4328],"4594":[4329],"4597":[4330],"4599":[4331],"4600":[4332],"4601":[4333],"4602":[4334],"4603":[4335,4336],"4604":[4337],"4606":[4338,4339,4340],"4607":[4341],"4608":[4342,4343],"4609":[4344],"4610":[4345,4346,4347],"4612":[4348],"4613":[4349,4350],"4618":[4351],"4622":[4352],"4624":[4353],"4625":[4354,4355,4356,4357],"4626":[4358],"4627":[4359,4360],"4628":[4361],"4629":[4362],"4631":[4363],"4632":[4364],"4633":[4365,4366,4367],"4634":[4368],"4635":[4369,4370],"4638":[4371],"4639":[4372],"4642":[4373],"4669":[4374],"4670":[4375,4376,4377],"4674":[4378],"4675":[4379],"4676":[4380,4381],"4677":[4382,4383],"4679":[4384,4385,4386],"4680":[4387],"4682":[4388,4389,4390],"4684":[4391],"4685":[4392,4393,4394,4395,4396,4397,4398],"4686":[4399,4400,4401],"4687":[4402],"4688":[4403],"4690":[4404,4405,4406,4407],"4691":[4408,4409],"4692":[4410],"4694":[4411],"4696":[4412,4413],"4699":[4414,4415],"4700":[4416],"4701":[4417],"4702":[4418,4419],"4704":[4420],"4705":[4421],"4706":[4422,4423],"4708":[4424],"4709":[4425,4426,4427],"4713":[4428],"4714":[4429],"4715":[4430],"4716":[4431,4432],"4717":[4433],"4724":[4434,4435],"4725":[4436],"4736":[4437,4438],"4738":[4439,4440,4441],"4739":[4442],"4740":[4443,4444,4445],"4741":[4446],"4742":[4447],"4743":[4448],"4744":[4449,4450],"4746":[4451],"4747":[4452,4453,4454],"4748":[4455],"4749":[4456],"4750":[4457],"4751":[4458],"4761":[4459],"4762":[4460],"4763":[4461],"4765":[4462,4463],"4766":[4464],"4771":[4465,4466,4467,4468],"4777":[4469],"4779":[4470,4471,4472],"4780":[4473],"4785":[4474,4475],"4786":[4476,4477,4478],"4789":[4479,4480],"4791":[4481,4482],"4794":[4483],"4799":[4484],"4800":[4485,4486],"4802":[4487],"4803":[4488,4489],"4804":[4490,4491],"4805":[4492,4493,4494],"4807":[4495],"4808":[4496],"4809":[4497,4498],"4813":[4499],"4815":[4500],"4817":[4501,4502,4503],"4818":[4504],"4819":[4505],"4820":[4506],"4821":[4507,4508,4509,4510],"4822":[4511,4512],"4824":[4513],"4825":[4514,4515],"4826":[4516,4517],"4827":[4518],"4828":[4519],"4829":[4520],"4831":[4521,4522],"4834":[4523],"4836":[4524,4525,4526,4527],"4838":[4528],"4839":[4529,4530,4531],"4840":[4532,4533,4534,4535,4536],"4842":[4537],"4843":[4538],"4844":[4539,4540,4541,4542],"4845":[4543],"4847":[4544,4545],"4848":[4546,4547,4548],"4849":[4549],"4850":[4550,4551],"4851":[4552],"4852":[4553],"4858":[4554],"4863":[4555,4556,4557,4558],"4865":[4559],"4866":[4560,4561,4562],"4867":[4563],"4871":[4564],"4873":[4565],"4874":[4566],"4875":[4567,4568,4569,4570],"4876":[4571,4572],"4877":[4573,4574],"4878":[4575],"4879":[4576],"4880":[4577,4578],"4881":[4579],"4883":[4580,4581,4582,4583,4584,4585],"4884":[4586,4587,4588,4589,4590],"4886":[4591],"4888":[4592],"4890":[4593],"4892":[4594],"4902":[4595,4596,4597],"4903":[4598],"4905":[4599],"4909":[4600],"4911":[4601,4602,4603],"4912":[4604],"4915":[4605],"4916":[4606,4607],"4917":[4608],"4918":[4609],"4919":[4610],"4920":[4611],"4921":[4612,4613],"4922":[4614],"4924":[4615],"4926":[4616],"4927":[4617],"4928":[4618],"4931":[4619],"4932":[4620,4621,4622,4623],"4934":[4624],"4935":[4625,4626],"4937":[4627],"4939":[4628,4629],"4941":[4630],"4942":[4631],"4943":[4632,4633],"4944":[4634],"4945":[4635,4636],"4946":[4637,4638],"4948":[4639,4640,4641],"4949":[4642],"4952":[4643,4644],"4955":[4645],"4958":[4646],"4961":[4647],"4962":[4648,4649],"4963":[4650,4651],"4964":[4652],"4966":[4653],"4967":[4654,4655,4656,4657],"4968":[4658],"4969":[4659],"4970":[4660],"4971":[4661,4662],"4972":[4663,4664,4665],"4973":[4666],"4974":[4667,4668],"4975":[4669,4670,4671],"4976":[4672,4673],"4977":[4674],"4978":[4675,4676],"4979":[4677],"4980":[4678],"4983":[4679,4680,4681],"4984":[4682],"4985":[4683,4684],"4986":[4685],"4987":[4686],"4988":[4687],"4989":[4688,4689,4690,4691],"4992":[4692],"4993":[4693,4694],"4996":[4695,4696,4697],"4998":[4698,4699],"5006":[4700],"5011":[4701,4702],"5014":[4703],"5015":[4704,4705,4706],"5016":[4707],"5018":[4708],"5022":[4709],"5023":[4710],"5024":[4711],"5025":[4712],"5026":[4713],"5027":[4714,4715],"5039":[4716],"5041":[4717],"5042":[4718],"5049":[4719,4720],"5050":[4721,4722],"5052":[4723,4724],"5053":[4725,4726],"5055":[4727,4728,4729],"5056":[4730],"5058":[4731],"5061":[4732,4733],"5069":[4734],"5072":[4735],"5075":[4736],"5078":[4737],"5087":[4738,4739],"5088":[4740],"5089":[4741],"5090":[4742],"5096":[4743,4744,4745,4746],"5097":[4747],"5098":[4748,4749],"5099":[4750],"5103":[4751,4752],"5104":[4753,4754,4755],"5106":[4756,4757],"5108":[4758,4759,4760],"5111":[4761],"5112":[4762,4763],"5114":[4764],"5115":[4765],"5116":[4766,4767],"5117":[4768],"5119":[4769,4770,4771,4772],"5120":[4773,4774,4775],"5121":[4776],"5122":[4777],"5123":[4778],"5124":[4779],"5131":[4780],"5133":[4781,4782,4783],"5135":[4784],"5136":[4785],"5137":[4786,4787],"5138":[4788],"5142":[4789,4790],"5144":[4791,4792],"5145":[4793,4794],"5154":[4795,4796],"5158":[4797],"5159":[4798],"5167":[4799],"5168":[4800],"5173":[4801,4802],"5176":[4803],"5179":[4804],"5182":[4805],"5183":[4806,4807,4808],"5184":[4809],"5187":[4810],"5189":[4811],"5190":[4812],"5191":[4813],"5193":[4814],"5194":[4815,4816],"5195":[4817],"5197":[4818],"5202":[4819,4820],"5203":[4821,4822],"5204":[4823],"5206":[4824],"5207":[4825,4826],"5209":[4827,4828],"5213":[4829],"5215":[4830,4831],"5219":[4832],"5220":[4833],"5223":[4834,4835,4836],"5226":[4837],"5227":[4838],"5228":[4839],"5229":[4840,4841,4842],"5235":[4843,4844],"5236":[4845],"5237":[4846],"5238":[4847],"5239":[4848],"5240":[4849],"5241":[4850,4851],"5245":[4852,4853],"5249":[4854,4855,4856],"5250":[4857],"5253":[4858],"5254":[4859],"5255":[4860],"5256":[4861],"5257":[4862],"5258":[4863],"5259":[4864],"5260":[4865],"5262":[4866],"5264":[4867],"5265":[4868],"5267":[4869,4870,4871],"5268":[4872],"5269":[4873],"5270":[4874],"5271":[4875],"5274":[4876,4877],"5276":[4878],"5278":[4879,4880,4881],"5280":[4882],"5281":[4883],"5283":[4884,4885],"5284":[4886],"5285":[4887],"5286":[4888,4889],"5287":[4890],"5288":[4891],"5289":[4892],"5291":[4893],"5293":[4894],"5296":[4895],"5298":[4896],"5299":[4897,4898],"5300":[4899],"5301":[4900,4901],"5303":[4902,4903],"5304":[4904],"5307":[4905],"5308":[4906,4907],"5309":[4908,4909,4910],"5310":[4911,4912,4913],"5311":[4914],"5312":[4915,4916],"5314":[4917,4918],"5316":[4919],"5317":[4920],"5319":[4921,4922],"5320":[4923,4924],"5321":[4925,4926],"5323":[4927],"5325":[4928,4929],"5326":[4930],"5327":[4931,4932],"5329":[4933,4934],"5331":[4935,4936],"5334":[4937],"5335":[4938],"5336":[4939],"5338":[4940],"5342":[4941],"5344":[4942],"5346":[4943],"5349":[4944],"5350":[4945],"5351":[4946],"5352":[4947],"5359":[4948],"5361":[4949],"5362":[4950],"5366":[4951],"5370":[4952]},"ٟ":[],"numbers":{"1":22,"2":25,"3":65,"4":72,"5":77,"6":79,"7":84,"8":87,"9":92,"10":98,"11":105,"12":113,"13":129,"14":131,"15":133,"16":140,"17":141,"18":144,"19":170,"20":174,"21":177,"22":179,"23":184,"24":190,"25":193,"26":205,"27":215,"28":218,"29":219,"30":234,"31":237,"32":238,"33":246,"34":253,"35":257,"36":261,"37":265,"38":268,"39":270,"40":275,"41":300,"42":303,"43":306,"44":307,"45":311,"46":320,"47":324,"48":327,"49":330,"50":339,"51":345,"52":354,"53":365,"54":371,"55":386,"56":391,"57":399,"58":411,"59":449,"60":456,"61":479,"62":486,"63":490,"64":495,"65":497,"66":504,"67":505,"68":505,"69":511,"70":518,"71":520,"72":522,"73":522,"74":524,"75":526,"76":528,"77":530,"78":537,"79":539,"80":543,"81":545,"82":550,"83":553,"84":553,"85":556,"86":558,"87":560,"88":560,"89":561,"90":571,"91":573,"92":574,"93":575,"94":575,"95":577,"96":579,"97":582,"98":583,"99":584,"100":587,"101":588,"102":591,"103":593,"104":616,"105":622,"106":625,"107":629,"108":633,"109":634,"110":638,"111":642,"112":646,"113":650,"114":654,"115":656,"116":664,"117":673,"118":676,"119":704,"120":708,"121":708,"122":718,"123":720,"124":725,"125":751,"126":757,"127":779,"128":785,"129":789,"130":790,"131":796,"132":800,"133":808,"134":813,"135":815,"136":817,"137":821,"138":824,"139":827,"140":828,"141":829,"142":837,"143":838,"144":843,"145":849,"146":851,"147":858,"148":862,"149":867,"150":870,"151":875,"152":878,"153":880,"154":884,"155":885,"156":887,"157":888,"158":891,"159":900,"160":903,"161":905,"162":906,"163":907,"164":908,"165":911,"166":914,"167":927,"168":929,"169":935,"170":939,"171":940,"172":943,"173":945,"174":947,"175":966,"176":981,"177":990,"178":996,"179":999,"180":1007,"181":1011,"182":1015,"183":1021,"184":1024,"185":1028,"186":1029,"187":1060,"188":1063,"189":1095,"190":1135,"191":1144,"192":1149,"193":1151,"194":1153,"195":1156,"196":1159,"197":1162,"198":1164,"199":1167,"200":1172,"201":1195,"202":1198,"203":1200,"204":1203,"205":1205,"206":1209,"207":1232,"208":1237,"209":1240,"210":1244,"211":1246,"212":1250,"213":1255,"214":1263,"215":1269,"216":1278,"217":1282,"218":1286,"219":1288,"220":1290,"221":1304,"222":1328,"223":1353,"224":1368,"225":1374,"226":1384,"227":1397,"228":1400,"229":1404,"230":1411,"231":1416,"232":1422,"233":1430,"234":1434,"235":1437,"236":1440,"237":1442,"238":1445,"239":1446,"240":1450,"241":1459,"242":1461,"243":1463,"244":1467,"245":1469,"246":1483,"247":1493,"248":1500,"249":1503,"250":1507,"251":1510,"252":1519,"253":1554,"254":1570,"255":1576,"256":1579,"257":1582,"258":1589,"259":1591,"260":1601,"261":1605,"262":1609,"263":1614,"264":1622,"265":1628,"266":1632,"267":1634,"268":1669,"269":1675,"270":1679,"271":1683,"272":1686,"273":1689,"274":1691,"275":1694,"276":1696,"277":1698,"278":1700,"279":1703,"280":1704,"281":1724,"282":1726,"283":1729,"284":1732,"285":1733,"286":1735,"287":1737,"288":1739,"289":1742,"290":1745,"291":1745,"292":1760,"293":1761,"294":1768,"295":1772,"296":1775,"297":1780,"298":1781,"299":1782,"300":1785,"301":1787,"302":1791,"303":1796,"304":1820,"305":1822,"306":1825,"307":1828,"308":1830,"309":1832,"310":1837,"311":1839,"312":1843,"313":1845,"314":1848,"315":1848,"316":1852,"317":1854,"318":1857,"319":1873,"320":1881,"321":1894,"322":1916,"323":1924,"324":1931,"325":1933,"326":1935,"327":1937,"328":1945,"329":1947,"330":1951,"331":1960,"332":1962,"333":1964,"334":1968,"335":1970,"336":1972,"337":1974,"338":1978,"339":1982,"340":1995,"341":2012,"342":2023,"343":2024,"344":2038,"345":2041,"346":2047,"347":2050,"348":2067,"349":2078,"350":2083,"351":2087,"352":2088,"353":2095,"354":2099,"355":2102,"356":2108,"357":2110,"358":2114,"359":2118,"360":2122,"361":2154,"362":2157,"363":2162,"364":2172,"365":2178,"366":2180,"367":2183,"368":2187,"369":2189,"370":2190,"371":2194,"372":2202,"373":2208,"374":2215,"375":2218,"376":2221,"377":2227,"378":2233,"379":2238,"380":2240,"381":2242,"382":2244,"383":2248,"384":2250,"385":2252,"386":2257,"387":2264,"388":2268,"389":2270,"390":2272,"391":2284,"392":2286,"393":2290,"394":2296,"395":2297,"396":2304,"397":2315,"398":2327,"399":2337,"400":2344,"401":2350,"402":2358,"403":2359,"404":2365,"405":2372,"406":2375,"407":2378,"408":2389,"409":2394,"410":2398,"411":2403,"412":2406,"413":2408,"414":2408,"415":2409,"416":2417,"417":2428,"418":2431,"419":2436,"420":2441,"421":2445,"422":2447,"423":2450,"424":2454,"425":2457,"426":2461,"427":2465,"428":2473,"429":2475,"430":2478,"431":2481,"432":2483,"433":2484,"434":2487,"435":2494,"436":2499,"437":2505,"438":2506,"439":2517,"440":2521,"441":2523,"442":2526,"443":2528,"444":2537,"445":2542,"446":2559,"447":2567,"448":2570,"449":2577,"450":2581,"451":2583,"452":2590,"453":2592,"454":2599,"455":2602,"456":2606,"457":2609,"458":2611,"459":2613,"460":2614,"461":2615,"462":2617,"463":2618,"464":2620,"465":2625,"466":2634,"467":2641,"468":2661,"469":2665,"470":2669,"471":2669,"472":2678,"473":2687,"474":2697,"475":2710,"476":2721,"477":2731,"478":2738,"479":2747,"480":2749,"481":2754,"482":2757,"483":2764,"484":2771,"485":2779,"486":2782,"487":2789,"488":2793,"489":2796,"490":2797,"491":2800,"492":2803,"493":2804,"494":2808,"495":2812,"496":2815,"497":2818,"498":2821,"499":2840,"500":2848,"501":2851,"502":2854,"503":2856,"504":2859,"505":2870,"506":2876,"507":2886,"508":2890,"509":2895,"510":2898,"511":2901,"512":2904,"513":2907,"514":2915,"515":2917,"516":2924,"517":2925,"518":2927,"519":2929,"520":2934,"521":2939,"522":2951,"523":2954,"524":2955,"525":2958,"526":2960,"527":2962,"528":2964,"529":2968,"530":2970,"531":2975,"532":2976,"533":2981,"534":2983,"535":2987,"536":2999,"537":3004,"538":3007,"539":3009,"540":3022,"541":3025,"542":3027,"543":3030,"544":3033,"545":3045,"546":3047,"547":3052,"548":3055,"549":3059,"550":3063,"551":3065,"552":3072,"553":3077,"554":3081,"555":3083,"556":3086,"557":3086,"558":3089,"559":3109,"560":3114,"561":3117,"562":3119,"563":3121,"564":3123,"565":3130,"566":3134,"567":3142,"568":3144,"569":3147,"570":3149,"571":3154,"572":3157,"573":3167,"574":3170,"575":3176,"576":3189,"577":3192,"578":3195,"579":3197,"580":3200,"581":3203,"582":3219,"583":3229,"584":3231,"585":3236,"586":3243,"587":3246,"588":3250,"589":3251,"590":3253,"591":3255,"592":3264,"593":3268,"594":3282,"595":3284,"596":3289,"597":3292,"598":3297,"599":3303,"600":3307,"601":3309,"602":3312,"603":3317,"604":3321,"605":3331,"606":3333,"607":3339,"608":3350,"609":3353,"610":3358,"611":3359,"612":3362,"613":3385,"614":3387,"615":3391,"616":3406,"617":3411,"618":3416,"619":3420,"620":3424,"621":3427,"622":3431,"623":3434,"624":3436,"625":3440,"626":3442,"627":3450,"628":3455,"629":3456,"630":3465,"631":3470,"632":3474,"633":3480,"634":3483,"635":3485,"636":3486,"637":3487,"638":3489,"639":3498,"640":3507,"641":3517,"642":3520,"643":3524,"644":3532,"645":3535,"646":3541,"647":3543,"648":3545,"649":3551,"650":3556,"651":3560,"652":3563,"653":3567,"654":3570,"655":3573,"656":3574,"657":3578,"658":3593,"659":3599,"660":3622,"661":3640,"662":3644,"663":3654,"664":3657,"665":3661,"666":3669,"667":3672,"668":3682,"669":3687,"670":3688,"671":3690,"672":3692,"673":3695,"674":3697,"675":3700,"676":3720,"677":3724,"678":3729,"679":3733,"680":3734,"681":3738,"682":3744,"683":3752,"684":3754,"685":3756,"686":3761,"687":3770,"688":3774,"689":3794,"690":3812,"691":3817,"692":3819,"693":3832,"694":3835,"695":3841,"696":3843,"697":3846,"698":3854,"699":3857,"700":3859,"701":3867,"702":3878,"703":3880,"704":3891,"705":3895,"706":3896,"707":3896,"708":3901,"709":3902,"710":3902,"711":3903,"712":3905,"713":3908,"714":3923,"715":3925,"716":3931,"717":3942,"718":3944,"719":3949,"720":3960,"721":3965,"722":3971,"723":3973,"724":3983,"725":4001,"726":4005,"727":4018,"728":4027,"729":4039,"730":4041,"731":4050,"732":4056,"733":4062,"734":4066,"735":4073,"736":4076,"737":4086,"738":4092,"739":4119,"740":4154,"741":4162,"742":4171,"743":4177,"744":4179,"745":4184,"746":4187,"747":4201,"748":4209,"749":4211,"750":4213,"751":4217,"752":4222,"753":4224,"754":4247,"755":4252,"756":4259,"757":4262,"758":4265,"759":4289,"760":4301,"761":4306,"762":4324,"763":4330,"764":4333,"765":4335,"766":4337,"767":4343,"768":4343,"769":4366,"770":4395,"771":4396,"772":4398,"773":4405,"774":4408,"775":4410,"776":4413,"777":4455,"778":4458,"779":4477,"780":4488,"781":4492,"782":4498,"783":4508,"784":4515,"785":4535,"786":4545,"787":4550,"788":4555,"789":4561,"790":4571,"791":4577,"792":4581,"793":4604,"794":4618,"795":4618,"796":4619,"797":4625,"798":4629,"799":4638,"800":4642,"801":4669,"802":4674,"803":4676,"804":4680,"805":4684,"806":4688,"807":4694,"808":4713,"809":4717,"810":4736,"811":4763,"812":4766,"813":4771,"814":4777,"815":4789,"816":4807,"817":4813,"818":4815,"819":4819,"820":4820,"821":4824,"822":4827,"823":4828,"824":4829,"825":4831,"826":4834,"827":4838,"828":4842,"829":4843,"830":4846,"831":4852,"832":4856,"833":4858,"834":4865,"835":4869,"836":4871,"837":4874,"838":4878,"839":4881,"840":4886,"841":4888,"842":4891,"843":4892,"844":4903,"845":4905,"846":4909,"847":4911,"848":4915,"849":4926,"850":4931,"851":4939,"852":4944,"853":4947,"854":4949,"855":4952,"856":4955,"857":4958,"858":4961,"859":4966,"860":4983,"861":4988,"862":4994,"863":5006,"864":5039,"865":5041,"866":5051,"867":5058,"868":5103,"869":5108,"870":5111,"871":5115,"872":5131,"873":5159,"874":5167,"875":5168,"876":5173,"877":5177,"878":5180,"879":5182,"880":5184,"881":5187,"882":5197,"883":5202,"884":5204,"885":5206,"886":5207,"887":5228,"888":5245,"889":5253,"890":5257,"891":5259,"892":5260,"893":5265,"894":5269,"895":5273,"896":5276,"897":5278,"898":5287,"899":5289,"900":5291,"901":5293,"902":5296,"903":5298,"904":5299,"905":5301,"906":5301,"907":5303,"908":5309,"909":5311,"910":5317,"911":5319,"912":5320,"913":5323,"914":5325,"915":5327,"916":5329,"917":5331,"918":5334,"919":5335,"920":5336,"921":5338,"922":5342,"923":5344,"924":5346,"925":5349,"926":5350,"927":5351,"928":5352,"929":5359,"930":5361,"931":5362,"932":5370},"number_max":932,"number_pages":{"22":1,"25":2,"65":3,"72":4,"77":5,"79":6,"84":7,"87":8,"92":9,"98":10,"105":11,"113":12,"129":13,"131":14,"133":15,"140":16,"141":17,"144":18,"170":19,"174":20,"177":21,"179":22,"184":23,"190":24,"193":25,"205":26,"215":27,"218":28,"219":29,"234":30,"237":31,"238":32,"246":33,"253":34,"257":35,"261":36,"265":37,"268":38,"270":39,"275":40,"300":41,"303":42,"306":43,"307":44,"311":45,"320":46,"324":47,"327":48,"330":49,"339":50,"345":51,"354":52,"365":53,"371":54,"386":55,"391":56,"399":57,"411":58,"449":59,"456":60,"479":61,"486":62,"490":63,"495":64,"497":65,"504":66,"505":68,"511":69,"518":70,"520":71,"522":73,"524":74,"526":75,"528":76,"530":77,"537":78,"539":79,"543":80,"545":81,"550":82,"553":84,"556":85,"558":86,"560":88,"561":89,"571":90,"573":91,"574":92,"575":94,"577":95,"579":96,"582":97,"583":98,"584":99,"587":100,"588":101,"591":102,"593":103,"616":104,"622":105,"625":106,"629":107,"633":108,"634":109,"638":110,"642":111,"646":112,"650":113,"654":114,"656":115,"664":116,"673":117,"676":118,"704":119,"708":121,"718":122,"720":123,"725":124,"751":125,"757":126,"779":127,"785":128,"789":129,"790":130,"796":131,"800":132,"808":133,"813":134,"815":135,"817":136,"821":137,"824":138,"827":139,"828":140,"829":141,"837":142,"838":143,"843":144,"849":145,"851":146,"858":147,"862":148,"867":149,"870":150,"875":151,"878":152,"880":153,"884":154,"885":155,"887":156,"888":157,"891":158,"900":159,"903":160,"905":161,"906":162,"907":163,"908":164,"911":165,"914":166,"927":167,"929":168,"935":169,"939":170,"940":171,"943":172,"945":173,"947":174,"966":175,"981":176,"990":177,"996":178,"999":179,"1007":180,"1011":181,"1015":182,"1021":183,"1024":184,"1028":185,"1029":186,"1060":187,"1063":188,"1095":189,"1135":190,"1144":191,"1149":192,"1151":193,"1153":194,"1156":195,"1159":196,"1162":197,"1164":198,"1167":199,"1172":200,"1195":201,"1198":202,"1200":203,"1203":204,"1205":205,"1209":206,"1232":207,"1237":208,"1240":209,"1244":210,"1246":211,"1250":212,"1255":213,"1263":214,"1269":215,"1278":216,"1282":217,"1286":218,"1288":219,"1290":220,"1304":221,"1328":222,"1353":223,"1368":224,"1374":225,"1384":226,"1397":227,"1400":228,"1404":229,"1411":230,"1416":231,"1422":232,"1430":233,"1434":234,"1437":235,"1440":236,"1442":237,"1445":238,"1446":239,"1450":240,"1459":241,"1461":242,"1463":243,"1467":244,"1469":245,"1483":246,"1493":247,"1500":248,"1503":249,"1507":250,"1510":251,"1519":252,"1554":253,"1570":254,"1576":255,"1579":256,"1582":257,"1589":258,"1591":259,"1601":260,"1605":261,"1609":262,"1614":263,"1622":264,"1628":265,"1632":266,"1634":267,"1669":268,"1675":269,"1679":270,"1683":271,"1686":272,"1689":273,"1691":274,"1694":275,"1696":276,"1698":277,"1700":278,"1703":279,"1704":280,"1724":281,"1726":282,"1729":283,"1732":284,"1733":285,"1735":286,"1737":287,"1739":288,"1742":289,"1745":291,"1760":292,"1761":293,"1768":294,"1772":295,"1775":296,"1780":297,"1781":298,"1782":299,"1785":300,"1787":301,"1791":302,"1796":303,"1820":304,"1822":305,"1825":306,"1828":307,"1830":308,"1832":309,"1837":310,"1839":311,"1843":312,"1845":313,"1848":315,"1852":316,"1854":317,"1857":318,"1873":319,"1881":320,"1894":321,"1916":322,"1924":323,"1931":324,"1933":325,"1935":326,"1937":327,"1945":328,"1947":329,"1951":330,"1960":331,"1962":332,"1964":333,"1968":334,"1970":335,"1972":336,"1974":337,"1978":338,"1982":339,"1995":340,"2012":341,"2023":342,"2024":343,"2038":344,"2041":345,"2047":346,"2050":347,"2067":348,"2078":349,"2083":350,"2087":351,"2088":352,"2095":353,"2099":354,"2102":355,"2108":356,"2110":357,"2114":358,"2118":359,"2122":360,"2154":361,"2157":362,"2162":363,"2172":364,"2178":365,"2180":366,"2183":367,"2187":368,"2189":369,"2190":370,"2194":371,"2202":372,"2208":373,"2215":374,"2218":375,"2221":376,"2227":377,"2233":378,"2238":379,"2240":380,"2242":381,"2244":382,"2248":383,"2250":384,"2252":385,"2257":386,"2264":387,"2268":388,"2270":389,"2272":390,"2284":391,"2286":392,"2290":393,"2296":394,"2297":395,"2304":396,"2315":397,"2327":398,"2337":399,"2344":400,"2350":401,"2358":402,"2359":403,"2365":404,"2372":405,"2375":406,"2378":407,"2389":408,"2394":409,"2398":410,"2403":411,"2406":412,"2408":414,"2409":415,"2417":416,"2428":417,"2431":418,"2436":419,"2441":420,"2445":421,"2447":422,"2450":423,"2454":424,"2457":425,"2461":426,"2465":427,"2473":428,"2475":429,"2478":430,"2481":431,"2483":432,"2484":433,"2487":434,"2494":435,"2499":436,"2505":437,"2506":438,"2517":439,"2521":440,"2523":441,"2526":442,"2528":443,"2537":444,"2542":445,"2559":446,"2567":447,"2570":448,"2577":449,"2581":450,"2583":451,"2590":452,"2592":453,"2599":454,"2602":455,"2606":456,"2609":457,"2611":458,"2613":459,"2614":460,"2615":461,"2617":462,"2618":463,"2620":464,"2625":465,"2634":466,"2641":467,"2661":468,"2665":469,"2669":471,"2678":472,"2687":473,"2697":474,"2710":475,"2721":476,"2731":477,"2738":478,"2747":479,"2749":480,"2754":481,"2757":482,"2764":483,"2771":484,"2779":485,"2782":486,"2789":487,"2793":488,"2796":489,"2797":490,"2800":491,"2803":492,"2804":493,"2808":494,"2812":495,"2815":496,"2818":497,"2821":498,"2840":499,"2848":500,"2851":501,"2854":502,"2856":503,"2859":504,"2870":505,"2876":506,"2886":507,"2890":508,"2895":509,"2898":510,"2901":511,"2904":512,"2907":513,"2915":514,"2917":515,"2924":516,"2925":517,"2927":518,"2929":519,"2934":520,"2939":521,"2951":522,"2954":523,"2955":524,"2958":525,"2960":526,"2962":527,"2964":528,"2968":529,"2970":530,"2975":531,"2976":532,"2981":533,"2983":534,"2987":535,"2999":536,"3004":537,"3007":538,"3009":539,"3022":540,"3025":541,"3027":542,"3030":543,"3033":544,"3045":545,"3047":546,"3052":547,"3055":548,"3059":549,"3063":550,"3065":551,"3072":552,"3077":553,"3081":554,"3083":555,"3086":557,"3089":558,"3109":559,"3114":560,"3117":561,"3119":562,"3121":563,"3123":564,"3130":565,"3134":566,"3142":567,"3144":568,"3147":569,"3149":570,"3154":571,"3157":572,"3167":573,"3170":574,"3176":575,"3189":576,"3192":577,"3195":578,"3197":579,"3200":580,"3203":581,"3219":582,"3229":583,"3231":584,"3236":585,"3243":586,"3246":587,"3250":588,"3251":589,"3253":590,"3255":591,"3264":592,"3268":593,"3282":594,"3284":595,"3289":596,"3292":597,"3297":598,"3303":599,"3307":600,"3309":601,"3312":602,"3317":603,"3321":604,"3331":605,"3333":606,"3339":607,"3350":608,"3353":609,"3358":610,"3359":611,"3362":612,"3385":613,"3387":614,"3391":615,"3406":616,"3411":617,"3416":618,"3420":619,"3424":620,"3427":621,"3431":622,"3434":623,"3436":624,"3440":625,"3442":626,"3450":627,"3455":628,"3456":629,"3465":630,"3470":631,"3474":632,"3480":633,"3483":634,"3485":635,"3486":636,"3487":637,"3489":638,"3498":639,"3507":640,"3517":641,"3520":642,"3524":643,"3532":644,"3535":645,"3541":646,"3543":647,"3545":648,"3551":649,"3556":650,"3560":651,"3563":652,"3567":653,"3570":654,"3573":655,"3574":656,"3578":657,"3593":658,"3599":659,"3622":660,"3640":661,"3644":662,"3654":663,"3657":664,"3661":665,"3669":666,"3672":667,"3682":668,"3687":669,"3688":670,"3690":671,"3692":672,"3695":673,"3697":674,"3700":675,"3720":676,"3724":677,"3729":678,"3733":679,"3734":680,"3738":681,"3744":682,"3752":683,"3754":684,"3756":685,"3761":686,"3770":687,"3774":688,"3794":689,"3812":690,"3817":691,"3819":692,"3832":693,"3835":694,"3841":695,"3843":696,"3846":697,"3854":698,"3857":699,"3859":700,"3867":701,"3878":702,"3880":703,"3891":704,"3895":705,"3896":707,"3901":708,"3902":710,"3903":711,"3905":712,"3908":713,"3923":714,"3925":715,"3931":716,"3942":717,"3944":718,"3949":719,"3960":720,"3965":721,"3971":722,"3973":723,"3983":724,"4001":725,"4005":726,"4018":727,"4027":728,"4039":729,"4041":730,"4050":731,"4056":732,"4062":733,"4066":734,"4073":735,"4076":736,"4086":737,"4092":738,"4119":739,"4154":740,"4162":741,"4171":742,"4177":743,"4179":744,"4184":745,"4187":746,"4201":747,"4209":748,"4211":749,"4213":750,"4217":751,"4222":752,"4224":753,"4247":754,"4252":755,"4259":756,"4262":757,"4265":758,"4289":759,"4301":760,"4306":761,"4324":762,"4330":763,"4333":764,"4335":765,"4337":766,"4343":768,"4366":769,"4395":770,"4396":771,"4398":772,"4405":773,"4408":774,"4410":775,"4413":776,"4455":777,"4458":778,"4477":779,"4488":780,"4492":781,"4498":782,"4508":783,"4515":784,"4535":785,"4545":786,"4550":787,"4555":788,"4561":789,"4571":790,"4577":791,"4581":792,"4604":793,"4618":795,"4619":796,"4625":797,"4629":798,"4638":799,"4642":800,"4669":801,"4674":802,"4676":803,"4680":804,"4684":805,"4688":806,"4694":807,"4713":808,"4717":809,"4736":810,"4763":811,"4766":812,"4771":813,"4777":814,"4789":815,"4807":816,"4813":817,"4815":818,"4819":819,"4820":820,"4824":821,"4827":822,"4828":823,"4829":824,"4831":825,"4834":826,"4838":827,"4842":828,"4843":829,"4846":830,"4852":831,"4856":832,"4858":833,"4865":834,"4869":835,"4871":836,"4874":837,"4878":838,"4881":839,"4886":840,"4888":841,"4891":842,"4892":843,"4903":844,"4905":845,"4909":846,"4911":847,"4915":848,"4926":849,"4931":850,"4939":851,"4944":852,"4947":853,"4949":854,"4952":855,"4955":856,"4958":857,"4961":858,"4966":859,"4983":860,"4988":861,"4994":862,"5006":863,"5039":864,"5041":865,"5051":866,"5058":867,"5103":868,"5108":869,"5111":870,"5115":871,"5131":872,"5159":873,"5167":874,"5168":875,"5173":876,"5177":877,"5180":878,"5182":879,"5184":880,"5187":881,"5197":882,"5202":883,"5204":884,"5206":885,"5207":886,"5228":887,"5245":888,"5253":889,"5257":890,"5259":891,"5260":892,"5265":893,"5269":894,"5273":895,"5276":896,"5278":897,"5287":898,"5289":899,"5291":900,"5293":901,"5296":902,"5298":903,"5299":904,"5301":906,"5303":907,"5309":908,"5311":909,"5317":910,"5319":911,"5320":912,"5323":913,"5325":914,"5327":915,"5329":916,"5331":917,"5334":918,"5335":919,"5336":920,"5338":921,"5342":922,"5344":923,"5346":924,"5349":925,"5350":926,"5351":927,"5352":928,"5359":929,"5361":930,"5362":931,"5370":932}},"pages":[{"text":"موسوعة\nأحكام الطهارة\nأدلة ومسائل وقواعد وضوابط\n\nالقسم الأول\nطهارة الحدث\n\nالمجلد الأول\nأحكام المياه\n\nتأليف\nدبيان بن محمد الدبيان","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة الطبعة الثالثة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، القائل في كتابه:\n(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: ٧٩].\nوأصلي وأسلم على عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، محمد بن عبد الله، وعلى آل بيته، وعلى صحابته، ومن اقتدى بهديهم إلى يوم الدين، أما بعد.\nفقد كان كتابي أحكام الطهارة، أول كتبي تأليفًا، وكأي عمل تطرقه لأول مرة يكون فيه ما يوجب المراجعة، ذلك أن الإنسان كل ما كثرت ممارسته للكتابة زادت مهارته، وارتقت خبرته، لهذا كنت أمارس النقد على كتابتي، وأكتشف الأخطاء بنفسي، فكان ذلك يجمع في نفسي النقيضين: كراهة الخطأ والفرح بالتغير الذي يمن الله به على عبده، وكنت قد كتبت أحكام الطهارة وأنا شاب في منتصف الثلاثينيات من عمري، فكنت كل ما راجعت بعض مسائله التي بحثتها أدركت حاجة الكتاب إلى مراجعة شاملة، وكنت أعتذر لنفسي عن مراجعته بأني مشغول في كتاب المعاملات المالية، وحين من الله علي بإتمامه، وهممت أن أبدأ بكتاب الصلاة رأيت لزامًا علي أن أعيد النظر في كتاب الطهارة بعد سبع عشرة سنة من كتابة أغلب بحوثه، لهذا عملت مراجعة شاملة للكتاب اختلف فيها هذا الكتاب عن سابقه شكلًا ومضمونًا، مما جعلني أعتبر هذه الطبعة هي المعتمدة لكتابي أحكام الطهارة، وناسخة لغيرها، وقد اشتملت هذه المراجعة على الأمور التالية:","vol":"1","page":5},{"text":"(١) أضفت في مدخل كل مسألة مجموعة من الضوابط والقواعد الفقهية التي تعين على فهم الخلاف والوصول إلى الراجح، ليكون الكتاب شاملًا للأحاديث والآثار، والمسائل الفقهية، والضوابط والقواعد الفقهية والأصولية.\nفما كان منها محل وفاق جزمت به، وما كان منها محل خلاف، ذكرت الصيغة إما على سبيل الاستفهام، وأغلب هذه الضوابط منقولة، وبعضها حورته ليناسب المسألة الفقهية، وفي قليل منها اجتهدت في صياغته، وفي حين أعرض هذه الضوابط على شكل سؤال لاستثارة الأفهام.\nمثال:\n• إذا اختلط طاهر بماء مطلق، فتغير به، فهل يسلبه الطهورية بمطلق التغير؟ أو لا حتى يغلب على أجزائه؟\n• اختصاص الماء بالطهورية، هل هو تعبد لا يعقل معناه، أو لاختصاصه بنوع من الرقة واللطافة والنفوذ؟\n• ما غلب على لون الماء، فإن كان موافقًا للماء في الطهارة والتطهير كالتغير بالتراب لم يسلبه واحدة منها، وإن كان مخالفًا للماء في الطهارة والتطهير كالتغير بالنجاسة سلبه الوصفين معًا، وإن كان موافقًا للماء في الطهارة دون التطهير لم يسلبه الطهارة لموافقته لها، وهل يسبله الطهورية بمطلق التغير، أو لا حتى يغلب على أجزائه؟\nوربما أشرت إلى الخلاف بقولي: على الصحيح، أو في الأصح.\nمثال ذلك:\n-الحكم بنجاسة الماء هو تغيره بالنجاسة، لا اتصاله بها على الصحيح؟\n- كل عين نجسة فإنه يجوز الانتفاع بها في غير الأكل على الصحيح على وجه لا يتعدى.","vol":"1","page":6},{"text":"-الاستحالة لها تأثير في الأحكام على الصحيح، فاستحالة الطيب إلى خبيث تجعله خبيثًا، كذا استحالة الخبيث إلى طاهر تجعله طاهرًا.\nوفي أحيان قليلة يكون الخلاف ضعيفًا فلا أشير إليه في ذكر القاعدة.\nولم أتعرض إلى شرح الضوابط والقواعد، ولا إلى توثيقها لأن ذلك سوف يزيد من حجم الكتاب، والكتاب لا يشكو من قلة حجمه، خاصة أن الكتاب لم يكتب في القواعد، وإنما أضيفت لتخدم المسألة الفقهية، فهي ثانوية في مادة الكتاب.\nوقد أكرر القاعدة والضابط في أكثر من موضع؛ لأنه من المعلوم أن القاعدة والضابط يدخل فيهما فروع فقهية كثيرة، فقواعد الماء المتغير يشمل مسائل كثيرة، منها الماء المتغير بمكثه، والماء المتغير بما يشق صون الماء عنه، والماء المتغير بممازج وبغير ممازج، والماء المتغير بالمجاورة، وقواعد هذه المسائل متكررة، لهذا حاولت قدر الإمكان أن أقسم القواعد على تلك المسائل بعدًا عن التكرار، أو أن أغير من صيغة القاعدة عند التكرار بحيث تشتمل على زيادة معنى ليس في غيرها إن أمكن ذلك، وإلا أعدتها بصيغتها، ويدرك القارئ طبيعة تكرار القواعد للفروع المتشابهة.\n(٢) أعدت تخريج جميع الأحاديث التي سبق أن خرجتها، فكان هناك مجموعة تراجعت فيها عن حكمي السابق، وما لم أراجع فيه حكمي فقد أعدت صياغته بطريقة تكون الصناعة الحديثية أوضح وأسهل للطالب.\n(٣) راجعت بعض ترجيحاتي الفقهية السابقة اتباعًا للحق متى ما ظهر، وابتعادًا عن التعصب.\n(٤) حاولت قدر الإمكان التقليل من الأخطاء، والتي كانت كثيرة في الطبعة السابقة.","vol":"1","page":7},{"text":"وأسأل الله ﷾ أن يتقبل مني هذا العمل وأن يجعله خالصًا لوجهه على هدي نبيه ﷺ، وأن يتجاوز سبحانه عن الخطأ والتقصير.\nدبيان بن محمد الدبيان\nالمملكة العربية السعودية\nالقصيم - بريدة\n* * *","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>القسم الأول طهارة الحدث</span>","vol":"1","page":9},{"text":"طهارة الحدث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>كتاب المياه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الطهارة لدى الفقهاء على ثلاثة أقسام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>القسم الأول: طهارة تعبدية غير معقولة المعنى:</span>\nوهي الطهارة من الحدث، بنوعيه الأصغر والأكبر.\nوقدمت دراسة هذه الطهارة لفضلها على سائر أنواع الطهارات، من ذلك:\nأنها طهارة مختصة بالمسلم، بخلاف طهارة الخبث، فلا يشترط لها الإسلام، فبدن الكافر ولباسه يوصف بالطهارة الحسية، ولكنه لا تصح منه طهارة الحدث.\nولأن طهارة الحدث شطر الإيمان كما في صحيح مسلم.\nوهي عبادة مقصودة لذاتها، ووسيلة لبعض العبادات كالصلاة، والطواف ومس المصحف.\nوإذا توضأ المسلم فقد جمع في ذلك بين طهارة بدنه من الحدث، وطهارته من صغائر الذنوب، فقد جاء في صحيح مسلم أنها تخرج مع الماء أو مع آخر قطر الماء.\nلهذه الأسباب وغيرها قدمتها على طهارة الخبث.\nويدخل في طهارة الحدث الكتب التالية:\nالكتاب الأول: أحكام المياه، وقدمته باعتباره الوسيلة للحصول على طهارة الحدث.\nالكتاب الثاني: جعلته في فعل التطهير، وبدأته في الطهارة الصغرى، تناولت فيه الوضوء، فرائضه وسننه ونواقضه.\nالكتاب الثالث: طهارة المسح بالماء في الطهارة الصغرى، وهو جزء من طهارة الوضوء؛ إلا أنها طهارة مخففة يكفي فيها المسح بدلًا من الغسل، من خف وعمامة وجورب، وجبيرة.","vol":"1","page":10},{"text":"الكتاب الرابع: في الطهارة من الحدث الأكبر، وتناولت فيه الغسل، موجباته، وسننه، وصفته.\nالكتاب الخامس: في طهارة التيمم، وهي مختصة بطهارة الحدث على الصحيح، وأخرتها باعتبارها طهارة بدل، لا تصح إلا عند عدم الماء أو التضرر من استعماله، وتدخل في الطهارة الصغرى والكبرى.\nوبهذا تنتهي طهارة الحدث لننتقل إلى القسم الثاني من الطهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>القسم الثاني من الطهارة: وهي الطهارة الحسية</span>.\nوهي محصورة في الطهارة من النجاسات، وهذا القسم يشمل الكتب التالية:\nالكتاب الأول: معرفة الأعيان النجسة وكيفية الطهارة منها،، وقدمت هذا الكتاب في الطهارة من النجاسة؛ لأنه يتعين قبل الدخول في التطهر من النجاسات أن نتعرف على أعيانها، ثم ندخل إلى كيفية التطهر منها.\nالكتاب الثاني: الطهارة بالاستنجاء والاستجمار. وهذا الكتاب داخل في قسم كيفية الطهارة من النجاسة، إلا أنه مختص بنوع من النجاسات وهي البول والغائط.\nالكتاب الثالث والرابع: الحيض والنفاس. وهو مختص في الطهارة من الدماء الطبيعية، وهذه الطهارة تجمع بين طهارة الحدث وطهارة الخبث، وإنما جعلتها في طهارة الخبث؛ لتقدمها على طهارة الحدث، ولترتب طهارة الحدث عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>القسم الثالث: طهارة التفث</span>.\nوهي ملحقة بالطهارة الحسية إلا أنها ليست عن حدث، ولا عن خبث، وسميت شرعًا، بسنن الفطرة، كتقليم الأظفار، والختان، والاستحداد، وقص الشارب، وغسل البراجم.\nويدخل فيها كل غسل لا يوجبه حدث، ولا خبث، كغسل الجمعة، وغسل الإحرام، وغسل الطواف، والعيدين، إلا أنني ورغبة في وحدة الموضوع لم أفصل الأغسال المستحبة عن الأغسال الواجبة.\nهذه الكتب التي سوف تدخل في أحكام الطهارة، وأول ما أستفتح فيه طهارة الحدث هو كتاب المياه، وإنما استفتحت طهارة الحدث بهذا الكتاب، لأن طهارة الحدث","vol":"1","page":11},{"text":"تنقسم إلى قسمين:\nطهارة أصلية: وهذه لا تكون إلا بالماء، فإذا كان الماء هو الوسيلة للحصول على هذه الطهارة، تعين تقديمه قبل الخوض في أحكام الطهارة؛ وذلك من أجل معرفة صفة الماء الطهور من غيره، وما يسلبه الطهورية قبل الدخول في التطهير.\nوطهارة بدل: وهذه طهارة التيمم، ويشترط لصحتها عدم الماء، أو الخوف من استعماله.\n• خطة البحث في هذا الكتاب\nأحكام المياه يقوم على تمهيد، وأبواب، ويشتمل كل باب منها على فصول، يتفرع منه مباحث وفروع ومسائل، على النحو التالي:\nالتمهيد، ويشتمل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الطهارة.\nالمبحث الثاني: تعريف النجاسة.\nالمبحث الثالث: الأصل في المياه.\nالباب الأول: في أقسام المياه.\nالباب الثاني: الوضوء بالماء المحرم كالمغصوب ونحوه.\nالباب الثالث: حكم رفع الحدث وإزالة الخبث من ماء زمزم.\nالباب الرابع: في الماء المتغير، وفيه فصول.\nالفصل الأول: في الماء المتغير بالطاهرات.\nوفيه مباحث.\nالمبحث الأول: الماء المتغير بطاهر غير ممازج.\nالفرع الأول: التغير بغير ممازج لا يشمل اللون والطعم.\nالفرع الثاني: في حكم الماء إذا تغير بطاهر غير ممازج.\nالمبحث الثاني: الماء المتغير بطاهر يشق صون الماء عنه.\nالمبحث الثالث: الماء المتغير بطول مكثه.","vol":"1","page":12},{"text":"المبحث الرابع: في الماء المالح.\nالفرع الأول: في تغير الماء بملح موضوع فيه.\nالفرع الثاني: الخلاف في طهورية ماء البحر.\nالمبحث الخامس: إذا تغير الماء بشيء طاهر.\nوفيه فرعان:\nالفرع الأول: الماء المتغير بطاهر يمكن التحرز منه.\nالفرع الثاني: خلاف العلماء في الطهارة بالنبيذ.\nالفصل الثاني: الماء المتغير بالنجاسة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الماء المتغير بمجاورة نجاسة.\nالفرع الأول: المقصود من التغير بالمجاورة.\nالفرع الثاني: حكم الماء المتغير بالمجاورة.\nالمبحث الثاني: الماء المتغير بممازجة النجاسة.\nالباب الخامس: في الماء المستعمل.\nالفصل الأول: حكم الماء المستعمل في رفع الحدث.\nالمبحث الأول: في تعريف الماء المستعمل.\nالمبحث الثاني: خلاف العلماء في الماء المستعمل في رفع الحدث.\nالفصل الثاني: الماء المستعمل في طهارة مستحبة.\nالفصل الثالث: الماء المستعمل في طهارة غير مشروعة.\nالفصل الرابع: الماء المستعمل في التبرد والنظافة.\nالفصل الخامس: الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم.\nالفرع الأول: حكم غسل اليد قبل إدخالها الإناء.\nالفرع الثاني: في التماس العلة في غسل اليد قبل إدخالها الإناء.\nالفرع الثالث: هل يختص الحكم في القيام من نوم الليل أو يشمل كل نوم.","vol":"1","page":13},{"text":"الفصل السادس: الماء المستعمل في إزالة النجاسة.\nالباب السادس: في الطهارة من فضل الوضوء.\nالفصل الأول: حكم وضوء الرجال والنساء جميعًا إذا كانوا من المحارم.\nالفصل الثاني: في فضل وضوء المرأة.\nالفصل الثالث: في الوضوء بفضل الرجل.\nالباب السابع: في الشك والاشتباه.\nالفصل الأول: في حكم الماء ونحوه إذا كان مشكوكًا فيه.\nالفصل الثاني: إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس.\nالفصل الثالث: إذا اشتبه ماء طهور بماء طاهر.\nالفصل الرابع: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بمحرمة أو نجسة.\nالفصل الخامس: في الإخبار بنجاسة الماء.\nالمبحث الأول: إذا أخبره رجل أو امرأة بنجاسة الماء.\nالمبحث الثاني: إذا أخبره صبي عن طهارة أو نجاسة الماء.\nالمبحث الثالث: إذا أخبره فاسق عن نجاسة الماء.\nالمبحث الرابع: في السؤال عن الماء.\nالباب الثامن: في الماء النجس.\nالفصل الأول: في الماء القليل إذا لاقته نجاسة ولم يتغير.\nالفصل الثاني: في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة.\nالمبحث الأول: في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره.\nالمبحث الثاني: في الماء الكثير إذا غيرته النجاسة.\nالفرع الأول: في الكلام على بئر المقبرة.\nالفرع الثاني: في الوضوء من بئر ثمود.\nالفصل الثالث: في المائع غير المائي تخالطه النجاسة.","vol":"1","page":14},{"text":"الفصل الرابع: في الماء المسخن.\nالمبحث الأول: الماء المسخن بنجاسة.\nالمبحث الثاني: الماء المسخن بالشمس.\nالباب التاسع: في تطهير الماء المتنجس.\nالمبحث الأول: نجاسة الماء نجاسة حكمية.\nالمبحث الثاني: خلاف العلماء في كيفية تطهير الماء المتنجس.\nالباب العاشر: في الآنية.\nتمهيد.\nالفصل الأول: في الأواني الثمينة من غير الذهب والفضة.\nالفصل الثاني: في الأواني من الذهب والفضة.\nالمبحث الأول: في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة.\nالمبحث الثاني: في استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.\nالمبحث الثالث: في الطهارة من آنية الذهب والفضة.\nالمبحث الرابع: في اتخاذ أواني الذهب والفضة.\nالفصل الثالث: في الأواني المضببة بالذهب والفضة.\nالمبحث الأول: في تضبيب الأواني بالذهب.\nالفرع الأول: في تعريف الضبة.\nالفرع الثاني: في حكم تضبيب الأواني بالذهب.\nالمبحث الثاني: خلاف العلماء في التضبيب بالفضة.\nالفصل الرابع: في آنية الكفار.\nالفصل الخامس: في الأواني المتخذة من جلود الميتة.\nالمبحث الأول: في الأواني المتخذة من جلود الميتة.\nالمبحث الثاني: في الآنية المتخذة من عظام الميتة وقرنها وحافرها.","vol":"1","page":15},{"text":"المبحث الثالث: في الآنية المتخذة من شعر الميتة، وصوفها ووبرها.\nهذه خريطة البحث في كتاب المياه سائلًا المولى ﷾ أن يجعل العمل خالصًا لوجهه، وأن يتقبله مني بقبول حسن، وأن ينفع به، وأنه يجعله من العمل الصالح الذي لا ينقطع، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\n* * *","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>تمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الأول تعريف الطهارة</span>\nتعريف الطهارة اصطلاحًا (^١):\n_________\n(^١) أما تعريف الطهارة لغةً، فسوف أذكر من التعريفات اللغوية ما يحتاج إليها في الفقه، وما يعين على ضبط الشكل، وأما بقي المعاني اللغوية فيجدها القارئ في كتب اللغة، وليس هذا من مظان بحثها طلبًا للاختصار.\nالفعل: (طهر) فعل ماض على وزن (فَعَل وفَعُل) بفتح العين وضمها من بابي قتل وقرب. والمصدر: طَهَارة. والاسم: الطُّهر بضم الطاء: وهو النقاء من الدنس والنجس.\nقال أهل اللغة: الطُهور بالضم التطهر (الفعل)، وبالفتح اسم ما يتطهر به من الماء أو الصعيد، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨] وقال ﷺ: التراب طَهور المسلم. ومثله: الوَضُوء اسم للماء والوُضُوء الفعل. والسَحُور اسم لما يتسحر به من طعام وشراب، والسُحُور الفعل. ومثله السَّعوط. قال تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) [الإنسان: ٢١]. اسم للماء وقال النبي ﷺ: لا يقبل الله صلاة امرئ بغير طُهور. اسم للفعل.\nقال الأزهري: الطَهور في اللغة: هو الطاهر المطهر؛ لأنه لا يكون طَهُورًا إلا وهو يتطهر به، كالوضوء: لما يتوضأ به، والفَطور لما يفطر به، وسئل رسول الله ﷺ عن ماء البحر، فقال: هو الطَهور ماؤه، الحل ميتته: أي الطاهر المطهر.\nوقال سيبويه: الطَهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا.\nوامرأة: طاهر: أي من الحيض، وإذا قيل: طاهرة أي من الأدناس، كما يقال: امرأة حامل وحائض فيما لا يشاركها فيه الرجل فلا يحتاج إلى تاء التأنيث، بخلاف حاملة أي لمتاعها فرقًا بين المذكر والمؤنث. انظر لسان العرب (٤/ ٥٠٤، ٥٠٥)، تاج العروس (١٢/ ٤٤٦)، القاموس المحيط (ص: ٥٥٤)، العين (٤/ ١٨، ١٩)، مختار الصحاح (٢/ ٣٧٩)، المصباح المنير (ص: ١٦٩)، وانظر أنيس الفقهاء (ص: ٤٦)، طلبة الطلبة (ص: ٢٤).","vol":"1","page":17},{"text":"• تعريف الحنفية:\nقال في الجوهرة النيرة: الطهارة: عبارة عن رفع حدث وإزالة نجس، حتى يسمى الدباغ والتيمم طهارة (^١).\nفشمل التعريف طهارتين: طهارة الحدث بالماء والتراب، كالوضوء والتيمم.\nوطهارة الخبث وذلك بإزالة النجاسة بمطهر، كالاستنجاء والدباغ.\n• تعريف المالكية:\nجاء في مواهب الجليل: تطلق الطهارة في الشرع على معنيين:\nأحدهما: الصفة الحكمية القائمة بالأعيان التي توجب لموصوفها استباحة الصلاة به أو فيه أوله، كما يقال: هذا الشيء طاهر.\nوالمعنى الثاني: إطلاق الطهارة على التطهير، وهو رفع الحدث وإزالة النجاسة، كما في قولهم: الطهارة واجبة.\nوفي كلام القرافي: أن المعنى الأول حقيقة، والثاني مجاز (^٢).\nواعترض ابن عرفة على من عرف الطهارة بالمعنى الثاني فقال: وقول المازري وغيره: الطهارة إزالة النجس، أو رفع مانع الصلاة بالماء أو في معناه، إنما يتناول التطهير، والطهارة غير التطهير لثبوتها فيما لم يتنجس، وفي المطهر بعد الإزالة (^٣).\nوالصحيح أن الطهارة كما تكون صفة للأعيان الطاهرة، تكون نتيجة للتطهير أيضًا. قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨]. أي طاهر. وقال تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) [الأنفال: ١١]. فالماء كما يوصف بأنه طهور في ذاته كذلك يحصل منه الطهارة بالتطهير.\n_________\n(^١) الجوهرة النيرة (١/ ٣)، وانظر البحر الرائق (١/ ٨)، والعناية شرح الهداية (١/ ١٢).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٤٣).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٤٣، ٤٤)، وانظر شرح حدود ابن عرفة (ص: ١٢)، الخرشي (١/ ٦٠، ٦١)، الفواكه الدواني (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":18},{"text":"• تعريف الشافعية والحنابلة:\nقالوا: الطهارة: هي ارتفاع الحدث، وما في معناه، وزوال الخبث (^١).\nوقد اشتمل التعريف على ثلاثة أقسام، كل منها يطلق عليه طهارة شرعية.\nالأول: رفع الحدث.\nالثاني: إزالة النجاسة.\nالثالث: ما في معناهما.\nفأما رفع الحدث: فلا شك أن ارتفاع الحدث يسمى طهارة شرعية، سواء كان الحدث أصغر أو أكبر، فإذا توضأ الإنسان أو اغتسل من الحدث فقد تطهر، قال تعالى، بعد أن ذكر طهارة الوضوء من الحدث الأصغر والأكبر، في طهارة الماء والتيمم (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].\nوفي مسلم من حديث ابن عمر: لا تقبل صلاة بغير طهور (^٢).\nوالذي لم يتطهر يقال له محدث بنص السنة.\n(١) فقد جاء في الصحيحين من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (^٣).\nالثاني من أقسام الطهارة: إزالة النجاسة.\nفإذا أزيلت النجاسة عن المحل فقد حصلت له طهارة شرعية من هذه النجاسة.\n_________\n(^١) انظر في كتب الشافعية: المجموع (١/ ١٢٣)، أسنى المطالب (١/ ٤)، شرح البهجة (١/ ١٣)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٩)، وانظر في كتب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٢٣)، المطلع على أبواب المقنع (ص: ٥).\n(^٢) مسلم (٢٢٤).\n(^٣) البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢/ ٢٢٥).","vol":"1","page":19},{"text":"(٢) روى مسلم في صحيحه من طريق محمد بن سيرين، وهمام بن منبه كلاهما\nعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (^١).\nفالطهارة التي ذكرها رسول الله ﷺ لهذا الإناء ليست من الحدث، ولكنها طهارة من الخبث، وهي النجاسة، ومع ذلك اعتبرها الشارع طهارة شرعية، بل لو قيل: إن الطهارة من النجاسة هي الأصل في إطلاق الطهارة لم يكن القول بعيدًا من حيث اللغة؛ لأن الطاهر عكس النجس، بخلاف طهارة الحدث فإنها ليست عن نجاسة، وقد لا يزال بها وساخة.\nوبهذه الأدلة تبين لنا أن رفع الحدث طهارة، وزوال النجاسة طهارة أيضًا. وقد جمع الله ﷾ طهارة الحدث، وطهارة النجاسة في آية واحدة في سورة البقرة على القول الصحيح. قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة: ١٢٢].\nفقوله سبحانه: (حَتَّى يَطْهُرْنَ). أي من النجاسة، التي هي انقطاع دم الحيض. وقوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ): أي من الحدث الأكبر بالغسل بعد الطهارة من الحيض.\nالنوع الثالث: هناك طهارة لا يرتفع بها الحدث، ولا تزال بها النجاسة، وهي مع ذلك طهارة شرعية. سماها الفقهاء: (في معنى ارتفاع الحدث)، وفي معنى إزالة النجاسة.\nفالطهارة التي في معنى ارتفاع الحدث كتجديد الوضوء، فهو طهارة شرعية، ومع ذلك لم يرتفع بها الحدث؛ لأن الحدث قد ارتفع، ومثله الأغسال المستحبة شرعًا، ومثله الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، ومثله تغسيل الميت.\nوالطهارة التي في معنى إزالة النجاسة طهارة المستحاضة، فإنه يحكم لها بالطهارة\n_________\n(^١) مسلم (٩١، ٢٩ - ٢٧٩).","vol":"1","page":20},{"text":"وإن كان الحدث مستمرًا، ومثله من به سلس بول، ومن قال: إن هذه استباحة وليست طهارة فالخلاف معه قريب من اللفظي (^١)؛ لأننا إذا أبحنا له فعل الصلاة، فقد حكمنا له بالطهارة. وقد قال الرسول ﷺ: لا يقبل الله صلاة بغير طهور.\nوقد سبق تخريجه (^٢). فلما أذن له شرعًا بالصلاة علم أنها هذه طهارته.\n* * *\n_________\n(^١) وقد يقال: إنه خلاف معنوي، وله ثمرة، حيث إنهم يوجبون على المتيمم التيمم لكل صلاة، ولو لم يحدث، والمخالف لهم يبيح له الصلاة بتيممه ما لم يحدث، أو يمكنه استعمال الماء.\n(^٢) انظر تخريجه في صفحة (١٩).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الثاني تعريف النجاسة</span>\nتعريف النجاسة اصطلاحا (^١):\nالنجاسة: ضد الطهارة، وهناك تعريفات كثيرة للنجاسة نقتصر على بعضها:\n• التعريف الأول:\nقيل: النجاسة عين مستقذرة شرعًا (^٢).\nفقوله: (عين) أي ذات وجرم محسوس، من لون أو طعم أو ريح، وخرج بهذا القيد الوصف؛ فإنه عرض من المعاني.\n_________\n(^١) نجس فيها لغتان: الأولى: نَجِس بكسر الجيم على وزن فَعِل مضارعه على وزن يفْعَل كعلم يعلم وطرب يطرب.\nوالثانية: نَجُسَ على وزن فَعُل مضارعه على وزن يفْعُل من باب شرف يشرف. قال في تاج العروس (١٦/ ٥٣٥): نَجِس ثوبه كسَمِع وكرُم. وانظر المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية مادة (نجس) (ص: ٩٤٠)، والمطلع على أبواب المقنع (ص: ١٨)، واقتصر معجم الصحاح (ص: ١٠٢٣) على (فَعِل).\nوزاد صاحب المصباح المنير (ص: ٣٠٦) (نَجَسَ) ينجُس من باب قتل. فتكون هذه لغة ثالثة.\nوإذا قُلْتَ: رَجُلٌ نَجِسٌ - بكسر الجيم - ثَنَّيْتَ وجَمَعْتَ، وإذا قُلْتَ: نَجَسٌ بفَتحِها لم تُثَنِّ ولم تَجْمَع وقُلْتَ: رَجُلٌ نَجَسٌ ورَجُلانِ نَجَسٌ ورِجالٌ نَجَسٌ وامرأةٌ نَجَسٌ ونِساءٌ نَجَسٌ. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨]. العين (٦/ ٥٥)، مختار الصحاح (ص: ٢٨)، المصباح المنير (ص: ٣٠٦)، العباب الزاخر (١/ ٢٠٢).\nوالنجاسة حسية وهي الأصل، ومعنوية، ومنه: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨]. كالطهارة حسية كالاستنجاء، ومعنوية: كقوله: ﷺ: إن المؤمن لا ينجس. ولا يقصد النجاسة الحسية فإن المؤمن كغيره تلحقه النجاسة الحسية.\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٨٥).","vol":"1","page":22},{"text":"وقوله: (مستقذرة شرعًا) خرج به المستقذر بالطبع، ولم يأت الشرع بتنجيسه، كالمخاط والبصاق.\n• التعريف الثاني:\nالنجاسة: كل عين حرم تناولها على الإطلاق، مع إمكان التناول لا لحرمتها (^١).\nقال: وقولنا: (على الإطلاق) احتراز من السموم التي هي نبات؛ فإنها لا يحرم تناولها على الإطلاق، بل يباح القليل منها، وإنما يحرم الكثير الذي فيه ضرر.\nقال: وقولنا: (مع إمكان التناول) احتراز من الأشياء الصلبة؛ لأنه لا يمكن تناولها.\nوقولنا: (لا لحرمته) احتراز من الآدمي.\nوانتقد النووي هذا التعريف، وقال النووي: يدخل في التعريف التراب والحشيش المسكر والمخاط والمني وكلها طاهرة مع أنها محرمة. وفي المني وجه أنه يحل أكله، فينبغي أن يضم إليها لا لحرمتها أو استقذارها أو ضررها في بدن أو عقل والله أعلم (^٢).\nوزاد بعضهم قيدًا آخر، وهو كونه في حالة الاختيار؛ لأن الضرورة لا تحريم معها (^٣).\n• التعريف الثالث:\nالنجاسة: هي كل عين جامدة، يابسة أو رطبة أو مائعة، يمنع منها الشرع بلا ضرورة، لا لأذى فيها طبعًا، ولا لحق الله أو غيره شرعًا (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٦٥)، المنثور في القواعد (٣/ ٢٤٨)، الإنصاف (١/ ٢٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٦٥)، المنثور في القواعد (٣/ ٢٤٨)، الإنصاف (١/ ٢٦).\n(^٣) المطلع على أبواب المقنع (ص: ٧)، والمنثور في القواعد (٣/ ٢٤٨)، أسنى المطالب (١/ ٩).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٢٦).","vol":"1","page":23},{"text":"وهذا التعريف قريب من التعريف الذي قبله، والتعريف الأول أرجح؛ لأنه أسهل وأسلم من غيره، وإن كان قد يعترض عليه بأن كسب الحجام خبيث، ومع ذلك ليس بنجس لكن قد يقال: إن الخبث هنا يعني الرديء، وليس الخبث الذي هو النجاسة، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثالث الأصل في المياه</span>\n[م-١] الأصل في المياه الطهارة، بل الأصل طهارة الأعيان كلها (^١).\nقال ابن رشد في المقدمات: «الأصل في المياه كلها الطهارة والتطهير، ماء السماء وماء البحر وماء الأنهار وماء العيون وماء الآبار، عذبة كانت أو مالحة ...» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-12> دليل هذه القاعدة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الدليل الأول:</span>\nالإجماع، وقد نقل الإجماع على هذا الأصل ابن تيمية، قال: الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن النجاسات محصاة مستقصاة، وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر، كما يقولونه فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل، وما لا يحل نكاحه وشبه ذلك (^٣).\nوقال أيضًا: الأصل الجامع طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها فكل ما لم يبين لنا أنه نجس فهو طاهر (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: ١١٩].\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٣)، تفسير القرطبي (١/ ٢٥١)، المقدمات الممهدات (١/ ٥٨)، مواهب الجليل (١/ ٥١).\n(^٢) المقدمات الممهدات (١/ ٨٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٤٢، ٥٩١).\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":25},{"text":"قال ابن تيمية على هذه الآية: التفصيل: التبيين، فبين ﷾ أنه بين المحرمات، فما لم يبين تحريمه ليس بمحرم، وما ليس بمحرم فهو حلال، إذ ليس إلا حلال أو حرام (^١).\nقال الشوكاني: «حق استصحاب البراءة الأصلية، وأصالة الطهارة، أن يطالب من زعم بنجاسة عين من الأعيان بالدليل، فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي وغائطه والروثة فذاك، وإن عجز عنه، أو جاء بما لا تقوم به الحجة، فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة» (^٢).\nوعليه فلا يطالب من يدعي طهارة عين أو إباحتها بالدليل؛ لأن دليله الأصل والبراءة، ولكن يطالب من زعم أن عينًا من الأعيان نجسة أو محرمة.\nوهذا أصل عظيم من أصول الشريعة، يحتاج إليه الفقيه في كثير من الأعيان المختلف في نجاستها.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٣٦).\n(^٢) السيل الجرار (١/ ٣١).","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الباب الأول في أقسام المياه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الماء إما مطلق أو مضاف.\n• المطلق ما صدق عليه اسم ماء بلا قيد، ويقابله المقيد: وهو ما لا يصدق عليه اسم الماء إلا بقيد من إضافة كماء الورد، أو وصف، كماء نجس.\n• الأصل المجمع عليه أن الماء طاهر مطهر، فلا ينتقل عن ذلك إلا بناقل صحيح صالح للاحتجاج.\n• إذا اختلط شيء طاهر بماء مطلق، فتغير به، فهل يسلبه الطهورية بمطلق التغير؟ أو لا حتى يغلب على أجزائه (^١).\n• اختصاص الماء بالطهورية، هل هو تعبد لا يعقل معناه، أو لاختصاصه بنوع من الرقة واللطافة والنفوذ؟\n_________\n(^١) انظر الأشباه والنظائر (ص: ٩٦)، وجاء في تبيين الحقائق (١/ ٢٠): «عن أبي يوسف: ماء الصابون إذا كان ثخينًا قد غلب على الماء لا يتوضأ به، وإن كان رقيقًا يجوز، وكذا ماء الأشنان».\nوجاء في مجمع الأنهر في بيان حد الغلبة (١/ ٢٨): «أو بغلبة غيره: بأن يكون أجزاء المخالط أزيد من أجزاء الماء، وهو قول أبي يوسف في الصحيح؛ لأنه غلبه حقيقة لرجوعها إلى الذات بخلاف الغلبة باللون فإنها راجعة إلى الوصف ومحمد اعتبر الغلبة باللون».\nوجاء في البحر الرائق (١/ ٧٢): «في الهداية: والغلبة بالأجزاء لا بتغير اللون، هو الصحيح وقد حكي خلاف بين أبي يوسف ومحمد، ففي المجمع والخانية وغيرهما أن أبا يوسف يعتبر الغلبة بالأجزاء، ومحمد باللون، وفي المحيط عكسه، والأصح من الخلاف الأول كما صرحوا به».","vol":"1","page":27},{"text":"[م-٢] اختلف العلماء في أقسام المياه:\nفقيل: ثلاثة: طهور، وطاهر، ونجس، وهو قول الجمهور (^١).\nوقيل: قسمان: طهور، ونجس.\nوهو رواية عن الإمام أحمد، نص عليها في أكثر أجوبته (^٢)، ومال إليه ابن قدامة، ورجحه ابن تيمية، والشوكاني، وذكره ابن تيمية مذهبًا لأبي حنيفة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-16> أدلة القائلين بأن الماء ثلاثة أقسام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nالماء ورد في الآية مطلقًا لم يقيد بشيء، والماء المطلق هو الماء الباقي على خلقته.\n_________\n(^١) أي في الجملة وإن اختلفوا في بعض أنواع المياه هل تلحق بالطاهر أم بالطهور، فالذي يعنينا أن الماء عندهم ثلاثة أنواع بمعنى: أنهم أثبتوا قسم الطاهر، وهو النوع المختلف فيه، وأما الطهور والنجس فلم يختلف أحد من أهل العلم في ثبوتهما.\nانظر إثبات قسم الطاهر في مذهب الحنفية في: بدائع الصنائع (١/ ٦٦، ٦٧)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٠، ٢٠١)، والبناية (١/ ٣٤٩)، وفتح القدير (١/ ٨٧)، تبيين الحقائق (١/ ١٩).\nوفي مذهب المالكية: المقدمات الممهدات (١/ ٨٦)، وبداية المجتهد (١/ ٢٧١)، والكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٥).\nوفي مذهب الشافعية: مغنى المحتاج (١/ ١٨)، والمجموع (١/ ١٥٠)، وكفاية الأخيار (١/ ٢٣)، والحاوي الكبير (١/ ٤٦).\nوفي مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٣٠)، وشرح منتهى الإرادات (١/ ١٤) والفروع (١/ ٧٩)، والمبدع (١/ ٤١).\n(^٢) الفتاوى (٢١/ ٢٥). وانظر شرح الزركشي (١/ ١١٩).\n(^٣) المغني (١/ ٢١)، الكافي (١/ ٧)، السيل الجرار (١/ ٥٦) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٥)، والذي في كتب الحنفية: إثبات الماء الطاهر في الماء المستعمل في طهارة شرعية (واجبة أو مستحبة) فالمشهور عنهم أنه طاهر غير مطهر، وقيل نجس، ولم يأت في كتبهم البتة أنه طهور. والله أعلم.","vol":"1","page":28},{"text":"أما الماء المتغير فلا يسمى ماء مطلقًا، إنما يضاف إلى تلك المادة التي تغير بها كأن يقال: ماء ورد، أو زعفران، أو مستعمل، ونحو ذلك.\nفالآية دلت على أن الطهارة بالماء المطلق، فإن لم يوجد انتقلنا إلى التيمم (^١).\n• وأجيب:\nبأن كلمة (ماء) في قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦]، نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء إلا ما دل الإجماع على خروجه، وهو الماء النجس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>الدليل الثاني:</span>\n(٣) ما رواه أحمد من طريق مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، عن المغيرة بن أبي بردة،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال في ماء البحر: هو الطهور ماؤه الحلال ميتته (^٢).\n[الحديث صحيح] (^٣).\n_________\n(^١) بتصرف - الفتاوى (٢١/ ٢٤)، والحاوي الكبير (١/ ٤٨)، والأوسط (١/ ٢٥٧).\n(^٢) أحمد (٢/ ٢٣٧).\n(^٣) الحديث اختلف في إسناده، وله طرق عن أبي هريرة:\nالطريق الأول: عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة.\nرواه مالك في الموطأ (١/ ٢٢) عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن\nأبي بردة عن أبي هريرة.\nولفظه عن أبي هريرة: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ به؟ فقال رسول الله ﷺ: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.\nورواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، و(٢/ ٣٩٣)، والدارقطني (١/ ٣٦) من طريق عبد الرحمن بن مهدي.\nوالترمذي (٦٩)، النسائي في الكبرى (٥٨) والصغرى (٥٩، ٣٣٢) من طريق قتيبة بن سعيد.\nوأبو داود (٨٣)، وابن حبان (١٢٤٣، ٥٢٥٨)، والدارقطني (١/ ٣٦)، والمستدرك (١/ ١٤٠، ١٤١) من طريق القعنبي.\nوابن ماجه (٣٨٦) من طريق هشام بن عمار. =","vol":"1","page":29},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والدارمي (٧٢٩، ٢٠١١) من طريق محمد بن المبارك.\nوأحمد (٢/ ٣٦١) من طريق أبي سلمة.\nوابن خزيمة (١/ ٥٩) من طريق عبد الله بن وهب.\nوالشافعي في مسنده (١/ ٢٣)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ١٢٩).\nوالدارقطني (١/ ٣٦) من طريق أحمد بن إسماعيل المدني.\nوابن الجارود في المنتقى (٤٣) من طريق بشر بن عمر، عشرتهم رووه عن مالك به.\nوقد تابع أبو أويس، وإسحاق بن إبراهيم بن سعيد المزني، وعبد الرحمن بن إسحاق تابعوا مالكًا، فروواه عن صفوان بن سليم كما رواه مالك.\nفأما متابعة أبي أويس: فقد أخرجه أحمد (٢/ ٣٩٢) قال: حدثنا حسين، قال: حدثنا أبو أويس، حدثنا صفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن سلمة بن الأزرق المخزومي، عن أبي بردة بن عبد الله أحد بني عبد الدار بن قصي، عن أبي هريرة.\nوهنا قال أبو أويس: عن أبي بردة بن عبد الله، ولم يقل: عن المغيرة بن أبي بردة.\nقال ابن حجر: وأبو بردة: هو المغيرة بن أبي بردة، وهو أبو بردة المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، نسب في رواية مالك إلى جده، وسمي ونسب في رواية أبي أويس إلى أبيه، وكني. انظر أطراف المسند (١٠٣٠٩)، وإتحاف المهرة لابن حجر (١٩٩٨٦).\nوأبو أويس: هو عبد الله بن عبد الله بن أويس، ضعفه أحمد مرة، وقال في أخرى: لا بأس به، وقال فيه أيضًا: صالح، وسئل عنه يحيى بن معين أكثر من مرة، فقال: ضعيف، وقال مرة: صالح الحديث، وقال أيضًا: صدوق وليس بحجة. وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: في حفظه شيء. وفي التقريب: صدوق يهم.\nفهذا إسناد مقبول في المتابعات، وهي متابعة صالحة لرواية مالك.\nوأما متابعة عبد الرحمن بن إسحاق:\nفقد انفرد الحاكم بروايتها من طريقين:\nأحدهما: أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٤١) من طريق عبد الله بن أيوب بن زاذان، حدثنا محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، ثنا صفوان بن سليم به.\nوهذا إسناد فيه عبد الله بن أيوب بن زاذان، قال عنه الدارقطني: متروك. انظر تاريخ بغداد (٩/ ٤١٣).\nوالثاني: أخرجه الحاكم (١/ ١٤١)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١/ ٢٢٥) من طريق محمد بن أبي بكر، عن يزيد بن زريع به. =","vol":"1","page":30},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهذا إسناد صالح في المتابعات، رجاله ثقات إلا عبد الرحمن بن إسحاق قال فيه أحمد: صالح الحديث، ووثقه أبو داود، وضعفه بعضهم، قال البخاري: ليس ممن يعتمد على حفظه، وقال ابن حجر: صدوق، فهذا صالح في المتابعات، يضاف إلى ما سبق من رواية مالك وأبي أويس.\nوأما متابعة إسحاق بن إبراهيم المزني:\nفقد أخرجه الحاكم أيضًا (١/ ١٤١) ومن طريقه البيهقي في المعرفة (١/ ٢٢٥) من طريق الكيليني، عن سعيد بن كثير بن يحيى بن حميد الأنصاري، ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن صفوان ابن سليم به.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه الكيليني: محمد بن صالح الكيليني، وشيخه سعيد بن كثير بن يحيى، وكلاهما فيه جهالة.\nوكما توبع مالك توبع أيضًا صفوان بن سليم.\nفقد تابعه الجلاح أبو كثير عند الحاكم (١/ ١٤١)، والبيهقي في السنن (١/ ٣) وفي المعرفة (١/ ٢٢٦) من طريق عبيد بن عبد الواحد بن شريك، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: حدثني الجلاح أبو كثير، أن ابن سلمة المخزومي أخبره، أن المغيرة بن أبي بردة أخبره أنه سمع أبا هريرة فذكر نحوه.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا عبيد بن عبد الواحد بن شريك، فإنه صدوق، وقد تغير بآخرة، ولا يضر ذلك لأنه قد توبع في هذا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nواختلف على الليث فيه:\nفرواه يحيى بن بكير، عن الليث، عن يزيد بن حبيب، عن الجلاح، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، كما سبق.\nورواه الإمام أحمد (٢/ ٣٧٨) والدولابي في الكنى والأسماء (١٦٣٧)، من طريق قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن الجلاح، عن المغيرة، عن أبي هريرة.\nفالليث تارة يحدث به عن يزيد بن حبيب، عن الجلاح كما في رواية يحيى بن بكير عنه وتارة يحدث به الليث عن الجلاح مباشرة كما في رواية قتيبة بن سعيد عنه.\nومخالفة أخرى:\nفيحيى بن بكير في روايته عن الليث جعل بين الجلاح وبين المغيرة بن أبي بردة: سعيد بن سلمة كما في رواية مالك. بينما قتيبة بن سعيد في روايته عن الليث جعل الجلاح يروى عن المغيرة مباشرة.\nوهذا الاختلاف يمكن فيه الترجيح فلا يحكم له بالاضطراب، والراجح والله أعلم رواية يحيى بن بكير الموافقة لرواية مالك بذكر سعيد بن سلمة بين الجلاح والمغيرة. =","vol":"1","page":31},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورجحت رواية يحيى، وإن كان قتيبة أحفظ منه وأضبط للأسباب التالية:\nأولًا: أن يحيى بن بكير، قال فيه ابن عدى: كان جارًا لليث بن سعد، وهو من أثبت الناس فيه. انظر تهذيب التهذيب (١١/ ٢٣٨)، ولم أجده في الكامل.\nوقال فيه الحافظ: (٧٥٨٠): ثقة في الليث.\nثانيًا: أن يحيى بن بكير لم ينفرد به. فقد توبع\nتابعه على ذلك اثنان:\nأحدهما: عبد الله بن صالح، كما التاريخ الكبير للبخاري (٣/ ٤٧٨) وقال عبد الله -يعني ابن صالح كاتب الليث- حدثنا الليث حدثنا يزيد بن أبي حبيب به.\nالثاني: أبو النظر، فقد أخرج أبو عبيد في كتابة الطهور (ص: ٢٩٤)، قال: حدثنا أبو النضر ويحيى بن بكير عن الليث به.\nوأبو النضر: هو هاشم بن القاسم بن سلمة الليثى. قال فيه الحافظ (٧٢٥٦): ثقه ثبت.\nوقال بعضهم: إن الراوي عن يحيى بن بكير هو عبيد بن عبد الواحد بن شريك فيه كلام. فقد جاء في الترجمة من تاريخ بغداد (١١/ ٩٩).\nقال الدارقطنى: صدوق.\nوقال أبو مزاحم موسى بن عبيد الله: كان أحد الثقات، ولم أكتب عنه في تغيره شيئًا.\nوعن محمد بن العباس قال: قرئ على علي بن المنادى -وأنا أسمع- قال: عبيد بن عبد الواحد ابن شريك أبو محمد البزار، أكثر الناس عنه، ثم أصابه أذى فغيره في آخر أيامه، وكان على ذلك صدوقًا. وقال إسماعيل بن على الخطبي: لم أكتب عنه شيئًا ..... إلخ».\nفالجواب: أنه لم يتفرد به عبيد بن عبد الواحد بن شريك فقد تابعه القاسم بن سلام فى كتابه الطهور (٢٩٤).\nوالقاسم بن سلام إمام لا يحتاج إلى من يترجم له.\nثالثًا: ومما يرجح أيضًا أن سعيد بن سلمة هو الراوي عن المغيرة كما في رواية يحيى بن بكير، أن النسائي قد رواه (٥٩) عن قتيبة بن سعيد نفسه، عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد ابن سلمة عن المغيرة به، فرواية قتيبة بن سعيد عن مالك أرجح من روايته عن الليث.\nيضاف إلى ذلك أن عمرو بن الحارث المصري تابع يزيد بن أبي حبيب، فقد رواه البخاري في التاريخ الكير (٣/ ٤٧٨) والبيهقي في المعرفة (١/ ٢٢٧) من طريق ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن الجلاح، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة. فذكر في الإسناد سعيد بن سلمة بين الجلاح والمغيرة.\nواختلف على يزيد بن أبي حبيب فيه: =","vol":"1","page":32},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقد رواه الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن الجلاح عن سعيد بن سلمة عن المغيرة به كما سبق.\nوخالفه محمد بن إسحاق فرواه الدارمي (٧٢٨)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٢٢٧) من طريق محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الجلاح، عن عبد الله بن سعيد، عن المغيرة، عن أبيه عن أبي هريرة.\nوهذا الإسناد فيه مخالفتان:\nالأولى: قوله: (عبد الله بن سعيد) والصواب: سعيد بن سلمة.\nالثانية: قوله: (عن أبيه) ولم يقل أحد: عن أبيه إلا ابن إسحاق.\nقال ابن حبان في كتاب الثقات (٥/ ٤١٠): «من أدخل بينه وبين أبي هريرة أباه فقد وهم».\nوالظاهر أن هذا من محمد بن إسحاق حيث لم يحفظ الحديث، فقد جاء الحديث عند البخاري في تاريخه الكبير (٣/ ٤٧٨) من طريق محمد بن سلمة.\nوأخرجه أيضًا (٣/ ٤٧٩) من طريق عبد الرحمن بن مغراء، كلاهما عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن جلاح، عن عبدالله بن سعيد المخزومى، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة.\nفهذا ابن إسحاق من طريقين عنه لم يذكر والد المغيرة.\nوأخرجه البخارى أيضًا، قال: قال سلمة يعني: ابن الفضل الأبرش، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن يزيد، عن اللجلاج -والصواب عن الجلاح، كما نقله عنه البيهقى فى المعرفة (١/ ٢٢٧) - عن سلمة بن سعيد -والصواب سعيد بن سلمة- عن المغيرة بن أبي بردة حليف بني عبد الدار، عن أبي هريرة. وهذا هو الصواب من رواية محمد بن إسحاق، وهي موافقة لرواية مالك.\nفأنت ترى أن محمد بن إسحاق تارة يذكر والد المغيرة، وتارة يسقطه، وتارة يذكر سعيد بن سلمة وتارة يسقطه، ويذكر بدلًا منه عبد الله بن سعيد، فهذا الاضطراب يسقط رواية محمد بن إسحاق؛ لأنه لم يحفظ الحديث، ولكن لا ينبغى أن تعل به رواية الإمام مالك عن صفوان، فقد أقام الإمام مالك إسناده، كيف وقد وافقه محمد بن إسحاق من رواية سلمة بن الفضل، والله أعلم.\nقال البيهقي: قال البخاري: وحديث مالك أصح، واللجلاج خطأ. اهـ ولعل الصواب (والجلاح).\nقال البيهقي في معرفة السنن (١/ ٢٢٦): «الليث بن سعد أحفظ من ابن إسحاق، وقد أقام إسناده عن يزيد بن أبي حبيب، وتابعه على ذلك عمرو بن الحارث، عن الجلاح، فهو أولى أن يكون صحيحًا». اهـ\nوقال الدارقطني في العلل (٩/ ١٠): «ورواه عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، فقال: عن أبي الجلاح، عن أبي ذر المصري، عن أبي هريرة، ولم يذكر سعيدًا، ولا المغيرة». اهـ =","vol":"1","page":33},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قلت: لم يتابع عبد الحميد بن جعفر على هذا الإسناد، وتفرده بهذا لا يحتمل.\nكما توبع سعيد بن سلمة:\nتابعه يزيد بن محمد القرشي، فرواه عن المغيرة بن أبي بردة بنحو رواية من رواه على الصحة:\nأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٤٢)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٢٢٨) من طريق عبيد بن\nعبد الواحد، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثني خالد بن يزيد، أن يزيد بن محمد القرشي حدثه عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، قال: أتى نفر من بني فراس إلى رسول الله ﷺ فقالوا: نصيد في البحر، فنتزود من الماء العذب، فربما تخوفنا العطش، فهل يصلح أن نتوضأ من ماء البحر، فقال: نعم توضؤوا به، وحل ميت ما طرح.\nقال البيهقي: وقد رواه يزيد بن محمد القرشي، عن المغيرة بن أبي بردة، نحو رواية من رواه على الصحة، وإسناده حسن إن شاء الله.\nوهذا الطريق موافق لطريق سعيد بن سلمة: من رواية مالك وإسحاق بن إبراهيم وعبد الرحمن ابن إسحاق، ثلاثتهم عن صفوان بن سليم، ومن رواية يزيد بن حبيب وعمرو بن الحارث، عن الجلاح أبي كثير كلاهما (صفوان والجلاح) عن سعيد بن سلمة، عن المغير بن أبي بردة، عن أبي هريرة.\nالطريق الثاني: سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٣٧)، والحاكم (١/ ١٤٢) من طريق عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وهذا إسناد ضعيف، لضعف عبد الله القدامي.\nقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة، وهو ضعيف على ما تبين لي من رواياته واضطرابه فيها ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا فأذكره. الكامل (٤/ ٢٥٧).\nوقد ضعفه الدارقطني في غرائب مالك في مواضع بعبارات مختلفة مرة قال ضعيف، ومرة قال: غيره أثبت منه.\nوقال ابن حبان: كان تقلب له الأخبار فيجيب فيها، كان آفته ابنه، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الاعتبار، ولعله قلب له على مالك أكثر من مائة وخمسين حديثًا فحدث بها كلها، وعن إبراهيم بن سعد الشيء الكثير. روى عن إبراهيم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: سئل النبي ﷺ عن ماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته. المجروحين (٢/ ٣٩).\nالطريق الثالث: طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٣٦) والحاكم (١/ ١٤٢) من طريق محمد بن غزوان، عن الأوزاعي، =","vol":"1","page":34},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهذا إسناد ضعيف من أجل محمد بن غزوان.\nقال أبو زرعة: منكر الحديث. الجرح والتعديل (٨/ ٥٤).\nوقال ابن حبان: يقلب الأخبار، ويسند الموقوف، لا يحل الاحتجاج به. المجروحين (٢/ ٢٩٩).\nالطريق الرابع: طريق يحيى بن سعيد، عن المغيرة بن أبي بردة.\nرواه يحيى بن سعيد، واضطرب فيه اضطرابًا كبيرًا:\nفرواه هشيم كما في الطهور للقاسم بن سلام (٢٣٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٤١) والبيهقي في المعرفة (١/ ٢٢٨، ٢٢٩) عن يحيى بن سعيد، عن المغيرة بن أبي بردة، عن رجل من بني مدلج، عن النبي ﷺ.\nفسماه هنا يحيى بن سعيد (المغيرة بن أبي بردة)، وسماه في أخرى عبد الله بن المغيرة، أو المغيرة بن عبد الله، قال مرة: أن رجلًا من بني مدلج، ومرة قال: عن عبد الله بن المغيرة، عن رجل من بني مدلج.\nفالليث بن سعد رواه كما في شرح مشكل الآثار (٤٠٣٢) عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، أن رجلًا من بني مدلج.\nوتابعه على هذا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد كما في سنن البيهقي (١/ ٢٢٩).\nوخالفهما أبو خالد كما في سنن البيهقي (١/ ٢٣٠).\nوابن فضيل كما في سنن البيهقي أيضًا (١/ ٢٣٠)، فروياه عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، عن رجل من بني مدلج.\nورواه حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن المغيرة بن عبد الله، عن أبيه، فزاد في الإسناد والد المغيرة، ولا تعرف إلا في هذا الإسناد.\nأخرجه أحمد بن عمرو بن الضحاك في الآحاد والمثاني (٢٨١٨) حدثنا هدبة، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٤١، ١٤٢) من طريق حجاج بن منهال، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن المغيرة بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ.\nورواه البيهقي في المعرفة (١/ ٢٣٠) من طريق محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، عن رجل من بني مدلج أن سأل رسول الله ﷺ ... وذكره. فزاد على حماد بن زيد على حماد بن سلمة قوله عن رجل من بني مدلج، واتفقا على ذكر والد المغيرة.\nقال الحاكم: وقال سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه. اهـ\nورواه سفيان بن عيينة، عن المغيرة بن عبد الله أو عبد الله بن المغيرة أن ناسًا من بني مدلج.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٢١)، والبيهقي في معرفة السنن (١/ ٢٢٩)، وابن عبد البر =","vol":"1","page":35},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في التمهيد (١٦/ ٢١٩).\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٢٠): أرسل يحيى بن سعيد الأنصاري هذا الحديث، عن المغيرة بن أبي بردة لم يذكر أبا هريرة. ويحيى بن سعيد أحد الأئمة في الفقه والحديث، وليس يقاس به سعيد بن سلمة ولا أمثاله، وهو أحفظ من صفوان بن سليم، وفي رواية يحيى بن سعيد لهذا الحديث ما يدل على أن سعيد بن سلمة لم يكن معروف الحديث عند أهله، وقد روي هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، والصواب فيه عن يحيى بن سعيد، ما رواه عنه ابن عيينة مرسلًا كما ذكرنا والله أعلم».اهـ\nوالصواب أن يحيى بن سعيد لم يحفظ الحديث؛ لكثرة الاختلاف عليه، ولو لم يختلف على يحيى بن سعيد لكان كلام ابن عبد البر هو المتجه.\nقال البيهقي: «هذا الاختلاف يدل على أنه لم يحفظ كما ينبغي، وقد أقام إسناده مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم».\nوتابعه على ذلك الليث بن سعد، عن يزيد، عن الجلاح أبي كثير. ثم عمرو بن الحارث، عن الجلاح، كلاهما (يعني صفوان والجلاح) عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فصار الحديث بذلك صحيحًا كما قال البخاري في رواية أبي عيسى عنه.\nوقد صحح الحديث جماعة منهم:\nالبخاري فيما ذكره عنه الترمذي في (كتاب العلل) المفرد له، قال: سألت محمدًا عن حديث مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن أبي سلمة، أن المغيرة بن أبي بردة أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل ..... وذكر الحديث. فقال: (هو حديث صحيح). نصب الراية (١/ ٩٦).\nوقال الترمذي: «حديث حسن صحيح» سنن الترمذي (١/ ١٠٠، ١٠١).\nوصححه ابن خزيمة كما في صحيحه (١/ ٥٨، ٥٩)، وابن حبان كما في الإحسان (١٢٤٣)، وابن المنذر، وقال ثابت: عن رسول الله ﷺ أنه قال في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) كما في الأوسط (١/ ٢٤٧).\nوقال البيهقي: «هو حديث صحيح كما قال البخاري». المعرفة (١/ ١٥٢).\nوضعف إسناده ابن عبد البر، وصححه؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول، قال ابن عبد البر في التمهيد: «وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء». التمهيد (١٦/ ٢١٩).\nوقال النووي: «حديث صحيح». المجموع (١/ ١٢٧).\nوصححه الدارقطني قال في العلل (٩/ ١٣): «وأشبهها بالصواب قول مالك ومن تابعه عن =","vol":"1","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= صفوان بن سليم».\nوصححه الحافظ ابن حجر كما في تلخيص الحبير (١/ ٩ - ١٢). وغيرهم كثير.\nمن ضعف الحديث من العلماء:\nضعفه الشيخ ابن دقيق العيد، جاء في نصب الراية عنه: «وهذا الحديث يعل بأربع علل:\nالعلة الأولى: جهالة سعيد بن سلمة، والمغيرة بن أبي بردة، وقالوا: لم يرو عن المغيرة إلا سعيد بن سلمة، ولا عن سعيد بن سلمة إلا صفوان بن سليم.\nوالجواب: أن سعيد بن سلمة قد روى عنه صفوان بن سليم، والجلاح أبو كثير، قال النسائي: ثقة. تهذيب الكمال (١٠/ ٤٨٠) مع تشدده في التعديل.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٦٤).\nوأما المغيرة بن أبي بردة.\nقال الآجري عن أبي داود: معروف. تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٢٩).\nوقال النسائي: ثقة. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: «وصحح حديثه عن أبي هريرة في البحر ابن خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، والطحاوي، وابن منده، والحاكم، وابن حزم، والبيهقى، وعبد الحق، وآخرون». المرجع السابق.\nقلت: وصحح حديثه البخاري والدارقطني والترمذي كما سبق، فهذا توثيق ضمني من هؤلاء، يضاف عليهم التوثيق الصريح من النسائي، والله أعلم.\nالعلة الثانية: أنهم اختلفوا في اسم سعيد بن سلمة:\nفقيل: هذا، وقيل: عبد الله بن سعيد، وقيل سلمة بن سعيد.\nوالجواب: أن الصحيح أنه سعيد بن سلمة؛ لأنها رواية مالك مع جلالته، وهذا مع وفاق من وافقه، والاسمان الآخران من رواية محمد بن إسحاق، وقد بينت فيما سبق أنه لم يحفظ الحديث، وأن الخطأ جاء من قبله زيادة ونقصًا.\nالعلة الثالثة: الإرسال.\nقال ابن عبد البر: «ذكر ابن أبي عمرو الحميدي والمخزومي، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن المغيرة بن أبي بردة، أن ناسًا من مدلج أتوا رسول الله ﷺ .... الحديث.\nقال: وهذا مرسل، لا يقوم بمثله حجة. ويحيى بن سعيد أحفظ من صفوان بن سليم وأثبت من سعيد بن سلمة، قال الشيخ: وهذا مبني على تقديم إرسال الأحفظ على إسناد من دونه وهو مشهور في الأصول.\nوالجواب: أن يحيى بن سعيد الأنصاري قد اختلف عليه اختلافًا كبيرًا جدًّا يسقط روايته. انظر =","vol":"1","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= العلل للدار قطني (٩/ ١١، ١٣).\nفلا ينبغي أن تعل رواية سعيد بن سلمة بمثل هذا، ولذلك قال الدارقطني بعد أن بين الاختلاف على يحيى بن سعيد: «وأشبهها بالصواب قول مالك، ومن تابعه عن صفوان بن سليم».\nوقال البيهقي في المعرفة (١/ ٢٣١) بعد أن ساق الاختلاف على سعيد قال: «وهذا الاختلاف يدل على أنه لم يحفظ كما ينبغي، وقد أقام إسناده مالك بن أنس عن صفوان بن سليم، وتابعه على ذلك الليث بن سعد، عن يزيد، عن الجلاح أبي كثير، ثم عمرو بن الحارث عن الجلاح، كلاهما عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة فصار الحديث بذلك صحيحًا كما قال البخاري في رواية أبي عيسى عنه.\nالعلة الرابعة: الاضطراب.\nفقد ذكروا الاضطراب في رواية كل من محمد بن إسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري. انظر نصب الراية (١/ ٩٧) والعلل للداقطني (٩/ ١١، ١٣) وقد بينت أن هذا يضعف روايتهما، ولكن لا تعل به رواية الإمام مالك عن صفوان بن سليم ومن تابعه، كما أن للحديث شواهد منها:\nالشاهد الأول: حديث جابر:\nروى الإمام أحمد (٣/ ٣٧٣) قال: حدثنا أبو القاسم بن أبي الزناد، أخبرني إسحاق بن حازم، عن أبي مقسم -يعني عبيد الله بن مقسم- عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.\nقال الحافظ في الدراية (ص ٤٥): إسناده لا بأس به. اهـ\nوأبو القاسم بن أبي الزناد:\nقال الحافظ في التقريب (٨٣٠٩): ليس به بأس.\nوأثنى عليه الإمام أحمد، وقال فيه ابن معين: ليس به بأس. انظر تهذيب الكمال (٣٤/ ١٩٢).\nوإسحاق بن حازم: قال فيه الحافظ (٣٤٨): صدوق تكلم فيه للقدر. اهـ\nقلت: لنا صدقه وعليه بدعته، وقد وثقه أحمد ويحيى بن معين كما في تهذيب الكمال (٢/ ٤١٧، ٤١٨).\nوعبيد الله بن مقسم ثقة مشهور أخرج له البخاري ومسلم. انظر التقريب (٤٣٤). فهو شاهد قوي لحديث أبي هريرة.\n[تخريج حديث جابر].\nالحديث أخرجه أحمد، ومن طريق أحمد أخرجه ابن ماجه (٣٨٨) وابن الجارود في المنتقى (٨٧٩)، وابن خزيمة (١١٢)، وابن حبان (١٢٤٤) والدارقطني (١/ ٣٤) والبيهقي (١/ ٢٥١، ٢٥٢).\nواختلف فيه على إسحاق بن حازم، فروي عنه كما سبق. =","vol":"1","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الدارقطني (١/ ٣٤) من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت، عن إسحاق بن حازم، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، عن أبي بكر الصديق مرفوعًا.\nفهنا عبد العزيز بن أبي ثابت جعله من مسند أبي بكر، وجعل وهب بن كيسان مكان عبيد الله ابن مقسم، وعبد العزيز بن أبي ثابت ضعيف جدًّا، فروايته منكرة، والمعروف رواية الإمام أحمد، والله أعلم.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٧٥٩) والدارقطني (١/ ٣٤)، والحاكم (١/ ١٤٣) عن محمد ابن علي بن شعيب السمسار، ثنا الحسين بن بشر، ثنا المعافى بن عمران، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ قال في البحر: هو الطهور ماؤه الحلال ميتته.\nقال الحافظ في التلخيص (١/ ١١) وإسناده حسن ليس فيه إلا ما يخشى من التدليس.\nقلت: الصحيح أن أبا الزبير ليس مدلسًا، ولم يتهمه أحد بالتدليس ممن عاصره، وهم أعلم من غيرهم، وقد تكلم فيه شعبة، وقال فيه كل شيء، ولم يتهمه بالتدليس، مع أن شعبة كان يشدد بالتدليس ويعتبره جرحًا، وقد ترجم له جمع من أئمة الجرح والتعديل كالبخاري وابن أبي حاتم وابن عدي والعقيلي، وابن حبان ولم يصفه أحد بالتدليس، وأول من وصفه بذلك هو النسائي.\nالشاهد الثاني: حديث ابن عباس.\nرواه أحمد (١/ ٢٧٩) قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس من حديث طويل، وفيه: وسألته عن ماء البحر، فقال: ماء البحر طهور. وهذا إسناد صحيح، إلا أنه موقوف على ابن عباس.\nواختلف فيه على حماد بن سلمة، فرواه عفان، عن حماد به موقوفًا كما سبق.\nوخالفه سريج بن النعمان، رواه الدارقطني (١/ ٣٥) من طريق إبراهيم بن راشد، وأخرجه الحاكم (١/ ١٤٠) من طريق محمد بن إسحاق الصغاني، كلاهما (إبراهيم وابن إسحاق) روياه عن سريج بن النعمان، حدثنا حماد بن سلمة به مرفوعًا.\nقال الدارقطني: كذا قال، والصواب موقوف. اهـ\nوعفان أثبت أصحاب حماد بلا منازع.\nالشاهد الثالث: حديث الفراسي.\nأخرجه ابن ماجه (٣٨٧) من طريق يحيى بن بكير، حدثني الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي قال: كنت أصيد وكانت لي قربة أجعل فيها ماء، وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.\nوهذا مرسل، وإسناده ضعيف، في إسناده مسلم بن مخشي لم يرو عنه بكر بن سوادة، ولم يوثقه إلا ابن حبان. وابن الفراسي تابعي، وفيه جهالة أيضًا.\nوجاء في الزوائد: (ص: ٨٦) رجال هذا الإسناد ثقات إلا أن مسلمًا لم يسمع من الفراسي =","vol":"1","page":39},{"text":"وجه الاستدلال:\nالصحابة ﵃ يعلمون أن ماء البحر ليس بنجس، فإذًا هو طاهر\n_________\n= وإنما سمع من ابن الفراسي، ولا حجة له، وإنما روى هذا الحديث عن أبيه، فالظاهر أنه سقط من هذه الطريق.\nوأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٢٠) من طريق يحيى بن بكير به. إلا أنه قال: عن الفراسي بدلًا من ابن الفراسي، وهذا منقطع؛ لأن مسلمًا لم يسمع من الفراسي كما ذكر ذلك البوصيري فيما سبق.\nفالحديث إما مرسل أو منقطع، مع ضعف إسناده، لكن يصلح في الشواهد والمتابعات. والله أعلم.\nالشاهد الرابع: حديث أنس بن مالك.\nأخرجه عبد الرزاق (٣٢٠) عن الثوري، والدارقطني (١/ ٣٥) من طريق محمد بن يزيد، كلاهما عن أبان، عن أنس عن النبي ﷺ مختصرًا.\nقال الدارقطني: أبان بن أبي عياش متروك.\nالشاهد الخامس: حديث علي بن أبي طالب.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٣٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٤٢، ١٤٣) عن أحمد بن محمد بن سعيد، وهو حافظ إلا أنه متكلم في ديانته ومتهم بالكذب.\nوقد رواه الحاكم عنه، عن أحمد بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي، مرفوعًا.\nورواه الدارقطني عن أحمد بن سعيد، عن أحمد بن الحسين بن عبد الملك، أخبرنا معاذ بن موسى، أخبرنا محمد بن الحسين، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي، ومعاذ بن موسى ومحمد بن الحسين فيهم جهالة، وهذا الاختلاف في الإسناد من أحمد بن سعيد.\nقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٢): «رواه الدارقطني والحاكم من حديث علي بن أبي طالب، من طريق أهل البيت، وفي إسناده من لا يعرف». اهـ\nالشاهد السادس: حديث عبد الله بن عمرو.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٣٥) والحاكم (١/ ١٤٣) من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ميتة البحر حلال، وماؤه طهور.\nوالمثنى بن الصباح ضعيف، انظر ترجمته في مسألة التسوك بالأصبع، وذكرت أقوال أهل الجرح فيه. هذا ما وقفت عليه، والذي يظهر للباحث أن حديث البحر حديث صحيح، لا يشك الباحث في صحته.\nراجع للوقوف على طرق الحديث: أطراف المسند (٨/ ٦١)، تحفة الأشراف (١٠/ ٣٧٤)، إتحاف المهرة (١٥/ ٦١٠)، علل الدارقطني (٩/ ٧) رقم: ١٦١٤.","vol":"1","page":40},{"text":"عندهم بلا شك، ولكن هذا الصحابي لا يعلم هل هو طهور أم لا؟ لذلك سأل النبي الله ﷺ عن ذلك، فدل ذلك على أنه قد استقر في ذهن الصحابة أن هناك ماء طاهرًا وليس بطهور (^١).\n• ويجاب عنه من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول:\nلا نسلم أن الإشكال الذي يكون عند رجل من الصحابة يؤخذ منه هذا العموم؛ إذ كيف يؤخذ من فرد واحد من الصحابه سأل عن طهورية ماء البحر بأنه قد استقر في ذهن الصحابة كل الصحابة: أن هناك ماء ليس بطهور وليس بنجس، وهو الطاهر، ولو قيل: إنه قد استقر في ذهن هذا الصحابي فقط لكان فيه نزاع فكيف بهذا التعميم، والصحابة منهم الفقهاء، ومنهم من لم يُعْرَف بالفقه، وشرف الصحبة شيء والفقه شيء آخر.\nالوجه الثاني:\nيحتمل أن يكون الصحابي سأل عن التطهر بماء البحر، لأن بعض الصحابة كان يكره التطهر منه كابن عمر، وكعبد الله بن عمرو، فلذلك سأل عن هذا، ولم تكن علة الكراهة عندهما أنه طاهر كما سيأتي (^٢).\nالوجه الثالث:\nأنتم جعلتم الشك الذي قام عند الصحابي دليلًا على وجود الطاهر، ونحن نرى أن حكم النبي ﷺ على البحر بأنه طهور دليل على أنه لا يضر تغير الماء بشيء طاهر؛ فإن ماء البحر متغير بالملح ومع ذلك هو طهور، والاستدلال بحكم النبي ﷺ أولى من الاستدلال بشك فرد واحد من الصحابة إن سُلِّم لكم بأنه قد شك.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ١٣٠)، المبدع (١/ ٣٣)، الشرح الكبير (١/ ٣٥، ٣٦).\n(^٢) التمهيد (١٦/ ٢٢١).","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الدليل الثالث:</span>\nاستدل أيضًا من يقسم الماء إلى ثلاثة بأحاديث النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، وبالنهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها إذا استيقظ من نوم الليل.\nوأترك ذكر متون هذه الأحاديث؛ لأنها سوف تأتي مسألة مسألة.\nوجه الاستدلال:\nأن هذه المياه مع كونها ليست نجسة فقد ورد النهي عن الاغتسال فيها ومنها كالاغتسال في الماء الراكد، فكونه يوجد ماء ليس بنجس ولا يمكن التطهر منه، هذا هو الماء الطاهر؛ لأن الماء الطاهر ليس بنجس، ولا يمكن التطهر منه (^١).\nوسوف تأتي إن شاء الله تعالى مناقشة الاغتسال في الماء الراكد، وغمس يد القائم من نوم الليل في مسائل مستقلة، ونتعرض لمناقشة وجه الاستدلال بها على ما ذهب إليه جمهور العلماء من تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الدليل الرابع: من النظر</span>.\nقالوا: الماء إما أن يجوز الوضوء به أو لا. فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو: إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو النجس (^٢).\n• ويجاب:\nرغم أن هذه القسمة إذا لم تتلق من الشرع حتى تكن دليلًا، إلا أنه يقال في الجواب عنها:\nبأن كل ما جاز شربه إن كان يسمى ماء فهو طهور وليس بطاهر، وإن كان لا يسمى ماء لغلبة الطاهر عليه كالشاي والنبيذ لم يصح التطهر به، والخلاف إنما هو\n_________\n(^١) انظر المبدع (١/ ٤٥)، والمغني (١/ ٣٣، ٣٤، ٣٥).\n(^٢) المبدع (١/ ٣٢)","vol":"1","page":42},{"text":"على وجود ما يسمى ماء بلا إضافة ولا قيد، ولا يصح التطهر به، وهذا لا يوجد عند التحقيق.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-21> أدلة القائلين بأن الماء قسمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال: أن كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء سواء كان مطلقًا أو مقيدًا، مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع وبقى ما عداه على أنه طهور (^١).\nقال ابن المنذر: قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]. فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ما منع منه كتاب أو سنة أو إجماع، والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون أوطعم أو ريح (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الدليل الثاني:</span>\n(٤) ما رواه أحمد، من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله ابن عبد الله -وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج-\nعن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض والنتن، ولحوم الكلاب؟ قال: «الماء طهور، لا ينجسه شيء» (^٣).\n[حديث صحيح بشواهده] (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٥)، الكافي (٢/ ٥)، الزركشي (١/ ١١٩).\n(^٢) الأوسط (٢/ ٢٦٨).\n(^٣) المسند (٣/ ٣١).\n(^٤) الحديث مداره على ابن رافع الأنصاري، عن أبي سعيد الخدري، على اختلاف بينهم في تسمية ابن رافع، على النحو التالي: =","vol":"1","page":43},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الأول: محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع، عن أبي سعيد.\nرواه الوليد بن كثير واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو أسامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٥١٣، ٣٧٢٤٥) ومسند أحمد (٣/ ٣١) وسنن أبي داود (٦٦) والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣٢٦) عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع، عن أبي سعيد.\nوفي مسند أحمد: عن عبيد الله بن عبد الله، وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج.\nوفي مصنف ابن أبي شيبة (١٥١٣) وسنن النسائي (٣٢٦) عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع ابن خديج.\nوقال ابن أبي شيبة في رواية أخرى (٣٧٢٤٥) وكذا أبو داود (٦٦) والترمذي (٦٦) عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج.\nوقال أبو داود (٦٦) وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع.\nوخالف إبراهيم بن سعد أبا أسامة، فرواه أحمد (٣/ ٨٦) من طريقه عن الوليد بن كثير، قال: حدثني عبد الله بن أبي سلمة، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد الخدري.\nفصار الوليد بن كثير تارة يحدث به عن محمد بن كعب، وتارة يحدث به عن عبد الله بن أبي سلمة.\nومع هذا الاختلاف في الإسناد فإن عبيد الله بن عبد الله بن رافع أو عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع مجهول الحال.\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه فلم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٢/ ٣٢١).\nوقال ابن منده: مجهول. تهذيب التهذيب (٧/ ٢٦).\nوقال ابن القطان الفاسي: .... تحصل في هذا الرجل الراوي له عن أبي سعيد خمسة أقوال:\nعبد الله بن عبد الله بن رافع، وعبيد الله بن عبد الله بن رافع، وعبد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعبد الرحمن بن رافع، وكيفما كان، فهو لا تعرف له حال ولا عين! ! بيان الوهم والإيهام (١٠٥٩).\nالطريق الثاني: سليط بن أيوب، عن ابن رافع، عن أبي سعيد:\nرواه ابن إسحاق وخالد بن أبي نوف، عن سليط بن أيوب، أما رواية ابن إسحاق، فقد اختلف عليه فيه، فتارة يرويه عن سليط بن أيوب، وتارة يرويه بإسقاطه، وتارة يرويه عن عبد الله بن أبي سلمة، كما أنه قد اختلف على ابن إسحاق في اسم عبيدالله بن عبد الله بن رافع، وإليك بيان هذه الاختلافات: =","vol":"1","page":44},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الوجه الأول: عن ابن إسحاق، عن سليط، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد:\nرواه أحمد (٣/ ٨٦) والدارقطني (١/ ٣١) من طريق إبراهيم بن سعد،\nوأبو داود (٦٧) والدارقطني (١/ ٣٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٤٧)، وفي المعرفة (٢/ ٧٨) عن محمد بن سلمة، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١) والدارقطني (١/ ٣١) من طريق أحمد بن خالد الوهبي.\nكلهم عن ابن إسحاق قال: حدثني سليط بن أيوب بن الحكم الأنصاري، عن عبيد الله بن عبدالرحمن بن رافع الأنصاري ثم أحد بني عدي بن النجار، عن أبي سعيد الخدري.\nوقال الدارقطني: (عبد الرحمن بن رافع) بدلًا من عبيد الله عبد الرحمن بن رافع. ولعل ما في سنن أبي داود والبيهقي هو الصواب.\nوهذا الإسناد فيه لين، فيه عبيد الله بن عبد الرحمن سبقت ترجمته، وفيه سليط بن أيوب: روي عنه خالد بن أبي نوف، ومحمد بن اسحاق، وذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٤/ ٢٨٧).\nذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٤٠).\nولا أعلم وثقه أحد غيره، وفي التقريب (٢٥٢٠) مقبول.\nالوجه الثاني: محمد بن إسحاق، عن سليط، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع:\nفذكر عبد الله بن عبد الرحمن بدلًا من عبيد الله بن عبد الرحمن.\nرواه الدارقطني (١/ ٣١) من طريقين عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، وأخرجه الدارقطني (١/ ٣١) من طريق أحمد بن خالد الوهبي، كلاهما (إبراهيم بن سعد وأحمد الوهبي) روياه عن ابن إسحاق، حدثني سليط بن أيوب بن الحكم الأنصاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري عن أبي سعيد به.\nوهو في تهذيب الكمال (١١/ ٣٣٦) من نفس الطريق إلا أنه قال: عن عبيد الله بن عبد الرحمن.\nوقد صرح ابن إسحاق بسماعه من سليط، فهل سمعه منه حقًا؟\nجاء في المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ١٥٥، ١٥٦) قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وساق حديث بئر بضاعه بإسناده عن محمد بن اسحاق، عن سليط، عن أبي سعيد ثم قال: قال أبي: محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي بينه وبين سليط رجل. اهـ\nالوجه الثالث: محمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ليس فيه سليط.\nأخرجه أبو داود الطيالسي (٢١٩٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١)، من طريق حماد ابن سلمة، عن محمد بن إسحاق به. ولم يسمعه محمد بن إسحاق من عبيد الله بن عبدالرحمن، =","vol":"1","page":45},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا قد يكون من ابن إسحاق تدليسًا، وقد يكون من حماد بن سلمة لعدم ضبطه.\nالوجه الرابع: عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن عبد الله بن رافع.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٣١) من طريق عبيد الله بن سعد، حدثني عمي، أخبرنا أبي، عن ابن إسحاق قال حدثني عبد الله بن أبي سلمة أن عبد الله بن عبد الله بن رافع حدثه أنه سمع أبا سعيد فذكره.\nوعبيد الله بن سعد: هو عبيد الله بن سعد الزهري.\nوعمه: هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.\nوعبيد الله هذا: أخرج له البخاري. وعمه يعقوب: أخرج له الشيخان.\nوأبوه: إبراهيم بن سعد أخرجا له أيضًا، وكان يهتم بنقل السماع عن ابن إسحاق، قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلس إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد إذا كان سماع قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. انظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٢١)، تاريخ بغداد (١/ ٢٤٥)، موسوعة أقوال الإمام أحمد (٣/ ٢٣٩).\nوقد نقل لنا إبراهيم بن سعد تصريح ابن إسحاق بالسماع فزال ما يخشى من تدليسه.\nفلا يبقى في الإسناد إلا عبد الله بن عبد الله بن رافع، وهو عبيد الله بن رافع، وهو عبيد الله بن عبد الرحمن، فهذا الاختلاف ليس من قبيل الاختلاف في عينه، وإنما هو من قبيل الاختلاف في اسمه.\nقال الدارقطني في العلل (١١/ ٢٨٨): «وأحسنها إسنادًا حديث الوليد بن كثير عن محمد بن كعب، وحديث ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي سلمة». اهـ\nهذا فيما يتعلق برواية محمد بن إسحاق، عن سليط.\nوأما رواية خالد بن أبي نوف، عن سليط.\nفقد رواها مطرف عن خالد بن أبي نوف، واختلف على مطرف:\nفرواه أحمد (٣/ ١٥)، وأبو يعلى في مسنده (٣٢٧، ١٣٠٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٥٧) من طرق عن عبد العزيز بن مسلم، عن مطرف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط، عن ابن أبي سعيد (عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري)، عن أبيه.\nفهنا سليط يرويه عن عبد الرحمن بن سعيد الخدري، وليس عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع.\nوفي هذا الإسناد خالد بن أبي نوف:\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه فلم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٣/ ٣٥٥). =","vol":"1","page":46},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو حاتم الرازي: يروى ثلاثة أحاديث مراسيل. المرجع السابق، يقصد منقطعة.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٦٤).\nوفي التقريب: مقبول، يعني إن توبع، وإلا فلين.\nوخالف أسباط بن محمد عبد العزيز بن مسلم القسملي، فرواه كما في العلل للدارقطني (١١/ ٢٨٨) عن مطرف، عن خالد بن أبي نوف، عن محمد بن إسحاق. قال الدارقطني: فرجع الحديث إلى ابن إسحاق، وأرسله عن أبي سعيد».\nهذا فيما يتعلق بتخريج الحديث، وبيان طرقه، ومداره على عبيد الله بن عبد الله بن رافع، والاختلاف في اسمه لا يعني الاختلاف في عينه كما أسلفت، ولم أقف على أحد وثقه، إلا أن يعتبر توثيقه ضمنيًا بتصحيح العلماء لحديث أبي سعيد الخدري كما سيأتي إلا أن يقال: إن التصحيح للحديث قد يكون بالمجموع، وهذا لا يعني التوثيق الضمني، نعم لو كان له طريق واحد، وليس له شواهد، ربما يقال إن تصحيح قد يتضمن التوثيق، والله أعلم.\nوقد صحح حديثه الأئمة، منهم أحمد كما في معالم السنن (١/ ٧٤) تلخيص الحبير (١/ ١٣).\nوابن معين كما في التلخيص (١/ ١٣).\nوابن الملقن كما في البدر المنير (٢/ ٥١).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد، وفي الباب عن ابن عباس وعائشة. سنن الترمذي (١/ ١٠١).\nوقال البغوى: هذا حديث حسن صحيح. شرح السنة (٢/ ٦١).\nوصحح الحديث ابن تيمية، قال في الفتاوى (٢١/ ٤١): «قد صح عن النبي ﷺ أنه قيل له: إنك تتوضأ من بئر بضاعة ..».\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٣): نقل ابن الجوزي أن الدارقطني، قال: إنه ليس بثابت، قال الحافظ: ولم نر ذلك في العلل له، ولا في السنن، وقد ذكر في العلل الاختلاف فيه على ابن إسحاق وغيره .... ثم قال: وأحسنها إسنادًا رواية الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب ... إلخ كلامه.\nوالحق أن كلام الدارقطني موجود في العلل (٨/ ١٥٦) لكنه عنى به حديث المقبري، عن أبي هريرة في بئر بضاعة، ولم يقصد هذا الحديث، والله أعلم.\nالطريق الثالث: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي (٢١٥٥) قال حدثنا قيس، عن طريف بن سفيان، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فأتينا على غدير فيه جيفة، فتوضأ بعض القوم، وأمسك =","vol":"1","page":47},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بعض القوم حتى يجيئ النبي ﷺ فجاء النبي ﷺ في أخريات الناس، فقال: توضؤوا واشربوا؛ فإن الماء لا ينجسه شيء.\nوقيس: هو ابن الربيع مختلف فيه، والراجح ضعفه، وقد حررت القول فيه في مسألة دفن الظفر والشعر، فارجع إليه إن شئت. وما يخشى من سوء حفظه قد زال بالمتابعة فقد تابعه شريك ابن عبد الله النخعي عن طريف به إلا أن شريكًا تارة يرويه بالشك عن جابر أو أبي سعيد، كما أخرجه الطحاوي (١/ ١٢)، والبيهقي (١/ ٢٥٨)، وتارة يرويه بالجزم عن جابر وحده، كما عند ابن ماجه (٥٢٠)، وتارة يرويه بالجزم عن أبي سعيد وحده كما جاء ذلك عند ابن عدي في الكامل (٤/ ١١٧) وهو الصواب.\nوهذا الشك إنما جاء من قبل شريك، فإنه صدوق سيء الحفظ.\nوالحديث ضعيف لضعف طريف بن سفيان، ويقال: طريف بن سعد ويقال: طريف ابن شهاب.\nقال ابن عبد البر كما في تهذيب التهذيب (٥/ ١١): «طريف أجمعوا على أنه ضعيف الحديث».اهـ\nإلا أن الحديث صالح في الشواهد والمتابعات.\nقال ابن عدي (٤/ ١١٨): «طريف قد روى عن الثقات، وإنما أنكر عليه في متون الأحاديث أشياء لم يأت بها غيره، وأما أسانيده مستقيمة».\nانظر في مراجعة طرق الحديث: أطراف المسند (٦/ ٢٦٩)، و(٦/ ٢٧٨)، تحفة الأشراف (٣/ ٣٩٥) رقم: ٤١٤٤، (٣/ ٣٨٦) رقم: ٤١٢٥، وإتحاف المهرة (٥/ ٢٨٠، ٢٩٧)، والعلل للدارقطني (١١/ ٢٨٥).\nوالحديث له شواهد، منها:\nالشاهد الأول: حديث سهل بن سعد.\nقال ابن القطان في الوهم والإيهام (٥/ ٢٢٤): «بعد أن ضعف حديث أبي سعيد الخدري، قال: ونذكر الآن هنا أن له إسنادًا صحيحًا من رواية سهل بن سعد، ثم نقل من كتاب قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، حدثنا أبو علي: عبد الصمد بن أبي سكينة الحلبي بحلب، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قالوا: يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وفيها ما ينجي الناس، والمحائض والخبث، فقال رسول الله ﷺ: الماء لا ينجسه شيء.\nقال قاسم: هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة.\nوقال محمد بن عبد الملك بن أيمن: حدثنا ابن وضاح فذكره أيضًا بإسناده ومتنه -وذكر ابن حجر أن محمد بن عبد الملك أخرجه في مستخرجه، كما في تلخيص الحبير (١/ ١٤). =","vol":"1","page":48},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثم قال ابن القطان: قال ابن حزم: وعبد الصمد بن أبي سكينة ثقة مشهور.\nوقال قاسم: ويروى حديث عن سهل بن سعد في بئر بضاعة من طرق، هذا خيرها، فاعلم ذلك. اهـ\nوقال ابن حجر في التلخيص متعقبًا (١/ ١٤): ابن أبي سكينة الذي زعم ابن حزم أنه مشهور، قال ابن عبد البر وغير واحد: إنه مجهول، ولم نجد عنه راويًا إلا محمد بن وضاح. اهـ\nقلت: على فرض أن يكون ضعيفًا، فهو شاهد صالح لحديث أبي سعيد الخدري.\nكما أن له متابعًا، فقد أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٣٣٧، ٣٣٨)، والدار قطنى (١/ ٣٢) من طريق الفضيل بن سليمان.\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢) من طريق حاتم بن إسماعيل، كلاهما عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أمه، قالت: دخلنا على سهل بن سعد فى أربع نسوة فقال: لو سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك. وقد سقيت رسول الله ﷺ منها بيدى.\nوقال الحافظ في أطراف مسند الإمام أحمد (٢/ ٥٦٠) رواه إسحاق فى مسنده قال: حدثنا بعض أصحابنا، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن أبي يحيى به.\nومحمد بن أبي يحيى:\nقال العجلي: مدني ثقة. معرفة الثقات (٢/ ٢٥٧).\nوقال عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن أبى يحيى ثقة. الجرح والتعديل (٧/ ٢٨٢).\nوقال الآجري: سألت أبا داود عن أبيه - يعني أبا يحيى، فقال: أبوه ثقة. تهذيب التهذيب (٩/ ٤٦٠).\nوذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٧/ ٣٧٢).\nوقال أبو حاتم: تكلم فيه يحيى القطان. تهذيب التهذيب (٩/ ٤٦٠). ولم أقف عليه في مظانه.\nوقال ابن شاهين: فيه لين. المرجع السابق.\nوقال: الخليلي ثقة. المرجع السابق.\nوأمه مجهولة لم يرو عنها إلا ابنها هذا محمد.\nقال عنها الحافظ في التقريب (٨٧٦٩): مقبولة، يعني: حيث توبعت.\nوقد أرودها الذهبي في فصل: النسوة المجهولات، فيمن لم تسم، وذكر أن لها رواية عن أم بلال.\nوقد قال الذهبي في الميزان (٤/ ٦٠٤): «وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها». اهـ\nقلت: هذا لا يقتضي التوثيق؛ لأن النفي هنا إنما هو للضعف الشديد، في كونها متهمة أو متروكة، وليست في الضعيفة، وقد كان في النساء من ضعفت، كأم ولد زيد بن أرقم، وامرأة أبي إسحاق السبيعي وغيرهما. =","vol":"1","page":49},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= واختلف على حاتم بن إسماعيل:\nفرواه أبو يعلى الموصلي (٧٥١٩) حدثنا إسحاق - يعني: ابن راهويه ـ\nوالبيهقى (١/ ٢٥٩) من طريق علي بن بحر القطان.\nوالطبرانى (٦/ ٢٠٧) من طريق هشام بن عمار، ثلاثتهم عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمى، عن أبيه قال: دخلت على سهل بن سعد في نسوة ..... وساق الحديث، وهذا لفظ البيهقي.\nوأعتقد أن ذكر (عن أبيه) خطأ من حاتم بن إسماعيل، فقد رواه الأثرم في سننه (٤٦) حدثنا إبراهيم بن حمزة.\nورواه الأثرم في سننه (٤٦) والرويان في مسنده (١١٢١) عن علي بن بحر، كلاهما (إبراهيم بن حمزة وعلي بن بحر) قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل به، بذكر روايته (عن أمه).\nكما أن لفظ: (دخلنا على سهل بن سعد في نسوة) يشعر أنه ليس معهم رجل.\nفصار الفضيل بن سليمان يرويه عن محمد بن يحيى الأسلمي عن أمه.\nوأما حاتم بن إسماعيل فرواه على الوجهين: عن أبيه تارة، وعن أمه تارة.\nومحمد بن أبي يحيى حدث عن أبيه، كما حدث عن أمه، وأبوه سمعان قال فيه الحافظ في التقريب (٢٦٣٣): لا بأس به، وهذا الاختلاف مؤثر في الحكم على الحديث، فإن كان الصواب من رواية محمد هو ما يرويه عن أمه، فأمه مجهولة، والإسناد ضعيف، وإن كانت رواية محمد بن أبي يحيى عن أبيه محفوظة فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى، فالإسناد حسن، وكما قلت أخشى أن تكون رواية محمد عن أبيه ليست محفوظة؛ وأن ما وافق رواية الفضيل بن سليمان هو الصواب.\nوجاء في مسند الطبراني: (جابر بن إسماعيل) وهو تصحيف، والصحيح حاتم بن إسماعيل كما عند الطحاوي والبيهقي.\nوفي كل حال يصح أن يعتبر بحديث سهيل ويعتبر شاهدًا يتقوى به حديث أبي سعيد، والله أعلم.\nالشاهد الثاني: حديث عائشة.\nأخرجه أبو يعلى في مسنده كما في المقصد العلي (١٢٠)، قال: حدثنا الحماني، حدثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: الماء لا ينجسه شيء.\nوفي هذا الإسناد الحماني:\nقال أحمد: ما زلنا نعرف أنه يسرق الأحاديث أو يتلقفها أو يتلقطها، وقال: قد طلب وسمع ولو اقتصر على ما سمع لكان له فيه كفاية، فالحماني حافظ مجروح، لكنه لم ينفرد به، فقد رواه الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٩) والبزار في مسنده كما في كشف الأستار (١/ ١٣٢) والطبراني في الأوسط (٢١١٤) من طريق أبي أحمد الزبيري، ثنا شريك به. =","vol":"1","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن المقدام إلا شريك.\nقال الحافظ في المطالب العالية (١) إسناده حسن، فإن الحماني لم ينفرد به. والحق أن إسناده ضعيف، والحماني وإن توبع، فإن ضعفه يبقى؛ لأن جرح الحماني لم يرتفع بالمتابعة؛ لأنه مجروح بسرقة الحديث، فقد يكون هذا الحديث سرقه من غيره، ومن جهة أخرى فلو فرضنا أن الحديث قد سمعه الحماني يبقى فيه علة أخرى، وهو ضعف شيخه شريك، وقد تفرد به.\nوقول الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١٤) رجاله ثقات بعد أن عزاه للبزار وأبي يعلى والطبراني في الأوسط فيه نظر للعلة نفسها، فإن شريكًا قد تفرد عندهم بهذا الحديث.\nوقد رواه شريك كما سبق من مسند أبي سعيد وشك فيه، فتارة يجزم به عنه، وتارة يشك فيه عن أبي سعيد أو جابر، وتارة يجزم به عن جابر، وهنا جعله من مسند عائشة، وهذا التخليط إنما جاء من قبل سوء حفظه ﵀، فلا يقبل ما تفرد به والله أعلم.\nورواه أحمد من طريق آخر بسند صحيح إلا أنه موقوف على عائشة، قال أحمد (٦/ ١٧٢) ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة، قالت: سألت عائشة عن الغسل من الجنابة فقالت: إن الماء لا ينجسه شيء، قد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، يبدأ فيغسل يديه.\nفالموقوف الصحيح عن عائشة يصح الاعتبار به لحديث أبي سعيد الخدري ﵁.\nالشاهد الثالث: حديث ابن عباس.\nما رواه أحمد (١/ ٢٣٥) قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: الماء لا ينجسه شيء.\nوهذا الحديث مداره على سماك بن حرب، عن عكرمة. وله علتان:\nأحدهما: رواية سماك عن عكرمة، وفيها اضطراب.\nقال علي بن المديني: رواية سماك عن عكرمة مضطربة. تهذيب الكمال (١٢/ ١١٥).\nوقال أبو داود في مسائله لأحمد (ص: ٤٤٠) رقم ٢٠١٦: سمعت أحمد قال: قال شريك: كانوا يلقنون سماكًا أحاديثه عن عكرمة، يلقنونه عن ابن عباس، فيقول: عن ابن عباس. اهـ\nقال النسائي: كان ربما لقن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن تهذيب التهذيب (٤/ ٢٠٤).\nوقال العجلي: سماك بن حرب البكري كوفي تابعي جائز الحديث، وكان له علم بالشعر، وأيام الناس، وكان فصيحًا إلا أنه كان في حديث عكرمة ربما وصل الشيء عن ابن عباس، وربما قال: قال النبي ﷺ، وإنما كان عكرمة يحدث عن ابن عباس، وكان سفيان الثوري يضعفه بعض الضعف، وكان جائز الحديث، لم يترك حديثه أحد، ولم يرغب عنه أحد. معرفة الثقات (١/ ٤٣٦). =","vol":"1","page":51},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأجيب عن هذه العلة:\nقال يعقوب: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع من سماك قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم». تهذيب الكمال (١٢/ ١١٥).\nوقال الحافظ: وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه شعبة، عن سماك، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم. اهـ فتح الباري (١/ ٣٠٠).\nوأجيب: بأن سفيان وشعبة قد روياه عن سماك، وروايتهما عنه مستقيمة، كما سيأتي بيانه في التخريج.\nالعلة الثانية: أنه قد اختلف على سماك، في وصله وإرساله، ولا يمكن الاحتجاج برواية شعبة له عن سماك؛ لأن أصحاب شعبة إنما رووه عنه، عن سماك، عن عكرمة مرسلًا، ولم يروها موصولة إلا محمد بن بكر عن شعبة، كما اختلف على وكيع في وصله وإرساله.\nويبقى الترجيح بين رواية شعبة وسفيان، فالأول روى الحديث مرسلًا، والثاني موصولًا، وقد اختلف على وكيع في وصله وإرساله، ولعل هذا ما جعل الإمام أحمد يقول: أتقيه لحال سماك، وليس أحد يرويه غيره، وقال: هذا فيه اختلاف شديد، بعضهم يرفعه وبعضهم لا يرفعه. تنقيح التحقيق (١/ ٢٢٠).\nلهذا فالحديث لا يسلم من الضعف، إلا أنه صالح للاستشهاد به مع حديث أبي سعيد الخدري، وأثر عائشة الموقوف عليها.\nإذا علم ذلك نأتي إلى تخريج الحديث، فالحديث قد رواه عن سماك جمع، منهم، سفيان الثوري، وشعبة، وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص وشريك، وغيرهم، وإليك بيانها.\nالأول: سفيان الثوري، عن سماك.\nأخرجه عبد الرزاق (٣٩٦) قال: عن الثوري، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن امرأة من نساء النبي ﷺ استحمت من جنابة، فجاء النبي ﷺ فتوضأ من فضلها، فقالت: إني اغتسلت منه، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء.\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (١/ ٢٨٤)، وابن الجارود (٤٩) والطبراني (١١٧١٤)، والبيهقي (١/ ٢٦٧).\nورواه أحمد (١/ ٢٣٥)، والنسائي (٣٢٥)، وابن خزيمة (١٠٩)، وابن حبان (١٢٤٢)، والحاكم (١/ ١٩٥) من طرق عن ابن المبارك.\nوأخرجه الدارمي (٧٣٤)، وابن الجارود في المنتقى (٤٨)، والبيهقي (١/ ١٨٨) من طريق عبيدالله بن موسى. =","vol":"1","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الطحاوي (١/ ٢٦) وابن خزيمة (١٠٩) من طريق أبي أحمد الزبيري.\nورواه أحمد (١/ ٣٠٨) حدثنا عبد الله بن الوليد، ومن طريق عبد الله بن الوليد أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٨٦) كلهم رووه عن سفيان به.\nورواه أحمد (١/ ٢٣٥، ٣٠٨) عن وكيع، ومن طريق وكيع أخرجه ابن ماجه (٣٧١)، وابن خزيمة (١٠٩) إلا أن وكيعًا رواه عن سفيان واختلف عليه، فرواه أحمد عن وكيع من حفظ وكيع موصولًا، وقد حدث به وكيع الإمام أحمد من مصنفه مرسلًا.\nقال الإمام أحمد (١/ ٣٠٨) حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ الماء لا ينجسه شيء.\nقال أبي في حديثه: حدثنا به وكيع في المصنف، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، ثم جعله بعد عن ابن عباس.\nقال أحمد شاكر: هذا بيان للإسناد السابق، يريد الإمام أن يوضح أن شيخه وكيع بن الجراح حدثه بالحديثين على وجهين: حدثه به في كتابه المصنف، عن عكرمة مرسلًا، ثم حدثه به بعد ذلك متصلًا، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوقد رواه غير وكيع عن سفيان مرفوعًا كما تقدم من رواية ابن المبارك وعبد الرزاق وعبد الله بن الوليد وعبيد الله بن موسى وأبي أحمد الزبيري».\nالثاني: أبو الأحوص، عن سماك.\nرواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٨) رقم ٣٥٣، ومن طريقه ابن ماجه (٣٧٠) قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء رسول الله ﷺ ليغتسل منها أو ليتوضأ، فقالت: يا رسول الله إني كنت جنبًا فقال النبي ﷺ إن الماء لا يجنب.\nورواه أبو داود (٦٨) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٩، ٢٦٧)، قال: حدثنا مسدد.\nورواه الترمذي (٦٥) قال: حدثنا قتيبة، ومن طريق قتيبة بن سعيد أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٢٦١، ١٢٦٩).\nورواه ابن حبان في صحيحه (١٢٤١) عن أبي معمر القطيعي.\nورواه ابن حبان أيضًا (١٢٤٨) من طريق عثمان بن أبي شيبة، كلهم رووه عن أبي الأحوص، عن سماك به.\nالثالث: حماد بن سلمة، عن سماك.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٧٤) رقم ١١٧١٥ قال: حدثنا بشر بن موسى، ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، ثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب به. =","vol":"1","page":53},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الرابع: شريك، عن سماك.\nأخرجه أحمد (١/ ٣٣٧) قال: ثنا حجاج، أن شريكًا حدثه، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أجنب النبي ﷺ وميمونة، فاغتسلت ميمونة في جفنة، وفضلت فضلة، فأراد النبي ﷺ أن يغتسل منها، فقالت: يا رسول الله إني قد اغتسلت منه، فقال -يعني النبي ﷺإن الماء ليست عليه جنابة، أو قال: إن الماء لا ينجس.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي (١٦٢٥)، ومن طريقه أخرجه أحمد (٦/ ٣٣٠)، والدارقطني (١/ ٥٣).\nوأخرجه أحمد (٣/ ٣٣٠) من طريق هاشم بن القاسم، وأبو يعلى (٧٠٩٨) من طريق إسحاق بن منصور السلولي.\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٨) من طريق عصمة بن سليمان الخزاز، كلهم رووه عن شريك به.\nورواه الطبراني أيضًا (٢٣/ ٤٢٥) من ثلاثة طرق، عن شريك به.\nواختلف على شريك، فرواه عنه من سبق من مسند ابن عباس، ورواه ابن الجعد في مسنده (٢٣٣٣) قال: أنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: أجنبت أنا ورسول الله ﷺ، فاغتسلت من جفنة، وفضلت فيها فضلة، فجاء النبي ﷺ ليغتسل منها، قلت: قد اغتسلت منها، فاغتسل، وقال: إن الماء ليس عليه جنابة. فجعله من مسند ميمونة. وهذا من قبل شريك؛ لأنه سيء الحفظ.\nجاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٣): سألت أبا زرعة عن حديث رواه سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من جنابة، فجاء النبي ﷺ، فقالت له، فتوضأ بفضلها، وقال: إن الماء لا ينجسه شيء.\nورواه شريك عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة، فقال: الصحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بلا ميمونة. اهـ\nقال الدارقطني: اختلف في هذا الحديث على سماك، ولم يقل فيه: عن ميمونة غير شريك.\nالخامس: يزيد بن عطاء، عن سماك.\nأخرجه الدارمي (٧٣٥) قال: أخبرنا يحيى بن حسان، ثنا يزيد بن عطاء، عن سماك به، إلا أنه قال: إنه ليس على الماء جنابة، بدلًا من قوله: إن الماء لا ينجسه شيء. اهـ\nالسادس: حصين، عن عكرمة.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٣٢) قال: حدثنا هشيم، عن حصين، عن عكرمة قال: الماء طهور لا ينجسه شيء، فهنا أوقفه حصين، على عكرمة، لكن إسناده ضعيف، لأن هشيمًا قد عنعن، وهو مدلس. =","vol":"1","page":54},{"text":"وجه الاستدلال من الحديث:\nأن حديث أبي سعيد أثبت قسمًا من الماء وهو الماء الطهور، وثبت الماء النجس بالإجماع فهذان قسمان من الماء أحدهما ثبت بحديث أبي سعيد، والآخر ثبت بالإجماع، وبقى الماء الطاهر لا دليل على ثبوته فيكون الماء قسمين: طهورًا ونجسًا ولا ثالث لهما.\nأو يقال: الحديث أثبت طهورية الماء، وأنه لا ينجسه شيء، فالماء إذًا باق على طهوريته لا يخرج منها إلا بإجماع، وهذا لا يكون إلا بتغيره بالنجاسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الدليل الثالث:</span>\n(٥) ما رواه البخاري من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير،\n_________\nلكن أخرجه ابن الجعد في مسنده (٢٩٩٨) قال: أنا أبو جعفر، عن حصين، قال: سألت عكرمة عن الحمام يدخله الجنب واليهودي والنصراني والمجوسي ونحو ذلك فقال: إن الماء لا ينجسه شيء.\nوأرى أن أثر ابن الجعد قد ساقه مساق الإفتاء، فلا تعتبر متابعة من أبي جعفر لهشيم في وقفه على عكرمة.\nالسابع: شعبة، عن سماك.\nأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢٥٠)، وابن خزيمة (٩١) والحاكم في المستدرك (١/ ١٥٩) من طرق عن محمد بن بكر، أخبرنا شعبة به.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٣٢، ٣٣٣): «رواه جماعة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس منهم شعبة والثوري إلا أن جل أصحاب شعبة يروونه عنه، عن سماك، عن عكرمة مرسلًا، ووصله عنه محمد بن بكر، وقد وصله جماعة عن سماك منهم الثوري، وحسبك بالثوري حفظًا وإتقانًا، ثم ساق الحديث بإسناده من طريق وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس وذكر الحديث، ثم قال: وهكذا رواه أبو الأحوص وشريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، وكل من أرسل هذا الحديث فالثوري أحفظ منه، والقول فيه قول الثوري ومن تابعه على إسناده». اهـ\nقلت أيضًا روي مرسلًا من طريق وكيع، عن سفيان وسبق الكلام عليه.\nالطريق الثامن: إسرائيل، عن سماك.\nأخرجه عبد الرزاق (٤٩٧) عن إسرائيل، عن عكرمة به. كذا في المطبوع، والظاهر أنه سقط من إسناده سماك؛ لأن إسرائيل ليست له رواية عن عكرمة، وإنما يروي عن سماك، والله أعلم. هذا ما وقفت عليه من طرق تخريج الحديث.","vol":"1","page":55},{"text":"عن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته -أو قال فأوقصته- قال النبي ﷺ: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الدليل الرابع:</span>\n(٦) ما رواه البخاري من طريق أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه تعني إزاره (^٢).\nوجه الاستدلال من الحديثين.\nقالوا: الماء إذا أضيف إليه السدر لا بد أن يتغير، وإذا كان هذا المتغير بشيء طاهر يطهر الميت فطهارة الحي كطهارة الميت، فما طهر الميت طهر الحي (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الدليل الخامس:</span>\n(٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو وابن أبي بكير، قالا: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،\nعن أم هانئ قالت: اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين (^٤).\n[صحيح إلا أن ذكر العجين في القصعة قد اختلف في ذكره، وقد رواه البخاري\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٢٦٥) ومسلم (١٢٠٦).\n(^٢) صحيح البخاري (١٢) ومسلم (٩٣٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦).\n(^٤) مسند أحمد (٦/ ٣٤١، ٣٤٢).","vol":"1","page":56},{"text":"ومسلم وليس فيه ذكر للعجين] (^١).\n_________\n(^١) حديث أم هانئ رواه البخاري في صحيحه (١١٠٣) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى\nوأخرجه مسلم (٣٣٦) من طريق عبد الله بن الحارث.\nوأخرجه البخاري أيضًا (٣٥٧) ومسلم (٧١ - ٣٣٦) من طريق أبي مرة مولى أم هانئ، كلهم رووه عن أم هانئ، عن النبي ﷺ، فذكروا اغتسال النبي ﷺ، وصلاة الضحى، ولم يذكروا العجين في الإناء.\nقد رواه عنها جماعة بذكر العجين في القصعة، منهم مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، والمطلب بن حنطب، وهؤلاء لم يسمعوا من أم هانئ.\nورواه جماعة عن أبي مرة مولى عقيل، عن أم هانئ، وأكثر هؤلاء لم يذكروا موضع العجين في القصعة، ومن ذكره منهم قد اختلف عليه في ذكرها.\nوهو في صحيح البخاري كما أسلفت، وليس فيه ذكر للعجين.\nورواه يوسف بن ماهك، عن أم هانئ بذكر العجين، وفيه إسناده عبد الله بن عثمان بن خثيم مختلف فيه.\nإذا عرفت هذا الاختلاف في الإجمال نأتي إلى تفصيله، فأقول مستعينًا بالله وحده:\nالطريق الأول: مجاهد عن أم هانئ.\nأخرجه أحمد كما في إسناد الباب، وابن ماجه (٣٧٨)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٣٠) ح ١٠٥١ من طريق يحيى بن بكير.\nوأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٢٤٢) وفي الصغرى (٢٤٠) وابن خزيمة (٢٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٥) من طريق ابن مهدي.\nوأخرجه أحمد كما في إسناد الباب، وابن سعد في الطبقات (٨/ ١٣٧) والبيهقي (١/ ٧) من طريق أبي عامر العقدي.\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٢٤٥) من طريق زيد بن الحباب.\nأربعتهم (يحيى بن بكير وأبي عامر العقدي، وابن مهدي وزيد بن الحباب)، كلهم رووه عن إبراهيم بن نافع به.\nوهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات، وقد أعل هذا الإسناد بالانقطاع، قال البخاري فيما نقل عنه الترمذي في جامعه عقب الحديث (١٧٨١): «لا أعرف لمجاهد سماعًا من أم هانئ».\nقلت: قد توبع مجاهد، عن أم هانئ، تابعه عطاء، والمطلب بن عبد الله بن حنطب، ويوسف بن ماهك، وأبو مرة مولى عقيل، وقيل: مولى أم هانئ.\nالطريق الثاني: عطاء، عن أم هانئ.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٨٥٧)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٦/ ٣٤١)، =","vol":"1","page":57},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٢٧)، وابن حزم في المحلى (١/ ٢٠٠) عن ابن جريج، عن عطاء به.\nوأخرجه النسائي (٤١٥) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٢٨) رقم ١٠٤٤ من طريق محمد بن موسى بن أعين.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٢٧) رقم: ١٠٤٣ من طريق جرير بن عبد الحميد، وأخرجه الخطيب في تاريخه (١٣/ ٤٤) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق، ثلاثتهم (موسى بن أعين، وجرير بن عبد الحميد، وإسحاق بن يوسف)، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء به، وهذه متابعة من عبد الملك بن سليمان لابن جريج.\nوهذا الطريق منقطع، قال علي بن المديني كما في العلل (٨٨): عطاء بن أبي رباح لقي عبد الله بن عمر .... ولم يسمع من زيد بن خالد الجهني ولا من أم سلمة ولا من أم هانئ».\nوفي إسناد النسائي: عبد الملك بن أبي سليمان، قد تكلم فيه شعبة بسبب حديث الشفعة، انظر الجرح والتعديل (٥/ ٣٦٦)، والضعفاء للعقيلي (٣/ ٣١).\nوفي التقريب: صدوق له أوهام. والحق أنه ثقة، فقد وثقه أحمد، ويحيى بن معين، والنسائي، وابن سعد، والترمذي، وابن عمار الموصلي، والثوري وابن المبارك والدارقطني. وأخذ عليه وهمه في حديث الشفعة، ثم ماذا؟ ومن الذي لا يهم؟ ولذلك لم يمنع هذا الوهم من أن يوثقه الأئمة. قال يحيى بن معين عندما سئل عن حديث الشفعة، قال: هو حديث لم يحدث به إلا عبد الملك، وقد أنكره الناس عليه، ولكن عبد الملك ثقة صدوق لم يرد على مثله.\nوقال أحمد: هذا حديث منكر - يعني: حديث الشفعة- وعبد الملك ثقة. انظر تهذيب التهذيب (٦/ ٣٥٢).\nوعلى كل حال فلم ينفرد به عبد الملك بن أبي سليمان فقد تابعه ثقة إمام كابن جريج فلم يبق في هذا الطريق إلا علة الانقطاع، وقد روي موصولًا إلا أنه شديد الضعف رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤٠٦) من طريق حجاج بن نصير، حدثنا أبو بكر الهذلي، واسمه سلمى، عن عطاء، عن ابن عباس.\nوحجاج بن نصير: ضعيف، وشيخه متروك.\nالطريق الثالث: المطلب بن حنطب، عن أم هانئ.\nأخرجها عبد الرزاق (٤٨٦٠)، عن معمر، عن ابن طاووس، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أم هانئ قالت: نزل رسول الله ﷺ يوم الفتح بأعلى مكة، فأتيته، فجاءه أبوذر في جفنة فيها ماء قالت: إني لأرى فيها أثر العجين، قالت: فستره أبو ذر، فاغتسل ثم ستر النبي ﷺ أبا ذر فاغتسل، ثم صلى ثماني ركعات، وذلك ضحى.\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٣٤١) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٢٦) رقم: ١٠٣٨، وابن خزيمة (١/ ١١٩)، وابن حبان (١١٨٩)، والبيهقي (١/ ٨)، وابن حزم (١/ ٢٠٠). =","vol":"1","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٩) «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وهو في الصحيح خلا قصة أبي ذر، وستر كل واحد منهما الآخر».\nوهذا الطريق فيه ملحوظتان:\nالأولى: الانقطاع، المطلب لم يدرك أم هانئ. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: عامة أحاديثه مراسيل، لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ إلا سهل بن سعد، وأنسًا، وسلمة ابن الأكوع، ومن كان قريبًا منهم ....».\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق كثير التدليس والإرسال.\nقلت: لم أجد أحدًا نص على تدليسه سوى الحافظ في التقريب، ولم يذكر ذلك عنه في التهذيب، ولا في تعريف أهل التقديس، ولم يذكر ذلك عنه المزي في تهذيب الكمال، والله أعلم.\nنعم لم يلق المطلب أم هانئ، فروايته عنها من قبيل الإرسال، والإرسال ليس من التدليس عند ابن حجر.\nوقال الترمذي في سننه (٢٩١٦): قال محمد -يعني البخاري- لا أعرف للمطلب بن عبد الله سماعًا من أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي ﷺ .... إلخ.\nوقال محمد بن سعد: كان كثير الحديث، وليس يحتج بحديثه؛ لأنه يرسل عن النبي ﷺ كثيرًا، وليس له لقي، وعامة أصحابه يدلسون. الطبقات الكبرى (٥/ ٣٣٢).\nالملحظ الثاني: في هذا الحديث أن أبا ذر هو الذي كان يستر النبي ﷺ، وقد جاء في الصحيحين أن فاطمة هي التي كانت تستره.\nوجمع بينهما الحافظ في الفتح (٣/ ٦٤): بأن ذلك تكرر منه، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة من طريق مجاهد عن أم هاني، وفيه أن أبا ذر ستره لما اغتسل، وفي رواية أبي مرة عنها أن فاطمة بنته هي التي سترته. اهـ\nقلت: ليس في صحيح ابن خزيمة من طريق مجاهد عنها أن أبا ذر ستر النبي ﷺ، إنما جاء عنده ذلك من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أم هانئ.\nورواية مجاهد عنها سبق تخريجها.\nومما يبعد تكرار ذلك أنها قالت عند مسلم (٨١ - ٣٣٦): فلم أره سبحها قبل ولا بعد.\nقال الحافظ: «ويحتمل أن يكون أحدهما ستره في ابتداء الغسل، والآخر في أثنائه».\nقلت: تفرد بذكر أبي ذر في ستره للنبي ﷺ المطلب بن عبد الله بن حنطب، وهو لم يسمع من أم هانئ، وعليه فيكون ضعيفًا، وما في الصحيحين مقدم عليه، ولا أرى داعيًا للتكلف بالجمع بين الحديثين ما دام أن أحدهما ضعيف. والله أعلم.\nالطريق الرابع: يوسف بن ماهك.\nرواه أحمد (٦/ ٤٢٤) من طريق زهير عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: حدثني يوسف بن ماهك، =","vol":"1","page":59},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أنه دخل على أم هانئ بنت أبي طالب، فسألها عن مدخل رسول الله ﷺ يوم الفتح، فسألها: هل صلى عندك النبي ﷺ قالت:\nدخل في الضحى، فسكبت له في صحفة لنا ماء إني لأرى فيها وضر العجين، قال يوسف: ما أدري أي ذلك أخبرتني أتوضأ أم اغتسل؟ ثم ركع في هذا المسجد -مسجد في بيتها- أربع ركعات.\nوأخرجه الطبراني (٢٤/ ٤٢٨) رقم: ١٠٤٦ من طريق زهير بن معاوية.\nوأخرجه أيضًا (٢٤/ ٤٢٨) رقم: ١٠٤٧ من طريق يحيى بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به.\nفمدار هذا الإسناد على عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن أم هانئ.\nوعبد الله بن عثمان بن خثيم جاء في ترجمته:\nاختلف فيه قول يحيى بن معين، فقال مرة: ثقة حجة.\nوقال مرة أخرى: أحاديثه ليست بالقوية، كما في رواية عبد الله بن الدورقي عنه. الكامل (٤/ ١٦١)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٧٥).\nواختلف فيه أيضًا قول النسائي، فقال مرة: ثقة، تهذيب الكمال (١٥/ ٢٧٩).\nوقال مرة أخرى: ليس بالقوي في الحديث.\nوقال أبو حاتم الرازي: ما به بأس. صالح الحديث. الجرح والتعديل (٥/ ١١١).\nوقال علي بن المديني: منكر الحديث. سنن النسائي (٢٩٩٣).\nوقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث حسنة. الطبقات (٥/ ٤٨٧).\nوقال ابن عدي: هو عزيز، وأحاديثه حسان، مما يجب أن يكتب. الكامل (٤/ ١٦١).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٢/ ٢٨١).\nوقال العجلي: مكي ثقة. ثقات العجلي (٢/ ٤٦).\nوقال ابن حبان: كان من أهل الفضل والنسك والفقه. مشاهير علماء الأمصار (١/ ٨٧).\nوذكره ابن حبان في الثقات. ثقات ابن حبان (٥/ ٣٤).\nوفي التقريب: صدوق. فالإسناد إن لم يكن حسنًا فهو صالح في المتابعات إلا أن قوله: (فصلي أربع ركعات) مخالف لما في الصحيحين وغيرهما من أن الرسول ﷺ صلى ثماني ركعات، إلا إن كان المقصود بأربع ركعات إطلاق الركعة على التسليمة فيكون موافقًا لما في الصحيحين.\nوقد اختلف في عدد الركعات التي صلاها رسول الله ﷺ يوم الفتح، هل هي اثنتان أم أربع أم ست أم ثمان؟ =","vol":"1","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواية الصحيحين، وهي رواية الأكثر، أنها ثمان. وليس هذا موضع تحريرها؛ لأن البحث في اغتسال النبي ﷺ من قصعة فيها أثر العجين.\nالطريق الخامس: أبو مرة مولى عقيل، عن أم هانئ.\nفقد رواه عنه جماعة، منهم سعيد بن أبي هند، والمقبري، وأبو النضر، وموسى بن ميسرة، إلا أن أكثر هؤلاء لم يذكروا موضع العجين في القصعة، ومن ذكره منهم قد اختلف عليه فيه، وإليك بيان هذه الطرق.\nأما رواية سعيد بن أبي هند:\nفرواها عنه ابن إسحاق، وفيها موضع الشاهد، وأن القصعة فيها أثر العجين.\nوروى عنه الوليد بن كثير، ويزيد بن أبي حبيب، وعبد العزيز بن عبيد الله الحمصي، وليس فيها ذكر لموضع الشاهد، ورواية يزيد بن أبي حبيب في مسلم.\nفقد روى ابن أبي شيبة (٣٤٠٧١) حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، عن أم هانئ بنت أبي طالب، قالت: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم، قالت: فخبأتهما في بيتي، فدخل علي أخي علي بن أبي طالب، فقال: لأقتلنهما. قالت: فأغلقت الباب عليهما، ثم جئت رسول الله ﷺ بأعلى مكة، وهو يغتسل في جفنة إن فيها أثر العجين، وفاطمة ابنته تستره، فلما فرغ رسول الله ﷺ من غسله أخذ ثوبا فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم أقبل فقال: مرحبًا وأهلًا بأم هانئ ما جاء بك؟ قالت: قلت: يا نبي الله فر إلي رجلان من أحمائي فدخل علي علي بن أبي طالب فزعم أنه قاتلهما. فقال: لا قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، وأمنا من أمنت.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا ابن إسحاق فهو صدوق، وقد صرح بالتحديث عند الطحاوي وغيره.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٢٠) رقم ١٠٢٠ من طريق الحماني، عن عبد الرحيم بن سليمان به.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٣٢٣) من طريق عبد الله بن إدريس.\nوأخرجه ابن بشكوال (١/ ١٤٢) من طريق زياد بن عبد الله البكائي، كلاهما عن محمد بن إسحاق به، وقد صرح بالتحديث.\nوقد توبع ابن إسحاق، فرواه الإمام إسحاق بن راهويه (٢١١٣) والسراج في حديثه (١٠٣١)، وأبو عوانة في مستخرجه (٨٠٦) من طريق الوليد بن كثير.\nومسلم في صحيحه (٣٣٦ - ٧١)، وابن ماجه (٤٦٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار =","vol":"1","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (١/ ٣٨٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤١٩) رقم ١٠١٩، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٢٢٤)، والسراج في حديثه (٢٠٥٢)، من طريق يزيد بن أبي حبيب.\nوسعيد بن منصور في سننه (٢٦١٠) ومن طريقه الطبراني في الأوسط (٩٠٩٠)، والكبير (٢٤/ ٤٢١) ١٠٢٢، عن إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، ثلاثتهم عن سعيد ابن أبي هند به، وليس في روايتهم موضع الشاهد من ذكر العجين في إناء الاغتسال.\nوعبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة الحمصي ضعيف، لم يرو عنه غير إسماعيل بن عياش.\nوأما طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي مرة.\nفرواه عنه اثنان: أحدهما ابن عجلان، وفيه موضع الشاهد: أن القصعة فيها أثر العجين.\nوالثاني: ابن أبي ذئب، عن المقبري، ولم يذكر العجين في إناء الاغتسال، وابن أبي ذئب لا يقارن بابن عجلان.\nفقد أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٣، ٣٢٤) قال: ثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أم هاني قالت: أتيت رسول الله ﷺ، وهو بأعلى مكة فلم أجده، ووجدت فاطمة فجاء رسول الله ﷺ، وعليه أثر الغبار، فقلت: يا رسول الله إني قد أجرت حموين لي، وزعم ابن أمي أنه قاتلهما، قال: قد أجرنا من أجرت، ووضع له غسل في جفنه، فلقد رأيت أثر العجين فيها، فتوضأ، أو قال اغتسل - أنا أشك - وصلى الضحى في ثوب مشتملًا به.\nوأخرجه الحميدي في مسنده (٣٣١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٥٢)، وابن الجارود في المنتقى (١٠٥٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤١٦) رقم ١٠١٤، وأخرجه ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (١/ ١٤١)، وابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ١٣٧) من طريق سفيان ابن عيينة.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤١٧) من طريق وهيب بن خالد، كلاهما عن ابن عجلان به.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٨) من طريق سفيان به. لكنه قال فيه: عن ابن عجلان عن رجل عن أبي مرة مولى عقيل.\nوابن عجلان صدوق، وهو وإن كانت اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة بأحاديث سعيد المقبري عن أبي هريرة، إلا أنه قد توبع هنا فقد تابعه ابن أبي ذئب، عن المقبري، فذهب ما يخشى من تفرد ابن عجلان به إلا أنه لم يذكر موضع الشاهد، وهو العجين في الإناء.\nفقد أخرجه أبو داود الطيالسي ط هجر (١٧٢٠)، وأحمد (٦/ ٣٤١، ٣٤٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٣٢٣)، والطبراني في الأوسط (١٤٠٦)، من طريق ابن أبي ذئب، =","vol":"1","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن المقبري به، إلا أن الحديث ليس فيه موضع الشاهد، وهو ذكر العجين في القصعة.\nوأما طريق ميمون بن ميسرة، والصواب (موسى بن ميسرة)، عن أم هانئ:\nفأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٧٦) رقم ٤٨٦١ ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤١٨) رقم: ١٠١٨، عن مالك، عن ميمون بن ميسرة، عن أم هانئ به. وليس فيه موضع الشاهد، من ذكر العجين في القصعة.\nقال عبد الرزاق عن مالك، عن ميمون بن ميسرة. والموجود في الموطأ (١/ ١٥٢) عن مالك، عن موسى بن ميسرة. وهذا هو الصواب.\nقال الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/): هكذا قال الدبري، عن عبد الرزاق، عن مالك، عن ميمون بن ميسرة، وَهِم فيه، والصواب: ما رواه القعنبي وغيره، عن مالك، عن موسى بن ميسرة.\nوأما طريق إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبي مرة:\nفأخرجه أحمد (٦/ ٣٤٢) وابن أبي شيبة (٣١٧٦)، والطبراني في الكبير (٢٤/) رقم: ١٠١١، والسراج في حديثه (ص: ٢٠٥٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٨٠)، وابن حبان في صحيحه (٢٥٣٧) والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤١٤) رقم: ١٠٠٩، ١٠١١، من طريق محمد بن عمرو، وأخرجه أحمد (٦/ ٣٤٣)، وإسحاق بن راهويه (٢١٢٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤١٥) ١٠١٢، من طريق الضحاك بن عثمان. كلاهما (محمد بن عمرو، والضحاك بن عثمان) عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبي مرة به. وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا أن ذكر العجين في القصعة، وهو موضع الشاهد لم يذكر في الحديث.\nواختلف على الضحاك بن عثمان:\nفرواه عبد الله بن الحارث كما في مسند إسحاق بن راهويه (٢١٢٤)، ومسند أحمد (٦/ ٣٤٣)، عن الضحاك، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبي مرة مولى أم هاني، عن أم هانئ بذكر الاغتسال وصلاة الضحى.\nورواه ابن أبي فديك كما في صحيح مسلم (٧٢٢)، ومختصر قيام الليل للمروزي (ص: ٢٨١)، والسراج في حديثه (٢٠٤٩)، فرواه عن الضحاك، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبي مرة، عن أبي الدرداء بلفظ: أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث لن أدعهن ما عشت بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر.\nوأما طريق أبي النضر سالم بن أبي أمية:\nفأخرجه أحمد (٦/ ٣٤٣) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، والبخاري في صحيحه (٢٨٠) عن القعنبي.","vol":"1","page":63},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن هذا الماء لا بد أن يتغير من العجين لا سيما في آخر الأمر إذا قل الماء وانحل العجين، ولم يمنع هذا من اغتسال النبي ﷺ وزوجه، فدل هذا على أن الماء إذا تغير بشيء طاهر يبقى طهورًا، ولا يتحول إلى طاهر غير مطهر (^١).\n• ونوقش هذا من وجهين:\nالأول: بأن الحديث في الصحيحين، وليس فيه ذكر للعجين.\nالوجه الثاني: أن الحديث على فرض أن يكون محفوظًا، فلا حجة فيه؛ لأن لفظه: (في قصعة فيها أثر العجين) وأثر الشيء غير الشيء نفسه، فإن الأثر مقدار يسير جدًّا، لا يتصور أن يتغير معه الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الدليل السادس:</span>\n(٨) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن عمرو، قال: أخبرني كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: بت عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ﷺ فلما كان في بعض الليل قام رسول الله ﷺ فتوضأ من شن معلق ... الحديث قطعة من حديث طويل (^٢).\n_________\nوكذلك رواه البخاري (٣٥٧) عن إسماعيل بن أبي أويس.\nوأخرجه البخاري في صحيحه (٣١٧١) عن عبد الله بن يوسف، ثلاثتهم عن مالك، عن أبي النضر، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب به. وهذه الطرق الصحيحة لم يأت في واحد منها ذكر العجين في القصعة، وهو موضع الشاهد.\nوأما طريق أبي جعفر محمد بن علي، عن أبي مرة.\nفأخرجه مسلم (٨٣ - ٣٣٦) من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبي مرة مولى عقيل به، وذكر صلاة الضحى. ولم يذكر الاغتسال ولا العجين.\nلمراجعة طرق الحديث راجع: أطراف المسند (١٢٧٤١، ١٢٧٤٣)، وتحفة الأشراف (١٨٠١٨)، والمسند الجامع (١٧٣٦١)، وانظر إتحاف المهرة (٢٣٢٩٥، ٢٣٢٩٦).\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٧، ٢٨).\n(^٢) صحيح البخاري (٨٥٩)، ومسلم (١٨٦ - ٧٦٣).","vol":"1","page":64},{"text":"وجاء في الصحيحين (^١)، من حديث عمران بن حصين الطويل في قصة انتفاع النبي ﷺ وأصحابه من ماء مزادة امرأة مشركة، واغتسال من أصابته جنابة منها.\nوجه الاستدلال:\nأن هذه الأسقية لا بد أن تؤثر في الماء في طعمه ولونه ورائحته، ولم يمنع هذا من التطهر منه، ولم يتحول الماء إلى كونه طاهرًا في نفسه غير مطهر لغيره، فدل على أن الماء قسمان لا ثالث لهما: طهور ونجس (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الدليل السابع:</span>\nمن النظر، قالوا: إثبات قسم من الماء لا طهور ولا نجس. الحاجة إلى بيانه أشد من الحاجة إلى بيان كثير من الآداب والأحكام؛ لأن المسلم إما أن يتوضأ، وإما أن يتيمم.\nوالمسألة تتعلق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية فلو كان هذا القسم موجودا لبينه الرسول ﷺ.\nوهذا القول -أعني: تقسيم الماء إلى قسمين- هو الراجح.\nوهناك قولان آخران تركتهما في أخر البحث؛ لأنهما ضعيفان لا يخرجان عن القولين الأولين.\nالقول الأول: الماء المشكوك فيه (^٣)، وهذا القول في الحقيقة لا يخرج عن القولين السابقين؛ لأن الشك إنما هو من قبل الإنسان نفسه، وأما الشارع فلا يمكن أن يقوم عنده شك في حقيقة الماء.\nنعم قد يحصل عند بعض المكلفين تردد في الماء هل هو طهور أم نجس؟ لكن\n_________\n(^١) البخاري (٣٥٧١)، ومسلم (٣١٢، ٦٨٢).\n(^٢) المغني (١/ ٢١).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٢).","vol":"1","page":65},{"text":"يبقى الماء في حقيقة الأمر إما هذا، وإما هذا، ومع القول بأن الماء لا ينجس إلا بالتغير تصبح صورة هذا النوع قليلة أو نادرة؛ لأن التغير أمر مشاهد محسوس اللهم إلا أن يقال: قد يقع في بعض الصور كما لو كان التغير بسبب ولوغ الكلب، أو كان الإنسان فاقدًا للشم أو أعمى، فهذا ممكن أن لا يشعر بالتغير، والله أعلم.\nالقول الثاني: زاد قوم آخرون الماء المغصوب.\nقالوا: وحكم هذا الماء لا يمكن أن يرفع به الحدث لكن تزال به النجاسة (^١).\nلماذا لا يرفع الحدث وهو ماء طهور؟ قالوا: لأنه ماء استعماله محرم، فلو قلنا: إنه يرفع الحدث لرتبنا على المحرم أثره، إذ كيف يكون محرمًا ويتقرب به الإنسان.\nولماذا إذًا قلتم بأنه يزيل النجاسة؟\nقالوا: لأن النجاسة إذا ذهبت بالماء المحرم فقد زال حكمها فالحكم بنجاسة المحل مع زوال النجاسة غير ممكن، ولا يشترط لإزالة النجاسة نية القربة بخلاف رفع الحدث، والصحيح أن هذا القسم لا يخرج عن القولين الأولين؛ لأن الغصب صفة خارجه عن الماء راجعة إلى الغاصب، أما الماء في حقيقته فطهور.\n* * *\n_________\n(^١) نيل المآرب شرح دليل الطالب (١/ ٣٩).","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الباب الثاني الوضوء بالماء المحرم كالمغصوب ونحوه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا؟\n• هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟\n• النهي عن الشيء لمعنى في غيره هل يقتضي فساده؟\n• تحريم الغصب خطاب تكليفي، هل يكون له أثر على صحة الطهارة، وهي خطاب وضعي؟ (^١).\n_________\n(^١) انظر شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٤٢٨).\nومثل السمعاني للمسألة بالمريض الذي يستضر بالصوم، فإن الصوم يحرم عليه، ولم يختلف أحد بأنه إذا صام فإن صومه يقع صحيحًا، ومثله إذا ذبح بسكين مغصوبة، فاستعمال سكين الغير معصية، وذبح الشاة مباح جائز. انظر قواطع الأدلة (١/ ١٣٥ - ١٣٦).\nوقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٧٩): «من ستر عورته في الصلاة بثوب محرم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب، أو صلى في بقعة غصب، فهذا قد اختلف العلماء فيه: هل عمله مردود من أصله، أو أنه غير مردود، وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب؟\nوأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله، وقد حكى عبد الرحمن بن مهدي عن قوم من أصحاب الكلام يقال لهم: الشمرية أصحاب أبي شمر أنهم يقولون: إن من صلى في ثوب كان في ثمنه درهم حرام أن عليه إعادة صلاته، وقال: ما سمعت قولًا أخبث من قولهم، نسأل الله العافية، وعبد الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل الحديث، المطلعين على مقالات السلف، وقد استنكر هذا القول وجعله بدعة، فدل على أنه لم يعلم عن أحد من السلف القول بإعادة الصلاة في مثل هذا».","vol":"1","page":67},{"text":"[م-٣] إذا تعدى الإنسان على مال غيره، وكان غيره بحاجة إليه، كالماء مثلًا فإنه يأثم بذلك، فإذا تطهر به فهل يصح تطهره مع تحريمه؟\nاختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: يرفع الحدث ويزيل الخبث، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (^١).\nوقيل: لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، به قال ابن حزم (^٢).\nوقيل: لا يرفع الحدث، ويزيل الخبث، اختاره بعض الحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-30> دليل من قال لا يرتفع به الحدث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الدليل الأول:</span>\nالقياس على الصلاة في الثوب المسبل، فإذا كانت الصلاة في ثوب مسبل حرامًا لا تصح، فكذلك المسح على شيء محرم لا يصح.\n(٩) فقد روى أحمد من طريق هشام، عن يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء ابن يسار،\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٤٨)، الفصول في الأصول (٢/ ١٧٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤١)، أنواع البروق في أنواع الفروق (٢/ ٨٤)، الخرشي (١/ ١٨١)، و(٣/ ٤٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٢٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٤) و(٣/ ٥٤)، منح الجليل (١/ ١٣٨)، إعانة الطالبين (١/ ٥٥)، المجموع (٢/ ٢٩٥)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٩، ٦٨).\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ٢٨): «وأما الوضوء بالماء المغصوب، فالصحيح من المذهب، أن الطهارة لا تصح به. وهو من مفردات المذهب. وعنه: تصح وتكره، اختاره ابن عبدوس في تذكرته».اهـ\nوانظر قواعد ابن رجب القاعدة التاسعة (ص: ١٢)، كشاف القناع (١/ ٣٠)، مطالب أولي النهى (٤/ ٦٢)، المبدع (١/ ٤٠).\nوانظر قول ابن حزم في المحلى (١/ ٢٠٨).\n(^٣) قال في منار السبيل (١/ ١٥): «ماء يحرم استعماله، ولا يرفع الحدث، ويزيل الخبث، وهو ما ليس مباحًا كمغصوب ونحوه». اهـ","vol":"1","page":68},{"text":"عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: بينما رجل يصلي، وهو مسبل إزاره، إذ قال له رسول الله ﷺ: اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال له رسول الله ﷺ: اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال: ما لك يا رسول الله، ما لك أمرته يتوضأ؟ ثم سكت، قال: إنه كان يصلي، وهو مسبل إزاره، وإن الله ﷿ لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره (^١).\n[إسناده ضعيف، ومتنه منكر] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٦٧).\n(^٢) فيه أبو جعفر المدني الأنصاري، لم يرو عنه سوى يحيى بن أبي كثير.\nقال الدارمي: أبو جعفر هذا رجل من الأنصار.\nوقال ابن القطان: مجهول.\nوفي التقريب: مقبول، ومن زعم أنه محمد بن علي بن الحسين فقد وهم. اهـ\nقلت: قال ابن حبان في صحيحه: هو محمد بن علي بن الحسين. فتعقبه الحافظ في التهذيب، وقال: ليس هذا بمستقيم؛ لأن محمد بن علي لم يكن مؤذنًا، ولأن أبا جعفر هذا قد صرح بسماعه من أبي هريرة في عدة أحاديث، وأما محمد بن علي بن الحسين فلم يدرك أبا هريرة، فتعين أنه غيره. تهذيب التهذيب (١٢/ ٥٨).\nوقال النووي: على شرط مسلم. انظر رياض الصالحين (ص: ٣٥٨)، ولم يصب ﵀.\nوقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٩٢): وفي إسناده أبو جعفر المدني، إن كان محمد بن علي بن الحسين، فروايته عن أبي هريرة مرسلة له، وإن كان غيره فلا أعرفه.\n[تخريج الحديث].\nالحديث رواه أحمد أيضًا (٥/ ٣٧٩)، والنسائي في الكبرى (٩٧٠٣) والحارث في مسنده كما بغية الباحث (١٣٨، ٥٧٣) من طريق هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير به، ولفظ النسائي مختصرًا: لا تقبل صلاة رجل مسبل إزاره.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٦٧)، وأبو داود (٦٣٨، ٤٠٨٦) والبزار في مسنده (٨٧٦٢)، والبيهقي (٢/ ٢٤١) من طريق أبان بن يزيد العطار، حدثنا يحيى بن أبي كثير به، إلا أنه قال: عن أبي هريرة، فسمى الصحابي.\nوخالفهما حرب بن شداد، فرواه البيهقي (٢/ ٢٤١) عنه عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن أبا جعفر المدني حدثه، أن عطاء بن يسار حدثه، أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ حدثه، فذكره، فزاد في الإسناد إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة.\nوقد يكون هذا ليس اختلافًا في الإسناد، وإنما يحيى بن أبي كثير معروف بالتدليس، فرواية أبان وهشام عن يحيى بن أبي كثير قد أسقط الواسطة، ورواية حرب قد أفصح عنها، وعلى كل فهذا التوجيه لن يدفع علة الحديث؛ وهي جهالة أبي جعفر، والله أعلم.","vol":"1","page":69},{"text":"وجه النكارة فيه؛ إذا كانت الصلاة لا تقبل من أجل الإسبال، فلماذا يطلب منه إعادة الوضوء، وهو لم يحدث، ما بال الوضوء؟!\nولماذا لم يبلغه بأن يرفع إزاره، فقد يكون الرجل جاهلًا، والبلاغ تعليمه ما أخطأ فيه، لا أن يحيله على أمر قد أحسنه، فلا وجه لإعادته للوضوء حتى تجديد الوضوء قد يقال: لا يشرع في هذه الصورة؛ لأنه ما إن فرغ من وضوئه حتى طلب منه أن يعيده، لا لنقص في الوضوء، ولكن لسبب آخر يعود إلى الإسبال في الصلاة، وتجديد الوضوء ليس بلازم!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الدليل الثاني:</span>\nالماء المغصوب كسبه محرم بالاتفاق.\n(١٠) فقد روى البخاري من طريق أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة،\nعن أبي بكرة ذكر النبي ﷺ قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب (^١).\nفإذا كان كسبه محرمًا وصححنا الوضوء به نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثرًا صحيحًا، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ.\n(١١) وقد روى مسلم، من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:\nأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩).\n(^٢) صحيح مسلم (١٧١٨).","vol":"1","page":70},{"text":"ومعنى رد: أي مردود عليه، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله ﷺ.\nقال ابن حزم ﵀: «من توضأ بماء مغصوب، أو أخذ بغير حق، أو اغتسل به، أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أن استعماله ذلك الماء وذلك الإناء في غسله ووضوئه حرام، وبضرورة يدري كل ذي حس سليم أن الحرام المنهي عنه هو غير الواجب المفترض عمله، فإذ لا شك في هذا فلم يتوضأ الوضوء الذي أمره الله تعالى به، والذي لا تجزئ الصلاة إلا به، بل هو وضوء محرم، هو فيه عاص لله تعالى، وكذلك الغسل، والصلاة بغير الوضوء الذي أمر الله تعالى به وبغير الغسل الذي أمر الله تعالى به لا تجزئ، وهذا أمر لا إشكال فيه. ونسأل المخالفين لنا عمن عليه كفارة إطعام مساكين، فأطعمهم مال غيره، أو من عليه صيام أيام، فصام أيام الفطر والنحر والتشريق، ومن عليه عتق رقبة فأعتق أمة غيره، أيجزيه ذلك مما افترض الله تعالى عليه؟ فمن قولهم: لا. فيقال لهم: فمن أين منعتم هذا وأجزتم الوضوء والغسل بماء مغصوب وإناء مغصوب؟ وكل هؤلاء مفترض عليه عمل موصوف في مال نفسه، محرم عليه ذلك من مال غيره بإقراركم سواء بسواء. وهذا لا سبيل لهم إلى الانفكاك منه، وليس هذا قياسًا، بل هو حكم واحد داخل تحت تحريم الأموال، وتحت العمل بخلاف أمر الله تعالى وقد قال رسول الله ﷺ: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد، وكل هؤلاء عمل عملًا ليس عليه أمر الله تعالى وأمر رسول الله ﷺ فهو مردود بحكم النبي ﷺ (^١).\n• ويجاب عن كلام ابن حزم:\nأن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحًا، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع؛\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٢٠٧، ٢٠٨).","vol":"1","page":71},{"text":"ولأن النهي ليس بسبب الطهارة، وإنما عائد إلى أمر خارج، وهو الغصب.\nوأما القياس على صيام أيام الفطر فلا يصح، ذلك أن النهي عائد في الصيام إلى ذات العبادة، فلا يصح صومه فيها، بخلاف الطهارة بالماء المغصوب، فالنهي ليس عائدًا إلى الطهارة، وإنما هو إلى أمر خارج، وهو الغصب.\nوأما القياس على ما إذا وجب عليه طعام فأطعم المساكين طعام غيره، فإن كان الطعام قد تصرف فيه المساكين فيصح إطعامه لهم، ويستقر عليه الضمان، ولا فائدة من القول بأنه لا يصح إطعامه إياهم مع القول بجوب ضمانه؛ لأنه بضمانه ما دفع قد ملك هذا الطعام، فصح إخراجه إياه، وأما الإعتاق فلا يملكه، ولا يكون العبد حرًا، فعتقه إياه كعدمه؛ لأنه لم يصادف ملكًا، فالعبد باق على ملك صاحبه، وتبقى ذمته مطالبة بالإعتاق، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الدليل الثالث:</span>\nقالوا إن المعدوم شرعا كالمعدوم حسًّا فتكون صورة التطهير معدومة حسًّا مع العمد، وذلك مبطل للصلاة والطهارة.\n• وأجيب:\nبأن هذا النظر إنما يتم لو سلم أن الله تعالى أمر بالطهارة، واشترط في ذلك أن تكون الأداة مباحة، ونحن لا نسلم ذلك بل نقول: إن الله تعالى أوجب الطهارة والصلاة مطلقًا، وحرم الغصب، ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطًا، ألا ترى أنه لو كان أحد يصلي ورأى معصومًا يغرق كان مطالبًا بالخروج من الصلاة وإنقاذه، فلو مضى في صلاته لم تبطل صلاته مع مقارنة المحرم، فكذلك في هذه المسألة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الدليل الرابع:</span>\nوقال بعضهم: إن تجويز الوضوء بالماء المغصوب يؤدي إلى إتلافه، وما يؤدي\n_________\n(^١) أنوار البروق (٢/ ٩٩).","vol":"1","page":72},{"text":"إلى إتلاف مال الغير ينبغي أن يحكم ببطلانه، بخلاف الصلاة في المكان المغصوب، والثوب المغصوب، فإنه لا يؤدي إلى إتلاف المغصوب.\n• وأجيب:\nبأن الحكم ببطلان الطهارة لن يرفع تلف الماء، ولا يجمع له بين الضمان وبطلان الطهارة، فيطالب بضمان ما أتلف، وتصح طهارته به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-35> أدلة القائلين بصحة الوضوء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل المقتضي لفساد الطهارة، فكل من تطهر طهارة شرعية فإن طهارته صحيحة، ولا يحكم ببطلانها إلا بدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا دليل هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الدليل الثاني:</span>\nأن المنع من الوضوء بالماء المغصوب لا يختص بالطهارة، فالغاصب مأذون له في الوضوء بالجملة، والمنع عارض أدركه من جهة الغصب، لا من جهة الطهارة، فأشبه ما لو غصب سكينًا ليذبح بها، وكلبًا ليصيد به، فيأثم، للغصب، ويصح الذبح والصيد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-38> دليل من فرق بين الحدث والخبث</span>.\nالحنابلة قالوا: إن الماء المغصوب لا يرفع الحدث، ولكنه يزيل الخبث.\nلا يرفع الحدث، وهو ماء طهور؛ لأن النهي يقتضي الفساد، فلو قلنا: يرفع الحدث لرتبنا على المحرم أثره، وهذا لا يصح.\nولأن رفع الحدث عبادة غير معقولة المعنى، يقصد بها تعظيم الله، وتشترط لها النية، والماء المغصوب لا يمكن تعظيم الله والتقرب به إليه؛ لأنه معصية، وكل الأدلة التي سقتها في القول الأول يستدلون بها على المنع من رفع الحدث.","vol":"1","page":73},{"text":"ولماذا يزيل النجاسة؟ لأن النجاسة إذا ذهبت بالماء المحرم فقد زال حكمها؛ لأن إزالة النجاسة معقولة المعنى، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا زالت النجاسة زال حكمها.\n• الراجح:\nالقول بأن الماء المغصوب يرفع الحدث ويزيل الخبث مع التحريم، فجهة المنع من قبل الغصب، لا من قبل الطهارة، ولا يكون النهي مقتضيًا لفساد المنهي عنه إلا إذا عاد النهي إلى ذات العبادة، كما هو مقرر في أصول الفقه، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الباب الثالث في رفع الحدث وإزالة الخبث من ماء زمزم</span>\n• سبب الخلاف لدى الفقهاء:\nيرجع الخلاف في هذه المسألة إلى أن من منع الطهارة به اعتبر ذلك إما مخالفًا لشرط الواقف، وإما لكونه ماء مباركًا.\nومن أجازه اعتبر أن بركته لا تنافي التطهر به، كالطهارة من الماء النابع من أصابعه الشريفة ﷺ، ووضوء الجيش من مزادة المرأة ببركته ﷺ، وأن التيمم لا يجوز مع وجود مثل هذا الماء.\n[م-٤] اختلف العلماء في استعمال ماء زمزم في رفع الحدث وإزالة الخبث، فقيل: يكره استعماله في إزالة الخبث خاصة دون رفع الحدث، وهو مذهب الحنفية، وقال به ابن شعبان من المالكية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واعتبر الشافعية إزالة الخبث بماء زمزم خلاف الأولى (^١).\nوقيل: لا يكره فيهما، وهو مذهب المالكية (^٢).\n_________\n(^١) انظر مذهب الحنفية: حاشية ابن عابدين (١/ ١٨٠)، وقال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (١/ ٢٢): «الكراهة إنما هي عند وجود الماء المطلق، وإلا فلا كراهة أصلًا».\nوانظر قول ابن شعبان في مواهب الجليل (١/ ٤٦، ٤٩)، الذخيرة للقرافي (١/ ٤٤٩).\nوانظر في مذهب الشافعية: إعانة الطالبين (١/ ١٠٧)، حاشية البجيرمي (١/ ٥٩)، حواشي الشرواني (١/ ١٧٤).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل (١/ ٥٨)، الفروع (١/ ٧٤)، الإنصاف (١/ ٢٧)، المغني (١/ ٢٨).\n(^٢) شرح الخرشي (١/ ٣٣٠)، مواهب الجليل (١/ ٤٩)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٤٣).","vol":"1","page":75},{"text":"وقيل: يكره فيهما، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١)، اختاره ابن تيمية (^٢).\nوقيل: يحرم فيهما، حكاه بعض الفقهاء (^٣)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: يحرم إزالة النجاسة فقط، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: يستحب الوضوء من زمزم، اختاره ابن الزاغوني من الحنابلة (^٦).\nوقيل: يكره الغسل، دون الوضوء، وهو رواية عن أحمد (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-40> دليل من منع الطهارة من ماء زمزم مطلقًا:</span>\nبعضهم يُرجع المنع إلى كونه ماءً مباركًا، فيكون النهي من باب التعظيم، فقد قال الرسول ﷺ عن زمزم، كما في صحيح مسلم: إنها مباركة، إنها طعام طعم (^٨).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-41> دليل من فرق بين الغسل وبين الوضوء:</span>\nأما من فرق بين الوضوء والغسل فيرجع المنع إلى مخالفة شرط الواقف.\n(١٢) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر، قال: أخبرني ابن طاووس، عن أبيه،\nأنه سمع ابن عباس يقول وهو قائم عند زمزم، إني لا أحلها لمغتسل، ولكن هي\n_________\n(^١) المغني (١/ ٢٨)، وساقه رواية عن أحمد، وقد جاء في مسائل أحمد رواية صالح (١٠٩٤): قلت: الغسل من ماء زمزم، وقد قال العباس: لا أحلها لمغتسل؟ فقال أحمد: يتمالك الناس من هذا؟ قال: وكان سفيان بن عيينة يحكي عن ابن عباس: لا أحلها لمغتسل، فيحكى عن العباس،\nوابن العباس، قال: وإن توقاه أعجب إلي.\n(^٢) الاختيارات (ص: ٤).\n(^٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (١/ ١٦).\n(^٤) الفروع (١/ ٧٤).\n(^٥) الهداية لأبي الخطاب (١/ ١٠)، الفروع (١/ ٧٤)، الإنصاف (١/ ٢٧، ٢٩).\n(^٦) الفروع (١/ ٧٧).\n(^٧) تصحيح الفروع (١/ ٧٦).\n(^٨) صحيح مسلم (٢٤٧٣).","vol":"1","page":76},{"text":"لشارب - أحسبه قال - ومتوضئ حل وبل.\n[صحيح] (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-42> دليل من فرق بين رفع الحدث وإزالة الخبث:</span>\nوجه هذا القول: أن الحدث ليس فيه إهانة لماء زمزم، لأنه ماء طهور، لاقى بدنًا طاهرًا، بخلاف الخبث، فإن فيه إهانة، وهو ماء مبارك ليس كسائر المياه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-43> دليل من جوز رفع الحدث والخبث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الدليل الأول:</span>\nالأصل الحل، ولا يوجد دليل يمنع من رفع الحدث وإزالة الخبث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الدليل الثاني:</span>\nقال الله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، وماء زمزم ماء طهور، فلا يجوز التيمم ولا الصلاة بالنجاسة مع وجوده.\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ١١٤) رقم ٩١١٥.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤١)، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس، قال: لا أحلها لمغتسل يغتسل في المسجد، وهي لشارب ومتوضئ حل وبل. وإسناده صحيح.\nورواه الفاكهي في أخبار مكة (٢/ ٦٤) من طريقين عن سفيان به، وذكر قصة، ولفظه: قال إن رجلًا من بني مخزوم من آل المغيرة اغتسل في زمزم، فوجد من ذلك ابن عباس ﵄ وجدًّا شديدًا، وقال: لا أحلها لمغتسل، وهي لشارب ومتوضئ حل وبل. قال سفيان: يعني في المسجد.\nوقد ورد مثل ذلك عن العباس، فقد روى أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ١٨٧) حدثنا\nأبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، قال: سمعت العباس، وذكر زمزم، فقال: هي حل وبل، لا أحلها لمغتسل.\nوروى الفاكهي في أخبار مكة (٢/ ٦٣) حدثنا محمد بن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثت عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش به.\nوأخرج عبد الرزاق في المصنف (٩١١٤) عن معمر، قال: أخبرني ابن طاووس، عن أبيه، قال: أخبرني من سمع عباس بن عبد المطلب يقول: وذكره.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الدليل الثالث:</span>\nتوضأ الصحابة من الماء الذي نبع من أصابع رسول الله ﷺ، مع كونه ماءً مباركًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>الدليل الرابع:</span>\nجنس المال في نفسه مطعوم، وهو من المال، ومع ذلك يزال به الخبث، والله أنزل الماء ليطهرنا ولم يفرق بين ماء وآخر، فلا يوجد ما يمنع من رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم، ومن منع فعليه الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>الدليل الخامس:</span>\nأن الطهور شطر الإيمان، واستعمال ماء زمزم في هذه القربة؛ لا ينافي التكريم، ومثله الماء إذا قرئ فيه آيات من القرآن الكريم، فاغتسل به المسلم للعلاج لم يكن ذلك إهانة للماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الدليل السادس:</span>\nأن الناس كانوا يفعلون ذلك من لدن النبي ﷺ إلى وقتنا هذا من غير نكير. جاء في مواهب الجليل: «ولم يزل المسلمون على الوضوء به بلا إنكار» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>الدليل السابع:</span>\nعلى التسليم بصحة النهي عن التطهر بماء زمزم، فإن النهي خطاب تكليفي يتعلق بالإثم، وأما صحة الطهارة فهو خطاب وضعي، فتصح الطهارة، قال الماوردي في الحاوي: «لو استنجى به مع حرمته أجزأه إجماعًا» (^٢).\nوجاء في مواهب الجليل: «لا أعلم في جواز الغسل به لمن كان طاهر الأعضاء خلافا» (^٣).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٤٦).\n(^٢) الحاوي الكبير (١/ ١٦٧).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٤٦).","vol":"1","page":78},{"text":"• الراجح من الأقوال:\nأرى الجواز له قوة، ولا يوجد دليل يمنع من رفع الحدث أو إزالة الخبث، لكن إن وجد غيره في إزالة الخبث فتركه أولى، وإن لم يوجد غيره فلا مانع من إزالة الخبث به، وهو وإن كان ماءً كريمًا فبني آدم أكرم، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الباب الرابع في الماء المتغير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>الفصل الأول في الماء المتغير بالطاهرات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث الأول الماء المتغير بطاهر غير ممازج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفرع الأول التغير بغير ممازج لا يشمل اللون والطعم</span>\n[م-٥] اختلف الفقهاء ﵏، هل يشمل المتغير بغير ممازج جميع أوصاف الماء من طعم ولون ورائحة أو يشمل التغير بالرائحة فقط؟ على قولين.\nالقول الأول:\nقالوا: المقصود بالتغير تغير الرائحة فقط.\nوقد اختار هذا القول أكثر المالكية (^١)، والماوردي (^٢) وابن الصلاح من الشافعية (^٣)،\n_________\n(^١) الإكليل شرح مختصر خليل (١/ ٦).\n(^٢) الحاوي الكبير (١/ ٥٣) قال ﵀: «إذا تغير بالكافور فله ثلاث أحوال:\nالأولى: حال يعلم انحلال الكافور فيه فاستعماله غير جائز؛ لأنه تغير عن مخالطة.\nالثانية: حال يعلم أنه لم يدخل فيه فاستعماله جائز؛ لأنه تغير عن مجاورة.\nالثالثة: حال يشك فيه، فينظر في صفاء التغير، فإن تغير الطعم دون الرائحة فهو دال على تغير المخالطة ولا يجوز استعماله، وإن كان تغير الريح، ففيه لأصحابنا وجهان».\n(^٣) نقل النووي عن ابن الصلاح في المجموع (١/ ١٥٤) قوله: «وعندي أن التغير بالمجاورة لا\nيكون إلا بالرائحة؛ لأن تغير اللون والطعم لا يتصوران إلا بانفصال أجزاء واختلاطها، والرائحة تحصل بدون ذلك، ولهذا تتغير رائحته بما على طرف الماء لا طعمه ولونه».","vol":"1","page":80},{"text":"وظاهر عبارة صاحب المهذب (^١)، ومفهوم عبارة الشافعي في الأم (^٢).\nواختاره من الحنابلة المجد في شرحه وتبعه صاحب الحاوي الكبير (^٣).\n• وجه هذا القول:\nأن تغير اللون أو الطعم لا يتصور إلا بانفصال أجزاء واختلاطها بالماء، وبالتالي يكون التغير تغيرًا عن ممازجة ومخالطة وليس تغيرًا بالمجاورة.\nوقيل: إن التغير بغير ممازج يشمل الأوصاف الثلاثة، اختاره النووي من الشافعية، وقال: إنه هو الموافق لإطلاق كلام الأصحاب. بل قد صرح به أبو حامد وصاحبه المحاملي بأنه شامل لأوصاف الماء كلها (^٤).\n• الراجح القول الأول:\nوهو أن التغيير لا يشمل إلا الريح فقط؛ إذ لا يتصور أن يتغير لون الماء ثم يكون تغيره عن مجاورة، وليس عن ممازجة، فالتغير بالمجاورة مقصور على الريح فقط.\n* * *\n_________\n(^١) قال ﵀ (١/ ١٥٤): «وإن وقع فيه ما لا يختلط به فغير رائحته كالدهن الطيب والعود. ثم قال: وإن وقع فيه قليل كافور فتغيرت به رائحته».\n(^٢) قال ﵀ (١/ ٧): «ولو صب فيه دهن طيب، أو ألقي فيه عنبر، أو عود، أو شيء ذو ريح لا يختلط بالماء، فظهر ريحه بالماء توضأ به .... إلخ».\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٣)، والحاوي الكبير هذا كتاب حنبلي، وهو غير كتاب الماوردي؛ لأن الماوردي شافعي.\n(^٤) النووي في المجموع (١/ ١٥٥). انظر متن المهذب مع شرحه المجموع.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفرع الثاني في حكم الماء إذا تغير بطاهر غير ممازج</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تغير الماء بالطاهرات هل ينافي الإطلاق، أولا حتى يغلب على أجزائه؟\n• الصحيح أن الماء إذا لم يخرج بالتغير عن اسم الماء المطلق فهو طهور، وإن تغيرت بعض أوصافه بطاهر.\n• مطلق التغير لو كان مفسدًا للماء لم يكن هناك فرق بين تغيره بما يشق صون الماء عنه وبين تغيره بغيرها من الطاهرات على الصحيح؛ لأن الحكم متعلق بالتغير لا بسببه؛ لكونه من أحكام الوضع.\n[م-٦] اختلف العلماء في الماء إذا تغير بطاهر غير ممازج كالدهن، وقطع الكافور، هل يبقى على طهوريته أو يتحول إلى طاهر؟\nفقيل: طهور بلا كراهة.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، واختاره ابن رشد وابن الحاجب من المالكية (^٢)، وهو\n_________\n(^١) في مذهب الحنفية لا يفرقون بين الممازج وغير الممازج، فإذا كان الممازج طهورًا عندهم، فغير الممازج من باب أولى، انظر شرح فتح القدير (١/ ٧٢)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٢١)، البحر الرائق (١/ ٧١).\n(^٢) انظر حاشية الدسوقي (١/ ٣٦) مواهب الجليل (١/ ٥٤) والتاج والإكليل (١/ ٧٥)، وشرح الخرشي (١/ ٧٠).","vol":"1","page":82},{"text":"مذهب الشافعية (^١)، ورجحه ابن حزم (^٢)، وابن قدامة (^٣).\nوقيل: الماء طاهر، وليس بطهور، اختاره من المالكية ابن عرفة، وابن مرزوق والأجهوري (^٤)، وهو وجه في مذهب الشافعية رجحه البويطي (^٥)، واختاره أبو الخطاب في الانتصار (^٦)، والمجد، وصاحب الحاوي الكبير من الحنابلة (^٧).\nوقيل: طهور مكروه، وهو المشهور عند الحنابلة (^٨).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-56> دليل من قال الماء طهور بلا كراهة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الماء أنه طهور، ومن أراد أن ينقله عن أصله طلب منه الدليل، وإلا بقي على أصله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>الدليل الثاني:</span>\nقدمت الخلاف في أقسام المياه، وأن وجود ماء طاهر غير مطهر لا يثبت من حيث الأدلة، وأن الماء قسمان طهور ونجس، ولا ثالث لهما، فكل دليل ذكرته في تلك المسألة يصلح أن يكون دليلًا لهذه المسألة، وإذا ضعف القول بوجود قسم الطاهر، فإن الماء في هذه المسألة يصبح طهورًا؛ لأن أحدًا لم يقل بأنه إذا خالطه طاهر يصبح\n_________\n(^١) الأم (١/ ٢٠)، المجموع (١/ ١٥٥).\n(^٢) قال ابن حزم في المحلى (مسألة ١٤٧): «وكل ماء خالطه شيء طاهر مباح، فظهر فيه لونه وريحه وطعمه إلا أنه لم يزل عنه اسم الماء، فالوضوء به جائز، والغسل للجنابة جائز، ثم قال: سواء كان الواقع فيه مسكًا أو عسلًا أو زعفرانًا، أو غير ذلك».\n(^٣) انظر المغني (١/ ٢٣)، والمبدع شرح المقنع (١/ ٣٦)، والإنصاف (١/ ٢٣).\n(^٤) الإكليل (١/ ٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٦).\n(^٥) المجموع (١/ ١٥٤).\n(^٦) الانتصار في المسائل الكبار (١/ ١٢٦).\n(^٧) الإنصاف (١/ ٢٣).\n(^٨) المرجع السابق (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":83},{"text":"نجسًا، وإنما الخلاف هل يصبح طاهرًا أو طهورًا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>دليل من قال الماء طاهر غير مطهر:</span>\nقالوا: إن هذا الماء قد تغير بطاهر فيكون كما لو تغير بممازج، قال أبو الخطاب: من سلم من أصحابنا أن التغير بالكافور، والعود، والدهن لا يمنع من الطهارة، قال: لأن ذلك تغير مجاورة لا مخالطة، والمانع تغير المخالطة، وهذا غير صحيح، فإن الكافور يوجد طعمه في الماء ومرارته، وكذلك طعم الدهن، وليس ذلك إلا بحصول جزء منه في الماء، ومخالطة له (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-60> دليل من قال الماء طهور مكروه:</span>\nقالوا إن الماء إذا تغير بغير ممازج، فإنه طهور يرفع الحدث ويزيل النجاسة، ومكروه: أي يثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله.\nفلماذا هو طهور، وقد تغير؟ لأن التغير ليس عن ممازجة وإنما هو عن مجاورة.\nوقلنا: مكروه خروجًا من الخلاف؛ لأن بعض العلماء ذهب إلى أنه طاهر فقلنا إنه مكروه خروجًا من الخلاف.\nأن التعليل بالكراهة لوجود الخلاف قول ضعيف، وهو قد زاد من الخلاف، ولم يخفف الخلاف، لثلاثة وجوه:\nالوجه الأول:\nأنتم لم تأتوا بقول يجمع بين القولين حتى يقال: دفعكم إلى القول به وجود الخلاف، فلا أنتم تمسكتم بالقول بأنه طهور بلا كراهة، ولا أنتم قلتم بأنه طاهر، فأنتم في الحقيقة أحدثتم قولًا ثالثًا لا لدليل دعاكم إلى القول بهذا القول، ولكن الذي دعاكم إلى هذا وجود قولين في المسألة وبدلًا من أن يصبح في المسألة قولان أصبح فيها ثلاثة أقوال: طهور مطلقًا، وطاهر، والقول الذي أحدثتموه (طهور مكروه).\n_________\n(^١) الانتصار (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":84},{"text":"الوجه الثاني: أن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها ولا المختلف فيها.\nالوجه الثالث: لو أخذنا بالخلاف كدليل أو تعليل للحكم الشرعي للزم أن كل مسألة خلافية نقول إنها مكروهة، وهذا لا يقول به أحد.\nفالصحيح أن الخلاف نوعان:\nنوع يكون الخلاف فيه ضعيفًا جدًّا، ليس له حظ من النظر الشرعي أو العقلي فهذا نطرحه ولا نبالي.\nوليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلا خلافًا له حظ من النظر.\nفإذا كان الخلاف ليس له حظ من النظر الشرعي أو العقلي (الأثر أوالتعليل) فلا يراعى.\nالنوع الثاني من الخلاف: خلاف يكون قويًا فتجد كل قول في المسألة له دليل قوي، فإن أمكن الخروج من الخلاف كان هذا من باب الاحتياط، وليس السبب وجود الخلاف، وإنما السبب هو احتمال الأدلة .. فهو من باب دع ما يريبك إلا ما لا يريبك.\n• الراجح:\nيتفق الفقهاء على أن الماء المتغير بطاهر لا يكون نجسًا، وإنما الخلاف هل يتحول إلى طاهر، أو يبقى طهورًا؟ وإذا كنا قدمنا أن الماء قسمان: طهور ونجس فلا وجه للقول بأن الماء طاهر، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثاني الماء المتغير بطاهر يشق صون الماء عنه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل المجمع عليه أن الماء طاهر مطهر، ولا ينتقل عن ذلك إلا بناقل صحيح صالح للاحتجاج.\n• مطلق التغير لا ينافي الإطلاق، كما لو تغير بمكثه أو بما يشق صون الماء عنه.\n• إذا كان التغير بما يشق صون الماء عنه لا ينافي الإطلاق، لم يناف الإطلاق تغير الماء بسائر الطاهرات على الصحيح؛ لأن الحكم متعلق بالتغير لا بسببه؛ لكونه من أحكام الوضع.\n• التغير بالطاهر لو كان مفسدًا للماء لم يكن هناك فرق بين التغير بما يشق صون الماء وبين غيره على الصحيح، كالتغير بالنجاسة لا فرق فيها بين ما يشق، وما لا يشق.\n• تغير الماء بسقوط الأوراق فيه كتغيره بإسقاطها فيها، فإذا كان الأول لا يسلب الماء طهوريته، فكذلك الثاني على الصحيح؛ لأن سلب الطهورية من الأحكام الوضعية، لا التكليفية.\n• إذا اختلط طاهر بماء مطلق، فتغير به، فهل يسلبه الطهورية؟ أو لا حتى يغلب على أجزائه (^١).\n_________\n(^١) انظر الأشباه والنظائر (ص: ٩٦)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠)، البحر الرائق (١/ ٧٢).","vol":"1","page":86},{"text":"[م-٧] إذا كان هناك ماء قد نبت بجواره أشجار كثيرة، فإذا حركت الرياح الأشجار تساقطت تلك الأوراق في الماء، فيتغير بها، أو كان هناك ماء نبت فيه طحلب فتغير بسببه، فهنا تغير الماء بشيء طاهر وليس بنجس، وهذا الطاهر يصعب الاحتراز منه، فما حكمه؟\nاختلف الفقهاء في ذلك:\nفقيل: الماء طهور، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية والحنابلة، واختاره العراقيون من أصحاب الإمام مالك، ورجحه ابن رشد، وابن حزم، وابن تيمية، وغيرهم (^١).\nوقيل: يسلبه الطهورية، ولا فرق في ذلك بين ما يشق التحرز منه، وما لا يشق، وهو قول الأبياني واللخمي من المالكية ووصفه ابن رشد بأنه شاذ (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-62> دليل من قال إن الماء طهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الدليل الأول:</span>\nالإجماع على طهوريته، نقله النووي (^٣)، وفيه نظر؛ لأن الخلاف في المذهب المالكي محفوظ.\n_________\n(^١) لا يفرق الحنفية بين ما يشق التحرز منه، وما لا يشق، والتغير عندهم بشيء طاهر لا يضر مطلقًا، إلا أن يغلب التغير على أجزاء الماء انظر البناية (١/ ٣٠٤)، تحفة الفقهاء (١/ ٦٧).\nانظر في مذهب الشافعية: المهذب (١/ ٥)، المجموع (١/ ١٥٠).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ٢٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨)، الإنصاف (١/ ٢٢).\nوجاء في المنتقى للباجي (١/ ٥٥): «إذا سقط ورق الشجر أو الحشيش في الماء فتغير فإن مذهب شيوخنا العراقيين أنه لا يمنع الوضوء به ...». وانظر التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٤)، وانظر ترجيح ابن رشد في البناني على حاشية الزرقاني (١/ ١٣)، وانظر قول ابن حزم في المحلى (مسألة: ١٤٧)، وقول ابن تيمية في الفروع (١/ ٧٧).\n(^٢) قال الخرشي (١/ ٧٢): اختاره اللخمي، وقال: وهو المعروف من المذهب، وقدمه خليل في مختصره (ص: ٥)، وانظر المنتقى للباجي (١/ ٥٥).\n(^٣) المجموع (١/ ١٥٠).","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الدليل الثاني:</span>\nأن التحرز منه يشق، فعفي عنه، لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].\nقال أبو الخطاب: ما لا يمكن التحرز منه لا يحرج به الشرع، بل يعفو عنه كأثر الاستنجاء، والتراب القليل في الأموال الربوية، وملاقاة الماء للنجاسة قبل الانفصال، والعمل القليل في الصلاة، ويسير الدماء وغير ذلك (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>الدليل الثالث:</span>\nقدمت الخلاف في أقسام المياه، وأن وجود ماء طاهر غير مطهر لا يثبت من حيث الأدلة، وأن الماء قسمان طهور ونجس، ولا ثالث لهما، فكل دليل ذكرته في تلك المسألة يصلح أن يكون دليلًا لهذه المسألة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-66> دليل من قال إن الماء طاهر غير مطهر:</span>\nقالوا: إذا تغير الماء بشيء طاهر فإنه يسلبه الطهورية، لا فرق بين ما يشق وما لا يشق؛ لأن العلة هي التغير بشيء طاهر وقد حصل، وذلك أن الحكم بتغير الماء حكم وضعي، فكما أن النجاسة إذا وقعت في الماء فغيرته يكون نجسًا، لا فرق بين نجاسة يشق التحرز عنها وبين غيرها، فكذلك الطاهر إذا وقع في الماء فإنه يسلبه الطهورية لا فرق بين ما يشق، وبين ما لا يشق.\nوهذا القول صحيح لو سلمنا أن الماء إذا تغير بشيء طاهر لا يشق التحرز منه يصبح طاهرًا، ولكن الصحيح أن الماء طهور، ولو تغير طعمه ولونه ورائحته بشيء طاهر وضع فيه ما لم يخرج عن مسمى الماء؛ لأن الماء كما قدمنا قسمان لا ثالث لهما، وقد ذكرت أحاديث كثيرة تدل على التطهر بالماء الذي تغير بشيء طاهر، مثل حديث:\n_________\n(^١) الانتصار (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":88},{"text":"(اغسلوه بماء وسدر) لمن وقصته ناقته، وسبق تخريجه (^١)، وقوله في حديث أم عطية في تغسيل ابنته ﵂: (اغسلوها بماء وسدر) (^٢)، وكون الرسول ﷺ اغتسل هو وزوجه من قصعة فيها أثر العجين، وسبق تحرير الخلاف في أن الماء قسمان، فارجع إليه غير مأمور.\n* * *\n_________\n(^١) انظر رقم (١٧).\n(^٢) انظر رقم (١٨).","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الثالث الماء المتغير بطول مكثه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تغير الماء بطول المكث لا ينافي الإطلاق باتفاق، فيسمى ماء.\n• إذا كان تغير رائحة الماء بمجاورة النجاسة لا يؤثر بالماء، فتغيره بنفسه من باب أولى.\n[م-٨] إذا طال ركود الماء في المكان، تغير إما في لونه، أو طعمه، أو ريحه. ويسمى الماء الآجن، والآسن.\nفذهب الأئمة الأربعة إلى أنه ماء مطلق، طهور غير مكروه (^١).\nوقيل: يكره استعماله، وهو وجه في مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-68> الدليل على طهورية الماء الآجن</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>الدليل الأول:</span>\nالإجماع على طهوريته، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية البحر الرائق (١/ ٧١)، الفتاوى الهندية (١/ ٢١)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٨٦) المبسوط (١/ ٧٢) بدائع الصنائع (١/ ١٥).\nوانظر في مذهب المالكية أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٤٠، ٤٤١)، شرح الخرشي (١/ ٦٨)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٣)، جواهر الإكليل (١/ ٧٨)، وانظر في مذهب الشافعية الأم (١/ ٢٠)، المجموع (١/ ٢٢١)، أسنى المطالب (١/ ٨)، تحفة المحتاج (١/ ٧٠)، وفي مذهب الحنابلة انظر المغني (١/ ٢٦)، الفتاوى الكبرى (١/ ٢١٤)، الفروع (١/ ٧٣)، الإنصاف (١/ ٢٢)، كشاف القناع (١/ ٢٦).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٢).","vol":"1","page":90},{"text":"على أن الوضوء بالماء الآجن الذي قد طال مكثه في الموضع من غير نجاسة حلت فيه جائزة إلا شيئًا يروى عن ابن سيرين (^١).\nوقال ابن تيمية: أما ما تغير بمكثه ومقره فهو باق على طهوريته باتفاق العلماء (^٢).\n- (١٣) وأما ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا ابن عون،\nعن ابن سيرين أنه كان يكره الوضوء بالماء الآجن (^٣).\n[وسنده صحيح] (^٤).\nفلعل المقصود أن نفسه تكرهه؛ لأنه منتن الرائحة، لا أنها كراهة شرعية، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>الدليل الثاني:</span>\nأن تغيره جاء من غير مخالطة، فلم يخالطه شيء لا طاهر ولا نجس، والماء طهور في نفسه حتى تخالطه الأخباث العارضة، وهذا ما لم يحصل في الماء الآجن.\nوأما ما يروى عن النبي ﷺ وأنه توضأ بماء آجن، فهذا الحديث يذكره الفقهاء كصاحب المبدع، والروض، ولا يذكرون من خرجه، ولم أجده في كتب السنة من السنن والمسانيد والمعاجم، وقد ذكر ابن قاسم النجدي في حاشيته بأنه رواه البيهقي، وبالرجوع إلى البيهقي لم أجده بهذا اللفظ، وإليك ألفاظه:\n(١٤) فقد روى البيهقي، من طريق عمرو بن خالد، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود،\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٢٥٩).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (١/ ٦)، وحكاه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٦)، وحكى الإجماع ابن مفلح في المبدع (١/ ٣٦).\n(^٣) المصنف (١/ ٤٦) رقم ٤٥٨.\n(^٤) ورواه أبو عبيد في كتاب الطهور (ص: ٣١٠).","vol":"1","page":91},{"text":"عن عروة في قصة أحد وما أصاب النبي ﷺ في وجهه، قال: وسعى علي بن أبي طالب إلى المهراس، فأتى بماء في مجنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه، فوجد له ريحًا، فقال رسول الله ﷺ هذا ماء آجن، فمضمض منه، وغسلت فاطمة عن أبيها الدم (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n(١٥) وروى البيهقي أيضًا، من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم،\nعن عبيد الله بن كعب بن مالك، قال: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى فم الشعب، خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس، ثم جاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه، فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه، وهو يقول: اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه ﷺ (^٣).\n[إسناده ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٢٦٩).\n(^٢) وهذا فيه علتان:\nالأولى: أنه مرسل.\nوالثانية: فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف وسيأتي إن شاء الله بيان أن ابن لهيعة ضعيف مطلقًا قبل احتراق كتبه وبعدها.\n(^٣) سنن البيهقي (١/ ٢٦٩).\n(^٤) وهذا فيه علتان أيضًا:\nالأولى: كونه مرسلًا.\nالثانية: فيه رجل مبهم، ومع ذلك اختلف فيه على يونس بن بكير:\nفرواه البيهقي عن الحاكم، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك مرسلًا كما في سنن البيهقي.\nلكن الحديث في مستدرك الحاكم (٣/ ٢٢) بالإسناد نفسه، وعنه البيهقي أيضًا (٦/ ٣٦٩)، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده الزبير، فوصله، لكنه اقتصر في لفظه على ذكر فضيلة طلحة، ولم يذكر قصة الماء المتغير. وربما كان هذا التخليط من أحمد بن عبد الجبار، فهو رجل ضعيف.\nوعلى كل حال فهذا الإسناد الموصول هو المعروف.\nفقد رواه أبو سعيد الأشج كما في سنن الترمذي (١٦٩٢)، ومسند البزار في مسنده (٩٧٢)، عن يونس بن بكير، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن جده، عن الزبير ابن العوام به، بذكر فضيلة طلحة، ولم يذكر قصة الماء المتغير.\nكما رواه وهب بن جرير واختلف عليه: فرواه ابن حبان في صحيحه (٦٩٧٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم أخبرنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، فوصله، وساق قصة الماء المتغير.\nورواه ابن أبي عاصم في السنة (١٣٩٨)، قال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا وهب بن جرير به، بدون ذكر قصة علي بن أبي طالب والماء المتغير.\nلذا لا تجد أحدًا ذكر قصة الماء المتغير إلا وقد اختلف عليه في ذكرها، وهي مذكورة في سيرة ابن إسحاق (ص: ٣٣١).\nوقد رواه أحمد (١/ ١٦٥) وأبو يعلى في مسنده (٦٧٠) من طريق إبراهيم بن سعد.\nورواه ابن شيبة في المصنف تحقيق عوامة (٣٢٨٢٣)، وابن أبي عاصم في السنة (١٣٩٧) والشاشي في مسنده (٣١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٧٠) من طريق ابن المبارك، كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن جده عبد الله بن الزبير، عن الزبير بذكر فضيلة طلحة، ولم يذكر قصة علي، ولا الماء المتغير، وهذا هو المعروف.","vol":"1","page":92},{"text":"(١٦) وقال ابن المنذر: احتج إسحاق بحديث روي عن الزبير بن العوام،\nقال إسحاق: أنا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مصعدين في أحد، قال: ثم أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأتى المهراس، فأتى بماء في درقته، فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه، فغسل به الدماء التي في وجهه، وهو يقول: اشتد","vol":"1","page":93},{"text":"غضب الله على من أدمى وجه رسول الله ﷺ، وكان الذي أدمى وجه رسول الله ﷺ يومئذ عتبة بن أبي وقاص.\nقال إسحاق: ففي ذلك بيان على أنه طاهر، ولولا ذلك لم يغسل النبي ﷺ الدم به (^١).\n[ذكره ابن المنذر معلقًا، وسبق تخريجه في الحديث السابق].\nوإذا ثبت أنه ليس بنجس، فإنه طهور؛ لأن الماء إما طهور وإما نجس، ولا ثالث لهما كما تبين من الخلاف السابق عند الكلام على أقسام الماء، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>الدليل الثالث:</span>\nإذا كان تغير الطعام بنفسه لا يمنع ذلك من أكله إلا أن يمنع ذلك من جهة الطب، فتغير الماء من باب أولى لا يمنع من استعماله، لسببين:\nأحدهما: أن الأكل استعمال داخلي، فلو كان يمنع لمنع من الأكل بخلاف استعمال الماء فإنه استعمال خارجي.\nالثاني: أن الماء يدفع عن غيره، فكونه يدفع عن نفسه من باب أولى، بخلاف الطعام.\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط لابن المنذر (١/ ٢٦٠)، وسبق تخريجه وبيان الاختلاف فيه على ابن وهب في الصفحة التي قبل هذه.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الرابع في الماء المالح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفرع الأول في تغير الماء بملح موضوع فيه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\nهذه المسألة فرع من مسائل كثيرة مر ذكر بعضها، كتغير الماء ببعض الطاهرات، وذكرنا ضوابط هذه المسألة، ونعيد ذكر بعضها.\n• الأصل المجمع عليه أن الماء طاهر مطهر، ولا ينتقل عن ذلك إلا بناقل صحيح صالح للاحتجاج.\n• الماء إذا تغير بالملح ألحق بماء البحر على الصحيح.\n• مطلق التغير بالطاهر لو كان مفسدًا للماء لم يكن هناك فرق بين تغير وآخر على الصحيح؛ لأن الحكم متعلق بالتغير لا بسببه؛ لكونه من أحكام الوضع كالتغير بالنجاسة.\n[م-٩] اختلف العلماء في الماء المتغير بالملح:\nفقيل: طهور مطلقًا، سواء كان الملح مائيًا أو معدنيًا، طرح قصدًا أو من غير قصد، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه في مذهب الشافعية (^١)،\nواختاره\n_________\n(^١) مذهب الحنفية أوسع المذاهب من جهة الماء إذا تغير بشيء طاهر سواء كان من الملح أو من غيره، ولذلك قال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٧١): «يجوز الوضوء بالماء، ولو خالطه شيء طاهر، فغير أحد أوصافه التي هي: الطعم واللون والريح». اهـ ...\nفلا يقيدون التغير أن يكون مما لا يمكن حفظ الماء عنه، ولا بكونه ترابًا، ولا بكونه ملحًا مائيًا.\nوأما الماء المالح فيقسمونه إلى قسمين:\nالأول: ماء تغير بالملح كالتغير بالأرض السبخة ونحوها، فهذا يجوز التطهر به.\nالثاني: ماء الملح، وهو ماء يتحول إلى ملح لجوهر الماء، وليس بسبب الأرض السبخة، وله عيون تسمى عيون الملح، تنبع ماء، ثم يتحول إلى ملح، وهو يجمد في الصيف ويذوب في الشتاء، عكس الماء، فهذا لا يجيزون الطهارة به، لأنهم يرونه جنسًا آخر غير الماء. انظر تبيين الحقائق (١/ ١٩)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٢١)، وبهذا التقسيم قال أبو سهل الصعلوكي من الشافعية، وسيأتي التنبيه عليه في حاشية القول الثاني.\nوانظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٣٦، ٣٧)، شرح خليل (١/ ٦٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٧).\nوانظر وجه الشافعية في روضة الطالبين (١/ ١١).","vol":"1","page":95},{"text":"ابن تيمية (^١).\nوقيل: إن تغير بملح مائي فهو طهور، وإن تغير بمعدني فطاهر غير مطهر، وهذا ما عليه أكثر أصحاب الإمام الشافعي (^٢).\n_________\n(^١) لا يفرق ابن تيمية ﵀ بين ما تغير بالملح، أو تغير بشيء طاهر، فكل ذلك عنده طهور، ما دام يسمى ماء، انظر مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٤)، والفتاوى المصرية (ص: ٥). بل إن ابن تيمية ﵀ لا يثبت القسم الطاهر، ويرى أن الماء قسمان: طهور ونجس.\n(^٢) قال النووي في روضة الطالبين: «والمتغير بالملح فيه أوجه، أصحها: يسلب الجبلي منه دون المائي ...».\nويشترط في الجبلي حتى يكون سالبًا للطهورية ألا يكون بممر الماء، فإن كان بممر الماء لم يسلبه الطهورية لمشقة التحرز منه، كما سبق تحريره في مسألة الماء المتغير بما يشق صون الماء عنه.\nوقال الماوردي: الماء الذي ينعقد منه ملح إن بدأ في الجمود، وخرج عن حد الجاري، لم تجز الطهارة به.\nوإن كان جاريًا فهو ضربان: ضرب يصير ملحًا لجوهر التربية كالسباخ إذا حصل فيها مطر أو غيره صار ملحًا، جازت الطهارة به.\nوضرب يصير ملحًا لجوهر الماء كأعين الملح التي ينبع ماؤها مائعًا، ثم يصير ملحًا، فظاهر مذهب الشافعي وما عليه جمهور أصحابه: جواز الطهارة به؛ لأن اسم الماء يتناوله في الحال، وإن تغير في وقت آخر، كما يجمد الماء فيصير ثلجًا.\nوقال أبو سهل الصعلوكي: لا يجوز؛ لأنه جنس آخر كالنفط، ونقل القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي وجهين في الماء الذي ينعقد منه ملح، وعبارة البغوي: ماء الملاحة، والصواب الجواز مطلقًا مادام جاريًا، والله أعلم. اهـ انظر أسنى المطالب (١/ ٨)، وانظر المجموع (١/ ١٥١)، الحاوي الكبير (١/ ٤٠).","vol":"1","page":96},{"text":"وقيل: إن تغير بملح مائي فهو طهور مكروه، وإن تغير بمعدني فهو طاهر، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (^١).\nوقيل: إن طرح فيه الملح قصدًا سلبه الطهورية، وإلا فلا، وهو قول في مذهب المالكية اختاره ابن يونس، ووجه في مذهب الإمام أحمد (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-74> دليل من قال الماء طهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الدليل الأول:</span>\n(١٧) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته - أو قال فأوقصته - قال النبي ﷺ: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (^٣).\n_________\n(^١) مطالب أولي النهى (١/ ٣١، ٣٢)، المحرر (١/ ٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨)، كشاف القناع (١/ ٢٧).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ٣٧) قال: «والأرجح عند ابن يونس السلب للطهورية بالملح المطروح قصدًا، وهو ضعيف». اهـ وانظر مواهب الجليل (١/ ٥٧).\nوقال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ٣٢): «حاصله أن المتأخرين اختلفوا في الملح المطروح قصدًا:\nفقال ابن أبي زيد: لا ينقل حكم الماء كالتراب، وهذا هو المذهب.\nوقال القابسي: إنه كالطعام، فينقله، واختاره ابن يونس.\nوقال الباجي: المعدني كالتراب، والمصنوع كالطعام، فهذه ثلاث طرق للمتأخرين.\nثم اختلف من بعدهم:\nهل ترجع هذه الطرق إلى قول واحد؟\nفيكون من جعله كالتراب أراد المعدني. ومن جعله كالطعام أراد المصنوع، وحينئذ اتفقت الطرق على أن المصنوع يضر ... إلخ كلامه ﵀. وانظر المنتقى شرح الموطأ (١/ ٥٥).\n(^٣) صحيح البخاري (١٢٦٥) ومسلم (١٢٠٦).","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الدليل الثاني:</span>\n(١٨) ما رواه البخاري، من طريق أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين،\nعن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه يعني إزاره (^١).\nوجه الاستدلال من الحديثين:\nأن السدر إذا أضيف إلى الماء لا بد أن يتغير به، ومع ذلك لم يمنع أن يتطهر به الميت، وما طهر الميت طهر الحي إذ لا فرق، وإذا كان السدر لم يسلب الماء الطهورية لم يسلبه الملح من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>الدليل الثالث:</span>\n(١٩) ما رواه أحمد، من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد،\nعن أم هانئ قالت: اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين (^٢).\n[صحيح إلا أن ذكر العجين في القصعة قد اختلف في ذكره، وقد رواه البخاري ومسلم وليس فيه ذكر للعجين] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن هذا الماء لا بد أن يتغير من العجين لا سيما في آخر الأمر إذا قل الماء وانحل العجين، ولم يمنع هذا من اغتسال النبي ﷺ وزوجه، فدل هذا على أن الماء إذا تغير\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٢٥٣) ومسلم (٩٣٩).\n(^٢) مسند أحمد (٦/ ٣٤١، ٣٤٢).\n(^٣) سبق تخريجه في الخلاف في أقسام المياه، انظر رقم (٧).","vol":"1","page":98},{"text":"بشيء طاهر يبقى طهورًا، ولا يتحول إلى طاهر غير مطهر (^١).\n• ويجاب:\nبأن الحديث في الصحيحين وليس فيه ذكر العجين، ولو كان ذكر العجين محفوظًا، فهو لم يغتسل بإناء فيه عجين، وإنما اغتسل بإناء فيه أثر العجين، وأثر العين غير العين، فهو مقدار يسير جدًّا قد لا يبلغ ما يغير لون الماء، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الدليل الرابع:</span>\nإثبات قسم من الماء لا طهور ولا نجس، الحاجة إلى بيانه أشد من الحاجة إلى بيان كثير من الآداب والأحكام؛ لأن المسألة: إما أن يتوضأ، وإما أن يتيمم.\nوالأمر تتعلق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، فلو كان هذا القسم موجودًا لبينه الرسول ﷺ. وهذا القول هو الراجح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-79> دليل من فرق بين الملح المائي والمعدني:</span>\nقالوا: تغير الماء بالملح المائي يشبه تغيره بالتراب؛ وذلك لأن الملح منعقد من الماء، فيكون حكمه حكم الثلج إذا ذاب وتحول إلى ماء فما دام ملحًا لا يجوز الوضوء به، فإذا صار ماء عاد عليه اسم الماء، ولا يضره تغير طعمه به؛ لأن الملح منه. وأما الملح المعدني فلم يكن قط ماء، فإذا تغير الماء به يكون حكمه كما لو تغير بالطعام، فلا تصح الطهارة منه.\nوالصحيح أن الملح المعدني إذا وقع في الماء فغير أحد أوصافه فإنه ماء، فالماء المالح يسمى ماء على الإطلاق، وإذا كان الماء المالح كالبحر لم يمنع أن يسمى ماء، وتصح الطهارة منه، فكذلك الماء إذا وضع فيه الملح فغير طعمه لا يمنع أن يسمى ماء، ولا يتحول عنه اسم الماء بمجرد أن طعمه تغير بالملح، وسوف نبحث إن شاء الله تعالى حكم الماء إذا تغير بشيء طاهر في مسألة مستقلة.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٧، ٢٨).","vol":"1","page":99},{"text":"• وجه قول من قال طهور مكروه:\nلماذا هو طهور وقد تغير؟ لأنه تغير بشيء منعقد من الماء.\nولماذا هو مكروه؟ قالوا: لأن بعض العلماء يقولون عنه بأنه طاهر فخروجًا من الخلاف، قلنا بالكراهة.\nوقد سبق أن الكراهة بسبب وجود الخلاف قول ضعيف جدًّا، وهي تختلف عن مراعاة الخلاف، أو الخروج من الخلاف.\n• وجه من قال إن وضع قصدًا سلبه الطهورية:\nقالوا: لما فارق الملح الأرض أصبح طعامًا لا يجوز التيمم عليه، فصار حكمه حكم ما لو وضع فيه شيء طاهر (^١).\nوالجواب عنه كالجواب عن الذي قبله، ويضاف إليه: أن القصد نية متعلقة بالقلب، وليست متعلقة بالماء، والقلب أجنبي عن الماء، فكما أنه لا تؤثر النية في تغير الماء بالنجاسة، فإذا تغير بالنجاسة نجس، سواء كان عن قصد أو غير قصد، فكذلك وقوع الشيء الطاهر بالماء لا تؤثر فيه النية، فإن كان يسلب الماء الطهورية سلبه مطلقًا عن قصد أو عن غير قصد، وإذا كان لا يسلبه فكذلك. فقيد القصد قيد ضعيف، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nكما قدمت أن الماء طهور مطلقًا سواءً تغير بالملح المائي أو المعدني، وسواءً وضع فيه عن قصد أو عن غير قصد، وأن الماء قسمان طهور ونجس، ولا ثالث لهما.\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٥٨).","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفرع الثاني الخلاف في طهورية ماء البحر</span>\nضابط المسألة عند الفقهاء:\n• الماء المطلق هو الماء الباقي على أصل خلقته، ومنه ماء البحر.\n[م-١٠] في طهورية ماء البحر خلاف شاذ، يلزم ذكره عند الكلام على طهورية ماء البحر؛ ليعلم أن المسألة ليست إجماعًا.\nفقيل: ماء البحر طهور، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وبه قال جمهور الصحابة (^١).\nوقيل: يكره التطهر بماء البحر، وهو مروي عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو، وبه يقول سعيد بن المسيب فيما حكي عنه (^٢).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: الهداية (١/ ١٧)، البحر الرائق (١/ ١٦٦)، بدئع الصنائع (١/ ١٥)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٣)، شرح فتح القدير (١/ ٧٠)، وفي مذهب المالكية: انظر حاشية الدسوقي (١/ ٣٤)، أسهل المدارك (١/ ٣٤)، المنتقى للباجي (١/ ٥٥)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٤٦، ٤٤٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٢٤)، وفي مذهب الشافعية: انظر الأم (١/ ١٦)، المجموع (١/ ١٣٦)، الوجيز (١/ ٤)، وفي مذهب الحنابلة: انظر المغني (١/ ٢٢، ٢٣)، المبدع (١/ ٣٣)، الكافي (١/ ٣)، وكشاف القناع (١/ ٢٦)، وانظر المحلى (١/ ٢١٠).\n(^٢) ذكره الترمذي بعد أن ساق حديث (٦٩)، وانظر: المجموع (١/ ١٣٦)، المغني (١/ ٢٢)، المحلى (١/ ٢١٠).\nوقد عبر الترمذي في سننه بالكراهة، فقال: وقد كره بعض أصحاب النبي ﷺ الوضوء بماء البحر منهم ابن عمر وعبد الله بن عمرو.\nوقال ابن حزم في المحلى (١/ ٢١٠): «روينا عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة أن الوضوء للصلاة والغسل من ماء البحر لا يجوز ولا يجزئ». اهـ، والتعبير بعدم الإجزاء هو المنقول عنهما في مصنف بن أبي شيبة كما سيأتي تخريجه عنهم، والكراهة عند السلف قد تحمل على كراهة التحريم، والله أعلم.","vol":"1","page":101},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-81> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الدليل الأول:</span>\nمن الكتاب قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال: كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، إلا ما خصه الدليل، وماء البحر لم يستثن، بل الثابت جواز الوضوء منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان طعام البحر، وصيده حلالًا لنا، فيلزم منه أن يكون ماؤه طهورًا، فكيف يكون الطعام حلالًا والماء ليس بطهور، قال ﷾: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) [المائدة: ٩٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الدليل الثالث:</span>\n(٢٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال في ماء البحر: هو الطهور ماؤه الحلال ميتته (^١).\n[الحديث صحيح، وسبق تخريجه] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>الدليل الرابع:</span>\nالقياس على الماء العذب، فإن كلًا منهما باق على أصل خلقته التي خلقه الله عليها، ولم يتغير لونه أو ريحه أو طعمه.\n_________\n(^١) أحمد (٢/ ٢٣٧).\n(^٢) انظر رقم (٣).","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الدليل الخامس:</span>\nحكى بعضهم الإجماع على طهوريته، وفي الإجماع نظر:\nقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر، ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة، فلم يتغير له لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا (^١)، أنه بحاله، ويتطهر منه (^٢).\nوقال ابن جزي من المالكية: الماء المطلق، وهو الباقي على أصله، فهو طاهر مطهر إجماعًا، سواء أكان عذبًا أو مالحًا، أو من بحر أو سماء أو أرض (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-87> دليل من قال لا يتطهر بماء البحر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>الدليل الأول:</span>\n(٢١) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن هشام، عن قتادة، عن أبي أيوب،\nعن عبد الله بن عمرو، قال: ماء البحر لا يجزئ من وضوء، ولا جنابة، إن تحت البحر نارًا، ثم ماء، ثم نارًا (^٤).\n[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا بالنهي عن ركوب البحر، ولا يصح] (^٥).\n_________\n(^١) الذي يظهر أن النصب خطأ، فلفظ (لون) وطعم وريح، كلها كلمات وقعت مرفوعة، فلون فاعل الفعل (يتغير)، والبقية معطوفة عليها، لكنها هكذا في كتاب الإجماع.\n(^٢) الإجماع (ص: ٣٣).\n(^٣) القوانين الفقهية (ص: ٤٤).\n(^٤) المصنف ط محمد عوامة (٢/ ١٠٩) رقم: ١٤٠٤.\n(^٥) ورواه البيهقي أيضًا في السنن الكبرى (٤/ ٣٣٤) من طريق أبي داود، عن شعبة، وهمام، عن قتادة به.\nورواه الجوزجاني في الأباطيل (١/ ٣٤٥) من طريق ابن المهاجر، عن هشام الدستوائي، عن قتادة به. قال الجوزجاني: هذا حديث باطل، تفرد به محمد بن المهاجر، ومحمد بن المهاجر كان يضع الحديث. اهـ وقد علمت أن ابن المهاجر لم يتفرد به.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٩٣) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من =","vol":"1","page":103},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الانصار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ماءان لا ينقيان من الجنابة: ماء البحر وماء الحمام.\nقال معمر: سألت يحيى عنه بعد حين، فقال: قد بلغني ما هو أوثق من ذلك، أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر؟ فقال: ماء البحر طهور، وحل ميتته. وفي إسناده رجل مبهم.\nوروي مرفوعًا عن عبد الله بن عمرو، ولكن في ركوب البحر، ولم يتطرق إلى الوضوء منه رواه سعيد بن منصور في سننه (٢/ ١٨٦) رقم: ٢٣٩٣، قال: أخبرنا إسماعيل بن زكريا، عن مطرف، عن بشر أبي عبد الله، عن بشير بن مسلم، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله؛ فإن تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا.\nوالحديث فيه ثلاث علل:\nالأولى: الاضطراب في إسناده:\nفقد رواه إسماعيل بن زكريا، واختلف عليه:\nفرواه سعيد بن منصور (٢٣٩٣)، ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه أبو داود (٢٤٨٩)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٨٤) رقم: ١٤٤٩٩، والبيهقي (٤/ ٣٣٤) عن إسماعيل بن زكريا، عن مطرف، عن بشر أبي عبد الله، عن بشير بن مسلم، عن عبد الله بن عمرو.\nوخالفه سعيد بن سليمان كما في سنن البيهقي (٤/ ٣٣٤)، (٦/ ١٨) عن إسماعيل بن زكريا وصالح بن عمر، عن مطرف بن طريف، عن بشير بن مسلم، عن عبد الله بن عمرو، فأسقط من إسناده بشرًا أبا عبد الله.\nوخالفهما أبو الربيع كما في التأريخ الكبير للبخاري (٢/ ١٠٤) رقم: ١٨٤٦، عن إسماعيل بن زكريا، عن مطرف، حدثني بشير أبو عبد الله الكندي، عن عبد الله بن عمر. فأسقط بشير بن مسلم.\nوتابعه أبو حمزة كما في التاريخ الكبير البخاري (٢/ ١٠٥) عن مطرف، عن بشير أبي عبد الله، عن عبد الله بن عمرو.\nورواه صالح بن عمر كما في التاريخ الكبير (٢/ ١٠٤) عن مطرف، عن بشير بن مسلم، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ.\nقال البخاري: ولم يصح حديثه. اهـ\nفتبين من الاضطراب في إسناده أنه روي على وجوه كثيرة:\nفقيل: عن بشير بن مسلم، عن ابن عمرو.\nوقيل: عن بشير بن مسلم، عن رجل، عن ابن عمرو. =","vol":"1","page":104},{"text":"وجه الاستدلال:\nقالوا: إن البحر طبق جهنم، وما كان طبق سخط، لا يكون طريقًا للطهارة والرحمة، وقياسًا على نهي النبي ﷺ عن الوضوء بماء ثمود (^١).\n• وأجيب:\nأولًا: أن هذا الأثر الموقوف مخالف للحديث المرفوع: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته، والمرفوع يقضي على الموقوف.\nثانيًا: قال ابن قدامة: قولهم: هو نار، إن أريد به أنه نار في الحال، فهو خلاف الحس، وإن أريد أنه يصير نارًا لم يمنع ذلك من الوضوء به في حال كونه ماء (^٢).\n_________\n= وقيل: عن مطرف عن بشر أبي عبد الله، عن بشير بن مسلم.\nوقيل: عن مطرف، عن بشير بن مسلم بإسقاط بشر.\nالعلة الثانية: جهالة بشير بن مسلم، فقد جاء في ترجمته:\nذكره ابن حبان من أتباع التابعين، وعليه فلا يمكن أن يروي عن عبد الله بن عمرو، انظر الثقات (٦/ ١٠٠)، وانظر التهذيب (١/ ٤١٠).\nوسكت عليه ابن أبي حاتم، فلم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٢/ ٣٧٨).\nوقال مسلمة بن قاسم: مجهول. التهذيب (١/ ٤١٠).\nوفي التقريب: بشير بن مسلم: مجهول.\nالعلة الثالثة: جهالة بشر أبي عبد الله الكندي، لم يرو عنه إلا مطرف، ولم يوثقه أحد. قال الذهبي: لا يكاد يعرف. تهذيب التذيب (١/ ٤٠٥).\nوقد ضعف الحديث جماعة من أهل العلم:\nقال البخاري: لم يصح حديثه، وسبق العزو إليه.\nوقال ابن عبد البر: وهو حديث ضعيف مظلم الإسناد، لا يصححه أهل العلم بالحديث؛ لأن رواته مجهولون، لا يعرفون، وحديث أم حرام هذا يرده. التمهيد (١/ ٢٤٠).\nوممن ضعف الحديث الخطابي في معالم السنن (٣/ ٣٥٩)، والنووي كما في المجموع (١/ ١٣٧).\nوقال ابن الملقن كما في الخلاصة (١/ ٧٣): وهو ضعيف باتفاق الأئمة. والله أعلم.\n(^١) القبس (١/ ١٤١، ١٤٢)، البناية (١/ ٢٩٩).\n(^٢) المغني (١/ ٢٣).","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن عقبة ابن صهبان، قال:\nسمعت ابن عمر يقول: التيمم أحب إلي من الوضوء من ماء البحر (^١).\n[إسناده صحيح، ولا حجة في موقوف خالف مرفوعًا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>الدليل الرابع:</span>\n(٢٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من الأنصار،\nعن أبي هريرة قال: ماءان لا يجزيان من غسل الجنابة ماء البحر وماء الحمام (^٣).\n[إسناده ضعيف] (^٤).\n• الراجح:\nصحة الوضوء بماء البحر، ويعتبر الخلاف شاذًّا ومهجورًا.\n* * *\n_________\n(^١) مصنف بن أبي شيبة (١/ ١٢٢) رقم ١٣٩٣.\n(^٢) ورواه القاسم بن سلام في الطهور (٢٣٦) من طريق منصور.\nوابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٤٩) من طريق سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن قتادة به.\n(^٣) المصنف (١/ ١٢٢) رقم ١٣٩٥.\n(^٤) فيه رجل مبهم، ومع وجود هذا الرجل المبهم قد اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير، فرواه هشام الدستوائي، عن يحيى، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة كما في المصنف.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٣١٨) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من الأنصار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\nوقد رواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء بماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتتة. وهذا هو اللفظ هو المعروف من حديث أبي هريرة، وسبق تخريجه، انظر (ح ١٠)، والله أعلم.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المبحث الخامس إذا تغير الماء بشيء طاهر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفرع الأول الماء المتغير بطاهر يمكن التحرز منه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\nهذه المسألة فرع من مسائل كثيرة سبق ذكر بعضها وهو تغير الماء ببعض الطاهرات، وسبق أن ذكرنا ضوابط هذه المسألة، ونعيد ذكر بعضها.\n• حكم الماء المتغير حكم مغيِّره، فإن كان بنجس تنجس إجماعًا، وإن كان بطاهر، فإن كان موافقًا للماء في الطهارة والتطهير كالتراب لم يسلبه واحدة منها، وإن كان مخالفًا للماء في الطهارة والتطهير كالتغير بالنجاسة سلبه الوصفين معًا، وإن كان موافقًا للماء في الطهارة دون التطهير كالتغير بالطاهرات لم يسلبه الطهارة لموافقته لها، وهل يسلبه الطهورية بمطلق التغير، أولا حتى يغلب على أجزائه؟\n• الأصل المجمع عليه أن الماء طاهر مطهر، خرج الماء المتغير بالنجاسة بالإجماع وبقي ما عداه.\n• التغير بالطاهر لو كان مفسدًا للماء لم يكن هناك فرق بين التغير بما يشق صون الماء وبين غيره من التغيرات على الصحيح؛ لأن الحكم متعلق بالتغير لا بسببه؛ لكونه من أحكام الوضع، كالتغير بالنجاسة، لا فرق فيها بين ما يشق وما لا يشق.\n• اختصاص الماء بالطهورية، هل هو تعبد لا يعقل معناه، أو لاختصاصه بنوع من الرقة واللطافة والنفوذ؟","vol":"1","page":107},{"text":"سبق أن بحثنا ثلاث مسائل في تغير الماء الطهور بشيء طاهر.\nالأولى: تغير الماء بطاهر يشق الاحتراز منه.\nالثانية: تغير الماء بطاهر لا يمازج الماء.\nالثالثة: تغير الماء بطاهر أصله منعقد من الماء كالتغير بالملح المائي.\nوهذه هي المسألة الرابعة: وهو تغير الماء بطاهر ممازج للماء يمكن التحرز منه، ولم يكن ملحًا.\n[م-١١] فاختلف الفقهاء في هذه المسألة:\nفقيل: الماء طاهر غير مطهر، صالح للأكل والشرب، ولا يرفع به حدث، ولا يزال به نجاسة، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: طهور يرفع الحدث، ويزيل النجاسة، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن حزم، ورجحه ابن تيمية (^٢).\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: المقدمات الممهدات (١/ ٨٦)، بداية المجتهد (٢/ ٢٧١)، الفواكه الدواني (١/ ١٢٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٧، ٣٨).\nوانظر في مذهب الشافعية: مغني المحتاج (١/ ١٨)، والمجموع (١/ ١٥٠)، وكفاية الأخيار (١/ ٢٣)، الحاوي الكبير (١/ ٤٦).\nوفي مذهب الحنابلة انظر: الانتصار (١/ ١٢٢)، منتهى الإرادات (١/ ١٧)، كشاف القناع (١/ ٣٠)، الفروع (١/ ٧٩) المبدع (١/ ٤١) الإنصاف (١/ ٣٢).\nوقال أحمد كما في مسائل عبد الله (١/ ٢٢): «كل شيء يتحول عن اسم الماء لا يعجنبي أن يتوضأ به». اهـ\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ٧١)، البناية في شرح الهداية (١/ ٣٠٤)، واشترط الحنفية أن يكون باقيًا على رقته أما إذا غلب عليه غيره وصار به ثخينًا فلا يجوز، والغلبة عندهم على الصحيح من حيث الأجزاء، لا من حيث اللون، وهو اختيار أبي يوسف خلافًا لمحمد. ولذلك قال قاضي خان: لا يتوضأ بماء الورد والزعفران، ولا بماء الصابون والحرض إذا ذهبت رقته، وصار ثخينًا، فإن بقيت رقته ولطافته جاز التوضوء به. وانظر تبيين الحقائق (١/ ١/١٩)، العناية شرح الهداية (١/ ٧١)، وانظر قول ابن حزم في المحلى مسألة (١٤٧)، وانظر قول ابن تيمية (٢١/ ٢٤)، الفتاوى المصرية (ص: ٥٠)، الاختيارات (ص: ٣).","vol":"1","page":108},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-93> دليل الجمهور على أن الماء طاهر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الدليل الأول:</span>\nاستدلوا من القرآن بقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nالماء ورد في الآية مطلقًا لم يقيد بشيء، والماء المطلق هو الماء الباقي على خلقته.\nأما الماء المتغير فلا يسمى ماء مطلقًا، إنما يضاف إلى تلك المادة التي يتغير بها كماء ورد أو زعفران أو ماء غريب، أو ماء مستعمل ونحو ذلك.\nإذًا دلت الآية على أن الطهارة بالماء المطلق، فإن لم يوجد انتقلنا إلى التيمم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>الدليل الثاني:</span>\nمن النظر، قال ابن العربي: «المخالط للماء على ثلاثة أضرب:\nضرب يوافقه في صفتيه جميعًا: الطهارة والتطهير، فإذا خالطه فغيره، لم يسلبه وصفًا منهما، لموافقته له فيهما، وهو التراب.\nوضرب يوافق الماء في إحدى صفتيه، وهي الطهارة، ولا يوافقه في صفته الأخرى، وهي التطهير، فإذا خالطه فغيره سلبه ما خالفه فيه، وهو التطهير، دون ما وافقه، وهي الطهارة، كماء الورد، وسائر الطهارات.\nوالضرب الثالث: مخالفته في الصفتين جميعًا، وهي الطهارة والتطهير، فإذا خالطه فغيره، سلبه الصفتين جميعًا، لمخالفته له فيهما، وهو النجس» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-96> دليل من قال الماء طهور</span>\nالدليل الأول:\nمن القرآن قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ\n_________\n(^١) بتصرف - الفتاوى (٢١/ ٢٤)، والحاوي الكبير (١/ ٤٨)، والأوسط (١/ ٢٥٧).\n(^٢) أحكام القرآن - ابن العربي (٣/ ٤٣٩).","vol":"1","page":109},{"text":"أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال: أن كلمة (ماء) نكرة فى سياق النفى فتعم كل ماء سواء كان مطلقًا أومقيدًا، متغيرًا أو غير متغير، مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع وبقي ما عداه على أنه طهور (^١).\nوقال ابن المنذر: قال تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ما منع منه كتاب أو سنة أو إجماع. والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون أوطعم أو ريح (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>الدليل الثاني:</span>\n(٢٤) ما رواه أحمد من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد،\nعن أم هانئ قالت: اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين (^٣).\n[صحيح إلا أن ذكر العجين في القصعة قد اختلف في ذكره، وقد رواه البخاري ومسلم وليس فيه ذكر للعجين] (^٤).\nفهذا ماء وقع فيه عجين، ولا بد أن يتغير الماء خاصة إذا قل الماء وانحل العجين، ومع ذلك لم يمنع من التطهر به.\n• وأجيب:\nبأن الحديث في الصحيحين، وليس فيه ذكر للعجين، ولو كان ذكر العجين محفوظًا، فهو لم يغتسل بإناء فيه عجين، وإنما اغتسل بإناء فيه أثر العجين، وأثر العين غير العين، فهو مقدار يسير جدًّا قد لا يبلغ ما يتغير به لون الماء، والله أعلم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٥)، الكافي (٢/ ٥)، الزركشي (١/ ١١٩).\n(^٢) الأوسط (١/ ٢٦٨).\n(^٣) مسند أحمد (٦/ ٣٤١، ٣٤٢).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر (ح ٧).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>الدليل الثالث</span>\n(٢٥) ما رواه البخاري، من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته -أو قال فأوقصته- قال النبي ﷺ: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>الدليل الرابع:</span>\n(٢٦) ما رواه البخاري، من طريق أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين،\nعن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه يعني إزاره (^٢).\nوجه الاستدلال من الحديثين:\nأن السدر أضيف إلى الماء، ولا بد أن يتغير به، ومع ذلك لم يمنع أن يتطهر به الميت، وما طهر الميت طهر الحي؛ إذ لا فرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الدليل الخامس: من الآثار</span>\n(٢٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن ابن عباس، قال: يجزئه أن لا يعيد على رأسه الغسل - يعني إذا غسل رأسه بالخطمي.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٢٦٥) ومسلم (١٢٠٦).\n(^٢) صحيح البخاري (١٢٥٣) ومسلم (٩٣٩).","vol":"1","page":111},{"text":"[إسناده صحيح] (^١).\nالأثر الثاني:\n(٢٨) روى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأزمع،\nقال عبد الله: من غسل رأسه بالخطمي، وهو جنب، فقد أبلغ الغسل.\n[إسناده حسن] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٧١) رقم ٧٧٥.\n(^٢) المصنف (١/ ٧١) رقم ٧٧١.\nهذا الأثر موقوف على ابن مسعود، وقد رواه عنه جماعة منهم:\nالأول: الحارث بن الأزمع.\nأخرجه عبد الرزاق (١٠٠٨) ومن طريقه الطبراني (٩/ ٢٥٤) عن الثوري.\nوأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٠٧) والطبراني (٩/ ٢٥٤) من طريق شعبة.\nوأخرجه عبد الرزاق (١٠٠٩) والبيهقي (١/ ١٨٣) من طريق سفيان بن عيينة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٧١) عن أبي الأحوص وزكريا بن أبي زائدة فرقهما.\nوالطبراني في الكبير (٩/ ٢٥٤) من طريق زهير بن معاوية وحجاج بن أرطاة كلهم رووه عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأزمع به.\nوالحارث بن الأزمع، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي عن عمر، وابن مسعود، وعمرو ابن العاص. الثقات (٤/ ١٢٦).\nوقال ابن سعد: كان قليل الحديث. الطبقات الكبرى (٦/ ١١٩).\nوقال العجلي: من أصحاب عبد الله، ثقة. معرفة الثقات (١/ ٢٧٧).\nوذكره ابن أبي حاتم، وذكر أنه يروي عن عمر وابن مسعود وعمرو بن العاص، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٣/ ٦٩).\nومن كان مثله من كبار التابعين بحيث يروي عن عمر، وكان قليل الحديث كما قال ابن سعد، وروى عنه شعبة والثوري، ووثقه ابن حبان والعجلي، لا يضره ألا يصرح بتعديله. وعنعنة أبي إسحاق قد زالت برواية شعبة عنه، ولم يتفرد به.\nالثاني: سارية بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود به. =","vol":"1","page":112},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه سفيان عن الأعمش، واختلف عليه:\nفرواه ابن أبي شيبة (١/ ٧١) عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن مسعود، فهنا سالم يروي مباشرة عن عبد الله بن مسعود.\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٦٨) عن محمد بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن سارية، عن ابن مسعود، بزيادة سارية بين سالم بن أبي الجعد وبين ابن مسعود ﵁.\nوسارية بن عبد الله لم يرو عنه أحد إلا سالم بن أبي الجعد، ولم يوثقه أحد إلا ابن حبان، ولم يرو له أحد من الكتب الستة، فهو مجهول.\nووكيع ومحمد بن يوسف ثقتان، ويترجح عندي رواية محمد بن يوسف على وكيع بذكر سارية؛ لأن محمد بن يوسف قد توبع، تابعه أبو حمزة كما في التأريخ الكبير للبخاري (٤/ ٢٠٧) عنه، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن سارية بن عبد الله، قال عبد الله ... وذكر الأثر.\nكما تابعه حفص بن غياث، إلا أن حفصًا قد اختلف عليه:\nفرواه ابن أبي شيبة (١/ ٧١) عن حفص، عن الأعمش به، بذكر سارية في إسناده، كما في رواية أبي حمزة، ورواية محمد بن يوسف عن سفيان.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٧١) رقم ٧٧٦ قال حدثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: إذا غسل الجنب رأسه بالخطمي أجزأه ذلك.\nقال إبراهيم: مثل ذلك، أو قال: لا يعيد عليه.\nورجاله ثقات إلا أن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٥٤) رقم: ٩٢٥٨ من طريق زائدة بن قدامة عن الأعمش، عن إبراهيم به.\nوهذا اختلاف على حفص، في روايته عن الأعمش.\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٦٨) من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثابت بن قطبة، عن ابن مسعود.\nوذكره البيهقي معلقًا (١/ ١٨٣) عن أبي عوانة به.\nوأعله البيهقي (١/ ١٨٣) ورجح رواية سفيان الثوري عن الأعمش. أي بذكر سارية بدلًا من ثابت بن قطبة.\nفذكر ثابت بن قطبة انفرد به أبو عوانة من سائر الرواة عن الأعمش، فذكره شاذ.\nفهذا الاختلاف على الأعمش إما أن نقول إنه يضعف رواية الأعمش وحده، ويبقى طريق الحارث بن الأزمع لم يختلف عليه فيه، وإسناده حسن. =","vol":"1","page":113},{"text":"قال ابن حزم في المحلى: وهذا قول ثابت عن ابن مسعود، قال: إذا غسل رأسه بالخطمي أجزأه ذلك، وكذلك نصًا عن ابن عباس. وروي أيضًا هذا عن علي بن\nأبي طالب، وثبت عن سعيد بن المسيب، وابن جريج، وعن صواحب النبي ﷺ من نساء الأنصار، والتابعات منهن أن المرأة الجنب والحائض إذا امتشطت بحنا رقيق أن ذلك يجزئها من غسل رأسها للحيضة والجنابة، ولا تعيد غسله، وثبت عن إبراهيم\n_________\n= وإما أن نسلك مسلك الترجيح، فنقول: ذكر ثابت بن قطبة انفرد به أبو عوانة من سائر الرواة عن الأعمش، فذكره شاذ.\nوأما الاختلاف على حفص بن غياث عن الأعمش فإنما هو من جهة حفص؛ لأنه قد تكلم في روايته عن الأعمش، تكلم فيه الإمام أحمد وغيره. انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (ص: ٢٩٧)، فتقبل من رواية حفص ما وافق رواية غيره كرواية أبي حمزة، عن الأعمش، ورواية محمد بن يوسف، عن الثوري، عن الأعمش.\nوأما رواية الأعمش عن إبراهيم، فجاءت من طريقين: أحدهما من رواية حفص، وقد علمت ما فيها.\nوالثاني من رواية زائدة فقد تابع فيه حفصًا بذكر إبراهيم إلا أنه انفرد به الطبراني في المعجم الكبير، وهو إذا تفرد بحديث كان من مظنة الحديث المنكر والغريب، نص عليه ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي (ص: ٧٠).\nوتبقى رواية سفيان الثوري عن الأعمش، والاختلاف على سفيان بذكر سارية:\nفوكيع، رواه عن سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بدون ذكر سارية.\nورواه محمد بن يوسف، عن سفيان به بزيادة ذكر سارية، وتابعه على هذه الزيادة أبو حمزة وحفص، عن الأعمش، في إحدى رواياته كما تقدم، والراجح والله أعلم أن ذكر سارية في الإسناد هو المحفوظ:\nأولًا: أن محمد بن يوسف في روايته عن الثوري قد توبع، تابعه اثنان.\nثانيًا: أن سالم بن أبي الجعد كان كثير الإرسال، ولم يلق ابن مسعود، فكان أحيانًا يرسله، وأحيانًا يذكر الواسطة، انظر جامع التحصيل (٢١٨).\nوعلى كل حال، فالاختلاف على الأعمش كما قلنا لا يؤثر على طريق الحارث لسلامته من الاختلاف، وقد رجح البخاري في تاريخه الكبير بعد أن ساق طرق الحديث، قال: (٤/ ٢٠٧): حديث الحارث أصح.","vol":"1","page":114},{"text":"النخعي وعطاء بن أبي رباح وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن جبير أنهم قالوا في الجنب يغسل رأسه بالسدر والخطمي: إنه يجزئه ذلك من غسل رأسه للجنابة (^١). اهـ\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (مسألة ١٤٧).","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>الفرع الثاني خلاف العلماء في الطهارة بالنبيذ</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• طهارة الحدث مختصة بالماء المطلق أو ببدله التراب.\n• النبيذ ليس ماء مطلقًا لا في اللغة، ولا في الشرع.\n• النبيذ ماء تغير بطاهر حتى غلب على أجزائه، فسلبه اسمه وطهوريته على الصحيح.\n• كل ماء لا يرفع الحدث في الحضر، لا يرفع الحدث في السفر.\n[م-١٢] اتفق العلماء على أن الحدث يرفع بالماء الطهور، واختلفوا في رفعه بالنبيذ\nفقيل: يتوضأ به إن لم يجد غيره، وهو مذهب أبي حنيفة (^١).\nوقيل: يتوضأ به ويتيمم، وهو مذهب محمد بن الحسن (^٢).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٣٥)، المبسوط (٢/ ٩٠)، بدائع الصنائع (١/ ١٥)، العناية شرح الهداية (١/ ١١٨)، أحكام القرآن (٢/ ٥٤٣).\nوظاهر مذهب الحنفية أنه يتوضأ بالنبيذ بشرط ألا يوجد ماء مطلق، وفي الجامع الصغير نقلًا من البدائع (١/ ١٥): «أن المسافر إذا لم يجد الماء، ووجد نبيذ التمر توضأ به، ولم يتيمم». اهـ فظاهره أن السفر شرط آخر، والله أعلم، وانظر الأصل (١/ ٧٤)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ١٣١).\n(^٢) البناية (١/ ٤٦٤)، وفتح القدير (١/ ١١٨، ١١٩)، بدائع الصنائع (١/ ١٥).","vol":"1","page":116},{"text":"وقيل: يتيمم، ولا يتوضأ به، وهو رواية عن أبي حنيفة، اختارها أبو يوسف، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، ورجحه ابن حزم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-102> الدليل على أن الحدث يرفع بالماء الطهور:</span>\nالإجماع أن الماء الطهور يرفع الحدث (^٢).\nقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الحدث لا يرفع بسائل آخر غير الماء كالزيت والدهن والمرق (^٣).\nوقال الغزالي: الطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث فبالإجماع (^٤).\nوتعقبه النووي في المجموع شرح المهذب، فقال: حكى أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي بكر الأصم: أنه يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة بكل مائع طاهر، قال القاضي أبو الطيب: إلا الدمع فإن الأصم يوافق على منع الوضوء\n_________\n(^١) انظر قول أبي يوسف: في بدائع الصنائع (١/ ١٥) المبسوط (٢/ ٩٠)، تبيين الحقائق (١/ ٣٥)، العناية شرح الهداية (١/ ١١٨).\nوانظر في مذهب المالكية: المعونة (١/ ١٧٥)، التمهيد (٤/ ٤٢)، الإشراف (١/ ١٠٩)، القوانين لابن جزي (ص: ٤٤)، قال مالك في المدونة (١/ ١١٤): «ولا يتوضأ بشيء من الأنبذة، ولا العسل الممزوج بالماء، قال: والتيمم أحب إلي من ذلك». اهـ\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٧)، الحاوي (١/ ٤٧)، المجموع (١/ ١٤٠).\nوانظر في مذهب الحنابلة: مسائل أحمد رواية عبد الله (١/ ٢٢)، ومسائل ابن هانئ (١/ ٥)، ومسائل أحمد وإسحاق (١/ ١٢٧)، المغني (١/ ٢٣)، الانتصار في المسائل الكبار (١/ ١٣٦)، الكافي لابن قدامة (١/ ٦)، المبدع (١/ ٤٢)، تنقيح التحقيق (١/ ٢٢٥).\nانظر قول ابن حزم في المحلى، مسألة: (١٤٨).\n(^٢) نقل الإجماع ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٤٦) ولم يستثن من الماء الطهور إلا ماء البحر فإنه قد وقع فيه خلاف، وانظر حاشية ابن قاسم (١/ ٥٩) رقم ثلاثة من الحاشية.\n(^٣) الأوسط لابن المنذر (١/ ٢٥٣).\n(^٤) الوسيط (١/ ١٠٧، ١٠٨).","vol":"1","page":117},{"text":"به، ثم قال: والأول أرجح؛ قال تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء، ولم ينقلنا إلى سائل آخر (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-103> دليل الحنفية على جواز الوضوء بالنبيذ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الدليل الأول:</span>\n(٢٩) ما رواه أحمد، من طريق إسرائيل، عن أبي فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو ابن حريث، عن ابن مسعود، قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة لقي الجن، فقال: أمعك ماء؟ فقلت: لا. فقال: ما هذه الإداوة؟ قلت: نبيذ. قال: أرنيها تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منها، ثم صلى بنا (^٢).\n[إسناده ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ١٣٩) وقال النووي: وأما قول الغزالي في الوسيط: طهارة الحدث مخصوصة بالماء بالإجماع، فمحمول على أنه لم يبلغه قول ابن أبي ليلى إن صح عنه. اهـ\n(^٢) مسند أحمد (١/ ٤٠٢).\n(^٣) الحديث رواه جماعة عن ابن مسعود:\nالطريق الأول: أبو فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن ابن مسعود.\nأخرجه أحمد كما في حديث الباب، وعبدالرزاق في المصنف (٦٩٣) والقاسم بن سلام في الطهور (٢٦٤)، والشاشي (٨٢٨)، والطبراني في الكبير (٩٩٦٣)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٩٢) وابن الجوزي في العلل المتناهية (٥٨٧) من طريق إسرائيل.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦٩٣) وأحمد (١/ ٤٤٩) وابن ماجه (٣٨٤) والطبراني في الكبير (٩٩٦٣)، والشاشي في مسنده (٨٢٧)، والبيهقي (١/ ٩) من طريق سفيان.\nوأخرجه أبو يعلى (٥٠٤٦)، أبو داود (٨٤) والترمذي (٨٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٦٥) رقم ٩٩٦٤، ٩٩٦٥ من طريق شريك.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وأبو يعلى في مسنده (٥٣٠١) وابن ماجه (٣٨٤) والطبراني في الكبير (١٠/ ٦٦) رقم: ٩٩٦٧، من طريق وكيع، عن أبيه،\nوأخرجه أحمد (١/ ٤٥٨، ٤٥٩) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩٩٦٦)، من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني أبو عميس، =","vol":"1","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الطبراني في الكبير (٩٩٦٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٩) من طريق قيس بن الربيع، كلهم (إسرائيل وسفيان، وشريك، وجراح والد وكيع، وأبو عميس، وقيس بن الربيع) رووه عن أبي فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن ابن مسعود.\nوعلة هذا الطريق أبو زيد مولى عمرو بن حريث:\nقال الترمذي والبخاري والحاكم وابن عدي: أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، زاد ابن عدي: ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ، وهو خلاف القرآن .... سنن الترمذي (١/ ١٤٧)، الكامل (٧/ ٢٩١)، البيهقي (١/ ١٠).\nوقال ابن حبان: «..... ليس يدرى من هو، لا يعرف أبوه، ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت، ثم لم يرو إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيها ولا يحتج بها». المجروحين (٣/ ١٥٨).\nالطريق الثاني: ابن عباس، عن ابن مسعود.\nرواه ابن لهيعة، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد (١/ ٣٩٨) من طريق يحيى بن إسحاق، والدارقطني (١/ ٧٦) والطبراني (٩٩٦١)، والبزار (١٤٣٧) من طريق يحيى بن بكير، كلاهما عن ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، عن عبد الله بن مسعود.\nوخالفهما أسد بن موسى، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٩٤)، ومروان بن محمد، كما في سنن ابن ماجه (٣٨٥) كلاهما عن ابن لهيعة به، إلا أنهما جعلاه من مسند ابن عباس.\nويمكن أن يقال إن ابن عباس أرسله، ومرسل الصحابي لا إشكال فيه، لكن تبقى علة الحديث ابن لهيعة.\nقال البزار كما في البحر الزخار (٤/ ٢٦٨): «وهذا الحديث لا يثبت لابن لهيعة؛ لأن ابن لهيعة كانت قد احترقت كتبه، فكان يقرأ من كتب غيره، فصار في أحاديثه أحاديث مناكير، وهذا منها».اهـ فالحديث ضعيف، والحق أن ابن لهيعة ضعيف مطلقًا قبل احتراق كتبه وبعدها، وإن كانت روايته بعد احتراق كتبه أشد ضعفًا، والله أعلم.\nالطريق الثالث: عن أبي رافع عن ابن مسعود.\nأخرجه أحمد (١/ ٤٥٥) والدارقطني (١/ ٧٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٥٨٨) عن أبي سعيد.\nوأخرجه الدار قطنى (١/ ٧٧) من طريق عبد العزيز بن أبي رزمة. =","vol":"1","page":119},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٥) من طريق أبي عمرو الحوضي، ثلاثتهم (أبو سعيد، وعبد العزيز، وأبو عمرو) عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ ليلة الجن خط حوله، فكان يجيء أحدهم مثل سواد النخل، وقال لي: لا تبرح مكانك، فأقرأهم كتاب الله ﷿، فلما رأى الزط قال: كأنهم هؤلاء، وقال النبي ﷺ: أمعك ماء؟ قلت: لا. قال: أمعك نبيذ؟ قلت: نعم، فتوضأ به.\nفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، قال الدارقطني: «علي بن زيد ضعيف، وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث في مصنفات حماد بن سلمة». اهـ\nوأما قول الدارقطني ﵀: إن أبا رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود، فهذه العبارة يطلقها الأئمة، ويقصدون منها أنه ثبت عندهم عدم السماع، ولا يقصد منها ما يتصور من ظاهر العبارة أنه يشترط في الاتصال ثبوت السماع، ولو مرة.\nقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٤١) عن الشيخ ابن دقيق في الإمام، قوله: «قول الدارقطني: وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود لا ينبغي أن يفهم منه أنه لا يمكن إدراكه وسماعه منه، فإن أبا رافع الصائغ جاهلي إسلامي، قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب: وهو مشهور من علماء التابعين. وقال في الاستيعاب: لم ير النبي ﷺ فهو من كبار التابعين اسمه نفيع، وكان أصله من المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، روى عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وروى عنه خلاس بن عمرو الهجري، والحسن البصري، وقتادة، وثابت البناني، وعلي ابن زيد، ولم يرو عنه أهل المدينة. وقال عنه في الاستيعاب: عظم روايته عن عمر وأبي هريرة، ومن كان بهذه المثابة فلا يمتنع سماعه من جميع الصحابة، اللهم إلا أن يكون الدارقطني يشترط في الاتصال ثبوت السماع ولو مرة، وقد أطنب مسلم في الكلام على هذا المذهب». اهـ قلت: لم يشترط الدارقطني هذا، ولا يقصد من عبارته إلا إخبارنا بأن لم يسمع منه.\nلهذا لا وجه لقول ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٩) تعليقًا على قول الدارقطني بأنه لم يثبت سماعه من ابن مسعود قال: «فهو على مذهب من يشترط في الاتصال ثبوت السماع، وقد أنكر مسلم ذلك في مقدمة كتابه إنكارًا شديدًا، وزعم أنه قول مخترع، وأن المتفق عليه أنه يكفي للاتصال إمكان اللقاء أو السماع، ثم قال: على أن صاحب الكمال صرح بأنه سمع منه وكذا ذكر الصريفيني فيما قرأت بخطه .... إلخ».\nوعلى كل حال فإن مدار الحديث على علي بن زيد، وهو متفق على ضعفه، انظر ترجمته في تهذيب الكمال (٢٠/ ٤٣٤) وفي الكامل لابن عدي (٥/ ١٩٥ - ٢٠١) وميزان الاعتدال (٣/ ١٢٧).\nالطريق الرابع: عن أبي وائل، عن ابن مسعود.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٧٧) من طريق الحسين بن عبيد الله العجلي، أخبرنا معاوية، عن =","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الدليل الثاني:</span>\n(٣٠) ما رواه الدارقطني من طريق أبي القاسم يحيى بن عبد الباقي، أخبرنا المسيب بن واضح، أخبرنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء (^١).\n_________\n= الأعمش، عن أبي وائل قال: سمعت ابن مسعود ... وذكر نحو حديث الباب.\nوالحديث: موضوع. قال الدارقطني (١/ ٧٨): الحسين بن عبيد الله يضع الحديث على الثقات.\nالطريق الخامس: عن عبيدة وأبي أحوص، عن ابن مسعود ﵁.\nرواه الدارقطني من طريق محمد بن عيسى بن حيان، حدثنا الحسن بن قتيبة، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عن عبيدة وأبي أحوص، عن ابن مسعود، بنحو حديث الباب.\nوهذا ضعيف جدًّا، قال الدارقطني: «تفرد به الحسن بن قتيبة، عن يونس عن أبي إسحاق، والحسن بن قتيبة، ومحمد بن عيسى ضعيفان». اهـ\nوالصحيح أن الحسن بن قتيبة ليس كما قال الدارقطني: ضعيف، بل هو هالك، وكذا الراوي عنه محمد بن عيسى.\nفقد نقل الحافظ الذهبي في الميزان (٢/ ٢٤٦) عن الدارقطني بأنه متروك الحديث.\nوقال الدارقطني في رواية البرقاني متروك الحديث، ثم نقل تضعيف أبي حاتم، وقول الأزدي: واهي الحديث.\nوفي إسناده محمد بن عيسى بن حيان فقد نقل الحافظ الذهبي في الميزان (٥/ ٣٣٣) عن الدارقطني أنه قال: ضعيف متروك، وكذا قال الحاكم.\nالطريق السادس: عن ابن غيلان، عن ابن مسعود.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٧٨) من طريق معاوية بن سلام، عن أخيه زيد، عن جده أبي سلام، عن فلان ابن غيلان الثقفي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: دعاني سول الله ﷺ ليلة الجن ... فذكر نحو ما سبق.\nومن طريق الدارقطني رواه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٤) رقم ٣٦.\nقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ٤٥): «ابن غيلان مجهول، ولا يصح في هذا الباب شيء».\nوقال الدارقطني: الرجل الثقفي الذي رواه عن ابن مسعود مجهول، قيل اسمه: عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان.\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٧٥).","vol":"1","page":121},{"text":"[المعروف أنه من قول عكرمة، ورفعه منكر] (^١).\n_________\n(^١) رواه المسيب بن واضح، واختلف عليه فيه:\nفرواه الدارقطني كما في إسناد الباب، ومن طريق الدارقطني أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٥٩١)، وفي التحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ٥٤) رقم ٣٧، وابن عدي في الكامل (٧/ ١٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١١)، من طريق أبي القاسم يحيى بن عبد الباقي، أخبرنا المسيب بن واضح، عن مبشر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.\nورواه الدارقطني (١/ ٧٥) من طريق محمد بن محمد بن سليمان، أخبرنا المسيب به بهذا الإسناد موقوفًا غير مرفوع إلى النبي ﷺ. ومحمد بن محمد بن سليمان فيه لين.\nفصار المسيب يرويه تارة عن ابن عباس مرفوعًا، وتارة عن ابن عباس موقوفًا.\nقال الدارقطني: والمحفوظ أنه من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي ﷺ، ولا إلى ابن عباس، والمسيب ضعيف.\nثم ساق الدارقطني بإسناده (١/ ٧٥) عن هقل بن زياد، والوليد بن مسلم كلاهما عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة قال: النبيذ وضوء لمن لم يجد غيره.\nورواه الدارقطني (١/ ٧٥) من طريق شيبانُ النحوي وعلي بن المبارك، كلاهما عن يحيى، عن عكرمة موقوفًا عليه.\nقال الدارقطني: وهم فيه المسيب بن واضح في موضعين، في ذكر ابن عباس، وفي ذكر النبي ﷺ.\nقلت: للمسيب أحاديث منكرة ساقها ابن عدي في الكامل، ثم قال (٦/ ٣٨٩): والمسيب بن واضح له حديث كثير عن شيوخه، وعامة ما خالف فيه الناس هو ما ذكرته، لا يتعمده، بل كان يشبه عليه، وهو لا بأس به.\nوقال فيه أيضًا: كان النسائي حسن الرأي فيه، ويقول الناس يؤذوننا فيه: أي يتكلمون فيه.\nوجاء في الميزان (٤/ ١١٦): وقال أبو حاتم: صدوق، يخطيء كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل. اهـ\nوسأل ابن عدي عبدان كما في الكامل (٥/ ٢٦٥): أيما أحب إليك، عبد الوهاب بن الضحاك، أو المسيب؟ قال: كلاهما سواء.\nقال الذهبي: عبد الوهاب هذا ضعيف جدًّا.\nقال أبو داود: كان يضع الحديث.\nوقال النباتي، والدارقطني، والعقيلي: متروك.\nولابن عباس طريق آخر أيضًا:\nفقد أخرجه الدارقطني (١/ ٧٦) من طريق أبي عبيدة مجاعة، عن أبان، عن عكرمة،\nعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد نبيذًا فليتوضأ به. ...\nقال الدارقطني: أبان هو ابن أبي عياش. متروك الحديث، ومجاعة: ضعيف، والمحفوظ أنه رأي عكرمة غير مرفوع. اهـ كلام الدارقطني.","vol":"1","page":122},{"text":"فالخلاصة أن حديث ابن مسعود جاء من ثلاثة طرق ضعيفة.\nوالسؤال: هل هذه الطرق الضعيفة يمكن أن يقوي بعضها بعضًا فتكون حسنة لغيرها، فيصلح الاحتجاج بها، على أن الضعيف إذا جاء من طريق آخر شد بعضه بعضًا كما قال بعضهم في قوله ﷾ في شهادة المرأة (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) [البقرة: ٢٨٢].\nالجواب: هذا ممكن أن يقال لولا أن الحديث فيه مخالفات:\nالأولى: المخالفة لظاهر الكتاب.\nقال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فنقلنا عند عدم وجود الماء إلى التيمم، ولو كان هناك سائل آخر يمكن التطهر منه لأحالنا عليه كالنبيذ، وعليه فإذا لم نجد إلا نبيذًا فإننا نتيمم، لأننا لم نجد الماء.\nثانيًا: مخالفته للسنة.\n(٣١) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر،\nأنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^١).\n[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٩١٣).\n(^٢) مداره على أبي قلابة، ويرويه عن أبي قلابة اثنان: خالد الحذاء وأيوب.\nالطريق الأول: عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر. =","vol":"1","page":123},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه سفيان، عن خالد الحذاء، واختلف فيه على سفيان:\nفأخرجه عبد الرزاق (٩١٣) ومن طريقه أحمد (٥/ ١٥٥).\nوأخرجه أحمد (٥/ ١٨٠)، والترمذي (١٢٤) من طريق أبي أحمد الزبيري.\nورواه ابن حبان (١٣١٣) والدارقطني (١/ ١٨٦) من طريق مخلد بن يزيد، ثلاثتهم (عبد الرزاق، وأبو أحمد الزبيري، ومخلد بن يزيد، رووه عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر.\nوخالفهم قبيصة بن عقبة كما في سنن الدراقطني (١/ ١٨٧) فرواه عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محجن أو أبي محجن، عن أبي ذر مختصرًا بالقدر المرفوع منه.\nقال أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم: «هذا خطأ، أخطأ فيه قبيصة، إنما هو أبو قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ». علل الحديث (١).\nوقال البخاري في التأريخ الكبير (٦/ ٣١٧) عمرو بن بجدان العامري، وقال بعضهم:\nابن محجن، وهو وهم ...».\nوقبيصة متكلم فيه، قال فيه ابن معين: ثقة إلا في الثوري. انظر من تكلم فيه وهو موثوق (٢٨٣). قلت: لو كان ثقة في الثوري، وخالف لم تقبل مخالفته، فما بالك وهو مجروح في الثوري.\nوقد توبع سفيان في ذكر عمرو بن بجدان، ولم يتابع قبيصة:\nفقد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣١٧) والبزار في مسنده (٣٩٧٣)، وابن خزيمة (٢٢٩٢)، وابن حبان (١٣١٢)، والدارقطني (١/ ١٨٧)، والبيهقي (١/ ٢٢٠) من طريق يزيد ابن زريع.\nوأخرجه أبو داود (٣٣٢) وابن حبان (١٣١١)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٦، ١٧٧)، والبيهقي (١/ ٢٢٠)، من طريق خالد بن عبد الله الواسطي، كلاهما (يزيد بن زريع، وخالد الواسطي) رووه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، كما هي رواية الجماعة عن سفيان.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا عمرو بن بجدان، لم يرو عنه أحد إلا أبو قلابة، وليس له من الرواية إلا حديثان اثنان، والبخاري وابن أبي حاتم ذكراه في التاريخ الكبير (٦/ ٣١٧)، والجرح والتعديل (٦/ ٢٢٢)، وسكتا عليه، فلم يذكرا فيه جرحًا، ولا تعديلًا.\nوقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي عمرو بن بجدان معروف؟ قال: لا. تهذيب التهذيب (٨/ ٧).\nوقال ابن القطان: لا يعرف. المرجع السابق.\nوقال الذهبي: حسنه الترمذي، ولم يرقه إلى الصحة للجهالة بحالة عمرو، وقال: وقد وثق عمرو مع جهالته. الميزان (٣/ ٢٤٧) بينما ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٧١). =","vol":"1","page":124},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال العجلي: بصري، تابعي، ثقة. ثقات العجلي (٢/ ١٧٢).\nوقال ابن حجر في التقريب: لا يعرف حاله.\nقلت: من عادة الحافظ في الراوي إذا كان لم يرو عنه إلا واحد، وكان من التابعين ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وقد وثقه ابن حبان أن يقول في حقه: مقبول، أي حين يتابع، كيف وقد صحح حديثه الترمذي، والحاكم والبيهقي وابن حبان، فهذا توثيق ضمني، وقد أجاب ابن دقيق العيد على قول ابن القطان في عمرو بن بجدان: لا يعرف له حال، فقال كما في نصب الراية (١/ ١٤٩): «ومن العجب كون ابن القطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان، مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه: هذا حديث حسن صحيح، وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة، أو يصحح له حديثًا انفرد به. وإن كان توقف في ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله، وهو تصحيح الترمذي له».\nقلت: إذا كان الرواي ليس له من الرواية إلا حديثان هذا أحدهما، وقال فيه الإمام أحمد: لا يعرف، وذكره البخاري وابن أبي حاتم وسكتا عليه، ولو كان فيه توثيق لذكراه، فهل يعارض هذا بتصحيح الترمذي والحاكم وابن حبان والبيهقي، فالحاكم والبيهقي متأخران عن عصر عمرو بن بجدان، ولا سبيل إلى توثيقه إلا بالنظر في مروياته، وهو قليل الرواية جدًّا، فلا أعرف مستندهما على تصحيح حديثه، وابن حبان معروف مذهبه في توثيق الرواة، وأن الأصل عنده في الرواة العدالة حتى يثبت الجرح، ولذلك كثيرًا ما يقول في الراوي ثقة لا أعرفه، بقيت المقابلة بين تصحيح الترمذي وبين تجهيل الإمام أحمد وسكوت البخاري وابن أبي حاتم، ولهذا حكم عليه بالجهالة كل من الذهبي وابن حجر، وهما يعتمدان التتبع والاستقراء، لذا أجدني أميل لقبول كلام الإمام أحمد عليه رحمة الله ليس إهمالًا لكلام الترمذي، وإنما كلام الإمام أحمد متوجه إلى الراوي، وكلام الإمام الترمذي متوجه إلى الحديث بالجملة، فربما نظر الترمذي إلى أن المتن غير منكر.\nالثاني: أيوب السختياني، عن أبي قلابة.\nرواه أيوب على اختلاف عليه فيه، وله طرق إلى أيوب:\nالطريق الأول: الثوري، عن أيوب.\nرواية الثوري عن خالد الحذاء وحده أخرجتها في الطريق الأول، وأما رواية الثوري عن أيوب، فتارة يرويها عن أيوب وخالد مجمتعين، وتارة يرويها عن أيوب وحده.\nأما رواية الثوري، عن أيوب وخالد مجتمعين:\nفأخرجها النسائي (١/ ١٧١)، وابن حبان (١٣١٣)، والدارقطني (١/ ١٨٦)، والبيهقي =","vol":"1","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (١/ ٢١٢) والخطيب البغدادي في الفصل للوصل المدرج في النقل (١٠٩) من طريق مخلد بن يزيد، عن سفيان، عن أيوب وخالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر.\nتفرد بهذا مخلد بن يزيد، قال الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٣): «وأحسبه حمل حديث أيوب على حديث خالد؛ لأن أيوب يرويه عن أبي قلابة، عن رجل لم يسمه، عن أبي ذر».\nوقال البيهقي عقبه: «تفرد به مخلد هكذا، وغيره يرويه عن الثوري، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل، عن أبي ذر. وعن خالد، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر كما رواه سائر الناس».\nقلت قد رواه النسائي في المجتبى (٣٢٢) من طريق مخلد، عن سفيان، عن أيوب وحده بدون ذكر خالد، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر.\nفعلى هذا مخلد روايته عن أيوب بذكر عمرو بن بجدان، سواء ذكر رواية أيوب وحدها، أو ذكرها مع رواية خالد الحذاء.\nوقد رواه عبد الرزاق وإبراهيم بن خالد، عن الثوري، عن أيوب وخالد مجتمعين، إلا أنهما ميزا بين رواية أيوب ورواية خالد.\nفرواه أحمد في مسنده (٥/ ١٥٥)، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أيوب السختياني، وخالد الحذاء، عن أبي قلابة، كلاهما ذكره: خالد، عن عمرو بن بجدان، وأيوب، عن رجل، عن أبي ذر.\nورواه الخطيب البغدادي في الفصل للوصل المدرج في النقل (٢/ ٩٥٠) من طريق إسحاق بن زريق، أخبرنا إبراهيم بن خالد، أخبرنا الثوري عن أيوب وخالد، عن أبي قلابة - وذكر خالد عن عمرو بن بجدان وذكر أيوب، عن رجل، عن أبي ذر.\nقال الخطيب (٢/ ٩٣٣): «روى هذا الحديث مخلد بن يزيد الحراني عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني وخالد الحذاء وساقه سياقة واحدة - عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر - وأيوب إنما كان يرويه عن أبي قلابة عن رجل غير مسمى عن أبي ذر، وأما خالد الحذاء فكان يرويه عن أبي قلابة، ويسمي الرجل وهو عمرو بن بجدان، فحملت رواية أيوب على رواية خالد في حديث مخلد بن يزيد هذا، وقد رواه الحسين بن حفص الأصبهاني ومحمد بن يوسف الفريابي، والقاسم بن يزيد الجرمي، وقبيصة بن عقبة السوائي، وأبو داود الحفري، عن الثوري، عن أيوب مفردًا، ولم يسم فيه شيخ أبي قلابة، بل قال: عن رجل، عن أبي ذر، وكذلك قال معمر بن راشد وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وجرير بن حازم، وإسماعيل بن علية، وعبد الوهاب الثقفي، وسعيد بن أبي عروبة عن أيوب».\nوأما رواية الثوري، عن أيوب وحده.\nأخرجها الخطيب البغدادي في الفصل للوصل المدرج في النقل (٨٩٧)، فرواه من طريق =","vol":"1","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحسين بن حفص، عن سفيان، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل، قال: رأيت أبا ذر ... وذكر الحديث.\nقال الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٣): «ورواه الفريابي ووكيع، وأبو حذيفة، عن الثوري، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل، عن أبي ذر».\nوخالفهم أبو أحمد الزبيري وعبد الغفار، فروياه عن الثوري، كما في علل الدارقطني (٦/ ٢٥٤): عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ذر مرسلًا». اهـ\nوتابعهما ابن عيينة، فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ذر كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٤).\nهذا ما يخص رواية الثوري، عن أيوب، سواء جمعت مع رواية خالد، أو رواها عن أيوب وحده.\nالطريق الثاني: عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر.\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٤)، وأحمد (٥/ ١٤٦) والدارقطني (١/ ١٨٧)، عن ابن علية.\nوأخرجه الطيالسي (٤٨٤) حدثنا حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأخرجه القاضي أبو إسحاق في أحاديث حماد بن زيد (٤٦) من طريق حماد بن زيد وحده.\nوأخرجه أبو داود (١٣٣) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٢١٧)، من طريق حماد بن سلمة وحده.\nوذكره البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣١٧) عن عبد الوهاب، أربعتهم (ابن علية، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد وعبد الوهاب) عن أيوب به.\nالطريق الثالث: عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني قشير عن أبي ذر).\nأخرجه عبد الرزاق (٩١٢) عن معمر.\nوأخرجه أحمد (٥/ ١٤٦، ١٤٧) من طريق شعبة، كلاهما عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني قشير، عن أبي ذر.\nالطريق الرابع: عن أيوب عن أبي قلابة عن عمه أبي المهلب عن أبي ذر.\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٨٧) من طريق خلف بن موسى العمي، أخبرنا أبي (موسى بن خلف)، عن أيوب عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهلب به.\nوموسى بن خلف قال الدارقطني: ليس بالقوي يعتبر به، وقال أبو داود: ليس به بأس، ليس بذاك القوي. وقال الدراقطني في العلل (٦/ ٢٥٤): ولم يتابع على هذا القول. قلت: فلا تحتمل مخالفته.\nالطريق الخامس: عن قتادة، عن أبي قلابة، عن رجاء بن عامر، عن أبي ذر.\nأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٧٤٣)، والدارقطني (١/ ١٨٧) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن رجاء بن عامر، عن أبي ذر. وتحرف في الطبراني إلى جابر بن غانم. =","vol":"1","page":127},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وسعيد بن بشير ضعيف، قال الدراقطني في العلل (٦/ ٢٥٤) إنما أراد أن يقول: عن رجل من بني عامر. وقال في السنن (١/ ١٨٧): كذا قال: رجاء بن عامر، والصواب رجل من بني عامر، كما قال ابن علية عن أيوب.\nالطريق السادس: عن ابن عيينة، عن أيوب، عن أبي ذر، ولم يذكر بين أيوب وأبي ذر أحدًا.\nذكره الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٤).\nالطريق السابع: قال هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي قلابة أن رجلًا من بني قشير قال: يا نبي الله، ولم يذكر أبا ذر وأرسله، ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٤).\nفتبين من هذا أن رواية خالد الحذاء لم يختلف عليه في إسناده، وأما رواية أيوب فقد اختلف عليه كما سبق، ففي بعض طرقها ما يوافق رواية خالد، والبعض الآخر يخالفه في الإسناد، فهل ما خالف أيوب خالدًا فيه يطرح؟ أو أن الخلاف على أيوب لا يضر؟\nقال الدارقطني في العلل بعد أن ذكر الاختلاف على أيوب، قال (٦/ ٢٥٤): والقول قول خالد الحذاء. فهذا ترجيح منه لرواية خالد الحذاء.\nولا شك أن من القواعد الحديثية تقديم الراوي الذي لم يختلف عليه في الحديث على الراوي الذي قد اختلف عليه فيه، وبعض الاختلافات على أيوب يمكن الجمع بينها، وبعضها غير ممكن، فلا سبيل إلى قبوله، وأكثرها أفراد، لم يتابع أصحابها عليها، وقد توجه بعض العلماء إلى الجمع بين رواية خالد ورواية أيوب.\nقال أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي (١/ ٢١٥):\n«عن رجل من بني قشير، عن أبي ذر، وهذا الرجل هو الأول نفسه؛ لأن بني قشير من بني عامر كما في الاشتقاق لابن دريد (ص: ١٨١)، وهو عمرو بن بجدان نفسه». اهـ.\nقلت: فعلى هذا قوله: (عن رجل من بني قشير، أو عن رجل من بني عامر) لا فرق بينهما وهو عمرو بن بجدان؛ لأنه قشيرى من بني عامر. فتبقى بعض الروايات.\nكرواية أبي المهلب، فإن لم تكن كنية لعمرو بن بجدان، فقد تفرد بها خلف بن موسى بن خلف العمي، حدثني أبي، وخلف وأبوه، كل واحد منهما صدوق له أوهام، فيكون هذا من أوهامه لمخالفته من هو أوثق منه.\nورواية ابن عيينة عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ذر، وأبو قلابة لم يسمعه من أبي ذر مؤكدًا، فتطرح.\nورواية قتادة، عن أبي قلابة أن رجلًا من بني قشير مرسلًا لم يذكر أبا ذر. فهذه مخالفة لأكثر الرواة عن أيوب، ومخالفة لرواية خالد الحذاء، ولا يمكن حملها على رواية خالد، فتطرح.\nوقد ضعف الحديث ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٧) وقال: «لا يعرف لعمرو بن بجدان هذا حاله، وإنما روى عنه أبو قلابة واختلف عنه: فيقول: خالد =","vol":"1","page":128},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحذاء عنه، عن عمرو بن بجدان ولا يختلف ذلك على خالد.\nوأما أيوب فإنه رواه عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر.\nومنهم من يقول: عن رجل فقط.\nومنهم من يقول: عن رجاء بن عامر.\nومنهم من يقول: عن عمرو بن بجدان كقول خالد.\nومنهم من يقول: عن أبي المهلب.\nومنهم من لا يجعل بينهما أحدًا، فيجعله عن أبي قلابة، عن أبي ذر.\nومنهم من يقول: عن أبي قلابة أن رجلًا من بني قشير، قال: يا نبي الله.\nهذا كله اختلاف على أيوب في روايته إياه عن أبي قلابة، وجميعه في علل الدارقطني وسننه، وهو حديث ضعيف لا شك فيه». اهـ. وتعقبه ابن دقيق العيد في (الإمام) فقال: «أما الاختلاف الذي ذكره من كتاب الدارقطني، فينبغي على طريقته، وطريقة الفقه أن ينظر في ذلك، إذ لا تعارض بين قولنا: عن رجل، وبين قولنا عن رجل من بني عامر، وبين قولنا: عن رجل من بني بجدان.\nوأما من أسقط ذكر هذا الرجل فيؤخذ بالزيادة ويحكم بها.\nوأما من قال: عن أبي المهلب، فإن كان كنية لعمرو فلا اختلاف، وإلا فهي رواية واحدة مخالفة احتمالًا لا يقينًا.\nوأما من قال: عن رجل من بني قشير، قال: يا نبي الله، فهي مخالفة، فكان يجب أن ينظر في إسنادها على طريقته، فإن لم يكن ثابتًا لم يعلل بها». اهـ\nقال أحمد شاكر معلقًا في تحقيقه للسنن (١/ ٢١٥، ٢١٧): وهذا الذي حققه ابن دقيق العيد بديع ممتع، وهو الصواب المطابق لأصول هذا الفن، وأنا أظن أن رواية من قال: إن رجلًا من بني قشير قال: يا نبي الله. فيها خطأ، وأن أصله ما ذكرته من رواية ابن أبي عروبة، عند أحمد في المسند، عن رجل من بني قشير، فذكر القصة في كونه أتى أباذر، وسأله، وأجابه وأن يكون سقط من بعض الرواة ذكر أبي ذر خطأ فقط. اهـ\nفعلى كل حال يقبل من رواية أيوب ما لا يعارض رواية خالد، وما خالفها طرح، إلا أن علته عمرو بن بجدان، هل هو حسن الحديث فتقبل روايته، أو مجهول فترد.\nومتنه غير منكر، فالتيمم عن الجنابة صح من حديث عمار، وهو في الصحيح، ورجوع الحدث بوجود الماء هو قول عامة الفقهاء، فالمتن مستقيم.\nوللحديث شاهد من حديث أبي هريرة:\nرواه البزار، كما في مختصر زوائد البزار (١٩٣) قال: حدثنا مقدم بن محمد بن علي بن مقدم المقدمي، حدثنا عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن =","vol":"1","page":129},{"text":"ثالثًا: المخالفة لما ثبت في مسلم.\n(٣٢) قال علقمة: سألت ابن مسعود فقلت: هل شاهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا. ولكن كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا استطير أو اغتيل قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم ... الحديث (^١).\nفأحاديث النبيذ تروي: أن ابن مسعود شهد ليلة الجن مع رسول الله ﷺ، وهذا الحديث في مسلم صريح بأنه لم يكن مع رسول الله ﷺ.\n_________\n= سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\nالصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله ويمسه بشرته، فإن ذلك خير.\nقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه.\nومقدم ثقة معروف النسب.\nالهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦١): رجاله رجال الصحيح.\nورواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٤٧٨):\nحدثنا أحمد - يعني ابن محمد بن صدقه، ثنا مقدم به فخرج البزار من عهدته.\nواختلف فيه على هشام بن حسان.\nقال الدارقطني في العلل (٨/ ٩٣): «يرويه هشام بن حسان، واختلف عنه؛ فرواه القاسم بن يحيى بن عطاء المقدمي، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وخالفه ثابت بن يزيد أبو زيد، وزايدة روياه، عن هشام، عن ابن سيرين مرسلًا، وكذلك رواه أيوب السختياني، وابن عون، وأشعث بن سوار، عن ابن سيرين مرسلا، وهو الصواب، وفي تلخيص الحبير (١/ ٢٧١) «صححه ابن القطان، لكن قال الدارقطني في العلل: إن إرساله أصح».\n(^١) مسلم (١٥٠ - ٤٥٠) فقد رواه من طريق عامر والشعبي وإبراهيم عن علقمة به.","vol":"1","page":130},{"text":"رابعًا: الحنفية ﵏ خالفوا هذه المرة مقتضى قواعدهم، فإن أحاديث الآحاد عندهم دلالتها ظنية، والقرآن دلالته قطعية، وهم يردون أحاديث في الصحيحين مجمعًا على صحتها؛ لأن ظاهرها يخالف آية قرآنية أو قاعدة شرعية بحسب فهمهم، ومع ذلك عملوا بأحاديث الوضوء بالنبيذ مع أن أحاديثه تخالف ظاهر القرآن، ولا يسلم منها حديث واحد كما سبق.\nولو تجاهلنا كل هذه المخالفات من مخالفة الكتاب والسنة وقلنا: إن حديث الوضوء بالنبيذ قابل؛ لأن يكون حسنًا لغيره، فإننا نحمله على أن تسميته نبيذًا فيه تجاوز، وأن النبيذ الذي كان مع ابن مسعود لم يخرج عن رقة الماء وطبيعته وسيولته، وغاية ما فيه أنه ماء تغير بشيء طاهر، لم يخرج فيه عن مسمى الماء، كما لو تغير الماء بشيء طاهر ولم يخرج عن اسمه، ولذلك أطلق عليه الرسول ﷺ ماء طهور، بقول: ثمرة طيبة وماء طهور، وسوف يأتي في قسم الماء الطاهر تحرير الخلاف في الماء إذا تغير بشيء طاهر إن شاء الله تعالى. والله أعلم.\nفخلصنا من هذا أن الحدث لا يرفع إلا بالماء الطهور، ويرفع أيضًا بالتيمم على خلاف هل التيمم رافع أم مبيح؟ وسوف يأتي تحريرها إن شاء الله تعالى في بحوث التيمم.\nوأما إزالة النجاسة فهل يتعين الماء الطهور؟ أو تزال بأي مزيل، سيأتي إن شاء الله تعالى بحثها في بحوث النجاسات.\n* * *","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>الفصل الثاني الماء المتغير بالنجاسة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المبحث الأول الماء المتغير بمجاورة نجاسة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الفرع الأول المقصود من التغير بالمجاورة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ماء تغير بالنجاسة فهو نجس، وإن لم يمازج على الصحيح، إلا ما تغير ريحه بالمجاورة.\n• تغير الطعم واللون لا يكون عن مجاورة على الصحيح.\n[م-١٣] اختلف العلماء في المقصود من التغير بالمجاورة.\nفقيل: التغير بالمجاورة لا يشمل إلا الرائحة فقط، وأما تغير الطعم واللون فلا يكون إلا عن ممازجة، وهذا مذهب الجمهور، وقول في مذهب المالكية (^١).\nوقيل: التغير بالمجاورة لا يضر، ولو تغيرت أوصافه الثلاثة، وهو قول في مذهب المالكية.\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ٤٤٠)، طرح التثريب (٧/ ٢٠٢)، جامع الأمهات (ص: ٣٢)، الحاوي الكبير (١/ ٥٣) و(٢/ ٢٦٠)، البيان للعمراني (١/ ٢٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٠)، المبدع (١/ ٣٧)، المغني (١/ ٢٥).","vol":"1","page":132},{"text":"قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير: «بل لو فرض تغير الثلاثة -يقصد الطعم واللون والرائحة- لا يضر، وإنما اقتصر المؤلف على الريح لكونه الشأن» (^١).\nوالراجح القول الأول، وسيأتي ما يدعم ذلك عند بيان حكم الماء المتغير بالمجاورة في الفرع التالي إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣١، ٣٢)، وهذا الذي ذكره الصاوي ليس متفقًا عليه في المذهب المالكي، بل في المذهب المالكي قولان:\nأحدهما: ما ذكرته عن الصاوي، وأن التغير بالمجاورة لا يضر، ولو تغيرت أوصافه الثلاثة.\nوقال في حاشية الدسوقي (١/ ٣٥): «والحاصل أن التغير بالمجاور الغير ملاصق، لا يضر مطلقًا: أي سواء تغير الريح أو الطعم أو اللون أو الثلاثة، وسواء كان التغير بينًا أو لا، كان الماء قليلًا أو كثيرًا .... إلخ».\nوالقول الثاني: أن التغير لا يشمل إلا بالرائحة فقط، كما هو مذهب الجمهور، فقد جاء في منح الجليل (١/ ٣٢): «وأما اللون والطعم فلا يتغيران بالمجاورة، وإن حصل دل على الممازجة، فليس مطلقًا - يعني الماء المتغير بهما - خلافًا لعج ومن تبعه».\nوقال في شرح الخرشي (١/ ٦٧): «أو تغير بمجاورة، فالمراد به تغير ريحه فقط بحسب الصورة برائحة كريهة كالجيفة، أو طيبة كنبت مجاور له، فلا يضر ذلك ... إلخ كلامه».\nوقال محمد عليش تعليقًا على كلام الدسوقي في حاشيته (١/ ٣٥): «تغير اللون والطعم بالمجاور لا يمكن، كما نص عليه ابن التلمساني وغيره، وإن حصل تغير فيهما أو في أحدهما فهو دليل على الممازجة فيحكم بسلب الطهورية كما في ضوء الشموع خلافًا للشيخ عبد الباقي الزرقاني والشارح». اهـ مطبوع أسفل حاشية الدسوقي.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>الفرع الثاني حكم الماء المتغير بالمجاورة</span>\n[م-١٤] لو كان هناك ماء طهور، فتغيرت رائحته بجيفة قريبة منه، ولم تقع فيه، فذهب الأئمة الأربعة إلى أنه طهور، قولًا واحدًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-110> الدليل على ذلك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الدليل الأول: الإجماع</span>.\nنقل الإجماع عدد من العلماء، منهم الحطاب من المالكية (^٢)، والنووي من\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ٤٤٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٤)، الشرح الصغير (١/ ٣١، ٣٢)، وحاشية الدسوقي (١/ ٣٥)، منح الجليل (١/ ٣٢)، شرح الخرشي (١/ ٦٧)، المجموع (١/ ١٥٥)، روضة الطالبين (١/ ١٣١)، وحاشية الجمل (١/ ٤٨)، حاشية البجيرمي على المنهج (١/ ٢٧)، أسنى المطالب (١/ ١٥)، شرح البهجة (١/ ٢٤، ٢٥).\nونقل ابن مفلح في الفروع (١/ ٧٢) كراهية الشافعي له. حيث قال «ولا يكره متغير بنجس مجاور خلافًا للشافعي».\nوالموجود في كتب مذهب الشافعية خلاف ذلك كما في الروضة والمهذب، ونص النووي على أنه طهور بلا خلاف كما في المجموع ولم يذكر كراهة. وكتب المذهب مقدمة على غيرها، وانظر: المبدع (١/ ٣٧)، الشرح الكبير (١/ ٣٨).\n(^٢) قال الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٥٤): الماء إذا تغير بمجاورة شيء له، فإن تغيره لا يسلبه الطهورية، وسواء كان المجاور منفصلًا عن الماء أو ملاصقًا له، فالأول: كما لو كان إلى جانب الماء جيفة أو عذرة أو غيرهما، فنقلت الريح رائحة ذلك إلى الماء فتغير، ولا خلاف في هذا .... إلخ كلامه ﵀.","vol":"1","page":134},{"text":"الشافعية (^١)، وابن مفلح الصغير (^٢)، وصاحب الشرح الكبير من الحنابلة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>الدليل الثاني:</span>\nلا يلزم من انتقال الرائحة انتقال جزء من الميتة، فهذا الطيب تجد ريحه ينتشر في المكان، وعينه باقية لم تنتقل، فالرائحة لها نفاذ كما هو معلوم.\nومع كونه طهورًا بالإجماع إلا أن التنزه عنه أفضل متى وجد غيره؛ لأن الماء قد لا يسلم من تلوثه ببعض الميكروبات التي قد تضر بعض الناس، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ١٥٥): «لو تغير الماء بجيفة بقربه، يعني: جيفة ملقاة خارج الماء قريبة منه، ففي هذه الصورة لا تضر الجيفة قطعًا، بل الماء طهور بلا خلاف». اهـ\n(^٢) المبدع شرح المقنع (١/ ٣٧).\n(^٣) الشرح الكبير (١/ ٣٨).","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث الثاني الماء المتغير بممازجة النجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• حكم الماء المتغير حكم مغيره، فإن كان بنجس تنجس إجماعًا، وإن كان بطاهر، فإن لم يغلب على أجزائه فهو طهور على الصحيح، وإن غلب فهو طاهر، وخرج عن اسم الماء كالنبيذ.\n• استعمال الماء المتغير بالنجاسة استعمال للنجاسة.\n• الإجماع يخصص السنة كتخصيص حديث: الماء طهور لا ينجسه شيء، بالإجماع على أن ما تغير بنجاسة فهو نجس.\n[م-١٥] إذا وقعت في الماء نجاسة، فغيرت طعمه أو لونه، أو ريحه تنجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد (^١).\nوفي الريح خلاف شاذ عن عبد الملك بن الماجشون (^٢).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٧٨)، وشرح معاني الآثار (١/ ١٢)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ٧٣).\nانظر في مذهب المالكية: التاج والإكليل (١/ ٧٣، ١٠٤)، المنتقى للباجي (١/ ٥٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٨، ٤٨)، الشرح الصغير (١/ ٣٦)، التمهيد (١٣/ ١٠٨).\nانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٧)، الحاوي الكبير (١/ ٣٣٧)، البيان للعمراني (١/ ٢٦).\nوانظر في مذهب الحنابلة: انظر مسائل أحمد رواية عبدالله (١/ ٦، ٧)، مسائل أحمد رواية\nأبي داود (ص: ٥)، مسائل أحمد رواية صالح (١/ ٣٠١)، المغني (١/ ٣١)، والفروع (١/ ٨٤).\n(^٢) الذخيرة للقرافي (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":136},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-114> دليل الجمهور على نجاسة الماء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>الدليل الأول: الإجماع</span>.\nقال ابن نجيم: «اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، جاريًا كان أو غير جار، هكذا نقل الإجماع في كتبنا (^١).\nونقله الإجماع الطحاوي من الحنفية (^٢).\nوقال الباجي من المالكية: «ما تغير بنجاسة خالطته، فلا خلاف في نجاسته» (^٣).\nوقال الشافعي ﵀: «إذا تغير طعم الماء، أو ريحه، أو لونه كان نجسًا، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يُثْبِت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة لا أعلم بينهم فيه اختلافًا» (^٤).\nوحكي الإجماع النووي أيضًا (^٥)، وابن قدامة (^٦)، وابن تيمية من الحنابلة (^٧).\nوقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت النجاسة الماء طعمًا أو لونًا أو ريحًا، أنه نجس ما دام كذلك، ولا يجزي الوضوء والاغتسال به» (^٨).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٧٨).\n(^٢) شرح معاني الآثار (١/ ١٢).\n(^٣) المنتقى للباجي (١/ ٥٩).\n(^٤) الأم (٨/ ٦١٢).\n(^٥) المجموع (١/ ٢١٢) وانظر (١/ ١٦٠).\n(^٦) المغني (١/ ١/٣١).\n(^٧) قال في مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٠٤): «والماء لنجاسته سببان: أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه، فالمتفق عليه: المتغير بالنجاسة».\n(^٨) الأوسط (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":137},{"text":"كما حكي الإجماع من المحدثين ابن حبان (^١)، في صحيحه، والبيهقي (^٢)، وابن عبد البر في التمهيد (^٣)، والعراقي (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>الدليل الثاني: من النظر</span>\nأن استعمال الماء المتغير بالنجاسة استعمال للنجاسة نفسها.\nقال حرب بن إسماعيل: سئل أحمد عن الماء إذا تغير طعمه أو ريحه؟ قال: فلا يتوضأ به، ولا يشرب، وليس فيه حديث، ولكن الله تعالى حرم الميتة، فإذا صارت الميتة في الماء فتغير طعمه أو ريحه، فذلك طعم الميتة وريحها، فلا يحل له، وذلك أمر ظاهر.\nقال الخلال: وإنما قال أحمد ليس فيه حديث؛ لأن هذا الحديث (الماء طهور إلا ما غلب ... الحديث) يرويه سليمان بن عمر، ورشدين بن سعد، وكلاهما ضعيف (^٥).\nقال ابن حزم: وإذا تغير لون الطاهر بما مازجه من نجس، أو تغير طعمه بذلك، أو تغير ريحه، فإننا حينئذ لا نقدر على استعمال الطاهر إلا باستعمال النجس، واستعمال النجس حرام في الصلاة، ولذلك وجب الامتناع عنه (^٦).\nوأما ما يروى عن النبي ﷺ من نجاسة الماء إذا غيرت طعمه، أو لونه، أو ريحه فلا يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء.\n(٣٣) فقد روى ابن ماجه، قال: حدثنا محمود بن خالد والعباس بن الوليد الدمشقيان، قالا: ثنا مروان بن محمد، ثنا رشدين، أنبأنا معاوية بن صالح، عن راشد\n_________\n(^١) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (٤/ ٥٩).\n(^٢) سنن البيهقي الكبرى (١/ ٢٦٠).\n(^٣) التمهيد (١/ ٣٣٢).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٣٢).\n(^٥) المغني (١/ ٢٠) وانظر مسائل أحمد رواية عبد الله (١/ ٤).\n(^٦) المحلى (١/ ١٤٣) بتصرف يسير.","vol":"1","page":138},{"text":"ابن سعد، عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٥٢١).\n(^٢) رواه محمد بن مروان، واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن ماجه (٥٢١) من طريق محمود بن خالد.\nورواه ابن ماجه (٥٢١) والطبراني في الكبير (٨/ ١٠٤) رقم: ٧٥٠٣ من طريق العباس بن الوليد الدمشقي، وأخرجه البيهقي (١/ ٢٥٩) من طريق أبي الأزهر (أحمد بن الأزهر)، ثلاثتهم عن مروان بن محمد، عن رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة.\nولفظ الطبراني: إلا ما غلب على ريحه أو طعمه، ولم يذكر اللون.\nورواه عيسى بن خالد، عن مروان بن محمد، واختلف عليه فيه:\nفأخرجه الطبري في تهذيب الآثار (١٠٧٦) حدثني أبو شرحبيل (عيسى بن خالد) عن مروان ابن محمد به، كما رواه الجماعة من مسند أبي أمامة.\nورواه الدارقطني (١/ ٢٨) من طريق علي بن السراج، أخبرنا أبو شرحبيل عيسى بن خالد، أخبرنا مروان بن محمد، أخبرنا رشدين بن سعد، أخبرنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن ثوبان. فجعله من مسند ثوبان. ورواية الطبري هي المعروفة؛ لموافقتها رواية الجماعة عن مروان بن محمد.\nوقد تابع محمد بن يوسف الغضيضي مروان بن محمد في جعله من مسند أبي أمامة، فأخرجه الدارقطني (١/ ٢٨) وابن عدي في الكامل (٣/ ١٥٦) والطبراني في الأوسط (١/ ٢٢٦) من طريق محمد بن يوسف الغضيضي، وهو ثقة، حدثنا رشدين بن سعد به.\nوعلة هذا الطريق رشدين بن سعد، ضعفه أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وابن سعد، وقال يحيى بن معين وابن نمير: لا يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٣/ ٥١٣)، الطبقات الكبرى (٧/ ٥١٧).\nوقال أبو حاتم الرازي: رشدين بن سعد منكر الحديث، وفيه غفلة، ويحدث بالمناكير عن الثقات، ضعيف الحديث ما أقربه من داود بن المحبر، وابن لهيعة أستر، ورشدين أضعف. المرجع السابق.\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٢٠٣). =","vol":"1","page":139},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد توبع فيه رشدين بن سعد تابعه ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة إلا أنه اختلف فيه على راشد بن سعد:\nفقيل: ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة.\nأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٥٩) من طريق عطية بن بقية بن الوليد، ثنا أبي، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: إن الماء طاهر، إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه.\nوإسناده ضعيف، فيه عطية بن بقية، لم يخرج له أحد من الكتب الستة، قال فيه أبو حازم الرازي: محله الصدق، وفيه غفلة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويغرب، يعتبر حديثه إذا روى عن أبيه غير الأشياء المدلسة. ووالده بقية بن الوليد كثير التدليس عن الضعفاء.\nوتابع حفص بن عمر بقية بن الوليد، فأخرجه البيهقي (١/ ٢٦٠) من طريق حفص بن عمر، عن ثور بن يزيد به.\nوهذا سند ضعيف جدًّا غير صالح في المتابعات؛ لأن فيه حفص بن عمر الرازي الإمام.\nوقيل: الواسطي، وقيل: هما اثنان.\nقال فيه أبو حاتم الرازي: كان يكذب. الجرح والتعديل (٣/ ١٨٤).\nوقال البخاري: يتكلمون فيه. التاريخ الكبير (٢/ ٣٦٧).\nوكذبه أبو رزعة. لسان الميزان (٧/ ٢٠١).\nوقيل: عن راشد بن سعد، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nرواه الأحوص بن حكيم على ضعفه، واختلف عليه:\nفأخرجه عبد الرزاق (١/ ٨٠) رقم ٢٦٤ عن إبراهيم بن محمد (وهو رجل متروك)، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٦)، والدارقطني (١/ ٢٩) من طريق عيسى بن يونس، وأخرجه الدارقطني (١/ ٢٨) من طريق أبي معاوية. ثلاثتهم (إبراهيم بن محمد، وعيسى بن يونس، وأبو معاوية) عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد أن النبي ﷺ مرسلًا.\nوخالفهم أبو أسامة حماد بن أسامة:\nفأخرجه الدارقطني (١/ ٢٩) من طريقه، أخبرنا الأحوص بن حكيم، عن أبي عون وراشد بن سعد، قالا: الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غير ريحه أو طعمه. اهـ وهذا موقوف.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٤): «سألت أبي عن حديث رواه عيسى بن يونس، عن الاحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: لاينجس الماء إلا ما غلب عليه طعمه ولونه، فقال أبي: يوصله رشدين بن سعد، يقول: عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ، ورشدين ليس بقوى، والصحيح مرسل». =","vol":"1","page":140},{"text":"قال صديق حسن خان: «وقد اتفق أهل الحديث على ضعف الزيادة -يعني زيادة الاستثناء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه- لكنه قد وقع الإجماع على مضمونها، كما نقله ابن المنذر، وابن الملقن في البدر المنير، والمهدي في البحر، فمن كان يقول: بحجية الإجماع، كان الدليل عنده على ما أفادته تلك الزيادة هو الإجماع، ومن كان لا يقول بحجية الإجماع، كان هذا الإجماع مفيدًا لصحة تلك الرواية، لكونها صارت مما أجمع على معناها وتلقي بالقبول، فالاستدلال بها، لا بالإجماع» (^١).\nولا أعرف أن الإجماع يعتبر به في تقوية الحديث الضعيف، فالإجماع وحده حجة، ولا يعتبر بالحديث الضعيف لا من القرآن، ولا من الإجماع، ولا من غيرهما إلا من السنة فقط بشروط ليس هذا مجال ذكرها، هذا الذي أعرفه من عمل أئمة الحديث، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-117> دليل من قال: تغير ريح الماء بالنجاسة لا يضر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>الدليل الأول:</span>\nأن الثياب لا تنجس بروائح النجاسات، فكذلك الماء؛ لأنه أقوى في الدفع عن نفسه، ولأن الرائحة لو كان تغيرها معتبرًا لذكر في الحديث. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>الدليل الثاني:</span>\nأن التغير بالرائحة بالمجاورة لا ينجس، بخلاف التغير بالطعم واللون، وهذا دليل على التفريق بين الرائحة والطعم واللون، والله أعلم.\n_________\n= فالحديث في إسناده اختلاف كثير، فتارة من مسند أبي أمامة، وتارة من مسند ثوبان.\nوتارة موصولًا، وتارة مرسلًا، وتارة موقوفًا.\nوالحديث ضعفه الشافعي في الأم (٨/ ٦١٢)، والدارقطني في العلل كما في تلخيص الحبير (١/ ١٥)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٠) وغيرهم.\nوقال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه. انظر المجموع (١/ ١٦٠).\n(^١) الروضة الندية (١/ ٥ - ٦).","vol":"1","page":141},{"text":"• الراجح:\nالقول الأول، والله أعلم، ولعل قول ابن الماجشون يعتبر خرقًا للإجماع المنقول من أكثر من مصدر، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الباب الخامس في الماء المستعمل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>الفصل الأول حكم الماء المستعمل في رفع الحدث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>المبحث الأول في تعريف الماء المستعمل</span>\n[م-١٦] متى يكون الماء مستعملًا؟\nوللجواب على ذلك نقول: الماء المتقاطر من أعضاء الوضوء في رفع الحدث مستعمل بالاتفاق (^١).\nوأما إذا غمس يده في ماء بنية رفع الحدث، فهل يكون مستعملًا؟\nقالوا: إذا كان الماء قليلًا كان مستعملًا.\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٠)، البحر الرائق (١/ ٩٧)، وجاء في البناية في شرح الهداية (١/ ٣٥٢): «والماء المستعمل هو ماء أزيل به حدث، أو استعمل في البدن على وجه القربة». يقصد كما لو نوى تجديدًا مسنونًا.\nوانظر في مذهب المالكية: منح الجليل من المالكية (١/ ٣٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٢).\nوقال في شرح الخرشي (١/ ٧٤): «ما تقاطر من العضو الذي تتم به الطهارة ماء مستعمل بلا نزاع».\nوانظر في مذهب الشافعية المجموع (١/ ٢١٥)، الحاوي الكبير (١/ ٣٠٠).\nوقال في شرح شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨): «ولا يصير الماء مستعملًا إلا بانفصاله عن المغسول؛ لأنه حينئذ يصدق عليه أنه استعمل، وما دام الماء مترددًا على العضو فطهور». وانظر الشرح الكبير (١/ ١٤٤).","vol":"1","page":143},{"text":"[م-١٧] واختلفوا في حد القليل:\nفيرى الحنفية أن الجنب إذا انغمس في البئر فسد الماء، وإن انغمس لطلب الدلو فسد الماء على رأي أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه (^١).\nومعنى هذا أن البئر في حد القليل عندهم.\nوأما المالكية فيرون اليسير كآنية الوضوء والغسل، فإن غمس يده فيها صار مستعملًا، وإن كان أكثر من ذلك لم يكن مستعملًا (^٢).\nوالشافعية والحنابلة يحدون القليل بما دون القلتين، فإن انغمس في ماء دون القلتين صار مستعملًا، وإلا فلا (^٣).\nولا يكون الماء مستعملًا إذا أدخل يده في الإناء بنية الاغتراف، وهو قول الأئمة الأربعة (^٤).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٩٥)، المبسوط (١/ ٥٣).\n(^٢) انظر الشرح الصغير (١/ ٣٧)، حاشية الدسوقي (٤١، ٤٢)، الخرشي (١/ ٧٥، ٧٦) القوانين الفقهية (ص: ٢٥)، الاستذكار (١/ ٢٥٣)، التمهيد (٤/ ٤٣).\nوقال في شرح الخرشي (١/ ٧٤): «لو غمس يده في الإناء ولم يدلك يده إلا بعد ما أخرجها فالظاهر أنه غير مستعمل كما ظهر لي، ثم وجدت عج ذكره».\nوسبب هذا أن الدلك عندهم فرض، فإذا خرج يده ولم يدلكها لم يرتفع الحدث عن العضو في الماء، وإنما ارتفع خارج الماء فلم يتأثر الماء، والله أعلم.\n(^٣) المجموع (١/ ٢١٥)، الفتاوى الكبرى\nانظر في المذهب الحنبلي المبدع (١/ ٤٥، ٤٦)، الكافي (١/ ٦).\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٠): «وإذا انغمس الجنب أو المحدث فيما دون القلتين ينوي رفع الحدث صار مستعملًا، ولم يرتفع حدثه. وقال الشافعي: يصير مستعملًا، ويرتفع حدثه؛ لأنه إنما صار مستعملًا بارتفاع حدثه فيه ...». إلخ كلامه ﵀. وانظر الفتاوى الكبرى - ابن تيمية (١/ ٤٢١، ٤٢٢).\n(^٤) انظر في مذهب الحنفية بدائع الصنائع (١/ ٦٩)، البحر الرائق (١/ ١٩).\nوقال في درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٩): «قال القاضي خان: المحدث والجنب إذا أدخل يده في الماء للاغتراف، وليس عليها نجاسة، لا يفسد الماء، وكذا إذا وقع الكوز في الجب، وأدخل يده إلى المرفق لإخراج الكوز لا يصير الماء مستعملا».\nوفي مذهب المالكية: قال في مواهب الجليل (١/ ٦٨): «قال ابن الإمام: والأظهر أن إدخال المحدث يده في الإناء بعد غسل الوجه ونية رفع الحدث لا يصير الماء مستعملًا إذا انفصلت اليد من الماء على أصلنا، ولم أر فيه نصًّا».\nوفي مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (١/ ٢١٥): «إذا غمس المتوضئ يده في إناء فيه دون القلتين، فإن كان قبل غسل الوجه لم يصر الماء مستعملًا سواء نوى رفع الحدث أم لا، وإن كان بعد غسل الوجه فهذا وقت غسل اليد، ففيه تفصيل: إن قصد غسل اليد صار مستعملًا، وارتفع الحدث عن الجزء الأول من اليد».\nوفي مذهب الحنابلة: قال ابن قدامة في المغني (١/ ٨٦): «ومن كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه بيده، فغرف منه عند غسل يديه لم يؤثر ذلك في الماء ...». إلخ كلامه ﵀.\nوقال أيضًا (١/ ١٣٥): «وأما الجنب فإن لم ينو بغمس يده في الماء رفع الحدث منها، فهو باق على طهوريته». وانظر الإنصاف (١/ ٤٤).","vol":"1","page":144},{"text":"هذا كلام أهل العلم في الماء متى يكون مستعملًا، وهو واضح في الماء المتقاطر من العضو، حيث استعمل في طهارة العضو، وأما الماء الذي وضع يده فيه فلم يتضح لي أن النية مؤثرة؛ لأن فساد الماء من الأحكام الوضعية، وهي لا تؤثر فيها النية، فمن غمس يده في الماء سواء كان مكلفًا أو غير مكلف، وسواء كان محدثًا أو كان عن الوضوء قربة كالتجديد، أو قصد به النظافة فالحكم واحد، فما انفصل من يده فهو مستعمل، وما كان في الإناء فهو غير مستعمل، ولا يؤخذ بحديث القلتين في تحديد الماء القليل؛ لأننا لو سلمنا بمفهوم حديث القلتين فإنه في معرض بيان وقوع النجاسات في الماء، وليس في بيان وقوع الأعيان الطاهرة فيه، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>المبحث الثاني خلاف العلماء في الماء المستعمل في رفع الحدث</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المستعمل في طهارة واجبة كالمستعمل في طهارة مستحبة أو للتبرد على الصحيح؛ لأن انتقال الماء عن الطهورية بالاستعمال خطاب وضعي، لا يتوقف على النية والتي هي من أحكام التكليف.\n• استعمال الماء في طهارة الحدث كاستعمال التراب في التيمم لا ينقلهما عن الطهورية.\n• المستعمل ماء مطلق باقي على أوصاف خلقته، والأحكام إنما تناط بالحقائق الظاهرة، لا بالأشياء الخفية على الصحيح.\n• الطهورية صفة لازمة للماء تفيد التكرار بصيغتها وصفتها على الصحيح، فيصح الوضوء بالمستعمل.\n• الماء المستعمل ماء طهور لاقى جسمًا طاهرًا فلا ينقله عن حكمه في الأصح كما لو استعمل في تبرد وتنظف.\n• إذا كان الماء حال جريانه على الأعضاء طهورًا مطلقًا (^١)، فانفصاله لا يوجب تغير حكمه على الأصح.\n_________\n(^١) الذخيرة للقرافي (٢/ ١١٨).","vol":"1","page":146},{"text":"• المستعمل إن تغير بوسخ كان له حكم الماء المتغير بطاهر، وإن لم يتغير كان له حكم الماء الذي مر بطاهر لم يغيره، وفي الحالين هو طهور على الصحيح.\nوقيل:\n• سلب الطهورية من الماء المستعمل، هل هو معلل بأنه أديت به قربة، فيدخل فيه التجديد والمسنون، أو معلل بأداء الفرض وزوال المانع فيختص بما رفع به الحدث؟\n• المستقذر شرعًا كالمستقذر حسًا، فالزكاة لما كانت مطهرة من الذنوب صارت أوساخ الناس فلم تحل لآل محمد، فمن ثم قال الأئمة: الماء المستعل لما كان مطهرًا من الذنوب لم يرفع به الحدث.\n[م-١٨] بعد أن عرفنا متى يصبح الماء مستعملًا، نذكر خلاف العلماء في طهوريته،\nفقيل: إنه نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة، واختارها أبو يوسف (^١).\nوقيل: طهور مكروه في رفع الحدث، غير مكروه في زوال الخبث، وهو مذهب المالكية (^٢).\n_________\n(^١) البناية (١/ ٣٥٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠١) وفي مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٣١) ذكر عن أبي حنيفة أنه لو نزل رجل محدث في بئر أن الماء والرجل نجسان.\nوقال في البناية (١/ ٣٥١): «رواية الحسن عن أبي حنيفة أن الماء المستعمل نجس نجاسة مغلظة، فسرها في المبسوط (١/ ٤٦): أي لا يعفى عن أكثر من قدر الدرهم».\nثم قال العيني: «ورواية أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه نجس نجاسة مخففة، فسرها بالمبسوط (١/ ٤٦) أن التقدير فيه بالكثير الفاحش. والله أعلم».\n(^٢) الشرح الصغير (١/ ٣٧)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٧)، بداية المجتهد مع الهداية في تخريج أحاديث البداية (١/ ٢٧٤).\nوالكراهة مقيدة بأمرين:\nالأول: أن يكون ذلك الماء قليلًا كآنية الوضوء والغسل.\nالثاني: أن يوجد غيره، وإلا فلا كراهة.","vol":"1","page":147},{"text":"وقيل: طاهر غير مطهر.\nوهو الرواية المشهورة عن الإمام أبي حنيفة ﵀، وعليها الفتوى، واختارها محمد بن الحسن، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: طهور بلا كراهة، وهو رواية عن أحمد (^٢)، ورجحها ابن حزم (^٣)، وابن تيمية (^٤)، وابن عبد الهادي (^٥)، والشوكاني (^٦)، وغيرهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-124> دليل من قال بنجاسة الماء المستعمل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>الدليل الأول:</span>\n(٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن محمد بن عجلان، قال: سمعت أبي،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يبل أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة (^٧).\n_________\n(^١) انظر شرح فتح القدير (١/ ٨٧)، والمبسوط (١/ ٤٦)، وحاشية رد المحتار لابن عابدين (١/ ٢٠٠، ٢٠١)، قال العيني في البناية (١/ ٣٤٩): ورواه زفر ﵀ أيضًا عن أبي حنيفة يعني، كونه طاهرًا. ثم قال: حتى كان قاضي القضاة أبو حازم عبد الحميد العراقي يقول: أرجو ألا تثبت رواية النجاسة فيه عن أبي حنيفة ﵀، وهو اختيار المحققين من مشايخنا بما وراء النهر، قال في المحيط: وهو الأشهر الأقيس. قال في المفيد: وهو الصحيح. قال الأسبيجابي: وعليه الفتوى»، وانظر في مذهب الشافعية: الأم (٨/ ١٠٠)، الروضة (١/ ٧)، وقال في المجموع (١/ ٢٠٢): «قال الشيخ أبو حامد: نص الشافعي في جميع كتبه القديمة والجديدة أن المستعمل ليس بطهور»، وانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٣٥، ٣٦)، كشاف القناع (١/ ٣٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٤).\n(^٢) الكافي (١/ ٥)، المبدع (١/ ٤٤)، وقال في الإنصاف (١/ ٣٦): «وهو أقوى في النظر».\n(^٣) المحلى (١/ ١٨٣).\n(^٤) الاختيارات للبعلي (ص: ٣)، ومجموع الفتاوى (٢٠/ ٥١٩).\n(^٥) التنقيح (١/ ٢١١).\n(^٦) نيل الأوطار (١/ ٤٤).\n(^٧) أحمد (٢/ ٤٣٣).","vol":"1","page":148},{"text":"[رجاله ثقات إلا محمد بن عجلان فإنه صدوق، والحديث بهذا اللفظ غير محفوظ] (^١).\n_________\n(^١) اختلف فيه على ابن عجلان في سنده ولفظه:\nفقيل: عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nرواه أحمد في مسنده (٢/ ٤٣٣)، والقاسم بن سلام في الطهور (١٦٠)، وأبو داود (٧٠)،\nوابن حبان (١٢٥٧)، والبيهقي (١/ ٢٣٨) عن يحيى بن سعيد القطان.\nورواه ابن أبي شيبة (١٥١٠) حدثنا أبو خالد الأحمر.\nورواه القاسم بن سلام في الطهور (١٦٥) من طريق بكر بن مضر، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، بلفظ: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة).\nإلا أن ابن ماجه رواه عن ابن أبي شيبة بلفظ: لا يبولن أحدكم في الماء الراكد، ولم يذكر الاغتسال.\nوقيل: عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج:\nرواه البيهقي (١/ ٢٣٨) من طريق الليث.\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥) من طريق أبي زرعة وهب الله بن راشد، عن حيوة بن شريح، كلاهما عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه، كرواية ابن عجلان عن أبيه.\nوإسناد البيهقي فيه عبيد بن عبد الواحد بن شريك، سبقت ترجمته، وهو حسن الحديث.\nوإسناد الطحاوي فيه أبو زرعة وهب الله بن راشد، ضعيف، انظر الضعفاء الكبير (٤/ ٣٢٣)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٧).\nوخالفهما يحيى بن محمد فأخرجه النسائي (٣٩٨) والبيهقي (١/ ٢٣٨) من طريقه، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ الجماعة: نهى أن يبال في الماء الدائم، ثم يغتسل منه. زاد البيهقي: للجنابة.\nوهذا هو المحفوظ في لفظ الحديث، وأما الجمع بين النهي عن البول والنهي عن الاغتسال فقد انفرد به ابن عجلان على اختلاف عليه في إسناده، وليس الحديث عن ثبوت النهي عن الاغتسال في الماء الدائم للجنب، فهذا قد رواه عبد الله بن السائب عن أبي هريرة في مسلم، وإنما الكلام في جمع الحديثين في حديث واحد، انفرد به ابن عجلان في سائر من روى هذا الحديث، وانفراده يوجب ريبة أن الحديث بهذا اللفظ لم يثبت.\nفصار ابن عجلان يروي الحديث بثلاثة ألفاظ:\nأحدها: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة. =","vol":"1","page":149},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فنهى عن البول في الماء الدائم. ونهى عن الاغتسال فيه من الجنابة، سواء بال فيه أو لا.\nاللفظ الثاني: نهى أن يبال في الماء الدائم، ثم يغتسل منه، وهذا هو المحفوظ من لفظ الحديث. فالنهي عن الاغتسال مرتب على حصول البول فيه.\nاللفظ الثالث: نهى أن يبال في الماء الراكد، ولم يتعرض للاغتسال. وهي رواية ابن ماجه عن ابن أشيبة، عن ابن عجلان، وهي مخالفة لرواية ابن أبي شيبة في مصنفه، والله أعلم.\nفهذا الاختلاف على ابن عجلان يؤكد أنه لم يضبط الحديث.\nوقد روى الحديث جماعة عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما، لم يذكروا ما ذكره محمد بن عجلان: منهم: محمد بن سيرين، والأعرج وهما من أخص أصحاب أبي هريرة، وهمام، وحميد ابن عبد الرحمن، وخلاس بن عمرو، وغيرهم كما سأبينه بالتفصيل إن شاء الله تعالى.\nوهؤلاء أكثرهم قد اختلف عليه في وقفه ورفعه، إلا أن الرفع محفوظ لكثرة من رواه مرفوعًا.\nكما اتفقوا في لفظه على النهي عن البول في الماء الدائم، قال بعضهم (الذي لا يجري) وهي بيان للماء الدائم، قال بعضهم: (ثم يغتسل فيه)، وهي رواية الأعرج، عن أبي هريرة.\nوبعضهم قال: (ثم يغتسل منه)، وهي رواية الأكثر، وبعضهم قال: (ثم يتوضأ منه)، وقال بعضهم: (ثم يتطهر)، وهي رواية بالمعنى يدخل فيها اللفظان السابقان. وانفرد أحدهم بزيادة: (أو يشرب)، وليس ذلك محفوظًا.\nهذا على سبيل الإجمال، وإليك تفصيل ما سبق. الحديث له طرق إلى أبي هريرة، منها:\nالطريق الأول: الأعرج، عن أبي هريرة.\nأخرجه البخاري (٢٣٩) بلفظ: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه. بدلًا من قوله (منه) وقرنه بحديث: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة). وأكتفي فيه بصحيح البخاري عن غيره. ولم يروه البخاري إلا من هذا الطريق وبهذا اللفظ.\nوقد رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٤) من طريق عبد الله بن بكر السهمي، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: (ثم يغتسل فيه) وقد رواه جماعة عن هشام، بلفظ: (ثم يغتسل منه) كما سيأتي في التخريج إن شاء الله تعالى.\nالطريق الثاني: ابن سيرين، عن أبي هريرة.\nرواه أيوب، عن ابن سيرين: واختلف عليه فيه:\nفرواه معمر عن أيوب عن ابن سيرين مرفوعًا كما في مصنف عبد الرزاق (٣٠٠) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٥) وابن الجارود في المنتقى (٥٤)، وأبو عوانة بلفظ: (ثم يتوضأ منه).\nوخالفه عبد الوهاب الثقفي كما في العلل للدارقطني (١٤٤٦)، فرواه عن أيوب به موقوفًا.\nورواه سفيان بن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين، واختلف على سفيان: =","vol":"1","page":150},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه عنه الحميدي كما في مسنده (٩٧٠)، وصحيح بن خزيمة (٩٧٠) عن سفيان، عن أيوب به مرفوعًا، والحميدي من أثبت أصحاب ابن عيينة ..\nوخالفه قتيبة بن سعيد كما في سنن النسائي (٤٠٠).\nوسعدان بن نصر كما في سنن البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٩).\nوعبد الوهاب الثقفي كما في العلل للدارقطني (٨/ ١٢١). ثلاثتهم رووه عن سفيان، عن أيوب به، موقوفًا.\nوفي رواية النسائي: قال سفيان بن عيينة: قالوا لهشام -يعني ابن حسان- إن أيوب إنما ينتهي بهذا الحديث إلى أبي هريرة، فقال: إن أيوب لو استطاع أن لا يرفع حديثًا لم يرفعه.\nوهذا يدل على أنه مشهور عن أيوب وقف هذا الحديث.\nقال السندي معلقًا في حاشيته على النسائي في كون أيوب لم يرفعه، قال: تعظيمًا للنسبة إلى النبي ﷺ، وخوفًا من أن يقع منه فيه خطأ، فيقع في الكذب عليه، والله تعالى أعلم.\nولم ينفرد أيوب في الاختلاف عليه في وقفه حتى هشام قد اختلف عليه، وإن كان قال ما قال عليه رحمة الله.\nرواه هشام، عن ابن سيرين، واختلف فيه على هشام:\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٢) عن عبد الله بن يزيد.\nومسلم (٢٨٤) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٨)، من طريق جرير. ثم يغتسل منه وأبو داود (٦٩) والدارمي (٧٣٠) من طريق زائدة.\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٨) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري.\nوالطحاوي (١/ ١٤) وأبو يعلى (٦٠٧٦)، والبيهقي (١/ ٢٥٦) من طريق عبد الله بن بكر السهمي.\nكلهم (جرير، وزائدة، ومحمد الأنصاري، وعبد الله بن بكر السهمي) رووه عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: (ثم يغتسل منه) إلا أبا بكر السهمي، فرواه أبو يعلى (٦٠٧٦) عنه كرواية الجماعة (ثم يغتسل منه) ورواه الطحاوي (١/ ١٤) عنه بلفظ: (ثم يغتسل فيه) كرواية الأعرج عن أبي هريرة في البخاري.\nوهؤلاء رووه عن هشام مرفوعًا.\nوخالفهم ابن عليه، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٣١) رقم ١٥٠١.\nوهشيم كما في الطهور للقاسم بن سلام (١٦٢)، وعلل الدارقطني (٨/ ١٢١) فروياه عن هشام، عن ابن سيرين موقوفًا على أبي هريرة. هذا فيما يتعلق برواية هشام، عن ابن سيرين.\nورواه عوف عن ابن سيرين، ولم يختلف على عون في رفعه.\nرواه أحمد (٢/ ٤٩٢) عن روح. =","vol":"1","page":151},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أيضًا (٢/ ٢٥٩) عن عبد الواحد.\nورواه أيضًا (٢/ ٤٩٢) عن محمد بن جعفر.\nورواه النسائي في المجتبى (٥٧)، وفي الكبرى (٥٥) وابن حبان في صحيحه (١٢٥١) من طريق عيسى بن يونس، كلهم رووه عن عوف عن ابن سيرين به بلفظ: (ثم يتوضأ منه).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٨) من طريق يحيى بن سعيد، عن عوف به، بلفظ: (ثم يتطهر منه)، وهي من الرواية بالمعنى.\nوأخرجه النسائي (٥٨) من طريق يحيى بن عتيق.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ١٤) من طريق عبد الله بن عون، كلاهما عن ابن سيرين به مرفوعًا بلفظ: (ثم يغتسل منه).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٤١) من طريق سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين به موقوفًا.\nوقال البيهقي: وكذلك رواه يزيد بن هارون، عن محمد بن سيرين موقوفًا.\nكما رواه يونس عن ابن سيرين موقوفًا، رواه القاسم بن سلام في الطهور (١٦٢)، وذكره الدارقطني في العلل (٨/ ١٢١).\nهذا فيما يتعلق بالاختلاف على ابن سيرين، وأنت ترى أن أصحاب ابن سيرين قد اختلف عليهم فيه في رفعه ووقفه:\nفأيوب وهشام وسفيان بن عيينة قد روي عنهم مرفوعًا وموقوفًا.\nورواه يونس وسلمة بن علقمة، ويزيد بن هارون، عن ابن سيرين موقوفًا على أبي هريرة، لم يختلف عليهم.\nورواه عوف بن أبي جميلة، ويحيى بن عتيق وعبد الله بن عون كلهم رووه عن ابن سيرين مرفوعًا. لم يختلف عليهم في رفعه.\nالطريق الثالث: همام بن منبه، عن أبي هريرة.\nتفرد به معمر، عن همام، ورواه عن معمر اثنان: عبد الله بن المبارك، كما في سنن النسائي (٣٩٧) بلفظ: (ثم يغتسل منه، أو يتوضأ).\nورواه عبد الرزاق عن معمر بلفظين، أحدهما: (ثم يتوضأ منه)، رواه عبد الرزاق في مصنفه (٢٩٩) ومن طريقه أخرجه الترمذي (٦٨) وابن الجارود (٥٤)\nواللفظ الثاني: بلفظ: (ثم يغتسل منه) رواها عن عبد الرزاق أحمد (٢/ ٣١٦) ومسلم (٢٨٢) وأبو عوانة في مسنده (١/ ٢٧٦).\nالطريق الرابع: عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة.\nأخرجه الطحاوي (١/ ١٤)، وابن خزيمة (٩٤)، وابن حبان (١٢٥٦) عن يونس بن عبد الأعلى. =","vol":"1","page":152},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٩) من طريق ابن وهب، كلاهما عن أنس بن عياض، عن الحارث - وهو ابن أبي ذباب - عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه أو يشرب.\nوقد تفرد عطاء بن ميناء عن أبي هريرة بزيادة: أو يشرب.\nقال الدارقطني في الغرائب والأفراد (٥٣٢٨) تفرد به الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن عطاء بن ميناء.\nالطريق الخامس: أبو عثمان مولى المغيرة بن شعبة، عن أبي هريرة. بلفظ: (ثم يغتسل منه).\nأخرجه عبد الرزاق (٣٠٢) وأحمد (٢/ ٣٩٤) عن طريق الثوري.\nوأخرجه الحميدي (٦٩٦)، والنسائي (٣٩٩)، والطحاوي (١/ ١٤)، ابن خزيمة (٦٦)، وابن حبان (١٢٥٤)، والبيهقي (١/ ٢٥٦، ٢٣٨) من طريق ابن عيينة.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٤) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، ثلاثتهم (ابن عيينة والثوري وعبد الرحمن) عن أبي الزناد عبد الله ذكوان، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، بلفظ: (ثم يغتسل فيه).\nالطريق السادس: عن خلاس، عن أبي هريرة، وخلاس لم يسمع أبا هريرة.\nأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٩، ٤٩٢) والنسائي (٥٧) من طريق عوف، عن خلاس به، بلفظ: (ثم يتوضأ منه) ومع انقطاعه، فإن خلاسًا قد تابعه جمع كثير.\nالطريق الثامن: عن أبي مريم، عن أبي هريرة.\nأخرجه أحمد (٢/ ٢٨٨، ٥٣٢) وابن أبي شيبة (١/ ١٣١) رقم ١٥٠٤ عن زيد بن الحباب.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٥٣٢) حدثنا حماد بن خالد، كلاهما (زيد وحماد) عن معاوية بن صالح، عن أبي مريم به، بلفظ: (ثم يتوضأ منه)، وسنده جيد.\nالطريق التاسع: أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٦) والبزار في مسنده (٩٥١٤) والطوسي في مستخرجه على الترمذي (٥٧)، من طريق أبي عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: (ثم يغتسل منه)، هذا لفظ أحمد، ولفظ البزار والطوسي (ثم يتوضأ منه).\nفهؤلاء ثمانية رواة رووه عن أبي هريرة، ولم يقل واحد منهم ما قاله ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة بجمعه حديثين في حديث واحد.\nوحديث النهي عن الانغماس في الماء الدائم، والرجل جنب لا يعرف إلا من حديث السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nأخرجه مسلم (٢٨٣)، وابن ماجه (٦٠٥) والنسائي (٢٢٠) وابن الجارود (٥٦) وابن خزيمة (٩٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٦) والطحاوي (١/ ١٤)، وابن حبان (١٢٥٢) والدارقطني =","vol":"1","page":153},{"text":"وجه الاستدلال:\nإن النهي عن الاغتسال في الماء الراكد جاء مقرونًا بالنهي عن البول فيه، فإذا كان البول ينجسه فكذلك الاغتسال (^١).\nويجاب بجوابين:\nأحدهما: أن الحديث انفرد به ابن عجلان مخالفًا كل من رواه عن أبي هريرة، وهذا رأي البيهقي في السنن.\nوقال النووي: رواه هكذا أبو داود في سننه، من رواية محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ورواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه).\nوفى رواية لمسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب، فقيل لأبي هريرة: كيف يفعل؟ . قال: يتناوله تناولًا).\nفهاتان الروايتان خلاف رواية أبي داود. قال البيهقى: رواية الحفاظ من أصحاب أبي هريرة كما رواه البخاري ومسلم (^٢).\n_________\n= (١/ ٥١، ٥٢) والبيهقي (١/ ٢٣٧) من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا.\nهذا ما وقفت عليه من طرق الحديث والله الموفق للصواب.\n(^١) البناية (١/ ٣٥٣، ٣٥٤).\n(^٢) المجموع (١/ ٢٠٤). قلت: وقد يقال: إن هذه الرواية وإن كانت من طريق ابن عجلان، وهو صدوق، وقد اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، كما أفاده الحافظ في التقريب: إلا أن هذه الرواية ليست مخالفة لرواية الصحيحين لأن الحديث في الصحيحين: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه).\nولفظ مسلم: (ثم يغتسل منه). هذا الحديث موافق للشق الأول من حديث ابن عجلان؛ لأن لفظه: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) ورواه مسلم من طريق السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة مرفوعًا: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب). =","vol":"1","page":154},{"text":"الجواب الثاني:\nأن يقال: دلالة الاشتراك دلالة ضعيفة، فلايلزم من الاشتراك في النهي الاشتراك في الحكم، فقد ورد قوله تعالى:\n(كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]، فقد اقترن الأمر بالأكل مع الأمر بإعطاء حق المال .. والأمر بالأكل مباح بخلاف الأمر بإعطاء حق المال فإنه قد يكون واجبًا كما في الزكاة، وإنقاذ الهلكة وقرى الضيف (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>الدليل الثاني على نجاسة الماء المستعمل:</span>\n(٣٥) ما رواه مسلم من طريق شداد بن عبد الله أبي عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة، قال:\nقال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره\n_________\n= وهذا موافق للشق الثاني من حديث أبي داود وهو قوله: (ولا يغتسل فيه من الجنابة).\nفإذًا غاية ما في حديث ابن عجلان أنه ذكر الحديثين في حديث واحد، وهذا لا يوجب قدحًا. وهذا الجواب فيه ضعف؛ لأن حديث مسلم في نهي الجنب عن الانغماس في الماء الدائم له مخرج مختلف عن حديث النهي عن البول في الماء الدائم، فكون ابن عجلان ينفرد بأمرين:\nالأول: أنه جمع الحديثين في حديث واحد.\nالثاني: أنه لا يعرف حديث النهي عن انغماس الجنب من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وكوننا نذكر أنه خطأ في الإسناد، لا يعني إعلال المتن، وثبوته من طريق آخر، والله أعلم.\nعلى أنه قد يقال: إن النهي عن الانغماس في الماء الدائم وهو جنب تفرد به أبو السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، وليس له عن أبي هريرة في الكتب الستة إلا حديثان، هذا أحدهما، وقد روى الحديث تسعة رواة عن أبي هريرة منهم من يعتبر من أخص أصحابه كابن سيرين والأعرج، فذكروه بالنهي عن البول في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه، وهؤلاء مقدمون على عبد الله بن السائب، والله أعلم.\n(^١) بتصرف يسير المجموع (١/ ٢٠٤، ٢٠٥).","vol":"1","page":155},{"text":"الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام، فصلى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول، في مقام واحد يعطي هذا الرجل، فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا حتى عد سبع مرات ما حدثت به أبدًا، ولكني سمعته أكثر من ذلك (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن هذه الخطايا نجاسات وقاذورات فيتنجس الماء المخالط لها (^٢).\n• ويجاب عن هذا من وجوه:\nالوجه الأول:\nإن الذنوب ليست لها أجرام محسوسة نراها تخالط الماء حتى تؤثر فيه.\nالوجه الثاني:\nأن العبد إذا أذنب لا يقال له تنجس.\nالوجه الثالث:\nإذا فرغ العبد من الوضوء ثم أذنب لا يؤثر ذلك في وضوئه، ولو كانت هذه الذنوب تؤثر في الماء لكان لها تأثير على بدن المتلبس بها من باب أولى.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٣٢).\n(^٢) البناية (١/ ٣٥٣، ٣٥٤).","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن استعمال الماء لرفع الحدث يسمى طهارة، قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nوالطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يعقل (^١).\n• ويجاب عن ذلك من وجوه:\nالوجه الأول:\nإنما سمي طهارة؛ لأنه يطهر العبد من الذنوب، لا أنه طهره من نجاسة حلت فيه.\nولذلك لما اعتبر أبو هريرة حدثه نجاسة بين له ﷺ بقوله: (إن المؤمن لا ينجس). متفق عليه.\nوقوله: (لا ينجس) أي بمثل ذلك، وإلا فالمؤمن قد تطرأ عليه النجاسة الحسية كغيره.\nالوجه الثاني:\nتجديد الوضوء يسمى طهارة شرعية مع أنه متطهر.\nالوجه الثالث:\nلو كان المحدث نجسًا لما صح حمله في الصلاة، وقد جاء في حديث أبي قتادة في الصحيحين: (أن الرسول ﷺ كان يصلى، وهو حامل أمامه بنت زينب) (^٢).\nالوجه الرابع:\nالمتوضئ لابد أن يتساقط على ثوبه من الماء المستعمل، ومعنى هذا أنه سوف تتنجس ثيابه، وكذلك ما يتنشف به، لكن حاولوا ينفكون من هذا بأنه سقط الحكم\n_________\n(^١) البناية بتصرف (١/ ٣٥٠، ٣٥١).\n(^٢) البخاري (٥١٦)، ومسلم (٤١ - ٥٤٣).","vol":"1","page":157},{"text":"هنا لرفع الحرج، وهذا الانفكاك لا يفك؛ لأنه لو سقط من ثياب المتوضئ الذي عليه لم يسقط الحكم من الثياب التي يتنشف بها، ولا في ثياب غير المتوضئ، كما لو سلم عليه أو وقعت على ثيابه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-128> دليل من قال الماء طاهر وليس بطهور:</span>\nأما كونه طاهرًا، فله أدلة كثيرة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>الدليل الأول:</span>\n(٣٦) ما رواه البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما صاحبه، وفيه من حديث طويل: وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الدليل الثاني:</span>\n(٣٧) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال:\nسمعت جابرًا يقول: جاء رسول الله ﷺ يعودني، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه، فعقلت، فقلت: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة، فنزلت آية الفرائض (^٢).\nوفي الباب في الصحيحين من حديث أبي جحيفة والسائب بن يزيد.\nفإن قال الذاهبون إلى نجاسة الماء المستعمل في رفع الحدث، إن قالوا: إن هذه من خصائص النبي ﷺ.\nقيل: الخصوصية إنما هو في التبرك بالماء، لا في طهارته، فباب الطهارة حكم الرسول ﷺ حكم أمته، ولهذا بول النبي ﷺ نجس كبول أمته، والقاعدة في هذا أن حكم الرسول ﷺ في شيء حكم أمته، حتى يقوم دليل على الخصوصية.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٧٣٤).\n(^٢) رواه البخاري (١٩٤) ومسلم (١٦١٦).","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الدليل الثالث:</span>\n(٣٨) ما رواه البخاري من طريق أفلح، عن القاسم،\nعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن هذا الإناء لا يسلم من رشاش يقع فيه، ولو كان المستعمل نجسًا لتنجس الماء.\nوقول: إن هذا مما عفي عنه يصح هذا التقدير لو صح الأصل، وهو نجاسة المستعمل، ولكنه قول شاذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>الدليل الرابع:</span>\nأن بدن المسلم طاهر بالإجماع حال الحياة (^٢)، قال الرسول ﷺ لأبي هريرة: إن المؤمن لا ينجس، متفق عليه.\nفيكون المستعمل ماءً طهورًا لاقى بدنًا طاهرًا، فكيف ينجس؟\nهذا فيما يتعلق بالأدلة على طهارة الماء المستعمل.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-133>أما الأدلة على كون المستعمل ماءً طاهرًا غير طهور، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الدليل الأول:</span>\n(٣٩) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول:\nقال رسول الله ﷺ: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٦١) ومسلم (٤٥ - ٣٢١)\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ٤٤).","vol":"1","page":159},{"text":"فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (^١).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: لما نهى رسول الله ﷺ عن الاغتسال في الماء الدائم دل ذلك على أن الاغتسال يؤثر في الماء، ولو كان لا يؤثر لما نهى عنه، فالمراد من نهيه حتى لا يصير الماء مستعملًا (^٢).\n• ويجاب عنه بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nأن هذا الحديث قد انفرد به عبد الله بن السائب، عن أبي هريرة، وقد رواه جمع عن أبي هريرة منهم الأعرج في البخاري، ومحمد بن سيرين في مسلم، وهما من أخص أصحاب أبي هريرة، كما رواه همام بن منبه في مسلم، وحميد بن عبد الرحمن، وعطاء ابن ميناء، وأبو مريم، وخلاس بن عمرو، وأبو عثمان مولى المغيرة، وغيرهم رووه عن أبي هريرة بلفظ: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه، وفي رواية: ثم يغتسل فيه، فتفرد السائب بهذا الحديث توجب ريبة في قبول مثل هذا، خاصة أنه في الحكم لا فرق بين بدن الجنب وغيره، وقد قال الرسول ﷺ: إن المسلم لا ينجس.\nالجواب الثاني:\nأن الرسول ﷺ لم يعلل بأن الماء يكون مستعملًا، ولم يذكر الرسول ﷺ قط بأن الماء يكون مستعملًا، فهذا الكلام زيادة على حديث الرسول ﷺ.\nالجواب الثالث:\nأن الحديث نص في الماء الدائم، وهو يشمل ما فوق القلتين، وما دون القلتين، وأنتم قلتم بأنه لا يكون مستعملًا إلا إذا كان دون القلتين. فهذه مخالفة أخرى للحديث.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٨٣).\n(^٢) المجموع (١/ ٢٠٦). ء","vol":"1","page":160},{"text":"الجواب الرابع:\nأن الحديث نهي عن الاغتسال، وذلك يعني غسل البدن كله، وأنتم أدخلتم ما دون ذلك، وذلك كما لو أدخل بعض أعضائه ناويًا رفع الحدث، فإن الماء يكون مستعملًا عندكم أي طاهرًا غير مطهر.\nالجواب الخامس:\nالحديث نهى الجنب أن يغتسل في الماء ما دام جنبًا سواء نوى رفع الحدث أو لم ينو؛ لأن معنى: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) أي لا يغتسل حالة كونه جنبًا، ولم يتطرق الحديث إلى اشتراط النية، وأنتم قلتم لو انغمس وهو جنب، ولم ينو رفع الحدث لا يكون الماء مستعملًا بل يبقى طهورًا. وهذه مخالفة رابعة للحديث.\nفتبين أن هذا الدليل لا يصلح أن يكون دليلًا لهم.\nوقد اختلف العلماء في العلة من نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، هل العلة تعبدية، أو حتى لا يتحول الماء إلى ماء مستعمل، فيسلبه الطهورية بناء على تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام، أو العلة حفظ الماء عن التنجيس، بحيث إذا غسل الأذى قبل الاغتسال لم يمنع من الاغتسال فيه، أو أن النهي؛ لأن النفوس تعافه للطعام والشراب بعد ذلك، وإن كان طهورًا، وهذا أقربها؛ لأن الماء طهور لا ينجسه شيء، وبدن الجنب طاهر بالإجماع، وملاقاة الطهور للطاهر لا تنقله عن حكمه، بل ملاقاته للنجاسة إذا لم يتغير بها لم تنقله عن حكمه على الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن النبي ﷺ وأصحابه احتاجوا في أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى، ولو كان طهورًا لجمعوه؛ لأن التيمم لا يجوز مع وجود الماء (^١).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٢٠٦).","vol":"1","page":161},{"text":"• ويجاب عنه:\nبأن الصحابة ﵃ كانوا يقتصدون في الوضوء، وقد ثبت من حديث أنس المتفق عليه قال: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد ... الحديث (^١)، بل توضأ بأقل من ذلك، وكان بعض السلف إذا توضأ لا يكاد يبلل الأرض. وعلى هذه الحال لا يمكن جمعه، ولو أمكن جمعه لكان في ذلك مشقة عظيمة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة بنص القرآن. كما أن كونه لم يجمع لا يدل على أنه لا يتطهر به، ولهذا لم يجمعوه للشرب مع طهارته، وحاجتهم للشرب آكد، ولم يجمعوه لغير الشرب كالعجن والطبخ والتبرد، فعدم جمعه ليس دليلًا على عدم طهوريته، ثم يقال أيضًا: لم يجمعوا أيضًا الماء المستعمل في طهارة مستحبة مع كونه طهورًا، ولا يبعد أن يكون هناك من يتوضأ مجددًا الوضوء، فلم ينهض هذا دليلًا على عدم الطهورية (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>الدليل الثالث:</span>\nما سبق أن ذكر من أن الماء المستعمل ليس ماء مطلقًا، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملًا، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق كما في قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فلم يقيده بشيء، فالماء المستعمل حكمه حكم ماء الورد والزعفران والشاي وغيرها (^٣).\nويجاب عن ذلك من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن لفظ (ماء) في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦] نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان مستعملًا أو غيره، وسواء كان متغيرًا أم لم يتغير، ما دام أنه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٠١) ومسلم (٣٢٥).\n(^٢) أجاب الشافعية عن هذا الاعتراض بقولهم: بأن الصحابة تركوا جمعه للشرب لاستقذاره، فإن النفوس تعافه. لكن يقال: إذا كانت تعافه للشرب، فإنها لا تعافه للتطهر. انظر المجموع (١/ ٢٠٦).\n(^٣) ذكره دليلًا لهم ابن حزم في المحلى (١/ ١٨٩) ورده عليهم.","vol":"1","page":162},{"text":"يسمى ماء، نعم خرج الماء النجس للإجماع على أنه لا يجوز التطهر به، وبقي ما عداه.\nالوجه الثاني:\nأنه لا فرق من حيث جوهر الماء بين الماء المستعمل وغيره، فهو ماء باق على صفته التي خلقه الله عليها، وهو مناط الحكم، فالمقصود بالمقيد هو ما خرج به الماء عن جوهره كالمرق والشاي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>الدليل الرابع:</span>\nقالوا إن هذا الماء قد استعمل في عبادة واجبة، فلا يمكن أن يستعمل في عبادة أخرى، كالعبد إذا أعتق لا يمكن أن يعتق مرة أخرى (^١).\n• وأجيب:\nبأن قياس الماء على العبد قياس مع الفارق.\nأولًا: لأن العبد إذا أعتق صار حرًّا، والحر لا يعتق، وأما الماء حين استعمل بقى ماء يمكن التطهر به، ما لم توجد قرينة تدل على نجاسته، وهي تغير أحد أوصافه بنجاسة.\nثانيًا: أن العبد لو رجع إلى الكفار وغنمه المسلمون رجع إلى الرق مرة أخرى، فلا يصح القياس، فالصحيح قياس الماء المستعمل على الثوب، فالثوب حين تؤدى به عبادة واجبة، وهى ستر للعورة، لا يمنع من استعماله مرة أخرى (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>دليل من قال بأن الماء المستعمل طهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الماء أنه طهور، ولا ننتقل عن ذلك إلا بدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا دليل.\n_________\n(^١) انظر المقنع شرح مختصر الخرقي (١/ ١٨٩)، وكشاف القناع (١/ ٣٢).\n(^٢) فرق الحنابلة بين استعمال الماء في عبادة، واستعمال الثوب. انظر المقنع شرح مختصر الخرقي (١/ ١٨٩)، قالوا: إن استعمال الماء على وجه الإتلاف فيؤثر بخلاف استعمال الثوب في ستر العورة فإنه ليس على وجه الإتلاف وهذا التعليل ضعيف.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>الدليل الثاني:</span>\nما سبق ذكره من أن الماء المستعمل ماء طهور لاقى بدنًا طاهرًا فلا يتأثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>الدليل الثالث:</span>\nسبق أن أثبت في مسألة أقسام الماء أن الماء قسمان، طهور ونجس، ولا يوجد قسم يسمى بالماء الطاهر، فكل دليل ذكرناه هناك يصح أن يكون دليلًا هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>الدليل الرابع:</span>\nالماء المتردد على العضو طهور بالإجماع مع أنه يمر على أول اليد ثم يمر على آخرها ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو، ثم إن المتوضئ يرد يده إلى الإناء فيأخذ ماءً آخر للعضو الآخر، فبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أنه لم يطهر العضو الثاني إلا بماء جديد قد مازجه ماء آخر مستعمل في تطهير عضو آخر، وهذا ما لا مخلص منه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>الدليل الخامس:</span>\nإذا كان هذا الماء إذا استعمل للتبرد أو لتنظيف الثوب الطاهر كان طهورًا بالإجماع (^٢)، فهذا مثله؛ إذ الفرق بين هذا الغسل وذاك هو النية فقط، والنية لا أثر لها في الماء لأن محلها القلب، وانتقال الماء إلى الطهورية ليس من أحكام التكليف حتى يتوقف على النية، بل هو من الأحكام الوضعية.\n_________\n(^١) المحلى (١/ ١٨٤). مع أن الذين قالوا بأنه مستعمل لا يحكمون له بالاستعمال إلا إذا انفصل من العضو، وما دام لم ينفصل لا يعتبر مستعملًا عندهم. وهذا الشرط دليل على ضعف هذا القول، فكونه انفصل أو لم ينفصل هو في حقيقته ماء قد استعمل في رفع الحدث.\n(^٢) قال في المغني (١/ ٣٤): ولا تختلف الرواية أن ما استعمل في التبرد والتنظيف أنه باق على إطلاقه، ولا نعلم فيه خلافًا.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>الدليل السادس:</span>\nأن الله ﷾ إنما أوجب التيمم على من لم يجد الماء، قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦] فكيف يقال بالتيمم مع وجود ماء باق على صفته التي خلقه الله عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>الدليل السابع:</span>\nاستدلوا ببعض الأدلة التي فيها ضعف أو نزاع، وإن كان ما سبق من الأدلة كافيًا في بيان أنه القول الراجح، لكن إتمامًا للفائدة أنقلها وأبين وجه النزاع فيها، فمنها:\n(٤٠) ما رواه أحمد من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال:\nحدثتني الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: كان رسول الله ﷺ يأتينا فيكثر، فأتانا فوضعنا له الميضأة، فتوضأ فغسل كفيه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة مرة، وغسل وجهه ثلاثًا، وذارعيه ثلاثًا، ومسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه مرتين، بدأ بمؤخره، ثم رد يده إلى ناصيته، وغسل رجليه ثلاثًا، ومسح إذنيه مقدمهما ومؤخرهما (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٦/ ٣٥٨).\n(^٢) مدار الحديث على عبد الله بن عقيل، والأكثر على ضعفه، وقد حررت الأقوال فيه في كتاب الحيض والنفاس، فليراجع، وقد انفرد سفيان عن ابن عقيل بذكر مسح الرأس بما بقي من وضوء في يديه، وقد رواه تسعة رواة مطولًا ومختصرًا عن ابن عقيل، ولم يذكروا ما ذكره سفيان، والحمل فيه على ابن عقيل، فإنه متكلم في حفظه، على أن سفيان تارة يرويه بذكر موضع الشاهد، وتارة يرويه مختصرًا بدون هذه الزيادة.\nوقد رواه عن سفيان اثنان:\nالأول: وكيع، عن سفيان، عن ابن عقيل، واختلف على وكيع:\nفأخرجه أحمد كما في إسناد الباب، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٨) رقم ٢١١، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٦٩) رقم: ٦٨١، عن كيع عن سفيان بلفظ: (ومسح رأسه بما بقي من وضوئه). =","vol":"1","page":165},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي رواية لأحمد بالإسناد نفسه: (توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخره، وأدخل أصبعيه في أذنيه).\nورواه محمد بن عبد الله بن نمير، كما في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٦٩) رقم ٦٨٠.\nوعلى بن محمد، وابن أبي شيبة كما في سنن ابن ماجه (٤١٨) ثلاثتهم عن وكيع عن سفيان به، بلفظ: أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا. هكذا مختصرًا. وفي رواية لابن ماجه (٤٤١): (توضأ النبي ﷺ فأدخل إصبعيه في جحري إذنيه).\nورواه إبراهيم بن سعيد كما في سنن أبي داود (١٣١)، ويحيى بن يحيى، كما في سنن البيهقي (١/ ٦٥)، كلاهما عن وكيع، به، بلفظ: أن النبي ﷺ توضأ، فأدخل أصبعيه في حجري أذنيه.\nهذا ما يخص رواية وكيع، عن سفيان.\nالثاني: عبد الله بن داود عن سفيان، ورواه عن عبد الله ثلاثة:\nالأول: مسدد، عن عبد الله بن داود كما في سنن أبي داود (١٣٠) والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٨) رقم: ٦٧٩، والأوسط لابن المنذر (٢٣٨٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٣٧)، بلفظ: أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده.\nالثاني: محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا عبد الله بن داود كما في سنن الدارقطني (١/ ٨٧) بلفظ: (مسح رأسه بما فضل في يديه من الماء).\nالثالث: زيد بن أخزم، عن عبد الله بن داود كما في سنن الدارقطني (١/ ٨٧)، بلفظ: (توضأ ومسح رأسه ببلل يديه)، وهي رواية بالمعنى.\nقال البيهقي (١/ ٢٣٧). «هكذا رواه جماعة عن عبد الله بن داود وغيره، عن الثوري، وقال بعضهم: ببلل يديه، وكأنه أراد أخذ ماء جديد فصب بعضه، ومسح رأسه ببلل يديه، وعبد الله بن محمد بن عقيل لم يكن بالحافظ، وأهل العلم بالحديث مختلفون في جواز الاحتجاج برواياته».\nهذا ما يخص رواية الثوري، عن عبد الله بن عقيل.\nوقد رواه جمع كبير عن ابن عقيل، ولم يذكروا ما ذكره سفيان عنه، من مسح الرأس بفضل الماء.\nفرواه معمر، كما في مصنف عبد الرزاق (١١، ١١٩)، ومسند إسحاق بن راهويه (٢٢٦٤)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٦) رقم: ٦٤٧، ٦٧٣، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٠٠).\nوبشر بن المفضل كما في سنن أبي داود (١٢٦) وسنن الترمذي (٣٣)، ومستدرك الحاكم (١/ ١٥٢).\nوالحسن بن حي بن صالح، كما في مسند أحمد (٦/ ٣٥٩)، وسنن أبي داود (١٣١) وسنن ابن ماجه (٤٤١)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٧)، وسنن البيهقي (١/ ٦٥). =","vol":"1","page":166},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وروح بن القاسم كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٩٩)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٧) رقم ٦٧٦ والمعجم الأوسط (٢٣٨٨).\nوسفيان بن عيينة، كما في مسند أحمد (٦/ ٣٥٨)، ومسند الحميدي (٣٤٢)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٧) رقم ٦٧٧، وسنن أبي داود (١٢٧)، وسنن الدارقطني (١/ ٩٦)، وسنن البيهقي (١/ ٧٢).\nوشريك بن عبد الله كما في سنن ابن ماجه (٣٩٠، ٤٤٠)، ومعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٩) رقم: ٦٨٢، ٦٨٣، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٢٣٦).\nوفليح بن سليمان كما في المعجم الكبير للطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٧١) رقم ٦٨٥.\nوعبيد الله بن عمرو، كما في سنن الدارمي (٦٩٠)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٦).\nوسعيد بن أبي عروبة كما في المعجم الكبير (١/ ٥١١) رقم ٩٤٣، والمعجم الأوسط (٩٣٩).\nومحمد بن عجلان كما في مسند أحمد (٦/ ٣٥٩، ٣٦٠) وسنن أبي داود (١٢٨، ١٢٩) والترمذي (٣٤)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٧١) رقم ٦٨٨، والمعجم الأوسط (٦١٠٠)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٦٠).\nمسلم بن خالد، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٠٦).\nوإسحاق بن حازم الزيات كما في المعجم الكبير (٦٩١)، والمعجم الأوسط للطبراني (٨٨٤١).\nوزهير بن محمد كما في المعجم الكبير للطبراني (٦٨٤).\nوقيس بن الربيع، كما في مسند أبي داود الطيالسي ط هجر (١٧٢٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٧٣) رقم: ٦٩٣، كلهم (معمر، وبشر، وروح، وابن عيينة، وشريك، وفليح، وعبيدالله بن عمرو، وسعيد بن أبي عروبة، ومحمد بن عجلان، ومسلم بن خالد وقيس ابن الربيع وإسحاق بن حازم، وزهير بن محمد) رووه عن ابن عقيل، ولم يذكروا ما ذكره سفيان في مسح الرأس بما بقي من فضل يديه.\nوقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢١) قال: حدثنا وكيع، عن معمر، عن أبي جعفر عن النبي ﷺ: أنه كان يمسح رأسه بفضل وضوئه.\nومعمر هذا: هو معمر بن يحيى بن سام، وقد أخرج له البخاري حديثًا واحدًا. في المتابعات.\nقال أبو زرعة: ثقة. الجرح والتعديل (٨/ ٢٥٨).\nوقال الآجري، عن أبي داود: بلغني أنه لا بأس به وكأنه لم يرضه. تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٢٣).\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٧/ ٤٨٥).\nوفي التقريب مقبول، والحق أنه صدوق، فيكفي فيه توثيق أبي زرعة، وأبو جعفر: هو محمد بن علي بن الحسين.\nفهل هذا المرسل يعتبر شاهدًا لرواية سفيان، عن ابن عقيل؟ =","vol":"1","page":167},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ مسح رأسه بالماء المتبقي من غسل يديه، وهذا يدل على صحة رفع الحدث بالماء المستعمل.\n(٤١) ومنها ما روه أحمد، قال: حدثنا على بن عاصم، حدثنا أبو على الرحبي، عن عكرمة، أخبرنا ابن عباس، قال: اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فلما خرج رأى لمعة على منكبه الأيسر لم يصبها الماء، فأخذ من شعره فبلها، ثم مضى إلى الصلاة (^١).\n[إسناده ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n= وللجواب: أن حديث ابن عقيل لو لم يختلف عليه لربما قوي هذا بذاك، أما إذا كان حديث ابن عقيل على ضعفه، فإن فيه تفردًا، حيث سفيان، عن ابن عقيل على اختلاف عليه في ذكر مسح الرأس بفضل يديه، ورواه ثلاثة عشر روايًا عن ابن عقيل بدون ذكر هذه الزيادة، وقد يكون الحمل على ابن عقيل لضعفه، لهذا إن اعتبرنا هذه الزيادة منكرة أو شاذة، فإن الشاذ والمنكر لا يصلحان للاعتبار، لأنه خطأ، ويبقى المرسل وحده لا حجة فيه، والله أعلم.\nوقد خالف حديث عبد الله بن عقيل، حديث عبدالله بن زيد عند الإمام مسلم (٢٣٦) من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن حبان بن واسع حدثه، أنه سمع عبدالله بن زيد بن عاصم المازني يذكر: أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ، فمضمض، ثم استنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويده اليمنى ثلاثًا، والأخرى ثلاثًا، ومسح برأسه بماء غير فضل يده، وغسل رجليه حتى أنقاهما. فهذا هو المعروف من الحديث أن الرسول ﷺ أخذ ماءً جديدًا لرأسه غير فضل يديه.\nويحتمل أن يقال: إنه لا تعارض بينهما؛ لأن كونه ﷺ مسح رأسه بماء غير فضل يديه لا يدل على الحصر، ولا نفي لما عداه، ولا يستلزم عدم وقوع غيره. فيحتمل أن يكون فعل هذا مرة، وهذا مرة. خاصة أن كل حديث له إسناد مستقل فيعتبر حديثًا برأسه، وهذا جيد لولا ضعف عبد الله ابن عقيل من جهة، وكثرة من روى عنه الحديث بدون هذه الزيادة، والله أعلم.\n(^١) مسند أحمد (١/ ٢٤٣).\n(^٢) فيه أبو علي الرحبي: اسمه حسين بن قيس.\nقال أحمد: متروك الحديث ضعيف الحديث. الضعفاء الكبير (١/ ٢٤٧).\nقال البخاري: ترك أحمد حديثه. التاريخ الكبير (٢/ ٣٩٣). =","vol":"1","page":168},{"text":"(٤٢) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة من طرق عن إسحاق بن سويد العدوي، قال:\nحدثنا العلاء بن زياد، قال: اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فخرج، فأبصر لمعة بمنكبه لم يصبها الماء، فأخذ بجمته فبلها به.\n[رجاله ثقات، إلا أنه مرسل] (^١).\n(٤٣) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس فيما يعلم حماد، عن علي قال: إذا توضأ الرجل، فنسي أن يمسح برأسه، فوجد في لحيته بللًا، أخذ من لحيته، فمسح رأسه.\n[ضعيف خلاس لم يسمع من علي] (^٢).\n(٤٤) ومنها ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا أبو الأحوص، عن محمد بن عبيد الله، عن الحسن بن سعد، عن أبيه،\n_________\n= وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار، ويلزق رواية الضعفاء، كذبه أحمد بن حنبل، وتركه يحيى ابن معين. المجروحين (١/ ٢٤٢).\nوالحديث أخرجه أحمد (١/ ٢٤٣) كما في إسناد الباب، والبيهقي في الخلافيات أيضًا (١/ ١٧) عن علي بن عاصم.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٦) رقم ٤٥٦، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٥٧٠)، وابن ماجه (٦٦٣)، والبيهقي في الخلافيات (٣/ ١٧) من طريق مسلم بن سعيد، كلاهما عن أبي علي الرحبي به.\n(^١) المصنف (١/ ٤٥) رقم ٤٤٤. ومن طريق إسحاق بن سويد أخرجه أبو داود في المراسيل (٧).\nوتابع هشام بن حسان إسحاق بن سويد فيما رواه عنه عبد الرزاق في المصنف (١٠١٥).\n(^٢) المصنف (١/ ٢٨) رقم ٢١٨.\nقال أحمد بن حنبل: كان يحي بن سعيد يتوقى أن يحدث عن خلاس، عن على خاصة.\nوقال أبو داود: كانوا يخشون أن يكون خلاس يحدث عن صحيفة الحارث الأعور. انظر تهذيب الكمال (٨/ ٣٦٤، ٣٦٥). وأثر علي فيه إشكال آخر من الناحية الفقهية، وهى عدم مراعاة الترتيب، وهى مسألة خلافية وسوف تأتي إن شاء الله في باب الوضوء.","vol":"1","page":169},{"text":"عن علي، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني اغتسلت من الجنابة، وصليت الفجر، ثم أصبحت، فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء، فقال رسول الله ﷺ: لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n(٤٥) ومنها ما رواه البيهقي في الخلافيات، من طريق يحيى بن عنبسة، ثنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فبقيت لمعة في جسده، فقيل له: يا رسول الله هذه لمعة في جسدك لم يصبها الماء، قال: فأومأ إلى بلل شعره فبله، فأجزأه ذلك (^٣).\n[إسناده ضعيف جدًّا إن لم يكن موضوعًا] (^٤).\n(٤٦) ومنها ما رواه الدارقطني من طريق عطاء بن عجلان، عن عبد الله ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فرأى\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٦٦٤).\n(^٢) فيه محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو متروك.\nورواه البيهقي في الخلافيات (٣/ ١٦) من طريق مسدد، حدثنا أبو الأحوص به.\nقال البوصيري: وهذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن عبيد الله العرزمي.\nوضعفه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٧) وأحال على الخلافيات، وقال: ولا يصح شيء من ذلك لضعف أسانيده، وقد بينته في الخلافيات، وأصح شيء فيه ما رواه أبو داود في المراسيل، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن إسحاق بن سويد، عن العلاء بن زياد، عن النبي ﷺ أنه اغتسل فرأى لمعه في منكبه لم يصبها الماء فأخذ خصلة من شعر رأسه فعصرها على منكبه ثم مسح يده على ذلك المكان، وهذا منقطع.\n(^٣) الخلافيات (١/ ١٨، ١٩).\n(^٤) فيه يحيى بن عنبسة، قال البيهقي: يحيى بن عنبسة هذا كان يتهم بالوضع.","vol":"1","page":170},{"text":"لمعة بجلده لم يصبها الماء، فعصر خصلة من شعر رأسه، فأمسها ذلك الماء (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nومنها ما روه الدارقطني من طريق المتوكل بن فضيل أبي أيوب الحداد بصرى، عن أبي ظلال،\nعن أنس بن مالك، قال صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، وقد أغتسل من جنابة، فكان نكتة مثل الدرهم يابس لم يصبه الماء، فقيل: يا رسول الله إن هذا الموضع لم يصبه الماء، فسلت شعره من الماء، ومسحه به، ولم يعد الصلاة (^٣).\nقال الدارقطني: المتوكل بن فضيل ضعيف (^٤).\n(٤٧) ومنها ما رواه أبو داود من طريق أبي الأحوص، حدثنا سماك، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال رسول الله ﷺ: إن الماء لا يجنب (^٥).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١١٢).\n(^٢) فيه عطاء بن عجلان، قال البيهقي في الخلافيات: متروك الحديث. الخلافيات (١/ ٢٠). وقال ابن الجوزي في الواهيات: فيه عطاء بن عجلان، قال: يحيى ليس بشيء كذاب. وقال مرة: كان يوضع له الحديث، فيحدث به، وقال الفلاس: كذاب. وقال الرازي والدارقطني: متروك. اهـ\nوالحديث رواه البيهقي في الخلافيات (٣/ ٢٠)، وابن الجوزي في الواهيات (٥٦٩) من طريق الدارقطني به.\n(^٣) سنن الدارقطني (١/ ١١٢).\n(^٤) ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في الخلافيات (٣/ ٢١، ٢٢)، وابن الجوزي في الواهيات (٥٦٩).\nوالمتوكل جاء في ترجمته:\nقال البخاري: عنده عجائب. التاريخ الكبير (٨/ ٤٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: مجهول. الجرح والتعديل (٨/ ٣٧٢).\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه. الميزان (٤/ ٣١٦).\n(^٥) سنن أبي داود (٦٨).","vol":"1","page":171},{"text":"[إسناده ضعيف] (^١).\nوجه الاستدلال:\nقول النبي ﷺ إن الماء لا يجنب حتى ولو كان مستعملًا في رفع الحدث لا تنتقل إليه الجنابة.\n• وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر، من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن المحفوظ في لفظ هذا الحديث قوله ﷺ: إن الماء لا ينجسه شيء، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك في مسألة الوضوء بفضل المرأة.\nالوجه الثاني:\nليس في الحديث ما يدل على التطهر بالماء المستعمل، نعم يدل الحديث على جواز الوضوء بفضل المرأة، وهناك فرق بين المسألتين. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-146> دليل من قال الماء المستعمل طهور مكروه:</span>\nقال الخرشي: «وعللت الكراهة بعلل كلها لا تخلو من ضعف، والراجح في التعليل مراعاة الخلاف، كما قال ابن الحاجب؛ لأن أصبغ قائل بعدم الطهورية» اهـ (^٢).\nقلت: وقد سبق لك أن تعليل الكراهة بوجود الخلاف قول ضعيف جدًّا؛ لأن الكراهة حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي، ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع.\n• الراجح:\nأن الماء المستعمل في طهارة واجبة طهور غير مكروه.\n* * *\n_________\n(^١) سبق تخريجه، والكلام عليه، أثناء تخريج حديث بئر بضاعة انظر ح (٤)، وقد بينت أن علته رواية سماك عن عكرمة مضطربة.\n(^٢) الخرشي (٢/ ٧٥).","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الفصل الثاني الماء المستعمل في طهارة مستحبة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المستعمل في طهارة واجبة كالمستعمل في طهارة مستحبة أو للتبرد على الصحيح؛ لأن انتقال الماء عن الطهورية بالاستعمال خطاب وضعي، لا يتوقف على النية والتي هي من أحكام التكليف.\n• الماء المستعمل ماء مطلق باق على خلقته، يصدق عليه اسم ماء بلا قيد.\nوقيل:\n• سلب الطهورية من الماء المستعمل، هل هو معلل بأنه أديت به قربة، فيدخل فيه التجديد والمسنون، أو معلل بأداء الفرض وزوال المانع فيختص بما رفع به الحدث؟ (^١).\n[م-١٩] عرفنا متى يكون الماء مستعملًا، وعرفنا حكم الماء المستعمل في طهارة واجبة، فهل يختلف الحكم لو كان الماء مستعملًا في طهارة مستحبة، اختلف الفقهاء:\n_________\n(^١) قال القرافي في الذخيرة (٢/ ١١٨): «ويتخرج على القولين مسائل، فإن قلنا: إن العلة إزالة المانع لم يندرج في الماء المستعمل الغسل في المرة الثانية والثالثة في الوضوء إذا نوى في الأولى الوجوب، ولا الماء المستعمل في تجديد الوضوء، ونحو ذلك مما لا يزيل المانع ويندرج فيه الماء المستعمل في غسل الذمية؛ لأنه أزال المانع من الوطء.\nوإن قلنا: إن سبب ذلك كونه أديت به قربة، اندرج فيه الماء المستعمل في المرة الثانية والثالثة، وفي تجديد الوضوء، ولا يندرج الماء المستعمل في غسل الذمية لأنه لم تحصل به قربة عكس ما تقدم».","vol":"1","page":173},{"text":"فقيل: نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة، ولا فرق عنده بين أن يستعمل في طهارة واجبة أو مستحبة (^١).\nوقيل: طاهر، اختارها من الحنفية العراقيون، ومشايخ ما وراء النهر (^٢)، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: طهور يكره استعماله في رفع الحدث، ولا يكره استعماله في زوال الخبث، وهو مذهب المالكية، ولا فرق عندهم في الحكم بين ما استعمل في طهارة واجبة أو مستحبة (^٤)، واختار الكراهة بعض الحنابلة (^٥).\nوقيل: طهور مطلقًا غير مكروه، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) في تعريف الماء المستعمل قال في البحر الرائق (١/ ٩٧): «الماء يصير مستعملًا بواحد من ثلاثة: إما بإزالة الحدث، سواء كان معه تقرب أو لا، أو إقامة القربة سواء كان معه رفع الحدث أو لا، أو إسقاط الفرض».اهـ\nفقوله: إقامة القربة يقصد به أن ينوي تجديدًا مسنونًا. فهذا دليل على أن الماء يكون مستعملًا ولو كان في طهارة مستحبة؛ لأن الطهارة المستحبة طهارة قربة، يتقرب بها العبد إلى الله، انظر شرح فتح القدير (١/ ٨٧)، والمبسوط (١/ ٤٦)، وحاشية رد المحتار لابن عابدين (١/ ٢٠٠، ٢٠١).\n(^٢) قال العيني في البناية (١/ ٣٤٩): ورواه زفر ﵀ أيضًا عن أبي حنيفة يعني، كونه طاهرًا. ثم قال: حتى كان قاضي القضاة أبو حازم عبد الحميد العراقي يقول: أرجو أن لا تثبت رواية النجاسة فيه عن أبي حنيفة ﵀، وهو اختيار المحققين من مشايخنا بما وراء النهر، قال في المحيط: وهو الأشهر الأقيس. قال في المفيد: وهو الصحيح. قال الأسبيجابي: وعليه الفتوى.\n(^٣) المجموع (١/ ٢١٠).\n(^٤) القوانين الفقهية (ص: ٢٥) وحاشية الدسوقي (١/ ٤١ - ٤٣). وعند المتأخرين: تردد هل يسوى بين الماء المستعمل في طهارة واجبة والمستعمل في طهارة مستحبة؟ وسبب هذا التردد أنه لا يوجد نص من المتقدمين في التفريق، ولذلك اعتمدت على لا أنه لا فرق عندهم في المسألتين. والله أعلم.\n(^٥) قال صاحب زاد المستقنع (ص: ٢٠): وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغسله ثانية وثالثة كره.\n(^٦) قال النووي في المجموع (١/ ٢١٠): «واتفق الجماهير في جميع الطرق على أن الصحيح أنه ليس بمستعمل، وهو ظاهر نص الشافعي، وقطع به المحاملي في المقنع، والجرجاني في كتابيه» ... إلخ.\nوانظر حاشية الجمل (١/ ٣٩)، وحاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ٨٢).\nوفي مذهب الحنابلة، جاء في كشاف القناع (١/ ٢٣): «وظاهر المنتهى: كالتنقيح، والمبدع، والإنصاف وغيرها عدم الكراهة». وانظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ١٥) المبدع (١/ ٤٥).","vol":"1","page":174},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-149> دليل القائلين بأنه نجس:</span>\nانظر أدلتهم في الخلاف في الماء المستعمل في طهارة واجبة؛ لأنهم لا يفرقون بين ما استعمل في طهارة واجبة، أو طهارة مستحبة ما دام أن الطهارة مشروعة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-150> دليل القائلين بأنه طاهر غير طهور:</span>\nجمهورهم فرقوا بين ما استعمل في طهارة واجبة، وبين ما استعمل في طهارة مستحبة، فالأول جعلوه طاهرًا، والثاني طهورًا.\nوسبب التفريق عندهم:\nأن ما استعمل في طهارة مستحبة لم يرفع حدثًا، ولم يذهب خبثًا، وبالتالي لم يتأثر الماء، غاية ما فيه أنه لاقى بدنًا طاهرًا، وهذا لا يؤثر، بخلاف ما استعمل في رفع الحدث، فقد أثر في طهارة المحل. وانظر أدلتهم في الخلاف في الماء المستعمل في طهارة واجبة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-148> دليل القائلين بأنه طهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الماء أنه طهور، ولا ينتقل عنه إلا لدليل من كتاب أو سنة، ولا دليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>الدليل الثاني:</span>\nالماء المستعمل في الطهارة يسمى ماء، وهو ماء مطلق لم يتغير، والله يقول سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فكيف يتيمم مع وجود ماء باق على خلقته التي خلقه الله عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>الدليل الثالث:</span>\nقال ابن المنذر: وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضي","vol":"1","page":175},{"text":"والمغتسل وما قطر منه على ثيابهما طاهر، دليل على طهارة الماء المستعمل، وإذا كان طاهرًا فلا معنى لمنع الوضوء به بغير حجة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>الدليل الرابع:</span>\nإذا كان الماء إذا غسل به الثوب كان طهورًا، فكذلك إذا غسل به البدن، ولا فرق بين ماء غسل به ثوب طاهر، وبين ماء غسل به بدن طاهر، والحدث معنى وليس نجاسة حتى يقال: إن الماء يتأثر بالنجاسة أو يتأثر بالانتقال إلى كونه طاهرًا.\nالراجح:\nأن الماء المستعمل طهور، فلا فرق بين ما استعمل في طهارة واجبة، وبين ما استعمل في طهارة مستحبة.\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الفصل الثالث الماء المستعمل في طهارة غير مشروعة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المستعمل ماء مطلق باق على خلقته.\n• الطهورية صفة لازمة للماء تفيد التكرار بصيغتها وصفتها على الصحيح، فيصح الوضوء بالماء المستعمل مطلقًا سواء استعمل في طهارة مشروعة أو غير مشروعة.\n• اختصاص طهارة الحدث بالماء هل هو تعبدي، أو معلل بلطافة الماء ورقته بما لا يشاركه فيه سائر المائعات؟\n• المستعمل إن تغير بوسخ كان له حكم الماء المتغير بطاهر، وإن لم يتغير كان له حكم الماء الذي مر بطاهر لم يغيره، وفي الحالين هو طهور على الصحيح.\nوقيل:\nسلب الطهورية من الماء المستعمل هل هو معلل بأنه أديت به قربة، فيدخل فيه التجديد والمسنون، أو معلل بأداء الفرض، وزوال المانع فيختص بما رفع به الحدث.\n[م-٢٠] تبين لنا حكم الماء المستعمل في طهارة واجبة أو مستحبة، فما حكم الماء فيما لو كانت الطهارة غير مشروعة كالغسلة الرابعة في الوضوء، والغسل الثانية والثالثة في الاغتسال ونحوها؟","vol":"1","page":177},{"text":"اختلف الفقهاء في ذلك:\nفقيل: إن أراد بها ابتداء الوضوء، أي زاد بعد فراغه من الوضوء الأول، صار الماء مستعملًا، وإن أراد الزيادة على الوضوء الأول، ففيها قولان:\nفقيل: يصير مستعملًا؛ لأن الزيادة في معنى الوضوء على الوضوء.\nوقيل: لا يصير مستعملًا؛ لأنه من باب التعدي، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nفقيل: الماء المستعمل في طهارة غير مشروعة كالغسلة الرابعة طهور، اختاره بعض المالكية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢).\nوقيل: طهور مكروه، وهو قول في مذهب المالكية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-156> دليل من قال يصبح الماء مستعملًا:</span>\nقالوا: إن الغسلة الرابعة في معنى الوضوء، فتكون مؤثرة في طهوريته.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-157> دليل من قال الماء طهور غير مستعمل:</span>\nقالوا: إن الماء المستعمل في الغسلة الرابعة لم يرتفع بها حدث، ولم تقع على وجه القربة، بحيث تكون مؤثرة في طهارة المحل، فغاية ما هناك ماء طهور لاقى بدنًا طاهرًا، وهذا لا يخرجه عن طهوريته.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-158> دليل من قال طهور مكروه:</span>\nتعليلهم بوجود الخلاف في طهوريته، فما دام أن هناك خلافًا في طهورية هذا\n_________\n(^١) انظر بدائع الصنائع (١/ ٦٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٩٩).\n(^٢) انظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ٤٢)، الخرشي (١/ ٧٥)، مواهب الجليل (١/ ٧٠).\nوفي مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (١/ ٢١١): «واتفقوا على أن المستعمل في الغسلة الرابعة ليس بماء مستعمل؛ لأنها ليست بنفل».\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٣٧)، كشاف القناع (١/ ٣٣)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٣٤، ٣٥)\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ٤٢).","vol":"1","page":178},{"text":"الماء، فنكره التطهر به خروجًا من الخلاف.\nوقد سبق لك مناقشة كراهة الشيء مراعاة للخلاف، وأنه قول ضعيف جدًّا، وليس الخلاف من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والخلاف إن كان له حظ من النظر بحيث تكون له أدلة معتبرة فحينئذ يكون له اعتبار من أجل الأدلة الثابتة، وإن لم يكن له أدلة معتبرة، فلا حظ له ولا اعتبار، ومع ذلك فليس التعليل بالخلاف حجة شرعية، وإنما العبرة بالدليل الشرعي.\n* * *","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الفصل الرابع الماء المستعمل في التبرد والنظافة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المستعمل في طهارة واجبة كالمستعمل في طهارة مستحبة أو للتبرد؛ لأن الوجوب والاستحباب يتعلق بالمكلف، وانتقال الماء عن الطهورية خطاب وضعي، ولا ارتباط بينهما.\n• كل استعمال للماء لا يسلبه الطهارة لا يسلبه الطهورية على الصحيح.\nوقيل:\n• علة سلب الماء المستعمل الطهورية، هل هي أداء العبادة، فيدخل فيها التجديد والمسنون، أو أداء الفرض، وزوال المانع فيختص برفع الحدث؟\n[م-٢١] إذا استعمل الماء للتبرد، فهل يكون مستعملًا أم يبقى طهورًا، اختلف العلماء في ذلك،\nفقيل: إن كان محدثًا صار الماء مستعملًا في مذهب أبي حنيفة، لوجود إزالة الحدث؛ لأن الحدث عنده يرتفع، ولو لم ينو، وإن كان استعمله للتبرد، وهو متوضئ، فهو طهور (^١).\nوقيل: الماء طهور بلا كراهة، وهذا مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٢٤)، المبسوط (١/ ٦٩)، شرح فتح القدير (١/ ٨٨).\n(^٢) قال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٠): «ولا تختلف الرواية أن ما استعمل في التبرد والتنظف، أنه باق على إطلاقه، ولا نعلم فيه خلافًا».","vol":"1","page":180},{"text":"وهذا هو الراجح؛ فإذا كنا رجحنا أن الماء المستعمل في رفع الحدث أنه طهور غير مكروه، فمن باب أولى أن يكون الماء المستعمل للتبرد طهورًا غير مكروه، وغاية ما فيه ماء طهور لاقى بدنًا طاهرًا فلم يخرجه عن حكمه، ومن ادعى خروجه عن حد الطهورية فليس معه دليل، والماء نوعان لا ثالث لهما: نجس، وهو ما تغير أحد أوصافه الثلاثة من لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة وقعت فيه.\nوطهور: وهو خلاف الماء النجس، وهو الماء الباقي على خلقته حقيقة أو حكمًا، ولا يوجد قسم ثالث لهما، وقد ناقشنا أدلة من قسم الماء إلى ثلاثة أقسام، مثبتًا القسم الطاهر، فإذا لم يثبت قسم الماء الطاهر، لم تثبت كل مسألة حكم فيها الفقهاء بأن الماء طاهر غير طهور، ومنها مسألتنا هذه، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>الفصل الخامس الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• اليقين لا يزول بالشك.\n• الأصل في الماء واليد الطهارة.\n• هل النهي يقتضي الفساد؟\n• سلب الطهورية من الماء بغمس يد النائم خطاب وضعي، والنهي عن غمس اليد خطاب تكليفي ولا ارتباط بينهما (^١).\nويبنى عليه: لا فرق بين يد الصبي والبالغ، ويد الكافر والمسلم.\n• سلب الطهورية عن الماء لا يكون إلا بتغير صفات الماء أو أكثرها.\n• الأحكام إنما تناط بالحقائق الظاهرة، لا بالأشياء الخفية على الصحيح.\n• ما قيد غسله من الطاهرات بعدد فإن علته تعبدية غير معقولة المعنى.\nوقيل:\n• النجاسة المتحققة يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، فالمتوهمة من باب أولى.\n[م-٢٢] اختلف العلماء في الماء إذا غمس فيه يد قائم من نوم الليل،\n_________\n(^١) انظر شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٤٢٨)، قواطع الأدلة (١/ ١٣٥، ١٣٦).","vol":"1","page":182},{"text":"فقيل: الماء طهور، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، ومذهب الظاهرية (^١).\nقال ابن تيمية: وهو قول أكثر الفقهاء (^٢)، ورجحه ابن القيم (^٣).\nوقيل: ينجس إن كان الماء قليلًا، وهو مذهب الحسن البصري، وإسحاق بن راهوية، ومحمد بن جرير الطبري، وهو رواية عن أحمد (^٤).\nوقيل: الماء طاهر غير مطهر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو من المفرادت (^٥).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: أحكام القرآن - الجصاص (٢/ ٤٩٦، ٤٩٧)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٠)، شرح فتح القدير (١/ ٢٠)، البحر الرائق (١/ ١٨)، حاشية ابن عابدي (١/ ١١٠).\nوفي مذهب المالكية، انظر: المنتقى (١/ ٤٧)، الخرشي (١/ ١٣٢) وانظر بداية المجتهد (١/ ١٠٥)، وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٥٢): «إن أدخل أحد يده بعد قيامه من نومه في وضوئه قبل أن يغسلها، ويده نظيفة لا نجاسة فيها، فليس عليه شيء ولا يضر ذلك وضوءه». اهـ\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٣٩)، المجموع (١/ ٢١٤، ٣٨٩، ٣٩٠)، طرح التثريب (٢/ ٤٥)، شرح البهجة (١/ ١٠٥)، تحفة المحتاج (١/ ٢٢٦)، نهاية المحتاج (١/ ١٨٥، ١٨٦)، حاشية البجيرمي (١/ ١٦٠، ١٦١).\nوانظر رواية أحمد في مطالب أولى النهى (١/ ٩٢)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ٢١٧، ٤٢٥)، الفروع (١/ ٧٩).\nوانظر مذهب الظاهرية: المحلى (١/ ١٥٥، ١٥٦، ٢٩٤)، وقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٢٥٣، ٢٥٤): «وتحصيل مذهب داود وأكثر أصحابه أن فاعل ذلك عاص إذا كان بالنهي عالمًا، والماء طاهر، والوضوء به جائز ما لم تظهر فيه نجاسة». اهـ\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٤).\n(^٣) تهذيب السنن (١/ ٦٩).\n(^٤) انظر شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٣١) في الكلام على حديث رقم ٢٧٨، والمجموع (١/ ٣٩٠، ٣٩١).\nوفي الإنصاف (١/ ٣٨) ذكر أنها من المفردات، واختارها من أصحاب الإمام أحمد الخلال.\n(^٥) انظر مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٩)، والفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ٢١٧، ٤٢٥)، الفروع (١/ ٧٩)، الإنصاف (١/ ٣٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩)، كشاف القناع (١/ ٣٣، ٣٤). =","vol":"1","page":183},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومذهب الحنابلة لا يكون طاهرًا إلا بشروط، منها:\nالأول: أن يكون الماء قليلًا، وحد القليل عندهم: أن يكون دون القلتين، لقوله ﷺ: لايغمس يده في الإناء، وإناء الوضوء إناء صغير.\nالثاني: أن يغمس كامل يده، لحديث أبي هريرة في الصحيحين، وفيه: (فلا يغمس يده)، واليد عند الإطلاق تشمل جميع الكف، لقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨] وفي التيمم المسح خاص بالكف، لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦] وأما إذا كان الأمر زائدًا على الكف فلا بد من التقييد، كما في آية الوضوء، قال تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ؟) [المائدة: ٦].\nوأما إذا غمس بعض يده فلا يؤثر في الماء، وهو المشهور من المذهب عند المتأخرين، انظر كشاف القناع (١/ ٣٣)، المبدع (١/ ٤٦).\nوقيل: يؤثر، ولو غمس بعض اليد، انظر الفروع (١/ ٧٩)، والإنصاف (١/ ٤٠)، ولا يؤثر غمس عضو آخر غير اليد؛ لأن الحديث نص على اليد.\nالثالث: أن يكون قائمًا من نوم الليل. ولي فيها وقفة خاصة، نظرًا لكثرة أدلتها.\nالرابع: أن يكون النوم ناقضًا للوضوء، وهو عندهم كل نوم إلا نومًا يسيرًا من قاعد أو قائم.\nالخامس: لا بد أن تكون اليد يد مكلف بحيث لو كان الغامس صغيرًا أو مجنونًا أو كافرًا لم يؤثر ذلك في الماء.\nفي مذهب الإمام أحمد وجهان في الصغير والمجنون والكافر إذا غمسوا أيديهم في الماء:\nأحدهما: أنهم كالمسلم البالغ العاقل لا يدرون أين باتت أيديهم.\nوالثاني: أنه لا تأثير لغمس الصبى والمجنون والكافر. قال صاحب الإنصاف: (١/ ٤١) وهو الصحيح، وإليه مال المصنف في المغني، واختاره المجد في شرح الهداية، وصححة ابن تميم، قال في مجمع البحرين: لا يؤثر غمسهم في أصح الوجهين.\nواستدلوا:\nأولًا: أن المنع من الغمس إنما ثبت من الخطاب: يعنى: قوله ﷺ: (إذا استيقظ أحدكم ...) الحديث، ولا خطاب في حق هؤلاء.\nوثانيًا: إن وجوب الغسل أمر تعبدي، ولا تعبد في حق هؤلاء.\nوثالثًا: الغسل المزيل لحكم المنع من شرطه النية، والمجنون والصبي والكافر ليسوا من أهلها.\nولكن هذا القول من أصحاب الإمام أحمد ﵀ عجيب! كيف إذا غمس الصبي الذي لا يحسن الطهارة، والكافر الذي لا يستنزه من البول، والمجنون الذي لا يعقل إذا غمسوا أيديهم في الماء لا يتأثر الماء، وتصح الطهارة منه، وإذا غمس المسلم العاقل البالغ الذي يحسن الطهارة أصبح الماء غير صالح للطهارة منه.=","vol":"1","page":184},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-161> دليل الجمهور على أن الماء طهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>الدليل الأول:</span>\nالأمر بغسل اليد على وجه الاستحباب؛ لأن طهارة اليد متيقنة، ونجاستها مشكوك فيها؛ لقوله ﷺ: فإنه لا يدري أين باتت يده. والشك لا يقضي على اليقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>الدليل الثاني:</span>\nوكون الرسول ﷺ أرشد إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها في الإناء قرينة على أن الغسل ليس بواجب إذ لو كان واجبًا لكفى فيها غسلة واحدة قياسًا على دم الحيض، وإذا كان الغسل ليس واجبًا لم يكن غمسها مؤثرًا في الماء، فيبقى الماء على طهوريته حتى يأتي دليل صحيح صريح ينقله عن الطهورية.\nوسوف نناقش علة النهي عن غمس اليد في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-164> دليل من قال إن الماء ينجس:</span>\nلا أعلم لهم دليلًا على نجاسة الماء، ولذلك قال النووي عن القول بالنجاسة: وهو ضعيف جدًّا؛ فإن الأصل في اليد والماء الطهارة، فلا ينجس بالشك، وقواعد الشريعة متظاهرة على هذا.\nوقال ابن القيم: «القول بنجاسته من أشذ الشاذ» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-165> دليل الحنابلة على أن الماء طاهر:</span>\n(٤٨) ما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر\n_________\n= فالصحيح أن العلة في المسلم النائم، هي العلة في الكافر النائم، وهى العلة نفسها في الصبي والمجنون، وليس تأثير الغمس من الأحكام التكليفية، بل هو من الأحكام الوضعية، كما أن الكافر على الصحيح مخاطب بفروع الشريعة، وإن كان يفقد شرط الصحة، وهو الإيمان.\nانظر في المذهب الحنبلي كشاف القناع (١/ ٣٣)، المبدع (١/ ٤٧)، الإنصاف (٤٠، ٤١)، الروض المربع (١/ ٢٣).\n(^١) تهذيب السنن (١/ ٦٩).","vol":"1","page":185},{"text":"البكراوي قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده (^١).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: إن الحديث نهى عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها، ولولا أن غمسها يؤثر في الماء لم ينه عنه، ولم نقل بنجاسة الماء؛ لأن اليد معلوم طهارتها، وليست نجسة، فهي يد طاهرة قابلت ماء طهورًا، ولم نقل: إن الماء طهور، لكون الرسول ﷺ نهى عن غمسها حتى تغسل ثلاثًا، فلولا أنه يفيد منعًا لم ينه عنه، فدل على أن الماء يكون طاهرًا غير مطهر.\n• ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nبأن الحديث لم يتعرض لحكم الماء، والأصل أنه طهور حتى يأتي دليل صحيح على منع التطهر به، ولا دليل.\nالوجه الثاني:\nلا يوجد دليل على وجود قسم من الماء طاهر غير مطهر، فكل ماء طاهر باق على خلقته، فهو طهور، ولا ينتقل عنه إلا أن يتغير بنجس، أو يتغير بطاهر يغلب على الماء حتى لا يكون ماء مطلقًا كالشاي والمرق.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٧٨).","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>الفرع الأول حكم غسل اليد قبل إدخالها الإناء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأمر الوجوب، وفي النهي التحريم إلا لقرينة.\nومن القرائن:\n• كل غسل لا يوجبه حدث ولا نجس لا يكون واجبًا كسائر الأغسال.\n• الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، خاصة إذا كان الأصل مستصحبًا، وهو طهارة اليد.\n• النوم إن كان حدثًا فهو بمنزلة البول، أو كان مظنة للحدث فهو بمنزلة لمس الفرج، وهما لا يوجبان غسل اليد قبل إدخالها الإناء، فكذلك القيام من النوم.\n• إيجاب الغسل بعلة مبيت الشيطان على يده لا يصح؛ لأنه لا ذكر للشيطان في الحديث، ولا يتأتى القياس على الخيشوم لكون مثل هذا يحتاج إلى توقيف، والخيشوم طريق إلى قلب الآدمي وجوفه بخلاف اليد، فإنها عضو خارجي كسائر الأعضاء، وعلى التسليم بصحة القياس فإن الاستنثار ثلاثًا بعد القيام من الليل ليس بواجب، فكذلك هنا.\n[م-٢٣] اختلف الفقهاء في حكم غسل يد الرجل إذا قام من نومه قبل إدخالها الإناء:","vol":"1","page":187},{"text":"فقيل: سنة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\nوقيل: غسلها ثلاثًا واجب، وإليه ذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه (^٢)، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن حزم (^٣)، والحسن البصري (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-167> دليل الجمهور على كون الغسل سنة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>الدليل الثاني:</span>\n(٤٩) ما رواه مسلم، من طريق شعبة، عن جامع بن شداد، عن حمران بن أبان،\nأن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ: من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى، فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن (^٥).\nوجه الاستدلال من الآية والحديث:\nأن آية المائدة وحديث عثمان: (من أتم الوضوء كما أمره الله) لم يقدم فيهما على الوجه فرضًا، فلو كان غسل اليد فرضًا لقدم ذكره، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (١/ ٢٠)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٩٧)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٠، ٢١)، الجوهرة النيرة (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ١٧)، شرح فتح القدير (١/ ٢١)، حاشية ابن عابدين (١/ ١١١، ١١٢).\nوانظر في مذهب المالكية: المنتقى (١/ ٤٨)، الخرشي (١/ ١٣٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٤).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٣٩)، المجموع (١/ ٢١٤)، إحكام الأحكام (١/ ٦٨، ٦٩)، حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٦٠).\nوانظر رواية أحمد في الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ٢١٧).\n(^٢) المغني (١/ ٧٠، ٧١)، الفروع (١/ ١٤٤)، الإنصاف (١/ ٤٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٩٢).\n(^٣) المحلى (١/ ١٥٥).\n(^٤) المغني (١/ ٧٠).\n(^٥) صحيح مسلم (٢٣٢).","vol":"1","page":188},{"text":"• وأجيب:\nلا خلاف في أن غسل اليدين للوضوء من سنن الوضوء، ولكن غسلها لمن قام من الليل لا يتعلق بالوضوء فقط، وإنما هو لمن أراد غمسها في الإناء سواء كان لوضوء أم لغيره.\n• ورد هذا الجواب:\nإذا كان غسل اليدين في الطهارة الصغرى والكبرى ليست واجبة، فغسلها للنظافة أبعد عن الوجوب؛ لأن غسل اليد لا يخرج عن ثلاثة أمور، إما عن حدث، كما في غسل اليد بعد غسل الوجه، وهذا من فروض الوضوء، وإما عن نجاسة، فهذا يجب غسلها مرة واحدة تذهب بعين النجاسة، وإما للنظافة، فلا يتعلق بها وجوب، والأصل في تنظيف اليد الإباحة إلا أن يغلب عليها جانب التعبد كالعدد في النظافة فهذا يلحقها بالمستحبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>الدليل الثاني:</span>\nطهارة اليد متيقنة، ونجاسة اليد مشكوك فيها لقوله ﷺ: (فإنه لا يدرى أين باتت يده)، فالوجوب يتعلق بالعلم وليس بالشك، وقد كانت اليد طاهرة قبل النوم فيستصحب ذلك، لأن الشك بمجرده لا يقضي على اليقين، فدل ذلك على أن النهي عن غمسها ليس للتحريم، وأن غسلها مستحب وليس بواجب.\nقال ابن دقيق العيد: «الأمر -وإن كان ظاهره الوجوب- إلا أنه يصرف عن الظاهر لقرينة ودليل، وقد دل الدليل، وقامت القرينة ههنا؛ فإنه ﷺ علل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجودًا. والأصل: الطهارة في اليد، فلتستصحب» (^١).\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ٦٩).","vol":"1","page":189},{"text":"• ويجاب:\nأن هذا توجيه يصح لو كانت العلة في النهي عن غمس اليد هي نجاسة اليد، أما من يرى أن العلة تعبدية، أو أن العلة كما ذكر ابن تيمية وابن القيم: هي مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه فلا يصح هذا الاستدلال. ولو كانت العلة في الغسل النجاسة، لأرشد الرسول ﷺ إلى غسلها مرة واحدة، ألا ترى إلى دم الحيض يصيب الثوب، أرشد الرسول ﷺ إلى غسله مرة واحدة غسله تذهب بعين النجاسة مع أن نجاسته متيقنة، فكيف بالنجاسة المتوهمة.\nوسوف نناقش العلة من غسل اليد قبل إدخالها في الإناء في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى، والقول بأن غسلها من أجل مبيت الشيطان عليها قياسًا على مبيته على الخيشوم قول ضعيف؛ حيث لم يذكر الشيطان مطلقًا في غسل اليد، ومثل ذلك لا يقال بالرأي، ولا بالقياس، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الدليل الثالث:</span>\nلما أرشد الرسول ﷺ إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها في الإناء علم أنه ليس بواجب إذ لو كان واجبًا لكفى فيها غسلة واحدة. قياسًا على دم الحيض.\n• وأجيب:\nبأن الذين قالوا بالوجوب لم يعللوا غسلها بالنجاسة، على أن العدد قد ورد حتى في إزالة النجاسة كالاستجمار والتسبيع في ولوغ الكلب.\n• ويجاب:\nبأن العدد لم يقتضيه القياس، وإنما النص، فهو لم يرد إلا في غسل نجاسة الكلب، ونجاسة الكلب مستثناة من بين سائر النجاسات، في وجوب التسبيع والتتريب ولو أنقت الغسلة الأولى، ولهذا لم يجب العدد في غسل نجاسة دم الحيض، وأما التثليث في الاستجمار فلأن الحجر ليس كالماء في قوة التطهير لكونه لا ينقي غالبًا فكان اشترط","vol":"1","page":190},{"text":"العدد للعفو عن يسير النجاسة المتبقية على المحل، وليس ذلك واجبًا في الاستنجاء بالماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>الدليل الرابع:</span>\n(٥٠) ما رواه مسلم من طريق عبدالعزيز -يعني: الدراوردي- عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة،\nعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاث مرات؛ فإن الشيطان يبيت على خياشيمه، ورواه البخاري (^١).\nوجه الاستدلال:\nإذا كان الاستنثار سنة بالإجماع بعد القيام من النوم، فكذلك غسل اليدين بعد القيام من النوم، وقبل غمسهما في الإناء ليس بواجب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-173> دليل الحنابلة على الوجوب:</span>\n(٥١) ما رواه مسلم من طريق خالد، عن عبد الله بن شقيق،\nعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وهو في البخاري دون قوله: ثلاثًا (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث نهى عن غمس اليد بعد الاستيقاظ إلا بعد غسلها ثلاثًا، والأصل في النهي التحريم إلا لصارف، ولا صارف هنا.\n• ونوقش هذا:\nبأن هناك صارفًا عن الوجوب، بل أكثر من صارف، وهما:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٩٥)، ومسلم (٢٣٨).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٧٨)، وانظر صحيح البخاري (١٦٢).","vol":"1","page":191},{"text":"الأول: أن الأمر معلل بكونه لا يدري، الوجوب إنما يتعلق بالعلم وليس بالشك، وقد تقدم التنبيه على هذا.\nالثاني: أن اليد طاهرة، وغسلها لم يشرع من أجل حدث أو خبث، والتثليث في غسل اليد مشعر بغلبة التعبد؛ إذ لو كان عن نجاسة لكفى فيها غسلة واحدة، وغسل الطاهر في غير الحدث لا يلحق بالواجبات وإنما بالمستحبات.\n• الراجح:\nأن غسل اليد سنة، وليس بواجب، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>الفرع الثاني في التماس العلة في غسل اليد قبل إدخالها الإناء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• غسل اليد قبل إدخالها الإناء، هل هو تعبدي للتفريق بين نوم الليل ونوم النهار، وهو غير معقول المعنى، ولغسلها ثلاثًا، والنجاسات يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها؟\nأو أن الحكم معقول المعنى لظاهر التعليل بقوله: فإنه لا يدري أين باتت يده؟\n• التعليل بأن الغسل لمبيت الشيطان على يده لا يصح؛ لأنه لا ذكر للشيطان في الحديث، ولا يتأتى القياس على الخيشوم لكون مثل هذا يحتاج إلى توقيف، والخيشوم طريق إلى قلب الآدمي وجوفه بخلاف اليد، فإنها عضو خارجي كسائر الأعضاء.\n[م-٢٤] إذا تيقن المسلم طهارة اليد فهل يؤمر بغسلها؟\nوللجواب على ذلك نقول: هذا يرجع إلى الخلاف في علة الأمر بغسلها، فإن كان غسلها لتوهم النجاسة لم يؤمر بغسلها إذا تيقن طهارتها، وإن كانت العلة غير النجاسة كان مأمورًا بغسلها، لهذا اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:\nفقيل: لا يسن غسلها، بل يغمسها بدون غسل، اختاره بعض الحنفية (^١).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٢١).","vol":"1","page":193},{"text":"وقيل: يسن مطلقًا، وتقييده بالمستيقظ بالحديث لا ينافي غيره، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية (^١).\nوقيل: هو بالخيار، إن شاء غسل يده قبل غمسها، وإن شاء غمس يده، ولو لم يغسلها. وهذا مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: يجب غسلها حتى ولو كانت يده في جراب، أو كانت مكتوفة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\n• وسبب اختلافهم في هذه المسألة اختلافهم في علة الأمر بغسل اليد:\nفقيل: إن العلة هي الشك في نجاسة اليد، حتى قيد بعض الحنفية حديث النهي عن غمس اليد في الإناء حتى يغسلها بما إذا نام مستنجيًا بالأحجار، أو متنجس البدن، لا إذا نام متيقنًا طهارتها، أو مستنجيًا بالماء (^٤).\nوذكر الشافعية أن أهل الحجاز كانوا يستعملون الأحجار في الاستجمار، وكانت البلاد حارة، فيعرقون، وربما طافت أيديهم في موضع النجاسة فتنجست (^٥).\nوالصحيح: أن الحديث مطلق، وهو عام لمن استنجى بالماء أو بالأحجار، عليه سراويل أم لا، ولا يقيد النص إلا نص مثله، أو إجماع، أو قياس صحيح.\nوقيل: إن العلة تعبدية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فيجب الامتثال دون النظر إلى سبب الوجوب.\nوقيل: إن العلة مبيت الشيطان على يده، وهذا اختيار الشيخين ابن تيمية\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١١١)، المنتقى للباجي (١/ ٤٨)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ١٢٨)، البيان والتحصيل (١/ ٦٨).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٨٩)، شرح النووي لصحيح مسلم (١/ ٢٣٢).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٤١).\n(^٤) شرح فتح القدير (١/ ٢١).\n(^٥) الحاوي (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":194},{"text":"وابن القيم رحمهما الله. قالا: هذه العلة نظير تعليل الشارع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم في قوله ﷺ: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء، فإن الشيطان يبيت على خيشومه) متفق عليه، وسبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه. فأمر بالغسل معللًا بمبيت الشيطان على خيشومه، فعلم أن ذلك سبب الغسل، والحديث معروف. وقوله: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) يمكن أن يراد به ذلك، فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار، وأما ملابسته ليده خاصة؛ فلأنها أعم الجوارح كسبًا وتصرفًا ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية، فصاحبها كثير التصرف والعمل بها، ولهذا سميت جارحة؛ لأنه يجترح بها: أي يكسب، والله أعلم (^١).\n• ونوقش هذا:\nبأن التعليل من أجل مبيت الشيطان على يده لا يصح؛ لأنه لا ذكر للشيطان في الحديث، وقوله: (باتت يده) الفعل أسند إلى اليد، ولم يسند إلى الشيطان، ولا يتأتى القياس على الخيشوم لكون مثل هذا يحتاج إلى توقيف، والخيشوم طريق إلى قلب الآدمي وجوفه بخلاف اليد، فإنها عضو خارجي كسائر الأعضاء، وعلى التنزل فإن الاستنشاق للقيام من النوم ليس بواجب، فإذا كان الأصل ليس واجبًا فإن الفرع أضعف من الأصل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تهذيب السنن (١/ ٦٩، ٧٠)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٤٤).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الفرع الثالث في اختصاص الحكم في القيام من نوم الليل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• غسل اليد قبل إدخالها الإناء، هل هو تعبدي للتفريق بين نوم الليل ونوم النهار عند بعضهم، وهو غير معقول المعنى، ولغسلها ثلاثًا، والنجاسات يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها؟\nأو أن الحكم معقول المعنى لظاهر التعليل بقوله: فإنه لا يدري أين باتت يده؟\nوقيل:\n• التفريق بين نوم الليل والنهار خلاف الأصول (^١).\n• البيات والليل هل خصا بالذكر بالحديث للغلبة، باعتبار أن الحكم يناط بالنوم لا في وقته، أو هما وصفان مقصودان في الحكم؟\n[م-٢٥] اختلف العلماء هل غسل اليد قبل إدخالها الإناء مختص بنوم الليل، أو يشمل كل نوم على ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) جميع الأحكام المناطة بالنوم لا يفرق فيها بين نوم الليل وبين نوم النهار، فالنوم باعتباره مظنة للحدث معتبر فيه نوم النهار كنوم الليل، وإذا أصاب الرجل جنابة بالنهار، فأراد أن يقيل توضأ وضوءه للصلاة كنوم الليل، وإن كانت السنة إنما جاءت في نوم الليل، انظر البيان والتحصيل (١/ ٦٦).","vol":"1","page":196},{"text":"فقيل: لا فرق بين نوم الليل، ونوم النهار، وهو مذهب الحنفية، والمالكية (^١).\nوقيل: الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها، سواء قام من نوم الليل أو النهار، أو شك في نجاستها من غير نوم، وأما إذا تيقن طهارتها فوجهان: الأصح منهما، وهو والذي ذهب إليه الجماهير من أصحاب الشافعية أنه لا كراهة في غمس اليد، بل هو مخير إن شاء غمس، وإن شاء غسل قبل الغمس؛ لأن النبي ﷺ ذكر النوم، ونبه على العلة، وهى الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، وهذا مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: الحكم يتعلق بنوم الليل خاصة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\n• وسبب الخلاف في هذه المسألة راجع إلى مسألة أخرى، وهي:\nهل غسل اليد من القيام من النوم معلل أو تعبدي، وإذا كان معللًا كما هو ظاهر النص، فهل هو معلل بعلة خفية غيبية، أو علة ظاهرة، وقد سبق مناقشة العلة في المبحث السابق.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-176> دليل الجمهور على عدم التفريق بين نوم الليل والنهار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>الدليل الأول:</span>\n(٥٢) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. ورواه مسلم (^٤).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: الهداية (١/ ١٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٠٨، ١٠٩).\nوفي مذهب المالكية، انظر: التمهيد (١٨/ ٢٥٦)، المنتقى للباجي (١/ ٤٨).\n(^٢) شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ٢٣٢)، المجموع (١/ ٣٨٩).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٤١)، المغني (١/ ٧١)، كشاف القناع (١/ ٣٣).\n(^٤) صحيح البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨).","vol":"1","page":197},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (إذا استيقظ أحدكم من نومه) فكلمة (نومه) نكرة مضافة، فتعم، كقوله سبحانه: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) [النحل: ١٨] فيشمل نوم الليل ونوم النهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الدليل الثاني:</span>\nعلى فرض أن يكون الحديث في نوم الليل فيدخل فيه نوم النهار من باب القياس الجلي؛ إذ لا فرق، فإذا كان النائم يجب عليه أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء لما ورد من ذلك في الحديث، فنوم النهار مثل نوم الليل في القياس، فجميع الأحكام المناطة بالنوم لم يفرق فيها بين نوم الليل وبين نوم النهار، كالحدث، ووضوء الجنب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>الدليل الثالث:</span>\nقوله في الحديث: (فإنه لا يدري) وهذه العلة موجودة في نوم النهار، فالنائم إذا نام لا يدري سواء كان نومه في الليل أم في النهار؛ لأن النوم يحجب العقل.\nقال ابن حجر: لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة.\nقال الرافعي في شرح المسند: يمكن أن يقال الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشد منها لمن نام نهارًا؛ لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة (^١).\nبل ذهب الباجي في المنتقى إلى دخول المغمى عليه والمجنون في الحكم، فقال: تعليق هذا الحكم بنوم الليل لا يدل على اختصاصه به؛ لأن النائم إن كان لا يدري أين باتت يده فكذلك المجنون والمغمى عليه، وكذلك من قام إلى وضوء من بائل أو\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٢٦٣)، قلت: قول الباجي لا يعتبر قولًا مستقلًا؛ لأن الكراهة عنده ثابتة في نوم الليل ونوم النهار، إلا أن نوم الليل أشد على اعتبار أن ما نص عليه آكد مما ألحق به قياسًا، على تقدير أن المبيت نص في نوم الليل. والله أعلم.","vol":"1","page":198},{"text":"متغوط أو محدث فإنه يستحب له غسل يده قبل أن يدخلها في إنائه خلافًا للشافعي؛ لأن المستيقظ لا يمكنه التحرز من مس رفغه ونتف إبطه وفتل ما يخرج من أنفه وقتل برغوث وعصر بثر وحك موضع عرق، وإذا كان هذا المعنى الذي شرع له غسل اليد موجودًا في المستيقظ لزمه ذلك الحكم، ولا يسقط عنه أن يكون علق في الشرع على النائم، ألا ترى أن الشرع علقه على نوم المبيت ولم يمنع ذلك من أن يتعدى إلى نوم النهار لما تساويا في علة الحكم (^١).\n• وأجيب:\nبأن الحكم خص في المبيت، فلم يقل في الحديث: (فإنه لا يدري) وسكت، بل قال: لا يدري أين باتت يده، ولو كانت العلة احتمال نجاسة اليد لكان له وجه في إلحاق المغمى عليه، وسبق لي أن ذكرت الاختلاف في العلة، ولم يظهر لي أن العلة احتمال النجاسة، وإلا لكانت غسلة واحدة كافية إن شاء الله في حصول المقصود، بل إن الغسل ثلاثًا مشروع حتى للمستيقظ عند إرادة الوضوء، فذكر التثليث يلحقه بالتعبد المحض، وإذا كانت العلة تعبدية لم يكن للقياس معنى، لعدم تعدي العلة، والله أعلم.\nويرد على هذا:\nبأن المبيت قيد أغلبي لا يدل على التخصيص، فأغلب نوم الناس إنما هو بالليل، كما ذكر الله في كتابه بأنه جعل الليل ليسكنوا فيه، وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار، وجعل الله النهار معاشًا، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-180> دليل الحنابلة على اختصاصه بنوم الليل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>الدليل الأول:</span>\nقوله ﷺ: (فإنه لا يدري أين باتت يده) والبيتوتة لا تكون إلا بالليل، كقوله\n_________\n(^١) المنتقى (١/ ٤٨).","vol":"1","page":199},{"text":"تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأعراف: ٩٧، ٩٨]، فخص البيات بالليل ثم ذكر النهار.\n• وأجيب:\nبقول ابن حزم: ادعى قوم أن هذا في نوم الليل خاصة لقوله ﷺ: (أين باتت يده)، وادعوا أن المبيت لا يكون إلا بالليل.\nقال أبو محمد: وهذا خطأ، بل يقال: بات القوم يدبرون أمر كذا وإن كان نهارًا (^١).\nورد هذا ابن عبد البر، فقال: أما المبيت فيشبه أن يكون ما قاله أحمد بن حنبل صحيحًا فيه؛ لأن الخليل قال في كتاب العين: البيتوتة دخولك في الليل، وكونك فيه بنوم وبغير نوم، قال ومن قال: بت بمعنى نمت، وفسره على النوم فقد أخطأ، قال: ألا ترى أنك تقول بت أراعي النجم، معناه: بت أنظر إلى النجم. قال: فلو كان نومًا كيف كان ينام وينظر، إنما هو ظللت أراعي النجم. قال: وتقول: أباتهم الله إباتة حسنة، وباتوا بيتوتة صالحة، وأباتهم الأمر بياتًا، كل ذلك دخول الليل، وليس من النوم في شيء (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>الدليل الثاني:</span>\nقوله ﷺ: (إذا استيقظ أحدكم من نومه) فإن النوم عند الإطلاق لا يراد به إلا نوم الليل (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>الدليل الثالث:</span>\nولأن نوم الليل أطول من نوم النهار عادة، وعلقت به أحكام كثيرة منها الأذكار\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٢٠١، ٢٠٢).\n(^٢) التمهيد (١٨/ ٢٥٥).\n(^٣) بدائع الفوائد (٤/ ٨٩).","vol":"1","page":200},{"text":"الخاصة بالنوم على الصحيح، ومنها ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذ هو نام ثلاث عقد يضرب على مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان (^١).\nفقوله: (وإلا أصبح) دليل على أن هذا في نوم الليل، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>الدليل الرابع </span>[*]:\n(٥٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قام أحدكم من الليل، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده (^٢).\n[الحديث صحيح، وذكر القيام من الليل ليس محفوظًا، فأكثر الرواة عن أبي هريرة على عدم ذكر الليل، وهي رواية الصحيحين] (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١١٤٢)، ومسلم (٧٧٦) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وتابع سعيد بن المسيب الأعرج عند البخاري (٣٢٦٩).\n(^٢) المصنف (١/ ٩٤) رقم ١٠٤٧.\n(^٣) هذا الحديث يرويه أبو هريرة ﵁ من طرق كثيرة عنه، وذكر الليل في الحديث قد اختلف في ذكره:\nفرواه الأعرج، وابن سيرين، وهما من أخص أصحاب أبي هريرة، وكذلك همام وعبد الله بن شقيق، وموسى بن يسار، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو مريم، وعمار بن أبي عمار، كلهم لا يذكرون أن القيام من نوم الليل.\nورواه غيرهم عن أبي هريرة على اختلاف عليهم في ذكر الليل.\nفرواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، واختلف على الزهري:\nفرواه معمر عن الزهري، عن سعيد ولم يذكر الليل في القيام من النوم.\nووراه الأوزاعي عن الزهري بالوجهين. =\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع: «الثالث»","vol":"1","page":201},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، واختلف على الزهري:\nفرواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، ولم يذكر الليل في القيام من النوم.\nوتابعه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة.\nورواه الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة بذكر الليل.\nورواه معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بالوجهين.\nورواه الأعمش، عن أبي صالح، وأبي رزين، عن أبي هريرة.\nواختلف على الأعمش:\nفرواه أبو معاوية، عن الأعمش بذكر الليل في القيام من النوم، لم يختلف فيه على أبي معاوية.\nوتابعه زائدة عن الأعمش.\nورواه وكيع، وشعبة، وشجاع بن الوليد، وأبو الأشهب، رووه عن الأعمش بدون ذكر الليل.\nهذا ملخص الخلاف على أبي هريرة بذكر الليل، وإليك تفصيل ما أجمل.\nالوجه الأول: الطرق التي جاء فيها ذكر الليل بالقيام من النوم، رواه جماعة عن أبي هريرة على اختلاف عليهم في ذلك:\nالطريق الأول: الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة، تارة يجمع الأعمش شيوخه أبا صالح وأبا رزين، وتارة يفرقهما.\nرواه الأعمش واختلف عليه:\nفرواه أبو معاوية، عن الأعمش بذكر الليل ولم يختلف على أبي معاوية في ذكر ذلك، وأبو معاوية مختص بالأعمش.\nرواه أحمد في مسنده (٢/ ٢٥٣).\nوالبزار (٩١٧٠) عن يحيى بن داود، وأبو عوانة (٧٣٠) عن علي بن حرب، ثلاثتهم (أحمد ويحيى وعلي بن حرب) عن أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح وحده، عن أبي هريرة، بذكر الليل.\nورواه أبو داود (١٠٣) ومن طريقه البيهقي (١/ ٤٥) عن مسدد، والبزار (٦٩٨٣) حدثنا عمرو بن علي، والبيهقي (١/ ٤٥) من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي، ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة، بذكر الليل.\nوتابع زائدة بن قدامة أبا معاوية بذكر الليل.\nفأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢) من طريق زائدة بن قدامة، عن الأعمش به بذكر أبي صالح وحده، إلا أنهما لم يذكرا متنه، وأحالا على رواية سابقة، وفيها ذكر الليل. فهذه متابعة لأبي معاوية إلا أنها ليست صريحة، لأن الإحالة تحتمل ألا =","vol":"1","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تكون على كل كلمة وردت في الرواية السابقة، والدليل على ذلك أن الطحاوي خرج هذا الحديث في مشكل الآثار (٥٠٩٦) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، بدون ذكر الليل، ثم رواه (٥٠٩٧) من طريق زائدة بن قدامة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، مثله، فأحال على رواية الأعرج، عن أبي هريرة، وليس فيها ذكر الليل.\nوخالف أبا معاوية وزائدة كل من:\nالأول: شعبة، كما في مسند أبي داود الطيالسي ط هجر (٢٥٤٠)، وذكر في عدد الغسل صبة أو صبتين.\nالثاني: وكيع، كما في مسند أحمد (٢/ ٤٧١)، ومسلم (٢٧٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٤)، وسنن البيهقي (١/ ٤٥)، إلا أن مسلمًا وأبا عوانة لم يسوقا متنه، وأحالا على متن سابق.\nالثالث: شجاع بن الوليد، كما في سنن البيهقي (١/ ٤٧).\nالرابع: أبو الأشهب، جعفر بن الحارث النخعي كما في الأوسط للطبراني (٤/ ٩٤) رقم: ٣٦٩٤. أربعتهم، ررووه عن الأعمش به، ولم يذكروا كلمة الليل.\nوأبو معاوية وإن كان من أثبت أصحاب الأعمش، إلا أن وكيعًا وشعبة ومن وافقهما قد وافقت روايتهم رواية الأكثر ممن رواه عن أبي هريرة بعدم ذكر الليل كما سيأتي بيان ذلك في التخريج إن شاء الله تعالى.\nوقد رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، بدون ذكر الليل في القيام من النوم، رواه ابن المقرئ في معجمه (٥٩٤).\nالطريق الثاني: ممن رواه بذكر الليل: الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nرواه سفيان بن عيينة عن الزهري، ولم يختلف عليه، ولم يذكر لفظ (الليل)، وتابعه على ذلك محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ورواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة متكلم فيها.\nورواه الأوزاعي، عن الزهري، بذكر الليل.\nورواه معمر عن الزهري، مرة بذكر الليل، ومرة بدون ذكر الليل.\nوإليك تفصيل ما سبق.\nرواه سفيان بن عيينة، عن الزهري بدون ذكر الليل، كما في مسند الشافعي (ص: ١٠)، ومسند الحميدي (٩٨١)، وأحمد (٢/ ٢٤١)، وأبي يعلى (٥٩٦١)، والمنتقى لابن الجارود (٩)، والدارمي (٧٦٦)، ومسلم (٢٧٨) والنسائي في الكبرى (١)، وفي الصغرى (١)، والمستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم (٦٣٩)، مسند أبي عوانة (١/ ٢٢٠، ٢٢١، ٢٦٣)، وابن خزيمة (٩٩)، وابن حبان (١٠٦٢)، والبيهقي (١/ ٤٥).\nورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، بدون ذكر الليل، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٩٤)، ومسند أحمد (٢/ ٣٨٢)، والطهور للقاسم بن سلام (٢٧٩)، ومسند أبي يعلى (٥٩٧٣)، =","vol":"1","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والطحاوي (١/ ٢٢).\nورواه الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة به، بذكر الليل، رواه الترمذي (٢٤)، والنسائي (٤٤١)، وابن ماجه (٣٩٣)، وسنن البيهقي (١/ ٢٤٤).\nورواه معمر، عن الزهري، واختلف على معمر:\nفرواه أحمد (٢/ ٢٥٩) عن عبد الأعلى، عن معمر به بذكر الليل.\nورواه النسائي في الكبرى (١٥٣) وفي المجتبى (١٦١) من طريق يزيد بن زريع، عن معمر به، بدون ذكر الليل.\nالطريق الثالث: سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.\nرواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، واختلف على الزهري.\nفرواه معمر، عن الزهري بدون ذكر الليل. أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٥، ٢٨٤) ومسلم (٢٧٨)، وأبو عوانة (٧٣١) والبيهقي (٢/ ٢٤٤) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.\nورواه الأوزاعي، عن ابن شهاب واختلف على الأوزاعي:\nفرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢) وفي مشكل الآثار (٥٠٩٤)، من طريق الفريابي وبشر بن بكر كلاهما عن الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وحده، عن أبي هريرة بذكر الليل، وذكر الغسل مرتين أو ثلاثًا.\nورواه النسائي في الصغرى (٤٤١) من طريق إسماعيل بن عبد الله عن الأوزاعي به بذكر الليل.\nوأخشى أن يكون الأوزاعي حمل لفظ الزهري عن سعيد بن المسيب، على لفظ الزهري، عن أبي سلمة، فقد كان الزهري تارة يجمع شيخيه، فيروي الحديث عن سعيد وأبي سلمة مقرونين، وتارة يفرقهما، فيذكر سعيدًا وحده وأبا سلمة وحده. ولفظ سعيد وحده أو لفظه مقرونًا من غير طريق الأوزاعي لا يذكر فيه القيام من الليل، فالراجح عندي أن طريق سعيد من الطرق التي لم تذكر القيام من الليل.\nوأما طريق سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مقرونين.\nفأخرجه الترمذي (٢٤) وابن ماجه (٣٩٣) من طريق الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثني ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة به. بذكر القيام من الليل.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٢٢) من طريق أبي صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، حدثني ابن شهاب به. ولم يذكر متنًا.\nفالحديث محفوظ عن الزهري من الطريقين، طريق سعيد بن المسيب وأبي سلمة.\nقال الدارقطني في العلل (٨/ ٧٨) المحفوظ عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة. اهـ\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٣٤): قد حدث به معمر عن الزهري، مرة عن سعيد، =","vol":"1","page":204},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أبي هريرة، ومرة عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فدل على أن الحديث صحيح لهما عن أبي هريرة. اهـ\nالطريق الرابع: العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nرواه العلاء واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو عوانة في مسنده (١/ ٢٢٢) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة به بالشك، إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح، أو لعله قال: من نومه، أو كلمة نحوها، فليفرغ على يديه ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده، فهنا شك هل قال: (حين يصبح) فيكون فيه إشارة إلى القيام من نوم الليل، أو لعله قال: من نومه.\nورواه مسلم في صحيحه (٢٧٨) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١١٨) من طريق محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن العلاء به، بلفظ: إذا قام أحدكم من النوم إلى الوضوء فليفرغ على يديه من الماء فإنه لا يدري أين باتت يده. هذا لفظ البيهقي، وأما مسلم فلم يذكر متنًا، وأحال على رواية سابقة، فهنا جزم بأن القيام من النوم، وهو شامل لنوم الليل والنهار.\nهذه الطرق التي نص فيها على أن القيام إنما هو من نوم الليل، وأنت ترى أنه لا يخلو طريق من الاختلاف عليه فيه.\nالوجه الثاني: بدون ذكر الليل، فرواه الأعرج، وابن سيرين، وهما من أخص أصحاب\nأبي هريرة، وكذلك همام وعبد الله بن شقيق، وموسى بن يسار، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو مريم، وعمار بن أبي عمار، كلهم لا يذكرون أن القيام من نوم الليل.\nوإليك تخريج مروياتهم.\nالطريق الأول: الأعرج، عن أبي هريرة.\nرواه مالك في الموطأ (١/ ٢١) ومن طريقه الشافعي (١/ ١٤)، وأحمد (٢/ ٤٦٥)، والحميدي في مسنده (٩٥٢، ٩٨٢)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨)، وابن حبان (١٠٦٣) والبيهقي (١/ ٤٥، ١١٨) وفي المعرفة (١/ ٢٦٧) والبغوي في شرح السنة (٢٠٧).\nالطريق الثاني: ابن سيرين، عن أبي هريرة.\nأخرجه أحمد (٢/ ٢٩٥، ٥٠٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٩٤)، ومسلم (٢٧٨) والطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٠) رقم ٩٤٥.\nالطريق الثالث: همام بن منبه، عن أبي هريرة.\nأخرجه أحمد (٢/ ٣١٦) ومسلم (٢٧٨)، وأبو عوانة في مسنده (٧٣٣)، والبيهقي في السنن الصغرى (١٩)، وفي الكبرى (١/ ٢٣٤).\nالطريق الرابع: ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن أبي هريرة، كما في صحيح مسلم (٢٧٨) ومسند أبي عوانة (١/ ٢٢٢)، وسنن البيهقي (١/ ٢٥٦).","vol":"1","page":205},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-185> دليل من قال: الحكم يتعلق بالشك:</span>\nاستدل الشافعية بأن الحكم يتعلق بالشك، لقوله ﷺ في الحديث: (فإنه لا يدري أين باتت يده) أما من تيقن طهارة يده فلا شيء عليه، فالرسول ﷺ ذكر النوم، ونبه على العلة، وهي الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة (^١).\n• الراجح من أقوال أهل العلم:\nبعد استعراض الخلاف الذي أميل له أن ذكر الليل غير محفوظ في الحديث، فمن حيث الإسناد أجد أن أكثرة الرواة لا يذكر قيد الليل في النوم، وفيهم من هو من أخص أصحاب أبي هريرة كابن سيرين وأبي هريرة، ومن ذكر القيام من نوم الليل قد اختلف عليه في ذكرها، وقد أعرض الصحيحان عن ذكر قيد الليل.\n_________\n= الطريق الخامس: موسى بن يسار، عن أبي هريرة أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٧) من طريق محمد بن إسحاق عنه به.\nالطريق السادس: عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة.\nكما في مسند أحمد (٢/ ٤٥٥) ومسلم (٢٧٨)، وابن خزيمة (١٠٠، ١٤٥)، وابن حبان (١٠٦٤، ١٠٦٥)، وأبي عوانة (١/ ٢٦٣)، والدارقطني (١/ ٩٤)، سنن البيهقي (١/ ٤٦).\nالطريق السابع: أبو الزبير، عن جابر، عن أبي هريرة، رواه مسلم (٢٨٧) من طريق معقل، ومن طريق معقل رواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٧)، عن أبي الزبير به.\nقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص: ٤١٧): «استنكر الإمام أحمد روايات معقل عن أبي الزبير، وقال: هي تشبه أحاديث ابن لهيعة، وقد تتبع ذلك فوجد كما قال أحمد».\nقلت: قد رواه أحمد (٢/ ٤٠٣)، وأبو يعلى (٥٨٦٣، ٦٤٤٠)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٣)، والبيهقي الكبرى (١/ ٤٧) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير به.\nالطريق الثامن: أبو مريم (عبد الرحمن بن ماعز)، عن أبي هريرة كما في سنن أبي داود (١٠٥)، وصحيح ابن حبان (١٠٦١)، والدارقطني (١/ ٥٠)، وسنن البيهقي (١/ ٤٦) من طريق معاوية بن صالح عنه.\nالطريق التاسع: عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥٠٩٩).\nفهؤلاء تسعة من الرواة رووه عن أبي هريرة بدون ذكر الليل في القيام من نوم الليل، والله أعلم.\n(^١) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ٢٣٢)، المجموع (١/ ٣٨٩).","vol":"1","page":206},{"text":"ولأن التفريق بين نوم الليل ونوم النهار غير معقول المعنى.\nوعلى فرض أن يكون الليل محفوظًا فهو وصف طردي، وقيد أغلبي لا يقصد منه إخراج نوم النهار، وإنما الليل هو ظرف النوم، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ).\nولأن دخول نوم الليل متيقن، ودخول غيره مشكوك فيه، والأصل براءة الذمة وعدم التكليف؛ والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>الفصل السادس الماء المستعمل في إزالة النجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ماء مستعمل لم يتغير بما استعمل فيه فهو طهور على الصحيح.\n• الماء المستعمل إن غلب عليه ما استعمل فيه أخذ حكمه حكم مغيره، فإن كان تغيره بنجس تنجس إجماعًا، وإن كان بطاهر، فهل يصير طاهرًا غير طهور؟\n• ما غلب على لون الماء، فإن كان موافقًا للماء في الطهارة والتطهير لم يسلبه واحدة منها كالتراب، وإن كان مخالفًا للماء في الطهارة والتطهير كالتغير بالنجاسة سلبه الوصفين معًا، وإن كان موافقًا للماء في الطهارة دون التطهير كتغير الماء بالطاهرات لم يسلبه الطهارة لموافقته لها، وهل يسلبه الطهورية بمطلق التغير، أولا حتى يغلب على أجزائه؟\n[م-٢٦] الماء المستعمل في إزالة النجاسة إذا انفصل عن المحل لا يخلو إما أن يتغير بالنجاسة أو لا.\nفإن تغير الماء بالنجاسة، فهو نجس بالإجماع، وقد تكلمنا عن الماء المتغير بالنجاسة في فصل الماء المتغير، فارجع إليه إن شئت.\nوإن كان الماء المنفصل لم يتغير، فقد اختلف العلماء في حكمه بناء على اختلافهم في وجوب تكرار الغسل، فبعضهم يرى وجوب تكرار غسل النجاسة ثلاث مرات","vol":"1","page":208},{"text":"كالحنفية، وبعضهم يرى تكرارها سبع مرات كالحنابلة، وبعضهم يرى أنه يكفي في غسل النجاسة غسلة واحدة ما لم تكن نجاسة كلب، ومسألة وجوب العدد في غسل النجاسة مسألة أخرى سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى ومناقشتها، ولكن البحث الآن في الماء المنفصل عند تطهير هذا المحل المتنجس، وهو ما يسمى بغسالة النجاسة، أو الماء المستعمل في إزالة النجاسة، فإذا انفصل عن المحل، وهو لم يتغير هل يكون نجسًا أو طاهرًا أو طهورًا، اختلف العلماء في هذا:\nفقيل: الماء المنفصل من غسل النجاسة الحقيقية من الغسلة الأولى حتى الغسلة الثالثة نجس، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: الماء المنفصل طهور ما لم يتغير بالنجاسة، وهو مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: يكون طاهرًا غير مطهر، بشرط أن ينفصل الماء غير متغير، وقد طهر المحل، وهو الأصح عند الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٦٦)، البحر الرائق (١/ ٢٤٥)، بريقة محمودية (٤/ ٢٤٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٢٥)، وهذا مبني على وجوب غسل النجاسات الحقيقية ثلاث مرات، وضد الحقيقة الحكمية، وهي طهارة الحدث، فلا يجب فيها العدد، وهذا بناء على قولهم بأن الحدث نوع من النجاسة، وانظر بدائع الصنائع (١/ ٨٧).\n(^٢) تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك (١/ ٤٣)، منح الجليل (١/ ٧٢)، القوانين الفقهية (ص: ٣٥، ٣٦)، الخرشي (١/ ٨٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٠)، الاستذكار (٣/ ٢٥٩).\n(^٣) قال النووي في المجموع: (٢/ ٥٤٤): «والأصح طهارة غسالة النجاسة إذا انفصلت غير متغيرة، وقد طهر المحل». وانظر روضة الطالبين (١/ ٣٤)، شرح زبد بن رسلان (١/ ٣٤). واشترط الشافعية للحكم بطهارة الغسالة شروطًا.\nقال العراقي في طرح التثريب (٢/ ١٣٤): «الصحيح عند أصحابنا طهارة غسالة النجاسة بشرط عدم تغيرها، وبشرط طهارة المحل، فإن تغيرت كانت نجسة إجماعًا، وإن لم يطهر المحل بأن كان في المحل نجاسة عينية كالدم ونحوه فلم يزلها الماء وانفصل عنها، وهي باقية، فإنه نجس أيضًا، وزاد الرافعي شرطًا آخر، وهو ألا يزداد وزن الغسالة بعد انفصاله على قدره قبل غسل النجاسة به».اهـ","vol":"1","page":209},{"text":"وقيل: المنفصل من الغسلة الأولى حتى الغسلة السادسة نجس، حتى ولو زالت عين النجاسة في الغسلة الأولى، والمنفصل من الغسلة السابعة طاهر، غير مطهر، والمنفصل من الغسلة الثامنة طهور. وهذا المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-187> دليل الحنفية على نجاسة الغسلات الثلاث:</span>\nالقول بنجاسة الغسلات الثلاث مبني على وجوب غسل النجاسة ثلاثًا، ومسألة وجوب العدد في غسل النجاسة سيأتي إن شاء الله تعالى بحثها في مبحث مستقل، وبناء عليه قالوا: الماء المنفصل في الغسلة الأولى والثانية انفصل والمحل نجس فتنجس الماء، وأما الغسلة الثالثة فنجسة، وإن كان المحل قد طهر بناء على أن الماء قد استعمل في إزالة نجاسة، فالماء عندهم ينجس إذا استعمل في الطهارة سواء في طهارة الحدث أم في طهارة الخبث، وسبق لنا تحرير مذهبهم في الماء المستعمل في طهارة الحدث، وأجبنا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>واستدل الحنفية على نجاسة الماء المنفصل من المحل النجس بأدلة منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>الدليل الأول:</span>\n(٥٤) ما رواه أبو داود من طريق عبد الملك- يعني: ابن عمير- يحدث\nعن عبد الله بن معقل بن مقرن قال: صلى أعرابي مع النبي ﷺ بهذه القصة يعني: قصة بول الأعرابي في المسجد، وقال: يعني النبي ﷺ: خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء (^٢).\n_________\n(^١) قال أبو الخطاب في الانتصار (١/ ٤٨٥): يجب العدد في سائر النجاسات سبعًا نص عليه في رواية صالح وحنبل وأبي طالب والميموني. اهـ\nوفي مسائل عبد الله لأبيه (١/ ٣٤): «سألت أبي عن الثوب يصيبه البول يجزيه أن يغمسه في الماء، أو لا بد من الدلك؟ فقال: يغسله سبعًا، ويعصره». وانظر مسائل ابن هانئ (١/ ٢٧) رقم ١٣٧، كشاف القناع (١/ ٣٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٢)، الفروع (١/ ٢٣٨، ٢٣٩)، الإنصاف (١/ ٣١٣).\n(^٢) سنن أبي داود (٣٨١).","vol":"1","page":210},{"text":"قال أبو داود: وهو مرسل ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ.\n[الحديث في الصحيحين وليس فيه زيادة الأمر بأخذ ما بال عليه من التراب فهي زيادة منكرة] (^١).\nوجه الاستدلال:\nلولا أن الغسالة نجسة لما احتاج إلى نقل النجاسة قبل غسلها، وإنما الخوف من انتشار النجاسة بالغسالة أوجب نقل العين قبل غسلها.\nويجاب:\nبأن الأمر لا يحتاج إلى غسل النجاسة إذا نقلت عينها، فالنجاسة إذا زالت زال حكمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>الدليل الثاني:</span>\n(٥٥) ما رواه الدارقطني من طريق أبي هشام الرفاعي محمد بن يزيد، أخبرنا\nأبو بكر بن عياش، حدثنا سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: جاء أعرابي فبال في المسجد، فأمر رسول الله ﷺ بمكانه، فاحتفر، فصب عليه دلوًا من ماء، فقال الأعرابي: يا رسول الله المرء يحب القوم ولما يعمل عملهم، فقال رسول الله ﷺ: المرء مع من أحب (^٢).\n_________\n(^١) والحديث رواه أبو داود أيضًا في المراسيل (ص: ٧٦) رقم ١١ بالإسناد نفسه، ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٢٨)، والدارقطني (١/ ١٣٢)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٧٧).\nقال الدارقطني: عبد الله بن معقل تابعي، وهو مرسل.\nوقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر. تنقيح التحقيق (١/ ٢٦٥).\nكما أن فيه علة أخرى، عبد الملك بن عمير مدلس، وقد عنعن، وهو مدلس مكثر، وانظر (ح: ١٢٥٣).\n(^٢) سنن الدارقطني (١/ ١٣١)، ومن طريق الدارقطني أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٧٨).","vol":"1","page":211},{"text":"قال الدارقطني: سمعان مجهول (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>الدليل الثالث:</span>\n(٥٦) ما رواه ابن الجوزي في التحقيق (^٢)، وفي العلل المتناهية (^٣)، من طريق محمد ابن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، أن أعرابيًا بال في المسجد، فقال النبي ﷺ: احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوبًا من ماء.\n[حديث معلول، والمعروف أنه مرسل] (^٤).\n_________\n(^١) وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٤) من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، ثنا أبو بكر بن عياش به.\nوفي إسناده: أبو هشام الرفاعي:\nقال أبو حاتم الرازي: ضعيف، يتكلمون فيه، هو مثل مسروق بن المرزبان. الجرح والتعديل (٨/ ١٢٩).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٥٥١).\nوقال العجلي: كوفي لا بأس به، صاحب قرآن. معرفة الثقات (٢/ ٤٣٤).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطئ ويخالف. الثقات (٩/ ١٠٩).\nوفي إسناده سمعان بن مالك:\nقال أبو زرعة: هذا حديث منكر، وسمعان ليس بالقوي. الجرح والتعديل (٤/ ٣١٦).\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لا أصل لهذا الحديث. العلل (١/ ٢٤).\n(^٢) التحقيق (١/ ٧٨).\n(^٣) العلل المتناهية (١/ ٣٣٣) رقم ٥٤٥. وذكر الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢١١) وابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٣٧) أن الدارقطني أخرج الحديث، ولم أقف عليه في سننه.\n(^٤) قال ابن الجوزي: «قال الدارقطني: وهم عبد الجبار على ابن عيينة؛ لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عن يحيى بن سعيد فلم يذكر أحد منهم الحفر، وإنما روى ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن طاووس، أن النبي ﷺ قال: احفروا مكانه. مرسلًا، فاختلط على عبد الجبار أحد اللفظين بالآخر».اهـ\nقلت: مرسل طاووس أخرجه عبد الرازق في مصنفه (١/ ٤٢٤) عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاووس. ...\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٤) من طريق ابن عيينة به.\nقال الحافظ في الفتح (١/ ٣٢٥): «واحتجوا فيه - يعني الأحناف - بحديث جاء من ثلاث طرق أحدها موصول عن ابن مسعود أخرجه الطحاوي لكن إسناده ضعيف، قاله أحمد وغيره، والآخران مرسلان، أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن معقل، والآخر من طريق سعيد بن منصور ومن طريق طاووس، ورواتهما ثقات، وهو يلزم من يحتج بالمرسل مطلقًا، وكذا من يحتج به إذا اعتضد، والشافعي إنما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التابعين، وكان من أرسل إذا سمى لا يسمي إلا ثقة، وذلك مفقود في المرسلين المذكورين على ما هو ظاهر من سنديهما، والله أعلم». اهـ\nوالراجح: أنهما لا يحتج بهما في كل حال حتى على فرض أن يقوي بعضها بعضًا، فإننا نحكم بشذوذها؛ لأن الحديث في الصحيحين وفي غيرهما من رواية الثقات لم يذكروا إلا مجرد صب الماء على البول، ولم يذكروا الحفر، ولو كان الحفر ثابتًا لنقل لأهميته.","vol":"1","page":212},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-192> دليل المالكية على طهورية غسالة النجاسة غير المتغيرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>الدليل الأول:</span>\n(٥٧) ما رواه البخاري من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ: لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء، فصب عليه، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الماء الذي غسل به بول الأعرابي لو كان نجسًا لم يقض النبي ﷺ بطهارة ذلك المحل، ولأمر أن يصب عليه الماء ثانية وثالثة، فصح أن المغسول به النجاسة طاهر مطهر (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>الدليل الثاني:</span>\n(٥٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٠٢٥) ومسلم (٢٨٤).\n(^٢) انظر كتاب تهذيب المسالك (١/ ٤٤): والحنابلة يفرقون بين النجاسة تكون على الأرض، وبين أن تكون على غيرها، ولا دليل على التفريق بينهما، بل الحكم واحد.","vol":"1","page":213},{"text":"عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال من هذا الحديث كالاستدلال من الحديث الذي قبله، فإن قيل في الحديث الأول: إن النجاسة كانت على الأرض، فالحديث الثاني النجاسة على ثوب، وهذا دليل على أنه لا فرق بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>الدليل الثالث:</span>\nقالوا من جهة المعنى: الماء المنفصل عن المحل المغسول هو من جملة الماء الباقي في المحل المغسول، فالمنفصل بعض المتصل، والماء الباقي في المحل المغسول طهور بإجماع، فوجب أن يكون المنفصل عنه مثله (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>الدليل الرابع:</span>\nإذا غلب الماء على النجاسة ولم يظهر فيه شيء منها فقد طهرها، ولا تضره ممازجته لها إذا غلب عليها، سواء كان الماء قليلًا أم كثيرًا، فقد جعل الله الماء طهورًا، وأنزله علينا ليطهرنا به، وقال الرسول ﷺ: (الماء لا ينجسه شيء) يعني: إلا ما غلب عليه من النجاسة فغيره، ومعلوم أنه لا يطهر نجاسة حتى يمازجها، فإن غلب عليها ولم يظهر فيه شيء منها، فالحكم له، وإن غلبته النجاسة فالحكم لها إذا ظهر في الماء شيء منها (^٣).\nوقد أجمع العلماء على طهارة الخمر، إذا صارت خلًا من غير صانع، لاستهلاك ما كان يخامر العقل منها بطريان التحليل عليه، فلأن تطهر النجاسة، ويزول حكمها باستهلاك الماء لها أولى وأحرى (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٢) ومسلم (٢٨٦).\n(^٢) كتاب تهذيب المسالك في نصرة مذهب مالك (١/ ٤٤).\n(^٣) الاستذكار (٣/ ٢٥٩).\n(^٤) تهذيب المسالك (١/ ٤٥).","vol":"1","page":214},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-197> دليل الشافعية على كون الماء طاهرًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الدليل الأول:</span>\nالماء المستعمل ليس ماء مطلقًا، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملًا، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق كما في قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فلم يقيده بشيء (^١).\nويجاب عن ذلك من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن لفظ (ماء) في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦] نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان مستعملًا أو غيره، ما دام أنه لم يتغير بالنجاسة\nالوجه الثاني:\nأنه لا فرق من حيث جوهر الماء بين الماء المستعمل وغيره، فهو ماء باق على صفته التي خلقه الله عليها، وهو مناط الحكم، فالمقصود بالمقيد هو ما خرج به الماء عن جوهره كالمرق والشاي، أو ما تغير بالنجاسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>الدليل الثاني:</span>\nكل دليل استدل به الشافعية على طهارة الماء المستعمل في رفع الحدث، استدلوا به على طهارة الماء المستعمل في إزالة النجاسة إذا انفصل ذلك الماء ولم يتغير، وقد طهر المحل، بجامع أن كلًا من الماء المستعمل في رفع الحدث أو في إزالة النجاسة قد طهَّر المحل، وانفصل عن محل طاهر، وسبق بحث هذه المسألة، ومن هذه الأدلة.\n(٥٩) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه،\n_________\n(^١) ذكره دليلًا لهم ابن حزم في المحلى (١/ ١٨٩) ورده عليهم.","vol":"1","page":215},{"text":"أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب.\nفقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (^١).\nوانظر الجواب عليه في مسألة المستعمل في رفع الحدث.\n• ويجاب عن قول الشافعية:\nبأن إثبات قسم من الماء يكون طاهرًا غير مطهر قول ضعيف، وقد بينت في مبحث أقسام المياه أن الماء قسمان: طهور، ونجس. ولا يوجد قسم الطاهر، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-200> دليل الحنابلة في غسالة النجاسة:</span>\nيرى الحنابلة أن الماء المنفصل من الغسلة الأولى حتى الغسلة السادسة نجس؛ لأن الماء قد انفصل والمحل نجس، حتى ولو ذهبت عين النجاسة، فالمحل نجس حكمًا، والتعليل عندهم: أنه ماء قليل لاقى نجاسة، فينجس ولو لم يتغير (^٢).\nوأما الماء المنفصل من الغسلة السابعة فإنه طاهر، ولماذا لا يكون طهورًا؟\nقالوا: لأنه أثر في المحل، فحصل به إزالة حكم النجاسة.\nولماذا لا يكون نجسًا؟\nقالوا: لأنه انفصل عن محل طاهر؛ لأن المحل يطهر عندهم في الغسلة السابعة، إذا ذهبت عين النجاسة.\nأما المنفصل من الغسلة الثامنة فهو طهور؛ لأن المحل قد طهر من الغسلة السابعة، فلم يتأثر الماء.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٨٣).\n(^٢) وسوف نبحث إن شاء الله تعالى حكم الماء القليل إذا لاقى نجاسة، ولم يتغير في مسألة مستقلة.","vol":"1","page":216},{"text":"والقول بوجوب غسل النجاسات ثلاثًا عند الحنفية أو سبعًا عند الحنابلة قول ضعيف، إلا في ولوغ الكلب حيث ثبت العدد في غسل الإناء من ولوغه سبعًا، وسوف يأتي بسط هذه المسألة إن شاء الله تعالى (^١).\nالراجح:\nأن غسالة النجاسة إن تغيرت بالنجاسة فهي نجسة، وإن لم تتغير فالماء طهور، وأما القول بأن الغسالة نجاسة حتى ولو كان الماء باقيًا على صفته التي خلقه الله عليها فهذا قول ضعيف جدًّا.\n* * *\n_________\n(^١) انظره بحث هذه المسألة في كتاب الطهارة بالاستنجاء، في المجلد السابع في صفة الإنقاء بالماء فقد بسطت أدلة كل فريق، وبيان الراجح منها، والله الموفق.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>الباب السادس في فضل الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>الفصل الأول حكم وضوء الرجال والنساء جميعًا إذا كانوا من المحارم</span>\n[م-٢٧] لا خلاف بين العلماء على جواز وضوء الرجال جميعًا من إناء واحد، ووضوء النساء جميعًا من إناء واحد، ووضوء الرجال والنساء جميعًا إن كان الرجال من المحارم، وقد نقل الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم، منهم:\nقال الطحاوي من الحنفية: «الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معًا من إناء واحد، أن ذلك لا ينجس الماء» (^١).\nوقال القرطبي من المالكية: «اتفق العلماء على جواز اغتسال الرجل وحليلته ووضوئهما معًا من إناء واحد، إلا شيئًا روي في كراهية ذلك عن أبي هريرة، وحديث ابن عمر وعائشة وغيرهما يرده، وإنما الاختلاف في وضوئه أو غسله من فضلها» (^٢).\nوقال ابن حزم ﵀: واتفقوا على جواز توضؤ الرجلين والمرأتين معًا (^٣). اهـ\nوقال الترمذي: «وهو قول عامة الفقهاء، أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد».\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٢٦).\n(^٢) المفهم (١/ ٥٨٣).\n(^٣) مراتب الإجماع (١/ ١٨).","vol":"1","page":218},{"text":"وقال ابن تيمية: «أحدها: وهو اشتراك الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد، وإن كان كل واحد منهما يغتسل بسؤر الآخر، وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم، أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤوا واغتسلوا من ماء واحد جاز، فأما اغتسال الرجال والنساء جميعًا من إناء واحد فلم يتنازع العلماء في جوازه، وإذا جاز اغتسال الرجال والنساء جميعًا، فاغتسال الرجال دون النساء جميعًا، أو النساء دون الرجال جميعًا أولى بالجواز، وهذا مما لا نزاع فيه، فمن كره أن يغتسل معه غيره، أو رأى أن طهره لا يتم حتى يغتسل وحده، فقد خرج عن إجماع المسلمين، وفارق جماعة المؤمنين» (^١). اهـ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-203> مستند هذا الإجماع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>الدليل الأول:</span>\n(٦٠) ما رواه مسلم من طريق عاصم الأحول، عن معاذة،\nعن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني، حتى أقول دع لي دع لي. قالت: وهما جنبان، وهو في البخاري (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>الدليل الثاني:</span>\n(٦١) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن\nابن عباس، أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>الدليل الثالث:</span>\n(٦٢) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال:\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٢١)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٥١).\n(^٢) رواه مسلم (٣٢١).\n(^٣) رواه البخاري (٢٥٣).","vol":"1","page":219},{"text":"سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد (^١).\nففي هذه الأحاديث دليل على أن الرجل وزوجه يغتسلان معًا من غسل الجنابلة، وإذا اغتسلا معًا كان كل واحد منهما يغتسل بفضل صاحبه (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٤).\n(^٢) انظر المبسوط (١/ ٦١)، شرح معاني الآثار (١/ ٢٤)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٦٣)، الأم للشافعي (٧/ ٢٦٢)، المجموع (٢/ ٢٢١)، طرح التثريب (٢/ ٣٩)، تحفة المحتاج (١/ ٧٧)، والمغني (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>الفصل الثاني في الوضوء بفضل المرأة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• سؤر فضل وضوء المرأة كسؤر شرابها طهور على الصحيح.\n• سؤر بهيمة الأنعام حتى الهرة طهور، فسؤر طهور المرأة أولى، فهي ألطف بنانًا وأطيب ريحًا.\n• كل ما يرفع حدث المرأة يرفع حدث الرجل، وكذلك العكس.\n• إذا كان تغير الماء بالمجاورة لا يسلبه الطهورية فالخلوة بالماء من باب أولى لا تأثير لها في بقاء الطهورية أو رفعها.\n• لا توجد علة معقولة في التفريق بين فضل طهور المرأة وفضل طهور الرجل، فإذا كان فضل طهور الرجل طهورًا بالإجماع فالنساء شقائق الرجال.\n• قال أحمد: الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة.\n[م-٢٨] إذا خلت المرأة بالماء، فهل يجوز الوضوء بفضلها، فيه خلاف:\nواختلفوا في معنى الخلوة على قولين:\nالأول: انفرادها بالاستعمال، سواء شوهدت أم لا، وهذا مذهب الجمهور (^١)،\n_________\n(^١) سيأتي العزو عنهم قريبًا عند ذكر الأقوال في حكم التطهر بفضل المرأة.","vol":"1","page":221},{"text":"ورواية عن أحمد (^١).\nالثاني: أن تخلو به فلا يشاهدها مميز، سواء كان ذكرًا أم أنثى، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (^٢).\n[م-٢٩] وقد اختلف الفقهاء في الوضوء بفضل المرأة على أقوال:\nفقيل: يجوز الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل من الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) قال أبو داود كما في مسائل أحمد (١٥): «سمعت أحمد سئل عن الوضوء بفضل وضوء المرأة؟ قال: إن خلت به فلا. قيل: فإن لم تخل؟ قال: فلا بأس، كان النبي ﷺ والمرأة من نسائه يغتسلان جميعًا من إناء واحد».\nوقال في مسائل صالح (٤٣٧): «وسألت أبي عن فضل الجنب والحائض؟\nفقال: إذا خلت به، فلا يعجبني، ولكن إذا كانا جميعًا فلا بأس به». اهـ\nفلما جعل الإمام أحمد اغتسالهما معًا في مقابل خلوتها به، دل على أن المقصود بالخلوة انفرادها باستعماله، وإن رآها أحد، ولذلك قال ابن قدامة في المغني (١/ ١٣٧): «وذهب بعض الأصحاب إلى أن الخلوة استعمالها للماء من غير مشاركة الرجل في استعماله؛ لأن أحمد قال: إذا خلت به فلا يعجبني أن يغتسل هو به، وإذا شرعًا فيه جميعًا فلا بأس به». ففهم بعض الأصحاب من كلام أحمد أن الخلوة: هي عدم المشاركة.\n(^٢) قال أحمد كما في مسائل عبد الله (١/ ٢٢، ٢٣): «سمعت أبي يقول: لا بأس أن يتوضأ - يعني بفضل وضوء المرأة - وهو يراها، ما لم تخل به». اهـ\nفشرط هنا أن يراها، فيكون معنى الخلوة: هي عدم المشاهدة، ولذلك قال المرداوي في الإنصاف (١/ ٤٩): إن في معنى الخلوة روايتين:\nأحدهما: وهي المذهب أنها عدم المشاهدة عند استعمالها من حيث الجملة.\nوالثانية: انفرادها بالاستعمال، سواء شوهدت أم لا، وتزول الخلوة بمشاركته لها في الاستعمال بلا نزاع».\n(^٣) انظر في مذهب الحنفية: تبيين الحقائق (١/ ٣١)، شرح معاني الآثار (١/ ٢٦)، المبسوط (١/ ٦١، ٦٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٣٣).\nوانظر في مذهب المالكية: الخرشي (١/ ٦٦)، مختصر خليل (ص: ٥)، بداية المجتهد (١/ ٢٩٤)، التاج والإكليل (١/ ٧٢)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٦٣)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٤٢)، الاستذكار (١/ ٣٧٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٥).\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ١٦٥): «والذي ذهب إليه جمهور العلماء، وجماعة فقهاء الأمصار، أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وتتوضأ المرأة بفضله، انفردت بالإناء أو لم تنفرد، وفي مثل هذا آثار كثيرة عن النبي ﷺ صحاح، والذي يُذْهَب إليه أن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما ظهر فيه من النجاسات، أو غلب عليه منها، فلا وجه للاشتغال بما لا يصح من الآثار والأقوال، والله المستعان». اهـ\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢١)، المجموع (٢/ ٢٢١)، طرح التثريب (٢/ ٣٩، ٤٠)، تحفة المحتاج (١/ ٧٧).\nوانظر رواية الإمام أحمد في المغني (١/ ١٣٦)، الاختيارات (ص: ٣).","vol":"1","page":222},{"text":"ورجحه ابن المنذر (^١)، وهو رأي ابن عباس ﵄ (^٢).\nوقيل: لا يستعمل في رفع حدث الرجل خاصة، ويستعمل في إزالة النجاسة،\n_________\n(^١) قال في الأوسط (١/ ٢٩٥): «والذي نقول به الرخصة في أن يغتسل كل واحد منهما ويتوضأ بفضل طهور صاحبه، وإن كانا جنبين أو أحدهما، أو كانت المرأة حائضًا، وسواء ذلك خلت به، أو لم تخل به، لثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ الدالة على صحة ذلك». اهـ\n(^٢) روى ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٨) حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي يزيد المدني، قال: سئل ابن عباس عن سؤر المرأة، فقال: هي ألطف بنانًا، وأطيب ريحًا، ورجاله ثقات. وأبو يزيد، سئل أبو زرعة عن اسمه، فقال: لا أعلم له اسمًا.\nوقال فيه ابن معين كما في رواية إسحاق بن منصور عنه: ثقة. الجرح والتعديل (٩/ ٤٥٨).\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: وروى عن ابن عباس وأحيانا يدخل بينه وبين ابن عباس عكرمة. المرجع السابق.\nوقال عبد الرحمن أيضًا: سألت أبي عن أبي يزيد المدني؟ فقال: شيخ، سئل مالك عنه، فقال: لا أعرفه. وقال أبي عنه: يكتب حديثه. فقلت: ما اسمه؟ فقال: لا يسمى. المرجع السابق.\nوقال الآجري عن أبي داود: سألت أحمد عنه؟ فقال: تسأل عن رجل روى عنه أيوب. تهذيب التهذيب (١٢/ ٣٠٦).\nوفي التقريب: مقبول. يعني: إن توبع، وإلا فلين، هذا رأي الحافظ، وأرى والله أعلم أنه أكبر من ذلك، كيف وقد وثقه ابن معين، وأشار أحمد إلى توثيقه؛ لأن أيوب روى عنه. وأخرج له البخاري حديثه عن عكرمة عن ابن عباس: (إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم). الحديث.\nورواه عبد الرزاق (٣٨٢، ٣٧٩) من طريقين عن عكرمة، عن ابن عباس.","vol":"1","page":223},{"text":"وفي رفع حدث المرأة والصبي، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (^١)، ومذهب ابن حزم قريب منه (^٢).\nوقيل: يكره الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن، واختاره بعض الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) مذهب الإمام أحمد كما في المشهور من مذهبه عند المتأخرين أن الماء لا يرفع حدث الرجل بشروط، وهي:\nالأول: أن تخلو به المرأة عن مشاهدة رجل أو امرأة أو مميز، وقد قدمنا أن في المذهب روايتين، هذه إحداهما.\nالثاني: أن تكون خلوتها بماء، فلا تضر خلوتها بتراب.\nالثالث: أن يكون الماء يسيرًا دون القلتين.\nالرابع: أن تكون خلوتها بالماء لطهارة كاملة.\nالخامس: أن تكون طهارتها عن حدث، وليس عن إزالة نجاسة.\nقال ابن قدامة في المغني (١/ ١٣٧): «فإن خلت به في بعض أعضائها، أو في تجديد طهارة، أو استنجاء، أو غسل نجاسة، ففيه وجهان:\nأحدهما: المنع؛ لأنه طهارة شرعية.\nوالثاني: لا يمنع؛ لأن الطهارة المطلقة تنصرف إلى طهارة الحدث الكاملة، وهذا ما عليه المتأخرون من أصحاب أحمد». وانظر في مذهب أحمد الكافي (١/ ٦٢)، الإنصاف (١/ ٤٨)، الفروع (١/ ٨٣)، تنقيح التحقيق (١/ ٢١٤)، كشاف القناع (١/ ٣٧).\n(^٢) قال ابن حزم في المحلى (١/ ٢٠٤): «وكل ماء توضأت منه امرأة- حائض أو غير حائض - أو اغتسلت منه فأفضلت منه فضلًا، لم يحل لرجل الوضوء من ذلك الفضل ولا الغسل منه، سواء وجدوا ماء آخر، أو لم يجدوا غيره، وفرضهم التيمم حينئذ، وحلال شربه للرجال والنساء، وجائز الوضوء به والغسل للنساء على كل حال، ولا يكون فضلًا إلا أن يكون أقل مما استعملته منه، فإن كان مثله أو أكثر فليس فضلًا، والوضوء والغسل به جائز للرجال والنساء».\nوالفرق بين اختيار ابن حزم، ومذهب الحنابلة أن ابن حزم لا يشترط أن تخلو به المرأة عن المشاهدة، بل يكفي أن تنفرد به عن الرجل، ولا يحد ابن حزم الماء اليسير في القلتين، بل يحده بأن يكون الماء المتبقي أقل مما استعملته منه، فإن كان مثله أو أكثر فليس فضلًا، والله أعلم.\n(^٣) روى عبد الرزاق في المصنف (٣٧٥) عن معمر، عن قتادة، قال: سألت الحسن وابن المسيب عن الوضوء بفضل المرأة، فكلاهما نهاني عنه.\nورواية معمر عن قتادة فيها كلام؛ لكن تابعه شعبة، وهو من أثبت الناس في رواية قتادة، فقد روى ابن أبي شيبة (٣٥٧) حدثنا عبدة بن سليمان، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن أنهما كانا يكرهان فضل طهورها.\nوهذا إسناد صحيح، وشعبة لا يحمل عن قتادة إلا ما صرح به في التحديث.\nوانظر الأوسط (١/ ٢٩٢) والمجموع (٢/ ٢٢١)، المحلى (١/ ٢٠٥)، فقه سعيد بن المسيب (١/ ٨)، فقه الفقاء السبعة (١/ ٢٤).\nوانظر اختيار بعض الشافعية في تحفة المحتاج (١/ ٧٧).","vol":"1","page":224},{"text":"وقيل: لا بأس أن يغتسل بفضل طهور المرأة ما لم تكن جنبًا أو حائضًا، وهو رأي ابن عمر ﵄ (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-208> دليل الجمهور على أن فضل المرأة طهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>الدليل الأول:</span>\nأن فضل وضوء المرأة ماء باق على خلقته التي خلقه الله عليها، وقد قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦] فلا يجوز التيمم مع وجود مثل هذا الماء بنص القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>الدليل الثاني:</span>\n(٦٣) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، قال:\nأكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة (^٢).\n[الحديث معلول، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان أن رسول الله ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد] (^٣).\n_________\n(^١) روى مالك في الموطأ (١/ ٥٢) عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن حائضًا أو جنبًا. وسنده في غاية الصحة.\n(^٢) صحيح مسلم (٣٢٣).\n(^٣) سيأتي الكلام على علته حين الجمع بين حديث النهي عن الوضوء بفضل المرأة، وما يروى أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة، انظر تخريجه (ص: ٢٣٣).","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>الدليل الثالث:</span>\n(٦٤) ما رواه أحمد من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة،\nعن ابن عباس أن امرأة من نساء النبي ﷺ استحمت من جنابة، فجاء النبي ﷺ يتوضأ من فضلها، فقالت: إني اغتسلت منه، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (١/ ٢٤٨).\n(^٢) مدار هذا الإسناد على سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nورواية سماك عن عكرمة مضطربة، وقد تكلمت عن إسناده في الشاهد الثالث عند تخريج الحديث رقم (١٠)، وسوف أتكلم إن شاء الله تعالى في هذا الباب عن متنه فقط، فقد جاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ جاء ليتوضأ، وفي بعضها جاء ليغتسل .. وهذا الاختلاف لا يؤثر؛ لأن النبي ﷺ كان يتقدم غسله الوضوء.\nوهناك اختلاف آخر في متن الحديث، فرواه شعبة، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وإسرائيل، أن الرسول ﷺ قال لها: إن الماء لا ينجسه شيء، ورواه يزيد بن عطاء عن سماك بلفظ: إن الماء ليس عليه جنابة.\nويزيد بن عطاء ضعفه يحيى بن معين والنسائي، وفي التقريب: فيه لين.\nورواه أيضًا أبو الأحوص عن سماك: وذكر أن الرسول ﷺ قال لها: (إن الماء لا يجنب) كما عند أبي داود (٦٨) والترمذي (٦٠) وابن ماجه (٣٧٠) وابن حبان (١٢٦١).\nوأبو الأحوص ثقة متقن كما في التقريب، ولكن جاء الحديث من طريق أبي الأحوص أيضًا بما يوافق رواية الجماعة، كما في صحيح ابن حبان (١٢٤١) والطبراني (١١٧١٦) أن الرسول ﷺ قال لها: (إن الماء لا ينجسه شيء) وفي لفظ الطبراني (إن الماء لا ينجس).\nورواه شريك، عن سماك بالشك: إن الماء ليس عليه جنابة، أو قال: إن الماء لا ينجس.\nوشريك سيء الحفظ، وخالف في إسناده كما سبق بيانه عند الكلام على إسناد الحديث انظر (١٠).\nفيكون المحفوظ من الحديث قوله: إن الماء لا ينجس؛ خاصة إذا علمنا أيضًا أن للحديث شاهدًا من حديث أبي سعيد والله أعلم.\nوهل هناك فرق بين اللفظتين بين قوله ﷺ: إن الماء لا يجنب، وبين قوله ﷺ: إن الماء لا ينجسه شيء؟\nالجواب: نعم قول الرسول ﷺ: (إن الماء لا ينجسه شيء) أعم من قوله: (إن الماء لا يجنب)؛ لأن قوله ﷺ: (لا يجنب) أي لا تنتقل إليه الجنابة، والجنابة ليست نجاسة، بخلاف (إن الماء لا ينجسه شيء) هذا فرق، وحتى ولو لم يكن هناك فرق فإن معرفة اللفظ النبوي عبادة، والله أعلم.\nفالخلاصة أن الحديث باغتسال النبي ﷺ من فضل وضوء المرأة لا يثبت من حديث ابن عباس؛ لأنه جاء من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، وروايته مضطربة، كما أن فيه اختلافًا في وقفه ورفعه، وسماك قد نص العلماء أنه يرفع أحاديث عكرمة عن ابن عباس، فيجعلها عن النبي ﷺ.\nقال أبو داود في مسائله لأحمد (ص: ٤٤٠) رقم ٢٠١٦: سمعت أحمد قال: قال شريك: كانوا يلقنون سماكًا أحاديثه عن عكرمة، يلقنونه عن ابن عباس، فيقول: عن ابن عباس. اهـ\nولفظ: إن الماء لا ينجس قد ثبت من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وسبق تخريجه، والحمد لله.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>الدليل الرابع:</span>\nالأصل في الماء أنه طهور، ولا ينتقل عنه إلى غيره إلا بدليل صحيح صريح سالم من النزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>الدليل الخامس:</span>\nفضل وضوء الرجل طهور بالإجماع، والنساء شقائق الرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>الدليل السادس:</span>\nإذا كان سؤر بهيمة الأنعام حتى الهرة طهور، فسؤر طهور المرأة أولى، فهي ألطف بنانًا وأطيب ريحًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>الدليل السابع:</span>\nلو كان انفرادها بالماء مؤثرًا في طهورية الماء لكانت مشاركتها للرجل في الطهور مؤثرة في طهورية الماء أيضًا؛ لأن التأثير يأتي من استعمالها للماء، وليس من انفرادها به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-216> دليل من قال: لا يغتسل بفضل المرأة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>الدليل الأول:</span>\n(٦٥) روى الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا يونس وعفان، قالا: ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي،","vol":"1","page":227},{"text":"عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة أربع سنين قال: نهانا رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في مغتسله، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعًا (^١).\n[رجاله ثقات] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٤/ ١١١).\n(^٢) الحديث أخرجه أبو داود (٨١) والنسائي (٢٣٨)، والطحاوي (١/ ٢٤)، والبيهقي (١/ ١٩٠) من طريق أبي عوانة.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١١٠، ١١١)، وأبو داود (٢٨، ٨١) والحاكم (١/ ١٦٨)، والبيهقي (١/ ٩٨، ١٩٠) من طريق زهير، كلاهما (أبو عوانة وزهير) عن داود بن عبد الله به.\nإلا أن الحاكم قال: أظنه عن أبي هريرة، وهذا وهم، فإن الحديث صريح بأن الصحابي صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة.\nقال البيهقي: وهذا الحديث رواته ثقات، إلا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي حدثه، فهو بمعنى المرسل، إلا أنه مرسل جيد، لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة قبله. اهـ\nفتعقبه الحافظ في الفتح (١/ ٣٠٠) قائلًا: «ولم أقف لمن أعله حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن إيهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه. اهـ\nوقال مثله ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٢١٧) والنووي في المجموع (٢/ ٢٢٢)، وقال: صحيح الإسناد.\nوضعفه ابن حزم، وظن داود بن عبد الله الأودي هو داود بن يزيد الأودي عم عبدالله بن إدريس.\nقال ابن عبد الهادي: «وقد تكلم على هذا الحديث ابن حزم بكلام أخطأ فيه، ورد على ابن حزم مفوز وابن القطان وغيرهما، وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الحديث». اهـ وانظر بيان الوهم والإيهام لابن القطان (٥/ ٢٢٦).\nوقال الحافظ في الفتح (١/ ٣٠٠): ودعوى ابن حزم أن داود - راويه عن حميد بن عبدالرحمن - هو ابن يزيد الأودي دعوى ضعيفة مردودة، فإنه ابن عبد الله الأودي، وهو ثقة. اهـ\nوممن ضعف هذا الحديث وغيره من أحاديث الباب الإمام أحمد كما في فتح الباري (١/ ٣٠٠) فإنه قال: «إن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة، لكن صح عن عدة من الصحابة المنع فيما إذا خلت به».\nوهذا ظاهره إعلال كل ما ورد في الباب من منع، أو جواز، وهذا ما جعلني أقول رجاله ثقات بدلًا من قولي: إسناده صحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>الدليل الثاني:</span>\n(٦٦) ما رواه أحمد، قال: ثنا سليمان بن داود، ثنا شعبة، عن عاصم الأحول، قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم بن عمرو الغفاري، أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل من فضل وضوء المرأة (^١).\n[رجاله ثقات، وقد أعل بالوقف] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٥/ ٦٦)، ومن طريق أحمد أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٦) رقم ٢١.\n(^٢) الحديث رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، واختلف على أبي داود الطيالسي:\nفرواه أحمد كما في مسنده (٥/ ٦٦).\nومحمد بن بشار كما في سنن أبي داود السجستاني (٨٢) والترمذي (٦٤) وابن ماجه (٣٧٣)، وسنن البيهقي (١/ ١٩١).\nوعمرو بن علي كما في سنن النسائي (٣٤٣) وصحيح ابن حبان (١٢٦٠).\nوزيد بن أخزم كما في سنن الدارقطني (١/ ٥٣) جميعهم رووه عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو.\nورواه محمود بن غيلان، كما في سنن الترمذي (٦٤)، عن أبي داود الطيالسي به، إلا أنه شك فيه، هل قال نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة أو قال بسؤرها؟\nوخالف هؤلاء يونس بن حبيب كما في مسند الطيالسي (١٣٤٨) فرواه عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي حاجب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فأبهم صحابيه.\nورواه سليمان التيمي، عن أبي حاجب عن رجل من أصحاب النبي ﷺ كرواية يونس، عن الطيالسي.\nأخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٤)، وأحمد (٥/ ٦٦)، والبخاري في التأريخ الكبير (٤/ ١٨٥)، والترمذي (٦٣)، والطبراني في الكبير (٣١٥٤، ٣١٥٧).\nوإبهام الصاحبي لا يضر؛ لأن الصحابة عدول، ورواية الجماعة بالتصريح باسم الصحابي هي لا تعدو أن تكون زيادة إيضاح.\nوقد تابع أبا داود الطيالسي جماعة بتسمية الصحابي.\nفرواه الربيع بن يحيى كما في المعجم الكبير للطبراني (٣١٥٦).\nوعبد الصمد كما في مسند أبي داود الطيالسي ط هجر بإثر ح (١٣٤٨)، ومسند أحمد (٤/ ٢١٣)، وسنن البيهقي (١/ ١٩١). =","vol":"1","page":229},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ووهب بن جرير كما في مسند أحمد (٣/ ٢١٣)، والبيهقي (١/ ١٩١)،\nوعبد الوهاب بن عطاء، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٤) كلهم رووه، عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمر، بالتصريح باسم الصحابي على خلاف بينهم في لفظ الحديث.\nفلفظ الربيع بن يحيى الأشناني موافق للفظ أبي داود الطيالسي.\nولفظ عبد الصمد: نهى أن يتوضأ بفضلها، لا يدرى بفضل وضوئها أو فضل سؤرها.\nولفظ وهب بن جرير: نهى أن يتوضأ الرجل من سؤر المرأة. زاد البيهقي: وكان لا يدري عاصم فضل وضوئها، أو فضل شرابها.\nوهذا الشك صريح أنه من عاصم، وتارة يكون الشك من أبي حاجب.\nولفظ عبد الوهاب بن عطاء: نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، أو بسؤر المرأة لا يدري أبو حاجب أيهما قال.\nوتابع قيس بن الربيع شعبة.\nفأخرجها القاسم بن سلام في الطهور (١٨٢)، والطبراني في الكبير (٣١٥٥) من طريق عاصم ابن علي.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٣١٥٥) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، كلاهما عن قيس بن الربيع، عن عاصم به، نهى رسول الله ﷺ عن سؤر المرأة.\nكلام أهل العلم في الحديث:\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nقال الترمذي في العلل (١/ ١٣٤): سألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث، فقال: ليس بصحيح.\nوقال الإمام أحمد كما في فتح الباري (١/ ٣٠٠): «إن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة، لكن صح عن عدة من الصحابة المنع فيما إذا خلت به».\nوقال الإمام أحمد أيضًا كما في التنقيح (١/ ٢١٥) «قال الأثرم: قال أبو عبد الله يضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غُنْدَر، وبعضهم يقول: عن فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول: فضل وضوء المرأة فلا يتفقون عليه». اهـ\nوقال الدارقطني في سننه (١/ ٥٣): «أبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم، واختلف عنه، فرواه عمران بن حدير، وغزوان بن حجير السدوسي عنه موقوفًا من قول الحكم، غير مرفوع إلى النبي ﷺ.\nقلت: رواية عمران بن حدير في مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٥) قال: حدثنا وكيع، عن عمران =","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>الدليل الثالث:</span>\n(٦٧) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا المعلى بن أسد، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا عاصم الأحول،\nعن عبد الله بن سرجس، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعًا.\n_________\n= ابن حدير، عن سوادة بن عاصم، قال:\nانتهيت إلى الحكم الغفاري، وهو بالمربد، وهو ينهاهم عن فضل طهور المرأة، فقلت: ألا حبذا صفرة ذراعيها، ألا حبذا كذا!! فأخذ شيئًا فرماه به، وقال: لك ولأصحابك. وهذا إسناد صحيح.\nفالحديث علته والله أعلم الاختلاف في رفعه ووقفه، وأما كون الحديث ورد مرة بسؤر المرأة، ومرة بفضل المرأة، ومرة بالشك، هل يريد فضل شرابها أم فضل سؤرها، فممكن الجمع بين هذه الروايات.\nفرواية أبي داود الطيالسي عن شعبة، رواه عن أبي داود ثلاثة:\nمحمد بن بشار، ويونس بن حبيب. وهذان متفقان على لفظ: فضل طهور المرأة.\nورواه محمود بن غيلان عن أبي داود بالشك: بفضل طهور المرأة، أو قال سؤرها.\nوالشك هنا من محمود، فيطرح الشك؛ لأنه قد رواه ثقتان عن أبي داود بدون شك.\nوروى الحديث عبد الصمد، عن شعبة كما في مسند الإمام أحمد (٤/ ٢١٣) ولفظه: نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ بفضلها، لا يدري بفضل وضوئها أو فضل سؤرها.\nوهنا الشك ليس في اللفظ النبوي؛ لأن اللفظ النبوي نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ بفضلها. هذا اللفظ النبوي ليس فيه شك. وإنما الشك في تفسير الراوي لفضل المرأة ما هو؟\nوالتفسير من قبل الراوي قد يصيب وقد يخطيء وإذا كان عبد الصمد في تفسيره لم يجزم فالروايات الأخرى تقضي على الشك.\nوأما رواية وهب بن جرير عن شعبة عند أحمد، ورواية قيس بن الربيع عن عاصم. نهى أن يتوضأ الرجل من سؤر المرأة.\nولنا في هذه الرواية إما الجمع أو الترجيح، والجمع أولى بأن يقال: المراد بالسؤر هنا: هو فضل الطهور، لا فضل الشراب؛ لأن السؤر أصله: البقية من كل شيء، وهنا المراد البقية من طهورها كما في سائر الروايات الأخرى.\nوإن قلنا بالترجيح، فلا شك أن لفظ (فضل المرأة) أكثر طرقًا من لفظ (سؤر المرأة) والله أعلم.","vol":"1","page":231},{"text":"[المحفوظ وقفه على عبد الله بن سرجس] (^١).\nالجمع بين حديث النهي عن الوضوء بفضل المرأة، وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة.\n• أجاب المانعون بأحد جوابين:\nالجواب الأول:\nقالوا: إن حديث ابن عباس غير محفوظ: أن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة،\n_________\n(^١) الحديث أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٤) من طريق محمد بن خزيمة. والدارقطني (١/ ١١٦) من طريق أبي حاتم الرازي. وابن حزم في المحلى (١/ ٢١٢) من طريق على بن عبد العزيز، ثلاثتهم عن معلى بن أسد.\nوأخرجه أبو يعلى (١٥٦٤)، والبيهقي (١/ ١٩٢) من طريق إبراهيم بن الحجاج، كلاهما (معلى ابن أسد وإبراهيم بن الحجاج) عن عبد العزيز بن المختار، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس مرفوعًا.\nوخالف شعبة عبد العزيز بن المختار، فرواه عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس، موقوفًا عليه.\nأخرجه الدارقطني (١/ ١١٧) من طريق وهب بن جرير، عن شعبة، عن عاصم، عن عبد الله ابن سرجس موقوفًا عليه، بلفظ: تتوضأ المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة ولا طهورها. قال الدارقطني: هذا موقوف صحيح، وهو أولى بالصواب. وتبعه البيهقي في سننه (١/ ١٩٢).\nوقال البخاري عن حديث عبد الله بن سرجس: الصحيح أنه موقوف، ومن رفعه فهو خطأ. سنن البيهقي (١/ ١٩٢).\nوقال ابن ماجه: الصحيح الأول -يعني: حديث شعبة، عن عاصم، عن أبي حاجب، عن الحكم ابن عمرو- والثاني وهم. يعني حديث عاصم، عن عبد الله بن سرجس.\nوقد لحظ ابن ماجه ﵀ أن مخرج الحديثين واحد، وهو عاصم الأحول، فشعبة يجعله من مسند الحكم، وعبد العزيز بن المختار يجعله من مسند عبد الله بن سرجس، وشعبة أرجح من عبد العزيز بن المختار، لكن يعكر على هذا أن شعبة رواه عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس موقوفًا عليه، فيبعد الوهم المطلق، وإنما الوهم في الرفع فقط، كما رجح ذلك البخاري والدارقطني والبيهقي، والله أعلم.","vol":"1","page":232},{"text":"وأن المحفوظ ما جاء في الصحيحين من كون الرسول ﷺ يغتسل هو وميمونة من إناء واحد (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس.\nواختلف على عمرو بن دينار، فرواه ابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (١٠٣٧) وأحمد (١/ ٣٦٦) ومسلم (٣٢٣)، وابن خزيمة (١٠٨)، والدارقطني (١/ ٥٣)، والبيهقي (١/ ١٨٨)، عن عمرو بن دينار، قال علمي والذي يخطر على بالي، أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة.\nوخالفه سفيان بن عيينة، فرواه عبد الرزاق في المصنف (١٠٣٢) وابن أبي شيبة (٣٦٨)، والحميدي (١/ ١٤٨)، والشافعي في مسنده (ص: ٩) وأحمد (٦/ ٣٢٩)، والبخاري (٢٥٠)، ومسلم (٣٢٢)، والترمذي (٦٢)، والنسائي في الصغرى (٢٣٦)، وفي الكبرى (٢٣٨)، وابن ماجه (٣٧٧)، وأبو يعلى (٧٠٨٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥)، والبيهقي (١/ ١٨٨) من طرق، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، عن ميمونة، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد. وجعله البخاري من مسند ابن عباس. فيكون على هذا قد اختلف على ابن عيينة.\nفرواه عنه الحميدي، وأحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وقتيبة بن سعيد والشافعي، وابن أبي عمر، ويحيى بن موسى، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، كلهم رووه عن سفيان عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، فجعلوه من مسند ميمونة، كما سبق.\nوخالفهم أبو نعيم، عند البخاري. قال البخاري (٢٥٣) حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد -وهو أبو الشعثاء- عن ابن عباس أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد. قال البخاري: كان ابن عيينة يقول أخيرًا، عن ابن عباس عن ميمونة، والصحيح ما روى أبو نعيم.\nوقد يقال: إن الصحيح رواية الجماعة، خاصة أن فيهم من هو من أخص أصحاب سفيان كالحميدي، وفيه أئمة حفاظ كالإمام أحمد وابن أبي شيبة وقتيبة بن سعيد وغيرهم.\nقال الحافظ في الفتح: إنما رحج البخاري رواية أبي نعيم جريًا على قاعدة المحدثين؛ لأن من جملة المرجحات عندهم قدم السماع، لأنه مظنة قوة حفظ الشيخ، ولرواية الآخرين من جهة أخرى من وجوه الترجيح وهي كونهم أكثر عددًا وملازمة لسفيان، ورجحها الإسماعيلي من جهة أخرى من حيث المعنى: وهي كون ابن عباس لا يطلع على النبي ﷺ في حالة اغتساله مع ميمونة فيدل على أنه أخذه عنها، والله أعلم.\nوقد أشار الحافظ إلى تعليل الحديث، وحكم عليه بالشذوذ، قال في الفتح (١/ ٣٥٩): «أعله قوم لتردد وقع في رواية عمرو بن دينار، حيث قال: علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء\nأخبرني ... فذكر الحديث. وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد لكن راويها غير ضابط وقد خولف. والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد. اهـ\nوقد جاء عند أحمد زيادة في المتن قال ابن جريج بعد أن ساق الحديث بالغسل من فضل ميمونة، قال: وذلك أني سألته عن إخلاء الجنبين جميعًا. وفي أطراف مسند الإمام أحمد لابن حجر (٣/ ٤٦) عن اختلاء بدلًا من إخلاء. وفي مصنف عبد الرزاق: وذلك أني سألته عن الجنبين يغتسلان جميعًا. وهذا قد يرجح قول ابن حجر بأن المحفوظ أنه كان ﷺ يغتسل هو وميمونة من إناء واحد؛ لأنه بهذا اللفظ يكون الحديث أكثر مطابقة للسؤال من أنه كان يغتسل بفضلها.","vol":"1","page":233},{"text":"الجواب الثاني:\nقالوا: حديث أن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة يحتمل أن يكون مع المشاهدة. ولذلك يشترطون أن تخلو به المرأة لطهارة كاملة. ومعنى تخلو به عندهم ليس معناه أن تنفرد به ولكن معناه ألا يشاهدها مميز أثناء الطهارة (^١).\nوهذا الكلام عليه مأخذان.\nالأول: أنه يبعد أن تشاهد المرأة وهي تغتسل من الجنابة.\nالثاني: أن اشتراط ألا يشاهدها أحد ليس ظاهرًا من الحديث، ولكن يكون الماء فضلها إذا انفردت باستعماله .. ولذا جاء في الحديث (وليغترفا جميعًا) ولو كان مجرد المشاهدة يؤثر ما أرشد إلى الاغتنراف جميعًا، وكان ممكن أن يقول نهى أن يتوضأ الرجل بما خلت به المرأة، وكان ممكن أن يقول: ولتغترف عند أحد.\nالقول الثاني في الجمع بين الحديثين:\nأن النهي محمول على الكراهة، والفعل دال على الجواز (^٢)، وهذا هو الراجح على القاعدة الأصولية التي تقول: إن فعل النبي ﷺ لا يعارض قوله.\n_________\n(^١) تنقيح التحقيق (١/ ٢٢٠)، المنتقى (١/ ١٢) ح ١٦.\n(^٢) شرح الزركشي (١/ ٣٠١)، وذكر أنه اختيار أبي الخطاب وابن عقيل، وإليها ميل المجد في المنتقى.","vol":"1","page":234},{"text":"فإذا أمر بشيء وتركه دل ذلك على أن الأمر للاستحباب، وإذا نهى عن شيء وفعله دل على أن النهي للكراهة، إلا أن يقوم دليل خاص على أن المخالفة مختصة بالنبي ﷺ، فيبقى الأمر على أصله للوجوب، والنهي على أصله للتحريم، وليس عندنا دليل على أن النبي ﷺ حين اغتسل بفضل ميمونة أن هذا الحكم خاص به، بل عندنا دليل على أنه عام بدليل أن الرسول ﷺ علل الحكم بقوله (إن الماء لا ينجسه شيء) أو على اللفظ المرجوح (إن الماء لا يجنب) ولم يقل: إني لست كهيئتكم كما قال ذلك عند الوصال في الصيام.\nالقول الثالث في الجمع:\nحملوا النهي عن فضل وضوء المرأة من الجنب والحائض وأما إذا كانت طاهرًا فلا بأس به (^١).\n(٦٨) فقد روى مالك في الموطأ (^٢)، وعنه عبد الرزاق (^٣)، من طريق نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن جنبًا أو حائضًا.\nوأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أيوب عن نافع به (^٤).\nوهذا القول ضعيف:\nلأن اشتراط أن تكون المرأة حائضًا أو جنبًا لم يرد في شيء من الأحاديث.\nوقد قال ﷺ لعائشة وهي حائض: إن حيضتك ليست في يدك، رواه مسلم (^٥).\nفإذا كانت حيضتها ليست في يدها فهي كذلك ليست في وجهها ولا في رأسها\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٨٠).\n(^٢) الموطأ (٢/ ٥٢).\n(^٣) المصنف (١/ ٧٠١).\n(^٤) المصنف (١/ ٣٨) رقم ٣٤٧.\n(^٥) رواه مسلم (٢٩٨) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.","vol":"1","page":235},{"text":"ولا في قدمها ولا في شيء من أعضائها سوى مكان الأذى. فلا دليل على اشتراط الحيض أو الجنابة، وبدن الجنب، وبدن الحائض سوى مكان الأذى لا فرق بينه وبين غيره إلا أن هذا محدث وهذا غير محدث.\nالقول الرابع في الجمع:\nقيل: إن النهي عن استعمال ما تقاطر من أعضائه عند التطهر، والجواز وارد على ما بقى في الماء من الإناء.\nوهذا القول قدمه الخطابي ورجحه على غيره في معالم السنن (^١)، وهذا القول أيضًا ضعيف. فما كان من شأن الصحابة أن يجمعوا ما تقاطر من أعضائهم لاستعماله مرة أخرى حتى يفرق بين ما استعملته المرأة وبين ما استعمله الرجل.\n• الراجح:\nأن النهي لا يثبت، والقول بعدم الكراهة أقوى، وإذا كان الإمام أحمد يقول: إن المسألة ليس فيها حديث ثابت، وإنما العمل بقول بعض الصحابة، فالجواب أن الصحابة مختلفون، وابن عباس يرى جواز الوضوء من فضل المرأة، وابن عمر لا يرى به بأسًا إلا من الحائض والنفساء، وإذا كان الصحابة مختلفين كان السبيل طلب الترجيح من جهة الدليل. ولا دليل يسلم في المسألة.\nوإذا كان سؤر بهيمة الأنعام لا يمنع من الوضوء منه، بل ولا الهرة مع أن طهارتها لعلة التطواف، وإلا فالأصل نجاستها، فسؤر المرأة أولى بالجواز، وانظر إلى فقه ابن عباس حين قال: هي ألطف بنانًا وأطيب ريحًا، ولو كان في المسألة نص سالم من النزاع لم أعارضه بالفهم القاصر، ولكن ما دامت النصوص لم تثبت، والصحابة مختلفين فينظر في أقربها للحق.\n* * *\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٨٠).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>الفصل الثالث في الوضوء بفضل الرجل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• فضل وضوء الرجل طهور بالإجماع.\n• فضل الطهور لا يدخل في الماء المستعمل.\n[م-٣٠] ذكرنا في ما سبق الخلاف في الوضوء بفضل المرأة، وعلمنا أن قول الجمهور جواز الوضوء بفضل المرأة.\nومنع الحنابلة (^١)، وابن حزم (^٢)، الوضوء بفضلها كما سبق.\nولا شك أن من أجاز الوضوء بفضل المرأة يجيز الوضوء بفضل الرجل حيث لا فرق.\nوأما الحنابلة وابن حزم (^٣)، الذين منعوا الوضوء بفضل المرأة فقد أجازوا للمرأة\n_________\n(^١) انظر العزو إلى كتبهم في المسألة السابقة.\n(^٢) المحلى (١/ ٢٠٤).\n(^٣) قال المرداوي في الإنصاف (١/ ٥١): «مفهوم قوله (امرأة) أن الرجل إذا خلا به لا تؤثر خلوته منعًا، وهو صحيح، وهو المذهب. وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم. ونقله الجماعة عن أحمد. وحكاه القاضي وغيره إجماعًا. وذكر ابن الزاغوني عن الأصحاب وجهًا بمنع النساء من ذلك. قال في الرعاية: وهو بعيد. وأطلقهما ناظم المفردات». اهـ\nوقال ابن حزم في المحلى (١/ ٢٠٤): أما فضل الرجال فالوضوء به والغسل جائز للرجل والمرأة، إلا أن يصح خبر في نهي المرأة عنه فنقف عنده، ولم نجده صحيحًا. اهـ","vol":"1","page":237},{"text":"الوضوء بفضل الرجل، ففرقوا بين المسألتين، وقد حكي الإجماع على صحة الوضوء بفضل الرجل، نقله جماعة من أهل العلم.\nقال ابن عبد البر: لا بأس بفضل وضوء الرجل المسلم يتوضأ منه، وهذا كله في فضل طهور الرجل إجماع من العلماء والحمد لله (^١).\nوقال النووي ﵀: واتفقوا على جواز وضوء الرجل والمرأة بفضل الرجل.\nوقال أيضًا: وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائز بالإجماع أيضًا (^٢).\nومع نقل الإجماع إلا أن الحديث الوارد قد جمع النهي عن الوضوء بفضل الرجل كما نهى عن الوضوء بفضل المرأة، فإن صح الإجماع فذاك، وإلا فلينظر في الحديث.\n(٦٩) فقد روى الإمام أحمد من طريق داود بن عبد الله الأودي،\nعن حميد الحميري، قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبوهريرة أربع سنين قال: نهانا رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في مغتسله، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعًا (١ (^٣).\nوهذا حديث رجاله ثقات، وما حكي من الإجماع فينظر في صحة دعواه، فإن صح كان دليلًا لقول الإمام أحمد في تضعيف النهي عن الوضوء بفضل المرأة؛ لأنه لا يمكن أن ينهى الرسول ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة، ويسوي الحديث بينهما في النهي، ثم ينقل الإجماع على عدم النهي عن وضوء المرأة بفضل الرجل إلا إذا كان النهي الوارد لا يثبت عن الرسول ﷺ، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) التمهيد (١/ ٢١٨).\n(^٢) شرح صحيح مسلم (٤/ ٢).\n(^٣) مسند أحمد (٤/ ١١١)، وسبق تخريجه، انظر رقم (٦٥).","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>الباب السابع في الشك والاشتباه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>الفصل الأول في حكم الماء ونحوه إذا كان مشكوكًا فيه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ليس في الشريعة شيء مشكوك فيه أبدًا.\n• الشك الطارئ لا يؤثر على اليقين السابق، سواء أطرأ الشك على أصل محرم، فيبقى محرمًا، أم طرأ على أصل مباح فيبقى مباحًا، أم شك فيما لا يعرف أصله، فتبقى الإباحة الأصلية (^١).\n• التردد في الشيء يسمى شكًّا لدى الفقهاء، لا فرق بين المساوي والراجح.\nوعند الأصوليين: إن كان التردد مع تساوي الاحتمالين فهو الشك، وإلا فالراجح\n_________\n(^١) مثال الشك الذي طرأ على أصل حرام: أن يجد شاة مذبوحة في بلد فيها مسلمون ومجوس، ولا يغلب أحدهما على الآخر فلا تحل حتى يعلم أنها ذكاة مسلم؛ لأن الأصل فيها الحرمة؛ إذ حل الأكل يتوقف على تحقق الذكاة الشرعية، فصار حل الأكل مشكوكًا، فلو كان الغالب فيها المسلمين جاز الأكل عملًا بالغالب المفيد للحل.\nومثال الشك الذي طرأ على أصل مباح: أن يجد ماء متغيرًا، واحتمل أن يكون تغيره بنجاسة أو بطول المكث فإنه يجوز التطهير به مع الشك عملًا بأصل الطهارة.\nومثال الثالث: الشك الذي لا يعرف أصله، كمعاملة من أكثر ماله حرام، فلا يحرم لإمكان الحلال، حيث لم يتحقق حرمة ما أخذه منه، ويكره خوف الوقوع في الحرام.","vol":"1","page":239},{"text":"ظن والمرجوح وهم (^١).\n• إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما، وليس ثم قاعدة مطردة.\n[م-٣١] ينبغي أن يعلم أنه ليس في الشريعة شيء مشكوك فيه البتة، وإنما يعرض الشك للمكلف بتعارض أمارتين فصاعدًا، فتصير المسألة مشكوكًا فيها بالنسبة إليه، فهي شكية عنده، وربما تكون ظنية عند غيره، وقطعية عند آخرين، فكون المسألة شكية أو ظنية أو قطعية ليس وصفًا ثابتًا لها، وإنما هو أمر يعرض لها عند إضافتها إلى حكم المكلف (^٢).\nوينبغي أن يعلم أن مراد كثير من الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والصوم والطلاق والعتق وغيرها هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان في التردد سواء، أو أحدهما راجحًا، فهذا معناه في استعمال الفقهاء في كتب الفقه خلافًا لأصحاب الأصول حيث قالوا: التردد بين الطرفين إن كان على السواء فهو الشك، وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم (^٣).\nوقد يجتمع في هذه المسائل أصل وظاهر، وذلك نحو آنية الكفار المتدينين باستعمال النجاسة، وثياب القصابين، والصبيان الذين لا يتقون النجاسة\nفقيل: إنه محكوم بنجاستها عملًا بالظاهر.\nوقيل: إنه محكوم بطهارتها عملًا بالأصل.\nوقد يترجح الظاهر في بعض المسائل على الأصل فيؤخذ به، وقد يقدم الأصل،\n_________\n(^١) ذكر بعض الفقهاء أن عدم التفريق بين الظن والشك عند الفقهاء إنما هو في باب الأحداث، أما في غيرها فقد فرقوا بينهما في مواضع كثيرة. انظر المنثور في القواعد للزركشي (٢/ ٢٥٥)، غمز عيون البصائر (١/ ١٩٣).\n(^٢) بدائع الفوائد (٣/ ٢٧١).\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ١٢٤)، والمجموع (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":240},{"text":"وقد يستوى الظاهر والأصل، وهذا هو السبب في عدم طرد فروع هذه المسائل عند بعض المذاهب (^١).\n[م-٣٢] إذا عرفنا هذا فقد اختلف العلماء في حكم الشيء إذا تيقن طهارته أو نجاسته، وشك في نقيض ذلك.\nفقيل: يبني على اليقين، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) المجموع بتصرف (١/ ٢٨٥، ٢٥٩)، روضة الطالبين (١/ ١٤٦، ١٤٧).\n(^٢) انظر في مذهب الحنفية: حاشية ابن عابدين (١/ ١٨٦)، المبسوط (١/ ١٤٦، ١٤٧) و(٣٠/ ٢٨)، بريقة محمودية (٤/ ٢١٢).\nوهناك مسائل قد يعمل الحنفية بالظاهر ويقدمونه على الأصل لقرينة، فقد جاء في المبسوط (١/ ٨٦): المتوضئ إذا تذكر أنه دخل الخلاء لقضاء حاجة وشك أنه خرج قبل أن يقضيها أو بعد ما قضاها فعليه أن يتوضأ؛ لأن الظاهر من حاله أنه ما خرج إلا بعد قضائها، وكذلك المحدث إذا علم أنه جلس للوضوء ومعه الماء، وشك في أنه قام قبل أن يتوضأ، أو بعد ما توضأ فلا وضوء عليه؛ لأن الظاهر أنه لا يقوم حتى يتوضأ، والبناء على الظاهر واجب ما لم يعلم خلافه».\nفهنا قدموا العمل بالظاهر على العمل بالأصل والمتيقن؛ لأن الظاهر قد يقوى فيترجح على الأصل، وقد يتعارضان بلا ترجيح وقد يضعف الظاهر فيقدم الأصل، والله أعلم.\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٢١٩)، كفاية الأخيار (١/ ٧٢)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٤٢)، شرح البهجة (١/ ١٤٥)، أسنى المطالب (١/ ٥٨)، روضة الطالبين (١/ ٧٧).\nوفي مذهب الحنابلة: يقول ابن رجب في القواعد (ص: ٣٣٩، ٣٤٠): «إذا تيقن الطهارة أو النجاسة في ماء، أو ثوب، أو أرض، أو بدن وشك في زوالها فإنه يبني على الأصل إلى أن يتيقن زوالها، ولا يكتفي في ذلك بغلبة الظن ولا غيره، وكذلك لو تيقن حدثًا أو نجاسة، وغلب على ظنه زوالها فإنه يبني على الأصل، وكذلك في النكاح والطلاق وغيرهما. وانظر الإنصاف (١/ ٢٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٥)، كشاف القناع (١/ ١٣٢)، المغني (١/ ١٢٦). إلا أن الحنابلة لم يطرد هذا الأصل عندهم، فهناك مسائل قالوا يعمل باليقين، ولا يلتفت إلى غلبة الظن لو وجد. وهناك مسائل قالوا: يكتفي فيها بغلبة الظن.\nومن المسائل التي قالوا: لابد فيها من اليقين، هذه المسائل التي مرت معنا. وهى إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث أو العكس. ومنها اشتباه الماء الطهور بالنجس أو بلفظ أعم: اشتباه المحرم بالحلال، ومنها لو شك في طلوع الفجر فإنه يأكل حتى يستيقن، ومنها لو شك في عدد الطلاق أو الرضعات، أوشك في عدد الطواف أو السعي أو الرمي كل ذلك يعمل باليقين ويطرح الشك ولا ينظر إلى غلبة الظن. ...\nوهناك مسائل قالوا: يكفي فيها غلبة الظن، كالاجتهاد في تحري القبلة، وكالمستجمر إذا أتى بالعدد المعتبر، ومنها الغسل من الجنابة يكفى فيه الظن بالإسباغ، ومنها إذا شك في صلاته فإنه يأخذ بالمتيقن مع إمكان غلبة الظن ومنها مسائل كثيرة ذكرها ابن اللحام في القواعد والفوائد الأصولية فلتراجع (ص: ٥ - ١٥)، وأما ابن تيمية فقد طرد القاعدة، فيرى أنه إذا تعذر اليقين رجع إلى غلبة الظن في عامة أمور الشرع. انظر القواعد والفوائد الأصولية (ص: ٤).","vol":"1","page":241},{"text":"وقيل: يختلف الشك في الماء، عن الشك في نجاسة الثوب، عن الشك في الحدث، والشك في الحدث يختلف في داخل الصلاة، عنه في خارجها، وهذا مذهب المالكية وإليك بيان مذهبهم في هذه المسائل.\nإذا شك في نجاسة الثوب ونحوه وجب نضحه (^١).\nوإذا شك في نجاسة البدن وجب غسله (^٢).\nوإذا شك في حصول الحدث، ففيه قولان:\nفقيل: ينقض مطلقًا، وهو رواية ابن القاسم عن مالك.\nوقيل: الشك ينقض الوضوء خارج الصلاة، ولا ينقض داخلها، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٣)، ونسب هذا القول للحسن ﵀ (^٤).\n_________\n(^١) قال الدسوقي في حاشيته (١/ ٨١): «يجب غسل النجاسة في حالتين: إذا تحققت النجاسة، أو ظنها ظنًّا قويًّا، ويجب النضح في حالتين: إذا شك في إصابة النجاسة أو ظنها ظنًّا ضعيفًا». اهـ وانظر مختصر خليل (ص: ٩)، الخرشي (١/ ١١٦)، البيان والتحصيل (١/ ٨٥).\n(^٢) البيان والتحصيل (١/ ٨١).\n(^٣) جاء في تهذيب المدونة (ص: ١٨١): «ولو أيقن بالوضوء، ثم شك في الحدث، فلم يدر أأحدث بعد الوضوء أم لا، فليعد وضوءه». اهـ\nوقال الخرشي في شرحه (١/ ١٥٧): «من شك في طريان الحدث له بعد علمه بطهر سابق، فإن وضوءه ينتقض إلا أن يكون مستنكحًا بأن يشك في كل وضوء أو صلاة أو يطرأ له في اليوم مرة أو أكثر فلا أثر لشكه الطارئ بعد علم الطهر .... وكلام المؤلف فيمن حصل له الشك في طرو الحدث قبل الدخول في الصلاة بخلاف من شك في طرو الحدث في الصلاة أو بعدها فلا يخرج منها ولا يعيدها إلا بيقين؛ لأنه شك طرأ بعد تيقن سلامة العبادة». اهـ وانظر التاج والإكليل (١/ ٣٠١)، الثمر الداني (١/ ٢٠٠)، القوانين الفقهية (ص: ٢١)، حاشية العدوي (١/ ٤٣١).\n(^٤) المغني (١/ ١٢٦).","vol":"1","page":242},{"text":"وروى ابن نافع عن مالك أنه لا وضوء عليه مطلقًا كالجمهور (^١).\nوأما مذهب المالكية في الشك في الماء، فيعمل بالأصل، وهو الطهارة كمذهب الجمهور (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-223> دليل الجمهور على البناء على اليقين:</span>\nالأصل العظيم، أن اليقين لا يزول بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك بالحدث، أو تيقن النجاسة وشك في الطهارة، بنى على اليقين، وهذا الأصل له أدلة شرعية صحيحة، أشهرها:\nما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عباد بن تميم،\nعن عمه، قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد في الصلاة شيئا أيقطع الصلاة؟ قال: لا حتى يسمع صوتا أو يجد ريحًا (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-224> دليل المالكية على وجوب النضح إذا شك في طهارة الثوب:</span>\n(٧٠) ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب،\nأنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٢٣٨).\n(^٢) قال الباجي في المنتقى (١/ ٥٩): «إن وجد مريد الطهارة الماء متغيرًا، ولم يدر من أي شيء تغير، أَمِنْ معنى يمنع التطهر به، أم مِنْ معنى لا يمنع ذلك؟ فإنه ينظر إلى ظاهر أمره، فيقضي عليه به، فإن لم يكن له ظاهر، ولم يدر من أي شيء هو حمل على الطهارة، روى ذلك ابن القاسم في المجموعة». اهـ\nوقال في الفواكه الدواني (١/ ١٢٥): «لو تحققنا تغير الماء، وشككنا في المغير له، هل هو من جنس ما يضر أم لا؟ فهو طهور حيث استوى طرفا الشك، وإلا عمل على الظن، بخلاف ما لو تحققنا التغير وعلمنا أن المغير مما يضر التغير به وشككنا في طهارته ونجاسته فلا يكون طهورًا بل هو طاهر فقط».اهـ\n(^٣) صحيح البخاري (٢٠٥٦)، ورواه مسلم (٣٦١).","vol":"1","page":243},{"text":"الخطاب عرس ببعض الطريق قريبًا من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك يغسل. فقال عمر بن الخطاب: واعجبًا لك يا عمرو بن العاصِ، لئن كنت تجد ثيابًا أفكل الناس يجد ثيابًا، والله لو فعلتها لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أر (^١).\n[إسناده منقطع] (^٢).\nوجه الاستدال:\nلا شك أن النضح هنا هو الرش، بدليل قوله: (اغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر). فجعل النضح غير الغسل.\nقال ابن عبد البر في الاستذكار: ولا خلاف بين العلماء أن النضح في حديث عمر هذا معناه الرش، وهو عند أهل العلم طهارة ما شك فيه، كأنهم جعلوه دفعًا للوسوسة.\nثم قال بعد: فمن استيقن حلول المني في ثوبه غسل موضعه منه إذا اعتقد نجاسته، كغسله سائر النجاسات على ما قد بينا، وإن لم يعرف موضعه غسله كله، فإن شك هل أصاب ثوبه شيء منه أم لا؟ نضحه بالماء على ما وصفنا، وعلى هذا مذهب الفقهاء كما ذكرنا.\nقلت: هذا الاستدلال فيه نظر بين؛ لأنه مبني أولًا على نجاسة المني والدليل خلافه، ومبني أيضًا على أن فعل عمر يدل على الوجوب، وإذا كان فعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب فكيف بفعل غيره (^٣).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٥٠).\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى انظر ح (٧٧).\n(^٣) الاستذكار (١/ ١١٥).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>الدليل الثاني على وجوب النضح:</span>\n(٧١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،\nعن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصل لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف (^١).\n• وأجيب:\nبأن النضح هنا ليس عن نجاسة؛ إذ لو كان عن نجاسة لانتشرت النجاسة بالنضح، ولكن النضح حتى يلين الحصير لاستعماله، وقد نقل ابن عبد البر مثل ذلك عن إسماعيل بن إسحاق من المالكية (^٢)، وهو الراجح؛ لأن ثوب المسلم ونحوه محمول على طهارته، ولا يؤثر الشك فيه حتى تستيقن النجاسة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-226> دليل المالكية على وجوب الغسل إذا شك في نجاسة البدن:</span>\n(٧٢) استدلوا بما رواه مسلم من طريق خالد، عن عبد الله بن شقيق،\nعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وهو في البخاري دون قوله: ثلاثًا (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمر بغسل اليد للشك في نجاستها، فهذا يقتضي وجوب غسل البدن إذا شك في نجاسته.\n_________\n(^١) البخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨).\n(^٢) الاستذكار (١/ ١٥٣).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٧٨)، وانظر صحيح البخاري (١٦٢).","vol":"1","page":245},{"text":"قالوا: وإنما لم نقل بالنضح؛ لأن النضح خلاف القياس، فيقتصر فيه على ما ورد، وهو الحصير والثوب والخف، وجعل ابن رشد هذا القول هو المذهب (^١).\nوقد ناقشت الحديث فيما سبق، وبينت العلة من الأمر، وأنها ليست للنجاسة، ولو كان الغسل من النجاسة لكفى في ذلك غسلة واحدة، كما في نجاسة دم الحيض يصيب الثوب.\n• وأما دليل المالكية على أن الشك في الحدث ينقض الطهارة:\nقالوا: إنما أوجب الوضوء بالشك؛ لأن الطهارة شرط، والشك في الشرط مؤثر، بخلاف الشك في طلاق زوجته، أو عتق أمته، أو شك في الرضاع لا يؤثر؛ لأنه شك في المانع، وهو لا يؤثر، وإنما أثر في الشرط دون المانع، لأن العبادة محققة في الذمة فلا تبرأ منها إلا بطهارة محققة، والمانع يطرأ على أمر محقق وهو الإباحة أو الملك من الرقيق، فلا تنقطع بأمر مشكوك فيه (^٢).\nولأن الشك في الشرط وهو الطهارة يوجب الشك في المشروط وهو الصلاة، والشك في أحد المتقابلين يوجب الشك في الآخر، فالشك في الحدث يوجب الشك في الوضوء.\n• وأما وجه الفرق بين الحدث داخل الصلاة وخارج الصلاة:\n(٧٣) فقد أخذوا ذلك من ظاهر الحديث، فقد روى البخاري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب (ح) وعن عباد ابن تميم،\nعن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، ورواه مسلم (^٣).\n_________\n(^١) البيان والتحصيل (١/ ٨١).\n(^٢) الفواكه الدواني (١/ ٢٣٧).\n(^٣) صحيح البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).","vol":"1","page":246},{"text":"فأمره الرسول ﷺ إذا شك في الصلاة أن يستمر فيها، ولا ينصرف عنها إلا بيقين، قالوا: وأما إذا شك خارج الصلاة، فالحكم مختلف، فيلزمه أن يأتي بالطهارة بيقين.\nقال الدسوقي في حاشيته: «من شك، وهو في الصلاة طرأ عليه الشك فيها بعد دخوله، فوجب أن لا ينصرف عنها إلا بيقين، ومن شك خارجها طرأ عليه الشك في طهارته قبل الدخول في الصلاة، فوجب أن لا يدخلها إلا بطهارة متيقنة» (^١).\nوتعليل آخر: قالوا: قياسًا على النوم، فإن وجوب الوضوء من النوم لوجود الشك في الحدث، فكذلك إذا شك في الحدث بدون نوم فإنه يوجب الوضوء.\nقال ابن حجر تعليقًا على ذلك: إن كان ناقضًا خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك في الصلاة كبقية النواقض (^٢).\nهذا محصل مذهب مالك في الشك سواء كان في الماء أم في الثوب، أم في البدن، أم في الحدث، وله تفصيل في كل مسألة، ومذهبه لا يطرد، وما كان قولًا له موافقًا للجمهور تركت ذكر دليله اكتفاء بذكر دليل الجمهور، وما خالف فيه ذكرت وجه الدليل عنده. والله أعلم.\n• الراجح:\nالراجح هو قول الجمهور، وهو العمل باليقين، إلا أني أرى إن أمكن العمل بالظن عمل به؛ لأننا قد تعبدنا بالظن إذا تعذر اليقين، إلا في مسألة الماء إذا شك في طهارته أو نجاسته، فإن هذه المسألة نادرة الوقوع خاصة إذا رجحنا أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فإن تغير الماء حكمنا عليه بالنجاسة وهو أمر محسوس مشاهد، وإن لم يتغير فهو طهور، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ١٢٤).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٢٣٨).","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>الفصل الثاني إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا اشتبه الطهور بالنجس هل يتحرى مطلقًا كقول المالكية، أو لا يتحرى مطلقًا كقول الحنابلة، أو يتحرى بشرط غلبة المباح، أو يتحرى بشرط نفي البدل فلا يتحرى للوضوء لوجود بدله وهو التيمم بخلاف الشرب، وهذا قول الحنفية (^١).\n_________\n(^١) ليست المسائل الفقهية واحدة، منها ما يكون التحري فيها واجبًا كتحري القبلة، واختلاط الطهور بالطاهر على القول بوجود قسم الطاهر في المياه.\nومنها ما يكون التحري محرمًا كاشتباه الميتة بمذكاة، والأخت بأجنبية.\nومنها ما هو محل نظر واجتهاد، كمسألة اشتباه الماء الطهور بالنجس، هل تلحق بالأولى، أو تلحق بالثانية؟\nقال ابن رجب: إذا اشتبه الماء الطاهر بالنجس، وكان الطاهر أكثر، فإن في جواز التحري روايتين، وظاهر كلام أحمد في رواية المروذي جوازه، واختاره أبو بكر، وابن شاقلا، وأبو علي النجاد، وصححه ابن عقيل، لكن هنا اعتضد أصل الطهارة فإن الظاهر إصابة الطاهر لكثرته.\nوقال ابن اللحام في القواعد والفوائد (ص: ١٨): «لم يطرد أصل أصحابنا في ذلك ففي بعض الأماكن قالوا: يعمل بالظن وفي بعضها قالوا: لابد من اليقين وطرد أبو العباس أصله وقال: يعمل بالظن في عامة أمور الشرع والله أعلم.\nمسائل من ذلك، منها: إذا أجزنا له التحري في الماء والثياب المشتبهة على مقالة ضعيفة أو في القبلة على الصحيح فانه يعمل بما غلب على ظنه».\nوانظر اللمع في أصول الفقه (ص: ١٩)، شرح التلويح على التوضيح (٢/ ٣١٠)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ٢٢)، شرح مختصر الروضة (١/ ٣٤٥)، الأشباه والنظائر للسبكي (١/ ٣٨٠)، تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة (١/ ١٩٥)، التبصرة في أصول الفقه (ص: ٤٨٤)، القواعد لابن رجب (ص: ٢٤١).","vol":"1","page":248},{"text":"إذا علم الموقف من التحري، نأتي إلى ذكر بعض الضوابط:\n• الطهارة عبادة تؤدى تارة بيقين، وتارة بظاهر، لذا جاز دخول التحري عند الاشتباه.\n• إذا تعذر اليقين قام الظن مقامه كالاجتهاد في تحري القبلة.\n• إذا تيسر اليقين امتنع التحري (^١).\nوقيل:\n• التحري مظنة الشك، فلا يبنى عليه، كما لو اختلطت أخته بأجنبية، والميتة بمذكاة حرم الجميع.\n• ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب جانب الحرام.\n• ترك النجاسة واجب ولا يتأتى ذلك بيقين إلا بترك الجميع.\n• التحري يجوز في كل ما جازت فيه الضرورة، ولا ضرورة في اشتباه الطهور بالنجس للانتقال إلى البدل وهو التيمم بخلاف الشرب.\n[م-٣٣] إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس، كما لو كان هناك أوان فيها ماء طهور، بأوان فيها ماء نجس، واشتبها عليه، فقد اختلف العلماء فيها على أقوال.\nالقول الأول:\nالعمل بالتحري، سواء قلنا: يتحرى مطلقًا كما هو اختيار ابن المواز وابن العربي من المالكية (^٢).\nأو يتحرى بشرط أن تكون الغلبة للأواني الطاهرة، كما هو مذهب الحنفية، فإن\n_________\n(^١) إذا كان يقدر على اليقين فلا يذهب إلى التحري، وذلك كما لو كان معه ما يتيقن به طهارته، أو كان قريبًا من شط نهر، فلا يجوز له التحري حينئذ، انظر مواهب الجليل (١/ ١٧٢).\n(^٢) التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٧٥)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٣).","vol":"1","page":249},{"text":"كانت الغلبة للأواني النجسة، أو كانا سواء، وجب تركهما (^١).\nأو قلنا: يتحرى بشرط أن تكثر الأواني كالثلاثين مثلًا، فإن قلت الأواني صلى بعدد الأواني النجسة، وزيادة إناء، اختاره ابن القصار من المالكية (^٢).\nأو قلنا: يتحرى بشرط أن يغلب على ظنه طهارته بعلامة تظهر له، فإن ظنه بغير علامة تظهر لم تجز الطهارة به كما هو مذهب الشافعية (^٣).\nالقول الثاني:\nيتوضأ بعدد الأواني النجسة، ويصلي كل صلاة بوضوء، وزيادة وضوء وصلاة،\n_________\n(^١) البحر الرائق (٢/ ٢٦٧)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤٧)، المبسوط للسرخسي (١٠/ ٢٠١)، الدر المختار (٦/ ٣٤٧)، شرح فتح القدير (٢/ ٢٧٦)، الفتاوى الهندية (٥/ ٣٨٤). وقال ابن عابدين (٦/ ٧٣٦): «إذا غلب النجس يتحرى للشرب إجماعًا، ولا يتحرى للوضوء، بل يتيمم، والأولى أن يريق الماء قبله، أو يخلطه بالنجس»، وانظر قول ابن المواز من المالكية في: التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٧٥).\nوانظر قول ابن القصار من المالكية: التوضيح (١/ ٧٥)، وحاشية الدسوقي (١/ ٨٣).\n(^٢) التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٧٥)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٣).\n(^٣) مذهب الشافعية: انظر الأم (١/ ٢٤، ٢٥)، روضة الطالبين (١/ ٣٥)، وقال النووي في المجموع (١/ ٢٣٩): «وسواء كان عدد الطاهر أكثر أو أقل، حتى لو اشتبه إناء طاهر بمائة إناء نجسة تحرى، وكذلك الأطعمة والثياب، هذا مذهبنا». اهـ\nوجاء في مغني المحتاج (١/ ٨٨): أنه يجوز له الاجتهاد، حتى ولو أمكنه أن يتطهر بغيرهما، كما لو كان على شط نهر، أو بلغ الماءان المشتبهان قلتين بخلطهما بلا تغير؛ إذ العدول إلى المظنون مع وجود المتيقن جائز؛ لأن بعض الصحابة كان يسمع من بعض، مع قدرته على المتيقن، وهو سماعه من رسول الله ﷺ.\nوفي مذهب الشافعية وجهان آخران:\nالأول: يجوز له الطهارة به إذا ظن طهارته، وإن لم تظهر علامة، بل وقع في نفسه طهارته، فإن لم يظن لم تجز الطهارة، حكاه الخرسانيون، وصاحب البيان.\nالثاني: يجوز استعمال أحدهما بلا اجتهاد، ولا ظن؛ لأن الأصل طهارته، حكاه الخرسانيون أيضًا. قال إمام الحرمين وغيره: الوجهان ضعيفان. المجموع (١/ ٢٣٣، ٢٣٤)، مغني المحتاج (١/ ٢٦)، المهذب (١/ ٩)، حلية العلماء (١/ ١٠٣، ١٠٤).","vol":"1","page":250},{"text":"وحينئذ تبرأ ذمته بيقين، وهذا هو المعتمد في مذهب المالكية (^١).\nالقول الثالث:\nقالوا: يهرق الإناء الواحد، ثم يحصل الثاني ماء مشكوكًا فيه، فلا يؤثر فيه الشك؛ لأن الأصل في الماء الطهارة، ورجحه ابن عبد البر في الكافي (^٢).\nالقول الرابع:\nيتوضأ بأيهما شاء؛ لأن الماء ما دام لم يتغير بنجاسة فهو طهور، ذكره ابن الجلاب في التفريع (^٣)، واختاره ابن حزم (^٤).\nالقول الخامس:\nالمشهور من مذهب الحنابلة أنه يحرم استعمالهما، ولا يجوز التحري، ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما، وبه قال سحنون من المالكية (^٥).\n_________\n(^١) جاء في حاشية الدسوقي (١/ ٨٣): «سواء قلت الأواني أو كثرت، وهو كذلك على المعتمد، ومقابله ما عزاه في التوضيح وابن عرفة لابن القصار من التفصيل: بين أن تقل الأواني، فيتوضأ بعدد النجس وزيادة إناء، وبين أن تكثر الأواني كالثلاثين، فيتحرى واحدًا منها يتوضأ به إن اتسع الوقت للتحري وإلا تيمم .....» إلخ كلامه ﵀. وانظر: المنتقى للباجي (١/ ٥٩، ٦٠)، التفريع (١/ ٢١٧)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٨٢)، مواهب الجليل (١/ ١٧٠، ١٧٢)، القوانين الفقهية (ص: ٢٦)، التاج والإكليل (١/ ١٧٠)، مختصر خليل (١/ ١٢).\n(^٢) الكافي لابن عبد البر (ص: ١٧).\n(^٣) التفريع (١/ ٢١٧).\n(^٤) قال في المحلى (١/ ٤٢٨): «فإن كان بين يديه إناءان فصاعدًا، في أحدهما ماء طاهر بيقين، وسائرها مما ولغ فيه الكلب، أو فيها واحد ولغ فيه كلب، وسائرها طاهر، ولا يميز من ذلك شيئًا، فله أن يتوضأ بأيها شاء، ما لم يكن على يقين من أنه قد تجاوز عدد الطاهرات، وتوضأ بما لا يحل الوضوء به». اهـ\n(^٥) ومحل الخلاف إذا لم يمكن تطهير أحدهما بالآخر، فإن أمكن تطهير أحدهما بالآخر امتنع من التيمم؛ لأنهم إنما أجازوا التيمم هنا بشرط عدم القدرة على استعمال الطهور، وفي هذه الحالة هو قادر على استعماله. =","vol":"1","page":251},{"text":"هذا ملخص الأقوال في المسألة، وبعضها أقوى من بعض، وإليك بيان أدلة كل قول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-228> دليل من قال يتيمم:</span>\nقالوا: إذا اجتمع مبيح وحاضر، على وجه لا يتميز أحدهما عن الآخر، وجب اجتنابهما جميعًا؛ لأن اجتناب النجس واجب، ولا يمكن اجتنابه إلا بتركهما جميعًا.\n(٧٤) ويشهد لهذا ما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي،\nعن عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ: وإن وجدت مع كلبك كلبًا\n_________\n= وفي مذهب الحنابلة قولان آخران:\nفقيل: يشترط أن يريقهما حتى يسوغ له التيمم، لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وهنا الماء الطهور موجود لا بعينه، وحتى يباح له التيمم ينبغي أن يكون عادمًا للماء الطهور حسًا، فوجب أن يريقه.\nوقيل: له أن يتحرى إذا كثر عدد الطهور. قال ابن رجب في القواعد صححه ابن عقيل، وهل يكفي مطلق الزيادة ولو بواحد، أو لابد أن تكون الزيادة عرفًا، أو لابد أن تكون تسعة طاهرة وواحد نجسًا، أو لا بد أن تكون عشرة طاهرة وواحد نجسًا، فيه أربعة أقوال، قدم في الفروع: أنه يكفي مطلق الزيادة. قال في الإنصاف: وهو الصحيح.\nانظر في مذهب الحنابلة: الفروع (١/ ٦٤)، المحرر (١/ ٧)، عمدة الفقه (١/ ٤)، كشاف القناع (١/ ٤٧)، شرح الزركشي (١/ ١٤٩، ١٥٠)، الإنصاف (١/ ٧١ - ٧٤)، المغني (١/ ٤٩، ٥٠).\nواختلف النقل عن ابن تيمية في هذه المسألة، فقد نقل ابن قاسم في حاشيته (١/ ٩٤) عن ابن تيمية بأن اجتنابهما جميعًا واجب؛ لأنه يتضمن لفعل المحرم وتحليل أحدهما تحكم، حتى نقل ﵀ الإجماع على ذلك حيث قال: لا أعلم أحدًا جوزه. اهـ\nونقل ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان (١/ ٧٧) عنه أنه يتوضأ بأيهما شاء، بناء على أن الماء لا ينجس إلا بالتغير. ولا شك أن نقل تلميذه مع كونه موافقا للقواعد، هو أقرب عهدًا به من غيره، وأعلم من غيره بمذهبه، خاصة إذا كان التلميذ مثل ابن القيم، وانظر الفتاوى الكبرى (١/ ٢٣٩، ٢٤٠).\nوانظر قول سحنون في التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٧٥).","vol":"1","page":252},{"text":"غيره، وقد قتل، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله ... الحديث، والحديث رواه البخاري (^١).\nهذا الدليل الأثري، وأما الدليل النظري، فإن هذا الرجل إن توضأ بأحدها لم يؤد الصلاة بطهارة متيقنة؛ لاحتمال أن يكون الماء نجسًا، وإذا توضأ بكل واحد منها وصلى لزمته صلاتان للظهر مثلًا، وهو خلاف الأصول، فوجب العدول إلى التيمم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-232> دليل من قال يتحرى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>الدليل الأول:</span>\n(٧٥) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:\nقال عبد الله: صلى النبي ﷺ قال: إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص، فلما سلم، قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء، قال: وما ذاك؟ فأخبر، وفيه قال رسول الله ﷺ: وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (^٢).\nوجه الاستدلال:\nإذا كان المسلم يتحرى في الصلاة إذا شك فيها، مع أنها المقصود الأعظم من الطهارة، فكونه يتحرى في شرطها من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على مشروعية التحري في إصابة القبلة، فكما أنه يجوز التحري إجماعًا إذا اشتبهت القبلة، فكذلك هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>الدليل الثالث:</span>\nولأنه تعذر اليقين هنا، وكلما تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن.\n_________\n(^١) مسلم (١٩٢٩)، صحيح البخاري (١٧٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢).","vol":"1","page":253},{"text":"وأما من قيد التحري بأن تكون الغلبة للأواني الطاهرة، فإنه نظر إلى أن الحكم للأغلب، فإن كان الأغلب الطهور، كانت إصابته في التحري راجحة، وإن كان الأغلب للنجس، كانت إصابته في تحريه أبعد، لهذا اشترط أن يكون عدد الماء الطهور أغلب، وأما من اشترط في الترجيح أن تكون هناك علامة وأمارة، فهذا ظاهر، لأن الترجيح لابد أن يكون له مستند، فإذا لم يكن هناك علامة أوجبت الترجيح لم يكن ترجيحًا، وإنما كان تخييرًا، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-233> دليل من قال يهرق أحدهما ثم يتوضأ بالآخر:</span>\nوجهه: إذا أهرق أحدهما، أصبح الماء الباقي مشكوكًا فيه، والشك في طهارة الماء لا تمنع من التطهر به؛ لأن الأصل في الماء الطهارة، حتى يتيقن النجاسة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-234> دليل من قال يتوضأ بأحدهما ويصلي ثم يتوضأ بالأخر ويصلي:</span>\nوجهه: أنه لا بد أن يؤدي الصلاة بيقين، ولا يوجد يقين إلا بهذا الطريق، أن يتوضأ ويصلي بكل واحد منهما ..\nوهذا القول يلزم منه أن يصلي الإنسان الفرض الواحد مرتين، ثم لا يدري هذا أيهما فرضه، هل الصلاة الأولى، أم الصلاة الثانية، وليس له مثيل في الشرع في إيجاب عبادة واحدة مرتين، لا يدري أيهما فرضه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-235> دليل من قال: يتوضأ بأيهما شاء:</span>\nبني هذا القول على أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وبالتالي لا يمكن أن تتصور هذه المسألة، لأن التغير أمر محسوس، فإذا لم يظهر التغير على الماء حكم بطهوريته، وهذا هو الراجح، فإذا غلبت عليه النجاسة طعمًا أو لونًا أو ريحًا أصبح نجسًا. وسوف نسوق أدلة هذا القول إن شاء الله تعالى في بحث الماء النجس إذا وقعت فيه نجاسة، وهو قليل، فلم تغيره.","vol":"1","page":254},{"text":"• الراجح:\nأن الماء لا يمكن أن يشتبه الطهور بالنجس؛ لأننا لا نحكم على الماء بأنه نجس حتى يتغير، فإذا تغير أصبح محسوسًا، يمكن معرفته، اللهم إلا أن يكون الماء الذي في الإناء قد ولغ فيه كلب، فإنه يحكم بنجاسته، ولو لم يتغير، فممكن في هذه الصورة النادرة أن تقع، وأما في غيرها فلا يتصور وقوعها، ولا يقال: قد يفقد الإنسان الشم أو النظر أو التذوق فلا يشعر بتغير الرائحة أو اللون أو الطعم؛ لأننا نقول: هذه الصورة ليست من قبل الماء، وإنما هي من قبل الإنسان نفسه، ونحن نتكلم عن اشتباه حقيقة الماء الطهور بالنجس، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>الفصل الثالث إذا اشتبه ماء طهور بماء طاهر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا أمكن الوصول إلى اليقين لم يعمل بغلبة الظن (^١).\n• الاشتباه ثلاثة أقسام:\nالأول: ما يوجب المنع في الكل، كاشتباه الميتة بمذكاة.\nالثاني: ما يوجب استعمال الكل على قول، وهو اشتباه الطهور بالطاهر.\nالثالث: ما يوجب التحري والاجتهاد، كالاشتباه في جهة القبلة.\nمسألة اشتباه الطهور بالطاهر تتنزل على قول من يقول بوجود الطاهر في أقسام المياه، وهو قول مرجوح، والصحيح أن الماء قسمان: طهور ونجس، إذا علم ذلك نقول:\n[م-٣٤] اختلف العلماء فيما إذا اشتبه طهور بطاهر،\nفقيل: يتوضأ بعدد الطاهر ويزيد وضوءًا، وما شك في كونه من الطاهر أو هو\n_________\n(^١) إذا اشتبه الطهور بالطاهر على القول بوجود الطاهر في أقسام المياه، وهي مسالة خلافية، فهل يتحرى، والتحري عمل بالظن، أو يمكن أن يصل إلى الطهور بيقين، كما لو توضأ منهما، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، كالمكي الذي يقدر على استقبال عين الكعبة، لا يصح منه الاجتهاد بغلبة الظن مع إمكان الوصول إلى اليقين.","vol":"1","page":256},{"text":"من الطهور فهو من جملة الطاهر، وهذا مذهب المالكية، ووجه في مذهبي الشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: يتحرى، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: يتوضأ منهما وضوءًا واحدًا، من هذا غرفة، ومن هذا غرفة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nوالفرق بينه وبين المذهب المالكي أن المذهب المالكي جعله يتوضأ مرتين من هذا مرة ومن هذا مرة، ولكن الحنابلة جعلوا الوضوء وضوءًا واحدًا لكن في كل عضو يجب غسله مرتين من الطهور مرة ومن الطاهر مرة.\nوقيل: يتخير بناء على أنه لا يوجد قسم الطاهر أصلًا، فالماء إما طهور، وإما نجس (^٤)، وهو الراجح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-237> دليل من قال: يتوضأ بعدد الطاهر وزيادة إناء</span>.\nعللوا ذلك بأنه لا يمكن أن يجزم الإنسان بأنه أصاب الماء الطهور بيقين إلا إذا توضأ بعدد الطاهر وزاد عليه وضوءًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-238> دليل من قال يتوضأ مرة واحدة من هذا غرفة ومن هذا غرفة</span>.\nمنع الحنابلة الوضوء كاملًا، من هذا مرة ومن هذا مرة، قالوا: لأنه لو توضأ\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: الشرح الكبير (١/ ٨٣)، منح الجليل (١/ ٧٥)، مواهب الجليل (١/ ١٧٢)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٨٣)، الخرشي (١/ ١١٨).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٤٢٦، ٤٢٧)، المهذب (١/ ٩)، حلية العلماء (١/ ٨٨).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٧٥، ٧٦)، الفروع (١/ ٩٥).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٢٦، ٤٢٧)، المهذب (١/ ٩)، حلية العلماء (١/ ٨٨).\n(^٣) مطالب أولي النهى (١/ ٥٤)، كشاف القناع (١/ ٤٨)، الإنصاف (١/ ٧٥، ٧٦)، الفروع (١/ ٩٥).\n(^٤) انظر عزو هذا القول، عند بحث مسألة أقسام المياه، فقد ذكرنا قول من يرى أن الماء قسمان، لا ثالث لهما، طهور، ونجس، ولا يوجد قسم طاهر غير مطهر.","vol":"1","page":257},{"text":"وضوءًا كاملًا من هذا، ثم انتقل وتوضأ وضوءًا كاملًا من الماء الآخر يكون قد أدى وضوءه، وهو شاك لا يدري أيهما رفع الحدث، بخلاف ما لو توضأ من هذا غرفة ومن هذا غرفة، فإن الإنسان يجزم بأنه رفع الحدث بيقين، فعندما غسل يده تيقن أنه رفع الحدث عنها، وكذلك يقال في الوجه وفي القدمين وفي غيرهما.\nوتعليل آخر: قالوا: ولأننا بهذا لا نوجب على العبد وضوءين مع إمكان رفع الحدث بوضوء واحد، فالأصل أنه لا يجب عليه إلا وضوء واحد.\nوقد نقل الإجماع على وجوب الغسل مرتين ابن قدامة، فقال: لا أعلم فيه خلافًا (^١). وكذا قال صاحب الشرح الكبير (^٢).\nقلت: نقل الإجماع فيه نظر؛ لأن إثبات ماء طاهر لا يطهر قول ضعيف والدليل على خلافه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-239> دليل من قال: يتحرى:</span>\nأنظر أدلة من قال بالتحري في المسألة السابقة، فإن الباب واحد، والأدلة واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>دليل من قال: يتخير:</span>\nهذا القول مبني على أن الماء قسمان لا ثالث لهما: طهور، ونجس، ولا يوجد قسم من الماء طاهر غير مطهر، وقد سقت أدلتهم في خلاف العلماء في أقسام المياه، وإذا ثبت أنه لا يوجد قسم الطاهر، كان تصور هذه المسألة غير ممكن، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ٥١).\n(^٢) الشرح الكبير (١/ ٨٢).","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>الفصل الرابع إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الحكم في اشتباه الثياب الطاهرة بالنجسة يرجع إلى الموقف من التحري، فهل يتحرى مطلقًا، أو لا يتحرى مطلقًا، أو يتحرى عند كثرة الثياب النجسة للمشقة (^١).\n• الطهارة عبادة تؤدى تارة بيقين، وتارة بظاهر، لذا جاز دخول التحري عند الاشتباه.\n• إذا تعذر اليقين سقط التكليف به، وقام الظن مقامه قياسًا على الاجتهاد في تحري القبلة.\n• يتأكد التحري فيما لا بدل له على غيره مما له بدل.\nوقيل:\n• إذا أمكن الوصول إلى اليقين لم يعمل بغلبة الظن (^٢).\n• ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\n_________\n(^١) انظر القواعد والفوائد لابن اللحام (ص: ١٣٢)، الوجيز في إيضاح القواعد الفقهية (ص: ٣٨٦، ٣٩٥)، المبسوط (١٠/ ٢٠١)، الخرشي (١/ ١١٤).\n(^٢) والوصول إلى اليقين في اشتباه الثياب الطاهرة بالنجسة أن يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة، كما هو مذهب الحنابلة، وقول في مذهب المالكية، وهو قول مرجوح كما سيتبين إن شاء الله تعالى. وانظر الحاوي الكبير (٢/ ٢١٤).","vol":"1","page":259},{"text":"مر معنا بعض مسائل الاشتباه، وقد يبدو للقارئ أنها بمنزلة واحدة، والحقيقة أن بينها بعض الاختلاف:\nفاشتباه الطهور بالنجس اشتباه بشرط الصلاة بالاتفاق، لأن الله لا يقبل صلاة بغير طهور، وإذا تعذر الوصول إلى الطهور بيقين فإن له بدلًا، وهو التيمم.\nواشتباه الثياب الطاهرة بالنجسة اشتباه بستر العورة، وفي شرطيته خلاف، وعلى القول بأنه شرط فإن ستر العورة ليس له بدل عند العجز عن تحصيله، فإما أن يصلي بالتحري لعجزه عن الوصول إلى الثوب الطاهر بيقين، ويحصل على ستر عورته، وإما أن يصلي عرايانًا، وهو أقبح من الصلاة بالثوب النجس، لهذا يكون التحري في هذه المسألة آكد منه في مسألة اشتباه الطهور بالنجس، والله أعلم.\n[م-٣٥] إذا اشتبهت ثياب طاهرة، بثياب متنجسة، أو محرمة كالحرير، فقد اختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: يتحرى، وهو مذهب الحنفية (^١)،\nوالشافعية (^٢)، واختاره الباجي من\n_________\n(^١) المبسوط (١٠/ ٢٠٠)، العناية شرح الهداية (٢/ ٢٧٥)، البحر الرائق (٢/ ٢٦٧). والحنفية هنا قالوا: يتحرى مطلقًا، حتى ولو كانت الثياب النجسة أكثر من الثياب الطاهرة، أما في مسألة الماء إذا اشتبه طهور بنجس، اشترطوا للتحري أن تكون الغلبة للأواني الطاهرة.\nويجيب السرخسي عن الفرق بين المسألتين، فيقول في المبسوط (١٠/ ٢٠١): والفرق بين مسألة الثياب وبين مسألة الأواني لنا: أن الضرورة لا تتحقق في الأواني؛ لأن التراب طهور له عند العجز عن الماء الطاهر، فلا يضطر إلى استعمال التحري للوضوء عند غلبة النجاسة، لما أمكنه إقامة الفرض بالبدل، وفي مسألة الثياب الضرورة مَسَّت؛ لأنه ليس للستر بدل يتوصل به إلى إقامة الفرض، حتى إنه في مسألة الأواني لما كان تتحقق الضرورة في الشرب عند العطش وعدم الماء الطاهر، يجوز له أن يتحرى للشرب؛ لأنه لما جاز له شرب الماء النجس عند الضرورة فلأن يجوز التحري وإصابة الطاهر مأمول بتحريه أولى.\nيوضحه أن في مسألة الأواني لو كانت كلها نجسة لا يؤمر بالتوضئ بها، ولو فعل لا تجوز صلاته، فإذا كانت الغلبة له فكذلك أيضًا. وفي مسألة الثياب وإن كان الكل نجسة يؤمر بالصلاة في بعضها، ويجزيه ذلك، فكذلك إذا كانت الغلبة للنجاسة.\n(^٢) قال الشافعي في الأم (٨/ ١١١): إن كان معه ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس ولا يعرفه\nفإنه يتحرى أحد الثوبين فيصلي فيه ويجزئه. اهـ وانظر المجموع (١/ ١٥١)، مختصر المزني (٢/ ١٨)، المجموع (١/ ٢٣٤).","vol":"1","page":260},{"text":"المالكية (^١)، وهو رواية في مذهب أحمد (^٢)، واختاره ابن تيمية (^٣).\nوقيل: يصلي بعدد الثياب النجسة أو المحرمة، ويزيد صلاة، وهو المشهور من مذهب أحمد (^٤)، وقول في مذهب المالكية (^٥).\nوقيل: يصلي عريانًا، وهو قول أبي ثور (^٦).\nوقيل: إن كثر عدد الثياب تحرى دفعًا للمشقة، وإن قل عددها عمل باليقين، وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-242> دليل من قال بالتحري:</span>\nانظر أدلة القائلين بالتحري في مسألة ما إذا اشتبه الماء الطهور بالنجس.\nواستدل ابن تيمية على ذلك بقوله: لأن اجتناب النجاسة من باب الترك، ولهذا لا تشترط له النية، ولو صلى في ثوب لا يعلم نجاسته، ثم علمها بعد الصلاة لم يعد، فإن اجتهد فقد صلى في ثوب يغلب على ظنه طهارته، وهذا هو الواجب عليه لا غير. قال ابن القيم: وهذا كما لو اشترى ثوبًا لا يعلم حاله جاز له أن يصلي فيه اعتمادًا على غلبة ظنه، وإن كان نجسًا في نفس الأمر، فكذلك إذا أداه اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين وغلب على ظنه جاز أن يصلي فيه، وإن كان نجسًا في نفس الأمر (^٨).\n_________\n(^١) المنتقى (١/ ٦٠).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٧٧)، الفروع (١/ ٦٦).\n(^٣) إغاثة اللهفان (١/ ١٧٦)، بدائع الفوائد (٣/ ٧٧٦).\n(^٤) الفروع (١/ ٦٦)، الإنصاف (١/ ٧٧)، عمدة الفقه (ص: ٤)، المغني (١/ ٥١).\n(^٥) التفريع (١/ ٢٤١).\n(^٦) الأوسط (٢/ ١٦٦)، إغاثة اللهفان (١/ ١٧٦).\n(^٧) إغاثة اللهفان (١/ ١٧٦).\n(^٨) بدائع الفوائد (٣/ ٧٧٦).","vol":"1","page":261},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-243> دليل من قال يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة</span>.\nقالوا: إذا صلى بعدد النجس، وزاد صلاة فقد أدى فرضه بيقين، وصلى بثوب متيقن طهارته، وإذا أمكن الوصول إلى اليقين تعين، بخلاف من صلى بالتحري فإنه ليس متيقن الطهارة، بل غاية ما فيه غلبة ظن، والعمل بالظن مع إمكان اليقين لا يجوز.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-244> دليل من قال يصلي عريانًا</span>.\nقال: إن الثوب النجس في الشرع كالمعدوم، والصلاة فيه حرام، وقد عجز عن ستر العورة بثوب طاهر، فسقط فرض السترة.\nقال ابن القيم: وقول أبي ثور في غاية الفساد، فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه خيرًا وأحب إلى الله من صلاته متجردًا بادي السوأة للناظرين (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-245> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nالقول بالتحري هو الراجح؛ وذلك لقوة أدلته ووجهاتها، ولما في ذلك من رفع المشقة ودفع الحرج عن الأمة، ولأن هذا مقتضى قول الله ﷿: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦] فهذا المتحري قد اتقى الله ما استطاع، وعمل بما أداه إليه اجتهاده، ولم يفرط، وهذا هو وسعه الذي لا يكلفه الله بغيره، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ١٧٧).","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>الفصل الخامس في الإخبار بنجاسة الماء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>المبحث الأول إذا أخبره رجل أو امرأة بنجاسة الماء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل الخبر بمنزلة النص يقدم على التحري والاجتهاد؟\n• دلت الأدلة على قبول خبر العدل في أهم العبادات شأنًا، كتحول الصحابة عن القبلة وهم في الصلاة.\n• خبر العدل في نجاسة الماء ليس من باب الشهادة، وإنما هو خبر يشبه الرواية فيقبل من الرجل والمرأة والحر والعبد.\n• العدالة شرط في قبول الأخبار، فلا يقبل خبر الفاسق عند الجمهور خلافًا للحنفية.\n• قبول الخبر بنجاسة الماء عند الحنفية مداره على أمرين العدالة، أو يقع في قلب السامع صدق المخبر، ولو كان فاسقًا؛ لأنه خبر خاص يتعذر الوقوف عليه من جهة غيره (^١).\n_________\n(^١) عند الحنفية يختلف قبول خبر الفاسق في رواية الحديث عن الإخبار بنجاسة ماء أو طهارته، أو حرمة طعام أو حله، فنقل الفاسق للحديث غير مقبول أصلًا وقع في قلب السامع صدقه أم لا؛ لأن الخبر إنما يصير حجة بترجح الصدق فيه، وبالفسق يزول ترجيحه، بل يترجح جانب ...\nالكذب فيه، بخلاف إخباره عن حرمة طعام أو حله، أو نجاسة ماء أو طهارته حيث يقبل إذا تأيد بأكبر الرأي؛ لأن ذلك أي الحرمة والحل والنجاسة والطهارة أمر خاص بالنسبة إلى رواية ربما يتعذر الوقوف عليه من جهة غيره لحصول العلم له بذلك دون غيره، فتقبل إذا انظم إليه التحري: أي تحكيم الرأي للضرورة. انظر كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٣/ ٢١، ٣٢). انظر فتح القدير لابن الهمام (١٠/ ١١).","vol":"1","page":263},{"text":"• قبول خبر الثقة بنجاسة الماء يدور عند الحنابلة على تعارض الأصل والظاهر، فإن كان الظاهر حجة وجب قبولها شرعًا كالشهادة والرواية والإخبار من الثقة فهو مقدم على الأصل، قال ابن رجب: بغير خلاف (^١).\nوقيل:\n• إذا أخبر الثقة بنجاسة الماء فإن قبول خبره عند الشافعية يعتمد على ما إذا بين السبب للاختلاف في الأعيان النجسة، قال بعضهم: إلا أن يكون فقيهًا موافقًا في المذهب (^٢).\n[م-٣٦] إذا أخبر الرجل عن الماء، فإما أن يخبر عن طهارة الماء، أو يخبر عن نجاسته.\nفإن أخبر عن طهارة الماء قبل خبره مطلقًا مسلمًا كان أو كافرًا، ولو صبيًا.\nقال النفراوي من المالكية: «لو أخبرك شخص بطهارة ماء شككت في نجاسته\n_________\n(^١) الأصل طهارة الماء، والظاهر أن الثقة صادق فيما يخبر به. قال ابن رجب في القواعد (ص: ٣٣٨): «إذا تعارض الأصل والظاهر، فإن كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعًا كالشهادة، والرواية، والإخبار فهو مقدم على الأصل بغير خلاف، وإن لم يكن كذلك بل كان مستنده العرف، أو العادة الغالبة، أو القرائن، أو غلبة الظن ونحو ذلك، فتارة يعمل بالأصل، ولا يلتفت إلى الظاهر، وتارة يعمل بالظاهر ولا يلتفت إلى الأصل، وتارة يخرج في المسألة خلاف ... ثم ذكر من فروع هذه المسألة ... منها: إخبار الثقة العدل بأن كلبا ولغ في هذه الإناء».\n(^٢) وإنما اشترط أن يبين السبب؛ لأنه قد ينجسه بما لا يتنجس به شرعًا، فإن بين السبب قبل كما يقبل ممن يخبره بالقبلة، ويزول هذا المحذور بكون المخبر فقيهًا، إلا أن يشترط أن يكون موافقًا في المذهب، فقد ينجسه بشيء لا يلتزمه المتطهر، انظر المجموع (١/ ٢٣٤)، المهذب (١/ ٨).","vol":"1","page":264},{"text":"لوجب عليك الرجوع إلى خبره، ولو كافرًا، أو صبيًا؛ لأنه أقر بما يحمل عليه الماء، اللهم إلا أن يظهر في الماء ما يقتضي نجاسته، أو يسلب طهوريته (^١).\nوالحقيقة أن العمل في هذه الحال ليس بسبب خبر الكافر، وإنما العمل بالأصل، وهو أن الأصل في الماء الطهارة، ومجرد الشك لا ينقل الماء عن الطهورية، ولذلك قال بقبول خبر الكافر، مع أن الكافر ليس ممن يقبل خبره؛ لانتفاء العدالة في حقه ظاهرًا وباطنًا.\nوأما إذا أخبر عن نجاسة الماء: فإما أن يبين سبب النجاسة أو لا.\nفإن بين سبب النجاسة، فقد حكي الإجماع على وجوب قبول خبره.\nقال النووي: «اتفق الفقهاء على أنه إذا أخبر الثقة بنجاسة ماء، أو ثوب، أو طعام، أو غيره، وبين سبب النجاسة، وكان ذلك السبب يقتضي النجاسة حكم بنجاسته؛ لأن خبر الواحد العدل في مثل هذه الأشياء مقبول، وليس هذا من باب الشهادة، وإنما هو من باب الخبر، وكذا لو أخبر عن دخول وقت الصلاة، وعن حرمة الطعام أو حله، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة، ولا بين الأعمى والبصير بخلاف الكافر والفاسق فلا يقبل خبرهما في النجاسة والطهارة، وكذا المجنون والصبي الذي لا يميز فلا يقبل خبرهما في مثل هذه الأشياء بلا خلاف» (^٢).\nوهل يجوز الاجتهاد في مثل هذه الحالة، وقد أخبره عدل، وبين سبب النجاسة؟\nقال النووي: «قال أصحابنا: إذا أخبره مقبول الخبر بالنجاسة، وجب قبوله، ولا\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (١/ ١٢٥).\n(^٢) المجموع (١/ ٢٢٨)، وقال في المهذب (١/ ٩): وإن ورد على ماء، فأخبره رجل بنجاسته لم يقبل حتى يبين بأي شيء نجس؛ لجواز أن يكون قد رأى سبعًا ولغ فيه، فاعتقد أنه نجس بذلك، فإن بين النجاسة قبل منه كما يقبل ممن يخبره بالقبلة، ويقبل في ذلك قول الرجل والمرأة والحر والعبد؛ لأن أخبارهم مقبولة، ويقبل خبر الأعمى فيه؛ لأن له طريقًا إلى العلم به بالحس والخبر، ولا يقبل فيه قول صبي ولا فاسق ولا كافر؛ لأن أخبارهم لا تقبل. اهـ","vol":"1","page":265},{"text":"يجوز الاجتهاد بلا خلاف، كما لا يجتهد المفتي إذا وجد النص، وكما لا يجتهد إذا أخبره ثقة عن علم بالقبلة ووقت الصلاة، وغير ذلك» (^١).\n• وأما إذا لم يبين سبب النجاسة ففيه ثلاثة أقوال:\nقيل: يجب قبول خبره مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: لا يجب مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة (^٣).\nوقال المرداوي في الإنصاف: «لو أخبره عدل بنجاسة الماء قبل قوله، إن عين السبب على الصحيح من المذهب وإلا فلا» (^٤).\nوقال ابن قدامة: «إذا لم يعين سببها، فقال القاضي: لا يلزم قبول خبره؛ لاحتمال اعتقاده نجاسة الماء بسبب لا يعتقده المخبر، كالحنفي يرى نجاسة الماء الكثير، والشافعي يرى نجاسة الماء اليسير بما لا نفس له سائلة، والموسوس الذي يعتقد نجاسته بما لا ينجسه.\nويحتمل أن يلزم قبول خبره، إذا انتفت هذه الاحتمالات في حقه» (^٥).\nوقيل: يجب قبول خبره إن كان فقيهًا موافقًا للمذهب، فإن اختلفا مذهبًا لم يجب، لكن الأحسن ترك الماء؛ لتعارض الأصل، وهو الطهورية، وإخبار المخبر بتنجيسه، وهذا عند وجود غيره، وإلا تعين استعمال الماء، وهذا مذهب المالكية، ومذهب الشافعية قريب منه (^٦).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٢٢٩).\n(^٢) درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣١١)، الفتاوى الهندية (٥/ ٣٠٨)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (٢/ ٥٣١)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤٦)، الأنصاف (١/ ٧١).\n(^٣) شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦)، الإنصاف (١/ ٧١)، المغني (١/ ٥٢).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٧١).\n(^٥) المغني (١/ ٥٢).\n(^٦) الفواكه الدواني (١/ ١٢٥)، منح الجليل (١/ ٤٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٧)، التاج والإكليل (١/ ٨٦).","vol":"1","page":266},{"text":"جاء في مغني المحتاج: «أو كان فقيها بما ينجس موافقًا للمخبر في مذهبه في ذلك، وإن لم يبين السبب اعتمده؛ لأنه خبر يغلب على الظن التنجيس» (^١).\nقال النووي: «قال القاضي أبو الطيب في تعليقه، والمحاملي وغيرهما: قال الشافعي: فإن كان يعلم من حال المخبر أنه يعلم أن سؤر السباع طاهر، وأن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس، قبل قوله عند الإطلاق- أي وإن لم يبين سبب النجاسة- هكذا نقل هؤلاء نص الشافعي، وكذا قطع بهذا التفصيل الذي نص عليه جماعات من أصحابنا المصنفين، منهم: الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق، والبغوي والروياني وغيرهم، ونقله صاحب العدة عن أصحابنا العراقيين، ونقل صاحب البيان عن الشيخ\nأبي حامد أنه نقله عن نص الشافعي، ولم أر لأحد من أصحابنا تصريحًا بمخالفته، فهو إذن متفق عليه» (^٢).\nقلت: هذا الكلام إنما يتمشى على رأي من يرى نجاسة الماء، ولو لم يتغير، أما من يرى أن الماء لا ينجس إلا بالتغير فلا يحتاج إلى هذا التفصيل؛ لأن الماء إذا لم يتغير فهو طهور، نعم لو أخبره بولوغ الكلب في إناء، قبل هذا التفصيل؛ لأنه والحالة هذه قد ينجس الماء ولو لم يتغير، لكنه خاص في هذه الصورة فقط.\nقال في حاشية الدسوقي: فإن كان الماء غير متغير، وأخبر بالنجاسة، فلا يقبل خبره؛ لأن الأصل الطهارة (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٢٨).\n(^٢) المجموع (١/ ٢٢٩).\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ٤٧).","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المبحث الثاني إذا أخبره صبي عن طهارة أو نجاسة الماء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يشترط في قبول الأخبار ما يشترط في الشهادة.\n• الاحتياط مطلوب في الشهادة أكثر من الرواية.\n• خبر الصبي في نجاسة الماء عند الحنفية، هل هو بمنزلة خبر الفاسق فيقبل، أو بمنزلة خبر الكافر فلا يقبل، والأصح الثاني (^١).\n• صيام الناس وإفطارهم وصلاتهم قائمة على خبر المؤذن، وهو واحد.\n• قبول بعض الأخبار من الصبي عند المالكية على خلاف الأصل لإلجاء الضرورة، فقد لا يتيسر وجود عدل، ولا قرائن لتحصيل الظن، والقواعد يستثنى منها محل الضرورات (^٢).\n[م-٣٧] إذا أخبره صبي مميز عن نجاسة الماء، وبين سبب النجاسة، فهل يجب عليه قبول خبره أم لا؟\nذهب الجمهور إلى أنه لا يجب قبول خبره؛ لأن قبول الخبر مبني على ثبوت العدالة، وهو لا يمكن أن يوصف بالعدالة لصغره؛ لأن العدالة يشترط فيها أن يكون\n_________\n(^١) أصول السرخسي (١/ ٣٧٢).\n(^٢) انظر الفروق للقرافي (١/ ١٤).","vol":"1","page":268},{"text":"مسلمًا عاقلًا بالغًا، فما دام أنه ليس من أهل الرواية ولا الشهادة لم يلزم قبول خبره (^١).\nوقيل: بل يجب قبول خبره، اختاره بعض الحنفية (^٢)، وهو وجه عند الشافعية (^٣)، وهو الصحيح.\nلأن الصبي إذا كانت تصح إمامته في الصلاة، ويؤتمن على شروطها، وواجباتها، فكيف لا يقبل خبره عن نجاسة الماء.\nوقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن سلمة تقديم الصبي للإمامة.\n(٧٦) فقد روى البخاري من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،\nعن عمرو بن سلمة قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله. قال فلقيته فسألته فقال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم، ما للناس ما للناس، ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم، فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع\n_________\n(^١) الفتاوى الهندية (٥/ ٣٠٩)، حاشية ابن عابدي (٦/ ٣٤٦)، المبسوط (١٠/ ١٦٤)، وقال النووي في المجموع (١/ ٢٢٨): «وفي الصبي المميز وجهان: الصحيح لا يقبل، وبه قطع الجمهور».اهـ\nوقال في المغني (١/ ٥١): إن ورد ماء فأخبره بنجاسته صبي أو كافر أو فاسق لم يلزمه قبول خبره؛ لأنه ليس من أهل الشهادة ولا الرواية، فلا يلزمه قبول خبره، كالطفل والمجنون. اهـ\n(^٢) المبسوط (١٠/ ١٦٤).\n(^٣) المجموع (١/ ٢٢٨)، الإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ٣١٢).","vol":"1","page":269},{"text":"سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت: امرأة من الحي ألا تغطون عنا است قارئكم، فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (^١).\nكما أن الصحيح أن الصبي من أهل الرواية تحملًا وأداءً إذا علم منه الصلاح، ولم يجرب عليه الكذب (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٣٠٢).\n(^٢) المجموع (٤/ ٢١٦)، شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٨٩)، طبقات الحنابلة (١/ ١٨٣).","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>المبحث الثالث إذا أخبره فاسق عن نجاسة الماء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• العدالة شرط في قبول الأخبار فلا يقبل خبر الفاسق عند الجمهور خلافًا للحنفية.\n• قبول الخبر بنجاسة الماء عند الحنفية مداره على أمرين العدالة، أو يقع في قلب السامع صدق المخبر، ولو كان فاسقًا؛ لأنه خبر خاص يتعذر الوقوف عليه من جهة غيره (^١).\n[م-٣٨] اختلف العلماء في خبر الفاسق إذا أخبره عن نجاسة الماء:\nفقيل: إذا غلب على ظنه صدقه تيمم، ولم يتوضأ به، وإن أراقه ثم تيمم كان أحوط، وإن غلب على ظنه كذبه توضأ به، وإن تيمم بعد الوضوء كان أحوط، ولا يجب، وهذا مذهب الحنفية (^٢).\n_________\n(^١) فرق الحنفية بين قبول خبر الفاسق في الرواية وبين قبوله خبره بنجاسة ماء أو طهارته، ففي باب الرواية لا يقبل خبر الفاسق مطلقًا، حتى ولو وقع في قلب السامع صدقه؛ احتياطًا للدين بخلاف إخباره عن نجاسة ماء أو طهارته حيث يقبل إذا تأيد بأكبر الرأي؛ لأن ذلك الخبر أمر خاص بالنسبة إلى رواية ربما يتعذر الوقوف عليه من جهة غيره لحصول العلم له بذلك دون غيره، فتقبل إذا انظم إليه التحري: أي تحكيم الرأي للضرورة. انظر كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٣/ ٢١، ٣٢). انظر فتح القدير لابن الهمام (١٠/ ١١).\n(^٢) الفتاوى الهندية (٥/ ٣٠٩)، المبسوط (١٠/ ١٦٣).","vol":"1","page":271},{"text":"وقيل: لا يقبل قول الفاسق، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-250> دليل من قال: إن غلب على ظنه صدقه قبله:</span>\nالدليل قوله ﷾: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: ٦]، فالله سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق، بل بالتثبت والتبين، فإن ظهرت دلالة على صدقه قبل خبره، وإن ظهرت دلالة على كذبه رد خبره، وإن لم يتبين واحد من الأمرين توقف في قبول خبره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-251> دليل من قال: لا يقبل خبر الفاسق:</span>\nقالوا: لأن من شروط قبول الخبر العدالة، فلا يقبل خبر الفاسق؛ لأنه ليس من أهل الرواية ولا من أهل الشهادة، والعدالة المشروطة هنا هي العدالة الظاهرة، إلا أن الشافعية صرحوا بأنه: لو أخبر جماعة من الفساق لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن نجاسة الماء أو طهارته قبل خبرهم، وكذا لو أخبر الفاسق عن فعل نفسه في الماء.\n* * *\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٨٦) منح الجليل (١/ ٤٣، ٤٤).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٢٢٩)، مغني المحتاج (١/ ٢٨).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الكافي في فقه أحمد (١/ ١٢)، المغني (١/ ٥١).","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>المبحث الرابع في السؤال عن الماء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الماء إذا لم تظهر فيه نجاسة فهو باق على طهوريته.\n• السؤال فيما لا يحتاج إليه من التكلف والتعمق.\n• إذا تغير الماء ولم يعلم ما تغير به استصحبنا الأصل، وهو بقاء الطهورية حتى نتيقن النجاسة.\n• الأصل طهارة الماء، والسؤال هل انتقل الماء عن هذا الأصل ليس من الورع.\n[م-٣٩] إذا شك الإنسان في طهورية الماء، فهل يشرع له أن يسأل عن حال الماء؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة:\nفقيل: لا يجب على الإنسان أن يسأل هل الماء طهور أم نجس، وهذا هو مذهب الجمهور (^١).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٨٢)، بريقة محمودية (١/ ٣١٢)، المدونة (١/ ٦)، شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٨٣)، المجموع (١/ ٢٢٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦، ٢٧)، كشاف القناع (١/ ٤٧).","vol":"1","page":273},{"text":"وقيل: يجب عليه السؤال، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: يكره السؤال، نقله صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وهو المشهور عند المتأخرين (^٢).\nوقيل: السؤال أولى من تركه. وهو قول عند الحنابلة (^٣).\nولو سأل هل يلزم الجواب؟ على أقوال:\nفقيل: لا يلزمه الجواب.\nوقيل: يلزمه، كالسؤال عن القبلة. وهما قولان في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: يلزمه إن علم نجاسته، اختاره الأزجي من الحنابلة وصوبه في الإنصاف (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-253> دليل من قال لا يسأل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل المقتضي للوجوب، فلو كان السؤال واجبًا لجاء الأمر به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>الدليل الثاني:</span>\nالعمل بالأصل، فالأصل في الماء الطهارة، فيجب استصحاب الإصل حتى يثبت العكس، وتغير الماء إن كان موجودًا فقد يكون تغيره بطاهر، أو بمكثه أو بما لا يمازج الماء.\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٩٣).\n(^٢) الفروع (١/ ٩٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦)، كشاف القناع (١/ ٤٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٢).\n(^٣) الفروع (١/ ٩٢).\n(^٤) الفروع (١/ ٩٢، ٩٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦، ٢٧)، كشاف القناع (١/ ٤٧).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٧١)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦، ٢٧).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>الدليل الثالث:</span>\n(٧٧) ما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب،\nأن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص: لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع وترد علينا (^١).\n[رجاله ثقات إلا أن إسناده منقطع] (^٢).\nهذا القول هو الراجح إلا أنه إن كان الماء نجسًا وجب على من يعلم أن يخبره نصحًا له، وحتى لا يصلي وهو على غير طهارة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-257> دليل من قال: يلزمه السؤال:</span>\nقالوا: إن هذا السؤال يتعلق بشرط الصلاة، وهو طهورية الماء، فيلزمه السؤال كما يلزمه السؤال عن القبلة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-258> دليل من قال يلزمه الجواب إن علم نجاسة الماء:</span>\nقالوا: إن إخباره عن نجاسة الماء من النصيحة له، ومن الأمر بالمعروف الواجب عليه.\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٢٣)، والحديث رواه من طريق مالك عبد الرزاق في المصنف (٢٥٠).\n(^٢) قال النووي في المجموع (١/ ٢٢٦): هذا الأثر إسناده صحيح إلى يحيى بن عبد الرحمن، لكنه مرسل منقطع؛ فإن يحيى وإن كان ثقة فلم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هذا هو الصواب، قال يحيى بن معين: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عمر باطل، وكذا قاله غير ابن معين. إلخ كلامه ﵀.\nوقال ابن أبي حاتم وابن حبان مثل قول ابن معين بأنه ولد في خلافة عثمان. الجرح والتعديل (٩/ ١٦٥)، الثقات (٥/ ٥٢٣)، وانظر جامع التحصيل (ص: ٢٩٨).","vol":"1","page":275},{"text":"(٧٨) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق سفيان، عن سهيل، عن عطاء ابن يزيد،\nعن تميم الداري، أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥٥).","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>الباب الثامن في الماء النجس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>الفصل الأول في الماء القليل إذا لاقته نجاسة فلم تغيره</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الحكم بوجود الشيء يدور مع أثره وجودًا وعدمًا، فينزل وجود أثر الشيء منزلة وجوده، وعدمه منزلة عدمه استدلالًا بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه (^١).\n• انتقال الماء من الطهورية إلى النجاسة حسي معقول المعنى، وليس تعبديًا كانتقال النجس إلى عين طاهرة على الصحيح.\n• تنجيس الماء القليل على الصحيح سببه تغيره بالنجاسة لا اتصاله بها كالماء الكثير.\n• ورود النجاسة على الماء كورود الماء على النجاسة على الصحيح.\n• الكثير غالبًا لا يحمل الخبث والقليل غالبًا يحمل الخبث، والتغير بالنجاسة هو المعيار على حمل الخبث من عدمه.\n• كل ماء كثير لا ينجس إلا بالتغير، والقليل مقيس عليه على الصحيح.\n• والضابط في الكثرة والقلة:\n_________\n(^١) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص: ٢٦٩).","vol":"1","page":277},{"text":"قيل: الكثرة والقلة في الماء أمر إضافي، لا تحد بقدر معين، وهذا مذهب المالكية (^١).\nوحد الحنفية الكثرة بما إذا حرك أحد طرفيه بالتناول منه لم يتحرك الآخر.\nوقيل: أقل الكثرة قلتان، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.\n[م-٤٠] اختلف العلماء في الماء إذا لاقته نجاسة فلم تغيره،\nفقيل: إذا كان الماء قليلًا فإنه ينجس، ولو لم يتغير، وإذا كان كثيرًا فإنه لاينجس إلا بالتغير، وهذا مذهب الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣)، وقول في مذهب الحنابلة (^٤)، على خلاف بينهم في حد القليل والكثير (^٥).\n_________\n(^١) قال مالك في لعاب الكلب: ولا بأس به في الكثير كالحوض. قلت: فالقليل في لعاب الكلب ما كان في الآنية. وقال مالك في الجنب يغتسل في مثل حياض الدواب، ولم يغسل ما به أفسده. ومعنى هذا أن قول مالك في لعاب الكلب: إنه لا يفسده، وقوله في اغتسال الجنب: إنه يفسده دليل على أن الكثرة والقلة عنده إضافية لا تحد بقدر معين. انظر القواعد لابن المقري (١/ ٢٢١).\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ٧٠)، تبيين الحقائق (١/ ٢١).\n(^٣) حاشية البجيرمي (١/ ٢٧)، الأم (١/ ١٨)، أسنى المطالب (١/ ١٤)، المجموع (١/ ١٦٢)، المهذب (١/ ٦).\n(^٤) الكافي (١/ ٨) كشاف القناع (١/ ٣٨)، المغني (١/ ٣١).\n(^٥) اختلف الحنفية والشافعية في مقدار الماء القليل والماء الكثير، مع اتفاقهم أن الماء القليل ينجس، ولو لم يتغير، بخلاف الماء الكثير:\nفمذهب الحنفية في حد الماء القليل هو أن ينظر، فإن كانت النجاسة تخلص إلى الطرف الأخر لم يتوضأ منه، وإن كانت لا تخلص إلى طرفه الآخر توضأ من الطرف الآخر، وكيف نعرف أن النجاسة تخلص إلى الجانب الآخر، على أقوال عندهم، منها:\nالأول: أن الرد إلى رأي المبتلى به، فإن غلب على ظنه وصول النجاسة إلى الجانب الآخر لم يتوضأ به، وإلا توضأ به، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة ﵀، وقد رجحه ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٧٨، ٧٩)، قال: وممن نص على أنه ظاهر المذهب شمس الأئمة السرخسي في المبسوط. وجاء في البناية في التحديد قال: «إن غلب على الظن وصول النجاسة إلى الجانب الآخر فهو نجس، وإن غلب عدم وصولها فهو طاهر»، وقال عنه: «هذا هو الأصح، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة».\nالقول الثاني: قالوا: يعتبر الخلوص بالحركة، فإن كان إذا حرك أحد طرفيه، تحرك الطرف الآخر، تنجس ولو لم يتغير، وإن كان لا يتحرك الطرف الآخر فلا ينجس إلا بالتغير، واختلفوا في نوع الحركة:\nفقيل: المعتبر حركة المغتسل، وهذا اختيار أبي يوسف، ومحمد في رواية؛ لأن الغالب في الحياض الاغتسال منها، وأما الوضوء فإنما يكون في البيوت.\nوقيل: المعتبر حركة المتوضئ، وهو مروي عن أبي حنيفة.\nوقيل: المعتبر حركة اليد من غير وضوء، ولا اغتسال.\nالقول الثالث: قدره بالمساحة، على اختلاف كثير بينهم، أشهرها عشرة أذرع في عشرة أذرع.\nالقول الرابع: قالوا: يوضع في الماء صبغ، فحيثما وصل الصبغ اعتبر وصول النجاسة.\nومنهم من اعتبر التكدر.\nوأما مذهب الشافعية في حد القليل من الكثير، فجعلوا التقدير بالقلتين، فإذا بلغ الماء قلتين فهو كثير، لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان دون القلتين نجس، ولو لم يتغير، وهو المشهور من مذهب المتأخرين من الحنابلة.\nوتقدم أن المالكية يقدرون القليل بآنية الوضوء ونحوها.\nانظر في مذهب الحنفية بدائع الصنائع (١/ ٧١)، شرح فتح القدير (١/ ٧٩)، البناية (١/ ٣٣٠ - ٣٣٤)، المبسوط (١/ ٨٧)، المبسوط للشيباني (١/ ٥٠)، البحر الرائق (١/ ٧٨).\nوانظر في مذهب الشافعية الأم (١/ ١٨)، أسنى المطالب (١/ ١٤)، المهذب (١/ ٦).","vol":"1","page":278},{"text":"وقيل: إن الماء لا ينجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة، وهذا مذهب مالك في رواية المدنيين عنه (^١)، ورواية عن أحمد (^٢)، وإليه ذهب ابن المسيب، والحسن البصري (^٣)، وسفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي (^٤)، واختاره ابن المنذر (^٥)، وابن تيمية (^٦)، وغيرهم.\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١٣٢)، ورجحه ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٢٧)، والاستذكار (٢/ ١٠٣)، الخرشي (١/ ٧٦، ٨١)، وقال ابن رشد في بداية المجتهد (١/ ٢٤٩): «ويتحصل عن مالك في الماء اليسير تقع فيه النجاسة ثلاثة أقوال، قول: إن النجاسة تفسده، وقول: إنها لا تفسده إلا أن يتغير أحد أوصافه، وقول: إنه مكروه».\n(^٢) المغني (١/ ٣١)، المحرر (١/ ٢).\n(^٣) الأوسط (١/ ٢٦٦)، المجموع (١/ ١٦٣).\n(^٤) انظر المرجعين السابقين.\n(^٥) الأوسط (١/ ٢٦٧ - ٢٧٢).\n(^٦) مجموع فتاوى (٢١/ ٣٠).","vol":"1","page":279},{"text":"وقيل: إن كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة فإنه ينجس ولو كان كثيرًا إلا أن يشق نزحه.\nوإن كانت النجاسة غيرها فإنه ينجس إذا كان دون القلتين، فإن كان قلتين فأكثر لم ينجس إلا بالتغير، وهذا مذهب المتقدمين من الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-261> دليل الحنفية على اعتبار الخلوص</span>.\nقالوا: إن الله ﷾ حرم علينا الخبائث، ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فإذا غلب على ظننا أن النجاسة تخلص إلى الطرف الآخر، فإن من استعمل الماء يكون قد استعمل النجاسة، واستعمال النجاسة لا يجوز، والأخذ بغلبة الظن طريق شرعي، فإن كثيرًا من الأحكام الشرعية مبنية على الظن، وليس على اليقين.\nوأما الدليل على تقدير الخلوص بالحركة أو بالمساحة أو بغيرهما فلا دليل خاص عليها، وإنما رأى بعض الحنفية أن غلبة الظن قد لا تنضبط، فاجتهدوا في تحديد مقدار الماء الذي تخلص النجاسة إلى طرفه الآخر، لكن الأصل هو غلبة الظن.\n• وأما الدليل على إن الماء القليل ينجس ولو لم يتغير:\nفهناك مجموعة أدلة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>الدليل الأول:</span>\n(٧٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن\n_________\n(^١) التفريق بين بول الآدمي وعذرته، وبين سائر النجاسات، فالأول إذا وقع في الماء فإنه ينجس الماء الكثير ولو لم يتغير إلا أن يشق نزحه، والثاني: إذا وقع في الماء تنجس ما كان دون القلتين فقط، هذا مذهب المتقدمين من الحنابلة، أما مذهب المتأخرين فلا فرق عندهم بين البول والعذرة، وبين سائر النجاسات، فإذا وقعت في ماء قليل دون القلتين نجس، ولو لم يتغير، وإذا وقعت في ماء كثير لم ينجس الماء إلا بالتغير. انظر الإنصاف (١/ ٦٠)، الفروع (١/ ٨٥)، كشاف القناع (١/ ٣٨)، المبدع (١/ ٥٧)، الكافي (١/ ٨)، المحرر (١/ ٢)، المغني (١/ ٣١).","vol":"1","page":280},{"text":"محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله،\nعن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (^١).\n[صحيح إن شاء الله] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٣٣) رقم ١٥٢٦.\n(^٢) الحديث قد ضعف بأمور منها:\nالأول: الاضطراب في السند والمتن.\nالثاني: الشذوذ.\nالثالث: الوقف. ...\nالرابع: الجهل بمقدار القلة.\nأما الجواب عن اضطراب السند:\nفالحديث رواه الوليد بن كثير، واختلف عليه:\nفقيل: الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبد الله المكبر، عن أبيه عبد الله بن عمر.\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣) وأبو داود (٦٣)، والنسائي في الكبرى (٥٠)، وفي الصغرى (٥٢)، وابن الجارود في المنتقى (٤٥)، وعبد بن حميد في المسند كما في المنتخب (٨١٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥)، والدارقطني (١/ ١٤، ١٥)، وابن حبان (١٢٤٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٣٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٠، ٢٦١) وفي المعرفة (٢/ ٨٥)، وفي الخلافيات (٣/ ١٤٦)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٤)، من طرق كثيرة، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبدالله - المكبر - ابن عبد الله ابن عمر عن أبيه.\nورجاله ثقات.\nوقيل: الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله المصغر، عن أبيه عبد الله بن عمر.\nأخرجه النسائي (٣٢٨)، والدارمي (٧٣٢)، وابن خزيمة (١/ ٤٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥) وفي مشكل الآثار (٣/ ٢٦٦)، وابن حبان في الصحيح من طريق أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله -المصغر- ابن عبد الله بن عمر عن أبيه. وهذا إسناد صحيح أيضًا.\nوتابع عباد بن صهيب أبا أسامة، فرواه الدارقطني (١/ ١٨ - ١٩) ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٣/ ١٦٥ - ١٦٦) فرواه عن الوليد بن كثير به، بذكر عبيد الله -المصغر- إلا أن عباد ابن صهيب مجروح، جاء في ترجمته: =","vol":"1","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال على بن المديني: عباد بن صهيب ذهب حديثه. الجرح والتعديل (٦/ ٨١).\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: تركنا حديث عباد بن صهيب قبل أن يموت بعشرين سنة. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث، ترك حديثه. المرجع السابق.\nوبناءً على ما سبق يتضح لنا من الأسانيد، أنه قد اختلف على محمد بن جعفر بن الزبير فيه: فتارة يرويه أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله - المكبر - عن أبيه.\nوتارة يرويه أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله - المصغر - عن أبيه وقد توبع الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن عبيد الله - المصغر - عن أبيه.\nتابعه محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر به.\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣)، وأحمد (٢/ ١٢، ٢٧)، أبو داود (٦٤)، والترمذى (٦٧)،\nوابن ماجه (٥١٧)، والدارمي (٧٣١)، وأبو يعلى في المسند (٥٥٩٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥، ١٦)، والدار قطنى (١/ ١٩، ٢١) والحاكم في المستدرك (١/ ١٣٣، ١٣٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٦، ٢٦١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٣)، وقد صرح محمد بن إسحاق بالتحديث عند جماعة من المذكورين فانتفت شبهة التدليس.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا محمد بن إسحاق، فإنه صدوق.\nالطريق الثالث: الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد، عن عبد الله المكبر، عن أبيه عبد الله بن عمر. فاستبدل محمد بن جعفر بمحمد بن عباد.\nأخرج الحديث أبوداود (٦٣)، وابن الجارود في المنتقى (٤٤)، وابن حبان (١٢٥٣)، والدارقطنى (١/ ١٥، ١٦، ١٧)، والحاكم (١/ ١٣٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٦٠)، من طريق أبي أسامة، عن الوليد، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله -المكبر- بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.\nوبناء عليه فيكون الحديث قد اختلف فيه على الوليد بن كثير، فصار تارة يرويه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وتارة يرويه عن محمد بن عباد بن جعفر، ومحمد بن عباد لا يرويه إلا عن عبدالله المكبر، عن أبيه، بينما محمد بن جعفر بن الزبير تارة يرويه عن عبد الله وتارة يرويه عن عبيدالله.\nووقف العلماء من هذا ثلاثة مواقف:\nالموقف الأول: بعضهم حكم عليه بالاضطراب في سنده، وبالتالي ضعف الحديث\nمنهم الإمام عبد الله بن المبارك كما في الأوسط (١/ ٢٧١). =","vol":"1","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن عبد البر كما في التمهيد (١/ ٣٣٥)، والاستذكار (١/ ٢٠٤).\nوابن العربي كما في القبس (١/ ١٣٠)، والعارضة (١/ ٨٤).\nوابن القيم كما في تهذيب السنن (١/ ٦٢).\nالموقف الثاني: الترجيح بين هذه الطرق.\nوممن سلك مسلك الترجيح أبو داود في سننه وأبو حاتم وابن منده.\nفرجح أبو داود طريق محمد بن عباد فقال ﵀ (٦٣): حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي وغيرهم، قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه وساق الحديث.\nقال أبو داود: هذا لفظ ابن العلاء، وقال عثمان والحسن بن علي، عن محمد بن عباد بن جعفر، وهو الصواب. اهـ\nوخالف أبا داود أبو حاتم وابن منده، فرجحا رواية محمد بن جعفر بن الزبير.\nجاء في العلل (١ رقم ٩٦) قال ابن أبي حاتم: «قال أبي: محمد بن عباد بن جعفر ثقة، ومحمد بن جعفر بن الزبير ثقة، ولمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه».\nوقال ابن منده فيما نقله عنه الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٠٦) «واختلف على أبي أسامة، فروي عنه، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر. وقال مرة: عن محمد بن جعفر بن الزبير وهو الصواب؛ لأن عيسى بن يونس رواه عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أن النبي ﷺ سئل فذكره». اهـ.\nالموقف الثالث: من رجح الجمع بين هذه الطرق، وهو الصواب.\nفقد أخرج الدارقطني (١/ ١٨)، والحاكم (١/ ١٣٣)، والبيهقي (١/ ٢٦٠، ٢٦١) من طريق علي بن عبد الله بن مبشر الواسطي.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٨) ومن طريقه البيقهي في السنن (١/ ٢٦٠) والخلافيات (٣/ ١٥٧) من طريق ابن سعدان، كلاهما عن شعيب بن أيوب، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر ومحمد بن عباد، عن عبدالله -المكبر- ابن عبد الله بن عمر عن أبيه.\nقال الدارقطني (١/ ١٧): «فلما اختلف علي أبي أسامة في إسناده أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح القولان جميعًا عن أبي أسامة، وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. فكان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به عن الوليد بن كثير، عن محمد ابن عباد بن جعفر. والله أعلم». اهـ =","vol":"1","page":283},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الحاكم (١/ ١٣٣) «قد صح وثبت بهذه الرواية صحة الحديث، وظهر أن أبا أسامة ساق الحديث عن الوليد بن كثير عنهما جميعًا، فإن شعيب بن أيوب ثقة مأمون، وكذلك الطريق إليه، وقد تابع الوليد بن كثير على روايته عن محمد بن جعفر بن الزبير تابعه محمد بن إسحاق بن يسار القرشي». اهـ\nوصححه العلائي في جزئه (ص: ٣٥)، وقال: «نعلم بهذا أن الراوي الواحد إذا كان ضابطًا متقنًا، وروى الحديث على الوجهين المختلفين أن كلا منهما صحيح». اهـ\nكما صححه على الوجهين عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ١٥٤ - ١٥٥).\nوقال الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ١٧): «والجواب أن هذا ليس اضطرابا قادحًا فيه، فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظًا. انتقال من ثقة إلى ثقة، وعند التحقيق فالصواب أنه:\nعن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر.\nوعن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم.\nقلت: لم أدر لما لم يعتمد الحافظ رواية محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله المكبر، واعتبرها وهمًا؟\nفقد أخرج الحديث كما سبق: ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣)، وأبو داود (٦٣) وابن الجارود فى المنتقى (٤٥)، والدارقطنى (١/ ١٤، ١٥)، وابن حبان (١٢٤٩)، والبيهقى (١/ ٢٦٠/٢٦١) من طرق عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبد الله -المكبر- عن أبيه.\nولهذا قال أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي (١/ ٩٩) متعقبًا كلام الحافظ: «وما قاله الحافظ من التحقيق غير جيد، والذي يظهر من تتبع الروايات أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر، وأنهما كليهما روياه عن عبد الله وعبيد الله ابني عبد الله عن عمر عن أبيهما».\nوهذا الكلام من العلامة أحمد شاكر جيد إلا أن محمد بن جعفر بن الزبير هو الذي روى الحديث عن ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما، وأما محمد بن عباد فلم يروه إلا عن عبد الله المكبر فقط. والله أعلم. وبهذا يندفع الاضطراب في السند.\nالجواب عن اضطراب المتن:\nأعله قوم باضطراب المتن انظر تهذيب السنن (١/ ٦٢)، فقال بعضهم: روي إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثًا على الشك، وروي إذا بلغ الماء قلتين بلا شك، وروى إذا بلغ الماء أربعين قلة.\nوالجواب على ذلك أن يقال: إن رواية الشك مدارها على حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان الماء قلتين أو ثلاثًا لم ينجسه شيء.\nوقد اختلف على حماد فيه، فرواه عنه جماعة بالشك منهم: =","vol":"1","page":284},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ١ - وكيع عند ابن ماجه (٥١٨) وأحمد (٢/ ٢٣).\n٢ - عفان بن مسلم عند الإمام أحمد (٢/ ١٠٧)، وروي عنه بدون شك كما سيأتي.\n٣ - زيد بن الحباب عند أبى عبيد بن القاسم بن سلام فى كتاب الطهور (ص: ٢٢٦).\n٤ - يزيد بن هارون عند الدارقطنى (١/ ٢٢).\n٥ - إبراهيم بن الحجاج عند الدارقطنى (١/ ٢٢) والبيهقى (١/ ٢٦٢)\n٦ - هدبة بن خالد عند الدارقطنى (١/ ٢٢) والبيهقى (١/ ٢٦٢).\n٧ - كامل بن طلحة عند الدارقطنى (١/ ٢٢).\n٨ - أبو الوليد الطيالسي، كما في المنتخب من مسند عبد بن حميد (٨١٨).\nوخالفهم جماعة من أصحاب حماد فرووه عنه بدون شك منهم:\n١ - موسى بن إسماعيل عند أبي داود (٦٥)، والدار قطنى (١/ ٢٣)، والبيهقي (١/ ٢٦٢).\n٢ - عفان بن مسلم في إحدى روايتيه عن حماد، عند ابن الجارود في المنتقى (٤٦)، والدارقطني (١/ ٢٣).\n٣ - يعقوب بن إسحاق الحضرمي عند الدارقطنى (١/ ٢٣).\n٤ - العلاء بن عبدالجبار المكي، عند الدارقطني (١/ ٢٣).\n٥ - عبيد الله بن محمد العيشي عند الدارقطنى (١/ ٢٣)، والبيهقي (١/ ٢٦١).\n٦ - الطيالسي كما في مسنده (١٩٥٤).\n٧ - يزيد بن هارون عند الدارقطني في السنن (١/ ٢٢).\n٨ - يحيى بن حسان عند الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٦).\nوهذا الشك والاختلاف لعله من قبل حماد بن سلمة. قال عنه الحافظ (١٤٩٩): ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخرة.\nوالرواية التي بدون شك أرجح لموافقتها رواية الجماعة.\nقال البيهقى ﵀ (١/ ١٦٢): «ورواية الجماعة الذين لم يشكوا أولى».\nوأما رواية أربعين قلة، فجاءت من حديث جابر مرفوعًا، أخرجها ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٤) ومن طريقه الدارقطني (١/ ٢٦)، والبيهقي (١/ ٢٦٢)، من طريق القاسم بن عبد الله العمري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا بلغ الماء أربعين قلة لايحمل الخبث.\nوالقاسم بن عبد الله العمري، قال فيه أحمد: ليس بشيء كان يكذب ويضع الحديث.\nوقال يحيى وابن المديني أبو زرعة: ليس بشيء. زاد أبو زرعة: متروك الحديث، منكر الحديث.\nوقال يحيى مرة: كذاب.\nوقال أبو حاتم والنسائي: متروك. =","vol":"1","page":285},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال البخاري: سكتوا عنه.\nوقال الدارقطني (١/ ٢٦، ٢٧): «كذا رواه القاسم العمري، عن ابن المنكدر، عن جابر، ووهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ، وخالفه روح بن القاسم، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد، رووه عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا.\nورواه أيوب السختياني، عن ابن المنكدر من قوله، لم يجاوزه.\nوجاء عن أبي هريرة موقوفًا عليه عند الدارقطني (١/ ٢٧)، وأبي عبيد القاسم بن سلام في كتاب الطهور (ص ٢٣١)، من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة، عن أبيه: إذا بلغ الماء أربعين قلة لم يحمل خبثًا.\nوهذا مع كونه موقوفًا على أبي هريرة، ففي إسناده ابن لهيعة وقد خالفه غير واحد.\nقال الدارقطني: وخالفه غير واحد، رووه عن أبي هريرة فقالوا: أربعين غربًا، ومنهم من قال: أربعين دلوًا».\nوعلى هذا فلا يمكن أن يقال باضطراب متنه؛ لأنه روي أربعين قلة حيث تبين أن المرفوع في إسناده القاسم العمري متهم بالكذب، وأما الموقوف على الصحابي، فإنه مع ضعفه، لا يعارض المرفوع من حديث ابن عمر وقد جاء بسند رجاله رجال الصحيح، وهذا ما يمكن أن يقال جوابًا على من ادعى اضطراب المتن والله أعلم.\nوأما الجواب عن قولهم: بأنه شاذ.\nقال ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ٦٢): «لا يلزم من مجرد صحة السند صحة الحديث، ما لم ينتف عنه الشذوذ والعلة، ولم ينتفيا عن هذا الحديث.\nأما الشذوذ: فإن هذا الحديث فاصل بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، وهو في المياه كالأوسق في الزكاة والنصب في الزكاة، فكيف لا يكون مشهورًا شائعًا بين الصحابة، ينقله خلف عن سلف؟ لشدة حاجة الأمة إليه؛ فإن حاجتهم إليه أعظم من حاجتهم إلى نصب الزكاة؛ لأن أكثر الناس لا تجب عليهم الزكاة، والوضوء بالماء الطاهر فرض على كل مسلم، فيكون الواجب نقل هذا الحديث كنقل نجاسة البول، ووجوب غسله، ونقل عدد الركعات ونظائر ذلك.\nومن المعلوم أن هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله، فأين نافع، وسالم، وأيوب، وسعيد بن جبير؟ وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السنة التي مخرجها من عندهم، وهم إليها أحوج الخلق؛ لعزة الماء عندهم؟ ومن البعيد جدًّا أن تكون هذه السنة عند ابن عمر، وتخفى على علماء أصحابه وأهل بلدته، ولا يذهب إليها أحد منهم، ولا يروونها ويديرونها بينهم. ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا، فلو كانت هذه السنة العظيمة المقدار عند ابن عمر، لكان أصحابه، وأهل المدينة أقول الناس بها، وأرواهم لها، فأي شذوذ أبلغ من =","vol":"1","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= هذا، وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر علم أنه لم يكن فيه سنة من النبي ﷺ فهذا وجه شذوذه».اهـ\nوالجواب عن ذلك:\nأولًا: فهم ابن القيم ﵀ أنه يلزم من تصحيح الحديث، القول بنجاسة الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة، ولو لم تغيره، عملًا بمفهوم هذا الحديث، فأطنب ﵀ في بيان أن هذا لو كان صحيحًا لكانت الأمة في حاجته أكثر من حاجتها لبيان أنصباء الزكاة ... إلخ كلامه المتقدم. ولا يلزم من تصحيح الحديث القول بمفهومه على ما سيأتي بيانه، ومنطوق حديث القلتين موافق لمنطوق حديث أبي سعيد الخدري: الماء طهور لا ينجسه شيء.\nثانيًا: أن قوله ﵀: إن هذا الحديث لم يروه إلا ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله، فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير؟\nفالجواب عليه أن يقال: إن حديث: (إنما الأعمال بالنيات) قد قال فيه علماء الإسلام كما في الفتح (١/ ١٧): إنه ثلث الإسلام، منهم عبد الرحمن بن مهدي، والشافعي، فيما نقله البويطي عنه، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني، وحمزة الكناني، ومع ذلك فقد تفرد به عمر بن الخطاب، ولم يروه عنه إلا علقمة بن وقاص، ولم يروه عن علقة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري.\nوقد قاله: عمر بن الخطاب على المنبر، وبحضور جمع كبير، ومع دواعي نقله، والحاجة إليه لم ينقله أحد إلا علقمة، ولم يضر تفرده بذلك.\nفهذا ما يمكن أن يجاب عن دعوى الشذوذ والله أعلم، على أن أصحاب ابن عمر قد أخذوا بالحديث كسعيد بن جبير كما في الأوسط (١/ ٢٦١)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٣٥)، المجموع (١/ ١٦٢)، والمغني. وأفتى به مجاهد كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣)، وكتاب الطهور لأبي عبيد (ص: ٢٣٠)، ولعل ابن القيم لم يطلع على هذا.\nوأما الجواب عن إعلاله بالوقف:\nفقد ضعف جماعة رفع الحديث؛ لأن مجاهدًا، قد رواه موقوفًا على ابن عمر.\nقال ابن القيم: رجح شيخا الإسلام: أبو الحجاج المزي، وأبوالعباس بن تيمية وقفه، ورجح البيهقي وقفه من طريق مجاهد وجعله هو الصواب انظر تهذيب السنن (١/ ٦٢)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٣٥).\nفقد أخرج الدارقطني (١/ ٢٣)، والبيهقي (١/ ٢٦٢) من طريق معاوية بن عمرو، قال: أخبرنا زائدة بن قدامة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفًا: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا.\nوقد روي مرفوعًا أخرجه الدارقطني (١/ ٢٣) ومن طريقه البيقهي في السنن (١/ ٢٦٢) من طريق عبد الله بن الحسين بن جابر، ثنا محمد بن كثير المصيصي، عن زائدة به مرفوعًا، ورجح=","vol":"1","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الدارقطني رواية معاوية بن عمرو الموقوفة.\nوفي كلا الطريقين ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. قال فيه الحافظ في التقريب (٥٦٨٥): «صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك».\nفكيف يعارض به حديث عبد الله وعبيد الله ابني عمر، فإن السند إليهما رجالهما رجال الشيخين، وهما أولى بأبيهما من مجاهد، كيف وقد اختلف على مجاهد، فروى ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣) الحديث من قول مجاهد، لا يبلغ به ابن عمر، قال في المصنف: حدثنا يزيد، عن أبي إسحاق - يعني السبيعي - عن مجاهد قال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء.\nواستدلوا أيضًا لترجيح الموقوف: بأن الحديث روي موقوفًا على ابن عمر من طريق ابن علية، فقد روى ابن أبي شيبة (١/ ١٤٤) قال: حدثنا ابن علية، عن عاصم بن المنذر، عن رجل، عن ابن عمر قال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسًا، أو كلمة نحوها.\nومن طريق ابن علية أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار (٢/ ٢٢٣)، والدارقطني في السنن (١/ ٢٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٢٩).\nكما رواه حماد بن زيد، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه موقوفًا أشار إليها أبو داود (٦٥) عقب رواية حماد بن سلمة عن عاصم، إلا أنه خالف في شيخ عاصم بن المنذر.\nوالجواب: قد خالف حماد بن سلمة ابن علية، فقد أخرج أبو داود (٦٥)، وابن الجارود (٤٦)، والدارقطني (١/ ٢٢) من طريق حماد بن سلمة، ثنا عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عمر، عن أبيه مرفوعًا.\nجاء في تلخيص الحبير (١/ ١٨) ومعالم السنن للخطابي (١/ ٥٨، ٥٩): «سئل ابن معين عن هذا الطريق فقال: إسنادها جيد. قيل: فإن ابن علية لم يرفعه، قال: وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث جيد الإسناد». اهـ\nوقال العلائي في جزء تصحيح حديث القلتين (ص: ٤٨ - ٤٩): «هذا الحديث قد روي مرسلًا وموقوفًا، وكل منهما علة في صحته، فقد رواه حماد بن زيد، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله، عن النبي ﷺ مرسلًا، وروي أيضًا عنه موقوفًا على ابن عمر، رواه إسماعيل بن علية، عن عاصم بن المنذر، عن رجل لم يسمه، عن ابن عمر موقوفًا عليه».\nثم قال: «إن هذا بعد التسليم كونه علة، وكون حماد بن زيد وابن علية أحفظ من حماد بن سلمة وأتقن، حتى يقدم قولهما على روايته لا تؤثر إلا في حديث عاصم بن المنذر فقط، وأما رواية أبي أسامة، ورواية محمد بن إسحاق، فهما صحيحتان، لا يقدم هذا فيهما لتباين الطرق». إلخ كلامه ﵀.\nوبهذا يتبين أن الحديث لا يعل بالوقف؛ لأن رواية الرفع أرجح وأكثر. =","vol":"1","page":288},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٤١): «وأما حديث القلتين، فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به، وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه، وصنف أبو عبيد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي جزءًا رد فيه ما ذكره ابن عبد البر وغيره.\nالجواب عن الجهل بمقدار القلة:\nضعف الحديث جماعة للجهل بمقدار القلة كابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٣٥) قال: «قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل؛ ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع».\nوكذلك قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٦) قال: «إن هاتين القلتين لم يبين لنا في هذه الآثار ما مقدارهما». اهـ\nووافقهما ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ٦٣).\nوالجواب أن يقال:\nأما الخلاف في مقدار القلة فلا يكفي في رد الحديث الصحيح، وقد اختلف العلماء في أبلغ من هذا. فقد اختلفوا هل كان الرسول ﷺ يجهر بالبسملة أم لا؟ مع أنها مسألة تتكرر في حياة الرسول ﷺ في اليوم خمس مرات ولم يكن هذا الاختلاف مانعًا من الترجيح بينها، وكذلك الحال في القلال، فقد اختار الشافعي كما في المجموع (١/ ١٦٥) وأبو عبيد، وابن تيمية وغيرهم أن المراد بالقلة قلال هجر، قال أبو عبيد في كتاب الطهور (ص ٢٣٨): «وقد تكلم الناس في القلال فقال بعض أهل العلم: هي الجرار، وقال آخرون هي: الحباب، وهذا القول هو الذي اختاره وأذهب إليه، أنها الحباب، وهى قلال هجر، معروفة عندهم، وعند العرب مستفيضة، وقد سمعنا ذكرها في أشعارهم».\nوقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٢): «وأما لفظ القلة فإنه معروف عندهم أنه الجرة الكبيرة، كالحب وكان ﷺ يمثل بها كما في الصحيحين أنه قال في سدرة المنتهى: (وإذا أوراقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها مثل قلال هجر)، وهى قلال معروفة الصفة والمقدار، فإن التمثيل لا يكون بمختلف متفاوت».\nهذا وقد صحح الحديث جماعة من أهل العلم منهم:\nالنووي فقد قال في المجموع (١/ ١٦٢): هذا الحديث حديث حسن ثابت، وابن حزم في المحلى (١/ ١٥١)، وابن تيمية في الفتاوى (٢١/ ٤١، ٤٢). وجاء في الفتاوى عنه أيضًا ترجيح كونه موقوفًا، وصححه الحاكم كما في المستدرك (١/ ١٣٢) وقال: على شرط الشيخين. وأقره الذهبي».\nوقال ابن منده كما في تلخيص الحبير (١/ ١٧): «صحيح على شرط مسلم». =","vol":"1","page":289},{"text":"وجه الاستدلال: من الحديث من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن قوله ﷺ: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، مفهومه أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث.\nالوجه الثاني:\nلو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن للتحديد بالقلتين فائدة؛ لأن الماء إذا تغير بالنجاسة نجس، ولو كان مائة قلة.\n• وأجيب من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن يقال عندنا منطوق ومفهوم، والمنطوق مقدم على المفهوم.\nفحديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) منطوقه يشمل القليل والكثير.\nوحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) منطوقه موافق لحديث: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)؛ لأن منطوقه أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجسه شيء.\nومفهومه: أن الماء إذا كان دون القلتين فإنه ينجس، وهذا المفهوم معارض لمنطوق حديث أبي سعيد، فيقدم المنطوق على المفهوم، فنأخذ من حديث القلتين منطوقه فقط، ولا نأخذ مفهومه؛ لأنه يعارض منطوق حديث أبي سعيد.\n_________\n= وصححه ابن حبان (١٢٤٩، ١٢٥٣)، وابن خزيمة (٩٢)، وأبو عبيد في كتاب الطهور (ص: ٢٣٥)، وابن حجر في الفتح (١/ ٤٠٨)، وقال: رواته ثقات، وصححه جماعة من الأئمة، وانظر تلخيص الحبير (١/ ١٧).\nوقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٥٨): «يكفي شاهدًا على صحة هذا الحديث أن نجوم أهل الحديث صححوه، وقالوا به، وهم القدوة، وعليهم المعول في هذا الباب. وصححه الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٣٠، ٣١)، وأحمد شاكر كما في تحقيقه لسنن الترمذي (١/ ٩٨). والله أعلم».","vol":"1","page":290},{"text":"قال ابن المنذر في الأوسط للتدليل على هذه القاعدة: «ونظير ذلك قوله تعالى (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) [البقرة: ٢٣٨]، فأمر بالمحافظة على الصلوات، والصلوات داخلة في جملة قوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) [البقرة: ٢٣٨]، ثم خص الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها، فقال: (والصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨]، فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها مخرجًا سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر بالمحافظة على الصلوات». اهـ (^١).\nفكأن ابن المنذر يقول مفهوم (والصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨] الآية، لم يؤخذ ويعارض به منطوق حافظوا على الصلوات.\nأو نقول بتعبير آخر: إذا ذكر عموم، ثم ذكر فرد من أفراد العموم يوافق العموم في الحكم، فإن هذا الفرد لا يعتبر مخصصًا ولا مقيدًا للعموم.\nمثال ذلك: إذا قلنا: أكرم طلبة العلم، فهذا لفظ يفيد عموم الطلبة، ثم قلنا: أكرم زيدًا، وكان زيد من طلبة العلم، فإنه لا يفهم منه تخصيص الإكرام لزيد وحده.\nفالرسول ﷺ قال: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) هذا عام يشمل القليل والكثير، ثم أخبر الرسول ﷺ بحديث القلتين، أن الماء الكثير لا ينجس، فهو فرد من أفراد قوله ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء) فلا يقتضي تخصيصه ولا تقييده.\nالوجه الثاني:\nأن يقال إن الرسول الله ﷺ أراد أن يعطي حكمًا أغلبيًا وليس حكمًا مطردًا. فالرسول ﷺ قال في حديث ابن عمر: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) هل معنى ذلك أنه لا ينجس أبدًا؟\nالجواب: لا؛ إذ لو تغير بالنجاسة لنجس إجماعًا، ولكن معنى لم يحمل الخبث: أي غالبًا لا يتغير بالنجاسة.\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٢٧٠).","vol":"1","page":291},{"text":"ومفهومه: إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث أي في الغالب أيضًا، وليس مطلقًا، وكيف نعرف أنه حمل الخبث أو لم يحمل؟\nالجواب: نعرف ذلك بالتغير، فالغالب أن الماء إذا كان دون القلتين أنه يتغير بالنجاسة فإن لم يتغير عرفنا أنه لم يحمل الخبث.\nفإذا كان منطوق الحديث يحمل على الغالب بالإجماع، فكذلك مفهوم الحديث ينبغي أن يحمل على الغالب من باب أولى؛ لأن المفهوم أضعف من المنطوق (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>الدليل الثاني:</span>\n(٨٠) ما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه،\nأنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه.\nولمسلم: ثم يغتسل منه.\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ: نهى عن البول في الماء الدائم، وقد يتغير، وقد لا يتغير، ونهيه عن البول فيه دليل على أنه يؤثر فيه، ولم يشترط الرسول ﷺ التغير.\n• وأجيب عن ذلك:\nأولًا: أن النهي عن الاغتسال فيه لا يدل على أنه تنجس، ألا ترى أن الجنب قد نهي عن الاغتسال في الماء الدائم مع أن بدنه طاهر كما في قوله ﷺ: (إن المؤمن لا ينجس) متفق عليه، ومع ذلك لو انغمس في الماء الدائم فإنكم لا تقولون بنجاسته كما هو مذهب الحنابلة والشافعية، ورواية في مذهب الحنفية.\n_________\n(^١) راجع للاستزادة إغاثة اللهفان (١/ ١٥٦) وفتح الباري (١/ ٤٠٨، ٤١٤)، والأوسط (١/ ٢٦٠) وتهذيب السنن (١/ ٥٦ - ٧٤).","vol":"1","page":292},{"text":"ثانيًا: لم يتعرض الرسول ﷺ لحكم الماء، ولم يقل إنه أصبح نجسًا بمجرد البول فيه، فالحديث ليس فيه إلا النهي عن البول في الماء الدائم وعن الاغتسال فيه.\nثالثًا: أن الماء الدائم يشمل ما فوق القلتين، وما دون القلتين وما يشق نزحه وما لا يشق، وما يتحرك آخره بتحرك طرف منه وما لا يتحرك.\nقال ابن القيم: «إن النبي ﷺ نهى عن البول في الماء الدائم، ثم يغتسل البائل فيه، هكذا لفظ الصحيحين: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) وأنتم تجوزون أن يغتسل في ماء دائم قدر القلتين بعد ما بال فيه، وهذا خلاف صريح للحديث.\nفيقال لصاحب القلتين: أتجوز بوله في الماء فيما فوق القلتين؟\nإن جوزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن منعته فقد نقضت دليلك.\nوكذلك يقال لمن حده بمشقة النزح أو بالتحريك.\nأما تفريق الظاهرية ﵏ فإنه غريب جدًّا، فإذا كان النبي ﷺ نهى عن البول في الماء الدائم، مع أنه قد يحتاج إليه، فلأن ينهى عن البول في إناء ثم يصبه فيه بطريق الأولى. ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم، والظاهرية البحتة تقسي القلوب، وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة وبهجتها، وما أودعته من الحكم والنصائح والعدل والرحمة (^١).\nوعلق النووي على هذا المذهب، فقال: «وهذا مذهب عجيب وفي غاية الفساد، فهو أشنع ما نقل عنه إن صح عنه ﵀، وفساده مغن عن الاحتجاج عليه، ولهذا أعرض جماعة من أصحابنا المعتنين بذكر الخلاف عن الرد عليه بعد حكايتهم مذهبه، وقالوا: فساده مغن عن إفساده، وقد خرق الإجماع في قوله (في الغائط) إذ لم يفرق أحد بينه وبين البول، ثم تفريقه بين البول في نفس الماء، والبول في إناء ثم يصب في\n_________\n(^١) تهذيب السنن (١/ ٦٦)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٣٤).","vol":"1","page":293},{"text":"الماء من أعجب الأشياء ... وفي الصحيح: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله) فلو أمر غيره فغسله، إن قال داود: لا يطهر لكونه ما غسله هو: خرق الإجماع، وإن قال: يطهر فقد نظر إلى المعنى وناقض، والله أعلم» (^١).\n• فإن قيل ما الحكمة إذًا من النهي عن البول في الماء الدائم؟\nفالجواب:\nأولًا: سدًا للذريعة، لأنه قد يفضي الإذن بالبول فيه إلى تنجسه، وليس مجرد البول فيه ينجسه، ولكن إذا تكاثر البول في الماء الدائم قد يتنجس، فمنع سدًا للذريعة.\nثانيًا: أن الطباع مجبولة على كراهية استعمال الماء الدائم الذي يبال فيه، ولذلك نهى رسول الله ﷺ الجنب عن الاغتسال فيه، وإن كان بدن الجنب طاهرًا، فيكون النهي من أجل استقذار النفس له.\nثالثًا: أن البول في الماء الدائم، ثم استعماله بعد ذلك قد يصيب الإنسان بنوع من الوساوس، هل استعمل البول باستعمال الماء أم لا؟ فأحب الرسول ﷺ أن يقطع وساوس الشيطان، فنهى عن البول في الماء الدائم، لا أن مجرد البول القليل يكفي لتنجيسه، والله أعلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>الدليل الثالث:</span>\n(٨١) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب.\nورواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح،\n_________\n(^١) المجموع (١/ ١٦٩).\n(^٢) المراجع السابقة.","vol":"1","page":294},{"text":"عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وجعله طهارة لهذا الإناء، كما أمر بإراقة سؤره، ولم يفرق بين ما تغير وما لم يتغير، وهذا دليل على أن النجاسة تؤثر في الماء ولو لم يتغير الماء.\n• وأجيب بأحد جوابين.\nأولًا: زيادة (فليرقه) زيادة شاذة (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٧٩).\n(^٢) قال النسائي في السنن (١/ ٥٣): لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على قوله: فليرقه.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٧٣): «وأما هذا اللفظ من حديث الأعمش (فليهرقه) فلم يذكره أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ مثل شعبة وغيره.\nوقال ابن منده كما في فتح الباري (١/ ٣٣١)، وتلخيص الحبير (١/ ٢٣): «لا تعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا من روايته».\nوقال حمزة الكناني كما في فتح الباري (١/ ٣٣٠): «إنها غير محفوظة».\nومعلوم أن علي بن مسهر رواه عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة، والذين رووه عن الأعمش ولم يذكروا هذه الزيادة جماعة، منهم:\nالأول: إسماعيل بن زكريا عند مسلم (٢٧٩).\nالثاني: أبو معاوية عند أحمد (٢/ ٢٥٣).\nالثالث: عبد الرحمن بن زياد عند الدارقطني (١/ ٦٣) وإن كان ضعيفًا.\nالرابع: شعبة عند أحمد (٢/ ٤٨٠) والطيالسي (٢٤١٧) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١) والتمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٢٦٧).\nالخامس: أبو أسامة عند ابن أبي شيبة (١٤/ ٢٠٤) وهو حماد بن أسامة.\nالسادس: حفص بن غياث، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢١).\nالسابع: جرير كما في مسند إسحاق بن راهوية (١/ ٢٨٣).\nالثامن: عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي كما في المعجم الصغير للطبراني (١/ ١٦٤). =","vol":"1","page":295},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= التاسع: أبان بن تغلب، كما في المعجم الصغير (٢/ ١٤٩)، إلا أن هؤلاء منهم من رواه عن الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين، كإسماعيل بن زكريا، وأبي معاوية، وعبد الرحمن بن زياد، وعبد الرحمن بن حميد، ومنهم من رواه عن الأعمش عن أبي رزين وذلك كأبي معاوية، وأبي أسامة، وجرير، وأبان بن تغلب، ومنهم من رواه عن الأعمش عن أبي صالح كشعبة، فصار الأعمش تارة يجمع شيخيه وتارة يفرقهما، فهؤلاء تسعة رووه عن الأعمش، ولم يذكروا ما ذكره علي بن مسهر عن الأعمش.\nولا يقارن علي بن مسهر بشعبة فكيف بمن معه، وقد وافق شعبة عن الأعمش أبو معاوية، وقد سئل يحيى بن معين: من أثبت أصحاب الأعمش؟ قال: بعد سفيان وشعبة أبو معاوية.\nوقال أحمد بن حنبل: كان أبو معاوية إذا سئل عن أحاديث الأعمش يقول: قد صار حديث الأعمش في فمي علقمًا، أو هو أمر من العلقم لكثرة ما تردد عليه حديث الأعمش، وقال له شعبة: يا أبا معاوية، سمعت حديث كذا وكذا من الأعمش؟ قال: نعم. قال شعبة: هذا صاحب الأعمش، فاعرفوه، قال أبو معاوية عن نفسه: البصراء كانوا عليَّ عيالًا عند الأعمش، قال هذا؛ لأنه ضرير.\nكما رواه جماعة عن أبي هريرة، من غير طريق الأعمش، وليس فيه ذكر هذه الزيادة، وهاك بعض من وقفت عليه.\nالأول: الأعرج، كما في مسند الشافعي (ص: ٧)، ومسند أحمد (٢/ ٢٤٥)، ومسند الحميدي (٩٦٧)، وصحيح مسلم (٢٧٩)، وسنن النسائي (٦٣)، وابن ماجه (٣٦٤)، والمنتقى لابن الجارود (٥٠، ٥٢)، ومسند أبي عوانة (١/ ١٧٦)، وصحيح ابن خزيمة (٩٦)، وصحيح ابن حبان (١٢٩٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٤٠، ٢٥٦).\nالثاني: محمد بن سيرين، كما في مسند الشافعي (ص: ٨)، ومصنف عبد الرزاق (٣٣٠، ٣٣١)، ومصنف بن أبي شيبة (١/ ١٥٩)، ومسند أحمد (٢/ ٤٢٧، ٥٠٨)، ومسلم (٢٧٩)، وسنن أبي داود (٧١، ٧٢، ٧٣)، والنسائي في الكبرى (٦٨)، وفي الصغرى (٣٣٩)، ومسند أبي عوانة (١/ ١٧٧)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢١)، والمعجم الأوسط للطبراني (٩٤٦، ١٣٢٦)، وصحيح ابن خزيمة (٩٥، ٩٧)، صحيح ابن حبان (١٢٩٧)، سنن الدارقطني (١/ ٦٤)، والحاكم (٥٦٩، ٥٧٠، ٥٧٢)، السنن الصغرى للبيهقي (١/ ١٣٢)، والكبرى (١/ ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٧).\nالثالث: همام بن منبه، كما في مصنف عبد الرزاق (٣٢٩)، ومسند أحمد (٢/ ٣١٤)، وصحيح مسلم (٢٧٩)، صحيح ابن حبان (١٢٩٥)، المسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم (١/ ٣٣٥)، السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٤٠).\nالرابع: أبو رافع، كما في مسند إسحاق بن راهوية (١/ ١٢١)، والسنن الكبرى للنسائي (٦٩)، =","vol":"1","page":296},{"text":"ومع الحكم بشذوذ (فليرقه)، إلا أن المعنى يقتضي تنجس الماء، ولو لم يتغير؛ لأن الرسول ﷺ أمر بغسل الإناء، وجعل ذلك طهارة للإناء.\n(٨٢) فقد روى مسلم من طريق ابن سيرين وهمام بن منبه،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (^١).\nومعلوم أن نجاسة الإناء إنما جاءت من نجاسة الماء؛ لأن الولوغ إنما وقع على الماء، فتنجس الإناء لنجاسة الماء؛ ولأن النجاسة لو كانت للإناء وحده لأمر الرسول ﷺ أن يغسل من الإناء جهة الولوغ فقط، فلما أمر بغسل الإناء كله، علم أن النجاسة إنما سرت عن طريق الماء المتنجس. فإن قال قائل: إذًا كيف حكمتم على الأمر بالإراقة بالشذوذ؟\nفالجواب: لا يلزم من الحكم بنجاسة الماء الحكم بوجوب إراقته؛ لأن الماء إذا تنجس لا يكون نجس العين؛ إذ يمكن تطهيره، وإذا أمكن تطهيره أمكن الانتفاع به بخلاف ما إذا أوجبنا إراقته.\n_________\n= والصغرى (٣٣٨)، والدارقطني (١/ ٦٥)، والبيهقي الكبرى (١/ ٢٤١).\nالخامس: الحسن، كما في سنن الدارقطني (١/ ٦٤).\nالسادس: ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد، كما في مصنف عبد الرزاق (٣٣٥)، ومسند أحمد (٢/ ٢٧١)، والسنن الكبرى للنسائي (٦٦)، والصغرى (٦٤).\nالسابع: أبو سلمة، عن أبي هريرة، كما في مصنف عبد الرزاق (٣٣٥)، ومسند أحمد (٢/ ٢٧١)، والسنن الكبرى للنسائي (٦٧)، والصغرى (٦٥).\nالثامن: عطاء بن يسار، كما في المعجم الأوسط للطبراني (٣٧١٩).\nالتاسع: عبد الرحمن بن أبي عمرة، كما في مسند أحمد (٢/ ٣٦٠، ٤٨٢).\nالعاشر: عن عبيد بن حنين مولى بن زريق، كما في مسند أحمد (٢/ ٣٩٨)، ولا شك أن تفرد علي بن مسهر دون هؤلاء يوجب شذوذ هذه اللفظة؛ لأن علي بن مسهر قال فيه الحافظ في التقريب (٤٨٠٠) ثقة له غرائب بعد أن أضر. اهـ\n(^١) صحيح مسلم (٢٧٩).","vol":"1","page":297},{"text":"ولا يعني ذلك إذا حكمنا بنجاسة الماء أن نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها التسبيع، ومنها الترتيب، فلا يقاس الأخف على الأغلظ.\nعلى أنه قد يقال: لا نسلم عدم التغير؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء فتظهر على شيء منه، فيكون هذا نوعًا من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة، فينجس والله أعلم.\nوسوف تأتي أقوال العلماء في نجاسة الكلب وكيفية التطهر منه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>الدليل الرابع:</span>\n(٨٣) ما رواه مسلم من طريق عن خالد، عن عبد الله بن شقيق،\nعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وأخرجه البخاري دون قوله: ثلاثًا (^١).\nوجه الاستدلال:\nاستدل به ابن قدامة من الحنابلة (^٢)، والنووي من الشافعية على نجاسة الماء اليسير إذا لاقى النجاسة ولو لم يتغير. قال النووي ﵀: «نهاه النبي ﷺ عن غمس يده، وعلله بخشية النجاسة، ويعلم بالضرورة أن النجاسة التي قد تكون على يده وتخفى عليه لا تغير الماء، فلولا تنجسه بحلول نجاسة لم تغيره لم ينهه» (^٣).\n• وأجيب عن ذلك:\nكيف يستدل به الحنابلة ﵏، وهم يرون أن العلة في النهي تعبدية، وأن\n_________\n(^١) البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨).\n(^٢) المغني (١/ ٤٠).\n(^٣) المجموع (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":298},{"text":"الماء يكون طاهرًا عندهم غير مطهر: لا طهورًا ولا نجس، وكيف يستدل به الشافعية، وهم يرون أن غمس القائم من نوم الليل يده في الماء غاية ما فيه أنه مكروه، ويصح التطهر منه، فكيف صح دليلًا لهم في هذه المسألة، وهم لا يرون أبدًا نجاسة الماء إذا غمس النائم فيه يده، فهذا نوع من التناقض، والله أعلم، وكما بينت سابقًا أن الرسول ﷺ لم يتعرض لحكم الماء، إنما نهى النائم عن غمس يده، ولو غمسها كان آثمًا إذا كان عالمًا بالنهي، والماء طهور، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-266> دليل من قال: لا ينجس الماء إلا بالتغير</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، وهذا الماء الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره باق على صفته التي خلقها الله عليها، لا في لونه، ولا في طعمه، ولا في رائحته فكيف يحرم الوضوء منه، وكيف يصح العدول إلى التيمم مع وجوده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨]، فقد سمى الله الماء طهورًا، وهو إنما يكون طهورًا بصفته، فلا ينزع عنه اسم الطهورية حتى تنتفي عنه هذه الصفة، ولا تنتفي إلا بالتغير، فأخبر الله ﷾ أن الماء طاهر في نفسه مطهر لغيره، فوجب ثبوت هذا الوصف له على كل حال، حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، فإذا أطلق الله ذلك ولم يقيده بحال دون حال، فكل شيء خالطه من شيء نجس أو طاهر، ولم يغير ذلك المخالط له أحد أوصافه، بقي على أصله من الطهارة والتطهير، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>الدليل الثالث:</span>\n(٨٤) ما رواه أحمد، من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله","vol":"1","page":299},{"text":"ابن عبد الله -وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج-:\nعن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض والنتن، ولحوم الكلاب؟ قال: «الماء طهور، لا ينجسه شيء (^١).\n[صحيح بشواهده وسبق تخريجه] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ حكم أن الماء طهور لا ينجسه شيء، وهذا يشمل القليل والكثير، بقى ما تغير بالنجاسة فإنه نجس بالإجماع، وما عداه فهو طهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>الدليل الرابع:</span>\nالأصل في الماء أنه طهور، ولا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صاحب لا مخالف له، والفرق بين الماء النجس والماء الطهور: هو أنه يوجد في الماء النجس صفات جعلتنا نحكم عليه بالنجاسة، فإذا لم تظهر في الماء صفات الماء النجس لا في لونه، ولا في طعمه، ولا في رائحته، فكيف نحكم عليه بأنه نجس (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>الدليل الخامس:</span>\nمعلوم أنه إذا استحال الشيء بالشيء حتى لا يرى له ظهور يحكم له بالعدم، وعلى هذا فلو وقعت قطرة من لبن امرأة في ماء، فاستهلكت، وشربه الرضيع خمس رضعات فأكثر لم تنتشر الحرمة، ولو كانت قطرة خمر فاستهلكت في الماء لم يجلد بشربه، فكذلك لو كانت قطرة بول لم تغير الماء يبقى الماء على أصله (^٤).\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٣١).\n(^٢) انظر رقم (٤).\n(^٣) انظر بتصرف مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٥).\n(^٤) بدائع الفوائد (٣/ ٢٥٨)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٣).","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>الدليل السادس:</span>\n(٨٥) ما رواه البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود،\nأن أبا هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ: دعوه، وأهريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين (^١).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: نعلم قطعًا أن بول الأعرابي باق في موضعه، وإن صب عليه ذلك الماء، وإنما قضى النبي ﷺ بطهارة ذلك الموضع لغلبة الماء له، واستغراقه عليه، واستهلاك أجزائه لأجزاء البول لغلبته عليه.\nقال الباجي: «وهو حجة على أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، في قولهم: إن قليل الماء ينجسه قليل النجاسة، وإن لم تغيره، وهذا مسجد النبي ﷺ، وهو أرفع المواضع التي يجب تطهيرها، وقد حكم النبي فيه ﷺ بصب دلو من ماء على ما نجس بالبول، ولا معنى له إلا تطهيره للمصلين فيه» (^٢).\nقلت: ولا ينفكون منه بالتفريق بين ورود النجاسة على الماء، وورود الماء على النجاسة؛ لأن هذا التفريق لم يقم عليه دليل، وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.\n• الراجح من الخلاف:\nأن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وهذه المسألة أطلت فيها البسط؛ لأنها من المسائل الشائكة، قال ابن القيم عن هذه المسألة: «هنا معترك النزال وتلاطم الأمواج، وهي\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٠).\n(^٢) المنتقى (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":301},{"text":"مسألة الماء والمائع إذا خالطته النجاسة فاستهلكت، ولم يظهر لها فيه أثر البتة» (^١).\nوقال الشوكاني: «وهذا المقام من المضايق التي لا يهتدي إلى ما هو صواب فيها إلا الأفراد» (^٢). اهـ\nفلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.\n* * *\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ٢٥٧، ٢٥٨).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>الفصل الثاني في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>المبحث الأول في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ماء كثير وقعت فيه نجاسة فلم تغيره فهو باق على طهوريته.\n• كل ماء وقعت فيه نجاسة فغيرته فهو نجس قليلًا كان الماء أو كثيرًا.\n• الكثير غالبًا لا يحمل الخبث والقليل غالبًا يحمل الخبث، والتغير بالنجاسة هو العلامة على حمل الخبث من عدمه على الصحيح.\n• انتقال الماء من الطهورية إلى النجاسة حسي (معقول المعنى) وليس تعبديًا كانتقال النجس إلى عين طاهرة على الصحيح.\n[م-٤١] قد علمنا في المسألة السابقة خلاف العلماء في تحديد القليل والكثير، فإذا كان الماء كثيرًا، فوقعت فيه نجاسة، فلم تغيره، فما حكمه؟\nوالجواب إن كان هذا الكثير مما يشق نزحه، وإذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الأخر فإنه طهور إجماعًا، ساق الإجماع على ذلك طوائف من أهل العلم، من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وغيرهم من المجتهدين.","vol":"1","page":303},{"text":"قال ابن الهمام من الحنفية: للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا به. يعني: بالتغير (^١).\nوقال أبو الوليد بن رشد، من المالكية: لا خلاف أن الماء الكثير لا ينجسه ما حل فيه من النجاسة، إلا أن يغير أحد أوصافه (^٢).\nوقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر، ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا أنه بحاله يتطهر منه (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن قدامة من الحنابلة: لا نعلم خلافًا أن الماء الذي لا يمكن نزحه إلا بمشقة عظيمة، مثل المصانع التي جعلت موردًا للحجاج بطريق مكة يصدرون عنها، ولا ينفذ ما فيها أنها لا تنجس إلا بالتغير (^٤).\nوقد نقل الإجماع طوائف من العلماء، منهم:\nالطبري (^٥)، وابن حزم (^٦)، وابن تيمية (^٧)، وابن قدامة (^٨)، وابن دقيق العيد (^٩)،\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٧٧، ٧٨)، وانظر البناية (١/ ٣١٩)، البحر الرائق (١/ ٩٤).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٥٣)، ونقل الإجماع كذلك ابن عبد البر كما في التمهيد (٩/ ١٠٨)، وقال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد (١/ ٢٤٥): «واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه، وأنه طاهر».\nوقال الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٥٣): الماء الكثير إذا خالطه شيء نجس، ولم يغيره، فإنه باق على طهوريته. اهـ وانظر الخرشي (١/ ٧٧).\n(^٣) الإجماع (ص: ٣٣)، وانظر الأوسط (١/ ٢٦١).\n(^٤) الشرح الكبير (١/ ١٣).\n(^٥) تهذيب الآثار (٢/ ٢١٩، ٢٣٣).\n(^٦) مراتب الإجماع (ص: ١٧).\n(^٧) نقد مراتب الإجماع (ص: ١٧).\n(^٨) المغني (١/ ٣٩).\n(^٩) إحكام الأحكام (١/ ٢٢، ٢٣).","vol":"1","page":304},{"text":"والزركشي (^١)، وابن رجب (^٢)، والعراقي في طرح التثريب (^٣)، وابن عبد الهادي (^٤)، والشوكاني (^٥)، وغيرهم.\n* * *\n_________\n(^١) شرح الزركشي (١/ ١٣٤، ١٣٤).\n(^٢) القواعد (٢٩).\n(^٣) طرح التثريب (١/ ٣٦).\n(^٤) مغني ذوي الأفهام (ص: ٤٢).\n(^٥) نيل الأوطار (١/ ٤٥).","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>المبحث الثاني في الماء الكثير إذا غيرته النجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• استعمال الماء المتغير بالنجاسة استعمال للنجاسة.\n• انتقال الماء من الطهورية إلى النجاسة حسي (معقول المعنى) وليس تعبديًا كانتقال النجس إلى عين طاهرة على الصحيح.\n• حكم الماء المتغير حكم مغيِّره، فإن كان بنجس تنجس إجماعًا، وإن كان بطاهر، فهل يصير طاهرًا غير طهور بمطلق التغير، أولًا حتى يغلب على أجزائه؟\n• ما غلب على لون الماء، فإن كان موافقًا للماء في الطهارة والتطهير كالتغير بالتراب لم يسلبه واحدة منها، وإن كان مخالفًا للماء في الطهارة والتطهير كالتغير بالنجاسة سلبه الوصفين معًا، وإن كان موافقًا للماء في الطهارة دون التطهير لم يسلبه الطهارة لموافقته لها، وهل يسبله الطهورية بمطلق التغير، أو لا حتى يغلب على أجزائه؟\n• الأصل المجمع عليه أن الماء طاهر مطهر، خرج الماء المتغير بالنجاسة بالإجماع وبقي ما عداه على الصحيح.\n[م-٤٢] إذا وقعت في الماء نجاسة فغيرته، فإنه نجس لا فرق بين قليله وكثيره، وقد نقل الإجماع على ذلك طوائف من أهل العلم.","vol":"1","page":306},{"text":"قال الطحاوي من الحنفية: أجمعوا أن النجاسة إذا وقعت في البئر، فغلبت على طعم مائها، أو ريحه، أو لونه، أن ماءها قد فسد (^١).\nوقال ابن نجيم: «اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة منه قليلًا أو كثيرًا، جاريًا كان أو غير جار، هكذا نقل الإجماع في كتبنا» (^٢).\nوقال القاضي أبو الوليد ابن رشد من المالكية: لا خلاف أن الماء الكثير لا ينجسه ما حل فيه من النجاسة إلا أن يغير أحد أوصافه (^٣).\nوقال الشافعي ﵀: «وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه، أو لونه، كان نجسًا، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا» (^٤).\nوقال النووي: «واعلم أن حديث بئر بضاعة عام مخصوص، خص منه المتغير بنجاسة، فإنه نجس للإجماع» (^٥).\nوقال الزركشي من الحنابلة: «إن الماء ينجس بتغير وصف من أوصافه، وإن كثر ولا نزاع في ذلك، وحكاه ابن المنذر إجماعًا» (^٦).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ١٢)، ونقل الإجماع العيني كما في البناية (١/ ١٣٠)، وابن الهمام كما في شرح فتح القدير (١/ ٧٧)، وغيرهما.\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٧٤).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٥٣، ٦٠)، وانظر مقدمات ابن رشد (١/ ٥٧)، والمنتقى للباجي (١/ ٥٦، ٥٩)، البيان والتحصيل (١/ ٤٢، ٦٠، ١٣٤)، القوانين الفقهية (٣٢).\n(^٤) الأم (١/ ١٣).\n(^٥) المجموع (١/ ١٣١)، وقد نقل الإجماع مجموعة من الشافعية، منهم الماوردي في الحاوي (١/ ٣٢٥)، والعراقي في طرح التثريب (٢/ ٣٢، ٣٣، ٣٥)، شرح المنهج (١/ ٤١)، الغرر البهية (١/ ٣٤).\n(^٦) شرح الزركشي (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":307},{"text":"وقال ابن تيمية: «إذا وقع في الماء نجاسة، فغيرته، تنجس اتفاقًا» (^١).\nوقد نقل الإجماع طوائف من العلماء منهم:\nابن عبد البر (^٢)، وأبو العباس بن سريج (^٣)، وابن جرير الطبري (^٤)، وابن المنذر (^٥)، وابن حبان (^٦)، والقاضي عياض (^٧)، وابن القطان الفاسي (^٨)، وابن دقيق العيد (^٩)،\nوابن الفاكهاني (^١٠)، وابن الملقن (^١١)، وابن مفلح (^١٢)، وغيرهم (^١٣).\nومن النظر: أن الله ﷾ حرم استعمال النجاسة، والماء المتغير بالنجاسة إذا استعمل فقد استعملت النجاسة، لظهور أثرها في الماء من لون أو طعم أو رائحة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مختصر الفتاوى المصرية (ص: ١٨).\n(^٢) التميهد (١٨/ ٢٣٥، ٢٣٦)، (١٩/ ١٦)، والاستذكار (١/ ٢١١).\n(^٣) الودائع لنصوص الشرائع (١/ ٩٣).\n(^٤) تهذيب الآثار (٢/ ٢١٣، ٢١٦).\n(^٥) الأوسط (١/ ٢٦٠)، والإجماع (ص: ٣٣).\n(^٦) قال ابن حبان في صحيحه (٤/ ٥٩): قوله ﷺ: الماء لا ينجسه شيء، لفظة أطلقت على العموم، تستعمل في بعض الأحوال، وهو المياه الكثيرة التي لا تحتمل النجاسة فتظهر فيها، وتخص هذه اللفظة التي أطلقت على العموم ورود سنة، وهو قوله ﷺ: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ويخص هذين الخبرين الإجماع على أن الماء قليلًا كان أو كثيرًا فغير طعمه أو لونه أو ريحه نجاسة وقعت فيها، أن ذلك الماء نجس بهذا الإجماع الذي يخص عموم تلك اللفظة المطلقة التي ذكرناها. اهـ\n(^٧) مواهب الجليل (١/ ٦٠).\n(^٨) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني (١/ ٤٩).\n(^٩) إحكام الأحكام (١/ ٢٢، ٢٣).\n(^١٠) مواهب الجليل (١/ ٨٥).\n(^١١) نيل الأوطار (١/ ٤٠).\n(^١٢) المبدع (١/ ٥٢).\n(^١٣) انظر إجماعات ابن عبد البر في العبادات (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>الفرع الأول في الكلام على بئر المقبرة</span>\n[م-٤٣] كره الحنابلة الطهارة من البئر في المقبرة (^١).\n• تعليل الكراهة:\nكراهة ماء بئر المقبرة: إما للشك بوصول شيء من النجاسة إلى ماء المقبرة.\nوإما لوجود خلاف في طهورته، أو لهما معًا.\nفإن كانت الكراهة للشك في وصول شيء من النجاسة إلى الماء فإن هذا قول ضعيف؛ لأن الأصل الطهارة، ولا ننتقل عنها إلا إذا تيقنا تغيره بالنجاسة، والحنابلة يقولون: إذا شك في نجاسة ماء أو غيره أو في طهارته بنى على اليقين.\nوإن كان سبب الكراهة عندهم وجود الخلاف في طهوريته، فإن هذا التعليل ضعيف أيضًا، وقد قدمت أن الخلاف ليس من الأدلة الشرعية حتى يعلل به الكراهة.\nفالصحيح عدم الكراهة، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المبدع (١/ ٣٩)، كشاف القناع (١/ ٢٨)، الإنصاف (١/ ٢٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٣٣).","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>الفرع الثاني في الوضوء من بئر ثمود</span>\nضابط المسألة لدى الفقهاء:\n• ما منع من الطهور به خوفًا من ضرره الشرعي أو الحسي، إذا خالف فتوضأ به، هل يرتفع به الحدث، ما دام باقيًا على خلقته؟\n[م-٤٤] اختلف العلماء في الوضوء من بئر ثمود:\nفقيل: لا يجوز الوضوء من بئر ثمود إلا بئر الناقة، وهو مذهب الجمهور (^١)، واختيار ابن حزم (^٢).\nوقيل: يكره، وهو قول في مذهب الشافعية (^٣).\nسبب المنع أو الكراهة:\n(٨٦) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ٣٤)، مواهب الجليل (١/ ٤٩)، الخرشي (١/ ٦٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٩)، المجموع (١/ ١٣٧)، مغني المحتاج (١/ ٢٠)، ودقائق أولى النهى (١/ ١٧)، كشاف القناع (١/ ٢٩، ٣٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٣٢)، وأما الحنفية فقد صرح ابن عابدين في حاشيته (١/ ١٣٣) بأنه لم يره لأحد من أئمتهم، قال: ينبغي كراهة التطهير أيضًا أخذًا مما ذكرنا، وإن لم أره لأحد من أئمتنا بماء أو تراب من كل أرض غضب عليها، إلا بئر الناقة بأرض ثمود. اهـ\n(^٢) المحلى (مسألة: ١٥٤).\n(^٣) المجموع (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":310},{"text":"أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود الحجر، فاستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة (^١).\nواختلفوا هل ماؤها طهور أو نجس؟ على قولين:\nأحدها: أنه نجس. ذكر في مواهب الجليل نقلًا عن القرطبي بأن أمره ﷺ بإراقة ما سقوا وعلف العجين للدواب حكم على ذلك الماء بالنجاسة إذ ذلك حكم ما خالطته النجاسة، أو كان نجسًا ولولا نجاسة الماء لما أتلف الطعام المحترم شرعًا.\nوأكثرهم على أنه ماء طهور، ولا يحكم بنجاسة الماء؛ لأن الحديث ليس فيه تعرض للنجاسة، وإنما هو ماء سخط وغضب، فلم يرووا عن النبي ﷺ أنه أمرهم بغسل أوعيتهم وأيديهم منه، وما أصاب ثيابهم، ولو وقع ذلك لنقل، على أنه لو نقل لما دل على النجاسة؛ لاحتمال أن يكون ذلك مبالغة في اجتناب ذلك الماء (^٢).\nوبناء على هذه العلة قاسوا عليه كل ماء في أرض مغضوب على أهلها، قال في مواهب الجليل: «ويلحق بها كل ماء مغضوب عليه، كماء ديار قوم لوط، وماء ديار بابل لحديث أبي داود (أنها أرض ملعونة)، وماء بئر ذروان التي وضع فيها السحر للنبي ﷺ وماء بئر برهوت، وهي بئر باليمن لحديث ابن حبان شر بئر في الأرض برهوت. وبابل: هي المذكورة في سورة البقرة، وهي بالعراق، وبئر ذروان بفتح الذال المعجمة وسكون الراء هي بالمدينة، وبئر برهوت بفتح الموحدة وسكون الراء وهي بئر عميقة بحضرموت، لا يستطاع النزول إلى قعرها، والله أعلم» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٧٩)، صحيح مسلم (٢٩٨١).\n(^٢) من مواهب الجليل (١/ ٤٩) بتصرف.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":311},{"text":"ولو تطهر، فقيل: يصح وضوؤه مع الإثم.\nوقيل: لا يصح، والعلة إما تعبدية، أو كالماء المغصوب عند من يمنع الوضوء بالماء الطهور إذا كان كسبه محرمًا (^١).\nوقال ابن فرحون في الألغاز: فإن قلت: ماء كثير باق على أصل خلقته لا يجوز الوضوء ولا الانتفاع به؟ قلت: هو ماء الآبار التي في أرض ثمود (^٢).\n• الراجح:\nأن ماء بئر ثمود طهور، وليس بنجس، ولكن لا يتوضأ منه الإنسان؛ لأن الرسول ﷺ أمر أن يهريقوا ما استقوا من بئرها؛ لأنه ماء سخط وغضب، والله أعلم، ولو تطهر الإنسان منها ارتفع حدثه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ٣٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٤٩).","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>الفصل الثالث في المائع غير الماء تخالطه نجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الحكم بوجود الشيء يدور مع أثره وجودًا وعدمًا، فينزل وجود أثر الشيء منزلة وجوده، وعدمه منزلة عدمه استدلالًا بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه.\n• انتقال المائع من الطهورية إلى النجاسة حسي وليس تعبديًا كانتقال النجس إلى عين طاهرة بالاستحالة على الصحيح (^١).\nوقيل:\n• كل مائع سوى الماء لا يدفع النجاسة عن غيره، فلا يدفعها عن نفسه.\n• المخالط إذا استهلك هل يكون معدومًا، أو يبقى حكمه ويعد موجودًا، وإنما خفي عن الحس فقط؟ (^٢).\n_________\n(^١) إذا كانت الأعيان النجسة إذا استحالت إلى طاهرة صار لها حكم الطاهر على الصحيح، والأعيان الطاهرة إذا استحالت إلى أعيان نجسة كانت نجسة، فكذلك المائع الطاهر إذا وقعت عليه نجاسة، ولم يظهر أثرها عليه كان له حكم الأعيان الطاهرة.\n(^٢) إذا اختلط المائع أو الطعام بشيء آخر أكثر منه حتى غلب عليه، فهل يعدُّ المغلوب كالعدم لا حكم له، وتنقلب عينه، ويعطى الحكم للغالب، أو يبقى للمغلوب حكمه، ويعد موجودًا، وإنما خفي عن الحس فقط، في هذا خلاف بين العلماء.\nومن تطبيقات هذه القاعدة: ...\n١ - إذا خالطت النجاسة الماء ولم تغيره يبقى طاهرًا؛ لأن الماء لا ينجسه شيء إلا إذا تغيرت أوصافه، لأنه باق على طهارته حيث لم يتغير، وهو المشهور، وإنما يكره استعماله استقذارًا.\n٢ - إذا خالط قليل النجاسة طعامًا كثيرًا مائعًا، فهل تنقلب عينه إلى الذي خالطه، ويصير الطعام نجسًا؟\n٣ - لبن الأم إذا اختلط بمائع آخر حتى غلب عليه، هل يكون معدومًا، أو يبقى للبن الأم حكمه وإن خفي، فتنتشر به الحرمة.\nوهو قول أشهب من المالكية.\nوقال ابن القاسم: تنقل عينه إلى عين الذي خالطه، ويعد كالعدم، ولا تنتشر به الحرمة، ولا يصير من شرب منه أخًا من الرضاع.\n٤ - من حلف: لا يأكل سمنًا، فأكله بعد أن استهلك بلته في سويق، حنث، لأنه يمكن استخلاصه بالماء. انظر القواعد الفقهية وتطبيقاتها (٢/ ٨٧٥ - ٨٧٦)، شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب أحمد المنجور (١/ ١٢٧)، خواتم الذهب على المنهج المنتخب (ص: ٤٧)، تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية للغرياني (ص: ٢٧).","vol":"1","page":313},{"text":"[م-٤٥] عرفنا في الفصل السابق حكم الماء تخالطه النجاسة، قليلًا كان أم كثيرًا، تغير أو لم يتغير، وفي هذا الفصل نناقش المائع من غير الماء تخالطه النجاسة، وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة.\nفقيل: إذا خالطت النجاسة مائعًا غير الماء فإنه يتنجس بملاقاة النجاسة، من غير فرق بين القليل والكثير، وبين المتغير، وغير المتغير، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: الفتاوى الهندية (١/ ٤٥)، وأحكام القرآن للجصاص (١/ ١٦٦، ١٦٧)، المبسوط (١٠/ ١٩٨).\nوانظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ٥٩)، الكافي لابن عبد البر (ص: ١٨٩)، التمهيد (٩/ ٤٦)، مواهب الجليل (١/ ١١٠ - ١١٤)، التاج والإكليل (١/ ١١٣)، الفواكه الدواني (١/ ٣٨٨).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع أيضًا (٩/ ٤٠)، وحاشية البجيرمي (١/ ٢٦)، روضة الطالبين (٣/ ٣٤٩)، منهاج الطالبين (١/ ٦).\nوقال النووي في المجموع (٢/ ٦٢٠): إذا نجس الزيت، والسمن، والشيرج، وسائر الأدهان، فهل يمكن تطهيره؟ فيه وجهان مشهوران، وقد ذكرهما المصنف في باب ما يجوز بيعه ...\nأصحهما عند الأكثرين: لا يطهر بالغسل ولا بغيره، لقوله ﷺ في الفأرة تقع في السمن: إن كان مائعًا فلا تقربوه. ولم يقل اغسلوه، ولو جاز الغسل لبينه لهم، وقياسًا على الدبس والخل وغيرهما من المائعات إذا تنجست، فإنه لا طريق إلى تطهيرها بلا خلاف.\nوالثاني: يطهر بالغسل، بأن يجعل في إناء، ويصب عليه الماء، ويكاثر به، ويحرك بخشبة ونحوها تحريكًا يغلب على الظن أنه وصل إلى أجزائه، ثم يترك حتى يعلو الدهن، ثم يفتح أسفل الإناء، فيخرج الماء، ويطهر الدهن، وهذا الوجه قول ابن سريج، ورجحه صاحب العدة، وقال البغوي وغيره: ليس هو بصحيح، وقال صاحب العدة: لا يطهر السمن بالغسل قطعًا، وفي غيره الوجهان، والمشهور أنه لا فرق». اهـ\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٣٢١)، كشاف القناع (١/ ١٨٨)، المبدع (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":314},{"text":"وقيل: حكمه حكم الماء، لا تنجس منه القلتان فما فوق إلا بالتغير، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: التفرقة بين المائع المائي كالخل ونحوه وغيره، فالمائع الذي يشبه الماء حكمه حكم الماء، وغير الماء كالزيوت والأدهان فتنجس بملاقاة النجاسة، قل أو كثر، تغير أم لم يتغير، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: المائعات إذا وقعت فيها نجاسة لا تنجس إلا إذا تغير طعمها أو لونها أو ريحها بسبب النجاسة، إلا السمن الذائب تقع فيه الفأرة، فإنه يتنجس مطلقًا، سواء ماتت فيه، أو خرجت وهي حية، وهذا اختيار ابن حزم (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>دليل من قال بنجاسة المائع مطلقًا إذا وقعت فيه نجاسة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>الدليل الأول:</span>\n(٨٧) ما رواه أحمد، قال: ثنا محمد بن جعفر، ثنا معمر، أخبرنا ابن شهاب، عن ابن المسيب،\nعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن فأرة وقعت في سمن، فماتت قال: إن\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٣٣٤، ٣٣٥)، كشاف القناع (١/ ٤١).\n(^٢) المغني (١/ ٣٣)، الإنصاف (١/ ٦٧)، المبدع (١/ ٥٦).\n(^٣) المحلى (١/ ١٤٢).","vol":"1","page":315},{"text":"كان جامدًا فخذوها وما حولها ثم كلوا ما بقي، وإن كان مائعًا فلا تأكلوه (^١).\n[أخطأ فيه معمر سندًا ومتنًا] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٢٣٢).\n(^٢) والحديث وأخرجه أحمد (٢/ ٢٣٢) عن محمد بن جعفر كما في حديث الباب.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٢٨) رقم ٢٤٣٩٣ حدثنا عبد الأعلى.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٢٦٥) وأبو داود (٣٨٤٢)، وابن الجارود في المنتقى (٨٧١)، وابن حبان (١٣٩٣، ١٣٩٤)، والبيقهي (٩/ ٣٥٣)، والبغوي (٢٨١٢)، والخطيب البغدادي (١/ ٢١٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٣٧، ٣٨) من طريق عبد الرزاق، وهو في المصنف (٢٧٨).\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٨٠)، والطبراني في الأوسط (٢٤٥٢)، والدارقطني في العلل (٧/ ٢٨٧) من طريق يزيد بن زريع.\nوأخرجه أبو يعلى الموصلي (٥٨٤١)، والبيهقي في السنن (٩/ ٣٥٣) وفي المعرفة (١٤/ ١٢٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٣٨) من طريق عبد الواحد بن زياد.\nخمستهم، عن معمر، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة.\nواختلف على الزهري فيه:\nفرواه معمر بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فخالف في إسناده ومتنه، أما المتن فقد انفرد بقوله: (وإن كان مائعًا فلا تأكلوه).\nوأما المخالفة في الإسناد فجعل الحديث من مسند أبي هريرة، وهو من مسند ميمونة، فقد رواه سفيان بن عيينة، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وعبد الرحمن بن إسحاق، بل ومعمر بن راشد أيضًا رووه عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة مرفوعًا، وهاك بيان هذه الطرق.\nالطريق الأول: سفيان بن عيينة، عن الزهري.\nأخرجه البخاري في صحيحه (٥٥٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٨٦٩)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠٤٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٥٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٣٦) من طريق الحميدي عن سفيان به. وهو في مسنده (٣١٢) بلفظ: أن فأرة وقعت في سمن، فماتت، فسئل رسول الله ﷺ عنها، فقال: ألقوها وما حولها، وكلوه.\nقال الحميدي: فقيل لسفيان: فإن معمرًا يحدثه عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة؟\nقال سفيان: ما سمعت الزهري يحدثه إلا عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ، وقد سمعته منه مرارًا.\nكما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٢٨) رقم ٢٤٣٩٢، ومن طريقه أخرجه ابن أبي عاصم =","vol":"1","page":316},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في الآحاد والمثاني (٣٠٩٩) والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٥) رقم ٢٥.\nوأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٣٢٩).\nوأبو داود (٣٨٤١) عن مسدد.\nوالترمذي (١٧٩٨) عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وأبي عمار.\nوالنسائي (٤٢٥٨) عن قتيبة.\nوالدارمي (٧٣٨) عن محمد بن يوسف و(٢٠٨٣) عن علي بن عبد الله.\nوأبو يعلى في مسنده (٧٠٧٨) عن أبي خيثمة.\nوابن الجارود في المنتقى (٨٧٢) عن ابن المقرئ وسعيد بن بحر القراطيسي جميعهم رووه عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبدالله، عن ابن عباس، عن ميمونة مرفوعًا، لم يذكروا التفصيل: إن كان مائعًا.\nوخالفهم إسحاق بن راهوية، فرواه ابن حبان في صحيحه (١٣٨٩) من طريقه عن سفيان به، وزاد في متنه: وإن كان ذائبًا فلا تقربوه.\nولا شك أن مخالفة إسحاق للحميدي، وأحمد، وابن أبي شيبة، وقتيبة، ومسدد، وأبي خيثمة، ومحمد بن يوسف، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وأبي عمار، وغيرهم تجعل روايته من قبيل الوهم، إذ يبعد أن تكون اللفظة محفوظة من حديث سفيان، ثم يتركها أصحابه.\nوقد ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٧٨) في ترجمة إسحاق، وقال: «نعم ما علمنا استغربوا من حديث ابن راهوية على سعة علمه سوى حديث واحد، وذكر الحديث، ثم قال: فزاد إسحاق في المتن من دون سائر أصحاب سفيان هذه الكلمة: (وإن كان ذائبًا فلا تقربوه)، قال الذهبي: ولعل الخطأ فيه من بعض المتأخرين، أو من راويه عن إسحاق».\nالطريق الثاني: الأوزاعي، عن الزهري.\nأخرجه أحمد في مسنده (٦/ ٣٣٠) ثنا محمد بن مصعب، قال ثنا الأوزاعي به.\nالطريق الثالث: عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري به.\nأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٠١) والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٥) رقم ٢٧ من طريق خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري به. وأحال ابن أبي عاصم على رواية ابن عيينة.\nالطريق الرابع: مالك بن أنس، عن الزهري.\nاختلف على مالك على خمسة أوجه على النحو التالي:\nالوجه الأول: مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة.\nأخرجه مالك في الموطأ برواية يحيى بن يحيى (٢/ ٩٧١). =","vol":"1","page":317},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه البخاري (٢٣٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٥٢) من طريق إسماعيل بن أبي أويس.\nوأخرجه البخاري (٢٣٦) من طريق معن بن عيسى.\nوأخرجه البخاري أيضًا (٥٥٤٠) عن عبد العزيز بن عبد الله.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٣٣٥)، والنسائي في الكبرى (٣/ ٨٧) وفي الصغرى (٧/ ١٥٧) من طريق عبد الرحمن بن مهدي.\nوأخرجه الدارمي (٢٠٨٦) عن زيد بن يحيى.\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٤٢٩) رقم ١٠٤٢ من طريق سعيد بن داود.\nوأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٣٧) من طريقي أشهب بن عبد العزيز، وسعيد بن أبي مريم، جميعهم رووه عن مالك، عن ابن شهاب به.\nالوجه الثاني: مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس مرفوعًا بدون ذكر ميمونة.\nرواه القعنبي كما في الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٨٤)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٧٩).\nوخالد بن مخلد كما في سنن الدارمي (٢٠٨٤).\nومحمد بن الحسن الشيباني كما في موطأ مالك من روايته (ص: ٣٤١) رقم ٩٨٤.\nكما ذكر ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٣٣) أن التنيسي، وعثمان بن عمر، ومعن بن عيسى، وإسحاق بن سليمان الرازي، وأبا قرة موسى بن طارق، وإسحاق بن محمد الفروي، كل هؤلاء رووه عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ لم يذكروا ميمونة. ولم أقف على هذه الروايات.\nورواه الدارقطني في العلل (٥/ق ١٨٠ ب) من طريق يحيى القطان، حدثنا مالك به، فكل هؤلاء رووه من مسند ابن عباس.\nوذكر الدارقطني وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٣٥) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٨٧) أن الأوزاعي رواه عن الزهري من مسند ابن عباس، فتابع فيه مالكًا من هذا الوجه. ولعل ابن عباس تارة يسنده عن ميمونة، وتارة يرسله، وأغلب أحاديث ابن عباس لم يسمعها من النبي ﷺ، ومرسل الصحابي حجة.\nالوجه الثالث: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ميمونة، بدون ذكر ابن عباس.\nرواه ابن وهب، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ميمونة، بدون ذكر ابن عباس، ذكرها ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٣٣) تعليقًا مجزومًا به، كما أخرجه تعليقًا أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٧٩)، وأشار إليها الدارقطني في العلل.\nولم أعلم أحدًا تابع ابن وهب على هذه الرواية، فهي رواية شاذة.\nالوجه الرابع: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله عن ابن مسعود مرفوعًا. =","vol":"1","page":318},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٧٩) من طريق عبد الملك بن الماجشون، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن مسعود مرفوعًا.\nوقد انفرد ابن الماجشون بجعل رواية مالك من مسند ابن مسعود، ولا أعلم أحدًا تابعه على ذلك، وهي تخالف رواية الثقات من أصحاب مالك.\nالوجه الخامس: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nرواه مالك في الموطأ برواية أبي مصعب عنه (٢١٧٩).\nكل هؤلاء رووه مخالفين لمعمر بن راشد، فلم يذكروا فيه ما ذكره من جعله من مسند أبي هريرة، كما لم يذكروا: وإن كان مائعًا فلا تقربوه، بل إن معمرًا له رواية توافق رواية الجماعة في سنده، وهي أولى أن تكون محفوظة، فقد أخرجه أبو داود (٣٨٤٣) ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٥٣) عن أحمد بن صالح.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٤٥٨٦) وفي الصغرى (٧/ ١٥٧) عن خشيش بن أصرم.\nوابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٠٠) والطبراني في الكبير (١٠٤٥)، وفي (٢٤/ ١٥) رقم ٢٦ عن سلمة بن شبيب.\nوابن حبان في صحيحه (١٣٩١) عن إسحاق بن إبراهيم، أربعتهم عن عبد الرزاق، قال: أخبرني عبد الرحمن بن بوذويه، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة.\nكلام العلماء في زيادة معمر إن كان مائعًا فلا تقربوه\nالقرائن الدالة على خطأ معمر:\nأولًا: المخالفة في الإسناد، فأصحاب الزهري مالك وابن عيينة والأوزاعي وغيرهم رووه من مسند ميمونة. قال سفيان بن عيينة كما في صحيح البخاري: قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدثه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؟ قال: ما سمعت الزهري يقول إلا عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ، ولقد سمعته منه مرارًا.\nثانيًا: أن ابن عباس لا يفرق بين السمن الجامد والمائع، فقد قال الحافظ في الفتح (٩/ ٦٦٩)، قد أخرج أحمد، عن إسماعيل بن علية، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس، سئل عن فأرة ماتت في سمن؟ قال: تؤخذ الفأرة وما حولها، فقلت: إن أثرها كان في السمن كله، قال: إنما كانت وهي حية، وإنما ماتت حيث وجدت. ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه أحمد من وجه آخر، وقال فيه: عن جَرِّ فيه زيت، وقع فيه جرذ، وفيه: أليس جال في الجَرِّ كله؟ قال: وإنما جال وفيه الروح، ثم استقر حيث مات. اهـ ولم أقف عليه في مسند أحمد، لكن عزاهما ابن تيمية إلى مسائل أحمد رواية ابنه صالح كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٩٧)، ولم أقف عليه في مسائل صالح المطبوع، والله أعلم. =","vol":"1","page":319},{"text":"وجه الاستدلال عندهم:\nأن الحديث أمر بإراقة المائع الذي وقعت فيه الفأرة، وماتت فيه، ولم يفرق بين القليل والكثير، ولم يستفصل هل تغير أو لم يتغير، فدل على أنه لا فرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>الدليل الثاني:</span>\nمن النظر، قالوا: إن المائعات سوى الماء لا تدفع النجاسة عن غيرها، فلا تدفعها عن نفسها، بخلاف الماء الذي يدفع النجاسة عن غيره، فيدفعها أيضًا عن نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>الدليل الثالث:</span>\nأن النجاسة إذا وقعت في الجامد، فإنها تجاور موضعًا واحدًا، وهو الجزء الذي\n_________\n= ثالثًا: أن البخاري قد روى في صحيحه (٥٥٣٩) قال: حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، عن الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد، أو غير جامد، الفأرة أو غيرها، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قرب منها فطرح، ثم أكل، عن حديث عبيد الله بن عبد الله. فهذا الزهري الذي مدار الحديث عليه، قد أفتى في المائع والجامد بأن تلقى الفأرة، وما قرب منها، ويؤكل، فلو كان عنده هذا التفصيل الذي رواه معمر، لكان أفتى به. ولا يقال: ربما نسي ما روى، لأن الزهري كان من أحفظ الناس في عصره، فاحتمال نسيانه بعيد.\nوقال الترمذي: روى معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وهو حديث غير محفوظ. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وذكر فيه أنه سئل عنه، فقال: إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه. هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، قال: والصحيح حديث الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. سنن الترمذي (١٧٩٨).\nوقال البخاري أيضًا: حديث معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وهم فيه معمر، ليس له أصل. ترتيب العلل الكبير للترمذي (٢/ ٧٥٨).\nوقال أبو حاتم في العلل لابنه عن رواية معمر، بأنها وهم. انظر العلل (٢/ ١٢) رقم ١٥٠٧.\nكما ضعف رواية معمر ابن تيمية في مجموع الفتاوى في أكثر من موضع، انظر مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٩٠، ٤٩٢، ٤٩٧).\nوأطال ابن القيم في تعليل رواية معمر في تهذيب السنن (٥/ ٣٣٦، ٣٣٧)، والله أعلم.","vol":"1","page":320},{"text":"وقعت فيه النجاسة، بخلاف المائع فإنها تجاوره كله، إذ تنتقل من مكان إلى آخر، فيتنجس بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>دليل من قال: المائع كالماء لا ينجس إلا بالتغير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>الدليل الأول:</span>\n(٨٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله،\nعن ابن عباس، عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها، فاطرحوه، وكلوا سمنكم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ أجابهم جوابًا عامًا مطلقًا، بأن يلقوها وما حولها، وأن يأكلوا سمنهم، ولم يستفصلهم هل كان مائعًا، أو جامدًا، وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، مع أن الغالب في سمن الحجاز أن يكون ذائبًا لشدة الحرارة، والغالب على السمن أنه لا يبلغ قلتين، مع أنه لم يستفصل هل كان قليلًا أم كثيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>الدليل الثاني:</span>\nالفرق بين المائع النجس والمائع الطاهر صفات جعلت هذا نجسًا، وهذا طاهرًا، فإذا لم يظهر في المائع أثر النجاسة لا في اللون، ولا في الطعم، ولا في الرائحة، فكيف نحكم عليه بأنه نجس، وما الفرق إذًا بينه وبين المائع الطاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>الدليل الثالث:</span>\nأن في تنجيس المائعات حرجًا ومشقة، فهنالك القناطير المقنطرة من الدهون التي تكون في معاصر الزيتون وغيرها، ففي تنجيسها بوقوع قليل النجاسة فيها حرج شديد.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٣٥).","vol":"1","page":321},{"text":"وهذا القول هو الراجح، فلا يوجد دليل على نجاسة المائع بملاقاة النجاسة، لا دليل أثري، ولا دليل نظري، فالقول بنجاسة المائع مطلقًا فيه حرج ومشقة وإفساد للمال دون أن يكون هناك دليل يقضي بالنجاسة، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>الفصل الرابع في الماء المسخن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>المبحث الأول في الماء المسخن بنجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الحكم بنجاسة الماء هو تغيره بالنجاسة لا اتصاله بها على الصحيح؟\n• كل عين نجسة فإنه يجوز الانتفاع بها في غير الأكل على الصحيح على وجه لا يتعدى (^١).\n• الاستحالة لها تأثير في الأحكام على الصحيح، فاستحالة الطيب إلى خبيث تجعله خبيثًا، كذا استحالة الخبيث إلى طاهر تجعله طاهرًا.\n[م-٤٦] اختلف العلماء في الماء المسخن بالنجاسة:\nفقيل: طهور بلا كراهة، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣).\n_________\n(^١) الانتفاع بالنجس محل خلاف بين العلماء، فالانتفاع بالنجس في الأكل محرم بالاتفاق، وأما في البيع، فالجمهور على المنع خلافًا للحنفية، وقد بسطت الكلام في اشتراط طهارة المبيع في كتابي المعاملات المالية أصالة ومعاصرة، ولله الحمد.\nوذهب المالكية إلى أنه لا يجوز الانتفاع بالنجس، ويجوز الانتفاع بالمتنجس، ولهذا أجازوا جعل العذرة النجسة في الماء، ثم يسقى به الزرع.\n(^٢) جاء في حاشية ابن عابدين (١/ ٨٠) قوله: «وكره أحمد المسخن بالنجاسة».اهـ فلو كان للحنفية قول في المسألة لما نسب القول فيه إلى أحمد.\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ١١٩)، المجموع (١/ ١٣٧)، أسنى المطالب (١/ ٩)، تحفة المحتاج (٩/ ٣٨٧)، حاشية البجيرمي (١/ ٨٠).","vol":"1","page":323},{"text":"وقيل: يكره، وهو مذهب المالكية (^١).\nوأما الحنابلة فجعلوا الماء المسخن بالنجس له ثلاثة أحوال:\nالحالة الأولى: أن يتحقق وصول شيء من الدخان أو الرماد إلى الماء.\nفالمشهور من مذهب الحنابلة: أنه نجس سواء تغير أو لم يتغير. (^٢)\nالتعليل: لأنه ماء يسير لاقى نجاسة، والماء اليسير إذا لاقى نجاسة فإنه ينجس ولو لم يتغير. وحد اليسير هو أن يكون الماء دون القلتين أي أقل من خمس قرب تقريبًا.\nوالصحيح هنا أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغيره فإنه طهور سواء كان يسيرًا أو كثيرًا، وقد سبق بحث هذه المسألة، ولله الحمد.\nمع أن هذا الماء في الحقيقة لم تقع فيه نجاسة وإنما وقع فيه دخان النجاسة، والروث النجس إذا تحول إلى دخان أصبح له حكم الدخان على الصحيح، والدخان كله طاهر، كما أنكم ترون نجاسة الخمرة، وإذا تحولت بنفسها إلى خل طهرت، حتى لو قيل: إنه لا يسلم من صعود أجزاء لطيفة مع الدخان تقع في الماء.\nفالجواب: أن هذه الأجزاء اللطيفة قد تحولت إلى رماد، فيكون لها حكم الرماد.\nالحالة الثانية: أن يكون الحائل حصينًا بحيث يعلم أن الدخان لم ينفذ إلى الماء.\nفالمشهور من المذهب أنه طهور مكروه.\nطهور: لأنه لم يقع فيه شيء، لا طاهر، ولا نجس.\nومكروه: وللكراهة مأخذان عندهم:\nأحدهما: استعمال النجاسة، فحرارة الماء كانت عن طريق استعمال النجاسة، واستعمال النجاسة مكروه عندهم، وما ترتب على المكروه يكون مكروهًا.\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٨٠).\n(^٢) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٦)، والمغني (١/ ٢٩).","vol":"1","page":324},{"text":"والثاني: احتمال وصول النجاسة.\nالحالة الثالثة: أن يكون الحائل غير حصين، ولكنه لم يعلم وصول النجاسة إليه، فحكمه عند الحنابلة: طهور مكروه.\nطهور: لأن طهارة الماء متيقنة، والنجاسة مشكوك فيها.\nومكروه؛ للتعليل السابق، وهي أن حرارة الماء جاءت عن طريق استعمال النجاسة، واستعمال النجاسة مكروه، فيكون ما ترتب على المكروه يكون مكروهًا (^١).\nوالصواب: مذهب الحنفية والشافعية أن الماء طهور بلا كراهة.\nقال ابن تيمية: وأما المسخن بالنجاسة فليس بنجس باتفاق الأئمة إذا لم يحصل له ما ينجسه وأما كراهته ففيها نزاع (^٢). اهـ\nوأين الدليل على كراهة استعمال النجاسة في أمر لا تتعدى فيه النجاسة إلى غيرها، والمشهور من مذهب الحنابلة والمالكية أن جلد الميتة عندهم لا يطهر بالدباغ، ومع ذلك يقولون بجواز الانتفاع به في يابس.\nبل جاء الدليل على جواز الانتفاع بالنجاسة على وجه لا يتعدى كما في حديث جابر ﵁.\n(٨٩) فقد روى البخاري من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء ابن أبي رباح،\nعن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام. فقيل:\n_________\n(^١) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٦)، الإنصاف (١/ ٣٠)، المحرر (١/ ٢)، كشاف القناع (١/ ٢٧)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٦٩)، المغني (١/ ٢٧)، المبدع (١/ ٣٩، ٤٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٦٩).","vol":"1","page":325},{"text":"يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال: رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه، ورواه مسلم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>المبحث الثاني الماء المسخن بالشمس</span>\n[م-٤٧] لا أعلم أحدًا قال: إن الماء المسخن بالشمس ليس بطهور، ولكنهم اختلفوا هل يكره أم لا؟\nفقيل: يكره الماء المسخن بالشمس، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (^١)، إلا أنهم اشترطوا شروطًا للكراهة (^٢).\nوقيل: طهور غير مكروه، وهو مذهب الحنابلة (^٣)، واختاره بعض المالكية (^٤)،\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٣٠)، شرح فتح القدير (١/ ٣٦).\nوانظر في مذهب المالكية: منح الجليل (١/ ٤٠)، الخرشي (١/ ٧٨)، التاج والإكليل (١/ ٧٨).\nوفي مذهب الشافعية: قال الشافعي في الأم (١/ ١٦): «ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب». اهـ وانظر المجموع (١/ ١٣٣)، أسنى المطالب (١/ ٨)، شرح البهجة (١/ ٢٧)، كفاية الأخيار (١/ ١٨).\n(^٢) اشترط المالكية والشافعية شروطًا للكراهة، منها:\nالأول: أن يكون الماء في الأواني المنطبعة كالنحاس والحديد والرصاص، وفي كتب المالكية كل الأواني التي تمتد تحت المطرقة غير النقدين؛ لأن الشمس إذا أثرت فيها خرجت منها زهومة تعلو على وجه الماء يتولد منها البرص، فلا يكره المشمس في الحياض والبرك.\nالثاني: أن يكون في البلاد الحارة كالحجاز.\nالثالث: اشترط بعض الشافعية قصد التشميس، فإن لم يقصد تشميسه فلا يؤثر، وليس هذا بشرط عند المالكية؛ لأن العلة خوف البرص وهذا لا علاقة له بالنية.\n(^٣) دليل الطالب (١/ ٣)، شرح العمدة (١/ ٨١)، الإنصاف (١/ ٢٤)، منار السبيل (١/ ١٧)، كشاف القناع (١/ ٢٦)، الكافي (١/ ٣)، المبدع (١/ ٣٧).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٧٨).","vol":"1","page":327},{"text":"ورجحه النووي من الشافعية، وهو مذهب الظاهرية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-290> دليل من قال: يكره:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>الدليل الأول:</span>\n(٩٠) ما رواه الدارقطني من طريق سعدان بن نصر، أخبرنا خالد بن إسماعيل المخزومي، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ، وقد سخنت ماء في الشمس، فقال: لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص.\nقال الدارقطني: غريب جدًّا، خالد بن إسماعيل متروك (^٢).\n_________\n(^١) انظر المجموع (١/ ١٣٣).\n(^٢) سنن الدارقطني (١/ ٣٨)، ومن طريق سعدان بن نصر أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٩)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٤١، ٤٢) من طريق العلاء بن مسلمة، ثنا خالد بن إسماعيل به.\nوفيه خالد بن إسماعيل، قال ابن عدي: يضع الحديث على ثقات المسلمين. الكامل (٣/ ٤١)، وهذا الإسناد مداره على هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ويرويه عن هشام أربعة هالكون:\nالأول: خالد بن إسماعيل، كما في إسناد الباب.\nالثاني: وهب بن وهب، كما في المجروحين لابن حبان (٣/ ٧٥)، وهو كذاب، قال ابن حبان: كان ممن يضع الحديث على الثقات، كان إذا جنه الليل سهر عامة ليله يتذكر الحديث، ويضعه، ثم يكتبه، ويحدث به.\nوقال ابن معين: كذاب. المرجع السابق.\nالثالث: الهيثم بن عدي، كما في الموضوعات لابن الجوزي (٢/ ٧٩)، التحقيق (١/ ٥٩).\nالرابع: محمد بن مروان السدي، كما في مجمع البحرين في زوائد المعجمين (١/ ٣١١)، وهو متروك.\nكل هؤلاء الهالكين رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\nوجاء الحديث من غير طريق هشام، فقد رواه الدارقطني (١/ ٣٨) من طريق عمرو بن محمد الأعشم، أخبرنا فليح، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ بالماء المشمس، أو يغتسل به، وقال: إنه يورث البرص. ...\nقال الدارقطني: عمرو بن محمد الأعشم منكر الحديث، ولم يروه عن فليح غيره، ولا يصح عن الزهري.\nقال الذهبي عن حديث الحميراء: حديث موضوع. السير (٢/ ١٦٨).\nوقال ابن القيم في المنار المنيف: ومنها أن يكون الحديث باطلًا في نفسه، فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ، ثم مثل بحديث عائشة في النهي عن الوضوء بالماء المشمس، وقال: كل حديث فيه يا حميراء، أو ذكر الحميراء، فهو كذب مختلق. المنار المنيف (ص: ٦٠، ٦١).","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>الدليل الثاني:</span>\n(٩١) ما رواه الإمام الشافعي في الأم، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرني صدقة بن عبد الله، عن أبي الزبير،\nعن جابر، أن عمر كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، وقال: إنه يورث البرص (^١).\n[والحديث ضعيف جدًّا] (^٢).\nفالصحيح أن المسخن بالشمس طهور غير مكروه؛ لأن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي، أو نظر صحيح، ولا يوجد شئ من ذلك في هذه المسألة، ولو كان يورث البرص لكان التطهر منه محرمًا وليس مكروهًا؛ لأن البرص علة ومرض، والإنسان الأبرص ليس سوي البدن، ويعتبر عيبًا في المرأة والرجل يجب بيانه.\n* * *\n_________\n(^١) الأم (١/ ٣).\n(^٢) في إسناده: إبراهيم بن محمد بن يحيى، قال فيه أحمد: كان قدريًّا معتزليًّا، جهميًّا، كل بلاء فيه.\nوقال بشر بن المفضل: سألت فقهاء المدينة عنه كلهم يقولون: كذاب، أو نحو هذا.\nوقال يحيى بن معين: كان فيه ثلاث خصال: كان كذابًا، وكان قدريًّا، وكان رافضيًّا. تهذيب الكمال (٢/ ١٨٤).\nولا عبرة بتوثيق الشافعي ﵀؛ لأن الجرح إذا كان مفسرًا كان مقدمًا على التعديل، ولو كان من إمام واحد إذا لم يعرف أنه متشدد في الجرح، فكيف إذا اتفق الأئمة المعتبرون على تركه كالإمام أحمد والبخاري ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان والإمام مالك، مع أن في السند صدقة بن عبد الله، وهو ضعيف، وأبو الزبير مدلس، وقد عنعن.","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>الباب التاسع في تطهير الماء المتنجس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>المبحث الأول نجاسة الماء نجاسة حكمية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الماء المتغير بالنجاسة متنجس وليس نجسًا.\n• كل متنجس يمكن تطهيره على الصحيح إذا زال عنه أثر النجاسة.\n• النجس يطهر بالاستحالة على الصحيح، فالمتنجس أولى أن يطهر بزوال أثر النجاسة.\n[م-٤٨] هل نجاسة الماء نجاسة عينية أم نجاسة حكمية؟\nالصحيح أن نجاسة الماء حكمية، فهو كالثوب المتنجس؛ لأنه يطهر غيره فنفسه من باب أولى.\nوهذا اختيار ابن تيمية (^١)، وصوبه في الإنصاف (^٢).\nوقيل: نجاسته عينية.\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٨٧).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٦٢، ٦٣).","vol":"1","page":330},{"text":"قال ابن مفلح في الفروع: وهو ظاهر كلام الأصحاب وتعقبه المرداوي في تصحيح الفروع (^١).\nوفي قوله: إنها عينية نظر؛ لأن الحنابلة قالوا: النجاسة العينية لا يمكن تطهيرها، وهذا يمكن تطهيره (^٢).\nوقيل: نجاستة نجاسة مجاورة سريعة الإزالة، ولهذا يجوز بيعه (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٨٧).\n(^٢) تصحيح الفروع (١/ ٨٧).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٦٣).","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>المبحث الثاني خلاف العلماء في كيفية تطهير الماء المتنجس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ماء كثير زال تغيره بنفسه فإنه يعود طهورًا.\n• النجس يطهر بالاستحالة على الصحيح، فالمتنجس أولى أن يطهر بزوال أثر النجاسة.\n• انتقال الماء من الطهورية إلى النجاسة حسي وليس تعبديًا، كانتقال النجس إلى عين طاهرة على الصحيح.\n• الحكم بوجود الشيء يدور مع أثره وجودًا وعدمًا، فينزل وجود أثر الشيء منزلة وجوده، وعدمه منزلة عدمه استدلالًا بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه (^١).\n• ما دفع النجاسة عن غيره دفعها عن نفسه من باب أولى.\n• التراب أحد الطهورين يرفع الحدث بشرطه ويزيل الخبث، وهل يُطهِّر الماء النجس قولان للتردد، هل التراب مزيل للنجاسة أو ساتر لها؟ (^٢).\n_________\n(^١) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص: ٢٦٩).\n(^٢) إذا زال تغير الماء بطرح الزعفران أو المسك فلا يطهر عند الشافعية؛ لأن الرائحة مستترة برائحة غيره، فالحاصل استتار لا زوال، فإن زال تغير الماء النجس بالتراب فقولان عند الشافعية؛ للتردد هل التراب مزيل أو ساتر، والصحيح أنه مزيل، فالتراب أطلق عليه طهور، والطهور: هو ما يطهر غيره، فيستخدم في رفع الحدث كالتيمم، ويستخدم في رفع الخبث، كتطهير الإناء من ولوغ الكلب، وتطهير النعل بدلكها بالتراب، وتطهير ذيل المرأة الذي أصابته نجاسة، وغيرها، والله أعلم.","vol":"1","page":332},{"text":"• كل ماء مستعمل لم يتغير بما استعمل فيه فهو طهور على الصحيح.\n• ورود النجاسة على الماء كورود الماء على النجاسة على الصحيح إن تغير بها تنجس وإن لم يتغير بقي على طهارته.\n[م-٤٩] اختلف العلماء في كيفية تطهير الماء المتنجس على أقوال، مع اتفاقهم على أن الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغير، واختلفوا في القليل هل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، أو يشترط أن يتغير بها، وقد سبق تحرير الخلاف.\nالقول الأول: مذهب الحنفية.\nفرق الحنفية بين ماء البئر وغيره من المياه، فمسائل البئر عندهم على خلاف القياس، بينما الجمهور لم يفرقوا بين ماء البئر وغيره من المياه.\nفإذا وقعت في الأواني أو في الحوض الصغير نجاسة، فلهم في تطهير الماء بشرط زوال تغيره إن وجد ثلاثة أقوال:\nقيل: إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه طهر، وإن قل إذا كان الخروج حال دخول الماء فيه.\nوقيل: لا يطهر إلا بخروج ما فيه.\nوقيل: لا يطهر إلا بخروج ثلاثة أمثال ما كان فيه من الماء، وسائر المائعات كالماء في القلة والكثرة (^١).\n• تعليل الحنفية:\nأن الماء النجس إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه، وكان خروج الماء حال دخول الماء الجديد فيه؛ أصبح بمنزلة الماء الجاري، والماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير.\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٢٣)، بدائع الصنائع (١/ ٨٧)، شرح فتح القدير (١/ ٨١).","vol":"1","page":333},{"text":"القول الثاني: مذهب المالكية.\nقالوا: الماء المتغير بالنجاسة إما أن يزول تغيره بنفسه، أو بصب ماء مطلق عليه (^١)، أو بإضافة تراب ونحوه.\nفإن تغير الماء بنفسه، فإما أن يكون الماء قليلًا أو كثيرًا، ولم يجدوا في ذلك حدًّا بين القليل والكثير، فالقليل أواني الوضوء ونحوها، والكثير ما عداها.\nفإن كان قليلًا فهو نجس اتفاقًا عندهم.\nوإن كان الماء الذي تغير بنفسه كثيرًا فلأصحاب مالك فيه قولان:\nالأول: أنه طهور؛ لأن الحكم بالنجاسة إنما هو لأجل التغير وقد زال والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كالخمر يتخلل، وقد رجح هذا ابن رشد.\nوقيل: إنه نجس؛ لأن النجاسة عندهم لا تزال إلا بالماء المطلق، وليس حاصلًا هنا فيستمر بقاء النجاسة.\nومع أنهم حكموا بنجاسته، إلا أنهم قيدوا الحكم بالنجاسة مع وجود غيره، أما إذا لم يوجد إلا هو فيستعمله بلا كراهة مراعاة للخلاف.\nقلت: وهذا يدل على ضعف القول بنجاسته عندهم؛ لأنهم لو جزموا بالنجاسة لما صح استعماله مطلقًا، سواء وجد غيره أم لم يوجد؛ لأنه إذا لم يوجد إلا ماء نجس صار الى التيمم، كما هو الحال إذا وجد ماء متغير بالنجاسة، فهذا الاستثناء دليل على ضعف القول بالنجاسة عندهم، والله أعلم.\nوإن زال تغير الماء بالنجاسة بإضافة ماء مطلق، فهو طهور اتفاقًا عندهم، حتى ولو كان المضاف قليلًا، ولا يشترط أن يبلغ الماء قلتين عندهم فلا يشترطون إلا شرطين:\nأحدهما: أن يكون الماء المضاف ماء مطلقًا أى ليس ماء نجسًا ولا طاهرًا.\n_________\n(^١) وهذا القيد أخرج الماء النجس والماء الطاهر؛ لأنه ليس ماء مطلقًا عندهم.","vol":"1","page":334},{"text":"الثاني: أن يزول تغيره بالإضافة.\nوإن زال تغيره بإلقاء طين فينظر:\nفإن لم يتغير الماء بالطين فقد طهر، وإن تغير الماء بما ألقي فيه فالأظهر النجاسة عملًا بالاستصحاب (^١).\n• وجه القول بذلك:\nأن الماء لما تكدر بالتراب صار التراب ساترًا للنجاسة، والأصل وجودها.\nالقول الثالث: مذهب الشافعية.\nالشافعية يفرقون بين الماء القليل والماء الكثير إذا لاقى نجاسة ولم يتغير، فينجس الأول عندهم دون الثاني، وعلى هذا يقسم الشافعية الماء إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: أن يكون الماء أكثر من قلتين، فلا ينجس إلا بالتغير، وفى تطهيره ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن يزول تغيره بنفسه؛ لأن الماء يطهر غيره، فكونه يطهر نفسه من باب أولى.\nالحالة الثانية: أن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه، سواء كان المضاف طاهرًا أم نجسًا، قليلًا أم كثيرًا، صب عليه الماء أو نبع فيه، فإذا زال تغيره طهر.\nالحالة الثالثة: أن يزول تغيره بنزح بعضه فإنه يطهر، بشرط أن يكون الباقي بعد النزح قلتين فأكثر غير متغير، فإن بقي دونهما لم يطهر بلا خلاف عند الشافعية.\nالقسم الثاني: من الماء النجس: أن يكون الماء قلتين، وهذا لا ينجس إلا بالتغير. وفى التطهير له حالتان:\nالأولى: أن يزول تغيره بنفسه.\n_________\n(^١) انظر الخرشي (١/ ٨٠، ٨١) ومنح الجليل (١/ ٤٢، ٤٣)، وشرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٢٠، ٢١) وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٤٦، ٤٧)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤١، ٤٢).","vol":"1","page":335},{"text":"الثانية: أن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه. ولو كان المضاف نجسًا أو قليلًا.\nالقسم الثالث: أن يكون الماء المتنجس دون القلتين، وهذا الماء ينجس عندهم بمجرد ملاقاة النجاسة، ولو لم يتغير.\nففي تطهيره طريقة واحدة، وهي أن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه حتى يبلغ قلتين، حتى ولو كان هذا الماء المضاف نجسًا، ما دام أنه إذا بلغ قلتين فقد زال تغيره فإنه يطهر.\nأما إذا أضيف إليه ماء دون القلتين ففيه وجهان عندهم:\nالأول: قيل: يكون طاهرًا غير مطهر.\nلماذا كان طاهرًا، وقد لاقى النجاسة، وهو قليل؟\nقالوا: لأن الماء القليل إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه، أما إذا ورد الماء على النجاسة كما هو الحال هنا فلا ينجس.\nولماذا إذا لا يكون طهورًا؟\nقالوا: لأنه ماء استعمل في إزالة النجاسة.\nالوجه الثاني: قالوا لا يطهر، لأنه ماء استعمل في إزالة النجاسة، هذه الطرق في تطهير الماء النجس بالماء عند الشافعية.\nأما تطهيره بالتراب فقد وافقوا المالكية.\nقالوا: إذا طرح فيه تراب وزال تغيره.\nفإما أن يكون الماء كدرًا أو صافيًا، فإن كان صافيًا فقد طهر جزمًا.\nوإن كان الماء كدرًا بما ألقي فيه.\nفقيل: يطهر؛ لأن التغير قد زال فصار كما لو زال بنفسه أو بماء آخر. وصحح الأكثرون أنه لا يطهر (^١).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ١٨٣ - ١٩١)، ومغني المحتاج (١/ ٢٢، ٢٣)، والحاوي (١/ ٣٣٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٠، ٢١)، منهاج الطالبين (١/ ٣)، شرح زبد ابن رسلان (١/ ٢٨، ٢٩)، المهذب (١/ ٧).","vol":"1","page":336},{"text":"• وجه القول بأنه لا يطهر:\nتقدم أن الماء إذا صار كدرًا بالتراب أن التراب ربما يكون ساترًا للنجاسة، وليس مزيلًا لها، فالأصل وجود النجاسة حتى نتيقن أنها زالت.\nالقول الرابع: مذهب الحنابلة.\nطريقة الحنابلة في تطهير الماء المتنجس بالماء قريبة من تقسيم الشافعية إلا أنهم خالفوهم في مواضع يسيرة.\nفقسم الحنابلة الماء المتنجس أولًا إلى قسمين:\nالأول: قسم تنجس ببول آدمي أو عذرته المائعة.\nالثاني: وقسم تنجس بسائر النجاسات.\nأما الماء الذي تنجس بغير بول آدمي وعذرته المائعة فإنه يمكن أن نقسمه إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: أن يكون الماء دون القلتين. وفي هذه الحال إما أن تكون نجاسته بالتغير، أو بالملاقاة ولو لم يتغير.\nفيشترط لتطهير الماء المتنجس بالملاقاة شرط واحد، هو أن تضيف إليه قلتين من الماء الطهور، وبالتالي يصبح طهورًا فإن أضفت إليه دون القلتين لم يطهر.\nالتعليل: لأن الماء القليل لا يدفع النجاسة عن نفسه فكيف يدفعها عن غيره لقوله ﷺ في حديث ابن عمر: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) (^١).\nلو قال قائل: لنفرض أن الماء المتنجس بالملاقاة قلة واحدة فأضفت إليها قلة أخرى حتى أصبح الماء قلتين فهل يطهر؟\nأكثر الأصحاب على أنه لا يطهر، وهو المشهور من المذهب، وحكى بعضهم\n_________\n(^١) سبق الكلام عليه، وأنه حديث صحيح، انظر رقم (٧٩).","vol":"1","page":337},{"text":"وجهًا بالتطهير، وصوبه صاحب الإنصاف.\nوإن كانت نجاسة الماء القليل بالتغير ففي هذه الحالة تضيف إليه قلتين من الماء الطهور ثم تنظر هل زال التغير أم بقي؟ فإن زال فقد طهر، وإن لم يزل فإنك تضيف إليه حتى يذهب تغيره.\nأما إذا أضفت إليه دون القلتين فإن الماء يكون نجسًا حتى ولو زال تغيره وهذا هو المذهب.\nوقيل: إنه يكون طهورًا حتى على قواعد المذهب. أو القائلين بالنجاسة ولو لم يتغير. قالوا: لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا كانت واردة عليه وهنا قد ورد الماء على النجاسة.\nولو قلنا بنجاسة الماء هنا لقلنا بنجاسة الماء إذا صب على ثوب نجس إلا أن يكون قلتين، ولما كان الدلو مطهرًا لبول الأعرابي، لأنه بالتأكيد ليس قلتين ولا حتى قلة.\nهذه الطريقة في تطهير الماء عند الحنابلة ﵏ إذا كان الماء أقل من قلتين.\nالحالة الثانية: إذا كان الماء قلتين، فله طريقان:\nالأول: أن تضيف إليه قلتين فأكثر حتى يذهب تغيره بالنجاسة، وقد علمت مما سبق لماذا يشترطون إضافة القلتين، ولم لا يعتبرون ما دون القلتين؟ فلا داعي لإعادته. وهذا الشرط خالفوا فيه الشافعية.\nالثاني: هل يزول تغيره بنفسه، فالمشهور من المذهب أنه إذا زال تغيره بنفسه، وهو قلتان طهر، وفيه وجه آخر في المذهب أنه لا يطهر بناء على أن النجاسة في المذهب لا تطهر بالاستحالة، وهذا على رأي من يرى أن النجاسة نجاسة عينية وليست حكمية.\nوقيل: إنه طاهر، لأنه لا يكون طهورًا وقد أزيلت به النجاسة، ولا يكون نجسًا وهو ماء كثير غير متغير، قاسوه على الماء القليل إذا كان آخر غسلة زالت بها النجاسة.\nالحالة الثالثة: إذا كان الماء أكثر من قلتين فلهم ثلاث طرق:","vol":"1","page":338},{"text":"الأولى: أن تضيف إليه قلتين بشرط أن يزول التغير وقد سبق لك التعليل من اشتراط القلتين.\nالثانية: أن يزول تغيره بنفسه، وهذا هو المشهور من المذهب وسبق لكم في المذهب ثلاثة أوجه.\nالثالثة: أن ينزح منه فيبقى بعد النزح قلتان فأكثر غير متغير.\nمثاله: عندنا ماء ثلاث قلال أو أربع ... سقطت فيه ميتة فغيرت رائحة الماء. فقام رجل فنزح منها ماء حتى ذهبت رائحة النجاسة. فهل يطهر الماء؟\nالجواب: إن كان الماء الباقي قلتين فأكثر فقد طهر.\nوهذه هي الطريقة في تطهير الماء على المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀.\nوأما التراب ففيه وجهان:\nالأول: أنه لا يطهر. قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب؛ لأن النجاسة عندهم لا تزال إلا بالماء المطلق.\nقال ابن عقيل: التراب لا يطهر لأنه يستر النجاسة بخلاف الماء.\nالثاني: يطهر بذلك، لأن علة نجاسته التغير، وقد زال فيزول الحكم بنجاسته كما لو زال بمكثه (^١).\nالقسم الثاني: من الماء النجس: أن يكون متنجسًا ببول آدمي أو عذرته المائعة، فإن كانت النجاسة لم تغيره وكان لا يشق نزحه فتطهيره بإضافة ما يشق نزحه إليه وإن كان الماء يشق نزحه، وقد تغير بالنجاسة فله ثلاث حالات:\nالأولى: أن يضاف إليه ما يشق نزحه.\nالثانية: أن يزول تغيره بنفسه.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٥٢)، المبدع (١/ ٥٨)، الإنصاف (١/ ٦٦)، المحرر (١/ ٢، ٣)، الكافي (١/ ١٠)، كشاف القناع (١/ ٣٨).","vol":"1","page":339},{"text":"الثالثة: أن ينزح منه فيبقى بعده قلتان غير متغيرتين (^١).\nخلاصة ما سبق:\nالتطهير تارة يكون بالإضافة، وتارة يكون بنفسه، وتارة يكون بالنزح.\nفإن كان التطهير بالإضافة، فيشترط له شروط:\nالأول: أن يكون الماء المضاف طهورًا، وهذا شرط عند المالكية، والحنابلة، وليس بشرط عند الشافعية، إذ لا مانع أن تضيف عندهم ماء نجسًا إذا كان بإضافته سوف يزول تغير الماء بالنجاسة.\nالثاني: أن يكون المضاف كثيرًا -قلتان فأكثر- وهذا شرط للحنابلة، وليس بشرط عند المالكية، والشافعية.\nالثالث: أن يبلغ الماء قلتين بعد الإضافة. وليس بشرط عند المالكية، وأما الحنابلة فلا يكفي هذا عندهم لأنهم يشترطون أن يكون المضاف نفسه قلتين.\n• تطهير الماء بزوال تغيره بنفسه:\nالمالكية، والشافعية، والحنابلة يشترطون أن يكون الماء كثيرًا، والمالكية لم أقف على حد لهم في القليل والكثير، بينما الحنابلة والشافعية يحدونه بالقلتين.\nأما التغير بالنزح، فالشافعية والحنابلة يشترطون أن يبقى بعد النزح ماء كثير غير متغير.\nوالصحيح: أنه متى زال تغير الماء على أي وجه، قليلًا كان أو كثيرًا، حتى ولو كان عن طريق المعالجة كالتقطير مثلًا ... فإنه يطهر؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولا علة للتنجس إلا لكونه متغيرًا بالنجاسة وقد زال، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المبدع (١/ ٥٦)، وانظر المراجع السابقة.","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>الباب العاشر باب الآنية</span>\nمناسبة ذكر الآنية في كتاب الطهارة (^١):\nبعض الفقهاء يذكر باب الآنية في كتاب الأطعمة والأشربة، فهو به أليق من باب الطهارة، والشافعية والحنابلة يذكرونه في باب الطهارة، ويرجع هذا والله أعلم إلى أن هناك بعض الأواني عندهم محرمة الاستعمال كأواني الذهب والفضة، وبعض الأواني نجسة، كالأواني المصنوعة من جلود الميتة، فالدباغ عند الحنابلة لا يطهرها، ومثلها آنية بعض الكفار ممن يستعملون النجاسات، فلما كانت بعض الآنية محرمة، وبعضها نجسة، وربما تطهر منها المسلم، فهل يصح تطهره أم لا؟ لهذا السبب، والله أعلم، ناسب أن يتكلموا على باب الآنية في باب الطهارة.\nوأما قول بعضهم: إن الماء سائل، يحتاج إلى ظرف، فلما تكلموا عن الماء تكلموا عن ظرفه، فهذا قول ضعيف؛ لأن الطهارة بالماء لا يشترط كونه في ظرف، فقد يتوضأ الإنسان من الآبار والعيون، لكن التوجيه الأول أقوى، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الآنِيَةُ: جَمْعُ إنَاءٍ وَجَمْعُ الآنِيَةِ الأَوَانِي، فَالإِنَاءُ مُفْرَدٌ، وَجَمْعُهُ: آنِيَةٌ، وَالأَوَانِي: جَمْعُ الْجَمْعِ فَلا يُسْتَعْمَلُ فِي أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ إلا مَجَازًا.\nوقال في المغرب: الإناء: وعاء المال، والجمع القليل: آنية، والكثير: الأواني، ونظيره: سوار وأسورة وأساور. مختار الصحاح (ص: ١٢)، المجموع (١/ ٢٦٧).\nقال النووي في المجموع (١/ ٢٦٧): وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْغَزَالِيِّ ﵀ وَجَمَاعة مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ الآنِيَةَ فِي الْمُفْرَدِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فِي اللُّغَةِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: جَمْعُ الإِنَاءِ آنِيَةٌ، وَجَمْعُ الآنِيَةِ الأَوَانِي، كَسِقَاءٍ وَأَسْقِيَةٍ وَأَسَاقٍ.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>الفصل الأول في الأواني الثمينة من غير الذهب والفضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأشياء الإباحة.\n• ما نص شرعًا على علته، لا تلتمس له علة أخرى بالاجتهاد.\nوقيل:\n• تحريم أواني الذهب والفضة تنبيه على تحريم ما هو أعلى منها من الأواني الثمينة.\n[م-٥٠] اختلف العلماء في حكم الأكل والشرب في الأواني الثمينة من غير الذهب والفضة كالياقوت، والبلور، والعقيق، والزبرجد:\nفقيل: يجوز الأكل والشرب والاستعمال والاتخاذ، وهو مذهب الحنفية (^١)، والقول المشهور عند المالكية (^٢)،\nوالأصح عند الشافعية (^٣)، والمشهور عند\n_________\n(^١) البناية (١/ ٨٢)، الهداية شرح البداية (٤/ ٣٦٣)، البحر الرائق (٨/ ٢١١)، الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٦٠).\n(^٢) انظر الشرح الكبير للدسوقي (١/ ٦٤)، منح الجليل (١/ ٥٩)، الخرشي (١/ ١٠٠، ١٠١). وقال ابن عبد البر في الكافي (ص: ١٩): «كل إناء طاهر فجائز الوضوء منه إلا إناء الذهب والفضة لنهي الرسول ﷺ عن اتخاذها».\nقلت: لم يأت نهي صريح من الرسول ﷺ عن الاتخاذ، إنما نهى عن الأكل والشرب، سواء قلنا: إن الرسول ﷺ نص على الأكل، أو لأن الأكل بمعنى الشرب، وما عداه مسكوت عنه، فهل يدخل قياسًا أم لا؟ على خلاف سوف يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.\n(^٣) قال النووي في المجموع (١/ ٣٠٨): «وهل يجوز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة كالياقوت، والفيروز، والعقيق، والزمرد، وذكر أشياء، ثم قال: فيها قولان: أصحها باتفاق الأصحاب الجواز، وهو نصه في الأم، ومختصر المزني». وانظر الحاوي الكبير (١/ ٧٨)، ونهاية المحتاج (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":342},{"text":"الحنابلة (^١).\nوقيل: يكره استعمالها، وهو قول في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: يحرم الأكل والشرب والاستعمال في الأواني التي يكثر ثمنها، لنفاسة جوهرها.\nاختاره بعض المالكية (^٣)، وحكي قولًا في مذهب الشافعية (^٤).\nوقيل: إن كان كثر ثمنها لحسن صناعتها، فاستعمالها حلال، وإن كان لنفاسة جوهرها، ففيها قولان: التحريم والإباحة. ذكر ذلك الماوردي من الشافعية (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-298> دليل من قال بجواز استعمال الأواني الثمينة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأشياء الإباحة، قال ﷾: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: ٢٩].\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٧٩)، الفروع (١/ ٦٩)، الكافي في فقه أحمد (١/ ١٧)، المبدع (١/ ٦٥)، المحرر (١/ ٧).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ١٢٩).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ١٢٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٦٤).\n(^٤) المجموع (١/ ٣٠٨).\n(^٥) قال الماوردي: أن يكون فاخرًا ثمينًا -يعني الأواني- فذلك ضربان:\nأحدهما: أن تكون كثرة ثمنه لحسن صناعته، ولنفاسة جوهره، كأواني الزجاج المحكم، والبلور المخروط، فاستعمالها حلال؛ لأن ما فيه من الصنعة ليس بمحرم، وهو قبل الصنعة ليس بمحرم.\nوالضرب الثاني: أن تكون كثرة ثمنه لنافسة جوهره، كالعقيق، والفيروزج، والياقوت، والزبرجد. ففيها قولان:\nأحدهما: أن استعمالها حرام؛ لأن المباهاة بها أعظم، والمفاخرة في استعمالها أكثر.\nوالقول الثاني: أن استعمالها حلال، لاختصاص خواص الناس بمعرفتها، وجهل أكثر العوام بها.","vol":"1","page":343},{"text":"وقال ﷾: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف: ٣٢].\nوقال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: ١١٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>الدليل الثاني:</span>\nتخصيص النبي ﷺ المنع بالذهب والفضة يقتضي إباحة ما عداهما،\n(٩٢) فقد روى البخاري ﵀ من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (^١).\nقال ابن حزم: «فصح أن كل مسكوت عن ذكره بتحريم، أو أمر، فهو مباح» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>الدليل الثالث:</span>\nحكي الإجماع على جواز استعمال الأواني من غير الذهب والفضة، قال ابن جحر في الفتح: «وقد نقل ابن الصباغ في الشامل الإجماع على الجواز، وتبعه الرافعي ومن بعده» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>الدليل الرابع:</span>\nأن العلة في الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وهي غير موجودة هنا، إذ الجوهر ونحوه لا يعرفه إلا خواص الناس (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٧٤٤)، مسلم (١٣٣٧).\n(^٢) المحلى (٢/ ٢٢٤).\n(^٣) الفتح (١٠/ ١٠٠).\n(^٤) شرح الزركشي (١/ ٨٥).","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>الدليل الخامس:</span>\nثبت أن النبي ﷺ توضأ من آنية مختلفة، فقد توضأ من آنية من حجارة، ومن تور من صفر، ومن الجلود، ومن قدح رحراح أي الواسع المنبسط، ومن قصعة ومن جفنة، قال صاحب كشاف القناع: فثبت الحكم فيها، لفعله ﷺ وفي معناها قياسًا؛ لأنه مثلها (^١).\nوإليك الأحاديث الدالة على ما ذكرنا، منها:\n(٩٣) ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن بكر، قال: حدثنا حميد،\nعن أنس قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله، وبقي قوم، فأتي رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم. قلنا: كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة. وأخرجه مسلم واللفظ للبخاري (^٢).\n(٩٤) ومنها: ما أخرجه البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه،\nعن عبد الله بن زيد، قال: أتى رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماء في تور من صفر، فتوضأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين مرتين، ومسح برأسه فأقبل به وأدبر، وغسل رجليه، وأخرجه مسلم (^٣).\n(٩٥) ومنها ما أخرجه البخاري من طريق حماد، عن ثابت،\nعن أنس أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء فأتي بقدح رحراح، فيه شيء من ماء، فوضع أصابعه فيه، قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه، قال أنس:\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٥٠، ٥١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٩٥)، ومسلم (٢٢٧٩).\n(^٣) صحيح البخاري (١٩٧)، ومسلم (٢٣٥).","vol":"1","page":345},{"text":"فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين، ورواه مسلم (^١).\n(٩٦) وجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ من شن معلق، وثبت أنه توضأ من قصعة وجفنة، وهذه الأحاديث سبق تخريجها في كتاب المياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>الدليل السادس:</span>\nقالوا: كون بعض الأواني من الجوهر أغلى ثمنًا من الذهب والفضة لا يكفي في تحريمها، فإنه يحرم الحرير وإن قل ثمنه بخلاف غيره، وإن بلغ ثمنه أضعاف ثمن الحرير، وكذلك يباح فص الخاتم جوهرة، ولو بلغ ثمنها ما بلغ، ويحرم ذهبًا، ولو كان يسيرًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-305> دليل من قال يحرم استعمال الأواني الثمينة:</span>\nقالوا: إن علة المنع في استعمال أواني الذهب والفضة هي السرف والخيلاء، فيمنع في الأواني الثمينة للعلة ذاتها.\nوالجواب على ذلك بأن علة المنع في الذهب والفضة مختلف فيها كما سيأتي، والإسراف يختلف من بلد إلى بلد، ومن وقت لآخر، والتحريم ليس لذات الأواني، بخلاف الذهب والفضة.\nكما أن التحريم للإسراف عام في كل شيء من المباحات، فمتى خرج المباح إلى الإسراف أصبح محرمًا.\nقال تعالى: (وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: ٣١].\nجاء في سير أعلام النبلاء: «قال شهر بن حوشب: من ركب مشهورًا من الدواب، ولبس مشهورًا من الثياب أعرض الله عنه، وإن كان كريمًا.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٠٠)، ومسلم (٢٢٧٩).","vol":"1","page":346},{"text":"قال الذهبي: من فعله ليعز الدين، ويرغم المنافقين، ويتواضع مع ذلك للمؤمنين، ويحمد رب العالمين فحسن.\nومن فعله بذخًا وتيهًا وفخرًا أذله الله، وأعرض عنه، فإن عوتب ووعظ فكابر، وادعى أنه ليس بمختال ولا تياه، فأعرض عنه؛ فإنه أحمق مغرور بنفسه» (^١).\nوكلام شهر وإن كان مليحًا لكن كلام الذهبي أملح، إلا إن كان يقصد شهر ﵀ بالشهرة ما كان منهيًا عنه لشهرته، فهذا باب آخر، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-306> دليل من قال يكره استعمالها:</span>\nقالوا: ما دام أن العلة في النهي هي السرف فلا يقتضي ذلك التحريم، وإنما ذلك فقط حقه أن يكون مكروهًا (^٢).\nقلت: العلة مختلف فيها كما سيأتي، ولو ثبت أن العلة هي السرف لم يمنع من التحريم، لأن الإسراف محرم.\nقال تعالى: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: ٣١].\nوقال سبحانه: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) [الإسراء: ٢٧].\n• الراجح:\nجواز استعمال الأواني الثمينة إذا لم يصل إلى حد السرف.\n* * *\n_________\n(^١) السير (٤/ ٣٧٥، ٣٧٦).\n(^٢) مواهب الجليل بتصرف يسير (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>الفصل الثاني في الأواني من الذهب والفضة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>المبحث الأول في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في النهي التحريم.\n• تحريم الشرب تنبيه على تحريم الأعلى وهو الأكل (^١).\n• التوعد بالعقاب على الشرب في آنية الفضة يلحقها بالكبائر.\n[م-٥١] اختلف العلماء في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة:\nفقيل: لا يجوز الأكل والشرب فيهما، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢)، وحكي إجماعًا، ولا يثبت الإجماع.\n_________\n(^١) هذا على اعتبار أن ذكر الأكل في حديث حذيفة ليس محفوظًا، وأما على اعتبار أنه زيادة من ثقة كما اعتمد ذلك البخاري فلا حاجة إلى هذا الضابط، والله أعلم.\n(^٢) انظر في مذهب الحنفية: فتح القدير (١٠/ ٦)، البحر الرائق (١/ ٢١٠)، بريقة محمودية (٤/ ١٠٢)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤١)، الفتاوى الهندية (٥/ ٣٠٨)، وانظر في مذهب المالكية: التمهيد (١٦/ ١٠٤)، الكافي (١/ ١٩)، الفواكه الدواني (١/ ٣١٩)، المنتقى (٧/ ٢٣٤، ٢٣٥)، أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٩٦)، وانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٠)، الأوسط (١/ ٣١٨)، وانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٧٩)، الفروع (١/ ٦٩)، الكافي في فقه أحمد (١/ ١٧)، المبدع (١/ ٦٥)، المحرر (١/ ٧).","vol":"1","page":348},{"text":"وقيل: النهي عن الأكل والشرب للكراهة، وليس للتحريم، وهو قول الشافعي في القديم وقد رجع عنه (^١)، كما أنه رواية عن الإمام أحمد (^٢).\nوقيل: يحرم الشرب خاصة دون الأكل، وهو مذهب داود الظاهري، ولعله لم يبلغه أحاديث النهي عن الأكل (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-309> دليل من قال بالتحريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>الدليل الأول:</span>\n(٩٧) ما رواه البخاري من طريق سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهدًا يقول:\nحدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. ورواه مسلم (^٤).\n[ذكر الأكل تفرد به مجاهد، عن الحكم، وليس بمحفوظ] (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٠٢، ٣٠٦)، شرح النووي لصحيح مسلم (١٤/ ٤١)، الفتح (١٠/ ٩٧).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٨٠).\n(^٣) الفتح (١٠/ ٩٧)، نيل الأوطار (١/ ٦٧).\n(^٤) صحيح البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (٢٠٦٧).\n(^٥) رواه مجاهد، عن الحكم بذكر الأكل، على اختلاف عليه في ذكره، ورواه غيره عن الحكم بن عتيبة بدون ذكر الأكل، كما رواه يزيد بن زياد وعبد الله بن عكيم وقتادة عن حذيفة، وليس في روايتهم ذكر الأكل، وإليك تفصيل ما سبق.\nوقد قبل البخاري زيادة مجاهد، واعتبرها زيادة من ثقة، وإليك تخريج رواياتهم:\nالطريق الأول: الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي ليلى، عن حذيفة رواه مجاهد عن الحكم، واختلف على مجاهد: =","vol":"1","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه البخاري (٥٤٢٦) ومسلم (٢٠٦٧) والنسائي في الكبرى (٦٦٣١) وأبو عوانة في مسنده (٥/ ٢١٤)، والبيهقي (١/ ٢٧) من طريق سيف بن أبي سليمان.\nورواه أحمد (٥/ ٤٠٤)، ومسلم (٢٠٦٧)، والنسائي في الكبرى (٦٨٧١) من طريق منصور، ورواه البزار كما في البحر الزخار (٢٩٤٩) من طريق الأعمش.\nورواه ابن وهب في الجامع (٦٢١) من طريق غالب بن عبيد الله، كلهم عن مجاهد، عن الحكم ابن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن حذيفة به بذكر الأكل مع الشرب.\nقلت: ولعل المحفوظ من هذه الطرق هي رواية سيف بن سليمان، ذلك أن رواية منصور ذكرت الأكل في مسند أحمد، وأما في سنن النسائي فليس فيها ذكر الأكل ولا الشرب، وإنما قال: نهانا عن الفضة والذهب، ولم يذكر مسلم لفظ منصور وإنما أشار إلى أنه بمعنى الروايات السابقة.\nوأما رواية الأعمش عن مجاهد، فهي متكلم فيها، قال أبو حاتم الرازي: الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس. انظر العلل (٢١١٩)، وجامع التحصيل (ص: ١٨٩).\nوقد رواه ابن وهب في الجامع (٦١٩) عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن حذيفة، بذكر الأكل والشرب. وقد عنعن الأعمش، ولم يذكر المزي من شيوخه عبد الرحمن بن أبي ليلى.\nوقد رواه الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة بذكر الشرب فقط، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، فصار الأعمش قد اختلف عليه في الإسناد، وفي المتن، فلا تنفع متابعته.\nوأما رواية غالب بن عبيد الله، فغالب متروك، فمتابعته مطروحة.\nورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد واختلف على ابن أبي نجيح:\nفرواه سفيان كما في مسند الحميدي (٤٤٥)، ومنتقى ابن الجارود (٨٦٥) ومستخرج أبي عوانة (٨٤٨٥)، وسنن النسائي (٥٣٠١)، وفي الكبرى (٩٦١٥) عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بذكر الشرب فقط.\nوخالفه جرير بن حازم كما في صحيح البخاري (٥٨٣٧) والمعجم الأوسط للطبراني (٧٣٦٥)، وسنن الدارقطني (٤/ ٢٩٣)، وسنن البيهقي (١/ ٢٨) فرواه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد به، بذكر الأكل مع الشرب.\nوخالفهم من سبق:\nالأول: عبد الله بن عون، كما في مسند أحمد (٥/ ٣٩٧، ٤٠٤) والدارمي (٢١٣٠)، وصحيح البخاري (٥٦٣٣) وصحيح مسلم (٢٠٦٧)، وسنن النسائي الكبرى (٦٨٧٠) ومستخرج أبي عوانة (٥/ ٢١٤).\nالثاني: أبو بشر كما في سنن ابن ماجه (٣٤١٤) ومعجم الصحابة لابن قانع (٣٨١)، روياه عن مجاهد، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به بذكر الشرب فقط. =","vol":"1","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= هذا فيما يخص رواية مجاهد والاختلاف عليه. وقد رواه غير مجاهد عن الحكم، ولم يذكر الأكل، وإنما اقتصر على الشرب من ذلك:\nشعبة، كما في مسند أبي داود الطيالسي (٤٢٩)، ومسند أحمد (٥/ ٣٨٥، ٣٩٦، ٣٩٨، ٤٠٠)، وصحيح البخاري (٥٦٣٢)، وصحيح مسلم (٢٠٦٧)، وسنن أبي داود (٣٧٢٣)، وسنن ابن ماجه (٣٥٩٠)، وسنن الترمذي (١٨٧٨)، ومسند أبي عوانة (٥/ ٢٢٢)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (٤/ ٢٤٥)، ومشكل الآثار (١٤١٨)، وشعب الإيمان للبيهقي (٦٣٧٨).\nوعبد الملك بن أبي غنية كما في مسند أحمد (٥/ ٣٩٠).\nوزيد بن أبي أنيسية كما في مسند أبي عوانة (٥/ ٢٢٢)، ثلاثتهم، رووه عن الحكم، عن ابن أبي ليلى به، بدون ذكر الأكل. هذا ما يخص رواية الحكم، عن ابن أبي ليلى، فلو أن مجاهد لم يختلف عليه، وخالف شعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وعبد الملك بن أبي غنية لكانت مخالفة هؤلاء تجعل روايته شاذة، كيف وقد اختلف على مجاهد، بل قد رواه غير الحكم عن ابن أبي ليلى، ولم يذكر الأكل مما يقوي رواية من رواه عن الحكم بدون ذكر الأكل:\nفقد أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٠٨)، ومسلم (٢٠٦٧) وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٠٣) رقم ٢٤١٣٧، والنسائي في سننه (٥٣٠١) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن حذيفة به، وليس فيه ذكر الأكل.\nورواه سفيان بن عيينة، عن أبي فروة، عن عبد الله بن عكيم، عن حذيفة، واختلف على سفيان:\nفرواه البزار في مسنده (٢٨٠٩) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن سفيان بن عيينة به، بذكر الأكل.\nوخالفه الحميدي كما في مسنده (٤٠٠).\nوسعيد بن عمرو بن سهل كما في صحيح ومسلم (٢٠٦٧).\nومحمد بن عبد الله بن يزيد كما في سنن النسائي (٥٣٠١).\nوإبراهيم بن بشار الرمادي كما في صحيح ابن حبان (٥٣٣٩).\nومحمد بن آدم كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٢٧) خمستهم رووه عن سفيان، عن أبي فروة، عن عبد الله بن عكيم عن حذيفة به، وليس فيه ذكر الأكل، وهذا هو المحفوظ من رواية سفيان، ولست أدري الخطأ من البزار نفسه، أو من شيخه، والله أعلم.\nكما رواه البزار (٧/ ٢٨٧)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٥٨)، والخطيب في تاريخه (١١/ ٤٢١) والمحاملي في أمالية (٣١٧) من طريق محمد بن طلحة بن مصرف، ورواه ابن حبان في صحيحه (٥٣٤٣) من طريق شعبة.\nورواه البزار أيضًا (٢/ ٢٨٧) من طريق علي بن عابس، ثلاثتهم عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة بذكر الشرب فقط. =","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>الدليل الثاني:</span>\n(٩٨) ما رواه البخاري من طريق مالك بن أنس، عن نافع، عن زيد بن عبدالله ابن عمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. ورواه مسلم (^١).\nورواه مسلم وحده من طريق علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به، بلفظ:\nإن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم (^٢).\n[قال البيهقي: ذكر الأكل والذهب ليس محفوظًا من حديث أم سلمة] (^٣).\n_________\n= وعلي بن عابس وإن كان ضعيفًا فقد توبع تابعه ابن طلحة، وشعبة.\nوقد صوب الدارقطني رواية الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة في علله (٢/ ١٦١).\nورواه قتادة عن حذيفة ولم يسمع منه مقتصرًا على ذكر الشرب فقط ذكره معمر بن راشد في الجامع الملحق بمصنف عبد الرزاق (١١/ ٦٧) كما أن رواية معمر عن قتادة فيها كلام؛ لأنه سمع منه في الصغر. فتبين بهذا أن الأكل لم يأت إلا من طريق مجاهد، وقد اختلف عليه، وخالفه كل من روى الحديث عن الحكم، وكل من روى الحديث عن ابن أبي ليلى، بل وكل من روى الحديث عن حذيفة. والله أعلم.\n(^١) صحيح البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (٢٠٦٥).\n(^٢) ومسلم (٢٠٦٥).\n(^٣) مدار هذا الإسناد على نافع، عن زيد بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة، وقد رواه جماعة عن نافع بدون ذكر الأكل والذهب، مقتصرين على الشرب في آنية الفضة، وإليك بعض من وقفت عليهم:\nالأول: مالك، كما في الموطأ (٢/ ٩٢٤)، والبخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥)، والبغوي في شرح السنة (١١/ ٣٦٨)، وابن حبان (٥٣٤٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٧)، وفي المعرفة (١/ ٢٥٠، ٢٥١).\nالثاني: الليث بن سعد كما في مسند إسحاق بن راهوية (١٢٤)، عند مسلم (٢٠٦٥)، وابن ماجه (٣٤١٣)، والدارمي (٢١٢٩)، ومسند أبي عوانة (٥/ ٢١٦). = ..","vol":"1","page":352},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثالث: جرير بن حازم كما عند أحمد (٦/ ٣٠٤)، ومسند أبي عوانة (٥/ ٢١٦).\nالرابع: أيوب السختياني كما في مسند أحمد (٦/ ٣٠٠)، وصحيح مسلم (٢٠٦٥)، وسنن النسائي الكبرى (٦٨٧٣)، ومسند أبي عوانة (٥/ ٢١٥)، والأوسط للطبراني (٣٧٥٣).\nالخامس: عبد الرحمن بن السراج كما في مسند أحمد (٦/ ٣٠٢)، وصحيح مسلم (٢٠٦٥)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٨٨)، وفي الأوسط (٣٧٥٣).\nالسادس: يحيى بن سعيد القطان كما في صحيح مسلم (٢٠٦٥)، ومسند إسحاق بن راهويه (٣٩).\nالسابع: محمد بن بشر، كما في صحيح مسلم (٢٠٦٥).\nالثامن: موسى بن عقبة، كما في صحيح مسلم (٢٠٦٥).\nالتاسع: صخر بن جويرية كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٦٠١)، ومسند أبي عوانة (٥/ ٢١٧)، ومسند أبي يعلى (٦٨٨٢).\nالعاشر: إسماعيل بن أمية، كما في السنن الكبرى (٦٨٧٤): كلهم رووه عن نافع، عن زيد بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة.\nفهؤلاء عشرة رواة اتفقوا على الاقتصار على الشرب، وآنية الفضة، ليس في حديثهم ذكر للذهب، ولا للأكل لا يختلف عليهم في ذلك.\nورواه عبيد الله بن عمر، واختلف عليه فيه:\nفرواه عنه علي بن مسهر كما في صحيح مسلم (٢٠٦٥)، وابن أبي شيبة (٥/ ١٠٣) رقم ٢٤١٣٥.\nوأبو أسامة كما في مصنف بن أبي شيبة (٥/ ١٠٣) روياه عن نافع به، بلفظ: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جنهم). وإن كانت رواية أبي أسامة ليست صريحة، إنما أحال على رواية علي بن مسهر، وقال: بمثله. فقد لا تكون المثلية المطابقة في كل حرف.\nوأشار مسلم إلى تفرد ابن مسهر بهذا اللفظ، فقال: وليس في حديث أحد منهم ذكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر. اهـ وهذا يرجح أن الإحالة لا تعني المطابقة.\nوخالفهما يحيى بن سعيد فرواه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به مثل رواية الجماعة دون ذكر الأكل والذهب أخرجها أحمد (٦/ ٣٠٦)، والنسائي في السنن الكبرى (٦٨٧٢)، وأبو عوانة في مسنده (٥/ ٢١٦)، وابن حبان في صحيحه (٥٣٤١) وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ١٠٢).\nوحكم البيهقي بشذوذ هذه الزيادة، فقال في السنن (١/ ٢٧): «أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة والوليد بن شجاع، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، زاد: إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، قال البيهقي: وذكر الأكل والذهب غير محفوظ في غير رواية علي بن مسهر، وقد رواه غير مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة والوليد بن شجاع دون ذكرهما، والله أعلم». اهـ =","vol":"1","page":353},{"text":"ومع أن كلام البيهقي هو ما تقتضيه قواعد هذا الفن، وهو الحق؛ إلا أنه لما نص على الشرب دخل في ذلك الأكل، إما لأنه مثل الشرب أو لكونه أولى منه، ألا ترى أن النهي عن البول في الماء الراكد كان الغائط أحرى أن ينهى عنه في ذلك.\nقال النووي في المجموع: «وإذا حرم الشرب فالأكل أولى؛ لأنه أطول مدة وأبلغ في السرف» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>الدليل الثالث:</span>\n(٩٩) ما أخرجه البخاري من طريق الأشعث بن سليم عن معاوية بن سويد ابن مقرن،\n_________\n= فهنا البيهقي يشير إلى أن الاختلاف من مسلم، وقد أخرج البيهقي في سننه من طريق شيوخ مسلم، ولم يذكر ما ذكره مسلم، وهذا الذي حمل البيهقي على أن يجعل الاختلاف من مسلم، فقد رواه البيهقي في سننه (٤/ ١٤٥) من طريق محمد بن أيوب، عن ابن أبي شيبة.\nومن طريق محمد بن إسحاق الثقفي، عن الوليد بن شجاع، كلاهما (ابن أبي شيبة والوليد) روياه عن علي بن مسهر، به بدون ذكر الزيادة التي ذكرها مسلم من ذكر الذهب والأكل.\nقال البيهقي عقبه: «رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة والوليد بن شجاع». اهـ\nقلت: قد نص مسلم على أن علي بن مسهر تفرد بالزيادة، فلا يلزم أن تكون الزيادة من الإمام مسلم ﵀، لكن علي بن مسهر كان قد كف بصره، فحصل منه بعض الغرائب، والله أعلم، فلا يمنع أن يحدث به على الوجه الصحيح، ثم يحدث به ويزيد فيه، ولا يكون الحمل على من رواه عنه.\nكما اختلف على عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الراوي عن أم سلمة:\nفرواه زيد بن عبد الله بن عمر عنه، عن أم سلمة كما في الصحيحين بدون ذكر الأكل والذهب.\nورواه أبو عاصم عن عثمان بن مرة به كما في صحيح مسلم (٢٠٦٥) واختلف على أبي عاصم:\nفرواه مسلم (٢٠٦٥) عن زيد بن يزيد: أبي معن الرقاشي، حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن مرة، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن أم سلمة بلفظ: من شرب في إناء من ذهب أو فضة فزاد ذكر الذهب، ولم يذكر الأكل.\nورواه أبو يعلى (٦٩٣٩) عن سليمان بن عبد الجبار، عن أبي عاصم به كرواية الجماعة، وهي أولى أن تكون محفوظة، والله أعلم ..\n(^١) المجموع (١/ ٣٠٦) ...","vol":"1","page":354},{"text":"عن البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة، أو قال: آنية الفضة، وعن المياثر، والقسي، وعن لبس الحرير، والديباج، والإستبرق. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-313> دليل من قال: إن النهي عن الأكل والشرب للكراهة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن علة الكراهة للتزهيد فيها، بدليل قول الرسول ﷺ: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة).\n• وأجيب:\nبقوله ﷺ: (فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، وهو وعيد شديد، ولا يكون إلا على محرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>الدليل الثاني:</span>\nلما كان النهي إنما كان من أجل السرف والخيلاء، والتشبه بالأعاجم، فهذا لا يوجب التحريم، كما قالوا: إنما قصد الرسول ﷺ بالحديث المشركين والكفار من ملوك فارس والروم وغيرهم من الذين يشربون في آنية الفضة، فأخبر عنهم، وحذرنا أن نفعل مثل فعلهم ونتشبه بهم (^٢).\n• وأجيب من وجوه:\nالوجه الأول:\nبأن الإسراف حرام، ويكفي قوله تعالى: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: ٣١].\n_________\n(^١) البخاري (٥٦٣٥)، صحيح مسلم (٢٠٦٦).\n(^٢) الاستذكار (٢٦/ ٢٦٨)، المجموع (١/ ٣٠٢) ...","vol":"1","page":355},{"text":"وقوله: (ِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) [الإسراء: ٢٧]، ومثله الخيلاء.\nالوجه الثاني:\nأن التشبه بالكفار وإن كان الأصل فيه الكراهة إلا أنه قد يبلغ الشرك وقد ينزل إلى خلاف الأولى وذلك بالقرائن، وقد جاء في الحديث أنه من التشبه المحرم، للوعيد عليه.\nالوجه الثالث:\nأن الحديث لم يكن يخبر عن حال الكفار، بل قصد الرسول ﷺ نهي أمته عن الشرب في آنية الفضة، فمن شرب فيها بعد علمه بالنهي فقد استحق الوعيد المذكور في الآية، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-316> دليل من قال: يحرم الشرب خاصة:</span>\nهذا مذهب داود الظاهري، باعتبار أن الأكل إنما ورد من طريق مجاهد عن حذيفة، والأكثر على عدم ذكر الأكل.\nوقد اعتبر البخاري زيادة مجاهد زيادة من ثقة، ولهذا خرجها في صحيحه، وقد سبق بحثها.\nوأما حديث أم سلمة فالنهي فيه عن الشرب فقط، ولا يثبت فيه زيادة النهي عن الأكل، ولا شك أن من منع الشرب فقط فقوله نزعة ظاهرية بحتة، لم ينظر إلى علة النهي، والماء مطعوم، وكونه سائلًا لا يخرجه عن ذلك، ولا فرق في الحكم بين الشرب وبين الأكل، بل إن الأكل أولى بالنهي من الشرب، وقد تقدم مثل هذا الكلام، والله أعلم.\nوبناء على ذلك فالراجح ثبوت النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي الأكل إن كان محفوظًا في حديث حذيفة وإلا فهو مقيس عليه.\n* * *","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>المبحث الثاني في استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تخصيص المنع بالأكل والشرب دليل على إباحة ما عداها؛ لأن الأصل الإباحة.\n• تحريم الأكل والشرب أخص من تحريم الاستعمال، وتحريم الأخص لا يدل على تحريم الأعم (^١).\nوقيل:\n• ذكر الأكل والشرب تنبيه على تحريم غيرها من الاستعمالات.\n[م-٥٢] اختلف العلماء في حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، كالادهان، والاكتحال، والتطيب، والوضوء، واتخاذ الأقلام، وأدوات المكتب، ونحوها من الذهب والفضة.\nفقيل: يحرم، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) انظر الفروق للقرافي (٣/ ٧٠).\n(^٢) انظر في مذهب الحنفية: البناية (١١/ ٧٩، ٨٢)، تبيين الحقائق (٦/ ١٠)، شرح فتح القدير (١٠/ ٥)، العناية شرح الهداية (١٠/ ٥)، البحر الرائق (٨/ ٢١٠).\nوانظر في مذهب المالكية: المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٢٥٨)، و(٧/ ٢٣٦)، أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٩٦)، التاج والإكليل (١/ ١٨٤)، الخرشي (١/ ١٠٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٦٤).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٣٠٥)، الغاية والتقريب (ص: ٢٨)، أسنى المطالب (١/ ٢٧)، تحفة المحتاج (١/ ١١٨).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٨٠)، المبدع (١/ ٦٦)، الفروع (١/ ٩٧)، كشاف القناع (١/ ٥١).","vol":"1","page":357},{"text":"وقيل: يكره، ولا يحرم، وهو اختيار أبي الحسن التميمي من الحنابلة (^١).\nوقيل: لا يحرم استعمالها إلا في الأكل والشرب خاصة، اختاره بعض الفقهاء، ورجحه الصنعاني، والشوكاني (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-318> دليل من قال: لا يجوز</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن الله ﷾ إنما حرم الأكل والشرب؛ لأنه نوع من الاستعمال والانتفاع بها، وذكر الأكل والشرب لا يدل على التخصيص؛ لأنه خرج مخرج الغالب.\nقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء: ١٠].\nوقال سبحانه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: ١٣٠].\nمع أن المحرم أعم من مجرد الأكل، فكذلك الحال بالنسبة للذهب والفضة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن العلة في تحريم الشرب منها موجود في الاستعمال؛ لما يتضمنه من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء (^٤).\n_________\n(^١) قال في الفروع (١/ ٩٧): «حكى ابن عقيل في الفصول أن أبا الحسن التميمي قال: إذا اتخذ مسعطًا، أو قنديلًا، أو نعلين، أو مجمرة، أو مدخنة، ذهبًا أو فضةً كره، ولم يحرم». اهـ\n(^٢) نسب ابن مفلح في الفروع (١/ ٩٧) أن تحريم الاستعمال هو قول الجمهور مما يدل على وجود خلاف في المسألة، وجاء في فتح الباري (١/ ١٠٠): «ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب»، وانظر سبل السلام (١/ ٦٣)، نيل الأوطار (١/ ٦٧).\n(^٣) الأوسط (١/ ٣١٨)، المجموع (١/ ٣٠٦).\n(^٤) المغني (١/ ١٠٢). قلت: اختلف في علة النهي عن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة إلى أقوال:\nفقيل: العلة كونها ذهبًا وفضة، ويؤيده قوله ﷺ هي لهم، وإنها لهم ... إلخ. =","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>الدليل الثالث:</span>\nالإجماع على تحريم استعمالها، وقد نقل الإجماع طائفة من العلماء:\nمنهم ابن عبد البر، قال في التمهيد: «والعلماء كلهم لا يجيزون استعمال الأواني من الذهب، كما لا يجيزون ذلك من الفضة» (^١). اهـ\n_________\n= وقيل: لكونهما أثمان الأشياء، وقيم المتلفات، فلو أبيح استعمالهما لأفضى ذلك إلى قلتهما بأيدي الناس، فتفوت الحكمة التي وضعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم، وذكر الغزالي مثالًا له بالحكام الذين وظيفتهم التصرف لإظهار العدل بين الناس، فلو منعوا التصرف لأخل ذلك بالعدل، فكذلك في اتخاذ الأواني من النقدين حبس لهما عن التصرف الذي ينتفع به الناس. وهذه العلة هي الراجحة عند الشافعية.\nويرد على هذا القول جواز اتخاذ الحلي للنساء من النقدين، وجعلهما سبائك ونحوها مما ليس بآنية ولا نقد.\nوقيل: علة التحريم هي السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء.\nويجاب عنه: بجواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة، وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شذ، وقد نقل ابن الصباغ في الشامل الإجماع على الجواز (وإن كان الخلاف محفوظًا وقد أشرت إلى الخلاف فيما سبق).\nكما أن كسر قلوب الفقراء لا ضابط له، فإن قلوبهم تنكسر بالدور الواسعة، والحدائق الجميلة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللذيذة، وغير ذلك من المباحات.\nوقيل: العلة التشبه بالكفار. قال الحافظ: وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك. اهـ\nويجاب: بأن التشبه قد يصل إلى الشرك، وقد ينزل إلى مرتبة ما يسمى خلاف الأولى، ولا يبلغ حتى الكراهة، كالصلاة في النعل، والأصل في النهي عن التشبه حمله على الكراهة إلا لقرينة.\nقيل: إن العلة ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة، ولهذا علل النبي ﷺ بأنها للكفار في الدنيا؛ إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة، فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا، وإنما يستعملها من خرج من عبوديته ورضي بالدينا وعاجلها، وهذه العلة والتي قبلها قريبتان.\nوقيل: العلة التشبه بأهل الجنة، قال تعالى: -يطاف عليهم بآنية من فضة- انظر فتح الباري (١٠/ ١٠٠)، وزاد المعاد (٣/ ١٧٨)، نيل الأوطار (١/ ٦٧).\n(^١) التمهيد (١٦/ ١٠٥).","vol":"1","page":359},{"text":"وقال في الاستذكار: «واختلف العلماء في جواز اتخاذ أواني الفضة بعد إجماعهم على أنه لا يجوز استعمالها لشرب ولا غيره» (^١). اهـ\nوكذلك نقل الإجماع النووي، قال في المجموع: قال أصحابنا: أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمال في إناء ذهب أو فضة، إلا ما حكي عن داود، وإلا قول الشافعي في القديم (^٢).\nوقال ابن قدامة في المغني: «ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، لا أعلم فيه خلافًا» (^٣).\nوممن نقل الإجماع ابن مفلح الصغير (^٤)، والخطيب في مغني المحتاج (^٥)، فهؤلاء جماعة من العلماء منهم المالكي والشافعي والحنبلي نقلوا الإجماع على تحريم الاستعمال.\nقلت: دعوى الإجماع فيها تساهل، والصحيح أن الخلاف محفوظ.\nقال ابن حجر فيما نقله عن القرطبي: «في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب ... إلخ كلامه ﵀» (^٦).\nونص ابن مفلح الكبير في الفروع أن التحريم هو قول الجمهور، مما يدل على أنه لا إجماع في الباب (^٧).\n_________\n(^١) الاستذكار (٢٦/ ٢٧٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٠٦).\n(^٣) المغني (١/ ١٠١).\n(^٤) المبدع (١/ ٦٦).\n(^٥) مغني المحتاج (١/ ٢٩).\n(^٦) الفتح (١/ ١٠٠).\n(^٧) الفروع (١/ ٩٧).","vol":"1","page":360},{"text":"وقال الشوكاني: وأما حكاية النووي للإجماع على تحريم الاستعمال، فلا تتم مع مخالفة داود الظاهري والشافعي وبعض أصحابه، وقد اقتصر الإمام المهدي في البحر على نسبة ذلك إلى أكثر الأمة، على أنه لا يخفى على المنصف ما حجية الإجماع من النزاع، والإشكالات التي لا مخلص منها. اهـ (^١).\nوبهذا يتبين أن دعوى الإجماع غير دقيقة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-322> دليل من قال: لا يحرم إلا الأكل والشرب خاصة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>الدليل الأول:</span>\nالأحاديث نص في تحريم الأكل والشرب، والأصل فيما عداهما الحل، فلا يحرم شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح بتحريم الاستعمال، فتخصيص النبي ﷺ للأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز، ولو كان الاستعمال حرامًا لكان الرسول ﷺ أبلغ الناس، ولما خص الأكل والشرب، فلما خصهما بالذكر قصرنا التحريم عليهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>الدليل الثاني:</span>\nقياس الاستعمال على الأكل والشرب قياس مع الفارق، فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة، قال تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ) [الإنسان: ١٥] وذلك مناط معتبر بالشرع (^٢).\n(١٠٠) وقد روى أحمد، قال: حدثنا يحيى بن واضح وهو أبو تميلة، عن عبد الله ابن مسلم، عن عبد الله بن بريدة،\nعن أبيه قال: رأى رسول الله ﷺ في يد رجل خاتمًا من ذهب، فقال: ما لك ولحلي أهل الجنة؟ قال: فجاء، وقد لبس خاتمًا من صفر، فقال: أجد منك ريح أهل الأصنام؟ قال: فمم أتخذه يا رسول الله؟ قال: من فضة (^٣).\n_________\n(^١) النيل (١/ ٦٧).\n(^٢) النيل (١/ ٦٧).\n(^٣) مسند أحمد (٥/ ٣٥٩).","vol":"1","page":361},{"text":"[في إسناده لين] (^١).\n_________\n(^١) في إسناده عبد الله بن مسلم:\nقال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. الجرح والتعديل (٥/ ١٦٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف. الثقات (٧/ ٤٩).\nوقال الذهبي في الميزان: صالح الحديث.\nوفي التقريب: صدوق يهم.\nواختلف فيه على عبد الله بن مسلم:\nفرواه عنه يحيى بن واضح كما في مسند أحمد (٥/ ٢٥٩)، والترمذي (١٧٨٥) بزيادة: ثم جاءه وعليه خاتم من ذهب، فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة.\nورواه زيد بن الحباب عن عبد الله بن مسلم، واختلف على زيد:\nفرواه الحسن بن علي كما في سنن أبي داود (٤٢٢٣).\nومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، كما في سنن أبي داود (٤٢٢٣)، وشعب الإيمان للبيهقي (٦٣٥٠).\nومحمد بن العلاء الهمذاني كما في صحيح ابن حبان (٥٤٨٨).\nوأحمد بن سليمان، كما في سنن النسائي (٥١٩٥) كلهم رووه عن زيد بن الحباب، عن عبد الله ابن مسلم به بدون ذكر زيادة: ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة.\nوخالفهم محمد بن حميد، كما في سنن الترمذي (١٧٨٥) فروى الحديث عن زيد بن الحباب بإثبات تلك الزيادة.\nوعلى هذا فيحيى بن واضح لم يختلف عليه في إثبات تلك الزيادة، كما في مسند أحمد والترمذي. ويحيى بن واضح روى له الجماعة، وفي التقريب: ثقة. بينما زيد بن الحباب اختلف عليه في ذكر تلك الزيادة، وقد قال الحافظ فيه: صدوق يخطئ في حديث الثوري، روى له مسلم وأصحاب السنن، وعليه فيحيى بن واضح أرجح من زيد بن الحباب، ولكن كما سبق أن قلت: بأن مدار الإسناد على عبد الله بن مسلم، وقد علمت ما فيه.\nوالحديث ذكره الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٢٣٤)، وسكت عليه وقال: رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، ولم أجده في مسند أبي يعلى المطبوع.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو.\nوفي الفتح قال الحافظ عند شرحه لحديث (٥٨٧١): في سنده أبو طيبة: عبد الله بن مسلم المروزي، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان في الثقات: يخطئ ويخالف. فإن كان محفوظًا حمل المنع على ما كان حديدًا صرفًا. وقال التيفاشي في كتاب الأحجار: خاتم الفولاذ، مطردة للشيطان، إذا لوي عليه فضة، فهذا يؤيد المغايرة في الحكم، ثم ذكر حديث سهل بن سعد في قصة الواهبة، وقوله: التمس ولو خاتمًا من حديد، فاستدل به على جواز لبس الخاتم الحديد، ولا حجة فيه؛ لأنه لا يلزم من الاتخاذ جواز اللبس. انظر العلل المتناهية (٢/ ٢٠٦).\nوحديث عبد الله بن عمرو الذي أشار إليه الترمذي قد أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٢١)، من طريق سليمان بن بلال.\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٦١) من طريق أبي غسان، كلاهما عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ولكن ليس فيه موضع الشاهد، وهو قوله: مالي أرى عليك حلية أهل الجنة.","vol":"1","page":362},{"text":"(١٠١) وقد يستدل لهم بما أخرجه النسائي، قال: أخبرنا وهب بن بيان، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أنبأنا عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة، وهو المعافري، حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يخبر أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير، يقول: إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها، فلا تلبسوها (^١).\n[إسناده صحيح] (^٢).\nلكن لا دليل فيه، ولعل المنع هنا من باب الزهد، لا من باب التحريم؛ لأن الحرير وكذا الذهب لا يحرمان على النساء، بل يباحان.\n_________\n(^١) سنن النسائي (٥١٣٦).\n(^٢) والحديث قد أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥) من طريق رشدين بن سعد، وأخرجه النسائي (٥١٣٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٨٣٧)، وفي شرح معاني الآثار (٤/ ٢٥٢)، الطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٢) رقم: ٨٣٥، والحاكم (٤/ ١٩١)، وابن حبان (٥٤٨٦) وابن حزم في المحلى (١٠/ ٨٤) من طرق عن ابن وهب، كلاهما (رشدين وابن وهب) روياه عن عن عمرو بن الحارث به.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والحق أن أبا عشانة لم يخرج له في الصحيحين، وإنما روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه، وقال في التقريب: ثقة، واسمه: حي ابن يؤمن.\nقال ابن حزم: «أبو عشانة غير مشهور في النقل، ثم لو صح لكان عامًا للرجال والنساء، يخصه الخبر الذي فيه: إن الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها». اهـ\nوكلامه حق إلا ما قاله في حق أبي عشانة فإنه ثقة.","vol":"1","page":363},{"text":"وقد أشير إلى الاختلاف في علة النهي عن آنية الذهب والفضة، فارجع إليه، والجزم بأن العلة هي النهي عن التشبه بأهل الجنة فيه شيء، والتشبه بأهل الجنة ليس نقيصة، وقد أذن للمرأة بلباس الحرير والذهب، كما أن الذهب والفضة الموجودان في الجنة غير الموجودين في الدنيا، وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٢) استدل الشوكاني بما رواه أحمد، قال: ثنا أبو عامر، ثنا زهير، عن أسيد بن أبي أسيد، عن نافع بن عياش مولى عبلة بنت طلق الغفاري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من أحب أن يطوق حبيبه طوقًا من نار فليطوقه طوقا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارًا من نار فليسوره بسوار من ذهب، ومن أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ولكن عليكم بالفضة العبوا بها لعبًا (^١).\n[في إسناده ضعف] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢/ ٣٣٤).\n(^٢) في إسناده: أسيد بن أبي أسيد البراد.\nذكره البخاري، ولم يذكر فيه شيئًا. التاريخ الكبير (٢/ ١٣).\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٦/ ٧١).\nقال الدارقطني: يعتبر به. تهذيب التهذيب (١/ ٣٠٠).\nوروى الترمذي (٣٥٧٥) حديث أسيد بن أبي أسيد، عن معاذ بن عبد الله، عن أبيه، في قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاثًا حين يصبح وحين يمسي، وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوقال الذهبي في الكاشف (٤٢٨) والحافظ في التقريب: صدوق.\nولعلهما اعتمدا على تصحيح الترمذي حديثه، لكن تصحيح الترمذي معارض بكلام الدارقطني، فإنه قال عنه: يعتبر به، وهذا عبارة تليين، وليست عبارة تمتين، كما أن أسيد بن أبي أسيد لا يحتمل تفرده بمثل هذا، فالحديث إذا كان أصلًا في الباب احتجنا إلى راو يكون ضابطًا، ولا يكفي في مثل هذا أن يقال في الراوي: يعتبر به، والله أعلم. =","vol":"1","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والحديث قد اختلف في إسناده على أسيد بن أبي أسيد:\nفرواه زهير بن محمد كما في مسند أحمد (٢/ ٣٣٤)، والدراوردي، كما في المسند (٢/ ٣٧٨) وسنن أبي داود (٤٢٣٦)، والبيهقي (٤/ ١٤٠) كلاهما عن أسيد بن أبي أسيد، عن نافع ابن عياش، عن أبي هريرة.\nورواه عبد الله بن دينار، وهو ضعيف، كما في المسند (٤/ ٤١٤) عن أسيد بن أبي أسيد، عن ابن أبي موسى، عن أبيه، أو عن ابن أبي قتادة، عن أبيه.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٤٤٠) والنسائي (٥١٤٢) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٨١٣) من طريق مطرف بن طريف، عن أبي الجهم، عن أبي زيد، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوأبو زيد صاحب أبي هريرة، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٢).\nوقال الذهبي: لا يدرى من هو، تفرد عنه أبو الجهم، شيخ مطرف بن طريف بحديث تحريم حلية الذهب على المرأة. ميزان الاعتدال (١٠٢١٩).\nوقال الحافظ: خرج أحمد من طريق شعبة عن أبي زيد مولى الحسن بن علي عن أبي هريرة حديثًا غير هذا فكأنه هو ورواية شعبة عنه مما يقوي أمره. تهذيب التهذيب (١٢/ ١١٤).\nوليس في مسند أحمد ما قاله الحافظ، وإنما الذي في المسند (٢/ ٣٠١) من طريق شعبة، عن أبي زياد الطحان مولى الحسن بن علي، قال سمعت أبا هريرة.\nولذا قال الحافظ في التقريب: مجهول.\nولا يعتبر بهذا الطريق ليقوي الطريق الآخر؛ لأن الاعتبار بالمتابعات والشواهد ليس مطلقًا، وإنما بشرط ألا يخالف، فكيف إذا خالف الإجماع، فإباحة الذهب للنساء مطلقًا قد حكى فيه الإجماع الجصاص في أحكام القرآن (٤/ ٤٧٧)، والقرطبي في التفسير (١٦/ ٧١، ٧٢)، والنووي في المجموع (٤/ ٤٤٢)، وابن حجر في الفتح (١٠/ ٣١٧)، وغيرهم.\nوجاء الحديث من مسند سهل بن سعد، إلا أنه ضعيف جدًّا، فلا يفرح به، فقد روى الطبراني في الكبير (٥٨١١) عن إسحاق بن داود الصواف التستري، عن محمد بن سنان القزاز، عن إسحاق بن إدريس، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعًا، بلفظ: من أحب أن يسور ولده بسوارين من نار، فليسوره بسوار من ذهب، ولكن الورق والفضة العبوا بها كيف شئتم.\nففي إسناده محمد بن سنان القزاز، جاء في ترجمته:\nقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبى بالبصرة، وكان مستورًا في ذلك الوقت، وأتيته أنا ببغداد، وسألت عنه عبد الرحمن بن خراش، فقال: هو كذاب. الجرح والتعديل (٧/ ٢٧٩).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١٣٣).\nوقال الذهبي: رماه بالكذب أبو داود وابن خراش. المغني في الضعفاء (٢/ ٥٨٩). =","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>الدليل الرابع:</span>\n(١٠٣) ما أخرجه البخاري من طرق عن ابن موهب، قال:\nأرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قصة فيها شعر من شعر النبي ﷺ وكان إذا أصاب الإنسان عين، أو شيء بعث إليها مخضبة، فاطلعت في الجلجل، فرأيت شعرات حمرًا (^١).\nقال ابن حجر في الفتح: وذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين بلفظ: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر ... إلخ الحديث (^٢).\nفإن قيل: هذا موقوف على أم سلمة، فلا حجة في فعل الصحابي ﵁.\nفالجواب: ممكن أن يقال: كون الصحابة يرسلون إليها إذا أصاب الإنسان عين\n_________\n= وذكر مثل هذا في الميزان، وزاد: وأما الدارقطني فمشاه، وقال: لا بأس به. (٦٧٥٧).\nوقال عبد الرحمن بن يوسف: ليس عندي بثقة. تهذيب التهذيب (٩/ ١٨٣).\nوقال الآجري: سمعته -يعني أبا داود- يتكلم في محمد بن سنان، يطلق فيه الكذب. المرجع السابق.\nوفي التقريب: ضعيف.\nوفي إسناده أيضًا: إسحاق بن إدريس البصري، قال البخاري: تركه الناس. التاريخ الكبير (١/ ٣٨٢). وقال أيضًا: سكتوا عنه. التاريخ الأوسط (٢/ ٣١٨).\nوقال ابن معين: ليس بشيء، يضع الأحاديث. الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (١/ ٩٩).\nوقال النسائي: متروك الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: واهي الحديث، ضعيف الحديث، روى عن سويد بن إبراهيم وأبى معاوية أحاديث منكرة. الجرح والتعديل (٢/ ٢١٣).\nوقال الدارقطني: متروك الحديث. لسان الميزان (١/ ٣٥٢).\nوفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ضعيف.\n(^١) البخاري (٥٨٩٦).\n(^٢) الفتح (١٠/ ٣٦٥).","vol":"1","page":366},{"text":"أو شيء دليل على اطلاعهم على هذا، وإقرارهم له، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>الدليل الخامس:</span>\nلو كانت الآنية حرامًا مطلقًا لأمر النبي ﷺ بتكسير الأواني كما بعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب ألا يدع صورة إلا طمسها حين كانت الصورة محرمة مطلقًا.\n(١٠٤) أخرجه مسلم من طريق سفيان بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث.\n(١٠٥) وقد جاء في حديث حذيفة في الصحيحين أنه استسقى، فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين - كأنه يقول: لم أفعل هذا ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة (^١).\nففي هذا الحديث دليل على اقتناء حذيفة للإناء، ولو كان منكرًا لكسره ﵁، والذي أميل إليه أن الاستعمال في غير الأكل والشرب غير محرم، وإن كان الاحتياط تركه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر رقم (٩٧).","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>المبحث الثالث في الطهارة من آنية الذهب والفضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التحريم إذا كان في ركن العبادة وشرطها أثر فيها، وإذا كان في أجنبي عنها لم يؤثر، والإناء في الطهارة أجنبي عنها.\n• الظرف في الطهارة لا يحل شيئًا ولا يحرمه.\n• الوضوء جريان الماء على الأعضاء وليس في ذلك معصية، والمعصية في الظرف وهو ليس شرطًا أو واجبًا في الوضوء.\n[م-٥٣] الخلاف في هذه المسألة إنما يجري على قول من يقول بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، أما من يقصر التحريم على الأكل والشرب، فإنه يصحح الطهارة منها بلا إثم، وهذا واضح.\nوقد اختلف القائلون بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة هل تصح الطهارة منها وفيها مع الإثم أم لا على أقوال:","vol":"1","page":368},{"text":"فقيل: تصح الطهارة منها وبها، وهذا مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: لا تصح الطهارة، وهو قول ضعيف في مذهب المالكية (^٥)، ووجه في مذهب أحمد (^٦)، ورجحه داود الظاهري (^٧)، ونُسِبَ هذا القول لابن تيمية (^٨)،\n_________\n(^١) بريقة محمودية (٤/ ١٠٢)، بل ذهب الحنفية إلى أبعد من هذا، فقالوا كما في البحر الرائق (٨/ ٢١١): إن الأواني الكبيرة المصوغة من الذهب والفضة لأجل أكل الطعام إنما يحرم استعمالها إذا أكل منها باليد أو الملعقة، وأما إذا أخذ منها، ووضع على موضع مباح، فأكل منه لم يحرم؛ لانتفاء ابتداء الاستعمال منها، وكذا الأواني الصغيرة المصنوعة لأجل الإدهان ونحوه، إنما يحرم استعمالها إذا أخذت وصب منها الدهن على الرأس؛ لأنها صنعت لأجل الإدهان منها بذلك الوجه، وأما إذا أدخل يده، وأخذ الدهن، وصبه على الرأس من اليد، فلا يكره؛ لانتفاء ابتداء الاستعمال منها. كما نسب هذا القول مذهبًا لأبي حنيفة كل من النووي في المجموع (١/ ٣٠٧)، وابن قدامة في المغني (١/ ١٠٣)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣١٨).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٥٠٦)، مختصر خليل (١/ ١٠٠)، وقال ابن عبد البر في الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٩): ومن توضأ فيهما أجزأه وضوؤه، وكان عاصيًا باستعمالها، وقد قيل: لا يجزئه الوضوء فيهما، وفي أحدهما، والأول أشهر. واعتبر ابن جزي كراهة الوضوء منهما. انظر القوانين الفقهية (ص: ٢١).\n(^٣) قال الشافعي في الأم (١/ ٢٣): «لا أكره إناء توضئ فيه من حجارة، ولا حديد، ولا نحاس، ولا شيء غير ذوات الأرواح إلا آنية الذهب والفضة فإني أكره الوضوء فيهما».اهـ\nوقال النووي في المجموع (١/ ٣٠٧): «لو توضأ أو اغتسل من إناء الذهب صح وضوؤه وغسله بلا خلاف، نص عليه الشافعي -﵀- في الأم، واتفق الأصحاب عليه». اهـ\n(^٤) المغني (١/ ٥٨)، الفروع (١/ ٩٨)، كشاف القناع (١/ ٥٢)، الإنصاف (١/ ٨١)، شرح الزركشي (١/ ١٦١)، المبدع (١/ ٦٧).\n(^٥) الفواكه الدواني (٢/ ٣١٩)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٩)، القوانين الفقهية لابن جزي (ص: ٢١).\n(^٦) المغني (١/ ٥٨)، الإنصاف (١/ ٨١)، شرح الزركشي (١/ ١٦١)، المبدع (١/ ٦٧).\n(^٧) المحلى (١/ ٢٠٨، ٤٢٦)، ونسب هذا القول مذهبًا لداود الظاهري كل من النووي في المجموع (١/ ٣٠٧)، والحطاب في مواهب الجليل (١/ ٥٠٦).\n(^٨) الإنصاف (١/ ٨١) والذي رجحه ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (١/ ٤٣٨) صحة الطهارة من آنية الذهب والفضة، وقال عن هذا القول بأنه أفقه.","vol":"1","page":369},{"text":"وصححه ابن عقيل من الحنابلة (^١).\nوقيل: يعيد الوضوء في الوقت، ولا يعيد إذا خرج الوقت، وهو قول في مذهب المالكية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-329> دليل من قال: تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>الدليل الأول:</span>\nالأحاديث نصت على تحريم الأكل والشرب، والأصل فيما عداهما الحل، فلا يحرم شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح بتحريم الطهارة من آنية الذهب والفضة، ولو كان مطلق الاستعمال حرامًا لبينته السنة، فقد كان الرسول ﷺ أبلغ الناس، وقد أوتي جوامع الكلم فلما خص التحريم للأكل والشرب قصرنا التحريم عليهما.\nوقد سقت الأدلة الكثيرة على جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب في مسألة مستقلة، فكل دليل سقته هناك يصلح أن يكون دليلًا هنا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>الدليل الثاني:</span>\nأن حقيقة الوضوء: هو جريان الماء على الأعضاء، وليس في ذلك معصية، وإنما المعصية في استعمال الإناء.\nقال ابن تيمية: التحريم إذا كان في ركن العبادة وشرطها أثر فيها، كما كان في الصلاة في اللباس أو البقعة، وأما إذا كان في أجنبي عنها لم يؤثر، والإناء في الطهارة أجنبي عنها، فلهذا لم يؤثر فيها، والله أعلم (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إنه لو أكل أو شرب في إناء الذهب والفضة، لم يكن المأكول والمشروب حرامًا، فكذلك الطهارة؛ لأن المنع إنما هو لأجل الظرف، دون ما فيه.\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٨١)، الفروع (١/ ٩٨).\n(^٢) الفواكه الدواني (٢/ ٣١٩).\n(^٣) الفتاوى الكبرى (١/ ٤٣٨).","vol":"1","page":370},{"text":"قال الشافعي: «لا أزعم أن الماء الذي شرب، ولا الطعام الذي أكل فيها محرم عليه، وكان الفعل من الشرب فيها معصية. فإن قيل: فكيف ينهى عنها ولا يحرم الماء فيها؟ قيل له -إن شاء الله- إن رسول الله ﷺ إنما نهى عن الفعل فيها، لا عن تبرها، وقد فرضت فيها الزكاة، وتمولها المسلمون، ولو كانت نجسًا لم يتمولها أحد، ولم يحل بيعها ولا شراؤها (^١).\n• وقد يتعقب هذا الاستدلال:\nبأن يقال: إن التحريم هنا لنفس الأكل والشرب، ولكن لعارض: وهو كونهما من إناء محرم، بدليل قوله ﷺ: إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. ولا يكون هذا إلا لمحرم، وإنما يجرجر في بطنه الأكل والشرب دون الإناء، ومثله: المال المعصوم إذا غصبه آخر، فإنه يحرم عليه لهذا العارض، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) [النساء: ١٠] وإن كان المأكول ليس محرمًا لذاته، وإنما هو لعارض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>الدليل الرابع:</span>\nأن الوضوء من آنية الذهب والفضة إنما يقع ذلك بعد رفع الماء من الإناء، وفصله عنه، فأشبه ما لو غرف بآنية الفضة في إناء آخر، ثم توضأ منه.\n• وتعقب هذا:\nبأن النبي ﷺ جعل الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، وهو حين انصباب الماء في بطنه يكون قد انفصل عن الإناء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-334> دليل من قال لا تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>الدليل الأول:</span>\nلما حرم استعمال الإناء، وكان في الشرب والتطهر منه معصية الله تعالى -التي هي استعمال الإناء المحرم- صار فاعل ذلك مجرجرًا في بطنه نار جهنم بالنص، وكان\n_________\n(^١) الأم (١/ ٢٣).","vol":"1","page":371},{"text":"في حال وضوئه وغسله عاصيًا لله تعالى بذلك التطهر نفسه، ومن الباطل أن تنوب المعصية عن الطاعة، وأن يجزئ تطهير محرم عن تطهير مفترض.\n• وأجيب:\nبأن هذا الكلام إنما يلتزمه من يرى تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، وقد بينت أن الراجح جواز استعمالهما في غير الأكل والشرب، وعلى التنزل بأن الاستعمال محرم، فإن هناك فرقًا بين التحريم والصحة، فقد يحرم الشيء ويكون صحيحًا، فلا تلازم بين التحريم والصحة، وقد قدمت بأن الفعل المحرم إذا كان في ركن العبادة أو شرطها أثر فيها، وأما إذا كان في أجنبي عنها، لم يؤثر فيها، كتلقي الجلب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: القياس على الصلاة في الدار المغصوبة، والحج من مال حرام، فكما أنه لا تصح الصلاة في الدار المغصوبة، ولا يصح الحج من مال حرام، فكذلك الطهارة في آنية الذهب والفضة.\n• وتعقب من وجهين:\nالأول: لا نسلم عدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة، وكذلك الحج من مال حرام، والقول بصحة الصلاة في الدار المغصوبة هو قول الجمهور، بل إن أصحاب القول الأول عكسوا هذا الدليل، فاستدلوا على صحة الصلاة بالأرض المغصوبة على صحة الطهارة من آنية الذهب والفضة (^١).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ٣٠٧): نقلوا الإجماع على صحة الصلاة في الدار المغصوبة قبل مخالفة أحمد ﵀.\nوانتقد ابن تيمية ﵀ نقل الإجماع، وذكر في أكثر من موضع أن أول من نقل الإجماع في ذلك أبو بكر الباقلاني. وقال عنه في الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٨١): بأنه في أكثر من موضع يدعي إجماعات لا حقيقة لها، كدعواه إجماع السلف على صحة الصلاة في الدار المغصوبة، بكونهم لم يأمروا الأمراء الظلمة بالإعادة، ولعله لا يقدر أن ينقل عن أربعة من السلف أنهم استفتوا في إعادة الظلمة ما صلوه في مكان مغصوب، فأفتوهم بإجزاء الصلاة. اهـ","vol":"1","page":372},{"text":"الوجه الثاني:\nأن هناك فرقًا بين الصلاة في الأرض المغصوبة، والوضوء من آنية الذهب والفضة، فالقيام والركوع والسجود في الدار المغصوبة محرم، وهي أمثال الصلاة، وأمثال الوضوء من الغسل والمسح ليست محرمة، كما أن المكان شرط في الصلاة لا يمكن وجودها إلا به، والإناء ليس بشرط، أشبه ما لو صلى، وفي يده خاتم ذهب (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-337> دليل من قال يعيد الطهارة ما دام في الوقت</span>.\nظاهر أن قول المالكية في هذه المسألة وفي ما شابهها ممن يطلبون الإعادة في الوقت، فإذا خرج الوقت لم يطلب منه الإعادة أنهم لا يرون وجوب الإعادة؛ لأن الذمة لو كانت مشغولة في وجوب الإعادة لم يكن هناك فرق بين الوقت وبين خارج الوقت.\nوقد قال بعضهم عن أصحاب مالك: إن كل موضع يقول فيه مالك: إنه يعيد في الوقت هو استحباب ليس بإيجاب (^٢).\nإلا أن يستدل في قصة المسيء صلاته، فإنه قال له: ارجع فصل فإنك لم تصل، فطلب منه الإعادة في الوقت، ولم يطلب منه إعادة كل ما صلى.\nفإن كانت الإعادة مستحبة، كان أدلة هذا القول لا تخرج عن أدلة قول من يرى وجوب الإعادة، إلا أنه حمل الأمر فيها على الاستحباب وغيره حملها على الوجوب.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة كل فريق الذي يظهر لي أن القول بصحة الطهارة أرجح لقوة أدلته، وأن الصحة والتحريم على القول بتحريم الطهارة من آنية الذهب والفضة غير متلازمين، فقد يحرم الشيء ويصح، وقد يكون محرمًا باطلًا، والنهي لم يكن عائدًا للوضوء، وإنما هو لأمر خارج، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الشرح الكبير (١/ ٨٨)، المبدع (١/ ٦٧).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٠٥).","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>المبحث الرابع في اتخاذ أواني الذهب والفضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تحريم الأعلى لا يتناول الأدنى.\n• تحريم الأكل والشرب أخص من تحريم الاستعمال والاتخاذ، وتحريم الأخص لا يدل على تحريم الأعم (^١).\nوقيل:\n• ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي والخمر.\n• الاتخاذ ذريعة إلى الاستعمال، وسد الذريعة واجب.\nالفرق بين الاتخاذ والاستعمال:\nأن الاستعمال يعني التلبس بالانتفاع، بينما الاتخاذ يعني أن يقتنيه دون أن ينتفع به، كأن يتخذه إما للزينة، أو للتمول أو لغيرهما.\n[م-٥٤] وقد اختلف العلماء في حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة:\n_________\n(^١) انظر الفروق للقرافي (٣/ ٧٠).","vol":"1","page":374},{"text":"فقيل: يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: لا يحرم، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nوقيل: يكره، اختاره بعض الحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-339> دليل من قال بتحريم الاتخاذ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>الدليل الأول:</span>\nقالوا: كل ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه (^٤).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: أحكام القرآن (٤/ ٩٧)، مواهب الجليل (١/ ٢٨)، الخرشي (١/ ١٠٠)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٦١)، التاج والإكليل (١/ ١٨٣، ١٨٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٦٤)، المنتقى للباجي (٧/ ٢٣٦)، الاستذكار (٢٦/ ٢٧٠).\nوانظر في مذهب الشافعية: أسنى المطالب (١/ ٢٧)، كفاية الأخيار (١/ ٣٣)، المجموع (١/ ٣٠٨)، حواشي الشرواني (٤/ ٢٣٩).\nوانظر في مذهب الحنابلة: مطالب أولي النهى (١/ ٥٥)، كشاف القناع (١/ ٥١)، الإنصاف (١/ ٧٩)، الكافي (١/ ١٧)، الفروع (١/ ٩٧).\n(^٢) انظر مذهب الحنفية: حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤٢)، البناية (١١/ ٧٩)، تكملة فتح القدير (١٠/ ٥)، تبيين الحقائق (٦/ ١٢).\nوانظر قول المالكية في حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٦١)، التاج والإكليل (١/ ١٨٣، ١٨٤).\nوانظر قول الشافعية: في المجموع (١/ ٣٠٨)، وذكر أن بعض أصحاب الشافعي حكاه قولين، ومنهم من حكاه وجهين.\nوانظر قول الحنابلة في الإنصاف (١/ ٨٠)، الفروع (١/ ٩٧).\n(^٣) حكى ابن عقيل في الفصول عن أبي الحسن التميمي أنه قال: إذا اتخذ مسعطًا، أو قنديلًا، أو نعلين، أو مجمرة، أو مدخنة ذهبًا أو فضة كره، ولم يحرم ... إلخ، انظر الفروع (١/ ٩٧)، الإنصاف (١/ ٨٠).\n(^٤) ذكر هذه القاعدة ابن قدامة في الكافي (١/ ١٧)، والنووي في المجموع (١/ ٣٠٨)، وانظر كفاية الأخيار (١/ ٣٣).","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>الدليل الثاني:</span>\nأن الاتخاذ ذريعة إلى الاستعمال، وسد الذريعة واجب (^١).\nقال ابن عبد البر: «معلوم أن من اتخذها لا يسلم من بيعها، أو استعمالها؛ لأنها ليست مأكولة، ولا مشروبًا، فلا فائدة فيها غير استعمالها ...» إلخ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن العلة في تحريم الاستعمال هو السرف والخيلاء، وهي موجودة في الاتخاذ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>الدليل الرابع:</span>\nقوله ﷺ: فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة، مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، وهو دليل على تحريم الاتخاذ والاستعمال (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-344> دليل من قال بجواز الاتخاذ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>الدليل الأول:</span>\nأن الخبر إنما ورد بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب فلا يتعداه إلى غيره.\nالدليل الثاني:\nكل دليل استدلوا به على جواز الاستعمال، فقد استدلوا به على جواز الاتخاذ، لأنه لا يمكن أن يستعملها إلا وقد اتخذها.\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ٦٤)، بل ذهبت الشافعية والمالكية إلى أنه لا ضمان على من كسرها.\nقال الخرشي في حاشيته (١/ ١٠٠): «ولا ضمان على من كسره وأتلفه، إذا لم يتلف من العين شيئًا على الأصح، ويجوز على ما في المدونة بيعها، لأن عينها تملك إجماعًا».\nوقال في كفاية الأخيار وهو من الشافعية: (١/ ٣٤) «لو كسر شخص هذه الأواني فلا أرش عليه».\n(^٢) الاستذكار (٢٦/ ٢٧٠).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٠٨).\n(^٤) المنتقى للباجي (٧/ ٢٣٦).","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>الدليل الثالث:</span>\nجاء في الصحيحين أن الصحابي حذيفة ﵁ اقتنى الآنية مع كونه يرى تحريم الشرب فيها،\n(١٠٦) فقد روى البخاري من طريق سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهدًا يقول:\nحدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. ورواه مسلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: يجوز اتخاذ أواني الذهب والفضة قياسًا على جواز اتخاذ ثياب الحرير، فإنها مع كونها يحرم استعمالها للرجال، فإنه يجوز للرجل أن يتخذها، ويتاجر فيها (^٢).\n• وأجاب المانعون:\nبأن ثياب الحرير لا تحرم مطلقًا فإنها تباح للنساء، بينما آنية الذهب والفضة تحرم على الرجال والنساء، وإنما أبيح التحلي في حق المرأة لحاجتها إلى التزين للزوج والتجمل له، وهذا مقصور على الحلى، فتختص الإباحة به. وقد نقل النووي الإجماع على تحريم آنية الذهب والفضة على الجنسين: الرجل والمرأة (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر رقم (٩٧).\n(^٢) المغني (١/ ٥٩).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٠٦)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٨٤).","vol":"1","page":377},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-348> دليل من قال بالكراهة:</span>\nحملوا أدلة من قال بالمنع أن المنع لكراهة التنزيه، وأن العلة عندهم ما دامت من أجل السرف والخيلاء فلا تصل للتحريم.\nوقد أجبت عن هذا عند ذكر الخلاف باستعمال أواني الذهب والفضة.\n• الراجح من هذا الخلاف:\nأن من قصر التحريم على الأكل والشرب فهو أسعد بالنص، والدليل على جواز الاتخاذ أقوى من دليل جواز الاستعمال، ذلك أن الأكل والشرب قد يقال: إنه نوع من الاستعمال، وإن كان النص على الأكل والشرب أخص من تحريم الاستعمال، وقد رأيت في نهاية هذا البحث أن أختمه بكلام نفيس لابن تيمية ﵀، حيث قال:\n«إذا كان تحريم الذهب والحرير على الرجال يقتضي شمول التحريم لأبعاض ذلك: بقي اتخاذ اليسير لحاجة أو مطلقًا، فاتخاذ اليسير فيه تفصيل، ولهذا تنازع العلماء في جواز اتخاذ الآنية بدون استعمالها، فرخص فيه أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في قول، وإن كان المشهور عنهما تحريمه، إذ الأصل أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي.\nوأما إذا كانت الفضة التابعة كثيرة ففيها أيضًا قولان في مذهب الشافعي وأحمد، وفي تحديد الفرق بين الكثير واليسير، والترخيص في لبس خاتم الفضة أو تحلية السلاح من الفضة، وهذا فيه إباحة يسير الفضة مفردًا، لكن في اللباس والتحلي، وذلك يباح منه مالا يباح في باب الآنية، كما تقدم التنبيه على ذلك، ولهذا غلط بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، حيث حكى قولًا بإباحة يسير الذهب تبعًا في الآنية عن أبي بكر عبدالعزيز، وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس والتحلي كعلم الذهب ونحوه.\nوفي يسير الذهب في (باب اللباس) عن أحمد أقوال:","vol":"1","page":378},{"text":"أحدها: الرخصة مطلقًا، لحديث معاوية: نهى عن الذهب إلا مقطعًا (^١).\n_________\n(^١) هذا الحديث رواه عن معاوية جماعة، منهم:\nأبو قلابة، ولم يسمع من معاوية، فهو منقطع.\nورواه قتادة ومطر بن طهمان عن أبي الشيخ الهنائي عن معاوية.\nوتابعهما بيهس بن فهدان على اختلاف عليه كما سيأتي.\nورواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي الشيخ الهنائي، عن أخيه حمان وقيل: أبو حمان، عن معاوية، فأدخل بين أبي الشيخ ومعاوية أخاه حمان، وهو مجهول.\nقال النسائي: قتادة أحسن من يحيى بن أبي كثير، وحديثه أولى بالصواب، انظر السنن الكبرى للنسائي (٤٩٦٠).\nوكذا رجح الدارقطني رواية قتادة، نقلًا من تهذيب السنن لابن القيم (٥/ ١٥٢) وفيه: «قال الدارقطني: القول قول من لم يدخل بين أبي الشيخ ومعاوية فيه أحدًا- يعني: قتادة ومطرفًا وبيهس بن فهدان». اهـ\nوجاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٨٤): «سألت أبي عن حديث رواه معمر، عن قتاده، عن أبي شيخ الهنائي، عن معاوية، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الذهب إلا مقطعًا، وعن ركوب النمور؟ قال: رواه يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو شيخ، عن أخيه حمان، عن معاوية، عن النبي ﷺ قال: أدخل أخاه، وهو مجهول، فأفسد الحديث».\nفإن رجحنا رواية قتادة كما قال النسائي والدارقطني، فقتادة مدلس، وقد عنعن، لكن متابعة مطر بن طهمان وبيهس بن فهدان تقوي طريق قتادة، فيكون الحديث حسنًا لغيره.\nوإن رجحنا طريق يحيى بن أبي كثير، ففيه بين أبي الشيخ ومعاوية رجل ضعيف، وهو أخو أبي الشيخ، مع العلم أن رواية يحيى بن أبي كثير فيها اضطراب كثير، فلعل الراجح هو رواية قتادة، عن أبي الشيخ.\nوأبو الشيخ الهنائي قد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٣٠)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٤٠١) وسكتا عليه، فلم يذكرا فيه شيئًا.\nوقال ابن سعد: أبو الشيخ الهنائي من الأزد، وكان ثقة، وله أحاديث. الطبقات الكبرى (٧/ ١٥٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٤/ ١٩٢).\nوقال العجلي: بصري تابعي ثقة. معرفة الثقات (٢/ ٤٠٧).\nوقال الذهبي: تابعي كبير صدوق. المغني في الضعفاء (١/ ١٢٦)، بينما قال في الكاشف (٦٦٨٢): ثقة. =","vol":"1","page":379},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الحافظ في التقريب: ثقة.\nوإليك تخريج الحديث:\n[روية قتادة، عن أبي الشيخ الهنائي، عن معاوية].\nرواه عن قتادة معمر، وهشام، وهمام، وسعيد بن أبي عروبة ومحمد بن عبيد الله العرزمي على النحو التالي.\nفأخرجها عبدالرزاق (١٩٩٢٧) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي، أن معاوية قال لنفر من أصحاب النبي ﷺ: تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود النمور أن تركب عليها؟ . قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعًا. قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة؟ فقالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن المتعة؟ -يعني: متعة الحج - قالوا: اللهم لا. قال: بلى إنه في هذا الحديث. قالوا: لا.\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٤/ ٩٥)، ورواه الطبراني أيضًا في الكبير (١٩/ ٣٥٢) رقم ٨٢٤.\nورواية معمر عن قتادة متكلم فيها، لكن ذلك قد زال بكثرة المتابعات من أصحاب قتادة.\nوأخرجها أحمد أيضًا (٤/ ٩٢) قال: ثنا عفان، وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب (٤١٩) حدثني أبو الوليد، وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٢٥٠).\nوالطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٣٥٣) رقم ٨٢٥ من طريق حجاج بن المنهال، كلهم عن همام، حدثنا قتادة به.\nورواه أحمد (٤/ ٩٩) عن محمد بن جعفر، والنسائي في الكبرى (٩٤٥٣)، وفي الصغرى (٥١٥١) من طريق ابن أبي عدي.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٥٣) رقم ٨٢٦ من طريق يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن سعيد ابن أبي عروبة به. ويزيد بن زريع قد سمع من سعيد قبل اختلاطه.\nورواه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٥٣) رقم ٨٢٧، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٩) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة به. فهؤلاء كبار أصحاب قتادة، هشام وهمام وسعيد رووه عن قتادة، ومعهم معمر.\nورواه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٥٤) رقم ٨٢٨. من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي، عن قتادة، والعرزمي ضعيف جدًّا.\nوقد تابع قتادة متابعة تامة مطر بن طهمان، وبيهس بن فهدان عند النسائي. =","vol":"1","page":380},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقد أخرج النسائي في السنن الكبرى (٩٤٥٤)، وفي الصغرى (٥١٥٢) قال: أخبرنا أحمد بن حرب. قال: أنبأنا أسباط، عن مغيرة، عن مطر، عن أبي الشيخ الهنائي به ... ومطر بن طهمان ضعيف، وينجبر بمتابعة قتادة.\nوأحمد بن حرب المغيرة بن مسلم صدوقان، قاله الحافظ في ترجمتهما في التقريب.\nوأما متابعة بيهس بن فهدان، فقد اختلف عليه فيها:\nفرواه أحمد (٤/ ٩٨) عن وكيع.\nوالنسائي في السنن الكبرى (٩٤٦١)، وفي الصغرى (٥١٥٩) من طريق النضر بن شميل.\nوالطبراني في الكبير (١٩/ ٣٥٤) رقم ٨٢٩ من طريق عثمان بن عمر، ثلاثتهم عن بيهس بن فهدان، عن أبي الشيخ الهنائي، عن معاوية كإسناد قتادة ..\nوبيهس بن فهدان، قال فيه يحيى بن معين: ثقة. انظر الجرح والتعديل (٢/ ٤٣٠)، وباقي رجال الإسناد ثقات.\nوخالفهم علي بن غراب، فرواه النسائي (١/ ٥١٦٠). قال: أخبرني زياد بن أيوب، قال حدثنا علي بن غراب، قال حدثنا بيهس بن فهدان قال: أنبأنا أبو شيخ قال: سمعت ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الذهب إلا مقطعًا.\nقال النسائي: «حديث النضر - يعني عن بيهس - أشبه بالصواب. أهـ\nقلت: علي بن غراب قال فيه الحافظ في التقريب (٤٧٨٣): صدوق، وكان يدلس، ويتشيع، وأفرط ابن حبان في تضعيفه، وجاء في الجرح والتعديل (٦/ ٢٠٠): «عن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن علي بن غراب المحاربي فقال: سمعت منه مجلسًا واحدًا وكان يدلس، وما أراه إلا كان صدوقًا».\nوقال فيه ابن نمير: «علي بن غراب يعرفونه بالسماع، وله أحاديث منكرة».\nوقال فيه يحيى بن معين: صدوق.\nوجعله الحافظ في المرتبة الثالثة من المدلسين، وهو هنا قد صرح بالسماع، لكن النضر بن شميل لا يقارن أبدًا بعلي بن غراب لو انفرد كيف وقد توبع النضر بن شميل كما سبق. فإسناد علي بن غراب إسناد شاذ.\nوالحديث قد اختلف فيه على أبي الشيخ فيه. فتارة يرويه عن معاوية مباشرة كما سبق، وتارة يرويه عن أبي حمان عن معاوية كما في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي الشيخ.\nورواية يحيى بن أبي كثير قد اختلف عليه فيها:\nفرواه النسائي في السنن الكبرى (٩٤٥٥) وفي الصغرى (٥١٥٣) من طريق علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي شيخ الهنائي، عن أبي حمان، عن معاوية.\nوقيل: عن حمان بدون كلمة أبي. =","vol":"1","page":381},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه النسائي في الكبرى (٩٤٥٦) وفي الصغرى (٥١٥٤) والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٥٥) رقم ٨٣١ من طريق حرب بن شداد، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو الشيخ عن أخيه حمان، عن معاوية به.\nورواه الأوزاعي، واختلف عليه أيضًا:\nفرواه النسائي في السنن الكبرى (٩٤٦٠) من طريق يحيى بن حمزة، قال: حدثني عبد الله الأوزاعي، قال: حدثني يحيى، قال: حدثني حمان.\nورواه النسائي في الكبرى (٩٤٥٧) وفي الصغرى (٥١٥٥) والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٥٤) رقم: ٨٣٠ من طريق شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو الشيخ الهنائي، قال حدثني حمان.\nورواه النسائي في الكبرى (٩٤٥٨) وفي الصغرى (٥١٥٦) من طريق عمارة بن بشر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو إسحاق، قال: حدثني حمان به.\nوأخرجه النسائي أيضًا في الكبرى (٩٤٥٩) وفي الصغرى (٥١٥٧) من طريق عقبة، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى، قال: حدثني أبو إسحاق، قال: حدثني ابن حمان .. وذكر الحديث.\nورجح النسائي في الاختلاف على الأوزاعي طريق عمارة فقال: (٨/ ١٦٣) قال أبو عبد الرحمن: «عمارة أحفظ من يحيى، وحديثه أولى بالصواب. يعني: يحيى بن حمزة. ولفظ حديث حمان عن معاوية يختلف عن لفظ أبي الشيخ الهنائي عن معاوية السابق. فلفظ حديث حمان ليس فيه الاستثناء إلا مقطعًا».\nوهاك روايات الحديث عند النسائي، جاء عنده (٥١٥٣): أن معاوية عام حج، جمع نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ في الكعبة، فقال لهم: أنشدكم الله أَنَهَىَ رسول الله ﷺ عن لبس الذهب. قالوا: نعم. قال: وأنا أشهد.\nوفي رواية (٥١٥٤): مثله إلا أنه قال: عن لبوس الذهب. قالوا: نعم. قال: وأنا أشهد.\nوفي رواية (٥١٥٥): ألم تسمعوا رسول الله ﷺ ينهى عن الذهب. قالوا: نعم. قال: وأنا أشهد.\nوحمان هذا يقال له: حمان، ويقال له: أبو حمان، ويقال حمران: أخو أبي الشيخ الهنائي.\nروى عنه اثنان: أبو إسحاق السبيعي، وأخوه أبو شيخ الهنائي، ولم يوثقه إلا ابن حبان.\nقال عنه الحافظ في التقريب (١٥١١): مستور. وسبق لنا كلام أبي حاتم في العلل أنه مجهول.\n[وأما رواية أبي قلابة عن معاوية].\nفرواها أحمد (٤/ ٩٣)، وأبو داود (٤٢٣٩) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٧٧) من طريق حميد بن مسعدة: كلاهما (أحمد وحميد) عن إسماعيل بن علية.\nورواه النسائي في الكبرى (٩٤٥٢) وفي الصغرى (٥١٥٠) من طريق عبد الوهاب بن =","vol":"1","page":382},{"text":"والثاني: الرخصة في السلاح فقط.\nوالثالث: في السيف خاصة.\nوفيه وجه بتحريمه مطلقًا، لحديث أسماء: لا يباح من الذهب ولا خريصة (^١).\n_________\n= عبد المجيد، كلاهما (إسماعيل وعبد الوهاب) عن خالد الحذاء، عن ميمون القناد، عن أبي قلابة، عن معاوية بن أبي سفيان به.\nواختلف على خالد الحذاء، فرواه إسماعيل بن علية وعبد الوهاب بن عبد المجيد، عن خالد، عن ميمون، عن أبي قلابة.\nوخالفهما سفيان بن حبيب، فرواه عن خالد، عن أبي قلابة بدون ذكر ميمون كما في سنن النسائي (٥١٤٩).\nقال أبو داود: أبو قلابة لم يلق معاوية. اهـ ومثله قال أبو حاتم الرازي.\nوميمون القناد: هذا مجهول الحال، ليس له في أبي داود والنسائي إلا هذا الحديث، روى عنه جماعة، ولم يوثقه إلا ابن حبان. قال عنه أحمد بن حنبل: ميمون القناد قد روى هذا الحديث، وليس بمعروف.\nوقال عنه في التقريب: مقبول. أي حيث توبع.\nوقال الحافظ المنذري في مختصر سنن أبي داود (٦/ ١٢٨): «قال البخاري: ميمون القناد عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة مراسيل». وانظر ترجمته في تهذيب الكمال (٨/ ١٧٧)، فهذان انقطاعان في الحديث.\nفالخلاصة: حديث قتادة عن أبي الشيخ الهنائي عن معاوية ليس فيه إلا عنعنة قتادة، وتزول بالمتابعة فقد تابعه في الرواية عن أبي الشيخ الهنائي كل من مطر بن طهمان، وبيهس بن فهدان.\nومتابعة أبي قلابة وإن كان فيها انقطاع إلا أنها صالحة في المتابعات.\nأما الحديث من طريق حمان، أو أبي حمان، فإن إسناده مضطرب اضطرابًا لا يصلح الاحتجاج به. والله أعلم.\nوالمقصود بالنهي عن الذهب هو في حق الرجال خاصة، ولذلك ذكر معه الحرير، وهو مباح في حق النساء، وقد نقل الإجماع غير واحد على جواز لبس الذهب للنساء، منهم ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٦٤).\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٤٥٣) حدثنا محمد بن عبيد، ثنا داود يعني: ابن يزيد الأودي، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ: لا يصلح شيء من الذهب ولا بصيصة.\nوفي إسناده داود بن يزيد الأودي. =","vol":"1","page":383},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: داود بن يزيد يحدث عن الشعبي ضعيف الحديث. الجرح والتعديل (٣/ ٤٢٧).\nوقال أحمد أيضًا: داود الأودي واه. ضعفاء العقيلي (٢/ ٤٠).\nقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين أنه قال: داود بن يزيد الأودي: ليس حديثه بشيء. الجرح والتعديل (٣/ ٤٢٧).\nوفي إسناده أيضًا: شهر بن حوشب، مختلف فيه، والأكثر على ضعفه. وفي التقريب: صدوق كثير الإرسال والأوهام. وانظر أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه في كتابي الحيض والنفاس. فالسند ضعيف.\nواختلف على شهر بن حوشب، فرواه داود بن يزيد الأودي، عن شهر، عن أسماء بنت يزيد.\nورواه عبد الجليل القيسي عن شهر به بلفظ: من تحلى وزن عين جرادة من ذهب أو خز بصيصة كوي بها يوم القيامة إلا أنه ذكر فيه قصة، وجعلها متعلقة بخالة أسماء، وليست بأسماء.\nفقد رواه أحمد (٦/ ٤٥٩، ٤٦٠) حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أنا عبد الجليل القيسي، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد كانت تخدم النبي ﷺ قالت: بينما أنا عنده إذ جاءته خالتي، قالت: فجعلت تساءله، وعليها سوارين من ذهب، فقال لها النبي ﷺ: أيسرك أن عليك سواران من نار، قالت: ياخالتي إنما يعني سواريك هذين، قالت: فألقتهما. قالت: يانبي الله إنهن إذا لم يتحلين صلفن عند أزواجهن، فضحك رسول الله ﷺ، وقال: أما تستطيع إحداكن أن تجعل طوقًا من فضة، وجمانة من فضة، ثم تخلقه بزعفران فيكون كأنه من ذهب، فإنه من تحلى وزن عين جرادة من ذهب أو خز بصيصة كوي بها يوم القيامة.\nورواه عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر، فخالفه في المتن، فلم يحرم الرسول ﷺ عليها الذهب، وإنما طلب منها أداء زكاته. فقد روى الإمام أحمد (٦/ ٤٦١) حدثنا علي بن عاصم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي ﷺ وعليها سواران من ذهب، فقال لنا: أتعطيان زكاته؟ فقلنا: لا. فقال: أما تخافان أن يسوركما الله بسوارين من نار.\nوهذا إسناد ضعيف فيه علي بن عاصم متكلم فيه.\nورواه قتادة، عن شهر، واختلف عليه، فرواه هشام، عن قتادة، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري مرسلًا.\nأخرجه أحمد (٤/ ٢٢٧) قال: ثنا عبد الصمد، ثنا هشام، عن قتادة، عن شهر، عن عبد الرحمن ابن غنم أن رسول الله ﷺ قال: من تحلى أو حلي بخز بصيصه من ذهب كوي بها يوم القيامة.\nوهذا مرسل، ورجاله ثقات.\nورواه همام، عن قتادة، عن شهر، عن أسماء. =","vol":"1","page":384},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرجه أحمد (٦/ ٤٦٠) قال: حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أسماء قالت: انطلقت مع خالتي إلى النبي ﷺ وفي يدها سواران من ذهب، أو قالت: قلبان من ذهب، فقال لي: أيسرك أن يجعل في يدك سواران من نار، فقلت لها: يا خالتي أما تسمعين ما يقول؟ . قالت: وما يقول؟ . قلت: يقول: أيسرك أن يجعل في يدك سواران من نار، أو قال: قلبان من نار. قالت: فانتزعتهما فرمت بهما فلم أدر أي الناس أخذهما.\nوهشام أثبت من همام في قتادة. بل قال شعبة: هشام أثبت مني في قتادة، لكن همامًا قد توبع في جعله من مسند أسماء.\nورواه ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب به. عند ابن حزم في المحلى (١٠/ ٨٣) وليث بن أبي سليم: ضعيف.\nوتابع شهرًا محمود بن عمرو الأنصاري عن أسماء، ولكن لم يذكر فيه قصة السوارين، فقد أخرج الحديث أحمد في المسند (٦/ ٤٥٥، ٤٥٧) والنسائي (٥١٣٩) والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٨٦) رقم: ٤٦٩ من طرق عن هشام.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٤٦٠)، وأبو داود (٤٢٣٨) من طريقين عن أبان بن يزيد العطار، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٤١) من طريق همام، ثلاثتهم (هشام وأبان وهمام)، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمود بن عمرو، عن أسماء بلفظ: أيما امرأة تحلت قلادة من ذهب جعل في عنقها مثلها من النار يوم القيامة، أيما امرأة جعلت في أذنها خرصة من ذهب جعل في أذنها مثلها من النار يوم القيامة.\nقال المنذري في الترغيب (١/ ٣١٣) رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد.\nوالحديث في إسناده: محمود بن عمرو ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٨/ ٢٩٠).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٣٤).\nوقال ابن حزم: ضعيف. المحلى (١٠/ ٨٣).\nوقال أبو الحسن بن القطان: مجهول الحال. تهذيب التهذيب (١٠/ ٥٨).\nوقال الذهبي: فيه جهالة. ميزان الاعتدال (٨٣٧٥).\nهذا فيما يتعلق بتخريج الحديث.\nوقد قال ابن القيم في تهذيب السنن (٦/ ١٢٨): «وقد روي في حديث آخر احتج به أحمد: (من تحلى بخريصة كوي بها يوم القيامة) فقال الأثرم: فقلت: أي شيء خريصة؟ قال: شيء صغير مثل الشعيرة. وقال غيره: من عين الجرادة.\nوسمعت شيخ الإسلام يقول: حديث معاوية في إباحة الذهب مقطعًا هو من التابع غير المفرد كالزر والعلم ونحوه، وحديث الخريصة هو في المفرد كالخاتم وغيره.","vol":"1","page":385},{"text":"والخريصة: عين الجرادة، لكن هذا يحمل على الذهب المفرد دون التابع، ولا ريب أن هذا محرم عند الأئمة الأربعة، لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن خاتم الذهب، وإن كان قد لبسه من الصحابة من لم يبلغهم النهي.\nولهذا فرق أحمد وغيره بين يسير الحرير مفردًا كالتكة فنهى عنه، وبين يسير غيره تبعًا كالعلم، إذ الاستثناء وقع في هذا النوع فقط.\nفكما يفرق في الرخصة بين اليسير والكثير، فيفرق بين التابع والمفرد، ويحمل حديث معاوية (إلا مقطعًا) على التابع لغيره، وإذا كانت الفضة قد رخص منها في باب اللباس والتحلي من اليسير، وإن كان مفردًا، فالذين رخصوا في اليسير أو الكثير التابع في الآنية ألحقوها بالحرير الذي أبيح يسيره تبعًا للرجال في الفضة التي أبيح يسيرها مفردًا أولًا. ولهذا أبيح في أحد قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد حلية المنطقة من الفضة وما يشبه ذلك من لباس الحرب كالخوذة، والجوشن، والران، وحمائل السيف.\nوأما تحلية السيف بالفضة فليس فيه خلاف.\nوالذين منعوا قالوا: الرخصة وقعت في باب اللباس دون باب الآنية، وباب اللباس أوسع كما تقدم.\nوقد يقال: إن هذا أقوى، إذ لا أثر في هذه الرخصة والقياس كما ترى.\nوأما المضبب بالذهب، فهذا داخل في النهي، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. والخلاف المذكور في الفضة منتف هنا، لكن في يسير الذهب في الآنية وجه للرخصة فيه (^١).\nفمن خلال هذا الكلام لابن تيمية يتبين لنا ما يلي:\nالتفريق في الذهب والفضة بين المفرد والتابع. فيحرم مفرد الذهب ولو يسيرًا، ويباح التابع في اللباس.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٨٦ - ٨٨).","vol":"1","page":386},{"text":"والتفريق بينهما في باب الآنية، وباب اللباس. فباب اللباس أوسع من باب الآنية.\nكما أنه يدل على إباحة الخاتم من الفضة، وكذلك تحلية السيف، والذي يظهر لي أن الفضة الأصل فيها الحل إلا ما دل عليه الدليل كالنهي عن الأكل والشرب فيها، ولذلك اتخذ الرسول ﷺ خاتمًا من ورق، فالفرق بين الذهب والفضة ظاهر من حيث الأدلة، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>الفصل الثالث في الأواني المضببة بالذهب والفضة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>المبحث الأول في تضبيب الأواني بالذهب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>الفرع الأول في تعريف الضبة</span>\nجاء في المطلع على أبواب المقنع: المضبب: هو الذي عمل فيه ضبة.\nقال الجوهري: هي حديدة عريضة يضبب بها الباب - يريد والله أعلم- أنها في الأصل كذلك، ثم تستعمل من غير الحديد، وفي غير الباب. اهـ (^١).\nوجاء في المغني في الإنباء: المضبب من الأقداح: هو الذي أصابه صدع: أي شق، فسويت له كتيفة عريضة من الفضة أو غيرها، وأحكم الصدع بها، فالكتفية يقال لها: ضبة، وجمعها: ضبات اهـ (^٢).\nوفي تحرير ألفاظ التنبية: الضبة: قطعة تسمر بها في الإناء ونحوه (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) المطلع على أبواب المقنع (ص: ٩).\n(^٢) المغني في الإنباء عن غريب المهذب والأسماء (١/ ٢٣).\n(^٣) تحرير الفاظ التنبيه (ص: ٣٣).","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>الفرع الثاني في حكم تضبيب الأواني بالذهب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.\n• يثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالًا وقصدًا.\n• تحريم الأعلى لا يشمل الأدنى، وتحريم الأدنى تحريم للأعلى بطريق الأولى (^١).\n• آنية الفضة كآنية الذهب بالتحريم، وهما سواء في حكم التضبيب.\nوقيل:\n• استعمال الجزء في حكم استعمال الكل.\n[م-٥٥] وإذا عرفنا التضبيب بقي علينا أن نعرف حكم التضبيب بالذهب والفضة، والمقصود حكم الأكل من الإناء المضبب عند من قصر التحريم على الأكل والشرب، أو الاستعمال والاتخاذ عند من قال بتحريم استعمال آنية الذهب واتخاذها مطلقًا.\n_________\n(^١) فتحريم آنية الذهب لا يشمل آنية من غير الذهب صابه صدع، فأصلح شقه بقطعة يسيرة من الذهب تسمى ضبة، فالأكل في هذا الإناء لا يقال له: أكل في آنية ذهب، فتحريم الأعلى لا يشمل تحريم الأدنى، ومثال آخر لهذه القاعدة: تحريم الخضوع بالقول من المرأة لا يشمل تحريم القول نفسه.","vol":"1","page":389},{"text":"فأما المضبب بالذهب فقد اختلف العلماء في حكم الأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب.\nفقيل: يجوز الأكل والشرب بالإناء المضبب بالذهب، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد (^١)، والقاضي أبي بكر من المالكية (^٢)، والخرسانيين من الشافعية، ونقله الرافعي عن معظم أصحاب الشافعي (^٣)، واختاره أبو بكر من الحنابلة (^٤)، وهو مذهب\nابن حزم (^٥).\nوقيل: يكره، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (^٦)، واختاره بعض المالكية (^٧).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (٥/ ١٣٢)، البحر الرائق (٨/ ٢١١)، شرح فتح القدير (٤/ ٧٩)، الفتاوى الهندية (٥/ ٣٣٤)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٥٥)، الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٦٠).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ١٢٩).\n(^٣) اختار الخرسانيون من الشافعية أن التضبيب بالذهب كالتضبيب بالفضة يباح بشروط معينة، بأن تكون الضبة يسيرة، وأن تكون لحاجة، وسوف نأتي على تفصيل هذه الشروط في بحث التضبيب بالفضة، انظر المجموع (١/ ٣١٢).\n(^٤) المغني (١/ ٥٩)، وخَطَّأ ابن تيمية نسبة هذا القول لأبي بكر، فقال في مجموع الفتاوى (٢١/ ٨٢): «غلط بعض الفقهاء من أصحاب أحمد؛ حيث حكى قولًا بإباحة يسير الذهب تبعًا في الآنية عن أبي بكر بن عبد العزيز، وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس والتحلي، كعلم الذهب ونحوه».\n(^٥) المحلى (٦/ ٩٩)، و(١/ ٤٢٧)، إلا أن ابن حزم أباح استعماله للنساء خاصة دون الرجال؛ لأن استعمال الذهب للرجل لا يجوز، وأما إن كان مضببًا بالفضة جاز استعماله للرجال والنساء؛ لأن استعمال الفضة للرجال جائز.\n(^٦) بدائع الصنائع (٥/ ١٣٢)، الفتاوى الهندية (٥/ ٣٣٤).\n(^٧) قال صاحب مواهب الجليل (١/ ١٢٩): «قال مالك في العتبية: لا يعجبني أن يشرب في إناء مضبب، ولا ينظر في مرآة فيها حلقة، وهو يحتمل التحريم والكراهة، قال ابن عبد السلام: وظاهره الكراهة، وهو الذي عزاه المازري للمذهب، وكذا بعض من تكلم على الخلاف. قال في الإكمال عن المازري: والمذهب عندنا كراهة الشرب في الإناء المضبب، كما كره النظر في مرآة فيها حلقة فضة. قال القاضي عبد الوهاب: ويجوز عندنا استعمال المضبب إذا كان يسيرًا. قال بعض شيوخنا: وعلة مجرد السرف لا تقتضي التحريم كأواني البلور التي لها الثمن الكثير والياقوت؛ فإن استعمالها عندنا جائز غير حرام، لكنه مكروه للسرف انتهى. وانظر الخرشي (١/ ١٠١)، الشرح الصغير (١/ ٦٢).","vol":"1","page":390},{"text":"وقيل: يحرم التضبيب بالذهب مطلقا، سواء كثرت الضبة أو قلت، لحاجة أو لزينة، في موضع الاستعمال أو في غيره.\nوهو المشهور من مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: يباح الإناء المضبب بالذهب للنساء دون الرجال، وهو اختيار ابن حزم ﵀ (^٤).\nوقيل: يباح التضبيب بالذهب بشرط أن يكون يسيرًا، حكاه صاحب الإنصاف عن ابن تيمية، والمعروف عنه المنع (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-353> دليل من قال: يباح المضبب بالذهب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن المحرم هو آنية الذهب والفضة، والمضبب بالذهب ليس إناء من ذهب، فلم يقع عليه النهي، والأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع، والقدر الموجود من الذهب في الإناء هو تابع، وليس بمتبوع، ولذلك لا يجوز لبس الحرير للرجل، وأبيح له لبسه إذا كان تابعًا، كما لو كان يسيرًا، أو كان معلمًا بقدر أربعة أصابع فما دون.\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (٧/ ٢٣٦)، أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٩٧)، التاج والإكليل (١/ ١٨٥، ١٨٦)، الخرشي (١/ ١٠٠، ١٠١)، مواهب الجليل (١/ ١٢٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٦٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٦٢)، منح الجليل (١/ ٥٩).\n(^٢) حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١١٨)، المجموع (١/ ٣١١، ٣١٢)، روضة الطالبين (١/ ٤٦)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٣٢)، أسنى المطالب (١/ ٢٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٠٥).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٥١)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٧)، المغني (١/ ٥٩)، المبدع (١/ ٦٦)، الفروع (١/ ٦٩)، الإنصاف (١/ ٧٩).\n(^٤) المحلى (١/ ٤٢٧).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٨٣)، والمعروف عن ابن تيمية المنع؛ فإنه قال في مجموع الفتاوى (٢١/ ٨٢): وأما المضبب بالذهب فهذا داخل في النهي، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، والخلاف المذكور في الفضة منتف هاهنا، لكن في يسير الذهب في الآنية وجه للرخصة فيه. اهـ","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355><span data-type=\"title\" id=toc-360>الدليل الثاني:</span></span>\nلما استوت الفضة بالذهب في التحريم في باب الآنية، فيحرم إناء الفضة كما يحرم إناء الذهب، فكذلك ينبغي أن يستويا في الضبة، فإذا كانت الضبة من الفضة جائزة، فكذلك الضبة من الذهب.\n• وأجيب:\nبأنه لا يصح القياس على الفضة؛ لأن باب الفضة أوسع، ولذلك أبيح منه الخاتم وقبيعة السيف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-356> دليل من قال: يحرم التضبيب بالذهب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>الدليل الأول:</span>\nالأصل أن الضبة محرمة مطلقًا سواء كانت من ذهب أو فضة، جاء الدليل في جواز التضبيب بالفضة، فبقي الذهب على أصله في التحريم.\nالدليل الثاني:\nقالوا: إذا استعمل جزءًا من الإناء كان في حكم من استعمله كله، فيكون مستعملًا للذهب المحرم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-357> دليل من قال: يكره التضبيب:</span>\nقالوا: إن العلة في تحريم الإناء هي الإسراف والخيلاء، وهذه العلة لا تقتضي التحريم، وإنما تقتضي الكراهة.\nوقد أجيب على هذا التعليل في المسألة السابقة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-358> دليل من قال: يحرم على الرجال خاصة:</span>\nقال: إن تحريم المضبب من الذهب على الرجال دون النساء، ليس لأنه إناء من\n_________\n(^١) المجموع بتصرف (١/ ٣١٢).","vol":"1","page":392},{"text":"ذهب، وإلا لحرم على الرجال والنساء، فالمضبب بالذهب غير إناء الذهب، ولكن لأن الذهب يحرم استعماله مطلقًا على الرجال دون النساء، وإذا كان الذهب حرامًا على الرجال، حرم المضبب بالذهب. والله أعلم.\nالراجح:\nأن المضبب بالذهب إن كان له حكم الإناء كان جوازه بالفضة دليلًا على جوازه بالذهب؛ لأن باب الآنية لا فرق فيه بين الذهب والفضة.\nوإن كان المضبب بالفضة ليس له حكم إناء الفضة كان التضبيب بالذهب جائزًا؛ لأنه في حكم استعماله في غير الأكل والشرب، وقد رجحت جواز استعمال الذهب في غير الأكل والشرب، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>المبحث الثاني خلاف العلماء في التضبيب بالفضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.\n• الفضة مباحة للرجال والنساء، والأكل في آنيتها حرام على الرجال والنساء، والمضبب بالفضة ملحق بالأول لا بالثاني.\n• تحريم الأعلى لا يشمل الأدنى، وتحريم الأدنى تحريم للأعلى بطريق الأولى.\nوقيل:\n• استعمال الجزء المحرم في حكم استعمال الكل.\n[م-٥٦] ذهب الجمهور من الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣) إلى جواز التضبيب بالفضة بشروط على اختلاف بينهم في تلك الشروط (^٤).\n_________\n(^١) البحر الرائق (٨/ ٢١٢)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤٤)، شرح فتح القدير (٤/ ٧٩)، الفتاوى الهندية (٥/ ٣٣٤)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٥٥)،\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٤٥)، إعانة الطالبين (٢/ ١٥٥)، المهذب (١/ ١٢)، الإقناع للشربيني (١/ ٣٣)، حواشي الشرواني (١/ ١٢٢)، شرح زبد بن رسلان - الأنصاري (ص: ٣٥).\n(^٣) المبدع (١/ ٦٧)، الإنصاف (١/ ٨٣)، كشاف القناع (١/ ٥٢).\n(^٤) فالحنفية لم يشترطوا إلا أن يتقي موضع الضبة.\nوأما الشافعية والحنابلة فاشترطوا للإباحة أن تكون الضبة يسيرة لحاجة. ...\nومعنى الحاجة: قال ابن قدامة في المغني (١/ ٥٩): «أن تدعو الحاجة إلى ما فعله به، وإن كان غيره يقوم مقامه».اهـ\nوقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٨١): «ليس المراد أن يحتاج إلى كونها من فضة، بل هذا يسمونه في مثل هذا ضرورة، والضرورة تبيح الذهب والفضة مفردًا وتبعًا، حتى لو احتاج إلى شد أسنانه بالذهب، أو اتخذ أنفًا من ذهب ونحو ذلك جاز، كما جاءت به السنة، مع أنه ذهب، ومع أنه مفرد». اهـ\nفإن كانت الضبة كثيرة لغير حاجة حرمت عند الشافعية والحنابلة.\nوإن كانت كثيرة لحاجة فتكره عند الشافعية وتحرم في المشهور من مذهب الحنابلة.\nوإن كانت يسيرة لزينة فعند الشافعية مكروهة، وعند الحنابلة أوجه: التحريم والكراهة والإباحة.\nواختار الإباحة جماعة منهم: القاضي، وابن عقيل، وابن قدامة، وابن تيمية.","vol":"1","page":394},{"text":"وقيل: لا يجوز التضبيب بالفضة مطلقًا، سواء كانت يسيرة أم لا، وسواء ألجأت إلى ذلك حاجة أم لا، وسواء كانت الضبة في موضع الاستعمال أم لا، وهذا القول هو الأصح من قولي مالك (^١)، ورواية عن أحمد (^٢).\nقال الخطابي: منعه مطلقًا جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول الليث (^٣)، وهو مذهب ابن عمر ﵄، وعائشة وغيرهما (^٤).\nوقيل: يكره، وهو قول في مذهب المالكية (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-362> دليل من قال بالجواز</span>.\n(١٠٧) قال البخاري: حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁، أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب\n_________\n(^١) التمهيد (١٦/ ١٠٨، ١١١)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٩، ٣١٩)، مواهب الجليل (١/ ١٢٩).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٨٣).\n(^٣) الفتح (١٠/ ١٠٤).\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ١٠٤)، وسيأتي ذكره وتخريجه عند الكلام على الأدلة.\n(^٥) الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٩).","vol":"1","page":395},{"text":"سلسلةً من فضة. قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>الدليل الثاني:</span>\nمن النظر، قالوا: إن الرسول ﷺ نهى عن آنية الفضة، والمضبب بالفضة ليس إناء فضة فلا يدخل في النهي، والأصل الحل حتى يرد دليل صحيح صريح على تحريم المضبب، ولا دليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٨) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عمر بن يحيى الأيلي، حدثنا معاوية بن عبد الكريم الضال، ثنا محمد بن سيرين، عن أخته، عن أم عطية قالت: نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح، فكلمه النساء في لبس الذهب فأبى علينا، ورخص لنا في تفضيض الأقداح (^٢).\n[إسناده ضعيف] (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-366> دليل من قال بالتحريم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>الدليل الأول:</span>\n(١٠٩) ما رواه الدارقطني من طريق أبي يحيى بن أبي ميسرة، أخبرنا يحيى بن محمد الجاري، أخبرنا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣١٠٩).\n(^٢) المعجم الكبير (٢٥/ ٦٨) رقم ١٦٧.\n(^٣) في إسناده عمر بن يحيى الأيلي، جاء في لسان الميزان (٤/ ٣٣٨)، ذكره ابن عدي، فأخرج في ترجمة جارية بن هرم، قال: حدثنا ابن ناجية، ومحمد بن موسى الأيلي قالا: حدثناعمر بن يحيى الأيلي، حدثنا جارية بن هرم، عن عبدالله بن بسر، عن أبي كبشة، عن أبي بكر الصديق ﵁ رفعه: من كذب عليَّ ... الحديث، وأشار إلى أن عمر بن يحيى سرقه من يحيى بن بسطام، وانظر كلام ابن عدي في الكامل (٢/ ١٧٥).\nوقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٤٩) فيه عمر بن يحيى لم أعرفه.\nوالحديث قد أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٣٠) رقم ٣٣١١.","vol":"1","page":396},{"text":"عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: من شرب من إناء ذهب أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم (^١).\n[إسناده ضعيف، وزيادة أو إناء فيه شيء من ذلك زيادة منكرة] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>الدليل الثاني:</span>\n(١١٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة (^٣).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٤٠).\n(^٢) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٥) من طريقين عن أبي يحيى بن أبي مسرة به.\nوالحديث في إسناده يحيى بن محمد الجاري وزكريا بن إبراهيم بن مطيع ووالده.\nأما يحيى بن محمد الجاري فذكره ابن حبان في الثقات، وقال يغرب. الثقات (٩/ ٢٥٩، ٢٦٠).\nوقال البخاري: يتكلمون فيه. الكامل لابن عدي (٧/ ٢٢٦)، المغني في الضعفاء (٢/ ٧٤٣)، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/ ٢٠٢).\nوقال ابن عدي: وللجاري غير ما ذكرت وليس بحديثه باس. الكامل (٧/ ٢٢٦).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٤/ ٤٢٨).\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ.\nوأما زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، فجاء في ترجمته:\nقال ابن القطان: حديث ابن عمر لا يصح، وزكريا هو وأبوه لا يعرف لهما حال. تنقيح التحقيق (١/ ٣٢١).\nوقال ابن عبد الهادي: زكريا بن مطيع غير معروف. التنقيح (١/ ٣٢٠).\nوقال الذهبي: هذا حديث منكر، أخرجه الدارقطني، وزكريا ليس بالمشهور. الميزان (٩٦٢٥).\nقال الحافظ عن الحديث: معلول بجهالة حال إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وولده، وقال البيهقي: الصواب ما رواه عبيد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا أنه كان لا يشرب في قدح فيه ضبة فضة. فتح الباري (١٠/ ١٠١).\nوضعف ابن تيمية هذا الحديث كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٨٥).\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ١٠٤).","vol":"1","page":397},{"text":"[إسناده صحيح] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>الدليل الثالث:</span>\n(١١١) ما رواه البيهقي من طريق يحيى بن أبي طالب، أنبأ عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد، عن ابن سيرين، عن عمرة، أنها قالت: كنا مع عائشة ﵂ فما زلنا بها حتى رخصت لنا في الحلي، ولم ترخص لنا في الإناء المفضض.\nقال عبد الوهاب: قال سعيد هو ابن أبي عروبة: حملناه على الحلقة ونحوها (^٢).\n[في إسناده يحيى بن أبي طالب مختلف فيه، وقد توبع] (^٣).\n_________\n(^١) رجاله كلهم ثقات، وأخرجه البيهقي (١/ ٢٩) من طريق الحسين بن علي بن عفان، ثنا عبد الله بن نمير به. وصحح النووي إسناده في المجموع (١/ ٣١٣) كما صححه الحافظ في التلخيص (١/ ٥٤).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ٢٩).\n(^٣) في إسناده يحيى بن أبي طالب، مختلف فيه، جاء في ترجمته:\nقال الدارقطني: لا بأس به عندي، لم يطعن فيه أحد بحجة. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠).\nوقال الحافظ: وثقه الدارقطني، وهو من أخبر الناس به. لسان الميزان (٦/ ٢٦٢).\nوقال أبو حاتم: محله الصدق. الجرح والتعديل (٩/ ١٣٤).\nوقال موسى بن هارون: أشهد أنه يكذب. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠)، قال ابن حجر: عنى في كلامه، ولم يعن في الحديث. قلت: هو جرح، ومن كذب في كلامه فقد اتهم.\nوقال أبو عبيد الآجري: خط أبو داود على حديث يحيى بن أبي طالب. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠).\nوقال أبو أحمد محمد بن إسحاق الحافظ: ليس بالمتين. المرجع السابق.\nوقال مسلمة بن قاسم: ليس به بأس، تكلم الناس به. انظر اللسان (٩٢٢٩).\nوعبد الوهاب بن عطاء صدوق، وهو من أصحاب سعيد القدماء، وقد روى عنه قبل الاختلاط على الصحيح.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٠٥)، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن محمد، عن أم عمرو بنت عمر، قالت:\nكانت عائشة تنهانا أن نتحلى الذهب، أو نضبب الآنية، أو نحلقها بالفضة، فما برحنا حتى رخصت لنا وأذنت لنا أن نتحلى الذهب، وما أذنت لنا، ولا رخصت لنا أن نحلق الآنية أو نضببها بالفضة.\nولم أقف على أم عمرو بنت عمر، إلا أن يكون اللفظ أبا عمرو مولى عائشة، كما ذكره ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ١٠٩، ١١٠) قال: روى ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي عمرو مولى عائشة، قال: أبت عائشة أن ترخص لنا في تفضيض الآنية.\nفإن كان أبا عمرو فهو ثقة، ويكون إسناد ابن أبي شيبة صحيحًا، وإن كانت غيره، فينظر في أم عمرو هذه، وبقية رجال الإسناد ثقات، والله أعلم.","vol":"1","page":398},{"text":"• جواب المانعين من التضبيب عن أدلة القول الأول.\nأما الجواب عن حديث أنس ﵁ في البخاري، أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلةً من فضة، فالفاعل هو أنس ﵁، وفعله هذا معارض برأي غيره من الصحابة كابن عمر وغيره ممن قدمنا كما في الرواية الأخرى عند البخاري،\n(١١٢) وقد روى البخاري من طريق أبي عوانة، عن عاصم الأحول، قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، قال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا. قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئًا صنعه رسول الله ﷺ، فتركه (^١).\nورواه البيهقي من طريق أبي حمزة السكري، عن عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين، عن أنس، وفيه: ثم إن قدح النبي ﷺ انصدع فجعلت مكان الشعب سلسلة من فضة (^٢). ورجاله ثقات.\nقال الباجي: يحتمل أن يكون أنس سلسله بفضة بعد زمان رسول الله ﷺ، وبعد وفاة أبي طلحة الذي منعه من ذلك.\n_________\n(^١) صحيح البخاري. (٥٦٣٨)\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ٢٩، ٣٠).","vol":"1","page":399},{"text":"وجزم بذلك ابن الصلاح، قال ﵀: فاتخذ يوهم أن النبي ﷺ هو المتخذ: وليس كذلك بل أنس هو المتخذ. ففي رواية قال أنس. فجعلت مكان الشعب سلسلة (^١).\nتعقب ذلك ابن حجر في تلخيص الحبير، فقال: فيه نظر؛ لأن في الخبر عند البخاري عن عاصم قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال أبوطلحة: لا تغيرن شيئًا صنعه رسول الله ﷺ: فهذا يدل على أنه لم يغير فيه شيئًا. اهـ (^٢).\nقلت: يحتمل أن يكون الشعب في الحلقة، فأراد أنس أن يغيرها بأن يجعلها من ذهب أو فضة، فنهاه أبو طلحة، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، وأبقى على حلقة الحديد، ويحتمل أن يكون الشعب في الإناء في غير مكان الحلقة، ويكون الخلاف مع أبي طلحة في الحلقة، ولم يغيرها أنس، أما التضبيب فلم يكن بينهم خلاف، وفرق بين تضبيب الحلقة أو الإناء، وبين أن تكون الحلقة كلها من الذهب أو الفضة الخالصة، وعلى كلا الاحتمالين يترجح أن يكون الفاعل هو أنسًا ﵁، وإذا كانت الرواية الأولى في البخاري والتي بلفظ (أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة)، تحتمل أن يكون الفاعل النبي ﷺ، وتحتمل أن يكون الفاعل أنسًا، فإن الرواية الأخرى صريحة بأن الفاعل هو أنس، وينبغي أن يحمل المتشابه على المحكم. والله أعلم.\nومع أنه لا دلالة في حديث أنس كما بينت، إلا أن الراجح أن التضبيب بالفضة جائز، لأن الرسول ﷺ إنما نهى عن الشرب في آنية الفضة، ولا يقال للإناء إذا ضبب بالفضة: إنه إناء من فضة، فلا يدخل في النهي، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣١٣).\n(^٢) تلخيص الحبير (١/ ٥٢).","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>الفصل الرابع في آنية الكفار</span>\nضابط المسألة لدى الفقهاء:\n• غسل آنية الكفار قبل استعمالها مبني على تعارض الأصل والظاهر، فالإباحة ترجيحًا للأصل وهو الطهارة، والكراهة ترجيحًا للظاهر؛ لعدم توقيهم النجاسة (^١).\n_________\n(^١) الفرق بين الأصل والظاهر: يختلف الأصل عن الظاهر بأمور منها:\n١ - من حيث المصدر: فالأصل غالبًا ما يستمد من الأدلة الشرعية، وما يوافقها من الأدلة العقلية، ولذلك فإن العلماء يقولون: لا أصل في شيء إلا ما أصله الشرع بتبيان حكمه، وإيضاح الدليل عليه من حل أو تحريم، ووجوب أو ندب، أو كراهة، كقولك: الأصل في البيوع الإباحة، وفي المياه الطهارة، وفي الفروج التحريم.\nأما الظاهر: فكثيرًا ما يستمد من الأمور المشاهدة والمحسوسة، وهي الأمور التي يعبر عنها العلماء بالعادات الغالبة، أو الأعراف السائدة، أو القرائن الدالة على شيء معين.\n٢ - ومن الفروق بينهما: لما كانت الأصول تستمد من النصوص، والنصوص قد تخفى على بعض العلماء، وقد لا يتفق على صحتها أو على دلالتها على المقصود وغير ذلك من الأمور التي تعرض للنصوص كانت محل خلاف بين العلماء.\nأما الظاهر فالخلاف فيه نادر؛ لأنه مبني على الملاحظة والمشاهدة، وهي من الأمور الواضحة التي لا تحتمل الخلاف.\n٣ - ومن الفروق بينهما أن الحكم على شيء ما بأنه من الأصول الشرعية عملية صعبة وشاقة لا يتمكن منها إلا من أعطاه الله رسوخًا في العلم وسعة في الاطلاع، ودقة في الفهم؛ لأن هذه الأصول مبنية على الأدلة الشرعية، وهي متعددة ومتنوعة، فيحتاج من يقوم بعملية التأصيل أن يقوم باستقراء الأدلة الشرعية لئلا يستنبط من بعض هذه الأدلة أصولًا تخالف ما لم يقم باستقرائه بخلاف الظاهر، فإن الحكم بظهور أمر ما لا يحتاج إلى مثل هذا، إنما إذا شاهد ...\nالإنسان شيئًا ولاحظ فيه الدلالة على حكم معين فإنه يصفه بالظهور.\n٤ - ومنها: أن كثيرًا من الأصول لها صفة العموم والشمول، فتجد كثيرًا من الأصول يندرج تحتها أصول عديدة، فمثلًا: كقولنا: الأصل السلامة، والأصل الطهارة، والأصل براءة الذمة، فهذه الأصول تندرج تحتها ما لا يمكن حصره من الأصول التي تتفق معها في أحكامها، ولذلك كانت هذه الأصول من قبل القواعد الفقهية التي يصح الاستدلال بها على الأحكام، أما الظاهر فإنه غالبًا ما يكون مختصًا بمسألة معينة أو حادثة محددة.\n٥ - ومنها أن الأصول ثابتة لا تتغير، ولا تتبدل، بل هي باقية على أصالتها؛ لأنها مبنية على الأدلة الشرعية، وهي ثابتة باقية، وما بني على الثابت ثابت، فإذا قلت: الأصل الإباحة، أو البراءة، أو الصحة، أو غير ذلك من الأصول، فإنها باقية على حالها في كل زمان ومكان، وليس الأمر كذلك بالنسبة للظاهر، فإنه قابل للتغير والتبدل، فقد يظهر في المشرق ما لم يكن ظاهرًا في المغرب، وقد يظهر اليوم ما لم يكن ظاهرًا بالأمس، أو ما لا يكون ظاهرًا بالغد، فمثلًا إذا خرج الرجل، وهو حاسر الرأس في الزمن الماضي فإن الظاهر أنه ناقص المروءة، أما إذا خرج اليوم، وهو كذلك فإنه ليس من الظاهر نقص مروءته؛ لأن الأمور الظاهرة مبنية على الأعراف، والعادات والقرائن، وهي قابلة للتبدل والتغير. انظر في هذا كتاب الأصل والظاهر في القواعد الفقهية (ص: ١٠٧ - ١١٠).","vol":"1","page":401},{"text":"[م-٥٧] اختلف الفقهاء في حكم آنية الكفار ومثلها ثيابهم:\nفقيل: يكره استعمالها قبل غسلها، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يجب غسل ما استعملوه، ولا يجب غسل ما صنعوه ولم يستعملوه، وهو مذهب مالك (^٢).\n_________\n(^١) البحر الرائق (٨/ ٢٣٢)، والمبسوط (١/ ٩٧)، وتارة يعبر الحنفية بقولهم: ولا بأس بالأكل في أنية المجوس، وغسلها أفضل، انظر المبسوط (٢٤/ ٢٧)، وعمدة القارئ (٢١/ ٩٦).\n(^٢) الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٨٧)، التاج والإكليل (١/ ١٢١)، مختصر خليل (ص: ١١)، مواهب الجليل (١/ ١٢١).\nوجاء في البيان والتحصيل (١/ ٥٠، ٥١): وسئل -يعني: مالكًا- عن الرجل يشتري من النصراني الخفين أيلبسهما؟ قال: لا حتى يغسله. قيل له: فما ينسجون، فإنه يبلون الخمر، ويحركونه بأيديهم، ويسقون به الثياب قبل أن تنسج، وهم أهل نجاسة؟ قال: لا بأس بذلك، ولم يزل الناس يلبسونها قديمًا. وانظر الخرشي (١/ ٩٧)، والشرح الكبير (١/ ٦١).\nفيجب الغسل عند مالك إذا جزم أو ظن أو شك عدم طهارتها، ولا يجب الغسل إذا تيقن أو ظن طهارتها. انظر حاشية الدسوقي (١/ ٦١).","vol":"1","page":402},{"text":"وقيل: إن تيقن طهارتها لم يكره له استعمالها، وإن لم يتيقن طهارتها كره له استعمالها مطلقًا حتى يغسلها، سواء كان الكافر كتابيًا أو غيره، وسواء كان يتدين باستعمال النجاسة أم لا، وهو مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: يباح استعمالها حتى يعلم نجاستها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يجب غسل أواني من لا تحل ذبيحته من المشركين كالمجوس والوثنيين، ونحوهم، بخلاف أهل الكتاب وهو قول في مذهب الحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-371> دليل من قال بالكراهة</span>.\n(١١٣) استدل بما رواه البخاري من طريق ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن\nأبي إدريس، عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قلت يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي، وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم فما يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرت من أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل ورواه مسلم (^٤).\n_________\n(^١) المهذب (١/ ١٢)، المجموع (١/ ٣١٩، ٣٢٠)، تحفة المحتاج (١/ ١٢٧)، مغني المحتاج (١/ ٣١)، قال النووي في المجموع (١/ ٣٢٠): «وإذا تطهر من إناء كافر، ولم يعلم طهارته ولا نجاسته، فإن كان من قوم لا يتدينون باستعمال النجاسة صحت طهارته بلا خلاف، وإن كان من قوم يتقربون باستعمال النجاسة فوجهان: الصحيح منهما باتفاق الأصحاب في الطريقتين أنه تصح طهارته، وهو نصه في الأم.\nثم قال: والوجه الثاني: لا تصح طهارته، وهو قول أبي إسحاق، وصححه المتولي». اهـ\n(^٢) المغني (١/ ٦٢)، الإنصاف (١/ ٨٥)، المحرر (١/ ٧)، المبدع (١/ ٦٩)، الكافي (١/ ١٨)، كشاف القناع (١/ ٥٣).\n(^٣) المغني (١/ ٦٢)، الإنصاف (١/ ٨٥)، المحرر (١/ ٧).\n(^٤) صحيح البخاري (٥٤٧٨)، ومسلم (١٩٣٠).","vol":"1","page":403},{"text":"وجه الاستدلال من الحديث:\nقالوا: نهى عن استعمالها مع وجود غيرها، وهذا مطلق سواء تيقنا طهارتها، أم لا، والأصل في النهي أنه للتحريم، لكن لما قال ﷾: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ) [المائدة: ٥]، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم ومياههم، وفي أوانيهم، وأكل النبي ﷺ طعام أهل الكتاب، في أحاديث صحيحة دل ذلك على أن النهي للكراهة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-372> دليل المالكية على التفريق بين ما استعملوه وبين ما نسجوه:</span>\nاستدلوا بحديث أبي ثعلبة المتقدم على وجوب غسل ما استعملوه، فإن النبي ﷺ أمر بغسلها، والأصل في الأمر الوجوب.\nولأن الغالب على آنية الكفار وثيابهم النجاسة؛ لأنهم يطبخون فيها لحوم الخنزير ويأكلون فيها الميتة، وإذا تعارض الأصل (وهي كونها طاهرة) مع الغالب، وهو استعمال النجاسة فيها، قدم الغالب على الأصل، فكل ما غلب على ظننا نجاسته حكمنا بنجاسته.\nووجه التفريق عند المالكية بين ما استعملوه وبين ما نسجوه، أن ما نسجوا يتقون فيه بعض التوقي، لئلا يفسد عليهم، بخلاف ما لبسوه.\nوأجاب ابن العربي على ما ورد عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يصيبون من آنية المشركين وأسقيتهم، فلا يعيب ذلك عليهم، قال: «إن صح فمحمول على أنهم كانوا يستعملون ذلك بشرطه، وهو الغسل، أو يكون محمولًا على استعمال الأواني التي لا يطبخ فيها».اهـ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>دليل من قال: يباح استعمال آنية المشركين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>الدليل الأول:</span>\n(١١٤) ما رواه مسلم من طريق حميد بن هلال،\n_________\n(^١) عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي (٧/ ٢٩٨).","vol":"1","page":404},{"text":"عن عبد الله بن مغفل قال: أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر قال: فالتزمته. فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا. قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسمًا. ورواه البخاري وهذا اللفظ لمسلم (^١).\nفالجراب آنية من آنياتهم، ولو كان غسل الإناء واجبًا لنجاسته لتنجس الظرف وما فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>الدليل الثاني:</span>\n(١١٥) ما أخرجه البخاري بسنده من حديث أبي هريرة، في قصة وضع اليهود السم للرسول ﷺ، وفيه: قال رسول الله ﷺ: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم؟ قالوا: نعم. قال: هل وضعتم في هذه الشاة سمًا؟ قالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ كان يأكل من طعامهم في آنيتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>الدليل الثالث:</span>\n(١١٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن برد، عن عطاء،\nعن جابر، قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم، فنستمتع بها، فلا يعاب علينا (^٣).\n[إسناده حسن والحديث صحيح لغيره] (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧٧٢)، البخاري (٥٥٠٨).\n(^٢) البخاري (٣١٦٩).\n(^٣) مسند أحمد (٣/ ٣٧٩).\n(^٤) رجاله ثقات إلا برد بن سنان فإنه صدوق، جاء في ترجمته:\nقال إسحاق بن منصور الكوسج عن يحيى بن معين أنه قال: برد أبو العلاء ثقة. الجرح والتعديل (٢/ ٤٢٢). ...\nوقال ابن معين أيضًا في رواية الدوري: ليس بحديثه بأس. تهذيب التهذيب (١/ ٣٧٥).\nوقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقًا، وكان قدريًا. الجرح والتعديل (٢/ ٤٢٢).\nوقال أبو زرعة: لا بأس به بصرى. المرجع السابق.\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبى عن برد بن سنان فقال: صالح الحديث. المرجع السابق.\nوقال دحيم وابن خراش والنسائي: ثقة. تهذيب التهذيب (١/ ٣٧٥).\nوقال النسائي مرة: ليس به بأس. المرجع السابق.\nوقال ابن حبان: كان رديء الحفظ. مشاهير علماء الأمصار (١٢٢٨).\nوقال الدارمي عن علي بن المديني: برد بن سنان ضعيف. تهذيب التهذيب (١/ ٣٧٥).\nوفي التقريب: صدوق رمي بالقدر.\nوقد توبع برد بن سنان تابعه سليمان بن موسى كما سيأتي بيانه في التخريج إن شاء الله تعالى.\nتخريج الحديث:\nالحديث رواه أحمد (٣/ ٣٧٩)،\nورواه أبو داود (٣٨٣٨) ومن طريقه أخرجه البيهقي (١٠/ ١١) عن عثمان بن أبي شيبة.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٣٢) من طريق علي بن المديني، ثلاثتهم عن عبد الأعلى.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٢٧) رقم ٢٤٣٨٦، وأبو داود (٣٨٣٨) والطبراني في مسند الشاميين (٣٧٤) من طريق إسماعيل بن عياش، (عبد الأعلى وإسماعيل) عن برد بن سنان به.\nوإسماعيل بن عياش روايته عن أهل بلده مقبولة، وبرد بن سنان شامي من بلد إسماعيل.\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين أيضًا (٣٧٥) من طريق العلاء بن برد بن سنان، عن أبيه به.\nوقد تابع سليمانُ بن موسى برد بن سنان، فأخرجه أحمد (٣/ ٣٢٧) حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نصيب مع النبي ﷺ في مغانمنا من المشركين الأسقية والأوعية، فنقسمها، وكلها ميتة.\nورواه أحمد (٣/ ٣٤٣) عن حسن بن محمد.\nوأخرجه (٣/ ٣٨٩) عن سريج.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٧٣) من طريق إسماعيل بن مالك أبي غسان، ثلاثتهم عن محمد بن راشد به.\nوسليمان بن موسى فيه كلام لا ينزله عن رتبة الصدق، وانظر تحرير الكلام فيه في كتاب الحيض والنفاس، فالحديث صحيح لغيره إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>الدليل الرابع:</span>\n(١١٧) ما أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وقد جاء","vol":"1","page":406},{"text":"فيه: أن النبي وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأن أحد الصحابة كان مجنبًا فاغتسل من ذلك الماء. والحديث في صحيح مسلم دون قصة اغتسال الجنب (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>الدليل الخامس:</span>\n(١١٨) ما رواه الشافعي في الأم، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب توضأ من ماء نصرانية في جرة نصرانية (^٢).\n[رجاله ثقات إلا أن ابن عيينة لم يسمعه من زيد بن أسلم] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>الدليل السادس:</span>\nقالوا: الأصل في أواني المشركين الطهارة والحل حتى يقوم دليل على المنع أو على النجاسة، ولم يقم دليل على ذلك، ولا يحكم بنجاستها بمجرد الشك، والشك لا يقضي على اليقين.\n_________\n(^١) البخاري (٣٥٧١)، صحيح مسلم (٦٨٢).\n(^٢) الأم (١/ ٨)، ومن طريق الشافعي رواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣١٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٢).\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢٥٤) عن ابن عيينة به مطولًا.\n(^٣) فقد رواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٢) والصغرى (١/ ١٦٦) من طريق سعدان بن نصر، ثنا سفيان، قال: حدثونا عن زيد بن أسلم ولم أسمعه، عن أبيه، عن عمر، فذكره في حديث.\nوقد ذكره البخاري معلقًا في كتاب الوضوء بصيغة الجزم، قال: توضأ عمر بالحميم ومن بيت نصرانية. قال الحافظ في الفتح (١/ ٢٩٩): وهذا الأثر وصله الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه به. ولفظ الشافعي توضأ من ماء في جرة نصرانية، ولم يسمعه ابن عيينة من زيد بن أسلم، فقد رواه البيهقي من طريق سعدان بن نصر عنه، قال: حدثونا عن زيد بن أسلم فذكره مطولًا، ورواه الإسماعيلي من وجه آخر عنه بإثبات الواسطه، فقال: عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه به، وأولاد زيد هم: عبد الله وأسامة وعبد الرحمن، وأوثقهم وأكبرهم عبد الله، وأظنه هو الذي سمع ابن عيينة منه ذلك، ولهذا جزم به البخاري، والله أعلم.","vol":"1","page":407},{"text":"لكن يشكل على هذا القول حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ حيث نهاهم عنها مع وجود غيرها، فإن لم يوجد إلا هي أذن لهم باستعمالها بعد غسلها.\n• وأجابوا عن ذلك بوجهين:\nالوجه الأول:\nأن الغسل هو من باب الاحتياط والاستحباب.\nالوجه الثاني:\nأن حديث أبي ثعلبة الخشني في قوم كانوا يأكلون في آنيتهم الميتة والخنزير، ويشربون فيها الخمر، ولذا أمر بغسلها إن لم يوجد غيرها، أما من يعلم أنهم لا يأكلون فيها الميتة ولا يشربون فيها الخمر فآنيتهم كآنية المسلمين،\n(١١٩) ويدل على هذا ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،\nأن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إني بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم منها بدًا، فإذا لم تجدوا منها بدًا فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبنه قال: واشربوا (^١).\n[أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود الطيالسي (١٠١٤).\n(^٢) زيادة: وهم يأكلون الخنزير، ويشربون الخمر اختلف في ذكرها على النحو التالي:\nفجاء ذكرها من طريق معمر كما في مصنف عبد الرزاق (٨٥٠٣) وأحمد (٤/ ١٩٣).\nومن طريق حماد بن زيد كما في مسند أبي دواد الطيالسي (١٠١٤)، والمستدرك للحاكم (٥٠٢)، كلاهما عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة. وهذا سند منقطع، أبو قلابة لم يسمع من ثعلبة.\nورواه شعبة، عن أيوب، واختلف على شعبة: =","vol":"1","page":408},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه محمد بن جعفر كما في مسند أحمد (٤/ ١٩٣).\nوالنضر بن شميل كما في مسند ابن الجعد (١١٩٣).\nوأبو داود الطيالسي كما في مسند ابن الجعد أيضًا (١١٩٤).\nوعمر بن مرزوق كما في مستدرك الحاكم (١/ ١٤٣) أربعتهم رووه عن شعبة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة بدون ذكر الخنزير والخمر.\nوخالفهم سلم بن قتيبة كما في سنن الترمذي (١٥٦٠، ١٧٩٦) فرواه عن شعبة، عن أيوب به. بذكر لحم الخنزير وشرب الخمر.\nوسلم بن قتيبة صدوق، إلا أن له أوهامًا، قال أبو حاتم الرازي: ليس به بأس كثير الوهم، يكتب حديثه.\nوقال يحيى بن سعيد القطان: ليس أبو قتيبة من الجمال التي تحمل المحامل.\nولو خالف سلم بن قتيبة محمد بن جعفر لرد عليه، لأن محمد بن جعفر من أثبت الناس في شعبة، فكيف وقد خالف جماعة مع محمد بن جعفر كلهم رووه عن شعبة بدون ذكر لحم الخنزير وشرب الخمر، كما أن رواية محمد بن جعفر وأصحابه عن شعبة موافقة لرواية الصحيحين من طريق أبي إدريس عن أبي ثعلبة.\nورواه سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب به. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٣٠) رقم ٦٠٤، قال: حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن بشر ثنا سعيد بن أبي عروبة عن أيوب به.\nوفيه زيادة أن أبا ثعلبة طلب من الرسول أن يكتب له أرضًا بالشام، لم يظهر عليها رسول الله ﷺ حينئذٍ، وليس في هذه الرواية ذكر لحم الخنزير والخمر، فهي موافقة لرواية محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أيوب.\nورواه حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن أبي ثعلبة، كما في مسند أحمد (٤/ ١٩٥)، وسنن الترمذي (١٧٩٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٦٣١)، والمستدرك (٥٠٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٢١٧) رقم ٥٨٠، فوصله حماد بن سلمة، فزاد في الإسناد أبا أسماء الرحبي، وليس فيها الزيادة المذكورة، إلا أن رواية حماد بن زيد، ومعمر، وشعبة، عن أيوب بدون ذكر أبي أسماء الرحبي، فالرواية المنقطعة أرجح منها، خاصة وأن رواية حماد بن سلمة عن أيوب فيها كلام، وحماد بن زيد وحده مقدم على حماد بن سلمة، فكيف وقد اتفق حماد بن زيد وشعبة، ومعمر على عدم ذكر أبي أسماء الرحبي.\nورواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، واختلف على خالد:\nفرواه الطبراني (٢٢/ ٢١٨) رقم ٥٨١ من طريق محمد بن عيسى الطباع، وسريج بن يونس. =","vol":"1","page":409},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والحاكم (٥٠٦) ومن طريقه البيهقي (١/ ٣٣) من طريق يحيى بن يحيى، ثلاثتهم عن هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة. وقد صرح هشيم بالتحديث في طريق الطبراني، فزاد في الإسناد أبا أسماء كرواية حماد بن سلمة.\nوخالف سفيان هشيمًا فرواه الطبراني (٢٢/ ٢٣٠) رقم ٦٣٠ من طريق محمد بن يوسف الفريابي.\nوالحاكم (٥٠٤) من طريق أبي أحمد، كلاهما عن سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة الخشني، بدون ذكر أبي أسماء. ومع الاختلاف على خالد في إسناده فإنه لم يذكر في كلا الطريقين زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، فلفظه موافق لرواية الصحيحين.\nورواه النضر بن معبد أبو قحذم، عن أبي قلابة، فخالف فيه جميع من سبق، فقد أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٢٧) رقم ٥٩٩ قال: حدثنا أحمد بن زهير التستري، ثنا عبد الله بن محمد بن يحيى بن أبي بكير، ثنا يحيى بن السكن، ثنا أبو قحذم، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، أن أبا ثعلبة الخشني أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا بأرض أهلها أهل كتاب، يأكلون لحوم الخنازير ويشربون الخمر، فكيف تأمرنا في آنيتهم وقدورهم؟ قال: إن وجدتم غيرها فخذوها وإلا فارحضوها بالماء، ثم كلوا فيها.\nفجعل أبو قحذم الواسطة بين أبي قلابة وبين أبي ثعلبة أبا الأشعث الصنعاني، وأبو قحذم ضعيف، قال فيه النسائي: ليس بثقة. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، انظر لسان الميزان (٦/ ١٦٥).\nهذا فيما يتعلق بطريق أبي قلابة، عن أبي ثعلبة. فإن رجحنا الرواية المتصلة، والتي فيها رواية أبي أسماء الرحبي، فليس فيها زيادة أكل الخنزير، وشرب الخمر.\nوإن رجحنا الرواية المنقطعة، وهي رواية شعبة ومعمر، وحماد بن زيد، والتي لم تذكر أبا أسماء الرحبي، فهي مع كونها منقطعة، فقد اختلف في الحديث على أيوب في ذكرها، وأولاها بالتقديم رواية شعبة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة،\nأولًا: لإمامة شعبة.\nوثانيًا: لموفقتها رواية الصحيحين في عدم ذكر لحم الخنزير وشرب الخمر.\nوقد روي الحديث من غير طريق أبي قلابة، فمن ذلك طريق مسلم بن مشكم، عن أبي ثعلبة رواه أبو داود (٣٨٣٩)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٣٣)، والطبراني في مسند الشاميين (٧٨٣) من طريق محمد بن شعيب.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢١٩) رقم ٥٨٤، من طريق الوليد بن مسلم، كلاهما (محمد ابن شعيب، والوليد بن مسلم) عن عبد الله بن العلاء بن زبر، عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم، عن أبي ثعلبة. بذكر الخنزير والخمر .. بذكر الخنزير والخمر. =","vol":"1","page":410},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-380> دليل من فرق بين أهل الكتاب وغيرهم</span>.\nقالوا: إن غير أهل الكتاب ذبيحتهم ميتة، فهم يطبخونها في آنيتهم، فتتنجس، بخلاف أهل الكتاب فإن ذبيحتهم طاهرة إذا كانت مما يحل أكله.\nوهذا القول ضعيف أيضًا، فإن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من آنية مزادة امرأة مشركة كما سبق تخريجه من حديث عمران بن حصين (^١)، وكانوا يساكنون المشركين الوثنيين في مكة كثيرًا، وربما كان المسلم يعيش بين أبوين كافرين، وكان يدعو بعضهم بعضًا إلى الطعام، ولم ينقل أنهم كانوا يدعون ذلك، ويتحاشونه، ولو وجد لنقل، والله أعلم.\n_________\n= وأما طريق عمير بن هانئ، فأخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٢٣) رقم ٥٩٢ من طريق إبراهيم بن دحيم.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٣٣)، و(١٠/ ١٠) من طريق أبي بكر محمد بن إسماعيل، كلاهما عن دحيم الدمشقي، عن محمد بن شعيب، عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر، عن عمير بن هانئ، عن أبي ثعلبة الخشني.\nوإبراهيم بن دحيم لم أقف له على ترجمة، وقد توبع كما في سند البيهقي، وباقي رجاله ثقات، وقد جاء في هذا الطريق النص على لحم الخنزير وشرب الخمر.\nكما روي من طريق عروة بن رويم، أخرجه ابن ماجه (٢٨٣١) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٢٦) رقم ٥٩٧ من طريق أبي فروة يزيد بن سنان، حدثني عروة بن رويم اللخمي، عن أبي ثعلبة الخشني به. وليس فيه زيادة الخنزير والخمر. وهذا سند ضعيف، فيه أبو فروة يزيد بن سنان، كما أن عروة لم يلق أبا ثعلبة، انظر الجرح والتعديل (٣/ ٣٩٦).\nورواه أبو رجاء العطاردي، عن أبي ثعلبة، رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٢٨) رقم ٦٠٠ من طريق محمد بن الفرح، مولى بني هاشم، ثنا علي بن غراب، ثنا علي بن منصور، حدثني أبو رجاء العطاردي، عن أبي ثعلبة الخشني. وفيه النص على لحم الخنزير، وشرب الخمر، ولم أقف على ترجمة محمد بن الفرح، وعلي بن منصور.\nهذا ما وقفت عليه من طرق حديث أبي ثعلبة الخشني في زيادة أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، وقد تبين لي أنها وردت في أكثر من طريق إلا أن هذه الطرق لا تسلم من اختلاف في إيرادها من عدمه، والله أعلم.\n(^١) انظر رقم (١١٧).","vol":"1","page":411},{"text":"• الراجح من الخلاف:\nالذي ظهر لي من الأدلة أن حديث أبي ثعلبة الخشني فيه النهي عن استعمالها، والأمر بغسلها إذا لم يوجد غيرها، وكان من الممكن حمل النهي على ظاهره، وأنه للتحريم لولا الأحاديث الكثيرة من فعله ق وفعل أصحابه من أكلهم في آنية أهل الكتاب، وتطهرهم منها، مما يجعل النهي ليس على ظاهره، وإنما يحمل على الكراهة، وأن الأمر بغسلها لم يكن للوجوب، وهذا يجري على القاعدة الفقهية النافعة: بأن النبي ق إذا أمر بشي، ثم تركه، ولم يأت دليل يدل على الخصوصية، دل ذلك على أن الأمر لم يكن للوجوب، وإنما هو للندب، وإذا نهى عن شيء ثم فعله، ولم يكن فيه دليل يدل على الخصوصية، دل ذلك على أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>الفصل الخامس في الأواني المتخذة من الميتة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>المبحث الأول في الأواني المتخذة من جلود الميتة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• قال النبي ﷺ: أيما إهاب دبغ فقط طهر.\nهل يقال: هذا العموم مراد، أو يقال: هو محمول على ما يستعمل شائعًا، ويجري عادة، وينصرف كثيرًا، أما ما لا يخطر في بال المعمم ولا ببال السامع المبين له لا يصح أن يقال: إنه داخل تحت العموم، وهذا لا يختص به كلام الشارع، بل هو جار في كل كلام عربي محكم على هذا السبيل؟\n• أسباب الطهارة ثلاثة: إزالة، واستحالة، ومجموعهما كالدباغ (^١).\n• الحكم بالمتنجس تابع للأعراض لا للذات، فمتى زالت الأعراض زال الحكم.\n• كل ما كان طاهرًا بعد موته جاز استعمال جلده قبل دبغه إلا ابن آدم.\n• كل حيوان طاهر، سواء كان مأكولًا، أو غير مأكول، فإن جلده يطهر بالدباغ على الصحيح.\n_________\n(^١) الدباغ يشتمل على إزالة: حيث زالت الرطوبات النجسة، ويشتمل على انتقال: لأن صفة الجلد تنتقل من هيئة إلى أخرى.","vol":"1","page":413},{"text":"• الذكاة التي لا تبيح أكل لحم الحيوان فإنها لا تفيد طهارة جلده ما لم يدبغ، والعكس صحيح.\nوبلفظ آخر:\n• الذكاة إن أباحت أكله أفادت طهارة جلده، وإلا فلا في الأصح.\n• كل إهاب تنجس بالموت فالدباغ يطهره على الصحيح.\n• كل إهاب نجس قبل الموت هل يطهره الدباغ؟\n[م-٥٨] الأواني من الجلود كانت معروفةً عند الصحابة ﵃ وما زالت إلى يومنا هذا خاصة في بعض المجتمعات الإسلامية، والكلام في جلود الميتة في مسألتين: هل الدباغ مطهر، وإذا كان لا يطهر فهل يباح استعماله والانتفاع به مع نجاسته؟\nوقد اختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: الدباغ يطهر جميع الجلود، إلا جلد الإنسان والخنزير، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: لا يطهر جلد الميتة بالدباغ، وقبل الدبغ لا ينتفع بالجلد مطلقًا، وهو مذهب مالك (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) الهداية شرح البداية (١/ ٢١)، البحر الرائق (١/ ١٠٥)، بدائع الصنائع (١/ ٨٥)، تبيين الحقائق (١/ ٢٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٣)، المبسوط (١/ ٢٠٢)، حاشية الطحطاوي (١/ ١١١).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ٥٤، ٥٥)، التاج والإكليل (١/ ١٠١)، مواهب الجيل (١/ ١٠١)، البيان والتحصيل (١/ ١٠٠)، التمهيد (٤/ ١٥٦، ١٥٧) و(١/ ١٦٢)، الكافي (ص: ١٨٩).\n(^٣) المبدع (١/ ٧٠)، شرح العمدة (١/ ١٢٢)، كشاف القناع (١/ ٥٤)، الإنصاف (١/ ٨٦)، الإقناع (١/ ١٣)، الفروع (١/ ٧٢)، الكافي (١/ ١٩)، المغني (١/ ٥٣).","vol":"1","page":414},{"text":"وأما بعد الدبغ فيباح استعماله في يابس عندهما، وفي الماء عند المالكية (^١).\nوقيل: الدباغ يطهر جميع جلود الميتة بما في ذلك جلود ما لا يؤكل لحمه، إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما، وهو مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: الدباغ لا يطهر إلا ما تحله الذكاة، وهو رواية عن مالك (^٣)، واختاره أبو ثور (^٤)، ورجحه بعض الحنابلة كالمجد وابن رزين وابن عبد القوي (^٥)، وابن تيمية (^٦).\nوقيل: الدباغ يطهر كل حيوان طاهر في الحياة، وهو رواية عن أحمد، واختارها بعض أصحابه، وهو رواية ثانية عن ابن تيمية (^٧).\nوقيل: الدباغ يطهر جميع الجلود حتى جلد الكلب والخنزير، وهو مذهب الظاهرية (^٨).\nفتلخص لنا من هذا الخلاف ما يلي:\n_________\n(^١) والفرق بين الماء وبين غيره من السوائل كالعسل واللبن والسمن، قالوا: إن الماء له قوة الدفع عن نفسه لطهوريته، فلا يضره إلا ما غير أحد أوصافه الثلاثة، بخلاف غيره.\n(^٢) الأم (١/ ٩)، حلية العلماء (١/ ٩٣)، الإقناع للشربيني (١/ ٢٨)، الوسيط (١/ ١٢٩)، روضة الطالبين (١/ ٤١)، المجموع (١/ ٢٧٥).\n(^٣) جاء في البيان والتحصيل (١/ ١٠١): وسئل مالك: أترى ما دبغ من جلود الدواب طاهرًا؟ فقال: ألا يقال هذا في جلود الأنعام، فأما جلود ما لا يؤكل لحمه فكيف يكون طاهرًا إذا دبغ، وهو مما لا ذكاة فيه، ولا يؤكل لحمه. اهـ ونقل ابن عبد البر هذا الكلام في الاستذكار (١٥/ ٣٢٦). وقال في التمهيد (٤/ ١٨٢): وقالت طائفة من أهل العلم لا يجوز الانتفاع بجلود السباع لا قبل الدباغ ولا بعده، مذبوحة كانت أو ميتة، وممن قال هذا القول: الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق، وأبو ثور، ويزيد بن هارون. اهـ\n(^٤) الاستذكار (١٥/ ٣٢٦).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٨٧).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٥).\n(^٧) الإنصاف (١/ ٨٦).\n(^٨) المحلى (١/ ١١٨)، وذكره مذهبًا لداود الظاهري ابن رشد في البيان والتحصيل (٣/ ٣٥٧)، وعون المعبود (١١/ ١٧٩).","vol":"1","page":415},{"text":"قيل: الدباغ لا يطهر مطلقًا.\nوقيل: يطهر مطلقًا.\nوقيل: يطهر جميع الجلود إلا الكلب والخنزير والإنسان.\nوقيل: يطهر ما تحله الذكاة.\nوقيل: يطهر ما كان طاهرًا في الحياة، وإن كان محرمًا أكله.\nوأما الانتفاع بالجلود، فقيل:\nيباح الانتفاع بالجلود مطلقا، سواء دبغت أم لا (^١).\nوقيل: يباح الانتفاع بها بشرط الدبغ.\nوقيل: يباح الانتفاع بها في يابس وقيل: في يابس وماء.\nوهاك دليل كل قول من هذه الأقوال:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-383> دليل من قال الدباغ لا يطهر وينتفع به بعد الدبغ في يابس أو ماء:</span>\nأما الدليل على نجاسة جلد الميتة ولو دبغ:\nأن الجلد جزء من الميتة، وقد قال ﷾: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، فلم يطهر بالدباغ كاللحم.\nولأن الجلد تنجس بالموت فكانت نجاسته نجاسة عينية، فلا يطهره الدبغ.\n• ويجاب عن ذلك من وجهين:\nالوجه الأول:\nكونه جزءًا من الميتة لا يكفي لنجاسته، فالشعر جزء من الميتة وأنتم لا تقولون بنجاسته إذا جُزَّ من الحيوان.\n_________\n(^١) هذا القول يراه الإمام الزهري ﵀، كما في مصنف عبد الرزاق (١/ ٦٢)، ومسند أحمد (١/ ٣٦٥)، وأبي داود (٤١٢٢)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠١)، وحكاه ابن تيمية عن بعض السلف.","vol":"1","page":416},{"text":"الوجه الثاني:\nأن الموت ليس هو علة النجاسة، فما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، ومثله السمك، فعلة النجاسة من الميتة هو احتقان الدم واحتباسه فيها، فالدباغ ينشف رطوبته ويجففه.\nفالميتة ثلاثة أقسام:\nمنها ما هو طاهر مطلقًا كالشعر إذا جز، سواء جز في حال الحياة، أو بعد الموت.\nومنها ما لا يطهر بحال كاللحم، والدم المسفوح.\nومنه ما يحكم بنجاسته ما دام متصلًا برطوبة النجاسة ودمها، فإذا دبغ قطعت عنه هذه النجاسات، فأصبح طاهرًا. ونجاسة الجلد قبل الدباغ كنجاسة الثوب، فإذا دبغ قطعت عنه النجاسة (^١).\nوأما دليلهم على تحريم الانتفاع به قبل الدبغ\n(١٢٠) فهو ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب النبي ﷺ، وأنا غلام، ألا تنتفعوا بإهاب ميتة، ولا عصب (^٢).\n[رجاله ثقات إلا أن عبد الله بن عكيم لم يثبت له سماع من النبي ﷺ فهو مرسل، وقد اختلف في إسناده اختلافً كثيرً] (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى بتصرف (٢١/ ٩٠ - ١٠٢).\n(^٢) المصنف (٥/ ٢٠٦).\n(^٣) الحديث في إسناده اختلاف كثير، فرواه الحكم بن عتيبة، واختلف عليه:\nفقيل: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم مرسلًا.\nوقيل: عن الحكم عن عبد الله بن عكيم.\nوقيل: عن الحكم، عن رجال مجهولين، عن عبد الله بن عكيم. =","vol":"1","page":417},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وتارة يحدث به عبد الله بن عكيم مباشرة، وتارة يرويه عبد الله بن عكيم، عن مشايخ من جهينة.\nورواه القاسم بن مخيمرة، واختلف عليه أيضًا:\nفقيل: عن القاسم، عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ من جهينة.\nوقيل: عن القاسم، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم.\nوكما اختلفوا في إسناده، اختلفوا في متنه:\nفقيل: قبل وفاته بشهر.\nوقيل: قبل وفاته بشهر أو شهرين على الشك.\nوقيل: قبل وفاته بأربعين يومًا.\nوقيل: قبل وفاته بثلاثة أيام. وإليك تفصيل ما أجمل من هذه الاختلافات:\nأما حديث الباب: الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم:\nفقد أخرجه أحمد (٤/ ٣١٠، ٣١١) والمصنف (٥/ ٢٠٦) رقم ٢٥٢٧٨ وابن ماجه (٣٦١٣) عن غندر.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣١١) من طريق وكيع.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٤٦٨) من طريق أبي عامر، ووهب بن جرير.\nوأخرجه ابن حبان (١٢٧٨) من طريق النضر بن شميل، كلهم، عن شعبة، عن الحكم، عن\nابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٠٦) رقم ٢٥٢٧٦، والنسائي في الكبرى (٤٥٧٦)، والصغرى (٤٢٥٠) وابن ماجه (٣٦١٣) من طريق منصور.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٠٦) رقم ٢٥٢٧٧، وعنه ابن ماجه (٣٦١٣) وأخرجه الترمذي (١٧٢٩)، والمحاملي في أماليه (٧٨) من طريق الشيباني.\nوأخرجه ابن حبان (١٢٧٧) والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٣٠) رقم ٧٦٤٢ من طريق أبان ابن تغلب.\nوأخرجه الترمذي (١٧٢٩) من طريق الأعمش.\nوأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (١/ ٤٣٩) من طريق أبي إسحاق السبيعي.\nوأخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب (٤٨٨) والطبراني في الأوسط (١/ ٢٥١) رقم ٨٢٢ من طريق أشعث بن سوار الأجلح.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٣٢٠) رقم ٢١٠ من طريق خالد بن كثير الهمداني، وأخرجه أيضًا (٣/ ٤٠) رقم ٢٤٠٧ من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٢/ ٢١٤) رقم ١٠٥٠ من طريق حمزة الزيات، ثمانيتهم عن الحكم به. =","vol":"1","page":418},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= هذا فيما يتعلق بطريق الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم.\nوأما طريق الحكم، عن رجال مجهولين، عن عبد الله بن عكيم، فقد أخرجه أبو داود (٤١٢٨)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١٥) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم، قال: حدثنا الثقفي، عن خالد، عن الحكم بن عتيبة، أنه انطلق هو وناس معه إلى عبد الله بن عكيم، رجل من جهينة، قال الحكم: فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إلي، فأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم، أن رسول الله ﷺ كتب إلى جهينة قبل موته بشهر، أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.\nواختلف على الثقفي، فرواه أبو داود كما سبق، عن الثقفي، عن خالد، عن الحكم، عن رجال مجهولين، عن عبد الله بن عكيم.\nورواه أحمد (٤/ ٣١٠) عن الثقفي، عن خالد، عن الحكم، عن عبد الله بن عكيم، دون واسطة بين الحكم وعبد الله بن عكيم.\nفصار الحكم تارة يحدث به عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم كما هي رواية الأكثر.\nوتارة يحدث به الحكم، عن رجال مجهولين، عن عبد الله بن عكيم.\nوتارة يحدث به عن عبد الله بن عكيم مباشرة دون واسطة.\nوأرجحها عندي رواية شعبة، والأعمش، ومنصور، والشيباني، وأبي إسحاق، ومن وافقهم عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nكما أن هناك اختلافًا آخر: فروي الحديث عن عبد الله بن عكيم كما سبق.\nوروي عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ من جهينة.\nرواه صدقة بن خالد، واختلف عليه:\nفرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٦٨) من طريق محمد بن المبارك، قال: حدثنا صدقة ابن خالد، عن يزيد بن أبي مريم، عن القاسم بن مخيمرة، عن عبد الله بن عكيم، قال:\nحدثني أشياخ من جهينة، قالوا: أتانا كتاب رسول الله ﷺ أو قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء.\nوخالفه هشام بن عمار كما في صحيح ابن حبان (١٢٧٩) فرواه عن صدقة، عن يزيد، عن القاسم، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم.\nفيكون بين القاسم وبين ابن عكيم رجلان، بينما رواية الطحاوي يرويه القاسم، عن عبد الله بن عكيم مباشرة، وهذا اختلاف ثالث في السند يضاف إلى ما سبق، ورواية هشام بن عمار أرجح لموافقتها رواية الحفاظ مثل شعبة، والأعمش، والشيباني وغيرهم، وفيها إرسال كما بينته سابقًا. =","vol":"1","page":419},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه أحمد (٤/ ٣١٠)، والنسائي في الكبرى (٤٥٧٧)، وفي الصغرى (٤٢٥١) من طريق شريك، عن هلال الوزان، عن عبد الله بن عكيم، وفيه كتب رسول الله ﷺ إلى جهينة ... الحديث. وهذا الإسناد قد تفرد به شريك، عن هلال، وشريك سيء الحفظ.\nوقد ضعف الحديث بعض العلماء.\nقال الترمذي (٤/ ١٩٤): سمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل موته بشهرين، وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبي ﷺ، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده، حيث روى بعضهم، فقال: عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ من جهينة.\nوجاء في التمهيد (٤/ ١٦٤): قال داود بن علي: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فضعفه، وقال: ليس بشيء، إنما يقول: حدثني الأشياخ.\nوبعد أن ساق ابن عبد البر الاختلاف في إسناده، قال: وهذا اضطراب كما ترى يوجب التوقف عن العمل بمثل هذا الخبر. المرجع السابق.\nوقال النووي: حديث ابن عكيم أعل بأمور ثلاثة:\nأحدها: الاضطراب في إسناده.\nالثاني: الاضطراب في متنه، فروي قبل موته بثلاثة أيام، وروي بشهرين، وروي بأربعين يومًا.\nالثالث: الاختلاف في صحبته، قال البيهقي وغيره: لا صحبة له، فهو مرسل. انظر نصب الراية (١/ ١٢١).\nوصحح الحديث بعض العلماء، قال ابن حبان ﵀ (٤/ ٩٦): هذه اللفظة: (حدثنا مشيخة لنا من جهينة) أوهمت عالمًا من الناس أن الخبر ليس بمتصل، وهذا مما نقول في كتابنا: إن الصحابي قد يشهد النبي ﷺ، ويسمع منه شيئًا، ثم يسمع ذلك الشيء عن من هو أعظم خطرًا منه عن النبي ﷺ، فمرة يخبر عما شاهد، وأخرى يروي عمن سمع، ألا ترى أن ابن عمر شهد سؤال جبريل رسول الله ﷺ عن الإيمان، وسمعه من عمر بن الخطاب؟ فمرة أخبر بما شاهد، ومرة روى عن أبيه ما سمع، فكذلك عبدالله بن عكيم، شهد كتاب المصطفى ﷺ حيث قرئ عليهم في جهينة، وسمع مشايخ جهينة يقولون ذلك، فأدى مرة ما شهد، وأخرى ما سمع، من غير أن يكون في الخبر انقطاع. اهـ\nقلت: لا يقال مثل ذلك إلا بقرينة، كما لو حدث راوي الحديث عن شيخين، فإنه يحكم باضطراب روايته إلا إن جاءت قرينة تدل على أنه سمع منهما، كما لو جمعهما جميعًا في إسناد واحد، والله أعلم.\nوقال ابن حجر: «أعله بعضم بالانقطاع، وهو مردود، وبعضهم بكونه كتابًا، وليس بعلة قادحة، وبعضهم بأن ابن أبي ليلى راويه عن ابن عكيم لم يسمعه منه لما وقع عند أبي داود عنه =","vol":"1","page":420},{"text":"الجواب عن حديث عبد الله بن عكيم:\nأولًا: ضعف حديث عبد الله بن عكيم.\nثانيًا: لو صح الحديث، فلا حجة فيه؛ لأن الإهاب اسم للجلد قبل الدبغ.\nقال أبو داود: قال النضر بن شميل، وإنما يسمى إهابًا ما لم يدبغ (^١).\nوقال البيهقي: وهو محمول عندنا على ما قبل الدبغ ... إلخ (^٢).\nوقال ابن حبان: ومعنى خبر عبد الله بن عكيم: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، يريد به قبل الدباغ، والدليل على صحته قوله ﷺ: أيما إهاب دبغ فقد طهر (^٣).\n_________\n= أنه انطلق، وناس معه إلى عبدالله بن عكيم، قال: فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إلي فأخبروني، فهذا يقتضي أن في السند من لم يسم، ولكن صح تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بسماعه من ابن عكيم، فلا أثر لهذه العلة أيضًا». اهـ\nقلت: وهم الحافظ هنا ﵀، حيث تصور أن ابن ليلى هو الذي سمعه من رجال مجهولين، والصحيح أن هذا وقع مع الحكم بن عتيبة، وليس في سند أبي داود الذي أشار إليه الحافظ ذكر لعبد الرحمن بن أبي ليلى حيث ساق أبو داود (٤١٢٨) إسناده إلى الحكم بن عتيبة قال: أنه انطلق هو وناس معه إلى عبد الله بن عكيم رجل من جهينة، قال الحكم: فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إلي فأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم.\nوسبب وهم الحافظ، والله أعلم أنه تابع ابن دقيق العيد، فقد قال ابن دقيق الكلام نفسه كما في نصب الراية، فتبعه الحافظ دون أن ينظر في إسناد أبي داود عليهم رحمة الله جميعًا.\nوقد يجيب غير الحافظ بأن الحكم صرح بسماعه من عبد الرحمن فلا أثر لهذه العلة، والجواب أن الحكم قد اختلف عليه في إسناده اختلافًا كثيرًا كما بينت سابقًا، فتارة يحدث به عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، وتارة يحدث به عن رجال مجهولين، عن عبد الله بن عكيم، وتارة يحدث به عن عبدالله بن عكيم مباشرة، فهذا اختلاف بين، كما أنه ليس الاختلاف الوحيد في السند، فارجع إلى طرق الحديث السابقة يتبين لك ما ذكرت، والله أعلم.\n(^١) سنن أبي داود (٤٢١٨).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ١٥).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٤/ ٩٦).","vol":"1","page":421},{"text":"وقال ابن حجر: «وأقوى ما تمسك به من لم يأخذ بظاهره معارضة الأحاديث الصحيحة له، وأنها عن سماع، وهذا عن كتابة، وأنها أصح مخارج. وأقوى من ذلك: الجمع بين الحديثين بحمل الإهاب على الجلد قبل الدباغ، وأنه بعد الدباغ لا يسمى إهابًا، وإنما يسمى قربة وغير ذلك، وقد نقل ذلك عن أئمة اللغة كالنضر بن شميل، وهذه طريقة ابن شاهين، وابن عبدالبر، والبيهقي، وأبعد من جمع بينهما بحمل النهي على جلد الكلب والخنزير لكونهما لا يدبغان، وكذا من حمل النهي على باطن الجلد، والإذن على ظاهره».اهـ\nالجواب عن قول الحنابلة بالنسخ:\nقول الحنابلة: إن حديث عبد الله بن عكيم ناسخ لما قبله، فهذا أيضًا قول فيه ضعف:\nأولًا: مبني على الحكم بتأخره، وهذا غير مقطوع به، وكونه جاء في حديث\nعبد الله بن عكيم قبل وفاته بشهر أو بشهرين ليس جزمًا بالتأخير؛ لأنه قد يكون قوله «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» قبل موته بيوم أو يومين (^١).\nثانيًا: لا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع، وهذا الجمع غير متعذر، كما سبق في حمل الإهاب على الجلد قبل الدبغ.\nثالثًا: أن القول بالنسخ إبطال لأحد الدليلين، وقد يكون الصواب خلافه، بينما الجمع يقتضي العمل بالدليلين معًا دون مناقضة بينهما.\nوذهب ابن تيمية إلى أنه ناسخ لإباحة الانتفاع قبل الدبغ، وليس ناسخًا للانتفاع مطلقًا، قال ابن تيمية ﵀:\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٦٥): وحديث عبد الله بن عكيم وإن كان قبل موت رسول الله ﷺ بشهر، كما جاء في الخبر، فممكن أن تكون قصة ميمونة (وسماع ابن عباس منه قوله: إيما إهاب دبغ فقد طهر) قبل موت رسول الله ﷺ بجمعة أو دون جمعة، والله أعلم.","vol":"1","page":422},{"text":"«ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما حرم من الميتة أكلها)، ثم إنه حرم لبسها قبل الدباغ، وهذا وجه قوله في حديث عبد الله بن عكيم: كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، فإن الرخصة متقدمة كانت في الانتفاع بالجلود بلا دباغ كما ذهب إليه طائفة من السلف، فرفع النهي عما أرخص فأما الانتفاع بها بعد الدباغ فلم ينه عنه قط، ولهذا كان آخر الروايتين عن أحمد أن الدباغ مطهر لجلود الميتة» (^١).\n- وأما دليلهم على جواز الانتفاع بعد الدبغ في يابس وماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>الدليل الأول:</span>\n(١٢١) ما رواه مالك، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، عن أمه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت (^٢).\n[إسناده ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (١/ ٤٢).\n(^٢) الموطأ (٢/ ٤٩٨).\n(^٣) في إسناده أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، لم يرو عنها إلا ابنها محمد، ولم يوثقها إلا ابن حبان، فهي مجهولة، وقال عنها الحافظ في التقريب: مقبولة، أي: إن توبعت، وإلا ففيها لين، وجاء في العلل ومعرفة الرجال لأحمد (٣/ ١٩٢): «قلت لأبي: ما تقول في هذا الحديث؟ قال: فيه أمه، من أمه؟ كأنه أنكره من أجل أمه». ونقله الزيلعي في نصب الراية (١/ ١١٧).\nوالحديث مداره على مالك، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في مسنده (١/ ١٠)، وفي الأم (١/ ٩) وعبد الرزاق (١٩١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٦٢) رقم ٢٤٧٧٧، وأحمد (٦/ ٧٣، ١٠٤، ١٤٨، ١٥٣)، وأبو داود (٤١٢٤)، والنسائي في السنن الكبرى (٤٥٧٨)، والصغرى (٤٢٥٢)، وابن ماجه (٣٦١٢)، والدارمي (١٩٨٧)، وابن حبان (١٢٨٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧). وذكره ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٧٦).","vol":"1","page":423},{"text":"ولو صح الحديث لكان فيه دليل على إطلاق الانتفاع، وليس مقصورًا على اليابس والماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٢) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ، فقال: هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به. فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها. قال أبو بكر وابن أبي عمر في حديثهما عن ميمونة ﵂ (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به)، فجعل الانتفاع مرتبًا على الدباغ، فدل على أن الانتفاع قبل الدبغ، لا يجوز.\n• وأجيب:\nبأن لفظ (فدبغتموه) غير محفوظ، وسوف يأتي بيان ذلك في أدلة من قال بإباحة الانتفاع مطلقًا بالجلد، سواء دبغ أم لا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٣) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة، فقالت: ثَمَّ يا رسول الله ماتت فلانة- يعني الشاة- فقال: فلولا أخذتم مسكها، فقالت: ينفذ مسك شاة قد ماتت، فقال لها رسول الله ﷺ: إنما قال الله ﷿: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ) [الأنعام: ١٤٥] فإنكم لا تطعمونه أن تدبغوه، فتنتفعوا به، فأرسلت إليها، فسلخت مسكها، فدبغته،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٦٣).","vol":"1","page":424},{"text":"فأخذت منه قربة حتى تخرقت عندها (^١).\n[إسناده ضعيف رواية سماك عن عكرمة مضطربة] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>دليل من قال الدباغ يطهر جميع الجلود</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>الدليل الأول:</span>\n(١٢٤) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا سليمان بن\n_________\n(^١) مسند أحمد (١/ ٣٢٧).\n(^٢) الحديث أخرجه أبو يعلى (٢٣٣٤، ٢٣٦٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٧١)، وفي المشكل (٤/ ٢٦١)، وابن حبان (١٢٨١)، والطبراني (١١٧٦٥)، والبيهقي (١/ ١٨) من طريق أبي عوانة.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٤٧١)، وابن حبان (١٢٨٠) والطبراني (١١٧٦٦) من طريق أبي الأحوص، كلاهما عن سماك به.\nوعلة هذا الطريق رواية سماك، عن عكرمة فيها اضطراب، وسبق بيان ذلك في باب المياه، وقد خالف سماك غيره في هذا الحديث في سنده ومتنه.\nأما الإسناد فالحديث في صحيح البخاري (٦٦٨٦) والنسائي (٤٢٤٠) من طريق الشعبي، وفي مسند أحمد (٦/ ٤٢٩) والمصنف لابن أبي شيبة (٥/ ١٦٢) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، كلاهما عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة.\nفهنا جعل الشعبي وإسماعيل الحديث من مسند سودة، وجعل سماك الحديث من مسند ابن عباس.\nوأما المتن، فلفظهما، قالت سودة: ماتت لنا شاة، فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنًا. اهـ\nوهذا اللفظ ليس فيه أن الرسول ﷺ أمر بدبغه كشرط للانتفاع به، وإنما أمر فعلته سودة من قبل نفسها، بخلاف لفظ سماك، عن عكرمة، والله أعلم.\nوقد ذكره الحافظ في الفتح في شرحه لحديث (٥٥٣٢)، وسكت عليه. وعلى التسليم بضعفه، فإنه شاهد صالح في ذكر الدباغ.\nوقد رواه أبو بشر جعفر بن إياس، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٦٢)، قال: حدثنا هشيم، قال: أنبأنا أبو بشر، عن عكرمة، أن رسول الله ﷺ مر بشاة لسودة بنت زمعة، فقال: ألا تنتفعوا بإهابها، فإن دباغها طهورها. ولعل هذا هو المعروف، والله أعلم.","vol":"1","page":425},{"text":"بلال، عن زيد بن أسلم، أن عبد الرحمن بن وعلة أخبره، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا دبغ الإهاب فقد طهر.\n[صححه مسلم، وضعفه الإمام أحمد] (^١).\n_________\n(^١) مسلم (٣٦٦)، وهذا الإسناد مداره على زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس ﵄ جميعًا،\nرواه سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم بلفظ: إذا دبغ الإهاب فقد طهر.\nورواه سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم بلفظ: أيما إهاب دبغ فقد طهر.\nورواه مالك، وعبد العزيز بن محمد، وسفيان الثوري باللفظين معًا، وإليك تخريج رواياتهم.\nأما رواية سليمان بن بلال: فأخرجها مسلم في صحيحه كما في حديث الباب، والبيهقي (١/ ٢٠).\nوأما رواية سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم بلفظ: أيما إهاب دبغ:\nفقد أخرجها الشافعي في مسنده (١/ ١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٦٢) رقم ٢٤٧٧١، أحمد (١/ ٢١٩)، والحميدي في مسنده (٤٨٦)، والترمذي (١٧٢٨)، وابن ماجه (٣٦٠٩)، والنسائي في الكبرى (٤٥٦٧) والصغرى (٤٢٤١)، وأبو يعلى في مسنده (٢٣٨٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٦٩)، والمنتقى (٦١، ٨٧٤)، وابن حبان (١٢٨٧، ١٢٨٨)، والبيهقي (١/ ١٦).\nوأما رواية مالك، عن زيد بلفظ: إذا دبغ الإهاب فقد طهر:\nفأخرجها مالك في الموطأ (٢/ ٤٩٨)، والشافعي في مسنده (١/ ١٠)، والدراقطني (١/ ٤٦).\nوأما رواية مالك باللفظ الثاني: أيما إهاب دبغ، فأخرجها ابن حبان في صحيحه (١٢٨٧).\nورواية سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، بلفظ: أيما إهاب دبغ، فأخرجها عبد الرزاق في المصنف (١٩٠)، وأحمد (١/ ٢٧٠، ٣٤٣)، والدرامي (١٩٨٥)، وأبو عوانة (١/ ٢١٢)، والطبراني في الأوسط (٧٢٨٩)، وفي الصغير (١/ ٣٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢١٨)، والخطيب في تاريخه (١٠/ ٣٣٨).\nوأما رواية سفيان الثوري بلفظ: إذا دبغ الإهاب، فهي في سنن أبي داود (٤١٢٣).\nورواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن زيد بن أسلم، بلفظ: إذا دبغ الإهاب فقد طهر، أخرجها الدارقطني في سننه ١/ ٤٦)، ورواه الترمذي (١٧٢٨) من طريق عبد العزيز أيضًا بلفظ: أيما إهاب دبغ، مقرونًا برواية ابن عيينة.\nورواه غير زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، فقد رواه مسلم (٣٦٦) من طريق أبي الخير =","vol":"1","page":426},{"text":"فجعل الدباغ شرطًا لطهارة عينه، فإذا دبغ كان طاهرًا، وإذا كان طاهرًا كان الانتفاع به مباحًا، وقوله: إذا دبغ الإهاب أو إيما إهاب دبغ دليل على العموم، فلا يستثنى منه شيء حتى إهاب الكلب والخنزير.\nقال ابن عبد البر: «المقصود بهذا الحديث ما لم يكن طاهرًا من الأهب، كجلود الميتات، وما لا تعمل فيه الذكاة من السباع عند من حرمها؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى الدباغ للتطهير، ومستحيل أن يقال في الجلد الطاهر: إنه إذا دبغ فقد طهر، وهذا يكاد علمه يكون ضرورة، وفي قوله ﷺ: أيما إهاب دبغ فقد طهر: نص ودليل: فالنص\n_________\n= الخير مرثد بن عبد الله، قال: رأيت على بن وعلة السبئي فروًا، فمسسته، فقال: مالك تمسه؟ قد سألت عبد الله بن عباس قلت: إنا نكون بالمغرب، ومعنا البربر والمجوس، نؤتى بالكبش قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتونا بالسقاء يجعلون فيه الودك، فقال ابن عباس: قد سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: دباغه طهوره.\nومن طريق أبي الخير رواه النسائي (٤٢٤٢)، وأبو عوانة في مسنده (١/ ٢١٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧).\nوالحديث مداره على عبد الرحمن بن وعلة، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الدباغ لم يصح فيه شيء، وكان الإمام أحمد ومالك يريان أن الدباغ لا يطهر، وذكر ابن تيمية حجتهم في مجمع الفتاوى (٢١/ ٩١) وانتقد حديث سفيان بن عينية، عن الزهري بذكر الدباغ، وسيأتي تفصيل ذلك، ثم قال: وتكلم في ابن وعلة. اهـ\nوذكر الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الرحمن بن وعلة قوله: ذكره أحمد، فضعفه في حديث الدباغ. (٦/ ٢٦٣).\nوقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٨/ ١٧): «ومما قد يسمى صحيحًا ما يصححه بعض علماء الحديث، وآخرون يخالفونهم في تصحيحه، فيقولون: هو ضعيف ليس بصحيح، مثل ألفاظ رواها مسلم في صحيحه، ونازعه في صحتها غيره من أهل العلم، إما مثله أو دونه أو فوقه، فهذا لا يجزم بصدقه إلا بدليل، مثل حديث ابن وعلة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: أيما إهاب دبغ فقد طهر، فإن هذا مما انفرد به مسلم، عن البخاري، وقد ضعفه الإمام أحمد وغيره، وقد رواه مسلم. اهـ\nوابن وعلة قد وثقه يحيى بن معين والنسائي، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ، وقال الحافظ في التقريب: صدوق.","vol":"1","page":427},{"text":"طهارة الإهاب بالدباغ، والدليل منه أن كل إهاب لم يدبغ فليس بطاهر، وإذا لم يكن طاهرًا، فهو نجس، والنجس رجس محرم، فبهذا علمنا أن المقصود بذلك القول جلود الميتة.\nوإذا كان ذلك كذلك، كان هذا الحديث معارضًا لرواية من روى في هذه الشاة الميتة: إنما حرم أكلها، ومبينًا لمراد الله تعالى في قوله ﷿: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣].\nوبطل بنص هذا الحديث قول من قال: إن الجلد من الميتة لا ينتفع به بعد الدباغ، وبطل بالدليل منه قول من قال: إن جلد الميتة وإن لم يدبغ، يستمتع به، وينتفع» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أخيه،\nعن ابن عباس قال: أراد النبي ﷺ أن يتوضأ من سقاء، فقيل له: إنه ميتة، فقال: دباغه يذهب خبثه أو رجسه أو نجسه (^٢).\n[إسناده ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد (٤/ ١٥٣).\n(^٢) المسند (١/ ٣١٤).\n(^٣) الحديث رواه ابن خزيمة (١١٤) والحاكم (١/ ١٦١) من طريق يحيى بن آدم.\nورواه البيهقي (١/ ١٧) من طريق يزيد بن هارون، كلاهما عن مسعر به.\nوفي إسناده أخو سالم بن أبي الجعد، وقد ذكر المزي في تهذيب الكمال ثلاثة إخوة لسالم، وهم عبد الله وعبيد، وزياد، وزاد ابن سعد في طبقاته (٦/ ٢٩١) اثنين آخرين، وهم عمران بن أبي الجعد، ومسلم بن أبي الجعد، وكلهم لم أقف على سماعهم عن ابن عباس، قال ابن سعد: «كان منهم اثنان يتشيعان، واثنان مرجئان، واثنان يريان رأي الخوارج، فكان أبوهم يقول: أي بني لقد خالف الله بينكم». اهـ\nولولا أن سالم بن أبي الجعد قال: عن أخيه، لما أشكل الأمر؛ لأن سالمًا قد سمع من ابن عباس، فلا أدري أي الستة هو؟ لكن جاء في سنن البيهقي ١/ ١٥) قال ﵀: «وسألت أحمد بن علي الأصبهاني، عن أخي سالم هذا، فقال: اسمه: عبد الله بن أبي الجعد». اهـ\nولم أجد في ترجمة عبد الله بن أبي الجعد أنه يروي عن ابن عباس، ولم أجد في تلاميذ ابن عباس عبد الله بن أبي الجعد، وقد ذكر المزي والحافظ في التهذيب وغيرهما أن عبد الله بن أبي الجعد يروي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، فإن كان عبد الله كما ذكر البيهقي، فإن فيه لينًا، فلم يوثقه إلا ابن حبان كما في الثقات.\nوقال ابن القطان: مجهول الحال.\nوقال الذهبي: فيه جهالة.\nوصحح حديثه ابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي، وذكره الزيلعي في نصب الراية (١/ ١١٧)، ونقل تصحيح الحاكم والبيهقي، ولم يتعقبهما.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٦) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن مطرف، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: طهور كل أديم دباغه.\n[ضعيف، اختلف فيه على زيد بن أسلم] (^١).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٤٩)، والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٢١) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ٤١٥) من طريق أبي بكر محمد بن عبد الله الشافعي، عن إبراهيم بن الهيثم به، وقال: رواته كلهم ثقات.\nوقال الذهبي: هذا حديث نظيف الإسناد، غريب، لم أجده في الكتب الستة. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٤٠).\nوالحديث قد اختلف فيه على زيد بن أسلم:\nفرواه محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة، فجعله من مسند عائشة.\nقال الدارقطني في العلل (١٤/ ٣٨٦) «خالفه مالك والداروردي، وفليح، وغيرهم، رووه عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، وهو المحفوظ».\nقلت: فرجع الحديث إلى حديث ابن عباس وقد سبق تخريجه، وهو في مسلم، وقد ضعفه الإمام أحمد.","vol":"1","page":429},{"text":"فقوله: (كل أديم) نص على العموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>الدليل الرابع:</span>\n(١٢٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رشدين بن سعد، قال: حدثني عمرو بن الحارث، أن كثير بن فرقد حدثه، أن عبد الله بن مالك بن حذافة حدثه، عن أمه العالية بنت سميع أو سبيع- الشك من عبد الله-\nأن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: مر رسول الله ﷺ برجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله ﷺ: لو أخذتم إهابها. قالوا: إنها ميتة. قال رسول الله ﷺ: يطهرها الماء والقرظ (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٣٣٣).\n(^٢) في إسناده عبد الله بن مالك بن حذافة، لم يرو عنه سوى كثير بن فرقد، وذكره البخاري وابن أبي حاتم، وسكتا عليه، فلم يذكرا فيه جرحًا. التاريخ الكبير (٥/ ٢٠٣)، الجرح والتعديل (٥/ ١٧١).\nولم يوثقه إلا ابن حبان، حيث ذكره في الثقات (٧/ ١٧).\nوقال الذهبي: فيه جهالة. الميزان (٢/ ٤٩٩).\nوفي التقريب: مقبول. وهذه عبارة تليين خاصة إذا تفرد.\nوفي إسناده أيضًا: العالية بنت سبيع، لم يرو عنها سوى ابنها عبد الله بن مالك، وهو مجهول العين، ولم يوثقها أحد سوى العجلي، قال: مدنية تابعية ثقة. ثقات العجلي (٢/ ٤٥٥).\nوقد ذكره الحافظ في التلخيص، وسكت عليه (١/ ٨٠) ح ٤٣، ونقل عن ابن السكن والحاكم تصحيحه، ولم يتعقبه.\nوالحديث رواه أبو داود (٤١٢٦) والنسائي في السنن الكبرى (٤٥٧٤)، وفي الصغرى (٤٢٤٨) وابن حبان (١٢٩١)، والدارقطني (١/ ٤٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٥٨، ١٥٩) من طريق عمرو بن الحارث.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٧٠٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٧٠) والطبراني في المعجم الأوسط (٨٦٩٦)، والكبير (٢٤/ ١٤) رقم ٢٤، والأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٦١)، والدارقطني (١/ ٤٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٩)، والمزي في تهذيب الكمال (١٥/ ٥٠٦) من طريق الليث بن سعد، كلاهما عن كثير بن فرقد به.\nوجاء ذكر القرظ في حديث عند الدارقطني (١/ ٤١) من طريق يحيى بن أيوب، عن يونس وعقيل جيمعًا، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ مر بشاة ميتة، فقال: هلا انتفعتم بإهابها، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها، أو ليس في الماء والقرظ ما يطهرها.\nوذكر القرظ في هذا الطريق شاذ؛ فإن كل من رواه عن الزهري لم يذكروا فيه ذكر القرظ، مثل مالك ومعمر وسفيان ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان وغيرهم، وقد سبق تخريج طرقهم، والخطأ فيه من يحيى بن أيوب، الراوي عن يونس، لأن الشيخين البخاري ومسلمًا قد رويا الحديث من طريق يونس، وليس فيه ذكر القرظ، ويحيى بن أيوب قال عنه أحمد: سيء الحفظ، وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم الرازي: محله الصدق، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال يحيى بن معين: صالح، وقال مرة: ثقة. وفي التقريب: صدوق ربما أخطأ، والله أعلم.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>الدليل الخامس:</span>\n(١٢٨) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري، أخبرنا محمد بن عقيل بن خويلد أخبرنا، حفص بن عبد الله، أخبرنا إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول ﷺ: أيما اهاب دبغ فقد طهر.\n[تفرد به محمد بن عقيل، وقال الدارقطني: إسناد حسن] (^١).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٤٨)، قال الحافظ في التلخيص (١/ ٤٦): رواه الدارقطني بإسناد على شرط الصحة، وقال - يعني الدارقطني: إنه حسن. اهـ\nوأخشى أن يكون الحديث غير محفوظ، فإن هذا الإسناد وإن لم يكن في رجاله مجروح، إلا أن علته التفرد، قال الذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ٦٤٩) في ترجمة شيخ الدارقطني محمد بن عقيل، قال: شيخ نيسابور، معروف لا بأس به، إلا أنه تفرد بهذا، وذكر هذا الحديث: أيما إهاب دبغ.\nوقد قال ابن حبان في الثقات عنه: ربما أخطأ حدث بالعراق بمقدار عشرة أحاديث مقلوبة.\nوإعلال الذهبي الحديث بتفرد محمد بن عقيل فيه، وإن كان صدوقًا يجري على قاعدة المتقدمين ﵏، فقد قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي (٢/ ٥٨٢): «وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه أنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته، وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون تفرد الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه». اهـ\nوأما تحسين الدارقطني له على إمامته، فإما أن يكون اصطلاحًا للدارقطني في الحسن، ولا يعني به التحسين الاصطلاحي، وهذا يتكرر في سننه فكم من حديث حسنه في سننه وأعله في علله، وأكبر مثال على ذلك حديث عائشة المتقدم في الدليل الثالث، فقد حسنه في سننه، وفي علله أعله بالاختلاف على زيد بن أسلم، وليس هذا هو المثال الوحيد، فإن لم يكن هذا مصطلحًا خاصًا في الحسن يقصد به الغريب، أو المنكر، فهو اختلاف في الحكم، ويترجح منه ما يوافق القواعد، ولذلك أورده الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٣١٦٦)، وقال: «غريب من حديث نافع عنه، تفرد به إبراهيم بن طهمان، وتفرد به حفص بن عبد الله، عن إبراهيم». اهـ فقوله: غريب هو معنى قوله في السنن حسن، والله أعلم.\nوبعد هذا التقرير وقفت على ما يؤكد ذلك في علل الدارقطني، فقد حكم على هذا الإسناد بأنه وهم، جاء في العلل للدارقطني (١٢/ ٣٦٥): «سئل عن حديث نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال، في جلود الميتة: دباغها طهورها.\nفقال: يرويه أبو نعيم، عن حفص أبي سهل الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر، وهو حفص بن قيس.\nوقال فضلك الرازي: إنما هو: حفص بن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، وذلك وهم».\nولا يفرح بمتابعة القاسم بن عبد الله فقد رواه الدارقطني في سننه (١/ ٤٨) من طريقه، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ مر على شاة، فقال: ما هذه؟ قالوا: ميتة، قال النبي ﷺ: ادبغوا إهابها؛ فإن دباغه طهور. قال الدارقطني: القاسم ضعيف.\nقلت: بل هو أشد من ذلك، قال أحمد: كذاب كان يضع الحديث ترك الناس حديثه. الجرح والتعديل (٧/ ١١١).\nوقال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: ضعيف لا يساوى شيئًا، متروك الحديث، منكر الحديث. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين: ضعيف ليس بشيء. المرجع السابق.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>الدليل السادس:</span>\n(١٢٩) ما رواه الدارقطني، من طريق فرج بن فضالة، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أم سلمة، أنها كانت لها شاة تحتلبها، ففقدها النبي ﷺ فقال: ما فعلت الشاة؟","vol":"1","page":432},{"text":"قالوا: ماتت. قال: أفلا انتفعتم بإهابها؟ قلنا: إنها ميتة. فقال النبي ﷺ: إن دباغها يحل كما يحل خل الخمر.\n[قال الدارقطني: تفرد به فرج بن فضالة وهو ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>الدليل السابع:</span>\n(١٣٠) وروى الدارقطني، من طريق الواقدي، نا معاذ بن محمد الأنصاري، عن عطاء الخرساني، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ: قال: دباغ جلود الميتة طهورها (^٢).\n[ضعيف جدًّا].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>الدليل الثامن:</span>\nاستحالة الأعيان الخبيثة إلى أعيان طاهرة ينقل حكمها من النجاسة إلى الطهارة، قال الطحاوي: «رأينا الأصل المجتمع عليه، أن العصير لا بأس بشربه، والانتفاع به، ما لم يحدث فيه صفات الخمر، فإذا حدثت فيه صفات الخمر حرم بذلك، ثم لا يزال حرامًا كذلك حتى تحدث فيه صفات الخل، فإذا حدثت فيه صفات الخل حل، فكان يحل بحدوث الصفة ويحرم لحدوث صفة غيرها، وإن كان بدنًا واحدًا، فالنظر على\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٤٩).\nوقد قال البخاري عن فرج بن فضالة: منكر الحديث. ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٦٢).\nوقال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن بن مهدى لا يحدث عن فرج بن فضالة، ويقول: حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة. الجرح والتعديل (٧/ ٨٥).\nقلت: هذا الحديث من حديثه عن يحيى بن سعيد.\nوقال ابن عدي: حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، لا يرويه عن يحيى غير فرج، وله عن يحيى وغيره مناكير، وقد ذكرت رواية شعبة عن فرج بن فضالة حديث عوف بن مالك، وله غير ما أمليت أحاديث صالحة، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. الكامل (٦/ ٢٨).\n(^٢) سنن الدارقطني (١/ ٤٨)، وفيه الواقدي، وهو متروك، كما أن في إسناده عطاء الخرساني، مختلف فيه.","vol":"1","page":433},{"text":"ذلك أن يكون كذلك جلد الميتة، يحرم بحدوث صفة الموت فيه، ويحل بحدوث صفة الأمتعة فيه من الثياب وغيرها فيه، وإذا دبغ فصار كالجلود والأمتعة فقد حدثت فيه صفة الحلال، فالنظر على ما ذكرنا أن يحل أيضًا بحدوث تلك الصفة فيه.\nوحجة أخرى أن قد رأينا أصحاب رسول الله ﷺ لما أسلموا لم يأمرهم رسول الله ﷺ بطرح نعالهم وخفافهم وأنطاعهم التي كانوا اتخذوها في حال جاهليتهم، وإنما كان ذلك من ميتة، أو من ذبيحة، فذبيحتهم حينئذ إنما كانت ذبيحة أهل الأوثان، فهي في حرمتها على أهل الإسلام كحرمة الميتة، فلما لم يأمرهم رسول الله ﷺ بطرح ذلك، وترك الانتفاع به، ثبت أن ذلك كان قد خرج من حكم الميتة ونجاستها بالدباغ إلى حكم سائر الأمتعة وطهارتها، وكذلك كانوا مع رسول الله ﷺ إذا افتتحوا بلدان المشركين لا يأمرهم بأن يتحاموا خفافهم ونعالهم وأنطاعهم وسائر جلودهم، فلا يأخذوا من ذلك شيئًا، بل كان لا يمنعهم شيئًا من ذلك، فذلك دليل أيضًا على طهارة الجلود بالدباغ» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-396> دليل من استثنى جلد الكلب والخنزير</span>.\nأخذ الحنفية والشافعية بعموم حديث: أيما إهاب دبغ فقد طهر (^٢)، وعموم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت (^٣)، قال الشافعي: وجلود ما لا يؤكل لحمه من السباع قياسًا عليها إلا جلد الكلب والخنزير فإنه لا يطهر بالدباغ؛ لأن النجاسة فيهما وهما حيان قائمة، وإنما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسا حيًّا (^٤).\nوقالوا: إن العموم في قوله ﷺ: أيما إهاب دبغ، أراد بهذا العموم الجلود المعهود\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٤٧٢).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) الأم (١/ ٢٢).","vol":"1","page":434},{"text":"الانتفاع بها، وأما جلد الخنزير فلم يدخل في هذا المعنى؛ لأنه لم يدخل في السؤال؛ لأنه غير معهود الانتفاع بجلده (^١).\nإلا أن الحنفية يرون طهارة جلد الكلب بالدباغ، لأنهم لم يستثنوا إلا الخنزير، فجلد الخنزير عندهم ليست نجاسته لما فيه من الدم والرطوبة، بل هو نجس العين، وبالتالي لا يمكن تطهيره بخلاف الكلب.\nواستثنى الحنفية جلد الإنسان، وعللوا ذلك بكونه لا يجوز الانتفاع به لاحترامه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-397> دليل من قال بجواز الانتفاع بجلود الميتة ولو لم تدبغ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>الدليل الأول:</span>\nقالوا: لم يصح في الدباغ شيء (^٢).\nوأجاب بعضهم: بأن هذا لو سُلِّم في بعضها، لم يُسَلَّم في المجموع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>الدليل الثاني:</span>\n(١٣١) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله،\nعن ابن عباس ﵄ قال وجد النبي ﷺ شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي ﷺ هلا انتفعتم بجلدها، قالوا: إنها ميتة. قال: إنما حرم أكلها. ورواه مسلم (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ قال: إنما حرم أكلها، فجعل تحريم الميتة في الأكل خاصة، هذا من وجه، ومن وجه آخر، أنه حضهم على الانتفاع بجلدها، ولم يشترط الدباغ، فلو كان الدباغ شرطًا لذكره.\n_________\n(^١) التمهيد (٤/ ١٧٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٩١).\n(^٣) صحيح البخاري (١٤٩٢)، صحيح مسلم (٣٦٣).","vol":"1","page":435},{"text":"فهذا الحديث يدل على أن التحريم لم يتناول الجلد، وإنما ذكر الدباغ لإبقاء الجلد وحفظه، لا لكونه شرطًا في الحل (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>الدليل الثالث:</span>\nأن النبي ﷺ وأصحابه توضأوا من مزادة امرأة مشركة، وأعطى منه صحابيًا كان قد أصابته جنابة، فقال له: اذهب فأفرغه عليك (^٢).\nولم يسأل النبي ﷺ ولا أصحابه هل كانت المزادة مدبوغة؟ ولو كان الدباغ شرطًا في حل الاستعمال لسألوا المرأة.\n(١٣٢) وأما ما رواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن ابن شهاب به، بلفظ: هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به، فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها (^٣).\nفالجواب: أن يقال: انفرد ابن عيينة بذكر الدباغ في هذا الحديث، وهو غير محفوظ (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٤)، ثم ذهب إلى أن هذا كان رخصة، ثم نسخ بحديث عبد الله بن عكيم، وكنت قد ذهبت إلى ضعف حديث عبد الله بن عكيم في ما سبق.\n(^٢) رواه البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢) مطولًا.\n(^٣) مسلم (٣٦٣).\n(^٤) الحديث مداره على الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، واختلف على الزهري فيه:\nفرواه ابن عيينة، عن الزهري بذكر الدباغ.\nورواه جماعة من أصحاب الزهري، عنه، بدون ذكر الدباغ، وهاك بعض من وقفت عليهم:\nالأول: الإمام مالك ﵀، وهو من أجل من روى عن الزهري، وروايته في الموطأ (٢/ ٤٩٨)، ومن طريقه رواه أحمد (١/ ٣٢٧)، والنسائي في الكبرى (٤٥٦١)، وفي المجتبى (٤٢٣٥).\nالثاني: يونس بن يزيد، كما في صحيح البخاري (١٤٢١)، ومسلم (٣٦٣)، وصحيح ابن حبان (١٢٨٤)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠، ٢٣).\nالثالث: صالح بن كيسان، كما في مسند أحمد (١/ ٢٦٢)، وصحيح البخاري (٢٢٢١)، ومسلم (٣٦٣) وأبي عوانة (١/ ٢١٠).\nالرابع: معمر، كما في مصنف عبد الرزاق (١٨٤، ١٨٥)، وأحمد (١/ ٣٦٥)، وأبي عوانة (١/ ٢١٠)، وابن المنذر في الأوسط (٨٣٢)، وأبي داود (٤١٢١)، والطبراني في المعجم الكبير =","vol":"1","page":436},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٢٣/ ٤٢٨) رقم ١٠٣٨.\nالخامس: الأوزاعي، كما في مسند أحمد (١/ ٣٢٩)، ومسند أبي يعلى (٢٤١٩)، وابن حبان (١٢٨٢) والطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٢٨) رقم ١٠٣٩.\nالسادس: حفص بن الوليد، كما في سنن النسائي الكبرى (٤٥٦٢)، والصغرى (٤٢٣٦) وحفص روى عنه جماعة، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وفي التقريب صدوق.\nالسابع: عقيل، فقد قال أبو داود في إثر حديث (٤١٢٢): «لم يذكر الأوزاعي، ويونس، وعقيل في حديث الزهري ذكر الدباغ».\nوقد وقفت على رواية عقيل وفيها ذكر الدباغ، فلعل عقيلًا روى الحديث عن الزهري بالوجهين، والله أعلم، فقد أخرجها الدارقطني (١/ ٤١) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٢٠) وزاد: أو ليس في الماء والقرظ ما يطهرها؟، وفي رواية: أو ليس في الماء والدباغ ما يطهرها، والزيادة غير محفوظة كما سيأتي.\nالثامن: إسحاق بن راشد، كما في معجم الطبراني (٢٣/ ٤٢٨) رقم ١٠٤٠.\nفهؤلاء ثمانية رواة لم يذكروا لفظ الدباغ، وفيهم من يعد من أجل من روى عن الزهري، كمالك ومعمر ويونس، والأوزاعي، فهذا أولًا.\nوثانيًا: مما يؤيد أن الدباغ ليس محفوظًا في الحديث، أن الزهري الذي مدار الحديث عليه ينكر الدباغ، ويفتي بجواز الانتفاع به، ولو لم يدبغ، والحديث حديثه، ومداره عليه، فقد أخرج عبد الرزاق في المصنف (١/ ٦٢) عن معمر، كان الزهري ينكر الدباغ، ويقول: يستمتع به على كل حال. وأخرجه أحمد (١/ ٣٦٥)، وأبو داود (٤١٢٢) من طريق عبد الرزاق به.\nثالثًا: طعن الإمام أحمد في زيادة ابن عيينة بذكر الدباغ، فقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠١): ليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ، ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه، لكن ذكره ابن عيينة، ورواه مسلم في صحيحه، وقد طعن الإمام أحمد في ذلك، وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه، وذكر أن الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ لأجل هذا الحديث.\nرابعًا: أنه قد اختلف فيه على سفيان بن عينية، فرواه قتيبة بن سعيد كما في سنن النسائي الكبرى (٤٥٦٠)، والصغرى (٤٢٣٤)، ويحيى بن حسان عند الدارمي (١٩٨٨) كلاهما عن سفيان، عن الزهري به، وليس فيه ذكر الدباغ كرواية الجماعة.\nوكان ابن عيينة ربما روجع في زيادة الدباغ، فيصرح بأنه حفظها، فقد أخرج الحميدي في مسنده (٣١٥): قيل لسفيان فإن معمرًا لا يقول فيه: فدبغوه، ويقول: كان الزهري ينكر الدباغ؟ فقال سفيان: لكني قد حفظته.\nكما أن هناك اختلافًا آخر على ابن عيينة، لم يذكره أصحاب الزهري ممن رووا الحديث، فكان ابن عيينة تارة يجعله من مسند ابن عباس، وتارة يجعله من مسند ميمونة. =","vol":"1","page":437},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه جماعة عن سفيان، من مسند ميمونة، وهم:\nالأول: أبو بكر بن أبي شيبة كما في مسلم (٣٦٣) وابن ماجه (٣٦١٠).\nالثاني: ابن أبي عمر، كما في مسلم (٣٦٣)، وابن حبان (١٢٨٥).\nالثالث: أبو خيثمة، كما في مسند أبي يعلى (٧١٧٩)، وابن حبان (١٢٨٩).\nالرابع: أحمد بن حنبل، كما في المسند (٦/ ٣٢٩).\nالخامس والسادس: مسدد ووهب بن كيسان، كما في سنن أبي داود (٤١٢٠).\nالسابع: قتيبة بن سعيد، كما عند النسائي (٤٢٣٤).\nالثامن: سعيد بن نصر، كما في سنن البيهقي (١/ ١٥، ١٦).\nالتاسع: الحميدي، كما في مسنده (٣١٥)، فكل هؤلاء رووه عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة.\nوخالفهم جماعة رووه عن سفيان به، وجعلوه من مسند ابن عباس، كرواية الجماعة عن الزهري، وهم:\nالأول: يحيى بن يحيى كما في مسلم (٣٦٣).\nالثاني: عمرو الناقد، كما في مسلم (٣٦٣).\nالثالث: عثمان بن أبي شيبة، كما في سنن أبي داود (٤١٢٠).\nالرابع: ابن أبي خلف، كما في سنن أبي داود (٤٢١٠).\nالخامس: الحسن بن محمد الزعفراني، عند البيهقي (١/ ١٥).\nوالظاهر أن الخطأ من سفيان بن عيينة في الوجهين: أعني ذكر الدباغ، وجعله من مسند ميمونة قد اختلط عليه حديثه عن الزهري، بحديثه عن عمرو بن دينار، فقد أخرج مسلم في صحيحه (٣٦٣) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي ﷺ: ألا أخذوا إهابها، فدبغوه، فانتفعوا به.\nواختلف على عمرو بن دينار، فرواه عنه سفيان ابن عيينة كما سبق عند مسلم، ورواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار به إلا أنه جعله من مسند ميمونة، ولم يذكر الدباغ، رواه مسلم (٣٦٤) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أخبرني عطاء منذ حين، قال: أخبرني ابن عباس، أن ميمونة أخبرته، أن داجنة كانت لبعض نساء رسول الله ﷺ فماتت، فقال رسول الله ﷺ: ألا أخذتم إهابها، فاستمتعتم به. والله أعلم.\nورواه مسلم (٣٦٥) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ مر بشاة لميمونة، فقال: ألا انتفعتم بإهابها. اهـ ولم يذكر الدباغ، وجعله من مسند ابن عباس.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>دليل من قال: الدباغ لا يطهر إلا ما تطهره الذكاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>الدليل الأول:</span>\n(١٣٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة،\nعن سلمة، أن النبي ﷺ أتى على بيت، قدامه قربة معلقة، فسأل النبي ﷺ الشراب، فقالوا: إنها ميتة، فقال: دباغها ذكاتها (^١).\n[إسناده ضعيف والحديث روي بثلاثة ألفاظ: أحدهما هذا وبلفظ: ذكاتها دباغها، والثالث: دباغها طهورها، وعلى اللفظ الأخير ليس فيه دليل لهذا القول] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٥/ ٦).\n(^٢) في إسناده جون بن قتادة، جاء في ترجته:\nقال أحمد بن حنبل: لا أعرفه. الجرح والتعديل (٢/ ٥٤٢).\nوقال أيضًا: لا يعرف. قيل له: يروى غير هذا الحديث، فقال: لا، يعني: حديث الدباغ، تهذيب الكمال (٥/ ١٦٥).\nوقال الترمذي: لا أعرف لجون بن قتادة غير هذا الحديث، ولا أدري من هو؟ علل الترمذي الكبير (٥٢٠).\nوقال علي بن المديني: جون معروف، وجون لم يرو عنه غير الحسن، إلا أنه معروف، وقال في موضع آخر: الذي روى عنهم الحسن من المجهولين، فذكرهم، وذكر فيهم جون بن قتادة.\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٤/ ١١٩).\nوذهب ابن حزم إلى أن جون بن قتادة صحابي، وقد تعقبه الحافظ في التهذيب (٢/ ١٠٥).\nوقال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح. اهـ والصحيح أن إسناده ضعيف لما علمت من حال جون بن قتادة.\n[تخريج الحديث].\nالحديث يرويه جماعة عن قتادة، منهم هشام وشعبة وهمام وغيرهم.\nأما هشام فرواه عنه جماعة، منهم:\nأبو داود الطيالسي، وعبد الصمد كما في مسند أحمد (٣/ ٤٧٦)، (٥/ ٧).\nوحفص بن عمر كما في التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٧١). =","vol":"1","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعمرو بن الهيثم كما في مسند أحمد (٥/ ٧)، كلهم بلفظ: دباغها ذكاتها.\nوخالفهم أبو خالد، وليس بالأحمر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ١٦٣)، فرواه عن هشام به، بلفظ: ذكاة الجلود دباغها. وأبو خالد: هو يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي.\nورواه معاذ بن هشام، عن أبيه هشام، واختلف على معاذ:\nفرواه عبيد الله بن سعيد، عن معاذ بن هشام كما في المجتبى من سنن النسائي (٤٢٤٣)، وفي الكبرى (٤٥٦٩): بلفظ: دباغها ذكاتها. كرواية الجماعة.\nورواه عبد الله بن الهيثم العبدي كما في سنن الدارقطني (١/ ٤٥)، وعبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارث كما في مستدرك الحاكم (٤/ ١٣٧) عن معاذ بن هشام به، بلفظ: ذكاتها دباغها.\nوأعتقد أن اللفظ الأول هو الأقرب؛ لأن الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، والخبر هو المقصود، وهو الحكم وهو المجهول؛ لأن الأخبار بالمعلوم لغو، فحين أقول: دباغها ذكاتها.\nفـ (دباغ) مبتدأ، والخبر: أي الحكم: ذكاتها. فأنا حكمت على الدباغ بأنه ذكاة، والناس لا يعرفون الخبر لهذا قصدوا بالإخبار بأن الدباغ ذكاة، أي حكمت على الأدنى الذي هو الدباغ بحكم الأعلى الذي هو التذكية. فصار الدباغ للميتة يطهر الجلد كما تطهر التذكية الحيوان.\nوأما اللفظ الثاني: إذا قلنا: ذكاتها دباغها، فالمبتدأ: ذكاة، والخبر: هو الدباغ، فيكون المعنى: حكمت على الذكاة بأنها دباغ، وهذا يعني إعطاء الأعلى الذي هو التذكية حكم الأدنى الذي هو الدباغ، فكيف يقبل أن أجعل الذكاة بمنزلة الدباغ، والذكاة أعلى من الدباغ فهي لا تطهر الجلد فقط، بل تطهر اللحم، ومعلوم لدى الناس أن التذكية تطهر الحيوان، ولذلك يأكله الناس، ولكن المجهول عندهم أن الميتة إذا دبغ جلدها، خرج الجلد عن حكم الميتة، وصار بالتطهير بمنزلة الذكاة، لهذا أنا أميل إلى أن المعروف في الحديث لفظ: (دباغها ذكاتها)، وليس العكس.\nورواه داود بن أمية، عن معاذ بن هشام كما في ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين (١٦٦) بلفظ: (دباغها ذكاتها وطهورها). والجمع بين ذكاتها وطهورها غير محفوظ، حيث لم يتابع عليه داود بن أمية، وقد رواه جمع عن معاذ بن هشام، ولم يذكروا ما ذكره داود.\nورواه عمرو بن الهيثم عن هشام كما في مسند أحمد (٣/ ٤٧٦) بالشك: دباغها طهورها أو ذكاتها. انفرد بالشك هنا عمرو بن الهيثم، وليس بمحفوظ.\nوأما طريق همام، عن قتادة:\nفرواه عبيد الله بن موسى، كما في مصنف ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٦٣) وابن حبان (٤٥٢٢)\nوعبد الصمد كما في مسند أحمد (٣/ ٤٧٦).\nوعفان كما في مسند أحمد (٥/ ٦) ومن طريق عفان أخرجه الدارقطني (١/ ٤٦)، والبيهقي =","vol":"1","page":440},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (١/ ٢١)، بلفظ: دباغها ذكاتها.\nورواه بهز كما في مسند أحمد (٥/ ٦).\nوعفان كما في أحاديث عفان (٢٣١)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٢١).\nوأبو الوليد الطيالسي وحفص بن عمر كما في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٤٦) رقم ٦٣٤٠.\nكلهم عن همام، عن قتادة به، بلفظ: ذكاة الأديم دباغه، ولفظ عفان: ذكاتها دباغها، والمعنى واحد.\nوخالفهم حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل كما في سنن أبي داود (٤١٢٥) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٧).\nروياه عن همام به، بلفظ: دباغها طهورها.\nفيكون على هذا روي عن همام بثلاثة ألفاظ:\nالأول: دباغها ذكاتها، رواه عن همام بهذا اللفظ كل من عبيد الله بن موسى، وعفان وبهز وعبد الصمد وأبي الوليد الطيالسي.\nالثاني: ذكاتها دباغها، أو ذكاة الأديم دباغه، والمعنى واحد. رواه عن همام كل من بهز، وعفان، وأبو الوليد الطيالسي وحفص بن عمر كما في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٤٦) رقم ٦٣٤٠. والأول أرجح لموافقته رواية هشام.\nوالثالث: دباغه طهوره. وقد رواه عن همام بهذا اللفظ حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل، على أن حفصًا روي عنه باللفظ الأول كما في معجم الطبراني (٧/ ٤٦).\nوممكن أن يكون الراجح من لفظي همام، ذكاة الأديم دباغه، لكثرة من رواه عنه بهذا اللفظ، ولو كان لفظ همام (دباغ الأديم ذكاته) لكان موافقًا لرواية هشام، وهشام أرجح من همام، وجاء أيضًا لفظ: دباغه طهوره من طريق شعبة عن قتادة، وجاء من طريق عمران القطان ومنصور بن زاذان عن الحسن، فيكون الحديث روي باللفظين:\nدباغها ذكاتها. ودباغها طهورها.\nوهل بين اللفظين اختلاف؟ الجواب نعم، أما على لفظ دباغها ذكاتها. فإن الدباغ ينزل منزلة الذكاة، فما تحله الذكاة يطهره الدباغ، وما لا تحله الذكاة كالحمار والسباع لا يطهره الدباغ.\nوأما على لفظ: دباغه طهوره، فهو يوافق حديث: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) فإن الدباغ يطهر كل إهاب، سواء كانت تحله الذكاة أم لا، والله أعلم.\nالطريق الثالث: شعبة، عن قتادة.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٤٦) وابن عدي في الكامل (٢/ ١٧٨) من طريق بكر بن بكار، ثنا شعبة، عن قتادة عن الحسن، عن جون، عن قتادة، بلفظ: دباغها طهورها.\nوبكر بن بكار ضعيف، قال النسائي: ليس بثقة. =","vol":"1","page":441},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=وقال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال أبو حاتم: ليس بالقوي.\nوقال ابن حبان: ثقة ربما يخطئ.\nوقال أبو عاصم النبيل: ثقة. انظر الجرح والتعديل (٢/ ٣٨٢)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ٥٨٣)، وميزان الاعتدال (١/ ٣٤٣).\nومع ضعفه فإنه قد توبع، تابعه أسود بن عامر، وهو ثقة، فقد أخرجه أحمد (٥/ ٦) حدثنا أسود ابن عامر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن رجل قد سماه، عن سلمة به، بلفظ: (الأديم طهوره دباغه).\nفهذه متابعة من أسود بن عامر لبكر بن بكار إن حملنا الرجل المبهم في رواية شعبة على أنه جون ابن قتادة كما في الروايات الأخرى، وإلا يكون هذا الطريق فيه مخالفة.\nولفظ شعبة ليس فيه ذكر للذكاة، فهي توافق رواية من رواه عن همام بلفظ: دباغه طهوره.\nوتابع عمران القطان قتادة، كما في المعجم الكبير (٧/ ٤٦) رقم ٦٣٤١، فرواه الطبراني عنه، عن الحسن، عن جون، عن سلمة، بلفظ: دباغ الأديم طهوره.\nوعمران القطان:\nقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٤٧٨).\nوقال يحيى بن معين: ضعيف. ضعفاء العقيلي (٣/ ٣٠٠).\nوقال أيضًا: ليس بالقوي. الجرح والتعديل (٦/ ٢٩٧).\nوقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: عمران القطان له أحاديث غير ما ذكرت عن قتادة وعن غيره، وهو ممن يكتب حديثه. الكامل (٥/ ٨٧).\nوقال العجلي: بصري ثقة. معرفة الثقات (٢/ ١٨٩).\nوفي التقريب: صدوق يهم.\nواختلف على الحسن:\nفرواه قتادة وعمران القطان، عن الحسن، عن جون، عن سلمة بن المحبق. كما سبق.\nورواه منصور بن زاذان واختلف عليه:\nفرواه ابن أبي شيبة كما في المنصف (٧٥٩) عن هشيم، عن منصور، عن جون، عن سلمة بن المحبق موصولًا كرواية الجماعة، إلا أنه بلفظ: ذكاة الأديم دباغه، ورواه أحمد بن منيع، ومحمد بن حاتم، عن هشيم مرسلًا.\nأخرجه الترمذي في العلل الكبير (٥١٩) حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا هشيم، أخبرنا منصور، وهو ابن زاذان، عن الحسن، قال: حدثنا جون بن قتادة التميمي، قال: خرجنا مع النبي ﷺ في =","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٤) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا شريك، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود،\nعن عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن جلود الميتة، فقال: دباغها ذكاتها (^١).\n[إسناده ضعيف، واختلف في لفظه ووقفه ورفعه] (^٢).\n_________\n= بعض أسفاره، فقال: إن دباغ الميتة طهورها.\nوأخرجه ابن حزم في المحلى (١/ ١٢٠) من طريق محمد بن حاتم، حدثنا هشيم به.\nوقال المزي في تهذيب الكمال (٥/ ١٦٣): «هكذا رواه أحمد بن منيع، وشجاع بن مخلد، ويحيى ابن أيوب المقابري، عن هشيم من دون ذكر سلمة بن المحبق فيه، وذلك معدود في أوهام هشيم. قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: ورواه الحسن بن عرفة، وعمرو بن زرارة وغيرهما، عن هشيم، عن منصور ويونس بن عبيد وغيرهما، عن الحسن، عن سلمة بن المحبق من غير ذكر جون فيه، ورواه قتادة عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق، وهو الصحيح. انتهى ما حكاه بن منده». اهـ\nوقال ابن حجر في الإصابة (١/ ٥٥٦): وقال أبو نعيم: قد رواه زكريا بن يحيى بن زحمويه، عن هشيم، فذكر سلمة بن المحبق في الإسناد، ثم ساقه من طريقه كذلك، وقال: جوده زحمويه، والراوي عنه أسلم بن سهيل الواسطي من كبار الحفاظ العلماء من أهل واسط، فتبين أن الواهم هشيم بالإجماع. ثم نقل تصويب المزي لكلام بن منده، وأن الوهم فيه من هشيم، وأن رواية زحمويه شاذة. قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون هشيم حدث به على الوهم مرارًا، وعلى الصواب مرة. اهـ\nورواية الحسن عن سلمة بن المحبق:\nقد أخرجها أحمد في مسنده (٥/ ٦) حدثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سلمة بن المحبق، بلفظ: ذكاة الأديم دباغه.\nولم يسمع الحسن من سلمة بن المحبق ﵁، انظر التاريخ الكبير (٤/ ٧١)، وتحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (ص: ٧٥).\n(^١) سنن النسائي (٤٢٤٥).\n(^٢) جاء الحديث من طريق الأعمش، واختلف عليه فيه:\nفقيل: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، مرفوعًا.\nأخرجه النسائي (٤٢٤٧) من طريق مالك بن إسماعيل. =","vol":"1","page":443},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٧٠) من طريق أبي غسان، كلاهما، عن إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة مرفوعًا، لفظ النسائي: ذكاة الميتة دباغها. ولفظ الطحاوي: دباغ الميتة ذكاتها. وقد سبق لنا ذكر الفرق بين اللفظين.\nورواه النسائي (٤٢٤٥) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن شريك، عن الأعمش، عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة مرفوعًا. بلفظ: دباغها ذكاتها.\nوهذه متابعة لإسرائيل من شريك، وشريك سيء الحفظ، ولم يختلف على إبراهيم بن سعد في روايته عن شريك.\nورواه حجاج بن محمد، عن شريك واختلف على حجاج:\nفأخرجه النسائي (٤٢٤٦) عن أيوب بن محمد الوزان.\nوالدارقطني (١/ ٤٤) من طريق عبد الرحمن بن يونس السراج، كلاهما عن حجاج بن محمد، عن شريك، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. بلفظ: ذكاة الميتة دباغها. وهذه موافقة في الإسناد لرواية إبراهيم بن سعد عن شريك، كما أنها موافقة لرواية إسرائيل عن الأعمش.\nورواه أحمد (٦/ ١٥٤) عن حجاج بن محمد، ورواه أحمد (٦/ ١٥٤) والنسائي (٤٢٤٤) من طريق الحسين بن محمد، كلاهما عن شريك، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الأسود، عن عائشة، مرفوعًا، بلفظ: دباغها طهوره.\nففي هذا الطريق مخالفتان:\nالأولى في الإسناد: وهي ذكر عمارة بن عمير.\nالثانية في المتن: ففي رواية عمارة بن عمير دباغها طهورها، وفي رواية إبراهيم، عن الأسود: دباغها ذكاتها.\nوهذا الاختلاف من قبل شريك، فإنه سيء الحفظ، والراجح والله أعلم أن الحديث حديث إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، لأن شريكًا توبع في هذا الطريق، تابعه إسرائيل كما سبق. ولم يتابع في ذكر عمارة بن عمير.\nوقيل: الأعمش، عن أصحابنا، عن عائشة مرفوعًا:\nرواه الطحاوي (٤/ ٤٧٠) من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، قال: حدثنا أصحابنا عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ مرفوعًا، وهذا معضل.\nوحفص مقدم في الأعمش، قال أبو زرعة: وقال ابن المديني: كان يحيى بن سعيد القطان يقول: حفص أوثق أصحاب الأعمش. قال فكنت أنكر ذلك فلم قدمت الكوفة بآخرة أخرج إلي ابنه عمر كتاب أبيه عن الأعمش فجعلت أترحم على القطان. =","vol":"1","page":444},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الحافظ بعد هذا: قلت: اعتمد البخاري على حفص هذا في حديث الأعمش، لأنه كان يميز ما صرح به الأعمش بالسماع وبين ما دلسه، نبه على ذلك أبو الفضل بن طاهر وهو كما قال. الكواكب النيرات (ص: ٤٥٩).\nوقيل: عطاء بن يسار، عن عائشة:\nرواه زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار واختلف على زيد بن أسلم فيه:\nفأخرجه الدارقطني (١/ ٤٩) والبيهقي (١/ ٢١) من طريق محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة، بلفظ: طهور كل أديم دباغه، قال البيهقي رواته كلهم ثقات، وصححه ابن حزم كما في المحلى (١/ ١٢٢).\nوقال الدارقطني: إسناده حسن كلهم ثقات.\nفقوله: حسن يقصد به غريب، وإلا لو كان يقصد التحسين الاصطلاحي لما قال كلهم ثقات، ويؤكد ذلك أنه ذكره في العلل وحكم بشذوذه كما سيأتي.\nورواه مالك، والدراوردي، وفليح، وغيرهم، رووه عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، وسبق تخريجه، انظر رقم (١٣٤)، فرجع الحديث إلى حديث ابن عباس، وهو في مسلم، وقد ضعف الإمام أحمد حديث عبد الرحمن بن وعلة (أيما إهاب دبغ فقط طهر)، ونقلت ذلك عنه عند تخريج حديث ابن عباس.\nجاء في العلل للدارقطني (١٤/ ٣٨٦): «سئل عن حديث عطاء بن يسار، عن عائشة، عن النبي ﷺ: طهور كل أديم دباغه.\nفقال: يرويه زيد بن أسلم، واختلف عنه؛ فرواه أبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ.\nوخالفه مالك، والدراوردي، وفليح، وغيرهم، رووه عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، وهو المحفوظ».\nوجاء من طريق القاسم، عن عائشة مرفوعًا، بلفظ: دباغ الأديم طهوره، أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ١٨٩، ١٩٠) من طريق الهيثم بن جميل، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم به.\nقال الطبراني لم يروه عن عبد الرحمن إلا محمد، تفرد به الهيثم.\nهذا بالنسبة للطريق المرفوع، وأما الطريق الموقوف.\nفقيل: عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة:\nرواه الطحاوي (١/ ٤٧٠) وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٦٧) من طريق منصور، عن إبراهيم، عن الأسود به، موقوفًا عليها. بلفظ: لعل دباغها يكون طهورها، وهذا اللفظ ليس فيه دليل لهذا القول، لأنه لم يجعل الدباغ بمنزلة الذكاة. =","vol":"1","page":445},{"text":"وجه الاستدلال من الحديثين:\nأن الرسول ﷺ عبر بالذكاة، فقال ﷺ: دباغها ذكاتها، ومعلوم أن الذكاة لا تطهر إلا ما يباح أكله، أما ما لا يباح أكله فلا تطهره الذكاة، ولو ذكي فهي ميتة، فجلد ما يحرم أكله ولو كان طاهرًا في الحياة لا يطهر بالدباغ؛ لأن ما كان طاهرًا في الحياة إنما كان طاهرًا لمشقة التحرز منه، وهذه العلة تنتفي بالموت.\nقال أبو ثور: لا أعلم خلافًا أنه لا يتوضأ في جلد الخنزير وإن دبغ، فلما كان الخنزير حرامًا لا يحل أكله، وإن ذكي، وكانت السباع لا يحل أكلها وإن ذكيت، كان حرامًا أن ينتفع بجلودها وإن دبغت قياسًا على ما أجمعوا عليه من الخنزير إذ كانت العلة واحدة. اهـ (^١).\n_________\n= وقيل: عن إبراهيم، عن عائشة.\nرواه الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عائشة، موقوفًا عليها، ذكره الدارقطني في العلل (٥/ الورقة: ٦١) وإبراهيم لم يسمع من عائشة، بل سمعه من الأسود، وهو كثير الإرسال.\nفتبين لي من هذا العرض الاختلاف في متنه، فجاء الحديث بلفظ: ذكاة الميتة دباغها.\nوجاء بلفظ: دباغها طهورها، وقد بينا الفرق بين اللفظين في الحديث الذي قبل هذا. هذا من جهة الاختلاف في المتن.\nواختلف في رفعه ووقفه، فأيهما أرجح الموقوف أم المرفوع؟\nاختلف العلماء في ذلك:\nفرجح البخاري رواية الوقف، جاء في العلل الكبير للترمذي (٥٢١) قال الترمذي: سألت محمدًا عن حديث إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي ﷺ دباغ الميتة طهورها. فقال: الصحيح عن عائشة موقوف. اهـ\nورجح الدارقطني في العلل الرفع، فقال (٥/الورقة: ٦١) بعد أن ساق الاختلاف فيه على الأعمش، قال: «وأشبهها بالصواب قول إسرائيل ومن تابعه، عن الأعمش». اهـ\nولعله قول الدارقطني (الصواب) لا يعني به الصواب المطلق، بل مطلق الصواب بالنسبة للطرق المختلفة، والله أعلم.\n(^١) الاستذكار (١٥/ ٣٢٦).","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٥) ما رواه أحمد من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح ابن أسامة،\nعن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع (^١).\n[حديث صحيح إن شاء الله تعالى من رواية قتادة] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٥/ ٧٤).\n(^٢) الحديث يرويه قتادة عن أبي المليح، عن أبيه مرفوعًا:\nرواه سعيد بن أبي عروبة، وهو من أثبت الناس في قتادة، وتابعه شعبة، عن قتادة، ولم يختلف فيه على قتادة.\nويرويه يزيد الرشك، عن أبي المليح، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nرواه عن يزيد شعبة ومعمر، وقتادة أحفظ من يزيد الرشك.\nوقد قيل: عن يزيد الرشك، عن أبي المليح، عن أبيه موصولًا، والمحفوظ إرساله من طريق يزيد الرشك، وهاك بيان ذلك:\nأما طريق قتادة، فقد رواه سعيد بن أبي عروبة وشعبة وهشام الدستوائي، على النحو التالي:\nالطريق الأول: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.\nرواه أحمد (٥/ ٧٥) وأبو داود (٤١٣٢)، والنسائي في السنن الكبرى (٤٥٧٩) وفي الصغرى (٤٢٥٣) وابن الجارود في المنتقى (٨٧٥) والدرامي (١٩٨٤) والطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٩١) رقم ٥٠٨ والمقدسي في الأحاديث المختارة (١٣٩٥) من طريق يحيى بن سعيد القطان.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣١٤) رقم ٣٦٤١٧، والترمذي (١٧٧٠) والدارمي (١٩٨٣)، والطبراني في الكبير (١/ ١٩١) رقم ٥٠٨ من طريق ابن المبارك.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣١٤) رقم ٣٦٤١٧، والطبراني في الكبير (١/ ١٩١) رقم ٥٠٨، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٨) من طريق يزيد بن هارون.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٧٤)، وأبو داود (٤١٣٢) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن علية.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٧٤) ثنا محمد بن جعفر.\nوأخرجه الترمذي (١٧٧٠) من طريق محمد بن بشر وعبد الله بن إسماعيل بن أبي خالد.\nورواه الحاكم في المستدرك وصححه (٥٠٧) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، كلهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه مرفوعًا. =","vol":"1","page":447},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=الطريق الثاني: هشام، عن قتادة.\nرواه معاذ بن هشام، عن أبيه، واختلف على معاذ:\nفرواه البزار في مسنده (٢٣٣٣) أخبرنا محمد بن المثنى، قال: أخبرنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه، عن النبي ﷺ. بمثل رواية سعيد بن أبي عروبة.\nورواه الترمذي (١٧٧١) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي المليح، أنه كره جلود السباع. هكذا رواه محمد بن بشار مقطوعًا على أبي المليح.\nالطريق الثالث: شعبة، عن قتادة.\nأخرجه البزار (٢٣٣٢) حدثنا محمد بن المثنى، قال: أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه، بمثل رواية سعيد بن أبي عروبة.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٩٢) رقم ٥٠٩ من طريق ابن المبارك، عن شعبة به.\nورواه محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يزيد الرشك، عن أبي المليح، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوهذا الاختلاف من شعبة ليس اضطرابًا، بل هو دليل على حفظه، فالحديث يرويه قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه مرفوعًا. رواه عنه سعيد بن أبي عروبة، وتابعه شعبة وهشام.\nويرويه يزيد الرشك، عن أبي المليح مرسلًا. وقتادة مقدم على يزيد الرشك. قال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٣٥): قتادة أحب إلي من يزيد الرشك. اهـ\nوقال أحمد: صالح الحديث، يروي عنه شعبة. الجرح والتعديل (٩/ ٢٩٧).\nوقال يحيى بن معين في رواية الدوري عنه: صالح. المرجع السابق.\nوقال في رواية بن أبي خيثمة: ليس به بأس. المرجع السابق.\nووثقه أبو حاتم الرازي وأبو زرعة. المرجع السابق، فمثله لا يقارب قتادة.\nوقد رجح الترمذي رواية يزيد الرشك، قال الترمذي: ولا نعلم أحدًا قال: عن أبي المليح، عن أبيه، غير سعيد بن أبي عروبة. ثم أخرج الترمذي طريق يزيد الرشك المرسل، وقال: وهذا أصح. اهـ\nفإذا علمنا أن هشام الدستوائي وشعبة قد تابعا سعيد بن أبي عروبة في روايته عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه، تكون رواية قتادة الموصولة أرجح من رواية يزيد الرشك المرسلة، والله أعلم.\nوهاك تخريج طريق يزيد الرشك.\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣١٤) رقم ٣٦٤٢١ حدثنا ابن علية، عن يزيد الرشك، عن أبي المليح، قال: نهى رسول الله ﷺ عن جلود السباع أن تفترش.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢١٥) عن معمر، عن يزيد الرشك به.\nوقد أخرجه الطبراني (١/ ١٩٢) رقم ٥١٠ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يزيد الرشك، عن أبي المليح، أراه عن أبيه.\nورواه شعبة، واختلف عليه فيه: =","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٦) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي\nأن معاوية قال لنفر من أصحاب النبي ﷺ: تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود النمور أن تركب عليها؟. قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعًا. قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة؟ فقالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن المتعة؟ -يعني: متعة الحج- قالوا: اللهم لا. قال: بلى إنه في هذا الحديث. قالوا: لا (^١).\n[حسن لغيره إن شاء الله تعالى] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حيوة بن شريح وأحمد بن عبد الملك، قالا: حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان،\n_________\n= فرواه محمد بن جعفر، عن شعبة عن يزيد الرشك مرسلًا كما في سنن الترمذي (١٧٧١).\nورواه يزيد بن هارون، عن شعبة، عن يزيد الرشك، عن أبي المليح، عن أبيه موصولًا كما في سنن البيهقي (١/ ٢١).\nقال البيهقي: ورواه غيره، عن شعبة، عن يزيد، أبي المليح، مرسلًا، دون ذكر أبيه. اهـ ومحمد بن جعفر من أثبت أصحاب شعبة، وقد رواه عن شعبة مرسلًا.\nقلت: ورواه البزار (٢٣٣١) عن أحمد بن السخت، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا يزيد الرشك، عن أبي المليح، عن أبيه. ولم أقف على ترجمة أحمد بن السخت، والمعروف من رواية إسماعيل بن علية، عن يزيد الرشك أنها مرسلة كما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، والبزار (٢٣٣٠) عن مؤمل بن هشام، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، والله أعلم.\nفالذي يتبين لي أن الراجح من رواية يزيد الرشك كونها مرسلة، وهي لا تعل رواية قتادة، لكون قتادة أحفظ من يزيد الرشك، ولم يختلف عليه كما اختلف على الرشك، والله أعلم.\n(^١) المصنف (١٩٩٢٧).\n(^٢) سبق الكلام عليه عند الكلام على حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة، والله أعلم.","vol":"1","page":449},{"text":"عن المقدام بن معدي كرب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحرير والذهب، وعن مياثر النمور (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>الدليل الرابع:</span>\n(١٣٨) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن زرارة،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>الدليل الخامس:</span>\nاستدلوا بقول النضر بن شميل: إن الإهاب: جلد ما يؤكل لحمه من الإنعام، وأما ما لا يؤكل لحمه فإنما هو جلد ومسك.\nوقد أنكرت طائفة من أهل العلم قول النضر بن شميل هذا، وزعمت أن العرب تسمي كل جلد إهابًا، واحتجت بقول عنترة:\n_________\n(^١) المسند (٤/ ١٣١، ١٣٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٦٧) رقم ٦٣٠ من طريق أبي زرعة الدمشقي، عن حيوة به. مختصرًا، بلفظ: نهى عن ركوب على جلود السباع.\nوأخرجه أبو داود (٤١٣١)، والنسائي في الكبرى (٤٥٨٠، ٤٥٨١) وفي الصغرى (٤٢٤٥)، والبيهقي (١/ ٢١) (٣/ ٢٧٤) عن عمرو بن عثمان.\nوذكر فيه أبو داود والبيهقي (٤١٣١) قصة في ذكر وفاة الحسن بن علي ﵄.\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١١٢٧) من طريق يحيى بن يحيى.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٦٩) رقم ٦٣٦ من طريق محمد بن مصفى، ثلاثتهم عن بقية به.\nوفي إسناده بقية بن الوليد، وقد عنعن، وإن صرح بالتحديث من شيخه، فإن هذا لا يكفي؛ لأنه متهم بتدليس التسوية، وباقي رجاله ثقات، وهو على ضعفه شاهد لحديث معاوية.\n(^٣) سنن أبي داود (٤١٣٠)، وفي إسناده عمران بن دوار، ضعفه النسائي ويحبى بن معين، ومشاه أحمد، وسبقت ترجمته، وهو شاهد ثالث لما سبق.\nوفي صحيح مسلم (٢١١٣) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس.","vol":"1","page":450},{"text":"فشككت بالرمح الطويل إهابه ليس الكريم على القنا بمحرم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>الدليل السادس:</span>\nقالوا: إن الرسول ﷺ إنما أباح الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ إذا كان مما يؤكل لحمه؛ لأن الخطاب الوارد في ذلك إنما خرج على شاة ماتت لبعض أزواج النبي ﷺ، فدخل في ذلك كل ما يؤكل لحمه، وما لم يؤكل لحمه فداخل في عموم تحريم الميتة، واستدلوا بقول أكثر العلماء في المنع من جلد الميتة بعد الدباغ، بأن الذكاة غير عاملة فيه، قالوا: فكذلك السباع لا تعمل فيها الذكاة لنهي رسول الله ﷺ عن أكلها، ولا يعمل فيها الدباغ؛ لأنها ميتة، لم يصح خصوص شيء منها (^٢).\n• الراجح:\nأن جلد الميتة متنجس، وليس نجسًا، وطهارته بقطع تلك الرطوبات عنه، وأحاديث الدباغ أصحها حديث ابن عباس، وفيه تفرد عبد الرحمن بن وعلة، وبه ضعفه الإمام أحمد، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالانتفاع بجلد الميتة، ولم يذكر الدباغ كشرط لحل الانتفاع، وما رود من الأحاديث الصحيحة في الدباغ فهي حكاية فعل، فالذي يظهر لي والله أعلم أن قطع تلك الرطوبات بأي طريقة يجيز الانتفاع بجلد الميتة، والدباغ طريق لقطع تلك الرطوبات، وليس شرطًا في حل الانتفاع، فكل ما يذهب تلك الرطوبات فهو مطهر للجلد، هلة قاعدة: أن النجاسة إذا زالت بأي مزيل فقد زال حكمها، والله أعلم، ولم يثبت عندي حديث: (دباغها ذكاتها)، وأما النهي عن جلود السباع فليست العلة فيه كون الدباغ لا يطهره، وإنما كونه من جلود السباع، ولذلك لو كان من جلد حيوان نجس من غير السباع لم يكن داخلًا في النهي عن جلود السباع، فالنهي عن جلود السباع أخص من النهي عن جلود غيرها من الحيوانات النجسة، ولا يستدل بالأخص على الأعم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) التمهيد (٤/ ١٧٠).\n(^٢) التمهيد (٤/ ١٨٢).","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>المبحث الثاني في الآنية المتخذة من عظام الميتة وقرنها وحافرها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إنما حرم من الميتة أكلها.\n• الموت ليس علة في نجاسة الميتة لوجوده في السمك والجراد وهما طاهران، بل لما فيهما من الرطوبات السيالة والدماء النجسة.\n• ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت فالعظم مثله أو أولى.\n• جلد الميتة متنجس وليس نجسًا، ولهذا طهره الدباغ ونحوه، والعظم إما طاهر بأصل الخلقة أو نجاسته عن مجاورة.\nأو بعبارة أخرى:\n• الدباغ مطهر لقطعه الرطوبات النجسة، والعظم لا رطوبة عليه بأصل الخلقة.\n[م-٥٩] الآنية المتخذة من عظم حيوان مأكول اللحم مذكى يحل استعمالها إجماعًا، كما أن الآنية المتخذة من عظم الآدمي لا تجوز، ولو من كافر لكرامة المؤمن، وتحريم المثلة في الكافر (^١).\n_________\n(^١) انظر غمز عيون البصائر (٤/ ٢١٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٢)، تحفة المحتاج (١/ ١١٧)، كشاف القناع (١/ ٥١)، المحلى (١/ ٤٢٦).","vol":"1","page":452},{"text":"وأما الآنية المتخذة من عظام حيوان غير مذكى، سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم فإن الخلاف فيها مبني على الخلاف في طهارة عظام الميتة، فمن كان يرى طهارة عظام الميتة مطلقًا لا يرى بأسًا من اتخاذ الأواني منها، ومن يرى نجاستها يمنع من ذلك، والخلاف فيها على النحو التالي:\nفقيل: يجوز اتخاذ الآنية من عظام الميتة، وبيعها، وهو مذهب الحنفية، ورجحه ابن تيمية (^١).\nوقيل: لا يجوز، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nوقيل: لا يجوز بيعها، ويجوز الانتفاع بها، وهو اختيار ابن حزم (^٣).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ١١٢)، تبيين الحقائق (١/ ٢٦)، بدائع الصنائع (١/ ٦٣)، الهداية شرح البداية (٣/ ٤٦)، الجامع الصغير (ص: ٣٢٩)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٧٠) و(٣/ ٣٣)، الفتاوى الكبرى (١/ ٢٦٧).\n(^٢) انظر في مذهب المالكية: المنتقى (٣/ ١٣٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٣، ٥٤)، الخرشي (١/ ٨٩)، مختصر خليل (ص: ٧)، حاشية العدوي (١/ ٥٨٥)، الفواكه الدواني (٢/ ٢٨٧)، التمهيد (٩/ ٥٢)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٠).\nوفي مذهب الشافعية، قال الشافعي في الأم (١/ ٢٣): «ولا يتوضأ ولا يشرب في عظم ميتة، ولا عظم ذكي لا يؤكل لحمه، مثل عظم الفيل والأسد وما أشبهه؛ لأن الدباغ والغسل لا يطهران العظم». اهـ وانظر المجموع (١/ ٢٩١)، وقد نص النووي ﵀ في المجموع (١/ ١٩٨)، أن استعمال عظام الميتة في شيء يابس يكره، ولا يحرم؛ لأن النجاسة هنا لا تتعدى، وانظر حاشية البجيرمي (١/ ٣٥)، حاشية الشرواني (١/ ١١٧)، روضة الطالبين (١/ ٤٣، ٤٤):\nوانظر في مذهب الحنابلة: مختصر الخرقي (ص: ١٦)، المغني (١/ ٥٦)، دليل الطالب (ص: ٥)، المبدع (١/ ٧٤، ٧٦)، كشاف القناع (١/ ٥٦)، الإنصاف (١/ ٩٢)، الكافي (١/ ٢٠).\n(^٣) قال في المحلى (١/ ١٣٢): وأما العظم والريش والقرن فكل ذلك من الحي بعض الحي، والحي مباح ملكه وبيعه إلا ما منع من ذلك نص، وكل ذلك من الميتة ميتة، وقد صح تحريم النبي ﷺ بيع الميتة، وبعض الميتة ميتة، فلا يحل بيع شيء من ذلك، والانتفاع بكل ذلك جائز، لقوله ﵇: (إنما حرم أكلها) فأباح ما عدا ذلك إلا ما حرم باسمه من بيعها والأدهان بشحومها، ومن عصبها ولحمها. اهـ","vol":"1","page":453},{"text":"وقال بعضهم: إن العظام نجسة، تطهر بالدباغ، ودباغها غليها، اختاره بعض المالكية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-411> دليل الحنفية على طهارة عظام الميتة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، ولذلك حكم بطهارة ما لا ليس فيه دم سائل، فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجس من هذا، فإن العظم ليس فيه دم أصلًا لا سائل، ولا غيره، ولا كان متحركًا بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان الحيوان الكامل الإحساس، المتحرك بالإرادة، لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل أصلًا.\nوالذي يوضح هذا أكثر أن الله ﷾ حرم علينا الدم المسفوح، قال ﷾: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].\nوعفا عن غير الدم المسفوح، مع أنه من جنس الدم، والله ﷾ حرم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، والفرق بينها إنما هو في سفح الدم، فدل على أن سبب التنجس هو احتقان الدم واحتباسه، وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظلف والظفر وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح، ولا يعارض هذا بتحريم تذكية المرتد والمجوسي، ولو سفح الدم؛ لأن التحريم تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وما صيد بعرض المعراض، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن هذه الأشياء ليست بميتة، فليست داخلة في عموم تحريم الميتة؛ لأن\n_________\n(^١) المنتقى شرح الموطا (٣/ ١٣٦، ١٣٧).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٩، ١٠٠) بتصرف يسير.","vol":"1","page":454},{"text":"الميتة من الحيوان في عرف الشارع اسم لما زالت حياته، ولا حياة في هذه الأشياء.\nفإن قيل: إنها داخلة في الميتة؛ لأنها تحس وتتألم.\nقيل لهم: أنتم لم تأخذوا في عموم اللفظ، فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب لا ينجس عند جماهير العلماء، مع أنه ميتة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>الدليل الثالث:</span>\nأن طهارة العظم أولى من طهارة الجلد بالدباغ، فهذا الجلد، جزء من الميتة، فيه الدم كسائر أجزائها، والنبي ﷺ جعل الدباغ طهارة له؛ لأن الدباغ ينشف رطوبته، فدل على أن سبب التنجس هو الرطوبات، والعظم ليس فيه رطوبة سائلة، وما كان فيه منها يجف وييبس، كما أن العظم يبقى ويحفظ أكثر من الجلد، فهو أولى بالطهارة من الجلد (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>الدليل الرابع:</span>\nأن طهارة العظم هو المعروف عن سلف هذه الأمة، فقد ذكر البخاري، عن الزهري معلقًا بصيغة الجزم. قال البخاري: قال الزهري في عظام الموتى -نحو الفيل وغيره- أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها، ويدهنون فيها، لا يرون به بأسًا (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>الدليل الخامس:</span>\n(١٣٩) ما رواه أحمد من طريق عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني حميد الشامي، عن سليمان المنبهي،\nعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر آخر عهده بإنسان فاطمة، وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة، قال: فقدم من غزاة له، فأتاها\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) فتح الباري (١/ ٤٠٨).","vol":"1","page":455},{"text":"فإذا هو يمسح على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة، فرجع ولم يدخل عليها، فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر، ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما، فبكى الصبيان فقسمته بينهما، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ، وهما يبكيان، فأخذه رسول الله ﷺ منهما، فقال: يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة، واشتر لفاطمة قلادة من عصب، وسوارين من عاج؛ فإن هؤلاء أهل بيتي، ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-417> دليل من قال بنجاسة عظام الميتة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، والعظم جزء من الميتة.\n_________\n(^١) المسند (٥/ ٢٧٥)\n(^٢) الحديث أخرجه أبو داود (٤٢١٣) ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٦) وأخرجه الروياني في مسنده (٦٥٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٠٣)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٧٠)، والمزي في تهذيب الكمال (٧/ ٤١٣)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣٣٦) كلهم من طريق عبد الوارث به.\nوفي إسناده حميد الشامي، جاء في ترجمته:\nقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: فحميد الشامي، كيف حديثه الذي يروي حديث ثوبان، عن سليمان المنبهي؟ قال: ما أعرفهما. الكامل لابن عدي (٢/ ٢٧٠).\nقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل، عن حديث عبد الوارث، عن محمد بن جحادة، عن حميد الشامي، فقال: نعم. قلت: من هو حميد؟ قال: لا أعرفه. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: وحميد الشامي هذا إنما أنكر عليه هذا الحديث، وهو حديثه، ولم أعلم له غيره. المرجع السابق.\nوفي التقريب: مجهول.\nوسليمان المنبهي، قال ابن معين: لا أعرفه، كما نقلت عنه في ترجمة حميد الشامي.\nوذكره البخاري وسكت عليه. التاريخ الكبير (٤/ ٣٦).\nوذكره ابن حبان في الثقات.\nوفي التقريب: مجهول، فالحديث رواية مجهول عن مثله.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٠) قال الشافعي: روى عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يكره أن يدهن في مدهن من عظام الفيل؛ لأنه ميتة (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن العظام تحلها الحياة، فتنجس بالموت، قال تعالى: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس: ٧٨]، ولأن دليل الحياة: الإحساس والألم، والألم في العظام أشد من الألم في اللحم، فالضرس يألم، ويحس ببرد الماء وحرارته، وما يحله الموت ينجس به كاللحم (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-421> دليل ابن حزم على تحريم البيع وجواز الانتفاع:</span>\nأما الدليل على تحريم البيع،\n(١٤١) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح،\nعن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه (^٤).\n_________\n(^١) الأم (١/ ٢٣).\n(^٢) علقه الشافعي هنا، وأسقط شيخه، وقد رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن عبد الله بن دينار به، كما في سنن البيهقي (١/ ٢٦) وإبراهيم متروك.\n(^٣) المغني (١/ ٥٧) الانتصار في المسائل الكبار (١/ ٢١٠).\n(^٤) صحيح البخاري (٢٢٣٦) ومسلم (١٥٨١).","vol":"1","page":457},{"text":"فحرم البيع وأباح الانتفاع، ولم يكن الانتفاع بكون الميتة يطلى بها السفن ويستصبح بها الناس مسوغًا لإباحة البيع.\nوالدليل على جواز الانتفاع من عظم الميتة قول الرسول ﷺ عن الميتة: إنما حرم أكلها،\n(١٤٢) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله،\nعن ابن عباس ﵄ قال وجد النبي ﷺ شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي ﷺ هلا انتفعتم بجلدها قالوا إنها ميتة قال إنما حرم أكلها، ورواه مسلم (^١).\nفلا يمنع هذا من الانتفاع بعظم الميتة.\n• الراجح:\nأرى أن مذهب الحنفية أرجح في هذه المسألة، وأن العظام كلها طاهرة؛ لأن الأصل في الأعيان الطهاة، ولعدم وجود ما يقتضي نجاستها.\nوأما من اشترط غلي العظام فالظاهر أن الغلي ليس مقصودًا لذاته، بل المراد أي عمل يزيل رطوبة النجاسة ولحمها من العظام، فهو لا يخرج عن مذهب الحنفية، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤٩٢)، صحيح مسلم (٣٦٣).","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>المبحث الثالث في الآنية المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\nهل دليل الحياة هو الحس، أو النماء في الحساس.\nأو يفرق بين محل الرطوبة منه وما فوق ذلك؟\n• الأصل في الأشياء الطهارة.\n• ما أبين من حي فهو كميتته.\n• الشعر هل حياته نباتيه أو حيوانية؟\n• الموت ليس علة في نجاسة الميتة لوجوده في السمك والجراد وهما طاهران، بل لما فيهما من الرطوبات السيالة والدماء النجسة.\n• ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت وإن كانت حياته حيوانية فالشعر والوبر والصوف مثله أو أولى.\n[م-٦٠] يعمل بعض الأواني من الشعر والوبر والصوف، كما قال تعالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) [النحل: ٨٠].\nفإذا كان هذا الشعر والوبر قد جز من حيوان طاهر، وهو حي، فإنه طاهر","vol":"1","page":459},{"text":"بالإجماع (^١)، أما إذا كان الشعر والوبر والصوف من حيوان ميت، فقد اختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: إذا جز الشعر من الحيوان فهو طاهر، سواء كان من حيوان طاهر أم نجس، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، ورواية عن أحمد (^٤)، إلا أن الحنفية استثنوا شعر الخنزير فقط.\nوقيل: إن كان الحيوان طاهرًا في الحياة، ولو كان غير مأكول، فشعره طاهر، وإذا كان الحيوان نجسًا، فالشعر تبع له، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: إن الشعر والوبر والصوف من الميتة نجس إلا شعر الآدمي، وهو المشهور مذهب الشافعية (^٦)، ورواية عن أحمد (^٧).\n_________\n(^١) نقل الإجماع على ذلك النووي في المجموع (١/ ٢٩٦)، وابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ١٨٣)، وابن تيمية في الفتاوى (٢١/ ٩٨).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٧٠، ١٧١)، تبيين الحقائق (١/ ٢٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٩٦)، الجوهرة النيرة (١/ ١٦)، شرح فتح القدير (١/ ٩٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٤)، مجمع الأنهر في ملتقى الأبحر (١/ ٣٢، ٣٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٦).\n(^٣) المنتقى (١/ ١٨٠)، تفسير القرطبي (٢/ ٢١٩)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٨٩)، حاشية العدوي (١/ ٥٨٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٠، ٥١)، هذا قولهم في الشعر والوبر والصوف، وأما الريش من الميتة، فقد ذكر ابن عبد البر في الكافي في فقه أهل المدينة مذهب المالكية، فقال: (ص: ١٨٩): لا يجوز الانتفاع بريش الميتة»، وكذلك ذكر ابن الجلاب في التفريع (١/ ٤٠٨)، واستثنى الباجي في المنتقى (٣/ ١٣٧) الريش الذي لا سنخ له، مثل الزغب ونحوه.\n(^٤) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ٢٦٣)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٦١٧).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٩٢)، المبدع (١/ ٧٦)، الفروع (١/ ٧٨)، الكافي (١/ ٢٠)، كشاف القناع (١/ ٥٧)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٦١٧)، المغني (١/ ٦٠).\n(^٦) المجموع (١/ ٢٩١)، المهذب (١/ ١١)، حلية العلماء (١/ ٩٦)، روضة الطالبين (١/ ١٥، ٤٣).\n(^٧) الإنصاف (١/ ٩٢)، الفروع (١/ ٧٧، ٧٨).","vol":"1","page":460},{"text":"وقيل: صوف الميتة وشعرها ووبرها نجس قبل الدباغ حلال بعده، وهو اختيار ابن حزم (^١).\nواشترط من قال بطهارته أن يجز.\nقال ابن نجيم: شعر الميتة إنما يكون طاهرًا إذا كان محلوقًا، أو مجزوزًا، وإن كان منتوفًا فهو نجس (^٢).\nوقال الدردير: والمقصود بالجز: ما يقابل النتف، فيشمل الحلق والإزالة بالنورة، فلو جزت بعد النتف، فالأصل الذي فيه أجزاء الجلد نجس، والباقي طاهر (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-423> دليل من قال بطهارة شعر الميتة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) [النحل: ٥].\nوالدفء: ما يتدفأ به من شعرها ووبرها وصوفها، وذلك يقتضي إباحة الجميع من الميتة والحي (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>الدليل الثاني:</span>\nقال تعالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) [النحل: ٨٠].\nوجه الاستدلال:\nأن الآية حكمت على جميع الصوف والوبر والشعر بالإباحة من غير فرق بين المذكى منه وبين الميتة، ومن استثنى صوف الميتة ووبرها وشعرها فعليه الدليل.\n_________\n(^١) المحلى (١/ ١٢٨).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ١١٣).\n(^٣) الشرح الكبير (١/ ٤٩).\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٧١).","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>الدليل الثالث:</span>\nأن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، فمن منع أو حكم بالنجاسة، فعليه الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>الدليل الرابع:</span>\nما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس، وفيه قال رسول الله ﷺ عن الميتة: إنما حرم أكلها (^١)، وقد سبق الحديث بتمامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>الدليل الخامس:</span>\nدل الإجماع على طهارة الشعر المأخوذ من الحيوان قبل موته، فلا ننتقل إلى نجاسته إلا بدليل.\nأو يقال: القياس على الشعر المأخوذ من الحيوان حال الحياة، فإذا كان الشعر المأخوذ من الحيوان حال الحياة طاهرًا، كان الشعر بعد الموت طاهرًا.\nقال ابن تيمية: اتفق العلماء على أن الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان طاهرًا، فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة (^٢).\n(١٤٣) فقد روى أحمد، قال: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن -يعني:\nابن عبد الله بن دينار- عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن أبي واقد الليثي قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، والناس يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال رسول الله ﷺ: ما قطع من البهيمة وهي حية، فهي ميتة (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤٩٢)، صحيح مسلم (٣٦٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٨).\n(^٣) المسند (٥/ ٢١٨).","vol":"1","page":462},{"text":"[الراجح أنه مرسل] (^١).\n_________\n(^١) الحديث فيه اختلاف كثير، والحديث مداره على زيد بن أسلم، فروي عنه تارة من مسند أبي واقد، ومرة من مسند ابن عمر، ومرة من مسند أبي سعيد، وجاء موصولًا ومرسلًا، والراجح فيه رواية ابن مهدي، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن النبي ﷺ، وتابعه معمر، عن زيد بن أسلم، وإليك بيان هذا الاختلاف:\nالحديث رواه أحمد (٥/ ١٨)، وأبو داود (٢٨٥٨)، والترمذي (١٤٨٠)،، وابن الجعد في مسنده (٢٩٥٢)، والدارمي (٢٠١٨)، وأبو يعلى في مسنده (١٤٥٠)، وابن الجارود في المنتقى (٨٧٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٤٨) رقم: ٣٣٠٤، والدارقطني (٤/ ٢٩٢)، والحاكم في المستدرك (٧٥٩٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٧٣)، والبيهقي (٩/ ٢٤٥) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي مرفوعًا.\nوعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، فيه ضعف، جاء في ترجمته:\nقال فيه يحيى بن معين في حديثه ضعف وقد حدث عنه يحيى القطان. الجرح والتعديل (٥/ ٢٥٤).\nوقال عمرو بن على الصيرفي: لم أسمع عبد الرحمن بن مهدي يحدث عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن دينار بشيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: فيه لين يكتب حديثه، ولا يحتج به. المرجع السابق.\nواختلف على زيد بن أسلم، فرواه عنه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي كما سبق.\nوتابعه عبد الله بن جعفر المديني كما في المستدرك (٤/ ١٢٣، ١٢٤)، وعبد الله ضعيف.\nورواه ابن ماجه (٣٢١٦)، والدارقطني (٤/ ٢٩٢)، والحاكم (٤/ ١٢٤) من طريق معن بن عيسى، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، مرفوعًا.\nوهشام بن سعد، وإن كان قد ضعف، إلا أن أبا داود قال فيه: من أثبت الناس في زيد بن أسلم. انظر تهذيب الكمال (٣/ ٢٠٧). وفي التقريب: صدوق له أوهام.\nوتابع عاصم بن عمر زيد بن أسلم من هذا الطريق، فقد أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (١٨٥٧)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٣٠) من طريق عاصم بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا.\nقال الهيثمي: وسند هذا صحيح.\nوالحق أن عاصم بن عمر ضعيف، وقد ضعفه به الحافظ في التلخيص (١/ ٢٩).\nورواه سليمان بن بلال، واختلف عليه فيه: =","vol":"1","page":463},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٦٧) من طريق عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\nوتابعه مسور بن الصلت، عند الحاكم أيضًا (٤/ ١٣٨). وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثقة، أخرج له البخاري.\nورواه عبد الرحمن بن مهدي كما في المستدرك أيضًا (٤/ ١٣٨) عن زيد بن أسلم، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوتابعه معمر، كما في المصنف (٤/ ٤٩٤) رقم ٨٦١١، فرواه عن زيد بن أسلم به.\nوقد رجح الدارقطني الرواية المرسلة، قال الحافظ كما في تلخيص الحبير (١/ ٢٨، ٢٩): ذكر الدارقطني علته، ثم قال: والمرسل أصح.\nولا شك أن رواية عبد الرحمن بن مهدي مقدمة على غيرها، وقد توبع فيه، ولولا هذه الرواية لقلت: إن الحديث مضطرب لكثرة الاختلاف في إسناده، فأنت ترى أنه جاء مرة من مسند أبي واقد، ومرة من مسند ابن عمر، ومرة من مسند أبي سعيد، ومرة موصولًا ومرة مرسلًا، والمخرج واحد.\nورجح الإمام البخاري ﵀ كونه محفوظًا من حديث أبي واقد الليثي، جاء في كتاب العلل الكبير للترمذي (٤٣٧) قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقلت له: أترى هذا الحديث محفوظًا؟ قال: نعم. قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن أسلم.\nوالحديث له شاهد من حديث تميم الداري، أخرجه ابن ماجه (٣٢١٧)، قال: ٣٢١٧ حدثنا هشام بن عمار ثنا إسماعيل بن عياش حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن تميم الداري، قال: قال رسول الله ﷺ: يكون في آخر الزمان قوم يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أذناب الغنم، ألا فما قطع من حي فهو ميت.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٥٧) رقم ١٢٧٦، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٢٥) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي بكر الهذلي به.\nوفيه شهر بن حوشب، والأكثر على ضعفه، كما أن شهرًا لم يسمع من تميم الداري، انظر جامع التحصيل (ص: ١٩٧)، وضعفه الحافظ في التلخيص (١/ ٢٩)، وأبو بكر الهذلي متروك.\nوله شاهد آخر، عن مجاهد، فقد أخرج عبد الرزاق (٨٦١٢) عن ابن مجاهد، عن أبيه، قال: كان أهل الجاهلية يقطعون أليات الغنم، وذكره بمثله.\nوهذا سند ضعيف أيضًا، فيه ابن مجاهد عبد الوهاب، جاء في ترجمته: =","vol":"1","page":464},{"text":"فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان، لما جاز أخذه من الحيوان الحي، وكان نجسًا حكمه حكم ميتته، فلما جاز أخذه علم أنه ليس جزءًا من الحيوان، وأنه طاهر مطلقًا في حياة الحيوان وبعد موته، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>الدليل السادس:</span>\nهناك بعض الأحاديث الضعيفة التي يستدلون بها أذكرها للتنبيه عليها، تحذيرًا منها، وإلا فالأدلة السابقة كافية، منها:\n(١٤٤) ما رواه الدارقطني، من طريق عبد الجبار بن مسلم، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله،\nعن ابن عباس، قال: إنما حرم رسول الله ﷺ من الميتة لحمها، وأما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به (^١).\n[إسناده ضعيف، ومتنه منكر] (^٢).\n_________\n= قال مهران بن أبي عمر العطار الرازي: كنت مع سفيان الثوري في مسجد الحرام، فمر عبد الوهاب بن مجاهد، فقال سفيان: هذا كذاب. الجرح والتعديل (٦/ ٦٩).\nوقال أحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن مجاهد لم يسمع من أبيه، ليس بشيء، ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوقال العباس بن محمد الدوري: سئل يحيى بن معين عن عبد الوهاب بن مجاهد، فقال: ضعيف. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث. المرجع السابق.\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٤٧، ٤٨).\n(^٢) في إسناده عبد الجبار بن مسلم، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ١٣٦).\nوقال الدارقطني: ضعيف. سنن الدارقطني (١/ ٤٨).\nوقال الذهبي: لا أعرفه. ميزان الاعتدال (٢/ ٥٣٤).\nوجاء في لسان الميزان (٣/ ٣٨٩): قال تمام: لم يسند عبد الجبار بن مسلم إلا هذا الحديث. فقال الحافظ: ولم يرو عنه غير الوليد. وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه: سألت هشام بن عمار عنه، فقال: كان يركب الخيل ويتنزه ويتصيد. قال الحافظ: وهذا الوصف من رواية أخيه عنه يرفع =","vol":"1","page":465},{"text":"(١٤٥) ومنها ما رواه الدارقطني، من طريق أبي بكر الهذلي، أن الزهري حدثهم، عن عبيد الله بن عبد الله،\nعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) ألا كل شيء من الميتة حلال إلا ما أكل منها، فأما الجلد والقرن والشعر والصوف والسن والعظم فكل هذا حلال؛ لأنه لا يذكى.\nقال الدارقطني: أبو بكر الهذلي متروك (^١).\n(١٤٦) ومنها ما رواه الدارقطني، من طريق يوسف بن السفر، نا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال:\nسمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء.\nقال الدارقطني: يوسف بن السفر متروك، ولم يأت به غيره (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-430> دليل من قال بنجاسة الشعر ونحوه:</span>\nاستدلوا بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، وهو عام للشعر وغيره، فإن الميتة اسم لما فارقته الروح بجميع أجزائه.\nوأجيب بجوابين:\nالأول: أن قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، لا يدخل فيها الشعر وشبهه؛ وذلك أن الميت ضد الحي، والحياة نوعان: حياة حيوانية وحياة نباتية.\n_________\n= جهالة عينه. اهـ\nفالحديث منكر؛ لأن عبد الجبار مع كونه ضعيفًا، خالف كل من روى هذا الحديث عن الزهري، كالإمام مالك ويونس وابن عقيل وصالح بن كيسان وغيرهم، حيث رووا هذا الحديث، ولم يذكروا الجلد والشعر وما ذكر معهما.\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٤٨).\n(^٢) سنن الدارقطني (١/ ٤٧).","vol":"1","page":466},{"text":"فحياة الحيوان: خاصتها الحس والحركة الإرادية.\nوحياة النبات: خاصتها النمو والاغتذاء. وقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣] إنما هو بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية، فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين. وقد قال تعالى (وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [النحل: ٦٥].\nوقال: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [الحديد: ١٧].\nوإنما الميتة المحرمة: ما فارقها الحس والحركة الإرادية، وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات، لا من جنس حياة الحيوان، فإنه ينمو ويتغذى ويطول كالزرع. وليس فيه حس، ولا يتحرك بإرادته، فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها، فلا وجه لتنجيسه. وأيضًا لو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة ... إلخ (^١).\nالجواب الثاني:\nقالوا: إن قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣] عام، وقوله تعالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) [النحل: ٨٠] خاص في بعضها، وهو الشعر والصوف، والوبر. والخاص مقدم على العام (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٧، ٩٨).\n(^٢) ودفعه النووي بقوله في المجموع (١/ ٢٩٢): أن كل واحدة من الآيتين، فيها عموم وخصوص، فإن تلك الآية أيضًا عامة في الحيوان الحي والميت، وهذه خاصة بتحريم الميتة، فكل آية عامة من وجه، خاصة من وجه، فتساويتا من حيث العموم والخصوص، وكان التمسك بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) أولى؛ لأنها وردت لبيان المحرم، وأن الميتة محرمة علينا، ووردت الأخرى للامتنان بما أحل لنا.\nوأجاب بعضهم عن قوله تعالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا) بأنها محمولة على شعر المأكول إذا ذكي، أو أخذ في حياته كما هو المعهود، وأجاب الماوردي بجواب آخر مفاده: أن من للتبعيض، والمراد بالبعض الطاهر وهو ما ذكرناه.","vol":"1","page":467},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-431> دليل ابن حزم على طهارة الشعر بالدبغ:</span>\nاستدل ابن حزم على ذلك بقوله: إن النبي ﷺ قد علم أن على جلود الميتة الشعر والريش والصوف، فلم يأمر بإزالة ذلك، ولا أباح استعمال شيء من ذلك قبل الدبغ، وكل ذلك قبل الدبغ بعض الميتة، فهو حرام، وكل ذلك بعد الدبغ طاهر ليس ميتة، فهو حلال، حاشا أكله، إلا أن ابن حزم استثنى شعر الخنزير، فلا يطهر عنده بالدبغ، وإن طهر جلده بذلك (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-432> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nأرى أن مذهب الحنفية والمالكية أقوى من حيث الدليل، وأن الشعر لا تدخله الحياة الحيوانية، والحياة النباتية لا تكفي لتنجيسه إذا فارقها، وأنه لا فرق بين شعر الحيوان الطاهر بالحياة والحيوان النجس، ومن استثنى شعر الكلب أو الخنزير إن كان في ذلك إجماع فالدليل الإجماع، وإن لم يصح في المسألة إجماع فلا فرق بين شعره وشعر غيره، وبهذا يتبن لنا أن الميتة ثلاثة أقسام:\nنجس مطلقًا لا يطهر بحال، وهو اللحم والدم.\nوطاهر مطلقًا، وهو الشعر والوبر والصوف إذا جز جزًا.\nوطاهر بشرط قطع الرطوبات النجسة والدم، سواء قطع ذلك بالدبغ أو بغيره، وهو الجلد.\nوبهذا التقسيم يتبين لنا أن الأواني المصنوعة من الشعر أواني طاهرة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (١/ ١٢٣، ١٢٤).","vol":"1","page":468},{"text":"موسوعة\nأحكام الطهارة\nأدلة ومسائل وقواعد وضوابط\n\nالقسم الأول\nطهارة الحدث\n\nالمجلد الثاني\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>الوضوء فرائضه وسننه ونواقضه</span>\nتأليف\nدبيان بن محمد الدبيان","vol":"2","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتدى بهديه.\nأما بعد، فهذا المجلد الثاني من كتاب طهارة الحدث، وإذا كان الكتاب السابق قد جلَّى أحكام (الطَّهور) بفتح الطاء، أي الماء المتطهر به، فإن هذا المجلد والذي يليه سيعرض إن شاء الله لأحكام (الطُّهور) بضم الطاء، أي فعل التطهير. وبدأت بالطهارة من الحدث الأصغر لأن الله قدمها على الطهارة الكبرى، فقال تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم ....) [المائدة: ٦].\nثم قال سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nولكثرة دورانه وتكراره، ولكون تجديده مقصودًا، ولكثرة فضله، فهو مختص بالوضوء: فرائضه وسننه ونواقضه، والطهور له منزلة عظيمة في الشريعة بل جعله النبي ﷺ شطر الإيمان (^١)، إذا فسر الإيمان بالصلاة كما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم.\nفالصلاة والتي هي أعظم أركان الإسلام العملية جعل الوضوء شطرها، ذلك أن الصلاة لا تقبل إلا بطهور، فكأن الطهور يؤهل المسلم للقيام بهذه الشعيرة.\nوالوضوء من العبادات التي يكون تارة وسيلة لغيره من صلاة ومس مصحف، ونحو ذلك، وتارة يكون مقصودًا لذاته، بحيث يستحب للمسلم أن يتوضأ بقصد تحصيل فضيلة الطهارة، وقد عقدت فصلًا في فضل الوضوء ضمن خطة البحث،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٢٣).","vol":"2","page":5},{"text":"والذي أرجو إن شاء الله تعالى أن نعرف من خلاله منزلة الطهور في الشريعة.\nهذا وقد اشتمل الكتاب على مجموعة من الأبواب، والمباحث، والفصول، والفروع، والمسائل على النحو التالي:\nخطة البحث\nالمقدمة: وتشتمل على خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: في تعريف الوضوء.\nالمبحث الثاني: في فضل الوضوء.\nالمبحث الثالث: في حكم الوضوء.\nالمبحث الرابع: متى شرع الوضوء.\nالمبحث الخامس: في وجود الوضوء في شريعة من قبلنا.\nالباب الأول: في شروط الوضوء.\nالشرط الأول: الإسلام.\nالشرط الثاني: التكليف.\nالشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس.\nالشرط الرابع: في اشتراط طهورية الماء.\nالشرط الخامس: إزالة ما يمنع وصول الماء إلى أعضاء الوضوء.\nالشرط السادس: دخول الوقت على من به حدث دائم.\nالشرط السابع: في الوضوء بالماء المحرم كالمغصوب.\nالشرط الثامن: القدرة على استعمال الماء.\nالشرط التاسع: قيام الحدث.\nالشرط العاشر: النية، وفيها مباحث:","vol":"2","page":6},{"text":"المبحث الأول: تعريف النية.\nالمبحث الثاني: في حكم النية.\nالمبحث الثالث: في محل النية.\nالمبحث الرابع: في أقسام النية.\nالمبحث الخامس: في الجهر بالنية.\nالمبحث السادس: الحكمة من مشروعية النية.\nالمبحث السابع: في شروط النية.\nالشرط الأول: الإسلام.\nالشرط الثاني: التمييز.\nالشرط الثالث: عدم الإتيان بما ينافي النية حتى يفرغ من وضوئه.\nالشرط الرابع: أن تكون النية مقارنة للمنوي أو متقدمة عليه بشيء يسير.\nالشرط الخامس: أن يكون جازمًا بالنية.\nالمبحث الثامن: في صفة النية.\nالفرع الأول: إذا نوى طهارة مطلقة.\nالفرع الثاني: إذا نوى ما تسن له الطهارة.\nالفرع الثالث: إذا نوى ما لا تشرع له الطهارة.\nالفرع الرابع: إذا نوى رفع الحدث ونية التبرد مقرونين.\nالفرع الخامس: إذا نوى رفع حدث واحد، وعليه مجموعة أحداث.\nوفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: أن ينوي رفع أحدها ناسيًا بقيتها، أو ذاكرًا ولم يخرجها.\nالمسألة الثانية: أن ينوي رفع أحد الأحداث وينوي بقاء غيره.","vol":"2","page":7},{"text":"الباب الثاني: في سنن الوضوء وآدابه.\nالفصل الأول: في استحباب التسمية للوضوء.\nالفصل الثاني: في استحباب السواك للوضوء.\nمبحث: في محل السواك من الوضوء.\nالفصل الثالث: من سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثًا.\nالمبحث الأول: غسل الكفين قبل إدخالهما في الماء مختص بالآنية.\nالمبحث الثاني: في إعادة غسل الكفين إذا توضأ ثم أحدث في أثناء وضوئه.\nالمبحث الثالث: في افتقار غسل الكفين إلى نية.\nالفصل الرابع: من سنن الوضوء المضمضة والاستنشاق.\nالمبحث الأول: في حكم المضمضة والاستنشاق.\nالمبحث الثاني: في استحباب تقديم المضمضة على الاستنشاق.\nالمبحث الثالث: في حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق.\nالمبحث الرابع: في حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم.\nالمبحث الخامس: في استنثار الماء بعد الاستنشاق.\nالمبحث السادس: في استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال.\nالمبحث السابع: في الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة.\nفرع: في صفة الجمع والفصل بين المضمضة والاستنشاق.\nالفصل الخامس: التخليل من سنن الوضوء.\nالمبحث الأول: في تعريف التخليل.\nالمبحث الثاني: في تخليل اللحية.","vol":"2","page":8},{"text":"المبحث الثالث: في صفة تخليل اللحية.\nالمبحث الرابع: في تخليل الأصابع.\nالمبحث الخامس: في صفة تخليل الأصابع.\nالفصل السادس: في استحباب تحريك الخاتم الواسع.\nمبحث: في ماء الأذنين.\nالفصل السابع: من سنن الوضوء التيامن.\nالفصل الثامن: من سنن الوضوء استحباب الغسلة الثانية والثالثة.\nالفصل التاسع: استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه.\nالفصل العاشر: في مسح العنق.\nمبحث: في كيفية مسح العنق عند القائلين به.\nالفصل الحادي عشر: من سنن الوضوء دلك أعضاء الوضوء.\nالفصل الثاني عشر: في إطالة الغرة والتحجيل.\nالمبحث الأول: في تعريف الغرة والتحجيل.\nالمبحث الثاني: في استحباب إطالة الغرة والتحجيل.\nالفصل الثالث عشر: في تنشيف أعضاء الوضوء بمنديل ونحوه.\nالفصل الرابع عشر: يستحب تجديد الوضوء.\nالفصل الخامس عشر: في استقبال القبلة حال الوضوء.\nالفصل السادس عشر: من سنن الوضوء أن يقول الذكر الوارد بعده.\nالمبحث الأول: في استحباب اللهم اجعلني من التوابين.\nالمبحث الثاني: في استحباب رفع البصر إلى السماء عند الدعاء بعد الوضوء.\nالمبحث الثالث: في الأذكار التي تقال عند غسل الأعضاء.","vol":"2","page":9},{"text":"المبحث الرابع: في حكم الصلاة على النبي ﷺ والتسمية عند غسل الأعضاء.\nالمبحث الخامس: في حكم قراءة سورة القدر بعد الوضوء.\nالفصل السابع عشر: في الاستعانة في الوضوء.\nمبحث: في جواز الاستعانة على الوضوء بمن لا يصح منه النية.\nالفصل الثامن عشر: في الكلام أثناء الوضوء.\nالفصل التاسع عشر: في الوضوء قبل الوقت.\nالفصل العشرون: في تساوي الذكر والأنثى في أحكام الوضوء.\nالفصل الحادي والعشرون: في تخفيف الوضوء المستحب.\nالباب الثالث: في فروض الوضوء.\nتوطئة: في تعريف الفرض.\nالفصل الأول: من فروض الوضوء غسل الوجه.\nالمبحث الأول: حد الوجه.\nالفرع الأول: حد الوجه طولًا وعرضًا.\nالفرع الثاني: في حكم البياض الواقع بين العذار وبين الأذن.\nالفرع الثالث: في غسل شعر الوجه.\nالمسألة الأولى: في شعر اللحية.\nالمسألة الثانية: في مسح شعر اللحية.\nالمسألة الثالثة: شعر الوجه فيما عدا اللحية.\nالمسألة الرابعة: في غسل المسترسل من اللحية.\nالفرع الرابع: إذا غسل وجهه غسل جزءًا من الجوانب المحيطة به.\nالفرع الخامس: في الكلام على الأنف والفم.","vol":"2","page":10},{"text":"الفرع السادس: في غسل ما تحت الذقن.\nالفصل الثاني: من فروض الوضوء غسل اليدين إلى المرافقين.\nالمبحث الأول: في غسل المرفقين مع اليدين.\nالمبحث الثاني: في غسل اليد الزائدة ونحوها من أعضاء الوضوء.\nالمبحث الثالث: في الجلد المنكشط.\nالمبحث الرابع: في أقطع اليد أو بعضها.\nالمبحث الخامس: في الوسخ يكون تحت الظفر.\nالفصل الثالث: من فروض الوضوء مسح الرأس.\nالمبحث الأول: في القدر الواجب مسحه من الرأس.\nالمبحث الثاني: في تكرار مسح الرأس.\nالمبحث الثالث: حكم مسح الأذنين.\nالفرع الأول: في صفة مسح الأذنين.\nالفرع الثاني: تمسح الأذنان معًا.\nالمبحث الرابع: في المسح على العمامة.\nالمبحث الخامس: في المسح على الخمار.\nالمبحث السادس: في المسح على القلانس.\nالفصل الرابع: من فروض الوضوء غسل الرجلين.\nالفصل الخامس: من فروض الوضوء الترتيب بين الأعضاء.\nالفصل السادس: من فروض الوضوء الموالاة.\nمبحث: في حد الموالاة.\nكتاب نواقض الوضوء.","vol":"2","page":11},{"text":"الباب الأول: في مسببات الحدث.\nالفصل الأول: في الخارج من السبيلين.\nالمبحث الأول: في البول والغائط.\nالفرع الأول: في تعريف الغائط.\nالفرع الثاني: خروج البول والغائط حدث ناقض للوضوء.\nالمبحث الثاني: في خروج الريح.\nالمبحث الثالث: في خروج المذي.\nالمبحث الرابع: في خروج الودي.\nالمبحث الخامس: في خروج دم الاستحاضة.\nالمبحث السادس: في الخارج النادر من السبيلين.\nالفصل الثاني: خروج النجس من البدن من غير السبيلين.\nالمبحث الأول: خروج البول والغائط من غير السبيلين.\nالمبحث الثاني: في خروج البول والغائط من مخرج غير معتاد.\nالمبحث الثالث: في خروج النجس عدا البول والغائط من غير السبيلين.\nالفصل الثالث: من نواقض الوضوء زوال العقل.\nالمبحث الأول: انتقاض الوضوء بالجنون والإغماء ونحوهما.\nالمبحث الثاني: انتقاض الوضوء بزوال العقل بالنوم.\nالفصل الرابع: في نقض الوضوء بمس الفرج.\nالمبحث الأول: في نقض الوضوء من مس الذكر.\nالمبحث الثاني: في مس المرأة فرجها.","vol":"2","page":12},{"text":"المبحث الثالث: في مس المرأة ذكر الرجل أو العكس، ومس فرج الصغير.\nالفرع الأول: في مس فرج الميت.\nالفرع الثاني: في مس الذكر المنفصل.\nالمبحث الرابع: في الملموس ذكره.\nفرع: في مس المرأة شفري فرجها.\nالمبحث الخامس: في مس فرج البهيمة.\nالمبحث السادس: في مس الأنثيين والأليتين والرفغين.\nالمبحث السابع: في مس الخنثى المشكل.\nالفرع الأول: في مس الخنثى المشكل فرجه.\nالفرع الثاني: في مس الأجنبي فرج الخنثى المشكل.\nالفصل الخامس: في مس المرأة والأمرد.\nالمبحث الأول: في مس بدن المرأة من غير حائل.\nالمبحث الثاني: في مس شعر وظفر المرأة.\nالمبحث الثالث: في مس المرأة مع حائل.\nالمبحث الرابع: في مس المحارم.\nالمبحث الخامس: في مس الطفلة الصغيرة بشهوة.\nالمبحث السادس: في مس الأمرد.\nالفصل السادس: من نواقض الوضوء أكل لحم الجزور.\nالمبحث الأول: في الوضوء من لحم الإبل.\nالمبحث الثاني: علة الوضوء من لحوم الإبل.\nالمبحث الثالث: في الوضوء من شحم الإبل وكبده وطحاله.","vol":"2","page":13},{"text":"المبحث الرابع: في الوضوء من لبن الإبل.\nالمبحث الخامس: في الوضوء من مرق لحم الإبل.\nالمبحث السادس: في الوضوء من أكل اللحوم الخبيثة كالسباع.\nالمبحث السابع: في الوضوء مما مست النار.\nالفصل السابع: في نقض الوضوء من القهقهة في الصلاة.\nالفصل الثامن: في نقض الوضوء بالردة.\nالفصل التاسع: في الوضوء من تغسيل الميت.\nالفصل العاشر: في نقض الوضوء بالشك.\nالفصل الحادي عشر: كل ما يوجب الحدث الأكبر فإنه يوجب الوضوء.\nالباب الثاني: فيما يحرم على المحدث.\nالفصل الأول: يحرم على المحدث فعل الصلاة.\nالفصل الثاني: في تحريم الطواف على المحدث.\nالفصل الثالث: في وجوب الوضوء من لمس المصحف.\n* * *","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>مقدمة الكتاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>المبحث الأول في تعريف الوضوء</span>\nتعريف الوضوء اصطلاحًا (^١):\nتعريف الحنفية:\nجاء في البحر الرائق: الوضوء في الاصطلاح الشرعي: غسل الأعضاء الثلاثة ومسح ربع الرأس (^٢).\nوقال الكاساني: الوضوء: اسم للغسل والمسح، لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا\n_________\n(^١) الوضوء: من وَضُؤَ يَوْضُؤُ وَضاءةً، والوضاءة: وهو الحسن والنظافة والبهجة، كما يقال: رجل وضيء: أي حسن الهيئة ..\nوقال أبو حاتم: الوَضوء: بالفتح الماء، والطَّهور مثله، ولا يقال فيهما بضمّ الواو والطاء؛ لا يقال: الوُضوء ولا الطُّهور. قال: وقال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء: ما الوَضُوء؟ فقال: الماء الذي يُتوضَّأ به. قال: قلت: فما الوُضُوء بالضَّم؟ فقال: لا أعرفه.\nوأخبرنا عبد الله بن هاجك عن ابْن جبَلة قال: سمعت أبا عبيد يقول: لا يجوز الوُضوء، إِنَّمَا هو الوَضوء.\nوقيل: الوُضُوءُ بالضم: الفعل، وبالفتح: هو الماء المعد له، كما حكاه أبو الحسن الأخفش في قوله تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [البقرة: ٢٤]، فقال: الوَقود: بالفتح: الحطب، والوُقُود بالضم: الاتقاد، وهو الفعل، ومثل ذلك الوَضُوء: هو الماء، والوُضُوء: هو الفعل.\nتاج العروس (١/ ٢٧٦، ٢٧٧) لسان العرب (١/ ١٩٤) مختار الصحاح (ص: ٣٠٣).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ١١).","vol":"2","page":15},{"text":"بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦] فأمر بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس (^١).\nتعريف المالكية:\nالوضوء: هو غسل ومسح في أعضاء مخصوصة لرفع حدث (^٢).\nتعريف الشافعية:\nالوضوء: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة مفتتحًا بنية (^٣).\nتعريف الحنابلة:\nقال البهوتي: استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة (^٤).\nوهذه التعريفات متقاربة، وتتفق على تعريف الوضوء بأنه غسل ومسح لأعضاء مخصوصة، وبعضهم يذكر النية أو قصد رفع الحدث في التعريف؛ لأن النية عنده شرط، وهو مذهب الجمهور كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وبعضهم لا يذكرها كالحنفية؛ لأن النية عندهم سنة، وليست فرضًا، وبعضهم ينص بأن غسل الأعضاء يجب أن يكون على صفة مخصوصة؛ لأن الترتيب عنده والموالاة فرض، وبعضهم لا يذكرها؛ لأنه يخالف في كونها فرضًا في الوضوء، وسيأتي إن شاء الله بيان الراجح من هذه الأمور في مكانها.\n* * *\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٢).\n(^٢) حدود ابن عرفة (ص: ٣٢).\n(^٣) أسنى المطالب (١/ ٢٨).\n(^٤) كشاف القناع (١/ ٨٢).","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>المبحث الثاني في فضل الوضوء</span>\n[م-٦١] ورد في فضل الوضوء أحاديث كثيرة، نذكر منها:\nالحديث الأول:\n(١٤٧ - ١) روى مسلم من طريق أبان، حدثنا يحيى، أن زيدًا حدثه، أن أبا سلام حدثه،\nعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها (^١).\nالحديث الثاني:\n(١٤٨ - ٢) ما رواه مسلم، من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة،\nقال: قال عمرو بن عبسة السلمي: ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٢٣).","vol":"2","page":17},{"text":"أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام، فصلى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول، في مقام واحد يعطي هذا الرجل، فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا حتى عد سبع مرات ما حدثت به أبدًا، ولكني سمعته أكثر من ذلك (^١).\nالحديث الثالث:\n(١٤٩ - ٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن ثوبان، حدثني حسان بن عطية، أن أبا كبشة السلولي حدثه،\nأنه سمع ثوبان يقول: قال رسول الله ﷺ: سددوا وقاربوا واعملوا وخيروا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن (^٢).\n[إسناد حسن إن شاء الله، والحديث صحيح] (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٣٢).\n(^٢) المسند (٥/ ٢٨٢).\n(^٣) رجاله ثقات إلا ابن ثوبان، واسمه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى، وقد توبع، جاء في ترجمته:\nقال يحيى بن معين صالح الحديث. الجرح والتعديل (٥/ ٢١٩).\nوقال يحيى في رواية: عبد الرحمن ضعيف، وأبوه ثقة. الكامل (٤/ ٢٨١).\nوقال معاوية عن يحيى: ضعيف يكتب حديثه على ضعفه، وكان رجلًا صالحًا. المرجع السابق.\nوقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: ابن ثوبان أحاديثه مناكير. الجرح والتعديل (٥/ ٢١٩).\nوقال أيضًا: لم يكن بالقوي في الحديث. ضعفاء العقيلي (٢/ ٣٢٦).\nوقال أبو حاتم الرازي: ثقة. الجرح والتعديل (٥/ ٢١٩). =","vol":"2","page":18},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو زرعة والعجلي: شامي لا بأس به. الجرح والتعديل (٥/ ٢١٩)، معرفة الثقات (٢/ ٧٣).\nوقال يعقوب بن شيبة: اختلف أصحابنا فيه، فأما ابن معين فكان يضعفه، وأما علي فكان حسن الرأي فيه، وقال: ابن ثوبان رجل صدق لا بأس به، وقد حمل عنه الناس. تهذيب التهذيب (٦/ ١٣٦).\nوقال عمرو بن علي: حديث الشاميين ضعيف إلا نفيرًا فاستثناه منهم. المرجع السابق. وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة يرمي بالقدر. المرجع السابق، ودحيم من أعلم الناس بأهل الشام.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ، ورمي بالقدر وتغير بآخرة.\nقلت: ما كان من خطئه فقد توبع كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n[تخريج الحديث]\nالحديث روي عن ثوبان من عدة طرق،\nأحدها: عن أبي كبشة السلولي، عن ثوبان.\nوالثاني: سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، وهو منقطع.\nالثالث: عبد الرحمن بن ميسرة، عن ثوبان، وهو ضعيف.\nالطريق الأول: عن أبي كبشة السلولي، عن ثوبان.\nرواه عبد الرحمن بن ثوبان، واختلف عليه فيه:\nفرواه الوليد بن مسلم كما في مسند أحمد كما في إسناد الباب، وتعظيم قدر الصلاة للمروزي (١٦٧)، وسنن الدارمي (٦٥٦) والمعجم الكبير للطبراني (٢/ ١٠١) ح ١٤٤٤، وصحيح ابن حبان (١٠٣٧) وشعب الإيمان للبيهقي (٢٧١٥).\nوعلي بن الجعد كما في مسند الشاميين للطبراني (٢١٧) كلاهما عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة، عن ثوبان\nوقال علي بن الجعد: عن أبي كبشة السلولي عمن سمع النبي ﷺ. ولم يصرح باسم ثوبان.\nوخالفهما علي بن عياش، رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٦٢٦) ١٤٥٤٨، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقي، حدثنا علي بن عياش، حدثنا ابن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة، عن عبد الله بن عمرو.\nفجعله من مسند عبد الله بن عمرو بدلًا من ثوبان.\nوالخطأ فيه من شيخ الطبراني، أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، قال أبو أحمد الحاكم: فيه نظر.\nوفي تاريخ دمشق: كان قد كبر فكان يلقن ما ليس من حديثه فيتلقن.\nالطريق الثاني: عبد الرحمن بن ميسرة، عن ثوبان.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢٨٠) والطبراني في مسند الشاميين (١٠٧٨) عن علي بن عياش زاد أحمد: عصام ابن خالد، كلاهما عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن ثوبان به. =","vol":"2","page":19},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي إسناده عبد الرحمن بن ميسرة، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٥/ ٢٨٥).\nووثقه العجلي. معرفة الثقات (٢/ ٨٨).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٠٩).\nوقال ابن المديني: مجهول. ميزان الاعتدال (٤٩٨٦).\nوقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات. تهذيب التهذيب (٦/ ٢٥٤).\nوفي التقريب: مقبول، يعني: إن توبع، وقد توبع.\nوعبد الرحمن بن ميسرة لم يرو عن ثوبان إلا هذا الحديث، ولم يصرح بسماع الحديث من ثوبان، وأخشى أنه لم يسمعه من ثوبان، فقد اعتبره الحافظ من الطبقة الرابعة، وهي طبقة صغار التابعين، وأكثر روايتهم عن كبار التابعين.\nالطريق الثالث: سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان.\nأخرجه أبو داود الطيالسي (٩٩٦) والحاكم في المستدرك (٤٤٧) عن شعبة،\nوأحمد (٥/ ٢٧٦) ثنا أبو معاوية،\nوأخرجه أيضًا (٥/ ٢٨٢) ثنا وكيع ويعلى،\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٤٤٨) من طريق زائدة،\nوأخرجه البيهقي (١/ ٨٢) من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد،\nوأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٤٠) والحاكم (٤٤٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧١٣) وفي السنن الكبرى (١/ ٨٢) من طريق محمد بن عبيد.\nوأخرجه البيهقي أيضًا (١/ ٤٥٧) من طريق ابن نمير، كلهم (شعبة وأبو معاوية ويعلى ووكيع ويعلى وزائدة وأبو بدر شجاع بن الوليد ومحمد بن عبيد وابن نمير رووه) عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان.\nوتابع الأعمش كل من منصور وابن عتيبة في روايته عن سالم.\nأما رواية منصور: فرواها ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥)، وأبو عبيد في كتاب الطهور (١٦) عن أبي الأحوص.\nومحمد بن مصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٧٠) من طريق جرير.\nوالطبراني في المعجم الأوسط (٧٠١٩)، وفي المعجم الصغير (١٠١١) من طريق ورقاء بن عمر بن كليب، ثلاثتهم عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان.\nورواه سفيان، عن منصور، واختلف على سفيان:\nفرواه أبو عمر العدني في الإيمان (٢٢).\nووكيع كما في سنن ابن ماجه (٢٧٧) والحاكم في مستدركه (١/ ١٣٠). =","vol":"2","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومحمد بن يوسف كما في سنن الدارمي (٦٥٥).\nويحيى بن سعيد القطان كما في مسند الروياني (٦١٤، ٦١٥).\nوعبد الرحمن بن مهدي كما في مسند الروياني (٦١٥) وشعب الإيمان للبيهقي (٢٥٤٥).\nوخلاد بن يحيى كما في شعب الإيمان للبيهقي (٢٥٤٥)، كلهم رووه عن سفيان، عن منصور، عن سالم، عن ثوبان، كرواية الجماعة.\nوخالفهم الحسن بن قتيبة فرواه الحارث في مسنده كما في المطالب العالية (٢١٨) حدثنا الحسن بن قتيبة، حدثنا سفيان الثوري، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عمر مرفوعًا، فجعله من مسند ابن عمر. قال ابن حجر: هذا مقلوب، والمحفوظ عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان. اهـ\nوأما رواية الحكم بن عتيبة: فأخرجها الطبراني في مسند الشاميين (١٣٣٥) وفي المعجم الصغير (٨) من طريق الحكم بن عتيبة، عن سالم به.\nوهذا إسناد منقطع، سالم بن أبي الجعد لم يلق ثوبان، قاله الإمام أحمد رحمه الله تعالى، انظر المراسيل لابن أبي حاتم (٧٩، ٨٠)، وجامع التحصيل (٢١٧)، وتحفة الأشراف (٢/ ١٣١).\nوقال في مصباح الزجاجة (١/ ٤١): هذا الحديث رجاله ثقات أثبات، إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان؛ فإنه لم يسمع منه بلا خلاف، لكن له طريق أخرى متصلة، أخرجها أبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو يعلى الموصلي، والدارمي في مسنده، وابن حبان في صحيحه من طريق حسان بن عطية، أن أبا كبشة حدثه أنه سمع ثوبان.\nورواه الحاكم من طريق سالم عن ثوبان وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة، قلت: علته أن سالمًا لم يسمع من ثوبان، قاله أحمد وأبو حاتم والبخاري وغيره. إلخ كلامه ﵀.\nفالحديث بمجموع طرقه يرقى إلى الصحة، والله أعلم.\nقال العقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ١٦٨): هذا يروى بإسناد ثابت عن ثوبان، عن النبي ﷺ.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣١٨): وهذا الحديث يتصل مسندًا عن النبي ﷺ من حديث ثوبان، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص. إلخ كلامه ﵀.\nوصححه ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٤/ ٢٨٥).\nوأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فأخرجه ابن ماجه (٢٧٨) والبيهقي في شعب الإيمان (٢٨٠٣) من طريق ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بلفظ: استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن. وهذا إسناد ضعيف من أجل ليث بن أبي سليم.\nكما روي من مسند أبي أمامة، رواه ابن ماجه (٢٧٩) والطبراني في الكبير (٨٠٩٤)، =","vol":"2","page":21},{"text":"الحديث الرابع:\n(١٥٠ - ٤) ما رواه مسلم من طريق أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم قال:\nكنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ أنتم هاهنا، لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء (^١).\nالحديث الخامس:\n(١٥١ - ٥) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي هلال،\nعن نعيم المجمر، قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (^٢).\n_________\n= والبيهقي في شعب الإيمان (٢٨٠٤) من طريق إسحق بن أسيد، عن أبي حفص الدمشقي، عنأبي أمامة يرفع الحديث، قال: استقيموا ونعما إن استقمتم، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا، فيه إسحاق بن أسيد فيه ضعف، وأبو حفص الدمشقي مجهول، والله أعلم.\nورواه الطبراني في الكبير (٤٥٩٦) والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ١٦٨) من مسند سلمة بن الأكوع، وفيه الواقدي، وهو متروك.\nورواه مالك في الموطأ بلاغًا (٦٦)، انظر لمراجعة الطرق السابقة كل من:\n١ - أطراف مسند الإمام أحمد (١/ ٦٥٦).\n٢ - تحفة الأشراف (٢/ ١٣١).\n٣ - إتحاف المهرة لابن حجر (٣/ ٣١).\n٤ - السلسلة الصحيحة (١١٥)، صحيح الجامع (٩٥٢)، إرواء الغليل (٤٠٥، ٤١٢).\n(^١) مسلم (٢٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٦)، مسلم (٢٤٦).","vol":"2","page":22},{"text":"الحديث السادس:\n(١٥٢ - ٦) ما رواه مسلم من طريق ابن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة يعني ابن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني.\nقال معاوية بن صالح: وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، كلاهما (أبو إدريس وجبير بن نفير، عن عقبة بن عامر،\nعن عمر، مرفوعًا، وفيه: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء (^١).\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٢٣٤).","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>المبحث الثالث في حكم الوضوء</span>\n[م-٦٢] يختلف حكم الوضوء من عبادة لأخرى، فقد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون محرمًا.\n- مثال الوضوء الواجب:\nأما الوضوء الواجب (أي الفرض) (^١)،\nفإنه يجب على المحدث إذا أراد الصلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، والدليل على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب فقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الآية [المائدة: ٦].\n(١٥٣ - ٧) وأما السنة، فقد روى البخاري في صحيحه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (^٢).\n_________\n(^١) يفرق الحنفية بين الواجب والفرض، بخلاف الجمهور فلا فرق بينهما.\nمثاله: الطهارة من الحيض ومن الحدث الأصغر للطواف واجبة عندهم، وما دامت واجبة فإن الطواف يصح بدونها، وتجبر بدم، انظر البحر الرائق (١/ ٢٠٣)، شرح فتح القدير (١/ ١٦٦)، بدائع الصنائع (٢/ ١٢٩)، المبسوط (٤/ ٣٨). وقد تكلمت عنها في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية، في فصل اختلاف العلماء في اشتراط الطهارة للطواف.\n(^٢) البخاري (١٣٥) ومسلم (٢٢٥).","vol":"2","page":24},{"text":"وأما الإجماع، فقد قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد المرء إليها السبيل (^١).\nوسئل ابن تيمية: عما تجب له الطهارتان الغسل والوضوء؟\nفأجاب: ذلك واجب للصلاة بالكتاب والسنة والإجماع فرضها ونفلها، واختلف في الطواف ومس المصحف، واختلف أيضًا في سجود التلاوة، وصلاة الجنازة هل تدخل في مسمى الصلاة التي تجب لها الطهارة؟ وأما الاعتكاف فما علمت أحدًا قال: إنه يجب له الوضوء (^٢).\n- مثال الوضوء المندوب:\nوأما الوضوء المندوب فأمثلته كثيرة جدًّا، أذكر منها على سبيل المثال الوضوء للذكر، والوضوء للنوم، والبقاء على طهارة.\nفالدليل على مشروعية الوضوء للذكر\n(١٥٤ - ٨) ما رواه البخاري من طريق الأعرج، قال:\nسمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (^٣).\n(١٥٥ - ٩) وروى أبو داود من طريق عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر أبي ساسان،\n_________\n(^١) الإجماع (ص: ٢٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩).","vol":"2","page":25},{"text":"عن المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر، أو قال: على طهارة (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوالدليل على مشروعية الوضوء للنوم:\n(١٥٦ - ١٠) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن سعد بن عبيدة،\nعن البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ: إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به، الحديث (^٣).\nوأما الدليل على مشروعية البقاء على طهارة:\n(١٥٧ - ١١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني حسين بن واقد، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: سمعت في الجنة خشخشة أمامي، فقلت: من هذا؟ قالوا: بلال، فأخبره، قال: بما سبقتني إلى الجنة؟ قال: يا رسول الله ما أحدثت إلا توضأت، ولا توضأت إلا رأيت أن لله علي ركعتين أصليهما. قال: بها (^٤).\n[انفرد به الحسين بن واقد، والقصة في الصحيحين من مسند أبي هريرة،\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١٧).\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في المجلد السابع، انظر (ح ١٢٨٩).\n(^٣) البخاري (٢٤٧) وترجم له البخاري ﵀: باب فضل من بات على وضوء.\n(^٤) المصنف (٦/ ٣٩٦) رقم: ٣٢٣٣٥.","vol":"2","page":26},{"text":"وليس فيه استدامة الطهارة] (^١).\nقال الحافظ: وفي الحديث استحباب إدامة الطهارة، ومناسبة المجازاة على ذلك بدخول الجنة (^٢).\n(١٥٨ - ١٢) وروى البخاري من طريق أبي حيان، عن أبي زرعة،\nعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال لبلال: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت\n_________\n(^١) الحديث أخرجه ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب، وأحمد كما في المسند (٥/ ٣٥٤)، وفي الفضائل (١٧٣١) وأحمد بن عمرو في الآحاد والمثاني (٢٦٣) والطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٣٧) رقم ١٠١٢، والبزار في مسنده (٤٤١٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥٠)، وابن حبان في صحيحه (٧٠٨٦، ٧٠٨٧) عن زيد بن الحباب به.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣٦٠) وفي الفضائل (٧١٣) وابن خزيمة (١٢٠٩)، والحاكم (١/ ٣١٣)، (٣/ ٢٨٥) عن علي بن الحسن بن شقيق،\nورواه الترمذي (٣٦٨٩) من طريق علي بن الحسين بن واقد، كلاهما عن الحسين بن واقد به.\nواقتصر أحمد في الفضائل على قصة عمر ﵁.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقد رواه الشيخان من مسند أبي هريرة بلفظ: (لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي).\nفصار لفظ الصحيحين: ما تطهرت إلا صليت، ولم يذكر الحدث، فلا دليل فيه على استدامة الطهارة.\nبينما لفظ الحسين بن واقد: ما أحدثت إلا توضأت، وما توضأت إلا صليت. فانفرد الحسين بن واقد بذكر الاستدامة على الطهارة.\nوالحسين بن واقد صدوق يهم، وروايته عن عبد الله بن بريدة فيها كلام.\nقال أحمد عن عبد الله بن بريدة: روى عنه حسين بن واقد أحاديث ما أنكرها.\nوقال أيضًا: ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المنيب، عن ابن بريدة. العلل (٤٩٧).\nموسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله (٢/ ٢٣٠)\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث.\nوقال النسائي: ليس به بأس.\nوانظر لمراجعة طرق الحديث: تحفة الأشراف (٢/ ٨٢) ح ١٩٦٦، أطراف مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى (١/ ٦١٥)، إتحاف المهرة (٢/ ٥٦٧) ح ٢٢٧٣، وصحيح الجامع (٧٨٩٤).\n(^٢) الفتح (٣/ ٣٥).","vol":"2","page":27},{"text":"عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي.\nوترجم له البخاري: باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار (^١).\n-مثال الوضوء المكروه:\nيمثل بعض الفقهاء للوضوء المكروه ما إذا جدد الوضوء بعد فراغه منه، وقبل استعماله بعبادة مشروعة.\n[م-٦٣] وقد اتفق الفقهاء في مشروعية تجديد الوضوء، واختلفوا متى يشرع إلى أقوال:\nفقيل: إن الوضوء على الوضوء لا يكون قربة إلا إذا اختلف المجلس، وأما إذا اتحد المجلس فلا يكون قربة، وهو قول في مذهب الحنفية (^٢).\nوقيل: يستحب التجديد إذا استعمل بالوضوء عبادة يستحب لها الوضوء، لأنه إذا لم يفعل به ذلك كان إسرافًا محضًا، ذكره ابن عابدين من الحنفية (^٣)، وهو مذهب الحنابلة (^٤).\nوقد ذكر ابن تيمية أن من توضأ قبل الوقت لا يعيد الوضوء بعد دخول الوقت، ولا يستحب لمثل هذا تجديد الوضوء (^٥).\nوقيل: إن صلى بالوضوء فرضًا استحب له الوضوء، وإلا فلا، وهو مذهب\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤٤٩) صحيح مسلم (٢٤٥٨).\n(^٢) انظر البحر الرائق (١/ ٩٨)، مراقي الفلاح (ص: ٣٥).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٩).\n(^٤) الفروع (١/ ١٢٤)، الإنصاف (١/ ١٤٧).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٧٦).","vol":"2","page":28},{"text":"المالكية (^١)، ووجه في مذهب الشافعية كما سيأتي بيانه.\nوقال النووي من الشافعية: اتفق أصحابنا على استحباب تجديد الوضوء، وهو أن يكون على وضوء، ثم يتوضأ من غير أن يحدث. ومتى يستحب؟ فيه خمسة أوجه:\nأصحها: إن صلى بالوضوء الأول فرضًا أو نفلًا، وبه قطع البغوي.\nوالثاني: إن صلى فرضًا استحب، وإلا فلا، وبه قطع الفوراني.\nوالثالث: يستحب إن كان فعل بالوضوء الأول ما يقصد له الوضوء وإلا فلا، ذكره الشاشي في كتابيه المعتمد والمستظهري، في باب الماء المستعمل، واختاره.\nوالرابع: إن صلى بالأول، أو سجد لتلاوة أو شكر، أو قرأ القرآن في المصحف استحب وإلا فلا، وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني في أول كتابه الفروق.\nوالخامس: يستحب التجديد، ولو لم يفعل بالوضوء الأول شيئًا أصلًا، حكاه إمام الحرمين، قال: وهذا إنما يصح إذا تخلل بين الوضوء والتجديد زمن يقع بمثله تفريق، فأما إذا وصله بالوضوء فهو في حكم غسلة رابعة.\n_________\n(^١) جاء في مواهب الجليل أيضًا (١/ ٣٠٣): «قال القاضي عياض: الوضوء الممنوع تجديده قبل أداء فريضة به. وفي شرح الرسالة للشبيبي في الوضوء المستحب وتجديده لكل صلاة بعد صلاة فرض، ثم قال: الممنوع لثلاثة أشياء، تجديده قبل صلاة فرض به، والزيادة على الثلاثة، وفعله لغير ما شرع له أو أبيح. انتهى. وقال ابن العربي في العارضة: اختلف العلماء في تجديد الوضوء لكل صلاة، فمنهم من قال: يجدد إذا صلى وفعل فعلا يفتقر إلى الطهارة، وهم الأكثرون، ومنهم من قال: يجدد وإن لم يفعل فعلا يفتقر إلى الطهارة، انتهى. وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة في قوله: فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء وبالطهر إن وجب عليه الطهر، وإنما شرط في الاستعداد بالغسل وجوبه دون الوضوء؛ لأن الاستعداد به يكون دون وجوب إذ يستحب تجديده لكل صلاة فرض بعد صلاته به. وقيل: يشترط كونها فرضًا بخلاف الغسل، فإنه لا يستحب لكل صلاة، بل ربما كان بدعة وإن قال به بعض العباد، والله أعلم انتهى. (تنبيه) إن لم يصل بالوضوء فلا يعيده، إلا أن يكون توضأ أولا واحدة واحدة، أو اثنتين اثنتين، قاله الجزولي في قول الرسالة، ولكنه أكثر ما يفعل، والله تعالى أعلم». اهـ نقلًا من مواهب الجليل، وانظر التاج والإكليل (١/ ٣٠٢، ٣٠٣).","vol":"2","page":29},{"text":"قال النووي: «وهذا الوجه غريب جدًّا، وقد قطع القاضي أبو الطيب في كتابه شرح الفروع والبغوي والمتولي والروياني وآخرون بأنه يكره التجديد إذا لم يؤد بالأول شيئًا. قال المتولي والروياني: وكذا لو توضأ وقرأ القرآن في المصحف يكره التجديد. قالا: ولو سجد لتلاوة أو شكر لم يستحب التجديد ولا يكره، والله أعلم» اهـ كلام النووي (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-438>دليل من قال: لا يشرع التجديد قبل استعماله بعبادة مشروعة:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-439> الدليل الأول: النهي عن الزيادة على الثلاث</span>.\n(١٥٩ - ١٣) فقد روى أحمد، قال: ثنا يعلي، ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:\nجاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم (^٢).\n[رجاله ثقات إلى عمرو بن شعيب، فهو حسن عند من يحسن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-440> الدليل الثاني:</span>\nأنه لم ينقل عن الرسول ﷺ أنه جدد الوضوء بعد فراغه مباشرة من الوضوء الأول.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٩٤)، وانظر حلية العلماء (١/ ٨٣).\nوقال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٢٣٣): ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها -يعني في الوضوء- أنه لا يندب تجديد الوضوء على الإطلاق، واختلف عند الشافعية في القيد الذي يمتنع منه حكم الزيادة على الثلاث، فالأصح من صلى به فرضًا أو نفلًا.\nوقيل: الفرض فقط.\nوقيل: مثله حتى سجدة التلاوة والشكر ومس المصحف.\nوقيل: ما يقصد له الوضوء، وهو أعم.\nوقيل: إذا وقع الفصل بزمن يحتمل في مثله نقض الوضوء عادة. اهـ كلام الحافظ.\n(^٢) مسند أحمد (٢/ ١٨٠).\n(^٣) انظر تخريجه في المجلد الثالث، رقم (٥٨٨).","vol":"2","page":30},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-441> دليل من قال بالتجديد بعد الفاصل الطويل:</span>\n(١٦٠ - ١٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى بن عباس،\nعن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل، فبال، ثم توضأ، ولم يسبغ الوضوء. فقلت له: الصلاة؟ قال: الصلاة أمامك، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئًا (^١).\nفالظاهر أنه نقض الوضوء قبل وصوله مزدلفة بقليل، ثم توضأ، فيبعد أن يكون أحدث حدثًا آخر حين وصل مزدلفة، إلا أن يقال: فيه دليل لمن قال: يشرع التجديد إذا فعل به عبادة يشرع لها الوضوء كالذكر، والتلبية من الذكر، فالله أعلم.\n-الوضوء المحرم:\nمثل له الفقهاء بالماء المغصوب، فإذا تعدى الإنسان على مال غيره، وكان غيره بحاجة إليه، كالماء مثلًا فإنه يأثم بذلك، ولكن هل يرتفع الحدث، ويزول الخبث، أم لا؟\nاختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: يأثم، ويرتفع حدثه وخبثه، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢٨٠).\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ٤٨)، الفصول في الأصول (٢/ ١٧٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤١).\n(^٣) أنواع البروق في أنواع الفروق (٢/ ٨٤)، الخرشي (١/ ١٨١)، و(٣/ ٤٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٢٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٤) و(٣/ ٥٤)، منح الجليل (١/ ١٣٨).\n(^٤) إعانة الطالبين (١/ ٥٥)، المجموع (٢/ ٢٩٥)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٩، ٦٨).","vol":"2","page":31},{"text":"وقيل: لا تصح الطهارة به، ويرتفع به الخبث، اختاره بعض الحنابلة (^١).\nوقيل: لا يرتفع به حدث، ولا خبث، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢)، وهو اختيار ابن حزم (^٣).\nوقد ذُكِرَت أدلة كل قول في كتاب المياه (^٤).\n- الوضوء المباح:\nمثل له المالكية بالوضوء للتبرد، والوضوء للدخول على السلطان (^٥).\nوالذي يظهر لي: أن الوضوء لا يكون مباحًا، وذلك أنه عبادة مطلوب فعلها، فإن فعلها امتثالًا كان مأجورًا عليها، وهذا يخرجها عن حد المباح؛ لأن المباح يستوي فيه الفعل والترك، والله أعلم.\nفهذه أحكام التكاليف الخمسة، الواجب والمحرم والمستحب والمكروه والمباح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) قال في منار السبيل (١/ ١٥): «ماء يحرم استعماله ولا يرفع الحدث، ويزيل الخبث وهو ما ليس مباحًا كمغصوب ونحوه».اهـ\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ٢٨): «وأما الوضوء بالماء المغصوب، فالصحيح من المذهب، أن الطهارة لا تصح به، وهو من مفردات المذهب. وعنه: تصح وتكره، اختاره ابن عبدوس في تذكرته».اهـ\nوانظر قواعد ابن رجب، القاعدة التاسعة (ص: ١٢)، كشاف القناع (١/ ٣٠)، مطالب أولي النهى (٤/ ٦٢)، المبدع (١/ ٤٠).\n(^٣) المحلى (١/ ٢٠٨).\n(^٤) انظر المجلد الأول في الوضوء من الماء المغصوب.\n(^٥) انظر مواهب الجليل (١/ ١٨١).","vol":"2","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>المبحث الرابع متى شرع الوضوء</span>؟\n[م-٦٤] من المعلوم أن الصلاة فرضت بمكة، فهل شرع الوضوء معها بمكة، أو أن الوضوء شرع بالمدينة حين نزلت آية المائدة، وهي مدنية: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...) [المائدة: ٦].\nفقيل: إن الوضوء فرض بمكة، ونزوله في آية المائدة تثبيت لهذا الحكم، لا أكثر، وهذا اختيار ابن عابدين من الحنفية (^١).\nوقيل: إن فرض الوضوء إنما شرع بالمدينة، وكان الوضوء بمكة سُنَّة (^٢).\nوقيل: إن الوضوء لم يشرع إلا بالمدينة، وهو اختيار ابن حزم (^٣).\nقال ابن حجر: وتمسك بهذه الآية من قال: إن الوضوء أول ما فرض بالمدينة، فأما ما قبل ذلك فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة إنما فرض على النبي ﷺ، وهو بمكة، كما فرضت الصلاة، وأنه لم يصل قط إلا بوضوء، قال: وهذا مما لا يجهله عالم.\nوقال الحاكم في المستدرك: وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٩١).\n(^٢) شرح الزرقاني (١/ ٦٤)، مواهب الجليل (١/ ١٨٠، ٣٨٠)، فتح الباري (١/ ٢٣٣).\n(^٣) المحلى (١/ ١٩٨).","vol":"2","page":33},{"text":"أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن عباس دخلت فاطمة على النبي ﷺ، وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: ائتوني بوضوء، فتوضأ. الحديث.\nقال الحافظ: وهذا يصلح ردا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ، وقد جزم ابن الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوبًا، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة، ورد عليهما بما أخرجه ابن لهيعة في المغازي التي يرويها عن أبي الأسود يتيم عروة، عنه، أن جبريل علم النبي ﷺ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضًا، لكن قال: عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه، وأخرجه ابن ماجه من رواية رشد بن سعد عن عقيل، عن الزهري نحوه، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند، وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق الليث عن عقيل موصولًا، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٢٣٣)، وحديث زيد بن ثابت من رواية ابن لهيعة ورواية ابن رشدين سبق تخريجهما في المجلد السابع، في الطهارة من الاستنجاء، ح (١٤٤١).","vol":"2","page":34},{"text":"مبحث الخامس\nوجود الوضوء في شريعة من قبلنا\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الوضوء كالصلاة كلاهما في شريعة من قبلنا.\n- الغرة والتحجيل والتيمم من خصائص هذه الأمة.\n[م-٦٥] ذهب الجمهور إلى أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا، وإنما الغرة والتحجيل فقط مما خص الله به هذه الأمة (^١).\nوقيل: إن الوضوء من خصائص هذه الأمة، اختاره بعض الفقهاء (^٢).\nوقيل: إن الوضوء من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية الأمم لا لأنبيائهم (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-443> دليل من قال بعدم الخصوصية:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-444> الدليل الأول:</span>\n(١٦١ - ١٥) ما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٩٠)، شرح الزرقاني (١/ ٦٤)، انظر شرح زبد ابن رسلان (ص: ٤١)، مغني المحتاج (١/ ٤٧، ٦١)، الفروع (١/ ٣٢٥)، كشاف القناع (١/ ١٠٩).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٣٥)، كشاف القناع (١/ ١٠٩)، فتح الباري (١/ ٢٣٦).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ٩٠)، المنهج القويم (ص: ٢٨)، شرح الزرقاني (١/ ٦٥).","vol":"2","page":35},{"text":"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ هاجر إبراهيم بسارة، دخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فأرسل إليه أن أرسل إلي بها، فأرسل بها، فقام إليها فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي الكافر فغط حتى ركض برجله (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٢ - ١٦) ما رواه البخاري من طريق جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين،\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: كان رجل في بني إسرائيل يقال له جريج يصلي، فجاءته أمه فدعته فأبى أن يجيبها، فقال: أجيبها أو أصلي، ثم أتته فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فقالت امرأة: لأفتنن جريجًا، فتعرضت له، فكلمته، فأبى، فأتت راعيًا فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، فقالت: هو من جريج، فأتوه وكسروا صومعته، فأنزلوه وسبوه، فتوضأ، وصلى، ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب قال: لا إلا من طين (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-446> دليل من قال: الوضوء من خصائص هذه الأمة:</span>\n(١٦٣ - ١٧) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي هلال،\nعن نعيم المجمر قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (^٣).\n(١٦٤ - ١٨) ورواه مسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة مرفوعًا، وفيه:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٩٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٤٨٢).\n(^٣) صحيح البخاري (١٣٦)، مسلم (٢٤٦).","vol":"2","page":36},{"text":"لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون علي غرًا محجلين من أثر الوضوء (^١).\n- وأجيب:\nبأن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغر والتحجيل، لا أصل الوضوء؛ ولذلك قال: سيما ليست لأحد غيركم دليل أن هذا ما اختصت به الأمة، وليس الوضوء، والله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-447> دليل من قال: الوضوء من خصائص هذه الأمة إلا الأنبياء:</span>\n(١٦٥ - ١٩) روى أبو داود الطيالسي قال: حدثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة،\nعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: هذا وظيفة الوضوء الذي لا تحل الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء من أراد أن يضاعف له الأجر مرتين، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي (^٢).\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٤٧).\n(^٢) مسند أبي داود الطيالسي (١٩٢٤).\n(^٣) معاوية بن قرة لم يدرك ابن عمر، كما ذكره أبو زرعة، وفي إسناده سلام الطويل، وهو متروك، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: تركوه. التاريخ الكبير (٤/ ١٣٣).\nوقال أبو بكر بن أبى خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: سلام بن سلم المدائني ليس حديثه بشيء. الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٠).\nوقال يحيى أيضًا: ضعيف، لا يكتب حديثه. الكامل (٣/ ٢٩٩)، تهذيب الكمال (١٢/ ٢٧٩).\nوقال مرة: ليس بثقة، كما في رواية ابن طهمان عنه (٣٧٨).\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث تركوه. الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٠).\nوقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوقال النسائي والدارقطني: متروك. الضعفاء والمتروكين للنسائي (٢٣٧)، وأيضًا للدارقطني (٢٦٥)، سنن الدارقطني (٢/ ١٥٠).\nوقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، كأنه المتعمد لها. المجروحين (١/ ٣٣٩). =","vol":"2","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي إسناده أيضًا زيد العمي، وهو ضعيف. جاء في ترجمته:\nقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. الطبقات الكبرى (٧/ ٢٤٠).\nوقال ابن معين: ليس بشيء. تاريخ ابن معين رواية ابن طهمان (٤٧).\nوقال أبو داود: «ليس بذاك». سؤالات الآجري لأبي داود (٤١١).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء للنسائي (٢٢٦).\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٢/ ٧٤).\nوقال أحمد: صالح. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، وكان شعبة لايحمد حفظه. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، واهي الحديث، ضعيف. الجرح والتعديل (٣/ ٥٦٠، ٥٦١).\nوقال ابن حبان: «يروي عن أنس أشياء موضوعة لا أصل لها، حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها ... وهو عندي لا يجوز الاحتجاج بخبره، ولا كتابة حديثه إلا للاعتبار».\nوقال ابن عدي: «هو في جملة الضعفاء، ويكتب حديثه على ضعفه». الكامل (٣/ ١٠٥٥).\nوقال الدارقطني: صالح. الضعفاء للدارقطني (٣٤٢) في ترجمة ابنه عبد الرحيم بن زيد العمي. وفي التقريب: ضعيف.\n[تخريج الحديث]:\nالحديث على ضعف إسناده فيه اختلاف،\nفقيل: زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر.\nوقيل: زيد العمي، عن نافع، عن ابن عمر.\nوقيل: عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن عبيد بن عمير، عن أبي.\nوقيل: عن المسيب بن واضح، عن حفص بن ميسرة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.\nالطريق الأول: عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر.\nأخرجه أبو داود الطيالسي، كما في إسناد الباب عن سلام الطويل، ومن طريق سلام الطويل أخرجه الدارقطني (١/ ٨٠) في سننه، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٧٩) من طريق محمد بن الفضل، عن زيد العمي به. وهذا الطريق سبق أن تكلمنا على إسناده.\nالطريق الثاني: عن زيد العمي، عن نافع، عن ابن عمر.\nأخرجه أحمد (٢/ ٩٨) ومن طريقه الدارقطني (١/ ٨١) ثنا أسود بن عامر، أنا أبو إسرائيل، عن زيد العمى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. وهذا من تخليط زيد العمي.\nوأخرجه ابن ماجه (٤١٩) وأبو يعلى في مسنده (٥٥٩٨) من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه به. =","vol":"2","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٤٢٧) إلا أنه قال: عن عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، عن جده، وفيه: هذا وضوئي ووضوء خليل الله إبراهيم.\nوعبد الرحيم ضعيف جدًّا، جاء في ترجمة عبد الرحيم بن زيد العمي:\nقال البخاري: تركوه. التاريخ الكبير (٦/ ١٠٤).\nوقال يحيى بن معين: عبد الرحيم بن زيد العمي ليس بشيء. الجرح والتعديل (٥/ ٣٣٩).\nقال أبو حاتم الرازي: عبد الرحيم بن زيد العمي ترك حديثه، كان يفسد أباه، يحدث عنه بالطامات. المرجع السابق.\nوقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن عبد الرحيم بن زيد، فقال: واهي ضعيف الحديث. المرجع السابق. فأمره واضح، فلا نطيل في ترجمته.\nوقال أبو حاتم كما في علل الحديث لابنه (١/ ٤٥): «عبد الرحيم بن زيد متروك الحديث، وزيد العمي ضعيف الحديث، ولا يصح الحديث عن النبي ﷺ».\nوفيه أيضًا: «وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: هو عندي واه، ومعاوية بن قرة لم يلحق ابن عمر».\nوقال البوصيري كما في مصباح الزجاجة (١/ ٦١): «وهذا إسناد فيه زيد العمي، وهو ضعيف، وعبد الرحيم متروك، بل كذاب، ومعاوية بن قرة لم يلحق ابن عمر، قاله ابن أبي حاتم في العلل، وصرح به الحاكم في المستدرك».\nوضعفه ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٥٩)، والحافظ في الفتح (١/ ٢٣٦).\nوقال النووي في شرح مسلم (٣/ ١٣٦): «إنه حديث ضعيف معروف الضعف، ولو صح لحتمل أن يكون الأنبياء اختصوا بالوضوء دون أممهم».\nالطريق الثالث:\nأخرجه الدارقطني (١/ ٨٠) والبيهقي في السنن (١/ ٨٠) من طريق المسيب بن واضح، حدثنا حفص بن ميسرة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.\nقال الدارقطني: تفرد به المسيب بن واضح، عن حفص بن ميسرة، والمسيب ضعيف.\nالطريق الرابع:\nرواه ابن ماجه (٤٢٠) والدارقطني (١/ ٨١) وابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٠٩)، من طريق عبد الله بن عرادة الشيباني، عن زيد الحواري، عن معاوية ابن قرة، عن عبيد بن عمير الليثي المكي، عن أبي مرفوعًا.\nوعبد الله بن عرادة ضعيف، وشيخه زيد العمي مثله.\nوانظر لمراجعة طرق الحديث: أطراف المسند (٣/ ٥١١)، تحفة الأشراف (٧٤٦٠) و(٦٥)، وإتحاف المهرة لابن حجر (٩٧، ١٠٢٣٥، ١٠٥٣٣)، تلخيص الحبير (٨١).","vol":"2","page":39},{"text":"- الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض الأدلة نجد أن القائلين بأن هذا الوضوء كان في شريعة من قبلنا أقوى دليلًا من غيره، وأن الغرة والتحجيل جاء ما يدل على أنهما من خصائص هذه الأمة، ولا يلزم من هذا أن يكون الوضوء كله من خصائص هذه الأمة، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن التيمم من خصائص هذه الأمة، فهذا يدل على أن الوضوء ليس من خصائصها، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>الباب الأول في شروط الوضوء</span>\nللوضوء شروط كثيرة، وبعضهم يقسمها إلى أقسام: شروط وجوب وصحة معًا، وشروط وجوب فقط، وشروط صحة فقط.\nوشروط الوجوب: هي ما إذا اجتمعت وجبت الطهارة، فإذا عدمت لم تجب الطهارة.\nوشروط الصحة: وهي ما لا تصح الطهارة إلا بها، فإذا عدمت لم تصح الطهارة. وسوف نذكرها شرطًا شرطًا ونبين ما ذكر فيها من خلاف إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"2","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>الشرط الأول\nالإسلام</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- الإسلام شرط لصحة العبادة، وليس شرطًا لوجوبها على الصحيح باعتبار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.\n[م-٦٦] اختلف الفقهاء هل الإسلام شرط في وجوب الوضوء وصحته أو ليس بشرط؟\nفقيل: يجوز الوضوء من الكافر، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: لا يصح الوضوء من كافر، وهذا الشرط لا يختص بالوضوء، بل هو شرط في جميع العبادات، من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج (^٢).\nقال تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) [التوبة: ٥٤].\n_________\n(^١) قال في بدائع الصنائع (١/ ١٨): وإيمان المتوضئ ليس بشرط لصحة وضوئه عندنا، فيجوز وضوء الكافر عندنا. اهـ\n(^٢) انظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٣٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٥)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٤)، الأشباه والنظائر (١/ ٤٢٩)، المقدمة الحضرمية (ص: ٣٣)، المنهج القويم (ص: ٥١)، كشاف القناع (١/ ٨٥).","vol":"2","page":42},{"text":"وهل يجب على كافر وضوء، فيه خلاف، وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أصولية، وهي هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟\nوللجواب على هذا أن نقول:\n[م-٦٧] أما مخاطبة الكفار بأصول الدين من التوحيد والإقرار بالنبوات ونحوها فهذا إجماع لا نزاع فيه، قال تعالى: (قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [الأعراف: ١٥٨].\n[م-٦٨] واختلفوا هل يخاطبون بالفروع أم لا؟ على أربعة أقوال:\nالقول الأول: ذهب بعض الحنفية (^١) واختاره أبو حامد الاسفراييني من الشافعية (^٢)، إلى أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة، فيكون الإسلام عندهم شرط وجوب للوضوء.\nالقول الثاني:\nوذهب الجمهور إلى أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، فهو عندهم شرط للصحة لا للوجوب (^٣).\n_________\n(^١) وهو قول البخاريين والسمرقنديين من أصحاب أبي حنيفة، انظر أصول السرخسي (١/ ٧٤)، شرح المحلى على جمع الجوامع (١/ ٢١٢)، تيسير التحرير (٢/ ١٤٨).\n(^٢) انظر قواطع الأدلة (١/ ١٨٧).\n(^٣) وهو قول العراقيين من الحنفية، ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة، انظر أصول السرخسي (١/ ٧٤)، تفسير القرطبي (٢/ ٣٠٠)، و(٤/ ١٤٦)، إعانة الطالبين (٣/ ٢٤)، الإنصاف (١٠/ ٢٣٣)، و(٤/ ١٦٠)، كشاف القناع (١/ ٢٢٣)، و(٥/ ١١٥)، حاشية البجيرمي (١/ ١٦٢).\nوقال النووي في المجموع (٣/ ٥): وأما الكافر الأصلي فاتفق أصحابنا في كتب الفروع على أنه لا يجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام، فأما في كتب الأصول فقال جمهورهم: هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان.\nوقيل: لا يخاطب بالفروع.\nوقيل: يخاطب بالمنهي عنه كتحريم الزنا والسرقة والخمر والربا وأشباهها، دون المأمور به كالصلاة. ...\nقال النووي: والصحيح الأول، وليس هو مخالفًا لقولهم في الفروع؛ لأن المراد غير المراد هناك، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة، ومرادهم في كتب الأصول أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعًا، لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا، فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين، وفي الفروع حكم الطرف الآخر، والله أعلم.","vol":"2","page":43},{"text":"القول الثالث:\nأن الكفار مخاطبون بالنواهي كالزنا والسرقة والقتل دون الأوامر.\nالقول الرابع:\nأنهم مكلفون بالفروع جميعًا إلا الجهاد في سبيل الله، ذكر هذا المذهب إمام الحرمين في النهاية، والقرافي في تنقيح الفصول، والإسنوي في التمهيد.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-450> دليل من قال: إن الكافر لا يخاطب بفروع الشريعة</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-451> الدليل الأول:</span>\n(١٦٦ - ٢٠) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس،\nعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب (^١).\nوجه الاستدلال:\nدل الحديث على أن الكفار لا يخاطبون بفروع الشريعة، حيث دعوا أولًا إلى\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤٩٦)، مسلم (١٩).","vol":"2","page":44},{"text":"الإيمان فقط ثم دعوا إلى العمل ورتب عليه بالفاء.\n- ونوقش هذا من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الاحتجاج بقوله: (فإن هم أطاعوك) له منطوق ومفهوم، فمنطوقه: أن المطالبة بالإقرار بالصلاة يأتي بعد الإقرار بالشهادتين، ومفهومه أنهم إن لم يقروا بالشهادتين لا يطالبوا بالصلاة، بينما الأدلة السابقة دلت بمنطوقها على أنهم مكلفون بالفروع، والمفهوم لا يقوى على معارضة المنطوق.\nالوجه الثاني:\nلو قلنا بمفهوم الشرط في الحديث للزم من ذلك الترتيب بين الصلاة والزكاة، مع أنه لا ترتيب بينهما، ولعل الغرض من ذلك هو التدرج في الدعوة حتى لا ينفروا من كثرة الفرائض إذا جمعت عليهم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>الدليل الثاني:</span>\nأن الكافر ليس أهلًا لأداء العبادات؛ لأن العبادات لاستحقاق الثواب في الآخرة، وهو ليس من أهلها، قال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء: ١٩].\nفإذا كانت العبادة من الكافرة لا تصح، ولا تقبل، فلا معنى لمخاطبته بفعلها.\n- وأجيب بثلاثة أجوبة:\nأحدها: أن الإسلام ليس شرطًا في وجوب العبادة، فالعبادة تجب على الكافر، وإنما الإسلام شرط في صحة الأداء، فكونه ليس من أهل الأداء لا يعني عدم وجوبها.\nالجواب الثاني:\nأن الإنسان إذا أمر بأن يفعل فعلًا، وكان هناك مانع يمنع من صحة الفعل، فإن","vol":"2","page":45},{"text":"كان المانع ليس من قبل المكلف كالعجز، سقط الفعل، وإن كان المانع من قبل المكلف أثم، ولم يرتفع عنه التكليف، كشارب الخمر فإنه لا يصلي حتى يعلم ما يقول، وإذا خرج وقت الصلاة وهو لم يصل أثم بذلك وإن كان منهيًا عن الصلاة حال السكر، وهكذا الكفر فإنه مانع قام بالمكلف من جهته، فلا يرفع التكليف.\nالجواب الثالث:\nأن الفائدة من كون الكفار مخاطبين بفروع الشريعة تضعيف العذاب عليهم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-453> دليل من قال: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-454> الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥» [المدثر: ٤٢ - ٤٥].\nفقد بين أن دخولهم النار كان على تركهم الصلاة وترك إطعام المساكين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-455> الدليل الثاني:</span>\nقال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧].\nوهذا يتناول المسلم والكافر.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-456> الدليل الثالث:</span>\nقال تعالى: (وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) [المائدة: ٥].\nفإذا اشتروا منا اللحم كان حلالًا لهم، وكان الثمن حلالًا لنا، والإباحة تشريع، وهي من الأحكام التكليفية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-457> الدليل الرابع:</span>\nروى البخاري من طريق نافع،\nعن ابن عمر ﵄، أن عمر سأل النبي ﷺ، قال: كنت نذرت في","vol":"2","page":46},{"text":"الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: فأوف بنذرك (^١).\n- ونوقش هذا:\nبأن النذر إذا عقده الكافر وكان فيه بر لله فقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء به على قولين.\nأحدهما: يجب الوفاء بالنذر، ولو عقده حال كفره، وهو وجه عند الشافعية، ومذهب الحنابلة، واختيار أبي ثور، والطبري ونسب القول للبخاري، واحتجوا بالحديث.\nوالثاني: لا يجب الوفاء به، وبه قال أبو حنفية، ومالك، وجمهور الشافعية، وحملوا الحديث على الندب (^٢).\nوأرى أن حمل الحديث على الندب لا ينفي صحة الاستدلال بالحديث؛ لأن الاستحباب مبني على أن النذر قد انعقد حال الكفر، وليس نذرًا مستأنفًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>الدليل الخامس:</span>\nقالوا: لما لزمت الكافر النواهي، لزمه الأوامر؛ لأن الأوامر أحد قسمي الشرع، فصار كالقسم الآخر، والدليل على لزومهم النواهي إجماع الأمة في أن الكافر يحد إذا زنا، ويقطع إذا سرق، ولو لم يكن مكلفًا بترك الزنا والسرقة لم يكن الزنا والسرقة منه معصية، ولو لم تكن معصية لم يعاقب على فعله.\nفإن قالوا: إنما وجب ذلك عليهم بالتزامهم أحكام الإسلام.\nقيل: لزوم الأحكام بإلزام الله تعالى، لا بالتزام العبيد ذلك، ألا ترى أن الخطاب متوجه على جميع الكفار بالإيمان بالله ﷿، وإن كانوا لم يلتزموا شيئًا من ذلك، ثم من أحكامنا أن لا يحد الإنسان على مباح، فلو كان الزنا غير محظور عليه، كان مباحًا، والحد لا يجب بارتكاب المباح.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦).\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٥٨٢)، شرح النووي على صحيح مسلم (١١/ ١٢٤).","vol":"2","page":47},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-459> دليل من قال: الكفار مخاطبون بالنواهي دون الأوامر:</span>\nأن المأمورات يتوقف التكليف بها على نية القربة، والكافر لا تصح منه نية العبادة بخلاف المنهيات فلا يتوقف تركها على نية.\n- ويجاب:\nبأن الامتثال في ترك المنهيات من الكافر لا عبرة به إذا لم يكن إقرارًا بتحريمه، لهذا لا فرق بين المأمورات والمنهيات في حق الكافر.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-460> دليل من قال: الكفار مخاطبون بالفروع إلا الجهاد:</span>\nأن المسلمين مخاطبون بجهاد الكفار، فيمتنع أن يجاهد الكافر نفسه.\nوفيه أقوال أخرى، وأكتفي بما ذكرت، والله أعلم. وقيل: لا يخاطب من الكفار إلا المرتد، فإنه مخاطب بالأوامر والنواهي.\n-الراجح:\nأن الكافر مخاطب بالأوامر والنواهي، وإيجاب الشيء عليه لا يلزم منه صحته لو فعله، لأن المانع من قبله هو، وليس من قبل الشرع.\n* * *","vol":"2","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>الشرط الثاني\nالتكليف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- يجب الوضوء على من تجب عليه الصلاة.\n-كل من صحت صلاته صح منه الوضوء كالصبي المميز، والعكس صحيح فلا يصح وضوء المجنون والصبي غير المميز.\n- التمييز شرط لصحة الوضوء، والتكليف شرط لوجوبه.\n[م-٦٩] والمكلف: هو البالغ العاقل، فلا يجب ولا يصح وضوء مجنون،\nوأما المميز: فيصح منه الوضوء، ولا يجب عليه (^١).\nوتعريف التمييز: هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، ولا ينضبط بسن، بل يختلف باختلاف الناس (^٢).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٨٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٥)، المجموع (١/ ٣٧٢)، شرح البهجة (١/ ٧٧)، مغني المحتاج (١/ ٤٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥١)، حاشية البجيرمي على المنهج (١/ ٦٤)، حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٢٩)، المقدمة الحضرمية (ص: ٣٣) كشاف القناع (١/ ٨٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٥٢).\n(^٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٧٢٥)، وانظر مطالب أولي النهى (١/ ٧٧).","vol":"2","page":49},{"text":"وقيل: هو من يصل إلى حالة بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده، ولا يتقيد بسبع سنين (^١).\nوهذا التعريف هو ما يدل عليه اشتقاق كلمة مميز.\nوقيل: هو من استكمل سبع سنين (^٢).\n- الأدلة على اشتراط التكليف:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-462> الدليل الأول:</span>\nأما كون الوضوء لا يصح من مجنون وغير مميز فلأن من شرط الوضوء النية على الصحيح كما سيأتي، وهما ليس لهما نية صحيحة.\nوأما كونه لا يجب عليهما؛ فلأن من شرط الوجوب التكليف، وهما غير مكلفين.\n(١٦٧ - ٢١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن،\nعن علي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه (^٣).\n[إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه] (^٤).\n_________\n(^١) شرح البهجة للأنصاري (٤/ ٤٠٦).\n(^٢) مطالب أولي النهى (١/ ٧٧).\n(^٣) المسند (١/ ١١٦).\n(^٤) الحسن لم يسمع من علي ﵁، قاله الترمذي في سننه (١٤٢٣)، وانظر جامع التحصيل (ص: ١٦٣)، وتحفة التحصيل (ص: ٧٤).\nواختلف على يونس بن عبيد، فرواه هشيم عن يونس، عن الحسن، عن علي مرفوعًا كما في حديث الباب.\nوأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٧٣٤٧) من طريق يزيد بن زريع، عن يونس به موقوفًا على علي ﵁.\nورواه قتادة عن الحسن به مرفوعًا.\nأخرجه أحمد (١/ ١٤٠) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة به. =","vol":"2","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه البيهقي (٤/ ٣٢٥) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة به. ويزيد سمع من سعيد قبل تغيره.\nوأخرجه أحمد (١/ ١١٨) حدثنا بهز وحدثنا عفان.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٧٣٤٦) والحاكم في المستدرك (٨١٧٠) من طريق عفان، وسقط من إسناد الحاكم عفان، وتم استدراكه من إتحاف المهرة لابن حجر (١٤١٥٥).\nوأخرجه الترمذي (١٤٢٣) من طريق بشر بن عمر، ثلاثتهم (بهز وعفان وبشر) عن همام، عن قتادة به مرفوعًا. هذا في ما يتعلق بطريق الحسن، عن علي.\nقال النسائي كما في تحفة الأشراف (٧/ ٣٦٠): «حديث يونس -يعني: الموقوف- أولى من حديث همام عن قتادة». يعني: المرفوع.\nوقال في السنن الكبرى المطبوع: ما فيه شيء صحيح، والموقوف أصح، هذا أولى بالصواب. اهـ\nورواه عن علي جماعة غير الحسن، وإليك بيان مروياتهم:\n\nالأول: أبو ظبيان، عن علي.\nرواه جرير بن حازم، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، عن علي، واختلف على جرير:\nفرواه أبو داود كما في السنن (٤٣٩٩)، والنسائي في الكبرى (٧٣٤٣)، وابن خزيمة في صحيحه (١٠٠٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٧٤)، وفي مشكل الآثار (٣٩٨٦)، وابن حبان في صحيحه (١٤٣)، والدارقطني (٣/ ١٣٨)، والحاكم في المستدرك (٩٤٩، ٢٣٥١)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٦٩)، و(٨/ ٢٦٤)، كلهم من طريق ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، عن علي مرفوعًا.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوخالفه جماعة رووه عن الأعمش موقوفًا،\nمنهم جرير بن عبد الحميد كما في سنن أبي داود (٤٣٩٩).\nووكيع كما في سنن أبي داود أيضًا (٤٣٩٩).\nوشعبة كما في مسند ابن الجعد (٧٤١)، والمستدرك للحاكم (٨١٦٩).\nوجعفر ابن عون كما في مستدرك الحاكم (٨١٦٨).\nوابن فضيل وعمار بن رزيق كما في علل الدارقطني (٣/ ٧٢)، ستتهم رووه عن الأعمش به موقوفًا.\nكما رواه سعد بن عبيدة عن أبي ظبيان موقوفًا كما في علل الدارقطني (٤/ ٧٣).\nورواه أبو حصين عن أبي ظبيان به موقوفًا أيضًا، كما هي رواية الستة عن الأعمش.\nأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٠) رقم: ١٩٢٣٧ عن ابن عياش. =","vol":"2","page":51},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والنسائي في الكبرى (٧٣٤٥) من طريق إسرائيل، كلاهما عن أبي حصين، عن أبي ظبيان، عن علي به موقوفًا، ولم يذكر في إسناده ابن عباس، وأبو ظبيان لم يسمع من علي، وقد عرف الواسطة بينهما، وهو ابن عباس ﵄.\nوأخرجه الطيالسي (٩٠).\nوأحمد (١/ ١٥٤) عن عفان.\nوأخرجه أيضًا (١/ ١٥٨) عن أبي سعيد (عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد مولى بني هاشم) ثلاثتهم عن حماد بن سلمة.\nوأخرجه أبو داود (٤٤٠٢) من طريق أبي الأحوص وجرير بن عبد الحميد،\nوأخرجه أبو يعلى (٥٨٧) من طريق جرير وحده.\nوالبيهقي (٨/ ٢٦٤) من طريق أبي الأحوص وحده.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٧٣٤٤) من طريق أبي عبد الصمد كلهم (حماد بن سلمة وأبو الأحوص وجرير وأبو عبد الصمد) عن عطاء بن السائب، عن أبي ظبيان، عن علي مرفوعًا.\nورجح النسائي رواية أبي حصين، عن أبي ظبيان، على رواية عطاء، عن أبي ظبيان.\nقال في السنن الكبرى (٧٣٤٥): وهذا حديث أولى بالصواب، وأبو حصين أثبت من عطاء بن السائب، وما حدث جرير بن حازم فليس بذاك. اهـ\nالثاني: أبو الضحى عن علي.\nوأخرجه أبو داود (٤٤٠٣) والبيهقي (٣/ ٨٣) و(٦/ ٥٦، ٥٧)، و(٧/ ٣٥٩)، و(٨/ ٢٦٥) من طريق خالد الحذاء، عن أبي الضحى، عن علي مرفوعًا.\nوأبو الضحى هو مسلم بن صبيح، لم يدرك عليًا.\nالثالث: القاسم بن يزيد، عن علي.\nأخرجه ابن ماجه (٢٠٤٢) من طريق ابن جريج، عن القاسم بن يزيد، عن علي مرفوعًا.\nوذكره أبو داود معلقًا، فقال على إثر حديث (٤٤٠٣) قال: ورواه ابن جريج، عن القاسم بن يزيد، عن علي ﵁، زاد فيه: والخرف. اهـ\nوالقاسم بن يزيد لم يرو عنه غير ابن جريج، ولم يدرك عليًا، وقال فيه الحافظ: مجهول.\nوحديث علي بالجملة قد رجح الترمذي وقفه كما في العلل الكبير (ص: ٢٢٦) رقم ٤٠٦.\nكما رجح الدارقطني وقفه كذلك، قال في العلل (٣/ ٧٢): وسئل عن حديث ابن عباس، عن علي، عن النبي ﷺ، رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون والنائم والصبي، فقال: هو حديث يرويه أبو ظبيان حصين بن جندب واختلف عنه:\nفرواه سليمان الأعمش واختلف عنه، فقال جرير بن حازم: عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، عن علي ورفعه إلى النبي ﷺ عن علي وعن عمر، تفرد بذلك عبد الله ابن وهب، =","vol":"2","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن جرير بن حازم.\nوخالفه ابن فضيل ووكيع، فروياه عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، عن علي وعمر موقوفًا.\nورواه عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علي وعمر موقوفًا، ولم يذكر فيه ابن عباس، وكذلك رواه سعد بن عبيدة، عن أبي ظبيان موقوفًا، ولم يذكر ابن عباس. ورواه أبو حصين، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، عن علي وعمر موقوفًا، واختلف عنه: فقيل عن أبي ظبيان، عن علي موقوفًا، قاله أبو بكر بن عياش وشريك عن أبي حصين.\nورواه عطاء بن السائب، عن أبي ظبيان، عن علي وعمر مرفوعًا، حدث به عنه حماد ابن سلمة وأبو الأحوص وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز بن عبد الصمد العمى وغيرهم، وقول وكيع وابن فضيل أشبه بالصواب، والله أعلم. قيل: لقي أبو ظبيان عليا وعمر ﵄؟ قال: نعم.\nوقد سبق أن نقلنا عن أبي عبد الرحمن النسائي ترجيح وقفه، فهؤلاء ثلاثة أئمة النسائي والترمذي والدارقطني كلهم رجح الرواية الموقوفة على المرفوعة، والله أعلم بالصواب.\nوانظر لمراجعة بعض طرق الحديث كل من: أطراف مسند أحمد (٤/ ٣٩٦)، تحفة الأشراف (٧/ ٣٦٠، ٤١٣)، إتحاف المهرة (١٤١٥٥، ١٤٥٢١).\nوالحديث له شواهد، منها حديث عائشة، وأبي قتادة، وابن عباس، وثوبان وغيرهم.\nالشاهد الأول: حديث عائشة.\nأخرجه أبو داود الطيالسي (١٤٨٥) طباعة دار هجر.\nورواه أحمد (٦/ ١٠٠، ١٠١)، والدارمي (٢٢٩٦) والطحاوي في مشكل الآثار (٣٩٨٧)، من طريق عفان.\nوأخرجه أحمد أيضًا (٦/ ١٠١) عن حسن بن موسى وروح.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٠) رقم ١٩٢٣٩، وأحمد (٦/ ١٤٤) وأبو داود (٤٣٩٨)، وابن ماجه (٢٠٤١) من طريق يزيد بن هارون.\nوأخرجه النسائي في المجتبى (٣٤٣٢) وفي الكبرى (٥٦٢٥) وابن ماجه (٢٠٤١) وابن الجارود في المنتقى (١٤٨، ٨٠٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٤٠٠)، وابن حبان في صحيحه (١٤٢) من طريق شيبان بن فروخ.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٢٣٥٠)، والبيهقي (٦/ ٨٤، ٢٠٦) و(٨/ ٤١) من طريق أبي الوليد الطيالسي وموسى بن إسماعيل.\nوأخرجه البيهقي (١٠/ ٣١٧) من طريق محمد بن أبان، كلهم (عفان ويزيد بن هارون وعبد الرحمن بن مهدي وحسن بن موسى وروح بن عبادة وشيبان بن فروخ وأبو الوليد =","vol":"2","page":53},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطيالسي وموسى بن إسماعيل ومحمد بن أبان) رووه عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي ﷺ مرفوعًا.\nوالحديث له ثلاث علل.\nالأول: تغير حماد بن سلمة.\nلكن يقال: إن الراوي عنه عفان، وهو من أثبت أصحابه، وقد قال ابن معين: من أراد أن يكتب حديث حماد بن سلمة، فعليه بعفان بن مسلم.\nالعلة الثانية: تفرد حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان، وقد قال الإمام أحمد: سماع هشام من حماد بن أبي سليمان صالح، ولكن حماد -يعني ابن سلمة- عنده عنه تخليط كثير. اهـ تهذيب التهذيب في ترجمة حماد بن أبي سليمان (٣/ ١٤).\nالعلة الثالثة: حماد بن أبي سليمان، مختلف فيه.\nوانظر لمراجعة طرق هذا الحديث غير ما عزوت له سابقًا: إتحاف المهرة (٢١٥٣٩، ٢١٥٧٥)، أطراف مسند الإمام أحمد (٩/ ١٧)، تحفة الأشراف (١١/ ٣٥٣)، التمهيد (١/ ١٠٩)، وفي فتح الباري كلام مهم في بيان راجح الموقوف من المرفوع (١٢/ ١٢١).\nالشاهد الثاني: حديث أبي قتادة.\nرواه الحاكم في المستدرك (٨١٧١) من طريق عكرمة بن إبراهيم، حدثني سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي رباح، عن أبي قتادة، ﵁ مرفوعًا.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nقال الذهبي متعقبًا: عكرمة ضعفوه.\nوقد ضعف عكرمة جمع من الأئمة.\nقال يحيى بن معين كما في رواية عباس بن محمد الدوري: بصري ليس بشيء. الجرح والتعديل (٧/ ١١).\nوقال النسائي: ضعيف.\nوقال أيضًا: ليس بثقة. الضعفاء والمتروكين للنسائي (٤٨٢)، لسان الميزان (٤/ ١٨١).\nوقال أبو داود: ليس بشيء. لسان الميزان (٤/ ١٨١).\nوقال يعقوب بن سفيان: منكر الحديث. المرجع السابق.\nوقال البزار: لين الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي المرجع السابق.\nوذكره بن الجارود وابن شاهين في الضعفاء. المرجع السابق.\nالشاهد الثالث: حديث ابن عباس.\nرواه الطبراني في الأوسط (٣٤٠٣) وفي الكبير (١١/ ٨٩) رقم ١١٤١ من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبدالعزيز بن عبيد الله، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا.=","vol":"2","page":54},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-463>الدليل الثاني:</span>\nالإجماع على أن الكافر والطفل غير المميز لا يصح منه الوضوء، قال ابن تيمية: الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول، ويقصده، فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين (^١).\n* * *\n_________\n= قال الهيمثي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٥١) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وقال: لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، وفيه عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة، وهو ضعيف.\nقلت: قال يحيى بن معين: ضعيف لم يحدث عنه إلا إسماعيل بن عياش. الكامل في الضعفاء (٥/ ٢٨٤)، الضعفاء للعقيلي (٣/ ٢١).\nالشاهد الرابع: حديث شداد بن أوس وثوبان.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٢٨٧) رقم (٧١٥٦) وفي مسند الشاميين (١/ ٢١٦) قال: حدثنا عبد الرحمن بن سلم الرازي، ثنا عبد المؤمن بن علي، أنا عبد السلام بن حرب، عن برد ابن سنان، عن مكحول، عن أبي إدريس واحد من أصحاب رسول الله ﷺ منهم شداد بن أوس وثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: رفع القلم في الحد عن الصغير حتى يكبر وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق، وعن المعتوه الهالك.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٥١): رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n(^١) التفسير الكبير (٣/ ٨٠).","vol":"2","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>الشرط الثالث ارتفاع دم الحيض والنفاس</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- الوضوء وسيلة للصلاة، فإذا لم تجب الصلاة على الحائض لم تجب عليها وسيلتها من باب أولى.\n[م-٧٠] من شروط الوضوء ارتفاع دم الحيض والنفاس، فلو توضأت المرأة، وهي حائض أو نفساء لم يرتفع حدثها، فارتفاعه شرط للوجوب، فلا يجب الوضوء على حائض ونفساء، وشرط للصحة أيضًا، وهذا مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: ارتفاع الحيض والنفاس شرط وجوب فقط، فيصح الوضوء من الحائض والنفساء، ولا يجب عليها (^٢).\nقال ابن نجيم من الحنفية: وأما أئمتنا فقالوا: إنه يستحب لها -يعني الحائض- أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وتقعد على مصلاها تسبح، وتهلل وتكبر (^٣).\n_________\n(^١) حاشية العدوي (١/ ١٢٩)، الشرح الصغير (١/ ١٣٣)، منح الجليل (١/ ٧٧)، الإنصاف (١/ ١٤٤) المبدع (١/ ١١٨)، الفروع (١/ ٢٢٥).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٨٦، ٨٧)، إلا أن ابن نجيم ذكر أن عدم الحيض والنفاس من شروط الوجوب، ثم ذكر في شروط الصحة: انقطاع الحيض والنفاس فليتأمل.\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٠٣).","vol":"2","page":56},{"text":"وقد ذهب جمع من السلف إلى تصحيح وضوء الحائض والنفساء، وكأنهم رأوا أن في ذلك تخفيفًا للحدث، كما يتوضأ الجنب للنوم، وإن كان حدثه باقيًا.\nقال ابن رجب: وقد استحب طائفة من السلف أن تتوضأ -يعني الحائض- في وقت كل صلاة مفروضة، وتستقبل القبلة، وتذكر الله ﷿ بمقدار تلك الصلاة، منهم الحسن وعطاء وأبو جعفر محمد بن علي، وهو قول إسحاق، وروي عن عقبة بن عامر أنه كان يأمر الحائض بذلك، وتجلس بفناء مسجدها، خرجه الجوزجاني.\nوقال مكحول: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن (^١).\nوقد تم تخريج الآثار تلك في كتاب الحيض والنفاس، وبينت أن استحباب مثل ذلك بدعة في الدين.\n(١٦٨ - ٢٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر، عن أبيه، قال:\nقيل لأبي قلابة: الحائض تسمع الأذان فتوضأ، وتكبر، وتسبح؟ قال: قد سألنا عن ذلك فما وجدنا له أصلًا.\n[وسنده صحيح] (^٢).\nوقال النووي: إذا قصدت الطهارة تعبدًا مع علمها بأنها لا تصح فتأثم بهذا؛ لأنها متلاعبة بالعبادة، فأما إمرار الماء عليها بغير قصد العبادة فلا تأثم به بلا خلاف، وهذا كما أن الحائض إذا أمسكت عن الطعام بقصد الصوم أثمت، وإن أمسكت بلا قصد لم تأثم. اهـ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٣٠).\n(^٢) المصنف - ابن أبي شيبة (١/ ١٢٨) رقم ٧٢٦٦.\n(^٣) المجموع (٢/ ٣٨٢).","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>الشرط الرابع\nفي اشتراط طهورية الماء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- كل ماء يصح الوضوء به إلا ماء تغير بنجاسة، أو تغير بطاهر أزال عنه اسم الماء كالشاي والمرق.\n[م-٧١] اشترط الجمهور أن يكون الماء طهورًا مطلقًا، فإن كان الماء نجسًا فلا يصح الوضوء منه قولًا واحدًا، وإن كان الماء طاهرًا -كالماء المستعمل في رفع حدث- فإن الحدث لا يرتفع عند جماهير أهل العلم (^١).\n_________\n(^١) قال ابن نجيم من الحنفية، وهو يعدد شروط الوضوء (١/ ١٠): ووجود الماء المطلق الطهور الكافي. وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ٨٧) وغمز عيون البصائر (٢/ ٦).\nوقال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ١٣٤): وجود ما يكفي جميع البدن من الماء المطلق. وانظر حاشية الدسوقي (١/ ٨٤)، وحاشية العدوي (١/ ١٢٩).\nوقال ابن رسلان من الشافعية في زبده (ص: ٤٤): ماء طهور مطلق. وانظر حاشية البجيرمي (١/ ٦٤)، وحاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥١).\nونص على هذا الشرط أيضًا الحنابلة في كتبهم، انظر كشاف القناع (١/ ٨٥)، مطالب أولي النهى (١/ ١٠٤)، الإنصاف (١/ ١٤٤) المبدع (١/ ١١٨)، الفروع (١/ ٢٢٥).\nوقد اختلف الفقهاء في ما لو وجد ماء يكفي بعض طهره، هل يتوضأ أو يتيمم، أو يتوضأ بما يقدر عليه، ويتيمم للباقي، وسوف تأتي هذه المسألة إن شاء الله تعالى في فصل مستقل، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.","vol":"2","page":58},{"text":"وقيل: يصح الوضوء بالماء المستعمل، ولا يوجد قسم من الماء اسمه طاهر، فليس هناك إلا ماء طهور ونجس، ولا وجود لقسم ثالث طاهر غير مطهر.\nوقد قدمت أدلة كل فريق في كتاب المياه، وترجح أن الماء قسمان فقط، فأغنى عن إعادته هنا، والله الموفق.\n* * *","vol":"2","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>الشرط الخامس\nإزالة ما يمنع وصول الماء إلى أعضاء الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل حائل يمنع وصول الماء إلى العضو الواجب غسله أو بعضه فإزالته واجبة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\n- كل مقدار من أعضاء الوضوء يبطل الوضوء بترك غسله فإن الوضوء يبطل إذا حال مانع من وصول الماء إليه.\n- لا يضر وسخ يسير تحت أظفاره ولو منع وصول الماء على الصحيح؛ ومثله على الصحيح كل يسير؛ لأن اليسير معفو عنه.\n[م-٧٢] من شروط الوضوء: إزالة ما يمنع وصول الماء على أعضاء الوضوء، من دهن جامد أو شمع ونحوهما، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة.\nلأن الله ﷾ أمر بغسل أعضاء الوضوء: الوجه واليدين والرجلين إذا كانتا مكشوفتين، فإذا كان على العضو المغسول ما يمنع من وصول الماء لم يتحقق امتثال الأمر، فيكون الغسل ناقصًا، وإذا كان ناقصًا لم يتم وضوءه.\n[م-٧٣] وإنما اختلفوا في الوسخ يكون على الظفر، ويمنع من وصول الماء هل يصح وضوءه أم لا؟\nفقيل: تجب إزالته مطلقًا، ولا يصح الوضوء مع وجوده، اختاره المتولي من","vol":"2","page":60},{"text":"الشافعية (^١)، وابن عقيل من الحنابلة (^٢).\nوقيل: لا تجب إزالته مطلقًا، ويعفى عنه، اختاره الغزالي من الشافعية (^٣)،\nومال إليه ابن قدامة من الحنابلة (^٤).\nوقيل: إن كان ما تحت الظفر يسيرًا عفي عنه، وإن فحش وجبت إزالته، وهو مذهب المالكية (^٥)، وأومأ إليه ابن دقيق العيد (^٦)، ورجحه ابن تيمية (^٧).\nوقد ذكرت أدلة كل قول، وما هو الراجح فيه في كتابي سنن الفطرة، فأغنى عن إعادته هنا، فارجع إليه غير مأمور.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٤٠).\n(^٢) قال ابن قدامة في المغني (١/ ٨٦): «وإذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته، فقال ابن عقيل: لا تصح طهارته حتى يزيله».اهـ\n(^٣) تحفة المحتاج (١/ ١٨٧)، وقال النووي في المجموع (١/ ٣٤٠): «ولو كان تحت الأظفار وسخ، فإن لم يمنع وصول الماء إلى ما تحته لقلته صح الوضوء.\nوإن منع، فقطع المتولي بأنه لا يجزيه، ولا يرتفع حدثه، كما لو كان الوسخ في موضع آخر من البدن.\nوقطع الغزالي في الإحياء بالإجزاء وصحة الوضوء والغسل، وأنه يعفى عنه للحاجة».اهـ\n(^٤) المغني (١/ ٨٦).\n(^٥) قال في الفواكه الدواني (١/ ١٤٠): «ولا يلزمه إزالة ما تحت أظافره من الأوساخ إلا أن يخرج عن المعتاد، فيجب عليه إزالته، كما يجب عليه قلم ظفره الساتر لمحل الفرض». وانظر حاشية الدسوقي (١/ ٨٨).\n(^٦) قال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (١/ ١٢٥): «إذا لم يخرج طول الأظفار عن العادة يعفى عن يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد، فما يتعلق بها من الأوساخ مانع من حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث الإشارة إلى هذا المعنى». اهـ. وقد يعتبر هذا من ابن دقيق العيد قولًا رابعًا، وهو أن الأظفار إذا خرج طولها عن المعتاد أصبح ما يتعلق بها من الوسخ مانعًا من حصول الطهارة، وإذا كان طولها معتادًا لم يمنع الوسخ. والله أعلم.\n(^٧) يرى ابن تيمية العفو عن كل يسير يمنع وصول الماء، ولم يخصصه في الأظفار، قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٠٣): «وإن منع يسير وسخ ظفر ونحوه وصول الماء صحت الطهارة، وهو وجه لأصحابنا، ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين ... إلخ كلامه». اهـ","vol":"2","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>الشرط السادس\nدخول الوقت على من به حدث دائم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الوضوء إذا لم يكن رافعًا للحدث لم يكن واجبًا.\n- كل خارج لا ينقض الحدث في الصلاة لا ينقض خارج الصلاة على الصحيح.\n- لا فرق بين الدم الذي يخرج من صاحب الحدث الدائم قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف الوضوء، والذي يخرج بعد الوضوء في الحدث.\n[م-٧٤] ذهب الجمهور إلى اشتراط دخول الوقت في صحة طهارة من به حدث دائم كالمستحاضة ومن به سلس بول ونحوهما، فلو تطهر قبل دخول الوقت لم تصح طهارته (^١).\nوقيل: لا يشترط دخول الوقت، بل لا يعتبر خروج دم الاستحاضة وكذا من به سلس بول، لا يعتبر حدثًا ناقضًا للوضوء، وإنما يستحب منه الوضوء ولا يجب،\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٥٠٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤)، البحر الرائق (١/ ٢٢٦)، مراقي الفلاح (ص: ٦٠)، تبيين الحقائق (١/ ٦٤)، بدائع الصنائع (١/ ٢٨).\nالمجموع (١/ ٣٦٣، ٥٤٣)، مغني المحتاج (١/ ١١١)، روضة الطالبين (١/ ١٢٥، ١٤٧).\nالمغني (١/ ٤٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٠)، كشاف القناع (١/ ٢١٥)، الإنصاف (١/ ٣٧٧)، الفروع (١/ ٢٧٩)، شرح الزركشي (١/ ٤٣٧).","vol":"2","page":62},{"text":"وهذا مذهب المالكية (^١).\nوقد بحثت هذه المسألة بشيء من الاستفاضة في الطهارة من الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٩١)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٦)، الخرشي (١/ ١٥٢)، القوانين الفقهية لابن جزي (ص: ٢٩)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٥٠٨)، الاستذكار (٣/ ٢٢٥، ٢٢٦).\n(^٢) انظر المجلد (٩/ ٣٠٤) في خلاف العلماء في وجوب الوضوء من دم الاستحاضة.","vol":"2","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>الشرط السابع\nفي الوضوء بالماء المحرم كالمغصوب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- هل المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا؟\n- هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟\n- النهي عن الشيء لمعنى في غيره هل يقتضي فساده؟\n- تحريم الغصب خطاب تكليفي، هل يكون له أثر على صحة الطهارة، وهي خطاب وضعي؟\n[م-٧٥] اختلف الفقهاء هل يشترط في الوضوء أن يكون الماء مباحًا؟\nفقيل: لا يشترط، فلو توضأ بماء محرَّم كالمغصوب أثم، وارتفع حدثه وخبثه، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٤٨)، الفصول في الأصول (٢/ ١٧٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤١).\n(^٢) أنواع البروق في أنواع الفروق (٢/ ٨٤)، الخرشي (١/ ١٨١)، و(٣/ ٤٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٢٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٤) و(٣/ ٥٤)، منح الجليل (١/ ١٣٨).\n(^٣) إعانة الطالبين (١/ ٥٥)، المجموع (٢/ ٢٩٥)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٩، ٦٨).","vol":"2","page":64},{"text":"وقيل: لا تصح الطهارة به، ويرتفع به الخبث، اختاره بعض الحنابلة (^١).\nوقيل: لا يرتفع به حدث، ولا خبث، وهو من مفردات مذهب الحنابلة (^٢)، وهو اختيار ابن حزم (^٣).\nوسبب اختلافهم في هذه المسألة: أنه ورد على هذا الوضوء أمران: واجب ومحرم، فالوضوء للصلاة واجب، وأخذ مال الغير بدون وجه حق محرم، فلا يمكن أن يكون الشيء واجبًا ومحرمًا في الوقت نفسه، كما أن الوضوء قربة لله ﷾، ووضوءه بماء مغصوب محرم، والمحرم لا يكون قربة يتقرب بها العبد إلى الله.\nوالذين ذهبوا إلى صحة الوضوء رأوا أن التحريم راجع إلى أمر خارج عن الوضوء، وهو الغصب، وقد غسل الإنسان أعضاءه فارتفع حدثه مع الإثم، فالتحريم والصحة غير متلازمين، وهناك أدلة أثرية ونظرية لكل فريق ذُكِرَتْ بشيء من التفصيل في مباحث (المياه والآنية) (^٤) فارجع إليها غير مأمور، فقد أغنى ذكرها هناك عن إعادتها هنا.\n* * *\n_________\n(^١) قال في منار السبيل (١/ ١٥): «ماء يحرم استعماله ولا يرفع الحدث، ويزيل الخبث وهو ما ليس مباحًا كمغصوب ونحوه». اهـ\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ٢٨): وأما الوضوء بالماء المغصوب فالصحيح من المذهب أن الطهارة لا تصح به، وهو من مفردات المذهب. وعنه: تصح وتكره، اختاره ابن عبدوس في تذكرته. اهـ\nوانظر قواعد ابن رجب، القاعدة التاسعة (ص: ١٢)، كشاف القناع (١/ ٣٠)، مطالب أولي النهى (٤/ ٦٢)، المبدع (١/ ٤٠).\n(^٣) المحلى (١/ ٢٠٨).\n(^٤) انظر (١/ ٦٧) في مسألة الوضوء بالماء المحرم.","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>الشرط الثامن\nالقدرة على استعمال الماء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- القدرة شرط في جميع التكاليف.\n[م-٧٦] نص الحنفية والمالكية على هذا الشرط (^١)، وأن من شروط الوضوء القدرة على استعمال الماء، والحقيقة أن القدرة على الفعل ليست شرطًا خاصًا بالوضوء، بل إن جميع التكاليف لا تجب إلا بالقدرة على فعلها، فمن عجز عن أداء شيء فإن كان له بدل، وجب البدل، وإن لم يكن له بدل سقط عنه حتى يقدر على فعله (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦].\n(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].\n(١٦٩ - ٢٣) وروى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٨٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٦)، غمز عيون البصائر (٢/ ٦)، مواهب الجليل (١/ ١٨٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٣٤)، منح الجليل (١/ ٧٧).","vol":"2","page":66},{"text":"عن عمران بن حصين ﵁ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: صل قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (^١).\nوما دام أن هذا الشرط لا يختص بالوضوء فكان الأفضل عدم ذكره من شروط الوضوء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (١١١٧).","vol":"2","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>الشرط التاسع\nقيام الحدث</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- إذا ارتفع الحدث بالماء لم يعد إلا بحدث جديد.\n- كل من توضأ فهو على طهارته حتى يحدث، وهذا بالإجماع.\n[م-٧٧] وهذا شرط وجوب، فمن لم يكن محدثًا لم يجب عليه الوضوء.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-471> والدليل على هذا من السنة والإجماع:</span>\n(١٧٠ - ٢٤) أما السنة فقد روى البخاري من طريق سفيان قال: حدثني عمرو ابن عامر،\nعن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-473> الدليل الثاني:</span>\n(١٧١ - ٢٥) ما رواه مسلم من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٤).","vol":"2","page":68},{"text":"عن أبيه أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه. قال: عمدًا صنعته يا عمر (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-474> الدليل الثالث:</span>\n(١٧٢ - ٢٦) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار مولى بني حارثة،\nأن سويد بن النعمان أخبره، أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء، وهي أدنى خيبر، فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به، فثري، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-475> الدليل الرابع:</span>\nأن المسألة شبه إجماع، قال ابن تيمية: «من توضأ لصلاة صلى بذلك الوضوء صلاة أخرى -فهذا قول عامة السلف والخلف، والخلاف في ذلك شاذ. وقد علم بالنقل المتواتر عن النبي ﷺ أنه لم يكن يوجب الوضوء على من صلى ثم قام إلى صلاة أخرى؛ فإنه قد ثبت بالتواتر، أنه صلى بالمسلمين يوم عرفة الظهر والعصر جميعًا، جمع بهم بين الصلاتين، وصلى خلفه ألوف مؤلفة لا يحصيهم إلا الله، ولما سلم من الظهر صلى بهم العصر، ولم يحدث وضوءًا لا هو ولا أحد، ولا أمر الناس بإحداث وضوء، ولا نقل ذلك أحد، وهذا يدل على أن التجديد لا يستحب مطلقًا» (^٣).\nوقال أيضًا: «لما قدم مزدلفة: صلى بهم المغرب والعشاء جمعًا من غير تجديد وضوء للعشاء، وهو في الموضعين قد قام هو وهم إلى صلاة بعد صلاة. وأقام\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٧٧).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٠٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٧١).","vol":"2","page":69},{"text":"لكل صلاة إقامة، وكذلك سائر أحاديث الجمع الثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس ﵃ كلها تقتضي: أنه هو ﷺوالمسلمون خلفه- صلوا الثانية من المجموعتين بطهارة الأولى، لم يحدثوا لها وضوءًا. وكذلك قد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث ابن عباس وعائشة وغيرهم أنه كان يتوضأ لصلاة الليل، فيصلي به الفجر، مع أنه كان ينام حتى يغط، ويقول: تنام عيناي ولا ينام قلبي، فهذا أمر من أصح ما يكون أنه: كان ينام ثم يصلي بذلك الوضوء الذي توضأ للنافلة يصلي به الفريضة، فكيف يقال: إنه كان يتوضأ لكل صلاة؟ وقد ثبت عنه في الصحيح أنه ﷺ صلى الظهر، ثم قدم عليه وفد عبد القيس، فاشتغل بهم عن الركعتين بعد الظهر حتى صلى العصر، ولم يحدث وضوءًا، وكان يصلي تارة الفريضة ثم النافلة، وتارة النافلة ثم الفريضة، وتارة فريضة ثم فريضة، كل ذلك بوضوء واحد، وكذلك المسلمون صلوا خلفه في رمضان بالليل بوضوء واحد مرات متعددة، وكان المسلمون على عهده يتوضئون، ثم يصلون ما لم يحدثوا، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، ولم ينقل عنه -لا بإسناد صحيح ولا ضعيف-: أنه أمرهم بالوضوء لكل صلاة، فالقول باستحباب هذا يحتاج إلى دليل.\nوأما القول بوجوبه: فمخالف للسنة المتواترة عن الرسول ﷺ ولإجماع الصحابة، والنقل عن علي ﵁ بخلاف ذلك لا يثبت؛ بل الثابت عنه خلافه، وعلي ﵁ أجل من أن يخفى عليه مثل هذا، والكذب على علي كثير مشهور أكثر منه على غيره، وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ أن يكون في هذه المسألة نزاع، مع جلالة قدره وسعة معرفته بآثار الصحابة والتابعين، قال أحمد بن القاسم: سألت أحمد عمن صلى أكثر من خمس صلوات بوضوء واحد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا لم ينتقض وضوءه، ما ظننت أن أحدًا أنكر هذا» (^١). (١٧٣ - ٢٧) وأما ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٧٢).","vol":"2","page":70},{"text":"حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازني مازن بني النجار، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، قال: قلت له: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر عمَّ هو؟ فقال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر ابن الغسيل حدثها،\nأن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. قال: فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك فكان يفعله حتى مات (^١).\n[في إسناده اختلاف، وحسن إسناده الحافظ] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مسند أحمد (٥/ ٢٢٥).\n(^٢) سبق تخريجه في المجلد العاشر، ح (٢٣١١).","vol":"2","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>الشرط العاشر النية</span>\nوالكلام في النية طويل ومتشعب، لذا سوف يحصر الكلام على النية في المباحث التالية: في تعريفها، وبيان حكمها، وذكر محلها، وشروطها، وفي وقتها، وفي كيفيتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>المبحث الأول تعريف النية</span>\nتعريف النية لغة:\nالنيات جمع نية، نوى الشيء ينويه نواة، ونية: قصد وعزم عليه.\nيقال: نوى القوم منزلًا: أي قصدوه، ونوى الأمر ينويه: إذا قصد إليه.\nويقال: نواك الله بالخير: أي أوصله إليك.\nويقال: نوى الشيء ينويه: أي عزم عليه.\nوقيل: النوى التحول من دار إلى دار، قال ابن فارس: هو الأصل في المعنى، ثم حملوا عليه الباب كله، فقالوا: نوى الأمر ينويه إذا قصده، والنية: الوجه الذي تنويه (^١).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٣٦٦).","vol":"2","page":72},{"text":"وقيل: النية: هي الإرادة (^١).\nوعلى هذا فالنية تدور على القصد والعزم والإرادة والجهة والتحول.\nالنية في اصطلاح الفقهاء.\nتعريف الحنفية:\nقال ابن عابدين: النية: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل (^٢).\nتعريف المالكية:\nالنية: قصد المكلف الشيء المأمور به (^٣).\nتعريف الشافعية:\nقال الماوردي: هي قصد الشيء مقترنًا بفعله، فإن قصده وتراخى عنه فهو عزم (^٤).\nوقال النووي: النية عزم القلب على عمل فرض أو غيره (^٥).\nتعريف الحنابلة:\nقال البهوتي: النية شرعًا: هي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى. وهذا التعريف جيد، وذلك أنه أشار في التعريف إلى ذكر التقرب إلى الله بالامتثال، وهو ما يخرج العادة إلى العبادة، والنية إنما يحتاج إليها في العبادات؛ وأما في المباحات فليست محل ثواب ولا عقاب لذاتها.\n* * *\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ١٢٧)، جامع العلوم والحكم (ص: ١٥).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ١٠٥).\n(^٣) حاشية العدوي (١/ ٢٠٣).\n(^٤) المنثور في القواعد (٣/ ٢٨٤)، منتهى الآمال (ص: ٨٣).\n(^٥) المجموع (١/ ٣٥٣).","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>المبحث الثاني في حكم النية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل عبادة معقولة المعنى لا تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالطهارة من النجاسة، والعبادة المحضة غير المعللة تشترط لها النية قولًا واحدًا كالصلاة، والوضوء فيه شبه من العبادتين، والصحيح اشتراط النية له.\n- الأعمال كلها إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله قصدًا، فلا معنى للنية فيه، والمطلوب إما نواه أو أوامر، والنواهي كلها يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم يشعر بها، والنية فيها شرط للثواب لا في الخروج من العهدة.\nوالأوامر على قسمين: منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، والودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فإن هذه الأفعال يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها.\nومنها ما تكون صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات والطهارات والصيام والنسك، فإن المقصود منها تعظيمه تعالى بفعلها والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله ﷾، فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال (^١).\n_________\n(^١) انظر الذخيرة للقرافي (١/ ٢٤٥).","vol":"2","page":74},{"text":"[م-٧٨] اختلف الفقهاء في النية، هل هي شرط من شروط الوضوء، أو لا؟\nفقيل: النية سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في طهارة التيمم، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: النية شرط لطهارة الحدث مطلقًا: الأصغر والأكبر، بالماء أو التيمم، وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وهو الراجح.\nوقيل: يجزئ الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، وهو قول الأوزاعي (^٥).\n- سبب الاختلاف في اشتراط النية للطهارة:\nقال ابن رشد: «تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى نية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين» (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٣٢)، البناية في شرح الهداية (١/ ١٧٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ٢٤)، بدائع الصنائع (١/ ١٩)، مراقي الفلاح (ص: ٢٩).\n(^٢) المالكية يرون أن النية فرض من فروض الوضوء، فهم يتفقون مع الجمهور على وجوبها، ويختلفون في حكم الوجوب هل هي شرط في صحة الوضوء، أو فرض من فروض الوضوء؟ فالشافعية والحنابلة يرون أن النية شرط، بينما المالكية يرون أن النية من فروض الوضوء انظر حاشية الدسوقي (١/ ٨٥)، مواهب الجليل (١/ ١٨٢، ٢٣٠)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٥)، مختصر خليل (ص: ١٣)، القوانين الفقهية (ص: ١٩)، الخرشي (١/ ١٢٩)، الشرح الصغير (١/ ١١٤، ١١٥)، منح الجليل (١/ ٨٤)، الكافي (١/ ١٩).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٥٥)، الروضة (١/ ٤٧)، مغني المحتاج (١/ ٤٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٦)، الحاوي الكبير (١٨٧)، متن أبي شجاع (ص: ٥).\n(^٤) معونة أولي النهى شرح المنتهى (١٢٧٧)، الممتع شرح المقنع (١/ ١٧٦)، المحرر (١/ ١١)، كشاف القناع (١/ ٨٥)، المغني (١/ ١٥٦)، الكافي (١/ ٢٣)، المبدع (١/ ١١٦).\n(^٥) الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٧٠).\n(^٦) بداية المجتهد (١/ ١٠٣).","vol":"2","page":75},{"text":"وقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها في الطهارة من الحيض والنفاس رواية ودراية فارجع إليه غير مأمور.\n* * *","vol":"2","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>المبحث الثالث في محل النية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- النص القطعي في ثبوته ودلالته لا يعارض بكلام أحد من البشر كائنًا من كان، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، فإن لم يكن الفهم قاطعًا بأن كان ظنيًّا فالعلماء مطالبون بفهم النصوص بما يتفق مع الحقائق العلمية، بشرط أن تكون هذه حقائق، وليست نظريات قابلة للتغير.\n- العقل في القلب، أو في الدماغ أمر لا مدخل للعقل فيه، لأن ظواهر السمع تدل على صحة القول الأول (^١).\n- قد يسلم الناس لأمور يعتقدونها حقائق وإنما هي أوهام من قائليها.\n- العقل في القلب واستقامة الدماغ شرط، والشيء يفسد لفساد شرطه.\n[م-٧٩] أكثر الفقهاء على أن النية محلها القلب (^٢).\n_________\n(^١) انظر شرح التلقين للمازري (١/ ١٣٥)، مواهب الجليل (١/ ٢٣١)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢٤١).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٢/ ٩٥)، أدب الدنيا والدين - علي بن محمد الماوردي (ص: ١٨) أسنى المطالب (٤/ ٥٩)، إغاثة اللهفان (١/ ١٣٦)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٣٥)، غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (٢/ ٤٦٩).","vol":"2","page":77},{"text":"وقيل: محلها الدماغ، وهو رواية عن أحمد (^١)، ونسب هذا القول لأبي حنيفة (^٢).\nوقيل: محلها مشترك بين الرأس والقلب (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-480> دليل من قال: النية محلها القلب:</span>\nقال تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا) [الأعراف: ١٧٩].\nوقال تعالى: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) [الأنعام: ٢٥].\nوقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) [الحج: ٤٦].\nوقال تعالى: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: ٤٦].\nفحين قال: (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) قطعنا في مكانها.\n(١٧٤ - ٢٨) ومن السنة ما رواه البخاري من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا،\n_________\n(^١) قال في شرح الكوكب المنير (ص: ٢٥): «المشهور عن أحمد أنه في الدماغ، قاله الطوفي والحنفية». اهـ وانظر: العدة (١/ ٨٩)، التمهيد (١/ ٤٨)، شرح الكوكب المنير (١/ ٨٤).\n(^٢) جاء في البحر المحيط (١/ ١٢٢): «اختلفوا في محله:\nفقيل لا يعرف محله، وليس بشيء.\nوعلى المشهور فيه ثلاثة أقوال، وعند أصحابنا -كما نقله ابن الصباغ وغيره- أنه القلب؛ لأنه محل لسائر العلوم.\nوقالت الفلاسفة والحنفية: الدماغ.\nوالأول منقول عن أحمد والشافعي ومالك.\nوالثاني منقول عن أبي حنيفة، حكاه الباجي عنه، ورواه ابن شاهين عن أحمد بن حنبل أيضًا.\nوالثالث: أنه مشترك بين الرأس والقلب .....\nوقيل: هو معنى يضيء في القلب، وسلطانه في الدماغ؛ لأن أكثر الحواس في الرأس، ولهذا قد يذهب بالضرب على الدماغ، حكاه ابن سراقة، قال: وقال آخرون من أصحابنا: هو قوة وبصيرة في القلب منزلته منه منزلة البصر من العين ...». إلخ كلامه ﵀.\n(^٣) جاء في تبيين الحقائق (٤/ ٣٢) «العقل معدنه القلب، وشعاعه في الدماغ، والجنون انقطاع ذلك الشعاع».اهـ وانظر البحر المحيط (١/ ١٢٢).","vol":"2","page":78},{"text":"قال: ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب، ورواه مسلم أيضًا (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-481> دليل من قال: العقل في الدماغ:</span>\nلم أقف على شيء من الآيات والأحاديث تدل على أن العقل في الدماغ، ولكن يذكر الأطباء المعاصرون والفلاسفة المتقدمون: أن القلب إنما هو عبارة عن مضخة للدم، تدفعه إلى جميع أجزاء الجسم، وأن العقل محله الدماغ، وأن الدماغ هو مصدر الذاكرة والتذكر، وأن الدماغ إذا أصيب بشيء عرض له ما يسمى بفقدان الذاكرة، فلا يتذكر الإنسان من ماضيه شيئًا، وأن هناك عمليات أجريت في نقل القلب من إنسان كافر إلى إنسان مسلم، وأن المسلم بمجرد أن أفاق نطق الشهادة، وأقام الصلاة، مع أن قلبه قد نقل من بدن كافر لا يعرف الله ﷾.\nوهذا الكلام لا يمكن أن يعارض به النصوص الشرعية، فإننا نتهم الطب، إذا كان فهم النص قاطعًا، فإن لم يكن الفهم قاطعًا بأن كان ظنيًا فإن العلماء مطالبون بفهم النصوص بما يتفق مع الحقائق العلمية، بشرط أن تكون هذه حقائق، وليست نظريات قابلة للتغير؛ لأن الطب ما زال ينقصه الشيء الكثير، ولن يزال كذلك ما دام من نتاج العقل البشري، فإن العقل آفته النقص وهو مهما أوتي يبقى كما قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥].\n(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: ١٤].\n(قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة: ١٤٠].\nوقد سمعت بعض مشايخي يقول: إن العقل يصور الشيء، والقلب يقبله أو يرده، فيكون القلب محل الرغبة والرهبة والقبول والرفض، والعقل محل إدراك الشيء وتصوره، وهذا جمع حسن، وقد رأينا أن عاطفة الإنسان من حبه للشيء وميله\n_________\n(^١) البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).","vol":"2","page":79},{"text":"إليه يجده في قبله، كما أن كراهية الشيء ومقته يجدها في قلبه، فمحل الفرح والحزن والحسرة هي في القلب، وقد يكون القلب وهو يتحكم في الدم، وقد سمي الدم نفسًا كما في قول الفقهاء: ما لا نفس له سائلة، فإذا كان يتحكم في هذا الدم (النفس) الذي بواسطته بعد الله ﷾ تكون حياة جميع الأعضاء بما في ذلك الدماغ يكون هو مصدر إمداد مادة الحياة لها كلها، فيكون هو محل ذلك كله، والله أعلم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) جاء في مواهب الجليل (١/ ٢٣١): «قال المازري في شرح التلقين: أكثر الفقهاء وأقل الفلاسفة على أن العقل في القلب، وأكثر الفلاسفة وأقل الفقهاء على أنه في الدماغ، محتجين بأنه إذا أصيب الدماغ فسد العقل، وبطلت العلوم والفكر وأحوال النفس.\nوأجيب: بأن استقامة الدماغ لعلها شرط، والشيء يفسد لفساد شرطه، ومع الاحتمال فلا جزم، بل النصوص واردة بأن ذلك في القلب، وذكر الآيات، ثم قال: وإذا تقرر أن العقل في القلب لزم على أصولنا أن النفس في القلب؛ لأن جميع ما ينسب للعقل من الفكر والعلوم صفات للنفس، فتكون النفس في القلب عملا بظاهر النصوص، وقد قال بعض العلماء: إن النفس هي الروح، وهي العقل تسمى نفسًا باعتبار ميلها إلى الملاذ والشهوات، وروحا باعتبار تعلقها بالجسد تعلق التدبير بإذن الله تعالى، وعقلا باعتبار كونها محصلة للعلوم، فصار لها ثلاثة أسماء باعتبار ثلاثة أحوال، والموصوف واحد، وإذا كانت النفس في القلب كانت النية وأنواع العلوم وجميع أحوال النفس في القلب، والعبارة التي ذكرها في كتاب الأمنية عن المازري لم أرها في شرح التلقين في الكلام على النية، وإنما رأيت العبارة التي ذكرها المصنف في التوضيح، ونقلها في الذخيرة، ولعل العبارة الأخرى ذكرها المازري في غير هذا الموضع، وزاد المازري بعد ذكره القولين: وهذا أمر لا مدخل للعقل فيه، وإنما طريقه السمع، وظواهر السمع تدل على صحة القول الأول. وذكر ابن رشد نحو ما تقدم ثم قال: والتحقيق أن الجسم قالب للنفس هي فيه كالسيف في الغمد وكالسلطان الجالس بقبته، والقلب سرير والدماغ كرسيه ...» إلخ كلامه ﵀.","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>المبحث الرابع في أقسام النية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الواجب في النية استصحاب حكمها لا ذكرها.\n- الاستصحاب الحكمي كالاستصحاب الفعلي.\n- ما مِن معنى مأمور به في الشريعة، ولا منهي عنه إلا وهو منقسم إلى فعلي وحكمي. والفعلي: هو تحقق وجود الشيء في زمان وجوده، وحكمي إعطاء المعدوم حكم الموجود، فالإيمان إذا استحضره الإنسان في قلبه فهذا هو الإيمان الفعلي، فإذا غفل عنه بعد ذلك حكم صاحب الشرع بأنه مؤمن وله أحكام المؤمنين، وهذا هو الإيمان الحكمي، ومثله الكفر ينقسم إلى فعلي وحكمي (^١).\n[م-٨٠] تنقسم النية إلى أقسام، نتعرض فيها إلى ما يخصنا في باب الفقه، فقد قسمها الفقهاء إلى قسمين:\nنية فعلية موجودة: وهي النية التي يأتي بها الإنسان في أول العبادة، كنية الوضوء والصلاة والصيام ونحوها.\n_________\n(^١) الفروق للقرافي (١/ ٢٠٠).","vol":"2","page":81},{"text":"نية حكمية: وذلك أن النية إذا أتى بها الإنسان ثم ذهل عنها فهي تسمى نية حكمية، بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها، فالإخلاص والإيمان والنفاق والرياء وجميع هذا النوع من أحوال القلوب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت نية فعلية، ثم إذا ذهل عنها حكم صاحب الشرع ببقاء أحكامها لمن اتصف بها.\nوهو ما يطلق عليه الفقهاء بقولهم: يجب استصحاب حكم النية، ولا يجب استصحاب ذكرها.\nوالدليل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا) [طه: ٧٤]، مع أنه يوم القيامة لا يكون أحد مجرمًا، ولا كافرًا؛ لظهور الحقائق (^١).\nقال في مواهب الجليل: «إن النية تنقسم بحسب ما يعرض لها إلى قسمين فعلية موجودة، وحكمية معدومة فإذا كان في أول العبادة فهذه نية فعلية ثم إذا ذُهِلَ عنها فهي نية حكمية بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها» (^٢).\nقال القرافي في الفرق السادس والعشرين: «فتاوى علمائنا متظافرة على أنها من الواجبات -يعني الطهارة وستر العورة والاستقبال- مع أن المكلف لو توضأ قبل الوقت واستتر واستقبل القبلة ثم جاء الوقت وهو على هذه الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلًا في هذه الثلاثة أجزأته صلاته إجماعًا، والله تعالى أعلم» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٣٣).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) الفروق (١/ ١٦٥).","vol":"2","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>المبحث الخامس في الجهر بالنية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- النية: أن يقصد بقلبه ما يريده بفعله، وليس عليه نطق بلسانه.\n- لا يكفي التلفظ بالنية باللسان دون القلب اتفاقًا، فلو اختلف اللسان والقلب فالعبرة بما في القلب.\n- لم ينقل عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه التلفظ بالنية، والأصل في العبادات التوقيف\nوقيل:\n- اجتماع اللسان والقلب بالتلفظ بالنية آكد وأولى من انفراد القلب بها؛ لأن اجتماع جارحتين في عمل النية آكد وأولى من عمل جارحة واحدة.\n[م-٨١] اتفق الفقهاء أن محل النية هو القلب، واتفقوا على أن الجهر بالنية لا يشرع (^١).\n_________\n(^١) قال ابن الحاج في المدخل (٢/ ٢٧٤): «ولا يجهر بالنية فإن الجهر بها من البدع».\nقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (١/ ٢١٤): «اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية وتكريرها ليس بمشروع». وانظر الفروع (١/ ١٣٩). ...\nوأما التلفظ بها بدون جهر فمحل خلاف بين أصحاب الأئمة قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٩٠): «التلفظ بها هل هو مستحب أم لا؟ هذا فيه قولان معروفان للفقهاء، منهم من استحب التلفظ بها، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وقالوا: التلفظ بها أوكد، واستحبوا التلفظ بها في الصلاة والصيام والحج وغير ذلك، ومنهم من لم يستحب التلفظ بها، كما قال ذلك من قاله من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما».اهـ","vol":"2","page":83},{"text":"واختلفوا في التلفظ بها سرًا.\nفقيل: يستحب، وهو قول في مذهب الحنفية (^١)، ومذهب الشافعية (^٢)، وبه أخذ المتأخر ون من الحنابلة (^٣).\nوقيل: يكره، وهو قول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية (^٤)، ونص الإمام أحمد على أنه لا يتلفظ بها (^٥).\nوقيل: التلفظ بالنية خلاف الأولى، إلا للموسوس فيستحب، وهو مذهب المالكية (^٦).\n_________\n(^١) قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ١٠٨): «وهل يستحب التلفظ بها - يعني: النية- أو يسن أو يكره؟ فيه أقوال، اختار في الهداية الأول».\n(^٢) قال النووي في المجموع (٦/ ٣٠٢): «ومحل النية القلب ولا يشترط نطق اللسان بلا خلاف، ولا يكفي عن نية القلب بلا خلاف، ولكن يستحب التلفظ مع القلب كما سبق في الوضوء».اهـ\nوقال أيضًا (٣/ ٣٥٨): «النية الواجبة في الوضوء هي النية بالقلب، ولا يجب اللفظ باللسان معها، ولا يجزئ وحده، وإن جمعهما فهو آكد وأفضل، هكذا قاله الأصحاب واتفقوا عليه».اهـ وقال في روضة الطالبين (١/ ٥٠): «يستحب أن ينوي بقلبه، ويتلفظ بلسانه. وذكر في سنن الوضوء (١/ ٦٣) أن يجمع في النية بين القلب واللسان».اهـ\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٨٧)، الفروع (١/ ١١١)، الشرح الكبير (١/ ٢٦)، الإقناع (١/ ٢٤).\n(^٤) المدخل لابن الحاج (٢/ ٢٧٤).\n(^٥) جاء في الفروع (١/ ١١١) قال أبو داود: قلت لأحمد: أنقول قبل التكبير شيئًا، قال: لا، واختاره شيخنا، وأنه منصوص أحمد. إلخ كلامه ﵀، وانظر شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٣)، كشاف القناع (١/ ٣٢٨).\n(^٦) حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٤)، وقال خليل في التوضيح (١/ ٣١٧): «لا يتلفظ على الأولى» يعني بالنية. وقال الدردير في الشرح الكبير (١/ ٢٣٤): «الأولى أن لا يتلفظ؛ لأن النية محلها القلب ولا مدخل للسان فيها».","vol":"2","page":84},{"text":"وقيل: يستحب في النسك خاصة (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-484> دليل من قال: لا يشرع الجهر بالنية ولا التلفظ بها سرًا:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-485> الدليل الأول:</span>\nأن الله ﷾ يعلم السر وأخفى، قال تعالى: (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) [الحجرات: ١٦].\nوقال تعالى: (أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) [العنكبوت: ١٠].\nوقال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) [ق: ١٦].\nوقال ربنا جل وعلا: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: ١٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-486> الدليل الثاني:</span>\n(١٧٥ - ٢٩) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بالحمد لله رب العالمين .... (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-487> الدليل الثالث:</span>\n(١٧٦ - ٣٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه،\nعن أبي هريرة في حديث المسيء في صلاته، وفيه قال له رسول الله ﷺ: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... الحديث (^٣).\nفلو كان التلفظ بالنية مشروعًا لنقل ذلك.\n_________\n(^١) قال في الإقناع (١/ ٢٤): والتلفظ بها وبما نواه هنا وفي سائر العبادات بدعة، إلا في الإحرام، واستحبه سرًا مع القلب كثير من المتأخرين، ومنصوص أحمد وجميع المحققين خلاف هذا إلا في الإحرام».اهـ\n(^٢) مسلم (٤٩٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٧٥٧)، وصحيح مسلم (٣٩٧).","vol":"2","page":85},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-488> الدليل الرابع:</span>\nالأصل في العبادات المنع، ولا يعلم نقل خاص عن السلف في الجهر بها، ولا التلفظ بها سرًا.\nقال ابن القيم: «ولم يكن يقول ﷺ في أوله: نويت رفع الحدث، ولا استباحة الصلاة، لا هو ولا أحد من الصحابة البتة، ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف» (^١).\nوقال ابن تيمية: «اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها، ولا تكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه، وكذا بقية العبادات، وقال: الجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه، لاسيما إذا آذى به، أو كرره، وقال: الجهر بها بلفظ النية منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة الإسلام، وفاعله مسيء، وإن اعتقده دينًا خرج من إجماع المسلمين، ويجب نهيه، ويعزل عن الإمامة إن لم ينته» (^٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-489> دليل من قال: يشرع التلفظ بها سرًّا:</span>\nقالوا: يستحب التلفظ بها ليوافق اللسان القلب.\nوربما قاسه بعضهم على التلبية عند الإحرام، وليست التلبية جهرًا بالنية، وإنما كما قلنا: هي بمثابة تكبيرة الإحرام، ولا يشرع أن يقول عند التلبية: اللهم إني أريد نسك كذا وكذا فيسره لي.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-490> دليل من قال: يشرع التلفظ بالنسك خاصة:</span>\nربما أخذ بعض الفقهاء من قول مجاهد: إذا أراد الحج يسمي ما يهل به (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٢٩٦).\n(^٢) الفروع (١/ ١٣٩).\n(^٣) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم بلا إسناد (١/ ٩٢).","vol":"2","page":86},{"text":"- ويجاب:\nبأن هذا ليس مما نحن فيه، فإن النبي ﷺ كان يذكر نسكه في تلبيته، فيقول: لبيك عمرة وحجًا، وإنما المقصود أنه لا يشرع لمن أراد الإحرام أن يقول: اللهم إني نويت نسك كذا، فلم يرد ذلك في حديث صحيح، ولا ضعيف، والتلبية ليست جهرًا بالنية، وإنما هي بمثابة تكبيرة الإحرام للصلاة.\n-الراجح:\nأن الجهر والتلفظ لا يشرعان، ولا يوجد نص عن الصحابة بالتلفظ بالنية فضلًا عن الجهر بها، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>المبحث السادس الحكمة من مشروعية النية</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- شريعة الله كلها حكمة، ومن لدن حكيم خبير، تعالى سبحانه أن يشرع عبثًا أو يخلق سدى.\n[م-٨٢] الحكمة من مشروعية النية تمييز العبادات عن العادات، وتمييز ما كان لله سبحانه وتعالى عما كان لغيره، وكذلك تمييز العبادات بعضها عن بعض، فهذه فريضة، وهذه نافلة.\nفالصيام مثلًا قد يكون حمية، وقد يكون قربة، والغسل قد يكون تبردًا ونظافة، وقد يكون عبادة، ولا يميز هذا عن ذاك إلا النية.\nقال في مواهب الجليل، في بيان حكمة مشروعيتها: وحكمة ذلك والله تعالى أعلم تمييز العبادات عن العادات، ليتميز ما هو لله تعالى عما ليس له، أو تتميز مراتب العبادات في أنفسها لتمييز مكافأة العبد على فعله، ويظهر قدر تعظيمه لربه، فمثال الأولى: الغسل، يكون عبادة وتبردًا، وحضور المساجد يكون للصلاة وفرجة، والسجود لله أو للصنم.\nومثال الثاني الصلاة: لانقسامها إلى فرض ونفل، والفرض إلى فرض على","vol":"2","page":88},{"text":"الأعيان، وفرض على الكفاية، وفرض منذور وفرض غير منذور، ومن هنا يظهر كيفية تعلقها بالفعل فإنها للتمييز، وتمييز الشيء قد يكون بإضافته إلى سببه كصلاة الكسوف والاستسقاء والعيدين، وقد يكون بوقته كصلاة الظهر أو بحكمه الخاص به كالفريضة، أو بوجود سببه كرفع الحدث، فإن الوضوء سبب في رفع الحدث، فإذا نوى رفع الحدث ارتفع وصح الوضوء، ولما كانت حكمة مشروعيتها ما ذكر كانت القرب التي لا لبس فيها لا تحتاج إلى نية، كالإيمان بالله، وتعظيمه، وجلاله، والخوف من عذابه، والرجاء لثوابه، والتوكل عليه، والمحبة لجماله، وكالتسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن وسائر الأذكار، فإنها متميزة لجنابه ﷾، وكذلك النية منصرفة إلى الله ﷾ بصورتها فلا جرم، ولم تفتقر النية إلى نية أخرى، ولا حاجة للتعليل بأنها لو افتقرت إلى نية أخرى لزم التسلسل، وكذلك يثاب الإنسان على نية مفردة ولا يثاب على الفعل مفردًا، لانصرافها بصورتها لله تعالى، والفعل متردد بين ما هو لله تعالى وما هو لغيره، وأما كون الإنسان يثاب على نيته حسنة واحدة وعلى فعله عشر حسنات إذا نوى فلأن الأفعال هي المقاصد والنيات وسائل، والوسائل أنقص رتبة من المقاصد، وعلم من الحكمة المذكورة: أن الألفاظ إذا كانت نصوصًا في شيء لا يحتاج إلى نية، وكذلك الأعيان المستأجرة إذا كانت المنافع المقصودة فيها متعينة لم تحتج إلى تعيين، كمن استأجر قميصًا أو عمامة أو خباءً أو نحو ذلك، وكذلك النقود إذا كان بعضها غالبا لم يحتج إلى تعيينه في العقد وكذلك الحقوق إذا تعينت لربها كالدين الوديعة ونحوها.\nولملاحظة هذه الحكمة اختلف العلماء في النية في صوم رمضان وفي الوضوء ونحوهما، فمن رأى أنهما متعينان لله تعالى بصورتهما قال: لا حاجة إلى النية فيهما، ومن رأى أن الإمساك في رمضان قد يكون لعدم الغذاء ونحوه وقلما يكون لله تعالى، وأن الوضوء قد يكون لرفع الحدث أو للتجديد أو للتبرد، أوجب النية.\n* * *","vol":"2","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>المبحث السابع في شروط النية</span>\nللنية شروط عامة في جميع العبادات، وشروط خاصة في كل عبادة، وسوف أعرض للشروط العامة للنية، مبينًا ما ورد فيها من خلاف.\n* * *","vol":"2","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>الشرط الأول\nالإسلام</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل عبادة تشترط لها النية لا تصح من كافر، واختلفوا في الذمية إذا طهرت من الحيض وكانت تحت مسلم، هل تشترط النية لاغتسالها من الحيض؟ والخلاف راجع إلى أن غسلها أهو عبادة، أم حق لآدمي لكونه لم يجب عليها قبل الزواج؟ وعلى الثاني يصح غسلها بلا نية، وهو الصواب.\n- كل ما يمنع من الوطء فللزوج أن يجبر زوجته على رفعه.\n[م-٨٣] لا تصح النية من كافر، لأنه ليس أهلًا للنية، وليس من أهل العبادة، قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) [الفرقان: ٢٣].\nفلو توضأ الكافر أو اغتسل لم يصحا منه عند الجمهور.\nوصحح الحنفية وضوءه وغسله، فلو أسلم بعدهما صلى بوضوئه وغسله؛ لأن النية عندهم ليست شرطًا في الوضوء والغسل، وقد ذكرت في مسألة مستقلة حكم النية في الوضوء، ورجحت أنها شرط في صحة الطهارة من الحدث، والله أعلم.\n[م-٨٤] إلا أنه يستثنى من ذلك الكتابية تكون تحت المسلم، فإذا طهرت من","vol":"2","page":91},{"text":"المحيض أو النفاس فإنها تغتسل للزوج حتى يتمكن من جماعها، وهل تشترط النية لغسلها؟ على قولين:\nفقيل: يصح غسلها بلا نية؛ لأنها ليست أهلًا للنية، فغسلها إنما هو لحق الآدمي وليس حقًا لله، وإذا لم يكن عبادة لم تشترط له النية، وهو ظاهر مذهب المالكية (^١)، ووجه في مذهب الحنابلة، وهو المشهور عند المتأخرين (^٢).\nوقيل: لا بد لها من نية، إلا إذا امتنعت فتسقط للضرورة، كما لو امتنع الرجل عن أداء زكاته، فإنها تؤخذ منه قهرًا، وتجزئ عنه في الدنيا، وهو مذهب الشافعية (^٣)،\n_________\n(^١) قال في مواهب الجليل (١/ ٣١١): غسل الذمية وقع صحيحًا حال الكفر في حق الآدمي ولم يقع عبادة، وصحة الغسل في حق الله تعالى لا تكون إلا بوقوع الغسل منها عبادة وقربة، والكفر لا يصح معه قربة بوجه. اهـ وانظر الخرشي (١/ ٧٥) حاشية الدسوقي (١/ ٤٢)، حاشية الصاوي (١/ ٣٧).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٨٥)، وقال أيضًا (١/ ٩٠): ولا تجب النية في غسل الذمية للعذر (ولا) تجب أيضًا (التسمية في غسل ذمية) كالنية، هذا أحد الوجهين، وصوبه في الإنصاف وتصحيح الفروع، وظاهر ما قدمه في الإنصاف في كتاب الطهارة اعتبارًا للتسمية، وهو ظاهر كلام المصنف هناك وتقدم. (ولا تتعبد) الذمية (به) أي بغسلها للحيض أو النفاس (لو أسلمت بعده) فلا تصلي به، ولا تطوف، ولا تقرأ قرآنًا، ولا غير ذلك مما يتوقف على طهارة. قال القاضي: إنما يصح في حق الآدمي؛ لأن حقه لا يعتبر له النية، فيجب عوده إذا أسلمت، ولم يجز أن تصلي به، انتهى.\n(^٣) قال السيوطي في الأشباه والنظائر (ص: ٣٥): الذمية تحت المسلم يصح غسلها عن الحيض؛ ليحل وطؤها بلا خلاف للضرورة، ويشترط نيتها كما قطع به المتولي والرافعي في باب الوضوء، وصححه في التحقيق، كما لا يجزي الكافر العتق عن الكفارة إلا بنية العتق، وادعى في المهمات أن المجزوم به في الروضة وأصلها في النكاح عدم الاشتراط، وما ادعاه باطل، سببه سوء الفهم، فإن عبارة الروضة هناك: إذا طهرت الذمية من الحيض والنفاس ألزمها الزوج الاغتسال، فإن امتنعت أجبرها عليه واستباحها؛ وإن لم تنو للضرورة، كما يجبر المسلمة المجنونة فقوله: «وإن لم تنو» بالتاء الفوقية عائد إلى مسألة الامتناع، لا إلى أصل غسل الذمية، وحينئذ لا شك في أن نيتها لا تشترط، كالمسلمة المجنونة. وأما عدم اشتراط نية الزوج عند الامتناع والمجنون، أو عدم اشتراط نيتها في غير حال الإجبار فلا تعرض له في الكلام لا نفيا ولا إثباتًا، بل في قوله في مسألة الامتناع «استباحها وإن لم تنو للضرورة» ما يشعر بوجوب النية في غير حال الامتناع، ...\nوعجبت للإسنوي كيف غفل عن هذا؟ وكيف حكاه متابعوه عنه ساكتين عليه؟ والفهم من خير ما أوتي العبد. اهـ كلام السيوطي.\nوقال العراقي في طرح التثريب (٢/ ١٢): «وأما الذمية الممتنعة فقال في شرح المهذب الظاهر أنه على الوجهين في المجنونة، بل قد جزم ابن الرفعة في الكفاية في غسل الذمية لزوجها المسلم أن المسلم هو الذي ينوي، ولكن الذي صححه النووي في التحقيق في الذمية غير الممتنعة اشتراط النية عليها نفسها، والله أعلم».","vol":"2","page":92},{"text":"ووجه آخر في مذهب الحنابلة (^١).\nوالأول أقوى؛ بل إن إيجاب غسل البدن كله عليها إن قال أحد بعدم وجوبه، فله وجه؛ لأن طهارة الحائض مركبة من طهارتين: عن حدث وعن خبث، وإذا كان يتوجه وجوب الطهارة عليها من الخبث لحق الزوج، فإن الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى، وإنما هي طهارة تعبدية محضة، فإن قال أحد: يكفي أن تغسل فرجها، وتنظفه من الأذى، فهذا كاف في حل وطء زوجها فهو قول قوي جدًّا، ولا يستبعد القول به، خاصة أن الحنفية يقولون بجوازه في حق المسلمة إذا طهرت لتمام المدة، فإنهم لا يوجبون الغسل لحل الوطء، فهذه من باب أولى، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٥٢).","vol":"2","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>الشرط الثاني\nالتمييز</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- لا تصح نية من مجنون أو صبي لا يميز؛ لأنهما لا يعقلان النية.\n- كل ما يمنع من أصل الاستمتاع فللزوج أن يجبر زوجته الذمية على إزالته، كالغسل من الحيض والتضمخ بالنجاسة.\n- التعذر الشرعي كالتعذر الحسي، فتعتبر نية المرأة الذمية تحت مسلم كنية المسلمة المجنونة المتزوجة، لا تشترط في صحة غسلها بجامع عدم التكليف.\n- غسل المرأة المجنونة إذا طهرت من الحيض، هل هي بمنزلة الميت فينوي عنها مغسلها، أو بمنزلة الذمية فيصح غسلها بلا نية؟ والثاني أقرب؛ لأن الغسل واجب للميت وليس عليه.\n[م-٨٥] لا تصح النية من صغير غير مميز، لعدم صحة القصد منه.\nولا تصح النية من مجنون، للعلة نفسها، وأما غسل المرأة المجنونة من المحيض لتحل لزوجها، فيرى الشافعية والحنابلة أن زوجها يغسلها، وينوي عنها لتعذر النية منها.","vol":"2","page":94},{"text":"قال النووي: وأما المجنونة إذا انقطع حيضها فلا يحل لزوجها وطؤها حتى يغسلها، فإذا غسلها حل الوطء؛ لتعذر النية في حقها، وإذا غسلها الزوج هل يشترط لحل الوطء أن ينوي بغسله استباحة الوطء؟\nفيه وجهان حكاهما الروياني، وقطع المتولي باشتراط النية، وقطع الماوردي بعدم الاشتراط، قال: بخلاف غسل الميت، فإنه يشترط فيه نية الغسل على أحد الوجهين؛ لأن غسله تعبد، وغسل المجنونة لحق الزوج، فإذا أفاقت لزمها إعادة الغسل على المذهب الصحيح المشهور، وذكر المتولي فيه وجهين، كالذمية إذا أسلمت، قال: وكذا الوجهان في حل وطئها للزوج بعد الإفاقة والله أعلم (^١).\nوقال البهوتي في كشاف القناع: «وغسل مجنونة من حيض ونفاس، مسلمة كانت أو كتابية، حرة أو أمة، فلا تعتبر النية منها لتعذرها، ولكن ينويه عنها من يغسلها كالميتة.\nوقال أبو المعالي: لا نية كالكافرة، لعدم تعذرها مآلا بخلاف الميت، ولأنها تعيده إذا أفاقت وأسلمت. اهـ قلت: ومقتضاه أنها لا تعيده على الأول، لقيام نية الغاسل مقام نيتها» (^٢).\nوما ترجح في غسل الكافرة فهو الراجح هنا، بجامع أن كلًا منهما ليس من أهل العبادة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٧٤).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٨٥).","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>الشرط الثالث\nعدم الإتيان بما ينافي النية حتى يفرغ من وضوئه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- النية أهي ركن؛ لأنها داخل العبادة، أم هي شرط، وإلا لافتقرت إلى نية أخرى كما في أجزاء العبادة، وقيل: إيجادها أول العمل ركن واستصحاب حكمها شرط.\n- يشترط في صحة النية عدم الصارف: بأن لا يأتي بمناف للنية، كأن يأتي بما يقطعها، أو يبطلها قبل إتمام العبادة.\n[م-٨٦] إذا أتى الرجل بمناف للنية بأن أتي بما يقطعها أو يبطلها، أو صرف نيته لغير الوضوء في أثنائه كما لو نقل نية الوضوء في أثنائه من نية القربة إلى نية التبرد فقط، أو ارتد أثناء الوضوء فإن الوضوء يبطل\nويعبر الفقهاء عن هذا الشرط بوجوب استصحاب حكمها، فلا يجب عليه أن يستصحب ذكر النية بعد أن نواها، وتلبس بالعبادة، وإنما الواجب استصحاب حكمها إلى إتمام العبادة، وهذا رأي الأئمة الثلاثة (^١).\nوأما الحنفية فهم كما سبق يرون النية سنة في الطهارة، وبالتالي لا يؤثر مثل ذلك في صحة الوضوء.\n* * *\n_________\n(^١) أسهل المدارك (١/ ٨٣، ٩٨) القوانين الفقهية (ص: ١٩)، نهاية المحتاج (١/ ١٦٢)، تحفة الطلاب (١/ ٦٥)، الروض المربع (١/ ٣٣).","vol":"2","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>الشرط الرابع\nأن تكون النية مقارنة للمنوي أو متقدمة بشيء يسير</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- إذا وقعت النية في محلها لم تبطل بالذهول عنها إلا أن يأتي بنية مضادة أثناء العبادة.\n- اشتراط مقارنة النية لأول أجزاء المنوي متعذر أو متعسر، فجاز تقدمها كنية الصوم.\n- إذا جاز تقديم النية على الصيام ولو طال الفصل بإجماع فإن هذا أصل يجب أن تقاس عليه وترد إليه سائر العبادات.\n- تنقسم النية إلى فعلية موجودة وحكمية معدومة.\nفإذا نوى المكلف أول العبادة فهذه نية فعلية.\nوأما النية الحكمية: فهو إعطاء المعدوم حكم الموجود، فالإيمان إذا استحضره المؤمن في قلبه فهذه نية فعلية، فإذا غفل عنه بعد ذلك حكم صاحب الشرع بأنه مؤمن وله أحكام المؤمنين، وهو الإيمان الحكمي، ومثله الكفر ينقسم إلى فعلي وحكمي (^١).\n- يقوم الاستصحاب الحكمي محل الاستصحاب الفعلي قبل العبادة وأثنائها\n_________\n(^١) انظر الفروق للقرافي (١/ ٢٠٠).","vol":"2","page":97},{"text":"بشرط عدم المنافي كما لو نوى قطع العبادة أو إبطالها قبل إتمامها.\n- تقدم النية على المنوي جائز ولو طال الفصل ما لم يفسخها؛ لأنه إذا لم يفسخها فهو مستصحب لحكمها.\n- المقصود من النية تمييز العبادات عن العادات، وتمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض، وهذا يحصل بالنية المقترنة والمتقدمة.\nوقيل:\n- النية الفعلية شرط في أول العبادة دون استمرارها، والحكمية شرط في استمرارها فقط.\n-الاكتفاء بالحكمية على خلاف الأصل فيقتصر فيها على العمل المتصل (^١).\nالنية تارة تكون متقدمة على المنوي، وتارة تكون مقارنة له، وتارة تكون متأخرة عنه، وإليك بيان حكم كل حال من هذه الأحوال.\n- الحال الأولى: تقديم النية على العمل:\n[م-٨٧] أجاز العلماء تقدم النية على المنوي في الصوم للمشقة، فجاز الصوم بنية من أول الليل، بل صحح بعضهم الصيام بنية ولو من أول الشهر.\n-وعللوا الجواز:\nبأن إيجاب تذكر النية قبل الفجر بيسير فيه حرج ومشقة، ولأن الصوم قد يأتي على كثير من الناس وهو في حالة النوم، وألحقوا بالصوم الزكاة؛ لصحة دخول النيابة في إخراجها.\n[م-٨٨] وهل يجوز تقدم النية على العمل في غيرهما قياسًا على الصوم؟\nاختلف العلماء في ذلك:\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٢٥٠).","vol":"2","page":98},{"text":"فالعلماء متفقون على أن النية إذا عقدت قبل العمل بيسير ثم استصحب ذكرها إلى أن تلبس بالعبادة فإن هذه النية تجزئ بلا خلاف.\nقال ابن تيمية: «إذا كان مستحضرًا للنية إلى حين الصلاة أجزأ ذلك باتفاق العلماء» (^١).\n[م-٨٩] واختلفوا في من قدم النية على العمل وعزبت عنه ذهنه إلى حين دخل في العمل هل يعتد بهذه النية أو لا؟\nفقيل: يجوز تقدم النية على المنوي ولو طال الفصل إذا لم يوجد فاصل أجنبي من أكل أو شرب، ولا يضره المشي والوضوء، ولو طالا. وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن تيمية، ولم يشترط شيئًا (^٢).\nجاء في البحر الرائق: «فعن محمد أنه لو نوى عند الوضوء أن يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية، وهكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف» (^٣).\nقال ابن نجيم: والمراد بقوله «بلا فاصل أي بين النية والتكبير، والفاصل الأجنبي: هو العمل الذي لا يليق في الصلاة كالأكل والشرب؛ لأن هذه الأفعال تبطل الصلاة، فتبطل النية، وشراء الحطب والكلام، وأما المشي والوضوء فليس بأجنبي» (^٤). اهـ\nوقيل: يجوز تقدم النية على المنوي بشرط أن يكون الفاصل يسيرًا، اختاره\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٢٨).\n(^٢) فتح القدير (١/ ٢٦٦) البحر الرائق (١/ ٢٩٢)، وانظر قول ابن تيمية في شرح عمدة الفقه لابن تيمية (١/ ٥٨٧، ٥٨٨).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٩٢).\n(^٤) البحر الرائق (١/ ٢٩١).","vol":"2","page":99},{"text":"ابن رشد وابن عبد البر وخليل من المالكية، وهو مذهب الحنابلة (^١).\nقال المقري المالكي: «شرط النية اقتران ذكرها بأول المنوي، فلا يضر ما لا يقطع ذلك من تقدمها عليه، وهو المعبر عنه بالتقدم اليسير ...» (^٢).\nوقال ابن قدامة: «قال أصحابنا: يجوز تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير، وإن طال الفصل، أو فسخ نيته بذلك لم يجزئه» (^٣).\nوقيل: يجب أن تكون النية مقارنة للتكبير، لا قبله ولا بعده، اختاره جماعة من المالكية كالقاضي عبد الوهاب البغدادي، وابن الجلاب، وابن شاس، وهو المشهور من مذهب الشافعية (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن جزي في القوانين الفقهية (ص: ١٩): «فإن تأخرت عن محلها أو تقدمت بكثير بطلت، وإن تقدمت بيسير فقولان». اهـ وانظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٩٦). وجاء في التوضيح (١/ ٣١٦): «النية إن اقترنت فلا إشكال في الإجزاء، وإن تأخرت عن تكبيرة الإحرام فلا خلاف في عدم الإجزاء، وإن تقدمت بكثير لم يجزئ اتفاقًا، وبيسير قولان .... ثم رجح خليل جواز التقدم بيسير، فقال: «من تأمل عمل السلف، ومقتضى إطلاقات متقدمي أصحابنا يرى هذا القول هو الظاهر؛ إذ لم ينقل لنا عنهم أنه لابد من المقارنة، فدل على أنهم سامحوا في التقديم اليسير». وانظر المقدمات الممهدات (١/ ١٥٦)، البيان والتحصيل (١/ ١٤٢)، والكافي ... لابن عبد البر (ص: ٣٩).\nوقال في الفروع (١/ ١٤٣) «ويجوز تقديمها بزمن يسير كالصلاة. اهـ ويفهم منه أنه لا يجوز تقديمها بزمن كثير».\n(^٢) (١/ ٢٧٤).\n(^٣) المغني (١/ ٢٧٩)، وذكر صاحب كشاف القناع شروطًا لجواز تقدم النية، بأن يكون العمل يسيرًا، ولم يفسخ النية، مع بقاء إسلامه بحيث لا يرتد، فإن الردة تبطل النية، انظر كشاف القناع (١/ ٣١٦).\n(^٤) التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب لخليل (١/ ٣١٦)، التفريع لابن الجلاب (١/ ٢٢٦)، عقد الجواهر الثمينة لابن شاس (١/ ٩٧)، المجموع (٣/ ٢٤٢)، البيان للعمراني (٢/ ١٦٠)، فتح العزيز (٣/ ٢٥٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٤).\nوقال الزركشي في كتابه المنثور في القواعد (١/ ١٠٤): كل عبادة تجب أن تكون النية مقارنة لأولها إلا الصوم والزكاة والكفارة. اهـ.","vol":"2","page":100},{"text":"وقيل: يجوز تقدم النية على العبادة بشرط أن يكون وقت العبادة قد دخل، فإن تقدمت النية قبل وقت العبادة ولو بزمن يسير لم تصح النية، اختاره كثير من الحنابلة (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-497> دليل من قال بجواز تقديم ولو طال الفصل إذا لم يوجد فاصل أجنبي:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-498> الدليل الأول:</span>\nإيجاب مقارنة النية للمنوي فيه حرج ومشقة، وهو مدفوع بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على الصوم، فإذا صح أن تتقدم النية على الصوم، ولو طال الفصل جاز أن تتقدم النية على سائر العبادات.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-500> الدليل الثالث:</span>\nالنية شرط من شروط الصلاة فجاز تقدمها كبقية الشروط.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-501> الدليل الرابع:</span>\nالنية إذا عقدها فقد قصد امتثال الأمر بعد توجهه إليه ولم يفسخ هذا القصد فكان قصدًا صحيحًا كالمقارن.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-502> الدليل الخامس:</span>\nإذا لم يكن هناك فرق بين الشرط المقارن والشرط المتقدم في العقود على الصحيح،\n_________\n(^١) قال البهوتي في كشاف القناع (١/ ٣١٦): وعلم مما تقدم: أن النية لو تقدمت قبل وقت الأداء أو الراتبة ولو بيسير لم يعتد بها، للخلاف في كونها ركنًا للصلاة، وهو لا يتقدم كبقية الأركان، وأول من اشترط لتقدم النية كونه في وقت المنوية: الخرقي، وتبعه على ذلك ابن الزاغوني والقاضي ... أبو يعلى وولده أبو الحسين وصاحب الرعاية والمستوعب، والحاويين وجزم به في الوجيز وغيره، ولم يذكر هذا الشرط أكثر الأصحاب، فإما لإهمالهم أو بناء منهم على الغالب قال في الإنصاف: وظاهر كلام غيرهم، أي: غير من تقدم الجواز، لكن لم أر الجواز صريحًا. اهـ","vol":"2","page":101},{"text":"فكذلك الشأن في عقود العبادات؛ لأن حكم الإرادات المعتقدة لا يزول إلا بفسخ تلك الاعتقادات.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-503> الدليل السادس:</span>\nاشتراط المقارنة يؤدي إلى الوقوع في الوسواس المذموم شرعًا وطبعًا.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-504> دليل من أجاز تقدم النية بشرط أن يكون التقدم يسيرًا:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-505> الدليل الأول:</span>\nاليسير من كل شيء معفو عنه، فالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناويًا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-506> الدليل الثاني:</span>\nالكلام اليسير في مصلحة الصلاة وكذا الفاصل اليسير بين الركعات لمصلحتها لايمنع من البناء عليها فإذا كان لا يبطل الصلاة فمن باب أولى لا يبطل النية.\n(١٧٧ - ٣١) فقد روى البخاري في صحيحه، من طريق محمد بن سيرين،\nعن أبي هريرة ﵁ قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال محمد: وأكثر ظني العصر- ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر ﵄، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال: أنسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر. قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين. الحديث، والحديث رواه مسلم (^١).\nفهذا الرسول تكلم مع الصحابة، والكلام في الأصل مبطل للصلاة، ولكن حين كان لمصلحة الصلاة، وكان يسيرًا، ولم يطل الفصل، بنى رسول الله ﷺ على\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣).","vol":"2","page":102},{"text":"صلاته، ولم يستأنف، فكذلك النية إذا تقدمت على العمل بزمن يسير عرفًا، لم يؤثر ذلك في الصلاة، والله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-507>دليل من قال يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-508> الدليل الأول:</span>\nاستدلوا بقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ) [الزمر: ١١].\nفقوله: (مُخْلِصًا) حال له في وقت العبادة، فإن الحال: هي وصف هيئة الفاعل وقت الفعل، والإخلاص هو النية.\nوقال ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات).\n- وأجيب:\nبأن الآية والحديث دليل على اشتراط النية، وهذا مسلم، ولكن ليس فيه أن استصحاب حكم النية لا يكفي، وأن الواجب استصحاب ذكر النية بلا فاصل إلى أن يتلبس بالعبادة، فإذا كان الإسلام والذي هو شرط في صحة جميع العبادات لا يجب استصحاب ذكره عند العبادة، فغيره من باب أولى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-509> الدليل الثاني:</span>\nاستدل ابن حزم بقوله: «لو جاز أن يفصل بين النية وبين الدخول في الصلاة بمدة يسيرة، ولو دقيقة، أو قدر اللحظة لجاز بمثل ذلك وبأكثر حتى يجوز الفصل بينهما بسنة أو سنتين، وهذا باطل، أو يحد المخالف حدًا برأيه لم يأذن به الله تعالى» (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-510> دليل من اشترط دخول وقت العبادة:</span>\nلعل الحنابلة يرون أن دخول وقت العبادة هو سبب الوجوب، والنية عبادة وتقديمها على سبب وجوبها لا يجوز، ويجوز تقديمها قبل شرط الوجوب.\n_________\n(^١) المحلى، مسألة (٣٥٤).","vol":"2","page":103},{"text":"مثال ذلك: الزكاة سبب وجوبها بلوغ النصاب، وشرط الوجوب تمام الحول لما يشترط له الحول، فتقديم الزكاة قبل بلوغ النصاب لا يجوز؛ لأنه قدم العبادة قبل سبب وجوبها، فإذا بلغ المال النصاب جاز تقديمها قبل تمام الحول: أي قبل شرط وجوبها.\nمثال آخر: لو أن رجلًا أراد أن يقدم كفارة يمين قبل أن يعقدها لم تصح كفارة، لأن عقد اليمين هو سبب وجوب الكفارة، ولو أنه عقد اليمين ثم أخرج الكفارة قبل أن يحنث جاز؛ لأن الحنث هو شرط الوجوب، وتقديم العبادة على شرط وجوبها جائز، وعلى سبب الوجوب لا يجوز، والله أعلم (^١).\n- الحال الثانية: أن تكون النية مقارنة للمنوي:\nذهب عامة أهل العلم إلى استحباب أن تكون النية مقارنة للمنوي (^٢).\nوقيل: يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي، وهو مذهب الشافعية (^٣). واختاره الآجري (^٤).\nواختلفوا في الصيام الواجب هل تجوز نيته مع طلوع الفجر؟\nفقيل: يجوز، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (^٥).\n_________\n(^١) قواعد ابن رجب: القاعدة الرابعة (١/ ٢٤).\n(^٢) المبسوط (١/ ١٠)، بدائع الصنائع (١/ ١٩٩)، مواهب الجليل (١/ ٢٣٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٢٠)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٦٩٥، ٦٩٦).\n(^٣) المجموع (٣/ ٢٤٢)، وقال الزركشي في كتابه المنثور في القواعد (١/ ١٠٤): كل عبادة تجب أن تكون النية مقارنة لأولها إلا الصوم والزكاة والكفارة. اهـ.\n(^٤) كشاف القناع (١/ ٣١٦).\n(^٥) قال ابن عابدين في حاشيته (٢/ ٣٧٧): «وإن نوى مع طلوع الفجر جاز؛ لأن الواجب قران النية بالصوم، لا تقدمها».اهـ وانظر تبيين الحقائق (١/ ٣١٦).\nوقال في مواهب الجليل (٢/ ٤١٨): «ويشترط أن تكون النية مبيتة من الليل، للحديث المتقدم، ويصح أن يكون اقترانها مع الفجر؛ لأن الأصل في النية أن تكون مقارنة لأول العبادة، وإنما جوز الشرع تقديمها لمشقة تحرير الاقتران».اهـ\nوانظر وجه الشافعية في: المهذب (١/ ٧٠).","vol":"2","page":104},{"text":"- وجه القول بالجواز:\nأن الأصل في النية أن تكون مقارنة لأول العبادة، وإنما جوز الشرع تقديمها لمشقة تحرير الاقتران، وقياسًا على سائر العبادات.\nوقيل: لا يجوز، وهو قول مرجوح في مذهب المالكية (^١)، وعليه أكثر الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^٢).\nقال الشيرازي: «أكثر أصحابنا يقولون: لا يجوز إلا بنية من الليل» (^٣).\n- واستدلوا بوجوب تقدم النية في الصيام على المنوي:\n(١٧٨ - ٣٢) بما رواه مالك في الموطأ، عن نافع،\nعن ابن عمر، أنه كان يقول: لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر (^٤).\n[إسناده من أصح الأسانيد، وروي عن ابن عمر عن حفصة مرفوعًا، ولا يثبت] (^٥).\n- والراجح بين القولين:\nقبل ترجيح أحد القولين لا بد أن نعرف تفسير المقارنة، فإن كان المقصود بالمقارنة ألا يوجد فاصل بين النية وبين المنوي، بحيث ينوي العبد الطاعة، ثم يدخل\n_________\n(^١) جاء في البيان والتحصيل (٢/ ٣٣٣): «فيصح إيقاعها في جميع الليل إلى الفجر - يعني النية - وقد قيل: إن إيقاعها مع الفجر معًا لا يصح، والأول أصح ....».\n(^٢) الإنصاف (٣/ ٢٠٨)، كشاف القناع (٢/ ٣١٤).\n(^٣) المهذب (١/ ٧٠). قال النووي في المجموع (٦/ ٣٠٣): «الصحيح عند سائر المصنفين أنه لا يجوز - يعني: أن ينوي مع طلوع الفجر- قال: وهو قول أكثر أصحابنا المتقدمين، كما ذكره المصنف، وقطع به الماوردي والمحاملي في كتبه وآخرون، والمعتمد في دليله: ما ذكره المصنف».\n(^٤) الموطأ (١/ ٢٨٨).\n(^٥) سيأتي تخريج طرق حديث حفصة إن شاء الله تعالى في كتاب الصوم، وقد تكلم على المرفوع، وأنه لا يثبت كل من البخاري في التاريخ الأوسط (١/ ١٣٤)، ونقله الترمذي في العلل الكبير (١/ ٣٤٨) وصوب وقفه النسائي في السنن الكبرى (٢/ ١١٧، ١١٨)، والدارقطني في العلل (٥/ الورقة: ١٦٣).","vol":"2","page":105},{"text":"فيها مباشرة فلا حرج في مقارنة النية للمنوي في هذه الحال، لأن النية قد وجدت قبل العمل ولو ببرهة.\nوإن كان المقصود من المقارنة أن تنوي حال التلبس بالعبادة فهذا لا يجوز، لأنه في هذه الحال سوف يكون هناك جزء من العبادة ولو يسيرًا عاريًا من النية.\nوقد سئل ابن تيمية عن هذه المسألة، فقال:\n«أما مقارنتها التكبير فللعلماء فيه قولان مشهوران:\nأحدهما: لا يجب، والمقارنة المشروطة قد تفسر بوقوع التكبير عقيب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، بل عامة الناس إنما يصلون هكذا، وهذا أمر ضروري، لو كلفوا تركه لعجزوا عنه، وقد تفسر بانبساط آخر النية على آخر التكبير، بحيث يكون أولها مع أوله، وآخرها مع آخره، وهذا لا يصح؛ لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أول الصلاة، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة. وقد تفسر بحضور جميع النية مع جميع آخر التكبير، وهذا تنازعوا في إمكانه، فمن العلماء من قال: إن هذا غير ممكن، ولا مقدور للبشر عليه، فضلا عن وجوبه، ولو قيل بإمكانه، فهو متعسر، فيسقط بالحرج. وأيضًا فمما يبطل هذا والذي قبله، أن المكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير ويتصوره، فيكون قلبه مشغولا بمعنى التكبير، لا بما يشغله عن ذلك من استحضار النية؛ ولأن النية من الشروط، والشروط تتقدم العبادات، ويستمر حكمها إلى آخرها، كالطهارة، والله أعلم» (^١).\n- الحالة الثالثة: أن تكون النية متأخرة عن بعض المنوي.\nذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يجوز أن تتأخر النية عن أول العبادة، خاصة إذا كان أول العبادة واجبًا فيها، فلا تتأخر النية في الوضوء عن غسل الوجه، ولو تأخرت عن غسل الكفين فلا يؤثر ذلك في صحة الوضوء؛ لأن غسل الكفين سنة،\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٢/ ٩٤).","vol":"2","page":106},{"text":"ولا تتأخر النية في الصلاة عن تكبيرة الإحرام وهكذا؛ لأن أول العبادة لو عرا عن النية لكان أولها مترددًا بين القربة وبين غيرها، وآخر الصلاة مبني على أولها، فإذا كان أولها مترددًا، كان آخرها كذلك.\nوخالف في ذلك الكرخي من الحنفية، فقال: يجوز تأخير النية عن تكبيرة الإحرام، وهذا بناء على قول في مذهب الحنفية: أن تكبيرة الإحرام ليست من الصلاة (^١).\nولعل هذا القول لا يخرج عن القول السابق، وإنما الخلاف في تحقيق المناط، فتكبيرة الإحرام عند من يراها ركنًا في الصلاة -وهو الصحيح- لا يجوز أن تتأخر النية عن تكبيرة الإحرام، وأما عند من يرى تكبيرة الإحرام ليست من الأركان ولا الواجبات لا يمنع من تأخير النية عنها، كما أجاز الحنابلة تأخر نية الوضوء عن أول مسنونات الطهارة، وهي غسل الكفين، وتجب عندهم عند أول واجبات الطهارة.\nواختلفوا في صيام النفل، هل يجوز أن تتأخر النية عن أول العبادة؟\nعلى قولين:\nفذهب الجمهور من الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، إلى أن تبييت النية من الليل في صيام النفل ليس بواجب، فلو نوى في أثناء اليوم في صيام النفل صح صومه بشرط ألا يتناول مفطرًا من طلوع الفجر.\nوخالف في ذلك مالك ﵀ (^٥)، فقال: يجب تبييت النية من الليل، وهو\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٩٩).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٣١٤)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٢٩٢)، مواهب الجليل (٢/ ٤١٨)\n(^٣) المجموع (٦/ ٣٠٥).\n(^٤) قال في الإنصاف (٣/ ٢٩٧): «ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، هذا المذهب، نص عليه. قال في الفروع: وعليه أكثر الأصحاب».اهـ وانظر نيل المآرب (١/ ٣٤٥).\n(^٥) قال في مواهب الجليل (٢/ ٤١٨): شرط صحة الصوم مطلقًا فرضًا كان أو نفلًا معينًا أو غير معين أن يكون بنية، لقول ﷺ إنما الأعمال بالنيات، ثم قال: وصفتها أن تكون مبيتة من الليل، ويصح أن يكون اقترانها مع الفجر، سواء كان صوم واجب أو تطوع.","vol":"2","page":107},{"text":"مذهب الظاهرية (^١)، ورجحه المزني من الشافعية (^٢).\nوسوف يأتي بسط أدلة هذه المسألة في كتاب الصيام أبلغنا الله إياه بمنه وكرمه.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (٣/ ٤٢٩).\n(^٢) المجموع (٦/ ٣٠٥).","vol":"2","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>الشرط الخامس\nأن يكون جازمًا بالنية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- النية قصد لا يتصور توجهه إلا إلى معلوم أو مظنون فلا تتعلق بمشكوك فيه.\n- من العلماء من يبطل العبادة بتعليق النية مطلقًا؛ لأن شرط العبادة عنده أن تكون النية جازمة، ومنهم من يجيزه مطلقًا، ومنهم من يجيزه إن استند إلى أصل أو ظاهر، كما لو اقتدى بمسافر شك هل هو قاصر أو متم، فقال: إن قصر قصرت، وإلا أتممت، ومثله لو قال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، ولا يقدر إلا على هذا.\n[م-٩٠] اختلف الفقهاء في حكم تعليق النية في الوضوء؟\nفقيل: لا يصح تعليق النية إلا إن قصد بكلمة إن شاء الله تعالى التبرك أو الاستعانة، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ٩٤)، منح الجليل (١/ ٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٢٣٩).\n(^٢) حاشية قليبوبي وعميرة (١/ ٤٥).\n(^٣) قال في الإنصاف (٣/ ٢٩٦): لو قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله تعالى، فإن قصد بالمشيئة الشك والتردد في العزم والقصد فسدت نيته، وإلا لم تفسد.","vol":"2","page":109},{"text":"وأما الحنفية فقد سبق أنهم يرون النية سنة، فلا يضر تعليقها (^١).\nواختلفوا فيما لو توضأ بنية إن كان محدثًا فالنية رفع الحدث، وإلا فهو تجديد:\nفقيل: لا يصح الوضوء بهذه النية، وهذا مذهب المالكية؛ لعدم الجزم بالنية.\nجاء في حاشية الدسوقي: «فالواجب عليه إذا توضأ أن يتوضأ بنية جازمة، فإن توضأ بنية غير جازمة -بأن علقها بالحدث المحتمل- كان هذا الوضوء باطلًا» (^٢).\n-وجه القول بالبطلان:\nأن هذا الإنسان إما أن يكون متطهرًا أو محدثًا، فإن كان متطهرًا فلا اعتبار به، إذ لم ينو التجديد، بل نوى رفع الحدث وليس عليه، وإن كان محدثًا فلا يصح، لعدم جزم نيته.\nوقيل: يصح الوضوء، وهو مذهب الشافعية.\nجاء في المجموع: «قال البغوي: لو توضأ ونوى إن كان محدثا فهو عن فرض طهارته، وإلا فهو تجديد، صح وضوءه عن الفرض، حتى لو زال شكه وتيقن الحدث لا يجب عليه إعادة الوضوء» (^٣).\nوقالوا: يغتفر التعليق هنا، كالمسافر إذا نوى خلف من شك في نية القصر، فقال: إن قصر قصرت (^٤).\nقلت: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فهذا غاية ما يمكن أن يفعله، وهو أن يقول: إن كنت محدثًا فهذا الوضوء عنه، فإن كان على طهارة لم يضره هذا الوضوء، وإن كان محدثًا فقد نواه معلقًا، والتعليق يغتفر، وقد رجح المحققون من العلماء صحة التعليق في مسألة مشابهة، كما لو قال رجل: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، فتصح نيته\n_________\n(^١) انظر العزو إليهم في مسألة «حكم النية» وقد مر معنا في هذا الباب.\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ٩٤)، وجاء في التاج والإكليل (١/ ٣٤٣):\n(^٣) المجموع (١/ ٣٧٤).\n(^٤) انظر المرجع السابق.","vol":"2","page":110},{"text":"على الصحيح (^١)؛ لأن هذا غاية ما يمكن أن يفعله، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nوفيه قول ثالث في مذهب الشافعية:\nقالوا: يرتفع حدثه، إلا إن انكشف الحال وتبين أنه محدث، فيلزمه استئناف الوضوء (^٢).\nوإنما صح الوضوء للضرورة؛ لأن هذا غاية ما يسعه، وإذا زالت الضرورة، وانكشف الحال، وتبين أنه محدث فقد زالت الضرورة، فيلزمه أن يعيد الوضوء؛ لأن النية لم تكن جازمة.\nقال أبو عمرو بن الصلاح ﵀: «لا نقول بأنه لا يرتفع حدثه على تقدير تحقق الحدث، وإنما نقول: لا يرتفع على تقدير انكشاف الحال، ويكون وضوءه هذا رافعًا للحدث إن كان موجودا في نفس الأمر، ولم يظهر لنا للضرورة، فإذا انكشف الحال زالت الضرورة، فوجبت الإعادة بنية جازمة» (^٣).\n[م-٩١] ولا يشرع للإنسان أن يحدث لكي يجزم بالنية، فلم يرشد الرسول ﷺ في هذه الحالة إلى هذا الفعل، وإنما أرشد بالأخذ باليقين وطرح الشك، كما قال ﷺ إذا شك أحدكم في الصلاة فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.\nوقيل: يجوز التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، وهذا قول رابع، اختاره ابن تيمية وابن القيم.\nقال ابن القيم في أعلام الموقعين عند الكلام على تعليق التوبة بالشرط، قال: «وقد شرع الله لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، حتى بينه وبين ربه، كما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير وقد شكت إليه وقت الإحرام، فقال: (حجي\n_________\n(^١) ذكر صاحب الإنصاف (٣/ ٢٩٥) أن هذا القول رواية عن أحمد، ورجحها ابن تيمية، قال في الإنصاف: وهو المختار.\n(^٢) المجموع (١/ ٣٧٥).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٧٥).","vol":"2","page":111},{"text":"واشترطي على ربك فقولي: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن لك ما اشترطت على ربك) فهذا شرع مع الله في العبادة، وقد شرعه على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه، ويفيد شيئين: جواز التحلل، وسقوط الهدي، وكذلك الداعي بالخيرة يشترط على ربه في دعائه، فيقول: اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاقدره لي ويسره لي، فيعلق طلب الإجابة بالشرط لحاجته إلى ذلك لخفاء المصلحة عليه».\nوكذلك النبي ﷺ اشترط على ربه أيما رجل سبه أو لعنه وليس لذلك بأهل أن يجعلها كفارة له وقربة يقربه بها إليه، وهذا تعليق للمدعو به بشرط الاستحقاق. وكذلك المصلي على الميت شرع له تعليق الدعاء بالشرط، فيقول: اللهم أنت أعلم بسره وعلانيته، إن كان محسنا فتقبل حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته؛ فهذا طلب للتجاوز عنه بشرط، فكيف يمنع تعليق التوبة بالشرط؟\nوقال شيخنا: كان يشكل علي أحيانا حال من أصلي عليه الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد الشرط الشرط، أو قال: علق الدعاء بالشرط، وكذلك أرشد أمته ﷺ إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط فقال: لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، ولكن ليقل: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي.\nوكذلك قوله في الحديث الآخر: وإذا أردت بعبادك فتنة فتوفني إليك غير مفتون (^١).\n- ومثل تعليق النية التردد بالنية، وعدم الجزم بها، وله حالتان:\nالحال الأولى:\n[م-٩٢] أن يحصل التردد منه بعد فراغه من الوضوء، أو ينوي رفض الوضوء بعد الفراغ منه.\n_________\n(^١) أعلام الموقعين (٣/ ٣٠٠).","vol":"2","page":112},{"text":"فالصحيح عند الجمهور أن ذلك لا يؤثر في وضوئه (^١).\n- ودليلهم على الصحة:\nالقياس على الصلاة والصوم والحج، فكما أنه لو رفض الصوم أو الصلاة أو الحج بعد فراغه منه لم يبطل صومه ولا صلاته ولا حجه، فكذلك لا يبطل وضوءه.\nوقيل: إن وضوءه يبطل، وهو وجه ثان في مذهب الأئمة الثلاثة (^٢).\n- وتعليهم بالبطلان:\nأن حكم الوضوء -وهو رفع الحدث- ما زال باقيًا، بدليل أنه يصح له أن يصلي به، بخلاف الصلاة والصوم والحج فإنها تنقضي حسًا بعد أدائها وخروج وقتها، والصحيح الأول.\nالحالة الثانية:\nأن يتردد في الوضوء هل يتمه أو يقطعه:\nوهذا فيه تفصيل:\n[م-٩٣] أن يحصل له التردد من أول الوضوء إلى آخره، فهذا وضوءه باطل على الصحيح؛ لأن التردد ينافي النية؛ لأن النية هي القصد إلى الشيء قصدًا جازمًا.\n[م-٩٤] أن يحصل التردد أثناء الوضوء، فهو قد شرع في الوضوء، وهو جازم على رفع الحدث، وفي أثنائه حصل له التردد، ففي هذا خلاف بين أهل العلم:\n_________\n(^١) قال صاحب (البيان في مذهب الشافعي) (١/ ١٠٦): إذا فرغ من الطهارة، ثم نوى قطعها ففيه وجهان:\nأحدهما، وهو المشهور: أن طهارته لا تبطل، كما لو فرغ من الصلاة، ثم نوى قطعها.\nوالثاني: حكاه الصيدلاني: أن طهارته تبطل، كما لو ارتد. اهـ الإنصاف (١/ ١٥١)، المبدع (١/ ١٢٠)، الشرح الكبير على المقنع (١/ ٥٣، ٥٤).\n(^٢) انظر المراجع السابقة.","vol":"2","page":113},{"text":"فقيل: وضوءه باطل، وهو الصحيح من مذهب أحمد (^١)، ووجه في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: لا يبطل الوضوء فيما مضى، وإذا أراد إتمام الطهارة قبل تطاول الفصل فلا بد من تجديد النية لما بقي، وهو مذهب المالكية (^٣)، والصحيح في مذهب الشافعية (^٤)، واختاره بعض الحنابلة (^٥)، وهذا أصح من القول الأول.\nوهذا التفصيل بالنسبة للوضوء، وأما غيره من العبادات فإن الحكم يختلف إذا خرج من النية قبل تمام العبادة، فهناك من العبادات ما يخرج منها قولًا واحدًا، فإذا نوى قطع الإيمان صار مرتدًا، والعياذ بالله.\nوإذا نوى الخروج من الحج أو العمرة بعد دخوله في النسك لم يخرج منهما بهذه النية، لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة: ١٩٦]، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بسط هذه المسألة في كتاب المناسك، بلغنا الله إياه بمنه وكرمه.\n* * *\n_________\n(^١) قال في الإنصاف (١/ ١٥١): لو أبطل النية في أثناء الطهارة بطل ما مضى منها على الصحيح من المذهب، اختاره ابن عقيل والمجد في شرحه، وقدمه في الرعايتين والحاويين. اهـ\n(^٢) البيان في مذهب الشافعي (١/ ١٠٦).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٢٤١)، والتاج والإكليل (١/ ٢٣٩) بهامش المواهب.\n(^٤) انظر البيان في مذهب الشافعي (١/ ١٠٦)،\n(^٥) قال في الإنصاف (١/ ١٥١) «وقيل: لا يبطل ما مضى منها، جزم به المصنف في المغني، لكن إن غسل الباقي بنية أخرى قبل طول الفصل صحت طهارته، وإن طالت انبنى على وجوب المولاة».اهـ","vol":"2","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>المبحث الثامن في صفة النية</span>\n[م-٩٥] كيفية النية في الوضوء أن ينوي رفع الحدث، أو أداء الفرض، أو استباحة ممنوع مما لا يستباح إلا بالطهارة، كاستباحة الصلاة.\nقال الخرشي: «وفي كيفية النية ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن ينوي رفع الحدث.\nالثاني: أن ينوي أداء الفرض، أي امتثال أمر الله، وتدخل السنن والنوافل بالتبعية. زاد الصاوي: والمقصود بأداء الفرض ما تتوقف صحة العبادة عليه ليشمل وضوء الصبي (^١).\n_________\n(^١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١١٥).\nوجاء في مواهب الجليل (١/ ٢٣٤): «قال العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني في قول المصنف أو الفرض: هذه النية إذا صاحبت وقت الفرض فلا إشكال، وإن تقدمته ففي صحتها نظر؛ لأنه لم يجب. فإن قلت: قد رخصوا في الوضوء قبل الوقت. قلت: أما نية رفع الحدث أو استباحة ما لا يستباح إلا به فظاهر، وأما نية الفرض فمشكل؛ لأنه إذا نوى فرضية وضوئه ذلك فكذب؛ لأن وقته لم يحضر، وإن نوى فرض الوضوء من حيث الجملة لم يصح؛ لأن النية إنما شرعت لتمييز المنوي، وإن نوى فرض ما يأتي لم يصح الجزم به؛ لأنه لا يدري هل يصل إليه أو لا؟ وإن نوى: إن بقيت لم يصح أيضًا للتردد في النية كمغتسل. انتهى. قال الحطاب: قد تقدم في مقدمة هذا الكتاب عن القرافي أن الفرض له معنيان، ...\nأحدهما: ما يأثم بتركه. والثاني: ما يتوقف عليه الشيء وإن لم يأثم بتركه، كقولنا: الوضوء للنافلة واجب، وهو أعم من الأول، والفرض المنوي هنا بالمعنى الثاني: أي ما يتوقف عليه الإتيان بالأشياء التي منع منها الحدث، فهو راجع إلى معنى استباحة ما يمنع منه الحدث وإلى رفع الحدث، ولهذا قال ابن بشير بَعْدُ: إن الأوجه الثلاثة متلازمة متى ذكر جميعها لا يمكن أن يقصد ذكر أحدها دون الآخر، كما تقدم فتأمله، والله تعالى أعلم». اهـ","vol":"2","page":115},{"text":"ثالثها: أن ينوي استباحة ممنوع مما لا يستباح إلا بالطهارة.\nومتى خطر ذكر جميع الثلاثة تلازمت، وإن خطر بباله بعضها أجزأ عن جميعها، ما لم يقصد عدم حصول الآخر، كأن يقول: أرفع الحدث ولا أستبيح الصلاة أو العكس، فتبطل النية، وتكون عدما للتنافي» (^١).\nفإذا نوى رفع الحدث فقد ارتفع حدثه، وهذا هو المقصود من الطهارة،\nولأن معنى رفع الحدث: استباحة كل فعل كان الحدث مانعًا من فعله.\nأو بمعنى آخر: أنه إذا نوى رفع الحدث يكون بذلك قد نوى إزالة الوصف القائم بالأعضاء المانع من الصلاة ونحوها (^٢)\nوالمقصود من رفع الحدث رفع حكمه؛ لأن الحدث قد وقع، فلا يمكن رفعه.\n* * *\n_________\n(^١) الخرشي على مختصر خليل (١/ ١٢٩) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ١١٤) الحاوي الكبير (١/ ٩٤) البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ١٠٣)، وذكر النووي في روضة الطالبين (١/ ٤٨) أنه ينوي ثلاثة أمور: الأول: رفع الحدث. الثاني: استباحة الصلاة. الثالث: فرض الوضوء أو أداء الوضوء، وذلك كاف قطعًا، وإن كان الناوي صبيًا.\nوالحنابلة لا يذكرون إلا أمرين: أن ينوي رفع الحدث، أو استباحة أمر تجب له الطهارة كالصلاة، انظر الكافي (١/ ٢٣)، غاية المطلب (ص: ٢١)، المحرر (١/ ١١)، بلغة الساغب (ص: ٤٢)، ولم أتعرض لمذهب الحنفية؛ لأنهم لا يرون النية شرطًا في صحة الوضوء.\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٢٣٤).","vol":"2","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>الفرع الأول إذا نوى طهارة مطلقة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- المطلق يحمل على الحقيقة الشرعية.\n- المنوي من العبادات ضربان: أحدهما مقصود في نفسه كالصلاة، والثاني مقصود لغيره، وهو قسمان:\nأحدهما: ما يكون مقصودًا لغيره ومقصودًا لنفسه كالوضوء.\nوالثاني: ما يكون مقصودًا لغيره فقط كالتيمم، ويدل على ذلك أن الشرع أمر بتجديد الوضوء دون التيمم، فإذا نوى الوضوء وأطلق صح؛ لأنه مقصود لنفسه، وإذا نوى التيمم دون استباحة الصلاة فقولان (^١).\n[م-٩٦] نية الوضوء المطلق أو الطهارة المطلقة فإذا نوى طهارة وأطلق، فهل يرتفع حدثه؟\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٢٥٠).","vol":"2","page":117},{"text":"فقيل: يرتفع حدثه، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: لا يرتفع، وهو قول ثان في مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الشافعية، والصحيح في مذهب الحنابلة (^٢).\n- وجه قول من قال: يرتفع حدثه:\nقالوا: إن نية الطهارة أو الوضوء المطلق تنصرف إلى الوضوء الشرعي المعهود.\n- وجه من قال: لا يرتفع حدثه:\nقالوا: إن نيته متناولة لما تشرع له النية، ولما لا تشرع له النية كإزالة النجاسة؛ لأن كليهما يسمى طهارة شرعية، فلم تصح طهارته.\n- والراجح:\nالقول بالصحة؛ لأن نية الطهارة في أعضاء الوضوء على الترتيب المخصوص لا تكون عن نجاسة، فتعين أن تكون عن حدث، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر مواهب الجليل (١/ ٢٣٧)، الخرشي (١/ ١٣٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٩٤). المجموع (١/ ٣٦٥).\n(^٢) انظر قول المالكية في مواهب الجليل (١/ ٢٣٧)، الخرشي (١/ ١٣٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٩٤).\nوفي مذهب الشافعية، قال الشيرازي: في المهذب مع المجموع (١/ ٣٦٥): «وإن نوى الطهارة المطلقة لم يجزئه؛ لأن الطهارة قد تكون عن حدث، وقد تكون عن نجس، فلم تصح بنية مطلقة» قال النووي شارحًا لهذه العبارة: هذا الذي جزم به المصنف هو المشهور، الذي قطع به الجمهور.\nوفي مذهب الحنابلة، قال في الإنصاف (١/ ١٤٨): لو نوى طهارة مطلقة أو وضوءًا مطلقًا عليه لم يصح على الصحيح.","vol":"2","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>الفرع الثاني إذا نوى ما تسن له الطهارة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- لا يشترط في الطهارة نية الفرض ولا نية النفل، فإذا نوى طهارة مطلقة أو ما تشرع له الطهارة ارتفع حدثه كناسي اللمعة في الغسلة الأولى، فإن الغسلة الثانية مسنونة قامت في اللمعة عن فرض (^١).\n- من توضأ بنية التجديد ناسيًا حدثه ارتفع حدثه؛ لأن نيته أن يكون على أكمل الحالات، وذلك يستلزم رفع الحدث، فنية الكمال يتضمن الإجزاء (^٢).\n- إذا نوى ما تسن له الطهارة ارتفع حدثه نظرًا إلى أصل الأمر بالوضوء لهذه الأمور.\n- قال ابن العربي: قال محققو علمائنا: ليس في الشريعة نفل يجزئ عن فرض إلا الوضوء قبل الوقت.\nوقيل:\n_________\n(^١) الذخيرة (٢/ ٢٠)، وقيل: لا تجزئ غسل اللمعة في الغسلة الثانية إلا أن ينوي أن الفرض ما عم العضو، والنفل ما زاد عليه، وهذا يدل عليه: وإنما لكل امرئ ما نوى.\n(^٢) انظر المرجع السابق (٢/ ٢٠)، مواهب الجليل (١/ ٢٣٩).","vol":"2","page":119},{"text":"- إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب خلاف الأصل.\n- الحدث عبارة عن المنع الشرعي، وصحة ما تسن له الطهارة لا تتوقف على رفع المنع فلا تستلزمه، فيكون حدثه باقيًا.\n[م-٩٧] إذا نوى ما تسن له الطهارة فهل يرتفع حدثه؟\nفقيل: يرتفع، وهو أحد القولين في مذهب المالكية (^١)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣)، وهو الراجح.\nوقيل: لا يرتفع، وهو المشهور في مذهب المالكية (^٤)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٥)، ووجه في مذهب الحنابلة (^٦).\n- وجه القول بأنه حدثه لم يرتفع:\nقالوا: لأن الفعل الذي قصد إليه يصح فعله مع بقاء الحدث، فلم يتضمن القصد إليه القصد برفع الحدث جملة.\nوجه القول بأن حدثه يرتفع:\nقالوا: لأنه بهذه النية نوى أن يكون على أكمل الحالات، فنيته مستلزمة لرفع الحدث كله.\nولأن هذه طهارة شرعية مأمور بها، مثاب عليها، ولا يوجد دليل على اشتراط كون الطهارة لا بد أن تكون شرطًا في العبادة، وليست مسنونة.\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٣٧).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٦٦) البيان في مذهب الشافعي (١/ ١٠٤)، روضة الطالبين (١/ ٤٨)\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٤٤)، المغني (١/ ٧٩)، الفروع (١/ ١٤٠، ١٤١).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٢٣٧)، الخرشي (١/ ١٣٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٩٤).\n(^٥) المجموع (١/ ٣٦٦)، البيان في مذهب الشافعي (١/ ١٠٤)، روضة الطالبين (١/ ٤٨)\n(^٦) الإنصاف (١/ ١٤٤)، المغني (١/ ٧٩)، الفروع (١/ ١٤٠، ١٤١).","vol":"2","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>الفرع الثالث إذا نوى ما لا تشرع له الطهارة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- كل ما يجوز فعله بغير طهارة إذا نواه لا تقوى نيته إلى طهارة ما لا يفعل إلا بطهارة؛ لأن الأعلى لا يندرج تحت الأدنى.\n[م-٩٨] إذا نوى التبرد والنظافة من وضوئه، فهل يرتفع حدثه أم لا؟\nاختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: يرتفع، وهو مذهب الحنفية.\nوقيل: لا يرتفع، وهو مذهب الجمهور.\nوهذا المسألة ترجع إلى مسألة سابقة ذكرت أدلتها ونوقشت بشيء من التفصيل، وهي هل تشترط النية في رفع الحدث؟\nفمن قال: لا تشترط كالحنفية قالوا: يرتفع حدثه، لأن الوضوء حقيقته جريان الماء على الأعضاء، وقد وجد.\nومن قال: تشترط النية في رفع الحدث، قال: لا يرتفع حدثه هنا؛ لأن الوضوء عبادة من شرطها النية ولم توجد، وقد مضى بحث هذه المسألة فأغنى عن إعادته هنا، فيمكن أن ترجع إليها إذا أردت الوقوف على أدلة كل فريق، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>الفرع الرابع إذا نوى رفع الحدث ونية التبرد مقرونين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- ما يحصل ضمنًا إذا تعرض له بالنية لا يضر (^١).\n- إذا نوى المتوضئ رفع الحدث والتبرد، ارتفع حدثه في الأصح كالإمام يرفع صوته بالتكبير ناويًا إعلام الطارق بأنه في صلاة.\n- لو نوى رفع الحدث والتبرد أجزأه؛ لأن ما نواه معه حاصل، وإن لم ينوه، فلا تضاد.\nوقيل:\n- لو نوى رفع الحدث والتبرد لا يجزئه؛ لأن المقصود من النية أن يكون الباعث على العبادة طاعة الله تعالى فقط (^٢).\n[م-٩٩] إذا نوى بطهارته أمرين معًا أحدهما مشروع، والآخر مباح، كما لو نوى رفع الحدث، وما لا تشرع له النية كالتبرد والتنظف، فهل يرتفع حدثه؟\n_________\n(^١) المنثور في القواعد (٣/ ١٤٧)، وانظر الفروق (٣/ ٢٣).\n(^٢) انظر الذخيرة (١/ ٢٥١).","vol":"2","page":122},{"text":"فقيل: يرتفع حدثه، وهو مذهب المالكية، والوجه الصحيح في مذهبي الشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: لا يرتفع، وهو وجه في مذهب الحنابلة، واختيار ابن حزم (^٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-517> دليل من قال: يرتفع حدثه:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-518> الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) [نوح: ١٠ - ١٢].\nفلو نوى الإنسان هذه الأمور مع نية طلب المغفرة لم يكن ذلك قادحًا في نيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>الدليل الثاني:</span>\n(١٧٩ - ٣٣) ما روه البخاري من طريق الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله،\nفقال عبد الله: كنا مع النبي ﷺ شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله ﷺ: يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمر بالصوم لغرض قطع الشهوة، فلم تفسد نية الصيام.\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ٩١، ٩٢)، الخرشي (١/ ١٢٩).\nوفي مذهب الشافعية، انظر البيان للعمراني (١/ ١٠٥)، وقال النووي في الروضة (١/ ٤٩) «وإن نوى رفع الحدث والتبرد أو رفع الجنابة والتبرد فالصحيح صحة طهارته».\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ١٤٧)، وقال ابن قدامة في الكافي (١/ ٢٤): «وإن نوى رفع الحدث والتبرد صحت طهارته؛ لأنه أتى بما يجزئه، وضم إليه ما لا ينافيه».اهـ\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٤٧)، الكافي (١/ ٢٤)، المحلى (١/ ٩٤).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٠٦٦).","vol":"2","page":123},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-520>الدليل الثالث:</span>\n(١٨٠ - ٣٤) قال النبي ﷺ: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب (^١).\nفإذا قصد المسلم الأمرين (نظافة الفم ومرضاة الرب) في التسوك لم يكن ذلك قادحًا في نيته، فكذلك الوضوء طهارة حسية للأعضاء، وطهارة معنوية من الذنوب، فلو نوى الطهارتين لم يكن ذلك قادحًا في النية، والله أعلم.\nولأن الواجب هو نية رفع الحدث فإذا نوى ذلك فقد أتى بما هو واجب عليه، وكونه ينضم إلى هذه النية نية التبرد فإن هذا لا ينافي رفع الحدث؛ لأن غسل أعضاء الوضوء يتضمن التبرد فهو حاصل له نواه أو لم ينوه، ولا تقدح في الإخلاص حتى يقال: إن النية ليست خالصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>دليل من قال: لا يرتفع حدثه:</span>\nقال ابن حزم في ذكر دليله: إن خلط بنية الطهارة للصلاة نية لتبرد أو لغير ذلك لم تجزه الصلاة بذلك الوضوء. برهان ذلك قول الله تعالى:\n(وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة: ٥].\nفمن مزج بالنية التي أمر بها نية لم يؤمر بها، فلم يخلص لله تعالى العبادة بدينه ذلك، وإذا لم يخلص فلم يأت بالوضوء الذي أمره الله تعالى به، فلو نوى مع وضوئه للصلاة أن يعلم الوضوء من بحضرته أجزأته الصلاة به؛ لأن تعليم الناس الدين مأمور به وبالله تعالى التوفيق (^٢).\nوالراجح القول الأول، وهو أن نية التبرد تدخل تبعًا، ولا تؤثر في النية، وقد قام بما هو واجب عليه من نية رفع الحدث، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر تخريجه في المجلد العاشر، رقم (٢٢٨٦).\n(^٢) المحلى (١/ ٩٤).","vol":"2","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>الفرع الخامس إذا نوى رفع حدث واحد وعليه مجموعة أحداث</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- الحدث شيء واحد وإن تعددت أسبابه.\n[م-١٠٠] إذا تعددت الأحداث وكان سببها واحدًا كمن نام عدة مرات، أو جامع عدة مرات، ولم يرفع حدثه الأول، فإن هذه الأحداث كلها ترتفع بنية واحدة حتى ولو لم يقصد ذلك، ولو نسي عددها.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-523> الدليل على هذا من السنة:</span>\n(١٨١ - ٣٥) ما رواه مسلم من طريق هشام بن زيد،\nعن أنس أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد (^١).\nوأما إذا كان عليه نوع واحد من الأحداث، ولكن تعددت أسبابه كمن بال وتغوط ونام، فنوى رفع أحدها، فهل يرتفع حدثه؟ هذا فيه تفصيل، وهو ما سوف يتناوله الحديث -إن شاء الله- في هذا التقسيم، ويمكن تقسيمه إلى مسألتين:\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٣٠٩).","vol":"2","page":125},{"text":"المسألة الأولى\nأن ينوي رفع أحدها ناسيًا بقيتها أو ذاكرًا ولم يخرجها\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الحدث له معنيان في اصطلاح الفقهاء:\nأحدها: الأسباب الموجبة، يقال: أحدث، إذا خرج منه ما يوجب الحدث.\nوثانيهما: المنع المترتب على هذه الأسباب.\nوالقصد إلى رفع الحدث الذي هو السبب محال؛ لاستحالة رفع ما وقع، فتعين أن يكون المنوي هو رفع المنع، وإذا نوى رفع المنع ارتفع؛ لأنه شيء واحد (^١).\n- إذا نوى رفع بعض الأحداث ناسيًا لغيرها أجزأه؛ لأن المقصود رفع المنع وقد حصل.\n- الحدث شيء واحد وإن تعددت أسبابه.\n[م-١٠١] فإذا نوى أن يرفع الحدث عن النوم، وكان عليه مجموعة أحداث ولم ينوها بالرفع ولم يخرجها من نيته، فإن حدثه يرتفع، سواء كان الحدث المنوي هو الذي\n_________\n(^١) انظر الذخيرة للقرافي (١/ ٢٥٢).","vol":"2","page":126},{"text":"حدث أولًا أو آخرًا، وهذا مذهب المالكية (^١)، ووجه في مذهب الشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣)، وهو الصحيح.\nوقيل: لا يرتفع إلا ما نواه، وهو وجه في مذهب الحنابلة (^٤).\n- وجه من قال: يرتفع جميع حدثه:\nقالوا: لأن هذه الأحداث كان موجبها واحدًا، واجتمعت، فيتداخل حكمها، وينوب موجب أحدها عن الآخر.\nولأن الحدث شيء واحد وإن تعددت أسبابه، فلا يقال: لو بال وتغوط ونام يقال: عليه ثلاثة أحداث، بل يقال: عليه حدث واحد من أسباب متعددة.\nولأنه لم يكن معروفًا عند السلف أمر المتطهر باستحضار نية رفع الأحداث عند الطهارة، فلم يكن الواحد منهم يحصي كم عليه من الأحداث.\nولأن اشتراط النية لكل حدث واستحضار جميعها أمر فيه حرج ومشقة.\nولأنه حين نوى رفع الحدث عن النوم ارتفع، فلا يبقى الحدث الآخر مع ارتفاع الأول.\n- وجه من قال: لا يرتفع إلا ما نواه:\nهذا القول مبني على أن الأحداث لا تتداخل، وأن ليس للإنسان إلا ما نوى بمقتضى الحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) فهذا لم ينو رفع حدث النوم أو البول أو نحوهما.\nوالقول الأول هو الصواب لقوة أدلته الأثرية والنظرية.\n* * *\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٢٩، ١٣٠) منح الجليل (١/ ٨٤، ٨٥).\n(^٢) الحاوي الكبير (١/ ٩٤)، البيان في مذهب الشافعي (١/ ١٠٥).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٤٨، ١٤٩).\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"2","page":127},{"text":"المسألة الثانية\nأن ينوي رفع أحد الأحداث وينوي بقاء غيره\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- إذا نوى استباحة صلاة بعينها، وأخرج غيرها من نيته، فله أن يستبيح ما نواه وما لم ينوه؛ لأن حدثه قد ارتفع باعتبار ما نواه، وذلك يقتضي استباحة ما تشترط له الطهارة، وليس للمكلف أن يقتطع مسببات الأسباب الشرعية عنها، فلو قال: أتزوج ولا يحل لي الوطء، أو أشتري السلعة ولا يحصل لي الملك لم يعتبر ذلك، فكذلك ههنا (^١).\n- الحدث له معنيان في اصطلاح الفقهاء، أحدها: الأسباب الموجبة، يقال: أحدث، إذا خرج منه ما يوجب الحدث.\nوثانيهما: المنع المترتب على هذه الأسباب، والقصد إلى رفع الحدث الذي هو السبب محال؛ لاستحالة رفع ما وقع، فتعين أن يكون المنوي هو رفع المنع، وإذا نوى رفع المنع ثبتت الاستباحة (^٢).\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٢٥١).\n(^٢) انظر الذخيرة للقرافي (١/ ٢٥٢).","vol":"2","page":128},{"text":"وقيل:\n- إذا نوى رفع أحد الأحداث وإبقاء بعضها بطلت طهارته للتضاد، ولا يستبيح شيئًا؛ لأن الأعمال بالنيات، وقد نوى بقاء أحد الأحداث، وليس نية رفع الحدث بأولى من نية بقاء الحدث، والحدث إذا وجد فقد وجد المانع (^١).\n[م-١٠٢] لو كان عليه حدثان: حدث من بول وحدث من نوم، فنوى رفع أحدهما على ألا يرتفع الأخر، ففيه أربعة أقوال:\nقيل: إن وضوءه باطل، وهو مذهب المالكية (^٢)، ووجه في مذهب الشافعية (^٣)، والصحيح في مذهب الحنابلة (^٤).\n- وجه كون الوضوء باطلا:\nأن هذا المتوضئ جاء بنية متضادة، فتتنافى النية، وتكون كالعدم، فكونه يقول: هذا الوضوء أرفع به الحدث، ولا أستبيح به الصلاة، هذا نوع من التناقض والتضاد.\nوقيل: يصح وضوءه، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٥).\n- وجه هذا القول:\nأن الأحداث تتداخل، فإذا نوى واحدًا منها ارتفع الجميع؛ ولأنه لما نوى رفع أحد الحدثين كان ذلك أقوى حكمًا فبطل الشرط.\nولأن الحدث وصف واحد، وإن تعددت أسبابه، فإذا نوى رفعه من البول ارتفع كله.\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٢٣٤)، الخرشي (١/ ١٢٩)، منح الجليل (١/ ١٨٤، ١٨٥).\n(^٣) البيان في مذهب الشافعية (١/ ١٠٥، ١٠٦)، الحاوي الكبير (١/ ٩٤).\n(^٤) الإنصاف (١/ ١٤٩).\n(^٥) البيان في مذهب الشافعية (١/ ١٠٦).","vol":"2","page":129},{"text":"وقيل: إن نوى رفع الحدث الأول ارتفع الجميع، وإن نوى غيره لم يصح وضوءه؛ وهو وجه في مذهب الشافعية (^١).\n- وجه هذا القول:\nأن الذي أوجب الطهارة هو الحدث الأول، فإذا نواه ارتفع الجميع.\nوقيل: إن نوى رفع الحدث الأخير ارتفع الجميع، وإن نوى غيره لم يصح؛ لأنها تتداخل في الآخر منها، وهذا الوجه حكاه ابن الصباغ من الشافعية (^٢).\nوالراجح والله أعلم:\nأن حدثه يرتفع، ويكون قوله الآخر باطلًا لا عبرة به، وقد ارتفع الحدث، خاصة أن هذا الفعل قد يقع من الإنسان لا على وجه التلاعب، ولكن قد يتذكر، وهو ينوي رفع الحدث أن يفعل عبادة معينة بهذا الوضوء، وينوي معه عدم استباحة الصلاة بهذا الوضوء، لا على وجه التلاعب، ولكن قد يكون نوى ذلك في تلك الساعة لغرض صحيح لشغل أو غيره، وإن كان حصل منه ذلك على وجه التلاعب فإنه لا يسلم من الإثم مع رفع الحدث، وقد يقال: إن كان متلاعبًا فإنه قد يعاقب بحرمان رفع الحدث، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البيان في مذهب الشافعي (١/ ١٠٦).\n(^٢) المرجع السابق.","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>الباب الثاني سنن الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>الفصل الأول في استحباب التسمية للوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الأصل في العبادات عدم المشروعية.\n- لا تشرع التسمية للدخول في الصلاة، وهي المقصودة من الطهارة، فوسيلتها (الوضوء والغسل) من باب أولى.\n- لم يرد ذكر للتسمية في الغسل من الجنابة لا في حديث صحيح، ولا ضعيف، وإذا كان هذا في الطهارة الكبرى فالصغرى أولى بعد المشروعية، والتكلف بقياس الكبرى على الصغرى قياس للأغلظ على الأخف، فلا يصح، مع أنه لا يسلَّم بثبوته في الصغرى.\n[م-١٠٣] اختلف العلماء في حكم التسمية في الوضوء:","vol":"2","page":131},{"text":"فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: تعتبر من فضائل الوضوء، وهو المشهور عند المالكية (^٤).\nوقيل: مباحة، وهو قول في مذهب المالكية (^٥).\nوقيل: تكره التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب مالك (^٦).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٣، ٤) البحر الرائق (١/ ١٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٠٨، ١٠٩) المبسوط (١/ ٥٥) شرح فتح القدير (١/ ٢١، ٢٢) بدائع الصنائع (١/ ٢٠) الفتاوى الهندية (١/ ٦).\n(^٢) الأم (١/ ٣١)، المجموع (١/ ٣٨٥)، إعانة الطالبين (١/ ٤٣)، منهج الطلاب (١/ ٤)، أسنى المطالب (١/ ٣٧)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٩).\n(^٣) قال صالح بن أحمد بن حنبل في مسائل أحمد (٤٩): «سألت أبي عن الرجل يتوضأ ولا يسمي؟ قال: يسمي أعجب إلي، وإن لم يسم أجزأه».اهـ\nوقال ابن هانئ في مسائل أحمد (ص: ٣): «سألت أبا عبد الله عن التسمية في الوضوء؟ فقال: لا يثبت حديث النبي ﷺ فيه، وسألته عن الذي ينسى التسمية عند الوضوء؟ قال أبو عبد الله: يجزئه ذلك، حديث النبي ﷺ التسمية ليس إسناده بقوي».\nوسئل عن رجل يترك التسمية عمدًا عشر سنين؟ قال: هذا معاند، ولكن لو كان ناسيًا كان أسهل، ولكن العمد أشد. قيل له: فترى أن يعيد؟ قال: دع هذه الأشياء».اهـ\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ٧٣): «والتسمية عند الوضوء ظاهر مذهب أحمد ﵁ أن التسمية مسنونة في طهارة الأحداث كلها، رواه عنه جماعة من أصحابه، وقال الخلال: الذي استقرت الروايات عنه: أنه لا بأس به - يعني إذا ترك التسمية - وهذا قول الثوري ومالك والشافعي وأبي عبيدة وابن المنذر وأصحاب الرأي». وانظر التحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ١٣٧)، الإنصاف (١/ ١/١٢٨).\n(^٤) قال في حاشية الدسوقي (١/ ١٠٣): وجعلها من الفضائل هو المشهور من المذهب خلافًا لمن قال بعدم مشروعيتها فيه، وأنها تكره». اهـ\nوانظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٢٢)، والكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٣)، وحاشية العدوي (١/ ١٨١)، ومنح الجليل (١/ ٩٤).\n(^٥) حاشية العدوي (١/ ١٨٢).\n(^٦) جاء في حاشية العدوي (١/ ١٨٢): ولم ير بعض العلماء القول بالبداءة بالتسمية من الأمر المعروف عند السلف، بل رآه من الأمر المنكر.\nوقد نقل عن مالك ثلاث روايات: ...\nالأولى: وبها قال ابن حبيب، الاستحباب.\nالثانية: الإنكار، وقال: أهو يذبح؟\nالثالثة: التخيير. اهـ مع تصرف يسير.","vol":"2","page":132},{"text":"وتأول ربيعة الأحاديث الواردة بالتسمية، فقال: إن تفسير حديث النبي ﷺ: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، أنه الذي يتوضأ ويغتسل، ولا يذكر وضوءًا للصلاة، ولا غسلًا للجنابة (^١). فحمله التسمية على النية.\nوقيل: واجبة، وتسقط مع النسيان، وهو المشهور عند متأخري الحنابلة (^٢).\nوقيل: التسمية شرط لصحة الوضوء، قال صاحب عون المعبود، وهو مذهب أهل الظاهر (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-526> دليل من قال: إن التسمية في الوضوء سنة:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-527> الدليل الأول:</span>\n(١٨٢ - ٣٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب،\nعن ابن عباس يبلغ به النبي ﷺ قال: لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله،\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١٠٢) قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن الدراوردي، قال: وذكر ربيعة .... فذكر قوله، فحمل الحديث على اشتراط النية.\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٩٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٩٩)، وقال أبو داود في مسائل أحمد (ص: ١١): «سمعت أحمد يقول: إذا بدأ يتوضأ يقول: بسم الله. قلت لأحمد: إذا نسي التسمية في الوضوء؟ قال أرجو أن لا يكون عليه شيء، ولا يعجبني أن يتركه خطأ ولا عمد، وليس فيه إسناد - يعني: لحديث النبي ﷺ: «لا وضوء لمن لم يسم». وانظر مسائل أحمد في رواية عبد الله (١/ ٨٩، ٩٠).\n(^٣) عون المعبود (١/ ١٢١)، ولعله يقصد مذهب داود، وأما مذهب ابن حزم فإنه يرى التسمية سنة، قال في المحلى (٢/ ٢٩٥): «وتستحب تسمية الله تعالى على الوضوء، وإن لم يفعل فوضوءه تام». وقال في نيل الأوطار (١/ ١٧٣): وقد ذهب إلى وجوب التسمية العترة والظاهرية وإسحاق، وإحدى الروايتين عن أحمد.","vol":"2","page":133},{"text":"اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال العيني: لما كان حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى، ومع ذلك تسن التسمية فيه، ففي سائر الأحوال بطريق الأولى، فلذلك أورده البخاري في كتاب الوضوء للتنبيه على مشروعية التسمية عند الوضوء (^٢).\n- وأجيب:\nبأن التسمية ليست مشروعة عند كل حال، بل لا تشرع التسمية للأذان والإقامة، وكذلك لا تشرع عند تكبيرة الإحرام، فلا بد من دليل صحيح صريح في مشروعية التسمية، وإلا فالأصل عدم المشروعية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-528> الدليل الثاني:</span>\nأحاديث لا صلاة لمن لا وضوء له (^٣)، وإن كانت ضعيفة في آحادها، لكنها بالمجموع صالحة للاحتجاج، والنفي فيها للكمال، أي: لا وضوء كامل؛ لأن صفة الوضوء الصحيح قد ثبتت في أحاديث صحيحة بدون التسمية كحديث عبد الله ابن زيد، وعثمان، وابن عباس، وسيأتي ذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى، فيبقى النفي للكمال، كما جاء في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (^٤)، أي لا يؤمن الإيمان الكامل، فالنفي دال على استحباب التسمية في الوضوء، لا على وجوبها.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٤١) ومسلم (١٤٣٤)، ولفظ مسلم: لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله ... وقال في آخره: لم يضره شيطان أبدًا.\n(^٢) عمدة القارئ (٢/ ٢٦٦).\n(^٣) سيأتي ذكرها بالتفصيل عند الكلام على أدلة القائلين بوجوب التسمية.\n(^٤) متفق عليه: البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥).","vol":"2","page":134},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-529> الدليل الثالث:</span>\n(١٨٣ - ٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ثابت وقتادة،\nعن أنس قال: نظر بعض أصحاب رسول الله ﷺ وضوءا فلم يجدوا، قال: فقال النبي ﷺ: هاهنا ماء؟ قال: فرأيت النبي ﷺ وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: توضؤوا بسم الله، فرأيت الماء يفور: يعني بين أصابعه، والقوم يتوضؤون حتى توضؤوا عن آخرهم.\nقال ثابت: قلت لأنس: كم تراهم كانوا؟ قال: نحوًا من سبعين (^١).\n[تفرد بزيادة التسمية معمر، عن قتادة وثابت، وروايته عنهما فيها كلام] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٣/ ١٦٥).\n(^٢) الحديث في مصنف عبد الرزاق (٢٠٥٣٥)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه النسائي (١/ ٦١)، وأبو يعلى (٣٠٣٦)، وابن خزيمة (١٤٤)، وابن حبان (٦٥٤٤)، والدارقطني (١/ ٧١)، والبيهقي (١/ ٤٣).\nوقد انفرد معمر في زيادة (التسمية) وخالف جماعة معمرًا، حيث رووه عن ثابت وقتادة ولم يذكروا التسمية، منهم:\nحماد بن زيد كما في مسند أحمد (٣/ ١٤٧)، والمنتخب من مسند عبد بن حميد (١٣٦٥)، وصحيح البخاري (٢٠٠)، وصحيح مسلم (٢٢٧٩)، ومسند أبي يعلى (٣٣٢٩)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٤)، وصحيح ابن حبان (٦٥٤٦) ومسند أبي عوانة في المناقب كما في إتحاف المهرة (١/ ٤٥٥).\nوحماد بن سلمة من رواية عفان عنه، وهو من أثبت أصحابه، كما في مسند أحمد (٣/ ١٧٥، ٢٤٨، ٢٤٩) وابن سعد في الطبقات (١/ ١٧٨).\nوسليمان بن المغيرة كما في مسند أحمد (٣/ ١٣٩) وطبقات ابن سعد في الطبقات (١/ ١٧٧، ١٧٨)، والمنتخب من مسند عبد بن حميد (١٢٨٤)، ومسند أبي يعلى (٣٣٢٧)، وصحيح ابن حبان (٦٥٤٣)، ثلاثتهم (حماد بن زيد وحماد بن سلمة، وسليمان بن مغيرة)، رووه عن ثابت، عن أنس، ولم يذكروا ما ذكره معمرًا من ذكر للتسمية.\nكما رواه أصحاب قتادة، عن أنس، ولم يذكروا ما ذكره معمر في روايته عن قتادة، منهم: =","vol":"2","page":135},{"text":"قال البيهقي: هذا أصح ما في التسمية (^١).\n_________\n= سعيد بن أبي عروبة، كما في مسند أحمد (٣/ ١٧٠) و(٣/ ٢١٥) وصحيح البخاري (٣٥٧٢)، وصحيح مسلم (٢٢٧٩)، ومسند أبي يعلى (٣١٩٣).\nوهمام، كما في مسند أحمد (٣/ ٢٨٩) وأبي يعلى (٢٨٩٥)، وصحيح ابن حبان (٦٥٤٧).\nوهشام الدستوائي كما في صحيح مسلم (٢٢٧٩)، ثلاثتهم رووه عن قتادة، ولم يذكروا التسمية.\nوقد تكلم العلماء في رواية معمر عن قتادة وثابت.\nقال ابن رجب في شرحه للبخاري (١/ ٢٩٩): «رواية معمر عن قتادة ليست بالقوية. قال ... ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: قال معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير، فلم أحفظ عنه الأسانيد. وقال الدارقطني في العلل: معمر سيء الحفظ لحديث قتادة». اهـ\nوجاء في التهذيب: وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام.\nوفي التقريب قال الحافظ عن معمر: ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهاشم شيئًا. اهـ\nكما جاء الحديث عن أنس من طرق أخرى، فقد رواه الحسن البصري وحميد الطويل وإسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة كلهم رووه عن أنس بدون بذكر التسمية.\nفأخرجه أحمد (٣/ ١٠٦) وابن أبي شيبة (٦/ ٣١٦) والبخاري (٣٥٧٥، ١٩٥)، وابن حبان (٦٥٤٥) من طريق حميد الطويل،\nوأخرجه مالك في الموطأ (١/ ٣٢) ومن طريقه أخرجه الشافعي في مسنده (٢/ ١٨٦)، وأحمد (٣/ ١٣٢)، والبخاري (١٦٩، ٣٥٧٣)، ومسلم (٢٢٧٩)، والترمذي (٣٦٣١)، والنسائي (٧٦)، وابن حبان (٦٥٣٩) وأبو عوانة كما في إتحاف المهرة (١/ ٤١٣)، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، وأخرجه أحمد (٣/ ٢١٦) والبخاري (٣٥٧٤)، وأبو يعلى (٢٧٥٩) من طريق الحسن البصري، ثلاثتهم عن أنس.\nفكل هذه الطرق تجعل الباحث يجزم بوهم معمر في روايته عن قتادة وثابت في زيادة التسمية في قوله: (توضؤوا باسم الله) هذا مع أن زيادة التسمية لو صحت لم يكن فيه دليل على أمرهم بالتسمية على الوضوء، والله أعلم.\nوانظر لمراجعة طرق الحديث: أطراف مسند أحمد (١/ ٣١٣، ٤٧١)، وتحفة الأشراف (٢٠١، ٢٩٧، ٤٨٤، ٥٢٧، ٧٠٠، ١١٨٣، ١٨٨٨، ١٣٧٩)، وإتحاف المهرة (٣٣٣، ٤٣٨، ٤٥٧، ٦٤٧).\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٤٣).","vol":"2","page":136},{"text":"وقال الحافظ: أصله في الصحيحين بدون هذه اللفظة، ولا دلالة فيها صريحة لمقصودهم (^١).\nوليس في الحديث دلالة محتملة على مشروعية التسمية؛ لأن التسمية إنما تجب على المتوضئ، ولم ينقل في الحديث أن أحدًا من الصحابة ممن توضأ قد سمى، وإنما سمى النبي ﷺ لوضع يده الشريفة في الماء طلبًا للبركة، ولو أن من يصب الماء سمى عن المتوضئ لم تصح النيابة في التسمية.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-530> دليل من قال بوجوب التسمية:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-531> الدليل الأول:</span>\n(١٨٤ - ٣٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، ومحمد ابن عبد الله بن الزبير، عن كثير بن زيد، قال: حدثني ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه،\nعن جده أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) التلخيص (١/ ١٢٩).\n(^٢) المصنف (١/ ١٢) رقم ١٤.\n(^٣) تخريج الحديث:\nالحديث أخرجه أحمد (٣/ ٤١)، وابن أبي شيبة، كما في حديث الباب، وأبو يعلى (١٠٦٠)، وابن ماجه (٣٩٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٧٣)، والحاكم في المستدرك (٥٢٠)، والبيهقي (١/ ٤٣)، وابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ١٣٧) من طريق زيد بن الحباب.\nوأخرجه عبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (٩١٠)، والدارمي (٦٩١)، وابن ماجه (٣٩٧)، والدارقطني (١/ ٧١) وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٣٧) من طريق أبي عامر العقدي.\nورواه أحمد (٣/ ٤١)، وأبو يعلى (١٢٢١)، والترمذي في العلل (ص: ٣٣) رقم ١٨، وابن ماجه (٣٩٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٣٧) وفي التحقيق (١/ ١٣٧) من طريق أبي أحمد الزبيري. ثلاثتهم عن كثير بن زيد، قال: حدثني ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، =","vol":"2","page":137},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-532> الدليل الثاني:</span>\n(١٨٥ - ٣٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن موسى يعني المخزومي، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (^١).\n_________\n= عن أبيه، عن جده أبي سعيد.\nوفي إسناده ربيح بن عبد الرحمن. جاء في ترجمته:\nقال أبو زرعة: شيخ. الجرح والتعديل (٣/ ٥١٨).\nوقال أحمد: لا أعلم حديثًا يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد، عن ربيح، وربيح رجل ليس بمعروف. الكامل (٣/ ١٧٣)، وانظر بحر الدم (٢٨٧).\nوقال البخاري: منكر الحديث. العلل (ص: ٣٣).\nوقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. الكامل (٣/ ١٧٤).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٠٩).\nوفي التقريب: مقبول. أي حيث يتابع، وإلا فلين.\nكما أن في إسناده كثير بن زيد، مختلف فيه:\nذكره ابن حبان في الثقات. (٧/ ٣٥٤)، ووثقه محمد بن عبد الله الموصلي.\nوقال أحمد وابن عدي ويحيى بن معين في رواية: ما أرى به بأسًا. بحر الدم (٨٥٧)، الكامل (٦/ ٦٨).\nوقال يحيى بن معين في رواية: ليس بذاك القوى. الجرح والتعديل (٧/ ١٥٠).\nوقال في أخرى ليس بشيء. تهذيب الكمال (٢٤/ ١١٥).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين له (٥٠٥).\nوقال يعقوب بن شيبة: ليس بذاك الساقط وإلى الضعف ما هو. تهذيب الكمال (٢٤/ ١١٥).\nوقال أبو حاتم: صالح، ليس بالقوي، يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٧/ ١٥٠).\nوقال أبو زرعة: صدوق فيه لين. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ.\nوانظر لمراجعة طرق الحديث: أطراف مسند أحمد (٦/ ٢٧٢)، تحفة الأشراف (٤١٢٨)، إتحاف المهرة (٥٤٠٣).\n(^١) المسند (٢/ ٤١٨).","vol":"2","page":138},{"text":"[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على محمد بن موسى، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، ويرويه عن محمد بن موسى راويان: قتيبة بن سعيد، وابن أبي فديك.\nأما رواية قتيبة بن سعيد، فأخرجها أحمد (٢/ ٤١٨) وأبو داود (١٠١)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٩٦) رقم ٨٠٨٠، والدارقطني (١/ ٧٩)، والحاكم في المستدرك (٥١٨)، والبيهقي (١/ ٤١، ٤٣)، والبغوي في شرح السنة (٢٠٩).\nوأما رواية ابن أبي فديك، فأخرجها أبو يعلى الموصلي في مسنده (٦٤٠٩)، وابن ماجه (٣٩٩)، والدارقطني (١/ ٧٩).\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٥١٩) إلا أنه قال: يعقوب بن أبي سلمة، فخالف جميع من رواه، فإنهم قالوا: يعقوب بن سلمة، ولذلك قال الحاكم: إسناده صحيح، وقد احتج مسلم بيعقوب ابن أبي سلمة الماجشون. فتعقبه الذهبي في تلخيصه بأنه الليثي، ولين إسناده.\nوقال ابن دقيق العيد في الإمام كما في البدر المنير (٣/ ٢٢٨)، ونصب الراية (١/ ٣): «والذي نراه أن الحديث ليعقوب بن سلمة، وأنه وقع انتقال ذهني من يعقوب بن سلمة إلى يعقوب بن أبي سلمة، ثم قال: ولو سلم أنه يعقوب بن أبي سلمة فيحتاج إلى معرفة حال أبيه: أبي سلمة، واسمه: دينار. قال ابن الملقن: وهذا متين، فقد كشفت كتب الأسماء جرحًا وتعديلًا، فلم أر دينارًا هذا، بل لم أر أحدًا قال: إن الماجشون يروي عن أبيه، فتعين غلط الحاكم».اهـ\nوقال ابن حجر: ظن الحاكم أن يعقوب هو الماجشون، فصححه على شرط مسلم، فوهم، ويعقوب بن سلمة: هو الليثي، مجهول الحال. انظر فيض القدير (٦/ ٤٣٠)، تلخيص الحبير (١/ ٧٢).\nوالحديث فيه ثلاث علل:\nالأولى: ضعف يعقوب بن سلمة.\nروى عنه اثنان، ولم يوثقه أحد.\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٩/ ٢٠٨).\nوقال الذهبي: شيخ ليس بعمدة. ميزان الاعتدال (٩٨٢٢)، وفي الكاشف: ليس بحجة.\nوقال الحافظ في التقريب: مجهول الحال.\nالثانية: جهالة سلمة الليثي.\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٤/ ١٧٧).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. الثقات (٤/ ٣١٧) رقم ٣٠٩١، فقال الحافظ: وهذه عبارة عن ضعفه فإنه قليل الحديث جدًّا، ولم يرو عنه سوى ولده، فإذا كان يخطئ مع قلة ما روى، فكيف يوصف بكونه ثقة. تلخيص الحبير (١/ ٧٢). =","vol":"2","page":139},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال المنذري في الترغيب: سلمة لا يعرف، ما روى عنه غير ابنه يعقوب.\nوقال الذهبي: لا يعرف، ولا روى عنه سوى ولده يعقوب. الميزان (٣٤٢٠). قلت: ولم يسمع منه.\nوقال الحافظ في التقريب: لين الحديث.\nالثالثة: الانقطاع بين يعقوب بن سلمة، وبين أبيه، والانقطاع بين سلمة وأبي هريرة.\nقال البخاري ﵀: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه. التاريخ الكبير (٤/ ٧٦).\nوجاء الحديث عن أبي هريرة من طرق أخرى، كالتالي:\nالطريق الأول: أخرج الدارقطني (١/ ٧١)، والبيهقي (١/ ٤٤) من طريق محمود بن محمد أبي يزيد الظفري، عن أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه، وما صلى من لم يتوضأ.\nقال البيهقي: وهذا الحديث لا يعرف من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة إلا من هذا الوجه، وكان أيوب بن النجار يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث التقى: آدم وموسى، ذكره يحيى بن معين فيما رواه عنه ابن أبي مريم، فكان حديثه هذا منقطعًا. اهـ كلام البيهقي.\nوفي إسناده محمود بن محمد الظفري، قال الدارقطني: ليس بالقوي، فيه نظر. ميزان الاعتدال (٦/ ٣٨٣، ٣٨٤).\nالطريق الثاني: روى الطبراني في المعجم الصغير (١/ ١٣١) رقم ١٩٦، قال: حدثتا أحمد بن مسعود الزنبري أبو بكر بمصر، حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا إبراهيم بن محمد البصري، عن علي بن ثابت، عن محمد بن سيرين،\nعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: يا أبا هريرة إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله؛ فإن حفظتك لا تستريح تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء.\nقال الطبراني: لم يروه عن علي بن ثابت إلا إبراهيم بن محمد، تفرد به عمرو بن أبي سلمة.\nوفي إسناده: إبراهيم بن محمد بن ثابت الأنصاري:\nقال ابن عدي: إبراهيم بن محمد بن ثابت الأنصاري، مدني، روى عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره مناكير، ثم قال: ولإبراهيم بن محمد بن ثابت هذا غير ما ذكرته من الأحاديث، وأحاديثه صالحة محتملة، ولعله أتي ممن قد روى عنه. الكامل (١/ ٢٦٢).\nوقال الذهبي: ذو مناكير. ميزان الإعتدال (١٨٦).\nوقال الحافظ ابن حجر: أخرج الطبراني في الصغير من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن إبراهيم ابن محمد البصري، عن علي بن ثابت، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رفعه: يا أبا هريرة إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله ... الحديث، وهو منكر. لسان الميزان (١/ ٩٨). =","vol":"2","page":140},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-533> الدليل الثالث:</span>\n(١٨٦ - ٤٠) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا ابن أبي فديك، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه،\nعن جده عن النبي ﷺ قال: لا صلاة من لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. ولا صلاة لمن لا يصلي علي النبي ﷺ، ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار.\nقال أبو الحسن بن سلمة: حدثنا أبو حاتم، حدثنا عيسى عبيس بن مرحوم\n_________\n= وفيه إسناده عمرو بن أبي سلمة، مختلف فيه:\nقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: عمرو بن أبى سلمة ضعيف.\nوقال ابن أبي حاتم: سألت أبى عن عمرو بن أبى سلمة، فقال: يكتب حديثه ولا يحتج به. الجرح والتعديل (٦/ ٢٣٥).\nوقال العقيلي: في حديثه وهم. ضعفاء العقيلي (٣/ ٢٧٢).\nوقال ابن يونس: كان من أهل دمشق، قدم مصر، وسكن تنيس، حدث عن الأوزاعي وعن مالك بالموطأ، كان ثقة. تهذيب التهذيب (٨/ ٣٩).\nذكره ابن حبان في الثقات. (٨/ ٤٨٢).\nوفي التقريب: صدوق له أوهام.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده حسن!\nوقال الشوكاني في النيل: إسناده واهٍ.\nالطريق الثالث: ما رواه الطبراني في الأوسط (٩/ ٦٣) رقم ٩١٣٠، قال حدثنا مسعدة بن سعد، أخبرنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها؛ فإنه لا يدري أين باتت، ويسمي قبل أن يدخلها.\nقال الحافظ: تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن محمد بن يحيى، وهو متروك. التلخيص (١/ ٧٣).\nقلت: وعلى التنزل، فليست التسمية في الوضوء؛ لأنه خاص في من أراد أن يدخل يده في الإناء بعد الاستيقاظ، سواء كان لوضوء أم غيره، ولا يدخل فيه من أراد أن يتوضأ، وكان مستيقظًا.\nوانظر لمراجعة طرق الحديث: أطراف مسند أحمد (٧/ ٣٠١)، تحفة الأشراف (١٣٤٧٦)، إتحاف المهرة (١٨٨٨٧) و(٢٠٣٩٧).","vol":"2","page":141},{"text":"العطار، حدثنا عبد المهيمن بن عباس، فذكر نحوه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٠٠).\n(^٢) الحديث رواه الطبراني في الكبير (٦/ ١٢١) بإسناد ابن ماجه، إلا أنه اقتصر على قوله: لا صلاة لمن لم يصل على النبي ﷺ.\nورواه الدارقطني (١/ ٣٥٥) من طريق علي بن بحر، حدثنا عبد المهيمن بن عباس به، بلفظ: لا صلاة لمن لم يصل على نبيه ﷺ. قال الدارقطني: عبد المهيمن ليس بالقوي.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٩٩٢) من طريق علي بن بحر، عن عبد المهيمن به، بلفظ: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على نبي الله في صلاته.\nقال الحاكم: لم يخرج هذا الحديث على شرطهما؛ فإنهما لم يخرجا لعبد المهيمن.\nومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٧٩).\nوفي إسناده عبد المهيمن:\nقال البخاري وأبو حاتم الرازي: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٦/ ١٣٧)، الجرح والتعديل (٦/ ٦٧).\nوقال ابن معين: ضعيف. ضعفاء العقيلي (٣/ ١١٤).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٣٨٦).\nوقال الحافظ أبو نعيم الأصباني: عبد المهيمن عن آبائه أحاديث منكرة لا شيء. ضعفاء الأصبهاني (١٣٨).\nوقد تابع أبي بن عباس أخاه عبد المهيمن، فقد أخرجه الطبراني في الكبير (٥٦٩٩) من طريق عبيد الله بن محمد بن المنكدري، حدثنا بن أبي فديك، عن أبي بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، به.\nولم أقف على ترجمة عبيد الله بن محمد المنكدري لأنظر في مخالفته لدحيم وعلي بن بحر، فإنهما روياه عن ابن أبي فديك، عن عبد المهيمن، وليس عن أخيه، ولذلك قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٠٩): عبد المهيمن هذا متروك، وقد رواه الطبراني من رواية أخيه أبي ابن عباس، ولكن في ذلك نظر؛ وإنما يعرف من رواية عبد المهيمن.\nقلت: وأبي بن عباس فيه ضعف. جاء في ترجمته:\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٢/ ٢٩٠).\nوقال ابن معين: ابنا العباس أبي وعبد المهيمن ضعيفان. ضعفاء العقيلي (١/ ١٦). ...\nذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٥١).\nوقال أحمد: منكر الحديث. الكاشف (٢٢٩).\nوقال النسائي: ليس بالقوي.\nروى له البخاري حديثًا واحدًا في كتاب الجهاد، قال ابن حجر في هدي الساري (ص: ٣٨٩): تابعه عليه أخوه عبد المهيمن ابن العباس.\nوفي التقريب: ضعيف.\nوانظر تحفة الأشراف (٤٨٠٣)، إتحاف المهرة (٦٢٦٥).","vol":"2","page":142},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-534> الدليل الرابع:</span>\n(١٨٧ - ٤١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن حارثة،\nعن عمرة قالت: سألت عائشة كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ قالت: كان إذا توضأ، فوضع يده في الماء، سمى فتوضأ، ويسبغ الوضوء.\n[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٢) رقم ١٦.\nوالحديث رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦)، وإسحاق بن راهوية في مسنده (٩٩٩) والطبراني في الدعاء (٣٨٣)، عن عبدة.\nوأبو يعلى في مسنده (٤٦٨٧، ٤٧٩٦، ٤٨٦٤) وابن عدي في الكامل (٢/ ١٩٨) من طريق ... ابن أبي زائدة.\nورواه البزار في مسنده (٣٠٦) والدارقطني (١/ ٧٢) من طريق شجاع بن الوليد.\nورواه الدارقطني (١/ ٧٢) من طريق جعفر الأحمر، كلهم عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة به.\nوحارثة جاء في ترجمته:\nقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (١١٣).\nقال أحمد بن حنبل: ضعيف ليس بشيء. الجرح والتعديل (٣/ ٢٥٥).\nوقال الدوري عن يحيى بن معين: ليس بثقة. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث، ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة عن حارثة: واهي الحديث ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٢٠): رواه أبو يعلى، وروى البزار بعضه، ومدار الحديثين على حارثة بن محمد، وقد أجمعوا على ضعفه.\nوقال الحافظ في التخليص (١/ ٧٥): وفي إسناده حارثة بن محمد، وهو ضعيف، وضعف به. قال ابن عدي: بلغني عن أحمد أنه نظر في جامع إسحاق بن راهوية، فإذا أول حديث أخرجه هذا الحديث، فأنكره جدًّا، وقال: هذا أول حديث يكون في الجامع عن حارثة!! وروى الحربي أنه قال: هذا يزعم أنه اختار أصح شيء في الباب، وهذا أضعف حديث فيه».اهـ","vol":"2","page":143},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-535> الدليل الخامس:</span>\n(١٨٨ - ٤٢) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يحيى بن يزيد بن عبد الله ابن أنيس، قال: حدثني عيسى بن سبرة، عن أبيه،\nعن جده قال: صعد رسول الله ذات يوم المنبر فحمد، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولم يؤمن بالله من لم يؤمن بي، ولم يؤمن بي من لم يعرف حق الأنصار.\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن سبرة إلا بهذا الإسناد (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-536> الدليل السادس:</span>\n(١٨٩ - ٤٣) ما رواه ابن عدي في الكامل، قال: حدثنا محمد بن علي بن مهدي العطار، ثنا الحسن بن محمد بن أبي عاصم، ثنا عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده،\nعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٢/ ٢٦) رقم ١١١٥.\n(^٢) أخرجه أبو بكر في الآحاد والمثاني (٨٧٣) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٩٦) من طريق يحيى بن يزيد بن عبد الله بن أنيس به.\nورواه الدولابي في الكنى، والبغوي في الصحابة كما في تلخيص الحبير (١/ ٧٥) من طريق عيسى بن سبرة به. وذكره ابن حجر في الإصابة (٢/ ١٤٦) رقم ١٨٩٣.\nقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٢٨): «وعيسى بن سبرة، وأبوه، وعيسى بن يزيد لم أر من ذكر أحدًا منهم».\nوضعفه الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ٧٥).","vol":"2","page":144},{"text":"وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-537> الدليل السابع:</span>\n(١٩٠ - ٤٤) ما رواه أحمد في المسند، قال: حدثنا هيثم - يعنى: ابن خارجة- حدثنا حفص بن ميسرة، عن ابن حرملة، عن أبي ثفال المزني أنه قال: سمعت رباح بن عبد الرحمن ابن حويطب يقول: حدثتني جدتي أنها سمعت أباها يقول:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار (^٣).\n_________\n(^١) الكامل (٥/ ٢٤٣)، قال ابن عدي عقبه: وبهذا الإسناد أحاديث حدثناها ابن مهدي - يعني العطار - ليست بمستقيمة.\n(^٢) في إسناده عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر.\nقال أبو حاتم الرازي: لم يكن بقوي الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ٢٨٠).\nقال فيه أبو نعيم: روى عن أبيه، عن آبائه أحاديث مناكير، لا يكتب حديثه لا شيء. ضعفاء الأصبهاني (١٧٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: في حديثه بعض المناكير. الثقات (٨/ ٤٩٢) إلا أنه رجع فذكره في المجروحين، وقال: يروي، عن أبيه، عن آبائه أشياء موضوعة، لا يحل الاحتجاج به، كأنه كان يهم ويخطئ حتى كان يجيء بالأشياء الموضوعة عن أسلافه، فبطل الاحتجاج بما يرويه لما وصفت. المجروحين (٢/ ١٢١).\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. الكامل (٥/ ٢٤٢).\nوقال الدارقطني: متروك الحديث. السنن (٢/ ٢٦٣).\nووالده: عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، ذكره ابن أبي حاتم والبخاري وسكتا عليه، فلم يذكرا فيه شيئًا. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ، فإذا كان قليل الحديث، ويخطئ فهو إلى الضعف أقرب، وقال ابن المديني: وهو وسط. وهي عبارة توهين.\n(^٣) المسند (٥/ ٣٨١).","vol":"2","page":145},{"text":"[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١) الحديث اختلف في إسناده: فرواه عبد الرحمن بن حرملة، واختلف عليه في إسناده:\nفرواه حفص بن ميسرة كما في مسند أحمد (٥/ ٣٨١)، والدعاء للطبراني (٣٧٧).\nووهيب كما في مسند أحمد (٦/ ٣٨٢)، ومصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٢) وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٦، ٢٧)، ومسند الشاشي (٢٢٨)، وسنن الدارقطني (١/ ٧٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٤٣)، والضعفاء للعقيلي (١/ ١٧٧).\nوبشر بن المفضل كما في سنن الترمذي (٢٧) وسنن الدارقطني (١/ ٧٣)، وتعظيم قدر الصلاة للمروزي (٤٨٢)، والدعاء للطبراني (٣٧٤).\nوابن أبي فديك كما في سنن الدارقطني (١/ ٧٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٤٣).\nويعقوب بن عبد الرحمن كما في سنن الدارقطني (١/ ٧٣).\nوسليمان بن بلال كما في كتاب الطهور لأبي عبيد (٥٢).\nوأبو معشر البراء كما في الدعاء للطبراني (٣٧٦).\nسبعتهم عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن بن حويطب، عن جدته، عن أبيه سعيد بن زيد.\nوخالف هؤلاء إسحاق بن حازم كما في العلل لابن أبي حاتم (٢٥٨٩)، فرواه عن عبد الرحمن ابن حرملة، عن ثفال بن أبي ثفال، عن رباح بن عبد الرحمن، عن أمه بنت زيد بن نفيل، قال: قال رسول الله ﷺ ... وذكره. جعله من مسند بنت زيد ولم يبلغ به سعيد بن زيد.\nكما رواه الدراوردي في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٦) عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن العامري، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة.\nورواية الجماعة أصح.\nفقد توبعت الجماعة في روايتهم عن ابن حرملة من مسند سعيد بن زيد.\nفقد رواه يزيد بن عياض كما في مسند أحمد (٤/ ٧٠)، وسنن الترمذي (٢٦)، وسنن ابن ماجه (٣٩٨)، والدعاء للطبراني (٣٧٣).\nوالحسن بن أبي جعفر كما في مسند أبي داود الطيالسي (٢٤٣)، كلاهما عن أبي ثفال عن رباح بن عبد الرحمن بن حويطب، عن جدته أسماء بنت سعيد بن زيد، عن أبيها سعيد بن زيد.\nورواه سليمان بن بلال كما في شرح معاني الآثار الطحاوي (١/ ٢٧) ومستدرك الحاكم (٦٨٩٩) فرواه عن أبي ثفال به، ولم يقل: إنها سمعت أباها، فجعله من مسند أسماء بنت سعيد بن زيد.\nقال أبو حاتم الرازي في العلل لابنه (٦/ ٣٦٠): «الصحيح: عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن بن حويطب، عن جدته، عن أبيها سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ». =","vol":"2","page":146},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-538> الدليل الثامن:</span>\n(١٩١ - ٤٥) ما ذكره عبد الحق في أحكامه كما في البدر المنير (^١)، من طريق ... عبد الملك بن حبيب الأندلسي، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن ثابت،\n_________\n= ولا يقصد أبو حاتم الصحة المطلقة وإنما قصد به بالنسبة لهذا الاختلاف، ولذلك قال قبل (١٢٩): «ليس عندنا بذاك الصحيح، أبو ثفال مجهول، ورباح مجهول».اهـ\nوقال العقيلي في الضعفاء (١/ ١٧٧): «الأسانيد في هذا الباب فيها لين».\nوسئل عنه الدارقطني في العلل (٤/ ٤٣٣)، فقال: «رواه عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن أبي ثفال، واختلف عنه؛ فقال وهيب، وبشر بن المفضل، وابن أبي فديك، وسليمان بن بلال، عن أبي حرملة، عن أبي ثفال، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، عن النبي ﷺ. وأبوها هو سعيد بن زيد.، وخالفهم حفص بن ميسرة، وأبو معشر نجيح، وإسحاق بن حازم، فرووه عن أبي حرملة، عن أبي ثفال، عن رباح، عن جدته، أنها سمعت رسول الله ﷺ، ولم يذكروا أباها في الإسناد». اهـ\nقلت: رواية حفص بن ميسرة قد خرجتها من مسند أحمد والدعاء للطبراني كرواية وهيب ومن معه بذكر أبيها، والله أعلم.\nوقال الترمذي: «روى هذا الحديث وكيع، عن حماد بن سلمة، عن صدقة مولى بن الزبير، عن أبي ثفال، عن أبي بكر بن حويطب، عن النبي ﷺ، وهذا حديث مرسل».\nوالحديث على اختلاف طرقه تدور على أبي ثفال المري، واسمه ثمامة بن وائل بن حصين، جاء في ترجمته:\nذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٢/ ٤٦٧)، وقد قال أبوه في العلل (١٢٩): «أبو ثفال مجهول، ورباح مجهول».اهـ\nوقال البخاري: أبو ثقال، عن رباح بن عبد الرحمن في حديثه نظر. ضعفاء العقيلي (٢/ ١٧٧)، تهذيب التهذيب (٢/ ٢٧).\nوقال الذهبي: ما هو بقوي، ولا إسناده بمرضي، ميزان الاعتدال (٤/ ٥٠٨).\nوقال أبو حاتم الرازي وأبو زرعة: ليس عندنا بذاك الصحيح. انظر العلل (١٢٩).\nوانظر لمراجعة طرقه: أطراف المسند (٢/ ٤٧٣)، تحفة الأشراف (٤٤٧٠)، إتحاف المهرة (٥٨٧١).\n(^١) البدر المنير (٣/ ٢٥١).","vol":"2","page":147},{"text":"عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ، قال: لا إيمان لمن لم يؤمن بي، ولا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يسم الله.\n[ضعيف جدًّا] (^١).\nقالوا: فهذه أحاديث ثمانية منها الضعيف جدًّا الذي لا ينجبر، ومنها الضعيف المنجبر بالمتابعات.\nقال أبو بكر بن أبي شيبة: «ثبت لنا أن النبي ﷺ قاله».\nوقال المنذري: «ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها على الوضوء، وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوة، والله أعلم» (^٢).\nوقال ابن الملقن في البدر المنير: «وذكرنا من الأحاديث ما يستدل الفقهاء بمثله، ويستند العلماء في الأحكام إليه، فليس من شأنهم أن لا يحتجوا إلا بالصحيح، بل أكثر احتجاجهم بالحسن، ولا يخلو هذا الباب في ذلك عن حسن صريح» (^٣).\nوقال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: روي هذا الحديث من وجوه في كل منها نظر، لكنها غير مطرحة، وهي من قبيل ما يثبت باجتماعه الحديث ثبوت الحديث الموسوم بالحسن.\nوحسنه العراقي كما في نتائج الأفكار.\nوقال الحافظ: «والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا» (^٤).\n_________\n(^١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٢٨): وعبد الملك شديد الضعف، وفي التقريب ذكره تمييزًا، وقال: صدوق ضعيف الحفظ، كثير الغلط.\n(^٢) الترغيب والترهيب (١/ ٨٨).\n(^٣) البدر المنير (٢/ ٩٠).\n(^٤) تلخيص الحبير (١/ ١٢٨).","vol":"2","page":148},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-539> دليل من قال: لا تشرع التسمية:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-540> الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nأن الآية لم تذكر التسمية، ولو كانت مشروعة لذكرت فيها.\n- وممكن أن يجاب عن ذلك:\nأن الآية غاية ما فيها أنها لم تذكر التسمية، وهذا لا يمنع أن الزيادة على ما في الآية من دليل آخر، فلا يشترط في الدليل الواحد أن يكون مشتملًا على جميع الشروط والواجبات، ولا تحرم الزيادة على ما في الآية من دليل آخر كما زيد في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير على ما ورد في آية المائدة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-541> الدليل الثاني:</span>\nالأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل صحيح على المشروعية، ولم يثبت في الباب حديث صحيح.\nجاء في مسائل الكوسج لأحمد «قال: قلت: إذا توضأ، ولم يسم؟ قال: لا أعلم فيه حديثًا له إسناد جيد» (^١).\nوفي مسائل أحمد رواية أبي داود: «قلت: لأحمد: التسمية في الوضوء؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء، ولا يعجبني أن يتركه خطأ ولا عمدًا، وليس فيه إسناد، قال أبو داود: يعني: لحديث النبي ﷺ لا وضوء لمن لم يسم» (^٢).\n_________\n(^١) مسائل الكوسج (٢)، وقال الترمذي في السنن (١/ ٣٨): «لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد»، وانظر مسائل أبي داود (٣١)، وابن هاني (١٧) ومسائل عبد الله (١/ ٨٩، ٩٠).\n(^٢) مسائل أبي داود (٣١).","vol":"2","page":149},{"text":"وقال أحمد بن حفص السعدي: «سئل أحمد بن حنبل -يعني: وهو حاضر- عن التسمية في الوضوء؟ فقال: لا أعلم حديثًا يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد، عن ربيح، وربيح رجل ليس بمعروف» (^١).\nفلو كانت التسمية واجبة في الوضوء، ومنزلتها من الوضوء كمنزلة الوضوء من الصلاة لجاءت الأحاديث الصحيحة التي تقوم بها الحجة على الخلق، ولم ينفرد بهذه الأحاديث الرواة المتكلم فيهم، وفيهم المجروح جرحًا شديدًا، (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) [التوبة: ١١٥].\n- وأجيب:\nقال ابن حجر تعليقًا على مقالة الإمام أحمد: «لا يلزم من نفي العلم نفي الثبوت، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت ثبوت الضعف؛ لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحكم بالحسن، ولا على التنزل لا يلزم من نفي الثبوت عن كل فرد نفيه عن المجموع» (^٢).\nوسوف يأتي الجواب عن تعقيب ابن حجر ضمن الكلام على الدليل التالي:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-542> الدليل الثالث:</span>\nقالوا: لم يرد ذكر التسمية في الأحاديث الصحيحة التي سيقت في صفة وضوء النبي ﷺ، ولا يليق بصحابة رسول الله ﷺ وهم ينقلون لنا صفة وضوء النبي ﷺ أن يهملوا التسمية، وهي واجبة كوجوب الوضوء للصلاة، وإليك بعضًا منها.\n(١٩٢ - ٤٦) منها ما رواه البخاري، من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه،\nأن رجلًا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ فقال عبد الله بن زيد نعم فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل\n_________\n(^١) الكامل (٣/ ١٧٣)، وانظر بحر الدم (٢٨٧).\n(^٢) الفتح (١/ ٢٢٣).","vol":"2","page":150},{"text":"مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثًا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه. ورواه مسلم (^١).\nفهذا الحديث سيق جوابًا على سؤال: كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ والسؤال إنما هو عن الوضوء الشرعي الصحيح، فلو كان الوضوء لا يصح إلا بالتسمية لوجب بيانها؛ لأن تركها حينئذ سوف يخل بصحة الوضوء، فلا يصدق عليه أن هذا وضوء رسول الله ﷺ، فكيف تكون التسمية واجبة كوجوب الوضوء للصلاة؟ !\nولا يصح مخرجًا من هذا أن يقال: إن قوله: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه إنما هو نفي للكمال؛ وذلك لأن الأحاديث التي فيها ذكر التسمية، جعلت منزلة التسمية من الوضوء، كمنزلة الوضوء من الصلاة، فسقط حمل النفي فيها على الكمال، فيلزم من يصحح أحاديث التسمية أن يقول: بأن التسمية شرط لصحة الوضوء، لا يصح الوضوء مطلقًا إلا بها، فإذا تركها لم يصح وضوؤه، سواء كان تركه لها ناسيًا أو ذاكرًا، كالصلاة بلا وضوء، وقد جمع بينهما الحديث، لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، فكما أن الصلاة لا تصح مطلقًا إلا بالطهارة، ولو ترك الطهارة ناسيًا لم تصح صلاته، فكذلك الوضوء، ولو قالوا بهذا لزمهم القدح بالأحاديث الصحيحة التي ذكرت صفة وضوء النبي ﷺ وليس فيها ذكر التسمية، وكان لزامًا إما القول بأن الصحابي قصر في هذا النقل، أو عدم الأخذ بظاهر أحاديث التسمية.\nولذلك فالحنابلة القائلون بوجوب التسمية في الوضوء يصححون الوضوء إذا نسي التسمية، ولا يجعلون التسمية بمثابة الوضوء للصلاة، وهذا دليل على ضعف هذا القول؛ لأنهم لم يأخذوا بظاهر أحاديث التسمية، ولم يدعوها بالكلية.\nومن الأحاديث التي سيقت في صفة وضوء النبي ﷺ ولم تذكر التسمية:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥).","vol":"2","page":151},{"text":"(١٩٣ - ٤٧) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره،\nأنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nوجه الاستدلال من الحديث كوجه الاستدلال من الذي قبله، حيث لم يشتمل هذا الوضوء على التسمية، ثم قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا) أي نحو فعلي هذا، فصحح الوضوء مع خلوه من التسمية.\n-والجواب عن أحاديث التسمية أن يقال:\nإذا كانت الأحاديث ضعيفة، لم تكن صالحة للاحتجاج، وليس كل ضعيف ينجبر إذا جاء من طريق آخر، خاصة إذا كانت الأحاديث تخالف أصلًا شرعيًا، أو تخالف أحاديث صحيحة، فآية الوضوء من سورة المائدة ليس فيها ذكر التسمية، والأحاديث الصحيحة التي سيقت لنا في وصف وضوء النبي ﷺ من حديث عثمان ﵁ في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وغيرهم كثير لم تذكر لنا التسمية، وهي إنما سيقت في بيان صفة وضوء النبي ﷺ، وقد ذكروا في بعضها التثليث.\nوهناك قاعدة: إذا كان الحكم يحتاج إليه حاجة عامة متكررة، لا بد أن يأتي فيه البلاغ بأدلة صحيحة تقوم بها الحجة، فانظر إلى الوضوء ومنزلته في الشرع، فهو شرط\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٣٦).","vol":"2","page":152},{"text":"لأعظم أركان الإسلام العملية: وهي الصلاة، وبدون هذا الوضوء تكون الصلاة باطلة، وعبادة الوضوء تتكرر في اليوم عدة مرات، فالحاجة إلى معرفة الوضوء الصحيح حاجة ملحة عامة، فكيف تأتي سنن الوضوء بأحاديث صحيحة قاطعة للنزاع، ثم تعرض جميع الأحاديث الصحيحة عن ذكر التسمية، ويكون مدارها على أحاديث ضعيفة مع أن منزلة التسمية من الوضوء بمنزلة الوضوء من الصلاة؟\nفهذا القول هو أقوى الأدلة بحسب فهمي القاصر، وأن التسمية غير مشروعة في الوضوء، كما هي غير مشروعة في الغسل من الجنابة وفي طهارة التيمم، والتسمية لا تشرع لكل عبادة حتى يقال بمشروعيتها في الوضوء، فهناك عبادات لا تشرع فيها التسمية جزمًا، كالدخول في الصلاة، والشروع في الأذان، ومثلهما على الصحيح رمي الجمارات، وابتداء الطواف، والله أعلم.\nويأتي بعد هذا القول من حيث القوة القول بأنها مستحبة، وأما القول بالوجوب فهو قول ضعيف، وأضعف منه القول بأن التسمية شرط لصحة الوضوء، وكنت فيما كتبت في كتاب الحيض والنفاس قد ذهبت إلى استحباب التسمية في الوضوء، ثم رجعت عن ذلك في هذا البحث حين تأملت الأدلة، ورأيت أن القول المنسوب إلى مالك من كراهة التسمية في الوضوء يتمشى مع القواعد الفقهية، وهذا شأن الأمور الفقهية، بل الأمور الاجتهادية، فربما يرى الإنسان رأيًا، ويخلص في بحثه أنه الصواب ثم يقف على ما يدعوه إلى تركه، وهذا طريق من يبحث عن الحق بتجرد، دون تعصب لقول من الأقوال، ولم يبتل باتباع الجمهور، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>الفصل الثاني في استحباب السواك للوضوء</span>\n[م-١٠٤] طهارة السواك من طهارة التفث ويأتي في مبحث مستقل نظرًا لكثرة أحكامه، وسوف أشير هنا فقط لما له تعلق في الوضوء، في كون السواك من سنن الوضوء، فأقول: في هذه المسألة خلاف بين العلماء:\nفقيل: السواك مستحب في الوضوء، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية (^١).\n_________\n(^١) في مذهب الحنفية قولان. قال ابن عابدين: قيل: إنه مستحب؛ لأنه ليس من خصائص الوضوء، وصححه الزيلعي وغيره. وقال في فتح القدير: إنه الحق، قال ابن عابدين: لكن في شرح المنية الصغير: وقد عده القدوري والأكثرون من السنن، وهو الأصح. قال ابن عابدين: وعليه المتون. حاشية ابن عابدين (١/ ١١٣)، وانظر البحر الرائق (١/ ١/٢١)، وتبيين الحقائق (١/ ٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٦)، فتح القدير (١/ ٢٤، ٢٥)، وانظر بدائع الصنائع (١/ ١٩).\nوفي مذهب المالكية أيضًا قولان: المشهور: أنه مستحب، واختار ابن عرفة أنه سنة. انظر: التاج والإكليل (١/ ٣٨٠)، وعده فضيلة (أي من المستحبات)، وكذلك اعتبره الخرشي (١/ ١٣٨) من الفضائل. وقال في مواهب الجليل (١/ ٢٦٤): «أما حكمه فالمعروف في المذهب أنه مستحب، وقال ابن عرفة: والأظهر أنه سنة؛ لدلالة الأحاديث على مثابرته ﷺ عليه». وانظر المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٣٠).","vol":"2","page":154},{"text":"وقيل: سنة، وهو قول في مذهب الحنفية أيضًا، ومذهب الشافعية، والحنابلة (^١)، واختاره ابن عرفة، وابن العربي من المالكية (^٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-544> دليل من قال: السواك مستحب وليس بسنة:</span>\nفرق بعض الفقهاء بين المستحب والسنة فقالوا:\nالسنة: ما واظب عليه النبي ﷺ.\nوالمستحب: ما فعله مرة أو مرتين. وألحق بعضهم به ما أمر به، ولم ينقل أنه فعله (^٣).\n_________\n(^١) انظر قول الحنفية في: البحر الرائق (١/ ١/٢١)، وتبيين الحقائق (١/ ٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٦)، فتح القدير (١/ ٢٤، ٢٥).\nوفي مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (١/ ٣٢٨): «الثالث -يعني من الأحوال التي يتأكد فيها استحباب السواك- عند الوضوء، اتفق عليه أصحابنا، ممن صرح به صاحبا الحاوي، والشامل، وإمام الحرمين، والغزالي، والروياني، ولا يخالف هذا اختلاف الأصحاب في أن السواك هل هو من سنن الوضوء أم لا؟ فإن ذلك الخلاف إنما هو في أنه يعد من سنن الوضوء أم سنة مستقلة عند الوضوء لا منه. وكذا اختلفوا في التسمية وغسل الكفين، ولا خلاف أنهما سنة، وإنما الخلاف في كونها من سنن الوضوء». اهـ. وانظر أسنى المطالب (١/ ٣٦)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٨)، وفتاوى الرملي (١/ ٥١)، تحفة المحتاج (١/ ٢١٣). نهاية المحتاج (١/ ١٧٧).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ١١٨)، كشاف القناع (١/ ٩٤). مطالب أولي النهى (١/ ٩٢).\n(^٢) انظر قول ابن عرفة في التاج والإكليل (١/ ٣٨٠)، الشرح الصغير (١/ ١٢٥).\nوقال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٧٩) وقال: «السواك من سنن الوضوء، لا من فضائله».\n(^٣) بعض العلماء لم يفرق بين المستحب والسنة والمندوب والنفل، وجعلها كلها ألفاظًا مترادفة، وقد ذكر الرازي في المحصول ستة أسماء تطلق على المندوب، هي: مرغب فيه، ومستحب، ونفل، وتطوع، وسنة، وإحسان. انظر المحصول (١/ ١٢٩ - ١٣٠).\nوقال السبكي في الإبهاج (١/ ٥٧): بعدما عرف المندوب، قال: ويسمى سنة ونافلة، ومن أسمائه أيضًا أنه مرغب فيه وتطوع ومستحب والترادف في هذه الأسماء عليه أكثر الشافعية وجمهور الأصوليين. اهـ =","vol":"2","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وجاء في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب (١/ ٢٠٧): والمندوب في عرف الشرع ما أثيب فاعله، كالسنن الرواتب ولو قولًا كأذكار الحج وغيره، أو عمل قلب كالخشوع في الصلاة، ولم يعاقب تاركه. ويسمى المندوب سنة ومستحبًّا وتطوعًا وطاعة ونفلًا وقربةً ومرغبًا فيه وإحسانًا. قال الإمام العلامة ابن حمدان في مقنعه: ويسمى الندب تطوعًا وطاعةً ونفلًا وقربةً إجماعًا، وهذا والله أعلم بحسب اصطلاح الفقهاء والأصوليين، وأما المحدثون فيخصون المسنون بما ثبت عنه ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته، لا على سبيل الوجوب. اهـ\nوبعضهم فرق بينها، كما هو مذهب الحنفية والقاضي حسين والبغوي من الشافعية وبعض الحنابلة، وإليك النقول عنهم:\nجاء في البحر الرائق (١/ ٢٩): ما واظب ﷺ عليه مع تركٍ ما بلا عذر سنة.\nوما لم يواظب عليه مندوب ومستحب، وإن لم يفعله بعد ما رغب فيه كذا في التحرير.\nوجاء في بدائع الصنائع (١/ ٢٤): الفرق بين السنة، والأدب أن السنة ما واظب عليه رسول الله ﷺ ولم يتركه إلا مرة أو مرتين لمعنى من المعاني.\nوالأدب ما فعله مرة أو مرتين، ولم يواظب عليه. اهـ وانظر حاشية ابن عابدين (٢/ ٣٧٥).\nوجاء في طرح التثريب (٣/ ٢٩): المشهور عند أصحابنا الشافعية أن التطوع ما رجح الشرع فعله على تركه وجاز تركه، فالتطوع والسنة والمستحب والمندوب والنافلة والمرغب فيه والحسن ألفاظ مترادفة. وقال آخرون: ما عدا الفريضة ثلاثة أقسام: (سنة) وهو ما واظب عليه رسول الله ﷺ.\n(ومستحب): وهو ما فعله أحيانا ولم يواظب عليه، وكذا لو أمر به ولم يفعله، كما صرح به الخوارزمي في الكافي، ومثاله الركعتان قبل المغرب.\n(وتطوع): وهو ما ينشئه الإنسان ابتداء من غير أن يرد فيه نقل من الشرع.\nوفرق المالكية بين السنة والفضيلة، وضابطه عندهم كما قال بعضهم: إن كل ما واظب عليه النبي ﷺ مظهرًا له في جماعة، فهو سنة، وما لم يواظب عليه وعده في نوافل الخير فهو فضيلة، وما واظب عليه ولم يظهره كركعتي الفجر ففي كونه سنة أو فضيلة قولان. اهـ نقلًا من طرح التثريب.\nوجاء في البحر المحيط (١/ ٣٧٨): «قال القاضي حسين والبغوي: ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام: سنة: وهي ما واظب عليها النبي ﷺ.\nومستحب: وهو ما فعله مرة أو مرتين، وألحق بعضهم به ما أمر به ولم ينقل أنه فعله. وتطوعات: وهو ما لم يرد فيه بخصوصه نقل، بل يفعله الإنسان ابتداء كالنوافل المطلقة.\nورده القاضي أبو الطيب في «المنهاج» بأن النبي ﷺ حج في عمره مرة واحدة، وأفعاله فيها سنة وإن لم تتكرر، والاستسقاء من الصلاة والخطبة لم ينقل إلا مرة، وذلك سنة مستحبة اهـ.\nوفيه وجه ثالث: أن النفل والتطوع لفظان مترادفان، وهما ما سوى الفرائض والسنن، والمستحب، ونحو ذلك أنواع لها. =","vol":"2","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفيه وجه رابع: قاله الحليمي: السنة ما استحب فعله وكره تركه، والتطوع ما استحب فعله ولم يكره تركه.\nوفيه وجه خامس: حكاه في باب الوضوء من «المطلب»: السنة ما فعله ﷺ، والمستحب ما أمر به سواء فعله أو لا، أو فعله ولم يداوم عليه، فالسنة إذا مأخوذة من الإدامة، وقيل: السنة ما ترتب كالرواتب مع الفرائض، والنفل والندب ما زاد على ذلك. حكاه الشيخ أبو إسحاق في اللمع».\nوقال ابن السمعاني في القواطع: «النفل قريب من الندب، إلا أنه دونه في الرتبة».\nوعند المالكية ما ارتفعت رتبته في الأمر وبالغ الشرع في التخصيص منه يسمى سنة، وما كان في أول هذه المراتب تطوعًا ونافلةً، وما توسط بين هذين فضيلة ومرغبًا فيه. وفرق أبو حامد الإسفراييني بين السنة والهيئة: بأن الهيئة ما يتهيأ بها فعل العبادة، والسنة ما كانت في أفعالها الراتبة فيها، وجعل التسمية وغسل الكفين في الوضوء من الهيئات، والمشهور أنهما سنة، والخلاف يرجع إلى العبارة. وقال ابن العربي أخبرنا الشيخ أبو تمام بمكة. قال: سألت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي ببغداد عن قول الفقهاء: إنه سنة وفضيلة ونفل وهيئة، فقال: هذه عامية في الفقه، وما يجوز أن يقال: إلا فرض لا غير، قال: وقد اتبعهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني فذكر أن في الصلاة سنة وهيئة، وأراد بالهيئة رفع اليدين ونحوه. قال: وهذا كله يرجع إلى السنة. قال: وأما أنا فقد سألت عن هذا أستاذي القاضي أبا العباس الجرجاني بالبصرة. فقال: هذه ألقاب لا أصل لها، ولا نعرفها في الشرع. قلت له: قد ذكرها أصحابنا البغداديون عبد الوهاب وغيره، فقال: الجواب عليكم. قال ابن العربي: وفرق أصحابنا النظار، فقالوا: السنة ما صلاها النبي ﷺ في جماعة وداوم عليها، ولهذا لم يجعل مالك ركعتي الفجر سنة، والفضيلة ما دخل في الصلاة وليس من أصل نفسها كالقنوت وسجود التلاوة، قال: وهذا خلاف لفظي لا يظهر إلا في الثواب، فالسنة أعلى المراتب، والندب ومتعلقه من الثواب أكثر من غيره، وقد ركب الشافعي مسلكا ضيقًا، فأطلق على الجميع سنة، ثم قال: إن ترك السورة لا يقتضي سجود السهو، وترك القنوت يقتضي، حتى قال أصحابنا: لا يوجد بينهما فرق. اهـ نقلًا من البحر المحيط.\nوجاء في شرح الكوكب المنير وهو حنبلي (ص: ١٢٦): ويسمى المندوب: سنة ومستحبًا وتطوعًا وطاعةً ونفلًا وقربةً ومرغبًا فيه وإحسانًا، قال ابن حمدان في مقنعه: ويسمى الندب تطوعًا وطاعةً ونفلًا وقربةً إجماعًا.\nثم قال: (وأعلاه) أي أعلا المندوب (سنة)، ثم فضيلة، ثم نافلة) قال الشيخ أبو طالب مدرس المستنصرية من أئمة أصحابنا في حاويه الكبي: إن المندوب ينقسم ثلاثة أقسام. أحدها: ما يعظم أجره، فيسمى سنة.\nوالثاني: ما يقل أجره، فيسمى نافلة.\nوالثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين، فيسمى فضيلة ورغيبة. اهـ","vol":"2","page":157},{"text":"وهذا التفريق بين السنة والمستحب لا دليل عليه،، والصحيح: أن لفظ السنة والمندوب والمستحب ألفاظ مترادفة، في مقابل الواجب، ولو سلم هذا التفريق فإن السواك سنة أيضًا، لأن الرسول ﷺ كان يتعاهده ليلًا ونهارًا، حتى استاك ﷺ، وهو في سكرات الموت.\nقال ابن العربي: «لا زم النبي ﷺ السواك فعلًا، وندب إليه أمرًا، حتى قال في الحديث الصحيح: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) وما غفل عنه قط، بل كان يتعاهده ليلًا ونهارًا، فهو مندوب إليه، ومن سنن الوضوء، لا من فضائله».اهـ كلام ابن العربي (^١).\nوقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على مواظبة النبي ﷺ على السواك منها، ما يلي:\n(١٩٤ - ٤٨) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن أبي وائل،\nعن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ورواه مسلم أيضًا.\nفقوله: (إذا قام من الليل) دليل على تكرار ذلك منه ﷺ كلما قام من الليل.\n(١٩٥ - ٤٩) ومنها حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك، وهو حديث صحيح (^٢).\nولفظ: (كان) يدل على فعله دائمًا أو غالبًا. فكيف يقال بعد هذه الأحاديث الصحيحة: إن الرسول ﷺ لم يواظب عليه.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-545>دليل من قال: السواك سنة عند الوضوء:</span>\n(١٩٦ - ٥٠) ما رواه أحمد من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٢/ ٧٩).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد العاشر، رقم (٢٣٥٣).","vol":"2","page":158},{"text":"عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (^١).\nواختلف القائلون بأنه سنة:\nهل هو من سنن الوضوء، أو هو سنة مستقلة عند الوضوء على قولين:\nفقيل: إنه سنة مستقلة، يسن عند الوضوء\n- تعليلهم:\nأن السواك أولًا، ليس مختصًا بالوضوء.\nوثانيًا: أنه ليس من جنس أفعال الوضوء؛ لأن الوضوء هو استعمال الماء بنية مخصوصة، والسواك ليس فيه استعمال ماء (^٢).\nوقيل: بل هو من سنن الوضوء، قال إمام الحرمين: ليس شرط كون الشيء من الشيء أن يكون من خصائصه، فإن السجود ركن في الصلاة، ومشروع في غيرها لتلاوة، وشكر (^٣). وأرى أن الخلاف لفظي.\n* * *\n_________\n(^١) انظر تخريجه في المجلد العاشر، رقم (٢٣٠٥).\n(^٢) حاشية الجمل (١/ ١٢٣).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (١/ ٣٨٦).","vol":"2","page":159},{"text":"مبحث\nفي محل السواك من الوضوء\n[م-١٠٥] اختلف العلماء في محل السواك من الوضوء:\nفقيل: عند المضمضة، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: قبل الوضوء، وهو قول في مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤).\n_________\n(^١) قال في البحر الرائق (١/ ٢١): «واختلف في وقته، ففي النهاية وفتح القدير أنه عند المضمضة، وفي البدائع والمجتبى قبل الوضوء، والأكثر على الأول، وهو الأولى».\nوقال في العناية شرح الهداية (١/ ٢٤): «ويستاك عرضًا لا طولًا عند المضمضة».\nوانظر الجوهرة النيرة (١/ ٥)، فتح القدير (١/ ٢٤)، بريقة محمودية (١/ ١٦١).\nوفي مذهب المالكية قال في الفواكه الدواني (١/ ١٣٦): «ويسن الاستياك عند المضمضة». وقال في مواهب الجليل (١/ ٢٦٥): «ويفعل ذلك مع المضمضة». وانظر شرخ الخرشي (١/ ١٣٨، ١٣٩)، الشرح الصغير (١/ ١٢٤).\nوفي مذهب الشافعية انظر حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٩)، تحفة المحتاج (١/ ٢١٤)، نهاية المحتاج (١/ ١٧٨).\nوفي مذهب الحنابلة، انظر كشاف القناع (١/ ٩٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٦).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢١)، حاشية ابن عابدين (١/ ١١٣).\n(^٣) قال في حاشية العدوي (١/ ١٨٣): «في المسألة قولان، فقيل: يستاك عند المضمضة، لا قبل ولا بعد، وهل مع كل مرة أو مع البعض؟ وقيل: إنه يستاك قبل الوضوء، ويتمضمض بعده ليُخْرج الماء ما حصل بالسواك».اهـ\n(^٤) قال الرملي في فتاويه (١/ ٥١): «يبدأ بالسواك قبل التسمية وغيرها، كما صرح به جماعة منهم القفال في محاسن الشريعة والماوردي في الإقناع، والغزالي في الوسيط، وصاحب البيان، ومال إليه الأذرعي».اهـ ...\nوقال في تحفة المحتاج (١/ ٢١٤): «ومحله بين غسل الكفين على ما قاله ابن الصلاح وابن النقيب في عمدته، وكلام الإمام وغيره يميل إليه، وينبغي اعتماده. وقال الغزالي كالماوردي والقفال: محله قبل التسمية مغني، وجرى على ما قاله الغزالي والشهاب الرملي، والنهاية والزيادي».","vol":"2","page":160},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-546> دليل من قال السواك قبل الوضوء:</span>\n(١٩٧ - ٥١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء (^١).\nفقوله ﷺ: (عند كل وضوء) فالعندية لا تقتضي المصاحبة، كما في السواك عند كل صلاة، فمعلوم قطعًا أنه لم يرد المصاحبة، بل قبل الصلاة، فالوضوء كذلك، والله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-547>دليل من قال السواك عند المضمضة:</span>\n(١٩٨ - ٥٢) ما رواه أحمد، قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،\nعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (^٢).\nفقوله ﷺ: (مع كل وضوء) المعية هنا تقتضي المصاحبة؛ لأن من تسوك بعد غسل الكفين، وقبل المضمضة يصدق عليه أنه تسوك مع الوضوء، وليس قبله.\nوالذي يظهر والله أعلم أن الحديثين حديث واحد، إحدى الروايتين تفسر الأخرى، فالعندية لا تعارض المعية هنا، والله أعلم.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٥٥) رقم ١٧٨٧.\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد العاشر، رقم (٢٣٠٥).","vol":"2","page":161},{"text":"والتسوك والمضمضة كلاهما متعلق بالفم دون سائر أعضاء الوضوء. والأفضل والله أعلم أن يكون تسوكه قبل المضمضة، سواء كان بعد غسل الكفين أو قبل الشروع في الوضوء؛ وذلك لأن السواك إذا نظف الأسنان، ثم جاءت بعده المضمضة، ومج الماء يكون قد سقط كل أذى اقتلعه السواك من الأسنان أو اللثة، والله أعلم.\nوهناك تفسير آخر فيه بُعْدٌ، ذكره بعض الفقهاء.\nقال الزرقاني: «قوله: (مع كل وضوء) أي مصاحبًا له، كقوله في رواية: (عند كل وضوء). ويحتمل أن معناه لأمرتهم به كما أمرتهم بالوضوء» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) شرح الزرقاني لموطأ مالك (١/ ١٩٥).","vol":"2","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>الفصل الثالث من سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثًا</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- غسل الكفين ثلاثًا من سنن الوضوء المتفق عليها، وهل هو تعبدي لتحديده بثلاث غسلات، ولو كانت اليد نظيفة، أو أن ذلك من باب النظافة والعدد من باب المبالغة في النظافة، الأول أقرب؟\n- التثليث في غسل اليد مشعر بغلبة التعبد؛ إذا لو كان عن نجاسة لكفى فيها غسلة واحدة.\n[م-١٠٦] هذه سنتان من سنن الوضوء، فغسل الكفين في ابتداء الوضوء سنة، وكون الغسل ثلاثًا سنة أخرى.\nفأما غسل الكفين فإن فيه تفصيلًا:\nفإن كان بعد القيام من نوم الليل الناقض للوضوء، ففيه خلاف على النحو التالي:\nفقيل: غسل اليد سنة، وليس بواجب، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (^١)،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٢٠)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٩٧)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٠، ٢١)، الجوهرة النيرة (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ١٧)، شرح فتح القدير (١/ ٢١)، حاشية ... ابن عابدين (١/ ١١١، ١١٢).","vol":"2","page":163},{"text":"والمالكية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: غسل اليد ثلاثًا واجب، وإليه ذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه (^٤)، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن حزم (^٥)، والحسن البصري (^٦).\nوقد ذكرت أدلة كل قول مع مناقشتها في بحث موسع في كتاب المياه، فأغنى عن إعادته هنا.\nوإن كان غسل اليدين لم يكن على إثر نوم، فإن غسلهما سنة من سنن الوضوء (^٧).\nوقيل: سنة مستقلة عند الوضوء، لا من الوضوء كالسواك، اختاره الخرسانيون من الشافعية (^٨).\n_________\n(^١) المنتقى (١/ ٤٨)، الخرشي (١/ ١٣٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٤).\n(^٢) الأم (١/ ٣٩)، المجموع (١/ ٢١٤)، إحكام الأحكام (١/ ٦٨، ٦٩)، حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٦٠).\n(^٣) الفتاوى الكبرى (١/ ٢١٧).\n(^٤) المغني (١/ ٧٠، ٧١)، الفروع (١/ ١٤٤)، الإنصاف (١/ ٤٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٩٢).\n(^٥) المحلى (١/ ١٥٥).\n(^٦) المغني (١/ ٧٠).\n(^٧) وفي مذهب الحنفية ثلاثة أقوال في حكم غسل اليدين.\nيقول ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ١٨): اعلم أن في غسل اليدين ابتداء ثلاثة أقوال:\nقيل: إنه فرض، وتقديمه سنة. واختاره في فتح القدير والمعراج والخبازية وإليه يشير قول محمد في الأصل بعد غسل الوجه: ثم يغسل ذراعيه ولم يقل يديه، فلا يجب غسلهما ثانيًا.\nوقيل: إنه سنة تنوب عن الفرض، كالفاتحة فإنها واجبة تنوب عن الفرض، واختاره في الكافي.\nوقيل: إنه سنة لا ينوب عن الفرض، فيعيد غسلهما ظاهرهما وباطنهما، اختاره السرخسي، ثم قال: وظاهر كلام المشايخ أن المذهب الأول. اهـ\nوهذا التفصيل إنما هو في مذهب الحنفية، وأما بقية المذاهب فإن غسل الكفين من سنن الوضوء، ولا ينوب عن الفرض، انظر الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ١١٧)، الخرشي (١/ ١٣٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٩٦)، روضة الطالبين (١/ ٥٨)، الحاوي الكبير (١/ ١٠١)، المغني (١/ ٧٠).\n(^٨) المجموع (١/ ٣٢٨، ٣٨٨).","vol":"2","page":164},{"text":"- والدليل على أن غسل الكفين سنة من الكتاب والسنة والإجماع:\nأما الكتاب، فقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].\nفلم يذكر غسل اليدين، ولو كان غسلهما فرضًا لذكره فيما ذكر.\nوأما السنة فأحاديث كثيرة في صفة وضوء النبي ﷺ، منها: حديث عثمان في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وحديث علي بن أبي طالب وسوف يأتي ذكر متونها وتخريجها - إن شاء الله تعالى عند الكلام على صفة الوضوء - كلها تذكر أن الرسول ﷺ كان يغسل كفيه في وضوئه، وفعل الرسول ﷺ دال على السنية إن كان على وجه التعبد كما هو الحال هنا.\nوأما الإجماع فقد نقله طائفة من أهل العلم.\nقال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن غسل اليدين في ابتداء الوضوء سنة، يستحب استعمالها، وهو بالخيار إن شاء غسلها مرة، وإن شاء غسلها مرتين، وإن شاء ثلاثًا، أي ذلك شاء فعل، وغسلهما ثلاثًا أحب إلي، وإن لم يفعل ذلك فأدخل يده الإناء قبل أن يغسلها فلا شيء عليه، ساهيًا ترك ذلك أم عمدًا إذا كانتا نظيفتين» (^١).\nوقال ابن قدامة: «وليس ذلك - يعني غسل الكفين في الوضوء - بواجب عند غير القيام من النوم بغير خلاف نعلمه» (^٢).\n- الدليل على أن التثليث في غسلهما سنة:\nحكى الإجماع على ذلك ابن رشد، والنووي وغيرهما.\nقال ابن رشد في بداية المجتهد: «اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء\n_________\n(^١) الإجماع لابن المنذر (ص: ٣٤).\n(^٢) المغني (١/ ١٦٤).","vol":"2","page":165},{"text":"المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما» (^١).\nوقال النووي في شرح مسلم: «وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وعلى أن الثلاث سنة» (^٢).\nوسوف يأتي إن شاء الله تعالى أن السنة في الوضوء أن يتوضأ الإنسان مرة مرة، وأحيانًا مرتين مرتين، وأحيانًا ثلاثًا ثلاثًا، وذلك لأن العبادة إذا جاءت على وجوه مختلفة فالسنة أن تفعل كما فعل الرسول ﷺ حتى يصيب السنة من جميع وجوهها، وفيها يتحقق الموافقة للرسول ﷺ في فعله وتركه.\n* * *\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ١٣).\n(^٢) شرح مسلم (١/ ١٠٦، ١١٤).","vol":"2","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>المبحث الأول غسل الكفين قبل إدخالها في الماء مختص بالآنية</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- اليدان هما آلة الوضوء، وبهما يتم تطهير سائر الأعضاء، فكانت الحكمة أن يبدأ بتنظيف آلة الوضوء قبل الوضوء، وقبل إدخالهما في الإناء.\n[م-١٠٧] اختلف الفقهاء في كون غسل اليدين مما تتوقف عليه السنة، هل هو مطلقًا ولو كان على نهر، أو مختص في الآنية مطلقًا صغيرة كانت أو كبيرة، أو مختص في الآنية الصغيرة خاصة؟\nفقيل: السنة تختص بالآنية مطلقًا، فالسنة أن يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء كبيرًا كان أو صغيرًا، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية (^١).\n_________\n(^١) مذهب الحنفية: إن كان الإناء صغيرًا أو كبيرًا، وكان معه إناء صغير يغرف منه، فلا يدخل يده، وإن كان الإناء كبيرًا، ولم يكن معه إناء توجه النهي إلى إدخال الكف، فلا مانع من أن يغرف بأصابعه ولا يدخل جميع كفه، قال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق (١/ ١٨): «وكيفية غسلهما كما ذكر في الشروح: أنه إن كان الإناء صغيرًا بحيث يمكن رفعه، لا يدخل يده فيه، بل يرفعه بشماله، ويصبه على كفه اليمنى، ويغسلها ثلاثًا، ثم يأخذ الإناء بيمينه، ويصبه على كفه اليسرى ويغسلها ثلاثًا، وإن كان الإناء كبيرًا لا يمكن رفعه، فإن كان معه إناء صغير يفعل كما ذكرنا، وإن لم يكن يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء، ويصب على كفه اليمنى، ثم يدخل\nاليمنى في الإناء، ويغسل اليسرى. ثم قال: ولا يدخل الكف، حتى لو أدخله صار الماء الملاقي للكف مستعملًا إذا انفصل، وذكر قولًا آخر: بأنه لا يصير مستعملًا، وإن إدخال اليد في الإناء قبل غسله مكروه، فحسب». وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ١١٠، ١١١)، البناية شرح الهداية (١/ ١٧٩).\nقال النووي في الروضة (١/ ٥٨): «قال أصحابنا: إذا كان الماء في إناء كبير، أو صخرة مجوفة بحيث لا يمكن أن يصب منه على يده، وليس معه ما يغترف به استعان بغيره، أو أخذ الماء بفمه، أو طرف ثوب نظيف ونحوه، والله أعلم».\nوانظر في مذهب الحنابلة المغني (١/ ٧٠).","vol":"2","page":167},{"text":"وقيل: لا تتحقق السنة إلا إذا غسل يديه خارج الماء مطلقًا سواء توضأ من نهر أو حوض أو إناء، وسواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا، وهو قول في مذهب المالكية (^١).\nوقيل: تختص السنة بالآنية الصغيرة، وأما الكبيرة فحكمها حكم الماء الجاري، وهذا هو المعتمد في مذهب المالكية (^٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-550> الدليل على أن غسل الكفين مختص بالآنية الصغيرة:</span>\n(١٩٩ - ٥٣) ما رواه البخاري ﵀ من طريق ابن شهاب، أن عطاء ابن يزيد أخبره،\nأن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه\n_________\n(^١) قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ١١٧): «وقيل السنة متوقفة على الغسل خارج الإناء مطلقًا، سواء توضأ من نهر، أو حوض، أو إناء، كان الماء قليلًا، أو كثيرًا». اهـ\nوقال الخرشي (١/ ١٣٢): «ويكون الغسل لليدين قبل إن يدخلهما في الماء، ولو على نهر».اهـ\n(^٢) قال في الشرح الصغير (١/ ١١٧): «وسننه غسل يديه إلى كوعيه قبل إدخالهما في الإناء إن أمكن الإفراغ، وإلا أدخلهما فيه كالكثير والجاري».اهـ\nوفي حاشية الدسوقي (١/ ٩٦): «واعلم أن كون الغسل قبل إدخالهما في الإناء مما تتوقف عليه السنة، قيل: مطلقًا، أي سواء توضأ من نهر أو من حوض أو من إناء يمكن الإفراغ منه أم لا، كان الماء الذي في الإناء قليلًا أو كثيرًا. وقيل: ليس مطلقًا، بل في بعض الحالات، وذلك إذا كان الماء غير جار، وقدر آنية الوضوء أو الغسل وأمكن الإفراغ منه، فإن تخلف واحد من هذه الأمور الثلاثة فلا تتوقف السنة على كون الغسل خارج الماء، وعلى هذا القول مشى الشارح، وهو المعتمد».اهـ","vol":"2","page":168},{"text":"ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق. الحديث. وأخرجه مسلم (^١).\nفلم يدخل يمينه في الإناء حتى غسلهما ثلاثًا، وإفراغ الإناء على الكف يشعر بأن الإناء كان صغيرًا.\n- وجه من قال: إن السنة مختصة بالآنية مطلقًا كبيرة كانت أو صغيرة:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-551><span data-type=\"title\" id=toc-554> الدليل الأول:</span></span>\nأن الآنية في الأحاديث مطلقة، والمطلق يشمل الكبير والصغير، فمن أخرج الآنية الكبيرة فعليه الدليل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-552> الدليل الثاني:</span>\nأن الماء في الآنية الكبيرة يعتبر قليلًا، بخلاف ماء الأنهار والماء الجاري.\n- ويناقش:\nبأن الفرق بين القليل والكثير إنما ورد في شأن ورود النجاسة على الماء، حيث ذكر الماء وما ينوبه من السباع، فلا يطبق حد القليل والكثير على إدخال اليد الطاهرة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-553> دليل من قال: إن تحقيق السنة يشمل الآنية وغيرها حتى ماء الأنهار:</span>\n* الدليل الأول:\n(٢٠٠ - ٥٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. ورواه مسلم (^٢).\nفقوله: (قبل أن يدخلها في وضوئه) الوضوء بالفتح هو الماء.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٦٠)، ومسلم (٢٢٦).\n(^٢) صحيح البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨).","vol":"2","page":169},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-555> الدليل الثاني:</span>\nأن ذكر الإناء لا يقتضي تخصيصًا، فالإناء ذكر في الحديث لأن بلاد الحجاز ليس فيها أنهار فكان ماء الوضوء عن طريق الآنية، ومثل هذا لا يقتضي ذكرها تخصيصًا، فتحقيق السنة يشمل الآنية وغيرها، والله أعلم.\n- الراجح:\nأن غسل الكفين سنة إذا كان الماء في الآنية المعتادة، أما إذا كان الإناء كبيرًا أو كان الماء كثيرًا فإن السنة تتحقق بغسل الكفين ثلاثًا ولو غمس كفيه فيها، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>المبحث الثاني في إعادة غسل الكفين إذا توضأ ثم أحدث في أثناء وضوئه</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- غسل الكفين ثلاثًا هل هو تعبدي لتحديده بثلاث غسلات، ولو كانت اليد نظيفة، أو أن ذلك من باب النظافة فيكون العدد من باب المبالغة في النظافة، فيه احتمال، والأول أقرب.\n[م-١٠٨] من نظر إلى أن غسل الكفين من باب النظافة لأنهما آلة الوضوء لم ير حاجة إلى إعادة غسلهما.\nومن نظر إلى كون الغسل ثلاثًا، ولم يكن غسلة واحدة نظر إلى تغليب معنى العبادة، فقد أُعْطِيت الكفان حكم أعضاء الوضوء من التثليث في الغسل، ولو كان غسلهما من باب النظافة لكفى في ذلك غسلة واحدة؛ لأن اليد لو كان فيها نجاسة متحققة كفى غسلها مرة واحدة تذهب بعين النجاسة، ومثل هذه المسألة المسألة التالية (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (١/ ٤٨).","vol":"2","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>المبحث الثالث في افتقار غسل الكفين إلى النية</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- غسل الكفين ثلاثًا هل هو تعبدي لتحديده بثلاث غسلات، ولو كانت اليد نظيفة، أو أن ذلك من باب النظافة فيكون العدد من باب المبالغة في النظافة، فيه احتمال.\n[م-١٠٩] اختلف العلماء في غسل الكفين في الوضوء، هل يحتاج إلى نية؟\nفي هذه المسألة قولان لأهل العلم:\nمن اعتبر غسل الكفين من سنن الوضوء اعتبر فيهما النية.\nومن رأى أن غسلهما للنظافة لم يعتبر النية في غسلهما، وعن الإمام مالك ما يقتضي الوجهين (^١).\nولهذا السبب أيضًا اعتبر الخرسانيون من الشافعية أن غسل الكفين سنة مستقلة، وليست من سنن الوضوء كالتسمية والسواك عندهم.\nواعتبار النية أرجح حتى على القول بأنها شرعت للنظافة؛ لأن الطهارة إذا دخلتها أحكام العبادة المحضة غلبت عليها، فلم يراع فيها السبب، فغسل اليدين\n_________\n(^١) التاج والإكليل (١/ ٢٤٢).","vol":"2","page":172},{"text":"حين دخله العدد غلبت عليه أحكام العبادة المحضة، ومثله غسل الجمعة أصله إزالة الرائحة، فلما دخلت عليه أحكام العبادة لزمه الإتيان به، وإن لم يوجد سببه، والله أعلم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (١/ ٤٨).","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>الفصل الرابع من سنن الوضوء المضمضة والاستنشاق</span>\nيدخل في المضمضة والاستنشاق سنن كثيرة من سنن الوضوء، وقبل أن نأتي على أكثرها، نذكر أولًا خلاف العلماء في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء.\n* * *","vol":"2","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>المبحث الأول في حكم المضمضة والاستنشاق</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- هل داخل الفم والأنف في حكم الباطن فلا يجب غسلهما، أو في حكم الخارج فيجب؟\n- في الصيام أعطي الفم والأنف حكم الخارج، فهل يكون لهما في الوضوء حكم الخارج.\n- على الترجيح بأن لهما حكم الخارج، فهل تحصل بهما المواجهة، فيدخلان في مسمى الوجه، أو لا يواجهان الناظر، فلا يدخلان؟\n- لما أفردت المضمضة والأنف بماء غير ماء الوجه دل على أنها لا يدخلان في مسمى الوجه.\n- هل يلحق الفم والأنف بداخل العينين وداخل الأذنين وموضع الثيوبة من المرأة وهذه المواضع لا يجب غسلها، فلا يجب غسلهما، أو يلحقان بالجفون، فيجب غسلهما؟\n- لما شرع الترتيب بين الفم والأنف في الوضوء دل على أنهما ليسا من الوجه؛ إذ العضو الواحد لا ترتيب بينه وبين بقية العضو، كالأذنين لا تقدم يمين الأذن على الشمال باعتبارهما عضو واحد.","vol":"2","page":175},{"text":"[م-١١٠] اختلف العلماء في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل إلى أقوال:\nفقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء وفي الغسل، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\nوقيل: واجبان في الوضوء والغسل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nهذان قولان متقابلان.\nوفيه قولان آخران متقابلان أيضًا:\nفقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، واجبان في الغسل، وهذا مذهب الحنفية (^٤).\nوقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل (^٥).\nوقيل: المضمضة سنة، والاستنشاق واجب فيهما (^٦).\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٣٣ - ١٧٠)، منح الجليل (١/ ١٢٨)، مواهب الجليل (١/ ٣١٣)، القوانين الفقهية (ص: ٢٢)، مقدمات ابن رشد (١/ ٨٢)، بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ١٢)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٣، ٢٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٦)، الشرح الصغير (١/ ١١٨، ١٧٠).\n(^٢) الأم (١/ ٤١)، المجموع (١/ ٣٩٦)، روضة الطالبين (١/ ٥٨، ٨٨)، مغني المحتاج (١/ ٥٧، ٧٣).\n(^٣) الفروع (١/ ١٤٤)، الإنصاف (١/ ١٥٢، ١٥٣)، المحرر (١/ ١١، ٢٠)، كشاف القناع (١/ ١٥٤)، معرفة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٠٣)، المبدع (١/ ١٢٢)، الكافي (١/ ٢٦)، الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني (١/ ٥٩).\n(^٤) شرح فتح القدير (١/ ٢٥، ٥٦)، البناية (١/ ٢٥٠)، تبيين الحقائق (١/ ٤، ١٣)، البحرالرائق (١/ ٤٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦)، مراقي الفلاح (ص: ٤٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، رؤوس المسائل (ص: ١٠١).\n(^٥) انظر الفروع (١/ ١٤٤، ١٤٥)، المبدع (١/ ١٢٢)، الإنصاف (١/ ١٥٢، ١٥٣).\n(^٦) انظر المصادر السابقة.","vol":"2","page":176},{"text":"والراجح: أن المضمضة سنة في الوضوء وفي الغسل، وأما الاستنشاق فواجب في الوضوء سنة في الغسل، والله أعلم.\nوسبب اختلاف العلماء اختلافهم في الأدلة الواردة في الباب، فآية المائدة في الوضوء ليس فيها ذكر للمضمضة والاستنشاق، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].\n(٢٠١ - ٥٥) وروى مسلم أن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ: من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن (^١).\nوليس في كتاب الله ذكر المضمضة والاستنشاق، فدل على أنهما غير واجبين.\nهذا في الحدث الأصغر، وأما في الأكبر فقد روى البخاري من حديث طويل، في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، فقال له الرسول ﷺ: خذ هذا فأفرغه عليك (^٢).\n(٢٠٢ - ٥٦) وروى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لها: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^٣).\nفعبر بـ (إنما) الدالة على الحصر، واكتفى بالإفاضة ولم يذكر المضمضة والاستنشاق.\nفأخذ بعض أهل العلم من هذه الأدلة أن المضمضة والاستنشاق ليسا واجبين لا في حدث أصغر، ولا في حدث أكبر.\nوذهب آخرون إلى أن الاستنشاق قد جاء الأمر به في السنة الصحيحة\n(٢٠٣ - ٥٧) فقد روى البخاري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٣١).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٣٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٣٠).","vol":"2","page":177},{"text":"توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر.\nولفظ مسلم: (إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر) (^١).\nوأحاديث الأمر بالاستنشاق، هي دليل على وجوب الاستنشاق صراحة والمضمضة ضمنًا، لأنهما كالعضو الواحد، فإيجاب أحدهما إيجاب للآخر، ألا ترى أنه لا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، ومن عادة الأعضاء المستقلة في الوضوء ألا ينتقل إلى عضو حتى يفرغ من العضو الذي قبله، بخلاف المضمضة والاستنشاق فإنه يمضمض ثم يستنشق ثم يرجع إلى المضمضة فالاستنشاق وهكذا، فهذا يدل على أنهما في حكم العضو الواحد، فالأمر بأحدهما أمر بالآخر.\n(٢٠٤ - ٥٨) كما استدلوا بحديث رواه أبو داود (^٢)، عن لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق -أو في وفد بني المنتفق- إلى رسول الله ﷺ قال:\nفذكر حديثًا طويلًا، وفيه: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما.\nالشاهد من هذا الحديث قوله: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا).\nوفي رواية لأبي داود، وزاد فيه: (إذا توضأت فمضمض) (^٣).\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن الاستنشاق واجب دون المضمضة،\nقال ابن المنذر: «والذي به نقول: إيجاب الاستنشاق خاصة دون المضمضة، لثبوت الأخبار عن النبي ﷺ أنه أمر بالاستنشاق، ولا نعلم في شيء من الأخبار أنه أمر بالمضمضة» (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (١٦٢) ومسلم (٢٣٧).\n(^٢) سنن أبي داود (١٤٢).\n(^٣) السنن (١٤٤)، وزيادة إذا توضأت مضمض زيادة شاذة، انظر كلامي عليها في الطهارة من الحيض والنفاس (١٦٦٣).\n(^٤) الأوسط (١/ ٣٧٩).","vol":"2","page":178},{"text":"وقال ابن عبد البر: «وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق أن النبي ﷺ فعل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله مندوب إليها، ليست بواجبة إلا بدليل، وفعل الاستنثار وأمر به، وأمره على الوجوب أبدًا، إلا أن يتبين غير ذلك من مراده» (^١).\nوقد بسط الكلام في المسألة، وجمعت الأدلة الواردة في الباب وتم تخريجها، والكلام عليها من حيث الصحة والضعف، في كتاب الحيض والنفاس، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، فارجع إليه غير مأمور.\n* * *\n_________\n(^١) التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٢٠٨).","vol":"2","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>المبحث الثاني في استحباب تقديم المضمضة على الاستنشاق</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- تقديم المضمضة على الاستنشاق جاء من فعل الرسول ﷺ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.\n[م-١١١] اختلف العلماء في حكم تقديم المضمضة على الاستنشاق،\nفقيل: سنة، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: تقديم المضمضة على الاستنشاق شرط، وهو أصح الوجهين في مذهب\n_________\n(^١) قال الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٢١): «ومنها -أي من سنن الوضوء الذي في أثنائه- الترتيب في المضمضة والاستنشاق، وهو تقديم المضمضة على الاستنشاق؛ لأن النبي ﷺ كان يواظب على التقديم». اهـ وانظر الفتاوى الهندية (١/ ٨).\nوانظر في مذهب المالكية: الخرشي (١/ ١٣٨) إلا أنه جعل التقديم من الفضائل، ولم يجعله من السنن على أصل بعض الفقهاء في التفريق بين الفضيلة والسنة.\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ٨٤)، والإنصاف (١/ ١٣٢).","vol":"2","page":180},{"text":"الشافعية (^١)، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-561>دليل القائلين بأنه سنة:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-562>الدليل الأول:</span>\nالإجماع على مشروعية تقديم المضمضة على الاستنشاق.\nقال ابن نجيم: «المضمضة والاستنشاق سنتان مشتملتان على سنن منها تقديم المضمضة على الاستنشاق بالإجماع» (^٣).\nوقال النووي: «واتفقوا على أن المضمضة على كل قول مقدمة على الاستنشاق» (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-563>الدليل الثاني:</span>\nأن النبي ﷺ كان يواظب على تقديم المضمضة على الاستنشاق، وهذا كاف في الدلالة على الاستحباب.\nقال ابن حجر: «اتفقت الروايات على تقديم المضمضة ...».\nويدل عليه حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد، وحديث ابن عباس وغيرها ففيها ذكر المضمضة قبل ذكر الاستنشاق.\n(٢٠٥ - ٥٩) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره،\nأن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ٤٠٠): «اتفق أصحابنا على أن المضمضة مقدمة على الاستنشاق، سواء جمع أو فصل بغرفة أو بغرفات، وفي هذا التقديم وجهان، حكاهما الماوردي والشيخ ... أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين وآخرون أصحهما أنه شرط ...».اهـ وقال النووي نحوه في شرح صحيح مسلم (٣/ ١٠٤)، وانظر روضة الطالبين (١/ ٥٨).\n(^٢) المغني (١/ ٨٤)، الإنصاف (١/ ١٣٢).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٢).\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٠٦).","vol":"2","page":181},{"text":"ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه (^١).\n(٢٠٦ - ٦٠) وروى مسلم في صحيحه، من طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه،\nعن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة قال: قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه، فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا. الحديث، وهو في البخاري بنحوه (^٢).\nفقوله ﵁: فمضمض واستنشق فذكر المضمضة قبل الاستنشاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>دليل من قال: التقديم شرط:</span>\nقالوا: لأن الفم والأنف عضوان مختلفان، فيشترط الترتيب بينهما قياسًا على الترتيب بين الوجه واليد.\nوأجيب:\nبأن الفم والأنف من الوجه، فهما في حكم العضو الواحد، ثم إن تقديم المضمضة على الاستنشاق جاء من فعل الرسول ﷺ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.\nالراجح بين القولين:\nالراجح هو القول الأول؛ لقوة دليله، والشرطية تحتاج إلى دليل صحيح صريح، ولم يقم دليل يكفي على ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٥)، ومسلم (٣٣١).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٣٥)، البخاري (١٩١).","vol":"2","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-565>المبحث الثالث المبالغة في المضمضة والاستنشاق</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- لم يصح دليل في الأمر بالمبالغة في المضمضة، والأصل عدم المشروعية.\n- الأمر بالأعلى لا يدخل فيه الأدنى، فالأمر بالمبالغة في الاستنشاق لا يدخل فيه المضمضة؛ لأن الأنف عرضة للأتربة والغبار، وقد يعلق بشعيراته أجزاء من الأتربة والغبار، فتتأكد المبالغة في حقه؛ لكمال النظافة، بخلاف الفم والذي يكون اللعاب فيه أكثر، فهو ينظف نفسه باستمرار.\nوقيل:\n- ثبت الأمر بالمبالغة في الاستنشاق في الوضوء، وما ثبت في الاستنشاق ثبت في الفم؛ لأنهما كالعضو الواحد تؤخذ لهما غرفة واحدة.\nتعريف المبالغة في المضمضة:\nقال ابن الهمام: والسنة المبالغة فيهما - يعني: المضمضة والاستنشاق- وهو في المضمضة إلى الغرغرة، وفي الاستنشاق إلى ما اشتد من الأنف (^١).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٢٣).","vol":"2","page":183},{"text":"وقال الخرشي: ويستحب المبالغة: وهي إدارة الماء في أقاصي الحلق في المضمضة، وفي الاستنشاق: جذبه لأقصى الأنف (^١).\nوقال النووي: «قال أصحابنا: المبالغة في المضمضة أن يبلغ الماء أقصى الحلق ويديره فيه» (^٢).\nوقال في مطالب أولي النهى: «أن يبلغ بالماء أقصى الحنك، ووجهي الأسنان واللثة» (^٣).\nوقيل: المبالغة: إدارة الماء في الفم كله أو أكثره.\nوالمبالغة في الاستنشاق: جذب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف كله أو أكثره.\nوكل هذه التعريفات قريبة من بعض، فالمضمضة مكانها الفم، فيحرص الإنسان على إدارة الماء في جميع الفم من مقدم أسنانه واللثة إلى أقصى حلقه، وحكم الأكثر حكم الكل، فإذا أدار الماء في أكثر فمه، واستنشق الماء إلى أكثر أنفه فقد حصلت له سنة المبالغة، والله أعلم.\n[م-١١٢] وإذا عرفنا معنى المبالغة في المضمضة والاستنشاق، فما حكمهما؟\nفقيل: المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة، وهو قول الأئمة الأربعة (^٤).\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٣٤).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٩٦).\n(^٣) مطالب أولي النهى (١/ ٩٥).\n(^٤) انظر في مذهب الحنفية: شرح فتح القدير (١/ ٢٣)، البحر الرائق (١/ ٢٢)، الفتاوى الهندية (١/ ٨).\nوانظر في مذهب المالكية: الخرشي (١/ ١٣٤)، مواهب الجليل (١/ ٢٤٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٧).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٣٩٦)، أسنى المطالب (١/ ٣٩)،\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ١٣٣)، كشاف القناع (١/ ٩٤).","vol":"2","page":184},{"text":"وقيل: المبالغة فيهما واجبة، ذكرها من الحنابلة ابن عقيل في فنونه (^١).\nوقيل: المبالغة في الاستنشاق وحده سنة دون المضمضة، وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة (^٢).\nوقيل: المبالغة واجبة في الاستنشاق وحده، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-566> الدليل على مشروعية المبالغة في الاستنشاق:</span>\n(٢٠٧ - ٦١) ما رواه أبو داود، من طريق إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط ابن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق -أو في وفد بني المنتفق- إلى رسول الله ﷺ قال في حديث طويل، وفيه:\nفقلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا (^٤).\nالشاهد من هذا الحديث الطويل، قوله (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) (^٥).\n[الحديث صحيح] (^٦).\n- والدليل على مشروعية المبالغة في المضمضة ما يلي:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-567> الدليل الأول:</span>\nالإجماع على مشروعية المبالغة في المضمضة لغير صائم.\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٣٣).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) سنن أبي داود (١٤٢).\n(^٥) السنن (١٤٤).\n(^٦) انظر تخريج الحديث بتمام ألفاظه، والكلام على ما ورد فيه من زيادات في المتن، وبيان المحفوظ منها والشاذ في مجلد الطهارة من الحيض والنفاس ح (١٦٦٣).","vol":"2","page":185},{"text":"قال النووي: «المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة بلا خلاف» (^١).\nوقد نقلنا في الأقوال أن هناك قولًا يرى أن المبالغة في الاستنشاق وحده دون المضمضة، وهو قول غير مشهور، ولذلك لم يره النووي خارقًا للإجماع، أو كان نقله ذلك بحسب علمه، ولم يطلع عليه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-568>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على المبالغة في الاستنشاق، فإذا كانت المبالغة في الاستنشاق مشروعة، فكذلك المبالغة في المضمضة، بجامع أن كلًا من الفم والأنف له تجويف يتفاوت مرور الماء في داخله، فالمبالغة فيهما يحصل منها كمال الطهارة في جميع باطنهما.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-569>الدليل الثالث:</span>\nأن المبالغة في المضمضة والاستنشاق من إسباغ الوضوء المأمور به شرعًا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-570> الدليل الرابع:</span>\n(٢٠٨ - ٦٢) ما رواه أبو بشر الدولابي، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة،\nعن أبيه لقيط بن صبرة بلفظ: إذا توضأت فأبلغ المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائمًا (^٢).\nفزاد الأمر بالمبالغة بالمضمضة، وذكره الزيلعي في نصب الراية (^٣).\n[وزيادة المضمضة غير محفوظة] (^٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-571> دليل من قال: لا تشرع المبالغة في المضمضة</span>.\nلعله يرى أن الأمر بالمبالغة ورد في الاستنشاق خاصة، ولم يصح دليل في الأمر\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٩٦).\n(^٢) الوهم والإيهام (٥/ ٥٩٣).\n(^٣) نصب الراية (١/ ١٦).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر ذلك في كتاب الطهارة من الحيض والنفاس، (ح ١٦٦٣).","vol":"2","page":186},{"text":"بالمبالغة في المضمضة، والأصل عدم المشروعية حتى يثبت دليل خاص، ولم يثبت.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-572> دليل من قال بوجوب المبالغة فيهما:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-573> الدليل الأول:</span>\nثبت الأمر بالمبالغة في الاستنشاق، والأصل في الأمر الوجوب.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-574> الدليل الثاني:</span>\nأحاديث الأمر بالاستنشاق، هي دليل على وجوب الاستنشاق صراحة والمضمضة ضمنًا؛ لأنهما كالعضو الواحد، فإيجاب أحدهما إيجاب للآخر.\nألا ترى أنه لا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، ومن عادة الأعضاء المستقلة في الوضوء ألا ينتقل إلى عضو حتى يفرغ من العضو الذي قبله، بخلاف المضمضة والاستنشاق فإنه يمضمض ثم يستنشق ثم يرجع إلى المضمضة فالاستنشاق وهكذا.\n-الراجح:\nلم أقف على حديث في الأمر بالمبالغة في المضمضة إلا إلحاقها بالاستنشاق، مع أن الأنف أحوج إلى التنظيف والمبالغة فيه من الفم؛ لأن الأنف أكثر عرضة للأتربة والغبار، وقد يعلق بشعيراته أجزاء من الأتربة والغبار، فتتأكد المبالغة في حقه؛ لكمال النظافة، بخلاف الفم والذي يكون اللعاب فيه أكثر، فهو يتنظف باستمرار، وأما القول بأن المبالغة في المضمضة من إسباغ الوضوء فهذا لا يصح لأن الحديث فرق بينهما، فقال: أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق، فلو كانت المبالغة من إسباغ الوضوء لكان في ذلك تكرار إلا أن يقال: إن هذا مثل قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨]، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-575>المبحث الرابع في حكم المبالغة بالمضمضة والاستنشاق للصائم</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ومن ثم كرهت المبالغة في الاستنشاق للصائم تقديمًا لدرء مفسدة إفساد الصيام على جلب مصلحة استحباب الاستنشاق.\n[م-١١٣] اختلف العلماء في حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم،\nفقيل: تكره المبالغة فيهما، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: تحرم المبالغة فيهما، وهو قول في مذهب الحنابلة، واختاره القاضي\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (١/ ٢١)، شرح فتح القدير (١/ ٢٥)، الفتاوى الهندية (١/ ٨).\nوفي مذهب المالكية: الخرشي (١/ ١٣٤)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٩)، مواهب الجليل (١/ ٢٤٦).\nوفي مذهب الشافعية: مغني المحتاج (١/ ٥٨)، المجموع (١/ ٣٩٢).\nوفي مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ١٣٣)، كشاف القناع (١/ ٩٤)، المغني (١/ ١٥٧).","vol":"2","page":188},{"text":"أبو الطيب من الشافعية (^١).\nوقيل: تكره المبالغة في الاستنشاق دون المضمضة، اختاره الماوردي والصيرمي من الشافعية (^٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-576> دليل من قال: بكراهية المبالغة في المضمضة</span>.\nقالوا: قياسًا على النهي عن المبالغة في الاستنشاق للصائم، وقد مر معنا حديث لقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا).\nولأن كلًّا منهما منفذ للطعام، يخشى منه إفساد الصوم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-577>دليل من قال: تحرم المبالغة في المضمضة والاستنشاق:</span>\nإذا كانت القبلة تحرم على الصائم إذا خشي على نفسه الإنزال، فكذلك تحرم المبالغة في المضمضة والاستنشاق، بجامع أن كلًا منهما يخشى منه إفساد الصيام.\n- وأجيب:\nبأن القبلة غير مطلوبة، بل داعية لما يضاد الصوم من الإنزال بخلاف المبالغة، وبأنه في المبالغة في المضمضة يمكنه إطباق الحلق، ومج الماء، ولا يمكنه رد المني إذا خرج ...\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-578> دليل من قال: لا تكره المبالغة في المضمضة للصائم</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-579> الدليل الأول:</span>\nالنص ورد في النهي عن المبالغة في الاستنشاق، ولم يرد نهي عن المبالغة في المضمضة، وما كان ربك نسيًا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-580> الدليل الثاني:</span>\nأن هناك فرقًا بين المبالغة في المضمضة والمبالغة في الاستنشاق، فيمكنه رد الماء في\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٩٦).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٥٨).","vol":"2","page":189},{"text":"المضمضة بإطباق حلقه، ولا يمكنه هذا في الاستنشاق، ولهذا قال الشافعي في الأم: وإن كان صائما رفق بالاستنشاق؛ لئلا يدخل رأسه (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الأم (١/ ٣٩).","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>المبحث الخامس في استنثار الماء بعد الاستنشاق</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- إذا أمر بالاستنثار لا يدل على أن الاستنشاق واجب إلا بقرينة، كما أنه إذا أمر بالجهر بالقراءة لم يدل ذلك بمجرده على وجوب القراءة، وإذا أمر برفع الصوت بالتلبية لم يدل على وجوب التلبية.\nتعريف الاستنثار اصطلاحًا (^١):\nالاستنثار: هو استفعال: من النثرة بالنون المثلثة، وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ بريح أنفه، سواء كان بإعانة يده أم لا (^٢).\nوكره مالك فعل الاستنثار بغير اليد، لكونه يشبه فعل الحمار (^٣).\n_________\n(^١) الاستنثار: مأخوذ من النثرة: وهي طرف الأنف.\nوقال الخطابي وغيره: هي الأنف.\nوقال الأزهري: روى سلمة، عن الفراء: نثر الرجل واستنثر: إذا حرك النثرة في الطهارة، والله أعلم ..\n(^٢) فتح الباري (١٦١).\n(^٣) روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك، أنه قيل له: أيستنثر من غير أن يضع يده على أنفه؟ فأنكر ذلك، وقال: إنما يفعل ذلك الحمار، الخرشي (١/ ١٣٤)، فتح الباري (١٦١).","vol":"2","page":191},{"text":"وقال ابن الأعرابي ابن قتيبة: الاستنثار: هو الاستنشاق (^١).\nوالصواب الأول، وأن الاستنشاق غير الاستنثار.\n(٢٠٩ - ٦٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، قال:\nشهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ، فأكفأ على يديه من التور، فغسل يديه ثلاثًا، ثم أدخل يده في التور، فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده، فغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين. هذا لفظ البخاري، وأورده مسلم مختصرًا (^٢).\nفجمع في الحديث بين الاستنشاق والاستنثار، ولو كانا واحدًا لم يجمع بينهما.\n[م-١١٤] وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستنثار\nفقيل: سنة، وهو مذهب الجمهور (^٣).\nوقيل: فرض، وهو اختيار ابن حزم (^٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-582>دليل من قال: إن الاستنثار سنة</span>.\nانظر أدلته في حكم المضمضة والاستنشاق.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-583> دليل من قال بالوجوب</span>.\n(٢١٠ - ٦٤) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٤).\n(^٢) صحيح البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥).\n(^٣) انظر أقوال الفقهاء في حكم المضمضة والاستنشاق، فإن الاستنثار فرع عن الاستنشاق.\n(^٤) المحلى (١/ ٢٩٦).","vol":"2","page":192},{"text":"عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثر. ورواه مسلم (^١).\nوالأصل في الأمر الوجوب.\nولا شك أن الاستنشاق يراد منه نظافة الأنف، فكمال النظافة أن يغسل داخل الأنف بالاستنشاق، ويطرد الوسخ منه بالاستنثار.\nوقد رجحت أن المضمضة سنة في الوضوء والغسل، وأما الاستنشاق فقد يقال بوجوبه في الوضوء دون الغسل، لظاهر الأمر به، وقد يقال: إن المضمضة إذا لم تثبت في الوضوء فالاستنشاق جزء منها، فيكون الأمر بالاستنشاق للاستحباب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (١٦٢) ومسلم (٢٣٧).","vol":"2","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>المبحث السادس في استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الاستنثار في الوضوء هل هو من باب إزالة القذر فيكون بالشمال، أو من باب التنظف والتطيب فيكون باليمين؟\n- كل فعل توفر سببه على عهد النبي ﷺ، ولم يفعله، ولم يك مانع فالمشروع تركه\n[م-١١٥] اختلف الفقهاء في الاستنشاق هل يكون في اليد اليمنى أو في اليسرى،\nفقيل: يتمضمض ويستنشق باليد اليمنى، ويستنثر باليد اليسرى، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) الفتاوى الهندية (١/ ٩)، شرح فتح القدير (١/ ٣٦).\n(^٢) قال الخرشي (١/ ١٣٤): «ومن السنن الاستنثار وهو نثر الماء أي طرحه من أنفه بنفسه بالسبابة والإبهام من اليد اليسرى ماسكا له من أعلاه يمر بهما عليه لآخره». اهـ وانظر منح الجليل (١/ ٩١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢١) حاشية الدسوقي (١/ ٩٨).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٩٧).\n(^٤) المغني (١/ ٨٤).","vol":"2","page":194},{"text":"وقيل: المضمضة في اليد اليمنى، والاستنشاق باليد اليسرى (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-585>دليل من قال المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>أما الدليل على كون المضمضة والاستنشاق باليمين</span>،\n(٢١١ - ٦٥) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره،\nأن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه (^٢).\n(٢١٢ - ٦٦) وروى مسلم في صحيحه، من طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو ابن يحيى بن عمارة عن أبيه،\nعن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة قال: قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ؟ فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه، فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا. الحديث، وهو في البخاري بنحوه (^٣).\nفقوله ﵁: فمضمض واستنشق من كف واحدة، دليل أن كف المضمضة هي كف الاستنشاق، وإذا كانت المضمضة في اليمين فكذلك الاستنشاق، والله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-587> وأما الدليل على كون الاستنثار بالشمال:</span>\n(٢١٣ - ٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زائدة بن قدامة، عن\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٢١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٥٥)، ومسلم (٣٣١).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٣٥)، البخاري (١٩١).","vol":"2","page":195},{"text":"خالد بن علقمة، حدثنا عبد خير قال:\nجلس عليٌّ بعد ما صلى الفجر في الرحبة، ثم قال لغلامه: ائتني بطهور فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست. قال عبد خير: ونحن جلوس ننظر إليه، فأخذ بيمينه الإناء فأكفأه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، فعله ثلاث مرار قال عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فمضمض، واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاث مرات. الحديث وفي آخره قال: هذا طهور نبي الله ﷺ، فمن أحب أن ينظر إلى طهور نبي الله ﷺ فهذا طهوره (^١).\n[رجاله ثقات، وقد تفرد خالد بن علقمة بذكر الاستنثار بالشمال، على اختلاف عليه في ذكره، وقد رواه جماعة عن عبد خير ولم يذكروا الاستنثار بالشمال، كما رواه غير عبد الخير ولم يذكر الاستنثار] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (١/ ١٣٥).\n(^٢) في إسناده خالد بن علقمة: وثقه النسائي ويحيى بن معين. الجرح والتعديل (٣/ ٣٤)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٩٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: شيخ. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٦٠).\nوقال فيه الحافظ: صدوق، ولعله نظر إلى كلام أبي حاتم فيه مع توثيق ابن معين والنسائي، فحطه درجة عن المرتبة الأولى من التوثيق، ولكن ابن معين والنسائي من المتشددين فإذا أجمعا على توثيق الراوي فقد جاوز الراوي القنطرة. وبقية رجال الإسناد ثقات، لكن علته التفرد والمخالفة كما سيأتي بيانه.\nفالحديث رواه عبد خير، عن علي، وقد رواه عن عبد خير جماعة، ولم يذكر أحد منهم الاستنثار باليمين إلا خالد بن علقمة، تفرد بذلك عنه زائدة بن قدامة، وقد رواه أبو عوانة وشعبة وسفيان بن عيينة، وأبو حنيفة وشريك وغيرهم عن خالد بن علقمة، ولم يذكروا ما ذكره زائدة بن قدامة من الاستنثار بالشمال، وبعضهم اختصر الحديث،\nكما رواه عن علي غير عبد بن خير، ولم يذكروا الاستنثار بالشمال، منهم عبد الملك بن سلع الهمداني، وأبو إسحاق السبيعي، وحسن بن عقبة المرادي. =","vol":"2","page":196},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا أعلم أحدًا خالف في استحباب الاستنثار بالشمال فيما أعلم، وإليك تخريج هذه الطريق الأول: خالد بن علقمة، عن عبد خير: واختلف على خالد:\nفرواه زائدة بن قدامة عن خالد بن علقمة، كما في مسند أحمد (١/ ١٣٥)، والطهور لأبي عبيد (٧٥، ٢٩٠)، وسنن أبي داود (١١٢)، وسنن النسائي (٩١)، ومسند أبي يعلى (٢٨٦)، ومنتقى ابن الجارود (٦٨)، ومسند البزار (٧٩١)، وسنن الدارمي (٧٠١)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٥)، وصحيح ابن خزيمة (١٤٧)، وصحيح ابن حبان (١٠٥٦)، وسنن الدارقطني (١/ ٩٠، ١٠٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٤٧، ٤٨، ٥٨، ٥٩، ٧٤)، بذكر الاستنثار.\nوخالف زائدة جماعة:\nفقد رواه أحمد (١/ ١٥٤)، حدثنا عفان.\nورواه أبو داود (١١١) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٠، ٦٨) حدثنا مسدد.\nورواه النسائي في المجتبى (٩٢) وفي الكبرى (٧٧) أخبرنا قتيبة بن سعيد.\nورواه عبد الله بن أحمد في زوائده أيضًا (١/ ١٤١) حدثنا أبو بحر.\n(وفي أطراف المسند: أبو بكر بن أبي شيبة وكلاهما من شيوخ عبد الله بن أحمد)،\nورواه البزار (٧٩٢) من طريق محمد بن عبد الملك القرشي، كلهم (عفان، ومسدد، وقتيبة، ... وأبو بحر، وأبو بكر بن أبي شيبة) عن أبي عوانة، عن خالد بن علقمة به، وفيه: (ثم تمضمض ونثر من الكف الذي أخذ منه).\nوإذا كانت كف المضمضة هي كف الاستنثار علم أن ذلك باليمين، وليس بالشمال، إلا أن يقال: إن المقصود بالاستنثار هو الاستنشاق، فقد يعبر بالاستنثار عن الاستنشاق، وذلك لكونه من لوازمه.\nكما تابع أبا عوانة كل من:\nشعبة، فرواه أبو داود الطيالسي (١٤٩)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٠).\nورواه أحمد (١/ ١٣٩) وأبو داود (١١٣) وأبو يعلى (٥٣٥) عن محمد بن جعفر.\nورواه أحمد (١/ ١٣٩) عن حجاج بن محمد.\nورواه أحمد (١/ ١٢٢) حدثنا يحيى بن سعيد.\nورواه النسائي في المجتبى (٩٣)، وفي الكبرى (٩٩، ١٦٣) من طريق عبد الله بن المبارك.\nورواه أيضًا في المجتبى (٩٤) وفي الكبرى (٨٣، ١٦٤) من طريق يزيد بن زريع\nورواه الطحاوي (١/ ٣٥) من طريق أبي عامر.\nوأخرجه البزار (٧٩٣) من طريق وهب بن جرير.\nثمانيتهم عن شعبة، عن مالك بن عرفطة، عن عبد خير، عن علي. =","vol":"2","page":197},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أحمد كما في العلل رواية ابنه (١/ ٥١٥)، والنسائي كما في السنن (١/ ٦٨، ٦٩) والترمذي كما في سننه (١/ ٦٩) وعبد الله بن أحمد كما في المسند (١/ ١٢٢) وأبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٥٦)، والدارقطني في علله (٤/ ٤٩) وغيرهم: وَهِمَ شعبة باسم الراوي، وإنما اسمه خالد بن علقمة، فقال: مالك بن عرفطة. وليس في هذا الطريق ذكر الاستنثار بالشمال.\nورواه سفيان الثوري، عن خالد بن علقمة، واختلف على سفيان: .\nفرواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١١٥) من طريق القاسم الجرمي، عن سفيان، عن خالد بن علقمة به، بلفظ: أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا.\nورواه هياج بن بسطام، كما في المعجم الصغير للطبراني (٩٣٩) من طريق خالد بن هياج بن بسطام، حدثنا أبي، عن سفيان، عن شريك، عن خالد بن علقمة به، فأدخل بين الثوري وخالد شريكًا.\nقال الطبراني: لم يروه عن سفيان عن شريك إلا هياج بن بسطام تفرد به خالد، ورواه غيره عن سفيان عن خالد بن علقمة نفسه. اهـ وهياج ضعيف\nوقد روى الحديث شريك عن خالد بن علقمة، وإنما النكارة في جعل سفيان يرويه عن شريك، ولو كان هياج حافظًا لقلت: لعله دلسه، فأسقط شريكًا، والله أعلم ..\nفقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ٤٣) ح ٤٠٦، قال: حدثنا شريك، عن خالد بن علقمة به، بلفظ: توضأ، فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا من كف واحدة، قال: هكذا وضوء نبيكم.\nوأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٢٥) حدثنا محمد بن جعفر الوركاني، أخبرنا شريك به. بأطول من رواية ابن أبي شيبة.\nكما أخرجه الدارقطني (١/ ٨٩) من طريق أبي يحيى الحماني، وعن أبي يوسف القاضي، كلاهما عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة به، إلا أنه قال: ومسح برأسه ثلاثًا.\nقال الدارقطني: هكذا رواه أبو حنيفة، عن خالد بن علقمة، وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات منهم زائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وشريك، وأبو الأشهب جعفر بن الحارث، وهارون بن سعد، وجعفر بن محمد، وحجاج بن أرطأة، وأبان بن تغلب، وعلي بن صالح، وحازم بن إبراهيم، وحسن بن صالح، وجعفر الأحمر، فرووه عن خالد بن علقمة، فقالوا فيه: ومسح برأسه مرة .. إلخ كلامه ﵀.\nهذا ما يخص طريق خالد بن علقمة، عن عبد بن خير، ورأينا كيف أن الاستنثار بالشمال تفرد به زائدة بن قدامة، عن خالد، وقد رواه شعبة، وأبو عوانة، وسفيان، وشريك، وأبو حنيفة عن خالد، ولم يذكروا ما ذكره زائدة.\nالطريق الثاني: حسن بن عقبة المرادي، عن عبد خير. =","vol":"2","page":198},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٢٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٦)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١١٤) عن وكيع، حدثنا الحسن بن عقبة المرادي به، مختصرًا بلفظ: ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ؟ ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا.\nورواه الدارمي (٧٢٠) أخبرنا أبو نعيم، ثنا حسن بن عقبة المرادي به.\nوأبو نعيم هو الفضل بن دكين، والحسن بن عقبة المرادي ثقة، له ترجمة في الجرح والتعديل (٣/ ٢٨، ٢٩). فإسناده صحيح.\nالطريق الثالث: أبو إسحاق السبيعي، عن عبد خير.\nأخرجه عبد الله بن أحمد في زائد المسند (١/ ١٢٧) وأبو يعلى في مسنده (٥٠٠) حدثنا خلف بن هشام، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، قال: وذكر عبد خير عن علي مثل حديث أبي حية، إلا أن عبد خير قال: كان إذا فرغ من طهوره أخذ بكفيه من فضل طهوره، فشرب.\nوأخرجه الترمذي (٤٩) حدثنا قتيبة وهناد، قالا: حدثنا أبو الأحوص به.\nالطريق الرابع: عبد الملك بن سلع الهمداني، عن عبد خير به.\nأخرجه أحمد (١/ ١١٠) حدثنا مروان.\nورواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٢٣) من طريق مسهر بن عبد الملك بن سلع، كلاهما عن عبد الملك بن سلع الهمداني به. مطولًا، ولم يذكر الاستنثار بالشمال.\nوإسناده صالح، وعبد الملك بن سلع الهمداني ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. وفي التقريب: صدوق.\nوكونه قد توبع، فقد زال ما يخشى من خطأ عبد الملك، والله أعلم.\nكما رواه أبو حية، عن علي بمثل رواية عبد خير عن علي.\nأخرجها أحمد في المسند (١/ ١٢٠) حدثنا عبد الله بن الوليد، حدثنا سفيان، حدثنا أبو إسحاق عن أبي حية بن قيس، عن علي ﵁ أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وشرب فضل وضوئه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل.\nورواه أحمد (١/ ١٢٥) والترمذي (٤٤)، حدثنا عبد الرحمن، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٢٠)، ومن طريق عبد الرزاق رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٥٦).\nورواه البزار (٧٣٤، ٧٣٥) من طريق مؤمل بن إسماعيل وأبي عاصم فرقهما، كلهم (عبد الرحمن وعبد الرزاق، ومؤمل، وأبو عاصم) عن سفيان.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٢١)، وأحمد (١/ ١٢٧)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٥٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٥) من طريق إسرائيل.","vol":"2","page":199},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-588> الدليل الثاني:</span>\nقالوا: يستحب الاستنثار بالشمال لما فيه من إزالة الوسخ الذي في الأنف،\n(٢١٤ - ٦٨) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة أنها قالت:\nكانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى.\n_________\nوأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٢٧)، وأبو يعلى (٤٩٩)، وأبو داود (١١٦)، والنسائي (٩٦)، وابن ماجه (٤٥٦)، والبيهقي في السنن (١/ ٧٥) من طريق أبي الأحوص.\nوأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٥٨) من طريق العلاء بن هلال الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة\nوأخرجه النسائي (١٣٦) من طريق شعبة.\nوأخرجه أيضًا (١١٥) من طريق زكريا ابن أبي زائدة، كلهم عن أبي إسحاق به.\nوالراوي عن أبي إسحاق سفيان الثوري، وهو من قدماء أصحابه، فلا يخشى من اختلاطه، وروى عنه أبو الأحوص، وقد أخرج الشيخان حديث أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، وأما عنعنته فقد روى عنه هذا الحديث شعبة، كما في سنن النسائي (١٣٦)، وهو لا يحمل عنه إلا ما ثبت له اتصاله.\nوفي الإسناد أبو حية الوادعي، قال أحمد: شيخ. الجرح والتعديل (٩/ ٣٦٠).\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٥/ ١٨٠).\nوقال ابن المديني: مجهول.\nوقال الذهبي: لا يعرف.\nوقال ابن الجارود في الكنى: وثقه ابن نمير. تهذيب التهذيب (١٢/ ٨٨).\nوفي التقريب: مقبول. يعني: حيث يتابع، وقد تابعه عبد خير، فالإسناد صالح إن شاء الله في المتابعات.\nوانظر لمراجعة طرق حديث عبد خير، عن علي: أطراف المسند (٤/ ٤٥٣)، تحفة الأشراف (١٠٢٠٣، ١٠٢٠٤)، إتحاف المهرة (١٤٥٥٦).\nوانظر لطرق أبي حية بن قيس، عن علي: أطراف المسند (٤/ ٤٩٤)، تحفة الأشراف (١٠٣٢١، ١٠٣٢٢)، إتحاف المهرة (١٤٨٥٣).","vol":"2","page":200},{"text":"قال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه\n[الراجح أنه منقطع] (^١).\n* الراجح:\nلا يثبت في السنة شيء في كون الاستنثار بالشمال، ولا أعلم خلافًا في أن الاستنثار بالشمال مستحب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). انظر تخريجه في المجلد السابع، ح: (١٢٨٠).","vol":"2","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>المبحث السابع في الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- الأصل أن ما كان أكثر عملًا كان أكثر فضلًا إلا ما استثني، ومنه الجمع بين المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات أفضل من الفصل بست غرفات (^١).\n[م-١١٦] اختلف العلماء هل السنة في المضمضة والاستنشاق الجمع أم الفصل؟ على قولين:\nفقيل: يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وهو مذهب الحنفية (^٢)، وقول في مذهب المالكية (^٣)، وعليه أكثر أصحاب الشافعية (^٤).\n_________\n(^١) انظر الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١٤٤)، ومن فروع هذه القاعدة، القصر أفضل من الإتمام، وتخفيف ركعتي الفجر أفضل من تطويلهما، ومثله ركعتا الطواف، والأكل من الأضحية ثم التصدق بها أفضل من التصدق بجميعها.\n(^٢) قال في الهداية (١/ ٢٣): «وكيفيته: أن يمضمض ثلاثًا، يأخذ لكل مرة ماء جديدًا، ثم يستنشق كذلك». وانظر درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١١)، البحر الرائق (١/ ٢٢)، الفتاوى الهندية (١/ ٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ١١٦)، تبيين الحقائق (١/ ٤).\n(^٣) المنتقى شرح الموطأ (١/ ٤٥)، والخرشي (١/ ١٣٤).\n(^٤) قال النووي في المجموع (١/ ٣٩٧): «اتفق نص الشافعي والأصحاب على أن سنتهما تحصل بالجمع والفصل على أي وجه أوصل الماء إلى العضوين، واختلف نصه واختيار الأصحاب في الأفضل من الكيفيتين، فنص الأم ومختصر المزني أن الجمع أفضل، ونص البويطي أن الفصل\nأفضل ..... وأما الجمهور الذين حكوا قولين، فاختلفوا في أصحهما، فصحح المصنف - يقصد الشيرازي صاحب المهذب- والمحاملي في المجموع، والروياني والرافعي وكثيرون الفصل. وصحح البغوي والشيخ نصر المقدسي وغيرهما الجمع. هذا كلام الأصحاب».\nوقال في المنهاج (١/ ٥٨): «والأظهر أن فصلهما أفضل».","vol":"2","page":202},{"text":"وقيل: السنة أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة.\nاختاره ابن رشد من المالكية (^١)، وهو المنصوص عن الشافعي (^٢)، ورجحه النووي (^٣)، والعراقي (^٤)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٥).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-590> دليل من قال بالفصل بين المضمضة والاستنشاق:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-591>الدليل الأول:</span>\n(٢١٥ - ٦٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا معتمر، قال: سمعت ليثًا يذكر عن طلحة، عن أبيه،\nعن جده قال: دخلت يعني على النبي ﷺ، وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق (^٦).\n[ضعيف] (^٧).\n_________\n(^١) حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٣٤)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٤٥).\n(^٢) قال الشافعي في الأم (١/ ٢٤): «أحب إلي أن يبدأ المتوضئ بعد غسل يديه أن يتمضمض ويستنشق ثلاثًا، يأخذ بكفه غرفة لفيه وأنفه».\n(^٣) قال النووي في المجموع (١/ ٣٩٨): «والصحيح بل الصواب تفضيل الجمع (يعني بين المضمضة والاستنشاق) للأحاديث الصحيحة المتظاهرة فيه».\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٥٣).\n(^٥) كشاف القناع (١/ ٩٣)، المغني لابن قدامة (١/ ١٦٩، ١٧٠)، الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٠٣).\n(^٦) سنن أبي (١٣٩).\n(^٧) في إسناده ليث بن أبي سليم، قال فيه الحافظ: صدوق، اختلط جدًّا فلم يتميز، فترك.\nوفي إسناده طلحة، لم ينسب، فلم تعرف عينه، فقيل: هو طلحة بن مصرف، وقيل: غيره.\nوقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث كما في كتاب العلل (١/ ٥٣) «قال: فلم يثبته، وقال: طلحة هذا يقال: إنه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول: هو طلحة بن مصرف، ولو كان طلحة بن مصرف لم يختلف فيه».اهـ =","vol":"2","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وجاء في الجرح والتعديل (٤/ ٤٧٣): «سئل أبو زرعة عن طلحة الذي يروي عن أبيه عن جده، قال: رأيت النبي ﷺ يتوضأ ...؟ فقال: لا أعرف أحدًا سمى والد طلحة إلا أن بعضهم يقول: ابن مصرف.\nوذكر أبو داود عن أحمد قوله: كان ابن عيينة ينكره، ويقول: إيش هذا طلحة عن أبيه عن جده؟ وكذلك حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني».اهـ وانظر سنن البيهقي (١/ ٥١)، وتلخيص الحبير (١/ ٧٨).\nوفي نصب الراية (١/ ١٣٤): «صرح بأنه طلحة بن مصرف ابن السكن وابن مردوية في كتاب أولاد المحدثين ويعقوب بن سفيان في تاريخه، وابن أبي خيثمة وخلق».اهـ\nوفي إسناده والد طلحة، فعلى تقدير أنه والد طلحة، وأن اسمه مصرف بن عمرو بن كعب، وقيل: ... ابن كعب بن عمرو، فإنه لم يرو عنه إلا ولده طلحة، ولم يوثق، وفي التقريب: مجهول.\nوإن لم يكن مصرفًا فلا يعرف.\nقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام كما في البدر المنير (٣/ ٢٨٤): «وعلة الخبر عندي الجهل بحال مصرف بن عمرو، والد طلحة بن مصرف». اهـ\nوفي إسناده جد طلحة، فإن كان طلحة هو ابن مصرف، فقد اختلف هل له صحبة أم لا على قولين:\nوإن لم يكن والد طلحة فهو مجهول أيضًا، فيكون الحديث يرويه مجهول عن مجهول، عن مجهول.\nفعلى تقدير أنه جد طلحة بن مصرف، فقد قيل: إنه لا صحبة له. جاء في البدر المنير (٣/ ٢٨٢): «قال عباس الدوري في ما رواه الحاكم، عن الأصم عنه، قلت ليحيى بن معين: طلحة بن مصرف عن أبيه، عن جده، رأى جده النبي ﷺ؟ فقال يحيى: المحدثون يقولون هذا، وأهل بيت طلحة يقولون: ليست له صحبة».اهـ\nوفي سؤالات ابن الجنيد: قال: ولد طلحة بن مصرف: ما أدرك جدنا النبي ﷺ. اهـ\nوممكن أن يقال: إن أهل بيته ألصق به وأقرب، وأحرص من غيرهم على حصول هذا الشرف، وممكن أن يقال: إن أهل الحديث أكثر عناية في هذا الباب من آل بيت طلحة، كما يشكل عليه أيضًا ما أورده ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٢٨٢): عن الخلال، عن أبي داود: سمعت رجلًا من ولد طلحة بن مصرف يذكر أن جده له صحبة، وجزم ابن مهدي بأن جده له صحبة، وأنكر ابن عيينة أن يكون جده له صحبة. اهـ والله أعلم.\nفالحديث بكل حال إسناده ليس بالقائم.\nوالحديث أخرجه أبو داود كما قدمنا، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥١).\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ١٨١) ح ٤١٠ من طريق ليث بن أبي سليم به. =","vol":"2","page":204},{"text":"- وأجيب عنه بثلاثة أجوبة:\nالأول: أنه ضعيف.\nالثاني: أن المراد: تمضمض، ثم مج، ثم استنشق، أي ولم يخلطهما.\nالثالث: أنه محمول على بيان الجواز، وكان هذا منه ﷺ مرة واحدة؛ لأن لفظه عند أبي داود: دخلت على النبي ﷺ، وهو يتوضأ، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. وهذا لا يقتضي أكثر من مرة (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-592> الدليل الثاني:</span>\nقال ابن الملقن في البدر المنير (^٢): رأيت في سنن ابن السكن المسماة بـ (الصحاح المأثورة) ما نصه: روى شقيق بن سلمة، قال: شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وأفردوا المضمضة من الاستنشاق، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ.\nوهذا الإسناد معلق كما ترى، وصحته تتوقف على معرفة الساقط من إسناده، ولم أقف عليه، فيبقى عندي ضعيفًا، وقد ذكر بعض العلماء أن أحاديث الفصل لا تثبت، وهذا منها.\nقال النووي: وأما الفصل فلم يثبت فيه حديث أصلًا، وإنما جاء فيه حديث طلحة بن مصرف، وهو ضعيف. وقال أيضًا: فلا يحتج به لو لم يعارضه شيء، فكيف إذا عارضه أحاديث كثيرة صحاح؟ (^٣).\n_________\n= وأخرجه أيضًا (١٢/ ٢٦) من طريق أبي سلمة الكندي، حدثنا ليث به، بلفظ: أن رسول الله ﷺ توضأ، فمضمض واستنشق ثلاثًا، يأخذ لكل واحدة ماء جديدًا. الحديث. انظر تحفة الأشراف (١١١٢٧).\n(^١) المجموع (١/ ٣٩٨).\n(^٢) البدر المنير (٣/ ٢٨٨).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٩٨).","vol":"2","page":205},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-593> الدليل الثالث:</span>\n(٢١٦ - ٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار،\nعن أبي مطر قال: بينا نحن جلوس مع أمير المؤمنين علي في المسجد على باب الرحبة جاء رجل فقال: أرني وضوء رسول الله ﷺ؟ وهو عند الزوال فدعا قنبرًا فقال: ائتني بكوز من ماء، فغسل كفيه ووجهه ثلاثًا، وتمضمض ثلاثًا، فأدخل بعض أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثًا. الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأنه لما أدخل بعض أصابعه فيه حال المضمضة دل على أن الاستنشاق مفصول عن المضمضة.\n- وأجيب:\nأولًا: الحديث ضعيف جدًّا (^٢).\nثانيًا: الحديث ليس صريحًا في المسألة، فإدخال بعض الأصابع في الفم حال المضمضة لا يلزم منه فصل المضمضة عن الاستنشاق، فقد تكون الأصابع المدخلة هي أصابع اليد اليسرى، ومعلوم أن المضمضة والاستنشاق في اليد اليمنى كما قدمنا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-594> الدليل الرابع:</span>\nمن النظر، أن الفم والأنف عضوان مستقلان، فكان القياس أن المتوضئ لا ينتقل إلى عضو آخر حتى يفرغ من العضو الذي قبله، فلا ينتقل إلى الأنف إلا بعد الفراغ من الفم، كسائر أعضاء الوضوء.\n- وأجيب:\nبأنهما وإن كانا في الحس عضوين إلا أنهما عضوان في عضو واحد، وهو\n_________\n(^١) المسند (١/ ١٥٨).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد العاشر، ح: (٢٢٩٨).","vol":"2","page":206},{"text":"الوجه، وحتى مع التسليم أنهما عضوان مستقلان حسًا، فالشرع حكم لهما بأنهما عضو واحد حكمًا، وإنما تلقينا صفة المضمضة والاستنشاق من السنة الصحيحة، فلا دخل للنظر فيهما وقد ورد النص، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-595> الدليل الخامس:</span>\nاستدل بعضهم ببعض الأحاديث المجملة، كقوله: (فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا) من أن ظاهرها الفصل بين المضمضة والاستنشاق.\n- وأجيب:\nبأن هذه الأحاديث مجملة، تحتمل الفصل وتحتمل الجمع، والمجمل يحمل على المبين والمفصل كما في حديث عبد الله بن زيد، وحديث ابن عباس وحديث علي ﵃ أجمعين، وسوف يأتي ذكرها في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-596>دليل من قال: يجمع بين المضمضة والاستنشاق:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-597> الدليل الأول:</span>\n(٢١٧ - ٧١) ما رواه البخاري، من طريق وهيب قال: حدثنا عمرو بن يحيى،\nعن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء. الحديث. وقد رواه مسلم من هذا الطريق إلا أنه قال: (فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات) (^١).\nوفي رواية للبخاري ومسلم من طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى به، بلفظ: (فمضمض واستنشق من كف واحدة) (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (١٩٢)، ومسلم (٢٣٥).\n(^٢) البخاري (١٩١)، ومسلم (٢٣٥).","vol":"2","page":207},{"text":"قال الحافظ: واستدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة.\nوقال النووي: في هذا الحديث دلالة ظاهرة للمذهب الصحيح المختار، أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات، يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منهما (^١).\nوقال ابن القيم: «لم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتة» (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-598> الدليل الثاني:</span>\n(٢١٨ - ٧٢) ما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (^٣).\nوجه الاستدلال:\nإذا كان ﷺ قد أخذ غرفة من ماء للمضمضة والاستنشاق، فلا يمكن أن تكون هناك صفة إلا صفة واحدة هي الوصل بين المضمضة والاستنشاق، ولا يمكن الفصل في هذه الحالة والغرفة واحدة.\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٦٢١).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ١٩٢).\n(^٣) البخاري (١٤٠). وقد خرجته بمزيد من التفصيل حول ألفاظه المختلفة عند الكلام على طهارة المسح على الحائل في المجلد الثالث ح (٥٤٠)، وانظر، ح: (٢٤٧).","vol":"2","page":208},{"text":"وقد روى الحديث الدارمي (^١)، من طريق عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم به، بلفظ: أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وجمع بين المضمضة والاستنشاق.\nوهذه رواية للحديث بالمعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>الدليل الثالث:</span>\n(٢١٩ - ٧٣) ما رواه أحمد من طريق خالد بن علقمة، حدثنا عبد خير قال:\nجلس علي بعد ما صلى الفجر في الرحبة، ثم قال لغلامه: ائتني بطهور فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست. قال عبد خير: ونحن جلوس ننظر إليه، فأخذ بيمينه الإناء، فأكفأه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، فعله ثلاث مرار، قال عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فمضمض، واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاث مرات. الحديث.\n[رجاله ثقات وسبق الكلام عليه] (^٢).\n- وأجيب عن هذه الأدلة بأجوبة فيها نظر، منها:\nالجواب الأول:\nأنه ربما فعل ذلك لبيان الجواز.\n- ورد هذا:\nبأن روايات الجمع كثيرة من جهات عديدة وعن جماعة من الصحابة، ورواية الفصل واحدة وهي ضعيفة، وهذا لا يناسب بيان الجواز في الجمع، فإن بيان الجواز يكون في مرة ونحوها ويداوم على الأفضل، والأمر هنا بالعكس.\n_________\n(^١) سنن الدارمي (٧٠٠).\n(^٢) انظر رقم (٢١٣) من هذا الكتاب.","vol":"2","page":209},{"text":"الجواب الثاني:\nقالوا: إن معنى تمضمض واستنشق من كف واحد: أي لم يستعن باليدين مثل ما يفعل في غسل الوجه، أو معناه فعلهما باليد اليمنى، فيكون ردا على من يقول: الاستنشاق باليسرى؛ لأن الأنف موضع الأذى، كموضع الاستنجاء (^١).\nورد هذا:\nبأن قوله في الأحاديث تمضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات فذكر العدد يقطع هذا الاحتمال، والله أعلم.\n- الراجح:\nبعد استعراض أدلة كل قول، تبين أن الفصل بين المضمضة والاستنشاق مجزئ، إلا أن الجمع بين المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة هو السنة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٤).","vol":"2","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>فرع\nفي صفة الجمع والفصل بين المضمضة والاستنشاق</span>\n[م-١١٧] اختلف العلماء في صفة الجمع بين المضمضة والاستنشاق على ثلاثة أقوال:\nفقيل: أن يأخذ غرفة يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يأخذ غرفة ثانية يفعل بها كذلك، ثم ثالثة كذلك، وهذا أصحها، ورجحها النووي.\nوقيل: صفة الجمع أن يأخذ غرفة واحدة، فيمضمض منها ثم يستنشق، ثم يمضمض منها ثم يستنشق، ثم يفعل ذلك مرة ثالثة، كل هذه الثلاث من غرفة واحدة.\nوقيل: أن يأخذ غرفة واحدة، فيتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق منها ثلاثًا بلا خلط، وهذه لا فرق بينها وبين الأولى إلا أنه لا يستنشق حتى يفرغ من المضمضة.\nفصارت الصفات ترجع إلى صفتين:\nأخذ ثلاث غرفات، في كل غرفة يتمضمض ويستنشق منها.\nأو يأخذ غرفة واحدة يتمضمض ويستنشق منها ثلاث مرات.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-601> دليل من قال: يأخذ ثلاث غرفات</span>.\n(٢٢٠ - ٧٤) ما رواه البخاري من طريق وهيب، قال: حدثنا عمرو بن يحيى،","vol":"2","page":211},{"text":"عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء. الحديث\nفهذا الحديث صريح أن الغرفات ثلاث، وأن المضمضة والاستنشاق ثلاث، فتكون غرفة مستقلة لكل مضمضة واستنشاق.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-602>دليل من قال غرفة واحدة يتمضمض ويستنشق منها ثلاث مرات</span>.\n(٢٢١ - ٧٥) ما رواه البخاري من طريق سليمان بن بلال قال: حدثني عمرو ابن يحيى،\nعن أبيه قال: كان عمي يكثر من الوضوء قال لعبد الله بن زيد أخبرني كيف رأيت النبي ﷺ يتوضأ؟ فدعا بتور من ماء، فكفأ على يديه، فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة (^١).\nفقوله ﵁: ثلاث مرات من غرفة واحدة ظاهر أن تكرار الاستنشاق والمضمضة من غرفة وحدة.\n- وأجيب:\nبأن قوله: (فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة) المقصود: تمضمض واستنثر كل مرة من غرفة واحدة، فالراوي والله أعلم أراد أن يشير إلى جمع المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة، ولم يرد أن المضمضة والاستنشاق يكرران من نفس الغرفة الواحدة، لاسيما والحديث واحد، ومخرجه واحد، وقد جاء فيه في الرواية الأخرى: فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٩٩).","vol":"2","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>الفصل الخامس التخليل من سنن الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>المبحث الأول في تعريف التخليل</span>\nتعريف التخليل اصطلاحًا (^١):\nلا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فإذا كان معنى التخليل في الأصل: هو إدخال الشيء في خلال الشيء: وهو وسطه، فيكون معنى تخليل اللحية: هو أن يدخل أصابع يديه في خلال لحيته حتى يصل الماء إلى بشرته بأَصابعه (^٢).\nوفي الشرح الصغير: المراد بالتخليل: إيصال الماء للبشرة بالدلك على ظاهره (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) الخَلَل: الفُرْجة بين الشيئين. والخَلَّة: الثُّقْبة الصغيرة، وقيل: هي الثُّقْبة ما كانت، وجمعها خلال، كجبل وجبال.\nوخِلالُ الدار: ما حوالَى جُدُرها وما بين بيوتها. وتَخَلَّلْتُ ديارهم: مَشَيت خِلالها. وتَخَلَّلتُ الرملَ أَي مَضَيت فيه.\nوفي التنزيل العزيز: (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ) [الإسراء: ٥]، وتَخَلَّل القومَ: دخل بين خَلَلهم وخِلالهم، ومنه تَخَلُّل الأَسنان.\nهذا معنى التخليل في لسان العرب. لسان العرب (١١/ ٢١٣).\n(^٢) انظر درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١١)، البحر الرائق (١/ ٢٢).\n(^٣) الشرح الصغير (١/ ١٠٧).","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>المبحث الثاني في تخليل اللحية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- تخليل اللحية ليس داخلًا في غسل الوجه حتى يكون بيانًا للمجمل وإلا لكان واجبًا.\n- الشعر قسمان: خفيف يجب غسل ما تحته، وكثيف لا يشرع غسل ما تحته لأنه من أصل الخلقة، والأصل ألا يشرع تخليله؛ لأنه يؤدي إلى غسل الباطن وهو من التعمق والتكلف.\n[م-١١٨] اختلف العلماء في حكم تخليل اللحية في الطهارة الصغرى (^١).\n_________\n(^١) أما الطهارة الكبرى فيجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر مطلقًا كثيفًا كان الشعر أو خفيفًا. وقيل: لا يجب حتى في الطهارة الكبرى، وهو قول في مذهب المالكية.\nقال الباجي في المنتقى (١/ ٩٤): «قد اختلفت الرواية في ذلك عن مالك، فروى ابن القاسم عنه ليس على المغتسل من الجنابة تخليل لحيته.\nوروى عنه أشهب أن ذلك عليه ....».","vol":"2","page":214},{"text":"فقيل: يستحب تخليل اللحية الكثيفة (^١)،\nوهو مذهب الحنفية (^٢)،\n_________\n(^١) وفي ضابط اللحية الكثيفة من الخفيفة أوجه:\nأحدها: أن ما عده الناس خفيفًا، فهو خفيف، وما عدوه كثيفًا فهو كثيف، فكأن هذا القول اعتبر العرف. والعرف قد لا ينضبط.\nالوجه الثاني: ما وصل الماء إلى تحته بمشقة فهو كثيف، وما كان وصول الماء إلى تحته بغير مشقة فهو خفيف. والمشقة في الحقيقة غير منضبطة.\nالوجه الثالث: ما ستر البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب فهو كثيف، وما لا فهو خفيف. وهذا أحسنها. انظر المجموع (١/ ٤٠٩، ٤١٠).\nفإذا عرفنا الفرق بين الشعر الخفيف والشعر الكثيف، ففي المسألة خلاف:\nفقيل: الشعر الخفيف يجب غسل ما تحته من البشرة، لأنه البشرة ترى من تحته، فيتعين غسل البشرة، ولا يكفي غسل الشعر فقط، وهو مذهب الأئمة الأربعة.\nوقيل: يستوي كثيف اللحية وخفيفها كما في مواهب الجليل (١/ ١٨٩) قال سند: المذهب استواء كثيف اللحية وخفيفها في عدم وجوب التخليل، وقول القاضي عبد الوهاب في الخفيف: يجب إيصال الماء إلى ما تحته، لا يناقض ذلك؛ لأنه إذا مر بيديه على عارضيه وحركهما وصل الماء إلى كل محل مكشوف من الشعر، فإن لم يصل الماء لقلته فلا يجزئه.\nوظاهر عبارة الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٣) حيث يقول: الوجه يجب غسله قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر سقط غسل ما تحته عند عامة العلماء، وقال أبو عبد الله البلخي: إنه لا يسقط غسله، وقال الشافعي: إن كان الشعر كثيفا يسقط، وإن كان خفيفًا لا يسقط. اهـ\nفهو جعل الأقوال ثلاثة: الأول: يسقط غسل الوجه مطلقًا عند عامة العلماء إذا نبت الشعر، والقول الثاني: لا يسقط مطلقًا عند أبي عبد الله البلخي، كثيفًا كان الشعر أو خفيفًا، والثالث: مذهب الشافعي: وهو التفصيل بين الشعر الكثيف والخفيف، فيسقط غسل البشرة في الكثيف، ولا يسقط غسله في الخفيف.\nوقال ابن عابدين في حاشيته (١/ ١٠١): أما ما في البدائع من أنه إذا نبت الشعر يسقط غسل ما تحته عند عامة العلماء كثيفًا كان أو خفيفًا؛ لأن ما تحته خرج من أن يكون وجها؛ لأنه لا يواجه به اهـ فمحمول على ما إذا لم تر بشرتها كما يشير إليه التعليل. اهـ\nوهذا الحمل غير ظاهر، لأنه لو حمل على ذلك لم يكن بينه وبين مذهب الشافعي فرق، والله أعلم.\n(^٢) تخليل اللحية عند أبي حنيفة ومحمد من الآداب، وعند أبي يوسف سنة، وهذا لغير المحرم، وأما المحرم فمكروه له ذلك، انظر بدائع الصنائع (١/ ٢٣)، وعبر عنه الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٤) بأن تخليل اللحية جائز عند أبي حنيفة ومحمد، قال: ومعناه: أنه لا يكون بدعة، وليس بسنة، وسنة على رأي أبي يوسف عليهم رحمة الله جميعًا. وانظر العناية شرح الهداية (١/ ٢٩)، شرح فتح القدير (١/ ٢٨، ٢٩)، البحر الرائق (١/ ٢٢، ٢٣)، الفتاوى الهندية (١/ ٧).","vol":"2","page":215},{"text":"والشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، وقول في مذهب المالكية (^٣).\nوقيل: يكره تخليل اللحية، وهو قول في مذهب المالكية (^٤).\nوقيل: يجب تخليل اللحية مطلقًا كثيفة أو خفيفة، وهو قول ثالث في مذهب المالكية (^٥).\nوعلى القول بالوجوب فهل ذلك حتى يصل الماء إلى داخل الشعر فقط، أو لا بد من وصول الماء إلى البشرة؟ في ذلك قولان حكاهما المازري (^٦).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-606> أدلة القائلين باستحباب تخليل اللحية:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-607> الدليل الأول:</span>\n(٢٢٢ - ٧٦) ما رواه عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق،\nعن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، فغسل كفيه ثلاثًا ثلاثًا، ومضمض واستنشق واستنثر، وغسل وجهه ثلاثًا، وفي آخره قال: وخلل لحيته حين غسل وجهه قبل أن يغسل قدميه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يفعل كالذي رأيتموني أفعل (^٧).\n[ذكر التخليل منكر، وحديث عثمان في الصحيحين وفي غيرهما ليس فيه ذكر التخليل] (^٨).\n_________\n(^١) حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٦٢)، تحفة المحتاج (١/ ٢٣٤)، نهاية المحتاج (١/ ١٩٢).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٣٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٧)، كشاف القناع (١/ ١٠٦).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ١٨٩).\n(^٤) جاء في التمهيد (٢٠/ ١٢١): «قال مالك: تخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس، وعاب ذلك على من فعله».\n(^٥) مواهب الجليل (١/ ١٨٩)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٩).\n(^٦) مواهب الجليل (١/ ١٩٠).\n(^٧) المصنف (١٢٥).\n(^٨) في إسناده عامر بن شقيق، جاء في ترجمته: =","vol":"2","page":216},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ضعفه يحيى بن معين. الجرح والتعديل (٦/ ٣٢٢).\nوقال أبو حاتم الرازي: شيخ ليس بقوي وليس من أبى وائل بسبيل. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ليس به بأس. تهذيب التهذيب (٥/ ٦٠).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٤٩).\nوقال الحافظ ابن حجر: صحح الترمذي حديثه في التخليل، وقال في العلل الكبير: قال محمد: أصح شيء في التخليل عندي حديث عثمان، قلت: إنهم يتكلمون في هذا فقال: هو حسن، وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم. اهـ تهذيب التهذيب (٥/ ٦٠).\nومع أن ابن حجر حاول تقوية عامر هذا إلا أنه قال في التقريب: لين الحديث.\nولو كان عامر هذا ثقة لكان انفراده بذكر التخليل في حديث عثمان علة توجب رد حديثه، كيف وهو مع هذا فيه لين؟ والله أعلم.\n[تخريج الحديث]:\nالحديث مداره على إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان.\nفقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه كما في حديث الباب، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الترمذي (٣١) مختصرًا، وابن ماجه (٤٣٠)، والحاكم (٥٢٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٥٤).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢١) ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه ابن حبان (١٠٨١)، والدارقطني (١/ ٨٦) عن ابن نمير.\nوأخرجه الدارمي (٧٠٤) وابن الجارود على إثر حديث (٧٢) والدارقطني (١/ ٨٦) عن مالك ابن إسماعيل (أبي غسان).\nورواه ابن الجارود في المنتقى (٧٢) وابن خزيمة (١٥٢) والدارقطني (١/ ٨٦) من طريق ... ابن مهدي.\nوأخرجه ابن خزيمة أيضًا (١٥١) من طريق خلف بن الوليد وأبي عامر.\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٤٨) من طريق عبد الله بن موسى، كلهم عن إسرائيل به.\nواختلف على إسرائيل في ذكر التخليل، فرواه من سبق: عبد الرزاق وعبد الله بن نمير ومالك\nابن إسماعيل وابن مهدي وأبو عامر العقدي وخلف بن الوليد رووه عن إسرائيل بذكر التخليل.\nوخالفهم وكيع ويحيى بن آدم، وأسد بن موسى فرووه عن إسرائيل به بدون ذكر التخليل إلا أن وكيعًا ويحيى بن آدم اختلف عليهما فيه، فروي عنهما تارة بذكر التخليل، وتارة بدون ذكره.\nفقد أخرجه أحمد (١/ ٥٧) وابن أبي شيبة (١/ ١٧) عن وكيع، عن إسرائيل به، بلفظ: أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا.\nوأخرجه البزار (٣٩٣) من طريق وكيع به مطولًا بذكر التخليل، فأخشى أن تكون رواية أحمد وابن أبي شيبة تعمدا فيها اختصار الحديث. =","vol":"2","page":217},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما رواية يحيى بن آدم، فقد أخرجها أبو داود (١١٠) بلفظ: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعية ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا. اهـ ولم يذكر التخليل، لكن رواه الدارقطني (١/ ٩١) من طريق يحيى بن آدم، وفيه ذكر التخليل.\nوأما رواية أسد بن موسى، فأخرجها الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٢) بلفظ: عن عثمان ابن عفان أنه توضأ، فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ.\nفتلاحظ أن من رواه عن إسرائيل بذكر التخليل أكثر عددًا، وكلهم ثقات، وممن أخرج أحاديثهم الجماعة إلا خلف بن الوليد، وهو ثقة، لكن علة الحديث تفرد عامر بن شقيق بذكر التخليل، وقد خالفه عبدة بن أبي لبابة، وهو أوثق منه، فقد أخرجه أبو عبيد في الطهور (٨١)، والطيالسي (٨١)، وابن ماجه (٤١٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٩)، والبزار في المسند (٣٩٤) من طريق عبد الرحمن بن ثابت، عن عبدة بن أبي لبابة، عن أبي وائل به، وليس فيه ذكر التخليل.\nوعبد الرحمن بن ثابت، قال فيه الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وقد تغير بآخرة.\nكما أن حديث عثمان في صفة الوضوء رواه جماعة عن عثمان من غير طريق أبي وائل، ولم يذكروا فيه التخليل، وإليك بعض من وقفت عليه منهم:\nالأول: حمران مولى عثمان بن عفان، عن عثمان، وحديثه في الصحيحين انظر (البخاري ١٥٩، ومسلم ٢٢٦).\nالثاني: أبو أنس: مالك بن عامر الأصبحي، عن عثمان، وحديثه في صحيح مسلم (٢٣٠).\nالثالث: عطاء، عن عثمان.\nأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ٦٦، ٧٢) من طريق حماد بن زيد عن حجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن عثمان ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه، وغسل رجليه غسلًا.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧) من طريق أبي معاوية عن حجاج به.\nوأخرجه أيضًا (١/ ٢٢) عن عباد بن العوام، عن حجاج به، ومن هذا الطريق أخرجه ابن ماجه (٤٣٥).\nوهذا الطريق له علتان:\nالأولى: ضعف حجاج، وهو مدلس أيضًا وقد عنعن. =","vol":"2","page":218},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثانية: عطاء لم يسمع من عثمان ﵁، ولذلك أخرجه عبد الرزاق (١٢٤) عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه بلغه عن عثمان أنه مضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا، ثم أفرغ على وجهه ثلاثًا، وعلى يديه ثلاثًا، ثم قال: هكذا توضأ النبي ﷺ، قال: ولم أستيقنها عن عثمان، ولم أزد عليه ولم أنقص. اهـ\nفقوله: بلغه عن عثمان صريح أنه لم يسمعه منه.\nوذكره الحافظ في التلخيص (١/ ٦٣)، وقال: رواه البيهقي والدارقطني. اهـ\nقلت: أما البيهقي فذكره معلقًا، قال (١/ ٦٣): وروي ذلك عن عطاء بن أبي رباح، عن عثمان.\nوأما الدارقطني فلم أجده في سننه، ولم يشر الحافظ إلى رواية عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن ماجه وعبد الله بن أحمد للحديث.\nالرابع: زيد بن ثابت عن عثمان ﵄.\nأخرجه البزار (٣٤٣) من طريق عثمان بن عمر، قال: أخبرنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن عثمان ﵁ أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ.\nقال البزار: وهذا الحديث حسن الإسناد، ولا نعلم روى زيد بن ثابت عن عثمان حديثًا مسندًا إلا هذا الحديث، ولا له إسناد عن زيد بن ثابت إلا هذا الإسناد.\nكما أن الحافظ ابن حجر قد حسن إسناده في التلخيص (١/ ١٤٦).\nالخامس: عبد الرحمن البيلماني، عن عثمان.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٩٢) من طريق صالح بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن عثمان في صفة الوضوء ثلاثًا، وذكر التثليث، ومسح الرأس، وعدم الكلام أثناء الوضوء، والذكر بعده، وثواب ذلك.\nوهذا الإسناد ضعيف جدًّا. جاء في نصب الراية (١/ ٣٢): قال ابن القطان: صالح بن عبد الجبار لا أعرفه إلا في هذا الحديث، وهو مجهول الحال.\nومحمد بن عبد الرحمن البيلماني جاء في تلخيص الحبير عن الحافظ أنه ضعيف جدًّا، وفي التقريب: ضعيف. وقد اتهمه ابن عدي ابن حبان.\nوأما أبوه فضعفه الحافظ في التلخيص والتقريب.\nالسادس: عن زيد بن داره، عن عثمان.\nأخرجه أحمد (١/ ٦١) حدثنا صفوان بن عيسى، عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم، قال: دخلت على ابن داره مولى عثمان، قال: فسمعني أمضمض، قال: فقال: يا محمد، قال: قلت: لبيك. قال: ألا أخبرك عن وضوء رسول الله ﷺ؟ قال: رأيت عثمان، وهو بالمقاعد دعا بوضوء، فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا، وغسل قدميه، ثم قال: من أحب أن ينظر إلى وضوء رسول الله ﷺ، فهذا وضوء رسول الله ﷺ. =","vol":"2","page":219},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-608> الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٣ - ٧٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا علي بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله يعني ابن مبارك، قال: أخبرنا عمر بن أبي وهب الخزاعي، قال: حدثني موسى بن ثروان، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي، عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل لحيته بالماء.\n[رجاله موثوقون] (^١).\n_________\n= وهذا إسناد ضعيف، فيه زيد بن داره، وهو مجهول الحال. انظر تلخيص الحبير (١/ ١٤٦).\nوالحديث أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٦)، والدارقطني (١/ ٩١، ٩٢) والبيهقي في السنن (١/ ٦٢، ٦٣) من طريق صفوان بن عيسى به.\nفتبين من هذا التخريج أن جميع من روى الحديث عن عثمان في صفة وضوء رسول الله ﷺ لم يذكروا تخليل اللحية، وإنما انفرد بذكره عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان، وعامر لا يحتمل تفرده بمثل هذا، وأما قول البخاري في علل الترمذي الكبير: أصح شيء عندي حديث عثمان. قيل: إنهم يتكلمون في هذا. قال: هو حسن. فقوله: أصح شيء لا يقتضي أنه صحيح، والحسن الذي في كلام البخاري لا يراد به الحسن الاصطلاحي عند المتأخرين والله أعلم.\nفإن قيل: إن عامر بن شقيق قد عدله النسائي، ووثقه ابن حبان، وروى عنه شعبة، وشعبة لا يروي إلا عن ثقة، فلعل جرح أبي حاتم وابن معين من قبيل الجرح غير المفسر فلا يقدم على التعديل.\nفالجواب: غاية ما يمكن أن يصل إليه عامر أن يكون حسن الحديث، وهذا بشرط عدم المخالفة، فإذا خالف من هو أوثق منه صار حديثه شاذًا، وقد خالف هنا جميع من روى الحديث عن عثمان حيث لم يذكروا التخليل، وانفرد عامر بذكره فلا تقبل زيادته، والله أعلم.\nانظر لمراجعة طرق حديث عثمان في ذكر التخليل: أطراف مسند أحمد (٤/ ٣٠٥) تحفة الأشراف (٩٨٠٩، ٩٨١٠)، إتحاف المهرة (١٣٦٧٢).\n(^١) مداره على عمر بن أبي وهب:\nرواه عنه عبد الصمد بن عبد الوارث كما في مسند إسحاق بن راهوية (١٣٧١).\nوهلال بن فياض كما في مستدرك الحاكم (١/ ١٥٠).\nوشعبة، كما في الطهور لأبي عبيد (٣١٤) والخطيب في تاريخه (١١/ ٤١٤) في ترجمة القاسم كلهم رووه عن عمر بن أبي وهب، عن موسى بن ثروان، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز =","vol":"2","page":220},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-609> الدليل الثالث:</span>\n(٢٢٤ - ٧٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم، عن حسان بن بلال، قال:\n_________\n= الخزاعي، عن عائشة.\nورواه زيد بن الحباب كما في مسند أحمد (٦/ ٢٣٣) عن عمرو بن أبي وهب، حدثني موسى بن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي، عن عائشة.\nوقوله: (موسى بن طلحة) خطأ مطبعي، والصواب، موسى عن طلحة كما في أطراف مسند أحمد (٩/ ٥٨) وليتفق مع الروايات السابقة، والله أعلم.\nورواه أحمد (٦/ ٢٣٤) من طريق عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عمر بن أبي وهب به.\nقال ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ٤٨٥): والذي أعتل به في هذا الحديث الاضطراب، قيل: موسى بن ثروان من رواية شعبة.\nوقيل: ابن ثروان، من رواية وكيع وأبي عبيدة الحداد.\nوقال: إن أباه قال: موسى النجدي: هو موسى بن سروان.\nوقال يحيى بن معين: موسى بن سروان معلم بصري. واختلف في اسم الراوي عن موسى، فقيل: عمرو بن أبي وهب الخزاعي برواية .... وبقية الكلام ساقط من الأصل، واعتذر محقق الكتاب بأنه لم يتمكن من استداركه.\nوفيه أمر آخر، وهو أن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي لم أقف على من نص على سماعه من عائشة.\nكما أن الحديث قد تفرد به عمر بن أبي وهب، عن موسى، وتفرد به موسى عن طلحة، وتفرد به طلحة عن عائشة، والمتقدمون ربما أعلوا الحديث بالتفرد، خاصة إذا كان للراوي أصحاب يأخذون عنه الحديث ويهتمون بحديثه، فإذا تفرد راو مما لم يعرف أنه من أصحاب الشيخ لم يقبل ما تفرد به.\nقال أبو داود كما في مسائل الإمام أحمد (٤٠): قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ قال: يخللها، قد روي فيه أحاديث، ليس يثبت فيه حديث - يعني عن النبي ﷺ.\nوقال عبد الله بن أحمد: قال أبي ليس يصح عن النبي ﷺ في التخليل شيء. حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (١/ ١٧٠).\nوقال مثله ابن أبي حاتم، عن أبيه. المرجع السابق.\nولمراجعة طرق الحديث انظر أطراف المسند (٩/ ٥٨)، إتحاف المهرة (٢١٧٤٧).","vol":"2","page":221},{"text":"رأيت عمار بن ياسر توضأ، فخلل لحيته، فقلت له، فقال: رأيت رسول الله ﷺ فعله (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٩) رقم ٩٨.\n(^٢) فيه ثلاث علل:\nالأولى: ضعف عبد الكريم بن أبي أمية.\nالثانية: الاختلاف في إسناده، فقد رواه ابن عيينة، عن عبد الكريم، عن حسان بن بلال، عن عمار.\nوقيل: عن ابن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال، عن عمار.\nالعلة الثالثة: قال البخاري: لم يسمع عبد الكريم من حسان. كما في التاريخ الكبير (٣/ ٣١).\nوقال أحمد في رواية إسحاق بن منصور عنه: لم يسمع عبد الكريم من حسان بن بلال حديث التخليل. انظر سنن الترمذي (٢٩).\nوقال الحافظ في النكت الظراف (٧/ ٤٧٣): «رواه ابن المقرئ، عن سفيان، عن عبد الكريم، عمن يحدث عن حسان». وهذا صريح بأنه لم يسمعه منه.\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٥٥): «وهو معلول، أحسن طرقه ما رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال، عنه، وحسان ثقة، لكن لم يسمعه ابن عيينة من سعيد، ولا قتادة من حسان». اهـ\nويشكل عليه أن في رواية الحاكم تصريحًا من ابن عيينة بالسماع من سعيد، إلا أن يكون هذا خطأ في الإسناد.\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٢): «قال أبي: لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة، عن ابن عروبة. قلت: صحيح؟ قال: لو كان صحيحًا لكان في مصنفات سعيد بن أبي عروبة، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث، وهذا أيضًا مما يوهنه».اهـ\nقال ابن دقيق العيد: ليس هذا بعلة قوية. إتحاف المهرة (١١/ ٧٢٠)، فتعقبه الحافظ بقوله: قد بين ابن المديني علة هذا الحديث، فقال: لم يسمعه قتادة إلا من عبد الكريم. اهـ يعني أنه لم يسمعه من حسان، ولم أقف على رواية قتادة عن عبد الكريم، والله أعلم.\n[تخريج الحديث]:\nالحديث أخرجه أبو داود الطيالسي (٦٨٠) وأبو عبيد في الطهور (٣١٠)، وابن أبي شيبة في مسنده (٤٣٣)، وفي المصنف (٩٨)، والحميدي (١٤٦)، والترمذي (٢٩)، وابن ماجه (٤٢٩)، وأبو يعلى (١٦٠٤)، والحاكم (١/ ١٤٩) وصححه، كلهم رووه من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم، عن حسان بن بلال، عن عمار.\nوفي رواية أبي يعلى التصريح بالتحديث بين عبد الكريم وحسان، وهو مخالف لرواية الجماعة، ومخالف أيضًا لنص الأئمة.\nووقع عند الحاكم عبد الكريم الجزري، وهو ثقة، وإنما هو ابن أبي المخارق.\nوأخرجه الحميدي (١٤٧)، والترمذي (٣٠)، والطبراني في الأوسط (٢٣٩٥)، والحاكم (١/ ١٤٩) من طريق ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال به.\nانظر في طرق الحديث: إتحاف المهرة (١٤٩٣٠)، تحفة الأشراف (١٠٣٤٦).","vol":"2","page":222},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-610> الدليل الرابع:</span>\n(٢٢٥ - ٧٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن عمر بن سليم الباهلي، قال: حدثني أبو غالب، قال:\nقلت لأبي إمامة: أخبرنا عن وضوء رسول الله ﷺ؟ فتوضأ ثلاثًا، وخلل لحيته، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل (^١).\n[اختلف في رفعه ووقفه، والراجح وقفه] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٢١).\n(^٢) في إسناده عمر بن سليم الباهلي، جاء في ترجمته:\nقال أبو زرعة: صدوق. الجرح والتعديل (٦/ ١١٢).\nوقال أبو حاتم الرازي: شيخ. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ١٧٦).\nوقال العقيلي: غير مشهور بالنقل، ويحدث بمناكير. الضعفاء للعقيلي (٣/ ١٦٨).\nوفي التقريب: صدوق له أوهام.\nوفي إسناده أيضًا: أبو غالب.\nقال يحيى بن معين: أبو غالب صالح الحديث. الجرح والتعديل (٣/ ٣١٥).\nوقال أبو حاتم الرازي: أبو غالب الحزور ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ضعيف. المغني في الضعفاء (١٣٦٦)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٢١٥).\nوقال ابن حبان: منكر الحديث على قلته، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما يوافق الثقات، وهو صاحب حديث الخوارج. المجروحين (١/ ٢٦٧).\nواختلف قول الدارقطني فيه، فقال مرة: ثقة. ...\nوقال أخرى: بصري يعتبر به. تهذيب التهذيب (١٢/ ٢١٥).\nوفي التقريب: صدوق يخطئ.\nواختلف فيه على أبي غالب، فرواه عنه عمر بن سليم الباهلي مرفوعًا.\nورواه آدم أبو عباد كما في التاريخ الكبير (٣/ ٢/١٦١)، عن أبي غالب أنه رأى أبا أمامة يخلل لحيته، وكانت رقيقة. وهذا موقوف.\nوآدم أبو عباد له ترجمة في الجرح والتعديل (٢/ ٣٦٧): قال يحيى بن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا. والله أعلم.","vol":"2","page":223},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-611> الدليل الخامس:</span>\n(٢٢٦ - ٨٠) رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا واصل، عن أبي سورة،\nعن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول الله ﷺ إذا توضأ تمضمض، ومسح لحيته من تحتها بالماء (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٥/ ٤١٧).\n(^٢) في إسناده واصل بن السائب الرقاشي، جاء في ترجمته:\nقال البخاري وأبو حاتم الرازي: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٨/ ١٧٣)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٠).\nوقال أبو زرعة: ضعيف الحديث مثل أشعث بن سوار وليث بن أبي سليم وأشباههم. المرجع السابق.\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٦٠٠).\nوقال ابن عدي: أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات. الكامل (٧/ ٨٥).\nوفي التقريب: ضعيف.\nكما أن في إسناده أيضًا: أبو سورة، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: منكر الحديث.\nوذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه شيئًا. (٩/ ٣٨٨).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٧٠).\nوقال الدارقطني: مجهول. الضعفاء والمتروكين (٦١٢).\nوقال الترمذي: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن معين جدًّا. تهذيب التهذيب (١٢/ ١٣٦).\nوقال الترمذي في العلل عن البخاري: لا يعرف لأبي سورة سماع من أبي أيوب. المرجع السابق.\nوقال الحافظ: أغرب أبو محمد بن حزم فزعم أن بن معين قال: أبو أيوب الذي روى عنه ... أبو سورة ليس هو الأنصاري. المرجع السابق.\nوقد ذكر أبو زرعة في الجرح والتعديل (٩/ ٣٨٨) والمزي في تهذيب الكمال: أن أبا أيوب الأنصاري عم صاحبنا هذا، والله أعلم.\n[تخريج الحديث]:\nالحديث أخرجه أحمد (٥/ ٤١٧)، وعبد بن حميد (٢١٨)، والترمذي في العلل الكبير (١/ ١١٥)، والشاشي في مسنده (١١٣٧) من طريق محمد بن عبيد.\nوأخرجه أبو عبيد في الطهور (٣١٢)، ابن ماجه (٤٣٣) وابن عدي في الكامل (٧/ ٨٥) والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٣٢٧) عن محمد بن ربيعة،\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٤٠٦٨) من طريق يحيى بن سعيد الأموي، كلهم عن واصل، عن أبي سورة، عن أبي أيوب.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٤١٦) حدثنا وكيع، وعبد الرحيم بن سليمان كما في تحفة الأشراف للمزي (٣/ ١٠٦) كلاهما عن واصل الرقاشي به، بلفظ: حبذا المتخللون، قيل: وما المتخللون؟ قال: في الوضوء والطعام.\nقال المزي: وتابعه رباح بن عمرو القيسي، ويحيى بن سعيد الأموي ويحيى بن العلاء الرازي، عن واصل بن السائب. اهـ\nوقال العقيلي: والرواية في التخليل فيها لين، وفيها ما هو أصلح من هذا الإسناد. اهـ\nوانظر طرق الحديث في أطراف مسند أحمد (٦/ ٦٢)، وتحفة الأشراف (٣٤٩٧)، إتحاف المهرة (٤٤٢٤، ٤٤٢٦).","vol":"2","page":224},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-612> الدليل السادس:</span>\n(٢٢٧ - ٨١) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد ابن حبيب، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عبد الواحد بن قيس، حدثني نافع، عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها (^١).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٣٢).","vol":"2","page":225},{"text":"[ضعيف وصوب الدارقطني وقفه] (^١).\n_________\n(^١) في إسناده عبد الواحد بن قيس، جاء في ترجمته:\nقال على بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد وذكر عنده عبد الواحد بن قيس الذي روى عنه الأوزاعي فقال: كان شبه لا شيء. قلت ليحيى: كيف كان؟ قال: كان الحسن بن ذكوان يحدث عنه بعجائب. الجرح والتعديل (٦/ ٢٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: لا يعجبني حديثه. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٣٧٢).\nوقال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث.\nووثقه يحيى بن معين.\nوقال في موضع آخر: لم يكن بذاك، ولا قريب. تهذيب التهذيب (٦/ ٣٨٩).\nوذكره أبو زرعة في نفر ثقات. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: قد حدث الأوزاعي عن عبد الواحد هذا بغير حديث، وأرجو أنه لا بأس به؛ لأن في رواية الأوزاعي عنه استقامة. الكامل (٥/ ٢٩٧).\nوفي التقريب: صدوق له أوهام ومراسيل.\nومع أن إسناده ليس بالقائم، فقد اختلف على الأوزاعي:\nفرواه عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي كما سقته مرفوعًا.\nوخالفه أبو المغيرة، فرواه عن الأوزاعي، عن عبد الواحد بن قيس به موقوفًا.\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٧) حدثني إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا إبراهيم بن هانئ، أخبرنا أبو المغيرة به. وصوب الدارقطني وقفه.\nوأبو المغيرة أوثق من عبد الحميد بن حبيب، واسم أبي المغيرة: عبد القدوس بن الحجاج الخولاني: وثقه الدارقطني ويعقوب بن سفيان والعجلي وأبو زرعة الدمشقي، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا. الجرح والتعديل (٦/ ٥٦)، معرفة الثقات (٢/ ١٠٠)، ثقات ابن حبان (٨/ ٤١٩)، تهذيب التهذيب (٦/ ٣٢٩).\nورواه الدارقطني (١/ ١٥٢) من طريق إسماعيل بن عبد الله بن سماعة، عن الأوزاعي، عن عبد الواحد، عن يزيد الرقاشي مرسلًا.\nوهذا الأثر المرسل قد ساقه ابن جرير في تفسيره بسنده (٦/ ١٢١).\nورواه الدارقطني (١/ ١٥٢) من طريق عبد الله بن كثير بن ميمون، عن الأوزاعي، عن عبد الواحد بن قيس، عن قتادة ويزيد الرقاشي، عن أنس، فجعله من مسند أنس.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٥٥) من طريق الوليد بن مزيد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عبد الله بن عامر، حدثني نافع، أن ابن عمر كان يعرك عارضيه، ويشبك لحيته بأصابعه أحيانًا، ويترك أحيانًا. وعبد الله بن عامر متفق على ضعفه. ...\nوقد تابعه العمري عند الطبراني في الأوسط، كما في مجمع البحرين (٤٢٣) حدثنا أحمد، ثنا أحمد ابن محمد بن أبي بزة، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، ثنا عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ... ابن عمر أنه كان إذا توضأ خلل لحيته، وأصابع رجليه.\nوابن أبي بزة عن مؤمل، عن العمري ضعيف، عن ضعيف، عن ضعيف.\nورجح أبو حاتم كونه مرسلًا، ففي العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣١): سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي العشرين، يعني: عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي، عن عبد الواحد بن قيس، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا توضأ عرك عارضيه، وشبك بين لحييه. قال أبي: روى هذا الحديث الوليد عن الأوزاعي، عن عبد الواحد بن يزيد الرقاشي وقتادة، قالا: كان النبي ﷺ ..... وهو أشبه. اهـ\nوقال الحافظ في النكت الظراف (٦/ ١٢٠): «ظاهره الصحة، لكنه معلول، ثم نقل بعض كلام أبي حاتم في العلل المتقدم».\nوأخرج ابن جرير في جامع البيان من طرق كثيرة عن ابن عمر موقوفًا بعضها بسند صحيح، انظره (٦/ ١١٩، ١٢٠).\nانظر لمراجعة طرق الحديث إتحاف المهرة (١٠٧٧٥)، وتحفة الأشراف (٧٧٨٩)، وانظر من إتحاف المهرة كذلك (١٦٢٢).","vol":"2","page":226},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-613> الدليل السابع:</span>\n(٢٢٨ - ٨٢) ما رواه أبو عبيد، في الطهور، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن أبي ورقاء العبدي،\nعن عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، قال: قال له رجل: يا أبا معاوية كيف رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قال: فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وخلل لحيته في غسل وجهه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١) كتاب الطهور (٨٢).\n(^٢) في إسناده أبو الورقاء: اسمه فائد بن عبد الرحمن.\nقال أحمد بن حنبل والنسائي: متروك الحديث. الجرح والتعديل (٧/ ٨٣).\nوقال أبو داود: ليس بشيء.\nوفي التقريب: متروك، اتهموه. اهـ فالحديث ضعيف جدًّا. ...\nوالحديث أخرجه ابن ماجه (٤١٦) حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا عيسى بن يونس، عن فائد أبي الورقاء به. بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه مرة. اهـ ولم يذكر التخليل.","vol":"2","page":227},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-614> الدليل الثامن:</span>\n(٢٢٩ - ٨٣) ما رواه البزار، قال: حدثنا محمد بن صالح بن العوام، ثنا عبد الرحمن بن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، حدثني أبي بكار، قال: سمعت أبي عبد العزيز بن أبي بكرة يحدث عن أبيه، قال:\nرأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، فغسل يديه ثلاثًا، ومضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه إلى المرفقين، ومسح برأسه، يقبل بيديه من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه، ثم غسله رجليه ثلاثًا، وخلل أصابع رجليه، وخلل لحيته.\nقال البزار: لا نعلمه عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد، وبكار ليس به بأس، وعبد الرحمن بن بكار صالح الحديث (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) مسند البزار (٣٦٨٧).\n(^٢) انفرد البزار بهذا الإسناد، والبزار فيه شيء، وشيخه فيه جهالة.\nكما أن في إسناده شيخ البزار، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٣٣): شيخ البزار محمد بن صالح بن العوام لم أجد من ترجمه، إلا أن يكون المذكور في تاريخ بغداد (٥/ ٣٦١) باسم محمد ابن صالح بن أبي العوام أبو جعفر الصائغ، وسكت عليه الخطيب، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ\nوعبد الرحمن بن بكار ذكره مسلم في الكنى والأسماء وكناه أبا بحر (٤٢٥) ولم يذكر فيه شيئًا، فلم أقف له على من بين لي حاله إلا ما قال فيه البزار: صالح الحديث. ونقلناه عنه بعد ذكره للحديث.\nوبكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، استشهد به البخاري. وذكره في التأريخ الكبير (٢/ ١٢٢) وسكت عليه. ...\nوقال يحيى بن معين: ليس بشيء. الكامل لابن عدي (٢/ ٤٣).\nوقال يحيى في رواية إسحاق بن منصور عنه: صالح. تهذيب الكمال (٤/ ٢٠٢).\nوقال ابن عدي: ولبكار هذا غير ما ذكرت من الحديث، وقد حدث عنه من الثقات جماعة من البصريين كأبي عاصم وغيره، وأرجو أنه لا بأس به، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم. الكامل لابن عدي (٢/ ٤٣).\nوقال الذهبي: فيه لين. الكاشف (٦٢٠).\nوذكره يعقوب بن سفيان في جملة من يرغب عن الرواية عنهم.\nوفي التقريب: صدوق يهم.\nوعبد العزيز بن أبي بكرة: روى عنه جماعة، ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات.\nوقال ابن القطان: حاله لا يعرف، واستشهد به البخاري في الصحيح.\nوفي التقريب: صدوق، فالإسناد ضعيف. انظر معرفة الثقات (٢/ ٩٥)، ثقات ابن حبان (٥/ ١٢٢)، تهذيب الكمال (١٨/ ١٦٦).","vol":"2","page":228},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-615> الدليل التاسع:</span>\n(٢٣٠ - ٨٤) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أحمد بن مصرف بن عمرو اليامي، حدثني أبي مصرف بن عمرو بن السرى بن مصرف ابن كعب بن عمرو، عن أبيه، عن جده يبلغ به كعب بن عمرو قال:\nرأيت النبي ﷺ توضأ، فمسح باطن لحيته وقفاه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-616> الدليل العاشر:</span>\n(٢٣١ - ٨٥) ما رواه ابن عدي، من طريق أصرم بن غياث الخرساني، حدثنا\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ١٨١).\n(^٢) في إسناده مصرف بن عمرو بن كعب، عن أبيه، عن جده.\nقال عبد الحق في الأحكام الكبرى: لا أعرفه بهذا الإسناد، وكتبته حتى أسأل عنه إن شاء الله تعالى. بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣١٦).\nوقال ابن القطان: ومصرف بن عمرو بن السري، وأبوه وجده السري لا يعرفون. المرجع السابق (٣/ ٣١٩).","vol":"2","page":229},{"text":"مقاتل بن حيان، عن الحسن،\nعن جابر، قال: وضأت النبي ﷺ غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع، فرأيته يخلل لحيته بأصابعه كأنه أنياب مشط (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-617> الدليل الحادي عشر:</span>\n(٢٣٢ - ٨٦) ما رواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين، من طريق نافع ابن هرمز، عن عطاء،\nعن ابن عباس، قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يتطهر، وبين يديه قدر المد، وإن زاد فقلَّ أن يزيد، وإن نقص فقل ما ينقص، فغسل يديه، وتمضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وخلل لحيته، وغسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه مرتين مرتين، وغسل رجليه حتى أنقاهما، فقلت: يا رسول الله هكذا التطهر؟ قال: هكذا أمرني ربي ﷿ (^٣).\n_________\n(^١) الكامل (١/ ٤٠٣).\n(^٢) قال البخاري: أصرم عن مقاتل بن حيان منكر الحديث. التاريخ الكبير (٢/ ٥٦)، الكامل (١/ ٤٠٣).\nوقال النسائي: متروك الحديث، يروي عن مقاتل بن حيان. الضعفاء للنسائي (٦٧).\nوقال ابن عدي: له أحاديث عن مقاتل مناكير، كما قال البخاري والنسائي، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، وليس له كبير حديث. الكامل (١/ ٤٠٣).\nوقال الدارقطني: منكر الحديث. الضعفاء للدارقطني (١١٧).\nوقال يحيى بن معين: ليس بثقة. سؤالات ابن الجنيد (١٢٩)، وانظر اللسان (١/ ٥٨١).\nوالحديث أخرجه أحمد بن حنبل في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٢٦٤) عن أصرم به. وقال: ما أرى هذا الشيخ -يعني: أصرم بن غياث- كان بشيء. ضعفه جدًّا.\nوأخرجه الخطيب في تاريخه (٧/ ٣٣) من طريقين عن أصرم به.\nوقال الحافظ في التلخيص بعد أن عزاه لابن عدي وحده، ونقل قول النسائي عن أصرم بأنه متروك، قال: وفي إسناده انقطاع.\n(^٣) مجمع البحرين (٤١٣).","vol":"2","page":230},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-618> الدليل الثاني عشر:</span>\n(٢٣٣ - ٨٧) ما رواه الطبراني في الكبير (^٢)، والعقيلي (^٣)، في الضعفاء من طريق خالد بن إلياس، عن عبد الله بن رافع،\nعن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ويخلل لحيته.\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-619> الدليل الثالث عشر:</span>\n(٢٣٤ - ٨٨) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الغزي، حدثنا محمد بن أبي السري، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن تمام بن نجيح، عن الحسن،\nعن أبي الدرداء قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فخلل لحيته مرتين وقال: هكذا أمرني ربي ﷿ (^٥).\n_________\n(^١) في إسناده نافع بن هرمز:\nضعفه أحمد وجماعة، وكذبه ابن معين مرة. لسان الميزان (٦/ ١٤٦).\nوقال أبو حاتم: متروك، ذاهب الحديث. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ليس بثقة. المغني في الضعفاء (٢/ ٦٩٣)، لسان الميزان (٦/ ١٤٦).\n(^٢) المعجم الكبير (٢٣/ ٢٩٨) رقم ٦٦٤.\n(^٣) الضعفاء (٢/ ٣)، وقال: لا يتابع عليه، وفي تخليل اللحية أحاديث لينة الأسانيد، وفيها ما هو أحسن مخرجًا من هذا. اهـ\n(^٤) في إسناده خالد بن إلياس:\nقال البخاري: ليس بشيء. التاريخ الكبير (٣/ ١٤٠).\nوقال أحمد: متروك الحديث. الجرح والتعديل (٣/ ٣٢١).\nوقال العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث. قيل: يكتب حديثه؟ قال: زحفًا. المرجع السابق.\n(^٥) الكامل (٢/ ٨٤).","vol":"2","page":231},{"text":"قال ابن عدي: وهذا الحديث إنما يعرف بتمام عن الحسن، وعامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-620> الدليل الرابع عشر:</span>\n(٢٣٥ - ٨٩) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا محمد بن سعدان، حدثنا زيد بن أخزم، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حنظلة بن عبد الحميد، عن عبد الكريم، عن مجاهد،\nعن عبد الله بن عكبرة قال: التخلل سنة (^٢).\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-621> الدليل الخامس عشر:</span>\n(٢٣٩ - ٩٠) ما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، من طريق سعيد بن سنان،\n_________\n(^١) في إسناده محمد بن أبي السري، وهو محمد بن المتوكل ضعيف، انظر ترجمته انظر في تخريج (ح ٦٦٦).\nوفي إسناده أيضًا تمام بن نجيح، جاء في ترجمته:\nقال أبو حاتم: منكر الحديث، ذاهب. الجرح والتعديل (٢/ ٤٤٥).\nوقال البخاري: فيه نظر، حديثه في الشاميين. التاريخ الكبير (٢/ ١٥٧).\nوقال أبو زرعة: ليس بقوي، ضعيف. الجرح والتعديل (٢/ ٤٤٥).\nوقال يحيى بن معين ثقة. الكامل (٢/ ٨٣).\nوفيه علة ثالثة، قال ابن أبي حاتم كما في المراسيل (ص: ٤٤): الحسن لم يسمع من أبي الدرداء. وقد ضعف الحافظ إسناده كما في التلخيص (١/ ١٤٨).\n(^٢) الأوسط (٧٦٣٩).\n(^٣) في إسناده شيخ الطبراني فيه جهالة.\nوحنضلة بن عبد الحميد ذكره ابن أبي حاتم وسكت عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه أحد غيره، وقال فيه يحيى بن معين: ضعيف، يكتب حديثه، وقال مرة: ليس بشيء. وقال ... ابن عدي: لم يتبين لي ضعفه لقلة حديثه، إلا أن ابن معين قد نسبه إلى الضعف.\nوفي إسناده أيضًا عبد الكريم بن أبي أمية، وهو متروك.","vol":"2","page":232},{"text":"عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن النبي ﷺ (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-622> الدليل السادس عشر: حديث أنس بن مالك ﵁</span>.\n(٢٣٧ - ٩١) أخرجه الحاكم، قال: حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا عبيد ابن عبد الواحد، حدثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري،\nعن أنس بن مالك ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ وخلل لحيته بأصابعها من تحتها، وقال: بهذا أمرني ربي (^٣).\n[رجاله ثقات، إلا ابن أبي كريمة فإنه صدوق، والحديث معلول] (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٦/ ١٢١).\n(^٢) في إسناده سعيد بن سنان،\nقال البخاري: منكر الحديث. التأريخ الكبير (٣/ ٤٧٧).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الكامل (٣/ ٣٥٩).\nوقال يحيى بن معين: أحاديثه لا يعتبر بها، هي بواطيل. أحوال الرجال (٣٠١).\nوقال أيضًا: ليس بشيء. وقال أخرى: ليس بثقة. الجرح والتعديل (٤/ ٢٨)، الكامل (٣/ ٣٥٩).\nكما أن جبير ليست له صحبة، فيكون الحديث مرسلًا.\nقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٥١): وفي الباب حديث مرسل، أخرجه سعيد بن منصور، عن الوليد، عن سعيد بن سنان به.\n(^٣) مستدرك الحاكم (١/ ١٤٩).\n(^٤) رجاله ثقات إلا محمد بن وهب بن عمر بن أبي كريمة فإنه صدوق، وقد تابع ابن أبي كريمة محمد بن خالد الصفار، قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٤٩): قال الذهلي في الزهريات: حدثنا محمد بن خالد الصفار من أصله، وكان صدوقًا، حدثنا محمد بن حرب، ثنا الزبيدي، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله ﷺ توضأ، فأدخل إصبعه تحت لحيته، وخلل بأصابعه، وقال: هكذا أمرني ربي. اهـ\nواختلف فيه على محمد بن حرب. =","vol":"2","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه ابن أبي كريمة ومحمد بن خالد الصفار، عن محمد بن حرب كما سبق بسند متصل.\nوخالفهما يزيد بن عبد ربه، كما نقله الحافظ في التلخيص (١/ ١٥٠) قال الذهلي: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، أنه بلغه عن أنس.\nويزيد بن عبد ربه أوثق من ابن أبي كريمة ومن محمد بن خالد الصفار، فقد ذكروا في ترجمته:\nقال أحمد: لا إله إلا الله، ما كان أثبته، ما كان فيهم مثله - يعني: أهل حمص - تهذيب التهذيب (١١/ ٣٠١).\nووثقه يحيى بن معين، وزاد: صاحب حديث. الجرح والتعديل (٩/ ٢٧٩).\nوقال أبو حاتم: كان صدوقًا أيقظ من حيوة بن شريح الحمصي. المرجع السابق.\nوقال أبو بكر بن أبي داود: حمصي ثقة، أوثق من روى عن بقية.\nفهل الرواية المنقطعة تعل الرواية المتصلة، أو تكون الرواية المتصلة تبين الواسطة في الرواية المنقطعة؟\nالظاهر أنها تعلها، وقد ذهب إلى هذا ابن حجر ﵀، فبعد أن ذكر الراوية المتصلة، قال: رجاله ثقات إلا أنه معلول، ثم ذكر رواية يزيد بن عبد ربه.\nوذهب الحاكم إلى تصحيح الحديث، وحسنه ابن القيم في التهذيب (١/ ١٠٧). وقال ابن القطان: هذا إسناد صحيح.\nوحديث أنس له طرق كثيرة لا تخلو من مقال، منها:\nالطريق الأول: عن يزيد الرقاشي، عن أنس.\nرواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٠) حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا الحسن بن صالح، عن موسى بن أبي عائشة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا توضأ يخلل لحيته.\nرجاله ثقات إلا يزيد الرقاشي فإنه رجل عابد ضعيف، جاء في ترجمته:\nقال شعبة: لأن أزني أحب إلي من أن أروي عن يزيد الرقاشي، فذكر ذلك لأحمد بن حنبل، فقال: لقد بلغنا أنه قال هذا في أبان، فكان أبو داود حاضرًا في المجلس، فقال: قاله فيهما جميعًا.\nوقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، من البكائين في الخلوات، والقائمين بالحقائق بالسبرات، ممن غفل عن صناعة الحديث وحفظها، واشتتغل بالعبادة وأسبابها، حتى كان يقلب كلام الحسن فيجعله عن أنس وغيره من الثقات، بطل الاحتجاج به فلا تحل الرواية عنه إلا على سبيل التعجب. المجروحين (٣/ ٩٨).\nوفي التقريب: زاهد ضعيف.\nوقد اختلف على موسى بن أبي عائشة:\nفرواه ابن أبي شيبة، عن الحسن بن صالح، عن موسى بن أبي عائشة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس كما سبق. =","vol":"2","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أبو الأشهب كما في الكامل لابن عدي (٢/ ١٣٧) عن موسى بن أبي عائشة، عن زيد الجزري (ابن أبي أنيسة) عن يزيد الرقاشي، عن أنس. فجعل بين موسى بن أبي عائشة وبين يزيد الرقاشي ابن أبي أنيسة.\nوأبو الأشهب: اسمه جعفر بن أبي الحارث الواسطي، ذكره الحافظ في التقريب تمييزًا، وقال: صدوق كثير الخطأ. اهـ ولا شك أن الحسن بن صالح أوثق منه.\nورواه مروان بن محمد، حدثنا إبراهيم الفزاري، عن موسى بن أبي عائشة، عن أنس. رواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٤٩، ١٥٠) إلا أن موسى بن أبي عائشة لم يسمع من أنس، قال ... ابن أبي حاتم في العلل (١٦، ٨٤) سألت أبي عن حديث رواه مروان بن محمد الطاطري، عن أبي إسحاق الفزاري، عن موسى بن أبي عائشة، عن أنس. فقال أبي: هذا غير محفوظ، ثم رجح أبو حاتم طريق الحسن بن صالح، عن موسى بن أبي عائشة، عن رجل، عن يزيد الرقاشي، عن أنس. وقال: هذا الصحيح، وكنا نظن أن ذلك غريب، ثم تبين لنا علته. اهـ\nوفي ح (١٦) قال الخطأ من مروان بن محمد. اهـ\nفتبين لنا أن الحديث من طريق موسى بن أبي عائشة فيه اختلاف كثير، فقيل:\n١ - عن موسى بن أبي عائشة، عن أنس. وهذا وهم.\n٢ - وقيل: موسى، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، كما في رواية ابن أبي شيبة.\n٣ - وقيل: موسى، عن رجل، عن يزيد الرقاشي، عن أنس.\n٤ - وقيل: موسى بن أبي عائشة، عن زيد الجزري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس.\nوكل هذه الطرق لا تخلو من ضعف، وقد رواه جماعة عن يزيد الرقاشي غير موسى بن أبي عائشة.\nفقد رواه ابن ماجه (٤٣١) من طريق يحيى بن كثير أبي النظر صاحب البصري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل لحيته، وفرج أصابعه مرتين.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه يحيى بن كثير وشيخه ضعيفان، وضعفه البوصيري في الزوائد، فقال: هذا إسناد ضعيف لضعف يحيى بن كثير وشيخه.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٢١) من طريق الهيثم بن جماز، عن يزيد بن أبان (الرقاشي) عن أنس، أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل فقال: إذا توضأت فخلل لحيتك.\nوفي إسناده الهيثم بن جماز، قال أحمد: منكر الحديث، ترك حديثه. الجرح والتعديل (٩/ ٨١).\nوقال يحيى بن معين: كان قاصًا بالبصرة ضعيفًا. المرجع السابق.\nوقال النسائي: متروك. لسان الميزان (٦/ ٢٠٤).\nوقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف، زاد أبو حاتم: منكر الحديث. المرجع السابق.\nوقال العقيلي في الضعفاء: حديثه غير محفوظ (٤/ ٣٥٥). =","vol":"2","page":235},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الرحيل بن معاوية كما عند الطبراني في الأوسط (١/ ٣١٧) ح ٥٢٤. والرحيل ثقة.\nوموسى بن سروان كما في زيادات المزي في تحفة الأشراف (١/ ٤٢٤) كلاهما عن يزيد الرقاشي به. وقد علمت ما في يزيد الرقاشي.\nالطريق الثاني: معاوية بن قرة، عن أنس.\nرواه ابن عدي في الكامل (٣/ ١١٩) من طريق سلام الطويل، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة،\nعن أنس، قال: وضأت رسول الله ﷺ فخلل لحيته، وقال: بهذا أو هكذا أمرني ربي ﷿.\nقال ابن عدي: وهذا الحديث ليس البلاء فيه من زيد العمي، البلاء من الراوي عنه: سلام الطويل، ولعله أضعف منه.\nوسلام الطويل قال عنه الحافظ في التقريب: روى له ابن ماجه، وهو متروك.\nوزيد العمي متفق على ضعفه. فالحديث ضعيف جدًّا.\nالطريق الثالث: الوليد بن زوران، عن أنس.\nأخرجه أبو داود (١٤٥)، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (١/ ٥٤)، والبغوي في شرح السنة (٢١٥) بلفظ: أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي عزوجل.\nوفي إسناده الوليد بن زروان، وقيل: زوران، ترجمه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٤٤)، ... وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٤) ولم يذكرا فيه شيئًا.\nووثقه الذهبي في الكاشف! ! (٦٠٦٤).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٥٠).\nوقال الآجري عن أبي داود: لا أدري سمع من أنس أم لا؟ تهذيب التهذيب (١١/ ١١٧).\nوقال الحافظ في التقريب: لين الحديث.\nوقال في التلخيص: مجهول الحال. فالإسناد ضعيف، وسواء كان شك أبو داود ثابتًا أم لا فهو ضعيف.\nالطريق الرابع: ثابت البناني عن أنس.\nأخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ١٥٧) من طريق عمر بن ذؤيب، عن ثابت، عن أنس، قال: وضأت رسول الله ﷺ فلما فرغ من وضوئه أدخل يده فخلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي.\nقال العقيلي: عمر بن ذؤيب مجهول بالنقل، وحديثه غير محفوظ، وقد روى التخليل من غير هذا الوجه بإسناد صالح.\nوفي لسان الميزان (٤/ ٣٤٦): عمر بن ذؤيب لا يعرف. =","vol":"2","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وتابعه حسان بن سياه، عن ثابت، عند أبي يعلى في مسنده (٣٤٨٧) ومن طريق أبي يعلى أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٧٠) حدثنا عمرو بن حصين، حدثنا حسان بن سياه به. وهذا الإسناد ضعيف جدًّا، عمرو بن الحصين تركه الدارقطني، وقال ابن عدي: مظلم الحديث. وكذبه الخطيب.\nوحسان بن سياه: ضعفه ابن عدي والدارقطني. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، يأتي عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد لما ظهر من خطأ في روايته على ظهور الصلاح منه. انظر لسان الميزان (٢/ ١٨٧).\nقال ابن عدي: عامة أحاديثه لا يتابعه غيره عليه، والضعف يتبين على روايته وحديثه. الكامل (٢/ ٣٧١).\nوأخرجه الطبراني كما في مجمع البحرين (٤٢١) حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الضبي البصري، ثنا سليمان بن إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ثنا عمر أبو حفص العبدي، عن ثابت، عن أنس به بنحوه.\nوشيخ الطبراني له ترجمة في الأنساب للسمعاني، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٣/ ٣٢٨).\nوسليمان بن إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس لم أقف عليه.\nوعمر أبو حفص العبدي\nقال البخاري: ليس بقوي. التأريخ الكبير (٦/ ١٥٠).\nوقال يحيى بن معين: أبو حفص العبدي ليس حديثه بشيء. الجرح والتعديل (٦/ ١٠٣).\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس بالقوي، هو على يدي عدل. المرجع السابق.\nوقال أحمد: تركنا حديثه وحرقناه. لسان الميزان (٤/ ٢٩٨).\nوقال علي: ليس بثقة. المرجع السابق.\nوقال النسائي: متروك. المرجع السابق.\nوقال الذهبي: أبو حفص العبدي، عن ثابت، هو عمر بن حفص واه. المغني في الضعفاء (٢/ ٧٨٠)، وذكر مثل هذا الكلام في الميزان، وقال: واه بمرة.\nوهذا الكلام في أبي حفص العبدي الذي يروي عن ثابت، وهناك رجل آخر يروي عن قتادة يقال له أبو حفص العبدي لا بأس به.\nقال أحمد: ثقة لا أعلم إلا خيرًا. الجرح والتعديل (٦/ ٩٨).\nفالإسناد ضعيف من أجل الضبي حيث لم يوثق، وسليمان بن إسحاق لم أقف عليه، وأبو حفص العبدي مجروح. =","vol":"2","page":237},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الخامس: الحسن البصري عن أنس.\nأخرجه البزار (٢٧٠) والدارقطني (١/ ١٠٦) واللفظ للأخير من طريق معلى بن أسد، أخبرنا أيوب بن عبد الله أبو خالد القرشي، قال:\nرأيت الحسن بن أبي الحسن دعا بوضوء بكوز من ماء، فصب في تور فغسل يديه ثلاث مرات .... وذكر الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وفيه: وخلل لحيته، وغسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: حدثني أنس ابن مالك أن هذا وضوء رسول الله ﷺ.\nقال صاحب التعليق المغني (١/ ١٠٦) ليس في إسناد هذا الحديث مجروح. اهـ\nوفي إسناده أيوب بن عبد الله لم يرو عنه إلا معلى بن أسد، ولم يوثق، وقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وسكت عنه (٢/ ٢٥١).\nالطريق السادس: محمد بن زياد، عن أنس.\nرواه ابن عدي في الكامل (٧/ ١١٥) من طريق هاشم بن سعيد الكوفي، عن محمد بن زياد، عن أنس كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل لحيته بأصابع كفيه، ويقول: بهذا أمرني ربي ﷿.\nقال ابن عدي: وهاشم بن سعيد له من الحديث غير ما ذكرت، ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه.\nوقال ابن معين: ليس بشيء. المغني في الضعفاء (٢/ ٧٠٦)، لسان الميزان (٧/ ٤١٦).\nوقال حرب عن أحمد: ما أعرفه. الجرح والتعديل (٩/ ١٠٤)، وتهذيب التهذيب (١١/ ١٧).\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٨٥). وفي التقريب: ضعيف.\nالطريق السابع: حميد الطويل، عن أنس.\nأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٥٢) من طريق إسحاق بن عبد الله، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد الطويل عن أنس، أن النبي ﷺ خلل لحيته.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حميد إلا إسماعيل بن جعفر، تفرد به إسحاق بن عبد الله.\nوإسحاق بن عبد الله فيه جهالة، وبقية رجال الإسناد ثقات.\nالطريق الثامن: مطر الوراق عن أنس.\nأخرجه الطبراني كما في مجمع البحرين (٤٢٠) من طريق عتاب بن محمد بن شوذب، عن عيسى الأزرق، عن مطر الوراق، عن أنس بن مالك.\nوعتاب بن محمد بن شوذب ترجمه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٥٦) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٣)، ولم يذكرا فيه شيئًا.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٩٥)، وقال: مستقيم الحديث.\nوعيسى الأرزق، روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٩٠)، وفي التقريب: مقبول: يعني: حيث توبع. =","vol":"2","page":238},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-623> دليل من قال: يكره تخليل اللحية</span>.\nقالوا: لم يثبت في تخليل اللحية حديث صحيح، والأحاديث الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ لم تذكر تخليل اللحية، كحديث عثمان في الصحيحين، وحديث ... عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وحديث علي ﵁ وغيرها من الأحاديث الصحيحة، وكون التخليل لا يأتي إلا في حديث ضعيف دليل على عدم ثبوت الحكم؛ إذ لو كان التخليل مشروعًا لجاءت الأحاديث الصحيحة به، كما جاءت في تخليل الأصابع.\n_________\n= ومطر الوراق، في التقريب: صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف.\nفالإسناد ضعيف.\nالطريق التاسع: عن رقبة بن مصقلة، عن أنس.\nرواه الطبراني كما في مجمع البحرين (٤١٩) حدثنا أحمد، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عفيف بن سالم، عن محمد بن أبي حفص الأنصاري، عن رقبة بن مصقلة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: حبذا المتخللون من أمتي.\nورواه الشهاب في مسنده (١٣٣٣) من طريق علي بن عبد العزيز، ثنا محمد بن عمار به.\nوأخرجه أبو يعلى في معجم شيوخه (٥٩) حدثنا محمد بن عمار به.\nوهذا إسناد منقطع، رقبة بن مصقلة لم يسمع من أنس، قال المزي والحافظ: روى عن أنس فيما قيل. فهما ساقا سماعه من أنس بصيغة التمريض.\nوجعله الحافظ في المرتبة السادسة كأنه لم يثبت له سماعًا من أنس. فالإسناد ضعيف.\nوفي إسناده محمد بن أبي حفص الأنصاري لم أقف عليه، وكذا لم يقف عليه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٣٥).\nالطريق العاشر: أبو خالد، عن أنس.\nرواه البيهقي (١/ ٥٥) من طريق أبي حمزة السكري، عن إبراهيم الصائغ، عن أبي خالد، عن أنس، قال: وضأت رسول الله ﷺ، فخلل لحيته وعنفقته بالأصابع.\nوأبو خالد هذا هو محمد بن خالد الضبي الكوفي، يقال له: سؤر الأسد، قال ابن معين وأحمد: لم يسمع من أنس.\nقال ابن ماكولا في الإكمال (٣/ ١١٩): «روى عنه إبراهيم الصائغ، فكناه أبا خالد».\nهذا ما وقفت عليه من طرق حديث أنس، وانظر لمراجعة بعض هذه الطرق إتحاف المهرة (٨٠٣)، و(١٧٥٢)، تحفة الأشراف (١٦٤٩)، (١٦٨٠).","vol":"2","page":239},{"text":"قال مالك ﵀: «تخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس، وعاب ذلك على من فعله» (^١).\nوقال أبو داود كما في مسائل الإمام أحمد: «قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ قال: يخللها، قد روي فيه أحاديث، ليس يثبت فيه حديث - يعني عن النبي ﷺ» (^٢).\nوقال عبد الله بن أحمد: «قال أبي ليس يصح عن النبي ﷺ في التخليل شيء» (^٣).\nوقال مثله ابن أبي حاتم، عن أبيه (^٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-624> دليل من قال: يجب التخليل:</span>\nلعلهم قاسوا ذلك على غسل الجنابة، بجامع أن كلًا منهما طهارة من حدث.\nوالدليل على وجوب التخليل في غسل الجنابة\n(٢٣٨ - ٩٢) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده.\nولعلهم رأوا أن الواجب هو غسل البدن، وإذا طرأ على البدن شعر لم يمنع ذلك من وجوب غسل البدن، حتى يتعذر غسله، والشعر لا يمنع من وصول الماء إلى البدن.\n- ويجاب على ذلك:\nبأن الطهارة الصغرى مبنية على التخفيف، ولذلك جاز فيها المسح على الرأس\n_________\n(^١) التمهيد (٢٠/ ١٢١).\n(^٢) مسائل أبي داود (٤٠).\n(^٣) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (١/ ١٧٠).\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"2","page":240},{"text":"وعلى الخفين، وكانت على أعضاء مخصوصة بخلاف الطهارة الكبرى فإن طهارتها ليس فيها مسح، وتعم جميع البدن، والله أعلم.\n- الراجح:\nالذي أميل إليه والله أعلم أن من خلل لحيته لا يقال عنه مبتدع، وليس التخليل بمثابة الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، ولا بمثابة تخليل الأصابع الذي صح فيه سنن عن النبي ﷺ، وأحب إلي أن يترك التخليل، فإن كان لا بد فاعلًا فليكن نادرًا ولا يداوم عليه لعدم ثبوت ما يدل على سنيته، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>المبحث الثالث في صفة تخليل اللحية</span>\n[م-١١٩] لم يرد في صفة تخليل اللحية حديث صحيح، والأحاديث الواردة في صفة التخليل ضعيفة، وقد تبين معنى التخليل لغة، وأن أصله: إدخال الشيء في خلال الشيء، وتخليل لحيته: يعني إدخال الماء بين شعرها حتى يصل إلى بشرته بأصابعه (^١).\nوأما الأحاديث التي جاء فيها صفة التخليل فقد سبق تخريجها وبيان ضعفها، منها:\nحديث أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء، فادخله تحت حنكه، فخلل بها لحيته.\nوحديث ابن عمر كان رسول الله ﷺ إذا توضأ عرك بعض العراك، ثم شبك بأصابعه من تحتها.\nوحديث جابر يخلل لحيته بأصابعه كأنها أنياب مشط، وهو ضعيف جدًّا.\nوحديث أبي أيوب: مسح لحيته من تحتها بالماء. ومثله حديث كعب بن عمرو: مسح باطن لحيته. وكلها سبق تخريجها.\nهذا في ما يتعلق بصفة التخليل من خلال الآثار.\n_________\n(^١) اللسان (١/ ٢١٣).","vol":"2","page":242},{"text":"وأما صفة التخليل عند الفقهاء فهي كالتالي:\nفقيل: كيفية التخلل تفريق شعرها من أسفل إلى فوق (^١).\nوفي المنح: أن يدخل أصابع اليد في فروجها التي بين شعراتها من أسفل إلى فوق بحيث يكون كف اليد الخارج، وظهرها إلى المتوضئ (^٢).\nوقيل: صفة التخليل أن يأخذ كفا من ماء فيضعه من تحتها، أو من جانبيها بأصابعه مشبكة فيها، زاد بعضهم: ويعركها. وعليه أكثر الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٧) البحر الرائق (١/ ٢٢). وفي الفتاوى الهندية (١/ ٧): «وكيفيته: أن يدخل أصابعه فيها، ويخلل من الجانب الأسفل إلى فوق، وهو المنقول عن شمس الأئمة الكردي رحمه الله تعالى. كذا في المضمرات». اهـ\nوقال النووي في المجموع (١/ ٤١٠): «قد ذكرنا أن التخليل سنة، ولم يذكر الجمهور كيفيته، وقال السرخسي: يخللها بأصابعه من أسفلها، قال: ولو أخذ للتخليل ماء آخر كان أحسن، ويستدل لما ذكره من الكيفية بحديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل بها لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي. قال النووي: رواه ... أبو داود، ولم يضعفه، وإسناده حسن أو صحيح، والله أعلم». اهـ\nويظهر أن النووي اعتمد على سكوت أبي داود، وقد تكلمت على إسناده، وقد يسكت أبو داود على حديث، ولا يكون صالحًا، إما لظهور ضعف الحديث عند أهله، وإما لاختلاف النسخ، وإما لأنه تكلم على الراوي في موضع آخر، ولا يحب أن يكرر الكلام، أو لغيره من الاعتبارات، المهم أن هناك أحاديث قد سكت عليها أبو داود وهي ظاهرة الضعف، والله أعلم.\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٧) واستشكله ابن عابدين بما رواه أبو داود، عن أنس كان ﷺ إذا توضأ أخذ كفا من ماء تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: بهذا أمرني ربي. ذكره في البحر وغيره، والمتبادر منه إدخال اليد من أسفل، بحيث يكون كف اليد للداخل من جهة العنق، وظهرها إلى الخارج، ليمكن إدخال الماء المأخوذ في خلال الشعر، ولا يمكن ذلك على الكيفية المارة، فلا يبقى لأخذه فائدة، فليتأمل. وما في المنح عزاه إلى الكفاية. والذي رأيته في الكفاية هكذا، وكيفيته: أن يخلل بعد التثليث من حيث الأسفل إلى فوق».اهـ\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٣٤)، وذكر ابن قدامة في المغني (١/ ١٤٩): سألت أحمد عن التخليل؟ فأراني من تحت لحيته، فخلل بالأصابع. وقال حنبل: من تحت ذقنه من أسفل الذقن يخلل جانبي لحيته جميعًا بالماء، ويمسح جانبيها وباطنها. وقال أبو الحارث: إن شاء خللها مع وجهه، وإن شاء إذا مسح رأسه. اهـ","vol":"2","page":243},{"text":"وقيل: يخللها من ماء الوجه، ولا يفرد لذلك ماء، ويكون ذلك عند غسلهما. وإن شاء إذا مسح رأسه، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\nوهل يخللها باليد اليمنى أو بكلا يديه؟ قولان للفقهاء (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المرجعان السابقان.\n(^٢) قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ١١٧): «ثم اعلم أن هذا التخليل باليد اليمنى كما صرح به في الحلية، وهو ظاهر. وقال في الدرر: إنه يدخل أصابع يديه من خلال لحيته، وهو خلاف ما مر فتدبر».","vol":"2","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>المبحث الرابع في تخليل الأصابع</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- ذكر الله ﷾ في القرآن غسل الأعضاء، وحقيقته: جريان الماء على العضو، وتخليل الأصابع زيادة عليه، فهو داخل في الكمال.\n- الأحاديث في الصحيحين وغيرهما كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وابن عباس وغيرها لم يرد فيها ذكر تخليل الأصابع، مع أن الصحابة في مقام البيان والتعليم لصفة وضوء النبي ﷺ، فلو كان واجبًا لما أهملوا ذكره.\n- كل نص ورد مطلقًا فهو على إطلاقه حتى يثبت ما يقيده، وتخليل الأصابع في الأحاديث ورد مطلق، فيشمل اليدين والرجلين.\n- التخليل معقول المعنى فيتأكد في الرجلين أكثر من اليدين.\n- إذا كان الماء لا يصل إلى الأصابع إلا بالتخليل كان واجبًا لا لذاته؛ لأن الفرض الغسل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوقيل:\n- التخليل من التعمق والتكلف في الوضوء.","vol":"2","page":245},{"text":"[م-١٢٠] سبق لنا معنى التخليل في الفصل الذي قبل هذا، ومحل استحباب تخليل الأصابع إذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع بدون تخليل، وإلا فيجب إيصال الماء إلى ما بين الأصابع وإن لم يتعين التخليل.\nقال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: قال أصحابنا: من سنن الوضوء تخليل أصابع الرجلين في غسلهما. قال: وهذا إذا كان الماء يصل إليهما من غير تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة لا يصل إليها الماء إلا بتخليل فحينئذ يجب التخليل لا لذاته، لكن لأداء فرض الغسل (^١).\n[م-١٢١] وقد اختلف العلماء في حكم تخليل الأصابع:\nفقيل: إن تخليل الأصابع مشروع، وهو في الرجلين آكد من اليدين، وهذا مذهب الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، واختاره ابن رشد من المالكية (^٥).\nوقيل: تخليل الأصابع واجب في اليدين، سنة في الرجلين، وهو مذهب المالكية (^٦).\nوقيل: التخليل واجب مطلقًا في اليدين والرجلين. وهو قول في مذهب المالكية (^٧).\n_________\n(^١) انظر الفتاوى الهندية (١/ ٧).\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ٥)، مراقي الفلاح (ص: ٢٩)، شرح فتح القدير (١/ ٣٠)، الفتاوى الهندية (١/ ٧).\n(^٣) المجموع (١/ ٤٥٥)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٦٢)، مغني المحتاج (١/ ٦٠)، تحفة المحتاج (١/ ٢٣٥)، نهاية المحتاج (١/ ١٩٢).\n(^٤) شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٨)، كشاف القناع (١/ ١٠٢).\n(^٥) مقدمات ابن رشد (١/ ٨٣).\n(^٦) المنتقى للباجي (١/ ٣٧)، وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٧٥): قال ابن وهب: وهو واجب في اليدين مستحب في الرجلين، وبه قال أكثر العلماء. إلخ كلامه ﵀. وانظر الخرشي (١/ ١٢٦).\n(^٧) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٧٥)، الشرح الصغير (١/ ١٠٨).","vol":"2","page":246},{"text":"وقيل: التخليل سنة أحيانًا، ولا يداوم عليه، وهو اختيار ابن القيم (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-627>دليل الجمهور</span>.\n(٢٣٩ - ٩٣) ما رواه أبو داود (^٢)، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين، قالوا: ثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط ابن صبرة، عن أبيه لقيط ابن صبرة قال:\nقلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا.\n[صحيح] (^٣).\nفقوله: (وخلل بين الأصابع) الأمر مطلق، فيشمل أصابع اليدين والرجلين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-628> الدليل الثاني: حديث ابن عباس</span>\n(٢٤٠ - ٩٤) رواه أحمد، قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، قال:\nسمعت ابن عباس يقول: سأل رجل النبي ﷺ عن شيء من أمر الصلاة؟ فقال له رسول الله ﷺ: خلل أصابع يديك ورجليك يعني: إسباغ الوضوء (^٤).\n[أرجو أن يكون حسنًا] (^٥).\n_________\n(^١) قال ابن القيم في الزاد (١/ ١٨٩): وكذلك تخليل الأصابع لم يكن يحافظ عليه، ثم ساق حديث المستورد بن شداد وسيأتي الكلام عليه، وقال: وهذا إن ثبت فإنما كان يفعله أحيانًا، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه كعثمان وعلي وعبد الله بن زيد، والربيع وغيرهما. اهـ\n(^٢) سنن أبي داود (١٤٢).\n(^٣) انظر تخريج الحديث بتمام ألفاظه، والكلام على ما ورد فيه من زيادات في المتن، وبيان المحفوظ منها والشاذ في المجلد الثامن: الطهارة من الحيض والنفاس (١٦٦٣) من هذه السلسلة.\n(^٤) المسند (١/ ٢٨٧).\n(^٥) عبد الرحمن بن أبي الزناد.\nقال ابن المديني: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون. =","vol":"2","page":247},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال عنه الحافظ: صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا. اهـ\nوالراوي عنه سليمان بن داود الهاشمي بغدادي، لكن قال علي ابن المديني: وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي فرأيتها مقاربة.\nوقد سبق لي ترجمته ترجمة وافية في كتاب أحكام المسح على الحائل (ح: ٧٣) فانظره غير مأمور.\nوفي إسناده صالح مولى التوأمة.\nقال يحيى بن سعيد: لم يكن بثقة. تهذيب الكمال (١٣/ ١٠١).\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه: قال بشر بن عمر: سألت مالكًا عن صالح مولى التوأمة، فقال: ليس بثقة. فقال أحمد: كان مالك قد أدركه وقد اختلط، وهو كبير، من سمع منه قديمًا فذاك، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وهو صالح الحديث ما أعلم به بأسًا. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين: ثقة، خرف قبل أن يموت، فمن سمع منه قبل الاختلاط فهو ثبت. المرجع السابق.\nوحين قيل ليحيى بن معين: إن مالكًا ترك السماع منه، فقال: إن مالكًا أدركه بعد أن كبر وخرف. المرجع السابق.\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق اختلط بآخرة، لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب ... وابن جريج، وقد أخطأ من زعم أن البخاري أخرج له. اهـ\nقلت: سماع موسى بن عقبة قبل تغيره، انظر الكواكب النيرات (٣٣)، فالإسناد يرجى أن يكون حسنًا.\nوالحديث أخرجه الترمذي (٣٩) وابن ماجه (٤٤٧) والحاكم (١/ ٣٨٢) من طريق سعد بن عبد الحميد بن جعفر، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به.\nوفي علل الترمذي الكبير (ص: ٢٤): سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن، وموسى بن عقبة سمع من صالح مولى التوأمة قديمًا، وكان أحمد يقول من سمع من صالح قديمًا فسماعه حسن، ومن سمع منه أخيرًا فكأنه يضعف سماعه. اهـ وانظر مصباح الزجاجة (١/ ٦٥).\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٩) حدثنا هشيم، عن عمران بن أبي عطاء، قال: رأيت ابن عباس توضأ، فغسل قدميه حتى تتبع بين أصابعه فغسلهن.\nوهذا موقوف على ابن عباس، وفي إسناده عمران بن أبي عطاء أبو حمزة القصاب، جاء في ترجمته:\nقال أحمد: ليس به بأس صالح الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ٣٠٢).\nوقال يحيى بن معين: يقول أبو حمزة: عمران بن أبى عطاء ثقة. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: بصري لين. المرجع السابق. =","vol":"2","page":248},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-629> الدليل الثالث: حديث المستورد بن شداد</span>.\n(٢٤١ - ٩٥) رواه أحمد، قال: حدثنا موسى بن داود قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلي،\nعن المستورد بن شداد صاحب النبي ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره (^١).\n[ضعيف تفرد به ابن لهيعة] (^٢).\n_________\n= وقال النسائي: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (٨/ ١٢٠).\nوقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به. الضعفاء الكبير (٣/ ٢٩٩).\nوفي التقريب: صدوق له أوهام.\n(^١) المسند (٤/ ٢٢٩).\n(^٢) وابن لهيعة ضعيف مطلقًا، قبل احتراق كتبه وبعدها، وقد رأى بعضهم تحسين حديثه إذا كان من طريق من روى عنه قبل أن تحترق كتبه. والراجح أنه ضعيف مطلقًا، لكن رواية العبادلة عنه أعدل من غيرها كما قال الحافظ، وهذه العبارة لا تقتضي تحسين حديثه.\nقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن ابن لهيعة سماع القدماء منه؟ فقال: آخره وأوله سواء إلا أن ابن المبارك وابن وهب كانا يتتبعان أصوله فيكتبان منه، وهؤلاء الباقون كانوا يأخذون من الشيخ، وكان ابن لهيعة لا يضبط، وليس ممن يحتج بحديثه. الجرح والتعديل (٥/ ١٤٥).\nفهذا نص على أنه ضعيف مطلقًا، وإن كان قد يتفاوت الضعف فرواية ابن المبارك أخف ضعفًا.\nوقال عمرو بن علي: عبد الله بن لهيعة احترقت كتبه، فمن كتب عنه قبل ذلك مثل ابن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرى أصح من الذين كتبوا بعد ما احترقت الكتب، وهو ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوهذا النص ليس فيه أن ما يرويه العبادلة صحيح مطلقًا، إنما كلمة أصح لا تعني الصحة كما هو معلوم، ولذلك قال: وهو ضعيف الحديث، هذا حاله قبل احتراق كتبه وبعدها.\nقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي إذا كان من يروى عن ابن لهيعة مثل بن المبارك وابن وهب يحتج به؟ قال: لا. الجرح والتعديل (٥/ ١٤٥).\nوقال ابن حبان: قد سبرت أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له من رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار فرأيته كان يدلس عن أقوام ضعفاء، عن أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فالتزقت تلك =","vol":"2","page":249},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الموضوعات به. قال عبد الرحمن بن مهدي: لا أحمل عن ابن لهيعة قليلًا ولا كثيرًا كتب إلى ابن لهيعة كتابًا فيه: حدثنا عمرو بن شعيب، قال عبد الرحمن: فقرأته على ابن المبارك، فأخرجه إلي ابن المبارك من كتابه، عن ابن لهيعة قال حدثني: إسحاق بن أبي فروة، عن عمرو ابن شعيب.\nثم قال ابن حبان: وأما رواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه ففيها مناكير كثيرة، وذاك أنه كان لا يبالي ما دفع إليه قراءة، سواء كان ذلك من حديثه أو غير حديثه، فوجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من الأخبار المدلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه لما فيه مما ليس من حديثه. المجروحين (٢/ ١١).\nوهذا عين التحرير أن رواية المتقدمين عنه فيها ما يدلسه عن الضعفاء، ورواية المتأخرين عنه فيها ما ليس من حديثه.\nوجاء في ضعفاء العقيلي (٢/ ٢٩٤): «حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن علي، قال سمعت: أبا عبد الله، وذكر ابن لهيعة، وقال: كان كتب عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، وكان بعد يحدث بها عن عمرو بن شعيب نفسه».\nوهذا صريح بأن ابن لهيعة يدلس عن الضعفاء.\nوالحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٩) عن حسن بن موسى وموسى بن داود ويحيى بن إسحاق.\nوأخرجه أبو داود (١٤٨)، والترمذي (٤٠) والبغوي (٢١٤) من طريق قتيبة بن سعيد.\nوأخرجه ابن ماجه (٤٤٦) من طريق محمد بن حمير.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٦) والبيهقي (١/ ٧٦) من طريق عبد الله ... ابن وهب.\nوابن قانع (٣/ ١٠٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٠٦) ح ٧٢٨ من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ.\nوالطبراني في الكبير (٢٠/ ٧٢٨) من طريق أسد بن موسى،\nوالبزار في مسنده (٣٤٦٤) من طريق بشر بن عمر. كلهم عن عبد الله بن لهيعة به.\nوقد تابع عبد الله بن لهيعة الليث بن سعد وعمرو بن الحارث أخرجه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل (١/ ٣١) ومن طريقه أخرجه البيهقي (١/ ٧٦، ٧٧) أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب قال: سمعت عمي يقول: سمعت مالكًا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس. قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة. فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبى عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله ﷺ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقال إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة، ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع». اهـ","vol":"2","page":250},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-630> الدليل الرابع:</span>\n(٢٤٢ - ٩٦) ما رواه الدارقطني من طريق مصعب بن المقدام وعبد الله بن نمير، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال:\nرأيت عثمان بن عفان يتوضأ فغسل يديه ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ومضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، ثم غسل قدميه ثلاثًا، ثم خلل أصابعه وخلل لحيته ثلاثًا حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كالذي رأيتموني فعلت (^١).\n_________\nتفرد بهذا الإسناد أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال فيه ابن عدي: رأيت شيوخ أهل مصر الذين لحقتهم مجمعين على ضعفه، ومن كتب عنه من الغرباء غير أهل بلده لا يمتنعون من الرواية عنه، وحدثوا عنه منهم أبو زرعة الرازي وأبو حاتم فمن دونهما، ثم قال: وكل ما أنكروه عليه فمحتمل وإن لم يكن يرويه عن عمه غيره ولعله خصه به. الكامل (١/ ١٨٤).\nوقول ابن عدي: إن أبا زرعة روى عنه لعله وهم، فإن أبا زرعة ﵀ قال: أدركته ولم أكتب عنه كما في الجرح والتعديل (٢/ ٥٩).\nوقال الحافظ ابن حجر: صدوق تغير حفظه بآخرة.\nوقد شكك الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة بصحة رواية ابن وهب هذه، ولو صحت لثبت حديث المستورد بن شداد.\nقال الحافظ في الإتحاف (١٣/ ١٧٧): «أظنه غلطًا من أحمد بن عبد الرحمن، فقد حدث به عن محمد بن الربيع الجيزي في كتاب الصحابة الذين نزلوا مصر، فلم يذكر غير ابن لهيعة.\nوأخرجه من طرق عن ابن لهيعة.\nوعن يونس بن عبد الأعلى ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، كلاهما عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وحده، نعم رواية ابن وهب له مما يقويه؛ لأنه سمع من ابن لهيعة قديمًا». اهـ\nوقد بينت لك أن ابن لهيعة ضعيف في كل أمره هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو تقوى حال أحمد بن عبد الرحمن بن وهب لكان تفرده عن سائر من روى الحديث يعتبر شذوذًا، كيف وقد تكلم فيه في حفظه. والله أعلم.\nانظر أطراف المسند (٥/ ٢٧٤)، إتحاف المهرة (١٦٥٥٠)، تحفة الأشراف (١١٢٥٦).\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٨٦).","vol":"2","page":251},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-631> أدلة القائلين بوجوب التخليل:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-632> الدليل الأول:</span>\n(٢٤٣ - ٩٧) قال الحافظ في التلخيص (^٢): «روى زيد بن أبي الزرقاء، عن الثوري، عن أبي مسكين، واسمه: حر بن مسكين، عن هزيل بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: لينهكن أحدكم أصابعه قبل أن تنهكه النار».\n[المحفوظ وقفه] (^٣).\n_________\n(^١) مداره على إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان مرفوعًا، وقد تكلمت على عامر، وذكرت طرق هذا الحديث في تخليل اللحية، انظر حديث (٢٢٢)، وقد روي مطولًا ومختصرًا، وممن رواه عن إسرائيل بذكر تخليل الأصابع جماعة منهم:\n- عبد الرزاق في مصنفه (١٢٥). إلا أنه قد اختلف عليه في ذكر الأصابع، فرواية الترمذي (٣١)، وابن ماجه (٤٣٠)، والحاكم (١/ ١٤٨، ١٤٩) من طريق عبد الرزاق لم يذكر فيها تخليل الأصابع.\n- وابن مهدي كما في المنتقى لابن الجارود (٧٢)، وابن خزيمة في صحيحه (١٥٢).\n- وخلف بن الوليد كما في صحيح ابن خزيمة (١٥١).\n- وأبو عامر كما في صحيح ابن خزيمة أيضًا (١٦٧).\n- وعبد الله بن نمير ومصعب بن المقدام كما في سنن الدارقطني، وسقته في المتن.\nوقد اختلف على عبد الله بن نمير في ذكر تخليل الأصابع، فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف ... وابن حبان (١٠٧٨) من طريق عبد الله بن نمير ولم يذكر تخليل الأصابع.\nوأسد بن موسى كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٢).\nورواه غيرهم بدون ذكر تخليل الأصابع، وقد سبق تخريج الحديث في مسألة تخليل اللحية، فانظره غير مأمور، انظر (٢٢٢) والله أعلم.\n(^٢) تلخيص الحبير (١/ ٩٤).\n(^٣) اختلف على الثوري فيه:\nفرواه زيد بن أبي الزرقاء، عن الثوري، عن أبي مسكين، عن هزيل بن شرحبيل، عن ابن مسعود مرفوعًا. =","vol":"2","page":252},{"text":"- ويجاب عنه:\nبأن الأثر محمول على وجوب غسل ما بين الأصابع حتى لا يكون هناك موضع لم يصبه الماء جمعًا بين الأدلة، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-633> الدليل الثاني:</span>\n(٢٤٤ - ٩٨) ما رواه الدارقطني من طريق عمر بن قيس، عن ابن شهاب، عن عروة،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ويخلل بين أصابعه، ويدلك عقبيه، ويقول: خللوا بين أصابعكم لا يخلل الله تعالى بينها بالنار (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-634> الدليل الثالث:</span>\n(٢٤٥ - ٩٩) استدلوا بما تقدم من حديث لقيط بن صبرة قال:\nقلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا.\n[والحديث صحيح] (^٣).\n_________\n= وخالفه عبد الرزاق كما في مصنفه (٦٨) فرواه عن الثوري به موقوفًا، وهو الصواب؛ لأن الحديث في مصنف الثوري موقوف أيضًا كما ذكره الحافظ في التلخيص، ورواه أبو الأحوص أيضًا عن أبي مسكين به موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٩).\nورواه ابن أبي شيبة (١٩) حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن طلحة، عن عبد الله، قال: خللوا بين أصابعكم بالماء قبل أن تحشوها النار. ورجاله ثقات.\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٩٥).\n(^٢) فيه عمر بن قيس، قال الحافظ في التلخيص (١/ ٩٤): منكر الحديث. وفي التقريب: متروك. اهـ وانظر إتحاف المهرة (٢٢٠٧٩).\n(^٣) انظر تخريجه في المجلد الثامن، رقم (١٦٦٣).","vol":"2","page":253},{"text":"فقوله: (خلل) أمر، والأصل في الأمر الوجوب.\nقال الشوكاني في النيل: «والأحاديث قد صرحت بوجوب التخليل، وثبتت من قوله ﷺ وفعله، ولا فرق بين إمكان وصول الماء بدون تخليل، وعدمه، ولا بين أصابع اليدين والرجلين، فالتقيد بأصابع الرجلين، أو بعدم إمكان وصول الماء لا دليل عليه».اهـ\nوالقول بالوجوب فيه نظر؛ لأن الله ﷾ إنما ذكر في القرآن الغسل، وحقيقته: جريان الماء على العضو، والتخليل زيادة عليه، فهو داخل في الكمال، والأحاديث التي وصفت وضوء رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما كما في حديث عثمان وعبد الله بن زيد وابن عباس وغيرها لم يرد فيها ذكر التخليل، مع أن الصحابة في مقام البيان والتعليم، فلو كان واجبًا لما أهملوا ذكره، والله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-635> دليل التفريق بين أصابع اليدين والرجلين</span>.\nقال الخرشي: وإنما وجب تخليل أصابع اليدين دون أصابع الرجلين لعدم شدة اتصال ما بينهما، بخلاف أصابع الرجلين، فأشبه ما بينهما الباطن لشدة اتصال ما بينهما. اهـ\nوذكر ابن العربي تعليلًا آخر، فقال: والحق أنه واجب في اليدين على القول بالدلك، غير واجب في الرجلين، لأن تخليلها بالماء يقرح باطنها، وقد شاهدنا ذلك، وما علينا في الدين من حرج في أقل من ذلك، فكيف في تخليل تتقرح به الأقدام؟ (^١).\nقلت: لا فرق بينهما في وجوب جريان الماء بين الأصابع، فالتخليل زائد على الغسل، فيكون التخليل سنة فيهما، وأما كون بعض الأدلة قد تذكر أصابع الرجلين فقط كما في حديث المستورد بن شداد، فهو إن صح فهو ذكر لفرد من أفراد العام أو المطلق، لا يقتضي تخصيص العام أو تقييد المطلق، وقد جاء في حديث ابن عباس النص\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٧٥).","vol":"2","page":254},{"text":"على تخليل أصابع اليدين والرجلين، وهو حديث حسن إن شاء الله تعالى، وحديث لقيط بن صبرة: خلل بين الأصابع، وهو مطلق يشمل أصابع اليدين والرجلين، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>المبحث الخامس في صفة تخليل الأصابع</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- صفة العبادة كأصلها يقوم على التوقيف.\n[م-١٢٢] اختلفوا في صفة التخليل للأصابع:\nفقيل: في اليدين بالتشبيك، وفي الرجلين يخلل بخنصر يده اليسرى بادئًا بخنصر رجله اليمنى من أسفل حتى يصل إلى إبهامها، ثم يبدأ بإبهام الرجل اليسرى خاتمًا بخنصرها. هذه صفة التخليل عند الجمهور (^١).\nوقيل: بل يخلل بخنصر يده اليمنى، اختاره القاضي أبو الطيب من الشافعية (^٢).\nوقيل: يخلل بكل أصابعه إلا الإبهامين؛ لما فيهما من العسر (^٣).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: شرح فتح القدير (١/ ٣٠)، البحر الرائق (١/ ٢٢)، الفتاوى الهندية (١/ ٧)، وفي مذهب المالكية انظر حاشية العدوي (١/ ١٩٧)، وفي مذهب الحنابلة انظر: المغني (١/ ٧٦)، الإنصاف (١/ ١٣٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٨)، كشاف القناع (١/ ١٠٢).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٥٥).\n(^٣) المرجع السابق.","vol":"2","page":256},{"text":"وقيل: لا دليل على تعيين اليد اليمنى أو اليسرى للتخليل، فلا حجر على المتوضئ في استعمال اليمنى أو اليسرى. وهو اختيار إمام الحرمين (^١).\nوهذه الأقوال قد يوجد لبعضها أدلة من عمومات ونحوها، فالبداءة باليمنى قد يستدل له بحديث عائشة ﵂، قال:\nكان يعجبه التيامن ما استطاع في تنعله وترجله وطهوره، في شأنه كله.\nوكون التخليل بالخنصر قد يستدل له بحديث المستورد بن شداد: رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره.\nوهو حديث ضعيف، وسبق تخريجه (^٢).\nوأما كونه بخنصر اليد اليسرى فلم يثبت فيه عندي سنة، وكلام إمام الحرمين قوي، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) انظر تخريجه برقم (٢٤١).","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>الفصل السادس في استحباب تحريك الخاتم الواسع</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\n- هل اليسير معفو عنه مطلقًا في الشريعة، أو معفو عنه بشرط ألا يكون من المسائل التي ورد النص فيها بعدم العفو؟ قال ﷺ: ويل للأعقاب من النار، وقال ﷺ: من زاد أو استزاد فقد أربى، من غير فرق بين القليل والكثير.\n[م- ١٢٣] إذا كان على المتوضئ خاتم، فهل يجب تحريكه أو يعفى عنه؟\nفقيل: إن تحقق وصول الماء إلى ما تحته استحب تحريكه، وصار ذلك بمنزلة التخليل، وإن لم يصل الماء إلى ما تحته إلا بخلعه أو تحريكه وجب ذلك، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) ففي مذهب الحنفية، قال الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٢٢): «ولو كان في أصبعه خاتم فإن كان واسعًا فلا حاجة إلى التحريك، وإن كان ضيقًا فلا بد من التحريك ليصل الماء إلى ما تحته».اهـ وانظر تبيين الحقائق (١/ ١٣)، شرح فتح القدير (١/ ٥٧)، البحر الرائق (١/ ٤٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٤). وفي مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (١/ ٤٢٧): «قال أصحابنا: إذا كان في أصبعه خاتم، فلم يصل الماء إلى ما تحته وجب إيصال الماء إلى ما تحته بتحريكه أو خلعه، وإن تحقق وصوله استحب تحريكه».اهـ\nوفي مذهب الحنابلة، قال ابن قدامة في المغني (١/ ١٥٣) قيل لأحمد: من توضأ يحرك خاتمه؟ قال: إن كان ضيقًا لا بد أن يحركه، وإن كان واسعًا يدخل فيه الماء أجزأه. قال ابن قدامة: وإذا شك في وصول الماء إلى ما تحته وجب تحريكه؛ ليتيقن وصول الماء إليه؛ لأن الأصل عدم وصوله. اهـ","vol":"2","page":258},{"text":"وقيل: لا يجب عليه تحريكه مطلقًا، وهو منسوب إلى مالك ﵀ (^١).\nوقيل: يجب عليه تحريكه مطلقًا، ضيقًا كان أو واسعًا، اختاره بعض المالكية (^٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-638> دليل الجمهور على وجوب نزع الخاتم الضيق:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-639> الدليل الأول:</span>\nفرض اليد غسلها من رؤوس الأصابع حتى نهاية المرفقين، وإذا بقي جزء من الأصبع لم يصبه الماء فإنه لم يقم بفرض الوضوء في اليد، وإذا كان الشارع توعد على ترك شيء من العقب لم يمسه الماء، فقال في الحديث المتفق على صحته: ويل للأعقاب من النار، فهذا مثله.\n_________\n(^١) قال الباجي في المنتقى (١/ ٣٦): «فإن كان في يده خاتم فهل عليه تحريكه أم لا؟\nقال مالك في العتبية: ليس عليه تحريك الخاتم في الوضوء.\nوقال ابن المواز: ولا في الغسل.\nوقال ابن حبيب: إن كان ضيقًا فعليه تحريكه وليس عليه ذلك إن كان واسعًا.\nوقال الشيخ أبو إسحاق: عليه تحريك الخاتم ضيقًا كان أو غير ضيق.\nويحتمل ما قاله مالك تعليلًا من أحدهما: أن الخاتم لما كان ملبوسًا معتادًا يستدام لبسه من غير نزع في الغالب، لم يجب إيصال الماء إلى ما تحته بالوضوء كالخفين.\nوالثاني: أن الماء برقته مع دقة الخاتم يصل إلى ما تحته من البشرة، فلا يحتاج إلى تحريكه، فعلى هذا لا يخالف ما قاله ابن حبيب.\nوقد قال محمد بن دينار فيمن يلصق بذراعيه قدر الخيط من العجين أو غيره فلا يصل الماء إلى ما تحته، فيصلي بذلك: فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: عليه الإعادة». اهـ نقلًا من المنتقى. وانظر الفواكه الدواني (١/ ٤٩).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ٣٦)","vol":"2","page":259},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-640> الدليل الثاني:</span>\n(٢٤٦ - ١٠٠) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، حدثني أبي، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن أبيه أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ حرك خاتمه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-641> الدليل الثالث:</span>\nقالوا: غسل الأصابع في الوضوء ثابت بالإجماع فلا يسقط غسلها إلا بمثله من نص أو إجماع، ولا يوجد نص ولا إجماع على سقوط غسل ما تحت الخاتم.\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٤٩).\n(^٢) رواه ابن ماجه (٤٤٩) والدارقطني (١/ ٨٣) عن أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي.\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٨/ ٢٠٧)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٥٧) من طريق زكريا بن يحيى الضرير.\nورواه الدارقطني (١/ ٩٤) من طريق علي بن سهل بن المغيرة ثلاثتهم، عن معمر بن محمد به.\nومداره على معمر بن محمد بن عبيد الله، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: منكر الحديث. الكامل (٦/ ٤٥٠).\nوقال ابن عدي: مقدار ما يرويه لا يتابع عليه. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين: ما كان ثقة، ولا مأمون. تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٢٤).\nوقال مرة: ليس هذا بشيء، ولا أبوه بشيء. الجرح والتعديل (٨/ ٣٧٣).\nوقال العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٦١): لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به.\nوفي التقريب: منكر الحديث.\nوفي إسناده أيضًا: محمد بن عبيد الله بن أبي رافع.\nقال البخاري: منكر الحديث. التأريخ الكبير (١/ ١٧١).\nوقال ابن معين: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًّا، ذاهب. تهذيب التهذيب (٩/ ٢٨٦).\nوقال البرقاني عن الدارقطني: متروك، له معضلات. المرجع السابق.\nانظر لمراجعة طرق الحديث: تحفة الأشراف (١٢٠٢٣)، إتحاف المهرة (١٧٦٩٧).","vol":"2","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>دليل من قال: لا يجب عليه تحريكه ضيقًا كان أو واسعًا:</span>\nقالوا: الخاتم يستدام لبسه، ويشق نزعه، ومقدر ما تحته يسير، فيعفى عنه كما عفي عن خلع العمامة، وشرع المسح عليها، وكما عفي عن نزع الخفين، وشرع المسح عليهما بشروطه، وكما عفي عن غسل ما تحت الشعر الكثيف.\nوأجيب:\nبأن الرسول ﷺ نزع يده من كمه حين ضاق كمه، فغسل يده ولم يمسح عليها، فلا يمسح إلا ما دل الدليل على مسحه، فهو غير مقيس، ثم إن القدم سقط غسله إلى بدل، وهو مسح الخف، والخاتم أسقطتم غسله إلى غير بدل، فأين الدليل على إسقاط غسله، ولم يقل أحد بمسح ظاهر الخاتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>الراجح من هذه الأقوال:</span>\nالقول بسقوط غسل ما تحت الخاتم فيه قوة، إلا أن القول بوجوب غسل ما تحته أقوى وأظهر من حيث الأدلة، وإذا كان الخاتم ضيقًا فيمكن للإنسان أن يقوم بتوسيع الخاتم حتى يسري الماء من تحته بلا كلفة، ولا يخاطر الإنسان في شرط الصلاة التي هي من أعظم أركان الإسلام العملية على الإطلاق.\n* * *","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-644>مبحث\nفي ماء الأذنين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- لم يأت ذكر للأذنين في صفة الوضوء في كتاب الله، وثبت مسحهما وتركهما في السنة الفعلية، ومن ثم اختلفوا:\nهل مسحهما سنة كالمضمضة، أو فرض باعتبار أن السنة الفعلية هي بيان للمجمل في قوله تعالى: (وَامْسَحُوُا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦] على القول بأن هذه الآية مجملة؟\nوهل هما عضوان مستقلان باعتبار أن الرأس تسمية لجارحة مخصوصة والأذنان ليستا منه حسًا، وقد اتفقوا على أن من اقتصر على مسحهما دون مسح الرأس فإن ذلك لا يجزيه وهذا دليل على أنهما ليستا من الرأس، فتغني عنه.\nأو هما من الرأس حكمًا لا حقيقة، بدليل أن فرضهما مسح ظاهرهما كما يمسح الرأس، ولا يؤخذ لهما ماء جديد غير ماء الرأس، ولا ترتيب بين الأذن اليمنى واليسرى بخلاف اليدين والرجلين، ولا يكرر مسحهما؟","vol":"2","page":262},{"text":"[م-١٢٤] اختلف العلماء في ماء الأذنين:\nفقيل: السنة أن تمسح الأذنان بماء الرأس، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: بل يستحب أخذ ماء جديد لهما، وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nولو مسحهما بماء الرأس أجزأ عندهم، لكن الخلاف في تحصيل السنة.\nوقيل: الأذنان من الوجه، فيغسلان معه (^٥).\nوقيل: ما أقبل منهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس (^٦).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-645> دليل من قال: إن الأذنين من الرأس فيمسحان بماء الرأس:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-646> الدليل الأول:</span>\n(٢٤٧ - ١٠١) ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن ابن عباس قال توضأ رسول الله ﷺ فغرف غرفة فمضمض واستنشق ثم غرف غرفة فغسل وجهه ثم غرف غرفة فغسل يده اليمنى ثم غرف غرفة فغسل يده اليسرى ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى (^٧).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥)، المبسوط (١/ ١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢١)، البحر الرائق (١/ ٩)، اللباب شرح الكتاب (١/ ١).\n(^٢) المدونة (١/ ١٩)، التمهيد (٣/ ٢٠٩)، مواهب الجليل (١/ ١١٢).\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ٤).\n(^٤) المغني (١/ ٤)، المبدع شرح المقنع (١/ ٤).\n(^٥) هذا قول الزهري، انظر التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٢٠٩)، والمجموع (١/ ٤٤٣)، والبحر المحيط تفسير سورة المائدة (ص: ٤).\n(^٦) انظر المراجع السابقة.\n(^٧) سنن النسائي (١٠٢).","vol":"2","page":263},{"text":"[رجاله ثقات إلا ابن عجلان فإنه صدوق، وأكثر الرواة على عدم ذكر مسح الأذنين] (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس.\nويرويه عن زيد بن أسلم عشرة من الرواة بل يزيدون، وبعضهم يرويه مختصرًا، وبعضهم يرويه مطولًا، فقد وقفت على ثلاثة رواة يروون الحديث بذكر مسح الأذنين، ورواه جماعة مطولًا ومختصرًا، ولم يذكروا مسح الأذنين، أشهرهم سفيان الثوري، وسليمان بن بلال، ومعمر بن راشد، وإليك بيان طرق كل رواية، ومن خرجها.\nذكر الرواة الذين ذكروا مسح الأذنين:\nالأول: ابن عجلان كما في إسناد الباب:\nعند ابن أبي شيبة (١/ ١٧) رقم ٦٤، وأبي يعلى (٢٤٨٦)، والنسائي (١٠٢)، وابن ماجه (٤٣٩)، وابن خزيمة (١٤٨)، وابن حبان (١٠٧٨، ١٠٨٦)، والبيهقي (١/ ٥٥، ٧٣) وغيرهم.\nالثاني: هشام بن سعد.\nرواه أبو داود (١٣٧) والحاكم (١/ ١٤٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٧٣) وفي المعرفة (١/ ٢٢٢).\nالثالث: عبد العزيز بن محمد الدراوردي.\nكما في سنن النسائي (١٠١)، وابن ماجه (٤٠٣)، والدارمي (٦٩٧)، ومسند أبي يعلى (٢٦٧٠، ٢٦٧٢)، والطحاوي (١/ ٣٢) وابن حبان (١٠٧٦)، والبيهقي (١/ ٥٠).\nإلا أن ابن ماجه والدارمي وابن حبان والبيهقي اختصروا لفظه، ولم يذكروا مسح الأذنين.\nوأما من رواه عن زيد بن أسلم ولم يذكر الأذنين، منهم:\nالأول: سفيان الثوري، كما عند البخاري (١٥٧) وأبو عبيد في كتابه الطهور (١٠٣)، وأبو داود (١٣٨) والنسائي (٨٠)، والترمذي (٤٢) وابن ماجه (٤١١)، والطحاوي (١/ ٢٩)، وابن حبان (١١٩٥) والدارمي (٦٩٦، ٧١١) والبغوي في شرح السنة (٢٢٦).\nالثاني: سليمان بن بلال.\nكما في مسند أحمد (١/ ٢٨٦)، والبخاري (١٤٠)، والبيهقي (١/ ٧٢).\nالثالث: معمر كما في مصنف عبد الرزاق (١٢٦)، وأحمد (١/ ٣٣٦)، والبيهقي (١/ ٨٠).\nالرابع: داود بن قيس، كما عند عبد الرزاق (١٢٧)، وأحمد (١/ ٣٣٦)، والبيهقي (١/ ٨٠).\nالخامس: ورقاء بن عمر كما عند البيهقي (١/ ٦٧، ٧٣). بسند حسن، رجاله كلهم ثقات إلا ورقاء بن عمر، فإنه صدوق. وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح.\nالسادس: محمد بن جعفر بن أبي كثير كما عند البيهقي (١/ ٧٣). ...\nالسابع: أبو بكر بن محمد كما عند عبد الرزاق (١٢٩).\nفلا تطمئن النفس إلا أن ذكر مسح الأذنين محفوظًا في الحديث، والله أعلم.\nوحديثنا هذا فيه زيادات كثيرة لم أتعرض لها لأن الكلام على ذكر مسح الأذنين، وتعرضت لبعضها في كتابي أحكام المسح على الحائل، في معرض الكلام على المسح على النعل؛ لأن في بعض ألفاظها ذكر المسح على النعل، وفي بعضها الرش، فإن رأيت أنك بحاجة إلى الاطلاع على المزيد عن متن هذا الحديث فارجع إلى ح (٥٤٠) غير مأمور. والله الموفق.\nوانظر لمراجعة طرق الحديث: أطرف المسند (٣/ ١٧٧، ١٧٨)، إتحاف المهرة (٨٢٢٤، ٨٢٢٦، ٨٢٢٧) تحفة الأشراف (٥٩٧٦، ٥٩٧٨).","vol":"2","page":264},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-647> الدليل الثاني:</span>\n(٢٤٨ - ١٠٢) ما رواه أحمد من طريق عباد بن منصور، عن عكرمة بن خالد المخزومي عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس مرفوعًا في حديث طويل في مبيته عند خالته ميمونة وصلاته مع النبي ﷺ، وفيه: ومسح برأسه وأذنيه مرة واحدة (^١).\n[ضعيف، والحديث في الصحيحين، وفيه ذكر الوضوء بلا تفصيل] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (١/ ٣٦٩، ٣٧٠).\n(^٢) في إسناده عباد بن منصور، جاء في ترجمته:\nقال ابن أبي حاتم: روى عن القاسم بن محمد وعطاء بن أبى رباح والحسن وعكرمة وأيوب السختياني وفى روايته عن عكرمة وأيوب ضعف. الجرح والتعديل (٦/ ٨٦).\nوقال الدوري وأبو بكر بن أبي خيثمة: عن يحيى بن معين: عباد بن منصور ليس بشيء ضعيف. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: كان ضعيف الحديث يكتب حديثه ونرى أنه أخذ هذه الأحاديث عن ابن أبى يحيى عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس. المرجع السابق.\nوسئل أبو زرعة عن عباد بن منصور فقال: بصرى لين. المرجع السابق.\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه أبو داود (١٣٣) من طريق يزيد بن هارون.\nوابن خزيمة (١٠٩٤) من طريق النضر بن شميل.\nوالطبراني (١٢٥٠٤) من طريق أبي بكر الحنفي، ثلاثتهم عن عباد به. ...\nوقد رواه عبد الرزاق (٣٨٦٨)، ومن طريقه أحمد (١/ ٣٦٦)، وعبد بن حميد (٦٩٢)، وأبو داود (١٣٦٥)، والنسائي في الكبرى (١٤٢٥)، والطبراني (١١٢٧٢)، والبيهقي (٣/ ٨) من طريق ابن طاووس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس، ولم يذكر ما ذكره عباد. كما أنه لم يذكر سعيد ابن جبير بين عكرمة وابن عباس.\nكما أن الحديث من طريق سعيد جبير في البخاري، (١١٧، ٦٩٧، ٦٩٩) وليس فيه ما ذكره عباد بن منصور.\nورواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة عن ابن عباس، ولم يذكروا مسح الأذنين، والله أعلم.\nانظر لمراجعة طرق الحديث: أطراف المسند (٣/ ٩٤)، تحفة الأشراف (٥٥٧٩)، إتحاف المهرة (٧٤٤٠).","vol":"2","page":265},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-648> الدليل الثالث:</span>\n(٢٤٩ - ١٠٣) ما رواه عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق،\nعن شقيق بن سلمة، قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، فغسل كفيه ثلاثًا ثلاثًا، ومضمض واستنشق واستنثر، وغسل وجهه ثلاثًا، قال: وحسبته قال: وذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل قدميه ثلاثًا ثلاثًا، وخلل أصابعه، وخلل لحيته حين غسل وجهه قبل أن يغسل قدميه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١٢٥).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر حديث (٢٢٢) وفي إسناده عامر بن شقيق فيه مقال وسبق بيانه في مسألة تخليل اللحية، ومدار الحديث على إسرائيل، عن عامر، عن شقيق بن سلمة، عن عثمان.\nوممن رواه عن إسرائيل بذكر مسح الرأس والأذنين عبد الرزاق كما سقته.\nوابن مهدي كما في رواية ابن الجارود في المنتقى (٧٢)، وابن خزيمة.\nوخلف بن الوليد كما في رواية ابن خزيمة (١٥١).\nوعبد الله بن نمير ومصعب بن المقدام كما في سنن الدارقطني (١/ ٨٦).\nوأبو عامر كما في صحيح ابن خزيمة (١٦٧).\nوأسد بن موسى كما عند الطحاوي (١/ ٣٢). ورواه جماعة بذكر تخليل اللحية فقط انظر تخريج الحديث في مسألتي تخليل اللحية وتخليل الأصابع، والله أعلم.","vol":"2","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-649>الدليل الرابع:</span>\n(٢٥٠ - ١٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل،\nعن الربيع بنت معوذ ابن عفراء، قالت: أتانا رسول الله ﷺ فوضعنا له الميضأة، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرتين بدأ بمؤخره وأدخل أصبعيه في أذنيه (^١).\n[انفرد به ابن عقيل، والأكثر على ضعفه، وأميل إلى تحسين حديثه بثلاثة شروط: ألا يخالف، أو يأتي بما ينكر عليه، أو يكون حديثه أصلًا في الباب ولم يتابع] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٣٥٩).\n(^٢) في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، والأكثر على ضعفه، وقد سبقت ترجمته في طهارة الاستنجاء (١٢٩٠).\nوسبق تخريج الحديث فيما يتعلق بمسح الرأس بماء بقي من فضل يديه، انظر (ح ٤٠).\nوأعيد تخريجه في دراسة لفظة أخرى في الحديث وهو ذكر مسح الأذنين، والحديث مداره على ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ، واختلف على ابن عقيل:\nفرواه سفيان بن عيينة: كما في مسند أحمد (٦/ ٣٥٨)، ومسند الحميدي (٣٤٢)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٧) ح ٦٧٧، وسنن أبي داود مختصرًا (١٢٧)، وسنن الدارقطني (١/ ٩٦)، وسنن البيهقي (١/ ٧٢) وقد ذكر الوضوء مفصلًا ولم يذكر مسح الأذنين.\nوتابعه على ذلك: عبيد الله بن عمرو الرقي، كما في سنن الدارمي (٦٩٠)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٦)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٧١) ح ٦٨٧.\nوقيس بن الربيع، كما في مسند أبي داود الطيالسي ط هجر (١٧٢٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٧٣) رقم: ٦٩٣.\nوإسحاق بن حازم الزيات كما في المعجم الكبير (٦٩١)، والمعجم الأوسط للطبراني (٨٨٤١)، كلهم رووه عن ابن عقيل، ولم يذكروا مسح الأذنين.\nورواه جماعة عن ابن عقيل، وذكروا مسح الأذنين وهم الأكثر، تارة بلفظ: (مسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما)، رواه بهذا اللفظ كل من\nمعمر، كما في مصنف عبد الرزاق (١١٩)، ومسند إسحاق بن راهويه (٢٢٦٤)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٦) رقم: ٦٤٧، ٦٧٣، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٠٠). =","vol":"2","page":267},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وبشر بن المفضل كما في سنن أبي داود (١٢٦) وسنن الترمذي (٣٣)، ومستدرك الحاكم (١/ ١٥٢) وسنن البيهقي (١/ ٦٤).\nوروح بن القاسم كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٧) رقم ٦٧٦ والمعجم الأوسط (٢٣٨٨)، وشرح معاني الآثار (١/ ٣٣).\nواختصره ابن أبي شيبة في المصنف ولم يذكر مسح الأذنين (١٩٩).\nوشريك بن عبد الله كما في سنن ابن ماجه (٤٤٠)، ومعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٩) رقم: ٦٨٢، ٦٨٣، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٢٣٦). بلفظ: توضأ فمسح ظاهر أذنيه وباطنهما.\nومسلم بن خالد، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٠٦)، أربعتهم (معمر، وروح وشريك ومسلم ابن خالد) عن ابن عقيل به.\nوتارة رواه بلفظ: وأدخل أصبعيه في حجري أذنيه، رواه بهذا اللفظ:\nالحسن بن حي بن صالح، كما في مسند أحمد (٦/ ٣٥٩)، وسنن أبي داود (١٣١) وسنن ابن ماجه (٤٤١)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٧)، وسنن البيهقي (١/ ٦٥).\nوتارة يذكر مسح الأذنين بدون تفصيل.\nرواه فليح بن سليمان كما في المعجم الكبير للطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٧١) رقم ٦٨٥،\nوزهير بن محمد كما في المعجم الكبير للطبراني (٦٨٤)، كلاهما عن ابن عقيل به.\nورواه سفيان عن وكيع، واختلف عليه فيه، وقد رواه عن سفيان اثنان:\nالأول: وكيع، عن سفيان، عن ابن عقيل، واختلف على وكيع:\nوقد رواه عن سفيان عن ابن عقيل، ورواه عن سفيان اثنان:\nأحدهما: وكيع، روي عنه مختصرًا ومطولًا.\nفرواه ابن أبي شيبة في سنن ابن ماجه (٤١٨) عن وكيع، عن سفيان بلفظ: فأدخل أصبعيه في حجري أذنيه.\nوهذا أحد الألفاظ التي رواها ابن أبي شيبة، وقد تابعه على هذا اللفظ كل من\nأحمد في المسند (٦/ ٣٥٩).\nوإبراهيم بن سعيد كما في سنن أبي داود (١٣١)،\nويحيى بن يحيى، كما في سنن البيهقي (١/ ٦٥)،\nثلاثتهم عن وكيع، عن سفيان به. وقال أحمد: (وأدخل أصبعيه في أذنيه).\nورواه أحمد أيضًا في المسند (٦/ ٣٥٨) عن وكيع بذكر الوضوء مفصلًا، وفيه: (ومسح أذنيه مقدمهما ومؤخرهما)، وهذا لفظ آخر لوكيع.\nورواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (٥٩، ١٤٥، ١٥٣، ١٩٨، ٢١١)، وفي معجم الطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٦٩) ح ٦٨١، عن وكيع، ولم يذكر ابن أبي شيبة مسح الأذنين، وقد ذكر ابن أبي شيبة الوضوء مفصلًا في رواية الطبراني، واختصره بألفاظ مختلفة في مصنفه. =","vol":"2","page":268},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-650> الدليل الخامس: حديث عبد الله بن زيد</span>.\n(٢٥١ - ١٠٥) رواه أحمد، قال: قال حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا عبد العزيز يعني بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه،\nعن عبد الله بن زيد صاحب رسول الله ﷺ قال جاءنا رسول الله ﷺ فأخرجت إليه ماء فتوضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين مرتين، ومسح برأسه أقبل به وأدبر، ومسح بأذنيه وغسل قدميه (^١).\n[رجاله ثقات، إلا أن ذكر مسح الأذنين في حديث عبد الله بن زيد شاذ] (^٢).\n_________\n= كما رواه ابن أبي شيبة عن وكيع كما في سنن ابن ماجه (٤١٨) بلفظ: أن رسول الله ق توضأ ثلاثًا ثلاثًا. هكذا مختصرًا.\nوتابعه على هذا اللفظ كل من محمد بن عبد الله بن نمير، كما في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٦٩) ح ٦٨٠.\nوعلى بن محمد، كما في سنن ابن ماجه (٤١٨).\nهذا ما يخص رواية وكيع، عن سفيان.\nالثاني: عبد الله بن داود عن سفيان، كما في سنن أبي داود (١٣٠) والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٦٨) ح ٦٧٩، والأوسط لابن المنذر (٢٣٨٩)، في سنن الدارقطني (١/ ٨٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٣٧)، بلفظ: أن النبي ق مسح برأسه من فضل ماء كان في يده، ولم يذكر مسح الأذنين.\nوكل هذه الطرق مدارها على ابن عقيل، والأكثر على ضعفه.\nوانظر لمراجعة بعض طرق هذا الحديث: أطراف المسند (٨/ ٤١٧)، تحفة الأشراف (١٥٨٣٧ إلى (١٥٨٤٣)، وإتحاف المهرة (٢١٤٢٥، ٢١٤٢٦).\n(^١) المسند (٤/ ٤٠).\n(^٢) الحديث مداره على عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد.\nرواه عن عمرو جماعة:\nمنهم عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، واختلف عليه فيه.\nفرواه هاشم بن القاسم، عن عبد العزيز بن أبي سلمة به. بذكر مسح الأذنين.\nوخالفه جماعة، فرووه عن عبد العزيز بن أبي سلمة، ولم يذكروا مسح الأذنين، منهم:\n- أحمد بن يونس، كما في رواية البخاري (١٩٧). =","vol":"2","page":269},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-651> الدليل السادس: حديث عبد الله بن عمرو</span>.\n(٢٥٢ - ١٠٦) أخرجه أبو داود، قال: حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء\n_________\n= - وأبو الوليد وسهل بن حماد كما في رواية أبي داود (١٠٠).- وأحمد بن عبد الله كما في رواية ابن ماجه (١٠٩٣).\n- وصالح بن مالك الخوارزمي كما عند ابن حبان (١٠٩٣).\nكما رواه جماعة عن عمرو بن يحيى، ولم يذكروا مسح الأذنين، منهم:\n- مالك كما في الموطأ (١/ ١٨)، ومن طريقه أخرجه عبد الرزاق (٥)، وأحمد (٤/ ٣٨، ٣٩)، والبخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥)، والترمذي (٣٢)، والنسائي (٩٧، ٩٨)، وابن ماجه (٤٣٤)، وابن حبان (١٠٨٤)، والبيهقي (١/ ٥٩).\n- ووهيب بن خالد، كما في صحيح البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥)، وابن حبان (١٠٧٧)، والبيهقي (١/ ٨٠).\n- وابن عيينة، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٦)، وأحمد (٤/ ٤٠)، والترمذي (٤٧)، والنسائي (٩٩)، والدارقطني (١/ ٨١)، والبيهقي (١/ ٦٣).\n- وخالد بن عبد الله الطحان، كما في صحيح البخاري (١٩١)، وسنن أبي داود (١١٩)، ومسلم (٢٣٥)، والترمذي (٢٨)، وابن ماجه (٤٠٥).\n- وسليمان بن بلال كما في صحيح البخاري (١٩٩)، ومسلم (٢٣٥).\n- محمد بن فليح بن سليمان، كما في سنن الدارقطني (١/ ٨٢).\nكلهم رووه عن عمرو بن يحيى، فلم يذكروا مسح الأذنين.\nفهؤلاء جمع كثير من الرواة رووه بدون ذكر مسح الأذنين، أكثرهم في الصحيحين، وانفرد عنهم هاشم بن القاسم بذكر مسح الأذنين، فلا أشك بوهمه بهذه الزيادة، خاصة أنه قد روي الحديث أيضًا من طريق آخر إلى عبد الله بن زيد غير طريق عمرو بن يحيى، رواه حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد. كما في مسند أحمد (٤/ ٤١)، وصحيح مسلم (٢٣٦)، وأبو داود (١٢٠)، والترمذي (٣٥)، وسنن الدارمي (٧٠٩)،\nكما رواه عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، كما في مسند أحمد، ولم يذكروا فيه مسح الأذنين، والله أعلم.\nانظر أطراف المسند (٣/ ٢١) تحفة الأشراف (٥٣٠٨)، إتحاف المهرة (٧١٣٥، ٧١٤١، ٧١٤٣).","vol":"2","page":270},{"text":"فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثًا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء (^١).\n[إسناده حسن، وزيادة (أو نقص) وهم من الراوي] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-652> الدليل السابع:</span>\nما جاء صريحًا في أن الأذنين من الرأس، وهي أحاديث كثيرة:\nولا يخلو كلام النبي ﷺ إما أن يكون المراد به تعريفنا بمواضع الأذنين، فهذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لا يعلمنا المشاهدات، وإنما يعلمنا الأحكام.\nأو يريد: أنهما يمسحان كالمسح بالرأس، وهذا أيضًا لا يجوز كما لا يجوز أن يقال: الخفان من الرأس على معنى أنهما يمسحان كما يمسح الرأس، والرجلان من الوجه على معنى يغسلان كالوجه.\nفثبت أن المراد من الأحاديث أنهما تابعان للرأس في باب المسح، وأنهما يمسحان بالماء الذي يمسح به الرأس (^٣)، ومن هذه الأحاديث:\n(٢٥٣ - ١٠٧) ما رواه البزار في مسنده، قال: حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا غندر، عن ابن جريج، عن عطاء،\nعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: الأذنان من الرأس (^٤).\n[الحديث معلول، ولا يصح حديث مرفوع في الباب، وإنما هو موقوف على\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١٣٥).\n(^٢) انظر تخريجه، في المجلد الثالث رقم: (٥٨٨).\n(^٣) رؤوس المسائل الخلافية (١/ ٣١).\n(^٤) ومن طريق البزار أخرجه الدارقطني (١/ ٩٨، ٩٩).","vol":"2","page":271},{"text":"بعض صحابة رسول الله ﷺ] (^١).\n_________\n(^١) الإسناد رجاله كلهم ثقات، لكن الحديث معلول:\nالأول: قد اختلف فيه على ابن جريج:\nفرواه أبو كامل عن غندر، عن ابن جريج، عن موسى موصولًا. وتابعه الربيع بن بدر كما في سنن الدارقطني (١/ ٩٩) إلا أن الربيع متروك.\nورواه جماعة عن ابن جريج مرسلًا، فقد رواه الدارقطني (١/ ٩٩) من طريق وكيع وعبد الرزاق وسفيان وصلة بن سليمان وعبد الوهاب، كلهم عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ قال: الأذنان من الرأس.\nكما تابعهم حجاج عند أبي عبيد في كتاب الطهور (٣٦٠).\nوقد صرح ابن جريج بالتحديث في الرواية المرسلة. وقد صوب الدارقطني إرساله.\nوكذلك رجح الحافظ إرساله، فقال في النكت (١/ ٤١٢): «ومن هذا الوجه رواه الدارقطني، وهذا رجاله رجال مسلم، إلا أن له علة؛ فإن أبا كامل الجحدري تفرد به عن غندر، وتفرد به غندر عن ابن جريج، وخالفه من هو أحفظ منه وأكثر عددًا، فرواه عن ابن جريج عن سليمان ابن موسى، عن النبي ﷺ معضلًا».\nثانيًا: ما ذكره الحافظ في النكت (١/ ٤١٣): أن سماع غندر عن ابن جرير كان بالبصرة، وابن جريج لما حدث بالبصرة حدث بأحاديث وهم فيها، وسماع من سمع منه بمكة أصح.\nثالثًا: ما قاله ابن عدي في الكامل (٤/ ١٩٦)، ونقله الحافظ عنه في النكت معتدًا به، عن ... أبي كامل، قال: لم أكتب عن غندر إلا هذا الحديث، أفادنيه عنه عبد الله بن سليمان الأفطس. اهـ والأفطس قد قال فيه يحيى بن سعيد القطان: ليس بثقة. وقال النسائي وغيره: متروك. انظر الميزان (٢/ ٤٣١).\nرابعًا: أن الرواية الموصولة فيها عنعنة ابن جريج، وهو مدلس، بخلاف الرواية المرسلة، والله أعلم.\nوقد قبل ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٨٥) الرواية الموصولة، فقال: «أبو كامل لا نعلم أحدًا طعن فيه، والرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، كيف وقد وافقه غيره، فإن لم يعتد برواية الموافق اعتبر بها، ومن عادة المحدثين أنهم إذا رأوا من وقف الحديث ومن رفعه وقفوا مع الواقف احتياطًا، وليس هذا مذهب الفقهاء، ومن الممكن أن يكون ابن جريج سمعه من عطاء مرفوعًا، ورواه له سليمان عن رسول الله ﷺ غير مسند».اهـ\nونقل ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٣٨٥) عن ابن القطان فقال: «وقد زعم ابن القطان أن إسناد هذا الحديث صحيح، لثقة رواته وإيصاله، وإنما أعله الدارقطني بالاضطراب في إسناده، =","vol":"2","page":272},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فتبعه عبد الحق على ذلك، وهو ليس بعيب فيه، والذي قال فيه الدارقطني هو أن أبا كامل تفرد به عن غندر، ووهم فيه عليه، هذا ما قال، ولم يؤيده بشيء، ولا عضده بحجة غير أنه ذكر أن ابن جريج الذي دار الحديث عليه يروى عنه، عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلًا، قال: وما أدري ما الذي يمنع أن يكون عنده في ذلك حديثان: مسند ومرسل».اهـ\nفتعقبه ابن عبد الهادي، وقال: «فيه نظر كثير، ثم ساق كلام ابن عدي، وأن أبا كامل سمعه من الأفطس، ثم تعقب ابن الجوزي قائلًا: وهذه الطريقة التي سلكها المؤلف ومن تابعه - يعني: ابن الجوزي وابن القطان الفاسي وغيرهما - في أن الأخذ بالمرفوع والمتصل في كل موضع طريقة ضعيفة، لم يسلكها أحد من المحققين وأئمة العلل في الحديث». اهـ فالراجح من حديث ابن عباس كونه مرسلًا، والله أعلم. (١/ ٣٨٥).\nكما تعقب ابن حجر ابن القطان في إتحاف المهرة (٧/ ٤٠٣) فقال: «صحح ابن القطان حديث غندر، عن ابن جريج، فقال: هذا الإسناد صحيح بثقة رواته واتصاله، وإنما أعله الدارقطني بالاضطراب، وما أدري ما المانع أن يكون عند ابن جريج في ذلك حديثان: مسند ومرسل. قال الحافظ: لكن في سماع أهل البصرة من ابن جريج نظر، ومنهم غندر، فرواية من رواه عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى سالمة من هذه العلة، فلهذا رجحها الدارقطني، والله أعلم».\nوقد جاء عن ابن عباس مرفوعًا من غير هذا الطريق، فقد رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ٣٩١) ح ١٠٨٤ ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي، ثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن قارض بن شيبة، عن أبي غطفان، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: استنشقوا مرتين والأذنان من الرأس.\nزيادة والأذنان من الرأس وهم في الحديث، ولست أدري من أين الوهم، فقد اختلف على وكيع في ذكرها.\nفانفرد الطبراني بهذه الزيادة، وأخشى أن يكون الوهم منه، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن وكيع.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٣).\nوأبو داود (١٤١) عن إبراهيم بن موسى.\nوابن ماجه (٤٠٨) عن علي بن محمد ثلاثتهم عن وكيع، بلفظ: (استنثروا اثنتين بالغتين أو ثلاثًا). وليس فيه ذكر والأذنان من الرأس.\nكما رواه جماعة عن ابن أبي ذئب، ولم يذكروا الأذنين، منهم أبو داود الطيالسي (٢٧٢٥) ومن طريقه البيهقي (١/ ٤٩).\nوإسحاق الرازي كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٣).\nوخالد بن مخلد كما في مستدرك الحاكم (١/ ١٤٨).\nوعبد الله بن المبارك كما في سنن النسائي نقلًا من تحفة الأشراف (٥/ ٢٧٨). =","vol":"2","page":273},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأسد بن موسى كما في رواية ابن الجارود في المنتقى (٧٧).\nوهاشم بن القاسم كما في مسند أحمد (١/ ٣٥٢)، فاتفاقهم على عدم ذكر زيادة والأذنان من الرأس وانفراد الطبراني بذكرها دليل على وهم الطبراني وحفظهم، والله أعلم.\nفتبين من هذا شذوذ طريق الطبراني، والذي يظهر لي والله أعلم أن الحمل عليه، وما ينفرد به الطبراني دون غيره يحتاج إلى تمحيص من الباحث، والله أعلم.\nورواه الدارقطني (١/ ١٠١)، والخطيب في تاريخه (٣/ ٢٣٤) من طريق سويد بن سعيد، أخبرنا القاسم بن غصن، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: المضمضة والاستنشاق سنة، والأذنان من الرأس.\nوفي إسناده القاسم بن غصن.\nقال أحمد: يحدث بأحاديث منكرة. الجرح والتعديل (٧/ ١١٦)\nوقال أبو زرعة: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nقال الدارقطني: ضعيف.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٣٩).\nوفي إسناده أيضًا: إسماعيل بن مسلم.\nقال ابن معين: ليس بشيء. الكامل (١/ ٢٨٣).\nوقال النسائي: متروك الحديث، وقال مرة: ليس بثقة. تهذيب التذهيب (١/ ٢٨٩).\nوقال يحيى القطان: لم يزل مختلطًا، كان يحدث بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب. الكامل (١/ ٢٨٣).\nوقال أحمد: منكر الحديث. تهذيب التهذيب (١/ ٢٨٩).\nوقال ابن المديني: لا أكتب حديثه. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز والبصرة والكوفة إلا أنه ممن يكتب حديثه. الكامل (١/ ٢٨٤).\nوعلى ضعفه، فقد اختلف فيه على إسماعيل بن مسلم:\nفرواه القاسم بن غصن، عن إسماعيل، عن عطاء، عن ابن عباس.\nورواه علي بن هاشم، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن أبي هريرة.\nرواه الدارقطني (١/ ١٠١)، وقال: ولا يصح أيضًا.\nورواه الدارقطني (١/ ١٠٠) عن جابر الجعفي، عن عطاء، واختلف على جابر الجعفي:\nفروي عنه، عن عطاء، عن ابن عباس. =","vol":"2","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأرسله الحكم بن عبد الله أبو مطيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن جابر، عن عطاء، وهذا أشبه بالصواب.\nوجابر الجعفي ضعيف.\nوروي عن ابن عباس موقوفًا عليه، رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٤) حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: الأذنان من الرأس.\nورواه الدارقطني (١/ ١٠٢) من طريق حماد بن سلمة به.\nوهذا السند ضعيف، فيه رجلان:\nالأول: علي بن زيد، وهو مشهور الضعف.\nالثاني: يوسف بن مهران، جاء في التهذيب: لم يرو عنه إلا ابن جدعان.\nوقال أحمد: لا يعرف، ولا أعرف أحدًا روى عنه إلا علي بن زيد.\nوفي التقريب: لين، ليس هو يوسف بن ماهك.\nانظر في طرق الحديث: إتحاف المهرة (٨٠٦٧، ٨٠٦٦).\nوللحديث شواهد، أذكر ما تيسر منها:\nالأول: حديث عبد الله بن زيد.\nرواه ابن ماجه (٤٤٣): حدثنا سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ: الأذنان من الرأس.\nوفي إسناده سويد بن سعيد.\nجاء في التهذيب (٤/ ٢٤١) قال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمسلم: كيف استجزت الرواية عن سويد بن سعيد؟ قال: ومن أين كنت أتي بنسخة حفص بن ميسرة؟ فدل على أن مسلمًا روى عنه في كتابه. وقد قال أبو زرعة: أما كتبه فصحاح كما في الميزان (٢/ ٢٤٨).\nوقال الذهبي: صحيح الكتاب. المرجع السابق.\nوقال الحافظ في النكت (١/ ٤١١): «وهو وإن أخرج له مسلم في صحيحه، فقد ضعفه الأئمة، واعتذر مسلم عن تخريج حديثه بأنه ما أخرج له إلا ما لا أصل له من رواية غيره، وقد كان مسلم لقيه، وسمع منه قبل أن يعمى ويتلقن ما ليس من حديثه، وإنما كثرت المناكير في روايته بعد عماه».اهـ\nقلت: «ورواية عبد الله بن أحمد بن حنبل عنه حسنة أيضًا، فقد جاء في التهذيب (٤/ ٢٤٠): قال البغوي: كان من الحفاظ، وكان أحمد ينتقي لولديه، فيسمعان منه». اهـ\nفتبين من هذا أن سويد بن سعيد قد تغير، ولم يتميز، عليه فيكون حديثه ضعيفًا، ولا ينبغي أن يحتج أحد برواية مسلم عنه لما قدمنا. =","vol":"2","page":275},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فالإسناد ضعيف، قد صححه بعضهم اغتررًا برواية مسلم عن سويد، وليس بصواب.\nفقد قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٩): «وهذا أمثل إسناد في الباب لاتصاله وثقة رجاله، فابن أبي زائدة وشعبة وعباد احتج بهم الشيخان، وحبيب ذكره ابن حبان في الثقات في أتباع التابعين، وسويد بن سعيد احتج به مسلم».\nوقال المنذري نقلًا من النكت (١/ ٤١١): هذا الإسناد متصل، ورواته محتج بهم، وهو أمثل إسناد في هذا الباب. فتعقبه الحافظ ابن حجر: رجاله رجال مسلم، إلا أن له علة، فإنه من رواية سويد بن سعيد كما ترى، وقد وهم فيه، وذكر الترمذي في العلل الكبير أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فضعف سويدًا. قال الحافظ: وهو وإن أخرج له مسلم في صحيحه فقد ضعفه الأئمة، واعتذر مسلم عن تخريج حديثه بأنه ما أخرج له إلا ما له أصل من رواية غيره، وقد كان مسلم لقيه وسمع منه قبل أن يعمى ويتلقن ما ليس من حديثه، وإنما كثرت المناكير في روايته بعد عماه، وحدث بهذا الحديث حال الصحة فأتى به على الصواب، فرواه البيهقي من رواية عمران ابن موسى، عن سويد بن سعيد بسنده إلى عبد الله بن زيد ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ بثلثي مد، وجعل يدلك. قال: والأذنان من الرأس. فقوله: قال: والأذنان من الرأس هو من قول عبد الله بن زيد ﵁، والمرفوع منه ذكر الوضوء بثلثي مد والدلك. وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم من حديث أبي كريب، عن ابن أبي زائدة، دون الموقوف». اهـ كلام الحافظ.\nقلت: لم أقف في سنن البيهقي ولا في كتابه المعرفة إلى الطريق التي أشار إليها الحافظ، فلعلها في كتاب آخر، والحديث في سنن البيهقي (١/ ١٩٦) من طريق إبراهيم بن موسى الرازي، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة به. ومن طريق أبي خالد الأحمر، عن شعبة به. ولم يذكر فيه الأذنان من الرأس. فأخشى أن تكون تصحفت إبراهيم بن موسى إلى عمران بن موسى، والله أعلم. انظر تحفة الأشراف (٤/ ٣٤٠).\nالشاهد الثاني: حديث أبي أمامة:\nوهو ما رواه أحمد (٥/ ٢٥٨)، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا سنان أبو ربيعة صاحب السابري، عن شهر بن حوشب،\nعن أبي أمامة قال وصف وضوء رسول الله ﷺ فذكر ثلاثًا ثلاثًا، ولا أدري كيف ذكر المضمضة والاستنشاق، وقال: والأذنان من الرأس، قال: وكان رسول الله ﷺ يمسح المآقين وقال بأصبعيه وأرانا حماد، ومسح مآقيه.\nإسناده ضعيف.\nفي إسناده: سنان بن ربيعة، جاء في ترجمته:\nقال أبو حاتم: شيخ مضطرب الحديث. الجرح والتعديل (٤/ ٢٥١). =","vol":"2","page":276},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال يحيى بن معين: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٢٦٣).\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٧٠).\nوقال ابن عدي: ولسنان أحاديث قليلة، أرجو أنه لا بأس به. الكامل (٣/ ٤٤٠).\nوقال الذهبي: صويلح. الميزان (٢/ ٢٣٥).\nوقال أيضًا: صدوق. المغني في الضعفاء (٢٦٥٦).\nوفي التقريب: صدوق فيه لين، أخرج له البخاري مقرونًا.\nكما أن في إسناده شهر بن حوشب، مختلف فيه، والأكثر على ضعفه، وقال الحافظ في التقريب (٢٨٣٠): صدوق كثير الإرسال والأوهام.\nفالحديث إسناده ضعيف.\nوقد اختلف فيه على حماد بن زيد:\nفرواه جماعة عن حماد جازمين برفعه، منهم:\nالأول: عفان كما في مسند أحمد (٥/ ٢٥٨) وأبو عبيد في كتاب الطهور (٨٨).\nالثاني: مسدد كما في سنن أبي داود (١٣٤)، والبيهقي (١/ ٦٦).\nالثالث: محمد بن زياد كما في سنن ابن ماجه (٤٤٤)، وسنن الدارقطني (١/ ١٠٣).\nالرابع: الهيثم بن جميل، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٠٣).\nالخامس والسادس: أبو عمر الحوضي ومحمد بن أبي بكر كما في سنن الدارقطني (١/ ١٠٣).\nالسابع: أبو الربيع، واسمه سليمان بن داود الزهراني، كما في سنن البيهقي (١/ ٦٦).\nالثامن: يحيى بن إسحاق، كما في مسند أحمد (٥/ ٢٦٨).\nالتاسع: يحيى بن حسان، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٣٣) كلهم رووه، عن حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة مرفوعًا بلا شك.\nوخالفهم قتيبة بن سعيد، ويونس بن محمد ومعلى بن منصور، فرووه عن حماد على الشك في رفعه.\nفقد رواه أبو داود (١٣٤)، والترمذي (٣٧) عن قتيبة، عن حماد به. قال حماد: لا أدري هو من قول النبي ﷺ أو من قول أبي أمامة.\nوأما رواية معلى بن منصور فرواها الدارقطني (١/ ١٠٣) من طريق محمد بن شاذان، حدثنا معلى بن منصور، عن حماد به بالشك. ومحمد بن شاذان الواسطي في التقريب: مقبول. أي إن توبع وإلا فلين الحديث.\nوأما رواية يونس بن محمد، فرواها أحمد (٥/ ٢٦٤) عنه، عن حماد به.\nولا شك أن من رواه بالجزم بالرفع بدون شك أكثر عددًا، ولعل الشك طرأ على حماد فيما بعد. =","vol":"2","page":277},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما رواية من رواه جازمًا بوقفه، فهو سليمان بن حرب، أخرجها أبو داود (١٣٤)، والبيهقي (١/ ٦٦): قال سليمان بن حرب: الأذنان من الرأس إنما هو من قول أبي أمامة، فمن قال غير هذا فقد بدل، أو كلمة قالها سليمان: أي أخطأ. اهـ\nفلا شك أن من يجزم برفعه أكثر عددًا ممن جزم بوقفه ولا مقارنة، فالجازم بوقفه هو سليمان ابن حرب وحده، بينما تسعة رواة يجزمون برفعه، فالحكم لهم؛ لأنهم أكثر عددًا. وأما من رواه بالشك فهم ثلاثة فقط، والشاك لا يقدح برواية الجازم، فالجزم مقدم على الشك، وإذا رجحنا كونه مرفوعًا، فإن الإسناد يبقى ضعيفًا، والله أعلم.\nوقد ساق الدارقطني في سننه (١/ ١٠٤) قال: حدثنا دعلج بن أحمد، قال: سألت موسى ابن هارون عن هذا الحديث؟ قال: ليس بشيء، فيه شهر بن حوشب، وشهر ضعيف، والحديث في رفعه شك، وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: سنان بن ربيعة مضطرب الحديث. اهـ\nهذا فيما يتعلق بطريق شهر بن حوشب ﵀، وقد جاء الحديث من غير طريقه عن أبي أمامة.\nفقد أخرج الحديث الدارقطني (١/ ١٠٤) من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة.\nقال الدارقطني: جعفر بن الزبير متروك.\nوقد تابعه عثمان بن فائد القرشي كما في فوائد تمام (١٧٩) فرواه عن أبي معاذ الألهاني، عن القاسم ابن عبد الرحمن به.\nوعثمان بن فائد ضعيف، وأبو معاذ الألهاني ليس له رواية إلا هذا الحديث، ولم أقف له على ترجمة، ففيه جهالة.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٤) من طريق أبي بكر ابن أبي مريم، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة.\nقال الدارقطني: أبو بكر ابن أبي مريم ضعيف.\nانظر أطراف المسند (٦/ ٢١)، تحفة الأشراف (٤٨٨٧) إتحاف المهرة (٦٤٠٣، ٦٤٠٤، ٦٤٢٤، ٦٣٦٢).\nالشاهد الثالث: حديث ابن عمر.\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٢) من طريق يحيى بن العريان الهروي، أخبرنا حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: الأذنان من الرأس.\nوفي إسناده: يحيى بن العريان، ذكره الخطيب في تاريخه (١٤/ ١٦١)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوفي إسناده أسامة بن زيد الليثي، سبقت ترجمته، قال فيه أحمد: ليس بشيء، انظر ترجمته في المجلد العاشر (ح ٢٣٧٢). =","vol":"2","page":278},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والحديث رواه أيضًا مع الدارقطني الخطيب في تاريخه وجادة (١٤/ ١٦١)، وفي موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ١٩٦): وقد اختلف فيه على أسامة بن زيد:\nفرواه حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.\nوخالف حاتم من هو أرجح منه.\nفقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٤) ومن طريقه الدارقطني (١/ ٩٨) حدثنا أبو أسامة، عن أسامة ابن زيد، عن هلال بن أسامة، عن ابن عمر موقوفًا.\nورواه الدارقطني (١/ ٩٨) من طريق وكيع، عن أسامة بن زيد به.\nوصوب الدارقطني وقفه، فقال عن رواية أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: هذا وهم، والصواب: عن أسامة بن زيد، عن هلال بن أسامة الفهري، عن ابن عمر موقوفًا.\nوعلق الخطيب على رواية الرفع، فقال: والخطأ فيه من وجهين:\nأحدهما: عن نافع.\nوالثاني: روايته مرفوعًا. انظر موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ١٩٦).\nوقد جاء من طرق عن ابن عمر مرفوعًا، وكلها معلولة:\nالأول: عن القاسم بن يحيى البزاز، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.\nقال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب عن ابن عمر من قوله، والقاسم بن يحيى ضعيف.\nوقال الحافظ في النكت (١/ ٤١٣): «ورجاله ثقات إلا أن رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين فيها مقال، وهذا منها، والمحفوظ من حديث نافع، عن ابن عمر ﵄ من قوله». اهـ\nفقد رواه عبد الله بن نافع كما في سنن الدارقطني (١/ ٩٨).\nومحمد بن إسحاق كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٢٤)، وسنن الدارقطني (١/ ٩٨) كلاهما عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا\nالطريق الثاني: عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا روه الدارقطني (١/ ٩٧) من طريق عبد الرزاق، عن عبيد الله به. وهذا وهم من وجهين:\nأحدهما: قوله: (عبيد الله) بالتصغير. والثاني: رفعه. وإنما رواه عبد الرزاق (٢٤)، ومن طريقه الدارقطني (١/ ٩٨) عن عبد الله المكبر، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وعبد الله فيه ضعف.\nكما أخرجه عبد الرزاق (٢٥):\nوالدارقطني (١/ ٩٨) من طريق وكيع، كلاهما عن الثوري، عن سالم أبي النضر، عن سعيد بن مرجانة، عن ابن عمر موقوفًا. =","vol":"2","page":279},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الدارقطني: رواه إسحاق بن إبراهيم قاضي غزة، عن ابن أبي السري، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبيد الله، ورفعه وهم، ووهم هذا في ذكر الثوري، وإنما رواه عبد الرزاق عن عبد الله ابن عمر: أخي عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. اهـ\nالطريق الثالث: محمد بن الفضل، عن زيد العمي، واختلف على محمد بن الفضل:\nفرواه الدارقطني (١/ ٩٨) من طريق إدريس بن الحكم العنزي، عن محمد بن الفضل، عن زيد، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا.\nورواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٠٠) من طريق عيسى الغنجار، عن محمد بن الفضل، عن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: والأذنان من الرأس.\nومحمد بن الفضل: متروك الحديث. وزيد العمي ضعيف.\nانظر إتحاف المهرة (١٠٢٦١، ١١٤٥٤، ١٠٨٩١، ١١٢٥٢).\nالشاهد الرابع: حديث عائشة.\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٠) من طريق محمد بن الأزهر الجوزجاني، أخبرنا الفضل بن موسى السيناني، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: من توضأ فليتمضمض وليستنشق، والأذنان من الرأس.\nقال الدارقطني: كذا قال: والمرسل أصح. اهـ\nوقد تفرد بهذا الإسناد محمد بن الأزهر، وقد كذبه أحمد كما قال الحافظ في التلخيص.\nوقد أخرجه الدارقطني (١/ ٩٩) من طريق وكيع وعبد الرزاق وسفيان وصلة بن سليمان وعبد الوهاب وغيرهم عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن النبي ﷺ مرسلًا، وقد تكلمت على هذا الطريق في الكلام على حديث ابن عباس، والله أعلم.\nالشاهد الخامس: حديث أبي هريرة. وله أربعة طرق.\nالطريق الأول: رواه الدارقطني (١/ ١٠٠) من طريق علي بن عاصم، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: الأذنان من الرأس.\nوقد اختلف فيه على ابن جريج:\nفرواه علي بن عاصم كما في هذا الإسناد عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن أبي هريرة.\nورواه الدارقطني (١/ ٩٩) من طريق محمد بن جعفر، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وقد تكلمت على هذا الطريق.\nورواه وكيع وعبد الرزاق وسفيان وصلة وعبد الوهاب وغيرهم عن ابن جريج، عن سليمان، عن النبي ﷺ مرسلًا، وهو الصواب. وسبق الكلام على هذا الطرق بشيء من التفصيل. =","vol":"2","page":280},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الثاني: رواه الدارقطني (١/ ١٠١) من طريق محمد بن غالب بن حرب، أخبرنا إسحاق ابن كعب، أخبرنا علي بن هاشم، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا توضأ أحدكم فليتمضمض وليستنشق، والأذنان من الرأس.\nوقد سبق أن بينت الاختلاف فيه على إسماعيل بن مسلم في حديث ابن عباس فارجع إليه غير مأمور.\nالطريق الثالث: أخرجه ابن ماجه (٤٤٥)، والدارقطني (١/ ١٠٢) من طريق عمرو بن الحصين، حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: تمضمضوا واستنشقوا، والأذنان من الرأس. واقتصر ابن ماجه على قوله: والأذنان من الرأس.\nوعمرو بن الحصين متروك، وابن علاثة ضعيف.\nوقد ضعفه البوصيري في الزوائد.\nوانظر إتحاف المهرة (١٨٦١٠)، تحفة الأشراف (١٣٠٩٥)\nالطريق الرابع: عن البختري بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nرواه الدارقطني (١/ ١٠٢) من طريق سليمان بن عبد الرحمن وسعيد بن شرحبيل، كلاهما عن البختري بن عبيد به. مرفوعًا.\nقال الدارقطني: البختري بن عبيد ضعيف، وأبوه مجهول.\nالشاهد السادس: حديث أبي موسى.\nرواه الدارقطني (١/ ١٠٢)، والطبراني كما في مجمع البحرين (٤١٧)، وابن عدي في الكامل (١/ ٣٧٢، ٣٧٣) والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢١) من طريق علي بن جعفر بن زياد الأحمر، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار النجار، عن الحسن،\nعن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: والأذنان من الرأس.\nوقد تفرد برفعه علي جعفر بن زياد، وخالفه ابن أبي شيبة، فرواه في المصنف (١/ ٢٤)، ومن طريقه الدارقطني (١/ ١٠٣) حدثنا عبد الرحيم بن سليمان به موقوفًا.\nقال الدارقطني: تابعه إبراهيم بن موسى الفراء وغيره، عن عبد الرحيم.\nقال الدارقطني: والصواب موقوف، والحسن لم يسمع من أبي موسى.\nوقال ابن عدي في الكامل (١/ ٣٧٣): لا أعلم رفع هذا الحديث عن عبد الرحيم غير جعفر بن زياد، ورواه غيره موقوفًا عن عبد الرحيم.\nوانظر إتحاف المهرة (١٢١٩٠).\nالشاهد السابع: حديث أنس ﵁.\nرواه الدارقطني (١/ ١٠٤) وابن عدي في الكامل (٢/ ١٨) من طريق عبد الحكم، =","vol":"2","page":281},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-653> الدليل الثامن على أن الأذنين يمسحان مع الرأس:</span>\n(٢٥٤ - ١٠٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ العبد المؤمن، فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، قال: ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة (^١).\n[رجاله ثقات إلا أنه مرسل، الصنابحي لم يدرك النبي ﷺ] (^٢).\n_________\n= عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: الأذنان من الرأس.\nقال الدارقطني: عبد الحكم لا يحتج به. وانظر إتحاف المهرة (١٣٠١).\nورواه الطبراني كما في مجمع البحرين (٤١٦) من طريق عمر بن أبان بن مفضل المدني، قال: أراني أنس بن مالك الوضوء، أخذ ركوة فوضعها عن يساره، وصب الماء على يده اليمنى، فغسلها ثلاثًا، ثم أدار الركوة على يده اليمنى، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا، وأخذ ماء جديدًا لسماخه، فمسح سماخه، فقلت: قد مسحت أذنيك؟ فقال: يا غلام إنهما من الرأس، ليس هما من الوجه، ثم قال: يا غلام هل رأيت؟ وهل فهمت أو أعيد عليك؟ فقلت: قد كفاني، وقد فهمت. قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ.\nوعمر بن أبان، قال فيه الذهبي في الميزان (٣/ ١٨١): عن أنس في الوضوء، لا يعرف.\nورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٥٥) من طريق خارجه بن مصعب، عن الهيثم بن جماز، عن يزيد الرقاشي، عن أنس به.\nوخارجه متروك، والرقاشي ضعيف.\nفتبين لي من هذا البحث أن الحديث لا يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وإنما هو موقوف على بعض الصحابة ﵃.\n(^١) الموطأ (١/ ٣١).\n(^٢) هكذا قال الإمام مالك: عبد الله الصنابحي، وقد خطأه الأئمة، فقالوا: إنما هو أبو عبد الله الصنابحي. قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن الصنابحي، فقال: =","vol":"2","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهم فيه مالك: وهو أبو عبد الله الصنابحي، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي ﷺ.\nوقال علي بن المديني وغيره: عبد الرحمن بن عسيلة كنيته: أبو عبد الله لم يدرك النبي ﷺ، بل أرسل عنه، فمن قال: عبد الرحمن فقد أصاب اسمه، ومن قال: عن أبي عبد الله، فقد أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال: عن أبي عبد الرحمن: فقد أخطأ، قلب اسمه فجعله كنيته. ومن قال: عن عبد الله الصنابحي فقد أخطأ، قلب كنيته فجعلها اسمه. قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب عندي.\nوإذا كان الصنابحي لم يدرك النبي ﷺ فهو منقطع، والمنقطع من أنواع الحديث الضعيف.\nالحديث رواه مالك كما في إسناد الباب، ومن طريق مالك أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٩)، والبخاري في التأريخ الكبير (٥/ ٣٢٢)، والنسائي (١٠٣)، وفي الكبرى (١٠٦)، والحاكم (١/ ١٢٩، ١٣٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٨١).\nوأخرجه أحمد (٣/ ٣٤٨، ٣٤٩) من طريق محمد بن مطرف (أبي غسان)\nوأخرجه ابن ماجه (٢٨٢) من طريق حفص بن ميسرة كلاهما عن زيد بن أسلم به.\nوقد استدل النسائي بهذا الحديث على أن الأذنين من الرأس، ولم يرو حديث (الأذنان من الرأس) لضعفه عنده.\nقال السندي: «والمصنف -يعني النسائي- استدل بقوله: (حتى تخرج من أذنيه) على أن الأذنين من الرأس؛ لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس إنما يحسن إذا كانا منه، وعدل عن الحديث المشهور في هذه المسألة، وهو حديث (الأذنان من الرأس) لما قيل: إن حمادًا تردد فيه: أهو مرفوع أم موقوف؟ وإسناده ليس بالقائم، نعم قد جاء بطرق عديدة مرفوعًا، فتقوى رفعه، وخرج من الضعف، لكن الاستدلال بما استدل به المصنف أجود وأولى، وهذا من تدقيق نظره ﵀». اهـ كلام السندي.\nانظر إتحاف المهرة (١٣٤٥٥)، أطراف المسند (٤/ ٢٥٠)، تحفة الأشراف (٩٦٧٧).\nوالحديث له شاهدان:\nالأول: حديث أبي هريرة\nرواه مالك في الموطأ (١/ ٣٢) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًا من الذنوب.\nولم يذكر مسح الرأس ولا الأذنين.","vol":"2","page":283},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن خروج الخطايا من الأذنين بمسح الرأس دليل على أنهما يمسحان معه بمائه، وهذا دليل على أنهما منه.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-654>دليل من قال: يسن أخذ ماء جديد للأذنين:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-655> الدليل الأول:</span>\n(٢٥٥ - ١٠٩) ما رواه الحاكم من طريق الحسن بن سفيان، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع،\nأن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ مسح أذنيه بغير الماء الذي مسح به رأسه (^١).\n[المحفوظ في لفظ هذا الحديث: أنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه] (^٢).\n_________\nومن طريق مالك أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٣)، ومسلم (٢٤٤)، والترمذي (٢)، والدارمي (٧١٨)، وابن خزيمة (٤)، وابن حبان (١٠٤٠) وغيرهم.\nالشاهد الثاني: حديث عمرو بن عبسة إلا أنه جعل خروج الخطايا من الرأس مع أطراف الشعر، ولم يذكر الأذنين. وقد أخرجه مسلم من حديث طويل (٨٣٢) وفيه: (ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء) ...». الحديث.\n(^١) المستدرك (١/ ١٥١، ١٥٢).\n(^٢) الحديث أخرجه الحاكم (١/ ١٥١) من طريق محمد بن أحمد بن أبي عبيد الله بمصر، حدثنا عبد العزيز بن عمران بن مقلاص وحرملة بن يحيى قالا: أنبا ابن وهب به. بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ فأخذ لأذنيه خلاف الماء الذي مسح به رأسه.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إذا سلم من ابن أبي عبيد الله هذا، فقد احتجا جميعًا بجميع رواته. اهـ\nوابن أبي عبيد الله قال ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٠٠): ولابن عثمان هذا غير حديث منكر مما لم أكتبه إلا عنه، وكنا نتهمه فيها. اهـ\nوذكره ابن يونس في الغرباء، وقال: كان يحفظ ويفهم روى مناكير، أراه كان اختلط، لا يجوز الرواية عنه. اللسان (٥/ ٣٦).\nوقال الدارقطني: لم يكن بالقوي. المرجع السابق. =","vol":"2","page":284},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= واختلف فيه على حرملة بن يحيى:\nفرواه عنه الحسن بن سفيان ومحمد بن أحمد بن أبي عبيد الله كما تقدم.\nورواه ابن قتيبة وابن أسلم كما في تلخيص الحبير (١/ ١٥٨) عن حرملة بن يحيى به، بلفظ: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه. ولم يذكر الأذنين.\nوكما اختلف فيه على حرملة بن يحيى، اختلف فيه على شيخه ابن وهب:\nفرواه البيهقي (١/ ٦٥) من طريق الهيثم بن خارجة، حدثنا عبد الله بن وهب به. بلفظ: فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذه لرأسه. قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح.\nورواه جماعة عن ابن وهب، ولم يذكروا الأذنين منهم:\nسريج بن النعمان كما في مسند أحمد (٤/ ٤١).\nوهارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي، كما في صحيح مسلم (٢٣٦).\nوأبو الطاهر كما في صحيح مسلم (٢٣٦) وأبي داود (١٢٠)، وسنن البيهقي (١/ ٦٥): قال: وهذا أصح من الذي قبله: يعني بالذي قبله: حديث أخذ ماء جديد للأذنين.\nوعلي بن خشرم كما في سنن الترمذي (٣٥).\nفهولاء خمسة رواة رووه عن ابن وهب بأنه أخذ لرأسه ماء جديدًا، فانقلب على بعض رواته، فجعلوه بأنه أخذ لأذنيه ماء جديدًا، ولا شك أن الحديث واحد، ومخرجه واحد، ولا يحتمل أن يكونا حديثين مستقلين، وطريق حرملة بن يحيى قد اختلف عليه فيه.\nفتبين أن الأكثر على عدم ذكر الأذنين، وأن ذكرهما في الحديث شاذ، وقد حكم بشذوذ رواية الحاكم والبيهقي الحافظ ابن حجر ﵀ في بلوغ المرام.\nوتابع ابن لهيعة ابن وهب، فرواه عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد إلا أنه اختلف فيه على ابن لهيعة:\nذفرواه أحمد (٤/ ٣٩) حدثنا موسى بن داود،\nورواه أيضًا (٤/ ٤١) حدثنا الحسن بن موسى، كلاهما عن ابن لهيعة به، بلفظ: فمسح رأسه بماء غير فضل يديه كرواية عمرو بن الحارث.\nورواه أحمد (٤/ ٤٢) من طريق ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن لهيعة به: بلفظ: ومسح رأسه بماء غبر فضل يديه.\nفبدل الياء باء، وصارت الكلمة فعلًا وليست اسمًا. وهذا ليس خطأ من الرواة؛ لأن الإمام أحمد أشار في الحديث إلى الاختلاف في لفظه فإنه عندما ذكر رواية ابن المبارك، قال: فذكر معنى حديث حسن إلا أنه قال: ومسح رأسه بماء غبر من فضل يديه، ولو كانت اللفظة (غير) لم يكن هناك فرق بين لفظ ابن المبارك ولفظ حسن، ولما كان استثناء هذا اللفظ من الإمام أحمد له معنى لاتفاقهم على هذه اللفظة، والله أعلم. =","vol":"2","page":285},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-656> الدليل الثاني:</span>\n(٢٥٦ - ١١٠) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع،\nأن ابن عمر كان يغسل ظهور أذنيه وبطونهما إلا الصماخ مع الوجه مرة أو مرتين، ويدخل أصبعيه بعد ما يمسح برأسه في الماء، ثم يدخلهما في الصماخ مرة، وقال: فرأيته وهو يموت توضأ، ثم أدخل إصبعيه في الماء، فجعل يريد أن يدخلهما في صماخه فلا يهتديان ولا ينتهي حتى أدخلت أنا أصبعي في الماء، فأدخلتهما في صماخه (^١).\n[صحيح].\nويجاب عنه:\nبما قاله ابن المنذر: «وقد كان ابن عمر يشدد على نفسه في أشياء من أمر وضوئه، من ذلك أخذه لأذنيه ماء جديدًا، ونضحه الماء في عينيه، وغسل قدميه سبعًا سبعًا،\n_________\n= ورواه الدارمي (١/ ١٨٠) عن يحيى بن حسان، عن ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، عن عمه عاصم المازني، قال: رأيت رسول الله ﷺ، وذكر الحديث. فزاد في إسناده: عاصم المازني. وهي زيادة منكرة جاءت من قبل حفظ ابن لهيعة يرحمه الله.\nقال الحافظ في إتحاف المهرة (٦/ ٣٨٧): «كذا رأيت في نسختين من مسند الدارمي، وقوله: (عن عمه) زيادة لا حاجة إليها؛ فقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن موسى بن داود الضبي وغيره، عن ابن لهيعة، فلم يذكرها، ورواه مسلم وغيره من رواية عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع ولم يذكرها، والحديث مشهور من رواية عبد الله بن زيد، عن النبي ﷺ، ولا يعرف في الصحابة أحد يسمى عاصمًا المازني، وعبد الله بن زيد: هو عبد الله بن زيد بن عاصم.، فعاصم جده، لا عمه، وليست له صحبة. والله أعلم».\nفنخلص من هذا البحث: أن رواية ابن لهيعة فيها اختلاف، أرجحها رواية الحسن بن موسى وموسى بن داود عن ابن لهيعة لموافقتها رواية عمرو بن الحارث.\nوأما رواية ابن المبارك ويحيى بن حسان فهي مخالفة لرواية الجماعة.\nوأن المحفوظ من الحديث أنه أخذ ماء جديدًا لرأسه، وليس لأذنيه، والله أعلم.\nانظر أطراف المسند (٣/ ٢٠)، تحفة الأشراف (٥٣٠٧)، إتحاف المهرة (٧١٣٨، ٦٦٨٢).\n(^١) المصنف (٢٦).","vol":"2","page":286},{"text":"وليس على الناس ذلك. ثم قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن عمر بن محمد، عن نافع، قال: كان ابن عمر يغسل قدميه سبعًا سبعًا» (^١).\nقال الحافظ: رواه ابن المنذر بإسناد صحيح (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-657> الدليل الثالث:</span>\nقال الأصمعي والمفضل بن سلمة: «الأذنان ليستا من الرأس، وهما إمامان من أئمة اللغة، والمرجع في اللغة إلى نقل أهلها» (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-658> الدليل الرابع:</span>\nقال النووي: «الإجماع منعقد على أنه لا يجزئ مسحهما عن الرأس، يعني: فهذا دليل على أنهما ليسا من الرأس» (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-659> الدليل الخامس:</span>\nقال النووي: «لو قصر المحرم من شعرهما لم يجزئه عن تقصير الرأس بالإجماع، يعني: ولو كانا من الرأس لأجزأ» (^٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-660> الدليل السادس:</span>\nقال النووي: «ولأن الإجماع منعقد على أن البياض الدائر حول الأذن ليس من الرأس مع قربه فالأذن أولى، ولأنه لا يتعلق بالأذن شيء من أحكام الرأس سوى المسح، فمن ادعى أن حكمها في المسح حكم الرأس فعليه البيان» (^٦).\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٤٠٥).\n(^٢) الفتح (١/ ٢٤٠).\n(^٣) المجموع (١/ ٤٤٥).\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) المرجع السابق\n(^٦) المرجع السابق.","vol":"2","page":287},{"text":"- ويجاب عن ذلك كله:\nالقول بأنهما عضوان مستقلان نظر عقلي في مقابل النص، فيكون نظرًا فاسدًا، وكون الأذنين لا يؤخذ لهما ماء جديد، هذا حكم تلقيناه من الشارع في الوضوء، ولا يطرد هذا الحكم في كل العبادات كالإحرام وغيره إلا بنص، وكونهما عضوان مستقلان لا يمنع هذا من مسحهما من ماء واحد، يقابل ذلك أن الأنف والفم عضوان مستقلان ومع ذلك يتمضمض ويستنشق من كف واحدة، والله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-661> دليل من قال: الأذنان من الوجه:</span>\nلعله نظر إلى أن الأذنين تحصل بهما المواجهة، فأدخلهما في مسمى الوجه، وفي هذا نظر كبير. وكذلك من قال: إن باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس أيضًا ليس له دليل أعلمه، والله أعلم.\n- الراجح:\nأنه لا يؤخذ للأذنين ماء جديد، وأن مسحهما بماء الرأس سنة، وليس من فروض الوضوء، وقد خرج الشيخان أحاديث صفة الوضوء من مسند عثمان، وعبد الله بن زيد، وابن عباس، وليس فيها ذكر للأذنين، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>الفصل السابع من سنن الوضوء التيامن</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\nتقديم اليسرى في كل ما كان من باب الأذى، واليمنى فيما عداه.\n[م-١٢٥] ذهب الفقهاء إلى أن التيامن في الوضوء سنة من سننه.\nوقيل: يكره البداءة باليسار، وهو مذهب الشافعي (^١).\nوقيل: إن الترتيب بين اليمنى واليسرى واجب، نُسِب هذا القول للإمام الشافعي وأحمد، ولا يثبت عنهما (^٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-663> أدلة الاستحباب:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-664> الدليل الأول: الإجماع</span>.\nقال ابن المنذر: «أجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه» (^٣).\nوقال ابن قدامة مثله (^٤).\n_________\n(^١) شرح مسلم للنووي (١/ ١٦٠).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٢٧٠)، المبدع (١/ ١١٠)، شرح الزركشي (١/ ١٧٨)، نيل الأوطار (١/ ٢٠١)، فتح الباري (١/ ٢٧٠)، عمدة القارئ (٣/ ٣٢).\n(^٣) الأوسط (١/ ٣٨٧).\n(^٤) المغني (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":289},{"text":"وقال النووي: «وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفهما فاته الفضل، وصح وضوؤه» (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-665> الدليل الثاني:</span>\n(٢٥٧ - ١١١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، في شأنه كله. ورواه مسلم بنحوه (^٢).\nفقولها: (يعجبه) ظاهر في الاستحباب في ما ذكر من التنعل والترجل والطهور.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-666> الدليل الثالث:</span>\n(٢٥٨ - ١١٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن وأحمد بن عبد الملك، قالا: حدثنا زهير، عن الأعمش، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا لبستم وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم. وقال: أحمد بميامنكم (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n_________\n(^١) شرح مسلم (٣/ ١٦٠).\n(^٢) صحيح البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨).\nوالحديث مداره على الأشعث بن سليم، سمعت أبي يحدث عن مسروق، عن عائشة مرفوعًا.\nوقد رواه جماعة عن الأشعث بن سليم على اختلاف في ألفاظهم، من تقديم وتأخير، وزيادة ونقص، وقد جمعت ألفاظه في المجلد السابع، انظر (ح ١٢٨٥).\n(^٣) المسند (٢/ ٣٥٤).\n(^٤) الحديث أخرجه أبو داود (٤١٤١)، وابن ماجه (٤١٢) من طريق أبي جعفر النفيلي.\nوأخرجه ابن خزيمة (١٧٨)، والبيهقي (١/ ٨٦) من طريق عمرو بن خالد.\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٠٩٠) من طريق عبد الرحمن بن عمرو البجلي.\nوأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦٢٨١) من طريق عبد الغفار بن داود. =","vol":"2","page":290},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-667> الدليل الرابع:</span>\nأحاديث الصحابة ﵃ التي وصفت وضوءه في الصحيحين وفي غيرهما كلها اتفقت على تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى، والرجل اليمنى على الرجل اليسرى كحديث عثمان وعبد الله بن زيد، ﵄، وهما في الصحيحين، وحديث ابن عباس وهو في البخاري وحديث علي ﵁ وسبق تخريجه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-668> الدليل الخامس:</span>\n(٢٥٩ - ١١٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن عوف، عن عبد الله بن عمرو بن هند، قال: قال علي: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت (^١).\n_________\n= كلهم رووه عن زهير بن معاوية، عن الأعمش به.\nوأخرجه الترمذي (١٧٦٦) والنسائي في الكبرى (٩٥٩٠)، وابن حبان (. . .)، من طريق عبد الصمد ابن عبد الوارث، حدثنا شعبة، عن الأعمش به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه.\nوهذه متابعة من شعبة لزهير بن معاوية، إلا أن شعبة قد اختلف عليه في رفعه ووقفه، ولذلك قال الترمذي عقب رواية الحديث من طريق عبد الصمد، قال: وروى غير واحد هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد عن أبي هريرة موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة. اهـ\nقلت: قد رواه أبو الشيخ الأصبهاني كما في أخلاق النبي (١/ ٢٢٠)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (٣١٥٦) من طريق يحيى بن حماد، عن شعبه به مرفوعًا. وهذه متابعة لعبد الصمد في رفعه عن شعبة.\nكما رواه أبو عبد الله الغفائري في أحاديثه (٤) ومن طريقه رواه الذهبي في معجم الشيوخ الكبير (١/ ١٤٧) من طريق عفان، عن شعبة، عن الأعمش به، قال: رفعه مرة، ومرة لم يرفعه، قال: كان النبي ﷺ إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه.\nكما أن زهيرًا رواه عن الأعمش مرفوعًا كما سبق.\nانظر لمراجعة طرق الحديث: أطراف المسند (٧/ ٢٢٣)، تحفة الأشراف (١٢٣٨٠)، إتحاف المهرة (١٨٠٥٥).\n(^١) المصنف (١/ ٤٣).","vol":"2","page":291},{"text":"[منقطع] (^١).\n(٢٦٠ - ١١٤) ما رواه أبو عبيد، ثنا هشيم: قال: أخبرنا المسعودي، عن سلمة ابن كهيل، عن أبي العبيدين،\nأن ناسًا سألوا ابن مسعود عن الرجل يبدأ بمياسره قبل ميامنه في الوضوء، فقال: لا بأس به (^٢).\n_________\n(^١) في إسناده عبد الله بن عمرو بن هند،\nذكره البخاري في التأريخ الكبير، ولم يذكر فيه شيئًا (٥/ ١٥٤).\nوكذا فعل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ١١٨).\nقال الدارقطني: ليس بقوي. المغني في الضعفاء (١/ ٣٤٩).\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٥/ ٢١).\nوفي التقريب: صدوق لم يثبت سماعه من علي. وانظر جامع التحصيل (٣٨٧).\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٤٤) وذكره البيهقي (١/ ١٥٠) من طريق حفص، ورواه أبو عبيد في كتاب الطهور (ص: ٣٥٢) حدثنا هشيم.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٨٧) من طريق علي بن مسهر، كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد، قال: قال علي: .... فذكر نحوه.\nوزياد: هو مولى بني مخزوم، جاء في الجرح والتعديل (٣/ ٥٤٩) روى عن عثمان وأبي هريرة، وذكر عن ابن معين أنه قال: لا شيء.\nوظنه الحافظ في التعجيل (٣٤٥) زياد بن أبي زياد: واسم أبيه ميسرة. اهـ وهذا ثقة، ومتأخر عن الأول؛ لأن الأول يروي عن عثمان والثاني يروي عن أنس، وكلاهما يروي عنه إسماعيل بن أبي خالد. قال في التعجيل: وسلف الحسيني في إفراده صاحب الميزان، فإنه أفرده بترجمة. يعني: فرقًا بينه وبين زياد مولى بني مخزوم زياد بن أبي زياد، والله أعلم، فإن كان زياد هذا هو ابن ميسرة كما ظنه الحافظ فالإسناد صحيح، وإلا كان ضعيفًا وهو صالح في المتابعات.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٨٨) من طريق الحارث عن علي، قال: لا يضرك بأي يديك بدأت، ولا بأي رجليك بدأت، ولا على أي جنبيك انصرفت.\nوالحارث: هو الأعور ضعيف.\n(^٢) الطهور (ص: ٣٥٤)، وقد أخرجه الدارقطني (١/ ٨٩) من طريق الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم به. وصحح إسناده.","vol":"2","page":292},{"text":"[حسن إن شاء الله تعالى] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-669> الدليل السادس:</span>\nقال تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) وقال: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فجمع هذه الأعضاء، فتقديم الأيسر على الأيمن أو العكس لا يؤثر.\nقال أبو عبيد: حديث علي وعبد الله إنما هو في الأعضاء خاصة، وهذا جائز حسن؛ لأن التنزيل لم يأمر بيمين قبل يسار، ونما نزل بالجملة في ذكر الأيدي وذكر الأرجل، فهذا الذي أباح العلماء تقديم المياسر على الميامن (^٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-670> دليل من قال: بالوجوب:</span>\n(٢٦١ - ١١٥) استدل بما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن وأحمد بن عبد الملك، قالا: حدثنا زهير، عن الأعمش، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: إذا لبستم وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم. وقال أحمد: بميامنكم (^٣).\n[صحيح وسبق تخريجه] (^٤).\nوجه الاستدلال:\nإن الرسول أمر بالبداءة باليمين، والأصل في الأمر الوجوب حتى يأتي صارف يصرفه عن أصله، ولا صارف هنا.\n_________\n(^١) رجاله ثقات إلا المسعودي فإنه صدوق اختلط قبل موته، وضابطه أن من سمع منه ببغداد فسماعه بعد الاختلاط، وقد ذكر العلماء الرواة الذين سمعوا منه بعد وقبل تغيره، ولم يذكروا هشيمًا، وقد ذكر الحافظ أن هشيمًا من الطبقة السابعة والمسعودي من السابعة فعلى هذا يكون هشيم من كبار تلاميذه وممن كان سماعه منه قبل تغيره خاصة وأن الدارقطني صحح إسناده.\n(^٢) الطهور (ص: ٣٥٤).\n(^٣) المسند (٢/ ٣٥٤).\n(^٤) انظر حديث (٢٥٨).","vol":"2","page":293},{"text":"وسبق لنا أن القول بالوجوب لم يثبت عن أحمد والشافعي، وأن الصارف ما نقل من الإجماع على استحباب تقديم اليمين على اليسار، وأن من قدم يساره على يمينه في الوضوء فليس عليه إعادة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-671> دليل من قال: بالكراهة:</span>\nلم أعرف وجه الكراهة، ولا يلزم من ترك السنة الوقوع بالمكروه، ولعل وجه الكراهة عند الشافعي أنه خلاف الصفة التي داوم عليها الرسول ﷺ في وضوئه، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>الفصل الثامن من سنن الوضوء استحباب الغسلة الثانية والثالثة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n-أكثر ما توضأ رسول الله ﷺ ثلاثًا، وقد قال: من زاد فقد تعدى وأساء وظلم.\n- كل ممسوح لا يكرر إلا محل الاستجمار ثلاثًا وإن أنقى بما دونها (^١)؛ لأن القصد من المسح التخفيف آلة ومحلًا، ولأن تكرار المسح ينقل فرضه إلى الغسل، وهو خلاف المشروع.\n[م-١٢٦] استحب الجمهور الغسلة الثانية والثالثة لجميع أعضاء الوضوء ما عدا الرأس والأذنين فلا يكرر مسحهما، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) الكليات الفقهية للإمام المقري (ص: ٨٢).\n(^٢) شرح معاني الآثار (١/ ٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ٢٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣١).\n(^٣) حكم الغسلة الثانية والثالثة في مذهب المالكية أقوال، منها:\nأن الغسلة الثانية والثالثة فضيلتان، قال الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٥٩): وهذا هو المشهور.\nوقيل: إنهما سنتان.\nوقيل: الثانية سنة، والثالثة فضيلة. وهناك قول رابع سوف يأتي أنه لا توقيت في الوضوء، انظر مواهب الجليل (١/ ٢٥٩، ٢٦٠)، المنتقى للباجي (١/ ٣٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٤٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠١)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٢٢).\n(^٤) المغني (١/ ٩٤)، الإنصاف (١/ ١٣٧).","vol":"2","page":295},{"text":"واستحب الشافعية الثلاث حتى في الرأس (^١).\nوقيل: الوضوء ما أسبغ، وليس فيه توقيت مرة أو ثلاث، وهو نص المدونة عن مالك (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٦١) البيان في مذهب الشافعي (١/ ١٤٢)، روضة الطالبين (١/ ٥٩)، واعتبر الماوردي في الحاوي الكبير (١/ ١٣٣) أن التكرار ثلاثًا من فضائل الوضوء، ولم يعده من سنن الوضوء.\n(^٢) جاء في المدونة (١/ ١١٣): «قال سحنون: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أرأيت الوضوء أكان مالك يوقت فيه واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا؟ قال: لا إلا ما أسبغ، ولم يكن مالك يوقت، وقد اختلفت الآثار في التوقيت. قال ابن القاسم: لم يكن مالك يوقت في الوضوء مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا. وقال: إنما قال الله ﵎: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائد: ٦] فلم يوقت ﵎ واحدة من ثلاث. قال ابن القاسم: ما رأيت عند مالك في الغسل والوضوء توقيتًا لا واحدة ولا اثنتين ولا ثلاثًا، ولكنه كان يقول: يتوضأ أو يغتسل ويسبغهما جميعًا». اهـ\nواختلف المالكية في تفسير هذا الكلام من الإمام مالك،\nفقال الباجي في المنتقى (١/ ٣٥) «ما حكاه ابن القاسم عن مالك أنه لم يحد في الوضوء شيئًا، معنى ذلك أنه لم يحد فيه حدًا لا يجوز التقصير عنه، ولا تجوز الزيادة عليه، وأما تحديد فرضه ونفله فمعلوم من قول مالك وغيره ولا خلاف فيه نعلمه، وذلك أن الفرض في الوضوء مرة والأصل في ذلك آية المائدة قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائد: ٦]. والأمر بالغسل أقل ما يقتضي فعله مرة واحدة؛ لأنه أقل ما يسمى به غاسلا لأعضاء الوضوء. وقد روي عن ابن عباس (أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة)، وأما النفل فمرتين وثلاثًا. وقد روى عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ (توضأ مرتين مرتين) وروي عن عثمان (أنه أراهم وضوء رسول الله ﷺ فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا) وهو أكمل الوضوء وأتمه وهو حد للفضيلة». اهـ\nوأخذ ابن العربي كلام مالك على ظاهره، ولم يؤوله كما فعل الباجي، فقال في أحكام القرآن (٢/ ٧٧): المسألة الثامنة والأربعون: في تحقيق معنى لم يتفطن له أحد حاشا مالك بن أنس، لعظيم إمامته، وسعة درايته، وثاقب فطنته؛ وذلك أن الله تعالى قال: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائد: ٦]. وتوضأ النبي ﷺ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا، ومرتين في بعض أعضائه وثلاثًا في بعضها في وضوء واحد، فظن بعض الناس بل كلهم أن =","vol":"2","page":296},{"text":"وهل الغسلة الثالثة أفضل من الثانية، والثانية أفضل من الواحدة مطلقًا؟\n_________\n= الواحدة فرض، والثانية فضل، والثالثة مثلها، والرابعة تعد، وأعلنوا بذلك في المجالس، ودونوه في القراطيس؛ وليس كما زعموا وإن كثروا، فالحق لا يكال بالقفزان، وليس سواء في دركه الرجال والولدان. اعلموا وفقكم الله أن قول الراوي: إن النبي ﷺ توضأ مرتين وثلاثًا أنه أوعب بواحدة، وجاء بالثانية والثالثة زائدة، فإن هذا غيب لا يدركه بشر؛ وإنما رأى الراوي أن النبي ﷺ قد غرف لكل عضو مرة، فقال: توضأ مرة، وهذا صحيح صورة ومعنى؛ ضرورة أنا نعلم قطعا أنه لو لم يوعب العضو بمرة لأعاد؛ وأما إذا زاد على غرفة واحدة في العضو أو غرفتين فإننا لا نتحقق أنه أوعب الفرض في الغرفة الواحدة وجاء ما بعدها فضلًا، أو لم يوعب في الواحدة ولا في الاثنتين حتى زاد عليها بحسب الماء وحال الأعضاء في النظافة وتأتي حصول التلطف في إدارة الماء القليل والكثير عليها، فيشبه، والله أعلم أن النبي ﷺ أراد أن يوسع على أمته بأن يكرر لهم الفعل، فإن أكثرهم لا يستطيع أن يوعب بغرفة واحدة، فجرى مع اللطف بهم والأخذ لهم بأدنى أحوالهم إلى التخلص؛ ولأجل هذا لم يوقت مالك في الوضوء مرة ولا مرتين ولا ثلاثا إلا ما أسبغ. قال: وقد اختلفت الآثار في التوقيت، يريد اختلافًا يبين أن المراد معنى الإسباغ لا صورة الأعداد، وقد توضأ النبي ﷺ كما تقدم، فغسل وجهه بثلاث غرفات، ويده بغرفتين؛ لأن الوجه ذو غضون ودحرجة واحديداب، فلا يسترسل الماء عليه في الأغلب من مرة بخلاف الذراع فإنه مسطح فيسهل تعميمه بالماء وإسالته عليها أكثر مما يكون ذلك في الوجه. فإن قيل: فقد (توضأ النبي ﷺ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به. وتوضأ مرتين مرتين، وقال: من توضأ مرتين مرتين آتاه الله أجره مرتين. ثم توضأ ثلاثا ثلاثًا، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، ووضوء أبي إبراهيم). وهذا يدل على أنها أعداد متفاوتة زائدة على الإسباغ، يتعلق الأجر بها مضاعفًا على حسب مراتبها. قلنا: هذه الأحاديث لم تصح، وقد ألقيت إليكم وصيتي في كل وقت ومجلس ألا تشتغلوا من الأحاديث بما لا يصح سنده، فكيف ينبني مثل هذا الأصل على أخبار ليس لها أصل؛ على أن له تأويلًا صحيحًا، وهو أنه توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، فإنه أقل ما يلزم، وهو الإيعاب على ظاهر هذه الأحاديث بحالها. ثم توضأ بغرفتين وقال: له أجره مرتين في كل تكلف غرفة ثواب. وتوضأ ثلاثًا وقال: هذا وضوئي؛ معناه الذي فعلته رفقا بأمتي وسنة لهم؛ ولذلك يكره أن يزاد على ثلاث؛ لأن الغرفة الأولى تسن العضو للماء وتذهب عنه شعث التصرف. والثانية ترحض وضر العضو، وتدحض وهجه. والثالثة تنظفه، فإن قصرت دربة أحد عن هذا كان بدويًّا جافيًا فيعلم الرفق حتى يتعلم، ويشرع له سبيل الطهارة حتى ينهض إليها، ويتقدم؛ ولهذا قال من قال: (فمن زاد على الثلاث فقد أساء وظلم)». اهـ","vol":"2","page":297},{"text":"قيل: نعم (^١).\nوقيل: من اعتاد الاقتصار على غسلة واحدة فإنه يأثم بذلك، اختاره بعض الحنفية (^٢).\nوالصحيح أن الاقتصار على غسلة واحدة لا يكره، فضلًا عن كونه يأثم. والأفضل أن يتوضأ أحيانًا مرة مرة، وأحيانًا مرتين مرتين وأحيانًا ثلاثًا ثلاثًا، وأحيانًا يخالف بين الأعضاء فيغسل بعضها ثلاثًا وبعضها مرتين وبعضها مرة ليفعل السنة على جميع وجوهها (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-673>دليل من استحب الغسلة الثانية والثالثة فيما عدا الرأس:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-674> الدليل الأول:</span>\n(٢٦٢ - ١١٦) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره،\nأنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ثم قال: قال رسول الله ﷺ من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه مسلم (^٤).\nوجه الاستدلال:\nالحديث دليل على استحباب الثلاث غسلات، وأن السنة في الرأس مسحه مرة واحدة.\n_________\n(^١) انظر المراجع السابقة في أقوال المذاهب.\n(^٢) البناية في شرح الهداية (١/ ١٢٤، ١٢٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٢/ ٦٧، ٣٣٧).\n(^٤) صحيح البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٣٦).","vol":"2","page":298},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-675> الدليل الثاني:</span>\n(٢٦٣ - ١١٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زائدة ابن قدامة، عن خالد بن علقمة، حدثنا عبد خير قال:\nجلس علي بعد ما صلى الفجر في الرحبة، ثم قال لغلامه: ائتني بطهور فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست. قال عبد خير: ونحن جلوس ننظر إليه، فأخذ بيمينه الإناء فأكفأه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى، ثم غسل كفيه فعله ثلاث مرار قال عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فمضمض، واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاث مرات. الحديث وفي آخره قال: هذا طهور نبي الله ﷺ، فمن أحب أن ينظر إلى طهور نبي الله ﷺ فهذا طهوره (^١).\n[رجاله ثقات وسبق تخريجه والكلام على متنه] (^٢).\nوجه الدلالة من هذا الحديث كالحديث السابق على استحباب الثلاث فيما عدا الرأس.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-676> الدليل الثالث:</span>\n(٢٦٤ - ١١٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل،\nعن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت أتانا رسول الله ﷺ فوضعنا له الميضأة فتوضأ ثلاثا ثلاثا ومسح برأسه مرتين بدأ بمؤخره وأدخل أصبعيه في أذنيه (^٣).\n[سبق تخريجه] (^٤).\n_________\n(^١) المسند (١/ ١٣٥).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح (٢١٣).\n(^٣) المسند (٦/ ٣٥٩).\n(^٤) انظر حديث (٢٥٠)، وحديث (٤٠).","vol":"2","page":299},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-677> الدليل الرابع:</span>\n(٢٦٥ - ١١٩) أخرجه أبو داود، قال: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة، عن موسى ابن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء.\n[حسن، وسبق الكلام عليه، والإشارة إلى أن لفظ: (أو نقص) وهم من الراوي] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-678> الدليل الخامس:</span>\nمن النظر، فالرأس فرضه المسح، والممسوح لا يشرع فيه التثليث لأن الأصل في المسح التخفيف؛ ولأن تكرار الممسوح ينقل فرضه إلى الغسل فينافي مقصود الشارع من التخفيف في طهارته.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-679> دليل من قال: يستحب التثليث في الرأس:</span>\n(٢٦٦ - ١٢٠) ما رواه مسلم، من طريق أبي أنس (مالك بن عامر الأصبحي)\nأن عثمان توضأ بالمقاعد، فقال: ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا ....\nفقوله: (توضأ ثلاثًا ثلاثًا) يشمل ما يغسل وما يمسح.\n-وأجيب:\nبأن الأحاديث التي ذكروا فيها أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا أرادوا فيها ما سوى\n_________\n(^١) انظر تخريجه، في المجلد الثالث رقم: (٥٨٨).","vol":"2","page":300},{"text":"المسح، فإن رواتها حين فصلوا قالو: ومسح برأسه مرة واحدة، والتفصيل يحكم به على الإجمال، ويكون تفسيرًا له، ولا يعارض به، كالخاص مع العام (^١).\nوقال البيهقي تعليقًا على رواية أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا، قال: وعلى هذا اعتمد الشافعي في تكرار المسح، وهذه روايات مطلقة، والروايات الثابتة المفسرة تدل على أن التكرار وقع فيما عدا الرأس من الأعضاء، وأنه مسح برأسه مرة واحدة (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-680> الدليل الثاني:</span>\n(٢٦٧ - ١٢١) ما رواه أبو داود، من طريق يحيى بن آدم، قال: حدثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن حمزة،\nعن شقيق بن سلمة، قال: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا.\n[إسناد ضعيف وذكر التثليث في مسح الرأس منكر] (^٣).\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٨٠).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ٦٢).\n(^٣) هذا الحديث سبق الكلام عليه في أكثر من موضع، وانظر الكلام عليه وافيًا في حديث رقم (٢٢٢) وفيه عامر بن شقيق، قال في التقريب لين الحديث، ومداره على إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة، عن عثمان.\nواختلف على إسرائيل في ذكر مسح الرأس ثلاثًا، فقد تفرد يحيى بن آدم عن إسرائيل بذكر التثليث في مسح الرأس.\nورواه وكيع كما في مسند أحمد (١/ ٥٧) بذكر توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ولم يذكر مسح الرأس.\nورواه عبد الرزاق كما في المصنف (١٢٥).\nوابن مهدي كما في رواية ابن الجارود (٧٢)، وابن خزيمة (١٢٥).\nوأبو عامر العقدي كما في رواية ابن خزيمة (١٦٧).\nوعبيد الله بن موسى مقرونًا برواية عبد الرزاق كما في مستدراك الحاكم (١/ ١٤٨، ١٤٩).\nوخلف بن الوليد كما في رواية ابن خزيمة (١٥١).\nكلهم رووه عن إسرائيل، وذكروا مسح الرأس إلا أنهم لم يقولوا: ثلاثًا. ...\nوهذا دليل على ضعف عامر كما أسلفت، وليس البلاء من يحيى بن آدم، ولا من إسرائيل، وإنما علته عامر بن شقيق، فأحيانًا يذكر فيه تخليل اللحية، وأحيانًا يزيد فيه تخليل الأصابع، وأحيانًا يذكر أن مسح الرأس ثلاثًا، وأحيانًا يذكر بدون تثليث، وهذا دليل قوي لمن ضعف أمره بأنه غير حافظ، والله أعلم.","vol":"2","page":301},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-681> الدليل الثالث:</span>\n(٢٦٨ - ١٢٢) ما رواه الدارقطني من طريق صالح بن عبد الجبار، حدثنا البيلماني، عن أبيه،\nعن عثمان بن عفان أنه توضأ بالمقاعد، والمقاعد بالمدينة حيث يصلى على الجنائز عند المسجد، فغسل كفيه ثلاثًا ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا، وغسل قدميه ثلاثًا، وسلم عليه رجل، وهو يتوضأ، فلم يرد عليه حتى فرغ، فلما فرغ كلمه معتذرًا إليه، وقال: لم يمنعني أن أرد عليك إلا أنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ هكذا، ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله غفر له ما بين الوضوئين (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٩٢).\n(^٢) في إسناده صالح بن عبد الجبار.\nقال ابن القطان: لا أعرفه إلا في هذا الحديث، وهو مجهول الحال. كما في نصب الراية (١/ ٣٢).\nوفي إسناده ابن البيلماني محمد بن عبد الرحمن.\nقال فيه أبو حاتم الرازي: منكر الحديث، ضعيف الحديث، مضطرب الحديث. الجرح والتعديل (٧/ ٣١١).\nوقال البخاري والنسائي: منكر الحديث، زاد البخاري: كان الحميدي يتكلم فيه. التأريخ الكبير (١/ ١٦٣)، الكامل (٦/ ١٧٨).\nوقال ابن عدي: وكل ما روي عن ابن البيلماني فالبلاء فيه من ابن البيلماني، وإذا روى عنه =","vol":"2","page":302},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= محمد بن الحارث فجميعًا ضعفاء، والضعف على حديثهما بين. تلخيص الكامل لابن الملقن (١٦٦١).\nوقال الحافظ ابن حجر: ضعيف جدًّا. تلخيص الحبير (١/ ٨٤). وفي التقريب: قال: ضعيف فقط.\nوأما أبوه فضعفه الحافظ في التقريب والتلخيص (١/ ٨٤).\nفالإسناد مظلم، يرويه ضعيف عن مثله، عن مثله. انظر إتحاف المهرة (١٣٦٩٦).\nومع ضعف إسناده فقد اختلف في إسناده، فرواه الدارقطني (١/ ٩٢، ٩٣) بالإسناد نفسه إلا أنه جعله من مسند ابن عمر، وهذا من تخليط ابن البيلماني، ودليل على ضعفه. وانظر إتحاف المهرة (٩٩٥٤).\nوأخرجه أحمد (١/ ٦١) حدثنا صفوان بن عيسى، عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم، قال: دخلت على ابن داره مولى عثمان، قال: فسمعني أمضمض، قال: فقال يا محمد. قال: قلت: لبيك. قال: ألا أخبرك بوضوء رسول الله ﷺ؟ قال: رأيت عثمان، وهو بالمقاعد دعاء بوضوء، فمضمض واستنشق ثلاثًا وغسل وجهه ثلاثًا وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا ومسح برأسه ثلاثًا، وغسل قدميه، ثم قال: من أحب أن ينظر إلى وضوء رسول الله ﷺ فهذا وضوء رسول الله ﷺ.\nومن طريق صفوان بن عيسى أخرجه البيهقي في السنن (١/ ٦٢، ٦٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٦).\nوفي إسناده: زيد بن داره، قال عنه الحافظ: مجهول الحال. تلخيص الحبير (١/ ٨٤).\nوذكره في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولم يذكر راويًا عنه إلا محمد بن أبي عبيد الله بن أبي مريم.\nكما أن في إسناده محمد بن عبيد الله بن أبي مريم.\nذكره الحافظ في التقريب، وعلم له علامة أبي داود، وإنما روى له أبو داود تعليقًا عقب حديث (٥٤)، وقال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، أي: إن توبع، وإلا فلين.\nوالحق أنه أعلى درجة من تقدير الحافظ، فقد قال عنه يحيى القطان: لم يكن به بأس. الجرح والتعديل (٧/ ٣٠٦).\nوقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: شيخ مدني صالح الحديث. المرجع السابق.\nومع ضعف إسناده فإنه منكر مخالف لرواية الصحيحين، فقد رواه الشيخان من طريق حمران، عن عثمان، ولم يذكر عن مسح الرأس إلا مرة واحدة.\nوأخرج أبو داود (١٠٧) من طريق الضحاك بن مخلد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن وردان، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني حمران، قال: =","vol":"2","page":303},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رأيت عثمان بن عفان توضأ، فذكر نحوه - يعني: نحو حديث عطاء بن يزيد، عن حمران- ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، وقال فيه: ومسح رأسه ثلاثًا، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: من توضأ دون هذا كفاه.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٦٢) من طريق أبي داود به. وأخرجه أيضًا (١/ ٦٢) من طريق أبي بكر ابن أبي داود، عن إسحاق بن منصور، عن الضحاك بن مخلد به.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٩١) من طريق يوسف بن موسى، أنا أبو عاصم (الضحاك بن مخالد) به.\nوهذا الحديث في إسناده عبد الرحمن بن ورادن، قال فيه أبو حاتم: ما بحديثه بأس. الجرح والتعديل (٥/ ٢٩٥).\nوقال ابن معين: صالح. المرجع السابق.\nولم يقيد ابن معين الصلاح بحديثه، فيعني أنه صالح في دينه إذ لو كان يعني: الحديث، لقال: صالح الحديث، أو حديثه صالح أو نحوهما.\nوقال الدارقطني: ليس بالقوي. المغني في الضعفاء (٣٦٥٠).\nوفي التقريب: مقبول. أي حيث يتابع وإلا فلين.\nفالإسناد فيه لين.\nوقال الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ٤٥) تابعه عند البزار هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران. اهـ\nولم أطلع على إسناده لأرى من رواه عن هشام.\nوقد رواه الزهري، كما في البخاري (١٦٠)، ومسلم (٢٢٧).\nومالك، كما في الموطأ (١/ ٣٠) وابن حبان (١٠٤١).\nوسفيان بن عيينة، كما في سنن البيهقي (١/ ٦٢) وصحيح ابن خزيمة (٢).\nويحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (١/ ٥٧)، وصحيح ابن خزيمة (٢).\nوجرير عند مسلم (٢٢٧).\nوابن جريج عند عبد الرزاق (١٤١).\nوحماد بن سلمة كما في مسند الطيالسي (٧٦).\nووكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٦١).\nوأبو أسامة كما عند مسلم (٢٢٧)، وابن خزيمة (٢) تسعتهم رووه عن هشام، عن عروة، عن حمران، ولم يذكروا أن مسح الرأس ثلاث، كما في رواية البزار التي أشار إليها الحافظ، فإن كان الراوي ثقة فهي رواية شاذة لمخالفته الأئمة، وإن كان ضعيفًا فهي زيادة منكرة، والله أعلم.","vol":"2","page":304},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-682> الدليل الرابع:</span>\n(٢٦٩ - ١٢٣) ما رواه الدارقطني من طريق أبي كريب، أخبرنا مسهر بن عبد الملك بن سلع، عن أبيه، عن عبد خير،\nعن علي ﵁ أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه ثلاثًا، وقال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ أحببت أن أريكموه (^١).\n[ضعيف، والمعروف من هذا الحديث أن المسح مرة] (^٢).\n_________\nوذكر الحافظ متابعًا آخر عند البزار أيضًا من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق، عن حمران، ... وعبد الكريم قال النسائي: متروك. وقال أيوب: ليس بثقة. وانظر أطراف مسند أحمد (٤/ ٣٠٤)، تحفة (٩٧٩٦) إتحاف المهرة (١٣٦٤٥) و(١٣٦٤٧).\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٩٢). وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٢٣) حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا مسهر بن عبد الملك به. وذكر من صفة الوضوء إلى قوله: وغسل ذراعه الأيسر ثلاثًا، فقال: هذا وضوء رسول الله ﷺ.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (١٦١) أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبا مسهر بن عبد الملك به. وذكر مسح الرأس ولم يقل: ثلاثًا.\n(^٢) في إسناده مسهر بن عبد الملك بن سلع.\nذكره ابن أبي حاتم، فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. الجرح والتعديل (٨/ ٤٠١).\nوقال البخاري: فيه بعض النظر. التأريخ الأوسط (٢/ ٢٧٤)، الكامل (٦/ ٤٥٧).\nقال النسائي: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (١٠/ ١٣٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويهم (٩/ ١٩٧).\nوسئل عنه أبو داود، فقال: أما الحسن بن علي الخلال فرأيته يحسن الثناء عليه، وأما أصحابنا فرأيتهم لا يحمدونه. تهذيب التهذيب (١٠/ ١٣٥).\nوقال الحسن بن حماد الوراق: مسهر ثقة. مختصر كامل ابن عدي (١٩٣٧).\nوعبد الملك بن سلع، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عليه. الجرح والتعديل (٥/ ٣٥٣).\nوذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقال: كان ممن يخطئ. الثقات (٧/ ١٠٤).\nوفي التقريب: صدوق.\nفالإسناد ضعيف من أجل مسهر بن عبد الملك بن سلع، وقد خالفه من هو أقوى منه، فرواه أحمد (١/ ١١٠) حدثنا مروان، حدثنا عبد الملك بن سلع به. في صفة الوضوء، وفيه: ثم مسح بكفيه رأسه مرة.","vol":"2","page":305},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-683> الدليل الخامس:</span>\n(٢٧٠ - ١٢٤) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عباس بن الفضل، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا ابن وهب، عن ابن جريج، عن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده، عن علي أنه توضأ، فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا، وغسل رجليه ثلاثًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (^١).\n[رجاله ثقات إلا أن رواية ابن وهب عن ابن جريج متكلم فيها وقد خولف ... ابن وهب في هذا الحديث] (^٢).\n_________\nومروان: هو ابن معاوية الفزاري، وثقه أحمد، وقال: كان من الحفاظ.\nووثقه ابن معين والنسائي ويعقوب بن شيبة، وفي التقريب: ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ. فهذا هو المعروف من حديث عبد الملك بن سلع، وقد رواه خالد بن علقمة، عن ... عبد خير به، واختلف على خالد:\nفرواه الدارقطني (١/ ٨٩) من طريق أبي يحيى الحماني، ومن طريق أبي يوسف القاضي، كلاهما عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير به. وفيه: ومسح برأسه ثلاثًا.\nوخالف أبا حنيفة جماعة من الحفاظ الثقات منهم زائدة بن قدامة وسفيان الثوري وشعبة، ... وأبو عوانة وشريك وأبو الأِشهب جعفر بن الحارث وحازم بن إبراهيم وحسن بن صالح وجعفر الأحمر فرووه كلهم عن خالد بن علقمة به، وقالوا: ومسح برأسه مرة.\nوسبق الكلام على طرق الحديث وتخريجها، انظر (ح ٨٨٦) فارجع إليه إن شئت.\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٦٣).\n(^٢) قال أحمد بن حنبل: في حديث ابن وهب عن ابن جريج شيء. قال أبو عوانة: صدق؛ لأنه يأتي عنه بأشياء لا يأتي بها غيره.\nوقد قال البيهقي (١/ ٦٣): وقال فيه حجاج، عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة.\nوحجاج هو ابن محمد المصيصي من رجال الجماعة وهي أرجح من رواية ابن وهب؛ لسببين: الأول: التكلم في رواية ابن جريج عن ابن وهب.\nالسبب الثاني: أن هذه الرواية موافقة للأحاديث الصحيحة عن علي وغيره في كون المسح مرة واحدة. =","vol":"2","page":306},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-684> الدليل السادس:</span>\n(٢٧١ - ١٢٥) ما رواه الطبراني من طريق يزيد بن عبد الملك، عن أبي موسى الحناط، عن محمد بن المنكدر،\nعن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليمضمض ثلاثًا، فإن الخطايا تخرج من وجهه، ويغسل وجهه ويديه ثلاثًا، ويمسح برأسه ثلاثًا، ثم يدخل يديه في أذنيه، ثم يفرغ على رجليه ثلاثًا.\nقال الطبراني: لم يروه عن ابن المنكدر إلا أبو موسى، واسمه عيسى بن أبي عيسى، تفرد به يزيد (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n= وروى الطبراني في مسند الشاميين (١٣٣٦) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن عمير بن سعيد النخعي، عن علي أنه قال: ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ؟ قلنا: بلى. فأتي بطست من ماء فغسل كفيه، وغسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا بماء واحد، ومضمض واستنشق ثلاثًا بماء واحد، وغسل رجليه ثلاثًا.\nوفي إسناده عبد العزيز بن عبيد الله.\nقال يحيى بن معين: ضعيف، لم يحدث عنه إلا إسماعيل بن عياش. الكامل (٥/ ٢٨٤)، الضعفاء للعقيلي (٣/ ٢١).\nوقال أبو زرعة: مضطرب الحديث، واهي الحديث. تهذيب الكمال (١٨/ ١٧١).\nوقال أبو حاتم: يروي عن أهل الكوفة وأهل المدينة، لم يرو عنه أحد غير إسماعيل بن عياش، وهو عندي عجيب ضعيف منكر الحديث، يكتب حديثه، يروي أحاديث مناكير ويروي أحاديث حسانًا. تهذيب التهذيب (٦/ ٣١١).\nوقال أبو داود: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. المرجع السابق.\nوضعف إسناده الحافظ بالتلخيص بعبد العزيز بن عبيد الله هذا.\n(^١) مجمع البحرين (٤٠٧).\n(^٢) في إسناده يزيد بن عبد الملك.\nقال أحمد: عند يزيد بن عبد الملك مناكير. الجرح والتعديل (٩/ ٢٧٨). =","vol":"2","page":307},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًّا. المرجع السابق.\nوسئل عنه أبو زرعة، فقال: منكر الحديث. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين في رواية ابن أبي خيثمة عنه: ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوقال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: ما كان به بأس. الكامل (٧/ ٢٦٠).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٦٤٥)، والكامل (٧/ ٢٦٠).\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. المرجع السابق.\nوقال أحمد بن صالح المصري: ليس حديثه بشيء. تهذيب التهذيب (١١/ ٣٠٤).\nوقال البخاري: أحاديثه شبه لا شيء، وضعفه جدًّا. المرجع السابق.\nوفي إسناده أبو موسى: عيسى بن أبي عيسى الحناط، ويقال: الخياط:\nقال عمرو بن علي وأبو داود والنسائي والدارقطني: متروك الحديث.\nوقال أبو حاتم: ليس بالقوي، مضطرب الحديث. وفي التقريب: متروك. انظر التأريخ الكبير (٦/ ٤٠٥)، معرفة الثقات (٢/ ١٩٩)، الكامل (٥/ ٢٤٥)، الضعفاء الكبير (٣/ ٣٩٢)، تهذيب التهذيب (٨/ ٢٠١)، تهذيب الكمال (٢٣/ ١٥)، بحر الدم (٨٠٦).\nفالحديث ضعيف جدًّا.\nوالمعروف من حديث أنس ﵁ ذكر المسح مرة واحدة.\nفقد أخرج الطبراني كما في مجمع البحرين (٤٠٩) حدثنا إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي، حدثنا بكار بن سقير، حدثني راشد أبو محمد الحماني، قال:\nرأيت أنس بن مالك بالزاوية، فقلت له: أخبرني عن وضوء رسول الله ﷺ كيف كان؟ فإنه بلغني أنك كنت توضئه. قال: نعم، فدعاء بوضوء، فأتي بطست وبقدح نحت كما نحت في أرضه، فوضع بين يديه فأكفأ على يديه من الماء، فأنعم غسل كفيه، ثم تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم أخرج يده اليمنى، فغسلها ثلاثًا، ثم غسل اليسرى ثلاثًا، ثم مسح برأسه مرة واحدة غير أنه أمرها على أذنيه، فمسح عليهما، ثم أدخل كفيه جميعًا في الماء، فذكر الحديث.\nوهذا إسناد أرجو أن يكون حسنًا، فشيخ الطبراني: إبراهيم بن هاشم البغوي وثقه الدارقطني كما في تاريخ بغداد (٦/ ٢٠٣).\nوإبراهيم بن الحجاج ذكره ابن أبي حاتم وسكت عليه. الجرح والتعديل (٢/ ٩٣).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٧٨)، وأخرج له في صحيحه، والحاكم في المستدرك، ووثقه الدارقطني كما في تهذيب التهذيب (١/ ٩٨).\nوفي التقريب: ثقة يهم قليلًا.\nوبكار بن سقير البصري المازني، قال البخاري: أثنى عليه عبد الرحمن بن المباك خيرًا، وذكره ... ابن حبان في الثقات، وقال: كان من العباد. التاريخ الكبير (٢/ ١٢٢)، الثقات (٦/ ١٠٧).","vol":"2","page":308},{"text":"قال الشوكاني ﵀: «والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما هو المتعين لاسيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة» (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-685>دليل من قال: يمسح رأسه مرتين:</span>\n(٢٧٢ - ١٢٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل،\nعن الربيع بنت معوذ، قال: قالت: أتانا رسول الله ﷺ، فوضعنا له الميضأة، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخره، وأدخل أصبعيه في أذنيه.\n[سبق تخريجه في أدلة القول الأول] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-686> الدليل الثاني:</span>\n(٢٧٣ - ١٢٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه،\nعن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين، ومسح برأسه ورجليه مرتين (^٣).\n_________\nوراشد الحماني. قال أبو حاتم: صالح الحديث. الجرح والتعديل (٣/ ٤٨٤).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٣٤)، وقال: ربما أخطأ.\nوفي التقريب: صدوق ربما أخطأ.\nفالإسناد حسن إن شاء الله تعالى، وهو صحيح لغيره لكثرة شواهده التي ذكرناها في أدلة القول الأول، والله أعلم.\n(^١) نيل الأوطار (١/ ٣٤٠).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر حديث (٢٥٠) وحديث (٤٠).\n(^٣) المصنف (١/ ١٦).","vol":"2","page":309},{"text":"[رجاله ثقات إلا أن ابن عيينة أخطأ في هذا الحديث من وجهين] (^١).\n_________\n(^١) الوجه الأول: قول سفيان كما في رواية النسائي (٩٩) عن عبد الله بن زيد: وهو الذي أري النداء.\nوالذي أري النداء هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهذا عبد الله بن زيد بن عاصم.\nوقد خطَّأ جماعةٌ ابن عيينة منهم البخاري في صحيحه كما في باب تحويل الرداء في الاستسقاء، والنسائي في السنن (٣/ ١٥٥)، والدارقطني في السنن (١/ ٨١).\nقال الحافظ: وقد اتفقا في الاسم واسم الأب والنسبة إلى الأنصار ثم الخزرج والصحبة والرواية، وافترقا في الجد والبطن الذي من الخزرج، لأن حفيد عاصم من مازن، وحفيد عبد ربه من بلحارث من الخزرج (٢/ ٥٨١).\nالخطأ الثاني: قوله: إنه مسح برأسه مرتين، وقد رواه جماعة عن عمرو بن يحيى ولم يقولوا ما قاله سفيان، منهم:\nالأول: مالك، كما في رواية البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥)، والموطأ (١/ ١٨)، ومصنف عبد الرزاق (٥)، وأحمد (٤/ ٣٨)، والترمذي (٣٢)، والنسائي (٩٨)، وابن ماجه (٤٣٤)، وابن حبان (١٠٨٤).\nالثاني: وهيب بن خالد، كما في صحيح البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥)، والبيهقي (١/ ١٥٠)، وابن حبان (١٠٧٧).\nالثالث: خالد بن عبد الله الطحان، كما في رواية البخاري (١٩١)، ومسلم (٢٣٥)، وأبو داود (١١٩)، والترمذي (٢٨).\nالرابع: عبد العزيز بن أبي سلمة بن أبي الماجشون، كما في صحيح البخاري (١٩٧)، وأبو داود (١٠٠)، وابن ماجه (٤٧١)، وابن حبان (١٠٩٣).\nالخامس: سليمان بن بلال كما في صحيح البخاري (١٩٩)، ومسلم (٢٣٥).\nالسادس: محمد بن فليح كما في سنن الدارقطني (١/ ٨٢)، فهؤلاء ستة رواة جلهم في الصحيحين خالفوا سفيان في قوله: ومسح برأسه مرتين، ولم استقص البحث ولعلهم أكثر من ذلك بكثير، وكلهم اتفقوا على لفظ: ثم مسح برأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٢١٦): «أما الموضع الثاني الذي وهم فيه ابن عيينة فإنه ذكر فيه مسح الرأس مرتين، ولم يذكر فيه أحد مرتين غير ابن عيينة، وأظنه والله أعلم تأول الحديث قوله: (فمسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر) وما ذكرنا عن ابن عيينة من رواية مسدد ومحمد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة كلهم ذكروا عن ابن عيينة ما حكينا عنه، وأما الحميدي فإنه ميز ذلك فلم يذكره، أو حفظ عن ابن عيينة أنه رجع عنه، فذكر فيه عن ابن عيينة ومسح رأسه، =","vol":"2","page":310},{"text":"- الراجح:\nأن الرأس لا يمسح إلا مرة واحدة، وأما ما يتعلق بسائر الأعضاء فالراجح فيه أنه يتوضأ أحيانًا مرة مرة، وأحيانًا مرتين مرتين، وأحيانًا ثلاثًا ثلاثًا، وأحيانًا يخالف بين أعضائه، فيغسل بعضها مرتين وبعضها مرة في فعل واحد، هكذا جاءت السنة:\nأما الوضوء ثلاثًا ثلاثًا فقد ذكرنا أدلته من حديث عثمان في الصحيحين وغيرهما.\n(٢٧٤ - ١٢٨) وأما الوضوء مرة مرة، فقد أخرجه البخاري وغيره من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن ابن عباس، أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة (^١).\n_________\n= وغسل رجليه، فلم يصف المسح، ولا قال: مرتين، وقال في الإسناد: عن عبد الله بن زيد لم يزد، ولم يقل: ابن عاصم ولا ابن عبد ربه، فتخلص». اهـ\nوقد أشار أحمد في مسنده أنه سمع الحديث من ابن عيينة ثلاث مرات، قال مرة: ومسح برأسه مرة. وقال مرتين: ومسح برأسه مرتين، وهذا الاختلاف من سفيان يدل إما على رجوعه أو على عدم ضبطه لهذا الحديث، أو على روايته للحديث بالمعنى ولم يوفق، والله أعلم.\nكما رواه ابن خزيمة في صحيحه (١٥٦) من طريق سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان ابن عيينة به، بلفظ (ثم مسح برأسه، بدأ بالمقدم، ثم غسل رجليه) ولم يقل: مرتين.\nكما رواه الدارقطني (١/ ٨٢) من طريق سعيد بن منصور، عن سفيان به، ولم يذكر مسح الرأس.\nوالحديث أخرجه ابن أبي شيبة كما نقلته عنه في إسناد الباب،\nوأخرجه أحمد (٤/ ٤٠).\nوأخرجه النسائي (٩٩) والدارقطني (١/ ٨٥٢) عن محمد بن منصور.\nوأخرجه الترمذي ٤٧) حدثنا ابن أبي عمر.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٨٢) من طريق العباس بن يزيد وسعيد بن منصور.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٦٣) من طريق محمد بن حماد. كلهم رووه عن سفيان بن عيينة به. وانظر إتحاف المهرة (٧١٣٥)، أطراف المسند (٣/ ٢١)، تحفة الأشراف (٥٣٠٨).\n(^١) البخاري (١٥٧).\nوأما ما رواه ابن ماجه (٤١٩) من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة، =","vol":"2","page":311},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن ابن عمر قال: توضأ رسول الله ﷺ واحدة واحدة، فقال: هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به، ثم توضأ ثنتين ثنتين فقال: هذا وضوء القدر من الوضوء، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هذا أسبغ الوضوء، وهو وضوئي ووضوء خليل الله إبراهيم، ومن توضأ هكذا ثم قال عند فراغه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فتح له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء.\nفالحديث ضعيف جدًّا، فيه عبد الرحيم بن زيد العمي، وأبو زيد العمي ضعيفان، وسبق أن تكلمت على هذا الحديث وبينت الاختلاف في إسناده، وتكلمت على رجاله في حديث رقم (١٦٥) فأغنى عن إعادته هنا، فلله الحمد.\nوأما ما رواه الترمذي (٤٦) من طريق وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم.\nورواه الترمذي (٤٥)، وابن ماجه (٤١٠) والدارقطني (١/ ٨١) من طريق شريك عن ثابت به، وزاد: ومرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا، قال: نعم.\nقال أبو عيسى: وهذا أصح من حديث شريك (يعني: لفظ وكيع) قال: لأنه قد روي من غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع وشريك كثير الغلط. اهـ\nوكلمة أصح لا تعني الصحة المطلقة، وإنما مقارنة بلفظ شريك، والحديث بطريقيه ضعيف؛ لأن مدار الإسنادين على ثابت بن أبي صفية، وهو رافضي ضعيف على أن ابن أبي شيبة رواه عن شريك في المصنف بلفظ وكيع (٦٦).\nوروى أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٣٢) من طريق مسعر، عن أبي حمزة (ثابت بن أبي صفية) به بلفظ وكيع.\nوروى الطبراني في الأوسط (٦٥٤٢) من طريق الحارث بن عمران الجعفري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،\nعن جابر قال: توضأ رسول الله ﷺ مرة مرة.\nقال الطبراني لم يرو هذا عن جعفر إلا الحارث بن عمران. اهـ والحارث ضعيف، ورماه ابن حبان بالوضع.\nوروى الطبراني في الأوسط (٩١١) والدارقطني (١/ ٨١) من طريق الدراوردي، حدثنا عمر ابن أبي عمر، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن أبي رافع، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجليه ثلاثًا، ورأيته مرة أخرى توضأ مرة مرة.\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي رافع إلا بهذا الإسناد، تفرد به الداروردي. اهـ\nوعلته عمر بن أبي عمر الكلاعي، وهو ضعيف. =","vol":"2","page":312},{"text":"وهو ظاهر القرآن فإن آية المائدة أمرت بغسل الأعضاء الأربعة، ولم تذكر عددًا، فمن غسل أعضاء الوضوء مرة واحدة فقد أدى ما افترض الله عليه، قال ﷾: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\n- وأما الدليل على استحباب مرتين مرتين:\n(٢٧٥ - ١٢٩) ما رواه البخاري، من طريق فليح بن سليمان، عن عبد الله بن أبي\n_________\n= وروى النسائي في سننه (١١٣) من طريق أبي جعفر المدني قال: سمعت ابن عثمان بن حنيف يعني عمارة قال:\nحدثني القيسي أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر فأتي بماء فقال على يديه من الإناء فغسلهما مرة وغسل وجهه وذراعيه مرة مرة وغسل رجليه بيمينه كلتاهما.\nوسنده ضعيف، فيه عمارة بن عثمان بن حنيف، قال الذهبي: لا يعرف.\nوفي التقريب: مقبول.\nوروى أحمد (٢/ ٢٨)، وأبو يعلى الموصلي (٥٧٧٧) من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب،\nكان ابن عمر يتوضأ ثلاثًا يرفعه إلى النبي ﷺ وكان ابن عباس يتوضأ مرة مرة يرفعه إلى النبي ﷺ.\nوالمطلب بن عبد الله بن حنطب لم يثبت سماعه من ابن عمر ولا من ابن عباس، قال البخاري فيما نقله العلائي في جامع التحصيل (٧٧٤): لا أعرف للمطلب بن حنطب عن أحد من الصحابة سماعًا، وقال أبو حاتم: عامة أحاديثه مراسيل، لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ إلا سهل ابن سعد وأنسًا وسلمة بن الأكوع أو من كان قريبًا منهم».\nوقال في المراسيل (ص: ١٦٤): لا ندري أنه سمع منهما أم لا (يعني: ابن عمر وابن عباس).\nوأخرجه الإمام أحمد (٢/ ٨) وابن ماجه (٤١٤) عن الوليد بن مسلم،\nوأخرجه النسائي (٨١) وفي الكبرى (٨٨)، وابن حبان (١٠٩٢) من طريق عبد الله بن المبارك، كلاهما عن الأوزاعي به، من مسند ابن عمر وحده.\nوأخرجه الطيالسي في مسنده (٢٧٦٠) عن عبد الله بن المبارك.\nوأخرجه أحمد (١/ ٢١٩) حدثنا الوليد بن مسلم، كلاهما عن الأوزاعي به، مسند ابن عباس وحده.\nوقد ثبت الحديث من مسند ابن عباس عند البخاري (١٧) وسبق ذكره، انظر حديث (٨٩٨).","vol":"2","page":313},{"text":"بكر بن عمرو بن حزم، عن عباد بن تميم،\nعن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين (^١).\nوهذا الحديث غير حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد فإن مخرج الحديث مختلف.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة، (٢٧٦ - ١٣٠) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن عبد الرحمن ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ توضأ مرتين مرتين (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (١٥٨).\n(^٢) المصنف (١/ ١٨).\n(^٣) ومن طريق زيد بن الحباب أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٨) أبو داود (١٣٦)، والترمذي (٤٣)، وابن حبان (١٠٤٩)، والحاكم (١/ ١٥٠) والبيهقي (١/ ٧٩).\nورواه ابن الجاورد في المنتقى (٧١) حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به، بلفظ: ربما رأيت النبي ﷺ يتوضأ مثنى مثنى.\nوعبد الرحمن بن ثوبان فيه ضعف من قبل حفظه، جاء في ترجمته:\nعن أحمد أحاديثه مناكير. الجرح والتعديل (٥/ ٢١٩).\nوقال مرة: لم يكن بالقوي في الحديث. تهذيب التهذيب (٦/ ١٥٢) ضعفاء العقيلي (٢/ ٣٢٦)، المغني في الضعفاء (٢/ ٣٧٧)\nوقال ابن معين: صالح الحديث. الجرح والتعديل (٥/ ٢١٩).\nوقال مرة: ضعيف وأبوه ثقة. الكامل (٤/ ٢٨١).\nوقال أيضًا: ضعيف يكتب حديثه على ضعفه، وكان رجلًا صالحًا. المرجع السابق.\nوقال ابن معين في رواية عباس: ليس به بأس. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال العجلي: شامي لا بأس به. معرفة الثقات (٢/ ٧٣). ...\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٩٢).\nوقال يعقوب بن شيبة: اختلف أصحابنا فيه، فأما يحيى بن معين فكان يضعفه، وأما علي بن المديني فكان حسن الرأي فيه. تهذيب الكمال (١٧/ ١٥).\nوفي التقريب: صدوق يخطئ ورمي بالقدر، وتغير بآخره. اهـ\nولم أقف على من ميز حديثه قبل وبعد تغيره.\nانظر طرق الحديث: إتحاف المهرة (١٩١٠٣)، أطراف المسند (٧/ ٣٦٧)، تحفة الأشراف (١٣٩٤٠).","vol":"2","page":314},{"text":"وأما الدليل على استحباب غسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثًا، (٢٧٧ - ١٣١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثًا ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه. ورواه مسلم (^١).\nفكون الرسول ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا، هل يفهم من ذلك أنه فعله لبيان الجواز، وأن الثلاث أفضل مطلقًا لكونها أكثر من غيرها؟ أو يكون ذلك من باب تنوع العبادة، ويكون الاستحباب أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة وهذا مرة؟ قولان لأهل العلم.\nفقيل: إن الثلاث أكمل من الثنتين، والثنتان أكمل من الواحدة والاقتصار على الواحدة دليل على الإجزاء.\nقال النووي: «قد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وأن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث بالغسل مرة مرة، ومرتين مرتين وثلاثًا\n_________\n(^١) البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥).","vol":"2","page":315},{"text":"ثلاثًا، وبعض الأعضاء ثلاثًا وبعضها مرتين والاختلاف دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ».\nوالصحيح: أن ذلك من باب تنوع العبادة، وأن السنة أن يفعل كل هذه الأفعال؛ لإصابة السنة من جميع وجوهها الواردة، فإن الكمال أن يفعل المسلم ما يفعله رسول الله ﷺ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]، وتمام المتابعة أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة، وهذا مرة كما فعل المصطفى ﷺ، وحتى لا تكون العبادة من قبيل العادة، شأنها شأن العبادات التي وردت من وجوه مختلفة كدعاء الاستفتاح وأنواع التشهد ونحوهما.\nوهل تكرار هذه الأعضاء في بعضها مرة، وفي بعضها مرتين، وفي بعضها ثلاث، هل هو على سبيل التشهي؟ أو السنة أن يكون التكرار موافقًا للتكرار الوارد في السنة؟ فما ورد أنه غسل مرة يغسل مرة، وما ورد أنه غسل مرتين يغسله مرتين وهكذا، لا شك أن الأولى الثاني، وإن فعل الأول فلا بأس حيث قد ورد غسل هذه الأعضاء من حيث الجملة مرة ومرتين وثلاثًا، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>الفصل التاسع استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n-كل ما جاوز فعل النبي ﷺ في الوضوء فهو من الإسراف.\n-أكثر ما توضأ رسول الله ﷺ ثلاثًا، وقد قال: من زاد فقد تعدى وأساء وظلم.\n-الإسراف منهي عنه ولو كان على نهر جار إما كراهة أو تحريمًا.\n[م-١٢٧] اعتبر الحنفية الاقتصاد في ماء الوضوء من آداب الوضوء (^١).\nوقيل: إن كان الماء موقوفًا على من يتطهر أو يتوضأ فإن الإسراف حرام، وكذلك الزيادة على الثلاث، قال ابن نجيم من الحنفية: بلا خلاف (^٢).\n_________\n(^١) قال في بدائع الصنائع (١/ ٢٣): «أن لا يسرف في الوضوء ولا يقتر، والأدب فيما بين الإسراف، والتقتير، إذ الحق بين الغلو والتقصير، قال النبي ﷺ: (خير الأمور أوسطها)». وانظر البحر الرائق (١/ ٢٩).\n(^٢) انظر تحفة المحتاج (١/ ٢٣١)، الفتاوى الهندية (١/ ٨) وقال في البحر الرائق (١/ ٣٠): «الإسراف: هو الاستعمال فوق الحاجة الشرعية، وإن كان على شط نهر، وقد ذكر قاضي خان تركه من السنن، ولعله الأوجه، فعلى كونه مندوبًا لا يكون الإسراف مكروهًا، وعلى كونه سنة يكون مكروهًا تنزيها، وصرح الزيلعي بكراهته، وفي المبتغى أنه من المنهيات فتكون تحريمية وقد ذكر المحقق آخرًا: أن الزيادة على ثلاث مكروهة، وهي من الإسراف، وهذا إذا كان ماء نهر أو مملوكًا له، فإن كان ماء موقوفًا على من يتطهر أو يتوضأ حرمت الزيادة والسرف بلا خلاف وماء المدارس من هذا القبيل؛ لأنه إنما يوقف ويساق لمن يتوضأ الوضوء الشرعي».","vol":"2","page":317},{"text":"وقيل: الإسراف في ماء الوضوء مكروه، وعليه أكثر أهل العلم (^١).\nوقيل: يحرم، اختاره البغوي والمتولي من الشافعية (^٢) وأومأ إليه ابن تيمية (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-688> دليل من قال بالتحريم:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-689> الدليل الأول:</span>\n(٢٧٨ - ١٣٢) ما أخرجه أبو داود، قال: حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه\n_________\n(^١) وقال في مواهب الجليل (١/ ٢٥٦): «من فضائل الوضوء أي مستحباته تقليل الماء من غير تحديد في ذلك، وكذلك الغسل يستحب فيه تقليل الماء من غير تحديد، قال في شرحه: (تنبيهات الأول) ما ذكره المصنف من أن تقليل الماء في الوضوء والغسل مستحب صرح به القاضي عياض في قواعده، والقرافي في الذخيرة، والشبيبي وغيرهم، وقاله في النوادر، وسيأتي لفظها، وأصل المسألة في المدونة، وفي رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الطهارة، قال في المدونة: وأنكر مالك قول من قال في الوضوء حتى يقطر الماء أو يسيل، وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد. ولفظ الأم وسمعت مالكا يذكر قول الناس في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، قال: فسمعته يقول: قطر قطر إنكارًا لذلك ...». إلخ كلامه ﵀.\nوقال النووي في المجموع (١/ ٢٢٠): «والمشهور أنه مكروه كراهة تنزيه. يعني: الإسراف في الوضوء».\nوانظر شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٧)، كشاف القناع (١/ ١٠٣).\nوقال ابن حزم في المحلى (مسألة: ٢٠٨): «ويكره الإكثار من الماء في الغسل والوضوء، والزيادة على الثلاث في غسل أعضاء الوضوء ومسح الرأس؛ لأنه لم يأت عن رسول الله ﷺ أكثر من ذلك».\n(^٢) المجموع (١/ ٢٢٠).\n(^٣) قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (١/ ٢٢٤): «الذي يكثر صب الماء حتى يغتسل بقنطار ماء، أو أقل، أو أكثر مبتدع مخالف للسنة، ومن تدين عوقب عقوبة تزجره وأمثاله عن ذلك، كسائر المتدينين بالبدع المخالفة للسنة».","vol":"2","page":318},{"text":"فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء.\n[حسن، وزيادة (أو نقص) وهم من الراوي، وسبق تخريجه] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-690> الدليل الثاني:</span>\n(٢٧٩ - ١٣٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نعامة،\nأن عبد الله بن مغفل سمع ابنًا له يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض من الجنة إذا دخلتها عن يميني، قال فقال له: يا بني سل الله الجنة، وتعوذه من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون من بعدي قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور (^٢).\n[رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا] (^٣).\nولذلك قال ابن المبارك كما في سنن الترمذي: «لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم.\nوقال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى» (^٤). اهـ\nيعني: مبتلى بمرض الوسوسة، أعاذنا الله وإياكم منها.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-691> دليل من قال: بالكراهة:</span>\nقال الشوكاني: لا خلاف في كراهة الزيادة على الثلاث.\n_________\n(^١) انظر تخريجه، في المجلد الثالث رقم: (٥٨٨).\n(^٢) مسند أحمد (٤/ ٨٧).\n(^٣) انظر تخريجه في المجلد الثالث، رقم (٥٨٧).\n(^٤) سنن الترمذي على إثر ح (٤٤).","vol":"2","page":319},{"text":"والحق أن في ذلك خلافًا على ما تبين، فمنهم من اعتبر الاقتصاد من الآداب التي يؤجر على فعلها، ولا يلزم من الإخلال بها الوقوع في المكروه كما يراه بعض الحنفية.\nولقد قال الشافعي في الأم: «لا أحب للمتوضئ أن يزيد على الثلاث، وإن زاد لم أكرهه إن شاء الله تعالى» (^١).\nومنهم من رأى تحريم الزيادة كما حررت ذلك عند ذكر الأقوال.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-692> دليل من اعتبر الاقتصاد من الآداب:</span>\nلعله رأى أن ترك السنة لا يلزم منه الوقوع في المكروه، وهذا حق لولا أنه جاء من الأحاديث ما يدل على ذم الزيادة على الثلاث، والله أعلم.\nالراجح:\nأما بالنسبة للعدد، فالزيادة على الثلاث إن لم تكن محرمة فهي مكروهة كراهة شديدة؛ لأنه قد ورد النهي عن الزيادة على الثلاث، وهو أكثر ما فعله رسول الله ﷺ.\nوأما بالنسبة لمقدار الماء المستعمل في الوضوء فلم يأت له حد من الشرع، بحيث لا يتجاوزه الإنسان، والناس يختلفون في هذا بدانة ونحافة، والمياه في عصرنا تأتي عن طريق الصنابير التي تدفع الماء دفعًا، لا يمكن معه التقيد بالمقدار الوارد إلا أن يأخذ الإنسان الماء في إناء، ويغلق الصنبور، وقد لا يتوفر الإناء في كل مكان، والأحاديث الواردة في مقدار وضوء النبي ﷺ كلها تدل على أن كمية الماء ليس فيها حد بمقدار معين، وإنما الأمر تقريبي.\nأما قول الشيخ عز الدين بن عبد السلام: للمتوضئ والمغتسل ثلاث أحوال:\nالأول: أن يكون معتدل الخلق كاعتدال خلقه ﷺ، فيقتدي به في اجتناب النقص عن المد والصاع.\nالثاني: أن يكون ضئيلًا نحيف الخلق، بحيث لا يعادل جسده جسد النبي ﷺ،\n_________\n(^١) الأم (١/ ٣٢).","vol":"2","page":320},{"text":"فيستحب له أن يستعمل ما تكون نسبته إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسده ﷺ.\nالثالث: أن يكون متفاحش الخلق طولًا وعرضًا، وعظم البطن وثخانة الأعضاء، فيستحب أن لا ينقص عن مقدار تكون النسبة إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى رسول الله ﷺ.\nفاحتساب هذه النسبة التي ذكرها عز الدين بن عبد السلام من المشقة التي لم نؤمر بها، ومن يعرف دقة هذه النسبة، بل إن الآثار تدل على أن لا تقدير في الباب.\n(٢٨٠ - ١٣٤) فمنها حديث أنس ﵁، عند البخاري (^١)، ومسلم (^٢)، كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد.\n(٢٨١ - ١٣٥) ومنها حديث عائشة في مسلم، عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر أن عائشة أخبرتها أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد، أو قريبًا من ذلك (^٣).\n(٢٨٢ - ١٣٦) ومنها حديث عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ أتي بثلثي مد، فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه (^٤).\n_________\n(^١) رقم الحديث (٢٠١).\n(^٢) رقم الحديث (٣٢٦).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٢١).\n(^٤) أخرجه ابن حبان كما في الموارد (١٥٥) من طريق ابن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد. ورجاله ثقات، ورواه البيهقي (١/ ١٩٦) من طريق أبي زائدة به.\nوأخرجه البيهقي أيضًا (١/ ١٩٦) من طريق سليمان بن داود، حدثنا أبو خالد الأحمر، حدثنا شعبة به، بلفظ: أن النبي ﷺ توضأ بنحو من ثلثي المد.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي (١٠٩٩) ومن طريقه أحمد (٤/ ٣٩) حدثنا شعبة به، بلفظ: رأيت النبي ﷺ توضأ، فدلك ذراعيه.\nورواه ابن حبان كما في الموارد (١٥٦) من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة به، فذكر نحوه.\nواختلف على شعبة فيه: ...\nفرواه ابن أبي زائدة وأبو داود الطيالسي ويحيى بن سعيد وأبو خالد الأحمر عن شعبة كما سبق.\nوخالفهم غندر (محمد بن جعفر)، فرواه أبو داود (٩٤) والنسائي (٧٤)، والبيهقي (١/ ١٩٦) أخبرنا محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حبيب، قال: سمعت عباد بن تميم يحدث جدته، وهي أم عمارة بنت كعب أن النبي ﷺ توضأ، فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد.\nزاد النسائي: قال شعبة: فأحفظ أنه غسل ذراعيه، وجعل يدلكهما، ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما.\nفجعل محمد بن جعفر الحديث من مسند أم عمارة.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٥) سألت أبا زرعة عن حديث رواه يحيى بن أبي زائدة وأبو داود عن شعبة، فذكر الحديث، ثم قال: ورواه غندر، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن جدته أم عمارة، عن النبي ﷺ، فقال أبو زرعة: الصحيح عندي حديث غندر. اهـ\nقلت: لعله رجح حديث غندر؛ لأنه من أثبت الناس عن شعبة.\nولأن حديث عبد الله بن زيد المشهور في الصحيحين وفي غيرهما لم يذكروا فيه الدلك ولا مقدار الماء، لكن هذا الاحتمال يبعد مع رواية يحيى بن سعيد، وهو من هو، وأيضًا ابن أبي زائدة والطيالسي وأبو خالد الأحمر، فلعل الحديث ثابت من الطريقين، ولعل عبادًا سمعه من عمه، ومن جدته، والله أعلم.","vol":"2","page":321},{"text":"فتبين من هذه الأحاديث أن لا تقدير للوضوء بحد لا يجوز النقص عنه أو الزيادة عليه.\nقال الحافظ في شرحه لحديث أنس المتقدم: «كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، قال: فيه رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر في حديث الباب -يعني الصاع والمد- كابن شعبان من المالكية وكذا من قال به من الحنفية مع مخالفتهم لهم في مقدار المد والصاع، وحمله الجمهور على الاستحباب؛ لأن أكثر من قدر وضوءه وغسله ﷺ من الصحابة قدرهما بذلك، إلخ كلامه ﵀» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (٢٠١).","vol":"2","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>الفصل العاشر في مسح العنق</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- العنق ليس من الرأس لا حقيقة، ولا حكمًا.\n[م-١٢٨] اختلف العلماء في مسح العنق:\nفقيل: يستحب في الوضوء مسح العنق، وهو مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب الشافعية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: لا يستحب، وهذا مذهب الجمهور، وهو الصحيح (^٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-694> دليل الحنفية على استحباب مسح العنق:</span>\n(٢٨٣ - ١٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٩)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٤٩)، المبسوط (١/ ١٠)، شرح فتح القدير (١/ ٣٦)، بدائع الصنائع (١/ ٢٣)، وهناك قول في مذهب الحنفية، أن مسح الرقبة بدعة، انظر شرح فتح القدير (١/ ٣٦).\n(^٢) الوسيط للغزالي (١/ ٢٨٨)، روضة الطالبين (١/ ٦١).\n(^٣) شرح العمدة (١/ ١٩٣).\n(^٤) يرى المالكية كراهية مسح الرقبة، انظر حاشية الدسوقي (١/ ١٠٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٢٨)، المنهج القويم (ص: ٤٧)، إعانة الطالبين (١/ ٤٩)، روضة الطالبين (١/ ٦١)، مغني المحتاج (١/ ٦٠)، المبدع (١/ ١١٢)، الإنصاف (١/ ١٣٧)، الروض المربع (١/ ٤٨).","vol":"2","page":323},{"text":"حدثني أبي قال: حدثنا ليث، عن طلحة، عن أبيه،\nعن جده، أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق بمرة (^١).\nقال: القذال السالفة العنق.\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٤١٨).\n(^٢) في إسناده ليث بن أبي سليم، قال فيه الحافظ: صدوق، اختلط جدًّا فلم يتميز، فترك.\nوفي إسناده أيضًا والد طلحة، مصرف بن كعب، وقيل: ابن عمرو بن كعب، لم يرو عنه إلا ولده طلحة، ولم يوثقه أحد، ولذلك قال بن حجر في التقريب: مجهول.\nوذكر أبو داود عن أحمد قوله: «كان ابن عيينة ينكره، ويقول: إيش هذا طلحة عن أبيه عن جده، وكذلك حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني».اهـ انظر سنن البيهقي (١/ ٥١)، وتلخيص الحبير (١/ ٧٨).\nوقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام كما في البدر المنير (٣/ ٢٨٤): «وعلة الخبر عندي الجهل بحال مصرف بن عمرو، والد طلحة بن مصرف».اهـ\nوفي إسناده جد طلحة، وقد اختلف هل له صحبة أم لا على قولين، سبق أن ذكرتهما في الكلام على حديث الفصل بين المضمضة والاستنشاق.\nوالحديث أخرجه أبو داود (١٣٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٠)، والطبراني في الكبير (١٩/رقم ٤٠٧، ٤٠٨) من طريق عبد الوارث به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٧) عن حفص بن غياث، عن ليث به، بلفظ: رأيت النبي ﷺ توضأ فمسح رأسه هكذا، وأمر حفص بيديه على رأسه حتى مسح قفاه.\nوهذا اللفظ لا اعتراض عليه موافق لحديث عبد لله بن زيد في الصحيح: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهبا بهما إلى قفاه).\nوأخرجه البيهقي (١/ ٦٠) من طريق طلق بن غنام وعمر بن حفص بن غياث، كلاهما عن حفص بن غياث بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا مسح رأسه استقبل رأسه بيديه حتى يأتي على أذنيه وسالفته.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٦٠) من طريق يحيى الحماني، ثنا حفص بن غياث، عن ليث به، بلفظ: ولفظه: أبصر النبي ﷺ حيث توضأ مسح رأسه وأذنيه، وأمر يديه على قفاه.\nوقد ضعف إسناده كل من البيهقي والنووي والحافظ ابن حجر.\nقال النووي في المجموع (١/ ٤٨٨) ضعيف بالاتفاق، وانظر تلخيص الحبير (١/ ٩٢).","vol":"2","page":324},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-695> الدليل الثاني:</span>\n(٢٨٤ - ١٣٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى، أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟\nفقال عبد الله بن زيد: نعم، وفيه: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقد ثبت أن الرسول ﷺ مسح قفاه عند مسح رأسه، والعنق يدخل في القفا.\nولا يصح هذا الاستدلال:\nلأن البيان لمسح الرأس، لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) والعنق ليس من الرأس، ولأن قوله: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، فالضمير في قفاه يعود إلى أقرب مذكور، وهو الرأس، والعنق ليس من الرأس.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-696> الدليل الثالث:</span>\n(٢٨٥ - ١٣٩) قال أبو نعيم في تاريخ أصبهان: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن داود، حدثنا عثمان بن خرزاد، حدثنا عمر بن محمد بن الحسن، حدثنا محمد بن عمرو الأنصاري، عن أنس بن سيرين،\nعن ابن عمر أنه كان إذا توضأ مسح عنقه، ويقول: قال رسول الله ﷺ: من توضأ، ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥).\n(^٢) تلخيص الحبير (١/ ٩٣).","vol":"2","page":325},{"text":"[لا يثبت في مسح العنق حديث مرفوع] (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-697> دليل الجمهور على عدم استحباب مسح العنق:</span>\nقالوا: لم يثبت في مسح العنق شيء، والأصل عدم المشروعية، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ ولم يرد فيه مسح العنق، وإذا لم يثبت فيه شيء كان التقرب به بدعة للحديث من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد، وهذا القول هو الصحيح.\n* * *\n_________\n(^١) وقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٣٨): «غريب لا أعرفه إلا من كلام موسى بن طلحة، كذلك رواه أبو عبيد في غريبه».اهـ\nوقد نقل إسناده الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ٩٢)، فقال: «ما رواه أبو عبيد في كتاب الطهور عن عبد الرحمن بن مهدي، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن موسى بن طلحة قال: من مسح قفاه مع رأسه وقي الغل يوم القيامة.\nقال الحافظ: فيحتمل أن يقال: هذا وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، فهو على هذا مرسل».اهـ\nقلت: والمرسل من قبيل الضعيف.\nوروي بلفظ: مسح العنق أمان من الغل.\nقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٣٨): لا يعرف مرفوعًا وإنما هو قول بعض السلف، وقال النووي في شرح أعطى وغيره موضوع. اهـ\nوقال النووي في كلامه على الوسيط نقلًا من البدر المنير (١/ ٣٨): «لا يصح في مسح الرقبة شيء».\nوقال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ١٩٥) «ولم يصح عنه في مسح العنق حديث البتة».اهـ","vol":"2","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>مبحث\nفي كيفية مسح العنق عند القائلين به</span>\n[م-١٢٩] اختلف القائلون باستحباب مسح الرقبة، هل تمسح ببقية ماء الرأس أو بماء جديد؟ على قولين.\nفمنهم من رأى أنها تمسح بماء الرأس، باعتبار أن الرقبة تابعة للرأس حكمًا فهي عضو طهارته مسحه، ومتصلة بالرأس كاتصال الأذنين به.\nومنهم من رأى أنها تمسح بماء جديد، فالخلاف فيها كالخلاف في الأذنين (^١).\nوقد ترجح أن الرقبة لا يشرع في حقها المسح، ولو كان مشروعًا لمسحت بماء الرأس كما هو الراجح في الأذنين والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر نيل الأوطار (١/ ٢٠٤)، وقال ابن الهمام (١/ ٣٦) ومسح الرقبة مستحب بظهر اليدين لعدم استعمال بلتهما.","vol":"2","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>الفصل الحادي عشر من سنن الوضوء دلك أعضاء الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- منشأ الخلاف هل حقيقة الغسل لغة هو إيصال الماء مع الدلك؛ لأن الواجب الغسل، وذلك يقتضي صفة زائدة على إيصال الماء؛ لأن العرب فرقوا بين الغسل والغمس، فتقول غمست اللقمة في المرق، ولا تقول غسلتها.\nأو أن حقيقة الغسل هو جريان الماء على العضو فقط؛ لقول العرب غسلت السماء الأرض إذا أمطرتها، والدلك قدر زائد على ذلك، لقوله ﷺ: خذه فأفرغه عليك، وإنما يدخل الدلك في إسباغ الوضوء، وهو مسنون (^١).\n[م-١٣٠] اختلف العلماء في حكم دلك أعضاء الوضوء:\nفذهب الجمهور إلى أن الدلك مستحب في طهارة الحدث، وليس بواجب (^٢).\n_________\n(^١) انظر الذخيرة (١/ ٣٠٩)، شرح التلقين للمازري (١/ ٢١٠)، المعونة (١/ ١٣٣).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٥٢)، وفي الفتاوى الهندية (١/ ٩) اعتبروا الدلك من آداب الوضوء. وفي حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٣) من السنن.\nوقال النووي في المجموع (١/ ٤١٧): لا يجب إمرار اليد على الوجه ولا غيره من الأعضاء لا في الوضوء ولا في الغسل لكن يستحب، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. اهـ وانظر المغني (١/ ٢٩٠)، والإنصاف (١/ ١٣٥)، المحلى (مسألة: ١١٥).","vol":"2","page":328},{"text":"وقيل: الدلك شرط، وإلى هذا ذهب مالك (^١)،\nوالمزني (^٢)، وهو مذهب عطاء ﵀ (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-700> دليل الجمهور:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-701> الدليل الأول:</span>\n(٢٨٦ - ١٤٠) ما رواه البخاري بإسناده عن عمران بن حصين من حديث طويل، وفيه:\nصلى النبي ﷺ بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك، ثم قال له بعد أن حضر الماء: اذهب فأفرغه عليك. الحديث (^٤).\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١٣٢، ١٣٣)، وقال في مواهب الجليل (١/ ٢١٨): وقد اختلف في الدلك هل هو واجب أو لا على ثلاثة أقوال؟ المشهور الوجوب وهو قول مالك في المدونة بناء على أنه شرط في حصول مسمى الغسل، قال ابن يونس: لقوله ﵊ لعائشة ﵂ (وادلكي جسدك بيدك) والأمر على الوجوب، ولأن علته إيصال الماء إلى جسده على وجه يسمى غسلًا، وقد فرق أهل اللغة بين الغسل والانغماس.\nوالثاني: نفي وجوبه لابن عبد الحكم، بناء على صدق اسم الغسل بدونه.\nوالثالث: أنه واجب لا لنفسه، بل لتحقق إيصال الماء، فمن تحقق إيصال الماء لطول مكث أجزأه، وعزاه اللخمي لأبي الفرج، وذكر ابن ناجي أن ابن رشد عزاه له، وعزا ابن عرفة القول الثاني ... لأبي الفرج وابن عبد الحكم، قال في التوضيح: ورأى بعضهم أن هذا راجع إلى القول بسقوط الدلك، والخلاف في الغسل كالخلاف في الوضوء، قال ابن عرفة: وظاهر كلام أبي عمر ابن عبد البر أن الخلاف في الغسل فقط دون الوضوء أي: فيجب فيه بلا خلاف.\nقال ابن ناجي: وحكى المسناوي قولا بأنه سنة، ولا أعرفه، فيتحصل في ذلك أربعة أقوال. (قلت): بل خمسة والخامس: التفرقة بين الوضوء والغسل. وانظر الخرشي (١/ ١٢٦)، حاشية العدوي (١/ ١٨٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٩٠)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١١٠، ١١١).\n(^٢) المجموع (١/ ٢١٤).\n(^٣) المغني (١/ ٢٩٠).\n(^٤) صحيح البخاري (٣٤٤).","vol":"2","page":329},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ لم يطلب منه إلا إفراغ الماء على جسده، ولو كان الدلك شرطًا في الطهارة لأخبره النبي ﷺ، خاصة أنه كان يجهل أن التيمم رافع للحدث، وتأخير البيان عن وقته لا يجوز.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-702> الدليل الثاني:</span>\n(٢٨٧ - ١٤١) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^١).\nفقوله: (إنما كان يكفيك) ساقه مساق الحصر، وقوله: (ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) دليل أن الدلك ليس شرطًا في الطهارة وإلا لما طهرت بمجرد إفاضة الماء، وإذا لم يكن الدلك شرطًا في الطهارة الكبرى لم يكن شرطًا في الطهارة الصغرى من باب أولى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-703> الدليل الثالث:</span>\nمن النظر، قال ابن قدامة: «ولأنه غسل واجب، فلم يجب فيه إمرار اليد كغسل النجاسة».اهـ\nولأنه لا يقصد من غسل الجنابة النظافة، بدليل أنه لو اغتسل وتنظف بالمنظفات، ثم جامع وجب عليه الغسل، فالمراد به التعبد، فلا يكون الدلك شرطًا فيه.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-704> دليل المالكية على وجوب الدلك:</span>\nقالوا: إن الله ﷾ أمر بغسل أعضاء الوضوء، والدلك شرط في\n_________\n(^١) مسلم (٣٣٠).","vol":"2","page":330},{"text":"حصول مسمى الغسل، فلا يكون هناك غسل إلا إذا كان معه دلك، فليس المطلوب هو وصول الماء إلى هذه الأعضاء، بل المطلوب إيصال الماء إلى الجسد على وجه يسمى غسلًا، ولا يتحقق هذا إلا بالدلك (^١).\nقال عطاء في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلًا؛ لأن الله تعالى قال: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه (^٢).\nوهذا القول ليس عليه دليل، والصحيح أن الغسل هو جريان الماء على العضو، وقد شهد لذلك حديث عمران بن الحصين وحديث أم سلمة المتقدمان.\nقال ابن حزم: من غمس أعضاء الوضوء في الماء ونوى به الوضوء للصلاة، أو وقف تحت ميزاب حتى عمها الماء ونوى بذلك الوضوء للصلاة، أو صب الماء على أعضاء الوضوء للصلاة، أو صب الماء على أعضاء الوضوء غيره ونوى هو بذلك الوضوء للصلاة أجزأه. برهان ذلك أن اسم (غسل) يقع على ذلك كله في اللغة التي بها نزل القرآن، ومن ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدلك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على طهارة التيمم، قال المزني: ولأن التيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذلك هنا.\n- وأجيب:\nقال ابن قدامة: وأما قياسه على التيمم فبعيد؛ لأن التيمم أمرنا فيه بالمسح، والمسح لا يكون إلا باليد، ويتعذر في الغالب إمرار التراب إلا باليد.\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل بتصرف يسير (١/ ٢١٨).\n(^٢) المغني (١/ ٢٩٠).\n(^٣) المحلى (مسألة: ١١٥).","vol":"2","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>الفصل الثاني عشر في إطالة الغرة والتحجيل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>المبحث الأول في تعريف الغرة والتحجيل</span>\nالغُرة: بالضم بياض في الجبهة. وفي الصحاح في جبهة الفرس.\nوقال ابن سيده: وعندي: أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض من الوجه، لا أنه البياض.\nوقيل: الأغر: الأبيض من كل شيء. ثم استعيرت، فقيل في أكْرَم كلّ شيء: غُرّته وفلان غرة قومه: أي سيدهم. ورجل أغر: أي شريف. وغُرَّةُ كل شيء أوله وأكرمه.\nوالغُرَّةُ: العبد والأمة وفي الحديث قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغُرّة. وكأنه عبَّر عن الجسم كله بالغُرَّة.\nورجل غِرٌّ بالكسر وغَرِيرٌ أي غير مُجرب وجارية غِرَّةٌ وغَرِيرَةٌ وغِرٌّ أيضًا بيِّنة الغَرَارَةُ بالفتح وقد غَرَّ يغِر بالكسر غَرَارَةً بالفتح.\nوالاسم: الغِرَّةُ بالكسر والغِرّة أيضًا الغفلة (^١).\nوالتحجيل: المحجل: هو: هو الذي يَرْتَفع البياض في قَوائمه إلى مَوْضِع القَيْد،\n_________\n(^١) لسان العرب (٥/ ١٤)، مختار الصحاح (ص: ١٩٧)، الفائق (٣/ ٦٢).","vol":"2","page":332},{"text":"ويُجَاوِز الأرْسَاغ ولا يُجِاوِز الركْبَتَيْن، لأنَّهُما مواضِع الأحْجَال وهي الخَلاخِيل والقُيُود، ولا يكون التَّحْجيل باليد واليدين ما لم يكُنْ معَها رِجْل أو رِجْلان.\nومنه الحديث أمَّتي الغُرُّ المُحَجَّلُون أي بيضُ مَواضع الوُضوء من الأيْدي والوجْه والأقْدام، اسْتَعار أثرَ الوضوء في الوجْه واليَدَين والرّجْلين للإنسان من البَياضِ الذي يكون في وجْه الفَرس ويَدَيْه ورجْلَيْه.\nوفي حديث علي ﵁ أنه قال له رجُل: إنّ اللُّصُوص أخَذُوا حِجْلَي امْرَأتي أي خَلْخَالَيه (^١).\nقال العلماء: سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلًا تشبيهًا بغرة الفرس.\nوتطويل الغرة: قيل: هو غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائد على الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيقان كمال الوجه، وأما تطويل التحجيل: فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين.\n* * *\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٤٦)، لسان العرب (١١/ ١٤٤).","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>المبحث الثاني في استحباب إطالة الغرة والتحجيل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- هل ما قارب الشيء يعطى حكمه؟\n- الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة.\n[م-١٣١] اختلف أهل العلم في إطالة الغرة والتحجيل:\nفقيل: تشرع إطالة الغرة والتحجيل، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: لا يشرع إطالتهما، وهو مذهب المالكية (^٢)، واختاره ابن القيم (^٣).\n_________\n(^١) اعتبر الحنفية إطالة الغرة والتحجيل من آداب الوضوء، انظر شرح فتح القدير (١/ ٣٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٣٠).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٤٥٨، ٤٦٠)، أسنى المطالب (١/ ٤٠)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٦٣).\nوانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ١٠١)، الإنصاف (١/ ١٦٨)، المغني (١/ ٧٤).\n(^٢) كره المالكية الزيادة على المحل المفروض، واعتبروه من الغلو ومجاوزة الحد، وفسروا إطالة الغرة: أي بمداومة الوضوء. انظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٢٨)، التاج والإكليل (١/ ٣٨٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٣)، منح الجليل (١/ ٩٥، ٩٦). وانظر اختيار ابن القيم في زاد المعاد (١/ ١٩٦).\n(^٣) زاد المعاد (١/ ١٩٦).","vol":"2","page":334},{"text":"وقيل: تشرع إطالة التحجيل دون الغرة (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-709> دليل من قال: تشرع إطالة الغرة والتحجيل:</span>\n(٢٨٨ - ١٤٢) ما رواه مسلم من طريق نعيم بن عبد الله المجمر، قال:\nرأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: قال رسول الله ﷺ: أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله (^٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-710> دليل من قال: لا تشرع إطالتهما:</span>\nمن ذهب إلى أن الغرة والتحجيل لا يشرعان في الوضوء رأى أن لفظ: فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله مدرجة في الحديث، وأن هذا اللفظ من قول ... أبي هريرة.\nقال الحافظ ﵀: «لم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه - يعني: نعيم ابن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة» (^٣).\nوقال ابن القيم: «لم يثبت عنه -أي عن النبي ﷺ- أنه تجاوز المرفقين والكعبين، ولكن أبو هريرة كان يفعل ذلك، ويتأول حديث إطالة الغرة، وأما حديث أبي هريرة\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٥٩).\n(^٢) مسلم (٢٤٦)، ورواه البخاري (١٣٦) ومسلم (٢٤٦) من طريق نعيم به، بلفظ: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل.\n(^٣) فتح الباري (١/ ٢٣٦).","vol":"2","page":335},{"text":"في صفة وضوء النبي ﷺ أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة» (^١).\nوالذي يدل على أنه فهمٌ من أبي هريرة، (٢٨٩ - ١٤٣) ما رواه مسلم، من طريق أبي حازم، قال:\nكنت خلف أبي هريرة، وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ!! أنتم ها هنا؟ لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء (^٢).\nوفي البخاري عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، ثم دعا بتور من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: أشيء سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: منتهى الحلية (^٣).\nففهم أبو هريرة أن الحلية ممكن زيادتها إذا زيد في غسل اليدين والرجلين، مع أن لفظ الحديث تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء: المقصود به الوضوء الشرعي المحدود في كتاب الله سبحانه، بدليل أن الرسول ﷺ لم يجاوز الحد الذي حده الله له في قوله: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ)، والله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-711> دليل من قال: تشرع إطالة التحجيل دون الغرة:</span>\nقالوا: أولًا: أن إطالة الغرة جاء بلفظ قال فيه المحققون: بأنه مدرج من كلام أبي هريرة، لكن إطالة التحجيل جاء بلفظ مرفوع إلى النبي ﷺ،\n(٢٩٠ - ١٤٤) ففي مسلم من طريق نعيم بن عبد الله المجمر، قال:\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ١٩٦).\n(^٢) مسلم (٢٥٠).\n(^٣) البخاري (٥٩٥٣).","vol":"2","page":336},{"text":"رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ ..... الحديث (^١).\nفقوله: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ) دليل على أن هذا الوضوء بهذه الصفة مرفوع إلى النبي ﷺ، وليس مدرجًا من كلام أبي هريرة.\nولكن سبق جواب ابن القيم عليه، فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة، والله أعلم.\nثانيًا: لا يمكن الإطالة إلا في اليد والساق، بخلاف الوجه؛ فإن الوجه يجب استيعابه (^٢).\n- الراجح:\nبعد استعراض الأقوال نجد أن القول بعدم المشروعية أقوى وأرجح من حيث الدليل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٢٤٦).\n(^٢) وتعقبه الرافعي كما في المجموع (١/ ٤٥٩): بأن الإطالة في الوجه أن يغسل إلى اللبة وصفحة العنق. اهـ وهذه الزيادة بهذا المقدار تحتاج إلى توقيف، ولا دليل عليه، والله أعلم.","vol":"2","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-712>الفصل الثالث عشر في تنشيف أعضاء الوضوء بمنديل ونحوه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الإجماع منقول على أن التنشيف لا يحرم.\n- إذا كان هناك حاجة إلى التنشيف من برد ونحوه، فلا كراهة قطعًا.\n- رد المنديل واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال.\n- رد المنديل يحتمل أنه لا يريد تنشيف أعضاء الوضوء، ويحتمل أن الأمر يتعلق بالمنديل، ويحتمل غيرهما؛ لأن الرد لم يعلل، إلا أن نفض الماء من أعضاء الوضوء دليل على أن بقاء الماء على أعضاء الوضوء ليس مقصودًا للشارع؛ فالتنشيف والنفض كلاهما إزالة للماء.\n[م-١٣٢] ذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة (^١)، إلى أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء والغسل، وهو قول في مذهب الشافعية (^٢).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٧٣)، تبيين الحقائق (١/ ٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٦٣)، المدونة (١/ ١٢٥)، الخرشي (١/ ١٤٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٤)، منح الجليل (١/ ٩٧)، المغني (١/ ٩٥) الفروع (١/ ١٥٦)، الإنصاف (١/ ١٦٦)، كشاف القناع (١/ ١٠٦).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٨٦).","vol":"2","page":338},{"text":"وقيل: يكره في الوضوء والغسل، وهو رواية في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: يكره في الوضوء دون الغسل، وهو قول ابن عباس (^٢).\nوفي مذهب الشافعية خمسة أوجه، ذكرها النووي، وهي:\nأشهرها: أن المستحب تركه، ولا يقال فعله مكروه.\nوالثاني: أنه مكروه.\nوالثالث: أنه مباح يستوي فعله وتركه.\nوالرابع: أنه مستحب لما فيه من الاحتراز من الأوساخ.\nوالخامس: يكره في الصيف دون الشتاء (^٣).\nوقبل ذكر الآثار في المسألة ينبغي أن يعلم ما يأتي:\nأولًا: أن الإجماع منقول على أن التنشيف لا يحرم، نقل الإجماع المحاملي.\nثانيًا: إذا كان هناك حاجة إلى التنشيف فلا كراهة قطعًا، كما لو كان هناك برد شديد؛ لأنه لا كراهة مع الحاجة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-713> دليل من قال: بكراهة التنشيف:</span>\n(٢٩١ - ١٤٥) ما رواه البخاري من طريق سالم، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس،\nعن ميمونة قالت: وَضَعَ رسول الله ﷺ وضوءًا لجنابة، فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثًا، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثًا،\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٦٦).\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٨) رقم ١٥٩٤، قال: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: يتمسح من طهور الجنابة، ولا يتمسح من طهور الصلاة. اهـ\n(^٣) المجموع (١/ ٤٨٦)، أسنى المطالب (١/ ٤٢)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٦٣)، نهاية المحتاج (١/ ١٩٥).","vol":"2","page":339},{"text":"ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل جسده، ثم تنحى فغسل رجليه، قالت: فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض بيده (^١).\nوفي رواية ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها (^٢).\nولفظ مسلم: ثم أتيته بالمنديل فرده (^٣).\n- وأجيب بما يلي:\nقال ابن رجب: «استدل بعضهم برد النبي ﷺ الثوب على كراهة التنشيف، ولا دلالة فيه على الكراهة، بل على أن التنشيف ليس مستحبًا، ولا أن فعله هو أولى، ولا دلالة للحديث على أكثر من ذلك، كذا قال الإمام أحمد وغيره من العلماء» (^٤).\nوقال ابن حجر: استدل بعضهم بقوله: (فناولته ثوبًا فلم يأخذه) على كراهة التنشيف بعد الغسل، ولا حجة فيه؛ لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر أخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلًا، أو غير ذلك. قال المهلب: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ، وقال أيضًا عن ابن دقيق العيد بأن نفضه الماء بيديه يدل على أن لا كراهة للتنشيف؛ لأن كلًا منهما إزالة. وقال إبراهيم النخعي: إنما رده لئلا تصير عادة» (^٥).\nقلت: كل هذه الاحتمالات واردة وإن كان الأصل عدمها، وأجود ما يقال: بأن رده للتنشيف يدل على عدم استحبابه، لكن لا يصيره مكروهًا، فلو تنشف الإنسان لم نجزم بالكراهة، ولم نقف على أن الرسول ﷺ تركه تعبدًا، والله أعلم.\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٤).\n(^٢) البخاري (٢٥٩).\n(^٣) مسلم (٣١٧).\n(^٤) فتح الباري لابن رجب (١/ ٣٢٤).\n(^٥) فتح الباري لابن حجر (١/ ٣٦٣).","vol":"2","page":340},{"text":"وقد ذكر لي بعض الإخوة أنه وقف على كلام لبعض الأطباء بأن خلايا الجلد تنتفع ببقاء الماء عليها بعد الوضوء والغسل، وأن إزالة الماء بخرقة ونحوها يفقد خلايا الجلد انتفاعه بالماء، فإن صح هذا الكلام فلا يبعد أن يستحب بقاء الماء بعد الوضوء، وإذا رغب الإنسان بإزالته ألا يزيله بخرقة وإنما يسلته سلتًا وهذا لا يفقد الجلد انتفاعه بالرطوبة الحاصلة بالماء، والله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-714> دليل من قال: يشرع التنشيف:</span>\n(٢٩٢ - ١٤٦) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن ابن غنم،\nعن معاذ بن جبل قال: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف، ورشدين بن سعد وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي يضعفان في الحديث (^١).\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٥٤).\nوالحديث رواه الترمذي (٥٤)، والطبراني في المعجم الأوسط (٤١٨٢) وفي مسند الشاميين (٢٢٤٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٦)، من طريق قتيبة بن سعيد.\nورواه البزار (٢٦٥٢) من طريق الهيثم بن خارجة، كلاهما عن رشدين بن سعد به، ورشدين ضعيف، وقد قدم أحمد ابن لهيعة عليه. كما في الجرح والتعديل (٣/ ٥١٣)، وانظر ترجمته في سنن الفطرة، (ح ٦٢٠).\nوعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، جاء في ترجمته:\nقال فيه أحمد: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به. الجرح والتعديل (٥/ ٢٣٤).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٣٦١).\nومن العلماء من حاول تقويته. قال الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن معين وغيره، ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث. تهذيب الكمال (١٧/ ١٠٨). ...\nوقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث الإفريقي؟ قال: نعم. قلت: صحيح الكتاب؟ قال: نعم. تهذيب الكمال (١٧/ ١٠٧).\nوقال أبو الحسن القطان: كان من أهل العلم والزهد، بلا خلاف بين الناس، ومن الناس من يوثقه، ويربأ به عن حضيض رد الرواية، والحق فيه أنه ضعيف، لكثرة رواية المنكرات، وهو أمر يعتري الصالحين. اهـ تهذيب التهذيب (٦/ ١٥٩).\nوكلام ابن القطان قد لخص ما قيل فيه. ونحوه قول ابن حجر في التقريب: ضعيف في حفظه، وكان رجلًا صالحًا.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٦٨) قال: حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي حدثنا عبد الله ابن صالح، حدثني الليث، حدثني الأحوص بن حكيم، عن محمد بن سعيد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم،\nعن معاذ بن جبل، قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على وجهه بطرف ثوبه في الوضوء.\nوهذا إسناد موضوع، فيه محمد بن سعيد المصلوب، وقد اتهم بالوضع.\nانظر تحفة الأشراف (١١٣٣٥).","vol":"2","page":341},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-715> الدليل الثاني:</span>\n(٢٩٣ - ١٤٧) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا سفيان بن وكيع بن الجراح حدثنا عبد الله بن وهب عن زيد بن حباب عن أبي معاذ عن الزهري عن عروة،\nعن عائشة قالت: كان لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء.\nقال أبو عيسى: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو معاذ يقولون: هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف عند أهل الحديث (^١).\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٥٣).\nورواه الدارقطني (١/ ١١٠) من طريق يونس بن عبد الأعلى.\nوابن عدي في الكامل (٣/ ٢٥١) من طريق أبي الطاهر.\nوالحاكم (١/ ١٥٤) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٨٥) من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب به.\nوقد جزم الدارقطني بأن أبا معاذ: هو سليمان بن أرقم، قال: وهو متروك، وقال مثله البيهقي. وقال ابن عدي أيضًا: أبو معاذ: هو سليمان بن أرقم.\nوخالفهم الحاكم، فقال: أبو معاذ: هو الفضل بن ميسرة بصري روى عنه يحيى بن سعيد، وأثنى عليه. اهـ والصواب أنه سليمان بن أرقم.\nأولًا: لأن الدارقطني -وحسبك به- وابن عدي والبيهقي ومال الترمذي إلى ذلك، كلهم يرى أنه سليمان بن أرقم.\nثانيًا: لو كان الزهري من شيوخ الفضل بن ميسرة لذكر مع شيوخه، فلا يهمل شيخ مثل الزهري، كما لم يذكر أن زيد بن الحباب من تلاميذه، وقد ذكروا في ترجمة سليمان بن أرقم أنه روى عن الزهري، وعنه زيد بن الحباب، فهذه قرينة ترجح أن أبا معاذ: هو سليمان ابن أرقم.\nفالإسناد ضعيف جدًّا، والله أعلم.\nانظر إتحاف المهرة (٢٢٠٨٠)، تحفة الأشراف (١٦٤٥٧).","vol":"2","page":342},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-716> الدليل الثالث:</span>\n(٢٩٤ - ١٤٨) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا العباس بن الوليد وأحمد بن الأزهر قالا: حدثنا مروان بن محمد، حدثنا يزيد بن السمط، حدثنا الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة،\nعن سلمان الفارسي، أن رسول الله ﷺ توضأ، فقلب جبة صوف كانت عليه، فمسح بها وجهه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٦٨).\n(^٢) الحديث خرجه ابن ماجه (٤٦٨)، والطبراني في مسند الشاميين (٦٥٧) عن العباس بن الوليد الخلال.\nوأخرجه ابن ماجه (٤٦٨) عن أحمد بن الأزهر، عن مروان بن محمد، عن يزيد بن السمط، عن الوضين، عن محفوظ بن علقمة، عن سلمان.\nورواه الطبراني في مسند الشاميين (٦٦١)، وفي المعجم الأوسط (٢٢٦٥)، والصغير (١/ ٢٨) حدثنا أحمد بن الحسن بن علي الدمشقي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الجعفي، حدثنا مروان بن محمد الطاطري، عن يزيد بن السمط، عن الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد، عن محفوظ بن علقمة، عن سلمان.\nفزاد في إسناده يزيد بن مرثد بين الوضين ومحفوظ. وشيخ الطبراني فيه جهالة، وانظر تحفة الأشراف (٤/ ٣٤).\nوالحديث له علتان:\nالأولى: الانقطاع، فإن محفوظ بن علقمة لم يُثْبِت أحد سماعه من سلمان ﵁، وقال المزي وابن حجر في ترجمة محفوظ: روى عن سلمان، ويقال: مرسل.\nقال البوصيري: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وفي سماع محفوظ عن سلمان نظر.\nالعلة الثانية: سوء حفظ الوضين بن عطاء، فقد جاء في ترجمته:\nوقال الوليد بن مسلم: كان صاحب خطب، ولم يكن في الحديث بذاك. ضعفاء العقيلي (٤/ ٣٢٩).\nوقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. تهذيب الكمال (٣٠/ ٤٥١).\nوقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: واهي الحديث. أحوال الرجال (٢٩٩).\nوقال أبو حاتم: تعرف وتنكر. الجرح والتعديل (٩/ ٥٠).\nوقال إبراهيم الحربي: غيره أوثق منه. تاريخ بغداد (١٣/ ٥١٢).\nوقال أحمد: ثقة، ليس به بأس. الجرح والتعديل (٩/ ٥٠).\nوقال يحيى بن معين: لا بأس به. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسًا. الكامل (٧/ ٨٨).\nوقال عبد الرحمن بن إبراهيم: ثقة. المرجع السابق.\nوقال أبو داود: صالح الحديث. تاريخ بغداد (١٣/ ٥١٢).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٦٤).\nوفي التقريب: صدوق سيء الحفظ، ورمي بالقدر.","vol":"2","page":343},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-717> الدليل الرابع:</span>\n(٢٩٥ - ١٤٩) ما رواه البيهقي من طريق أبي زيد النحوي، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، عن أنس بن مالك،\nعن أبي بكر الصديق، أن النبي ﷺ كانت له خرقة يتنشف بها بعد الوضوء.\n[شاذ] (^١).\n_________\n(^١) قال البيهقي: وإنما رواه أبو عمرو بن العلاء، عن إياس بن جعفر، أن رجلًا حدثه أن النبي ﷺ كانت له خرقة أو منديل فكان إذا توضأ مسح بها وجهه ويديه.\nأخبرنا أبو الحسن بن أبي المعروف الفقيه، أخبرنا أبو سهل بشر بن أحمد الإسفرائيني، حدثنا أحمد ابن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، ثنا القواريري، ثنا عبد الوارث، عن أبي عمرو بن العلاء، عن إياس بن جعفر فذكره، وهذا هو المحفوظ من حديث عبد الوارث.","vol":"2","page":344},{"text":"وكل هذه الأحاديث لا يثبت منها شيء، والحال كما قال الإمام أبو عيسى الترمذي ﵀: لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء (^١).\n* * *\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٥٣).","vol":"2","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>الفصل الرابع عشر يستحب تجديد الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- التجديد متلقى من الشارع، ولهذا يشرع تجديد الوضوء، ولا يشرع تجديد الغسل، ولا التيمم.\n- هل تجديد الوضوء راجع إلى كون الوضوء تارة يقصد لنفسه، وتارة يقصد لغيره، بخلاف الغسل والتيمم فإنهما طهارتان مقصودتان لغيرهما.\n[م-١٣٣] يستحب تجديد الوضوء، وهو أن يكون على وضوء، ثم يتوضأ من\nغير أن يحدث ومتى يستحب؟\nفيه أقوال:\nالقول الأول: يستحب له التجديد مطلقًا، حتى ولو لم يمض زمن يحصل به التفريق بين الوضوء الأول والوضوء الثاني، وهو قول في مذهب الحنفية، وحكاه إمام الحرمين من الشافعية، وضعفه (^١).\nالقول الثاني:\nيستحب بشرط أن يفصل بين الوضوءين بمجلس أو صلاة، فإن لم يفصل كره،\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٩)، غمز عيون البصائر (٤/ ٧٥)، المجموع (١/ ٤٩٤).","vol":"2","page":346},{"text":"وهذا قول في مذهب الحنفية (^١).\nالقول الثالث: إن صلى به فرضًا، وبه قال القاضي عياض، وبه قطع الفوراني من الشافعية (^٢).\nالقول الرابع: لا يندب تجديد الوضوء إلا للصلاة، ولو نافلة أو لطواف لا لغيرهما من العبادات كمس مصحف بشرط أن يكون قد صلى بذلك الوضوء ولو نفلًا، أو فعل به ما يتوقف على الطهارة كطواف ومس مصحف على الراجح، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (^٣).\nوقيل: يندب التجديد إن صلى به صلاة فرضًا كانت أو نفلًا، وهو أصح الأوجه عند الشافعية، ومذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (^٤).\nالقول الخامس: يستحب إن كان فعل بالوضوء الأول ما يستحب له الوضوء\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٩).\n(^٢) في مذهب المالكية قولان: أحدهما: إن صلى به فرضًا، أو فعل فعلًا يفتقر إلى الطهارة، وهو اختيار القاضي عياض، قال ابن العربي: وهو قول الأكثر.\nوالثاني: إن صلى به صلاة فرضًا كانت أو نافلة. انظر التاج والإكليل (١/ ٤٤٠)، الخرشي (١/ ١٣٨)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٣)، الذخيرة (١/ ٢٨٦)، وانظر المجموع (١/ ٤٩٤).\n(^٣) الشرح الكبير للدردير (١/ ١٢٤)، منح الجليل (١/ ١١٧)، شرح الخرشي (١/ ١٥٩).\n(^٤) مغني المحتاج (١/ ٧٤)، أسنى المطالب (١/ ٧١)، وقال النووي في المجموع (١/ ٤٩٤): «قال النووي: فيه خمسة أوجه: أصحها إن صلى بالوضوء الأول فرضًا أو نفلًا وبه قطع البغوي.\nوالثاني: إن صلى فرضًا استحب وإلا فلا، وبه قطع الفوراني.\nوالثالث: يستحب إن كان فعل بالوضوء الأول ما يقصد له الوضوء وإلا فلا ....\nوالرابع: إن صلى بالأول أو سجد لتلاوة أو شكر أو قرأ القرآن في المصحف استحب وإلا فلا .... والخامس: يستحب التجديد ولو لم يفعل بالوضوء الأول شيئًا أصلًا ....».\nوانظر كشاف القناع (١/ ٨٩)، مطالب أولي النهى (١/ ١١٠)، في مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٧٦): «وإنما تكلم الفقهاء فيمن صلى بالوضوء الأول، هل يستحب له التجديد؟ وأما من لم يصل به فلا يستحب له إعادة الوضوء؛ بل تجديد الوضوء في مثل هذا بدعة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ ولما عليه المسلمون في حياته وبعده إلى هذا الوقت».اهـ","vol":"2","page":347},{"text":"وإلا فلا، ذكره الشاشي في كتابيه المعتمد والمستظهري في باب الماء المستعمل واختاره.\nولا يسن تجديد الغسل أو التيمم على الأصح (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-719> الدليل على استحباب تجديد الوضوء:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-720> الدليل الأول:</span>\n(٢٩٦ - ١٥٠) ما رواه البخاري من طريق سفيان، قال: حدثني عمرو بن عامر،\nعن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-721> الدليل الثاني:</span>\n(٢٩٧ - ١٥١) ما رواه مسلم من طريق سفيان قال حدثني علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة،\nعن أبيه، أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه؟ قال: عمدًا صنعته يا عمر (^٣).\nفكان الغالب على فعله ﷺ الوضوء لكل صلاة، سواء كان طاهرًا أو غير طاهر، ولذلك استغرب عمر صنيعه ﷺ حين صلى الصلوات بوضوء واحد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-722> الدليل الثالث:</span>\n(٢٩٨ - ١٥٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن الإفريقي، عن أبي غطيف،\nعن ابن عمر يقول: من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٩٤)، وانظر كشاف القناع (١/ ٨٩)، مطالب أولي النهى (١/ ١١٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٢١٤).\n(^٣) مسلم (٢١٧).\n(^٤) المصنف (١/ ١٦) رقم ٥٣. ومن طريق ابن أبي شيبة رواه عبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (٨٥٩).","vol":"2","page":348},{"text":"[ضعيف، وإن كان من حيث المعنى صحيحًا؛ فالحسنة بعشر أمثالها] (^١).\nوهذه الأحاديث تدل على استحباب الوضوء على الوضوء، وقد علمت الأقوال في وقت استحبابه، ولو قيل: إن الوضوء يستحب كلما تجددت أسبابه المختلفة لكان له وجه، فإذا توضأ للصلاة، ثم أراد أن يقرأ القرآن استحب له التجديد، لتجدد سبب آخر يقتضي الطهارة، ومثله لو توضأ للصلاة، ثم أرد أن يطوف بالكعبة استحب له التجديد، إلا الصلاتين المجموعتين فلا يستحب تجديده لهما، وكذلك إذا كانت الصلاة صلاة تراويح أو وتر، فلا يستحب أن يتخللها تجديد؛ لعدم النقل.\n(٢٩٩ - ١٥٣) وقد روى البخاري ومسلم من حديث إسامة بن زيد أنه قال:\n_________\n(^١) في إسناده الأفريقي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف، وسبقت ترجمته.\nوفيه أبو غطيف، مجهول، لم يرو عنه إلا الأفريقي، وقد ضعفه الترمذي، والذهبي، وقال أبو زرعة: لا أعرف اسمه. الجرح والتعديل (٩/ ٤٢٢).\nجاء في ميزان الاعتدال: «روى عنه الإفريقي فقط، قال البخاري: لم يتابع عليه. قال الذهبي: والأفريقي عبد الرحمن ضعيف».اهـ ميزان الاعتدال (٤/ ٥٦١).\nوالحديث رواه الترمذي (٥٩) من طريق محمد بن يزيد الواسطي.\nورواه أبو داود (٦٢) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٦٢) والطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٣٢٣) ح ١٤١٢٢، من طريق عيسى بن يونس.\nورواه أبو داود أيضًا (٦٢) وابن ماجه (٥١٢) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٦٢)، من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ،\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥٣)، والحميدي في مسنده (٨٥٩)، عن عبدة بن سليمان.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٢) من طريق ابن وهب، ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٣٨) من طريق ابن لهيعة،\nورواه الدولابي في الكنى والأسماء (١٥٦٥) من طريق القاسم بن مالك، كلهم عن الأفريقي به.\nقال الترمذي: وهو إسناد ضعيف.\nوقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٧٤): «هذا إسناد فيه عبد الرحمن بن زياد، وهو ضعيف».","vol":"2","page":349},{"text":"دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل، فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة يا رسول الله. فقال: الصلاة أمامك، فركب فلما جاء المزدلفة نزل، فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت لصلاة، فصلى المغرب. الحديث.\nفظاهر فعله ﷺ أنه لم يتخلل الوضوءين حدث أو صلاة، أما الحدث فيبعد وقوعه بعد ما قضى حاجته في الشعب، فكان الوضوء الأول بعد قضاء الحاجة، والوضوء الثاني لم يبعد وقوعه، فالظاهر أن الوضوء الثاني كان بمثابة التجديد، والله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-723> دليل من قال: لا يستحب التجديد حتى يفصل بينهما بمجلس أو صلاة:</span>\nلأنه إذا توضأ ثم أعقبه على إثره بوضوء آخر ولم يفصل بينهما مجلس، ولا صلاة كان بمنزلة الغسلة الرابعة، وقد قال الرسول ﷺ: الوضوء ثلاثًا فمن زاد عليه فقد أساء وتعدى وظلم.\n* * *","vol":"2","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>الفصل الخامس عشر في استقبال القبلة حال الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الأصل في العبادات الحضر.\n- أحكام القبلة توقيفية فيشرع استقبالها في الدعاء، ويشرع استدبارها للإمام حال خطبة الجمعة، وينهى عنهما حال قضاء الحاجة، وما سكت عنه فلا يشرع إلا بتوقيف.\n[م-١٣٤] استحب الجمهور استقبال القبلة حال الوضوء (^١).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٥). وقال في مراقي الفلاح (ص: ٣١): ومن آداب الوضوء أربعة عشر شيئًا، وذكر منها استقبال القبلة.\nوفرق الحنفية بين الآداب والسنن بأن آداب الشيء: ما فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين، ولم يواظب عليه، وحكمه الثواب للفاعل، وعدم اللوم على الترك.\nوأما السنة فهي التي واظب النبي ﷺ على فعلها مع الترك بلا عذر مرة أو مرتين، وحكمها الثواب، وفي تركها العتاب لا العقاب، انظر مراقي الفلاح (ص: ٣١)، بدائع الصنائع (١/ ٢٤). والراجح أن ما فعله الرسول ﷺ على وجه التعبد فهو سنة ما لم يكن بيانًا لمجمل فله حكم ذلك المجمل، سواء واظب على فعله أو فعله أحيانًا. وإن كان هذا التفصيل من الحنفية مجرد اصطلاح فلا مشاحاة في الاصطلاح، وإن كان هذا التفصيل ينسب للشرع فلا دليل عليه، نعم ما واظب عليه النبي ﷺ من السنن أوكد من السنن التي فعلها أحيانًا، والله أعلم. ...\nوانظر في مذهب المالكية الخرشي (١/ ١٣٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٤٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٢٢).\nوقال النووي الشافعي في المجموع (١/ ٤٨٩): سنن الوضوء ومستحباته، منها استقبال القبلة.\nوقال ابن مفلح الحنبلي في الفروع (١/ ١٥٢): «وظاهر ما ذكر بعضهم: يستقبل القبلة، ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل».اهـ\nونقله في شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٦).","vol":"2","page":351},{"text":"والصحيح عدم الاستحباب إلا أن تكون المسألة إجماعًا، ولم أجد أحدًا حكى الإجماع على استحباب استقبال القبلة إلا أن ابن مفلح قال: «ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل».اهـ\nوهذه العبارة ليست حكاية للإجماع والله أعلم، خاصة إذا علمنا أنه لم ينقل عن الرسول ﷺ أنه كان يتحرى القبلة عند فعل الوضوء، ولا أمر به من قوله ﷺ، والاستحباب لا يثبت إلا بدليل فعلي أو قولي، ولا دليل.\nوالقياس في العبادات غير معقولة المعنى من أضعف القياسات.\n* * *","vol":"2","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>الفصل السادس عشر من سنن الوضوء أن يقول الذكر الوارد بعده</span>\n[م-١٣٥] يستحب أن يقول بعد فراغه من الوضوء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^١).\n(٣٠٠ - ١٥٤) لما رواه مسلم من طريق أبي إدريس الخولاني، وجبير بن نفير كلاهما،\nعن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائمًا يحدث الناس، فأدركت من قوله: ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة. قال: فقلت ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفًا قال: ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ، أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (١/ ٢٤)، الفتاوى الهندية (١/ ٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٧).\nوفي مذهب المالكية: الخرشي (١/ ١٣٩)، الفواكه الدواني (١/ ١٤٤).\nوفي مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٤٨١)، تحفة المحتاج (١/ ٢٣٨).\nوفي مذهب الحنابلة: المغني (١/ ٩٤)، الإنصاف (١/ ١٦٥)، مطالب أولي النهى (١/ ١٢٠).","vol":"2","page":353},{"text":"أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء (^١).\nولا أعلم أحدًا خالف في استحباب هذا الذكر بعد الوضوء، لهذه السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ.\nوما يفعله العامة عندنا من رفع السبابة حال الذكر لا أعلم له أصلًا في الشرع، والأصل عدم المشروعية.\nكما أن استقبال القبلة حال الذكر لم يقم عليه دليل، وما قيل في استقبال القبلة حال الوضوء يقال هنا، من أن الاستقبال لو كان مشروعًا لأمر به النبي ﷺ، ولفعله ﵊، فلما لم ينقل أمره ولا فعله كان الأصل عدم التقرب إلى الله به.\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٢٣٤).","vol":"2","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>المبحث الأول في استحباب قول: اللهم اجعلني من التوابين والمتطهرين</span>\n[م-١٣٦] استحب بعض الفقهاء أن يقول بعد الوضوء: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين (^١).\n(٣٠١ - ١٥٥) لما رواه الترمذي ﵀، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي، حدثنا زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان،\nعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ، فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء (^٢).\n[زيادة اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين زيادة شاذة في هذا\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١٢)، الفتاوى الهندية (١/ ٨)، المجموع (١/ ٤٨٢)، والمغني (١/ ٩٥)، أعلام الموقعين (١/ ٢٦٧).\n(^٢) سنن الترمذي (٥٥).","vol":"2","page":355},{"text":"الحديث] (^١).\n_________\n(^١) انفرد زيد بن الحباب بهذه الزيادة، عن معاوية بن صالح، وقد خالف زيد بن الحباب من هو أوثق منه في هذا الحديث سندًا ومتنًا، وإليك تخريج الحديث ليتبين لك وجه المخالفة في السند والمتن.\nهذا الحديث مدراه على معاوية بن صالح، ويرويه معاوية عن ثلاثة شيوخ له:\nأبي عثمان، وربيعة بن يزيد، وعبد الوهاب بن بخت.\nأما رواية معاوية بن صالح، عن أبي عثمان فلم يختلف عليه فيه، فقد رواه معاوية، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر به.\nرواها أحمد (٤/ ١٥٣)، ومسلم (٦٧ - ٢٣٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي،\nوأخرجه أبو داود (١٦٩) وابن حبان (١٠٥٠) من طريق ابن وهب،\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٤٥، ١٦٤) ومن طريقه البيهقي (١/ ٧٨) من طريق ليث، ثلاثتهم عن معاوية بن صالح، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير به.\nوأبو عثمان هذا اختلف في اسمه، فجاء في الميزان (٤/ ٢٥٠) أبو عثمان، عن جبير بن نفير، لا يدرى من هو؟\nوفي العلل للدارقطني (٢/ ١١٤) هو الأصبحي.\nوفي التقريب: شيخ لربيعة بن يزيد الدمشقي، قيل: هو سعيد بن هانئ الخولاني (وهو ثقة).\nوقيل: حرز بن عثمان (وهو ثقة ثبت) وإلا فمقبول. اهـ\nوقد أخرج له مسلم متابعة.\nوأما رواية معاوية بن صالح، عن عبد الوهاب بن بخت فكذلك لم يختلف عليه فيه،\nرواه أحمد (٤/ ١٤٥، ١٤٦) من طريق ليث،\nوأخرجه البيهقي (١/ ٧٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن معاوية بن صالح، عن عبد الوهاب بن بخت، عن الليث بن سليم الجهني، عن عقبة بن عامر.\nوعبد الوهاب بن بخت ثقة، لكن الليث بن سليم الجهني جاء في تعجيل المنفعة (ص: ٢٣٤) الليث بن سليم الجهني عن عقبة بن عامر، وعنه عبد الوهاب بن بخت مجهول. اهـ\nوأما رواية معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد ففيها اختلاف:\nفرواه ابن وهب، كما في رواية أبي داود (١٦٩) وابن حبان (١٠٥٠).\nوعبد الرحمن بن مهدي، كما في رواية أحمد (٤/ ١٥٣)، ومسلم (٢٣٤).\nوالليث بن سعد، كما في مسند أحمد (٤/ ١٤٥، ١٤٦).\nوعبد الله بن صالح الجهني، كما في رواية البيهقي (١/ ٧٨) أربعتهم رووه عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر به.\nورواه زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، واختلف عليه في إسناده ومتنه: =","vol":"2","page":356},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أما المخالفة في الإسناد، فقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، كما في المصنف (١/ ٣)، ومن طريقه مسلم (٢٣٤)، والبيهقي (١/ ٧٨).\nومحمد بن علي بن حرب المروزي وموسى بن عبد الرحمن المسروقي، كما في رواية النسائي (١٤٧، ١٥١). ثلاثتهم عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة، عن أبي إدريس الخولاني، عن جبير بن نفير، عن عقبة به، فجعل بين أبي إدريس وبين عقبة بن عامر جعل جبير ابن نفير.\nفخالف زيد بن الحباب ثلاثة أئمة كل واحد منهم لا يوزن به، ولا يقاربه: منهم الإمام عبد الرحمن ابن مهدي، الذي قال فيه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه.\nومنهم الليث بن سعد، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت فقيه إمام مشهور.\nومنهم عبد الله بن وهب، قال فيه الحافظ: ثقة حافظ عابد.\nبينما الذي خالفهم زيد بن الحباب، قال فيه في التقريب: صدوق يخطئ في حديث الثوري.\nكما أن في رواية زيد بن الحباب اختلافًا آخر، فقد رواه جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي، حدثنا زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر، وهذا قد خالف في إسناده ومتنه، أما إسناده فجعل الحديث يرويه أبو إدريس وأبو عثمان عن عمر، والمحفوظ أنه من رواية أبي إدريس عن عقبة، ومن رواية أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة.\nوأما المخالفة في المتن فزاد فيه: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) تفرد بها عن زيد بن الحباب جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي، وهو صدوق وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، كما في المصنف وصحيح مسلم.\nومحمد بن علي بن حرب المروزي وموسى بن عبد الرحمن المسروقي، كما في سنن النسائي وهؤلاء ثقات، رووه عن زيد بن الحباب دون هذه الزيادة.\nكما أن جعفر بن محمد خالف جميع من رواه عن معاوية بن صالح كالليث بن سعد وابن مهدي وابن وهب، مما يجعل الباحث يجزم بشذوذ هذه اللفظة في هذا الحديث والله أعلم.\nقال أبو عيسى الترمذي: «حديث عمر قد خولف زيد بن حباب في هذا الحديث قال وروى عبد الله بن صالح وغيره، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة ابن عامر، عن عمر. وعن ربيعة، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء قال محمد: وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا». اهـ =","vol":"2","page":357},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولحديث عمر طرق أخرى غير طريق معاوية بن صالح، فقد أخرجه عبد الرزاق (١٤٢) عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة ابن عامر الجهني به، إلا أنه قال: من توضأ، فأسبغ الوضوء، ثم قام فصلى صلاة يعلم ما يقول فيها حتى فرغ من صلاته، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء.\nفجعل الذكر يقال بعد فراغه من الصلاة، والمعروف أنه يقال بعد فراغه من الوضوء.\nكما أن عبد الله بن عطاء لم ير عقبة بن عامر، انظر الثقات (٥/ ٣٣).\nورواه ابن ماجه (٤٧٠) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق به. بلفظ: ما من مسلم يتوضأ، فيحسن الوضوء ثم يقول: .. وذكر الحديث.\nوالحديث له علة ذكرها أهل الجرح والتعديل، وقد ساقها الإمام البخاري في كتابه التاريخ الصغير (ص: ١٦٢)، ونصه: حدثني أحمد بن سليمان، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، قال: سألت أبا إسحاق عن عبد الله بن عطاء الذي روى عن عقبة: كنا نتناوب رعية الإبل، قال: شيخ من أهل الطائف حدثنيه. قال شعبة: فلقيت عبد الله، فقلت: سمعته من عقبة؟ فقال: لا، حدثنيه سعد بن إبراهيم، فسألته - يعني سعد بن إبراهيم - فقال: حدثني زياد بن مخراق، فلقيت زيادًا فقال: حدثني رجل عن شهر بن حوشب. اهـ فرجع الحديث إلى شهر بن حوشب، وشهر فيه مقال مشهور، كما أن بين شهر وزياد رجلًا مبهمًا». وانظر الكامل لابن عدي (٤/ ١٦٨).\nوأخرجه أبو داود الطيالسي (١٠٠٨) واقتصر منه على ما سمع عقبة دون ما سمع عمر، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن زياد بن مخراق، عن شهر بن حوشب، عن عقبة بن عامر به.\nوله شاهد من حديث ثوبان عند الطبراني في الأوسط (٤٨٩٥)، قال: حدثنا عيسى بن محمد السمسار قال: حدثنا أحمد بن سهل الوراق قال: حدثنا مسور بن مورع العنبري قال: حدثنا الاعمش، عن سالم بن أبي الجعد،\nعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: من دعا بوضوئه، فساعة يخلو من وضوئه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. الحديث.\nوهذا الإسناد ضعيف، فيه عيسى بن محمد السمسار ومسور بن مورع العنبري لم أجد لهما ترجمة، وفيه أحمد بن سهيل الوراق له ترجمة في اللسان (١/ ٢٩١)، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال فيه أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير. فالسند ضعيف.\nوله متابع عند الطبراني في الكبير (١٤٤١) وتاريخ بغداد (٥/ ٢٦٩) من طريق أبي سعد البقال عن أبي سلمة، عن ثوبان. وفيه أبو سعد البقال، وهو ضعيف.\nانظر لمراجعة طرقه: أطراف المسند (٤/ ٣٥٠)، تحفة الأشراف (٩٩١٤)، إتحاف المهرة (١٣٨٦٢، ١٥٧٠٥).","vol":"2","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>المبحث الثاني في استحباب رفع البصر إلى السماء عند الدعاء بعد الوضوء</span>\n[م-١٣٧] استحب بعض الحنابلة رفع البصر إلى السماء عند ذكر هذا الدعاء (^١).\n(٣٠٢ - ١٥٦) لما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، أخبرنا أبو عقيل، عن ابن عم له،\nعن عقبة بن عامر، وفيه: قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء (^٢).\n[زيادة رفع البصر إلى السماء زيادة منكرة] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن رفع الطرف إلى السماء من آداب الدعاء، والذكر مشتمل على الدعاء\n_________\n(^١) المغني (١/ ٩٤)، الإنصاف (١/ ١٦٥).\n(^٢) المسند (١/ ١٩).\n(^٣) تفرد بها ابن عم أبي عقيل، عن عقبة، وهو مجهول.\nوالحديث أخرجه أبو داود (١٧٠)، والدارمي (٧١٦)، وأبو يعلى (١٨٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣١) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ به.\nانظر أطراف المسند (٤/ ٣٧٨)، تحفة الأشراف (٩٩٧٤)، إتحاف المهرة (١٣٩٦٨).","vol":"2","page":359},{"text":"السابق: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين).\n- والدليل على أن رفع البصر إلى السماء من آداب الدعاء أدلة منها:\n(٣٠٣ - ١٥٧) ما رواه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد من حديث طويل، وفيه: أن النبي ﷺ رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني.\n(٣٠٤ - ١٥٨) ومنها ما رواه البخاري من طريق كريب،\nعن ابن عباس ﵄ قال: بت في بيت ميمونة، والنبي ﷺ عندها فلما كان ثلث الليل الآخر أو بعضه، قعد فنظر إلى السماء، فقرأ: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ) [آل عمران: ١٩٠] (^١).\n(٣٠٥ - ١٥٩) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة المخزومي المديني وغير واحد قالوا: حدثنا ابن أبي فديك، عن إبراهيم بن الفضل، عن المقبري،\nعن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال سبحان الله العظيم وإذا اجتهد في الدعاء قال يا حي يا قيوم. قال أبو عيسى هذا حديث غريب (^٢).\n[ضعيف، وليس صريحًا في الباب] (^٣).\n(٣٠٦ - ١٦٠) ومن الأذكار التي تقال بعد الوضوء ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٢١٥).\n(^٢) سنن الترمذي (٣٤٣٦).\n(^٣) في إسناده إبراهيم بن الفضل، وهو ضعيف، جاء في ترجمته:\nقال أحمد بن حنبل: ليس بقوي في الحديث، ضعيف الحديث. الجرح والتعديل (٢/ ١٢٢).\nوقال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث منكر الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: مدينى ضعيف. المرجع السابق.","vol":"2","page":360},{"text":"قال رسول الله ﷺ: من توضأ ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك كتب في رق، ثم طبع في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة.\n[الصحيح موقوف، ومثله لا يقال بالرأي فله حكم الرفع] (^١).\n* * *\n_________\n(^١) هذا الحديث أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٩٩٠٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٥٦٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة كما في التحفة (٣/ ٤٤٧)، والطبراني في الأوسط (١٤٧٨) وفي مجمع البحرين (٤٢٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٥٤) من طريق يحبى بن كثير، عن شعبة، عن أبي هاشم الرماني، عن أي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\nوتابع عبد الصمد يحيى في رفعه، فقد أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٧٥٤) من طريق عبد الصمد، حدثنا شعبة به مرفوعًا.\nقال النسائي: هذا خطأ، والصواب موقوف، خالفه محمد بن جعفر فوقفه.\nقلت: محمد بن جعفر (غندر) من أثبت أصحاب شعبة.\nفقد أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١٠٧٨٩) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به موقوفًا.\nوقال الطبراني: لم يروه عن شعبة، إلا يحيى. يقصد مرفوعًا.\nوتابع معاذ بن معاذ محمد بن جعفر في وقفه، فقد أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٧٥٤) من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة به موقوفًا.\nورواه الثوري، عن أبي هاشم، واختلف على الثوري، فرواه ابن مهدي، كما في سنن النسائي الكبرى (١٠٧٩٠)، ومستدرك الحاكم (١/ ٥٦٥).\nوعبد الرزاق، كما في المصنف (٧٣٠).\nوابن المبارك، كما في رواية النسائي في اليوم والليلة، انظر تحفة الأشراف (٣/ ٤٤٧).\nوقبيصة بن عقبة، كما في شعب الإيمان (٣٠٣٨) كلهم رووه عن سفيان، عن أبي هاشم به موقوفًا.\nوخالفهم يوسف بن أسباط، فرواه عن سفيان به مرفوعًا كما في رواية ابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٨)، وكما في النكت الظراف (٣/ ٤٤٧)، ويوسف بن أسباط له ترجمة في الجرح والتعديل (٩/ ٢١٨) قال أبو حاتم: كان رجلًا عابدًا دفن كتبه، وهو يغلط كثيرًا، وهو رجل صالح لا يحتج بحديثه.\nورواه هشيم، واختلف عليه فيه:\nفرواه نعيم بن حماد، عن هشيم، عن أبي هاشم به مرفوعًا أخرجه الحاكم (٢/ ٣٩٩) والبيهقي (٤/ ٥٣٠).\nوتابعه مخالد بن يزيد عند البيهقي في شعب الإيمان (٣٠٣٩)، فرواه عن هشيم مرفوعًا.\nورواه البيهقي في شعب الإيمان (٢٤٤٤) من طريق سعيد بن منصور، عن هشيم به موقوفًا. قال البيهقي: هذا هو المحفوظ موقوف، ورواه نعيم بن حماد عن هشيم فرفعه. اهـ\nوكذلك رواه الدارمي (٣٤٠٧) عن أبي النعمان (عارم) عن هشيم به، فوقفه.\nوذكر الحافظ في النكت الظراف (٣/ ٤٤٧): بأن قيس بن الربيع رواه عن أبي هاشم به مرفوعًا. وقيس بن الربيع صدوق تغير حفظه لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به. قاله الحافظ في التقريب.\nفالموقوف أرجح من المرفوع كما قال النسائي عليه رحمة الله، ولكن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي. قال الحافظ في النكت: ومثله لا يقال بالرأي فله حكم الرفع. اهـ","vol":"2","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>المبحث الثالث في الأذكار التي تقال عند غسل الأعضاء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- لا يصح شيء في أذكار الوضوء إلا قوله في آخره: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وما عداه إما ضعيف أو موضوع.\n[م-١٣٨] استحب الحنفية أن يدعو بالدعوات المأثورة عند كل فعل من أفعال الوضوء (^١).\nومن هذه الأدعية ما ذكره الرافعي نقلًا من تلخيص الحبير (^٢)، قال: «ومن\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٧)، وبدائع الصنائع (١/ ٢٣).\n(^٢) تلخيص الحبير (١/ ١٣٧).","vol":"2","page":362},{"text":"السنن المحافظة على الدعوات الواردة في الوضوء، فيقول في غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابًا يسيرًا، وعند غسل اليد اليسرى اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من رواء ظهري، وعند مسح الرأس: اللهم حرم شعري وبشري على النار، وروي: اللهم احفظ رأسي وما حوى، وبطني وما وعى» وروي: اللهم أغنني برحمتك، وأنزل علي من بركتك، وأظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، وعند مسح الأذنين: اللهم اجعلني ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعند غسل الرجلين: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام».\n[هذا الدعاء لا أصل له] (^١).\nقال ابن القيم: كل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق، لم يقل رسول الله ﷺ شيئًا منه، ولا علمه لأمته، ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله، وقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين في آخره.\nوفي سنن النسائي مما يقال بعد الوضوء أيضًا: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. اهـ\n_________\n(^١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٣٧): قال الرافعي: ورد بها الأثر عن الصالحين. قال النووي في الروضة: هذا الدعاء لا أصل له، ولم يذكره الشافعي والجمهور. وقال في شرح المهذب: لم يذكره المتقدمون. وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث. قلت يعني الحافظ: روي فيه عن علي، من طرق ضعيفة جدًّا، أوردها المستغفري في الدعوات، وابن عساكر في أماليه وهو من رواية أحمد ابن مصعب المروزي، عن حبيب بن أبي حبيب الشيباني، عن أبي إسحاق السبيعي، عن علي، وفي إسناده من لا يعرف، ورواه صاحب مسند الفردوس من طريق أبي زرعة الرازي، عن أحمد ابن عبد الله بن داود، حدثنا محمود بن العباس، حدثنا المغيث بن بديل، عن خارجة بن مصعب، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن علي نحوه.\nورواه ابن حبان في الضعفاء، من حديث أنس نحو هذا، وفيه (عباد) بن صهيب، وهو متروك، وروى المستغفري من حديث البراء بن عازب، وليس بطوله، وإسناده واه.","vol":"2","page":363},{"text":"وكل هذه الأذكار سبق الكلام عليها وتخريجها.\nوقال الخرشي المالكي: وما يقال عند فعل كل عضو فحديث ضعيف جدًّا، ولا يعمل به، وقول الأقفهسي: إنه يستحب فيه نظر (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٣٩).","vol":"2","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>المبحث الرابع في حكم الصلاة على النبي ﷺ والتسمية عند غسل الأعضاء</span>\n[م-١٣٩] استحب بعض الحنفية الصلاة على النبي ﷺ في كل عضو من أعضاء الوضوء (^١).\nواستحبه بعضهم وبعض الشافعية بعد الفراغ من الوضوء (^٢).\nولا أعلم لهم سنة صحيحة في هذا.\nكما استحب بعض الحنفية التسمية على كل عضو (^٣).\nوهذا لا أعلم له أصلًا من أثر أو نظر، وقد علمت الخلاف في التسمية في أول الوضوء، ولو قيل بمشروعيتها لكانت التسمية في أوله كافية، لأنه فعل واحد كما يسمي الإنسان حين يأكل في أول الأكل، ولا يشرع له أن يسمي على كل لقمة يرفعها إلى فيه.\n* * *\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٣١)، تبيين الحقائق (١/ ٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٧).\n(^٢) انظر حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٨)، والمجموع (١/ ٤٨٣).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٧).","vol":"2","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>المبحث الخامس في حكم قراءة سورة القدر بعد الوضوء</span>\n[م-١٤٠] سئل ابن حجر الهيتمي عن حديث من قرأ في أثر وضوئه إنا أنزلناه في ليلة القدر مرة واحدة كان من الصديقين ومن قرأها مرتين كتب في ديوان الشهداء ومن قرأها ثلاثًا حشره الله محشر الأنبياء من رواه؟\n(فأجاب) بقوله: رواه الديلمي، وفي سنده مجهول والله أعلم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٥٩، ٦٠).","vol":"2","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-732>الفصل السابع عشر في الاستعانة في الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- استعان الرسول ﷺ على طهوره، وسكب عليه المغيره الماء، ولو كان في ذلك شيء لم يفعله إمام المتقين.\n- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\n- إذا جاز للرجل أن يستعين بغيره للوضوء عن طريق صب الماء على أعضائه بدلًا من اغترافه للماء، والاغتراف بعض عمل الوضوء، جازت الاستعانة في بقية أعمال الوضوء من دلك ونحوه.\nوقال ابن المنير: الاغتراف من الوسائل لا من المقاصد؛ لأنه لو اغترف ثم نوى أن يتوضأ جاز، ولو كان الاغتراف عملًا مستقلًا لكان قدمه على النية (^١) اهـ\nقلت: الوسائل لها أحكام المقاصد.\n[م-١٤١] الاستعانة على الوضوء لها حالات عدة:\n_________\n(^١) فتح الباري (١٨٢).","vol":"2","page":367},{"text":"الحالة الأولى: إذا لم يمكنه التطهر إلا بالاستعانة، فإنه يجب عليه قبولها إذا لم يكن في ذلك منة وإذلال له، حتى لو اقتضى الأمر ببذل أجرة لمن يعينه وجب عليه ذلك؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فواجب (^١).\nوقال ابن عقيل الحنبلي: يحتمل أن لا يلزمه، كما لو عجز عن القيام في الصلاة لم يلزمه استئجار من يقيمه ويعتمد عليه (^٢).\nالحالة الثانية: أن تكون الاستعانة بتقريب الماء، وهذا لا بأس به.\nقال النووي: ولا يقال خلاف الأولى؛ لأنه ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ.\nالحالة الثالثة: أن تكون الاستعانة بمن يصب عليه الماء، فالمشهور من مذهب الحنفية أن ذلك مكروه (^٣)، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٤).\nواعتبر بعض الحنفية أن من آداب الوضوء ألا يستعين المتوضئ على وضوئه بأحد (^٥).\nوقيل: تباح معونته بصب الماء عليه، وهو مذهب المالكية (^٦) والحنابلة (^٧).\nوقيل: لا يكره لكنه خلاف الأولى وهذا أصح الوجهين عند الشافعية، وبه قطع البغوي وغيره، قال النووي في المجموع: وهو مقتضى كلام المصنف والأكثرين (^٨)\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ٤٢٥): «إذا لم يقدر على الوضوء لزمه تحصيل من يوضئه إما متبرعًا وإما بأجرة المثل إذا وجدها، وهذا لا خلاف فيه».اهـ وانظر المغني (١/ ٨٥).\n(^٢) المغني (١/ ٨٥).\n(^٣) مراقي الفلاح (ص: ٣٣).\n(^٤) المجموع (١/ ٣٨٣).\n(^٥) بدائع الصنائع (١/ ٢٣)، تبيين الحقائق (١/ ٦، ٧)، فتح القدير (١/ ٣٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٨).\n(^٦) مواهب الجليل (١/ ٢١٩).\n(^٧) المغني (١/ ٩٥)، كشاف القناع (١/ ١٠٦)، مطالب أولي النهى (١/ ١٢٢).\n(^٨) المجموع (١/ ٣٨٣)، روضة الطالبين (١/ ٦٢)، مغني المحتاج (١/ ٦١).","vol":"2","page":368},{"text":"الحالة الرابعة: أن تكون الاستعانة بمن يغسل له أعضاءه من غير حاجة.\nفهذا مكروه في مذهب الحنفية من باب أولى، وهو مكروه في مذهب الشافعية قولًا واحدًا.\nوقيل: لا يجوز، وهو مذهب المالكية (^١).\nوقيل: يجوز من غير كراهة، اختاره ابن بطال.\n- الأحاديث الواردة في المنع من الاستعانة.\nأما الأحاديث الصريحة في الباب فليس فيها شيء يثبت عن النبي ﷺ، ومن ذلك:\n(٣٠٧ - ١٦١) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا أبو بدر عباد بن الوليد، حدثنا مطهر بن الهيثم، حدثنا علقمة بن أبي جمرة الضبعي، عن أبيه أبي جمرة الضبعي،\nعن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ لا يكل طهوره إلى أحد، ولا صدقته التي يتصدق بها يكون هو الذي يتولاها بنفسه (^٢).\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\n_________\n(^١) قال في مواهب الجليل (١/ ٢١٩): «أما الاستنابة في الدلك فإن كانت من ضرورة جازت من غير خلاف وينوي المغسول لا الغاسل، وإن كانت لغير ضرورة فلا يجوز من غير خلاف، واختلف إذا وقع ونزل هل يجزيه أو لا؟ قولان، قال الجزولي في شرح الرسالة عند قوله غاسلًا له: لا خلاف في النيابة على صب الماء أنها جائزة ويؤخذ جوازها من حديث المغيرة إذ كان يصب الماء على النبي ﷺ. وأما على الفعل فإن كان لضرورة فيجوز من غير خلاف وينوي المفعول لا الفاعل، وإن كان لغير ضرورة فلا يجوز من غير خلاف واختلف إذا وقع ونزل هل يجزيه أم لا؟ قولان».اهـ وانظر الفواكه الدواني (١/ ١٣٧)، حاشية العدوي (١/ ١٨٦).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٣٦٢).\n(^٣) انفرد فيه ابن ماجه، وفيه مطهر بن الهيثم رجل متروك، قال الذهبي: واه، وقال البوصيري في الزوائد: «هذا إسناد ضعيف، علقمة بن أبي جمرة مجهول، ومطهر بن الهيثم ضعيف». اهـ\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٦٨): «فيه مطهر بن الهيثم، وهو ضعيف».اهـ وفي التقريب: متروك.","vol":"2","page":369},{"text":"(٣٠٨ - ١٦٢) ومنها ما رواه أبو يعلى في مسنده، قال: حدثنا أبو هشام، حدثنا النضر -يعني: ابن منصور- حدثنا أبو الجنوب، قال:\nرأيت عليًا يستقي ماء لوضوئه، فبادرته استقي له، فقال: مه يا أبا الجنوب، فإني رأيت عمرًا يستقي لوضوئه، فبادرته استقي له، فقال: مه يا أبا الحسن، فإني رأيت رسول الله ﷺ يستقي ماء لوضوئه، فبادرته استقي له، فقال: مه يا عمر، فإني أكره أن يشركني في طهوري أحد.\n[ضعيف] (^١).\n(٣٠٩ - ١٦٣) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن العباس بن عبد الرحمن المدني قال:\nخصلتان لم يكن رسول الله ﷺ يكلهما إلى أحد من أهله كان يناول المسكين بيده ويضع الطهور من الليل ويخمره (^٢).\n_________\n(^١) الحديث رواه أبو يعلى في مسنده (٢٣١)، وابن الجارود في المنتقى (٤٨)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٢٦٢) عن أبي هشام.\nورواه البزار كما في كشف الأستار (٢٦٠) عن عبد الله بن سعيد الكندي، كلاهما عن النضر بن منصور، عن أبي الجواب به.\nوالحديث ضعيف، لضعف النظر بن منصور، قال فيه أبو حاتم الرازي: شيخ مجهول يروي أحاديث منكرة.\nوقال أبو داود: لا أعرفه.\nوفي إسناده أبو الجنوب، ضعفه الدارقطني والذهبي وابن حجر، وقال في التلخيص (١/ ١٦٨): قال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: النظر بن منصور، عن أبي الجنوب، وعنه ابن أبي معشر تعرفه؟\nقال: هؤلاء حمالة الحطب.\nوضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٢٧).\n(^٢) المصنف (١/ ١٧٨) رقم: ٢٠٤٥.","vol":"2","page":370},{"text":"[ضعيف] (^١).\n(٣١٠ - ١٦٤) وروى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا أبو أسامة عن علي بن مسعدة قال أنا عبد الله الرومي، قال:\nكان عثمان يقوم من الليل فيلي طهوره بنفسه فيقال له: لو أمرت بعض الخدم فقال: إني أحب أن أليه بنفسي.\n_________\n(^١) مرسل ضعيف، في إسناده العباس بن عبد الرحمن المدني مجهول، وفي التقريب: مستور، وذكر الحسيني في الإكمال العباس بن عبد الرحمن المدني، وقال: مجهول. وخطأه الحافظ في تعجيل المنفعة بأنه وهم في اسمه، وإليك نص كلام الحافظ في التعجيل (١٥١٦) قال: العباس بن عبد الرحمن المدني عن حكيم بن حزام وعنه محمد بن عبد الله الشعيثي مجهول. قلت (أي الحافظ) كذا قرأت بخط الحسيني وهو غلط قبيح، والذي في مسند حكيم بن حزام من مسند أحمد، رواه أحمد عن وكيع، عن محمد بن عبد الله الشعيثي، عن القاسم بن عبد الرحمن المزني، عن حكيم في خلوق المساجد مرفوعًا.\nوعن حجاج عن الشعيثي عن زفر بن وثيمة، عن حكيم. وهكذا هو في ترجمة زفر بن وثيمة عن حكيم من الأطراف للمزي وذكر رواية أبي داود وقال: رواه وكيع عن الشعيثي فلم يرفعه. قلت (والكلام للحافظ) وفي الجملة فليس للعباس بن عبد الرحمن في حديث حكيم مدخل في مسند أحمد، والله أعلم، وأما قوله: المدني فهو تحريف، وإنما هو المزني بضم الميم بعدها زاي منقوطة، وترجم المزي للعباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم، عن العباس بن عبدالمطلب. اهـ كلام الحافظ.\nوفي إسناده موسى بن عبيدة، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: منكر الحديث، قاله أحمد بن حنبل، وقال علي بن المديني عن القطان قال: كنا نتقيه تلك الأيام. التاريخ الكبير (٧/ ٢٩١).\nوقال أحمد بن حنبل: لا يشتغل به، وذلك أنه يروى عن عبد الله بن دينار شيئًا لا يرويه الناس. الجرح والتعديل (٨/ ١٥١).\nوقال أحمد بن حنبل أيضًا: لا تحل الرواية عندي عن موسى بن عبيدة. قلنا يا أبا عبدالله: لا يحل؟ قال: عندي. قلت: فإن سفيان وشعبة قد رويا عنه، قال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: ليس بقوي الحديث. المرجع السابق.","vol":"2","page":371},{"text":"[ضعيف] (^١).\nوقد ورد أحاديث ليست صريحة في الباب تدل على أن الكمال ترك سؤال الناس شيئًا.\n(٣١١ - ١٦٥) منها ما رواه مسلم، من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي مسلم الخولاني: قال حدثني الحبيب الأمين، أما هو فحبيب إلي، وأما هو عندي فأمين عوف بن مالك الأشجعي قال:\nكنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون رسول الله؟ وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ألا تبايعون رسول الله؟ فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: ألا تبايعون رسول الله؟ قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا - وأسر كلمة خفية - ولا تسألوا الناس شيئًا، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه.\nوجه الاستدلال:\nقوله: (لا تسألوا الناس شيئًا) نكرة في سياق النفي، فيشمل كل شيء، وهذا هو الذي فهمه الصحابة، حتى كان لا يسأل أن يناول سوطه الذي سقط.\nوهذا الحديث دليل على النهي عن سؤال الناس، ومنه الاستعانة، ولا يدل على كراهة الاستعانة بدون طلب من الشخص، فهناك فرق أن تأتي الإعانة على الوضوء بالتبرع المحض، أو تأتي عن مسألة، مع أنه قد يقال أيضًا: إذا كان يعلم الإنسان أن المطلوب منه ذلك يفرح به ويتشوف إليه ويعتز به، كما لو كان هذا طالبًا مع معلمه،\n_________\n(^١) عبد الله الرومي، ذكره الحافظان المزي وابن حجر في تهذيب الكمال وتهذيبه، ولم يذكرا راويًا عنه إلا علي بن مسعدة، ولم يوثقه أحد، فهو مجهول.\nوفي التقريب: مقبول. يعني حيث يتابع وإلا ففيه لين.","vol":"2","page":372},{"text":"وبين غيره، ولذلك فالرسول ﷺ لم يكن يستنكف أن يطلب بعض الأمور من بعض أصحابه، لمعرفته أن ذلك محبوب لهم، ليس فيه إذلال للسائل ولا إحراج للمسئول، والله أعلم.\n- الأحاديث الواردة في الاستعانة.\nالحديث الأول:\n(٣١٢ - ١٦٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق،\nعن مغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي ﷺ في سفر فقال: يا مغيرة خذ الإداوة، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني فقضى حاجته، وعليه جبة شامية، فذهب ليخرج يده من كمها فضاقت، فأخرج يده من أسفلها، فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة، ومسح على خفيه ثم صلى. ورواه مسلم (^١).\nالحديث الثاني:\n(٣١٣ - ١٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثني محمد بن سلام، قال: أخبرنا يزيد ابن هارون، عن يحيى، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس،\nعن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ لما أفاض من عرفة عدل إلى الشعب فقضى حاجته قال أسامة بن زيد فجعلت أصب عليه ويتوضأ، فقلت: يا رسول الله أتصلي؟ فقال: المصلى أمامك. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^٢).\nالحديث الثالث:\nقال الحافظ في الفتح: روى الحاكم في المستدرك، من حديث الربيع بنت معوذ أنها قالت: أتيت النبي ﷺ بوضوء فقال: اسكبي، فسكبت عليه.\n_________\n(^١) البخاري (١٨٢)، ومسلم (٢٧٤).\n(^٢) البخاري (١٨١)، ومسلم (١٢٨٠).","vol":"2","page":373},{"text":"قال الحافظ: وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين لكونه في الحضر، ولكونه بصيغة الطلب.\nقلت: وقفت عليه في مستدرك الحاكم بغير هذا اللفظ الذي أشار إليه الحافظ (^١)، فلعل نسخة الحافظ تختلف عن المطبوع، وهو في سنن أبي داود بلفظ: اسكبي لي وضوءًا، فذكرت وضوء رسول الله ﷺ قالت فيه: فغسل كفيه ثلاثًا وذكر الحديث، وسبق لي تخريج الحديث، والكلام عن طرقه.\nوهذه الأحاديث تدل على إباحة الاستعانة بصب الماء على المتوضئ، وكذا إحضار الماء من باب أولى.\nوأما المباشرة بغسل أعضاء الغير فلا دلالة فيهما عليها، وحجة من استدل بإباحة غسل أعضاء الغير، جاء في الفتح، قال: «لما لزم المتوضئ الاغتراف من الماء لأعضائه، وجاز له أن يكفيه ذلك غيره بالصب، والاغتراف بعض عمل الوضوء، كذلك يجوز في بقية أعماله.\nوتعقبه ابن المنير بأن الاغتراف من الوسائل لا من المقاصد؛ لأنه لو اغترف ثم نوى أن يتوضأ جاز، ولو كان الاغتراف عملًا مستقلًا لكان قدمه على النية» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) ولفظه عند الحاكم (١/ ١٥٢) أن النبي ﷺ مسح أذنيه، باطنهما وظاهرهما.\n(^٢) فتح الباري (١٨٢).","vol":"2","page":374},{"text":"مبحث\nفي جواز الاستعانة على الوضوء بمن لا يصح منه النية\n[م-١٤٢] قد ذكرنا أنه إذا وضأه غيره صح، سواء كان الموضئ ممن يصح وضوءه أم لا، كمجنون وحائض وكافر وغيرهم.\n- وجه القول بالصحة:\nلأن الاعتماد على نية المتوضئ لا على فعل الموضئ، كمسألة الميزاب، ولا نعلم في هذه المسألة خلافًا لأحد من العلماء إلا ما حكاه صاحب الشامل عن داود الظاهري أنه قال: لا يصح وضوءه إذا وضأه غيره، ورد عليه بأن الإجماع منعقد على أن من وقع في ماء أو وقف تحت ميزاب، ونوى، صح وضوءه وغسله.\n* * *","vol":"2","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>الفصل الثامن عشر في الكلام أثناء الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- الأصل في الكلام الإباحة.\n[م-١٤٣] اختلف العلماء في الكلام أثناء الوضوء مع اتفاقهم على عدم التحريم:\nفقيل: ترك التكلم بكلام الناس أثناء الوضوء من آداب الوضوء، وهو مذهب الحنفية (^١)، المالكية (^٢).\nوقيل: يكره الكلام أثناء الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) قال الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٦، ٧): ومن آداب الوضوء استقبال القبلة وذكر أشياء، ثم قال: وأن لا يتكلم فيه بكلام الناس. إلخ وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٦)\n(^٢) انظر التاج والإكليل (١/ ٣٦٩، ٣٧٠)، والخرشي (١/ ١٣٧) حيث اعتبروا ترك الكلام من فضائل الوضوء.\n(^٣) قال القاضي عياض في شرح صحيح مسلم: إن العلماء كرهوا الكلام في الوضوء والغسل.\n(^٤) الآداب الشرعية (١/ ٣٣٥)، الإنصاف (١/ ١٣٧)، وفسر ابن مفلح في الفروع (١/ ١٥٢) الكراهة بترك الأولى.","vol":"2","page":376},{"text":"وعد النووي من سنن الوضوء ترك الكلام من غير حاجة (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-734> دليل من كره الكلام أثناء الوضوء:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-735> الدليل الأول:</span>\n(٣١٤ - ١٦٨) ما رواه الدارقطني من طريق صالح بن عبد الجبار، حدثنا البيلماني، عن أبيه،\nعن عثمان بن عفان أنه توضأ بالمقاعد، والمقاعد بالمدينة حيث يصلى على الجنائز عند المسجد، فغسل كفيه ثلاثًا ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا، وغسل قدميه ثلاثًا، وسلم عليه رجل، وهو يتوضأ، فلم يرد عليه حتى فرغ، فلما فرغ كلمه معتذرًا إليه، وقال: لم يمنعني أن أرد عليك إلا أنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ هكذا، ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله غفر له ما بين الوضوئين (^٢).\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-736> الدليل الثاني:</span>\n(٣١٥ - ١٦٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح حدثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن عن حضين أبي ساسان الرقاشي،\nعن المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جدعان، قال: سلمت على النبي ﷺ وهو يتوضأ، فلم يرد علي، فلما فرغ من وضوئه قال: لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء.\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ٤٨٩): سنن الوضوء ومستحباته، منها، ثم ذكر: وأن لا يتكلم فيه لغير حاجة. اهـ وانظر حاشية الجمل (١/ ١٣٣).\n(^٢) سنن الدارقطني (١/ ٩٢).\n(^٣) سبق تخريجه انظر حديث رقم (٢٦٨) من هذا المجلد.","vol":"2","page":377},{"text":"[صحيح إلا أن المحفوظ من الحديث أن المهاجر سلم على النبي ﷺ وهو يبول، كما أن التعليل في الحديث يؤكد أن المانع من رد السلام ليس كراهة الرد أثناء الوضوء أو البول، وإنما لكونه على غير طهارة] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-737> الدليل الثالث:</span>\nقال في مراقي الفلاح: ولا يتكلم بكلام الناس؛ لأنه يشغله عن الدعاء المأثور.\nقلت: الدعاء المأثور في أثناء الوضوء لا أصل له، وقد بينت ذلك في مسألة مستقلة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-738> الدليل الرابع:</span>\nحكاية الإجماع على كراهة الكلام أثناء الوضوء.\nقال النووي: قد نقل القاضي عياض في شرح صحيح مسلم أن العلماء كرهوا الكلام في الوضوء والغسل.\nوهذا المنقول يجاب عنه بما عقب عليه النووي، فقال: وهذا الذي نقله من الكراهة محمول على ترك الأولى، وإلا فلم يثبت فيه نهي فلا يسمى مكروهًا إلا بمعنى ترك الأولى (^٢).\nوقال ابن مفلح: قال جماعة: يكره الكلام أثناء الوضوء، والمراد بغير ذكر الله تعالى، كما صرح به جماعة، والمراد بالكراهة ترك الأولى وفاقًا للحنفية والشافعية.\nوقال أيضًا: وظاهر الأكثر لا يكره السلام ولا الرد، وإن كان الرد على طهر أكمل لفعله ﵇ (^٣).\n_________\n(^١) انظر تخريجه في المجلد السابع، انظر (ح ١٢٨٩).\nوانظر لمراجعة طرق الحديث: أطراف المسند (٥/ ٣٩٣)، تحفة الأشراف (١١٥٨٠)، إتحاف المهرة (١٧٠٣٥).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٨٩).\n(^٣) الفروع (١/ ١٥٢).","vol":"2","page":378},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-739> دليل من قال: لا يكره الكلام أثناء الوضوء:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-740> الدليل الأول:</span>\nلا يوجد نهي من الشارع عن الكلام أثناء الوضوء، والأصل في الأفعال الإباحة، فمن ادعى النقل عن الإباحة بحكم آخر سواء الكراهة أو الحكم بأن ذلك من آداب الوضوء وسننه فعليه الدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-741> الدليل الثاني:</span>\n(٣١٦ - ١٧٠) ما رواه البخاري من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره،\nأنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره قالت: فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد. الحديث. ورواه مسلم (^١).\nفهذا في الكلام أثناء الغسل، والوضوء مثله.\n- الراجح من الخلاف:\nإن صح نقل الإجماع على كراهة الكلام أثناء الوضوء فالدليل الإجماع، وإلا فالأصل الإباحة وقد يقال: إن كان سكوت الإنسان أثناء الوضوء من أجل تصور امتثال أوامر الشرع، فإذا غسل وجهه تذكر أنه عبد لله يمتثل أمر الله ﷾ بقوله: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) كما يحاول أن يكون هذا الفعل مطابقًا لما فعله رسول الله ﷺ، يفعل ما فعله، وفي غسل اليدين يتصور امتثاله لأمر الله ﷾ بقوله: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) وهكذا في كل أفعال الوضوء، إذا كان هذا لذلك فقد يكون السكوت مطلوبًا، وإن كان السكوت من أجل استصحاب النية في الوضوء\n_________\n(^١) البخاري (٣٥٧)، مسلم (٣٣٦).","vol":"2","page":379},{"text":"فهذا له بحث آخر سوف يذكر إن شاء الله تعالى في فروض الوضوء، وما عداه فيكون الكلام وعدمه على الإباحة، والاستحباب والكراهة لا بد فيهما من دليل شرعي، وقد سبق كلام النووي بأنه لم يرد نهي من الشارع عن الكلام، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>الفصل التاسع عشر في الوضوء قبل الوقت</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- قال ابن العربي: قال محققو علمائنا: ليس في الشريعة نفل يجزئ عن فرض إلا الوضوء قبل الوقت. وسمعت الشاشي يقول: إنه واجب في وقت غير معين. وهذا ضعيف؛ لأنه لا يصح وجوب الفرع مع عدم وجوب الأصل، ولا الشرط مع عدم وجوب المشروط (^١).\n[م-١٤٤] قال الحنفية: الفرض أفضل من النفل إلا في ثلاث مسائل، أحدها: الوضوء قبل الوقت (^٢).\nوقال النووي: أجمع العلماء على جواز الوضوء قبل دخول وقت الصلاة، نقل فيه الإجماع ابن المنذر في كتابه الإجماع وآخرون، هذا في غير المستحاضة ومن في معناها فإنه لا يصح وضوءها إلا بعد دخول الوقت (^٣).\n_________\n(^١) قواعد المقرئ (١/ ٢٨٣).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٥).\n(^٣) المجموع (١/ ٤٩١).","vol":"2","page":381},{"text":"قلت: أما المستحاضة فقد اختلف العلماء في وضوءها هل يصح منها الوضوء قبل دخول الوقت أم لا وذلك نظرًا إلى أن بعضهم يرى طهارتها طهارة ضرورة.\nفقيل: لا تتوضأ قبل دخول الوقت، كما أن خروج الوقت مبطل لطهارتها السابقة، وهذا مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣) إلا أن الشافعية يرون الوضوء يجب عليها لكل فريضة مؤداة أو مقضية بخلاف النافلة، ومذهب الحنفية والحنابلة يجب عليها الوضوء لوقت كل صلاة، فتصلي بطهارتها الفرائض والنوافل ما دام الوقت، فإذا خرج بطلت طهارتها.\nوقيل: يجب عليها الوضوء لكل صلاة مطلقًا فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج، وهو اختيار ابن حزم (^٤).\nوقيل: لا يعتبر خروج دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء، بل يستحب منه الوضوء ولا يجب، وبالتالي هي كغيرها تتوضأ متى شاءت. وهو مذهب المالكية، وهو الراجح (^٥).\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٥٠٨) حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤) البحر الرائق (١/ ٢٢٦) مراقي الفلاح (ص ٦٠) شرح فتح القدير (١/ ١٨١) تبيين الحقائق (١/ ٦٤) بدائع الصنائع (١/ ٢٨).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٦٣، ٥٤٣)، مغني المحتاج (١/ ١١١)، روضة الطالبين (١/ ١٢٥، ١٤٧).\n(^٣) المغني (١/ ٤٢١) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٠) كشاف القناع (١/ ٢١٥) الإنصاف (١/ ٣٧٧) الفروع (١/ ٢٧٩) شرح الزركشي (١/ ٤٣٧).\n(^٤) المحلى (مسألة: ١٦٨).\n(^٥) قال صاحب مواهب الجليل (١/ ٢٩١): «طريقة العراقيين من أصحابنا، أن ما خرج على وجه السلس لا ينقض الوضوء مطلقًا، وإنما يستحب منه الوضوء .... والمشهور من المذهب طريقة المغاربة أن السلس على أربعة أقسام:\nالأول: أن يلازم، ولا يفارق، فلا يجب الوضوء، ولا يستحب؛ إذ لا فائدة فيه، فلا ينتقض وضوء صاحبه بالبول المعتاد.\nالثاني: أن تكون ملازمته أكثر من مفارقته، فيستحب الوضوء، إلا أن يشق ذلك عليه لبرد أو ضرورة فلا يستحب.\nالثالث: أن يتساوى إتيانه ومفارقته، ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان .....\nوالرابع: أن تكون مفارقته أكثر، فالمشهور وجوب الوضوء، خلافًا للعراقيين فإنه عندهم مستحب».اهـ وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١١٦) وانظر بهامش الصفحة التاج والإكليل.\nوانظر الخرشي (١/ ١٥٢)، فتح البر في ترتيب التمهيد (٣/ ٥٠٨)، الاستذكار (٣/ ٢٢٥، ٢٢٦) القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٢٩).","vol":"2","page":382},{"text":"وقد ذكرت أدلة كل فريق، وبيان الراجح منه في مجلد الحيض والنفاس، والطهارة بالاستنجاء والاستجمار، باب الاستنجاء من الحدث الدائم، فارجع إليه غير مأمور.\nواستحباب الوضوء قبل دخول وقت الصلاة يرجع إلى أن الوضوء على الصحيح عبادة مستقلة مطلوبة بذاتها، وإن كان شرطًا في صحة الصلاة فلا يمنع ذلك أن يكون عبادة مستقلة رتب الله على فعلها أجرًا عظيمًا من كفارة الذنوب،\n(٣١٧ - ١٧١) لما روى مسلم في صحيحه من طريق أبان، حدثنا يحيى، أن زيدًا حدثه، أن أبا سلام حدثه،\nعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها (^١).\nالحديث الثاني:\n(٣١٨ - ١٧٢) ما رواه مسلم من طريق أبي عمار شداد بن عبد الله ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة صدي بن عجلان،\nقال: قال عمرو بن عبسة السلمي: ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٢٣).","vol":"2","page":383},{"text":"إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام، فصلى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول، في مقام واحد يعطي هذا الرجل، فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا حتى عد سبع مرات ما حدثت به أبدًا، ولكني سمعته أكثر من ذلك (^١).\nالحديث الثالث:\n(٣١٩ - ١٧٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن ثوبان، حدثني حسان بن عطية، أن أبا كبشة السلولي حدثه،\nأنه سمع ثوبان يقول قال رسول الله ﷺ سددوا وقاربوا واعملوا وخيروا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن (^٢).\n[إسناد حسن إن شاء الله، والحديث صحيح] (^٣).\nالحديث الرابع:\n(٣٢٠ - ١٧٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا خلف -يعني ابن خليفة- عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم قال:\nكنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٣٢).\n(^٢) المسند (٥/ ٢٨٢).\n(^٣) وقد سبق تخريجه في فضل الوضوء، انظر حديث (١٤٩).","vol":"2","page":384},{"text":"له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء (^١).\nالحديث الخامس:\n(٣٢١ - ١٧٥) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي هلال،\nعن نعيم المجمر، قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (^٢).\nالحديث السادس:\n(٣٢٢ - ١٧٦) ما رواه مسلم من طريق ابن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة يعني ابن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني.\nقال معاوية بن صالح: وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، كلاهما (أبو إدريس وجبير بن نفير، عن عقبة بن عامر،\nعن عمر، مرفوعًا، وفيه: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء (^٣).\n(٣٢٣ - ١٧٧) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين ابن واقد، أخبرني عبد الله بن بريدة، قال:\nسمعت أبي: بريدة يقول: أصبح رسول الله ﷺ، فدعا بلالًا، فقال: يا بلال بم\n_________\n(^١) مسلم (٢٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٦)، مسلم (٢٤٦).\n(^٣) مسلم (٢٣٤).","vol":"2","page":385},{"text":"سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة الجنة، فسمعت خشخشتك، فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب؟ قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من المسلمين من أمة محمد، قلت: فأنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ: لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر، فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ قال: ما أحدثت إلا توضأت، وصليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ: بهذا.\n[انفرد به الحسين بن واقد، والقصة في الصحيحين من مسند أبي هريرة، وليس فيه استدامة الطهارة] (^١).\nإلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على فضل الوضوء، ومع كون الوضوء عبادة مطلوبة لذاتها وأن يكون الإنسان دائمًا على طهارة شرع الوضوء أيضًا لأسباب مختلفة، منها ذكر الله تعالى، وأشرفه قراءة القرآن، ومنها المبيت على طهارة، ومنها الوضوء للجنب عند النوم والأكل والشرب، وغيرها من الأسباب المتفق عليها أو المختلف فيها بين الفقهاء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر (ح ١٥٧).","vol":"2","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>الفصل العشرون في تساوي الذكر والأنثى في أحكام الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- المرأة كالرجل في الوضوء بل في كل العبادات إلا ما دل الدليل على التفريق بينهما.\n[م-١٤٥] قال النووي: والمرأة كالرجل في الوضوء إلا في اللحية الكثة (^١).\nقلت: حتى في اللحية، فلو نبتت للمرأة لحية كان حكمها في الوضوء حكم لحية الرجل من التفصيل بين اللحية الكثيفة والخفيفة.\nقال الصاوي: والحاصل أن اللحية حيث كانت خفيفة وكل شعر في الوجه خفيف يجب إيصال الماء للبشرة، لا فرق بين ذكر وأنثى، وإن كان الشعر كثيفًا يكره تخليله في الوضوء، سواء كان لحية أو غيرها، لذكر أو أنثى، ولا يطالب بكل حال بغسل أسفل اللحية الذي يلي العنق، كانت كثيفة أو خفيفة (^٢). اهـ\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٩١).\n(^٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٠٦).","vol":"2","page":387},{"text":"وقال في الإنصاف: «شعر غير اللحية كالحاجبين والشارب والعنفقة ولحية المرأة وغير ذلك مثل اللحية في الحكم على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور. وجزم به في الرعاية في لحية المرأة» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٣٤).","vol":"2","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>الفصل الحادي والعشرون في تخفيف الوضوء المستحب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- يصح في النفل ما لا يصح في الفرض.\n[م-١٤٦] الوضوء إذا كان مستحبًا له أن يمسح ما يجب غسله، وله أن يقتصر على بعض أعضاء الوضوء.\nقال ابن مفلح: «توضأ علي فمسح وجهه ويديه ورأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث، وأن النبي ﷺ صنع مثله.\nقال شيخنا -يعني ابن تيمية- إذا كان مستحبًا له أن يقتصر على بعض الأعضاء كوضوء ابن عمر لنومه جنبًا إلا رجليه، وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قام من الليل فأتى حاجته -يعني الحدث- ثم غسل وجهه ويديه ثم نام. وذكر بعض العلماء أن هذا الغسل للتنظيف والتنشيط للذكر وغيره» (^١).\n(٣٢٤ - ١٧٨) وحديث علي الذي أشار إليه ابن مفلح فقد أخرجه، أحمد، قال: ثنا بهز، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن سبرة، قال:\n_________\n(^١) الفروع (١/ ١٥١).","vol":"2","page":389},{"text":"رأيت عليًا رضي الله تعالى عنه صلى الظهر، ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرت العصر أتى بتور من ماء، فأخذ منه كفا، فمسح وجهه وذراعيه، ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله، فشرب قائمًا، وقال: إن ناسًا يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) أحمد (١/ ١٥٣).\n(^٢) رجاله ثقات.\nوالحديث أخرجه النسائي في الكبرى (١٣٣)، وفي الصغرى (١٣٠) قال: أخبرنا عمرو بن يزيد، قال: حدثنا بهز بن أسد به.\nوأخرجه ابن الجعد في مسنده (٤٥٩) وأبو داود الطيالسي في المسند (١٤٨) عن شعبة به. ومن طريق الطيالسي أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٩٨٢)، وأخرجه أحمد (١/ ١٢٣) عن وكيع.\nوابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ١١٣)، والبزار في مسنده (٧٨٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٤) من طريق وهب بن جرير.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٣٩) وابن خزيمة (١٦) من طريق محمد بن جعفر.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٣٩) حدثنا عفان.\nوأخرجه الطحاوي (٤/ ٢٧٣) من طريق بشر بن عمر.\nوأخرجه البخاري (٥٦١٦) البيهقي في السنن (١/ ٧٥) من طريق آدم، كلهم (بهز، وابن الجعد، والطيالسي، ووكيع، ووهب بن جرير، ومحمد بن جعفر) رووه عن شعبة، عن عبد الملك به. وهو في البخاري (٥٦١٦) من طريق آدم عن شعبة، لكن بقصة الشرب قائمًا فقط.\nواختلف على شعبة فيه:\nفرواه البخاري (٥٦١٦) حدثنا آدم، عن شعبة به، بلفظ: عن علي ﵁، أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت الصلاة، ثم أتي بماء فشرب وغسل وجهه ويديه وذكر رأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضلة، وهو قائم، ثم قال: إن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن النبي صنع مثل ما صنعت.\nورواه جعفر بن محمد القلانسي عن آدم، وخالف البخاري في لفظه، أخرجه البيهقي (١/ ٧٥) من طريق أبي بكر محمد بن محمويه العسكري، أنا جعفر بن محمد القلانسي، نا آدم، نا شعبة به، وذكر الوضوء بالمسح. ...\nوابن محمويه ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوجعفر بن محمد القلانسي، ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٦٣).\nوقال الحافظ في اللسان: ذكره أبو جعفر بن بابويه في رجال الشيعة، فالصحيح عن آدم ما ذكره البخاري عنه من ذكر الغسل وليس المسح.\nورواه الطيالسي (١٤٨) عن شعبة به، وفيه: فغسل وجهه ويديه، ولم يذكر المسح.\nوخالف آدم والطيالسي جماعة رووه عن شعبة، فذكروا أن عليًا مسح وجهه ويديه ورأسه ورجليه، منهم: محمد بن جعفر، وهو من أثبت أصحاب شعبة، ومنهم عفان ووكيع وبهز بن أسد، ووهب بن جرير، ولم ينفرد شعبة بذكر المسح، بل تابعه غيره، فقد تابعه الأعمش ومسعر ومنصور، وإليك تخريج رواياتهم:\nوأخرجه أحمد (١/ ١٥٩) وأبو يعلى (٣٦٨) وابن خزيمة (١/ ١١، ١٠١) وابن حبان (١٠٥٧، ١٣٤٠) من طريق منصور،\nوأخرجه أحمد (١/ ٧٨) والترمذي في الشمائل (٢١٠) من طريق الأعمش، كلاهما عن عبد الملك ابن ميسرة، به.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٤٤) حدثنا يزيد -يعني ابن هارون-.\nوأبو يعلى في مسنده (٣٠٩) من طريق محمد بن عبد الله بن الزبير\nوالبيهقي في السنن (٧/ ٢٨١) من طريق أبي نعيم ثلاثتهم عن مسعر، عن عبد الملك به بذكر مسح أعضاء الوضوء.\nوانظر لمراجعة طرق الحديث: أطراف المسند (٤/ ٤٧٩)، تحفة الأشراف (١٠٢٩٣)، إتحاف المهرة (١٤٧٨٢).","vol":"2","page":390},{"text":"(٣٢٥ - ١٧٩) وأما فعل ابن عمر، فأخرجه مالك في الموطأ، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا أراد أن ينام أو يطعم وهو جنب، غسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم طعم أو نام (^١).\n[إسناده في غاية الصحة] (^٢).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٤٨).\n(^٢) ومن طريق مالك أخرجه البيهقي (١/ ٢٠١).\nوأخرجه عبد الرزاق (١٠٧٧) عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن عمر استفتى النبي ﷺ، فقال: أينام أحدنا، وهو جنب؟ قال: نعم ليتوضأ ثم لينم، حتى يغتسل إذا شاء، قال: وكان عبد الله بن عمر إذا أراد أن ينام وهو جنب صب على يده، ثم مضمض واستنثر، ...\nونضح في عينيه، وغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم نام، وإذا أراد أن يطعم، وهو جنب فعل مثل ذلك.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢٠١) من طريق عبد الرزاق به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٦٠) والطحاوي (١/ ١٢٨) من طريق أيوب.\nوأخرجه عبد الرزاق (١٠٧٤) ومن طريقه أحمد (٢/ ٣٦) عن عبيد الله بن عمر، كلاهما عن نافع به.\nوأخرجه عبد الرزاق (١٠٨٨) عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، وجعل سؤل النبي ﷺ من ابن عمر، والمحفوظ أن المرفوع منه عن عمر، والموقوف عن ابن عمر، والله أعلم.","vol":"2","page":391},{"text":"واختلف العلماء في تفسير فعل ابن عمر، وكونه توضأ إلا رجليه،\nفقال ابن تيمية كما سبق: إن الوضوء إذا كان مستحبًا وليس بواجب فله أن يقتصر على بعض أعضائه، وهذا قد يصح إذا سلم بأن الوضوء للجنب عند إرادة النوم مستحب، وليس بواجب، وفيه خلاف قوي جدًّا سوف أتعرض له في حينه إن شاء الله تعالى.\nوقال ابن حجر: يحمل ترك ابن عمر لغسل رجليه، على أن ذلك كان لعذر.\nقلت: الأصل عدم العذر، ثم قوله: (وكان ابن عمر إذا أراد أن ينام، وهو جنب) ثم ذكر فعله، يدل على أن ذلك كان منه على الاستمرار، وليس لعارض أو عذر.\nوقال ابن عبد البر في الاستذكار: لم يعجب مالكًا فعل ابن عمر، وأظنه أدخله -يعني في الموطأ- إعلامًا أن ذلك الوضوء ليس بلازم.\nقلت: إذا كان ليس بلازم فلماذا يغسل معظم أعضاء الوضوء، ولو كان ابن عمر تركه بالكلية لكان ذلك مشعرًا بذلك، على أنه لا يتعدى أن يكون رأيًا لابن عمر، وفعل الصحابي ليس بحجة إلا إذا لم يخالف، والحجة فيما روى لا فيما رأى.\nوقال الطحاوي: «هذا وضوء غير تام، وقد علم أن الرسول ﷺ أمر بوضوء تام، فلا يفعل هذا إلا وقد ثبت النسخ لذلك عنه».اهـ","vol":"2","page":392},{"text":"والطحاوي ﵀ يتساهل في دعوى النسخ، حتى يرى فهم الصحابي للحديث نسخًا، والنسخ لا ينبغي أن يصار إليه إلا عند التعارض التام لدليلين شرعيين لم يمكن الجمع بينهما، وعلم المتأخر، وأما فهم الصحابي ورأيه لا ينسخ ما ثبت شرعًا.\nوالراجح والله أعلم فيما ظهر لي أن ابن عمر فهم أن هذا الوضوء هو الذي يتقدم غسل الجنابة، وقد ورد في صفة الوضوء عند الغسل للجنابة صفتان:\nالأولى: أن يتوضأ وضوءًا كاملًا، ثم يغتسل.\nالصفة الثانية: أن يتوضأ إلا موضع قدميه، ثم يغتسل، وكلا الصفتين ثبتت عن رسول الله ﷺ في غسله للجنابة: فأخذ ابن عمر بإحدى الصفتين، وهذا فيه مجال للاجتهاد، وهل إذا توضأ للنوم، وأراد الاغتسال للجنابة يعيد الوضوء أم لا؟ هذه مسألة تحتاج إلى تأمل، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>الباب الثالث في فروض الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>توطئة في تعريف الفرض</span>\nتعريف الفرض اصطلاحًا (^١):\nهناك علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.\nفإذا كان الفرض يأتي بمعنى الواجب، فمعنى فروض الوضوء: أي واجباته وأركانه.\nقال في حاشية الصاوي: المراد بالفرض هنا: ما تتوقف صحة العبادة عليه.\n(٣٢٦ - ١٨٠) وقد روى البخاري في صحيحه،\nعن أنس أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين،\n_________\n(^١) الفَرْضُ الحز والقطع، ومنه أخذ فرض النفقات: وهو بيان مقدارها، وكذلك فرض المهر قال الله تعالى: (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة: ٢٣٦]، ومثله فرض الجند: فهو ما يقطع لهم من العطاء.\nوقوله تعالى: (لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) [النساء: ١١٨]، أي: مقتطعا محدودًا.\nوالفرض أيضًا: ما أوجبه الله تعالى، سمي بذلك؛ لأن له معالم وحدودًا.\nوفَرَض الله علينا كذا وافْتَرَضَ، أي: أوجب. والاسم الفَريضةُ ..","vol":"2","page":394},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله. الحديث (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤٥٤).","vol":"2","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>الفصل الأول من فروض الوضوء غسل الوجه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل أفعال الوضوء فريضة إلا غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، والمضمضة والاستنشاق على الصحيح، ورد اليدين في مسح الرأس، ومسح الأذنين (^١).\n- كل الأقوال المشروعة في الوضوء ليست واجبة (^٢).\n[م-١٤٧] من فروض الوضوء غسل الوجه، وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦].\nومن السنة أحاديث كثيرة، منها: حديث عثمان بن عفان ﵁، في الصحيحين، ومنها: حديث عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري،\n_________\n(^١) الكليات الفقهية للمقري (ص: ٧٨).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ٧٨).","vol":"2","page":396},{"text":"وحديث علي بن أبي طالب وغيرها من الأحاديث الصحيحة والحسنة.\nوأما الإجماع: فقد نقل الإجماع جماعة من أهل العلم.\nقال الطحاوي الحنفي: نظرنا في ذلك فرأينا الأعضاء التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء: الوجه واليدان والرجلان والرأس (^١).\nومراده بالاتفاق هنا: الإجماع.\nوقال العيني: «غسل الوجه، وهو فرض بالنص بلا خلاف» (^٢).\nوقال ابن عبد البر: «العلماء أجمعوا على أن غسل الوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين ومسح الرأس فرضٌ ذلك كله، لأمر الله في كتابه المسلم عند قيامه إلى الصلاة إذا لم يكن متوضئًا، لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين وغسلهما» (^٣).\nوقال ابن رشد المالكي: «اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء» (^٤).\nوقال الماوردي الشافعي: «أجمع المسلمون على وجوب غسله- يقصد الوجه» (^٥).\nوقال النووي: «وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه» (^٦).\nونقله في كتابه المجموع (^٧).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٣٣).\n(^٢) عمدة القارئ (٣/ ٩).\n(^٣) التمهيد (٤/ ٣١).\n(^٤) بداية المجتهد (١/ ١١٩).\n(^٥) الحاوي (١/ ١٠٧).\n(^٦) شرح مسلم (٣/ ١٠٧)\n(^٧) المجموع (١/ ٤٠٥).","vol":"2","page":397},{"text":"ونقله من الحنابلة ابن قدامة في المغني (^١)، والكافي (^٢)، وعبد الرحمن بن قدامة (^٣)، والزركشي (^٤)، وابن عبد الهادي (^٥)، وغيرهم.\nوانظر كتاب إجماعات ابن عبد البر في العبادات فقد نقل الإجماع عن خلق كثير، وقد استفدت منه في نقل ما سبق (^٦).\nفإذا ثبت عندنا غسل الوجه، من كتاب الله ﷾، ومن سنة المصطفى ﷺ، ومن إجماع الأمة، فإن حقيقة الغسل: هو مرور الماء على العضو.\nقال ابن عابدين: غسل الوجه: هو إسالة الماء مع التقاطر ولو قطرة.\nوقال أبو يوسف: هو مجرد بل المحل بالماء، سال أو لم يسل (^٧).\nقلت: يلزم من كلام أبي يوسف ألا يكون هناك فرق بين الغسل والمسح، ولكن عبارة صاحب فتح القدير أدق من هذا، فقد قال: يجزئ إذا سال بعض الماء على العضو وإن لم يتقاطر (^٨).\nفخرج عن صورة المسح، فتقاطر الماء ليس شرطًا، وسيلانه على العضو شرط، وإلا كان مسحًا.\nوهل يجب عليه إمرار اليد على الوجه؟\nقال في فتح القدير: «والغسل: الإسالة، يفيد أن الدلك ليس من صفته» (^٩).\n_________\n(^١) المغني ٠ (١/ ١٦١).\n(^٢) الكافي (١/ ٢٧، ٣٤).\n(^٣) الشرح الكبير (٤٩، ٥٦، ٦٧)\n(^٤) شرح الزركشي (١/ ١٨٢).\n(^٥) مغني ذوي الأفهام (٤٤).\n(^٦) إجماعات ابن عبد البر في العبادات (١/ ٢٠٦).\n(^٧) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٨).\n(^٨) فتح القدير (١/ ١١).\n(^٩) فتح القدير (١/ ١١).","vol":"2","page":398},{"text":"قلت: إمرار اليد على الوجه غاية ما فيها أنها مستحبة عند الجمهور، وعند المالكية لا يسمى غاسلًا إلا بإمرار اليد على الوجه مع الماء، وسبق أدلة القوم في مناقشة استحباب الدلك، في باب سنن الوضوء، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>المبحث الأول حد الوجه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>الفرع الأول حد الوجه طولًا وعرضًا</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الوجه مأخوذ من المواجهة، فاللحى الأسفل والأعلى في وجوب الغسل في الوضوء سواء، وكذلك الذقن، وليس عليه أن يغسل ما تحته، قال ابن رشد الجد: وهذا ما لا أعلم فيه خلافًا (^١).\n- حد الوجه لا يشمل داخل الأنف، والفم وداخل العين، وإن كان الأنف والفم في حكم الخارج في الصيام، فهما في حكم الباطن في الوضوء؛ لأن الصيام متعلق بوصول الماء إلى المعدة، والوضوء متعلق بحصول المواجهة، فاختلف الموجب\n[م-١٤٨] اتفق الفقهاء بأن غسل الوجه من فروض الوضوء، ولكن ما حد هذا الوجه الواجب غسله طولًا وعرضًا؟\nأما حد الوجه طولًا فإن الفقهاء متفقون بأن حده من منابت شعر الرأس المعتاد\n_________\n(^١) البيان والتحصيل (١/ ١٦٨).","vol":"2","page":400},{"text":"إلى الذقن طولًا في الأمرد، وسيأتي الكلام على حده في الملتحي (^١).\nوأما حد الوجه عرضًا: فقال الجمهور: عرضه من الأذن إلى الأذن مطلقًا (^٢)، وبه قال متأخرو المالكية (^٣).\nوقيل: حد الوجه في الملتحي: من الصدغ إلى الصدغ، وهي رواية عن مالك.\nوسوف يأتي الكلام في الصدغ في مسألة مستقلة.\nوقولنا: منابت الشعر المعتاد: خرج به غير المعتاد، وهو أقسام:\nالأول: الأجلح: وهو من كان ينحسر شعره عن مقدم رأسه (^٤)، فإذا تصلع الشعر عن ناصيته لا يجب عليه غسل ذلك الموضع. قال النووي: بلا خلاف؛ لأنه من الرأس (^٥).\nالثاني: الأفرع: هو الذي ينزل شعره إلى الوجه، ويقال له الأغم (^٦).\nفقيل: يجب عليه غسله، ولو كان عليه شعر؛ لأنه من الوجه حقيقة، وعليه الجمهور (^٧).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٦)، وانظر البحر الرائق (١/ ١٢)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه (١/ ١٠٥)، المجموع شرح المهذب (١/ ٤٠٥، ٤٠٦).\n(^٢) انظر المراجع السابقة.\n(^٣) المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٦).\n(^٤) ومنه حديث أبي هريرة في مسلم (٢٥٨٢): لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.\n(^٥) المجموع (١/ ٤٠٦)، وانظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٠٥).\n(^٦) قال في مواهب الجليل (١/ ١٨٤، ١٨٥): قوله: «منابت شعر الرأس المعتاد يعني التي من شأنها في العادة أن ينبت فيها شعر الرأس، واحترز بذلك من الغمم: بفتح الغين المعجمة وميمين: وهو نبات الشعر على الجبهة، فإنه يجب غسل موضع ذلك، يقال: رجل غم وامرأة غماء والعرب تذم به وتمدح بالنزع؛ لأن الغمم يدل على البلادة والجبن والبخل، والنزع بضد ذلك قال:\n«فلا تنكحي إن فرق الله بيننا * * * ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا.»\n(^٧) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٠٥)، مواهب الجليل (١/ ١٨٥)، المجموع (١/ ٤٣١)، الإنصاف (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":401},{"text":"وقيل: لا يجب غسله إلا أن يعم الجبهة كلها، وهو وجه ضعيف عند الشافعية؛ ووجهه: قالوا: لأنه في صورة الرأس.\nولا تغني الصورة عن الحقيقة شيئًا.\nقال النووي: «ولو نزل الشعر عن المنابت المعتادة إلى الجبهة نظر إن عمها وجب غسلها كلها بلا خلاف، وإن ستر بعضها فطريقان الصحيح منهما وبه قطع العراقيون وجوب غسل ذلك المستور، ونقل القاضي حسين أن الشافعي نص عليه في الجامع الكبير.\n(والثاني) وبه قال الخراسانيون: فيه وجهان أصحهما هذا، والثاني: لا يجب لأنه في صورة الرأس» (^١).\nالثالث: الأنزع.\nالنزعتان: هما البياض الذي انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس، يقال نزع الرجل فهو أنزع (^٢).\nفلا يجب غسلهما؛ لأنهما من الرأس، وهو قول الجمهور (^٣).\nوقيل: النزعتان من الوجه، وهو وجه في مذهب الحنابلة:\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٠٦).\n(^٢) انظر البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ١١٥)، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير المطبوع في مجلد واحد (ص: ٩١٠).\n(^٣) قال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق (١/ ١٢): وفي المجتبى ولا يدخل في حد الوجه النزعتان، وهو ما انحسر من الشعر من جانبي الجبهة إلى الرأس؛ لأنه من الرأس. اهـ وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ٩٧).\nوقال الصاوي المالكي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ١٠٥): كما لا تدخل ناصية الأصلع في الوجه، لا يدخل البياضان للأنزع. اهـ وانظر البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ١١٥)، والإنصاف (١/ ١٥٤).","vol":"2","page":402},{"text":"قال المرداوي: اختاره القاضي، وابن عقيل، والشيرازي، وقطع به القاضي في الجامع (^١).\nوالأول أصح؛ فكما أن ناصية الأصلع لا تدخل في الوجه، قال النووي بلا خلاف (^٢)، فكذلك لا يدخل البياضان للأنزع. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٥٤).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٠٦).","vol":"2","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-750>الفرع الثاني حكم البياض الواقع بين العذار وبين الأذن</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- الاختلاف في البياض الذي بين العذار والأذن يرجع إلى اختلافهم فيه، هل تحصل فيه المواجهة، فيكون من الوجه، أولا فلا يكون منه؟ وأضعفها من قال: هو من الوجه؛ فيمن لا شعر بخده؛ لأنه يواجه به، بخلاف من بخده شعر فلا يواجه به؛ لأنه إن كان واجب الغسل قبل الشعر فكذلك بعد الشعر، إلا أن الوجوب ينتقل إلى الشعر إن كان كثيفًا.\nتعريف العذار:\nقال في المغرب: عذارا اللحية: جانباها، استعير من عذاري الدابة، وهما ما على خديه من اللجام، وعلى ذلك قولهم: أما البياض الذي بين العذار وشحمة الأذن صحيح. وأما من فسره بالبياض نفسه فقد أخطأ (^١).\nوقال ابن الأثير في غريب الحديث: العِذَاران من الفرس كالعارضين من وجه الإنسان (^٢).\n_________\n(^١) المغرب (ص: ٣٠٨).\n(^٢) غريب الحديث والأثر (ص: ٦٠٠).","vol":"2","page":404},{"text":"وجاء في المصباح المنير: عذار اللحية: الشعر النازل على اللحيين (^١).\nوقال ابن قدامة: العذار: هو الشعر الذي على العظم الناتئ، الذي هو سمت صماخ الأذن، وما انحط عنه إلى وتد الأذن (^٢).\nفتبين من هذا أن العذار عند أهل اللغة والفقه: هو الشعر النابت المحاذي للأذنين بين الصدغ والعارض وهو أول ما ينبت للأمرد غالبًا.\n[م-١٤٩] فإذا عرفنا العذار فما حكم البياض الواقع بين العذار والأذن، هل هو من الوجه فيجب غسله أم لا؟\nاختلف الفقهاء في ذلك:\nفقيل: البياض من الوجه، وهو مذهب الجمهور، وعليه يجب غسله (^٣).\nوقيل: الوجه من العذار إلى العذار، وعليه لا يجب غسل البياض الذي بين الأذن والعذار، وهذا القول رواه ابن وهب عن مالك (^٤).\nقال ابن رشد: وهو المشهور من مذهب مالك (^٥).\nوقيل: الفرق بين الأمرد والملتحي، فيجب غسلهما من الأمرد دون الملتحي، روي هذا القول عن أبي يوسف من الحنفية (^٦)، وحكاه بعضهم قولًا في مذهب\n_________\n(^١) المصباح المنير (ص: ٢٠٧).\n(^٢) المغني (١/ ٨١).\n(^٣) المبسوط (١/ ٦)، فتح القدير (١/ ١٢)، تبيين الحقائق (١/ ٣)، المفهم في شرح مسلم (١/ ٤٨٦)، بداية المجتهد (١/ ١١٩)، الخرشي (١/ ١٢١)، مواهب الجليل (١/ ١٨٤)، فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٢١٨)، مقدمات ابن رشد (١/ ٧٦)، القوانين الفقهية (ص: ٢٦)، المجموع (١/ ٤٠٧)، مغني المحتاج (١/ ٥١)، حاشية الروض (١/ ٢٠١)، المغني (١/ ٨١).\n(^٤) فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٢١٨)، بداية المجتهد (١/ ١١٩).\n(^٥) بداية المجتهد (١/ ١١٩).\n(^٦) المبسوط (١/ ٦)، فتح القدير (١/ ١٢)، تبيين الحقائق (١/ ٣).","vol":"2","page":405},{"text":"مالك (^١).\nوقيل: يسن غسله، وهو قول في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: الأذنان من الوجه، وهو قول الزهري، وسبق ذكره ودليله والجواب عليه (^٣).\nوقيل: ما أقبل من الأذنين من الوجه، وظاهرهما من الرأس، وهو قول الشعبي، وسبق ذكر دليله والجواب عليه (^٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-751> دليل الجمهور:</span>\nأن هذا البياض من الوجه؛ لأنه تحصل به المواجهة كالخد.\nولأنه من الوجه في حق المرأة وفي حق الرجل الأمرد، فكذلك من له لحية.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-752> دليل من قال: ليس من الوجه:</span>\nلا أعلم له دليلًا حتى قال ابن عبد البر في التمهيد: لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك (^٥).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-753> دليل من قال: سنة:</span>\nذكر هذا القول جماعة من المالكية كما سبق عزوه عند ذكر الأقوال، ولم يذكروا دليل السنية، ولعل من قال به نظر إلى اختلاف أصحاب مالك في وجوب غسله، فتوسط بين من قال بوجوب غسله، وبين من قال: لا يغسل. أو فهم من القائلين بأنه\n_________\n(^١) انظر ما سبق من العزو إلى كتب المالكية، وانظر الفواكه الدواني (١/ ١٣٨).\n(^٢) قال في الفواكه الدواني عن غسل البياض الذي بين العذار وبين الأذن (١/ ١٣٨): وفيه أربعة أقوال: وجوب غسله مطلقًا، عدم وجوبه مطلقًا، الوجوب على الأمرد وعدمه لصاحب اللحية، والرابع سنية غسله، والمشهور الأول وهو وجوب غسله مطلقًا.\nوانظر مواهب الجليل (١/ ١٨٤).\n(^٣) انظر الكلام عليه في فصل: هل الأذنان من الرأس\n(^٤) انظر الكلام عليه في فصل: هل الأذنان من الرأس.\n(^٥) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٢١٨).","vol":"2","page":406},{"text":"لا يغسل بأنه نفي للوجوب، وليس نفيًا للاستحباب، أو رأى أن دليل الوجوب ليس بالقوي فاحتاط بالقول باستحباب غسله، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>الفرع الثالث في غسل شعر الوجه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>المسألة الأولى في شعر اللحية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- اللحية هل هي من الوجه، لحصول المواجهة بها، أو ليست من الوجه لأن الوجه كانت له هذه التسمية قبل ظهورها.\n- ما تحت الشعر الكثيف لا تقع به المواجهة، فلم يتناوله الاسم، وإذا لم يتناوله لم يتعلق به الحكم، ولأن النبي ﷺ كان كثيف اللحية، وغسل وجهه مرة، والمرة الواحدة لا يصل الماء فيها إلى ما تحت الشعر والبشرة.\n- الكثيف شعر يستر ما تحته في العادة، فوجب أن ينتقل الفرض إليه قياسًا على شعر الرأس بخلاف الشعر الخفيف فإنه بمنزلة شعر الحاجبين والذراعين فيجب غسل ما تحته.\n[م-١٥٠] اتفق الجمهور على تقسيم شعر اللحية إلى قسمين:\nخفيف، وكثيف:","vol":"2","page":408},{"text":"فالكثيف: لا يجب إيصال الماء إلى البشرة.\nوالشعر الخفيف: يجب إيصال الماء إلى ما تحته من البشرة (^١)، واختلف في حد الشعر الكثيف،\nفقيل: ما ستر البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب، وعليه الأكثر.\nوقيل: ما عده الناس خفيفًا فهو خفيف، وما عدوه كثيفًا فهو كثيف.\nوقيل: ما وصل الماء إلى تحته بلا مشقة فهو خفيف، وإلا فهو كثيف.\nوالثاني والثالث غير منضبط، والأول حد فاصل فهو معتبر (^٢).\nوقيل: يسقط غسل البشرة مطلقًا إذا نبت عليه شعر، سواء كان الشعر خفيفًا أو كثيفًا، وهو ظاهر كلام الكاساني في بدائع الصنائع، ولم يرتضيه ابن نجيم وابن عابدين (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١٢)، البحر الرائق (١/ ١٦)، الخرشي (١/ ١٢٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٦)، مواهب الجليل (١/ ١٨٥)، المجموع (١/ ٤٠٩)، الإنصاف (١/ ١٥٧).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٠٩، ٤١٠).\n(^٣) قال الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٣) «الوجه يجب غسله قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر سقط غسل ما تحته عند عامة العلماء، وقال أبو عبد الله البلخي: إنه لا يسقط غسله، وقال الشافعي: إن كان الشعر كثيفا يسقط، وإن كان خفيفًا لا يسقط».اهـ\nفجعل الأقوال ثلاثة: الأول: يسقط غسل الوجه مطلقًا عند عامة العلماء إذا نبت الشعر، والثاني: لا يسقط مطلقًا عند أبي عبد الله البلخي، كثيفًا كان الشعر أو خفيفًا، والثالث: مذهب الشافعي: وهو التفصيل بين الكثيف والخفيف، فيسقط في الكثيف دون الخفيف.\nوقال ابن عابدين في حاشيته (١/ ١٠١): «أما ما في البدائع من أنه إذا نبت الشعر يسقط غسل ما تحته عند عامة العلماء كثيفًا كان أو خفيفًا؛ لأن ما تحته خرج من أن يكون وجهًا؛ لأنه لا يواجه به. اهـ فمحمول على ما إذا لم تر بشرتها، كما يشير إليه التعليل». اهـ\nوحمل ابن نجيم كلام الكاساني بمثل ما حمله ابن عابدين، انظر البحر الرائق (١/ ١٦).\nوهذا الحمل غير ظاهر، لأنه لو حمل على ذلك لم يكن بينه وبين مذهب الشافعي فرق، والله أعلم.","vol":"2","page":409},{"text":"وقيل: يجب غسل البشرة مطلقًا حتى في اللحية الكثيفة، حكي عن بعض المالكية (^١)، واختاره المزني وأبو ثور (^٢)، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-756> دليل من فرق بين الشعر الخفيف والكثيف:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-757><span data-type=\"title\" id=toc-760> الدليل الأول:</span></span>\n(٣٢٧ - ١٨١) حديث ابن عباس في البخاري أن النبي ﷺ توضأ، فغرف غرفة فغسل بها وجهه. الحديث.\nوبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف مع كثافة اللحية، خاصة أن النبي ﷺ كان كثير شعر اللحية كما في مسلم، وفي رواية: كان كث اللحية: أي الشعر الكثير ليس بالطويل ولا بالقصير.\nولو كان غسل ما تحت الشعر واجبًا لنقل أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته، ولم يذكر التخليل في أحاديث الصحيحين كحديث عبد الله ابن زيد، وعثمان ابن عفان، وغيرهما، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-758> الدليل الثاني:</span>\nولأن الأصل وجوب غسل البشرة لقوله تعالى: (ب ب) انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى؛ إذا كان كثيفًا؛ لأنها طهارة مبنية على التخفيف، ولأن إيصال الماء إلى الحوائل في الوضوء كاف وإن لم تكن متصلة بالبدن اتصال خلقة كالخف والعمامة والجبيرة فالمتصل خلقة أولى.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-759> دليل من أوجب غسل البشرة مطلقًا:</span>\n* الدليل الأول:\nقياس الحدث الأصغر على الغسل الواجب؛ بجامع أن كلًا منهما طهارة من\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ١٨٥).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٠٩).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٥٧).","vol":"2","page":410},{"text":"حدث.\n(٣٢٨ - ١٨٢) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده.\nولعلهم رأوا أن الواجب هو غسل البدن، وإذا طرأ على البدن شعر لم يمنع ذلك من وجوب غسل البدن، حتى يتعذر غسله، والشعر لا يمنع من وصول الماء إلى البدن.\n- ويجاب على ذلك:\nبأن الطهارة الصغرى مبنية على التخفيف، ولذلك جاز فيها المسح على الرأس وعلى الخفين، وكانت على أعضاء مخصوصة، بخلاف الطهارة الكبرى فإن طهارتها ليس فيها مسح، وتعم جميع البدن، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-761> الدليل الثاني:</span>\nاستدلوا ببعض الأدلة التي سقناها في تخليل اللحية، وفيها: أن النبي ﷺ خلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي.\nومنها حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي.\nوالأصل في الأمر الوجوب. انظر هذه الأدلة في مسألة تخليل اللحية.\nوهي أحاديث كلها ضعيفة، لا تقوم بها حجة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-762> الدليل الثالث:</span>\nما تحت الشعر الكثيف داخل في حد الوجه بعد نبات الشعر، فيجب غسله.","vol":"2","page":411},{"text":"ولهذا جاء عن سعيد بن جبير: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها (^١)، وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية (^٢).\nولعل كلام سعيد بن جبير يكون متوجهًا لمن قال: يسقط الغسل إلى غير بدل، أما من غسل لحيته فلا يقال له: فإذا أنبت لم يغسلها، والله أعلم.\nوالراجح من خلاف أهل العلم التفريق بين الشعر الخفيف والشعر الكثيف، فيجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الخفيف، نظرًا لأن البشرة ما زالت ظاهرة غير مستترة، والأصل وجوب غسل البشرة، فإن حجبت بالشعر كان الغسل للشعر فقط، وناب مناب البشرة.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣٢) حدثنا يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن ابن شبرمة، عن سعيد بن جبير، قال: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها.\nوتكلم في رواية يحيى بن اليمان عن الثوري، وهذا منها.\n(^٢) ساقه ابن عبد البر في التمهيد بلا إسناد عن سعيد بن جبير (٢٠/ ١٢٠).","vol":"2","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>المسألة الثانية\nفي مسح شعر اللحية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الأصل غسل البشرة، فلما حجبها الشعر انتقل الحكم إلى الشعر.\n- هل شعر اللحية الكثيف له حكم الحائل من خف ونحوه، فينتقل الفرض إليه من الغسل إلى المسح؟\nأو أن الواجب غسل البشرة، وحين استترت بالشعر الكثيف انتقل الفرض إلى الشعر حيث كان كثيفًا؟\n[م-١٥١] اختلف العلماء في شعر اللحية هل يغسل أم يمسح كما في شعر الرأس ونحوه؟\nفقيل: يمسح منها مقدار الربع، وهو قول أبي حنفية (^١)، واختار أبو يوسف صحة الوضوء ولو لم يمس لحيته بالماء (^٢).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٨٠) تبيين الحقائق (١/ ٣)، الفتاوى الهندية (١/ ٤).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٨٠)، تبيين الحقائق (١/ ٣).","vol":"2","page":413},{"text":"قال الكاساني: وهذه الرويات - يعني رواية أبي حنيفة وأبي يوسف مرجوع عنها (^١).\nوقيل: ليس غسل اللحية من السنة، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٢).\nوقيل: يجب غسله، وهو المشهور من مذهب الحنفية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\n- وجه من قال: يمسح اللحية بدون غسل:\nرأى أن الشعر على الوجه حكمه حكم الحائل من خف ونحوه، فينتقل الفرض من الغسل إلى المسح، ولذلك قالوا: لا يشرع أن يأخذ للحية ماء جديدًا، بل بفضل ماء الوجه.\nومن قال: يمسح مقدار الربع من اللحية، رأى أن كل ممسوح طهارته مبنية على التخفيف، فالخف لا يجب استيعابه، وكذلك مسح الرأس عنده، فإذا مسح من اللحية ومن الرأس مقدار الربع فقد قام بما هو واجب عليه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-764> دليل من قال: يجب غسل اللحية:</span>\nقال: إن الواجب غسل البشرة، وحين استترت بالشعر انتقل الواجب إلى الشعر حيث كان كثيفًا، أما لو كان خفيفًا لوجب غسل البشرة، فالغسل لا يسقط.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤)، ورجح الزيلعي وجوب غسل ظاهر اللحية، ولم يقل: إن القول بالمسح قد رجع عنه أبو حنيفة وأبو يوسف، انظر تبيين الحقائق (١/ ٣).\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ١٥٦): «نقل بكر عن أبيه أنه سأل أحمد: أيما أعجب إليك، غسل اللحية أو التخليل؟ فقال: غسلها ليس من السنة، وإن لم يخلل أجزأه. فأخذ من ذلك الخلال: أنها لا تغسل مطلقًا، فقال: الذي ثبت عن أبي عبد الله: أنه لا يغسلها، وليست من الوجه، ورد ذلك القاضي وغيره من الأصحاب، وقالوا: معنى قوله (ليس من السنة) أي غسل باطنها».\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٤)، تبيين الحقائق (١/ ٣).\n(^٤) المجموع (١/ ٤١٤)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ١١٦).\n(^٥) الفروع (١/ ١٤٦)، الإنصاف (١/ ١٥٦)، المغني (١/ ٨١).","vol":"2","page":414},{"text":"وقد جاء في حديث ظاهره غسل اللحية\n(٣٢٩ - ١٨٣) فقد روى مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله: أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة قال:\nقال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. الحديث.\nفإذا كان الماء يقطر من أطراف اللحية كان هذا دليلًا على غسلها، وليس على مسحها فقط، والله أعلم.\nوقد يقال: إن هذا في غسل الشعر النابت فوق البشرة، وقد وجب غسله؛ لأنها ناب عن البشرة، وأما غسل المسترسل من اللحية والنازلة على الصدر فلم ينب مثل هذا الشعر عن بشرة يجب غسلها حتى يجب غسله، وعليه ينزل كلام من قال: لا يغسل أو قال: يمسح فقط، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>المسألة الثالثة\nشعر الوجه فيما عدا اللحية</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- الأصل غسل البشرة، فلما حجبها الشعر انتقل الحكم إلى الشعر.\n[م-١٥٢] شعر الوجه سوى اللحية كالعذار وشعر الحاجبين والشارب وأهداب العينين والعنفقة ونحوها.\nفالجمهور لا يفرقون بين شعر اللحية وبين غيرها مما ينبت في الوجه كالشارب والعنفقة وشعر الحاجبين، فما كان كثيفًا غسل ظاهره، وما كان خفيفًا وجب غسل البشرة تحته (^١).\nوذهب الشافعية إلى التفريق بين شعر اللحية وبين غيرها، فقالوا في اللحية كقول الجمهور، فرقًا بين الكثيفة والخفيفة، وأما شعر غير اللحية فأوجبوا وصول الماء إلى تحت البشرة مطلقًا، كثيفًا كان أو خفيفًا.\n_________\n(^١) انظر بدائع الصنائع (١/ ٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٠٦)، وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف (١/ ١٣٤): شعر غير اللحية كالحاجبين والشارب والعنفقة ولحية المرأة وغير ذلك مثل اللحية في الحكم على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور. وجزم به في الرعاية في لحية المرأة.\nوقيل: يجب غسل باطن ذلك كله مطلقًا.","vol":"2","page":416},{"text":"قال النووي: «قال أصحابنا ثمانية من شعر الوجه يجب غسلها وغسل البشرة تحتها، سواء خفت أو كثفت، وهي: الحاجبان، والشارب، والعنفقة، والعذار، واللحية من المرأة والخنثى، وأهداب العينين، وشعر الخد» (^١).\nوعللوا ذلك: بأن الشعر كونه كثيفًا في هذه المواضع نادر، والنادر لا حكم له.\nوقول الجمهور أرجح؛ لأن شعر اللحية كغيره، فالأصل غسل البشرة، فلما حجبها الشعر انتقل الحكم إلى الشعر، لأن الحكم في اللحية إن كان معللًا بكونه تحصل به المواجهة، فقد انتقلت هذه العلة إلى الشعر، ولم تبق البشرة تحصل بها المواجهة بعد سترها، وإن كان الحكم في اللحية معللًا بالمشقة في إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف، فالمشقة موجودة في شعر الشارب الكثيف والحاجب الكثيف ونحوهما، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤١١).","vol":"2","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>المسألة الرابعة\nفي غسل المسترسل من اللحية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- منشأ الخلاف في غسل المسترسل من اللحية: هل ينظر إلى مباديها فيجب أو محاذيها فلا يجب (^١).\n- الأصل غسل بشرة الوجه، وإنما وجب غسل اللحية بدلًا من البشرة حين نبتت فوق الوجه، وما انسدل من اللحية على الصدر ليس تحته ما يجب غسله حتى يكون غسل اللحية بدلًا منه؟\n[م-١٥٣] اختلف العلماء في حكم ما استرسل من اللحية.\nفقيل: يجب غسل ظاهره، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٢)، والحنابلة (^٣)، وعليه أكثر الشافعية (^٤).\n_________\n(^١) الذخيرة للقرافي (١/ ٢٥٤).\n(^٢) الخرشي (١/ ١٢١)، الشرح الصغير (١/ ١٠٥)، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب (١/ ١٩٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٥)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٣).\n(^٣) الفروع (١/ ١٤٦)، الإنصاف (١/ ١٥٦)، المغني (١/ ٨١).\n(^٤) قال الشافعي في الأم (١/ ٢٥): وأحب أن يمر الماء على جميع ما سقط من اللحية عن الوجه وإن لم يفعل فأمرَّه على ما على الوجه ففيها قولان:\nأحدهما لا يجزيه؛ لأن اللحية تنزل وجهًا.\nوالآخر يجزيه إذا أمره على ما على الوجه منه. اهـ نقلًا من الأم.\nوقال النووي في المجموع (١/ ٤١٤): قال أصحابنا: إذا خرجت اللحية عن حد الوجه طولًا أو عرضًا أو خرج شعر العذار أو العارض أو السبال فهل يجب إفاضة الماء على الخارج؟ فيه قولان مشهوران، وهذه المسألة أول مسألة نقل المزني في المختصر فيها قولين: الصحيح منهما عند الأصحاب الوجوب، وقطع به جماعات من أصحاب المختصرات.\nوالثاني: لا يجب لكن يستحب. إلخ كلامه ﵀.","vol":"2","page":418},{"text":"وقيل: لا يجب بل يسن، وهو مذهب الحنفية (^١) وأحد قولي الشافعية (^٢).\nوقيل: لا يشرع غسله، وهو اختيار ابن حزم ﵀ (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-767> دليل من قال: يجب غسل المسترسل من اللحية</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-768> الدليل الأول:</span>\nاستدل بقوله تعالى: (ب ب) [المائدة: ٦]، فالله أمر بغسل الوجه أمرًا مطلقًا، ولم يخص صاحب لحية من أمرد، فكل ما أطلق عليه اسم وجه فواجب غسله؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، فوجب غسلها بدلًا من البشرة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-769> الدليل الثاني:</span>\nأن اللحية النازلة من الذقن تشبه اللحية النابتة على الخد، فإذا وجب غسل النابت على الخد وجب غسل النابت على الذقن مطلقًا سواء نزل على الصدر أم لم ينزل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-770> الدليل الثالث:</span>\nولأن النازل من الذقن تبع لأصله، وأصله يجب غسله فكذلك النازل، منه؛ فقد يجب تبعًا ما لا يجب استقلالًا.\n_________\n(^١) قال في بدائع الصنائع (١/ ٤): ولا يجب غسل ما استرسل من اللحية عندنا، وعند الشافعي يجب». اهـ وانظر الفتاوى الهندية (١/ ٤)، تبيين الحقائق (١/ ٣)، وكتب الحنفية تعبر بقولها: «ولا يجب غسل المسترسل من اللحية» والتعبير بنفي الوجوب لا يستلزم نفي الاستحباب، إلا أن ابن عابدين في حاشيته (١/ ٩٧) قال: «لا يجب غسل المسترسل ولا مسحه بل يسن».\n(^٢) انظر ما نقلته قبل قليل من كلام النووي في المجموع.\n(^٣) المحلى (مسألة ١٩٨).","vol":"2","page":419},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-771> دليل من قال: لا يشرع غسل المسترسل:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-772> الدليل الأول:</span>\nالأصل المأمور بغسله: هو بشرة الوجه، وإنما وجب غسل اللحية بدلًا من البشرة حين نبتت فوق الوجه، وما انسدل من اللحية على الصدر ليس تحته مما يلزم غسله فيكون غسل اللحية بدلًا منه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-773> الدليل الثاني:</span> القياس على الرأس، فكما أن جلد الرأس مأمور بمسحه، فلما نبت عليه الشعر ناب مسح الشعر عن مسح الرأس، وما انسدل من الرأس سقط، فليس تحته بشرة يلزم مسحها، ومعلوم أن الرأس سمي رأسًا لعلوه ونبات الشعر فيه، وما سقط من الشعر وانسدل فليس برأس، فكذلك ما انسدل من اللحية فليس بوجه (^١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>دليل من قال: يسن ولا يجب:</span>\nلعله قال ذلك احتياطًا، وخروجًا من الخلاف، فلم يبلغ الدليل عنده من القوة ما يجعله يجزم بالوجوب، ورأى أن الاحتياط في الترغيب في مسحه فاستحبه، خاصة أن فيه من الأدلة ما يدل على غسل ظاهر اللحية،\n(٣٣٠ - ١٨٤) كما في الحديث الذي رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد ابن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير،\nعن أبي أمامة، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. الحديث.\nفقوله: من أطراف لحيته مطلق، يشمل اللحية المسترسلة وغيرها. والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٢٢٤)، والمحلى (مسألة ١٩٨).","vol":"2","page":420},{"text":"- الراجح:\nأن اللحية المسترسلة لا يجب غسلها، لقوة أدلة القائلين بعدم الوجوب، وأما قولهم: إنها تحصل بها المواجهة لا يكفي في الوجوب، فالرقبة متصلة بالوجه، وتحصل بها المواجهة ولا يجب غسلها، فكيف بالشعر النازل عن حد الرقبة، وأما حديث (مع أطراف لحيته) فلا يشعر بالوجوب، قد يشعر بالاستحباب، مع أن الحديث ليس نصًّا في اللحية المسترسلة، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>الفرع الرابع إذا غسل وجهه غسل جزءًا من الجوانب المحيطة به</span>\n[م-١٥٤] ذكر كثير من الفقهاء أن على المتوضئ إذا غسل وجهه أن يغسل جزءًا من رأسه، وسائر الجوانب المجاورة للوجه، احتياطًا، وليس هذا الغسل وجبًا لنفسه وجوب المقاصد، وإنما وجب لغيره من باب الوسائل، لأن استيعاب الوجه واجب، ولا يمكنه الاستيعاب إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما يجب إمساك جزء من الليل في الصيام ليستوعب النهار (^١).\n* * *\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٤)، مواهب الجليل (١/ ١٨٧)، والمستصفى (ص: ٦٦)، المغني (١/ ٣٣)، المجموع (١/ ٤١٦)، المنثور في القواعد (١/ ٢٣٠).","vol":"2","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>الفرع الخامس في الكلام على الأنف والفم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- حد الوجه لا يشمل داخل العين والأنف والفم؛ لأن الأنف والفم من الباطن حسًا، وإنما اعتبرا في حكم الخارج في الصيام؛ لأن الصيام متعلق بوصول الماء إلى المعدة بخلاف الوضوء.\n- إذا أمر بالاستنثار فلا يدل على أن الاستنشاق واجب إلا بقرينة، كما أنه إذا أمر بالجهر بالقراءة لم يدل ذلك بمجرده على وجوب القراءة، وإذا أمر برفع الصوت بالتلبية لم يدل على وجوب التلبية، وإذا أمر بالمبالغة في المضمضة لم يكن يدل ذلك على وجوب المضمضة.\n[م-١٥٥] أما ظاهر الأنف وحمرة الشفتين الظاهرة فهما من الوجه، فيجب غسلهما لدخولهما في حد الوجه طولًا وعرضًا، وأما باطن الأنف وداخل الفم فهل يدخلان في الوجه، فتكون المضمضة والاستنشاق واجبين في الوضوء؟ أو لا يدخلان في حد الوجه، كما لا يدخل باطن العينين فيه؟ فتكون المضمضة والاستنشاق سنة، وقبل نقل خلاف العلماء في المضمضة والاستنشاق ينبغي أن أبين أن المضمضة والاستنشاق مجمع على مشروعيتهما في الوضوء، وإنما الخلاف في وجوبهما.","vol":"2","page":423},{"text":"قال أبو عبيد القاسم بن سلام: والذي عليه المسلمون أن الاستنشاق والمضمضة من سنة الوضوء التي لا يجوز تركها (^١).\nوقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون طرًا: أن الاستنشاق والاستنثار من الوضوء، وكذلك المضمضة ومسح الأذنين (^٢).\nوقال ابن حزم: واتفقوا على أن من غسل يديه ثلاثًا ثم مضمض ثلاثًا ثم استنشق ثلاثًا .... أنه قد أدى ما عليه في الأعضاء المذكورة (^٣).\nوأما الخلاف في وجوبهما فقد اختلف أهل العلم فيهما على أقوال:\nفقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء وفي الغسل، وهو مذهب المالكية والشافعية.\nوقيل: واجبان في الوضوء والغسل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.\nهذان قولان متقابلان.\nوفيه قولان آخران متقابلان أيضًا:\nفقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، واجبان في الغسل، وهذا مذهب الحنفية.\nوقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل.\nوقيل: المضمضة سنة، والاستنشاق واجب فيهما.\nوالراجح: أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء وفي الغسل، والله أعلم.\nوانظر أدلة الأقوال في سنن الوضوء، فقد ذكرتها هناك.\n* * *\n_________\n(^١) الطهور (ص: ٢١٣).\n(^٢) التمهيد (١٨/ ٢٢٥).\n(^٣) مراتب الإجماع (ص: ١٨).","vol":"2","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>الفرع السادس في غسل ما تحت الذقن</span>\n[م-١٥٦] قال في مواهب الجليل: وليس عليه أن يغسل ما تحت الذقن، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا (^١).\nقلت: يقصد والله أعلم استيعاب ما تحت الذقن بالغسل، وإلا فقد تقدم أنه يجب عليه إذا غسل وجهه أن يغسل ما يجاوره من جوانب الرأس، وعليه فلا بد أن يغسل جزءًا ولو يسيرًا من تحت ذقنه، ليمكنه استيعاب وجهه.\nولذلك قال النووي: «يجب على المتوضئ غسل جزء من رأسه ورقبته وما تحت ذقنه مع الوجه؛ لأنه لا يمكنه استيعاب الوجه إلا بذلك، كما يجب إمساك جزء من الليل من الصيام ليستوعب النهار» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ١٨٥).\n(^٢) المجموع (١/ ٤١٦).","vol":"2","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>الفصل الثاني من فروض الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين</span>\n[م-١٥٧] من فروض الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين، وهو فرض بالكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب فقوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].\nوأما السنة فالأحاديث الكثيرة الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد وغيرهما وسبق تخريجهما.\nوأما الإجماع فقد نقله جماعة كثيرة من أهل العلم، أقتصر على بعضهم:\nقال الطحاوي الحنفي: «نظرنا في ذلك، فرأينا الأعضاء التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس» (^١).\nوقال ابن عبد البر: «العلماء أجمعوا على أن غسل الوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين ومسح الرأس فرضٌ ذلك كله، لأمر الله في كتابه المسلم عند قيامه إلى الصلاة إذا لم يكن متوضئًا، لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٣٣).","vol":"2","page":426},{"text":"الرجلين وغسلهما على ما نبينه في بلاغات مالك إن شاء الله» (^١).\nوقال الخرشي المالكي: «ومحصل ذلك، أن منها فرضًا بإجماع، وهي الأعضاء الأربعة» (^٢).\nوقال القاضي أبو الوليد بن رشد: «فرائض الوضوء ثمانية: منها أربعة متفق عليها عند أهل العلم، وهي التي نص الله ﵎ عليها، غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين» (^٣).\nوقال الماوردي الشافعي: «غسل الذراعين واجب بالكتاب والسنة والإجماع» (^٤).\nوقد نقل الإجماع من الشافعية الخطيب الشربيني (^٥)، والبجيرمي (^٦)، والنووي (^٧)، وغيرهم.\nكما نقله من الحنابلة: ابن مفلح (^٨)، والزركشي (^٩)، وغيرهم.\n* * *\n_________\n(^١) التمهيد (٤/ ٣١).\n(^٢) حاشية الخرشي (١/ ١٢٠).\n(^٣) مقدمات ابن رشد (١/ ٥٣).\n(^٤) الحاوي الكبير (١/ ١١٢).\n(^٥) مغني المحتاج (١/ ٥٢).\n(^٦) حاشية البجيرمي (١/ ٧١).\n(^٧) الفروع (١/ ١٤٧).\n(^٨) شرح الزركشي (١/ ١٨٨).\n(^٩) مغني ذوي الأفهام (٤٤).","vol":"2","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>المبحث الأول في غسل المرفقين مع اليدين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل ما تتوقف عليه صحة الواجب فهو واجب (^١).\n- كل فعل وقع بيانًا لنص مجمل، وكان مدلول المجمل واجبًا فالفعل المبين به ذلك النص واجب بلا خلاف، فالأمر بغسل اليد في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦]، مجمل، وفعل الرسول الله ﷺ بغسل مرفقيه وقع بيانًا لهذا المجمل فيكون واجبًا (^٢).\n-حرف (إلى) الأصل فيه في اللغة الغاية، كقولك: سرت إلى الرياض: أي انتهى سيري إليها.\nويأتي بمعنى (مع) كما في قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)، وقوله تعالى: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ) أي مع الله.\nواختلف في الغاية هل تدخل مع المغيا أو لا تدخل، أو يفرق بين ما هو من جنس\n_________\n(^١) الكليات الفقهية للإمام المقري (ص: ٧٦).\n(^٢) انظر أضواء البيان (٥/ ١٤٤).","vol":"2","page":428},{"text":"ما قبلها كما في هذه المسألة فيدخل، أو من غيره فلا يدخل، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [البقرة: ١٨٧] أو يفرق بين الغاية المنفصلة بالحس كما في آية الصيام السابقة فإن الليل منفصل عن النهار بالحس، فلا تدخل، وبين ما لا يكون منفصلًا بالحس كالمرفق فيدخل.\nوالحق أن آية المائدة ليست مجملة، وأن لفظ (إلى) لفظ مشترك بين معنيين، والمشترك غير المجمل، فإذا ورد ما يدل على أحد المعنيين تعين وقد توضأ أبو هريرة حتى شرع في العضد، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، فتبين أنها بمعنى (مع).\n[م-١٥٨] ذهب الجمهور إلى وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين (^١).\nوقال زفر وأبو بكر بن داود: لا يجب إدخال المرفقين (^٢)، وهو رواية عن مالك (^٣)، وأحمد (^٤)، وهو رأي ابن حزم (^٥).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-780> دليل الجمهور:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-781> الدليل الأول:</span>\n(٣٣١ - ١٨٥) حديث أبي هريرة في مسلم، من طريق نعيم بن عبد الله المجمر\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤)، البناية (١/ ١٠٦)، فتح القدير (١/ ١٥)، المبسوط (١/ ٦)، الشرح الصغير (١/ ١٠٧)، الشرح الكبير المطبوع مع حاشية الدسوقي (١/ ٨٧)، المنتقى للباجي (١/ ٣٦)، الحاوي الكبير (١/ ١١٢)، البيان في مذهب الشافعي (١/ ١٢٠)، المجموع (١/ ٤١٩)، الإنصاف (١/ ١٥٧)، الكافي (١/ ٢٨)، المحرر (١/ ١١)، المقنع في شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٠١)، المغني (١/ ٨٤، ٨٥).\n(^٢) المبسوط (١/ ٦)، بدائع الصنائع (١/ ٤)، البناية (١/ ١٠٦)، البيان في مذهب الشافعي (١/ ١٢٠)، الحاوي الكبير (١/ ١١٢)، المجموع (١/ ٤١٩).\n(^٣) المنتقى للباجي (١/ ٣٦).\n(^٤) الإنصاف (١/ ١٥٧).\n(^٥) المحلى (١/ ٢٩٤) مسألة: ١٩٨.","vol":"2","page":429},{"text":"قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: قال رسول الله ﷺ: أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله (^١).\nوجه الاستدلال:\nكون أبي هريرة غسل يده حتى أشرع في العضد، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ صريحًا في الرفع.\nقال القرطبي في المفهم: (أشرع) رباعي أي: مد يده بالغسل إلى العضد، من قولهم: أشرعت الرمح قبله: أي مددته إليه، وسددته نحوه، وأشرع بابًا إلى الطريق، أي: فتحه مسددًا إليه، وليس هذا من شرعت في هذا الأمر، ولا من شرعت الدواب في الماء بشيء؛ لأن هذا ثلاثي، وذاك رباعي، ثم قال: والإشراع المروي عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة محمول على استيعاب المرفقين والكعبين بالغسل، وعبر عن ذلك بالإشراع في العضد والساق؛ لأنهما مباديهما (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-782> الدليل الثاني:</span>\n(٣٣٢ - ١٨٦) ما رواه الدارقطني من طريق عباد بن يعقوب، حدثنا القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جده،\nعن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٤٦).\n(^٢) المفهم (١/ ٤٩٨).\n(^٣) سنن الدارقطني (١/ ٥٦).\n(^٤) قال الدارقطني عقب الحديث: ابن عقيل ليس بالقوي. ...\nورواه البيهقي (١/ ٥٦) من طريق الدارقطني (١/ ٥٦)، كما رواه أيضًا (١/ ٥٦) من طريق سويد بن سعيد، حدثنا القاسم بن محمد به بنحوه.\nوضعف الحافظ إسناده في الفتح (١/ ٢٩٢)، وقال الحافظ في التلخيص (١/ ٥٧): «القاسم متروك عند أبي حاتم، وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وكذا ضعفه أحمد وابن معين، وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات، ولم يلتفت إليه في ذلك، وقد صرح بضعف هذا الحديث ابن الجوزي، والمنذري، وابن الصلاح، والنووي، وغيرهم، ويغني عنه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة أنه توضأ حتى أشرع في العضد». اهـ وانظر إتحاف المهرة (٢٨٥٤).\nوقال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ١٩٤): «هذا الحديث ضعيف، قال أحمد: القاسم ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك».","vol":"2","page":430},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-783> الدليل الثالث:</span>\n(٣٣٣ - ١٨٧) ما رواه الدارقطني من طريق عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، نا عمي (يعقوب بن إبراهيم بن سعد) أخبرنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي، عن حمران مولى عثمان بن عفان أنه حدثه، أنه سمع عثمان بن عفان، قال: هلموا أتوضأ لكم وضوء رسول الله ﷺ، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين (^١).\n[قوله: (حتى مس أطراف العضدين) زيادة شاذة في الحديث] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٨٣)، وانظر إتحاف المهرة (١٣٦٤٥).\n(^٢) وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، كما عند أحمد، لكن اختلف على يعقوب بن إبراهيم:\nفرواه عبيد الله بن سعد، عن عمه يعقوب بن إبراهيم، وزاد: (حتى مس أطراف العضدين).\nورواه أحمد (١/ ٦٨) حدثنا يعقوب به، ولم يزد على قوله: (ثم غسل يديه إلى المرفقين).\nكما رواه يحيى بن كثير، عن محمد بن إبراهيم به، ولم يذكر هذه اللفظة، أخرجه البخاري (٦٤٣٣)، والبزار (٤٣٦)، والنسائي في السنن الكبرى (١٧٥) من طريق شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم به.\nكما رواه البخاري (١٥٩) ومسلم (٢٢٦) من طريق عطاء بن يزيد، عن حمران به، ولم يذكر هذه الزيادة، فانفراد عبيد الله بن سعد، في هذه اللفظة، عن عمه يعقوب بن إبراهيم، وقد خالفه أحمد حيث رواه عن يعقوب، ولم يذكر هذه الزيادة يجعل هذه اللفظة غير محفوظة في الحديث، والله أعلم.","vol":"2","page":431},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-784> الدليل الرابع:</span>\n(٣٣٤ - ١٨٨) ما رواه البزار (^١)، والطبراني في الكبير (^٢)، من طريق محمد بن حجر، ثنا سعيد بن عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيه، عن أمه،\nعن وائل بن حجر، قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتي بإناء فيه ماء، فذكر أن الرسول ﷺ توضأ، وفيه: ثم أدخل يمينه في الإناء، فغسل بها ذراعه اليمنى، حتى جاوز المرفق ثلاثًا، ثم غسل يساره بيمينه حتى جاوز المرفق، ثم مسح رأسه ثلاثًا، وظاهر أذنيه ثلاثًا، وظاهر رقبته، وأظنه قال: وظاهر لحيته ثلاثًا، ثم غسل بيمينه قدميه ثلاثًا، وفصل بين أصابعه، أو قال: وخلل بين أصابعه، ورفع الماء حتى جاوز الكعب، ثم رفعه في الساق، ثم فعل باليسرى مثل ذلك. وهذا لفظ البزار.\n[ضعيف] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-785> الدليل الخامس:</span>\n(٣٣٥ - ١٨٩) ما رواه عبد الرزاق، عن قيس بن الربيع، عن الأسود بن قيس،\n_________\n(^١) مسند البزار (٤٤٨٨).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٩) ح ١١٨.\n(^٣) في إسناده: محمد بن حجر.\nقال أبو حاتم: كوفي شيخ. الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٩).\nوقال البخاري: فيه نظر. الكامل (٦/ ١٥٦)، وعبارة البخاري في الضعفاء للعقيلي (٤/ ٥٩)، وفي لسان الميزان (٥/ ١١٩): فيه بعض النظر.\nوقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي. لسان الميزان (٥/ ١١٩).\nوفي إسناده أيضًا: سعيد بن عبد الجبار،\nقال البخاري: فيه نظر. التأريخ الكبير (٣/ ٤٩٥).\nقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين للنسائي (٢٦٥)، الكامل (٣/ ٣٨٧).\nوقال ابن عدي: ليس له كثير حديث، إنما له عن أبيه، عن جده أحايث يسيرة نحو الخمسة أو الستة. الكامل (٣/ ٣٨٧).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٥٠). وفي التقريب: ضعيف.\nوعبد الجبار بن وائل وإن كان ثقة إلا أنه قيل: إنه لم يسمع من أمه، فالإسناد ضعيف.","vol":"2","page":432},{"text":"عن ثعلبة بن عباد،\nعن أبيه قال: ما أدري كم حدثني هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ما من عبد يتوضأ فيحسن وضوءه حتى يسيل الماء على وجهه، ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه، ثم يغسل قدميه حتى يسيل الماء من قبل عقبيه، ثم يصلي فيحسن صلاته إلا غفر له ما سلف (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nفاعتبر الحافظ هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا.\nقال في الفتح: «ويمكن أن يستدل لدخولهما يعني -المرفقين- بفعله ﷺ، ففي الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين.\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق (١٥٦).\n(^٢) ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني كما في جامع المسانيد والسنن (٥٦٧٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٨٦١)،\nورواه ابن قانع في معجم الصحابة (١١٩٠) من طريق أبي الوليد الطيالسي، أخبرنا قيس بن الربيع به.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٧) من طريق الحماني وأبي الوليد الطيالسي كلاهما عن قيس بن الربيع به.\nوفي إسناده قيس بن الربيع قال الحافظ في التقريب: صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه.\nوفي إسناده ثعلبة بن عباد العبدي، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا. الجرح والتعديل (٢/ ٤٣٦).\nوقال العجلي: مجهول. معرفة الثقات (١٩٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٩٨).\nقال ابن المديني وابن حزم وابن القطان الفاسي: مجهول، وصحح حديثه الترمذي. تهذيب التهذيب (٢/ ٢٢). وفي التقريب: مقبول.\nانظر إتحاف المهرة (٦٧٥٣).","vol":"2","page":433},{"text":"وفيه عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه.\nوفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء (فغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق).\nوفي الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه مرفوعًا (ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه) فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا» (^١).\nقلت: إن كان الاستدلال بالفعل المجرد على وجوب إدخال المرفقين فالاستدلال بحديث أبي هريرة في مسلم أولى، وقد تقدم ذكره في أدلتهم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-786> الدليل السادس:</span>\nلم ينقل عنه ﷺ أنه أخل ولو مرة واحدة، فترك غسل المرفقين، فكل من نقل لنا صفة وضوئه ﷺ نقل لنا أنه كان يغسل مرفقيه، فهذا بيان للمجمل في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].\nوإنما تلقينا صفة الوضوء من فعله ﷺ، وهو المبين لما أنزل عليه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-787> الدليل السابع:</span>\nقال الماوردي: «لا يعرف فيه خلاف -يعني: وجوب غسل المرفقين- قبل زفر، فكان زفر محجوجًا بإجماع من تقدمه» (^٢). اهـ\nوقال الحافظ: «قال الشافعي في الأم: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا يكون زفر محجوجًا بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحًا، وإنما حكى عن أشهب كلامًا محتملًا» (^٣). اهـ كلام الحافظ.\n_________\n(^١) فتح الباري (ح ١٨٥).\n(^٢) الحاوي الكبير (١/ ١١٣).\n(^٣) فتح الباري (١٨٥).","vol":"2","page":434},{"text":"ولا أدري هل يستقيم القول: بأنه محجوج بالإجماع قبله، مع مخالفة زفر والطبري وبعض أصحاب داود، ومالك وأحمد في رواية عنهما، وهل ثبت الإجماع فعلًا؟ أو تكون عبارة: لا أعلم مخالفًا ليست نقلًا للإجماع، بقدر ما هي نقل لعدم العلم بالخلاف، وبينهما فرق.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-788> دليل من قال: لا يجب غسل المرفقين:</span>\nاستدلوا بقوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) فكلمة (إلى) لانتهاء الغاية فما بعدها غير داخل فيما قبلها، كما لا يجب دخول الليل في الصيام لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْل) [البقرة: ١٨٧].\n- وأجيب عن الآية بجوابين:\nالأول: أن (إلى) في هذا الموضع بمعنى (مع) وليست غاية للمحدود، فيكون معنى الآية (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) أي مع المرافق، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، كما في قوله تعالى:\n(وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) [البقرة: ١٤]، أي مع شياطينهم.\nوكما في قوله تعالى: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ) [آل عمران: ٥٢]، أي: مع الله.\nوكما في قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) [النساء: ٢] أي: مع أموالكم.\nوقال ابن عبد البر: وقد تكون إلى بمعنى الواو، فيكون المعنى: وأيديكم والمرافق (^١).\nالجواب الثاني:\nأن (إلى) وإن كانت حدًا وغاية فقد قال المبرد: إن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل في جملته، وإن كان من غير جنسه لم يدخل، ألا تراهم يقولون: بعتك الثوب من الطرف إلى الطرف، فيدخل الطرفان في البيع؛ لأنهما من جنسه، وكذلك لم يدخل\n_________\n(^١) انظر التمهيد (٢٠/ ١٢٣)، الاستذكار (١/ ١٢٨).","vol":"2","page":435},{"text":"إمساك الليل في جملة الصيام؛ لأنه ليس من جنس النهار (^١).\nوقال ابن عبد البر في التمهيد: وأنكر بعض أهل العلم أن تكون (إلى) بمعنى (مع) أو تكون بمعنى (الواو) قال: ولو كان كذلك لوجب غسل اليد كلها، واليد عند العرب: من أطراف الأصابع إلى الكتف، وقال: لا يجوز أن نخرج (إلى) عن بابها، ويذكر أنها بمعنى الغاية أبدًا، وقال: وجائز أن تكون (إلى) بمعنى الغاية، وتدخل المرافق مع ذلك في الغسل؛ لأن الثاني إذا كان من الأول كان ما بعد (إلى) داخلًا فيما قبله، نحو قول الله ﷿: (إِلَى الْمَرَافِقِ) ثم ذكر نحو الكلام السابق المنقول عن المبرد (^٢).\nوقولهم: إن اليد عند الإطلاق من أطراف الأصابع إلى الكتف غير مسلم، وإن قال به أحد أئمة اللغة، فاليد عند الإطلاق لا تشمل إلا الكف، كما قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، والقطع إنما هو للكف، وقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) [المائدة: ٦]، والتيمم إنما يمسح الكفان فقط على الصحيح.\nوقال الزمخشري نقلًا من فتح الباري: «ولفظ (إلى) يفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخلوها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) دليل عدم الدخول: النهي عن الوصال، وقول القائل: حفظت القرآن من أوله إلى آخره دليل الدخول كون الكلام مسوقًا لحفظ جميع القرآن، وقوله تعالى: (إِلَى الْمَرَافِقِ) لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن» (^٣).\n_________\n(^١) الحاوي الكبير (١/ ١١٢).\n(^٢) انظر التمهيد (٢٠/ ١٢٣)، الاستذكار (١/ ١٢٨).\n(^٣) فتح الباري (١٨٥).","vol":"2","page":436},{"text":"- الراجح:\nدخول المرفقين في الغسل، نظرًا لقوة أدلتهم، وكون النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أخل ولو مرة واحدة في ترك غسل المرفق في الوضوء، ولم يأت من يقول: لا يدخل المرفقان في غسل اليد إلا من حيث الاستدلال بـ (إلى) وهي محتملة، وطريقة الراسخين حمل المحتمل على الواضح، والمجمل على المبين، والله أعلم.\nتنبيه:\nإذا غسل يديه بعد غسل وجهه، كان عليه أن يغسلها من أطراف أصابعه إلى المرفقين، فيغسل الكفين مرة ثانية في غسل اليدين، ولا يكتفي في غسلهما في بداية الوضوء.\nوقيل: إن غسل كفيه في بداية الوضوء اكتفى بغسل الذراعين، وهذا قول في مذهب الحنفية، وقد ذكرناه في مباحث غسل الكفين، والأول أرجح وأحوط.\n- أما وجه كونه أرجح:\nفإن غسل الكفين في أول الوضوء سنة، ومحلهما قبل غسل الوجه، فإذا كان غسل الكفين اختلف حكم غسلهما واختلف محله كذلك فكيف يتداخلان؟ فلو كان الحكم والمحل واحدًا لكان القول بالتداخل له وجه.\n- وأما كونه أحوط:\nفهذا فظاهر؛ لأن من ترك غسلهما فقد اختلف العلماء في صحة وضوئه، وأما من غسلهما فقد خرج من العهدة بيقين، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>المبحث الثاني في غسل اليد الزائدة ونحوها من أعضاء الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- إذا اشتبه الزائد بالأصلي في محل الفرض وجب غسلهما جميعًا للخروج من العهدة بيقين.\n- إذا عرف الأصلي من الزائد، فالأصلي يجب غسله بالاتفاق، وهل يجب غسل الزائد إذا نبت في محل الفرض مطلقًا، أو يجب إذا حاذى محل الفرض، ولو نبت في العضد، أو يجب إذا كان للزائد مرفق؛ لأن لها حكم اليد الأصلية؟ أقوال.\n[م-١٥٩] الأعضاء الزائدة يجب غسلها في طهارة الحدث الأكبر وكذا في الغسل المسنون، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.\nوأما في طهارة الحدث الأصغر: فقد ذهب الفقهاء إلى أن من خلق له عضوان متماثلان كاليدين على منكب واحد ولم يمكن تمييز الزائدة من الأصلية، وجب غسلهما جميعا للأمر به في قوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].","vol":"2","page":438},{"text":"فإن أمكن تمييز الزائدة من الأصلية، وجب غسل الأصلية باتفاق، وكذا الزائدة إذا نبتت على محل الفرض (^١).\nأما إذا نبتت في غير محل الفرض ولم تحاذ محل الفرض فالاتفاق واقع على عدم وجوب غسلها في الوضوء ولا مسحها في التيمم (^٢).\nأما إذا كانت الزائدة نابتة في غير محل الفرض وحاذت كلها أو بعضها محل الفرض فجمهور الفقهاء من الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والقاضي أبو يعلى\n_________\n(^١) انظر البحر الرائق (١/ ١٤)، الفتاوى الهندية (١/ ٤)، ومواهب الجليل (١/ ١٩٣).\n(^٢) ساق الاتفاق النووي في المجموع، قال (١/ ٤٢١): إن كان له يدان متساويتان في البطش والخلقة وجب غسلهما أيضًا بلا خلاف، لوقوع اسم اليد، وإن كانت إحداهما تامة والأخرى ناقصة، فالتامة هي الأصلية، فيجب غسلها، وأما الناقصة فإن خلقت في محل الفرض وجب غسلها أيضًا بلا خلاف، كالأصبع الزائدة. قال الرافعي وغيره: وسواء جاوز طولها الأصلية أم لا. قال: ومن الأمارات المميزة للزائدة أن تكون فاحشة القصر، والأخرى معتدلة، ومنها فقد البطش وضعفه، ونقص الأصابع. وإن خلقت الناقصة على العضد ولم يحاذ شيء منها محل الفرض لم يجب غسلها بلا خلاف، وإن حاذته وجب غسل المحاذي على المذهب الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به الأكثرون، منهم الشيخ أبو حامد، والمحاملي، وإمام الحرمين، والغزالي، والبغوي، وصاحب العدة، وآخرون. ونقل إمام الحرمين عن العراقيين وغيرهم: أنهم نقلوا ذلك عن نص الشافعي، ثم قال: المسألة محتملة جدًّا، ولكني لم أر فيها إلا نقلهم النص، هذا كلام الإمام. ونقل جماعات في وجوب غسل المحاذي وجهين، منهم الماوردي، وابن الصباغ، والمتولي، والشاشي، والروياني، وصاحب البيان، وغيرهم، قال الرافعي: قال كثيرون من المعتبرين: لا يجب؛ لأنها ليست أصلًا ولا نابتة في محل الفرض فتجعل تبعًا، وحملوا النص على ما إذا لصق شيء منها بمحل الفرض. قال إمام الحرمين: ولو نبتت سلعة في العضد وتدلت إلى الساعد لم يجب غسل شيء منها بلا خلاف إذا تدلت ولم تلتصق والله أعلم.\n(^٣) انظر البحر الرائق (١/ ١٤)، الفتاوى الهندية (١/ ٤).\n(^٤) ومواهب الجليل (١/ ١٩٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٤٠) حاشية الدسوقي (١/ ٨٧)، الخرشي (١/ ١٢٣).\n(^٥) المجموع (١/ ٤٢١)، أسنى المطالب (١/ ٣٣)، حاشية البجيرمي (١/ ١٤٩).","vol":"2","page":439},{"text":"من الحنابلة (^١)، يوجبون غسل ما حاذى محل الفرض منها، عند المالكية كلها إذا كان لها مرفق (^٢).\nأما الحنابلة فلهم فيها قولان: أحدهما، مع الجمهور، وهو قول أبي يعلى، والثاني: قول ابن حامد وابن عقيل: أن النابتة في غير محل الفرض لا يجب غسلها، قصيرة أو طويلة، لأنها أشبهت شعر الرأس إذا نزل عن حد الوجه، وهذا القول: هو الصحيح من مذهب الحنابلة (^٣)، ورجحه ابن قدامة (^٤).\n- والراجح:\nأنه لا يجب غسلها مطلقًا ما دامت ليست يدًا أصلية، وقد نبتت في غير محل الفرض، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ٨٥)، مطالب أولي النهى (١/ ١١٦).\n(^٢) الفواكه الدواني (١/ ١٤٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٧)، الخرشي (١/ ١٢٣).\n(^٣) قال في الإنصاف (١/ ١٥٧): «وإن كانت نابتة في غير محل الفرض، كالعضد والمنكب، وتميزت: لم يجب غسلها، سواء كانت قصيرة أو طويلة، على الصحيح من المذهب، اختاره ابن حامد، وابن عقيل، قال المصنف والشارح، وصاحب مجمع البحرين، وابن عبيدان وغيرهم: هذا أصح، وقدمه ابن رزين في شرحه، واختاره المجد في شرحه ....». إلخ كلامه.\n(^٤) المغني (١/ ٨٥).","vol":"2","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-790>المبحث الثالث في الجلد المنكشط</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- ما لا يجب في أصل خلقته لا يكون واجبًا (^١).\n[م-١٦٠] اختار بعض الفقهاء: أن المعتبر في الجلد المتدلي ما انتهى إليه، ولا ينظر إلى الموضع الذي تدلى منه.\nفإذا تدلى الجلد المتقلع من محل الفرض في اليد وجب غسله مع اليد، سواء انكشط من محل الفرض وتدلى منه، أو انكشط من العضد وبلغت إلى المرفق أو الساعد فتدلى منه؛ لأنها صارت تابعة لما نزلت إليه.\nوإن تدلى من العضد لم يجب غسله سواء انكشط من العضد وتدلى منه، أو انكشط من محل الفرض وبلغ إلى العضد؛ لأنه صار تابعًا للعضد.\nهذا ما اختاره بعض المالكية، والعراقيون والبغوي من الشافعية، ورجحه النووي.\n_________\n(^١) الذخيرة للقرافي (١/ ٢٥٧).","vol":"2","page":441},{"text":"واختار إمام الحرمين من الشافعية: أن الصواب أن يعتبر بأصله فإذا تدلت جلدة الساعد وجب غسلها، ولو تدلت جلدة من العضد ولم تلتصق بالساعد لم يجب غسلها نظرًا إلى أصلها، وإن التصق طرف منها بالساعد فيجب أن يغسل منها مقدار ما استتر من الساعد فقط؛ حيث قام هذا القدر في محل الالتصاق مقام ما استتر به، وبهذا قطع الماوردي، وصححه المتولي (^١).\n- الراجح:\nأن ما تدلى من محل الفرض يجب غسله، وما تدلى من غيره لم يجب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٢٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٩)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢٥٧)، نهاية المطلب (١/ ٧٧، ٧٨)، المجموع (١/ ٤٢٣)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ١٢٢)، المغني (١/ ٨٥)، الإنصاف (١/ ١٥٨)، كشاف القناع (١/ ٩٨).","vol":"2","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>المبحث الرابع في أقطع اليد أو بعضها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل عضو سقط بعضه تعلق الحكم بباقيه غسلًا ومسحًا.\n- إذا قطعت اليد من فوق المرفق فلا فرض عليه، لفوات المحل.\n- العضو إذا كان مقطوعًا من المفصل ففيه قولان.\nوسبب الخلاف اختلافهم في المرفق، هل هو عظم الساعد، فلا يجب غسل عظم العضد، أو هو مجتمع العظمين، عظم الساعد وعظم العضد، فيجب غسل رأس العضد، وهل غسله كان تبعًا فلا يجب غسله إذا قطعت اليد من المفصل، أو كان غسله قصدًا، فيجب غسله.\n[م-١٦١] إذا كان الرجل أقطع اليد، فإن كان مقطوعًا من دون المرفق وجب عليه غسل ما بقي من الساعد مع المرفق (^١).\n_________\n(^١) انظر المدونة (١/ ١٣٠)، الخرشي (١/ ١٢٣)، مواهب الجليل (١/ ١٨٩، ١٩٠)، المجموع (١/ ٤٢٤).","vol":"2","page":443},{"text":"لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].\n(٣٣٦ - ١٩٠) ولما رواه البخاري، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (^١).\nفقوله: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فإذا استطاع أن يغسل بعض محل الفرض وجب عليه؛ لدخوله تحت قدرته، وسقط عنه ما عجز عنه.\nوحكي إجماعًا وجوب غسل ما بقي من محل الفرض، نقل الإجماع فيه النووي في المجموع (^٢)، والحطاب في مواهب الجليل (^٣).\n[م-١٦٢] وإن كان مقطوعًا من المفصل ففيه قولان:\nفقيل: يجب عليه غسل رأس العضد، وهو قول في مذهب الشافعية (^٤)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: لا يجب عليه غسل رأس العضد. وهو قول في مذهب الشافعية.\nوأصل القولين اختلافهما في المرفق ما هو؟\nفقيل: إن المرفق عظم الساعد، فعلى هذا لا يجب غسل عظم العضد.\nوقيل: المرفق: هو مجتمع العظمين، عظم الساعد وعظم العضد، فعلى هذا يجب عليه غسل رأس العضد.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٣٨٨)، ورواه مسلم (١٣٣٧).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٢٤).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ١٩١).\n(^٤) البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ١٢٢، ١٢٣).\n(^٥) كشاف القناع (١/ ١٠١).","vol":"2","page":444},{"text":"ومنهم من قال: هو مجتمع العظمين، وإنما هل يغسل عظم العضد تبعًا، أو قصدًا، فإن قلنا: يجب غسله قصدًا وجب غسله هاهنا، وإن قلنا: يجب غسله تبعًا لم يجب غسله هاهنا.\n[م-١٦٣] وإن قطع من فوق المرفق فلا فرض عليه، لفوات المحل.\nواستحب له الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢) أن يمس ما بقي من العضد بالماء، واختلفوا في علة الاستحباب:\nفقيل: حتى لا يخلو العضو من طهارة.\nوقيل: يستحب ذلك إطالة للتحجيل.\nوالراجح أنه لا يشرع له أن يمسه بماء؛ لأن محل الفرض سقط بزوال العضو الواجب غسله، ولم يشرع بدل عنه، فالعضد ليس محلًا للفرض حتى يستحب له أن يمسه بماء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٢٤)، البيان في مذهب الشافعي (١/ ١٢٢).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٠١).","vol":"2","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>المبحث الخامس في الوسخ يكون تحت الظفر</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- الأصل في اليسير أنه معفو عنه ما لم يكن هناك نص بعدم العفو، وهذا في كل شيء (^١).\n[م-١٦٤] إذا كان تحت الظفر وسخ يمنع وصول الماء، فهل يصح وضوءه؟\nفقيل: تجب إزالته مطلقًا، ولا يصح الوضوء مع وجوده، اختاره المتولي من الشافعية (^٢)، وابن عقيل من الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) فالمشي في الصلاة مفسد للصلاة، والقليل معفو عنه، ويسير النجاسة معفو عنه، كما بينت ذلك في كتاب الاستنجاء، إلا أن يرد نص بعدم العفو، كيسير الربا، قال ﷺ: من زاد أو استزاد فقد أربى. وقال ﷺ: ويل للأعقاب من النار، ونقطة البول تخرج من الذكر ناقضة للوضوء ما لم يكن حدثًا دائمًا.\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤٠).\n(^٣) قال ابن قدامة في المغني (١/ ٨٦): «وإذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته، فقال ابن عقيل: لا تصح طهارته حتى يزيله».اهـ","vol":"2","page":446},{"text":"وقيل: لا تجب إزالته مطلقًا، ويعفى عنه، اختاره الغزالي من الشافعية (^١)،\nومال إليه ابن قدامة من الحنابلة (^٢).\nوقيل: إن كان يسيرًا عفي عنه، وإن فحش وجبت إزالته، وهو مذهب المالكية (^٣)، وأومأ إليه ابن دقيق العيد (^٤)، ورجحه ابن تيمية (^٥).\nوسبب الخلاف في هذه المسألة اختلافهم في العفو عن يسير ما يجب غسله من أعضاء الوضوء، فمن رأى أنه يجب غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء، ولا يعفى عن شيء منها أوجب إزالة ما تحت الأظفار، ومن رأى أن هذا الشيء اليسير يعفى عنه كما يعفى عن يسير النجاسة ونحوها عفى عنه، ومن رأى أن الأعراب على عهد\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (١/ ١٨٧)، وقال النووي في المجموع (١/ ٣٤٠): «ولو كان تحت الأظفار وسخ، فإن لم يمنع وصول الماء إلى ما تحته لقلته صح الوضوء.\nوإن منع، فقطع المتولي بأنه لا يجزيه، ولا يرتفع حدثه، كما لو كان الوسخ في موضع آخر من البدن.\nوقطع الغزالي في الإحياء بالإجزاء وصحة الوضوء والغسل، وأنه يعفى عنه للحاجة».اهـ\n(^٢) المغني (١/ ٨٦).\n(^٣) قال في الفواكه الدواني (١/ ١٤٠): «ولا يلزمه إزالة ما تحت أظافره من الأوساخ إلا أن يخرج عن المعتاد، فيجب عليه إزالته، كما يجب عليه قلم ظفره الساتر لمحل الفرض». وانظر حاشية الدسوقي (١/ ٨٨).\n(^٤) قال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (١/ ١٢٥): «إذا لم يخرج طول الأظفار عن العادة يعفى عن يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد، فما يتعلق بها من الأوساخ مانع من حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث الإشارة إلى هذا المعنى».اه.\nوقد يعتبر هذا من ابن دقيق العيد قولًا رابعًا، وهو أن الأظفار إذا خرج طولها عن المعتاد أصبح ما يتعلق بها من الوسخ مانعًا من حصول الطهارة، وإذا كان طولها معتادًا لم يمنع الوسخ. والله أعلم.\n(^٥) يرى ابن تيمية العفو عن كل يسير يمنع وصول الماء، ولم يخصصه في الأظفار، قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٠٣): «وإن منع يسير وسخ ظفر ونحوه وصول الماء صحت الطهارة، وهو وجه لأصحابنا، ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين إلخ ....» إلخ كلامه.","vol":"2","page":447},{"text":"رسول الله ﷺ كانوا لا يتعاهدون نظافة مثل ذلك، ولم يأمرهم الرسول ﷺ بغسله، رأى العفو عنه مطلقًا، ولم يقيده باليسير، وقد عرضنا أدلة الأقوال في كتابي سنن الفطرة من هذه السلسلة فارجع إليه غير مأمور.\n* * *","vol":"2","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>الفصل الثالث من فروض الوضوء مسح الرأس</span>\n[م-١٦٥] الفرض الثالث من فروض الوضوء مسح الرأس.\nوقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب فقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦].\nوأما السنة فالأحاديث الكثيرة المستفيضة والتي سقناها فيما سبق من فروض الوضوء.\nوأما الإجماع فنقله خلق كثير، نقله من الحنفية: الطحاوي (^١).\nومن المالكية: ابن عبد البر (^٢)، والحطاب (^٣)، وابن رشد (^٤)، والقرطبي (^٥)، والخرشي (^٦).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٣٣).\n(^٢) التمهيد (٤/ ٣١).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٢٠٢).\n(^٤) بداية المجتهد (١/ ١٢٩).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٣).\n(^٦) الخرشي على مختصر خليل (١/ ١٢٠، ١٢١).","vol":"2","page":449},{"text":"ومن الشافعية: النووي (^١)، والماوردي (^٢).\nومن الحنابلة: ابن قدامة (^٣)، وابن مفلح (^٤)، والزركشي (^٥) وغيرهم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٢٨).\n(^٢) الحاوي (١/ ١١٤).\n(^٣) الكافي (١/ ٢٩)، المغني (١/ ١٧٥).\n(^٤) الفروع (١/ ١٤٨).\n(^٥) شرح الزركشي (١/ ١٩٠).","vol":"2","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>المبحث الأول في القدر الواجب مسحه من الرأس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- هل الأمر بمسح الرأس في آية المائدة يعتبر مجملًا في اللغة، فيطلب البيان من السنة، أو أن آية المائدة ليس فيها إجمال أصلًا، لأن قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) يقتضي مسح البعض كما لو قلت: مسحت يدي بالحائط فإن المعنى للمسح يوجد بمسح جزء من أجزاء الحائط.\n- الخلاف ليس في مسمى الرأس بل في إيقاع المسح على هذا الجزء، وهذا كما في نظائره من الأفعال، تقول: ضربت رأسه وضربت برأسه، فإنه يوجد هذا المعنى بإيقاع الضرب على جزء من أجزاء الرأس، ومن قال: لا يكون ضاربًا لرأسه حتى يقع الضرب على جميع الرأس فقد جاء بما لا يفهمه أهل اللغة.\nوقيل:\n- اسم الرأس حقيقة في كله لا بعضه، ولا يقال لبعض الرأس رأس، فكان ذلك مقتضيًا لمسح جميعه.\n- كل عضو أمرنا بغسله أو مسحه فالأصل وجوب استيعابه إلا بدليل.","vol":"2","page":451},{"text":"- الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس.\n- الرأس عضو شرع المسح فيه بالماء، فوجب أن يعمه الحكم قياسًا على مسح الوجه بالتيمم (^١).\n[م-١٦٦] اختلف العلماء في المقدار الواجب مسحه من الرأس،\nفقيل: يكفي في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس، وهذا مذهب الحنفية (^٢).\nوقيل: يجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب المالكية (^٣)،\nوالمشهور من مذهب\n_________\n(^١) انظر الذخيرة (١/ ٢٦٠).\n(^٢) المبسوط (١/ ٦٣)، بدائع الصنائع (١/ ٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٩٩)، شرح فتح القدير (١/ ١٧)، شرح معاني الآثار (١/ ٣١).\n(^٣) الاستذكار (٢/ ٣٠)، المنتقى للباجي (١/ ٣٨)، مواهب الجليل (١/ ٢٠٢).\nوقد أورد ابن العربي في أحكام القرآن مذاهب أهل العلم في مسح الرأس، وتكلم عليه في فوائد يحسن بي أن أنقله بتمامه وإن كان طويلًا نظرًا لفائدته، يقول ابن العربي (٢/ ٦٤): قوله تعالى: (بِرُؤُوسِكُمْ): الرأس عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة، ومنها الوجه، فلما ذكره الله سبحانه في الوضوء وعين الوجه للغسل بقي باقيه للمسح. ولو لم يذكر الغسل أولًا فيه للزم مسح جميعه: ما عليه شعر من الرأس، وما فيه العينان والأنف والفم؛ وهذا انتزاع بديع من الآية، وقد أشار مالك إلى نحوه، فإنه سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء؟ فقال: أرأيت لو ترك بعض وجهه أكان يجزئه؟ ومسألة مسح الرأس في الوضوء معضلة، ويا طالما تتبعتها لأحيط بها حتى علمني الله تعالى بفضله إياها؛ فخذوها مجملة في علمها، مسجلة بالصواب في حكمها، واستيفاؤها في كتب المسائل:\nاختلف العلماء في مسح الرأس على أحد عشر قولًا:\nالأول: أنه إن مسح منه شعرة واحدة أجزأه.\nالثاني: ثلاث شعرات.\nالثالث: ما يقع عليه الاسم، ذكر لنا هذه الأقوال الثلاثة فخر الإسلام بمدينة السلام في الدرس عن الشافعي.\nالرابع: قال أبو حنيفة: يمسح الناصية. = =","vol":"2","page":452},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الخامس: قال أبو حنيفة: إن الفرض أن يمسح الربع.\nالسادس: قال أيضًا في روايته الثالثة: لا يجزيه إلا أن يمسح الناصية بثلاث أصابع أو أربع.\nالسابع: يمسح الجميع؛ قاله مالك.\nالثامن: إن ترك اليسير من غير قصد أجزأه؛ أملاه علي الفهري.\nالتاسع: قال محمد بن مسلمة: إن ترك الثلث أجزأه.\nالعاشر: قال أبو الفرج: إن مسح ثلثه أجزأه.\nالحادي عشر: قال أشهب: إن مسح مقدمه أجزأه، فهذه أحد عشر قولًا.\nومنزلة الرأس في الأحكام منزلته في الأبدان، وهو عظيم الخطر فيهما جميعًا؛ ولكل قول من هذه الأقوال مطلع من القرآن والسنة:\nفمطلع الأول: أن الرأس وإن كان عبارة عن العضو فإنه ينطلق على الشعر بلفظه، قال الله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) [البقرة: ١٩٦]. وقال النبي ﷺ: «احلق رأسك»، والحلق إنما هو في الشعر، إذا ثبت هذا تركب عليه: المطلع الثاني:\nالمطلع الثاني: وهو أن إضافة الفعل إلى الرأس ينقسم في العرف والإطلاق إلى قسمين: أحدهما: أنه يقتضي استيفاء الاسم.\nوالثاني: يقتضي بعضه؛ فإذا قلت: «حلقت رأسي» اقتضى في الإطلاق العرفي الجميع. وإذا قلت: مسحت الجدار أو رأس اليتيم أو رأسي اقتضى البعض، فيتركب عليه: المطلع الثالث: وهو أن البعض لا حد له مجزئ منه ما كان، قال لنا الشاشي: لما قال الله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ)، وكان معناه شعر رءوسكم، وكان أقل الجمع ثلاثًا قلنا: إن حلق ثلاث شعرات أجزأه، وإن مسحها أجزأه، والمسح أظهر، وما يقع عليه الاسم أقله شعرة واحدة.\nالمطلع الرابع: نظر أبو حنيفة إلى أن الوضوء إنما شرعه الله سبحانه فيما يبدو من الأعضاء في الغالب، والذي يبدو من الرأس تحت العمامة الناصية، ولا سيما وهذا يعتضد بالحديث الصحيح (أن النبي ﷺ توضأ فمسح ناصيته وعمامته).\nالمطلع الخامس: أنه إذا ثبت مسح الناصية فلا يتيقن موضعها؛ وإنما المقصود تعلق العبادة بالرأس؛ فقد ثبت مسح النبي ﷺ الناصية، وهي نحو الربع، فيتقدر الربع منه أين كان، ومطلع الربع بتقدير الأصابع يأتي إن شاء الله تعالى.\nومطلع الجميع -يعني مسح جميع الرأس- أن الله ﷾ علق عبادة المسح بالرأس، كما علق عبادة الغسل بالوجه؛ فوجب الإيعاب فيهما بمطلق اللفظ. وقول الشافعي: إن مطلق القول في المسح لا يقتضي الإيعاب عرفًا، فما علق به ليس بصحيح؛ إنما هو مبني على الأغراض، وبحسب الأحوال، تقول: مسحت الجدار، فيقتضي بعضه من أجل أن الجدار لا يمكن تعميمه =","vol":"2","page":453},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بالمسح حسًا، ولا غرض في استيعابه قصدًا، وتقول: مسحت رأس اليتيم لأجل الرأفة، فيجزئ منه أقله بحصول الغرض به، وتقول: مسحت الدابة فلا يجزئ إلا جميعها؛ لأجل مقصد النظافة فيها، فتعلق الوظيفة بالرأس يقتضي عمومه بقصد التطهير فيه؛ ولأن مطلق اللفظ يقتضيه؛ ألا ترى أنك تقول: مسحت رأسي كله فتؤكده، ولو كان يقتضي البعض لما تأكد بالكل؛ فإن التأكيد لرفع الاحتمال المتطرق إلى الظاهر في إطلاق اللفظ.\nومطلع من قال: إن ترك اليسير من غير قصد أجزأه: أن تحقق عموم الوجه بالغسل ممكن بالحس، وتحقق عموم المسح غير ممكن؛ فسومح بترك اليسير منه دفعًا للحرج، وهذا لا يصح؛ فإن مرور اليد على الجميع ممكن تحصيله حسا وعادة.\nومطلع من قال: إن ترك الثلث من غير قصد أجزأه: قريب مما قبله، إلا أنه رأى الثلث يسيرًا، فجعله في حد المتروك، لما رأى الشريعة سامحت به في الثلث وغيره.\nومطلع من قال: إن مسح ثلثه أجزأه: إلى أن الشرع قد أطلق اسم الكثير على الثلث في قوله من حديث سعد: «الثلث والثلث كثير».\nولحظ مطلع أبي حنيفة في الناصية حسبما جاء في الحديث، ودل عليه ظاهر القرآن في تعلق العبادات بالظاهر، ومطلع قول أشهب في أن من مسح مقدمه أجزأه إلى نحو من ذلك تناصف ليس يخفى على اللبيب عند اطلاعه على هذه الأقوال، والأنحاء المطلعات أن القوم لم يخرج اجتهادهم عن سبيل الدلالات في مقصود الشريعة، ولا جاوزوا طرفيها إلى الإفراط؛ فإن للشريعة طرفين: أحدهما: طرف التخفيف في التكليف. والآخر: طرف الاحتياط في العبادات. فمن احتاط استوفى الكل، ومن خفف أخذ بالبعض، قلنا: في إيجاب الكل ترجيح من ثلاثة أوجه: أحدهما: الاحتياط. الثاني: التنظير بالوجه، لا من طريق القياس؛ بل من مطلق اللفظ في ذكر الفعل وهو الغسل أو المسح، وذكر المحل؛ وهو الوجه أو الرأس. الثالث: أن كل من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنه مسح رأسه كله. فإن قيل: فقد ثبت أنه مسح ناصيته وعمامته، وهذا نص على البعض؟ قلنا: بل هو نص على الجميع؛ لأنه لو لم يلزم الجميع لم يجمع بين العمامة والرأس، فلما مسح بيده على ما أدرك من رأسه وأمر يده على الحائل بينه وبين باقيه أجراه مجرى الحائل من جبيرة أو خف، ونقل الفرض إليه كما نقله في هذين. جواب آخر: وهو أن هذا الخبر حكاية حال وقضية في عين؛ فيحتمل أن يكون النبي ﷺ مزكومًا، فلم يمكنه كشف رأسه؛ فمسح البعض ومر بيده على جميع البعض، فانتهى آخر الكف إلى آخر الناصية، فأمر اليد على العمامة، فظن الراوي أنه قصد مسح العمامة، وإنما قصد مسح الناصية بإمرار اليد؛ وهذا مما يعرف مشاهدة، ولهذا لم يرو عنه قط شيء من ذلك في أطواره بأسفاره على كثرتها. اهـ","vol":"2","page":454},{"text":"الحنابلة (^١)، واختاره المزني من الشافعية (^٢).\nوقيل: المفروض أقل ما يتناوله اسم المسح، ولو شعرة، وهو مذهب الشافعية (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-795> دليل الحنفية على جواز الاقتصار على الناصية في المسح:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-796> الدليل الأول:</span>\n(٣٣٧ - ١٩١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا التيمي، عن بكر، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة،\nعن أبيه أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته ومسح على الخفين والعمامة. قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة (^٤).\n[المحفوظ عن المغيرة عدم ذكر الناصية والعمامة في الحديث] (^٥).\n_________\n(^١) الروايتين والوجهين (١/ ٧٢)، الإنصاف (١/ ١٦١)، المغني (١/ ٨٦)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ٢٧٦)، الفروع (١/ ١٤٧).\nوهناك رواية عن أحمد أنه يجزئ مسح بعضه، أنظر ما سبق من المراجع.\n(^٢) مختصر المزني (ص: ٢)، المجموع (١/ ٤٣١)، الحاوي الكبير (١/ ١١٤).\n(^٣) المجموع (١/ ٤٣٠)، الحاوي الكبير (١/ ١١٤)، أسنى المطالب (١/ ٣٣)، تحفة المحتاج (١/ ٢٠٩).\n(^٤) المسند (٤/ ٢٥٥).\n(^٥) تجنب البخاري تخريج لفظ المسح على الناصية والعمامة، وإن كان قد روى حديث المغيرة من طريق مسروق، ومن طريق عروة بن المغيرة.\nورواه حمزة بن المغيرة، عن أبيه، رواه عن حمزة بكر بن عبد الله المزني، وإسماعيل بن محمد بن سعد ابن وقاص، والزهري، وكلهم يتفقون على ذكر المسح على الخفين، وينفرد بكر بن عبد الله المزني بذكر المسح على العمامة لا يختلف عليه في ذكرها، واختلف عليه في ذكر المسح على الناصية.\nقال أبو عبد الرحمن النسائي في السنن: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن محمد بن سعد، عن حمزة بن المغيرة، ولم يذكر العمامة. يشير إلى إعلال ما رواه بكر بن عبد الله المزني.\nورواه عمرو بن وهب عن المغيرة بذكر المسح على العمامة والناصية كما في مسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة وغيرهما.\nهذان هما الراويان اللذان ذكر عنهما المسح على العمامة وعلى الناصية.\nوقد روى الحديث عن المغيرة: خلق كثير لم يذكروا ما ذكره بكر بن عبد الله المزني وعمرو بن وهب.\nمنهم عروة بن المغيرة كما في الصحيحين وغيرهما.\nومسروق كما في الصحيحين وغيرهما.\nوالأسود بن هلال كما في صحيح مسلم.\nوعبد الرحمن بن أنعم كما في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما.\nوسالم بن أبي الجعد كما في مصنف بن أبي شيبة وغيره.\nأبو السائب مولى هشام، كما في مسند أحمد، ومستخرج أبي عوانة، والطبراني في الكبير.\nكل هؤلاء رووه عن المغيرة، ولم يذكروا المسح على العمامة والناصية.\nوقد خرجت الحديث بشيء من التفصيل فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد، انظر المسح على الحائل (ح ٦٤٣).","vol":"2","page":455},{"text":"وجه الاستدلال:\nلما مسح النبي ﷺ على الناصية، كان مسحه ﵊ على العمامة من باب الفضل، لا من باب الوجوب؛ إذ لا يمكن أن يجب مسح البدل ومسح الأصل في وقت واحد.\nقال الطحاوي: «في هذا الأثر أن الرسول ﷺ مسح على بعض الرأس، وهو الناصية، وظهور الناصية دليل أن بقية الرأس حكمه حكم ما ظهر منه؛ لأنه لو كان الحكم قد ثبت بالمسح على العمامة، لكان كالمسح على الخفين، فلم يكن إلا وقد غيبت الرجلان فيهما، ولو كان بعض الرجلين باديًا، لما أجزأه أن يغسل ما ظهر منهما، ويمسح على ما غاب منهما، فجعل حكم ما غاب منهما، مضمنًا بحكم ما بدا منهما، فلما وجب غسل الظاهر وجب غسل الباطن، فكذلك الرأس لما وجب مسح ما ظهر منه ثبت أنه لا يجوز مسح ما بطن منه ليكون حكم كله حكمًا واحدًا، كما كان حكم الرجلين إذا غيبت بعضها في الخفين حكمًا واحدًا، فلما اكتفى النبي ﷺ في هذا الأثر بمسح الناصية على مسح ما بقي من الرأس دل ذلك أن الفرض في مسح الرأس هو","vol":"2","page":456},{"text":"مقدار الناصية، وأن ما فعله فيما جاوز به الناصية فيما سوى ذلك من الآثار كان دليلًا على الفضل لا على الوجوب حتى تستوي هذه الآثار ولا تتضاد، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار» (^١).\n- وأجيب:\nبأنه لو جاز الاقتصار على مسح الناصية لما مسح على العمامة، وإذا مسح على ناصيته وكمل الباقي بعمامته أجزأه بلا ريب.\nقلت: وهناك تأمل آخر في الحديث، وهو: هل قوله في الحديث: (توضأ فمسح على ناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين) نقل لفعل واحد، أو أنه نقل لأفعال مختلفة رصدها المغيرة، ونقلها مجتمعة في نص واحد؟\nفإن كان الفعل واحدًا فظاهر أن المسح لم يقتصر على الناصية، فلا يكون فيه دليل على جواز الاقتصار على الناصية، وإن كان النقل لأفعال مختلفة، وأن هذه مجموعة أحاديث، وليست حديثًا واحدًا للمغيرة، جمعها في حديث واحد، فهو دليل قوي على جواز الاقتصار على المسح على الناصية، وهذا الاحتمال غير بعيد، فإن هناك أحاديث للمغيرة ينقل لنا فيها المسح على الخفين فقط، وهناك حديث ينقل لنا المسح على الجوربين والنعلين، وقد تُكِلم فيه، وخرجته في المسح على الحائل، فيحتاج الباحث إلى تأمل، هل هذه الأفعال كانت متفرقة جمعها المغيرة في حديث واحد، أو كانت فعلًا واحدًا في وضوء واحد، نقله لنا المغيرة بن شعبة صاحب رسول الله ﷺ، والحنفية والشافعية لا يمكن أن يقولوا لنا: إنها أفعال مختلفة؛ لأنه يلزمهم على هذا أن يقولوا بجواز المسح على العمامة، وهم لا يقولون به، ومحال أن يحتجوا علينا ببعض الحديث، ويتركوا بعضه، والله أعلم.\nقال ابن القيم في الزاد: «ولم يصح عنه في حديث واحد، أنه اقتصر على مسح\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٣١).","vol":"2","page":457},{"text":"بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة، ثم قال: وأما اقتصاره على الناصية مجردة لم يحفظ عنه» (^١). اهـ\nوأما الجواب على ما ذكره الطحاوي، فيقال: لا نسلم أن ما ظهر من القدم فرضه الغسل، وأنه يجب أن يغيب القدم في الخف، فالمسح على الخف ورد مطلقًا، واشتراط كون الخف ساترًا للمفروض لم يأت في كتاب ولا سنة، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، والحنفية لا يمنعون المسح على الخف ولو ظهر أصبع أو أصبعين من القدم، ويجمعون في هذه الحالة بين المسح والغسل، مع أن نسبة الأصبعين إلى خمسة الأصابع كنسبة الناصية إلى العمامة، فانتقض كلام الطحاوي ﵀ في عدم الجمع بين المسح والغسل، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-797> الدليل الثاني على جواز الاقتصار على الناصية:</span>\n(٣٣٨ - ١٩٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل،\nعن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ١٩٣).\n(^٢) سنن أبي داود (١٤٧).\n(^٣) الحديث رواه أبو داود كما في إسناد الباب.\nوالحاكم في المستدرك (١/ ١٦٩) من طريق عثمان بن سعيد الدارمي كلاهما، عن أحمد بن صالح.\nورواه ابن ماجه (٥٦٤) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، كلاهما، (أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح) عن ابن وهب به.\nقال الحاكم: هذا الحديث وإن لم يكن إسناده من شرط الكتاب، فإن فيه لفظة غريبة: وهي أنه مسح على بعض الرأس، ولم يمسح على عمامته.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٦٠، ٦١) من طريقين عن ابن وهب به.\nوفي إسناده أبو معقل، لم يرو عنه إلا عبد العزيز بن مسلم، ولم يوثقه أحد، فهو مجهول.\nوقال ابن القطان: مجهول. وكذا نقل ابن بطال عن غيره. تهذيب التهذيب (١٢/ ٢٦٤).\nوقال الذهبي: لا يعرف. ميزان الاعتدال (٤/ ٥٧٦). وفي التقريب: مجهول.\nوقد ذكره ابن أبي حاتم، فلم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٩/ ٤٤٨).\nكما أن في إسناده عبد العزيز بن مسلم الأنصاري، وليس القسملي، فيه لين إذا تفرد بالحديث، روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٢٣)، ولم يوثقه غيره، وفي التقريب: مقبول، أي: حيث يتابع، وإلا فلين الحديث، ولم يتابع.\nومعاوية بن صالح صدوق له أوهام. فالإسناد ضعيف.\nقال ابن السكن، كما في التنقيح لابن عبد الهادي (١/ ٣٧٤): لا يثبت إسناده.\nوقال ابن القطان: لا يصح. وضعفه ابن عبد الهادي. وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٩٥): وفي إسناده نظر.\nانظر إتحاف المهرة (١٩٩٦)، تحفة الأشراف (١٧٢٥).","vol":"2","page":458},{"text":"قال ابن القيم: «مقصود أنس به: أن النبي ﷺ لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه» (^١).\nولا نحتاج إلى هذا الجواب، والحديث ضعيف، ولو قبلوا منا هذا لقبلنا منهم دعوى أن الأحاديث الواردة في المسح على العمامة دون ذكر الناصية أن المقصود مع مسح الناصية، لأن هذه الأحاديث لم تنفيها، وقد أثبتها حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية على القول بثبوته، بل نقول: حديث أنس لا يثبت، ولا يستدل على دعوى الاقتصار على مقدم الرأس إلا بحديث صحيح.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-798> الدليل الثالث:</span>\n(٣٣٩ - ١٩٣) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال:\nبلغني أن النبي ﷺ كان يتوضأ، وعليه العمامة يؤخرها عن رأسه، ولا يحلها، ثم\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ١٩٤).","vol":"2","page":459},{"text":"مسح برأسه، فأشار الماء بكف واحد على اليافوخ قط، ثم يعيد العمامة (^١).\n[مرسل، ومرسلات عطاء من أضعف المراسيل] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-799> الدليل الرابع:</span>\nفعل ابن عمر مع ما عرف عنه من حرصه على متابعة السنة.\n(٣٤٠ - ١٩٤) فقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن نافع،\nأن ابن عمر كان يدخل يديه في الوضوء، فيمسح بها مسحة واحدة اليافوخ قط (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nواليافوخ: هو وسط الهامة، وهو الموضع الذي لا يلتئم من الصبي إلا بعد سنتين أو نحو ذلك، وهو حيث التقى عظم مقدم الرأس ومؤخره (^٥).\n_________\n(^١) المصنف (٧٣٩).\n(^٢) رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، والمرسل لا حجة فيه، خاصة إذا كان المرسل من مثل عطاء بن أبي رباح ﵁، قال يحيى بن سعيد القطان: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب. تهذيب التهذيب (٧/ ١٨٢) في ترجمة عطاء بن أبي رباح.\nوقال أحمد: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد. المرجع السابق.\nوالأثر رواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٠) حدثنا عبد الله بن إدريس عن ابن جريج، عن عطاء أن رسول الله ﷺ توضأ فرفع العمامة، فمسح مقدم رأسه.\nورواه البيهقي (١/ ٦١) من طريق مسلم - يعني ابن خالد - عن ابن جريج به. ومسلم وإن كان متكلمًا فيه فقد توبع.\n(^٣) المصنف (٧).\n(^٤) ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢) حدثنا عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يمسح مقدم رأسه مرة واحدة، وهذا أيضًا إسناد صحيح عن ابن عمر.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣) حدثنا وكيع، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يمسح مقدم رأسه مرة واحدة.\n(^٥) غريب الحديث لإبراهيم الحربي (٢/ ٨٥٧).","vol":"2","page":460},{"text":"فاجتمع لنا أثر صحيح موقوف، ومرسل عطاء، وحديث أنس الضعيف فهل يحصل بمجموعها ما يثبت به الاحتجاج، أو لا تقوى على معارضة الثابت عن رسول الله ﷺ. هذا محل تأمل عندي.\nقال ابن حجر عن مرسل عطاء: «وهو مرسل، لكنه اعتضد بمجئيه من وجه آخر موصولًا، أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من الصورة المجموعة، وهذا مثال لما ذكره الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر، أو مسند، ثم قال: وفي الباب أيضًا عن عثمان في صفة الوضوء، قال: ومسح مقدم رأسه، أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك، مختلف فيه، وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قال ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم، وهذا كله مما يقوى به المرسل المتقدم ذكره، والله أعلم» (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-800> دليل من قال يجزئ أقل ما يتناوله المسح:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-801> الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦]، فيتحقق مسح الرأس بمسح جزء من أجزائه، كما تقول: ضربت رأسه، وضربت برأسه، فمن قال: إنه لا يكون ضاربًا لرأسه حقيقة إلا إذا وقع الضرب على جميع رأسه على كل جزء من أجزائه فقد جاء بما لا يفهمه أهل اللغة ولا يعرفونه، ومثل هذا إذا قال القائل: مسحت الحائط ومسحت بالحائط، فإن المعنى للمسح يوجد بمسح جزء من أجزاء الحائط، ولا ينكر هذا إلا مكابر (^٢).\n- وقد يناقش:\nبأن إضافة الفعل إلى الرأس ينقسم في العرف إلى قسمين:\n_________\n(^١) فتح الباري (١٨٥).\n(^٢) انتهى بتصرف يسير من السيل الجرار (١/ ٨٤).","vol":"2","page":461},{"text":"أحدهما: ما يدل على الاستيفاء، كقولك حلقت رأسي.\nوالثاني: ما يدل على مسح البعض كما لو قلت: مسحت بالجدار؛ لأن الجدار لا يراد منه مسح جميعه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-802> الدليل الثاني:</span>\nثبت في الدليل أن النبي ﷺ مسح بناصيته، فهذا يمنع وجوب الاستيعاب، ويمنع التقدير بالثلث أو الربع أو النصف فإن الناصية دون الربع، فيتعين أن الواجب ما يقع عليه اسم مسح.\n- ويناقش:\nبأن حديث المسح على الناصية قد أشار النسائي إلى شذوذها كما ذكرت ذلك في التخريج، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-803> الدليل الثالث:</span>\nالباء في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦]، دالة على التبعيض، وجهه: إذا دخلت الباء على فعل يتعدى بنفسه كانت للتبعيض، كقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) وإن لم يتعد كانت للإلصاق كقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩].\n- ورد عليهم:\nبأنه لم يثبت كونها للتبعيض، وقد رده سيبويه في خمسة عشر موضعًا في كتابه.\nفإن قيل: فما فائدة دخول الباء مع أن الفعل يتعدى بنفسه.\nذكر ابن تيمية أنه «لو قال: (وامسحوا رؤوسكم) أو وجوهكم لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنك تقول: مسحت رأس فلان وإن لم يكن بيدك بلل، فإذا قيل: وامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق، فأفاد أنكم تلصقون","vol":"2","page":462},{"text":"برؤوسكم وبوجوهكم شيئًا بهذا» (^١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-804> دليل من قال: يجب استيعاب الرأس بالمسح:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-805> الدليل الأول:</span>\n(٣٤١ - ١٩٥) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه،\nأن رجلا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. ورواه مسلم بنحوه (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن هذا بيان لما أجمل في آية المائدة من قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) وإذا كان فعله ﷺ بيانًا لمجمل واجب، كان مسحه كله واجبًا، فالله ﷾ أمر بمسح الرأس، وفعله ﷺ خرج امتثالًا للأمر، وتفسيرًا للمجمل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-806> الدليل الثاني:</span>\nاحتج بعضهم لوجوب العموم في مسح الرأس بقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩]، وقد أجمعوا أنه لا يجوز الطواف ببعضه، فكذلك مسح الرأس لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) لا يجوز مسح بعضه (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-807> الدليل الثالث:</span>\nالباء في قوله ﷾: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) كالباء في قوله تعالى:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٢٤).\n(^٢) صحيح البخاري (١٨٥)، ورواه مسلم (٢٣٥).\n(^٣) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٢٢٨).","vol":"2","page":463},{"text":"(فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) في التيمم، فكما أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز مسح بعض الوجه في التيمم، فكذلك لا يجوز مسح بعض الرأس في الوضوء، فالعامل واحد في الموضعين، وهو قوله تعالى: (وَامْسَحُوا) (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-808> الدليل الرابع:</span>\nقال ابن عبد البر: الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس، فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله فقد أحسن، وفعل أكمل ما يلزمه (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-809> الدليل الخامس:</span>\nأن الله ﷾ ذكر مسح الرأس، ومسمى الرأس حقيقة هو جميع الرأس، فيقتضي وجوب مسح جميع الرأس، وحرف الباء لا يقتضي التبعيض لغة، بل هو حرف إلصاق، فيقتضي إلصاق الفعل بالمفعول، وهو المسح بالرأس، والرأس اسم لكله، فيجب مسح كله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>الراجح من هذه الأقوال:</span>\nلا شك أن القول بوجوب مسح جميع الرأس له أدلة قوية من حيث الأثر ومن حيث النظر، وهو أحوط بكل حال، وقول من قال بجواز الاقتصار على الناصية له قوة أيضًا، خاصة أنه صح فعله عن ابن عمر، وقد عرف ابن عمر في حرصه على متابعة السنة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) بتصرف يسير انظر المرجع السابق (٣/ ٢٢٧).\n(^٢) المرجع السابق (٣/ ٢٢٨).","vol":"2","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>المبحث الثاني تكرار مسح الرأس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الحكمة من المسح التخفيف، ولولا ذلك لكان فرضه الغسل، لذا لا يستحب تكرار مسح الرأس.\n• كل ممسوح لا يكرر، إلا محل الاستجمار ثلاثًا، ولو أنقى بما دونها بخلاف طهارة الغسل (^١).\n[م-١٦٧] اختلف العلماء في تكرار مسح الرأس:\nفقيل: لا يستحب تكرار مسح الرأس ولا الأذنين، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nواستحب الشافعية تكرار المسح للرأس ثلاثًا (^٥).\nوالراجح قول الجمهور، وقد استعرضنا أدلة الفريقين والجواب عن أدلة الشافعية في سنن الوضوء.\n* * *\n_________\n(^١) انظر الكليات الفقهية للإمام المقري (ص: ٨٢).\n(^٢) انظر حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٠، ١٢١)، البحر الرائق (١/ ٢٦)، فتح القدير (١/ ٣٣).\n(^٣) الإشراف (١/ ٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٩٨)، الذخيرة (١/ ٢٦٢).\n(^٤) الروايتين والوجهين (١/ ٧٣)، الإنصاف (١/ ١٦٣)، رؤوس المسائل الخلافية (١/ ٢٩).\n(^٥) عده ابن كثير من مفردات الشافعي انظر المسائل الفقهية التي انفرد بها الشافعي (ص: ٦٨)، المجموع (١/ ٤٣٢)، مختصر المزني (ص: ٢).","vol":"2","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-812>المبحث الثالث في مسح الأذنين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لم يأت ذكر للأذنين في صفة الوضوء في كتاب الله.\n• ثبت مسح الأذنين وتركهما في السنة الفعلية، فكان المسح دليلًا على المشروعية، والترك دليلًا على عدم الوجوب.\n• اختلف في الأذنين، هل هما عضوان مستقلان، ومن ثم اختلفوا:\nهل مسحهما سنة كالمضمضة، أو فرض باعتبار أن السنة الفعلية هي بيان للمجمل في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦] على القول بأن هذه الآية مجملة؟\nوهل هما عضوان مستقلان باعتبار أن الرأس تسمية لجارحة مخصوصة والأذنان ليستا منه حسًا، وقد اتفقوا على أن من اقتصر على مسحهما دون مسح الرأس فإن ذلك لا يجزيه وهذا دليل على أنهما ليستا من الرأس، فتغني عنه.\nأو هما من الرأس حكمًا لا حقيقة، بدليل أن فرضهما مسح ظاهرهما كما يمسح الرأس، ولا يؤخذ لهما ماء جديد غير ماء الرأس، ولا ترتيب بين الأذن اليمنى واليسرى بخلاف اليدين والرجلين، ولا يكرر مسحهما؟","vol":"2","page":466},{"text":"[م-١٦٨] تكلمنا في سنن الوضوء في حكم أخذ ماء جديد للأذنين، ونتكلم في هذا الفصل في حكم مسحهما في الوضوء، هل هو واجب أم سنة، وقد اختلف العلماء في حكم مسح الأذنين:\nفقيل: مسحهما سنة، فمن تركه فلا إعادة عليه، وهو مذهب الجمهور (^١)، وراية عن أحمد (^٢)، واختيار ابن حزم (^٣).\nوقيل: يجب مسحهما، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤)، وقول إسحاق (^٥)، واختاره بعض المالكية (^٦).\nوقيل: يستحب مسح داخلهما، وأما خارج الأذنين فقولان، حكاه ابن بشير (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-813> دليل الجمهور على أن مسحهما سنة:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-814> الدليل الأول:</span>\nالإجماع، قال النووي: قال ابن جرير الطبري في كتاب اختلاف الفقهاء: «أجمعوا أن من ترك مسحهما فطهارته صحيحة، وكذا نقل الإجماع غيره» (^٨).\nكما حكى الإجماع ابن عبد البر (^٩).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٥٣)، بدائع الصنائع (١/ ٢٣)، فتح القدير (١/ ٢٧)، المدونة (١/ ١٢٣)، المنتقى شرح الموطأ للباجي (١/ ٧٥)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١١٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٩٨)، وقال الشافعي في الأم (١/ ٤٢): ولو ترك مسح الأذنين لم يعد. اهـ المجموع (١/ ٤٤٣).\n(^٢) الفروع (١/ ١٤٩، ١٥٠).\n(^٣) المحلى (مسألة: ١٩٩).\n(^٤) الإنصاف (١/ ١٦٢، ١٦٣)، كشاف القناع (١/ ١٠٠).\n(^٥) الأوسط (١/ ٤٠٥).\n(^٦) المنتقى شرح الموطأ (١/ ٧٥).\n(^٧) مواهب الجليل (١/ ٢٥٤).\n(^٨) المجموع (١/ ٤٤٦).\n(^٩) التمهيد (٤/ ٤١).","vol":"2","page":467},{"text":"والحق أن الخلاف محفوظ، ولذلك قال ابن هبيرة: «وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، إلا أحمد فإنه رأى مسحهما واجبًا، وعنه أنه سنة» (^١).\nوقال القرطبي: «وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي ﷺ، ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق» (^٢).\nوقال ابن بشير: «وأما داخل الأذنين فلا خلاف أنهما سنة، فمن ترك مسحهما لم تبطل صلاته، وأما خارج الأذنين ففيه قولان، أحدهما: أنه فرض. والثاني: أنه سنة» (^٣).\nفكل هذه النقول تثبت أن هناك قولًا في وجوب مسح الأذنين مما يضعف حكاية الإجماع على أن مسحهما سنة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-815> الدليل الثاني:</span>\n(٣٤٢ - ١٩٦) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى المازني،\nعن أبيه، أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر بدأ، بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. ورواه مسلم بنحوه (^٤).\nوجه الاستدلال:\nأن هذا الوضوء وقع جوابًا كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكر صفة الوضوء\n_________\n(^١) الإفصاح (١/ ٧٤).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٠).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٢٥٤).\n(^٤) صحيح البخاري (١٨٥)، ورواه مسلم (٢٣٥).","vol":"2","page":468},{"text":"من المضمضة والاستنشاق والتثليث فيهما، وذكر مسح الرأس مبينًا من أين يبدأ، وأنه من مقدم الرأس، وذكر إقبال اليدين وإدبارهما، ثم انتقل إلى غسل الرجلين، ولم يذكر الأذنين، ولو أن الراوي قال: ومسح برأسه لقيل: ربما أنه أجمل، فلما ذكر صفة مسح الرأس بداية ونهاية، ولم يتعرض للأذنين علم أنه لم يمسحهما، وتركه لهما وهو في معرض بيانه لصفة وضوء النبي ﷺ دليل على أن مسحهما ليس بواجب.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-816> الدليل الثالث:</span>\n(٣٤٣ - ١٩٧) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره،\nأنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nالاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالحديث السابق، حيث ذكر مسح الرأس، ولم يذكر مسح الأذنين، والسياق في بيان صفة وضوء النبي ﷺ، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين حصل له من الأجر كذا وكذا، وهذا الوضوء ليس فيه مسح الأذنين، فمن امتثل الحديث فقد صح وضوءه، وفعل ما أمر به.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-817> الدليل الرابع:</span>\nلم يرد في السنة أمر من النبي ﷺ بمسح الأذنين، وما نقل عنه أنه كان ﷺ يمسح أذنيه هي مجرد أفعال، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٣٦).","vol":"2","page":469},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-818> دليل الحنابلة على وجوب مسح الأذنين:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-819> الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦].\nوجاء في الأحاديث أن الأذنين من الرأس، وسبق تخريجها في سنن الوضوء، وإذا كانت الأذنان من الرأس فيكون الأمر بمسح الرأس أمرًا بمسحهما، فيثبت وجوبه بالنص القرآني، وأحاديث (الأذنان من الرأس) إما أن نقول: إنها حجة بمجموعها، أو نقول: إنها موقوفة، فإن رجحنا كونها مرفوعة فلا إشكال، وإن رجحنا كونها موقوفة على الصحابة، فإن قول الصحابي حجة إذا لم نعلم له مخالفًا، وقد حكى النووي الإجماع على أن الأذنين تطهران، كما في المجموع وحكاه غيره.\n• ويجاب عنه بوجهين:\nالوجه الأول:\nالقول بأن الأذنين من الرأس: أي يمسحان بماء الرأس، وليس فيه دليل على وجوب المسح من هذا الحديث على أن الحديث لا يثبت مرفوعًا.\nالوجه الثاني:\nلو أخذنا وجوب مسح الأذنين من حديث (الأذنان من الرأس) فإن ذلك يعني القدح في الصحابة الذين نقلوا لنا صفة وضوء النبي ﷺ ولم يمسحوا الأذنين، مع أن المقام مقام تعليم، كحديث عثمان بن عفان وعبد الله بن زيد في الصحيحين، وحديث ابن عباس في البخاري.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-820> الدليل الثاني:</span>\n(٣٤٤ - ١٩٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار،\nعن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ العبد المؤمن، فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه","vol":"2","page":470},{"text":"خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، قال: ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه)، دليل على أن الأذنين من الرأس، فيكون حكم مسحهما حكم مسح الرأس، فإذا كان مسح الرأس فرضًا كان مسحهما فرضًا.\n• وأجيب:\nأولًا: أن الحديث وإن كان رجاله ثقات إلا أنه مرسل، الصنابحي لم يدرك النبي ﷺ، والمرسل من قسم الضعيف (^٢).\nثانيًا: قد روى مسلم نحو هذا الحديث من مسند عمرو بن عبسة، إلا أنه جعل خروج الخطايا من الرأس مع أطراف الشعر، ولم يذكر الأذنين. فقد أخرجه مسلم من حديث طويل وفيه: (ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء) (^٣). الحديث، وهذا أصح.\nثالثًا: هذا الحديث مجرد فعل، ونحن لا ننازع بمشروعية مسح الأذنين، ولكن النزاع في وجوب مسحهما، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-821> الدليل الثالث:</span>\n(٣٤٥ - ١٩٩) ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٣١) وسبق تخريجه انظر حديث رقم (٢٥٤).\n(^٢) انظر حديث (٨٧٨) من هذا الكتاب.\n(^٣) صحيح مسلم (٨٣٢).","vol":"2","page":471},{"text":"عن ابن عباس قال توضأ رسول الله ﷺ فغرف غرفة فمضمض واستنشق، ثم غرف غرفة فغسل وجهه، ثم غرف غرفة فغسل يده اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل يده اليسرى، ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى.\n[رجاله ثقات إلا ابن عجلان فإنه صدوق، وأكثر الرواة على عدم ذكر مسح الأذنين في الحديث] (^١).\nوفي الباب حديث عثمان بن عفان (^٢)، وعبد الله بن عمرو (^٣)، والربيع بنت معوذ (^٤)، وقد سبق تخريجها.\nوجه الاستدلال:\nهذه الأحاديث وإن كانت أفعالًا إلا أنها بيان لما أجمل في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ).\n• وأجيب:\nبأننا لا نسلم بأنها بيان للمجمل، وغاية ما فيها أنها تدل على استحباب مسح الأذنين، وهذا لا نزاع فيها بيننا، وإنما الخلاف هل مسحهما فرض أم لا؟\n• الراجح:\nأن مسح الأذنين سنة، وليس بفرض، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سبق تخريجه في مسألة (ماء الأذنين) انظر حديث رقم (٢٤٧)، وحديث (٥٤٠).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح (٢٤٩)، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) سبق تخريجه، انظر ح: (٢٥٢).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر ح (٢٥٠)، وكذا حديث (٤٠).","vol":"2","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>الفرع الأول في صفة مسح الأذنين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• قال البهوتي: كيف مسح الأذنين أجزأ.\n[م-١٦٩] صفة المسح من الآثار:\nأما صفة المسح من الآثار، ففي الباب أحاديث كثيرة، منها:\nالحديث الأول:\nحديث ابن عباس المتقدم في المسألة السابقة: وفيه: (ثم مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه). الحديث.\nالحديث الثاني:\n(٣٤٦ - ٢٠٠) حديث عثمان ﵁، وسبق تخريجه من طريق إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان، وفيه:\nأنه توضأ، فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وهو حديث ضعيف (^١).\n_________\n(^١) انظر حديث (٢٤٢) و(٢٢٢)، و(٢٤٩).","vol":"2","page":473},{"text":"الحديث الثالث:\n(٣٤٧ - ٢٠١) حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه:\nثم مسح برأسه، وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، بالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء. وسبق تخريجه (^١).\nالحديث الرابع:\nحديث الربيع بنت معوذ، أن النبي ﷺ توضأ، فأدخل إصبعيه في حجري أذنيه. وسبق تخريجه (^٢).\nالحديث الخامس:\n(٣٤٨ - ٢٠٢) ما رواه أحمد، حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا حريز قال: حدثنا عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي قال:\nسمعت المقدام بن معدي كرب الكندي قال: أتي رسول الله ﷺ بوضوء، فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) انظر تخريجه في المجلد الثالث، رقم (٥٨٨) من كتاب طهارة المسح على الحائل.\n(^٢) انظر حديث (٢٥٠)، وحديث (٤٠).\n(^٣) المسند (٤/ ١٣٢).\n(^٤) الحديث ضعيف سندًا، ومنكر متنًا:\nأما نكارة متنه: فقد ذكر المضمضة والاستنشاق بعد غسل الذراعين، والمعروف أن المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه وبعد غسل الكفين، كما صح ذلك من حديث عبد الله بن زيد، وعثمان بن عفان، وغيرهما.\nوأما ضعف إسناده: ففيه عبد الرحمن بن ميسرة، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٥/ ٢٨٥).\nووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات. معرفة الثقات (٢/ ٨٨)، الثقات (٥/ ١٠٩)، وفات الحافظ أن يذكر توثيق ابن حبان في ترجمته في التهذيب.\nوقال ابن المديني: مجهول، لم يرو عنه غير حريز. ميزان الاعتدال (٤٩٨٦).\nوقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات. تهذيب التهذيب (٦/ ٢٥٤).\nوفي التقريب: مقبول، يعني: إن توبع وقد استدرك الحافظ ابن حجر على قول ابن المديني لم يرو عنه غير حريز، فقال في التهذيب بأنه روى عنه صفوان بن عمرو، وثور بن يزيد.\nقلت: أما رواية صفوان بن عمرو فوقفت عليها في سنن الدارمي (٢٥١) ومسند الشاميين للطبراني (٩٦٠)، وفي إسناده بقية.\nوأما رواية ثور بن يزيد: فأيضًا وقفت عليها عند الطبراني أيضًا في مسند الشاميين (٤٦٩)، وفي إسناده أحمد بن محمد شيخ الطبراني، ضعيف.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٣٢)، وأبو داود (١٢١) وابن الجاورد (٧٤) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٧٦) ٦٥٤، وفي مسند الشاميين (١٠٧٦) عن أبي المغيرة به.\nورواه أبو داود (١٢٢، ١٢٣) والطحاوي (١/ ٣٢) وابن ماجه (٤٤٢) من طريق الوليد بن مسلم، كلهم عن حريز به.\nانظر أطراف المسند (٥/ ٣٩٢)، تحفة الأشراف (١١٥٧٣، ١١٥٧٤)، إتحاف المهرة (١٧٠١٦).","vol":"2","page":474},{"text":"فدلت هذه الأحاديث على أن صفة مسح الأذنين: مسح الباطنين بالسبابتين، وظاهر الأذنين بالإبهامين، وإدخال الأصبعين في صماخ الأذنين. هذا ما تدل عليه مجموع الأحاديث السابقة.\nوأما كلام الفقهاء في صفة مسح الأذنين فلا يخرج عما جاء في الآثار.\nقال البهوتي: وكيف مسح الأذنين أجزأ.\nوقيل: يمسح باطنهما بباطن السبابتين، وظاهرهما بباطن الإبهامين، وعليه أكثر العلماء.\nقال ابن عابدين الحنفي: يمسح باطنهما بباطن السبابتين، وظاهرهما بباطن الإبهامين (^١).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٤٣).","vol":"2","page":475},{"text":"وفي حاشية العدوي على الخرشي: «وصفة مسح الأذنين، أن يجعل باطن الإبهامين على ظاهر الشحمتين، وآخر السبابتين في الصماخين، وهما ثقبا الأذن، ووسطهما ملاقيًا للباطن، دائرين مع الإبهامين للآخر، وكره تتبع غضونهما» (^١).\nوفي كشاف القناع قال: «أن يدخل سبابتيه في صماخيهما -يعني الأذنين- ويمسح بإبهاميه ظاهرهما» (^٢).\nوقال ابن عبد البر: «إن ترك مسح داخل أذنيه فلا شيء عليه» (^٣).\nوهل يتتبع غضاريف الأذنين؟\nقال العدوي في حاشيته على الخرشي: وكره تتبع غضونهما.\nوقال في كشاف القناع: «ولا يجب مسح ما استتر من الأذنين بالغضاريف؛ لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر، فالأذن أولى، فالغضروف داخل فوق الأذن: أي أعلاها ومستدار سمعها».\nونفي الوجوب لا يدل على نفي الاستحباب.\nوأما الشافعية فرأوا أن يمر برأس الأصبع على معاطف الأذن.\nومذهب المالكية أرجح؛ لأن باب المسح أخف من باب الغسل، واستيعاب الممسوح أمر شاق حتى من يقول: بمسح الرأس كله، لا يمسح كل شعرة فيه، فإذا مسح أكثره أجزأ، والأذن أخف من الرأس، لكون مسح الرأس فرضًا، ومسح الأذن سنة على الصحيح، ولأن الأذنين تبعًا للرأس، لا يجزئ مسحهما عن الرأس، ويجزئ مسح الرأس عنهما، فإذا مسح باطن الأذنين بالسبابة حقق السنة إذا مر بإبهاميه على ظاهرهما، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٣٤).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٠٠).\n(^٣) الكافي لابن عبد البر (ص: ٢٣).","vol":"2","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>الفرع الثاني تمسح الأذنان معًا</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الرأس والأذنين في حكم العضو الواحد، وماؤهما واحد، وطهارتهما المسح.\n[م-١٧٠] يمسح الأذنين معًا، ولا يقدم اليمنى على اليسرى، قاله النووي (^١).\nوقال أيضًا: «مسح الأذنين بعد مسح الرأس، فلو قدمه عليه فظاهر كلام الأصحاب لا يحصل له مسح الأذنين؛ لأنه فعله قبل وقته، وذكر الروياني في حصوله وجهين، والصحيح المنع» (^٢).\nوالصحيح جوازه لكنه خلاف السنة، فكما لو قدم اليد اليسرى على اليمنى أو الرجل اليسرى على اليمنى صح، وكان خلاف السنة، لأن الرأس والأذنين في حكم العضو الواحد، وماؤهما واحد، وطهارتهما المسح.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٤٣).\n(^٢) انظر المرجع السابق والصفحة نفسها.","vol":"2","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>المبحث الرابع في المسح على العمامة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المسح على العمامة أصل بنفسه وليس مقيسًا على الخفين.\n• إما أن تكون العمامة ليست محلًا للمسح فلا تمسح، أو تكون محلًا للمسح فيجوز الاقتصار عليها، أما أن يقال: إنها محلًا لسنة المسح بشرط أن يمسحها مع الناصية فهذا مخالف للقواعد؛ لأن ما كان محلًا للمسح يجوز الاقتصار عليه.\n• العادة أن البعض تبع للكل، وليس الكل تبعًا للبعض، فالحكم دائمًا للأغلب، والقليل يتبع الكثير، والعمامة أغلب الرأس، فهي الأصل، كيف وقد ثبت الاقتصار على مسح العمامة.\n[م-١٧١] اختلف العلماء في المسح على العمامة،","vol":"2","page":478},{"text":"فقيل: لا يجوز، هو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\nوقيل: يجوز، اختاره الثوري (^٤)، والأوزاعي (^٥)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٦)، ومذهب الظاهرية (^٧)، وهو الصحيح.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠١)، تبيين الحقائق (١/ ٥٢)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٧)، البحر الرائق (١/ ١٩٣)، الفتاوى الهندية (١/ ٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٢).\n(^٢) جاء في المدونة (١/ ١٢٤): «وقال مالك في المرأة تمسح على خمارها أنها تعيد الصلاة والوضوء».اهـ وفي المنتقى للباجي (١/ ٧٥) «سئل مالك عن المسح على العمامة والخمار، فقال: لا ينبغي أن يمسح الرجل ولا المرأة على عمامة ولا خمار، وليمسحا على رؤسهما».\nوجوز المالكية المسح على العمامة إذا كان يتضرر بنزعها، والحقيقة أن هذا لا يعتبر قولًا في المسح على العمامة، لأنه إذا كان يتضرر بنزعها أصبحت في حكم الجبيرة، ولذلك لم أعتبره قولًا؛ لأننا نقصد بالمسح على العمامة المسح عليها إذا لبسها مختارًا من غير ضرورة كالمسح على الخف. انظر: مختصر خليل (ص: ١٩)، والتاج والإكليل (١/ ٥٣٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٠٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٣، ١٦٤).\n(^٣) الأم (٧/ ٢٩)، ويرى النووي أنه لا يجوز المسح على العمامة وحدها، وإذا كان على رأسه عمامة، ولم يرد نزعها، مسح بناصيته، والمستحب أن يتمم المسح على العمامة، انظر حاشية الجمل (١/ ١٢٨)، أسنى المطالب (١/ ٤١)، المجموع (١/ ٤٣٩). والحقيقة ليس في هذا قول بالمسح على العمامة؛ لأن الفرض عندهم المسح على الناصية، وهو وحده كاف في إسقاط الفرض، ولو اقتصر على العمامة لم يصح وضوؤه. فمحصلة هذا القول أنه لا يجوز المسح على العمامة وحدها، ولذلك لم أجعل هذا قولًا برأسه، لأن النتيجة أنهم لا يرون المسح على العمامة، ولو كانوا يرون المسح على العمامة لجاز الاقتصار عليها وحدها، ولم يشترطوا في الجواز مسح الناصية معها. والله أعلم.\n(^٤) أحكام القرآن - الجصاص (٢/ ٤٩٥).\n(^٥) المرجع السابق.\n(^٦) قال عبد الله في مسائل الإمام أحمد (١/ ١٢٤): «سألت أبي عن الرجل يمسح على العمامة؟ قال: لا بأس به. اهـ. وانظر مسائل أحمد رواية ابن هاني (١/ ١٨)، ورواية صالح (٥٧٩، ١٠٥١)، ورواية أبي داود (٤٩، ٥٠) والفروع (١/ ١٦٢)، الإنصاف (١/ ١٨٥)، المغني (١٨٤)، كشاف القناع (١/ ١١٢).\n(^٧) نسبه لداود الظاهري الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٢٠٧). وقال ابن حزم في المحلى (١/ ٣٠٣): «وكل ما لبس على الرأس من عمامة، أو خمار، أو قلنسوة، أو بيضة، أو مغفر، أو غير ذلك: أجزأ المسح عليه، المرأة والرجل سواء في ذلك، لعلة أو غير علة».اهـ","vol":"2","page":479},{"text":"وانظر الكلام على هذه المسألة، وأدلتها والآثار الموقوفة والمرفوعة في أحكام المسح على الحائل من هذه الموسوعة، ولله الحمد.\n* * *","vol":"2","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>المبحث الخامس في المسح على الخمار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما خمر الرأس أي غطاه، فإنه يجوز المسح عليه، والعمامة تسمى خمارًا في اللغة، فهي داخلة في العموم اللفظي لكلمة عمامة.\n• ثبت أن النبي ﷺ كان في إحرامه ملبِّدًا رأسه، فما وضع على الرأس من التَّلبيد فهو تابع له.\n• المسح على العمامة، هل متعلق بالمسمى، فلا يمسح إلا على ما يسمى عمامة بالصفة التي كانت معهودة في عصر النبوة، أم أن المسح متعلق بالمعنى، فكل ما خمر الرأس وغطاه، فهو عمامة، يجوز المسح عليه؟ الراجح الثاني.\n[م-١٧٢] اختلف العلماء في مسح المرأة على الخمار،\nفقيل: تمسح كما يمسح الرجل على العمامة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١)،\n_________\n(^١) انظر مسائل ابن هانئ (١/ ١٩)، ورجح أصحاب أحمد أن تكون خمر النساء مدارة تحت حلوقهن، انظر الفروع (١/ ١٦٤)، كشاف القناع (١/ ١١٢، ١١٣)، شرح غاية المنتهى (١/ ١٢٤)، الروض المربع (١/ ٢٨٣).","vol":"2","page":481},{"text":"ورجحه ابن حزم (^١).\nوقيل: لا تمسح، وهو مذهب الجمهور (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: إن خافت من البرد ونحوه مسحت، مال إليه ابن تيمية (^٤).\nوقد ذكرت أدلة الأقوال، ورجحت جواز المسح على خمار المرأة في طهارة المسح على الحائل، في المجلد الثالث، فأغنى عن إعادته هنا، ولله الحمد.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٠٣).\n(^٢) في مذهب الحنفية انظر أحكام القرآن - الجصاص (١/ ٤٩٥)، المبسوط (١/ ١٠١)، بدائع الصنائع (١/ ٥).\nوفي مذهب المالكية، قال في المدونة (١/ ١٢٤): «قال مالك في المرأة تمسح على خمارها: إنها تعيد الصلاة والوضوء».\nوفي المنتقى للباجي (١/ ٧٥): «وسئل مالك عن المسح على العمامة والخمار، فقال: لا ينبغي أن يمسح الرجل ولا المرأة عمامة ولا خمارًا، وليمسحا على رؤسهما».اهـ وانظر مواهب الجليل (١/ ٢٠٧).\nوفي مذهب الشافعية انظر حاشية الجمل (١/ ١٢٨)، أسنى المطالب (١/ ٤١)، المجموع (١/ ٤٣٩).\n(^٣) الفروع (١/ ١٦٤).\n(^٤) قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢١٨): «وإن خافت المرأة من البرد ونحوه مسحت على خمارها، فإن أم سلمة كانت تمسح على خمارها، وينبغي أن تمسح معه بعض شعرها، وأما إذا لم يكن بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين أهل العلم».\nولا أدري لماذا رأى ابن تيمية ﵀ أن تمسح مع الخمار بعض شعرها، مع العلم أنه يرى وجوب استيعاب الرأس بالمسح إذا لم يكن هناك خمار، فإن كان مسح الخمار كافيًا لم يكن ثمة حاجة إلى مسح بعض الشعر، وإن لم يكن كافيًا كمذهب الشافعية، يستحبون مسح الناصية مع العمامة فينبغي أن يرى أن مسح بعض الرأس كافيًا إذا لم يكن هناك عمامة، ثم تقييد ذلك بالبرد ليس بصواب، لأن أثر أم سلمة مطلق، وليس مقيدًا، كما أن المسح على العمامة مطلق، وليس مقيدًا بالبرد، وإن كان هذا دفعًا للخلاف فإن المسح على العمامة أيضًا مختلف فيه، فالجمهور لا يرون المسح على العمامة، ولم يحمل هذا ابن تيمية أن يقيد مسح الرجل على عمامته في حالة البرد، فتأمل.","vol":"2","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>المبحث السادس في المسح على القلانس </span>(^١).\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية\n- ثبت أن النبي ﷺ كان في إحرامه ملبِّدًا رأسه، فما وضع على الرأس من التَّلبيد فهو تابع له.\n• المسح على العمامة، هل متعلق بالمسمى، فلا يمسح إلا على ما يسمى عمامة بالصفة التي كانت معهودة في عصر النبوة، أم أن المسح متعلق بالمعنى، فكل ما خمر الرأس وغطاه، فهو عمامة، يجوز المسح عليه؟ الراجح الثاني.\n• ما فعله بعض الصحابة ﵃ من العبادات، ولم يثبت أنه مخالف للنص، أو مخالف لغيرهم من الصحابة، ففعله مشروع.\n[م-١٧٣] اختلف العلماء في المسح على القلانس،\n_________\n(^١) قال في الجوهرة النيرة (١/ ٢٨): القلنسوة شيء تجعله الأعاجم على رؤوسهم أكبر من الكوفيه.\nوقال الحافظ ابن حجر: القلنسوة غشاء مبطن، تستر به الرأس، قاله القزاز في شرح المفصل.\nوقال أبو هلال العسكري: هي التي تغطى بها العمائم، وتستر من الشمس والمطر، كأنها عنده رأس البرنس. اهـ نقلًا من الإنصاف (١/ ١٧١).\nوقال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٢٧٢): ما يلبس على الرأس، ويتعمم فوقه.","vol":"2","page":483},{"text":"فقيل: لا يمسح عليها، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (^١)، والمالكية (^٢) والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nوقيل: يمسح عليها، وهو رواية عن أحمد (^٥)، ومذهب ابن حزم (^٦).\nوقيل: يمسح إن كانت مشدودة تحت حلقه، وهو رواية عن أحمد (^٧).\nوقد وقد ذكرت أدلة الأقوال، في طهارة المسح على الحائل في المجلد الثالث، فأغنى عن إعادته هنا، والله الموفق.\n* * *\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠١)، تبيين الحقائق (١/ ٥٢)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٧)، البحر الرائق (١/ ١٩٣)، الفتاوى الهندية (١/ ٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٢).\n(^٢) قال الباجي في المنتقى (١/ ٧٦): «ولا يجزئ المسح على حائل دون الرأس».\n(^٣) إذا كانوا يمنعون المسح على العمامة، فمنع المسح على القلانس من باب أولى، انظر العزو في منعهم من المسح على العمامة في المبحث الرابع من هذا الباب.\n(^٤) الإنصاف (١/ ١٧٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٢)، مطالب أولي النهى (١/ ١٢٨)، الفروع (١/ ١٦٣).\n(^٥) الإنصاف (١/ ١٧٠)، الفتاوى الكبرى (١/ ٣٢٠)، الفروع (١/ ١٦٣).\n(^٦) المحلى (١/ ٣٠٣).\n(^٧) الإنصاف (١/ ١٧٠)، الفتاوى الكبرى (١/ ٣٢٠)، الفروع (١/ ١٦٣).","vol":"2","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>الفصل الرابع من فروض الوضوء: غسل الرجلين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- ويل للأعقاب من النار. حديث شريف.\n- لم يثبت عن النبي ﷺ مسح للرجلين قط.\n- قراءة الجر (وأرجلكم) محمولة إما على وجه من وجوه الإعراب الجائزة، كالجر بالمجاورة، وإما على حالة المسح على الخفين، أو على أنها منسوخة، أو على طهارة غير المحدث.\n[م-١٧٤] اختلف العلماء في فرض القدمين:\nفقيل: فرضهما الغسل، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: فرضهما المسح، حكاه بعض أهل العلم مذهبًا لعلي بن أبي طالب وابن\n_________\n(^١) انظر أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٨٧)، المبسوط (١/ ٨)، البناية (١/ ١٠٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٩٨)، بدائع الصنائع (١/ ٥)، مواهب الجليل (١/ ٢١١)، المنتقى للباجي (١/ ٣٩)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٧١، ٧٢)، الأم (١/ ٢٧)، الوسيط (١/ ٣٧٣)، المجموع (١/ ٤٤٧)، تحفة المحتاج (١/ ٢١٠)، المغني (١/ ٩٠)، المبدع (١/ ١٢٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٥٠)، الهداية (١/ ١٤).","vol":"2","page":485},{"text":"عباس وأنس (^١)، وهو مذهب الحسن البصري وعكرمة والشعبي (^٢).\nوقيل: طهارتهما التخيير بين الغسل أو المسح (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-828> أدلة الجمهور:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-829> الدليل الأول:</span>\nقراءة نصب أرجلكم في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\nفـ (أرجلكم) معطوفة على (وجوهكم) والعامل فيها الفعل: (فاغْسِلُوا)، والعطف على نية تكرار العامل، فكأنه قال: واغسلوا أرجلكم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-830> الدليل الثاني:</span>\nالأحاديث الصحيحة المستفيضة في صفة وضوئه ﷺ، وأنه غسل رجليه، منها: حديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن زيد في الصحيحين، وحديث ابن عباس في البخاري، وحديث علي بن أبي طالب، والربيع بنت معوذ، وغيرها مما سبق تخريجه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-831> الدليل الثالث:</span>\n(٣٤٩ - ٢٠٣) ما رواه البخاري من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف ابن ماهك،\nعن عبد الله بن عمرو قال: تخلف رسول الله ﷺ في سفر سافرناه، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا (^٤).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٠١).\n(^٢) سيأتي تخريج أقوالهم من مصنف ابن أبي شيبة في معرض ذكر الأدلة.\n(^٣) نسبه أبو المواهب العكبري في رؤوس المسائل الخلافية لابن جرير (١/ ٣٤)، وابن العربي في عارضة الأحوذي (١/ ٥٨)، وغيرهما.\n(^٤) صحيح البخاري (٩٦)، ومسلم (٢٤١).","vol":"2","page":486},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال ابن العربي تعليقًا على قوله: (ونمسح على أرجلنا) «قد يتمسك به من قال بجواز المسح على الرجلين، ولا حجة فيه لأربعة أوجه:\nالأول: أن المسح هنا يراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز أن يقولوا: تمسحنا للصلاة: أي توضأنا.\nوالثاني: أن قوله: (وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء) يدل على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم، إذ لو كانوا يمسحونها لكانت القدم كلها لا ئحة، فإن المسح لا يحصل منه بلل الممسوح.\nوالثالث: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة، فقال: إن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبه، فقال: ويل للأعقاب من النار.\nوالرابع: أننا لو سلمنا أنهم مسحوا لم يضرنا ذلك، ولم تكن فيه حجة لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي توعد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا، والله أعلم» (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-832> الدليل الرابع:</span>\n(٣٥٠ - ٢٠٤) ما رواه البخاري، من طريق شعبة قال: حدثنا محمد ابن زياد قال:\nسمعت أبا هريرة وكان يمر بنا والناس يتوضئون من المطهرة قال: أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم ﷺ قال: ويل للأعقاب من النار (^٢).\nوجه الاستدلال من هذا الحديث كالاستدلال بالحديث الذي قبله.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-833> الدليل الخامس:</span>\n(٣٥١ - ٢٠٥) ما رواه مسلم من طريق معقل، عن أبي الزبير، عن جابر،\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٤٩٧).\n(^٢) البخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢).","vol":"2","page":487},{"text":"أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلًا توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى (^١).\nقال القرطبي: «قوله: (فأحسن وضوءك) دليل على استيعاب الأعضاء، ووجوب غسل الرجلين» (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-834> الدليل السادس:</span>\nحديث عمرو بن عبسة، رواه مسلم، وسبق ذكر إسناده من قبل، وهو حديث طويل: وفيه: (ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء). الحديث.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة في مسلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-835> الدليل السابع:</span>\n(٣٥٢ - ٢٠٦) أروى أبو داود، قال: حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن موسى ابن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا ثم غسل وجهه ثلاثًا ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء (^٣).\n[حسن، وسبق التنبيه على أن زيادة (أو نقص) وهم من الراوي] (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٤٣)، وقد ضعف أحمد أحاديث معقل عن أبي الزبير خاصة، انظر (٣٦٧).\n(^٢) المفهم (١/ ٤٩٨).\n(^٣) سنن أبي داود (١٣٥).\n(^٤) انظر تخريجه، في المجلد الثالث رقم: (٥٨٨)، من كتاب طهارة المسح على الحائل","vol":"2","page":488},{"text":"وجه الاستدلال:\nأنه غسل رجليه، ثم اعتبر النقص من هذا ظلمًا وإساءة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-836> الدليل الثامن:</span>\nقال ﷺ: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا (^١).\nفلو كان فرض الرجلين المسح لم يأمر بالتخليل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-837> الدليل التاسع:</span>\nحكى بعض أهل العلم الإجماع على وجوب غسل القدمين، من ذلك:\nقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين» (^٢).\nوقال الطحاوي: «رأينا الأعضاء التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء: الوجه واليدان والرجلان والرأس، فكان الوجه يغسل كله، وكذلك اليدان، وكذلك الرجلان» (^٣).\nوقال ابن رشد: «إن فرائض الوضوء على ثلاثة أقسام: قسم مجمع عليه: وهي الأعضاء الأربعة» (^٤).\nوقال ابن قدامة: «والمفروض من ذلك بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين» (^٥).\n_________\n(^١) انظر تخريج الحديث بتمام ألفاظه، والكلام على ما ورد فيه من زيادات في المتن، وبيان المحفوظ منها والشاذ في مجلد الحيض والنفاس ح (١٦٦٣) من هذه السلسلة فلا داعي لتكراره.\n(^٢) فتح الباري (١/ ٢٦٦)، وانظر المبدع (١/ ١٤٤)، شرح العمدة (١/ ١٩٦).\n(^٣) شرح معاني الآثار (١/ ٣٣).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ١٨٣).\n(^٥) الكافي (١/ ٥٥).","vol":"2","page":489},{"text":"قلت: النية ليست محل اتفاق، فالحنفية لا يرونها واجبة، والخلاف محفوظ أيضًا في غسل الرجلين، ولعل ابن قدامة يقصد في المذهب، ولم يقصد في المذاهب.\nوقال ابن عبد الهادي: ومفروض إجماعًا غسل رجليه إلى الكعبين (^١).\n• وأجيب:\nمناقشة دعوى الإجماع، عندنا الإجماع المحكي عن صحابة رسول الله ﷺ، والإجماع المحكي عن غيرهم.\nأما الإجماع المحكي عن الصحابة، فقد ذكر ابن حزم رحمه الله تعالى أن المسح مذهب لعلي وابن عباس وأنس (^٢).\nوقد ذكر ابن حجر في الفتح: أنهم رجعوا عن ذلك، قال: «ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، إلا عن علي وابن عباس وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين» (^٣).\nفحكاية رجوع الصحابة علي وابن عباس وأنس أخذه ابن حجر من حكاية ابن أبي ليلى: أن الصحابة مجمعون على غسل القدمين، وليست صريحة إذ يحتمل أنه إجماع على مشروعية الغسل، وهذا لا نزاع فيه، ولا يوجد إجماع على أنه لا يجزئ إلا هو، وبينهما فرق.\nولو نقل ابن حجر عن علي وأنس وابن عباس القول بعدم جواز المسح لصح مأخذه، خاصة أنك ترى عكرمة يقول بالمسح، وهو من تلاميذ ابن عباس، فلو رجع ابن عباس لبلغ ذلك تلميذه، ويقول الشعبي كذلك بالمسح، وله عناية بأحكام علي\n_________\n(^١) مغني ذوي الأفهام (٤٤).\n(^٢) المحلى (١/ ٣٠١).\n(^٣) فتح الباري في شرحه لحديث (١٦٣).","vol":"2","page":490},{"text":"ابن أبي طالب، ولو وقف على رجوع علي ﵁ لرجع الشعبي، والله أعلم.\nوأما الإجماع المنقول من غير الصحابة فأعتقد أنه غير دقيق، فقد نقل استثناء القدمين جماعة ممن رووا الإجماع، منهم:\nالسمرقندي الحنفي قال: «والرابع: غسل الرجلين مرة واحدة ..... ثم قال: وهذا فرض عند عامة العلماء، وقال بعض الناس: الفرض هو المسح لا غير، وعن الحسن البصري أنه قال: يخير بين الغسل والمسح، وقال بعضهم: إنه يجمع بينهما» (^١). إلخ كلامه ﵀.\nقال ابن عبد البر: «وذلك أنهم أجمعوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب الذي عليه، واختلفوا فيمن مسح قدميه، فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه، وإذا جاز عند من قال بالمسح على القدمين أن يكون من غسل قدميه قد أدى الفرض عنده، فالقول في هذه الحال بالاتفاق هو اليقين» (^٢).\nوقال أبو بكر بن العربي: «قال أبو عيسى: لا يجوز المسح على الأقدام المجردة، خلافًا لمحمد بن جرير الطبري، حيث قال: هو مخير بين المسح والغسل، ثم قال: وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه يجب الجمع بينهما» (^٣).\nوقال القرطبي: «اتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه، واختلفوا فيمن مسح قدميه، فاليقين ما أجمعوا عليه، دون ما اختلفوا فيه» (^٤).\nوقد ثبت القول بالمسح عن جماعة من التابعين ممن يعتد بقولهم، ويعتبر خلافهم بالإجماع، كالحسن البصري، وعكرمة، والشعبي، وغيرهم.\n_________\n(^١) تحفة الفقهاء (١/ ١٠).\n(^٢) التمهيد (٢٤/ ٢٥٦).\n(^٣) عارضة الأحوذي (١/ ٥٨).\n(^٤) الجمع لأحكام القرآن (٦/ ٩٥).","vol":"2","page":491},{"text":"فقد روى ابن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن أيوب، قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه، وكان يقول به (^١).\nوهذا إسناد صحيح إلى عكرمة، وعكرمة من تلاميذ ابن عباس، وربما أخذ عنه فقه هذه المسألة، وابن عباس قد جاء عنه القول بالمسح، وهذا يدل على أن القول بأن ابن عباس قد رجع عنه يحتاج إلى تأمل.\n(٣٥٣ - ٢٠٧) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن يونس،\nعن الحسن، أنه كان يقول: إنما هو المسح على القدمين، وكان يقول: يمسح ظاهرهما وباطنهما (^٢).\n[وهذا إسناد صحيح عن الحسن]\n(٣٥٤ - ٢٠٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن داود،\nعن الشعبي، قال: إنما هو المسح على القدمين، ألا ترى أن ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمم، وما كان عليه المسح أهمل، فلم يجعل عليه التيمم (^٣).\n[صحيح].\n(٣٥٥ - ٢٠٩) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن حميد،\nقال: كان أنس إذا مسح على قدميه بلهما (^٤).\nوسنده صحيح.\nوقد سبق أن هذا القول قاله ابن جرير الطبري، وبعض أهل الظاهر.\nفالقول بالمسح ثابت عن بعض السلف، لا إشكال في ثبوته من لدن الصحابة\n_________\n(^١) المصنف (١٧٨).\n(^٢) المصنف (١٧٩).\n(^٣) المصنف (١٨١).\n(^٤) المصنف (١٨٢).","vol":"2","page":492},{"text":"فمن بعدهم، وثبوت القول شيء والراجح شيء آخر، فلا يلزم من ثبوت القول ثبوت الصحة، فقد يكون القول ثابتًا، وهو قول ضعيف من حيث الدلالة. والله أعلم.\nوقد ذهب بعض أهل العلم أن القول بالمسح كان في أول الأمر ثم نسخ، وقد ذهب إلى هذا ابن حزم والطحاوي رحمهما الله تعالى، وهذا أيضًا ليس بصواب.\nقال ابن حزم: «القرآن نزل بالمسح ... ثم قال: وإنما قلنا بالغسل فيهما لما حدثناه، ثم ساق بإسناده حديث (ويل للأعقاب من النار) فكان هذا الخبر زائدًا على ما في الآية، أو على الأخبار التي ذكرنا، وناسخًا لما فيها ولما في الآية، والأخذ بالزائد واجب ...» إلخ كلامه رحمه الله تعالى (^١).\nوقال الطحاوي بعد أن ساق حديث عبد الله بن عمر (تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا صلاة العصر، ونحن نتوضأ، ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار) قال الطحاوي ﵀: «فدل على أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرناه» (^٢).\nودعوى النسخ مصير من الطحاوي إلى القول بأن الفرض أول ما كان هو المسح فقط، ثم مسح بالغسل، وكان متأخرًا عنه، وإثبات هذا فيه ما فيه، ولا يلزم تخريج الطحاوي من يقول: إن الفرض المسح أو الغسل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-838> دليل من قال: إن فرض الرجلين المسح:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-839> الدليل الأول:</span>\nالاستدلال بقراءة جر (وأرجلكم) من قوله تعالى: (بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦].\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٠١).\n(^٢) الطحاوي (١/ ٣٩).","vol":"2","page":493},{"text":"قال ابن حزم: «القرآن نزل بالمسح، وسواء قرئ بخفض اللام أو بفتحها، هي على كل حال عطف على الرؤوس، إما على اللفظ، أو على الموضع، لا يجوز غير ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة» (^١).\n• وأجيب عن الآية بأجوبة، منها:\nالجواب الأول:\nإن الجر على المجاورة، وهذا معروف في لغة العرب من ذلك كقولهم: هذا جحر ضبٍ خربٍ، بجر (خرب) لمجاورتها لمجرور مع أنها صفة لمرفوع، وكانت القاعدة أن الصفة تتبع الموصوف، ومنه في القرآن الكريم: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) [هود: ٢٣]، بجر الميم من كلمة (أليم) على جوار كلمة (يوم) مع أن محلها النصب صفة لعذاب.\nفإن قيل: إنما يصح الإتباع إذا لم يكن هناك واو، فإن كانت لم يصح، والآية فيها (واو). قلنا: هذا غلط، فإن الإتباع مع الواو مشهور، في أشعارهم، من ذلك ما أنشدوه:\nلم يبق إلا أسير غير منفلت ... وموثق في عقال الأسر مكبول (^٢).\nالجواب الثاني:\nقال ابن العربي: «والذي ينبغي أن يقال: إن قراءة الخفض عطف على الرأس، فهما يمسحان بكف إذا كان عليهما خفاف، وتلقينا هذا القيد من فعل رسول الله ﷺ، إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليه خفاف، والمتواتر عنه غسلهما، فبين النبي ﷺ بفعله الحال الذي تغسل فيه الرجل، والحال الذي تمسح فيه» (^٣).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٠١).\n(^٢) انظر المجموع (١/ ٤٤٩).\n(^٣) المفهم (١/ ٤٩٦).","vol":"2","page":494},{"text":"الجواب الثالث:\nقال النووي: «إن قراءتي الجر والنصب يتعادلان، والسنة بينت ورجحت الغسل، فتعين» (^١).\nالجواب الرابع:\nقال النووي: «لو ثبت أن المراد بالآية المسح لحمل المسح على الغسل، جمعًا بين الأدلة والقراءتين؛ لأن المسح يطلق على الغسل، كذا نقله جماعة من أئمة اللغة، منهم أبو زيد الأنصاري وابن قتيبة وآخرون، وروى البيهقي بإسناده عن الأعمش، قال: كانوا يقرؤنها، وكانوا يغسلون» (^٢).\nوقد سبق لنا قول ابن العربي: من المستعمل في أرض الحجاز: تمسحنا للصلاة: أي توضأنا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>الدليل الثاني على جواز مسح القدمين</span>.\n(٣٥٦ - ٢١٠) ما رواه أبو داود من طريق همام، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، وفيه:\nفقال رسول الله ﷺ: إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ﷿، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين. الحديث، والحديث قطعة من حديث طويل (^٣).\n[حسن في الجملة، إلا أن ذكر الوضوء على وجه التفصيل انفرد به همام عن إسحاق، وحديث المسيء في صلاته في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفيه ذكر الوضوء بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، والله أعلم] (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٥٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٥٠).\n(^٣) سنن أبي داود (٨٥٨).\n(^٤) هذا الحديث مداره على عليِّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة. واختلف على عليِّ بن =","vol":"2","page":495},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يحيى هذا في إسناده وإليك بيانه.\nالطريق الأول: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة ابن رافع.\nأخرجه أبو داود (٨٥٨) كما في إسناد الباب، والنسائي في المجتبى (١١٣٦)، وفي الكبرى (٧٢٢)، وابن ماجه (٤٦٠)، والدارمي (١٣٢٩)، والبزار في مسنده كما في البحر الزخار (٣٧٢٧)، وابن الجارود في المنتقى (١٩٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٥) والطبراني في الكبير (٥/ ٣٧) رقم: ٤٥٢٥ والدارقطني في سننه (١/ ٩٥)، والحاكم (١/ ٢٤١) والبيهقي في السنن (١/ ٤٤) و(٢/ ٣٤٥) كلهم أخرجوه من طريق همام، عن إسحاق بن ... عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بذكر الوضوء مفصلًا، ولم يتابع أحد همامًا على ذكر الوضوء بالتفصيل.\nورواه حماد بن سلمة عن إسحاق، وذكر الوضوء مجملًا بلفظ: (... إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء ....) وقد اضطرب في إسناده حماد بن سلمة:\nفقال مرة: عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه، ولم يقل فيه: عن أبيه.\nأخرجه أبو داود (٨٥٧) عن موسى بن إسماعيل.\nوالطبراني في الكبير (٤٥٢٦) من طريق حجاج بن منهال، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه أن رجلًا دخل المسجد، فذكر الوضوء مجملًا (لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء) يعني مواضعه.\nوقال حماد في أخرى: عن علي بن يحيى بن خلاد، أراه عن أبيه، عن عمه أن رجلًا.\nأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٧٧) عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به. مختصرًا، وهذه موافقة لرواية همام في الإسناد.\nوقال حماد في إسناد ثالث: عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه أن رجلًا ...\nفجعله من مسند يحيى بن خلاد. أخرجه الحاكم (١/ ٢٤٢) من طريق عفان، عن حماد بن سلمة به.\nفدل على أن حماد بن سلمة لم يضبطه، وقد حفظه همام بن يحيى، عن إسحاق بما يوافق الروايات الأخرى في إسناده إلا ما كان منه في ذكر الوضوء مفصلًا.\nقال البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٠): لم يقمه. يعني: إسناد حماد.\nوقال الحاكم في المستدرك: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين بعد أن أقام همام ابن يحيى إسناده، فإنه حافظ ثقة، وكل من أفسد قوله فالقول قول همام، ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما اتفقا فيه على عبيد الله بن عمر بن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وقد روى محمد ابن إسماعيل هذا الحديث في التأريخ الكبير، عن حجاج بن منهال، وحكم له بحفظه، ثم قال: لم يقمه حماد بن سلمة». اهـ =","vol":"2","page":496},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٨٢): وهم حماد. اهـ\nالطريق الثاني: محمد بن إسحاق، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة به.\nأخرجه أبو داود (٨٦٠)، وابن خزيمة (٥٩٧، ٦٣٨)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٩) ح: ٤٥٢٨، والبيهقي في السنن (١/ ١٣٣، ١٣٤) وهذا الإسناد موافق لرواية الأكثر، ولم يذكر محمد بن إسحاق الوضوء في لفظه، وقد اختصره أبو داود وابن خزيمة، وأما الطبراني فقد ذكره بتمامه.\nكما أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٣) من طريق محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: عن علي بن يحيى بن خلاد، حدثني زريق، عن أبيه، عن عمه رفاعة، واختصر الحديث، وهو خطأ فزريق نسب لعلي بن يحيى بن خلاد، وانظر إتحاف المهرة (٤/ ٥١٢).\nالطريق الثالث: داود بن قيس الفراء، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه به.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٧٣٩)، والنسائي في المجتبى (١٣١٤)، وفي الكبرى (١٢٣٧)، والطبراني في الكبير (٤٥٢٠) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٢، ٢٤٣) ولم يختلف على داود في ذكر والد علي بن يحيى بن خلاد في إسناده، وذكر الوضوء بلفظ: (إذا أردت أن تصلي فتوضأ، فأحسن وضوءك).\nالطريق الرابع: محمد بن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد.\nواختلف على محمد بن عجلان،\nفأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٤٠) والطبراني في الكبير (٤٥٢٣)، وابن حبان (١٧٨٧) عن يحيى بن سعيد.\nوأخرجه النسائي في المجتبى (١٣١٣) والطبراني في الكبير (٤٥٢٢) من طريق الليث بن سعد.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٤٥٢١) من طريق سليمان بن بلال.\nوأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٧٦) والطبراني في الكبير (٤٥٢٤) من طريق ... أبي خالد الأحمر.\nوأخرجه النسائي (١٠٥٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٧٢) من طريق بكر بن مضر. كلهم رووه عن ابن عجلان، عن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رافع. وهذا هو المحفوظ كرواية الأكثر عن علي بن يحيى بن خلاد.\nوذكروا الوضوء بلفظ داود بن قيس (فأحسن وضوءك) ولم يفصل الوضوء إلا ابن أبي عاصم فلم يذكر الوضوء.\nوخالفهم النضر بن عبد الجبار، فرواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٥٩٤) من طريقه، قال: أخبرنا ابن لهيعة والليث، عن محمد بن عجلان، عن من أخبره عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه، وساقه مختصرًا.\nفزاد في الإسناد رجلًا مبهمًا بين ابن عجلان وبين علي بن يحيى بن خلاد. =","vol":"2","page":497},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١١٢) من طريق بكير بن الأشج، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة، ولم يقل: عن أبيه.\nوالمحفوظ أن علي بن يحيى بن خلاد يرويه عن أبيه، عن رفاعة.\nالطريق الخامس: عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة. بإسقاط يحيى بن خلاد.\nرواه يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو: اختلف علي يزيد فيه:\nفرواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٤٠) عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة. ولم يقل: عن أبيه فأسقط (يحيى بن خلاد).\nورواه ابن حبان (١٧٨٧) من طريق أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون به إلا أنه قال: عن علي ابن يحيى بن خلاد أحسبه عن أبيه. فلم يجزم بكونه عن أبيه.\nوخالفه خالد بن عبد الله، فرواه أبو داود (٨٥٩) من طريقه، عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، كرواية إسحاق من رواية همام عنه، بذكر (يحيى ابن خلاد) والد علي بن يحيى، جازمًا. ولم يذكر الوضوء.\nفأخشى أن يكون إسناد خالد بن عبد الله بذكر (عن أبيه) مزيدة في الإسناد، وليست منه خاصة أن تحفة الأشراف (٣/ ١٦٩) ح ٣٦٠٤، ذكر إسناده ونص على أنه لم يقل (عن أبيه) كرواية يزيد بن هارون، وكذلك نسخة سنن أبي داود في شرح عون المعبود (٨٤٤)، والمسند الجامع (٣٧٣٠)، والله أعلم.\nالطريق السادس: شريك بن أبي نمر، عن علي بن يحيى بن خلاد.\nأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٢٤٣) وفي شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٢) عنه، عن علي بن يحيى به، بإسقاط كلمة (أبيه)، واختصر الحديث فلم يذكر فيه الوضوء.\nالطريق السابع: عن عبد الله بن عون، عن علي بن يحيى بن خلاد.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٤٥٣٠) من طريق شريك، عن عبد الله بن عون به، بإسقاط كلمة عن أبيه، ولم يذكر الوضوء.\nالطريق الثامن: يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة.\nأخرجه الطيالسي (١٣٨٢)، وأبو داود (٨٦١)، والنسائي في المجتبى (٦٦٧)، وفي الكبرى (١٦٣١)، وابن خزيمة (٥٤٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٢٤٤)، والبيهقي (٢/ ٣٨٠) من طريق إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد به.\nوفيه ذكر الوضوء مجملًا: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله).\nورواه الترمذي (٣٠٢) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، عن جده رفاعة، ولم يذكر عن أبيه، وهو وهم. =","vol":"2","page":498},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد مجهول، لم يرو عنه إلا إسماعيل بن جعفر، ولم يوثقه إلا ابن حبان، إلا أن جهالته لا تضر لكثرة المتابعين له عن علي بن يحيى، والله أعلم.\nفتبين لنا في خلاصة هذا البحث، أمور منها:\nالأول: أن حديث المسيء في صلاته رواه أبو هريرة في الصحيحين، ورواه رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة.\nالثاني: أن المحفوظ في إسناده: علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة، وكل من خالف ذلك زيادة أو نقصًا في إسناده فهو إما شاذ أو منكر، وقد روى البخاري في صحيحه حديثًا من رواية علي ابن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، انظر فتح الباري (ح ٧٩٩)، وإنما تجنب البخاري إخراج هذا الحديث في صحيحه للاختلاف على علي بن يحيى بن خلاد في ألفاظه، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، مما يجعل الباحث لا يجزم بكونها محفوظة في الحديث إلا ما وافق منها حديث أبي هريرة في الصحيحين، وما انفرد فيه حديث رفاعة مما اختلف عليه في ذكره ففي النفس منه شيء؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه، وسأذكرها إن شاء الله في كتاب الصلاة.\nوقد تكلم على هذا الاختلاف أبو داود في السنن (٨٥٨، ٨٦٠، ٨٦١)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٨٢، ٨٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٢، ٢٤٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٧٣).\nالثالث: انفرد همام بن يحيى عن إسحاق بذكر الوضوء على وجه التفصيل، وذلك بذكر غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين،\nوقد رواه حماد بن سلمة عن إسحاق كما في سنن أبي داود بلفظ: (حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه). فأجمل الوضوء ولم يفصله.\nكما رواه ابن عجلان وداود بن قيس بذكر الوضوء مجملًا بلفظ (إذا أردت أن تصلي فتوضأ فأحسن وضوءك).\nورواه يحيى بن علي بن خلاد عن أبيه بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله) فهؤلاء أربعة ممن روى الحديث بذكر الوضوء لم يفصلوا الوضوء كما ذكره همام.\nوروايتهم موافقة في المعنى لرواية أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء صلاته، فقد أخرجه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٣٩٧) بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء). ولم يذكر الوضوء مفصلًا، والقصة واحدة، لهذا أجدني ميالًا إلى أن ذكر الوضوء مفصلًا ليس محفوظًا من حديث رفاعة، وأن المحفوظ هو رواية ابن عجلان وداود بن قيس ويحيى بن علي بن خلاد وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة من رواية حماد بن سلمة، والله أعلم.\nانظر لمراجعة بعض طرق هذا الحديث: أطراف المسند (٢/ ٣٤٤)، تحفة الأشراف (٣٦٠٤)، إتحاف المهرة (٤٥٨٢).","vol":"2","page":499},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-841> الدليل الثالث:</span>\n(٣٥٧ - ٢١١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير،\nعن علي ﵁، قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرهما (^١).\n[رجاله ثقات] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله في الحديث (يمسح على ظاهرهما) ظاهره أنه يمسح على رجليه بدون خفين، وهذا دليل على أن فرض الرجل المسح.\n• ويجاب عن هذا الدليل بما يلي:\nلقد تبين من خلال تخريج الحديث الاختلاف في لفظه، فإما أن يقال: إنه هذا الاختلاف يوجب الاضطراب في الحديث، والمضطرب ضعيف.\nأو يحمل قول من قال بالمسح على ظاهر القدمين بالمسح عليه، وفيه الخف، وهذا أرجح، ولذلك جاء في بعضها الجمع بين المسح على ظاهر القدم، مع ذكر الخف مما يوحي بأن المراد بظاهر القدم هو ظاهر الخف،\n(٣٥٨ - ٢١٢) فقد جاء في رواية إبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على ظهر قدميه على خفيه (^٣).\n_________\n(^١) المسند (١/ ٩٥).\n(^٢) انظر تخريجه، في المجلد الثالث (ح ٥٧٠) من طهارة المسح على الحائل.\n(^٣) سنن البيهقي (١/ ٢٩٢).","vol":"2","page":500},{"text":"فتبين أن مراده من قوله: (ظاهر القدمين) أنه يريد ظاهر الخفين كما صرح به في آخر الحديث.\nقال الدارقطني في العلل: «والصحيح في ذلك قول من قال: كنت أرى باطن الخفين أحق بالمسح من أعلاهما» (^١)، وكذا رجح البيهقي في السنن (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-842> الدليل الرابع: من الآثار</span>.\n(٣٥٩ - ٢١٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن حميد، قال:\nكان أنس إذا مسح على قدميه بلهما (^٣).\n[صحيح].\nوقد خرجت ذلك عن بعض التابعين فيما سبق من قول عكرمة (^٤)، والشعبي (^٥)، والحسن (^٦)، وأسانيدها إليهم صحيحة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-843> دليل من قال: يجوز الغسل والمسح:</span>\nلعل هذا القول أخذ من أدلة القولين جواز الغسل والمسح، وأن الأمر على التخيير.\nوقد يكون هذا القول يرجع إلى القول الثاني، وذلك لأن من قال: إن الفرض المسح لا أظنه ينكر الغسل، ولا يمنع منه، ولكنه لا يوجبه، وإنما يرى أن المسح كاف في الواجب، فإن غسل قدمه فلا بأس، ولذلك قال ابن عبد البر في التمهيد: «وإذا جاز عند من قال بالمسح على القدمين أن يكون من غسل قدميه قد أدى الفرض عنده، فالقول في هذه الحال بالاتفاق هو اليقين» (^٧).\n_________\n(^١) العلل (٤/ ٤٦).\n(^٢) السنن (١/ ٢٩٢).\n(^٣) المصنف (١٨٢)، وسنده صحيح.\n(^٤) المصنف (١٧٨).\n(^٥) المصنف (١٨١).\n(^٦) المصنف (١٧٩).\n(^٧) التمهيد (٢٤/ ٢٥٦).","vol":"2","page":501},{"text":"فهذا نص من ابن عبد البر أن من قال بالمسح لا يمنع من غسل القدم، والله أعلم.\n• الراجح:\nبعد ذكر الأقوال والأدلة فإن الراجح والله أعلم وجوب غسل القدمين، ولا يكفي في ذلك مسحهما، وحديث ويل للأعقاب من النار نص في محل النزاع، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>الفصل الخامس من فروض الوضوء الترتيب بين الأعضاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لم تكشف أدلة صريحة عن حكم الترتيب في الوضوء بما يحسم الخلاف، فالتمس حكمه من آية الوضوء، ومن فعل النبي ﷺ.\n• آية الوضوء استدل بها من يرى أن الترتيب واجب، ومن يرى أن الترتيب سنة، فالأول أخذ الوجوب من ذكر الممسوح بين المغسولات؛ لأن عادة العرب الجمع بين المتجانسين فلا تفرق بينها إلا لفائدة، ولهذا لا يقولون: ضربت زيدًا، وأكرمت عمروًا، وضربت بكرًا، وإنما يقولون: ضربت زيدًا وبكرًا، وأكرمت عمروًا. وقد يقال: إن النكتة في ذلك مشروعية الترتيب، وهو مما لا اختلاف فيه.\nوقال الفريق الثاني: إن الآية أمرت بتطهير أربعة أعضاء وعطفت بعضها على بعض بالواو، والواو لمطلق الجمع، فلا تفيد ترتيبًا.\n• واظب النبي ﷺ على الترتيب من غير إخلال به، ولو كان الإخلال به جائزًا لوقع ذلك ولو مرة واحدة لبيان الجواز، فهل المواظبة على الترتيب يجعل هذا الصفة واجبة؟ أو يقال: الفعل المجرد لا يدل على الوجوب.","vol":"2","page":503},{"text":"• الأصل عدم الوجوب إلا بدليل صحيح صريح خال من النزاع.\nوقيل:\n• كل صفات الوضوء فضيلة إلا الترتيب والموالاة.\n• الوضوء عبادة غير معقولة المعنى، لكون الحدث يخرج من موضع، والغسل يجب من موضع آخر، وكون الوضوء وجوبه تعبديًا يقتضي وجوب الإتيان به على الوجه الذي ورد في النص.\n[م-١٧٥] اختلف العلماء في حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء،\nفقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، وقول داود (^٣).\nوقيل: الترتيب فرض، وهو مذهب الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، وهو قول إسحاق (^٦)، واختيار ابن حزم (^٧).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٠٧)، تبيين الحقائق (١/ ٦)، المبسوط (١/ ٥٥)، حاشية ... ابن عابدين (١/ ١٢٢)، بدائع الصنائع (١/ ١٨)، شرح فتح القدير (١/ ٣٤، ٣٥).\n(^٢) جاء في المدونة (١/ ١٤): «سألت مالكًا عمن نكس وضوءه فغسل رجليه قبل يديه، ثم وجهه، ثم صلى؟ قال: صلاته مجزئة عنه.\nقال: قلت له: أترى أن يعيد الوضوء؟ قال: ذلك أحب إلي. قال: ولا ندري ما وجوبه».اهـ وانظر شرح الخرشي (١/ ١٣٥)، الإشراف (١/ ١١)، المنتقى (١/ ٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٢٤٩، ٢٥٠).\n(^٣) المجموع (١/ ٤٧٢).\n(^٤) الوسيط (١/ ٣٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٥٤)، المجموع (١/ ٤٧٠ - ٤٧٢)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٧).\n(^٥) الإنصاف (١/ ١٣٨)، كشاف القناع (١/ ١٠٤)، المغني (١/ ٩٢)، الفروع (١/ ١٥٤).\n(^٦) المحلى (١/ ٣١٠).\n(^٧) قال في المحلى (١/ ٣١٠) مسألة: ٢٠٦ «من نكس وضوءه، أو قدم عضوًا على المذكور قبله في القرآن عمدًا أو نسيانًا لم تجزه الصلاة أصلًا، وفرض عليه أن يبدأ بوجهه ثم ذراعيه ثم رأسه ثم رجليه ...». إلخ كلامه ﵀.","vol":"2","page":504},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-845> دليل من قال: الترتيب سنة:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-846> الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\nقال ابن عبد البر: «والحجة لمالك ومن ذكرنا من العلماء، أن سيبويه وسائر البصريين من النحويين، قالوا في قول الرجل: أعط زيدًا وعمرًا دينارًا، أن ذلك يوجب الجمع بينهما في العطاء، ولا يوجب تقدمة زيد على عمرو، فكذلك قول الله ﷿: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦] إنما يوجب ذلك الجمع بين الأعضاء المذكورة، ولا يوجب النسق، وقد قال الله ﷿: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة: ١٦٩]، فبدأ بالحج، وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل قبل أن يحج.\nوكذلك قوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [النور: ٥٦]، جائز لمن وجب عليه إخراج زكاة ماله في حين وقت الصلاة أن يبدأ بإخراج الزكاة، ثم يصلي الصلاة في وقتها عند الجميع، وكذلك قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَاّ أَن يَصَّدَّقُوا) [النساء: ٩٢]، لا يختلف العلماء أنه جائز لمن وجب عليه في قتل الخطأ إخراج الدية وتحرير الرقبة أن يسلم الدية قبل أن يحرر الرقبة، وهذا كله منسوق بالواو، ومثله كثير في القرآن، فدل على أن الواو لا توجب رتبة ... ثم قال: وقد قال الله تعالى: (يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران: ٤٣]، ومعلوم أن السجود بعد الركوع (^١).\n_________\n(^١) التمهيد (٢/ ٨١).","vol":"2","page":505},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-847> الدليل الثاني:</span>\n(٣٦٠ - ٢١٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن عوف، عن عبد الله بن عمر بن هند، قال:\nقال علي: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nولو صح فهو محمول على تقديم الشمال على اليمين في اليدين والرجلين كما جاء ذلك عنه من طريق الحارث عن علي ﵁ (^٣).\nوقد جاء في مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه: قال أحمد: والذي روي عن علي وابن مسعود ما أبالي بأي أعضائي بدأت، قال: إنما يعني اليسرى قبل اليمنى، ولا بأس أن يبدأ بيسار قبل يمين؛ لأن مخرجها من الكتاب واحد، قال تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦]، فلا بأس أن يبدأ باليسار قبل اليمين (^٤). اهـ\nوذكر ابن عبد الهادي في التنقيح قوله:\n(٣٦١ - ٢١٥) روى الإمام أحمد، عن جرير، عن قابوس، عن أبيه،\nأن عليًا سئل فقيل له: أحدنا يستعجل فيغسل شيئًا قبل شيء؟ قال: لا، حتى يكون كما أمره الله تعالى (^٥).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٤٣).\n(^٢) إسناده منقطع، وسبق تخريجه انظر (٢٥٩).\n(^٣) والحارث ضعيف.\n(^٤) مسائل عبد الله بن أحمد (١/ ٩٩، ١٠٠).\n(^٥) التنقيح (١/ ٤٠٤)، ونقله ابن قدامة في المغني بالإسناد نفسه (١/ ٩٣)، كما نقل ذلك ابن تيمية في شرح العمدة (١/ ٢١٢)، وفي مجموع الفتاوى (٢١/ ٤١٢).","vol":"2","page":506},{"text":"[لم أقف عليه في كتب الحديث، والإسناد المذكور ضعيف] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-848> الدليل الثالث:</span>\n(٣٦٢ - ٢١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، قال:\nقال عبد الله -يعني: ابن مسعود- لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء.\n[مجاهد لم يسمع من ابن مسعود] (^٢).\n_________\n(^١) في إسناده قابوس بن ظبيان، تغير بآخرة، ورواية جرير بعد تغيره، جاء في التاريخ الكبير (٧/ ١٩٣): قال جرير: أتينا قابوس بعد فساده.\nوقال أحمد: سئل جرير عن شيء من حديث قابوس، فقال: نفق قابوس، نفق قابوس. الكامل (٦/ ٤٨).\nكما أن رواية قابوس عن أبيه فيها كلام، قال ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢١٦): كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له. اهـ\nوقد ضعفه ابن سعد والنسائي وأبو حاتم الرازي، والدارقطني وقال أحمد: لم يكن بذاك، واختلف قول يحيى بن معين فيه، فقال مرة: ضعيف، وقال في أخرى، ثقة جائز الحديث إلا أن ابن أبي ليلى جلده الحد، وكذا وثقه يعقوب بن سفيان. انظر: تهذيب الكمال (٢٣/ ٣٢٨)، بحر الدم (٨٣٠). الجرح والتعديل (٧/ ١٤٥).\nوقد اختلف في سماع أبيه من علي، فأثبته البخاري، ونفاه أبو حاتم. انظر جامع التحصيل (١٣٨).\n(^٢) قال الدارقطني في السنن (١/ ٨٩) بعد أن رواه من طريق حفص به، وهذا مرسل، ولا يثبت.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٨٣): حديث عبد الله بن مسعود أشد انقطاعًا؛ لأنه لا يوجد إلا من رواية مجاهد، عن ابن مسعود، ومجاهد لم يسمع من ابن مسعود، ولا رآه، ولا أدركه، وهو أيضًا حديث مختلف فيه؛ لأن عبد الرزاق ومحمد بن بكر البرساني روياه عن ابن جريج، عن سليمان الأحول، عن مجاهد، عن ابن مسعود، قال: ما أبالي بأيهما بدأت باليمنى أو باليسرى.\nورواه حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، قال: قال عبد الله ابن مسعود: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك.\nوعبد الرزاق أثبت في ابن جريج من حفص بن غياث، وقد تابعه البرساني، وليس في روايتهما ما يوجب تقديمًا ولا تأخيرًا؛ لأن اليمنى واليسرى لا تنازع بين المسلمين في تقديم أحدهما على الأخرى؛ لأنه ليس فيها نسق بواو، وقد جمعهما الله بقوله تعالى: وأيديكم، وهذا لم يختلف فيه فيحتاج إليه. اهـ","vol":"2","page":507},{"text":"والصحيح عن ابن مسعود أن ذلك في تقديم اليسرى على اليمنى،\n(٣٦٣ - ٢١٧) فقد رواه الدارقطني من طريق الحسن بن عرفة، أخبرنا هشيم، عن عبد الرحمن المسعودي، حدثني سلمة بن كهيل، عن أبي العبيدين،\nعن عبد الله بن مسعود، عن رجل توضأ فبدأ بمياسره، فقال: لا بأس (^١).\n[وصحح الدارقطني إسناده] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-849> الدليل الرابع:</span>\nاحتجوا بما رووا عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ غسل وجهه، ثم يديه، ثم رجليه، ثم مسح رأسه (^٣).\n[لم أقف على إسناده] (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-850> الدليل الخامس:</span>\nالقياس على الطهارة الكبرى، فقد أجمعوا على أنه لا ترتيب في طهارة الجنابة،\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٨٩).\n(^٢) إن سلم من عنعنة هشيم بن بشير، وسلم من اختلاط المسعودي، وقد ذكر ابن الكيال في الكواكب النيرات (ص: ٢٨٢) جملة من الرواة ممن سمع منه قبل اختلاطه، وجملة من الرواة سمعوا منه بعده، ولم يذكر هشيم في أحدهما، إلا أنه نص على أن اختلاطه كان ببغداد، فمن سمع من بالبصرة أو بالكوفة فسماعه صحيح، والله أعلم.\n(^٣) تنقيح التحقيق (١/ ٤٠٣).\n(^٤) قال ابن عبد الهادي: وهذا لا يصح، ومن الجائز أن يكون شك هل مسح رأسه أم لا؟ فمسح احتياطًا. اهـ\nقلت: قول ابن عبد الهادي من الجائز أن يكون شاكًا .. إلخ هذا لا يعبأ به لو ثبت الحديث، لأن الأصل عدم الشك، ولكن لم يذكر ابن عبد الهادي إسناده لينظر في ثبوته، ولم ينسبه إلى مصنف من المصنفات حتى يرجع إليه، ولم أقف على من ذكره مسندًا، وقد ذكره النووي في المجموع (١/ ٤٧١) بدون إسناد، وقال في (١/ ٤٧٣) من الكتاب نفسه عن هذا الحديث: إنه ضعيف لا يعرف. والله أعلم.","vol":"2","page":508},{"text":"وهي طهارة من الحدث الأكبر، فكذلك الطهارة من الحدث الأصغر بجامع أن كلًا منهما طهارة من حدث (^١).\nورده النووي، فقال: «جميع بدن الجنب شيء واحد، فلم يجب ترتيبه كالوجه، بخلاف أعضاء الوضوء فإنها متغايرة متفاصلة» (^٢). أي فيجب الترتيب بينها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-851> الدليل السادس:</span>\nقالوا: المحدث لو انغمس في الماء ارتفع حدثه، وإذا كان الأمر كذلك فهذا دليل على أن الترتيب لا يجب؛ لأن طهارته كانت دفعة واحدة بلا ترتيب.\n• وأجيب:\nبأنه لو انغمس دفعة واحدة لم يتفقوا على أنه يرتفع حدثه حتى يعارض به القول بوجوب الترتيب.\nقال في المغني: «ولو غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح له إلا غسل وجهه؛ لأنه لم يرتب، وإن انغمس في ماء جارٍ فلم يمر على أعضائه إلا جرية واحدة فكذلك، وإن مر عليه أربع جريات، وقلنا الغسل يجزئ عن المسح أجزأه، كما لو توضأ أربع مرات، وإن كان الماء راكدًا، فقال بعض أصحابنا: إذا أخرج وجهه، ثم يديه، ثم مسح برأسه، ثم خرج من الماء أجزأه؛ لأن الحدث إنما يرتفع بانفصال الماء عن العضو» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-852> دليل من قال بوجوب الترتيب:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-853> الدليل الأول:</span>\n(٣٦٤ - ٢١٨) ما رواه مسلم من حديث عمرو بن عبسة السلمي الطويل، وفيه مرفوعًا: «ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض ويستنشق، فيستنثر إلا خرت\n_________\n(^١) نقل الإجماع ابن عبد البر والنووي انظر فتح البر في ترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٢٥١)، والمجموع (١/ ٤٧١).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٧١).\n(^٣) المغني (١/ ٩٣).","vol":"2","page":509},{"text":"خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء ...» الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ عبر في الانتقال من غسل عضو إلى عضو آخر بكلمة (ثم) وهي نص في الترتيب.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-854> الدليل الثاني:</span>\nقال تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\nقال في المهذب: «فأدخل المسح بين الغسلين، وقطع حكم النظير عن النظير، فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب» (^٢).\nوقال النووي: «ذكر الله تعالى ممسوحًا بين مغسولات، وعادة العرب إذا ذكرت أشياء متجانسة وغير متجانسة جمعت المتجانس على نسق، ثم عطفت غيرها، لا يخالفون ذلك إلا لفائدة، فلو لم يكن الترتيب واجبًا لما قطع النظير عن نظيره.\nفإن قيل: فائدته استحباب الترتيب. فالجواب من ثلاثة وجوه:\nأحدها: أن الأمر للوجوب، وهو المختار، وهو مذهب جمهور الفقهاء. يعني: الأمر في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦].\nالوجه الثاني: أن الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب، ولهذا لم يذكر فيها شيء من السنن.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٨٣٢).\n(^٢) المهذب مطبوع مع المجموع (١/ ٤٦٩).","vol":"2","page":510},{"text":"الدلالة الثالثة:\nأن مذهب العرب إذا ذكرت أشياء وعطفت بعضها على بعض، تبتدئ الأقرب فالأقرب لا يخالف ذلك إلا لمقصود، فلما بدأ ﷾ بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين دل على أن الأمر بالترتيب وإلا لقال: فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برؤوسكم واغسلوا أيديكم وأرجلكم» (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-855> الدليل الثالث:</span>\nالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي ﷺ، وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، وكثرة المواطن التي رأوه فيها، وكثرة اختلافهم في صفاته في مرة ومرتين وثلاثًا وغير ذلك، ولم يثبت فيه مع اختلاف أنواعه صفة غير مرتبة، وفعله ﷺ بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز كما ترك التكرار في أوقات (^٢). اهـ\nوقال ابن القيم: «وكذلك كان وضوءه مرتبًا متواليًا، لم يخل به مرة واحدة» (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-856> الدليل الرابع:</span>\nما ذكره ابن قدامة، قال: توضأ النبي ﷺ مرتبًا، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به (^٤).\nوقول ابن قدامة: توضأ مرتبًا ليست من نص الحديث، وإنما وصْفٌ من ابن قدامة لما وقع منه ﷺ، ولفظ الحديث:\nتوضأ رسول الله ﷺ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله منه الصلاة إلا به،\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤١٧).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٤٧٣).\n(^٣) زاد المعاد (١/ ١٩٤).\n(^٤) المغني (١/ ٩٣).","vol":"2","page":511},{"text":"ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: وهذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين مرتين، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي.\nفأراد ابن قدامة ﵀ أن يستنبط من قوله: (لا يقبل الله الصلاة إلا به) أي بهذا الوضوء على هذه الصفة.\nويجاب عن هذا الدليل:\nالأول: أن الحديث تفرد به المسيب بن واضح، وهو ضعيف (^١).\nالثاني: أن هذا الحديث لم يذكر صفة الوضوء مرتبًا حتى يمكن حمل قوله: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به على نفي القبول بفقد الترتيب، فاسم الإشارة بقوله (هذا وضوء) يعود على الوضوء مرة مرة؛ وكونه لا يقبل؛ لكونه نقص عن الفرض الواجب، ثم قال: وتوضأ مرتين مرتين، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، فالحديث سيق لبيان الواجب من الغسلات، فالمرة فرض، والثانية له الأجر مرتان، والثالثة منتهى الكمال، فلا دليل فيه، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-857>الدليل الخامس:</span>\n(٣٦٥ - ٢١٩) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه،\nعن جابر، أن رسول الله ﷺ طاف سبعًا، ورمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم قرأ: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فصلى سجدتين، وجعل المقام بينه وبين الكعبة، ثم استلم الركن، ثم خرج، فقال: إن المروة من شعائر الله، فابدأوا بما بدأ الله به (^٢).\n_________\n(^١) سبق لي تخريج هذا الحديث انظر ح (١٦٥) وانظر معه أيضًا (ص: ٣١٢) من هذا المجلد، والله أعلم.\n(^٢) سنن النسائي (٢٩٦٢).","vol":"2","page":512},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمرنا أن نبدأ بما بدأ الله به، والأصل في الأمر الوجوب، وقد بدأ الله بذكر الوجه فاليدين فالرأس، فالرجلين، فيكون الترتيب امتثالًا للأمر النبوي بتقديم ما قدمه الله، وتأخير ما أخره الله.\n• وأجيب:\n[المحفوظ من لفظ الحديث أنه بلفظ الخبر: نبدأ بما بدأ الله به، فلا حجة فيه] (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، واختلف على جعفر بن محمد.\nفرواه جماعة عن جعفر بلفظ الخبر: (نبدأ بما بدأ الله به) وبعضهم يأتي به بصيغة المفرد (أبدأ بما بدأ الله به) ورواه بعضهم بصورة الأمر (ابدأ) وبعضهم يقول (ابدأوا) وإليك تحرير هذا الاختلاف، والله أعلم.\nفالحديث رواه جماعة من الأئمة بلفظ الخبر: (نبدأ بما بدأ الله به)، منهم:\nالأول: يحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (٣/ ٣٢٠)، وابن الجارود (٤٦٥)، ومسند أبي يعلى (٢١٢٦)، وسنن النسائي الكبرى (٣٩٦٢)، وصحيح ابن خزيمة (٢٧٥٧).\nالثاني: مالك كما في الموطأ (١/ ٣٧٢)، ومسند أحمد (٣/ ٣٨٨)، وسنن النسائي المجتبى (٢٩٦٩)، وفي الكبرى له (٣٩٦٣)، وسنن البيهقي (١/ ٨٥).\nالثالث: ابن الهادي، كما في سنن النسائي المجتبى (٢٩٦١، ٢٩٧٤)، وفي الكبرى (٣٩٦٧)،\nالرابع: وهيب بن خالد، كما في مسند الطيالسي (١٦٦٨)، وأبي يعلى (٢٠٢٧)، وابن حبان (٣٩٤٣، ٣٩٤٧)، وسنن البيهقي (٣/ ٣١٥) و(٥/ ٩٣).\nالخامس: ابن أبي حازم، كما في صحيح ابن خزيمة (٢٦٢٠).\nالسادس: سفيان بن عيينة، كما في مسند الحميدي (١٢٦٦)، وسنن الترمذي (٨٦٢)،\nالسابع: القاسم بن معن، كما في معجم الصغير للطبراني (١٨٧)،\nكل هؤلاء رووه بلفظ: (نبدأ بما بدأ الله به) بلفظ الخبر، ولم يختلف عليهم في لفظه، والواقعة واحدة حيث لم يحج الرسول ﷺ في الإسلام إلا حجة الوداع.\nورواه أحمد (٣/ ٣٩٤) من طريق سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد به، بلفظ الخبر (أبدأ بما بدأ الله به)، لكن بلفظ المفرد.\nورواه حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد به، واختلف عليه فيه:\nفرواه تارة بلفظ الخبر بصورة الجمع كما هي رواية الجماعة، ورواه تارة بلفظ الخبر لكن بصورة المفرد (أبدأ بما بد الله به) ورواه ثالثة بلفظ الأمر: (ابدأ بما بدأ الله به)، وقال أخرى: (ابدأوا بما بدأ الله به). =","vol":"2","page":513},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا شك أن الرواية بلفظ الخبر: (نبدأ بما بدأ الله به) أرجح لموافقتها الجمع الكثير ممن روى الحديث، وعلى رأسهم أئمة في الحفظ كالإمام مالك ويحيى بن سعيد القطان وسفيان بن عيينة وغيرهم، خاصة أن هؤلاء لم يختلف عليهم في لفظه بخلاف رواية حاتم بن إسماعيل، وهاك تخريج ألفاظ رواية حاتم بن إسماعيل ﵀.\nفرواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (٣/ ٣٣٤) رقم ١٤٧٠٥. ومن طريقه مسلم في صحيحه (١٢١٨)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (١١٣٥)، وابن حبان في صحيحه (٣٩٤٤).\nوهشام بن عمار كما في صحيح ابن حبان (٣٩٤٤).\nوإسحاق بن إبراهيم كما في صحيح مسلم (١٢١٨) كلهم رووه عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: بلفظ الخبر لكن الفاعل مفردًا (أبدأ بما بدأ الله به).\nورواه البيهقي في السنن (٥/ ٦، ٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم به بلفظ: نبدأ، لكنه مقرونًا بغيره.\nورواه إسماعيل بن أبان كما في سنن الدارمي (١٨٥٠) عن حاتم بن إسماعيل به، بلفظ: (ابدأ بما بدأ الله به). بلفظ الأمر.\nورواه البيهقي (٥/ ٩٣) من طريق هشام بن عمار وأبي بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل به، بلفظ الأمر، (ابدأ) وأخشى أن يكون خطأ لأن رواية ابن أبي شيبة في المصنف وفي صحيح ابن حبان بلفظ الخبر: (أبدأ بما بدأ الله به).\nوكذلك رواية هاشم بن عمار في صحيح ابن حبان، وقد تقدم ذكرها، فلا يبعد أن تكون الكلمة (أبدأ) ثم سقطت الهمزة من الألف فانقلب الخبر إنشاءً، وصار اللفظ بصورة الأمر.\nورواه أبو داود (١٩٠٥) عن هشام بن عمار مقرونًا بغيره، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٦) بلفظ الخبر أيضًا لكن بصورة الجمع: (نبدأ بما بدأ الله به).\nكما رواه ابن ماجه أيضًا (٣٠٧٤) عن هاشم بن عمار به وحده، وبلفظ الخبر: (نبدأ بما بدأ الله به).\nورواه عبد الله بن محمد النفيلي، عن حاتم بن إسماعيل، واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن الجاورد في المنتقى (٤٦٩) من طريقه بلفظ: (ابدأوا بما بدأ الله به).\nورواه أبو داود (١٩٠٥) عنه مقرونًا بغيره بلفظ الخبر: (نبدأ بما بدأ الله به) ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (٥/ ٦).\nهذا فيما يتعلق برواية حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد.\nوقد أخرج الحديث جماعة كثيرون عن جعفر بن محمد ولم أخرجها لأنهم اختصروا الحديث، ولم يذكروا ما نحن بصدد تحريره، والله أعلم.","vol":"2","page":514},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-858> الدليل السادس:</span>\nقال في الحاوي الكبير: قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦]، فأمر بغسل الوجه بحرف الفاء الموجبة للتعقيب والترتيب إجماعًا، فإذا ثبت تقديم الوجه ثبت استحقاق الترتيب ... الخ (^١).\nورده النووي، فقال: وهذا استدلال باطل، وكأن قائله حصل له ذهول واشتباه فاخترعه، وتوبع عليه تقليدًا، ووجه بطلانه أن الفاء وإن اقتضت الترتيب لكن المعطوف على ما دخلت عليه بالواو مع ما دخلت عليه كشيء واحد كما هو مقتضى الواو، فمعنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الأعضاء، فأفادت الفاء ترتيب غسل الأعضاء على القيام إلى الصلاة، لا ترتيب بعضها على بعض، وهذا مما يعلم بالبديهة، ولا شك أن السيد لو قال لعبده: إذا دخلت السوق، فاشتر خبزًا وتمرًا لم يلزمه تقديم الخبز، بل كيف اشتراهما كان ممتثلًا بشرط كون الشراء بعد دخول السوق كما أنه هنا يغسل الأعضاء بعد القيام إلى الصلاة (^٢).\n• الراجح بين القولين:\nبعد استعراض أدلة كل قول نجد أن كل قول من القولين فيه قوة، وله حظ من النظر، فالقول بعدم وجوب الترتيب يسنده أنه هو الأصل؛ لأن الأصل عدم الوجوب إلا بدليل صحيح صريح خال من النزاع، كما تسنده اللغة حيث إن آية\n_________\nفتبين لي من خلال هذا البحث أن أكثر الأئمة على أن اللفظ بصورة الخبر، (نبدأ) ومن رواه بصورة الأمر مع أنهم أقل عددًا وحفظًا ممن رواه بلفظ الخبر، ومع ذلك فقد اختلف عليهم فتارة يروونه بلفظ الخبر بما يوافق رواية الأكثر، وتارة يروونه بلفظ الأمر، والواقعة واحدة، ولا تحتمل فرض التعدد، فيكون الراجح أن الحديث النبوي بلفظ الخبر، والله أعلم.\nانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: أطراف المسند (٢/ ٨٦)، تحفة الأشراف (٢٦٢١)، إتحاف المهرة (٣١٣٨).\n(^١) الحاوي الكبير (١/ ١٣٩).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٧٢).","vol":"2","page":515},{"text":"المائدة عبرت بالواو، والواو لمطلق الجمع، ولا تقتضي ترتيبًا.\nوأما حديث عمرو بن عبسة السلمي، فإنه وإن عبر بثم الدالة على الترتيب إلا أن الحديث لم يعلق صحة الوضوء على كلمة (ثم) ولم يُسَق الحديث أصلًا لبيان صفة الوضوء، وإنما سيق الحديث في بيان فضل الوضوء.\nوأما إدخال الممسوح بين مغسولات، وأنه لا فائدة منه إلا ذكر الترتيب، فلا يستطيع الباحث أن يجزم بوجوب الترتيب بناء على هذه النكتة، وقد يقال: ذكر الممسوح بين المغسولات لبيان أن الترتيب مشروع.\nوأقوى دليل للقائلين بوجوب الترتيب أن الترتيب هذا هو الوضوء المتلقى من النبي ﷺ، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه أخل به مرة واحدة، فمن توضأ وضوءًا منكسًا فقد أتى بوضوء لم يفعله النبي ﷺ، وهو على خلاف سنته، ومن عمل عملًا ليس عليه أمر الرسول ﷺ فهو رد على صاحبه، وإن كان هذا الدليل قد يحاولون الخروج منه بأن أفعال الرسول ﷺ لا تدل على الوجوب، وإنما تدل على الاستحباب.\nوعلى كل فالأخذ بالترتيب فيه احتياط للدين وخروج من الخلاف، خاصة أن الأمر يتعلق بأعظم العبادات بعد الشهادتين: وهي الصلاة.\nولو أن الإنسان ترك موضعًا يسيرًا في ذراعه، ثم رآه بعد أن فرغ من وضوئه فلا بأس أن يغسل ذلك الموضع اليسير، ولا يعيد مسح رأسه وغسل رجليه؛ لأن المقدار يسير جدًّا، فهذا الإمام أحمد ﵀ مع أنه يرى وجوب الترتيب ووجوب المضمضة والاستنشاق يسهل في ترك الترتيب بين أعضاء الوضوء وبين المضمضة والاستنشاق، فقد جاء في مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه، قال: سمعت أبي سئل عن رجل نسي المضمضة والاستنشاق، وصلى؟\nقال: يعيد الصلاة.\nقيل: ويعيد الوضوء؟","vol":"2","page":516},{"text":"قال: لا، ولكنه يتمضمض ويستنشق، والله أعلم (^١).\nبينما قال في الكتاب نفسه فيمن توضأ ونسي مسح رأسه، قال أحمد: إن كان جف وضوءه يعيد الوضوء كله، وإن كان لم يجف، فيمسح على رأسه، ويغسل رجليه؛ لأن الله ﷾ يقول: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه (١/ ٨٨).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٩٤).","vol":"2","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>الفصل السادس من فروض الوضوء المولاة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• أمر الله بغسل أعضاء الوضوء، (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) وعطف بعضها على بعض، وهل الأمر على الفور؟ فيه خلاف بين الأصوليين، فيتخرج الخلاف في الفرع على الخلاف في الأصل.\n• قال تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا) وإذا كانت الفاء للتعقيب، دل على أن الأمر بالغسل على الفور.\n• أن الله ذكر الوضوء قارنًا بعض الأعضاء ببعض بالواو الدالة على اجتماع هذه العبادة بوقت واحد، فإذا فرقها في وقتين لم تكن عبادة واحدة، كما لو فرق الصلاة.\n• الموالاة عمل الرسول الدائم المستمر طول عمره، ولم يؤثر عنه ﷺ من قوله ما يدل على جواز التفريق بوجه من جوه الدلالة، وعمل بذلك المسلمون سلفًا وخلفًا، فمن غسل بعض أعضاء الوضوء بنية الوضوء، ثم انصرف إلى عمل","vol":"2","page":518},{"text":"آخر، ثم عاد ليتم ما بدأ به من غير ضرورة صدق عليه قوله ﷺ: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.\n• الوضوء عبادة غير معقولة المعنى، لكون الحدث يخرج من موضع، والغسل يجب في موضع آخر، وكون الوضوء وجوبه تعبديًا يقتضي وجوب الإتيان به على الوجه الذي كان يفعله الرسول ﷺ.\nوقيل:\n• أن الله أمر بغسل هذه الأعضاء، فكيف غسلها فقد أتى بما وجب عليه.\n• طهارة الحدث كطهارة النجاسة، ليس من شرطها الموالاة.\n[م-١٧٦] اختلف العلماء في حكم الموالاة بين أفعال الوضوء بعد اتفاقهم على أن التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر (^١).\nفقيل: الموالاة سنة، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والجديد من قولي الشافعي (^٣)، والظاهرية (^٤).\n_________\n(^١) نقل الإجماع النووي في المجموع (١/ ٤٧٨).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٠١) البحر الرائق (١/ ٢٧)، بدائع الصنائع (١/ ٢٢) حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٢)، الوسيط (١/ ٣٨٥).\n(^٣) قال في المهذب المطبوع مع المجموع (١/ ٤٧٨) ويوالي بين أعضائه، فإن فرق تفريقًا يسيرًا لم يضر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، وإن كان تفريقًا كثيرًا: وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل ففيه قولان، قال في القديم: لا يجزيه؛ لأنها عبادة يبطلها الحدث فأبطلها التفريق كالصلاة. وقال في الجديد: يجزيه؛ لأنها عبادة لا يبطلها التفريق القليل فلا يبطلها التفريق الكثير كتفرقة الزكاة. اهـ وانظر\nوقال النووي شارحًا هذه العبارة في المجموع (١/ ٤٧٨): التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد والمحاملي وغيرهما. وأما التفريق الكثير ففيه قولان مشهوران: الصحيح منهما باتفاق الأصحاب أنه لا يضر وهو نصه في الجديد. اهـ\n(^٤) المحلى (١/ ٣١٢) مسألة: ٢٠٧.","vol":"2","page":519},{"text":"وقيل: تجب الموالاة مع الذكر، وتسقط مع النسيان والعذر، وهو مذهب المالكية (^١).\nوقيل: تجب الموالاة مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-860> دليل الحنفية على استحباب الموالاة:</span>\nأما دليلهم على استحباب الموالاة فظاهر من مواظبة النبي ﷺ على الموالاة حيث لم يخل بذلك.\n• وأما دليلهم على كونه ليس واجبًا، فاستدلوا بأدلة منها:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-861> الدليل الأول:</span>\nأن الله ﷾ أمر بغسل هذه الأعضاء في الوضوء، فيكف غسل هذه الأعضاء فقد امتثل الأمر.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-862> الدليل الثاني:</span>\nالقياس على غسل الجنابة، فالوضوء إحدى الطهارتين، فإذا لم تجب الموالاة في غسل الجنابة لم تجب في الوضوء.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-863> الدليل الثالث:</span>\n(٣٦٦ - ٢٢٠) ما رواه مالك، عن نافع،\nأن عبد الله بن عمر بال في السوق، ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح رأسه، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها.\n_________\n(^١) جاء في المدونة (١/ ١٥): «قال مالك فيمن توضأ، فغسل وجهه ويديه، ثم ترك أن يمسح برأسه، وترك غسل رجليه حتى جف وضوءه وطال ذلك، قال: إن كان ترك ذلك ناسيًا بنى على وضوئه، وإن تطاول ذلك، قال: وإن كان ترك ذلك عامدا استأنف الوضوء». اهـ\n(^٢) المغني (١/ ٩٣)، المبدع (١/ ١١٥)، شرح العمدة (١/ ٢٠٧)، الفروع (١/ ١٥٤)، الإنصاف (١/ ١٣٩).","vol":"2","page":520},{"text":"[إسناده في غاية الصحة] (^١).\nوقد فعله ابن عمر في حضور من حضر من الصحابة للصلاة على الجنازة، ولم ينكروا عليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-864> دليل من قال بوجوب الموالاة مطلقًا:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-865> الدليل الأول:</span>\n(٣٦٧ - ٢٢١) ما رواه مسلم من طريق الحسن بن محمد بن أعين، حدثنا معقل، عن أبي الزبير، عن جابر،\nأخبرني عمر بن الخطاب أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى (^٢).\n[ضعَّف أحمد أحاديث معقل عن أبي الزبير خاصة] (^٣).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٣٦)، ورواه الشافعي في الأم (١/ ٣١)، وفي مسنده (١/ ١٦)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٢١) عن مالك به.\n(^٢) مسلم (٢٤٣).\n(^٣) قال ابن رجب في شرح علل الترمذي (٢/ ٧٩٣): «معقل بن عبيد الله الجزري، ثقة، كان أحمد يضعف حديثه عن أبي الزبير خاصة ويقول: يشبه حديثه حديث ابن لهيعة.\nومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة يرويها عن أبي الزبير كما يرويها معقل سواء». اهـ\nقلت: قد روى هذا الحديث ابن لهيعة عن أبي الزبير وهو مثال لأحاديث معقل عن أبي الزبير، ومنها حديث: نهى عن ثمن الكلب والسنور، رواه معقل عن أبي الزبير عند مسلم، وهو حديث ابن لهيعة عن أبي الزبير، معروف عنه، وقد أعله الإمام أحمد بهذا.\nوقول العالم بأن حديث فلان يشبه حديث فلان لا يقوله إلا كبار أئمة العلل وذلك لكثرة حفظهم وممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديثهم حتى تكون لديهم فهم خاص عن كل رجل وأحاديثه، فإذا اطلع على حديث، قال: هذا يشبه حديث فلان.\nإذا عرفت هذا نأتي لتخريج الحديث، فالحديث مداره على أبي الزبير،\nرواه مسلم (٢٤٣) والبزار (٢٣١، ٢٣٢) من طريق معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير به، بلفظ: (ارجع فأحسن وضوءك). ...\nورواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، واختلف عليه:\nفرواه موسى بن داود كما في المسند (١/ ٢١).\nوالحسن بن موسى عنده أيضًا (١/ ٢٢) كلاهما عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير به، بلفظ: (أرجع فأحسن وضوءك) كما هي رواية معقل، عن أبي الزبير عند مسلم.\nورواه ابن وهب وزيد بن الحباب كما في سنن ابن ماجه مقرونين (٦٦٦) عن ابن لهيعة به، بلفظ: (فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة).\nوهذا الاختلاف من قبل ابن لهيعة، فإن في حفظه شيئًا، حتى ولو كان الراوي عنه ابن وهب كما سبق وحررت أقوال أئمة الجرح فيه، وأنه ضعيف مطلقًا قبل احتراق كتبه وبعدها، والله أعلم.\nانظر أطراف المسند (٥/ ٢١)، تحفة الأشراف (١٠٤٢١)، إتحاف المهرة (١٥٢٢٨).\nوقد روى الحديث الدارقطني (١/ ١٠٩)، والطبراني في المعجم الأوسط (٢٢١٩) وفي الصغير (٢٧) وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (١٢٨) من طريق الوازع بن نافع العقيلي، عن سالم، عن ابن عمر، عن أبي بكر وعمر ﵄، عن النبي ﷺ بنحوه، وفيه: اذهب فأتم وضوءك.\nوفيه الوازع بن نافع.\nقال أحمد ويحيى: ليس بثقة. لسان الميزان (٦/ ٢١٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث. وقال مرة أخرى: ذاهب الحديث. الجرح والتعديل (٩/ ٣٩).\nوقال ابن أبي حاتم في الكتاب نفسه (٢/ ٤٩٢) لا يعتمد على روايته؛ لأنه متروك الحديث.\nوقال النسائي: متروك. لسان الميزان (٦/ ٢١٣).\nوقال البخاري: منكر الحديث. المرجع السابق.","vol":"2","page":521},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال القاضي عياض: في هذا الحديث دليل على وجوب الموالاة في الوضوء، لقوله ﷺ: (أحسن وضوءك) ولم يقل: اغسل ذلك الموضع الذي تركته (^١). وقال نحوه القرطبي في المفهم (^٢).\nورده النووي، فقال: وهذا الاستدلال ضعيف أو باطل؛ فإن قوله: (أحسن\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٤٠)، شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ١٣١).\n(^٢) المفهم (١/ ٤٩٨).","vol":"2","page":522},{"text":"وضوءك) محتمل للتتميم أو للاستئناف، وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-866> الدليل الثاني:</span>\n(٣٦٨ - ٢٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان،\nعن بعض أصحاب النبي ﷺ، أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء (^٢).\n[قال أحمد: إسناده جيد] (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ١٣١).\n(^٢) المسند (٣/ ٤٢٤).\n(^٣) الحديث أخرجه أبو داود (١٧٥) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٨٣) حدثنا حيوة بن شريح، قال: حدثنا بقية به.\nجاء في التنقيح لابن عبد الهادي (١/ ٢٢٥): «قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناد جيد؟ قال: نعم».\nوقال ابن رجب في فتح الباري (١/ ٢٩٠): «خرجه أبو داود، وقال أحمد: إسناده جيد».\nونقله المجد ابن تيمية في المنتقى، انظر النيل (١/ ١٧٥)، وابن دقيق في الإمام (٢/ ١١).\nوقد أعل الحديث بعلتين:\nالعلة الأولى:\nفي إسناده بقية، وهو وإن صرح بالتحديث من شيخه، فقد عنعن في شيخ شيخه، وهو متهم بتدليس التسوية.\nوقد ضعفه المنذري ببقية كما في تهذيب السنن (١/ ١٢٨).\nالعلة الثانية:\nقال البيهقي: إنه مرسل.\nوقال ابن حزم في المحلى (٢/ ٩٨): «هذا خبر لا يصح؛ لأن راويه بقية، وليس بالقوي، وفي السند من لا يدري من هو».اهـ\nوتعقب ابن التركماني البيهقي في الجوهر النقي (١/ ٨٣): «تسميته هذا مرسل ليس بجيد؛ لأن خالدًا هذا أدرك جماعة من الصحابة، وهم عدول، فلا يضرهم الجهالة. قال الأثرم: قلت: يعني لأحمد بن حنبل: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ، ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم».اهـ\nوحاول ابن القيم الدفاع عن الحديث في تهذيب السنن (١/ ١٢٨): فقال: والجواب عن هاتين العلتين: أما الأولى فإن بقية ثقة في نفسه، صدوق حافظ، وإنما نقم عليه التدليس مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صرح بالسماع فهو حجة، وقد صرح في هذا الحديث بسماعه ... ثم ساق سند أحمد.\nقلت: بقية متهم بتدليس التسوية، ولا بد من التصريح بالسماع في جميع طبقات السند، وهو ما لم يتوفر هنا.\nثم قال ابن القيم: وأما العلة الثانية فباطلة على أصل ابن حزم، وأصل سائر أهل الحديث، فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في الحديث لثبوت عدالتهم جميعهم. اهـ\nانظر أطراف المسند (٨/ ٢٦٦)، تحفة الأشراف (١٥٥٥٩)، إتحاف المهرة (٢٠٩٣١).","vol":"2","page":523},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-867> الدليل الثالث:</span>\n(٣٦٩ - ٢٢٣) ما رواه ابن ماجه من طريق ابن وهب وزيد بن الحباب، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر،\nعن عمر بن الخطاب قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا توضأ، فترك موضع الظفر على قدمه، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة قال: فرجع (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-868> الدليل الرابع:</span>\nاستدل ابن مفلح في المبدع بقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا) [المائدة: ٦].\nقال: لأن الأول شرط، والثاني جواب، وإذا وجد الشرط: وهو القيام إلى الصلاة وجب ألا يتأخر عن جوابه: وهو غسل الأعضاء (^٣). اهـ\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-869> الدليل الخامس:</span>\nأن صفة الوضوء تلقيناها من النبي ﷺ، ولم يكن يفصل رسول الله ﷺ بين\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٦٦٦).\n(^٢) سبق تخريج هذا الطريق، انظر تخريج الدليل الأول.\n(^٣) المبدع (١/ ١١٥).","vol":"2","page":524},{"text":"أعضاء وضوئه، ولو كان جائزًا لفعله ولو مرة واحدة لبيان الجواز، فمن فرق وضوءه فقد عمل عملًا مخالفًا لصفة وضوء النبي ﷺ، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-870> الدليل السادس:</span>\nأن الوضوء عبادة واحدة، فإذا فرق بين أجزائها لم تكن عبادة واحدة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-871> الدليل السابع:</span>\nقالوا: إن الوضوء عبادة يفسدها الحدث، فاشترط لها الموالاة كالصلاة.\nوهذا الدليل والذي قبله فيه ما فيه؛ لأن الأول مجرد فعل، والأفعال بمجردها لا تدل على وجوب، والثاني استدلال في محل النزاع، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-872> دليل المالكية على أن الموالاة واجبة وتسقط مع العذر:</span>\nأما أدلتهم على وجوب الموالاة فهي أدلة الحنابلة المتقدمة فإنها تدل على وجوب الموالاة.\n• وأما دليلهم على سقوط الموالاة للعذر ومنه النسيان، فأدلة كثيرة منها:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-873> الدليل الأول:</span>\nأن أصول الشريعة في جميع مواردها تفرق بين القادر والعاجز، والمفرط والمعتدي ومن ليس كذلك، فمن ترك الموالاة لعذر كما لو كان المكان الذي يأخذ منه الماء لا يحصل له إلا متفرقًا، أو انقطع الماء فطلب ماء آخر أو لغير ذلك من الأعذار فإن هذا لم يمكنه أن يفعل ما أمر به إلا هكذا، فإذا حصل له ماء آخر فأكمل وضوءه فقد اتقى الله ما استطاع، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-874> الدليل الثاني:</span>\nالقياس على قراءة الفاتحة، فكما أنها تجب الموالاة في قراءة الفاتحة، ولو سكت في\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧١٨).","vol":"2","page":525},{"text":"أثناء الفاتحة سكوتًا طويلًا لغير عذر وجب عليه إعادة قراءتها، ولو كان السكوت من أجل قراءة الإمام أو فَصَلَ بذكر مشروع كالتأمين ونحوه لم تبطل الموالاة، فإذا كان ذلك كذلك مع أن الموالاة في الكلام أوكد من الموالاة في الأفعال، فإذا فرق بين أفعال الوضوء لعذر لم يكن ذلك قاطعًا للموالاة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-875> الدليل الثالث:</span>\nالقياس على الطواف والسعي، ومعلوم أن الموالاة في الطواف والسعي أوكد منه في الوضوء، ومع هذا فتفريق الطواف لمكتوبة تقام، أو صلاة جنازة تحضر ثم يبني الطواف ولا يستأنف، فإذا كان مثل هذا التفريق جائزًا فالوضوء أولى بذلك.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-876> الدليل الرابع:</span>\n(٣٧٠ - ٢٢٤) ما رواه البخاري، من طريق ابن سيرين،\nعن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا- قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين قال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم فتقدم فصلى ما ترك. الحديث ورواه مسلم بنحوه (^١).\nفإذا كانت الصلاة يجب فيها الترتيب والموالاة فلا يجوز تقديم السجود على الركوع، ولا يجوز أن يفرق بين أفعالها بما ينافيها، ثم مع ذلك إذا فرق بينها لعذر، كما في هذا الحديث، فقد سلم الرسول ﷺ ساهيًا، وفصل بين أبعاض الصلاة بالقيام\n_________\n(^١) البخاري (٤٨٢) ومسلم (٥٧٣).","vol":"2","page":526},{"text":"إلى الخشبة والاتكاء عليها، وتشبيك أصابعه، ووضع خده عليها، والكلام منه، ومن ذي اليدين، ومع ذلك أتم الصلاة، ولم يكن هذا التفريق والفصل مانعًا من الإتمام، ومعلوم أنه لو فعل ذلك عمدًا لأبطل الصلاة بلا نزاع، فإذا كانت الصلاة التي لم تشرع إلا متصلة لا يستوي تفريقها في حال العذر وعدمه، فكيف يستوي تفريق الوضوء في حال العذر وعدمه؟ مع أن الوضوء أفعال منفصلة لا يجب اتصالها بالاتفاق (^١).\nوهذا القول هو الراجح لقوة أدلته، وعدم المعارض لها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) نقلت جل أدلة المالكية بشيء من التصرف من مجموع الفتاوى (٢١/ ١٣٥).","vol":"2","page":527},{"text":"مبحث\nفي حد الموالاة\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• أجمع العلماء على التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر.\n[م-١٧٧] معنى الموالاة عند الفقهاء مأخوذ من المعنى اللغوي:\nفالموالاة في اللغة هي التتابع، والموالاة في الوضوء: تتابع أفعال الوضوء من غير تفريق\nقال بعضهم في تعريف الموالاة: ألا يشتغل المتوضئ بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه (^١).\nوقيل: أن يفعل الوضوء كله في فور واحد من غير تفريق (^٢).\nإلا أن التفريق تارة يكون يسيرًا، وتارة يكون كثيرًا، وكل واحد له حكم.\nفالتفريق اليسير لا يضر على الصحيح، وحكي فيه الإجماع.\nقال النووي: في المجموع: التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بإجماع\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٢٢)\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٣٢٢).","vol":"2","page":528},{"text":"الأمة، نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد والمحاملي وغيرهما (^١).\nوقال الحطاب من المالكية: التفريق اليسير لا يضر، ولو كان عمدًا.\nقال القاضي عبد الوهاب: لا يختلف المذهب فيه، وحكى الاتفاق في ذلك ... ابن الفاكهاني عن عبد الحق.\nواختار بعض المالكية ومنهم ابن الجلاب المنع حتى في التفريق اليسير إذا لم يكن هناك عذر.\nوقال ابن ناجي في شرح المدونة: ولا خلاف في أن التفريق اليسير مكروه -يعني: من غير عذر-.\nقال الحطاب: وجه الكراهة ظاهر إذا كان التفريق لغير عذر وبذلك صرح الشبيبي في شرح الرسالة فقال: وأما التفرقة اليسيرة فغير مفسدة بغير خلاف إلا أنها تكره من غير ضرورة (^٢).\nوالكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وإذا ضبطنا الحد الذي تفوت فيه الموالاة لم يدخل في ذلك التفريق اليسير، وبالتالي لم تفقد الموالاة أصلًا حتى يكون هناك منع أو حتى كراهة.\nوأما كلام أهل العلم في ضابط التفريق الكثير فهناك أقوال:\nفقيل: الموالاة: هي التتابع في الأفعال من غير أن يتخللها جفاف عضو مع اعتدال الهواء، قال ابن عابدين: وظاهره أنه لو جف العضو الأول بعد غسل الثاني لم يكن ولاء. وهذا قول في مذهب الحنفية (^٣).\nوهو يشترط أن يفرغ من وضوئه قبل أن يجف أي عضو من أعضائه، فإن جف\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٧٨).\n(^٢) انظر مواهب الجليل (١/ ٢٢٤).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٢).","vol":"2","page":529},{"text":"عضو منها فهو تفريق كثير، وهذا أشد ما قيل في الولاء.\nوقيل: إذا مضى بين العضوين زمن يجف فيه العضو المغسول مع اعتدال الزمن وحال الشخص، فهو تفريق كثير، وإلا فقليل، ولا اعتبار بتأخر الجفاف بسبب شدة البرد، ولا بتسارعه بشدة الحر، ولا بحال المبرود والمحموم، ويعتبر بالعضو الذي قبله، فلو أنه مسح رأسه قبل أن تنشف يداه، وبعد أن نشف الوجه فلا يضر.\nوهذا قول في مذهب الحنفية (^١)، وهو المشهور من مذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nقال النووي: هذا القول هو الصحيح الذي قطع به الجمهور (^٤).\nوقيل: هو الطويل المتفاحش. وهو مذهب المالكية (^٥)، وقول في مذهب الشافعية (^٦)، واختاره ابن عقيل من الحنابلة.\nقال في مواهب الجليل: الموالاة: هي الإتيان بجميع الطهارة في زمن متصل من غير تفريق فاحش (^٧).\nوقال في المغني عن ابن عقيل الحنبلي: حد التفريق المبطل: ما يفحش في العادة؛ لأنه لم يحد في الشرع، فيرجع فيه إلى العادة كالإحراز والتفرق في البيع (^٨).\n_________\n(^١) قال في الفتاوى الهندية (١/ ٨): الموالاة: وهي التتابع، وَحَدُّهُ: أن لا يجف الماء على العضو قبل أن يغسل ما بعده في زمان معتدل ولا اعتبار بشدة الحر والرياح ولا شدة البرد ويعتبر أيضًا استواء حالة المتوضئ كذا في الجوهرة النيرة. اهـ وانظر أيضًا حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٢).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٧٨).\n(^٣) الفروع (١/ ١٥٤)، الإنصاف (١/ ١٤٠)، المغني (١/ ٩٤).\n(^٤) المجموع (١/ ٤٧٨).\n(^٥) حاشية الدسوقي (١/ ٩٠، ٩١)، الخرشي (١/ ١٢٧) مواهب الجليل (١/ ٢٢٤).\n(^٦) المجموع (١/ ٤٧٨).\n(^٧) مواهب الجليل (١/ ٢٢٤).\n(^٨) المغني (١/ ٩٤).","vol":"2","page":530},{"text":"وقيل: الكثير قدر يمكن فيه إتمام الطهارة، ذكره النووي في المجموع (^١).\nوأجد أقوى الأقوال هو قول ابن عقيل الحنبلي، وذلك لأن كل شيء ليس له حد في الشرع ولا في اللغة مرده إلى العرف والعادة، فما عده الناس كثيرًا فهو كثير، وما عدوه قليلًا فهو قليل، ولا عبرة بتقدير المصاب بالوساوس، لأن زمن الطهارة يأخذ منه وقتًا كثيرًا، والله أعلم.\nوبهذا البحث نكون قد فرغنا من الكلام على شروط الوضوء وسننه وآدابه وفرائضه، وسوف نتكلم إن شاء الله تعالى بحوله وقوته على نواقض الوضوء لنكون بهذا قد أتممنا الكلام على مباحث الوضوء، والله الموفق.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٧٨).","vol":"2","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-877>نواقض الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>الباب الأول في مسببات الحدث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>الفصل الأول في الخارج من السبيلين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>المبحث الأول في البول والغائط</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>الفرع الأول في تعريف الغائط</span>\nتعريف الغائط:\nقال أبو عبيد: «أصل الغائط المكان المطمئن من الأرض إلا أن العرب إذا طالت صحبة الشيء للشيء سمته باسمه، من ذلك تسميتهم مسح الوجه واليدين تيممًا، وإنما التيمم في لغة العرب التعمد للشيء.\nقال الله جل ذكره: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦]، يعني: تعمدوا الصعيد، ألا تراه قال بعد ذلك: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) فكثر هذا الكلام حتى صار عند الناس التيمم هو التمسح نفسه. وكذلك الغائط لما كثر قولهم: ذهبت","vol":"2","page":532},{"text":"إلى الغائط، وجاء من الغائط، سموا رجيع الإنسان الغائط» (^١).\nوالغائط غير البول، وإن كان ذهاب الناس إلى تلك المذاهب كان واحدًا، لكن اشتهر الغائط فيما يخرج من الدبر، والبول فيما يخرج من الذكر أو القبل، كما جاءت السنة في التفريق بينهما في حديث صفوان بن عسال: (ولكن من غائط وبول ونوم) والعطف يقتضي المغايرة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط لابن المنذر (١/ ١١٣).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد الثالث رقم (٥٦٥، ٦٠١).","vol":"2","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>الفرع الثاني خروج البول والغائط حدث ناقض للوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إثبات ما يوجب الحدث متلقى من الشرع، ولهذا ينقض الوضوء أكل لحم الإبل، وهو طاهر حلال، ولا ينقضه أكل لحم الخنزير، وهو نجس حرام، ومس الذكر ينقض على الصحيح، مع أنه بضعة طاهرة من إنسان طاهر، وغمس اليد بالنجاسات لا ينقض. والبول نجس، ويوجب الطهارة الصغرى، والمني طاهر على الصحيح، ويوجب الطهارة الكبرى.\n[م-١٧٨] يعتبر خروج البول والغائط حدث ناقض للوضوء، والدليل على ذلك من الكتاب والسنة، والإجماع.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-883> الدليل الأول:</span>\nمن الكتاب، قال تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) [المائدة: ٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-884> الدليل الثاني:</span>\n(٣٧١ - ٢٢٥) من السنة، فقد روى أحمد من طريق سفيان، عن عاصم،\nعن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان بن عسال، فسألته عن المسح على الخفين؟","vol":"2","page":534},{"text":"فقال: كنا نكون مع رسول الله ﷺ، فيأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم (^١).\n[حسن] (^٢).\n(٣٧٢ - ٢٢٦) ومن السنة أيضًا ما رواه أبو داود من طريق عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر أبي ساسان،\nعن المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ، وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر أو قال: على طهارة (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-885> الدليل الثالث:</span>\nمن الإجماع، فقد نقل الإجماع طائفة من أهل العلم.\nقال العيني: «أجمع العلماء على أن الخارج المعتاد من أحد السبيلين كالغائط والريح من الدبر، والبول، والمذي من القبل ناقض للوضوء» (^٥).\nوقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن خروج الخارج حدث ينقض الوضوء (^٦).\nوقال النووي: وأما البول فبالسنة المستفيضة والإجماع والقياس على الغائط (^٧).\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٢٣٩).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد الثالث (٥٦٥، ٦٠١) من كتاب طهارة المسح على الحائل.\n(^٣) سنن أبي داود (١٧).\n(^٤) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في المجلد السابع، انظر (ح ١٢٨٩).\n(^٥) البناية (١/ ٢٥٧)، وانظر الجوهرة النيرة (١/ ٧)، بدائع الصنائع (١/ ٢٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٣٤).\n(^٦) الأوسط (١/ ١١٣).\n(^٧) المجموع (٢/ ٥).","vol":"2","page":535},{"text":"وقال ابن قدامة في معرض ذكره لنواقض الوضوء: الخارج من السبيلين، وهو نوعان: معتاد، فينقض بلا خلاف، لقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) [المائدة: ٦] (^١).\nوقال ابن حزم: وأما البول والغائط فإجماع ميتقن (^٢). أي أنه موجب للوضوء.\n* * *\n_________\n(^١) الكافي (١/ ٤١).\n(^٢) المحلى (١/ ٢١٨) مسألة: ١٥٩.","vol":"2","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>المبحث الثاني في خروج الريح</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل خارج من أحد السبيلين معتاد، ولم يكن دائمًا فهو حدث.\n[م-١٧٩] خروج الريح من الدبر حدث ناقض للوضوء.\n• والأدلة على ذلك كثيرة، منها:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-887> الدليل الأول:</span>\n(٣٧٣ - ٢٢٧) أما السنة فقد روى البخاري، من طريق معمر، عن همام بن منبه،\nأنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ. قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط. ورواه مسلم دون زيادة: قال رجل من حضرموت ..... الخ (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-888> الدليل الثاني:</span>\n(٣٧٤ - ٢٢٨) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سعيد وعباد بن تميم،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥).","vol":"2","page":537},{"text":"عن عبد الله بن زيد، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. ورواه مسلم (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-889> الدليل الثالث:</span>\n(٣٧٥ - ٢٢٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا وضوء إلا من صوت أو ريح (^٢).\n[المحفوظ أنه بلفظ: (فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)] (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).\n(^٢) المسند (٢/ ٤٧١).\n(^٣) الحديث مداره على سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، واختلف على سهيل فيه:\nفرواه شعبة كما في رواية أبي داود الطيالسي (٢٤٢٢) وابن الجعد في مسنده (١٥٨٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧٩٩٧)، وأحمد (٢/ ٤١٠، ٤٣٥، ٤٧١)، والترمذي (٧٤)، وابن ماجه (٥١٥)، وأبو عبيد في كتاب الطهور (٤٠٥)، وابن الجارود في المنتقى (٢)، وابن خزيمة (٢٧)، والبيهقي (١/ ١١٧، ٢٢٠).\nوسعيد بن أبي عروبة، كما في الطهور لأبي عبيد (٤٠٤) كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: لا وضوء إلا من صوت أو ريح.\nوالراوي عن سعيد بن أبي عروبة هو يزيد بن هارون، وهو قد روى عنه قبل اختلاطه، فهذه المتابعة أخرجت شعبة من عهدته.\nوخالف شعبة وسعيد جماعة رووه عن سهيل، بلفظ: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه، فلا يخرج حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا، منهم.\nجرير بن عبد الحميد كما في صحيح مسلم (٣٦٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ١١٧).\nوخالد بن عبد الله الواسطي، كما في صحيح ابن خزيمة (٢٨).\nوحماد بن سلمة كما في مسند الإمام أحمد (٢/ ٤١٤، ٥٣٤)، والدارمي (٧٢١)، وأبي داود (١٧٧)، وسنن البيقهي (٢/ ٢٥٤).\nوعبد العزيز الدراوردي كما في سنن الترمذي (٧٥) وصحيح ابن خزيمة (٢٤)، والأوسط (١/ ٢٤٢).\nمحمد بن جعفر كما في سنن البيهقي (١/ ١٦١).\nزهير كما في مستخرج أبي عوانة (٧٤١).\nيحيى بن المهلب البجلي كما في معجم الأوسط للطبراني (١٥٦٥).\nعلي بن عاصم كما في سنن البيهقي (٢/ ٢٥٤).\nثمانيتهم رووه عن سهيل به، بلفظ: قال رسول الله ﷺ: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.\nوقد رأى أبو حاتم في العلل (١/ ٤٧) أن الخطأ من شعبة.\nوقد يكون الخطأ من سهيل؛ لأن سعيد بن أبي عروبة قد تابع شعبة فيه كما في كتاب الطهور لأبي عبيد (٤٠٤) ولأن الحمل على أضعف راو في الحديث، وقد ذكرت وجه ذلك في المتن.\nوقد ثبت الحديث عن أبي هريرة من غير طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه بلفظ: النهي عن الخروج من الصلاة عند الشك في الحديث.\nمما يرجح رواية الجماعة عن سهيل على رواية شعبة وابن أبي عروبة عنه.\nفقد روى أحمد في المسند (٢/ ٣٣٠) من طريق الضحاك بن عثمان، عن سعيد المقبري، قال: قال أبو هريرة قال: رسول الله ﷺ: إن أحدكم إذا كان في الصلاة جاء الشيطان فأبس به كما يبس الرجل بدابته، فإذا سكن له أضرط بين أليتيه، ليفتنه عن صلاته، فإذا وجد أحدكم شيئًا من ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا لا يشك فيه. اهـ\nرجاله ثقات إلا الضحاك بن عثمان وهو حسن الحديث، وهو من رجال مسلم.\nانظر في طرق الحديث أطراف المسند (٧/ ١٩٩، ٢٠٠)، تحفة الأشراف (١٢٦٠٣، ١٢٦٢٩، ١٢٦٨٣، ١٢٧١٨)، إتحاف المهرة (١٨٠٥٤).","vol":"2","page":538},{"text":"مفهوم الحديث أن لا وضوء إلا من الصوت (الضرطة) والريح؛ لأن الحديث سيق مساق الحصر المعتمد على النفي والإثبات، فظاهره لا وضوء من البول والمذي والنوم واختلف العلماء في الجواب عن ذلك:\n• الجواب الأول:\nشذوذ هذا اللفظ. قال أبو حاتم في العلل: «هذا وهم، اختصر شعبة متن هذا الحديث، فقال: لا وضوء إلا من صوت أو ريح، ورواه أصحاب سهيل، عن سهيل،","vol":"2","page":539},{"text":"عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: إذا كان أحدكم في صلاة، فوجد ريحًا من نفسه، فلا يخرجن حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (^١).\nوكذا قال ابن خزيمة في صحيحه (^٢)، والبيهقي نحوه في السنن (^٣).\n• ورد هذا الجواب:\nقال الشوكاني: «شعبة إمام حافظ واسع الرواية، وقد روى هذا اللفظ بهذه الصيغة المشتملة على الحصر، ودينه وإمامته ومعرفته باللسان يرد ما ذكره أبو حاتم» (^٤).\n• ويرد على هذا:\nبأن إمامة شعبة ودينه لا تعصمه من الخطأ لو صح أن الخطأ من شعبة؛ لأن الحديث بالحصر لا بد أن يقال: إنه غلط؛ لأن الحصر ينفي أن يكون هناك ناقض غيرهما، مع أن البول فيه الوضوء بالإجماع، وليس داخلا في الحديث، لكن لا يتعين أن يكون الخطأ من شعبة، فالراجح عندي أن الخطأ من سهيل بن أبي صالح، فتارة يرويه مستقيمًا كما في رواية خالد بن عبد الله الواسطي وجرير، وحماد بن سلمة، والدراوردي وغيرهم.\nوتارة يرويه بالحصر كما في رواية شعبة، والذي يجعلني أجزم أن الخطأ ليس من شعبة.\nأولًا: أن شعبة قد توبع فيه بلغة الحصر، فقد رواه أبو عبيد في كتاب الطهور، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سعيد، عن سهيل به بلفظ شعبة، وذكرته في التخريج.\nورواية يزيد بن هارون عن سعيد قبل اختلاطه، فخرج شعبة من عهدته.\n_________\n(^١) العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٧).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة (١/ ١٨، ١٩).\n(^٣) سنن البيهقي (١/ ١١٧).\n(^٤) النيل (١/ ٢٢٤).","vol":"2","page":540},{"text":"ثانيًا: أن سهيل بن أبي صالح قد تكلم فيه بعضهم، وقد وثقه بعضهم، وبعضهم جعل حديثه من قبيل الحسن، وقد قال الذهبي: صدوق مشهور ساء حفظه، وإذا كان هو أضعف رجل في الإسناد صار الحمل عليه، والخطأ منه.\nفالصحيح من حديث سهيل ما يوافق حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، والله أعلم.\nالجواب الثاني:\nأن هناك من أهل العلم من يرى أن الحدث خاص بما يخرج من القبل والدبر خاصة، وترجم له البخاري: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر، وقول الله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) [المائدة: ٦].\nوتقدم لنا قول أبي هريرة في البخاري: قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط.\nفإن قيل: لا وضوء إلا من صوت أو ريح، لا يدخل فيه البول، يقال بما ذكره الحافظ العراقي وابن حجر.\nقال العراقي: لما ذكر الحدث في المسجد ترك أبو هريرة منه ما لا يشكل أمره من البول والغائط في المسجد، فإنه لا يتعاطاه في المسجد ذو عقل ونبه أبو هريرة بالأدنى على الأعلى (^١).\nقال الحافظ: «والمراد به الخارج من السبيلين، وإنما فسره أبو هريرة بالأخف على الأغلظ؛ ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، أما باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء، كمس الذكر، ولمس المرأة، والقيء ملء الفم، والحجامة، فلعل أبا هريرة كان لا يرى النقض بشيء منها، وعليه مشى البخاري كما في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٣٦٩).","vol":"2","page":541},{"text":"وقيل: إن أبا هريرة اقتصر في الجواب على ما ذكر لعلمه أن السائل كان يعلم ذلك، وفيه بعد». اهـ كلام الحافظ (^١).\nقلت: أبو هريرة يرى الوضوء مما مست النار، وقد صح ذلك عنه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، فلعله فسر الحدث بالمثال، ولم يقصد الحصر، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-890> الدليل الرابع:</span>\n(٣٧٦ - ٢٣٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا الدستوائي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثنا عياض، قال:\nقلت لأبي سعيد الخدري: أحدنا يصلي، فلا يدري كم صلى؟ فقال: قال رسول الله ﷺ: إذا صلى أحدكم، فلم يدر كم صلى، فليسجد سجدتين، وهو جالس، وإذا جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك قد أحدثت، فليقل: كذبت إلا ما وجد ريحه بأنفه أو سمع صوته بأذنه (^٢).\n[ضعيف وذكر الشك في الحدث منكر] (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري تحت ح (١٣٥).\n(^٢) المسند (٣/ ١٢).\n(^٣) الحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٢)، وأبو يعلى (١٢٤١)، وأبو داود (١٠٢٩)، والترمذي (٣٩٦)، وابن ماجه (١٢٠٤)، من طريق إسماعيل بن علية، واقتصر والترمذي ابن ماجه على الشك في الصلاة.\nوابن حبان (٢٦٦٥)، والحاكم (١/ ١٣٤) من طريق يزيد بن زريع،\nوابن خزيمة (٢٩) من طريق معاذ بن هشام،\nوأحمد (٣/ ٥٣) حدثنا يحيى - يعني القطان -\nوأحمد (٣/ ٥١) حدثنا يزيد بن هارون، كلهم عن هشام الدستوائي.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٥٠) والنسائي في الكبرى (٥٨٧) من طريق شيبان.\nوأخرجه عبد الرزاق (٥٣٣، ٣٤٦٣)، ومن طريقه أخرجه أحمد (٣/ ٣٧)، والحاكم (١/ ١٣٥)، وابن حبان مختصرًا (٢٦٦٦) عن معمر. =","vol":"2","page":542},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه ابن خزيمة (٢٩) من طريق علي بن المبارك،\nوأخرجه أحمد (٣/ ٥٣) وأبو داود (١٠٢٩) عن أبان،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٣٢) من طريق عكرمة بن عمار، واقتصر على الشك في الصلاة،\nورواه النسائي في الكبرى (٥٩٢، ٥٩٣) من طريق الأوزاعي واقتصر على الشك في الصلاة. كلهم (هشام، وشيبان، ومعمر، وعلي بن المبارك وأبان، وعكرمة) عن يحيى بن أبي كثير به. وسماه الأوزاعي في طريق عياض بن زهير، وقال في آخر: عياض بن أبي زهير، والراجح في اسمه (عياض بن هلال).\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٣٤) من طريق حرب بن شداد، عن يحيى به، إلا أنه قال: عياض بن ... عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وقد صححه الحاكم.\nقد انفرد بذكر الشك في الحدث في هذا الحديث عياض بن هلال، عن أبي سعيد، وهو مجهول، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٦/ ٤٠٨).\nوكذلك البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢١).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢٦٥).\nوقال الذهبي: لا يعرف، ما علمت روى عنه سوى يحيى بن أبي كثير. ميزان الاعتدال (٣/ ٣٠٧).\nوقد اختلف في اسمه على أكثر من وجه، انظر سنن أبي داود (١٠٢٩)، والسنن الكبرى للنسائي (٥٩١، ٥٩٢، ٥٩٣)، وتهذيب التهذيب (٨/ ١٨١).\nوقد رواه عطاء بن يسار كما في صحيح مسلم وغيره.\nأبو نضرة كما في المسند، كلاهما روياه عن أبي سعيد بالاقتصار على الشك في عدد ركعات الصلاة، ولم يذكرا الشك في الحدث، مما يجعل زيادة عياض بن هلال زيادة منكرة.\nفقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٨٣) ح ٤٤٠٣، ومسلم (٥٧١)، وابن الجعد في مسنده (٢٩١٤)، وأبو داود (١٠٢٤)، والنسائي في المجتبى (١٢٣٨، ١٢٣٩)، وفي الكبرى (٥٨٤، ٥٨٥)، وابن ماجه (١٢١٠)، وابن خزيمة (١٠٢٣، ١٠٢٤) وأبو عوانة (٢/ ١٩٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٣٣)، وابن حبان (٢٦٦٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٣١) من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، ولفظ مسلم: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان. اهـ،","vol":"2","page":543},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-891> الدليل الخامس:</span>\nمن الإجماع، قال ابن المنذر في الأوسط: أجمع أهل العلم على أن خروج الريح من الدبر حدث ينقض الوضوء (^١).\nوقال ابن حزم: «والريح الخارجة من الدبر - خاصة لا من غيره - بصوت خرجت أم بغير صوت، وهذا أيضًا إجماع متيقن، ولا خلاف في أن الوضوء من الفسو والضراط» (^٢).\nوقال ابن قدامة: «الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعًا» (^٣).\n* * *\n_________\nكما أخرجه أحمد (٣/ ٤٢)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٨٧٢)، والطبراني في الكبير (٦/ ٣٦) رقم ٥٤٤٠ من طريق سعيد بن زيد، عن علي بن الحكم، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، بلفظ: «إذا وهم أحدكم في صلاته، فلم يدر أزاد أم نقص فليسجد سجدتين، وهو جالس». اهـ ولم يذكر الشك في الحدث.\nوفي إسناده سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، مختلف فيه، وباقي رجاله ثقات إن شاء الله تعالى.\nانظر أطراف المسند (٦/ ٣٠٧)، تحفة الأشراف (٤٣٩٦)، إتحاف المهرة (٥٦٣٤).\n(^١) الأوسط (١/ ١٣٧).\n(^٢) المحلى (١/ ٢١٨) مسألة: ١٦٠.\n(^٣) المغني (١/ ١١١).","vol":"2","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>المبحث الثالث في خروج المذي</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل خارج من أحد السبيلين معتاد، ولم يكن دائمًا فهو حدث.\n• هل يغسل الذكر من المذي كما هو ظاهر النص، أو محل الأذى فقط؛ لأنه طهارة معقولة المعنى، وبلفظ آخر: هل الغسل للنجاسة فقط، أو يطلب مع ذلك قطع مادته.\n[م-١٨٠] لقد وقع خلاف بين أهل العلم في طهارة المذي، وسيأتي تحرير الخلاف فيه إن شاء الله تعالى في أحكام النجاسات، والكلام في هذا الباب يتناول اعتبار خروجه حدثًا ناقضًا للوضوء، وهي مسألة أخرى.\nوقد دل على اعتباره حدثًا ناقضًا للوضوء السنة والإجماع،\n(٣٧٧ - ٢٣١) أما السنة، ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع وأبو معاوية وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى -ويكنى أبا يعلى- عن ابن الحنفية،\nعن علي قال كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته","vol":"2","page":545},{"text":"فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: يغسل ذكره ويتوضأ، ورواه البخاري بنحوه (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-893> الدليل الثاني:</span>\n(٣٧٨ - ٢٣٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه،\nعن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة، فكنت أكثر الاغتسال منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: إنما يجزئك منه الوضوء. فقلت: كيف بما يصيب ثوبي؟ فقال يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء، فتمسح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصاب (^٢).\n[حسن] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-894> الدليل الثالث:</span>\n(٣٧٩ - ٢٣٣) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حزام ابن حكيم،\nعن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت النبي ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: ذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٠٣)، وصحيح البخاري (٢٦٩).\n(^٢) المسند (٣/ ٤٨٥).\n(^٣) انظر تخريجه في المجلد السادس، ح (١١٢٦).\n(^٤) سنن أبي داود (٢١١).\n(^٥) انظر تخريجه في المجلد السادس، ح (١١٢٧).","vol":"2","page":546},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-895> الدليل الرابع:</span>\n(٣٨٠ - ٢٣٤) ما رواه ابن ماجه، من طريق مصعب بن شيبة، عن أبي حبيب ابن يعلى بن منية،\nعن ابن عباس أنه أتى أبي بن كعب ومعه عمر، فخرج عليهما، فقال: إني وجدت مذيًا، فغسلت ذكري، وتوضأت، فقال عمر: أو يجزئ ذلك؟ قال: نعم قال: أسمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-896> الدليل الخامس:</span>\n(٣٨١ - ٢٣٥) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس، قال: .... من المني الغسل، ومن المذي والودي الوضوء، يغسل حشفته ويتوضأ (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-897> الدليل السادس:</span>\nحكى الإجماع على نجاسته، وعلى وجوب الوضوء.\nقال ابن عبد البر: «وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، أو لطول عزبة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته» (^٥).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٥٠٧).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد السادس، ح (١١٢٨).\n(^٣) المصنف (٦٠٨).\n(^٤) انظر تخريجه في المجلد السابع، الطهارة من الاستنجاء، ح (١٤٩٤).\n(^٥) الاستذكار (١/ ١٩٩).","vol":"2","page":547},{"text":"وقال ابن المنذر: «لست أعلم في وجوب الوضوء منه اختلافًا بين أهل العلم» (^١).\nونقل النووي الإجماع عن ابن المنذر في المجموع (^٢).\nوقال ابن قدامة: «الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعًا» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ١٣٤٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ٦).\n(^٣) المغني (١/ ١١١).","vol":"2","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>المبحث الرابع في خروج الودي</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل خارج من أحد السبيلين معتاد، ولم يكن دائمًا فهو حدث.\n[م-١٨١] لقد وقع خلاف بين أهل العلم في طهارة الودي، وسيأتي تحرير الخلاف فيه إن شاء الله تعالى في أحكام النجاسات، والكلام في هذا الباب يتناول اعتبار خروجه حدثًا ناقضًا للوضوء، وهي مسألة أخرى.\nفذهب الأئمة الأربعة إلى أن خروج الودي حدث ناقض للوضوء (^١)،\nوقال ابن المنذر: «الودي شيء يخرج من الذكر على إثر البول، والوضوء يجب\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (١/ ٢٤)، العناية بشرح الهداية (١/ ٦٨)، شرح فتح القدير (١/ ٦٨)، الفتاوى الهندية (١/ ٩)، البحر الرائق (١/ ٦٥)، المبسوط (١/ ٦٧).\nوانظر في مذهب المالكية: التاج والإكليل (١/ ٤٢١، ٤٢٢)، الخرشي (١/ ١٥٢)، الفواكه الدواني (١/ ١١٣)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٥).\nوجاء في مختصر المزني (ص: ٩٦): «وكل ما خرج من دبر، أو قبل، من دود، أو دم، أو مذي، أو ودي، أو بلل أو غيره فذلك كله يوجب الوضوء كما وصفت».اهـ\nوانظر المجموع (٢/ ٥)، روضة الطالبين (١/ ٧٢).\nوفي مذهب الحنابلة: انظر الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٥٦)، المغني (١/ ٤١٣).","vol":"2","page":549},{"text":"بخروج البول، وليس يوجب بخروجه شيء إلا الوضوء الذي وجب بخروج البول» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-899> دليل من قال: إن الودي ينقض الوضوء</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-900> الدليل الأول:</span>\n(٣٨٢ - ٢٣٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن حصين بن قبيصة الفزاري،\nعن علي قال: كنت رجلًا مذاءً، وكانت تحتي بنت رسول الله ﷺ، فكنت أستحي أن أسأله، فأمرت رجلًا فسأله، فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيت الودي فضخ الماء فاغتسل (^٢).\n[رجاله ثقات إلا أن ذكر الودي فيه غير محفوظ] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-901> الدليل الثاني:</span>\n(٣٨٣ - ٢٣٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس، قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره (^٤).\n[صحيح] (^٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-902> الدليل الثالث:</span>\nالقياس على البول والمذي بجامع أن كلًا منهم خارج نجس من سبيل واحد.\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ١٣٥).\n(^٢) المصنف (١/ ٨٩).\n(^٣) انظر تخريجه، في المجلد السابع، ح (١٥٠١).\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٨٩) رقم ٩٨٤.\n(^٥) انظر تخريجه في المجلد السابع (ص: ٣٨١).","vol":"2","page":550},{"text":"وقد حكي الإجماع على نجاسة الودي،\nقال النووي: أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي (^١). اهـ\nوحكى الحطاب من المالكية في مواهب الجليل (^٢) أن شاس نقل الإجماع على نجاسة الودي.\nوأما قول من قال: إن الوضوء وجب بخروج البول لا بخروج الودي، فإنه يقال له: ما المانع أن يكون هناك أكثر من موجب، كالريح تسبق الغائط، وكلاهما موجب للوضوء، على أن بعضهم قد ذكر أن خروج الودي على إثر البول غالب، وليس دائمًا، فقد يخرج بعد حمل شيء ثقيل، وقد يخرج وحده بلا سبب (^٣).\nوقال في البحر الرائق: إن قيل: ما فائدة إيجاب الوضوء بالودي، وقد وجب بالبول السابق عليه؟\nقلنا: عن ذلك أجوبة،\nأحدها: فائدته فيمن به سلس البول، فإن الودي ينقض وضوءه دون البول.\nثانيها: فيمن توضأ عقب البول، قبل خروج الودي، ثم خرج الودي، فيجب به الوضوء.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٧١).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ١٠٤).\n(^٣) قال في حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٥): «الودي ماء ثخين أبيض كدر، يخرج عقب البول».\nوقال في الفتاوى الهندية (١/ ١٠): «الودي بول غليظ. وقيل: ماء يخرج بعد الاغتسال من الجماع وبعد البول. كذا في التبيين».اهـ\nوقال في شرح خليل (١/ ١٥٢): واعلم أن ودي المرأة يخرج أيضًا بأثر البول إلا أنه حينئذ لا حكم له نعم يكون ناقضًا فيما إذا خرج بأثر سلس بول، أو خرج عند حمل شيء ثقيل». اهـ\nوقال في المهذب (١/ ٢٩): «الودي يخرج مع البول»، فتعقبه النووي في المجموع (٢/ ٥٧١)، «وقال: الأجود أن يقال: عقبه. أي عقب البول».\nوقال نحوه في مطالب أولي النهى (١/ ٢٣٤).","vol":"2","page":551},{"text":"ثالثها: الودي ماء يخرج بعد الاغتسال من الجماع وبعد البول، وهو شيء لزج كذا فسره في الخزانة والتبيين، فالإشكال إنما يرد على من اقتصر في تفسيره على ما يخرج بعد البول.\nرابعها: أن وجوب الوضوء بالبول لا ينافي الوجوب بالودي بعده، ويقع الوضوء عنهما، حتى لو حلف لا يتوضأ من رعاف، فرعف، ثم بال أو عكسه، فتوضأ؛ فالوضوء منهما؛ فيحنث، وكذا لو حلفت لا تغتسل من جنابة أو حيض فجامعها زوجها، وحاضت فاغتسلت فهو منهما وتحنث (^١).\n* * *\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٦٥).","vol":"2","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>المبحث الخامس في خروج دم الاستحاضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• خروج الحدث الدائم من أحد السبيلين من بول أو ريح أو دم ونحوها معفو عنه على الصحيح.\n• الوقت سبب في وجوب الصلاة، وليس حدثًا يوجب خروجه الوضوء.\n• الوضوء إذا لم يكن رافعًا للحدث لم يكن واجبًا.\n• كل خارج لا ينقض الحدث في الصلاة لا ينقض خارج الصلاة.\n• لا فرق بين الدم الذي يخرج من المستحاضة قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء في الحدث.\nوقيل:\n• يتطهر من به حدث دائم لاستباحة الصلاة، وليس لرفع الحدث.\n[م-١٨٢] يدخل دم الاستحاضة، ومن به حدث دائم في عموم الخارج من أحد السبيلين، فهل يعتبر خروجه حدثًا ناقضًا للوضوء؟\nاختلف أهل العلم في ذلك:","vol":"2","page":553},{"text":"فقيل: يجب أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل: يجب أن تتوضأ لكل فريضة، مؤداة أو مقضية، وأما النوافل فتصلي بطهارتها ما شاءت، وهو مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: لا يعتبر خروج دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء، بل يستحب منه الوضوء ولا يجب. وهو مذهب المالكية (^٤).\nوقيل: الوضوء واجب لكل صلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج. وهذا اختيار ابن حزم (^٥).\nوقد رويت أحاديث في وضوء المستحاضة لكل صلاة، منها:\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٥٠٨) حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤) البحر الرائق (١/ ٢٢٦) مراقي الفلاح (ص ٦٠) شرح فتح القدير (١/ ١٨١) تبيين الحقائق (١/ ٦٤) بدائع الصنائع (١/ ٢٨).\n(^٢) المغني (١/ ٤٢١) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٠) كشاف القناع (١/ ٢١٥) الإنصاف (١/ ٣٧٧) الفروع (١/ ٢٧٩) شرح الزركشي (١/ ٤٣٧).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٦٣، ٥٤٣)، مغني المحتاج (١/ ١١١)، روضة الطالبين (١/ ١٢٥، ١٤٧).\n(^٤) قال صاحب مواهب الجليل (١/ ٢٩١): «طريقة العراقيين من أصحابنا، أن ما خرج على وجه السلس لا ينقض الوضوء مطلقًا، وإنما يستحب منه الوضوء .... والمشهور من المذهب طريقة المغاربة أن السلس على أربعة أقسام:\nالأول: أن يلازم، ولا يفارق، فلا يجب الوضوء، ولا يستحب؛ إذ لا فائدة فيه فلا ينتقض وضوء صاحبه بالبول المعتاد.\nالثاني: أن تكون ملازمته أكثر من مفارقته، فيستحب الوضوء إلا أن يشق ذلك عليه لبرد أو ضرورة فلا يستحب.\nالثالث: أن يتساوى إتيانه ومفارقته، ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان ....\nوالرابع: أن تكون مفارقته أكثر، فالمشهور وجوب الوضوء خلافًا للعراقيين فإنه عندهم مستحب».اهـ وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١١٦)، الخرشي (١/ ١٥٢)، فتح البر في ترتيب التمهيد (٣/ ٥٠٨)، الاستذكار (٣/ ٢٢٥، ٢٢٦) القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٢٩).\n(^٥) المحلى (مسألة: ١٦٨).","vol":"2","page":554},{"text":"(٣٨٤ - ٢٣٨) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا محمد، قال: ثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:\nجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\nقال هشام: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (^١).\n[زيادة قال هشام: قال أبي: الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (^٢).\n(٣٨٥ - ٢٣٩) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة،\nجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، ثم صلي وإن قطر الدم على الحصير (^٣).\n[الحديث ضعيف، وفيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وعروة مختلف فيه، قيل: عروة المزني، وهو مجهول، وقيل: عروة بن الزبير] (^٤).\n(٣٨٦ - ٢٤٠) ومنها: ما رواه الدرامي، قال: أخبرنا محمد بن عيسى، ثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٨).\n(^٢) سبب اختلاف العلماء في دم الاستحاضة، هل هو حدث أم لا؟ اختلافهم في قول هشام: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت، هل هذه الزيادة موقوفة أو مرفوعة؟ وهل هي متصلة أو معلقة؟ وعلى تقدير كونها مرفوعة، هل هي محفوظة أو شاذة؟\nانظر تخريجه، في المجلد السابع، في الطهارة من الاستنجاء ح (١٥١٦).\n(^٣) المسند (٦/ ٢٠٤).\n(^٤) انظر تخريجه في المجلد السابع، في الطهارة من الاستنجاء، ح (١٥١٧).","vol":"2","page":555},{"text":"المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها في كل شهر، فإذا كان عند انقضائها اغتسلت وصلت، وصامت، وتوضأت عند كل صلاة (^١).\n[ضعيف جدًّا].\n(٣٨٧ - ٢٤١) ومنها ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق بشر بن الوليد الكندي، حدثنا أبو يوسف القاضي، عن عبد الله بن علي، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل،\nعن جابر: عن رسول الله ﷺ أنه أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي أيوب الأفريقي، وهو عبد الله بن علي، إلا أبو يوسف (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n(٣٨٨ - ٢٤٢) ومنها: ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا مورع بن عبد الله، حدثنا الحسن بن عيسى، حدثنا حفص بن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن الحكم بن عتيبة عن جعفر، عن سودة بنت زمعة قالت: قال رسول الله ﷺ:\nالمستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها، ثم تغتسل غسلًا واحدًا ثم تتوضأ لكل صلاة (^٤).\n[ضعيف].\nوقد اختلف العلماء في حكمهم على هذه الآثار الواردة في وضوء المستحاضة لكل صلاة، فمنهم من ضعف الأحاديث الواردة في الباب.\n_________\n(^١) سنن الدارمي (٧٩٣)، انظر تخريجه في المجلد السابع: ح (١٥١٨).\n(^٢) المعجم الأوسط (١٦٢٠).\n(^٣) انظر تخريجه، في المجلد السابع، ح (١٥١٩).\n(^٤) الأوسط (١٩٨٤)، وأنظر تخريجه في المجلد السابع، ح (١٥٢٠).","vol":"2","page":556},{"text":"قال ابن رجب: أحاديث الوضوء لكل صلاة قد رويت من وجوه متعددة وهي مضطربة ومعلة (^١).\nولهذا ذهب المالكية إلى عدم وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة.\nقال ابن عبد البر: «والوضوء عليها عند مالك على الاستحباب دون الوجوب، قال: وقد احتج بعض أصحابنا على سقوط الوضوء بقول رسول الله ﷺ: (فإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي) ولم يذكر وضوءًا، قال: وممن قال بأن الوضوء على المستحاضة غير واجب ربيعة وعكرمة ومالك وأيوب وطائفة» (^٢).\nوإذا لم تصح الآثار عن الرسول ﷺ في وضوء المستحاضة، فإن النظر أيضًا يؤيد القول بعدم اعتبار خروج دم الاستحاضة وسلس البول ونحوهما حدثًا يوجب الوضوء، وذلك من وجوه:\nالوجه الأول:\nأن من كان به حدث دائم لو تطهر فلن يرتفع حدثه، وإذا كان كذلك، لك تكن طهارته واجبة.\nالوجه الثاني:\nإذا كان دم الاستحاضة لا يبطل الطهارة أثناء الوضوء، وبعده قبل الصلاة، لم يكن حدثًا يوجب الوضوء عند تجدد الصلاة أو خروج الوقت، ولذا حملنا الأمر على الاستحباب.\nالوجه الثالث:\nمن النظر، قال ابن المنذر في الأوسط: «والنظر دال على ما قال ربيعة - يعني: في عدم وجوب الوضوء - إلا أنه قول لا أعلم أحدًا سبقه إليه. وإنما قلت: النظر\n_________\n(^١) شرح البخاري لابن رجب (٢/ ٧٣).\n(^٢) المرجع السابق، نفس الصفحة.","vol":"2","page":557},{"text":"يدل عليه؛ لأنه لا فرق بين الدم الذي يخرج من المستحاضة قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء؛ لأن دم الاستحاضة إن كان يوجب الوضوء فقليل ذلك وكثيره في أي وقت كان يوجب الوضوء، فإذا كان هكذا، وابتدأت المستحاضة في الوضوء، فخرج منها دم بعد غسلها بعض أعضاء الوضوء، وجب أن ينتقض ما غسلت من أعضاء الوضوء، لأن الدم الذي يوجب الطهارة في قول من أوجب على المستحاضة الطهارة قائم.\nوإن كان ما يخرج منها بين أضعاف الوضوء، وما خرج منها قبل أن تدخل الصلاة، وما حدث في الصلاة منه لا ينقض طهارة، وجب كذلك أن ما خرج منها بعد فراغها من الصلاة لا تنقض طهارة إلا بحدث غير دم الاستحاضة هذا الذي يدل عليه النظر» (^١).\nهذه أدلة المالكية على عدم اعتبار خروج دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء، وهذا القول هو الراجح عندي، لأن الآثار في الباب لم تثبت عن النبي ﷺ من جهة، ولأن هذا القول موافق لقواعد الشريعة من جهة أخرى كما سبق بيانه، وفيه تيسير على المبتلى من النساء ومن به سلس بول، وقد أفتى به جماعة من أهل العلم على رأسهم الإمام مالك وربيعة وعكرمة وأيوب وطائفة، كما سبق ذكره عنهم، وذكر ابن المنذر أن القياس يقتضيه، وهل الشرع كله إلا على وفق القياس، وصرح الحافظ ابن رجب بأنه لم يصح في أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة حديث، وقد تكلمت عن هذه المسألة في مجلد الحيض والنفاس، فارجع إليه إن أردت الاستزادة من هذه المسألة المهمة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ١٦٤).\n(^٢) في مبحث خلاف العلماء في وجوب الوضوء من دم الاستحاضة.","vol":"2","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>المبحث السادس في الخارج النادر من السبيلين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• هل المعتبر في الحدث المحل: القبل والدبر، فينقض كل ما خرج من السبيلين ولو كان طاهرًا، أو المعتبر النجس، فينقض كل نجس خرج، ولو من غير السبيلين إذا كان فاحشًا، أو المعتبر الخارج والمخرج وصفة الخروج؟ والأول أقواها.\n[م-١٨٣] سبق لنا أن تكلمنا على الخارج من السبيلين إذا كان معتادًا، كالبول والغائط، والمذي، والودي ونحوها، وسوف نتكلم في هذا المبحث إذا كان الخارج غير معتاد، كالحصى، والدود، والريح من القبل، ونحوها، فهل يعتبر خروجها حدثًا ناقضًا للوضوء، أو لا يعتبر؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم:\nفقيل: خروج الشيء النادر من السبيلين يعتبر ناقضًا للوضوء، وهو المشهور من مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، إلا ريح القبل فلا تنقض الوضوء عند الحنفية؛ لأنها اختلاج لا ريح عندهم.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٢٤)، البحر الرائق (١/ ٣١)، مراقي الفلاح (ص: ٣٦)، فتح القدير (١/ ٣٨)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٩).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٣٢)، المجموع (٢/ ٤)، روضة الطالبين (١/ ٧٢).\n(^٣) شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٩)، كشاف القناع (١/ ١٢٢)، الفروع (١/ ١٧٤)، الإنصاف (١/ ١٩٥)، المبدع (١/ ١٥٥).","vol":"2","page":559},{"text":"وقيل: لا ينقض إلا ما كان معتادًا، وهو مذهب المالكية (^١).\n• وسبب اختلافهم في هذه المسألة:\nذكر ابن رشد سبب الاختلاف، وأسوقه مع تصرف يسير:\nيرجع الاختلاف في هذه المسألة إلى أن من الفقهاء من اعتبر في نقض الوضوء الخارج وحده من أي موضع خرج، وعلي أي جهة خرج، فقالوا: كل نجاسة تسيل من الجسد وتخرج منه يجب منها الوضوء كالدم والرعاف والقيء.\nواعتبر قوم المخرجين: الذكر والدبر، فقالوا: كل ما خرج من هذين السبيلين فهو ناقض للوضوء، من أي شيء خرج من دم، أو حصى أو بلغم، وعلي أي وجه خرج، سواء كان خروجه على وجه الصحة أو المرض.\nوفريق اعتبر الخارج والمخرج وصفة الخروج، فقالوا: كل ما خرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه، وهو البول والغائط والمذي والودي والريح إذا كان خروجه على وجه الصحة فهو ينقض الوضوء، فلم يروا في الدم والحصاة والدود وضوء، ولا في السلس كذلك، والسبب في اختلافهم أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائط وبول وريح ومذي، لظاهر الكتاب ولتظاهر الآثار بذلك، تطرق إلى ذلك ثلاث احتمالات:\nأحدها: أن يكون الحكم إنما علق بأعيان هذه الأشياء فقط المتفق عليها على ما رآه مالك ﵀.\nالاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنما علق بهذه من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن، فيكون الوضوء طهارة، والطهارة إنما يؤثر فيها النجس.\nالاحتمال الثالث: أن يكون الحكم أيضًا إنما علق بها من جهة أنها خارجة من\n_________\n(^١) الشرح الصغير (١/ ١٣٧)، الخرشي (١/ ١٥٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٩١)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٥)، أسهل المدارك (١/ ٥٩)، التلقين (ص: ١٤).","vol":"2","page":560},{"text":"هذين السبيلين.\nقلت: الذي يظهر أن الاعتبار بالمخرج لا بالنجاسة؛ لأن الريح طاهرة، وإذا خرجت من الدبر كانت حدثًا، وإذا خرجت من الفم لم تكن ناقضة، وليس الاعتبار بكونه معتادًا، فهذا الودي نادر غير معتاد، وقد يكون دالًا على اعتلال، ومع ذلك ينقض الوضوء حتى على مذهب مالك ﵀، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-905>الفصل الثاني خروج النجس من البدن من غير السبيلين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>المبحث الأول خروج البول والغائط من غير السبيلين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- هل المعتبر في الحدث المحل: القبل والدبر، فينقض كل ما خرج من السبيلين ولو كان طاهرًا، أو المعتبر النجس فينقض كل نجس خرج ولو من غير السبيلين إذا كان فاحشًا، أو المعتبر الخارج والمخرج وصفة الخروج؟\n[م-١٨٤] اختلف العلماء في خروج البول والغائط من غير السبيلين، هل يعتبر حدثًا ناقضًا للوضوء؟\nفقيل: يعتبر خروجهما حدثًا مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل بالتفصيل: وهو إما أن ينسد المخرج المعتاد أو لا ينسد،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٢٤)، تبيين الحقائق (١/ ٨)، البحر الرائق (١/ ٣١)، فتح القدير (١/ ٣٨)، مراقي الفلاح (ص: ٣٦)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٩).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٢٤)، الفروع (١/ ١٧٦)، الإنصاف (١/ ١٩٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٠).","vol":"2","page":562},{"text":"فإن كان المخرج المعتاد لم ينسد، فلا ينقض الخارج مطلقًا.\nوإن كان المخرج المعتاد قد انسد، نظر:\nفإن كان مخرج البول والغائط فوق المعدة، لم ينقض، وإن كان المخرج تحت المعدة نقض.\nوهذا التفصيل إذا كان انسداد المخرج عارضًا، أما لو كان أصليًا من أصل الخلقة فإن الخارج منه ناقض للوضوء مطلقًا، سواء كان خروجه فوق أو تحت المعدة، وهذا مذهب المالكية (^١)، والصحيح من قولي الشافعية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-907> دليل الحنفية والحنابلة على النقض مطلقًا:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-908> الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) [المائدة: ٦].\nفجعل الاعتبار بالغائط: أي بالخارج لا بالمخرج، والبول مقيس عليه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-909> الدليل الثاني:</span>\n(٣٨٩ - ٢٤٣) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال:\nأتيت صفوان، فقلت له: حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت منه في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا، أو كنا مسافرين لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم .... الحديث (^٣).\n_________\n(^١) تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة (١/ ٣٨٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٨)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٣)، الخرشي (١/ ١٥٤).\n(^٢) المجموع (٢/ ٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٣)، نهاية المحتاج (١/ ١١٢).\n(^٣) المصنف (٧٩٥).","vol":"2","page":563},{"text":"[حسن] (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) فاعتبر الخارج دون المخرج.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-910> الدليل الثالث:</span>\nمن النظر، قال: ابن تيمية ﵀: «والسبيل إنما يغلظ حكمه؛ لكونه مخرجًا معتادًا للبول والغائط، فإذا تغلظ حكمه بسببهما فلأن يتغلظ حكم أنفسهما أولى وأحرى» (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-911> الدليل الرابع:</span>\nقال الزيلعي: «خروج النجس مؤثر في زوال الطهارة: أما موضع الخروج فظاهر، وأما غيره فلأن بدن الإنسان باعتبار ما يخرج منه لا يتجزأ في الوصف، فإذا وصف موضع منه بالنجاسة وجب وصف كله بذلك، كالإيمان والكفر والكذب والصدق ونحو ذلك، فإنه يوصف به كله، وإن كان كل واحد من هذه الأشياء في محل مخصوص، فإذا صار كله نجسًا وجب تطهيره كله، لكن ورد الشرع بالاقتصار على الأعضاء الأربعة في السبيلين، للحرج لتكرار ما يخرج منهما، فألحقنا به ما هو في معناه من كل وجه» (^٣).\nوهذا الكلام فيه نظر كبير؛ لأن نجاسة عضو من الأعضاء لا يعني نجاسة كل الأعضاء، فالرسول ﷺ يقول لعائشة: إن حيضتك ليست في يدك. وبدن الحائض طاهر، وإن كان موضع الأذى قد تنجس بخروج دم الحيض، ولو تنجس عضو من الأعضاء لم يجب غسل باقي الأعضاء بل يغسل ما تنجس منه فقط، والطهارة من\n_________\n(^١) انظر تخريجه في المجلد الثالث، ح (٥٦٥، ٦٠١) من طهارة المسح على الحائل.\n(^٢) شرح العمدة (١/ ٢٩٥).\n(^٣) تبيين الحقائق (١/ ٨).","vol":"2","page":564},{"text":"الحدث ليس موجبها خروج النجاسة فقط، فهذا مس الذكر يوجب الوضوء على الصحيح، وكذلك أكل لحم الإبل كذلك، وليس ذلك عن نجاسة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-912> دليل من اشترط انسداد المخرج وكونه تحت المعدة:</span>\nقالوا: إذا انسد المخرج، وكانت الفتحة تحت المعدة، فإن الطعام لما انحدر إلى الأمعاء أصبح فضلة قطعًا، وصارت الفتحة التي تحت المعدة قائمة مقام السبيلين عند انسدادهما.\nولأن الإنسان لا بد له من مخرج، فأقيم هذا مقامه.\nولأن المخرج إذا كان فوق المعدة أشبه القيء وأشبه التجشي: وهو خروج الريح من الفم فلم ينقض الخارج.\nوالقول الأول أحوط، والثاني أقيس.\nواستثنى الحنابلة في أحد القولين خروج الريح فلا تعتبر حدثًا إذا خرجت من غير السبيل.\nولا أعلم وجهًا في التفريق بين البول والريح في النقض إلا أن تكون الريح طاهرة، والبول نجس، لكن ينبغي إذا انسد المخرج المعتاد وكانت من تحت المعدة أن يكون خروجها ناقضًا؛ لأن مخرجها حينئذ قائم مقام المخرج الأصلي، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-913>المبحث الثاني في خروج البول والغائط من مخرج غير معتاد</span>\n[م-١٨٥] إذا انسد المخرج المعتاد، وخرج البول والغائط من مخرج غير معتاد، فهل له حكم القبل والدبر في كل شيء، من جواز الاكتفاء بالاستجمار بالحجارة، ووجوب الوضوء بمسه، ووجوب الحد بالإيلاج فيه، ومن تحريم النظر إليه؟ في ذلك خلاف.\nوالراجح أنه ليس له حكم الذكر من كل وجه (^١).\nوإن كان لا مانع من إزالة النجاسة بالحجارة، وليس ذلك من باب القياس على المخرج المعتاد، وإنما لأن النجاسة تزال بأي مزيل، ولا يتعين الماء، فإذا زالت زال حكمها، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بسط هذه المسألة في كتاب أحكام النجاسة.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٠)، كشاف القناع (١/ ١٢٤).","vol":"2","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>المبحث الثالث في خروج النجس عدا البول والغائط من غير السبيلين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• هل المعتبر في الحدث المحل: القبل والدبر، فلا ينقض إلا ما خرج من السبيلين ولو كان طاهرًا، أو المعتبر النجس، فينقض كل نجس خرج، ولو من غير السبيلين إذا كان فاحشًا، أو المعتبر الخارج والمخرج وصفة الخروج؟\n[م-١٨٦] إذا خرج من البدن شيء نجس، ولم يكن بولًا ولا غائطًا، وكان خروجه من غير السبيلين، كما لو رعف، أو تقيأ، أو جرح بدنه، فهل يعتبر خروجه حدثًا ناقضًا للوضوء؟\nاختلف العلماء في هذا،\nفقيل: يعتبر خروجه حدثًا ناقضًا للوضوء بشرطه، وهذا مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٢٤)، البحر الرائق (١/ ٣٣)، تبيين الحقائق (١/ ٨)، مراقي الفلاح (ص: ٣٦)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٩)، شرح فتح القدير (١/ ٣٩).\nوشرطه عند الحنفية أن يكون الدم والقيح سائلًا، وفي القيء ونحوه أن يملأ الفم، وفي الدم إذا كان من الفم إذا غلب على البزاق أو ساواه.\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٢٤)، الفروع (١/ ١٧٦)، شرح العمدة (١/ ٢٩٥)، الإنصاف (١/ ١٧٩)،\nالتحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ١٨٥)، تنقيح التحقيق (١/ ٤٦٩)، شرح الزركشي (١/ ٢٥٦).\nوشرطه عندهم حتى يكون ناقضًا للوضوء بأن يكون الخارج فاحشًا، واختلفوا في تفسير الفاحش:\nفقيل: كل أحد بحسبه، وهو المشهور من المذهب.\nقال الخلال كما في الإنصاف (١/ ١٩٨): «الذي استقرت عليه الروايات عن أحمد: أن الفاحش ما استفحشه كل إنسان في نفسه، وقال جماعة منهم ابن تيمية: هي ظاهر المذهب».\nويشكل عليه أن الناس متفاوتون، منهم الموسوس، والمتهاون الذي يعد الكثير يسيرًا، فلا ينضبط.\nوقيل: ما فحش في نفس أوساط الناس: أي المرجع العرف في ذلك. ورجحه جماعة من الحنابلة. قال صاحب الإنصاف (١/ ١٩٨): والنفس تميل إلى ذلك.\nوعن الإمام أحمد رواية أن الكثير قدر عشر أصابع.\nوقيل: ما لو انبسط جامده أو انضم متفرقه كان أكثر من شبر في شبر.\nوقيل: ما لا يعفى عنه في الصلاة. والقولان الأولان هما أرجح من غيرهما.","vol":"2","page":567},{"text":"وقيل: لا يعتبر خروجه حدثًا، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-915> دليل من قال: خروج النجس ينقض الوضوء:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-916> الدليل الأول:</span>\n(٣٩٠ - ٢٤٤) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي.\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ١١٧، ١١٨)، الخرشي (١/ ١٥٣، ١٥٤)، القوانين الفقهية (ص: ٢٩)، بداية المجتهد (١/ ٣١٩)، مواهب الجليل (١/ ٢٩١)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٣١)، تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة (١/ ٣٨٥).\n(^٢) الأم (١/ ١٨)، الحاوي (١/ ١٩٩)، المجموع (٢/ ٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٣)، روضة الطالبين (١/ ٧٢)، نهاية المحتاج (١/ ١١٣).","vol":"2","page":568},{"text":"قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت. ورواه مسلم دون زيادة الوضوء لكل صلاة (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ثم توضئي لكل صلاة) فأمرها بالوضوء من دم الاستحاضة، وعلل ذلك بأنه دم عرق، فيؤخذ منه أن دماء العروق الخارجة من البدن توجب الوضوء من أي موضع خرجت؛ لأنه لم يعلل الوضوء بأنه دم خارج من سبيل، بل قال: إنما ذلك عرق.\n• ويجاب عن ذلك:\nأولًا: أن الدم ليس بنجس على الصحيح، وأنتم تخصون النقض بما كان نجسًا، وسيأتي تحرير ذلك بحول الله وقوته في كتاب أحكام النجاسة، وإذا كان الدم طاهرًا لم يكن ناقضًا كالعَرَق والبصاق واللبن والدمع ونحوها.\nثانيًا: أن قوله: (إنما ذلك عرق) ليس تعليلًا لإيجاب الوضوء، وإنما هو تعليل لوجوب الصلاة؛ لأن السؤال كان عن الصلاة، حيث قالت: أفادع الصلاة؟ قال: لا؛ إنما ذلك عرق، ولذلك لما خالف دم الاستحاضة دم الحيض لم يمنع من الصلاة وإن كان دمًا وخارجًا من سبيل.\nثالثًا: قد بينا أن قوله: (توضئي لكل صلاة) إنما هو من كلام عروة، وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ، كما سبق أن نقلنا كلام الحافظ ابن رجب ﵀ بأن أحاديث الوضوء لكل صلاة في حق المستحاضة مضطربة ومعلة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-917> الدليل الثاني:</span>\n(٣٩١ - ٢٤٥) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر وهو أحمد ابن عبد الله الهمداني الكوفي وإسحاق بن منصور، عن عبد الصمد بن عبد الوارث،\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٢٣٤)، انظر تخريجه، في المجلد السابع، في كتاب الاستنجاء ح (١٥١٦).","vol":"2","page":569},{"text":"حدثني أبي، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد المخزومي، عن أبيه، عن معدان بن أبي طلحة،\nعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قاء، فأفطر، فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق أنا صببت له وضوءه (^١).\n[حسن قال أحمد: جوده حسين المعلم] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٨٧).\n(^٢) الحديث ورد فيه اختلاف في سنده ومتنه:\nأما المتن: فقد رواه الترمذي كما في إسناد الباب عن شيخه: إسحاق بن منصور وأبي عبيدة كلاهما: عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، بذكر قاء، فأفطر، فتوضأ.\nورواه جماعة منهم: محمد بن المثنى، ومحمد بن يحيى القطيعي، والحسين بن عيسى البسطامي، والحسين بن محمد بن زياد، وأبو قلابة الرقاشي، وإبراهيم بن مرزوق، وأحمد والدارمي، والعباس بن يزيد البحراني، ومحمد بن عبد الملك الواسطي، كلهم رووه بلفظ:\n(قاء فأفطر) ولم يذكروا الوضوء من مسند أبي الدرداء، واتفقوا على ذكر الوضوء من مسند ثوبان، بقوله: (أنا صببت له وضوءه).\nفقول ثوبان: (صدق: أنا صببت له وضوءه) قد يشهد أن الوضوء له أصل من حديث أبي الدرداء، فيكون عدم ذكر الوضوء في حديث أبي الدرداء من الرواة اختصارًا، والله أعلم.\nوأما الاختلاف في الإسناد:\nفالحديث مداره على يحيى بن أبي كثير، ورواه عن يحيى جماعة:\nالأول: حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير.\nرواه أحمد كما في المسند (٦/ ٤٤٣).\nوالدارمي كما في سننه (١٧٢٨).\nوإسحاق بن منصور وأبو عبيدة بن أبي السفر كما في سنن الترمذي (٨٧).\nوعمرو بن علي كما في السنن الكبرى للنسائي (٣١٠٨)،\nومحمد بن يحيى كما في المنتقى لابن الجارود (٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٩٥٧).\nوالحسين بن عيسى البسطامي كما في صحيح ابن خزيمة (١٩٥٧).\nوإبراهيم بن مرزوق كما في شرح معاني الآثار (٢/ ٩٦)، ومشكل الآثار (١٦٧٥). =","vol":"2","page":570},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومحمد بن عبد الملك الواسطي كما في سنن الدارقطني (١/ ١٥٨)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ١٤٤)،\nوالعباس بن يزيد البحراني كما في سنن الدارقطني (١/ ١٥٨).\nكلهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد، عن أبيه، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء.\nورواه محمد بن المثنى (أبو موسى) عن عبد الصمد بدون ذكر الوليد بن هشام،\nرواه محمد بن المثنى (أبو موسى) كما في سنن النسائي الكبرى (٣١٠٩)، وصحيح ابن خزيمة (١٩٥٦)، وابن حبان، كما في الموارد (٩٠٨)، والحاكم (١/ ٤٢٦).\nوأبو قلابة الرقاشي، كما في فوائد تمام (٩٣٧)، ومستدرك الحاكم (١/ ٤٢٦)، والبغوي في شرح السنة (١٦٠)، كلاهما روياه عن عبد الصمد، عن أبيه، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء.\nوأبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي كثير الخطأ، فهنا روى يعيش بن الوليد الحديث مباشرة عن معدان دون واسطة: أي بدون ذكر والد يعيش (الوليد بن هشام).\nوزيادة وأبيه محفوظة في الحديث لأمور، منها:\nالأول: كثرة من رواه عن عبد الصمد بذكر (والد يعيش).\nالثاني: أن عبد الصمد قد توبع في زيادة (وأبيه) تابعه في ذلك أبو معمر عبد الله بن عمرو، وهو ثقة، عن عبد الوارث، إلا أنه قد اختلف فيه على أبي معمر، فروي عنه بذكر والد يعيش، وبإسقاطه.\nفرواه أبو داود (٢٣٨١).\nوالنسائي في الكبرى (٣١٠٧) أخبرني محمد بن علي بن ميمون الرقي.\nوالدارقطني (١/ ١٨١) وتمام (٩٣٨) من طريق يوسف بن موسى.\nورواه الدارقطني (١/ ١٨١) من طريق أحمد بن منصور، وأحمد بن محمد بن عيسى،\nورواه الدارقطني (١/ ١٥٨) والبيهقي (١/ ٢٢٠) من طريق محمد بن إبراهيم بن جناد، ستتهم عن الحسين، عن الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد، عن أبيه به.\nوخالفهم: إبراهيم بن أبي داود كما في شرح معاني الآثار (١/ ٩٦)، ومشكل الآثار (١٦٧٦).\nوإبراهيم الحربي كما في معرفة الصحابة (١٤١٢).\nوعثمان بن عمر الضبي كما في الطبراني في الأوسط (٣٧٠٢) ثلاثتهم رووه عن أبي معمر، عن عبد الوارث، بإسقاط والد يعيش.\nهذا فيما يتعلق برواية حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير. =","vol":"2","page":571},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الثاني: حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير.\nرواه الدارقطني (١/ ١٥٩) من طريق أحمد بن منصور، أخبرنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا حرب ابن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، أخبرنا عبد الرحمن بن عمرو، أن ابن الوليد بن هشام حدثه، أن أباه حدثه، أخبرنا معدان بن طلحة، أن أبا الدرداء أخبره به.\nوهذه متابعة لعبد الوارث والد عبد الصمد في ذكر (والد يعيش) إلا أن حرب بن شداد رواه بالإسنادين: تارة يذكر والد يعيش، وتارة يسقطه كما صنع عبد الصمد.\nفقد أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٢٦) من طريق هشام بن علي السدوسي، حدثنا\nعبد الله بن رجاء، به بدون ذكر والد يعيش: الوليد بن هشام.\nفهذا حرب بن شداد صنع كما صنع عبد الوارث، وإن كان أحمد منصور أرجح من هشام السدوسي من جهة الحفظ إلا أن هشام لم ينفرد بإسقاط والد يعيش.\nالطريق الثالث: رواه جرير عن يحيى بذكر والد يعيش مرة، ومرة بإسقاطه.\nقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٤٩): وقال جرير: عن يحيى، عن الأوزاعي، عن يعيش، عن معدان.\nوقال مرة: عن يعيش، عن أبيه، عن معدان». اهـ\nفخرج بذلك عبد الوارث من عهدته، وصارت الزيادة من قبل يحيى بن أبي كثير.\nواختلف علماء الحديث هل ذكر والد يعيش محفوظ في الإسناد، أو يكون ذكره خطأ في الإسناد على قولين:\nفذهب ابن خزيمة رحمه الله تعالى إلى أن الصواب ليس بينهما عن أبيه.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لخلاف بين أصحاب عبد الصمد فيه، قال بعضهم: يعيش بن الوليد، عن أبيه، عن معدان، وهذا وهم من قائله، فقد ورواه حرب بن شداد وهشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير على الاستقامة.\nقلت: هذا وهم من الحاكم، فإن يعيش بن الوليد ليس من رجال الشيخين، ولا من رجال أحدهما، بل روى له أصحاب السنن إلا ابن ماجه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن رواية حرب جاءت بالوجهين كما تقدم، أعني بذكر والد يعيش وبإسقاطه.\nورجح البغوي في شرح السنة (١/ ٣٣٤) زيادة (أبيه) في الإسناد، فقال: هذا حديث حسن، والصحيح عن يعيش بن الوليد، عن أبيه، عن معدان. اهـ\nكما قال الترمذي بعد أن روى الحديث بزيادة (أبيه) قال: وقد جود حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب.\nوقال البخاري فيما نقله عنه الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٦٨): «جود حسين المعلم هذا الحديث». =","vol":"2","page":572},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فالنفس تميل إلى أن ذكر والد يعيش في الإسناد محفوظ، كما قدمت في أول تخريج الكتاب، والله أعلم.\nوقال البيهقي (١/ ١٤٤): وإسناد هذا الحديث مضطرب، واختلفوا فيه اختلافًا شديدًا.\nفتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ١٤٣)، فقال: «أخرجه الترمذي، ثم قال: جوده حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب، وقال ابن مندة: هذا إسناد متصل صحيح. قال ابن التركماني: وإذا أقام ثقة إسنادًا اعتمد، ولم يبال بالاختلاف، وكثير من أحاديث الصحيحين لم تسلم من مثل هذا الاختلاف، وقد فعل البيهقي مثل هذا في أول الكتاب في حديث (هو الطهور ماؤه) حيث بين الاختلاف الواقع فيه، ثم قال: إلا أن الذي أقام إسناده ثقة، أودعه مالك في الموطأ، وأخرجه أبو داود في السنن».اهـ\nالطريق الرابع: معمر، عن يحيى بن أبي كثير.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٥٢٥) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، بلفظ: استقاء رسول الله ﷺ فأفطر، وأتي بماء، فتوضأ.\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٦/ ٤٤٩)، والنسائي في الكبرى (٣١١٦)،\nوهذا الطريق فيه ثلاث علل:\nالأولى: إسقاط شيخ يحيى بن أبي كثير أعني الأوزاعي.\nالثانية: قال: خالد بن معدان، وإنما المحفوظ أن اسمه معدان بن أبي طلحة.\nالثالثة: أنه قال في متنه: استقاء، ولفظ الجماعة (قاء) وبينهما فرق، فإن الأول يشعر أنه تعمد القيء، بخلاف لفظ (قاء) والله أعلم.\nقال الترمذي على إثر ح (٨٧) «روى معمر هذا الحديث عن يحيى بن أبى كثير فأخطأ فيه فقال عن يعيش بن الوليد عن خالد بن معدان عن أبى الدرداء ولم يذكر فيه الأوزاعى وقال عن خالد ابن معدان وإنما هو معدان بن أبى طلحة».\nوقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٤١) «وأعله الخصم باضطراب وقع فيه، فإن معمرًا رواه عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، ولم يذكر فيه الأوزاعي، فإن اضطراب بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره.، قال ابن الجوزي: قال الأثرم: قلت لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث؟ فقال: قد جوده حسين المعلم».\nالطريق الخامس: هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، واختلف فيه على هشام:\nفقال مرة: عن يحيى عن يعيش بن الوليد بإسقاط الأوزاعي.\nرواه أحمد (٥/ ١٩٥) حدثنا إسماعيل، أخبرنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد ابن هشام، عن ابن معدان أو معدان، عن أبي الدرداء به. =","vol":"2","page":573},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أحمد بالإسناد نفسه في كتاب العلل ومعرفة الرجال رواية عبد الله (٣/ ٣٤٨) بدون شك. ثم قال أحمد: إنما رواه يحيى، عن الأوزاعي، عن يعيش، عن معدان، عن أبي الدرداء. اهـ\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٨) رقم ٩٢٠١ والنسائي في الكبرى بإثر حديث (٣١١٣) عن يزيد بن هارون، عن هشام به، وقال: عن معدان بدون شك.\nفأسقط يحيى في هذا الإسناد هنا ذكر الأوزاعي، وجعل الحديث، عن يعيش عن معدان بدون ذكر (والد يعيش)، فإن كان الأمر من هشام فقد قصر في إسناده، وحفظ غيره ذكر الأوزاعي في الإسناد، وذكر والد يعيش، وإن كان من يحيى وهو الظاهر فلعل هذا من تدليسه، فقد ذكر الحافظ في التقريب أنه يدلس ويرسل.\nوقال هشام في رواية أخرى: عن يحيى، عن رجل من إخواننا عن يعيش:\nأخرجه النسائي في الكبرى (٣١١١) من طريق النضر.\nوأيضًا (٣١١٤) من طريق معاذ بن هشام.\nوأخرجه أيضًا (٣١١٥) من طريق ابن أبي عدي.\nوابن خزيمة (١٩٥٩) والحاكم (١/ ٤٢٦) من طريق أبي بحر عبد الرحمن بن عثمان البكراوي.\nوالطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٦٧٤) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، خمستهم عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من إخواننا، عن يعيش بن الوليد، عن معدان، عن ... أبي الدرداء.\nوهذا الرجل المبهم قال ابن خزيمة: يريد الأوزاعي، وربما أبهمه يحيى لأن الأوزاعي من تلاميذ يحيى، وهو كثير الإرسال.\nولم يذكر (والد يعيش) في إسناده.\nوقال هشام في رواية ثالثة: عن يحيى عن الأوزاعي، عن يعيش كما هي رواية عبد الصمد.\nأخرجه النسائي في الكبرى (٣١٢٣) من طريق ابن سهيل، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد، عن معدان، عن أبي الدرداء به.\nوهذه أمثل رواية رواها هشام للحديث موافقًا فيها رواية عبد الصمد وحرب بن شداد وغيرهما حيث أثبت في الإسناد ذكر الأوزاعي إلا أنه لم يذكر (والد يعيش).\nوفي اختلاف رابع: قال هشام: عن يحيى، عن يعيش، أن خالد بن معدان أخبره به.\nفأسقط الأوزاعي، وغير اسم معدان إلى خالد بن معدان.\nأخرجه النسائي في الكبرى (٣١٢٦) من طريق يزيد - يعني: ابن زريع- قال: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، أن خالد بن معدان أخبره عن أبي الدرداء.\nفالمحفوظ من رواية هشام، ما صرح فيه في ذكر الأوزاعي. =","vol":"2","page":574},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله في الحديث: (قاء فتوضأ) يدل على أن الوضوء كان مرتبًا على القيء وبسببه، وهو المطلوب، فتكون للسببية (^١).\n• وأجيب:\nأولًا: أن الوضوء مجرد فعل من النبي ﷺ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب،\n_________\n= وكذلك ما قال فيه: عن يحيى عن رجل من إخواننا عن يعيش، إذا حملنا أن الرجل المبهم كما قال ابن خزيمة: يريد به الأوزاعي.\nيبقى أن معمر وهشام الدستوائي يتفقان على عدم ذكر (والد يعيش).\nوحسين المعلم وحرب بن شداد، وجرير يروى عنهما بذكر (والد يعيش) وبإسقاطه، فهل يقال: إن والد يعيش محفوظ في الإسناد، لأن حسين كما قال البخاري وأحمد والترمذي قد جود إسناده، ولأن رواية معمر وهشام قد حصل فيها اختلاف في أسانيدها.\nواضطراب هشام في الحديث عن يحيى لا يضعف رواية حسين المعلم ومن وافقه.\nقال ابن الجوز كما في التنقيح (١/ ٢٨٣): «اضطراب بعض الرواة فيه لا يؤثر في ضبط غيره، قال الأثرم: قلت لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث، فقال: حسين المعلم يجوده».\nوقال البخاري كما في العلل الكبير للترمذي (٥٧) جود حسين المعلم هذا الحديث».\nأو يقال: إن هشام الدستوائي ومعمر مقدمان في الحفظ على حسين المعلم، وجرير، وحرب بن شداد، وقد اتفق هشام ومعمر على عدم ذكر والد يعيش، ولم يختلف عليهما في ذلك كما اختلف على غيرهما. هذا محل تأمل واجتهاد، ولعل الأول هو الصواب.\nوقد قال ابن حزم في المحلى (١/ ٢٥٨): «يعيش بن الوليد، عن أبيه، وليسا بمشهورين، والثاني مدلس، لم يسمعه يحيى من يعيش». اهـ\nقوله: (ليسا بمشهورين) يقصد والله أعلم قلة الرواية، وإلا فإنهما ثقتان.\nفيعيش، وثقه ابن حبان والنسائي والعجلي والذهبي وابن حجر. تهذيب الكمال (٣٢/ ٤٠٤)، معرفة الثقات (٢/ ٣٧٤)، الثقات لابن حبان (٧/ ٦٥٤)، الكاشف (٦٤٢٢).\nوذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٩/ ٣٠٩).\nوأما أبوه الوليد بن هشام بن معاوية، فقد وثقه ابن معين والأوزاعي، والذهبي، وابن حجر في التقريب، وقال فيه ابن حبان: من المتقنين، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. انظر الجرح والتعديل (٩/ ٢٠)، مشاهير علماء الأمصار (١٤٦١)، الثقات له (٧/ ٥٥٥)، تهذيب الكمال (٣١/ ١٠٣)، الكاشف (٦٠٩٦).\n(^١) انظر حاشية أحمد شاكر على سنن الترمذي (١/ ١٤٦) نقله عن أبي الطيب السندي.","vol":"2","page":575},{"text":"أقصى ما يدل عليه الفعل إذا كان على وجه التعبد، ولم يكن بيانًا لمجمل أن يدل على الاستحباب، ولذلك لما تيمم الرسول ﷺ لرد السلام، لم يقل أحد بوجوب التيمم لرد السلام.\nوقال ابن المنذر: «وليس يخلو هذا الحديث من أمرين: إما أن يكون ثابتًا، أو غير ثابت. فإن كان ثابتًا فليس فيه دليل على وجوب الوضوء منه؛ لأن في الحديث أنه توضأ، ولم يذكر أنه أمر بالوضوء منه، كما أمر بالوضوء من سائر الأحداث.\nوإن كان غير ثابت، فهو أبعد من أن يجب فيه فرض» (^١).\nثانيًا: أن الاستدلال بهذا الحديث مبني على أن القيء نجس، والقيء ليس بنجس على الصحيح، بل هو طاهر، وقد بينت طهارته ولله الحمد في كتاب أحكام النجاسات.\nالثالث: أن القيء لا يفطر إلا ما كان منه على وجه التعمد، والحديث المحفوظ فيه أنه قاء، وليس استقاء إلا أن يكون ذلك في صيام النفل، ولا سبيل إلى معرفته من الحديث.\nالرابع: أن الوضوء قد يكون بعد القيء من أجل النظافة وإزالة القذر الذي يبقى في الفم، وربما في الأنف، وما يصيب البدن منه، لا من أجل كون القيء حدثًا ناقضًا للوضوء، فلا نستطيع أن نحكم على من تطهر بموجب الكتاب والسنة، أن نحكم عليه بفساد عبادته إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-918> الدليل الثالث:</span>\n(٣٩٢ - ٢٤٦) ما رواه ابن ماجه، من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة،\nعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ١٨٩).","vol":"2","page":576},{"text":"فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم (^١).\n[ضعيف والمعروف أنه مرسل] (^٢).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (١٢٢١).\n(^٢) الحديث له علتان:\nأحدهما: أنه من رواية إسماعيل بن عياش عن غير أهل بلده، وقد ضعفه أهل الحديث إذا روى عن غير أهل الشام انظر تهذيب التهذيب (١/ ٢٨٢).\nالثاني: على ضعف إسناده قد اختلف فيه على إسماعيل بن عياش، فروي عنه موصولًا، ومرسلًا، والموصول:\nقيل: عنه، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة.\nرواه ابن ماجه (١٢٢١) من طريق الهيثم بن خارجة.\nوابن أبي عدي في الكامل (١/ ٢٩٦، ٢٩٧)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١٤٢) من طريق هشام ابن عمار،\nوالطبراني في الأوسط (٥٤٢٩) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٥٥)، من طريق داود بن رشيد.\nورواه الدارقطني في السنن (١/ ١٥٤) من طريق الربيع بن نافع،\nوالبيهقي في الخلافيات (٦١٩) وفي المعرفة (٢١٥) من طريق أبي الربيع، أربعتهم عن إسماعيل ابن عياش، عن ابن جريج، عن ابن مليكة، عن عائشة.\nوقيل: عنه، عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة.\nأخرجه البيهقي (١/ ١٤٢) من طريق الوليد بن مسلم، أخبرني إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة.\nفهنا جعل إسماعيل الحديث يرويه ابن جريج، عن أبيه، وقد قال قبل: عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٥٣، ١٥٤) ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٨٨) من طريق داود بن رشيد، عن إسماعيل بن عياش، حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن أبيه وعن عبد الله بن أبي مليكة به. وهنا داود بن رشيد جمع عبد العزيز بن جريج وابن أبي مليكة في إسناد.\nورواه الدارقطني (١/ ١٥٤) من طريق الربيع بن نافع، عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ، فذكره مرسلًا.\nوكان الدارقطني قد رواه بنفس الإسناد من طريق الربيع بن نافع، فجعله عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. =","vol":"2","page":577},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقيل: عنه، عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا، .\nفقد رواه الدارقطني (١/ ١٥٤) من طريق محمد بن المبارك.\nورواه الدارقطني أيضًا (١/ ١٥٤) من طريق محمد بن الصباح، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوقيل: عن إسماعيل بن عياش، عن عباد بن كثير وعطاء بن عجلان، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة.\nرواه الدارقطني (١/ ١٥٤) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عباد بن كثير وعطاء بن عجلان، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به.\nومع كون عباد بن كثير وعطاء بن عجلان ضعيفين فإن هذا الاختلاف ناتج عن تخليط إسماعيل ابن عياش رحمه الله تعالى.\nفواضح اضطراب إسماعيل بن عياش فيه، فإذا أردت أن تقف على الراجح من هذه الطرق، فإنك تجد أصحاب ابن جريج قد رووه عن ابن جريج، عن أبيه مرسلًا، فيكون هذا هو المعروف من رواية إسماعيل، والله أعلم، فقد رواه:\nعبد الرزاق كما في المصنف (٣٦١٨) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٥)، والبيهقي (١/ ١٤٢)\nوأبو عاصم النبيل، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٥٥)، والبيهقي (١/ ١٤٢).\nومحمد بن عبد الله الأنصاري كما في سنن الدارقطني (١/ ١٥٥)، والبيهقي (١/ ١٤٢).\nوعبد الوهاب بن عطاء، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٥٥).\nوسليمان بن أرقم كما في سنن الدارقطني (١/ ١٥٥) كلهم رووه عن ابن جريج، عن أبيه، مرسلًا. وكل هؤلاء ثقات إلا سليمان بن أرقم فإنه متروك، وعبد الوهاب فإنه صدوق.\nوقد رجح إرساله أبو حاتم الرازي في العلل لابنه (١/ ٣١).\nوجاء في سنن البيهقي (١/ ١٤٢): قال أبو طالب أحمد بن حميد: سألت أحمد بن حنبل عن حديث ابن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال من قاء أو رعف. الحديث، فقال: هكذا رواه ابن عياش، وإنما رواه ابن جريج عن أبيه، ولم يسنده عن أبيه، ليس فيه ذكر عائشة. اهـ والنص نفسه نقله ابن عدي في الكامل (١/ ٢٩٢).\nوقال الدارقطني في سننه (١/ ١٥٤): أصحاب ابن جريج الحفاظ عنه يروونه عن ابن جريج، عن أبيه مرسلًا.\nوقال البيهقي (٢/ ٢٥٥): وهذا الحديث أحد ما أنكر على إسماعيل بن عياش، والمحفوظ ما رواه الجماعة عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا، كذلك رواه محمد بن عبد الله الأنصاري وأبو عاصم النبيل، وعبد الرزاق، وعبد الوهاب بن عطاء وغيرهم، عن ابن جريج. =","vol":"2","page":578},{"text":"ومع ضعف إسناده فإن في متنه نكارة؛ لأن القئ والقلس إن كانا حدثين فالحدث مبطل للطهارة، وإذا بطلت أثناء الصلاة بطلت الصلاة كلها، كما لو خرج منه ريح أثناء الصلاة فإن الصلاة كلها تبطل، وإذا تطهر وجب استئناف الصلاة، وإن لم يكن ذلك حدثًا فلماذا يشتغل بالطهارة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-919> الدليل الرابع:</span>\n(٣٩٣ - ٢٤٧) ما رواه الدارقطني من طريق عمرو بن عون، أخبرنا أبو بكر الداهري، عن حجاج، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد،\nعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: من رعف في صلاته فليرجع فليتوضأ وليبن على صلاته (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n= وأما حديث ابن أبي مليكة عن عائشة، فإنما يرويه إسماعيل بن عياش، وسليمان ابن أرقم عن ابن جريج، وسليمان بن أرقم متروك، وما يرويه إسماعيل بن عياش عن غير أهل الشام ضعيف لا يوثق به وروي عن إسماعيل، عن عباد بن كثير وعطاء بن عجلان، عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂، وعباد وعطاء هذان ضعيفان والله تعالى أعلم.\nانظر إتحاف المهرة (٢١٨٣٤)، تحفة الأشراف (١٦٢٥٢).\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٥٧).\n(^٢) قال الدارقطني: أبو بكر الداهري عبد الله بن حكيم متروك الحديث. سنن الدارقطني (١/ ١٥٧).\nوقال يحيى بن معين والنسائي ليس بثقة. الكامل (٤/ ١٣٨)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٦٦٧).\nوقال أحمد وابن المديني، ليس بشيء. المرجع السابق، وانظر تاريخ بغداد (٩/ ٤٤٦).\nوالحديث أخرجه البيهقي في الخلافيات (٦٤٣) من طريق الدارقطني به.\nوأخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٢) ومن طريقه ابن الجوزي في الواهيات (٦٠٧)، من طريق عمرو بن عون به.\nوفي الحديث علة أخرى، فإن في إسناده الحجاج بن أرطأة لم يسمع من الزهري.\nوانظر إتحاف المهرة (٥٤٥٤).","vol":"2","page":579},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-920> الدليل الخامس:</span>\n(٣٩٤ - ٢٤٨) روى البزار في إسناده، قال: حدثنا أحمد بن عبدة، قال: أخبرنا حسين بن الحسن، قال: أخبرنا جعفر بن زياد الأحمر، قال: أخبرنا أبو خالد، عن ... أبي هاشم، عن زاذان،\nعن سلمان ﵁ قال: رعفت عند النبي ﷺ، فأمرني أن أحدث وضوءًا (^١).\n[موضوع] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الكبير (٦/ ٢٣٩) رقم: ٦٠٩٨.\n(^٢) ومن طريق أحمد بن عبدة أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٢٣٩) ح ٦٠٩٨، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٠٥، ١٠٦) والطبراني في الأوسط (٢٨٨٣).\nوفي معجم الطبراني الأوسط والكبير، قال: يزيد بن أبي خالد، والصواب: عن يزيد أبي خالد، كما في كتاب المجروحين لابن حبان (١/ ١٠٥)، وسنن الدارقطني (١/ ١٥٦)، والخلافيات للبيهقي (٢/ ٣٣٦).\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ١٤٢)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٦٤٠) من طريق أحمد بن عبدة به إلا أنه أسقط من إسناده أبا خالد.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٥٦) ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٦٣٩) من طريق إسماعيل ابن أبان، أخبرنا جعفر الأحمر، عن أبي خالد به.\nوضعفه البيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٣٧) بجعفر الأحمر، قال البيهقي: «وجعفر وأبو خالد كلاهما ضعيف ...».\nقلت: أما جعفر فقد وثقه يحيى بن معين في رواية، ويعقوب بن سفيان. انظر الجرح والتعديل (٢/ ٤٨٠)، ضعفاء العقيلي (١/ ١٨٦)، تهذيب التهذيب (٢/ ٧٩).\nوقال أحمد: صالح الحديث. الجرح والتعديل (٢/ ٤٨٠).\nوقال النسائي: لا بأس به. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: صدوق. الجرح والتعديل (٢/ ٤٨٠).\nوقال أبو داود: صدوق شيعي، حدث عنه عبد الرحمن بن مهدي. تهذيب التهذيب (٢/ ٧٩).\nولكن علته أبو خالد الواسطي، وليس هو الدالاني. =","vol":"2","page":580},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-921> الدليل السادس:</span>\n(٣٩٥ - ٢٤٩) ما رواه الدارقطني من طريق عمران بن موسى، أخبرنا عمر ابن رياح، أخبرنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: كان رسول الله إذا رعف في صلاته توضأ، ثم بنى على ما بقي من صلاته (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n= قال الدارقطني في تعليقاته على المجروحين لابن حبان (ص: ٢٨٤): «قال أبو الحسن: أخطأ أحمد بن عبدة في هذا، ولم يقف أبو حاتم على موضع الخطأ منه، موضع الخطأ منه أن الراوي له عن أبي هاشم هو أبو خالد الواسطي، وهو عمرو بن خالد، وكان كذابا مشهورًا بوضع الحديث، فغلط أحمد بن عبدة أو من فوقه فيه، لما نظر إلى أبي خالد الواسطي فوهم أنه الدالاني؛ لأن الدالاني من أهل واسط، وكنيته أبو خالد، وإنما هذا الحديث مشهور بعمرو بن خالد الواسطي، وأيضًا فأبو خالد الدالاني لا يحدث عن أبي هاشم الرماني بشيء، وأبو خالد عمرو ابن خالد قد روى عن أبي هاشم الرماني، في نسخة موضوعة». اهـ\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٦٠٩٩) والدارقطني (١/ ١٥٦)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٨٩) من طريق عمرو القرشي، عن أبي هاشم به.\nقال الدارقطني: وعمرو القرشي هو أبو خالد الواسطي متروك الحديث. سنن الدارقطني (١/ ١٥٦).\nوقال أحمد ويحيى بن معين: أبو خالد الواسطي كذاب. المجروحين (٢/ ٧٦)، الضعفاء الكبير (٣/ ٢٦٨)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٣٠).\nوقال البخاري: منكر الحديث. الضعفاء الكبير (٣/ ٢٦٨).\nوقال وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، فلما فطن له تحول إلى واسط. الكامل (٥/ ١٢٣).\nوقال أبو زرعة وابن راهوية: كان يضع الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ٢٣٠).\nوانظر إتحاف المهرة (٥٩٢٠).\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٥٦).\n(^٢) ورواه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٩٠) والبيهقي في الخلافيات (٦٥٢) من طريق الدارقطني به.\nورواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٥١) من طريق عمران بن موسى الليثي البصري به. ...\nورواه البيهقي في الخلافيات (٦٥٣) من طريق سليمان بن أبي داود، حدثنا عمر بن رياح به.\nوفي إسناده عمر بن رياح، قال النسائي والدارقطني: متروك.\nوقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل كتابة حديثه إلا على وجه التعجب. المجروحين (٢/ ٨٦).\nوقال الفلاس: دجال. التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ١٥٦)، الكامل (٥/ ٥١).\nوقال ابن عدي: هو مولى ابن طاوس ويروي عن ابن طاوس بالبواطيل ما لا يتابعه أحد عليه. المرجع السابق.\nوفي التقريب: متروك، وكذبه بعضهم. وانظر إتحاف المهرة (٧٧٦٥).","vol":"2","page":581},{"text":"(٣٩٦ - ٢٥٠) ورواه الدارقطني من طريق ابن أرقم، عن عطاء،\nعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا رعف أحدكم في صلاته، فلينصرف، فليغسل عنه الدم، ثم ليعد وضوءه، ويستقبل صلاته (^١).\nقال الدارقطني: سليمان بن أرقم متروك (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-922> الدليل السابع:</span>\n(٣٩٧ - ٢٥١) ما رواه الدارقطني من طريق عيسى بن المنذر،، أخبرنا بقية، عن يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، قال:\nقال تميم الداري، قال رسول الله ﷺ: الوضوء من كل دم سائل (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٥٢، ١٥٣).\n(^٢) ومن طريق الدارقطني أخرجه البيهقي في الخلافيات (٦٥١).\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٥٤) ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٦٤٩) من طريق ابن أرقم به.\nقال البيهقي في الخلافيات: وسليمان بن أرقم لا تقوم به حجة.\n(^٣) الدارقطني (١/ ١٥٧).\n(^٤) وأخرجه البيهقي في الخلافيات (٦٤٧) من طريق أبي عتبة، حدثنا بقية، حدثنا يزيد بن خالد به.\nقال الدارقطني: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري ولا رآه، ويزيد بن خالد ويزيد بن محمد مجهولان. اهـ ونقل البيهقي هذا الكلام عن الدارقطني وأقره كما في الخلافيات (٢/ ٣٤٠).","vol":"2","page":582},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-923> الدليل الثامن:</span>\n(٣٩٨ - ٢٥٢) ما رواه الدارقطني، من طريق حفص الفراء، حدثنا سوار بن مصعب، عن زيد بن علي، عن أبيه،\nعن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: القلس حدث (^١).\nقال الدارقطني: سوار متروك، ولم يروه عن زيد غيره (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-924> الدليل التاسع:</span>\n(٣٩٩ - ٢٥٣) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن علي البزاز، أخبرنا محمد ابن الفضل، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ليس في القطرة والقطرتين وضوء إلا أن يكون دمًا سائلًا (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٥٥).\n(^٢) ومن طريق حفص بن عمرو الفراء أخرجه البيهقي في الخلافيات (٦٦٣).\nوسوار متفق على ضعفه، قال فيه ابن معين: لم يكن بثقة، ولا يكتب حديثه.\nوقال مرة: ليس بشيء. الكامل (٣/ ٤٥٤).\nوقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٤/ ١٦٩).\nوقال النسائي: متروك. الضعفاء والمتروكين (٢٥٨).\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه ليس محفوظًا، وهو ضعيف. الكامل (٣/ ٤٥٥).\n(^٣) سنن الدارقطني (١/ ١٥٧).\n(^٤) ومن طريق الدارقطني أخرجه البيهقي في الخلافيات (٦٥٥)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٨٩).\nوفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية، جاء في ترجمته:\nقال يحيى بن معين: كان كذابًا. الضعفاء الكبير (٤/ ١٢٠).\nوقال أحمد حين سئل عنه: ذاك عجب، يجيئك بالطامات، ولم يرضه. المرجع السابق.\nوقال عمرو بن علي والنسائي: متروك الحديث كذاب. الجرح والتعديل (٨/ ٥٦)، الضعفاء والمتروكين (٥٤٢). ...\nوقال أبو حاتم الرازي: ذاهب الحديث ترك حديثه. المرجع السابق.\nوفي التقريب: كذبوه.\nقلت: وقد اختلف على محمد بن الفضل في إسناده، فروي عنه كما سبق.\nورواه الدارقطني (١/ ١٥٧) والبيهقي في الخلافيات (٦٥٧) من طريق سفيان بن زياد، عن حجاج بن نصير، عن محمد بن الفضل، عن أبيه، عن ميمون، عن أبي هريرة، ذكره الدارقطني مرفوعًا، ونص البيهقي على أنه موقوف، ولم يذكر سعيدًا في إسناده.\nوسفيان بن زياد وحجاج بن نصير ضعيفان، قاله الدارقطني ونقله عنه البيهقي في الخلافيات، والله أعلم.","vol":"2","page":583},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-925> الدليل العاشر:</span>\n(٤٠٠ - ٢٥٤) ما رواه البيهقي في الخلافيات من طريق سهل بن عفان السجزي، حدثنا الجارود بن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: يعاد الوضوء من سبع: من إقطار البول والدم السائل، والقيء، ومن دسعة يملأ بها الفم، والنوم المضطجع، وقهقهة الرجل في الصلاة، ومن خروج الدم (^١).\nقال البيهقي: سهل بن عفان مجهول، والجارود بن يزيد ضعيف في الحديث (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-926> الدليل الحادي عشر من الآثار:</span>\n(٤٠١ - ٢٥٥) ما رواه مالك، عن نافع،\nعن ابن عمر ﵄، كان إذا رعف انصرف، فتوضأ، ثم رجع، فبنى، ولم يتكلم (^٣).\n[وهذا إسناد في غاية الصحة، وهو موقوف على ابن عمر] (^٤).\n_________\n(^١) الخلافيات للبيهقي (٦٥٨).\n(^٢) المرجع السابق. وضعفه الزيعلي في نصب الراية (١/ ٤٤) وعزاه للبيهقي في الخلافيات.\n(^٣) الموطأ (١/ ٣٨).\n(^٤) ورواه الشافعي عن مالك كما في الخلافيات للبيهقي (٦٦٤). ...\nكما رواه مالك في الموطأ (١/ ٤٢) من رواية محمد بن الحسن، ورواه مالك في المدونة (١/ ٣٨).\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٣٦٠٩) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٨٤)، عن معمر، عن الزهري، عن سالم،\nعن ابن عمر، قال: إذا رعف الرجل أو ذرعه القيء أو وجد مذيًا فإنه ينصرف، فيتوضأ، ثم يرجع فيبني ما بقي على ما مضى إن لم يتكلم.\nوهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات، وهو حديث قولي، وحديث مالك حديث فعلي.\nوأخرجه الشافعي في مسنده (١١١٤) من طريق ابن جريج، عن الزهري به.","vol":"2","page":584},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-927> الدليل الثاني عشر:</span>\n(٤٠٢ - ٢٥٦) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن علي بن صالح وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة،\nعن علي، قال: إذا وجد أحدكم في بطنه رزًا أو قيئًا أو رعافًا فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم (^١).\n[حسن، وهو صحيح عن علي ﵁] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٣).\n(^٢) الأثر رواه أبو إسحاق السبيعي، واختلف عليه:\nفرواه شعبة، كما في سنن البيهقي الكبرى (٢/ ٢٥٦)، وفي إسناده محمد بن يونس الكديمي متهم بالوضع.\nومعمر كما في مصنف (٣٦٠٧)،\nوعلي بن صالح كما في مصنف ابن أبي شيبة (٥٩٥٥)، ثلاثتهم عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي. وهذا إسناد حسن باستثناء طريق شعبة.\nوقول البيهقي: عاصم غير قوي ليس بدقيق، فقد وثقه علي بن المديني، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الترمذي في السنن (٢/ ٤٩٥): ثقة عند أهل الحديث. وفي التقريب: صدوق.\nورواه إسرائيل، واختلف عليه فيه:\nفرواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٥٩٥٥)، وسنن الدارقطني (١/ ١٥٦) ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٦٦٥) من طريق وكيع به. عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة به.\nوخالفه عبيد الله بن موسى كما في سنن البيهقي (١/ ٢٥٦) فرواه عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي.\nورواه البيهقي (٢/ ٢٥٦) من طريق عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، حدثنا يزيد بن سعيد، عن أبيه، عن علي به.\nفهذا إسرائيل قد رواه على ثلاثة طرق.\nورواه عبد الرزاق في مصنفه (٣٦٠٦) عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث.\nوالحارث ضعيف جدًّا، وعاصم صدوق، فهل المحفوظ من رواية أبي إسحاق روايته عن عاصم، كرواية وكيع ومعمر.\nأو المعروف من رواية أبي إسحاق روايته عن الحارث، كرواية الثوري، عن أبي إسحاق.\nأو أن أبا إسحاق قد سمعه منهما، كرواية إسرائيل حيث رواه مرة عن أبي إسحاق، عن الحارث، ومرة عن أبي إسحاق عن عاصم. الذي يظهر لي أن هذا الثالث هو الأقوى.\nفقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٦) من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، والحارث، عن علي، قال: إذا أم الرجل القوم، فوجد في بطنه رزءًا أو رعافًا أو قيئًا، فليضع ثوبه على أنفه، وليأخذ بيد رجل من القوم فليقدمه.\nولم يذكر البناء على الصلاة، فجمع يونس بن أبي إسحاق الحارث وعاصم.\nورواه ابن أبي شيبة تحقيق عوامة (٥٩٥٢) حدثنا علي بن مسهر، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن علي، قال: إذا رعف الرجل في صلاته، أو قاء فليتوضأ، ولا يتكلم، وليبن على صلاته.\nوعلي بن مسهر روى له مسلم، وقال ابن حجر: ثقة، له غرائب بعد أن أضر. اهـ\nوقد توبع علي بن مسهر فذهب ما يخشى من غرائبه، فقد رواه ابن أبي شيبة (٥٩٦٧) حدثنا أسباط بن محمد، عن سعيد به.\nوأسباط ممن سمع من سعيد قبل اختلاطه.\nوقال ابن التركماني في الجوهر النقي: هذا السند على شرط الصحيح، وخلاس أخرج له الشيخان. وانظر إتحاف المهرة (١٤٣٥٥).","vol":"2","page":585},{"text":"(٤٠٣ - ٢٥٧) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عمران ابن ظبيان، عن حكيم بن سعد أبي يحيى،\nعن سلمان، قال: إذا أحدث أحدكم في صلاته، فلينصرف غير راع لصنعه، فليتوضأ، ثم ليعد في آيته التي كان يقرأ (^١).\n_________\n(^١) المصنف (٢/ ١٣)","vol":"2","page":586},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-928> الدليل الثاني عشر:</span>\nمن القياس، حيث وجدنا خروج النجس من السبيلين حدثًا ناقضًا للوضوء، فكذلك خروج النجس من سائر البدن؛ لأن المعتبر هو الخارج وليس المخرج، فإذا خرج النجس من سائر البدن أوجب الطهارة؛ إذ الطهارة والنجاسة لا يجتمعان.\n• وأجيب عنه:\nلا يجوز أن يشبه سائر ما يخرج من سائر الجسد بما يخرج من القبل أو الدبر؛ لأنهم قد أجمعوا على الفرق بين ريح تخرج من الدبر وبين الجشاء المتغير يخرج من الفم، فأجمعوا على وجوب الطهارة في أحدهما: وهو الريح الخارج من الدبر، وأجمعوا على أن الجشاء لا وضوء فيه، ففي إجماعهم على الفرق بين ما يخرج من مخرج الحدث، وبين ما يخرج من غير مخرج الحدث أبين البيان على أن ما خرج من سائر الجسد غير جائز أن\n_________\n(^١) ورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٠) من طريق وكيع به.\nورواه عبد الرزاق (٣٦٠٨) والبيهقي في الخلافيات (٦٦٨)، محمد بن الحسن الشيباني في الحجة على أهل المدينة (١/ ٧١)، عن الثوري به.\nوهذا سند ضعيف، فيه عمران بن ظبيان، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: فيه نظر. التاريخ الكبير (٦/ ٤٢٤).\nوقال أبو حاتم: يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٦/ ٣٠٠).\nووثقه يعقوب بن سفيان. تهذيب التهذيب (٨/ ١١٨).\nوذكره العقيلي (٣/ ٢٩٨) في الضعفاء وكذلك ذكره ابن عدي، الكامل (٥/ ٩٤).\nوفي التقريب: ضعيف، ورمي بالتشيع، تناقض فيه ابن حبان. اهـ\nيقصد أنه ذكره في الثقات (٧/ ٢٣٩)، وذكره في المجروحين (٢/ ١٢٤) وقال: كان ممن يخطئ، ولم يفحش خطؤه حتى يبطل الاحتجاج به، ولكن لا يحتج بما انفرد به من الأخبار.\nوقال البيهقي: وروى عمران بن ظبيان عن أبي يحيى حكيم بن سعد وليسا بالقويين، عن سلمان. اهـ\nوقد وثق حكيم بن سعد العجلي والذهبي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يحيى بن معين: محله الصدق، يكتب حديثه، وقال مرة: ليس به بأس.\nوقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، محله الصدق.","vol":"2","page":587},{"text":"يقاس على ما خرج من مخرج الحدث.\nوقال أيضًا: ليس وجوب الطهارات من أبواب النجاسات بسبيل، ولكنها عبادات، وقد يجب على المرء الوضوء بخروج الريح من دبره، وقد يجب بخروج المني، وهو طاهر غسل جميع البدن، ويجب بخروج البول غسل أعضاء الوضوء، والبول نجس، ويجب بالتقاء الختانين الاغتسال، ولو لم يحصل إنزال (^١).\nقلت: ويجب الوضوء أيضًا بأكل الشيء الطاهر كلحم الإبل على الصحيح، ولو غمس يده في نجاسة لم يجب عليه إلا غسل يده، ولو مس ذكره بيده وجب عليه الوضوء على الصحيح مع أنه عضو طاهر كسائر أعضائه، فهذه عبادات لا يجري في مثلها القياس، ثم إن كان الخارج النجس من غير السبيلين حدثًا فلا فرق بين قليله وكثيره كسائر الأحداث من البول والغائط والريح، وإن كان ليس حدثًا فلا معنى للتفريق بين القليل والكثير.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-929> دليل من قال: لا يعتبر خروج النجس حدثًا:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-930> الدليل الأول:</span>\n(٤٠٤ - ٢٥٨) ما رواه أحمد، من طريق شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لا وضوء إلا من صوت أو ريح (^٢).\n[المحفوظ من الحديث أن هذا فيمن شك في الحدث، وهو في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-931> الدليل الثاني:</span>\n(٤٠٥ - ٢٥٩) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا سهل بن زياد، أخبرنا صالح\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ١٧٥).\n(^٢) المسند (٢/ ٤٧١).\n(^٣) سبق تخريجه، انظر حديث رقم (٣٧٥).","vol":"2","page":588},{"text":"ابن مقاتل بن صالح، أخبرنا أبي، أخبرنا سليمان بن داود أبو أيوب القرشي بالرقة، أخبرنا حميد الطويل،\nعن أنس بن مالك، قال: احتجم رسول الله ﷺ، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-932> الدليل الثالث:</span>\n(٤٠٦ - ٢٦٠) ما رواه أحمد، من طريق محمد بن إسحاق، حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر،\nعن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع، فأصيبت امرأة من المشركين، فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلًا، وجاء زوجها وكان غائبًا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد ﷺ، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ، فنزل النبي ﷺ منزلًا، فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله. قال: فكونوا بفم الشعب، قال: وكانوا نزلوا إلى شعب من الوادي، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم، فوضعه فيه فنزعه فوضعه، وثبت قائمًا، ثم\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٥٧).\n(^٢) ورواه البيهقي في السنن (١/ ١٤١) وفي الخلافيات من طريق الدارقطني به.\nقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٤٣): قال الدارقطني: صالح بن مقاتل ليس بالقوي، وأبوه غير معروف، وسليمان بن داود مجهول» اهـ\nوفي تلخيص الحبير (١/ ١١٣): في إسناده صالح بن مقاتل، وادعى ابن العربي أن الدارقطني صححه، وليس كذلك، بل قال عقبه في السنن: صالح بن مقاتل ليس بالقوي. اهـ\nولم أقف على كلام الدارقطني في السنن المطبوعة. وانظر إتحاف المهرة (٨٧٧).","vol":"2","page":589},{"text":"رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، وثبت قائمًا، ثم عاد له بثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه، فقال: اجلس فقد أوتيت، فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذروا به، فهرب فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله ألا أهببتني؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع الرمي ركعت، فأريتك، وايم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن خروج الدم لو كان حدثًا لخرج من صلاته بمجرد خروجه، ولما أتم صلاته، وهو ينزف دمًا.\nوأجيب: بأن الحديث ضعيف الإسناد منكر المتن (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-933> الدليل الرابع:</span>\n(٤٠٧ - ٢٦١) ما رواه الدارقطني من طريق عتبة بن السكن الحمصي، أخبرنا الأوزاعي، أخبرنا عبادة بن نسي وهبيرة بن عبد الرحمن قالا: أخبرنا أبو أسماء الرحبي،\nأخبرنا ثوبان، قال: كان رسول الله ﷺ صائمًا في غير رمضان، فأصابه غم آذاه، فتقيأ، فقاء، فدعاني بوضوء، فتوضأ، ثم أفطر، فقلت: يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء؟ قال: لو كان فريضة لوجدته في القرآن. قال: ثم صام رسول الله ﷺ الغد، فسمعته يقول: هذا مكان إفطاري أمس (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٣٤٣).\n(^٢) انظر تخريجه في ح (١١٤٣) من المجلد السادس.\n(^٣) سنن الدارقطني (١/ ١٥٩).\n(^٤) ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في الخلافيات (٦٦١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٩١).\nقال الدارقطني عقب روايته للحديث: لم يروه عن الأوزاعي غير عتبة بن السكن، وهو منكر الحديث.\nورواه الدارقطني في باب القبلة للصائم (٢/ ١٨٤)، وقال: عتبة بن السكن متروك الحديث.\nوقال البيهقي: «هذا حديث منكر ...».اهـ\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٦/ ٣٧١).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥٠٨)، وقال: يخطئ ويخالف. اهـ\nوقال البيهقي: عتبة بن السكن واهٍ منسوب إلى الوضع. لسان الميزان (٤/ ١٢٨).\nوقال البزار: روى عن الأوزاعي أحاديث لم يتابع عليها. المرجع السابق.\nوانظر إتحاف المهرة (٢٤٨٤).","vol":"2","page":590},{"text":"بله ومتنه منكر؛ لأن الفرائض ليست كلها في القرآن، فإن ما في السنة من الفرائض أكثر مما في القرآن.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-934> الدليل الخامس:</span>\nأن الفرائض إنما تجب بكتاب أو سنة أو إجماع، وليس مع من أوجب الوضوء حجة، وقد أجمع العلماء على أن من توضأ فهو طاهر، واختلفوا في نقض طهارته بعد حدوث الرعاف أو القيء أو الحجامة أو غيرها من سائر النجاسات من البدن، وغير جائز أن تنقض طهارة مجمع عليها إلا بإجماع مثله، أو خبر عن رسول الله ﷺ لا معارض له (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-935> الدليل السادس:</span>\nقال الشافعي: لم يختلف الناس في البصاق يخرج من الفم، والمخاط والنَّفس يأتي من الأنف، والجشاء المتغير وغير المتغير يأتي من الفم أن ذلك لا يوجب الوضوء، فدل ذلك على أن لا وضوء من قيء ولا رعاف ولا حجامة ولا شيء خرج من الجسد، ولا أخرج منه غير الفروج الثلاثة: القبل والدبر والذكر؛ لأن الوضوء ليس على نجاسة ما يخرج، ألا ترى أن الريح تخرج من الدبر ولا تنجس شيئًا، فيجب بها الوضوء، كما\n_________\n(^١) انظر الأوسط لابن المنذر (١/ ١٧٤).","vol":"2","page":591},{"text":"يجب بالغائط، وأن المني غير نجس والغسل يجب به، وإنما الوضوء والغسل تعبد (^١).\nوقد نقلنا نحو هذا الكلام فيما تقدم عن ابن المنذر، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-936> الدليل السابع:</span>\n(٤٠٨ - ٢٦٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن التيمي، عن بكر -يعني: ابن عبد الله المزني- قال:\nرأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه، فخرج شيء من دم، فحكه بين إصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n(٤٠٩ - ٢٦٣) ومنها ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري وابن عيينة، عن عطاء ابن السائب، قال:\nرأيت عبد الله بن أبي أوفى بصق دمًا، ثم صلى، ولم يتوضأ (^٤).\n_________\n(^١) الأم (١/ ١٨).\n(^٢) المصنف (١/ ١٢٨) رقم: ١٤٦٩.\n(^٣) والتيمي: هو سليمان بن طرخان، ومن طريق ابن أبي شبية أخرجه البيهقي في السنن (١/ ١٤١).\nوذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: القبل والدبر، قال البخاري: وعصر ابن عمر بثرة، فخرج منها الدم، ولم يتوضأ.\nقال الحافظ: وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ورواه عبد الرزاق في المصنف (٥٥٣) عن ابن التيمي - يعني: معتمر بن سليمان- عن أبيه، (سليمان بن طرخان) وحميد الطويل، قالا: حدثنا بكر بن عبد الله المزني به.\nوأخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٢) من طريق حجاج، حدثنا حماد، عن حميد به. وزاد: ورأى رجلًا قد احتجم بين يديه، وقد خرج من محاجمها شيء من دم، وهو يصلي، فأخذ ابن عمر، فسلت الدم، ثم وقتها في المسجد. اهـ\nفحجاج: هو ابن منهال، وحماد: هو ابن سلمة، وحميد هو الطويل، فسنده صحيح.\n(^٤) المصنف (٥٧١).","vol":"2","page":592},{"text":"[حسن] (^١).\n(٤١٠ - ٢٦٤) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عبيد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الزبير،\nعن جابر أنه أدخل أصبعه في أنفه، فخرج عليها دم، فمسحه بالأرض أو التراب، ثم صلى (^٢).\n[حسن] (^٣).\n(٤١١ - ٢٦٥) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، قال: أخبرنا عبيد الله، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان إذا احتجم غسل أثر محاجمه (^٤).\n[صحيح] (^٥).\n_________\n(^١) قد روى الثوري عن عطاء بن السائب قبل تغيره.\nوقد رواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٢) من طريق سفيان به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١٧) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن عطاء بن السائب به. ورواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، في كتاب الوضوء، باب (٣٤) قال: بزق ابن أبي أوفى دمًا، فمضى في صلاته.\nقال الحافظ: وصله سفيان الثوري في جامعه عن عطاء بن السائب، وسفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه، فالإسناد صحيح. اهـ\nقلت: عطاء صدوق، فالإسناد حسن، لكن يصح الأثر بشواهده.\n(^٢) المصنف (١/ ١٢٨).\n(^٣) وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٣) من طريق أبي نعيم، حدثنا عبيد الله بن حبيب به، وعبيد الله بن حبيب أخو عبد الله قد وثقه ابن معين كما في الجرح والتعديل (٥/ ٣١١)، وباقي رجاله ثقات إلا أبا الزبير فإنه صدوق، ولا يصح اتهام أبي الزبير بالتدليس على الصحيح.\n(^٤) المصنف (١/ ٤٧).\n(^٥) رجاله كلهم ثقات، ورواه البخاري تعليقًا في كتاب الوضوء، باب (٣٤) قال البخاري: قال ابن عمر والحسن فيمن احتجم: ليس عليه إلا غسل محاجمه.\nولفظ البخاري أوضح دلالة من لفظ ابن أبي شيبة، وذلك لأن لفظ الأثر عند ابن أبي شيبة لا يمنع أن ابن عمر كان يرى الوضوء منه، بخلاف لفظ البخاري فإنه ساقه مساق النفي والإثبات.\nورواه البيهقي (١/ ١٤٠) من طريق الحسن بن علي بن عفان، أخبرنا عبد الله بن نمير به.\nقال ابن التركماني في الجوهر النقي: لا يدل ذلك على ترك الوضوء إلا من باب مفهوم اللقب، وتقدم أنه ليس بحجة، وأن أكثر العلماء لا يقولون به. اهـ\nوقد روى ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٩) من طريق هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا احتجم يغسل أثر محاجمه، ويتوضأ، ولا يغتسل.\nإلا أن هذا الإسناد ضعيف، فيه عنعنة هشيم، وهو مدلس، وفيه حجاج بن أرطأة، وهو ضعيف أيضًا على تدليس فيه، وقد عنعن.","vol":"2","page":593},{"text":"(٤١٢ - ٢٦٦) ومنها ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن جعفر بن برقان، قال: أخبرني ميمون بن مهران، قال:\nرأيت أبا هريرة أدخل أصبعه في أنفه، فخرجت مخضبة دمًا، ففته، ثم صلى، فلم يتوضأ (^١).\n[المحفوظ عن ميمون بن مهران عن من رأى أبا هريرة] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٥٥٦).\n(^٢) الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا جعفر بن برقان فإنه صدوق، وإنما ضعف في الزهري خاصة.\nقال أحمد: إذا حدث عن غير الزهري فلا بأس به وفي حديث الزهري يخطئ. الجرح والتعديل (٢/ ٤٧٤).\nوقال النسائي ويحيى بن معين: نحو كلام أحمد. انظر المرجع السابق، وتهذيب الكمال (٥/ ١٥).\nوقال ابن نمير: ثقة، أحاديثه عن الزهري مضطربة.\nوفي التقريب: صدوق يهم في حديث الزهري خاصة.\nوقد اختلف فيه على ميمون بن مهران:\nفرواه جعفر بن برقان كما في مصنف عبد الرزاق والأوسط لابن المنذر (١/ ١٧٣) عن ميمون ابن مهران، رأيت أبا هريرة ....\nورواه غيلان بن جامع، عن ميمون بن مهران، قال: أنبأنا من رأى أبا هريرة يدخل أصابعه في أنفه، فيخرج عليها الدم، فيحته، ثم يقوم يصلي.\nوهذا السند فيه رجل مبهم، فيكون ضعيفًا، وهو المحفوظ من فعل أبي هريرة؛ لأن غيلان بن جامع أوثق من جعفر بن برقان، فغيلان قد وثقه ابن معين وابن المديني ويعقوب بن شيبة، ... وأبو داود، وفي التقريب: ثقة.","vol":"2","page":594},{"text":"• وأجاب أصحاب القول الأول عن هذه الآثار:\nأجاب الحنابلة بأن النقض مقيد بشرطين:\nالأول: أن يكون الخارج نجسًا.\nالثاني: أن يكون فاحشًا.\nوهذه الآثار دليل على أن الخارج النجس إذا كان يسيرًا لا ينقض الوضوء، أرأيت ابن عمر، فإنه كما ثبت عنه أنه عصر بثرة، فصلى ولم يتوضأ، صح عنه أيضًا أنه كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى، ولم يتكلم. رواه مالك، عن نافع، عنه وسبق تخريجه.\n• ورد عليهم:\nبأنه لو كان خروج النجس حدثًا لما كان هناك فرق بين القليل والكثير، قياسًا على سائر الأحداث من البول والغائط والريح ونحوها.\nوأجاب العلماء القائلون بعدم النقض عن الآثار الواردة في الرعاف، بما قاله ابن عبد البر: قال: «حمله أصحابنا على أنه غسل ولم يتكلم، وبنى على ما صلى، قالوا: وغسل الدم يسمى وضوءًا؛ لأنه مشتق من الوضاءة، وهي النظافة، قالوا: فإذا احتمل ذلك لم يكن لمن ادعى على ابن عمر أنه توضأ للصلاة في دعواه ذلك حجة لاحتماله الوجهين: قالوا: وكذلك تأولوا حديث سعيد بن المسيب؛ لأنه قد ذكر الشافعي وغيره عنه أنه رعف فمسحه بصوفة، ثم صلى ولم يتوضأ، قالوا: ويوضح ذلك فعل ابن عباس أنه غسل الدم عنه وصلى، وحمل أفعالهم على الاتفاق منهم أولى.\nوخالف في ذلك أهل العراق في هذا التأويل، فقالوا: إن الوضوء إذا أطلق ولم يقيد بغسل دم وغيره فهو الوضوء المعلوم للصلاة، وهو الظاهر من إطلاق اللفظ ... إلخ كلامه ﵀» (^١).\n_________\n(^١) الاستذكار (٢/ ٢٦٦).","vol":"2","page":595},{"text":"قلت: الأصل حمل الكلام على الحقيقة الشرعية، فإن تعذر أو ليس له حقيقة شرعية قدمت الحقيقة اللغوية، فإن تعذر حمل على الحقيقة العرفية، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة الفريقين الذي يظهر والله أعلم أن القول بأن خروج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء إلا أن يكون بولًا أو غائطًا أو ريحًا وقد انسد المخرج المعتاد هو القول الراجح، وأما الآثار التي وردت عن ابن عمر وعن غيره بسند صحيح عن الوضوء من الرعاف، والبناء على الصلاة بعده، فمع أن الدم من الإنسان ليس نجسًا - كما حررت ذلك والحمد لله في قسم النجاسات من هذه السلسلة- فهو على خلاف القياس؛ لأن إيجاب الوضوء من الرعاف يعني: بطلان الطهارة، وبطلان الطهارة يلزم منه بطلان الصلاة كخروج البول والريح إذا خرجا من المصلي أثناء الصلاة، فإنه يجب استئناف الصلاة بعد إعادة الطهارة، فصحة الآثار من الصحابة لا نقاش فيه عند اجتماعهم، فإن ثبت الخلاف عن الصحابة كان الأمر واسعًا، وتقديم قول الصحابي الذي يوافق القياس أولى من غيره، وإن لم يثبت الخلاف بينهم، بحيث لا يعلم مخالف لقول من قال بالبناء، فإنا نقول به، ولو خالف القياس، لكن لا نتعداه إلى غيره، ولا نقول بوجوبه من كل خارج نجس، وإنما يقتصر على ما ورد عن الصحابة، والله أعلم.\nقال ابن عبد البر: «وأما بناء الراعف على ما قد صلى، ما لم يتكلم، فقد ثبت في ذلك عن عمر، وعلي وابن عمر، وروي عن أبي بكر أيضًا، ولا مخالف لهم في ذلك من الصحابة إلا المسور بن مخرمة وحده، وروي أيضًا البناء للراعف على ما صلى ما لم يتكلم عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافًا إلا الحسن البصري فإنه ذهب في ذلك مذهب المسور بن مخرمة، إلى أنه لا يبني من استدبر القبلة في الرعاف ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى» (^١).\n_________\n(^١) الاستذكار (١/ ٢٣١).","vol":"2","page":596},{"text":"ولم يعتبر ابن عبد البر الآثار السابقة من خروج الدم من أنف أبي هريرة، وابن عمر وجابر، وعدم الوضوء من ذلك أن مثل هذا مخالف للآثار الواردة عن الصحابة في الانصراف من الصلاة للرعاف، وذلك ربما لأنه يرى أن خروج الدم من الأنف يسير لا ينقض الوضوء، والله أعلم.\nوقال ابن التركماني: «ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء البناء عن عليِّ وابن عمر وعلقمة، ثم قال: ولا نعلم لهؤلاء مخالفًا من الصحابة إلا شيئًا يروى عن المسور بن مخرمة، فإنه قال: يبتدئ صلاته، ثم ذكر كلام ابن عبد البر المتقدم قريبًا» (^١). اهـ\nوالعجب كيف يعتبر الكلام مبطلًا للصلاة، ولا يرون إبطال الطهارة بالرعاف مبطلًا للصلاة، مع العلم أن الطهارة شرط من شروط الصلاة، يلزم من عدمها عدم الصلاة، والكلام من محظورات الصلاة، ولكن ليس بمثابة الطهارة من الصلاة، وفعل المأمورات أشد من ترك المحظورات، فإن الإنسان لو تكلم ناسيًا في صلاته أو جاهلًا صحت صلاته، ولو صلى بدون طهارة ناسيًا أو جاهلًا لم تصح منه الصلاة، ولكن لا بد من التسليم للصحابة إن كان لم يحفظ خلاف في المسألة بينهم، فإن قول الصحابي حجة إذا لم يعلم له مخالف، وما ينسب للمسور بن مخرمة لم أقف على إسناده.\nوهذا مالك رحمه الله تعالى، وهو لا يرى خروج النجس من غير السبيلين ناقض للوضوء يقول بالرعاف خاصة.\nقال ابن رشد: واختار مالك رحمه الله تعالى بالبناء على الاتباع للسلف وإن خالف ذلك القياس والنظر، وهذا على أصله أن العمل أقوى من القياس؛ لأن العمل المتصل لا يكون أصله إلا عن توقيف، وقال أيضًا: ليس البناء في الرعاف بواجب، وإنما هو من قبيل إما الجائز أو المستحب (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الجوهر النقي (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧).\n(^٢) المقدمات (١/ ١٠٧).","vol":"2","page":597},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-937>الفصل الثالث من نواقض الوضوء زوال العقل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>المبحث الأول انتقاض الوضوء بالجنون والإغماء ونحوهما</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• زوال العقل مظنة للحدث، وليس حدثًا بنفسه.\n• يوجب الوضوء شيئان: أحداث وأسباب للأحداث، وزوال العقل من الثاني، ولا يخرج عن هذا التقسيم إلا أكل لحم الإبل.\n• الإغماء أشد من النوم؛ إذ لا يكون إلا ثقيلًا، بخلاف النوم فإنه ينتبه إذا نبه.\n[م-١٨٧] إذا زال العقل بجنون أو إغماء أو سكر فإن الوضوء ينتقض إجماعًا، إلا وجهًا مرجوحًا لبعض الشافعية في السكران (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البدائع (١/ ٣٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٠)، البحر الرائق (١/ ٤١)، شرح فتح القدير (١/ ٥١)، مراقي الفلاح (ص: ٣٧).\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٩٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٨)، أسهل المدارك (١/ ٦١)، القوانين الفقهية (ص: ٢٩)، تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة (١/ ٣٩٨)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٠)، حاشية الخرشي (١/ ١٥٤)، المقدمات الممهدات (١/ ١٤١).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٢٤)، الحاوي (١/ ١٨٢)، روضة الطالبين (١/ ٧٤)، نهاية المحتاج (١/ ١١٣)،\nوانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٣٢٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٠)، الفروع (١/ ١٧٨)، الإنصاف (١/ ١٩٩)، شرح الزركشي (١/ ٢٣٦).","vol":"2","page":598},{"text":"قال النووي: ولا خلاف في شيء من هذا إلا وجهًا للخرسانيين أنه لا ينتقض وضوء السكران إذا قلنا له حكم الصاحي في أقواله وأفعاله.\nقال النووي: «وهذا غلط صريح، فإن انتقاض الوضوء منوط بزوال العقل، فلا فرق بين العاصي والمطيع» (^١).\nوزوال العقل ليس حدثًا في نفسه، وإنما هو مظنة الحدث كالنوم.\nوالجنون والإغماء قليله وكثيره ناقض للوضوء، وسواء كان قاعدًا أو مضطجعًا أو قائمًا، وأما الجنون فالذي ينقض الوضوء هو الذي لا يبقى معه شعور.\nقال ابن المنذر: «وأجمعوا على إيجاب الطهارة على من زال عقله بجنون أو إغماء» (^٢).\nوقال النووي: «أجمعت الأمة على انتقاض الوضوء بالجنون والإغماء» (^٣).\nوفي المجنون خلاف هل يجب عليه الوضوء أو يجب عليه الاغتسال؟\nفالمشهور أن الجنون لا يوجب إلا الوضوء.\nوقيل: يجب عليه الغسل (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٥).\n(^٢) الأوسط (١/ ١٥٥).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥).\n(^٤) قال الشافعي في الأم (١/ ٣٨): «وقد قيل: قلما جن إنسان إلا أنزل، فإن كان هكذا اغتسل المجنون للإنزال، وإن شك فيه أحببت له الاغتسال احتياطًا، ولم أوجب عليه ذلك حتى يستيقن الإنزال».اهـ\nوقال النووي بعد أن نقل كلام الشافعي في الأم، قال: «اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فجزم المصنف - يعني صاحب المهذب - وجماعات من المحققين بأن غسل المجنون إذا أفاق سنة، ولا يجب إلا أن يتيقن خروج المني.\nوقال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ وجماعات من الأصحاب: إن كان الغالب من حال الذين يجنون الإنزال، وجب الغسل إذا أفاق وإن لم يتحقق الإنزال، كما نوجب الوضوء بالنوم مضطجعًا للظن الغالب، فإن لم يكن الإنزال غالبًا لم يجب الغسل بالشك».اهـ","vol":"2","page":599},{"text":"وليس مع من أوجب الغسل على المجنون دليل إلا قولهم: إن الجنون غالبًا لا ينفك عن الإنزال، وما كان مظنة للحدث نزل منزلة الحدث كالنوم.\nوقد رد ذلك النووي، فقال: الصحيح أنه يستحب الغسل لا يجب حتى يتيقن خروج المني، فإن القواعد تقتضي أن لا تنتقض الطهارة إلا بيقين الحدث، خالفنا ذلك في النوم بالنصوص التي جاءت، وبقي ما عداه على مقتضاه».اهـ\nقلت: «حتى استحباب الغسل يحتاج إلى بحث، وذلك أنه ثبت الغسل في حق المغمى عليه، كما فعل الرسول ﷺ في مرض موته (^١)، فهل كان غسله بسبب الإغماء، أو كان غسله بسبب حاجته إلى الخروج إلى الصلاة، فكان بحاجة إلى القوة والنشاط، ثم هل يقاس عليه الجنون بجامع أن كلًا منهما قد زال عقله، أو يقال: إن الغسل قد يحدث قوة ونشاطًا في حق المغمى عليه، ولا يوجد هذا المعنى في حق المجنون، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المجنون لو تحققنا من نزول المني منه فهل يكفي مثل هذا في إيجاب الغسل عليه، أو لا بد من خروج المني دفقًا بلذة، فالشافعية يوجبون الغسل بمجرد خروج المني بأي صورة خرج.\nوقيل: لا يجب الغسل إلا إذا خرج المني دفقًا بلذة إلا أن يكون خروج المني من النائم فإن خروجه مطلقًا يوجب الغسل، وسيأتي تحرير هذه المسألة إن شاء الله تعالى في كتاب الغسل، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر الحديث في صحيح البخاري (٦٨٧)، ومسلم (٤١٨).","vol":"2","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-939>المبحث الثاني انتقاض الوضوء بزوال العقل بالنوم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النوم ليس حدثًا بنفسه، وإنما هو مظنة للحدث.\n• كل نوم على هيئة يتيسر معها خروج الحدث غالبًا فهو ناقض، ومقابله غير ناقض.\n• اعتبار النوم ناقضًا للوضوء هو تقديم للظاهر على الأصل؛ إذ الأصل عدم خروج الحدث وبقاء الطهارة.\n[م-١٨٨] اختلف العلماء في نقض الوضوء بالنوم،\nفقيل: لا ينقض مطلقًا، وهو مذهب أبي موسى ﵁، وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد الأعرج (^١).\nوقيل: ينقض مطلقًا، وهو مذهب إسحاق، وأبي عبيد القاسم بن سلام والمزني (^٢).\n_________\n(^١) حلية العلماء (١/ ١٤٥)، المجموع (٢/ ٢٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٠).","vol":"2","page":601},{"text":"وقيل: إن نام مستلقيًا أو مضطجعًا انتقض، وإلا فلا، وهذا مذهب أبي حنيفة (^١).\nوقيل: الثقيل ناقض مطلقًا، قصر أم طال، والخفيف لا ينقض مطلقًا قصر أم طال، لكن إن طال استحب منه الوضوء.\nوضابط الثقيل: ما لا يشعر صاحبه بالأصوات، أو بسقوط شيء من يده، أو سيلان ريقه ونحو ذلك، فإن شعر بذلك فهو نوم خفيف، وهذا مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: إن نام ممكنًا مقعده من الأرض أو نحوها لم ينتقض على أي هيئة كان في الصلاة أو في غيرها، وهو المشهور من مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: لا ينقض النوم اليسير من قاعد أو قائم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: لا ينقض النوم في الصلاة على أي هيئة كان، وهو قول للشافعي في القديم (^٥).\n• سبب اختلاف العلماء في النوم:\nيرجع إلى اختلافهم فيه، هل هو حدث في نفسه فيجب الوضوء في قليله وكثيره، أو ليس بحدث فلا ينتقض منه الوضوء، أو أنه سبب في حصول الحدث ومظنة لحصوله، ففرقوا بين النوم الثقيل والخفيف، وبين هيئة القاعد والمضطجع.\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٤٨، ٤٩)، الهداية شرح البداية (١/ ١٥)، البحر الرائق (١/ ٢٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٤٢).\n(^٢) التمهيد (١٨/ ٢٤١)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٩)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٤، ٢٩٥)، القوانين الفقهية (ص: ٢١ - ٢٢).\n(^٣) المهذب (١/ ٢٣)، حلية العلماء (١/ ١٤٥)، الوسيط (١/ ٣١٥)، روضة الطالبين (١/ ٧٤)، مغني المحتاج (١/ ٣٤).\n(^٤) المبدع (١/ ١٥٩)، شرح العمدة (١/ ٢٩٩)، الإنصاف (١/ ١٩٩)، الكافي (١/ ٤٣)، كشاف القناع (١/ ١٢٥).\n(^٥) الوسيط (١/ ٣١٦).","vol":"2","page":602},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-940> دليل من قال: النوم لا ينقض مطلقًا</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-941> الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦].\nفذكر سبحانه نواقض الوضوء ولم يذكر النوم.\n• ويجاب بما يلي:\nأولًا: أن الآية ما سيقت مساق الحصر للنواقض، بل ذكرت بعض النواقض، والسنة بينت الباقي، ولهذا لم تذكر الآية زوال العقل، وهو حدث بالإجماع.\nثانيًا: أن قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: ٦]، ظاهر الآية أن من قام إلى الصلاة فعليه الوضوء، لكن قال الشافعي: سمعت من أرضى علمه بالقرآن يزعم أنها نزلت في القائمين من النوم، قال الشافعي: وما قال كما قال؛ لأن في السنة دليلًا على أن يتوضأ من قام من نومه (^١)، ثم ذكر بعض الأحاديث التي سوف يأتي ذكرها عند من يرى النوم حدثًا ناقضًا للوضوء، والله أعلم.\nوقال ابن عبد البر: قال زيد بن أسلم وغيره في تأويل قول الله ﷿: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) قال: إذا قمتم من المضاجع، يعني: النوم، وكذلك قال السدي (^٢).\nقلت: وتحتمل الآية معنيين آخرين ذكرهما العلماء:\nالأول: أن تكون الآية قصد بها تجديد الوضوء في وقت كل صلاة إذا قام المرء إليها.\n_________\n(^١) الأم (١/ ١٢).\n(^٢) فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٣٠٢).","vol":"2","page":603},{"text":"المعنى الثاني: أن تكون الآية قصد بها من قام إلى الصلاة من غير طهر، ولا مانع من دخول كل هذه المعاني في الآية؛ لأنها غير متنافية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-942> الدليل الثاني:</span>\n(٤١٣ - ٢٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن سهيل ابن أبي صالح، عن أبيه،\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا وضوء إلا من صوت أو ريح (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث نفى أن يكون هناك ناقض إلا من المخرجين القبل والدبر، فدل على أن النوم ليس ناقضًا.\n• وأجيب:\nبأن الحديث وإن كان رجاله كلهم ثقات إلا سهيل بن أبي صالح فإنه حسن الحديث إلا أن الحديث وقع فيه اختصار أفسد معناه، وقد بينت ذلك في الاستدلال على أن الريح من نواقض الوضوء، فانظره مشكورًا (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-943> الدليل الثالث:</span>\nإذا كان النوم ليس حدثًا في نفسه، وإنما أوجب الوضوء من أوجبه لاحتمال خروج الريح، فالأصل عدم الخروج، فلا يجب الوضوء بالشك ما دامت الطهارة متيقنة، فالشك لا يقضي على اليقين.\nفقد روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن زيد شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٤٧١).\n(^٢) انظر تخريجه ح (٣٧٥) من هذا الكتاب.","vol":"2","page":604},{"text":"• وأجيب عن ذلك بأكثر من جواب:\nالجواب الأول:\nالقول: بأن الأصل عدم الحدث، هذا ليس دليلًا شرعيًا، وإنما نحتاج إليه في مسألة ليس فيها نص، فنعمل بالأصل، وأما إذا وردت النصوص فهي أصل بنفسها، فلا تعارض بالنظر والاجتهاد، والله أعلم.\nالجواب الثاني:\nالشارع الذي قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا هو الذي أوجب الوضوء من النوم.\nالجواب الثالث:\nأن الشك قد يقوى حتى يصل إلى درجة الظن، والظن قد تعبدنا به بالجملة عند تعذر اليقين، ولذلك إذا شك المصلي في صلاته تحرى، والتحري ظن، قد يطابق الواقع وقد يخالفه، وإذا أمكن التحري عمل به، ولو لم يرد في النوم دليل خاص لكان مقيسًا على من زال عقله بإغماء أو جنون، فكيف وقد وردت أحاديث صحيحة في النوم بكونه ناقضًا للوضوء.\nالجواب الرابع:\nأن الوضوء من النوم تعارض فيه الظاهر والأصل، فالظاهر أن العين وكاء السه، فإذا نام استطلق الوكاء، والأصل عدم الحدث، والظاهر إذا قوي قدم على الأصل، ولهذا جاءت النصوص باعتبار النوم المستغرق حدثًا كما سيأتي ذكر الأدلة عليه إن شاء الله تعالى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-944> الدليل الرابع:</span>\n(٤١٤ - ٢٦٨) حديث أنس، رواه مسلم، من طريق خالد هو ابن الحارث، حدثنا شعبة، عن قتادة، قال:","vol":"2","page":605},{"text":"سمعت أنسًا يقول: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون، قال: قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي والله (^١).\n[زاد بعضهم: (على عهد رسول الله ﷺ) وليست محفوظة في الحديث، وزاد هشام: (حتى تخفق رؤوسهم) وليس فيها دليل على استغراق النوم؛ لأن الرأس قد تميل من النعاس، وزاد ابن أبي عروبة: (يضعون جنوبهم)، وزاد معمر عن قتادة، وإني أسمع لبعضهم غطيطًا، وهو ضعيف في قتادة] (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (٣٧٦).\n(^٢) هذا الإسناد يرويه عن قتادة جماعة من أصحابه، منهم شعبة، وهشام، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر، وأبو هلال، وبعضهم يزيد فيه ما ليس في حديث الآخر، وإليك بيان هذا الاختلاف.\nالأول: شعبة، عن قتادة.\nرواه خالد بن الحارث كما عند مسلم (٣٧٦).\nوأبو عامر العقدي كما عند أبي عوانة (٧٣٨).\nوشبابة كما في مسند أبي يعلى (٣٢٤٠).\nوهاشم بن القاسم كما في شرح مشكل الآثار (٣٤٤٨)، أربعتهم عن شعبة، عن قتادة، ولم يختلف عليهم في لفظه: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون لا يتوضؤون).\nورواه يحيى بن سعيد، عن شعبة، واختلف على يحيى فيه:\nفرواه أحمد (٣/ ٢٧٧) عن يحيى به بلفظ خالد بن الحارث وأبي عامر العقدي وشبابة وهاشم بن القاسم، وما رواه أحمد عن يحيى موافقًا للجماعة أولى أن يكون مقدمًا في ألفاظ يحيى، وهو أجل من رواه عن يحيى، وكل من خالفه ممن رواه عن يحيى فهو دون أحمد بكثير.\nورواه محمد بن بشار، عن يحيى واختلف على ابن بشار فيه:\nفرواه الترمذي (٧٨) حدثنا محمد بن بشار، عن يحيى به بلفظ الجماعة، وهذا الطريق يوافق رواية أحمد عن يحيى، بل ويوافق رواية الجماعة عن شعبة.\nورواه أبو داود كما في مسائله للإمام أحمد (ص: ٤٣٩).\nوالبيهقي (١/ ١٢٠) من طريق تمتام (محمد بن غالب)، كلاهما حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن شعبة به، بلفظ: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يقومون، فيصلون ولا يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ)، فزاد فيه ابن بشار لفظ: على عهد رسول الله ﷺ.\nورواه محمد بن عبد السلام الخشني، عن محمد بن بشار كما في المحلى (١/ ٢١٣) من بلفظ: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون، فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة). =","vol":"2","page":606},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومحمد بن عبد السلام الخشني ثقة، له ترجمة في تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٤٩).\nفهذه ثلاثة ألفاظ رواها محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد القطان، ولا شك أن الإمام أحمد مقدم على غيره:\nأولًا: لإمامة أحمد ﵁ في الحفظ والإتقان.\nوثانيًا: أن ابن بشار قد اختلف عليه على ثلاثة ألفاظ، ولا شك أن الأئمة يقدمون الراوي الذي لم يختلف عليه في لفظ الحديث على الراوي الذي اختلف عليه في لفظه.\nثالثًا: أن الترمذي قد روى الحديث عن ابن بشار موافقًا للإمام أحمد، وما وافق الإمام أحمد مقدم على غيره.\nرابعًا: أن ابن بشار قد تكلم فيه بعضهم، فكان ابن معين لا يعبأ به، ويستضعفه، وكان القواريري لا يرضاه، والحق أنه ثقة لكنه قد يسهو ويغلط من غير عمد، ولذلك قال أبو داود: لولا سلامة في بندار لترك حديثه.\nورواه عبد الأعلى كما في مسند البزار، ونقله الزيلعي في نصب الراية (١/ ٤٧) وابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٢١) عن شعبة به، بلفظ: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقوم إلى الصلاة).\nوأخشى أن يكون عبد الأعلى قد دخل عليه لفظ سعيد عن قتادة على لفظ شعبة عن قتادة، فأن عبد الأعلى قد رواه تارة عن شعبة، عن قتادة، وتارة عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، فقد رواه أبو داود في مسائله لأحمد (ص: ٤٣٩)، قال: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بلفظ: (كان أصحاب النبي ﷺ يضعون جنوبهم فينامون، فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ).\nولا يعرف هذا اللفظ عن شعبة إلا ما كان من رواية محمد بن عبد السلام الخشني، عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة كما في المحلى (١/ ٢١٣) ولا يمكن الركون إلى هذه الرواية، وابن بشار مختلف عليه يرويه على ثلاثة ألفاظ، وسبقت الإشارة إلى ذلك، وكل من رواه عن شعبة لا يذكرون هذه اللفظ.\nوقد رواه الترمذي عن ابن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة بدون هذه الزيادة.\nكما رواه أحمد عن يحيى بن سعيد عن شعبة بدون هذه الزيادة.\nكما رواه كخالد بن الحارث عند مسلم وأبو عامر العقدي عند أبي عوانة، وشبابة عند أبي يعلى وهاشم بن القاسم عند الطحاوي في المشكل، ويحيى بن سعيد القطان من رواية أحمد عنه، ومن رواية ابن بشار فيما رواه الترمذي عنه، كل هؤلاء رووه عن شعبة ولم يذكروا لفظ (يضعون جنوبهم).\nفتبين من هذا أن لفظ شعبة تضمن زيادتين: =","vol":"2","page":607},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأولى: قوله: (على عهد رسول الله ﷺ) انفرد بها محمد بن بشار في أحد ألفاظه للحديث، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة مخالفًا للإمام أحمد فلا أشك بشذوذ هذه اللفظة.\nالثانية: زيادة (يضعون جنوبهم) جاءت من طريق عبد الأعلى، عن شعبة،\nومن طريق يحيى بن سعيد من رواية محمد بن بشار عنه، وقد اختلف على ابن بشار في لفظه على ثلاثة ألفاظ.\nوزيادة (يضعون جنوبهم) يحتمل أن تكون محفوظة، لأنها جاءت من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة كما سيأتي، ويحتمل أن تكون غير محفوظة من حديث شعبة، لأن أكثر من رواه عن شعبة لا يذكرها، وإن كانت قد تكون محفوظة عن من طريق سعيد، عن قتادة.\nهذا ما يمكنني أن أقوله عن رواية شعبة، عن قتادة، والله أعلم.\nالطريق الثاني: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.\nرواه سعيد بن أبي عروبة واختلف عليه في لفظ:\nفرواه خالد بن الحارث كما في مسند أبي يعلى الموصلي (٣١٩٩).\nوعبد الأعلى كما في مسائل أبي داود لأحمد (ص: ٤٣٩).\nوعبدة بن سليمان كما في الأوسط لابن المنذر (٤٨) ثلاثتهم عن سعيد، عن قتادة، عن أنس كان أناس من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يضعون جنوبهم، فينامون، منهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ، وهذا لفظ.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، خالد بن الحارث وعبد الأعلى وعبدة ممن روى عن سعيد قبل اختلاطه، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم حديث ابن أبي عروبة من طريق خالد بن الحارث وعبد الأعلى، عنه، وقد زاد فيه سعيد قوله: (كانوا يضعون جنوبهم).\nقال أبو حاتم عن سعيد: هو قبل أن يختلط ثقة، وكان أعلم الناس بحديث قتادة.\nوقال أبو داود الطيالسي: كان أحفظ أصحاب قتادة.\nوقال يحيى بن معين كما في تهذيب الكمال (١١/ ٩): أثبت الناس في قتادة سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، وشعبة، فمن حدثك من هؤلاء الثلاثة بحديث - يعني: عن قتادة- فلا تبالي أن لا تسمعه من غيره. اهـ\nوإذا كان سعيد بن أبي عروبة من أثبت أصحاب قتادة، فإن خالد بن الحارث من أثبت أصحاب سعيد بن أبي عروبة، قال ابن عدي: وأثبت الناس عنه -يعني: عن ابن عروبة- يزيد بن زريع وخالد بن الحارث. اهـ\nوخالفه ابن أبي عدي.\nرواه أبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (٨٢٩) من طريق بندار، =","vol":"2","page":608},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢٨٢)، والمطالب العالية (١٤٧) حدثنا ابن المثني، كلاهما عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة به، بلفظ: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يقومون، فيصلون، ولا يتوضؤون، قال: سمعته من أنس؟ قال: إي والله.\nوابن أبي عدي وإن كان ثقة إلا أنه سمع من سعيد بعد اختلاطه. اهـ\nورواية ابن المثنى في مسائل أبي داود (٤٣٩)، وفي مسند البزار (٧٠٧٧) يرويه عن عبد الأعلى. وقد اعتبره المحقق تصحيفًا، وصوب أنه عن ابن أبي عدي اعتمادًا على كشف البزار (٢٨٢)، والمطالب العالية، وكلها من عمل ابن حجر، ويضاف إليه إتحاف الخيرة للبوصيري (١/ ٣٥٤).\nفهل هذا اختلاف على محمد بن المثنى، أو أن له شيخين في هذا الحديث، خاصة أن أبا نعيم في مستخرجه قد رواه من طريق بندار، عن ابن أبي عدي.\nوالذي يعنينا أن الراجح من رواية سعيد بن أبي عروبة، وجود زيادة (يضعون جنوبهم).\nالطريق الثالث: هشام الدستوائي، عن قتادة.\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٣) والدارقطني (١/ ١٣١) عن وكيع،\nوأخرجه أبو داود (٢٠٠) ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن (١/ ١١٩)، عن شاذ بن فياض،\nوأخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٥٣) من طريق وهب بن جرير، ثلاثتهم عن هشام، عن قتادة، عن أنس، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يخفقون برؤوسهم، ينتظرون صلاة العشاء، ثم يقومون، فيصلون، ولا يتوضؤون.\nولفظ ابن المنذر: ينعسون حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون، ولا يعيدون الوضوء.\nوهذا سند رجاله كلهم ثقات، وزاد فيه هشام قوله: (يخفقون برؤوسهم) فإنها لم ترد من حديث قتادة إلا من طريق هشام. وخفقان الرأس يلزم منه الاستغراق في النوم، لأنه إذا خفق الرأس انتبه، وهي لحظة يسيرة، ولذلك جاءت كلمة (ينعسون) عند ابن المنذر.\nوقد جاء لفظ: (حتى تخفق رؤوسهم) من غير طريق قتادة، لكن في سندها مبهم، فقد أخرج الشافعي في الأم (١/ ١٢) ومن طريقه أخرجه البغوي في شرح السنة (١٦٣) قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن حميد الطويل، عن أنس، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء، فينامون. أحسبه قال: قعودًا حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون.\nهؤلاء كبار أصحاب قتادة: شعبة، وهشام، وسعيد بن أبي عروبة،\nوقد انفرد كل واحد منهم بلفظ، وقد تبين لك شذوذ قوله: (على عهد رسول الله ﷺ) وأما قوله: (يضعون جنوبهم)، فرواها سعيد بن أبي عروبة، وهي محفوظة عنه، ووافقه عليها شعبة في بعض طرقه، إلا أن الأكثر عن شعبة عدم ذكرها، =","vol":"2","page":609},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جاء في مسائل أبي داود (ص: ٤٣٨): «سمعت أحمد بن حنبل يقول: اختلف شعبة، وسعيد، وهشام في حديث أنس: (كان أصحاب النبي ﷺ تخفق رؤوسهم ثم يصلون، ولا يتوضئون) في اللفظ، وكلهم ثقات.\nفقوله: وكلهم ثقات هل يعني أن جميع الألفاظ صحيحة، مع قوله: اختلف شعبة وسعيد وهشام، أو يعني عدم وجود مرجح في هذا الاختلاف لكونهم في الضبط والاتقان على درجة واحدة، فيكون حكم باضطراب الحديث، أنا أميل إلى الثاني، ويرجحه أنه جاء في تلخيص الحبير (١/ ٢١٠): «قال الخلال: قلت لأحمد: حديث شعبة كانوا يضعون جنوبهم؟ فتبسم، وقال: هذا بمرة يضعون جنوبهم». اهـ\nفالعبارة عبارة تعليل، وليست تصحيح. والله أعلم.\nالطريق الرابع: معمر، عن قتادة به،\nأخرجه عبد الرزاق (٤٨٣) عن معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة، وإني لأسمع لبعضهم غطيطًا - يعني: وهو جالس - فما يتوضؤون. قال معمر: فحدثت به الزهري، فقال رجل عنده: أو خطيطًا. قال الزهري: لا، قد أصاب غطيطًا.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٣٠) والبيهقي (١/ ١٢٠) من طريق ابن المبارك، أنا معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطًا. قال ابن المبارك: هذا عندنا، وهم جلوس. قال الدارقطني: صحيح.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا أن معمرًا انفرد عن قتادة بقوله: (وإني لأسمع لبعضهم غطيطًا) ولم يذكر هذه الزيادة أصحاب قتادة المقدمين فيه، من أمثال شعبة وهشام وسعيد ابن أبي عروبة، ورواية معمر عن قتادة فيها كلام، قال ابن رجب في شرحه لصحيح البخاري (١/ ٢٩٩): قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: قال معمر: جلست إلى قتادة، وأنا صغير، لم أحفظ عنه الأسانيد. قال الدارقطني في العلل: معمر سيء الحفظ لحديث قتادة. اهـ\nوبالتالي تكون رواية سماع الغطيط زيادة منكرة.\nوأما تصحيح الدارقطني مع كون هذا التصحيح في السنن، وليس في العلل، وبينهما فرق كبير فلعله يقصد تصحيح الحديث في الجملة وليس لهذه اللفظ، باعتبار أن مسلمًا قد أخرج هذا الحديث، وقد رواه الطبقة الأولى من أصحاب قتادة مثل شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة، ولم يقصد تصحيح ما خالف فيه معمر أصحاب قتادة، لأني سبق أن نقلت عن الدارقطني قوله: معمر سيء الحفظ لحديث قتادة.\nالطريق الخامس: أبو هلال الراسبي، عن قتادة. =","vol":"2","page":610},{"text":"• وأجيب عن هذا الحديث:\nالجواب الأول:\nهناك أحاديث صحيحة موجبة للوضوء من النوم فإما أن نحاول أن نجمع بينها وبين هذا الحديث، وإما أن نقول بالتعارض:\nواختلف العلماء في الجمع بينهما:\nفقال بعضهم: المراد منه نوم الجالس الممكن مقعدته، حمله على هذا ابن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي كما في تلخيص الحبير (^١).\nلكن يمنع منه زيادة (يضعون جنوبهم) على القول بصحة هذه الزيادة.\nوقال ابن تيمية: «كان الذين يصلون خلفه جماعة كثيرة، وقد طال انتظارهم وناموا، ولم يستفصل أحدًا، ولا سئل، ولا سأل الناس: هل رأيتم رؤيا؟ أو هل مكن أحدكم مقعدته؟ أو هل كان أحدكم مستندا؟ وهل سقط شيء من أعضائه على الأرض؟ فلو كان الحكم يختلف لسألهم. وقد علم أنه في مثل هذا الانتظار بالليل - مع كثرة الجمع - يقع ذلك كله. وقد كان يصلي خلفه النساء والصبيان» (^٢).\nوجمع بعض العلماء بين هذا الحديث وأحاديث النقض بالنوم؛ بأن النوم ليس\n_________\n= أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٤٤٤) والدارقطني في السنن (١/ ١٣٠) من طريقين عن أبي هلال به، بلفظ: كنا نأتي مسجد النبي ﷺ ننتظر الصلاة، فمنا من ينعس وينام، أو ينعس، ثم يصلي ولا يتوضأ.\nوهذا إسناد فيه لين، أبو هلال الراسبي قال فيه الحافظ في التقريب: صدوق فيه لين، ومع ذلك فالنعاس مقدمات النوم: (فمنا من ينعس وينام، أو ينعس) والله أعلم.\nهذا ما وقفت عليه من طرق الحديث، والجزم بأن لفظة (على عهد رسول الله ﷺ) ليست محفوظة في الحديث، لتفرد محمد بن بشار بها، عن يحيى بن سعيد.\nانظر أطراف المسند (١/ ٤٩٠)، تحفة الأشراف (١٢٧١)، إتحاف المهرة (١٥٠٠، ١٦١٩).\n(^١) سنن الترمذي (٧٨)، والدارقطني (١/ ١٣٠، ١٣١)، وتلخيص الحبير (١/ ٢١٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٣).","vol":"2","page":611},{"text":"حدثًا ينقض الوضوء على أي وضع كان، وإنما هو سبب للحدث، فالنوم الخفيف الذي لا يكون معه غياب للعقل لا يوجب الوضوء، وهذا هو المراد من فعل الصحابة ﵃، وأحاديث النقض بالنوم يقصد بها النوم الثقيل الذي يغيب معه الوعي.\nقال القرطبي في المفهم: «وهذا النوم في هذه الأحاديث هو الخفيف المعبر عنه بالسنة التي ذكرها الله تعالى في قوله تعالى: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) ... قال المفضل: السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب».اهـ\nوقال ابن حبان في صحيحه: «الرقاد له بداية ونهاية، فبدايته النعاس الذي هو أوائل النوم، وصفته أن المرء إذا كلم فيه سمع، وإن أحدث علم، إلا أنه يتمايل تمايلًا، ونهايته زوال العقل، وصفته أن المرء إذا أحدث في تلك الحالة لم يعلم، وإن كلم لم يفهم، فالنعاس لا يوجب الوضوء على أحد، قليله وكثيره على أي حالة كان الناعس، والنوم يوجب الوضوء على من وجد على أي حالة كان النائم على أن اسم النوم قد يقع على النعاس، والنعاس على النوم، ومعناهما مختلفان، والله ﷿ فرق بينهما بقوله: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) إلخ كلامه رحمه الله تعالى (^١).\nوإن قلنا بالتعارض فإن الأحاديث الموجبة للوضوء ناقلة عن البراءة الأصلية فتكون مقدمة على غيرها، والأولى القول بالجمع؛ لأنه لا يصار إلى التعارض والجمع ممكن.\nالجواب الثاني:\nإذا كانت لفظة (على عهد رسول الله ﷺ) لم ترد إلا من رواية محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، وقد خالفه فيها الأمام أحمد، حيث روى الحديث عن يحيى بدونها، كما رواه جماعة عن شعبة بدونها، وإذا لم تكن لفظة (على عهد النبي ﷺ)\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٣/ ٣٨٣).","vol":"2","page":612},{"text":"لم يكن فعل الصحابة حجة بمجرده حجة، وإن كان لفظ (كان أصحاب رسول الله ﷺ ...) يشعر بأن ذلك من جميع الصحابة أو أكثرهم، ويمتنع أن يكون ذلك من جميعهم خاصة أنه ثبت عن بعض الصحابة كما سيأتي إن شاء الله تعالى من يرى مطلق النوم حدثًا ناقضًا للوضوء.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-945> الدليل الخامس:</span>\n(٤١٥ - ٢٦٩) ما رواه الشيخان من طريق عبد الوارث، عن عبد العزيز ابن صهيب،\nعن أنس، قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم (^١).\nزاد البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن عبد العزيز به، ثم قام فصلى (^٢).\nقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (^٣): «وقع عند إسحاق بن راهوية في مسنده، عن ابن علية، عن عبد العزيز في هذا الحديث: (حتى نعس بعض القوم) وكذا هو عند ابن حبان من وجه آخر، عن أنس، وهو يدل على أن النوم لم يكن مستغرقًا» (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٦٤٢)، ومسلم (١٢٣ - ٣٧٦).\n(^٢) البخاري (٦٩٢)، ومسلم (١٢٤ - ٣٧٦).\n(^٣) فتح الباري في شرحه لحديث (٦٤٢).\n(^٤) الحديث يرويه عبد العزيز بن صهيب وثابت وحميد عن أنس،\nفأما طريق عبد العزيز بن صهيب، فإنه يرويه عنه شعبة وعبد الوارث عنه، عن أنس بلفظ النوم.\nوطريق شعبة في الصحيحين (خ ٦٢٩٢) ومسلم (٣٧٦).\nوطريق عبد الوارث في الصحيحين أيضًا انظر البخاري (٦٤٢) ومسلم (٣٧٦).\nورواه ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، واختلف على ابن علية فيه:\nفرواه زهير بن حرب كما في صحيح مسلم (٣٧٦).\nويعقوب بن إبراهيم الدرقي كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٢٧) عن ابن علية بلفظ النوم.\nورواه إسحاق بن راهوية عن ابن علية بلفظ النعاس. =","vol":"2","page":613},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الثاني: ثابت البناني عن أنس.\nواختلف على ثابت فيه، فرواه أصحاب ثابت بلفظ النعاس،\nفقد رواه أحمد (٣/ ١٦٠) عن أبي كامل وعفان،\nوأخرجه أيضًا (٣/ ٢٣٩) من طريق عمارة - يعني: ابن زاذان.\nورواه عبد الرزاق (٢٠٤٦) ومن طريقه أخرجه الترمذي (٥١٨) وعبد بن حميد كما في المنتخب (١٢٤٩).\nورواه عبد بن حميد أيضًا (١٣٢٤) حدثنا محمد بن الفضل.\nوأبو داود (٢٠١) حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب.\nوأبو عوانة (١/ ٢٦٦) من طريق عبيد الله بن عمر.\nوأبو يعلى في مسنده (٣٣٠٩) من طريق إبراهيم بن الحجاج.\nوابن حبان (٤٥٤٤) من طريق هدبة بن خالد.\nتسعتهم رووه عن حماد، عن ثابت البناني به، بلفظ: النعاس.\nوخالفهم حبان بن هلال عند مسلم (٣٧٦) فرواه عن حماد به بلفظ النوم.\nالطريق الثالث: طريق حميد عن أنس،\nوهو الطريق الذي عناه الحافظ بقوله: بأنه موجود من وجه آخر عند ابن حبان (٢٠٣٥)\nوالحق أنه موجود في مسند أحمد (٣/ ١١٤) عن يحيى بن سعيد القطان.\nوابن حبان (٢٠٣٥) من طريق هشيم.\nوالبغوي في شرح السنة (٤٤٣) من طريق يزيد بن هارون، ثلاثتهم عن حميد، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ نجي لرجل حتى نعس أو كاد ينعس بعض القوم. اهـ فلم يجزم حتى بحصول النعاس من القوم.\nولفظ ابن حبان: أقيمت الصلاة ذات يوم فعرض لرسول الله ﷺ رجل فكلمه في حاجة له هويًا من الليل حتى نعس بعض القوم.\nورواه أحمد (٣/ ٢٠٥) حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد به.\nوهذا الحديث قد دلسه حميد عن أنس، وقد رواه حميد، عن ثابت عن أنس كما في البخاري (٦٤٣) لكن اختصره البخاري على مقدار الشاهد منه، قال البخاري: باب الكلام إذا أقيمت الصلاة، ثم ساق الحديث من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن حميد، قال: سألت ثابتًا البناني عن الرجل يتكلم بعد ما تقام الصلاة فحدثني عن أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة فعرض للنبي ﷺ رجلًا فحبسه بعد ما أقيمت الصلاة.\nورواه أبو داود (٥٤٢) من طريق عبد الأعلى به. اهـ\nفرجعت رواية حميد عن أنس إلى رواية ثابت عن أنس، وقد خرجنا طريق ثابت عن أنس. =","vol":"2","page":614},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-946> الدليل السادس:</span>\n(٤١٦ - ٢٧٠) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة،\nأن عائشة قالت أعتم رسول الله ﷺ بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج، فقال: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول. ورواه مسلم (^١).\nورواه الشيخان من حديث ابن عمر (^٢)، ومن حديث ابن عباس (^٣).\n• وأجيب عن هذا الحديث:\nهذا الحديث ليس نصًا بأن النوم ليس ناقضًا؛ لأنه يحتمل أن يكونوا قد توضؤوا؛ لأن الحديث لم ينص على أنهم صلوا بلا وضوء، ويحتمل أن يكون النوم منهم بصورة النعاس، وهو مقدمة النوم، وليس نومًا مستغرقًا، ويحتمل أن يكون الأمر قبل إيجاب الوضوء من النوم، فإن الأحاديث الموجبة للوضوء شاغلة للذمة، وهذه الأحاديث على البراءة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-947> الدليل السابع:</span>\nما رواه مسلم من طريق كريب مولى ابن عباس،\nعن ابن عباس قال: بت ليلة عند خالتي ميمونة بنت الحارث فقلت لها: إذا قام رسول الله ﷺ فأيقظيني، فقام رسول الله ﷺ، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، قال: فصلى إحدى\n_________\n= ورواه الطبراني في المعجم الأوسط (١١٨٨) من طريق الأعمش، عن أنس به، بلفظ النعاس، والأعمش لم يسمع من أنس.\n(^١) البخاري (٥٦٩) ومسلم (٦٣٨).\n(^٢) البخاري (٥٧٠)، ومسلم (٦٣٩).\n(^٣) البخاري (٥٧١)، ومسلم (٦٤٢).","vol":"2","page":615},{"text":"عشرة ركعة ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقدًا، فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني).\n• وأجيب عن هذا:\nبأن الحديث يصلح ردًّا لمن يرى النوم ناقضًا للوضوء مطلقًا على تقدير بأن قوله: إذا أغفيت: أي نمت، وليس معناه نعست، وأما من يرى أن النوم مظنة الحدث، وأنه لا ينقض الوضوء إذا أمن خروج الحدث سواء كان ذلك بقيام، أو بقعود على هيئة معينة، أو لكون النوم خفيفًا غير مستغرق فلا يعترض عليهم بهذا الحديث، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-948> دليل من قال: إن النوم ناقض للوضوء مطلقًا</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-949> الدليل الأول:</span>\n(٤١٧ - ٢٧١) ما رواه أحمد من طريق عاصم، عن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي فسألته عن المسح على الخفين؟ فقال:\nكنا نكون مع رسول الله ﷺ، فيأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم (^٢).\n[حسن] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقرن الحديث النوم بالبول والغائط في إيجاب الوضوء منه، ولم يفرق بين قليله\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٧٦٣)، والحديث في البخاري لكن انفرد مسلم بموضع الشاهد منه، وهو قوله: «فجعلت إذا غفيت أخذ بشحمة أذني» ... ألخ.\n(^٢) أحمد (٤/ ٢٣٩).\n(^٣) انظر تخريجه، في المجلد الثالث ح (٥٦٥، ٦٠١) من طهارة المسح على الحائل.","vol":"2","page":616},{"text":"وكثيره، ولا بين القاعد والمضطجع فدل على أن النوم حدث مطلقًا.\n• ونوقش:\nبأن دلالة الاقتران ضعيفة، ونحن لا نجادل بأن النوم سبب للحدث، ولكن ليس حدثًا في ذاته، وهو لا يكون سببًا إلا إذا كان في حال غلبة النوم على العقل بحيث إذا أحدث لم يشعر بحدثه، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-950> الدليل الثاني:</span>\nمن القياس أن العلماء مجمعون على إيجاب الوضوء على من زال عقله بجنون أو إغماء إذا أفاق على أي حال كان ذلك منه، فكذلك النائم عليه ما على المغمى عليه على أي حال كان ذلك منه؛ لأنه زائل العقل.\n• ويناقش:\nهذا القول يصح أن يعترض به على من فرق بين نوم القاعد وغيره، ولا يصح أن يعترض به على من يرى أن النوم إن كان لا يغيب معه الوعي فإنه ليس بناقض، ذلك أن الجنون والإغماء يغطي العقل بالكلية، بخلاف النوم فإن منه ما يكون خفيفًا لو أحدث لشعر بذلك، ومنه ما يلحق بالجنون والإغماء بجامع غياب الوعي، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-951> الدليل الثالث:</span>\n(٤١٨ - ٢٧٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا علي بن بحر، حدثنا بقية بن الوليد الحمصي، حدثني الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي،\nعن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال إن السه وكاء العين فمن نام فليتوضأ (^١).\n_________\n(^١) المسند (١/ ١١١) وانقلب متنه على الراوي، والصحيح أن لفظه: (وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ)، وهذا لفظ أبي داود (٢٠٣).","vol":"2","page":617},{"text":"[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١) الحديث أخرجه أحمد كما في إسناد الباب والطبراني في مسند الشاميين (٦٥٦) عن علي بن بحر.\nوأخرجه أبو داود (٢٠٣) والطبراني في مسند الشاميين (٦٥٦) عن حيوة بن شريح الحمصي.\nوأخرجه ابن ماجه (٤٧٧) حدثنا محمد بن المصفى الحمصي.\nوأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٤٣٢) من طريق حكيم بن سيف ويزيد بن عبد ربه.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٦١) من طريق سليمان بن عمر الأقطع.\nوأخرجه البيهقي (١/ ١١٨) من طريق أبي عتبة.\nوأخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٣٢٩) من طريق نعيم بن حماد.\nوابن عدي في الكامل (٧/ ٨٨) من طريق سليمان بن عمر بن خالد.\nوأخرجه المزي في تهذيب الكمال (٢٧/ ٢٨٩) من طريق علي بن الحسين الخواص، كلهم رووه عن بقية بن الوليد به.\nوالحديث له ثلاث علل:\nالأولى: عنعنة بقية، ولا يشفع له كونه صرح بالتحديث من شيخه حتى يصرح بالتحديث من شيخ شيخه كذلك؛ لأنه متهم بتدليس التسوية.\nالثانية: الانقطاع حيث لم يسمع عبد الرحمن بن عائذ من علي.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٧) سألت أبي عن حديث رواه بقية عن الوضين بن عطاء، عن ابن عائذ، عن علي.\nوعن حديث أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس، عن معاوية عن النبي ﷺ: العين وكاء السه؟ فقال: ليسا بقويين، وسئل أبو زرعة عن حديث ابن عائذ، عن علي بهذا الحديث، فقال: ابن عائذ عن علي مرسل». اهـ\nالعلة الثالثة: الوضين بن عطاء سيء الحفظ.\nوله شاهد من حديث معاوية، أخرجه عبد الله بن أحمد عن أبيه وجادة من طريق بكر بن يزيد، قال: أخبرنا أبو بكر يعني: ابن أبي مريم، عن عطية بن قيس الكلاعي، أن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ: إن العينين وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء.\nوأخرجه الدارمي (٧٢٢) والطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٣٧٢) رقم ٨٧٥ عن محمد بن المبارك.\nوأبو يعلى (٧٣٧٢) حدثنا إبراهيم بن حسين الأنطاكي.\nوالطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٣٧٢) من طريق حيوة بن شريح الحمصي\nوالدارقطني (١/ ١٦٠) من طريق سليمان بن عمر، ...\nوالطحاوي في مشكل الآثار (٣٤٣٤) من طريق سليمان بن عبد الله الرقي.\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١١٨) من طريق يزيد بن عبد ربه، خمستهم عن بقية بن الوليد، عن أبي بكر به.\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٤٩٤) وفي المعجم الكبير (٨٧٥)، والدارقطني (١/ ١٦٠) من طريق الوليد بن مسلم، عن أبي بكر به.\nومدار إسناده على أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، عن معاوية بن سفيان مرفوعًا. ... وأبو بكر بن أبي مريم، ضعيف:\nقال يحيى بن معين: شامي، ضعيف الحديث، ليس بشيء، وهذا مثل الأحوص بن حكيم ليس بشيء. الكامل (٢/ ٣٦) رقم ٢٧٧.\nوقال حرب بن إسماعيل، عن أحمد: ضعيف، كان عيسى لا يرضاه.\nوقال الآجري، عن أبي داود: قال أحمد ليس بشيء. قال أبو داود: سرق له حلى فأنكر عقله. تهذيب التهذيب (١٢/ ٣٣)\nوقال إسحاق بن راهويه: يذكر عن عيسى بن يونس، قال: لو أردت أبا بكر بن أبي مريم على أن يجمع لي فلانًا وفلانًا وفلانًا لفعل، يعني: راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وحبيب بن عبيد. المرجع السابق.\nوفي التقريب: ضعيف، وكان قد سرق بيته، فاختلط من السابعة.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٧) رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير، وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف لاختلاطه.\nوقد سبق لنا أن ضعفه أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ٤٧).\nوانظر أطراف المسند (٤/ ٤٤٥) و(٧٢٩١)، تحفة الأشراف (١٠٢٠٨)، إتحاف المهرة (١٤٥٧٣، ١٦٨٠٩).","vol":"2","page":618},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-952> دليل من قال: لا ينقض إلا نوم المضطجع</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-953> الدليل الأول:</span>\n(٤١٩ - ٢٧٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد - وقال عبد الله بن أحمد: وسمعته أنا من عبد الله بن محمد - حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أبي العالية،\nعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال ليس على من نام ساجدًا وضوء حتى يضطجع","vol":"2","page":619},{"text":"فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (١/ ٢٥٦).\n(^٢) الحديث رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢) رقم ١٣٩٧ وعبد بن حميد كما في المنتخب (٦٥٩)، وأبو داود (٢٠٢)، والترمذي (٧٧)، وأبو يعلى في مسنده (٢٤٨٧)، والطبراني (١٢/ ١٥٧) ح ١٢٧٤٨، والدارقطني (١/ ١٥٩، ١٦٠)، والبيهقي (١/ ١٢١) من طريق عبد السلام بن حرب به.\nوقد ضعف الحديث الإمام أحمد والبخاري وأبو داود، والدارقطني والبيهقي وغيرهم كما سيأتي النقل عنهم - إن شاء الله - في الكلام على علل الحديث، وله علل كثيره، منها:\nالعلة الأول: سوء حفظ يزيد بن عبد الرحمن الدالاني.\nقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: لا يتابع في بعض حديثه، وقال ابن عبد البر: ليس بحجة، وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم يخالف الثقات في الروايات، حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنه معلولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات. انظر تهذيب الكمال (٣٣/ ٢٧٣)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٨٢)، المجروحين (٣/ ١٠٥).\nوقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه عبد السلام بن حرب، وفي حديثه لين، إلا أنه مع لينه يكتب حديثه. مختصر الكامل (٢١٦٩).\nوقال ابن معين والنسائي وأحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. تهذيب الكمال (٣٣/ ٢٧٣)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٧٧)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٨٣).\nوتوسط الحافظ في التقريب، فقال: صدوق يخطئ كثيرًا. قلت: وهذا الحديث يعد من أخطائه كما سيأتي بيانه في العلة الثانية.\nالعلة الثانية: المخالفة، فقد خالف يزيد الدالاني من هو أوثق منه، في متنه وإسناده،\nأما المتن، فقال أبو داود: قوله: (الوضوء على من نام مضطجعًا) هو حديث منكر، لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس، ولم يذكروا شيئًا من هذا».\nقلت: الحديث في البخاري (١٣٨) وفي مسلم (٧٦٣) عن ابن عباس في كون النبي نام حتى نفخ، وصلى ولم يتوضأ، وليس فيه زيادة (إنما النوم على من نام مضطجعًا) بل إنه في البخاري (اضطجع حتى نفخ).\nوأما المخالفة في الإسناد، فأشار إليها البخاري ﵀، فيما نقله عنه الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٤٨) قال: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا لا شيء، رواه سعيد\nابن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولا أعرف لأبي خالد سماعًا من قتادة، وأبو خالد صدوق، وإنما يهم في الشيء.\nفرواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس موقوفًا، وأسقط أبا العالية، وقتادة لم يسمع من ابن عباس.\nوقال أبو داود: ذكرت لأحمد بن حنبل حديث يزيد الدالاني فانتهرني استعظامًا له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة، ولم يعبأ بالحديث. اهـ\nالعلة الثالثة: لم يسمع قتادة هذا الحديث من أبي العالية.\nقال أبو داود: قال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس: حدثني رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر.\nوانظر إتحاف المهرة (٧٣٣٦)، أطراف المسند (٣/ ٥٩)، تحفة الأشراف (٥٤٢٥).","vol":"2","page":620},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-954> الدليل الثاني:</span>\n(٤٢٠ - ٢٧٤) ما رواه البيهقي من طريق بحر بن كنيز السقاء، عن ميمون الخياط، عن أبي عياض،\nعن حذيفة بن اليمان، قال: كنت في مسجد المدينة جالسًا أخفق حتى احتضنني رجل من خلفي، فالتفت فإذا أنا بالنبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله هل وجب علي وضوء؟ قال: لا حتى تضع جنبك (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ١٢٠).\n(^٢) والحديث قد أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٥٤)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٧٥) من طريق بحر السقاء به.\nوأخرجه العقيلي أيضًا (٢/ ٧٥) من طريق بحر السقاء، عن ميمون الخياط، عن ضبة بن جوين، عن أبي عياض، عن حذيفة، فزاد في إسناده ضبة بن جوين.\nقال البيهقي: تفرد به بحر بن كنيز السقاء، عن ميمون الخياط، وهو ضعيف لا يحتج بروايته. اهـ وقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٨٢).\nوقال ابن معين: لا يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٢/ ٤١٨) رقم ١٦٥٥.\nوقد ضعفه العقيلي أيضًا بأبي عياض: زيد بن عياض، انظر الضعفاء الكبير (٢/ ٧٥).","vol":"2","page":621},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-955> الدليل الثالث:</span>\n(٤٢١ - ٢٧٥) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق عبد القاهر بن شعيب، قال: ثنا الحسن بن أبي جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: من نام وهو جالس فلا وضوء عليه، فإذا وضع جنبه فعليه الوضوء.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ليث إلا الحسن بن أبي جعفر، تفرد به عبد القاهر بن شعيب (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) الأوسط (٦٠٦٠).\n(^٢) في إسناده: الحسن بن أبي جعفر، قال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٢/ ٢٨٨).\nوقال النسائي: ضعيف، وقال في موضع آخر: متروك. الكامل (٢/ ٣٠٤)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٢٧).\nوقال العجلي: ضعيف الحديث. معرفة الثقات (٢٨٨).\nوقال ابن عدي: أحاديثه صالحة، وهو يروي الغرائب خاصة عن محمد بن جحادة، وله عن غير ابن جحادة أحاديث مستقيمة صالحة، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب، وهو صدوق كما قاله عمرو بن علي، ولعل هذه الأحاديث التي أنكرت عليه توهمها توهمًا، أو شبه عليه فغلط. الكامل (٢/ ٣٠٨).\nوقال ابن حبان: كان من المتعبدين المجابين الدعوة في الأوقات، ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث وحفظه، واشتغل بالعبادة عنها، فإذا حدث وهم فيما يروي، ويقلب الأسانيد، وهو لا يعلم حتى صار ممن لا يحتج به، وإن كان فاضلًا. المجروحين (١/ ٢٣٧).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٧) وفيه الحسن بن أبي جعفر الجفري، ضعفه البخاري وغيره، وقال ابن عدي: له أحايث صالحة، ولا يتعمد الكذب. اهـ\nوفي التقريب: ضعيف الحديث مع عبادته وفضله.\nوفي الإسناد أيضًا ليث بن أبي سليم، مشهور الضعف.\nوالحديث رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٤٦٨) من طريق مهدي يعني ابن هلال، حدثنا يعقوب: يعني ابن عطاء بن أبي رباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به، بلفظ: ...\nليس على من نام قائمًا أو قاعدًا وضوء حتى يضع جنبه إلى الأرض.\nوابن هلال قد كذبه جماعة منهم يحيى بن سعيد وابن معين وأحمد وابن المديني وتركه الدارقطني.\nويعقوب بن عطاء، قال في التقريب: ضعيف.","vol":"2","page":622},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-956> الدليل الرابع:</span>\n(٤٢٢ - ٢٧٦) ما رواه الطبراني، من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم،\nعن أبي أمامة، أن النبي ﷺ نام حتى نفخ، ثم قال: الوضوء على من اضطجع (^١).\n[ضعيف جدًّا بل موضوع] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-957> الدليل الخامس:</span>\n(٤٢٣ - ٢٧٧) ما رواه عبد الرزاق في المصنف عن معمر، عن أيوب، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان ينام، وهو جالس، فلا يتوضأ، وإذا نام مضطجعًا أعاد الوضوء (^٣).\n[صحيح، وهو موقوف] (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-958> الدليل السادس:</span>\n(٤٢٤ - ٢٧٨) ما رواه البيهقي من طريق أبي صخر، أنه سمع يزيد ابن قسيط يقول:\n_________\n(^١) المعجم الكبير (٧٩٤٨).\n(^٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٨): وفيه جعفر بن الزبير، وهو كذاب. اهـ\n(^٣) المصنف (٤٨٥).\n(^٤) ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٩/ ٦٨) تابع ح ٣٤٤٨ من طريق حماد، عن أيوب به. وإسناده صحيح.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٢) والطحاوي في مشكل الآثار (٩/ ٦٨) من طريق يحيى بن سعيد، عن نافع به.\nورواه عبد الرزاق (٤٨٤) عن عبد الله بن عمر، عن نافع، وعبد الله بن عمر في حفظه شيء، لكنه قد زال بالمتابعة.","vol":"2","page":623},{"text":"إنه سمع أبا هريرة يقول: ليس على المحتبي النائم، ولا على القائم النائم، ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ (^١).\n[حسن إن شاء الله تعالى] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-959> الدليل السابع:</span>\n(٤٢٥ - ٢٧٩) ما رواه مالك، عن زيد بن أسلم،\nأن عمر بن الخطاب قال: إذا نام أحدكم مضطجعًا فليتوضأ (^٣).\n[منقطع، زيد لم يسمع من عمر] (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-960> الدليل الثامن:</span>\n(٤٢٦ - ٢٨٠) ما رواه الطحاوي من طريق خالد بن إلياس، عن محمد وأبي بكر ابني المنكدر،\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ١٢٢).\n(^٢) في إسناده أبو صخر: حميد بن زياد الخراط.\nقال أحمد: ليس به بأس. الجرح والتعديل (٣/ ٢٢٢).\nووثقه الدارقطني والعجلي. معرفة الثقات (١/ ٣٢٣)، تهذيب التهذيب (٣/ ٣٦).\nواختلف قول يحيى بن معين، فقال ثقة ليس به بأس، وقال في أخرى: ضعيف. تهذيب التهذيب (٣/ ٣٦).\nوضعفه النسائي. تهذيب الكمال (٧/ ٣٦٨).\nوقال ابن عدي: هو عندي صالح الحديث، وإنما أنكرت عليه هذين الحديثين: (المؤمن مؤالف) وفي القدرية، ذكرتهما وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيمًا. الكامل (٢/ ٢٦٩).\nوفي التقريب: صدوق يهم، وباقي الإسناد رجاله ثقات.\nوقال الحافظ في التلخيص ط قرطبة (١/ ٢١١): إسناده جيد، وهو موقوف.\n(^٣) الموطأ (١/ ٢١).\n(^٤) إسناده منقطع، زيد بن أسلم لم يسمع من عمر بن الخطاب.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٤٨٢) عن مالك به.","vol":"2","page":624},{"text":"عن جابر بن عبد الله قال: من نام وهو قاعد فلا وضوء عليه، ومن نام مضطجعًا فعليه الوضوء (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-961> الدليل التاسع:</span>\nقال النووي: «... ولأننا اتفقنا نحن وهم على أن النوم ليس حدثا في عينه، وإنما هو دليل للخارج؛ فضبطناه نحن بضابط صحيح جاءت به السنة، ومناسبته ظاهرة، وضبطوه بما لا أصل له ولا معنى يقتضيه؛ فإن الساجد والراكع كالمضطجع، ولا فرق بينهما في خروج الخارج» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-962> دليل المالكية بأن النوم الثقيل ناقض للوضوء بخلاف الخفيف:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-963> الدليل الأول:</span>\n(٤٢٧ - ٢٨١) ما رواه عبد الرزاق عن الثوري، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم،\nعن ابن عباس قال: وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق خفقة برأسه (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\n_________\n(^١) مشكل الآثار (٩/ ٦٨).\n(^٢) في إسناده خالد بن إلياس العدوي، جاء في ترجمته:\nقال أحمد والنسائي: متروك الحديث. الكامل (٣/ ٥)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (١٧٢).\nقال فيه البخاري: ليس بشيء، منكر الحديث. الضعفاء الكبير (٢/ ٣).\nوقال ابن معين: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه. تهذيب التهذيب (٣/ ٧٠).\nوفي التقريب: متروك الحديث.\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٦).\n(^٤) المصنف (٤٧٩).\n(^٥) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٢٤) رقم ١٤١٢ من طريق ابن إدريس،\nوالبيهقي في السنن (١/ ١١٩) من طريق سفيان، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد به، قال البيهقي: هكذا رواه جماعة عن يزيد بن أبي زياد موقوفًا. وروي ذلك مرفوعًا، ولا يثبت رفعه. اهـ ...\nوفي إسناده يزيد بن أبي زياد، جاء في ترجمته:\nقال أحمد: لم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ، ليس بذاك. الجرح والتعديل (٩/ ٢٦٥).\nقال أبو زرعة: لين يكتب حديثه، ولا يحتج به. الجرح والتعديل (٩/ ٢٦٥).\nوقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. الجرح والتعديل (٩/ ٢٦٥)، والضعفاء والمتروكين (٦٥١).\nوقال العجلي: كوفي ثقة جائز الحديث. معرفة الثقات (٢/ ٣٦٤).\nوفي التقريب: ضعيف، كبر فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعيًا.","vol":"2","page":625},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-964> الدليل الثاني:</span>\n(٤٢٨ - ٢٨٢) ما رواه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة،\nعن أنس أو عن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يضعون جنوبهم، فينامون، فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ (^١).\n[سبق تخريجه فيما سبق] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nدل الحديث على أن النوم منه ما يوجب الوضوء ومنه ما لا يوجب الوضوء، فما كان ثقيلًا فإنه يوجب الوضوء، وما كان غير ذلك فإنه لا يوجب الوضوء ولو كان النائم مضطجعًا.\nقال ابن عبد البر: «وروينا عن أبي عبيد أنه قال: كنت أفتي أن من نام جالسًا لا وضوء عليه، حتى خرج إلى جنبي يوم الجمعة رجل، فنام، فخرجت منه ريح، فقلت له: قم فتوضأ، فقال: لم أنم. فقلت: بلى، وقد خرجت منك ريح تنقض الوضوء، فجعل يحلف أنه ما كان ذلك منه، وقال لي: بل منك خرجت، فتركت ما كنت أعتقد في نوم الجالس، وراعيت غلبة النوم» (^٣).\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (٣١٩٩).\n(^٢) انظر تخريجه من خلال الكلام على طرق ح (٤١٤).\n(^٣) الاستذكار (٢/ ٧٣).","vol":"2","page":626},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-965> الدليل الثالث:</span>\n(٤٢٩ - ٢٨٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم وابن علية، عن الجريري، عن خالد بن علاق العبسي،\nعن أبي هريرة قال: من استحق نومًا، فقد وجب عليه الوضوء. زاد ابن علية: قال الجريري: فسألنا عن استحقاق النوم فقال: إذا وضع جنبه (^١).\n[إسناده صالح إن شاء الله تعالى] (^٢).\nوقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن تفسير قول أبي هريرة: من استحق نومًا فقد وجب عليه الوضوء، فقال: هو أن يضطجع.\nوجه الاستدلال:\nقوله: (من استحق نومًا): أي من غلبه النوم، فخالطه حتى كان مستحقًا له، ومنه: إذا وضع جنبه، فيكون تفسير الوارد في الأثر وإن لم يكن منسوبًا إلى أبي هريرة يكون تفسيرًا له بالمثال، ولذلك أوردت الأثر في أدلة المالكية.\nوبناء على هذا القول حمل المالكية الأحاديث التي أوردناها في القول الأول على النوم الخفيف: كحديث عائشة (أعتم النبي ﷺ حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد) ومثله حديث ابن عمر وابن عباس، وكذلك حديث أنس: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون) حملوا هذه الأحاديث على النوم الخفيف.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٢٤) رقم ١٤١٦.\n(^٢) ورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٤٥) من طريق حماد، عن سعيد الجريري به.\nورواه البيهقي (١/ ١١٩) من طريق شعبة وابن علية، كلاهما عن سعيد الجريري به. قال البيهقي: وقد روي ذلك مرفوعًا، ولا يصح رفعه. اهـ\nوشعبة وابن علية رويا عن سعيد الجريري قبل اختلاطه، وخالد بن علاق روى له مسلم، ولم يوثقه إلا ابن حبان.","vol":"2","page":627},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-966> دليل الشافعية على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-967> الدليل الأول:</span>\n(٤٣٠ - ٢٨٤) ما رواه أبو داود من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة،\nعن أنس، كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون (^١).\n[سبق تخريجه] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن خفقان الرأس لا يكون إلا من القاعد، وأما المضطجع فلا يحصل ذلك منه، وعليه حملوا أحاديث القول الأول كحديث ابن عمر وابن عباس وعائشة في نوم الصحابة وهم ينتظرون صلاة العشاء بكونهم جلوسًا، وإنما كان النوم من الجالس لا ينقض الوضوء؛ لأن النوم ليس حدثًا، وإنما هو مظنة الحدث، فإذا وجد النوم على صفة لا يكون سبيلًا إلى الحدث انتفى الحكم عنه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-968> الدليل الثاني:</span>\n(٤٣١ - ٢٨٥) حديث علي بن أبي طالب ومعاوية ﵄، قالا:\nقال رسول الله ﷺ: العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء.\n[سبق تخريجه والكلام عليه] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ جعل العينين وكاء في حفظ السبيل، فكذلك الأرض تخلف العينين في حفظ السبيل.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٠٠).\n(^٢) انظر أدلة القول الأول، ح (٤١٤).\n(^٣) انظر حديث رقم (٤١٨).","vol":"2","page":628},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-969> الدليل الثالث والرابع:</span>\nحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وحديث حذيفة، وسبق الكلام عليهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-970> دليل الحنابلة على أن النوم ناقض للوضوء إلا يسيره من قاعد أو قائم:</span>\nأما الدليل على أن يسير النوم لا ينقض من القاعد فلحديث أنس المتقدم: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يقومون، فيصلون، ولا يتوضؤون.\nوفي رواية: (حتى تخفق رؤوسهم) فالنائم يخفق رأسه من يسير النوم، فهو في اليسير متيقن، وفي الكثير محتمل، فلا نترك عموم الأحاديث الدالة على النقض مطلقًا إلا فيما كان متيقنًا؛ ولأن نقض الوضوء بالنوم معلل بإفضائه إلى الحدث، ومع الكثير والغلبة يفضي إليه، ولا يحس بخروجه بخلاف اليسير، ولا يصح قياس الكثير على القليل لاختلافهما في الإفضاء إلى الحدث، والقائم كالقاعد في انضمام محل الحدث، فلا ينقض اليسير منه، وعليه حملوا جميع الأحاديث التي تدل على أن النوم ليس ناقضًا بأنه كان يسيرًا من قاعد، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-971> دليل من قال: لا ينقض النوم في الصلاة على أي هيئة كان:</span>\n(٤٣٢ - ٢٨٦) استدلوا بما يروى عن النبي ﷺ، قال: (إذا نام العبد في صلاته باهى الله به ملائكته، يقول: انظروا لعبدي روحه عندي وجسده ساجد بين يدي) (^١).\n[لا يثبت من وجه صحيح عن النبي ﷺ] (^٢).\n_________\n(^١) التلخيص لابن حجر (١/ ٢١٢).\n(^٢) قال ابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٢١٢) «أنكره جماعة منهم القاضي ابن العربي وجوده، وقد رواه البيهقي في الخلافيات من حديث أنس، وفيه داود بن الزبرقان، وهو ضعيف، وروي من وجه آخر، عن أبان، عن أنس، وهو متروك، ورواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (١٩٩) من حديث المبارك بن فضالة، وذكره الدارقطني في العلل من حديث عباد بن راشد، كلاهما عن الحسن عن أبي هريرة، بلفظ: إذا نام العبد، وهو ساجد يقول الله: انظروا إلى عبدي. قال: ...\nوقيل: عن الحسن بلغنا عن النبي ﷺ: قال: والحسن لم يسمع من أبي هريرة. قال ابن حجر: وعلى هذه الرواية اقتصر ابن حزم وأعلها بالانقطاع، ومرسل الحسن أخرجه أحمد في الزهد، ولفظه: إذا نام العبد، وهو ساجد، يباهي الله به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي، وهو ساجد لي، وروى ابن شاهين عن أبي سعيد معناه، وإسناده ضعيف». اهـ من تلخيص الحبير.\nقلت: رواية الحسن المرسلة أخرجها محمد بن نصر في كتابه تعظيم قدر الصلاة (٢٩٨) من طريق المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: أنبئت أن ربنا ﵎ يقول: إذا نام العبد، وهو ساجد ... إلخ.\nوأخرجها ابن أبي عاصم في كتاب الزهد (٢٨٠) من طريق أحمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا سلام، قال: سمعت الحسن يقول: إذا نام العبد وهو ساجد .... وذكره. وانظر علل الدارقطني (٨/ ٢٤٨).","vol":"2","page":629},{"text":"ومع كون الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ فهو مخالف لحديث النهي عن الصلاة، وهو يغالبه النعاس،\n(٤٣٣ - ٢٨٧) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه. ورواه مسلم أيضًا (^١).\nهذه أهم الأقوال في المسألة، وهناك أقوال أخرى لم أتعرض لها لضعفها، والراجح في مسألة النوم أن مداره على الإحساس، فإن فقد الإحساس بحيث لو أحدث لم يشعر انتقض وضوءه، وإن كان إحساسه معه لكن معه مقدمات النوم، ويشعر بالأصوات من حوله، ولا يميزها من النعاس فإن طهارته باقية بذلك؛ لأن النوم ليس حدثًا في نفسه،\nقال ابن تيمية: «ويدل على هذا ما في الصحيحين أن النبي ﷺ كان ينام حتى ينفخ، ثم يقوم، فيصلي، ولا يتوضأ (^٢)؛ لأنه كانت تنام عيناه، ولا ينام قلبه، فكان\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨).\n(^٢) انظر البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣).","vol":"2","page":630},{"text":"يقظان، فلو خرج منه شيء لشعر به، وهذا يبين أن النوم ليس حدثًا في نفسه؛ إذ لو كان حدثًا لم يكن فيه فرق بين النبي ﷺ وبين غيره كما في البول والغائط وغيرهما من الأحداث» (^١).\nوبهذا تجتمع الأدلة، فحديث صفوان بن عسال دل على أن النوم ناقض للوضوء، وحديث أنس دل على أن النوم ليس بناقض، فيحمل حديث أنس على أن الإحساس ليس مفقودًا، فلو أحدث الواحد منهم لأحس بنفسه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٢٩).","vol":"2","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-972>الفصل الرابع في نقض الوضوء بمس الفرج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>المبحث الأول في نقض الوضوء من مس الذكر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• نقض الوضوء من مس الذكر هل هو تعبدي فينقض مطلقًا كما هو ظاهر النصوص، أو هو معقول المعنى، فينقض ما كان المس فيه سببًا للحدث كما لو مسه بشهوة؟\n• إذا تعارض نصان أحدهما ناقل عن الأصل، والآخر ناف مبق لحكم الأصل كان الناقل أولى، ولذا تقدم أحاديث الوضوء من مس الذكر على حديث طلق ابن علي من إسقاط الوضوء منه (^١).\n• اللمس بباطن الأصابع كاللمس بباطن الكف؛ لأن العادة أن اللمس يكون بهما.\n• اعتبار اللمس حدثًا من باب تقديم الظاهر على الأصل؛ إذ الأصل عدم خروج الحدث وبقاء الطهارة.\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٧٧).","vol":"2","page":632},{"text":"• اللمس سببًا للذة، واللذة سبب لخروج المذي، وخروج المذي حدث ناقض للوضوء، وما كان سببًا للحدث فإنه كالحدث في إيجاب الوضوء.\n• العلة إذا كانت غير منضبطة علق الحكم على المظنة، وذلك أن الناس يتفاوتون في كون اللمس سببًا في خروج الحدث، فبعضهم يخرج الخارج لأدنى مس، وبعضهم لا يخرج منه شيء إلا مع كثير اللمس، فأقيمت المظنة مقام العلة، كالمشقة في السفر لما كانت سببًا للقصر، وهي غير منضبطة أقيمت مظنته مقامه.\n• لو كانت العلة مظنة خروج الحدث لكان انتشار الذكر بشهوة موجبًا للوضوء، ولكان مس الذكر بشهوة، ولو من وراء حائل موجبًا له؛ لأنه مظنة لخروج شيء من الفرج، والوقوف عند النص ما دام أن العلة ليست معقولة هو الاحتياط.\n[م-١٨٩] اختلاف العلماء في مس الذكر:\nفقيل: لا ينقض الوضوء مس الذكر مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (^١)، واختيار سحنون وابن القاسم في أحد قوليه (^٢).\nوقيل: ينقض الوضوء من مسه مطلقًا، وهو أحد الأقوال الثلاثة في مذهب مالك، واختيار أصبغ بن الفرج (^٣)، ومذهب الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، إلا أنهم\n_________\n(^١) انظر تبيين الحقائق (١/ ١٢)، البحر الرائق (١/ ٤٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٠)، مراقي الفلاح (ص: ٣٨)، شرح فتح القدير (١/ ٥٦).\n(^٢) انظر مقدمات ابن رشد (١/ ١٠١، ١٠٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢١).\n(^٣) مقدمات ابن رشد (١/ ١٠٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢١)، المعونة (١/ ١٥٦).\n(^٤) الأم (١/ ١٩، ٢٠)، المجموع (٢/ ٣٨)، روضة الطالبين (١/ ٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥).\n(^٥) كشاف القناع (١/ ١٢٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧١)، المبدع (١/ ١٦٠)، الفروع (١/ ١٧٩) الإنصاف (١/ ٢٠٢)، شرح الزركشي (١/ ٢٤٣)، التحقيق (١/ ١٧٦)، المحرر (١/ ١٤).","vol":"2","page":633},{"text":"اختلفوا فيما بينهم، فالشافعية والمالكية يقيدون المس بباطن الكف، فإن مسه بغيره كما لو مسه بظاهر الكف لم ينقض، والحنابلة يعلقون النقض بمسه بالكف، ظاهره وباطنه.\nوقيل: يستحب الوضوء من مس الذكر، وهو اختيار المغاربة من المالكية (^١).\nوقيل: إن مسه بشهوة أعاد الوضوء، وهو اختيار البغدادين من أصحاب مالك (^٢).\nوقيل: إن مسه بعمد نقض، وإن مسه بغير عمد لم ينقض، اختاره بعض المالكية (^٣).\nفهذه خمسة أقوال في نقض الوضوء من مس الذكر، وهاك بيان أدلة كل قول من هذه الأقوال:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-974> دليل من قال بوجوب الوضوء من مس الذكر مطلقًا:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-975> الدليل الأول:</span>\n(٤٣٤ - ٢٨٨) ما رواه مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم، فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر الوضوء؟ فقال عروة: ما علمت هذا؟ فقال مروان بن الحكم:\n_________\n(^١) يرى المغاربة من أصحاب مالك: أن من مس ذكره فإنه يعيد الوضوء ما لم يُصلِّ، فإن صلى أمر بالإعادة في الوقت، فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، وظاهر هذا القول استحباب الوضوء منه؛ لأنه لو كان واجبًا أعاد مطلقًا في الوقت وبعده. انظر مواهب الجليل (١/ ٢٩٩)، الخرشي (١/ ١٥٦)، الاستذكار (٣/ ٢٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢١)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٢)، المقدمات الممهدات (١/ ١٠١).\n(^٢) انظر المراجع السابقة، وانظر شرح التلقين للمازري (١/ ١٩٢).\n(^٣) انظر المراجع السابقة.","vol":"2","page":634},{"text":"أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ (^١).\n[إسناده حسن، والحديث صحيح لغيره] (^٢).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٤٢).\n(^٢) في إسناده مروان بن الحكم، اختلف العلماء فيه،\nقال ابن حبان: عائذ بالله أن نحتج بخبر رواه مروان بن الحكم وذووه في شيء من كتبنا؛ لأنا لا نستحل الاحتجاج بغير الصحيح من سائر الأخبار، وإن وافق ذلك مذهبنا. صحيح ابن حبان (٣/ ٣٩٧).\nوقال الذهبي: له أعمال موبقة، نسأل الله السلامة، رمى طلحة بسهم، وفعل وفعل. الميزان (٤/ ٨٩).\nوقال في سير أعلام النبلاء: كان كاتب ابن عمه عثمان، وإليه الخاتم، فخانه، وأجلبوا بسببه على عثمان ﵁، ثم نجا هو، وسار مع طلحة والزبير للطلب بدم عثمان، فَقَتَلَ طلحة يوم الجمل ونجى لا نجي. اهـ\nوقال الحافظ ابن حجر: عد من موبقاته أنه رمى طلحة أحد العشرة يوم الجمل، وهما جميعًا، فقتل، ثم وثب على الخلافة بالسيف، واعتذرت عنه في مقدمة شرح البخاري. اهـ تهذيب التهذيب (١٠/ ٩٢).\nوسوف أسوق اعتذاره قريبًا إن شاء الله.\nهذا قول من جرح مروان بن الحكم، عفى الله عنه، وأما من وثقه:\nفقد أخرج البخاري حديثه في صحيحه، واحتج به مالك في الموطأ، وكفى بهما في معرفة الرجال وتنقيتهما لهم، وصحح ابن معين حديث مروان بن الحكم من هذا الطريق خاصة، وتصحيح الحديث من طريقه خاصة توثيقًا له، وقال الدارقطني: لا بأس به، وكذلك صحح حديثه الإمام أحمد وابن عبد البر. وسوف أنقل ذلك عنهم إن شاء الله تعالى.\nواعتذر ابن حجر في هدي الساري، فقال: «يقال له رؤية، فإن ثبتت فلا يعرج على من تكلم فيه. وقال عروة بن الزبير: مروان لا يتهم بالحديث، وقد روى عنه سهل بن سعد الساعدي الصحابي اعتمادًا على صدقه، وإنما نقموا عليه أنه رمى طلحة يوم الجمل بسهم، فقتله، ثم شهر السيف في طلب الخلافة، حتى جرى ما جرى، فأما قتل طلحة فكان متأولًا فيه، كما قرره الإسماعيلي وغيره، وأما بعد ذلك فإنما حمل عنه سهل بن سعد وعروة وعلي بن الحسين وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في صحيحه لما كان أميرًا عندهم بالمدينة، قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزبير ما بدا، والله أعلم، وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه، والباقون سوى مسلم». اهـ =","vol":"2","page":635},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال البيهقي: هذا الحديث وإن لم يخرجه الشيخان فقد احتجا بجميع رواته، واحتج البخاري بمروان بن الحكم في عدة أحاديث، فهو على شرط البخاري بكل حال، وقال الإسماعيلي: يلزم البخاري إخراجه بعد إخراج نظيره.\nوقال الدارقطني: صحيح ثابت.\nقلت: من طعن في مروان إنما طعن فيه لأمرين:\nالأول: رميه طلحة بسهم، فقتله.\nوثانيًا: أنه شهر السيف في طلبه للخلافة حتى جرى منه ما جرى.\nفأما رميه طلحة ﵁ بسهم، فقد كان في ذلك متأولًا كما نقله الحافظ ابن حجر.\nوأما إشهاره السيف في طلب الخلافة فإنه قد حدث بهذا الحديث قبل أن يحصل منه ما يطعن فيه، وذلك حين كان أميرًا على المدينة، فقد أخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في المسند (٦/ ٤٠٧) قال عبد الله: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر ...» وذكر الحديث، فهذا صريح في أن حديثه كان في زمن إمارته على المدينة.\nقال ابن حزم: «لا نعلم لمروان شيئًا يجرح به قبل خروجه على ابن الزبير، وعروة لم يلقه إلا قبل خروجه على أخيه».\nوقال ابن حجر في التقريب: لا تثبت له صحبة، قال عروة بن الزبير: مروان لا يتهم في الحديث. اهـ\nفالذي يظهر لي أن حديثه لا ينزل عن رتبة الحديث الحسن لذاته، والله أعلم، وباقي الإسناد رجاله كلهم ثقات، والله أعلم.\nوالحديث يرويه عروة بن الزبير، ويرويه عن عروة جماعة منهم:\nالأول: عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة.\nأخرجها مالك في الموطأ كما في إسناد الباب، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في الأم (١/ ١٩)، وأبو داود (١٨١)، والنسائي (١٦٣)، وابن حبان في صحيحه (١١١٢)، والبيهقي (١/ ١٢٨) وغيرهم.\nوقد تابع مالكًا جماعة منهم:\nالأول: سفيان بن عيينة، كما في مسند أحمد (٦/ ٤٠٦)، بلفظ: من مس فرجه فليتوضأ، قال: فأرسل إليها رسولًا وأنا حاضر، فقالت: نعم، فجاء من عندها بذاك. اهـ فذكر سفيان مس الفرج بدلًا من مس الذكر. وزاد على مالك قوله: (فأرسل إليها رسولًا ..) إلخ. - =","vol":"2","page":636},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الحميدي (٣٥٢) عن سفيان به بمس الذكر كرواية مالك، إلا أنه ذكر في متنه قصة إرسال الرسول إلى بسرة.\nوأخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٦) من طريق سفيان بنحو رواية الحميدي.\nواختلف على سفيان في إسناده، فرواه أحمد والحميدي وابن المقرئ عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن مروان، عن بسرة، كرواية الجماعة.\nورواه النسائي (٤٤٤) أخبرنا قتيبة، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن بسرة، فأسقط ذكر مروان، ولا شك أن رواية الجماعة هي الصواب، خاصة أن النسائي قال: ولم أتقنه يعني: عن شيخه قتيبة. وصدق أبو عبد الرحمن ﵀.\nالثاني: ابن علية كما في المسند (٦/ ٤٠٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٠).\nالثالث: شعبة، كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٦٥٧)، بلفظ (الذكر) بدلًا من الفرج.\nالرابع: محمد بن إسحاق، كما في سنن الدارمي (٧٢٥)، بلفظ (من مس فرجه).\nالخامس: الزهري، أخرجها عبد الله بن أحمد (٦/ ٤٠٦) قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده، حدثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن به.\nوقد اختلف الرواة فيه على الزهري اختلافًا كثيرًا جدًّا، وهذا الطريق هو أرجحها لموافقته رواية مالك وسفيان وإسماعيل ابن علية، وشعبة ومحمد بن إسحاق وسوف أتكلم عليها في طريق مستقل إن شاء الله تعالى.\nفتبين لي من خلال طريق عبد الله بن أبي بكر ما يلي:\nأولًا: أن الحديث يرويه مالك وشعبة وابن علية والزهري عن عبد الله بن أبي بكر بمس الذكر، ويرويه ابن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد عن ابن عيينة بلفظ: (من مس فرجه).\nورواه الحميدي وابن المقرئ عن ابن عيينة كرواية الجماعة بمس الذكر.\nورواه ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بلفظ: (من مس فرجه) ولا شك أن مالكًا وشعبة والزهري وابن علية مقدمون على ابن عيينة وابن إسحاق، وذلك لأن ابن عيينة قد اختلف عليه في لفظه، ولأن ابن إسحاق خفيف الضبط، حديثه من قبيل الحسن.\nثانيًا: إرسال مروان إلى بسرة رسولًا ليتثبت منها صحة الحديث اتفق على ذكره كل من ابن عيينة وشعبة وابن علية، فهو محفوظ من حديث عبد الله بن أبي بكر.\nواعلم أن طريق عبد الله بن أبي بكر هو أصح الطرق لحديث بسرة بنت صفوان، فقد احتج به مالك، وصححه يحيى بن معين من هذا الطريق خاصة. - =","vol":"2","page":637},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جاء في تلخيص الحبير (١/ ٢١٥): «وفي سؤالات مضر بن محمد: قلت ليحيى بن معين: أي شيء يصح في مس الذكر؟ قال: حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة، فإنه يقول فيه: سمعت، ولولا هذا لقلت: لا يصح فيه شيء. قال ابن حجر: فأثبت صحته لهذا الطريق خاصة، وصححه ابن عبد البر من حديث مالك». اهـ\nالطريق الثاني: الزهري، عن عروة، وقد ذكرت فيما سبق أن الزهري قد اختلف عليه اختلافًا كثيرًا، سواء في لفظه أو في إسناده، وإليك بيان الاختلاف:\nفقيل: عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة،\nأخرجه عبد الله بن أحمد في المسند (٦/ ٤٠٧) والنسائي (١٦٤) من طريق شعيب.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٧٢) من طريق الليث.\nوأخرجه البيهقي (١/ ١٣٢) من طريق عقيل.\nكلهم عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة.\nوهذا الطريق هو أصح الطرق، لموافقته رواية مالك وشعبة وسفيان بن عيينة وابن علية وابن إسحاق، وقد تقدم الكلام عن هذه الطرق، ولأن هذا الطريق من رواية جماعة من أصحاب الزهري وخاصته، كالليث وشعيب وعقيل؛ ولأن من خالف هؤلاء إما ضعيف وإما مختلف عليه في الحديث مما يدل على عدم ضبطه.\nوقيل: عن الزهري، عن عروة، عن بسرة، بدون ذكر مروان.\nرواها معمر، عن الزهري، واختلف على معمر فيه:\nفرواه النسائي (٤٤٥) من طريق شعبة، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن بسرة بدون ذكر مروان.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٤١١) ومن طريق عبد الرزاق أخرجها الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧١) عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: تذكرا هو ومروان الوضوء من مس الفرج، فقال مروان: حدثتني بسرة. فذكر هنا الزهري مروان في الإسناد، وكونه أسقط عبد الله بن أبي بكر فهذا من تدليس الزهري، ولذلك لما صرح بالتحديث ذكر عبد الله بن أبي بكر كما في رواية أحمد المتقدمة (٦/ ٤٠٧)، ورواية النسائي (١٦٤).\nورواية عبد الرزاق عن معمر أرجح من رواية شعبة عن معمر، لثلاثة أمور:\nالأول: لموافقتها رواية أصحاب الزهري كالليث وشعيب وعقيل وعبد الرحمن بن نمر كلهم اتفقوا على ذكر مروان في الإسناد. وهذا وحده كاف في ترجيح رواية عبد الرزاق على رواية شعبة.\nثانيًا: ولموافقتها من روى الحديث عن عبد الله بن أبي بكر كمالك وسفيان بن عيينة وابن علية وغيرهم. =","vol":"2","page":638},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وثالثًا: أن عبد الرزاق يمني، وشعبة بصري، وحديث معمر باليمن أرجح منه بالبصرة، قال ... أبو حاتم كما في تهذيب الكمال: ما حدث معمر بالبصرة ففيه أغاليط.\nورواه الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن نمر، واختلف على الوليد بن مسلم:\nفرواه هشام بن عمار كما في سنن البيهقي (١/ ١٣٢)\nوعبد الله بن أحمد بن ذكوان الدمشقي كما في صحيح ابن حبان (١١١٧)، كلاهما عن الوليد ابن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن نمر اليحصبي، عن الزهري، عن عروة، عن بسرة، بدون ذكر مروان.\nورواه البيهقي (١/ ١٣٢) من طريق أبي موسى الأنصاري، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن ابن نمر، عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة.\nوهذا الطريق هو الصحيح، وأن الزهري يروي الحديث عن عبد الله بن أبي بكر، وعروة يرويه عن مروان لما سبق ذكره.\nوسوف يكون لي إن شاء الله تعالى وقفة أخرى عند هذا الطريق من جهة متنه.\nوقيل: عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن بسرة، عن زيد بن خالد الجهني،\nفجعل الحديث من مسند زيد بن خالد، ترويه عنه بسرة، وبدون ذكر مروان بن الحكم.\nأخرجه عبد الرزاق (٤١٢) قال: أخبرنا ابن جريج، قال: حدثني ابن شهاب (الزهري)، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، أنه كان يحدث عن بسرة بنت صفوان، عن زيد بن خالد الجهني .... الحديث.\nوهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا أنه معلول.\nوفي كتاب العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٢) ذكر طريق عبد الرزاق هذا، إلا أنه قال: عن عروة، عن بسرة وزيد بن خالد، ولعل هذا أقرب.\nوعلى كل حال فهو معلول، وعلته ابن جريج، فإنه وإن كان ثقة، وقد صرح بالتحديث إلا أن روايته عن الزهري فيها كلام.\nقال ابن معين: ابن جريج ليس بشيء في الزهري.\nوقال الذهبي: كان ابن جريج يرى الرواية بالإجازة والمناولة، ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في رواياته عن الزهري؛ لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر لم يكن حدث في الخط بعد شكل ولا نقط ...\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٢): «سألت أبي عن حديث رواه عبد الرزاق وأبو قرة موسى ابن طارق، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن عروة، عن بسرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ في مس الذكر. قال أبي: أخشى أن يكون ابن جريج أخذ هذا الحديث من إبراهيم بن أبي يحيى؛ لأن أبا جعفر حدثنا، قال: سمعت إبراهيم بن أبي يحيى، يقول: جاءني =","vol":"2","page":639},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن جريج يكتب مثل هذا -خفض يده اليسرى ورفع يده اليمنى مقدار بضعة عشر جزءًا- فقال: أروي هذا عنك، فقال: نعم».اهـ\nوخالف محمد بن إسحاق ابن جريج، فرواه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٠) حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن زيد بن خالد، عن رسول الله ﷺ، بلفظ: من مس فرجه فليتوضأ.\nوقيل: عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.\nرواه البزار كما في كشف الأستار (٢٨٤) من طريق أبي عامر،\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٧٤) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، كلاهما عن إبراهيم بن إسماعيل ابن أبي حبيبة الأشهلي، عن عمرو بن شريح، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ، قال: من مس فرجه فليتوضأ.\nوفي الإسناد: إبراهيم بن إسماعيل.\nقال أحمد: ثقة. تهذيب التهذيب (١/ ٩٠).\nوقال ابن معين: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال مرة: يكتب حديثه ولا يحتج به. المرجع السابق.\nوقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (١/ ٢٧١).\nوقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي يكتب حديثه، ولا يحتج به، منكر الحديث. تهذيب التهذيب (١/ ٩٠).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٢).\nوقال الدارقطني: متروك. تهذيب التهذيب (١/ ٩٠) وفي التقريب: ضعيف.\nوفي الإسناد أيضًا: عمرو بن شريح، جاء في ترجمته:\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٥): قال الأزدي: لا يصح حديثه.\nوروى ابن عبد البر في التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٣٢٨) بإسناده من طريق الحسين بن الحسن الخياط، أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من مس فرجه فليتوضأ.\nقال ابن عبد البر: وهذا إسناد منكر عن مالك، ليس يصح عنه، وأظن أن الحسين هذا وضعه، أو وهم فيه، والله أعلم.\nقلت: وهو مخالف لكل من رواه عن مالك: كالقعنبي ومعن وابن القاسم وأحمد بن أبي بكر، والشافعي وغيرهم فقد رووه كلهم عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة، وقد تقدم تخريج هذا الطريق. =","vol":"2","page":640},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقيل: عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عروة، عن بسرة.\nأخرجه الطحاوي (١/ ٧٢) من طريق بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: أخبرني ... ابن شهاب، قال: حدثني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: حدثني عروة، عن بسرة بنت صفوان، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: يتوضأ الرجل من مس الذكر.\nفهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا أن بشر بن بكر وإن كان ثقة إلا أنه قد قال فيه مسلمة بن صلة: روى عن الأوزاعي أشياء انفرد بها.\nلكنه هنا قد توبع، فقد تابعه أبو المغيرة كما في سنن الدارمي (٧٢٤) وعبد الحميد بن حبيب كما في التمهيد انظر فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٣٣٠) كلاهما عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وقال الدارمي (عن ابن حزم) عن عروة به.\nوعبد الحميد في التقريب: صدوق ربما أخطأ، قال أبو حاتم: كان صاحب ديوان، ولم يكن صاحب حديث، وأما أبو المغيرة فهو ثقة، لكن انفراد الأوزاعي من بين أصحاب الزهري بإسقاط مروان يدل على شذوذ روايته، فقد تقدم لنا أن كلًا من شعيب وعقيل والليث، ومعمر من رواية عبد الرزاق عنه، كلهم رووه عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة بذكر مروان، كما أن رواية الأوزاعي مخالفة لكل من روى الحديث عن عبد الله ابن أبي بكر: كمالك وشعبة وسفيان بن عيينة، وابن علية، فكلهم رووه بذكر مروان.\nوقد رجح ابن عبد البر رواية عبد الله بن أبي بكر على راوية أبيه؛ لأن الحديث عنده عن عروة، عن مروان، عن بسرة. فقال: «والمحفوظ في هذا الحديث رواية عبد الله بن أبي بكر له عن عروة، ورواية أبي بكر له عن عروة أيضًا، وإن عبد الله قد خالف أباه في إسناده والقول عندنا في ذلك قول عبد الله، هذا إن صح اختلافهما في ذلك، وما أظنه إلا ممن دون أبي بكر، وذلك أن عبد الحميد كاتب الأوزاعي رواه عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد، عن عروة، عن بسرة، وإنما الحديث لعروة عن مروان عن بسرة، والمحفوظ أيضًا في هذا الحديث أن الزهري رواه عن عبد الله بن أبي بكر، لا عن أبي بكر، والله أعلم». اهـ كلام ابن عبد البر.\nقلت: ومما يرجح رواية عبد الله أنه ذكر أنه سمع الحديث هو وأبوه من عروة، كما تقدم من وراية أحمد (٦/ ٤٠٦) وابن الجارود (١٦) من طريق سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: تذاكر أبي وعروة ما يتوضأ منه، فأخبر عروة، أن مروان أخبره أنه سمع بسرة ...\nوكذا أخرجه أحمد (٦/ ٤٠٦) «من طريق إسماعيل بن علية، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث أبي، قال: ذاكرني مروان مس الذكر، فهذان الطريقان يشهدان أن أبا بكر سمعه من عروة، عن مروان، عن بسرة». =","vol":"2","page":641},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٣) من طريق الخصيب، قال: ثنا همام، عن هشام بن عروة، قال: حدثني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عروة أنه كان جالسًا مع مروان ... ثم ذكر الحديث، وفي آخره: أرسل مروان إليها حرسيًا يستثبت منها الحديث.\nفتبين بهذه الروايات شذوذ رواية أبي بكر، عن عروة، عن بسرة، وأن المحفوظ رواية أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة.\nوبهذا أكون قد استكملت طرق الزهري، وقد تبين لنا الاختلاف عليه في هذا الحديث، لكن الراجح منها: رواية شعيب وعقيل والليث ومعمر لموافقتها رواية مالك وابن عيينة وشعبة ... وابن علية، وأن الحديث عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة.\nالطريق الثالث: هشام بن عروة، عن أبيه، واختلف على هشام:\nفقيل: عنه، عن أبيه (عروة)، عن مروان، عن بسرة. وهذا أصح الطرق.\nوقيل: عنه، عن أبيه (عروة)، عن بسرة، بإسقاط مروان.\nوقيل: عنه، عن أبيه، عن مروان، ثم إن عروة سأل بسرة فصدقته.\nوقيل: عنه، عن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة، فصار بين هشام وأبيه واسطة.\nوقيل: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.\nوإليك تفصيل هذه الطرق:\nأما طريق هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، بذكر مروان في الإسناد، فرواه جماعة عن هشام، منهم:\nالأول: أبو أسامة كما في سنن الترمذي (٨٣)، وابن الجارود في المنتقى (١٧).\nالثاني: عبد الله بن إدريس كما في سنن ابن ماجه (٤٧٩).\nالثالث: سفيان الثوري كما في صحيح ابن حبان كما في الموارد (٢١٣)، وسنن الدارقطني (١/ ١٤٦).\nالرابع: حماد بن سلمة كما في شرح معاني الآثار (١/ ٧٢).\nالخامس: علي بن مسهر كما في شرح معاني الآثار (١/ ٧٢).\nالسادس: يزيد بن سنان كما في سنن الدارقطني (١/ ١٤٧).\nالسابع: إسماعيل بن عياش، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٤٧)، كلهم رووه عن هشام، عن عروة، عن مروان، عن بسرة.\nورواه الحاكم كما في المستدرك (١/ ١٣٦) من طريق سليمان بن حرب، ومحمد بن الفضل عارم وخلف بن هشام، قالوا: ثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، أن عروة كان عند مروان بن الحكم، فسئل عن مس الذكر، فلم ير به بأسًا، فقال عروة: إن بسرة بنت صفوان حدثتني أن رسول الله ﷺ قال: وذكر الحديث. =","vol":"2","page":642},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا أشك لحظة أن الحديث انقلب على حماد بن زيد؛ لأن جميع من رواه عن عروة يذكر عن عروة أنه أنكر على مروان حديثه في مس الذكر، فأخبره مروان أنه سمعه من بسرة، ولم يقل أحد أن عروة هو الذي حدث مروان، فانقلب الحديث على حماد بن زيد، لكن موضع الشاهد منه هو الذي يعنينا، وهو ذكر مروان في الإسناد.\nفهؤلاء ثمانية رواة يروونه عن هشام، عن عروة بذكر مروان في الإسناد، وهو المحفوظ.\nوأما رواية هشام بن عروة، عن عروة، عن بسرة بإسقاط مروان.\nفأخرجه أحمد (٦/ ٤٠٦)، والترمذي (٨٢)، والنسائي (٤٤٧) من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام، قال: حدثني أبي أن بسرة بنت صفوان أخبرته ... وذكر الحديث.\nوقد صرح هشام بن عروة بالتحديث من أبيه، وصرح عروة بالسماع له من بسرة.\nورواه ابن حبان (١١١٥) من طريق علي بن المبارك،\nوالدارقطني (١/ ١٤٨) من طريق أيوب، وابن عيينة وعبد الحميد بن جعفر فرقهم، أربعتهم عن هشام بن عروة به.\nوهذا الطريق بحذف مروان بن الحكم طريق شاذ؛ لأمور:\nأولًا: لمخالفته من رواه عن هشام، وقد وقفنا على ثمانية رواة: الثوري والحمادان وأبو أسامة وعبد الله بن إدريس وعلي بن مسهر ويزيد بن سنان وإسماعيل بن عياش كلهم رووه عن هشام بذكر مروان.\nثانيًا: أن من رواه عن هشام بذكر مروان روايته موافقة لرواية مالك وشعبة وابن علية وابن عيينة وابن شهاب عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة.\nثالثًا: أن عبد الله بن أبي بكر لم يختلف عليه في الحديث، وهشام بن عروة مختلف عليه في إسناده، فإذا وافقت رواية هشام رواية عبد الله بن أبي بكر بذكر مروان قبلت من هذا الوجه، وصارت أرجح من غيرها، خاصة أن الذي يرويه عن هشام بذكر مروان من المتقدمين من أصحابه، وهم أكثر عددًا من غيرهم، والله أعلم.\nوأما رواية من أثبت سماع عروة من مروان، ثم سماع عروة من بسرة مصدقة لمروان.\nفقد رواه جماعة عن هشام:\nالأول: شعيب بن إسحاق، وهو ثقة، رواه الدارقطني (١/ ١٤٦) والحاكم (١/ ١٣٦) والبيهقي (١/ ١٢٩) من طريق الحكم بن موسى، عن شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة به. والحكم ابن موسى، قال أبو حاتم: صدوق. وقال يحيى بن معين: ليس به بأس. وقال صالح بن محمد جزرة: الثقة المأمون، وفي التقريب: صدوق.\nورواه ابن حبان في صحيحه (١١١٣) من طريق أحمد بن خالد بن عبد الملك، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا شعيب بن إسحاق به. =","vol":"2","page":643},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأحمد بن خالد، قال عنه الدارقطني: ليس بشيء. انظر لسان الميزان (١/ ٩٥).\nالثاني: المنذر بن عبد الله الحزامي، رواه الحاكم (١/ ١٣٧) من طريقه عن هشام به، والمنذر قال فيه الحافظ في التقريب مقبول: أي حيث يتابع، وإلا فلين الحديث.\nالثالث: ربيعة بن عثمان، كما في المنتقى لابن الجارود (١٨) وربيعة صدوق له أوهام.\nالرابع: عنبسة بن عبد الواحد، رواه الحاكم (١/ ١٣٧)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١٢٩) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا عنبسة بن عبد الوحد، وعنبسة ثقة، لكن الراوي عنه عبد الله بن عمر بن أبان صدوق فيه تشيع.\nالخامس: حميد بن الأسود أبو الأسود، أخرجه البيهقي (١/ ١٣٠) من طريق علي بن المديني، عن حميد بن الأسود، عن هشام به.\nوحميد في التقريب: صدوق يهم قليلًا.\nواختلف العلماء في زيادة هؤلاء، فمنهم من اعتبر الحديث محفوظًا من طريق عروة، عن بسرة، وأن عروة سمعه من مروان، ثم سمعه من بسرة.\nقال ابن حبان في صحيحه (٣/ ٣٩٧): «وأما خبر بسرة الذي ذكرناه، فإن عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم، عن بسرة، فلم يقنعه ذلك حتى بعث مروان له إلى بسرة، فسألها، ثم أتاهم فأخبرهم بمثل ما قالت بسرة، فسمعه عروة ثانيًا عن الشرطي عن بسرة، ثم لم يقنعه ذلك حتى ذهب إلى بسرة فسمع منها، فالخبر عن عروة، عن بسرة متصل، وليس بمنقطع، وصار مروان والشرطي كأنهما عاريتان يسقطان من الإسناد». اهـ\nوقال الحاكم (١/ ١٣٦): نظرنا فوجدنا جماعة من الثقات الحفاظ رووا هذا عن هشام، عن أبيه، عن مروان عن بسرة، ثم ذكروا في روايتهم أن عروة قال: ثم لقيت بعد ذلك بسرة، فحدثتني بالحديث عن رسول الله ﷺ كما حدثني مروان عنها، فدلنا ذلك على صحة الحديث وثبوته على شرط الشيخين، وزوال عنه الخلاف والشبهة، وثبت سماع عروة من بسرة».\nوقال ابن حجر في التلخيص: «وقد جزم ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة بأن عروة سمعه من بسرة».اهـ\nوصحح الدارقطني سماع عروة من بسرة.\nوقال بعضهم: بأن عروة لم يسمعه من بسرة، وأن الصحيح من حديث عروة ما حدث به عن مروان، عنها، وهذا ما رجحه ابن معين، ونقلنا عبارته قبل، ورجحه ابن عبد البر وجماعة، وإليه تميل النفس للأسباب التالية:\nالأول: أن هشام تفرد بهذه الزيادة، وهو قوله، (فسألت بسرة فصدقته) وقد رواه غير واحد عن عروة، ولم يذكر هذه الزيادة، منهم عبد الله بن أبي بكر، وأبوه أبو بكر بن محمد وأبو الأسود، وعبد الرحمن بن أبي الزناد وغيرهم. =","vol":"2","page":644},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثاني: أن هشام مع انفراده بهذه الزيادة، فقد اختلف عليه فيه، فقد روى الحديث عنه جماعة من الأئمة على رأسهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة والثوري وأبو أسامة وعبد الله بن إدريس ويزيد ابن سنان وعلي بن مسهر وغيرهم، وهؤلاء لا يقارنون بمن رواه عن هشام بزيادة: (فسألت بسرة فصدقته) لا من جهة الحفظ ولا من جهة العدد فإن كل من رواها عن هشام إما صدوق له أوهام أو مقبول في المتابعات فلم يصل أحد منهم إلى مرتبة الثقة إلا عنبسة ابن عبد الواحد والإسناد إليه حسن، فالراجح كما سبق أن فصلنا أن هذه الزيادة شاذة.\nالثالث: يحتمل والله أعلم أن يكون السؤال الذي نسب إلى عروة بقوله (فسألت بسرة) باعتبار أن عروة طلب من مروان أن يرسل إلى بسرة ليسألها فأرسل إليها الحرسي، ونسب السؤال إلى عروة باعتباره هو من طلب سؤال بسرة، فقد جاء في المنتقى لابن الجارود (١٦) قلنا: أرسل إليها، فأرسل حرسيًا أو رجلًا فجاء الرسول بذلك، وعليه يحمل ما جاء في الحديث: (فأنكر ذلك عروة، فسأل بسرة، فصدقته).\nوما رواية هشام، عن أبي بكر، عن عروة بذكر واسطة بين هشام وبين أبيه.\nفرواه الطحاوي (١/ ٧٣) من طريق الخصيب بن ناصح، قال: حدثنا همام، عن هشام بن عروة، قال: حدثني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عروة أنه كان جالسًا مع مروان ... ثم ذكر الحديث.\nوقد انفرد الخصيب بن ناصح في هذا الإسناد بكون هشام سمع الحديث من أبي بكر، ولم يسمعه من أبيه، والخصيب بن ناصح قال أبو زرعة: ما به بأس إن شاء الله تعالى.\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ، وفي التقريب: صدوق يخطئ.\nقال النسائي في سننه (١/ ٢١٦): هشام بن عروة لم يسمع من أبيه هذا الحديث.\nوكذلك قال شعبة بن الحجاج كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٢٠٢).\nوقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٣): «هشام بن عروة لم يسمع هذا من أبيه، وإنما أخذه من أبي بكر».\nفإن كان عمدة هذا القول هو طريق الخصيب بن ناصح، عن همام، عن هشام، فإننا لا نستطيع ترجيح هذا الطريق على سائر الطرق إلى هشام،\nأولًا: أن من رواه عن هشام، عن عروة عدد كبير من الأئمة والحفاظ: منهم الثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأبو أسامة وعبد الله بن إدريس ويزيد بن سنان وعلي بن مسهر ويحيى بن سعيد القطان وشعيب بن إسحاق وربيعة بن عثمان والمنذر بن عبد الله الحزامي، وعنبسة بن ... عبد الواحد وحميد بن الأسود وإسماعيل بن عياش وعلي بن المبارك وعبد الحميد بن جعفر وغيرهم فهؤلاء ستة عشر راويًا، منهم أئمة متفق على إمامتهم وحفظهم لم يذكروا ما ذكره الخصيب بن ناصح، وقد تقدم تخريج طرقهم. =","vol":"2","page":645},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثانيًا: أن أحمد بن حنبل رواه في المسند (٦/ ٤٠٦، ٤٠٧) عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام، قال: حدثني أبي. وكذلك رواه الترمذي (٨٢)، والنسائي (٤٤٧) بالتصريح بسماع هشام، عن أبيه.\nثالثًا: أن الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٠٢) رقم ٥١٩، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: قال شعبة: لم يسمع هشامًا حديث أبيه في مس الذكر، قال يحيى: فسألت هشامًا فقال: أخبرني أبي، إلا أن يحيى بن سعيد أدرك هشامًا في زمن الكبر.\nفإن كان هناك متابع للخصيب بن ناصح على روايته عن هشام، عن أبي بكر، فالحمد لله فقد عرفنا الواسطة بين هشام وأبيه، وهو ثقة، وإن كان قد انفرد بهذا الطريق فالنظر يقضي بترجيح طريق هشام عن أبيه على طريق عروة عن أبي بكر، والله أعلم.\nوقال الحافظ في التلخيص متعقبًا كلام الطحاوي: رواه الجمهور من أصحاب هشام، عنه عن أبيه بلا واسطة، فإما أن يكون هشام سمعه من أبي بكر، ثم سمعه من أبيه، فكان يحدث به تارة هكذا، وتارة هكذا، أو يكون سمعه من أبيه، وثبته أبو بكر، فكان تارة يذكر أبا بكر، وتارة لا يذكره، وليست هذه علة قادحة عند المحققين».اهـ\nوعلى كل حال، فرواية الخصيب بن ناصح، عن همام، عن هشام، عن أبي بكر، عن عروة هذه توافق رواية عبد الله بن أبي بكر وتوافق رواية الأكثر ممن رواه عن هشام بذكر مروان في الإسناد، وهذا الذي يعنينا: وهو أن المحفوظ من إسناد الحديث ذكر مروان فيه، والله أعلم.\nوأما رواية هشام، عن عروة، عن عائشة.\nفقد أخرجها الدارقطني (١/ ١٤٧) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص العمري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: ويل للذين يمسون فروجهم، ثم يصلون، ولا يتوضؤون. قالت عائشة: بأبي وأمي هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ قال: إذا مست أحداكن فرجها، فلتتوضأ للصلاة.\nوضعفه الدارقطني بعبد الرحمن العمري.\nوقال أحمد: كان كذابًا.\nوقال النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة: متروك، زاد أبو حاتم: وكان يكذب. اهـ\nوجاء من طريق أخرى من مسند عائشة غير هذا الطريق، فقد جاء في كتاب العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٦): «سألت أبي عن حديث رواه حسن الحلواني، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر بن عكرمة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبي ﷺ، قال: من مس ذكره فليتوضأ.\nورواه شعيب بن إسحاق، عن هشام، عن يحيى، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ من مس =","vol":"2","page":646},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ذكره في الصلاة فليتوضأ. قال أبي: هذا حديث ضعيف، لم يسمعه يحيى من الزهري، وأدخل بينهم رجلًا ليس بالمشهور، ولا أعلم أحدًا روى عنه إلا يحيى، وإنما يرويه الزهري، عن عبد الله ابن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة، عن النبي ﷺ، ولو أن عروة سمع من عائشة لم يدخل بينهم أحدًا، وهذا يدل على وهن الحديث».\nهذا وجه الاختلاف على هشام في حديثه الوضوء من مس الذكر، وهذا الطريق وطريق الزهري قد اختلف عليهما اختلافًا كثيرًا، فما وافق طريق عبد الله بن أبي بكر فهو صحيح، وما خالفه فهو إما منكر أو شاذ، والله أعلم. ولذلك قال ابن عبد البر في التمهيد كما في فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٣٣٣): الصحيح في حديث بسرة: عروة، عن مروان، عن بسرة، وكل من خالف هذا فقد أخطأ فيه عند أهل العلم، والاختلاف فيه كثير على هشام وعلى ابن شهاب، والصحيح فيه عنهما ما ذكرناه في هذا الباب، وقد كان يحيى بن معين يقول: أصح حديث في مس الذكر حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة، وكان أحمد ابن حنبل يقول نحو ذلك أيضًا».اهـ\nالطريق الرابع: رواية أبي الأسود يتيم عروة، عن عروة.\nأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٣) حدثنا محمد بن الحجاج وربيع المؤذن، قالا: حدثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، أنه سمع عروة يذكر عن بسرة، عن النبي ﷺ ... الحديث.\nوإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة، وباقي رجاله ثقات إلا أسد بن موسى فإنه صدوق يغرب.\nالطريق الخامس: عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عروة، عن بسرة، بدون ذكر مروان.\nأخرجه الترمذي (٨٢) حدثنا علي بن حجر، قالك حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة به.\nوهذا إسناد ضعيف من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد؛ لأنه من رواية علي بن حجر، وهو بغدادي، وقد قال ابن المديني: ما حدث به بالمدينة فصحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون.\nوقال النسائي: لا يحتج بحديثه.\nوفي التقريب: صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا. وباقي الإسناد رجاله كلهم ثقات.\nهذا ما وقفت عليه من طرق حديث بسرة، والراجح فيها كما قلت: طريق عروة، عن مروان، عن بسرة.\nوللحديث شواهد كثيرة من حديث أم حبيبة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهم، وسيأتي تخريجها في صلب الكتاب إن شاء الله تعالى.\nأنظر أطراف المسند (٨/ ٣٩٦)، تحفة الأشراف (١٥٧٨٥)، إتحاف المهرة (٢١٣٦٢).","vol":"2","page":647},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-976> الدليل الثاني:</span>\n(٤٣٥ - ٢٨٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معلى بن منصور، قال: حدثنا الهيثم بن حميد، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة ابن أبي سفيان،\nعن أم حبيبة، قالت: قال رسول الله ﷺ من مس فرجه فليتوضأ (^١).\n[إسناده منقطع] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٥٠) ح ١٧٢٤.\n(^٢) الحديث رواه ابن ماجه (٤٨١) من طريق ابن أبي شيبة به.\nوأخرجه ابن ماجه أيضًا والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٣٥) ح ٤٥١ من طريق مروان بن محمد.\nوأخرجه أبو يعلى في مسند (٧١٤٤) والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٣٥) ح ٤٥٠ والطحاوي (١/ ٧٥)، والبيهقي (١/ ١٣٠) من طريق أبي مسهر.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٧٥) والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٣٤) ح ٤٤٧، وفي مسند الشاميين (١٥١٦)، وتمام في فوائده (١٢٥٧)، من طريق عبد الله بن يوسف، أربعتهم رووه عن الهيثم بن حميد به.\nفمدار الإسناد على الهيثم بن حميد، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة.\nوالهيثم بن حميد، صدوق: قال فيه أحمد: لا أعلم إلا خيرًا.\nوقال يحيى بن معين: لا بأس به. وفي رواية أخرى عنه، قال: ثقة.\nوقال النسائي: ليس به بأس.\nوقال أبو داود: ثقة.\nوقال أبو زرعة: أعلم أهل دمشق بحديث مكحول، وأجمعه لأصحابه الهيثم بن حميد.\nوقال عبد الرحمن بن إبراهيم: الهيثم بن حميد كان أعلم الآخرين والأولين بقول مكحول.\nولا أعلم أحدًا جرحه إلا علي بن مسهر، وهو جرح غير مفسر لا يقدم على التعديل.\nوفي التقريب: صدوق رمي بالقدر.\nوأما العلاء بن الحارث، فقال فيه ابن سعد: كان قليل الحديث، ولكنه كان أعلم أصحاب مكحول، وأقدمهم، وكان يفتي حتى خولط.\nوقال أبو حاتم: لا أعلم في أصحاب مكحول أوثق منه.\nوقال صاحب الكواكب النيرات (٣٣٩): أطلق يحيى بن معين وعلي المديني ويعقوب بن سفيان ودحيم وأبو داود القول بتوثيقه، لكنه خلط.\nوفي التقريب: صدوق فقيه رمي بالقدر، وقد اختلط. اهـ =","vol":"2","page":648},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولم أجد أحدًا نص على من سمع منه قبل الاختلاط أو بعده، لكن يمكن أن يقال: ما دام أن الراوي عن العلاء بن الحارث هو الهيثم بن حميد، والهيثم من أصحاب مكحول، فاشتراكه هو وشيخه العلاء بن الحارث في السماع من مكحول دليل على أن الهيثم من كبار أصحاب العلاء، فإذا أضفت إلى ذلك أن الراوي عن العلاء قد قيل فيه: أنه من أعلم الناس بقول مكحول، زال ما يخشى من خطأ العلاء بسبب اختلاطه، ثم إن جميع من تكلم في الحديث لم يضعفوه بالعلاء، وإنما تكلموا فيه هل سمع مكحول من عنبسة أم لا؟\nوباقي الإسناد رجاله كلهم ثقات، ومع ذلك فالإسناد منقطع، حيث قال البخاري ويحيى بن معين أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وأبو مسهر، وهشام بن عمار: لم يسمع مكحول من عنبسة. انظر جامع التحصيل (٧٩٦)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٥٨)، تلخيص الحبير (١/ ٢١٧)، إكمال تهذيب الكمال (١١/ ٣٥٠).\nوفي المراسيل لابن أبي حاتم (٧٩٨): «سئل أبو زرعة عن حديث أم حبيبة في مس الفرج، فقال: مكحول لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان شيئًا».\nومن صححه من العلماء حديث أم حبيبة فإنه لا يلزم منه أن هذا صريح منه بسماع مكحول من عنبسة، بل ربما صحح الحديث بالنظر إلى مجموع ما ورد من الأحاديث، والله أعلم.\nوخالفهم دحيم، قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢١٧): وهذا أعرف بحديث الشاميين، فأثبت سماع مكحول من عنبسة. اهـ\nلكن يعارض أبا دحيم قولُ يحيى بن معين: قال أبو مسهر: لم يسمع مكحول من عنبسة. وأبو مسهر شامي، وهو أكبر من دحيم، وقد قال يحيى بن معين في ترجمة أبي مسهر: من ثبت أبو مسهر من الشاميين فهو مثبت، وقال أيضًا: إن الذي يحدث بالبلد، وبها من هو أولى منه بالحديث أحمق، إذا رأيتني أحدث ببلدة فيها مثل أبي مسهر فينبغي للحيتي أن تحلق، فإذا أضفت إلى قول أبي مسهر قول الأئمة كالبخاري والنسائي وأبي زرعة وأبي حاتم ويحيى بن معين لم تكن كفة أبي دحيم راجحة عليهم، وعلى كل سواء رجحنا سماعه أم لا فإن مكحول مدلس، وقد عنعن، وهو من المكثرين فعنعنته على الانقطاع، والله أعلم.\nقال البوصيري في مصباح الزجاجة: مكحول الدمشقي مدلس وقد رواه بالعنعنة، فوجب ترك حديثه لا سيما وقد قال البخاري في التاريخ الصغير وأبو زرعة وهشام بن عمار وأبو مسهر وغيرهم إنه لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان، فالإسناد منقطع. اهـ\nوأعله البخاري بعلة أخرى، قال في التاريخ الكبير (٧/ ٣٧): «روى الهيثم بن حميد، عن العلاء ابن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ في مس الذكر، ويرونه وهمًا؛ لأن النعمان بن المنذر قال: عن مكحول، أن ابن عمر مرسل كان يتوضأ منه».اهـ وانظر تحفة الأشراف (١٥٨٦٤)، وإتحاف المهرة (٢١٤٣٧).","vol":"2","page":649},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-977> الدليل الثالث:</span>\n(٤٣٦ - ٢٩٠) ما رواه الطبراني في المعجم الصغير من طريق أصبغ بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك النوفلي،\nعن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب، فقد وجب عليه الوضوء.\nقال الطبراني: لم يروه عن نافع إلا عبد الرحمن بن القاسم الفقيه المصري، ولا عن عبد الرحمن إلا أصبغ، تفرد به أحمد بن سعيد (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الصغير (١/ ٤٢).\n(^٢) الحديث رواه عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك، واختلف عليه:\nفرواه سحنون كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ١٩٦)،\nويحيى بن بكير كما في الخلافيات للبيهقي (٥٢٢، ٥٢٣)، كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم، عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.\nويزيد بن عبد الملك متفق على ضعفه، وقد اختلف عليه في إسناده كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nورواه أصبغ بن الفرج كما في المعجم الصغير للطبراني (١/ ٤٢)، وصحيح ابن حبان (١١١٨)، ومستدرك الحاكم (١/ ١٣٨)، وصحيح ابن السكن كما في إتحاف المهرة (١٤/ ٦٥٦)، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم، ويزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد المقبري به.\nفزاد أصبغ وحده، وهو ثقة، نافع بن أبي نعيم متابعًا ليزيد بن عبد الملك النوفلي، ونافع صدوق، وقد انفرد أصبغ بزيادة نافع بن أبي نعيم، وكل من روى الحديث إنما يرويه عن يزيد بن عبد الملك الضعيف وحده، والحديث معروف عنه، فإن كانت زيادة أصبغ محفوظة فالحديث حسن من طريق نافع بن أبي نعيم وحده، وإن كان ذكر نافع شاذًا لمخالفته سحنون ويحيى بن بكير في روايتهما عن شيخ أصبغ عبد الرحمن بن القاسم، بل ولمخالفته كل من روى هذا الحديث، وهم جماعة فالحديث إنما هو حديث يزيد بن عبد الملك، وهو كما قلت: متفق على ضعفه، ولأن عبد الرحمن بن القاسم لا يرى الوضوء من مس الذكر، فلو كان هذا الحديث صحيحًا من روايته له لما خالفه.\nوقد اختلف على يزيد بن عبد الملك في الحديث: =","vol":"2","page":650},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه سليمان بن عمرو، ومحمد بن عبد الله كما في الأم للشافعي (١/ ١٩)، والمسند ترتيب السندي (١/ ٣٤، ٣٥)، ومن طريق الشافعي أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٠٨)، والحازمي في الاعتبار (٧١)، والبغوي في شرح السنة (١٦٦).\nويحيى بن يزيد بن عبد الملك كما في مسند أحمد (٢/ ٣٣٣)، وزيادة عبد الله بن أحمد (٢/ ٣٣٣).\nومعن بن عيسى القزاز كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٧٤) والبزار كما في كشف الأستار (٢٨٦).\nوعبد العزيز بن عبد الله الأويسي كما في سنن الدارقطني (١/ ١٤٧)، خمستهم رووه عن يزيد بن عبد الملك النوفلي وحده، عن المقبري، عن أبي هريرة، ولم يذكر أحد منهم نافع بن أبي نعيم.\nوخالفهم خالد بن نزار كما في المعجم الأوسط للطبراني (٨٨٣٤)\nوعبد الله بن نافع كما في الخلافيات للبيهقي (٥٢٤)، وفي المعرفة بالسنن والآثار له (١/ ٢٢٠)، فروياه عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبي موسى الحناط، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فزاد في إسناد أبا موسى الحناط.\nوعبد الله بن نافع ضعيف، وخالد بن نزار صدوق يخطئ، كما أن أبا موسى الحناط رجل مجهول، فقد يكون هذا التخليط جاء من يزيد بن عبد الملك النوفلي، فهو متفق على ضعفه.\nقال البخاري: ضعفه أحمد، ولينه يحيى، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال النسائي: متروك. انظر التاريخ الكبير (٨/ ٣٤١).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٥): «رواه أحمد والطبراني في الأوسط والصغير، وفيه يزيد ابن عبد الملك النوفلي، وقد ضعفه أكثر الناس، ووثقه يحيى بن معين ولم ينتبه الهيثمي لمتابعة نافع».\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ١٩٥): «كان هذا الحديث لا يعرف إلا ليزيد بن عبد الملك النوفلي هذا، وهو مجمع على ضعفه، حتى رواه عبد الرحمن بن القاسم -صاحب مالك- عن نافع بن أبي نعيم القاري، وهو إسناد صالح إن شاء الله تعالى، وقد أثنى ابن معين على عبد الرحمن ابن القاسم في حديثه ووثقه، وكان النسائي يثني عليه أيضًا في نقله عن مالك لحديثه، ولا أعلم يختلفون في ثقته، ولم يرو هذا الحديث عنه، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك إلا أصبغ بن الفرج، وأما سحنون فإنما رواه عن ابن القاسم عن يزيد وحده، وذكر عن ابن القاسم أنه استقر قوله أنه لا إعادة على من مس ذكره وصلى لا في وقت ولا في غيره، واختار ذلك سحنون أيضًا».اهـ\nوقد ذكره الدارقطني في العلل (٨/ ١٣١) وصوب وقفه على أبي هريرة.\nوالحديث شاهد لحديث بسرة وأم حبيبة ﵄.\nانظر إتحاف المهرة (١٨٤٢٦)، أطراف المسند (٧/ ٢٤٥).","vol":"2","page":651},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-978> الدليل الرابع:</span>\n(٤٣٧ - ٢٩١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الجبار بن محمد (يعني: الخطابي) حدثني بقية، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: من مس ذكره فليتوضأ، وأي امرأة مست فرجها فلتتوضأ (^١).\n[ضعيف ضعفه أحمد، وصححه البخاري] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٢٢٣).\n(^٢) دراسة الإسناد:\nالأول: عبد الجبار بن محمد، ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة، انظر تعجيل المنفعة (٦٠٣).\nولم ينفرد به بل تابعه جماعة منهم الإمام إسحاق بن راهوية، وأحمد بن الفرج الحمصي، والخطاب ابن عثمان الفوزي.\nالثاني: انفرد به بقية، عن الزبيدي، وهو ثقة في حديثه عن الشاميين، صدوق في غيرهم، وشيخه هنا شامي، وأما ما يتهم به من تدليس التسوية فذاك مشهور عنه، فلا بد أن يصرح بالتحديث من شيخه وشيخ شيخه، وقد صرح في إسناد ابن الجارود في المنتقى بالتحديث من شيخه الزبيدي، وصرح الزبيدي بالتحديث من شيخه عمرو بن شعيب، وأما عنعنة عمرو عن أبيه، وعنعنة أبيه عن جده فلا يتحملها بقية؛ لأن رواية عمرو عن أبيه عن جده أكثرها صحيفة، فهي تروى هكذا بالعنعنة، فلا تكون تبعتها على بقية، وسند عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مختلف فيه، والذي أميل إليه أن هذا الإسناد من قبيل الحسن إذا لم يتفرد بأصل.\n[تخريج الحديث].\nالحديث رواه أحمد (٢/ ٢٢٣) حدثنا الجبار بن محمد الخطابي.\nوالطبراني في مسند الشاميين (١٨٣١)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢١٠)، والحازمي في الاعتبار (ص: ٤٤) من طريق إسحاق بن راهوية.\nوأخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٩) والدارقطني (١/ ١٤٧)، والبيهقي في السنن\n(١/ ١٣٢)، وابن شاهين في منسوخ الحديث ومنسوخه (١٠٨) عن أحمد بن الفرج الحمصي.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥) من طريق الخطاب بن عثمان الفوزي، كلهم عن بقية بن الوليد، عن الزبيدي به. =","vol":"2","page":652},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولم يصرح أحد باسم الزبيدي إلا الجبار بن محمد الخطابي، فإنه قال: محمد بن الوليد الزبيدي، وهو فيه لين، وقد كان لبقية ثلاثة شيوخ ينتسبون للزبيدي، اثنان منهم ضعيف، وثالثهم محمد ابن الوليد الزبيدي الثقة، فربما دلس فقال: حدثنا الزبيدي، فيظن أنه محمد بن الوليد.\nقال ابن رجب في شرح علل الترمذي (٢/ ٨٢٤): «ومنهم: بقية بن الوليد، وهو من أكثر الناس تدليسًا وأكثر شيوخه الضعفاء مجهولون لا يعرفون، وكان ربما روى عن سعيد بن عبد الجبار الزبيدي أو عن زرعة بن عمرو الزبيدي، وكلاهما ضعيف الحديث، فيقول: حدثنا الزبيدي فيظن أنه محمد بن الوليد الزبيدي، صاحب الزهري».\nواختلف العلماء في صحة هذا الحديث،\nفضعفه الإمام أحمد، جاء في المغني لابن قدامة: «قال المروذي: قيل لأبي عبد الله: الجارية إذا مست فرجها أعليها وضوء؟ قال: لم أسمع في هذا بشيء. قلت لأبي عبد الله: حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ؟ فتبسم، وقال: هذا حديث الزبيدي، ليس حديثه بذاك».\nوقول الإمام أحمد: ليس حديثه بذاك، يشير إلى أن الزبيدي رجل ضعيف، لأن كلمة (حديثه) تشمل كل حديثه، ولو كان محمد بن الوليد الثقة لم يكن الحمل عليه في تضعيف الحديث، ولكان الحمل فيه على بقية، فهو أضعف رجل في الإسناد، فلا ينجو منه بقية إلا إذا كان الزبيدي أضعف من بقية، لأن كل واحد منهم قد انفرد بهذا الحديث، فالزبيدي قد انفرد به عن عمرو بن شعيب، وبقية قد انفرد به عن الزبيدي.\nهذا سبيل من ضعف الحديث.\nوأما من صحح الحديث، فقد قال الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٦١): قال محمد -يعني البخاري- حديث عبد الله بن عمرو في مس الذكر هو عندي صحيح. اهـ\nوقال الحازمي: هذا إسناد صحيح؛ لأن إسحاق بن إبراهيم إمام غير مدافع، وقد أخرجه في مسنده، وبقية ثقة في نفسه، وإذا روى عن المعروفين فمحتج به، وقد أخرج مسلم بن الحجاج فمن بعده من أصحاب الصحاح حديثه محتجين به، والزبيدي هو من محمد بن الوليد قاض دمشق من ثقات الشاميين محتج به في الصحاح كلها، وعمرو بن شعيب ثقة باتفاق أئمة الحديث وإذا روى عن غير أبيه لم يختلف أحد في الاحتجاج به، وأما روايته عن أبيه، عن جده فالأكثر على أنها متصلة، ليس فيها إرسال ولا انقطاع .... إلخ كلامه ﵀.\nوعلى فرض أن يكون الزبيدي هو محمد بن الوليد الثقة فإن ما يرويه عنه بقية مما اختلف العلماء في تصحيحه، وليس من الصحيح المتفق عليه،\nقال الخليلي في الإرشاد (١/ ١٩٩) في ترجمة محمد بن الوليد: «روى عنه الكبار، وهو حجة إذ كان الراوي عنه ثقة؛ فإذا كان غير قوي مثل بقية وأقرانه فلا يتفق عليه». =","vol":"2","page":653},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقول الخليلي: فلا يتفق عليه إشارة إلى اختلاف العلماء في الاحتجاج بما ينفرد به بقية عن الزبيدي دون سائر أصحابه، وهذا الحديث مما انفرد به بقية عن الزبيدي.\nهذا ما يتعلق بحديث الزبيدي.\nوأخرجه البيهقي (١/ ١٣٢، ١٣٣) من طريق حمزة بن ربيعة، حدثنا يحيى بن راشد، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، فذكر بإسناده ومعناه. قال البيهقي: وهكذا رواه عبد الله بن المؤمل، عن عمرو.\nقلت: هكذا قال البيهقي: فذكر بإسناده ومعناه، وظاهر فعل البيهقي أن الإسناد هو نفس إسناد حديث الزبيدي ومعناه، وبالرجوع إلى كتب السنة لمعرفة الإسناد والمعنى وجدت فيه بعض المخالفة التي لم ينبه عليها البيهقي رحمه الله تعالى.\nفقد روى الطبراني كما في مجمع البحرين (٤٥٢) حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن بسرة بنت صفوان سألت رسول الله ﷺ عن المرأة تدخل يدها في فرجها، فقال: عليها الوضوء.\nفذكر بسرة في الحديث، وإن كان الحديث لا زال يعتبر من مسند عبد الله بن عمرو،\nوفي الإسناد أيضًا سليمان بن داود المنقري، وهو متروك،\nوفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو صدوق يخطئ، وقد رمي بالقدر، وتغير بآخره.\nوتابعه عبد الله بن المؤمل كما في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥)، وعبد الله ضعيف.\nفالمعروف من حديث عمرو بن شعيب، أن بسرة ليس لها ذكر في الحديث، إلا من هذين الطريقين.\nورواه المثنى بن الصباح، وجعل الحديث من مسند بسرة، وخالف في إسناده أيضًا، فقد رواه إسحاق بن راهوية (٥/ ٦٨) والبيهقي (١/ ١٣٣) من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو ابن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن بسرة بنت صفوان إحدى نساء بني كنانة، أنها قالت: يا رسول الله كيف ترى في إحدانا تمس فرجها، والرجل يمس ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال لها رسول الله ﷺ: تتوضأ يا بسرة بنت صفوان. قال عمرو: وحدثني سعيد بن المسيب أن مروان أرسل إليها ليسألها، فقالت: وعني سألت رسول الله ﷺ وعنده فلان وفلان وفلان وعبد الله ابن عمرو، فأمرني بالوضوء.\nوهذا إسناد منكر تفرد به المثنى بن الصباح، وهو ضعيف، وقد خالف فيه من هو أوثق منه: محمد بن الوليد الزبيدي في إسناده ومتنه. قال البيهقي: خالفهم المثنى بن الصباح عن عمرو في إسناده، وليس بالقوي. اهـ\nوانظر إتحاف المهرة (١١٧٠٣)، أطراف المسند (٤/ ٥٠).","vol":"2","page":654},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-979> الدليل الخامس:</span>\n(٤٣٨ - ٢٩٢) ما رواه الشافعي في الأم، قال: أخبرنا عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن عقبة بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،\nعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ، قال: إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ (^١).\n[رفعه منكر، والمعروف أنه مرسل] (^٢).\n_________\n(^١) الأم (١/ ١٩).\n(^٢) في إسناده: عبد الله بن نافع،\nقال أحمد: لم يكن صاحب حديث، كان ضيقًا فيه، وكان صاحب رأي مالك، وكان يفتي أهل المدينة برأي مالك، ولم يكن في الحديث بذاك. الجرح والتعديل (٥/ ١٨٣).\nوقال أبو زرعة: لا بأس به. المرجع السابق.\nوقد توبع في الإسناد فزال ما يخشى من قبل حفظه كما سيأتي في تخريج الحديث، ولكن علة الحديث عقبة بن عبد الرحمن لم يرو عنه إلا ابن أبي ذئب، ولم يوثقه إلا ابن حبان.\nوقال ابن المديني: شيخ مجهول.\nوقال الذهبي في الميزان (٣/ ٨٦): لا يعرف، له عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر، وعنه ابن أبي ذئب: من مس فرجه فليتوضأ، قال البخاري: لا يصح خبره. اهـ\nوفي التقريب: مجهول.\nوفي تلخيص الحبير (١/ ٢١٦) قال ابن عبد البر: إسناده صالح.\nلكن قال ابن عبد البر في التهذيب (٧/ ٢٤٥) غير مشهور بحمل العلم.\nوقال الضياء: لا أعلم بإسناده بأسًا. قلت: هذا الكلام لا يتفق مع ما قيل في ترجمته، فقد جهله ابن المديني والحافظان الذهبي وابن حجر، والله أعلم.\nكما أن للحديث علة أخرى، فقد اختلف في وصله وإرساله:\nفرواه عبد الله بن نافع كما في سنن البيهقي (١/ ١٣٤)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٧٤).\nومعن بن عيسى مقرونًا بعبد الله بن نافع كما في سنن ابن ماجه (٤٨١)، كلاهما عن ابن أبي ذئب به، عن عقبة بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر مرفوعًا.\nورواه ابن أبي فديك كما في الأم للشافعي (١/ ١٩) وسنن البيهقي (١/ ١٣٤)، =","vol":"2","page":655},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-980> الدليل السادس:</span>\n(٤٣٩ - ٢٩٣) ما رواه الدارقطني من طريق إسحاق بن محمد الفروي، أخبرنا عبد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة (^١). [ضعيف] (^٢).\n_________\n= وأبو عامر العقدي كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٧٥)، كلاهما عن ابن أبي ذئب، عن عقبة بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ. وهذا مرسل، وهو المعروف فيه.\nقال الشافعي: سمعت غير واحد من الحفاظ يروونه لا يذكرون فيه جابرًا.\nوقال الطحاوي: كل من رواه عن ابن أبي ذئب من الحفاظ يقطعه، ويوقفه على محمد بن عبد الرحمن.\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٩): سألت أبي عن حديث رواه دحيم، عن عبد الله ابن نافع الصائغ، عن ابن أبي ذئب، عن عقبة بن عبد الرحمن بن أبي معمر، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: من مس ذكره فليتوضأ. قال أبي هذا خطأ، الناس يروونه عن ابن ثوبان، عن النبي ﷺ مرسلًا، لا يذكرون جابرًا.\nانظر طرقه في إتحاف المهرة (٣١٢١)، تحفة الأشراف (٢٥٩١).\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٤٧).\n(^٢) في إسناده إسحاق بن محمد الفروي، جاء في ترجمته:\nقال أبو حاتم: كان صدوقًا، ولكنه ذهب بصره، فربما لقن الحديث، وكتبه صحيحة. الجرح والتعديل (٢/ ٢٣٣).\nوقال النسائي: ليس بثقة. الضعفاء والمتروكين (٤٩).\nوسكت عليه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٠١).\nوفي الضعفاء للعقيلي: جاء عن مالك بأحاديث كثيرة لا يتابع عليها، وسمعت أبا جعفر الصائغ يقول: كان إسحاق الفروي كَفَّ وكان يلقن. الضعفاء الكبير (١/ ١٠٦).\nوقال الآجري: سألت أبا داود فوهاه جدًّا. تهذيب التهذيب (١/ ٢١٧).\nوقال الدارقطني: لا يترك. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق كف، فساء حفظه، وقد روى له البخاري.\nوفي إسناده أيضًا عبد الله العمري ضعيف في حفظه. =","vol":"2","page":656},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والحديث قد رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٢) من طريق عثمان بن معبد بن نوح به، وله طرق كثيرة إلى ابن عمر، هذا أحدها.\nالثاني: ما رواه الطحاوي (١/ ٧٤)، والبزار (٢٨٥) من طريق صدقة بن عبد الله، عن هاشم بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: من مس فرجه فليتوضأ.\nوفي الإسناد: صدقة بن عبد الله بن هاشم، قال أحمد: ليس بشيء.، ضعيف الحديث.\nوضعفه يحيى بن معين والبخاري وأبو زرعة والنسائي.\nوقال مسلم: منكر الحديث.\nوقال دحيم في رواية: ثقة. وقال في رواية أخرى: مضطرب الحديث، ضعيف. وفي التقريب: ضعيف.\nوفي إسناده أيضًا: هاشم بن زيد، هكذا في إسناد البزار، وفي الطحاوي: هشام بن زيد، ولعل ما في البزار هو الصواب، وله ترجمة في الجرح والتعديل (٩/ ١٠٣) قال أبو حاتم: ضعيف.\nوقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٤٥): في سند البزار هاشم بن زيد، وهو ضعيف جدًّا.\nوقال الطحاوي: ليس من أهل العلم الذين تثبت بروايتهم مثل هذا.\nالطريق الثالث: ما رواه الطحاوي (١/ ٧٤)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢١٧)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٢٣) من طريق العلاء بن سليمان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: من مس ذكره فليتوضأ.\nقال ابن عدي: العلاء منكر الحديث، ويأتي بأسانيد ومتون لا يتابعه عليها أحد.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٥): وفي سند الكبير العلاء بن سليمان، وهو ضعيف جدًّا.\nالطريق الرابع: ما رواه البيهقي في المعرفة (١/ ٣٩١، ٣٩٢) قال: أخبرنا أبو سعد الماليني، ثنا أبو أحمد بن علي الحافظ، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عبد الرحمن بن سلام، ثنا سليم بن مسلم أبو مسلم، عن ابن جريج، عن عبد الواحد بن قيس، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: من مس ذكره فليتوضأ.\nورواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٣١٩) في ترجمة سليم بن مسلم، وسليم هذا، قال النسائي فيه: متروك الحديث. الكامل (٣/ ٣١٩).\nوقال ابن معين جهمي خبيث.\nوقال أخرى: ليس بثقة. المرجع السابق.\nوقال أحمد: رأيته بمكة، ليس يسوى حديثه شيئًا، ليس بشيء، وكان يتهم برأي جهم. العلل (٢/ ٣٠٧).\nوقال أبو حاتم: منكر الحديث. الجرح والتعديل (٣/ ٣١٤). =","vol":"2","page":657},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-981> الدليل السابع:</span>\n(٤٤٠ - ٢٩٤) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا عبد السلام ابن حرب، عن إسحاق ابن أبي فروة، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد القاري،\nعن أبي أيوب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مس فرجه فليتوضأ (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-982> الدليل الثامن:</span>\n(٤٤١ - ٢٩٥) ما رواه الخطيب في تاريخه من طريق ناجية بن حبان بن بشر،\n_________\n= وقال أبو زرعة: ليس بقوي. المرجع السابق.\nوعبد الواحد لا يروي عن ابن عمر، وإنما يروي عن نافع عنه، ففي الإسناد انقطاع، قال ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٥٣): شيخ يروي عن نافع، وروى عنه الأوزاعي، والحسن بن ذكوان، ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، فلا يجوز الاحتجاج بما خالف الثقات، فإن اعتبر معتبر بحديثه الذي لم يخالف الأثبات فيه فحسن. اهـ\nالطريق الخامس: ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (٤/ ٣١٠) من طريق عبد العزيز بن أبان، حدثنا سفيان الثوري، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.\nوهذا ضعيف جدًّا؛ فيه عبد العزيز بن أبان، قال في التقريب: متروك، وكذبه ابن معين وغيره، ونسبه الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ٢١٨) إلى الحاكم في المستدرك، ولم أجده فيه، ولم يذكره الحافظ في إتحاف المهرة، والمعروف من حديث ابن عمر موقوفًا عليه.\nوانظر في مراجعة طرق الحديث: إتحاف المهرة (١٠٦١٨) و(١١٤٣٧) و(٩٥٦٤).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٤٨٢).\n(^٣) في إسناده سفيان بن وكيع، قال عنه الحافظ في التقريب: كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراق فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه.\nوفيه إسحاق بن أبي فروة، وهو إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، قال البخاري: تركوه، ونهى أحمد عن حديثه، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال في رواية: كذاب. وقال عمرو بن علي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي: متروك. وإسحاق بن عبد الله غير إسحاق بن محمد بن إسماعيل ابن عبد الله بن أبي فروة، وقد سبقت ترجمته في تخريج الحديث السابق.\nانظر تحفة الأشراف (٣٤٧٠).","vol":"2","page":658},{"text":"حدثنا عمر بن سعيد بن سنان المنبجي بالمصيصة، قال: حدثنا الضحاك بن حجوة، قال: حدثنا هيثم بن جميل، قال: حدثنا أبو هلال الراسبي، عن ابن بريدة، عن يحيى ابن يعمر،\nعن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: من مس ذكره فليتوضأ (^١).\n[الحديث ضعيف جدًّا] (^٢).\nوقد خرجت من تخريج هذه الأدلة الكثيرة، أن الباب لا يصح فيه إلا حديث بسرة، وأما غيره من الأحاديث فهي إما ضعيفة، وأما شديدة الضعف، والله أعلم.\n• أدلة من قال: لا يجب الوضوء من مس الذكر مطلقًا:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-983> الدليل الأول:</span>\n(٤٤٢ - ٢٩٦) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن بدر، عن قيس ابن طلق،\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (١٣/ ٤٢٥).\n(^٢) في إسناده الضحاك بن حجوة، قال الدارقطني: كان يضع الحديث. المغني (١/ ٣١١).\nوقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إلا للمعرفة فحسب. المجروحين (١/ ٣٧٩).\nوفيه أيضًا: ناجية بن حيان البغدادي، ذكره الخطيب ولم يذكر فيه جرجًا ولا تعديلًا. تاريخ بغداد (٥١٣/ ٤٢٥).\nوفيه أبو هلال الراسبي، وهو محمد بن سليم البصري، قال ابن سعد: فيه ضعف. تهذيب التهذيب (٩/ ١٧٣).\nوقال البخاري: كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وكان ابن مهدي يروي عنه. التاريخ الكبير (١/ ١٠٥).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٥١٦).\nوقال ابن معين: صويلح. الجرح والتعديل (٧/ ٢٧٣).\nوقال مرة: صدوق. تهذيب التهذيب (٩/ ١٧٣).\nوقال أحمد: قد احتمل حديثه، إلا أن يخالف في حديث قتادة، وهو مضطرب الحديث عن قتادة. الجرح والتعديل (٧/ ٢٧٣). في التقريب: صدوق فيه لين.","vol":"2","page":659},{"text":"عن أبيه طلق بن علي، قال: خرجنا وفدًا حتى قدمنا على رسول الله ﷺ، فبايعناه، وصلينا معه، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله ما ترى في مس الذكر في الصلاة؟ فقال: وهل هو إلا بضعة أو مضغة منك (^١).\n[إسناده فيه ضعف تفرد به قيس بن طلق، ولم يتابعه عليه أحد] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٥٢).\n(^٢) في إسناده قيس بن طلق، ومع كونه لين الحديث، فقد انفرد بهذا الحديث، والصدوق إذا انفرد بحديث، وكان هو الأصل في الباب، ولا يعلم له أصل غيره لم يقبل تفرده، هذا ما كان عليه عمل المتقدمين، فكيف إذا انفرد بالحديث رجل متكلم فيه، جاء في ترجمته:\nقال الدارقطني: ليس بالقوي.\nوقال أحمد: غيره أثبت منه. تهذيب التهذيب (٨/ ٣٥٦).\nوهذه العبارة من عبارات الجرح، بخلاف ما لو قال: فلان أثبت منه، وذكر اسمه، فيحمل على أن كلًا منهما ثبت، وأحدهما أثبت من الآخر.\nوقال الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق، فلم نجد من يعرفه، بما يكون لنا قبول خبره؟ ! المرجع السابق.\nوقال الدارقطني في سننه (١/ ١٣٩)، ونقله عنه البيهقي في السنن (١/ ١٣٥): قال: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث محمد بن جابر، فقالا: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة، ووهناه، ولم يثبتاه. اهـ\nوتعقب هذا الكلام أحد المعاصرين، قائلًا: كيف يفلت محمد بن جابر من تبعة الحديث، وتلصق بقيس بن طلق، وقيس وثقه ابن معين وغيره، بل الآفة ابن جابر هذا، ولكنه لم يتفرد بالحديث، فقد تابعه عبد الله بن بدر، عن قيس. اهـ\nقلت: لم يتكلم أبو زرعة وأبو حاتم عن محمد بن جابر؛ لأن مدار الحديث على قيس بن طلق، فكلامهما منصب على من يدور عليه الحديث، وأما معارضة جرح أبي زرعة وأبي حاتم بتوثيق ابن معين فليس كلام ابن معين حجة على أبي زرعة وعلى أبي حاتم لكونهما من أئمة الجرح والتعديل، فكيف وقد وافق كلامهما كلام الإمام أحمد والشافعي والدارقطني وابن معين في إحدى الروايتين عنه.\nوقد اختلف قول ابن معين فيه، فقد ضعفه في رواية كما نقل ذلك سبط ابن العجمي في حاشيته على الكاشف، وذكر ذلك الحافظ الذهبي في الميزان (٣/ ٣٩٧).\nوأما ما أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٣٩): ومن طريقه البيهقي (١/ ١٣٥) عن عبد الله =","vol":"2","page":660},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن يحيى القاضي السرخسي، حدثنا رجاء بن مرجي الحافظ، قال: اجتمعنا في مسجد الخيف، أنا وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين، فتناظروا في مس الذكر، فقال يحيى بن معين: يتوضأ منه، وقال علي بن المديني بقول الكوفيين، وتقلد قولهم، واحتج يحيى بن معين بحديث بسرة بنت صفوان، واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق، عن أبيه، وقال ليحيى بن معين: كيف تتقلد إسناد بسرة، ومروان إنما أرسل شرطيًا حتى رد جوابها إليه؟ فقال يحيى: لم يقنع عروة حتى أتى بسرة فسألها، وشافهته بالحديث، ثم قال يحيى: ولقد أكثر الناس في قيس ابن طلق، وأنه لا يحتج بحديثه .... إلخ المناظرة.\nفهذا إسناد ضعيف جدًّا، لأن في إسناده عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، قال عنه في الميزان (٢/ ٥٢٤): لقيه أحمد بن عدي، واتهمه بالكذب في روايته عن علي بن حجر ونحوه ... وضعفها ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ١٣٥)، والمعتمد في تضعيف يحيى بن معين ما نقله الذهبي وسبط بن العجمي، لا هذه الرواية.\nوقد وثقه ابن معين في رواية، قال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين، قلت: عبد الله ابن النعمان، عن قيس بن طلق؟ قال: شيوخ يمامية ثقات.\nوجاء في نصب الراية للزيلعي (١/ ٦٢): ذكر عبد الحق في أحكامه حديث طلق، وسكت عنه، فهو صحيح عنده على عادته في مثل ذلك، وتعقبه ابن القطان في كتابه، فقال: إنما يرويه قيس ابن طلق، عن أبيه، وقد حكى الدارقطني في سننه، عن ابن أبي حاتم أنه سأل أباه وأبا زرعة عن هذا الحديث، فقالا: قيس بن طلق ... وذكر الكلام المتقدم عنهما. ثم قال ابن القطان: والحديث مختلف فيه، فينبغي أن يقال فيه: حسن، ولا يحكم بصحته. اهـ\nقلت: هل كل حديث يختلف في صحته وضعفه يكون حسنًا؟ ! حتى الراوي إذا اختلف في توثيقه وتضعيفه لا يجعل حديثه من قبيل الحسن، بل هناك قواعد في هذا، منها إذا ثبت الجرح والتعديل من أئمة معتبرين لم يعرف عنهما التشدد ولا التساهل كان الجرح مقدمًا، لأن مع الجارح زيادة علم ليست مع المعدل، فإذا تأملت قيسًا هذا رأيت أن من جرح قيس بن طلق كالإمام أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني والشافعي وابن معين في إحدى الروايتين عنه، فهولاء لا شك أنهم مقدمون في جرحهم على توثيق ابن حبان والعجلي، وأما ابن حجر فقد قال في التقريب: صدوق، ومعلوم أن ابن حجر قد رزق اعتدالًا وسبرًا إلا أن عمدته كلام المتقدمين، وقد علمت أقوالهم فيه، ولا أعلم أحدًا تابع قيس بن طلق في حديثه عن أبيه، كما لا أعلم شاهدًا معتبرًا لحديث طلق هذا، فلذا أجد نفسي تميل إلى تليين قيس بن طلق، ولا أجرؤ على مخالفة الإمام أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني لكلام ابن حبان والعجلي، والله أعلم.\n[تخريج الحديث].\nالحديث مداره على قيس بن طلق، عن أبيه، ويرويه عن قيس جماعة، منهم: =","vol":"2","page":661},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأول: عبد الله بن بدر، عن قيس به. أخرجه ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب، وأبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١٦٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥، ٧٦)، والدارقطني (١/ ١٤٩)، والبيهقي في السنن (١/ ١٣٤) من طريق ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر به.\nالثاني: محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، أخرجه عبد الرزاق (٤٢٦) عن هشام بن حسان.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢٣) عن موسى بن داود.\nوأخرجه أبو داود (١٨٣) عن مسدد.\nوأخرجه ابن ماجه (٤٨٣) من طريق وكيع.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٤٩) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل.\nوأخرجه بن الجارود (٢٠)، والطحاوي (١/ ٧٥)، والحازمي في الاعتبار (ص: ٨١) من طريق سفيان،\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣٣٠) من طريق يحيى بن إسحاق السيلحيني، كلهم عن محمد بن جابر به.\nومحمد بن جابر، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: محمد بن جابر، عن قيس بن طلق وحماد ليس بالقوي عندهم. ضعفاء البخاري (٣١٣)، الضعفاء الكبير (٤/ ٤١).\nوقال أحمد: كان محمد بن جابر ربما ألحق في كتابه أو يلحق في كتابه: يعني الحديث الجرح والتعديل (٧/ ٢١٩).\nوقال يحيى بن معين: كان أعمى واختلط عليه حديثه، وكان كوفيًا، فانتقل إلى اليمامة، وهو ضعيف. المرجع السابق.\nوقال عمرو بن علي: صدوق كثير الوهم. المرجع السابق، زاد ابن عدي عنه في الكامل (٦/ ١٤٨): متروك الحديث.\nوقال أبو حاتم: ذهبت كتبه في آخر عمره، وساء حفظه، وكان يلقن، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه، ثم تركه بعد، وكان يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسماع، جيد اللقاء، رأوا في كتبه لحقًا، وحديثه عن حماد فيه اضطراب، روى عنه عشرة من الثقات. المرجع السابق.\nوسئل أبو حاتم عنه وعن ابن لهيعة، فقال: محلهما الصدق، ومحمد بن جابر أحب إلي من ابن لهيعة. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٥٣٣).\nوقال أحمد بن حنبل: لا يحدث عنه إلا شر منه. تهذيب التهذيب (٩/ ٧٨). =","vol":"2","page":662},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو داود: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق ذهبت كتبه، فساء حفظه.\nالطريق الثالث: أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق.\nأخرجه أبو داود الطيالسي (١٠٩٦) ومن طريق أبي داود أخرجه الحازمي في الاعتبار (ص: ٨٢)،\nوأخرجه ابن الجعد في مسنده (٣٢٩٩).\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢٢) عن حماد بن خالد.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٦٥، ٦٧) من طريق حجاج وأسود بن عامر وخلف بن الوليد وأحمد ابن يونس وسعيد بن سليمان جميعهم عن أيوب بن عتبة به.\nوأيوب بن عتبة قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف.\nالطريق الرابع: أيوب بن محمد، عن قيس. أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٤٩)، وقال: أيوب مجهول.\nالطريق الخامس: عكرمة بن عمار، عن قيس به، أخرجه ابن حبان في صحيحه (١١٢١).\nانظر أطراف المسند (٢/ ٦٢٣)، تحفة الأشراف (٥٠٢٣)، إتحاف المهرة (٦٦٦١).\nوحديث طلق هذا معارض في ظاهره لحديث بسرة بنت صفوان، وقد اختلف العلماء في الموقف منهما، فهناك من جمع بينهما، وسوف يأتي وجه الجمع إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثالث والرابع، واختار بعضهم الترجيح، فهناك من رجح حديث بسرة، وهناك من رجح حديث طلق ابن علي.\nذكر من رجح حديث بسرة:\nمن وجوه ترجيح حديث بسرة:\nالوجه الأول: قوة الإسناد.\nوممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم، منهم البخاري رحمه الله تعالى، والإمام أحمد والترمذي والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر والدارقطني وأبو حاتم وأبو زرعة والشافعي وابن حبان وابن حزم وغيرهم.\nقال الترمذي: قال محمد -يعني البخاري- أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة. السنن (١/ ١٢٩).\nوقال البيهقي: يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يخرجه الشيخان، ولم يحتجا بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته إلا أنهما لم يخرجاه للاختلاف فيه على عروة، وعلى هشام بن عروة، وقد بينا أن الاختلاف لا يمنع من الحكم بصحته، وإن نزل عن شرط الشيخين. =","vol":"2","page":663},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وتقدم أيضًا عن الإسماعيلي أنه ألزم البخاري إخراجه لإخراج نظيره في الصحيح، وقد ضعف حديث طلق الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي وكل هؤلاء ذكرهم الحافظ في التلخيص.\nالوجه الثاني في تقديم حديث بسرة:\nأن القائل بالوضوء من مس الذكر عن النبي ﷺ، وعن الصحابة، وعن التابعين أكثر من غيرهم.\nجاء في التمهيد كما في فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٣٣٨)، «قال أبو بكر الأثرم: سئل أبو عبد الله عن الوضوء من مس الذكر؟ فقال: نعم نرى الوضوء من مس الذكر. قيل له: من لم يره أنعنفه؟ فقال: الوضوء أقوى. قال: من قال: لا وضوء؟ قال: الوضوء أكثر عن النبي ﷺ وعن أصحابه، وعن التابعين».اهـ\nالوجه الثالث في تقديم حديث بسرة:\nمن وجوه ترجيح حديث بسرة ما قاله ابن عبد البر حيث قال: «إيجاب الوضوء من مس الذكر إنما هو مأخوذ من جهة الشرع، لا مدخل فيها للعقل؛ لاجتماعه مع سائر الأعضاء، ونقل البيهقي عن الشافعي أن الذي قال من الصحابة لا وضوء به فإنما قاله بالرأي، ومن أوجب الوضوء به يعني من الصحابة فلا يوجبه إلا بالاتباع - يعني أن العقل والقياس لا يقضيان بهذا الحكم، فكان أولى بالقبول، والله أعلم».\nقلت: الشرع لا يعارض العقل، لكن العقل عرضة للصواب والخطأ بخلاف الشرع، وإذا لم يستطع العقل إدراك الحكمة من التشريع عبر عنه الفقهاء بأنه تعبدي، وليس معنى كونه تعبديًا أنه خال من الحكمة، فالله ﷾ حكيم منزه عن العبث، ولا يشرع إلا ما فيه حكمة، ولا يفرق الشرع بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، والمؤمن متبع للشرع أبدًا، لا يعبد عقله ونظره، وإذا بدا في الظاهر بعض التعارض بين العقل والشرع، كان العقل هو المتهم (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: ١٤] (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥].\nوحين نبحث عن الحكمة إنما نبحث عنها من أجل القياس، لكي نلحق النظير بشبيهه، فإذا علمنا أن علة التحريم في الخمر هي الإسكار ألحقنا به كل مسكر، وإذا زالت علة الإسكار رجع الحكم إلى الحل، والله أعلم.\nالوجه الرابع في تقديم حديث بسرة:\nهناك من أخذ بحديث بسرة لكونه ناسخًا لحديث طلق، قال ابن حبان في صحيحه (٣/ ٥٠٤): خبر طلق الذي ذكرناه خبر منسوخ؛ لأن طلق بن علي كان قد قدم على النبي ﷺ أول سنة من سني الهجرة حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله ﷺ، وقد روى إيجاب الوضوء من مس الذكر أبو هريرة، وأبو هريرة أسلم سنة سبع للهجرة، فدل ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بن علي بسبع سنين. اهـ =","vol":"2","page":664},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قلت: الاستدلال بالنسخ بتأخر إسلام الراوي فيه نظر كبير؛ لأنه يحتمل أن يكون أبو هريرة سمع هذا الحديث من صحابي قد تقدم إ سلامه، ومرسل الصحابي على الاتصال، وليست كل أحاديث أبي هريرة قد سمعها من النبي ﷺ.\nوقد استدل ابن حزم على النسخ بوجه آخر، حيث قال: وهذا خبر صحيح - يعني حديث طلق - إلا أنه لا حجة فيه لوجوه:\nأحدها: أن هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من مس الفرج، هذا لا شك فيه، فإذا هو كذلك فحكمه منسوخ يقينًا حين أمر النبي ﷺ بالوضوء من مس الفرج، فلا يحل ترك ما يتيقن أنه ناسخ، والأخذ بما تيقن أنه منسوخ.\nوثانيها: أن كلامه ﵇ (هل هو إلا بضعة منك) دليل على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه؛ لأنه لو كان بعده لم يقل بعده هذا الكلام، بل كان يبين أن الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلًا، وأنه كسائر الأعضاء».اهـ\nوكلام ابن حزم مبني على أن الرسول ﷺ قد صح عنه أنه قال: (وهل هو إلا بضعة منك) وهذا الذي لم يترجح لي حسب البحث حتى الآن، فلو ثبت أن ذلك من كلامه ﷺ لامتنع أيضًا أن يقال بالنسخ، وذلك أن الحكم إذا ربط بعلة لا يمكن أن تزول، كان الحكم أولى بأنه لا يزول، فالذكر بضعة منا، هذه العلة في عدم الطهارة من مس الذكر ثابتة لا يمكن أن يتصور زوالها، فكان الحكم المترتب عليها كذلك، لكن قد علمت ضعف حديث طلق بن علي.\nفتلخص من هذا أن من قدم حديث بسرة قدمه لأمور:\nالأول: الاعتبار برجال الإسناد، فرجال إسناد حديث بسرة أرجح من رجال إسناد حديث طلق.\nالثاني: قدمه باعتبار أنه حديث ناسخ لحديث طلق بن علي.\nالثالث: قدمه باعتبار أنه ناقل عن البراءة الأصلية، وحديث طلق على البراءة، وإذا تعارض حديثان أحدهما يوافق البراءة الأصلية، والآخر ينقل عنها، ويشغل الذمة كان الناقل مقدمًا.\nالرابع: أن رواة النقض بمس الذكر أكثر، وأحاديثه أشهر، فقد ورد فيه حديث بسرة وأبي هريرة وأم حبيبة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وابن عباس وأيوب وغيرهم، بخلاف حديث طلق، فإنه حديث غريب.\nالخامس: لو قدر تعارض الحديثين من كل وجه لكان الترجيح لحديث النقض لكونه قول أكثر الصحابة كما نقلته عن أحمد بن حنبل في معرض البحث.\nوأما من رجح حديث طلق:\nفمنهم عمرو الفلاس، قال كما في تلخيص الحبير، قال: هو عندنا أثبت من حديث بسرة.\nوقال علي بن المديني: هو عندنا أحسن من حديث بسرة. =","vol":"2","page":665},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-984> الدليل الثاني:</span>\nاستدلوا على ترك الوضوء من مس الذكر بالنظر:\nفقالوا: النظر دال على أنه لا يجب الوضوء من مسه، فقد قال ابن عبد البر: ذكر عبد الرزاق عن الثوري (^١)،\nوأخرجه البيهقي (^٢) بسنده إلى علي ابن المديني، قال: اجتمع سفيان وابن جريج فتذاكرا مس الذكر، فقال ابن جريج: يتوضأ منه، وقال سفيان: لا يتوضأ منه، فقال سفيان: أرأيت لو أن رجلًا أمسك بيده منيًا، ما كان عليه؟ فقال ابن جريج: يغسل يده. فقال أيهما أكبر المني أو مس الذكر؟\nولفظ عبد الرزاق: أيهما نجس، المني أم الذكر؟ فقال ابن جريج: ما ألقاها عليك إلا الشيطان.\nقال البيهقي: وإنما أراد ابن جريج أن السنة لا تعارض بالقياس. اهـ\n• ويجاب عن هذا:\nبأن إيجاب الوضوء ليس متلقى من العقل، وإذا كان الحكم الشرعي يخالف في بادي الرأي نظر الإنسان دل ذلك على أن المسألة فيها توقيف، وقد ذكرت هذا الدليل من وجوه ترجيح حديث بسرة على حديث طلق، وبسطت الكلام عليه.\n_________\n= وقال الطحاوي: إسناده مستقيم غير مضطرب بخلاف حديث بسرة، وصححه ابن حبان والطبراني وابن حزم إلا أنهم ادعوا فيه النسخ.\nقلت: قول الإمام علي بن المديني: هو أحسن من حديث بسرة، فكلمة أحسن أفعل تفضيل، لا تدل على أنه حسن مطلقًا، بل هو مقيد بأنه أحسن من حديث بسرة، على أن حديث بسرة له شواهد صحيحة بخلاف حديث طلق، وهو معارض بكلام البخاري في تقديمه حديث بسرة، والله أعلم.\n(^١) التمهيد (١٧/ ٢٠٢).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ١٣٦).","vol":"2","page":666},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-985> الدليل الثالث:</span>\nقالوا: جوب الوضوء من مس الذكر مما تعم به البلوى، وما عمت به البلوى لا يقبل فيه أخبار الآحاد حتى يكون نقله متواترًا مستفيضًا (^١).\n• ويجاب عن هذا:\nأين الدليل على هذا الشرط، وخبر الآحاد يجب العمل به كالخبر المتواتر، وحديث إنما الأعمال بالنيات من أعظم الأحاديث التي يعتمد عليها في الأحكام، ومع ذلك هو فرد غريب، ولم يمنع ذلك من صحته مع عظم الحاجة إليه، وتبليغ الرسالة من أعظم الأمور، وكان الرسول ﷺ يرسل آحاد الصحابة لتبليغها عن طريق المكاتبة وغيرها، وكانت الحجة تقوم بذلك، وأكثر الأخبار التي تعم بها البلوى هي أخبار آحاد، والأخبار المتواترة قليلة، بل إن تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد هو تقسيم حادث، لا يعرف عند أئمة الحديث المتقدمين، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-986> الدليل الرابع:</span>\nقالوا: تحمل الأحاديث الآمرة بالوضوء على غسل اليد جمعًا بينها وبين حديث طلق.\n• وأجيب:\nبأن حمله على غسل اليد لا يصح إلا بقرينة، ولا قرينة هنا؛ على أن الألفاظ يجب حملها على الحقيقة الشرعية، فإن تعذر حملت على الحقيقة العرفية، وحملها على الحقيقة الشرعية لا يمنع منه مانع، خاصة أن حديث قيس لا يصح، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-987> دليل من قال: يستحب الوضوء من مس الذكر:</span>\nوجه الاستحباب: قالوا: إن حديث طلق السؤال فيه عن وجوب الوضوء من مس الذكر، كما قال في الحديث (أعليه وضوء، فقال: لا).\n_________\n(^١) انظر الحاوي (١/ ١٩٢).","vol":"2","page":667},{"text":"وحديث بسرة وغيرها مما فيه الأمر بالوضوء من مس الذكر يحمل على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة.\n• وأجيب:\nبأن الجمع إنما يكون بين دليل صحيح ودليل آخر مثله أو أعلى منه، وأما أن يكون أحد الحديثين صحيحًا والآخر ضعيفًا فإن الواجب هو العمل بالحديث الصحيح وحده وطرح الضعيف؛ لأن الجمع وإن كان فيه إعمال لكلا الدليلين إلا أن إعمالهما معًا سيكون على حساب الحديث الصحيح إما تقييد لمطلقه، أو تخصيص لعمومه، فيخرج أفراد من الحديث الصحيح كان الإطلاق والعموم شاملًا لها مراعاة لحديث غريب لا يصح، فيكون الحديث الضعيف قد جنى على الحديث الصحيح، فهنا الوضوء من مس الذكر مطلق، يشمل ما كان على وجه اللذة وما كان بدونها، ويشمل ما كان متعمدًا وغير متعمد، وظاهر الأمر الوجوب، فإذا قمت بتقييد أحاديث الوضوء من مس الذكر بالشهوة، فمعنى هذا أنني أخرجت الوضوء من مسه بدونها، مع أن الأحاديث مطلقة فهذا إخراج لبعض أفراد العموم من أجل حديث ضعيف، والكلام نفسه يقال: فيمن حمل الأحاديث على الاستحباب، مع أن ظاهرها الوجوب، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-988> دليل من قال: يجب إن كان المس بشهوة ولا يجب بدونها:</span>\nقالوا: إن قول الرسول ﷺ: إنما هو بضعة منك إيماء لاعتبار الشهوة لأمرين:\nالأول: إنك إذا مسست ذكرك بدون شهوة منك لم يكن هناك فرق بينه وبين أي عضو من أعضائك، أما إذا مسسته بشهوة فإنه يفارق بقية الأعضاء حيث يجد اللذة بلمسه دون غيره، وقد يخرج منه شيء، وهو لا يشعر، فما كان مظنة للحدث علق الحكم به كالنوم.\nثانيًا: أن حديث طلق فيه سؤال عن الرجل يمس ذكره في الصلاة؟ فقال له","vol":"2","page":668},{"text":"الرسول ﷺ إنما هو بضعة منك، ومس الذكر بالصلاة لا يكون بشهوة، لأن في الصلاة شغلًا عن مس ذكره بشهوة، بخلاف مسه خارج الصلاة فقد يقع منه المس بشهوة، والله أعلم.\n• وأجيب:\nأولًا: أن مظنة الخروج سببها الشهوة، وليس المس، ومع ذلك لو انتصب ذكره بشهوة لم يجب عليه الوضوء مع كونه مظنة لخروج الخارج، ولا ينتقض وضوءه حتى يتيقن الخارج، وهذا دليل على أن انتقاض الوضوء من مس الذكر ليس سببه الشهوة، فإن قيل: إن مس الذكر باليد مع انتشار الذكر قد يساعد في خروج الخارج، قيل: لو انتشر الذكر لشهوة ومسه فخذه أو أي عضو من أعضائه غير يده لم يجب عليه الوضوء، مع أن ذلك عامل مساعد لخروج الخارج، بل لو مسه بيده مع حائل لم ينتقض وضوءه فهذا دليل على أن إيحاب الوضوء لم يكن سببه الشهوة، ولا مظنة خروج الخارج من الذكر.\nثانيًا: أن الذكر بضعة منا سواء مسسناه بشهوة أو بغير شهوة، فهل إذا مس ذكره بشهوة لا يكون بضعة منه.\nثالثًا: أن قيد الشهوة لم يرد في الدليلين الموجب للوضوء وغيره، فحديث بسرة: (من مس ذكره فليتوضأ) أين قيد الشهوة من الحديث، وكذا بقية الأحاديث الآمرة بالوضوء من مس الذكر. وحديث طلق (في الرجل يمس ذكره، قال: وهل هو إلا بضعة منك) فهو بضعة من الجسد سواء مس بشهوة أو بغير شهوة، فقيد الشهوة قيد لما أطلقه الشارع بغير دليل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-989> دليل من قال: ينقض مس الذكر بباطن الكف دون ظاهره</span>.\nاستدل الشافعية بحديث أبي هريرة المتقدم: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب الوضوء).","vol":"2","page":669},{"text":"قال الشافعي: الإفضاء باليد إنما هو ببطنها كما تقول: أفضى بيده مبايعًا، وأفضى بيده إلى الأرض ساجدًّا أو إلى ركبتيه راكعًا، فإذا كان النبي ﷺ إنما أمر بالوضوء إذا أفضى به إلى ذكره فمعلوم أن ذكره يماس فخذيه، وما قارب ذلك من جسده فلا يوجب ذلك عليه بدلالة السنة وضوءًا (^١).\nوقال النووي: قال ابن فارس في الجمل: أفضى بيده إلى الأرض إذا مسها براحته في سجوده، ونحوه في صحاح الجوهري وغيره (^٢).\nولأن ظهر الكف ليس بآلة لمسه، فالتلذذ لا يكون إلا بالباطن، فالباطن هو آلة مسه.\nقال الحافظ في التلخيص: «احتج أصحابنا بهذا الحديث في أن النقض إنما يكون إذا مس الذكر بباطن الكف لما يعطيه لفظ الإفضاء؛ لأن مفهوم الشرط يدل على أن غير الإفضاء لا ينقض فيكون تخصيصًا لعموم المنطوق، لكن نازع في دعوى أن الإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف غير واحد، قال ابن سيدة في المحكم: أفضى فلان إلى فلان: وصل إليه، والوصول أعم من أن يكون بظاهر الكف أو باطنها. وقال ابن حزم: الإفضاء يكون بظهر اليد كما يكون ببطنها، وقال بعضهم: الإفضاء فرد من أفراد المس، فلا يقتضي التخصيص» (^٣).\nوهذا هو الحق؛ لأن اليد تطلق على الكف كلها، قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، والقطع إنما هو للكف.\nوقال تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [المائدة: ٦]، وإنما يمسح الكف كما دل عليه حديث عمار في الصحيح، فإذا ذكر الإفضاء بباطن الكف، وهو فرد من أفراد المطلق لم يقتض تقييدًا للمطلق.\n_________\n(^١) الأم (١/ ٢٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٤٠).\n(^٣) تلخيص الحبير (١/ ٢٢٠).","vol":"2","page":670},{"text":"قال ابن حزم: «وحتى لو كان الإفضاء بباطن اليد لما كان في ذلك ما يسقط الوضوء عن غير الإفضاء إذا جاء أثر بزيادة على لفظ الإفضاء، فكيف والإفضاء يكون بجميع الجسد، قال تعالى: (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) [النساء: ٢١] (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-993> دليل من اشترط العمد في المس</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-990> الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: ٥].\nفدلت الآية على عدم النقض بالنسيان والخطأ.\nوليس في الآية دليل على عدم النقض بالعمد؛ لأن الآية ليس فيها إلا نفي الجناح، والمقصود به الإثم، ونفي الإثم لا يدل على بقاء الطهارة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-991> الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن الشرط في مس الذكر أن يمس بقصد وإرادة؛ لأن العرب لا تسمي الفاعل فاعلًا إلا بقصد منه إلى الفعل، وهذه الحقيقة في ذلك، ورجح ذلك ابن عبد البر (^٢)، واختاره ابن تيمية في الفتاوى، وقال: إذا لم يتعمد ذلك لم ينتقض وضوءه (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-992> الدليل الثالث:</span>\nقالوا: الوضوء المجمع عليه لا ينتقض إلا بإجماع أو سنة ثابتة غير محتملة للتأويل، وعليه فلا يجب الوضوء إلا من مس ذكره قاصدًا مفضيًا (^٤).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٢٢٢).\n(^٢) فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٣٣٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٣١).\n(^٤) بتصرف (٣/ ٣٤٢).","vol":"2","page":671},{"text":"• ويجاب:\nبأن اشتراط العمد فيه إشكال؛ لأن معناه أنه حكم تكليفي، فإذا مسه عن طريق الخطأ لم ينتقض الوضوء، ويلزم من ذلك ألا ينتقض وضوء الصبي بمسه ذكره؛ لأن عمد الصبي بمنزلة الخطأ، ولعدم توفر القصد الصحيح، والراجح عندي أن المس حكم وضعي، فإذا كان مس الذكر مفسدًا للطهارة استوى فيه العمد والخطأ كباقي الأحداث، فكما أنه إذا خرجت منه ريح أو بول لم يفرق بين العامد وغيره، فكذلك مس الذكر، والله أعلم.\nهذه خلاصة الأقوال في المسألة، وأدلة كل قول، وأجد القول الراجح في المسألة هو القول بوجوب الوضوء من مس الذكر، لضعف حديث طلق بن علي، وصحة الأحاديث الواردة في وجوب الوضوء من مس الذكر وكثرتها، والله أعلم.\nتنبيه: يشترط في النقض بمس الذكر شرطين:\nالأول: أن يكون مسه بالكف، وسبق ذكر دليله.\nالثاني: أن يكون مسه بلا حائل، ودليله حديث أبي هريرة المتقدم: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب الوضوء) وسبق تخريجه.\nوقال ابن حزم: والماس على الثوب ليس ماسًا (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٢٢٥).","vol":"2","page":672},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-994>المبحث الثاني في مس المرأة فرجها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ما ثبت في حق الرجل ثبت في حق النساء إلا بدليل.\n• قال ﷺ: إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، فالفرج: اسم جنس مضاف فيعم كل فرج.\n• ذكر مس الذكر في حديث بسرة مفهوم لقب.\n• ذكر الذكر في حديث بسرة لا يقتضي تخصيص الفرج؛ لأن الذَّكَر بعض أفراده، وذكر فرد من أفراد المطلق أو العام بحكم يوافق المطلق أو العام لا يقتضي تخصيصًا.\n• من نص على أن الفرج لا يدخل في مسمى الذَّكَر إنما أخذ بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم له.\n[م-١٩٠] اختلف العلماء في مس المرأة فرجها، هل ينقض الوضوء أم لا؟\nفقيل: لا ينقض مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٥٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٢)، البحر الرائق (١/ ٤٥).","vol":"2","page":673},{"text":"وقيل: ينقض مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nواختلف النقل عن مالك،\nفقال: عليها الوضوء كالرجل، قال ابن عبد البر في الكافي: وهو الأشهر (^٣).\nوقيل: لا يجب عنها إلا أن تلطف وتلتذ.\nوقيل: لا يجب مطلقًا، حكاه جماعة بأنه هو المشهور من المذهب (^٤).\n_________\n(^١) الأم (١/ ١٩)، المجموع (٢/ ٣٨)، الحاوي (١/ ١٩٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥، ٣٦) مختصر المزني (ص: ٤٠) نهاية المحتاج (١/ ١١٨، ١١٩)، روضة الطالبين (١/ ٧٥).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٢٦)، الفروع (١/ ١٧٩)، الإنصاف (١/ ٢٠٩)، شرح الزركشي (١/ ٢٥١).\n(^٣) الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٢).\n(^٤) ساق ابن رشد في المقدمات (١/ ١٠٢) عن مالك أربع روايات، فقال: «أحدها: سقوط الوضوء. والثانية: استحبابه. والثالثة: إيجابه. والرابعة: التفرقة بين أن تلطف أو لا تلطف، وهي رواية ابن أبي أويس عنه.\nفأما الرواية الأولى والثانية فواحدة في إسقاط الوجوب، وذهب أبو بكر الأبهري: إلى أن ذلك كله ليس باختلاف رواية، وإنما هو اختلاف أحوال، فرواية ابن القاسم وأشهب في سقوط الوضوء، معناها: إذا لم تلطف، ولا قبضت عليه فالتذت.\nورواية علي بن زياد عن مالك في وجوب الوضوء معناها: إذا ألطفت على ما بُيِّن في رواية ابن أبي أويس، عن مالك. ومن أصحابنا من يحمل الروايات كلها على روايتين: إحداهما: وجوب الوضوء. والثانية: سقوطه، والوجوب متعلق بالإلطاف والالتذاذ.\nفإذا مست المرأة فرجها فلم تلطف ولم تلتذ فلا وضوء عليها عند مالك ولم يختلف عنه في ذلك، فإذا ألطفت والتذت وجب عليها الوضوء عند مالك بلا خلاف، وقيل: إن عنه في ذلك روايتين على ما بيناه».اهـ\nوقال في أسهل المدارك (١/ ٦٠): «وفي مس المرأة فرجها خلاف، وقد علمت أن المعتمد الذي به الفتيا عدم النقض ولو ألطفت، وعليه مشى خليل. والإلطاف: أن تدخل المرأة يدها بين شفري فرجها».\nوفي الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٢٣): «ولا مس امرأة فرجها -يعني: ولا ينقض- ألطفت أم لا، قبضت عليه أم لا، وهذا هو المذهب، وأوِّلت أيضًا بعدم الإلطاف، فإن ألطفت انتقض، والإلطاف: أن تدخل شيئًا من يدها في فرجها».اهـ ...\nوانظر التاج والإكليل (١/ ٣٠٢) المطبوع بهامش مواهب الجليل، الخرشي (١/ ١٥٨)، وصرح الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ١٤٥) بأن المذهب المالكي لا ينتقض بمس المرأة فرجها ولو ألطفت.","vol":"2","page":674},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-995> دليل من قال: يجب عليها الوضوء:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-996> الدليل الأول:</span>\n(٤٤٣ - ٢٩٧) ما رواه أحمد من طريق بقية، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: من مس ذكره فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ.\n[ضعفه أحمد، وصححه البخاري، وقد انفرد به بقية، عن الزبيدي] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-997> الدليل الثاني:</span>\n(٤٤٤ - ٢٩٨) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان،\nعن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ: من مس فرجه فليتوضأ.\n[منقطع] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (من مس فرجه) فكلمة (من) من ألفاظ العموم تشمل الرجل والمرأة، وسوأة المرأة يقال لها: فرج، كما قال تعالى: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ) [الأحزاب: ٣٥]، والحديث وإن كان قد اختلف فيه: هل سمع مكحول من عنبسة أم لا؟ إلا أنه شاهد للحديث الأول من حديث عبد الله بن عمرو.\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر رقم (٤٣٧).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح (٤٣٥).","vol":"2","page":675},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-998> الدليل الثالث:</span>\n(٤٤٥ - ٢٩٩) ما رواه الطبراني في الصغير من طريق أصبغ بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب الوضوء (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nالحديث علق الوضوء بمس الفرج، ولو علقه بالذكر لقيل: إن الحكم خاص بهذا المسمى، والمرأة ليس لها ذكر، فحين علقه بمسمى الفرج فما ثبت لفرج الرجل ثبت لفرج المرأة إلا بدليل، ثم إن كلمة (فرجه) الفرج: اسم جنس مضاف فيعم كل فرج، وذكر الذكر في حديث بسرة لا يقتضي تخصيص الفرج؛ لأن الذَّكَر بعض أفراده، وذكر فرد من أفراد المطلق أو العام بحكم يوافق المطلق والعام لا يقتضي تخصيصًا. كما أن من نص على أن الفرج لا يدخل في مسمى الذَّكَر إنما أخذ بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم له.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-999> الدليل الرابع:</span>\n(٤٤٦ - ٣٠٠) ما رواه الطحاوي من طريق عبد الله بن المؤمل المخزومي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، أن بسرة سألت رسول الله ﷺ، فقالت: المرأة تضرب بيدها، فتصيب فرجها، قال: تتوضأ يا بسرة.\n_________\n(^١) المعجم الصغير (١/ ٤٢).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر حديث رقم (٤٣٦).","vol":"2","page":676},{"text":"[ذكر بسرة في الحديث منكر] (^١)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1000> الدليل الخامس:</span>\n(٤٤٧ - ٣٠١) ما رواه الدارقطني من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ابن حفص العمري، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون، ولا يتوضئون. قالت عائشة: بأبي وأمي هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ قال: إذا مست إحداكن فرجها، فلتتوضأ للصلاة (^٢).\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1001> الدليل السادس:</span>\n(٤٤٨ - ٣٠٢) ما أخرجه البيهقي من طريق أبي موسى الأنصاري، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن نمر، قال: سألت الزهري عن مس المرأة فرجها أتتوضأ؟ فقال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان بن الحكم،\nعن بسرة بنت صفوان أن رسول الله ﷺ قال: إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ، والمرأة كذلك (^٤).\n[قوله والمرأة كذلك مدرجة من قول الزهري] (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر ح (٤٣٧).\n(^٢) الحديث ضعيف جدًّا إن لم يكن موضوعًا، والعمري كذبه أحمد.\nوقال النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة: متروك.\n(^٣) تكلمت عليه ضمن الكلام على حديث بسرة، انظر ح (٢٠٦٠) عند بيان الاختلاف في روايات هشام بن عروة لحديث بسرة. وانظر إتحاف المهرة (٢٢٢٥٦).\n(^٤) سنن البيهقي (١/ ١٣٢).\n(^٥) الحديث قد اختلف فيه على الوليد بن مسلم:\nفرواه أبو موسى الأنصاري، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن نمر، عن الزهري، عن عبدالله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة كما تقدم في إسناد الباب. =","vol":"2","page":677},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه البيهقي (١/ ١٣٢) من طريق هشام بن عمار.\nوابن حبان (١١١٧) من طريق عبد الله بن أحمد بن ذكوان الدمشقي، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن نمر، عن الزهري، عن عروة، عن بسرة. فخالف في موضعين:\nالأول: كون الزهري يرويه مباشرة عن عروة.\nالثاني: إسقاط مروان من الإسناد.\nوالأول أرجح؛ لأن المحفوظ أن الزهري يرويه عن عبد الله بن أبي بكر، هكذا رواه جماعة عن الزهري، منهم: شعيب وعقيل والليث وغيرهم وقد تكلمت على هذا في الكلام على حديث بسرة في المسألة السابق، فأغنى عن إعادته هنا.\nهذا وجه المخالفة في الإسناد، وأما قوله: (والمرأة كذلك) فهو من كلام الزهري، والدليل على ذلك:\nأن الحديث في هذا الإسناد وقع جوابًا على سؤال ألقاه عبد الرحمن بن نمر عن مس المرأة فرجها، فكأن الزهري يقول: إذا كان هذا حكم الرسول ﷺ في الرجل، فالمرأة كذلك، بدليل أن جميع من رواه عن الزهري من غير طريق عبد الرحمن بن نمر لم يذكر المرأة منهم الليث، وشعيب، وعقيل، ومعمر، وغيرهم، وكل من رواه عن عبد الله بن أبي بكر غير الزهري كذلك لم يذكر المرأة كمالك وشعبة وسفيان وغيرهم.\nوقد جاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٨): سألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن نمر، عن الزهري، عن عروة عن مروان، عن بسرة، عن النبي ﷺ، أنه كان يأمر بالوضوء من مس الذكر، والمرأة مثل ذلك؟ فقال: هذا حديث وهم فيه في موضعين: أحدهما أن الزهري يرويه عن عبد الله بن أبي بكر، وليس في الحديث ذكر المرأة».اهـ\nوقال البيهقي (١/ ١٣٢): ظاهر هذا يدل على أن قوله: (قال: والمرأة مثل ذلك) «من قول الزهري، ومما يدل عليه أن سائر الرواة رووه عن الزهري، دون هذه الزيادة. اهـ\nقلت: الصحيح أيضًا من حديث بسرة أنه في مس الذكر، لا في مس الفرج، ومن رواه بلفظ الفرج إنما رواه بالمعنى، ومن اطلع على جميع طرق الحديث لا يشك لحظة أن الحديث في مس الذكر، ولولا خشية الإطالة لجمعت الرواة الذين رووه بمس الذكر، وقارنتهم بمن خالفهم، فتركت ذلك اختصارًا خاصة أنني كتبت في حديث بسرة بحثًا مطولًا جدًّا، انظر حديث (٤٣٤)، وأخشى أن يفهم ذلك على أنه نوع من التكرار والإطالة، فمن أراد أن يقف على ذلك فليرجع إلى المصادر التي أشرت إليها في تخريج حديث بسرة، وليقارن بين ألفاظها، وسيتبين له إن شاء الله تعالى اللفظ المحفوظ عن النبي ﷺ، والله ﷾ أعلم.","vol":"2","page":678},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1002> دليل من قال: لا ينتقض وضوء المرأة إذا مست فرجها</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1003> الدليل الأول:</span>\nالأصل بقاء الطهارة حتى يوجد دليل صحيح صريح في أن الطهارة قد انتقضت، ولا يوجد دليل هنا؛ لأن جميع الأحاديث التي وردت بمس الفرج لا تخلو من مقال.\nجاء في المغني لابن قدامة: «قال المروذي: قيل لأبي عبد الله: الجارية إذا مست فرجها أعليها وضوء؟ قال: لم أسمع في هذا بشيء. قلت لأبي عبد الله: حديث عبد الله ابن عمرو، عن النبي ﷺ: أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ؟ فتبسم، وقال: هذا حديث الزبيدي، ليس حديثه بذاك».\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1004> الدليل الثاني:</span>\nالحديث الوارد في وجوب الوضوء إنما ورد في مس الذكر، ومس المرأة فرجها ليس في معناه، لكونه لا يدعو إلى خروج خارج.\n• وأجيب:\nبأن العلة في وجوب الوضوء من مس الذكر ليس كونه مظنة خروج خارج؛ لأن العلة هذه لم ينص عليها الشارع، ولم يتفق في كونها هي العلة، ولو كانت هي العلة لكنا إذا تيقنا بأنه لم يخرج خارج بقيت الطهارة على حالها كما قيل في النوم، والرسول ﷺ علق الحكم في المس، ومن مس ذكره بدون شهوة لم يكن مظنة لخروج شيء من ذكره، ومع ذلك ظاهر النصوص توجب الوضوء؛ لأن الحكم معلق على مطلق المس بدون قيد الشهوة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1005>الدليل الثالث:</span>\nقال الرسول ﷺ في حديث طلق بن علي حين سئل عن مس الذكر، هل ينقض الوضوء؟ فقال: إنما هو بضعة منك، فإذا كانت العلة في عدم النقض من مس الذكر كونه بضعة من جسم الرجل، فكذلك فرج المرأة بضعة من جسدها، لا يوجب وضوءًا.","vol":"2","page":679},{"text":"• وأجيب:\nبأن حديث طلق بن علي حديث ضعيف كما بينته في الخلاف في مس الذكر، وقد بينت وجوهًا كثيرة في تقديم حديث بسرة على حديث طلق في المسألة التي قبل هذه.\n• الراجح من أقوال أهل العلم:\nالذي أميل إليه أن مس المرأة فرجها ناقض للوضوء، إما بالنص على النقض من مس الفرج إن صحت الأحاديث بذلك، وإما بالقياس على الرجل لعدم الفارق، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":680},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1006>المبحث الثالث في مس المرأة ذكر الرجل أو العكس ومس فرج الصغير</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• نقض الوضوء من مس الذكر، هل هو تعبدي فلا ينقض إلا وضوء اللامس إذا قام بمس ذكره كما هو ظاهر النصوص، وأما الملموس ذكره فلا ينتقض وضوءه، فهو بمنزلة ما لو مس ذكره بغير يده، أو أن مس الذكر معقول المعنى في كون المس مظنة للحدث، فينقض اللمس سواء كان لامسًا أو ملموسًا؟\n• الملموس ذكره يجري على قواعد النقض بمس الذكر في حق الملموس، وفي حق اللامس يجري على قواعد النقض بالملامسة، والذكر في حقه كسائر البدن.\n• لو كانت العلة مظنة خروج الحدث لكان انتشار الذكر بشهوة موجبًا للوضوء، ولكان مس الذكر بشهوة، ولو من وراء حائل موجبًا له؛ لأنه مظنة لخروج شيء من الفرج، والوقوف عند النص ما دام أن العلة ليست معقولة هو الاحتياط.\n• العلة المستنبطة لا تقوى على تخصيص النصوص الشرعية أو تقييدها؛ لأنها علة مظنونة قد تكون هي العلة وقد تكون العلة غيرها.","vol":"2","page":681},{"text":"[م-١٩١] اختلف العلماء في ذلك، فقيل: لا ينقض مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: ينقض مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: حكم مس الفرج من الغير حكم مس الأجنبي، فإن كان مسه بشهوة انتقض وإن مسه بغير شهوة لم ينتقض، وهو مذهب المالكية، إلا أنهم اختلفوا في مس فرج الصغير إذا التذ بلمسه على قولين (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1007> دليل من قال: لا ينقض مطلقًا:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1008> الدليل الأول:</span>\nقالوا: الأصل بقاء الطهارة، فلا تنتقض طهارة مجمع عليها إلا بدليل صحيح صريح، ولا دليل هنا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1009> الدليل الثاني:</span>\nكل دليل استدل به الحنفية على عدم الوضوء من مس الفرج، يستدلون به هنا، كحديث طلق بن علي وغيره من الأدلة، وقد سقناها في مسألة مستقلة فارجع إليها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1010> الدليل الثالث:</span>\nعلى التنزل والأخذ بحديث بسرة ونحوه مما يدل على وجوب الوضوء من مس الذكر، فإن لفظ الأحاديث الواردة (من مس ذكره فليتوضأ) (أيما امرأة مست فرجها\n_________\n(^١) سبق أن نقلت في خلاف العلماء في مس الذكر، أن مذهب الحنفية لا يرون النقض مطلقًا من مس الذكر، سواء مس ذكره هو، أو مس ذكر غيره، وسواء كان متصلًا أو منفصلًا، وسواء كان من حي أو من ميت، فانظر العزو هناك يغني عن إعادته هنا.\n(^٢) انظر العزو إلى كتبهم في الكلام على خلاف العلماء في الوضوء من مس الذكر.\n(^٣) انظر العزو إلى كتبهم في الكلام على خلاف العلماء في الوضوء من مس الذكر.\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٢٩٩)، التلقين (ص: ٥٠)، القوانين الفقهية (ص: ٢٢)، الشرح الصغير (١/ ١٤٢)، الشرح الكبير (١/ ١٢٠)،","vol":"2","page":682},{"text":"فلتتوضأ) فالنصوص وردت في فرج نفسه، لا في فرج غيره، والعلة غير معقولة المعنى فلا يصح قياس غيره عليه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1011> الدليل الرابع:</span>\n(٤٤٩ - ٣٠٣) ما رواه البيهقي من طريق يعقوب أبي العباس، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن عمران، حدثني أبي، حدثني ابن أبي ليلى، عن عيسى،\nعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه (^١)، قال: كنا عند النبي ﷺ، فجاء الحسن، فأقبل يتمرغ عليه، فرفع عن قميصه، وقبل زبيبته (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) سقطت كملة (عن أبيه) من سند البيهقي، والتصحيح من المهذب في اختصار السنن الكبير للبيهقي (٥٨٣)، اختصره الذهبي، وتاريخ الإسلام للذهبي، تحقيق بشار (١/ ٧٧٦)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٤١١)، والبدر المنير (٢/ ٤٧٨)، ولم يعله الذهبي بالإرسال كما قال محقق المهذب من اختصار السنن الكبير.\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ١٣٧).\n(^٣) قال البيهقي بعده: هذا إسناد غير قوي، وليس فيه أنه مسه بيده، ثم صلى ولم يتوضأ. اهـ\nقلت: في إسناده عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، لم يوثقه إلا ابن حبان، وفي التقريب: مقبول، يعني: حيث يتابع وإلا ففيه لين.\nوفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سيء الحفظ.\nوفي البدر المنير (٢/ ٤٧٨): «قال ابن القطان في (أحكام النظر): إنه حديث لا يصح. وقال ... ابن الصلاح في كلامه على الوسيط: هذا الحديث ضعيف، رويناه في السنن الكبير (يعني) للبيهقي عن أبي ليلى الأنصاري يتداوله بطون من ولده، منهم من لا يحتج به. وقال النووي في تنقيحه: إنه ضعيف متفق على ضعفه. وضعفه أيضًا في شرحه وخلاصته».\nوله شاهد عند الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٥١) ح ٢٦٥٨، من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ فرج ما بين فخذي الحسين، وقبل زبيبته.\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا، فيه قابوس بن أبي ظبيان، ضعفه النسائي وغيره، وفي التقريب: فيه لين.","vol":"2","page":683},{"text":"• وأجيب:\nبأن الحديث على ضعفه ليس فيه شاهد لمسألتنا، قال الحافظ في التلخيص: «وإذا تقرر أنه ليس في الحديث أنه ﷺ صلى عقب ذلك، فلا يستدل به على عدم النقض، نعم يستدل به على جواز مس فرج الصغير ورؤيته» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1012> دليل من قال بالنقض مطلقًا:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1013> الدليل الأول:</span>\n(٤٥٠ - ٣٠٤) ما رواه عبد الرزاق، ومن طريقه الطحاوي، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: تذاكر هو ومروان الوضوء من مس الفرج، فقال مروان:\nحدثتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء من مس الفرج، فكأن عروة لم يقنع بالحديث، فأرسل مروان إليها شرطيًا، فرجع فأخبرهم،\nأنها سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء من مس الفرج. قال معمر: وأخبرني هشام بن عروة، عن أبيه مثله.\nوجه الاستدلال:\nقوله في الحديث: (يأمر بالوضوء من مس الفرج) وهذا مطلق، سواء كان فرجه أو فرج غيره، من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حي أو ميت.\n• وأجيب:\nبأن هذا اللفظ شاذ، والرواية المحفوظ في الحديث (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ) (^٢).\n_________\n(^١) تلخيص الحبير (١/ ٢٢٢).\n(^٢) انفرد بهذه اللفظة الزهري، رواه عنه معمر، وقد اختلف على معمر فيه:\nفرواه عبد الرزاق عنه كما سبق في إسناد الباب.\nورواه شعبة عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن بسرة، بلفظ: إذا أفضى أحدكم بيده إلى =","vol":"2","page":684},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرجه فليتوضأ. ولم يقل: كان يتوضأ من مس الفرج.\nورواه شعيب كما في مسند أحمد (٦/ ٤٠٦).\nوعقيل كما في سنن البيهقي (١/ ١٣٢) كلاهما عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ذكر مروان بن الحكم في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، فأنكرت ذلك عليه، فقلت: لا وضوء على من مسه. فقال مروان: أخبرتني بسرة أنها سمعت رسول الله ﷺ يذكر ما يتوضأ منه، فقال رسول الله ﷺ: ويتوضأ من مس الذكر. وهذا مطلق يشمل ذكره وذكر غيره، لكن قد خالف فيه الزهري جميع من رواه عن عبد الله بن أبي بكر، منهم:\nمالك كما في الموطأ (١/ ٤٢).\nسفيان بن عيينة كما في مسند الحميدي (٣٥٢).\nابن علية كما في مسند أحمد (٦/ ٤٠٦).\nوشعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٦٥٧)، فكل هؤلاء رووه عن عبد الله بن أبي بكر بلفظ: من مس ذكره فليتوضأ، وخالفوا فيه الزهري. كما رواه هشام بن عروة عن أبيه بلفظ: من مس ذكره فليتوضأ، رواه عنه كل من:\nأبو أسامة كما في المنتقى لابن الجارود (١٧).\nوعبد الله بن إدريس كما في رواية ابن ماجه (٤٧٩).\nوسفيان الثوري كما في صحيح ابن حبان (١١١٦).\nويحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٦/ ٤٠٦)، والترمذي (٨٢)، والنسائي (٤٤٧) كلهم رووه عن هشام بن عروة، عن عروة به، بلفظ: من مس ذكره فليتوضأ. ولم يقل أحد منهم أن الرسول ﷺ قال: يتوضأ من مس الذكر إلا الزهري، والزهري قد اختلف عليه في الحديث اختلافًا كثيرًا، فقيل: عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان، عن بسرة.\nوقيل: عن الزهري، عن عروة، عن بسرة بدون ذكر مروان.\nوقيل: عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن بسرة، عن زيد بن خالد.\nوقيل: الزهري، عن عروة، عن زيد بن خالد بدون ذكر بسرة.\nوقيل: الزهري، عن عروة، عن عائشة.\nوقيل: الزهري، عن أبي بكر بن حزم، عن عروة، عن بسرة.\nوقيل: الزهري، عن عبد الله بن عبد القاري عن أبي أيوب.\nوسبق أن تكلمت على هذه الطرق، والراجح منها، انظر تخريج حديث بسرة ح (٤٣٤)، فهذا الاختلاف على الزهري في الإسناد يدل على أنه لم يضبط الحديث على إمامته، فإذا خالف في متنه لم يقدم على الحفاظ الذين لم يختلفوا في لفظ الحديث.","vol":"2","page":685},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1014> الدليل الثاني:</span>\nقال ابن قدامة: إن مس ذكر غيره معصية، وأدعى إلى الشهوة وخروج الخارج، وحاجة الإنسان تدعو إلى مس ذكر نفسه، فإذا انتقض بمس ذكر نفسه، فبمس ذكر غيره أولى.\nقلت: أما كون مس ذكر الغير معصية فليست العلة في النقض كونه معصية، ولذلك لا يجب الوضوء من الكذب والغيبة والنميمة وهي من كبائر الذنوب، ولا يلزم أن يكون مس ذكر الغير معصية كما لو مست المرأة ذكر زوجها، أو طفلها.\nوأما كونه مدعاة للشهوة وخروج الخارج، فليست هذه هي العلة أيضًا ولذلك لو مسه بشهوة مع الحائل لم ينتقض وضوؤه مع كونه مدعاة للشهوة وخروج الخارج، وكما لو مسه بغير يده بدون حائل لم ينتقض وضوؤه، فالعلة في النقض من مس الذكر إنما هي تعبدية ليست معقولة المعنى ظاهرًا، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1015> دليل من قال: حكم مس الفرج من الغير حكم مس بدن الأجنبية:</span>\nسوف يأتي إن شاء الله تعالى ذكر أدلة هذه المسألة في بحث مستقل في حكم مس المرأة بشهوة، ونبين فيها بحوله وقوته الراجح فيها.\n• الراجح في هذه المسألة:\nالراجح، والله أعلم القول بعدم النقض، واختاره ابن عبد البر، حيث يقول: «والنظر عندي في هذا الباب أن الوضوء لا يجب إلا على من مس ذكره أو فرجه قاصدًا مفضيًا، وأما غير ذلك منه أو من غيره فلا يوجب الظاهر، والأصل أن الوضوء المجتمع عليه لا ينتقض إلا بإجماع أو سنة ثابتة غير محتملة للتأويل» (^١).\nوكلامه جيد إلا أن اشتراط القصد قول مرجوح، وقد ناقشنا وجه كونه مرجوحًا فيما تقدم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٣٤٢).","vol":"2","page":686},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1016>الفرع الأول في مس فرج الميت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• نقض الوضوء من مس الذكر هل هو تعبدي فلا ينقض إلا وضوء اللامس إذا قام بمس ذكره كما هو ظاهر النصوص، وأما الملموس ذكره فلا ينتقض وضوءه فهو بمنزلة ما لو مس ذكره بغير يده، أو أن مس الذكر معقول المعنى في كون المس مظنة للحدث، فينقض اللمس سواء كان لامسًا أو ملموسًا.\n• مس فرج الميت بالنسبة للملموس لا حكم له؛ لانقطاع التكليف، وبالنسبة للامس لا يعطى حكم مس الذكر، لأنه لم يمس ذكره هو، وهل تعطى ملامسة الميت حكم ملامسة المرأة في نقض الوضوء؟\n[م-١٩٢] قال ابن قدامة: «وفرج الميت كفرج الحي؛ لبقاء الاسم والحرمة؛ ولاتصاله بجملة الآدمي، وهو قول الشافعي.\nوقال إسحاق: لا وضوء عليه» (^١).\n_________\n(^١) المغني (١/ ١١٧).","vol":"2","page":687},{"text":"قلت: قول إسحاق هو الراجح؛ لأن النصوص إنما وردت في فرج نفسه، لا في فرج غيره، وكما قلت: يخطئ من يعتقد أن العلة في النقض إذا مسه بشهوة كونه مظنة لخروج حدث ناقض للوضوء؛ لأن الأحاديث مطلقة، ولم تقيده بالشهوة، ولا يقيد النص الشرعي إلا نص مثله، أو إجماع، أو قياس صحيح، ولو كانت العلة مظنة خروج الحدث لكان انتشار الذكر بشهوة موجبًا للوضوء، ولكان مس الذكر بشهوة، ولو من وراء حائل موجبًا له؛ لأنه مظنة لخروج شيء من الفرج، والوقوف عند النص ما دام أن العلة ليست معقولة هو الاحتياط، والجزم بفساد العبادة الثابتة بدليل لا يجوز إلا بدليل صريح في المسألة، وحين أقول بذلك ليس الحامل له رد القياس؛ فإن تركه جمود، لكني أقول به لعدم وضوح العلة في المسألة، ولا بد حتى يلحق الفرع بالأصل من كون العلة معقولة المعنى، وهذا الذي لم يتضح لي في مس ذكر الغير، كبيرًا كان أو صغيرًا، حيًا كان أو ميتًا، وحديث (يتوضأ من مس الذكر) لا يثبت هذا اللفظ كما بينت في المسألة التي قبل هذه، والمحفوظ من حديث بسرة لفظ: (من مس ذكره فليتوضأ) والاحتياط ليس في جانب إفساد العبادة، بل الاحتياط اعتبار صحة الوضوء حتى يتيقن الناقض أو يغلب على الظن وقوعه، والله أعلم بالصواب، وهو الهادي وحده إلى الحق.\n* * *","vol":"2","page":688},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1017>الفرع الثاني في مس الذكر المنفصل</span>\n[م-١٩٣] القائلون بنقض الوضوء من مس الذكر المتصل إذا مَسَّ ذكرًا منقطعًا، هل ينتقض وضوؤه أم لا؟\nفقيل: لا ينقض، وهو مذهب المالكية (^١)، واختاره بعض الشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: ينتقض، وعليه أكثر الشافعية (^٤)، ووجه في مذهب الحنابلة (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1018> دليل من قال: لا ينقض</span>.\nقالوا: الدليل ورد في الذكر المتصل، فلا دليل على المنفصل؛ ولأنه لا لذة في لمسه، ولا يقصد لمسه، ولذهاب الحرمة، فلا يحرم النظر إليه.\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٩٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢١)، أسهل المدارك (١/ ٦٠)، الشرح الصغير (١/ ١٤٥).\n(^٢) المجموع (٢/ ٤٢).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٢٧)، الإنصاف (١/ ٢٠٤)، المغني (١/ ٢٤٤).\n(^٤) المجموع (٢/ ٤٢)، روضة الطالبين (١/ ٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٢٠٤).","vol":"2","page":689},{"text":"• ليل من قال: بالنقض.\nقالوا: بأنه يقع عليه اسم الذكر، فيصدق عليه أنه مس ذكرًا فعليه الوضوء.\n• الراجح من الخلاف:\nأرى أن الراجح هو القول الأول، لأن النص إنما ورد في ذكر الشخص المتصل، فإذا كنا قد رجحنا أنه لا ينتقض وضوؤه إذا مس ذكر غيره مع اتصاله ببدن صاحبه، فهذا من باب أولى، ومن هذه المسألة مس القلفة التي تقطع للختان، فإن مسها قبل قطعها انتقض وضوؤه عند من يقول بنقض الوضوء بمس ذكر الغير، وتعليلهم: لأنها من جلدة الذكر، وإن مسها بعد القطع لم ينتقض؛ لأنه بائن من الذكر لا يقع عليه اسم الذكر.\n* * *","vol":"2","page":690},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1019>المبحث الرابع في الملموس ذكره</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• نقض الوضوء من مس الذكر، هل هو تعبدي فلا ينقض إلا إذا مس الرجل ذكره هو كما هو ظاهر النصوص أما إذا مس ذكره غيره فهو بمنزلة ما لو مسه بغير يده، أو أن مس الذكر معقول المعنى في كون المس مظنة للحدث، فينقض اللمس سواء كان منه أو من غيره؟\n[م-١٩٤] اختلف العلماء القائلون بنقض الوضوء من مس الذكر، هل ينتقض وضوء الملموس ذكره، أو أن الحكم يختص باللامس فقط؟\nفقيل: إن كان الملموس بالغًا، ووجد لذة من ذلك، أو وجد منه قصد بأن مالت نفسه بأن يلمسه غيره، فلمسه، انتقض وضوؤه، وهو مذهب المالكية (^١).\n_________\n(^١) الحنفية لا يرون أن مس الذكر ينقض الوضوء مطلقًا، سواء لمس هو أو غيره ذكره، وقد قدمنا العزو إليهم في عدم نقض الوضوء من مس الذكر، وانظر بدائع الصنائع (١/ ٣٠)، البيان للعمراني (١/ ١٨٩)، نهاية المطالب في دراية المذهب (١/ ١٣١)، الإنصاف (١/ ٢٠٥).","vol":"2","page":691},{"text":"وقيل: لا ينتقض وضوء الملموس، وهو مذهب الحنفية، والشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1020> دليل من قال بنقض الوضوء إن وجد منه قصد أو لذة:</span>\nجعل المالكية هذه المسألة من باب لمس الأجنبي، فإذا لمس الرجل أجنبيًا بلذة انتقض وضوؤه، ومثله الملموس إن وجد منه لذة، وسوف يأتي بحثها في مسألة مستقلة ونذكر أدلتهم التفصيلية إن شاء الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1021> دليل من قال لا ينتقض وضوء الملموس:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1022> الدليل الأول:</span>\nالإجماع على عدم وجوب الوضوء على الملموس.\nقال المجد ابن تيمية نقلًا من الإنصاف: «لا أعلم فيه خلافًا - يعني في عدم وجوب الوضوء على الملموس» (^٢).\nونقل الإجماع غير دقيق لما علمت من مذهب المالكية واختاره كثير من الخرسانيين من الشافعية من القول بالنقض، ولعله يقصد من نفي العلم بالخلاف بالنسبة للمذهب، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1023> الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن الأحاديث الواردة جاءت في اللامس، لا في الملموس، فلا نتعدى النص، ولو كان النقض يسري إلى الملموس لأمر بالوضوء كما أمر اللامس، فلما لم يؤمر علمنا أنه لم ينتقض وضوؤه.\nوهذا القول مع كونه يتفق مع النص إلا أنه لا يتفق مع العلة التي ذكروها في نقض اللامس، فإنهم قد عللوا النقض بكونه مظنة لخروج الخارج خاصة إذا كان\n_________\n(^١) شرح الخرشي (١/ ١٥٥)، الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي (١/ ١١٩).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٠٥).","vol":"2","page":692},{"text":"ذلك عن شهوة، فالعلة موجودة في الملموس إذا انتشر ذكره بسبب لمس غيره، ووجد لذة فإن المظنة موجودة، فكان لزامًا عليهم أن يطردوا العلة، وفي هذا بيان أن العلة التي استنبطوها لم تكن هي العلة الحقيقية في وجوب الوضوء من مس الذكر، وإذا رجحنا أن الأمر تعبدي وقفنا عند ظاهر النص، وأوجبنا الوضوء على من لمس ذكره فقط، سواء كان ذلك عن شهوة أم كان من غير شهوة، دون من لمس ذكر غيره ودون الملموس، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":693},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>فرع\nفي مس المرأة شفري فرجها</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• ما قارب الشيء هل يعطى حكمه؟ (^١).\n[م-١٩٥] اختلف العلماء في مس المرأة شفري فرجها، هل ينتقض الوضوء أم لا؟\nفقيل: لا ينتقض الوضوء بمس الشفرين، وهو قول في مذهب المالكية (^٢)، ومذهب الحنابلة (^٣)، وقال الشافعية: ينتقض إن مس ملتقى الشفرين على المنفذ (^٤).\n_________\n(^١) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١٧٨)، المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ١٤٤).\n(^٢) تقدم لنا تحرير الأقوال في مذهب مالك ﵀ في مسألة مس المرأة فرجها، وقدمنا فيه أربعة أقوال، ومن هذه الأقوال القول بنقض الوضوء بشرط أن تلطف، والإلطاف: أن تدخل المرأة يدها بين شفري فرجها، وعليه فلا ينقض مجرد مس الشفرين، والله أعلم انظر المراجع في مسألة مس المرأة فرجها، فقد عزونا الأقوال في مذهب مالك إلى كتب المالكية المعتمدة، والله أعلم.\n(^٣) قال في كشاف القناع (١/ ١٢٨): «ولا ينقض مس امرأة شفريها، وهما اسكتاها؛ لأن الفرج هو مخرج الحدث، وهو ما بينهما دونهما».\nوالظاهر أن الشفرين غير الإسكتين، جاء في اللسان (٤/ ٤١٩): يقال لناحيتي فرج المرأة: الإسكتان، ولطرفيهما: الشفران. وجاء في نهاية المحتاج (١/ ١١٩): الشفران هما اللحمان المحيطان بالفرج إحاطة الشفة بالفم.\n(^٤) قال النووي في المجموع (٢/ ٤٤): «قال أصحابنا: لا ينقض مس الأنثيين وشعر العانة من ...\nالرجل والمرأة، ولا موضع الشعر، ولا ما بين القبل والدبر، ولا ما بين الأليين، وإنما ينقض نفس الذكر وحلقة الدبر وملتقى شفري المرأة، فإن مست ما وراء الشفر لم ينقض بلا خلاف، صرح به إمام الحرمين والبغوي وآخرون».اهـ\nوقال الأنصاري في شرح البهجة (١/ ١٣٩): قوله: (ملتقى المنفذ) قال الشمس ابن الرملي: في حاشية شرح الروض: المراد بقبل المرأة الشفران على المنفذ من أولهما إلى آخرهما: أي بطنًا وظهرًا، لا ما هو على المنفذ منهما كما وهم فيه جماعة من المتأخرين. وقال ولده في شرح العباب: المراد بملتقى الشفرين طرف الأسكتين المنضمتين على المنفذ، ولا يشترط مسهما بل مسهما أو مس أحدهما من باطنها أو ظاهرها بخلاف موضع ختانها؛ لأنه لا يسمى فرجًا. اهـ وقال ابن حجر الهيتمي في شرح العباب: والإسكتان ناحيتا الفرج، والشفران طرفاهما، قاله الأزهري، وقال أيضًا. وعبارة المجموع: ملتقى شفري المرأة وظاهرها كغيرها أن الناقض هو القدر المماس من كل من الشفرين للآخر عند الانطباق فقط، وبهامش حاشية الشرح بخط عالم ما نصه: المتعمد النظر لما يلتقي: وهو تماس أحد الحرفين مع الآخر فليتأمل، وعبارة التحفة: والناقض من قبل الآدمي ملتقى شفريه المحيطين بالمنفذ إحاطة الشفتين بالفم دون ما عدا ذلك. اهـ وهو موافق لما بالهامش المذكور. وعبارة الشمس بن الرملي في شرح المنهاج: والمراد بحلقة الدبر: ملتقى المنفذ دون ما وراءه. قال ابن حجر الهيتمي: مقتضى تقييده بالملتقى عدم النقض بما يظهر عند الاسترخاء؛ لأنه ليس من الملتقى بل زائد عليه؛ لأنه ليس محل الالتقاء. اهـ فيفيد أن الملتقى هو محل الالتقاء فقط، قال ابن الحجر الهيتمي أيضًا: وهو مخالف لما مر عن شرح العباب والحق أن العبارة محتملة فيرجع لما في شرح العباب».اهـ","vol":"2","page":694},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1025> دليل من قال: لا ينقض:</span>\nقالوا: إن النقض علق بمس الفرج، والفرج هو مخرج الحدث، لا ما قاربه.\nقلت: إن كانت اللغة تساعدهم قبل ذلك اعتمادًا على الحقيقة اللغوية، وإلا فإن حافتي الفرج المتصلة به حكمها حكم الفرج، ومثلها حافة الدبر المستديرة، وكأنهم يشترطون إدخال اليد في الفرج حتى ينقض، وهذا ما صرح به المالكية، وقد جاء في اللسان: «الفرج: اسم لجميع سوآت الرجال والنساء والفتيان وما حواليها كله فرج» (^١).\n_________\n(^١) اللسان (٢/ ٣٤٢).","vol":"2","page":695},{"text":"فجعل ما حوالي الفرج منه، ولو اعتبرنا مخرج الحدث للزم أن نعتبر من الذكر مخرج البول فقط؛ لأنه هو الفرج، جاء في اللسان: الفرج: الثغر المخوف، وجمعه فروج، سمي فرجًا؛ لأنه غير مسدود: أي ينفرج على الجوف (^١). والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المرجع السابق نفس الصفحة.","vol":"2","page":696},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1026>المبحث الخامس في مس فرج البهيمة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لايثبت لفرج البهيمة ما يثبت لفرج الآدمي، حتى لا يجب ستره، ولا الحد بالإيلاج فيه.\n[م-١٩٦] اختلف العلماء في مس فرج البهيمة.\nفقيل: لا ينقض الوضوء مس فرج البهيمة مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، وإحدى القولين في مذهب المالكية (^٣).\nوقيل: ينقض مطلقًا، وهو قول الليث (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٤٣)، روضة الطالبين (١/ ٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٦).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٠٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧١)، المغني (١/ ٢٦٤)، الفروع (١/ ١٨١)، وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٣١): لمس فرج الحيوان غير الإنسان لا ينقض الوضوء حيًا ولا ميتًا باتفاق الأئمة، وذكر بعض المتأخرين من أصحاب الشافعية فيه وجهين، وإنما تنازعوا في مس فرج الإنسان خاصة. اهـ\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ١١٩) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٤٤)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٢).\n(^٤) الأوسط (١/ ٢١١).","vol":"2","page":697},{"text":"وقيل: ينقض الوضوء إذا قصد اللذة أو وجدها، وهو أحد القولين في مذهب المالكية (^١).\nوقيل: ينقض مس قبل البهيمة دون دبرها، وهو اختيار الرافعي من الشافعية (^٢).\nوقيل: ينقض مس فرج الحيوان النجس الذي لا يؤكل لحمه، وأما الحيوان الطاهر المأكول اللحم فلا ينقض مس فرجه، وهو قول عطاء رحمه الله تعالى (^٣).\nوهذه المسألة وغيرها لا تتأتى على مذهب الحنفية الذين لا يقولون بالوضوء من مس الفرج مطلقًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1027> دليل من قال بالنقض من مس فرج البهيمة:</span>\n(٤٥١ - ٣٠٥) استدل بما رواه عبد الرزاق، ومن طريقه الطحاوي عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: تذاكرا هو ومروان الوضوء من مس الفرج، فقال مروان:\nحدثتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء من مس الفرج، فكأن عروة لم يقنع بحديثه، فأرسل مروان إليها شرطيًا، فرجع فأخبرهم أنها سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء من مس الفرج.\nفقوله: (يأمر بالوضوء من مس الفرج) لفظ الفرج لفظ مطلق، يشمل كل فرج حتى البهيمة.\nوقد بينت فيما سبق شذوذ هذه اللفظة في مسألة مس المرأة ذكر الرجل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1028> دليل من قال بعدم النقض:</span>\nقالوا: إن المراد بالفرج فرج نفسه، أو فرج الآدمي لا فرج البهيمة؛ لأنه هو المتبادر عند الإطلاق، والله أعلم.\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٠٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٩).\n(^٢) المجموع (٢/ ٤٣).\n(^٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (٤٤٩)، وذكره ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢١١).","vol":"2","page":698},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1029> دليل من اشترط لوجوب الوضوء وجود اللذة:</span>\nجعلوا حكم مس فرج البهيمة حكم مس بدن الأجنبي إذا مسه بشهوة، وهي مسألة مستقلة سيأتي بحثها إن شاء الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1030> دليل من فرق بين الحيوان الطاهر والحيوان النجس:</span>\nهذا قول عطاء رحمه الله تعالى، ولا أعلم له وجهًا، وليس مناط الحكم هو طهارة الحيوان ونجاسته؛ لأن الإنسان لو مس بولًا أو غائطًا لم يجب عليه إلا غسل تلك النجاسة، ولم ينتقض وضوؤه، ولعل عطاء يقصد بالوضوء من مس فرج البهيمة: هو غسل يده، لأن الفرج قد يكون رطبًا، فإذا كان نجسًا تعدت النجاسة إلى اليد، فكان عليه وضوء يده، والله أعلم.\n• والراجح:\nأنه لا يجب وضوء من مس فرج البهيمة، وأن الوضوء فقط متعلق بمس الإنسان فرجه، لا فرج غيره، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1031>المبحث السادس مس الأنثيين والأليتين والرفغين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأصل بقاء الإنسان على طهارته ولا يحكم بفساد الطهارة إلا بدليل.\n[م-١٩٧] مس الأنثيين والأليتين والرفغين (^١) لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الأئمة الأربعة.\nوقيل: ينقض، وهو قول منسوب إلى عروة بن الزبير.\nوالراجح الأول؛ لأن من ثبتت طهارته بمقتضى الكتاب والسنة فالأصل أنه على طهارته، ولا يجوز الحكم بفسادها إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل على نقض الوضوء بمس الأنثيين والرفغين والأليتين، وليس الاحتياط أن نوجب الوضوء من ذلك، بل الاحتياط أن لا نشغل ذمة الناس ونفسد عباداتهم الصحيحة إلا بدليل.\n_________\n(^١) الرفغ جاء في اللسان (٣/ ٤٢٩): «الرفغ: أصول الفخذين من باطن، وهما ما اكتنفا أعالي جانبي العانة عند ملتقى أعالي بواطن الفخذين وأعلى البطن».اهـ","vol":"2","page":700},{"text":"(٤٥٢ - ٣٠٦) وأما ما رواه الدارقطني من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ (^١).\n[ذكر الأنثيين والرفغين مدرج من كلام عروة] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٤٨).\n(^٢) قال الدارقطني بعد أن ساق هذا الحديث: كذا رواه عبد الحميد بن جعفر، عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه ذلك في حديث بسرة، عن النبي ﷺ، والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، كذلك رواه الثقات عن هشام، منهم أيوب السختياني، وحماد بن زيد وغيرهما.\nقلت: لفظ أيوب عند الدارقطني (١/ ١٤٨) عن بسرة بنت صفوان أنه سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مس ذكره فليتوضأ، قال: وكان عروة يقول: إذا مس رفغيه أو أنثييه فليتوضأ. وصحح إسناده الدارقطني، فهنا فصل المرفوع عن الموقوف، ولفظ حماد بن زيد عند الدارقطني أيضًا عن هشام بن عروة، قال: كان أبي يقول: إذا مس رفغيه أو أنثييه أو فرجه فلا يصلي حتى يتوضأ. قال الدارقطني: كلهم ثقات.\nوقال النووي في المجموع (٢/ ٤٤) عن حديث عبد الحميد بن جعفر: هذا حديث باطل موضوع، وإنما هو من كلام عروة، كذا قاله أهل الحديث. اهـ وسبق أن ذكرت جميع من روى الحديث من طريق هشام، انظر (٤٣٤) وليس فيها هذا اللفظ المرفوع حين تخريج حديث بسرة، فارجع إليه إن شئت.","vol":"2","page":701},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>المبحث السابع في مس الخنثى المشكل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>الفرع الأول في مس الخنثى المشكل فرجه</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• مس الخنثى المشكل يجري على قواعد الشك في الحدث.\n[م-١٩٨] الخنثى إما أن يكون مشكلًا أو غير مشكل، فإن كان غير مشكل فإن حكمه حكم المسائل السابقة في مس الرجل والمرأة، وقد فصلناها مع بيان الراجح.\nوإن كان الخنثى مشكلًا (^١)،\nفالخلاف فيه على النحو التالي\n_________\n(^١) الخنثى المشكل نوعان: أحدهما: أن يكون له ذكر رجل وفرج امرأة يبول منهما.\nالنوع الثاني: أن لا يكون له واحد منهما، بل له ثقبة يخرج منها الخارج، ولا تشبه فرج واحد منهما، وللفقهاء في تمييز الخنثى المشكل وإلحاقه بالرجال أو بالنساء طرق كثيرة، منها مخرج البول والمني والحيض، فلو كان يبول من الذكر ألحق بالرجال أو يبول من فرج المرأة ألحق بالنساء، وكذا المني والحيض، ومنها الميل، فلو وجد منه ميل بعد البلوغ إلى النساء حكم بأنه رجل، أو إلى الرجال حكم بأنه امرأة،؛ لأن الرجال غالبًا تميل إلى النساء، والنساء تميل إلى الرجال، وأعتقد أن الطب في العصر الحاضر يستطيع أن يحدد جنس الخنثى المشكل من جهة وجود الرحم والمبايض وهرمون الأنوثة وغيرها مما لم يكن موجودًا في عصر الفقهاء الأوائل، والله أعلم. انظر طرق تمييز الخنثى المشكل في المجموع (٢/ ٥٢).","vol":"2","page":702},{"text":"فقيل: لا ينقض مس الفرج مطلقًا، سواء كان مشكلًا أو غير مشكل، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يتوضأ مطلقًا، وهل هو للوجوب أو للاستحباب فيه قولان، وهو مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: إن مسهما معًا انتقض وضوؤه مطلقًا، سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، وهو مذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1034> دليل من قال: لا ينقض مطلقًا:</span>\nذكرنا أدلة الحنفية في مسألة مس الإنسان ذكره، فهم لا يرون الوضوء من مس الذكر مطلقًا، وقد أجبنا عليها فأغنى عن إعادتها هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1035> دليل المالكية على النقض بمس فرج الخنثى المشكل:</span>\nخرَّج بعض المالكية كابن العربي والمازري الوضوء من مس الخنثى المشكل فرجه على الشك في الحدث، فالمالكية يرون وجوب الوضوء من الشك. قال ابن العربي: إذا مس خنثى ذكره، وقلنا بانتقاض الوضوء بالشك انتقض وضوؤه؛ لاحتمال أن يكون رجلًا، وكذلك إن مس فرجه في الفتوى والتوجيه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1036> دليل الشافعية والحنابلة:</span>\nقالوا: إذا مس الخنثى المشكل فرجيه معًا لا بد أن يكون أحدهما فرجًا أصليًا، وإذا\n_________\n(^١) انظر مراجع الحنفية في مسألة مس الذكر هل ينقض الوضوء أم لا؟\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٢٩٩)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٢١)، الخرشي (١/ ١٥٦) قال في شرح عبارة مختصر خليل (ومس ذكره المتصل ولو خنثى مشكلًا) قال أو خنثى مشكلًا تخريجًا على من تيقن الطهارة وشك في الحدث على المشهور. اهـ\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ٧٦)، المجموع (٢/ ٤٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٦).\n(^٤) كشاف القناع (١/ ١٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٢)، المغني (١/ ٢٤٥)، الإنصاف (١/ ٢٠٦).","vol":"2","page":703},{"text":"لمس الفرج الأصلي انتقض وضوؤه لما تقدم من حديث بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وغيرها من الأحاديث الموجبة للوضوء من مس الفرج.\nوأما إذا لمس أحد فرجيه لم ينتقض وضوؤه لاحتمال أن يكون الملموس فرجًا زائدًا، ومع الشك لا ينتقض الوضوء على قاعدة: الشك لا يقضي على اليقين، وهذه المسألة فيما إذا مس الخنثى المشكل فرج نفسه، وأما إذا مسه غيره فسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"2","page":704},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>الفرع الثاني في مس الأجنبي فرج الخنثى المشكل</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• مس الأجنبي فرج الخنثى المشكل يجري على قواعد النقض بالملامسة، وستأتي إن شاء الله تعالى.\n[م-١٩٩] اختلف العلماء في وجوب الوضوء فيما إذا مس أجنبي فرج خنثى مشكل:\nفقيل: لا ينقض مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوأما المالكية فيجرون حكمه حكم الملامسة لبدن الأجنبي، إن وجد اللذة أو قصدها انتقض وإلا فلا (^٢).\n_________\n(^١) سبق أن بينت عند تحرير الخلاف في مس الإنسان ذكره أن الحنفية لا يقولون بالنقض مطلقًا، سواء كان الفرج أصليًا أم مشكلًا، وسواء مس فرجه أم فرج غيره، وسواء كان ذلك بشهوة أم بغير شهوة، وذكرت مصادر هذا القول من مذهب الحنفية في تلك المسألة فارجع إليها إن أردت الرجوع إلى مذهب الحنفية من كتبهم المعتمدة.\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٢٩٩)، الخرشي (١/ ١٥٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢١).","vol":"2","page":705},{"text":"• وأما الحنابلة والشافعية فيقسمون المسألة إلى حالات:\nالأولى: أن يمس أحد فرجي الخنثى المشكل بدون شهوة، فهذا لا ينقض عندهم؛ وعللوا ذلك بعدم علمهم، هل هو فرج أصلي أو زائد؟\nفإن كان زائدًا فلا نقض؛ لأن مس بدن المرأة يشترط أن يكون بشهوة، وإن كان أصليًا نقض، ومع الشك فلا تنتقض الطهارة المتيقنة بالشك، لحديث عبد الله بن زيد في الصحيحين: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا).\nالثانية: مسهما جميعًا؛ وهذا ناقض للوضوء؛ لأن أحدهما فرج أصلي يقينًا، ومس فرج الغير ينقض وضوء اللامس عندهم، وقد ذكرنا أدلته في مسألة مستقلة.\nالثالثة: أن يمس الذكر ذكر الخنثى المشكل بشهوة، فهذا ناقض للوضوء؛ لأنه إن كان الذكر أصليًا فقد انتقضت الطهارة للمسه الذكر، ومس ذكر الغير عندهم ناقض للوضوء، وإن كان الذكر زائدًا فقد مس بدن المرأة بشهوة، ومسها بشهوة حدث ناقض للوضوء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الخلاف في مس المرأة بشهوة.\nالرابعة: أن يمس الذكر قبل الخنثى المشكل بشهوة، فلا نقض عندهم؛ لأننا لا نعلم هل الخنثى المشكل رجل أو امرأة، فإن كان رجلًا فمس الرجل الرجل لا ينقض الوضوء عندهم، ولو كان ذلك بشهوة، وإن كان امرأة فإن الوضوء ينتقض، ومع الشك في حقيقة الحال لم يكن ذلك ناقضًا للطهارة المتيقنة.\nالحالة الخامسة: أن تمس الأنثى فرج الخنثى المشكل بشهوة، فهنا ينتقض الوضوء؛ لأن الخنثى إن كان رجلًا فقد مست بدنه بشهوة، ومس المرأة بدن الرجل بشهوة حدث ناقض للوضوء، وإن كانت أنثى فقد مست فرجها، ومس فرج الغير عندهم ينقض الطهارة.\nالحالة السادسة: أن تمس الأنثى ذكر الخنثى المشكل بشهوة، فلا ينتقض الوضوء؛ لأننا لا نعلم هل هو أنثى أم رجل؟ فإن كان أنثى فلا نقض؛ لأن مس المرأة المرأة","vol":"2","page":706},{"text":"بشهوة لا ينقض الوضوء عندهم، وإن كان الخنثى رجلًا فإن الوضوء ينتقض، ومع الشك فلا تنتقض الطهارة المتيقنة (^١)، فصارت الحالات باختصار كالآتي:\nالأول: مس الفرجين معًا من الخنثى المشكل ناقض للوضوء عندهم مطلقًا بشهوة أو بغير شهوة.\nالثاني: مس أحد الفرجين بدون شهوة لا ينقض مطلقًا.\nالحالة الثالثة: مس أحد فرجي الخنثى المشكل بشهوة له أربع حالات:\nحالتان ينتقض الوضوء منهما، وهما:\nالأولى: أن يمس الذكر ذكر الخنثى المشكل.\nالثانية: أن تمس الأنثى فرج الخنثى المشكل.\nوحالتان لا ينقض الوضوء، وهما:\nالأولى: أن يمس الذكر قبل الخنثى المشكل.\nالثانية: أن تمس الأنثى ذكر الخنثى المشكل، وقد ذكرنا تعليلهم لكل حالة من هذه الحالات.\n• والراجح في هذه المسألة:\nأن مس فرج الغير مطلقًا لا ينقض الوضوء، سواء أكان أصليًا أم مشكلًا؛ لأن الأدلة الواردة إنما وردت في مس الإنسان ذكره، وفي مس المرأة فرجها، ولا يوجد دليل على النقض بمس فرج الغير، وما ورد في ذلك فهو ضعيف كما بينته في مسألة مستقلة، والقياس على مسه لفرجه لا يصح؛ لأن العلة غير معقولة المعنى، وقد بينت خطأ من تصور أن العلة مظنة خروج الخارج في مسألة متقدمة، وعلى التنزل أن العلة هي مظنة خروج الخارج فإنه ينبغي أن يقال بعدم النقض للامس؛ لأن ذكره\n_________\n(^١) انظر في مذهب الشافعية: روضة الطالبين (١/ ٧٦)، المجموع (٢/ ٤٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٦)، وانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ١٢٧) شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٢).","vol":"2","page":707},{"text":"في هذه الحالة لم يقع عليه مس حتى يكون المس سببًا في خروج حدث منه، وأن يقال بنقض الوضوء من الملموس لوجود المظنة المتوهمة، وهم لا يقولون بنقض الملموس، فتناقضوا في طرد العلة، وهكذا القول الضعيف يحمل تناقضه في ذاته، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":708},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1038>الفصل الخامس في مس المرأة والأمرد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>المبحث الأول في مس بدن المرأة من غير حائل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل بقاء الطهارة.\n• لمس المرأة، هل هو حدث، أو سبب للحدث؛ لكونه يفضي إلى خروج المذي فاعتبرت الحالة التي تفضي إلى الحدث فيها، وهي حالة الشهوة؟\n• اعتبار اللمس حدثًا من باب تقديم الظاهر على الأصل؛ إذ الأصل بقاء الطهارة.\n• قال تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) اللمس تارة يقصد بها اللمس باليد، وتارة يكنى به عن الجماع، والقرائن تدل على أن المقصود بالآية الجماع.\n• اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئًا من الأحكام، ولا جعله موجبًا لأمر، ولا منهيًا عنه في عبادة، ولا اعتكاف، ولا إحرام، ولا صلاة، ولا صيام، ولا غير ذلك، ولا جعله ينشر حرمة المصاهرة، ولا يثبت شيئًا غير ذلك (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٣٩).","vol":"2","page":709},{"text":"[م-٢٠٠] اختلف العلماء في مس بدن المرأة، هل ينقض الوضوء أم لا؟\nفقيل: لا ينقض مطلقًا، إلا أن يتجردا متعانقين متماسي الفرجين وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: ينقض مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: ينقض إن كان ذلك بشهوة، ولا ينقض مع عدمها، وهو مذهب المالكية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nوقيل: إن كان مسه عمدًا انتقض، وإلا فلا، حكاه النووي عن داود (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1040> دليل من قال: مس المرأة لا ينقض الوضوء:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1041> الدليل الأول:</span>\nقالوا: لا يوجد دليل صحيح صريح في نقض الوضوء من مس المرأة، والأدلة الواردة إما أدلة غير صحيحة، أو ليست صريحة، ولا ينقض الوضوء إلا دليل صحيح صريح.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1042> الدليل الثاني:</span>\n(٤٥٣ - ٣٠٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير،\n_________\n(^١) قال في فتح القدير (١/ ٥٤): «يجب الوضوء من المباشرة الفاحشة: وهي أن يتجردا معًا متعانقين متماسي الفرجين، وعن محمد: لا، إلا أن يتيقن خروج شيء».اهـ\nوانظر البحر الرائق (١/ ٤٧)، المبسوط (١/ ٦٨)، بدائع الصنائع (١/ ٣٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٢).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٤)، حاشية قليوبي وعميرة (١/ ٣٢).\n(^٣) مذهب المالكية يقولون بالنقض إن قصد اللذة أو وجدها، انظر المدونة (١/ ١٣)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٩)، الاستذكار (١/ ٣٢٠)، الشرح الصغير (١/ ١٤٢).\n(^٤) المحرر (١/ ١٣)، الإنصاف (١/ ٢١١)، الكافي (١/ ٤٦).\n(^٥) المجموع (٢/ ٣٤).","vol":"2","page":710},{"text":"عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ. قال عروة: قلت لها: من هي إلا أنت؟ فضحكت (^١).\n[حديث معلول] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٢١٠).\n(^٢) هذا الحديث فيه علل:\nالأولى: عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلس مكثر، ذكره في المدلسين الذهبي، والعلائي والمقدسي والحلبي وابن حجر.\nوفي التقريب: ثقة فقيه جليل، كان كثير الإرسال والتدليس.\nالعلة الثانية: اختلافهم في عروة من هو؟ هل هو عروة المزني فيكون مجهولًا أو هو ابن الزبير فيكون منقطعًا؛ لأن حبيبًا لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا.\nفمن العلماء من رجح أن عروة هو المزني.\nقال أبو داود في السنن (١٨٠): وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، يعني لم يحدثهم عن عروة بن الزبير شيئًا. اهـ\nوقد وضع المزي هذا الحديث في تحفة الأشراف (١٢/ ٢٣٣) تحت ترجمة عروة المزني، ولم يتعقبه ولي الدين العراقي في الأطراف، ولا ابن حجر في النكت الظراف.\nوقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٠٠): «واعلم أن أبا داود لم ينسب عروة في هذا الحديث، كما نسبه ابن ماجه، وأصحاب الأطراف لم يذكروه في ترجمة عروة بن الزبير، وإنما ذكروه في ترجمة عروة المزني ...». إلخ كلامه ﵀.\nوأكثر العلماء اعتبروا هذا الحديث إنما هو عن عروة بن الزبير، وأنه منقطع كما سيأتي النقل عنهم.\nوقد ذكر الشيخ ياسر آل عيد في فضل الرحيم الودود في تخريج سنن أبي داود (١/ ٣١٧): بأن هناك قرينة في الرواية تدل على أن المقصود بعروة هو ابن الزبير؛ لأن عائشة لما ذكرت أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه، قال لها: من هي إلا أنت، فضحكت، ولا يجرؤ أحد على هذا في خطابه لأم المؤمنين إلا أن يكون رجلًا من محارمها، مداخلًا لها، دون غيره. إلخ كلامه وفقه الله.\nالعلة الثالثة: إذا كان الراجح في عروة في هذا الحديث أنه ابن الزبير فإن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير كما صرح بذلك جمع من الأئمة.\nقال أحمد، ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم الرازي والثوري: لم يسمع حبيب بن أبي ثابت من عروة شيئًا. المراسيل لابن أبي حاتم (ص ٢٨)، سنن الترمذي، (١/ ١٣٥)، الجرح والتعديل (٣/ ١٠٧)، سنن البيهقي (١/ ١٢٦). =","vol":"2","page":711},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال يحيى بن معين كما في تهذيب الكمال (٥/ ٣٦٢) قال أحمد بن سعيد بن أبي مريم قيل ليحيى: حبيب ثبت؟ قال: نعم إنما روى حديثين. قال: أظن يحيى يريد منكرين: حديث تصلي المستحاضة وإن قطر الدم على الحصير، وحديث القبلة للصائم.\nوساق البيهقي بسنده (١/ ١٢٦) عن يحيى بن سعيد قال: أما إن سفيان الثوري كان أعلم الناس بهذا، زعم أن حبيبًا لم يسمع من عروة شيئًا.\nوروى الدارقطني (١/ ١٣٩): عن علي بن المديني قال: سمعت يحيى - يعني: ابن القطان - وذكر عنده حديث الأعمش عن حبيب عن عروة، عن عائشة: تصلي وإن قطر الدم على الحصير، وفي القبلة. قال يحيى: إحك عني أنهما شبه لاشيئ.\nونقله أبو داود (١٨٠)، والنسائي في السنن (١/ ١٠٤، ١٠٥) عن ابن القطان.\nكما ضعف هذا الحديث البخاري فيما نقله عنه الترمذي في سننه (١/ ١٣٥)، وقال الترمذي: وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة، عن النبي ﷺ في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد».\nفهذا يحيى بن معين والبخاري والثوري وابن القطان والترمذي يذهبون إلى تضعيف هذا الحديث.\nوهناك من أثبت سماع حبيب من عروة بن الزبير.\nقال أبو داود في السنن (١٨٠): قد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثًا صحيحًا. اهـ\nقلت: فهذه العبارة يدل منطوقها على أنه لا يصح عن حبيب عن عروة بن الزبير إلا حديث واحد عند أبي داود، ومفهومها أن ما عداها مما رواه حبيب عن عروة بن الزبير فهو ضعيف، وحمزة الزيات، قال ابن حجر فيه: صدوق زاهد ربما وهم. اهـ وقد تكلم فيه بعضهم.\nوقال ابن عبدالبر في الاستذكار (٣/ ٥٢): وحبيب بن أبي ثابت لا ينكر لقاؤه عروة، لروايته عمن هو أكبر من عروة، وأجل وأقدم موتًا، وهو إمام من أئمة العلماء الجلة.\nقلت: قد جزم الأئمة بعدم سماع حبيب بن أبي ثابت من عروة: كسفيان، وأحمد، وابن القطان، والبخاري، ويحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي وغيرهم، وليس عند ابن عبد البر إلا مجرد إمكان اللقي، وكم من راو عاصر رواة ولم يسمع منهم، فلا يكفي هذا الاحتمال لرد ما جزم به الأئمة، كما أن كلام الأئمة مقدم على كلام أبي داود في قوله: روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثًا صحيحًا، لما علمت من الكلام على حمزة الزيات، وعلى التنزل فإنه يحمل على حديث خاص، كما قد يصرح بعض الأئمة بأن فلانًا لم يسمع من فلان إلا حديثًا واحدًا أو حديثين وهكذا، ولا يكون سماعه لحديث واحد مسوغًا لاتصال جميع مروياته، فنحمل كلام أبي داود على هذا جمعًا بين كلام الأئمة أحمد والبخاري وسفيان ويحيى بن سعيد القطان وابن معين والبخاري وأبي حاتم الرزاي وبين كلام أبي داود، فإن ثبت في كلامهم =","vol":"2","page":712},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= التعارض فلا يقدم كلام أبي داود على هذا الجمع فالخطأ من الواحد أقرب من الخطأ من الجماعة، والله أعلم.\nفالخلاصة أن الحديث سواء قلنا: إن عروة هو ابن الزبير أو المزني فإن الحديث يبقى فيه علة توجب الرد، فالمزني مجهول، وعن عروة بن الزبير منقطع، والراجح في الحديث أنه من رواية عروة بن الزبير، والله أعلم.\nالعلة الرابعة: المخالفة في الإسناد والمتن.\nأما المخالفة في الإسناد، فقد رواه الأعمش، واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو بكر بن عياش كما في مسند أبي يعلى (٤٤٠٧)، وتفسير الطبري تحقيق شاكر (٨/ ٣٩٦)، وسنن الدارقطني (١/ ١٣٨).\nوأبو معاوية كما في معرفة السنن والآثار (١/ ٣٧٦) من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عنه. والعطاردي ضعيف.\nوعلي بن هاشم، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٣٧)، ثلاثتهم عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة.\nورواه عبد الرحمن بن مغراء، كما في سنن أبي داود (١٨٠)، حدثنا الأعمش، حدثنا أصحاب لنا عن عروة المزني، عن عائشة بهذا الحديث: يعني في ترك الوضوء من القبلة.\nفانفرد ابن مغراء بأمرين:\nأحدهما: وجود واسطة بين الأعمش وعروة.\nوالثاني: نسبة عروة بالمزني.\nولا تحتمل مخالفة ابن مغراء خاصة فيما يرويه عن الأعمش.\nقال علي بن المديني: ليس بشيء، كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث، تركناه، لم يكن بذاك، قال ابن عدي تعليقًا على كلام ابن المديني: وهذا الذي قاله ابن المديني هو كما قال، إنما أنكرت عليه أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه الثقات عليها. الكامل (٤/ ٢٨٩).\nورواه وكيع عن الأعمش، واختلف على وكيع.\nفرواه أحمد كما في مسنده (٦/ ٢١٠).\nوابن أبي شيبة كما في المصنف (١/ ٤٤)، ومن طريقه ابن ماجه (٥٠٢).\nوإسحاق بن رواهوية كما في مسنده (٥٦٦).\nوعثمان بن أبي شيبة كما في سنن أبي داود (١٧٩).\nوأبو كريب (محمد بن العلاء) كما تفسير الطبري تحقيق شاكر (٩٦٣٠)، وسنن الترمذي (٨٦).\nوعلي بن محمد كما في سنن ابن ماجه (٥٠٢).\nوإبراهيم بن عبد الله العبسي كما في سنن البيهقي (١/ ١٢٥). =","vol":"2","page":713},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقتيبة، وهناد، وأحمد بن منيع، ومحمود بن غيلان وأبو عمار الحسين بن حريث، كما في سنن الترمذي (٨٦) مجتمعين.\nكلهم عن وكيع، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، كرواية أبي بكر بن عياش، وعلي بن هاشم.\nوقد صرح أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه بأن عروة هو ابن الزبير.\nوخالفهم ابن أبي عمر العدني، عن وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، فزاد في الإسناد الثوري بين وكيع وحبيب بن أبي ثابت.\nرواه الدارقطني في العلل (١٥/ ٦٥) من طريق حامد بن سهل بن الحارث البخاري، حدثنا ... ابن أبي عمر العدني، حدثنا وكيع، عن سفيان به.\nقال الدارقطني: «حدث به شيخ، لأهل بخارى، يعرف بحامد بن سهل، عن ابن أبي عمر العدني، عن وكيع، عن سفيان، عن حبيب، ووهم في قوله سفيان، وإنما رواه وكيع، عن الأعمش».اهـ\nكما رواه حاجب بن سليمان، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٣٦) عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قبل رسول الله ﷺ بعض نسائه، ثم صلى، ولم يتوضأ.\nوهذا وهم من حاجب، فإن هشام إنما يرويه عن عروة بالقبلة للصائم، ويرويه حبيب عن عروة، بترك الوضوء من القبلة، فرواه حاجب عن هشام، بلفظ حبيب، فوهم فيه.\nقال الدارقطني: «تفرد به الحاجب عن وكيع، ووهم فيه، والصواب عن وكيع بهذا الإسناد أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، وحاجب لم يكن له كتاب، إنما كان يحدث من حفظه».\nهذا فيما يتعلق بالاختلاف في إسناد الحديث.\nوأما الاختلاف على لفظ الحديث: فإن حديث عروة، عن عائشة اختلف في لفظه:\nفرواه حبييب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة كان يقبل بعض نسائه، ثم يخرج إلى الصلاة، ولا يتوضأ، وسبق تخريجه.\nورواه هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة كان يقبل، وهو صائم، وهذا هو المحفوظ؛ لأن هشامًا مقدم على حبيب مطلقًا، فكيف بما يروياه عن عروة بن الزبير.\nفقد رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٩٢)، ومن طريقه أخرجه البخاري (١٩٢٨)، والشافعي في الأم (١/ ٨٤)، وابن حبان (٣٥٣٧) والبيهقي في السنن (٤/ ٢٣٣).\nورواه أحمد (٦/ ١٩٢)، والبخاري (١٩٢٨)، والنسائي في الكبرى (٣٠٥٤)، وابن حبان (٣٥٤٠) من طريق يحيى بن سعيد القطان.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٤١٠) عن معمر وابن جريج.\nوأخرجه الحميدي (١٩٨) ومسلم (١٢٠٦) عن سفيان. =","vol":"2","page":714},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٣١٤) عن شريك.\nوأخرجه إسحاق بن راهوية (٦٧٢) عن أبي معاوية.\nوأخرجه الدارمي (١٧٢٢) من طريق حماد بن سلمة.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٤٢٣) من طريق عمر بن علي.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٩١) من طريق سعيد،\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢٣٣) من طريق أنس بن عياض، كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٣٦) عن الحسين بن إسماعيل، أخبرنا علي بن عبد العزيز الوراق، أخبرنا عاصم بن علي، أخبرنا أبو أويس، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنه بلغها قول ابن عمر في القبلة الوضوء، فقالت: كان رسول الله ﷺ يقبل، وهو صائم، ثم لا يتوضأ.\nقال الدارقطني: لا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبد العزيز.\nقلت: وقد خالف الأئمة الحفاظ الذين تقدم ذكرهم في روايتهم عن هشام على رأسهم مالك والقطان وسفيان وابن جريج وغيرهم.\nفهذا طريق عروة، والاختلاف عليه بين حبيب بن أبي ثابت، وهشام، عن عروة، وهنا بعض الطرق عن هشام تركتها اقتصارًا، وكلها طرق ضعيفة، وقد رواه غير عروة، عن عائشة نذكرها باختصار:\nالطريق الثاني: أبو سلمة، عن عائشة.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٦٨٦)، والدارقطني في السنن (١/ ١٣٥) من طريق سعيد بن بشير، عن منصور بن زاذان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يقبل بعض نسائه، ثم يخرج إلى الصلاة، وما يتوضأ.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا منصور، تفرد به سعيد بن بشير.\nوقال أبو حاتم الرازي كما في العلل لابنه (١٠٨): «هذا حديث منكر، لا أصل له من حديث الزهري، ولا أعلم منصور بن زاذان سمع من الزهري، ولا روى عنه. قال ابن أبي حاتم لأبيه: الوهم ممن هو؟ قال: من سعيد بن بشير».اهـ\nقال الدارقطني: تفرد به سعيد بن بشير، عن منصور، عن الزهري، ولم يتابع عليه، وليس بقوي في الحديث، والمحفوظ عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقبل، وهو صائم، كذلك رواه الحفاظ الثقات عن الزهري، منهم معمر وعقيل وابن أبي ذئب.\nقلت: أما رواية عقيل عن الزهري:\nفرواه الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٢٣)، والنسائي في الكبرى (٣٠٥٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٩١) من طريق ليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عن =","vol":"2","page":715},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عائشة أن رسول الله ﷺ قبلها، وهو صائم.\nواختلف على عقيل في إسناده، فرواه ليث بن سعد كما تقدم.\nوخالفه أحمد بن عمرو بن السرح كما في سنن النسائي الكبرى (٣٠٥٦) فرواه عن خاله وجادة، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبره عن عروة، عن عائشة، فذكر عروة بدلًا من أبي سلمة. ورواية ليث هي الصواب.\nوأما رواية ابن أبي ذئب، عن الزهري:\nفرواه أبو داود الطيالسي ط هجر (١٥٧٩) وأحمد (٦/ ٣١٠)، والنسائي في الكبرى (٣٠٤٧) من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة بلفظ: كان رسول الله ﷺ يقبلني، وهو صائم.\nوأما رواية معمر، فقد اختلف عليه في إسناده:\nفرواها عبد الرزاق (٧٤٠٨) ومن طريقه إسحاق بن راهوية (١٠٦٢)، وأحمد (٦/ ٢٣٢)، والطبراني في الأوسط (٤٦٨٦) وابن حبان (٣٥٤٥).\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٣٠٥٨) من طريق يزيد بن زريع، كلاهما (عبد الرزاق ويزيد ابن زريع) عن معمر، الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة كان رسول الله ﷺ يقبل بعض نسائه، وهو صائم.\nوخالفهما عيسى بن يونس، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٤٢) فرواه عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يقبل، وهو صائم، ثم يصلي، ولا يتوضأ. قال الدارقطني: هذا خطأ من وجوه.\nوقال في العلل: وهم في إسناده ومتنه، فأما وهمه في إسناده فقوله: عن أبي سلمة، عن عروة، وإنما رواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة.\nوأما قوله في متنه: (ولا يتوضأ) فهو وهم أيضًا، والمحفوظ كان يقبل، وهو صائم. انظر العلل للدارقطني (٥/ ورقة ١٤٨).\nوتابع الزهري يحيى بن أبي كثير، فرواه عن أبي سلمة، عن عائشة بالقبلة للصائم، إلا أنه قد اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير.\nفرواه الأوزاعي، عن يحيى، واختلف على الأوزاعي فيه:\nفرواه يزيد بن سنان كما في تفسير ابن جرير (٩٦٣٨)، والطبراني في الأوسط (٣٨٠٥)، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم سلمة في القبلة للصائم.\nويزيد بن سنان ضعيف.\nورواه بشر بن بكر، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (٢/ ٩١)،\nومبشر بن إسماعيل، وهقل كما في العلل للدارقطني (١٥/ ١٤٤) =","vol":"2","page":716},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويحيى بن عبد الله البابلتي كما في تاريخ بغداد (٨/ ٤٥٥) ثلاثتهم رووه عن الأوزاعي، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة بالقبلة للصائم.\nورواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، واختلف عليه فيه:\nفرواه محمود بن خالد الدمشقي، كما في السنن الكبرى للنسائي (٣٠٤٩)\nومحمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (٢/ ٩١)، كلاهما عن الوليد بن مسلم، حدثنا أبو عمرو (الأوزاعي) عن يحيى، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثتني عائشة، وهذا الإسناد موافق لرواية بشر بن بكر ومن معه، عن الأوزاعي، والوليد بن مسلم مقدم في الأوزاعي إذا صرح بالتحديث.\nوخالفهما يزيد بن عبد الله بن رزيق الشامي كما في مستخرج أبي عوانة (٢٨٧٢) عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم.\nفرجع خبر الأوزاعي إلى خبر عروة، عن عائشة، وهو المحفوظ.\nويزيد بن عبد الله وإن كان لم يوثقه إلا ابن حبان، وقد خالفه في الوليد بن مسلم محمود بن خالد الدمشقي، ومحمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، كما خالف رواية بشر بن بكر ومبشر بن إسماعيل وهقل والبابلتي في روايتهم عن الأوزاعي، وهؤلاء مقدمون على يزيد بن عبد الله إلا أن الأوزاعي قد تكلم في روايته عن يحيى بن أبي كثير، جاء في شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٧): «ذكر أحمد في رواية غير واحد من أصحابه أن الأوزاعي كان لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير. ولم يكن عنده في كتاب، إنما كان يحدث به من حفظه، ويهم فيه .... وحديثه عن يحيى بن أبي كثير مضطرب، قاله الإمام أحمد والبخاري».\nفيكون الحمل في هذا الاختلاف على الأوزاعي، ومتابعة الحفاظ من غير طريق الأوزاعي ليزيد ابن عبد الله في ذكر عمر بن عبد العزيز في إسناده يقوي أمره.\nفقد رواه معاوية بن سلام كما في صحيح مسلم (١١٠٦)، والسنن الكبرى للنسائي (٣٠٥٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٨٢٨) عن يحيى، عن أبي سلمة، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقبلها، وهو صائم.\nورواه شيبان واختلف عليه فيه:\nفرواه حسن بن موسى كما في مسند أحمد (٦/ ٢٧٩)، وصحيح مسلم (٦٩ - ١١٠٦)،\nوعبيد الله بن موسى كما في السنن النسائي الكبرى (٣٠٥٤)، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمر ابن عبد العزيز به، كما رواه معاوية بن سلام.\nقال البخاري كما في العلل الكبير (١١٧): «وكأن حديث شيبان عندي أحسن». =","vol":"2","page":717},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الدارقطني في العلل (١٥/ ١٤٤): «والقول قول شيبان ومن تابعه ممن ذكر فيه عمر بن عبد العزيز».\nورواه سعد بن حفص كما في صحيح البخاري (٣٢٢)، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، بذكر القبلة للصائم، والنوم مع الحائض، والاغتسال من إناء واحد.\nوتابع شيبان على هذا الإسناد واللفظ كل من:\nهشام الدستوائي كما في مسند أحمد (٦/ ٣١٠)، وإسحاق بن راهوية (١٨٣٨)، وصحيح البخاري (١٩٢٩)، ومسند الدارمي (١٠٤٥).\nوهمام كما في مسند أحمد (٦/ ٣٠٠)، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم سلمة.\nورجح ابن عبد البر هذا الطريق على غيره، فقال في التمهيد (٥/ ١٢٣): «وهشام الدستوائي أثبت من روى عن يحيى بن أبي كثير، وقد تابعه همام وغيره، وروايته بهذا الحديث أولى من رواية من خالفه بالصواب، والله أعلم».\nقلت هشام الدستوائي قد اختلف عليه في رواية هذا الحديث، وقد رد هشام الدستوائي الحديث إلى عروة، عن عائشة، وإليك بقية الاختلاف على هشام الدستوائي:\nفروي عنه كما سبق من مسند أم سلمة.\nورواه إسحاق بن يوسف، عن هشام الدستوائي، واختلف فيه على إسحاق:\nفرواه النسائي في الكبرى (٣٠٥٠) أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام الطرسوسي، قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة، بدون ذكر عروة.\nوخالفه أحمد بن حنبل (٦/ ٢٤١) فرواه عن إسحاق بن يوسف، به، وزاد في إسناده عروة بين أبي سلمة، وعائشة،\nوتابع أحمد على زيادة عروة كل من:\nيحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٦/ ١٩٣)، والسنن الكبرى للنسائي (٣٠٦٣)،\nوخالد بن الحارث، كما في سنن النسائي الكبرى (٣٠٥٢)\nوالنظر بن شميل كما في مسند إسحاق بن راهويه (٨٤٣).\nوعبد الملك بن عمرو العقدي كما في مسند أحمد (٦/ ٢٥٢) أربعتهم رووه عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير به، بزيادة عروة، فرجع طريق هشام إلى طريق عروة، عن عائشة.\nوكل هذه الطرق على اختلافها هي في القبلة للصائم، وليس في ترك الوضوء من القبلة، مما يؤكد خطأ حبيب بن أبي ثابت، عن عروة ولم نستقص طرق حديث القبلة للصائم؛ لأن الباب في نواقض الوضوء، والصوم باب آخر، والله أعلم. =","vol":"2","page":718},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الثالث: عطاء، عن عائشة.\nأخرجه البزار في مسنده كما في نصب الراية (١/ ٧٤) قال: حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح، حدثنا محمد بن موسى بن أعين، حدثنا أبي، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة أنه ﵇ كان يقبل بعض نسائه، ولا يتوضأ.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن الجزري وإن كان ثقة إلا أنه متكلم في روايته عن عطاء، فقد نقل ابن عدي عن الدوري، قوله: سمعت يحيى يقول: أحاديث عبد الكريم عن عطاء رديئة. قال ابن عدي: وهذا الحديث الذي ذكره يحيى بن معين عن عبد الكريم عن عطاء هو ما رواه عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقبلها ولا يحدث وضوءًا: إنما أراد ابن معين هذا الحديث؛ لأنه ليس بمحفوظ، ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عنه الثقات فحديثه مستقيم. الكامل (٥/ ٣٤١).\nالطريق الرابع: إبراهيم التيمي، عن عائشة.\nوروى عبد الرزاق (٥١١)، وأحمد (٦/ ٢١٠) وابن أبي شيبة (١/ ٤٥)، والدارقطني (١/ ١٣٩، ١٤١) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٢٦)، وفي الخلافيات (٤٣٩) من طريق سفيان الثوري.\nورواه أبو داود (١٧٨) والنسائي (١٧٠)، وفي الكبرى (١٥٥) من طريق يحيى بن سعيد القطان.\nورواه أبو داود (١٧٨) والدارقطني (١/ ١٣٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدي.\nورواه الدارقطني (١/ ١٣٩) من طريق أبي عاصم الضحاك ومحمد بن جعفر، كلهم أعني: (الثوري والقطان وابن مهدي وأبو عاصم ومحمد بن جعفر) رووه عن أبي روق الهمداني، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، أن النبي ﷺ قبل، ثم صلى، ولم يتوضأ.\nوهذا إسناد ضعيف، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، قاله أبو داود في السنن وغيره.\nقال النسائي: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث، وإن كان مرسلًا. اهـ\nقلت: وهذا ذهاب من الإمام النسائي ﵀ إلى تضعيف حديث حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، خاصة أنه قال بعد هذا الكلام متصلًا بالكلام السابق: وقد روى الحديث الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، قال يحيى القطان: حديث حبيب لا شيء. ولم يتعقبه بشيء.\nوقد اختلف على أبي روق هذا، فرواه عنه من تقدم مرسلًا عن إبراهيم التيمي، عن عائشة،\nورواه البيهقي في الخلافيات (٤٤٥) من طريق معاوية بن هشام، عن الثوري، عن روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقبلها، وهو صائم، فوصل الحديث. =","vol":"2","page":719},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1043> الدليل الثاني:</span>\n(٤٥٤ - ٣٠٨) روى الطبري في تفسيره من طريق يزيد بن سنان، عن عبد الرحمن\n_________\n= وخالف معاوية بن هشام كل من رواه عن الثوري، مثل وكيع وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم، بل خالف كل من رواه عن أبي روق ممن تقدم ذكرهم في تخريج الحديث كابن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأبو عاصم الضحاك ومحمد بن جعفر وغيرهم، فهذه الرواية لا شك أنها منكرة، لمخالفتها رواية الثقات سندًا ومتنًا، والله أعلم.\nكما رواه أبو حنيفة ﵀، فرواه الدارقطني (١/ ١٤١)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٤٤٤) فقال: عن أبي روق، عن إبراهيم، عن حفصة زوج النبي ﷺ أنه كان يتوضأ، ثم يقبل، ولا يحدث وضوءًا.\nالطريق الخامس: زينب السهمية، عن عائشة.\nروى أحمد (٦/ ٦٢) وابن ماجه (٥٠٣) عن محمد بن فضيل.\nوالدارقطني (١/ ١٤٢) من طريق عباد بن العوام.\nوالبيهقي في الخلافيات (٤٤٦) من طريق عبد الواحد بن زياد، ثلاثتهم عن حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم يقبل، ويصلي، ولا يتوضأ.\nوخالفهم حفص بن غياث، كما في تفسير الطبري (٩٦٣٠) فرواه عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nورواه الأوزاعي، واختلف عليه فيه:\nفرواه الدارقطني (١/ ١٤٢) من طريق عبد الحميد، عن الأوزاعي، عمرو بن شعيب، عن زينب، عن عائشة.\nوخالفه عبد الرزاق، فرواه في المصنف (٥٠٩) عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن امرأة سماها أنها سمعت عائشة به.\nوهذا الحديث ضعيف، وعلة الحديث زينب روى عنها اثنان، ولم يوثقها إلا ابن حبان. وفي العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٨): «قال أبو حاتم وأبو زرعة: الحجاج يدلس في حديثه عن الضعفاء، ولا يحتج به. اهـ\nوقد ضعف الحديث جماعة منهم ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٣٢٤)، وابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٤٤٠)، والبوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٢٧).\nوقال الدارقطني: زينب هذه مجهولة، ولا تقوم بها حجة.\nانظر في مراجعة بعض طرق الحديث: أطراف المسند (٩/ ١٠٤)، تحفة الأشراف (١٧٣٧١)، إتحاف المهرة (٢١٩٦٤).","vol":"2","page":720},{"text":"الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة،\nعن أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم، ثم لا يفطر، ولا يحدث وضوءًا (^١).\n[منكر] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1044>الدليل الثالث:</span>\n(٤٥٥ - ٣٠٩) ما رواه الطبراني، من طريق محمد بن يزيد المستملي، حدثنا ... أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا زفر بن الهذيل، عن ليث بن أبي سليم، عن ثابت بن عبيد،\nعن أبي مسعود الأنصاري أن رجلا أقبل إلى الصلاة، فاستقبلته امرأته فأكب عليها فتناولها، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فلم ينهه.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن زفر إلا أبو علي الحنفي (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1045> الدليل الرابع:</span>\n(٤٥٦ - ٣١٠) ما رواه البخاري، من طريق مالك، عن أبي النضر مولى عمر ابن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٥/ ١٠٦)، ومن طريق يزيد بن سنان رواه الطبراني في الأوسط (٣٨٠٥)، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا يزيد بن سنان، تفرد به سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه.\n(^٢) تفرد به يزيد بن سنان عن الأوزاعي، وهو ضعيف، وقد خالف في إسناده ومتنه، وقد بينت الاختلاف على الأوزاعي في تخريج الحديث السابق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.\n(^٣) المعجم الأوسط (٧٢٢٧).\n(^٤) في محمد بن يزيد المستملي، وهو متروك. وليث بن أبي سليم، وهو مشهور الضعف، وقد تخير بآخرة، ولم يتميز حديثه.","vol":"2","page":721},{"text":"عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. ورواه مسلم أيضًا (^١).\nوجه الاستدلال:\nلو كان مس المرأة ناقضًا للوضوء لما مس الرسول ﷺ عائشة، وهو في الصلاة، فهذا دليل على أن مس المرأة ليس حدثًا.\n• وأجيب عنه:\nأجاب المخالفون عنه بحسب مذهبهم:\nفمن يرى أن مس المرأة إنما ينقض إذا كان بشهوة، قال: إن هذا الغمز لا يمكن أن يكون بشهوة، خاصة وأن هذا كان من النبي ﷺ وهو في الصلاة.\nومن يرى أن مس المرأة ناقض مطلقًا قال: ربما كان غمزه للمرأة من رواء حائل، وإنما ينقض إذا مس المرأة بلا حائل.\nوليس في الحديث ما يشير إلى أن الغمز كان بحائل، والأصل عدمه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1046>الدليل الخامس:</span>\n(٤٥٧ - ٣١١) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن سليم الزرقي،\nعن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها. ورواه مسلم أيضًا (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1047>الدليل السادس:</span>\n(٤٥٨ - ٣١٢) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى ابن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٨٢)، ومسلم (٥١٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٥١٦)، وصحيح مسلم (٥٤٣).","vol":"2","page":722},{"text":"حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة،\nعن عائشة قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1048> الدليل السابع:</span>\nمس بدن المرأة لا يمكن أن يكون حدثًا، ولو تصور أن يكون حدثًا لرفع الحكم لعموم البلوى، ولرفع الحرج عن هذه الأمة، قال سبحانه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1049> الدليل الثامن:</span>\nالأصل بقاء الطهارة، وعدم وجود المفسد إلا بدليل صحيح صريح، ولا يوجد دليل على إبطال طهارة من مس بدن امرأته.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1050> الدليل التاسع:</span>\nلو كان مس المرأة بمجرده حدثًا ناقضًا للوضوء، لكان مس الرجل من الرجل ومس المرأة من المرأة ناقضًا للوضوء كذلك، لأن بطلان الوضوء أو صحته من الأحكام الوضعية، وليست أحكامًا تكليفية، فيستوي فيها مس الرجل للرجل، ومس المرأة للمرأة، والمس من المحارم ومن غيرهم، ومس الصغيرة كمس الكبيرة، كما أن جماع الرجل الرجل كجماعه للمرأة فيما يوجبه، فلما ذهب القائلون بنقض الوضوء من مس المرأة إلى التفريق بين هذه المسائل علم أن القول بالنقض قول ضعيف، والله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤٨٦).","vol":"2","page":723},{"text":"• وأما الدليل على التفريق بين المباشرة الفاحشة وبين غيرها:\nقالوا: إن المباشرة الفاحشة يندر معها عدم نزول مذي في هذه الحالة، والغالب كالمتحقق في مقام وجوب الاحتياط.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1051> دليل من قال: مس المرأة ينقض الوضوء مطلقًا:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1052> الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [المائدة: ٦].\nوحقيقة اللمس: ملاقاة البشرتين، واللمس يطلق على الجس باليد، قال الله تعالى: (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) [الأنعام: ٧].\n(٤٥٩ - ٣١٣) وروى البخاري من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني عامر بن سعد،\nأن أبا سعيد الخدري قال نهى رسول الله ﷺ عن لبستين وعن بيعتين نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك ... الحديث، والحديث رواه مسلم أيضًا.\n(٤٦٠ - ٣١٤) وقد روى أحمد، قال: حدثنا يزيد، أخبرنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة،\nعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لماعز بن مالك حين أتاه فأقر عنده بالزنا: لعلك قبلت، أو لمست. قال: لا قال: فنكتها. قال: نعم، فأمر به فرجم (^١).\n[رجاله ثقات، وهو في الصحيح بلفظ: أو غمزت، وهي رواية الأكثر، والله أعلم] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٢٣٨).\n(^٢) الحديث رواه أحمد كما في إسناد الباب، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٥٧١)، والدارقطني في سننه (٣/ ١٢١) من طريق يزيد بن هارون، عن جرير بن حازم به، بالنص على كلمة (أو لمست).\nورواه وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، واختلف على وهب فيه:\nفرواه البخاري في الصحيح (٦٨٢٤) عن عبد الله بن محمد الجعفي، =","vol":"2","page":724},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأبو داود (٤٤٢٧) من طريق زهير بن حرب وعقبة بن مكرم،\nوالنسائي في السنن الكبرى (٧١٦٩) أخبرنا عمرو بن علي وعبد الله بن الهيثم بن عثمان البصري، خمستهم عن وهب ابن جرير به، بلفظ: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت)، ولم يذكر (أو لمست).\nوتابع وهبًا على هذا اللفظ إسحاق بن عيسى، فرواه عن جرير به كما في مسند أحمد (١/ ٢٧٠)، بلفظ: (أو غمزت).\nوترجم البخاري ﵀ في صحيحه بقوله: باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت. وهذا ذهاب من الإمام البخاري إلى صحة هذه اللفظة، وإلا لما ترجم بها.\nورواه الدارقطني (٣/ ١٢١، ١٢٢)، من طريق زيد بن أخزم، حدثنا وهب بن جرير، به بلفظ: (أو لمست)\nوهذه متابعة ليزيد بن هارون على هذه اللفظة، إلا أن الأكثر عن وهب بذكر (أو غمزت).\nورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٠٢) من طريق إبراهيم بن عبد الله، حدثنا وهب بن جرير، بلفظ: (لعلك قبلت، أو لمست، أو غمزت، أو نظرت) فجمعهما.\nورواه سليمان بن حرب، واختلف عليه فيه:\nفرواه البيهقي في السنن (٨/ ٢٢٦) من طريق إسماعيل بن إسحاق، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير به، بلفظ: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت).\nورواه أبو مسلم الكشي كما في المعجم الكبير للطبراني (١١/ ٣٣٨) وفي الأوسط (٢٥٥٤) حدثنا سليمان بن حرب به، بلفظ: (لعلك قبلت، أو لمست، أو غمزت) فجمعهما.\nهذا ما يتعلق بالاختلاف على وهب بن جرير، عن أبيه.\nورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٥٢٠) ومن طريقه أحمد وابنه عبد الله كما في المسند (١/ ٢٥٥)،\nوالدارقطني (٣/ ١٢١) من طريق أحمد موسى بن إسماعيل، كلاهما عن ابن المبارك، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة به. بلفظ: (أو لمست).\nوهذا طريق آخر غير طريق جرير يوافقه على قوله أو لمست إلا أن أحمد رواه في المسند (١/ ٢٨٩) قال: حدثنا عتاب،\nورواه أيضًا (١/ ٣٢٥) حدثنا يحيى بن آدم.\nورواه النسائي في الكبرى (٧١٦٨) أخبرنا سويد بن نصر، ثلاثتهم عن عبد الله بن المبارك به، بلفظ: أو غمزت.\nوهو في مسند ابن المبارك (١٥٦) بلفظ: (لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت)، فلعل هذا هو المحفوظ من لفظ الحديث، ويكون من رواه أو لمست رواه بالمعنى.\nورواه الحاكم في المستدرك (٨٠٧٧) من طريق حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، وفيه: لعلك قبلتها؟ قال: لا، قال: فمسستها؟ قال: لا. =","vol":"2","page":725},{"text":"فدل على أن اللمس يكون باليد وبغير اليد، والمطلق يجب أخذه على إطلاقه، فقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [المائدة: ٦]، يشمل لمس اليد وغيره بمقتضى اللغة، والسنة الصحيحة.\n• وأجيب:\nعلى التسليم بأن اللمس يطلق على اللمس باليد ويطلق على الجماع، فإن في الآية قرينة تدل على أن المراد من الآية الجماع لا غير، ووجهه:\nأن الله ﷾ ذكر طهارتين: الماء والتيمم، وذكر في وجوب طهارة الماء سببين: الحدث الأصغر والأكبر:\nفالأصغر بقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .......) [المائدة: ٦].\nوالحدث الأكبر بقوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nوفي طهارة التيمم كذلك ذكر حدثين الأصغر والأكبر: فالأصغر بقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) والأكبر بقوله: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء) أي جامعتم النساء، ولو حمل على اللمس باليد لكان معنى هذا أن الآية كررت ذكر حدثين أصغرين، وأهملت الحدث الأكبر في طهارة التيمم، وهذا مناف للبلاغة المعهودة من كتاب الله ﷾، فكان مقتضى التقسيم في طهارة الماء من ذكر الحدث الأكبر والأصغر أن يعاد التقسيم نفسه في طهارة التيمم، لا أن يكرر الحدث الأصغر ويهمل الحدث الأكبر.\nوهذه القرينة كافية في حمل اللمس على الجماع في الآية الكريمة، وقد فسرها ابن عباس بالجماع، وهو ترجمان القرآن الكريم كما سيأتي الإسناد إليه قريبًا إن شاء الله تعالى.\n_________\n= وضعفه الذهبي في التلخيص بحفص بن عمر العدني.\nانظر أطراف المسند (٣/ ٢٣٣)، تحفة الأشراف (٦٢٧٦)، إتحاف المهرة (٨٤٣٥).","vol":"2","page":726},{"text":"وقد ناظر أبو موسى ابن مسعود في التيمم من الجنابة بهذه الآية مما يدل على أن المراد من المس الحدث الأكبر،\n(٤٦١ - ٣١٥) فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه من طريق الأعمش، عن شقيق: قال:\nكنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا، أما كان يتيمم ويصلي؟! فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)، فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد قلت: وإنما كرهتم هذا لذا قال نعم .. الحديث، والحديث رواه مسلم (^١).\nوفي رواية للبخاري: (فقال أبو موسى: فكيف تصنع بهذه الآية، فما درى عبد الله ما يقول) (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1053> الدليل الثاني من الآثار:</span>\n(٤٦٢ - ٣١٦) ما رواه مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،\nعن أبيه عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء (^٣).\n[صحيح، وهو موقوف على ابن عمر].\n_________\n(^١) البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٣٦٨).\n(^٢) البخاري (٣٤٦).\n(^٣) الموطأ (١/ ٤٣)، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في الأم (١/ ١٥)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ١١٧)، والدارقطني (١/ ١٤٤).\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٤٩٦) ومن طريقه الدارقطني (١/ ١٤٤)، عن معمر، عن الزهري به.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤٩) حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري به.","vol":"2","page":727},{"text":"(٤٦٣ - ٣١٧) وروى عبد الرزاق، عن معمر وابن عيينة فرقهما، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة،\nأن ابن مسعود قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القبلة إذا قبل امرأته، وكان يقول في هذه الآية: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [المائدة: ٦]، قال: هو الغمز (^١).\n[أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وقد قال الحافظ ابن رجب: إن ما يرويه أبو عبيدة عن أبيه قد سمعه من آل بيته عنه، فيكون على الاتصال] (^٢).\n• وأجيب:\nأولًا: أن هذا القول من ابن عمر وابن مسعود معارض بقول ابن عباس\n(٤٦٤ - ٣١٨) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، قال: هو الجماع (^٣).\n[صحيح عن ابن عباس] (^٤).\n_________\n(^١) المصنف (٤٩٩، ٥٥٠) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١١٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٥).\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤٩) حدثنا حفص وهشيم، عن الأعمش به. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٤٧): أبو عبيدة لم يسمع من أبيه.\n(^٢) انظر تحفة التحصيل (٤٣٠).\n(^٣) المصنف (١/ ١٥٣).\n(^٤) ورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٤) وسعيد بن منصور في التفسير (٦٤١) والطبري في التفسير (٧/ ٦٥) عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير به، بلفظ: اللمس والمس والمباشرة الجماع، ولكن الله يكني ما شاء لما شاء.\nوصرح هشيم بالتحديث في إسناد الطبري وسعيد بن منصور، ولم ينفرد به هشيم.\nفراه الأثرم في سننه (١٤٩) من طريق شعبة،\nوسعيد بن منصور في التفسير (٦٤٠) أخبرنا أبو عوانة، كلاهما عن أبي بشر به. ...\nوتوبع أبو بشر: فرواه ابن أبي حاتم في التفسير (٥٣٦٧) من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) قال: الجماع.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٣) وابن المنذر في الأوسط (١/ ١١٦) من طريق حفص، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير به.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١١٦) من طريق داؤد بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير به.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (١٠٨٢٦) والطبري في التفسير (٣/ ٤٦٤) عن الثوري، عن عاصم، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: قال ابن عباس: الدخول، والتغشي، والإفضاء، والمباشرة، والرفث، واللمس، هذا الجماع، غير أن الله حيي كريم، يكني بما شاء عما شاء.\nورواه ابن المنذر أيضًا (١/ ١١٦) من طريق عكرمة عن ابن عباس به، بلفظ أبي بشر المتقدم.","vol":"2","page":728},{"text":"(٤٦٥ - ٣١٩) وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق عبد الملك بن ميسرة،\nعن سعيد بن جبير قال: اختلفت أنا وأناس من العرب في اللمس، فقلت: أنا وأناس من الموالي: اللمس ما دون الجماع، وقالت العرب: هو الجماع، فأتينا ابن عباس، فقال: غلبت العرب، هو الجماع (^١).\n[وإسناده صحيح].\nوإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وينظر في أقربهما إلى الصواب، وقد قدمنا أن في الآية قرينة على أن المراد باللمس هنا الجماع.\nثانيًا: أن القرآن أطلق المس وأراد به الجماع في آيات من كتاب الله، قال تعالى: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ) [البقرة: ٢٣٦]، وقال: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ) [الأحزاب: ٤٩]، (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: ٢٣٧].\nقال ابن المنذر: وقد أجمع أهل العلم على أن رجلًا لو تزوج امرأة ثم مسها بيده أو قبلها بحضرة جماعة ولم يخل بها، فطلقها أن لها نصف الصداق، إن كان سمى لها صداقًا، والمتعة إن لم يكن سمى لها صداقًا، ولا عدة عليها، فدل إجماعهم على ذلك\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٥٣)، وانظر تخريج الأثر الذي قبله.","vol":"2","page":729},{"text":"أن الله إنما أراد في هذه الآيات الجماع، فإذا كان كذلك حكمنا اللمس بحكم المس إذ كان في المعنى واحدًا.\nثالثًا: أن قول ابن عمر وابن مسعود يحمل على ما إذا كان بشهوة، فلا دليل فيه للشافعية على الوضوء من مجرد اللمس، لأن الرجل لا يقبل امرأته كما يقبل أمه أو ابنته، وإنما يقبلها بدافع الشهوة، وكذلك المراد من قوله: أو جسها بيده، ولهذا قال ابن تيمية: «وأما وجوب الوضوء من مجرد مس المرأة لغير شهوة فهو أضعف الأقوال، ولا يعرف هذا القول عن أحد من الصحابة، ولا روى أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين أن يتوضؤوا من ذلك، مع أن هذا الأمر غالب لا يكاد يسلم منه أحد في عموم الأحوال، فإن الرجل لا يزال يناول امرأته شيئًا، وتأخذه بيدها، وأمثال ذلك مما يكثر ابتلاء الناس به، فلو كان الوضوء من ذلك واجبًا، لكان النبي ﷺ يأمر بذلك مرة بعد مرة، ويشيع ذلك، ولو فعل لنقل ذلك عنه ولو بأخبار الآحاد، فلما لم ينقل عنه أحد من المسلمين أنه أمر أحدًا من المسلمين بشيء من ذلك مع عموم البلوى به، علم أن ذلك غير واجب» (^١).\nوقال ابن تيمية أيضًا: «اللمس العاري عن الشهوة لا يعلق به حكم من الأحكام أصلًا، وهذا كقوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٧٨]، فنهى العاكف عن مباشرة النساء مع أن العلماء يعلمون أن المعتكف لو مس امرأته بغير شهوة لم يحرم ذلك عليه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يدني رأسه إلى عائشة ﵂ فترجله، وهو معتكف، ومعلوم أن ذلك مظنة مسه لها، ومسها له، وأيضًا فالإحرام أشد من الاعتكاف، ولو مسته المرأة لغير شهوة لم يأثم بذلك، ولم يجب عليه دم، وهذا الوجه يستدل به من وجهين: من جهة ظاهر الخطاب، ومن جهة المعنى والاعتبار؛ فإن خطاب الله تعالى في القرآن بذكر اللمس\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٣٦) وما بعدها.","vol":"2","page":730},{"text":"والمس والمباشرة للنساء ونحو ذلك لا يتناول ما تجرد عن شهوة أصلًا، ولم يتنازع المسلمون في شيء من ذلك إلا في آية الوضوء، والنزاع فيها متأخر، فيكون ما أجمعوا عليه قاضيًا على ما تنازع فيه متأخروهم.\nوأما طريق الاعتبار فإن اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئًا من الأحكام، ولا جعله موجبًا لأمر، ولا منهيًا عنه في عبادة ولا اعتكاف، ولا إحرام ولا صلاة ولا صيام، ولا غير ذلك، ولا جعله ينشر حرمة المصاهرة، ولا يثبت شيئًا غير ذلك، بل هذا في الشرع كما لو مس المرأة من وراء ثوبها ونحو ذلك من المس الذي لم يجعله الله سببًا لإيجاب شيء ولا تحريم شيء».\nوإذا كان كذلك كان إيجاب الوضوء بهذا مخالفًا للأصول الشرعية المستقرة، مخالفًا للمنقول عن الصحابة، وكان قولًا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، بل المعلوم من السنة مخالفته» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1054> دليل من قال: مس المرأة ينقض الوضوء إن كان بشهوة:</span>\nهذا القول ذهب إلى الجمع بين الآية والأخبار،\nفالآية الكريمة بقوله ﷾: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) يقتضي أن يكون مس المرأة ناقضًا للوضوء مطلقًا بشهوة أو بغير شهوة، وجاءت الأخبار دالة على أن المس بدون شهوة لا ينقض الوضوء، كحديث عائشة في مسلم: قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وتقدم تخريجه بتمامه.\n(٤٦٦ - ٣٢٠) وحديث عائشة في الصحيحين: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما ..) الحديث، وسبق تخريجه بتمامه (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) انظر حديث رقم (٤٥٦).","vol":"2","page":731},{"text":"وقال ابن المنذر: وما زال الناس في القديم والحديث يتعارفون أن يعانق الرجل أمه وجدته ويقبل ابنته في حال الصغر قبلة الرحمة، ولا يرون ذلك ينقض الطهارة ولا يوجب الوضوء عندهم، ولو كان ذلك حدثًا ينقض الطهارة ويوجب الوضوء لتكلم فيه أهل العلم، كما تكلموا في ملامسة الرجل امرأته وقبلته إياها (^١).\nوقال أيضًا: «وقد أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا وضوء على الرجل إذا قبل أمه أو ابنته أو أخته إكرامًا لهن وبرًا عند قدوم من سفر أو مس بعض بدنه بعض بدنها عند مناولة شيء إن ناولها إلا ما ذكر من أحد قولي الشافعي فإن بعض المصريين من أصحابه حكى عنه في المسألة قولين: أحدهما إيجاب الوضوء منه، والآخر كقول سائر أهل العلم، ولم أجد هذه المسألة في كتبه المصرية التي قرأناها على الربيع، ولست أدري أيثبت ذلك عن الشافعي أم لا؛ لأن الذي حكاه لم يذكر أنه سمعه منه، ولو ثبت ذلك عنه لكان قوله الذي يوافق فيه المدني والكوفي وسائر أهل العلم أولى به» (^٢).\nالراجح: القول بأن اللمس في الآية الجماع، وأن مس بدن المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، سواء مسه بشهوة أو بغير شهوة.\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ١٣١).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ١٣٠).","vol":"2","page":732},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1055>المبحث الثاني في مس شعر وظفر المرأة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• شعر المرأة هل هو في حكم المتصل في المرأة أو في حكم المنفصل عنها؟ ولهذه المسألة مأخذ آخر: وهو أن هذه الأجزاء ليست بمحل للشهوة الأصلية، وهي شرط لنقض الوضوء عند بعضهم (^١).\n[م-٢٠١] اختلف العلماء في مس شعر المرأة وظفرها وسنها أو مس بدن المرأة بشعره أو ظفره أو سنه هل ينتقض الوضوء بذلك أم لا؟\nفقيل: لا ينقض الوضوء مطلقًا، وهو نص الشافعي في الأم (^٢)، وعليه جمهور أصحابه، وهو مذهب الحنابلة ﵏ (^٣).\nوقيل: ينقض الوضوء مطلقًا، وهو وجه عند الشافعية (^٤).\nوقيل: ينقض الوضوء إن كان بشهوة، وهو مذهب المالكية (^٥).\n_________\n(^١) القواعد الفقهية (ص: ٤).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٣٥)، وانظر المجموع (٢/ ٣٠).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٢٩)، القاعدة الثانية من قواعد ابن رجب (ص: ٤)، المغني (١/ ١٢٥).\n(^٤) المجموع (٢/ ٣٠).\n(^٥) حاشية الدسوقي (١/ ١٢٠)، التاج والإكليل (١/ ٤٣١)، حاشية العدوي (١/ ١٣٩)، التفريع لابن الجلاب (١/ ٢١٣).","vol":"2","page":733},{"text":"• تعليل من قال: لا ينقض الوضوء مطلقًا:\nالتعليل الأول:\nأن هذه الأشياء بحكم المنفصل.\nالتعليل الثاني:\nأن هذه الأجزاء ليست محلًا للشهوة الأصلية.\nالتعليل الثالث:\nأنه لا يلحقه طلاق بطلاق هذه الأشياء. وهذا التعليل فيه نزاع كما سيتضح إن شاء الله من أدلة المالكية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1056> دليل من قال: مس الشعر والظفر ينقض الوضوء مطلقًا:</span>\nأدلتهم هي أدلتهم في وجوب الوضوء من مس بدن المرأة، وقد ذكرناها بالتفصيل في المسألة السابقة.\nكما عللوا ذلك بأن الشعر جزء من البدن متصل به اتصال خلقة فأشبه اللحم؛ ولأنه جزء من البدن يلحقه طلاقه فأشبه ما ذكرناه (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1057> دليل من قيد النقض بالشهوة:</span>\nمن اعتبر الشهوة هنا قد اعتبرها في مس بدن المرأة، وأدلتهم هنا هي أدلتهم هناك، وقد ذكرناها في المسألة السابقة، وأجبنا عليها.\n• الراجح:\nلو قلنا بنقض الوضوء من مس بدن المرأة لقلنا به هنا، وقد بينا أن القول الراجح أن مس بدن المرأة لا ينقض الوضوء لعدم الدليل الصحيح الصريح في المسألة.\n* * *\n_________\n(^١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١٤٨).","vol":"2","page":734},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1058>المبحث الثالث في مس المرأة مع حائل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إثبات الحدث متلقى من الشرع، وما ورد في الشرع من اعتبار المس حدثًا اثنان: مس الذكر، ولمس النساء، والأول يراد به المس الحقيقي، والثاني يكنى به عن الإجماع على الصحيح.\n• مس المرأة مع الحائل، هل هو مس للمرأة، أو مس للحائل، أو يفرق بين الحائل الصفيق والخفيف؟\n• من اعتمد النقض بمس المرأة لم يعتبره حدثًا، وإنما هو سبب للحدث، وهل هو سبب مطلقًا، أو سبب مع وجود اللذة التي هي مظنة الحدث، كما أقيم النوم مقام الحدث؟\n• اعتبار اللمس حدثًا من باب تقديم الظاهر على الأصل؛ إذ الأصل بقاء الطهارة.\n• قال تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) اللمس تارة يقصد بها اللمس باليد، وتارة يكنى به عن الجماع، والقرائن تدل على أن المقصود بالآية الجماع.","vol":"2","page":735},{"text":"• اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئًا من الأحكام، ولا جعله موجبًا لأمر، ولا منهيًا عنه في عبادة ولا اعتكاف، ولا إحرام ولا صلاة ولا صيام، ولا غير ذلك، ولا جعله ينشر حرمة المصاهرة، ولا يثبت شيئًا غير ذلك (^١).\n[م-٢٠٢] اختلفوا فيمن مس امرأته من وراء حائل.\nفقيل: لا وضوء عليه، وهو مذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: إن كان الحائل رقيقًا، فعليه الوضوء، بشرط أن يقصد اللذة أو يجدها، وإن ضم بدن الملموس أو قبض على شيء من جسده نقض مطلقًا: أي سواء كان الحائل رقيقًا أو صفيقًا، وهو مذهب المالكية (^٤).\nوقيل: ينقض إذا وجد اللذة أو قصدها، ولو كان الحائل كثيفًا، وهو قول في مذهب المالكية، وهو ظاهر المدونة (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1059> دليل من قال: لا ينقض:</span>\nقالوا: إن اللمس إذا أطلق إنما يراد به بدون حائل، وأما مع الحائل فكأنه لمس ثياب المرأة، ولمس ثياب المرأة لا يوجب وضوءًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1060> دليل من قال: ينقض إن كان الحائل رقيقًا:</span>\nلعله رأى أن الحائل إذا كان رقيقًا فإنه لا يمنع من كمال اللذة، ويستشعر اللامس طراوة جسد الملموس فأوجب عليه الوضوء كما لو لم يكن هناك حائل.\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) المجموع (٢/ ٣٤).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢١٣).\n(^٤) حاشية الدسوقي (١/ ١٢٠)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٤٣).\n(^٥) حاشية الدسوقي (١/ ١٢٠)، الفواكه الدواني (١/ ١١٥)، منح الجليل (١/ ١١٢).","vol":"2","page":736},{"text":"• تعليل من قال: ينقض مطلقًا ولو مع حائل:\nإذا لمس بدن المرأة لشهوة ولو مع حائل فإنه يصدق عليه أنه لمس المرأة، واللذة بلمس بدن المرأة مع الحائل موجودة كما لو مسها بدون حائل، ومظنة خروج الحدث قائمة.\nوالراجح: ما رجحت قبل، وهو أن مس المرأة مطلقًا لا ينقض الوضوء، بحائل أو بدونه، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":737},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1061>المبحث الرابع في مس المحارم</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الخلاف في مس المحارم راجع إلى الخلاف في اشتراط الشهوة في نقض الوضوء من لمس المرأة.\nفمن رأى النقض بمجرد اللمس، ولو لم يكن بشهوة، لم يكن عنده فرق بين لمس المحارم وغيرهن.\nومن اشترط الشهوة لنقض الوضوء، رأى أن لمس ذات المحرم لا ينقض الوضوء باعتبار أنها ليست بمحل للشهوة، فأشبه لمس الرجل للرجل، والمرأة للمرأة، ومن هنا تنازعوا في مس الصغيرة التي لا تشتهى، والعجوز الهرمة، هل ينقض الوضوء لعموم الآية، أو لا ينقضه؛ لأنهما ليستا بمحل للشهوة؟ (^١).\n[م-٢٠٣] إذا لمس الرجل ذات محرم، فهل ينتقض وضوؤه؟ اختلف العلماء في ذلك.\nفقيل: إن وجد اللذة انتقض، لا فرق بين ذوات المحارم والأجنبية، وهو مذهب\n_________\n(^١) انظر شرح التلقين للمازري (١/ ١٨٩).","vol":"2","page":738},{"text":"المالكية (^١)، ومذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: ينتقض وضوؤه مطلقًا، سواء كان بشهوة أو بغيرها، وهو قول في مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: لا ينقض، وهو مذهب الشافعية (^٤)، وظاهر عبارة ابن الجلاب من المالكية (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1062> دليل المالكية بالنقض:</span>\nعموم قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [المائدة: ٦].\nوقياسًا على الإيلاج، فكما أنه لا فرق بين المحارم وغيرهم في وجوب الغسل منه، فلا فرق في وجوب الحدث الأصغر.\n• وتعليل الشافعية على عدم النقض:\nأن المحارم ليسوا محلًا للشهوة، فهي كالرجل في حقه، فكما أنه لو مس رجلًا لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مس أحدًا من محارمه، حتى ولو وجد شهوة من ذلك لم ينتقض.\n• الراجح من الخلاف:\nلو قلنا بنقض الوضوء من مس المرأة لكان الراجح عدم الفرق بين المحارم\n_________\n(^١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١٤٨)، التاج والإكليل (١/ ٤٣٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٨).\n(^٢) قال ابن قدامة في المغني (١/ ١٢٥): «ولا فرق بين الأجنبية وذات المحرم، والكبيرة والصغيرة. إلخ كلامه ﵀. وانظر الروض المربع بحاشية الدكتور الشيخ خالد المشيقح ومن معه (١/ ٣٠٧)، كشاف القناع (١/ ١٢٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ٣١).\n(^٤) المجموع (٢/ ٣١)، أسنى المطالب (١/ ٥٦)، تحفة المحتاج (١/ ١٣٨).\n(^٥) التفريع (١/ ٢١٣).","vol":"2","page":739},{"text":"وغيرهم، ولكن لم يقم دليل صحيح على انتقاض الوضوء من مس المرأة مطلقًا، سواء كانت من الأجنبيات أو المحارم، وسواء كانت صغيرة أو كبيرة.\n* * *","vol":"2","page":740},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1063>المبحث الخامس في مس الطفلة الصغيرة بشهوة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في اشتراط الشهوة في نقض الوضوء من لمس المرأة.\nفمن رأى النقض بمجرد اللمس، ولو لم يكن بشهوة لم يكن عنده فرق بين لمس الكبيرة وغيرها.\nومن اشترط الشهوة لنقض الوضوء رأى أن لمس الصغيرة لا ينقض الوضوء باعتبار أنها ليست بمحل للشهوة، فأشبه لمس الرجل للرجل، والمرأة للمرأة (^١).\n[م-٢٠٤] اختلف العلماء في مس الرجل الطفلة أو مس المرأة الطفل، هل ينقض الوضوء؟\nفقيل: لا ينقض الوضوء، وهو مذهب المالكية (^٢)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) انظر شرح التلقين للمازري (١/ ١٨٩).\n(^٢) اشترط المالكية بأن يكون الملموس يشتهى عادة، فلا ينتقض مس البنت الصغيرة، انظر شرح المواق على مختصر خليل (١/ ٢٩٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢٣).\n(^٣) المجموع (٢/ ٣٢).","vol":"2","page":741},{"text":"وقيل: ينقض الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (^١)، ووجه في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: إن كانت بنت سبع سنين نقض وإن كانت أصغر لم ينقض، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\n• وسبب الخلاف في هذه المسألة:\nمن ذهب إلى عدم النقض، قال: إن الصغيرة ليست محلًا للشهوة، فيكون النظر إليها كالنظر إلى الرجل، ومن ذهب إلى النقض رأى أن السن ليس مناطًا للحكم، فلو أولج ذكره في فرج الصغيرة وجب لذلك الغسل، فكذلك يجب من مس بدنها الوضوء، ومن فرق بين بنت سبع سنين وبين غيرها رأى أن البنت في مثل هذا السن قد تشتهى، وينظر إلى محاسن جسمها كما ينظر إلى المرأة الكبيرة.\nوما رجحناه في مسألة مس ذوات المحارم نرجحه، هنا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر حاشية الدسوقي (١/ ١٢٣).\n(^٢) المجموع (٢/ ٣٢).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٢٩)، الروض المربع (١/ ٣٠٧)، الإنصاف (١/ ٢١٢).","vol":"2","page":742},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1064>المبحث السادس في مس الأمرد</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• مس الأمرد هل هو في حكم مس الرجل للرجل، أو في حكم مس المرأة باعتباره أنه يشتهى عند طائفة من الناس.\n[م-٢٠٥] اختلف العلماء في مس الأمرد:\nفقيل: ينقض الوضوء، وهو المشهور من مذهب مالك (^١)، وقول في مذهب الحنابلة (^٢)، واختاره أبو سعيد الإصطخري من الشافعية (^٣).\nواشترط الحنفية للقول بالنقض: أن تكون المباشرة فاحشة: بأن يتجردا متعانقين متماسي الفرجين (^٤).\n_________\n(^١) انظر التاج والإكليل (١/ ٤٣٣)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٦)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١١٩).\n(^٢) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ٢٨١)، الإنصاف (١/ ٢١٤).\n(^٣) المجموع (٢/ ٣٤).\n(^٤) شرح فتح القدير (١/ ٥٤)، الفتاوى الهندية (١/ ١٣).","vol":"2","page":743},{"text":"وقيل: لا ينتقض، وهو المشهور من مذهب الشافعية (^١) والحنابلة (^٢).\nوسبب خلافهم اختلافهم في الأمرد، هل مسه كمس المرأة، أو كمس الرجل البالغ ممن ليس محلًا للشهوة؟\nفمن رأى أن مس الأمرد كمس الأنثى سواء، أوجب الوضوء من مسه، ومن رأى أن الأمرد ليس محلًا للشهوة جعل مسه كمس الرجل والمحارم فلم يوجب الوضوء من مسه، ولو قلنا بنقض الوضوء من مس المرأة لقلنا بنقض الوضوء من مس الأمرد خاصة إذا كان الرجل يلتذ بالنظر إليه.\nوسئل ابن تيمية: «إذا مس يد الصبي الأمرد، فهل هو من جنس النساء في نقض الوضوء، وما جاء في تحريم النظر إلى وجه الأمرد الحسن؟ وهل هذا الذي يقوله بعض المخالفين للشريعة إن النظر إلى وجه الصبي الأمرد عبادة، وإذا قال لهم أحد: هذا النظر حرام يقول: أنا إذا نظرت إلى هذا أقول: سبحان الذي خلقه، لا أزيد على ذلك؟\nفأجاب ﵀: الحمد لله، إذا مس الأمرد لشهوة ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره:\nأحدهما: أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء، وهو المشهور من مذهب مالك، ذكره القاضي أبو يعلى في شرح المذهب.\nوالثاني: أنه لا ينقض الوضوء وهو المشهور من مذهب الشافعي، والقول الأول أظهر؛ فإن الوطء في الدبر يفسد العبادات التي تفسد بالوطء في القبل: كالصيام والإحرام والاعتكاف، ويوجب الغسل كما يوجبه هذا، فتكون مقدمات هذا في باب العبادات كمقدمات هذا، فلو مس الأمرد لشهوة وهو محرم، فعليه دم كما لو\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٣٣).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢١٤)، الروض المربع بحاشية الدكتور خالد المشيقح ومجموعة من طلبة العلم (١/ ٣٠٨).","vol":"2","page":744},{"text":"مس أجنبية لشهوة، وكذلك إذا مسه لشهوة وجب أن يكون كما لو مس المرأة لشهوة في نقض الوضوء. والذي لم ينقض الوضوء بمسه يقول: إنه لم يخلق محلا لذلك، فيقال له: لا ريب أنه لم يخلق لذلك، وإن الفاحشة اللوطية من أعظم المحرمات، لكن هذا القدر لم يعتبر في باب الوطء، فإن وطئ في الدبر تعلق به ما ذكر من الأحكام، وإن كان الدبر لم يخلق محلا للوطء، مع أن نفرة الطباع عن الوطء في الدبر أعظم من نفرتها عن الملامسة، ونقض الوضوء بالمس يراعى فيه حقيقة الحكمة، وهو أن يكون المس لشهوة عند الأكثرين: كمالك، وأحمد، وغيرهما، كما يراعى مثل ذلك في الإحرام والاعتكاف وغير ذلك. وعلى هذا القول: فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم، حتى لو مس أمه وأخته وبنته لشهوة انتقض وضوؤه، فكذلك الأمرد، وأما الشافعي وأحمد في رواية فتعتبر المظنة، وهو أن النساء مظنة الشهوة، فينقض الوضوء، سواء بشهوة أو بغير شهوة، ولهذا لا ينقض لمس المحارم، لكن لو لمس ذوات محارمه لشهوة فقد وجدت حقيقة الحكمة، وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة. والتلذذ بمس الأمرد: كمصافحته ونحو ذلك: حرام بإجماع المسلمين، كما يحرم التلذذ بمس ذوات محارمه والمرأة الأجنبية، بل الذي عليه أكثر العلماء أن ذلك أعظم إثما من التلذذ بالمرأة الأجنبية، كما أن الجمهور على أن عقوبة اللوطي أعظم من عقوبة الزنا بالأجنبية، فيجب قتل الفاعل والمفعول به. سواء كان أحدهما محصنا أو لم يكن، وسواء كان أحدهما مملوكا للآخر أو لم يكن، كما جاء ذلك في السنن عن النبي ﷺ وعمل به أصحابه من غير نزاع يعرف بينهم.\nثم قال ﵀: والنظر إلى وجه الأمرد لشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم، والمرأة الأجنبية بالشهوة، سواء كانت الشهوة شهوة الوطء، أو شهوة التلذذ بالنظر، فلو نظر إلى أمه وأخته، وابنته يتلذذ بالنظر إليها كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية كان معلومًا لكل أحد أن هذا حرام، فكذلك النظر إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة (^١).\n_________\n(^١) انظر الفتاوى الكبرى (١/ ٢٨١).","vol":"2","page":745},{"text":"وقال أيضًا: «النظر إلى الأمرد لشهوة حرام بإجماع المسلمين، وكذلك إلى ذوات المحارم ومصافحتهم والتلذذ بهم، ومن قال: إنه عبادة فهو كافر، وهو بمنزلة من جعل إعانة طلب الفواحش عبادة، بل النظر إلى الأشجار والخيل والبهائم إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرياسة والمال فهو مذموم، لقول الله تعالى: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [طه: ١٣١] (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر مختصر الفتاوى المصرية (ص: ٢٩).","vol":"2","page":746},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1065>الفصل السادس من نواقض الوضوء أكل لحم الجزور</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>المبحث الأول في الوضوء من لحم الإبل</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إثبات ما يوجب الحدث متلقى من الشرع، ولهذا ينقض الوضوء أكل لحم الإبل، وهو طاهر حلال، ولا ينقضه أكل لحم الخنزير، وهو نجس حرام، ومس الذكر ينقض الوضوء على الصحيح، مع أنه بضعة طاهرة من إنسان طاهر، كما أن البول نجس، ويوجب الطهارة الصغرى، والمني طاهر على الصحيح، ويوجب الطهارة الكبرى.\n[م-٢٠٦] اختلف العلماء في الوضوء من لحم الجزور،\nفقيل: لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور، ورواية عن أحمد (^١).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٢)، المبسوط (١/ ٧٩)، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (١/ ١٢٤)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢٣٥)، القوانين الفقهية (ص: ٢٢)، المنتقى للباجي (١/ ٦٥)، المجموع (٢/ ٦٦)، الحاوي الكبير (١/ ٢٠٦)، البيان للعمراني (١/ ١٩٤)، المحرر (١/ ١٥).","vol":"2","page":747},{"text":"وقيل: يجب منه الوضوء، وهو القول القديم في مذهب الشافعي (^١)، والمشهور من مذهب أحمد (^٢)، وهو مذهب أهل الحديث (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1067> دليل الجمهور على ترك الوضوء من لحوم الإبل:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1068> الدليل الأول:</span>\n(٤٦٧ - ٣٢١) ما رواه أبو داود، من طريق علي بن عياش، قال: حدثنا شعيب ابن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر،\nعن جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار (^٤).\n[اختصر الحديث شعيب بن أبي حمزة فأخطأ فيه، قال ذلك أبو داود، وأبو حاتم الرازي وابن حبان وابن تيمية وابن القيم وغيرهم] (^٥).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٦٦): وفي لحم الجزور بفتح الجيم وهو لحم الإبل قولان، الجديد المشهور: لا ينتقض، وهو الصحيح عند الأصحاب، والقديم أنه ينتقض. وهو ضعيف عند الأصحاب، ولكنه هو القوي أو الصحيح من حيث الدليل، وهو الذي أعتقد رجحانه، وقد أشار البيهقي إلى ترجيحه واختياره والذب عنه. اهـ\n(^٢) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٩٦)، إعلام الموقعين (١/ ٢٩٨)، الفروع (١/ ١٨٣)، الإنصاف (١/ ٢١٦).\nوهناك روايات أخرى في المذهب:\nأحدها: عدم النقض مطلقًا. والثاني: إن تطاولت المدة لا يعيد الصلاة، والثالثة: إن كان جاهلًا بالحكم فلا يعيد الوضوء، ولا الصلاة، وإن كان عالمًا أعاد. انظر كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٦)، المستوعب (١/ ٢١٢)، مسائل أحمد برواية أبي داود (ص: ١٥)، ومسائل أحمد برواية ابنه صالح (١/ ٤٥٠)، الإنصاف (١/ ٢١٦).\n(^٣) انظر صحيح ابن خزيمة (١/ ٢١)، صحيح ابن حبان (٣/ ٤٣٢)، سنن الترمذي (١/ ١٢٠)، مسائل الكوسج لإسحاق بن راهوية (١١٠)، الخطيب في الفقه والمتفقه (١/ ٣٠).\n(^٤) سنن أبي داود (١٩٢).\n(^٥) الحديث مداره على محمد بن المنكدر، عن جابر،\nوقد أعل هذا الحديث بعلتين: أحدهما: في الإسناد. والثانية: في المتن. =","vol":"2","page":748},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أما العلة في إسناده: فقد قيل: إن محمد بن المنكدر لم يسمع هذا الحديث من جابر، وإنما سمعه من ابن عقيل، وأكثر الأئمة على تضعيف ابن عقيل، فقد ضعفه أحمد، وابن عيينة، ويحيى بن معين، وابن المديني والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وابن خزيمة، وابن حبان، ويعقوب بن شيبة، كل هؤلاء تكلموا في حفظ ابن عقيل، ومن رفعه لم يرفعه إلى درجة الضبط، بل قال: مقارب الحديث، والله أعلم.\nقال الشافعي ﵀ كما في كتاب المعرفة للبيهقي (١/ ٣٩٥): لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل. قال البيهقي: وهذا الذي قاله الشافعي محتمل؛ وذاك لأن صاحبي الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة محمد بن المنكدر، عن جابر في الصحيح، مع كون إسناده على شرطهما؛ ولأن عبد الله بن عقيل قد رواه أيضًا عن جابر، ورواه عنه جماعة، ثم قال: إلا أنه قد روي عن حجاج بن محمد وعبد الرزاق ومحمد ان بكر، عن ابن جريج، عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله .. فذكروا هذا الحديث، فإن لم يكن ذكر السماع فيه وهمًا من ابن جريج فالحديث صحيح على شرط صاحبي الصحيح». اهـ\nقلت: ما ساقه البيهقي احتمالًا قد صرح به البخاري في التاريخ الصغير (٢/ ٢٥٠)، قال ﵀: «وقال بعضهم: عن ابن المنكدر: سمعت جابرًا، ولا يصح».اهـ\nوهذا ذهاب من البخاري ﵀ أن ذكر سماع ابن المنكدر عن جابر في هذا الحديث لا يصح، وأن الحديث ليس على شرط البخاري.\nوقد أخرج أحمد (٣/ ٣٠٧) حدثنا سفيان، سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر، وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابرًا، ظننته سمعه من ابن عقيل.\nولفظ ابن عقيل على فرض تحسين حديثه ليس فيه: (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار)، وإنما فيه أن الرسول ﷺ أكل لحمًا، ثم توضأ، فصلى الظهر، ثم رجع إلى فضل طعامه، فأكل منه، ثم قام إلى صلاة العصر، ولم يتوضأ، وهذا اللفظ لا إشكال فيه، ولا حجة فيه على نسخ الوضوء من لحوم الإبل، بل ولا على نسخ الأمر بالوضوء مما مست النار، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nوشعيب بن أبي حمزة وإن كان مقدمًا في الزهري، بل ويعتبر ثقة فيما يرويه عن غير الزهري إلا أنه متكلم في روايته عن ابن المنكدر، تكلم في ذلك أبو حاتم الرازي، وذلك أن شعيب أراد أن يسمع من ابن المنكدر، فكتب أحاديثه، ويظهر أنه جمعها من غير تثبت، فعرضها على ابن المنكدر، فعرف بعضها، وأنكر بعضها، ويظهر أن شعيب لم يصحح ذلك، لذلك وقعت المنكرات في رواية شعيب، عن ابن المنكدر، انظر كلام أبي حاتم الرازي في العلل (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، وكلام ابن رجب في شرح علل الترمذي (١/ ١٦٦).\nهذا فيما يتعلق بعلة الإسناد. =","vol":"2","page":749},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما العلة في المتن: فإن الحديث يرويه جماعة: منهم ابن جريج وابن عيينة ومعمر وأيوب وروح بن القاسم وغيرهم عن محمد بن المنكدر، عن جابر بأن الرسول ﷺ نزل على امرأة من الأنصار، فقربت له لحمًا، فأكل، ثم حان وقت صلاة الظهر، فتوضأ، وصلى، ثم رجع فقربت له فضل طعامه، فأكل، فحانت صلاة العصر، فصلى، ولم يتوضأ.\nفأراد شعيب بن أبي حمزة أن يختصر الحديث والقصة، فقال: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، فأوقع هذا الاختصار المخل في فهم غير مراد للحديث، وفهم الجمهور أن هذا الحديث بهذا اللفظ ناسخ لأحاديث الأمر بالوضوء مما مست النار، وكان شعيب ﵀ يقصد من قوله: في آخر الأمرين: المقصود بالأمر: الشأن والقصة، وليس الأمر الشرعي.\nقال أبو داود عن رواية شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر: هذا اختصار من الحديث الأول: يعني: حديث ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بلفظ: قربت للنبي ﷺ خبزًا ولحمًا، فأكل، ثم دعا بوضوء، فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه، فأكل، ثم قام إلى الصلاة، ولم يتوضأ.\nوقال ابن حبان في صحيحه: «وهذا خبر مختصر من حديث طويل اختصره شعيب بن أبي حمزة متوهمًا لنسخ إيجاب الوضوء مما مست النار مطلقًا وإنما هو نسخ لإيجاب الوضوء مما مست النار خلا لحم الجزور فقط».\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٦٤): «سمعت أبي يقول: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو أن النبي ﷺ أكل كتفًا، ولم يتوضأ، كذا رواه الثقات، عن ابن المنكدر، عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه، فوهم فيه». اهـ\nوقال ابن القيم عن في زاد المعاد (٤/ ٣٧٧): «ليس فيه حكاية لفظ عام عن صاحب الشرع، وإنما هو إخبار عن واقعة فعل في أمرين: أحدهما متقدم على الآخر، كما جاء ذلك مبينًا في نفس الحديث: أنهم قربوا إلى النبي ﷺ لحمًا، فأكل، ثم حضرت الصلاة، فتوضأ، فصلى، ثم قربوا إليه، فأكل، ثم صلى، ولم يتوضأ، فكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار، هكذا جاء الحديث، فاختصره الراوي لمكان الاستدلال».\nوقال ابن القيم أيضًا في تهذيب السنن (١/ ١٣٨): «الحديث قد جاء مثبتًا من حديث جابر نفسه، أن رسول الله ﷺ دعي إلى طعام، فأكل، ثم حضرت الظهر، فقام وتوضأ وصلى، ثم أكل، فحضرت صلاة العصر، فقام فصلى، ولم يتوضأ، فكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، فالحديث له قصة، فبعض الرواة اقتصر على موضع الحجة، فحذف القصة، وبعضهم ذكرها، وجابر روى الحديث بقصته».\nوقال ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٣): «ليس في حديث جابر ما يدل على ذلك - يعني ما يدل على الترك العام من الوضوء مما مست النار - بل المنقول عنه الترك في قضية معينة». =","vol":"2","page":750},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا الاختصار من شعيب ﵀ لم يكن اختصارًا موفقًا حتى ولو حملناه على أن المقصود بالأمر الشأن، والقصة. لسببين:\nالأول: أنه يوهم أن الوضوء مما مست النار منسوخ، وليس كذلك؛ لأننا لا نستطيع أن نقطع أن الوضوء من رسول الله ﷺ لصلاة الظهر كان بسبب أكل اللحم، فقد يكون محدثًا، ولم يكن عندنا دليل أن الرسول ﷺ حين أكل من اللحم قبل صلاة الظهر كان على وضوء، ثم فعل الوضوء بسبب اللحم، بل إن ابن عقيل ﵀ والحديث كما بينا إنما هو حديثه، سمعه منه ابن المنكدر، ولم يسمعه من جابر، قد روى الحديث عن جابر، وذكر أن الرسول ﷺ كان وضوءه الأول عن حدث، وليس بسبب أكل اللحم، وسوف نسوق لفظها إن شاء الله تعالى حين تخريج الحديث.\nالثاني: أن فعل الرسول ﷺ لا ينسخ قوله، فالأمر بالوضوء مما مست النار ثبت في أحاديث قولية في الصحيحين وفي غيرهما، وكون الرسول ﷺ أكل لحمًا ثم صلى، ولم يتوضأ يجعل الأمر بالوضوء للاستحباب، وليس للوجوب، ولا يصح أن نقول: إن فعل الرسول ﷺ دليل على نسخ الأحاديث القولية، كما أن الرسول ﷺ إذا نهى عن شيء كان نهيه دليلًا على التحريم، فإذا ارتكب هذا النهي حملنا النهي على الكراهة ولا نقول: إن ارتكابه لهذا النهي دليل على نسخ النهي، إلا أن يقوم دليل على أن فعل الرسول ﷺ خاص به فنبقي الأمر والنهي على ظاهرهما.\nوقد ذهب ابن تيمية ﵀ إلى أن الوضوء مما مست النار ليس منسوخًا، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٣): «لم يرد عن النبي ﷺ حديث عام ينسخ الوضوء من كل ما مسته النار، وإنما ثبت في الصحيح أنه أكل كتف شاة، ثم صلى، ولم يتوضأ، وكذلك أتي بالسويق فأكل منه، ثم لم يتوضأ. وهذا فعل لا عموم له، فإن التوضؤ من لحوم الغنم لا يجب باتفاق الأئمة المتبوعين».\nفتفرد شعيب بن أبي حمزة بهذا اللفظ عن ابن المنكدر ومخالفته لأصحاب ابن المنكدر، بل ومخالفته لمن رواه عن جابر يجعل الحديث غير محفوظ، والله أعلم.\nوفي تاريخ أبي زرعة الدمشقي (ص: ٤٣٤): «حدثني علي بن عياش، قال: حدثني شعيب بن أبي حمزة، قال: مشيت بين الزهري ومحمد بن المنكدر في الوضوء مما مست النار، وكان الزهري يراه، فاحتج الزهري بأحاديث، قال: فلم أزل أختلف بينهما حتى رجع ابن المنكدر».\n[تخريج الحديث].\nالحديث كما سبق مداره على محمد بن المنكدر، عن جابر، ويرويه جماعة عن محمد بن المنكدر،\nالأول: شعيب بن أبي حمزة، عنه. =","vol":"2","page":751},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرجه أبو داود كما في إسناد الباب، والنسائي (١٨٥)، وفي الكبرى (١٨٨)، وابن الجارود في المنتقى (٢٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٦٧) وابن خزيمة (١/ ٢٨)، والطبراني في المعجم الصغير (٢/ ٣)، وابن حبان (١١٣٤)، والبيهقي في السنن (١/ ١٥٥) من طريق علي ابن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، بلفظ: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار.\nالطريق الثاني: ابن جريج، عن محمد بن المنكدر به.\nأخرجه عبد الرزاق (٦٣٩) في المصنف، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٢٢)، وابن حبان (١١٣٠).\nوأخرجه أحمد (٣/ ٣٢٢) عن محمد بن بكر، وأبو داود (١٩١) من طريق حجاج بن محمد، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٢) والبيهقي (١/ ١٥٦) من طريق ابن وهب، كلاهما عن ابن جريج به.\nوذكروا من لفظه: أن الرسول ﷺ قرب له خبز ولحم، فأكل منه، ثم توضأ لصلاة الظهر، ثم رجع فأكل من فضل طعامه، ثم صلى العصر ولم يتوضأ. وبعضهم يزيد على بعض.\nالطريق الثالث: سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر به.\nأخرجه أحمد (٣/ ٣٠٧) حدثنا سفيان، سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر، وكأني سمعته يقول: أخبرني من سمع جابرًا، فظننته سمعه من ابن عقيل. ابن المنكدر وعبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، أن النبي ﷺ أكل لحمًا، ثم صلى ولم يتوضأ، وأن أبا بكر أكل لبأ ثم صلى ولم يتوضأ، وأن عمر أكل لحمًا ثم صلى، ولم يتوضأ.\nوأخرجه ابن ماجه (٤٨٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر وعمرو بن دينار وعبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بنحوه.\nوأخرجه الحميدي في مسنده (١٢٦٦) والترمذي في السنن (٨٠) عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، ومحمد بن المنكدر به، بذكر قصة في الحديث.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢٠١٧) من طريق سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل، ومحمد ابن المنكدر به، مختصرًا.\nكما أخرجه البيهقي (١/ ١٥٤) من طريق سفيان عن ابن المنكدر وحده، بلفظ مختصر أيضًا.\nوسيأتي إن شاء الله مزيد تخريج لطريق ابن عقيل وحده عن جابر في نهاية البحث.\nالطريق الرابع: معمر، عن محمد بن المنكدر به.\nأخرجه عبد الرزاق (٦٣٩، ٦٤٠) وابن حبان (١١٣٢). =","vol":"2","page":752},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الخامس: أيوب عن محمد بن المنكدر، أخرجه ابن حبان (١١٣٧) من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال: حدثنا أيوب به.\nالطريق السادس: جرير بن حازم، عن محمد بن المنكدر، أخرجه ابن حبان (١١٣٨) من طريق وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه به.\nالطريق السابع: أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٦٥) وابن حبان (١١٣٩) من طريق روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر به.\nالطريق الثامن: أخرجه ابن حبان (١١٣٥) من طريق محمد بن عبد الله بن أبي فروة، قال: حدثني محمد بن المنكدر به.\nالطريق التاسع: رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٤٩٧٤) من طريق يونس بن عبيد، عن محمد ابن المنكدر به.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا زهير بن إسحاق، تفرد به بشر بن معاذ.\nالطريق العاشر: رواه الحارث في مسنده كما في زوائد مسند الحارث (١/ ٩٩) من طريق عبد الوارث، عن محمد بن المنكدر.\nهذا ما وقفت عليه من طرق إلى محمد بن المنكدر، ولم يتفق أحد من الرواة ممن روى هذا الحديث مع ما ذكره شعيب بن أبي حمزة من اختصاره لهذا الحديث بقوله: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، فكان هذا اختصارًا منه ﵀ للقصة التي حكاها بعض الرواة من كون الرسول ﷺ أكل لحمًا، ثم حان وقت الظهر، فتوضأ فصلى، ثم عاد فأكل بقية الطعام، ثم صلى العصر، ولم يتوضأ. فهل في هذه القصة ما يدل على ترك الوضوء مما مست النار بالكلية حتى يقال: إن الحكم الشرعي بالوضوء مما مست النار قد نسخ، وأصبح غير مشروع، أو يقال: إن هذا الفعل دليل على أن الأمر بالوضوء مما مست النار ليس للوجوب، وإنما هو للاستحباب، الثاني هو المتعين، والله أعلم.\nانظر إتحاف المهرة (٣٦٨٨، ٣٧٠٢)، تحفة الأشراف (٣٠٤٧).\nوكنا قد ذكرنا في بداية البحث أن حديث محمد بن المنكدر، إنما سمعه من ابن عقيل، عن جابر، ووعدنا أن نخرج طريق عبد الله بن عقيل في نهاية البحث، فهذا أوان تخريجنا لطريق عبد الله بن عقيل ﵀:\nالحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٧٤) من طريق ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، قال:\nدخلت على جابر بن عبد الله الأنصاري ومعي محمد بن عمرو بن حسن ابن علي وأبو الأسباط مولى لعبد الله بن جعفر، كان يتتبع العلم، قال: فسألناه عن الوضوء مما مست النار من الطعام، فقال: وذكر قصة في الحديث، وفيها: وجدت رسول الله ﷺ في صور من نخل قد رش له فهو =","vol":"2","page":753},{"text":"ورد ابن حزم وابن التركماني القول باختصار الحديث، وقالا: إنما هما حديثان، وأيدهما أحمد شاكر رحمه الله تعالى.\nقال ابن حزم: القطع بأن ذلك الحديث مختصر من هذا قول بالظن، وهو أكذب الحديث، بل هما حديثان كما ورد (^١).\nوقال ابن التركماني: ودعوى الاختصار في غاية البعد (^٢).\nوقال أحمد شاكر: ومن الواضح أن هذا تأويل بعيد جدًّا، يخرج به الحديث عن ظاهره، بل يحيل معناه عما يدل عليه لفظه وسياقه، ورمي الرواة الثقات الحفاظ بالوهم بهذه الصفة ونسبة التصرف الباطل في ألفاظ الحديث إليهم حتى يحيلوها عن معناها قد يرفع من نفوس ضعفاء العلم الثقة بالروايات الصحيحة جملة ... إلخ كلامه ﵀ (^٣).\n_________\n= فيه، قال: فأتي بغداء من خبز ولحم قد صنع له، فأكل رسول الله ﷺ وأكل القوم معه، قال: ثم بال، ثم توضأ رسول الله ﷺ للظهر، وتوضأ القوم معه، قال: ثم صلى بهم الظهر، قال: ثم قعد رسول الله ﷺ في بعض ما بقي من قسمته لهن حتى حضرت الصلاة، وفرغ من أمره منهن، قال: فردوا على رسول الله ﷺ فضل غذائه من الخبز واللحم، فأكل وأكل القوم معه، قال: ثم نهض فصلى بنا العصر، وما مس ماء ولا أحد من القوم.\nفهذا الحديث هو حديث محمد بن المنكدر، وقد ذكر البخاري والشافعي وسفيان بن عيينة أن محمد بن المنكدر سمعه من ابن عقيل، فلا يقال: إن هذا قد انفرد به ابن عقيل بذكر البول قبل صلاة الظهر، لأن حديث ابن المنكدر إنما سمعه منه، وهو نص على أن الوضوء قبل صلاة الظهر لم يكن سببه أكل اللحم، وإنما سببه الحدث، حتى ولو لم ينص ابن عقيل على هذا، فليس عندنا نص على أن الوضوء الأول كان بسبب أكل اللحم، وليس عندنا ما يدل على أن الرسول ﷺ كان على طهارة حين أكل اللحم قبل صلاة الظهر، والأصل عدم الطهارة، وأن الوضوء قبل صلاة الظهر كان بسبب الحدث لا غير.\n(^١) المحلى (١/ ٢٤٣).\n(^٢) الجوهر النقي (١/ ١٥٦).\n(^٣) سنن الترمذي تحقيق أحمد شاكر (١/ ١٢٢).","vol":"2","page":754},{"text":"وكلام أهل العلل كأبي داود وأبي حاتم الرازي وابن حبان ومعهم ابن تيمية وابن القيم لا يمكن أن يعارض بكلام ابن حزم وابن التركماني، وذلك أن ابن حزم ﵀ لم يكن من أهل العلل أصلًا، وليست له عناية في هذا الفن، ومن قرأ كتابه المحلى قطع بذلك، وإن كان هذا لا يقدح في إمامته في الفقه، فالمرد عند الكلام على العلل إنما هو إلى أهله وصيارفته، وما ساقه الشيخ أحمد شاكر ﵀ إنما هو من قبيل حسن الظن بالراوي، وهذا لا يمنع من الوقوع بالخطأ، والثقة بل الأئمة قد يقع لهم بعض الأوهام، فهذا مالك وسفيان والزهري وشعبة قد يحصي أئمة الحديث أوهامًا لهم وقعوا فيها، إما في المتن وإما في الإسناد، وليس ذلك بقادح في الثقة حتى يكثر ذلك منه، فإذا كثرت مخالفته قدح ذلك في ضبطه، والقول بأنه مختصر ليس قولًا بالظن، فإن مخرج الحديثين واحد إذ مدارهما على ابن المنكدر، ومعناهما واحد، والله أعلم.\nوبناء عليه فالوضوء مما مست النار محفوظ غير منسوخ، وإن كان الأمر بالوضوء مما مست النار ليس للوجوب، لأن الرسول ﷺ أمر بالوضوء، ثم أكل لحمًا وصلى ولم يتوضأ، فدل على أن الأمر بالوضوء منه ليس للوجوب.\nوأن لحوم الإبل ليست العلة في الأمر بالوضوء منه كونه مما مسته النار، وإلا لم يكن هناك فرق بين لحوم الغنم ولحوم الإبل، لأن الجميع قد مسته النار، ومع ذلك فرق بينهما في الحكم في الحديث، كما في حديث جابر والبراء بن عازب، وسوف نأتي على ذكرهما إن شاء الله تعالى.\nوقد يقال أيضًا: إن ترك الوضوء مما مست النار عام، والأمر بالوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام، خاصة إذا علمنا أن الحديث قد جمع بين نوعين من اللحوم وكلاهما قد مسته النار، فعلق الوضوء من لحوم الغنم بالمشيئة، وأمر بالوضوء من لحوم الإبل، ولم يعلقه على المشيئة، والله أعلم.","vol":"2","page":755},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1069> الدليل الثاني:</span>\n(٤٦٨ - ٣٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن خالد، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، قال: الوضوء مما خرج، وليس مما دخل (^١).\n[صحيح موقوف] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٥٢) رقم ٥٣٥.\n(^٢) ورواه عبد الرزاق في المصنف (٦٥٣)\nوالبيهقي في السنن (١/ ١٥٨) من طريق عبد الوهاب، كلاهما (عبد الرزاق وعبد الوهاب) عن ابن جريج عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس يقول: إنما النار بركة الله، وما تحل من شيء ولا تحرمه، ولا وضوء مما مست النار، ولا وضوء مما دخل، إنما الوضوء مما خرج من الإنسان. وسنده صحيح.\nورواه ابن أبي شيبة في المنصف تحقيق عوامة (٥٣٩) حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن خالد، ورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٨٥) من طريق يزيد بن زريع، كلاهما (خالد وابن زريع) عن عكرمه عن ابن عباس، قال: الوضوء مما خرج، وليس مما دخل.\nوهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات.\nورواه ابن أبي شيبة (٥٤٣) من طريق حصين، عن عكرمة، فأرسله، ولم يذكر ابن عباس.\nوأخرجه البيهقي أيضًا (١/ ١١٦) من طريق أبي ظبيان، عن ابن عباس بنحوه.\nوأخرجه البيهقي في السنن (١/ ١١٦) من طريق الفضل بن المختار، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس مرفوعًا. ورفعه منكر، تفرد به الفضل بن مختار، قال العقيلي: منكر الحديث. الضعفاء الكبير (٣/ ٤٤٩).\nوقال أبو حاتم الرازي: هو مجهول، وأحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل. الجرح والتعديل (٧/ ٦٩).\nوقال ابن عدي: أحاديثه منكرة، عامتها لا يتابع عليها.\nوفيه شعبة مولى ابن عباس، جاء في ترجمته:\nقال مالك: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٣).\nوقال النسائي: ليس بقوي. الكاشف (٢٢٧٩)، تهذيب الكمال (١٢/ ٤٩٧).\nوقال أحمد: ما أرى به بأسًا. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٣).\nوفي التقريب: صدوق سيئ الحفظ.","vol":"2","page":756},{"text":"• ويجاب:\nبأن قول الصحابي حجة بشرطين:\nأحدهما: ألا يخالف مرفوعًا، وهذا الشرط لم يتوفر هنا.\nالثاني: ألا يخالف صحابيًا آخر، وهذا أيضًا لم يتوفر في مسألتنا، فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن جابر بن سمرة، أنه قال: كنا نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم (^١).\nوقوله: (كنا) إشارة إلى عامة الصحابة أو أغلبهم.\nثم إن كلام ابن عباس غير مطرد أيضًا، فإنه غير مسلم بأن الوضوء مما خرج فقط، ذلك أن التقاء الختانين ولو لم يحصل إنزال فهو مبطل للوضوء على الصحيح، وهو مما دخل، وليس مما خرج، ولا يعترض عليه بأن هذا يوجب الغسل؛ لأن الكلام على كونه مبطلًا للوضوء وليس الكلام فيما يوجبه، وهما مسألتان، ولأن كل ما يوجب الطهارة الكبرى فإنه موجب للطهارة الصغرى من باب أولى، كما أن مس الذكر على الصحيح مبطل للوضوء، وليس هو مما خرج.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1070> الدليل الثالث:</span>\n(٤٦٩ - ٣٢٣) ما رواه ابن الجعد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثاب، قال:\nسألت ابن عمر عن الوضوء مما غيرت النار، فقال: الوضوء مما خرج، وليس مما دخل؛ لأنه لا يدخل إلا طيبًا، ولا يخرجه إلا خبيثًا (^٢).\n[رجاله ثقات] (^٣).\n_________\n(^١) المنصف تحقيق عوامة (٥١٧)، وسيأتي تخريجه في أدلة القول الثاني.\n(^٢) مسند ابن الجعد (٤٤٧).\n(^٣) واختلف على يحيى بن وثاب، فرواه عنه أبو إسحاق كما تقدم من مسند ابن عمر، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٠) عن الثوري، وابن أبي شيبة في المصنف (٥٤٢) حدثنا هشيم، كلاهما عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عباس، فجعله من مسند ابن عباس،\nويحيى بن وثاب ثقة، قد روى عن ابن عباس وابن عمر، وقد اشتهر الأثر عن ابن عباس من طرق كثيرة، كما قدمنا، فإن كان الطريقان محفوظين، وإلا فطريق أبي حصين أرجح من وجهين:\nالأول: أن الأثر عن ابن عباس لم يكن فردًا كما هو الحال في أثر ابن عمر.\nالثاني: أن الإمام أحمد سئل عن أبي حصين، فقال: كان صحيح الحديث. قيل له: أيما أصح حديثًا هو أو أبو إسحاق؟ قال: أبو حصين أصح حديثا بقلة حديثه. تهذيب التهذيب (٧/ ١١٦)، والله أعلم.\nالثالث: أن ابن عمر كان يرى الوضوء من ملامسة المرأة، وهو ليس مما خرج، انظر (ح ١٠٨٦).","vol":"2","page":757},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1071> الدليل الرابع:</span>\n(٤٧٠ - ٣٢٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن وائل بن داود، عن إبراهيم،\nعن عبد الله بن مسعود، قال: إنما الوضوء مما خرج، والفطر مما دخل، وليس مما خرج (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1072> الدليل الخامس:</span>\n(٤٧١ - ٣٢٥) روى البيهقي من طريق إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن،\nعن علي أنه أطعم خبزًا ولحمًا، فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: إن الوضوء مما خرج، وليس مما دخل (^٣).\n_________\n(^١) المصنف (٦٥٨)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٥١) رقم: ٩٢٣٧.\n(^٢) إبراهيم النخعي لم يسمع من ابن مسعود، وباقي رجاله ثقات، والله أعلم.\n(^٣) سنن البيهقي (١/ ١٥٧).","vol":"2","page":758},{"text":"[ضعيف] (^١).\n• وأجيب:\nقال البيهقي: وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس: الوضوء مما خرج، وليس مما دخل، وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مست النار (^٢).\nقلت: لو كانت علة الوضوء من لحوم الإبل كونه مما مسته النار، لم يكن هناك فرق بين لحم وآخر، وقد فرق الحديث بين لحم الغنم والإبل كما سيأتي من حديث جابر والبراء ﵄.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1073> الدليل السادس:</span>\n(٤٧٢ - ٤٢٦) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن يحيى بن قيس، قال:\nرأيت ابن عمر أكل لحم جزور، وشرب لبن الإبل، وصلى ولم يتوضأ (^٣).\n[فيه لين] (^٤).\n_________\n(^١) في إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو ضعيف، انظر ترجمته في الجرح والتعديل (٦/ ٢٥)، التاريخ الكبير (٦/ ٧١)، الضعفاء الكبير للعقيلي (٣/ ٥٧)، الكامل (٥/ ٣١٦)، المجروحين لابن حبان (٢/ ١٥٥).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ١٥٩).\n(^٣) المصنف تحقيق عوامة (٥١٩).\n(^٤) ورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٤٢) من طريق إسحاق، أخبرنا عائذ بن حبيب القرشي به. وهذه متابعة لابن أبي شيبة.\nورواه يحيى بن معين في تاريخه (٢٥٥٣)، ومن طريق يحيى بن معين أخرجه الدولابي في الكنى والأسماء (١٩٩٦) والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١٦٠) عن وكيع، عن أبي هشام الأحول، عن يحيى بن قيس به.\nقال ابن معين: أبو هشام الأحوال هذا هو الربيع بن حبيب، أخو عائذ بن حبيب.\nوفي إسناده يحيى بن قيس الطائفي، ذكره البخاري وابن أبي حاتم، وسكتا عليه، فلم يذكرا فيه شيئًا. انظر التاريخ الكبير (٨/ ٢٩٨)، والجرح والتعديل (٩/ ١٨١)، وقد ذكر ابن أبي حاتم بأنه روى عنه عائذ بن حبيب، ولم أقف على راو آخر روى عنه، وقد ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٢٩) ولم يوثقه غيره.","vol":"2","page":759},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1074> الدليل السابع:</span>\n(٤٧٣ - ٣٢٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن أبي سبرة النخعي،\nأن عمر بن الخطاب أكل لحم جزور، ثم قام، فصلى، ولم يتوضأ (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1075> الدليل الثامن:</span>\n(٤٧٤ - ٣٢٨) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن الحسن،\nأن عليًا أكل لحم جزور، ثم صلى، ولم يتوضأ (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1076> الدليل على وجوب الوضوء من لحوم الإبل:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1077> الدليل الأول:</span>\n(٤٧٥ - ٣٢٩) ما رواه مسلم من طريق عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر\n_________\n(^١) المصنف تحقيق عوامة (٥٢١).\n(^٢) في إسناده جابر الجعفي ضعيف جدًّا. كما أن في إسناده أبا سبرة النخعي، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٩/ ٣٨٥).\nوقال يحيى بن معين: لا أعرفه. تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٤٠).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٦٩).\nوقال الذهبي في الكاشف (٦٦٣٧): ثقة.\nوقد قال كل من المزي والحافظ ابن حجر، بأنه روى عن عمر، ويقال: مرسل.\n(^٣) المصنف (١/ ٥١).\n(^٤) في إسناده شريك، وهو سيء الحفظ.","vol":"2","page":760},{"text":"ابن أبي ثور،\nعن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال لا (^١).\n_________\n(^١) مسلم (٣٦٠).\nقال البيهقي (١/ ١٥٨): ذهب علي بن المديني إلى أن جعفر بن أبي ثور هذا مجهول.\nوقال الحافظ في التقريب عن جعفر بن أبي ثور: مقبول، يعني: إن توبع، وإلا فلين الحديث. اهـ\nوجعفر بن أبي ثور لم يتابع في هذا الحديث في هذا الإسناد.\nوقد روى عن أبي ثور جماعة، ووثقه ابن حبان.\nوقول الحافظ في التقريب مقبول ليس بالدقيق، خاصة وأنه قد صحح حديثه جماعة من أهل الحديث، كالإمام أحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وابن مندة وابن دقيق العيد وابن تيمية وابن القيم وغيرهم وسوف نوثق النقول عن بعضهم من خلال تخريج الحديث إن شاء الله تعالى.\nوالحافظ ابن حجر ليس له منهج مطرد في الحكم على الراوي بأنه مقبول، ومع أن له اصطلاحًا خاصًا في كلمة مقبول، وهي لا تعني التوثيق إلا بشرط المتابعة، وإلا فلين الحديث، ومع ذلك ومن خلال تتبعي لأحكام الحافظ ابن حجر في هذا المصطلح لم أخرج بمعرفة منهجه، وهو بشر، فقد يسلم له في رجال كثيرين ولا يسلم له القول في رجال آخرين، ومنهم جعفر ابن أبي ثور، فخذ مثلًا الراوي: عبد الرحمن بن رزين، روى عنه اثنان كما في تهذيب الكمال للمزي، ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة سوى أبي داود وابن ماجه، ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان، وقد قال الدارقطني في السنن (١/ ١٩٨): مجهول، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء، ومع ذلك قال فيه الحافظ: صدوق، بينما يحكم أحيانًا على رجال خرج لهم أحد الشيخين، ولم يوثقهم أحد إلا ابن حبان، يحكم عليهم بقوله: مقبول، يعني: إن توبع كما سبق وإلا فلين الحديث، فهذا إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله المخزومي أخرج له البخاري، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال فيه: مقبول.\nوعبد الرحمن بن مسور بن مخرمة أخرج له مسلم، ولم يوثقه أحد إلا ابن حبان وقال فيه مقبول، وهذه أمثلة تدل على غيرها، وإن كان الحافظ ممن أعطي إنصافًا واعتدالًا وسبرًا إلا أن الكمال لله ﷾، فالحق أن جعفر بن أبي ثور ثقة، وليس حقه أن يقال فيه صدوق فضلًا أن يقال: فيه مقبول، وأما قول علي بن المديني مجهول فهو معارض بتصحيح أئمة الجرح والتعديل =","vol":"2","page":761},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1078> الدليل الثاني:</span>\n(٤٧٦ - ٣٣٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن\n_________\n= حديثه هذا، ومداره عليه، وهم أكثر عددًا، وعلى رأسهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهوية، عليهم رحمة الله،\nقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: حديث البراء وحديث جابر بن سمرة جميعًا صحيح إن شاء الله تعالى. انظر مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (١/ ٦٥)، ومسائل ابن هانئ (١/ ٩).\nوقال البيهقي في السنن (١/ ١٥٩): بلغني عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية الحنظلي إنهما قالا: قد صح في هذا الباب حديثان عن النبي ﷺ حديث البراء وحديث جابر ابن سمرة. اهـ\nوقال ابن خزيمة: لم نر خلافًا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر أيضًا صحيح من جهة النقل؛ لعدالة ناقليه. اهـ\nوهذا نقل من ابن خزيمة ليس بتصحيح الحديث من قبله، وإنما نسبة التصحيح لأهل الحديث قاطبة، والله أعلم.\nتخريج الحديث:\nالحديث رواه أحمد (٥/ ٩٦، ٩٧) وابن أبي شيبة ت عوامة (٥١٨)، ومسلم (٣٦٠) والطبراني (١٨٦٤، ١٨٦٥) وابن ماجه (٤٩٥)، وابن حبان (١١٢٥، ١١٢٧) من طريق أشعث بن ... أبي الشعثاء.\nورواه أبو داود الطيالسي (٧٦٦)، وأحمد (٥/ ٨٦، ٩٢، ٩٣، ١٠٠) وابن الجارود في المنتقى (٢٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٤٥٥، ١٤٥٦، ١٤٥٧)، ومسلم (٣٦٠)، والطبراني في الكبير (١٨٥٩، ١٨٦٠، ١٨٦١، ١٨٦٢، ١٨٦٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٠)، وابن حبان (١١٢٦) من طرق عن سماك.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٨٩)، ومسلم (٣٦٠)، وابن خزيمة (٣١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٠)، والطبراني (١٨٦٦، ١٨٦٧)، وأبو عوانة في مستخرجه (٧٥٤)، وابن حبان (١١٢٤)، والبيهقي (١/ ١٥٨) من طريق عثمان بن موهب.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٥١٧) والطبراني (١٨٦٨) من طريق محمد بن قيس الأسدي، كلهم (ابن أبي الشعثاء، وسماك، وابن موهب، ومحمد بن قيس) عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة به.\nانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: أطراف المسند (١/ ٦٧٧)، تحفة الأشراف (٢١٣١) إتحاف المهرة (٢٥٤٤).","vol":"2","page":762},{"text":"عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،\nعن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: توضؤا منها. قال: وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا فيها؛ فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٣٠٣).\n(^٢) الحديث رواه عبد الله بن عبد الله الرازي، واختلف في إسناده:\nفرواه الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٣)، وابن أبي شيبة ت عوامة (٥١٥)، وأبو داود (١٨٤، ٤٩٣) والترمذي (٨١)، وأبو يعلى (١٧٠٩)، من طريق أبي معاوية محمد بن خازم،\nوأخرجه الطيالسي (٧٣٤، ٧٣٥) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ١٥٩) عن شعبة.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٠٣) وابن المنذر في الأوسط (١/ ١٣٨)، وابن حبان (١١٢٨) من طريق الثوري.\nوأخرجه ابن الجاورد في المنتقى (٢٦) وابن خزيمة (١/ ٢١) رقم ٣٢ من طريق محاضر الهمداني.\nوأخرجه ابن أبي شيبة ت عوامة (٥١٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٨٤) عن عبد الله بن إدريس، كلهم عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٥٩٧) عن معمر، عن الأعمش، عن رجل، عن\nعبد الرحمن بن أبي ليلى به. وهذا الرجل المبهم في هذا الإسناد هو عبد الله بن عبد الله كما في الطرق السابقة.\nورواه عبيدة الضبي، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ذي الغرة الجهني، فجعله من مسند ذي الغرة الجهني بدلًا من البراء.\nرواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥/ ١١٢) وابن أبي عاصم كما في الآحاد والمثاني (٢٦٦٧) من طريق عبيدة الضبي، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ذي الغرة.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/) ح ٧٠٩ من طريق عيسى بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به، وسمى ذا الغرة يعيشًا الجهني. =","vol":"2","page":763},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه حجاج بن أرطأة، واختلف عليه فيه:\nفرواه حجاج، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ذكر ذلك الترمذي في السنن (١/ ٨٧).\nرواه حماد بن سلمة، عن حجاج بن أرطأة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أسيد بن حضير.\nأخرجه أحمد (٤/ ٣٥٢) عن عفان،\nورواه الحارث في مسنده كما في زوائد الهيثمي (٩٨) عن داود بن المحبر،\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٠٦) رقم ٥٥٨ من طريق هدبة بن خالد، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطأة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أسيد بن حضير.\nولا يعرف الحديث عن عبد الله بن عبد الرحمن، وإنما هو حديث عبد الله بن عبد الله.\nوقد جعل الترمذي الخطأ من حماد بن سلمة، قال في السنن (١/ ٨٧): «قد روى الحجاج بن أرطأة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، وهو قول أحمد وإسحاق ....\nوروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجاج بن أرطأة، فأخطأ فيه، وقال فيه: عن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه عن أسيد بن حضير، والصحيح عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال إسحاق: صح في هذا الباب حديثان عن رسول الله ﷺ حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة. اهـ وانظر العلل الكبير للترمذي (١/ ١٥٢).\nوالذي يظهر لي والعلم عند الله أن الخطأ قد يكون من حجاج بن أرطأة، وليس من حماد،\nأولًا: أن حماد بن سلمة أوثق من حجاج، والراوي عنه عفان، وهو من أثبت أصحابه، والأئمة يجعلون الحمل غالبًا على الضعيف إلا إذا وجدت قرينة تدل على أن الخطأ من الثقة.\nثانيًا: أن غير حماد قد رواه عن حجاج، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير، فهو وإن رواه على الصواب عن عبد الله بن عبد الله، بدلًا من عبد الله ابن عبد الرحمن إلا أنه جعله من مسند أسيد بن حضير، وخالف الأعمش، وهو أوثق منه في عبد الله بن عبد الله.\nفقد أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٢، ٣٩١)، وابن ماجه (٤٩٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٨٣) من طريق عباد بن العوام،\nورواه الطبراني في المعجم الأوسط (٧٤٠٧) من طريق عمران القطان، كلاهما عن حجاج بن =","vol":"2","page":764},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1079> الدليل الثالث:</span>\n(٤٧٧ - ٣٣١) ما رواه ابن ماجه من طريق بقية، عن خالد بن يزيد ابن عمر ابن هبيرة الفزاري، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت محارب بن دثار يقول:\nسمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل، ولا توضئوا من ألبان الغنم، وصلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل (^١).\n_________\n= أرطاة، حدثنا عبد الله بن عبد الله مولى بني هاشم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد ابن حضير، واقتصر ابن العوام على النهي عن الصلاة في أعطان الإبل والإذن بالصلاة في مرابض الغنم.\nقال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٣١٠): «وهو حديث مرسل، فإن ابن أبي ليلى لم يسمع من أسيد بن حضير».\nفالظاهر أن الحمل فيه على حجاج في جعله من مسند أسيد بن حضير، والله أعلم.\nورواه جابر الجعفي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سليك الغطفاني. وهذا اختلاف ثالث في هذا حديث ابن أبي ليلى.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٦٧١٣) من طريق أبي حمزة السكري، عن جابر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سليك الغطفاني.\nوفي إسناده جابر الجعفي اتهمه بعضهم.\nوقد رجح جمع من أئمة الحديث أن الحديث صحيح من مسند البراء بن عازب، منهم أحمد وإسحاق بن راهوية، والترمذي وسبق أن نقلنا كلامهم في الحديث السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي كما في العلل لابنه (٣٨)، وقد سأله ابنه عن هذا الحديث، فقال: «الصحيح ما رواه الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، عن النبي ﷺ، والأعمش أحفظ».اهـ\nوكذلك رجح ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٢٢)، والبيهقي في سننه (١/ ١٥٩).\nانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: أطراف المسند (١/ ٥٨٢)، تحفة الأشراف (١٧٨٣)، إتحاف المهرة (٢٠٩٨).\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٩٧).","vol":"2","page":765},{"text":"[ضعيف، والصحيح وقفه] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1080> الدليل الرابع:</span>\n(٤٧٨ - ٣٣٢) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا معتمر بن سليمان، عن ليث، عن مولى لموسى بن طلحة - أو عن ابن لموسى ابن طلحة - عن أبيه،\nعن جده قال: كان نبي الله ﷺ يتوضأ من ألبان الإبل ولحومها ولا يصلي في أعطانها ولا يتوضأ من لحوم الغنم وألبانها ويصلي في مرابضها (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1081> الدليل الخامس:</span>\n(٤٧٩ - ٣٣٣) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق سليمان بن داود الشاذكواني، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن موهب، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جابر بن سمرة،\nعن أبيه سمرة السوائي، قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت: إنا أهل بادية\n_________\n(^١) في إسناده عطاء بن السائب، وقد تغير بآخرة، والراوي عنه خالد بن يزيد، قال: ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ١٧٦): وهو غير مشهور.\nوقد اختلف فيه على عطاء بن السائب، فرواه بقية، عن خالد بن يزيد عن عطاء بن السائب مرفوعًا، كما في إسناد الباب.\nورواه ابن إسحاق كما ذكر ذلك ابن أبي حاتم في العلل (٤٨)، قال: حدثني عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر موقوفًا، قال ابن أبي حاتم في العلل (٤٨): حديث ابن إسحاق أشبه موقوفًا».اهـ\nوقال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ١٧٦): «وقد روي هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر، وهو أشبه».\n(^٢) مسند أبي يعلى (٦٣٢).\n(^٣) في الإسناد أكثر من علة، أحدها أن مداره على ليث بن أبي سليم، وهو مشهور الضعف. والثاني: أن في الإسناد مبهم. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٥٠): رواه أبو يعلى، وفيه رجل لم يسم.","vol":"2","page":766},{"text":"وماشية، فهل نتوضأ من لحوم الإبل وألبانها؟ قال: نعم. قال: فهل نتوضأ من لحوم الغنم وألبانها؟ قال: لا (^١).\n[إسناده منكر] (^٢).\nويكفي في الباب حديث جابر بن سمرة وحديث البراء بن عازب ﵄.\n• وأجاب الجمهور عن هذه الأحاديث بأجوبة، منها:\nأن المقصود بالوضوء ليس الوضوء الشرعي، وإنما المراد غسل الأيدي من لحوم الإبل.\n• ويجاب عن هذا:\nأولًا: بأن الكلام إذا صدر من الشارع فالأصل حمله على الحقيقة الشرعية، فإن تعذر حمل على الحقيقة اللغوية، ولا يوجد هنا سبب يحملنا على صرف الكلام عن حقيقته الشرعية إلى حقيقته اللغوية.\nثانيًا: أن السؤال عن الوضوء من لحومها قرن بالسؤال عن الصلاة في أعطانها مما يدل على أن المراد بالوضوء الوضوء الشرعي المتعلق بالصلاة.\nثالثًا: لو كان المقصود بالوضوء هو غسل الأيدي لكان غسل الأيدي من لحوم الغنم أولى من غسلها من لحوم الإبل، وذلك أن نسبة الدهون في لحوم الغنم أكثر منها في لحوم الإبل، وهذا أمر معروف عند كل من يتعاطى أكل لحوم الإبل.\nرابعًا: أن غسل الأيدي ليس واجبًا لا في لحوم الإبل ولا في لحوم الغنم، فلماذا يترك الشارع غسل الأيدي من لحوم الغنم إلى مشيئة الفاعل، ولا يترك هذا الأمر في\n_________\n(^١) المعجم الكبير (٧/ ٢٧٠) رقم ٧١٠٦.\n(^٢) الإسناد فيه سليمان بن داود الشاذكواني، وهو متروك، والمعروف أن الحديث من مسند جابر بن سمرة، وليس من مسند أبيه، وقد سبق تخريج حديث جابر بن سمرة، والله أعلم.","vol":"2","page":767},{"text":"لحوم الإبل، مع أن غسل الأيدي من لحوم الإبل والغنم الحكم فيها سواء، إلا إن كنتم تذهبون إلى وجوب غسل الأيدي من لحوم الإبل، ولا قائل به.\n• الجواب الثاني للجمهور:\nقالوا: إن هذه الأحاديث منسوخة بحديث (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) وقد أجبنا على ذلك، بأجوبة منها:\nأولًا: أن الحديث اختصره شعيب بن حمزة فأخطأ فيه.\nثانيًا: أنه لا يذهب إلى النسخ إلا إذا عرف التاريخ، وتعذر الجمع، والتاريخ غير معلوم، والجمع لم يتعذر هنا؛ لأن الجمع فيه إعمال لكلا الدليلين، بينما النسخ فيه إبطال لأحدهما.\nثالثًا: أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل خاص، وترك الوضوء مما مست النار عام، والخاص مقدم على العام.\nقال ابن القيم: «ومن العجب معارضة هذه الأحاديث بحديث جابر: (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) ولا تعارض بينهما أصلًا؛ فإن حديث جابر هذا إنما يدل على أن كونه ممسوسًا بالنار، ليس جهة من جهات نقض الوضوء، ومن نازعكم في هذا؟ نعم هذا يصلح أن يحتجوا به على من يوجب الوضوء مما مست النار على صعوبة تقرير دلالته، وأما من يجعل كون اللحم لحم إبل هو الموجب للوضوء، سواء مسته النار أم لم تمسه، فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده، فكيف يحتج عليه بهذا الحديث؟ وحتى لو كان لحم الإبل فردًا من أفراده فإنما تكون دلالته بطريق العموم، فكيف يقدم على الخاص؟ هذا مع أن العموم لم يستفد ضمنًا من كلام صاحب الشرع، وإنما هو من قول الراوي.\nوأيضًا فأبين من هذا كله أنه لم يحك لفظًا لا خاصًا ولا عامًا، وإنما حكى أمرين: هما فعلان: أحدهما متقدم، وهو فعل الوضوء، والآخر متأخر، وهو تركه الوضوء من","vol":"2","page":768},{"text":"ممسوس النار، فهاتان واقعتان، توضأ في إحداهما، وترك الوضوء في الأخرى من شيء معين مسته النار، لم يحك لفظًا عامًا ولا خاصًا ينسخ به اللفظ الصريح الصحيح ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى (^١).\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القائل بوجوب الوضوء من لحوم الإبل أسعد بالدليل، وليس مع القائلين بعدم الوجوب إلا حديث جابر (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار)\nومع أن هذا الحديث معلول، فإن حديث جابر بن سمرة وحديث البراء بن عازب فرق بين نوعين من اللحوم، وكلاهما قد مسته النار، فإما أن يكون الوضوء من لحوم الإبل متقدمًا على حديث ترك الوضوء مما مست النار أو متأخرًا عنه، فإن كان متأخرًا لم يصح نسخه بنص متقدم عليه، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخرًا.\nوإن فرضنا أن حديث الوضوء من لحوم الإبل كان متقدمًا، قبل أن ينسخ الوضوء مما مست النار، فكيف يترك الوضوء من لحوم الغنم لمشيئة الفاعل، فكان يجب أن يكون الأمر بالوضوء منهما جميعًا، لكون اللحمين قد مستهما النار، فلا بد من القول: إن حديث ترك الوضوء من لحوم الغنم دليل على أنه متأخر عن الأحاديث التي تأمر بالوضوء مما مست النار، وإلا لأوجب الوضوء من لحوم الغنم، فلما ترك الوضوء من لحوم الغنم مع كونه قد مسته النار كان دليلًا على تأخر هذا الحديث عن أحاديث الوضوء مما مست النار، وتبين أن العلة في الأمر بالوضوء من لحوم الإبل ليست العلة كونه قد مسته النار، وإنما العلة فيه كونه من الإبل، سواء كان قد مسته النار أو لم تمسه النار، فيجب الوضوء منه مطلقًا، سواء كان مطبوخًا أو نيئًا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تهذيب السنن (١/ ١٣٧).","vol":"2","page":769},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1082>المبحث الثاني علة الوضوء من لحوم الإبل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إثبات ما يوجب الحدث متلقى من الشرع، غير معقول المعنى، ولهذا ينقض الوضوء أكل لحم الإبل، وهو طاهر حلال، ولا ينقضه أكل لحم الخنزير، وهو نجس حرام، ومس الذكر ينقض الوضوء على الصحيح، مع أنه بضعة طاهرة من إنسان طاهر، ومس الأعيان النجسة لا يوجب الوضوء، والبول نجس، ويوجب الطهارة الصغرى، والمني طاهر على الصحيح، ويوجب الطهارة الكبرى.\n• معرفة العلة إنما من أجل تعدية الحكم بالقياس، وذلك بإلحاق الفرع بأصله لعلة جامعة، والقياس على لحم الإبل لا أعرف أحدًا قال به.\n[م-٢٠٧] اختلف العلماء في العلة من الوضوء من لحم الإبل، وعدم الأمر بالوضوء من سائر اللحوم الأخرى كالغنم والبقر والطيور ونحوها،\nفقيل: إن الأمر بالوضوء منها لكونه كان مشروعًا في أول الأمر الوضوء مما مست النار، ثم نسخ هذا الحكم، بحديث جابر، كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، وهذا مذهب الجمهور.","vol":"2","page":770},{"text":"ويشوش عليه أن الرسول ﷺ قد قرن معها لحم الغنم، فأمر بالوضوء من لحوم الإبل، ولم يأمر بالوضوء من لحم الغنم، ولو كانت العلة في الوضوء من لحوم الإبل كون النار قد مستها لم يختلف الحكم في لحم الغنم، لأن النار أيضًا قد مستها.\nوقيل: إن الحكم تعبدي، فتكون علته مخفية عنا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.\nوقيل: إنه ورد في الحديث أن الإبل خلقت من الشياطين.\n(٤٨٠ - ٣٣٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن،\nعن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٣٣٧) رقم ٣٨٧٧.\n(^٢) الحديث رواه ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب، ومن طريقه أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٧٠٢).\nورواه البيهقي في سننه (٢/ ٤٤٩) من طريق هشيم به.\nورواه أحمد في مسنده (٤/ ٨٥) حدثنا إسماعيل بن علية،\nورواه أحمد أيضًا (٥/ ٥٦، ٥٧) حدثنا عبد الأعلى،\nورواه الروياني في مسنده (٨٩٨) من طريق سفيان،\nورواه ابن ماجه (٧٦٩) من طريق أبي نعيم،\nورواه ابن حبان في صحيحه (٥٦٥٧) من طريق يزيد بن زريع، كلهم عن يونس به.\nفهؤلاء ستة حفاظ رووه عن يونس بن عبيد: وهم هشيم وابن علية وعبد الأعلى وسفيان ويزيد ابن زريع وأبو نعيم.\nكما تابع أبو سفيان بن العلاء ومبارك بن فضالة يونسَ بن عبيد.\nفقد أخرجه أحمد (٥/ ٥٤) ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣١٧) حدثنا وكيع، عن أبي سفيان بن العلاء، عن الحسن به.\nوأبو سفيان بن العلاء لم أقف على أحد وثقه، لكن قال فيه يحيى بن سعيد القطان: كنت أشتهي أن أسمع من أبى سفيان حديث الحسن، عن عبد الله بن مغفل، كان يقول فيه: حدثني ابن مغفل. الجرح والتعديل (٩/ ٣٨١)، كما أنه قد توبع في هذا الحديث، فإذا روى حديثًا لم ينكر عليه، بل قد تابعه عليه الثقات، ولم نقف له على جرح كان هذا مما يقوي أمره، والله أعلم.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي (٩١٣) وأحمد (٤/ ٨٦) وعلي بن الجعد (٣١٨٠) وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٢٠) من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن به.\nقال ابن عبد البر (٢٢/ ٣٣٣): حديث عبد الله بن مغفل رواه نحو خمسة عشر رجلًا عن الحسن، وسماع الحسن من عبد الله بن مغفل صحيح. اهـ\nوقد خرجت من هذه الطرق ما نص فيها على أن الإبل خلقت من الشياطين، وتركت غيرها مما لم يرد فيه موضع الشاهد، والله أعلم.\nانظر أطراف المسند (٤/ ٢٤١)، التحفة (٩٦٤٩)، إتحاف المهرة (١٣٤١٥).","vol":"2","page":771},{"text":"وفسر الحديث ابن حبان بأن معنى خلقت من الشياطين بأن معها شياطين على سبيل المجاورة والقرب.\nقال ابن حبان في صحيحه: «قوله ﷺ: فإنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين، وهكذا قوله ﷺ: فليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان، ثم قال في خبر صدقة بن يسار، عن ابن عمر: فليقاتله؛ فإن معه القرين» (^١).\nوقال في موضع آخر في صحيحه: «لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل لأجل أنها خلقت من الشياطين لم يصل ﷺ على البعير؛ إذ محال أن لا تجوز الصلاة في المواضع التي قد يكون فيها الشيطان ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه، بل معنى قوله ﷺ: إنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب» (^٢).\nوقيل: معناه أن من طبعها الشيطنة، وليس معناه أن مادة خلقها الشيطنة، فهو كقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧]، يعني: طبيعته هكذا، فهي لا\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٤/ ٦٠١).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٤/ ٦٠٣).","vol":"2","page":772},{"text":"تكاد تهدأ، ولا تقر في العطن، بل تثور، فربما قطعت على المصلي صلاته، وشوشت عليه خشوعه، وهذه هي الشيطنة المذكورة في الحديث.\nولذلك لما صلى عليها أمن من شرها، بخلاف الصلاة في مباركها، فقد تأتي إليه مجتمعة في حالة من النفار فتفسد عليه صلاته.\nوقال ابن القيم: «وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطانًا، وجاء: أنها خلقت من جن، ففيها قوة شيطانية، والغاذي شبيه بالمغتذي، ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير؛ لأنها دواب عادية فالاغتذاء بها تجعل في طبيعة المغتذي من العدوان ما يضره في دينه، فإذا اغتذى من لحوم الإبل، وفيها تلك القوة الشيطانية، والشيطان خلق من نار، والنار تطفأ بالماء، ونظير الحديث الآخر: إن الغضب من الشيطان، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» (^١).\nوكل هذه العلل إنما هي التماس، فلم ينص الشارع على العلة من الوضوء من لحمها، وسواء كانت هذه العلة أم غيرها فإن اليقين المقطوع به أن الشارع حكيم ولا يأمر إلا بما فيه حكمة، وأنه لا بد أن يكون هناك علة اقتضت التفريق بين لحم الإبل ولحم الغنم، فإن الشارع لا يمكن أن يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، فالحكمة، هو أمر النبي ﷺ، والتماس العلة إنما هو من أجل القياس، وتعدية الحكم إلى حكم آخر لعلة جامعة بينهما، وليس لأمر آخر، ولذا قالت عائشة حين سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصيام، ولا نؤمر بقضاء الصلاة، وهو حديث متفق عليه (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ١٥).\n(^٢) البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥).","vol":"2","page":773},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1083>المبحث الثالث في الوضوء من شحم الإبل وكبده وطحاله ومصرانه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• جاءت السنة في الوضوء من أكل لحم الإبل، فهل يراد باللحم جميع أجزاء الحيوان من شحم، وكبد، كالخنزير جاء النص بتحريم لحمه وشمل ذلك شحمه، أو أن تحريم شحم الخنزير ليس بنص الآية وإنما ألحق باللحم للإجماع؟\n• هل إطلاق اللحم على الشحم والكبد حقيقة لغوية أو عرفية؟\n• إدخال الشحم في اللحم يختلف من باب إلى آخر، ففي باب الأيمان والمعاملات حيث الخطاب يكون صادرًا من المكلف تقدم الحقيقة العرفية على اللغوية، فلا يدخل الشحم في مسمى اللحم.\nوفي باب نواقض الوضوء، والربا حيث الخطاب يكون صادرًا من الشارع، فإنها تقدم الحقيقة اللغوية على العرفية.\n• إذا نص على الشحم لم يدخل فيه اللحم مطلقًا، وإذا نص على اللحم دخل في ذلك الشحم إلا بدليل، ولهذا حرمت بعض الشحوم على اليهود، ولم يدخل في ذلك اللحم، فاللحم جنس، والشحم نوع منه، ويقال له: اللحم الأبيض.","vol":"2","page":774},{"text":"جاء في مقاييس اللغة: «شحم: الشين والحاء والميم: أصل يدل على جنس من اللحم» (^١).\n[م-٢٠٨] اختلف القائلون بوجوب الوضوء من لحم الإبل هل يشمل ذلك جميع أجزاء البعير من كبد وطحال وكرش ومصران ونحوها؟\nفقيل: لا ينقض الوضوء إلا اللحم خاصة، وهو المشهور من مذهب أحمد (^٢).\nوقيل: ينقض جميع أجزاء البعير، وهي رواية في مذهب أحمد (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1084> دليل من قال بعدم النقض:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1085> الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن النص إنما ورد في اللحم خاصة، سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: توضؤا منها.\nوالكبد والطحال ونحوهما لا يسمى لحمًا، فلم يتناوله النص، فلو أنك أمرت أحدًا أن يشتري لك لحمًا فاشترى كرشًا أو كبدًا لأنكرت عليه.\nويجاب عن ذلك بأن عدم دخولها هل مرده إلى اللغة أو إلى العرف، فإن كان ذلك في العرف فلا تقدم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، وأما اللغة فإن اللحم يشمل جميع أجزاء الحيوان، بما في ذلك شحمه وكبده كما سيأتي ذكر دليل ذلك في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٣/ ٢٥١)، وانظر المحيط في اللغة، في مادة: زهم، وفي كتاب معجم اللغة العربية المعاصرة (١/ ٧٧٩): «دهن: لحم أبيض كلحم ألية الظأن، القطعة منه دهنة». وانظر تكملة المعاجم العربية (٤/ ٤٢٤).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٩٦)، إعلام الموقعين (١/ ٢٩٨)، الفروع (١/ ١٨٣)، الإنصاف (١/ ٢١٦).\n(^٣) انظر المراجع السابقة.","vol":"2","page":775},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1086>التعليل الثاني:</span>\nأن الأصل بقاء الطهارة، فالطهارة متيقنة، ودخول غير اللحم في حكم اللحم أمر غير متيقن، واليقين لا يزول بالاحتمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>التعليل الثالث:</span>\nأن النقض باللحم أمر تعبدي، وإذا كان كذلك لم يمكن قياس غير اللحم على اللحم؛ لأن من شرط القياس العلم بالعلة، والأمور التعبدية غير معلومة العلة، والله أعلم.\nويجاب: بأن إلحاق الكبد باللحم ليس من باب القياس، وإنما دخوله لاشتمال النص عليه، فاللحم ليس هو الهبر خاصة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1088> دليل من قال بالنقض:</span>\nأولًا: من القرآن الكريم قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) [المائدة: ٣]، فنص على اللحم، ومع ذلك دخل جميع أجزاء الخنزير من شحم وكبد وطحال ونحوها، وهذا دليل على أن اللحم شامل لجميع أجزاء الحيوان.\n• وأجاب بعضهم:\nبأن لحم الخنزير حرم لنجاسته وخبثه، وأجزاء الخنزير كلها نجسة، فلا طاهر فيها، وأما لحم الإبل فلا شيء فيها نجس، وإذا كانت العلة أنها خلقت من الشياطين فهذا لا يصير إلا فيما فيه القوة الزائدة، وهي في اللحوم، واللحم في اللغة اسم لهذا الأحمر من اللحم المسمى بالهبر.\nثانيًا: قد يطلق اللحم على الحيوان باعتبار أنه أكثر الحيوان وأغلبه، ولا يعني هذا اختصاصه بالحكم، إذ لا فرق بين الهبر وبين غيره، فالكل يتغذى بدم واحد وطعام وشراب واحد، وهذا على افتراض أن النص لا يتناول بقية أجزاء الحيوان بالعموم اللفظي، فيبقى تناوله بالعموم المعنوي لعدم الفارق.","vol":"2","page":776},{"text":"• الراجح من هذا الخلاف:\nالقول بأن النقض عام في كل أجزاء الإبل من هبر وشحم وكبد وطحال ونحوه أقوى من حيث النظر من القول باختصاص النقض بالهبر خاصة.\nنعم القول بعدم النقض من حليب الإبل ومرقه ظاهر؛ لأنه لا يدخل في مسمى اللحم لا في الشرع ولا في العرف، ولا يقال: إذا شرب حليب الإبل بأنه أكل من الحيوان، وسوف نناقش هذه المسألة ببحث مستقل إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"2","page":777},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1089>المبحث الرابع في الوضوء من لبن الإبل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لبن الإبل لا يسمى لحمًا لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف.\n[م-٢٠٩] اختلف أهل العلم القائلون بالوضوء من لحوم الإبل، هل يتوضأ من ألبانها؟\nفقيل: لا يجب الوضوء منه، وهو مذهب الجمهور (^١)، ورواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: يستحب الوضوء منه، رجحه ابن تيمية (^٣).\nوقيل: يجب الوضوء منه، وهو قول في مذهب أحمد (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1090> دليل من قال: يتوضأ من ألبانها:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1091> الدليل الأول:</span>\n(٤٨١ - ٣٣٥) ما رواه ابن ماجه من طريق بقية، عن خالد بن يزيد بن عمر ابن\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٦٩): ولأحمد رواية أنه يجب الوضوء من شرب لبن الإبل، ولا أعلم أحدًا وافقه عليها، ومذهبنا ومذهب العلماء كافية أنه لا يجب الوضوء من لبنها. اهـ\n(^٢) انظر المغني (١/ ١٢٣)، كشاف القناع (١/ ١٣٠)، الفروع (١/ ١٨٣).\n(^٣) شرح العمدة (١/ ٣٣٥).\n(^٤) المغني (١/ ١٢٢)، الإنصاف (١/ ٢١٨).","vol":"2","page":778},{"text":"هبيرة الفزاري، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت محارب بن دثار يقول:\nسمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل، ولا توضئوا من ألبان الغنم، وصلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1092> الدليل الثاني:</span>\n(٤٨٢ - ٣٣٦) ما رواه أحمد، من طريق عباد بن العوام، حدثنا الحجاج، عن عبد الله بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: وكان ثقة، وكان الحكم يأخذ عنه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،\nعن أسيد بن حضير، عن النبي ﷺ أنه سئل عن ألبان الإبل، قال: توضئوا من ألبانها، وسئل عن ألبان الغنم؟، فقال: لا توضئوا من ألبانِها (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1093> الدليل الثالث:</span>\n(٤٨٣ - ٣٣٧) ما رواه أبو يعلى من طريق ليث، عن مولى لموسى بن طلحة - أو عن ابن لموسى بن طلحة - عن أبيه،\nعن جده، قال: كان نبي الله ﷺ يتوضأ من ألبان الإبل ولحومها ولا يصلي في أعطانها ولا يتوضأ من لحوم الغنم وألبانها ويصلي في مرابضها (^٥).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٩٧).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح (٤٧٧).\n(^٣) أحمد (٤/ ٣٥٢، ٣٩١).\n(^٤) سبق تخريجه ضمن تخريج حديث البراء (٤٧٦).\n(^٥) مسند أبي يعلى (٦٣٢).","vol":"2","page":779},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1094> الدليل الرابع:</span>\n(٤٨٤ - ٣٣٨) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق سليمان بن داود الشاذكواني، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن موهب، عن عثمان بن عبد الله ابن موهب، عن جابر بن سمرة،\nعن أبيه سمرة السوائي، قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت: إنا أهل بادية وماشية، فهل نتوضأ من لحوم الإبل وألبانها؟ قال: نعم. فهل نتوضأ من لحوم الغنم وألبانها؟ قال: لا (^٢).\n[منكر] (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1095> دليل من قال: بعدم النقض:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1096> الدليل الأول</span>.\nإذا توضأ الإنسان، فهو على طهارته حتى يأتي دليل صحيح على نقض الوضوء من ألبان الإبل، والأحاديث الواردة إنما في هي في لحوم الإبل، والحكم غير معقول المعنى، فوجب الاقتصار على ما ورد فيه النص.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1097> الدليل الثاني:</span>\nأن الرسول ﷺ حين أمر العرنيين بأن يلحقوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها (^٤)، لم يأمرهم بالوضوء من ألبانها، ولو كان ذلك واجبًا لأمرهم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر ح (٤٧٨).\n(^٢) المعجم الكبير (٧/ ٢٧٠) رقم ٧١٠٦.\n(^٣) سبق تخريجه، انظر ح (٤٧٩).\n(^٤) روى البخاري (٦٨٠٢) من طريق أبي قلابة الجرمي، عن أنس ﵁ قال: قدم على النبي ﷺ نفر من عكل، فأسلموا فاجتووا المدينة، فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل فبعث في آثارهم فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. ورواه مسلم أيضًا (١٦٧١).","vol":"2","page":780},{"text":"الراجح القول بعدم النقض، لعدم الدليل الصحيح في الباب، وما ورد من أحاديث فهي ضعيفة، والله أعلم، بل إن كلام أحمد وإسحاق حين قالا: صح في هذا الباب حديثان: حديث البراء وحديث جابر دليل على أنه لم يصح فيه غيرهما، وهذان الحديثان لم يذكرا ألبان الإبل، ولو كان الوضوء واجبًا منه لنص عليه الحديثان، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":781},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1098>المبحث الخامس الوضوء من مرق لحم الإبل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• مرق اللحم لا يسمى لحمًا لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف.\n[م-٢١٠] اختلف العلماء في الوضوء من مرق لحم الإبل:\nفقيل: الوضوء منه غير واجب حتى ولو ظهر طعمه في المرق، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: يجب الوضوء منه، وهو وجه في مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1099> دليل من قال: لا يجب الوضوء من مرق اللحم:</span>\nدليلهم هو دليل من قال: لا يجب الوضوء من ألبان الإبل، فانظره في المسألة التي قبل هذه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1100> دليل من قال: يتوضأ من المرق:</span>\nقال: إذا ظهر طعم اللحم في المرق، فإنه قد تناوله، كما أن الماء إذا ظهر فيه أثر النجاسة، كان الماء نجسًا، ومرق لحم الخنزير لا يجوز أكله تبعًا للحمه، فكذلك هنا،\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١٣٠)، مطالب أولي النهى (١/ ١٤٨)، المغني (١/ ١٢٢).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢١٨)، الفروع (١/ ١٨٣).","vol":"2","page":782},{"text":"إذا ظهر طعم اللحم وجب الوضوء منه.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض الأقوال وأدلة كل قول نرى أن الصحيح أنه لا يجب الوضوء من مرق لحم الإبل، والقياس على مرق الخنزير قياس مع الفارق، وهناك فرق بين أثر النجاسة، وبين أثر لحم الإبل، فلو أقسم لا يأكل لحمًا ثم شرب مرق لحم لم يحنث، ولا يعتبر قد أكل لحمًا، حتى ولو ظهر طعم اللحم في المرق، وما كان ربك نسيًا، فلو كان الوضوء واجبًا من مرق اللحم لجاء النص في بيانه، وما سكت عنه فهو عفو، لكن لو قيل بالاستحباب قياسًا على الجلالة، فإنه حين ظهر أثر النجاسة باللبن كره شربه (^١)، حتى ولو تحولت النجاسة إلى مادة أخرى، فكذلك إذا ظهر أثر اللحم في المرق استحب الوضوء منه احتياطًا، لو قيل بهذا لم يكن بعيدًا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سيأتي بحث مستقل في باب الجلالة، في أحكام النجاسات، فانظره مشكورًا.","vol":"2","page":783},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1101>المبحث السادس الوضوء من أكل اللحوم الخبيثة كالسباع</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إثبات ما يوجب الحدث متلقى من الشرع، ولهذا ينقض الوضوء أكل لحم الإبل، وهو طاهر حلال، ولا ينقضه أكل لحم الخنزير، وهو نجس حرام، ومس الذكر ينقض الوضوء على الصحيح، مع أنه بضعة طاهرة من إنسان طاهر، بخلاف مس الأعيان النجسة فلا تنقض الوضوء، كما أن البول نجس، ويوجب الطهارة الصغرى، والمني طاهر على الصحيح، ويوجب الطهارة الكبرى.\n[م-٢١١] اختلف أهل العلم في هذه المسألة،\nفقيل: لا ينقض الوضوء أكل الأطعمة المحرمة من لحم وغيره، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\n_________\n(^١) قال في الإنصاف (١/ ٢١٨): ظاهر كلام المصنف أيضًا: أن أكل الأطعمة المحرمة لا ينقض الوضوء، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب.\nوعنه ينقض الطعام المحرم.\nوعنه ينقض اللحم المحرم مطلقًا.\nوعنه ينقض لحم الخنزير فقط. قال أبو بكر: وبقية النجاسات تخرج عليه، حكاه عنه ابن عقيل، وانظر الفروع (١/ ١٨٣، ١٨٤).","vol":"2","page":784},{"text":"وقيل: ينقض الطعام المحرم، سواء كان لحمًا أو غيره، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: ينقض اللحم المحرم فقط دون سائر الأطعمة، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: ينقض لحم الخنزير فقط، وهو قول في مذهب الحنابلة، خرج عليه بعضهم أكل جميع النجاسات (^٣).\n• وسبب الخلاف ما أفصح عنه ابن تيمية ﵀ حيث يقول:\nوأما اللحم الخبيث المباح للضرورة كلحم السباع، ينبني الخلاف على النقض بلحم الإبل، هل هو تعبدي فلا يتعدى إلى غيره أو معقول المعنى؟ فيعطى حكمه، بل هو أبلغ منه (^٤). انتهى\nوقال ابن القيم: «والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل، فإذا عقل المعنى لم يكن بد من تعديته، ما لم يمنع منه مانع» (^٥).\nقال المرداوي: الصحيح من المذهب، أن الوضوء من لحم الإبل تعبدي. وعليه الأصحاب.\nقال الزركشي: هو المشهور.\nوقيل: هو معلل. فقد قيل: إنها من الشياطين، كما جاء في الحديث الصحيح.\n_________\n(^١) قال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٢٩٩): «وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان، والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل، فإذا عقل المعنى لم يكن بد من تعديته، ما لم يمنع منه مانع، والله أعلم». اهـ\n(^٢) الفروع (١/ ١٨٣، ١٨٤)، الإنصاف (١/ ٢١٨).\n(^٣) انظر المراجع السابقة.\n(^٤) الاختيارات (ص: ١٦).\n(^٥) إعلام الموقعين (١/ ٢٩٩).","vol":"2","page":785},{"text":"رواه أحمد وأبو داود. وفي حديث آخر: (على ذروة كل بعير شيطان) فإن أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية، فشرع وضوؤه منها ليذهب سورة الشيطان (^١). اهـ\nقلت: سبق لنا الكلام في الحكمة من مشروعية الوضوء من لحوم الإبل، فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢١٨).","vol":"2","page":786},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1102>المبحث السابع في الوضوء مما مست النار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• أحاديث الأمر بالوضوء من لحوم الإبل خاصة، وأحاديث عدم الوضوء مما مست النار عامة، والخاص مقدم على العام.\n• لو كانت العلة في الوضوء من لحوم الإبل الأمر بالوضوء مما مست النار، والتي يدعى أن الأمر فيها قد نسخ لم يكن هناك فرق بين الغنم والإبل، وبين غيرهما، فلما فرق بين لحم وآخر علم أن مناط الحكم هو جنس اللحم وليس مس النار.\n• إذا أمر الرسول ﷺ بالوضوء مما مست النار، ثم لم يتوضأ أحيانًا منه لم يكن هذا دليلًا على النسخ، وإنما هو قرينة على أن الأمر ليس للوجوب، وإذا نهى عن شيء، ثم خالفه أحيانًا كان ذلك قرينة على أن النهي للكراهة ما لم يقم دليل صريح على أن ذلك الفعل خاص بالنبي ﷺ.\n• إثبات ما يوجب الحدث متلقى من الشرع، ولهذا ينقض الوضوء أكل لحم الإبل، وهو طاهر حلال، ولا ينقضه أكل لحم الخنزير، وهو نجس حرام، ومس الذكر ينقض الوضوء على الصحيح، مع أنه بضعة طاهرة من إنسان طاهر، ومس النجاسات لا ينقض الوضوء، كما أن البول نجس، ويوجب الطهارة الصغرى، والمني طاهر على الصحيح، ويوجب الطهارة الكبرى.","vol":"2","page":787},{"text":"[م-٢١٢] اختلف الفقهاء في الوضوء مما مست النار:\nفقيل: يجب الوضوء مما مسته النار، اختاره بعض الصحابة ﵃، منهم ابن عمر، وعائشة، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وأبو طلحة، وزيد بن ثابت، وغيرهم (^١).\nورجحه الزهري رحمه الله تعالى (^٢).\nوقيل: لا يجب فيه وضوء، وعليه عمل الخلفاء الراشدين (^٣)، وهو مذهب جماهير أهل العلم على خلاف بينهم:\nهل كان الوضوء منه واجبًا فنسخ؟ اختاره بعض المالكية (^٤)، وهو مذهب\n_________\n(^١) انظر الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢١٣)، التمهيد (٣/ ٣٣١).\n(^٢) التمهيد (٣/ ٣٣١).\n(^٣) التمهيد (٣/ ٣٣٢)، المفهم (١/ ٦٠٣).\n(^٤) قال الباجي في المنتقى (١/ ٦٥): «روي عن النبي ﷺ بأسانيد لا بأس بها، أنه قال: توضئوا مما أنضجت النار» واختلف أصحابنا في تأويل ذلك، فمنهم من قال: إنه لم يكن قط الوضوء مما أنضجت النار واجبًا، وإنما كان معناه المضمضة وغسل الفم على وجه الاستحباب، ومنهم من قال: قد واجبًا، ثم نسخ، وتعلقوا في ذلك بما رواه شعيب ابن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار.\nوقال القرطبي في المفهم (١/ ٦٠٣): «قوله: «توضئوا مما مست النار» هذا الوضوء هنا هو الوضوء الشرعي العرفي عند جمهور العلماء، وكان الحكم كذلك ثم نسخ، كما قال جابر\nابن عبد الله: «كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار» وعلى هذا تدل الأحاديث الآتية بعد، وعليه استقر عمل الخلفاء ومعظم الصحابة وجمهور العلماء من بعدهم، وذهب أهل الظاهر والحسن البصري والزهري إلى العمل بقوله: «توضئوا مما مست النار، وأن ذلك ليس بمنسوخ ...... وذهبت طائفة إلى أن ذلك الوضوء إنما هو الوضوء اللغوي، وهو غسل اليد والفم من الدسم والزفر ... والصحيح الأول فليعتمد عليه».\nوضعف ابن عبد البر تأويل الوضوء مما مست النار بغسل الأيدي من الدسم، وذهب إلى القول بالنسخ، انظر التمهيد (٣/ ٣٣٠).","vol":"2","page":788},{"text":"الشافعية (^١)،\nوالحنابلة (^٢)، واختيار ابن حزم (^٣).\nأو كان معنى الوضوء مما مست النار، هو المضمضة وغسل الفم على وجه الاستحباب، وهو مذهب الحنفية (^٤)، واختاره بعض المالكية (^٥).\nوقيل: الوضوء مما مسته النار، مستحب، وليس بواجب، وترك الوضوء مما مست النار لم يكن من قبيل النسخ، وإنما هو لبيان أنه ليس بواجب، وهو وجه في مذهب أحمد، رجحه ابن تيمية رحمه الله تعالى (^٦)، وابن القيم، وهو الراجح.\n• وسبب الخلاف اختلافهم في الأحاديث الواردة:\nفثبت عن النبي ﷺ أنه قال: توضئوا مما مست النار،\n(٤٨٥ - ٣٣٩) رواه مسلم من طريق عقيل بن خالد قال: قال ابن شهاب: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره،\nأن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول الوضوء مما مست النار (^٧).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٦٨): «والجواب عن أحاديثهم -يعني: أحاديث الوضوء مما مست النار- أنها منسوخة، هكذا أجاب الشافعي وأصحابه وغيرهم من العلماء، ومنهم من حمل الوضوء فيها على المضمضة، وهو ضعيف».\nوقال في نهاية المحتاج (٦/ ٢١٥): نظم جلال الدين السيوطي، فقال:\nوأربع تكرر النسخ لها ... جاءت بها الأخبار والآثار\nفَقِبلة ومتعة وخمر ... كذا الوضوء مما تمس النار\n(^٢) المغني (١/ ١٢١، ١٢٢).\n(^٣) المحلى (١/ ٢٢٦).\n(^٤) المبسوط (١/ ٨٠)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣).\n(^٥) سبق نقل كلام الباجي في المنتقى والإشارة إلى الخلاف الواقع بين الأصحاب في مذهب المالكية، والله أعلم.\n(^٦) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٢٤)، شرح العمدة (١/ ٣٣٠).\n(^٧) صحيح مسلم (٣٥١).","vol":"2","page":789},{"text":"ورواه مسلم من مسند عائشة ﵂ (^١).\nوثبت عنه أنه أكل لحمًا، ثم صلى ولم يتوضأ.\n(٤٨٦ - ٣٤٠) رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. ورواه مسلم (^٢).\nوقد رواه الشيخان أيضًا من مسند عمرو بن أمية الضمري (^٣)، ومن مسند ميمونة (^٤)، كما رواه مسلم من مسند أبي رافع (^٥).\nفمن أهل العلم من أخذ بالأحاديث الآمرة بالوضوء مما مست النار، وأنها ناقلة عن البراءة الأصلية فهي مقدمة على غيرها من الأحاديث الموافقة للبراءة الأصلية، وهذا حجة من ذهب إلى القول بوجوب الوضوء مما مست النار.\nومن أهل العلم من رأى أن القواعد تقتضي بأن الرسول إذا أمر بشيء ثم خالفه، ولم يأت دليل صريح بأن هذه المخالفة خاصة بالنبي ﷺ فإن ذلك يدل على أن الأمر ليس على الوجوب، وإنما سبيله الاستحباب، وهذا حجة من ذهب إلى استحباب الوضوء مما مست النار، وأن الأمر بالوضوء مما مست النار ما زال محكمًا، ولم ينسخ.\n(٤٨٧ - ٣٤١) وأخذ جماهير أهل العلم بما رواه شعيب بن أبي حمزة، عن محمد ابن المنكدر،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٥٣).\n(^٢) رواه البخاري (٢٠٧)، ومسلم (٣٥٤).\n(^٣) البخاري (٢٠٨)، ومسلم (٣٥٥).\n(^٤) البخاري (٢١٠)، ومسلم (٣٥٦).\n(^٥) مسلم (٣٥٧).","vol":"2","page":790},{"text":"عن جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار (^١).\nفرأوا أن الحديث دليل على أن الوضوء مما مست النار كان مشروعًا فنسخ، إلا أن الحديث بهذا اللفظ، قد ذهب بعض أهل العلم منهم أبو داود وأبو حاتم الرازي وابن حبان وابن تيمية وابن القيم وغيرهم إلى أن شعيب اختصر الحديث، فأخطأ فيه (^٢)، فأوقع هذا الاختصار المخل للحديث في لبس، وأن الحديث عند من بسطه لا يدل على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وإنما فيه أن الرسول ﷺ أكل لحمًا عند امرأة من الأنصار، ثم قام إلى صلاة الظهر، فتوضأ، وصلى، ثم عاد مرة أخرى، فقدمت له بقية اللحم، فأكل، ثم قام، وصلى العصر، ولم يتوضأ، فأراد شعيب أن يختصره، فقال: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، والمقصود بالأمرين أي في شأن هذه القصة، وليس في الأمر العام الشرعي على أن الحديث له علة أخرى، فقد قيل: إن محمد بن المنكدر لم يسمعه من جابر، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، وأكثر أهل العلم على ضعفه. وقد سبق بحث الحديث، فأغنى عن إعادته هنا.\nورد ابن حزم (^٣)، وابن التركماني (^٤)، القول باختصار الحديث، وقالا: إنما هما حديثان، وأيدهما أحمد شاكر رحمه الله تعالى.\nوقال أحمد شاكر: ومن الواضح أن هذا تأويل بعيد جدًّا، يخرج به الحديث عن ظاهره، بل يحيل معناه عما يدل عليه لفظه وسياقه، ورمي الرواة الثقات الحفاظ بالوهم بهذه الصفة ونسبة التصرف الباطل في ألفاظ الحديث إليهم حتى يحيلوها عن\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١٩٢).\n(^٢) سبق بحثه في الكلام على الوضوء من أكل لحم الإبل، انظر رقم (٤٦٧) فأغنى والله الحمد عن إعادته هنا.\n(^٣) المحلى (١/ ٢٤٣).\n(^٤) الجوهر النقي (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":791},{"text":"معناها قد يرفع من نفوس ضعفاء العلم الثقة بالروايات الصحيحة جملة ... إلخ كلامه ﵀ (^١).\nوكلام أهل العلل كأبي داود وأبي حاتم الرازي وابن حبان ومعهم ابن تيمية وابن القيم لا يمكن أن يعارض بكلام ابن حزم وابن التركماني، وذلك أن ابن حزم ﵀ لم يكن من أهل العلل أصلًا، وليست له عناية في هذا الفن، ومن قرأ كتابه المحلى قطع بذلك، وإن كان هذا لا يقدح في إمامته في الفقه، فالمرد عند الكلام على العلل إنما هو إلى أهله وصيارفته، وما ساقه الشيخ أحمد شاكر ﵀ إنما هو من باب إحسان الظن بالراوي، وهذا لا يمنع من الوقوع بالخطأ، والثقة بل الأئمة يقع لهم بعض الأخطاء، فهذا مالك وسفيان والزهري وشعبة قد يحصي أئمة الحديث أوهامًا لهم وقعوا فيها، إما في المتن وإما في الإسناد، وليس ذلك بقادح في الثقة حتى يكثر ذلك منه، فإذا كثرت مخالفته قدح ذلك في ضبطه، والحديثان مخرجهما واحد، وشعيب متكلم في روايته عن ابن المنكدر، وقد أشرت إلى ذلك عند تخريج حديثه هذا في الوضوء من لحم الإبل، فلله الحمد.\nوبناء عليه فالوضوء مما مست النار محفوظ غير منسوخ، وإن كان الأمر بالوضوء مما مست النار ليس للوجوب، لأن الرسول ﷺ أمر بالوضوء، ثم أكل لحمًا وصلى ولم يتوضأ، فدل على أن الأمر بالوضوء منه ليس للوجوب، وإنما هو على قبيل الاستحباب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سنن الترمذي تحقيق أحمد شاكر (١/ ١٢٢).","vol":"2","page":792},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1103>الفصل السابع في نقض الوضوء من القهقهة في الصلاة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل حدث ينقض الطهارة في الصلاة ينقضها خارج الصلاة، وما لا يعتبر حدثًا في غير الصلاة لا يعتبر حدثًا فيها (^١).\n• الأصل بقاء الطهارة حتى يرد دليل صحيح صريح على بطلان الطهارة.\n[م-٢١٣] القهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء اتفاقًا، وأما في الصلاة، فقد اختلف العلماء،\nفقيل: تنقض الوضوء في الصلاة إلا صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وهو مذهب الحنفية (^٢).\n_________\n(^١) شرح التلقين للمازري (١/ ٢٠٠).\n(^٢) انظر الأصل (١/ ١٧١)، المبسوط (١/ ٧٧)، شرح فتح القدير (١/ ٤٥)، تبيين الحقائق (١/ ١١)، البحر الرائق (١/ ٤٢ - ٤٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢)، وأما استنثناء صلاة الجنازة وسجدة التلاوة قال السرخسي في المبسوط (١/ ٧٨): وصلاة الجنازة ليست بصلاة مطلقة، وكذلك سجدة التلاوة. اهـ\nوالحق أن ما ثبت للصلاة ثبت لصلاة الجنازة إلا بدليل، لأنها صلاة لغة وشرعًا، وأما سجدة التلاوة فقد قدمنا في كتاب الحيض والنفاس أن سجدة التلاوة ليست بصلاة أصلًا، ولا تشترط لها الطهارة.","vol":"2","page":793},{"text":"وقيل: لا تنقض، وهو مذهب الجمهور (^١)، وهو الصحيح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1104> دليل الحنفية على القول بالنقض:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1105> الدليل الأول:</span>\n(٤٨٨ - ٣٤٢) ما رواه الدارقطني من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني الحسن بن دينار، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أبي المليح بن أسامة،\nعن أبيه، قال: بينا نحن نصلي خلف رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل ضرير البصر، فوقع في حفرة، فضحكنا منه، فأمرنا رسول الله ﷺ بإعادة الوضوء كاملًا وإعادة الصلاة من أولها (^٢).\n[اضطرب فيه ابن إسحاق، والمعروف كونه مرسلًا عن أبي العالية عن النبي ﷺ] (^٣).\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: المدونة (١/ ١٩٠)، المنتقى للباجي (١/ ٦٥)،\nوانظر في مذهب الشافعية: المهذب (١/ ٢٤)، الخلافيات للبيهقي (٢/ ٣٦١)، مغني المحتاج (١/ ٣٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١١٦)، كشاف القناع (١/ ١٤٩).\n(^٢) سنن الدراقطني (١/ ١٦٠، ١٦١).\n(^٣) اضطرب فيه ابن إسحاق، فرواه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه.\nأخرجه الدراقطني كما في إسناد الباب (١/ ١٦٠ - ١٦١)، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في الخلافيات (٦٨٤)،\nوابن عدي في الكامل (٢/ ٣٠٢) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٦١٣)، وفي التحقيق (٢٣٥) من طريق إبراهيم بن سعد به.\nقال ابن الجوزي في العلل: وهذا لا يصح، وابن دينار هو الحسن، وقد كذبه العلماء، منهم شعبة. اهـ\nوقال البخاري في تاريخه الكبير: تركه يحيى وابن مهدي ووكيع وابن المبارك. (٢/ ٢٩٢)\nوقال النسائي: متروك. تهذيب التهذيب (٢/ ٢٤٠). =","vol":"2","page":794},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أحمد: لا أكتب حديثه. المرجع السابق.\nورواه محمد بن مسلمة كما في سنن الدراقطني (١/ ١٦٢)، والبيهقي في الخلافيات (٦٨٣)، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه به.\nقال الدارقطني: الحسن بن دينار: متروك الحديث. اهـ\nورواه دواد بن المحبر كما في سنن الدارقطني (١/ ١٦٣) أخبرنا أيوب بن خوط، عن قتادة، عن أنس.\nقال الدارقطني: داود بن المحبر متروك، يضع الحديث، عن أيوب بن خوط، وهو ضعيف. اهـ\nورواه عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٦٢) أخبرنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن أبي العالية وأنس بن مالك، عن النبي ﷺ.\nقال الدارقطني: لم يروه عن سلام غير عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، وهو متروك يضع الحديث.\nقلت: المعروف من رواية قتادة أنه يرويه عن أبي العالية مرسلًا.\nفقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٧٦١)، من طريقه الدارقطني (١/ ١٦٣) والبييهقي في الخلافيات (٦٩٦) عن معمر،\nكما أخرجه الدراقطني (١/ ١٦٣) والبيهقي في الخلافيات (٦٩٥، ٦٩٤) من طريق أبي عوانة، وابن أبي عروبة فرقهما.\nوأخرجه الدراقطني (١/ ١٦٣) من طريق سعيد بن بشير، أربعتهم (معمر، وأبو عوانة، ... وابن أبي عروبة، وسعيد بن بشير) عن قتادة، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٦٣) من طريق سلم بن أبي الذيال، عن قتادة، قال: بلغنا عن النبي ﷺ ... مثله.\nقال الدارقطني: وهذا هو الصحيح عن قتادة، اتفق عليه معمر وأبو عوانة وسعيد بن أبي عروبة وسعيد بن بشير، فرووه عن قتادة، عن أبي العالية، وتابعهم عليه سلم بن أبي الذيال، عن قتادة، فأرسله، فهؤلاء خمسة ثقات رووه عن قتادة، عن أبي العالية مرسلًا، وأيوب بن خوط وداود ابن المحبر وعبد الرحمن بن عمرو بن جبلة والحسن بن دينار كلهم متروكون، وليس فيهم من يجوز الاحتجاج بروايته لو لم يكن له مخالف، فكيف وقد خالف كل واحد منهم خمسة ثقات من أصحاب قتادة. اهـ\nوقيل: عن ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن خالد الحذاء، عن أبي المليح، عن أبيه.\nذكرها الدارقطني (١/ ١٦١). =","vol":"2","page":795},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الدارقطني: وأما قول الحسن بن عمارة، عن خالد الحذاء، عن أبي المليح، عن أبيه، فوهم قبيح، وإنما رواه خالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ. رواه عنه كذلك سفيان الثوري وهشيم ووهيب وحماد بن سلمة وغيرهم، وقد اضطرب فيه ابن إسحاق في روايته عن الحسن بن دينار لهذا الحديث: فمرة رواه عنه عن الحسن البصري، ومرة رواه عنه عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه، وقتادة إنما رواه عن أبي العالية مرسلًا عن النبي ﷺ، كذلك رواه عنه سعيد بن أبي عروبة ومعمر وأبو عوانة وسعيد بن بشير وغيره. إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\nثم ساق في سننه (١/ ١٦٨) بأسانيده رواية الثوري وحماد ووهيب بن خالد فرقهم عن خالد الحذاء، عن حفصة، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ مخالفين بذلك الحسن بن عمارة.\nكما رواه حفص بن سليمان المنقري، عن حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية مرسلًا، وهذه متابعة لرواية خالد الحذاء من طريق الثوري وحماد ووهيب عنه.\nوقد رواه الحسن البصري، واختلف عليه فيه:\nفرواه سفيان بن محمد الفزاري، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٦٥)، عن عبد الله بن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن، عن أنس.\nوسليمان بن أرقم متروك.\nورواه موهب بن يزيد كما في سنن الدارقطني (١/ ١٦٦) عن عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا، ليس فيه ذكر أنس.\nولم يذكر بين ابن شهاب والحسن سليمان بن أرقم. وهذا الطريق هو الصحيح من حديث ابن وهب.\nقال الدارقطني: «سفيان بن محمد كان ضعيفًا سيئ الحال في الحديث، وأحسن حالات سفيان ابن محمد أن يكون وهم في هذا الحديث على ابن وهب إن لم يكن تعمد ذلك في قوله: عن الحسن عن أنس، فقد رواه غير واحد عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن الحسن مرسلًا، منهم خالد بن خداش المهلبي، وموهب بن يزيد، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب وغيرهم، لم يذكر أحد منهم في حديثه عن ابن وهب في الإسناد: أنس بن مالك، ولا ذكر فيه بين الزهري والحسن سليمان بن أرقم، وإن كان ابن أخي الزهري وابن عتيق قد روياه عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن مرسلًا، عن النبي ﷺ، فهذه أقاويل أربعة عن الحسن كلها باطلة؛ لأن الحسن إنما سمع هذا الحديث من حفص بن سليمان المنقري، عن حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية الرياحي مرسلًا عن النبي ﷺ\". آهـ كلام الدارقطني.\nفرجعت رواية الحسن إلى رواية أبي العالية المرسلة. =","vol":"2","page":796},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1106> الدليل الثاني:</span>\n(٤٨٩ - ٣٤٣) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن يزيد بن سنان، حدثنا أبي، أخبرنا سليمان الأعمش، عن أبي سفيان،\nعن جابر، قال: قال لنا رسول الله ﷺ من ضحك منكم في صلاته فليتوضأ، ثم ليعد الصلاة (^١).\n[منكر، والمعروف عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر خلافه] (^٢).\n_________\n= وقد روى الداقطني في سننه (١/ ١٦٤) بإسناده عن علي بن المديني، قال: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: هذا الحديث يدور على أبي العالية. فقلت: قد رواه الحسن مرسلًا؟ فقال: حدثني حماد بن زيد، عن حفص بن سليمان المنقري، قال: أنا حدثت به الحسن عن حفصة، عن أبي العالية.\nفقلت: قد رواه إبراهيم مرسلًا؟\nفقال عبد الرحمن: حدثني شريك، عن أبي هاشم، قال: أنا حدثت به إبراهيم، عن أبي العالية.\nفقلت: قد رواه الزهري مرسلًا؟\nفقال: قرأته في كتاب ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن. اهـ\nفرجعت رواية الزهري المرسلة إلى رواية الحسن، ورواية الحسن سبق لنا أن مردها إلى مرسل أبي العالية، والله أعلم.\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٧٢).\n(^٢) رواه الأعمش واختلف عليه فيه:\nفرواه محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه (يزيد بن سنان) كما في سنن الدارقطني (١/ ١٧٢)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٧٠)، وخلافيات البيهقي (٧٤٦، ٧٤٨)، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعًا.\nوخالف يزيد بن سنان كل من:\nسفيان الثوري كما في سنن الدارقطني في سننه (١/ ١٧٢).\nووكيع كما في مسند أبي يعلى (٢٣١٣)، وسنن الدارقطني (١/ ١٧٢)، والبيهقي في الخلافيات (٦٧٥).\nوأبو معاوية الضرير، وعمر بن علي المقدمي كما في سنن الدارقطني فرقهما (١/ ١٧٢)، أربعتهم رووه عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر، موقوفًا، قال: ليس في الضحك وضوء.\nكما رواه الدارقطني (١/ ١٧٢) من طريق شعبة وابن جريج فرقهما، عن يزيد بن أبي خالد، عن أبي سفيان به، موقوفًا على جابر. =","vol":"2","page":797},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1107> الدليل الثالث:</span>\n(٤٩٠ - ٣٤٤) ما رواه الدارقطني من طريق الحسن بن قتيبة ومن طريق إسماعيل ابن عياش، كلاهما عن عمر بن قيس، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن،\nعن عمران بن حصين، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ضحك في الصلاة قرقرة، فليعد الوضوء والصلاة.\nوقال الحسن بن قتيبة: إذا قهقه الرجل أعاد الوضوء والصلاة (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1108> الدليل الرابع:</span>\n(٤٩١ - ٣٤٥) ما رواه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن الحصين، عن عبد الكريم، عن الحسن،\n_________\n= قال الدارقطني: «يزيد بن سنان ضعيف، ويكنى بأبي فروة الرهاوي، وابنه ضعيف أيضًا، وقد وهم فيه في موضعين:\nأحدهما: في رفعه إياه إلى النبي ﷺ.\nوالآخر: في لفظه، والصحيح عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر من قوله: من ضحك في الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء،\nوكذلك رواه عن الأعمش جماعة من الرفعاء الثقات، منهم: سفيان الثوري وأبو معاوية الضرير ووكيع وعبد الله بن داود الخريبي وعمر بن علي المقدمي وغيرهم، وكذلك رواه شعبة وابن جريج، عن يزيد بن أبي خالد، عن أبي سفيان، عن جابر».\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٥٦)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١١٠)، ومن طريقه ابن الجوزي في الواهيات (٦١٧) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عمر بن قيس به.\nوأخرجه البيهقي في الخلافيات (٦٩٨) من طريق عبد الرحمن بن سلام الجمحي، حدثنا عمر ابن قيس به.\n(^٢) مداره على عمر بن قيس المكي المعروف قال الدارقطني: ضعيف ذاهب الحديث.\nوقال أحمد والنسائي وأبو حاتم الرازي: متروك الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ١٢٩).\nوقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٦/ ١٨٧).","vol":"2","page":798},{"text":"عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا قهقه الرجل أعاد الوضوء والصلاة (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nوفي الباب أحاديث شديدة الضعف، تركتها اقتصارًا واختصارًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1109> دليل الجمهور على عدم النقض بالقهقهة</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1110> الدليل الأول:</span>\n(٤٩٢ - ٣٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان،\nعن جابر، قال: إذا ضحك الرجل في الصلاة أعاد الصلاة، ولم يعد الوضوء (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1111> الدليل الثاني:</span>\nمن تطهر فالأصل بقاء الطهارة حتى يأتي دليل صحيح صريح على بطلان طهارته، ولم يوجد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1112> الدليل الثالث:</span>\nإذا كانت القهقة خارج الصلاة لا تنقض الطهارة، لم تنقض الطهارة داخل الصلاة.\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٦٤)، وقد أخرجه الخطيب في تاريخه (٩/ ٣٧٩)، ومن طريق الخطيب أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (٢٣١)، وفي العلل (٣٦٨) من طريق علي بن حجر، عن عبد العزيز بن الحصين به.\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٦٧)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٧٢٠) من طريق الهيثم بن جميل، ثنا عبد العزيز بن الحصين به.\n(^٢) عبد الكريم هو ابن أبي المخارق، قال الدارقطني في سننه: عبد الكريم متروك، والراوي له عنه عبد العزيز بن الحصين، وهو ضعيف ذاهب الحديث.\n(^٣) المصنف (١/ ٣٤٠) رقم: ٣٩٠٨.\n(^٤) رجاله ثقات، وسبق لي تخريج هذا الأثر من طرق عن الأعمش في أدلة القول الأول.","vol":"2","page":799},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1113> الدليل الرابع:</span>\nالكلام ممنوع في الصلاة، ومع ذلك لا ينقض الطهارة ولو تعمده الإنسان بطلت صلاته دون طهارته، فكذلك القهقهة فهي من جنس الكلام، بل إذا كان القذف داخل الصلاة لا يبطل الطهارة، مع أنه من كبائر الذنوب فالقهقهة من باب أولى.\n• الراجح من الخلاف:\nالقول بالنقض من القهقة قول ضعيف جدًّا أثرًا ونظرًا،\nأما الأثر فإن مدارها على أحاديث إما مرسلة، وإما شديدة الضعف.\nوأما النظر، فإن القهقهة كما أنها لا تنقض الوضوء خارج الصلاة، فإنها لا تنقض الوضوء في الصلاة، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":800},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1114>الفصل الثامن في نقض الوضوء بالردة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الحدث يبطل الوضوء في أثنائه وبعد الفراغ منه، والردة تبطل الوضوء إذا ارتد أثناء الوضوء؛ لإبطالها الإيمان الذي هو شرط في صحة العبادة خلافًا للحنفية الذين لا يرون الإسلام شرطًا في صحة الوضوء، وهل تبطله بعد الفراغ منه؟\nفيه خلاف راجع إلى الموقف من الردة، هل يبطل العمل بمجرد الارتداد عن الدين، أو يبطل العمل إذا استمر حتى مات على ردته؟\n[م-٢١٤] اختلف العلماء في الردة، هل تبطل الوضوء،\nفقيل: لا تبطل الوضوء، وهو مذهب الحنفية (^١)، وأحد القولين في مذهب المالكية (^٢)، ووجه في مذهب الشافعية (^٣)، واختيار ابن حزم (^٤).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٦، ١١٧)، فتح القدير (١/ ١٣٢).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ٦٦)، التاج والإكليل (١/ ٤٣٥)، وقد ذهبوا إلى استحباب الوضوء من الردة، وهو صريح بأن الردة لا تنقض الوضوء؛ لأن المستحب ليس بلازم.\n(^٣) المجموع (٢/ ٥)، وسيأتي نقل نص النووي بعد قليل من كتابه العظيم المجموع إن شاء الله تعالى.\n(^٤) المحلى مسألة (١٦٩).","vol":"2","page":801},{"text":"وقيل: تبطل الردة التيمم دون الوضوء، وهو وجه في مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: تبطل الوضوء، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢)، واختاره بعض المالكية (^٣)، ووجه في مذهب الشافعية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1115> دليل من قال: لا تبطل الردة الوضوء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>التعليل الأول:</span>\nقالوا: إن الردة ليست حدثًا، وإنما يبطل الوضوء بالحدث.\nقلت: سبق لنا أن الحنفية يصححون الوضوء من الكافر، ولا يشترطون الإسلام في صحة الوضوء، فضلًا أن يروا الردة مبطلة للوضوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>التعليل الثاني:</span>\nبعد الفراغ من العبادة لا يمكن له رفضها ولا إبطالها، فكما أنه لو صام أو صلى لا يمكنه أن يرفض العبادة أو يغير نيتها حال إسلامه، فكذلك لا يمكن له إبطال العبادة بالردة بعد الفراغ منها.\nقال ابن حزم: «وأما الردة فإن المسلم لو توضأ واغتسل للجنابة أو كانت امرأة\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٥): «الردة وفيها ثلاثة أوجه، أصحها أنها تبطل التيمم دون الوضوء. والثاني تبطلهما. والثالث لا تبطل واحدا منهما. ثم قال النووي: وأما مسألة الردة فالنقض في الوضوء وجه ضعيف لم يعرجوا عليه هنا، وقد قطع المصنف ببطلان التيمم بالردة ذكره في باب التيمم،. واحتج لإبطال الوضوء والتيمم بأن الطهارة عبادة لا تصح مع الردة ابتداء، فلا تبقى معها دواما كالصلاة إذا ارتد في أثنائها.\nولعدم الإبطال بأنها ردة بعد فراغ العبادة فلم تبطلها كالصوم والصلاة بعد الفراغ منهما.\nوللفرق بين الوضوء والتيمم بقوة الوضوء وضعف التيمم. إلخ كلامه ﵀. وانظر نهاية المحتاج (١/ ١٠٩).\n(^٢) المغني (١/ ١١٥)، الفروع (١/ ١٨٥)، الإنصاف (١/ ٢٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٤).\n(^٣) اختاره خليل في مختصره، انظر الخرشي على مختصر خليل (١/ ١٥٧)، والمنتقى للباجي (١/ ٦٦)، ومواهب الجليل (١/ ٣٠٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢٢).\n(^٤) المجموع (٢/ ٥).","vol":"2","page":802},{"text":"فاغتسلت من الحيض ثم ارتدا ثم راجعا - الإسلام دون حدث يكون منهما، فإنه لم يأت قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا إجماع ولا قياس بأن الردة حدث ينقض الطهارة، وهم يجمعون معنا على أن الردة لا تنقض غسل الجنابة، ولا غسل الحيض، ولا أحباسه السالفة، ولا عتقه السالف ولا حرمة الرجل، فمن أين وقع لهم أنها تنقض الوضوء وهم أصحاب قياس، فهلا قاسوا الوضوء على الغسل في ذلك، فكان يكون أصح قياس لو كان شيء من القياس صحيحًا (^١). اهـ\nقالوا: إن الردة إنما تبطل ثواب العمل، وليست تبطل العمل نفسه، وإبطال الثواب مشروط بالموت على الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1118> الدليل الثالث:</span>\n(٤٩٣ - ٣٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،\nعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا وضوء إلا من صوت أو ريح (^٢).\n[المحفوظ في لفظ الحديث فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا] (^٣).\nثم إن هذا العموم لا يدخل فيه مس الفرج كما لا يدخل فيه أكل لحم الإبل ومس بدن المرأة وغيرها من النواقض المختلف فيها، وقد يدخل في ذلك النوم باعتباره مظنة لخروج خارج، كما يدخل فيه البول والغائط، ووجهه: حيث نبه على الأخف، فيدخل الأغلظ من باب أولى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1119> دليل من قال: الردة تبطل الوضوء:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1120> الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥]، فكلمة (عَمَلُكَ) نكرة\n_________\n(^١) المحلى مسألة ١٦٩ (١/ ٢٤١).\n(^٢) المسند (٢/ ٤٧١).\n(^٣) سبق تخريجه، انظر ح (٣٧٥).","vol":"2","page":803},{"text":"مضافة فتعم كل عمل، ومنه الوضوء.\n• وأجيب:\nبأن إحباط العمل مشروط بالموت على الردة، كما قال تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) (^١)، الآية.\nقال ابن حزم: فإن ذكروا قول الله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) قلنا: هذا على من مات كافرًا، لا على من راجع الإسلام. يبين ذلك قول الله تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، وقوله تعالى: (وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) شهادة صحيحة قاطعة لقولنا؛ لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن من ارتد ثم رجع إلى الإسلام ومات مسلمًا فإنه ليس من الخاسرين، بل من الرابحين المفلحين، وإنما الخاسر من مات كافرًا (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1121> الدليل الثاني:</span>\n(٤٩٤ - ٣٤٨) ما رواه مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حبان ابن هلال، حدثنا أبان، حدثنا يحيى أن زيدًا حدثه، أن أبا سلام حدثه، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ:\nالطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها (^٣).\nوجه الاستدلال:\nفإذا كان الطهور شطر الإيمان، والردة تبطل الإيمان، فهي تبطل أيضًا الوضوء؛ لأنه من الإيمان، بل هو شطر الإيمان.\n_________\n(^١) البقرة: ٢١٧.\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) صحيح مسلم (٢٢٣).","vol":"2","page":804},{"text":"• ويناقش:\nبأن المقصود بالإيمان الصلاة، قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) فعبادة الصلاة مركبة من عملين عمل الطهارة، وعمل الصلاة، لذا كانت الطهارة شطرها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1122> دليل من فرق بين الوضوء والتيمم:</span>\nقالوا: إن التيمم مبيح لفعل الصلاة وليس رافعًا للحدث، ولا إباحة مع قيام المانع، بخلاف الوضوء فإنه رافع للحدث، فهو أقوى من التيمم، فالردة تبطل التيمم لضعفه بخلاف الوضوء.\nهذه أدلة كل قول من الأقوال، وقد تجنب بعض المصنفين من الحنابلة ذكر الردة من نواقض الوضوء، وعلل ذلك المرداوي من الحنابلة بقوله:\n«لم يذكر القاضي في الجامع، والمحرر، والخصال، وأبو الخطاب في الهداية، وابن البنا في العقود، وابن عقيل في التذكرة، والسامري في المستوعب، والفخر ابن تيمية في التلخيص، والبلغة، وغيرهم: الردة من نواقض الوضوء. فقيل: لأنها لا تنقض عندهم.\nوقيل: إنما تركوها لعدم فائدتها؛ لأنه إن لم يعد إلى الإسلام فظاهر، وإن عاد إلى الإسلام وجب عليه الغسل، ويدخل فيه الوضوء. وقد أشار إلى ذلك القاضي في الجامع الكبير. فقال: لا معنى لجعلها من النواقض مع وجوب الطهارة الكبرى.\nوقال الشيخ تقي الدين: له فائدة تظهر فيما إذا عاد إلى الإسلام، فإنا نوجب عليه الوضوء والغسل. فإن نواهما بالغسل أجزأه، وإن قلنا لم ينتقض وضوؤه: لم يجب عليه الغسل. انتهى.\nقال الزركشي: قلت: ومثل هذا لا يخفى على القاضي. وإنما أراد القاضي: أن وجوب الغسل ملازم لوجوب الطهارة الصغرى. وممن صرح بأن موجبات الغسل تنقض الوضوء: السامري. وحكى ابن حمدان وجها بأن الوضوء لا يجب بالالتقاء","vol":"2","page":805},{"text":"بحائل، ولا بالإسلام. وإذن ينتفي الخلاف بين الأصحاب في المسألة. انتهى (^١).\nقلت: سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الخلاف في وجوب الغسل على من أسلم أو رجع إلى الإسلام بعد كفره في كتاب الغسل، وهو بعد كتابنا هذا، والذي أميل إليه في موضع الردة أنها ليست من نواقض الوضوء، ولم يقم دليل صحيح صريح في كون الردة حدثًا من الأحداث، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢١٩).","vol":"2","page":806},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1123>الفصل التاسع في الوضوء من غسل الميت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل بقاء الطهارة.\n• مس بدن الرجل الميت كمس بدن الرجل الحي، فإذا كان مس بدن الحي لا ينقض الوضوء لم ينقض مس بدن الميت بجامع أن كلًا منهما طاهر.\n• كون الشيء حدثًا ناقضًا للوضوء متلقى من الشرع، فكل شيء لم يثبت أن الشرع اعتبره حدثًا فلا ينقض الوضوء مسه.\n[م-٢١٥] اختلف أهل العلم في غسل الميت، هل ينقض الوضوء،\nفقيل: لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور (^١)، ورواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: ينقض، وهي مفردات مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى (^٣).\n_________\n(^١) انظر المبسوط (١/ ٨٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢)، المغني (١/ ١٢٣).\n(^٢) الفروع (١/ ١٨٤)، الإنصاف (١/ ٢١٥).\n(^٣) قال صاحب الإنصاف (١/ ٢١٥): «الصحيح من المذهب: أن غسل الميت ينقض الوضوء، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، مسلما كان أو كافرا، صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، وهو من مفردات المذهب. اهـ وانظر الفروع (١/ ١٨٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٣)، مطالب أولي النهى (١/ ١٤٧).","vol":"2","page":807},{"text":"وقيل: يسن، نص عليه الشافعي (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1124> دليل من قال بالنقض:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1125> الدليل الأول:</span>\n(٤٩٥ - ٣٤٩) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء،\nقال: سئل ابن عباس: أعلى من غسل ميتًا غسل؟ قال: لا، إذن نجسوا صاحبهم، ولكن وضوء (^٢).\n[رجاله ثقات] (^٣).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٣٤): ويسن الوضوء من مس الميت، نص عليه الشافعي في مختصر المزني ﵀. اهـ\n(^٢) المصنف (٦١٠١).\n(^٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (٦١٠١) عن ابن جريج.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٤٦٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٨٥)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٠٦) من طريق عمرو بن دينار،\nكلاهما (ابن جريج وعمرو بن دينار) عن عطاء، عن ابن عباس: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا. وسنده صحيح، وقد زاد ابن جريج ذكر الوضوء، ولم يذكر ذلك عمرو بن دينار.\nورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ولم يذكر ما ذكره عبد الرزاق، عن ابن جريج من زيادة الوضوء.\nورواه البيهقي (٣/ ٣٩٨) من طريق أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن عمرو، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهرًا، وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم. اهـ\nقال البيهقي: هذا ضعيف، والحمل فيه على أبي شيبة.\nفعلق الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ٢٣٩) بقوله: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، احتج به النسائي، ووثقه الناس، ومن فوقه احتج بهم البخاري، ثم قال: فالإسناد حسن.\nوقال في التهذيب (١/ ١٣٨): وهم البيهقي في ذلك، وكأنه ظنه جده إبراهيم بن عثمان، فهو المعروف بأبي شيبة أكثر مما يعرف بها هذا. ...\nقلت: قال أبو حاتم الرازي: صدوق. الجرح والتعديل (٢/ ١١٠).\nوقال الخليلي: كان ثقة، روى عنه الحفاظ. تهذيب التهذيب (١/ ١٣٧).\nوقال مسلمة بن قاسم: كوفي ثقة. المرجع السابق.\nوقال العقيلي: ليس به بأس. المرجع السابق.\nوقال الذهبي في الكاشف: ثقة.\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق.","vol":"2","page":808},{"text":"• ويجاب:\nأولًا: هذا موقوف على ابن عباس ﵁، وقوله هذا خلاف القياس.\nثانيًا: أن ذكر الوضوء مختلف فيه على ابن عباس، فزاده ابن جريج عن عطاء، ولم يذكره عمرو بن دينار عن عطاء، والقياس مع عمرو بن دينار.\nثالثًا: على فرض أن يكون ذكر الوضوء محفوظًا فلعله يحمل ذلك على المحدث، حتى إذا أراد الصلاة على الميت فإذا هو طاهر، أو يحمل على الوضوء اللغوي، وهو نظافة يديه؛ لأن الغاسل قد يمس فرجه بحائل، وقد تخرج من الميت نجاسة تلوث من باشر غسله، والله أعلم.\nرابعًا: أن مقتضى تعليل ابن عباس ليس واضحًا، فإن كان القول بوجوب الغسل يقتضي تنجيس الميت، فالقول بالوضوء منه كذلك، إلا أن يراد الوضوء اللغوي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1126> الدليل الثاني:</span>\n(٤٩٦ - ٣٥٠) ما رواه عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: إذا غسلت الميت فأصابك منه أذى فاغتسل، وإلا إنما يكفيك الوضوء (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٦١٠٧).\n(^٢) في إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف في حفظه.","vol":"2","page":809},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1127> الدليل الثالث:</span>\nربما أخذوا نقض الوضوء من كون بعض أهل العلم يرى وجوب الغسل من تغسيل الميت، فإذا أوجب عنده ذلك الطهارة الكبرى، فقد أوجب الطهارة الصغرى؛ لأنها داخلة فيها وللقاعدة عندهم «كل ما أوجب غسلًا أوجب وضوءًا» وعمدتهم في إيجاب الغسل من تغسيل الميت:\n(٤٩٧ - ٣٥١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من غُسْلِها الغسلُ، ومن حَمْلِها الوضوء (^١). يعني الميت.\n[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح جمع من الأئمة المتقدمين وقفه] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٢٧٢).\n(^٢) قال أبو حاتم: إنما هو موقوف عن أبي هريرة، لا يرفعه الثقات. العلل (١/ ٣٥١).\nوقال البخاري بعد أن ساق الاختلاف على أبي هريرة، في رفعه ووقفه، فقال: وهذا أشبه. يعني الموقوف. التاريخ الكبير (١/ ٣٩٧).\nوقال البيهقي: بعد أن رواه مرفوعًا وموقوفًا قال: هذا هو الصحيح موقوفًا على أبي هريرة، كما أشار إليه البخاري. السنن (١/ ٣٠٣).\nوقال البيهقي أيضًا: الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أبي هريرة غير قوية لجهالة بعض رواتها، وضعف بعضهم، والصحيح عن أبي هريرة من قوله موقوفًا غير مرفوع. اهـ المرجع السابق.\nوقال أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء. مسائل\nوكذا قال علي بن المديني: لا يثبت فيه حديث: سنن البيهقي (١/ ٣٠٥).\nوقال الذهلي: لا أعلم فيه حديثًا ثابتًا، ولو ثبت للزمنا استعماله. تلخيص الحبير (١/ ٢٣٦).\nوقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت. المرجع السابق.\nفهذا أبو حاتم وأحمد والبخاري وعلي بن المديني والذهلي وابن المنذر والبيهقي كلهم يذهبون إلى عدم ثبوت المرفوع. =","vol":"2","page":810},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن. وهذه العبارة ليست تصحيحًا من الترمذي، لأن الحسن عند الترمذي هو ما اصطلح عليه المتأخرون بالحسن لغيره، وهو أن يكون روايه غير متهم، ويروى من غير وجه.\nوصححه ابن حبان حيث أورده في صحيحه كما سيأتي في التخريج.\nوقواه الذهبي حيث يقول في مختصر سنن البيهقي (١/ ٣٠١): بل هي -أي الأحاديث- غير بعيدة عن القوة إذا ضم بعضها إلى بعض، وهي أقوى من أحاديث القلتين، وأقوى من أحاديث (الأرض مسجد إلا المقبرة والحمام) إلى غير ذلك مما احتج بأشباهه فقهاء الحديث. اهـ\n[تخريج الحديث].\nرواه أحمد كما في إسناد الباب من طريق سهيل بن أبي صالح، وقد اختلف عليه فيه:\nفرواه ابن جريج كما في إسناد أحمد هذا.\nوعبد العزيز بن المختار كما في سنن ابن ماجه (١٤٣٦)، وسنن الترمذي (٩٩٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٣٠٠، ٣٠١).\nوحماد بن سلمة كما في صحيح ابن حبان (١١٦١).\nوزهير بن محمد كما في المعجم الأوسط للطبراني (٩٨٩)، أربعتهم، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nورواه ابن عيينة، واختلف عليه فيه:\nفرواه الشافعي عن ابن عيينة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، ذكره الدارقطني في العلل (١٠/ ١٦٢).\nورواه حامد بن سفيان كما في سنن أبي داود (٣١٦٢)، ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٣٠١).\nوالحميدي وابن أبي عمر كما في العلل للدارقطني (١٠/ ١٦٢) ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nفزادوا سهيل في إسناده إسحاق مولى زائدة، وجعله مرفوعًا.\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٦) من طريق ابن علية، عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة موقوفًا.\nفتابع ابن علية سفيان بن عيينة ومن معه على زيادة إسحاق في إسناده، وخالفهم من جهة كونه رواه موقوفًا على أبي هريرة، ولم يرفعه.\nوقد ذكر الدارقطني في علله طريق ابن علية هذا إلا أنه صرح أن ابن علية يرويه عن سهيل، عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة موقوفًا بدون ذكر صالح والد سهيل، فلعل سقط من إسناده ذكر والد سهيل. =","vol":"2","page":811},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه وهيب بن خالد كما في سنن البيهقي (١/ ٣٠١) عن سهيل، عن أبيه، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوهذا اختلاف ثالث على سهيل، والحارث بن مخلد، لم يوثقه إلا ابن حبان حيث ذكره في ثقاته (٢١٥٢).\nوقال ابن القطان: مجهول الحال. تهذي التهذيب (٢/ ١٣٦).\nوقال البزار: ليس بمشهور. المرجع السابق.\nوفي التقريب: مجهول الحال.\nورواه ابن أبي ذئب، واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. ذكره الدارقطني في العلل (١٠/ ٣٧٩)، قال الدارقطني: أغرب ابن أبي فديك.\nوأخرجه أبو داود (٣١٦١) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٣٠٣) من طريق ابن أبي فديك، حدثني ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عمرو بن عمير، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوعمرو بن عمير، لم يرو عنه إلا القاسم بن عباس، ولم يوثقه أحد، وفي التقريب: مجهول.\nورواه حبان بن علي، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة. ذكره الدارقطني في العلل، وقال الدارقطني: حديث المقبري أصح. (١٠/ ٣٧٨).\nورواه الطيالسي (٢٣١٤) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٣٠٣)،\nوابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٠) عن شبابة.\nوأحمد في مسنده (٢/ ٤٣٣) عن يحيى، وأيضًا (٢/ ٤٥٤) عن حجاج. كلهم عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nقال البيهقي: هذا هو المشهور من حديث ابن أبي ذئب، وصالح مولى التوأمة ليس بالقوي.\nقال الدراقطني في علله (١٠/ ١٦٢) بعد أن ساق الاختلاف على سهيل: ويشبه أن يكون كان يضطرب فيه.\nهذا فيما يخص طريق سهيل، عن أبيه.\nوأخرجه البيهقي في سننه (١/ ٣٠١) وذكره البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٦، ٣٩٧) من طريق ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nورواه محمد بن عمرو، واختلف عليه فيه:\nفرواه حماد بن سلمة كما في التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٣٩٧) عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوخالفه جمع: رووه عن محمد بن عمرو أبي سلمة، عن أبي هريرة موقوفًا.\nأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٠) حدثنا عبدة بن سليمان. =","vol":"2","page":812},{"text":"وفي الباب من حديث عائشة وعلي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وحذيفة والمغيرة بن شعبة، وكلها أحاديث ضعيفة، وسنأتي على ذكرها إن شاء الله تعالى في كتاب الغسل، وهو بعد هذا الكتاب.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1128>الدليل الثاني:</span>\nوقالوا: ولأن العادة أن الغاسل لا تسلم يده أن تقع على فرج الميت، كما لا يسلم\n_________\n= وأخرجه أيضًا (٣/ ٤٧) حدثنا يزيد بن هارون.\nوالبيهقي (١/ ٣٠٢) من طريق عبد الوهاب بن عطاء.\nوالبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٧) من طريق عبد العزيز الدراوردي، كلهم عن محمد بن عمرو به، موقوفًا على أبي هريرة.\nورجح البخاري الرواية الموقوفة على الرواية المرفوعة، كما في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٧) كما خطأ أبو حاتم حماد بن سلمة، انظر العلل (١/ ٣٥١).\nوتابع حنين بن أبي حكيم حماد بن سلمة في رفعه متابعة قاصرة، فأخرجه البيهقي في سننه (١/ ٣٠٢) من طريق ابن لهيعة، عن حنين بن أبي حكيم، عن صفوان بن أبي سليم، عن أبي سلمة مرفوعًا.\nقال البيهقي: ابن لهيعة وحنين بن حكيم لا يحتج بهما، والمحفوظ من حديث أبي سلمة ما أشار إليه البخاري أنه موقوف من قول أبي هريرة.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٣٠٣) من طريق أبي واقد الليثي، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وإسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوأبو واقد الليثي ضعيف.\nقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٤/ ٢٩١).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٢٩٧).\nوأخرجه البيهقي (١/ ٣٠٣) من طريق الوليد بن مسلم، حدثني ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٢٨٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن رجل من بني ليث، عن أبي إسحاق، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن في إسناده مبهمًا، وفيه جهالة أبي إسحاق.\nانظر أطراف المسند (٧/ ١٩٩)، تحفة الأشراف (١٢٧٢٦)، إتحاف المهرة (١٨١٠٦).","vol":"2","page":813},{"text":"النائم المضطجع من خروج الحدث، وأوجبنا الوضوء من النوم.\n• وأجيب:\nأولًا: لا يحل له أن يمس فرج الميت بدون حائل.\nوثانيًا: ليس مس الفرج متيقنًا ولا غالبًا، بل هو نادر، وبالتالي لا يكون غسل الميت مظنة للمس الفرج.\nثالثًا: أن غاسل الميت يكون معه عقله، ويعلم بما يقوم به، فإذا مس فرج الميت شعر بذلك، بخلاف النائم فإنه يحدث وهو لا يشعر، ولذلك لو كان نومه نعاسًا لم يغلب على عقله لم يكن النوم ناقضًا للوضوء؛ لأنه لو أحدث لشعر بذلك.\nرابعًا: الوضوء من مس الذكر أمر تعبدي، وقد قدمنا الخلاف في مس ذكر الغير، ورجحنا أن الوضوء إنما يجب إذا مس ذكره بيده لحديث (من مس ذكره فليتوضأ) وأما إذا مس ذكر غيره فلم يصح فيه الحديث، وبالتالي لا يجب عليه الوضوء، ولا يقاس مس ذكر الغير على مس ذكره؛ لأن الأمر تعبدي لم تظهر لنا علته، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1129> دليل من قال: لا ينقض الوضوء:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1130> الدليل الأول:</span>\nقالوا: لم يصح في وجوب الوضوء ولا في وجوب الغسل من تغسيل الميت حديث عن النبي ﷺ، قاله جماعة من أهل العلم:\nقال أبو داود في مسائل الإمام أحمد: «سمعت أحمد ذكر في (من غسل ميتًا فليغتسل) فقال: ليس يثبت فيه حديث» (^١).\nوكذا قال علي بن المديني والذهلي والبيهقي وابن المنذر وغيرهم، نقلنا ذلك عنهم في أدلة القول الأول.\n_________\n(^١) مسائل أبي داود (١٩٦٤).","vol":"2","page":814},{"text":"فإذا كان ذلك كذلك فالأصل عدم الوجوب حتى يثبت عن النبي ﷺ أمر منه بذلك، ولم يثبت.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1131> الدليل الثاني:</span>\nقالوا: بدن الميت طاهر، ومس الطاهر ليس بحدث، بل لو كان نجسًا لم يكن حدثًا، وكل ما عليه أن يغسل النجاسة فقط، فإذا كان الإنسان لا يتوضأ من مس الميتة والنجاسات، فكذلك لا يتوضأ من باب أولى من غسل بدن المسلم.\n• الراجح والله أعلم:\nبعد استعراض الأقوال في المسألة، وبعد أن نقلنا عن جمع من الأئمة بأنه لم يثبت حديث في الأمر بالغسل أو الوضوء من تغسيل الميت أرى والله أعلم أن القول بأن غسل الميت ناقض من نواقض الوضوء قول ضعيف، ولكن القول بالاستحباب من ذلك ليس ببعيد، وقد روى الخطيب في تاريخه في ترجمة محمد بن عبد الله المخزومي، من طريق عبد الله بن الإمام أحمد، قال: قال لي أبي: كتبت حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل؟ قال: قلت: لا. قال: في ذلك الجانب شاب يقال له: محمد بن عبد الله يحدث به، عن أبي هشام المخزومي، عن وهيب، فاكتب عنه (^١).\nوهذا إسناد صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر في التلخيص، وقال: وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث (^٢). اهـ\n* * *\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (٥/ ٤٢٤).\n(^٢) تلخيص الحبير (١/ ٢٣٩).","vol":"2","page":815},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1132>الفصل العاشر في نقض الوضوء بالشك</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا استيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على اليقين استصحابًا للطهارة، وعملًا بالأصل، لا فرق بين أن يغلب على ظنه أحدهما، أو يتساوى الأمران عنده.\n• من تيقن الوضوء وشك في الحدث تجاذبه أصلان:\nأحدهما: الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأنه لا ينتقل عن الأصل الذي هو بقاء الطهارة إلا بيقين، وعليه فلا يجب الوضوء على من شك في الحدث.\nوالأصل الثاني: أن الشك في الشرط وهو الطهارة يوجب الشك في المشروط وهو الصلاة.\nوقيل:\n• الشك في أحد المتقابلين يوجب الشك في الآخر، فالشك في الحدث يوجب الشك في الوضوء.\n[م-٢١٦] إذا توضأ، ثم شك هل أحدث، فهل ينتقض وضوؤه؟\nفقيل: لا ينتقض، بل يبني على اليقين مطلقًا، سواء كان في صلاة أم في غيرها،","vol":"2","page":816},{"text":"وهو مذهب الجمهور، ورواية ابن نافع، عن مالك.\nوقيل: ينقض مطلقًا، وهو رواية ابن القاسم عن مالك.\nوقيل: الشك ينقض الوضوء خارج الصلاة، ولا ينقض داخلها، وهو المشهور من مذهب المالكية (^١)، ونسب هذا القول للحسن ﵀ (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1133> دليل الجمهور على عدم النقض:</span>\nالأصل العظيم، أن اليقين لا يزول بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك بالحدث، أو تيقن النجاسة وشك في الطهارة، بنى على اليقين، وهذا الأصل له أدلة شرعية صحيحة، منها.\n(٤٩٨ - ٣٥٢) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وعن عباد بن تميم،\nعن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، ورواه مسلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1134> دليل من قال يجب الوضوء بالشك إلا أن يكون في صلاة:</span>\nقالوا: إنما أوجب الوضوء بالشك؛ لأن الطهارة شرط، والشك في الشرط مؤثر،\n_________\n(^١) جاء في تهذيب المدونة (ص: ١٨١): «ولو أيقن بالوضوء، ثم شك في الحدث، فلم يدر أأحدث بعد الوضوء أم لا، فليعد وضوءه».اهـ\nوقال الخرشي في شرحه (١/ ١٥٧): «من شك في طريان الحدث له بعد علمه بطهر سابق، فإن وضوءه ينتقض إلا أن يكون مستنكهًا بأن يشم في كل وضوء أو صلاة أو يطرأ له في اليوم مرة أو أكثر فلا أثر لشكه الطارئ بعد علم الطهر، ولا يبني على أول خاطر به على ما اختاره ابن عبد السلام؛ لأن من هذه صفته لا ينضبط له الخاطر الأول من غيره، والوجود يشهد لذلك، وإن كان ابن عرفة اقتصر على بنائه على ذلك، وكلام المؤلف فيمن حصل له الشك في طرو الحدث قبل الدخول في الصلاة بخلاف من شك في طرو الحدث في الصلاة أو بعدها فلا يخرج منها ولا يعيدها إلا بيقين؛ لأنه شك طرأ بعد تيقن سلامة العبادة».اهـ وانظر التاج والإكليل (١/ ٣٠١)، الثمر الداني (١/ ٢٠٠)، القوانين الفقهية (ص: ٢١)، حاشية العدوي (١/ ٤٣١).\n(^٢) المغني (١/ ١٢٦).","vol":"2","page":817},{"text":"بخلاف الشك في طلاق زوجته، أو عتق أمته، أو شك في الطهارة أو الرضاع لا يؤثر؛ لأنه شك في المانع، وهو لا يؤثر، وإنما أثر في الشرط دون المانع، لأن العبادة محققة في الذمة فلا تبرأ منها إلا بطهارة محققة، والمانع يطرأ على أمر محقق وهو الإباحة أو الملك من الرقيق، فلا تنقطع بأمر مشكوك فيه (^١).\n• وأما وجه الفرق بين الحدث داخل الصلاة وخارج الصلاة:\nفقد أخذوا ذلك من ظاهر الحديث،\n(٤٩٩ - ٣٥٣) فقد روى البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وعن عباد بن تميم،\nعن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، ورواه مسلم (^٢).\nفأمره الرسول ﷺ إذا شك في الصلاة أن يستمر فيها، ولا ينصرف عنها إلا بيقين، قالوا: وأما إذا شك خارج الصلاة، فالحكم مختلف، فيلزمه أن يأتي بالطهارة بيقين.\nقال الدسوقي في حاشيته: «من شك، وهو في الصلاة طرأ عليه الشك فيها بعد دخوله، فوجب أن لا ينصرف عنها إلا بيقين، ومن شك خارجها طرأ عليه الشك في طهارته قبل الدخول في الصلاة، فوجب أن لا يدخلها إلا بطهارة متيقنة» (^٣).\nوتعليل آخر: قالوا: قياسًا على النوم، فإن وجوب الوضوء من النوم لوجود الشك في الحدث، فكذلك إذا شك في الحدث بدون نوم فإنه يوجب الوضوء.\nقال ابن حجر تعليقًا على ذلك: إن كان ناقضًا خارج الصلاة فينبغي أن يكون\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (١/ ٢٣٧).\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ١٢٤).","vol":"2","page":818},{"text":"كذلك في الصلاة كبقية النواقض (^١).\n• الراجح من القولين:\nبعد استعراض الأدلة يتبين لنا والله أعلم أن قول الجمهور أقوى، لأن الشك لا يقضي على اليقين، وأن الأصل استصحاب المتيقن حتى ينتقل عنه إما بيقين أو بغلبة ظن، وأما الشك الذي هو استواء الطرفين، فإنه لا يقضي على اليقين، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٢٣٨).","vol":"2","page":819},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1135>الفصل الحادي عشر كل ما يوجب الحدث الأكبر فإنه يوجب الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصغر هل يندرج في الأكبر؟\n• ما أوجب الغسل فإنه يبطل الوضوء، وهل يوجب مع الغسل نية الوضوء؟\n• خروج المني لا يوجب الوضوء على الصحيح، فإنه قد أوجب الغسل الذي هو أعظم الأمرين.\n• الأكبر يحل بجميع البدن، والأصغر في الأعضاء الأربعة.\n[م-٢١٧] إذا اغتسل من وجب عليه حدث أكبر، دون أن يتوضأ أو ينوي رفع الحدث الأصغر، فهل يرتفع حدثه؟\nفقيل: يرتفع حدثه، وهو مذهب الجمهور.\nوقيل: كل ما أوجب غسلًا أوجب وضوءًا إلا الموت فلا بد أن يتوضأ، أو ينوي رفع الحدث الأصغر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.","vol":"2","page":820},{"text":"وقيل: فعل الوضوء شرط في صحة الغسل من الجنابة، وهو رأي داود الظاهري.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1136> دليل الجمهور:</span>\nلم يذكر الله ﷾ الوضوء في القرآن، بل قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، ولو كان الوضوء واجبًا لذكره الله ﷾ في كتابه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1137> الدليل الثاني:</span>\n(٥٠٠ - ٣٥٤) ما رواه البخاري من حديث طويل، في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، فقال له الرسول ﷺ: خذ هذا فأفرغه عليك (^١).\nولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي ﷺ له، ولم يطلب منه الرسول ﷺ إلا مجرد إفراغه عليه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1138> الدليل الثالث:</span>\n(٥٠١ - ٣٥٥) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^٢).\nوجه الدلالة:\nعبر بـ (إنما) الدالة على الحصر، واكتفى بالإفاضة ولم يذكر الوضوء.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1139> الدليل الرابع:</span>\nحكى بعضهم الإجماع على عدم وجوب الوضوء.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٣٠).","vol":"2","page":821},{"text":"قال الحافظ في الفتح: «قام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب» (^١).\nوقال ابن عبد البر: «الله ﷿ إنما فرض على الجنب الغسل دون الوضوء، بقوله ﷿: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣] وقوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nولا تصح دعوى الإجماع مع خلاف داود الظاهري».\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1140> دليل الحنابلة على وجوب الوضوء أو نيته:</span>\nلعلهم يرون أنه إذا قام الحدث الأكبر في البدن، فقد قام الحدث الأصغر من باب أولى، فإذا لم يتوضأ، ولم ينو رفع الحدث الأصغر فإن الحدث الأصغر قائم في البدن، وقد قال الرسول ﷺ: إنما الأعمال بالنيات، وهذا لم ينو، فلم يحصل له هذا العمل، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1141> دليل داود الظاهري بأن الوضوء شرط في صحة الغسل:</span>\nلعل داود لظاهري رأى في قوله تعالى أن قوله سبحانه: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nفقوله سبحانه: (فَاطَّهَّرُوا) أمر، وهو مجمل، وبيانه يؤخذ من فعل الرسول ﷺ، والرسول ﷺ قد حافظ على الوضوء قبل الغسل، فإذا كان قوله: (فَاطَّهَّرُوا) أمر، والأصل في الأمر الوجوب، كان الفعل الذي وقع بيانًا لهذا المجمل له حكم المجمل، فيكون واجبًا مثله.\nوهذا الاستدلال ممكن أن يسلم لو أنه لم يأت عن النبي ﷺ ما يدل على صحة الغسل بلا وضوء، كحديث الأعرابي، وحديث أم سلمة، وقد سقناهما في أدلة الجمهور.\n_________\n(^١) في شرحه لحديث (٢٥٩).","vol":"2","page":822},{"text":"• الراجح من الخلاف:\nالذي يظهر والله أعلم أن موجبات الغسل لا توجب إلا الغسل، ولا توجب الوضوء، ولا نيته؛ لأن الله ﷾ لم يطلب منا إلا التطهر في حال الجنابة: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، ولم يوجب علينا وضوءًا، ومن غسل جميع جسمه ناويًا رفع الحدث الأكبر فقد ارتفع حدثه، وكان له أن يصلي بهذا الغسل حتى يحدث، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":823},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1142>الباب الثاني فيما يحرم على المحدث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>الفصل الأول يحرم على المحدث فعل الصلاة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. حديث شريف.\n[م-٢١٨] قال ابن حزم: الوضوء للصلاة فرض لا تجزئ الصلاة إلا به لمن وجد الماء. هذا إجماع لا خلاف فيه من أحد، وأصله قول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\nوقال النووي: الطهارة شرط في صحة الصلاة، هذا مجمع عليه، ولا تصح صلاة بغير طهور، إما بالماء أو بالتيمم بشرطه (^١).\nوقال أيضًا: جمعت الأمة على أنه من صلى محدثا مع إمكان الوضوء فصلاته باطلة، وتجب إعادتها بالإجماع، سواء أتعمد ذلك أم نسيه أم جهله (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ١٣٩).\n(^٢) المجموع (٤/ ١٦٠).","vol":"2","page":824},{"text":"وقال في مغني المحتاج: ويحرم بالحدث حيث لا عذر: الصلاة بأنواعها بالإجماع (^١).\nوقال العراقي في شرحه لحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، قال: «استدل به العلماء على اشتراط الطهارة في صحة الصلاة، وهو مجمع عليه، حكى الإجماع في ذلك جماعة من الأئمة» (^٢).\nمستند الإجماع:\n(٥٠٢ - ٣٥٦) جاء في الصحيحين من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (^٣) (١).\n(٥٠٣ - ٣٥٧) روى مسلم ﵀ من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال:\nألا تدعو الله لي يا ابن عمر، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول وكنت على البصرة (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٣٦).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٢١٣).\n(^٣) البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢ - ٢٢٥).\n(^٤) رواه مسلم (٢٢٤).","vol":"2","page":825},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1144>الفصل الثاني في تحريم الطواف على المحدث</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الطهارة الكبرى شرط في صحة الطواف (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) فرتب منع الطواف على انتفاء الطهارة من الحدث الأكبر، وهل اشتراط الكبرى يعني اشتراط الصغرى؟\n[م-٢١٩] اختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة من الحدث للطواف،\nفقيل: الطهارة من الحدث شرط لصحة الطواف. وهو المشهور من مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: الطهارة واجبة، ويصح الطواف بدونها، وتجبر بدم. وهو الراجح عند\n_________\n(^١) المنتقى - الباجي (٢/ ٢٩٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٧٤) القوانين الفقهية - ابن جزي (ص ٥٥)، الخرشي (٢/ ٣١٤).\n(^٢) المجموع - النووي (٨/ ١٧)، حاشية البيجوري (١/ ٦٠٠).\n(^٣) انظر الإنصاف (٤/ ١٦)، الفروع (١/ ٢٦٠، ٢٦١)، المبدع (٣/ ٢٢١).","vol":"2","page":826},{"text":"الحنفية (^١)، ورواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: الطهارة من الحدث الأصغر سنة. وهو اختيار ابن تيمية (^٣).\nوقد حررنا أدلة كل قول، وبيان الراجح منها في كتاب الحيض والنفاس رواية ودراية، فأغنى عن إعادته هنا.\n* * *\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٠٣)، شرح فتح القدير (١/ ١٦٦)، بدائع الصنائع (٢/ ١٢٩)، المبسوط (٤/ ٣٨).\n(^٢) المبدع (١/ ٢٦١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٩٨)، وانظر أعلام الموقعين (٣/ ٣٤).","vol":"2","page":827},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1145>الفصل الثالث في وجوب الوضوء لمس المصحف</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• للوسائل أحكام المقاصد، فالغاية من لمس المصحف القراءة، والمس وسيلة له، وإذا لم تجب الطهارة في القراءة وهي المقصودة شرعًا لم تجب في وسيلته من باب أولى.\n• الوسائل نوعان: وسيلة لغيره، وهي مقصودة بنفسها كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة بذاتها كإمرار الموس على رأس الأقرع عند التحلل، ومس المصحف من الثاني.\n[م-٢٢٠] اختلف العلماء في من يريد مس المصحف هل يشترط أن يكون على طهارة من الحدث أم لا.","vol":"2","page":828},{"text":"فقيل: يحرم على المحدث مس المصحف. وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١)، واختيار ابن تيمية (^٢).\nوقيل: تستحب له الطهارة، ولا تجب. قال البيهقي: اختارها العراقيون (^٣).\nوهو مذهب الظاهرية (^٤)، واختيار ابن المنذر (^٥).\nوقد ذكرنا أدلة كل قول، مع بيان الراجح في كتاب الحيض والنفاس، فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٦٨)، تبيين الحقائق (١/ ٥٧، ٥٨)، البحر الرائق (١/ ٢١١)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣، ٣٤)، مراقي الفلاح (ص: ٦٠). وانظر في مذهب المالكية مختصر خليل (ص: ١٤)، الخرشي (١/ ١٦٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢٥)، الكافي (ص: ٢٤)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٣)، منح الجليل (١/ ١١٧، ١١٨)، القوانين الفقهية (ص: ٢٥)، الشرح الصغير (١/ ١٤٩)، وانظر في مذهب الشافعية: مغني المحتاج (١/ ٣٦)، روضة الطالبين (١/ ٧٩)، المجموع (٢/ ٧٧)، الحاوي الكبير (١/ ١٤٣ - ١٤٥). وانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ١٣٤)، المحرر (١/ ١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٧)، الإنصاف (١/ ٢٢٢)، المغني (١/ ٢٠٢) الفروع (١/ ١٨٨) الكافي (١/ ٤٨).\n(^٢) قال في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٦): «قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي ﷺ كتبه له - يعني: كتاب عمرو بن حزم- وهو أيضًا قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف».\n(^٣) الخلافيات للبيهقي (١/ ٤٩٧).\n(^٤) المحلى (مسألة ١١٦).\n(^٥) الأوسط (٢/ ١٠٣).","vol":"2","page":829},{"text":"موسوعة\nأحكام الطهارة\nأدلة ومسائل وقواعد وضوابط\n\nالقسم الأول\nطهارة الحدث\n\nالمجلد الثالث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>طهارة الممسوح بالماء</span>\nتأليف\nدبيان بن محمد الدبيان","vol":"3","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،\nأما بعد، فهذا هو الكتاب الثالث في الطهارة من الحدث الأصغر، وقد سبقت الإشارة في مقدمة الكتاب أن الطهارة الأصلية لا تكون إلا بالماء، يقابلها طهارة البدل، أعني التيمم، وهذه بالتراب.\nوالطهارة الأصلية، وإن كانت لا تقوم إلا بالماء، إلا أنها تارة تكون بالغسل، كغسل أعضاء الوضوء من وجه ويدين وقدمين.\nوتارة تكون بالمسح بالماء، كمسح الرأس، والخفين والجوربين والعمامة، والجبيرة، بخلاف الطهارة الأصلية من الحدث الأكبر فليس من فروضها ممسوح إلا أن يكون طهارة ضرورة كالجبيرة.\nوكتابنا هذا هو في طهارة المسح بالماء، وهو يخالف التيمم، فإنه وأن اتفق معه بالمسح، إلا أن التيمم لا يكون إلا بالتراب، ويشترط لصحته عدم الماء، بخلاف طهارة المسح بالماء فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما كان فرضه المسح فقط، وهو الرأس.\nالقسم الثاني: ما كان فرضه الغسل إن كان مكشوفًا، أو المسح إن كان مستورًا، كالقدم، سواء اعتبرنا مسحه عزيمة، أو اعتبرناه رخصة، وسواء قيل: إن المسح بدل عن الغسل، أو قيل: إن المسح فرض بنفسه ليس بدلًا عن غيره، وإنما القدم لها حالتان: تارة تكون مكشوفة، فيكون فرضها الغسل، وتارة تكون مستترة، فيكون فرضها المسح، وليس أحدهما بدلًا عن الآخر، وينبني على الخلاف في هذه المسألة:","vol":"3","page":5},{"text":"اختلافهم في العاصي بسفره، هل يصح منه المسح؟\nفمن قال: إن مسح الخفين رخصة منعه من الترخص، ومن قال: مسحهما عزيمة لم يمنعه كالتيمم، ومن الفقهاء من قال: يمسح مطلقًا على القولين.\nالقسم الثالث: ما كان فرضه المسح بالماء من قبيل الضرورات، كمسح الجبيرة، ونحوها.\nإذا علم ذلك فإن المجلد هذا قد خصص لطهارة المسح بالماء فقط، وقد استقام البحث فيه وفق خريطة مكونة من مقدمة، وثمانية أبواب، وخاتمة على النحو التالي:\nخطة البحث:\nتمهيد: تشتمل على حكمة الشرع في إباحة المسح على الخفين، وكون هذا الباب يذكره أهل العلم في باب العقائد وذلك لمخالفة بعض الفرق الضالة لأهل السنة والجماعة.\nالباب الأول: في حكم المسح.\nويشتمل على فصول:\nالفصل الأول: خلاف العلماء في المسح على الخفين.\nالفصل الثاني: خلاف العلماء في المسح على الجوربين.\nالفصل الثالث: خلاف العلماء في المسح على النعلين.\nالفصل الرابع: خلاف العلماء في المسح على الخرق واللفائف.\nالفصل الخامس: في التفضيل بين المسح والغسل.\nالفصل السادس: تردد المسح بين الرخصة والعزيمة.\nالفصل السابع: المسح على الخفين رافع للحدث.\nالفصل الثامن: لبس الخف بقصد المسح.","vol":"3","page":6},{"text":"الفصل التاسع: في مسح من به حدث دائم.\nالباب الثاني: في شروط المسح على الخفين.\nالشرط الأول: في طهارة الخف.\nالشرط الثاني: في اشتراط إباحة الخف.\nالشرط الثالث: في اشتراط كون الخف ساترًا لما يجب غسله.\nالشرط الرابع: في اشتراط ثبوت الخف بنفسه على القدم.\nالشرط الخامس: في اشتراط إمكان متابعة المشي على الخف.\nالشرط السادس: في اشتراط أن يكون الخف من جلد.\nالشرط السابع: في اشتراط منع الخف وصول الماء إلى الرجل.\nالشرط الثامن: أن يكون المسح في الطهارة الصغرى.\nالشرط التاسع: أن يكون المسح في المدة المأذون له فيها شرعًا.\nالشرط العاشر: في اشتراط لبس الخف على طهارة مائية.\nالشرط الحادي عشر: في اشتراط لبس الخفين بعد كمال الطهارة.\nالشرط الثاني عشر: يشترط في سليم القدمين أن يمسح عليهما معًا.\nالشرط الثالث عشر: يشترط أن يكون المسح على خف، وما في معناه.\nالشرط الرابع عشر: في اشتراط النية للمسح على الخفين.\nفرع: إذا لبس الخفين، وهو يدافع الأخبثين.\nالباب الثالث: في صفة المسح.\nالفصل الأول: في المقدار المجزئ في المسح على الخفين.\nالفصل الثاني: في مسح أسفل الخف.\nالفصل الثالث: في غسل الخف بدلًا من مسحه.","vol":"3","page":7},{"text":"الفصل الرابع: في تكرار المسح.\nالفصل الخامس: في تقديم الرجل اليمنى بالمسح.\nفرع: في اشتراط ظهور أثر الأصابع خطوطًا من المسح.\nالباب الرابع: خلاف العلماء في ابتداء مدة المسح.\nالباب الخامس: في السفر وأحكام المسح على الخفين.\nالفصل الأول: اختلاف التوقيت بين المسافر والمقيم.\nالفصل الثاني: في مقدار المسافة التي يسوغ فيها مسح المسافر.\nالفصل الثالث: إذا لبس الخف، وهو مقيم، ثم سافر.\nالفصل الرابع: إذا مسح في السفر، ثم أقام.\nالفصل الخامس: إذا شك في ابتداء المسح.\nالفصل السادس: في مسح المسافر العاصي بسفره.\nالباب السادس: في أحكام لبس الخف على الخف.\nالفصل الأول: في جواز المسح إذا لبس خفًا على خف.\nالفصل الثاني: في مسح الخف الثاني إذا لبسه بعد الحدث.\nالفصل الثالث: في المسح على الخف المخرق.\nالفصل الرابع: إذا مسح الأعلى ثم خلعه.\nالباب السابع: مبطلات المسح على الخفين.\nالفصل الأول: إذا نزع خفيه بعد المسح، وقبل تمام المدة.\nالفصل الثاني: في بطلان الطهارة بظهور بعض محل الفرض.\nالفصل الثالث: في استئناف الوضوء بانتهاء مدة المسح.\nالفصل الرابع: في بطلان المسح بوجود الحدث الأكبر.","vol":"3","page":8},{"text":"الباب الثامن: في أحكام المسح على العمامة.\nالفصل الأول: في المسح على العمامة.\nالفصل الثاني: في المسح على الخمار.\nالفصل الثالث: في المسح على القلانس.\nالفصل الرابع: في شروط المسح على العمامة.\nالشرط الأول: في اشتراط التحنيك أو الذؤابة في العمامة.\nالشرط الثاني: الخلاف في اشتراط لبسها على طهارة.\nالشرط الثالث: الخلاف في توقيت المسح على العمامة.\nالشرط الرابع: لا تمسح العمامة إلا في الحدث الأصغر.\nالشرط الخامس: الخلاف في اشتراط استيعاب العمامة في المسح.\nالشرط السادس: يشترط أن تكون العمامة مباحة.\nالشرط السابع: أن تكون العمامة ساترة لما جرت العادة بستره.\nالفصل الخامس: خلع العمامة بعد المسح عليها.\nفرع: لو انتقضت العمامة دون أن ينزعها.\nالباب التاسع: في المسح على الجبيرة.\nالفصل الأول: خلاف العلماء في جواز المسح على الجبيرة.\nالفصل الثاني: في شروط المسح على الجبيرة.\nالشرط الأول: أن يكون الغسل مما يضر بالعضو.\nالشرط الثاني: في اشتراط لبس الجبيرة على طهارة.\nالشرط الثالث: في اشتراط ألا تتجاوز قدر الحاجة.","vol":"3","page":9},{"text":"الشرط الرابع: في اشتراط أن تكون الجبيرة مباحة.\nالشرط الخامس: في اشتراط أن يكون غالب البدن صحيحًا.\nالشرط السادس: في المسح على الجرح إذا لم يكن عليه جبيرة.\nالشرط السابع: في اشتراط أن تكون الجبيرة من خشب.\nالفصل الثالث: في إعادة المسح إذا سقطت الجبيرة أو أبدلها.\nالفصل الرابع: في صفة المسح.\nالمبحث الأول: في استيعاب الجبيرة بالمسح؟\nالمبحث الثاني: في تكرار المسح على الجبيرة.\nالخاتمة: أهم النتائج التي توصلت إليها في البحث.\nهذا ما عَنَّ لي بحثه، فإن كنت قد وفقت فمن توفيق الله، وإن كانت الأخرى فعذري لإخواني أني لم آل جهدًا، فالله أسأل عفوه ومغفرته.\nكتبه\nأبو عمر: دبيان بن محمد الدبيان\nالسعودية - القصيم - بريدة\n* * *","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1147>تمهيد</span>\nلقد رفع الله ﷾ الحرج عن هذه الأمة، فشريعة الله ﷾ لا عنت فيها، ولا مشقة، تراعي أحوال المكلف، فاليسر وعدم التكلف هو شأن هذه الملة التي جاءت من أحكم الحاكمين، ومن رب العالمين، ومع أن شرع الله لا حرج فيه إلا أنه إذا طرأ على المكلف ما يستدعي التيسير عليه خفف عنه بالقدر الذي لا يشق عليه، فهذا المسافر يقصر الصلاة، ويفطر في رمضان لأن الغالب في السفر أن يكون فيه كلفة ومشقة، وهذا المريض يصلي قائمًا، فإذا لم يستطع صلى قاعدًا، فإذا لم يستطع صلى على جنب، وهكذا الشرع مع أحوال المكلف، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا)، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ)، (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا).\nوفي المسح على الخفين والجوارب والعمامة والجبيرة ما فيه من التيسير على المكلف خاصة في أيام البرد الشديد، وفي بعض البلاد الباردة جدًّا ما يدرك المرء نعمة الله ﷾ عليه، ولو شاء الله لأعنتكم.\nولقد ضل بعض أهل البدع في مسألة المسح على الخفين حتى أنكروه مع ثبوته عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁، بل وثبت عنه المسح على النعلين، وكان","vol":"3","page":11},{"text":"الأليق في دعواهم لمحبة الإمام علي بن أبي طالب أن يتبعوه ولكن المحبة التي لا تكون مبنية على أسس شرعية لن تهدي صاحبها إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فخالفوا فيه أهل السنة من وجهين:\nالأول: أنهم يرون مسح القدم، ولو لم يكن عليها خف، فوقعوا في وعيد قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: ويل للأعقاب من النار (^١).\nالثاني: أنهم أنكروا المسح على الخفين على كثرة الأحاديث الواردة فيه، حتى اعتبرت من قبيل الأحاديث المتواترة.\nوقد ذكر المسح على الخفين بعض ممن ألف في العقائد مع أنها مسألة فقهية، للتنبيه على أن حكم هذه المسألة فرق بين أهل السنة، وبين أهل البدع من الخوارج والرافضة هداهم الله.\nوعلى كل حال فهم يخالفون أهل السنة في أكبر من ذلك، ولهم في كتاب الله ﷾، وسنة رسول الله ﷺ، وصحابته عقائد منكرة، وإنما ذكرت ما ذكرت تحذيرًا لمن ينكر سنة المسح لئلا يتشبه بهم، وليحذر من طريقة أهل البدع. والله الهادي وحده إلى الطريق المستقيم.\nوقبل أن أختم هذا الفصل، أود أن أعرف الخف والجورب والموق والجبيرة عند أهل اللغة.\n• تعريف الخف:\nقال الفيومي: الخف: الملبوس، جمعه: خفاف، مثل كتاب. وفرق بين هذا وخف البعير؛ إذ يجمع الثاني على أخفاف، مثل قفل، وأقفال (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢) من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث عبدالله بن عمرو في الصحيحين، ومن حديث عائشة عند مسلم (٢٤٠).\n(^٢) المصباح المنير (ص: ١/ ١٧٥، ١٧٦).","vol":"3","page":12},{"text":"وقال الفيروزآبادي: أخفاف: واحد الخفاف، التي تلبس، وتخفّف: لبسه.\nثم ذكر المثل المشهور: جئتكم بخفي حنين، مثل يضرب عند اليأس من الحاجة (^١).\nوجاء في المعجم الوسيط: الخف: ما يلبس في الرجل من جلد رقيق (^٢).\n• تعريف الجوارب:\nقال الأزهري والفيروزآبادي: الجورب لفافة الرجل (^٣).\nوقيل: إنه فارسي معرب، وأصله كورب (^٤).\nوأما مادته التي يصنع منها، فقال أبو بكر بن العربي: الجورب غشاءآن للقدم من صوف، يتخذ للوقاء.\nوفي التوضيح للحطاب المالكي: الجوارب ما كان على شكل الخف، من كتان أو قطن أو غير ذلك.\nوفي الروض المربع للبهوتي الحنبلي: الجورب: ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد.\nوقال العيني: الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب (^٥).\nفظهر أن الفرق بينه وبين الخف، أن الخف يكون من جلد، والجورب يكون من غير الجلد.\n_________\n(^١) القاموس المحيط (ص: ١٠٤١).\n(^٢) المعجم الوسيط (١/ ٢٤٧).\n(^٣) تهذيب اللغة (١١/ ٥٣)، القاموس المحيط (ص: ٨٦).\n(^٤) لسان العرب (١/ ٢٦٣).\n(^٥) انظر المسح على الجوربين للقاسمي (ص: ٥٠).","vol":"3","page":13},{"text":"• تعريف الجرموق:\nالجرموق: بضم الجيم والميم: فارسي معرب، وهو شيء يلبس فوق الخف لشدة البرد، أو حفظه من الطين وغيره، ويكون من الجلد غالبًا. والجمع: جراميق.\nوقال الأزهري: الجرموق: خف يلبس فوق الخف.\nوفي القاموس: لا تجتمع الجيم والقاف في كلمة إلا معربة، أو تكون صوتًا (^١).\n• تعريف الموق:\nوالموق كما في مختار الصحاح: ما يلبس فوق الخف، وهو فارسي معرب (^٢).\nوقال الجوهري والمطرزي: الموق خف قصير، يلبس فوق الخف، نقلًا من شرح فتح القدير (^٣).\nوأنكر النووي أن يكون الموق يلبس فوق الخف، فذكر عن أصحابه أن الموق: هو الخف لا الجرموق، وقال: هو الصحيح المعروف في كتب أهل الحديث وغريبه (^٤).\nوجاء في نصب الراية: «قال الشيخ تقي الدين في الإمام: وقد اختلفت عباراتهم في تفسير الموق، فقال: ابن سيده: الموق ضرب من الخفاف، والجمع أمواق، عربي صحيح. وحكى الأزهري عن الليث: الموق ضرب من الخفاف، ويجمع على أمواق. وقال الجوهري: الموق الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرب.\nوقال الفراء: الموق الخف فارسي معرب، وجمعه أمواق. وكذلك قال الهروي الموق الخف فارسي معرب، وقال كراع: الموق الخف والجمع أمواق انتهى» (^٥).\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٩/ ٣٨٤)، لسان العرب (١٠/ ٣٥)، القاموس المحيط (ص: ١١٢٥).\n(^٢) مختار الصحاح (٢٢٦).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ١٥٨).\n(^٤) المجموع (١/ ٥٣٦).\n(^٥) نصب الراية (١/ ١٨٤).","vol":"3","page":14},{"text":"• تعريف الجبيرة:\nجاء في المصباح: «جبرت اليد: وضعت عليها جبيرة، والجبيرة: عظام توضع على الموضع العليل من الجسد، ينجبر بها، والجبارة بالكسر: مثله، والجمع: الجبائر» (^١).\nوفي المختار: الجبيرة: العيدان التي تجبر بها العظام (^٢).\nوقال في طلبة الطلبة: الجبائر: هي التي تربط على الجرح، جمع جبيرة: وهي العيدان التي تجبر بها العظام (^٣).\nوقال البعلي: هي أخشاب ونحوها، تربط على الكسر ونحوه (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) المصباح (١/ ٨٩).\n(^٢) مختار الصحاح (ص: ٦٨).\n(^٣) طلبة الطلبة (١/ ٨).\n(^٤) المطلع على أبواب المقنع (ص: ٢٢).","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1148>الباب الأول في حكم المسح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>الفصل الأول حكم المسح على الخفين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المسح على محل الخفين متلقى من الشارع، والحكم فيه للأثر، ولا يقال مثله بالنظر.\n• لا يقاس على محل الخف، فلا يمسح الكفان داخل القفازين قياسًا على الخف، وهل يقاس على الخف غيره مما يلبس على القدم من جورب ولفائف، أم هي عبادة لا يقاس عليها غيرها، ولا يتعدى بها محلها؟\n• لا تترك الأحكام الشرعية الثابتة للاختلاف فيها، ولو روعي ذلك لتركت كثير من الأحكام الشرعية مراعاة لجهل من لم يطلع عليها.\n• المسح على الخفين غايته أن يكون زيادة على ما في آية المائدة، وهذا غير ممتنع فقد جاء في السنة تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وجاء في السنة تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها.\n[م-٢٢١] اختلف العلماء في جواز المسح على الخفين:\nفقيل: يجوز في الحضر والسفر.","vol":"3","page":16},{"text":"وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، ورواية عن مالك (^١)، واختيار ابن حزم (^٢).\nوقيل: يجوز في السفر ولا يجوز في الحضر، وهو رواية عن مالك (^٣).\nوقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو أضعف الروايات عن مالك (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1150> أدلة الجمهور على جواز المسح على الخفين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1151>الدليل الأول:</span>\nمن الكتاب قوله تعالى:\n(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٩٧)، شرح فتح القدير (١/ ١٤٣)، بدائع الصنائع (١/ ٧)، والعناية في شرح الهداية (١/ ١٤٤)، وقال في تبيين الحقائق (١/ ٤٥): «صح المسح لما ورد فيه من الأخبار المستفيضة، حتى روي عن أبي حنيفة أنه قال: ما قلت بالمسح على الخفين حتى وردت فيه آثار أضوأ من الشمس، حتى قال: من أنكر المسح على الخفين يخاف عليه الكفر ...». إلخ\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٤٩، ٥٠)، (٧/ ٢٣٩)، وقال في المجموع (١/ ٥٠٠): «مذهبنا ومذهب العلماء كافة جواز المسح على الخفين في الحضر والسفر ...». إلخ\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٧٤)، الفروع (١/ ١٥٨)، الإنصاف (١/ ١٦٩).\nوانظر رواية مالك: شرح الخرشي (١/ ١٧٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٦٠، ١٦١)، حاشية العدوي (١/ ٢٣٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤١) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ١٥٢).\n(^٢) المحلى بالآثار (١/ ٣٢١).\n(^٣) قال مالك في المدونة (١/ ١٤٤): «لا يمسح المقيم على خفيه».\nوقال في المنتقى (١/ ٧٧): «وأما المسح في الحضر، فعن مالك فيه روايتان:\nأحدهما: المنع. والثانية: الإباحة، وهو الصحيح، وإليه رجع مالك .. إلخ. وانظر الخرشي (١/ ١٧٦).\n(^٤) قال الباجي في المنتقى (١/ ٧٧): «قال الشيخ أبو بكر في شرح المختصر: أنه روي عن مالك لا يمسح المسافر ولا المقيم، فإن صحت هذه الرواية فوجهها أن المسح منسوخ. قال القاضي أبو الوليد ﵁: وهذا عندي يبعد؛ لأن ابن وهب روى عنه أنه قال: لا أمسح في سفر ولا حضر، وكأنه كرهه، وفي النوادر عن ابن وهب أنه قال: آخر ما فارقته على المسح في السفر والحضر، وكأنه وهو الذي روى عنه متأخر أصحابه مطرف وابن الماجشون، فدل ذلك على أنه منعه أولًا على وجه الكراهة لما لم ير أهل المدينة يمسحون، ثم رأى الآثار فأباح المسح على الإطلاق». اهـ","vol":"3","page":17},{"text":"الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\nقال الطبري: اختلف القراء، في قراءة قوله تعالى (وأرجلكم) فقرأه جماعة من قراء الحجاز والعراق: (وأرجلكم) نصبًا، فتأويله: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم.\nثم قال: وقرأ آخرون من قراء الحجاز والعراق: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) بخفض الأرجل (^١).\nوقال ابن الجوزي: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر اللام عطفًا على مسح الرأس (^٢).\nوجه الشاهد من الآية:\nعلى قراءة كسر: (وأرجلكم) تأولها بعضهم أن فيها إشارة للمسح على الخفين.\nقال القرطبي: قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدًا لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله ﷺ إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، فبين ﷺ بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل، والحال التي تمسح فيه، وهذا حسن (^٣).\nقلت: ولا يمكن أن يفهم من قراءة الجر جواز مسح القدم، ولو كانت مكشوفة، لأن النبي ﷺ لم يمسح قدميه قط، وقد قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: (ويل للأعقاب من النار) (^٤).\nوقال ابن العربي: وطريق النظر البديع أن القراءتين محتملتان، وأن اللغة تقضي بأنهما جائزتان، فردهما الصحابة إلى الرأس مسحًا، فلما قطع بنا حديث النبي ﷺ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٦/ ١٢٦).\n(^٢) زاد المسير (٢/ ٣٠١).\n(^٣) تفسير القرطبي (٦/ ٩٣).\n(^٤) سبق تخريجه في المقدمة.","vol":"3","page":18},{"text":"ووقف في وجوهنا وعيده -يعني حديث ويل للأعقاب من النار- قلنا: جاءت السنة قاضية بأن النصب يوجب العطف على الوجه واليدين، ثم قال: وجاء الخفض ليبين أن الرجلين يمسحان حال الاختيار على حائل، وهما الخفان، بخلاف سائر الأعضاء، فعطف النصب مغسولًا على مغسول، وعطف بالخفض ممسوحًا على ممسوح، وصح المعنى فيه (^١).\nوقال الشنقيطي ﵀: قال بعض العلماء: المراد بقراءة الجر: المسح، ولكن النبي ﷺ بين أن ذلك المسح لا يكون إلا على خف، وعليه فالآية تشير إلى المسح على الخف في قراءة الخفض (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>الدليل الثاني:</span>\n(٥٠٤ - ١) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم،\nعن همام، قال: بال جرير، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه.\nقال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.\nوفي رواية: قال: فكان أصحاب عبد الله يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، والحديث في البخاري (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>الدليل الثالث:</span>\n(٥٠٥ - ٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق،\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٢/ ٧٢).\n(^٢) أضواء البيان (٢/ ١٥).\n(^٣) البخاري (٣٨٧) ومسلم (٢٧٢)، واللفظ لمسلم.","vol":"3","page":19},{"text":"عن مغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني، فقضى حاجته، وعليه جبة شأمية، فذهب ليخرج يده من كمها، فضاقت، فأخرج يده من أسفلها، فصببت عليه، فتوضأ وضوءه للصلاة، ومسح على خفيه، ثم صلى. ورواه مسلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1154>الدليل الرابع:</span>\n(٥٠٦ - ٣) ما رواه البخاري من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله ابن عمر،\nعن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين، وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك، فقال: نعم إذا حدثك شيئًا سعد عن النبي ﷺ فلا تسأل عنه غيره (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1155>الدليل الخامس:</span>\n(٥٠٧ - ٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، أن أباه أخبره، أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>الدليل السادس:</span>\n(٥٠٨ - ٥) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا أبو خيثمة، عن الأعمش، عن شقيق،\nعن حذيفة، قال: كنت مع النبي ﷺ، فانتهى إلى سباطة قوم، فبال قائمًا، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ، فمسح على خفيه (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٣٦٣) ومسلم (٧٧ - ٢٧٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٠٢).\n(^٣) البخاري (٢٠٤)، وسيأتي الكلام عليه في باب المسح على العمامة.\n(^٤) مسلم (٢٧٣)، والحديث في البخاري من غير ذكر للمسح على الخفين، انظر البخاري (٢٢٤).","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1157>الدليل السابع:</span>\n(٥٠٩ - ٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، قالا: حدثنا أبو معاوية ح\nوحدثنا إسحاق، أخبرنا عيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،\nعن كعب بن عجرة، عن بلال أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار (^١).\nورواه النسائي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم (دحيم) وسليمان بن داود، واللفظ له، عن ابن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن أسامة بن زيد، قال: دخل رسول الله ﷺ وبلال الأسواف، فذهب لحاجته، ثم خرج، قال أسامة: فسألت بلالًا ما صنع؟ فقال بلال: ذهب النبي ﷺ لحاجته، ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين، ثم صلى (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (٢٧٥).\n(^٢) النسائي (١٢٠) وفي السنن الكبرى بالسند نفسه (١٢٧).\n(^٣) الحديث رواه الشافعي في الأم (١/ ٤٣)، ومن طريقه أبو سعد النيسابوري في الأربعين (٢٩).\nوالنسائي (١٢٠) من طريق دحيم وسليمان بن داود كما في إسناد الباب.\nوالطبراني في الأوسط (٨٨٣١) من طريق خالد - يعني ابن نزار الغساني ـ\nوابن خزيمة (١٨٥) من طريق يونس بن عبد الأعلى.\nوابن خزيمة أيضًا (١٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٧٥) وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ١٤٤) من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم.\nورواه ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤٣) من طريق أحمد بن عمرو.\nسبعتهم عن عبد الله بن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم به.\nوعبد الله بن نافع، قال فيه البخاري: في حفظه شيء. الكاشف (٣٠١٧).\nوقال أيضًا: يعرف وينكر في حفظه، وكتابه أصح. الضعفاء للعقيلي (٢/ ٣١١).\nوقال أبو حاتم: ليس بالحافظ، هو لين، تعرف حفظه وتنكر، وكتابه أصح. =","vol":"3","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو زرعة: لا بأس به. الجرح والتعديل (٥/ ١٨٣).\nوفي التقريب: ثقة صحيح الكتاب، وفي حفظه لين.\nوقد توبع عبد الله بن نافع، فذهب ما يخشى من لين حفظه.\nفقد أخرجه الحاكم (١/ ١٥١)، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر، حدثنا أبو نعيم، عن داود بن قيس به.\nوسقط من إسناد المطبوع (أحمد بن محمد بن نصر) واستدركته من إتحاف المهرة (٢/ ٦٤٤). وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا أحمد بن محمد بن نصر اللباد قال عنه الحاكم: شيخ أهل الري ببلده ورئيسهم .. انظر الطبقات السنية في تراجم الحنفية (٣٦٩).\nوكونه شيخ أهل الري لا يعني تمام الضبط، خاصة أنه معروف بالفقه، فإن كان ابن نصر اللباد من ثقات الفقهاء كان الحديث صحيحًا، وإلا كان هذا الطريق حسنًا، ومع طريق عبد الله بن نافع يقوى الحديث، ويكون صالحًا للاحتجاج إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\nورواه محمد بن إسحاق المعمري:\nرواه ابن حبان (١٣٢٣)، قال: أخبرنا أحمد بن علي المثنى، عن ابن إسحاق المعمري، عن عبد الله بن نافع، عن داود بن قيس به، كرواية الجماعة عن عبد الله نافع.\nبينما رواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٥١) من طريق علي بن الحسين بن الجنيد، عن ابن إسحاق المعمري، حدثنا عبد الله بن نافع عن داود بن قيس ومالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار به.\nفانفرد علي بن الحسين بن الجنيد عن محمد بن إسحاق المعمري في روايته عن عبد الله بن نافع، حيث جعل عبد الله بن نافع يروي الحديث عن شيخين له داود بن قيس ومالك بن أنس. ولا أدري هل الوهم منه، أو من عبد الله نافع، ولو صح هذا الطريق لصح الحديث، ولا أظنه يثبت عن مالك، خاصة أن مالك قد نقل عنه في رواية أنه لا يرى المسح في الحضر.\nوقد روى الحديث ابن عبد البر في التمهيد، ولم يأت على طريق مالك، ولو عرف الحديث عن مالك لذكره ابن عبد البر، والله أعلم.\nوقال الطبراني في الأوسط (٨٨٣١) بعد أن ساق الحديث من رواية عبد الله بن نافع، عن داود ابن قيس، قال: «لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلا داود بن قيس، والدراوردي».\nولم أقف على طريق الدراوردي، ولا ذكر أحد غير الطبراني أنه رواه، فليبحث عنه.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ١٤٤): «حديث ابن نافع هذا معروف عند أهل المدينة ومصر، ورواته ثقات الفقهاء».\nوصححه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أحد الرواة عن ابن نافع، انظر التمهيد (١١/ ١٤٤).\nوسبق تصحيح ابن خزيمة والحاكم.","vol":"3","page":22},{"text":"قال ابن خزيمة: الأسواف حائط بالمدينة، وقال: سمعت يونس يقول: ليس عن النبي ﷺ خبر أنه مسح على الخفين في الحضر غير هذا.\nقلت: غفل عن حديث علي ﵁ في توقيت المسح في الحضر والسفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1158>الدليل الثامن:</span>\n(٥١٠ - ٧) ما رواه مسلم من طريق سفيان، قال: حدثني علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة،\nعن أبيه، أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، قال: عمدًا صنعته يا عمر (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>الدليل التاسع:</span>\nفي الأحاديث التي توقت للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام، فيها دلالة على جواز المسح في الحضر والسفر، وسوف يأتي ذكرها -إن شاء الله- في بحث هل المسح مؤقت أم لا؟ منها حديث علي بن أبي طالب، وصفوان بن عسال، وحديث خزيمة بن ثابت، وعوف بن مالك، وغيرها من الأحاديث، وكذلك جاء المسح في حديث ثوبان، وأنس، وسلمان، وأبي طلحة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تخريجها في باب المسح على العمامة. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>الدليل العاشر:</span>\nقال ابن عبد البر: لا أعلم في الصحابة مخالفًا -يعني: في جواز المسح على الخفين- إلا شيئًا لا يصح عن عائشة، وابن عباس وأبي هريرة، وقد روي عنهم من وجوه خلافه في المسح على الخفين (^٢)، وكذلك لا أعلم في التابعين أحدًا ينكر ذلك،\n_________\n(^١) مسلم (٢٧٧).\n(^٢) إلا ما جاء عن عائشة، فقد ثبت عنها إنكار المسح على الخفين، ولم يختلف عليها في ذلك، وقد نقلت مثل هذا الكلام عن ابن عبد البر في أدلة القائلين بأنه لا يجوز المسح.","vol":"3","page":23},{"text":"ولا في فقهاء المسلمين إلا رواية جابر، عن مالك، والروايات الصحاح عنه بخلافه، وهي منكرة يدفعها موطؤه، وأصول مذهبه (^١).\nونقل ابن المنذر، عن ابن المبارك، قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روي عنهم إنكاره، فقد روى عنه إثباته (^٢).\n(٥١١ - ٨) وروى ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن الحسن، ثنا أحمد بن يونس، ثنا محمد بن الفضل بن عطية،\nعن الحسن، قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه ﵇ مسح على الخفين (^٣).\nقال ابن المنذر بعد أن ساق جملة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ممن يرى جواز المسح على الخفين، قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وكل من لقيت منهم على القول به (^٤).\nوقال أيضًا: «أجمعوا على أن كل من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين، وأحدث، أن له أن يمسح عليهما (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1161> أدلة القائلين بجواز المسح في السفر خاصة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>الدليل الأول:</span>\n(٥١٢ - ٩) ما رواه مسلم من طريق عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، قال:\nأتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب، فسله؛\n_________\n(^١) التمهيد (١١/ ١٤١).\n(^٢) فتح الباري في الكلام على حديث (٢٠٢).\n(^٣) الأوسط (١/ ٤٣٣).\n(^٤) الأوسط (١/ ٤٣٤).\n(^٥) الإجماع (ص: ٣٤).","vol":"3","page":24},{"text":"فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ، فسألناه، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم (^١).\n[روي مرفوعًا وموقوفًا، والرفع محفوظ إن شاء الله تعالى] (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (٢٧٦).\n(^٢) هذا الحديث رواه القاسم بن مخيمرة، والمقدام بن شريح، كلاهما عن شريح بن هانئ، عن علي ابن أبي طالب ﵁.\nأما رواية القاسم بن مخيمرة، عن شريح:\nفرواه عن القاسم جماعة، منهم:\nالأول: الحكم بن عتيبة، عن القاسم، رواه جماعة عن الحكم واختلف على الحكم فيه:\nفرواه جماعة عن الحكم مرفوعًا، منهم الأعمش، وعمرو بن قيس، وزيد بن أبي أنيسة، وحجاج ابن أرطأة، وزبيد اليامي، وأبو غنية.\nورواه شعبة عن الحكم، فكان في بادئ الأمر يرويه مرفوعًا، ثم ترك رفعه فرواه موقوفًا.\nالثاني: أبو إسحاق السبيعي، عن القاسم بن مخيمرة رواه عنه مرفوعًا وموقوفًا.\nالثالث والرابع: يزيد بن أبي زياد، وعبدة بن أبي لبابة، روياه عن القاسم بن مخيمرة موقوفًا.\nهذا من حيث الإجمال، وإليك التفصيل:\nالطريق الأول: الحكم بن عتيبة، عن القاسم.\nرواه شعبة، عن الحكم مرفوعًا وموقوفًا.\nفرواه أحمد (١/ ١٠٠) حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شعبة، عن الحكم وغيره، عن القاسم به موقوفًا.\nورواه محمد بن جعفر، عن شعبة، موقوفًا ومرفوعًا.\nفرواه أحمد (١/ ١٢٠) عن محمد بن جعفر، عن شعبة به موقوفًا. قيل لمحمد: كان يرفعه؟ فقال: كان يرى أنه مرفوع، ولكنه كان يهابه.\nورواه محمد بن بشار كما في سنن ابن ماجه (٥٥٢) حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة، به مرفوعًا.\nورواه يحيى بن سعيد القطان عن شعبة مرفوعًا وموقوفًا:\nفأخرجه أبو عوانة (١/ ٢٦٢) من طريق مسدد.\nوابن حبان (١٣٣١) من طريق محمد بن يحيى بن سعيد القطان، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة به مرفوعًا. ولم يذكر ابن حبان عائشة في الحديث.\nقال ابن حبان: ما رفعه عن شعبة إلا يحيى القطان، وأبو الوليد الطيالسي اهـ.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٢٠) عن يحيى بن سعيد، عن شعبة به موقوفًا. =","vol":"3","page":25},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال يحيى: وكان يرفعه -يعني شعبة- ثم تركه. أي ترك الرفع.\nوتصريح يحيى ومحمد بن جعفر بأن شعبة كان يرفعه ثم ترك الرفع يدل على أن الاختلاف من شعبة، وليس من الرواة عنه، وأن رواية الرفع متقدمة على رواية الوقف.\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٨٢) من طريق محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن الحكم به موقوفًا. وابن أبي ليلى سيء الحفظ.\nورواه جماعة عن الحكم مرفوعًا لم يختلف عليهم:\nفرواه عمرو بن قيس كما في مصنف عبد الرزاق (٧٨٩) وأحمد (١/ ١٣٤) ومسلم (٢٧٦)، وأبو عوانة (١/ ٢٦١) والنسائي (١٢٨) الدارمي (٧١٤) والطحاوي (١/ ٨١)، والبيهقي (١/ ٢٧٥) من طريق سفيان الثوري عنه.\nوالأعمش كما في مسند أحمد (١/ ١١٣) وابن أبي شيبة (١/ ١٦٢)، ومسلم (٢٧٦)، والنسائي (١٢٩)، ومسند أبي يعلى (٣٦٤)، وصحيح ابن خزيمة (١٩٤)، ومسند أبي عوانة (١/ ٢٦١، ٢٦٢) والبيهقي (١/ ٢٧٢، ٢٧٥) والبغوي في شرح السنة (٢٣٨) من طريق أبي معاوية عنه.\nوحجاج بن أرطأة كما في مسند أحمد (١/ ٩٦، ١١٣، ١٤٩، ٢٩٦).\nوزيد بن أبي أنيسة كما في صحيح مسلم (٢٧٦).\nوزبيد اليامي كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٨١).\nوأبو غنية كما في صحيح ابن خزيمة (١٩٥) وابن حبان (١٣٢٢). كلهم (عمرو بن قيس، والأعمش، وحجاج، وزيد بن أبي أنيسة، وزبيد اليامي، وأبو غنية) رووه عن الحكم به مرفوعًا، ولم يذكر أبو غنية عائشة في الحديث.\nفمن خلال هذه الطرق يتبين أن الرفع محفوظ في طريق الحكم بن عتيبة، والله أعلم، ولم ينفرد به الحكم، فقد تابعه كل من:\nالأول: أبو إسحاق السبيعي، رواه عن القاسم بن مخيمرة، واختلف على أبي إسحاق.\nفرواه أبو بكر بن عياش كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٨٩٢).\nوزياد بن خيثمة كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٢٧٧).\nوزهير كما في مسند ابن الجعد (٢٥٤٩) وشرح معاني الآثار الطحاوي (١/ ٨٤)، ثلاثتهم عن أبي إسحاق، عن القاسم به موقوفًا.\nورواه سفيان كما في علل الدارقطني (٣/ ٢٣٧) عن أبي إسحاق، عن القاسم به مرفوعًا.\nورواه أبو الأحوص كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٨١) عن أبي إسحاق به بلفظ: كنا نؤمر إذا كنا سفرا أن نمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وإذا كنا مقيمين فيومًا وليلةً.\nوهذا مرفوع حكمًا، وسنده صحيح، وقد أخرج الشيخان لأبي إسحاق من رواية أبي الأحوص عنه، وعنعنة أبي إسحاق قد زالت بالمتابعة إن شاء الله تعالى. =","vol":"3","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فصار أبو الأحوص وسفيان يرويانه عن أبي إسحاق مرفوعًا.\nوخالفهما أبو بكر بن عياش، وزهير وزياد بن خيثمة فرووه عنه موقوفًا.\nالثاني: يزيد بن أبي زياد، عن القاسم، واختلف على يزيد:\nفرواه سفيان كما في مسند الحميدي (٤٦) عن يزيد بن أبي زياد، عن القاسم به مرفوعًا.\nوأخرجه عبد الرزاق (٧٨٨) عن معمر، وأبو يعلى (٥٥٦) من طريق يونس بن أرقم.\nوعبد الله بن أحمد في فضائل الصحابة (١١٤٨) من طريق صالح يعني: ابن عمر، ثلاثتهم عن يزيد بن أبي زياد به موقوفًا.\nالثالث: عبدة بن أبي لبابة، عن القاسم.\nأخرجه أحمد (١/ ١٠٠) حدثنا ابن الأشجعي، ثنا أبي، عن سفيان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن القاسم بن مخيمرة به، بلفظ: أمرني علي أن أمسح على الخفين، وهذا مع كونه موقوفًا لم يذكر توقيتًا.\nوابن الأشجعي لم يوثقه إلا ابن حبان، وفي التقريب: مقبول، وباقي الإسناد كلهم ثقات.\nوأما رواية المقدام بن شريح، عن شريح بن هانئ:\nفرواه شريك كما في مسند أحمد (١/ ١١٧، ١١٨)، وسنن البيهقي (١/ ٢٧٢).\nوالطبراني في الأوسط (١٥٦٤) من طريق سعيد بن مسلمة، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، كلاهما (شريك وعبد الملك) عن المقدام بن شريح، عن أبيه به، مرفوعًا.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك، إلا سعيد.\nوإسناد أحمد فيه شريك، وهو سيء الحفظ، وإسناد الطبراني فيه سعيد بن مسلمة ضعيف أيضًا، لكنهما صالحان في المتابعات، والله أعلم.\nقال الدارقطني في العلل: (٣/ ٢٣٠): «هو حديث يرويه القاسم بن مخيمرة، والمقدام بن شريح، كلاهما عن شريح بن هانئ.\nفأما القاسم بن مخيمرة، فرواه عنه الحكم بن عتيبة، واختلف عنه:\nفأسنده عنه عمرو بن قيس الملائي، وزيد بن أبي أنيسة، وعبد الملك بن حميد بن أبي غنية، وأبو خالد الدالاني، والقاسم بن الوليد الهمداني، وإدريس بن يزيد الأودي.\nواختلف عن الأعمش، فرواه أبو معاوية الضرير، وعمرو بن عبد الغفار، عن الأعمش، عن الحكم، ورفعاه إلى النبي ﷺ.\nوخالفهما زائدة بن قدامة، وعلي بن غراب، وأحمد بن بشير، عن الأعمش، فوقفوه على علي بن أبي طالب، ولم يرفعوه. =","vol":"3","page":27},{"text":"وجه الاستدلال:\nأخذوه من قول عائشة: (فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ) فعللت الأمر بسؤاله لكونه يسافر مع النبي ﷺ، وهذا دليل على اختصاص الحكم بالسفر، كما أن المسح لو كان جائزًا في الحضر لعلمته عائشة، ولم يكن لقولها (فإنه كان يسافر مع النبي ﷺ) أي معنى، والله أعلم.\n• وأجيب على هذا:\nقال ابن عبد البر: «ليس في الحديث أكثر من جهل عائشة بالمسح على الخفين، وليس من جهل شيئًا كمن علمه، وقد سأل شريح عليًا كما أمرته عائشة، فأخبره أن رسول الله ﷺ قال في المسح على الخفين: ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وهو حديث ثابت صحيح، نقله أئمة حفاظ» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>الدليل الثاني:</span>\n(٥١٣ - ١٠) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو محمد، أخبرنا إسماعيل، ثنا أحمد، ثنا\nعبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: أنا عند عمر حين اختصم إليه سعد وابن عمر في المسح على\n_________\n= وروي عن أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، وعن سليمان التيمي، عن الأعمش مرسلًا، وموقوفًا أيضًا.\nورواه ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، وحجاج بن أرطاة، عن الحكم، رفعوه إلى النبي ﷺ.\nورواه الأجلح، ومالك بن مغول، وأبو حنيفة، عن الحكم بن عتيبة موقوفًا.\nواختلف عن شعبة، فرواه يحيى القطان عنه مرفوعًا، وتابعه أبو الوليد من رواية أبي خليفة عنه.\nوقال غندر: عن شعبة، أنه كان يرفعه، ثم شك فيه، وأما أصحاب شعبة الباقون، فرووه عن شعبة موقوفًا».\n(^١) الاستذكار (٢/ ٢٤٦).","vol":"3","page":28},{"text":"الخفين، فقضى لسعد، فقلت: لو قلتم بهذا في السفر البعيد والبرد الشديد (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوهذا الكلام من ابن عباس يعارضه قول عمر وسعد، وليس قبول كلامه بأولى من قبول كلامهما، خاصة أن رأي عمر وسعد يؤيدهما ما جاء مرفوعًا عن النبي ﷺ من التوقيت للمقيم والمسافر، ثم إن ابن عباس قد جاء عنه القول بالمسح، كما ذكر ذلك البيهقي، وسيأتي ذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>الدليل الثالث:</span>\nقال ابن عبد البر: واحتج بعض أصحابنا للمسح في السفر دون الحضر، بأنه رخصة لمشقة السفر، قياسًا على الفطر والقصر.\nقال ابن عبد البر: «وهذا ليس بشيء؛ لأن القياس والنظر لا يعرج عليه مع صحة الأثر» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1165> أدلة القائلين بأنه لا يجوز المسح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>الدليل الأول:</span>\n(٥١٤ - ١١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد،\n_________\n(^١) سنن البيهقي الكبرى (٢/ ٢٧٣) قال البيهقي: «فهذا تجويز منه للمسح في السفر البعيد والبرد الشديد بعد أن كان ينكره على الإطلاق، وقد روي عنه أنه أفتى به للمقيم والمسافر جميعًا».\n(^٢) أبو محمد: هو عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري، وقد نسبه بالإسناد الذي قبله، وهو ثقة. انظر سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٨٦).\nوإسماعيل: هو ابن محمد الصفار، قال عنه الدارقطني: صام إسماعيل الصفار أربعة وثمانين رمضانًا، وكان ثقة متعصبًا للسنة. السير (١٥/ ٤٤٠)، وتاريخ بغداد (٦/ ٣٠٢).\nوأحمد هو ابن منصور الرمادي، كما في الإسناد الذي قبله، قال الحافظ في التقريب: ثقة حافظ. وبقية رجال الإسناد ثقات معروفون. وهو في مصنف عبدالرزاق (٧٦٨) بالإسناد نفسه، مع اختلاف يسير في متنه، وإسناد عبد الرزاق إسناد صحيح.\n(^٣) الاستذكار (٢/ ٢٤٧).","vol":"3","page":29},{"text":"عن عائشة، قالت: لأن أجزهما بالسكاكين أحب إلي من أن أمسح عليهما (^١).\n[صحيح].\nقال ابن عبد البر: «لا أعلم أحدًا من الصحابة جاء عنه إنكار المسح على الخفين ممن لا يختلف عليه فيه إلا عائشة» (^٢).\nقلت: قد اعترفت عائشة على نفسها كما في حديث شريح بن هانئ، عن علي، بأنها ليس عندها علم في المسألة، ولهذا أشارت على شريح بأن يسأل عليًا، ولو كان ما قالته عن علم بلغها عن النبي ﷺ ما ردت شريحًا إلى علي، والاجتهاد في ما يخالف النص غير مقبول، وقد خالفها غيرها من الصحابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>الدليل الثاني:</span>\n(٥١٥ - ١٢) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، قال: قد مسح رسول الله ﷺ على الخفين، فاسألوا هؤلاء الذين يزعمون أن النبي ﷺ مسح قبل نزول المائدة، أو بعد المائدة؟ والله ما مسح بعد المائدة، ولأن أمسح على ظهر عابر بالفلاة أحب إلي من أن أمسح عليهما (^٣).\n[ضعيف] (^٤)\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٦٩) رقم ١٩٤٤، ورواه أيضًا (١/ ١٧٠) حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، قال: سمعت عروة بن الزبير، عن عائشة به بنحوه.\n(^٢) الاستذكار (٢/ ٢٤١).\n(^٣) المسند (١/ ٣٢٣).\n(^٤) فيه عطاء بن السائب، صدوق، لكنه اختلط بآخرة، وقد سمع أبو عوانة من عطاء في الصحة والاختلاط جميعًا، انظر الكواكب النيرات (ص: ٣٢٨).\nوالأثر أخرجه الطبراني (١٢٢٨٧) من طريق محمد الرقاشي،\nوالطحاوي في مشكل الآثار (٢٤٩٠) وفي أحكام القرآن (١٢٤) من طريق عبيد الله بن محمد ابن عائشة، كلاهما عن أبي عوانة به. ...\nورواه خصيف بن عبد الرحمن، وهو صدوق سيء الحفظ، خلط بآخرة، وقد وثقه أبو زرعة وابن سعد، وضعفه أحمد وأبو حاتم الرازي، وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا، ومع لين حفظه فقد اختلف عليه على أربعة وجوه:\nفقيل: عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nأخرجه الطبراني (١٢٢٣٧) من طريق عتاب بن بشير، عن خصيف به، بلفظ:\nقد علمنا أن رسول الله ﷺ قد مسح على الخفين، ومسح أصحابه، فهل مسح منذ نزلت سورة المائدة؟\nوقيل: عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس.\nأخرجه أحمد (١/ ٣٦٦) من طريقين عن ابن جريج، قال: أخبرني خصيف أن مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل أخبره، أن ابن عباس أخبره، قال:\nأنا عند عمر حين سأله سعد وابن عمر عن المسح على الخفين؟ فقضى عمر لسعد، فقال\nابن عباس: فقلت: يا سعد قد علمنا أن النبي ﷺ مسح على خفيه، ولكن أقبل المائدة أم بعدها؟ قال: لا يخبرك أحد أن النبي ﷺ مسح عليهما بعد ما أنزلت المائدة، فسكت عمر.\nوقيل: عن خصيف، عن مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١١١٤٠) وفي الأوسط (٢٩٣١) من طريق عبيد بن عبيدة التمار، عن عثمان بن وساج، عن خصيف به.\nوعبيد بن عبيدة وشيخه عثمان بن وساج ضعيفان. الثقات لابن حبان (٨/ ٤٣١)، واللسان (٤/ ١٢١).\nوقد جاء عن خصيف خلاف هذا، فقد روى البزار كما في البحر الزخار (٤٧٤٦) من طريق ابن جريج، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: أشهد أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين. والإسناد إلى خصيف صحيح، وإنما البلاء من حفظ خصيف، وهذا اختلاف رابع على خصيف.","vol":"3","page":30},{"text":"• وأجيب:\nقد ذكر جرير في حديثه أن رأى رسول الله ﷺ مسح على الخفين بعد نزول المائدة، والحديث في الصحيحين، وسبق تخريجه.\nوأخرج مسلم: عن بريدة الأسلمي، أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه،","vol":"3","page":31},{"text":"قال: عمدًا صنعته يا عمر (^١)، ونزول آية المائدة قبل الفتح.\nومسح رسول الله ﷺ في غزوة تبوك من حديث المغيرة في الصحيحين، وهي متأخرة، وسبق تخريجه.\nثم لو فرض أن المسح قبل نزول المائدة، فإن آية المائدة ليست معارضة للمسح على الخفين، حتى تكون ناسخة له، بل هي توجب غسل الرجلين إذا لم يكن هناك خفان.\nقال الشوكاني في النيل: «واعلم أن في المقام مانعًا من دعوى النسخ لم ينتبه إليه أحد فيما علمت، وهو أن الوضوء ثابت قبل نزول المائدة بالاتفاق، فإن كان المسح على الخفين ثابتًا قبل نزولها فورودها بتقدير أحد الأمرين: أعني الغسل، مع عدم التعرض للآخر، وهو المسح لا يوجب نسخ المسح على الخفين، لا سيما إذا صح ما قاله البعض من أن قراءة الجر في قوله تعالى في الآية: ﴿وأرجلِكم﴾ مراد بها مسح الخفين، وأما إذا كان المسح غير ثابت قبل نزولها فلا نسخ بالقطع، نعم يمكن أن يقال على التقدير الأول: أن الأمر بالغسل نهي عن ضده، والمسح على الخفين من أضداد الغسل المأمور به، لكن كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده محل نزاع واختلاف، وكذلك كون المسح على الخفين ضدًا للغسل، وما كان بهذه المثابة حقيق بأن لا يعول عليه، ولا سيما في إبطال مثل هذه السنة التي سطعت أنوار شموسها في سماء الشريعة المطهرة».اهـ\nقلت: ما ورد عن ابن عباس من القول بعدم المسح مطلقًا، مع ضعفه، فقد سقت أنه يقول بجوازه في السفر والبرد الشديد، وجاء عنه بجوازه مطلقًا.\n(٥١٦ - ١٣) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الزبير ابن عدي، عن عطاء، عن ابن عباس أنه مسح (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (٢٧٧).\n(^٢) المصنف (١/ ١٦٥) رقم ١٨٩٦.","vol":"3","page":32},{"text":"[صحيح] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>الدليل الثالث لمن منع المسح:</span>\n(٥١٧ - ١٤) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن سميع، قال: حدثني أبو رزين، قال:\nقال أبو هريرة: ما أبالي على ظهر خفي مسحت، أو على ظهر حماري (^٢).\n_________\n(^١) وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٠) رقم ١٩٥١ قال: حدثنا ابن إدريس، عن فطر، قال: قلت لعطاء: إن عكرمة يقول:\nقال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين، فقال عطاء: كذب عكرمة، أنا رأيت ابن عباس يمسح عليهما. اهـ\nوكذب في لغة أهل الحجاز: يعني: أخطأ.\nوهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات إلا فطر بن خليفة فإنه صدوق رمي بالتشيع كما في التقريب.\nورواه البيهقي (١/ ٢٧٧) من طريق ابن فضيل، عن فطر بن خليفة به.\nقال البيهقي: ويحتمل أن يكون ابن عباس قال: ماروى عنه عكرمة، ثم لما جاءه التثبت عن النبي ﷺ أنه مسح بعد نزول المائدة قال ما قال عطاء اهـ.\nوروى ابن أبي شيبة (١/ ١٦٦) حدثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة الهذلي،\nعن ابن عباس، قال: يمسح المسافر على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة.\nوهذا إسناد صحيح، وابن علية سمع من ابن أبي عروبة قبل اختلاطه. انظر حاشية الكواكب النيرات ص: ٢١١.\nوتابعه شعبة، عن قتادة عند البيهقي (١/ ٢٧٣)، وفيه التصريح بسماع قتادة من موسى بن سلمة، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح. وفي هذا الأثر التصريح من ابن عباس بالمسح في الحضر.\nورواه ابن الجعد في مسنده (٢٤١٠) عن شريك، عن الزبرقان، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه مسح على الخفين بعدما خرج من الغائط.\nوالضحاك لم يسمع من ابن عباس ﵁.\n(^٢) المصنف (١/ ١٧٠) رقم ١٩٥١.","vol":"3","page":33},{"text":"[رجاله ثقات إلا ابن سميع فهو صدوق وتكلم فيه لبدعة الخوارج] (^١).\n• وأجيب:\nبأنه قد جاء عن أبي هريرة ما يدل على أنه مسح على خفيه.\n(٥١٨ - ١٥) فقد روى أحمد عن أبي أحمد الزبيري، عن أبان -يعني ابن عبد الله البجلي-، حدثني مولى لأبي هريرة، قال:\nسمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وضئني، فأتيته بوضوء، فاستنجى، ثم أدخل يده في التراب، فمسحها، ثم غسلها، ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقلت: يا رسول الله رجلاك لم تغسلهما؟ قال إني أدخلتهما، وهما طاهرتان (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) هل يمكن إعلال الأثر بكون الراوي من الخوارج، وهم ينكرون المسح، والمبتدع إذا روى ما يؤيد بدعته لم يقبل؟\nأو يقال: إن الخوارج يكفرون بالكبيرة، ومنه الكذب، فيبعد أن يتعمد الكذب، لهذا يقبل ما يرويه وإن كان مؤيدًا لبدعته؟ هذا محل تأمل.\nقال أحمد كما في تلخيص الحبير: (١/ ٤١٥): «لا يصح حديث أبي هريرة في إنكار المسح، وهو باطل».\nولم يبين الإمام أحمد لماذا هو باطل، فربما يكون الإمام رده بما ذكرنا أن الرواي المبتدع إذا روى ما يؤيد بدعته لم يقبل منه.\nوقد جاء إنكار المسح عن أبي هريرة من طريق آخر،\nفقد روى مسلم في التمييز (٨٩) من طريق شعبة عن يزيد بن زاذان قال: سمعت أبا زرعة، قال: سألت أبا هريرة عن المسح على الخفين، قال: فدخل أبو هريرة دار مروان بن الحكم، فبال، ثم دعا بماء فتوضأ، وخلع خفيه، وقال: ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم.\nقال مسلم عقبه (ص: ٢٠٩): «فقد صح برواية أبي زرعة وأبي رزين عن أبي هريرة إنكاره المسح على الخفين ....».\n(^٢) المسند (٢/ ٣٥٨).\n(^٣) في إسناده مولى أبي هريرة، فيه جهالة، وكناه البيهقي أبا وهب، وقد ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٩/ ٤٥١). =","vol":"3","page":34},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. الطبقات الكبرى القسم المتمم (١٤٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٥١): «لم يجرحه أحد، ولم يوثقه». اهـ\nوفي إسناده أيضًا: أبان بن عبد الله البجلي:\nقال فيه أحمد: صدوق، صالح الحديث. الجرح والتعديل (٢/ ٢٩٦).\nووثقه ابن معين وابن نمير. المرجع السابق، وانظر تهذيب التهذيب (١/ ٨٤).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال ابن حبان: كان ممن فحش خطؤه، وانفرد بالمناكير.\nوقال عمرو بن علي: ما سمعت يحيى بن سعيد القطان يحدث عنه بشيء قط. المجروحين (١/ ٩٩).\nوفي التقريب: صدوق في حفظه لين.\nوالحديث على ضعف إسناده قد اختلف فيه على أبان:\nفرواه أحمد كما في هذا الإسناد والبيهقي (١/ ١٠٧) عن أبي أحمد الزبيري\nوالدارمي (٦٧٨) عن محمد بن يوسف.\nوأبو يعلى (٦١٣٦) من طريق أبي داود الطيالسي ثلاثتهم، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة به. ولم يذكر الدارمي وأبو يعلى المسح على الخفين.\nوأخرجه الدارمي (٦٧٩) عن محمد بن يوسف.\nوابن ماجه (٣٥٩) من طريق أبي نعيم.\nوالنسائي (٥١) من طريق شعيب بن حرب.\nوالبيهقي (١/ ١٠٧) من طريق محمد بن عبيد الله أبي عثمان الكوفي أربعتهم عن أبان ابن عبد الله البجلي، عن إبراهيم بن جرير بن عبد الله، عن أبيه جرير. بدون ذكر المسح على الخفين. وهذا إسناد منقطع.\nقال يحيى بن معين وأبو حاتم: إبراهيم بن جرير لم يسمع من أبيه شيئًا. جامع التحصيل (ص: ١٣٩).\nورواه شريك، وخالف فيه أبان. فرواه عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. فذكر بدلًا من أبيه أبا زرعة. رواه أحمد (٢/ ٣١١) وابن راهويه (١٦٤) وأبو داود (٤٥) والنسائي (٥٠) وابن حبان (١٤٠٥)، والبيهقي (١/ ١٠٦، ١٠٧) كلهم رووه من طرق، عن شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة يزيد بعضهم على بعض. والله أعلم.\nوشريك سيء الحفظ. قال النسائي: رواية إبراهيم بن جرير، عن أبيه أشبه بالصواب من رواية شريك. =","vol":"3","page":35},{"text":"• ورد على هذا:\nقال الإمام مسلم في التمييز: «هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي ﷺ لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين ..... فقد صح برواية أبي زرعة وأبي رزين عن أبي هريرة إنكاره المسح على الخفين، ولو كان قد حفظ المسح عن النبي ﷺ كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به، فلما أنكره الذي في الخبر من قوله: (ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم).\nوالقول الآخر: (ما أبالي على ظهر حمار مسحت أو على خفي).\nبان ذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله ﷺ، وأن من أسند ذلك عنه عن النبي ﷺ واهي الرواية أخطأ فيه إما سهوًا، أو تعمدًا، فبجمع هذه الروايات، ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار\n_________\n= وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن جرير بن أيوب، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، قال: رأيت جريرًا مسح على خفيه. قال: وقال أبو زرعة: قال أبو هريرة، قال رسول الله ﷺ: إذا أدخل أحدكم رجليه في خفيه، وهما طاهرتان، فليمسح عليهما ثلاثًا للمسافر، ويومًا للمقيم.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه جرير بن أيوب متهم، قال عنه الدارقطني: كان يضع الحديث.\nوقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة من طريق آخر.\nقال ابن ماجه (٥٥٥) من طريق عمر بن عبد الله بن أبي خثعم الثمالي، قال: حدثنا يحيى بن\nأبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله ما الطهور على الخفين؟ قال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة.\nوهذا إسناد ضعيف فيه عبد الله بن أبي خثعم. والله أعلم.\nفهل يمكن اعتبار رواية أبان الضعيف المختلف عليه فيه مع هذا الطريق بحيث يقوي بعضهما بعضًا؟\nفالجواب: أن هذا لا يمكن مع صحة إنكار المسح عن الخفين عن أبي هريرة بطريقين صحيحين عنه، فهذا يدل على أن التساهل في تقوية بعض الضعفاء ببعض ليس منهجًا سليمًا، وهذا ما اختاره مسلم، ونقلت عنه كلامه كاملًا في صلب الكتاب لأهميته.","vol":"3","page":36},{"text":"من أضدادهم من الحفاظ، ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر بن عبد الله بن\nأبي خثعم وأشباهم من نقلة الاخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>الدليل الرابع:</span>\n(٥١٩ - ١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، قال: قال علي سبق الكتاب الخفين (^٢).\n[منقطع والراجح عن علي خلافه] (^٣).\n• الراجح:\nلا شك أن الراجح في هذه المسألة جواز المسح على الخفين، والقول بمنع المسح على الخفين قول ضعيف جدًّا.\nقال ابن عبد البر: «وفيه -يعني: حديث المغيرة- الحكم الجليل الذي فيه فرق بين أهل السنة وأهل البدع، وهو المسح على الخفين، لا ينكره إلا مخذول أو مبتدع خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر، لا خلاف بينهم في ذلك، بالحجاز والعراق والشام، وسائر البلدان إلا قومًا ابتدعوا فأنكروا المسح على الخفين، وقالوا: إنه خلاف القرآن، وعسى القرآن نسخه، ومعاذ الله أن يخالف رسول الله ﷺ كتاب الله، بل بين لهم مراد الله منه كما أمره الله ﷿ في قوله: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ\n_________\n(^١) التمييز (ص: ٢٠٩).\n(^٢) المصنف (١/ ١٦٩) رقم ١٩٤٦.\n(^٣) والد جعفر: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يدرك عليًا.\nورواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٤٩) من طريق عباد بن يعقوب، حدثنا موسى بن عثمان الحضرمي، عن أبي إسحاق، عن الحارث، قال: سمعت عليًا يقول: ... وذكر الأثر.\nوهذا ضعيف جدًّا، عباد بن يعقوب متروك، والحارث الأعور ضعيف جدًّا.\nوالثابت عن علي حديث شريح بن هانئ عنه في مسلم، وفيه التوقيت للمسافر وللمقيم.","vol":"3","page":37},{"text":"لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤].\nوقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء: ٦٥].\nوالقائلون بالمسح جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين قديمًا وحديثًا، وكيف يتوهم أن هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرآن؟ أعاذنا الله من الخذلان.\nثم قال: وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر أهل بدر والحديبية، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين أجمعين، وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار، وجماعة أهل الفقه والأثر، كلهم يجيز المسح على الخفين في الحضر والسفر للرجال والنساء» (^١).\n(٥٢٠ - ١٧) وروى عبد الرزاق، قال: عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن،\nأن ابن عمر رأى سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه، فأنكر ذلك عبد الله، فقال سعد: إن عبد الله أنكر علي أن أمسح على خفي، قال عمر: لا يختلجن في نفس رجل مسلم أن يتوضأ على خفيه، وإن جاء من الغائط (^٢).\n[صحيح وأصله في البخاري] (^٣).\nوقد روى ابن عبد البر بسنده عن المعتمر بن سليمان، قال: كان أبي لا يختلف عليه في شيء من أمر الدين إلا أخذ بأشده، إلا المسح على الخفين، فإنه كان يقول: هو السنة، واتباعها أفضل «(^٤).\n_________\n(^١) التمهيد (١١/ ١٣٤)، وقال نحوه في الاستذكار (٢/ ٢٣٦).\n(^٢) المصنف (١/ ١٩٥) رقم ٧٦٠.\n(^٣) صحيح البخاري (٢٠٢).\n(^٤) الاستذكار (٢/ ٢٤٢).","vol":"3","page":38},{"text":"وقال ابن تيمية: «خفي أصله على كثير من السلف والخلف حتى أنكره بعض الصحابة، وطائفة من أهل المدينة، وأهل البيت، وإذا علم سبب الخلاف لم يبق في الصدر شيء من المسح على الخفين، وهو هل آية المائدة معارضة للمسح على الخفين أم لا؟ وهل كان المسح قبل نزول المائدة أم بعدها، وقد أثبتنا بالأدلة الصحيحة أن الرسول ﷺ مسح بعد آية المائدة كما في حديث جرير والمغيرة وبريدة، فزال الإشكال، والحمد لله رب العالمين (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الاختيارات (ص: ١٢).","vol":"3","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1170>الفصل الثاني خلاف العلماء في المسح على الجوربين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل يقاس على الخف غيره، أم هي عبادة لا يقاس عليها غيرها، ولا يتعدى بها محلها؟\n• الجوربان خفان إلا أنهما من صوف، وهذا فرق غير مؤثر.\n• الجوارب إما أن تكون داخلة في مسمى الخف لغة، وإما أن تلحق الجوارب بالخفاف قياسًا؛ حيث لا يظهر فرق بين الجوربين والخفين إلا أن الجلد أقوى من الصوف وهذا فرق غير مؤثر.\n• علة المسح على الخفين موجودة في الجوربين، وهو كونهما لباس طاهر مختص بالقدم يشق نزعهما، ولم تكن علة المسح على الخفين كونهما من جلد.\n• كل لباس طاهر مختص بالقدم، يجوز المسح عليه بشرطه، سواء كان من جلد أو صوف، أو قطن، أو كتان أو غيرها.\n[م-٢٢٢] اختلف العلماء في المسح على الجوربين،\nفقيل: يجوز المسح على الجوربين الصفيقين.","vol":"3","page":40},{"text":"وهو اختيار أبي يوسف ومحمد من الحنفية (^١)، ويقال: إنه رجع إليه أبو حنيفة في مرضه (^٢)، وهو أرجح القولين في مذهب الشافعي (^٣)، وهو مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: يجوز المسح على الجوربين المجلدين أو المنعلين، هو قول أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي، ونص عليه في الأم (^٥).\n_________\n(^١) أحكام القرآن- الجصاص (٢/ ٤٩٤)، المبسوط (١/ ١٠٢)، بدائع الصنائع (١/ ١٠) تبيين الحقائق (١/ ٥٢)، البحر الرائق (١/ ١٩١، ١٩٣)، شرح معاني الآثار (١/ ٩٧).\n(^٢) قال السرخسي في المبسوط (١/ ١٠٢): «وحكي أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى في مرضه مسح على جوربيه، ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه». وانظر بدائع الصنائع (١/ ١٠)، وقال الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٥٢): «ويروى رجوع أبي حنيفة إلى قولهما قبل موته، وعليه الفتوى». اهـ\n(^٣) قال النووي في المجموع (١/ ٥٢٦): «قال القاضي أبو الطيب: لا يجوز المسح على الجورب إلا أن يكون ساترًا لمحل المفروض، ويمكن متابعة المشي عليه، قال: وما نقله المزني من قوله: إلا أن يكونا مجلدي القدمين ليس بشرط، وإنما ذكره الشافعي ﵁؛ لأن الغالب أن الجورب لا يمكن متابعة المشي عليه إلا إذا كان مجلد القدمين، هذا كلام القاضي أبي الطيب، وذكر جماعات من المحققين مثله، ونقل صاحبا الحاوي والبحر وغيرهما وجهًا أنه لا يجوز المسح وإن كان صفيقًا يمكن متابعة المشي عليه حتى يكون مجلد القدمين، والصحيح بل الصواب ما ذكره القاضي أبو الطيب والقفال وجماعات من المحققين أنه إن أمكن متابعة المشي عليه جاز كيف كان، وإلا فلا، وهكذا نقله الفواراني في الإبانة عن الأصحاب أجمعين، فقال: قال أصحابنا: إن أمكن متابعة المشي على الجوربين جاز المسح، وإلا فلا». اهـ وانظر روضة الطالبين (١/ ١٢٦).\n(^٤) جاء في مسائل ابن هانئ (١/ ٢١): «وسئل عن المسح على الجوربين؟ فقال: إذا كان ثابتًا لا يسترخي، مسح عليه».\nوانظر المغني (١/ ١٨١)، الفروع (١/ ١٥٩، ١٦٠)، والمقنع في شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٦٨)، المحرر (١/ ١٢)، كشاف القناع (١/ ١٢٤، ١٢٥)، الكافي (١/ ٣٥، ٣٦).\n(^٥) انظر قول أبي حنيفة في: المبسوط (١/ ١٠١، ١٠٢)، بدائع الصنائع (١/ ١٠)، شرح معاني الآثار (١/ ٩٧).\nوقال الشافعي في الأم (١/ ٤٩): «إذا كان الخفان من لبود أو ثياب فلا يكونان في معنى الخف حتى ينعلا جلدًا أو خشبًا ثم قال: ويكون كل ما على مواضع الوضوء منها صفيقًا لا يشف، فإذا كان هكذا مسح عليه، وإذا لم يكن هكذا لم يمسح عليه، وذلك أن يكون صفيقًا لا يشف، ...\nوغير منعل، فهذا جورب، أو يكون منعلا ويكون يشف فلا يكون هذا خفًا، إنما الخف ما لم يشف». فصرح الإمام أن الجورب إذا لم يكن منعلًا لم يمسح عليه.\nقال النووي في المجموع (١/ ٥٢٦): «هذه المسألة مشهورة، وفيها كلام مضطرب للأصحاب، ونص الشافعي ﵁ في الأم كما قاله المصنف، وهو أنه يجوز المسح على الجورب بشرط أن يكون صفيقًا منعلًا، وهكذا قطع به جماعة: منهم الشيخ أبو حامد، والمحاملي، وابن الصباغ، والمتولي، وغيرهم. ونقل المزني أنه لا يمسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدي القدمين ....» إلخ","vol":"3","page":41},{"text":"وقيل: يجوز المسح على الجوربين إن كانا مجلدين، وهو مذهب المالكية (^١).\nوقيل: لا يجوز المسح على الجوربين مطلقًا، وهو رواية عن مالك (^٢).\nوالفرق بين المنعل والمجلد، أن المنعل ما جعل على أسفله جلدة، والمجلد ما جعل على أعلاه وأسفله.\nوقيل: يجوز المسح على الجوربين وإن كانا يشفان القدمين، حكاه النووي قولًا لعمر، وعلي، وإسحاق، وداود (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1171> دليل القائلين بجواز المسح على الجوارب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>الدليل الأول:</span>\n(٥٢١ - ١٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل،\nعن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين (^٤).\n_________\n(^١) جاء في المدونة (١/ ١٤٣): «قال ابن القاسم: كان يقول مالك في الجوربين يكونان على الرجل، وأسفلهما جلد مخروز، وظاهرهما جلد مخروز، أنه يمسح عليهما. قال: ثم رجع، فقال: لا يمسح عليهما». وانظر الشرح الصغير (١/ ١٥٣)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤١)، والخرشي (١/ ١٧٧).\n(^٢) انظر ما نقلته من المدونة من رواية ابن القاسم عن مالك (١/ ١٤٣)، وانظر التمهيد (١١/ ١٥٧).\n(^٣) قال النووي في المجموع (١/ ٥٢٧): «وحكى أصحابنا عن عمر وعلي ﵄ جميعًا جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقًا، وحكوه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وداود». اهـ\n(^٤) المسند (٢/ ٢٥٢)، ومن طريق أحمد أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢١٥).","vol":"3","page":42},{"text":"[رجاله ثقات إلا أبا قيس فإنه صدوق، والحديث معلول] (^١).\n_________\n(^١) الحديث رواه وكيع كما في مسند أحمد (٢/ ٢٥٢)، ومصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٨٨)، وكتاب التمييز لمسلم (٢/ ٢٠٢)، وسنن أبي داود (١٥٩) والترمذي (٩٩)، والنسائي في الكبرى (١٣٠)، وابن ماجه (٥٥٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤١٥)، وابن خزيمة (١٩٨).\nوزيد بن حباب كما في صحيح ابن خزيمة (١٨٩)، وصحيح ابن حبان (١٨٩)، كلاهما (وكيع وزيد بن الحباب) عن سفيان الثوري، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة بالمسح على الجوربين والنعلين.\nورواه الضحاك بن مخلد (أبو عاصم)، واختلف على أبي عاصم في لفظه:\nفرواه ابن خزيمة (١٩٨) من طريق بندار ومحمد بن الوليد، قالا: حدثنا أبو عاصم،\nأخبرنا سفيان به، بدون ذكر النعلين.\nورواه أبو مسلم الكشي، عن أبي عاصم به كما في معجم الطبراني الكبير (٢٠/ ٤١٤) رقم ٩٩٥ بذكر ومسح على الخفين، ولم يذكر الجوربين ولا النعلين.\nورواه الطبراني في الأوسط (٢٦٤٥) بالإسناد نفسه بلفظ: أن النبي ﷺ مسح على جوربيه، فلم يذكر الخفين ولا النعلين.\nورواه عبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده (٣٩٨)،\nوأبو بكرة وابن مرزوق كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٩٧).\nوعلي بن الحسن بن أبي عيسى الدرابجردي، ومحمد بن أحمد بن أنس كما في سنن البيهقي (١/ ٢٨٣).\nخمستهم عن أبي عاصم، عن سفيان به. بذكر النعلين والجوربين كما هي رواية وكيع وزيد بن الحباب، وهذه هي الأرجح.\nوأخرجه الطبراني (٢٠/ ٤١٥) رقم ٩٩٦ من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثني أبي وعبد الله بن المبارك ووكيع وزيد بن الحباب، عن سفيان به.\nوأنفرد يحيى بن عبد الحميد الحماني برواية هذا الحديث عن أبيه وعن عبد الله بن المبارك، وهو حافظ إلا أنه متهم بسرقة الحديث.\nوقد روى أصحاب المغيرة حديثه عنه بالمسح على الخفين، لا يذكر أحد منهم الجوربين أو النعلين، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بالمسح على الجوربين والنعلين، تفرد به عن هزيل أبو قيس.\nوأكثر العلماء المتقدمين على تضعيفه خلافًا للمتأخرين.\nفأعله عبد الرحمن بن مهدي كما في سنن أبي داود (١٥٩)، وسنن البيهقي (١/ ٢٨٤). =","vol":"3","page":43},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وساق البيهقي بسنده عن أحمد بن حنبل أنه قال: ليس يروي هذا إلا من حديث أبي قيس، وقال: إن عبد الرحمن بن مهدي أبى أن يحدث به، يقول: هو منكر.\nحتى الثوري الذي انفرد برواية الحديث عن أبي قيس قد ضعفه أيضًا، فقد ذكر البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن مهدي (١/ ٢٨٤): قال: قلت لسفيان: لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيف أو واه، أو كلمة نحوها. اهـ\nوساق البيهقي أيضًا بسنده، عن علي بن المديني أنه قال: حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة إلا أنه قال: ومسح على الجوربين، وخالف الناس. فجعل المخالفة من هزيل بن شرحبيل، والأئمة يجعلون المخالفة من أبي قيس، كما تقدم ذلك عن الإمام أحمد.\nوروى البيهقي من طريق المفضل بن غسان، قال: سألت أبا زكريا -يعني يحيى بن معين- عن هذا الحديث؟ فقال: الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس.\nوقال النسائي كما في السنن الكبرى (١٣٠): ما نعلم أن أحدًا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين.\nوقال العقيلي: الرواية في الجوربين فيها لين. الضعفاء الكبير (٢/ ٣٢٧).\nوقال الدارقطني: في هذا الحديث لم يروه غير أبي قيس، وهو مما يغمز عليه به؛ لأن المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين. العلل (٧/ ١١٢).\nوقد ذكر مسلم في كتاب التمييز (ص: ٢٠٢) عشرة رواة بل أكثر في مقدمتهم مسروق وأبناء المغيرة حمزة وعروة رووه عن المغيرة ولم يذكروا ما ذكره أبو قيس، ثم قال مسلم: فكل هؤلاء قد اتفقوا على خلاف رواية أبي قيس، عن هزيل ... والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه أولى منه بهزيل؛ لأن أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارًا غير هذا الخبر ...».\nفهذا سفيان الثوري وابن مهدي وأحمد وابن معين وعلي بن المديني، ومسلم، والنسائي، والعقيلي، والدارقطني تسعة أئمة من أئمة العلل أعلوه وقدحوا فيه، فكيف ينهض وقد جرحه هؤلاء؟\nولم يخرجه البخاري مع أنه على شرطه، فيظهر أنه تركه لعلة المخالفة.\nوقال النووي بعد أن نقل عن بعض الأئمة المتقدم ذكرهم تضعيفه، قال في المجموع (١/ ٥٠٠): «وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث، وإن كان الترمذي قال: حديث حسن (صحيح) فهؤلاء مقدمون عليه، بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد مقدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة ... إلخ»\nوصحح الحديث بعضهم:\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح. السنن (٩٩). =","vol":"3","page":44},{"text":"وعلى فرض صحة الحديث إنما مسح جوربين منعلين، وليس معناه أنه مسح على جوربين مرة، ومرة مسح على نعلين، فالحديث حكاية لفعل واحد.\n• وأجيب:\nبأنه مع ضعف الحديث فإن ذلك لا يكفي لمنع المسح على الجوربين؛ لأن هناك أدلةً أخرى أصح من هذا الحديث تكفي في الدلالة.\n_________\n= وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١٩٨) وابن حبان في صحيحه (١٣٣٨).\nوأومأ ابن دقيق العيد إلى تصحيحه، فقال كما في نصب الراية (١٨٥): «ومن يصححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية أبي هزيل، عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها». اهـ\nوقال نحوه ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٢٨٤).\nوقال أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي (١/ ١٦٨): «وليس الأمر كما قال هؤلاء الأئمة، والصواب صنيع الترمذي في تصحيح هذا الحديث، وهو حديث آخر غير حديث المسح على الخفين، وقد روى الناس عن المغيرة أحاديث المسح في الوضوء، فمنهم من روى المسح على الخفين، ومنهم من روى المسح على العمامة، ومنهم من روى المسح على الجوربين، وليس في شيء منها بمخالف للآخر، إذ هي أحاديث متعددة، وروايات على حوادث مختلفة، والمغيرة صحب النبي ﷺ نحو خمس سنين، فمن المعقول أن يشهد من النبي ﷺ وقائع متعددة في وضوئه ويحكيها، فيسمع بعض الرواة منه شيئًا، ويسمع غيره شيئًا آخر، وهذا واضح بديهي.\nوقال أيضًا في مقدمته لرسالة جمال الدين القاسمي: «العلماء جمعوا بين الأحاديث التي صحت في صفة صلاة الكسوف على أوجه متعددة، بأن هذا اختلاف وقائع، لا اختلاف رواية، مع علمهم بأن وقوع الخسوف والكسوف قليل، فأولى أن يحمل بذلك في صفة الوضوء الذي يتكرر كل يوم مرارًا». اهـ كلام أحمد شاكر.\nولو كان مثل هذا التفرد نقله إمام من الأئمة الحفاظ كالزهري أو مالك لقبل كلام المتأخرين بأنه طريق مستقل، أما وقد انفرد به رجل غاية ما يقال عنه: إنه صدوق في حفظه شيء، فلا يحسن هذا الكلام. وعلى كل حال فهذا كلام المتقدمين، واعتراض المتأخرين، والمرجع في العلل إلى أهله وصيارفته، وكيف يظن بأن هؤلاء الجبال يجهلون أن هذا الطريق طريق آخر مستقل، فالصحيح كلام أهل العلل، وكيف ينهض وقد أعله هؤلاء الأئمة.","vol":"3","page":45},{"text":"وقد روى المسح على الجوربين ثلاثة عشر صحابيًا منهم علي، وعمار،\nوأبو مسعود الأنصاري، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو أمامه، وعمرو بن حريث، وعمر، وابن عباس.\nوالعمدة في الجواز على هؤلاء ﵃، لا على حديث أبي قيس، مع أن المنازعين في المسح وهم الفقهاء لا يعرفون الإعلال بالتفرد، وإنما هذه طريقة المحدثين، فكم من حديث تفرد به راو مخالفًا كل من رواه، ومع ذلك تجد الفقهاء يحتجون به، ويقولون: هذه زيادة من ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، فكيف خالف الفقهاء طريقتهم في الاستدلال في هذه المسألة؟\nوقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين، وعلل رواية أبي قيس، وهذا من إنصافه وعدله ﵀، وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس؛ فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>الدليل الثاني:</span>\n(١٩) ما رواه بن ماجه من طريق عيسى بن يونس، عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب،\nعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين.\nقال المعلى في حديثه: لا أعلمه إلا قال: والنعلين (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٥٦٠).\n(^٢) الحديث أخرجه ابن ماجه (٥٦٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٧)، والروياني في مسنده (٥٧٤)، والبيهقي (٢/ ٢٨٤) من طريق المعلى بن منصور.\nوأخرجه ابن ماجه (٥٦٠) من طريق بشر بن آدم.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (١١١٢) من طريق أبي جعفر،\nورواه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٨٣) من طريق القاسم بن مطبب أربعتهم، عن عيسى بن يونس به. زاد الطبراني: المسح على العمامة. ...\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرد به عيسى.\nوالحديث فيه علتان:\nالأولى: الانقطاع، قال البيهقي: الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى، وقال البوصيري مثله في الزوائد (١/ ٨٠).\nالعلة الثانية: في إسناده: عيسى بن سنان، ضعفه أحمد، والنسائي ويحيى بن معين، والبيهقي وقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي في الحديث. وقال أبو زرعة: مخلط، ضعيف الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ٢٧٧)، تهذيب التهذيب (٨/ ١٨٩).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٣٥).\nوقال العجلي: لا بأس به. معرفة الثقات (٢/ ١٩٩).\nوفي التقريب: لين الحديث. وباقي رجال الإسناد ثقات.","vol":"3","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1174>الدليل الثالث:</span>\n(٥٢٣ - ٢٠) ما رواه الطبراني من طريق ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة،\nعن بلال رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والجوربين (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الكبير (١/ ٣٥٠) رقم ١٠٦٣.\n(^٢) رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى، واختلف عليه فيه:\nفرواه يزيد بن أبي زياد، كما في إسناد الطبراني هذا، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة عن بلال بالمسح على الخفين والجوربين. ويزيد بن أبي زياد متكلم فيه قال الحافظ في التقريب: ضعيف، كبر، فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعيًا.\nوخالفه الحكم بن عتيبة، فرواه مسلم (٢٧٥) من طريق الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين وعلى الخمار، ولم يذكر الجوربين.\nورواه شعبة والثوري وزيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال منقطعًا لم يسمع ابن أبي ليلى من بلال.","vol":"3","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1175>الدليل الرابع:</span>\n(٥٢٤ - ٢١) ما رواه أحمد من طريق ثور، عن راشد بن سعد،\nعن ثوبان، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين (^١).\n[رجاله ثقات، وأعله بعضهم بالانقطاع] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٥/ ٢٧٧).\n(^٢) الحديث رواه أحمد، ومن طريقه أخرجه أبو داود (١٤٦)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٧٤) رقم ٤٧٧، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٧٥) والبيهقي (١/ ٦٢).\nوأخرجه الروياني في مسنده (٦٤٢) حدثنا محمد بن بشار،\nوالطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٧٤) رقم ٤٧٧ من طريق مسدد، ثلاثتهم (أحمد بن حنبل، ومحمد بن بشار، ومسدد) رووه عن يحيى بن سعيد به.\nقال الحاكم (١/ ٢٧٥) هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما اتفقا على المسح على العمامة بغير هذا اللفظ.\nفتعقبه الذهبي في السير (٤/ ٤٩١) فقال: «إسناده قوي، وخرجه الحاكم، فقال على شرط مسلم، فأخطأ؛ فإن الشيخين ما احتجا براشد، ولا ثور من شرط مسلم». اهـ\nورجال إسناده ثقات إلا أنه قد أُعِل بالانقطاع، جاء في العلل للإمام أحمد (١/ ١٠٤) والمراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٥٩): «راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان».\nلكن يعارضه بأن البخاري جزم بسماعه منه، قال في التاريخ الكبير في ترجمة راشد: «سمع ثوبان ويعلى بن مرة». اهـ\nوقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير، عن حيوة، أنه قال: حدثنا بقية، عن صفوان بن عمرو: ذهبت عين راشد يوم صفين. التاريخ الكبير (٣/ ٢٩٢) رقم ٩٩٤.\nفإذا كان شهد صفين، وثوبان مات عام ٥٤، فقد عاصره مدة طويلة، ثم إنه لم يتهم بالتدليس، وما عند الإمام أحمد ﵀ هو عدم العلم بالسماع كما يبدو من نقل الخلال في علله، حيث قال أحمد: لا ينبغي أن يكون راشد بن سعد سمع من ثوبان؛ لأنه مات قديمًا، فعلل عدم السماع بأن ثوبان مات قديمًا، فإذا تبين أنه عاصره أكثر من ثلاثين سنة؛ لأنه لن يشهد موقعة صفين إلا وهو بالغ، فإذا قدرنا عمره خمس عشرة سنة، حين موقعة صفين، يكون راشد بن سعد قد عاصر ثوبان أكثر من ثلاثين سنة، والله أعلم. =","vol":"3","page":48},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (التساخين) قال الخطابي في غريب الحديث: قال بعضهم: التساخين: كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحو ذلك (^١).\nوذكر ابن الجوزي في غريب الحديث عن أبي عبيد أنه قال: التساخين: هي\n_________\n= وقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٦٥): «قال الإمام أحمد: لا ينبغي أن يكون راشد سمع من ثوبان؛ لأنه مات قديمًا، وفي هذا القول نظر؛ فإنهم قالوا: إن راشدًا شهد مع معاوية صفين، وثوبان مات سنة أربع وخمسين، ومات راشد سنة ثمان ومائة، ووثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي، وخالفهم ابن حزم، فضعفه، والحق معهم». اهـ\nوقال الحافظ ابن حجر كما في الدراية (١/ ٧٢): «أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، وإسناده منقطع، وضعفه البيهقي، وقال البخاري: حديث لا يصح، ولفظ أحمد أن النبي ﷺ توضأ، ومسح على خفيه، وعلى الخمار، والعمامة». اهـ\nقلت: هذه الرواية منكرة، والمعروف من حديث ثوبان، المسح على العصائب والتسخين. والرواية التي أشار إليها الحافظ\nأخرجها أحمد (٥/ ٢٨١) والبزار كما في كشف الأستار (٣٠٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٨٦) ح ١٤٩، والخطيب البغدادي في تاريخه (١١/ ٤٢٤) من طريق معاوية -يعني ابن صالح- عن عتبة أبي أمية الدمشقي، عن أبي سلام الأسود، عن ثوبان به مرفوعًا.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٥٥): رواه أحمد والبزار، وفيه عتبة بن أبي أمية، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي المقاطيع.\nوعتبة أبو أمية الدمشقي قال فيه الحسيني في الإكمال: مجهول. الإكمال (١٠٢٨).\nولم يرو عنه سوى معاوية بن صالح، في ما وقفت عليه.\nوأبو سلام الأسود، اسمه ممطور، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. انظر الجرح والتعديل (٨/ ٤٣١).\nووثقه الدارقطني والعجلي. معرفة الثقات (٢/ ٢٩٧)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٦٢).\nوجاء في جامع التحصيل: روى عن ثوبان، وقد قال يحيى بن معين وابن المديني: لم يسمع منه، وتوقف أبو حاتم في ذلك. جامع التحصيل (٧٩٧).\nوقال أحمد: ما أراه سمع منه. تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٦٢).\n(^١) انظر غريب الحديث للخطابي (٢/ ٦١)، وانظر معالم السنن (١/ ٥٦)، شرح أبي داود للعيني (١/ ٣٤٥).","vol":"3","page":49},{"text":"الجوارب، والمنقول عن أبي عبيد أنه فسرها بالخفاف (^١).\n• واعترض عليه:\nبأن التساخين أطلقها أهل اللغة على الخفاف (^٢).\nوعلى فرض أن تشمل الخفاف وغيرها فإن الحديث إنما يدل على المسح على التساخين في حال البرد خاصة؛ لأنه جواب السائل في تلك الحالة، فالدليل أخص من الدعوى.\n• وأجيب:\nقال القاسمي في رسالته: «تقرر في الأصول أن اللفظ العام على سبب خاص يحمل على عمومه، ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه، قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي: والدليل عليه هو: أن الحجة في قول رسول الله ﷺ دون السبب، فوجب أن يعتبر عمومه ....». إلخ كلامه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>الدليل الخامس:</span>\nمن الآثار، فقد جاء القول بالمسح على الجوربين عن جملة من الصحابة، منهم\nأبو مسعود، وأنس، والبراء بن عازب، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وسهل بن سعد، وابن عمر، وبلال وغيرهم، فمنها:\n(٥٢٥ - ٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم،\n_________\n(^١) غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ١٠٧)، وانظر تفسير أبي عبيد التساخين بالخفاف في كتاب تهذيب اللغة (٧/ ٨٢).\n(^٢) انظر العين (٤/ ٣٣٢)، تهذيب اللغة (٧/ ٨٢)، مقاييس اللغة (٣/ ١٤٦)، جمهرة اللغة (١/ ٦٠٠)، غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ١٨٧)، الفائق في غريب الحديث (٢/ ٢٦٦)، وفي غريب الحديث لإبراهيم الحربي: التساخين: الواحد تسخان: وهي الخفاف، لغة يمانية».\n(^٣) المسح على الجوربين (١/ ٢٨).","vol":"3","page":50},{"text":"عن همام، أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٧١) رقم ١٩٧١.\n(^٢) أثر أبي مسعود رواه عنه أربعة من أصحابه، همام، ويسير بن عمرو، وخالد بن سعد، وأبو وائل.\nأما رواية همام، عن أبي مسعود:\nفرواها ابن أبي شيبة في المصنف كما في إسناد الباب عن ابن نمير.\nورواها عبد الرزاق (٧٧٧) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٥١) رقم ٩٢٣٩، عن الثوري، كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن أبي مسعود. زاد عبد الرزاق: والنعلين. وهذا إسناد صحيح.\nوأما رواية يسير بن عمرو، عن أبي مسعود:\nفرواها ابن أبي شيبة (١/ ١٧٢) رقم ١٩٨٨، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن يسير بن عمرو، قال: رأيت أبا مسعود بال، ثم توضأ، ومسح على الجوربين. وهذا رجاله ثقات، فصار الأعمش له شيخان في هذا الأثر.\nوهذا إسناد صحيح.\nوأما رواية خالد بن سعد، عن أبي مسعود:\nفرواها عبد الرزاق (٧٧٤) عن الثوري.\nوالبيهقي (١/ ٢٨٥) من طريق شعبة، كلاهما عن منصور، عن خالد بن سعد، قال: كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على جوربين له من شعر ونعليه. هذا لفظ عبد الرزاق، وإسناده صحيح.\nورواه أحمد في كتاب العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٢٢٢) رقم ٤٩٦٤، من طريق الثوري، قال: حدثني منصور، عن إبراهيم، قال: حدثني خالد بن سعد، أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين والنعلين.\nقال منصور: فلقيت خالد بن سعد، فحدثني بمثله. فثبت أن منصور له إسنادان في هذا الأثر حيث جمعهما، والله أعلم.\nوأما رواية أبي وائل، عن أبي مسعود:\nفرواها ابن أبي شيبة (١/ ١٧٢)، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل،\nعن عقبة بن عمرو، أنه توضأ، ومسح على الجوربين.\nوهذا إسناد صحيح. وعقبة بن عمرو هو أبو مسعود الأنصاري.","vol":"3","page":51},{"text":"(٥٢٦ - ٢٣) وأما ما جاء عن أنس بن مالك، فقد رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن هشام، عن قتادة،\nعن أنس، أنه كان يمسح على الجوربين (^١).\n[صحيح وقتادة مكثر عن أنس] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٧٢) رقم ١٩٧٨.\n(^٢) الأثر رواه عن أنس أربعة، قتادة، وسعيد بن عبد الله، والأزرق بن قيس، وأبو رجاء الكلبي.\nأما رواية قتادة، عن أنس:\nفرواها ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب، والطبراني في الكبير (١/ ٢٤٤) رقم ٦٨٦ من طريق هشام.\nورواها عبد الرزاق (٧٧٩) أخبرنا معمر، كلاهما عن قتادة، عن أنس. وهشام من أثبت أصحاب قتادة، وأما معمر فإنه روايته عن قتادة فيها كلام؛ لأن سمع منه، وهو صغير، لكن يزول مثل هذا بمتابعة هشام.\nوأما رواية سعيد بن عبد الله، عن أنس:\nفرواها ابن أبي شيبة (١/ ١٧٢)، قال: حدثنا ابن مهدي، عن واصل، عن سعيد بن عبد الله بن ضرار، أن أنس بن مالك توضأ، ومسح على جوربين مرعزين.\nورواه البيهقي (١/ ٢٨٥) من طريق سفيان، عن الأعمش، أظنه عن سعيد بن عبد الله، أنه قال: رأيت أنس بن مالك أتى الخلاء، فتوضأ، ومسح على قلنسية بيضاء، وعلى جوربين أسودين مرعزين.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا سعيد بن عبد الله.\nذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٨٠).\nوقال عنه أبو حاتم: ليس هو بقوي. الجرح والتعديل (٤/ ٣٦).\nومع ذلك هي متابعة صالحة لقتادة.\nوأما رواية الأزرق بن قيس، عن أنس:\nفرواها الدولابي في الكنى (١/ ١٨١) من طريق سهل بن زياد أبي زياد الطحان، حدثنا الأزرق ابن قيس، قال:\nرأيت أنس بن مالك أحدث، فغسل وجهه ويديه، ومسح على جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليهما؟ فقال: إنهما خفان، ولكن من صوف.\nوسهل بن زياد، ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٩١). ...\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٤/ ١٩٧).\nوقال الأزدي: سهل بن زياد الطحان أبو زياد، عن سليمان التيمي وطبقته، منكر الحديث. لسان الميزان (٣/ ١١٨). وباقي رجاله ثقات.\nوأما رواية أبي رجاء الكلبي عن أنس:\nفرواها أحمد في كتاب العلل (٣/ ٣٧٥) قال: حدثني محمد بن عبيد بن حساب، قال: حدثنا\nأبو رجاء الكلبي، عن أبي الطفيل، قال: رأيت أنس بن مالك يمسح على الجوربين.\nإسناده صحيح، أبو رجاء، قال فيه يحيى بن معين ثقة. الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٠). وباقي رجاله ثقات.","vol":"3","page":52},{"text":"(٥٢٧ - ٢٤) وأما ما جاء عن البراء بن عازب، فقد رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، قال: حدثنا إسماعيل بن رجاء،\nعن أبيه، قال: رأيت البراء بن عازب توضأ فمسح على جوربين (^١).\n[حسن] (^٢).\n(٥٢٨ - ٢٥) وأما ما جاء عن علي بن أبي طالب، فقد رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن يزيد بن مردانبة، عن الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث، أن عليًا توضأ، ومسح على الجوربين (^٣).\n[حسن] (^٤).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٧٢) رقم ١٩٨٤.\n(^٢) رجاله كلهم ثقات إلا رجاء بن ربيعة فإنه صدوق.\nرواه ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب عن وكيع.\nورواه عبد الرزاق (٧٧٨) عن الثوري،\nوالبيهقي في السنن (١/ ٢٨٥) من طريق ابن نمير، ثلاثتهم عن الأعمش به. وزاد على جوربيه ونعليه.\n(^٣) المصنف (١/ ١٧٢).\n(^٤) روى المسح على الجوربين عن علي جماعة، منهم عمرو بن حريث، وكعب بن عبد الله، وخلاس.\nأما رواية عمرو بن حريث عن علي:\nفرواها ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب عن وكيع. ...\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٦٢) من طريق جعفر بن عون، كلاهما عن يزيد بن مردانبة، حدثنا الوليد بن سريع به.\nوقد تحرف (عمرو بن حريث) إلى (عمرو بن كريب) والتصحيح من الأوسط، كما أن الوليد بن سريع مولى لعمرو بن حريث، وعمرو بن حريث صحابي صغير، رأى النبي ﷺ، وسمع منه، ومسح برأسه. فهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا الوليد بن سريع، وهو صدوق، فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى.\nوأما رواية كعب بن عبد الله عن علي:\nفأخرجها عبد الرزاق (٧٧٣) وابن أبي شيبة (١/ ١٧٢)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٤٠) عن الثوري.\nورواه ابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٣٢) والبيهقي في السنن (١/ ٢٨٥) من طريق إسرائيل.\nورواه البيهقي (١/ ٢٨٥) من طريق شعبة، ثلاثتهم (الثوري وإسرائيل وشعبة) عن الزبرقان (العبدي) عن كعب بن عبد الله، قال: رأيت عليًا بال، فمسح على جوربيه ونعليه، ثم قام يصلي.\nوالزبرقان العبدي، ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٤٠).\nوقال ابن سعد: كان قليل الحديث. الطبقات (٦/ ٣٤٨).\nوقال ابن عدي: لا أعرف له حديثًا مسندًا له ضوء، وما يروي عنه الثوري وإسرائيل لعله مقاطيع. الكامل (٣/ ٢٤٠).\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٣/ ٦١١).\nوقال البخاري: وهم فيه، يعني: حديثه عن كعب بن عبد الله. يقصد: حديثه لا يقطع الصلاة شيء. الضعفاء الكبير (٢/ ٨٢).\nكما أن كعب بن عبد الله، لم يرو عنه إلا الزبرقان، وقد ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٣٤).\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٧/ ١٦٢)، فالإسناد ضعيف.\nوأما رواية خلاس عن علي:\nفرواها ابن أبي شيبة (١/ ١٧٢) حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد الله بن سعيد، عن خلاس، قال: رأيت عليًا بال، ثم مسح على جوربيه ونعليه.\nوقد اختلف في سماع خلاس من علي، وقد سمع خلاس من عمار.\nكما أن عبد الله بن سعيد هو المقبري، أخو سعد بن سعيد بن كيسان، وهو رجل متروك. وعلى كل حال، فقد ثبت المسح على الجوربين من طريق عمرو بن حريث السابق.","vol":"3","page":53},{"text":"(٥٢٩ - ٢٦) وأما ما روي عن سهل بن سعد، فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد ابن الحباب، عن هشام بن سعد، عن أبي حازم،","vol":"3","page":54},{"text":"عن سهل بن سعد، أنه مسح على الجوربين (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n(٥٣٠ - ٢٧) وأما ما يروى عن ابن عمر، فرواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن يحيى البكاء، قال:\nسمعت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n(٥٣١ - ٢٨) وأما ما يروى عن أبي أمامة، فرواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة،\nعن أبي غالب، قال: رأيت أبا أمامة يمسح على الجوربين (^٥).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٧٢).\n(^٢) الأثر رواه بن أبي شيبة كما في إسناد الباب عن زيد بن الحباب.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٦٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن هشام بن سعد به.\nوفيه هشام بن سعد، ثبت في زيد بن أسلم ضعيف في غيره، ضعفه يحيى بن معين، والنسائي، وقال فيه الإمام أحمد: لم يكن بالحافظ. وذكر له مرة فلم يرضه. وقال: ليس بمحكم للحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به.\nوفضله أبو زرعة على محمد بن إسحاق، قال أبو زرعة عنه: شيخ محله الصدق. وكذلك محمد بن إسحاق، هكذا هو عندي، وهشام أحب إلي من محمد بن إسحاق.\nوروى له مسلم قريبًا من عشرة أحاديث إلا أني لم أجد حديثًا واحدًا لم يتابع عليه. وفي التقريب (٧٢٩٤): صدوق له أوهام. اهـ قلت: إلى الضعف أقرب.\n(^٣) المصنف (١/ ١٧٣).\n(^٤) فيه أبو جعفر الرازي، صدوق سيء الحفظ، ويحيى بن مسلم البكاء ضعيف.\nورواه عبد الرزاق (٧٨٢)، وابن الجعد في مسنده (٢٩٩١).\nوابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٦٢) من طريق أبي نعيم، ثلاثتهم (عبد الرزاق وابن الجعد\nوأبو نعيم) عن أبي جعفر الرازي به.\n(^٥) المصنف (١/ ١٧٢).","vol":"3","page":55},{"text":"[حسن] (^١).\n(٥٣٢ - ٢٩) وأما ما جاء عن بلال، فرواه ابن المنذر، من طريق أبي سعد البقال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال:\nرأيت بلالًا قضى حاجته، ثم توضأ، ومسح على جوربيه وخفيه (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>الدليل السادس:</span>\nما حكي من الإجماع.\nقال ابن قدامة: «الصحابة ﵃ مسحوا على الجوارب، ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعًا» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>الدليل السابع:</span>\nأن أحاديث المسح على الجوربين وردت مطلقة، من غير تقييد بأن تكون منعلة أو مجلدة، وتقييد ما أطلقه الشارع لا يجوز إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل.\n_________\n(^١) رجاله ثقات إلا أبا غالب فإنه صدوق يخطئ.\n(^٢) الأوسط (١/ ٤٦٣).\n(^٣) أبو سعد البقال، ضعيف يدلس، كما أن قوله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: رأيت بلالًا فيه خطأ؛ فإنه لم يسمع من بلال.\nجاء في المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ١٢٦): «سمعت أبي، وسئل هل سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى من بلال؟ قال: كان بلال خرج إلى الشام في خلافة عمر قديمًا، فإن كان رآه كان صغيرًا؛ فإنه ولد في بعض خلافة عمر ....» اهـ.\nوقال العلائي في جامع التحصيل (ص: ٢٢٦): «روي عن ابن أبي ليلى، عن بلال رأيت النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار، وبينهما فيه في بعض الطرق كعب بن عجرة، وهو الصحيح». اهـ قلت: وليس فيه ذكر للجوربين.\n(^٤) المغني (١/ ٣٧٤).","vol":"3","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1179>الدليل الثامن:</span>\nمن النظر، إذا جاز المسح على الخف جاز المسح على الجورب؛ لأن كلًا منهما لباس للقدم، ولا فرق.\nفإما أن تكون الجوارب داخلة في مسمى الخف لغة، وإما أن تلحق الجوارب بالخفاف قياسًا.\nقال ابن تيمية: يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما، سواء كانت مجلدة، أو لم تكن في أصح قولي العلماء، ففي السنن أن النبي ﷺ مسح على جوربيه ونعليه، وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك؛ فإن الفرق بين الجوربين والخفين إنما كون هذا من صوف، وهذا من جلد، ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة، فلا فرق بين أن يكون جلودًا أو قطنًا أو كتانًا أو صوفًا، كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف، وهذا لا تأثير له، كما لا تأثير لكون الجلد قويًا، بل يجوز المسح على ما يبقى، وعلى ما لا يبقى، وأيضًا فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء، ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقًا بين متماثلين، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح، الذي جاء به الكتاب والسنة» (^١).\nوسبق لنا كلام أنس ﵁ في تخريج الأثر الوارد عنه، فقد قال عن الجوربين: إنهما خفان، ولكنهما من صوف.\nوعلق أحمد شاكر بكلام جميل طويل أقتصر منه على قوله: «المعنى في حديث أنس أدق، فليس الأمر قياسًا للجوربين على الخفين، بل هو أن الجوربين داخلان في مدلول كلمة الخفين بدلالة الوضع اللغوي للألفاظ على المعاني، والخفان ليس عليهما موضع خلاف، فالجوربان من مدلول كلمة (الخفين) فيدخلان فيهما بالدلالة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢١٤).","vol":"3","page":57},{"text":"الوضعية اللغوية، وأنس بن مالك صحابي من أهل اللغة قبل دخول العجمة، واختلاط الألسنة فهو يبين أن معنى الخف أعم من أن يكون من الجلد وحده، ولم يأت دليل من الشرع يدل على حصر الخفاف في التي تكون من الجلد فقط، وقول أنس هذا أقوى حجة ألف مرة من أن يقول مثله مؤلف من مؤلفي اللغة كالخليل والأزهري والجوهري وابن سيده، وأضرابهم؛ لأنهم ناقلون للغة، وأكثر نقلهم يكون من غير إسناد، ومع ذلك يحتج بهم العلماء، فأولى ثم أولى إذا جاء التفسير اللغوي من مصدر من مصادر اللغة، وهو الصحابي العربي من الصدر الأول بإسناد صحيح إليه ...». إلخ كلامه ﵀ (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1180> دليل من منع المسح أو اشترط أن تكون الجوارب مجلدة أو منعلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1181>الدليل الأول:</span>\nقالوا: الأصل هو غسل الرجلين، كما هو ظاهر القرآن، والعدول عنه لا يجوز إلا بأحاديث صحيحة اتفق على صحتها أئمة الحديث كأحاديث المسح على الخفين، أما أحاديث المسح على الجوربين ففي صحتها كلام عند أئمة الفن، وإلى هذا أشار مسلم بقوله: «لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قبيس وهزيل». اهـ\nوالجواب على هذا من وجوه:\nالوجه الأول:\nقد بينت أن الأحاديث ليست كلها ضعيفة، فحديث ثوبان رجاله كلهم ثقات، وحديث بلال، وحديث أبي موسى الأشعري وإن كان فيهما ضعف فهو يسير منجبر صالح في الشواهد، أضف إلى ذلك الآثار الصحيحة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.\n_________\n(^١) مقدمة أحمد شاكر لرسالة القاسمي (ص: ١٥).","vol":"3","page":58},{"text":"الوجه الثاني:\nكيف يظن بالصحابة ﵃ بأنهم تركوا ظاهر القرآن، وخالفوه بالمسح على الجوربين.\nقال ابن القيم: «الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ، وعرفوا تأويله، مسحوا على الجوربين، وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن، ومراد الله منه» (^١).\nالوجه الثالث:\nإذا كان ظاهر القرآن لا ينافي المسح على الخفين، فكذلك لا ينافي المسح على الجوربين.\nالوجه الرابع:\nأن الحكمة التي شرع من أجلها المسح على الخفين موجودة في المسح على الجورب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>الدليل الثاني:</span>\nالمسح على الجوربين لا يثبت إلا بعد أن يثبت أن الجوربين اللذين مسح عليهما النبي ﷺ كانا من صوف، ولم يثبت هذا قط، وإنما قلنا بجواز المسح على الجوربين إذا كانا مجلدين لأنهما في معنى الخف، والخف لا يكون إلا من أديم، نعم لو كان الحديث قوليًا، بأن قال النبي ﷺ: امسحوا على الجوربين، لكان يمكن الاستدلال بعمومه على كل أنواع الجوارب.\nفإن قلت: ويحتمل أن يكون الجوربان اللذان مسح عليهما النبي ﷺ من صوف.\nقيل: الاحتمال وارد، لكن الأحكام لا تثبت بالاحتمالات، والأصل الغسل، والاحتياط للعبادة أن نقصر المسح على الخف أو على جوارب مجلدة أو منعلة، وقد قال النبي ﷺ: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.\n_________\n(^١) تهذيب السنن (١/ ١٢٣).","vol":"3","page":59},{"text":"• وأجيب بأكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nقال المباركفوري: «هذا القول لا يثبت إلا بعد أن يثبت أن الجوربين اللذين مسح عليهما النبي ﷺ كانا مجلدين، ولم يثبت هذا قط».\nالوجه الثاني:\nأن العام والمطلق يعمل به على عمومه وعلى إطلاقه، ولو كان الحكم يختلف بين ما كان مجلدًا أو غير مجلد، لبين هذا الصحابة رضوان الله عليهم وهم ينقلون لنا جواز المسح على الجوربين، ولو كان الحكم يختلف لجاء نهي من الشرع أو من الصحابة عن المسح على الجورب إذا كان من صوف، أو قطن.\nالوجه الثالث:\nالأصل في الجورب ما عرفه أهل اللغة وأهل الفقه، وليس فيها ما يدل على أن الجوارب فيها ما هو منعل أو مجلد، بحيث يمكن أن يدعى أن الجوارب التي مسح عليها النبي ﷺ وأصحابه كانت منعلة أو مجلدة.\nففي كتب اللغة، عرفت الجورب بأنه لفافة الرجل (^١).\nونقل صاحب تاج العروس عن أبي بكر بن العربي قوله: الجورب غشاءان للقدم من صوف، يتخذ للدفء (^٢).\nوقال خليل في التوضيح: «الجوارب ما كان على شكل الخف، من كتان أو صوف أو غير ذلك» (^٣).\n_________\n(^١) انظر القاموس المحيط (ص: ٦٧)، تاج العروس (٢/ ١٥٥)، المحكم والمحيط الأعظم (٧/ ٤٠٤).\n(^٢) تاج العروس (٢/ ١٥٦).\n(^٣) التوضيح (١/ ٢٢١).","vol":"3","page":60},{"text":"وفي الروض المربع للبهوتي الحنبلي: «الجورب: ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد».\nوقال العيني: «الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب» (^١).\nفهذه النقول كلها ليس فيها ما يدل على أن الجوارب فيها ما هو منعل أو مجلد حتى يكون هناك احتمال أن تكون الجوارب التي مسح عليها الصحابة مجلدة أو منعلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن الجوارب إذا لم تكن منعلة أو مجلدة لا يمكن متابعة المشي عليها، فإذا لم يمكن لم يصح المسح عليها.\n• وأجيب:\nأين الدليل على اشتراط إمكان متابعة المشي عليها، وهل يسوغ أن تعارض الأدلة الشرعية بهذا التعليل الذي لا دليل عليه، فلا يعارض الدليل الشرعي إلا دليل مثله، على أننا نقول: لا نسلم أنه لا يمكن متابعة المشي عليها، وكونها قد يسرع إليها التلف فهذا أمر غير معتبر؛ لأنه معلوم أن القطن أضعف من الصوف، والصوف أضعف من الجلد، وبعض الجلود أضعف من بعض، وكل هذا لا تأثير له في الحكم الشرعي كما أسلفت، ومشقة النزع كما هي موجودة في الخف موجودة في الجورب، والحاجة إلى هذه كالحاجة إلى تلك.\n• اعتراض والجواب عليه:\nقال المانعون: بأن المراد من حديث أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين. بأن ذلك محمول على أنه مسح على جوربين منعلين.\n(٥٣٣ - ٣٠) قال البيهقي: وقد وجدت لأنس بن مالك أثرًا يدل على ذلك، أخبرناه\n_________\n(^١) البناية شرح الهداية (١/ ٦٠٧).","vol":"3","page":61},{"text":"أبو علي الروذباري، ثنا أبو طاهر محمد بن الحسن أباذي، ثنا محمد بن عبد الله المنادي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا عاصم الأحول،\nعن راشد بن نجيح، قال: رأيت أنس بن مالك دخل الخلاء، وعليه جوربان، أسفلهما جلود، وأعلاهما خز (^١).\n[إسناده حسن] (^٢).\n• وأجيب:\nقال ابن التركماني: «الحديث ورد بعطف النعلين على الجوربين، وهو يقتضي المغايرة، فلفظه مخالف لهذا التأويل، وكون أنس مسح على جوربين منعلين لا يلزم منه أن يكون النبي ﷺ فعل كذلك، فلا يدل فعل أنس على تأويل الحديث بما لا يحتمله لفظه» (^٣).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٢٨٥).\n(^٢) دراسة الإسناد:\nشيخ البيهقي أبو علي الروذباري ثقة حافظ، له ترجمة في السير (١٧/ ٢١٩)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٧٨).\n- أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد أباذي حافظ مفسر نحوي، كان ابن خزيمة إذا شك في اللغة لا يرجع إلا إلى أبي طاهر، له ترجمة في السير (١٥/ ٣٠٤).\n- محمد بن عبد الله المنادي، الصواب: محمد بن عبيد الله المنادي كما في تهذيب الكمال، وشذارت الذهب. قال الإسماعيلي: كان ثقة صدوقًا. الأنساب (٥/ ٣٨٦).\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وسئل عنه أبي، فقال: صدوق.\nوفي التقريب: صدوق.\n- راشد بن أبي نجيح\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٣/ ٤٨٤).\nوذكره بن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. الثقات (٤/ ٢٣٤).\nوقال أبو حاتم: صالح الحديث. تهذيب الكمال (٩/ ١٦).\nولم أقف عليه في الجرح والتعديل.\nوفي التقريب: صدوق ربما أخطأ. وباقي رجال الإسناد كلهم ثقات.\n(^٣) الجوهر النقي (١/ ٢٨٠).","vol":"3","page":62},{"text":"وقد ثبت عن النبي ﷺ المسح على النعلين بلا جوربين، فيؤيد هذا أن مسحه على الجورب كان بانفراده، وسوف تأتي أحاديث المسح على النعلين في بحث مستقل إن شاء الله تعالى.\nوالجلد في أسفل الجورب لا يسمى نعلًا في لغة العرب، حتى يقال: مسح على جوربين منعلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إن المسح على الخف على خلاف القياس، فلا يصح إلحاق غيره به إلا إذا كان بطريق الدلالة، وهو أن يكون في معناه، ولا يكون الجورب في معنى الخف إلا إذا كان مجلدًا أو منعلًا.\nوالجواب على هذا:\nأننا لم نلحق الجورب بالخف اعتمادًا على القياس وحده، بل اعتمادًا على ما صح من آثار الصحابة ﵃ أجمعين ولو لم يأت إلا فعل الصحابة ﵃ لكفى به دليلًا، فهم أعلم بمراد الله، ومراد رسوله ﷺ، وهم أهل اللغة، ويعرفون معنى الجورب، ومعنى الخف أكثر من غيرهم، ولذلك قال أنس ﵁ عن الجورب: إنهما خفان، ولكن من صوف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1185> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nالراجح جواز المسح على الجوربين، واشتراط كونهما صفيقين لا دليل عليه، وسوف يأتي بحث هذا الشرط في مسألة مستقلة في شروط المسح على الخفين إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"3","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1186>الفصل الثالث في المسح على النعلين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النعال ليست كالخفاف لغة، وهي تختلف عنها معنى، لهذا اختلفوا في جواز المسح عليها، وسبب اختلافهم يرجع إلى:\n• هل يقاس على الخف غيره، أم هي عبادة لا يقاس عليها غيرها، ولا يتعدى بها محلها؟\n• وسبب آخر:\nالمسح على النعال لم يثبت مرفوعًا، وكان الرسول ﷺ يلبسه، ولو مسح عليه لنقل إلينا، فلما لم يأت مرفوعًا مع إمكان فعله كان الأصل عدم المسح على النعال.\n• من رأى صحة المسح على النعال احتج ببعض الآثار عن الصحابة، وهم أهل اللغة، وأدرى من غيرهم بما يجوز المسح عليه وبما لا يجوز، وبعضهم ممن روى المسح على الخفين.\n• وسبب ثالث:\nهل يترك القياس لعمل الصحابي؟\nفمن رأى أن الأصل الغسل، وقد ترك ذلك في الخفين لورد السنة المرفوعة،","vol":"3","page":64},{"text":"والنعال ليست في القياس كالخفين، والمسح عليها إنما ورد عن بعض الصحابة، لم يترك الغسل لهذه الآثار.\nومن رأى أن عمل الصحابي حجة، وقد صحت عنده بعض هذه الآثار عنهم ترك القياس لعمل الصحابي.\n[م-٢٢٣] ذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، إلى أنه لا يصح المسح على النعل (^١).\nوقال قوم: يصح المسح على النعلين كما يمسح على الخفين (^٢).\nوقيده ابن تيمية بالنعل التي يشق نزعها (^٣).\n_________\n(^١) الهداية مطبوع مع نصب الراية (١/ ٢٦٩، ٢٧٠)، شرح معاني الآثار (١/ ٩٨)، والحنفية يمنعون المسح على الخف إذا لم يكن الكعب مستورًا، فمن باب أولى منع المسح على النعال، انظر الفتاوى الهندية (١/ ٣٢).\nوقد نص الجمهور على منع المسح على الخف إذا لم يكن ساترًا لمحل الفرض، والنعال لا تستر المحل. جاء في المدونة (١/ ١٤٣): «وقال مالك في الخفين يقطعهما أسفل من الكعبين المحرم وغيره لا يمسح عليهما؛ من أجل أن بعض مواضع الوضوء قد ظهر». اهـ\nفيشترط المالكية كالجمهور أن يكون ساترًا لمحل المفروض، والنعال لا تستر المحل، ولذلك لا يجيزون المسح على الجوارب حتى تكون مكسية بالجلد كما سبق في المسح على الجوارب، وانظر الشرح الصغير (١/ ١٥٤).\nالأم (١/ ٤٩).\nجاء في مسائل عبد الله بن أحمد (١/ ١٢٢): «سألت أبي عن الرجل يمسح على نعليه؟ فكرهه، وقال: لا». اهـ\nوفي مسائل ابن هانئ (١/ ١٨): «لا يمسح على النعلين إلا أن يكونا في جوربين». اهـ وانظر مسائل ابنه صالح (٣٧٩).\n(^٢) شرح معاني الآثار (١/ ٩٧).\n(^٣) الفتاوى الكبرى (١/ ٣٠٤) وقيده بالنعل التي يشق نزعها، الإنصاف (١/ ١٨٣).","vol":"3","page":65},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1187> دليل من قال بجواز المسح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>الدليل الأول:</span>\n(٥٣٤ - ٣١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل،\nعن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين (^١).\n[رجاله ثقات إلا أنه معلول] (^٢).\nوأجيب:\nأولًا: أن الحديث ضعيف؛ وقد علمت كلام أحمد وابن مهدي وسفيان ومسلم والنسائي والدارقطني وغيرهم في تعليل هذا الحديث.\nثانيًا: أن المقصود من حديث المغيرة أنه مسح على جوربين منعلين، لا أنه جورب منفرد، ونعل منفرد، فكأنه قال: مسح على جوربيه المنعلين.\nوسبق الجواب على هذا الإشكال في مسألة المسح على الجورب، فارجع إليه إن شئت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1189>الدليل الثاني:</span>\n(٥٣٥ - ٣٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا بهز بن أسد، ثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى ابن عطاء،\nعن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت أبي يوما توضأ، فمسح على النعلين، فقلت له: أتمسح عليهما؟ فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل (^٣).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) سبق تخريجه (ح ٥٢١).\n(^٣) المسند (٤/ ٩).","vol":"3","page":66},{"text":"[الحديث معلول] (^١).\n_________\n(^١) الحديث فيه علتان:\nالأولى: الانقطاع، يعلى بن عطاء لم يدرك أوس بن أبي أوس، نص على ذلك البيهقي في السنن (١/ ٢٨٧).\nالثانية: الاختلاف فيه على يعلى بن عطاء،\nفرواه حماد بن سلمة وشريك، عن يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس، عن أبيه.\nوخالفهما هشيم وشعبة، فروياه عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس أن رسول الله، فزادا في الإسناد عطاء والد يعلى، وهو ضعيف.\nوجعلوه من مسند أوس، وليس من مسند أبي أوس. وهو الراجح.\nفأما رواية حماد بن سلمة:\nفأخرجها الطيالسي في مسنده (١١١٣) قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن أوس الثقفي أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه.\nومن طريق أبي داود أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٦)، والبيهقي (١/ ٢٨٧).\nوأخرجه أحمد (٤/ ٩) حدثنا بهز بن أسد، ورواه الطبراني في الكبير (١/ ٢٢٢) رقم ٦٠٥ والطحاوي (١/ ٩٦) من طريق الحجاج بن منهال.\nورواه ابن حبان (١٣٣٩) من طريق هدبة بن خالد، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت أبي يومًا توضأ، فمسح على النعلين، فقلت له: أتمسح عليهما؟ فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل. هذا لفظ أحمد.\nوتابع شريك حمادًا: فأخرجه ابن أبي شيبة (١٩٩٧)، (٣٦٣٥٦)، ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٢٢) رقم ٦٠٦ ..\nوأحمد (٤/ ٩) حدثنا وكيع،\nورواه أحمد أيضًا (٤/ ١٠) حدثنا الفضل بن دكين والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٧) من طريق محمد بن سعيد الأصبهاني\nكلهم (ابن أبي شيبة، ووكيع، والفضل بن دكين ومحمد بن سعيد الأصبهاني) رووه عن شريك، عن يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس، عن أبيه أن النبي ﷺ توضأ، ومسح على نعليه.\nفهذان الطريقان أعني طريق حماد وشريك فقط هما اللذان جعلاه من مسند أبي أوس حذيفة، كما أن فيها رواية يعلى بن عطاء عن أوس، ولم يسمعه منه، إنما دلسه عنه، والصحيح أنه سمعه يعلى من أبيه، عن أوس.\nوأما رواية شعبة وهشيم، فجعلاه من مسند أوس الابن، وهو صحابي أيضًا، وزادا في الإسناد والد يعلى بن عطاء، وهو مجهول. وإليك تخريجها: =","vol":"3","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1190>الدليل الثالث:</span>\n(٥٣٦ - ٣٣) ما رواه بن ماجه، قال: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا معلى بن منصور وبشر ابن آدم، قالا: ثنا عيسى بن يونس، عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب،\n_________\n= أما رواية شعبة، عن يعلى: فأخرجها أحمد (٤/ ٨) والطبراني في الكبير (١/ ٢٢٢) رقم ٦٠٧، ٦٠٨، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٩٧٨)، والحازمي في الاعتبار (ص: ٦١) عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، قال: حدثني يعلى، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على نعليه.\nفهنا أوس يصرح بأنه رأى رسول الله ﷺ يمسح على نعليه، بينما في رواية حماد وشريك أنكر أوس على أبيه المسح على النعلين حتى أخبره أنه رأى رسول الله ﷺ يفعله، وإذا كان أوس قد رأى الرسول ﷺ يفعله، فلماذا ينكر على أبيه شيئًا رأي رسول الله ﷺ يفعله.\nوأما رواية هشيم، عن يعلى: فاختلف فيه على هشيم:\nفرواها أحمد (٤/ ٨).\nوالمحاملي في أمالية (٣٣٢) حدثنا يعقوب بن إبراهيم،\nوإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ١٢١٢) حدثنا شجاع، ثلاثتهم (أحمد، ويعقوب، وشجاع) عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أوس الثقفي قال: رأيت رسول الله ﷺ أتى كظامة قوم فتوضأ.\nولم يذكر المسح لا على النعال، ولا على القدم.\nورواه أبو داود (١٦٠) قال: حدثنا مسدد وعباد بن موسى، قالا: ثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه به، بلفظ: أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على نعليه وقدميه.\nومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٨٦).\nورواه أبو عبيد في كتاب الطهور (٣٨٨)\nوالطبراني في الكبير (١/ ٦٠٣) من طريق عثمان بن أبي شيبة.\nوابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (١٢٤) والحازمي في الاعتبار (ص: ١٦) من طريق سعيد بن منصور، ثلاثتهم (أبو عبيد وعثمان وسعيد) عن هشيم، بلفظ: ومسح على قدميه، ولفظ ابن شاهين: ومسح على رجليه، والمعنى واحد.\nولعل هذا الاختلاف من عطاء العامري والد يعلى، لم يرو عنه إلا ابنه يعلى، قال ابن القطان عنه: مجهول، وقال الذهبي في الميزان: لا يعرف إلا بابنه، وفي التقريب: مقبول.","vol":"3","page":68},{"text":"عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين.\nقال المعلى في حديثه: لا أعلمه إلا قال: والنعلين (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>الدليل الرابع:</span>\n(٥٣٧ - ٣٤) ما رواه البزار في مسنده حدثنا إبراهيم بن سعيد، أخبرنا روح بن عبادة، عن ابن أبي ذئب، عن نافع،\nأن ابن عمر كان يتوضأ، ونعلاه في رجليه، ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله ﷺ يفعل (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٥٦٠).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر (ح ٥٢٢).\n(^٣) نصب الراية (١/ ١٨٨).\n(^٤) رجاله ثقات إلا البزار ففيه كلام، ولم ينفرد به، وقد رواه الطحاوي (١/ ٩٧) من طريق\nابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب به، بلفظ: كان إذا توضأ، ونعلاه في قدميه، مسح على ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا.\nوقد صحح إسناده الحافظ في الدراية (١/ ٨٣).\nوهذه الرواية توضح ما رواه البخاري (١٦٦) ومسلم (١١٨٧) من طريق عبيد بن جريج، أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تصنع أربعًا، لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها، قال: وما هي يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال، ولم تهل أنت حتى كان يوم التروية.\nقال عبد الله: أما الأركان؛ فإني لم أر رسول الله ﷺ يمس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية؛ فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعل التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها. الحديث.\nفقوله: (ويتوضأ فيها): أي توضأ، وعليه النعلان، وقد تقدم أن ابن عمر كان يمسح عليها، وهذا أولى من حمل البخاري بأنه يغسل رجليه في النعلين؛ لأن فعل ابن عمر عند البزار والطحاوي =","vol":"3","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1192>الدليل الخامس:</span>\n(٥٣٨ - ٣٥) ما رواه ابن جرير الطبري، قال: حدثنا عبد الله بن الحجاج بن المنهال، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعت الأعمش، عن أبي وائل،\nعن حذيفة، قال: أتى رسول الله سباطة قوم، فبال عليها قائمًا، ثم دعا بماء، فتوضأ، ومسح على نعليه (^١).\n[لم أقف على ترجمة عبد الله بن الحجاج بن منهال، والمسح على النعلين ليس محفوظًا من حديث الأعمش] (^٢).\n_________\n= يفسر ما أجمل في رواية الصحيحين، وقد روى البيهقي في السنن (١/ ٢٨٧) من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج، قال: قيل لابن عمر رأيناك تفعل شيئًا لم نر أحدًا يصنعه غيرك. قال: وما هو؟ قال: رأيناك تلبس هذه النعال السبتيه، قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يلبسها، ويتوضأ فيها، ويمسح عليها.\nولا يقال: إن قوله: (يتوضأ فيها ويمسح عليها) أنه يجمع بين غسل القدم ومسح النعل؛ لأن هذا جمع بين الغسل وبدله، ولا معنى له، فالغسل وحده يرفع الحدث، ولا حاجة إلى المسح، فالمقصود أنه يتوضأ والنعال عليه، فلا يخلعهما، ويمسح عليهما.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا ابن عجلان فإنه صدوق، وقوله: (ويمسح عليها) ذكرها ابن عجلان، عن سعيد، ولم يذكرها مالك عن سعيد في الصحيحين، ولم أعتبرها مخالفة؛ لأنها مفسرة لقوله في رواية مالك: (ويتوضأ فيها) خاصة إذا أضيف إلى ذلك فعل ابن عمر الصريح في مسحه على نعليه كما عند البزار والطحاوي، ونسبته ذلك إلى رسول الله ﷺ، والله أعلم.\nوكتب لي بعض مشايخي قائلًا: الحديث فيه نظر، وشذوذه قوي، والبزار نفسه فيه لين. قلت: لم ينفرد به البزار، فقد تابعه ابن أبي فديك كما عند الطحاوي.\n(^١) تفسير ابن جرير الطبري (٦/ ١٣٤).\n(^٢) لم أقف على ترجمة عبد الله بن الحجاج بن منهال، وفي ترجمة أبيه حجاج بن منهال في تهذيب المزي ذكر من الرواة عنه ابنه عبيد الله، فهل هما اثنان أو واحد لا أدري، وفي المعجم الكبير للطبراني أخرج حديثًا من رواية عبيد الله بن حجاج بن منهال، عن أبيه، وإليك لفظه.\nأخرجه في المعجم الكبير (٢٢/ ٢٨٢) رقم ٧٢٣، قال: حدثنا محمد بن العباس الأخرم الأصبهاني، ثنا عبيد الله بن الحجاج بن المنهال، حدثني أبي، عن يزيد بن إبراهيم، عن صدقة بن أبي عمران، عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة، قال: انطلقت أنا وأبي قبل رسول الله ﷺ فلما كان =","vol":"3","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1193>الدليل السادس:</span>\n(٥٣٩ - ٣٦) من الآثار، ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن إدريس، عن الأعمش،\nعن أبي ظبيان، قال: رأيت عليًا بال قائمًا، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم أقام المؤذن، فخلعهما (^١).\n[إسناده في غاية الصحة] (^٢).\n_________\n= في بعض الطريق تلقاني، فقال أبي: تدري من هذا؟ قلت: لا قال: هذا رسول الله ﷺ الحديث.\nوهو في مسند أحمد (٢/ ٢٢٧) من زيادات عبد الله، قال: حدثني شيبان بن أبي شيبة، حدثنا يزيد -يعني: ابن إبراهيم التستري- به.\nوأعله الطبري بمخالفة جرير بن حازم لأصحاب الأعمش، ولم يضعفه بغيره، ولو كان عبد الله ابن حجاج ضعيفًا عنده لأعله به.\nوعلى كل حال فالمعروف من رواية الأعمش المسح على الخفين، وليس فيه النعلان وهو في صحيح مسلم (٢٧٣)، من طريق أبي خيثمة، عن الأعمش، عن شقيق،\nعن حذيفة، قال: كنت مع النبي ﷺ، فانتهى إلى سباطة قوم، فبال قائمًا، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ، فمسح على خفيه.\nقال الطبري في تفسيره تعليقًا على الرواية التي خرجها، قال (٦/ ١٣٥):\n«وأما حديث حذيفة، فإن الثقات الحفاظ من أصحاب الأعمش، حدثوا به عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم، فبال قائمًا، ثم توضأ، ومسح على خفيه.\nثم ساق الطبري حديث حذيفة بأسانيده من طريق أبي عوانة، ومن طريق شعبة، ومن طريق ابن إدريس، ومن طريق أبي السائب، ومن طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، ومن طريق جرير، فرقهم عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة.\nثم قال: كل هؤلاء يحدث ذلك عن الأعمش بالإسناد الذي ذكرنا، عن حذيفة أن النبي مسح على خفيه. وهم أصحاب الأعمش، ولم ينقل هذا الحديث عن الأعمش، غير جرير بن حازم، ولو لم يخالفه في ذلك مخالف لوجب التثبت فيه لشذوذه، فكيف والثقات من أصحاب الأعمش يخالفونه في روايته».\n(^١) المصنف (١/ ١٧٣).\n(^٢) أبو ظبيان اسمه: حصين بن جندب، من رجال الجماعة، وقد وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة، والدارقطني وغيرهم. =","vol":"3","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1194>الدليل السابع:</span>\n(٥٤٠ - ٣٧) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق رواد بن الجراح، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، ومسح على نعليه (^١).\n[رواد مجروح في روايته عن سفيان إلا أنه لم ينفرد به، والحديث فيه اختلاف كثير في لفظه] (^٢).\n_________\n= وإن كان الأثر موقوفًا على علي بن أبي طالب ﵁، إلا أن عليًا قد أمرنا باتباع سنته، ولم أقف على مخالف له، وهو يؤيد ما سبق من حديث المغيرة، وأبي أوس الثقفي، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري.\nورواه عبد الرزاق (٧٨٤) عن الثوري، عن الأعمش به.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢٨٨) من طريق ابن نمير، عن الأعمش به مطولًا، ولفظه:\nرأيت علي بن أبي طالب بالرحبة بال قائمًا حتى أدعى، فأتى بكوز من ماء، فغسل يديه، واستنشق، وتمضمض، وغسل وجهه وذراعيه، ومسح برأسه، ثم أخذ كفًا من ماء، فوضعه على رأسه حتى رأيت الماء ينحدر على لحيته، ثم مسح على نعليه، ثم أقيمت الصلاة، فخلع نعليه، ثم تقدم، فأم الناس. قال ابن نمير: قال الأعمش: فحدثت إبراهيم، قال: إذا رأيت أبا ظبيان فأخبرني، فرأيت أبا ظبيان قائمًا في الكناسة، فقلت: هذا أبو ظبيان، فأتاه، فسأله عن الحديث.\nورواه عبد الرزاق (٧٨٣) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظبيان به. ويزيد بن أبي زياد فيه ضعف.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٣) حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب، عن زيد، أن عليًا بال، ومسح على النعلين. ورجاله ثقات، وعنعنة حبيب بن أبي ثابت زالت بالمتابعة.\nوفي هذا الأثر عن علي، ليس فيه ذكر الجوربين حتى يمكن أن يقال: إنه مسح على جوربين منعلين، وكذلك الأثر عن ابن عمر.\n(^١) الكامل (٣/ ١٧٧).\n(^٢) ومن طريق ابن عدي رواه البيهقي (١/ ٢٨٦)، وقال: «هكذا رواه رواد بن الجراح، وهو يتفرد عن الثوري بمناكير، هذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذه اللفظة».\nقلت: لم ينفرد به، فقد تابعه غيره كما سيأتي بيانه.\nورواد صدوق، إلا أنه تغير في آخره، وتكلم في روايته عن سفيان، =","vol":"3","page":72},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فوثقه يحيى بن معين، وقال في رواية: لا بأس به إنما غلط في حديث سفيان. الجرح والتعديل (٣/ ٥٢٤)، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٤٩).\nوقال أحمد: لا بأس به، إلا أنه حدث عن سفيان أحاديث مناكير. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: هو مضطرب الحديث تغير حفظه في آخر عمره وكان محله الصدق، قال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، فقال: يحول عن ذلك. الجرح والتعديل (٣/ ٥٢٤).\nوقال الحافظ: صدوق اختلط بآخرة فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعف شديد.\nقلت: لم ينفرد به عن سفيان، فقد تابعه زيد بن الحباب كما في سنن البيهقي (١/ ٢٨٦)، كما لم ينفرد به سفيان عن زيد بن أسلم، فقد تابعه معمر، بالمسح على النعلين.\nرواه عبد الرزاق (٧٨٣) عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظبيان، في قصة مسح أمير المؤمين علي بن أبي طالب على نعليه. قال معمر: ولو شئت أن أحدث أن زيد بن أسلم حدثني عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أن النبي ﷺ صنع كما صنع علي.\nوالحديث اختلف فيه على سفيان:\nفرواه رواد بن الجراح وزيد بن الحباب عن سفيان، عن زيد بن أسلم كما سبق في المسح على النعلين،\nورواه جماعة عن سفيان، ولم يذكروا النعلين:\nالأول: محمد بن يوسف، كما عند البخاري (١٥٧)، ولفظه: أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة.\nالثاني: يحيى بن سعيد، أخرجه أبو داود (١٣٨) والنسائي (٨٠)، والترمذي (٤٢) وابن ماجه (٤١١)، وابن حبان (١١٩٥) ولفظه أيضًا كلفظ محمد بن يوسف (توضأ مرة مرة).\nالثالث: وكيع، كما عند الترمذي (٤٢) بالوضوء مرة مرة.\nالرابع: أبو عاصم النبيل كما عند الدارمي (٦٩٦) والطحاوي (١/ ٢٩) بذكر الوضوء مرة مرة.\nالخامس: أبو شهاب الحناط، كما عند أبي عبيد في كتاب الطهور (١٠٣).\nالسادس: المؤمل بن إسماعيل، كما عند البغوي في شرح السنة (٢٢٦).\nالسابع: قبيصة بن عقبة، كما عند الدارمي (٧١١)، فهؤلاء لا يختلفون على سفيان، رووه بالوضوء مرة مرة، وزاد قبيصة: ونضح على فرجه، ولم يذكرها أحد غيره، فذكر النضح غير محفوظ بهذا الحديث.\nالثامن: عبد الرزاق كما في المصنف (١٢٨) بلفظ: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ فغرف بيده اليمنى، ثم صب على اليسرى صبة صبة). ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (١/ ٣٦٥).\nوخالفهم رواد بن الجراح وزيد بن الحباب، في سفيان، عن زيد بن أسلم فذكرا المسح على النعل. =","vol":"3","page":73},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وانفرد محمد بن يزيد الجرمي، عن سفيان، وفيه: (وغسل رجليه وعليه نعله) والقطان وحده مقدم على رواد وزيد بن الحباب، كيف وقد وافقه وكيع والفريابي والضحاك وغيرهم ممن ذكرتهم.\nهذا بيان الاختلاف على سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس\nأما الاختلاف على زيد بن أسلم فكالتالي:\nرواه عن زيد بن أسلم أحد عشر نفسًا\nفبعض الروايات ذكرت غسل الرجلين، ولم تذكر الرش ولا النعلين:\nرواه جماعة منهم:\n- ابن عجلان عند ابن أبي شيبة (١/ ١٧) رقم ٦٤، وأبي يعلى (٢٤٨٦)، والنسائي (١٠٣)، وابن ماجه (٤٣٩)، وابن خزيمة (١٤٨)، وابن حبان (١٠٧٨، ١٠٨٦)، والبيهقي (١/ ٥٥، ٧٣) وغيرهم.\n- محمد بن جعفر بن كثير عند البيهقي (١/ ٧٣).\n- ورقاء بن عمر، كما عند البيهقي (١/ ٦٧، ٧٣).\n- أبو بكر بن محمد عند عبد الرزاق (١٢٩).\nوروايات تذكر الرش حتى يبلغ الغسل:\nكرواية سليمان بن بلال عند البخاري (١٤٠)، وأحمد (١/ ٢٨٦) والبيهقي (١/ ٧٢).\nورواية تذكر الرش على النعلين مع المسح: وذلك مثل:\n- هشام بن سعد عند أبي داود (١٣٧) والحاكم (١/ ١٤٧)، والبيهقي (١/ ٧٣) وفي المعرفة (١/ ٢٢٢)، وانفرد هشام بن سعد بذكر مسح أسفل النعل، وليس بمحفوظ.\n- الدراوردي، كما في الطهور لأبي عبيد (١٠٥) والطحاوي (١/ ٣٥)، ورواه بعضهم عن الدراوردي، ولم يذكر مسح النعل، انظر النسائي (١٠١)، وابن ماجه (٤٠٣)، والدارمي (٦٩٧)، ومسند أبي يعلى (٢٦٧٠، ٢٦٧٢)، والطحاوي (١/ ٣٢) والبيهقي (١/ ٥٠)، وابن حبان (١٠٧٦).\n- معمر، بذكر المسح على النعلين عند عبد الرزاق (٧٨٣) وسبق أن ذكرت لفظها.\nفما هو الراجح من هذه الروايات، هل يكون المسح على النعلين محفوظًا والاختلاف فيه كما ترى؟\nأقول -والله أعلم-: إن هذا الحديث قد اتفق رواته على أن الوضوء فيه مرة مرة، سواء ذكروه بهذا اللفظ المختصر، أو ذكروه على سبيل التفصيل، وكلا الروايتين في البخاري، والذي ساقه مختصرًا لم يتعرض لذكر أعضاء الوضوء بما فيها الرجلان، والذين ذكروه مفصلًا ذكروا أن الرسول ﷺ كان يأخذ غرفة واحدة لكل عضو، ويكتفي بها، بما في ذلك القدمان، وعند =","vol":"3","page":74},{"text":"وقد وقف العلماء من أحاديث المسح على النعال على مواقف منها:\nالأول: القول بالمسح على النعال. وهذا أسعدها بالدليل، وحمل الأحاديث\nابن تيمية على النعل التي يشق نزعها إلا بيد أو رجل (^١).\nولعله لحظ الحكمة من المسح على الخفين، وهي مشقة النزع فألحق بها ما يشق نزعها من النعال، والله أعلم.\nالموقف الثاني:\nضعف بعضهم الأحاديث الواردة في المسح على النعل، وهذا وإن كان قد يُسَلَّم\n_________\n= التأمل فلن يكفي في غسل القدم ظاهره وباطنه من أصابع القدمين حتى نهاية الكعبين من كف واحدة، فالذي ذكر الغسل نظر إلى غسل ظاهر القدم، والذي ذكر مسح النعل، نظر إلى أن غسل القدم لم يعم المحل المفروض، وهو باطن القدم، وبعض الروايات ذكرت الغسل والمسح معًا كطريق القاسم بن محمد الجرمي عن سفيان وهشام بن سعد عند البيهقي (١/ ٧٣) فلو كان الغسل كافيًا فلماذا المسح؟ فإن قيل: وإذا كان المسح كافيًا فلماذا الغسل؟\nأجيب: بأن النعل، وإن كان مسحها كافيًا كما جاء من حديث المغيرة وأبي موسى، وأوس بن\nأبي أوس وابن عمر مرفوعًا وموقوفًا، ومن حديث علي بن أبي طالب موقوفًا عليه إلا أن الرش مع النعل جائز أيضًا، وهو درجة بين المسح والغسل، فإن مسح النعل أجزأه، وإن رش القدم مع النعل أجزأه أيضًا، وقد ذكر ابن القيم في معرض إجابته عن حديث المسح على النعلين ما يقوي هذا، فقال: «إن الرجل لها ثلاثة أحوال:\nحال تكون في الخف، فيجزئ مسح سائرها.\nوحال تكون حافية، فيجب غسلها، فهاتان مرتبتان: وهما كشفها وسترها.\nففي حال كشفها لها أعلى مراتب الطهارة، وهي الغسل التام.\nوفي حال استتارها، لها أدناها، وهي المسح على الحائل.\nولها حال ثالثة، وهي حالما تكون في النعل، وهي حال متوسطة بين كشفها وبين سترها بالخف، فأعطيت حالًا متوسطة من الطهارة، وهي الرش؛ فإنه بين الغسل والمسح، وحيث أطلق لفظ المسح عليها فالمراد به الرش؛ لأنه جاء مفسرًا في الرواية الأخرى». اهـ\nوهذا الكلام جيد، وحمل حديث ابن عباس على هذا متعين جمعًا بين الروايات، إلا أن الرش ليس واجبًا كما قدمت فالمسح كاف كما دلت عليه الأحاديث السابقة.\n(^١) الفروع (١/ ١٦٠).","vol":"3","page":75},{"text":"في أكثرها، لكن لا يسلم في الكل.\nالموقف الثالث:\nبعضهم أولها على أنه مسح على جوربين منعلين، وقد أجبت عن هذا التأويل فيما سبق، ومع أن هذا فيه تكلف فإن هذا ممكن أن يقال في أحاديث مسح على الجوربين والنعلين، وأما الأحاديث الكثيرة التي تفيد المسح على النعلين بدون ذكر الجوربين فلا يقبل هذا التأويل.\nالموقف الرابع:\nذهب بعضهم إلى معارضة أحاديث المسح على النعلين بأحاديث وجوب غسل الرجلين، وهذا ضعيف؛ لأن أحاديث مسح النعلين لا تعارض غسل القدمين إلا إذا كان المسح على الخفين يعارض أحاديث غسل الرجلين.\nالموقف الخامس:\nادعى بعضهم أن أحاديث مسح النعل منسوخة بأحاديث غسل الرجلين، ذكر ذلك ابن القيم في تهذيب السنن.\nالموقف السادس:\nحمل بعضهم أحاديث المسح على النعلين بأنه في حال تجديد الوضوء؛ وذلك لأنه ثبت عن النبي ﷺ المسح على القدمين في تجديد الوضوء، فكذلك يحمل المسح على النعلين بأنه في حال تجديد الوضوء.\n(٥٤١ - ٣٨) فقد روى أحمد، قال: ثنا بهز، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن سبرة، قال:\nرأيت عليًا رضي الله تعالى عنه صلى الظهر، ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرت العصر أتى بتور من ماء، فأخذ منه كفا، فمسح وجهه وذراعيه، ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله، فشرب قائمًا، وقال: إن ناسًا يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله ﷺ","vol":"3","page":76},{"text":"يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث (^١).\n[صحيح] (^٢).\nالموقف السابع:\nقالوا: إن معنى: مسح على النعلين المقصود بالمسح هو الغسل الخفيف، قال\n_________\n(^١) أحمد (١/ ١٥٣).\n(^٢) رجاله ثقات.\nوالحديث أخرجه النسائي في الكبرى (١٣٣)، وفي الصغرى (١٣٠) من طريق بهز بن أسد.\nوأخرجه ابن الجعد في مسنده (٤٥٩).\nوأبو داود الطيالسي في المسند (١٤٨) ومن طريق الطيالسي أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٩٨٢).\nوأخرجه أحمد (١/ ١٢٣) عن وكيع.\nوابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ١١٣)، والبزار في مسنده (٧٨٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٤) من طريق وهب بن جرير.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٣٩) وابن خزيمة (١٦) من طريق محمد بن جعفر.\nوأخرجه البيهقي في السنن (١/ ٧٥) من طريق آدم، كلهم (بهز، وابن الجعد، والطيالسي، ووكيع، ووهب بن جرير، ومحمد بن جعفر) رووه عن شعبة، عن عبد الملك به. وهو في البخاري (٥٦١٦) من طريق آدم عن شعبة، لكن بقصة الشرب قائمًا فقط.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٥٩) وأبو يعلى (٣٦٨) وابن خزيمة (١/ ١١، ١٠١) وابن حبان (١٠٥٧، ١٣٤٠) من طريق منصور،\nوأخرجه أحمد (١/ ٧٨) والترمذي في الشمائل (٢١٠) من طريق الأعمش، كلاهما عن عبد الملك به.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٤٤) حدثنا يزيد -يعني ابن هارون-.\nوأبو يعلى في مسنده (٣٠٩) من طريق محمد بن عبد الله بن الزبير\nوالبيهقي في السنن (٧/ ٢٨١) من طريق أبي نعيم ثلاثتهم عن مسعر، عن عبد الملك به بذكر مسح أعضاء الوضوء.\nوأخرجه البخاري (٥٦١٥) حدثنا أبو نعيم،\nوأبو داود (٣٧١٨) من طريق يحيى،\nوالبزار (٧٨٠) من طريق أبي أحمد، ثلاثتهم عن مسعر به، بقصة الشرب قائمًا فقط، وانظر (ح ٣٢٤).","vol":"3","page":77},{"text":"ابن الأثير: المسح يأتي بمعنى المسح باليد، وبمعنى الغسل (^١)، ويكون معنى حديث علي ﵁: (مسح وجهه وذراعيه، ورأسه ورجليه) أي غسلهما غسلًا خفيفًا، والله أعلم.\n• والجواب:\nأولًا: حمل أحاديث المسح على النعلين على تجديد الوضوء حمل ضعيف؛ لأنه صح عن علي ﵁ غسل الرجلين ثلاثًا، ومَسْحُ النعلين، ومَسْح القدمين بلا نعلين في طهارة تجديد الوضوء، وهذه الأحاديث لا يعارض بعضها بعضًا، مع اختلاف مخارجها.\nثانيًا: ثبت عن علي بسند صحيح كما خرجته عنه أنه بال، ثم توضأ، فمسح على نعليه، ثم أقام المؤذن فخلعهما، ثم صلى، كما في مصنف ابن أبي شيبة (^٢)، وهذا صريح في أنه مسح على نعليه بعد الحدث، وهو نفسه الراوي لمسح القدمين في طهارة تجديد الوضوء.\nوالقول: بأن المسح يأتي بمعنى الغسل، هذا أيضًا فيه إشكال، وهو أن عليًّا ﵁ جعل هذا وضوء من لم يحدث، ولو كان المسح بمعنى الغسل لم يكن لقيد (ما لم يحدث) معنى، والأصل حمل المسح على حقيقته إلا لقرينة مانعة من حمل اللفظ على حقيقته، ولا قرينة، والله أعلم.\nهذا ما أمكن جمعه في مسألة المسح على النعلين، والراجح عندي جوازه، بناء على أصل فقهي مشيت عليه، وهو الاحتجاج بما يثبت عن الصحابة، خاصة ما كان معدودًا من الفقهاء منهم إذا لم يخالف من مثله، ولو لم يأت في المسألة إلا الأثر عن علي ابن أبي طالب لانشرح الصدر بالقول به، ما دام أنه لم يعلم له مخالف، وكونه لم ينتشر\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث (٤/ ٩٢).\n(^٢) المصنف (١/ ١٧٣)، وانظر تخريجه ح: (٥٣٩).","vol":"3","page":78},{"text":"القول به كانتشار المسح على الخفين فهذا ليس كافيًا في رده، وقد أنكر بعض السلف المسح على الخفين من الصحابة ومن بعدهم، أيكون إنكارهم للمسح على الخفين رافعًا لما ثبت شرعًا من جواز المسح عليهما؟ وسواء مسح على النعل، أو رش القدم في النعل فكلاهما جائز، والله ﷾ أعلم.\n* * *","vol":"3","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1195>الفصل الرابع في المسح على الخرق واللفائف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يقاس على محل الخف، كالكفين داخل القفازين، وهل يقاس على الخف غيره مما هو في معناه مما يلبس على القدم؟\n• اختلفوا في القياس على الخف ما كان في معناه مما يوضع على القدم كاللفائف والجوارب، وهذا الاختلاف راجع إلى توصيف المسح:\n• هل هو عبادة غير معقولة المعنى، فلا يقاس على الخف غيره، أو أن المسح معقول المعنى فيلحق بالخف ما كان في معناه؟\n• وهل تعلق المسح بالمسمى، فما لا يسمى خفًا لا يجوز المسح عليه، أو يتعلق المسح بالمعنى، فكل حائل على القدم فهو في معنى الخف، فيمسح عليه؟\n• على القول بأن المسح رخصة، هل الرخص إذا وقعت على خلاف الأصل، يلحق بها ما كان في معناها للعلة الجامعة بينهما، أو يقتصر بها على مورد النص؟\n[م-٢٢٤] اختلف العلماء في المسح على اللفائف:","vol":"3","page":80},{"text":"فقيل: لا يمسح عليها، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\nوقيل: بل يمسح عليها، وهو وجه في مذهب أحمد، وحكاه بعضهم رواية (^٢)، واختاره ابن تيمية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1196> دليل من قال لا يجوز المسح على اللفائف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1197>الدليل الأول:</span>\nالإجماع بأنه لا يجوز المسح على اللفائف.\nنقل الإجماع من المالكية المواق في التاج والإكليل، قال: «لا خلاف أنه لا يجزئ\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٤)، المبسوط (١/ ١٠٢)، بدائع الصنائع (١/ ١٠).\nوانظر في مذهب المالكية: التاج والإكليل المطبوع بهامش مواهب الجليل (١/ ٣١٩)، تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة (١/ ٦٠٠)، مواهب الجليل (١/ ٣١٩).\nوبالغ المالكية فقالوا: يشترط أن يكون الخف من جلد، وأن يكون مخروزًا، فلو صنع من غير الجلد على صفة الخف لم يمسح عليه، ويشترط أن يكون مخروزًا، فلا يجوز المسح على ما لزق بنحو رسراس، ولا ما نسج أو سلخ، يعني: ولو كان في صورة الخف!! انظر الشرح الصغير (١/ ١٥٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٣).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٥٣٠)، روضة الطالبين (١/ ١٢٦).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٨٢)، الإنصاف (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، المبدع (١/ ١٤٥)، كشاف القناع (١/ ١١٨)، الفروع (١/ ١٦٠)، المقنع في شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٧٠)، الكافي (١/ ٤٤).\nوفي كتاب الهداية لأبي الخطاب (ص: ١٥): «ولا يجوز المسح على اللفائف، وإن كان تحتها نعل؛ لأنها لا تثبت بنفسها». اهـ\nوذكر صاحب المغني، وابن مفلح في الفروع وشرح الزركشي أن أحمد نص على أنه لا يجوز المسح على اللفائف.\n(^٢) انظر الإنصاف (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، شرح الزركشي (١/ ٣٩٥).\n(^٣) قال ابن تيمية: اللفائف بالمسح أولى من الخف انظر الفتاوى الكبرى (١/ ٣١٩)، الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية (ص: ٢٤)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١٨٥).","vol":"3","page":81},{"text":"المسح على الخرق إذا لف بها رجليه» (^١).\nوقال ابن قدامة في منع المسح على اللفائف: لا نعلم في ذلك خلافًا (^٢).\nوسوف أناقش دعوى الإجماع إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>الدليل الثاني:</span>\nأن المسح ورد على الخف، وهذه اللفائف لا تسمى خفًا، ولا هي في معناه (^٣).\n• وأجيب:\nبأن الأشياء ليست بمسمياتها، بل بمعانيها، ولا فرق بين اللفائف والجوارب والخفاف في تدفئة الرجل، ومشقة النزع، بل قد يكون نزعها أشق من الخف والجورب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن اللفائف لا تثبت بنفسها، وإنما تثبت بشدها، ومن شروط المسح على الخفين أن يثبت بنفسه، لا بشده.\nقال ابن قدامة: «لا يجوز المسح على اللفائف والخرق، نص عليه أحمد، وقيل: إن أهل الجبل يلفون على أرجلهم لفائف إلى نصف الساق؟ قال: لا يجزئه المسح على ذلك إلا أن يكون جوربًا؛ وذلك أن اللفافة لا تثبت بنفسها، وإنما تثبت بشدها، ولا نعلم في هذا خلافًا» (^٤).\n• ويجاب:\nبأن الراجح من كلام أهل العلم أنه لا يشترط في الخف أن يثبت بنفسه، وسوف\n_________\n(^١) التاج والإكليل (١/ ٤٦٧).\n(^٢) المغني (١/ ١٨٢).\n(^٣) ذكره النووي في المجموع، قال (١/ ٥٣٠): «لو لف على رجله قطعة من أدم، واستوثق شده بالرباط، وكان قويًا يمكن متابعة المشي عليه، لم يجز المسح عليه؛ لأنه لا يسمى خفًّا، ولا هو في معناه». اهـ\n(^٤) المغني (١/ ١٨٢).","vol":"3","page":82},{"text":"يأتي مناقشة ذلك في إن شاء الله تعالى في شروط المسح على الخفين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1200> دليل من قال يجوز المسح على اللفائف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1201>الدليل الأول:</span>\n(٥٤٢ - ٣٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد،\nعن ثوبان، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين (^١).\n[رجاله ثقات، وأعله بعضهم بالانقطاع] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (التساخين) قال الخطابي في غريب الحديث: قال بعضهم: التساخين: كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحو ذلك (^٣).\n• واعترض عليه:\nبأن التساخين أطلقها أهل اللغة على الخفاف (^٤).\n• ويجاب:\nبأن إطلاق التساخين على الخفاف دليل على أن كل ما يسخن القدم فهو خف، والمسح لا يتعلق بالمسمى، فما لا يسمى خفًا لا يجوز المسح عليه، وإنما المسح يتعلق بالمعنى، فكل حائل على القدم يشق نزعه، فهو في معنى الخف.\n_________\n(^١) المسند (٥/ ٢٧٧).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر (ح: ٥٢٤).\n(^٣) انظر غريب الحديث للخطابي (٢/ ٦١)، وانظر معالم السنن (١/ ٥٦)، شرح أبي داود للعيني (١/ ٣٤٥).\n(^٤) انظر العين (٤/ ٣٣٢)، تهذيب اللغة (٧/ ٨٢)، مقاييس اللغة (٣/ ١٤٦)، جمهرة اللغة (١/ ٦٠٠)، غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ١٨٧)، الفائق في غريب الحديث (٢/ ٢٦٦)، وفي غريب الحديث لإبراهيم الحربي: «التساخين: الواحد تسخان: وهي الخفاف، لغة يمانية».","vol":"3","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1202>الدليل الثاني:</span>\nكل دليل استدل به على جواز المسح على الجورب يصلح أن يكون دليلًا على جواز المسح على اللفائف؛ لأن الجورب في القاموس: هي لفافة الرجل، لكن العرف خص اللفافة بما ليس بمخيط، والجورب بما هو مخيط، ومعلوم أن وجود الخيط وعدمه ليس مؤثرًا في الحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>الدليل الثالث:</span>\nأن اللفائف أولى بالجواز من الخفاف والجوارب؛ لأن نزعها أشق؛ ولأن من يلبسها غالبًا لا يملك ثمن الجوارب والخفاف، فيكون محتاجًا إليها، وهو أولى بالمراعاة من الغني.\nقال ابن تيمية: «والصواب أن يمسح على اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب؛ فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزعها ضرر، إما إصابة بالبرد، وإما التأذي بالحفاء، وإما التأذي بالجرح، فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين، فعلى اللفائف بطريق الأولى. ومن ادعى في ذلك إجماعًا فليس معه إلا عدم العلم، ولا يمكنه أن ينقل المنع عن عشرة من العلماء المشهورين، فضلًا عن الإجماع، والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره، وذلك أن أصل المسح على الخفين خفي على كثير من السلف والخلف حتى إن طائفة من الصحابة أنكروه، وطائفة من فقهاء أهل المدينة وأهل البيت أنكروه مطلقًا ..» إلخ ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى.\nالراجح: جواز المسح على اللفائف، وإذا كنت رجحت جواز المسح على النعل، مع أنها لا توجد مشقة كبيرة في نزعها، ولا تستر القدم المفروض غسله، فما بالك باللفائف التي تأتي على كامل القدم، وتكون طبقات بعضها فوق بعض، وهي جورب إلا أنه لا خيط فيها، وهذا غير مؤثر كما بينت، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1204>الفصل الخامس في التفضيل بين المسح والغسل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• مسح الخف ليس بدلًا عن الغسل، وإنما الواجب في الوضوء أحد أمرين: إما الغسل وإما المسح، وعليه فلا مفاضلة بين الغسل والمسح.\n• من قال إن المسح أفضل لم يرد المداومة على المسح، وترك الغسل بالكلية.\n• قد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل، فالعمل المفضول في مكانه وزمانه يقدم على الفاضل، وقد يكون المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين لعجزه عن الأفضل، أو لتمام منفعته بالمفضول.\n• قال ابن القيم: لم يكن النبي ﷺ يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين، غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه.\n• التفضيل بالثواب بين غسل القدم أو المسح على الخف بابه التوقيف، ولم أقف على نص في هذا.\n• التفضيل بمعنى تقديم أحدهما على الآخر من جهة الفاعل، فلكل واحد منهما مرجح.","vol":"3","page":85},{"text":"فيترجح الغسل لكونه الأكثر من فعل النبي ﷺ، ولأن المسح مختلف فيه، ولأن في الغسل مشقة أكثر، وفيه سنة التثليث، وينظف القدمين أكثر من المسح، والمسح مؤقت بمدة، والأجر على قدر النصب إذا لم يتقصد.\nوقد يترجح المسح؛ لأن المسح رخصة على قول، وهو أيسر على المكلف من الغسل، وما كان أيسر فهو أولى، ويظهر فيه مخالفة الرافضة.\n[م-٢٢٥] اختلف العلماء في أيهما أفضل المسح أم الغسل؟\nفقيل: الغسل أفضل، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عن أحمد (^٤).\nواشترط بعضهم لكون الغسل أفضل ألا يترك المسح رغبة عن السنة.\nوقيل: المسح أفضل من الغسل، وهذا القول من مفرادت مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: هما سواء، وهو رواية عن أحمد (^٦).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٤٤)، تبيين الحقائق (١/ ٤٦).\n(^٢) منح الجليل (١/ ١٣٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤١)، الخرشي (١/ ١٧٦)، وقال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير بأن المسح خلاف الأولى (١/ ١٥٣)\nوقال العدوي في حاشيته على الخرشي (١/ ١٧٦): بأن المسح رخصة، والرخصة تارة تكون وجوبًا كوجوب أكل الميتة للمضطر، وتارة تكون ندبًا كندب القصر في السفر، وتارة تكون خلاف الأولى كخلاف أولوية فطر مسافر في رمضان، وتارة تكون إباحة كإباحة السلم، والرخصة هنا - يعني في المسح على الخفين - من ذلك القبيل، يعني مباحة، وليست الأفضل. وسوف يأتي بحث هل المسح رخصة أم عزيمة إن شاء الله تعالى.\n(^٣) المجموع (١/ ٥٠٢)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٦٤)، نهاية المحتاج (١/ ١٩٩).\n(^٤) المغني (١/ ١٧٤) وقال في الإنصاف (١/ ١٦٩): «وعنه الغسل أفضل، وقيل: إنه آخر أقواله».اهـ\n(^٥) كشاف القناع (١/ ١١٠).\n(^٦) الإنصاف (١/ ١٦٩).","vol":"3","page":86},{"text":"وقيل: الأفضل في حق كل واحد بحسبه، فمن كان عليه الخف كان الأفضل في حقه المسح، ومن كان لا خف عليه فالأفضل في حقه الغسل، وأن لا يلبس من أجل أن يمسح، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1205> دليل الجمهور على أن الأفضل الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>الدليل الأول:</span>\nأن الغسل هو الذي واضب عليه النبي ﷺ في معظم الأوقات، وإذا كان الغسل هو الغالب من فعله ﷺ كان أفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>الدليل الثاني:</span>\nأن الغسل هو المفترض في كتاب الله ﷾\nقال تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\nعلى قراءة النصب، وهي الأشهر، وفيها وجوب غسل القدمين، وأما المسح فهو رخصة، والغاسل لرجليه مؤد لما افترض الله عليه، والماسح لرجليه فاعل لما أبيح له.\n• ويناقش:\nبأن قراءة الجر قراءة صحيحة، وهي محمولة على المسح، والمسح ليس مباحًا، بل الفرض أحد أمرين إما الغسل أو المسح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>الدليل الثالث:</span>\n(٥٤٣ - ٤٠) ترجم البخاري في صحيحه قائلًا: باب أجرة العمرة على قدر النصب، ثم روى هو ومسلم أن الرسول ﷺ قال لعائشة: ولكنها - يعني العمرة - على قدر نفقتك أو نصبك (^٢).\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ١٩٩).\n(^٢) البخاري (١٧٨٧) ومسلم (٢٢٦).","vol":"3","page":87},{"text":"ولا شك أن غسل القدمين فيه مشقة أكثر من المسح خاصة في المناطق الباردة.\n• ويناقش:\nبأن الغاية الشرعية هي فعل الفرض من الغسل أو المسح، ولا يتقصد المسلم طلب المشقة في الطهارة ولا في غيرها، فلا يتطهر بالماء البارد مع وجود الماء الدافئ طلبًا للأجر، ولا يترك المسح طلبًا لمشقة الغسل، فإن وقعت المشقة بلا تقصد كما لو كان لا يوجد إلا ماء بارد، أو كانت قدمه مكشوفة حسبت له المشقة في أجره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>الدليل الرابع:</span>\nأن المسح مختلف فيه، والغسل مجمع عليه.\n• ويناقش:\nبأن أغلب مسائل الفقه مختلف فيها، ومسائل الإجماع قليلة، فلا يترك الشيء لمجرد وقوع الخلاف فيه، إلا أن يكون الخلاف قويًا من حيث تردد الأدلة، وأدلة المسح على الخفين اعتبرت من الأحاديث المتواترة لكثرتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>الدليل الخامس:</span>\n(٥٤٤ - ٤١) أن بعض الصحابة كان يفضل غسل رجليه، فقد روى ابن المنذر في الأوسط، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح، ثنا محمد بن بشار، ثنا جعفر بن محمد، ثنا شعبة، قال: سمعت جبر بن حبيب،\nعن أم كلثوم ابنة أبي بكر أن عمر نزل بواد يقال له وادي العقاب، فأمرهم أن يمسحوا على خفافهم، وخلع خفيه، وتوضأ، وقال: إنما خلعت لأنه حبب إلي الطهور (^١).\n[رجاله ثقات] (^٢).\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٤٣٩).\n(^٢) أم كلثوم ابنة أبي بكر توفي أبو بكر، وهي حمل في بطن أمها، فتكون عند وفاة عمر عمرها اثنتا عشرة سنة، فسنها قابل للتحمل، وهي من الطبقة الثانية من كبار التابعيات، ولم أقف على من صرح بسماعها من عمر، فإن كانت سمعت فالإسناد صحيح، والله أعلم.","vol":"3","page":88},{"text":"• ويناقش:\nبأن عمر قد أمرهم بالمسح على الخفاف، فلو كان الأمر يعود إلى الشأن الشرعي لما أمر الناس بأمر يخالفهم فيه، ولكن كما قال: إن هذا تفضيل يعود إلى أن الماء قد حبب إليه، وهو شأن شخصي، لا شرعي.\n(٥٤٥ - ٤٢) ومنهم أبو أيوب، فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب، أنه كان يأمر بالمسح على الخفين، وكان هو يغسل قدميه، فقيل له: كيف تأمر بالمسح وأنت تغسل؟ فقال: بئس ما لي إن كان مهنأة لكم، ومأثمة علي، قد رأيت رسول الله ﷺ يفعله ويأمر به، ولكن حبب إلي الوضوء (^١).\n[صحيح] (^٢).\nقلت: ليس في هذا ما يدل على أفضلية الغسل على المسح؛ لأن أبا أيوب صرح بأن الرسول ﷺ كان يأمر به، ويفعله، وأن أبا أيوب كان يأمر بالمسح، ولا يليق بالصحابي أبي أيوب أن يأمر الناس بالمفضول دون الفاضل، لكن استحب الغسل في خاصة نفسه، وهذا لا يدل على أفضلية مطلقة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1211> دليل من قال المسح أفضل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>الدليل الأول:</span>\n(٥٤٦ - ٤٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا علي بن عبد الله، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمارة ابن غزية، عن حرب بن قيس، عن نافع،\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٦١) رقم ١٨٥٤.\n(^٢) ورواه البيهقي (١/ ٢٩٣) من طريق عمرو بن عون وأبي الربيع الزهراني، كلاهما عن هشيم به.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٣٩) من طريق هشيم به.\nوأخرجه عبد الرزاق (٧٦٩) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين أن أبا أيوب كان يفتي بالمسح على الخفين ... وذكره، ولم يذكر أفلح.","vol":"3","page":89},{"text":"عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته (^١).\n[حسن] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ١٠٨).\n(^٢) في إسناده عبد العزيز بن محمد الدراوردي، جاء في ترجمته:\nقال أبو طالب: سئل أحمد بن حنبل، عن عبد العزيز الدراوردي، فقال: كان معروفًا بالطلب، وإذا حدث من كتابه، فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس وهم، كان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلب حديث عبد الله العمري يرويه عن عبيد الله بن عمر. الجرح والتعديل (٥/ ٣٩٥).\nوقال أبو زرعة: سيء الحفظ، فربما حدث من حفظه الشيء فيخطئ. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين: صالح ليس به بأس. المرجع السابق.\nوقال مرة: ثقة حجة. تهذيب التهذيب (٦/ ٣١٥).\nكان مالك بن أنس يوثق الدراوردي. الجرح والتعديل (٥/ ٣٩٥).\nوقال ابن سعد: كان كثير الحديث، يغلط. الطبقات الكبرى (٥/ ٤٢٤).\nوفي التقريب: صدوق كان يحدث من كتب غيره، فيخطئ، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر اهـ.\nروى له البخاري مقرونًا، وروى له مسلم والبقية. والله أعلم.\nوفي إسناده أيضًا حرب بن قيس:\nذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٣٠).\nوقال البخاري: قال ابن أبي مريم، عن بكر بن مضر، قال: زعم عمارة بن غزية أن حربًا كان رضا. التاريخ الكبير (٣/ ٦١).\n[تخريج الحديث]\nالحديث اختلف فيه على الدراوردي،\nفقيل: عن الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن حرب بن قيس، عن نافع عن ابن عمر كما في إسناد الباب.\nوقيل: عن الدراوردي، عن موسى بن عقبة، عن حرب بن قيس، عن نافع، عن ابن عمر بدون ذكر عمارة بن غزية وجعل بدلًا منه موسى بن عقبة.\nوقيل: عن الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن نافع، بدون ذكر حرب بن قيس. =","vol":"3","page":90},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أما رواية الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن حرب بن قيس، عن نافع عن ابن عمر. فأخرجه أحمد كما في حديث الباب، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٨٩٠) والخطيب في تاريخه (١٠/ ٣٤٧) من طريق علي بن المديني.\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٤٠) من طريق أبي مصعب،\nوالبزار كما في كشف الأستار (٩٨٨) من طريق أحمد بن أبان، ثلاثتهم عن الدراوردي به.\nوأخرجه ابن خزيمة (٩٥٠) من طريق يحيى بن أيوب (في المطبوع زياد).\nوأخرجه أيضًا (٢٠٢٧) من طريق بكر بن مضر، كلاهما عن عمارة بن غزية، عن حرب بن قيس، وزعم عمارة أنه رضى، عن نافع به.\nوأما طريق الدراوردي، عن موسى بن عقبة، عن حرب بن قيس.\nفأخرجه الطبراني في الأوسط (٥٣٠٢) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبير، قال: أخبرنا عبدالعزيز ابن محمد الدراوردي، عن موسى بن عقبة، عن حرب بن قيس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ إن الله يحب أن تؤتى عزائمه، كما يكره أن تؤتى معصيته.\nقلت: بعكس لفظ حرب بن قيس أن تؤتى رخصه.\nقال الطبراني: لم يدخل في هذا الحديث بين موسى بن عقبة وبين نافع (حرب بن قيس) إلا الدراوردي. اهـ\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٤٠) من طريق هارون بن معروف، عن الدراوردي، عن موسى بن عقبة به، بلفظ: إن الله يحب أن تؤتى رخصه.\nورجح البيهقي أن يكون الدراوردي سمعه منهما جميعًا أي من عمارة بن غزية، ومن موسى بن عقبة.\nوأما رواية الدراوردي، عن عمارة، عن نافع، بدون ذكر حرب بن قيس، فقد رواه قتيبة بن سعيد، عن الدراوردي، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد (٢/ ١٠٨) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمارة بن غزية، عن نافع به. ولم يذكر حرب بن قيس. بلفظ: إن الله يحب أن تؤتى رخصه ... إلخ.\nورواه ابن حبان (٣٥٦٨) عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمارة بن غزية، عن حرب بن قيس، عن نافع به. فذكر حرب بن قيس، وقال في آخره: كما يحب أن تؤتى عزائمه، بدلًا من لفظ أحمد: (كما يكره أن تؤتى معصيته).\nوعندي أن أرجح الطرق عن الدراوردي روايته عن عمارة بن غزية، عن حرب بن قيس، عن نافع؛ لأن الدراوردي قد توبع في حديثه عن عمارة بن غزية، تابعه بكر بن مضر البصري، كما =","vol":"3","page":91},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في صحيح ابن خزيمة (٢٠٢٧): (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تترك معصيته). وبكر بن مضر قال عنه في التقريب: ثقة ثبت.\nكما تابعه يحيى بن أيوب المصري، كما في صحيح ابن خزيمة (٩٥٠)، ويحيى بن أيوب، قال عنه الحافظ: صدوق ربما أخطأ.\nوتابعه أيضًا عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني، وهو ضعيف، كما في تاريخ بغداد (١٠/ ٣٤٧).\nوابن الأعرابي في معجمه (٢٢٣/آ) نقلًا من زوائد تاريخ بغداد (٧/ ٤٤٦). والله أعلم.\nوالحديث له شواهد:\nمنها حديث ابن عباس، عند ابن حبان (٣٥٤) قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن موسى، قال: حدثنا الحسين بن محمد الذارع، قال: حدثنا أبو محصن حصين بن نمير، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. وسنده صحيح.\nوشاهد آخر من حديث أنس عند الطبراني في الأوسط (٤٩٢٧) من طريق إسماعيل بن عيسى العطار، ثنا عمرو بن عبد الجبار، قال: عبد الله بن يزيد بن آدم،\nعن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: إن الله يحب أن تقبل رخصه، كما يحب العبد مغفرة ربه.\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء، وأبي أمامة وواثلة وأنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن عيسى.\nقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٦٢): «عبد الله بن يزيد ضعفه أحمد وغيره». اهـ\nقلت: والعطار وشيخه ضعيفان.\nوله شاهد ثالث من حديث عائشة أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٠٣٢) وابن عدي في الكامل (٥/ ٦٣) من طريق حفص بن عبد الله أبي عمر الحلواني، ثنا عمر بن عبيد بياع الخُمُر، عن هشام ابن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: قال النبي ﷺ إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه. زاد\nابن عدي: قلت: وما عزائمة؟ قال: فرائضه.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا عمر بن عبيد، تفرد به أبوعمر الضرير.\nقال ابن عدي: عمر بن عبيد البصري حديثه عن كل من روى عنه ليس بمحفوظ.\nوضعفه أبو حاتم. وذكره العقيلي في الضعفاء. انظر اللسان (٤/ ٣١٦) والميزان (٣/ ٢١٢). =","vol":"3","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1213>الدليل الثاني: أن المسح على الخفين أيسر على المكلف من غسلهما، خاصة في أيام الريح الباردة، والماء البارد، وما كان أيسر فهو أولى</span>.\n(٥٤٧ - ٤٤) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،\nعن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>الدليل الثالث:</span>\n(٥٤٨ - ٤٥) ما رواه النسائي في السنن الكبرى وغيره من طريق عاصم، عن زر، قال: سألت صفوان بن عسال عن المسح على الخفين، فقال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم، إلا من جنابة (^٢).\n[حسن] (^٣).\n_________\n= ورواه ابن عدي (٣/ ٣٥٤) من طريق سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، حدثني أخي عبدالله، عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه.\nوسعد بن سعيد المقبري في التقريب: لين الحديث، قال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا إلا أني ذكرته لأبين أن رواياته عن أخيه، عن أبيه، عن أبي هريرة عامتها لا يتابعه أحد عليها.\nفالخلاصة أن الحديث صحيح بطرقه، وحديث ابن عباس وابن عمر كافيان في الاستدلال، والله أعلم.\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٦٧) ومسلم (٢٣٢٧).\n(^٢) سنن النسائي الكبرى (١٤٤، ١٤٥).\n(^٣) انظر تخريجه (ح ٥٦٥، ٦٠١).","vol":"3","page":93},{"text":"وجه الاستدلال:\nفقوله: (يأمرنا) إذا لم يكن للوجوب، كان للندب، وهو دليل على أن المسح أفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>الدليل الرابع:</span>\nأن المسح على الخفين قد طعن فيه طوائف من أهل البدع، فكان إحياء السنن التي طعن فيه المخالفون أفضل من إماتتها،\nجاء عن سفيان الثوري أنه قال لشعيب بن حرب: لا ينفعك ما كتبت حتى ترى المسح على الخفين أفضل من الغسل (^١).\nوقد كان المصنفون في كتب العقائد يذكرون اعتقادهم بالمسح على الخفين بالرغم من أنه من مسائل الفقه ليتميز أهل السنة فيه عن غيرهم (^٢).\n(٥٤٩ - ٤٦) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة قال:\nكان إبراهيم في سفر، فأتى عليه يوم حار، فقال: لولا خلاف السنة لنزعت خفي (^٣).\nوقال ابن المنذر: وممن روى أن المسح على الخفين أفضل من الغسل الشعبي والحكم وأحمد وإسحاق، وكان ابن أبي ليلى والنعمان يقولان: إنا لنريد الوضوء فنلبس الخفين حتى نمسح عليهما.\nوروينا عن النخعي أنه قال: من رغب عن المسح على الخفين فقد رغب عن سنة محمد ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٧٤).\n(^٢) علق على هذا أحد مشايخي قائلًا: «هذا على التنزل في التفريق بين المسائل، وإلا فكل حديث صح عن رسول الله ﷺ فالإيمان به واعتقاده والعمل به عقيدة». اهـ\n(^٣) المصنف (١٩١٩) وهذا إسناد حسن.\n(^٤) الأوسط (١/ ٤٤٠).","vol":"3","page":94},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1216> دليل من قال المسح والغسل سواء:</span>\nقالوا: إن الأدلة جاءت بهذا وبهذا، ولم يرد دليل في الشرع ينص على أن الغسل أفضل، أو المسح أفضل، فيبقى الحكم واحدًا.\nقال ابن المنذر: «قد شبه بعض أهل العلم من لبس خفيه على طهارة وأحدث بالحانث في يمينه، قال: فلما كان الحانث في يمينه بالخيار إن شاء أطعم، وإن شاء كسا، ويكون مؤديًا للفرض الذي عليه، فكذلك الذي أحدث، وقد لبس خفيه على طهارة إن مسح، أو خلع خفيه فغسل رجليه مؤد ما فرض الله عليه، مخير في ذلك» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1217> دليل من قال إن كان عليه الخف فالأفضل المسح، وإلا فالأفضل الغسل</span>.\nقال ابن القيم: لم يكن يتكلف -يعني النبي ﷺ- ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين، غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه، وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل، قاله شيخنا (^٢). والله أعلم.\n• الراجح:\nبعد سياق هذا الخلاف بين أهل العلم في أيهما أفضل المسح أو الغسل؟ الذي يتبين لي أن ما قاله ابن القيم فيه توسط بين الأقوال، وإن كنت أميل إلى أن الغسل قد يكون أفضل، ووجهه: أن الغسل هو الغالب من فعل الرسول ﷺ بدليل أن عائشة لم تكن تعلم عن المسح على الخفين، وأحالت إلى علي بن أبي طالب ﵁ حين سُئلت عن المسح على الخفين، ولو كان يكثر منه رسول الله ﷺ ما غاب هذا الفعل عن بيت النبوة، عن أم المؤمنين ﵂، ولله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٤٤٠).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ١٩٩).","vol":"3","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1218>الفصل السادس تردد المسح بين الرخصة والعزيمة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الاختلاف في المسح هل هو رخصة أو عزيمة راجع إلى توصيف المسح:\nهل الأصل وجوب الغسل، والمسح ثبت بدليل راجح مخالف للأصل، فينطبق على المسح حد الرخصة: وهو ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح.\nأو أن المسح ليس بدلًا عن الغسل، وإنما الواجب في الوضوء أحد أمرين: إما الغسل وإما المسح، وكلاهما أصل بنفسه، وبالتالي يكون المسح عزيمة وليس رخصة، لكل قول مرجح، والقول بأن المسح عزيمة أقرب.\n[م-٢٢٦] اختلف الفقهاء هل المسح رخصة أم عزيمة،\nفقيل: إن المسح رخصة، وهو مذهب الأئمة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٢)، مراقي الفلاح (ص: ٥٣)، شرح فتح القدير (١/ ١٤٧).\nوانظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ١٤١)، مواهب الجليل (١/ ٣١٨)، وقال العدوي في حاشيته على الخرشي في معرض كلامه على إباحة المسح (١/ ١٧٦): «لأن الرخصة تارة تكون وجوبًا كوجوب أكل الميتة للمضطر، وتارة تكون ندبًا كندب القصر في السفر، وتارة تكون خلاف الأولى كخلاف أولوية فطر مسافر في رمضان، وتارة تكون إباحة كإباحة السلم، والرخصة هنا -يعني في المسح على الخفين- من ذلك القبيل». يعني: مباحة.\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٥١٠)، والروضة (١/ ١٣١)، الفتاوى الفقهية الكبرى - الهيثمي (١/ ٢٣٣).\nوأما مذهب الحنابلة، فقد قال ابن قدامة (١/ ١٨١): «ولو سافر لمعصية لم يستبح المسح أكثر من يوم وليلة؛ لأن يومًا وليلة غير مختصة بالسفر، ولا هي من رخصه، فأشبه غير الرخص، بخلاف ما زاد على اليوم والليلة؛ فإنه من رخص السفر، فلم يستبحه بسفر المعصية كالقصر والجمع». اهـ فنص على أنها رخصة، وانظر الإنصاف (١/ ١٦٩).","vol":"3","page":96},{"text":"وقيل: إن المسح عزيمة، وهو رواية عن أحمد (^١).\nومن ثمرة الخلاف، أن المسح إذا كان عزيمة، فإن المسافر يمسح مطلقًا سواء كان سفره مباحًا أو محرمًا.\nواختلف القائلون: بأن المسح رخصة هل يمسح العاصي بسفره أم لا، وقد جعلت هذا في بحث مستقل سوف يأتي بحثه إن شاء الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1219> دليل من قال المسح على الخفين رخصة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>الدليل الأول:</span>\n(٥٥٠ - ٤٧) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد، قال: حدثنا المهاجر أبو مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة،\nعن أبيه، عن النبي ﷺ أنه رخص للمسافر إذا توضأ، ولبس خفيه، ثم أحدث وضوءًا، أن يمسح ثلاثةَ أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلةً (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) قال في الإنصاف (١/ ١٦٩): «والمسح رخصة على الصحيح من المذهب. وعنه عزيمة».\n(^٢) رواه ابن ماجه (٥٥٦).\n(^٣) رواه البزار في مسنده (٣٦٢١) والدولابي في الكنى (١٧٤٤) وابن خزيمة في صحيحه (١٩٢) والدارقطني في السنن (١/ ٢٠٤) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٨١) عن محمد بن بشار،\nورواه البزار أيضًا (٣٦٢١) عن يحيى بن حكيم.\nورواه ابن خزيمة (١٩٢) والدارقطني (١/ ٢٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٨١) عن محمد بن أبان. =","vol":"3","page":97},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه ابن حبان في صحيحه (١٣٢٤) والدارقطني (١/ ١٩٤) من طريق محمد بن المثنى.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٨١) من طريق محمد بن أبي بكر.\nوالشافعي كما في مسنده (ص: ١٧)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (٢/ ١٠٨).\nورواه الدارقطني (١/ ١٩٤) من طريق أبي الأشعث.\nورواه الدارقطني (١/ ١٩٤) من طريق العباس بن يزيد.\nورواه الدارقطني (١/ ٢٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٨١) من طريق بشر بن معاذ العقدي، كلهم عن عبد الوهاب الثقفي، عن المهاجر بن مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، بلفظ: رخص للمسافر.\nورواه ابن حبان في صحيحه (١٣٢٨) من طريق عمر بن يزيد السياري، عن عبد الوهاب الثقفي به، ولم يقل رخص، ولفظه: وقت في المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ..\nوتابعه زيد بن الحباب إلا أنه قد اختلف عليه في إسناده:\nفرواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٨٧٨) عن زيد بن الحباب، عن عبد الوهاب به، بإسناد الجماعة، وليس فيه لفظ (رخص)، ولفظه: جعل للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يومًا وليلة.\nورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ١٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٧٦) من طريق الحسن بن علي بن عفان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. فخالف في إسناده، حيث أبدل المهاجر بخالد الحذاء، وليس فيه لفظ (رخص).\nقال الدارقطني في العلل (٧/ ١٥٥): «هذا وهم، والصحيح حديث مهاجر».\nيقصد بالصحة بالنسبة لهذا الاختلاف، ولا يقصد الإمام الدارقطني الصحة المطلقة.\nوالإسناد ضعيف: فيه مهاجر بن مخلد، في حفظه لين، وقال ابن معين: صالح. يعني والله أعلم صالح في دينه، ووثقه العجلي وابن حبان. وقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث، ليس بذاك، وليس بالمتين شيخ يكتب حديثه. الثقات (٧/ ٤٨٦)، الجرح والتعديل (٨/ ٢٦٢)، معرفة الثقات (٢/ ٣٠١)، الكامل (٦/ ٤٦٠)، الضعفاء الكبير (٤/ ٢٠٨).\nوفي التقريب: مقبول، يعني إن توبع، ولا أعلم أحدًا تابعه على هذا الإسناد، فالحديث ضعيف.\nوقال الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٧٥): «سألت محمدًا -يعني البخاري- فقلت: أي الحديث عندك أصح في التوقيت في المسح على الخفين؟ قال: حديث صفوان بن عسال، وحديث أبي بكرة حسن». اهـ\nولعل البخاري لم يقصد الحسن الاصطلاحي؛ وذلك لأن حديث صفوان حديث حسن، مداره على عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث وحديث أبي بكرة أقل منه درجة، فيكون ضعيفًا. والله أعلم.\nوأخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٠٨) في ترجمة مهاجر بن مخلد، وقال: والمتن معروف من =","vol":"3","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1221>الدليل الثاني:</span>\n(٥٥١ - ٤٨) ما رواه ابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، قال: سمعت الحكم بن عتيبة يحدث عن القاسم بن مخيمرة،\nعن شريح بن هانئ، قال: سألت علي بن أبي طالب في المسح على الخفين؟ فقال: رخص رسول الله ﷺ في المسح على الخفين في الحضر يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن (^١).\n[الحديث صحيح إلا أن لفظ: (رخص) غير محفوظ في الحديث] (^٢).\n_________\n= غير هذا الوجه، ولا يتابع مهاجر على هذه الرواية».\nوفي الكامل لابن عدي في ترجمة مهاجر (٨/ ٢٢٠)، عن أبي هشام المخزومي، قال: كان وهيب يعيب المهاجر يقول: لا يحفظ. اهـ\nوأورد له ابن عدي له خمسة أحاديث أنكرت عليه، وحديثنا هذا منها، ثم قال: «والمهاجر بن مخلد إنما عرف بهذه الأحاديث التي ذكرتها، وليس له غيرها إلا الشيء اليسير».\n(^١) صحيح ابن خزيمة (١٩٥)، وابن حبان (١٣٢٧).\n(^٢) قد رواه جماعة عن الحكم، ولم يذكر أحد منهم لفظ رخص، منهم:\nالأول: عمرو بن قيس. كما في مصنف عبد الرزاق (٧٨٩) وأحمد (١/ ١٣٤)، ومسلم (٢٧٦)، والدارمي (٧١٤)، والنسائي (١٢٨)، والبيهقي (١/ ٢٧٥).\nالثاني: زيد بن أبي أنيسة. كما في صحيح مسلم (٢٧٦).\nالثالث: الأعمش. كما في مسند أحمد (١/ ١١٣)، وأبي يعلى (٢٦٤)، والنسائي (١٢٩)، والبيهقي (١/ ٢٧٥).\nالرابع: شعبة، كما في مسند أحمد (١/ ١٢٠، ١٠٠)، والطيالسي (٩٢) وأبي عوانة، وابن ماجه (٥٥٢)، وصحيح ابن حبان (١٣٣١).\nالخامس: زبيد، عن الطحاوي (١/ ٨١).\nالسادس: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، كما في سنن البيهقي (١/ ٢٨٢).\nالسابع: الحجاج بن أرطاة، كما في مسند أحمد (١/ ٩٦)، كل هؤلاء رووه عن الحكم، ولم يذكر أحد منهم لفظ: (رخص).\nكما أن جميع من رواه عن القاسم بن مخيمرة لم يذكر لفظ (رخص) منهم أبو إسحاق السبيعي ويزيد بن أبي زياد وعبدة بن أبي لبابة، وقد تكلمت على جميع هذه الطرق في حكم المسح على الخفين، فانظره غير مأمور.","vol":"3","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1222>الدليل الثالث:</span>\n(٥٥٢ - ٤٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون،\nعن أبى عبد الله الجدلي سمعه يحدث عن خزيمة بن ثابت سألنا رسول الله ﷺ عن المسح على الخفين، فرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يومًا وليلةً.\nقال عبد الله: قال أبي: سمعته من سفيان مرتين يذكر للمقيم، ولو أطنب السائل في مسألته لزادهم (^١).\n[رجاله ثقات، وأبو عبد الله الجدلي لم يسمعه من خزيمة، وأكثر الرواة لم يذكروا لفظ (رخص)] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٥/ ٢١٣).\n(^٢) هذا الحديث رجاله ثقات، إلا أن العلماء اختلفوا في سماع أبي عبد الله الجدلي من خزيمة بن ثابت.\nفقد قال الترمذي في سننه (٩٥)، حديث حسن صحيح. وذكر الترمذي عن يحيى بن معين أنه صحح حديث خزيمة بن ثابت.\nوصححه ابن حبان، وصححه أبو عوانة، فهؤلاء أربعة من الأئمة حكموا بأنه صحيح، وبالتالي يكون متصلًا.\nوأعله البخاري بالانقطاع، قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث؟ فقال: لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح على الخفين؛ لأنه لا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة. انظر علل الترمذي الكبير (ص: ٥٣)، سنن البيهقي (١/ ٢٧٨)، وجامع التحصيل (٤٨٢).\nقال ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٢٧٩): «هذا بناء على ما حكي عن البخاري أنه يشترط ثبوت سماع الراوي عمن روى عنه، ولا يكتفي بإمكان اللقي، وحكى مسلم عن الجمهور خلاف هذا، وأنه يكتفى بالإمكان». اهـ\nقلت: قول البخاري: لا يعرف لأبي عبد الله سماع، يقصد بها أنه لم يسمع منه، ومن تتبع عبارات البخاري في التاريخ الكبير وجد مصداق هذا، فتارة يقول في مكان: لا يعلم له سماع، ثم يقول في مكان آخر، فلان لم يسمع من فلان. =","vol":"3","page":100},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وإذا جزم إمام من أئمة الجرح والتعديل بأن فلانًا لم يسمع من فلان قُبِل، ولا يرد بكونه عاصره، فإن هناك رواة كثيرين عاصروا رواة آخرين، ولم يسمعوا منهم شيئًا، ولا يُعَارض قول البخاري: بأن يحيى بن معين أو غيره صححه؛ لأن البخاري يجزم أن أبا عبد الله الجدلي لم يسمع من خزيمة، فيكون معه زيادة علم، هذا من جهة الاختلاف في اتصال إسناده، والله أعلم.\nوأما الاختلاف في إسناده، فرواه إبراهيم التيمي، وإبراهيم النخعي.\nأما إبراهيم التيمي، فاختلفت الرواية عنه:\nفقيل: عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلى، عن خزيمة، وهذا هو المعروف.\nوقيل: عن إبراهيم التيمي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة، بإسقاط عمرو بن ميمون. وإبراهيم التيمي لم يسمع الحديث من أبي عبد الله الجدلي.\nوقيل: عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عمرو بن ميمون، عن خزيمة. وهنا سقط أبو عبد الله الجدلي بين عمرو بن ميمون وبين خزيمة ﵁. وزيد الحارث بن سويد في إسناده بين إبراهيم وبين عمرو بن ميمون.\nوأما رواية إبراهيم النخعي، فرواه النخعي عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة، ولم يسمعه النخعي من أبي عبد الله الجدلي، وإنما سمعه من إبراهيم التيمي، فرجعت رواية النخعي إلى رواية إبراهيم التيمي، والمعروف منها: التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة، وقد علمت أن علة هذا الإسناد الكلام في سماع أبي عبد الله الجدلي من خزيمة بن ثابت.\nهذا ملخص الاختلاف، وإليك التفصيل.\nأما رواية إبراهيم التيمي: فله طرق عن إبراهيم:\nالطريق الأول: منصور، عن إبراهيم التيمي.\nرواه سفيان بن عيينة، عن منصور، واختلف على سفيان في لفظه:\nفرواه أحمد كما في حديث الباب،\nوالحميدي كما في مسنده (٤٣٤)، والطبراني في الكبير (٣٧٥٤)،\nوالطبراني في الكبير (٣٧٥٤) من طريق إبراهيم بن بشار. ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم التيمي به، بلفظ: (رخص لنا رسول الله ﷺ في المسح على الخفين ...).\nوخالفهم: يونس بن عبد الأعلى كما في شرح معاني الآثار (١/ ٨١) فرواه عن سفيان بن عيينة به، بلفظ: (جعل المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة) اهـ.\nورواه جرير، عن منصور، واختلف عليه فيه: =","vol":"3","page":101},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأخرجه ابن حبان (١٣٣٢) من طريق أبي خيثمة، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم التيمي به، بلفظ: (رخص لنا رسول الله ﷺ أن نمسح ثلاثًا، ولو استزدناه لزادنا).\nورواه الطبراني في الكبير (٤/ ٩٤) رقم ٣٧٥٧ من طريق عثمان بن أبي شيبة وإسحاق\nابن راهوية قالا: ثنا جرير، عن منصور به، بلفظ: (جعل لنا رسول الله ﷺ أن نمسح ثلاثًا، ولو استزدناه لزادنا)، فهذا اختلاف على جرير أيضًا.\nوخالفهما أبو عبد الصمد العمي، وزائدة بن قدامة، فروياه عن منصور بدون لفظ: (رخص) فأخرجه أحمد (٥/ ٢١٣) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٤/ ٩٣) رقم ٣٧٥٥.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٤/ ٩٣) من طريق مسدد وإسحاق بن راهوية وعلي بن المديني، أربعتهم (أحمد، ومسدد، وإسحاق، وابن المديني) رووه عن أبي عبد الصمد العمي، حدثنا منصور به، بلفظ: (امسحوا على الخفاف ثلاثة أيام، ولو استزدناه لزادنا). اهـ\nولم يذكر أن ذلك في السفر ولم يذكر مسح المقيم، وليس فيه لفظ (رخص).\nوراه البيهقي (١/ ٢٧٧) من طريق زائدة بن قدامة، قال: سمعت منصورًا يقول: كنا في حجرة إبراهيم النخعي، ومعنا إبراهيم التيمي، فذكرنا المسح على الخفين، فقال إبراهيم التيمي: ثنا عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت، قال: جعل لنا رسول الله ﷺ ثلاثًا، ولو استزدته لزادنا -يعني المسح على الخفين للمسافر-. اهـ\nوليس فيه لفظ (رخص).\nهذا بالنسبة للاختلاف على منصور في لفظ (رخص)،\nوقد اختلف على منصور من وجه آخر، فرواه سفيان بن عيينة وزائدة بن قدامة، وأبو\nعبد الصمد العمي وجرير، أربعتهم رووه عن منصور، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبدالله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت مرفوعًا.\nورواه أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم التيمي، عن أبي عبد الله الجدلي، فأسقط من إسناده عمرو بن ميمون، ولم يذكر أبو الأحوص لفظ (رخص).\nرواه أبو داود الطيالسي (١٢١٨)،\nورواه الطبراني (٤/ ٩٣) رقم ٣٧٦٥ من طريق مسدد وعمرو بن عون، ثلاثتهم عن أبي الأحوص به ..\nورواه إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي بإسقاط عمرو بن ميمون كرواية أبي الأحوص، وسوف تأتي إن شاء الله تعالى.\nوتبين لنا من خلال بحث هذا الطريق أن لفظ رخص انفرد بها سفيان بن عيينة، عن منصور، ورواه زائدة بن قدامة، وعبد العزيز بن عبد الصمد العمي، وجرير وأبو الأحوص، عن منصور بدون لفظ رخص. على أن سفيان بن عيينة وجريرًا قد اختلف عليهما. =","vol":"3","page":102},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكذا كل من رواه عن إبراهيم التيمي، لم يذكر لنا لفظ (رخص) كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\nوأعل بعضهم رواية التيمي بأنه لم يسمعه من عمرو بن ميمون، وأن بينه وبين عمرو بن ميمون واسطة، فقد رواه أحمد (٥/ ٢١٣) وابن ماجه (٥٥٤) من طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عمرو بن ميمون، عن خزيمة، فزيد في إسناده الحارث بن سويد بين إبراهيم التيمي، وعمرو بن ميمون، ولم يُذْكر أبو عبد الله الجدلي.\nقال أبو زرعة في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٢٢): «الصحيح من حديث إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة، عن النبي ﷺ».\nوقال الحافظ في الدراية (١/ ٧٨): «ورواه شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عمرو بن ميمون، عن خزيمة، فأسقط الجدلي بين عمرو بن ميمون وخزيمة، ولابد منه، وهذا مما أعلت به رواية التيمي».\nوقال الحافظ: وقد يجاب بأنه سمعه من عمرو، وسمعه عنه بواسطة، أو يكون من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأنه صرح في رواية زائدة بسماعه من عمرو، وأيضا فكيفما دار الإسناد فهو على ثقة.\nوجاء في نصب الراية (١/ ١٧٦): «الروايات متضافرة برواية التيمي له، عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة. وأما إسقاط أبي الأحوص لعمرو بن ميمون من الإسناد فالحكم لمن زاد، فإنه زيادة عدل، وأما زيادة الحارث بن سويد وإسقاط الجدلي، فيقال في إسقاط الجدلي ما قيل في إسقاط أبي الأحوص، وأما زيادة الحارث بن سويد، فمقتضى المشهور من أفعال المحدثين والأكثر أن يحكم بها، ويجعل منقطعًا فيما بين إبراهيم وعمرو بن ميمون؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يروي حديثًا عن رجل، عن ثالث، وقد رواه هو عن ذلك الثالث، لقدرته على إسقاط الواسطة، لكن إذا عارض هذا الظاهر دليل أقوى منه عمل به، كما فعل في أحاديث حكم فيها بأن الراوي علا ونزل في الحديث الواحد، فرواه على الوجهين، وفي هذا الحديث قد ذكرنا زيادة زائدة وقصة في الحكاية، وأن إبراهيم التيمي، قال: حدثنا عمرو بن ميمون، فصرح بالتحديث، فمقتضى هذا التصريح لقائل أن يقول: لعل إبراهيم سمعه من عمرو بن ميمون ومن الحارث بن سويد عنه.\nووجه آخر على طريقة الفقه، وهو أن يقال: إن كان متصلًا فيما بين التيمي وعمرو بن ميمون فذاك، وإن كان منقطعًا فقد تبين أن الواسطة بينهما الحارث بن سويد، وهو من أكابر الثقات، قال ابن معين: ثقة ما بالكوفة أجود إسنادًا منه. وقال أحمد بن حنبل: مثل هذا يسأل عنه، لجلالته ورفعة منزلته، وأخرج له الشيخان في الصحيحين وبقية الجماعة». اهـ كلام الزيلعي ﵀. =","vol":"3","page":103},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الثاني: سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي به.\nرواه سفيان الثوري، واختلف على سفيان به.\nفرواه عبد الرزاق كما في مصنفه (٧٩٠) ومن طريقه أحمد (٥/ ٢١٥)، والطبراني في الكبير (٣٧٤٩)، والبيهقي (١/ ٢٧٧).\nوعبد الرحمن بن مهدي، رواه عنه أحمد في مسنده (٥/ ٢١٤).\nوأبو نعيم (الفضل بن دكين) رواه عنه أحمد (٥/ ٢١٤) وابن أبي شيبة (١٨٦٤) ومن طريق\nأبي نعيم أخرجه ابن حبان (١٣٢٩) والطبراني (٣٧٤٩).\nثلاثتهم (عبد الرزاق، وابن مهدي، وأبو نعيم) رووه عن سفيان، عن أبيه (سعيد بن مسروق)، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت مرفوعًا بلفظ: جعل النبي ﷺ ثلاثة أيام للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم، وايم الله لو مضى السائل في مسألته لجعلها خمسًا.\nوفي هذه الرواية ذكر المقيم، وقال: (لجعلها خمسًا) بدلًا من قوله: (لزادنا).\nوخالفهم وكيع ومحمد بن يوسف الفريابي، فروياه عن سفيان به بإسقاط أبي عبد الله الجدلي.\nأخرجه ابن ماجه (٥٥٣) من طريق وكيع،\nوالخطيب البغدادي في تاريخه (٢/ ٥٠) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، كلاهما عن سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن خزيمة، لم يذكر أبا عبد الله الجدلي.\nوالراجح من رواية سفيان ذكر أبي عبد الله الجدلي في إسناده، فقد رواه غير سفيان عن سعيد بن مسروق بذكر أبي عبد الله الجدلي\nرواه عمر بن سعيد، رواه عنه الحميدي في مسنده (٤٣٥).\nوأبو عوانة كما في سنن الترمذي (٩٥) وسنن البيهقي (١/ ٢٧٦)،\nوعمار بن رزيق كما في المعجم الأوسط للطبراني (١٤٣٢) كلهم عن سعيد بن مسروق (والد سفيان) عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت به.\nالطريق الثالث: الحسن بن عبد الله، عن إبراهيم التيمي.\nأخرجه البيهقي في السنن (١/ ٢٧٧) أخبرنا أبو الحسن المقرئ، ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا فضيل بن سليمان، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي،\nعن خزيمة بن ثابت أن أعرابيًا سأل رسول الله ﷺ عن المسح على الخفين، فقال: ثلاثة أيام ولياليهن، وقال: ورأيت أنه لو استزاده لزاده، ولم يذكر المقيم.\nوإسناده إلى الحسن بن عبيد الله ثقات إلا الفضيل بن سليمان صدوق له خطأ كثير. هذا فيما =","vol":"3","page":104},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يتعلق برواية إبراهيم التيمي.\nوأما رواية إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة.\nفرواه حماد بن أبي سليمان تارة مقرونًا بالحكم، وتارة وحده.\nفأما روايته مقرونًا بالحكم فأخرجها أبو داود الطياليسي في مسنده (١٢١٩)، ومن طريق\nأبي داود أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨١)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٧٨).\nوعلي بن الجعد في مسنده (١٧٨).\nوأحمد (٥/ ٢١٥) قال: حدثنا عفان،\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢١٣) حدثنا محمد بن جعفر، وابن مهدي،\nوأخرجه أبو داود السجستاني (١٥٧) حدثنا حفص بن عمر،\nورواه الطحاوي (١/ ٨٢) من طريق حجاج بن منهال،\nورواه ابن الجارود في المنتقى (٨٦) من طريق عيسى بن يونس، كلهم عن شعبة، أخبرني حكم وحماد سمعا إبراهيم، عن أبى عبد الله الجدلي،\nعن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ أنه رخص ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلةً للمقيم.\nورواية إبراهيم النخعي ليس فيه زيادة (ولو استزدناه لزادنا) كذا رواه محمد بن جعفر\nوعبد الرحمن بن مهدي وعفان وأبو داود الطيالسي وحفص بن عمر، عن شعبة، عن حكم وحماد عن إبراهيم، عن أبى عبد الله الجدلي كما تقدم.\nوخالفهم بشر بن عمر، فأخرجه الطحاوي (١/ ٨١) من طريقه، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم وحده به بذكر الزيادة (ولو أطنب السائل في مسألته لزاده)، وأظن أن هذا وهم منه، إنما جاء ذكر الزيادة في حديث إبراهيم التيمي، حتى قال ابن دقيق العيد في الإمام كما في نصب الراية (١/ ١٧٥): «فأما رواية النخعي فإنها عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة وليس فيها ذكر الزيادة» اهـ.\nهذا فيما جاء من طريق الحكم وحماد مقرونين.\nوجاء الحديث من رواية حماد وحده عن إبراهيم به.\nرواها عبد الرزاق (٧٩١)، وأحمد (٥/ ٢١٣) عن الثوري.\nورواه الطحاوي (١/ ٨١) من طريق حماد بن سلمة، كلاهما عن حماد، عن إبراهيم به، وليس فيه ذكر الزيادة (ولو استزدناه لزادنا).\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢١٤) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا هشام، عن حماد به. وليس فيه ذكر الزيادة.\nورواه إسماعيل بن علية، عن هشام، واختلف على إسماعيل بذكر (ولو استزدناه لزادنا):\nفرواه ابن أبي شيبة (١٨٦٣) عنه، عن هشام الدستوائي، قال: حدثنا حماد به، بذكر زيادة: =","vol":"3","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1223>الدليل الرابع:</span>\nأن حد الرخصة منطبق على المسح على الخفين، فآية المائدة توجب غسل القدم، قال تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\n_________\n= (ولو استزدناه لزادنا).\nورواه أحمد (٥/ ٢١٣) وابن أبي شيبة في مسنده (١٧) عن إسماعيل به، بدون ذكر الزيادة.\nوأخرجه الطبراني (٣٧٧٢) إلى (٣٧٨٠) متسلسلًا من طرق عن حماد، عن إبراهيم به.\nوحماد: هو ابن أبي سليمان، في التقريب: فقيه صدوق، له أوهام، ورمي بالإرجاء\nكما رواه غير الحكم وحماد، عن النخعي.\nأخرجه أحمد (٥/ ٢١٤، ٢١٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٢)، والطبراني في الكبير (٣٧٨٢) من طريقين عن قتادة، عن أبي معشر،\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٠٣٥) وأبو محمد الفاكهي في فوائده (١٦٥) من طريق علي بن الحكم،\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٩٢٤) من طريق الحارث بن يزيد العكلي، ثلاثتهم (أبو معشر، وعلي بن الحكم، والحارث) عن إبراهيم النخعي به. وليس فيه ذكر الزيادة.\nقال شعبة: كما في العلل للإمام أحمد (١/ ١١٢)، والمراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٨)، وسنن الترمذي بإثر الحديث (٩٦): لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث خزيمة بن ثابت في المسح.\nقلت: يدل على ذلك ما رواه الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٧٢)، والبيهقي (١/ ٢٧٧) من طريق زائدة بن قدامة، عن منصور بن المعتمر قال: كنا في حجرة إبراهيم التيمي ومعنا إبراهيم النخعي، فحدثنا إبراهيم التيمي، قال: حدثنا عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، فذكر الحديث.\nقال البيهقي في السنن (١/ ٢٧٨): قصة زائدة عن منصور تدل على صحة ما قال شعبة. يعني بذلك عدم سماع النخعي للحديث من أبي عبد الله الجدلي.\nفدلت هذه الرواية أن النخعي لم يسمع هذا الحديث من أبي عبد الله الجدلي كما قال شعبة، وأن رواية إبراهيم النخعي ترجع إلى رواية إبراهيم التيمي، والتي سبق بحثها، وأن التيمي إنما سمع الحديث من عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، وتبقى علة الحديث الوحيدة، هو الاختلاف في سماع أبي عبد الله الجدلي من خزيمة بن ثابت ﵁، فالبخاري يجزم بعدم سماعه، وبعضهم صحح الحديث بما يدل على اتصاله، والله أعلم.","vol":"3","page":106},{"text":"وجاءت الأحاديث الصحيحة تدل على جواز المسح على الخفين نظرًا لمشقة النزع، فصدق عليها حد الرخصة، وهو كون المسح ثبت بدليل مخالف للأدلة التي توجب غسل الرجل، فكان المسح رخصة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1224> دليل من قال المسح عزيمة</span>.\nقالوا: لا تعارض بين المسح وغسل الرجل، فالغسل واجب إذا كانت القدم مكشوفة، والمسح واجب إذا كانت القدم في الخف، قال بعض مشايخنا: وخلع الخف لغسل الرجل بدعة خلاف السنة.\nوقال ابن مفلح: ويتعين المسح على لابسه: يعني الخف.\nفليس إيجاب المسح على الخفين معارضًا لغسلهما، وكل من لبس الخف جاز له المسح مطلقًا، سواء شق نزعه أم لا، وسواء كان في حاجة إلى لبسه أم لا، حتى الزمن الذي لا يمشي، وحتى المرأة التي في بيتها، وفي حال السفر أو حال الإقامة، فالمسح جائز ولو لم يكن هناك عذر.\n• وأجيب عن حديث: (رخص رسول الله ﷺ).\nأولًا: بأن لفظ (رخص) في الأحاديث لا تخلو من ضعف أو شذوذ.\nوثانيًا: بأن المراد بالرخصة المعنى اللغوي، وهي التسهيل والتيسير.\n• وأجيب على هذا الاعتراض:\nبأن الأصل حمل الكلام على حقيقته الشرعية، فلا تقدم الحقيقة اللغوية على الحقيقة الشرعية إلا بقرينة مانعة من إرادة المعنى الشرعي، ولا قرينة، وكون المسح جائزًا ولو لم يكن هناك عذر لا يمنع ذلك من كونه رخصة؛ لأن المعتبر في المشقة وجودها غالبًا، فلا يلزم وجودها مع كل شخص، فرخص السفر من قصر وجمع وفطر جائزة، وإن كانت المشقة ليست متحققة من كل مسافر، وهي رخص بالاتفاق. والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1225>الفصل السابع المسح على الخفين رافع للحديث</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل طهارة عن حدث تؤدى بها الصلاة فإنها رافعة له، لا مبيحة فقط.\n• المقصود برفع الحدث: هو رفع المانع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.\n• اختلفوا في التيمم هل هو مبيح أو رافع للحدث؟ والسبب أن وجود الماء يبطل طهارة التيمم؛ إذ لو كان التيمم رافعًا لما عاد المانع إلى البدن بعد رفعه، وقيل: إنه رفع مؤقت إلى حين وجود الماء.\nومثله المسح على الخفين، اختلفوا هل انتهاء مدة المسح يبطل الطهارة، أو يبطل طهارة القدمين على القول بعدم وجوب الموالاة، أو لا يبطل الطهارة مطلقًا وهو الصحيح؟ لهذا الاختلاف اختلفوا في المسح هل هو مبيح أو رافع؟\n• ينبني على القول بأن المسح مبيح فقط:\nأنه إذا نوى بطهارته نافلة لم يستبح به ما فوقها كالفريضة؛ لأن الفريضة أعلى، وإذا نوى بطهارته مس المصحف لم يصل به نافلة؛ إذ الوضوء للنافلة أعلى فهو مجمع على اشتراطه بخلاف الوضوء لمس المصحف، وهكذا.\nوقيل:\n• كل مسح ناب عن غسل فهو مبيح للصلاة لا رافع للحدث، وما سواه رافع (^١).\n_________\n(^١) الكليات الفقهية (ص: ٨٢).","vol":"3","page":108},{"text":"[م-٢٢٧] اختلف العلماء هل المسح على الخفين يرفع الحدث، أو لا يرفع الحدث ولكنه يبيح الصلاة؟ على قولين:\nفقيل: إنه رافع للحدث، وهذا القول عليه جمهور الشافعية (^١)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: إنه مبيح، وليس برافع، هو مذهب المالكية (^٣)، واختاره بعض الشافعية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1226> دليل من قال المسح رافع للحدث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>الدليل الأول:</span>\n(٥٥٣ - ٥٠) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب،\nعن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة (^٥).\nوجه الاستدلال:\nبأن الصلاة لا تقبل بغير طهارة: والنفي هنا نفي للصحة، فإذا كان ماسح الخفين صلاته صحيحة، فهو إذًا قد صلى متطهرًا، وإذا كان متطهرًا فقد ارتفع حدثه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن المسح على الخفين طهارة بالماء أشبه الغسل.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥٦١)، وروضة الطالبين (١/ ١٣٢، ١٣٣).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٦٩)، الفروع (١/ ١٦٩).\n(^٣) قال في مواهب الجليل (١/ ٣٢٣) «التيمم والمسح على الخفين والجبيرة لا يرفع الحدث على المذهب». وانظر حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٧٨).\n(^٤) المجموع (١/ ٥٦١)، وروضة الطالبين (١/ ١٣٢، ١٣٣).\n(^٥) مسلم (٢٢٤).","vol":"3","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1229>الدليل الثالث:</span>\nإذا كان مسح الرأس بالماء يرفع الحدث، فكذلك مسح الخف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1230>الدليل الرابع:</span>\nاستدل النووي على أنه يرفع الحدث، بأنه يصلي بالمسح فرائض، ولو كان لا يرفع لما جمع به فرائض كالتيمم، وطهارة المستحاضة.\nوالصحيح أن التيمم رافع لا مبيح، لكنه رفع مؤقت إلى وجود الماء، كما أن الصحيح في طهارة المستحاضة أنه لا يلزمها الوضوء من الحدث الدائم؛ لأنه ليس من فعلها، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] وسوف يأتي بحث هاتين المسألتين إن شاء الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1231> دليل من قال إن المسح مبيح لا رافع:</span>\nقالوا: بأن المسح طهارة تبطل بظهور الأصل، فلم ترفع الحدث كالتيمم.\nولأنه مسح قائم مقام الغسل، فلم يرفع الحدث كالتيمم.\nوالصحيح الأول، ولا نسلم أن المسح بدل عن الغسل، وإنما المفروض في القدم الغسل إن كانت مكشوفة أو المسح إن كانت مستترة بالخف،، كما أن الصحيح أن التيمم يرفع الحدث، وهو مطهر بنص القرآن والسنة.\nقال تعالى بعد أن ذكر طهارة الماء والتيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ و) [المائدة: ٦].\n(٥٥٤ - ٥١) وروى البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد، هو ابن صهيب الفقير، قال:\nأخبرنا جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من","vol":"3","page":110},{"text":"أمتي أدركته الصلاة فليصل. الحديث (^١). وهو في مسلم.\nفلا شك أن التيمم مطهر كالماء إلا أن طهارته مؤقتة إلى وجود الماء، فإذا وجد الماء عاد إليه حدثه السابق أصغر كان أو أكبر، وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة إن شاء الله تعالى، في كتاب التيمم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥) ومسلم (٥٢١).","vol":"3","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1232>الفصل الثامن لبس الخف بقصد المسح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المسح ليس بدلًا عن الغسل، وإنما الواجب في الوضوء أحد أمرين: إما الغسل وإما المسح.\n• كل غرض مباح في الشريعة، لا يكون قصده طريقًا إلى إسقاط واجب، أو فعل محرم لا يكون قصده مؤثرًا في الحكم، فالرجل إنما يلبس الخف ليمسح عليه، ولا يسافر الرجل ليفطر، نعم يتنزل الخلاف لو لبس الخف، وهو مُحْرِم من أجل أن يمسح، فهل له المسح، والقصد محرم؟\n[م-٢٢٨] اختلف العلماء في من لبس الخفين من أجل أن يمسح عليهما،\nفقيل: يجوز أن يلبس من أجل أن يمسح، وهو مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب المالكية (^٢)، واختاره ابن حزم (^٣)، وهو الراجح.\n_________\n(^١) قال في المبسوط (١/ ١٠٤): «إذا أراد أن يبول -يعني المتطهر- فلبس خفيه، ثم بال، فله أن يمسح على خفيه، ثم قال: ولما سئل أبو حنيفة ﵀ عن هذا، قال: لا يفعله إلا فقيه». اهـ وانظر بدائع الصنائع (١/ ١٠).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٣٢٢)، التاج والإكليل (١/ ٤٧١).\n(^٣) قال ابن حزم ﵀ في المحلى (١/ ٣٤١): «ومن تعمد لباس الخفين على طهارة ليمسح عليهما، أو خضب رجليه، أو حمل عليهما دواء، ثم لبسهما ليمسح على ذلك، أو خضب رأسه، أو حمل عليه دواء ثم لبس العمامة أو الخمار ليمسح على ذلك، فقد أحسن».","vol":"3","page":112},{"text":"وقيل: إن لبس من أجل أن يمسح فلا يجوز له المسح، وهو المعتمد في مذهب المالكية (^١).\nوقيل: يكره له المسح، وهو قول في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: لا يستحب له أن يمسح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) جاء في المدونة (١/ ٤١): عن ابن القاسم، أنه سأل مالكًا عن رجل على وضوء، فأراد أن ينام، فقال: ألبس خفي حتى إذا أحدثت، مسحت عليه، فقال له مالك: هذا لا خير فيه. وسأل مالكًا أيضًا عن المرأة تخضب رجليها بالحناء، وهي على وضوء، فتلبس خفيها لتمسح عليهما إذا أحدثت، أو نامت، أو انتقض وضوؤها. قال: لا يعجبني. اهـ\nهذا نص مالك، فحمل بعض أصحابه عبارته على المنع، وعليه قالوا: إن لبس من أجل أن يمسح، فمسح أعاد أبدًا. قال الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٣٢٢)، والخرشي في شرح خليل (١/ ١٨١): وهو المشهور. وقال الدردير في الشرح الكبير (١/ ١٤٤): وهو المعتمد. وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ (١/ ٨٠): «وأما من لبسهما ليمسح عليهما، فالمشهور من المذهب أنه لا يجزئ».\nبل إن المالكية ذهبوا إلى أبعد من هذا، فاشترطوا عدم الترفه بلبسه، قال في الشرح الصغير في ذكره شروط المسح على الخفين (١/ ١٥٦): «الرابع: ألا يكون مترفهًا بلبسه، كمن لبسه لخوف على حناء برجليه، أو لمجرد النوم به، أو لكونه حالمًا، ولقصد مجرد المسح، أو لخوف برغوث، فلا يجوز له المسح عليه».\nونص خليل عليه، فقال في مختصره (ص: ١٦): «بلا ترفه».\n(^٢) انظر مواهب الجليل (١/ ٣٢٢)، وذكر الباجي في المنتقى (١/ ٨٠): أنه قول أصبغ.\n(^٣) ظاهر كلام الحنابلة أنه لا يستحب له، ونفي الاستحباب لا يدل على نفي الإباحة، وإن كان استدلالهم في قولهم: كالسفر ليترخص يقتضي المنع؛ لأنه إذا كان لا يجوز للمسافر أن يسافر ليفطر، ولو سافر من أجل الفطر حرم عليه الفطر، فكان مقتضى استدلالهم أنه لا يجوز له أن يلبس ليمسح، ولكن الموجود في كتب الحنابلة نفي الاستحباب فقط، فليتأمل.\nانظر الإنصاف (١/ ١٦٩)، الفروع (١/ ١٥٨). وقال في الفروع (٢/ ٥٧) قال صاحب المحرر: «أما من لا خف عليه، وأراد اللبس لغرض المسح خاصة، فلا يستحب له، كما لا يستحب إنشاء السفر لغرض الترخص، كذا قال». اهـ","vol":"3","page":113},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1233> دليل من قال بجواز المسح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234><span data-type=\"title\" id=toc-1237>الدليل الأول:</span></span>\nقد جاء الإذن بالمسح على الخفين مطلقًا غير مقيد، وما جاء مطلقًا فهو على إطلاقه، لا يقيده إلا نص مثله من كتاب أو سنة أو إجماع، ولايوجد دليل يمنع الرجل من المسح إذا لبس الخفين على طهارة تامة، فمن منع فعليه الدليل، ولا دليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1235><span data-type=\"title\" id=toc-1238>الدليل الثاني:</span></span>\nأن الإنسان إنما يلبس الخفين ليمسح عليهما، فالغرض من لبس الخف هو المسح عليه، مع ما في ذلك من تدفئة القدمين في البرد الشديد، والريح الشديدة، فطلب المسح غرض صحيح، ليس محرمًا حتى يكون قصده مؤثرًا في الحكم، فيمنع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1236> دليل من قال لا يمسح</span>.\nالدليل الأول:\nالقياس على من سافر ليفطر، فإذا كان من سافر ليفطر حرم عليه الفطر، فكذلك من لبس ليمسح.\n• وأجيب:\nهناك فرق بين من سافر ليفطر، ومن لبس ليمسح؛ لأن الفطر الأصل فيه التحريم، جاز للمسافر لعلة السفر، فمن سافر طلبًا للفطر فقد تحايل على إسقاط الواجب، والحيل على المحرمات لا يبيحها، وعلى الواجبات لا يسقطها، ولا يوجد أحد يسافر من أجل الفطر، بخلاف الخف، فإن الإنسان يلبسه من أجل أن يمسح عليه، والمسح ليس محرمًا، فالغرض من لبس الخف هو المسح سواء قصد دفع المشقة أم لا، فقصد الفطر في السفر محرم، وقصد المسح في لبس الخف مباح، فافترقا.\nالدليل الثاني:\nأن القاعدة الفقهية تقول: إن تعاطي سبب الترخص لقصد الترخص لا يبيح","vol":"3","page":114},{"text":"الرخص، والمسح رخصة، فلبس الخف من أجل المسح من هذا الباب.\n• وأجيب:\nأولًا: المسح على الخفين هل هو رخصة أو عزيمة، فيه خلاف، وقد سبق الكلام عليه.\nثانيًا: على التسليم أن المسح رخصة، فإن الرخصة تارة يكون قصدها لا يسقط واجبًا، ولا يرتكب محرمًا، فيكون قصده صحيحًا، وليس محرمًا، وتارة تكون الرخصة سببًا في إسقاط واجب، أو ارتكاب محرم، فيكون قصد الترخص لا يجوز، كالسفر من أجل الفطر، فالفطر محرم، فالتحايل على إسقاطه لا يجوز، وأما اللبس من أجل المسح فليس محرمًا، لأن اللبس يقصد به المسح، فقصده غرض صحيح كما قدمنا، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1239> دليل من قال لا يستحب</span>.\nلعل الحنابلة أخذوه من حال النبي ﷺ بأنه لم يكن يتحرى لبس الخفين ليمسح عليهما، بل كان يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح إذا كان لابسًا للخفين، وهذا دليل لا يرقى للمنع، ولذا قالوا: لا يستحب لبس الخفين ليمسح عليهما.\nقال ابن القيم: «لم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما، ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخفين ليمسح عليهما» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ١٩٢).","vol":"3","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1240>الفصل التاسع في مسح من به حدث دائم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل طهارة مائية تصح بها الصلاة إذا لبس الخف على طهارتها جاز له أن يمسح عليها.\n• من ابتلي بحدث دائم يحق له المسح كغيره.\n• أكثر شروط المسح على الخفين لا دليل عليها.\n• من به حدث دائم إن كان حكمه حكم المحدث لم يكن له أن يصلي؛ لأن الله لا يقبل صلاة أحدنا إذا أحدث حتى يتوضأ، وإن كان في حكم الطاهر لم يمنع صاحبه من المسح على الخفين.\n• الرخص الشرعية عامة للصحيح والمريض، ومن أخرج المريض فعليه الدليل، بل إن المريض أولى بالرخصة من غيره.\n[م-٢٢٩] اختلف العلماء في من كان حدثه دائمًا كالمستحاضة، ومن به سلس بول، ونحوهما:\nفقيل: إذا لبس الخفين بعد الطهارة، وقبل أن يسيل شيء، مسح كغيره، وإن توضأ، والحدث قائم، أو أحدث بعد الوضوء، وقبل اللبس مسح ما دام الوقت باقيًا،","vol":"3","page":116},{"text":"ولم يكن له أن يمسح بعد خروج الوقت، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: المستحاضة ومن به حدث دائم كغيرهما له أن يمسح على خفيه، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: إن لبس الخف بعد وضوئه، فإن أحدث بغير حدثه الدائم وقبل أن يصلي به فريضة، مسح وصلى به فريضة واحدة، وما شاء من النوافل، وإن كان حدثه بعد صلاته تلك الفريضة، مسح لما شاء من النوافل، ولا يمسح به لصلاة أي فريضة. وهو مذهب الشافعية (^٤).\nوقيل: لا يمسح مطلقًا من به حدث دائم، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nوسبب اختلافهم خلافهم في طهارة المستحاضة، ومن به حدث دائم مقيس عليها.\n(٥٥٥ - ٥٢) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:\nجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا؛ إنما ذلك عرق، وليس\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٥)، شرح فتح القدير (١/ ١٤٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٣).\n(^٢) المدونة (١/ ١٤٤)، الخرشي (١/ ١٧٧)، مواهب الجليل (١/ ٣١٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤١).\n(^٣) شرح الزركشي (١/ ٣٨٣)، الإنصاف (١/ ١٦٩)، الفروع (١/ ١٦٨)، كشاف القناع (١/ ١١٤).\n(^٤) المجموع (١/ ٥٤٣، ٥٤٤)، روضة الطالبين (١/ ١٢٥)، الحاوي الكبير (١/ ٣٦٨)، مغني المحتاج (١/ ٦٤).\n(^٥) المجموع (١/ ٥٤٣، ٥٤٤).\n(^٦) الإنصاف (١/ ١٦٩)، الفروع (١/ ١٦٨).","vol":"3","page":117},{"text":"بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\nقال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (^١).\n[زيادة قال هشام قال أبي الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (^٢).\nوعليه فالمالكية لا يعتبرون خروج دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء، بل يستحب منه الوضوء ولا يجب؛ لأنه معفو عنه، مغلوب عليه، فإذا كان خروجه لا ينقض الوضوء، فكذلك لا يوجبه (^٣)، وهو الراجح.\nوأما الحنفية (^٤)، والحنابلة (^٥) فيرون وجوب الوضوء لوقت كل صلاة، فحملوا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٨).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد السابع، الطهارة بالاستنجاء (ح ١٥١٦).\n(^٣) قال صاحب مواهب الجليل (١/ ٢٩١): «طريقة العراقيين من أصحابنا، أن ما خرج على وجه السلس لا ينقض الوضوء مطلقًا وإنما يستحب منه الوضوء\nوالمشهور من المذهب طريقة المغاربة أن السلس على أربعة أقسام:\nالأول: أن يلازم، ولا يفارق، فلا يجب الوضوء، ولا يستحب؛ إذ لا فائدة فيه فلا ينتقض وضوء صاحبه إلا بالبول المعتاد.\nالثاني: أن تكون ملازمته أكثر من مفارقته، فيستحب الوضوء إلا أن يشق ذلك عليه لبرد أو ضرورة فلا يستحب.\nالثالث: أن يتساوى إتيانه ومفارقته، ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان ....\nوالرابع: أن تكون مفارقته أكثر، فالمشهور وجوب الوضوء خلافًا للعراقيين فإنه عندهم مستحب». اهـ\nوانظر حاشية الدسوقي (١/ ١١٦) وانظر بهامش الصفحة التاج والإكليل.\nوانظر الخرشي (١/ ١٥٢)، فتح البر في ترتيب التمهيد (٣/ ٥٠٨)، الاستذكار (٣/ ٢٢٥، ٢٢٦) القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٢٩).\n(^٤) الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٥٠٨) حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤) البحر الرائق (١/ ٢٢٦) مراقي الفلاح (ص ٦٠) شرح فتح القدير (١/ ١٨١) تبيين الحقائق (١/ ٦٤) بدائع الصنائع (١/ ٢٨).\n(^٥) المغني (١/ ٤٢١) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٠) كشاف القناع (١/ ٢١٥) الإنصاف (١/ ٣٧٧) الفروع (١/ ٢٧٩) شرح الزركشي (١/ ٤٣٧).","vol":"3","page":118},{"text":"قوله: (وتوضئي لكل صلاة) أي لوقت كل صلاة.\nوأما الشافعية فحملوا قوله: (وتوضئي لكل صلاة) أي لكل فريضة مؤداة أو مقضية، وأما النوافل فتصلي ما شاءت (^١).\nوأما ابن حزم فأوجب الوضوء لكل صلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج (^٢).\nوليس هذا موضع بسط هذه المسألة، وقد بسطت أدلتها في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية، فارجع إليه غير مأمور.\nإذا عرفنا هذا نأتي إلى استدلالهم في مسألة المسح على الخفين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1241> دليل من قال يمسح من به حدث دائم كغيره:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن الطهارة كاملة في حق من به حدث دائم، وإذا كانت كذلك، فقد لبس الخفين على طهارة فله أن يمسح، ولا يوجد دليل يمنع من به حدث دائم من المسح على الخفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1243>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان خروج الحدث لم يؤثر في نقض طهارته، وجاز له أن يستبيح بتلك الطهارة الصلاة، فكونه يستبيح به المسح على الخفين من باب أولى.\nقال زفر: «لما كان سيلان الدم عفوًا في حقها، بدليل جواز الصلاة معه، كان اللبس حاصلًا على طهارة» (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥٤٣، ٣٦٣)، مغني المحتاج (١/ ١١١)، روضة الطالبين (١/ ١٢٥، ١٤٧).\n(^٢) المحلى (مسألة: ١٦٨).\n(^٣) المبسوط (١/ ١٠٥).","vol":"3","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1244>الدليل الثالث:</span>\nمن المعلوم في قواعد الشريعة أن الإنسان المريض ليس كالصحيح، والمغلوب ليس كالمتعمد، والحدث الدائم ليس كالمنقطع، فالمستحاضة وكذا من به حدث دائم مريض مغلوب، لهذا يعتبر حدثه كأن لم يوجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>الدليل الرابع:</span>\nالحدث لا يبطل المسح حتى مع الرجل الصحيح، فكذلك من به حدث دائم، فكوننا نحكم عليه أنه محدث بعد خروج الوقت لا يبطل مسحه ما دام قد لبس الخف، وهو محكوم بطهارته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1246>الدليل الخامس:</span>\nقال ابن عقيل: «ولأنها مضطرة إلى الترخص، وأحق من يترخص المضطر» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1247> دليل من قال يمسح ما لم يخرج الوقت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>الدليل الأول:</span>\nقال في المبسوط: «سيلان الدم عفو في الوقت لا بعده، حتى تنتقض الطهارة بخروج الوقت، وخروج الوقت ليس بحدث، فكان اللبس حاصلًا على طهارة معتبرة في الوقت لا بعد خروج الوقت، فلهذا كان لها أن تمسح في وقت الصلاة، لا بعد خروج الوقت» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: بخروج الوقت عاد إليها الحدث السابق المتقدم على لبس الخف، فتكون كأنها لبست الخف، وهي محدثة، وقاسوها بمن تيمم، ثم لبس خفيه، ثم وجد الماء، فإنه بوجود الماء رجع إليه حدثه السابق المتقدم على لبس الخف، فوجب نزعه، والذي\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٧٥).\n(^٢) المبسوط (١/ ١٠٥).","vol":"3","page":120},{"text":"جعلهم يقولون برجوع الحدث السابق أن خروج الوقت على المستحاضة ليس حدثًا في ذاته، وإنما حكم لها برجوع حدثها السابق المتقدم على تلك الطهارة، والله أعلم.\n• وأجيب:\nبأن هذا القول لا يصح إلا بعد التسليم بصحة زيادة: (وتوضئي لكل صلاة) وأن المراد منه: (توضئي لوقت كل صلاة) وأنه بخروج الوقت يعود لها الحدث السابق على الطهارة ولبس الخف، وليس اعتبارًا للحدث القائم الذي لم ينقطع، وكل هذه الأمور محل نزاع، وليس إثباتها بظاهر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1250> دليل من قال يمسح فريضة واحدة:</span>\nقالوا: بأن طهارتها مقصورة على استباحة فريضة واحدة ونوافل، وهي محدثة بالنسبة لما زاد على ذلك، فكأنها لبست الخفين على حدث، بل لبست على حدث حقيقة، فإن طهارتها لا ترفع الحدث عندهم.\nوهذا أضعف الأقوال، لأنه فيه بعض التناقض؛ إذ كيف يسمح لها أن تصلي بتلك الطهارة نوافل، ولا تصلي بها فرائض، فإن كانت حين صلت تلك النافلة محدثة، لم تصح النافلة منها، وإن كانت طاهرة صحت، وصحت منها الفريضة، فما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل، ولا دليل هنا على التفريق.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1251> دليل من قال لا تمسح مطلقًا:</span>\nقالوا: لأنها محدثة، وإنما جوزت لها الصلاة مع الحدث الدائم للضرورة، ولا ضرورة للمسح على الخفين، بل هي رخصة بشرط لبسه على طهارة كاملة، ولم توجد مع من حدثه دائم.\nقلت: بل هي أولى بالمراعاة من إنسان لا يجب عليه الوضوء إلا إذا أحدث، بينما أنتم توجبون عليها الوضوء لكل صلاة، بل إن الشرع رخص لها بجمع الصلوات التي تجمع، ولم يرخص لغيرها إلا بسبب.","vol":"3","page":121},{"text":"• القول الراجح:\nبعد استعراض أدلة كل قول، يتبين لي أن مذهب المالكية والحنابلة أقوى الأقوال، وأن من كان به حدث دائم يمسح كغيره، وذلك لقوة أدلته، وللجواب عن الأدلة السابقة، ولكون المبتلى بهذا البلاء أحوج من غيره إلى الرخصة، ولعدم الدليل الدال على منع المستحاضة ومن به حدث دائم من المسح على الخفين، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1252>الباب الثاني في شروط المسح على الخفين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1253>الشرط الأول في طهارة الخف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل نجاسة لا تمنع وصول الماء إلى العضو الواجب غسله أو مسحه، فطهارته صحيحة.\n• لا يشترط لرفع الحدث طهارة سائر البدن من النجاسة.\n• صحة المسح على الخفين النجسين منفكة عن منع الصلاة بهما.\n[م-٢٣٠] ضد الطاهر النجس، والنجس تارة يكون نجسًا، وتارة يكون متنجسًا.\nفإن كانت عينه نجسة كما لو كان الخف من جلد خنزير فحكي الإجماع بأنه لا يمسح عليه.\nقال في مواهب الجليل: «لا يمسح على خف من جلد ميتة، لو دبغ على المشهور ...» (^١).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٢٠)، وذكر في الشرح الصغير (١/ ١٥٤) من شروط المسح على الخف أن يكون طاهرًا. وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١٤٣).","vol":"3","page":123},{"text":"وهذا بناء على أن الدباغ لا يطهر.\nوقال النووي: لا يصح المسح على خف من جلد كلب أو خنزير، أو جلد ميتة لم يدبغ، وهذا لا خلاف فيه (^١).\nوقال في الإنصاف: «ومنها طهارة عينه -يعني الخف- إن لم تكن ضرورة بلا نزاع» (^٢).\nفهذا النووي من الشافعية والمرداوي من الحنابلة ينقلان الإجماع على أنه لا يجوز المسح على الخف النجس في غير ضرورة، واستدلوا بالمنع:\nأولًا: ما حكي من الإجماع.\nثانيًا: أن الخف بدل عن الرجل، ولو كانت الرجل نجسة لم تطهر من الحدث مع بقاء النجاسة.\nوالصحيح في مسألة جلد الميتة إذا دبغ أنه طاهر، وليس هذا موضع بحثه.\nوإن كان الخف متنجسًا لا نجسًا، فقد اختلف العلماء في اشتراط طهارته من أجل المسح عليه.\nفقيل: لا يمسح عليه، فالمتنجس كالنجس، وهو مذهب المالكية (^٣)، والشافعية (^٤).\nقال النووي: «وكذا لا يصح المسح على خف أصابته نجاسة إلا بعد غسله؛ لأنه لا يمكن الصلاة فيه» (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥٣٩).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٨١).\n(^٣) حاشية الخرشي (١/ ١٧٩)، وقال في الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٤٣): «بشرط جلد طاهر أو معفو عنه، لا نجس ومتنجس». اهـ\nونقل الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير اعتراض الرماصي، وذلك لأن الطهارة من النجاسة عند المالكية ليست شرطًا لصحة الصلاة، فليتأمل.\n(^٤) مغني المحتاج (١/ ٦٥)، المجموع (١/ ٥٣٩).\n(^٥) المجموع (١/ ٥٣٩).","vol":"3","page":124},{"text":"وأجاز الحنابلة المسح على الخف المتنجس، ويستبيح به مس المصحف، ولا يصلي به إلا بعد غسله إن تمكن (^١).\nوصحح الحنابلة هنا الطهارة مع أنهم يمنعون الطهارة قبل الاستنجاء، وفرقوا بينهما: بأن النجاسة الموجبة للاستنجاء قد أوجبت طهارتين الحدث والخبث بخلاف الطهارة هنا، والصحيح أنه لا فرق بينهما.\nوالراجح صحة الطهارة إذا مسح على خف متنجس؛ لأن طهارة الحدث لا يشترط لها أن يكون البدن طاهرًا، وما دام أن النجاسة لا تمنع وصول الماء إلى العضو الواجب غسله أو مسحه، فطهارته صحيحة، ولولا ما حكي في المسألة من إجماع في الخف إذا كان نجس العين لقلت بصحة طهارته أيضًا، ويجوز له فيها مس المصحف على القول بوجوب الطهارة لمسه، وفي المسألة خلاف.\nفإذا حضرت الصلاة وجب عليه تطهير الخف أو خلعه، والدليل على أنه لا يجوز الصلاة في الخف المتنجس،\n(٥٥٦ - ٥٣) ما رواه أحمد من طريق أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،\nأن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nوحكم الخفين حكم النعلين، فإذا كان لا يصلي في نعليه إذا كان بهما أذى، فكذلك\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١١٦).\n(^٢) المسند (٣/ ٢٠، ٩٢).\n(^٣) سبق تخريجه في المجلد السابع (ح: ١٤٩٩).","vol":"3","page":125},{"text":"لا يصلي في خفيه إذا كان بهما خبث، إلا أن صحة المسح منفكة عن منع الصلاة بهما، فإذا حضرت الصلاة خلع خفيه، ولا يعيد المسح عليهما لصحته، والله أعلم.\nوقال في الإنصاف: «لو مسح على خف طاهر العين، ولكن بباطنه أو قدمه نجاسة لا يمكن إزالتها إلا بنزعه جاز المسح عليه، ويستبيح بذلك مس المصحف والصلاة إذا لم يجد ما يزيل النجاسة وغير ذلك» (^١).\nكما أنه إذا اضطر إلى لبس الخف النجس عينًا كما لو كان في بلاد الثلوج، وخشي سقوط أصابعه بخلعه، ففي مذهب الحنابلة وجهان:\nالأول: له أن يمسح عليه؛ لأنه لما أذن له في لبسه، جاز له أن يمسح عليه؛ ولأنه كالجنب إذا اغتسل، وعليه نجاسة لا تمنع وصول الماء ارتفع حدثه.\nورجحه ابن تيمية، قال: إن الخف الذي يتضرر بنزعه في حكم الجبيرة، وضرره يكون بأشياء، إما أن يكون في ثلج وبرد عظيم إذا نزعه ينال رجليه ضرر، أو يكون الماء باردًا لا يمكن معه غسلهما، فإن نزعهما تيمم، فمسحهما خير من التيمم، ووجه ترجيح المسح على التيمم، أن المسح يكون بالماء، والتيمم بالتراب، والمسح يكون على العضو المتعذر غسله، والتيمم يكون على عضوين فقط: الوجه واليدين، وليس على القدم، فإذا جاز له ترك طهارة الماء إلى التيمم، فلأن يجوز ترك طهارة الغسل إلى المسح أولى (^٢).\nالوجه الثاني: هو المشهور من مذهب الحنابلة أنه يتيمم، ولا يمسح.\nاختاره ابن عقيل وابن عبدوس والمجد؛ لأنه منهي عنه في الأصل، وهذه ضرورة نادرة (^٣).\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٨٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢١٦).\n(^٣) انظر المبدع (١/ ١٤٦)، والإنصاف (١/ ١٨١).","vol":"3","page":126},{"text":"كما أن المشهور من مذهب الحنابلة أنه يصلي بالخف النجس، ويعيد ما صلى؛ لأنه صلى، وهو حامل للنجاسة، والطهارة من النجاسة شرط في صحة الصلاة عندهم، والراجح أنه لا يعيد؛ لأنه فعل ما أمره الله به بحسب وسعه وطاقته، فلا إعادة عليه، ولم يوجب الله على العباد الصلاة مرتين إلا بتفريط. والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1254>الشرط الثاني\nفي اشتراط إباحة الخف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل النهي يقتضي الفساد؟\n• النهي إذا لم يكن عائدًا لذات المنهي عنه، ولا لوصف لازم لا ينفك عنه، بل لأمر خارج عنه، لم يكن النهي دالًا على الفساد.\n[م-٢٣١] الخف المباح في مقابل الخف المحرم، والمحرم نوعان:\nتارة يكون التحريم لحق الله، كما لو لبس الخف، وهو مُحْرِم، أو كان الخف من حرير، وهو رجل.\nوتارة يكون التحريم لحق الآدمي كالخف المغصوب والمسروق.\nوقد اختلف العلماء في المسح على الخف المحرم على أقوال:\nفقيل: يمسح عليه مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (^١)، وعليه أكثر الشافعية (^٢).\nوقيل: لا يجوز المسح عليه مطلقًا، سواء كان التحريم لحق الله، أو لحق الآدمي،\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٤٧)، العناية شرح الهداية (١/ ٤٧، ٤٨).\n(^٢) المجموع (١/ ٥٣٨، ٥٣٩).","vol":"3","page":128},{"text":"وهو المشهور عند الحنابلة (^١)، واختاره بعض الشافعية (^٢).\nوقيل: التفريق بين ما كان محرمًا لحق الله فلا يصح المسح، وبين ما كان لحق الآدمي فيصح المسح عليه، هو مذهب المتأخرين من المالكية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1255> دليل من قال لا يجوز المسح:</span>\nالقياس على الصلاة في الثوب المسبل، فإذا كانت الصلاة في ثوب حرام لا تصح، فكذلك المسح على شيء محرم لا يصح\n(٥٥٧ - ٥٤) فقد روى أحمد من طريق أبي جعفر، عن عطاء بن يسار،\nعن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: بينما رجل يصلي، وهو مسبل إزاره، إذ قال له رسول الله ﷺ: اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال له رسول الله ﷺ: اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال: ما لك يا رسول الله، ما لك أمرته يتوضأ؟ ثم سكت، قال: إنه كان يصلي، وهو مسبل إزاره، وإن الله ﷿\n_________\n(^١) تصحيح الفروع (١/ ١٦٤) مطبوع مع الفروع. وقال في الإنصاف (١/ ١٨٠): «ومنها -يعني: من شروط المسح- إباحته، فلو كان مغصوبًا أو حريرًا، أو نحوه لم يجز المسح عليه على الصحيح من المذهب والروايتين». إلخ كلامه.\n(^٢) المجموع (١/ ٥٣٨، ٥٣٩).\n(^٣) ذكر المالكية بأن المحرم لا يمسح إذا لبس الخف، فهو عاص بلبسه، وأما المغصوب فذكر خليل في متنه: «وفي خف غصب تردد». قال العدوي في حاشيته معلقًا (١/ ١٨١): «أي تردد في الحكم لعدم نص المتقدمين عليه». اهـ\nقلت: وأما المتأخرون فلهم قولان:\nالأول: المنع قياسًا على ما كان محرمًا لحق الله.\nالثاني: الإجزاء مع الإثم. قال في الشرح الكبير (١/ ١٤٤): «وهو المعتمد، قياسًا على الماء المغصوب». ورجحه الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ١٥٦).\nوقال في التاج والإكليل (١/ ٤٧١): «قال ابن عرفة: لا نص في الخف المغصوب، وقياسه على المُحْرِم -يعني لبس الرجل المحرم في النسك الخفين- يرد بأن حق الله آكد، وقياسه على مغصوب الماء يتوضأ به، والثوب يستتر به، والمدية يذبح بها والكلب يصاد به، والصلاة في الدار المغصوبة يرد بأنها عزائم». اهـ","vol":"3","page":129},{"text":"لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره (^١).\n[حديث ضعيف، ومتنه منكر] (^٢).\nوجه النكارة فيه:\nإذا كانت الصلاة لا تقبل من أجل الإسبال، فلماذا يطلب منه إعادة الوضوء، وهو لم يحدث، ما بال الوضوء؟!\nولماذا لم يبلغه بأن يرفع إزاره، فقد يكون الرجل جاهلًا، والبلاغ تعليمه ما أخطأ فيه، لا أن يحيله على أمر قد أحسنه، فما إعادته للوضوء إلا عبث، حتى تجديد الوضوء لا يشرع في هذه الصورة؛ لأنه ما إن فرغ من وضوئه حتى طلب منه أن يعيده، لا لنقص في الوضوء، ولكن لأن صلاة المسبل إزاره لا تقبل!!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>الدليل الثاني:</span>\nأن المسح رخصة على قول، وإذا كان رخصة فإن العاصي لا يستحق أن أن يترخص، قال تعالى:\n(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة: ١٧٣].\nوالباغي عندهم: الخارج على الإمام، والعادي: هو المحارب وقاطع الطريق، فإذا كان الله لم يبح أكل الميتة للمضطر إذا كان عاصيًا، فغيرها من الرخص من باب أولى.\n• وأجيب:\nبأن المراد بالباغي: من يأكل فوق حاجته، والعادي: من يأكل هذه المحرمات، وهو يجد عنها مندوحة، فليس في الآية دليل على ما ذكرتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>الدليل الثالث:</span>\nإذا صححنا المسح على الخف المحرم نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثرًا\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٦٧).\n(^٢) سبق تخريجه في المجلد الأول ح (٩).","vol":"3","page":130},{"text":"صحيحًا، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ.\n(٥٥٨ - ٥٥) وقد روى مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد قال:\nأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^١).\nومعنى رد: أي مردود عليه، والمسح على الخف المحرم خلاف أمر الله ورسوله ﷺ.\n• وأجيب:\nبأن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحًا، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، ولأن النهي ليس بسبب الطهارة، وإنما هو عائد إلى أمر خارج، وهو الغصب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1258>الدليل الرابع:</span>\nجاء في المجموع: «المسح إنما جاز لمشقة النزع، وهذا عاص بترك النزع، واستدامة اللبس، فينبغي ألا يعذر» (^٢).\n• ويجاب:\nبأن مشقة النزع هي الحكمة من مشروعية المسح، وليست علة في المسح، فيجوز المسح على الخف سواء شق نزعه أو لم يشق، وإذا كان العصيان لترك النزع لم يكن المسح نفسه معصية، فكما لو ذبح بمدية مغصوبة لم تحريم الذبيحة، وكما لو كان الصوم يضره، فصام صح صومه، وإن كان عاصيًا بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>الدليل الخامس:</span>\nقال بعض الشافعية: تجويز المسح على الخف المغصوب يؤدي إلى إتلافه بالمسح\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧١٨).\n(^٢) المجموع (١/ ٥٣٨).","vol":"3","page":131},{"text":"عليه، واستعماله بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة، فإن الصلاة فيها والجلوس سواء.\nورده الروياني من الشافعية، فقال: هذا غلط؛ لأنه إذا توضأ بالماء المغصوب فقد أتلفه، ولم يمنع ذلك الصحة (^١).\nقلت: هذا التنظير على مذهب الشافعية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1260> أدلة القائلين بصحة المسح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل المقتضي لفساد الطهارة، فهذا قد تطهر الطهارة الشرعية بغسل ما يجب غسله، ومسح ما يجب مسحه، فطهارته صحيحة، ولا يحكم ببطلانها إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>الدليل الثاني:</span>\nأن المنع في المسح على الخف لا يختص بالطهارة، فالغاصب مأذون له في المسح في الجملة، والمنع عارض أدركه من جهة الغصب، لا من جهة الطهارة، فأشبه غاصب ماء الوضوء، ومدية الذبح، وكلب الصيد، فيأثمون، ويصح فعلهم.\nوالقاعدة الشرعية: أن العبادة الواقعة على وجه محرم:\nإن كان التحريم عائدًا إلى ذات العبادة، كصوم يوم العيد، لم تصح العبادة.\nوإن كان التحريم عائدًا إلى شرطها على وجه يختص بها كالصلاة بالثوب النجس على القول بأن الطهارة من النجاسة شرط، لم تصح إلا لعاجز أو عادم على الصحيح.\nوإن كان التحريم عائدًا إلى شرط العبادة، ولكن لا يختص بها، ففيها روايتان:\nفقيل: يصح، وهو الأرجح.\nوقيل: لا يصح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥٣٨).","vol":"3","page":132},{"text":"وإن كان التحريم عائدًا على أمر خارج لا يتعلق بشرطها، كالوضوء من الإناء المحرم، فالراجح صحة العبادة، وعليه الأكثر (^١).\nوهنا المنع ليس عائدًا على شرط العبادة التي هي الطهارة، وإنما عائد على أمر خارج، وهو الغصب، فهو وصف عارض لا تعلق له بالطهارة، فيصح المسح، والله أعلم.\nوهذا هو القول الراجح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر بتصرف القاعدة التاسعة من قواعد ابن رجب الفقهية (ص: ١٢)، وفي مسألة اعتبار الطهارة من النجاسة شرطًا لصحة الصلاة خلاف بين أهل العلم، وإن كنت أميل إلى مذهب المالكية، وأن الطهارة منها واجبة، وليست شرطًا، وهذا مذهب الشوكاني رحمه الله تعالى.","vol":"3","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1263>الشرط الثالث\nفي اشتراط كون الخف ساترًا لما يجب غسله</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• شروط العبادة متلقاة من الشارع، ومبناها على التوقيف.\n• الأصل في شروط العبادة كالأصل في العبادة نفسها، الأصل فيهما المنع والحضر إلا بدليل، والأصل في شروط العقود كالأصل في العقود الصحة والجواز.\n[م-٢٣٢] إذا كان الخف فيه فتق أو خرق نظر:\nفإن كان الخرق فوق الكعب جاز المسح عليه بلا خلاف (^١).\nوإن كان الخرق في محل الفرض، فاختلفوا:\nفقيل: يمسح عليه مطلقًا ما أمكن المشي فيها، وهو قول سفيان الثوري، وإسحاق، وابن المبارك، وابن عيينة (^٢)، واختاره ابن تيمية (^٣).\nوقيل: لا يمسح عليه مطلقًا، ما دام أنه يظهر منه شيء، وهو القول الجديد في\n_________\n(^١) حكى النووي الإجماع على ذلك في المجموع (١/ ٥٢٣).\n(^٢) نقله عنهم ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٤٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧٢).","vol":"3","page":134},{"text":"مذهب الشافعية (^١)، والمشهور عند الحنابلة (^٢).\nوقيل: التفريق بين الخرق اليسير والخرق الكبير، وهو مذهب الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، على خلاف بينهم في حد اليسير والكثير (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1264> دليل من قال: لا يجوز المسح على الخف المخرق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1265>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن القدر الذي ظهر من القدم فرضه الغسل، والجمع بين المسح والغسل لا يجوز.\n• واعترض:\nبأننا لا نسلم بالمقدمة، حتى نسلم بالنتيجة، فأين الدليل على أن ما ظهر فرضه الغسل، قال ابن تيمية: «قول القائل: إن ما ظهر فرضه الغسل ممنوع، فإن الماسح على\n_________\n(^١) الحاوي (١/ ٣٦٢)، والمجموع (١/ ٥٢٢)، ومغني المحتاج (١/ ٦٥)، وروضة الطالبين (١/ ١٢٥).\n(^٢) جاء في مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ١٦): «سمعت أحمد سئل عن الخف المخرق يمسح عليه؟ قال: إذا استبانت رجله فإنه لا يجزئه، وذلك أنه وجب عليه غسلهما». وانظر مسائل ابن هانئ (١/ ١٨)، وفي مسائل ابنه صالح (١٣١٦): «قلت: الخف إذا كان مخرقًا يمسح عليه؟ قال: إذا بدا من القدم فلا يمسح؛ إلا أن يكون عليه جورب، أو يكون خرق ينظم على القدم».اهـ وانظر الفروع (١/ ١٥٩)، المبدع (١/ ١٤٤)، الإنصاف (١/ ١٨١، ١٨٢).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ١١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٩)، تبيين الحقائق (١/ ٤٩)، مراقي الفلاح (ص: ٥٣).\n(^٤) حاشية الخرشي (١/ ١٨٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٢٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٣).\n(^٥) ذهب الحنفية إلى أنه إن بدا منه ثلاثة أصابع، فهو كثير، وإن بدا منه أقل فهو قليل، وتجمع الخروق من خف واحد، لا من الخفين لانفصال أحدهما عن الآخر، وهل تقدر بأصابع الرجل أم اليد قولان في مذهبهم.\nوأما المالكية فاليسير عندهم ما كان دون الثلث، فإن بدا من الخرق ثلث القدم فأكثر لم يجز المسح عليه، وإن كان ما يبدو أقل من الثلث، فهو قليل، ويجوز المسح عليه، انظر العزو إلى ما سبق من كتبهم.","vol":"3","page":135},{"text":"الخف لا يستوعبه بالمسح كالمسح على الجبيرة، بل يمسح أعلاه دون أسفله وعقبه، وذلك يقوم مقام غسل الرجل، فمسح بعض الخف كاف عما يحاذي الممسوح، وما لا يحاذيه، فإذا كان الخرق في العقب لم يجب غسل ذلك الموضع، ولا مسحه، ولو كان على ظهر القدم لم يجب مسح كل جزء من ظهر القدم ..» إلخ كلامه ﵀ (^١).\nوأما قولكم: إنه لا يجتمع مسح وغسل في عضو واحد فهذا منتقض بالجبيرة إذا كانت في نصف الذراع، فإنك تغسل الذراع، وتمسح الموضع الذي فيه الجبيرة، فاجتمع مسح وغسل في عضو واحد، على أننا لا نرى في الخف المخرق أن يغسل ما ظهر، بل يكفي مسح ظاهر القدم سواء كان مخرقًا أو مستترًا، ولا دليل لمن قال: يغسل ما ظهر، ويمسح ما استتر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>الدليل الثاني:</span>\nأن الأصل وجوب غسل الرجلين، قال تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\nفكان مطلق الآية يوجب غسل الرجلين إلا ما قام دليله من المسح على خفين صحيحين.\n• وأجيب:\nبل الإذن مطلق لكل ما يسمى خفًا، فأين الدليل على كون الخفين سالمين من الخرق، فهذا هو موضع النزاع، فلو كان الدليل يدل على اشتراط كون الخفين صحيحين لم نختلف معكم، ولكن لا يوجد دليل يدل على اشتراط ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إذا انكشفت إحدى الرجلين لم يجز المسح على الأخرى، فكذلك إذا انكشف بعض القدم لم يجز المسح على الباقي من باب أولى؛ لأنه إذا كان انكشاف\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢١٣).","vol":"3","page":136},{"text":"إحدى الرجلين يؤثر على الأخرى، وهي منفصلة عنها، فكونه يؤثر في الرجل نفسها المتصلة ببعض من باب أولى.\n• وأجيب:\nليست العلة هي انكشاف القدم، ولكن العلة هي النهي عن المشي في نعل واحدة، ومثله الخف، فإن كان ترك إحدى القدمين لعلة، فلا مانع من المسح على الأخرى، وسوف يأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1268> أدلة القائلين بجواز المسح على الخف المخرق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>الدليل الأول:</span>\nأن النبي ﷺ مسح على الخفين، وأذن بالمسح، وإذنه ﷺ عام أو مطلق والعام والمطلق على عمومه وإطلاقه فكلما وقع عليه اسم خف، فالمسح عليه جائز على ظاهر الأخبار، ولا يخصص العام ولا يقيد المطلق إلا بدليل؛ لأن تقييد ما أطلقه الله ورسوله ﷺ كإطلاق ما قيده الله ورسوله ﷺ سواء بسواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>الدليل الثاني:</span>\nاشتراط كون الخف سليمًا من الخروق هذا الشرط هل هو في كتاب الله، أو في سنة رسول الله ﷺ، أو من عمل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن لم يكن، فكل شرط ليس في كتاب الله أي في حكم الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>الدليل الثالث:</span>\nمعظم الصحابة فقراء، وخفافهم لا تخلو من فتوق أو خروق، ولو كان الفتق والخرق مؤثرًا لوجب على النبي ﷺ أن يبينه لهم؛ لأن الأمر متعلق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، فلما لم يبينه لهم علم أن الفتق والخرق لا يمنع من المسح. وهذا من أوضح الأدلة.","vol":"3","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1272>الدليل الرابع:</span>\nفعل الصحابة ﵃، قال ابن تيمية: «أصحاب النبي ﷺ الذين بلغوا سنته، وعملوا بها، لم ينقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفين، مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعلم أنهم كانوا قد فهموا عن نبيهم ﷺ جواز المسح على الخفين مطلقًا» (^١).\nوروى عبد الرزاق في المصنف، قال: قال الثوري: امسح عليها ما تعلقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة مشققة، مرقعة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1273>الدليل الخامس:</span>\nاشتراط كون الخفاف سليمة من الخروق ينافي المقصود من الرخصة، فإن المقصود من المسح على الخفين التيسير على المكلفين، ولهذا اكتفى الشرع بمسح ظاهره، بينما في غسله يجب غسل جميع القدم.\nقال ﷺ في الحديث المتفق عليه: ويل للأعقاب من النار.\nفلو قلنا: لا يجوز المسح إلا على الخف السليم بطل المقصود من الرخصة، لا سيما والذين يحتاجون إلى ذلك هم الأكثر، وهم المحتاجون، وهم أحق بالرخصة من غير المحتاجين، فإن سبب الرخصة هو الحاجة، ولهذا قال ﷺ لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: (أو لكلكم ثوبان) فبين أن منكم من لا يجد إلا ثوبًا واحدًا فلو أوجب الثوبين لما أمكن هؤلاء أداء الواجب (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1274>الدليل السادس:</span>\nتناقض قول من يشترط أن يكون الخف ساترًا لما يجب غسله خاليًا من الخروق\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧٥).\n(^٢) المصنف (٧٥٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧٥).","vol":"3","page":138},{"text":"يدل على ضعف الشرط، فبعضهم يقول: لا يجوز، ولو كان الخرق بمقدار رأس المخراز، وبعضهم يمنع ظهور ثلاثة أصابع، ولا يمنع ما دونها، وبعضهم يحده بالثلث، وبعضهم يوجب غسل ما ظهر، ومسح الباقي، فهذا الاختلاف دليل على أن الأمر ليس من عند الله، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢] فالتحديد بمقدار معين لابد فيه من توقيف شرعي، فإنه لا يبدو فرق بين الأصبعين والثلاثة، ولا ما بين الثلث وما دون الثلث بقليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1275>الدليل السابع:</span>\nإذا كان المسح على الخفين إنما شرع لمشقة نزعهما، فلا فرق في ذلك بين الخف الذي فيه خرق، وبين الخف الذي لا خرق فيه، فالمشقة موجودة فيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1276>الدليل الثامن:</span>\nقالوا: إذا كان لبس الخف المخرق محرمًا على المُحْرِم، ويسمى خفًّا، فلما لم يخرجه خرقه عن مسمى الخف لم يمنع من المسح عليه لبقاء اسم الخف عليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1277> دليل القائلين بالتفريق بين اليسير والكثير:</span>\nلا يخلو أي خف من فتوق وخروق، حتى ولو كان جديدًا فأثار الزرور والأشافي خرق فيه (^١)، ولهذا يدخله التراب، فجعلنا القليل عفوًا لهذا. فأما إذا كان الخرق كبيرًا فلا يجوز المسح عليه، وقدرنا القليل بما دون ثلاثة أصابع؛ لأنه إذا ظهر ثلاثة أصابع ظهر أكثر الأصابع، وللأكثر حكم الكل (^٢).\nوالدليل على أن القليل معفو عنه أن جماهير أهل العلم كانوا يعفون عن ظهور يسير العورة، وعن يسير النجاسة التي يشق الاحتراز منها، فالخرق اليسير في الخف من باب أولى.\n_________\n(^١) الأشافي: جمع الإشفى: وهو المخرز. انظر المغرب في ترتيب المعرب (ص: ٢٥٤).\n(^٢) انظر المبسوط (١/ ١٠٠).","vol":"3","page":139},{"text":"قال ابن تيمية: «كان أحدهم -يعني الصحابة- يصلي في الثوب الضيق، حتى إنهم كانوا إذا سجدوا تقلص الثوب فظهر بعض العورة، وكان النساء نهين عن أن يرفعن رؤوسهن حتى يرفع الرجال رؤوسهم، لئلا يرين عورات الرجال من ضيق الأزر، مع أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارج الصلاة بخلاف ستر الرجلين في الخف» (^١).\nوأما دليل المالكية بتقدير القليل بما دون الثلث، واعتبار الثلث فما فوق من الكثير، فلعلهم يستدلون بما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين،\n(٥٥٩ - ٥٦) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص،\nعن أبيه رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. فقلت: بالشطر؟ فقال: لا، ثم قال: الثلث، والثلث كبير، أو كثير (^٢). الحديث.\nفسمى الثلث بأنه كثير، فعموم هذا اللفظ يدل على أن الثلث في كل شيء كثير.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1278> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nالراجح القول بجواز المسح على الخف المخرق مطلقًا، سواء كان الخرق يسيرًا أو كبيرًا ما دام أنه يسمى خفًا.\nوقد يكون الخف ليس فيه خرق، ولكنه يصف البشرة، بكونه غير صفيق، فالمالكية يمنعون المسح عليه، ويفهم ذلك من اشتراط التجليد عندهم (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧٤).\n(^٢) صحيح البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨).\n(^٣) انظر شروطهم في المسح على الجورب، فقد ذكرنا مراجعهم، وانظر الشرح الصغير (١/ ٢٢٩).","vol":"3","page":140},{"text":"والحنابلة لا يجيزون المسح على ما يبدو منه القدم، سواء كان ذلك لخرق فيه، أو كان واسعًا يرى منه الكعب، أو كان الجورب خفيفًا يصف القدم، كل ذلك عندهم مانع من المسح (^١).\nوأجاز الشافعية المسح على الخف الشفاف.\nقال النووي: «إذا لبس خف زجاج يمكن متابعة المشي عليه، جاز المسح عليه، وإن كانت ترى تحته البشرة، بخلاف ما لو ستر عورته بزجاج، فإنه لا يصح إذا وصف لون البشرة؛ لأن المقصود سترها عن الأعين، ولم يحصل، والمعتبر في الخف عسر القدرة على غسل الرجل بسبب الساتر، وذلك موجود، ثم قال: ولا نعلم أحدًا صرح بمنعه، وقد نقل القاضي حسين جوازه عن الأصحاب مطلقًا» (^٢).\nومن هذا نفهم أن الذي منع المسح من الجورب إذا كانت تصف البشرة لا دليل معه على المنع، فأين الدليل على اشتراط كونها صفيقة.\nوإذا جوزنا المسح على الخف المخرق جوزنا المسح على غيره، سواء كان الخف واسعًا يرى منه الكعب، أو كان الجورب خفيفًا يصف القدم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١١٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦١).\n(^٢) المجموع (١/ ٥٢٩).","vol":"3","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1279>الشرط الرابع\nفي اشتراط ثبوت الخف بنفسه على القدم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• شروط العبادة متلقاة من الشارع، ومبناها على التوقيف.\n• شروط العبادة صفات فيها، وصفات العبادة كالعبادة لا تثبت إلا بدليل.\n• القول في شروط العبادة كالقول في العبادة نفسها الأصل فيهما المنع والحضر إلا بدليل.\n• أكثر شروط المسح على الخفين هي من صنع الفقهاء لا دليل عليها.\n[م-٢٣٣] اختلف الفقهاء في اشتراط أن يثبت القدم بنفسه على الخف،\nفقيل: لا يمسح ما يسقط من القدم، وهو مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب المالكية (^٢)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) سيأتي العزو إليه قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^٢) قال في الشرح الصغير (١/ ١٥٥): «لا بد من ستر المحل بذاته، ولو بمعونة أزرار، لا ما نقص عنه، ولا ما كان واسعًا ينزل عن محل الفرض».\nوقال في حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٨٠): «قوله (فلا يُمْسَح واسع) أي: لا يستقر جميع القدم أو جلها في محله من الخف». وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١٤٣).\n(^٣) انظر روضة الطالبين (١/ ١٢٦)، وقال النووي في المجموع (١/ ٥٢٨): «ولو اتخذ خفًا واسعًا لا يثبت في الرجل إذا مشى فيه، أو ضيقًا جدًّا لا يمكن المشي فيه، فوجهان: أصحهما لا يجوز المسح عليه». اهـ","vol":"3","page":142},{"text":"وإذا كان الخف لا يثبت في القدم إلا بشده لم يجز المسح عليه عند الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل: يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا بأنفسهما بل بنعلين، وهو رواية في مذهب أحمد (^٣).\nوقيل: لا يشترط، اختاره بعض المالكية (^٤)، ووجه عند الشافعية (^٥)، ورجحه ابن تيمية (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1280> دليل من قال: لا يجوز المسح عليه:</span>\nأولًا: أن ما يسقط من القدم لا فائدة من لبسه؛ لأنه إذا مشى عليه سقط الخف.\nثانيًا: أن ما يسقط من القدم لا يمكن متابعة المشي عليه.\nثالثًا: أن هذا خف غير معتاد، فلا يشمله النص.\n_________\n(^١) جاء في مراقي الفلاح في ذكر شروط المسح على الخفين (ص ٥٣): «استمساكهما على الرجلين من غير شد». اهـ\nوقال في المبسوط (١/ ١٠٢، ١٠٣): «وأما المسح على الجوربين فإن كانا ثخينين منعلين جاز المسح عليهما»، ثم فسر الثخين من الجوارب: أن يستمسك على الساق من غير أن يشده بشيء. وانظر تبيين الحقائق (١/ ٥٢)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٢٦٣).\n(^٢) قال في الفروع (١/ ١٥٨) في ذكر شروط المسح: «ثابت بنفسه، لا بشده في المنصوص». اهـ\nوقال في الإنصاف (١/ ١٧٩): «إذا كان لا يثبت إلا بشده، لا يجوز المسح عليه، وهو المذهب من حيث الجملة، ونص عليه، وعليه الجمهور». وانظر كشاف القناع (١/ ١١٦)، المبدع (١/ ١٤٥)، شرح العمدة (١/ ٢٥٠).\n(^٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢١/ ١٨٤)، والإنصاف (١/ ١٧٩).\n(^٤) قال الجلاب كما في التاج والإكليل (١/ ٤٦٩): «ولا بأس بالمسح على الخفين الواسعين، فإن خرجت رجله من مقدم الخف إلى ساقه بطل مسحه، ووجب عليه غسل رجليه، وإن خرج عقبه من مقدمه إلى ساقه، فلا شيء عليه إلا أن يخرج جل رجله».\n(^٥) انظر روضة الطالبين (١/ ١٢٦)، والمجموع (١/ ٥٢٨).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٨٤).","vol":"3","page":143},{"text":"رابعًا: أن ما يسقط من القدم لا يشق نزعه، فيمكن إخراج القدم بسهولة، ثم غسلها وردها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1281> دليل من قال بجواز المسح:</span>\nأولًا: أن الإذن بالمسح على الخفاف وما في معناها مطلق غير مقيد، فأين الدليل على اشتراط ما ذكرتم، وما ورد مطلقًا لا يجوز تقييده إلا بدليل.\nثانيًا: أن هذا الخف الواسع صالح بنفسه، بدليل أنه لو لبسه رجل، وكانت قدمه كبيرة بحيث لا تسقط جاز المسح عليه اتفاقًا، فإذا كان صالحًا في نفسه فلا يمنع من المسح عليه.\nثالثًا: أن هذا الخف الواسع قد يلبسه من لا يحتاج إلى المشي، كالمريض المقعد والزمن، فمنعه من المسح عليه منع بلا دليل.\nقال ابن تيمية: «قد اشترط ذلك -يعني: ثبوت الخف بنفسه- الشافعي، ومن وافقه من أصحاب أحمد، فلو لم يثبت إلا بشده بشيء يسير، أو خيط متصل به، أو منفصل عنه، ونحو ذلك لم يمسح عليه، وإن ثبت بنفسه لكن لا يستر جميع المحل إلا بالشد، ففيه وجهان:\nأصحهما أنه يمسح عليه، وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد، بل المنصوص عنه في غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين، فإذا كان أحمد لا يشترط في الجوربين أن يثبتا بأنفسهما، بل إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما، فغيرهما بطريق الأولى، وهنا قد ثبتا بالنعلين، وهما منفصلان عن الجوربين، فإذا ثبت الجوربان بشدهما بخيوطهما كان المسح عليهما أولى بالجواز» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٤٨).","vol":"3","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1282>الشرط الخامس\nفي اشتراط إمكان متابعة المشي على الخف </span>(^١)\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• شروط العبادة متلقاة من الشارع، ومبناها على التوقيف.\n• شروط العبادة صفات فيها، وصفات العبادة كالعبادة لا تثبت إلا بدليل.\n• الأصل في شروط العبادة كالأصل في العبادة نفسها المنع والحضر إلا بدليل.\n• أكثر شروط المسح على الخفين هي من استحسان الفقهاء لا دليل عليها.\n_________\n(^١) قد أغفله كتاب زاد المستقنع، وهو متن حنبلي، يدرسه الشيوخ عندنا، فهل أغفله اكتفاء بقوله: «يثبت بنفسه» باعبتارهما بمعنى واحد، فإن كان كذلك فالذي يظهر لي أنهما شرطان، وليسا شرطًا واحدًا، كما فعل ذلك ابن تيمية في شرح العمدة (١/ ٢٥٠): فذكر شرط المسح على الخفين قائلًا: «أحدها: أن يستر محل الفرض، وهو القدم إلى ما فوق الكعبين.\nالثاني: أن يثبت في القدم بنفسه.\nالثالث: أن يمكن متابعة المشي فيه». ففرق ابن تيمية ﵀ بين الشرطين، ولم يجعلهما شرطًا واحدًا، وكذلك صنع صاحب كشاف القناع (١/ ١١٥، ١١٦)، والفروع (١/ ١٥٨)، وكذلك فرق بينهما من الحنفية صاحب مراقي الفلاح (ص: ٥٣).\nوهو الظاهر؛ لأن الشيء قد يثبت بنفسه، ولا يمكن متابعة المشي فيه لضيقه، وقد جعلهما بعض مشايخنا ممن شرح زاد المستقنع جعلهما شرطًا واحدًا، وفيه تأمل.","vol":"3","page":145},{"text":"[م-٢٣٤] يشترط في الخف حتى يمسح عليه أن يمكن متابعة المشي عليه، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، الحنابلة (^٤).\nوقيل: إن ذلك ليس بشرط، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٥).\nواختلف القائلون بهذا الشرط، هل يقدر إمكان المشي فيه بمسافة معينة أم لا؟\nفذهبت الحنفية إلى تقديره بفرسخ، فأكثر (^٦).\nوقالت المالكية: أن يمكن المشي فيه عادة (^٧).\nوقيل: بقدر ما يحتاج إليه المسافر في حوائجه عند الحط والترحال، وهو مذهب الشافعية (^٨).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٦٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥٢)، مراقي الفلاح (ص: ٥٣).\n(^٢) حاشية الخرشي (١/ ١٧٩، ١٨٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٢٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٣).\n(^٣) المجموع (١/ ٥٢٢)، روضة الطالبين (١/ ١٢٦)، مغني المحتاج (١/ ٦٦).\n(^٤) شرح العمدة (١/ ٥٢٠)، كشاف القناع (١/ ١١٦)، المبدع (١/ ١٤٥).\n(^٥) قال النووي في المجموع (١/ ٥٢٨): «لو اتخذ خفًا واسعًا لا يثبت في الرجل إذا مشى فيه، أو ضيقًا جدًّا بحيث لا يمكن المشي فيه، فوجهان:\nأصحهما: لا يجوز المسح عليه.\nوالثاني: يجوز؛ لأنه صالح في نفسه بدليل أنه يصلح لغيره، فأما الضيق الذي يتسع بالمشي فيجوز المسح عليه بلا خلاف». اهـ\n(^٦) انظر العزو إلى مذهب الحنفية.\n(^٧) الشرح الصغير (١/ ١٥٥).\n(^٨) اختلف كلام أصحاب المذهب الشافعي، فذكر النووي في روضة الطالبين (١/ ١٢٦): «بقدر ما يحتاج إليه المسافر في حوائجه عند الحط والترحال».\nوقال النووي في المجموع (١/ ٥٢٣): «اتفق الأصحاب ونصوص الشافعي ﵁ على أنه يشترط في الخف كونه قويًا يمكن متابعة المشي عليه، قالوا: ومعنى ذلك أن المشي يمكن عليه في مواضع النزول، وعند الحط والترحال، وفي الحوائج التي يتردد فيه في المنزل، وفي المقيم نحو ذلك كما جرت عادة لابسي الخفاف، ولا يشترط إمكان متابعة المشي فراسخ، هكذا صرح به أصحابنا». اهـ ...\nوقال في مغني المحتاج (١/ ٦٦): «واختلف في قدر المدة المتردد فيها، فضبطه المحاملي بثلاث ليال فصاعدًا، ووافقه الأسنوي في التنقيح.\nوقال في المهمات: إن المعتمد ما ضبطه به الشيخ أبو حامد بمسافة القصر تقريبًا.\nوقال ابن النقيب: لو ضبط بمنازل ثلاثة أيام ولياليهن لم يبعد اهـ. ثم قال: والأقرب إلى كلام الأكثرين ما قاله ابن العماد: أن المعتبر التردد فيه بحوائج سفر يوم وليلة للمقيم ونحوه، وسفر ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر سفر قصر؛ لأنه عند انقضاء المدة يجب نزعه، فقوته تعتبر بأن يمكن التردد فيه لذلك ...». إلخ كلامه ﵀.","vol":"3","page":146},{"text":"وقيل: يمكن متابعة المشي عليه عرفًا، وهو مذهب الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1283> دليل من قال بهذا الشرط:</span>\nقالوا: إن الذي تدعو الحاجة إلى مسحه هو الخف الذي يمكن متابعة المشي عليه، فإن كان يسقط من القدم لسعته، فلا يشق نزعه، فيجب غسل القدم.\nثانيًا: أن الرخصة وردت في الخف المعتاد، وهو ما يمكن المشي فيه، وما لا يمكن المشي فيه فلا يدخل في الرخصة.\n• الراجح:\nأن ذلك ليس بشرط، وأن الذي لا يمكن المشي فيه إن كان لضيقه، فإن كان لا يضره، وكان لا يحتاج للمشي كما لو كان راكبًا، أو مقعدًا فما المانع من المسح عليه، فهو لا يحتاج إلى المشي حتى نشترط إمكان متابعة المشي عليه، والمسح على الخفاف والجوارب ورد مطلقًا غير مقيد بشيء، فمن وضع قيدًا طلب منه الدليل.\nوإن كان الخف ضيقًا يضره حرم لبسه فضلًا عن المسح عليه.\nقال العدوي من المالكية: «أما انتفاء ضيقه، فليس بشرط فمتى أمكن لبسه مسح، وإلا فلا» (^٢).\nوإن كان لا يمكن متابعة المشي عليه لسعته بحيث إذا مشى خرجت قدمه، كما\n_________\n(^١) قال في الروض المربع (١/ ٢٧٨): «يجوز المسح على خف يمكن متابعة المشي فيه عرفًا». اهـ\n(^٢) حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٧٩).","vol":"3","page":147},{"text":"لو كان الخف كبيرًا، وقدمه صغيرة، فإن شده على ساقه بحيث يمكنه المشي عليه، رجعت هذه المسألة إلى المسألة السابقة، وهو اشتراط كونه يثبت بنفسه، وقد بينت الراجح في هذه المسألة، وأنه لا يشترط أن يثبت بنفسه.\nقال في التاج والإكليل: «ولا بأس بالمسح على الخفين الواسعين، فإن خرجت رجله من مقدم الخف إلى ساقه بطل مسحه، ووجب عليه غسل رجله، وإن خرج عقبه من مقدمه إلى ساقه فلا شيء عليه إلا أن يخرج جل رجله» (^١).\nوإن كان لا يمكن متابعة المشي عليه لثقله، كخف الحديد الثقيل، فذكر النووي وجهين:\nالأول: المنع، وهو الذي قطع به الجمهور.\nوالثاني: الجواز، واختاره إمام الحرمين والغزالي، قالا: لأن عدم إمكان المشي فيه لضعف اللابس، لا الملبوس، ولا نظر إلى أحوال اللابسين (^٢).\nومع أن النووي ضعفه إلا أنه هو المختار فيما أرى؛ لأن من منع شيئًا فعليه الدليل، والخف ورد الإذن فيه مطلقًا، ولا تقييد لما أطلقه الله إلا بنص أو إجماع، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) التاج والإكليل (١/ ٤٦٩)\n(^٢) المجموع (١/ ٥٢٨).","vol":"3","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1284>الشرط السادس\nفي اشتراط أن يكون الخف من الجلد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• شروط العبادة متلقاة من الشارع، ومبناها على التوقيف.\n• شروط العبادة صفات فيها، وصفات العبادة كالعبادة لا تثبت إلا بدليل.\n• أكثر شروط المسح على الخفين هي من استحسان الفقهاء لا دليل عليها.\n• كل لباس طاهر مختص بالقدم، ولو ظهر منه بعض القدم يجوز المسح عليه، سواء كان من جلد أو صوف، أو قطن، أو كتان أو غيرها.\n• خفاف الصحابة كانت من الجلود، فهل تعلق الحكم بالمسمى، فما لا يكون من جلد لا يجوز المسح عليه، أو تعلق المسح بالمعنى، فكل حائل على القدم فهو في معنى الجلد، فيمسح عليه؟ الصحيح الثاني.\n[م-٢٣٥] اختلف الفقهاء في اشتراط أن يكون الخف من جلد:\nفقيل: لا يشترط، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) قال في مراقي الفلاح (ص: ٥٣): «صح المسح على الخفين في الحدث الأصغر للرجال والنساء، ولو كانا من شيء ثخين غير الجلد، سواء كان لهما نعل من جلد أو لا».\n(^٢) قال النووي في المجموع (١/ ٥٢٢): «اتفق أصحابنا على أنه لا يشترط في الخف جنس الجلود». اهـ\n(^٣) قال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٧٣): «يجوز المسح على كل خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه، سواء كان من جلود أو لبود، وما أشبهها».","vol":"3","page":149},{"text":"وقيل: يشترط، وهو مذهب المالكية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1285> دليل الجمهور:</span>\nأولًا: اشتراط كون الخفاف من جلود لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع.\nثانيًا: المسح على الخفين ورد مطلقًا، فكل ما كان يسمى خفًا جاز المسح عليه.\nثالثًا: التفريق بين الخف الذي من جلود، والخف الذي من غيره تفريق بين متماثلين، قال ابن تيمية: «ولا فرق بين أن يكون جلودًا أو قطنًا أو كتانًا أو صوفًا، كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف، وهذا لا تأثير له، كما لا تأثير لكون الجلد قويًا، بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى ...» (^٢). إلخ كلامه.\nرابعًا: سبب إباحة المسح على الخفين هو الحاجة إلى المسح لدفع برد ونحوه، ومشقة النزع، وهي موجودة في الخف الذي من جلد، كما هي موجودة في غيره من الخفاف.\nقال ابن تيمية: «ومعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء بسواء، ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقًا بين متماثلين، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة، وما أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1286> دليل المالكية على اشتراط الجلد:</span>\nقالوا: إن الرخصة وردت في الخفاف المعهودة، وكانت خفافهم من الجلود، فيقتصر المسح عليها.\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣١٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤١)، الخرشي (١/ ١٧٩)، تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة (١/ ٦٠٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢١٤).\n(^٣) انظر المرجع السابق.","vol":"3","page":150},{"text":"والصحيح الأول، ولو كان الحكم يتعلق بالاسم لما مسح رسول الله ﷺ على الجوربين؛ فإنهما لا يسميان خفًا، ومع ذلك ثبت المسح عليهما، بل وعلى النعلين.\n* * *","vol":"3","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1287>الشرط السابع\nفي اشتراط كون الخف يمنع وصول الماء إلى القدم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• شروط العبادة متلقاة من الشارع، وهي مبنية على التوقيف.\n• الأصل في شروط العبادة كالأصل في العبادة نفسها المنع والحضر إلا بدليل.\n• أكثر شروط المسح على الخفين هي من صنع الفقهاء لا دليل عليها.\n• كل لباس طاهر مختص بالقدم، ولو ظهر كثير من القدم يجوز المسح عليه بشرطه، سواء منع وصول الماء إلى القدم أو لم يمنع.\n[م-٢٣٦] اختلف الفقهاء هل يشترط في الخف أن يمنع وصول الماء إلى القدم:\nفقيل: يشترط، اختاره بعض الحنفية (^١)، وهو ظاهر المذهب عند الشافعية (^٢).\n_________\n(^١) قال ابن عابدين في حاشيته عن الشرنبلالي (١/ ٢٦١): «من شروط المسح على الخفين: منعهما: أي الخفين: وصول الماء إلى الرجل». اهـ\nولم أقف على غيره من الحنفية ذكر هذا الشرط، بل كون الحنفية يجيزون مسح الخف المخرق إذا كان الخرق أقل من ثلاثة أصابع دليل على أن هذا ليس بشرط، فليتأمل.\n(^٢) قال النووي في المجموع (١/ ٥٣١): «هل يشترط كون الخف صفيقًا يمنع نفوذ الماء؟\nفيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره: ...\nأحدهما يشترط، فإن كان منسوجًا بحيث لو صب عليه الماء نفذ لم يجز المسح، وبهذا قطع الماوردي، والفوراني، والمتولي، قال الرافعي: وهو ظاهر المذهب.\nوالثاني: لا يشترط، بل يجوز المسح، وإن نفذ الماء، واختاره إمام الحرمين والغزالي». اهـ وانظر أسنى المطالب (١/ ٩٦)، نهاية المحتاج (١/ ٢٠٤).","vol":"3","page":152},{"text":"وقيل: لا يشترط، وهو مذهب الجمهور (^١)، وهو الراجح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1288> دليل من اعتبره شرطًا:</span>\nقال: الغالب في الخفاف أنها تمنع نفوذ الماء، فتنصرف إليها النصوص الدالة على الترخص، ويبقى الغسل واجبًا فيما عداها.\nولأن الذي يقع عليه المسح ينبغي أن يكون حائلًا بين الماء والقدم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1289> دليل من لم يعتبره شرطًا:</span>\nشروط العبادة صفات فيها، فلا تثبت الشروط إلا بدليل، وإذا لم يوجد دليل على هذا الشرط فكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط.\nثم إن فرض الخف المسح، والغسل ليس مأمورًا به، فلا حاجة إلى اشتراط كون الخف يمنع نفوذ الماء.\n* * *\n_________\n(^١) لأنه لو كان شرطًا عندهم لنصوا عليه، ولم أقف عليه منصوصًا، إلا في شرح منتهى الإرادات قال (١/ ٦٠): «لا كونه يمنع نفوذ الماء».","vol":"3","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1290>الشرط الثامن\nأن يكون المسح في الطهارة الصغرى</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ليس في الطهارة الكبرى مسح واجب، لا في رأس، ولا خف، ولا غيرهما.\n• المسح على الخفين خاص بالوضوء، لا مدخل للغسل فيه بإجماع (^١).\n[م-٢٣٧] يمسح الخفان والجوربان والعمامة في الحدث الأصغر دون الأكبر، وهذا إجماع لا خلاف فيه، حكاه النووي وابن قدامة وغيرهما.\nقال النووي: «لا يجزئ المسح على الخف في غسل الجنابة، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافًا لأحد من العلماء، وكذا لا يجزئ مسح الخف في غسل الحيض والنفاس، ولا في الأغسال المسنونة كغسل الجمعة والعيد وأغسال الحج وغيرها، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب» (^٢).\nوقال ابن قدامة: «جواز المسح مختص به -يعني الحدث الأصغر- ولا يجزئ المسح في جنابة، ولا غسل واجب ولا مستحب، لا نعلم في هذا خلافًا» (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٣١٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٥٠٥).\n(^٣) المغني (١/ ٣٦٢). وانظر في كتب الحنفية: تبيين الحقائق (١/ ٤٦)، العناية شرح الهداية (١/ ١٥٢)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٢)، البحر الرائق (١/ ١٧٧)، البناية (١/ ٥٨٦).\nوانظر في مذهب المالكية، الشرح الصغير (١/ ١٥٦، ١٥٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٥). ...\nوانظر في مذهب الشافعية، الأم (١/ ٣٤)، المجموع (١/ ٥٠٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة شرح الزركشي (١/ ٣٨٣)، الهداية - أبو الخطاب (١/ ١٦)، المغني (١/ ٣٦٢).","vol":"3","page":154},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1291> الدليل من السنة:</span>\n(٥٦٠ - ٥٧) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب، قلت: حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت منه في ذلك شيئًا، قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا، أو كنا مسافرين ألا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. الحديث (^١).\n[حسن] (^٢).\nوذكر النووي رحمه الله تعالى بعض فوائده، فقال:\nأحدها: جواز مسح الخف. قلت مع أن قوله ﷺ: (كان يأمرنا) دالة على الاستحباب، أو على أقل أحواله الأفضلية على الغسل.\nالثانية: أنه مؤقت. وسيأتي الخلاف فيها.\nالثالثة: أن وقته للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن.\nقلت: يؤخذ منه مراعاة الشرع لأحوال المكلفين، والتخفيف عليهم، ودفع الحرج والمشقة.\nالرابعة: أنه لا يجوز المسح في غسل الجنابة، وما في معناها من الأغسال الواجبة والمسنونة.\nالخامسة: جوازه في جميع أنواع الحدث الأصغر.\n_________\n(^١) المصنف (٧٩٥).\n(^٢) انظر تخريجه في (ح ٥٦٥، ٦٠١).","vol":"3","page":155},{"text":"السادسة: أن الغائط والبول والنوم ينقض الوضوء، وهو محمول على نوم غير ممكن مقعده.\nقلت: الأفضل أن يقال: لو أحدث أحس بحدثه، فلاينقض، وإلا نقض؛ لأن النوم مظنة الحدث، وليس حدثًا بذاته.\nالسابعة: أنه يؤمر بالنزع للجنابة في أثناء المدة. إلى غير ذلك من الفوائد التي ذكرها النووي رحمة الله عليه (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر المجموع (١/ ٥٤٤).","vol":"3","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1292>الشرط التاسع\nأن يكون المسح في المدة المأذون له فيها شرعًا</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تعليق المباح على شرط يدل على أنه لا يباح إلا بهذا الشرط.\n• توقيت المسح يمنع أن يكون لما بعد مضي المدة حكم ما قبله.\n• التوقيت مبني على التوقيف.\n• العبادات المؤقتة من شروط صحتها وقوعها في وقتها.\n[م-٢٣٨] هذا الشرط وقع فيه خلاف بين العلماء، هل المسح على الخفين مؤقت بوقت أم لا؟\nفقيل: يمسح يومًا وليلة للقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، وهو مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة.\nوقيل: ليس فيه توقيت، وهو المشهور من مذهب مالك.\nوقيل: يمسح المقيم خمس صلوات، والمسافر خمس عشرة صلاة.\nوقيل: يسقط التوقيت في حال الضرورة.\nإلى غير ذلك من الأقوال، وسيأتي بحث هذه المسألة في مسألة مستقلة، ونحرر الأدلة، ونبين الراجح إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"3","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1293>الشرط العاشر\nفي اشتراط لبس الخف على طهارة مائية</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ما يستباح بالماء يستباح بالصعيد إلا الوطء ومسح الخف (^١).\n[م-٢٣٩] إذا تيمم لفقد الماء، ثم لبس الخف، فلا يمسح إذا وجد الماء، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) انظر الكليات الفقهية للمقري (ص ٨٢).\n(^٢) قال السرخسي في المبسوط (١/ ١٠٥): «وإذا لبس الخفين على طهارة التيمم أو الوضوء بنبيذ، ثم وجد الماء نزع خفيه؛ لأن طهارة التيمم غير معتبرة بعد وجود الماء». وانظر بدائع الصنائع (١/ ١٠).\n(^٣) قال مالك في الموطأ (١/ ٣٧): «وإنما يمسح على الخفين من أدخل رجليه في الخفين، وهما طاهرتان بطهر الوضوء، وأما من أدخل رجليه في الخفين، وهما غير طاهرتين بطهر الوضوء فلا يمسح على الخفين».\nوجاء في المدونة (١/ ٤١) «قال ابن القاسم في من تيمم، وهو لا يجد الماء، فصلى، ثم وجد الماء في الوقت، فتوضأ به إنه لا يجزئه أن يمسح على خفيه، وينزعهما ويغسل قدميه إذا أدخلهما غير طاهرتين». اهـ وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١٤٣)، ومواهب الجليل (١/ ١/٣٢٠)، والخرشي (١/ ١٧٩)، والتاج والإكليل (١/ ٤٦٨).\n(^٤) المجموع (١/ ٥٤٥)، الروضة (١/ ١٢٥).\n(^٥) الفروع (١/ ١٦٠)، الإنصاف (١/ ١٧٦)، الشرح الكبير (١/ ١٥٣)، المغني (١/ ١٧٥).","vol":"3","page":158},{"text":"وقيل: يمسح، هو رواية عن أحمد (^١)، وبه قال أصبغ إلا أنه اشترط أن يلبس خفيه قبل أن يصلي (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1294> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>الدليل الأول:</span>\n(٥٦١ - ٥٨) ما رواه عبد الرزاق (^٣)، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر\nأنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير.\n[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (^٤).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (فليمسه بشرته) فأمر بوجوب مس الماء للبشرة، وكلمة (بشرته) مفرد مضاف يعم جميع البشرة إن كان غسلًا عن جنابة، ويعم جميع الأعضاء الأربعة إن كانت الطهارة طهارة صغرى، ومن أخرج القدمين فعليه الدليل، ولا دليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>الدليل الثاني:</span>\nبوجود الماء رجع إلى المتيمم حدثه السابق، وليس رجوع الحدث المتقدم على لبس الخف كإنشاء الحدث بعد لبسه، وبينهما فرق، وإذا حكمنا برجوع الحدث السابق المتقدم للابس الخف لم يشرع له المسح من وجهين:\n_________\n(^١) حكاه صاحب الإنصاف رواية عن أحمد (١/ ١٧٦).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ٧٨).\n(^٣) المصنف (٩١٣).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر ح: (٣١).","vol":"3","page":159},{"text":"الوجه الأول: إبطال تلك الطهارة من أصلها، وكأنها لم تكن، فكأنه لبس الخفين على غير طهارة.\nالوجه الثاني: رجوع الحدث السابق إلى جميع الأعضاء بما في ذلك القدمان، ومن أخرج القدمين فعليه الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>الدليل الثالث:</span>\nقالوا إن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح للصلاة.\nوهذا الدليل فيه نظر، والصحيح أن التيمم مطهر بنص القرآن والسنة، وقد تقدم الدليل على ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1298> دليل القائلين بجواز المسح:</span>\n(٥٦٢ - ٥٩) ما رواه البخاري من طريق عروة بن المغيرة،\nعن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما (^١).\nفلم يشترط إلا الطهارة، ولم ينص على نوع المطهر ماء كان أو ترابًا، ومن تيمم عن عدم الماء فقد تطهر بنص القرآن والسنة،\nأما القرآن، فقال تعالى بعد أن ذكر طهارة التيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].\nومن السنة الحديث المتفق عليه، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وسبق تخريجه.\nوالطهور: اسم لما يتطهر به، فإذا كان متطهرًا، ولبس خفيه على طهارة، صدق عليه قوله ﷺ: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٠٦) ومسلم (٢٧٤).","vol":"3","page":160},{"text":"والقول الأول أقوى؛ لأن عودة الحدث السابق للبس الخف جعل الخف كأنه لبس على غير طهارة من حين وجد الماء، فإذا كان يجب إيصال الماء إلى البشرة كان الواجب إيصاله إلى جميعها بما في ذلك القدمان، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1299>الشرط الحادي عشر\nفي اشتراط لبس الخفين بعد كمال الطهارة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى الخلاف في الحدث، هل يرتفع عن كل عضو بالفراغ منه بانفراده كما تخرج منه الخطايا عند غسله، أو لا يرتفع الحدث إلا بإكمال الطهارة؟ (^١).\n• ما اعتبرت له الطهارة، اعتبر له كمالها كالصلاة، ومس المصحف، فمثله المسح على الخفين.\n[م-٢٤٠] إذا غسل رجله اليمنى ثم أدخلها في الخف، ثم غسل رجله اليسرى، ثم أدخلها في الخف فطهارته صحيحة، ولكن إذا أحدث هل يمسح على خفيه أم لا؟\nفقيل: له أن يمسح، هو مذهب الحنفية (^٢)، والظاهرية (^٣)، ورواية عن أحمد (^٤)،\n_________\n(^١) انظر قواعد المقري (١/ ٢٧٥).\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٤٧)، تبيين الحقائق (١/ ٤٧، ٤٨)، البحر الرائق (١/ ١٧٦)، المبسوط (١/ ٩٩، ١٠٠)، مراقي الفلاح (ص: ٥٣)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٣، ٢٤)، بدائع الصنائع (١/ ٩).\n(^٣) المحلى (مسألة: ٢١٥) ونص على أنه رأي دواد ﵀، وممن صرح بأنه مذهب داود أبو الخطاب الحنبلي في الانتصار (١/ ٥٥٣) وغيره.\n(^٤) نص على أنها رواية عن أحمد كل من ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٠٩)، والفتاوى ...\nالكبرى (٥/ ٣٠٥)، وابن رجب في القواعد، في القاعدة الثالثة عشرة بعد المائة (ص: ٢٤٨)، وأبي الخطاب في الانتصار (١/ ٥٥٣)، قال: «نقل عنه أبو طالب: أنه سئل فيمن غسل رجلًا ولبس خفًا، ثم يغسل الأخرى، ويلبس خفًّا؟ فقال: يغسلهما جميعًا، فقيل له: فإن فعل؟ فقال: ليس عليه شيء، هو أحب إلي، إنما هو تأويل، وهذا يدل على أن ذلك ليس بشرط، وإنما هو اختيار واستحباب». اهـ كلام أبي الخطاب، وانظر الروايتين لأبي يعلى (١/ ٩٦).","vol":"3","page":162},{"text":"ورجحه ابن تيمية (^١)، وتلميذه ابن القيم (^٢)، وابن دقيق العيد (^٣).\nوقيل: لا يمسح، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (^٤)؛ لأنه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٠٩، ٢١١).\n(^٢) أعلام الموقعين (٣/ ٢٨٧).\n(^٣) قال في الإحكام (١/ ١١٤، ١١٥) تعليقًا على حديث: «أدخلتهما، وهما طاهرتان» قد استدل به بعضهم على أن كمال الطهارة فيهما شرط، حتى لو غسل إحداهما وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف، لم يجز المسح.\nوفي هذا الاستدلال عندنا ضعف -أعني في دلالته على حكم هذه المسألة- فلا يمنع أن يعبر بهذا العبارة عن كون كل واحدة منها أدخلت طاهرة، بل ربما يدعي أنه ظاهر في ذلك؛ فإن الضمير في قوله: «أدخلتهما» يقتضي تعليق الحكم بكل واحدة منهما، نعم من روى: «فإني أدخلتهما، وهما طاهرتان» فقد يتمسك برواية هذا القائل من حيث إن قوله: «أدخلتهما» إذا اقتضى كل واحدة منهما، فقوله: «وهما طاهرتان» حال من كل واحدة منهما، فيصير التقدير: أدخلت كل واحدة في حال طهارتها، وذلك إنما يكون بكمال الطهارة.\nوهذا الاستدلال بهذه الرواية من هذا الوجه لا يتأتى في رواية من روى: «أدخلتهما طاهرتين». وعلى كل حال، فليس الاستدلال بذلك القوي جدًّا لاحتمال الوجه الآخر في الروايتين معًا، اللهم إلا أن يضم إلى هذا دليل يدل على أنه لا يحصل الطهارة لإحداهما إلا بكمال الطهارة في جميع الأعضاء، فحينئذ يكون ذلك الدليل مع هذا الحديث مستندًا لقول القائلين بعدم الجواز -أعني: أن يكون المجموع هو المستند- فيكون هذا الحديث دليلًا على عدم اشتراط طهارة كل واحدة منهما، ويكون ذلك دالًا على أنها لا تطهر إلا بكمال الطهارة». اهـ\n(^٤) شرح فتح القدير (١/ ١٤٧)، تبيين الحقائق (١/ ٤٧، ٤٨)، البحر الرائق (١/ ١٧٦)، المبسوط (١/ ٩٩، ١٠٠)، مراقي الفلاح (ص: ٥٣)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٣، ٢٤).\nوفي مذهب المالكية انظر الخرشي (١/ ١٧٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٣)، مواهب الجليل (١/ ٣٢٠). ...\nوانظر في المذهب الشافعي: الأم (١/ ٣٣)، روضة الطالبين (١/ ١٢٤)، المجموع (١/ ٥٤٠)، نهاية المحتاج (١/ ١٨٦، ١٨٧).\nوفي المذهب الحنبلي: جاء في مسائل ابن هانئ (١/ ٢٠): «قلت: فإني توضأت، فغسلت رجلًا واحدة، فأدخلتها الخف، والأخرى غير طاهرة، ثم غسلت الأخرى، ولبست الخف.\nفقال لي أبو عبد الله: لا تفعل، كذا قال النبي ﷺ: (إني أدخلتهما، وهما طاهرتان)، فهذه واحدة طاهرة، والأخرى غير طاهرة، تعيد الوضوء من الرأس إن كان جف الوضوء». اهـ\nوانظر المحرر (١/ ١٢)، الإنصاف (١/ ١٧١، ١٧٢)، كشاف القناع (١/ ١٢٦، ١٢٧).","vol":"3","page":163},{"text":"أدخل خفه الأيمن قبل كمال الطهارة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1300> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1301>الدليل الأول:</span>\n(٥٦٣ - ٦٠) ما رواه البخاري من طريق عروة بن المغيرة،\nعن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما (^١).\nوجه الدلالة:\nقوله: (أدخلتهما طاهرتين) فالجمهور حملوا الطهارة على كمالها؛ لأنه إذا غسل رجله اليمنى، ثم ألبسها الخف، فقد لبس الخف، وهو محدث، ومن شرط المسح المتفق عليه لبس الخف، وقد ارتفع حدثه، ولا يكون طاهرًا إلا إذا أتم الطهارة، ولذا لا يجوز له أن يصلي، وقد بقي عليه شيء لم يغسله مما يجب غسله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1302>الدليل الثاني:</span>\n(٥٦٤ - ٦١) ما رواه ابن خزيمة من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد، نا المهاجر، وهو ابن مخلد أبو مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة،\nعن أبيه، عن النبي ﷺ أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلةً إذا تطهر، فلبس خفيه، أن يمسح عليهما (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٠٦) ومسلم (٢٧٤).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة (١٩٢).","vol":"3","page":164},{"text":"[ضعيف، وكلمة (تطهر فلبس) اختلف الرواة في ذكرها، والأكثر على عدم ذكرها] (^١).\n_________\n(^١) أما سبب ضعف إسناده، فإن فيه المهاجر بن مخلد، وسبقت ترجمته، وتخريج هذا الحديث انظر (ح: ٥٥).\nوالحديث مداره على عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن المهاجر بن مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه مرفوعًا.\nرواه بشر بن معاذ العقدي ومحمد بن أبان كما عند ابن خزيمة (١٩٢)، والدارقطني (١/ ٢٠٤)، وسنن البيهقي (١/ ٢٨١).\nويحيى بن حكيم كما عند البزار في مسنده (٣٦٢١) عن عبد الوهاب به بلفظ: (إذا تطهر فلبس خفيه).\nورواه الشافعي، واختلف عليه، فرواه عنه الربيع عن عبد الوهاب به، كما في شرح السنة للبغوي (٢٣٧) بلفظ: (إذا تطهر فلبس خفيه).\nورواه الشافعي في مسنده (ص: ١٧) عن عبد الوهاب، ولم يذكر الاشتراط مطلقًا.\nورواه جماعة عن عبد الوهاب بلفظ: (إذا تطهر ولبس خفيه) بالواو، فلا يكون فيه دليل للجمهور، منهم:\nبشر بن هلال الصواف كما عند ابن ماجه (٥٥٦).\nومحمد بن المثنى، كما في صحيح ابن حبان (١٣٢٤)، وسنن الدارقطني (١/ ١٩٤).\nوأبو الأشعث، والعباس بن يزيد، ومسدد، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٩٤).\nومحمد بن أبي بكر، كما في سنن البيهقي (١/ ٢٨١).\nفهؤلاء خمسة رواة، رووه بلفظ: (لبس خفيه وتطهر).\nوالواو لا تفيد ترتيبًا كما هو معروف في اللغة.\nورواه بندار باللفظين، تارة بلفظ: (فلبس خفيه) كما عند البزار (٣٦٢١)، ابن خزيمة (١٩٢) والدارقطني (١/ ٢٠٤)، وسنن البيهقي (١/ ٢٨١).\nوتارة بلفظ: (إذا توضأ ولبس خفيه) كما عند ابن ماجه (٥٥٦)، والدولابي في الكنى (١٧٤٤).\nورواه بعضهم بدون اشتراط الطهارة، منهم:\nيحيى بن معين، كما في المنتقى لابن الجارود (٨٧).\nوزيد بن الحباب، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٦٣).\nوعمر بن يزيد السياري، كما في صحيح ابن حبان (١٣٢٨).\nوالشافعي في مسنده (ص: ١٧) وسبق الإشارة إليها.\nفهؤلاء أربعة رووه رواة رووه عن عبدالوهاب، ولم يذكروا اشتراط الطهارة. وعليه فأكثر الرواة لم يذكروا لفط (إذا تطهر فلبس) وهو موضع الشاهد، على أن إسناده لو ثبت ضعيف كما قدمنا.","vol":"3","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1303>الدليل الثالث:</span>\n(٥٦٥ - ٦٢) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، قال:\nأتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما حاجتك؟ قال: قلت: جئت أبتغي العلم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من خارج يخرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضى بما يصنع. قال: جئتك أسألك عن المسح على الخفين؟ فقال: نعم، كنت في الجيش الذي بعثه رسول الله ﷺ فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهور ثلاثًا إذا سافرنا، وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول، ولا نخلعهما إلا من جنابة. الحديث.\n[حديث حسن، وزيادة: (إذا أدخلناهما على طهر) شاذة انفرد بها معمر] (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال.\nوزيادة (إذا أدخلناهما على طهر، وذكر التوقيت للمقيم) انفرد بها معمر، رواها عنه عبد الرزاق، وقد اختلف على عبد الرزاق،\nفرواه أحمد كما في المسند (٤/ ٢٣٩).\nوالحسن بن أبي الربيع، كما عند الدارقطني (١/ ١٩٦)، والبيهقي (١/ ٢٨١، ٢٨٢).\nومحمد بن يحيى، ومحمد بن نافع، كما عند ابن خزيمة (١٩٣) ومن طريقه ابن حبان (١٣٢٥). كلهم رووه عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم به، بذكر اشتراط إدخالهما على طهر، وتوقيت المسح للمقيم.\nورواه إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق كما عند ابن حبان (١٣١٩)، وليس فيه اشتراط إدخالهما على طهر، وزاد فيه التوقيت للمقيم.\nوقد رواه جمع كثير من الحفاظ، عن عاصم، ولم يذكروا ما ذكره معمر، من اشتراط إدخالهما على طهر، كما لم يذكروا التوقيت للمقيم، منهم:\nالأول: الثوري، عن عاصم.\nكما في مصنف عبد الرزاق (٧٩٢)، وأحمد (٤/ ٢٣٩)، والبيهقي (١/ ١١٨).\nالثاني: ابن عيينة، عن عاصم، كما عند عبد الرزاق (٧٩٥)، وأحمد (٤/ ٢٤٠)، والحميدي في مسنده (٨٨١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٦٢)، والترمذي (٣٥٣٥)، والنسائي (١٢٦)، وابن ماجه =","vol":"3","page":166},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٤٧٨)، والطحاوي (١/ ٨٢)، والبيهقي (١/ ٢٧٦).\nالثالث: همام، عن عاصم.\nكما في مسند أبي داود الطيالسي (١١٦٦)، ومسند أحمد (٤/ ٢٣٩).\nالرابع: شيبان بن عبد الرحمن، كما في سنن البيهقي (١/ ١١٤).\nالخامس: أبو خيثمة، كما في سنن النسائي (١٢٧)، وسنن البيهقي (١/ ٢٨٩).\nالسادس: شعبة، كما في مسند أبي داود الطيالسي (١١٦٦).\nالسابع والثامن: حماد بن زيد وحماد بن سلمة، كما في مسند الطيالسي (١١٦٦).\nالتاسع: أبو الأحوص، كما عند الترمذي (٩٦).\nالعاشر: مالك بن مغول، كما عند النسائي (١٢٧).\nالحادي عشر: أبو بكر بن عياش، كما عند النسائي (١٢٧).\nالثاني عشر: مسعر، كما عند البيهقي (١/ ١١٤، ١١٥)، إلا أنه قال: من غائط وبول وريح، وذِكْر الريح شاذ في الحديث مخالف لما رواه الجماعة من ذكر النوم.\nفهؤلاء اثنا عشر حافظًا كلهم اتفقوا على رواية الحديث، ولم يذكروا فيه اشتراط إدخالهما على طهر، ولم يذكروا فيه التوقيت للمقيم، ولا يعني الحكم بشذوذها في هذا الحديث ألا يكون اللفظ ثابتًا من حديث آخر، فهذا بحث آخر، المهم أن حديث عاصم ليس فيه ما زاده معمر، وهؤلاء الواحد منهم مقدم على معمر في روايته عن عاصم، فكيف وقد اجتمعوا، وقد قال الحافظ في التقريب بأن رواية معمر، عن عاصم فيها شيء، حيث قال: ثقة ثبت، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة اهـ.\nوقد تابع معمرًا أبو الغريف، قال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٥٢٧): «وقد روى أبو يعلى الموصلي، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا أبو أسامة، حدثني أبو روق، عن عطية ابن الحارث الهمداني، حدثني أبو الغريف، عن صفوان بن عسال، قال: بعثنا رسول الله ﷺ سرية، وقال: سيروا باسم الله، قاتلوا أعداء الله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وليمسح أحدكم إذا كان مسافرًا إذا أدخل رجليه، وهما طاهرتان، ثلاثة أيام ولياليها، وإن كان مقيمًا فيوم وليلة. اهـ\nولم أجد مسند صفوان بن عسال في مسند أبي يعلى المطبوع، فلعله رواه في كتاب آخر.\nوهذا إسناد ضعيف، وقد اختلف على أبي أسامة:\nفرواه عنه إسحاق بن أبي إسرائيل كما سبق،\nويوسف بن موسى، وحوثرة بن محمد، كما في سنن البيهقي (١/ ٢٨٢)، ثلاثتهم رووه عن أبي أسامة به، بذكر اشتراط إدخالهما، وهما طاهرتان.\nورواه هارون بن عبد الله، كما في سنن النسائي الكبرى (٨٨٣٧). =","vol":"3","page":167},{"text":"وجه الاستدلال من الحديث:\nقوله: (إذا نحن أدخلناهما على طهور) فكلمة طهور أبلغ في الدلالة من قوله: (فإني أدخلتهما طاهرتين) لأنه هنا قد ينازع منازع، فيقول: إني لم أدخل اليمنى إلا وهي طاهرة: أي قد غسلتها بالماء، فيصدق عليه أني أدخلتها وهي طاهرة، ولو كان قبل غسل اليسرى، لكن قوله: (على طهور): أي وأنا طاهر، والمتوضئ لا يقال له: على طهور إلا إذا أكمل الطهارة، ولهذا قال ابن خزيمة: ذكرت للمزني خبر عبد الرزاق هذا، فقال: حدث به أصحابنا، فإنه ليس للشافعي حجة أقوى من هذا، يعني: قوله: إذا نحن أدخلناهما على طهر» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1304>الدليل الرابع:</span>\nدليل نظري، قال إمام الحرمين: «تقدم الطهارة على المسح شرط بالاتفاق،\n_________\n= والحسن بن علي الخلال الحلواني، كما في سنن ابن ماجة (٢٨٥٧).\nوالحسن بن علي بن عفان العامري، كما في سنن البيهقي (١/ ٢٧٦).\nثلاثتهم رووه عن أبي أسامة به، بدون ذكر المسح على الخفين.\nورواه أحمد (٤/ ٢٤٠) والطحاوي (١/ ٨٢) من طريق عبد الواحد بن زياد، حدثنا أبو روق به، وذكر فيه التوقيت للمسح على الخفين، ولم يذكر اشتراط إدخالهما على طهر.\nلكن رواه أحمد أيضًا (٤/ ٢٤٠) من طريق زهير، عن أبي روق به، بذكر اشتراط إدخالهما على طهر.\nفالمعروف من رواية أبي الغريف ليس فيها ذكر اشتراط إدخالهما على طهر.\nكما أن إسناد الحديث ضعيف، فيه أبو الغريف، قال ابن أبي حاتم: وسئل أبي عنه، فقال: كان على شرطة علي بن أبي طالب، ليس بالمشهور، قلت: هو أحب إليك أم الحارث الأعور؟ قال: الحارث أشهر، وهذا قد تكلموا فيه، وهو شيخ من نظراء أصبغ بن نباتة اهـ الجرح والتعديل (٥/ ٣١٣).\nقلت: أصبغ قال فيه الحافظ: متروك رمي بالرفض، والحارث الذي قدمه عليه أبو حاتم، في التقريب: كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف.\nفعلى كل حال، لفظ اشتراط الطهارة ليس بمحفوظ من حديث صفوان بن عسال، والله أعلم.\n(^١) صحيح ابن خزيمة (١/ ٩٧).","vol":"3","page":168},{"text":"والطهارة تراد لغيرها، فإن تخيل متخيل أن الطهارة شرط للمسح كان محالًا؛ لأن المسح يتقدمه الحدث، وهو ناقض للطهارة، فاستحال تقديرها شرطًا فيه مع تخلل الحدث، فوضح أن الطهارة شرط في اللبس، وكل ما شرطت الطهارة فيه شرط تقديمها بكمالها على ابتدائه ...» (^١).\nولأن ما اعتبرت له الطهارة، اعتبر له كمالها كالصلاة، ومس المصحف، فمثله المسح على الخفين.\nولأن الأول خف ملبوس قبل رفع الحدث، فلم يجز المسح عليه كما لو لبسه قبل غسل قدميه، ودليل بقاء الحدث أنه لا يجوز له أن يصلي قبل إتمام الطهارة.\nولو أنه غسل قدمه اليمنى، ثم أدخلها الخف، ثم غسل اليسرى، فأدخل الخف، لم يلزمه على قول الجمهور إلا ن ينزع اليمنى مرة أخرى ثم يلبسها، فيصدق عليه أنه لبسها بعد كمال الطهارة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1305> دليل الحنفية على جواز المسح:</span>\nحمل الحنفية حديث: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) الطهارة الكاملة وقت الحدث، لا وقت اللبس، فإذا غسل رجله اليمنى، ثم ألبسها الخف، ثم غسل رجله اليسرى، فألبسها الخف، فإذا أحدث جاز له المسح؛ لأنه وقت الحدث يصدق عليه أنه لبس الخف على طهارة كاملة.\nقال الكاساني: «ولنا أن المسح إنما شرع لمكان الحاجة، والحاجة إلى المسح إنما تتحقق وقت الحدث بعد اللبس، فأما عند الحدث قبل اللبس فلا حاجة؛ لأنه يمكنه الغسل، وكذا لا حاجة بعد اللبس قبل الحدث؛ لأنه طاهر، فكان الشرط كمال الطهارة وقت الحدث بعد اللبس، وقد وجد» (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥٤٢).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٩).","vol":"3","page":169},{"text":"ووافق قول ابن حزم وابن تيمية قول الحنفية، وإن كانا يختلفان معهم في توجيه الاستدلال، فهما يريان أن الرجل إذا غسل رجله اليمنى، ثم أدخلها الخف يصدق عليه أنه أدخلها الخف، وهي طاهرة، ثم إذا غسل رجله الأخرى في ساعته، ثم ألبسها الخف، فقد أدخلها، وهي طاهرة، فصدق على من هذه صفته أنه أدخل رجليه الخفين، وهما طاهرتان، فله أن يمسح عليهما بظاهر الخبر، والقائل بغير هذا القول قائل بخلاف هذا الحديث، وكوننا نأمره أن ينزع ثم يلبس من غير أن يلزمه غسل عبث محض ينزه الشارع عن الأمر به، ولا مصلحة للمكلف في القيام به.\nوالدليل على أن طهارته شرعية أنه لو صلى قبل أن يحدث فطهارته صحيحة بالإجماع، وليس لبس الخف كمس المصحف حتى نقول: لا تلبس حتى تتم غسل الرجل الأخرى.\nوالقول هذا أقوى، والأول أحوط، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1306>الشرط الثاني عشر\nيشترط في سليم القدمين أن يمسح على الخفين معًا</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• غسل أحد القدمين ينقض مسح الأخرى إلا من عذر؛ لأن الإذن ورد بالمسح على الخفين، لا على أحدهما.\n[م-٢٤١] لو لم يكن للرجل إلا رجل واحدة جاز المسح عليها بلا خلاف (^١).\nولو بقي من الرجل الأخرى بقية مما يجب غسله لم يمسح على الأخرى حتى يسترها بما يجوز المسح عليه.\nولو كانت إحدى رجليه عليلة بحيث لا يجب غسلها، فلبس الخف في الصحيحة، فقطع الدارمي من الشافعية بصحة المسح عليها (^٢).\nوقيل: لا يمسح، وصححه النووي (^٣).\n_________\n(^١) حكاه النووي في المجموع (١/ ٥٦١). وقال في الفروع (١/ ١٥٨): «ويجوز المسح حتى لزمن، وامرأة، وفي رجل واحدة إذا لم يبق من فرض الأخرى شيء».ونقله المرداوي في الإنصاف (١/ ١٧٠).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ١٣٣).\n(^٣) المجموع (١/ ٥٦١).","vol":"3","page":171},{"text":"والأول: أصح؛ لأنه لما كان معذورًا في خلعها للعلة، جاز المسح على الصحيحة، كما لو كانت له رجل واحدة.\nوإن كان الرجل سليم القدمين، ولبس خفًا في رجل واحدة، فأخشى ألا يصح مسحه، وقد نقل النووي الإجماع على أنه لا يمسح (^١).\nولأن الإذن ورد بالمسح على الخفين، لا على أحدهما، وهو منهي عن المشي في نعل واحدة، ومثلها المشي في خف واحدة،\n(٥٦٦ - ٦٣) قال البخاري ﵀ قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن\nأبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا يمش أحدكم في نعل واحدة، ليحفهما جميعًا، أو لينعلهما جميعًا، ورواه مسلم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) قال في المجموع (١/ ٥٢٣): «وفيه تنبيه على مسألة مهمة من أصول الباب، وهي أنه لو لبس خفًا في رجل دون الأخرى، ومسح عليه، وغسل الأخرى لم يجز بلا خلاف».\n(^٢) صحيح البخاري (٥٨٥٥)، ومسلم (١٧٧٤).","vol":"3","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1307>الشرط الثالث عشر\nأن يكون المسح على الخفين وما فيه معناهما</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يقاس على محل الخف، فلا يمسح الكفان داخل القفازين قياسًا على الخف، وهل يقاس على الخف غيره مما هو في معناه مما يلبس على القدم من جورب ولفائف، أم هي عبادة لا يقاس عليها غيرها، ولا يتعدى بها محلها؟\n• كل لباس طاهر مختص بالقدم، ولو ظهر منهما كثير من القدم يجوز المسح عليهما بشرطه، سواء كان من جلد أو صوف، أو قطن، أو كتان أو غيرها.\n• هل تعلق المسح بالمسمى، فما لا يسمى خفًا لا يجوز المسح عليه، أو يتعلق المسح بالمعنى، فكل حائل على القدم فهو في معنى الخف، فيمسح عليه.\n• على القول بأن المسح رخصة، هل الرخص إذا وقعت على خلاف الأصل، يلحق بها ما في معناها للعلة الجامعة بينهما، أو يقتصر بها على مورد النص؟\n[م-٢٤٢] لا يمسح على البرقع في الوجه، ولا على القفازين في اليدين،\nولا على ما تطلي به المرأة أظفارها (^١).\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٥)، مراقي الفلاح (ص: ٥٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٧)، شرح فتح القدير (١/ ١٠٧)، المبسوط (١/ ١٠٧)، المجموع (١/ ٥٠٣)، كشاف القناع (١/ ١١٣).","vol":"3","page":173},{"text":"قال النووي: «أجمع العلماء على أنه لا يجوز المسح على القفازين في اليدين والبرقع في الوجه» (^١).\n(٥٦٧ - ٦٤) وقد روى البخاري من طريق أبي الضحى، قال: حدثني مسروق، قال:\nحدثني المغيرة بن شعبة، قال: انطلق النبي ﷺ لحاجته، ثم أقبل، فتلقيته بماء، فتوضأ، وعليه جبة شأمية، فمضمض، واستنشق، وغسل وجهه، فذهب يخرج يديه من كميه، فكانا ضيقين، فأخرج يديه من تحت الجبة، فغسلهما، ومسح برأسه وعلى خفيه (^٢).\nفهنا حين ضاقت أكمام الجبة لم يمسح على يديه، بل أخرج يده من أسفلها مع ما في ذلك من المشقة، ولو كان كل شيء مقيسًا على الخف لمسح النبي ﷺ على يديه، خاصة أنه كان في سفر أيضًا.\nوينبغي التنبه إلى أن ما تطلي به المرأة اليوم أظفارها بما يسمى بالمناكير يجب إزالته عند الوضوء؛ لأنه يمنع وصول الماء إلى الأظفار، وبالتالي لا يصح معه الوضوء، فتحاول المرأة أن تزيله قبل الوضوء، أو أن تضعه في الوقت الذي لا يجب عليها صلاة، كما لو كانت حائضًا، ونفساء ونحوهما، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥٠٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٧٩٨)، ورواه مسلم (٢٧٤).","vol":"3","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1308>الشرط الرابع عشر\nفي اشتراط النية للمسح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الاختلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في ثلاث مسائل:\nالأولى: الخلاف في طهارة الحدث، هل تشترط لها النية أم لا؟\nالثانية: على القول بأنه النية شرط في طهارة الحدث وهو الراجح، فهل تشترط النية لكل عضو في العبادة، فينوي عند غسل وجهه رفع الحدث عن وجهه، أو تكفي نية الوضوء عن نية المسح على الخف؟\nالثالثة: هل بالفراغ من غسل العضو يرتفع الحدث عنه على وجه الاستقلال كما تخرج منه الخطايا عند غسله، أو لا يرتفع الحدث عن العضو إلا بإكمال الطهارة؟ (^١).\n• إذا نوى الوضوء لم يلزمه نية خاصة للمسح على الخف ما لم ينو بالمسح شيئًا آخر كما لو نوى إزالة ما علق بالخف لم يكفه ذلك عن المسح على الخف.\n[م-٢٤٣] اختلف العلماء في اشتراط النية في المسح على الخفين،\nفقيل: لا تشترط، وهو مذهب الحنفية (^٢).\n_________\n(^١) انظر قواعد المقري (١/ ٢٧٥).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ١٢)، تبيين الحقائق (١/ ٥٤)، البحر الرائق (١/ ١٩٩)، الفتاوى الهندية (١/ ٣٣).","vol":"3","page":175},{"text":"وذهب الجمهور إلى أن النية شرط لرفع الحدث (^١).\nلكن يجب أن تكون نية الوضوء نية كافية عن أعضائه، فإذا نوى الوضوء فقد نوى المسح على الخف، وهذا من باب استصحاب حكم النية، ولا يلزم نية خاصة للمسح، كما لا يلزم نية خاصة لكل عضو من أعضاء الوضوء، وأما إذا لم ينو الوضوء، أو أنه عند المسح نوى إزالة ما علق بالخف لم يكف هذا عن المسح بنية الوضوء.\nوإذا نوى تفريق النية على أعضاء الوضوء ممن يشترط النية لرفع الحدث ففي المسألة قولان:\nالقول الأول: لا يصح تفريق النية، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\nجاء في جامع الأمهات: «ولو فرق النية على الأعضاء فقولان بناء على رفع الحدث عن كل عضو، أو بالإكمال، ومنه لابس الخفين قبل غسل الأخرى» (^٣).\nوفسر المالكية تفريق النية: بأن يخص كل عضو بنية من غير قصد إتمام الوضوء، ثم يبدو له فيغسل ما بعده، وهكذا فهذا لا يجزئه، أما لو نوى عند كل عضو رفع الحدث، وهو يقصد إتمام الوضوء فإن هذا من باب التوكيد، فيصح وضوؤه (^٤).\nالقول الثاني: يصح تفريق النية على أعضاء الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) انظر العزو إلى اشتراط النية في الوضوء في العزو التالي.\n(^٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٩٥)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢٥١)، الحاوي الكبير (١/ ٩٩)، الإنصاف (١/ ١٥١).\n(^٣) جامع الأمهات (ص: ٤٥، ٤٦).\n(^٤) انظر الشرح الكبير (١/ ٩٥)، الخرشي (١/ ١٣١).\n(^٥) جامع الأمهات (ص: ٤٥)، الحاوي الكبير (١/ ٩٩)، الإنصاف (١/ ١٥١).","vol":"3","page":176},{"text":"قال الماوردي: «أما تقطيع النية على أعضاء الطهارة فقد اختلف أصحابنا فيه، وصورته أن ينوي عند غسل وجهه رفع الحدث عن وجهه وحده، وينوي عند غسل ذراعيه رفع الحدث عنهما لا غير، وكذلك عند كل عضو ففيه وجهان:\nأحدهما: لا يجزيه كما لا يجوز تقطيع النية على ركعات الصلاة.\nوالوجه الثاني: وهو أظهر أن ذلك جائز؛ لأن الصلاة لا يجوز أن يتخللها ما ليس منها فلم يجز تقطيع النية عليها ...» (^١).\nوقال السبكي: «يصح تفريق النية على أعضاء الوضوء في الأصح» (^٢).\nوقال في الإنصاف: «ومنها لو فرق النية على أعضاء الوضوء صح، جزم به في التلخيص وغيره، وقدمه ابن تميم» (^٣).\nوإذا كان خلاف الجمهور مع الحنفية في هذه المسألة راجع لاختلافهم في الطهارة من الحدث، هل تشترط لها النية أم لا؟ فالأقوال في اشتراط النية في رفع الحدث كالآتي:\nفقيل: النية شرط لطهارة الحدث الأصغر والأكبر، بالماء والتيمم.\nوهو مذهب المالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦)، وهو الراجح.\n_________\n(^١) الحاوي الكبير (١/ ٩٩).\n(^٢) الأشباه والنظائر للسبكي (١/ ٦٥).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٥١).\n(^٤) حاشية الدسوقي (١/ ٩٣)، الخرشي (١/ ١٢٩)، الشرح الصغير (١/ ١١٤، ١١٥)، القوانين الفقهية (ص: ١٩)، منح الجليل (١/ ٨٤)، مواهب الجليل (١/ ٢٣٠)، الكافي (١/ ١٩).\n(^٥) المجموع (١/ ٣٥٥)، الروضة (١/ ٤٧)، مغني المحتاج (١/ ٤٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٦)، الحاوي الكبير (١٨٧)، متن أبي شجاع (ص: ٥).\n(^٦) معونة أولي النهى شرح المنتهى (١٢٧٧)، الممتع شرح المقنع (١/ ١٧٦)، المحرر (١/ ١١)، كشاف القناع (١/ ٨٥)، المغني (١/ ١٥٦)، الكافي (١/ ٢٣)، المبدع (١/ ١١٦).","vol":"3","page":177},{"text":"وقيل: سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في التيمم، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يجزئ الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، وهو قول الأوزاعي (^٢).\nوسوف نذكر هذه المسألة بأدلتها في كتاب الوضوء فانظره هناك، وفقك الله.\n* * *\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٣٢)، البناية في شرح الهداية (١/ ١٧٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ٢٤)، بدائع الصنائع (١/ ١٩)، مراقي الفلاح (ص: ٢٩).\n(^٢) الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٧٠).","vol":"3","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1309>فرع\nإذا لبس الخفين وهو يدافع الأخبثين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• النهي عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين مراعاة للخشوع المطلوب في العبادة، ولهذا سقطت الجماعة الواجبة من أجل طلب كماله وتحصيله، وهذا المعنى غير موجود في لبس الخف وهو يدافع الأخبثين.\n[م-٢٤٤] اختلف العلماء في كراهة لبس الخف، وهو يدافع الأخبثين:\nفقيل: يكره، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: لا يكره، ورجحه النووي (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1310> دليل الحنابلة:</span>\nقالوا: لأن الصلاة مكروهة بهذه الطهارة، واللبس يراد ليمسح عليه للصلاة (^٣).\nوالراجح عدم الكراهة، لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وقياس اللبس على الصلاة قياس مع الفارق، وذلك أن الصلاة إذا صلى، وهو يدافع\n_________\n(^١) قال في الفروع (١/ ١٥٨) «ويكره في المنصوص لبسه مع مدافعة أحد الأخبثين».\n(^٢) المجموع (١/ ٥٦١).\n(^٣) المغني (١/ ١٧٩).","vol":"3","page":179},{"text":"الأخبثين فإن ذلك يذهب الخشوع، الذي هو مقصود الصلاة، وليس كذلك من لبس الخف (^١).\nوقال ابن قدامة: ولأن الطهارة كاملة فأشبه ما لو لبسه إذا خاف غلبة النعاس (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥٦١).\n(^٢) المغني (١/ ١٧٩).","vol":"3","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1311>الباب الثالث في صفة المسح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>الفصل الأول في المقدار المجزئ للمسح على الخفين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الواجب إذا لم يكن معلقا بمقدار معين، بل معلقا على اسم يتفاوت بالقلة والكثرة، كمسح الرأس في الوضوء، والمسح على الخف فهل ذلك الحكم على أدنى المراتب، فيكفي أن يمسح ما يقع عليه اسم المسح، أو لا بد من استيعاب المسح، أو يعطى الأكثر حكم الكل؟\n• مسح الخف طهارة قائمة على التخفيف فلا تكرار فيه ولا استيعاب.\n• للأكثر حكم الكل.\n• القول في صفة العبادة كالقول في العبادة مبناها على التوقيف.\nوقيل:\n• المسح على الخفين ورد مطلقًا، ولم يصح في تقدير واجبه شيء، فتعين الاكتفاء بما يصدق عليه اسم المسح.\n[م-٢٤٥] اختلف العلماء في المقدار المجزئ في المسح على الخفين:","vol":"3","page":181},{"text":"فقيل: إن مسح خفه بأصبع أو أصبعين لم يجزه، وإن مسح بثلاثة أصابع أجزأه، وهو مذهب الحنفية.\nوقيل: يجب استيعاب أعلى الخف بالمسح، وهو مذهب المالكية (^١).\nوقيل: يجزئ مقدار ما يقع عليه اسم المسح في محل الفرض، وهو مذهب الشافعية (^٢)، وبه قال سفيان (^٣)، وهو مذهب داود الظاهري، ورجحه ابن حزم (^٤).\nوقيل: يجب أن يمسح أكثر ظاهر الخف، وهو مذهب الحنابلة (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1313> دليل من قال يمسح بثلاثة أصابع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1314>الدليل الأول:</span>\n(٥٦٨ - ٦٥) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي العلاء (^٦)،\n_________\n(^١) قال الباجي في المنتقى (١/ ٨٢): «وهل عليه استيعاب الممسوح من الخف بالمسح أم لا؟ الظاهر من المذهب وجوب الاستيعاب». واعتبر الخرشي أن ترك بعض الأعلى تركه كله، انظر شرح الخرشي (١/ ١٨٣).\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٢٥٦): «ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما، لا على بطونهما». وانظر المدونة (١/ ٣٩)، مواهب الجليل (١/ ٣٩).\n(^٢) قال في الأم (٨/ ١٠٣) «وكيفما أتى بالمسح على ظهر القدم بكل اليد، أو ببعضه أجزأه».\n(^٣) المحلى (١/ ٣٤٣).\n(^٤) قال في المحلى: مسألة: ٢٢٢ (١/ ٣٤٣): «وما مسح من ظاهرهما بأصبع أو أكثر أجزأ».\n(^٥) الإنصاف (١/ ١٨٤)، المغني (١/ ١٨٣)، حاشية ابن قاسم (١/ ٢٣٤).\n(^٦) في المطبوع من مصنف عبد الرزاق (عن العلاء) قال محقق عبد الرزاق في الأصل (أبو العلاء) والصواب ما أثبتناه، وهو العلاء بن عرار كما في سنن البيهقي.\nقلت: بل ما جاء في الأصل هو الصواب، والذي أوقع المحقق في الخطأ هو رواية البيهقي، وهي ضعيفة جدًّا، فقد رواه البيهقي (١/ ٢٩٣) من طريق محمد بن يونس، حدثنا روح، عن أبي عون، عن العلاء بن عرار، عن قيس بن سعد به.\nوأخرجه أيضًا عن محمد بن يونس، ثنا روح، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن العلاء بن عرار، عن قيس به.\nومحمد بن يونس هو الكديمي، وهو متروك، واتهمه بعضهم بالوضع، وانفرد بهذا الطريق فلا يفرح بهذه المتابعة، والله أعلم.","vol":"3","page":182},{"text":"قال: رأيت قيس بن سعد بن عبادة بال، ثم أتى دجلة، فمسح على الخف، وفرج بينهما، فرأيت أثر أصابعه في الخف (^١).\n[ضعيف، فيه أبو العلاء يريم] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>الدليل الثاني:</span>\n(٥٦٩ - ٦٦) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال:\nرأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nوجه الاستدلال من الأثرين:\nقوله في الأثرين: (فرأيت أثر أصابعه)، والأصابع: اسم جمع، وأقل الجمع\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٢١٩) رقم (٨٥٢).\n(^٢) فيه أبو العلاء يريم والد هبيرة، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٣١٣)، ولم يذكر راويًا عنه إلا أبا إسحاق، وسكت عليه، فلم يذكر فيه شيئًا، ففيه جهالة.\nوالحديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٦٦) حدثنا أبو الأحوص، وفيه قصة.\nوأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٦٩٣)، ومسدد كما في المطالب العالية (١٠٢) والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٤٧) وابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٣٢) عن يونس بن أبي إسحاق، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٦/ ٥٣) من طريق الأجلح. وأخرجه مسدد كما في المطالب العالية (١٠٣) عن سفيان.\nوأخرجه البخاري في تاريخه (٨/ ٤٢٧) من طريق إسرائيل، ومن طريق إسرائيل أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٤/ ٣٥٧).\nكلهم (أبو الأحوص، ويونس، وابن سعد، ومسدد، وسفيان، وإسرائيل) عن أبي إسحاق به.\n(^٣) المصنف (٨٥١).\n(^٤) إسناده صحيح، ولم ينفرد به أيوب، فقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٦)، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن هشام، عن الحسن، قال: المسح على الخفين خطًا بالأصابع. وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن رواية هشام عن الحسن فيها كلام. ومن طريق فضيل بن عياض أخرجه الدارقطني (١/ ١٩٥) إلا أنه قال: خطط بالأصابع.","vol":"3","page":183},{"text":"الصحيح ثلاثة، فكان هذا تقديرًا للمسح ثلاثة أصابع اليد. وقدرناها بأصابع اليد؛ لأنها آلة المسح؛ ولأن الفرض يتأدى بها بيقين؛ لأنها ظاهرة محسوسة، فأما أصابع الرجل فمستترة بالخف، لا يعلم مقداره إلا بالحرز والظن، فكان التقدير بأصابع اليد أولى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1316> دليل من قال يجب استيعاب ظاهر الخف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>الدليل الأول:</span>\n(٥٧٠ - ٦٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن رافع، ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا يزيد بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير،\nعن على رضي الله تعالى عنه قال: ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه (^١).\n[رجاله ثقات] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١٦٣).\n(^٢) مدار هذا الحديث على عبد خير، عن علي مرفوعًا، ورواه عن عبد خير ثلاثة: أبو إسحاق السبيعي، وأبو السوداء عمرو بن عمران النهدي، والسدي.\nأما رواية أبي إسحاق السبيعي، فرواه جماعة، منهم:\nالأعمش، واختلف عليه:\nفرواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٨٣)، ومسند أحمد (١/ ٩٥)، وزوائد عبد الله بن أحمد في على المسند (١/ ١١٤).\nوعيسى بن يونس كما في سنن النسائي الكبرى (١١٩)، بلفظ: لو كان الدين بالرأي كان باطن القدمين أحق بالمسح على ظاهرهما ولكن رأيت رسول الله ﷺ مسح ظاهرهما.\nومحاضر بن المورع، كما في مسند البزار (٧٨٨)\nفاتفق وكيع وعيسى بن يونس ومحاضر بن المورع في روايتهم عن الأعمش، بأن المسح يتعلق بالقدم، وليس فيه ذكر للخف.\nوأورده ابن أبي شيبة في باب من يرى مسح القدمين يعني بلا غسل، ثم أعقبه في باب غسل القدمين، وهذا يعني أن ابن أبي شيبة فهم من الحديث مسح القدمين من غير خفين؛ لأنه خرجه في باب من يرى مسح القدمين يعني بلا غسل، ثم أعقبه في باب غسل القدمين. =","vol":"3","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه حفص، عن الأعمش، واختلف على حفص فيه:\nفرواه ابن أبي شيبة (١٨٩٥).\nوالبزار في مسنده (٧٨٨) عن عبد الله بن سعيد الكندي،، كلاهما عن حفص، عن الأعمش به، بمسح القدم وليس الخف.\nورواه أبو هشام الرفاعي، وسفيان بن وكيع كما في سنن الدارقطني (١/ ١٩٩).\nوإبراهيم بن زياد (سبلان) كما في سنن الدارقطني (١/ ١٩٩)، وسنن البيهقي (١/ ٢٩٢)، ثلاثتهم رووه عن حفص، عن الأعمش، بذكر المسح على الخفين.\nورواه أبو داود (١٦٤) عن محمد بن العلاء، عن حفص بن غياث، باللفظين، تارة بمسح الخف، وتارة بمسح القدم.\nهذا هو الاختلاف على الأعمش.\nوكان ممكن أن يكون هذا الاختلاف من قبل الأعمش؛ فإن روايته عن أبي إسحاق فيها كلام، لكن جاء المسح على القدمين من غير طريق الأعمش،\nفرواه الثوري، رواه الدارقطني بإسناده في العلل بسند صحيح (٤/ ٧٤)، عنه، عن أبي إسحاق به بلفظ: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر القدمين لرأيت أن أسفلهما أو باطنهما أحق. وهذا في مسح ظاهر القدم، ولا ذكر للخف فيه.\nوخالفه إبراهيم بن طهمان، فرواه البيهقي بإسناده (١/ ٢٩٢)، عن أبي إسحاق بذكر المسح على الخفين، وفي إسناده شيخ الحاكم، فيه جهالة، ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nولا شك أن الثوري أرجح من إبراهيم بن طهمان خاصة أن إسناد الثوري إسناد صحيح بخلاف إسناد ابن طهمان.\nورواه أبو نعيم، عن يونس بن أبي إسحاق، واختلف على أبي نعيم فيه:\nفرواه البيهقي (١/ ٢٩٢) من طريق شعيب بن أيوب، ثنا أبو نعيم، عن يونس، عن أبي إسحاق به، بلفظ: رأيت عليًّا توضأ، ومسح، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر القدمين لرأيت أن أسفلهما أو باطنهما أحق بذلك.\nورواه أحمد (١/ ١٤٨)، والدارمي (٧٤٢).\nورواه البزار (٧٩٤) حدثنا محمد بن معمر، ثلاثتهم حدثنا أبو نعيم به، بلفظ: رأيت عليًا توضأ، ومسح على النعلين، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما.\nفجعل المسح على النعلين، لا على ظاهر القدمين، ولا على الخفين، وهذا اللفظ بذكر النعلين لا أعلم أحدًا تابع فيه أبا نعيم، فهي رواية شاذة، والله أعلم. =","vol":"3","page":185},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه غير أبي إسحاق عن عبد خير، ولم يذكر الخفين، فخرج أبو إسحاق من العهدة،\nفقد رواه عبد الرزاق في المصنف (٥٧) عن ابن عيينة، عن أبي السوداء، قال: سمعت ابن عبد خير يحدث عن أبيه، قال: رأيت عليًا يتوضأ، فجعل يغسل ظهر قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يغسل ظهر قدميه لرأيت باطن القدمين أحق بالغسل من ظاهرهما.\nوأخرجه الحميدي (٤٧)،\nوعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١١٤) حدثنا إسحاق بن إسماعيل.\nوالنسائي في السنن الكبرى (١٢٠) أنبا إسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة به.\nوهذا اللفظ شاذ أيضًا؛ لأنه ذكر غسل ظاهر القدمين، ومعلوم أنه لو كان الحديث عن الغسل، لما كان هناك فرق بين ظاهر القدم وباطنه، ولكن الحديث عن المسح، ولم يذكر الغسل إلا في هذا الطريق، فهو شاذ، والله أعلم.\nوأما رواية السدي، عن عبد خير، فجاءت من طريق شريك، عن السدي به، واختلف على شريك فيه:\nفرواه محمد بن سعيد الأصبهاني كما في شرح معاني الاثار للطحاوي (١/ ٣٥)، عن شريك، عن السدي، عن عبد خير، عن علي بذكر مسح القدم، وليس مسح الخف.\nورواه إسحاق بن يوسف كما في مسند أحمد (١/ ١١٦)، عن شريك به، بمثله إلا أنه زاد: (هذا وضوء من لم يحدث)، وهذه الزيادة ليست محفوظة من هذا الحديث، وإن كانت محفوظة من حديث آخر، ولعله اختلط الحديثان على شريك بن عبد الله، وهو سيء الحفظ.\nفهذا هو الاختلاف في لفظ الحديث، فإما أن يقال: إن ذلك يوجب الاضطراب، والمضطرب ضعيف.\nأو يحمل حديث من قال: بالمسح على ظاهر القدمين بالمسح عليه، وفيه الخف، وهذا أرجح، ولذلك جاء في بعضها الجمع بين المسح على ظاهر القدم، مع ذكر الخف مما يوحي بأن المراد بظاهر القدم هو ظاهر الخف.\nفقد جاء في رواية إبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق: (كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على ظهر قدميه على خفيه) رواها البيهقي كما تقدم بإسناد ضعيف.\nفتبين أن مراده من قوله: (ظاهر القدمين) أنه يريد ظاهر الخفين كما صرح به في آخر الحديث.\nوقال الدارقطني في العلل (٤/ ٤٦): «والصحيح في ذلك قول من قال: كنت أرى باطن الخفين أحق بالمسح من أعلاهما».\nوكذا فسر الحديث وكيع، قال أبو داود في السنن (١٦٤): «ورواه وكيع عن الأعمش، بإسناده قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح =","vol":"3","page":186},{"text":"وجه الاستدلال:\nهذا الحديث نص على مسح ظاهر الخف، وظاهره استيعاب الظاهر، إذ لو كان أكثر الظاهر يغني أو بعضه لنقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>الدليل الثاني:</span>\n(٥٧١ - ٦٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن عروة، قال:\nقال المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهور الخفين.\nقال عبد الله: قال أبي: حدثنا سريج والهاشمي أيضًا (^١).\n[ذكر المسح على ظهور الخفين انفرد به عبد الرحمن بن أبي الزناد، وفيه لين، وباقي رجاله ثقات] (^٢).\n_________\n= على ظاهرهما، قال وكيع: يعني الخفين».\nومثله قال البيهقي في السنن (١/ ٢٩٢).\nقلت: وينبغي أن يحكم بشذوذ ذكر الغسل لظهور القدمين، وزيادة النعلين في هذا الحديث خاصة، ولا يعني أن المسح على النعلين ليس محفوظًا من حديث آخر، والله أعلم.\n(^١) المسند (٤/ ٢٤٦، ٢٤٧).\n(^٢) الحديث رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد، واختلف عليه فيه:\nفرواه إبراهيم بن أبي العباس وسريج كما في مسند أحمد (٤/ ٢٤٦).\nوسليمان بن داود الهاشمي كما في مسند أحمد (٤/ ٢٤٦)، والمنتقى لابن الجارود (٨٥)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٠/ ٣٧٧) ح ٨٨٢، والدارقطني (١/ ١٩٥).\nوعلي بن حجر كما في سنن الترمذي (٩٨).\nومحمد بن الصباح كما في التاريخ الأوسط للبخاري (١٤٢٤)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٠/ ٣٧٧) ح ٨٨٢، خمستهم رووه عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة بلفظ: مسح على ظهور الخفين، ولفظ التاريخ الكبير: مسح خفيه ظاهرهما وباطنهما.\nوخالفهم الطيالسي في مسنده (٦٩٢) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٢٩١) فرواه عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة به، فجعل بدلًا من عروة بن الزبير عروة ابن المغيرة. =","vol":"3","page":187},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال البيهقي في السنن (١/ ٢٩١): «وكذلك رواه إسماعيل بن موسى، عن ابن أبي الزناد». اهـ\nوإسماعيل بن موسى، في التقريب: صدوق يخطئ، ورمي بالرفض، فلا شك أن رواية الجماعة أولى بالصواب، وهو كون الحديث حديث عروة بن الزبير، عن المغيرة.\nقال أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي (١/ ١٦٦): «فإن كانت الروايتان محفوظتين، وإلا كانت إحداهما وهمًا، والأخرى صوابًا، ولا ضرر في ذلك؛ لأنه تردد بين راويين ثقتين: عروة بن الزبير وعروة بن المغيرة».\nوقال الحافظ إبن عبد البر في التمهيد، كما في فتح البر (١/ ٢٨٢): «وهذا أيضًا منقطع، ليس فيه حجة». اهـ\nولم أقف على كلام أحد من أهل العلم يقول: إن رواية عروة بن الزبير، عن المغيرة مرسلة، وقد أدرك عروة بن الزبير المغيرة زمنًا، وهو رجل كبير، والمغيرة توفي سنة خمسين، وقد راجعت المراسيل لابن أبي حاتم، وجامع التحصيل، وغيرهما، ولم أقف على من نص على عدم السماع، والله أعلم، ولكن علته عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وضعفه النسائي، وأومأ أحمد إلى ضعفه.\nقال ابن المديني: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون ورأيت عبد الرحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، وكان يقول في حديثه عن مشيختهم فلان وفلان وفلان، قال: ولقنه البغداديون عن فقهائهم. تهذيب التهذيب (٦/ ١٥٥).\nوقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا. تاريخ بغداد (١٠/ ٢٢٨).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٣٦٧).\nوقال عمرو بن على: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن عبد الرحمن بن أبى الزناد. الضعفاء الكبير (٢/ ٣٤٠).\nولخص حاله الذهبي، فقال: من أوعية العلم، لكنه ليس بالثبت جدًّا مع أنه حجة في هشام بن عروة. تذكرة الحفاظ (١/ ٢٤٧).\nوفي التقريب: صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا من السابعة، ولي خراج المدينة فحُمِدَ، ومع ضعف عبد الرحمن بن أبي الزناد، فقد انفرد بذكر كلمة المسح على ظهور الخفين، وقد رواه جماعة من الثقات في الصحيحين وفي غيرهما، ولم يذكروا ما ذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد، منهم على سبيل المثال لا الحصر:\n١ - عروة بن المغيرة، في الصحيحين، انظر صحيح البخاري (٢٠٦)، ومسلم (٢٧٤).\n٢ - مسروق فيهما أيضًا، انظر صحيح البخاري (٣٦٣)، ومسلم (٢٧٤).\n٣ - حمزة بن المغيرة بن شعبة، عند مسلم (٢٧٤).\n٤ - وعمرو بن وهب، كما في مسند أبي داود الطيالسي (٦٩٩)، والمصنف لابن أبي شيبة =","vol":"3","page":188},{"text":"وجه الاستدلال من هذا الحديث كالاستدلال بالذي قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>الدليل الثالث:</span>\n(٥٧٢ - ٦٩) ما رواه ابن المنذر في الأوسط (^١)، والبيهقي في السنن (^٢)، من طريق\n_________\n= (١/ ١٦١)، والنسائي (١٠٩)، والدارقطني (١/ ١٩٢)، والبيهقي (١/ ٥٨)، والبغوي (٢٣٢)، وغيرهم، وسوف يأتي تخريج بعض رواياتهم فيما تبقى من مسائل.\n٥ - الأسود بن هلال، كما في صحيح مسلم (٢٧٤).\n٦ - ابن أبي نعم، عند أحمد (٤/ ٢٤٦، ٢٥٣).\n٧ - هزيل بن شرحبيل، وسبق تخريج حديثه في المسح على الجوربين.\n٨ - ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة. كما في سنن الترمذي (٩٧)، ابن ماجه (٥٥٠).\n٩ - زرارة بن أوفى، كما في سنن أبي داود (١٥١).\n١٠ - مسلم بن صبيح أبو الضحى، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٤٧).\n١١ - أبو السائب مولى هشام بن زهرة، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٥٤).\n١٢ - الشعبي، عن المغيرة، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٤٥)، وقيل: عن الشعبي، عن عروة بن المغيرة كما في صحيح مسلم.\nوكل هؤلاء لم يذكروا لفظ (ظاهر خفيه) بل اقتصروا على ذكر الخفين، وعبد الرحمن بن أبي الزناد لا تحتمل مخالفته لبعض هؤلاء، فكيف وقد اجتمعوا. وقد نص الحافظ أن عبد الرحمن ابن أبي الزناد قد تغير حفظه لما قدم بغداد، وإذا كان قد تغير في بغداد، فإن الرواة عنه في هذا الحديث كلهم بغداديون، سليمان بن داود الهاشمي، وإبراهيم بن أبي العباس، وسريج، ومحمد ابن الصباح، فأخشى أن يكون هذا من قبل حفظ ابن أبي الزناد.\nوله متابع ضعيف، رواه الحسن البصري، عن المغيرة، ولم يسمع منه، وفي إسناده أيضًا أبو عامر الخزاز، وفيه ضعف.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٧٠) قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،\nعن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين.\nورواه البيهقي (١/ ٢٩٢) من طريق ابن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن أشعث، عن الحسن به مثله.\n(^١) الأوسط (١/ ٤٥٣).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ٢٩٢).","vol":"3","page":189},{"text":"عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب،\nعن حميد بن مخراق الأنصاري، أنه رأى أنس بن مالك بقباء مسح ظاهر خفيه بكفيه مسحة واحدة. هذا لفظ البيهقي.\n[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1320>الدليل الرابع: من الآثار</span>.\n(٥٧٣ - ٧٠) ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة،\nأنه رأى أباه يمسح على الخفين، قال: وكان لا يزيد إذا مسح على الخفين على أن يمسح على ظهورهما، ولا يمسح بطونهما (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1321> دليل من قال يجزئ ما يقع عليه اسم المسح:</span>\nقالوا: إن المسح ورد مطلقًا، ولم يصح عن النبي ﷺ في تقدير واجبه شيء، فتعين الاكتفاء بما يصدق عليه اسم المسح.\nفإن قيل: لم ينقل عن النبي ﷺ الاكتفاء بما يصدق عليه مطلق المسح.\nقيل: لا يفتقر ذلك إلى نقل؛ لأنه مستفاد من إطلاق إباحة المسح، فإنه يتناول القليل والكثير، ولا يعدل عنه إلا بدليل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1322> دليل من قال يجب أن يمسح أكثر ظاهر الخف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>الدليل الأول:</span>\n(٥٧٤ - ٧١) ما رواه ابن ماجه من طريق بقية، عن جرير بن يزيد، قال: حدثني منذر، حدثني محمد بن المنكدر،\n_________\n(^١) حميد بن مخراق ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم، وسكتا عنه، فلم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات. الجرح والتعديل (٣/ ٢٢٨)، وبقية رجال الإسناد ثقات.\n(^٢) الموطأ (١/ ٣٨).","vol":"3","page":190},{"text":"عن جابر، قال: مر رسول الله ﷺ برجل يتوضأ، ويغسل خفيه، فقال بيده -كأنه دفعه- إنما أمرت بالمسح، وقال رسول الله ﷺ بيده هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل الساق، وخطط بالأصابع (^١).\n[ضعيف جدًّا أو موضوع] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>الدليل الثاني:</span>\n(٥٧٥ - ٧٢) ما رواه عبد الرزاق (٨٥١) عن معمر، عن أيوب، قال:\nرأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف.\n[صحيح] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nإذا كان المسح بالأصابع على ظاهر الخف، فإن هذا دليل على أنه لا يستوعب\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٥٥١).\n(^٢) رواه إسحاق كما في المطالب العالية (٩٧) وابن ماجه (٥٥١) قال إسحاق: حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا جرير بن يزيد، حدثني منذر، حدثني محمد بن المنكدر، عن جابر به، فصرح بقية بالتحديث من شيخه، وشيخ شيخه.\nومن طريق بقية أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٩٤٥)، والطبراني في الأوسط (١١٣٥).\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به بقية.\nوفي إسناده جرير بن يزيد:\nقال الذهبي: تفرد عنه بقية، ولا يعتمد عليه لجهالته. الميزان (١/ ٣٩٧).\nوفي إسناده أيضًا منذر، هو ابن زياد الطائي، سمع منه الفلاس، وقال: كان كذابًا.\nوقال الدارقطني: متروك. الجرح والتعديل (٨/ ٢٤٣)، ولسان الميزان (٦/ ٨٩)، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١/ ٣٤٢).\nوقال الساجي: يحدث بأحاديث بواطيل، وحسبه ممن كان يضع الحديث. المرجع السابق.\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٦٩): إسناده ضعيف جدًّا.\n(^٣) سبق تخريجه في أدلة القول الأول، انظر ح (٥٦٩).","vol":"3","page":191},{"text":"الظاهر بل يكفي مسح أكثر الظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>الدليل الثالث:</span>\n(٥٧٦ - ٧٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال:\nرأيت عمر بن الخطاب بال، فتوضأ، ومسح على خفيه، قال: حتى إني لأنظر إلى أثر أصابعه على خفيه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>الدليل الرابع:</span>\n(٥٧٧ - ٧٤) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق زياد بن عبد الله البكائي، حدثنا الفضل بن مبشر، قال:\nرأيت جابر بن عبد الله يتوضأ، ويمسح على خفيه على ظهورهما مسحة واحدة إلى فوق، ثم يصلي الصلوات كلها، قال: ورأيت رسول الله ﷺ يصنعه، فأنا أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ (^٣).\n[إسناده فيه لين] (^٤).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٦٦).\n(^٢) فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، صدوق سيء الحفظ، وهشيم صرح بالتحديث في رواية سعيد بن منصور، انظر التنقيح لابن عبدالهادي (١/ ٥٣٤).\nورواه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢١٤) من طريق سعيد بن منصور، قال: حدثنا هشيم، قال: أنبأنا ابن أبي ليلى به.\n(^٣) الأوسط (١/ ٤٥٤).\n(^٤) تفرد فيه زياد بن عبد الله البكائي، وهو ثقة فيما يرويه عن ابن إسحاق، ويهم كثيرًا في روايته عن غيره، وهذا منها، ولقد قال ابن إدريس: ما أحد أثبت في ابن إسحاق من زياد البكائي؛ لأنه أملى عليه إملاء مرتين.\nوقال صالح بن محمد: ليس كتاب المغازي عند أحد أصح منه عند زياد، وزياد في نفسه ضعيف، ولكن هو من أثبت الناس في هذا الكتاب، وذلك أنه باع داره وخرج يدور مع ابن إسحاق حتى سمع منه الكتاب.\nوقال عبد الله بن علي بن المديني: سألت أبي عنه، فضعفه، وقال في موضع آخر: كتبت عنه شيئًا كثيرًا وتركته. تهذيب التهذيب (٣/ ٣٢٣).\nوفي التقريب: صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة.","vol":"3","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1327>الدليل الخامس:</span>\n(٥٧٨ - ٧٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،\nعن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٧٠).\n(^٢) فيه ثلاث علل:\nالأولى: المحفوظ من حديث المغيرة ليس فيه هذا التفصيل كما في رواية الصحيحين والسنن. وقد ذكرت فيما سبق في تخريج أحاديث القول الأول اثني عشر طريقًا عن المغيرة على سبيل المثال لا الحصر، وليس فيها هذا التفصيل.\nالعلة الثانية: الحسن لم يسمع من المغيرة بن شعبة.\nالعلة الثالثة: أبو عامر الخزاز، اسمه صالح بن رستم، وفيه ضعف.\nوقد أعله الحافظ في المطالب العالية بهذه العلل، قال (١٠٨): «حديث المغيرة بن شعبة في المسح في الكتب الستة بغير هذا السياق، وأبو عامر الخزاز اسمه صالح بن رستم، فيه ضعف، والحسن لم يسمع عندي من المغيرة». اهـ\nإلا أن أبا عامر لم ينفرد به، فقد رواه البيهقي (١/ ٢٩٢) من طريق أبي أسامة، عن أشعث، عن الحسن به مثله. فيبقى في الإسناد علتان، وهو المخالفة لما هو محفوظ من حديث المغيرة في الكتب الستة، وكون الحسن لم يسمعه من المغيرة، والله أعلم.","vol":"3","page":193},{"text":"• الراجح:\nالقول بأن الواجب مسح أكثر ظاهر الخف هو الراجح، لأن من مسح الأكثر فهو في حكم من مسح الكل، ولأن للأكثر حكم الكل، ولأن استيعاب ظاهر الخف شاق جدًّا خاصة إذا علمنا أن آلة المسح هي الأصابع، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1328>الفصل الثاني في مسح أسفل الخف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• القول في صفة العبادة كالقول في العبادة مبناها على التوقيف.\n• المسح لا ينظف، فكان مسح الأعلى أولى من مسح الأسفل.\n• لم يصح حديث في مسح أسفل الخف.\n• من قال بمسح الأسفل: إما قاله قياسًا على الغسل، ولا قياس مع النص.\nأو قاله لاعتقاده بأن المسح ورد مطلقًا، والمسح المطلق يقتضي الاستيعاب، والحق أن المطلق من نصوص المسح يجب حمله على المقيد منها، وهو الاقتصار على مسح الأعلى.\n[م-٢٤٦] اختلف العلماء في مسح أسفل الخف،\nفقيل: لا يمسح أسفل الخف، وهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٤٨)، البحر الرائق (١/ ١٨٠)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٠)، مراقي الفلاح (ص: ٥٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٨).\n(^٢) المحرر (١/ ١٣)، الإنصاف (١/ ١٨٤، ١٨٥) وانظر مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص: ١٥) رقم ٥١، ٥٢، ورواية عبد الله (١/ ١١٧، ١١٨)، وقال في مسائل ابن هانئ (١/ ١٨، ٢١): «لا يمسح على أسفل الخفين، هذا شيء ذهب إليه ابن عمر، والزهري أخذه عنه». اهـ","vol":"3","page":195},{"text":"وقيل: يمسح الظاهر والباطن، فإن مسح الباطن فقط لم يجزئ، وحكي إجماعًا والخلف محفوظ. وإن مسح الأعلى فقط أجزأه ذلك. وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\nقال مالك: إن مسح الأعلى فقط وصلى، يعيد الصلاة ما دام في الوقت، فإن خرج الوقت أجزأه (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1329> دليل من قال: لا يمسح أسفل الخف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>الدليل الأول:</span>\n(٥٧٩ - ٧٦) ما رواه أبو داود من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير،\nعن علي رضي الله تعالى عنه قال: ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه (^٤).\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٨٣)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٦، ١٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٣٢٤) الاستذكار (٢/ ٢٦١)، التمهيد (١١/ ١٤٦).\n(^٢) قال الشافعي في الأم (٨/ ١٠٣): «وأحب أن يغمس يديه في الماء، ثم يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمر اليمنى إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف أصابعه»، وانظر المجموع (١/ ٥٥٠)، روضة الطالبين (١/ ١٣٠)، مغني المحتاج (١/ ٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٢٩١، ٢٩٢).\n(^٣) جاء في المدونة (١/ ١٤٢): «قال مالك: يمسح على ظهور الخفين وبطونهما، ولا يتبع غضونهما .... قال ابن القاسم: أرانا مالك المسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدمه، ووضع اليسرى من تحت أطراف أصابعه من باطن خفه، فأمرهما، وبلغ اليسرى حتى بلغ بهما إلى عقبيه، فأمرهما إلى موضع الوضوء، وذلك أصل الساق حذو الكعبين. قال: وقال مالك: وسألت ابن شهاب، فقال: هكذا المسح.\nثم قال: قلت: فهل يجزئ عند مالك باطن الخف من ظاهره، أو ظاهره من باطنه؟\nقال: لا، ولكن لو مسح رجل ظاهره، ثم صلى، لم أر عليه الإعادة إلا في الوقت؛ لأن عروة بن الزبير كان يمسح ظهورهما، ولا يمسح بطونهما،، وأما في الوقت فأحب إلى أن يعيد ما دام في الوقت».\n(^٤) سنن أبي داود (١٦٣).","vol":"3","page":196},{"text":"[رجاله ثقات] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>الدليل الثاني:</span>\n(٥٨٠ - ٧٧) ما رواه أحمد، قال: ثنا إبراهيم بن أبي العباس، ثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن عروة، قال:\nقال المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهور الخفين.\nقال عبد الله: قال أبي: حدثنا سريج والهاشمي أيضًا (^٢).\n[تفرد بذكر المسح على ظهور الخفين عبد الرحمن بن أبي الزناد، وفيه لين، وباقي رجاله ثقات، وسبق بحثه] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1332>الدليل الثالث:</span>\n(٥٨١ - ٧٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،\nعن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1333>الدليل الرابع:</span>\n(٥٨٢ - ٧٩) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي العلاء،\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٧٠).\n(^٢) المسند (٤/ ٢٤٦، ٢٤٧).\n(^٣) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٧١).\n(^٤) المصنف (١/ ١٧٠).\n(^٥) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٧٨).","vol":"3","page":197},{"text":"قال: رأيت قيس بن سعد بن عبادة بال، ثم أتى دجلة، فمسح على الخف، وفرج بينهما، فرأيت أثر أصابعه في الخف (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1334>الدليل الخامس:</span>\n(٥٨٣ - ٨٠) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق زياد بن عبد الله البكائي، حدثنا الفضل بن مبشر، قال:\nرأيت جابر بن عبد الله يتوضأ، ويمسح على خفيه على ظهورهما مسحة واحدة إلى فوق، ثم يصلي الصلوات كلها، قال: ورأيت رسول الله ﷺ يصنعه، فأنا أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ (^٣).\n[إسناده فيه لين] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>الدليل السادس:</span>\n(٥٨٤ - ٨١) من الآثار، ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال:\nرأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف.\n[صحيح] (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1336> دليل من قال: يمسح أسفل الخف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>الدليل الأول:</span>\n(٥٨٥ - ٨٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور، عن رجاء\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٢١٩) رقم (٨٥٢).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٦٨).\n(^٣) الأوسط (١/ ٤٥٤).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٧٧).\n(^٥) المصنف (٨٥١) وسبق تخريجه، انظر ح: (٥٧٥).","vol":"3","page":198},{"text":"ابن حيوة، عن كاتب المغيرة،\nعن المغيرة أن رسول الله ﷺ توضأ فمسح أسفل الخف وأعلاه (^١).\n[الحديث معلول] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٢٥١).\n(^٢) الحديث أخرجه أحمد كما في رواية الباب، ومن طريق الإمام أحمد أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ١٣٥).\nوأخرجه البخاري في التاريخ الأوسط (الصغير) (١/ ٢٩٢) رقم ١٤٢٢ حدثني إبراهيم بن موسى،\nوأخرجه أبو داود (١٦٥) حدثنا موسى بن مروان ومحمود بن خالد الدمشقي، المعنى.\nوأخرجه الترمذي (٩٧) حدثنا أبو الوليد الدمشقي،\nوأخرجه ابن ماجه (٥٥٠) قال: حدثنا هشام بن عمار،\nوأخرجه ابن الجارود في المنتقى (٨٤) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٩٦) رقم ٩٣٩، وفي مسند الشاميين (٤٥١) من طريق عبد الله بن يوسف.\nوأخرجه الطبراني أيضًا في الكبير (٩٣٩)، وفي مسند الشاميين (٤٥١) من طريق الهيثم بن خارجه.\nوأخرجه البيهقي في السنن (١/ ٢٩٠) من طريق الحكم بن موسى، ثمانيتهم عن الوليد بن مسلم، حدثنا ثور، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة.\nوالحديث ضعفه الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني، وأبو زرعة،\nوأبو حاتم الرازيان، وأبو نعيم، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم، كما سيأتي النقل عنهم إن شاء الله تعالى، وهؤلاء هم أئمة العلل في الحديث.\nوالحديث له أكثر من علة:\nالعلة الأولى: عنعنة الوليد بن مسلم، وهو وإن صرح بالتحديث من ثور إلا أنه متهم بتدليس التسوية، فلا بد من أن يصرح بالتحديث من شيخه، ومن شيخ شيخه، وهو ما لم يتوفر هنا.\nقلت: وقد يقال: إنه متهم بتدليس التسوية في أحاديث الأوزاعي خاصة، وهذا ليس منها، فليتأمل.\nالعلة الثانية: الانقطاع، فإن ثور بن يزيد لم يسمعه من رجاء.\nفقد رواه ثور بن يزيد، واختلف عليه:\nفرواه عنه الوليد بن مسلم، كما سبق في التخريج، عن ثور، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة، عن رسول الله ﷺ. =","vol":"3","page":199},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخالفه عبد الله بن المبارك، فرواه عن ثور، حدثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، عن رسول الله ﷺ مرسلًا، ولم يبلغ به المغيرة. وهذا هو المحفوظ.\nفقد رواه أحمد كما في مسائل ابنه صالح (٥٤٤)، وابن حزم في المحلى (٢/ ١١٤) ومحمد بن عبد الملك بن أيمن في مصنفه كما في الهداية في تخريج أحاديث البداية (١/ ٢٠٤) رووه من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن ثور بن يزيد، قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، أن رسول الله ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله.\nقال أحمد: ولا أرى الحديث ثبت». اهـ\nوقال أيضًا في مسائل صالح (٢٧١): «وليس هو بحديث ثبت عندنا». اهـ\nوقال ابن حجر في التلخيص (١/ ١٥٩): «قال الأثرم عن أحمد: أنه كان يضعفه -يعني حديث الوليد- ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي، فقال: عن ابن المبارك، عن ثور، حدثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر المغيرة».\nوقال الترمذي في العلل (١/ ١٨٠): «سألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث، فقال: لا يصح هذا، روي عن ابن المبارك، عن ثور بن يزيد، قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ مرسلًا، وضعف هذا، وسألت أبا زرعة، فقال نحوًا مما قال محمد ابن إسماعيل». اهـ\nوقال أبو داود كما في السنن (١٦٥): «بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء».\nوقال الترمذي في السنن (٩٧): «هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة ومحمدًا عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور، عن رجاء، قال: حدثت عن كاتب المغيرة، مرسل، عن النبي ﷺ، ولم يذكر فيه المغيرة». اهـ\nوقال أبو حاتم في العلل لابنه (١٣٥) قال: «سمعت أبي يقول في حديث الوليد .... أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله، فقال: ليس بمحفوظ، وسائر الأحاديث عن المغيرة أصح».\nوقال الدارقطني في العلل (٧/ ١١٠) بعد أن ذكر الاختلاف في الحديث: «وحديث رجاء ... لا ثبت؛ لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلًا».\nفهنا عبد الله بن المبارك، وهو مقدم على الوليد بن مسلم يرويه عن ثور، مبينًا أنه لم يسمعه من رجاء، وأن الحديث مرسل، عن كاتب المغيرة، عن رسول الله ﷺ، ولم يبلغ به المغيرة.\nفإن قيل: قد رواه الدارقطني (١/ ١٩٥) حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، أخبرنا داود بن رشيد، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، أخبرنا رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة ..\nفهنا قد رواه عبد الله بن عبد العزيز، عن داود بن رشيد، عن الوليد بالتصريح بسماع ثور من رجاء، وعبد الله بن محمد بن عبد العزيز قد قال عنه الدارقطني: كان قَلَّ أن يتكلم عن حديث، فإذا =","vol":"3","page":200},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تكلم كان كلامه كالمسمار في السياج، ثقة جليل، إمام، أقل المشايخ خطأ. انظر تاريخ بغداد (١٠/ ١١١) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧٣٧).\nفالجواب: هذا وهم، ولا شك فقد رواه البيهقي (١/ ٢٩٠، ٢٩١) من طريق أحمد بن يحيى بن إسحاق الحلواني، ثنا داود بن رشيد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء، ولم يقل: (أخبرنا رجاء). والحلواني ثقة أيضًا، له ترجمة في تاريخ بغداد (٥/ ٢١٢)، وهذه الرواية توافق رواية كل من رواه عن الوليد بن مسلم، وقد خالف فيه عبد الله بن عبد العزيز كل من رواه عن الوليد بن مسلم، وقد وقفت على تسعة حفاظ، منهم:\nأحمد بن حنبل في المسند، وإبراهيم بن موسى كما في التاريخ الأوسط للبخاري، وموسى بن مروان ومحمود بن خالد الدمشقي عند أبي داود، وأحمد بن عبد الرحمن الدمشقي عند الترمذي، وهشام بن عمار، عند ابن ماجه، وعبد الله بن يوسف، والهيثم بن خارجه عند الطبراني في الكبير، والحكم بن موسى كما في سنن البيهقي، فهؤلاء تسعة حفاظ رووه عن الوليد بالعنعنة، ولم يقل واحد منهم: أن ثورًا سمعه من رجاء، وسبق العزو إليهم في تخريج الحديث.\nالعلة الثالثة: الارسال، حيث تفرد الوليد بن مسلم بوصله، وخالفه ابن المبارك، وهو أوثق منه، ولم يتابع الوليد بن مسلم أحد في وصله إلا ما رواه الشافعي في مختصر المزني (١/ ٥٠) عن ابن أبي يحيى، عن ثور بن يزيد، كرواية الوليد بن مسلم، إلا أن هذه المتابعة لا تسمن ولا تغني من جوع؛ لأنها من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متهم على ما فيه من البدع.\nقال ابن حجر في التلخيص (١/ ١٥٩): «قال أحمد: وقد كان نعيم بن حماد حدثني به عن ابن المبارك، كما حدثني الوليد بن مسلم به عن ثور، فقلت: إنما يقول هذا الوليد، وأما ابن المبارك فيقول: حدثت عن رجاء، ولا يذكر المغيرة، فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أسأل عنه، فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم: عن المغيرة، فأوقفته عليه، وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد، لا أصل لها، فجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث». اهـ\nفتبين أن المحفوظ من الحديث رواية ابن المبارك، وأن لها علتين الانقطاع والإرسال، وهي علتان تضعف الحديث، مع مخالفتها لما روى الحسن وعروة بن المغيرة، عن المغيرة من أن الرسول ﷺ كان يمسح ظاهر خفيه.\nقال البخاري في التاريخ الأوسط (١/ ٢٩٢) رقم ١٤٢٤: «حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا ابن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه على ظاهرهما. قال: وهذا أصح. يعني من حديث رجاء، عن كاتب المغيرة».","vol":"3","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1338>الدليل الثاني:</span>\n(٥٨٦ - ٨٣) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال:\nقال عطاء: رأيت ابن عمر يمسح عليهما -يعني خفيه- مسحة واحدة بيديه كلتيهما، بطونهما وظهورهما، وقد أهرق قبل ذلك الماء، فتوضأ هكذا لجنازة دعي إليها.\n[رجاله ثقات] (^١).\nوالجواب عن هذا:\nأن هذا الأثر موقوف على ابن عمر ﵁، مخالف لما هو مرفوع، فلا يقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>الدليل الثالث:</span>\nمن النظر أن المسح بدل من الغسل، وإذا كان في الغسل يغسل أعلى القدم وأسفله، فكذلك المسح ينبغي أن يستوعب القدم أعلاه وأسفله.\n• الراجح:\nأن الأحاديث التي تذكر الاقتصار على مسح الظاهر أقوى وأكثر، من الأحاديث\n_________\n(^١) ابن جريج مكثر عن عطاء، وقد توبع كما سيأتي.\nورواه البيهقي (١/ ٢٩١) من طريق ابن جريج، والعمري مختصرًا به.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٥٢) من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: قال لي نافع: رأيت ابن عمر يمسح عليهما - يعني: مسحة واحدة بيديه كلتيهما بطونهما وظهورهما. وهذا سند صحيح عن ابن عمر.\nورواه ابن عبد البر كما في فتح البر (٣/ ٢٨٠) من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن نافع به.\nوذكر أيضًا في الصفحة نفسها من التمهيد، وفي الاستذكار (٢/ ٢٦١) عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يمسح أعلاهما وأسفلهما. وهذا سند صالح في المتابعات.\nوروى مالك في الموطأ (١/ ٣٨) أنه سأل ابن شهاب عن المسح على الخفين كيف هو؟ فأدخل ابن شهاب إحدى يديه تحت الخف، والأخرى فوقه، ثم أمرهما. قال مالك: وقول ابن شهاب أحب ما سمعت إلى في ذلك.","vol":"3","page":202},{"text":"الواردة في مسح الأسفل مع الأعلى، وأصح ما ورد في مسح الأسفل فعل ابن عمر، وهو مع كونه موقوفًا فهو حكاية فعل، وابن عمر له نزعة احتياطية خاصة في الطهارة، وكان يمكن الأخذ بما روي عن ابن عمر باعتباره من فقهاء الصحابة رضوان الله عليه وعلى أبيه إلا أنه حين كان مخالفًا للمرفوع من حديث علي ﵁ قدم عليه.\nقال ابن رشد في بداية المجتهد «وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك، وتشبيه المسح بالغسل، وذلك أن في ذلك أثرين متعارضين:\nأحدهما: حديث المغيرة بن شعبة، وفيه: (أنه مسح أعلى الخف وباطنه).\nوالآخر: حديث علي: (لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه).\nفمن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين، حمل حديث المغيرة على الاستحباب، وحديث علي على الوجوب، وهي طريقة حسنة، ومن ذهب مذهب الترجيح أخذ إما بحديث علي، وإما بحديث المغيرة، فمن رجح حديث المغيرة على حديث علي رجحه من قبل القياس، أعني: قياس المسح على الغسل، ومن رجح حديث علي، رجحه من قبل مخالفته للقياس، أو من جهة السند ... إلخ كلامه ﵀.\nقلت: وإذا كان الاكتفاء بالظاهر مخالفًا للقياس، كان من قال به لابد أنه اطلع على سنة في هذا؛ لأن مجرد القياس قد لا يدل عليه، ومن مسح الأعلى والأسفل اجتهد برأيه قياسًا على الغسل، ولا شك أن الأول أولى، على أن قولنا مخالف للقياس هذا بحسب الفهم القاصر، وإلا فلا يوجد في الشرع ما يخالف القياس الصحيح، فإن التخفيف بالمسح على وفق القياس.\nوأنكر ابن حزم على المالكية كونهم يأمرون من ترك مسح أسفل الخف دون أعلاه، أن يعيد صلاته ما دام في الوقت.\nقال ابن حزم: «إن كان قد أدى فرض طهارته وصلاته فلا معنى للإعادة، وإن","vol":"3","page":203},{"text":"كان لم يؤدها، فيلزمه عندهم أن يصلي أبدًا» (^١). يعني في الوقت أو خارج الوقت. والحق ما قال ابن حزم.\nوتكلف النووي في المجموع في تأويل حديث علي، ليوافق مذهب إمامه أن المجزئ في المسح أقل ما يصدق عليه أنه مسح.\nقال النووي: «لو كان الدين بالرأي لكان ينبغي لمن أراد الاقتصار على أقل ما يجزئ أن يقتصر على أسفله، ولكني رأيت رسول الله ﷺ اقتصر على أعلاه، ولم يقتصر على أسفله، فقوله عفى الله عنه: «لكان ينبغي لمن أراد الاقتصار على أقل ما يجزئ» هذا اللفظ من كيس النووي بلا ريب، وليست من اللفظ النبوي، ثم قال عفى الله عنه:\n«فليس فيه نفي استحباب الاستيعاب، وهذا كما صح أن النبي ﷺ مسح بناصيته، ولم يلزم منه نفي استحباب استيعاب الرأس، وإنما المقصود منه بيان أن الاستيعاب ليس بواجب».\nقلت: حمل حديث المغيرة على الاستحباب حمل جيد لو كان الحديث صحيحًا؛ لأن الجمع أولى من الترجيح، لكن إذا ثبت أن حديث المغيرة ضعيف ضعفه أئمة العلل كالإمام أحمد، والبخاري، وأبي حاتم وأبي زرعة، وأبي داود والترمذي، والدارقطني وغيرهم كما نقلته عنهم، فلا داعي للجمع، فيبقى القول الأول هو الصحيح المتعين، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٤٤).","vol":"3","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1340>الفصل الثالث في غسل الخف بدلًا من مسحه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ممسوح في طهارة الحدث لا يشرع تكرار مسحه فالغسل أولى ألا يشرع.\n• المسح طهارة مبناها على التخفيف، والغسل ينافي ذلك.\n[م-٢٤٧] هل يكفي غسل الخف عن مسحه، اختلف في ذلك\nفقيل: يكفي مع الكراهة، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، واختاره محمد بن الحسن من الحنفية (^٤).\nوقيل: لا يجزئ، اختاره القفال من الشافعية (^٥)، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٢٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٤)، الخرشي (١/ ١٨١)، التاج والإكليل (١/ ٤٧٢)، الشرح الصغير (١/ ١٥٦)، منح الجليل (١/ ١٣٩).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ١٣٠)، المجموع (١/ ٥٥٠).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٨٥)، شرح الزركشي (١/ ٤٠٤)، المغني (١/ ١٨٤).\n(^٤) جاء في كتاب الأصل (١/ ١٠٤): «أرأيت رجلًا توضأ، فنسي أن يمسح على خفيه، وقد توضأ وضوءًا تامًا؟ قال: يجزيه ذلك من المسح».\nوكونه يجزيه لا يعني أنه يستحبه، فقد قال في (١/ ١٠٩): «أرأيت الرجل إذا أراد أن يمسح على خفيه أترى له أن يغسل قدميه؟ قال: لا أرى له ذلك، ولكنه يمسحهما مسحًا».\n(^٥) المجموع (١/ ٥٥٠).\n(^٦) المغني (١/ ١٨٤).","vol":"3","page":205},{"text":"وقيل: إن مسح بيديه على الخفين حال الغسل أجزأه، وإلا فلا (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1341> دليل من قال يجزئ مع الكراهة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>الدليل الأول:</span>\nالمشروع هو المسح فقط، والغسل خلاف المشروع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1343>الدليل الثاني:</span>\nأن الغسل قد يدخل في الاعتداء بالطهور، وأقل أحواله أن يكون مكروهًا.\n(٥٨٧ - ٨٤) فقد روى أحمد، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد ابن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نعامة،\nأن عبد الله بن مغفل سمع ابنًا له يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض من الجنة إذا دخلتها عن يميني، قال فقال له: يا بني سل الله الجنة، وتعوذه من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون من بعدي قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٨٤).\n(^٢) مسند أحمد (٤/ ٨٧).\n(^٣) حماد بن سلمة سمع من الجريري قبل الاختلاط، انظر الكواكب النيرات (ص: ١٨٣)، وتدريب الراوي (٢/ ٣٧٣). إلا أن أبا نعامة لم يسمع من عبد الله بن مغفل، وإنما يروي عن ابن عبد الله بن مغفل، عن عبد الله بن مغفل، قال الذهبي في تلخيص المستدرك (١/ ١٦٢): فيه إرسال.\nواختلف فيه على حماد بن سلمة:\nفرواه عفان كما في مسند أحمد (٥/ ٥٥)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٩٤١١).\nوعبد الصمد كما في مسند أحمد (٥/ ٥٥).\nوسليمان بن حرب كما في مسند أحمد (٤/ ٨٧).\nوأحمد بن إسحاق الحضرمي، كما في مسند الروياني (٨٩٧).\nوموسى بن إسماعيل كما في سنن أبي داود (٩٦)، ومستدرك الحاكم (١/ ١٦٢)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ١٩٦، ١٩٧). =","vol":"3","page":206},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكامل بن طلحة كما في صحيح ابن حبان (٦٧٦٤)، كلهم رووه عن حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نعامة، عن عبد الله بن مغفل.\nوهذا الطريق له علة واحدة، وهو الانقطاع بين أبي نعامة وبين عبد الله بن مغفل.\nوخالفهم يزيد بن هارون، كما في مسند أحمد (٤/ ٨٦) عن يزيد بن هارون،\nومحمد بن الفضل كما في مسند عبد بن حميد (٥٠٠)،\nوحجاج بن منهال وأبو عمر الضرير وكامل بن طلحة كما في الدعاء للطبراني (٥٨)، كلهم رووه عن حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أبي نعامة به.\nوهذا الطريق فيه علتان: أحدهما ضعف يزيد الرقاشي، والانقطاع بين أبي نعامة قيس بن عباية الحنفي، وبين عبد الله بن مغفل.\nوخالف كل هؤلاء أبو الوليد الطيالسي كما في صحيح ابن حبان (٦٧٦٣) فرواه من طريقه، عن حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن عبد الله بن المغفل.\nفجعل بدلًا من أبي نعامة أبا العلاء، (يزيد بن عبد الله بن الشخير) وصار محتمل الاتصال، لكن هذه الرواية لا تسلم من العلة أيضًا، مع ما فيها من المخالفة لمن سبق، وهم جماعة، خاصة أن فيهم عفان، وقد قال يحيى بن معين: من أراد أن يكتب حديث حماد بن سلمة فعليه بعفان بن مسلم، ولم يتابع أبو الوليد الطيالسي في روايته عن حماد، فإن أبا الوليد الطيالسي كان قد كتب عن حماد بعد تغيره، فقد قال أبو حاتم في تهذيب الكمال في ترجمة أبي الوليد الطيالسي، بأن سماعه من حماد فيه شيء، وكأنه سمع منه بآخرة، وكان حماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فحديث حماد بن سلمة ضعيف، للاختلاف عليه في إسناده، وللانقطاع.\nوله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص:\nأخرجه أحمد (١/ ١٧٢) قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن زياد بن مخراق، قال سمعت أبا عباية،\nعن مولى لسعد أن سعدًا رضي الله تعالى عنه سمع ابنًا له يدعو، وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحو من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا، وتعوذت بالله من شر كثير، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ وإن حسبك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.\nوالحديث رواه أبو داود الطيالسي (٢٠٠) ومن طريقه الدورقي (٩١). =","vol":"3","page":207},{"text":"ومن الاعتداء بالطهور مجاوزة الحد المشروع، وأنها من الإساءة والظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>الدليل الرابع:</span>\n(٥٨٨ - ٨٥) ما رواه أحمد، قال: ثنا يعلى، ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:\nجاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم (^١).\n_________\n= وابن أبي شيبة (٦/ ٥٣) حدثنا عبيد بن سعد.\nوأبو يعلى في مسنده (٧١٥) من طريق شبابة بن سوار. كلهم عن شعبة، عن زياد بن مخراق به.\nووقع في رواية ابن أبي شيبة قيس بن صبابة بدلًا من عباية، وهو تصحيف.\nوفي إسناد أبي يعلى، قال: (ابن عباية) بدلًا من أبي عباية.\nوخالفهم يحيى بن سعيد القطان كما في سنن أبي داود (١٤٨٠)، والدعاء للطبراني (٥٦) فرواه عن شعبة، عن زياد بن مخراق، عن أبي نعامة، عن ابن لسعد، أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول ... وذكر الحديث. فأسقط يحيى بن سعيد القطان مولى سعد بن أبي وقاص.\nوأبو عباية: هو قيس بن عباية، وهو أبو نعامة، فحديث عبد الله بن مغفل، وحديث سعد مخرجه قيس بن عباية، وقد صرح الحسيني في الإكمال أن أبا عباية، هو قيس بن عباية، انظر الإكمال (٧٣٢).\nوقال الحافظ في تعجيل المنفعة (١٣١٩): «أبو عباية، عن مولى لسعد بن أبي وقاص، هو قيس بن عباية، وهو من رجال التهذيب».\nوقال الأثرم: سألت أحمد عنه -يعني زياد بن مخراق- فقال: ما أدري. قال: وقلت له روى حديث سعد أن النبي ﷺ قال: يكون بعدي قوم يعتدون في الدعاء، فقال: نعم، لم يقم إسناده اهـ.\nوالحديث ضعيف، له أكثر من علة.\nالعلة الأولى: الاختلاف في إسناده، فرواه الجريري عن أبي نعامة عن عبد الله بن مغفل، ورواه زياد ابن مخراق، عن أبي نعامة، عن مولى لسعد، أن سعد سمع ابنًا له، فتارة يروى من مسند عبد الله بن المغفل، وتارة من مسند سعد.\nالعلة الثانية: جهالة مولى سعد بن أبي وقاص.\n(^١) مسند أحمد (٢/ ١٨٠).","vol":"3","page":208},{"text":"[رجاله ثقات إلى عمرو بن شعيب، فهو حسن عند من يحسن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده] (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقد تكلمت على إسناد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في الطهارة من الحيص والنفاس ورجحت أن الأصح تحسين إسناده حسن إذا صح الإسناد إلى عمرو.\nوأما موسى بن أبي عائشة\nقال الحميدي، عن ابن عيينة: حدثني موسى بن أبي عائشة، وكان من الثقات. الجرح والتعديل (٩/ ٩٠).\nووثقه ابن معين، وابن حبان، ويعقوب بن سفيان، الجرح والتعديل (٩/ ٩٠)، الثقات (٥/ ٤٠٤)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٣١٤).\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: تريبني رواية موسى بن أبي عائشة حديث عبيد الله\nابن عبد الله، في مرض النبي ﷺ. قلت: ما تقول فيه. قال: صالح الحديث. قلت: يحتج بحديثه؟ قال: يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٨/ ١٥٧).\nقال ابن حجر تعقيبًا: عنى أبو حاتم: أنه اضطرب فيه، وهذا من تعنته، وإلا فهو حديث صحيح. تهذيب التهذيب (١٠/ ٣١٤).\nوفي التقريب: ثقة عابد وكان يرسل.\nويرويه عن موسى أبو عوانة، والحكم بن بشر بن سلمان، وسفيان الثوري، وإسرائيل وهريم ابن سفيان.\nأما رواية أبي عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري:\nفأخرجها أبو داود (١٣٥)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١/ ٤٤٤، ٤٤٥) والبيهقي في السنن (١/ ٧٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٦) عن مسدد به.\nوهذا الإسناد رجاله ثقات إلى عمرو بن شعيب، إلا أن فيه زيادة (أو نقص).\nوهذه الزيادة وهم في الحديث ولا شك؛ لأن الوضوء جائز مرة مرة، ومرتين مرتين.\nقال السندي في حاشيته على سنن النسائي (١/ ٨٨): «والمحققون على أنه وهم، لجواز الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين».\nولم يختلف على أبي عوانة في ذكر كلمة: (أو نقص).\nورواه أبو عبيد في كتاب الطهور (٩٠) حدثنا الحكم بن بشر بن سلمان، عن موسى بن أبي عائشة به، بفظ: (فمن زاد أو نقص). فخرج أبو عوانة من العهدة، وصار الوهم من غيره.\nورواه سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة واختلف على سفيان فيه. =","vol":"3","page":209},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه أبو أسامة عن سفيان، عن ابن أبي عائشة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٥٨) ح ٥٨ بكذر (أو نقص) وهذه متابعة لأبي عوانة وللحكم بن بشكر بذكر كلمة (أونقص).\nوخالفه كل من:\nالأول: يعلى بن عبيد، رواه أحمد في مسنده (٢/ ١٨٠)،\nوالنسائي في المجتبى (١٤٠)، وفي الكبرى (٩٠، ١٧٣) عن محمد بن غيلان.\nورواه في الكبرى أيضًا (٨٩) أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي،\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٦١) والبيهقي في السنن (١/ ٧٩) من طريق محمد بن عبد الوهاب.\nأربعتهم (ابن حنبل، وابن غيلان، والرهاوي وابن عبد الوهاب) عن يعلى بن عبيد، عن سفيان، عن ابن أبي عائشة به، بدون زيادة (أو نقص).\nورواه علي بن محمد كما في سنن ابن ماجه (٤٢٢) عن يعلى به، إلا أنه قال: (فقد أساء أو تعدى أو ظلم) فعبر بـ (أو) ولفظ الجماعة بالواو.\nالثاني: الأشجعي، عن سفيان رواها ابن الجارود (٧٥) وابن خزيمة (١٧٤) قالا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان به.\nهذا هو الاختلاف على سفيان في لفظه، وقد اختلف على سفيان في إسناده.\nفرواه أبو أسامة، ويعلى بن عبيد والأشجعي، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nوخالفهم جماعة، رووه عن سفيان، فقالوا: عن عمرو بن شعيب، عن جده، ولم يذكروا (عن أبيه).\nقال ابن حجر في إتحاف المهرة (٩/ ٤٧٤) نقلًا عن ابن خزيمة، ولم أقف على كلامه في صحيحه، قال ابن حجر: «قال أبو بكر: لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى، يعني: أن أصحاب سفيان رووه عنه، عن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن جده، لم يقولوا: عن أبيه. وقد رواه الترمذي في (العلل) من حديث: الفضل بن موسى، وعيسى بن يونس، كلاهما عن سفيان، كذلك. وكذا رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان». وهذا اختلاف آخر على سفيان.\nوأما رواية إسرائيل وهريم بن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، فرواها ابن الأعرابي في معجمه (٧٩). بلفظ: (فمن زاد فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء). ولم يذكرا النقص.\nوقال الحافظ في الفتح (١/ ٢٣٣): «إسناده جيد، لكن عده مسلم في جملة ما أنكر على عمرو بن شعيب؛ لأن ظاهره ذم النقص من الثلاث، وأجيب بأنه أمر سيء، والإساءة تتعلق بالنقص، والظلم بالزيادة.\nوقيل: فيه حذف، تقديره: من نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد، من طريق =","vol":"3","page":210},{"text":"ولا شك أن غسل الخف زيادة على المشروع، فيكون قد أساء وتعدى وظلم بهذه الزيادة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1345> دليل من قال لا يجزئ:</span>\n(٥٨٩ - ٨٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يعقوب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد،\nعن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد (^١).\nوفي رواية لمسلم: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.\nفالرسول ﷺ إنما أمر بالمسح، فغسل الخف حدث في الوضوء ليس عليه أمر الله، ولا رسوله فهو رد على صاحبه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1346> دليل من قال إن مسح بيده على الخفين حال الغسل أجزأ:</span>\nأصحاب هذا القول يرون أن المطلوب هو المسح، وقد حصل بإمرار اليد على الخفين.\nوهذا القول ربما يكون أقرب مع الكراهة؛ لأن الغسل فيه مخالفة للمشروع، ومن جهة قد يتلف الخف، لكن إن كان هناك حاجة إلى هذا الفعل ربما ترتفع الكراهة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n= المطلب بن حنطب مرفوعًا، الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، فإن نقص من واحدة، أو زاد على ثلاث فقد أخطأ، وهو مرسل رجاله ثقات.\nوأجيب عن الحديث أيضا: بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم مقتصر على قوله: (فمن زاد) فقط كذا رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره. ومن الغرائب ماحكاه الشيخ أبو حامد الاسفراييني عن بعض العلماء، أنه لا يجوز النقص من الثلاث، وكأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور، وهو محجوج بالإجماع». اهـ كلام الحافظ ﵀.\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).","vol":"3","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1347>الفصل الرابع في تكرار المسح</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ممسوح في الطهارة لا يشرع تكراره إلا محل الاستنجاء ثلاثًا وإن أنقى بما دونها (^١).\n[م-٢٤٨] اختلف العلماء في حكم تكرار المسح على الخفين.\nفقيل: لا يسن تكرار المسح، وهو مذهب الحنفية، والشافعية (^٢).\nوقيل: يكره، هو مذهب المالكية (^٣)،\nوالمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) الكليات الفقهية للمقري (ص: ٨٢).\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ٤٨)، المبسوط (١/ ١٠٠)، الفتاوى الهندية (١/ ٣٣)، وقال ابن الهمام في فتح القدير (١/ ١٤٨) وقال: «إن تكرار المسح على الخفين غير مشروع».\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٥٤٩)، روضة الطالبين (١/ ١٣٠).\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ١٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٣٢٢)، وحاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٨١، ١٨٢) التاج والإكليل (١/ ٤٧٢)، الشرح الصغير (١/ ١٥٦).\nوالمالكية إنما يكرهون تكرار المسح إذا كان بماء جديد، فإن كان بدون أخذ ماء جديد فلا كراهة عندهم، وقد نص عليه في حاشية الدسوقي (١/ ١٤٥): «وإذا جفت يد الماسح أثناء المسح لم يجدد، وكَمُلَ العضو الذي حصل فيه الجفاف».\n(^٤) مسائل أحمد رواية أبي داود (١/ ١٦) رقم ٥٣، وانظر الإنصاف (١/ ١٨٥)، شرح الزركشي (١/ ٤٠٤)، حاشية العنقري (١/ ٦٤)، كشاف القناع (١/ ١١٨).","vol":"3","page":212},{"text":"وقيل: يشرع تكرار المسح ثلاثًا، وهو اختيار عطاء (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1348> دليل من قال لا يسن أو قال: يكره تكرار المسح </span>(^٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>الدليل الأول:</span>\nلم ينقل تكرار المسح لا قولًا ولا فعلًا، وليس في الأحاديث إلا أنه مسح على خفيه، وهذا يصدق بفعله مرة واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>الدليل الثاني:</span>\nأن تكرار المسح يحول المسح إلى غسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1351>الدليل الثالث:</span>\nأن كل شيء فرضه المسح فشأنه التخفيف فهذا الرأس لا يشرع تثليثه على الصحيح، ولا يشرع تثليث المسح على الجبيرة على القول بمسحها.\nقال في مواهب الجليل: «وإذا كانت الجبيرة في موضع يغسل في الوضوء ثلاثًا فإنه يمسح عليها مرة واحدة لا ثلاثًا، قاله عبد الحق في النكت، قال: ودليله المسح على الخفين إنما يمسح مرة واحدة، وهو بدل عن مغسول ثلاثًا؛ وذلك لأن شأن المسح التخفيف» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1352> دليل من قال يستحب تكرار المسح ثلاثًا:</span>\nهذا القول يرى أن المسح بدل عن الغسل، فالبدل له حكم المبدل.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في المصنف عن عطاء بسند صحيح (٨٥٦)، وانظر الأوسط (١/ ٤٥٦).\n(^٢) لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه، فلو ترك الإنسان سنة الضحى، ونحو ذلك لا يلزم منه الوقوع في المكروه ولذلك اعتبرت من قال بالكراهة قولًا ومن قال: لا يسن قولًا آخر، ولكن أدلة هؤلاء هي أدلة هؤلاء في هذه المسألة خاصة.\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٣٦٢).","vol":"3","page":213},{"text":"وأجيب:\nبأن هذا قياس في مقابل النص، فيكون قياسًا فاسدًا، ثم إن التيمم بدل عن الوضوء، ولا يشرع فيه التثليث، فالبدل له حكم المبدل في الحكم لا في الصفة، ولذلك يكتفى في مسح الخف بظاهره، ولم يجب التعميم كالأصل.\n* * *","vol":"3","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1353>الفصل الخامس في تقديم الرجل اليمنى بالمسح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الطهور استحباب التيامن إن أمكن.\n• المسح إن كان بدلًا من الغسل فالبدل له حكم المبدل\n• القدمان عضوان، فقدم اليمين على الشمال، والأذنان مع الرأس عضو واحد، يؤخذ لهما ماء واحد، فلم يراع تقديم اليمين على الشمال.\n[م-٢٤٩] اختلف العلماء في سنة المسح، وأما الفرض فكيف أتى بالمسح على ظهر القدم بكل اليد، أو ببعضه أجزأه على الصحيح (^١).\nوقال ابن حزم: ما وقع عليه اسم مسح، فقد أدى فرضه إلا أن أبا حنيفة قال: لا\n_________\n(^١) قال الشافعي في الأم (٨/ ١٠٣): «وكيفما أتى بالمسح على ظهر القدم، بكل اليد، أو ببعضه أجزأه».\nوقال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير، وهو من المالكية (١/ ١٥٩): «ولو خالف تلك الكيفية، ومسح كيفما اتفق كفاه».\nوقال أحمد كما في المغني (١/ ١٨٣): «كيفما فعله، فهو جائز، باليد الواحدة، أو باليدين».","vol":"3","page":215},{"text":"يجزئ المسح على الخفين إلا بثلاثة أصابع (^١).\nوقال الصنعاني: «لم يرد في الكيفية ولا الكمية حديث يعتمد عليه، إلا حديث علي في بيان المسح، والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحًا على الخف لغة أجزأه» (^٢).\nوهل يمسح الخفين معًا كالأذنين، أو يسن أن يقدم اليمنى ثم اليسرى؟\nفقيل: يمسح الخفين معًا، بحيث يضع أصابع يده اليمنى على مقدم خفه الأيمن، وأصابع يده اليسرى علىمقدم خفه الأيسر، ويمدهما جميعًا إلى الساق. وهذا مذهب الحنفية (^٣)، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: يستحب تقديم اليمنى على اليسرى، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٥)، وظاهر مذهب من يرى مسح أسفل الخف مع أعلاه، كالمالكية والشافعية (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1354> دليل من قال يمسحان معًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1355>الدليل الأول:</span>\n(٥٩٠ - ٨٧) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٤٣).\n(^٢) سبل السلام (١/ ٨٤).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٦٧)، البحر الرائق (١/ ١٨٣)، والفتاوى الهندية (١/ ٣٣).\n(^٤) الإنصاف (١/ ١٨٥)، وقال في مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى (١/ ١٣٥): وسن مسحه بأصابع يديه، مفرجة من أصابعه -أي أصابع قدمه- إلى ساقه مرة واحدة معًا من غير تقديم إحداهما على الأخرى ... إلخ كلامه ﵀، وانظر المبدع شرح المقنع (١/ ١٤٨)، كشاف القناع (١/ ١١٨، ١١٩).\n(^٥) الإنصاف (١/ ١٨٥)، مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى (١/ ١٣٥) المبدع شرح المقنع (١/ ١٤٨).\n(^٦) انظر الصفة المستحبة عندهم في مسألة مسح أسفل الخف.","vol":"3","page":216},{"text":"عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>الدليل الثاني:</span>\n(٥٩١ - ٨٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زكريا، عن عامر، عن عروة بن المغيرة،\nعن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما (^٣).\nفقوله: (فمسح عليهما) ولم يقل بدأ باليمنى، ولو كان مشروعًا لنقلت هذه الصفة، وحفظت؛ لأنه من شرع الله ﷾.\n• وأجيب:\nبأن الحديث مجمل غير مبين، وليس صريحًا في التيامن، ولا في عدمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>الدليل الثالث:</span>\nالقياس على الأذنين، فطهارة المسح لا تيمن فيها، فكما أن الأذنين عضوان مستقلان، ومع ذلك لم يشرع التيمن فيهما، فكذلك الرجلان في حالة المسح.\n• وأجيب:\nبأن الأذنين يمسحان مع الرأس، وهو عضو واحد، ولذلك لا يشرع أخذ ماء جديد لهما، بل يكفي ماء الرأس، وإذا كانا تبعًا للرأس، لم يكن هناك محل للتيامن،\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٧٠).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر، ح: (٥٧٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٠٦) ومسلم (٢٧٤).","vol":"3","page":217},{"text":"فلا يمكن في عضو واحد، يتيامن في بعضه، ولا يتيامن في بعضه الآخر، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1358> دليل من قال تقدم اليمنى على اليسرى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1359>الدليل الأول:</span>\nأن المسح بدل من الغسل، والبدل له حكم المبدل، فكما أنه يشرع تقديم غسل اليمنى في الرجلين واليدين، فكذلك يشرع تقديم مسح اليمنى على اليسرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1360>الدليل الثاني:</span>\nلم يأت نص صريح في مسح الرجلين معًا، وحيث لم يأت نص، يبقى الحكم لا يختلف عن غسلهما حتى يأتي نص صريح في استحباب عدم التيامن، لأن الاستحباب حكم شرعي، يحتاج إلى نص شرعي صريح صحيح، ولم يتوفر هنا، والله أعلم.\n• الراجح:\nالأمر واسع، ولو كان هناك تفضيل لجاءت السنة واضحة صريحة، فكيف مسح أجزأ، واستحباب التيامن في الطهور هو الأصل.\n* * *","vol":"3","page":218},{"text":"مبحث\nفي اشتراط ظهور أثر الأصابع خطوطًا من المسح\n[م-٢٥٠] قال في الفتاوى الهندية: وإظهار الخطوط ليس بشرط في ظاهر الرواية، كذا في الزاهدي، وهكذا في شرح الطحاوي، ولكنه مستحب، هكذا في منية المصلي (^١).\n(٥٩٢ - ٨٩) قلت: ربما يؤخذ استحباب إظهار الخطوط، بما رواه ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،\nعن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n(٥٩٣ - ٩٠) ومن الآثار، ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال:\nرأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف.\n_________\n(^١) الفتاوى الهندية (١/ ٣٣).\n(^٢) المصنف (١/ ١٧٠).\n(^٣) سبق تخريجه، اانظر، ح: (٥٧٨).","vol":"3","page":219},{"text":"[صحيح] (^١).\n(٥٩٤ - ٩١) وبما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي العلاء، قال: رأيت قيس بن سعد بن عبادة بال، ثم أتى دجلة، فمسح على الخف، وفرج بينهما، فرأيت أثر أصابعه في الخف (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\nوهل يشرع للإنسان أن يتقصد أن يظهر أثر أصابعه على خفه، وهل يؤخذ ذلك من هذه الأدلة، فيه تأمل، والذي أميل إليه عدم الاستحباب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٨٥١) وسبق تخريجه، انظر ح: (٥٦٩).\n(^٢) المصنف (١/ ٢١٩) رقم (٨٥٢).\n(^٣) سبق تخريجه، انظر ح (٥٦٨).","vol":"3","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1361>الباب الرابع خلاف العلماء في ابتداء مدة المسح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التقدير والتوقيت في العبادات طريقها التوقيف أو الإجماع، لا دخل للعقل فيها.\n• قال: ﷺ يمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة أيام، فقوله: (يومًا وليلة، وثلاثة أيام) ظرف متعلق بالفعل يمسح، فهو صريح أن الوقت المذكور ظرف للمسح فالمدة تبدأ من مباشرة المسح.\n• النصوص تذكر المسح ومدته، فتحمل على المسح الواجب، الذي هو محل الرخصة؛ لأن محل الرخص هو الواجب وليس الجائز.\nوقيل:\n• المسح عبادة مؤقتة، فيكون ابتداء وقتها من حين جواز فعلها قياسًا على الصلاة.\n• مضي مدة المسح يوجب النزع وإن لم يمسح.\n• الحدث سبب للمسح على الخفين، فعلق الحكم به.","vol":"3","page":221},{"text":"[م-٢٥١] لما كان الراجح من أقوال أهل العلم أن المسح على الخفين عبادة مؤقتة بوقت معين، فقد اختلف العلماء في ابتداء مدة المسح:\nفقيل: من أول حدث بعد لبس الخف، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: من أول مسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد (^٤)، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور (^٥)، واختاره ابن المنذر (^٦)، ورجحه النووي (^٧).\nوقيل: ابتداء المدة من اللبس، وهو محكي عن الحسن البصري (^٨).\nوقيل: يمسح خمس صلوات في اليوم والليلة، وعليه تبتدئ مدة المسح من أول صلاة صلاها، وهو قول الشعبي وأبي ثور وإسحاق (^٩).\nوقيل: يمسح من الوقت الذي مسح إلى مثلها من الغد، وهو رواية عن أحمد (^١٠).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٩٩)، مراقي الفلاح (ص: ٥٤)، بدائع الصنائع (١/ ٨)، تبيين الحقائق (١/ ٤٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧١).\n(^٢) الأم (١/ ٣٥)، المجموع (١/ ٥١٢).\n(^٣) المبدع (١/ ١٤٢)، الفروع (١/ ١٦٧)، وقال في الإنصاف (١/ ١٧٧): «هذا المذهب بلا ريب، والمشهور من الروايتين، وعليه الأصحاب».\n(^٤) جاء في الإنصاف (١/ ١٧٧): «وعنه -أي عن الإمام أحمد- ابتداء المدة من المسح بعد الحدث، وهي من المفردات، وانتهاؤها وقت المسح، وأطلقهما ابن تميم».\n(^٥) المجموع (١/ ٥١٢).\n(^٦) الأوسط (١/ ٤٤٣).\n(^٧) قال النووي: وهو المختار الراجح دليلًا، انظر المجموع (١/ ٥١٢).\n(^٨) المجموع (١/ ٥١٢).\n(^٩) الأوسط (١/ ٤٤٤)، والمجموع (١/ ٥١٢).\n(^١٠) قال أحمد كما في مسائل أبي داود السجستاني (ص: ١٧): «يمسح من الوقت الذي مسح إلى مثلها من الغد، قلت: إنه يدخل فيه ست صلوات؟ قال: لا بأس به، يمسح من الغد إلى الساعة التي مسح عليها»، وانظر الأوسط (١/ ٤٤٣).","vol":"3","page":222},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1362> دليل من قال ابتداء المدة من أول حدث بعد لبس الخف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>الدليل الأول:</span>\n(٥٩٥ - ٩٢) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال:\nأتيت صفوان، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب، قلت: حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ، فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت منه في ذلك شيئًا، قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا، أو كنا مسافرين لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم .... الحديث (^١).\n[حسن] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن مفلح الصغير: «يدل بمفهومه أنه تنزع لثلاث يمضين من الغائط» (^٣).\n• ويجاب:\nبأن قوله: (من غائط وبول ونوم) يراد به التفريق بين الحدث الأصغر والأكبر، فلا تنزع في الحدث الأصغر، بل يمسح عليهما، ولم يتعرض الحديث لابتداء مدة المسح، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1364>الدليل الثاني:</span>\nاحتج أهل هذا القول بزيادة رواها الحافظ القاسم بن زكريا المطرز في حديث\n_________\n(^١) المصنف (٧٩٥).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٦٥، ٦٠١).\n(^٣) المبدع (١/ ١٤٢).","vol":"3","page":223},{"text":"صفوان، وفيه: (من الحدث إلى الحدث) (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1365>الدليل الثالث:</span>\nمن القياس، قالوا: إن المسح على الخفين عبادة مؤقتة، فكان ابتداء وقتها من حين جواز فعلها، كالصلاة فإن أخر المسح بعد الحدث، فقد ترك ما أبيح له، وفوت على نفسه جزءًا من الوقت، فإن ترك ما أبيح له إلى أن جاء الوقت الذي أحدث فيه فقد تم الوقت الذي أبيح له فيه المسح، ووجب خلع الخف (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1366>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إن الحدث سبب للمسح على الخفين، فعلق الحكم به، ولا يمكن اعتباره من وقت المسح؛ لأنه لو أحدث ولم يمسح، ولم يصل أيامًا لا إشكال أنه لا يمسح بعد ذلك، فكان العدل في الاعتبار من وقت الحدث (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1367> أدلة القائلين بأن المدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1368>الدليل الأول:</span>\n(٥٩٦ - ٩٣) ما رواه أحمد من طريق الأعمش، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة،\nعن شريح بن هانئ، قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن المسح، فقالت: ائت عليًا رضي الله تعالى عنه، فهو أعلم بذلك مني، قال: فأتيت عليًا رضي الله تعالى عنه، فسألته عن المسح على الخفين، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نمسح على الخفين يومًا وليلةً، وللمسافر ثلاثًا (^٤).\n_________\n(^١) ذكره النووي في المجموع (١/ ٥١٢)، وقال: «وهي زيادة غريبة، وليست ثابتة»، وانظر البدر المنير لابن الملقن (٣/ ١٥).\n(^٢) انظر المجموع (١/ ٥١٢)، الأوسط (١/ ٤٤٥).\n(^٣) المبسوط (١/ ٩٩).\n(^٤) المسند (١/ ١١٣).","vol":"3","page":224},{"text":"[روي مرفوعًا وموقوفًا، والرفع محفوظ إن شاء الله تعالى] (^١).\n(٥٩٧ - ٩٤) وما رواه أحمد من طريق هشام الدستوائي، ثنا حماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي،\nعن خزيمة بن ثابت أن رسول الله ﷺ كان يقول: يمسح المسافر على الخفين ثلاث ليال، والمقيم يومًا وليلةً (^٢).\n[رجاله ثقات، وأبو عبد الله الجدلي لم يسمعه من خزيمة] (^٣).\nفقوله في الحديث (نمسح يومًا وليلة) كما في حديث علي، وقوله: (يمسح المسافر ثلاث ليال) كما في حديث خزيمة ظاهرهما يدل على أن الوقت في ذلك وقت المسح، لا وقت الحدث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1369>الدليل الثاني:</span>\nقولكم: إن ابتداء المدة من الحدث ليس عليه دليل، فجميع أحاديث المسح على الخفين ليس للحدث ذكر في شيء منها، فلا يجوز أن يعدل عن ظاهر قول الرسول ﷺ إلي قول غيره إلا بخبر عن رسول الله ﷺ أو إجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1370>الدليل الثالث:</span>\nأن الرسول ﷺ رخص للمقيم أن يمسح يومًا وليلة، فلو قلنا: إن ابتداء المدة من الحدث، لكان المسح أقل من يوم وليلة، فيكون خلاف الحديث، فلو أنه توضأ لصلاة العشاء، ثم مسح لصلاة الفجر، فإن هذا مدة مسحه يومًا وبعض ليلة، فلم يصدق عليه أنه مسح يومًا وليلة، ولا يمكن أن تكون مدة مسحه يومًا وليلة إلا إذا اعتبرنا المدة من المسح.\nوقولكم: إنه هو الذي فوت على نفسه المسح، فالجواب حتى لو مسح بعد حدثه\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر ح: (٥١٢).\n(^٢) المسند (٥/ ٢١٣).\n(^٣) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٥٢).","vol":"3","page":225},{"text":"لا يمكن أن تكون المدة أربعًا وعشرين ساعة؛ لأنه معلوم أن الحدث لا بد أن يسبق المسح، ولو بفترة وجيزة، فلا يتصور أن يمسح يومًا وليلة تامين إلا إذا اعتبرنا المدة من المسح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>الدليل الرابع:</span>\n(٥٩٨ - ٩٥) ما رواه عبد الرزاق، عن عبد الله بن المبارك، قال: حدثني عاصم ابن سليمان،\nعن أبي عثمان النهدي، قال: حضرت سعدًا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته (^١).\n[انفرد عاصم، عن أبي عثمان في ذكر التوقيت في قصة اختلاف سعد مع ابن عمر في المسح على الخفين، ورواه أصحاب ابن عمر بدون ذكر التوقيت] (^٢).\nقال ابن المنذر تعليقًا على هذا الأثر: ولا شك أن عمر بن الخطاب أعلم بمعنى قول الرسول ﷺ ممن بعده، وهو أحد من روى عن النبي ﷺ المسح على الخفين، وموضعه من الدين موضعه، وقد قال النبي ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي)، وروي عنه أنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)». اهـ كلام ابن المنذر (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1372>الدليل الخامس:</span>\nقالوا: إن القائلين بأن المدة تبتدئ من الحدث، قالوا: إذا أحدث قبل سفره، ثم سافر، فمسح في سفره، أتم مسح مسافر، ولو أحدث قبل سفره، ومسح، ثم سافر فمسح مقيم، فقد عُلِق الحكم بالمسح، ولم يعلقه بالحدث، وهذا دليل على أن المعتبر\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٢٠٩) رقم ٨٠٨.\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، انظر ح: (٦٠٥).\n(^٣) الأوسط (١/ ٤٤٣).","vol":"3","page":226},{"text":"هو المسح، وليس الحدث، إلا أنهم حاولوا أن يخرجوا من هذا الإيراد.\nقال في الحاوي: «كل عبادة اعتبر فيها الوقت، فإن ابتداء وقتها محسوب من الوقت الذي يمكن فيها فعلها. وصفتها معتبرة بوقت أدائها كالصلاة إن كانت ظهرًا فأول وقتها زوال الشمس، وصفتها في القصر والإتمام بوقت الأداء والفعل، فإن كان وقت فعلها وأدائها مسافرًا قصر، وإن كان مقيمًا أتم، كذلك المسح أول زمانه من وقت الحدث، لأن أول وقت الفعل وصفته في مسح المقيم والمسافر معتبر بوقت المسح (^١).\nوهذا الانفكاك لا يفكهم؛ لأننا نقول: إن كان الحكم معلقًا بالحدث أنيط الحكم به من حين الحدث، سواء سافر قبل المسح أو بعده، وإن كان الحكم معلقًا بالمسح أنيط الحكم به، فمذهبكم أن الحاضر إذا لزمه مسح الحضر كما لو مسح في الحضر، ثم سافر لم يمسح أكثر من يوم وليلة، ثم يخلع، وهذا قد لزمه حكم مسح الحضر بوقت الحدث قبل أن يسافر، فحين علقتم الحكم بالمسح تركتم أصلكم الذي أصلتموه في هذه المسألة، وهذا دليل على ضعف قول من قال: إن ابتداء المدة من الحدث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1373> دليل من قال ابتداء المدة من اللبس:</span>\nاستدلوا بحديث صفوان بن عسال المتقدم، وفيه: (كان رسولنا يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم). وسبق تخريجه (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (لا ننزع ثلاثة أيام) جعل الثلاثة مدة للبس الخف لا مدة للمسح، ولا مدة للحدث (^٣).\n_________\n(^١) الحاوي (١/ ٣٥٧).\n(^٢) انظر تخريجه، انظر (٥٦٥، ٦٠١).\n(^٣) انظر الحاوي الكبير (١/ ٣٥٧).","vol":"3","page":227},{"text":"والجواب أن يقال:\nيحمل حديث صفوان على حديث غيره كحديث علي وخزيمة وغيرهما المصرحة بأن المسح ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وكلام الرسول ﷺ يفسر بعضه بعضًا، ولا يضرب بعضه ببعض.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1374> دليل من قال تبتدئ مدة المسح من أول صلاة صلاها إلى خمس صلوات:</span>\nهذا القول حمل حديث يمسح المقيم يومًا وليلة حملوه على خمس صلوات مفروضة، وحجتهم كما ذكر ابن المنذر:\n«لما اختلف أهل العلم في هذا الباب نظرنا إلى أقل ما قيل، وهو أن يصلي بالمسح خمس صلوات، فقلنا به، وتركنا ما زاد على ذلك لما اختلفوا؛ لأن الرخص لا يستعمل فيها إلا أقل ما قيل، وإذا اختلفوا في أكثر من ذلك وجب الرجوع إلى الأصل، وهو غسل الرجلين.\n• وأجيب:\nلو عللنا بالخلاف لتركنا المسح على الخفين؛ لأن بعض الصحابة والسلف أنكر المسح على الخفين، أو قال بأنه منسوخ بآية المائدة، فلماذا لم تقولوا بأنهم لما اختلفوا في جواز المسح على الخفين رجعنا إلى الأصل المتيقن، وهو غسل الرجلين.\nفإن قلتم: لأن القول بأن المسح على الخفين غير مشروع قول ضعيف.\nقلنا: إذًا المنهج في الخلاف اتباع القول القوي على الضعيف، والأقوى على القوي، والاحتياط باب، والقول بأنه لا يجوز الزيادة في المسح على خمس صلوات باب آخر، ولا ينبغي في ترجيح قول أو في تركه التعليل بالخلاف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1375> دليل من قال: تبدأ المدة من أول مسح إلى تمام يوم وليلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1376>الدليل الأول:</span>\nظاهر قول الرسول ﷺ: (يمسح المسافر ثلاثة أيام، والمقيم يومًا وليلة) ظاهر","vol":"3","page":228},{"text":"هذا الحديث يدل على أن الوقت في ذلك وقت المسح مطلقًا، ولو كان هذا المسح قبل الحدث؛ إذ ليس للحدث ذكر في أي شيء من الأخبار، فلا يجوز أن يعدل عن ظاهر قول رسول الله ﷺ إلى قول غيره إلا بخبر عن رسول الله ﷺ، أو إجماع يدل على تقييد أو تخصيص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1377>الدليل الثاني:</span>\n(٥٩٩ - ٦٩) ما رواه عبد الرزاق، عن عبد الله بن المبارك، قال: حدثني عاصم ابن سليمان،\nعن أبي عثمان النهدي، قال: حضرت سعدًا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته (^١).\n[انفرد عاصم، عن أبي عثمان في ذكر التوقيت في قصة سعد مع ابن عمر في المسح على الخفين، ورواه أصحاب ابن عمر بدون ذكر التوقيت] (^٢).\nويجاب:\nبأن النصوص وإن ذكرت المدة من المسح إلا أنها محمولة على المسح الواجب، الذي هو محل الرخصة، وليس عن مطلق المسح، ولو كان عن تجديد للطهارة المائية؛ لأن محل الرخص هو الواجب وليس الجائز.\n• الراجح:\nالذي أميل إليه من الأقوال أن المدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث، وهذا القول هو الذي يصدق عليه أنه مسح يومًا وليلة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٢٠٩) رقم ٨٠٨.\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، انظر ح: (٦٠٥).","vol":"3","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1378>الباب الخامس في السفر وأحكام المسح على الخفين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>الفصل الأول اختلاف التوقيت بين المسافر والمقيم</span>\n• المقادير والتوقيت في العبادات طريقها التوقيف أو الإجماع، لا دخل للعقل فيها.\n• إذا جاءت الرخصة في المسح مقدرة بوقت معلوم لم يجز مجاوزتها إلا بيقين، واليقين الغسل حتى يجمعوا على المسح، والقائلون بالمسح لم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر، ولا فوق اليوم والليلة للمقيم، والأصل منع المسح فيما زاد (^١).\n• الأصل الغسل، وهو ثابت بالقرآن، فلا يترك إلا لدليل معلوم راجح عليه.\n• وردت نصوص مطلقة تقول بجواز المسح بلا توقيت، ونصوص تقيد المسح بوقت معين، ولا يمكن الجمع بين هذه الأحاديث بحمل المطلق على المقيد لتعارضها، فالمطلق يصرح بجواز الزيادة على الثلاث، والمقيد يصرح بمنعه، فيجب الترجيح بين الأدلة، ولكل مرجح:\n• فترجح أدلة التوقيت: بكثرة رواتها من الصحابة، ومنها ما هو ثابت في صحيح\n_________\n(^١) انظر الاستذكار (١/ ٢٢١)، شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٧٦).","vol":"3","page":230},{"text":"مسلم كحديث علي، ولأن التوقيت مبناه على التوقيف، ولكونها أحوط، خاصة أن الطهارة تتعلق بركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين وعند الاختلاف نرجع إلى الأصل المتفق عليه، وهو الغسل.\n• وترجح أدلة عدم التوقيت: بأنها تضمنت زيادة، وزيادة العدل مقبولة، وبأن القائل بها مثبت أمرًا، والمانع ناف له، والمثبت مقدم على النافي.\n• قال ابن يونس: قال ابن مهدي وابن معين: حديثان لا أصل لهما: التوقيت في المسح، والتسليمتان يعني في الصلاة، وفيه أيضًا، قال ابن وهب: لا أصل لحديث التوقيت (^١).\n• التوقيت ينافي أصول الطهارات فإنها دائرة مع أسبابها، لا مع أزمانها (^٢).\n[م-٢٥٢] اختلف العلماء هل المسح على الخفين عبادة مؤقتة أو لا؟\nوعلى القول بالتوقيت، هل تختلف مدة المسافر عن المقيم أم لا؟\n_________\n(^١) انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص: ٦٤)، شرح البخاري لابن بطال (١/ ٣١٢)، الذخيرة للقرافي (١/ ٣٢٣).\nقال الكتاني في كتابه نظم المتناثر (ص: ٦٤): «وهو عجيب فإن حديث التسليمتين يأتي عده من المتواتر وحديث التوقيت وارد كما ذكرناه عن أكثر من عشرين نفسًا منهم علي أخرجه مسلم، وخزيمة ابن ثابت أخرجه أبو داود والترمذي وقال إنه حسن صحيح قال وذكر عن ابن معين أنه صححه، وصفوان بن عسال أخرجه الترمذي وقال إنه حسن صحيح، وأبو بكر الصديق وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وكثرة الطرق تدل على أن للحديث أصلًا أصيلًا بل ربما تفيد عده في المتواتر كما أشرنا إليه بذكره هنا وكما صرح به الطحاوي والتوقيت قال الترمذي هو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قال وقد روى عن بعض أهل العلم أنهم لم يوقتوا في المسح على الخفين وهو قول مالك بن أنس والتوقيت أصح». اهـ\n(^٢) الذخيرة للقرافي (١/ ٣٢٣)، ويجاب عنه بأن التوقيت لليس للطهارة، وإنما هو للمسح كالتيمم.","vol":"3","page":231},{"text":"فقيل: إن المسح مؤقت بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، وهو رواية عن مالك (^٤)، واختاره ابن حزم (^٥).\nوقيل: لا توقيت فيه، وهو المشهور من مذهب مالك (^٦)، والقول القديم للشافعي (^٧).\nوقيل: يمسح خمس صلوات إن كان مقيمًا، ولا يمسح أكثر، ويمسح لخمس عشرة صلاة فقط إن كان مسافرًا، وبه يقول إسحاق بن راهويه، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبو ثور (^٨).\nوقيل: إن التوقيت يسقط في حال الضرورة، والمشقة، فالضرورة كأن يكون هناك برد شديد متى خلع تضرر، أو مع رفقة متى خلع وغسل لم ينتظروه، وخاف على نفسه (^٩).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٩٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧١)، شرح معاني الآثار (١/ ٨٥).\n(^٢) الأم (١/ ٥٠)، روضة الطالبين (١/ ١٣١)، حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٠٠).\n(^٣) مسائل أحمد رواية عبد الله (١/ ١١٧) رقم ١٤٨، ومسائل ابن هانئ (١/ ١٨)، ومسائل أبي داود (ص: ١٧) رقم ٥٨، ٥٩، ورواية الكوسج (١/ ١٨)، وانظر مطالب أولي النهى (١/ ١٣٣، ١٣٤)، الإنصاف (١/ ١٧٦)، شرح الزركشي (١/ ٤١٢، ٤١٦)، المحرر (١/ ١٢).\n(^٤) حاشية العدوي (١/ ٢٣٥)\n(^٥) المحلى (١/ ٣٢١).\n(^٦) المدونة (١/ ١٤٤).\n(^٧) روضة الطالبين (١/ ١٣١).\n(^٨) الأوسط لابن المنذر (١/ ٤٤٣)، وقول إسحاق في مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٢٨٢، ٢٨٣) يخالف ما نقله عنه ابن المنذر، فليتأمل.\n(^٩) جاء في الفتاوى الهندية (١/ ٣٤): «ولو خاف من نزع خفيه على ذهاب قدميه من البرد، جاز له المسح وإن طالت المدة، كمسح الجبيرة، هكذا في التبيين والبحر الرائق». وانظر الجوهرة النيرة (١/ ٢٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٥).","vol":"3","page":232},{"text":"والمشقة كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس. اختاره ابن تيمية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1380> دليل من قال بالتوقيت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1381>الدليل الأول:</span>\n(٦٠٠ - ٩٧) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن عمرو بن قيس، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة،\nعن شريح بن هانئ، قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فاسأله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ، فأتيته، فسألته، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم (^٢).\n[الحديث روي مرفوعًا وروي موقوفًا، والرفع محفوظ إن شاء الله تعالى] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>الدليل الثاني:</span>\n(٦٠١ - ٩٨) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم،\nعن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب، قلت: حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت منه في ذلك شيئًا، قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا، أو كنا مسافرين لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. الحديث (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢١٥)، الاختيارات (ص: ١٥) والإنصاف (١/ ١٧٦).\n(^٢) المصنف (٧٨٩)، وسقط من لفظه كلمة (يومًا).\n(^٣) سبق تخريجه انظر ح: (٥١٢).\n(^٤) المصنف (٧٩٥).","vol":"3","page":233},{"text":"[حسن] (^١).\n_________\n(^١) وسبق الكلام على بعض ألفاظه، فخرجت من ألفاظه زيادة (إذا أدخلناهما على طهر) وهي زيادة شاذة انظر (ح ٦٢). وأنا هنا إن شاء الله أستوفي تخريجه وبيان ألفاظه.\nالحديث مداره على عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن صفوان به، ورواه عن عاصم جماعة، بعضهم يرويه تامًا بذكر فضل طلب العلم، والمسح على الخفين، والمرء مع من أحب، وباب التوبة، ومنهم من يرويه مختصرًا بذكر بعض ما سبق، وكلها محفوظة في حديث صفوان، وإليك من وقفت عليه منهم:\nالأول: سفيان بن عيينة، عن عاصم.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٧٩٥) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٧٣٥٣)، وابن خزيمة في صحيحه (١٩٣)، وابن حبان (٨٥).\nورواه أحمد في المسند (٤/ ٢٤٠)، والحميدي في مسنده (٨٨١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٦٢)، ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه ابن ماجه (٤٧٨)، كلهم (عبد الرزاق، وأحمد، والحميدي، وابن أبي شيبة) عن ابن عيينة به.\nواقتصر ابن أبي شيبة وابن ماجه على ذكر المسح على الخفين، ورواه أحمد والحميدي، وعبد الرزاق ومن طريقه الطبراني عن سفيان بتمامه بذكر المسح على الخفين، والتوبة، والمرء مع من أحب، وذكر ابن خزيمة الخفين والتوبة، واقتصر ابن حبان على فضل طلب العلم.\nوأخرجه الترمذي (٣٥٣٥) قال: حدثنا بن أبي عمر\nوابن حبان (١٣٢١) من طريق هارون بن معروف، كلاهما عن ابن عيينة به تامًا بذكر المسح على الخفين والتوبة، والمرء يحب القوم.\nوأخرجه ابن الجارود في المنتقى (٤) حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد.\nوالنسائي (١٢٦) أخبرنا قتيبة.\nوالطحاوي (١/ ٨٢) قال: حدثنا يونس.\nوابن خزيمة (١٧) من طريق علي بن خشرم، ومن طريق سعيد بن عبد الرحمن المخزومي.\nوالبيهقي (١/ ٢٧٦) من طريق الحسن بن محمد الزعفراني، وأيضًا (١/ ١١٨) من طريق سعدان بن نصر، كلهم عن ابن عيينة به، بذكر المسح على الخفين فقط.\nوأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٨٥٠) حدثنا بن عيينة به، بذكر باب التوبة فقط.\nالثاني: الثوري، عن عاصم.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٧٩٢) ومن طريقه الطبراني (٨/ ٥٦) رقم ٧٣٥١ بذكر المسح على الخفين فقط. =","vol":"3","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه يحيى بن آدم عن سفيان مختصرًا وتامًا:\nفأخرجه أحمد (٤/ ٢٣٩) عن يحيى بن آدم به بذكر المسح على الخفين، وكون المرء مع من أحب.\nوأخرجه النسائي في المجتبى (١٢٧)، وفي الكبرى (١٤٥) من طريق أحمد بن سليمان الرهاوي،\nوابن خزيمة (١٩٦) حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي، ومحمد بن رافع، ثلاثتهم عن يحيى بن آدم به بذكر المسح على الخفين فقط.\nوقرن النسائي بالثوري جماعة رووا الحديث.\nوأخرجه الترمذي (٢٣٨٧) حدثنا محمد بن غيلان، قال: حدثنا يحيى بن آدم به، واقتصر على لفظ: (المرء مع من أحب) وقال: حسن صحيح.\nالثالث: حماد بن سلمة، عن عاصم.\nأخرجه أحمد (٤/ ٢٣٩) حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم به، ولفظه: (غدوت على صفوان بن عسال المرادي أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك؟ قلت: ابتغاء العلم. قال: ألا أبشرك، ورفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب قال: فذكر الحديث). قوله: (فذكر الحديث) أي في المسح على الخفين، وهذا مقطوع به؛ لأنه قال: غدوت على صفوان أسأله عن المسح على الخفين. ويحتمل قوله: وذكر الحديث أي بتمامه بذكر التوبة، والمرء مع من أحب.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢٤٠) قال: ثنا يونس، ثنا حماد -يعني: ابن سلمة به- بذكر فضل طلب العلم فقط.\nومن طريق حماد بن سلمة أخرجه الطيالسي (١١٦٦) وقرنه برواية حماد بن زيد وهمام وشعبة، عن عاصم به، بذكر المسح على الخفين فقط.\nورواه الطيالسي من نفس الطريق (١١٦٥) بفضل طلب العلم.\nورواه بالطريق نفسه (١١٦٧) بذكر المرء مع من أحب.\nوأخرجه الدارمي (٣٥٧) أخبرنا عمرو بن عاصم، حدثنا حماد بن سلمة به، بذكر طلب العلم، وأشار إلى المسح على الخفين.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٢) والطبراني في الكبير (٨/ ٥٨) رقم ٧٣٥٩ من طريق حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة به، واختصره الطحاوي، وذكر الطبراني الحديث بتمامه، بذكر المسح، والتوبة، والمرء مع من أحب.\nالرابع: همام، عن عاصم.\nرواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١١٦٦) مقرونًا بغيره، بذكر المسح على الخفين. وأخرجه أحمد (٤/ ٢٣٩) حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام به. واختصره بذكر غزوات صفوان بن عسال مع رسول الله ﷺ. =","vol":"3","page":235},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الطبراني في الكبير (٧٣٦١) من طريق عبد الله بن رجاء، عن همام به بتمامه، بذكر المسح على الخفين، والتوبة، والمرء مع من أحب.\nالخامس: شعبة، عن عاصم.\nرواه أبوداود الطيالسي في مسنده (١١٦٦)\nوالنسائي (١٥٩) من طريق يزيد بن زريع، كلاهما عن شعبة به بذكر المسح على الخفين.\nورواه الطيالسي من نفس الطريق (١١٦٥) بفضل طلب العلم فقط.\nورواه بالطريق نفسه (١١٦٧) بذكر المرء مع من أحب.\nورواه أيضًا (١١٦٨) بذكر باب التوبة.\nوأخرجه النسائي في المجتبى (١٥٨) وفي الكبرى (١٣٢) من طريق خالد، حدثنا شعبة به، وذكر طلب العلم، والمسح على الخفين.\nالسادس: حماد بن زيد، عن عاصم.\nرواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١١٦٦) عن حماد بن زيد، وقرنه برواية حماد بن سلمة وهمام وشعبة، عن عاصم به، بذكر المسح على الخفين.\nورواه الطيالسي من نفس الطريق (١١٦٥) بفضل طلب العلم فقط.\nورواه بالطريق نفسه (١١٦٧) بذكر المرء مع من أحب.\nورواه أيضًا (١١٦٨) بذكر باب التوبة.\nورواه سعيد بن منصور في سننه كما في تفسير سعيد بن منصور (٩٤٠)،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٥٩) رقم ٧٣٦٠ من طريق عارم أبي النعمان.\nوالترمذي (٣٥٣٦) وابن خزيمة (١٧) عن أحمد بن عبدة الضبي، ثلاثتهم عن حماد بن زيد به، بتمامه مطولًا، إلا أن ابن خزيمة لم يذكر باب التوبة، واقتصر على فضل العلم والمسح على الخفين.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٢) من طريق سليمان بن حرب، وفي مشكل الآثار (٣٤٤١) من طريق يحيى بن حسان، كلاهما عن حماد به، بذكر المسح على الخفين فقط.\nورواه أحمد (٤/ ٢٤١) قال: حدثنا حسن بن موسى، ثنا حماد بن زيد به، بذكر فضل طلب العلم، وباب التوبة.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٣٤٤) رقم ١١١٧٨ قال: أخبرنا محمد بن النضر بن مساور، أخبرنا حماد به، بذكر المرء مع من أحب، وذكر باب التوبة، ولم يذكر المسح على الخفين.\nالسابع: أبو خيثمة، عن عاصم.\nوأخرجه ابن الجعد في مسنده (٢٥٨٧)\nوالنسائي في المجتبى (١٢٧) وفي الكبرى (١٤٥) من طريق يحيى بن آدم.\nوابن حبان في صحيحه (١٣٢٠) من طريق عبد الرحمن بن عمرو البجلي. =","vol":"3","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والبيهقي (١/ ٢٨٩) من طريق أبي النضر، أربعتهم عن زهير بن معاوية (أبي خيثمة) به وقرنه النسائي بغيره بذكر المسح على الخفين فقط.\nوأعاده ابن حبان في صحيحه (٥٦٢) بذكر الرجل مع من أحب.\nورواه الطبراني في الكبير (٨/ ٥٨) رقم ٧٣٥٨ من طريق عمرو بن خالد الحراني، عن زهير به، بذكر المسح على الخفين، والمرء مع من أحب.\nالثامن: أبو الأحوص، عن عاصم.\nأخرجه الترمذي في سننه (٩٦) قال: حدثنا هناد،\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٦٠) رقم ٧٣٦٢ من طريق عمرو بن عون، كلاهما عن أبي الأحوص، عن عاصم به. بذكر المسح على الخفين. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nالتاسع: مالك بن مغول، عن عاصم. رواه النسائي في المجتبى (١٢٧) وفي الكبرى (١٤٤) من طريق يحيى بن آدم.\nوالطبراني في الكبير (٨/ ٦٣) رقم ٧٣٧٤ من طريق ابن المبارك، كلاهما عن مالك بن مغول به. بذكر المسح على الخفين.\nورواه تمام في فوائده (١٣٧٨) من طريق خالد بن عبد الرحمن الخرساني، عن مالك بن مغول به، بذكر المرء مع من أحب.\nوأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ١٨٣) من طريق محمد بن سابق، حدثنا مالك بن مغول به، بذكر فضل طلب العلم.\nالعاشر: شيبان بن عبد الرحمن، عن عاصم، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٦٤) رقم ٧٣٧٧، من طريق الوليد بن مسلم.\nوالبيهقي (١/ ١١٤) من طريق أبي شعيب (محمد بن شعيب بن شابور)، كلاهما عن شيبان به، بذكر المسح على الخفين فقط.\nالحادي عشر: مسعر، عن عاصم، واختلف على مسعر:\nفرواه الدارقطني (١/ ١٣٣)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١١٤، ١١٥)، عن وكيع، عن مسعر، عن عاصم به، بذكر المسح على الخفين، إلا أنه قال: من غائط وبول وريح، وذِكْر الريح شاذ في الحديث مخالف لما رواه الجماعة من ذكر النوم.\nقال الدارقطني: لم يقل في هذا: أو ريح غير وكيع، عن مسعر.\nورواه الطبراني في الأوسط (١٨٣١) من طريق محمد بن إسحاق.\nوفي المعجم الكبير (٨/ ٦١) رقم: ٧٣٦٦ من طريق علي بن مسهر.\nوالدولابي في الكنى (١٠٠٠) من طريق يحيى بن إبراهيم بن سويد (أبي زكريا النخعي) عن مسعر ولم يذكروا ما ذكره وكيع عن مسعر. =","vol":"3","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1383>الدليل الثالث:</span>\n(٦٠٢ - ٩٩) ما رواه أحمد من طريق شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، عن\nأبي عبد الله الجدلي،\nعن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، قال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة (^١).\n[منقطع] (^٢).\n_________\n= الثالث عشر: معمر، عن عاصم، وقد تم تخريج هذا الطريق بشيء من التفصيل، والاختلاف على معمر في لفظه، انظر (ح ٦٢)، والله أعلم.\nالثالث عشر إلى الثالث والعشرين:\nرواه النسائي في المجتبى (١٢٧) عن أبي بكر بن عياش مقرونًا بغيره.\nوالطبراني في المعجم الصغير (٢٥١) من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن النعمان بن راشد،\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٦٦) رقم ٧٣٨٦ من طريق المسعودي، عن سلمة بن كهيل،\nورواه الطبراني أيضًا (٨/ ٦٤) رقم ٧٣٦٣، ٧٣٧٥، ٧٣٧٦، ٧٣٥٦، ٧٣٧٨، ٧٣٨٠، ٧٣٨١، ٧٣٨٧، من طريق عبد الملك بن الوليد بن معدان، ومن طريق أبي الحسن الهمداني، ومن طريق روح، ومن طريق شريك، ومن طريق سعيد الجريري، ومن طريق حبيب بن حسان، ومن طريق حجاج، ومن طريق قيس بن الربيع، فرقهم كلهم عن عاصم به، بذكر المسح على الخفين.\nوقد جاء الحديث من غير طريق عاصم،\nأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٦٨) رقم ٧٣٩٤ من طريق الوليد بن مسلم، أخبرني مروان بن جناح، عن إسحاق بن عبد الله، عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زر، عن صفوان بن عسال المرادي به. بذكر المسح على الخفين. وهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك، وشيخ الطبراني ورد بن أحمد البيروتي فيه جهالة.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢٤٠) من طريق زهير.\nوابن ماجه (٢٨٥٧)، والنسائي في الكبرى (٨٨٣٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٦٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٧٦) من طريق أبي أسامة (حماد بن أسامة)، كلاهما عن أبي روق (عطية بن الحارث الهمداني)، عن أبي الغريف، عن صفوان بنحوه. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي الغريف.\n(^١) المسند (٥/ ٢١٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٥٢).","vol":"3","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1384>الدليل الرابع:</span>\n(٦٠٣ - ١٠٠) ما رواه أحمد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد الله الحضرمي، عن أبي إدريس الخولاني،\nعن عوف بن مالك الأشجعي، أن رسول الله ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام للمسافر ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة (^١).\n[تفرد به داود بن عمرو، قال أبو حاتم الرازي: وليس بالمشهور، وقال البخاري: إن كان محفوظًا فإنه حسن] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٢٧).\n(^٢) الحديث تفرد به داود بن عمرو عن بسر بن عبيد الله، وداود صدوق، ولم يروه عن داود بن عمرو إلا هشيم،\nوقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٨٥٣، ٣٧٠١١) ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٤٠) رقم ٦٩.\nوأخرجه الروياني في مسنده (٥٩٩)، والبزار في مسنده (٢٧٥٧) قالا: حدثنا إسحاق بن شاهين،\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٩٧) والبيهقي في السنن (١/ ٢٧٥) من طريق إبراهيم بن محشر،\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٨٢) والطبراني في الكبير (١٨/ ٤٠) رقم ٦٩ من طريق سعيد بن منصور،\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (١١٦٧) من طريق أبي جعفر كلهم عن هشيم بن بشير به.\nقال البيهقي: قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن.\nوذكره البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٠) وقال هشيم، عن داود بن عمرو به. وقال أبو\nعبد الله: إن كان هذا محفوظًا فإنه حسن.\nوقد اختلف فيه على أبي إدريس، فقيل: عنه، عن عوف بن مالك.\nوقيل عنه، عن المغيرة.\nوقيل: أبي قلابة، عنه عن بلال. والأكثر عن أبي قلابة عن بلال لا يذكرون أبا إدريس. انظر التاريخ الكبير (١/ ٣٩٠)، والعلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٩).\nوانظر تخريج الحديث من مسند بلال رقم (١٣٣).\nقال أبو حاتم: داود بن عمرو ليس بالمشهور ... وأشبهها حديث بلال، وإليك تمام كلام أبي حاتم. =","vol":"3","page":239},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقد جاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٩) قال: سألت أبي عن حديث رواه هشيم، عن داود ابن عمرو، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي، عن النبي ﷺ أنه (أمر) بالمسح بتبوك للمسافر ثلاثًا، وللمقيم يوم وليلة وثبت.\nورواه الوليد بن مسلم، عن إسحاق بن سيار، عن يونس بن ميسرة بن حليس، عن أبي إدريس، قال: سألت المغيرة بن شعبة عن ماحصر عن رسول الله ﷺ بتبوك، فبال النبي ﷺ فمسح على خفيه ...\nورواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن إبي إدريس، عن بلال، عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين والخمار. قلت لأبي: أيهم أشبه وأصح؟\nفقال أبي: داود بن عمرو، وليس بالمشهور، وكذلك إسحاق بن سيار ليس بالمشهور، لم يرو عنه غير الوليد، ولا نعلم روى أبو إدريس عن المغيرة بن شعبة شيئًا سوى هذا الحديث، وأما حديث خالد فلا أعلم أحدًا تابع خالدًا في روايته عن أبي قلابة، ويروونه عن أبي قلابة، عن بلال، عن النبي ﷺ مرسلًا لايقول: أبو إدريس. وأشبههما حديث بلال؛ لأن أهل الشام يروون عن بلال هذا الحديث في المسح من حديث مكحول وغيره، ويحتمل أن يكون أبو إدريس قد سمع من عوف والمغيرة أيضًا؛ فإنه من قدماء تابعي أهل الشام وله إدراك حسن». اهـ\nفعلى هذا إسحاق بن سيار لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم، ولم يوثقه أحد، فهو مجهول. جاء في لسان الميزان: إسحاق بن سيار، عن يونس بن ميسرة، وعنه الوليد بن مسلم، قال أبو حاتم: لا أعرفه مجهول. انتهى\nقال الحافظ: وعبارة ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: لا أعرفه، وإذا لم يعرفه مثل أبي صار مجهولًا. لسان الميزان (١/ ٣٦٤).\nقلت: لم أقف على هذا النص في الجرح والتعديل، وقد ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه، انظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٢٢)، فلعل الحافظين الذهبي وابن حجر نقلاه من كتاب آخر، والله أعلم. هذا فيما يتعلق في حديث إسحاق بن سيار، وأما ما يتعلق بحديث بلال فالأكثر على عدم ذكر أبي إدريس بين أبي قلابة، وبين بلال. فلعل أرجحها رواية عوف بن مالك، فإنها سالمة من الاختلاف، والله أعلم.\nوذكر البخاري في التاريخ الكبير هذا الاختلاف على أبي إدريس في ترجمة إسحاق بن سيار، فقال البخاري (١/ ٣٩٠): إسحاق بن سيار، سمع يونس بن ميسرة الشامي سمع أبا إدريس الخولاني، سألت المغيرة بن شعبة بدمشق، قال: وضأت النبي ﷺ بتبوك، فمسح على خفيه، قاله لي سليمان بن عبد الرحمن، عن الوليد بن مسلم.\nوقال هشيم، عن داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن عوف بن مالك، قال: جعل النبي ﷺ المسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثًا للمسافر ويومًا للمقيم، قال =","vol":"3","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1385>الدليل الخامس:</span>\n(٦٠٤ - ١٠١) ما وراه ابن أبي شيبة من طريق عبد الوهاب، قال: حدثنا المهاجر مولى البكرات، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة،\nعن أبيه، أن النبي ﷺ جعل للمسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>الدليل السادس:</span>\nالآثار الموقوفة على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وهي وإن كانت موقوفة إلا أن لها حكم الرفع، وذلك لأن القول بالتوقيت لا يمكن أن يقال بمحض الرأي، فلا بد أن يكون القائل بذلك وقف عليه من الشرع، فما الفرق بين أربع وعشرين ساعة، وخمس وعشرين ساعة للمقيم لولا أن ذلك متلقى من الشرع، ومثله يقال في حق المسافر، وإليك هذه الآثار:\nالأثر الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁.\n(٦٠٥ - ١٠٢) رواه روى عبد الرزاق، عن عبد الله بن المبارك، قال: حدثني عاصم بن سليمان،\n_________\n= أبو عبد الله: إن كان هذا محفوظًا، فإنه حسن. وقال حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي إدريس، عن بلال مسح النبي ﷺ، وقال غير واحد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن بلال مرسل». اهـ\nوقال الحافظ في الدراية (١/ ٧٣) رواه أحمد وإسحاق والبزار والطبراني في الأوسط قال أحمد: هذا من أجود حديث في المسح.\nوقال البوصيري في إتحاف الخيرة (١/ ٣٩٢) هذا إسناد صحيح، رواه البزار.\n(^١) المصنف (١/ ١٦٣) رقم ١٨٧٨.\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٥٠).","vol":"3","page":241},{"text":"عن أبي عثمان النهدي، قال: حضرت سعدًا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته (^١).\n[انفرد عاصم، عن أبي عثمان في ذكر التوقيت في قصة سعد مع ابن عمر في المسح على الخفين، ورواه أصحاب ابن عمر بدون ذكر التوقيت، والتوقيت ثابت عن عمر في غير هذه القصة] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٢٠٩) رقم ٨٠٨.\n(^٢) رجاله ثقات، رواه عن عثمان النهدي اثنان:\nأحدهما: عاصم بن سليمان الأحول، أخرجه عبد الرزاق (٨٠٨) عن عبد الله بن المبارك.\nوأخرجه البيهقي في السنن (١/ ٢٧٦) من طريق سفيان.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٨٤) من طريق حفص بن غياث، ثلاثتهم عن عاصم به.\nورواه خالد الحذاء، عن عثمان النهدي، واختلف على خالد في لفظه:\nوأخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٤٣) من طريق أبي عوانة، عن خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي به، بلفظ: (يمسح إلى الساعة التي توضأ فيها).\nورواه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٤١) قال أحمد: «كنا عند سليمان الحربي، فذكرنا المسح على الخفين، فذكرنا أحاديث، فجعل سليمان بن حرب يقول: ذا لا يحتمل، وذا ما أدري. قلنا: أيش عندك؟ قال: خالد، عن أبي عثمان، عن عمر، قال: يمسح حتى يأوي إلى فراشه. قلنا: خالد لم يسمع من أبي عثمان شيئًا، يقول ذلك بعض الناس، ويروى عن النبي ﷺ أنه كان يوقت، ويقول: خالد، عن أبي عثمان، كانه لم يرض منه بذلك».\nوالاختلاف على خالد الحذاء بين سليمان بن حرب وبين أبي عوانة لعل سليمان ذكره للإمام أحمد ومن كان معه في المذاكرة، والمذاكرة يتوسع فيها، ولا يقصد بها الرواي التحديث ليتحرى اللفظ، كما أن هناك علة أخرى، وهي الانقطاع بين خالد وأبي عثمان النهدي.\nقال أبو داود كما في مسائل أحمد (٢٠٣٤): «سمعت أحمد يقول: خالد ما أرى سمع من أبي عثمان كبير شيء، إنما هي أحاديث عاصم».\nفرجعت رواية خالد إلى رواية عاصم الأحول، والله أعلم.\nوقد روى مالك في الموطأ والبخاري في الصحيح قصة تخاصم ابن عمر وسعد في المسح على الخفين، وليس فيه إلا القول بالمسح دون التوقيت.\nفروى مالك في الموطأ (١/ ٣٦) عن نافع، وعبد الله بن دينار، أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص، وهو أميرها، فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين، =","vol":"3","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سل أباك إذا قدمت عليه. فقدم عبد الله، فنسي أن يسأل عمر عن ذلك، حتى قدم سعد. فقال: أسألت أباك؟ فقال: لا. فسأله عبد الله، فقال عمر: إذا أدخلت رجليك في الخفين، وهما طاهرتان، فامسح عليهما، قال عبد الله: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال عمر: نعم. وإن جاء أحدكم من الغائط.\nورواه أحمد (١/ ١٣٥) عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: رأى ابن عمر سعد بن مالك يمسح على خفيه، فقال ابن عمر: وإنكم لتفعلون هذا؟ فقال سعد: نعم فاجتمعا عند عمر فقال سعد: يا أمير المؤمنين، أفت ابن أخي في المسح على الخفين، فقال عمر: كنا ونحن مع نبينا ﷺ نمسح على خفافنا، فقال ابن عمر وإن جاء من الغائط والبول؟ فقال عمر: نعم، وإن جاء من الغائط والبول، قال نافع: فكان ابن عمر بعد ذلك يمسح عليهما ما لم يخلعهما، وما يوقت لذلك وقتا، فحدثت به معمرًا فقال: حدثنيه أيوب، عن نافع مثله.\nوهذا إسناد في غاية الصحة، فهذا نافع وأيوب لا يذكران ما يذكره أبو عثمان النهدي، في قصة تخاصم ابن عمر وسعد إلى عمر، وأستبعد أن يكون عمر قد ذكر توقيتًا في المسح على الخفين، ثم لا يوقت ابن عمر لذلك وقتًا، وقد روى أحمد (١/ ١٥)، والبخاري (٢٠٢) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله ابن عمر، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين، وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك فقال: نعم، إذا حدثك شيئا سعد، عن النبي ﷺ، فلا تسأل عنه غيره.\nوهذه متابعة لنافع وأيوب، عن ابن عمر في ذكر قصة المسح على الخفين بين سعد وعمر وابن عمر، ولم يتابع أحد أبا عثمان النهدي ممن ذكر قصة تخاصم ابن عمر وسعد إلى عمر في المسح على الخفين في ذكر التوقيت في المسح.\nوقد جاء عن عمر القول بالتوقيت في غير قصة تخاصم ابن عمر وسعد إلى عمر في المسح على الخفين، من طرق كثيرة، منها:\nالأول: عن ابن عمر، عن عمر.\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٤) حدثنا يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن ابن عمر،\nأن عمر بن الخطاب قال في المسح على الخفين: للمسافر ثلاث، وللمقيم يوم إلى الليل.\nوهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات. وأبو حازم هو سلمان الأشجعي الكوفي، وليس سلمة ابن دينار، فإن هذا لم يسمع من ابن عمر، بخلاف الأول.\nومنها سويد بن غفلة، عن عمر.\nرواه أبو الأحوص، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غلفة،\nواختلف على أبي الأحوص:\nفأخرجه الطحاوي (١/ ٨٣) من طريق يحيى بن حسان، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن =","vol":"3","page":243},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، قال:\nقلنا لنابتة الجعفي، وكان أجرأنا على عمر: سله عن المسح على الخفين، فسأله، فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة.\nفالأثر إسناد رجاله كلهم ثقات، وإنما جعلت الحديث من رواية سويد بن غفلة، عن عمر، لا من رواية نباتة عن عمر؛ لأن نباتة في هذا الإسناد ليس واسطة بين سويد وبين عمر حتى ممكن أن يكون من رواية نباتة عن عمر، وقد جاء عند الطحاوي (١/ ٨٤) عن سويد بن غفلة قال: أتينا عمر، فسأله نباتة، فهذا صريح في أن السائل والسامع اشتركا في سماعه من عمر ... قلت ذلك حتى لا يضعف الأثر بنباتة.\nونباتة وثقه العجلي، وقال ابن حزم في المحلى (٢/ ٩١): من أوثق التابعين. وفي التقريب: مقبول. يعني: إن توبع، وإلا فلين. وحكم الحافظ أدق.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٤) وخالف يحيى بن حسان، فقال: حدثنا أبو الأحوص، عن عمران ابن مسلم، قال: قلنا لنباتة الجعفي -وكان أجرأنا على عمر-: سله، فذكر الحديث. فهنا أسقط من الإسناد سويد بن غفلة.\nورواية يحيى بن حسان كما في إسناد الطحاوي المتقدم، عن أبي الأحوص أرجح؛ لأن يحيى بن حسان قد توبع بذكر سويد، تابعه: الثوري، وزهير، ومالك بن مغول.\nفقد أخرجه الطحاوي (١/ ٨٣) من طريق مؤمل، قال: ثنا سفيان ثنا عمران بن مسلم، عن سويد ابن غفلة به، إلا أنه قال: امسح عليهما يومًا وليلة. ومؤمل صدوق، وسوء حفظه قد زال بالمتابعة.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٨٣) من طريق سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أخبرنا مالك بن مغول، عن سويد، قال: أتينا عمر، فسأله نباتة .. وذكر الأثر. وقد صرح هشيم بالتحديث فالإسناد صحيح.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٣٦) من طريق زهير، حدثنا عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة. فهؤلاء ثلاثة ثقات يذكرون في الإسناد سويدًا، وهم الثوري، ومالك بن مغول، وزهير.\nورواه حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، واختلف على حماد فيه:\nفرواه شعبة كما عند الطحاوي (١/ ٨٣) عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن نباتة، عن عمر، بذكر نباتة.\nورواه هشام، عن حماد، واختلف على هشام:\nفرواه أبو عامر العقدي كما عند الطحاوي (١/ ٨٣) عن هشام، عن حماد به، بذكر نباتة.\nورواه مسلم -يعني: ابن إبراهيم- كما عند الطحاوي (١/ ٨٣) حدثنا هشام، ثنا حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر، فأسقط نباتة. وعلى تقدير ترجيح طريق شعبة حيث لم يختلف عليه، فإن الإسناد حسن؛ لأن نباتة قد توبع، وباقي الإسناد رجالهم كلهم ثقات إلا حماد بن\nأبي سليمان ففي التقريب: فقيه صدوق له أوهام، والله أعلم.","vol":"3","page":244},{"text":"الأثر الثاني: عن ابن مسعود.\n(٦٠٦ - ١٠٣) رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم، عن الحارث بن سويد،\nعن عبد الله بن مسعود، قال: ثلاثة أيام للمسافر، ويوم للمقيم (^١).\n[صحيح] (^٢).\nالأثر الثالث: عن ابن عباس.\n_________\n(^١) المصنف (٧٩٩).\n(^٢) رجاله كلهم ثقات، وإبراهيم هو التيمي، وقد رواه عبد الرزاق في المصنف كما في إسناد الباب (٧٩٩) ..\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٦٧) حدثنا ابن مهدي،\nورواه الطحاوي (١/ ٨٤) من طريق أبي نعيم.\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٧٦) من طريق عبد الله بن الوليد، كلهم عن سفيان الثوري به. وهذا إسناد صحيح.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٥)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٧٧) عن أبي معاوية.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٠٠) عن الثوري، كلاهما عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن الحارث، قال: خرجت مع عبد الله إلى المدائن، فمسح على خفيه ثلاثًا لا ينزعهما. وهذا إسناد صحيح.\nوأخرجه عبد الرزاق (٨٠١) عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة به. فهذه متابعة من عامر بن شقيق للأعمش.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٨٤) من طريق مغيرة، عن إبراهيم، عن عمرو بن الحارث به. وهذا سند فيه عنعنة مغيرة، وهو يدلس عن إبراهيم، كما أن إبراهيم لم يسمع من عمرو بن الحارث؛ لأن إبراهيم كان مولده سنة خمسين، وعمرو بن الحارث توفي بعد الخمسين بيسير. وعلى كل حال فهو صالح في المتابعات، وقد صح من طريق شقيق بن سلمة، عن عمرو.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٤) حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، أنه كان يقول في المسح على الخفين: ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا أنه منقطع؛ لأن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، وعليه فالقول بالتوقيت ثابت عن ابن مسعود ﵁.","vol":"3","page":245},{"text":"(٦٠٧ - ١٠٤) رواه الطحاوي، قال: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، قال:\nسألت ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن المسح على الخفين، قال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة (^١).\n[صحيح] (^٢).\nالأثر الرابع: عن سعد بن أبي وقاص.\n(٦٠٨ - ١٠٥) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن طلحة بن يحيى، عن أبان بن عثمان، قال:\nسألت سعد بن أبي وقاص عن المسح على الخفين، فقال: ثلاثة أيام ولياليهن\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٨٤).\n(^٢) عبدالصمد بن عبد الوارث، وإن قيل فيه: صدوق إلا أن الحافظ قال في التقريب: ثبت في شعبة. اهـ وقد توبع عبد الصمد،\nفقد أخرجه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٨٣)، والمطالب العالية (٩٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٧٣) عن سليمان بن حرب،\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٤)، وفي مشكل الآثار (٦/ ٢٩١، ٢٩٢) من طريق أبي الوليد الطيالسي،\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٣١) من طريق أبي عمر، ثلاثتهم عن شعبة به.\nورواه غير شعبة، فأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٦) حدثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة،\nوأخرجه البيهقي في السنن (١/ ٢٧٧) من طريق موسى بن خلف العمي، كلاهما عن قتادة به. وصحح إسناده البيهقي.\nوأخرجه عبد الرزاق (٨٠٢) عن الثوري،\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٥) حدثنا وكيع، كلاهما عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو ابن عطاء، عن ابن عباس.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا موسى بن عبيدة فإنه ضعيف، وعلى كل فهو إسناد صالح في المتابعات، وعليه فالقول ثابت عن ابن عباس بالتوقيت للمقيم والمسافر، وهذا يؤكد رجوع\nابن عباس عن القول بإنكار المسح على الخفين، والله أعلم.","vol":"3","page":246},{"text":"للمسافر، ويوم وليلة للمقيم (^١).\n[حسن] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1387> دليل من قال بعدم التوقيت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1388>الدليل الأول:</span>\n(٦٠٩ - ١٠٦) ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر ابن بكر، قال: ثنا موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال:\nإتردت من الشام إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فخرجت من الشام يوم الجمعة، ودخلت المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر، وعلي خفان مجرمقانيان، فقال لي: متى عهدك يا عقبة بخلع خفيك؟ فقلت: لبستهما يوم الجمعة، وهذا الجمعة، فقال لي: أصبت السنة (^٣).\n[صحيح، وأكثر الرواة على كلمة أصبت بدون كلمة السنة] (^٤).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٦٦).\n(^٢) والمسح على الخفين ثابت عن سعد في البخاري (٢٠٢)، وهذا الأثر شاهد للأثار السابقة.\n(^٣) شرح معاني الآثار (١/ ٨٠).\n(^٤) الحديث مداره على علي بن رباح، عن عقبة بن عامر،\nورواه عن علي بن رباح اثنان:\nموسى بن علي بن رباح، وعبد الله بن الحكم البلوي.\nأما رواية موسى بن علي بن رباح: فقد رواها الطحاوي كما في إسناد الباب (١/ ٨٠)، والدارقطني (١/ ١٩٦) عن سليمان بن شعيب.\nورواه البيهقي في السنن (١/ ٢٨٠) من طريق بحر بن نصر، كلاهما عن بشر بن بكر، حدثنا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر به بذكر أصبت السنة، كما في إسناد الباب.\nقال أبو بكر النيسابوري: هذا حديث غريب، وقال الدارقطني: وهو صحيح الإسناد. وهو توثيق ضمني من الدارقطني لموسى بن علي، وقد حكم الدارقطني في كتابه العلل بشذوذ كلمة: (السنة) من قوله: (أصبت السنة) كما سيأتي.\nوموسى بن عُلَّي بن رباح، وثقه أحمد، وأبو حاتم الرازي، وابن سعد، وابن حبان والعجلي، وقال الساجي: صدوق، وقال ابن عبد البر: ما انفرد به فليس بالقوي. =","vol":"3","page":247},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ووثقه ابن معين في رواية إسحاق بن منصور عنه، وقال الحافظ في التهذيب: قال ابن معين: لم يكن بالقوي، ولم يذكر الحافظ مرجعًا أو رايًا عن ابن معين؛ لأن ذلك من زياداته على تهذيب الكمال. انظر الجرح والتعديل (٨/ ١٥٣)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٢٣)، الطبقات الكبرى (٧/ ٥١٥)، معرفة الثقات (٢/ ٣٠٥)، مشاهير الأمصار (١٥٣١).\nوأما رواية الحكم بن عبد الله البلوي، عن علي بن رباح.\nفقد رواه يزيد بن أبي حبيب، واختلف على يزيد فيه:\nفرواه يحيى بن أيوب كما في سنن الدارقطني (١/ ١٩٥) عن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر، بزيادة (أصبت السنة) ولم يذكر واسطة بين يزيد بن حبيب وعلي بن رباح، وقد تفرد بهذا يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب، وخالفه غيره.\nفرواه الطحاوي في معاني الآثار (١/ ٨٠)، والدارقطني (١/ ١٩٥)، والبيهقي الكبرى (١/ ٢٨٠) من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث وابن لهيعة والليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البلوي، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر به. وفي آخره، قال: (أصبت) ولم يقل: (أصبت السنة).\nفهذا عمرو بن الحارث وابن لهيعة والليث قد خالفوا يحيى بن أيوب سندًا ومتنًا.\nأما السند فقد ذكروا عبد الله بن الحكم بين يزيد بن أبي حبيب، وعلي بن رباح.\nوأما المتن، فقد اقتصروا على قوله (أصبت) فقط دون زيادة (السنة).\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٢٦٨) رقم: ٧٣٨ من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عبد الله بن الحكم، عن علي بن رباح به، ولم يقل (السنة).\nوسقط من إسناده يزيد بن أبي حبيب، فإن لم يكن هذا بسبب سقط في الإسناد فابن وهب في روايته عن الليث أرجح مائة مرة من عبد الله بن صالح كاتب الليث ورواه حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، واختلف على حيوة.\nفرواه ابن وهب كما في سنن الدارقطني (١/ ١٩٩) عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب به، عن عبد الله بن الحكم به بذكر أصبت السنة، لم يختلف على ابن وهب فيه.\nورواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن حيوة بن شريح، واختلف على أبي عاصم:\nفرواه أحمد بن يوسف السلمي كما في سنن ابن ماجه (٥٥٨) عن أبي عاصم، عن حيوة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن الحكم بن عبد الله، عن علي بن رباح به، وقال في آخره: (أصبت السنة).\nوخالفه عباس الدوري فرواه المزي في تهذيب الكمال بإسناده (٧/ ١٠٧) من طريق عباس الدوري، عن حيوة، عن يزيد بن أبي حبيب به. بالاقتصار على قوله: (أصبت).\nوهذه توافق رواية الليث وعمرو بن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب. =","vol":"3","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه المفضل بن فضالة، عن يزيد بن أبي حبيب به، بلفظ: (أصبت السنة) لم يختلف عليه في لفظه، وإن اختلف عليه في إسناده.\nفرواه إبراهيم بن أبي الوزير، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٨٠) عن المفضل بن فضالة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البلوي، عن عقبة بن عامر.\nوأسقط من إسناده علي بن رباح.\nوخالفه يحيى بن عبد الله بن بكير كما في المستدرك (١/ ١٨١).\nويحيى بن غيلان كما في سنن الدارقطني (١/ ١٩٥) فروياه عن المفضل بن فضالة، عن يزيد، عن عبد الله بن الحكم، عن علي بن رباح، عن عقبة، فذكرا في إسناده علي بن رباح، وهذه الرواية توافق رواية الجماعة في الإسناد، أعني رواية الليث وعمرو بن الحارث، وابن لهيعة إلا أنها تخالفهم بذكر كلمة السنة.\nهذا فيما يتعلق بالاختلاف في متنه، خاصة زيادة: (أصبت السنة) وقد تبين لنا من زادها ممن لم يزدها.\nوعبد الله بن الحكم البلوي لم يرو عنه إلا يزيد بن أبي حبيب.\nقال الذهبي: مجهول. انظر المغني الترجمة (١٦٦٠)، وديوان الضعفاء له (١٠٧٩).\nوقال الدارقطني في حاشية السنن: ليس بمشهور. لسان الميزان (٣/ ٢٧٦).\nوقال في موضع آخر: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال الجوزقاني في كتاب الأباطيل: لا يعرف بعدالة ولا جرح. المرجع السابق.\nوقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنه قال: عبد الله بن الحكم البلوي ثقة. الجرح والتعديل (٣/ ١٢٢).\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٧/ ٣٠). وفي التقريب: صدوق. وعلى كل حال فإسناده صالح في المتابعات لولا كثرة الاختلاف في إسناده ولفظه على خلاف رواية موسى بن علي بن رباح فلم يختلف عليه كما اختلف على إسناد عبد الله بن الحكم.\nفتبين من هذا البحث أن كلمة: (أصبت) متفقون عليها، مختلفون حول زيادة كلمة (السنة) وهي زيادة مؤثرة؛ لأنها تجعل الأثر بدلًا من أن يكون موقوفًا على عمر، تجعله في حكم الرفع، وقد جعل الدارقطني زيادة (السنة) شاذة.\nقال الدارقطني في كتاب العلل (٢/ ١١٠) رواه موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر أنه مسح من الجمعة إلى الجمعة على خفيه، وتابعه مفضل بن فضالة وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البلوي، عن علي بن رباح فقالا فيه: أصبت السنة.\nقلت: رواية ابن لهيعة ليس فيها أصبت السنة، وإنما فيها كلمة أصبت فقط. =","vol":"3","page":249},{"text":"• وأجيب عن هذا الحديث بعدة إجابات:\nالأول: الحكم بشذوذ كلمة: (السنة) من قوله: (أصبت السنة) وممن حكم بشذوذها الدارقطني في العلل كما ذكرنا ذلك عنه في الكلام على تخريج الحديث. ويصعب الحكم بشذوذها، وقد جاءت من أكثر من طريق.\nوقال أبو داود في مسائل أحمد: سمعت أحمد سئل عن رجل كان يتدين بحديث عقبة بن عامر في المسح، فكان يمسح أكثر من ثلاثة ولياليهن، ثم ترك ذلك.\n_________\n= ثم قال الحافظ: وخالفهم عمرو بن الحارث ويحيى بن أيوب - قلت: الصواب ابن لهيعة بدلًا من يحيى بن أيوب - والليث بن سعد، فقالوا فيه: فقال عمر أصبت، ولم يقولوا: السنة كما قال من تقدمهم، وهو المحفوظ، والله أعلم.\nورواه جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن رباح، عن عقبة، وأسقط من الإسناد عبد الله بن الحكم البلوي، وقال فيه: أصبت السنة كما قال ابن لهيعة والمفضل اهـ. كلام الدارقطني.\nقلت: الصواب كما قال المفضل فقط، لما تقدم.\nويصعب الحكم بشذوذها وقد جاءت من أكثر من طريق، وإليك عدد الذين زادوها:\nالأول: موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة، لم يختلف عليه في ذلك.\nالثاني: رواية عبد الله بن الحكم البلوي، وفي الطرق إليه اختلاف كثير، وهو في نفسه ليس بالمتين.\nفرواه يزيد بن أبي حبيب، وقد اختلف عليه.\nرواه المفضل بن فضالة، ويحيى بن أيوب، وإن كان أسقط من إسناده عبد الله بن الحكم. وحيوة بن شريح، في رواية، لأنه قد اختلف عليه. ثلاثتهم عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم البلوي، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر.\nوأما الذين قالوا: أصبت بدون كلمة السنة.\nفجاءت من طريق عمرو بن الحارث والليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة وحيوة بن شريح في رواية، أربعتهم رووه عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البلوي به بلفظ: أصبت، ولم يقل: أصبت السنة.\nفالخلاصة:\nأن رواية عبد الله بن الحكم يصعب الترجيح بين طرقها، فأرى أنه روي بالوجهين، وتبقى رواية موسى بن علي بن رباح طريقًا سالمًا من الاختلاف، وفيه زيادة كلمة السنة، والله أعلم.","vol":"3","page":250},{"text":"قال أحمد: يعيد ما كان صلى، وقد مسح أكثر من ثلاثة ولياليهن.\nفقال له الرجل: احتياطًا ذلك يُحتاط له، أو هو واجب عليه؟\nفقال أحمد: لا يمسح على خفيه أكثر من ثلاثة ولياليهن، أمر رسول الله ﷺ أولى أن يتبع من قول عقبة بن عامر» (^١).\nالجواب الثاني: الترجيح.\nأي ترجيح الأحاديث التي تقول بالتوقيت على هذه الرواية، ووجه ترجيحها على هذه الرواية من وجوه:\nمنها: أن الرواة متفقون على كلمة: (أصبت) مختلفون في إضافة كلمة: (السنة)، وهي إضافة مؤثرة؛ لأن الاقتصار على كلمة: (أصبت) تجعل الحديث موقوفًا، بينما إذا قلنا: (أصبت السنة) جعلتها في حكم المرفوع، ولا ينبغي لمسألة مهمة جدًّا، تتعلق بركن من أركان الإسلام، بل هي أعظم الأركان العملية، وهي الصلاة التي مفتاحها الطهارة، أن نأخذ بهذه الكلمة المختلف في ثبوتها، وندع الأحاديث الصحيحة التي لا خلاف فيها، والمرفوعة صريحًا، وليس حكمًا إلى النبي ﷺ، والأصل غسل الرجلين بالماء، جاءت الأحاديث الصحيحة بتوقيت المسح في ذلك يومًا وليلة للمقيم وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ولا نتجاوز ذلك إلا بدليل صريح خال من النزاع، وإلا رجعنا إلى الغسل الذي هو المتيقن.\nومنها: أنه قد ثبت عن عمر القول بالتوقيت بأسانيد صحيحة، وقد سقتها بالقول الأول.\nقال البيهقي: فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه التثبت عن النبي ﷺ في التوقيت، وإما أن يكون قوله الذي يوافق السنة المشهورة أولى» (^٢).\n_________\n(^١) مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ١٧) رقم ٦٠.\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ٢٨٠).","vol":"3","page":251},{"text":"ومنها: أن القول بالتوقيت لا سبيل فيه للاجتهاد والرأي، فهو متلقى من الشرع، بخلاف القول بعدم التوقيت.\nومنها: أن الأحاديث المرفوعة الصريحة بالتوقيت أكثر عددًا، وقد سقتها من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وخزيمة، وصفوان بن عسال، وعوف بن مالك الأشجعي، وأبي بكرة الثقفي، ويعضدها جمع من الآثار الموقوفة على الصحابة، وما كان أكثر عددًا فهو أولى بالقبول.\nقال ابن عبد البر عن القول بالتوقيت: «وهو الاحتياط عندي؛ لأن المسح ثبت بالتواتر، واتفق عليه جماعة أهل السنة، واطمأنت النفس إلى ذلك، فلما قال أكثرهم: لا يجوز المسح للمقيم أكثر من يوم وليلة: خمس صلوات، ولا يجوز للمسافر أكثر من ثلاثة أيام ولياليها، وجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين، واليقين الغسل حتى يجمعوا على المسح، ويتفق جمهورهم على ذلك، ويكون الخارج عنهم في ذلك شاذًا، كما شذ عن جماعتهم من لم ير المسح» (^١).\nالجواب الثالث: الجمع.\nفيحمل حديث عمر على الضرورة، أو على المشقة الكبيرة، وتحمل أحاديث التوقيت فيما إذا لم يوجد ضرورة أو مشقة، وهذا اختيار ابن تيمية ﵀، وسيأتي نقل كلامه عند ذكر دليله إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>الدليل الثاني:</span>\n(٦١٠ - ١٠٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا يحيى ابن أيوب، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن أيوب بن قطن الكندي،\nعن أبي بن عمارة الأنصاري، قال: وكان رسول الله ﷺ قد صلى في بيته للقبلتين،\n_________\n(^١) الاستذكار (٢/ ٢٥١).","vol":"3","page":252},{"text":"قال: قلت يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: قلت: يا رسول الله يومًا؟ قال: نعم، ويومين. قلت: يا رسول الله، يومين؟ قال: نعم، وثلاثة، قال: قلت: يا رسول الله، وثلاثة؟ قال: نعم، وما شئت (^١).\n[ضعيف جدًّا مسلسل بالمجاهيل] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٦٣).\n(^٢) الحديث مسلسل بالمجاهيل، عبد الرحمن بن يزيد، وقيل: ابن رزين وشيخه محمد بن يزيد، وشيخ شيخه أيوب بن قطن فيهم جهالة كما سيأتي بيانه.\nوفي إسناده اختلاف واضطراب:\nفقيل: عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن أبي بن عمارة.\nوقيل: عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة، بزيادة عبادة ابن نسي.\nوقيل: عن محمد بن يزيد، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة، بإسقاط أيوب بن قطن.\nأما رواية أيوب بن قطن عن أبي بن عمارة، بإسقاط عبادة بن نسي:\nفرواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٨٧٠) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١٤٥) والطبراني في الكبير (١/ ٢٠٢) وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٥ - ٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٦٠)، عن يحيى بن إسحاق، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن أيوب بن قطن الكندي، عن أبي عمارة الأنصاري.\nورواه عمرو بن الربيع، واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو داود (١٥٨)،\nوابن قانع (١/ ٦) عن عبد الله بن موسى، وأحمد بن يحيى، ثلاثتهم عن يحيى بن معين.\nورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٦١) من طريق إسماعيل بن عبد الله، كلاهما (يحيى بن معين وإسماعيل بن عبد الله) عن عمرو بن الربيع بن طارق، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن ابن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن أبي بن عمارة. بإسقاط عبادة بن نسي.\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٧٠) من طريق أبي المثنى، عن يحيى بن معين.\nومن طريق يحيى بن عثمان السهمي، كلاهما عن عمرو بن الربيع، أخبرنا يحيى بن أيوب به، بزيادة عبادة بن نسي في إسناده.\nوأما رواية محمد بن زيد، عن أيوب بن قطن، عن عباد بن نسي، عن أبي بن عمارة:\nفرواه ابن ماجه (٥٥٧) من طريق عبد الله بن وهب. =","vol":"3","page":253},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الطحاوي (١/ ٧٩)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٠٣) رقم ٥٤٦، وفي الأوسط (٣٤٠٨)، والدارقطني (١/ ١٩٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٦٢)، والبيهقي (١/ ٢٧٨) من طريق سعيد بن عفير، كلاهما عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن أيوب بن قطن، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة الأنصاري. بزيادة عباد بن نسي بين أيوب وبين أبي بن عمارة.\nوأما رواية محمد بن يزيد، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة، بإسقاط أيوب بن قطن:\nفأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٩) والبيهقي في السنن (١/ ٢٧٩) من طريق ابن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، قال: حدثني عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة، بإسقاط أيوب بن قطن.\nوزاد المزي في تحفة الأشراف عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن عبادة الأنصاري أن رجلًا قال: يا رسول الله، فذكره، فالظاهر أنه مرسل، وعبادة الأنصاري ليس هو عبادة بن نسي؛ لأني لم أقف في ترجمته أنه نسب إلى الأنصار، وإنما يقال: الكندي الشامي الأردني، قاضي طبرية.\nفتبين من هذا الاختلاف أن إسناده ضعيف جدًّا جمع بين الاضطراب في إسناده، وكونه مسلسلًا بالمجاهيل، ولا يمكن الترجيح باعتبار أن مخرج هذه الطرق يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن ابن رزين، عن محمد بن يزيد، ولا حاجة إلى الاشتغال بالترجيح وهو يدور على هؤلاء المجاهيل فكيف كان فهو ضعيف جدًّا.\nففي إسناده عبد الرحمن بن يزيد، ويقال: ابن رزين، قال الحافظ: وهو الصواب. روى عنه اثنان كما في تهذيب الكمال، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٨٢) ولم يوثقه أحد سواه، وقال الدارقطني: مجهول. سنن الدارقطني (١/ ١٩٨).\nوذكره ابن الجوزي في الضعفاء.\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق.\nولا أدري هل هذا اعتماد من الحافظ على توثيق ابن حبان أم لا؟ ولقد وجدت أن الحافظ يحكم أحيانًا على رجال خرج لهم أحد الشيخين، ولم يوثقهم إلا ابن حبان، فيحكم الحافظ عليهم بقوله: (مقبول) يعني إن توبع، وإلا فلين الحديث، انظر إلى جعفر بن أبي ثور، قد خرج له مسلم حديثه في الوضوء من لحوم الإبل، وصحح حديثه أحمد وابن حبان وغيرهما، ووثقه ابن حبان، ومع ذلك قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول، ولم يقل صدوق كحال راوينا هذا.\nوانظر إلى إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله المخزومي، لم يوثقه إلا ابن حبان، وخرج له البخاري، وقال فيه: مقبول. =","vol":"3","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1390>الدليل الثالث:</span>\n(٦١١ - ١٠٨) ما رواه الدارقطني: قال ثنا أبو محمد بن صاعد، نا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر وثابت،\nعن أنس، عن النبي ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم، ولبس خفيه، فليمسح عليهما،\n_________\n= وكذلك عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة، خرج له مسلم، ولم يوثقه أحد إلا ابن حبان، وقال الحافظ فيه: مقبول، وهذه أمثلة تدل على غيرها، وهي كثيرة، فما بالك بهذا الراوي الذي حكم عليه بالجهالة الإمام الدارقطني، ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء كيف يكون صدوقًا، ولم يخرج له أحد الصحيحين، بل ولا الترمذي والنسائي، ولم يخرج له إلا أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا في المسح على الخفين.\nوفي إسناده أيضًا محمد بن يزيد بن أبي زياد، جاء في ترجمته:\nقال أبو حاتم الرازي: مجهول. الجرح والتعديل (٨/ ١٢٦).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٤/ ١٤٧).\nوقال الدارقطني: مجهول. السنن (١/ ١٩٨).\nوقال الحافظ في زياداته على تهذيب الكمال: وقال الخلال: سئل أحمد عن حديثه -يعني حديث الصور - فقال: رجاله لا يعرفون.\nوقال الذهبي: مجهول. ميزان الاعتدال (٤/ ٦٧).\nوفي التقريب: مجهول الحال.\nوفي إسناده أيضًا: أيوب بن قطن.\nقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أيوب بن قطن، فقال: هو من أهل فلسطين. قلت ما حاله؟ قال: محدث. الجرح والتعديل (٢/ ٢٥٤).\nفأعقبه الحافظ في التهذيب بقوله: وقال ابن أبي حاتم في العلل، عن أبي زرعة: لايعرف. تهذيب التهذيب (١/ ٣٥٨). وقد تصفحت قسم الطهارة من كتاب العلل لابن أبي حاتم، ولم أقف عليه، فلعله ذكره في مكان آخر.\nوقال الحافظ في التهذيب: وفي إسناده جهالة واضطراب، وقال أبو داود عقب حديثه: اختلف في إسناده، وليس بالقوي.\nوقال الأزدي والدارقطني وغيرهما: مجهول. وفي بعض نسخ أبي داود عقب حديثه قال ابن معين: إسناده مظلم. انظر تهذيب التهذيب (١/ ٣٥٨).","vol":"3","page":255},{"text":"وليصل بهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة (^١).\n[رجاله ثقات إلا أسد بن موسى وهو صدوق وقد اختلف عليه] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٢٠٣).\n(^٢) هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا أسد بن موسى، وهو صدوق، وقد تكلم فيه ابن حزم، ولم يصب.\nوقد أعل هذا الحديث بعلتين:\nالعلة الأولى: تفرد أسد بن موسى بهذا الحديث عن حماد بن سلمة، وأين أصحاب حماد عن هذا الحديث.\nقال ابن صاعد: ما علمت أحدًا جاء به إلا أسد بن موسى. سنن البيهقي (١/ ٢٧٩).\nوقال ابن حزم: رواه أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، وأسد منكر الحديث، ولم يرو هذا الخبر أحد من ثقات أصحاب حماد. المحلى (١/ ٣٢٦)\nوقال عبد الحق في الأحكام الوسطى: لا يحتج به عندهم ورأيت لابنه سعيد تصنيفًا في فضائل التابعين في مجلدين أكثر فيه عن أبيه وطبقته. تهذيب التهذيب (١/ ٢٢٨).\nوأجيب:\nأما الجواب عن جرح أسد بن موسى:\nفقد قال ابن عبد الهادي: إسناد هذا الحديث قوي، وأسد صدوق، وثقه النسائي وغيره، ولا التفات إلى كلام ابن حزم فيه. تنقيح التحقيق (١/ ٥٢٤).\nقال ابن دقيق العيد كما في نصب الراية (١/ ١٧٩) في معرض رده على ابن حزم: «لعل ابن حزم وقف على قول ابن يونس في تاريخ الغرباء، أسد بن موسى حدث بأحاديث منكرة، وكان ثقة وأحسب الآفة من غيره؛ فإن كان أخذ كلامه من هذا فليس بجيد؛ لأن من يقال فيه: منكر الحديث، ليس كمن يقال فيه: روى أحاديث منكرة؛ لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه، والعبارة الأخرى تقتضي أنه وقع له في حين لا دائما، وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم التيمي: يروي أحاديث منكرة، وقد اتفق عليه البخاري ومسلم، وإليه المرجع في حديث (إنما الأعمال بالنيات) وكذلك قال في زيد بن أبي أنيسة: في بعض حديثه نكارة، وهو ممن احتج به البخاري ومسلم، وهما العمدة في ذلك، وقد حكم ابن يونس بأنه ثقة، وكيف يكون ثقة، وهو لا يحتج بحديثه انتهى اهـ.\nوأما الجواب عن علة التفرد:\nفإن أسد بن موسى لم ينفرد به فقد توبع، تابعه عبد الغفار بن داود الحراني. =","vol":"3","page":256},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقد أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ٢٠٣) والحاكم في المستدرك (١/ ١٨١)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٧٩) من طريق مقداد بن داود عن عبد الغفار بن داود الحراني أخبرنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن أبي بكر وثابت عن أنس بن مالك به.\nوقال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وعبد الغفار ثقة، إلا أن هذا الحديث ليس هو عند أهل البصرة.\nوهذا الطريق قد تفرد به مقداد بن داود،، عن عبد الغفار.\nقال فيه ابن أبي حاتم: سمعت منه بمصر، وتكلموا فيه. الجرح والتعديل (٨/ ٣٠٣).\nوقال الدارقطني: ضعيف. السير (١٣/ ٣٤٥).\nوقال ابن يونس وغيره: تكلموا فيه. لسان الميزان (٦/ ٨٤).\nوقال محمد بن يوسف الكندي: كان فقيهًا مفتيًا، لم يكن بالمحمود في الرواية. المرجع السابق.\nوضعفه الدارقطني في غرائب مالك. المرجع السابق.\nوقال مسلمة بن قاسم: رواياته لا بأس بها، وذكر ابن القطان أن أهل مصر تكلموا فيه. المرجع السابق.\nفالإسناد ضعيف؛ إلا أنه إسناد صالح في المتابعات.\nالعلة الثانية في هذا الحديث: الاختلاف فيه على أسد بن موسى.\nفقد على أسد بن موسى في إسناده، فقد رواه أسد بن موسى، وعبد الغفار بن داود، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر وثابت، عن أنس.\nورواه الدارقطني (١/ ٢٠٣) قال: حدثنا أبو محمد بن صاعد، أخبرنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، أخبرنا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن زبيد بن الصلت، قال: سمعت عمر ﵁ يقول: إذا توضأ أحدكم، ولبس خفيه، فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة. وهذا موقوف على عمر.\nورواه ابن مهدي كما في المحلى (١/ ٣٢٧) عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد به.\nبلفظ: إذا توضأ أحدكم، وأدخل خفيه في رجليه، وهما طاهرتان، فليمسح عليهما إن شاء، ولا يخلعهما إلا من جنابة.\nورجح ابن حزم هذا الطريق الموقوف على عمر على طريق حماد، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا.\nفإن كان محفوظًا فقد روى الحديث بالوجهين، وإن لم يكن محفوظًا، فأيهما أرجح؟\nفالجواب أن لكل طريق مرجح:\nفوجه ترجيح حديث أنس: أن ثابتًا من أثبت أصحاب أنس، ورواه عنه حماد، وهو من أثبت الناس في ثابت، ورواه عن حماد بن سلمة اثنان: أسد بن موسى وعبد الغفار بن داود، فيكون حديث ثابت أرجح من هذا الوجه. =","vol":"3","page":257},{"text":"• ويجاب عن هذا الأثر بجوابين:\nأحدهما: أن الراجح من حديث حماد أنه موقوف على عمر، وإذا كان كذلك فقد ذكرت قول عمر في الدليل الأول، وأجبت عنه، ولا يعارض المرفوع بالموقوف.\nالجواب الثاني: على فرض أن يكون صحيحًا فالصحيح إذا عارضه ما هو أصح منه، فإن أمكن الجمع، وإلا عمل بالأرجح، ولا شك أن أحاديث التوقيت أرجح من غيرها؛ لكثرة رواتها، وقوة إسنادها، وقد سقت جملة من الأحاديث المرفوعة على أن المسح على الخفين عبادة مؤقتة، وسقت جملة من الآثار ذكرتها في القول الأول، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1391>الدليل الرابع:</span>\nاستدلوا ببعض الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم، من ذلك.\nالأثر الأول:\n(٦١٢ - ١٠٩) ما رواه ابن المنذر، قال: حدثنا إسحاق -يعني: ابن إبراهيم- عن عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: امسح على الخفين ما لم تخلعهما (^١).\n_________\n= ووجه ترجيح الأثر الموقوف على عمر:\nأن أسد بن موسى قد اختلف عليه فيه، فرواه مرفوعًا من حديث أنس، وموقوفًا من قول عمر ﵁، وقد توبع في كلا الطريقين، تابعه على الرفع عبد الغفار بن داود، وفي إسناده المقدام بن داود رجل ضعيف، بينما تابعه على الوقف على عمر إمام من الأئمة، وهو عبد الرحمن ابن مهدي، فإن كانت التقوية من أجل المتابعة فلا مقارنة بينهما، فيكون المحفوظ من حديث حماد، هو الموقف على عمر، خاصة أن قول عمر في عدم التوقيت مشهور أيضًا من غير هذا الطريق، وهذا مرجح بأمر خارج، وهو متبع، وقد سبق تخريج أثر عمر، والله أعلم.\nونفسي تميل إلى أن الأثر موقوف على عمر كما رجحه ابن حزم، وإذا كان كذلك فقد أجبت في الدليل الأول عن قول عمر لعقبة: (أصبت) حين مسح من الجمعة إلى الجمعة، والله أعلم.\n(^١) الأوسط (١/ ٤٣٨).","vol":"3","page":258},{"text":"[صحيح] (^١).\nقال ابن حزم: «لا حجة فيه؛ لأن ابن عمر لم يكن عنده المسح، ولا عرفه، بل أنكره حتى أعلمه به سعد بالكوفة، ثم أبوه بالمدينة في خلافته، فلم يكن في علم المسح كغيره، ومع ذلك فقد روى عنه التوقيت،\n(٦١٣ - ١١٠) روينا من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: أين السائلون عن المسح على الخفين؟ للمسافر ثلاثًا، وللمقيم يومًا وليلة» (^٢).\n• ونوقش هذا:\nبأن محمد بن عبيد الله العرزمي متروك، كما في التقريب.\nلكن جاء بسند حسن عن ابن عمر القول بالتوقيت،\n(٦١٤ - ١١١) فقد روى ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، قال أخبرنا غيلان بن عبد الله مولى بني مخزوم، قال:\nسمعت ابن عمر سأله رجل من الأنصار عن المسح على الخفين، فقال: ثلاثة أيام للمسافر، وللمقيم يوم وليلة (^٣).\n_________\n(^١) وهو في مصنف عبد الرزاق (٨٠٤، ٧٦٣) إلا أنه قال: عبد الله بن عمر بدلًا من عبيد الله، وعبد الله ضعيف، وعبيد الله ثقة، فإن لم يكن الحديث جاء من طريق الاثنين، وإلا فالراجح عبيد الله؛ لأنه هكذا في رواية البيهقي (١/ ٢٨٠)، وابن حزم (١/ ٢١٢) من طريق هشام ابن حسان، وعند البيهقي أيضًا (١/ ٢٨٠) من طريق عبد الله بن رجاء، كلاهما عن عبيد الله بالتصغير.\nوقال ابن حزم في المحلى (١/ ٣٢٨): «ولا يصح خلاف التوقيت عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر فقط».\n(^٢) المحلى (١/ ٣٢٩).\n(^٣) المصنف (١/ ١٦٤).","vol":"3","page":259},{"text":"[حسن] (^١).\nالأثر الثاني:\n(٦١٥ - ١١٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال حدثنا أبو بكر الحنفي، عن أسامة بن زيد، عن إسحاق مولى زائدة،\nأن سعد بن أبي وقاص خرج من الخلاء، فتوضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: أتمسح عليهما، وقد خرجت من الخلاء، قال: نعم، إذا أدخلت القدمين الخفين، وهما طاهرتان، فامسح عليهما، ولا تخلعهما إلا لجنابة (^٢).\n[ضعيف، وقد ثبت عن سعد القول بالتوقيت] (^٣).\n_________\n(^١) غيلان بن عبد الله، جاء في ترجتمه:\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: غيلان بن عبد الله مولى قريش الذي حدثنا عنه هشيم وروى عنه شعبة، هو أحب إلي من سهيل بن ذكوان. الجرح والتعديل (٧/ ٥٣).\nوسهيل بن ذكوان حسن الحديث، فإذا كان غيلان مقدمًا عليه لم ينزل حديث غيلان عن مرتبة الحسن.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢١٩)، فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى.\n(^٢) المصنف (١/ ١٦٨).\n(^٣) فيه أسامة بن زيد، وثقه يحيى بن معين، والعجلي. وقال ابن عدي: ليس بحديثه ولا برواياته بأس، وهو خير من أسامة بن زيد بن أسلم بكثير. الكامل (١/ ٣٩٤). ترك يحيى بن سعيد حديث أسامة بن زيد بأخرة. الجرح والتعديل (٢/ ٢٨٤). وقال عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل: قال أبي: روى أسامة بن زيد، عن نافع أحاديث مناكير. قلت له: إن أسامة حسن الحديث، فقال: إن تدبرت حديثه، فستعرف النكرة فيها. المرجع السابق.\nوقال أحمد: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به. المرجع السابق.\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (١/ ١٧).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (١/ ١٨٣). ...\nوقال الحاكم في المدخل: روى له مسلم واستدللت بكثرة روايته له على أنه عنده صحيح الكتاب، على أن أكثر تلك الأحاديث مستشهد بها، أو هو مقرون في الإسناد. المرجع السابق.\nوقال ابن القطان الفاسي: لم يحتج به مسلم، إنما أخرج له استشهادًا. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق يهم، فالإسناد ضعيف، على أنني خرجت في القول السابق عن سعد بن أبي وقاص بسند حسن قوله بالتوقيت.","vol":"3","page":260},{"text":"وعلى فرض ثبوته فقد يكون مقصود سعد ﵁ أن الحدث الأصغر لا يوجب نزع الخف، بخلاف الحدث الأكبر؛ لأن الإنكار عليه كان متوجهًا إلى المسح، وقد خرج من الخلاء، ولم يقصد سعد ﵁ أن يتكلم في توقيت المسح، والله أعلم.\nالأثر الثالث:\n(٦١٦ - ١١٣) رواه الدارقطني من طريق أسد بن موسى، أخبرنا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن زبيد بن الصلت، قال:\nسمعت عمر ﵁ يقول: إذا توضأ أحدكم، ولبس خفيه، فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة (^١).\n[سبق الكلام عليه، وبيان الاختلاف فيه على حماد في الدليل الثالث من هذا القول].\n• الجواب على هذه الآثار:\nاتضح لنا أن الصحابة الذين قالوا بعدم التوقيت، نقل عنهم أيضًا القول بالتوقيت، فعمر وسعد بن أبي وقاص وابن عمر جاء عنهم القولان، وإن كان الراجح عن سعد وابن عمر القول بالتوقيت، ولم يصح عنهما القول بعدم التوقيت، ولو فرضنا أنه لم ينقل عنهم إلا قول واحد، وهو القول بعدم التوقيت، فيقابل أقوالهم بأقوال غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كعلي، وابن مسعود، وصفوان بن\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٢٠٣)، انظر تخريجه ضمن تخريج حديث أنس (ص: ٢٥٧).","vol":"3","page":261},{"text":"عسال، وخزيمة بن ثابت، وغيرهم، وإذا اختلف الصحابة وجب الرد إلى كتاب الله، وسنة رسول ﷺ: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: ٥٩]، فرجعنا إلى السنة المرفوعة عن رسول الله ﷺ، فوجدنا فيها جملة من الأحاديث القائلة بالتوقيت، منها حديث علي بن أبي طالب، وصفوان، وعوف بن مالك، وأبي بكرة، وخزيمة، وغيرها، فتعين الأخذ بها، وترك ما سواها، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1392> دليل من قدر التوقيت بعدد الصلوات:</span>\nقالوا: لما اختلف أهل العلم في هذا الباب نظرنا إلى أقل ما قيل، وهو أن يصلي بالمسح خمس صلوات، إن كان مقيمًا، وخمس عشرة صلاة إن كان مسافرًا، فقلنا به، وتركنا ما زاد على ذلك حين اختلفوا؛ لأن الرخص لا يستعمل فيها إلا أقل ما قيل، وإذا اختلفوا في أكثر من ذلك وجب الرجوع إلى الأصل، وهو غسل الرجلين.\nوهذا القول ضعيف جدًّا، مخالف للنص؛ لأن الحديث أذن للمقيم أن يمسح يومًا وليلة كاملين، بينما هم يقولون لمن مسح لصلاة الصبح، إذا صلى به العشاء لم يجز له أن يمسح، ولا أن يصلي به الوتر، فكان مدته يومًا وبعض ليلة، وهكذا يقال في الثلاثة أيام، فتبين ضعف هذا القول، كما أن الخلاف ليس سببًا في ترك القول الراجح، وإلا لزمكم ترك القول بالمسح على الخفين؛ لأنه قد اختلف فيه، فبعض السلف أنكره، وبعضهم ادعى أنه منسوخ بآية المائدة.\nوقد ذكر بعض مشايخنا أن هذا القول هو من قول العامة، لكن وجدنا أن القول به محفوظ لبعض العلماء كالشعبي، وإسحاق بن راهوية، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبي ثور، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1393> دليل من قال لا توقيت في حال الضرورة والمشقة الكبيرة:</span>\nقال ابن تيمية: «لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر، مثل أن يكون هناك برد شديد متى خلع خفيه تضرر، كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها، أو كان في رفقة،","vol":"3","page":262},{"text":"متى خلع، وغسل لم ينتظروه، فينقطع عنهم، فلا يعرف الطريق، أو يخاف إذا فعل ذلك من عدو، أو سبع، أو كان إذا فعل ذلك فاته واجب، ونحو ذلك، فهنا قيل: إنه يتيمم.\nوقيل: إنه يمسح عليها للضرورة، وهذا أقوى؛ لأن لبسها هنا صار كلبس الجبيرة من بعض الوجوه، فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يومًا وليلة، وثلاثة أيام ولياليهن، وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم له، ثم قال: «وعلى ذلك يحمل حديث عقبة بن عامر، لما خرج من دمشق إلى المدينة، يبشر الناس بفتح دمشق، ومسح أسبوعًا بلا خلع، فقال له عمر: أصبت السنة، وهو حديث صحيح، وليس الخف كالجبيرة مطلقًا فإنه لا يستوعب بالمسح بحال، ويخلع بالطهارة الكبرى، ولا بد من لبسه على طهارة، لكن المقصود أنه إذا تعذر خلعه فالمسح أولى من التيمم» (^١).\nوقال أيضًا: «لما ذهبت على البريد، وجد بنا السير، وقد انقضت مدة المسح، فلم يمكن النزع والوضوء إلا بانقطاع عن الرفقة، أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف، فغلب على ظني عدم التوقيت عند الحاجة، كما قلنا في الجبيرة، ونزلت حديث عمر، وقوله لعقبة بن عامر: أصبت السنة على هذا توفيقًا بين الآثار، ثم رأيته مصرحًا به في مغازي ابن عائد، أنه قد كان ذهب على البريد كما ذهبت لما فتحت دمشق، ذهب بشيرا بالفتح من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة، فقال له عمر: منذ كم لم تنزع خفيك؟ فقال: منذ يوم الجمعة، قال: أصبت، فحمدت الله على الموافقة، وهذا أظنه أحد القولين لأصحابنا، وهو أنه إذا كان يتضرر بنزع الخف، صار بمنزلة الجبيرة ... إلخ كلامه ﵀» (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧٧).\n(^٢) المرجع السابق (٢١/ ٢١٥)، وهو قول في مذهب الحنفية كما قدمت في الأقوال.","vol":"3","page":263},{"text":"وقول الجمهور أحوط، وهو المتيقن، وحمل حديث عقبة بن عامر في حال الضرر ليس ظاهرًا من اللفظ، وإذا كان على الرفقة أن ينتظروا للصلاة، كان عليهم أن ينتظروا لشروطها، وإذا كان عليهم أن ينتظرو لكي يغسل وجهه ويديه، ويمسح برأسه، فلن يعجزوا عن الانتظار لغسل قدميه، وممكن أن يخلع خفيه مسبقًا قبل الوقوف بقليل حتى لا يعيق الرفقة، ولا يقال: إن أحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يومًا وليلة، وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم؛ لأن الأصل وجوب غسل الرجلين، جاء الإذن يومًا وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، وما عداه يرجع للأصل المستقر المجمع عليه، وهو وجوب غسل الرجلين، وقد قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: (ويل للأعقاب من النار) خالفنا هذا الأصل لدليل صحيح في مدة معلومة فرقًا بين المقيم والمسافر لا يتجاوزها المسلم، فمن تجاوزها فقد تجاوز حدود الله، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1394>الفصل الثاني في مقدار المسافة التي يسوغ فيها مسح المسافر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• السفر في النصوص مطلق غير مقيد بزمن ولا مسافة؛ والسفر إذا لم يكن له حقيقة شرعية، ولا لغوية كان الرجوع فيه إلى عرف الناس فما عده الناس سفرًا فهو سفر.\n• إذا قيل: المرجع في ذلك إلى العرف، فالمقصود به العرف المنضبط التي يمكن أن تناط به الأحكام، والذي لا يختلف فيه أكثر الناس.\n• الرجوع إلى عرف الناس في معرفة ما يعد سفرًا مع سعة البلاد وكثرة العباد يؤدي إلى التلاعب في ركنين من أركان الإسلام، وهما القصر والفطر.\n• إذا كان الفقهاء يحيلون المستفتي إلى عرف الناس، مع أنهم من جملة أهل العرف فلو كان العرف منضبطًا لوجدوه معلومًا معروفًا لهم، فلم يبق بعد الفقهاء إلا العوام، وهم لا يصح تقليدهم في الدين.\n• من العرف ما هو مطرد منضبط، كالرجوع إلى العرف في مدلولات ألفاظ الناس ومرادهم منها، وتقدير النفقات، ومعرفة الشروط العرفية في المعاملات إذا","vol":"3","page":265},{"text":"كانت مطردة، وصفة القبض والحرز ونحوها.\nومنه ما لا يمكن انضباطه واطراده كالشأن في التنقل بين الأماكن المختلفة، في البلدان المختلفة، وما يعد منها سفرًا في العرف وما لا يعد، وأين اطراد العرف في مثل هذا مع اتساع رقعة البلاد، وكثرة الناس واختلافهم، ففي الوقوف على عرف منضبط لدى الناس اليوم فيه صعوبة لا تخفى.\n• يؤخذ في تقدير المسافة في السفر بأكثر مدة قالها الفقهاء، وما دونها يكون مختلفًا فيه، وإذا اختلف العلماء في مبيح القصر والفطر رجعنا إلى الأصل وهو أن الأصل عدم السفر، وأنه مقيم حتى نتيقن السفر.\n• ليس المقصود أنه لا يترخص إلا فيما أجمع المسلمون على القصر والفطر فيه، فهذا ليس خلافًا في المسافة، وإنما هو خلاف في نوع السفر الذي يترخص فيه، لا في مسافته، والراجح أنه يترخص في كل سفر، مباحًا كان أو غيره.\n• إذا شك، هل السفر مبيح للقصر أو لا؟ لم يبح له القصر؛ لأن الأصل وجوب الائتمام فلا يزول بالشك.\n[م-٢٥٣] اختلف العلماء في المسافة التي يسوغ فيها الترخص بالمسح ثلاثة أيام ولياليهن، إلى أقوال:\nفقيل: المعتبر مسيرة ثلاثة أيام للسير الوسط، بسير الإبل محملة بالأثقال، مع اعتبار النزول المعتاد للنوم والأكل والصلاة، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: المعتبر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلًا، وهو مذهب الجمهور من\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (٢/ ٢٧، ٢٨)، وحاشية ابن عابدين (١/ ١٢٢)، فتاوى الهندية (١/ ١٣٨)، مجمع الأنهر شرح متلقى الأبحر (١/ ١٦١).","vol":"3","page":266},{"text":"المالكية (^١)،\nوالشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: مسيرة يوم وليلة، روي هذا عن مالك، وقيل: إنه رجع عنه (^٤).\nوقيل: أقل مسافة للترخص ثلاثة أميال (^٥).\nوقيل: إن مشى ميلًا قصر الصلاة، وإن مشى أقل من ميل صلى أربعًا، وهذا اختيار ابن حزم (^٦).\nوقيل: جوازه في كل ما يسمى سفرًا عرفًا، وهو اختيار ابن تيمية (^٧).\nوقيل: أقوال غير ذلك حتى حكى ابن المنذر عشرين قولًا في المسألة (^٨).\n_________\n(^١) قال مالك في المدونة (١/ ٢٠٧): «لا يقصر الصلاة إلا في مسيرة ثمانية وأربعين ميلًا، كما قال\nابن عباس: في أربعة برد». اهـ\nوانظر القوانين الفقهية لابن جزي (ص: ١٠٠)، منح الجليل (١/ ٤٠٢)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٧٧)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٥٨)، حاشية العدوي (١/ ٣٦٣، ٣٦٤)، الفواكه الدواني (١/ ٢٥٣).\n(^٢) قال الشافعي في الأم (١/ ١١٨): «وإذا سافر الرجل سفرًا يكون ستة وأربعين ميلًا هاشميًا فله أن يقصر الصلاة».\n(^٣) مسائل أحمد رواية عبد الله (٢/ ٣٨٦) رقم ٥٤٦، ومسائل ابن هانئ (١/ ٨١) رقم ٤٠٤. وقال أبو داود في مسائل أحمد (١/ ١٠٦) رقم ٥١٤: «سمعت أحمد يسأل: في كم تقصر الصلاة؟ قال: في أربعة برد: ستة عشر فرسخًا. قيل له: وأنا أسمع، ويفطر فيه، قال: نعم».\n(^٤) جاء في المنتقى للباجي (١/ ٢٦٢): «المشهور عن مالك أن أقل سفر القصر أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا، وهي ثمانية وأربعون ميلًا، وإلى ذلك ذهب الشافعي.، وروي عنه مسيرة يوم وليلة. وروى ابن القاسم أن مالكًا رجع عنه.\nقال القاضي أبو محمد عن بعض أصحابنا أن قوله: مسيرة يوم وليلة، ومسيرة أربعة برد واحد، وأن اليوم والليلة في الغالب هو ما يسار فيه أربعة برد، فيكون معنى قول ابن القاسم ترك التحديد باليوم والليلة، أنه ترك ذلك اللفظ إلى لفظ هو أبين منه ...». إلخ كلامه.\n(^٥) فتح الباري (٢/ ٥٦٧).\n(^٦) المحلى (٣/ ١٩٢).\n(^٧) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤٣).\n(^٨) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٤/ ٤٢٢)، سبل السلام (١/ ٣٨٨).","vol":"3","page":267},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1395> دليل الجمهور القائلين بأربعة برد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1396>الدليل الأول:</span>\n(٦١٧ - ١١٤) ما رواه الدارقطني من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه وعطاء بن أبي رباح،\nعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nوالمعروف أنه من قول ابن عباس موقوفًا عليه.\n(٦١٨ - ١١٥) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني عطاء،\nعن ابن عباس، قال: لا تقصر الصلاة إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان والطائف وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتم (^٣).\n[صحيح موقوفًا وقول الصحابي حجة].\nقال مالك في الموطأ: «ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٣٨٧).\n(^٢) الحديث فيه ثلاث علل:\nالأولى: أنه من رواية إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وهذا منها.\nالثانية: عبد الوهاب بن مجاهد لم يسمع من أبيه.\nقال وكيع: كانوا يقولون: لم يسمع من أبيه شيئًا. التاريخ الكبير (٦/ ٩٨).\nالثالثة: أن عبد الوهاب بن مجاهد متروك، ضعفه أحمد، ويحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، وقال النسائي: متروك الحديث، الضعفاء والمتروكين (٣٧٥).\nوقال سفيان الثوري: هذا كذاب. الجرح والتعديل (٦/ ٦٩).\nوفي التقريب: متروك، وقد كذبه الثوري.\n(^٣) المصنف (٢/ ٢٠٢)","vol":"3","page":268},{"text":"مثل ما بين مكة وجدة ... وذلك أربعة برد، وذلك أحب ما تقصر إلي فيه الصلاة» (^١).\n• وأجيب:\nبأن قول الصحابي حجة بشرط ألا يخالفه مثله، فالصحابة إذا اختلفوا طلب مرجح، كما هو الحال هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>الدليل الثاني:</span>\n(٦١٩ - ١١٦) ما أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب تقصير الصلاة، قال البخاري:\nكان ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا (^٢).\n[صحيح عنهما] (^٣).\n• وأجيب:\nبأن الصحابة مختلفون، قال ابن قدامة: «ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة؛ لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، وقد روي عن ابن عمر وابن عباس خلاف ما احتج به أصحابنا» (^٤).\nوقال الحافظ ابن حجر: «وقد اختلف عن ابن عمر في تحديد ذلك -يعني: مسافة القصر- اختلافًا غير ما ذكر، فروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني نافع، أن ابن عمر كان أدنى ما يقصر فيه الصلاة مال له بخيبر، وبين المدينة وخيبر ستة وتسعون ميلًا.\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ١٤٨).\n(^٢) كتاب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة.\n(^٣) ذكره البخاري بصيغة الجزم فيقتضي صحته عنده، ووصله ابن المنذر كما في فتح الباري، والبيهقي في السنن (٣/ ١٣٧) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، أن عبد الله ابن عمر وعبد الله بن عباس كانا يصليان ركعتين ركعتين، ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك.\nقال النووي: رواه البيهقي بإسناد صحيح.\n(^٤) المغني (٢/ ٤٨).","vol":"3","page":269},{"text":"وروى وكيع من وجه آخر عن ابن عمر، أنه قال: يقصر من المدينة إلى السويداء، وبينهما اثنان وسبعون ميلًا.\nوروى عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أنه سافر إلى ريم، فقصر الصلاة. قال عبد الرزاق: وهي على ثلاثين ميلًا من المدينة (^١).\n(٦٢٠ - ١١٧) وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن مسعر، عن محارب:\nسمعت ابن عمر يقول: إني أسافر الساعة من النهار، فأقصر (^٢).\nوقال الثوري: «سمعت جبلة بن سحيم يقول: سمعت ابن عمر يقول:\n_________\n(^١) قول عبد الرزاق: وهي على ثلاثين ميلًا وهم من عبد الرزاق؛ لأنه مخالف لما في الموطأ، فقد روى مالك فيه (١/ ١٤٧): عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيرة ذلك. قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد. اهـ\nوقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٣٢): «أما رواية عبد الرزاق عن مالك فأظنها وهما فخلاف ما في الموطأ لها، وإنما هي رواية عقيل عن ابن شهاب، فإن لم تكن وهمًا فيحتمل أن يكون ريم موضعا متسعا كالإقليم عندنا فيكون تقدير مالك إلى آخر ذلك، وتقدير عقيل في روايته إلى أول ذلك».\nورئم: يهمز، ويسهل، وادٍ لمزينة قرب المدينة، ومعلوم أن الوادي يمتد في الغالب، والله أعلم.\nوأما ما روى ابن أبي شيبة في المصنف (٩٠١٤) حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: سألت سعيد بن المسيب، أقصر الصلاة وأفطر إلى ريم؟ قال: نعم، وهو بريد من المدينة. اهـ\nفقوله: (وهو بريد من المدينة) ظاهره أنه من قول ابن حرملة، أو من دونه، وليس من كلام سعيد ابن المسيب، فإن كان من كلام ابن حرملة ففيه لين.\nقال أحمد: ابن حرملة كذا وكذا. العلل (٣١٦١) وهي عبارة تليين.\nوضعفه يحيى بن سعيد القطان، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، ووثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس. فإسناد مالك أصح، وقد قدرها بأربعة برد.\n(^٢) قلت: قد روى مالك، عن نافع أنه كان يسافر مع عبد الله بن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، ونافع أقرب إلى ابن عمر من محارب، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٣٤): «وهذا يرد ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: إني لأسافر الساعة من النهار، فأقصر الصلاة».","vol":"3","page":270},{"text":"لو خرجت ميلًا لقصرت الصلاة، إسناد كل منهما صحيح، وهذه أقوال متغيرة جدًّا، والله أعلم» (^١). اهـ نقلًا من فتح الباري\nقلت: وهذه أسانيد صحيحة عن ابن عمر، وإن كان ما رواه سالم ونافع أرجح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1398> دليل من حدد بمسيرة ثلاثة أيام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1399>الدليل الأول:</span>\n(٦٢١ - ١١٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: قلت لأبي أسامة: حدثكم عبيد الله، عن نافع،\nعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم (^٢).\n• وأجيب:\nبأن العدد لا مفهوم له، فقد جاء النهي عن سفر المرأة يومًا وليلة، بلا محرم، وجاء النهي عن سفر المرأة يومين، وجاء النهي عن السفر مطلقًا إلا ومعها محرم، والحديث لم يذكر في المسافة التي يطلق عليها سفرًا حتى يقال: إنه قصد به الحد.\n(٦٢٢ - ١١٩) روى البخاري في صحيحه من طريق سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي ﷺ: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة، ليس معها حرمة (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (٢/ ٥٦٧)، وإذا كانت هذه الأقوال متعارضة فما رواه نافع، وسالم مقدم على رواية غيرهما، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٣٤): «قد اختلف عن ابن عمر في أدنى ما يقصر إليه الصلاة، وأصح ما في ذلك عنه ما رواه عنه ابنه سالم، ومولاه نافع أنه كان لا يقصر إلا في مسيرة اليوم التام، أربعة برد». والله أعلم.\n(^٢) صحيح البخاري (١٠٨٦)، ومسلم (١٣٣٨).\n(^٣) البخاري (١٠٨٨)، ورواه مسلم (١٣٣٩).","vol":"3","page":271},{"text":"(٦٢٣ - ١٢٠) وروى مسلم من طريق عبد الملك، وهو ابن عمير، عن قزعة،\nعن أبي سعيد، قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: فأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع، قال سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ: لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، وسمعته يقول: لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها (^١).\n(٦٢٤ - ١٢١) وروى البخاري من طريق سفيان، عن عمرو، عن أبي معبد،\nعن ابن عباس ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول: لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: اذهب فحج مع امرأتك (^٢).\nوهذا مطلق، ولم يذكر مدة، فيقتضي بحكم إطلاقه منع السفر طويله وقصيره.\nقال البيهقي: وهذه الروايات في الأيام الثلاثة، واليومين واليوم صحيحة، وكأن الرسول ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم؟ فقال: لا وسئل عن سفرها يومين بغير محرم؟ فقال: لا. وسئل عن يوم، فقال: لا، فأدى كل منهم ما حفظ، ولا يكون شيء من هذا حدًا للسفر (^٣).\nوقال القرطبي: «كل ما دون الثلاث داخل في الثلاث، فيصح أن يعين بعضها، ويحكم عليه بحكم جميعها، فينص تارة على الثلاث، وتارة على أقل منها؛ لأنه داخل فيها» (^٤).\n_________\n(^١) مسلم (٨٢٧)، وهو في البخاري بنحوه (١١٨٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١).\n(^٣) سنن البيهقي (٣/ ١٣٩).\n(^٤) المفهم (٣/ ٤٥١).","vol":"3","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1400>الدليل الثاني:</span>\n(٦٢٥ - ١٢٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا\nعبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة،\nعن شريح بن هانئ قال أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ، فسألناه، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم (^١).\nفالمراد بيان حكم جميع المسافرين؛ لأن الألف واللام في المسافر للجنس، فيدخل في هذا الحكم كل مسافر سفره ثلاثة أيام، فيمسح ثلاثة أيام، أما إذا كان سفره أقل من ثلاثة أيام فلا يعد مسافرًا بالمعنى الشرعي؛ لأنه لا يكرر المسح في الأيام الثلاثة (^٢).\n• وأجيب:\nبأن الحديث جاء لبيان أكثر مدة المسح، فلا يصح الاحتجاج به؛ على أنه يمكن قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1401>الدليل الثالث:</span>\nمن النظر، أن الثلاثة أقل الكثير، وأكثر القليل، ولا يجوز له القصر في قليل السفر، فوجب أن يكون أقل الكثير وهو الثلاث حدًا له (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1402> دليل من حدد المسافة بثلاثة أميال:</span>\n(٦٢٦ - ١٢٣) روى الإمام مسلم من طريق محمد بن جعفر غندر، عن شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال:\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٧٦).\n(^٢) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٧٩).\n(^٣) المغني (٢/ ٤٨).\n(^٤) الحاوي (٢/ ٣٦١).","vol":"3","page":273},{"text":"سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك- صلى ركعتين (^١).\nوهذا من أقوى الأدلة على التحديد، قال ابن حجر: «وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه» (^٢).\n• وأجيب عن هذا الحديث الصريح:\nالجواب الأول:\nتضعيف الحديث بتفرد يحيى بن زيد الهنائي، قال ابن عبد البر: «شيخ من أهل البصرة، ليس مثله ممن يحتمل أن يحمل هذا المعنى الذي خالف فيه جمهور الصحابة والتابعين، ولا هو ممن يوثق به في ضبط مثل هذا الأصل» (^٣).\nقلت: لم يرو عنه أحد من الكتاب الستة إلا مسلم وأبو داود، وليس له فيهما إلا هذا الحديث، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال عنه أبو حاتم الرازي: شيخ، وفي التقريب: مقبول، يعني حيث يتابع، ولم يتابع، وقال الذهبي: صالح، لا بأس به.\nفكلام ابن عبد البر واضح أنه يتمشى مع قواعد أهل التحديث، وأن التفرد بأمر يحتاج إليه عامة الناس لا يقبل إلا من إمام كالزهري، ومالك، ونحوهما، وأن مخالفة ابن عمر وابن عباس له يدل على وهمه.\nالجواب الثاني:\nرده القرطبي بأنه مشكوك فيه، هل هو ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ؛ إذ كل واحد مشكوك فيه (^٤).\nولا يوافق عليه؛ لأن الشك في الثلاثة أميال، أما الثلاثة فراسخ فليس فيها شك\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٦٩١).\n(^٢) فتح الباري (٢/ ٥٦٧).\n(^٣) الاستذكار (٢/ ٢٤٠).\n(^٤) تفسير القرطبي (٥/ ٣٥٤).","vol":"3","page":274},{"text":"باعتبارها الأكثر.\nالجواب الثالث:\nقال بعضهم: إن ذلك حكاية لفعله ﷺ، وأنه قصر في هذه المسافة، وذلك لا يمنع جواز القصر في غيرها إذا كان يسمى سفرًا، فليس في الحديث تحديد الترخص بهذه المسافة.\nورد هذا:\nبأن السؤال عن المسافة التي يقصر فيها، وقد جاء الجواب بلفظ: (كان) الدالة على الاستمرار غالبًا، وأن قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة) مفهومه أنه إذا خرج أقل من ذلك لم يقصر، لكن القول بثلاثة فراسخ أرجح؛ لأنه هو المتيقن.\nالجواب الرابع:\nحمل بعضهم الحديث على أن المراد به المسافة التي يبتدئ منها القصر، لا غاية السفر، وهذا بعيد.\nقال الحافظ في الفتح: «ولا يخفى بعد هذا المحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه، أن يحيى بن يزيد، رواه عن أنس، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلي ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: .. فذكر الحديث، فظهر أنه سأل عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل مجاوزة البلد الذي يخرج منها» (^١).\n(٦٢٧ - ١٢٤) وقد روى البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان،\n_________\n(^١) فتح الباري (٢/ ٥٦٧).","vol":"3","page":275},{"text":"عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة،\nعن أنس بن مالك، ﵁، قال: صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين (^١).\nفإذا قصد الرجل سفرًا، فإنه يقصر متى فارق بنيان القرية، وبحث هذه المسألة في موضع غير هذا.\nالجواب الخامس:\nقال الخطابي في معالم السنن: «إن ثبت هذا الحديث كانت الثلاثة فراسخ حدًا فيما يقصر إليه الصلاة إلا أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء يقول به» (^٢).\nويقصد والله أعلم من فقهاء المذاهب، وإلا فإن بعض الصحابة قد قال بمثله أو أقل، وسبق لنا قول ابن عمر: إذا خرجت ميلًا قصرت الصلاة، وصحح إسناده\nابن حجر، وقال ابن حجر في الفتح: «حكى النووي أن أهل الظاهر ذهبوا إلى أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود من حديث أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة، وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك، وأصرحه» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1403> دليل من قال يمسح في كل ما يسمى سفرًا عرفًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا) [النساء: ١٠١].\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٠٨٩)، ومسلم (٦٩٠).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢٦١).\n(^٣) فتح الباري (٢/ ٥٦٧).","vol":"3","page":276},{"text":"وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية، فبقي ظاهر الآية متناولًا لكل ضرب (^١).\n• وأجيب:\nبأن النبي ﷺ خرج إلى قباء، وإلى العوالي ولم يقصر الصلاة، فليس المراد بالضرب أي ضرب، بل المراد به ضرب مخصوص، بمسافة مخصوصة، وقد جاء في حديث أنس السابق كان إذا خرج ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة، ظاهره أنه لا يقصر الصلاة في كل ضرب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>الدليل الثاني:</span>\nأن لفظ السفر في الكتاب والسنة مطلق غير مقيد بمسافة معينة.\nقال ابن تيمية: السفر مطلق في الكتاب والسنة، فليس الكتاب والسنة يخصان بسفر دون سفر، ولا بقصر دون قصر، ولم يحد النبي ﷺ مسافة القصر بحد زماني، ولا مكاني، والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع، ويقيد ما قيده.\n(٦٢٨ - ١٢٥) قلت: ومن الأحاديث ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد،\nعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (^٢).\n(٦٢٩ - ١٢٦) وما رواه البخاري من طريق عمر بن محمد أن حفص بن عاصم\n_________\n(^١) حديث يعلى رواه مسلم، (٦٨٦) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم - قال إسحاق أخبرنا، وقال الآخرون حدثنا - عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.\n(^٢) صحيح مسلم (٦٨٧).","vol":"3","page":277},{"text":"حدثه، قال:\nسافر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال: صحبت النبي ﷺ، فلم أره يسبح في السفر، وقال جل ذكره: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١] (^١).\nفالسفر في هذه الأحاديث، وفي غيرها مطلق لم يقيد بشيء، فمن قيده بمسافة معينة، فعليه الدليل، ولا دليل.\nويجاب عن هذه الأحاديث بما أجيب عنه في الآية الكريمة، وأن السفر ليس المقصود به كل سفور عن محل الإقامة، بل المراد به سفور معين، وإذا لم يصدق السفر على بعض أفراده بطل الاستدلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>الدليل الثالث:</span>\nأن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1407>الدليل الرابع:</span>\n(٦٣٠ - ١٢٧) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه،\nأن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (^٢).\nوإسناده صحيح، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه قال لأهل مكة في عرفة أو مزدلفة أو منى: أتموا، وعليه فقد صلى أهل مكة بعرفة، ومزدلفة ركعتين، وهي أقل من أربعة برد.\nقال ابن تيمية: «وأما القصر فلا شك أنه من خصائص السفر، ولا تعلق له بالنسك، ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم سفر، وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم، والله لم يرخص\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١١٠١)، وانظر مسلم (٦٨٩).\n(^٢) الموطأ (١/ ١٤٩).","vol":"3","page":278},{"text":"في السفر ركعتين إلا لمسافر، فعلم أنهم كانوا مسافرين». اهـ\n(٦٣١ - ١٢٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن إسماعيل ابن أمية، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان يقيم بمكة، فإذا خرج إلى منى قصر (^١).\n[وإسناده صحيح].\nقلت: ابن عمر ممن هاجر إلى المدينة، فالمقصود خروجه إلى منى في الحج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>الدليل الخامس:</span>\nأن الشيء إذا كان له حقيقة شرعية قدمت على غيرها من الحقائق، كالصلاة حقيقتها اللغوية: الدعاء، والإيمان حقيقته اللغوية: التصديق لكن جاء في الشرع بيان حقيقتهما الشرعية فقضى على حقيقتهما اللغوية.\nوالسفر ليس له حقيقة شرعية، فتقدم، وليس له حقيقة لغوية، واللفظ إذا لم يكن له حقيقة شرعية ولا لغوية قدمت الحقيقة العرفية، فما عده الناس في عرفهم سفرًا فهو سفر، وما لم يعتبره الناس سفرًا فليس بسفر.\n• وأجيب:\nبأن هذا الكلام جيد، ولكن تعليق الأمر بالعرف لا ينضبط، وقد يلتبس الأمر على عامة الناس، وقد يكون سببًا في تلاعب بعض الناس بفرائض الدين ممن لا يقدر الأمور بمقدارها، وأين اطراد العرف مع اتساع رقعة البلاد، وكثرة الناس، وقد كانت البلاد الإسلامية فيما سبق محدودة المكان وعدد الناس قليلًا، ويمكن ضبط العرف، أما الآن ففيه صعوبة.\nقال ابن العربي: «لم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر، لا في القرآن ولا في السنة، وإنما كان ذلك؛ لأنها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذي\n_________\n(^١) المصنف (٢/ ٢٠٦) رقم ٨١٨٤.","vol":"3","page":279},{"text":"خاطبهم الله تعالى بالقرآن، فنحن نعلم قطعًا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرًا لغة، ولا شرعًا. وإن مشى مسافر ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعًا، كما أنا نحكم على أن من مشى يومًا وليلة كان مسافرًا؛ لقول النبي ﷺ: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها، وهذا هو الصحيح؛ لأنه وسط بين الحالين، وعليه عول مالك، ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقًا عليه، وروي مرة (يومًا وليلة) ومرة (ثلاثة أيام) فجاء إلى عبد الله بن عمر، فعول على فعله، فإنه كان يقصر الصلاة إلى رئم، وهي أربعة برد؛ لأن ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبي ﷺ .... وفي البخاري: وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد: وهي ستة عشر فرسخًا ...» (^١).\nوالتقدير في أربعة برد مع كونه هو أصح ما روي عن ابن عمر، وهو ثابت أيضًا عن ابن عباس، فهو أحب إلى نفسي من تحكيم العوام في الرجوع إلى عرف يصعب ضبطه، وبدلًا من ترك الناس يتلاعبون في ركنين من أركان الإسلام، يكون الرجوع إلى التحديد بالمسافة يضبط للناس ما يترخصون فيه، وما لا يترخصون فيه من أحكام السفر، والله أعلم.\nومع ذلك إن أمكن ضبط العرف فالقول به قوي أيضًا رغم ما اعترض به عليه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٥/ ٣٥٤).","vol":"3","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1409>الفصل الثالث إذا لبس الخف وهو مقيم ثم سافر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• مجرد اللبس لا يتعلق به حكم على الصحيح، وحكي إجماعًا.\n• هل المسح عبادة واحدة، فإذا مسح في الإقامة ثم سافر لزمه مسح مقيم، أو أن المسح يتجزأ؛ لكون المسحات متفرقة، فإذا سافر أتم مسح مسافر؟ الصحيح الثاني.\n• هل المعتبر في مدة المسح، والسفر، والإقامة: الابتداء أو الانتهاء؟\n• العبرة بالمسح بالنهاية على الصحيح، ولا عبرة بالحدث، ولا في ابتداء المسح، كالصلاة يدخل وقتها، وهو مقيم، ثم يسافر قبل الصلاة فله القصر اعتبارًا بالنهاية، ولو كان مسافرًا، ثم أقام قبل خروج وقتها صلى صلاة مقيم اعتبارًا بالنهاية.\n• لو كان مسافرًا، ثم أقام اعتبرت النهاية بالإجماع، فكذلك إذا مسح مقيمًا ثم سافر اعتبرت النهاية على الصحيح.\nوقيل:\n• المسح عبادة مؤقتة، فيكون ابتداء وقتها من حين جواز فعلها قياسًا على","vol":"3","page":281},{"text":"الصلاة، فإذا أحدث وهو مقيم كان له أن يمسح مسح مقيم، وإن أحدث وهو مسافر كان له أن يمسح مسح مسافر.\n• مضي مدة المسح يوجب النزع وإن لم يمسح.\n• الحدث سبب للمسح على الخفين، فيعلق الحكم به.\n• إذا اجتمع في العبادة حضر وسفر غلب جانب الحضر.\n• المسح على الخفين فعل واحد، وعبادة واحدة فالمسح لا يتجزأ، وقد اجتمع فيه الحضر والسفر، فغلب الحضر.\n• المسح عبادة يختلف قدرها في الحضر والسفر، فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه؛ لأنه المتيقن، ولأن خاتمته محمولة على ابتدائه.\n[م-٢٥٤] إذا لبس خفيه، وهو مقيم، ثم سافر، فله حالات:\nالحالة الأولى: أن يسافر بعد لبس خفيه، وقبل حدثه، فهنا يمسح مسح مسافر، لأن مجرد اللبس لا يتعلق به حكم، قال النووي: بالإجماع.\nالحالة الثانية: أن يحدث، وهو مقيم، ولم يمسح إلا في السفر.\nفقيل: يمسح مسح مسافر. وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: يمسح مسح مقيم، وهو اختيار المزني (^٢)، وهو رواية عن أحمد (^٣).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية المبسوط (١/ ١٠٣، ١٠٤)، تبيين الحقائق (١/ ٥٢)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٥)، البحر الرائق (١/ ١٨٨)، بدائع الصنائع (١/ ٨، ٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٨).\nوانظر في مذهب الشافعية الأم (١/ ٥١)، المجموع (١/ ٥١٣).\nوفي مذهب الحنابلة، انظر المغني (١/ ١٧٩)، والفروع (١/ ١٦٨)، المقنع شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٦٥)، شرح الزركشي (١/ ٤٢١)، الإنصاف (١/ ١٧٩)، كشاف القناع (١/ ١١٥).\n(^٢) الحاوي (١/ ٣٥٩)، روضة الطالبين (١/ ١٣١).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٧٩).","vol":"3","page":282},{"text":"وأما مذهب المالكية، فقال المازري: «ولا أعرف في المذهب فيها نصًا، ولكنها تلاحظ لاختلاف في المدونة فيمن ابتدأ الصيام في الحضر، ثم سافر في أثناء النهار، فأفطر، هل يكفر مراعاة لحال مبتدأ الفعل، أو لا يكفر مراعاة للحال التي هو عليها، فبين المسألتين تناسب من هذه الجهة» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1410> دليل الجمهور على أنه يمسح مسح مسافر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>الدليل الأول:</span>\nالإجماع، نقله ابن قدامة، قال: «لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من لم يمسح حتى سافر، أنه يتم مسح المسافر» (^٢).\nقلت: الخلاف محفوظ، عن أحمد وغيره كما سبق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1412>الدليل الثاني:</span>\nمن النظر، أن كل عبادة اعتبر فيها الوقت، فإن ابتداء وقتها محسوب من الوقت الذي يمكن فيها فعلها، وصفتها معتبرة بوقت أدائها كالصلاة إن كانت ظهرًا، فأول وقتها زوال الشمس، وصفتها في القصر والإتمام بوقت الأداء والفعل، فإن كان وقت فعلها وأدائها مسافرًا قصر، وإن كان مقيمًا أتم، كذلك المسح عند الحنفية والشافعية والحنابلة أول زمانه وقت الحدث، وصفته في مسح المقيم والمسافر معتبر بوقت المسح (^٣).\n• وجه من قال يمسح مسح مقيم:\nهذا القول مبني على أن ابتداء مدة المسح تبدأ من الحدث، وقد وجد في الحضر،\n_________\n(^١) شرح التلقين للمازري (١/ ٣١٣)، قلت: الأصح في مذهب المالكية أن من سافر نهارًا لم يجز إفطاره، انظر جامع الأمهات (ص: ١٧٦).\n(^٢) المغني (١/ ١٧٩).\n(^٣) الجمهور هنا علقوا الحكم بالمسح لا بالحدث، فينبغي أن تكون مدة المسح معلقة بالمسح، لا بالحدث، وقد ناقشت هذه المسألة في مسألة مستقلة.","vol":"3","page":283},{"text":"فكان بمنزلة من مسح في الإقامة ثم سافر في اعتبار زمان المسح، ألا ترى أنه لو مر عليه بعد حدثه يوم وليلة، ولم يمسح، فقد انقضت المدة، كما لو مسح.\nويجاب:\nبأن الراجح أن المدة تبدأ من المسح بعد الحدث، وقد فصلت هذا القول في مسألة مستقلة.\nالحالة الثالثة: أحدث في الحضر، ثم سافر بعد خروج وقت الصلاة.\nفعند الشافعية في هذه المسألة وجهان:\nالأول: قالوا: يتم مسح مقيم؛ لأن خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزلة دخوله في الصلاة في وجوب الإتمام، فكذا المسح.\nوقيل: يتم مسح مسافر؛ لأنه تلبس بالمسح، وهو مسافر، فهو كما لو سافر قبل خروج الوقت، ويخالف الصلاة، بأن الصلاة تفوت وتقضى، فإذا فاتت في الحضر، ثبتت في الذمة صلاة حضر، فلزمه قضاؤها، والمسح لا يفوت، ولا يثبت في الذمة، فصار كالصلاة قبل فوات الوقت (^١).\nوالصحيح أنه يمسح مسح مسافر لا لهذا التعليل، ولكن لأنه حين أراد أن يمسح في السفر كان حكمه حكم المسافر، اعتبارًا بحاله وقت المسح.\nالحالة الرابعة: أحدث، ومسح في الحضر، ثم سافر.\nفإن كان قد أكمل مسح يوم وليلة في الحضر قبل سفره، لم يكن له أن يمسح.\nوقال ابن حزم: يمسح ولو سافر بعد انقضاء اليوم والليلة (^٢).\n_________\n(^١) انظر المهذب (١/ ٢٠)، المجموع (١/ ٥٥٣)، البيان للعمراني (١/ ١٥١).\n(^٢) قال ابن حزم في المحلى (١/ ٣٤١): «ومن مسح في الحضر ثم سافر قبل انقضاء اليوم والليلة، أو بعد انقضائهما مسح أيضًا حتى يتم لمسحه في كل ما مسح في حضره وسفره معًا ثلاثة أيام بلياليها، ثم لا يحل له المسح». إلخ كلامه ﵀ ..","vol":"3","page":284},{"text":"والأول أقوى؛ لأنه لا يمكن أن يبني على مسح قد انتهاء بانتهاء مدته، فوجب عليه خلعهما قبل سفره.\nوإن كان قد سافر قبل تمام يوم وليلة، فاختلفوا:\nفقيل: يمسح مسح مقيم، وهو مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، وبه قال إسحاق (^٣).\nوقيل: يمسح مسح مسافر، وهو مذهب الحنفية (^٤)، ورواية عن أحمد (^٥)، وبه قال الثوري (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1413> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1414>الدليل الأول:</span>\nأنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر، فغلب جانب الحضر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1415>الدليل الثاني:</span>\nولأن المسح عبادة يختلف قدرها في الحضر والسفر، فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه؛ لأنه المتيقن.\n_________\n(^١) انظر في مذهب الشافعية الأم (١/ ٥١)، الحاوي (١/ ٣٥٨، ٣٥٩)، روضة الطالبين (١/ ١٣١).\n(^٢) المغني (١/ ١٧٩)، وكشاف القناع (١/ ١١٥)، شرح العمدة (١/ ٢٦٠)، الإنصاف (١/ ١٧٧)، الروض المربع (١/ ٢٨٨).\n(^٣) مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٢٩٤)، المغني (١/ ١٧٩).\n(^٤) انظر في مذهب الحنفية شرح فتح القدير (١/ ١٥٧)، المبسوط (١/ ١٠٣، ١٠٤)، تبيين الحقائق (١/ ٥٢)، البحر الرائق (١/ ١٨٨)، بدائع الصنائع (١/ ٨، ٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٨)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٥).\n(^٥) انظر مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ (١/ ١٩)، والمغني (١/ ١٧٩)، وقال الخلال: رجع أحمد إلى هذا القول.\n(^٦) الأوسط طـ دار الفلاح (٢/ ٩٧)، وروى ابن قدامة عن الثوري قولًا يوافق الجمهور (١/ ١٧٩).","vol":"3","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1416>الدليل الثالث:</span>\nالقياس على الصلاة، قال النووي: «لو أحرم بالصلاة في سفينة في البلد فسارت، وفارقت البلد وهو في الصلاة، فإنه يتمها صلاة حضر باجماع المسلمين» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>الدليل الرابع:</span>\nمسحات الخف، وإن كن عبادات لا يرتبط بعضها ببعض، لكن وقتها وقت واحد، بعضه مرتبط ببعض، ولا بد من بناء أحد طرفيه على الآخر، فإذا وقع بعض المدة في الحضر، وجوزنا أن يتم مسح مسافر، لكان قد وقع مسح الثلاث في الإقامة والسفر، وهو خلاف الحديث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1418> دليل الحنفية على كونه يمسح مسح مسافر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1419>الدليل الأول:</span>\nأن الرسول ﷺ جعل للمسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وهذا مسافر، ولم يفرق الشرع بين مسافر ومسافر، فمن فرق فعليه الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>الدليل الثاني:</span>\nأن المسافر إذا مسح في سفره، ثم أقام، مسح مسح مقيم، فكان النظر في حاله إلى انتهائها، وليس إلى ابتدائها، فكذلك هذا، إذا مسح، وهو مقيم، ثم سافر اعتبرنا حاله بانتهائها، وهو مسح مسافر، ولا فرق. وكل حكم تعلق بالوقت اعتبر فيه آخره، فالحائض إذا طهرت فيه تجب عليها الصلاة، وإذا حاضت فيه سقطت عنها، والمسافر إذا أقام في آخر الوقت أتم، والمقيم إذا سافر فيه قصر، فكذلك المسح.\nقال ابن المنذر في الأوسط: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم ممن يقول بالتحديد في المسح على الخفين على أن من مسح، ثم قدم الحضر، خلع خفه، وإن كان\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥٥٤).","vol":"3","page":286},{"text":"مسح أقل من يوم وليلة مسافرًا، ثم قدم، فأقام أن له ما للمقيم إن مسح في السفر يومًا وليلة مسح بعد قدومه تمام يوم وليلة، هذا قول سفيان، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1421>الدليل الثالث:</span>\nولكونه سافر قبل مضي مدة المسح، فأشبه من سافر قبل أن يمسح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>الدليل الرابع:</span>\nولأن العبادة المعتبر فيها وقت الأداء، فالصلاة إذا دخل وقتها، وهو مقيم، ثم سافر، صلى صلاة مسافر.\n• الراجح:\nأن من سافر ولم يستكمل مدة المسح في إقامته أنه يبني عليها، فيمسح تمام ثلاثة أيام بلياليها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط طـ دار الفلاح (٢/ ٩٨).","vol":"3","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1423>الفصل الرابع إذا مسح في السفر ثم أقام</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• العبرة بالمسح واعتبار السفر أو الإقامة بالنهاية لا بالبداية.\n[م-٢٥٥] رجل لبس خفيه، وهو في السفر، ثم أقام، فما حكمه؟\nالجواب: لا يخلو هذا الرجل إما أن يكون قد مسح في سفره أم لا.\nفإن كان لم يمسح في سفره حتى أقام مسح يومًا وليلة مسح مقيم، وإن كان قد مسح في سفره، فلا يخلو فإما أن يكون قد استوفى مسح يوم وليلة أم لا.\nفإن كان قد استوفى مسح يوم وليلة في سفره، فقد انتهت مدته، ولا يصح أن يمسح في إقامته شيئًا، وإن لم يستوف مسح يوم وليلة أتم مسح مقيم، هذا مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، ممن يرى توقيت المسح.\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٥١)، البحر الرائق (١/ ١٨٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٨).\n(^٢) الأم (١/ ٥١)، أسنى المطالب (١/ ٩٨)، المجموع (١/ ٥١٥)، الحاوي الكبير (١/ ٣٥٨، ٣٥٩)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٦٧)، تحفة المحتاج (١/ ٢٤٧).\n(^٣) الفروع (١/ ١٦٧، ١٦٨)، الإنصاف (١/ ١٧٧، ١٧٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٣)، كشاف القناع (١/ ١١٥).","vol":"3","page":288},{"text":"وقال المزني: إذا مسح في السفر يومًا وليلة، ثم أقام مسح ثلث يومين وليلتين، وذلك ثلثا يوم وليلة؛ لأنه لو مسح ثم أقام في الحال، مسح ثلث ما بقي، وهو يوم وليلة، فإذا بقي له يومان وليلتان، جاز له أن يمسح ثلثيهما (^١).\nواختار بعض الحنابلة: أنه يمسح مسح مسافر إن كان مسح في سفره أكثر من يوم وليلة (^٢)، ولا أعلم له دليلًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1424> دليل الجمهور</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1425>الدليل الأول:</span>\nأن هذا المسافر لما أقام أصبح حكمه حكم المقيم، ولا يجوز للمقيم أن يمسح أكثر من يوم وليلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>الدليل الثاني:</span>\nأن المسح ثلاثة أيام ولياليهن إنما هي للمسافر، فإذا انتفى السفر، انتفت الرخصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>الدليل الثالث:</span>\nأنه اجتمع في حاله حضر وسفر، فغلب حكم الحضر احتياطًا.\nوهنا الحنفية قد وافقوا الشافعية والحنابلة في الحكم، وإن كانوا يختلفون في العلة، فالعلة عند الحنابلة والشافعية أن الإقامة أغلظ الحالتين: أعني حالة السفر والإقامة.\nوالعلة عند الحنفية: أن الإقامة نهاية الحالتين، فالاعتبار بالنهاية، لا بالأغلظ، ولذلك إذا مسح، وهو مقيم، ثم سافر يختلف الحكم عند الحنابلة والشافعية من\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥١٥)، فتح العزيز شرح الوجيز (٢/ ٤٠١).\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ١٧٧): «قال في المبهج: أتم مسح مسافر إن كان مسح مسافرًا فوق يوم وليلة. وشذذه الزركشي.\nقال ابن رجب في الطبقات: وهو غريب.\nونقله في الإيضاح رواية، ولم أرها فيه» اهـ.","vol":"3","page":289},{"text":"جهة، وعند الحنفية من جهة أخرى، لاختلافهم في العلة، فيمنع الشافعية والحنابلة من المسح، لأن الاعتبار للأغلظ، ويجوز الحنفية المسح؛ لأن الاعتبار بالنهاية، والله أعلم.\nوأما دليل المزني، فقد ذكرت تعليله مع قوله، وتعليله ضعيف جدًّا، وإنما ذكرته ليعلم أن المسألة ليست إجماعًا عند من يرى التوقيت.\nوأما مذهب المالكية فلا تتأتى هذه المسألة عند المشهور من مذهبهم؛ لأنهم لا يرون التوقيت أصلًا، فهو يمسح حتى يخلع لا فرق بين المسافر والحاضر، والله أعلم.\nويلحق بهذه المسألة لو مسح أحد الخفين في الحضر، والآخر في السفر، ففيها وجهان للشافعية:\nالأول: يمسح مسح مقيم، تغليبًا لجانب الحضر، اختاره النووي.\nوقيل: يتم مسح مسافر، اعتبارًا بتمام المسح.\nولا يتأتى هذا التفصيل على القول الراجح، لأن المعتبر في المسح وقت الأداء، فإذا مسح في الإقامة، ثم سافر أتم مسح مسافر ما دام مسافرًا لما علمت (^١).\n* * *\n_________\n(^١) أسنى المطالب (١/ ٩٨).","vol":"3","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1428>الفصل الخامس إذا شك في ابتداء المسح</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا شك هل ابتدأ المسح في الحضر أم في السفر؟ فالمعتبر حاله وقت المسح، فإن كان مقيمًا، فالمسح مسح مقيم، وإن كان مسافرًا فإنه يمسح مسح مسافر؛ لأن المعتبر حالته وقت المسح، لا وقت ابتداء المسح، وإن شك في ابتداء وقت المسح، هل بدأ المسح في الظهر أم في العصر؟ جعله في الظهر مطلقًا، لأنه المتيقن.\n[م-٢٥٦] إذا شك في ابتداء المسح، هل كان في الحضر أم في السفر؟\nفالحنفية لا فرق عندهم هل كان ابتداء المسح في الحضر أم في السفر؟ لأن المعتبر عندهم حاله الآن في المسح، فالعبرة بالانتهاء، لا بالابتداء، فإن كان مسافرًا مسح مَسْحَ مسافر، وإن كان مقيمًا أتم مسح مقيم، وقد سبق النقل عنهم، مع ذكر أدلتهم.\nوأما الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، الذين يقولون: يغلب جانب الحضر متى اجتمع حضر وسفر، فإن الشك مؤثر عندهم، ليعلم هل يمسح مسح مقيم أو يمسح مسح مسافر، فالمشهور عندهم أنه يمسح مسح مقيم؛ لأن الأصل غسل الرجل، والمسح رخصة، فإذا لم يتيقن شرط الرخصة، رجع إلى أصل الفرض، وهو الغسل، وإذا شك\n_________\n(^١) الأم (١/ ٥١)، تحفة المحتاج (١/ ٢٥٥)، حاشية الجمل (١/ ١٤٧، ١٤٨).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٧٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٣)، كشاف القناع (١/ ١١٥).","vol":"3","page":291},{"text":"هل كان أول مسحه وقت الظهر أم وقت العصر جعله وقت الظهر؛ لأن الأصل غسل الرجلين، فلا يجوز المسح إلا فيما يتيقنه.\nوالراجح في هذه المسألة أنه إن كان شك في ابتداء مسحه، وهو الآن مقيم، فالمسح مسح مقيم، وإن كان مسافرًا مسح مسح مسافر، لأن المعتبر حالته وقت المسح، وليس المعتبر ابتداء مسحه، وأما لو شك هل مسح في الظهر أم في العصر، فإن جعله في الظهر مطلقًا، فهو أحوط، وإن أراد أن يعمل بغلبة ظنه، فله ذلك، وقد شرع التحري في السهو في الصلاة، وعمل بالظن في أمور كثيرة، منها دخول وقت الصلاة، ومنها طلوع الفجر في الإمساك للصائم، وغروب الشمس للفطر، والاستجمار، وغسل الجنابة إذا غلب على ظنه تعميم الماء، ومثلها مسائل كثيرة يكفي فيها غلبة الظن.\n* * *","vol":"3","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1429>الفصل السادس في مسح المسافر العاصي بسفره</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• العصيان هل ينافي الترخص أم لا؟\n• الرخصة هل هي باب الإعانة، والعاصي لا يحل أن يعان أم هي تشريع عام فتتناوله.\n• النصوص في الرخص مطلقة، تشمل المطيع والعاصي كقوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) وقال ﷺ: يمسح المسافر، ولا يقيد النصوص الشرعية إلا نص أو إجماع.\n• على القول بأن الرخص لا تستباح بالمعاصي فهذا إنما يؤثر في رخصة تختص بالسفر كقصر الصلاة، وأما الرخصة التي تكون فيه وفي الحضر كالمسح على الخفين فلا أثر للعصيان بالسفر فيها.\n• السفر الذي هو مناط القصر ليس معصية بعينه، وإنما الموصوف بالمعصية هو العاصي نفسه، فصار الشأن كمسح الخف المغصوب والصلاة في الدار المغصوبة.\nوقيل:","vol":"3","page":293},{"text":"• الرخص لا تنال بالمعاصي، وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمنع إجماعًا، فيجوز لأفسق الناس وأعصاهم التيمم عند عدم الماء، وكذلك الفطر إذا أضر به الصوم (^١).\n[م-٢٥٧] إذا كان المسافر عاصيًا بسفره، فهل يمسح على الخفين أم لا؟\nفقيل: يمسح مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (^٢)، واختاره ابن حزم (^٣).\nوقيل: لا يمسح ما زاد على اليوم والليلة مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\nوقيل: لا يمسح مطلقًا لا مسح مقيم، ولا مسح مسافر، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٦).\nوقيل: كل رخصة جازت في الحضر كالمسح على الخفين والتيمم، وأكل الميتة، فتفعل، ولو كان عاصيًا بسفره، وكل رخصة تختص بالسفر، كقصر الصلاة، والفطر في رمضان، فشرطه ألا يكون عاصيًا بسفره، فلا تفعل، وهذا مذهب المالكية (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1430> دليل الحنفية على جواز المسح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>الدليل الأول:</span>\nالنصوص في الكتاب والسنة مطلقة، لم تفرق بين مسافر وآخر، قال تعالى:\n_________\n(^١) الفروق (٢/ ٣٣).\n(^٢) مراقي الفلاح (ص: ١٦٣)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٨١)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٤)، الفتاوى الهندية (١/ ١٣٩)، البحر الرائق (٢/ ١٤٩)، تبيين الحقائق (١/ ٢١٥، ٢١٦).\n(^٣) المحلى (٣/ ١٨٥).\n(^٤) قال الشافعي في الأم (١/ ١١٩): «وليس لأحد سافر في معصية أن يقصر، ولا يمسح مسح المسافر، فإن فعل أعاد، ولا تخفيف على من سفره في معصية».\n(^٥) المغني (٢/ ٥١)، مطالب أولى النهى (١/ ٧٣٠)، الإنصاف (١/ ١٦٩)، الفروع (١/ ١٥٨).\n(^٦) المجموع (١/ ٥١٠).\n(^٧) حاشية الدسوقي (١/ ١٤٣)، مواهب الجليل (١/ ٣٢٠)، الخرشي (١/ ١٧٩).","vol":"3","page":294},{"text":"(فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) [البقرة: ١٨٤].\nوقال ﷺ: (يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليها) فلو كان سفر المعصية غير داخل في النصوص لبينه الشرع: (وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤]. ولا يجوز تقييد ما أطلقه الله سبحانه، وأطلقه رسوله ﷺ إلا بنص أو إجماع، وما دام الإذن مطلقًا بالمسح فلا مانع أن يمسح المسافر، ولو كان عاصيًا بسفره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1432>الدليل الثاني:</span>\nأن السفر نفسه لا يوصف بطاعة ولا معصية، وإنما تكون المعصية أو الطاعة مما يفعل فيه، فلا يقال: سفر طائع، أو عاص، وإنما يتصف بالطاعة والمعصية العبد بحسب أفعاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>الدليل الثالث:</span>\nأن المقيم قد يكون على معصية وظلم للمسلمين وعدوان عليهم وفي ذلك ما هو أشد أحيانًا من سفر المعصية بل أنكم ترون المسح على الخفين من باب الرخص، ومع ذلك تسمحون للمقيم أن يمسح، ولو كانت إقامته للمعصية، فيكون استباح الرخصة بالمعصية، فينتقض دليلكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>الدليل الرابع:</span>\nالقياس على من نوى سفرًا مباحًا، ثم نوى المعصية بعده، فإذا كان هذا يمسح، فكذلك العاصي بسفره؛ إذ لا فرق (^١).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٤/ ٢٢٣): «فأما من خرج بنية سفر مباح، ثم نقله إلى معصية، ففيه وجهان مشهوران، حكاهما الشيخ أبو حامد والبندنيجي وجماعات من العراقيين وإمام الحرمين وجماعات من الخرسانيين.\nأحدهما: يترخص بالقصر وغيره؛ لأن السفر انعقد مباحًا مرخصًا فلا يتغير، قال إمام الحرمين: وهذا ظاهر النص.\nوأصحهما: لا يترخص من حين نوى المعصية؛ لأن سفر المعصية ينافي الترخص». إلخ كلامه ﵀.","vol":"3","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1435>الدليل الخامس:</span>\nقال الحنفية: نحن لا نجعل المعصية سببًا في الرخصة، وإنما السبب لحوق المشقة الناشئة من نقل الأقدام، والحر والبرد وغير ذلك، والمحظور ما يجاوره من المعصية، فكان السفر من حيث إفادته الرخصة مباحًا؛ لأن ذلك مما يقبل الانفصال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1436> دليل من قال: لا يمسح مسح مسافر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه) [البقرة: ١٧٣].\nوقال تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) [المائدة: ٣].\nقال ابن قدامة: «أباح الأكل لمن لم يكن عاديًا ولا باغيًا، فلا يباح لباغ ولا عاد. قال ابن عباس: غير باغ على المسلمين، مفارق لجماعتهم، يخيف السبيل، ولا عاد عليهم» (^١).\n• وأجيب:\nما نسبه ابن قدامة لابن عباس غير معروف عنه، والمعروف عن ابن عباس في قوله: (غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) أي غير باغ في أكل الميتة ولا عاد في أكله (^٢).\nوهذا قول قتادة، والحسن، ورجحه ابن جرير الطبري في تفسيره (^٣).\nوقال ابن تيمية: «أكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي: الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي: الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا\n_________\n(^١) المغني (٢/ ٥١)، قلت: هذا القول ذكره ابن جرير الطبري عن مجاهد، وسعيد بن جبير، ولا يعرف هذا القول عن ابن عباس.\n(^٢) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٢٠٦)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٥٦)، الدر المنثور (١/ ٤٠٧).\n(^٣) تفسير القرطبي (٢/ ٨٨).","vol":"3","page":296},{"text":"التفسير هو الصواب دون الأول .... ثم ذكر ابن تيمية أدلته على هذا الترجيح، فذكر منها:\nأولًا: أن الضرورة لا تختص بسفر، ولا من شرط الخارج على الإمام أن يكون مسافرًا، والبغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولًا مسافرين، بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنعال والجريد، فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختص بالسفر.\nثانيًا: لم يكن على عهد النبى ﷺ إمام يخرج عليه.\nثالثًا: أن قوله تعالى: (غَيْرَ بَاغٍ) حال من اضطر، فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه، غير باغ ولا عاد.\nرابعًا: أن قوله: (فَلا إِثْمَ عَلَيْه) ومعلوم أن الإثم إنما ينفى عن الأكل، الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه.\nخامسًا: أن الله تعالى يقرن بين البغي والعدوان، فالبغى: ما جنسه ظلم، والعدوان: مجاوزة القدر المباح كما قرن بين الإثم والعدوان في قوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢]. فالإثم: جنس الشر. والعدوان: مجاوزة القدر المباح فالبغي من جنس الإثم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1438>الدليل الثاني:</span>\nالإجماع، نقل النووي الإجماع على أن الرجل إذا كان سفره معصية كقطع الطريق، وإباق العبد أنه لا يمسح ثلاثة أيام بلا خلاف (^٢).\nودعوى الإجماع فيها نظر؛ فإن الحنفية لا يفرقون بين العاصي بسفره، والعاصي في سفره، فكلاهما يحل له الترخص عندهم.\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ١١٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٥١٠) ولعله يقصد بلا خلاف في المذهب عندهم.","vol":"3","page":297},{"text":"قال في مراقي الفلاح: «فيقصر فرض الرباعي من السفر، ولو كان عاصيًا بسفره، كآبق من سيده، وقاطع طريق، لإطلاق الرخصة» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1439>الدليل الثالث:</span>\nأن الإقامة نفسها ليست معصية؛ لأنها كف، وإنما الفعل الذي يوقعه في الإقامة معصية، والسفر وسيلة للمعصية، والوسائل لها أحكام المقاصد، فما كان وسيلة للمعصية فهو معصية، لهذا ما زاد على اليوم والليلة إنما يستبيحه بسبب سفر المعصية، والرخص لا تستباح بالمعاصي، وذلك أن الترخص تخفيف، والتخفيف على العاصي إعانة له على معصيته، والله يقول: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ١].\n• ويجاب:\nقال ابن تيمية: «قولهم: إن هذا إعانة على المعصية فغلط؛ لأن المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، كما هو مأمور إذا عدم الماء في السفر المحرم أن يتيمم ويصلي، وما زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأمورًا بها أحد من المسافرين، وإذا فعلها المسافر كان قد فعل منهيًا عنه، فصار صلاة الركعتين مثل أن يصلي المسافر الجمعة خلف مستوطن، فهل يصليها إلا ركعتين، وإن كان عاصيًا بسفره، وإن كان إذا صلى وحده صلى أربعًا. وكذلك صومه فى السفر ليس برًا، ولا مأمورًا به؛ فإن النبى ﷺ ثبت عنه أنه قال: ليس من البر الصيام فى السفر، وصومه إذا كان مقيمًا أحب إلى الله من صيامه فى سفر محرم، ولو أراد أن يتطوع على الراحلة فى السفر المحرم لم يمنع من ذلك، وإذا اشتبهت عليه القبلة أما كان يتحرى ويصلي، ولو أخذت ثيابه أما كان يصلي عريانًا.\nفإن قيل: هذا لا يمكنه إلا هذا. قيل: والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين، والمشروع فى حقه أن لا يصوم، وقد اختلف الناس لو صام، هل يسقط الفرض عنه؟ واتفقوا على أنه إذا صام بعد رمضان أجزأه، وهذه المسألة ليس فيها احتياط، فإن طائفة يقولون:\n_________\n(^١) مراقي الفلاح (ص: ١٦٣).","vol":"3","page":298},{"text":"من صلى أربعًا، أو صام رمضان في السفر المحرم لم يجزئه ذلك، كما لو فعل ذلك في السفر المباح عندهم.\nوطائفة يقولون: لا يجزيه إلا صلاة أربع وصوم رمضان، وكذلك أكل الميتة واجب على المضطر، سواء كان في السفر أو الحضر، وسواء كانت ضرورته بسبب مباح أو محرم، فلو ألقى ماله في البحر واضطر إلى أكل الميتة كان عليه أن يأكلها، ولو سافر سفرًا محرمًا، فأتعبه، ولو قاتل قتالًا محرمًا حتى أعجزته الجراح عن القيام، صلى قاعدًا.\nفإن قيل: فلو قاتل قتالًا محرمًا هل يصلي صلاة الخوف؟\nقيل: يجب عليه أن يصلي، ولا يقاتل، فإن كان لا يدع القتال المحرم، فلا نبيح له ترك الصلاة، بل إذا صلى صلاة خائف كان خيرًا من ترك الصلاة بالكلية، ثم هل يعيد؟ هذا فيه نزاع، ثم إن أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة فى الوقت وجب ذلك عليه؛ لأنه مأمور بها، وأما إن خرج الوقت ولم يفعل ذلك ففي صحتها وقبولها بعد ذلك نزاع» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1440>الدليل الرابع:</span>\nأن في منعه من ترخص السفر كالمسح والقصر والفطر ونحوها تذكيرًا له في جوب التوبة عليه والرجوع عما عصى الله فيه.\n• وأجيب:\nلو أن هذا العاصي في سفره أمرناه بترك التيمم إذا احتاج لاستعمال الماء، فهو بَيْنَ أن نلزمه باستعمال الماء في الطهارة ويهلك، وإهلاك النفس مفسدة كبرى لا يمكن أن يأمر بها الشرع، وبين أن يترك الصلاة فلا يتيمم، ولا يغتسل، ومن ثم لا يصلي، وترك الصلاة مصيبة كبرى، وبين أن يتيمم ويؤدي الصلاة، ويأثم بسفره، وهو أخف\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١١٠) وما بعدها.","vol":"3","page":299},{"text":"الضررين، ويوافق يسر الشريعة وسماحتها (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1441> دليل المالكية على المنع من الرخص المختصة بالسفر دون غيرها:</span>\nقالوا: إن كل رخصة تختص بالسفر كالقصر والفطر لا يجوز له الترخص فيها، وأدلتهم هي نفس أدلة الشافعية والحنابلة ذلك أن الرخص لا تستباح بالمعاصي.\nوأما الرخص التي لا تختص بالسفر كالتيمم عند عدم الماء، وأكل الميتة عند الاضطرار، فإن حكمه حكم المقيم العاصي، فإذا كان المقيم يترخص بهذه الرخص، ولو كان عاصيًا، فكذلك المسافر العاصي في سفره فإن له الترخص فيها؛ لأن استباحة هذه الرخص لم تكن بسبب السفر حتى يمنع منها.\nوكيف يجوز منعه من أكل الميتة ومن التيمم لأجل معصية ارتكبها، وفي ترك الأكل تلف نفسه، وتلك أكبر المعاصي، وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة، أيجوز أن يقال: ارتكبت معصية فارتكب أخرى، أيجوز أن يقال لشارب الخمر: ازن، وللزاني اقتل.\n• الراجح:\nأن الرخص تشريع عام، تشمل العاصي وغيره، والنصوص في الترخص مطلقة، ولا تقيد إلا بنص من الشارع، ولم يأت من منع بدليل قوي سالم من النزاع يصار إليه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ٥١١): «قال ابن القاص والقفال وغيرهما: لو وجد العاصي بسفره ماء، فاحتاج إليه للعطش لم يجز له التيمم بلا خلاف، وكذا من به قروح يخاف من استعمال الماء الهلاك، وهو عاص بسفره لا يجوز له التيمم؛ لأنه قادر على التوبة وواجد للماء، قال ابن القفال: فإن قيل: كيف حرمتم أكل الميتة على العاصي بسفره، مع أنه يباح للحاضر في حال الضرورة، وكذا لو كان به قروح في الحضر جاز التيمم؟ فالجواب: أن أكل الميتة وإن كان مباحًا في الحضر عند الضرورة، لكن سفره سبب لهذه الضرورة، وهو معصية، فحرمت عليه الميتة في الضرورة، كما لو سافر لقطع الطريق فجرح لم يجز له التيمم لذلك الجرح، مع أن الجريح الحاضر يجوز له التيمم، فإن قيل: تحريم الميتة واستعمال الجريح الماء يؤدي إلى الهلاك. جوابه ما سبق أنه قادر على استباحته بالتوبة، هذا كلام القفال». إلخ كلامه","vol":"3","page":300},{"text":"مبحث\nفي ترخص العاصي في سفره\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• العاصي في سفره له أن يترخص برخص السفر بالإجماع؛ لأن سفره ليس سببًا في فعل المحرم.\n[م-٢٥٨] هناك فرق بين العاصي بسفره، والعاصي في سفره، فالأول أنشأ السفر من أجل المعصية، ولولا السفر لم يتمكن من فعلها، كما في قطع الطريق، وإباق العبد، وكما لو سافر بقصد عمل الفواحش، ومنه السفر من أجل طلب العلوم المحرمة كالسحر والموسيقى.\nوأما العاصي في سفره بأن يكون الباعث على السفر أمرًا مباحًا، لكنه في سفره فعل فيه أمورًا محرمة، كالغيبة، وشرب الدخان، وسماع الغناء وغيرها كثير، فهذا يقال عاص في سفره، وليس عاصيًا بسفره.\nوالعاصي في سفره له أن يترخص برخص السفر؛ لأن سفره ليس سببًا في فعل المحرم، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن عابدين من الحنفية (^١)، والدسوقي في\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٤).","vol":"3","page":301},{"text":"حاشيته (^١)، وغيرهما.\nقال الصاوي من المالكية: «بخلاف المعصية في السفر، فلا تمنع اتفاقًا كالسفر لتجارة، ثم تعرض له معاص» (^٢).\nقال النووي: «أما العاصي في سفره، وهو من خرج في سفر مباح وقصد صحيح، ثم ارتكب معاصي في طريقه كشرب الخمر وغيره، فله الترخص بالقصر وغيره بلا خلاف؛ لأنه ليس ممنوعًا من السفر، وإنما يمنع من المعصية، بخلاف العاصي بسفره» (^٣).\nوجاء في حاشية العنقري: «خرج بقولنا: (العاصي بسفره) العاصي فيه، فإن له الترخص، نقله من فيروز» (^٤).\nوقال في كشاف القناع: «ويقصر من ابتدأ سفرًا، ولو عصى في سفره الجائز، كأن شرب مسكرًا ونحوه، كأن زنى فيه، أو قذف، أو اغتاب؛ لأنه لم يقصد السفر لذلك» (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ٣٥٨).\n(^٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٥٣).\n(^٣) المجموع (٤/ ٢٢٤).\n(^٤) حاشية العنقري (١/ ٥٨).\n(^٥) كشاف القناع (١/ ٥٠٦).","vol":"3","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1442>الباب السادس في أحكام لبس الخف على الخف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1443>الفصل الأول في جواز المسح إذا لبس خفًّا على خف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا جاز المسح على خف لبس على جورب، جاز المسح على خف لبس على خف، ولا فرق.\n• الخفان بحكم الخف الواحد، إذا لبسا معًا، فيعتبر الأعلى في حكم الظهارة، والأسفل في حكم البطانة.\n[م-٢٥٩] هل له أن يلبس خفًا على خف؟ اختلف العلماء في هذا:\nفقيل: يجوز أن يلبس خفًا على خف، وهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة، ورواية في مذهب مالك (^٢)، والقول القديم للشافعي (^٣).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٥١، ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ١٥٥، ١٥٦)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٥)، البحر الرائق (١/ ١٨٩).\n(^٢) قال الباجي في المنتقى (١/ ٨٢): «واختلف قول مالك في جواز المسح على الجرموق، فأجازه مرة، وأخذ به ابن القاسم، ومنعه مرة ....».\n(^٣) قال النووي في المجموع (١/ ٥٣١): «وفي الجرموقين: وهو الخف الذي يلبس فوق الخف، وهما صحيحان قولان: قال في القديم والإملاء: يجوز المسح عليه؛ لأنه خف يمكن متابعة المشي عليه، فأشبه المنفرد. ...\nوقال في الجديد: لا يجوز؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب، وإنما تدعو الحاجة إليه في النادر، فلا تتعلق به رخصة عامة، كالجبيرة».","vol":"3","page":303},{"text":"وقيل: لا يجوز، وهو رواية عن مالك (^١)، والقول الجديد للشافعي (^٢).\nقال ابن رشد: «وسبب الخلاف: هل كما تنتقل طهارة القدم إلى الخف إذاستره الخف، كذلك تنتقل طهارة الخف الأسفل الواجبة إلى الخف الأعلى، فمن شبه النقلة الثانية بالأولى أجاز المسح على الخف الأعلى، ومن لم يشبهها بها، وظهر له الفرق لم يجز ذلك» (^٣).\nقلت: هذا التنظير على مذهب المالكية، وليس بلازم، فإن الخف الأعلى ليس بدلًا عن الخف الأسفل، وإنما الخفان كالشيء الواحد انتقل فرض الغسل إلى المسح حين لبسهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1444> أدلة القائلين بالجواز</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>الدليل الأول:</span>\n(٦٣٢ - ١٢٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي إدريس،\nعن بلال ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الموقين والخمار (^٤).\n[منقطع، وفي إسناده اختلاف كثير] (^٥).\n_________\n(^١) انظر المنتقى للباجي (١/ ٨٢)، التاج والإكليل (١/ ٤٦٦).\n(^٢) المجموع (١/ ٥٣١)، أسنى المطالب (١/ ٩٧)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٦٩).\n(^٣) بداية المجتهد (١/ ٢٩).\n(^٤) المصنف (١/ ١٦٢).\n(^٥) الحديث فيه أكثر من علة:\nالعلة الأولى: رواية أبي إدريس عن بلال، ذكر بعضهم أنها مرسلة.\nالعلة الثانية: الاختلاف في إسناده.\nفقيل: عن أبي قلابة عن أبي إدريس، عن بلال، والأكثرون لا يذكرون أبا إدريس فيكون منقطعًا. =","vol":"3","page":304},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقيل: عن أبي إدريس، عن عوف بن مالك، سبق تخريج هذا الطريق، انظر (ح ١٠٤)، وليس فيه ذكر للموقين، وفيه توقيت المسح للمسافر والمقيم.\nوقيل عن أبي إدريس، عن المغيرة. انظر التاريخ الكبير (١/ ٣٩٠)، والعلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٩).\nإذا علم ذلك نأتي إلى إسناد حديثنا:\nرواه حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي إدريس، عن بلال:\nواختلف فيه على حماد:\nفرواه عفان كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٨٧٩)، ومسند أحمد (٦/ ١٥).\nوأسد بن موسى كما في صحيح ابن خزيمة (١٨٩).\nوحجاج بن منهال كما المعجم الكبير (١١١٢)\nوأحمد بن إسحاق، كما في مسند الروياني (٧٤٤)، أربعتهم عن حماد به، بذكر المسح على الموقين والخمار، وقال حجاج (العمامة) بدلًا من الخمار ..\nوخالفهم هدبة بن خالد كما في مسند البزار (١٣٧٧) عن حماد به، بذكر المسح على الخفين والخمار، ولم يذكر الموقين.\nورواه حميد الطويل، واختلف على حميد:\nفرواه الطبراني في الكبير (١١١٧) من طريق معتمر بن سليمان، عن حميد، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي إدريس، عن بلال بذكر المسح على الخفين والخمار، ولم يذكر الموقين.\nوأخرجه البزار (١٣٧٨) عن الحسن بن علي بن راشد.\nوالطبراني (١١١٦) من طريق محمد بن خالد بن عبد الله (متروك).\nوالبيهقي (١/ ٦٢) من طريق عمرو بن عون، ثلاثتهم عن حميد الطويل، عن أبي رجاء مولى\nأبي قلابة، عن أبي قلابة، عن أبي إدريس به، بلفظ: مسح على الخفين والخمار، ولم يذكر الموقين، وزاد البيهقي المسح على الناصية، وليس ذلك محفوظًا من هذا الحديث.\nقال البيهقي: وهذا إسناد حسن. اهـ\nوهذه متابعة لحماد بن سلمة بذكر أبي إدريس، إلا أن فيه مخالفة له بالمتن بعدم ذكر الموقين، والاقتصار على ذكر المسح على الخفين والخمار، وهو المحفوظ من حديث بلال كما في صحيح مسلم (٢٧٥).\nوخالف معمر حماد بن سلمة، ومعمر أرجح من أيوب.\nفروى عبد الرزاق في المصنف (٧٣٢)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في الكبير (١١١٣)، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: مسح بلال على موقيه، فقيل له: ما هذا؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والخمار.\nفهنا اللفظ المرفوع: المسح على الخفين والخمار، والمسح على الموقين من فعل بلال موقوفًا عليه، وقد قاسه على الخفين. =","vol":"3","page":305},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كما رواه يحيى بن إسحاق وخالد الحذاء عن أبي قلابة وليس فيه ذكر لأبي إدريس. ورواية يحيى ابن إسحاق رواها الطبراني في المعجم الكبير (١١١٤) من طريقه، عن أبي قلابة، عن بلال بلفظ: (مسح على الخفين والخمار). وهذا متابعة لأيوب من وراية معمر عنه.\nورواية خالد الحذاء أخرجها الروياني في مسنده (٧٣٥) من طريقه، عن أبي قلابة قال: قام رجل من بني عمرو بن أمية في يوم بارد، فتوضأ من مطهرة بدمش، فذهب يقلع خفيه، فقال بلال: كان رسول الله ﷺ يمسح على الموقين، وفوق الخمار. ورجاله ثقات.\nفهنا ذكر للموقين مرفوعًا.\nوأخرجه الطبراني (١١١٨) من طريق مطر الوراق، عن أبي قلابة الجرمي، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن بلال به بذكر المسح على الخفين والخمار. فهنا استبدل أبو أدريس بأبي الأشعث، وقد تفرد بذلك مطر الوراق ضعيف، ولم يذكر المسح على الموقين.\nفصار أكثر الرواة على عدم ذكر أبي إدريس، وإنما الحديث من رواية أبي قلابة عن بلال. وهو منقطع.\nهذا فيما يتعلق برواية أبي قلابة والاختلاف عليه، وقد علمت الراجح فيه:\nوجاء الحديث من غير طريق أبي قلابة، ولا يثبت شيء منها:\nفروى ابن أبي شيبة (١٩٢٩، وأبو داود في سننه (١٥٣)، والشاشي في مسنده (٩٦٣، ٩٦٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٨٨) من طريق عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي عبد الله مولى التيم بن مرة، عن أبي عبد الرحمن، قال: كنت جالسا مع عبد الرحمن بن عوف، فمر بنا بلال، فسألناه عن المسح على الخفين، فقال: كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته، ثم يخرج، فنأتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على الموقين والعمامة.\nوأبو عبد الله، وشيخه أبو عبد الرحمن فيهم جهالة.\nقال ابن دقيق في الإمام (٢/ ١٩٩): «قيل في أبي عبد الله هذا: إنه مولى بني تميم (الصواب تيم) ولم يسم هو ولا أبو عبد الرحمن، ولا رأيت في الرواة عن كل واحد منهما إلا واحدًا، وهو ما ذكر في الإسناد». اهـ\nوقال الحافظ في التقريب: أبو عبد الله مولى بني تيم مجهول من السادسة.\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٣٧٢) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثني أبي، عن أبيه، حدثني أبو وهب الكلاعي، أن مكحولًا حدثه، عن الحارث بن معاوية الكندي الأعرج، قال: كنت أتوضأ أنا وأبو جندل بن سهل من المطهرة، فتذاكرنا نزع الخفين، فمر بنا بلال مؤذن النبي ﷺ فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في نزع الخفين، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: امسحوا على الموق والخمار. =","vol":"3","page":306},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي إسناده شيخ الطبراني: أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الحضرمي ضعيف، انظر. لسان الميزان (١/ ٢٩٥). والثقات لابن حبان (٩/ ٧٤).\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٤١٢) من طريق جعفر بن مسافر، ثنا يحيى بن حسان، ثنا محمد بن مهاجر ثنا العباس بن سالم عن أبي جندل بن سهل، أنه سأل بلالًا عن المسح على الخفين، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: امسحوا على الموق.\nوفي إسناده أبو جندل، ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه أحد غيره.\nوجعفر بن مسافر، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. الثقات (٨/ ١٦١).\nوقال أبو حاتم الرازي: شيخ. الجرح والتعديل (٢/ ٤٩١).\nوقال النسائي: صالح، لعله يقصد في دينه.\nووثقه مسلمة بن القاسم الأندلسي.\nفي التقريب: صدوق ربما أخطأ. وباقي رجال الإسناد كلهم ثقات.\nوروى الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٤٠) رقم ١٠١٩ من طريق ليث بن أبي سليم، عن الحكم، عن شريح بن هانئ، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: زعم بلال أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الموقين والخمار.\nوهذا إسناد منكر، تفرد به ليث، والمعروف من حديث الحكم، عن شريح، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب في توقيت المسح، وهو في صحيح مسلم، من مسند أمير المؤمنين ﵁.\nوانظر بقية طرق حديث بلال في المسح على الخمار في (ح ١٤٦) فقد استكملته هناك، ولله الحمد والمنة.\nوالموق كما في مختار الصحاح (٢٦٦): ما يلبس فوق الخف، وهو فارسي معرب.\nوقال الجوهري والمطرزي: الموق خف قصير، يلبس فوق الخف، نقلًا من شرح فتح القدير (١/ ١٥٨).\nوأنكر النووي أن يكون الموق يلبس فوق الخف. المجموع (١/ ٥٣٦) فذكر عن أصحابه أن الموق: هو الخف لا الجرموق، وقال: هو الصحيح المعروف في كتب أهل الحديث وغريبه.\nوجاء في نصب الراية (١/ ١٨٤): «قال الشيخ تقي الدين في الإمام: وقد اختلفت عباراتهم في تفسير الموق، فقال: ابن سيده: الموق ضرب من الخفاف، والجمع أمواق، عربي صحيح. وحكى الأزهري عن الليث: الموق ضرب من الخفاف، ويجمع على أمواق.\nوقال الجوهري: الموق الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرب.\nوقال الفراء: الموق الخف فارسي معرب، وجمعه أمواق. وكذلك قال الهروي الموق الخف فارسي معرب، وقال كراع: الموق الخف والجمع أمواق انتهى».","vol":"3","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1446>الدليل الثاني:</span>\n(٦٣٣ - ١٣٠) ما رواه البيهقي في سننه، قال: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا\nأبو جعفر محمد بن محمد بن نصير الصوفي، ثنا علي بن عبد العزيز، نا الحسن بن الربيع، ثنا أبو شهاب الحناط، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الموقين والخمار (^١).\n[أعله الدارقطني وأبي حاتم الرازي، والمحفوظ فيه المسح على الخفين موقوفًا على أنس] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1447>الدليل الثالث:</span>\n(٦٣٤ - ١٣١) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق المسيب بن واضح، قال: نا مخلد ابن الحسين، عن هشام بن حسان، عن حميد بن هلال، عن عبدالله بن الصامت،\nعن أبي ذر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الموقين والخمار.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا مخلد بن الحسين، تفرد به المسيب بن واضح (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٢٨٩).\n(^٢) رجال الإسناد ثقات إلا أبا شهاب الحناط، وهو صدوق يهم كما في التقريب، وسوف يأتي تخريجه مستوفى في باب المسح على العمامة.\n(^٣) الأوسط (٦٢٢٠).\n(^٤) لم يروه إلا الطبراني، وهو محل للغرائب والمنكرات، وفي إسناده المسيب بن واضح، ساق له\nابن عدي أحاديث منكرة في الكامل، ثم قال (٦/ ٣٨٩): «والمسيب بن واضح له حديث كثير عن شيوخه، وعامة ما خالف فيه الناس هو ما ذكرته، لا يتعمده، بل كان يشبه عليه، وهو لا بأس به».\nوقال فيه أيضًا: «كان النسائي حسن الرأي فيه، ويقول الناس يؤذوننا فيه: أي يتكلمون فيه».\nوجاء في الميزان (٤/ ١١٦): «وقال أبو حاتم: صدوق، يخطيء كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل». =","vol":"3","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1448>الدليل الرابع:</span>\nأن الخف الأعلى خف ساتر، يمكن متابعة المشي عليه، أشبه المنفرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1449>الدليل الخامس:</span>\nجاء الإذن بالمسح على الخف، ولا فرق بين أن يكون خفًا واحدًا أو أكثر، ومن منع فعليه الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>الدليل السادس:</span>\nأن الخفين بحكم الخف الواحد، حيث يعتبر الأعلى في حكم الظهارة، والأسفل في حكم البطانة، أو أن الأسفل كاللفافة فوقها خف، أو أن الخف الثاني بمنزلة الجورب، فإذا كان يجوز المسح على خف تحته جورب، فيجوز المسح على خف تحته خف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1451>الدليل السابع:</span>\nولأن الحاجة قد تدعو إليه لا سيما في البلاد الباردة جدًّا، فقد لا يكفي خف واحد أو جورب واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>الدليل الثامن:</span>\nالإجماع على جواز المسح، قال المزني: لا أعلم بين العلماء في جوازه خلافًا.\nوقال الشيخ أبو حامد: هو قول العلماء كافة.\n_________\nوسأل ابن عدي عبدان كما في الكامل (٥/ ٢٦٥): «أيما أحب إليك، عبد الوهاب بن الضحاك، أو المسيب؟ قال: كلاهما سواء».\nقال الذهبي كما في لسان الميزان (٦/ ١٥٨): وعبد الوهاب هذا ضعيف جدًّا.\nوقال أبو داود: كان يضع الحديث.\nوقال النباتي، والدارقطني، والعقيلي: متروك.\nوقال الجوزقاني: كان كثير الخطأ والوهم. اهـ من لسان الميزان.","vol":"3","page":309},{"text":"قال الماوردي: واختيار المزني أن المسح عليه جائز، لعموم قوله ﷺ: يمسح المقيم يومًا وليلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1453> أدلة المانعين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>الدليل الأول:</span>\nأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب، وإنما تدعو إليه في النادر، فلا تتعلق به رخصة عامة، ولأن المسح على الخف أبيح لضرورة مشقة خلعه ولبسه، وذلك معدوم في الموق كالنعل.\n• وأجيب:\nبأن الشرع يعلق الحكم بعلة منضبطة، ولذلك فالعلة في الفطر للمسافر هي السفر، وليس المشقة، وأن أصل الرخصة مراعاة المشقة، فكذلك العلة في المسح على الخفين لبسهما على طهارة، سواء كان اللابس لهما محتاجًا إلى ذلك أو غير محتاج، في زمن البرد وغيره، شق نزعه أو لم يشق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن الرخصة جاءت بالمسح على خف واحد، فلا نتعداها.\n• وأجيب:\nبأنه لم يأت شرط في الشرع بأن يكون الخف واحدًا، وكون الفعل وقع على خف واحد؛ لأن الرسول ﷺ كان في بلاد الحجاز، وهي لا تحتاج إلى لبس خف على خف، ومجرد الفعل لا يكون شرطًا، مع أن الرسول ﷺ مسح على الموق، وقد قدمنا قول أهل اللغة في تفسير الموق، وتصححون المسح على خف ملبوس على جورب، مع أن هذا لباس على لباس.\n_________\n(^١) الحاوي الكبير (١/ ٣٦٦).","vol":"3","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1456>الدليل الثالث:</span>\nأن الخف الأعلى ملبوس على ممسوح، فلم يجز أن يمسح في الوضوء لغير ضرورة كالعمامة، وبمعنى آخر: أن الأصل في مسح الخف كونه بدلًا عن الرجل، والبدل لا يكون له بدل، ولهذا لما كان التيمم بدلًا عن الماء لم يجعل للتيمم بدل.\n• ويجاب:\nبأن الخف ليس بدلًا عن الرجل، وإنما فرض القدم الغسل إن كانت مكشوفة أو المسح إن كانت داخل الخف، وليس هذا بدلًا عن ذاك، وعلى فرض أن يكون الخف بدلًا عن الرجل فإن الخف الأعلى ليس بدلًا عن الأسفل، وإنما هو بدل عن الرجل، ولذا نشترط لبسه على طهارة الماء، لا على طهارة المسح.\n• القول الراجح:\nبعد استعراض الأدلة يتبين أن القول بجواز مسح خف على خف أقوى من حيث الأدلة، وأقرب من حيث الحكمة من إباحة المسح على الخفين، وخاصة في بعض بلاد المسلمين كالبلاد التي يكون فيه البرد قارصًا، وقد لا يكفي خف واحد، أو جورب واحد، بحيث يتجمد الدم في عروق الأصابع، ومن جرب هذا عرف قدر حاجة تلك البلاد إلى لبس خف على خف، وجورب على جورب، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1457>الفصل الثاني في مسح الخف الثاني إذا لبسه بعد الحدث</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المسح لا يكون إلا على خف ملبوس بطهارة مائية، هذا شرط المسح، وما كان شرطًا في الخف الأسفل فهو شرط في الخف الأعلى، ومن أخرج الخف الأعلى من هذا الشرط فعليه الدليل.\n• قال ﷺ: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، وإذا كانت القدم لا توصف بالطهارة إلا بإتمام طهارة سائر الأعضاء، فمن لبس خفًا وهو محدث لم يتحقق شرط المسح.\n• قال ﷺ: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، المقصود بقوله: (طاهرتين) الطهارة الشرعية (الطهارة من الحدث)، وليس الطهارة اللغوية النظافة؛ لأن ألفاظ الشارع تحمل على الحقيقة الشرعية.\nوهل المقصود بطهارة الحدث: مطلق الطهارة، ولو كانت عن مسح، أو الطهارة المائية؟ الراجح الثاني.\n• لو كان المطلوب مطلق الطهارة لم يكن للتوقيت فائدة؛ إذ قبل انتهاء المدة يخلع خفيه، ثم يعيد لبسهما، فيستأنف مدة جديدة، خاصة مع القول بأن خلع الخف","vol":"3","page":312},{"text":"لا يبطل الطهارة، وهو الصحيح.\n• يشترط للمسح على الخف الأعلى ما يشترط للأسفل، وهو لبسه على طهارة مائية إلا أن يلبسهما معًا فيكونا في حكم الخف الواحد.\n• شروط لبس الخف على آخر هي شروط لبس الخف على القدم؛ لأن الخف الأعلى ألغى حكم الأسفل، فإن لبس على طهارة مائية مسح على الخف الأعلى، وإن لبسه على حدث أو على طهارة مسح لم يمسح عليه عند الوضوء، لفقد شرط المسح.\n• الخف الأعلى والأسفل إنما يصح اعتبار أحدهما ظهارة والآخر بطانة إذا لبس معًا فإن فرَّق لبسهما لم يكونا في حكم الخف الواحد، فالظهارة والبطانة إنما تلبس وتخلع معًا.\n• إذا مسح على خفيه، ثم لبس عليه آخر فإنه ينزعه إذا أراد أن يمسح عليه؛ لأن الأعلى يحول بينه وبين الخف الواجب مسحه، كما لو علق بالخف طين فإنه لا يمسح عليه؛ لأنه حائل بينه وبين الخف الواجب مسحه.\n[م-٢٦٠] إذا لبس خفًا على خف على طهارة مائية، وقبل الحدث مسح على الخف الفوقاني قولًا واحدًا عند من يجيز المسح على الخف فوق الخف.\nوإذا لبس الخف الأول، ثم أحدث، ثم لبس خفًا عليه، وهو محدث،\nفله حالتان:\nالأولى: أن يكون ذلك قبل أن يمسح على الأسفل، وفيه قولان:\nفقيل: لا يمسح إلا على الأسفل وهو مذهب الحنفية (^١)، وأحد القولين في\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٤، ٢٥)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٧)، المبسوط (١/ ١٠٢).","vol":"3","page":313},{"text":"مذهب المالكية (^١)، والحنابلة (^٢)، وقول العراقيين من الشافعية (^٣).\nوقيل: يجوز المسح على الأعلى، ولو لبسه، وهو محدث، ما دام قد لبس الأسفل على طهارة، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، واختاره الخراسانيون من الشافعية (^٤).\n• تعليل الجمهور:\nالتعليل الأول:\nيشترط للمسح على الخف الأعلى ما يشترط للأسفل، وهو لبسه على طهارة مائية؛ لأنك حين لبست الخف الأعلى فقد ألغيت الخف الأسفل، فكان وجوده كعدمه، إلا أن يلبسهما معًا فيكونا في حكم الخف الواحد.\nالتعليل الثاني:\nالخف الأعلى والأسفل إنما يصح اعتبار أحدهما ظهارة والآخر بطانة إذا لبس معًا فإن فرَّق لبسهما لم يكونا في حكم الخف الواحد، فالظهارة والبطانة إنما تلبس وتخلع معًا.\nالتعليل الثالث:\nلا يصح المسح على الأعلى بعد الحدث؛ لأن المسح قد تعلق بالخف الملبوس على طهارة مائية، فصار الخف الأعلى يمنع وصول المسح إلى الخف الواجب مسحه، كما لو علق بالخف طين فإنه لا يمسح عليه؛ لأنه حائل بينه وبين الخف الواجب مسحه.\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٧٨)، مواهب الجليل (١/ ٣١٨، ٣١٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤١) الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٧).\n(^٢) الروض المربع (١/ ٢٨٩)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦)، الإقناع (١/ ٣٤)\n(^٣) المجموع (١/ ٥٣١)، الحاوي الكبير (١/ ٣٦٦)، وروضة الطالبين (١/ ١٢٧).\n(^٤) جاء في مواهب الجليل (١/ ٣١٩): «يجوز أن يمسح على الخفين ولو كانا فوق خفين، وقيل: لا يجوز المسح على الأعليين، وإليه أشار بلو، والخلاف جار سواء لبس الأعليين قبل أن يمسح على الأسفلين، أو بعد أن مسح عليهما ....». وانظر قول الخرسانيين في المجموع (١/ ٥٣١).","vol":"3","page":314},{"text":"• وتعليل الخرسانيين:\nقاس الخرسانيون هذه المسألة على من لبس خفًا، ثم أحدث، ثم رقع فيه رقعة، فيجوز المسح، فكذلك الأعلى بمثابة الرقعة للأسفل، ما دام أنه قد لبس الأسفل على طهارة.\n• ونوقش:\nبأن الرقعة تابعة، لا تمنع من مسح الخف الأسفل بخلاف الخف المستقل فإنه يلغي الخف الأسفل.\nالحالة الثانية:\nأن يلبس الخف الأعلى بعد أن مسح على الخف الأسفل، وقبل الحدث.\nفقيل: لا يمسح إلا على الأسفل، وهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢)، وقول في مذهب المالكية (^٣)، ووجه في مذهب الشافعية (^٤).\nوقيل: بل يمسح على الأعلى، وهو قول في مذهب المالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٥).\n• تعليل القائلين بجواز المسح.\nقالوا: إذا كان المسح على الخفين رافعًا للحدث، فإذا لبس الخف الأعلى بعد المسح يصدق عليه أنه أدخل رجليه الخف، وهما طاهرتان، فجاز له أن يمسح.\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٤، ٢٥)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٧)، المبسوط (١/ ١٠٢).\n(^٢) الروض المربع (١/ ٢٨٩)، المبدع (١/ ١٤٧).\n(^٣) الخرشي (١/ ١٧٨)، مواهب الجليل (١/ ٣١٨، ٣١٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤١)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٧).\n(^٤) المجموع (١/ ٥٣١)، الحاوي الكبير (١/ ٣٦٦)، ورضة الطالبين (١/ ١٢٧).\n(^٥) قال النووي في المجموع (١/ ٥٣٤): «وهو الأظهر المختار».","vol":"3","page":315},{"text":"• تعليل الجمهور.\nقالوا: إن الخف الأعلى لم يلبسه على طهارة مائية، وهي شرط في صحة المسح على الخف، وليس المطلوب مطلق الطهارة، ولذلك لو كانت طهارته بالتيمم لم يمسح الخف فيها إذا وجد الماء، ولا يقال: ما دام أن التيمم مطهر فليمسح عليهما؛ لأنه يصدق عليه أنه لبسهما، وهو طاهر، ولهذا يعلقون المدة بالخف الأسفل، لا بالخف الأعلى، ولو كان لبسه على طهارة المسح مؤثرًا لعلق الحكم بالأعلى، فهم في مدة المسح ألغوا الخف الأعلى، وهذا دليل على ضعف القول بالمسح عليه، ويلزم على قولهم إلغاء التوقيت، فقبل أن تنتهي المدة، ينزع الرجل خفيه قبل انتقاض طهارته، ثم يلبسه مرة أخرى ليستأنف مدة جديدة، ويصدق عليه أنه لبسه على طهارة، وبالتالي تذهب الحكمة من القول بالتوقيت في المسح على الخفين، وهم لا يقولون بهذا، ويشترطون أن تكون الطهارة مائية، فإذا كان ذلك كذلك لزم أن تكون الطهارة مائية للخف الأعلى أيضًا إذا كان المسح سوف يعلق به، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1458>الفصل الثالث في المسح على الخف المخرق</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح.\n• أكثر شروط المسح على الخفين هي من صنع الفقهاء، ليس عليها أثر، ولا نظر صحيح.\n[م-٢٦١] إذا كان الخفان أو أحدهما مخرقًا، فهل يصح المسح عليه؟\nأما على قول من يجيز المسح على الخف المخرق فلا إشكال تخرق الخفان أم لا، وهو قول سفيان الثوري، وإسحاق، وابن المبارك، وابن تيمية وغيرهم وقد سبق بحث مسألة المسح على الخف المخرق.\nوأما على قول من يمنع المسح على الخف المخرق مطلقًا كالشافعية والحنابلة، أو يفرق بين الخرق اليسير والكبير كالحنفية والمالكية، باعتبار أن الخرق اليسير معفو عنه، فللمسألة صور عندهم:\nالصورة الأولى: أن يكون الخفان مخرقين، الأعلى والأسفل، فيجب نزع الجميع، وهو مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية، والمشهور من","vol":"3","page":317},{"text":"مذهب الحنابلة (^١).\nوعللوا ذلك:\nبأنه لو انفرد كل خف ما جاز المسح عليه، فكذلك إذا اجتمعا.\nوقيل: يجوز المسح عليهما إن كان الخرقان في موضعين متفاوتين، ويكون أحد الخفين بمنزلة الظهارة والثاني بمنزلة البطانة، وإذا تخرقت البطانة وبقي شيء من الظهارة يستر القدم لم يمنع المسح عليه (^٢).\nولأن القدم استترا بهما فكانا كخف واحد.\nوالصحيح جواز المسح عليهما مطلقًا، سواء كان الخرقان متحاذيين أم لا، لأن خرق الخف لا يمنع من المسح عليه، وليس التعليل بأن أحدهما ظهارة والأخرى بطانة كما علل.\nالصورة الثانية: أن يكون الأسفل مخرقًا، والأعلى سليمًا، فهذا يجوز المسح عليه قولًا واحدًا عند من يجيز المسح على الخف فوق الخف.\nوعللوا ذلك: بأن الحكم للأعلى، والأسفل أصبح في حكم الملغي أو بمنزلة\n_________\n(^١) جاء في الجوهرة النيرة ضمن ذكره لشروط المسح على الجرموق فوق الخف (٢/ ٢٨): «الشرط الثاني: أن يكون الجرموق لو انفرد جاز المسح عليه، حتى لو كان به خرق كبير لا يجوز المسح عليه». وانظر البحر الرائق (١/ ١٩١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٦٨).\nوجاء في المدونة (١/ ٤٠)، قال سحنون: «فإن لبس جرموقين على خفين ما قول مالك في ذلك؟ قال: إذا كان الجرموقان أسفلهما جلد حتى يبلغا مواضع الوضوء مسح على الجرموقين، فإن كان أسفلهما ليس كذلك لم يمسح عليهما وينزعهما ويمسح على الخفين، وقوله الآخر: لا يمسح عليهما أصلًا».\nوانظر وجه الشافعية في المجموع (١/ ٥٣٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة الإنصاف (١/ ١٨٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٥)، كشاف القناع (١/ ١١٧)، الفروع (١/ ١٥٩)، المبدع (١/ ١٤٧).\n(^٢) المبدع (١/ ١٤٧).","vol":"3","page":318},{"text":"اللفافة، وهو القول القديم للشافعي (^١)، والمشهور في مذهب الحنابلة (^٢).\nالصورة الثالثة: أن يكون الأعلى مخرقًا والأسفل صحيحًا.\nفقيل: إن كان الخرق مانعًا من المسح كما لوكان بمقدار ثلاثة أصابع فأكثر لم يجز المسح على الأعلى، بل يمسح على الأسفل، وهو مذهب الحنفية (^٣).\nوقيل: المسح يتعلق بالأسفل دون الأعلى إذا تخرق الأعلى مطلقًا، وهو قول في مذهب الشافعية (^٤)، واختاره بعض الحنابلة (^٥).\nووجهه: أن الأعلى لم يمكن المسح عليه لكونه مخرقًا فوجب المسح على الأسفل.\nوقيل: يصح المسح على الفوقاني، ولو تخرق الأعلى وهو وجه في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (^٦).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥٣٣).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٨٣)، المغني، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٥)، كشاف القناع (١/ ١١٧)، الفروع (١/ ١٥٩)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦).\n(^٣) قال في البحر الرائق (١/ ١٩١): «ولا يجوز المسح على الجرموق المتخرق، وإن خفاه غير متخرق، وينبغي أن يقال: إن كان الخرق في الجرموق مانعًا لا يجوز المسح عليه، وإنما يجوز المسح على الخف لا غير، لما علم أن المتخرق خرقًا مانعًا وجوده كعدمه، فكانت الوظيفة للخف، فلا يجوز المسح على غيره، وقد صرح به في السراج الوهاج». اهـ\n(^٤) هذا هو الأصح في مذهب الشافعية إلا أنهم اختلفوا إذا تخرق الأعلى، هل المسح يتعلق بالأسفل دون أن يجب عليه شيء، أو يجب عليه مسح الأسفل لبقاء الطهارة، أو يستأنف الوضوء بحيث يكون تخرق الأعلى يبطل الطهارة، ولا يبطل مسح الأسفل. انظر المجموع (١/ ٥٣٥)، روضة الطالبين (١/ ١٢٧).\n(^٥) الإنصاف (١/ ١٨٣).\n(^٦) قال النووي في روضة الطالبين (١/ ١٢٧): «إن جوزنا المسح على الجرموق، فقد ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معان. أظهرها: أن الجرموق بدل عن الخف، والخف بدل عن الرجل. والثاني: الأسفل كلفافة، والأعلى هو الخف. والثالث: أنهما كخف واحد، فالأعلى ظهارة، والأسفل بطانة. وتتفرع على المعاني مسائل: ..... منها: لو تخرق الأعلى من الرجلين جميعًا ... فإن قلنا بالمعنى الأول، لم يجب نزع الأسفل، بل يجب مسحه، وهل يكفيه مسحه أم يجب استئناف الوضوء؟\nفيه القولان في نازع الخفين. وإن قلنا بالمعنى الثالث، فلا شيء عليه (يقصد الظهارة والبطانة). وإن قلنا بالثاني، وجب نزع الأسفل أيضا وغسل القدمين. وفي استئناف الوضوء القولان»، وانظر المجموع (١/ ٥٣٤).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ١٨٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٥)، كشاف القناع (١/ ١١٧)، الفروع (١/ ١٥٩).","vol":"3","page":319},{"text":"وجهه:\nأن الأعلى بمنزلة الظهارة، والأسفل بمنزلة البطانة، ولو تخرقت الظهارة وبقيت البطانة تستر البشرة لم يمنع من المسح عليها.\nوقيل: في توجيه المسح على الأعلى: أنهما كنعل مع جورب يمسح عليهما معًا (^١).\nوقيل: يمسح على أيهما شاء، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقد بينت في مسألة المسح على الخف المخرق أنه يصح المسح عليه؛ لأنه لا يشترط أن يستر الخف محل الفرض. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٨٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٥)، كشاف القناع (١/ ١١٧)، الفروع (١/ ١٥٩).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٨٣).","vol":"3","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1459>الفصل الرابع إذا مسح الأعلى ثم خلعه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الخفان هل هما بمنزلة الخف الواحد حتى إذا خلع الأعلى لم يؤثر ذلك على المسح وقد بقي الأسفل؟ أو هما خفان منفصلان، فإذا مسح الأعلى تعلق الحكم به، فإذا نزعه لم يصح أن يكون الأسفل بدلًا منه؛ لأن الأعلى إن كان بدلًا عن غسل القدم فقد خلع، وإن كان بدلًا عن الأسفل، فلا يصح أن يتحول الأسفل من مبدل إلى بدل عن البدل.\n• الخف الأعلى والأسفل إنما يكونا بمنزلة الخف الواحد وكأن أحدهما ظهارة والآخر بطانة إذا لبس معًا فإن فَرَّق لبسهما لم يكونا في حكم الخف الواحد، فالظهارة والبطانة إنما تلبس وتخلع معًا.\n[م-٢٦٢] إذا مسح الخف الأعلى، ثم خلعه من رجليه أو من أحدهما، فهل يمسح الخف الأسفل أم لا؟ فيه خلاف:\nفقيل: يكفي أن يعيد المسح على الخف الأسفل، ولا يجب عليه خلع الأسفل ولا استئناف الوضوء، ويكمل ما بقي له من مدة المسح.","vol":"3","page":321},{"text":"وهذا مذهب الحنفية (^١)، ومذهب المالكية إلا أن المالكية اشترطوا أن يكون مسح الأسفل في الحال؛ فإن تأخر في المسح استأنف الوضوء لأن الموالاة عندهم شرط خلافًا للحنفية (^٢).\n• وجه هذا القول:\nأن الحنفية والمالكية نزلوا الخفين الأسفلين منزلة الرجلين مع الخفين، لهذا لو كان عليه خف واحد، ونزعه، وجب عندهما غسل القدم لبقاء الطهارة، فإذا كان عليه خفان، ونزع الأعلى، فالممسوح قد زال، لهذا وجب عليه مسح الأسفل لبقاء الطهارة.\nوسوف نناقش في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى حكم الطهارة إذا خلع الخف.\nوللشافعية في هذه المسألة ثلاثة وجوه لاختلاف قولهم في معنى الخف الأعلى وزاد الحنابلة وجهًا رابعًا (^٣).\nفالأصح والأظهر عند الشافعية: أن الخف الأعلى بدل عن الأسفل، والأسفل بدل الغسل، وعلى هذا فلا يلزمه نزع الأسفل، ولكن هل يكفيه مسح الخفين أم يجب أن يستأنف الوضوء دون نزع الأسفل، فيه القولان في نازع الخفين.\nالوجه الثاني:\nأن الخف الأسفل بمنزلة اللفافة، والأعلى هو الخف، فإذا نزع الأعلى، وجب\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٢).\n(^٢) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (١/ ١٠٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٢)،\nوانظر في مذهب المالكية: الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٧).\n(^٣) أصحها عند الشافعية أن الفوقاني بدل عن التحتاني، والتحتاني بدل عن القدم، والثاني: أن الفوقاني بدل عن الغسل، والتحتاني كلفافة، وقيل: هما كخف واحد أحدهما ظهارة، والآخر بطانة، وزاد الحنابلة، وهو أصحها عندهم أن الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل عن الغسل. انظر روضة الطالبين (١/ ١٢٨)، المجموع (١/ ٥٣٤، ٥٣٥)، الشرح الكبير (١/ ١٦٣)، الإنصاف (١/ ١٩٢، ١٩٣)، كشاف القناع (١/ ١١٨).","vol":"3","page":322},{"text":"نزع الأسفل؛ وهو وجه في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة؛ لأن المسح على اللفائف لا يجوز عندهما، وقد سبق الكلام على المسح على اللفائف، فأغنى عن الكلام على هذا الوجه.\nالوجه الثالث:\nأن الخف الأعلى بمنزلة الظهارة، والأسفل بمنزلة البطانة، وبناء عليه إذا خلع الأعلى فكما لو زالت الظهارة فعند الشافعية لا يجوز له المسح عليه، وعند الحنابلة يجوز كما لو تمزقت الظهارة (^١).\nالوجه الرابع:\nالصحيح من مذهب الحنابلة أن الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل عن الغسل. وعليه إذا نزع الفوقاني وجب نزع التحاني.\nقال في الإنصاف: «لو نزع خفًا فوقانيًا فالصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب يلزمه نزع التحتاني، فيتوضأ كاملًا أو يغسل قدميه على الخلاف السابق ...... واعلم أن كلًا من الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل عن الغسل» (^٢).\n• الراجح:\nأن الخف الأعلى ليس بدلًا عن الخف الأسفل، وإنما يعتبر الخفان بمنزلة الخف الواحد وحتى يكونا كذلك فإنه يشترط لهما أن يلبسا معًا على طهارة مائية، كما أن الظهارة والبطانة تلبسا معًا على طهارة مائية، فإذا خلع الأعلى أكمل المدة مع الخف\n_________\n(^١) قال النووي في روضة الطالبين (١/ ١٢٧): «فإن جوزنا المسح على الجرموق، فقد ذكر\nابن سريج فيه ثلاثة معان. أظهرها: أن الجرموق بدل عن الخف، والخف بدل عن الرجل. والثاني: الأسفل كلفافة، والأعلى هو الخف. والثالث: أنهما كخف واحد، فالأعلى ظهارة، والأسفل بطانة. وتتفرع على المعاني مسائل. منها: لو لبسهما معًا على طهارة، فأراد الاقتصار على مسح الأسفل، جاز على المعنى الأول دون الآخرين ...». وانظر المجموع (١/ ٥٣٤، ٥٣٥)، الإنصاف (١/ ١٩٢، ١٩٣).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٩٢، ١٩٣).","vol":"3","page":323},{"text":"الأسفل، ولا يلزمه مسح الأسفل، ولا استئناف الوضوء، ولا يصح له إعادة الأعلى بعد خلعه ليمسح عليه، أما إذا مسح على الأسفل فقد تعلق الحكم به، فلا يمسح الأعلى بطهارة المسح؛ لأن شرط المسح على الخف الأعلى هو شرط المسح على الخف الأسفل، وهو لبسه على طهارة مائية، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1460>الباب السابع مبطلات المسح على الخفين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>الفصل الأول إذا نزع خفيه بعد المسح وقبل تمام المدة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• من ثبتت طهارته بدليل لم تبطل إلا بدليل صحيح صريح.\n• خلع الخف ليس حدثًا، وزوال الممسوح لا يبطل المسح، فهو بمنزلة حلق شعر الرأس بعد المسح عليه.\n• قال ﷺ: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فرتب ترك الغسل على شرطين إدخالهما، وعلى طهارة، فخلعهما مناف لقوله: أدخلتهما، والذي هو شرط المسح، فإذا فقد المسح شرطه بطل المسح، وإبطال المسح لا يعني إبطال الطهارة.\n• خلع الخف غايته أن يكون اللابس أراد إنهاء المسح قبل انتهاء مدته، وإنهاء المسح ليس حدثًا فلا يبطل الطهارة.\n• خلع الخف لا يوجب غسل القدم على الصحيح؛ لأن الطهارة إذا انتقض بعضها انتقض جميعها.\n• التعبد برفع الحدث هو في مسح الخف، لا في بقاء الممسوح فإذا مسح فقد حصل المراد، وسواء بقي الممسوح أو زال فحدثه لا يعود إلا بما يعتبر حدثًا.","vol":"3","page":325},{"text":"[م-٢٦٣] إذا خلع خفيه، وهو على طهارة المسح، فهل تبطل طهارته؟\nفقيل: يجب عليه أن يغسل قدميه، ولا تشترط الموالاة، وهو مذهب الحنفية، والقول الجديد للشافعي، ورواية عن أحمد (^١).\nوقيل: إن غسل قدميه مباشرة، كفاه، وإن أخر حتى طال الفصل، استأنف الوضوء، لفقد شرط الموالاة، وهو مذهب المالكية، ورواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: تبطل طهارته، وهو القول القديم للشافعي (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: مراقي الفلاح (ص: ٥٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٢)، المبسوط (١/ ١٠٢، ١٠٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥١)، البحر الرائق (١/ ١٨٧).\nوانظر في مذهب الشافعية: روضة الطالبين (١/ ١٣٢)، المجموع (١/ ٥٥٣).\n(^٢) جاء في المدونة (١/ ١٤٤): «وقال مالك في الرجل يتوضأ، ويمسح على خفيه، ثم يمكث إلى نصف النهار، ثم ينزع خفيه، قال: إن غسل رجليه مكانه حين ينزع خفيه أجزأ، وإن أخر غسل رجليه، ولم يغسلهما حين ينزع الخفين أعاد الوضوء كله». وانظر الخرشي (١/ ١٨٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٥).\nوقال ابن رجب الحنبلي في قواعده (ص: ٣١٤) في القاعدة الثالثة والأربعين بعد المائة: «ومنها إذا مسح على الخف، ثم خلعه، فإنه يجزئه غسل قدميه على إحدى الروايتين، ولو فاتت الموالاة؛ لأن المسح كمل الوضوء وأتمه، وقام مقام غسل الرجلين إلى حين الخلع، فإذا وجد الخلع وتعقبه غسل القدمين، فالوضوء كالمتواصل، وعلى هذا لو وجد ما يكفي لغسل بعض أعضاء الحدث الأصغر، فاستعمله فيها، ثم تيمم للباقي، ثم وجد الماء بعد فوات الموالاة لم يلزمه إلا غسل باقي الأعضاء، وهو ظاهر ما ذكره الشيخ مجد الدين في شرح الهداية، لكنه بناه على سقوط الموالاة بالعذر». اهـ\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ١٣٢)، المجموع (١/ ٥٥٣).\n(^٤) مسائل ابن هانئ (١/ ١٩)، وفي مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ١٦) رقم ٥٤ قال: قلت لأحمد: إذا مسح على خفيه ثم نزعهما؟ قال: يعيد الوضوء، ثم قال: الذي يغسل قدميه بأي شيء يحتج، أليس حين مسح على خفيه قد طهرتا رجلاه، فحين نزعهما نقض طهور رجليه، ولم ينقض غير ذلك، إن كان نقض بعض طهوره، فقد نقض كله، وإلا لم ينقض شيئًا». اهـ وانظر المحرر (١/ ١٣)، المبدع (١/ ١٥٣)، الكافي (١/ ٣٨)، الإنصاف (١/ ١٩٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٣، ٦٤)، كشاف القناع (١/ ١٣٧).","vol":"3","page":326},{"text":"وقيل: طهارته باقية، ولا شيء عليه، مالم يحدث، وهو الراجح، اختاره ابن حزم (^١)، ورجحه ابن تيمية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1462> دليل الحنفية على وجوب غسل القدم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن المانع من سراية الحدث إلى القدم استتارها بالخف، وقد زال بالنزع، فسرى الحدث السابق إلى القدمين، ولما كان قد غسل سائر أعضاء الوضوء، وبقيت القدمان فقط، فلم يجب إلا غسلهما، والموالاة عند الحنفية ليست بشرط لصحة الطهارة، فلما غسل جميع أعضاءه إلا القدمين، ثم غسل القدمين بعد نزعهما صدق عليه أنه غسل جميع ما يجب غسله، غاية ما هنالك أنه فاته سنة الموالاة، وهي ليست بشرط في مذهبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1464>الدليل الثاني:</span>\n(٦٣٥ - ١٣٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد الدالاني، عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة،\nعن رجل من أصحاب النبي ﷺ في الرجل يمسح على خفيه، ثم يبدو له أن ينزع خفيه، قال: يغسل قدميه (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٤٠، ٣٤١).\n(^٢) قال ابن تيمية كما في الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية (ص: ٢٦): «ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما» اهـ.\n(^٣) المصنف (١/ ١٧٠).\n(^٤) اختلف في إسناده فرواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٧٠) عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد الدالاني، عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.\nوخالفه أبو سعيد الأشج وأبو نعيم كما في سنن البيهقي (١/ ٢٨٩) فروياه عن عبد السلام بن حرب، حدثنا يزيد بن عبدالرحمن، وهو الدالاني، عن يحيى بن إسحاق، عن سعيد بن أبي مريم، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .... وذكر الحديث. =","vol":"3","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1465>الدليل الثالث:</span>\n(٦٣٦ - ١٣٣) ما رواه البيهقي، من طريق الحسن بن علي بن عفان، عن زيد بن الحباب، حدثني عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة،\nعن أبيه، عن النبي ﷺ في قصة المسح، قال: وكان أبي ينزع خفيه، ويغسل رجليه، ويذكر عن عطاء مثل ذلك (^١).\n[وهذا منكر سندًا ومتنًا] (^٢).\n_________\n= فزادا في الإسناد سعيد بن أبي مريم. قال البخاري: ولا نعرف أن يحيى سمع من سعيد أم لا، ولا سمع سعيد من أصحاب النبي ﷺ.\nوفيه علة أخرى أن في إسناده يزيد الدالاني،\nقال فيه يحيى بن معين: ليس به بأس.\nوقال أبو حاتم الرازي: صدوق ثقة. الجرح والتعديل (٩/ ٢٧٧).\nوقال أحمد: لا بأس به. تهذيب التهذيب (١٢/ ٨٩).\nوقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه عبد السلام بن حرب، وفي حديثه لين إلا أنه مع لينه يكتب حديثه. الكامل (٧/ ٢٧٧).\nوقال ابن سعد: كان منكر الحديث. الطبقات (٧/ ٣١٠).\nوقال ابن حبان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، يخالف الثقات في الروايات حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنها معلولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات. المجروحين (٣/ ١٠٥).\nوقال أبو الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في بعض حديثه. تهذيب الكمال (٣٣/ ٢٧٣).\nوقال ابن عبد البر: ليس بحجة. تهذيب التهذيب (١٢/ ٨٩).\nوفي التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا.\nفالإسناد ضعيف، ولو خلا من ضعف يزيد بن عبد الرحمن، ما خلا من عنعنته،، وهو مدلس مكثر من التدليس، ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة في طبقات المدلسين (١١٣)، ولو خلا من كل ذلك فقد اختلف في إسناده كما سبق.\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٢٨٩)\n(^٢) أما نكارته في الإسناد فقد رواه أكثر من عشرة حفاظ، عن عبد الوهاب الثقفي، عن المهاجر، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، لا يذكرون في الإسناد خالدًا الحذاء، وإليك إياهم حسب ما وقفت عليه: =","vol":"3","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1466>الدليل الرابع:</span>\nأننا إذا لم نقل بغسل القدمين لزم من ذلك أن يصلي بقدمين، لا مغسولتين، ولا ممسوح عليهما، وهذ لا يصح.\n• ويجاب:\nبأن المسح على الخفين إذا وقع فقد ارتفع الحدث، وحصل التعبد لله بالمسح، فخلع الخف لا يبطل أثر هذه العبادة، كما لو مسح رأسه، ثم حلقه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1467> دليل المالكية على وجوب غسل القدمين مباشرة</span>.\nدليل المالكية هو دليل الحنفية إلا أنهم اشترطوا أن يغسل رجليه مباشرة؛\n_________\n= الأول والثاني: بشر بن معاذ العقدي، ومحمد بن أبان، كما في صحيح ابن خزيمة (١٩٢) والدارقطني (١/ ٢٠٤).\nالثالث: الشافعي، كما في مسنده (ص: ١٧)، وشرح السنة للبغوي (٢٣٧).\nالرابع: بشر بن هلال الصواف، كما في سنن ابن ماجه (٥٥٦)، والدارقطني (١/ ٢٠٤).\nالخامس: محمد بن المثنى، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٩٤).\nالسادس والسابع والثامن: أبو الأشعث والعباس بن يزيد ومسدد، كما عند الدارقطني (١/ ١٩٤).\nالتاسع: محمد بن بشار، كما عند ابن خزيمة (١٩٢)، وابن ماجه (٥٥٦)، والدارقطني (١/ ٢٠٤).\nالعاشر: يحيى بن معين، كما في المنتقى لابن الجارود (٨٧).\nوأما نكارته متنًا فقد رواه عشرة من الحفاظ عن عبد الوهاب، بقصة المسح ثلاثة أيام للمقيم وللمسافر يوم وليلة، وقد خرجته فيما سبق انظر (ح ٤٧)، ولا يذكرون في متنه: وكان أبي ينزع خفيه، ويغسل رجليه، وإنما تفرد بها الحسن بن علي بن عفان، عن زيد بن الحباب، عن\nعبد الوهاب، والبلاء ليس من زيد بن الحباب؛ لأن ابن أبي شيبة رواه في المصنف (١/ ١٦٣) عن زيد بن الحباب، عن عبد الوهاب، عن المهاجر، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة به كرواية الجماعة، فلم يذكر خالدًا الحذاء، ولم يذكر الأثر الموقوف، فظهر أن الخطأ ليس من زيد بن الحباب، وإنما هو من الحسن بن علي بن عفان، وقد قال البيهقي (١/ ٢٧٦): «وهذا الحديث رواه جماعة عن عبد الوهاب الثقفي، عن المهاجر أبي مخلد، ورواه زيد بن الحباب، عنه، عن خالد الحذاء، فإما أن يكون غلطًا منه، أو من الحسن بن علي، وإما أن يكون عبد الوهاب رواه على الوجهين جميعًا، ورواية الجماعة أولى أن تكون محفوظة». اهـ","vol":"3","page":329},{"text":"لأن الموالاة عندهم شرط، وتسقط مع العذر، وكونه يوجد فاصل طويل بين أول الطهارة، وبين غسل الرجلين يعتبرون هذا من العذر الذي يسقط به الموالاة، فإذا خلع خفيه وجب غسلهما فورًا؛ لأنه ليس هناك عذر في تأخير الموالاة، فلو نسي غسل قدميه فيبني باعتبار أن النسيان عذر، فالفرق بين قول الحنفية والمالكية، أن المالكية يشترطون الموالاة إلا من عذر، بخلاف الحنفية، فليست شرطًا عندهم.\nوأما الشافعية في أحد القولين فاختلف الأصحاب في تخريج صحة غسل القدمين بعد نزع الخفين:\nفقيل: هذه المسألة مبنية على القول بصحة تفريق الوضوء كما في القول الجديد للشافعي.\nوقيل: القول أصل بنفسه، فإن المسح قائم مقام الغسل، فإذا بطل المسح رجع وجوب الغسل.\nوقيل: مبني على أن الحدث يرتفع عن كل عضو وحده، فإذا انتقضت الطهارة في القدمين لم تنتقض في سائر الأعضاء.\nوقيل: القول مبني على أن المسح لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح فقط، فإذا زال الخف وجب رفع الحدث عن القدم، فكفاه الغسل، وقيل: غير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1468> دليل من قال ببطلان الطهارة:</span>\nفالشافعي في القديم يبطل الطهارة، واختلفوا في تخريج القول بالبطلان:\nفقيل: بناء على أن خلع الخف يبطل طهارة القدم، فيجب استئناف الوضوء؛ لأنه لا يصح تفريق الوضوء بحسب القول القديم للشافعي.\nوقيل: القول أصل بنفسه.\nوقيل: بناء على أن انتقاض بعض الأعضاء في الطهارة يبطل الطهارة في الباقي؛ لأن الحدث لا يتجزأ، فيجب استئناف الوضوء.","vol":"3","page":330},{"text":"وقيل: بناء على أن المسح يرفع الحدث، فإذا خلع الخف عاد الحدث إلى القدم، فيعود إلى الجميع.\nوأما الحنابلة فعللوا ذلك بأن المسح يقام مقام الغسل، فإذا زال المسح بطلت الطهارة في القدمين، وإذا بطلت في بعض الأعضاء، بطلت في جميعها؛ لأن الطهارة لا تتبعض. والقول عند الحنابلة ليس مبنيًا على اشتراط الموالاة بين غسل الرجلين، وما قبلهما من أعضاء الوضوء حتى يقال: إذا غسل رجليه مباشرة هل تتحقق الموالاة أم لا، ولذلك لو توضأ، ومسح على قدميه، وقبل جفاف أعضاء الوضوء خلع خفيه، بطلت طهارته عندهم، ولا يقال: ما دام الأعضاء لم تجف اغسل قدميك؛ لأن الموالاة متحققة هنا بلا خلاف، فالعلة عندهم أنه بخلع أحد الخفين عاد الحدث إلى الرجل، فيسري إلى بقية الأعضاء، وإذا سرى وجب الاستئناف، ولو قرب الزمن، وهذا القول قد اختاره بعض التابعين.\n(٦٣٧ - ١٣٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي،\nعن مكحول والزهري، قالا: إذا مسح، ثم خلع، قالا: يعيد الوضوء (^١).\n[صحيح]\n(٦٣٨ - ١٣٥) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل،\nعن ابن سيرين، قال: يعيد الوضوء (^٢).\n[صحيح]\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1470> دليل من قال طهارته صحيحة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1469>الدليل الأول:</span>\n(٦٣٩ - ١٣٦) ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن إدريس، عن الأعمش، عن\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٧٠).\n(^٢) المصنف (١/ ١٧١).","vol":"3","page":331},{"text":"أبي ظبيان، قال: رأيت عليًا بال قائمًا، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم أقام المؤذن، فخلعهما. زاد البيهقي: ثم تقدم، فأم الناس.\n[صحيح] (^١).\nوهذا الفعل من خليفة راشد، وهو ممن أمرنا باتباع سنته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1471>الدليل الثاني:</span>\nأن هذا الرجل قد تطهر الطهارة الشرعية، وعليه خفاه، وحكمنا بطهارته، وطهارته ثابتة بمقتضى الدليل الشرعي الصحيح، فلا تنتقض طهارته بخلع خفيه إلا بدليل شرعي مثله أو إجماع، ولا دليل هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>الدليل الثالث:</span>\nأن خلع الخف ليس حدثًا حتى يعتبر ناقضًا للطهارة الثابتة، فليس من الأحداث المتفق عليها، ولا المختلف فيها، وإذا لم يكن حدثًا بقي طاهرًا حتى يحدث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>الدليل الرابع:</span>\nأن هذا القول هو مقتضى القياس الصحيح، فلو كان على رجل شعر كثيف، ثم مسح شعره بحيث لا يصل إلى بشرة الرأس، ثم حلق شعره، لم تنتقض طهارته مع زوال الممسوح، فكذلك خلع الخفين.\nولابن حزم مناقشة جيدة للأئمة الأربعة إلا أني كرهت نقلها حرفيًا لما فيها من الألفاظ القاسية التي لا تليق في مناقشة المخالف فضلًا عن الأئمة، لذا رأيت أن اختار منها، وعفى الله عن ابن حزم، فقد كان معظمًا للدليل، متبعًا له، على قسوة في عبارته لم يحتملها الخلاف الفقهي، قال ما معناه مناقشًا لمذهب المالكية والحنفية: أما القول بغسل الرجلين فقط، فهو باطل متيقن؛ لأنه قد كان بإقرارهم قد تم وضوؤه،\n_________\n(^١) سبق تخريجه في مسألة المسح على النعلين، ح (٥٣٩).","vol":"3","page":332},{"text":"وجازت له الصلاة، ثم يأمرونه بغسل الرجلين فقط، ولا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما:\nإما أن يكون الوضوء الذي قد تم، قد بطل أو لم يبطل. فإن كان لم يبطل، فهذا قولنا. وإن كان قد بطل فعليه أن يبتدئ الوضوء، وإلا فمن المحال أن يكون وضوء قد تم، ثم ينتقض بعضه، ولا ينتقض البعض الآخر (^١).\nثم أن التعبد هو بالمسح، لا في بقاء الممسوح فإذا مسح فقد حصل المراد، وسواء بقي الممسوح أو زال فحدثه لا يعود إلا بما يعتبر حدثًا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٢٩، ٣٣٠).","vol":"3","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1474>الفصل الثاني في بطلان الطهارة بظهور بعض محل الفرض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل للأكثر حكم الكل؟\n• إذا كان خلع الخف يبطل المسح، فإذا خلع أكثر الخف، فهل يعطى الأكثر حكم الكل؟\n[م-٢٦٤] إذا ظهر بعض محل الفرض ولم يخلع الخف، فهل يبطل مسحه أم لا؟\nفقيل: إن خرج أكثر عقبه بطل مسحه، وهو مذهب أبي حنيفة (^١).\nوقيل: إن نزع من ظهر القدم قدر ثلاثة أصابع، انتقض مسحه، وهو اختيار\nأبي يوسف من الحنفية (^٢).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٥)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٤) بدائع الصنائع (١/ ١٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥٠)، العناية شرح الهداية (١/ ١٥٤).\n(^٢) اختلف النقل عن أبي يوسف، فبدائع الصنائع (١/ ١٣) وشرح فتح القدير (١/ ١٥٤) والعناية شرح الهداية (١/ ١٥٤) نقلوا أن مذهب أبي يوسف إن خرج أكثر القدم من الخف انتقض، وإلا فلا.\nونقل السرخسي في المبسوط (١/ ١٠٥) أن قول أبي يوسف إن نزع من ظهر القدم قدر ثلاثة أصابع انتقض مسحه. فينبغي أن يحرر قول أبي يوسف، وأن الأكثر أرجح.","vol":"3","page":334},{"text":"وقيل: إن بقي من ظهر القدم مقدار ثلاثة أصابع، لم يبطل، لبقاء محل المسح، وهو اختيار محمد بن الحسن (^١).\nوقيل: إن خرج أكثر القدم لساق الخف انتقض، وإلا فلا، وهو مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: لو أخرجها من قدم الخف إلى الساق لم يؤثر إلا إذا كان الخف طويلًا خارجًا عن العادة، فأخرج رجله إلى موضع لو كان الخف معتادًا لظهر شيء من محل الفرض بطل مسحه، وهو مذهب الشافعية (^٣)، ورواية عن أحمد (^٤).\nوقيل: تبطل طهارته، وهو مذهب الحنابلة (^٥).\nوالصحيح أن طهارته لا تبطل سواء ظهر بعض القدم أو خلع الخف، وهو\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٣).\n(^٢) نص المدونة أن المسح يبطل إن نزع كل القدم لساق الخف، واختلف أصحاب مالك في الأكثر، فقال الجلاب: والأكثر كالكل، وقيل: لا. وهذا نص المدونة (١/ ١٤٤):\n«قال مالك: فيمن نزع خفيه من موضع قدميه إلى الساقين، وقد كان مسح عليهما حين توضأ: إنه ينزعهما، ويغسل رجليه بحضرة ذلك، وإن أخر استأنف الوضوء، قال: وإن خرج العقب إلى الساق قليلًا، والقدم كما هي في الخف فلا أرى عليه شيئًا، قال وكذلك إن كان واسعًا، فكان العقب يزول، ويخرج إلى الساق، وتجول القدم إلا أن القدم كما هي في الخفين، فلا أرى عليه شيئًا».\nقال في الشرح الكبير (١/ ١٤٥): «والمعتمد: أن نزع أكثر القدم لا يبطل المسح، ولا يبطله إلا نزع كل القدم لساق الخف، خلافًا لمن قاس الجل على الكل التابع له».\nوقال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ١٥٧): «وحاصله أن المدونة قالت: وبطل المسح بنزع كل القدم لساق الخف. قال الجلاب: والأكثر كالكل. قال الأجهوري: والأظهر أنه مقابل المدونة. وقال (ح): إنه تفسير له» اهـ.\n(^٣) المجموع (١/ ٥٥٩).\n(^٤) ذكره ابن قدامة في المغني (١/ ١٧٨): «أن أبا الخطاب حكى قول الشافعي رواية عن أحمد في رؤوس المسائل».\n(^٥) المغني (١/ ١٧٨)، الفروع (١/ ١٦٩)، الإنصاف (١/ ١٩٠)، الكافي (١/ ٣٨)، الروض المربع (١/ ٢٩١).","vol":"3","page":335},{"text":"مذهب ابن حزم (^١)، ورجحه ابن تيمية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1475> دليل من قال تبطل الطهارة بظهور أكثر القدم</span>.\nالتعليل الأول:\nأن للأكثر حكم الكل، فإذا ظهر أكثر القدم، فكما لو ظهر القدم كله، فإذا كانت تبطل الطهارة بظهور القدم كله بطلت بظهور أكثر القدم.\nالتعليل الثاني:\nأن المشي يتعذر بخروج أكثر القدم، فالمقصد من لبس الخف هو المشي عليه، فإذا تعذر المشي انعدم اللبس فيما قصد له.\nالتعليل الثالث:\nقالوا: إن الاحتراز عن خروج القليل متعذر؛ لأنه ربما يحصل دون قصد، كما إذا كان الخف واسعًا إذا رفع القدم يخرج العقب، وإذا وضعها عادت العقب إلى مكانها، فلو قلنا بنقض المسح في مثله وقع الناس في الحرج، بخلاف الكثير فإن الاحتراز عنه ليس بمتعذر.\nوحيث قلنا: بطل مسحه، يعني يعطى حكم خلع الخف، وقد حررنا ما يترتب على خلع الخف في المسألة السابقة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1476> دليل من قال تبطل طهارته بظهور أكثر العقب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1477>دليلهم هو نفس دليل القول السابق، من أنه لا يمكن المشي بهذه الصفة. ولأن الأكثر له حكم الكل</span>.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1478> دليل من قال إذا نزع من ظهر القدم قدر ثلاثة أصابع بطل مسحه</span>.\nالحنفية يقدرون الكثير بثلاثة أصابع، فالخرق في الخف إن ظهر منه مقدار ثلاثة\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٤٠، ٣٤١).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٩٠)، الاختيارات (ص: ١٥)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٢١٥).","vol":"3","page":336},{"text":"أصابع لم يصح المسح عليه، والمسح على الخف يجزئ فيه إن مسح بثلاثة أصابع، وعليه إن نزع من ظهر القدم مقدار ثلاثة أصابع لم يصح المسح عندهم، وهذا القول ضعيف؛ لأنه يقابل بقول محمد بن الحسن إن بقي مقدار ثلاثة أصابع من القدم، لم تنتقض الطهارة، لبقاء محل المسح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1479> الدليل على قول محمد بن الحسن:</span>\nقال: لو قطعت رجله، وبقي من ظهر القدم مقدار ثلاثة أصابع فلبس عليه الخف جاز له أن يمسح، فكذلك إذا نزع الخف، وبقي منه مقدار ثلاثة أصابع لم يبطل المسح، لبقاء محله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1480> دليل الشافعية:</span>\nقالوا: إن من نزع الخف من قدم الخف إلى الساق، لم يبطل المسح؛ لأنه لم تظهر الرجل من الخف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1481> دليل من قال تبطل طهارته مطلقًا:</span>\nذكرنا دليلهم في مسألة خلع الخف، فانكشاف بعض القدم، ولو كان من خرق يسير، حكمه حكم نزع الخف عندهم، وقد قدمنا دليل الحنابلة في إبطال طهارة من نزع خفه.\nقال ابن حزم في مناقشة هذه الأقوال:\n«أما من قال: إن الحكم يتعلق بأكثر القدم، فهم ليس لهم قول مطرد باعتبار الأكثر، فمرة الكثير أكثر من النصف، ومرة الثلث، ومرة الربع، ومرة شبرًا في شبر، ومرة أكثر من قدر الدرهم، وهذا لا دليل عليه من قرآن، ولا سنة، ولا قياس، ولا قول صاحب، ولا رأي مطرد.\nوأما فرق مالك ﵀ بين إخراج العقب إلى موضع الساق، فلاينتقض المسح، وبين إخراج القدم كلها إلى موضع الساق فينتقض المسح، فتحكم أيضًا لا","vol":"3","page":337},{"text":"يجوز القول به، ولا يوجبه قرآن ولا سنة صحيحة، ولا رأي مطرد؛ لأنه يرى أن بقاء العقب في الوضوء لا يطهر، وأن فاعل ذلك لا وضوء له، فإن كان المسح قد انتقض عن الرجل بخروجها عن موضع القدم، فلا بد من انتقاض المسح عن العقب بخروجها عن موضعها إلى موضع الساق، لا يجوز غير ذلك، وإن كان المسح لا ينتقض عن العقب بخروجها إلى موضع الساق؛ فإنه لا ينتقض أيضًا بخروج القدم إلى موضع الساق، كما قال الشافعي.\nوأما تفريقهم جميعهم بين المسح على الخفين، ثم يخلعان فينتقض المسح، ويلزمه إتمام الوضوء، وبين الوضوء ثم يجز الشعر، وتقص الأظفار فلا ينتقض الغسل عن مقص الأظفار، ولا المسح على الرأس ففرق فاسد ظاهر التناقض، ولو عكس إنسان هذا القول، فأوجب مسح الرأس على من حلق شعره، ومس مجز الأظفار بالماء، ولم ير المسح على من خلع خفيه لما كان بينهما فرق.\nوما وجدنا لهم في ذلك متعلقًا أصلًا إلا أن بعضهم قال: وجدنا مسح الرأس وغسل القدمين في الوضوء إنما قصد به الرأس لا الشعر، وإنما قصد به الأصابع لا الأظفار، فلما جز الشعر وقطعت الأظفار بقي الوضوء بحسبه، وأما المسح فإنما قصد به الخفان، لا الرجلان، فما نزعت بقيت الرجلان لم توضآ، فهو يصلي برجلين لا مغسولتين ولا ممسوح عليهما، فهو ناقص الوضوء.\nقال ابن حزم: وهذا لا شيء؛ لأنه باطل وتحكم بالباطل، فلو عكس عليه قوله، فقيل له: بل المسح على الرأس وغسل الأظفار إنما قصد به الشعر والأظفار فقط، بدليل أنه لو كان على الشعر حناء، وعلى الأظفار كذلك لم يجز الوضوء، وأما الخفان فالمقصود بالمسح القدمان لا الخفان؛ لأن الخفين لولا القدمان لم يجز المسح عليهما، فصح أن حكم القدمين الغسل، وإن كانتا مكشوفتين، والمسح إن كانتا في خفين، لما كان بين القولين فرق.","vol":"3","page":338},{"text":"ثم يقال لهم: هبكم أن الأمر كما قلتم في أن المقصود بالمسح الخفان، وبالمسح في الوضوء الرأس، وبغسل اليدين للأصابع لا للأظفار، فكان ماذا؟\nأو من أين أوجب مِنْ هذا أن يعاد المسح بخلع الخفين، ولا يعاد بحلق الشعر؟\nقال علي: فظهر فساد هذا القول.\nوأما قولهم: إنه يصلي بقدمين لا مغسولتين، ولا ممسوح عليهما فباطل، بل ما يصلي إلا على قدمين ممسوح على خفين عليهما. فبطل هذا القول كما بينا ....» إلخ كلامه ﵀ (^١).\nفالراجح: أن خلع الخفين أو بعضهما، أو بعض الخف ليس بحدث، ولا تنتقض الطهارة، ولكن لا يمسح عليهما إذا أعاد لبسهما إلا على طهارة مائية، فالرسول ﷺ أذن أن يبقى الخف على القدم إذا لبس على طهارة مائية ليمسح يومًا وليلة، وخلعها ليس حدثًا ناقضًا للطهارة، لكنه ينهي مدة المسح فيما يستقبل، ولو كانت إعادة لبسه ممكنة ليمسح على طهارة ممسوح عليها لم يكن للتوقيت فائدة، فتذهب الحكمة من التوقيت، لكن إذا اشترطنا إعادة الخف بطهارة مائية كما لبس في الطهارة الأولى، لم نتحايل على إسقاط التوقيت، والله أعلم بالصواب.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٤٠، ٣٤١).","vol":"3","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1482>الفصل الثالث في استئناف الوضوء بانتهاء مدة المسح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• من ثبتت طهارته بدليل لم تبطل إلا بدليل صحيح صريح.\n• انتهاء مدة المسح تعني الامتناع عن المسح ولا تعني الرجوع على الطهارة بالإبطال وقد تمت بشروطها.\n• توقيت المسح على الخفين لا يعني توقيت الطهارة.\n• توقيت الوضوء ينافي أصول الطهارات فإنها دائرة مع أسبابها، لا مع أزمانها.\n[م-٢٦٥] إذا انتهت مدة المسح، يومًا وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر فما الحكم؟\nفقيل: يكفيه غسل رجليه، وهو مذهب الحنفية (^١)، والراجح في مذهب الشافعية (^٢).\n_________\n(^١) مراقي الفلاح (ص: ٥٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٢)، المبسوط (١/ ١٠٢، ١٠٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥١).\n(^٢) قال النووي في المجموع (١/ ٥٥٧): «في مذهبنا قولان: أصحهما يكفيه غسل القدمين». وانظر المجموع (١/ ٥٥٣) وروضة الطالبين (١/ ١٣٢، ١٣٣).","vol":"3","page":340},{"text":"وقيل: يستأنف الوضوء، وهو المشهور في مذهب الحنابلة (^١)، والقول القديم في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: لا تبطل طهارته بانتهاء مدة المسح، وهو اختيار ابن حزم (^٣)، ورجحه\nابن تيمية (^٤). وهو الصحيح.\nوأما المالكية فالمشهور في مذهبهم أن المسح غير مؤقت. وقد سبق ذكر الخلاف (^٥).\nوهذا الخلاف هل هو مبني على اعتبار حكم الموالاة في الوضوء، فلو أن المدة انتهت قبل جفاف الأعضاء، كفاه غسل القدمين، وجهان.\nوقيل: مبني على أن المسح هل يرفع الحدث أم لا؟ وقد حرر الخلاف في هذا القول، فإن قيل: لا يرفع الحدث عن القدمين، فقد ارتفع عن الوجه واليدين والرأس، وبقي الرجلان، فيكفيه غسلهما.\nوإن قلنا: المسح رافع للحدث، فإنه بخلع الخف عاد الحدث إلى القدم، والحدث لا يتبعض، فيجب استئناف الوضوء.\nوقيل: مبني على أن الطهارة لا تتبعض بالنقض، وإن تبعضت بالثبوت، كالصلاة والصيام.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1483> دليل من قال يجب غسل القدمين:</span>\nقال السرخسي: إذا انقضى مدة مسحه، ولم يحدث، فعليه نزع خفيه، وغسل القدمين؛ لأن الاستتار كان مانعًا في المدة، فإذا انقضى سرى ذلك الحدث إلى القدمين،\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٩٠)، الفروع (١/ ١٦٩)، المغني (١/ ١٧٧).\n(^٢) المجموع (١/ ٥٥٣).\n(^٣) المحلى (١/ ٣٢١).\n(^٤) الاختيارات (ص: ١٥).\n(^٥) قال في التاج والإكليل (١/ ٤٦٧): «المسح جائز من غير توقيت لمدة من الزمان، لا يقطعه إلا الخلع، أو حدوث ما يوجب الغسل».","vol":"3","page":341},{"text":"فعليه غسلهما، وليس عليه إعادة الوضوء، كما لو كانت السراية بخلع الخفين» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1484> دليل من قال يجب استئناف الوضوء:</span>\nقالوا: إن المسح أقيم مقام الغسل في المدة، فإذا انقضت المدة بطلت الطهارة في الممسوح، وإذا بطلت الطهارة في الممسوح، بطلت في سائر الأعضاء؛ لأن الحدث لا يتبعض.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1485> دليل من قال لا تبطل طهارته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1486>الدليل الأول:</span>\nأحاديث التوقيت للمقيم والمسافر تضمنت ابتداء وانتهاء مدة المسح، لا الطهارة، فهي تنهى أن يمسح أكثر من يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر، ومن قال: بأنها تدل على انتهاء مدة الطهارة، فقد قال في الحديث ما ليس فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1487>الدليل الثاني:</span>\nأن هذا الرجل قد تطهر بمقتضى الكتاب والسنة، فلا تنقض طهارته إلا بدليل من كتاب أو سنة، أو إجماع، ولا دليل هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1488>الدليل الثالث:</span>\nأن الطهارة لا ينقضها إلا حدث، وهذا قد صحت طهارته، ولم يحدث، فهو طاهر، وانتهاء مدة المسح ليس حدثًا حتى يحكم ببطلان طهارته، والأصل بقاء الطهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1489>الدليل الرابع:</span>\n(٦٤٠ - ١٣٧) استدل بعض مشايخنا بما رواه البخاري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب؛\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٣).","vol":"3","page":342},{"text":"وعن عباد بن تميم، عن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال: لم يوجب النبي ﷺ الوضوء إلا على من تيقن الحدث، فيستصحب بقاء حكم الطهارة حتى يتيقن زوالها، فإذا تطهر ماسح الخفين فلا يوجد نص في المسألة يقطع النزاع، وبناء عليه يستصحب حكم بقاء الطهارة حتى يتيقن بطلان الطهارة فالحديث دال على أن الوضوء لا ينتقض إلا باليقين، وهنا لا يقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1490>الدليل الخامس:</span>\nالقياس على من خلع خفه.\n(٦٤١ - ١٣٨) فقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش، عن أبي ظبيان، قال:\nرأيت عليًا بال قائمًا، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم أقام المؤذن، فخلعهما. زاد البيهقي: ثم تقدم، فأم الناس.\n[صحيح] (^٢).\nفإذا كان من خلع خفه لا تنتقض طهارته على الصحيح، فكذلك إذا خلع الخف لانتهاء مدة المسح، ولا فرق.\nوهذا القول قد اختاره ابن المنذر، وقواه النووي، ورجحه ابن حزم، وابن تيمية، وهو الصحيح.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٧) ومسلم (٣٦١).\n(^٢) سبق تخريجه في مسألة المسح على النعلين، رقم (٥٣٩).","vol":"3","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1491>الفصل الرابع في بطلان المسح بوجود الحدث الأكبر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المسح على الخفين خاص بالوضوء، لا مدخل للغسل فيه بإجماع، فإذا وجب الغسل بطل المسح (^١).\n• ليس في الطهارة الكبرى بالماء ممسوح، لا في رأس، ولا خف، ولا غيرهما، إلا ما كان من باب الضرورات كالمسح على الجبيرة.\n[م-٢٦٦] والمقصود من بطلان المسح انتهاء مدته بموجب غسل ونحوه.\nوهذا بالإجماع، قال النووي: «لا يجزئ المسح على الخف في غسل الجنابة، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافًا لأحد من العلماء، وكذا لا يجزئ مسح الخف في غسل الحيض والنفاس، ولا في الأغسال المسنونة كغسل الجمعة والعيد وأغسال الحج وغيرها، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب» (^٢).\nوقال ابن قدامة: «جواز المسح مختص به - يعني الحدث الأصغر - ولا يجزئ\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٣١٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٥٠٥).","vol":"3","page":344},{"text":"المسح في جنابة، ولا غسل واجب ولا مستحب، لا نعلم في هذا خلافًا» (^١).\nوالدليل من السنة:\n(٦٤٢ - ١٣٩) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم، عن زر ابن حبيش، قال:\nأتيت صفوان، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب، قلت: حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت منه في ذلك شيئًا، قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا، أو كنا مسافرين لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. الحديث (^٢).\n[حسن في الجملة] (^٣).\nوسبق الإشارة إلى هذا في الكلام في الشرط الثامن من شروط المسح على الخفين، وهو كون المسح في الطهارة الصغرى.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٦٢).\nوانظر في كتب الحنفية: تبيين الحقائق (١/ ٤٦)، العناية شرح الهداية (١/ ١٥٢)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٢)، البحر الرائق (١/ ١٧٧)، البناية (١/ ٥٨٦).\nوانظر في مذهب المالكية، الشرح الصغير (١/ ١٥٦، ١٥٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٥).\nوانظر في مذهب الشافعية، الأم (١/ ٣٤)، المجموع (١/ ٥٠٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة شرح الزركشي (١/ ٣٨٣)، الهداية - أبو الخطاب (١/ ١٦)، المغني (١/ ٣٦٢).\n(^٢) المصنف (٧٩٥).\n(^٣) سبق تخريجه، انظر (ح ٥٦٥، ٦٠١).","vol":"3","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1492>الباب الثامن في أحكام المسح على العمامة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>الفصل الأول في المسح على العمامة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المسح على العمامة أصل بنفسه وليس مقيسًا على الخفين.\n• إذا كان المسح على الخفين لا يعارض القرآن، فالمسح على العمامة لا يعارض القرآن؛ لأن النبي ﷺ مبين لكلام الله مفسر له، وقد روي أن النبي ﷺ مسح على العمامة، ومسح أصحابه عليها.\n• إما أن تكون العمامة ليست محلًا للمسح فلا تمسح، أو تكون محلًا للمسح فيجوز الاقتصار عليها، أما أن يقال: إنها محلًا لسنة المسح بشرط أن يمسحها مع الناصية فهذا مخالف للقواعد؛ لأن ما كان محلًا للمسح يجوز الاقتصار عليه.\n• العادة أن البعض تبع للكل، وليس الكل تبعًا للبعض، فالحكم دائمًا للأغلب، والقليل يتبع الكثير، والعمامة أغلب الرأس، فهي الأصل، كيف وقد ثبت الاقتصار على مسح العمامة.\n[م-٢٦٧] اختلف العلماء في المسح على العمامة،","vol":"3","page":346},{"text":"فقيل: لا يجوز، هو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)،\nوالشافعية (^٣).\nوقيل: يجوز، اختاره الثوري، والأوزاعي (^٤)، وهو المشهو من مذهب الحنابلة (^٥)، وهو مذهب الظاهرية (^٦)، وهو الصحيح.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠١)، تبيين الحقائق (١/ ٥٢)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٧)، البحر الرائق (١/ ١٩٣)، الفتاوى الهندية (١/ ٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٢).\n(^٢) جاء في المدونة (١/ ١٢٤): «وقال مالك في المرأة تمسح على خمارها أنها تعيد الصلاة والوضوء». اهـ\nوجوز المالكية المسح على العمامة إذا كان يتضرر بنزعها، وهذا لا يعتبر قولًا في المسح على العمامة؛ لأنه إذا كان يتضرر بنزعها أصبحت في حكم الجبيرة، والمقصود بالمسح على العمامة المسح عليها إذا لبسها مختارًا من غير ضرورة كالمسح على الخف.\nوانظر: مختصر خليل (ص: ١٩)، والتاج والإكليل (١/ ٥٣٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٠٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٣، ١٦٤)، المنتقى للباجي (١/ ٧٥).\n(^٣) الأم (٧/ ٢٩)، حاشية الجمل (١/ ١٢٨)، أسنى المطالب (١/ ٤١)، المجموع (١/ ٤٣٩). ويرى النووي أنه لا يجوز المسح على العمامة وحدها، وإذا كان على رأسه عمامة، ولم يرد نزعها، فيشترط أن يمسح بناصيته، ويستحب له أن يتمم المسح على العمامة. والمسح على الناصية وحدها كاف في إسقاط الفرض، ولو اقتصر على العمامة لم يصح وضوؤه. فمحصلة هذا القول أنه لا يجوز المسح على العمامة وحدها، ولذلك لم أجعل هذا قولًا برأسه، لأن النتيجة أنهم لا يرون المسح على العمامة، ولو كانوا يرون المسح عليها لجاز الاقتصار عليها وحدها، ولم يشترطوا في الجواز مسح الناصية معها. والله أعلم.\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٩٥).\n(^٥) قال عبد الله في مسائل الإمام أحمد (١/ ١٢٤): «سألت أبي عن الرجل يمسح على العمامة؟ قال: لا بأس به». اهـ وانظر مسائل أحمد رواية ابن هاني (١/ ١٨)، ورواية صالح (٥٧٩، ١٠٥١)، ورواية أبي داود (٤٩، ٥٠) والفروع (١/ ١٦٢)، الإنصاف (١/ ١٨٥)، المغني (١٨٤)، كشاف القناع (١/ ١١٢).\n(^٦) نسبه لدواد الظاهري الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٢٠٧).\nوقال ابن حزم في المحلى (١/ ٣٠٣): «وكل ما لبس على الرأس من عمامة، أو خمار، أو قلنسوة، أو بيضة، أو مغفر، أو غير ذلك: أجزأ المسح عليه، المرأة والرجل سواء في ذلك، لعلة أو غير علة». اهـ","vol":"3","page":347},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1494> دليل الحنابلة على الجواز:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1495>الدليل الأول:</span>\n(٦٤٣ - ١٤٠) ما روا هـ مسلم من طريق بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه. قال بكر: وقد سمعت من ابن المغيرة، أن النبي ﷺ توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين (^١).\n[رواه حمزة، عن المغيرة واختلف عليه في ذكر المسح على العمامة، وتابعه عمرو ابن وهب الثقفي، ورواه جماعة عن المغيرة منهم عروة بن المغيرة، ومسروق في الصحيحين، والأسود بن هلال في مسلم، وجماعة خارج الصحيح وليس فيها ذكر للعمامة] (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (٨٣/ ٢٧٤).\n(^٢) حديث المغيرة رواه عنه جماعة.\nالأول: حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، رواه عن حمزة، بكر بن عبد الله المزني، وإسماعيل بن محمد بن سعد، والزهري، وكلهم يتفقون على ذكر المسح على الخفين، وينفرد بكر بن عبد الله عن حمزة بذكر المسح على العمامة ويختلف عليه في ذكر المسح على الناصية، معها، وإليك تفصيلها.\nأما رواية بكر بن عبد الله المزني، عن حمزة بن المغيرة: فرواها عنه حميد الطويل، وسليمان التيمي.\nأما رواية حمد الطويل، عن بكر، فرواه عن حميد ثلاثة:\nمحمد بن أبي عدي، عن حميد، رواه أحمد (٤/ ٢٤٨)، وابن ماجه (١٢٣٦) بذكر المسح على العمامة والخفين، ولم يذكر المسح على الناصية.\nويزيد بن زريع، عن حميد، واختلف على يزيد بن زريع:\nفرواه النسائي كما المجتبى (١٠٨)، وفي الكبرى (١٦٧) عن عمرو بن علي.\nوأخرجه النسائي في المجتبى (١٠٨)، وفي الكبرى (١٦٧) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٨) عن حميد بن مسعدة.\nوأخرجه أبو عوانة في مستخرجه (٧١٠) والدارمي (١٤٥٢) والبيهقي الكبرى (١/ ٥٨) من طريق مسدد، ثلاثتهم عن يزيد بن زريع، عن حميد، عن بكر بن عبد الله، عن حمزة بن المغيرة، عن المغيرة بذكر المسح على الناصية والعمامة والخفين، واقتصر الدارمي على ذكر قصة صلاة النبي ﷺ، فزاد يزيد بن زريع ذكر المسح على الناصية.=","vol":"3","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه مسلم (٨١/ ٢٧٤) عن محمد بن عبد الله بن بزيع، عن يزيد بن زريع، عن حميد، عن بكر ابن عبد الله، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، فذكر بدلًا من حمزة عروة.\nقال الدارقطني في التتبع (ص: ٣١١): «كذا قال ابن بزيع، وخالفه غيره عن يزيد، فرواه عنه على الصواب، عن حمزة بن المغيرة، رواه حميد بن مسعدة، وعمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، على الصواب، وكذلك قال ابن أبي عدي، عن حميد».\nورواه المعتمر بن سليمان، عن حميد كما في صحيح ابن خزيمة (١٥١٤) وصحيح ابن حبان (١٣٤٧) بذكر المسح على العمامة والخفين، ولم يذكر الناصية، واختصره ابن خزيمة بذكر صلاة عبد الرحمن بن عوف بالنبي ﷺ وقد أشار إلى اختصاره.\nهذه رواية حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن حمزة، والاختلاف على حميد.\nأما رواية سليمان التيمي عن بكر بن عبد الله المزني.\nفرواه أحمد (٤/ ٢٥٥) ومسلم (٨٣/ ٢٧٤)، وأبو داود (١٥٠)، والترمذي (١٠٠)، والنسائي في المجتبى (١٠٧)، وفي الكبرى (١٠٨) وابن الجارود في المنتقى (٨٣)، وابن حبان (١٣٤٦) من طرق عن يحيى بن سعيد القطان، عن سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله المزني، عن الحسن البصري، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته، ومسح على الخفين والعمامة.\nورواه معتمر بن سليمان:\nفرواه أبو داود (١٥٠) عن مسدد.\nومسلم (٥٥٦) عن محمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر بن سليمان، عن سليمان التيمي، عن بكر، عن الحسن، عن ابن المغيرة، عن المغيرة، كرواية يحيى بن سعيد القطان، بلفظ: مسح بناصيته ومسح على الخفين والعمامة.\nورواه مسلم (٨٢/ ٢٧٤) حدثنا أمية بن بسطام، ومحمد بن عبد الأعلى، قالا: حدثنا المعتمر بن سليمان.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦١٠١) حدثنا يزيد بن هارون، ثلاثتهم عن سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله، عن ابن المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، ولم يذكر في الإسناد (الحسن البصري).\nوقد رواه أحمد (٤/ ٢٥٥) من طريق التيمي عن بكر عن الحسن عن ابن المغيرة ... قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة.\nفملخص رواية بكر بن عبد الله المزني:\nرواه عنه التيمي عن بكر، فكان تارة يرويه عن بكر عن الحسن، عن ابن المغيرة، عن المغيرة.\nوتارة يرويه عن بكر، عن ابن المغيرة، عن المغيرة. دون ذكر الحسن البصري، ولا يصرح التيمي بذكر اسم ابن المغيرة. =","vol":"3","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما اللفظ فإن التيمي يرويه عن بكر يذكر المسح على الناصية، وفي رواية مسح مقدم الرأس، والمعنى واحد.\nورواه حميد، عن بكر، رواه عن حميد ثلاثة، يزيد بن زريع، عن حميد، عن بكر بذكر المسح على الناصية والعمامة، والخفين موافقًا لرواية سليمان التيمي، عن بكر.\nورواه عن حميد اثنان: محمد بن أبي عدي، والمعتمر بن سليمان، ولا يذكران المسح على الناصة، وإنما يذكر المسح على العمامة والخفين.\nفتبين أن رواية بكر بن عبد الله المزني عن حمزة يتفق الرواة عنه في ذكر المسح على العمامة، ويختلفون عليه في ذكر المسح على الناصية، فسليمان التيمي لا يختلف عليه في ذكرها، وأما حميد الطويل فأكثر الرواة عنه على عدم ذكر الناصية. والله أعلم.\nهذا ما يتعلق برواية بكر بن عبد الله، عن حمزة، والاختلاف عليه فيها.\nورواه إسماعيل بن محمد بن سعد عن حمزة بن المغيرة، فخالف بكر بن عبد الله المزني فلم يذكر المسح العمامة في جميع طرقه.\nرواه عبد الرزاق (٧٤٨) وأحمد (٤/ ٢٥١) ومسلم (٨٨٣)، من طريق ابن شهاب.\nورواه عبد الرزاق (٧٤٩)، وابن أبي شيبة (١٨٨٣)، والحميدي (٧٧٥)، والنسائي (١٢٥)، عن سفيان، كلاهما (ابن شهاب وابن عيينة) عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن حمزة بن المغيرة، عن أبيه، بلفظ: (ومسح برأسه، ومسح على خفيه) لا يذكر العمامة في حديثه.\nقال أبو عبد الرحمن النسائي: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن محمد بن سعد، عن حمزة بن المغيرة، ولم يذكر العمامة.\nكما رواه الزهري، عن حمزة، عن المغيرة، ولم يذكر العمامة، فأخرجه ابن حبان (٢٢٢٥) من طريق جعفر بن برقان، عن الزهري، عن حمزة وعروة ابني المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، وليس فيه ذكر للمسح على العمامة. وسيأتي بيان الاختلاف على الزهري عند الكلام على طريق عروة، عن المغيرة.\nهذا فيما يتعلق برواية حمزة عن المغيرة، يرويه عنه بكر بن عبد الله وإسماعيل، والزهري، فيتفقون بذكر المسح على الخفين، ويرويه بكر بذكر المسح على العمامة، ويزيد بعضهم المسح على الناصية.\nالثاني: عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة، رواه ابن سيرين، واختلف عليه:\nفقيل: عن ابن سيرين، حدثني عمرو بن وهب، عن المغيرة بن شعبة. وهذه رواية الأكثر، وفيها ذكر المسح على الناصية والعمامة، ورجحها الدارقطني في العلل كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقيل: عن ابن سيرين، عن رجل، عن عمرو بن وهب، وكنى بعضهم الرجل المبهم أبا عبد الله.\nوقيل: ابن سيرين، رفعه إلى المغيرة، فأسقط عمرو بن وهب، وإليك تفصيل ذلك.\nرواه أيوب، عن ابن سيرين، واختلف على أيوب: =","vol":"3","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه ابن علية كما في مسند الشافعي (ص: ١٤)، ومسند أحمد (٤/ ٢٤٤)، ومصنف ابن أبي شيبة في (٢٤١، ١٨٨٩)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٢٠٩)، وسنن النسائي الكبرى (١٦٨) وصحيح ابن خزيمة (١٠٦٤)، والأوسط لابن المنذر (٦/ ١٦٢)، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة بذكر المسح على الناصية والعمامة.\nوخالفه حماد بن زيد في إسناده، فأخرجه الطبراني (٢٠/) ١٠٣٩، والبيهقي في السنن (١/ ٥٨) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن رجل، كناه الطبراني أبا عبد الله، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة به، فجعل بين ابن سيرين وعمرو بن وهب رجلًا مبهمًا.\nوقد رواه الشافعي في مسنده (ص: ١٤) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب كرواية ابن علية عن أيوب ذكره مقرونًا بابن علية، فأخشى أن يكون هذا طريق ابن علية.\nورواه جرير بن حازم، واختلف عليه:\nفرواه أسود بن عامر كما في مسند أحمد (٤/ ٢٤٨) عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، قال: حدثني رجل، عن عمرو بن وهب، قال: فذكر نحوه.\nورواه أبو نعيم الفضل بن دكين، كما في المنتخب من مسند عبد بن حميد (٣٩٥)، وسنن الدارمي (٦٦١)، فرواه عن جرير بن حازم، عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة، ولم يذكر الرجل المبهم. وهذا هو المحفوظ.\nفقد رواه أحمد (٤/ ٢٤٧) وابن حبان (١٣٤٢)، والطبراني في الكبير (٢٠/) رقم: ١٠٣٦، من طريق هشام بن حسان،\nورواه النسائي في المجتبى (١٠٩) وفي الكبرى (١١٢) وابن خزيمة (١٦٥٤)، من طريق يونس بن عبيد.\nورواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٠٣٥)، وفي الأوسط (٣٤٧٢) من طريق حبيب بن الشهيد مقرونًا بغيره.\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣٧٧) وابن حبان (١٣٤٢) والطبراني في الكبير (٢٠/) رقم ١٠٣٥ من طريق عوف، مقرونًا بغيره. أربعتهم عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة، بدون ذكر الرجل المبهم.\nقال ابن خزيمة عقب (١٦٤٥): إن صح هذا الخبر يعني قول ابن سيرين: حدثني عمرو بن وهب، فإن حماد بن زيد، رواه عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: حدثني رجل يكنى أبا عبد الله عن عمرو بن وهب. اهـ\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢٥١) من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، رفعه إلى المغيرة بن شعبة، قال: .... وذكر نحوه. وليس فيه عمرو بن وهب.\nقال الدارقطني في العلل (٧/ ١٠٨): «يرويه محمد بن سيرين، واختلف عنه؛ =","vol":"3","page":351},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه أيوب السختياني، وقتادة، وحبيب بن الشهيد، وهشام بن حسان، وعوف الأعرابي، وأشعث بن عبد الملك، وأبو حرة، عن محمد بن سيرين، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة؟\nواختلف عن يونس بن عبيد، فرواه هشيم، عن يونس، عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة.\nوتابعه الفريابي، عن الثوري، عن يونس.\nوخالفهما قبيصة، عن الثوري، فقال: عن يونس، عن ابن سيرين، عن المغيرة، وأسقط عمرو ابن وهب.\nورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن رجل كناه أبا عبد الله، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة.\nوتابعه جرير بن حازم في ذكره رجلًا بين ابن سيرين، وبين عمرو بن وهب إلا أنه لم يكنه، وقال: يزيد التستري، عن ابن سيرين، عن بعض أصحابه، عن المغيرة.\nوقال حسام بن المصك، وأبو سهل محمد بن عمرو الأنصاري، وعبد الأعلى بن أبي المساور، عن ابن سيرين، عن المغيرة، ولم يذكر بينهما عمرو بن وهب، فالقول قول أيوب، وقتادة ومن تابعهما». اهـ\nهذه هي الطرق التي ذكر فيها المسح على العمامة، وقد رواه جماعة عن المغيرة، ولم يذكر فيها المسح على العمامة، وقد تجنب البخاري تخريج المسح على العمامة، وإن كان قد خرج حديث المغيرة من طريق مسروق، ومن طريق عروة بن المغيرة، والله أعلم.\nالثالث: عروة بن المغيرة، عن المغيرة، في الصحيحين، ولم يذكر المسح على العمامة.\nرواه الشعبي كما في مسند الحميدي (٧٧٦) ومسند أحمد (٤/ ٢٥١، ٢٥٥)، وصحيح البخاري (٢٠٦، ٥٧٩٩)، ومسلم (٧٩/ ٢٧٤)، (٨٠/ ٢٧٤)، وأبو داود (٥١٥) والترمذي (١٧٦٨)، والدارمي (٧٥٨) وابن خزيمة (١٩٠، ١٩١) وابن حبان (١٣٢٦).\nونافع بن جبير، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٥٤)، وصحيح البخاري (١٨٢، ٢٠٣، ٤٤٢١)، ومسلم (٧٥/ ٢٧٤) وسنن النسائي المجتبى (١٢٤)، وفي الكبرى (١٢١) ابن ماجه (٥٤٥)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٧٥) رقم: ٨٧٧.\nكلاهما (الشعبي ونافع بن جبير) روياه عن عروة بن المغيرة، عن أبيه بذكر المسح على الخفين، دون ذكر المسح على العمامة، وقد ذكر نفس القصة في كون المسح في السفر، وذكر ضيق الجبة.\nورواه الزهري، عن عباد بن زياد، واختلف على الزهري فيه:\nفرواه ابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (٧٤٨)، ومسند أحمد (٤/ ٢٥١)، وصحيح مسلم (١٠٥ - ٢٧٤)، وسنن النسائي الكبرى (١٦٦) والمنتخب من مسند عبد بن حميد (٣٩٧)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٠/ ٣٧٧) رقم ٨٨٠، وصحيح ابن خزيمة (١٥١٥). =","vol":"3","page":352},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وصالح بن كيسان كما في مسند أحمد (٤/ ٢٤٩)، والسنن الكبرى للنسائي (١٦٦).\nومعمر، كما في مسند عبد بن حميد (٣٩٧).\nويونس بن يزيد كما في سنن أبي داود (١٤٩)، وسنن النسائي (٧٩)، وصحيح ابن خزيمة (١٦٤٢)، وصحيح ابن حبان (٢٢٢٤).\nوعمرو بن الحارث، كما في صحيح النسائي (٧٩)، وصحيح ابن خزيمة (٢٠٣). كلهم رووه عن الزهري، عن عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، بذكر الوضوء والمسح على الخفين، ولم يذكر المسح على العمامة.\nخالف هؤلاء جعفر بن برقان كما في صحيح ابن حبان (٢٢٢٥)، فرواه عن الزهري، عن حمزة وعروة ابني المغيرة، عن أبيهما المغيرة بن شعبة به.\nقال ابن حبان: قصر جعفر بن برقان في سند هذا الخبر، ولم يذكر عباد بن زياد فيه؛ لأن الزهري سمع هذا الخبر من عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، وسمعه عن حمزة بن المغيرة، عن أبيه.\nورواه مالك في الموطأ (١/ ٣٥، ٣٦)، ومن طريق مالك أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٧) عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة، عن المغيرة.\nووهم مالك في هذا في أمرين: أحدهما: نسبة عباد بن زياد بأنه من ولد المغيرة.\nالثاني: أن عباد يرويه عن المغيرة، وبينهما عروة بن المغيرة كما رواه أصحاب الزهري وخرجتها قبل أسطر، قال النسائي: لم يذكر مالك عروة بن المغيرة.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ١٢٠): هكذا قال مالك في هذا الحديث عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة، لم يختلف رواة الموطأ عنه في ذلك، وهو وهم وغلط منه، لم يتابعه أحد من رواة ابن شهاب، ولا غيرهم عليه، وليس هو من ولد المغيرة بن شعبة عند جميعهم ..».\nالثالث: مسروق، عن المغيرة. كما في صحيح البخاري (٣٦٣، ٣٨٨، ٢٩١٨)، ومسلم (٧٧ - ٢٧٤). بذكر القصة وضيق الجبة، والمسح على الخفين، وغيرها، ولم يذكر المسح على العمامة، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nالرابع: الأسود بن هلال، عن المغيرة بن شعبة، كما في صحيح مسلم (٢٧٤)، وليس فيه المسح على العمامة.\nالخامس: أبو الضحى، عن المغيرة، رواه عبد الرزاق في المصنف (٧٥٠) وعنه أحمد (٤/ ٢٤٧) قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن المغيرة بن شعبة، بذكر المسح على الخفين.\nوقد رواه جماعة عن الأعمش، فقالوا: عنه، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن المغيرة، فرجعت رواية أبي الضحى إلى رواية مسروق، وهي في الصحيحين، ولا أدري الخطأ من سفيان، أو من عبد الرزاق. =","vol":"3","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقد رواه أبو معاوية كما في مصنف ابن أبي شيبة (١١٤٣، ١٨٧٠)، ومسند أحمد (٤/ ٢٥٠)، وصحيح البخاري (٣٦٣)، وصحيح مسلم (٧٧ - ٢٧٤).\nوعيسى بن يونس كما في صحيح مسلم (٧٨ - ٢٧٤)، وسنن النسائي (١٢٣)، وسنن ابن ماجه (٣٨٩).\nوأبو أسامة كما في صحيح البخاري (٣٨٨).\nوعبد الواحد بن زياد كما في صحيح البخاري (٢٩١٨)، أربعتهم عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة.\nالسادس: عبد الرحمن بن أبي نعم، عن المغيرة بن شعبة،\nرواه أحمد (٤/ ٢٤٦)، وأبو داود (١٥٦) من طريق بكير بن عامر، عن عبد الرحمن به. وبكير ضعيف، وليس فيه إلا المسح على الخفين.\nالسابع: أبو السائب مولى هشام بن زهرة، عن المغيرة بذكر المسح على الخفين فقط، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٥٤)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٧)، والطبراني في الكبير (٢٠/) رقم: ١٠٧٨، ١٠٨٠، من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أبي السائب به، بذكر المسح على الخفين فقط.\nالثامن: سالم بن أبي الجعد، عن المغيرة.\nرواه حصين، واختلف عليه فيه:\nفرواه هشيم كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٨٦٧) قال: أخبرنا حصين، عن سالم بن أبي الجعد وعن أبي سفيان، عن المغيرة بذكر ضيق الجبة، والمسح على الخفين.\nورواه عبد الرزاق كما في علل الدارقطني، عن الثوري، عن منصور وحصين، عن أبي وائل عن المغيرة.\nالتاسع: هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة، في المسح على الجوربين والنعلين، ولم يذكر المسح على الخفين، ولا العمامة، وهو حديث معلول، تفرد به هزيل، وقد سبق تخريجه، انظر ح: (٥٢١).\nالعاشر: كاتب المغيرة، عن المغيرة، في مسح أعلى الخف وأسفله، وهو حديث معلول، وقد سبق تخريجه، انظر ح: (٥٨٥).\nالحادي عشر: عروة بن الزبير، عن المغيرة، في مسح ظاهر الخف، وهو حديث ضعيف، وسبق تخريجه، انظر ح: (٥٧١).\nالثاني عشر: أبو سلمة، عن المغيرة، وقد سبق تخريجه، المجلد السابع، بلفظ: كنت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وكان إذا ذهب أبعد في المذهب. انظر ح: (١٣٤٠).\nورواه غيرهم عن المغيرة، وتركت ذكرهم لأني لم أجد بينهم من يروي المسح على العمامة، لهذا اقتصرت في تخريج الحديث على ما سبق، وقد تبين من هذه الطرق أن أكثر الرواة عن المغيرة لم يذكروا المسح على العمامة، وقد تجنب البخاري تخريج حديث المسح على العمامة من حديث =","vol":"3","page":354},{"text":"• وأجيب عن ذلك بجوابين.\nالجواب الأول:\nيتعلق بالاختلاف في ذكر المسح على العمامة، وأن أكثر الرواة عن المغيرة لم يذكروا فيه المسح على العمامة، منهم عروة، ومسروق.\nالجواب الثاني:\nأن الفرض هو مسحه على الناصية، وأما مسحه على العمامة فمن أجل سنة الاستيعاب، ولو ترك المسح على العمامة أجزأه، أما لو اقتصر بالمسح على العمامة، ولم يمسح شيئًا من رأسه لم يجزئه.\n• ورد على هذا:\nبأنه ورد المسح على العمامة دون ذكر الناصية، كما سيأتي، ولم يثبت العكس، فلم يثبت مرفوعًا أنه اقتصر في مسحه على الناصية دون العمامة.\nقال ابن القيم: «لم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه\n_________\n= المغيرة، وقد خرجاه في الصحيحين من طريق عروة بن الزبير، ومن طريق مسروق بدون ذكر العمامة، ورواه مسلم من طريق الأسود بن هلال، وليس فيه ذكر للعمامة، وقد رواه مسلم من طريق بكر بن عبد الله المزني، عن ابن المغيرة، عن المغيرة، والمقصود به حمزة.\nوإذا كان مسلم يقدم الأقوى في إسناد الحديث ولفظه، فانظر ترتيب مسلم لطرق الحديث وألفاظه: فافتتح مسلم حديث المغيرة رواية نافع بن جبير، عن عروة بذكر المسح على الخفين، وهي في البخاري.\nثم ثنى برواية هلال بن الأسود، عن المغيرة بذكر المسح على الخفين.\nثم ثلث برواية مسروق عن المغيرة بالمسح على الخفين، وهي في البخاري.\nثم ساق رابعًا رواية الشعبي، عن عروة بذكر المسح على الخفين بدون ذكر العمامة.\nوجعل مسلم المسح على الناصية هي آخر ما ذكر من طرق حديث المغيرة بن شعبة، ولا شك أن هذا الترتيب عند مسلم له دلالته، وقد صرح في خطبة كتابه أنه يقدم الأقوى.\nكما رجح الدارقطني في العلل طريق عروة بن المغيرة، عن أبيه، قال الدارقطني في العلل (١٢٣٥): «وأحسنها إسنادًا حديث الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه»، والله أعلم.","vol":"3","page":355},{"text":"البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة. وأما اقتصاره على الناصية مجردة فلم يحفظ عنه» (^١).\nفإذا ثبت أنه اقتصر على العمامة في المسح، ولم يثبت أنه اقتصر على الناصية وحدها، كيف تجعل الناصية هي الفرض، والمسح على العمامة مجرد سنة، والعادة أن البعض تبع للكل، وليس الكل تبعًا للبعض فالحكم دائمًا للأغلب، والقليل يتبع الكثير، والعمامة لا شك أنها أغلب الرأس، فهي الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>الدليل الثاني:</span>\n(٦٤٤ - ١٤١) ما رواه البخاري من طريق الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية،\nعن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته، وخفيه.\nقال البخاري: وتابعه معمر، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو قال: رأيت النبي ﷺ (^٢).\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ١٩٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٠٥).\nوقول البخاري: تابعه معمر: أي تابع الأوزاعي في المتن لا في الإسناد، قال الحافظ: «وهذا هو السبب في سياق المصنف الإسناد ثانيًا ليبين أنه ليس في رواية معمر ذكر جعفر». اهـ كلام الحافظ. وأما تخريج الحديث، فالحديث مداره على يحيى بن كثير، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه به، وله طرق إلى يحيى:\nمنها طريق الأوزاعي، أخرجه أحمد (٤/ ١٣٩) وابن ماجه (٥٦٢) عن محمد بن مصعب. صدوق كثير الغلط، لكنه قد توبع.\nورواه أحمد أيضًا (٤/ ١٧٩، ٢٨٨) والدارمي (٧١٠) والبيهقي (١/ ٢٧٠، ٢٧١) عن أبي المغيرة.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢٧٠، ٢٧١) من طريق بشر بن بكر، ومن طريق عبد الله بن المبارك.\nوأخرجه ابن خزيمة (١٨١) من طريق عبد الله بن داود.\nوأخرجه ابن ماجه (٥٦٢) وابن حبان (١٣٤٣) من طريق الوليد بن مسلم، كلهم عن الأوزاعي به. =","vol":"3","page":356},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= واختلف على يحيى بن أبي كثير، فرواه عنه الأوزاعي بذكر المسح على العمامة والخفين، ورواه جماعة عن يحيى، ولم يذكروا العمامة، وإليك ذكرهم:\nالأول: شيبان، كما عند البخاري (٢٠٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٦٣)، وأحمد (٤/ ١٣٩)، ولفظه: أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين.\nالثاني: حرب بن شداد، كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٢٥٤)، وسنن النسائي (١١٩)، ولفظه كلفظ شيبان: أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين.\nالثالث: أبان بن يزيد العطار، كما في مسند أحمد (٤/ ١٧٩)، بلفظ شيبان.\nالرابع: علي بن المبارك، كما في مسند أحمد (٤/ ١٣٩).\nالخامس: معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أمية، فأسقط جعفر بن عمرو، ولم يختلف على معمر في إسناده بإسقاط جعفر، لكن رواه تارة بذكر العمامة، فيكون بهذا متابعًا للأوزاعي، ورواه مرة بذكر الخفين فقط، موافقًا لرواية الجماعة. وهذا تفصيلها:\nفرواه عبد الرزاق (٧٤٦)، ومن طريقه أحمد (٤/ ١٧٩) والبيهقي (١/ ٢٧١) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أمية الضمري قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه. اهـ وليس فيه ذكر العمامة.\nقال الحافظ في الفتح في شرحه لحديث (٢٠٥): «وأخرجها ابن مندة في كتاب الطهارة من طريق معمر بإثباتها - أي بإثبات المسح على العمامة - أما إسقاطه لجعفر بن عمرو، فقال الحافظ في الفتح أيضًا: سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سنة ٦٠، وأبو سلمة مدني، لم يوصف بالتدليس، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو، وقد روى بكير بن الأشج، عن أبي سلمة، أنه أرسل إلى جعفر بن عمرو بن أميه عن هذا الحديث، فرجع إليه، فأخبره به، فلا مانع أن يكون أبو سلمة اجتمع بعمرو بعد، فسمعه منه، ويقويه توفر دواعيهم على الاجتماع بالمسجد النبوي». اهـ\nقلت: وقد رواه غير معمر بإسقاط جعفر بن عمرو، فقد رواه ابن حزم في المحلى (١/ ٣٠٣) من طريق عبد الله بن أحمد، حدثني الحكم بن موسى، ثنا بشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني عمرو بن أمية. قال ابن حزم: أبو سلمة سمعه من عمرو بن أمية سماعًا، وسمعه أيضًا من جعفر ابنه عنه». اهـ\nقلت: قد تفرد بشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي بإسقاط جعفر بن عمرو، وكل من رواه عن الأوزاعي لم يسقطوه، وقد سبق أن ذكرت منهم ستة حفاظ، وبشر بن إسماعيل بن علية مجهول، له ترجمة في الجرح والتعديل (٢/ ٣٥٢)، ولسان الميزان (٢/ ٢٠).","vol":"3","page":357},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ مسح هنا على العمامة، ولم يذكر الناصية، فدل على جواز الاقتصار عليها.\n• وأجيب:\nبأن الأوزاعي قد شذ بذكر المسح على العمامة، وكل من روى الحديث لم يذكر المسح على العمامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1497>الدليل الثالث:</span>\n(٦٤٥ - ١٤٢) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية وعيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة،\nعن بلال أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار (^١).\n_________\n= وأما زيادة الأوزاعي المسح على العمامة، فالبخاري قبلها في صحيحه، معتبرها زيادة ثقة، ونقل الحافظ في الفتح (٢٠٥) عن الأصيلي، فيما حكاه ابن بطال عنه، فقال: «ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي؛ لأن شيبان وغيره رووه عن يحيى بدونها، فوجب تغليب رواية الجماعة على الواحدة، قال: وأما متابعة معمر فليس فيها ذكر العمامة، وهي أيضًا مرسلة؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو ...». اهـ كلامه.\nقلت: أما سماع أبي سلمة من عمرو، فقد سبق الجواب عنه. وأما الجواب عن زيادة الأوزاعي بذكر العمامة، فقال الحافظ: «قد ذكرنا أن ابن مندة أخرجه من طريق معمر بإثبات العمامة فيه، وعلى تقدير تفرد الأوزاعي بذكرها لا يستلزم ذلك تخطئته؛ لأنها تكون زيادة من ثقة حافظ، غير منافية لرواية رفقته، فتقبل، ولا تكون شاذة، ولا معنى لرد الروايات الصحيحة بهذه التعليلات الواهية». اهـ\nقلت: كلام الأصيلي ليس تعليلًا واهيًا، بل هو موافق لمقتضى القواعد الحديثية، ولا نشترط في الزيادة الشاذة أن تكون منافية، وعفى الله عنك يا ابن حجر فقد كنت مضطرب المنهج في زيادة الثقة، وكلامك الذي رجحته في النكت في تعريف الشاذ يرد ما ذكرته هنا وما ذكرته في النخبة، ومنهج المحدثين مخالف لمنهج الأصوليين والفقهاء، بل كم من حديث حكمت عليه في الشذوذ، ولم يكن منافيًا لرواية من هو أوثق، بل يكفي مجرد المخالفة، والله أعلم.\n(^١) صحيح مسلم (٨٤/ ٢٧٥).","vol":"3","page":358},{"text":"[رواه الأعمش، عن الحكم موصولًا، ورواه شعبة والثوري وزيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال منقطعًا ليس فيه كعب بن عجرة] (^١).\n_________\n(^١) حديث بلال رواه جماعة عن بلال، منهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو إدريس الخولاني، ونعيم ابن خمار، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو جندل والحارث بن معاوية.\nأما رواية ابن أبي ليلى: فرواها عنه الحكم واختلف على الحكم في إسناده:\nفرواه شعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي (١١١٦)، وأحمد (٦/ ١٣)، وسنن النسائي (١٠٦).\nوزيد بن أبي أنيسة كما في مسند أحمد (٦/ ١٤)، قال: حدثنا عبد الجبار بن محمد الخطابي، حدثنا عبيد الله (يعني ابن عمرو الرقي)، عن زيد بن أبي أنيسة.\nوعبد الجبار ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه أحد غيره، ولم يرو له أحد من أصحاب الكتب الستة.\nوأبان بن تغلب ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى كما في مسند الحميدي (١٥٠).\nوعبيد الله بن محرر، وهو متروك كما في مصنف عبد الرزاق (٧٣٥)، كلهم (شعبة، وزيد بن\nأبي أنيسة، وأبان بن تغلب، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبيد الله بن محرر) خمستهم عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، وابن أبي ليلى لم يسمع من بلال.\nورواه الأعمش، عن الحكم بن عتيبة، عنه، واختلف على الأعمش:\nفرواه عبد الله بن نمير، كما في مسند أحمد (٦/ ١٤)، والنسائي (١٠٤)، ومسند أبي عوانة (١/ ٢٦٠).\nوعيسى بن يونس كما في صحيح مسلم (٢٧٥)، وسنن ابن ماجه (٥٦١)، ومسند أبي عوانة (١/ ٢٦٠).\nوأبو معاوية، كما في مسند أحمد (٦/ ١٢)، ومصنف ابن أبي شيبة (١/ ٢٨، ١٦٢)، وصحيح مسلم (٢٧٥)، وسنن النسائي (١٠٤)، ومسند أبي عوانة (١/ ٢٦٠).\nوعلي بن مسهر كما في سنن الترمذي (١٠١).\nكلهم رووه عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال، بذكر واسطة بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وبين بلال.\nوتابع الليث بن سليم الأعمش، فرواه عن الحكم به كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٦٨).\nورواه الثوري تارة عن الأعمش، عن الحكم.\nوتارة عن الحكم بلا واسطة، وكلا الطريقين لم يذكر في الإسناد كعب بن عجرة.\nفأما رواية الثوري، عن الأعمش، فأخرجها عبد الرزاق (٧٣٦) ومن طريقه أحمد (٦/ ١٥) عن سفيان، عن الأعمش، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال. فخالف الثوري كل من رواه عن الأعمش، حيث ذكروا كعب بن عجرة بين ابن أبي ليلى، وبين بلال.=","vol":"3","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما رواية الثوري عن الحكم فرواها أحمد (٦/ ١٣) عن عبد الرزاق عنه، عن الحكم به بدون ذكر كعب بن عجرة، كرواية شعبة، وزيد بن أبي أنيسية، وأبان بن تغلب وغيرهم.\nفلعل الثوري اختلط عليه روايته عن الأعمش بروايته عن الحكم بن عتيبة.\nفعلى هذا الأعمش وليث بن أبي سليم، رووه عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال.\nوشعبة والثوري وزيد بن أبي أنيسة، وأبان بن تغلب ومحمد بن أبي ليلى رووه عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال على الانقطاع. ولعل رواية الجماعة أرجح من رواية الأعمش، والله أعلم، خاصة أن الأعمش قد اختلف عليه في إسناده.\nفرواه جماعة عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال كما قد علمت.\nورواه زائدة بن قدامة، عن الأعمش، واختلف على زائدة:\nفرواه أبو أسامة عن زائدة بن قدامة كما في صحيح ابن خزيمة (١/ ١٨٣) كرواية الجماعة عن الأعمش بذكر كعب بن عجرة.\nورواه معاوية بن عمرو ويحيى بن أبي بكير كما في مسند أحمد (٦/ ١٥).\nوطلق بن غنام كما في سنن النسائي (١٠٥) ثلاثتهم رووه عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، عن بلال، كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين. اهـ ولم يذكر موضع الشاهد، وهو المسح على الخمار. وجعلوا بدلًا من كعب بن عجرة البراء بن عازب، وهذا غير محفوظ.\nوسند أحمد رجاله كلهم ثقات، وسند النسائي فيه شيخ النسائي الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي، وفيه جهالة.\nوتابع حفص بن غياث زائدة بن قدامة كما في سنن النسائي بسند فيه ضعف، فرواه النسائي (١٠٥) أخبرنا الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي، عن طلق بن غنام، قال: حدثنا زائدة وحفص ابن غياث، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، عن بلال، قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين.\nوهذا الإسناد فيه الحسين بن عبد الرحمن. قال أبو حاتم: مجهول.\nولم يوثقه أحد سوى ابن حبان ذكره في ثقاته (٨/ ١٨٨). هذا فيما يتعلق برواية الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، وقيل الحكم عن ابن أبي ليلى، عن عن كعب بن عجرة عن بلال، وقيل: الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن البراء، عن بلال، والراجح أنه عن ابن أبي ليلى، عن بلال، كما هي رواية شعبة والثوري، ولم يسمع ابن أبي ليلى من بلال. =","vol":"3","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما حديث بلال من رواية أبي إدريس عنه: فله أكثر من علة:\nالعلة الأولى: رواية أبي إدريس عن بلال، ذكر بعضهم أنها مرسلة.\nالعلة الثانية: الاختلاف في إسناده ولفظه.\nفقيل: عن أبي قلابة عن أبي إدريس، عن بلال، رواه حماد بن سملة، عن أبي قلابة، ورواه معمر ويحيى بن إسحاق وخالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن بلال لا يذكرون أبا إدريس فيكون منقطعًا، ومعمر وحده أرجح من حماد بن سلمة، فكيف وقد توبع معمر. وقد سبق تخريج هذا الطريق، انظر (ح ١٣٣) فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقيل: عن أبي إدريس، عن عوف بن مالك، وسبق تخريج هذا الطريق، انظر (ح ١٠٤)، وليس فيه ذكر لمسح الخمار، وفيه توقيت المسح للمسافر والمقيم.\nوقيل عن أبي إدريس، عن المغيرة بالمسح على الخفين، وليس فيه ذكر للعمامة. انظر التاريخ الكبير (١/ ٣٩٠)، والعلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٩).\nجاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٩) قال: سألت أبي عن حديث رواه هشيم، عن داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي، عن النبي ﷺ أنه بالمسح بتبوك للمسافر ثلاثًا، وللمقيم يوم وليلة وثبت.\nورواه الوليد بن مسلم، عن إسحاق بن سيار، عن يونس بن ميسرة بن حليس، عن أبي إدريس، قال: سألت المغيرة بن شعبة عن ماحصر عن رسول الله ﷺ بتبوك، فبال النبي ﷺ فمسح على خفيه.\nقلت: ورواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن إبي إدريس، عن بلال، عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين والخمار. قلت لأبي: أيهم أشبه وأصح؟\nفقال أبي: داود بن عمرو، وليس بالمشهور، وكذلك إسحاق بن سيار ليس بالمشهور، لم يرو عنه غير الوليد، ولا نعلم روى أبو إدريس عن المغيرة بن شعبة شيئًا سوى هذا الحديث، وأما حديث خالد فلا أعلم أحدًا تابع خالدًا في روايته عن أبي قلابة، ويروونه عن أبي قلابة، عن بلال، عن النبي ﷺ مرسلًا لايقول: أبو إدريس. وأشبههما حديث بلال؛ لأن أهل الشام يروون عن بلال هذا الحديث في المسح من حديث مكحول وغيره، ويحتمل أن يكون أبو إدريس قد سمع من عوف والمغيرة أيضًا؛ فإنه من قدماء تابعي أهل الشام وله إدراك حسن». اهـ\nوذكر البخاري في التاريخ الكبير هذا الاختلاف على أبي إدريس في ترجمة إسحاق بن سيار، فقال البخاري (١/ ٣٩٠): إسحاق بن سيار، سمع يونس بن ميسرة الشامي سمع أبا إدريس الخولاني، سألت المغيرة بن شعبة بدمشق، قال: وضأت النبي ﷺ بتبوك، فمسح على خفيه، قاله لي سليمان بن عبد الرحمن، عن الوليد بن مسلم. =","vol":"3","page":361},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال هشيم، عن داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن عوف بن مالك، قال: جعل النبي ﷺ المسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثًا للمسافر ويومًا للمقيم، قال أبو عبد الله: إن كان هذا محفوظًا، فإنه حسن. وقال حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي إدريس، عن بلال مسح النبي ﷺ، وقال غير واحد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن بلال مرسل. اهـ\nوعليه فرواية أبي أدريس عن بلال؛ الراجح فيها الانقطاع كيفما كان سواء كان المحفوظ فيها\nأبو قلابة عن بلال، كما هو الأكثر، أو كان المحفوظ فيها أبو إدريس عن بلال، كما أنهم لم يتفقوا على لفظه.\nوأما رواية نعيم بن خمار، عن بلال.\nفرواه مكحول، واختلف على مكحول فيه:\nفرواه عبد الرزاق (٧٣٧) ومن طريقه أحمد (٦/ ١٣).\nورواه هشام بن سعيد كما في مسند أحمد (٦/ ١٢).\nورواه أبو سعيد مولى بني هاشم (عبد الرحمن بن عبيد الله البصري). كما في مسند أحمد (٦/ ١٢، ١٣).\nورواه هاشم بن القاسم كما في مسند أحمد (٦/ ١٤) أربعتهم رووه عن محمد بن راشد، قال: حدثني مكحول، عن نعيم بن خمار، أن بلالًا أخبره أن رسول الله ﷺ قال: امسحوا على الخفين والخمار.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات ونعيم بن خمار صحابي، هكذا رواه محمد بن راشد عن مكول على أنه سنة قولية.\nورواه الأوزاعي كما في المعجم الكبير للطبراني (١٠٦٩)، عن مكحول به، بلفظ: أن النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار، وهذا الطريق موافق لطريق محمد بن راشد من حيث الإسناد، إلا أنه جعل السنة سنة فعلية، ولعل هذا هو المحفوظ من حديث بلال، فإن الأوزاعي مقدم على محمد ابن راشد.\nوطريق الأوزاعي في إسناده معاذ بن محمد، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وقال أبي: إمام مسجد المدينة في شهر رمضان ثلاثين سنة. ووثقه ابن حبان، وقال: كان إمام مسجد الرسول ﷺ ثلاثين سنة، ولم يقيد ذلك في رمضان.\nوعليه فرواه محمد بن راشد والأوزاعي، عن مكحول، عن نعيم بن خمار، عن بلال.\nورواه جماعة عن مكحول، وخالفوا فيه محمد بن راشد والأوزاعي في إسناده.\nفرواه أبو وهب العلاء بن الحارث كما في مسند البزار (١٣٨٠)، والطبراني (١١٠٥، ١١٠٩)، عن مكحول، عن الحارث بن معاوية، وأبي جندل عن بلال، هذا إسناد البزار، =","vol":"3","page":362},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما الطبراني فقال: عن الحارث بن معاوية، عن أبي جندل، عن بلال، فإن لم يكن إسناد الطبراني خطأ فهي مخالفة مؤثرة في الإسناد، ذلك أن إسناد البزار: جعل الحارث يتابع أبا جندل،\nوأبا جندل فيه جهالة، فمتابعة الحارث وهو ثقة تقويه، بينما طريق الطبراني يجعل الإسناد ضعيفًا، حيث يرويه الحارث، عن أبي جندل، عن بلال.\nوأبو جندل، هذا غير الصحابي المعروف، ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه أحد غيره.\nورواه المغيرة بن زياد، كما في مسند الشاشي (٩٧٠) عن مكحول، أن الحارث وأبا جندل، عن بلال. وهذه متابعة لإسناد البزار، إلا أن المغيرة بن زياد مختلف فيه، وهو صالح في المتابعات.\nورواه الطبراني (١١٠٣) و(١١٠٤) من طريق ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن الحارث بن معاوية وسهيل بن أبي جندل، عن بلال، وهذه متابعة ثانية لمسند البزار في كون مكحول يرويه عن الحارث وأبي جندل.\nوابن ثوبان هو عبد الرحمن بن ثوبان، صدوق يخطئ، وقد قلب اسم أبي جندل بن سهل.\nورواه عبيد الله بن عبيد الكلاعي في المعجم الكبير للطبراني (١١٠٦)، عن مكحول، عن الحارث بن معاوية، سألنا بلالًا عن المسح على الخفين، فقال بلال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: امسحوا على الخفين والموق، ولم يذكر الخمار.\nوهذا لم يذكر في الإسناد أبا جندل.\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٤١٢) من طريق جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، ثنا محمد بن مهاجر ثنا العباس بن سالم عن أبي جندل بن سهل، أنه سأل بلالًا عن المسح على الخفين، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: امسحوا على الموق. ولم يذكر الخمار.\nولم يذكر في إسناده الحارث بن معاوية.\nفتبين أن مكحول قد اختلف عليه في إسناده ولفظه، وإن كنت أميل إلى أن رواية الأوزاعي عن مكحول، عن نعيم بن خمار، عن بلال مقدمة على غيرها إن لم يكن مكحول قد سمع الحديث من طريقين.\nوأما رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن بلال:\nفمدارها على مجهول، فقد أخرجها أحمد (٦/ ١٣) حدثنا محمد بن جعفر،\nوأخرجه أبو دواد (١٥٣) والحاكم (١/ ١٧٠) من طريق معاذ بن معاذ، كلاهما عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي عبد الله، عن أبي عبد الرحمن، قال: كنت قاعدًا مع عبد الرحمن بن عوف فمر بلال، فسأله عن المسح على الخفين، فقال: كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته، فآتيه بالماء، فيتوضأ، فيمسح على العمامة، وعلى الخفين.\nوأخرجه أحمد (٦/ ١٣) عن محمد بن أبي بكر وعبد الرزاق، عن ابن جريج، عن أبي بكر بن حفص بن عمر، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي عبد الله، أنه سمع عبد الرحمن بن عوف يسأل =","vol":"3","page":363},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن بلالًا هنا نقل المسح على الخمار -يعني: العمامة- ولم يذكر أنه مسح معها شيئًا آخر مما يدل على جواز المسح على العمامة، والاقتصار عليها، وهذا وجه الشاهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1498>الدليل الرابع:</span>\n(٦٤٦ - ١٤٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد،\nعن ثوبان، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين (^١).\n[أعل بالانقطاع] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>الدليل الخامس:</span>\n(٦٤٧ - ١٤٤) حديث سلمان، رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا داود ابن الفرات، قال: حدثنا محمد بن زيد العبدي، عن أبي شريح، عن أبي مسلم مولى يزيد بن صوحان، قال:\n_________\n= بلالًا، فذكره .. وانقلب الإسناد على ابن جريج، فظنه عن أبي عبد الرحمن، عن أبي عبد الله، والصواب العكس، كما في رواية شعبة.\nوأبو عبد الله مولى بني تميم مجهول العين، لم يرو عنه أحد إلا أبو بكر بن حفص، ولم يوثقه أحد، فالإسناد ضعيف، وشيخه أبو عبد الرحمن مجهول أيضًا.\nهذا ما وقفت عليه من طرق الحديث، ولعل طريق مكحول هو أمثل طريق روي فيه المسح على العمامة من حديث بلال، ذلك أن رواية الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال، وإن كانت في مسلم، إلا أن هذا الطريق انفرد به الأعمش، وخالفه الثوري وشعبة، وزيد بن أبي أنيسة وغيرهم رووه عن الحكم، عن عن ابن أبي ليلى، عن بلال، وهو منقطع، والله أعلم، ورواية أبي إدريس قد اختلف عليه فيه في إسناده ولفظه، وهو منقطع أيضًا، ورواية أبي عبد الرحمن السلمي، عن بلال مدارها على مجهول، عن مثله.\nوانظر بقية طرق تخريج الحديث فيما سبق (ح ١٣٣).\n(^١) المسند (٥/ ٢٧٧).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٢٤).","vol":"3","page":364},{"text":"رأيت سلمان الفارسي، ورأى رجلًا يريد أن ينزع خفيه في الوضوء، فأمره سلمان أن يمسح على خفيه وعمامته وشعره، وقال سلمان: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خماره وخفيه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أبي داود الطيالسي (٦٥٦).\n(^٢) الحديث رواه أبو داود الطيالسي (٦٥٦)، وأخرجه أحمد (٥/ ٤٣٩) حدثنا عبد الصمد،\nوأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٤٤٠) حدثنا عبد الرحمن المقرئ وعفان،\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٩) ومن طريقه ابن ماجه (٥٦٣) عن يونس بن محمد،\nورواه الترمذي في العلل (٧١) من طريق ابن مهدي.\nورواه البزار كما في مسنده (٢٥٠٥) من طريق عبد الأعلى.\nورواه ابن حبان (١٣٤٤) والطبراني في الكبير (٦١٦٤) من طريق أبي الوليد الطيالسي،\nوأخرجه الطبراني (٦١٦٥) من طريق أيوب السختياني.\nوأخرجه الطبراني (٦١٦٦) من طريق سعيد بن أبي عروبة، كلهم من طريق داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد العبدي، عن أبي شريح، عن أبي مسلم مولى يزيد بن صوحان، عن سلمان به.\nوفي إسناده وفيه أبو شريح، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٦٠)، ولم يوثقه أحد سواه، وفي الميزان: لا يعرف. وفي التقريب: مقبول.\nأبو مسلم مولى زيد بن صوحان، جاء في ترجمته:\nقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، صالح الحديث. الجرح والتعديل (٧/ ٢٥٦).\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٧/ ٤٢٤).\nوقال الدارقطني: ليس بالقوي. الكاشف (٤٨٦٠).\nوفي التقريب: مقبول. يعني: إن توبع، وإلا فلين.\nوفي العلل للترمذي (٧١): «سألت محمدا عن هذا الحديث قلت: أبو شريح ما اسمه؟ قال: لا أدري لا أعرف اسمه، ولا أعرف اسم أبي مسلم مولى زيد بن صوحان، ولا أعرف له غير هذا الحديث، ورواه عبد السلام بن حرب، عن سعيد، عن قتادة، وقلبه فقال: عن أبي مسلم، عن أبي شريح». اهـ\nوقال أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (١٥٧): «هذا حديث وهم فيه عبد السلام بن حرب».\nقلت: رواه أبو غسان النهدي كما في العلل لابن أبي حاتم (١٥٧) عن عبد السلام بن حرب، فقال: عن أبي مسلم، عن أبي شريح، فوهم فيه.\nورواه الطبراني في الكبير (٦١٦٧) من طريق يحيى الحماني، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي شريح، عن أبي مسلم، على الصواب، لكن الحماني مجروح بسرقة الحديث، فقد يكون تصرف في إسناده.","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1500>الدليل السادس:</span>\n(٦٤٨ - ١٤٥) ما رواه الطبراني في المعجم الصغير، قال: حدثنا محمد بن الفضل ابن الأسود النضري، حدثنا عمر بن شبة النميري، حدثنا حرمي بن عمارة، حدثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ،\nعن أبي طلحة، أن النبي ﷺ توضأ، فمسح على الخفين والخمار.\nقال الطبراني: لم يروه عن شعبة إلا حرمي تفرد به عمر بن شبة (^١).\n[إسناده حسن إن كان شيخ الطبراني ليس ضعيفًا] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الصغير (٢/ ٩٥).\n(^٢) دراسة الإسناد:\n- محمد بن الفضل بن الأسود النضري، شيخ الطبراني لم أقف عليه.\n- عمر بن شبة النميري، جاء في ترجمته:\nقال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق، صاحب عربية وأدب، وسئل أبي عنه، فقال: نميري صدوق. الجرح والتعديل (٦/ ١١٦).\nوقال ابن حبان: مستقيم الحديث، وكان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بتاريخ الناس. الثقات (٨/ ٤٤٦).\nوقال الخطيب: كان ثقةً عالمًا بالسير وأيام الناس، وله تصانيف كثيرة. تاريخ بغداد (١١/ ٢٠٨).\nوقال الدارقطني: ثقة. المرجع السابق.\nوقال مسلمة: ثقة. تهذيب التهذيب (٧/ ٤٠٤).\nوفي التقريب: صدوق له تصانيف.\n- حرمي بن عمارة. جاء في هدي الساري.\nقال أبو حاتم: هو صدوق، وقال: ليس هو في عداد يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغندر، وهو مع عبد الصمد بن عبد الوارث ووهب بن جرير وأمثالهما. الجرح والتعديل (٣/ ٣٠٧)، وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين عن حرمي بن عمارة بن أبي حفصة كيف هو؟ قال: صدوق. المرجع السابق.\nوقال أحمد بن محمد: قال أبو عبد الله -يعني ابن حنبل- في حرمي بن عمارة كلامًا معناه أنه صدوق، ولكن كانت فيه غفلة، فذكرت له عن علي بن المديني، عن حرمي بن عمارة، عن شعبة، عن قتادة وأنس، من كذب .... فأنكره. ضعفاء العقيلي (١/ ٢٧٠).\nوفي التقريب صدوق يهم.\n- يحيى بن جعدة.\nقال فيه ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال حجازي ثقة. الجرح والتعديل (٩/ ١٣٣).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٢٠).\nوقال النسائي: ثقة. تهذيب التهذيب (١١/ ١٦٩). وبقية الإسناد ثقات مشهورون. فالإسناد حسن إن كان شيخ الطبراني ليس ضعيفًا، وهذا هو الظاهر إن شاء الله تعالى لأمرين:\nالأول: أنه لم يذكر في لسان الميزان.\nوالثاني: أن الهيثمي رواه في المجمع، وقال (١/ ٢٥٥، ٢٥٦): «رجاله موثوقون».","vol":"3","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1501>الدليل السابع:</span>\n(٦٤٩ - ١٤٦) ما رواه الخطيب من طريق الحسن بن الربيع، حدثنا أبو شهاب، عن عاصم،\nعن أنس أن النبي ﷺ كان يمسح على الموقين والخمار (^١).\n[أعله الدارقطني وأبو حاتم الرازي، وقالا: المحفوظ فيه المسح على الخفين موقوفًا على أنس] (^٢).\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (١٢/ ١٤١).\n(^٢) اختلف في إسناده: فرواه الحسن بن الربيع كما في تاريخ بغداد (١٢/ ١٤١)، وسنن البيهقي (١/ ٢٨٩)، عن أبي شهاب الحناط، عن عاصم الأحول، عن أنس بالمسح على الموقين والخمار.\nورواه إسماعيل بن نصر، عن عمران القطان، كما في العلل للدارقطني (١٢/ ١٠١).\nورواه البيهقي (١/ ٢٨٥) من طريق يزيد بن هارون، كلاهما عن عاصم الأحول، عن أنس أن النبي ﷺ وذكر المسح على الجوربين.\nقال الدارقطني: «وكلاهما وهم، والصحيح عن عاصم ما رواه علي بن مسهر، وثابت بن يزيد، وزهير، وطلحة بن سنان، عن عاصم، عن أنس موقوفا، أن أنسا مسح على خفيه».\nوقيل: عن عاصم الأحول، عن راشد بن نجيح، عن أنس موقوفًا على أنس بالمسح على الخفين.\nوجاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٧٣) «قال: سألت أبي عن حديث رواه الحسن بن الربيع، عن أبي شهاب، عن عاصم، عن أنس، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين. قال أبي: هذا خطأ، إنما هو عاصم، عن راشد بن نجيح، قال: رأيت أنسًا مسح على الخفين فعله». اهـ\nقلت: المسح على العمامة موقوفًا على أنس قد ثبت عنه بسند صحيح من طريق عاصم أيضا، وسيأتي الاستدلال له في الآثار.\nورواه الطبراني في الأوسط (٤٦٦٤) من طريق علي بن الفضل بن عبد العزيز الحنفي، قال: حدثنا سليمان التيمي، عن أنس بن مالك، قال: وضأت رسول الله ﷺ قبل موته، فمسح على العمامة والخفين.\nوعلي بن الفضيل، ذكره ابن حجر تمييزًا في تهذيب التهذيب، فقال: شيخ لبقية، روى عن سليمان التيمي. ولم أقف على أحد وثقه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٥٥) لم أجد من ذكره. اهـ وبقية رجاله ثقات.\nوقال صاحب كتاب (الهداية في تخريج أحاديث البداية): أخرجه هلال بن العلاء الباهلي، في جزئه، حدثنا أبي، ثنا بقية بن الوليد، عن علي بن المفضل - قلت: الصواب ابن فضيل - سمعت سليمان التيمي يقول: سمعت أنس بن مالك يقول ... وذكر الحديث.","vol":"3","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1502>الدليل الثامن:</span>\n(٦٥٠ - ١٤٧) ما رواه الطبراني في الأوسط، من طريق جعفر النفيلي، ثنا عفير ابن معدان، عن سليم بن عامر،\nعن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والعمامة في غزوة تبوك (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) مجمع البحرين (٤٥٩).\n(^٢) فيه عفير بن معدان روى له الترمذي وابن ماجه.\nقال أبو حاتم: قال دحيم: عفير بن معدان ليس بشيء، لزم الرواية عن سليم بن عامر وشبهه بجعفر بن الزبير وبشر بن نمير. الجرح والتعديل (٧/ ٣٦).\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن عفير بن معدان، فقال: هو ضعيف الحديث، يكثر الرواية عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ بالمناكير ما لا أصل له، لا يشتغل بروايته. المرجع السابق.\nوقال عباس -يعني الدوري-: سمعت يحيى قال: عفير بن معدان ليس بثقة. ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٣٠).\nوقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى: عفير بن معدان؟ قال: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: عامة رواياته غير محفوظة. الكامل (٥/ ٣٧٩).\nوفي التقريب: ضعيف.","vol":"3","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1503>الدليل التاسع: من الآثار</span>.\n(٦٥١ - ١٤٨) روى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، قال:\nرأيت أبا بكر يمسح على الخمار (^١).\n[حسن] (^٢).\nالأثر الثاني: عن عمر.\n(٦٥٢ - ١٤٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، قال:\nقال عمر: إن شئت فامسح على العمامة، وإن شئت فانزعها (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٢٨).\n(^٢) رجاله كلهم ثقات إلا محمد بن إسحاق فإنه صدوق، وقد رواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٦٧) من طريق يعلى، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب به.\nوعنعنة ابن إسحاق قد صرح بالتحديث، انظر مقدمة محقق كتاب التفسير من سنن سعيد بن منصور (١/ ١٠٩).\n(^٣) المصنف (١/ ٢٩).\n(^٤) رجاله كلهم ثقات، وعمران بن مسلم هو الجعفي الكوفي، قال ابن مهدي: أحاديث عمران ابن مسلم أحاديث صحاح مستقيمة، لا يختلفون فيه، ووثقه أبو حاتم ويحيى ابن معين وأحمد، وذكره الحافظ في التقريب تمييزًا، وقال: ثقة.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٦٧) من طريق يحيى بن سعيد به. وسقط من إسناد ابن المنذر سفيان، ولعله من الناسخ، واختلف على سفيان فيه: فرواه يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، عن عمر.\nوخالفه ابن مهدي، فرواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٩) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، عن نباتة، قال: سألت عمر بن الخطاب عن المسح على العمامة، قال: إن شئت ورواه ابن المنذر (١/ ٤٦٧) عن ابن مهدي به. فزاد في الإسناد نباتة.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٦٧) عن ابن مهدي به.","vol":"3","page":369},{"text":"قال ابن المنذر: «لو لم يثبت الحديث عن النبي ﷺ فيه، لوجب القول به لقول النبي ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، ولقوله ﷺ: (إن يطيعوا أبا بكر وعمر فقد رشدوا)، ولقوله ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)» (^١).\nالأثر الثالث:\nصح المسح على العمامة من فعل أنس ﵁.\n(٦٥٣ - ١٥٠) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان،\nعن عاصم، قال: رأيت أنسًا يمسح على الخفين والعمامة (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nالأثر الرابع: عن أبي أمامة.\n(٦٥٤ - ١٥١) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة،\nعن أبي غالب، قال رأيت أبا أمامة يمسح على العمامة (^٤).\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٤٦٨).\n(^٢) المصنف (١/ ٢٩).\n(^٣) ورواه عبد الرزاق (٧٣٨) عن الثوري،\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٦٨) من طريق يزيد بن هارون، أنا عاصم به. وهذا إسناد صحيح عن أنس ﵁.\n(^٤) المصنف (١/ ٢٩).","vol":"3","page":370},{"text":"[أرجو أن يكون حسنًا] (^١).\nالمرفوع منها فيها اختلاف بالرغم من أنها رويت في البخاري ومسلم، بأن الموقوف فيصح عن بعض الصحابة المسح على العمامة، وهو كاف في المشروعية، فإن الصحابة لا يفعلون ذلك إلا وقد أخذوه من الرسول ﷺ، والله أعلم.\n• جواب المانعين من المسح على هذه الآثار:\nالجواب الأول:\nأن المرفوع في المسح على العمامة فيه اختلاف كبير، تبين لنا هذا من واقع تخريج ألفاظ تلك الأحاديث، حتى قال العقيلي في الضعفاء: «الرواية في مسح العمامة فيها لين» (^٢).\n• ويجاب:\nبأن المرفوع وإن كان فيه ما فيه إلا أن الموقوف على بعض الصحابة صحيح، وهو كاف في المشروعية، فإن الصحابة لا يفعلون ذلك إلا وقد أخذوه من الرسول ﷺ.\nالجواب الثاني:\nقال النووي: الأحاديث التي ذكر فيها المسح على العمامة فقط، وقع فيها اختصار، والمراد مسح على الناصية والعمامة، ويدل على صحة هذا التأويل أنه صرح به في حديث المغيرة كما سبق بيانه، ثم قال مستدلًا على صحة هذا التأويل: إن القرآن\n_________\n(^١) انفرد به أبو غالب صاحب أبي أمامة، وثقه الدارقطني، وقال مرة: يعتبر به، وضعفه النسائي وغيره، وفي التقريب: صدوق يخطئ،\nوأعاده ابن أبي شيبة (١٩٧٩) بلفظ: رأيت أبا أمامة يمسح على الجوربين.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٦٣، ٤٦٨) من طريق حجاج، ثنا حماد به بلفظ: أنه كان يمسح على الجوربين والخفين والعمامة، وأعاده بنفس الإسناد (١/ ٤٦٨) بلفظ: يمسح على الخفين والعمامة.\n(^٢) الضعفاء الكبير (٤/ ٢٠٣).","vol":"3","page":371},{"text":"جاء بوجوب مسح الرأس، وجاءت الأحاديث الصحيحة بمسح الناصية مع العمامة، وفي بعضها مسح العمامة ولم تذكر الناصية، فكان محتملًا لموافقة الأحاديث الباقية، ومحتملًا لمخالفتها، فكان حملها على الاتفاق، وموافقة القرآن أولى. قال أصحابنا: وإنما حذف بعض الرواة ذكر الناصية؛ لأن مسحها كان معلومًا؛ لأن مسح الرأس مقرر، معلوم لهم، وكان المهم بيان مسح العمامة.\nقال الخطابي: والأصل أن الله تعالى فرض مسح الرأس، والحديث محتمل للتأويل، فلا يترك اليقين بالمحتمل، وقال هو وسائر الأصحاب: وقياس العمامة على الخف بعيد؛ لأنه يشق نزعه، بخلافها، والله أعلم (^١).\n• ورد عليهم:\nبأن الظن بأن الصحابة رضوان الله عليهم اختصروا الحديث، وأنهم جاؤا بصيغة توهم أنه يجوز الاقتصار على العمامة، مع أن الاقتصار عليها لايجوز ظن لا يليق بصحابة رسول الله ﷺ، وقد عدلهم الله في كتابه، وعدلهم الرسول ﷺ بسنته، وهم أدرى الناس بمقتضى اللغة ومدلولها، وما حمل الناس على هذا الظن الذي لا يليق بصحابة رسول الله ﷺ إلا أن الإنسان قد يعتقد حكم المسألة قبل النظر في أدلتها، إما تقليدًا لإمام، أو موافقة لقول الأصحاب، وبالتالي إذا جاء ما يخالف هذا الاعتقاد تكلف في التأويل غير المستساغ، وأما من يسلم قياده للدليل الشرعي فإنه يميل معه حيث ما مال، وافق من وافق، وخالف من خالف؛ لأن الحجة هو الدليل والدليل وحده، بفهم الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا تجد أهل الحديث أقل الناس خلافًا لسلامة المنهج، والله الموفق للصواب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1504> أدلة المانعين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1505>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦]، وحقيقته تقتضي إمساسه الماء،\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٣٩).","vol":"3","page":372},{"text":"ومباشرته، والعمامة ليست رأسًا، وماسح العمامة غير ماسح برأسه، فلا فلا تصح طهارته.\n• وأجيب:\nبأن مسح الرأس لا ينافي إثبات المسح على العمامة بدليل آخر، وليس إثبات أحدهما مبطلًا للآخر، كما أن إثبات غسل الرجلين بقوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) ليس مبطلًا لإثبات المسح على الخفين، هذا مع التسليم أن قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) لا يشمله المسح على العمامة، وقد يقال: إن من مسح على عمامته، فقد مسح برأسه، فمن قَبَّلَ رأس الرجل من فوق عمامته، قيل له: قبل رأسه، وكذا من مسح على العمامة.\nثم كيف يظن أن المسح على العمامة معارض لآية المائدة، وقد مسح أبو بكر وعمر وجمع من الصحابة ﵃.\nقال ابن المنذر: كيف يجوز أن يجهل مثل هؤلاء فرض مسح الرأس، وهو مذكور في كتاب الله ﷾، فلولا بيان النبي ﷺ لهم ذلك وإجازته ما تركوا ظاهر الكتاب والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1506>الدليل الثاني:</span>\nالآثار متواترة في مسح الرأس، فلو كان المسح على العمامة جائزًا لورد النقل به متواترًا في وزن وروده في المسح على الخفين، فلما لم يثبت عنه مسح العمامة من جهة التواتر، لم يجز المسح عليها من وجهين:\nأحدهما: أن الآية تقتضي مسح الرأس، فغير جائز العدول عنه إلا بخبر يوجب العلم.\nوالثاني: عموم الحاجة إليه، فلا يقبل في مثله إلا المتواتر من الأخبار (^١).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٩٥).","vol":"3","page":373},{"text":"• وأجيب:\nبأن خبر الآحاد يوجب العلم على الصحيح، وتثبت به الأحكام، ولا يشترط أن يكون الخبر متواترًا حتى يقبل، وما كان معروفًا عند السلف رد خبر الآحاد إذا كان السند إليه صحيحًا غير معارض بأقوى منه لكونه من أخبار الآحاد، وإنما جاء الكلام فيه من أهل البدع، وممن ردوا الأخبار الصحيحة لمعارضته لأفهامهم السقيمة، بل إن مصطلح التواتر والآحاد مصطلح حادث، وصدق القائل:\nوكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم.\nوليس هذا موضع الاستدلال على قبول خبر الآحاد، ولا على تناقض أصحاب هذا القول، وقبولهم في مواضع كثيرة ما ردوه في موضع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>الدليل الثالث:</span>\n(٦٥٥ - ١٥٢) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، حدثني مرحوم بن عبد العزيز العطار، حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة،\nعن ابن عمر قال: توضأ رسول الله ﷺ واحدة واحدة، فقال: هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به. الحديث قطعة من حديث طويل (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال الجصاص: معلوم أنه مسح برأسه؛ لأن مسح العمامة لا يسمى وضوءًا، ثم نفى جواز الصلاة إلا به.\n• وأجيب:\nأولًا: أن الحديث ضعيف جدًّا فيه عبد الرحيم بن زيد العمي، وهو متروك، زيد\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤١٩).","vol":"3","page":374},{"text":"العمي، وهو ضعيف، ومعاوية لم يدرك ابن عمر (^١).\n_________\n(^١) جاء في ترجمة عبد الرحيم بن زيد العمي:\nقال البخاري: تركوه. التاريخ الكبير (٦/ ١٠٤).\nوقال يحيى بن معين: عبد الرحيم بن زيد العمي ليس بشيء. الجرح والتعديل (٥/ ٣٣٩).\nقال أبو حاتم الرازي: عبد الرحيم بن زيد العمي ترك حديثه، كان يفسد أباه يحدث عنه بالطامات. المرجع السابق.\nوقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن عبد الرحيم بن زيد، فقال: واهي ضعيف الحديث. المرجع السابق. فأمره واضح، فلا نطيل في ترجمته.\nوفيه زيد العمي، ضعيف أيضًا، جاء في ترجمته:\nقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. الطبقات الكبرى (٧/ ٢٤٠).\nوقال ابن معين: ليس بشيء. تاريخ ابن معين رواية ابن طهمان (٤٧).\nوقال أبو داود: «ليس بذاك». سؤالات الآجري لأبي داود (٤١١).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء للنسائي (٢٢٦).\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٢/ ٧٤).\nوقال أحمد: صالح. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، وكان شعبة لايحمد حفظه. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، واهي الحديث، ضعيف. الجرح والتعديل (٣/ ٥٦٠، ٥٦١).\nوقال ابن حبان: «يروي عن أنس أشياء موضوعة لا أصل لها، حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها، وهو عندي لا يجوز الاحتجاج بخبره، ولا كتابة حديثه إلا للاعتبار».\nوقال ابن عدي: «هو في جملة الضعفاء، ويكتب حديثه على ضعفه». الكامل (٣/ ١٠٥٥).\nوقال الدارقطني: صالح. الضعفاء للدارقطني (٣٤٢) في ترجمة ابنه عبد الرحيم بن زيد العمي. وفي التقريب: ضعيف.\n[تخريج الحديث]:\nالحديث رواه أبو يعلى في مسنده (٥٥٩٨) حدثنا أحمد بن بشير المذكر، حدثنا عبدالرحيم العمي به.\nوقال أبو حاتم كما في علل الحديث لابنه (١/ ٤٥): «عبد الرحيم بن زيد متروك الحديث، وزيد العمي ضعيف الحديث، ولا يصح الحديث عن النبي ﷺ».\nوفيه أيضًا: «وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: هو عندي واه، ومعاوية بن قرة لم يلحق ابن عمر».\nوقال البوصيري كما في مصباح الزجاجة (١/ ٦١): «وهذا إسناد فيه زيد العمي، وهو ضعيف، وعبد الرحيم متروك، بل كذاب، ومعاوية بن قرة لم يلحق ابن عمر، قاله ابن أبي حاتم في العلل، وصرح به الحاكم في المستدرك».\nوأخرجه الطيالسي (١٩٢٤) قال: حدثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: هذا وظيفة الوضوء الذي لا تحل الصلاة الا به، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء من أراد أن يضاعف له الأجر مرتين، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلى. ومن طريق سلام الطويل أخرجه الدارقطني (١/ ٨٠) في سننه.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٧٩) من طريق محمد بن الفضل، عن زيد العمي به.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٩٨) ومن طريقه الدارقطني (١/ ٨١) ثنا أسود بن عامر، أنا أبو إسرائيل، عن زيد العمى، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ. وهذا من تخليط زيد العمي.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٨٠) والبيهقي في السنن (١/ ٨٠) من طريق المسيب بن واضح، حدثنا حفص بن ميسرة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.\nقال الدارقطني: تفرد به المسيب بن واضح، عن حفص بن ميسرة، والمسيب ضعيف، وانظر (١٦٥).","vol":"3","page":375},{"text":"ثانيًا: مسح الخفين لا يسمى وضوءًا، ولم يمنع الحديث من المسح على الخفين، ولا من المسح على الجبيرة، فكذلك لا يمنع على فرض ثبوته من المسح على العمامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>الدليل الرابع:</span>\nمن النظر، قالوا: إن الرأس عضو طهارته المسح، فلم يجز المسح على حائل دونه كالوجه واليد في التيمم فرضه المسح، فلم يجز على حائل دونه، وهذا مجمع عليه.\n• وأجيب:\nهذا قياس في مقابلة النص فلا يعتبر، والأمور في مثل هذا لا يجري فيها القياس، فالرجلان فرضهما الغسل، ويجوز المسح عليهما، والذراع فرضه الغسل، وحين لم يتمكن الرسول ﷺ من إخراجه لغسله لضيق كمه نزع يده من كمه وغسله، ولم يمسح عليه.\nوقد يقابل هذا القياس بقياس مثله، فيقال: الرأس عضو يسقط فرضه بالتيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين.","vol":"3","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1509>الدليل الخامس:</span>\n(٦٥٦ - ١٥٣) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل،\nعن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة (^١).\n• وأجيب عن هذا الحديث:\nأولًا: إسناده ضعيف (^٢).\nثانيًا: وعلى فرض صحته، فإنه لا يعارض المسح على العمامة. قال ابن المنذر: «المسح على العمامة ليس بفرض لا يجزئ غيره، ولكن المتطهر إن شاء مسح برأسه، وإن شاء على عمامته، كالماسح على الخفين، المتطهر بالخيار، إن شاء غسل رجليه، وإن\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١٤٧).\n(^٢) في إسناده أبو معقل، مجهول العين، لم يرو عنه إلا عبد العزيز بن مسلم، ولم يوثقه أحد، وجهله ابن القطان، والذهبي، وفي التقريب: مجهول.\nوفي إسناده أيضًا عبد العزيز بن مسلم،\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه، فلم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٥/ ٣٩٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٢٣)، ولا أعلم أحدًا غيره وثقة.\nوفي التقريب: مقبول. أي حيث توبع، وإلا فلين.\nالحديث أخرجه ابن ماجه (٥٦٤) حدثنا أبو طاهر: أحمد بن عمرو بن السرح.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٦٩) من طريق أحمد بن صالح، كلاهما معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم به.\nوقال: هذا الحديث وإن لم يكن إسناده من شرط الكتاب، فإن فيه لفظة غريبة، وهي أنه مسح على بعض الرأس، ولم يمسح على عمامته.\nوأخرجه البيهقي في السنن (١/ ٦٠، ٦١) من طريقين عن ابن وهب به.\nوقال ابن السكن كما في تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١/ ٣٧٤): لا يثبت إسناده.\nوقال ابن القطان: لا يصح. وضعفه ابن عبد الهادي.\nوقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٩٥): «وفي إسناده نظر».","vol":"3","page":377},{"text":"شاء مسح على خفيه» (^١).\nثالثًا: قال ابن القيم: «مقصود أنس به أن النبي ﷺ لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه» (^٢). اهـ\nوهذه الأجوبة جيدة لو كان الحديث صحيحًا، وما دام أنه لم يصح فلا نتكلف الإجابة عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1510>الدليل السادس:</span>\n(٦٥٧ - ١٥٤) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال:\nبلغني أن النبي ﷺ كان يتوضأ، وعليه العمامة، يؤخرها عن رأسه، ولا يحلها، ثم مسح برأسه، فأشار الماء بكف واحد على اليافوخ قط، ثم يعيد العمامة (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n• وأجيب:\nهذا الحديث مرسل، قال يحيى بن سعيد القطان: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب.\nوقال أحمد: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء؛ فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد.\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٤٦٩).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ١٩٤).\n(^٣) المصنف (٧٣٩).\n(^٤) الحديث رواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٠) حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن عطاء، أن رسول الله ﷺ توضأ، فرفع العمامة، فمسح مقدم رأسه.\nورواه البيهقي (١/ ٦١) من طريق مسلم -يعني: ابن خالد- عن ابن جريج به. ومسلم بن خالد وإن كان متكلمًا فيه فقد توبع. وعلى كل فالحديث مرسل، والمرسل لاحجة فيه، خاصة مراسيل عطاء.","vol":"3","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1511>الدليل السابع: من الآثار</span>.\n(٦٥٨ - ١٥٥) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان لا يمسح على العمامة (^١).\n[صحيح] (^٢).\nالأثر الثاني، عن جابر ﵁.\n(٦٥٩ - ١٥٦) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن عباد بن إسحاق (عبد الرحمن بن إسحاق) عن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: سألت جابرًا عن المسح على العمامة، فقال: أمس الماء الشعر (^٣).\n[حسن] (^٤).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٢٩).\n(^٢) رجاله كلهم ثقات، ورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٧٠) من طريق يحيى، عن سفيان به.\n(^٣) المصنف (١/ ٢٩).\n(^٤) رجاله كلهم ثقات إلا عبد الرحمن بن إسحاق، فإنه صدوق، وتكلم فيه بسبب بدعته حيث رمي بالقدر، جاء في ترجمته:\nقال يحيى بن سعيد القطان: سألت بالمدينة عن عبد الرحمن بن إسحاق فلم أرهم يحمدونه. الجرح والتعديل (٥/ ٢١٢).\nوقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن إسحاق المديني، فقال: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة، وكان يحيى لا يعجبه. قلت: كيف هو؟ قال: صالح الحديث. المرجع السابق.\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عبد الرحمن بن إسحاق المديني، فقال: ليس به بأس، فقلت له: إن يحيى بن سعيد يقول: سألت عنه بالمدينة فلم يحمدوه، فسكت أحمد. المرجع السابق. قلت: من أجل المذهب.\nوقال يحيى بن معين: ثقة صالح الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم: قدم البصرة، يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو قريب من محمد بن إسحاق، صاحب المغازي، وهو حسن الحديث، وليس بثبت، ولا قوي، وهو أصلح من عبد الرحمن بن إسحاق أبي شيبة. المرجع السابق. وفي التقريب: صدوق رمي بالقدر.\n- وأبو عبيدة بن محمد بن عمار، قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول اهـ.\nقلت: هو أكبر من هذا، فقد وثقه ابن معين كما في تهذيب الكمال، وقال عبد الله ابن أحمد في مسند أبيه (٢/ ٢١٩): أبو عبيدة هذا: اسمه محمد، وهو ثقة اهـ.\nفالإسناد حسن إلى جابر إن شاء الله تعالى.","vol":"3","page":379},{"text":"وسوف يأتي إن شاء الله تعالى عن عائشة وصفية بنت عبيد في المسح على الخمار نحو هذا.\nقال ابن المنذر: وليس في إنكار من أنكر المسح على العمامة حجة؛ لأن أحدًا لا يحيط بجميع السنن، ولعل الذي أنكر ذلك لو علم بالسنة لرجع إليها، بل غير جائز أن يظن مسلم ليس من أهل العلم غير ذلك، فكيف من كان من أهل العلم، ولا يجوز أن يظن بالقوم غير ذلك، وكما لم يضر إنكار من أنكر المسح على الخفين، ولم يوهن تخلف من تخلف عن القول بذلك إذا أذن النبي ﷺ في المسح على الخفين، كذلك لا يوهن تخلف من تخلف عن القول بإباحة المسح على العمامة.\n• والراجح من هذا الخلاف\nبعد النظر في أدلة الأقول، أجد أن الأحاديث المرفوعة بالمسح على العمامة فيها كلام، ويبقى النظر والاحتجاج في الآثار الموقوفة، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1512>الفصل الثاني في المسح على الخمار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما خمر الرأس أي غطاه، فإنه يجوز المسح عليه، والعمامة تسمى خمارًا في اللغة، فهي داخلة في العموم اللفظي لكلمة عمامة.\n• ثبت أن النبي ﷺ كان في إحرامه ملبِّدًا رأسه، فما وضع على الرأس من التَّلبيد فهو تابع له.\n• المسح على العمامة، هل متعلق بالمسمى، فلا يمسح إلا على ما يسمى عمامة بالصفة التي كانت معهودة في عصر النبوة، أم أن المسح متعلق بالمعنى، فكل ما خمر الرأس وغطاه، فهو عمامة، يجوز المسح عليه؟ الراجح الثاني.\n[م-٢٦٨] اختلف العلماء في مسح المرأة على الخمار،\nفقيل: تمسح كما يمسح الرجل على العمامة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١)،\n_________\n(^١) انظر مسائل ابن هانئ (١/ ١٩)، ورجح أصحاب أحمد أن تكون خمر النساء مدارة تحت حلوقهن، انظر الفروع (١/ ١٦٤)، كشاف القناع (١/ ١١٢، ١١٣)، شرح غاية المنتهى (١/ ١٢٤)، الروض المربع (١/ ٢٨٣).","vol":"3","page":381},{"text":"ورجحه ابن حزم (^١).\nوقيل: لا تمسح، وهو مذهب الجمهور (^٢)،\nورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: إن خافت من البرد ونحوه مسحت، مال إليه ابن تيمية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1513> دليل من قال لا تمسح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1514>الدليل الأول:</span>\nكل دليل استدلوا به في المنع من المسح على العمامة استدلوا به في المنع من مسح الخمار.\nوكل جواب قيل عن استدلالهم هناك، يقال لهم هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>الدليل الثاني:</span>\nجاء الإذن بالمسح على العمامة، أما المسح على الخمار فلم يأت دليل في المسح عليه، والأصل المنع.\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٠٣).\n(^٢) في مذهب الحنفية انظر أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٩٥)، المبسوط (١/ ١٠١)، بدائع الصنائع (١/ ٥).\nوفي مذهب المالكية، قال في المدونة (١/ ١٢٤): «قال مالك في المرأة تمسح على خمارها أنها تعيد الصلاة والوضوء»، وفي المنتقى للباجي (١/ ٧٥): «وسئل مالك عن المسح على العمامة والخمار، فقال: لا ينبغي أن يمسح الرجل ولا المرأة عمامة ولا خمارًا، وليمسحا على رؤسهما». اهـ وانظر مواهب الجليل (١/ ٢٠٧)، وفي مذهب الشافعية انظر حاشية الجمل (١/ ١٢٨)، أسنى المطالب (١/ ٤١)، المجموع (١/ ٤٣٩).\n(^٣) الفروع (١/ ١٦٤).\n(^٤) قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢١٨): «وإن خافت المرأة من البرد ونحوه مسحت على خمارها، فإن أم سلمة كانت تمسح على خمارها، وينبغي أن تمسح معه بعض شعرها، وأما إذا لم يكن بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين أهل العلم».\nولا أدري لماذا رأى ابن تيمية ﵀ أن تمسح مع الخمار بعض شعرها، مع العلم أنه يرى وجوب استيعاب الرأس بالمسح إذا لم يكن هناك خمار، فإن كان مسح الخمار كافيًا لم يكن ثمة حاجة إلى مسح بعض الشعر، وإن لم يكن كافيًا كمذهب الشافعية، يستحبون مسح الناصية مع العمامة فينبغي أن يرى أن مسح بعض الرأس كافيًا إذا لم يكن هناك عمامة.","vol":"3","page":382},{"text":"• وأجيب:\nبأن العمامة تسمى خمارًا، كما جاء في الأحاديث أن الرسول ﷺ مسح على العمامة والخمار، راجعها في مسألة المسح على العمامة، فإذا كانت العمامة تسمى خمارًا فخمار المرأة داخل في العموم اللفظي لكلمة عمامة، فلم يتعلق الحكم بالمسمى؛ لأن العمامة تسمى خمارًا، ولا مانع من تسمية خمار المرأة عمامة إلا أنها خاصة بالمرأة؛ لأن كلًا منهما تخمر الرأس: أي تغطيه، ثم إن الرسول ﷺ لم يقل: لا يمسح إلا على العمامة، ولو قال هذا لربما سلم ما تقولون، لكن علمنا بمسحه على العمامة أنه يجوز المسح على كل ما غطى الرأس، حتى الخضاب الذي على الرأس، والحناء ونحوهما إذا خمر رأس المرأة جاز المسح عليه، فمباشرة الرأس بالماء ليست فرضًا، والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1516>الدليل الثالث، من الآثار</span>.\n(٦٦٠ - ١٥٧) روى البيهقي في السنن الكبرى، من طريق ابن وهب، أخبرك ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن أم علقمة مولاة عائشة ﵂،\nعن عائشة ﵂ أنها كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الرداء، تمسح برأسها كله (^١).\n[حسن] (^٢).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٦١).\n(^٢) في إسناده أم علقمة: واسمها مرجانة.\nروى لها البخاري تعليقًا، في كتاب الحيض، باب (١٩): إقبال المحيض وإدباره، وروى عنها ابنها علقمة كما في الموطأ (١/ ٥٩)، وبكير بن عبد الله الأشج، كما في سنن البيهقي (١/ ٦١، ٢٨١، ٤٢٣)، وذكرها ابن حبان في الثقات. الثقات (٥/ ٤٦٦).\nوذكرها الذهبي في الميزان (٤/ ٦١٠) من المجهولات.\nوفي التقريب: مقبولة، يعني حيث توبعت.\nوالذي أراه أن حديثها في مرتبة الحسن لذاته.\nأولًا: لأنها من التابعين، والكلام في التابعين قليل، واشتراط أن يوجد فيها نص على توثيقها متعسر؛ لقلة الكلام في الرواة، ولكون الكذب في عهدهم لم يتفش.\nثانيًا: البخاري قد علق في كتاب الحيض، في باب (١٩) إقبال الحيض وإدباره أثرًا عن عائشة بصيغة الجزم، وهذا يقتضي صحته إلى من علقه عنها، وهو لا يعرف إلا من رواية أم علقمة، عن عائشة، فلو كان فيها ما يقدح في روايتها لعلقه البخاري عنها، عن عائشة، أو ساقه عنها بصيغة التمريض.\nثالثًا: أن مالكًا أخرج لها في الموطأ (١/ ٥٩)، ومعلوم شدة الإمام مالك، وتنقيته للرجال، وهي مدنية، ومالك من أعلم الناس في أهل المدينة. والله أعلم.\nوأما ابن لهيعة، وإن كان فيه ضعف فقد تابعه ثقة، وهو عمرو بن الحارث. فالإسناد حسن.","vol":"3","page":383},{"text":"الأثر الثاني:\n(٦٦١ - ١٥٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن مالك بن أنس، عن نافع، قال: رأيت صفية بنت أبي عبيد توضأت، فأدخلت يدها تحت خمارها، فمسحت بناصيتها (^١).\n[صحيح].\n• وأجيب:\nبأن المسح على الخمار ليس بواجب حتى يقال بأن في هذا دليلًا على أنه لا يجوز المسح على الخمار، بل المرأة في الخيار إن شاءت مسحت على رأسها، وإن شاءت مسحت على خمارها كالمسح على الخفين، ولو ورد عنهن المنع من المسح على الخمار لقيل: إن قولهما معارض بفعل أم سلمة ﵂، وقد جاء عنها المسح على الخمار.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1517> دليل من قال تمسح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1518>الدليل الأول:</span>\nالقياس الجلي على العمامة، فلا فرق بين العمامة والخمار.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٣٠).","vol":"3","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1519>الدليل الثاني:</span>\nما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، والعكس إلا ما دل الدليل باختصاصه بأحدهما، ولذلك فالنساء داخلات في قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة: ٤٣] مع أن المأمور في الآية الرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>الدليل الثالث:</span>\n(٦٦٢ - ١٥٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله بن نمير، عن سفيان، عن سماك، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة أنها كانت تمسح على الخمار (^١).\n[حسن إن شاء الله تعالى] (^٢).\n• الراجح من هذا الخلاف:\nبعد استعراض أدلة الفريقين، وبعد مناقشة الأدلة السابقة يتبين لي أن القول\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٢٩).\n(^٢) سماك بن حرب، قال يعقوب: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وليس من المثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم، وهذا منها.\nوفي التقريب: صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخرة فكان ربما يلقن اهـ.\nقلت: في هذا الأثر الراوي عنه سفيان، وهو ممن سمع منه قديمًا، ولم يرو هذا الأثر عن عكرمة.\n- وأم الحسن، واسمها خيرة، روى لها مسلم حديث: (تقتل عمارًا الفئة الباغية)، وحديث: (كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يوكى أعلاه).\nوذكرها ابن حبان في ثقاته (٤/ ٢١٦).\nوقال ابن حزم: ثقة مشهورة. المحلى (٣/ ١٢٧). وفي التقريب: مقبولة اهـ\nقلت: لعل إخراج مسلم حديثها في صحيحه، يجعل حديثها على أقل الأحوال حسنًا، فإذا أضفت إلى ذلك توثيق ابن حبان وابن حزم تأكد الاحتجاج بها، والله أعلم. وأما عنعنة الحسن البصري، فالذي رأيته في الحسن أنه يرسل، ويطلق التدليس على الإرسال، فإذا ثبت سماعه من الراوي لم يلتفت للعنعنة، والله أعلم، فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى.\nوالأثر رواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٦٨) من طريق ابن نمير به.","vol":"3","page":385},{"text":"بجواز المسح على الخمار أرجح، وهو إما داخل في العموم اللفظي من جواز المسح على العمامة، وإما مقيس عليها بجامع أن كلًا منهما غطاء على الرأس، يشق نزعه. والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1521>الفصل الثالث في المسح على القلانس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية: (^١)\n• ثبت أن النبي ﷺ كان في إحرامه ملبِّدًا رأسه، فما وضع على الرأس من التَّلبيد فهو تابع له.\n• المسح على العمامة، هل متعلق بالمسمى، فلا يمسح إلا على ما يسمى عمامة بالصفة التي كانت معهودة في عصر النبوة، أم أن المسح متعلق بالمعنى، فكل ما خمر الرأس وغطاه، فهو عمامة، يجوز المسح عليه؟ الراجح الثاني.\n• ما فعله بعض الصحابة ﵃ من العبادات، ولم يثبت أنه مخالف للنص، أو مخالف لغيرهم من الصحابة لما هو أرجح، ففعله جائز.\n[م-٢٦٩] اختلف العلماء في المسح على القلانس:\n_________\n(^١) قال في الجوهرة النيرة (١/ ٢٨): القلنسوة شيء تجعله الأعاجم على رؤوسهم أكبر من الكوفيه.\nوقال الحافظ ابن حجر: القلنسوة غشاء مبطن، تستر به الرأس، قاله القزاز في شرح المفصل.\nوقال أبو هلال العسكري: هي التي تغطى بها العمائم، وتستر من الشمس والمطر، كأنها عنده رأس البرنس. اهـ نقلًا من الإنصاف (١/ ١٧١).\nوقال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٢٧٢): ما يلبس على الرأس، ويتعمم فوقه.","vol":"3","page":387},{"text":"فقيل: لا يمسح عليها، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nوقيل: يمسح عليها، هو رواية عن أحمد (^٥)، ومذهب ابن حزم (^٦).\nوقيل: يمسح إن كانت مشدودة تحت حلقه، وهو رواية عن أحمد (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1522> دليل من قال لا يمسح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1523>الدليل الأول:</span>\nقالوا: الأصل وجوب مسح الرأس، لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦]، وعدل عن الأصل في العمامة لورود النص بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إنه لا يشق نزعها، فليست محنكة، ولا ذؤابة لها.\nقال ابن المنذر: «ولا نعلم أحدًا قال بالمسح على القلنسوة، وقد روينا عن أنس أنه مسح عليها» (^٨).\nوسبق لنا أن الإمام أحمد قد قال بالمسح على القلنسوة في رواية عنه.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠١)، تبيين الحقائق (١/ ٥٢)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٧)، البحر الرائق (١/ ١٩٣)، الفتاوى الهندية (١/ ٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٢).\n(^٢) قال الباجي في المنتقى (١/ ٧٦): «ولا يجزئ المسح على حائل دون الرأس».\n(^٣) إذا كانوا يمنعون المسح على العمامة، فمنع المسح على القلانس من باب أولى، انظر العزو في منعهم من المسح على العمامة في الفصل الأول من هذا الباب.\n(^٤) الإنصاف (١/ ١٧٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٢)، مطالب أولي النهى (١/ ١٢٨)، الفروع (١/ ١٦٣).\n(^٥) الإنصاف (١/ ١٧٠)، الفتاوى الكبرى (١/ ٣٢٠)، الفروع (١/ ١٦٣).\n(^٦) المحلى (١/ ٣٠٣).\n(^٧) الإنصاف (١/ ١٧٠)، الفتاوى الكبرى (١/ ٣٢٠)، الفروع (١/ ١٦٣).\n(^٨) الأوسط (١/ ٤٧٢).","vol":"3","page":388},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1525> دليل القائلين بالمسح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1526>الدليل الأول:</span>\n(٦٦٣ - ١٦٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن سعيد ابن عبدالله ابن ضرار، قال:\nرأيت أنس بن مالك أتى الخلاء، ثم خرج وعليه قلنسوة بيضاء مزرورة فمسح على القلنسوة وعلى جوربين له مرعزًا أسودين ثم صلى (^١).\n[فيه لين] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>الدليل الثاني:</span>\n(٦٦٤ - ١٦١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن\nأبي عروبة، عن أشعث، عن أبيه،\nأن أبا موسى خرج من الخلاء، فمسح على قلنسوته (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nوفعل الصحابي إذا لم يعارض نصًا مرفوعًا، ولم يخالفه صحابي مثله، فهو حجة؛ لأن فهمهم أولى من فهمنا، وعلمهم أكمل من علمنا، وإصابتهم للحق أقرب من غيرهم، ونحن مأمورون باتباع سبيلهم، فإذا نقل الخلاف بينهم كان على الإنسان أن يتحرى أقربها للحق.\n_________\n(^١) المصنف (٧٤٥).\n(^٢) هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا سعيد بن عبد الله، قال أبو حاتم الرزاي: ليس بالقوي. الجرح والتعديل (٤/ ٣٦).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٨٠).\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٧٢) من طريق إسحاق، عن جرير، عن الأعمش به.\n(^٣) المصنف (١/ ٢٩).\n(^٤) يحيى بن سعيد القطان سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه، وأشعث: هو ابن أبي الشعثاء، واسم أبيه: سليم بن أسود، فرجاله كلهم ثقات.","vol":"3","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1528>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: بأن القلنسوة ملبوس معتاد يستر الرأس، فأشبه العمامة، ولم نشترط أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة كما لا نشترطه في العمامة - وسوف تأتي مناقشة هذا الشرط إن شاء الله تعالى - قال أبو بكر الخلال: إن مسح إنسان على القلنسوة لم أر به بأسًا؛ لأن أحمد قال في رواية الميموني: أنا أتوقاه، وإن ذهب إليه ذاهب لم يعنفه. قال الخلال: وكيف يعنفه؟ وقد روي عن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ بأسانيد صحاح، ورجال ثقات، فروى الأثرم بإسناده عن عمر أنه قال: إن شاء حسر عن رأسه، وإن شاء مسح قلنسوته وعمامته. وروى بإسناده عن أبي موسى أنه خرج من الخلاء فمسح على القلنسوة (^١) اهـ.\nقلت: وورد مثل ذلك عن أنس بن مالك، وقد خرجته عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إن الرسول ﷺ لم يقل: لا تمسحوا إلا على العمامة والخمار، حتى يمكن أن يقال: لا يجوز المسح على حائل إلا إذا كان عمامة أو خمارًا، فحين مسح على العمامة علمنا أن مباشرة الرأس بالماء ليست فرضًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1530> دليل من قال يشترط أن تكون مشدودة تحت الحلق</span>.\nقالوا: إن القلنسوة إذا لم تكن مشدودة لا يشق نزعها، فأشبهت الكوفية (الطاقية) أما إذا كانت مشدودة فحينئذ تشبه العمامة بمشقة النزع، فجاز المسح عليها، والشارع لا يفرق بين متماثلين، كما لا يجمع بين متفرقين، وأثر أنس الوارد أنه مسح على قلنسوة مزرورة، والمزرور: هو المشدود بالزرار، وإذا كان كذلك فإنها تشبه العمامة بمشقة النزع.\nهذه غالب أدلة الأقوال الثلاثة، والقول بالجواز قول قوي جدًّا، والقول باشتراط أن تكون مشدودة فيه احتياط، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٨٤).","vol":"3","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1531>الفصل الرابع شروط المسح على العمامة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1532>الشرط الأول\nفي اشتراط التحنيك أو الذؤابة في العمة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ثبت المسح على العمامة، والحكم في المسح هل هو متعلق بالمسمى، فلا يمسح إلا على ما يسمى عمامة بالصفة التي كانت معهودة في عصر النبوة، أم أن المسح متعلق بالمعنى، فكل ما خمر الرأس وغطاه، فهو عمامة، يجوز المسح عليه؟ الراجح الثاني.\n• شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح.\n• أكثر شروط المسح على الحائل هي من صنع الفقهاء، ليس عليها أثر، ولا نظر صحيح.\n[م-٢٧٠] اختلف العلماء في اشتراط التحنيك أو كون العمامة ذات ذؤابة،\nفقيل: لا يمسح عليها إلا أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١١٩)، الإنصاف (١/ ١٨٦)، الفروع (١/ ١٦٢، ١٦٣).","vol":"3","page":391},{"text":"وقيل: لا يشترط، وهو اختيار ابن تيمية (^١)، وهو الراجح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1533> دليل الحنابلة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1534>الدليل الأول:</span>\nالمسح المنقول لنا إنما جاء الإذن على العمائم المعهودة، التي يلبسها المسلمون، وصفتها بأن يكون تحت الحنك منها شيء.\nقال ابن قدامة: «ومن شروط المسح عليها أن تكون على صفة عمائم المسلمين، بأن يكون تحت الحنك منها شيء؛ لأن هذه عمائم العرب، وهي أكثر سترًا من غيرها، ويشق نزعها، ولأنها إذا لم تكن محنكة أشبهت الكوفية (الطاقية) والكوفية لا يمسح عليها، فكذلك غير المحنكة» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>الدليل الثاني:</span>\n(٦٦٥ - ١٦٢) قال ابن قدامة في المغني: «روي عن النبي ﷺ أنه أمر بالتلحي، ونهى عن الاقتعاط. رواه أبو عبيد، وقال: الاقتعاط: أن لايكون تحت الحنك منها شيء، وروي أن عمر ﵁ رأى رجلًا ليس تحت حنكه من عمامته شيء، فحنكه بكور منها، وقال: هذه الفاسقية؟. فامتنع المسح عليها للنهي عنها» (^٣).\nوالحديث المرفوع، والأثر عن عمر لم أقف على أسانيدهما بشيء من الكتب، فالله أعلم بصحتهما.\nقال المباركفوري في تحفة الأحوذي: «وأما هذه الشرائط التي ذكرها ابن قدامة فلم أر ما يدل على ثبوتها من الأحاديث الصحيحة، وأما ما روي عن النبي ﷺ أنه أمر بالتلحي، ونهى عن الاقتعاط، فلم يذكر ابن قدامة سنده، ولم يذكر تحسينه\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٨٦، ١٨٧).\n(^٢) المغني (١/ ٣٨١).\n(^٣) المغني (١/ ٣٨١).","vol":"3","page":392},{"text":"ولا تصحيحه عن أحد من أئمة الحديث، ولم أقف على سنده، ولا على من حسنه أو صححه، فالله أعلم كيف هو؟ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1536>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن العمائم إذا لم تكن محنكة، ولم يكن لها ذؤابة أشبهت عمائم أهل الذمة، فيكون لبسها حرامًا، وما حرم لبسه لم يجز المسح عليه.\n• وأجيب:\nبأنه لم يرد نهي عن لبس العمامة غير محنكة أو صماء، وإذا لم يرد نهي، وكانت العمامة بلا ذؤابة ليست من لباسهم الذي يختصون به، ويتميزون به عن غيرهم، فلا تحريم في لبسها، وقد انتشر بين التابعين في المدينة من أولاد المهاجرين والأنصار لبسها بلا تحنيك كما سيأتي.\nثم قولهم: كل ما حرم لبسه لم يجز المسح عليه قد ناقشت هذا في الخف المغصوب والمحرم، ورجحت جواز المسح عليه وإن كان لبسه حرامًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1537> دليل من قال لا يشترط</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن الإذن بالمسح ورد مطلقًا، وما ورد مطلقًا فلا يجوز تقييده إلا بدليل مثله من كتاب أو سنة أو إجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1539>الدليل الثاني:</span>\nأن تحنيكها زمن الصحابة كان للحاجة إلى الجهاد، قال ابن تيمية: «والسلف كانوا يحنكون عمائمهم؛ لأنهم كانوا يركبون الخيل، ويجاهدون في سبيل الله، فإن لم يربطوا العمائم بالتحنيك وإلا سقطت، ولم يمكن معها طرد الخيل، ولهذا ذكر أحمد عن أهل الشام أنهم كانوا يحافظون على هذه السنة؛ لأنهم كانوا في زمنه هم المجاهدون، وذكر\n_________\n(^١) تحفة الأحوذي (١/ ٢٩٤).","vol":"3","page":393},{"text":"إسحاق بن راهوية بإسناده أن أولاد المهاجرين والأنصار كانوا يلبسون العمائم بلا تحنيك، وهذا لأنهم كانوا في الحجاز في زمن التابعين لا يجاهدون، ورخص إسحاق وغيره في لبسها بلا تحنيك .....». إلخ كلامه ﵀ (^١).\nوقولهم: إن غير المحنكة لا يشق نزعها، فالجواب أن هذه العلة ليست علة منصوصًا عليها يمكن أن تخص العام، أو تقيد المطلق، والعلة المستنبطة علة مظنونة، قد تكون هي العلة، وقد تكون غيرها، فلا نستطيع أن نجزم بأنها هي العلة، وقد لا تتعين في مشقة النزع، بل قد تكون الحكمة أن العمامة لو حركها انفلت أكوارها؛ ولأن لبسها في أيام البرد قد يعرق الرأس بسببها فإذا نزعها قد يصاب بضرر بسبب الهواء البارد، المهم أن العلة المستنبطة ينبغي ألا يقيد بها الأحاديث المطلقة، والله أعلم.\n• الراجح من القولين:\nبعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القول بعدم الاشتراط أقوى دليلًا، وأن المسح على العمامة يجوز ولو لم تكن محنكة أو ذات ذؤابة. والله الموفق.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٨٧).","vol":"3","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1540>الشرط الثاني\nالخلاف في اشتراط لبسها على طهارة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم الاشتراط إلا بدليل.\n• شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح.\n• أكثر شروط المسح على الحائل هي من صنع الفقهاء، ليس عليها أثر، ولا نظر صحيح.\n• لا يصح قياس العمامة على الخف؛ لأن طهارة القدم الغسل، وطهارة الرأس المسح فافترقا، فلا يقاس الأخف على الأغلظ، ثم إن العمامة تستوعب في المسح بخلاف الخف حيث يمسح ظاهره على الصحيح.\n[م-٢٧١] اختلف العلماء القائلون بالمسح على العمامة، هل يشترط لمسحها لبسها على طهارة؟ على قولين:\nفقيل: تشترط الطهارة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\n_________\n(^١) قال أحمد في مسائل ابن هانئ (١/ ١٨): «سألت أبا عبدالله عن المسح على العمامة؟\nقال: تمسح عليها إذا لبستها، وأنت طاهر، فإذا خلعتها أعد الوضوء». وانظر المغني (١/ ١٧٦) الإنصاف (١/ ١٧٢)، الفروع (١/ ١٦٦).","vol":"3","page":395},{"text":"وقيل: لا تشترط، وهو رواية عن أحمد (^١)، واختاره ابن حزم (^٢)، ورجحه ابن تيمية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1541> دليل الحنابلة على اشتراط الطهارة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1542><span data-type=\"title\" id=toc-1544>الدليل الأول:</span></span>\nالقياس على الخف، فإذا كان يشترط للمسح على الخف الطهارة فكذلك في المسح على العمامة، بجامع أن كلًا منهما ممسوح على عضو من أعضاء الوضوء، كان الواجب مباشرة ذلك العضو لولا هذا الحائل.\n• وأجيب:\nبأن القياس على الخف فيه نظر؛ لأن طهارة القدم هي الغسل، وطهارة الرأس هو المسح فافترقا، فطهارة الرأس أخف من طهارة الخف، ثم إن العمامة تمسح كلها، والخف يمسح ظاهره على الصحيح، وفرق آخر عندكم: هو أن ظهور شيء من القدم يبطل المسح، وظهور شيء من الرأس كالناصية، وجوانب الرأس لا يبطل المسح على العمامة، ثم إن القياس في مثل هذه الأمور من أضعف الأقيسة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1543> دليل من قال لا تشترط الطهارة</span>.\nالدليل الأول:\nعدم الدليل على الاشتراط، وهذا كاف في نفيه؛ لأن من اشترط شيئًا طلب منه الدليل، ولا دليل على الاشتراط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>الدليل الثاني:</span>\nأن الأحاديث ليس فيها إلا أن الرسول ﷺ مسح على العمامة، ولم تشترط\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٧٢)، الفروع (١/ ١٦٦).\n(^٢) المحلى (١/ ٣٠٩).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٧٣).","vol":"3","page":396},{"text":"الأحاديث لبسها على طهارة كالمسح على الخف، فنقف عند حدود النص، ولا نقيد أو نخصص إلا بدليل.\nقال ابن حزم في الرد على من قاس العمامة على الخف: «القياس باطل، وليس هنا علة جامعة بين حكم المسح على العمامة والخمار، والمسح على الخفين، وإنما نص رسول الله ﷺ في اللباس على الطهارة على الخفين، ولم ينص ذلك في العمامة والخمار، قال تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤] وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤] فلو وجب هذا في العمامة والخمار لبينه ﵇ كما بين ذلك في الخفين، ومدعي المساواة في ذلك بين العمامة والخمار مدع بلا دليل، ويكلف البرهان على صحة دعواه في ذلك (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>الدليل الثالث:</span>\nالعادة أن من توضأ مسح رأسه، ورفع العمامة، ثم أعادها، ولا يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٠٩).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٧٢).","vol":"3","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1547>الشرط الثالث\nالخلاف في توقيت المسح على العمامة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التقدير والتوقيت في العبادات طريقها التوقيف أو الإجماع، لا دخل للعقل فيها.\n• شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح.\n• لا يصح قياس العمامة على الخف؛ لأن طهارة القدم الغسل، وطهارة الرأس المسح فافترقا، فلا يقاس الأخف على الأغلظ، ثم إن العمامة تستوعب في المسح على قول بخلاف الخف حيث يمسح ظاهره على الصحيح.\n[م-٢٧٢] اختلف العلماء هل مسح العمامة مؤقت أم لا؟\nفقيل: يمسح يومًا وليلة للمقيم، والمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: بل يمسح عليها بلا توقيت، وهو مذهب الظاهرية (^٢). وهو الراجح.\n_________\n(^١) جاء في مسائل أحمد رواية أبي داود (٤٩): «سمعت أحمد سئل: كم يمسح على العمامة؟ قال: مثل الخف سواء». وانظر مسائل أحمد رواية ابن هانئ (١/ ٢١) رقم ١٠٤.\n(^٢) المحلى (١/ ٣٠٩)، ولم أذكر المذاهب الأخرى؛ لأنها لا ترى المسح على العمامة.","vol":"3","page":398},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1548> دليل الحنابلة على اشتراط التوقيت</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>الدليل الأول:</span>\n(٦٦٦ - ١٦٣) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق مروان أبي سلمة، حدثنا شهر بن حوشب،\nعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ كان يمسح على الخفين والعمامة ثلاثًا في السفر ويومًا وليلة في الحضر (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1550>الدليل الثاني:</span>\nقال ابن حزم: «قد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ التوقيت في ذلك ثابتًا عنه» (^٣). يعني: التوقيت في المسح على العمامة.\nولم أقف على إسناده عن عمر في مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وسنن البيهقي والدارقطني، والأوسط لابن المنذر وشرح معاني الآثار وغيرها من الكتب التي تعنى بالآثار، وفعل عمر يصلح للاستدلال بثلاثة شروط:\nالأول: ألا يخالف المرفوع عن النبي ﷺ.\nالثاني: ألا يعارضه قول صحابي مثله.\n_________\n(^١) المعجم الكبير (٨/ ١٢٢).\n(^٢) في إسناده مروان أبو سلمة، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٧/ ٣٧٣)، الضعفاء الصغير (٣٥٤).\nوقال أبو حاتم الرازي: مجهول، منكر الحديث. الجرح والتعديل (٨/ ٢٧٤).\nوقال العقيلي: الرواية في مسح العمامة فيها لين. الضعفاء الكبير (٤/ ٢٠٣).\nوقال ابن عدي: ومروان هذا قريب من مروان بن نهيك، وليس بالمعروف. الكامل (٦/ ٣٨٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٠): «فيه مروان أبو سلمة، قال الذهبي: مجهول» اهـ.\nكما أن في إسناده شهر بن حوشب، مختلف فيه.\n(^٣) المحلى (١/ ٣٠٩).","vol":"3","page":399},{"text":"الثالث: أن يصح عنه هذا القول.\nوإثبات هذه الأمور فيما ذكره ابن حزم لم أقدر عليه، وإذا كان عمر ﵁ نقل عنه عدم التوقيت في المسح على الخفين، فكيف ينقل عنه التوقيت في المسح على العمامة الذي لم يأت نص باشتراط التوقيت فيه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1551>الدليل الثالث:</span>\nالقياس على الخف، بجامع أن كلا منهما ممسوح، والمسح عليه من قبيل الرخصة.\nوقد أجبت على القول بالقياس في المسألة التي قبل هذه فراجعه إن احتاج الأمر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1552> دليل من قال يمسح بلا توقيت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل على كون المسح مؤقتًا. والأصل أن التوقيت يحتاج إلى توقيف؛ فلا يقال به إلا بدليل؛ لأنه ليس معقول المعنى، ولا دليل على التوقيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>الدليل الثاني:</span>\nأن أحاديث المسح على العمامة ليس فيها إلا أن الرسول ﷺ مسح على العمامة، ولم يوقت في ذلك وقتًا كالمسح على الخف، فنقف عند حدود النص، ولا نقيد أو نخصص إلا بدليل.\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1555>الشرط الرابع\nلا تمسح العمامة إلا في الحدث الأصغر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• طهارة المسح على الحائل مختصة بالوضوء، لا مدخل للغسل فيه بإجماع، فإذا وجب الغسل بطل المسح (^١).\n• ليس في الطهارة الكبرى بالماء عضو ممسوح، لا في رأس، ولا خف، ولا غيرهما، إلا ما كان من باب الضرورات كالجبيرة.\n[م-٢٧٣] لا تمسح العمامة إلا في الحدث الأصغر، وهذا الشرط متفق عليه عند من يرى المسح على العمامة، وأما الحدث الأكبر فلا يجزئ المسح عليها، بل ولا على الشعر كما لو لم يكن هناك عمامة، ولا بد في الحدث الأكبر من إيصال الماء إلى ما تحت الشعر، وقد نقلت الدليل على ذلك في شروط المسح على الخفين.\n(٦٦٧ - ١٦٤) وقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده الحديث (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٣١٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٧٣)، ورواه مسلم (٣١٦) واللفظ للأول.","vol":"3","page":401},{"text":"وجه الاستدلال:\nأنه مع كونه خلل شعره بيده حتى رأى أنه قد أروى بشرته، ومع ذلك أفاض الماء على رأسه ثلاث مرات، كل ذلك ليعلم أن الماء قد وصل إلى ما تحت الشعر، ولا يشرع التثليث في غسل البدن من الجنابة إلا الرأس.\n* * *","vol":"3","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1556>الشرط الخامس\nالخلاف في اشتراط استيعاب العمامة في المسح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• مسح العمامة جاء على وجه الرخصة، فأجزأ مسح بعضها قياسًا على الخف.\n• المسح مبني على التخفيف، فلا يجب الاستيعاب كمسح الخف.\n• إذا كان الأصل، وهو مسح الرأس لا يجب استيعابه على الصحيح، لم يجب الاسيتعاب بالبدل من باب أولى.\n[م-٢٧٤] اختلف في وجوب استيعاب العمامة بالمسح\nفقيل: يجب الاستيعاب، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: يجزئ مسح أكثرها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يجزئ مسح بعضها، اختاره القاضي أبو يعلى (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1557> دليل من قال لا يجب الاستيعاب</span>.\nأن مسح العمامة جاء على وجه الرخصة، فأجزأ مسح بعضها قياسًا على الخف.\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٨٦)، وذكره صاحب الإنصاف (١/ ١٨٧) رواية.\n(^٢) قال في الفروع (١/ ١٦٩): «ويجزئ مسح أكثر العمامة على الأصح»، وقال في الإنصاف: هذا المذهب، وعليه الجمهور، وجزم به كثير منهم».\n(^٣) المغني (١/ ١٨٦).","vol":"3","page":403},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1558> دليل من قال بوجوب الاستيعاب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>الدليل الأول:</span>\nقالوا: يجب الاستيعاب لظاهر النصوص، فإن فيها (ومسح على العمامة)، فظاهر الخبر أنه شملها كلها بالمسح؛ إذ لو كان مقتصرًا على البعض لنقل، ولذلك لما مسح معها الناصية أحيانًا نقلوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1560>الدليل الثاني:</span>\nأن فرض الرأس وجوب استيعابه بالمسح،\n(٦٦٨ - ١٦٥) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه،\nأن رجلًا قال لعبد الله بن زيد - وهو جد عمرو بن يحيى - أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن قدامة: ولأن مسح العمامة بدل من الجنس - يعني: أن المفروض في الرأس المسح، والمفروض في العمامة المسح كذلك، فهما من جنس واحد- قال: فيقدر بقدر المبدل، كقراءة غير الفاتحة من القرآن بدلًا من الفاتحة يجب أن يكون بقدرها، ولو كان البدل تسبيحًا لم يتقدر بقدرها، ومسح الخف بدل من غير الجنس؛ لأنه بدل عن الغسل، فلم يتقدر به، كالتسبيح بدلًا عن القرآن، والمنقول عن أحمد أنه قال: يمسح على العمامة كما يمسح على رأسه، فيحتمل أنه أراد التشبيه في صفة المسح دون\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥).","vol":"3","page":404},{"text":"الاستيعاب، وأنه يجزئ مسح بعضها؛ لأنه ممسوح على وجه الرخصة، فأجزأ مسح بعضه كالخف، ويحتمل أنه أراد التشبيه في الاستيعاب فيخرج فيها من الخلاف ما في وجوب استيعاب الرأس، وفيه روايتان: أظهرهما: وجوب استيعابه بالمسح (^١).\nهذا فيما يتعلق بالعمامة، أما ما يتعلق بجوانب الرأس التي لم تشمله العمامة، فهل يجب مسحه أم لا؟\nفقيل: يجب، وهو وجه في مذهب الحنابلة.\nوقيل: يستحب، ولا يجب، وهو رواية في مذهب أحمد (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1561> دليل من قال بالوجوب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1562>الدليل الأول:</span>\nأن الرسول ﷺ مسح على الناصية والعمامة وفي هذا دليل على وجوب الاستيعاب،\n(٦٦٩ - ١٦٦) فقد روى مسلم من طريق التيمي، عن بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه. قال بكر: وقد سمعت من ابن المغيرة،\nأن النبي ﷺ توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين (^٣).\nفلم يكتف بالمسح على العمامة حتى مسح الناصية (^٤).\n• وأجيب:\nبأن أكثر الرواة عن المغيرة لم يذكروا المسح على العمامة، وبأنه قد روي أن الرسول ﷺ مسح بالعمامة وحدها، فلا يدل على الوجوب.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٨٢).\n(^٢) المغني (١/ ١٨٦)، وذكره صاحب الإنصاف (١/ ١٨٧)، الفروع (١/ ١٦٩).\n(^٣) مسلم (٨٣/ ٢٧٤).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر (٦٤٣).","vol":"3","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1563><span data-type=\"title\" id=toc-1566>الدليل الثاني:</span></span>\nأن العمامة نابت عما استتر فقط، فوجب مسح الباقي، كما لو ظهر سائر رأسه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1564> دليل من قال لا يجب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1565>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن العمامة نابت مناب الرأس، فانتقل الفرض إليها، وتعلق الحكم بها، فلم يبق لما ظهر حكم.\nالدليل الثاني:\nأن الجمع بينهما يفضي إلى الجمع بين البدل والمبدل في عضو واحد، فلم يجز من غير ضرورة كالمسح على الخفين.\nوأجيب: بأن الرسول ﷺ جمع بينهما في مسحه على الناصية والعمامة كما نقلنا قبل قليل.\n• الراجح:\nوالله أعلم أن لها حكم مسح الرأس، وإذا كان الرأس لا يجب استيعابه كما سيأتي بيان ذلك في الوضوء لم يجب استيعاب المسح على العمامة، وكون ظاهر النصوص الاستيعاب فهذا حكاية فعل تدل على الاستحباب ولا تبلغ الوجوب، وأما جوانب الرأس فلم ينقل أن الرسول ﷺ مسحها، فلا أرى استحباب مسحها، والله أعلم، ولا يترجح لي قياس جوانب الرأس على الناصية؛ لأنه لو كان مشروعًا لنقل فعله عن الرسول ﷺ ولو مرة واحدة، والله أعلم.\n[م-٢٧٥] وهل تمسح الأذنان مع العمامة؟\nقال في الشرح الكبير: «ولا يجب مسح الأذنين مع العمامة، لا نعلم فيه خلافًا؛","vol":"3","page":406},{"text":"لأنه لم ينقل، وليستا من الرأس إلا على وجه التبع» (^١). اهـ\nقلت: نفي الوجوب لايدل على نفي الاستحباب لكن ظاهر استدلاله نفي المشروعية، فإن ثبت ما يحكيه من الإجماع فهو حجة، وإلا فلادليل على كونهما لايمسحان إلا سكوت الراوي، وعدم تعرضه لذلك، وسكوته لا يلغي ما ثبت من مشروعية مسحهما، وقد ذكر في الفروع (^٢)، وفي الإنصاف (^٣)، رواية عن أحمد بوجوب مسح الأذنين مع العمامة، فأين دعوى الإجماع.\n* * *\n_________\n(^١) الشرح الكبير (١/ ١٦٧).\n(^٢) الفروع (١/ ١٦٣).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٨٧).","vol":"3","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1567>الشرط السادس\nيشترط أن تكون العمامة مباحة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل النهي يقتضي الفساد؟\n• النهي إذا لم يكن عائدًا لذات المنهي عنه، ولا لوصف لازم لا ينفك عنه، بل لأمر خارج عنه، لم يكن النهي دالًا على الفساد.\n[م-٢٧٦] فإن كانت العمامة محرمة، سواء كانت محرمة لحق الله، كما لو كانت من حرير أو ذهب.\nأو كانت العمامة محرمة لحق الغير، كما لو كانت مسروقة أو مغصوبة، ففي المسح عليها خلاف (^١)،\nوالخلاف فيه كالخلاف في الخف المحرم، وقد ذكرنا أدلة الأقوال\n_________\n(^١) قال ابن قدامة في المغني (١/ ١٨٦): «والعمامة المحرمة كعمامة الحرير والمغصوبة لا يجوز المسح عليها؛ لما ذكرنا في الخف المغصوب، وإن لبست المرأة عمامة لم يجز المسح عليها لما ذكرنا من التشبه بالرجال، فكانت محرمة في حقها، وإن كان لها عذر فهذا يندر، لم يرتبط الحكم به». اهـ\nوقال في الفروع (١/ ١٦٤): «ولا تمسح امرأة عمامة، ولحاجة برد وغيره وجهان.\nقال المرداوي في تصحيح الفروع تعقيبًا:\nولحاجة برد وغيره وجهان:\nأحدهما: لا يجوز، وهو الصحيح، وجزم به في المغني، والشرح، وشرح ابن رزين ومجمع البحرين وغيرهم، وهو ظاهر العمدة، وقدمه ابن تميم وابن حمدان، وصححه غيرهم.\nالوجه الثاني: يجوز، ويصح، قال المرداوي: والنفس تميل إلى ذلك، وهي شبيهة بما إذا لبس نجس العين في الضرورة على ما تقدم». اهـ","vol":"3","page":408},{"text":"هناك، وما رجحناه هناك نرجحه هنا، وهو جواز المسح على العمامة المحرمة؛ لأن التحريم ليس عائدًا إلى المسح، وإنما هو لأمر خارج عنه، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1568>الشرط السابع\nأن تكون العمامة ساترة لما جرت العادة بستره</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم الاشتراط إلا بدليل.\n• شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح.\n• أكثر شروط المسح على الحائل هي من صنع الفقهاء، ليس عليها أثر، ولا نظر صحيح.\n[م-٢٧٧] اختلف العلماء في العمامة، هل يشترط أن تكون العمامة ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه، كمقدام الرأس والأذنين وشبههما من جوانب الرأس، فإنه يعفى عنه، على قولين.\nوالحنابلة رغم أنهم كانوا يتشددون في الخف المخرق، وأنه لا يمسح عليه ولو كان الخرق يسيرًا إلا أنهم في العمامة قد قبلوا الانكشاف اليسير:\nقال أحمد: إذا زالت عن رأسه فلا بأس ما لم يفحش.\nوقال ابن عقيل: ما لم يرفعها بالكلية.\nوقال صاحب المحرر: إن رفع العمامة يسيرًا لم يضر.","vol":"3","page":410},{"text":"وظاهر المستوعب: تبطل لظهور شيء من رأسه (^١).\nوما رجحناه في المسح على الخف المخرق نرجحه هنا، وأنه لا يوجد دليل من الكتاب أو السنة على اشتراط أن تكون العمامة ساترة لما يجب مسحه، والشروط لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل هنا.\n* * *\n_________\n(^١) الفروع (١/ ١٦٩، ١٧٠)، وقال في الإنصاف (١/ ١٨٥): «ويجوز المسح على العمامة المحنكة إذا كانت ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه، وهذا المذهب بشرطه، لا أعلم فيه خلافًا، وهو من مفرادت المذهب» اهـ.\nوقوله: لا أعلم فيه خلافًا: يقصد في المسح على العمامة، وليس المقصود لا يعلم فيه خلافًا بالنسبة لاشتراط كونها ساترة لجميع الرأس. وانظر كشاف القناع (١/ ١١٩).","vol":"3","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1569>الفصل الخامس خلع العمامة بعد المسح عليها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• من ثبتت طهارته بدليل لم تبطل إلا بدليل صحيح صريح.\n• العبادة تحصل بالمسح، لا في بقاء الممسوح.\n• خلع العمامة ليس حدثًا، وزوال الممسوح لا يبطل المسح، فهو بمنزلة حلق شعر الرأس بعد المسح عليه.\n[م-٢٧٨] اختلف العلماء القائلون بالمسح على العمامة إذا نزعها من رأسه،\nفقيل: تبطل الطهارة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: لا تبطل، اختاره ابن حزم (^٢)، ورجحه ابن تيمية (^٣)، وهو الصحيح.\n_________\n(^١) قال أحمد في مسائله رواية ابنه عبد الله (١/ ١٢٣): «سألت أبي عن الرجل يمسح على عمامته، ثم يخلع العمامة؟ قال: يعيد الوضوء».\nوفيه أيضًا: «إن خلعها، وهو في الصلاة؟ قال: يعيد الوضوء والصلاة». اهـ\nوانظر مسائل ابن هانئ (١/ ١٨)، ومسائل أبي داود (١/ ١٥) رقم ٥٠. ومسائل صالح (٩٢، ١٣٢٣)، وانظر كشاف القناع (١/ ١٢١)، مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى (١/ ١٣٦).\n(^٢) قال ابن حزم في المحلى (١/ ٣٣٧): «ولو مسح على عمامة أو خمار، ثم نزعهما فلا عليه إعادة وضوء، ولا مسح رأسه، بل هو طاهر، كما كان، ويصلي كذلك».\n(^٣) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٠٥)، الإنصاف (١/ ١٩٠).","vol":"3","page":412},{"text":"وقيل: يجب عليه مسح رأسه مباشرة وغسل قدميه، هو رواية عن أحمد (^١).\nوقيل: بل يجب عليه مسح رأسه، ولو لم يكن مباشرة، وهو قول آخر في مذهب الحنابلة (^٢).\nواختلف أصحاب أحمد في مبنى هذه الروايات على أقوال:\nفقيل: مبنية على الموالاة، قال المرداوي: اختاره ابن الزاغوني، وقطع به المصنف في المغني، والشارح، وابن رزين في شرح، وقدمه في الرعاية الكبرى، فعلى هذا لو حصل ذلك قبل فوات الموالاة، أجزأه مسح رأسه وغسل قدميه قولًا واحدًا لعدم الإخلال بالموالاة (^٣).\nوقيل: الخلاف مبني على أن المسح هل يرفع الحدث أم لا؟\nقال المرداوي: قطع بهذه الطريقة القاضي أبو الحسين، واختاره وصححه المجد في شرحه، وابن عبيدان، وصاحب مجمع البحرين، والحاوي الكبير، وقدمه الشيخ تقي الدين في شرح العمدة، وقال هو وأبو المعالي وحفيده: وهو الصحيح من المذهب عند المحققين، واعلم أن المسح يرفع الحدث على الصحيح من المذهب - يعني: مذهب الحنابلة - نص عليه، وجزم به في التلخيص، والبلغة، وقدمه في الفروع ... إلخ كلامه (^٤).\nوقيل: مبني على أن الطهارة لا تتبعض في النقض، وإن تبعضت في الثبوت،\n_________\n(^١) قال ابن قدامة (١/ ١٧٨): «وعلى الرواية الأخرى: يلزمه مسح رأسه، وغسل قدميه؛ ليحصل الترتيب».\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٩٠) وانظر الأقوال في مسألة لو نزع الخف قبل تمام المدة.\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٩٠).\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"3","page":413},{"text":"كالصلاة والصيام (^١).\nوانظر دليل كل قول في مسألة نزع الخف، فإن القول واحد، والدليل واحد. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المرجع السابق.","vol":"3","page":414},{"text":"مبحث\nلو انتقضت العمامة دون أن ينزعها\n[م-٢٧٩] قال ابن قدامة في المغني: «وإن انتقضت العمامة بعد مسحها، بطلت طهارته؛ لأن ذلك بمنزلة نزعها.\nوإن انتقض بعضها ففيه روايتان ذكرهما ابن عقيل:\nأحدهما: لا تبطل طهارته؛ لأنه زال بعض الممسوح عليه مع بقاء العضو مستورًا، فلم تبطل الطهارة، ككشط الخف مع بقاء البطانة.\nوالثانية: تبطل. قال القاضي: لو انتقض منها كور واحد بطلت؛ لأنه زال الممسوح عليه، فأشبه نزع الخف (^١).\nوإذا كنا رجحنا في مسألة نزع الخف أن الطهارة لا تبطل، فكذلك الراجح هنا أن العمامة لو سقطت كلها فالطهارة باقية على حالها، انظر مسألة نزع الخف، فقد بسطت الأدلة هناك.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٨٥)، وقال ابن مفلح في الفروع (١/ ١٧٢): «وان انتقض بعض العمامة فروايتان».\nورجح المرداوي في تصحيح الفروع: رواية البطلان. والله أعلم.","vol":"3","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1570>الباب التاسع في المسح على الجبيرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1571>الفصل الأول خلاف العلماء في جواز المسح على الجبيرة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يثبت في المسح على الجبيرة أثر صحيح يمكن الاعتماد عليه، إلا أنه قول أكثر العلماء.\n• ما ورد موقوفًا على ابن عمر معارض بقول ابن عباس في الجراحات بالانتقال إلى التيمم.\n• إذا تعذر الغسل فإما أن يصار إلى المسح، وإما إلى التيمم، وإما أن يسقط إلى غير بدل.\nوالمسح على الجبيرة أولى من التيمم؛ لأن المسح يكون بالماء، والتيمم بالتراب، والأصل: استعمال الماء، والمسح يكون في ما يغطي موضع الغسل، وأما التيمم في عضوين فقط، وقد يكونا أجنبين عن موضع الجرح.\nوالمسح أولى من إسقاطه إلى غير بدل؛ لأن من قدر على المسح انتقل فرضه إليه.\n[م-٢٨٠] اختلف العلماء في جواز المسح على الجبيرة،","vol":"3","page":416},{"text":"فقيل: يجب المسح عليها، وهو مذهب المالكية (^١)، والقول القديم للشافعي (^٢)، واختاره أبو يوسف ومحمد من الحنفية (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\nوقال أبو حنيفة: ليس المسح على الجبيرة بفرض.\nواختلف أصحابه في فهم عبارته.\nفقيل: معناه أن المسح واجب، وليس بفرض (^٥).\nوقيل: بل معنى عبارة الإمام أن المسح مستحب، وليس بواجب (^٦).\nوقيل: يجمع بين المسح والتيمم، وهو قول الشافعي في الأم، وعليه جمهور أصحابه (^٧).\nوقيل: لا يشرع المسح، واختلف القائلون به.\nفقيل: يسقط المسح إلى غير بدل، وهو اختيار ابن حزم (^٨).\nوقيل: بل يكفيه التيمم، ولا يمسح، حكاه بعض الخرسانيين، وهو قول عند الشافعي مخرج على قول من وجد ماء يكفي بعض الأعضاء فإن لهم فيها قولان،\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١٢٩، ١٣٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٦١)، الخرشي (١/ ٢٠٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٢، ١٦٣)، التاج والإكليل (١/ ٥٣٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٣٦٧).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ١٣)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٩٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٩)، تبيين الحقائق (١/ ٥٢، ٥٣).\n(^٤) مسائل ابن هانئ (١/ ١٨، ٢٠)، المقنع في شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٥٨)، شرح الزركشي (١/ ٢٠٤)، المبدع (١/ ١٥١، ١٥٢)، الإنصاف (١/ ١٨٧، ١٨٨)، تنقيح التحقيق (١/ ٥٤٠)، كشاف القناع (١/ ١٢٠).\n(^٥) شرح فتح القدير (١/ ١٥٩)، البحر الرائق (١/ ١٩٤)، مراقي الفلاح (ص: ٥٥)، تبيين الحقائق (١/ ٥٢، ٥٣)، الفتاوى الهندية (١/ ٣٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٧٩).\n(^٦) انظر المراجع السابقة.\n(^٧) المجموع (٢/ ٣٦٧).\n(^٨) المحلى (١/ ٣١٦).","vol":"3","page":417},{"text":"أحدهما: يتيمم، ولا يستعمل الماء؛ لأنه في الصورتين تمكن من غسل بعض الأعضاء دون بعض، واختاره أبو عبد الله الحناط (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1572> دليل القائلين بجواز المسح على الجبيرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>الدليل الأول:</span>\n(٦٧٠ - ١٦٧) ما رواه أبو داود من طريق الزبير بن خريق، عن عطاء،\nعن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب - شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (^٢).\n[ضعيف، وزيادة ويعصر أو يعصب ثم يمسح عليها زيادة منكرة، تفرد بها الزبير بن خريق، والمعروف أن الحديث من رواية الأوزاعي بلغني عن عطاء عن ابن عباس، وليس فيها ذكر للمسح، ولا للتيمم] (^٣).\n_________\n(^١) انظر فتح العزيز (٢/ ٢٧٩، ٢٨١)، المجموع (٢/ ٣٦٩).\n(^٢) سنن أبي داود (٣٣٦).\n(^٣) في إسناده الزبير بن خريق.\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٣/ ٥٨٠).\nونسب الحافظ ابن حجر إلى أبي داود أنه قال في سننه: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (٣/ ٢٧١). ولم أقف عليه في المطبوع، فلعله نسخة.\nوقال الدارقطني: ليس بالقوي. المرجع السابق، والكاشف (١٦١٩).\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٤/ ٢٦٢)، وفي التقريب: لين الحديث.\nوالحديث: قد أخرجه أبو داود (٣٣٦)، والدارقطني (١/ ١٨٩، ١٩٠) والبيهقي (١/ ٢٢٧)، من طريق الزبير بن خريق به. =","vol":"3","page":418},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= واختلف على عطاء فيه: فرواه الزبير بن خريق، عن عطاء، عن جابر كما سلف.\nورواه الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، وليس فيه ذكر التيمم ولا المسح على الجبيرة، فتكون زيادة الجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة زيادة منكرة، إلا أنه قد اختلف فيه على الأوزاعي سندًا ومتنًا:\nفروي عن الأوزاعي، بلغني عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا (قتلوه قتلهم الله إنما شفاء العي السؤال)\nرواه بهذا محمد بن شعيب كما في سنن أبي داود (٣٣٧).\nويحيى بن عبد الله كما في سنن الدارقطني (١/ ١٩٢).\nوتابعهم على ذلك أبو مغيرة كما في مسند أحمد (١/ ٣٣٠) والدارمي (٧٥٢) والدارقطني (١/ ١٩٢)\nوالوليد بن مزيد، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٩٢)، والبيهقي (١/ ٢٢٧) إلا أن أبا مغيرة والوليد بن مزيد زادا في آخره، قال عطاء: فبلغني أن النبي ﷺ قال: لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه يعني الجرح.\nفالقدر المرفوع منقطع بين الأوزاعي وعطاء، وليس فيه إلا قوله: إنما شفاء العي السؤال. ولم يذكر مسحًا ولا تيممًا.\nوالمرسل منه ذكر غسل الصحيح، وسقوط الغسل عن موضع الجراحة بلا بدل، ومرسل عطاء من أضعف المراسيل. والموصول والمرسل ليس فيه المسح ولا التيمم فضلًا عن الجمع بينهما.\nوهذه الزيادة المرسلة عن عطاء قد اختلفوا في ذكرها.\nفرواه عبد الرزاق في المصنف (٨٦٧) ومن طريقه الدارقطني (١/ ١٩١) فقال: عن الأوزاعي، عن رجل، عن عطاء، بنحو الرواية السابقة، وذكر الزيادة المرسلة عن عطاء.\nوفي هذا موافقة لرواية أبي المغيرة ومحمد بن شعيب، ويحيى بن عبد الله والوليد بن مزيد في الإسناد حيث رواه عن عطاء عن رجل، عن ابن عباس.\nوكذلك موافقة له في المتن حيث روى القدر المرفوع بالاقتصار على قوله: ألم يكن شفاء العي السؤال بدون ذكر التيمم ولا المسح، والمرسل على الاقتصار على غسل الصحيح، وترك موضع الجرح.\nوأخرجه الطبراني (١١٤٧٢) عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن الأوزاعي، سمعته منه، أو أخبرته عن عطاء به، وقال في آخره: (ألا يمموه)، ولم يذكر مرسل عطاء، وهذا لا يكون إلا من قبل الطبراني؛ لأن مصنف عبد الرزاق هو من رواية الدبري.\nوقال بعضهم، عن الأوزاعي، عن عطاء:","vol":"3","page":419},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرجه الدارقطني (١/ ١٩١) من طريق أيوب بن سويد،\nوأخرجه أبو يعلى (٢٤٢٠)، والدارقطني (١/ ١٩٠)، والحاكم (١/ ١٧٨) من طريق الهقل بن زياد، كلهم عن الأوزاعي قال: قال: قال عطاء: قال ابن عباس، بلفظ: إنما شفاء العي السؤال، ثم ذكرا مرسل عطاء بغسل جسده وترك رأسه حيث أصابته الجراحة.\nورواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١٧، ٣١٨) من طريق محمد بن كثير، عن الأوزاعي به، دون ذكر مرسل عطاء.\nوهذه الروايات لا تعارض من رواه عن الأوزاعي، قال: بلغني عن عطاء، وذلك لأن الأوزاعي لم يصرح بالتحديث فيها.\nوقد أخرجه الحاكم (١/ ١٧٨) من طريق بشر بن بكر، حدثني الأوزاعي، حدثنا عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس، وساق في آخره مرسل عطاء.\nوضعف الحاكم رواية بشر، حيث قال: وقد رواه الهقل بن زياد، وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي، ولم يذكر سماع الأوزاعي عن عطاء.\nقلت: قد جاء في التهذيب: قال مسلمة بن صلة، عن بشر بن بكر: روى عن الأوزاعي أشياء انفرد بها، وهو لا بأس به إن شاء الله اهـ.\nفالتصريح بالتحديث في روايته شاذة، فالراجح في رواية الأوزاعي أنها منقطعة.\nوقد رواه عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، عن الأوزاعي، واختلف على عبدالحميد فيه:\nفجاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٧) عن أبي حاتم وأبي زرعة قالا: روى هذا الحديث ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، وأفسد الحديث. اهـ\nفقولهما: (وأفسد الحديث): أي في بيان الواسطة بين الأوزاعي وعطاء حيث اتضح أنه رجل ضعيف، وهو إسماعيل بن مسلم المكي.\nوقد رواه ابن ماجه (٥٧٢) حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح به، ولم يذكر إسماعيل بن مسلم بنفس رواية الجماعة عن الأوزاعي حيث اقتصر المرفوع على قوله: ألم يكن شفاء العي السؤال، ومرسل عطاء على غسل جسده، وترك رأسه حيث أصابه الجراح.\nفطريق الأوزاعي وإن كان ضعيفًا لانقطاعه إلا أن ذكر التيمم في القدر المرفوع انفرد به عبد الرزاق عن الأوزاعي وهو في المصنف بدون ذكر هذه اللفظة. والمرسل ليس فيه ذكر للمسح ولا للتيمم، وإنما فيه غسل الجسد وترك موضع الجرح، ولا حجة في مراسيل عطاء.\nوقد رواه الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عطاء وزاد فيه ذكر التيمم.\nرواه ابن الجارود في المنتقى (١٢٨) وابن خزيمة (٢٧٣). وابن حبان (١٣١٤) من طريق حفص بن غياث، قال: أنبأني الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، أن عطاء حدثه عن ابن عباس =","vol":"3","page":420},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ﵄، أن رجلًا أجنب في شتاء، فسأل، فأمر بالغسل، فاغتسل، فمات، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: ما لهم قتلوه، قتلهم الله ثلاثًا، قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهورًا، شك ابن عباس، ثم أثبته بعد.\nوالوليد بن عبيد الله ضعفه الدارقطني، والبيهقي ووثقه يحيى بن معين، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما. انظر الجرح والتعديل (٩/ ٩)، ولسان الميزان (٦/ ٢٢٣)، وسيأتي تخريج طريقه مستقلًا إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني.\nوليس في هذا الطريق المسح على الجبيرة، فلا يكون فيه دليل للمسح على الجبيرة، وأما ذكر التيمم فيه فلو كان الوليد بن عبيد الله ثقة لم يعتبر ذكر التيمم محفوظًا من رواية عطاء، وقد رواه جمع منهم: هقل بن زياد، ومحمد بن شعيب، وعبد الحميد بن حبيب، وبشر بن بكر، ومحمد ابن كثير، وأبو المغيرة، وأيوب بن سويد، والوليد بن مزيد، ويحيى بن عبد الله، كلهم رووه عن الأوزاعي، عن عطاء أو بلغني عن عطاء، عن ابن عباس، وليس فيه ذكر للتيمم.\nورواه عبد الرزاق عن الأزاعي، تارة بمثل رواية الجماعة، بعدم ذكر التيمم، وهو المعروف، وانفرد الطبراني عن إسحاق الدبري، عن عبد الرزاق بذكر التيمم، وهذه الزيادة منكرة، لأن ذكر التيمم ليس معروفًا من رواية الأوزاعي. ومرسل عطاء ليس فيه ذكر لا للمسح، ولا للتيمم.\nفتلخص من هذه الروايات ما يلي:\nأولًا: الحديث من مسند جابر منكر، فالمعروف أن الحديث من مسند ابن عباس.\nثانيًا: المسح على الجبيرة بقوله: (يعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده ..) زيادة منكرة، تفرد بها الزبير بن خريق، وقد خالف في إسناده ولفظه.\nثالثًا: هذا الحديث أعني حديث جابر، الذي استدلوا به، هم لا يقولون بدلالته، فإن الحديث جمع بين المسح والتيمم، وهم لا يرون مشروعية الجمع بينهما، بل يقولون: المشروع: هو المسح فقط.\nرابعًا: أكثر الرواة عن الأوزاعي، عن عطاء لم يذكر فيها التيمم، والمعروف في إسناده الانقطاع، وزاد في آخره عطاء، بلغني عن رسول الله ﷺ بإسقاط الفرض عن موضع الجرح، ومرسالات عطاء لا حجة فيها.\nورواية الوليد بن عبيد الله ابن أبي رباح، عن عطاء، ذكر فيها التيمم، والوليد بن عبيد الله مختلف فيه.\nوقد صح عن ابن عباس موقوفًا عليه ذكر التيمم، لكن من غير هذا الطريق، وسوف أذكر قول ابن عباس الموقوف عليه عند ذكر أدلة من يرى التيمم إن شاء الله تعالى.\nخامسًا: أن حديث ابن عباس هو في الجراحات، وليس في الجبيرة، إلا أن تقاس الجبيرة على الجراحة، بجامع تعذر استعمال الماء فيهما، والله أعلم.","vol":"3","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1574>الدليل الثاني:</span>\n(٦٧١ - ١٦٨) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل بن يونس، عن عمرو ابن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده،\nعن علي بن أبي طالب قال: انكسر إحدى زندي، فسألت رسول الله ﷺ، فأمرني أن أمسح على الجبائر (^١).\n[ضعيف جدًّا، بل موضوع] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٦٢٣).\n(^٢) كما أخرجه من طريق عبد الرزاق ابن ماجه (٦٥٧)، والدارقطني (١/ ٢٢٦، ٦٥٧)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٦٨).\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٢٤) والبيهقي (١/ ٢٢٨)، وأبو نعيم الأصفهاني (٤١١) من طريق سعيد بن سالم القداح، حدثني إسرائيل به، وسقط من إسناد أبي نعيم إسرائيل.\nوهذا الحديث ضعيف جدًّا بل موضوع، فيه عمرو بن خالد الواسطي:\nقال أحمد: متروك الحديث، ليس يسوى شيئا. الجرح والتعديل (٦/ ٢٣٠).\nوكذبه يحيى بن معين، ووكيع، وأحمد، وإسحاق بن راهوية\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه موضوعات. الكامل (٥/ ١٢٣).\nقال البيهقي (١/ ٢٢٨): تابعه على ذلك عمر بن موسى بن وجيه، فرواه عن زيد بن علي مثله، وعمر بن موسى متروك، منسوب إلى الوضع، نعوذ بالله من الخذلان، وروي بإسناد آخر مجهول عن زيد بن علي، وليس بشيء، ورواه أبو الوليد خالد بن يزيد المكي بإسناد آخر عن زيد بن علي، عن علي مرسلًا، وأبو الوليد ضعيف، ولا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي قد تقدم، وليس بالقوي، وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم، مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة، والله أعلم». اهـ كلام البيهقي.\nوجاء عن عبد الرزاق من طريق آخر، جاء في العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٣/ ١٥): سمعت رجلًا يقول ليحيى: تحفظ عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي ﷺ أنه مسح على الجبائر، فقال: باطل، ما حدث به معمر قط، سمعت يحيى يقول: عليه بدنة مقلدة مجللة، إن كان معمر حدث بهذا قط، هذا باطل، ولو حدث بهذا عبد الرزاق كان حلال الدم، من حدث بهذا عن عبد الرزاق؟ قالوا له: فلان، فقال: لا والله ما حدث به معمر، وعليه حجة من ههنا يعني المسجد إلى مكة إن كان معمر حدث بهذا». اهـ","vol":"3","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1575>الدليل الثالث:</span>\n(٦٧٢ - ١٦٩) ما رواه الدارقطني من طريق أبي الوليد، وهو خالد بن يزيد المكي، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، حدثنا الحسن بن زيد، عن أبيه،\nعن علي بن أبي طالب ﵁، سألت رسول الله ﷺ عن الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضأ صاحبها؟ وكيف يغتسل إذا أجنب؟ قال: يمسحان بالماء عليهما في الجنابة والوضوء، قلت: فإن كان في برد يخاف على نفسه إذا اغتسل؟ قال: يمر على جسده، وقرأ رسول الله ﷺ: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: ٢٩] يتيمم إذا خاف (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1576>الدليل الرابع:</span>\n(٦٧٣ - ١٧٠) ما رواه الدارقطني من طريق أبي عمارة محمد بن أحمد بن المهدي، ثنا عبدوس بن مالك العطار، أخبرنا شبابة، أخبرنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٢٢٦).\n(^٢) وهذا الإسناد له علتان:\nالعلة الأولى: خالد بن يزيد المكي ضعيف:\nقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبو زرعة، وترك الرواية عنه. الجرح والتعديل (٣/ ٣٦٠).\nوقال يحيى بن معين: وأبو حاتم الرازي: كذاب. انظر المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: ولخالد بن يزيد العدوي غير هذا من الحديث، ومقدار ما يرويه عن من رواه لا يتابع عليه. الكامل (٣/ ١٦).\nوقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا أكثر من كتب عنه أصحاب الرأي لا يشتغل بذكره لأنه يروي الموضوعات عن الأثبات. المجروحين (١/ ٢٨٤).\nالعلة الثانية: زيد بن علي بن الحسين لم يدرك جده علي بن أبي طالب. قال البيهقي (١/ ٢٢٨): «ورواه أبو الوليد خالد بن يزيد المكي بإسناد آخر، عن زيد بن علي، عن علي مرسلًا، وأبو الوليد ضعيف؛ ولا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء». اهـ وانظر العلل لأحمد (٣/ ١٦).","vol":"3","page":423},{"text":"عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يمسح على الجبائر.\nقال الدارقطني: لا يصح مرفوعًا، وأبو عمارة ضعيف جدًّا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1577>الدليل الخامس:</span>\n(٦٧٤ - ١٧١) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد،\nعن ثوبان، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين (^٢).\n[رجاله ثقات، وأعله بعضهم بالانقطاع] (^٣).\n• وأجيب:\nبأن المراد بالعصائب: العمائم، والتساخين: الخفاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>الدليل السادس: من الآثار</span>.\n(٦٧٥ - ١٧٢) ما رواه ابن المنذر، قال: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا سماغ، حدثنا الوليد، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، حدثني سليمان بن موسى، عن نافع، قال:\nجرحت إبهام رجل ابن عمر، فألقمها مرارة، فكان يتوضأ عليها (^٤).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٢٠٥)، ومن طريق الدارقطني رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٦١) وفي التحقيق (١/ ٢١٩).\nورواه الخطيب في تاريخه (١١/ ١١٥) من طريق عبد الله بن إبراهيم الشافعي، أخبرنا محمد بن أحمد بن المهدي به.\nوفي إسناده أبو عمارة: محمد بن أحمد بن مهدي:\nقال الدارقطني: متروك. لسان الميزان (٥/ ٣٧).\nوقال الخطيب: في حديثه مناكير وغرائب. تاريخ بغداد (٣/ ٣٦٠).\n(^٢) المسند (٥/ ٢٧٧).\n(^٣) سبق تخريجه، انظر ح: (٥٢٤).\n(^٤) الأوسط (٢/ ٢٤).\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢٢٨) من طريق أبي عامر موسى بن عامر، حدثنا الوليد بن مسلم به.\nوفي الإسناد سعيد بن أبي عروبة، وقد اختلط، والراوي عنه: الوليد بن مسلم، ولم أقف هل سمع الوليد قبل الاختلاط، أو بعد الاختلاط، وقد ذكر صاحب الكواكب النيرات تسعة من الحفاظ ممن سمع من سعيد قبل الاختلاط، وألحق المحقق خمسة عشر آخرين، ولم يذكرا الوليد ابن مسلم منهم، كما لم يذكروا الوليد بن مسلم ممن سمع منه بعد الاختلاط، لكن جاء المسح عن ابن عمر من طريق آخر:\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٦) حدثنا شبابة، قال: حدثنا هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: من كان به جرح معصوب، فخشي عليه العنت، فليمسح ما حوله، ولا يغسله.\nوهذا إسناد صحيح إلى ابن عمر، وقد رواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٤) من طريق إسحاق والبيهقي في السنن (١/ ٢٢٨) من طريق أبي عامر موسى بن عامر، كلاهما عن الوليد بن مسلم، قال: أخبرني هشام بن الغاز به، بلفظ:\nإن كان عليه عصاب مسحه، وإن لم يكن عليه عصاب غسل ما حوله، ولم يمسه الماء. هذا لفظ ابن المنذر. وهذا أمر من ابن عمر، وليس مجرد فعل، كما قال ابن حزم.","vol":"3","page":424},{"text":"• وأجيب بجوابين:\nالجواب الأول:\nأن الصحابة كلهم كانوا أهل جهاد، وتكثر فيهم الجراحات، والكسور، ولو كان ذلك واجبًا لجاء واضحًا بيانه في السنة المرفوعة لشديد الحاجة إليه، ولم نجد في المسح على الجبيرة حديثًا مرفوعًا يمكن الاعتماد عليه مع شديد الحاجة، ولو كان ذلك من شريعة الله لنقل إلينا نقلًا تقوم به الحجة، فلما لم يأت إلا أثر موقوف عن واحد من الصحابة، علم أن مثل هذا قد لا يكون سبيله الوجوب.\nالجواب الثاني:\nبأن فعل ابن عمر، وإن كان صحيحًا فقد عارضه قول ابن عباس فهو يرى التيمم كما سيأتي إن شاء الله تعالى عنه، وإن كان قول ابن عباس في الجراحات، وليس في الجبيرة إلا أن سبيلهما واحد لتعذر استعمال الماء عليهما، بل يعارض فعل ابن عمر ظاهر القرآن، قال تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦] فذكر أن التيمم يشرع إذا كان","vol":"3","page":425},{"text":"الإنسان مريضًا، والجرح: نوع من المرض.\nقال ابن حزم: «فإن قيل: قد رويتم عن ابن عمر أنه ألقم أصبعه مرارة، فكان يمسح عليها.\nقلنا: هذا فعل منه، وليس إيجابًا للمسح عليها، وقد صح عنه ﵁ أنه كان يدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغسل، وأنتم لا ترون ذلك، فضلًا عن أن توجبوه فرضًا» (^١). اهـ\nفقد يكون ابن عمر فعل ذلك احتياطًا، ويبقى ما دام أن ابن عباس خالفه، يطلب مرجح لأحد القولين من دليل آخر.\nويرد على ابن حزم بأن ابن عمر قد ورد عنه الأمر بالمسح على العصابة كما نقلت ذلك في التخريج عنه، وليس مجرد فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>الدليل السابع:</span>\nمن النظر، قالوا: إن المسح على الجبيرة أولى من التيمم من وجهين:\nالأول: أن المسح يكون بالماء، والتيمم بالتراب، والأصل: استعمال الماء.\nالثاني: المسح يكون في ما يغطي موضع الغسل، وأما التيمم في عضوين فقط، وقد يكونا أجنبين عن موضع الجرح، فالجرح إما أن يكون مكشوفًا أو مستورًا، فإن كان مكشوفًا، فالواجب غسله، فإن تعذر غسله بالماء، انتقل إلى مسحه بالماء، فإن تعذر المسح، فالتيمم.\nوإن كان العضو مستورًا ففرضه المسح، فإن تضرر انتقل إلى التيمم.\n• وأجيب:\nبأن هذا الترتيب لا دليل عليه، وهو استحسان في مقابل النص، أعني آية المائدة، فلا يقبل.\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣١٧).","vol":"3","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1580>الدليل الثامن:</span>\nقالوا: يشرع المسح على الجبيرة قياسًا على العمامة والخفين؛ لأن هذا العضو ستر بما يسوغ شرعًا، فجاز المسح عليه كالخفين والعمامة.\n• وأجيب:\nبأن هناك فرقًا بين الجبيرة والخفين، فلا يصح القياس، فمن ذلك:\nأن المسح على الجبيرة واجب، والمسح على الخفين جائز.\nالثاني: أن المسح على الجبيرة في الطهارتين الصغرى والكبرى، وفي الخف في الطهارة الصغرى فقط.\nالثالث: المسح على الجبيرة لا توقيت فيها، بخلاف الخف.\nالرابع: المسح على الجبيرة يستوعبها بالمسح، كما يستوعب الجلد، بخلاف الخف.\nالخامس: أن المسح على الخفين يشترط له الطهارة، بخلاف الجبيرة على قول.\nوإذا تبين بينهما هذه الفروق فكيف يصح قياس الجبيرة على الخف؟!\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1581> أدلة القائلين بالتيمم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1582>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\nوإذا لم يكن هذا الجرح مرضًا، فما هو المرض المبيح للتيمم؟ فهل يشترط أن يكون مرضًا مانعًا من استعمال الماء مطلقًا؟ أين الدليل على هذا الشرط، وهذا الشرط لو قالوه مخالف لقولهم: إذا كان معه ماء يكفي بعض طهره، استعمله، وتيمم عن الباقي.","vol":"3","page":427},{"text":"• ونوقش هذا:\nبأن الكلام في المسح على الجبيرة، وليس في الجراحات المكشوفة التي يتعذر فيها استعمال الماء والمسح.\n• ورد هذا من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول:\nالمفروض في كتاب الله الغسل أو التيمم، وأنتم جعلتم المفروض ثلاثة: الغسل، فإن لم يمكن فالمسح، فإن لم يمكن فالتيمم، مع أنه ليس في المسح حديث يمكن الاحتجاج به إلا ما ورد في حديث صاحب الشجة من حديث جابر وهو منكر.\nالوجه الثاني:\nأن التيمم مخرج على قول من وجد ماء يكفي بعض الأعضاء فقد اختار بعض أهل العلم أنه يتيمم، ولا يستعمل الماء، لأنه في الصورتين قد تمكن من غسل بعض الأعضاء دون بعض إلا أن أحدهما لقلة الماء، والثاني لتعذر استعماله، وبابهما في التيمم واحد.\nالوجه الثالث:\nلو كان معه قليل من الماء، إن غسل به أعضاء الوضوء لم يمكنه إلا غسل بعضها، وإن تمسح به مسح به جميع أعضاء الوضوء، لا يقال له فرضك المسح فكذلك في وضع الجبيرة فرضه إما الغسل أو التيمم، ولا يوجد في الوضوء ما يقال: إن فرضه المسح إلا ما صح فيه النص كالرأس والخفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>الدليل الثاني:</span>\n(٦٧٦ - ١٧٣) ما رواه ابن الجارود من طريق حفص بن غياث، قال: أنبأني الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، أن عطاء حدثه،\nعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رجلًا أجنب في شتاء، فسأل، فأمر","vol":"3","page":428},{"text":"بالغسل، فاغتسل، فمات، فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: ما لهم قتلوه؟ قتلهم الله ثلاثًا قد جعل الله الصعيد، أو التيمم طهورًا، شك ابن عباس، ثم أثبته بعد (^١).\n[رواه الأوزاعي عن عطاء، فخالف فيه الوليد بن عبيد الله] (^٢).\nوالغريب أن القائلين بالمسح تركوا هذا الحديث، وأخذوا بحديث جابر، وهو غلط من راويه الزبير بن خريق؛ لأن الأوزاعي والوليد بن عبيد الله قد خالفاه، فروياه عن عطاء من مسند ابن عباس، وليس فيه المسح على الجبيرة، ومع تقديمهم لحديث جابر على نكارته، لم يقولوا بمقتضاه من الجمع بين المسح والتيمم، بل أخذوا بعضه، وتركوا بعضه، وهذا من غرائب الاستدلال!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>الدليل الثالث:</span>\nأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أهل جهاد، فكانت تكثر فيهم الجروح والقروح، فلو كان المسح على الجبيرة مشروعًا لجاء مبينًا في السنة تبيينًا واضحًا لا\n_________\n(^١) المنتقى (١٢٨).\n(^٢) في إسناده الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح،\nوالوليد بن عبيد الله ضعفه الدارقطني، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٦)، ولم يخرج له أحد من الكتب الستة، ووثقه يحيى بن معين، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وهذا تصحيح منهما لحديثه. انظر الجرح والتعديل (٩/ ٩)، ولسان الميزان (٦/ ٢٢٣).\nوجرح الدارقطني غير مفسر، فلا يعارض توثيق ابن معين، وابن معين معروف بتشدده، فأقل أحواله أن يكون حسنًا جمعًا بين إعمال الجرح وإعمال التعديل.\nولكن النظر في الاختلاف على عطاء:\nالوليد بن عبيد الله بن أبي رباح قد انفرد في روايته للحديث عن عطاء عن ابن عباس موصولًا بذكر التيمم.\nورواه جماعة عن الأوزاعي، مرة بلغني عن عطاء، ومرة عن عطاء عن ابن عباس، بالاقتصار على قوله: قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال. ثم روى عطاء مرسلًا فبلغني أن النبي ﷺ قال: لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه يعني الجرح.\nورواه الدبري عن عبد الرزاق، عن الأوزاعي ففي المصنف كما هي رواية الجماعة عن عطاء.\nورواه الطبراني عن الدبري بذكر ألا يمموه. وذكر التيمم في رواية الأوزاعي ليس معروفًا.","vol":"3","page":429},{"text":"إشكال فيه، كما بين الرسول ﷺ أن الريح حدث يبطل الوضوء، ولا ينازع في ذلك منازع، خاصة أن الأمر يتعلق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، فلما لم يأت المسح إلا من حديث رجل إما متهم بالكذب، وإما ضعيف قد خالفه من هو أوثق منه، علم أن المسح ليس مشروعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>الدليل الرابع:</span>\nثبت عن ابن عباس موقوفًا عليه القول بالتيمم،\n(٦٧٧ - ١٧٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، قال: إذا أجنب الرجل، وبه الجراحة والجدري، فخاف على نفسه إن هو اغتسل، قال: يتيمم بالصعيد (^١).\n[حسن موقوفًا على ابن عباس، وروي مرفوعًا ولا يصح] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٩٦).\n(^٢) رواه عطاء بن السائب، واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو الأحوص، كما في مصنف ابن أبي شيبة.\nوأبو عوانة، وورقاء كما في العلل لابن أبي حاتم (٤٠) ثلاثتهم عن عطاء بن السائب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس موقوفًا عليه.\nورواه ابن الجارود في المنتقى (١٢٩)، وابن خزيمة (٢٧٢)، والحاكم (١/ ١٦٥) من طريق جرير بن عبد الحميد،\nوتابعه علي بن عاصم كما في العلل لابن أبي حاتم (٤٠) فروياه عن عطاء بن السائب به مرفوعًا.\nوجرير قد سمع من عطاء بعد الاختلاط، قال ابن خزيمة: هذا خبر لم يرفعه غير عطاء.\nوجاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٢٦): «أخطأ فيه علي بن عاصم، ورواه أبو عوانة وورقاء وغيرهما، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا، وهو الصحيح». اهـ\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٨٦٩) عن الثوري، عن عاصم الأحول، عن قتادة، عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال: رخص للمريض في الوضوء التيمم بالصعيد، وقال ابن عباس: أرأيت إن كان مجدرًا: كأنه صمغه - كيف يصنع؟ وهذا إسناد صحيح.\nوقد رواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٩) من طريق عبد الرزاق به. وقد سقط من المصنف الثوري وعاصم، والتصحيح من الأوسط لابن المنذر. كما أن متن عبد الرزاق فيه سقط أكملته من الأوسط.","vol":"3","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1586>الدليل الخامس:</span>\nإذا كان الجنب قد رخص له إذا خاف على نفسه الضرر من الاغتسال أن يتيمم، فكذلك إذا خاف على جرحه، ولا فرق، ولا يقال له: امسح جسدك بالماء إذا خفت من الاغتسال؛ لأنه أولى من التيمم، فهذا بالماء، وذاك بالتراب، وهذا في عضوين، وذاك في الجسم كله، بل نقول له: تيمم، وهذا يكفيك، فكذلك إذا خاف على عضو من أعضائه.\nفقد روي عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص أنه تيمم لشدة البرد (^١).\nوهذا منقطع، عبد الرحمن بن جبير لم يسمع من عمرو بن العاص (^٢).\nوقيل: عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص كان على سرية فذكر الحديث، وذكر الوضوء، وغسل المغابن، ولم يذكر التيمم، وهذا مرسل أيضًا (^٣).\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٢٠٣).\n(^٢) سيأتي تخريجه، انظر ح: (٩٣٥) من كتاب التيمم.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٣٥) حدثنا محمد بن سلمة المرادي، أخبرنا ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو ابن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص كان على سرية وذكر الحديث نحوه، قال: فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم، فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٧٩) من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عمي (ابن وهب) عن عمرو بن الحارث وحده به.\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٧٧) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٦) من طريق أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم، أنبأ ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث ورجل آخر، عن يزيد بن أبي حبيب به.\nقال البيهقي: ورجل آخر أظنه ابن لهيعة، بذكر الوضوء، وغسل المغابن، دون ذكر التيمم.\nقال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٢٧٩): «وظاهرها الإرسال». يقصد أنه لم يقل: عن عمرو بن العاص، وإنما قال: أن عمرو بن العاص، وهو لم يشهد الواقعة.\nورواه حرملة بن يحيى، واختلف عليه فيه:\nفأخرجه ابن حبان (١٣١٥)، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سلم، قال: حدثني حرملة بن يحيى قال حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث به، ولم يذكر ابن لهيعة، بلفظ: فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم، ولم يذكر التيمم.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٧) حدثنا أحمد بن داود، حدثنا حرمله به بإسناد ابن حبان إلا أنه ذكر التيمم، ولم يذكر غسل المغابن ولا الوضوء، ولعله اختلط عليه رواية عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص، برواية عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس أن عمرو بن العاص ... إلخ.","vol":"3","page":431},{"text":"فالإسناد الأول ذكر التيمم فقط.\nوالإسناد الثاني ذكر الوضوء وغسل المغابن، ولم يذكر التيمم، وكلاهما لا يسلم من علة الانقطاع، قال البيهقي: ويحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعًا، غسل ما قدر على غسله، وتيمم للباقي، والله أعلم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1587> دليل من قال يسقط فرضه ولا يمسح ولا يتيمم:</span>\nاستدل ابن حزم بقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦].\nوقول الرسول ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).\nقال ابن حزم فسقط بالقرآن والسنة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعًا، والشرع لا يلزم إلا بقرآن أو سنة، ولم يأت قرآن ولاسنة بتعويض المسح على الجبائر (^٢).\nولأنه لو فقد العضو كاملًا سقط إلى غير بدل، فكذلك إذا عجز عن إيصال الماء إلى هذا العضو سقط من غير بدل.\nوفي ما قاله ﵀ نظر؛ لأن القرآن والسنة جاءت بالبدل، وهو التيمم كما\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٢٢٦).\n(^٢) المحلى (١/ ٣١٦).","vol":"3","page":432},{"text":"ذكرنا من سورة المائدة، ومن حديث ابن عباس.\nولأن قياس المسح على الجبيرة على ذهاب العضو قياس مع الفارق، فالعضو إذا زال لم يكلف بالبدل لزواله، وأما إذا كان موجودًا فإنه يكلف في غسله إذا قدر، فإذا تعذر كلف بالبدل، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1588> دليل من قال يجمع بين المسح والتيمم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1589>الدليل الأول:</span>\n(٦٧٨ - ١٧٥) حديث جابر في صاحب الشجة، وفيه: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده).\n[منكر تفرد بها الزبير بن خريق مخالفًا لمن هو أوثق منه، وسبق تخريجه في القول الأول].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن ما تحت الجبيرة عليل لا يمكن غسله، فأشبه الجريح بوجوب التيمم، ولبسه لهذا الحائل أشبه الخف بمشقة النزع، فلما أشبههما وجب الجمع بين المسح والتيمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>الدليل الثالث:</span>\nلا يمكن الاكتفاء بالتيمم لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦].\nولا يمكن الاقتصار على الماء؛ لأن هناك عضو لم يمسه الماء، والعجز الشرعي كالعجز الحسي، فاستعملنا الماء في الأعضاء الذي يمكن استعماله فيها، وتيممنا للجبيرة عن العضوء الذي تعذر استعمال الماء عليه.\n• وأجيب:\nبأن المقصود بقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي ماء يطهره، ألا ترى أن وجود الماء النجس لا يمنعه من التيمم؛ ولأنه معطوف على ما سبق، وقد سبق بيان حكم","vol":"3","page":433},{"text":"الوضوء والاغتسال بالماء في أول الآية بقوله: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) إلى قوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، فأراد به جميع البدن، ثم قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي يقوم بجميع ما ذكر، فإن آخر الكلام مرتبط بأوله، فإذا لم يوجد هذا الماء الذي يقوم بجميع ما ذكر فإنه غير واجد لذلك الماء (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>الدليل الرابع:</span>\nقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].\n(٦٧٩ - ١٧٦) وروى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا إسماعيل: حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم (^٢).\nفهذا مكلف قد أمر بالطهارة، واستطاع أن يأتي ببعضها، فهو مكلف بأن يأتي بما يستطيع، ويتيمم عن العضو الذي عجز عن استعمال الماء فيه.\n• ويجاب:\nبأن الحديث لم يسق في المسألة بخصوصها، ولو قيل: العبرة بعموم اللفظ فنقول: إن هذا العموم غير مراد هنا، بدليل أن هناك أمورًا يكلف فيها الإنسان، ويكون المشروع إما أن يأتي بها كلها، أو يتركها كلها، فمن طلب منه صيام يوم، فلو استطاع أن يصوم بعضه لم يكلف به؛ لأن المطلوب هو صيام يوم كامل، وكذلك ما تقدم من الإطعام في الكفارة، فمن استطاع أن يطعم خمسة مساكين، والمطلوب إطعام العشرة لم يكلف بالإطعام، بل ينتقل إلى بدله، فكذلك في الطهارة، فالمطلوب أن يرتفع حدثه\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ١١٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٧٤٤)، ومسلم (٢٣٨٠).","vol":"3","page":434},{"text":"إما بالماء أو بالتيمم، وبعض الماء لا يرفع الحدث، فوجوده كعدمه، والتيمم كاف في رفع الحدث، فينتقل إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1593>الدليل الخامس:</span>\nأن في الجمع بينهما احتياطًا للعبادة، وخروجًا من الخلاف.\n• ويجاب:\nبأن هذا القول ضعيف أيضًا؛ لأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف لقواعد الشرع، فإن كان المسح مطهرًا، فلماذا التيمم؟ وإن كان التيمم مطهرًا فلماذا المسح؟ ولا يكلف الله عبدًا بعبادتين سببهما واحد.\n• الراجح:\nبعد استعراض أدلة الفريقين لا أرى في المسح على الجبيرة نصًا مرفوعًا يمكن أن يعول عليه، وإن كان قول أكثر الفقهاء.\nوما جاء عن ابن عمر وإن كان صحيحًا عنه إلا أنه معارض بقول ابن عباس في التيمم عن الجراحة، والجمع بين الوضوء والتيمم قول ضعيف أيضًا، لهذا أرى أن يعطى الأكثر حكم الكل، فأعضاء الوضوء أربعة، فإن كانت اليدان سليمتين، والوجه سليمًا، وأحد القدمين سليمًا، ولم يبق إلا قدم واحد أو بعضه عليه جبيرة، فإنه يستعمل الماء، ويسقط غسل أحد القدمين.\nوإن كان أكثر الأعضاء عليه جبيرة، كما لو كانت يداه ورجلاه عليها جبيرة، ولم يبق إلا وجهه ورأسه، فإنه يتيمم ولا يستعمل الماء، كما لو أصيب بحروق فالكسور والحروق بابهما واحد، إلا أن هذا عليه جبيرة، وهذا ربما يكون مكشوفًا، وإذا كان الحال كذلك فهو دائر إما يستعمل الماء، أو يستعمل التيمم، والحكم للأكثر، والله أعلم، هذا ما استقريت عليه أخيرًا، بعد تأمل، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1594>الفصل الثاني في شروط المسح على الجبيرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1595>الشرط الأول أن يكون الغسيل مما يضر بالعضو أو الجروح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المسح على الجبيرة طهارة ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.\n• العجز الشرعي كالعجز الحسي.\n• ما جاز لعذر بطل بزواله.\n• خوف الضرر عذر يسقط به فرض الغسل إلى بدل وهو المسح، فإذا زال العذر وجب الغسل. وهذا لا خلاف فيه.\n[م-٢٨١] ذكر شروط المسح على الجبيرة هذا على القول بأن الفرض هو مسح الجبيرة، أما من يرى أن فرضه التيمم، أو يسقط إلى غير بدل فلا يحتاج إلى هذه الشروط.\nإذا علم ذلك فإن من شروط المسح على الجبيرة أن يكون الغسل مما يضر بالعضو المنكسر، أو بالجروح والقروح، أو يخاف الضرر بسبب نزع الجبائر.\nفإن كان لا يضره الغسل، ولا يخاف ضررًا بنزع الجبيرة، وجب الغسل؛ لأن","vol":"3","page":436},{"text":"الغسل فرض، سقط إلى بدل، لوجود العذر، فإذا لم يوجد العذر لم يسقط الغسل. وهذا لا خلاف فيه (^١).\nفإن خاف من المسح على الجبيرة، فإن أمكن وضع جبيرة أخرى ليمسح، وضع أخرى، وإن لم يمكن سقط المسح، كما سقط الغسل، وهل يسقط إلى بدل، وهو التيمم، أو يسقط إلى غير بدل سبق لنا ذكر الخلاف في جواز المسح على الجبيرة، فارجع إليه إن شئت.\n* * *\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ١٣)، الخرشي (١/ ٢٠٠)، وقال ابن قدامة في المغني (١/ ١٧٢): «لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها».","vol":"3","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1596>الشرط الثاني\nفي اشتراط لبس الجبيرة على طهارة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح.\n• قياس الجبيرة على الخف في اشتراط الطهارة لا يصح؛ لوجود الفارق.\n[م-٢٨٢] اختلف العلماء هل يشترط في المسح على الجبيرة أن يلبسها على طهارة.\nفقيل: لا يشترط، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢).\nوقيل: لا تلبس الجبيرة إلا على طهارة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، فإن كان لا يضره نزعها وجب، وإن كان يضره تيمم، ولم يمسح عند الحنابلة (^٣)، وعند\n_________\n(^١) قال في بدائع الصنائع (١/ ١٤): «لا تشترط الطهارة لوضع الجبائر، حتى لو وضعها، وهو محدث، ثم توضأ، جاز له أن يمسح عليها»، وانظر مراقي الفلاح (ص: ٥٦)، المبسوط (١٣٥)، تبيين الحقائق (١/ ٥٤)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٨).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ١٦٤)، منح الجليل (١/ ١٦٣)، الخرشي (١/ ٢٠١).\n(^٣) المحرر (١/ ١٣)، كشاف القناع (١/ ١١٤)، الفروع (١/ ١٦٠، ١٦١)، شرح الزركشي (١/ ٤٠٢)، المبدع (١/ ١٤٠)، الإنصاف (١/ ١٧٣، ١٧٤)، المقنع شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٥٨).","vol":"3","page":438},{"text":"الشافعية يمسح مع الإثم، ويعيد الصلاة إذا برئ (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1597> دليل الحنفية والمالكية على عدم اشتراط الطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل على اشتراط الطهارة، فالأحاديث التي جاء فيها المسح على الجبيرة مطلقة، لم تشترط تقدم الطهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1599>الدليل الثاني:</span>\nالمسح على الجبيرة يقع فجأة، أو في وقت لا يعلم الماسح وقوعها فيه، وبدون اختياره، بخلاف الخف، فإنه يلبسه مختارًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1600>الدليل الثالث:</span>\nلو تأخر في لبس الجبيرة لتحصيل الطهارة، لحصل له ضرر بذلك، والشرع لا يأتي بمثل هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1601>الدليل الرابع:</span>\nأن اشتراط الطهارة فيه حرج ومشقة، والحرج والمشقة مرفوع عن هذه الأمة بنص القرآن والسنة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1602> دليل الحنابلة والشافعية على اشتراط الطهارة</span>.\nقالوا: لأن الجبيرة حائل يمسح عليه، فكان من شرط المسح عليه تقدم الطهارة كالخفين.\n• وأجيب:\nبأنه لا يمكن قياس الجبيرة على الخف؛ لأن لبس الخف ترفه، وطلب كمال،\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٣٦٩)، أسنى المطالب (١/ ٨٢)، شرح البهجة (١/ ٢٠٣)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١١١).","vol":"3","page":439},{"text":"ولبس الجبيرة ضرورة، ومرض، ولذا وقت في الخف، ولم يوقت في الجبيرة، وكان مسح الجبيرة واجبًا عند من يراه، بخلاف الخف، وتستوعب الجبيرة بالمسح، ولا يستوعب الخف، ويجمع بين غسل ومسح في عضو واحد، ولا يجمع ذلك في الخف إلى آخر الفروق المعلومة، فلا يتأتى القياس على الخف.\nوهذا القول أرجح، إلا أنه مبني على القول بالمسح على الجبيرة.\n* * *","vol":"3","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1603>الشرط الثالث\nفي اشتراط ألا تتجاوز قدر الحاجة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها.\n• ما قارب الشيء هل يعطى حكمه؟\n• الضرورة تقدر بقدرها.\n• إذا ضاق الأمر اتسع.\n[م-٢٨٣] اختلف العلماء هل يشترط في الجبيرة ألا تتجاوز قدر الحاجة؟\nفقيل: يشترط ألا تتجاوز قدر الحاجة (^١)، فإن تجاوز بالجبيرة موضع الحاجة، فإن كان لا يضره حلها، حلها وغسل ما تحت الصحيح، وإن كان يضره،\n_________\n(^١) والحاجة: هي موضع الكسر، وكل ما قرب منه مما يحتاج إليه في شدها للاستمساك. فالجبيرة توضع على طرفي الصحيح؛ لينجبر الكسر، فلا بد أن تغطي موضعًا من الصحيح.\nقال النووي في المجموع (١/ ٣٦٩): «ولا يجوز أن يضع الجبيرة على شيء من الصحيح إلا القدر الذي لا يتمكن من ستر الكسر إلا به». اهـ","vol":"3","page":441},{"text":"فقيل: يمسح عليها كلها بلا تيمم وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: يمسح عليها، ويتيمم، وهو المشهور من مذهب الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\n• تعليل من قال بالمسح فقط:\nالتعليل الأول:\nلما كانت الجبيرة زائدة عن موضع الجرح، وكان حل الجبيرة يضره، أصبح وجود الجبيرة ضرورة، فجاز المسح على الجميع.\nالتعليل الثاني:\nقالوا: ولأن إيجاب المسح والتيمم معًا إيجاب طهارتين لعضو واحد، وهذا مخالف لقواعد الشرع.\nالتعليل الثالث:\nقالوا: إن تقدير الموضع الزائد على الحاجة قد يتعسر، ولا ينضبط، ولذلك قال ابن قدامة في المغني: «كأن أبا عبد الله استحب أن يتوقى أن يبسط الشد على الجرح بما يجاوزه، ثم سهل في مسألة الميموني والمروذي؛ لأن هذا مما لا ينضبط، وهو شديد جدًّا، ولا بأس بالمسح على العصائب كيف شدها» (^٦).\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٨٠، ٢٨١)، البحر الرائق (١/ ١٩٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٣).\n(^٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٦٤)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٢)، منح الجليل (١/ ١٦٣).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٨٨).\n(^٤) أسنى المطالب (١/ ٨٢)، روضة الطالبين (١/ ١٠٦)، المجموع (٢/ ٣٦٩).\n(^٥) المبدع (١/ ١٤٠)، الإنصاف (١/ ١٨٨)، المقنع شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٥٩).\n(^٦) المغني (١/ ١٧١).","vol":"3","page":442},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1604> دليل من قال بالجمع بين المسح والتيمم</span>.\nقالوا: إن شد الجبيرة على موضع لا يحتاج إليه، كشدها على موضع لا كسر فيه، فيبقى ما على موضع الحاجة يقتضي المسح، والزائد يقتضي التيمم.\n• وأجيب:\nبأن الشيء قد يجوز تبعًا ولا يجوز استقلالًا، لما سبق ذكره من وجود الحرج في ضبط مقدار الحاجة.\n• الراجح من الخلاف\nبعد استعراض الخلاف نجد أن قول الجمهور في هذه المسألة أقوى، إلا أنه مبني على القول بالمسح على الجبيرة، وقد ناقشت هذه المسألة في فصل مستقل، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1605>الشرط الرابع\nفي اشتراط أن تكون الجبيرة مباحة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل النهي يقتضي الفساد؟\n• النهي إذا لم يكن عائدًا لذات المنهي عنه، ولا لوصف لازم لا ينفك عنه، بل لأمر خارج عنه، لم يكن النهي دالًا على الفساد.\n[م-٢٨٤] إذا كانت الجبيرة من حرير أو غصب، ففي جواز المسح عليها قولان:\nأحدهما: لا يصح المسح عليه.\nوالثاني: يصح المسح عليها.\nوالخلاف في هذه المسألة كالخلاف في الخف المحرم، وقد سبق بحثه، والصحيح جواز المسح على الجبيرة، ولو كانت محرمة، لأن الجهة منفكة، والتحريم ليس من قبل الصلاة، وإنما هو لأمر خارج، وهذا الترجيح مبني على القول بجواز المسح على الجبيرة، وقد سبق لك الخلاف.\n* * *","vol":"3","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1606>الشرط الخامس\nفي اشتراط أن يكون غالب البدن صحيحًا</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• للأكثر حكم الكل.\n[م-٢٨٥] ذهب المالكية في الجراح إلى أنه يشترط لمسحه أن يكون غالب البدن في الطهارة الكبرى أو غالب الأعضاء الأربعة في الطهارة الصغرى صحيحًا، فإن كان البدن كله جريحًا، أو غالبه جريحًا، فإن فرضه التيمم، حتى ولو لم يضره غسل ذلك الصحيح (^١).\nقال في الشرح الصغير: «كما أن فرضه التيمم لو قَلَّ الصحيح جدًّا، كيدٍ، أو رجل، وكان غسله لا يوجب ضررًا» (^٢).\nوجه ذلك: أن الصحيح من البدن إذا كان قليلًا فلا حكم له، فكأن البدن أصبح كله جريحًا، وإذا كان البدن كله جريحًا وجب التيمم بنص القرآن، قال تعالى: (وَإِن\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٦٣)، الذخيرة (١/ ٣٤٣)، الشرح الصغير (١/ ٢٠٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٤)، الخرشي (١/ ٢٠١، ٢٠٢) التاج والإكليل (١/ ٥٣٢، ٥٣٣) الفواكه الدواني (١/ ١٦٣)، منح الجليل (١/ ١٦٣).\n(^٢) الشرح الصغير مع حاشي الصاوي (١/ ٢٠٥).","vol":"3","page":445},{"text":"كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\nوهذا وإن كان في الجراح فإن الحكم لا يختلف عندهم عن الجبيرة، ذلك أن الجرح عندهم فرضه الغسل إن كان لا يتضرر من الماء، فإن تضرر كان فرضه المسح إن كان لا يتضرر من مباشرة مسحه مكشوفًا، فإن تضرر وضعه على جبيرة ومسحه، فإن تضرر فإنه يضع على الجبيرة عصابة، ويمسح عليه. هذا مذهب المالكية.\nفالجرح إن كان يمكن مسحه مكشوفًا لم يمسح على الجبيرة، وإن لم يمكن انتقل الفرض إلى الجبيرة.\nوهذا دليل على ضعف القول بالمسح على الجبيرة؛ لأن البدن إذا كان نصفه جريحًا يتيمم، ولا يمسح، استدلالًا بآية المائدة، فكذلك إذا كان غالبه صحيحًا يتيمم، ولا يمسح، ولا فرق، خاصة إذا علمنا أن المسح على الجبيرة ليس فيها نص صحيح يصار إليه.\n* * *","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1607>الشرط السادس\nفي اشتراط الجبيرة للمسح</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح.\n[م-٢٨٦] إذا كان الجرح ليس عليه عصابة، ولا جبيرة، فالمشهور من مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، أنه يتيمم للجرح ولا يمسح عليه، حتى لو كان يمكنه مسحه بلا ضرر.\nوهذا مما يضعف القول بالمسح؛ لأنه إذا كان المسح لا يشرع مع مباشرة الممسوح بدون حائل، فكونه لا يشرع مع الحائل من باب أولى.\nواختار الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، وهو رواية في مذهب أحمد (^٥)، أن الفرض غسل\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٧١)، روضة الطالبين (١/ ١٠٧).\n(^٢) مسائل أحمد رواية عبد الله (١/ ١٢٨، ١٢٩)، المقنع شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٥٣)، شرح الزركشي (١/ ٣٨١).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ١٦١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٦)، بدائع الصنائع (١/ ١٣).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٣٦١)، الخرشي (١/ ٢٠٠).\n(^٥) قال في المغني (١/ ١٧٣): «رواه حنبل عنه». ...\nقلت: ما تفرد به حنبل لا يعتبر على التحقيق رواية، لكن لم يتفرد به، فقد جاء في مسائل ابن هانئ (١/ ٢٠): «سألته عن الرجل به جرح، تصيبه جنابة؟ قال: إذا خاف على نفسه، يمسح عليه».اهـ\nوقال في (١/ ١٨): «سألت أبا عبد الله عن رجل بعقبه علة، لا يستطيع أن يغسله إذا توضأ؟ قال: له عذر، وأمرني أن أمسح عليه، وكنت قد أريته الرجل».","vol":"3","page":447},{"text":"الجرح بالماء، فإن خاف ضررًا مسح على الجرح بدون حائل، فإن خاف ضررًا من وصول البلل إلى الجرح مسح على الجبيرة أو العصابة.\nوهذا القول أقوى من الأول إلا أنه مبني على القول بالمسح على الجبيرة، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1608>الشرط السابع\nفي اشتراط أن تكون الجبيرة من خشب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح.\n[م-٢٨٧] لا يشترط أن تكون الجبيرة من خشب، وحكم اللصوق على الجروح حكم الجبيرة (^١).\nقال المرداوي: «اللصوق حيث تضرر بقلعه يمسح عليه إلى حله كالجبيرة، وينبغي أن لا يكون فيه خلاف» (^٢).\n(٦٨٠ - ١٧٧) قلت: أصل ذلك ما رواه ابن المنذر، قال: حدثنا موسى بن هارون، ثنا سماغ، ثنا الوليد، نا سعيد بن أبي عروبة، حدثني سليمان بن موسى، عن نافع، قال:\nجرحت إبهام رجل ابن عمر فألقمها مرارة، فكان يتوضأ عليها (^٣).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ٣٧٣): «قال أصحابنا حكم اللصوق وغيره حكم الجبيرة في جميع ما سبق». وانظر نهاية المحتاج (١/ ٢٨٦).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٧٧).\n(^٣) الأوسط (٢/ ٢٤)، سبق تخريجه، انظر ح: (٦٧٥).","vol":"3","page":449},{"text":"[سبق بحثه].\nقال ابن قدامة: «ولا فرق بين كون الشد على كسر أو جرح. قال أحمد: إذا توضأ، وخاف على جرحه الماء مسح على الخرقة. وحديث جابر في صاحب الشجة إنما هو في المسح على عصابة جرح؛ لأن الشجة اسم لجرح الرأس خاصة؛ ولأنه حائل موضع يخاف الضرر بغسله فأشبه الشد على الكسر، وكذلك إن وضع على جرحه دواء، وخاف من نزعه، مسح عليه، نص عليه أحمد. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الجرح يكون بالرجل يضع عليه الدواء، فيخاف إن نزع الدواء إذا أراد الوضوء أن يؤذيه؟ قال: ما أدري ما يؤذيه، ولكن إذا خاف على نفسه، أو خُوِّف من ذلك مسح عليه» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٧٢)، وانظر أسنى المطالب (١/ ٨١)، شرح البهجة (١/ ١٨٩).","vol":"3","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1609>الفصل الثالث في إعادة المسح إذا سقطن الجبيرة أو أبدلها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• زوال الممسوح لا يبطل الطهارة، فهو بمنزلة حلق شعر الرأس بعد المسح عليه.\n• ولأن التعبد بالمسح وقد حصل، لا في بقاء الممسوح.\n[م-٢٨٨] اختلف العلماء القائلون بالمسح على الجبيرة في الحكم إذا سقطت الجبيرة.\nفقيل: إذا سقطت الجبيرة قبل البرء، فلا شيء عليه، وإن سقطت بعد البرء، فإن كان محدثًا توضأ وغسل محل الجبيرة، وإن لم يكن محدثًا غسل موضع الجبيرة لا غير. وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: نزع الجبيرة مؤثر بكل حال، سواء كان عن برء أو لا، واختلفوا فيما يترتب على الكشف.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ١٤)، تبيين الحقائق (١/ ٥٣، ٥٤)، العناية شرح الهداية (١/ ١٥٩)، شرح فتح القدير (١/ ١٥٩)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٦) البحر الرائق (١/ ١٩٨)، وقال صاحب مراقي الفلاح (ص: ٥٦): «ويجوز تبديلها بغيرها، ولا يجب إعادة المسح». اهـ","vol":"3","page":451},{"text":"فقيل: إذا سقطت الجبيرة، ولو كان في صلاة قطعها مطلقًا، فإن كان عن برء غسل ذلك الموضع مباشرة، وإن كان لم يبرأ فإنه يعيد الجبيرة، ويمسح عليها إن فعل ذلك بالقرب، وإن لم يفعل ذلك حتى طال الفصل بغير عذر، استأنف الوضوء، وهو مذهب المالكية (^١).\nوقيل: سقوطها مبطل للطهارة مطلقًا، سواء كان سقوطها عن برء أو عن غيره، وهو مذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: لا تبطل الطهارة مطلقًا، سواء سقطت عن برء، أو عن غيره، وهو اختيار ابن حزم (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1610> دليل الحنفية على التفريق بين كون السقوط عن برء وبين غيره:</span>\nقالوا: إن الجرح إذا لم يبرأ فالعذر قائم، فلا يجب عليه شيء، وزوال الممسوح لا يبطل المسح إذا كان العذر قائمًا، كما لو توضأ وحلق شعره، وإن كان سقوطها عن برء، فقد قدر على الأصل، وهو الغسل، فسقط حكم البدل، وهو المسح، فوجب غسل ذلك الموضع.\nويشكل عليه: إن كان سقوط الجبيرة حدثًا، فلا فرق بين كون الجرح قد برئ أم لم يبرأ، وإن لم يكن حدثًا فطهارته تامة حتى لو سقط عن برء، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1611> دليل المالكية على وجوب مسحها أو غسل الموضع مباشرة:</span>\nقالوا: إن المسح على الجبيرة ناب عن غسل ذلك الموضع، فإذا سقطت الجبيرة\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٦٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٦)، التاج والإكليل (١/ ٥٣٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٠٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ٣٧٤)، روضة الطالبين (١/ ١٠٨)، فتاوى الرملي (١/ ٨٣)\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٩١، ١٩٢)، كشاف القناع (١/ ١٢١)، مطالب أولي النهى (١/ ١٣٧)، المقنع شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٥٩)، المحرر (١/ ١٣).\n(^٤) المحلى (١/ ٣١٦، ٣١٧).","vol":"3","page":452},{"text":"انتقضت طهارة ذلك الموضع، فوجب غسله إن كان قد برئ، أو إعادة مسحه إن لم يبرأ، وانظر دليلهم في خلع الخف، فإن الباب واحد عندهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1612> دليل من قال تبطل الطهارة مطلقًا:</span>\nسقنا أدلتهم في مسألة بطلان الطهارة بخلع الخف، فإن الباب عندهم واحد.\n• الراجح:\nأن الطهارة لا تبطل، وليس سقوط اللصقة أو الجبيرة حدثًا، ولا جاء نص بإيجاب الوضوء من ذلك، والوجوب يحتاج إلى دليل، ولا دليل، كما أن التعبد بالمسح لا في بقاء الممسوح، فإذا مسح فقد حصل المطلوب، وهذا الترجيح مبني على القول بالمسح على الجبيرة.\n* * *","vol":"3","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1613>الفصل الرابع في صفة المسح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>المبحث الأول في استيعاب الجبيرة بالمسح</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• يعطى الأكثر حكم الكل.\n[م-٢٨٩] اختلف العلماء في صفة المسح،\nفقيل: يمسح أكثر الجبيرة، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يجب استيعاب الجبيرة بالمسح، وهذا مذهب المالكية (^٢)، وأصح الوجهين عند الشافعية (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: يكفي مسح ما يطلق عليه اسم مسح، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٥).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ١٣)، العناية في شرح الهداية (١/ ١٦١، ١٦٢)، تبيين الحقائق (١/ ٥٣).\n(^٢) الخرشي (١/ ٢٠٠، ٢٠١)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٣).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٦٧، ٣٦٨)، مغني المحتاج (١/ ٩٤)، نهاية المحتاج (١/ ٢٨٧).\n(^٤) كشاف القناع (١/ ١٢٠)، الإنصاف (١/ ١٩٣)، الكافي (١/ ٤١).\n(^٥) المجموع (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨).","vol":"3","page":454},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1615> دليل من قال بوجوب التعميم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>الدليل الأول:</span>\nظاهر الأحاديث التي جاءت بالمسح على الجبائر، فإنها تفيد التعميم، ومنها حديث صاحب الشجة، وفيه: (إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها).\nوالحديث منكر، وسبق تخريجه.\nفقوله: (ثم يمسح عليها) ظاهره المسح على جميعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1617>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن مسح الجبيرة مسح ضرورة، فأشبه مسح الوجه واليدين في التيمم في وجوب الاستيعاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1618>الدليل الثالث:</span>\nولأنه لا يشق تعميمها بالمسح، بخلاف الخف فإنه يشق تعميم جميعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1619>الدليل الرابع:</span>\nالأصل أنه بدل عن غسل العضو، وإذا كان يجب تعميم العضو بالغسل لو كان صحيحًا، وجب تعميمه بالمسح، وإنما لم نقل ذلك بالخف؛ لأنه جاء الدليل على الاكتفاء بالبعض، وهو خلاف القياس، ولم يأت دليل بالاكتفاء بمسح بعض الجبيرة، فلم تلحق بالخف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1620> دليل الحنفية بالاكتفاء بالأكثر:</span>\nقالوا: لم يأت في المسح على الجبائر تقدير من جهة الشرع، بل ورد المسح على الجبائر، فظاهره يقتضي الاستيعاب، إلا أن ذلك لا يخلو من حرج ومشقة، فأقيم الأكثر مقام الجميع.","vol":"3","page":455},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1621> دليل من قال يكفي مطلق المسح:</span>\nقاسوه على الخف، انظر دليلهم في الكلام على صفة مسح الخف.\nالراجح: وجوب الاستيعاب لو قلنا بالمسح على الجبيرة.\n* * *","vol":"3","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1622>المبحث الثاني في تكرار المسح على الجبيرة إذا كانت على موضع يستحب تكرار غسله</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ممسوح في الطهارة لا يشرع تكراره إلا الاستجمار بالحجارة فإنه يستجمر ثلاثًا، ولو أنقى بما دونها (^١).\n[م-٢٩٠] سبق لنا أن تكلمنا عن تكرار المسح على الخفين، وسقنا الخلاف في تكرار المسح عليه،\nفقيل: لا يسن تكرار المسح، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣).\nوقيل: يكره، وهو مذهب المالكية (^٤) والمشهور من مذهب الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) الكليات الفقهية للمقري (ص: ٨٢).\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ٤٨)، المبسوط (١/ ١٠٠)، شرح فتح القدير (١/ ١٤٨) وقال: «إن تكرار المسح على الخفين غير مشروع». وانظر الفتاوى الهندية (١/ ٣٣).\n(^٣) المجموع (١/ ٥٤٩)، روضة الطالبين (١/ ١٣٠).\n(^٤) حاشية الدسوقي (١/ ١٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٣٢٢)، وحاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٨١، ١٨٢) التاج والإكليل (١/ ٤٧٢)، الشرح الصغير (١/ ١٥٦).\nوالمالكية إنما يكرهون تكرار المسح إذا كان بماء جديد، فإن كان بدون أخذ ماء جديد فلا كراهة عندهم، وقد نص عليه في حاشية الدسوقي (١/ ١٤٥)، وإذا جفت يد الماسح أثناء المسح لم يجدد، وكَمُلَ العضو الذي حصل فيه الجفاف.\n(^٥) مسائل أحمد رواية أبي داود (١/ ١٦) رقم ٥٣، وانظر الإنصاف (١/ ١٨٥)، شرح الزركشي (١/ ٤٠٤)، حاشية العنقري (١/ ٦٤)، كشاف القناع (١/ ١١٨).","vol":"3","page":457},{"text":"وقيل: يشرع تكراه المسح ثلاثًا قياسًا على الغسل، وهو اختيار عطاء (^١).\nوأظن الخلاف في تكرار المسح على الجبيرة كالخلاف في الخف؛ بجامع أن كلًا منهما مسح على حائل.\nقال في مواهب الجليل: «إذا كانت الجبيرة على موضع يغسل في الوضوء ثلاثًا، فإنه يمسح عليه مرة واحدة، لا ثلاثًا، قاله عبد الحق في النكت، قال: ودليله المسح على الخفين، إنما يمسح مرة واحدة، وهو بدل عن مغسول ثلاثًا؛ وذلك لأن شأن المسح التخفيف» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في المصنف عن عطاء بسند صحيح (٨٥٦)، وانظر الأوسط (١/ ٤٥٦).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٣٦١).","vol":"3","page":458},{"text":"الخاتمة\nأهم النتائج التي توصلت إليها في البحث:\nبعد نهاية التطواف في أحكام المسح على الخفين والجوربين والعمامة والجبيرة نخرج من هذا البحث بفوائد منها:\nالفائدة الأولى: أن جل مسائل أحكام المسح على الخفين نجد أن قول الجمهور فيها خلاف القول الراجح، مما يؤكد لطالب العلم أن الكثرة لا تدل على الإصابة، فكم من قول تبناه الجمهور، وهو قول ضعيف من جهة الأثر والنظر، فينبغي لطالب العلم أن يكون نظره في الدليل، وفي الدليل فقط ولا ينظر من قال به، وكنت أزعم أن طالب العلم لو جمع في أحكام العبادات ما خالف فيها الجمهور القول الراجح لخرج من ذلك بمجلد كبير، بل مجلدات.\nالفائدة الثانية: أن مسائل الإجماع في هذا الباب قليلة جدًّا، وذلك لأن أصل الباب، وهو المسح على الخفين أنكره بعض السلف، وبعضهم ادعى أنه منسوخ بآية المائدة.\nالفائدة الثالثة: أكثر شروط المسح على الخفين لا دليل عليها من الأثر، ولا من النظر الصحيح.","vol":"3","page":459},{"text":"الفائدة الرابعة: كثرة الأحاديث في المسح على الخفين، بل إن الأحاديث الواردة في المسح على الخفين أعظم بكثير من أحاديث الحيض والاستحاضة والنفاس، وأكثر من أحاديث التيمم، مع أن هذين البابين أهم بكثير من المسح على الخفين، كل ذلك من أجل توكيد المسح على الخفين، ورفع الريبة في حكمهما، والله أعلم.\nالفائدة الخامسة: ما رجحته في مباحث هذا الكتاب كالتالي\nرجحت جواز المسح على الخفين والجوربين والنعل والعمامة والخمار، كما ملت إلى ترجيح الغسل على المسح من بعض الوجوه.\nكما رجحت أن المسح على الخفين رافع للحدث.\nوأن من به حدث دائم يحق له المسح كغيره.\nوأنه يجوز المسح على الخف المتنجس في استباحة مس المصحف ونحوه مما لا تشترط له الطهارة من النجس، بخلاف الصلاة، فإنه يجب عليه أن يكون طاهرًا في بدنه وثوبه وبقعته، والله أعلم.\nورجحت المسح على الخف المحرم، سواء كان التحريم لحق الله أم لحق الآدمي، وذلك لأن التحريم عائد على أمر خارج عن المسح.\nكما رجحت جواز المسح على الخف المخرق، سواء كان الخرق يسيرًا أم كبيرًا ما دام يمكن له أن يلبسه، وينتفع به.\nكما رجحت جواز المسح على الجوارب التي تصف البشرة لرقتها، وأنه لا يوجد دليل على اشتراط أن يكون الجورب صفيقًا.\nكما بينت ضعف مذهب المالكية في اشتراط كون الخف من جلد.\nورجحت أن يكون لبسه للخف على طهارة مائية، فلو تيمم، ولبس الخف، فإذا وجد الماء وجب خلع الخف، لعود الحدث السابق للبدن.\nكما رجحت جواز لبس الخف بعد طهارة إحدى القدمين، وأنه لا يشترط أن","vol":"3","page":460},{"text":"تكون القدمان كلتاهما طاهرتين، وإن كان الأحوط مراعاة ذلك.\nوالمسح على الحائل لا مجال للقياس فيه، فلا يمسح إلا ما ورد به النص من خف وجورب وعمامة، فلا يجوز أن يمسح على القفازين، ولا على ما تطلي به المرأة أظفارها، ونحو ذلك.\nكما رجحت بأن نية الوضوء شرط في صحة المسح على الخفين، فلو مسحهما بلا نية لم يصح الوضوء.\nوأما صفة المسح فيكفي مسح أكثر ظاهر الخف، وأكره غسل الخف بدلًا من مسحه، ولا يشرع تكرار المسح على الخفين، وأن يبدأ باليمنى حال المسح، وإن بدأ بهما معًا فلا حرج، وأن تبدأ المدة من أول مسح بعد الحدث، وأن الراجح في المسح على الخفين بأنه عبادة مؤقتة، يومً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ورجحت جواز لبس الخف على الخف، وإذا مسح خفًا تعلق الحكم به، فإذا خلعه، ثم أعاده، لم يمسح عليه إلا إن لبسه على طهارة مائية، ولا تنتقض الطهارة بمجرد خلع الخف.\nورجحت جواز المسح على العمامة، وعلى خمار المرأة، وعلى القلانس، وأن المسح على العمامة لا يشترط أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة، ولا يشترط لبس العمامة على طهارة، ومسحها غير مؤقت على الصحيح، وإذا خلع العمامة لم تبطل طهارته، ولا يشترط استيعاب العمامة بالمسح.\nوفي المسح على الجبيرة رجحت أن المسح لم يرد فيه نص مرفوع مع كثرة ما يصيب المسلمين من جراح، وهم أهل جهاد، فلو كان مشروعًا لجاء ما يبين هذا الحكم، خاصة أنه يتعلق بأعظم العبادات العملية، وهي الصلاة، وأن المشروع في الجبيرة أن يعطى الأكثر حكم الكل، فإن كان أكثر الأعضاء سليمًا سقط غسل الباقي، وإن كان أكثر الأعضاء عليه جبيرة شرع التيمم، وسقط الغسل، والله أعلم.\nوهذه المسائل التي رجحتها لا تعدو أن تكون فهمًا معرضًا للخطأ والصواب،","vol":"3","page":461},{"text":"والتقصير والقصور، وهذا الفهم قد توافقني عليه، وقد تخالفني، ولا يكلف الإنسان إلا بما ظهر له، فإن أصاب فله أجران، وإلا كان له أجر، وهذا من لطف الله ﷾ حيث لم يحرم المجتهد إذا أخطأ من الأجر، فهو على النصف من أجر المصيب، وما على الإنسان إلا أن يستفرغ وسعه في البحث والتحري للقول الراجح، وأن يبذل ما يستطيع في فهم النصوص، وأن يتحرى العدل والإنصاف، وأن يكون كالقاضي بين الخصوم، ينظر في حجة كل قول، ويتحرى أقربها للحق والعدل، وأن يبتعد عن التقليد الأعمى، فما وهنت الأمة، ولا ذلت، إلا بتركها الجهاد والاجتهاد في دينها، ففي الجهاد كمال القوة، وفي الاجتهاد كمال العلم والمعرفة. قال ﷾: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: ١٢٢].\nوفي الختام أسأل الله ﷾ بلطفه ورحمته وكرمه وعفوه أن يتجاوز عني، وأن يغفر لي ذنبي كله، وأن يسددني في القول والعمل، وأن يجعل ما علمنا حجة لنا لا علينا، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.\n* * *","vol":"3","page":462},{"text":"موسوعة\nأحكام الطهارة\nأدلة ومسائل وقواعد وضوابط\n\nالقسم الأول\nطهارة الحدث\n\nالمجلد الرابع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1623>طهارة الغسل</span>\nتأليف\nدبيان بن محمد الدبيان","vol":"4","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربهم واقتفى أثرهم، أما بعد:\nفهذا هو الكتاب الرابع من طهارة الحدث بالماء، وهو خاص بالطهارة من الحدث الأكبر، أعني: الغسل، وجاء ترتيبه متأخرًا عن طهارة الحدث الأصغر موافقة لآية المائدة، حيث ذكرت الوضوء، ثم ثنت بالغسل، فكان الأولى تقديم ما قدم الله ذكره.\nوطهارة الغسل على قسمين:\nطهارة حسية: وهي كل طهارة لا يكون موجبها حدث، كغسل الجمعة، والإحرام، ونحوهما.\nوطهارة تعبدية: وكل طهارة يكون موجبها حدث، أو انقطاع الحدث، كغسل الجنابة، والحيض والنفاس، فالأول كنزول المني، ولا تحصل الطهارة منه بغسل المني، بل بغسل جميع البدن، لهذا كان طهارة تعبدية.\nوالثاني انقطاع دم الحيض والنفاس فهو يوجب غسل البدن، فالانقطاع طهارة حسية، وتوجب طهارة تعبدية، وهو غسل البدن، ولا يكفي غسل المحل من دم","vol":"4","page":5},{"text":"الحيض، وهكذا الفروق بين الطهارة التعبدية والطهارة الحسية ..\nواختلفوا في غسل الميت، هل يلحق بالطهارة الحسية، أو التعبدية، أو أنه قد يجمع بينهما. فالغسلة الأولى إلى الثالثة تعبدية، وما زاد فهو من الحسية.\nوسيكون البحث إن شاء الله تعالى في طهارة الغسل وفق الخطة التالية:\nخطة البحث:\nسيكون قوام البحث إن شاء الله تعالى من ستة أبواب، مقسمًا إلى فصول يتفرع منها مباحث، وفروع، ومسائل، على النحو التالي:\nالباب الأول: في موجبات الغسل.\nالفصل الأول: خروج المني.\nالمبحث الأول: خروجه في اليقظة.\nالفرع الأول: في اشتراط أن تكون اللذة مقارنة للخروج.\nالفرع الثاني: في تكرار خروج المني.\nالفرع الثالث: إذا أنزل دون الفرج، فسال الماء حتى دخل في الفرج، ثم خرج.\nالمبحث الثاني: خروج المني حال النوم.\nالفرع الأول: إذا التذ في نومه، ثم خرج منه المني في اليقظة من غير لذة.\nالفرع الثاني: في الرجل يذكر احتلامًا ولم ير بللًا.\nالفرع الثالث: إذا رأى منيًا في ثوب ينام فيه هو وغيره.\nالفصل الثاني: في إيجاب الغسل من التقاء الختانين.\nالمبحث الأول: في إيجاب الغسل بمجرد الإيلاج.\nالمبحث الثاني: في الإيلاج في فرج الصغيرة التي لا يوطأ مثلها.","vol":"4","page":6},{"text":"المبحث الثالث: في الإيلاج في فرج الميت.\nالمبحث الرابع: في إيجاب الغسل على الصغير إذا جامع.\nالمبحث الخامس: في إدخال ذكر النائم والمجنون ونحوهما في الفرج.\nالمبحث السادس: في الإيلاج في فرج البهيمة.\nالمبحث السابع: في إدخال بعض الحشفة.\nالمبحث الثامن: في إيلاج مقطوع الحشفة.\nالمبحث التاسع: في الإيلاج في الدبر.\nالمبحث العاشر: في إدخال الأصبع ونحوها في الفرج.\nالمبحث الحادي عشر: في الإيلاج مع وجود حائل.\nالمبحث الثاني عشر: إذا أولج في قبل أو دبر خنثى مشكل.\nالمبحث الثالث عشر: لو غيب الرجل ذكره في دبر نفسه.\nالفصل الثالث: في الشك في موجب الغسل.\nالفصل الرابع: في إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم.\nالفصل الخامس: في إيجاب الغسل بالموت أو تغسيل الميت.\nالمبحث الأول: في وجوب غسل الميت.\nالمبحث الثاني: في الغسل من تغسيل الميت.\nالفصل السادس: في غسل الجمعة.\nالمبحث الأول: في وجوب غسل الجمعة.\nالمبحث الثاني: غسل الجمعة للصلاة لا لليوم.\nالمبحث الثالث: في غسل من لا تجب عليه الجمعة.\nالفصل السابع: من موجبات الغسل حيض المرأة.","vol":"4","page":7},{"text":"مبحث: خلاف العلماء في الموجب للغسل.\nالفصل الثامن: من موجبات الغسل النفاس.\nالباب الثاني: في الأغسال المستحبة.\nالفصل الأول: الغسل للإحرام.\nالفصل الثاني: الغسل لدخول مكة.\nالفصل الثالث: الغسل من زوال العقل.\nالفصل الرابع: الغسل للعيدين.\nالمبحث الأول: في وقت الاغتسال للعيد.\nالمبحث الثاني: غسل العيد لليوم أو للصلاة.\nالفصل الخامس: الغسل يوم عرفة.\nالفصل السادس: في الاغتسال للوقوف بمزدلفة.\nالفصل السابع: في الاغتسال لرمي الجمار.\nالفصل الثامن: الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء.\nالفصل التاسع: الغسل من الحجامة.\nالباب الثالث: أحكام الجنب.\nالفصل الأول: تحريم فعل الصلاة.\nالفصل الثاني: في طواف الجنب.\nالفصل الثالث: في مكث الجنب في المسجد.\nالفصل الرابع: في قراءة الجنب للقرآن.\nالفصل الخامس: في مس الجنب للمصحف.\nالفصل السادس: في صيام الجنب.","vol":"4","page":8},{"text":"مبحث: في الحائض والنفساء تطهر قبل الفجر، ولا تغتسل إلا بعد طلوع الصبح.\nالفصل السابع: في أذان وإقامة الجنب للصلاة.\nالمبحث الأول: في أذان الجنب.\nالمبحث الثاني: في إقامة الجنب للصلاة.\nالفصل الثامن: في نوم الجنب.\nالفصل التاسع: في أكل الجنب وشربه.\nالفصل العاشر: في استحباب الوضوء لمعاودة الوطء.\nالفصل الحادي عشر: في طهارة جسد الجنب وعرقه.\nالفصل الثاني عشر: في انغماس الجنب في الماء الدائم.\nالمبحث الأول: في حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم.\nالمبحث الثاني: أثر انغماس الجنب على الماء القليل.\nالفصل الثالث عشر: في ذبيحة الجنب.\nالباب الرابع: في آداب الغسل.\nالفصل الأول: تجنب الإسراف في الغسل.\nالفصل الثاني: التستر عن أعين الناس.\nالمبحث الأول: في حكم ستر العورة.\nالفرع الأول: ستر العورة عن النظر إليها من الأجانب.\nالفرع الثاني: في كشف العورة بالخلوة من غير حاجة.\nالفرع الثالث: في كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا.\nالمبحث الثاني: في ستر سائر البدن حال الغسل.\nالمبحث الثالث: في دخول الحمام من أجل الاغتسال.","vol":"4","page":9},{"text":"الفرع الأول: في تعريف الحمام.\nالفرع الثاني: في دخول الحمام.\nالمبحث الرابع: إذا دخل الحمام بنية الاغتسال، ثم شك في حصول الاغتسال.\nالفصل الثالث: في اغتسال الرجل وزوجه من إناء واحد، وهما جنبان.\nالفصل الرابع: التسمية في الغسل.\nالفصل الخامس: البداءة بغسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال.\nالفصل السادس: غسل اليدين قبل الوضوء وقبل غسل الفرج.\nالمبحث الأول: في محل غسل اليدين من غسل الجنابة.\nالمبحث الثاني: هل يغسل يديه كليهما، أو اليمنى فقط لأنها آلة الغرف.\nالمبحث الثالث: الموجب لغسل اليدين في غسل الجنابة.\nالمبحث الرابع: في عدد غسل الكفين في ابتداء الغسل.\nالفصل السابع: من سنن الغسل الوضوء قبله.\nالمبحث الأول: في حكم الوضوء في غسل الجنابة.\nالمبحث الثاني: في موضع الوضوء من غسل الجنابة.\nالمبحث الثالث: في ارتفاع الحدث الأكبر في الاغتسال.\nالمبحث الرابع: نية الوضوء في غسل الجنابة.\nالمبحث الخامس: في التثليث في وضوء الغسل.\nالفصل الثامن: في استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل.\nالفصل التاسع: في السنن الواردة في غسل الرأس.\nالمبحث الأول: العمل في الرأس في وضوء الغسل.\nالمبحث الثاني: تخليل الشعر في غسل الجنابة.","vol":"4","page":10},{"text":"المبحث الثالث: في استحباب التثليث في غسل الرأس.\nالمبحث الرابع: الفرق بين الرجل والمرأة في عدد غسلات الرأس.\nالمبحث الخامس: في نقض الضفائر في غسل الجنابة.\nالمبحث السادس: في غسل المسترسل.\nالفصل العاشر: في استحباب التيامن في الاغتسال.\nالفصل الحادي عشر: التثليث في غسل البدن.\nالفصل الثاني عشر: في تأخير غسل الرجلين.\nالفصل الثالث عشر: في الموالاة في غسل الجنابة.\nالفصل الرابع عشر: في تدليك البدن في الغسل.\nالباب الخامس: في فروض الغسل.\nالفرض الأول: الماء الطهور مع القدرة عليه.\nالفرض الثاني: النية.\nالفرض الثالث: تعميم جميع البدن بالغسل.\nالباب السادس: في ذكر صفة الغسل الكامل والمجزئ.\nهذه خطة البحث في هذا الكتاب، وسأل الله وحده العون والتوفيق.\n* * *","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1624>الباب الأول في موجبات الغسل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1625>الفصل الأول خروج المني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>المبحث الأول خروجه في اليقظة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• أسباب الحدث، وكيفية التطهر منها أمور تعبدية متلقاة من الشارع، لا دخل للقياس فيها، فالمني طاهر على الصحيح ويوجب غسل البدن كله، والبول والمذي نجسان، ويوجبان غسل الأعضاء الأربعة.\n• ما ثبت في حق الرجل ثبت في حق النساء إلا بدليل.\n• خروج المني بلا دفق وبلا لذة صورة نادرة مرضية غير معتادة، فلا تدخل في العام والمطلق من قوله ﷺ: إنما الماء من الماء.\n• ليس موجب الغسل هو خروج المني كيف ما خرج، بل موجبه خروجه دفقًا بلذة؛ لأنه هو الخروج المعتاد المجمع عليه، وما عداه نادر مختلف فيه، والأصل عدم وجوب الغسل.","vol":"4","page":13},{"text":"• خروج المني بغير الصفة المعتادة يشبه دم الاستحاضة بجامع أن خروجهما على غير الصفة المعتادة فلم يوجبا الغسل.\nوقيل:\n• العام والمطلق في النصوص الشرعية يشمل الصور المعتادة والنادرة؛ إذ العام ظاهر في عمومه وشموله جميع الأفراد، فيجب العمل به إلا بدليل صالح للتخصيص (^١).\n[م-٢٩٢] خروج المني دفقًا بلذة موجب للغسل بلا خلاف بين الفقهاء،\nقال الكاساني: «الجنابة تثبت بأمور بعضها مجمع عليها، وبعضها مختلف فيه، أما المجمع عليها فنوعان:\nأحدهما: خروج المني عن شهوة دفقًا من غير إيلاج، بأي سبب حصل الخروج كاللمس والنظر والاحتلام حتى يجب الغسل بالإجماع» (^٢).\nوقال ابن جزي: «فإن خرج بلذة معتادة من الجماع فما دونه وجب الغسل إجماعًا» (^٣).\nوقال النووي: «وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني» (^٤).\nوقال ابن قدامة: «خروج المني الدافق بشهوة، يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نوم. وهو قول عامة الفقهاء، قاله الترمذي، ولا نعلم فيه خلافًا» (^٥).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ٣٣٦).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ١٦٠).\n(^٣) القوانين الفقهية (ص: ٣٠، ٣١).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٥٨).\n(^٥) المغني (١/ ١٢٨).","vol":"4","page":14},{"text":"[م-٢٩٣] واختلفوا في خروج المني بدون لذة كما لو خرج لعلة من مرض أو برد ونحوهما؟\nفقيل: لا يوجب الغسل، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: إذا خرج المني وجب الغسل على أي صفة خرج، وهو مذهب الشافعي (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1627> دليل الجمهور على اشتراط الدفق بلذة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1628>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ) [الطارق: ٥، ٦].\nوجه الاستدلال:\nأن الماء الذي يجب منه الغسل إنما هو الماء الذي يكون منه الولد، وقد ذكر الله لنا صفته، بقوله: (خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ) فإذا خرج بدون دفق فلا يعتبر هو الماء الذي يكون منه الولد، والذي يجب به الغسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1629>الدليل الثاني:</span>\n(٦٨١ - ١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبيدة بن حميد التيمي أبو عبد الرحمن،\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (١/ ٦٧)، بدائع الصنائع (١/ ٣٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٠)،\nوالمالكية يشترطون اللذة فقط، والظاهر أنه يلزم من وجود اللذة أن يكون خروجه دفقًا، انظر قولهم في: حاشية الدسوقي (١/ ١٢٧، ١٢٨)، الشرح الصغير (١/ ١٦١)، الخرشي (١/ ١٦١)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٢٨)، المقنع شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٣٢)، مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (١/ ١١٢)، المبدع (١/ ١٧٧)، شرح الزركشي (١/ ٢٨٥).\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ١٥٨): «ولا فرق عندنا بين خروجه بجماع أو احتلام، أو استمناء أو نظر أو بغير سبب، سواءً خرج بشهوة أو غيرها، وسواءً تلذذ بخروجه أم لا، وسواءً خرج كثيرًا أو يسيرًا، ولو بعض قطرة، وسواءً خرج في النوم أو اليقظة، من الرجل والمرأة: العاقل والمجنون، فكل ذلك يوجب الغسل عندنا ...».","vol":"4","page":15},{"text":"حدثني ركين، عن حصين بن قبيصة،\nعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلًا مذاءً، فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ أو ذكر له، قال: فقال: لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل (^١).\nوفي رواية لأحمد، عن علي قال: كنت رجلًا مذاءً، فسألت النبي ﷺ فقال: إذا حذفت فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفًا فلا تغتسل (^٢).\n[الحديث في الصحيحين دون ذكر زيادة الاغتسال بفضخ الماء أو بحذف الماء وأكثر الرواة على عدم ذكرها، فهي زيادة شاذة] (^٣).\n_________\n(^١) المسند (١/ ١٠٩).\n(^٢) المسند (١/ ١٠٧).\n(^٣) روى زيادة (إذا فضخت الماء فاغتسل) رواها عن علي ثلاثة من الرواة:\nأحدهما: حصين بن قبيصة:\nرواه أحمد (١/ ١٠٩)، وأبو داود (٢٠٦)، والبزار (٨٠٢)، والنسائي في المجتبى (١٩٣)، وفي الكبرى له (١٩٩)، وابن خزيمة (٢٠)، وابن حبان (١١٠٧) من طريق عبيدة بن حميد.\nورواه الطيالسي (١٤٤)، وأحمد (١/ ١٠٩)، وابن أبي شيبة (٩٩٠)، وأبو داود (٢٠٦)، والنسائي في المجتبى (١٩٤)، وفي الكبرى (٢٠٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٦)، وفي مشكل الآثار (٧/ ١٣١)، والبزار (٨٠٣)، وابن حبان (١١٠٢) والبيهقي (١/ ١٦٧) من طريق زائدة بن قدامة.\nورواه أحمد (١/ ١٢٥) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة، ثم قال عبد الرحمن فذكرته لسفيان، فقال: قد سمعته من ركين.\nورواه أحمد (١/ ١٤٥) من طريق شريك، وزاد ذكر غسل الأنثيين.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٨٩) عن حسين بن علي، خمستهم (عبيدة، وزائدة، وسفيان، وشريك، وحسين بن علي) كلهم عن الركين، عن حصين بن قبيصة، عن علي مرفوعًا بذكر الاغتسال من فضخ الماء.\nوفي لفظ حسين بن علي، قال: إذا رأيت المذي توضأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيت الودي فضخ الماء فاغتسل. =","vol":"4","page":16},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولفظة (الودي) أظنها تحريفًا والصواب (وإذا رأيت المني) خاصة أن الودي مجمع على أنه لا يوجب الغسل، وإنما الذي يوجب الغسل هو المني.\nوحصين بن قبيصة روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان والعجلي، وفي التقريب: ثقة، ولعل الحافظ اعتمد في ذلك على تصحيح ابن حبان وابن خزيمة، والله أعلم ..\nالثاني: يزيد بن شريك.\nرواه أحمد (١/ ١٠٧) من طريق جواب التيمي، عن يزيد بن شريك،\nعن علي، قال: كنت رجلًا مذاء، فسألت النبي ﷺ، فقال: إذا حذفت فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفًا فلا تغتسل.\nوجواب صدوق رمي بالإرجاء،\nوقد ساق ابن عدي في الكامل (٢/ ١٧٧) هذا الحديث من طريق رزام بن سعيد قال سألت جواب التيمي عن المذي فقال: سألت عنه أبا إبراهيم التيمي يزيد بن شريك، فألجأ الحديث إلى علي، فألجأ علي الحديث إلى النبي ﷺ قال:\nرآني النبي ﷺ، وقد شجبت، فقال: أبا علي لقد شجبت! قال: شجبت من الاغتسال بالماء وأنا رجلٌ مذاء. قال: لا تغتسل منه إلا من الخذف، فان رأيت منه شيئا فلا تعد أن تغسل ذكرك ولا تغتسل إلا من الخذف.\nوهذا المتن فيه ما فيه؛ لأن الحديث متفق عليه بأن عليًا قد استحيى من الرسول ﷺ لمكان ابنته منه، وأنه أوصى غيره بأن يسأل النبي ﷺ عن حكم المذي، وهذا اللفظ يشعر بأن الأمر كان بين النبي ﵊ وبين علي مباشرة بدون واسطة.\nالثالث: حصين بن صفوان، رواه أبو يعلى (٣٦٢)، والبيهقي (١/ ١٦٧) من طريقه،\nعن علي، قال: كنت رجلًا غلامًا مذاء، فلما رأى رسول الله ﷺ الماء قد آذاني، قال: إنما الغسل من الماء الدافق. وحصين بن صفوان مجهول.\nوحديث علي هي قصة واحدة لا تحتمل التعدد، ومن ذكر فضخ الماء لا يرقى الواحد منها إلى درجة الثقة، فحصين بن قبيصة أقصى ما يصل إليه أن يكون حسن الحديث، وطريق جواب التيمي قريب منه، وحصين بن صفوان مجهول، وقد رواه عن علي جماعة من الثقات لم يذكروا هذه الزيادة، وهم أكثر عددًا وأقوى حفظًا، ورواية بعضهم في الصحيحين وبعضهم في أحدها، وبعضهم خارج الصحيح بإسناد صحيح منهم:\nالأول: محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب ﵁.\nكما في صحيح البخاري (١٣٢، ١٧٨)، ومسلم (٣٠٣)، وعبد الرزاق (٦٠٤)، ابن أبي شيبة (١/ ٨٧) رقم ٩٦٨، وأحمد (١/ ٨٢)، والنسائي في الكبرى (١٤٩)، والطحاوي (١/ ٤٦). =","vol":"4","page":17},{"text":"قال ابن الأثير: قوله: «(وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل) أي دفقه، يريد المني» (^١).\n_________\n= الثاني: ابن عباس، عن علي.\nوهو في صحيح مسلم (٣٠٣)، وأخرجه أحمد (١/ ١٠٤)، والنسائي (٤٣٦، ٤٣٨)،\nوابن خزيمة (٢٢، ٢٣)، والطحاوي (١/ ٤٦).\nالثالث: أبو عبد الرحمن السلمي، عن علي.\nوهو في صحيح البخاري (٢٩٦)، ومسند الطيالسي (١٤٤)، وأحمد (١/ ١٢٩)، والنسائي (١/ ١٥٢)، وابن الجارود في المنتقى (٦)، وابن خزيمة (١٨).\nالرابع: هانئ بن هانئ، عن علي.\nكما في مسند أحمد (١/ ١٠٨)، والطحاوي (١/ ٤٦) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي.\nالخامس: عائش بن أنس، عن علي.\nكما في مسند أحمد (٦/ ٥)، و(٤/ ٣٢٠، ٣٢١)، والحميدي (٣٩)، والنسائي (١٥٤)، والطحاوي (١/ ٤٧) وغيرهم.\nالسادس: سليمان بن يسار، عن المقداد.\nكما في الموطأ (١/ ٤٠)، وعبد الرزاق (٦٠٠)، وأحمد (٦/ ٥)، وابن ماجه (٥٠٥)،\nوابن الجارود (٥)، والبيهقي في السنن (١/ ١١٥)، وابن خزيمة (٢١)، وابن حبان (١١٠١)، كلهم رووه من طريق سالم أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود، أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله، فخرج منه المذي، فذكر نحو ما تقدم، وفيه: إذا وجد ذلك أحدكم، فلينضح فرجه بالماء، وليتوضأ وضوءه للصلاة.\nهذا لفظ مالك في الموطأ، قال ابن عبد البر: هذا إسناد ليس بمتصل؛ لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد، ولا من علي بن أبي طالب ﵄. اهـ\nقلت: قد رواه بكير بن عبد الله الأشج، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن علي، كما في صحيح مسلم (١٩/ ٣٠٣)، وهذا سند متصل، وقد خرجت هذه الرواية في ما سبق.\nالسابع: الحارث بن شبيل كما في مصنف ابن أبي شيبة (٩٨٧).\nفهؤلاء سبعة من الرواة رووه عن علي، بعضها في الصحيحين وبعضها في أحدهما، وليس في روايتهم ذكر زيادة: (وإذا فضخت الماء فاغتسل).\nانظر لمراجعة بعض طرق هذا الحديث: أطراف المسند (٤/ ٤٠٠)، إتحاف المهرة (١٤١٩٦)، تحفة الأشراف (١٠٠٧٩).\n(^١) النهاية لابن الأثير (ص: ٧٠٩) وقد طبع الكتاب في مجلد واحد، من دار ابن الجوزي.","vol":"4","page":18},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1630> دليل الشافعية على وجوب الغسل بخروج المني كيفما كان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>الدليل الأول:</span>\n(٦٨٢ - ٢) ما رواه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب حدثه، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه،\nعن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: إنما الماء من الماء (^١).\n[الحديث له قصة، وهو في من جامع زوجته، ولم ينزل، وقد نسخ هذا الحكم كما سيأتي إن شاء الله تعالى] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1632>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على إيلاج الحشفة، فكما أن إيلاج الحشفة يجب به الغسل، سواءً كان هذا بلذة أم بغير لذة، فكذلك نزول المني موجب للغسل، سواءً كان ذلك بلذة أم بغيرها.\nويُجاب:\nبأن هذا قياس موجب على آخر، فيما لا يدخله القياس، ولا يعقل معناه، وقد يعكس، فيقال: إذا كان الإنزال هو موجب الغسل مطلقًا بلذة أو بدونها لم يجب الغسل من الإيلاج بدون إنزال، إلا أن مثل هذا الكلام مصادم للنص، ولا مجال للاجتهاد فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1633>الدليل الثالث:</span>\nالقياس على خروج المني حال النوم، فكما أنه يجب عليه الغسل إذا استيقظ ورأى\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٤٣).\n(^٢) فقد رواه مسلم (٣٤٣) من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،\nعن أبيه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم،\nوقف رسول الله ﷺ على باب عتبان، فصرخ به، فخرج يجر إزاره فقال رسول الله ﷺ: أعجلنا الرجل. فقال عتبان: يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته، ولم يمن، ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ: إنما الماء من الماء.","vol":"4","page":19},{"text":"ماء، ولو كان خروجه بدون لذة، فكذلك رؤيته حال اليقظة لا تشترط فيها اللذة.\n• ويُجاب:\nبأن نزول المني حال النوم محمول على النزول المعتاد للمني، وهو كونه دفقًا بلذة، كما حمل النائم على أنه قد خرج منه حدث، وهو لا يدري، وقد لا يكون خرج منه شيء أصلًا.\n• الراجح من الخلاف:\nالغسل بخروج المني إنما يجب بخروجه المعتاد المعروف، وهو خروجه بلذة وفي حالة الدفق؛ لأن خروجه على خلاف هذا لا يختلف المني فيه عن المذي، ثم إن الأصل عدم وجوب الغسل حتى نتيقن أو يغلب على ظننا وجوبه، فالأمر المتيقن هو خروجه في حالة اللذة؛ وذلك لأنه مجمع عليه، وما عداه فإن الأصل بقاء الطهارة، ولا ننتقل عنها إلا بيقين أو غلبة ظن راجح، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1634>الفرع الأول في اشتراط أن تكون اللذة مقارنة للخروج</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل إنزال لم يكن خروجه مقرونًا بلذةٍ معتادةٍ فإنه لا يوجب الغسل على الصحيح إلا ما كان في النوم.\n• خروج المني بلا لذة صورة نادرة والصور النادرة لا تدخل تحت العام والمطلق من قوله ﷺ: إنما الماء من الماء.\n• موجب الغسل هو خروج المني دفقًا بلذة؛ لأنه هو الخروج المعتاد المجمع عليه، وما عداه نادر مختلف فيه، والأصل عدم وجوب الغسل.\n• خروج المني بغير الصفة المعتادة يشبه دم الاستحاضة بجامع أن خروجهما على غير الصفة المعتادة فلم يوجبا الغسل.\n• إذا انتقل المني من أصل مجاريه بلذة، ثم خرج في وقت آخر بعد ذهاب اللذة فلا يجب الغسل على الصحيح؛ لأن المعتبر في الأحداث ليس انتقالها في الباطن، وإنما ظهورها.\n• خروج المني بعد ذهاب اللذة يشبه المذي حيث تسبقه لذة يخرج بعدها، فالاعتبار باللذة ما قارن خروج المني.","vol":"4","page":21},{"text":"• إذا خلا موجب الجنابة من شرطه، فهل يلحق بالحدث الأصغر أم لا؟ قولان (^١).\nوقيل:\n• ما أوجب الاغتسال إذا كان لشهوة أوجبه إذا كان لغير شهوة، كالتقاء الختانين.\nإنزال المني يوجب الاغتسال مطلقًا ولو بلا شهوة كالاحتلام (^٢).\n[م-٢٩٤] اختلف الفقهاء في اشتراط أن تكون اللذة مقارنة للخروج:\nفقيل: لا يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، فإذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة، ثم خرج بعد ذلك من غير لذة وجب عليه الغسل، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد (^٣)، والمشهور من مذهب المالكية (^٤).\nوقيل: يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، وهو اختيار أبي يوسف ﵀ (^٥)، وقول في مذهب المالكية (^٦).\nوقيل: يجب عليه الغسل إذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة، ولو لم يخرج، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٧).\nولا تأتي هذه المسألة على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى؛ لأنه يوجب الغسل بخروج المني مطلقًا، سواءً كان لشهوة أم لغير شهوة (^٨).\n_________\n(^١) انظر القواعد الفقهية المستنبطة من المدونة (١/ ٣٨٠).\n(^٢) انظر الحاوي (١/ ٢١٣).\n(^٣) المبسوط (١/ ٦٧)، البناية (١/ ٢٧١)، فتح القدير (١/ ٦١).\n(^٤) انظر الخرشي على متن خليل (١/ ١٦٢)، الشرح الصغير (١/ ١٦١)، أسهل المدارك (١/ ٦٤).\n(^٥) المبسوط (١/ ٦٧)، البناية (١/ ٢٧١)، فتح القدير (١/ ٦١)\n(^٦) جاء في المنتقى للباجي (١/ ١٠٠): وقال القاضي أبو الحسن: والظاهر من مذهب مالك أنه إذا لم تقارنه لذة حال خروجه لم يجب عليه غسل. اهـ\n(^٧) الإنصاف (١/ ٢٣٠)، كشاف القناع (١/ ١٤١).\n(^٨) تقدم العزو إلى مذهب الشافعية في المسألة التي قبل هذه، فانظره مشكورًا.","vol":"4","page":22},{"text":"ويظهر الفرق بين هذه الأقوال فيمن احتلم، فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته، ثم سال منه المني، وكذلك المجامع إذا اغتسل، ثم سال منه بقية المني، فمن قال: يشترط أن تكون اللذة مقارنة لظهوره من الجسد لم يشترط الغسل هنا، ومن قال: لا يشترط، أوجب الغسل، ومن لم يشترط خروج المني، واكتفى بانتقاله على وجه اللذة أوجب الغسل في المسألتين، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1635> دليل من قال يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج:</span>\nقال: إذا اشترطنا وجود اللذة، فإن المعتبر بوجودها في الحال الذي يجب فيه الغسل، والغسل إنما يجب بخروج المني، لا في انتقاله من مكانه، فإذا كان حال خروجه غير مصحوب بلذة لم يجب الغسل، لأنه في هذه الحالة لا فرق بين خروج المني وخروج المذي، فإن خروج المذي يخرج بعد انكسار الشهوة، ومع ذلك لا يجب فيه غسل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1636> دليل من اشترط أن تكون اللذة حال الانتقال، ولو لم تكن مقارنة للخروج</span>.\nوجوب الغسل مبني على أمرين: خروج المني، ووجود اللذة، فإذا وجدت اللذة حال انتقال المني من مكانه، ثم خرج المني بعد ذلك فقد وجد موجب الغسل، وهو خروج المني بسبب الشهوة، ولا فرق بين أن تكون اللذة مقارنة أو غير مقارنة.\nوصدق عليه حديث أم سلمة (هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم إذا هي رأت الماء).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1637> دليل من قال: يكفي وجود الشهوة حال انتقال المني ولو لم يخرج المني:</span>\nقالوا: الغسل يجب بوجود الجنابة، وحقيقة الجنابة: هي تباعد الماء عن مكانه مع وجود الشهوة، هذا أصلها في اللغة قال تعالى: (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) [النساء: ٣٦]، أي البعيد، فإذا انتقل الماء ولو لم يخرج فقد باعد الماء محله، فصدق عليه اسم الجنب، وبالتالي وجب الغسل لوجود الجنابة.","vol":"4","page":23},{"text":"وهذا أضعف الأقوال؛ لأن المعتبر في الأحداث ليس انتقالها، وإنما ظهورها، فالريح والبول والغائط والمذي وسائر الأحداث لا عبرة بانتقالها من مكانها حتى تخرج من البدن، فإذا خرجت بطلت الطهارة، فكذلك المني.\nولأن النبي ﷺ علَّق وجوب الاغتسال بالرؤية.\nقال ابن قدامة: «إن النبي ﷺ علق الاغتسال على الرؤية، وفضخه، بقوله: (إذا رأت الماء) وقوله: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فلا يثبت الحكم بدونه، وما ذكره من الاشتقاق لا يصح؛ لأنه يجوز أن يسمى جنبًا لمجانبته الماء، ولا يحصل إلا بخروجه منه، أو لمجانبته الصلاة، أو المسجد، أو غيرهما مما منع منه، ولو سمي بذلك مع الخروج لم يلزمه وجود التسمية من غير خروج، فإن الاشتقاق لا يلزم منه الاطراد، ومراعاة الشهوة للحكم لا يلزم منه استقلالها به، فإن أحد وصفي العلة وشرط الحكم مراعى له، ولا يستقل بالحكم، ثم يبطل بلمس النساء، وبما إذا وجدت الشهوة ها هنا من غير انتقال؛ فإن الشهوة لا تستقل بالحكم في الموضعين مع مراعاتها فيه، وكلام أحمد ها هنا إنما يدل على أن الماء إذا انتقل، لزم منه الخروج. وإنما يتأخر، ولذلك يتأخر الغسل إلى حين خروجه، إلخ كلامه رحمه الله تعالى (^١).\n• الراجح من الخلاف:\nأرى والله أعلم أن الغسل يجب بخروج المني دفقًا بلذة، فإذا تخلف ذلك، فإن كان المانع من قبل الإنسان، بأن أمسك ذكره حتى لا يخرج المني على وجه الدفق، ثم خرج المني بعد ذلك، فإن الغسل يجب عليه، وإن كان المانع ليس من كسب الإنسان، فقد تخلف موجب الغسل، وهو خروجه دفقًا بلذة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٢٩).","vol":"4","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1638>الفرع الثاني في تكرار خروج المني</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تكرار خروج المني قبل الاغتسال لا يوجب إلا غسلًا واحدًا، سواءً كان هذا الخارج ماء جديدًا، أو كان جزءًا من الماء السابق؛ لأن الحدث لا يتعدد بتعدد موجبه.\n• إذا تكرر خروج المني بعد الاغتسال، فالخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في موجب الغسل:\nهل يجب بخروج المني مطلقًا، أو يجب بالخروج المعتاد، وهو خروجه دفقًا بلذة، والراجح الثاني؛ لأن الحكم منوط بوصفين: خروج المني، وكونه مقرونًا بلذة، فوجود أحد الوصفين لا يكفي في إناطة الحكم به استقلالًا، أشبه ما لو اشتهى ولم يخرج منه شيء.\nوهل يجب عليه الوضوء؟ قولان: أصحهما نعم؛ لأنه بمنزلة الحدث الأصغر.\n• إذا خرج المني بعد الاغتسال بدون لذة لم يغتسل ثانية؛ لأن الإنزال سبب واحد اغتسل في خلاله فلم يلزمه إعادة الغسل، فلم يتجدد الموجب.","vol":"4","page":25},{"text":"[م-٢٩٥] إذا اغتسل ثم خرج المني منه مرة ثانية، فهل يعيد الاغتسال؟\nفقيل: لا يجب الغسل، وهو مذهب المالكية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يجب الغسل، وهو مذهب الشافعية (^٣)، وقول في مذهب أحمد (^٤).\nوقيل: يجب إذا خرج قبل البول أو النوم أو المشي الكثير، فإن خرج بعد البول أو النوم أو المشي الكثير لم يجب، وهو مذهب الحنفية (^٥).\nوقيل: عكسه، أي يجب الغسل إن خرج بعد البول، فإن خرج قبل البول لم يجب به غسل، وهو مذهب الأوزاعي (^٦).\n• تعليل القائلين بعدم وجوب الغسل:\nالتعليل الأول:\nأن هذا مني واحد، يوجب غسلًا واحدًا، كما لو خرج دفعة واحدة.\nالتعليل الثاني:\nأن هذا الماء خارج لغير شهوة، وإنما يجب الغسل بخروج المني لشهوة، وبه علل أحمد: قال: «لأن الشهوة ماضية، وإنما هو حدث أرجو أن يجزيه الوضوء» (^٧).\n_________\n(^١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١٥٥)، الشرح الصغير (١/ ١٦٢).\n(^٢) جاء في الإنصاف (١/ ٢٣١): «قال الخلال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله أنه ليس عليه إلا الوضوء، بال أو لم يبل، على هذا استقر قوله. قال المصنف والشارح وابن عبيدان: هذا المشهور عن أحمد». وانظر كشاف القناع (١/ ١٤١)، المقنع في شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٣٣)، الفروع (١/ ١٩٧)، المبدع (١/ ١٧٩).\n(^٣) البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ٢٣٩)، الحاوي (١/ ٢١٦) المجموع (٢/ ١٥٨).\n(^٤) الهداية (١/ ١٨)، المقنع شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٣٣).\n(^٥) حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٦)، وهذا القول هو رواية عن أحمد إلا أنه اقتصر على ذكر البول دون النوم والمشي، انظر الإنصاف (١/ ٢٣١).\n(^٦) الحاوي الكبير (١/ ٢١٦).\n(^٧) كشاف القناع (١/ ١٤٢).","vol":"4","page":26},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1639> دليل من قال: يجب عليه الغسل مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1640>الدليل الأول:</span>\nعموم قوله ﷺ في حديث أبي سعيد: (إنما الماء من الماء)، رواه مسلم (^١). فلم يفرق بين ماء وآخر.\nوأجيب:\nبأن مطلق قوله ﷺ: (الماء من الماء) غير مراد، بدليل أن الرجل لو أولج ذكره في قبل امرأة حتى التقى الختانان وجب عليهما الغسل، وإن لم يكن هناك ماء منهما، فالمراد من قوله ﷺ: الماء من الماء، هو جواب على سؤال، وهو إذا احتلمت المرأة في المنام، فهل يجب عليها الغسل بمجرد الاحتلام؟ فقال ﷺ: الماء من الماء. وكذلك قاله ﷺ في أول الإسلام لمن جامع امرأته، ثم نزع قبل أن ينزل، وقد نسخ هذا الأمر بعد، وصار الغسل واجبًا بالتقاء الختانين، كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>الدليل الثاني:</span>\nولأن هذا ماء آدمي خرج من محله، فأوجب الغسل، كما لو خرج ابتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1642>الدليل الثالث:</span>\nأن ما أوجب الغسل في الأول أوجبه في الثانية بلا فرق.\n• وأجيب عنهما:\nبأن الغسل إنما يجب بخروجه دفقًا بلذة، كما سبق التدليل على ذلك، وهو ما لم يوجد مع الماء الثاني.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1643> دليل من قال: يجب عليه الغسل إن خرج قبل البول:</span>\nقالوا: إن خرج بعد البول، فإن هذا ماء جديد لا علاقة له بالماء الأول، وقد\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٤٣).","vol":"4","page":27},{"text":"خرج بدون شهوة، فلا يجب به غسل، وإن خرج قبل البول فهو جزء من الماء السابق، وقد خرج مع الشهوة فيوجب غسلًا جديدًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1644> دليل من قال: يجب عليه الغسل إن خرج بعد البول:</span>\nعكسوا التعليل السابق، فقالوا: إن ما قبل البول هو من المني الأول، وكفاه الغسل الأول، وما بعد البول هو مني ثان، فلزمه غسل ثان.\n• الراجح من الخلاف:\nالقول بعدم وجوب الغسل مرة أخرى؛ لأنه موجب واحد، لم يتعدد، وقد اغتسل له، فلا يوجب ماء واحد غسلين؛ ولأنه بقية الماء السابق، وقد خرج بدون شهوة، فيكتفى في الغسل الأول، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1645>الفرع الثالث إذا أنزل دون الفرج فسال الماء حتى دخل في الفرج ثم خرج</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا دخل ماء الرجل بنفسه إلى موضع الجماع، ثم خرج لم يجب على المرأة غسل؛ لأن الغسل مناط بأمرين: إما بإنزال مائها بشهوة، أو بإيلاج الذكر فيها، وهل يوجب الوضوء عليها؟ الراجح لا؛ لأن هذا ليس حدثًا منها، فهو بمثابة دخول ونزول ماء الاستنجاء.\n• موضع الإيلاج: في حكم الخارج وليس في حكم الباطن، ولذلك اعتبرت عائشة خروج القطن من موضع الإيلاج وفيه أثر للصفرة أن الحيض لم ينقطع.\n[م-٢٩٦] إذا جامع الزوج دون الفرج ثم دب ماؤه فدخل في فرج المرأة، ثم خرج منها فهل يوجب ذلك غسلًا؟ اختلف العلماء في هذا:\nفقيل: لا غسل عليها إلا أن يظهر عليها الحبل من هذا الماء، وهو مذهب الحنفية (^١)، واختاره بعض المالكية (^٢).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ١٦)، الفتاوى الهندية (١/ ١٥).\n(^٢) منح الجليل (١/ ١٢٢)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٦٥).","vol":"4","page":29},{"text":"وقيل: لا غسل عليها مطلقًا، اختاره بعض المالكية (^١)، وهو مذهب الشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣)، واختاره ابن حزم رحمه الله تعالى (^٤).\nوقيل: عليها الغسل بشرط أن يحصل منها لذة بذلك، وهو قول في مذهب المالكية (^٥).\nوقيل: عليها الغسل بشرط أن يخرج من الفرج بعد دخوله، وهو قول في مذهب الحنفية (^٦)، ووجه في مذهبي الشافعية (^٧)، والحنابلة، اختاره ابن عقيل (^٨)، وهو مروي عن عطاء والزهري وقتادة (^٩).\n• تعليل الحنفية:\nأن الحبل منها دليل على أنها قد حصل منها إنزال؛ لأن الولد يخلق من مائهما.\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٦٥)، الفواكه الدواني (١/ ١١٦)، وقال في الذخيرة (١/ ٢٩٣): وعدم الوجوب رواية لابن القاسم عن مالك.\n(^٢) المجموع (٢/ ١٧٣)، روضة الطالبين (١/ ٨٥).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٣٢)، المستوعب (١/ ٢٢٥).\n(^٤) المحلى (١/ ٢٥٤).\n(^٥) قال القرافي في الذخيرة (١/ ٢٩٣): «إذا جامع دون الفرج، فأنزل، ووصل ماؤه إلى فرجها، فإن أنزلت يجب الغسل، وإن لم تنزل، ولم تلتذ لم يجب، وإن التذت، ولم يظهر منها إنزال فقولان: الوجوب؛ لأن التذاذها قد يحصل به الإنزال، وهو الغالب، وهو مقتضى قول مالك رحمة الله عليه في الكتاب لقوله: لا يجب عليها إلا أن تكون قد التذت، وعدم الوجوب رواية لابن القاسم عن مالك». اهـ\n(^٦) تبين الحقائق (١/ ١٦).\n(^٧) قال النووي في المجموع (٢/ ١٧٢): «حكى القفال والمتولي والبغوي وغيرهم من الخرسانيين وجهًا شاذًّا أنه يلزمها الغسل، وهو قول الشيخ أبي زيد المروزي». ثم قال النووي: وهو غلط، وإن كثر قائلوه أو ناقلوه. إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\n(^٨) الإنصاف (١/ ٢٣٢).\n(^٩) المحلى (١/ ٢٥٤)، المجموع (٢/ ١٧٢).","vol":"4","page":30},{"text":"• ويُجاب عن هذا:\nبأن هذا الاعتقاد بأن الجنين يخلق من ماء المرأة والرجل رأيته في بعض كتب فقه الحنفية والمالكية، والطب قد حسم هذه المسألة، وثبت له أن الولد إنما يخلق من ماء الرجل وبويضة المرأة، وليس لماء المرأة أي دور في تخلق الجنين بإذن الله تعالى، فإذا صادف جماع الرجل نزول البويضة حبلت، سواءً أنزلت أم لم تنزل، وإذا لم يصادف ذلك نزول البويضة لم تحبل، ولو أنزلت، وهذا الأمر أصبح من الحقائق الطبية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1646> دليل من قال: لا غسل عليها:</span>\nبأن الغسل إنما يجب بخروج مائها، أو بإيلاج الذكر، ولم يحصل منها إنزال ولم يحدث إيلاج، فلم يجب الغسل، وخروج هذا الماء الأجنبي منها شأنه شأن خروج ماء الاستنجاء ونحوه، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1647> دليل من قال: يجب عليها الغسل:</span>\nلعله نظر إلى أن موجب الحدث هو خروج المني من فرج المرأة، والمقصود مطلق المني، سواءً كان منها أو من غيرها.\nوهذا التعليل ضعيف جدًّا؛ لأن مرور الماء من المخرج ليس هو الموجب، للغسل، ولذلك لم يوجب الغسل خروج دم الاستحاضة، مع أنه دم خارج من المرأة نفسها، وإنما الموجب خروج الماء على صفة مخصوصة توجب فتور البدن وانكسار الشهوة، فلو خرج ماؤها على غير هذه الصفة لم يوجب الغسل كما بينا حتى يكون خروجه على وجه اللذة، فكيف بخروج ماء غيرها، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1648> دليل من اشترط اللذة:</span>\nقال: إن اللذة قد يحصل منها إنزال في الغالب، وهي لا تدري، فأقيمت اللذة مقام تحقق نزول المني، لكون اللذة هي سبب الإنزال.\nوهذا القول ضعيف أيضًا، ولا يوجد دليل من السنة أن اللذة من موجبات","vol":"4","page":31},{"text":"الغسل، وقد تحصل اللذة ولا يحصل الإنزال، وقد علق الرسول ﷺ وجوب الغسل برؤية الماء، فقال لأم سليم حين سألته هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت، فقال: نعم، إذا رأت الماء، والله أعلم.\n• الراجح:\nأنه لا يجب عليها شيء إذا دخل ماء الرجل بنفسه ثم خرج، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1649>المبحث الثاني خروج المني حال النوم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• خروج المني على وجه الاحتلام يجب الغسل منه؛ لأن المني محمول على خروجه المعتاد.\n• المحتلم إذا لم ير بللًا لم يجب عليه الغسل؛ لأن موجب الغسل الإنزال، ولم يوجد، ولأن حال النوم كحال اليقظة، ولو تخيل باليقظة، ولم ينزل لم يجب عليه الغسل، فكذلك حال النوم.\n• إذا رأى بللًا ولم يذكر احتلامًا، فإن علم أنه مني وجب الغسل؛ لتحقق موجبه، وإن لم يعلم هل هو مني أو مذي ففي وجوب غسله خلاف، ثالثها: إن كان هناك سبب يقتضي خروج غير المني كما لو سبق ذلك مداعبة، أو تفكير قبل نومه لم يجب الغسل؛ لأن إحالة البلل على السبب الموجود المعلوم أولى من إحالته على سبب موهوم (^١).\n• لا يلزم الغسل بالشك.\n_________\n(^١) انظر فتح الباري لابن رجب (١/ ٣٣٩، ٣٤٠).","vol":"4","page":33},{"text":"[م-٢٩٧] إذا استيقظ من النوم فرأى بللًا في ثوبه فله ثلاث حالات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1650> الحالة الأولى: أن يتيقن أنه مني</span>.\nإذا تيقن أنه مني وجب عليه الغسل مطلقًا، ذكر احتلامًا أو لم يذكر، ولا يشترط أن يكون خروجه دفقًا أو بلذة (^١)؛ لأن الإنسان في حالة النوم قد يخرج منه المني، وهو لا يشعر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1653> ودليل هذا القول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1651>الدليل الأول:</span>\n(٦٨٣ - ٣) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة،\nعن أم سلمة أم المؤمنين أنها قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم إذا رأت الماء. ورواه مسلم (^٢).\nفلم يشترط لوجوب الغسل إلا رؤية الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>الدليل الثاني:</span>\nالإجماع على أن النائم إذا رأى منيًا، وجب عليه الغسل، سواءً ذكر احتلامًا أو لم يذكر، نقله الكاساني من الحنفية، والقرافي من المالكية، والنووي من الشافعية،\n_________\n(^١) قال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٥٨): «يجب الغسل اتفاقًا فيما إذا تيقن أنه مني وتذكر الاحتلام أو لا». اهـ\nوقال الإمام مالك في المدونة (١/ ٣١): «من انتبه من نومه فرأى بللًا على فخذه أو في فراشه، قال: ينظر، فإن كان مذيًا توضأ، ولم يكن عليه غسل، وإن كان منيًا اغتسل». اهـ، وانظر في مذهب الحنابلة: الكافي (١/ ٥٥)، الإنصاف (١/ ٢٢٨)، المغني (١/ ٣٣٧).\n(^٢) البخاري (٢٨٢)، ومسلم (٣١٣).","vol":"4","page":34},{"text":"وابن قدامة من الحنابلة، وغيرهم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1654> الحالة الثانية: أن يتيقن أنه مذي</span>.\n[م-٢٩٨] اختلف العلماء في النائم يرى ماءً، ويتيقن أنه مذي:\nفقيل: يجب عليه الغسل مطلقًا ذكر احتلامًا أو لم يذكر، وهو قول أبي حنيفة ومحمد (^٢).\nووجهه، قالوا: إن المني يرق بإطالة المدة، فتصير صورته صورة المذي، لا حقيقة المذي.\nفإن قيل: كيف توجبون الغسل في خروج المذي؟\nأجاب ابن الهمام بقوله: «لو تيقن أنه مذي لا يجب الغسل اتفاقًا، لكن التيقن متعذر مع النوم» (^٣).\nونقل ابن نجيم عن الخلاصة قوله: «ولسنا نوجب الغسل بالمذي، لكن المني يرق بإطالة المدة فتصير صورته صورة المذي، لا حقيقة المذي» (^٤).\nوقيل: إذا لم يذكر احتلامًا لم يجب عليه الغسل، وهو قول أبي يوسف (^٥).\n_________\n(^١) انظر بدائع الصنائع (١/ ٣٧)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢٩٥)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٦)، المغني (١/ ٢٣٣).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٥٩)، فتح القدير (١/ ٦٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٣)، وهم يخصون هذا في النائم فقط، أما لو كان مغمى عليه أو كان سكرانًا فأفاق، فوجد مذيًا فلا غسل عليه.\nووجه الفرق: أن النوم مظنة الاحتلام، بخلاف المغمى عليه والسكران. كما أن بعض كتب الحنفية تذكر خلافًا في مسألة: ما إذا وجد مذيًا ولم يتذكر الاحتلام، فعند أبي حنيفة ومحمد يجب عليه الغسل، وعند أبي يوسف لا يجب عليه الغسل، وبعضهم لا يذكر هذا الخلاف، ولعلهم لا يذكرونه اقتصارًا، والله أعلم.\n(^٣) فتح القدير (١/ ٦٢).\n(^٤) البحر الرائق (١/ ٥٩).\n(^٥) فتح القدير (١/ ٦٢).","vol":"4","page":35},{"text":"وقيل: لا يجب عليه الغسل مطلقًا ذكر احتلامًا أو لم يذكر، وهو مذهب الجمهور (^١).\nودليله ظاهر: وذلك أن المذي لا يوجب الغسل، وقد أرشد الرسول ﷺ إلى غسل ذكره، والوضوء منه، فقط كما في قصة علي ابن أبي طالب ﵁. وقد تقدم ذكره وتخريجه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1655> الحالة الثالثة: أن يشك هل هو مني أو مذي</span>؟\n[م-٢٩٩] اختلف العلماء فيما إذا شك في البلل، هل هو مني أو مذي؟ على أقوال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1656>القول الأول:</span>\nإن شك وذكر احتلامًا وجب عليه الغسل قولًا واحدًا في مذهب الحنفية، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوإذا شك، ولم يذكر احتلامًا، وجب عليه الغسل عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يجب عند أبي يوسف (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>القول الثاني:</span>\nيجب عليه الغسل مطلقًا مع الشك، وهو مذهب المالكية (^٤).\n_________\n(^١) سبق لنا قول الإمام مالك في المدونة (١/ ٣١): «من انتبه من نومه فرأى بللًا على فخذه أو في فراشه، قال: ينظر، فإن كان مذيًا توضأ، ولم يكن عليه غسل، وإن كان منيًا اغتسل». اهـ\nوانظر الأم (١/ ٣٩)، الكافي (١/ ٥٦)، المغني (١/ ١٣٠).\n(^٢) فتح القدير (١/ ٦٢)، البحر الرائق (١/ ٥٩)، الإنصاف (١/ ٢٢٨).\n(^٣) انظر المرجعين السابقين.\n(^٤) قال في الشرح الصغير (١/ ١٦٢): «من انتبه من نومه، فوجد بللًا في ثوبه أو بدنه، فشك هل هو مني أو مذي، وجب عليه الغسل؛ لأن الشك مؤثر في إيجاب الطهارة، بخلاف الوهم، فمن ظن أنه مذي، وتوهم في المني فلا يجب عليه الغسل، فلذا لو شك بين ثلاثة أمور: كمني ومذي وودي لم يجب الغسل؛ لأن تعلق التردد بين ثلاثة أشياء، يصير كل فرد من أفرادها وهمًا. اهـ","vol":"4","page":36},{"text":"• وجه هذا القول:\nأن الطهارة شرط لصحة العبادة، ويجب أن تؤدى بيقين، فإذا شك فهل هل هو مني أو مذي فقد شك في طهارته، فوجب عليه الغسل ليتيقن الطهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>القول الثالث:</span>\nإذا شك، هل هو مني أو مذي تخير، ولو بالتشهي، وهو المعتمد عند الشافعية (^١).\n• وجه هذا القول:\nبأنه إذا أتى بأحدهما من الغسل أو الوضوء صار شاكًّا في الآخر، ولا إيجاب مع الشك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1659>القول الرابع:</span>\nإذا رأى بللًا، وجهل كونه منيًا وجب عليه الغسل، إلا أن يتقدم نومه سبب من نظر، أو فكر، أو ملاعبة، أو انتشار، فلا يجب عليه الغسل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\n• وجه هذا القول:\nبأن النائم إذا لم يسبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر أو انتشار وجب عليه الغسل؛ لأن النوم مظنة الاحتلام، فإن تقدمه سبب من ملاعبة ونحوها حمل على أنه مذي لقيام سببه، وعملًا بالظن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>القول الخامس:</span>\nلا يجب الغسل مع الشك، وهو اختيار إمام الحرمين من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) إعانة الطالبين (١/ ٧١)، الإقناع للشربيني (١/ ٦٦)، أسنى المطالب (١/ ٦٥).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٣٩)، الإنصاف (١/ ٢٢٨، ٢٢٩).\n(^٣) نهاية المطلب (١/ ٩٠)، البيان للعمراني (١/ ٢٤١)، الإنصاف (١/ ٢٢٨).","vol":"4","page":37},{"text":"• دليل هذا القول:\nأن هذا من باب الشك في الحدث، ومن شك في الحدث بنى على اليقين.\nلما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عباد بن تميم،\nعن عمه، قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد في الصلاة شيئًا أيقطع الصلاة؟ قال: لا، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا (^١).\n• الراجح من الخلاف:\nالراجح أنه لا يجب عليه الغسل مع الشك حتى يتيقن موجب الغسل، أو يغلب على ظنه؛ لأن القاعدة: أن الشك لا يقضي على اليقين.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٠٥٦)، ورواه مسلم (٣٦١).","vol":"4","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1661>الفرع الأول إذا التذَ في نومه ثم خرج منه المني في اليقظة من غير لذة</span>\n[م-٣٠٠] اختلف الفقهاء في هذه المسألة، هل يجب عليه الغسل؟\nفقيل: يجب، وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن (^١)، وأشهر القولين في مذهب المالكية (^٢)، ومذهب الشافعية (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: لا يجب، وهو قول أبي يوسف، وقول في مذهب المالكية (^٥).\n_________\n(^١) سبق لنا أن مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن لا يشترطان أن تكون اللذة مقارنة لخروج المني، فيكفي أن يجد اللذة حال انتقال المني، بخلاف أبي يوسف فإنه يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، وقد سبق العزو إلى مذهبهم في المسألة السابقة، وهذه المسألة ترجع إلى تلك المسألة، فمن اشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، لم ير وجوب الغسل، ومن لم يشترط قال بوجوبه، والله أعلم.\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٣٠٧)، وقال في الشرح الصغير (١/ ١٦١): «ويلفق حالة النوم لحالة اليقظة، فإذا التذ في نومه، ثم خرج منه المني في اليقظة بعد انتباهه من غير لذة اغتسل. اهـ\n(^٣) يرى الشافعية أن وجوب الغسل متعلق بخروج المني، كيفما خرج، ولا يشترطون اللذة أصلًا لوجوب الغسل، انظر المجموع (٢/ ١٥٨).\n(^٤) يرى الحنابلة وجوب الغسل بمجرد انتقال المني، ولو لم يخرج، فإذا انتقل المني من مكانه بشهوة، فقد وجب الغسل، خرج المني أو لم يخرج، انظر: الإنصاف (١/ ٢٣٠)، كشاف القناع (١/ ١٤١).\n(^٥) مواهب الجليل (١/ ٣٠٧).","vol":"4","page":39},{"text":"وأدلة هذه المسألة هي الأدلة نفسها والتي ذكرناها في مسألة سابقة: وهي هل يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، أو يكفي أن يجد اللذة حال انتقال المني، فإذا خرج بعد ذلك المني ولو بدون شهوة فقد وجب الغسل؟ وما دمنا قد ذكرنا الأدلة في تلك المسألة فلا حاجة إلى إعادتها هنا، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1662>الفرع الثاني في الرجل يذكر احتلامًا ولم يرَ بللًا</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا احتلم، ولم ير بللًا لم يجب عليه الغسل؛ لأن موجبه هو الإنزال، ولم يوجد، ولأن الأصل عدم خروج ما يوجب الغسل.\n• الاحتلام بالمنام بمنزلة الشهوة، لا يوجب شيئًا بمفرده حتى يرى المني.\n• رؤية المني من النائم توجب الغسل مطلقًا، سواءً أذكر احتلامًا أو شهوة أم لم يذكر؛ تحكيمًا للأصل، وحملًا على الغالب والمعتاد، فالأصل أن المني يخرج بصورته المعتادة مقرونًا بلذة، وخروجه بلا لذة صورة نادرة لا يمكن حمل الظاهر عليها، وعدم الوقوف على اللذة راجع لأمر خارج، وهو غلبة النوم، فتحمل الأمور على الغالب المعتاد دون النادر.\n[م-٣٠١] اختلف العلماء فيمن رأى احتلامًا ولم ير بللًا،\nفقيل: لا يجب عليه الغسل، وهو قول عامة أهل العلم (^١).\n_________\n(^١) انظر الأصل (١/ ٤٩)، بدائع الصنائع (١/ ٣٧)، فتح القدير (١/ ٦٢)، المحيط البرهاني (١/ ٨٥)، المنتقى للباجي (١/ ١٠٦)، الذخيرة (١/ ٢٩٥)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٦)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ٢٤١)، الأوسط (٢/ ٨٣)، المهذب (١/ ٢٩)، المغني لابن قدامة (١/ ١٣٠)، الكافي (١/ ٥٥).","vol":"4","page":41},{"text":"قال الترمذي: إذا رأى احتلامًا، ولم يرى بلة، فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم (^١).\nوقيل: يجب عليه الغسل، وهو رواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: يجب على المرأة دون الرجل، وهو قول في مذهب الحنفية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1663> دليل القائلين بعدم وجوب الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1664>الدليل الأول:</span>\nالإجماع، قال ابن المنذر: «أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا رأى في نومه أنه احتلم أو جامع، ولم يجد بللًا، أنه لا غسل عليه» (^٤).\nوقال ابن الهمام: «ولو تذكر الاحتلام والشهوة، ولم ير بللًا لا يجب اتفاقًا» (^٥).\nوسبق أن نقلت لك خلافًا في المسألة في معرض ذكر الأقوال، فتكون حكاية الإجماع فيها نظر، والله أعلم.\n_________\n(^١) سنن الترمذي عقب حديث (١١٣).\n(^٢) قال ابن رجب في شرحه للبخاري (١/ ٢٨٣): «حكى ابن أبي موسى من أصحابنا رواية عن أحمد أنه إذا رأى في منامه احتلامًا ووجد لذة الإنزال في منامه، ولم يجد بللًا عند استيقاظه أنه يلزمه الغسل، وبناه على قول الإمام أحمد المشهور عنه أن المني إذا انتقل من محله، ولم يخرج، فإنه يجب الغسل بانتقاله ....». إلخ كلامه ﵀.\nوقال في الإنصاف (١/ ٢٢٩): «إذا احتلم ولم يجد بللًا: لم يجب الغسل على الصحيح من المذهب. وعليه الأصحاب، وحكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا. وعنه يجب».\nقال الزركشي: وأغرب ابن أبي موسى في حكايته رواية الوجوب. وعنه يجب إن وجد لذة الإنزال، وإلا فلا». اهـ\n(^٣) التفريق بين الرجل والمرأة أن الرجل يقذف الماء قذفًا دون المرأة، وبناءً عليه فرق هذا القول بين الرجل والمرأة: انظر: فتح القدير (١/ ٦٢).\n(^٤) الأوسط (٢/ ٨٣).\n(^٥) فتح القدير (١/ ٦٢).","vol":"4","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1665>الدليل الثاني:</span>\n(٦٨٤ - ٤) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة،\nعن أم سلمة أم المؤمنين، أنها قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم إذا رأت الماء، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nلم يوجب ﵊ الغسل بمجرد الاحتلام، وإنما اشترط لوجوب الغسل رؤية الماء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1666> دليل من قال: يجب عليه الغسل:</span>\nاستدلوا بما استدلوا به في مسألة سابقة، من وجوب الغسل على الرجل في انتقال المني من محله، ولو لم يخرج، وقد أجيب على دليلهم هناك، وتبين ضعف هذا الدليل، وما بني على دليل ضعيف فهو ضعيف، ويضاف إليه أنه على التسليم بوجوب الغسل بمجرد انتقال المني، فإنه هنا قد لا يتحقق انتقال المني بمجرد ذكر الاحتلام، ووجود اللذة في النوم، فقد يجد النائم كل ذلك ولا ينتقل المني من مكانه، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1667> دليل من فرق بين الرجل والمرأة:</span>\nقالوا: إن ماء المرأة لا يكون دافقًا كالرجل، وبالتالي قد يوجد منها الماء، ولا يخرج، فإذا وجدت شهوة الإنزال كان عليها الغسل (^٢).\nوهذا التعليل ضعيف؛ لأن الرسول ﷺ سئل: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم إذا رأت الماء. وسبق تخريجه قبل قليل.\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٢)، ومسلم (٣١٣).\n(^٢) فتح القدير (١/ ٦٣).","vol":"4","page":43},{"text":"فعلق الاغتسال على الرؤية، وهي لا تراه إلا إذا خرج منها، فإذا لم يخرج منها لم يجب عليها الغسل.\nوقال ابن الهمام: «المراد بالرؤية العلم مطلقًا، بدليل أنها لو تيقنت الإنزال بأن استيقظت في فور الاحتلام، فأحست بيدها البلل، ثم نامت فما استيقظت حتى جف، فلم تر بعينها شيئًا لا يسع القول بأن لا غسل عليها، مع أنه لا رؤية بصر، بل رؤية علم، ورأى يستعمل حقيقة في معنى علم باتفاق اللغة» (^١).\n• ويُجاب عن هذا القول:\nبأن رأى البصرية غير رأى بمعنى علم، فالأولى تتعدى إلى مفعول واحد، والثانية تتعدى إلى مفعولين، وعليه فرأى في الحديث بصرية، وليست علمية، والاعتراض الذي ساقه ابن الهمام لا يعارض الحديث، فإن الإنسان إذا حس المني بيده صار كمن رآه في عينه، وليست المسألة ظاهرية بحته، المهم أن يتحقق من خروج المني بيده كالأعمى، أو بعينه، ولكن أين الدليل على وجوب الغسل على امرأة لم يخرج منها الماء يقينًا، ولم تحسه مطلقًا لا في يدها ولا في عينها، وإنما وجدت اللذة فقط، وإذا كان ابن الهمام ينقل الإجماع على أن الرجل لا بد أن يرى الماء، ولا يكفي الإحساس باللذة، فكذلك المرأة، بل المرأة ورد فيها نص نبوي بخلاف الرجل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٦٣).","vol":"4","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1668>الفرع الثالث إذا رأى منيًا في ثوب ينام فيه هو وغيره</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا رأى منيًا في ثوبه أو فراشه الذي لا ينام فيه غيره فهنا تعارض الأصل مع الظاهر: فالأصل عدم الحدث، والظاهر أن الحدث منه؛ لأنه مختص به، فوجب عليه الغسل؛ تغليبًا للظاهر لكونه الأقوى.\n• وإذا رأى منيًا في ثوب أو فراش ينام فيه هو وغيره، فالخلاف هنا راجع إلى اختلاف الفقهاء في الموقف من الشك في الحدث، وفيه قولان.\nأحدهما: لا تأثير للشك؛ نظرًا لأن كل واحد منهما متيقن الطهارة شاك في الحدث.\nوقيل: يلزمهما الغسل؛ لأن الأصل زال يقينًا عن واحد منهما.\nولأن الشك في أحد المتقابلين يوجب الشك في الآخر، فالشك في الحدث يوجب الشك في الطهارة.\nوالشك في الشرط يوجب الشك في المشروط.\n[م-٣٠٢] اختلف الفقهاء في الرجل يرى منيًا في فراش ينام عليه هو وغيره:","vol":"4","page":45},{"text":"فقيل: يجب الغسل عليهما، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يندب الغسل في حقهما، ولا يجب، وهو اختيار ابن العربي من المالكية (^٢).\nوقيل: يجب الغسل عليهما إن كانا غير زوجين، وإن كانا زوجين اغتسل الزوج فقط، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٣).\nوقيل: لا غسل على واحد منهما، وهذا مذهب الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، وقول في مذهب الحنفية (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1669> دليل من قال بوجوب الغسل عليهما:</span>\nهذا القول يرى أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، والشرط لا بد من تيقن\n_________\n(^١) قال ابن الهمام في فتح القدير (١/ ٦٢): «ولو وجد الزوجان بينهما ماء، دون تذكر ولا مميز: بأن لم يظهر غلظه ورقته، ولا بياضه ولا صفرته، يجب عليهما الغسل، صححه في الظهيرية، ولم يذكروا القيد، فقالوا: يجب عليهما، وقيل: إذا كان غليظًا أبيض فعليه، أو رقيقًا أصفر فعليها، فيفيدونه بصورة نقل الخلاف، والذي يظهر تقييد الوجوب بما ذكرنا، فلا خلاف إذًا». اهـ وانظر البحر الرائق (١/ ٥٩).\n(^٢) الشرح الصغير (١/ ١٦٣).\n(^٣) الشرح الصغير (١/ ١٦٣).\n(^٤) قال الماوردي في الحاوي (١/ ٢١٣): لو رأى رجل المني في ثوب هو لا بسه، ولم يحس من نفسه الإنزال فيه، فلا يخلو حال ذلك الثوب من أن يلبسه غيره أم لا، فإن لبسه غيره فلا غسل عليه؛ لجواز أن يكون غيره، ولا على ذلك الغير لجواز أن لا يكون ذلك منه، وإن كان ذلك الثوب لا يلبسه غيره، أو لم يلبسه غيره منذ غسله، وقد كان يلبسه غيره قبل الغسل، نظر فيه: فإن كان المني من ظاهره، فلا غسل عليه لجواز أن يكون قد لاقى منيًا على ثوب غيره فتعدى عليه، أو قد حاكه رجل أنزل فوقع منيه على ثوبه، فإن كان المني من داخل الثوب فالغسل عليه واجب؛ لعلمنا أنه منه، وامتناع كونه من غيره. اهـ\n(^٥) قال في الإنصاف (١/ ٢٢٩): «لا يجب الغسل إذا رأى منيًا في ثوب ينام فيه هو وغيره، وكانا من أهل الاحتلام على الصحيح من المذهب. وعنه يجب». اهـ وانظر كتاب المغني (١/ ١٣٠)، كشاف القناع (١/ ١٤٠).\n(^٦) بدائع الصنائع (١/ ١٣٠).","vol":"4","page":46},{"text":"تحققه، فإذا رأى المني في ثوبهما لم يتحقق كل واحد منهما من تحقيق الطهارة، وأصبحت طهارة كل واحد منهما مشكوكًا فيها؛ لاحتمال أن يكون الماء منه، ولا بد من اليقين في قيام الطهارة؛ ولأن الشك في الشرط يوجب الشك في المشروط، لذا وجب الغسل عليهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1670> دليل من قال: لا يجب الغسل على واحد منهما:</span>\nقدم تعليلًا عكس التعليل السابق، فقال: الطهارة متيقنة، والحدث مشكوك فيه، والشك لا يقضي على اليقين، فنستصحب اليقين حتى نتيقن زواله، ولهذه القاعدة دليل صحيح صريح من السنة،\n(٦٨٥ - ٥) بما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم.\nعن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1671> دليل من قال: إن كانا زوجين وجب الغسل على الزوج:</span>\nقالوا: أوجبنا الغسل على الرجل دون المرأة؛ عملًا بالغالب، وهو أن الرجل هو الذي يخرج ماؤه غالبًا إلى ثوبه مع الاحتلام دون المرأة.\nوهذا التعليل عليل، وقد قال الرسول ﷺ حين سئل، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فهذا دليل على أن المرأة ترى الماء كالرجل، وأن غسلها معلق برؤية الماء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1672> دليل من قال: يستحب الغسل منهما:</span>\nأن وجود المني على الثوب دليل على أن أحدهما محدث لا بعينه، فلا يجب الغسل على واحد منهما، لعدم التعيين، ولكن قد تيقن موجب الطهارة من أحدهما لا بعينه،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٧) ومسلم (٣٦١).","vol":"4","page":47},{"text":"ولهذا يذهب بعضهم إلى أنه لا يأتم أحدهما بالآخر كما لو سمعا ريحًا من أحدهما ولا يعلم من أيهما، فيستحب الطهارة منهما حتى نتيقن حصول الطهارة منهما، وحتى نخرج من خلاف العلماء، والله أعلم.\n• الراجح:\nأن الطهارة ليست واجبة، والاستحباب دليل شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، والأصل بقاء الطهارة، وعدم الحدث حتى نتيقن حصوله من أحدهما، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1673>الفصل الثاني في إيجاب الغسل من التقاء الختانين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1674>المبحث الأول في إيجاب الغسل بمجرد الإيلاج</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• اختلف الصحابة في الغسل من مجرد الإيلاج، فنفاه طائفة، وأثبته آخرون، والمثبت مقدم على النافي، وما تضمن زيادة في الحكم وجب المصير إليه.\n• حديث إنما الماء من الماء موافق للبراءة الأصلية، والغسل من التقاء الختانين بلا إنزال ناقل لها، والناقل مقدم.\n• إذا تعارض حديثان في الظاهر، ولم يمكن الجمع، وعلم التاريخ كان المتأخر ناسخًا للمتقدم، فقد كان رسول الله ﷺ: ينسخ بعض حديثه بعضًا كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا، والدليل على النسخ أن الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطًا ثم صار واجبًا.\n• من أوجب الغسل من التقاء الختانين يوجبه من الماء الذي هو الإنزال، والعمل بكلا الدليلين أولى من العمل بأحدهما.\n• حمل بعضهم حديث: إنما الماء من الماء على الاحتلام، أو على المباشرة بلا إيلاج.","vol":"4","page":49},{"text":"• ما أوجب الحد والمهر أوجب الغسل من إنزال أو إيلاج.\n• سبب الحدث يقوم مقامه كالنوم أقيم مقام الريح، والتقاء الختانين مقام الإنزال؛ لأنهما مظنة الحدث.\n• هل الإجماع اللاحق على وجوب الغسل من التقاء الختانين يلغي الخلاف السابق بين الصحابة، فيه خلاف، والراجح أن الأقوال لا تموت بموت أصحابها.\n[م-٣٠٣] اختلف العلماء في إيجاب الغسل من التقاء الختانين، إذا لم يحصل إنزال:\nفقيل: يوجب الغسل، وهو مذهب الأئمة (^١).\nقال الترمذي: «وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، والفقهاء من التابعين ومن بعدهم: مثل سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق» (^٢).\nوقيل: لا يوجب الغسل، اختاره جمع من الصحابة والتابعين (^٣)، وهو مذهب داود الظاهري (^٤)، وقال البخاري: الغسل أحوط، فلعله لا يرى الوجوب (^٥).\n_________\n(^١) انظر بدائع الصنائع (١/ ٣٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٦)، فتح القدير (١/ ٦٣)، البحر الرائق (١/ ٦١)، المدونة (١/ ١٣٥)، المنتقى للباجي (١/ ٩٦)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٨)، الخرشي (١/ ١٦٣)، المجموع (٢/ ١٤٨)، نهاية المحتاج (١/ ٢١٢)، المغني (١/ ١٣١)، الإنصاف (١/ ٢٣٢)، كشاف القناع (١/ ١٤٢).\n(^٢) سنن الترمذي (١/ ١٨٢).\n(^٣) سوف يأتي إن شاء الله تعالى الآثار عنهم مسندة في ثنايا بحث هذه المسألة.\n(^٤) المنتقى للباجي (١/ ٩٦)، المغني (١/ ١٣١).\n(^٥) صحيح البخاري (١/ ١١١)، وهذه العبارة تارة تساق لترجيح قول على قول، وتارة تكون ظاهرة في عدم الوجوب، وإنما الغسل من باب الاحتياط، وقد تكون إشارة إلى أن الخلاف في المسألة قوي جدًّا، وإن كان البخاري ﵀ قد يرى الوجوب. ...\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٣٩٨): استشكل بن العربي كلام البخاري، فقال: «إيجاب الغسل أطبق عليه الصحابة ومن بعدهم، وما خالف فيه إلا داود، ولا عبرة بخلافه، وإنما الأمر الصعب مخالفة البخاري، وحكمه بأن الغسل مستحب، وهو أحد أئمة الدين وأجلة علماء المسلمين .... ثم أخذ يتكلم في تضعيف حديث الباب بما لا يقبل منه، وقد أشرنا إلى بعضه ثم قال: ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله: الغسل أحوط أي في الدين، وهو باب مشهور في الأصول، قال: وهو أشبه بإمامة الرجل وعلمه. قال الحافظ: وهذا هو الظاهر من تصرفه، فإنه لم يترجم بجواز ترك الغسل، وإنما ترجم ببعض ما يستفاد من الحديث من غير هذه المسألة .... إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\nوقول ابن العربي: إيحاب الغسل أطبق عليه الصحابة فمن بعدهم كلام فيه نظر كبير، وقد رده الحافظ ابن حجر، وسوف ننقل كلامه بحروفه في ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالى.","vol":"4","page":50},{"text":"• وسبب الخلاف في ذلك:\nما جاء من النصوص الصحيحة الصريحة في عدم إيجاب الغسل من مجرد الإيلاج حتى يحصل إنزال، وقد قيل: إن هذا الحكم كان في أول الإسلام، ثم نسخ هذا الحكم بالأمر بالغسل بالتقاء الختانين، ولو لم يكن إنزال، فمن بلغه النسخ أخذ به، ومن لم يبلغه النسخ، لم يوجب الغسل حتى يحصل الإنزال، وإليك أدلة كل قول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1675> دليل من قال: لا يجب الغسل بالتقاء الختانين حتى ينزل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1676>الدليل الأول:</span>\n(٦٨٦ - ٦) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد الجهني أخبره،\nأنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال: عثمان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك. قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، أن عروة بن الزبير أخبره، أن أبا أيوب أخبره، أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ. وأخرجه مسلم أيضًا (^١).\n_________\n(^١) البخاري (٢٩٢)، ومسلم (٣٤٧).","vol":"4","page":51},{"text":"فهذان حديثان مسندان، عن عثمان وأبي أيوب، عن رسول الله ﷺ صريحان في عدم إيجاب الغسل على من جامع، ولم ينزل.\n• وأجيب عن هذا بجوابين:\nالأول: انفراد يحيى بن أبي كثير بهذا الحديث.\nقال ابن عبد البر: «هو حديث انفرد به يحيى بن أبي كثير، وقد جاء عن عثمان وعلي وأبي بن كعب ما يدفعه من نقل الثقات الأثبات ويعارضه، وقد دفعه جماعة منهم: أحمد بن حنبل وغيره، وقال علي وأبي بخلافه.\nقال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني وذكر حديث يحيى بن أبي كثير هذا، فقال: إسناده جيد، ولكنه حديث شاذ، قال: وقد روي عن عثمان، وعلي، وأبي ابن كعب، أنهم أفتوا بخلافه .... وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل حديث حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد، قال: سألت خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ: عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وأبي بن كعب، فقالوا: الماء من الماء، فيه علة تدفعه بها؟، قال: نعم؛ بما يروى عنهم من خلافه، قلت: عن عثمان، وعلي، وأبي بن كعب؟ قال: نعم» (^١).\nوالحق أن الأحاديث في هذا الباب كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: وفي الباب عدة أحاديث في عدم الإيجاب (^٢).\nقلت: منها ما رواه البخاري ومسلم من طريق عروة، عن أبي أيوب، عن أبي بن كعب مرفوعًا.\nومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي صالح السمان، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\n_________\n(^١) التمهيد (٢٣/ ١١٠).\n(^٢) تلخيص الحبير (١/ ٢٣٥).","vol":"4","page":52},{"text":"وكل هذه الأحاديث في الصحيحين، وسوف نأتي إن شاء الله تعالى على ذكر هذه المتون، ولو لم يرد في هذا الباب إلا حديث يحيى بن أبي كثير لقيل ربما يكون معلولًا بالتفرد، وربما يحمل كلام الإمام أحمد على الترجيح بينها، وليس مراده الحكم بوهم الراوي فيما روى.\nقال الحافظ ابن حجر: «وقد حكى الأثرم، عن أحمد أن حديث زيد بن خالد المذكور في هذا الباب معلول؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث، وقد حكى يعقوب بن شيبة، عن علي بن المديني أنه شاذ، والجواب عن ذلك أن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده، وحفظ رواته، وقد روى ابن عيينة أيضا، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار نحو رواية أبي سلمة، عن عطاء، أخرجه\nابن أبي شيبة وغيره، فليس هو فردًا، وأما كونهم أفتوا بخلافه فلا يقدح ذلك في صحته؛ لاحتمال أنه ثبت عندهم ناسخه فذهبوا إليه، وكم من حديث منسوخ، وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية» (^١).\nوقد ثبت الخلاف بين الصحابة في هذه المسألة بعد وفاة الرسول ﷺ كما رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، عن عائشة.\nكما ثبت الخلاف بعد الصحابة من التابعين، رحمهم الله تعالى، والله أعلم.\nالجواب الثاني:\nأن هذا الحديث كان في أول الإسلام، ثم نسخ في إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل. وسوف أسوق إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني ما ورد في هذا الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1677>الدليل الثاني:</span>\n(٦٨٧ - ٧) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني أبو أيوب، قال:\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٣٩٧).","vol":"4","page":53},{"text":"أخبرني أبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟ قال: يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي (^١). وأخرجه مسلم أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1678>الدليل الثالث:</span>\n(٦٨٨ - ٨) ما رواه البخاري من طريق النضر، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن ذكوان أبي صالح،\nعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ أرسل إلى رجل من الأنصار، فجاء، ورأسه يقطر، فقال النبي ﷺ: لعلنا أعجلناك؟ فقال: نعم، فقال رسول الله ﷺ: إذا أعجلت أو قحطت فعليك الوضوء.\nقال البخاري: تابعه وهب، قال: حدثنا شعبة، قال أبو عبد الله: ولم يقل غندر ويحيى، عن شعبة الوضوء. ورواه مسلم أيضًا (^٢).\n(٦٨٩ - ٩) وفي رواية لمسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،\nعن أبيه، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان، فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ: أعجلنا الرجل. فقال عتبان: يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته، ولم يمن ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ: إنما الماء من الماء (^٣).\nوأجيب عنه بجوابين:\nالأول: قال ابن عبد البر: هذا إسناد صحيح من جهة النقل ثابت، ولكنه يحتمل التأويل؛ لأن قوله (الماء من الماء) ليس فيه ما يدفع الماء من التقاء الختانين؛ لأن من أوجب الغسل من التقاء الختانين يقول: الماء من الماء ومن التقاء الختانين أيضا، فهي\n_________\n(^١) البخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦).\n(^٢) البخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٥).\n(^٣) مسلم (٣٤٣).","vol":"4","page":54},{"text":"زيادة حكم (^١).\n• ويُجاب عن هذا بجوابين:\nالجواب الأول:\nبأن هناك فرقًا بين قولنا: الماء من الماء، وبين قوله ﷺ: إنما الماء من الماء.\nفاللفظ الثاني يدل على الحصر، بطريقة النفي والإثبات؛ لأن معناه: لا ماء واجب إلا من الماء النازل، بخلاف قولنا: الماء من الماء، فهو لا يمنع الزيادة.\nالجواب الثاني:\nقالوا: إن المراد (الماء من الماء) في الاحتلام لا في اليقظة، وهذا مجمع عليه، فيمن رأى أنه يجامع ولم ينزل أنه لا غسل عليه، وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس.\n(٦٩٠ - ١٠) فقد روى الترمذي ﵀، من طريق شريك، عن أبي الجحاف، عن عكرمة،\nعن ابن عباس قال: إنما الماء من الماء في الاحتلام.\nقال أبو عيسى: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n• وأجيب:\nأولًا: ما ورد عن ابن عباس ﵄ ضعيف، لا يثبت من جهة الإسناد.\n_________\n(^١) التمهيد (٢٣/ ١٠٨).\n(^٢) سنن الترمذي (١١٢).\n(^٣) في إسناده شريك بن عبد الله النخعي، وهو سيء الحفظ، وقد انفرد به كما أشار إلى ذلك وكيع ﵀، وقد أخرجه الطبراني (١١/ ٣٠٤) رقم: ١١٨١٢ عن عبد الله بن أحمد، ثنا محمد بن الصباح، ثنا شريك به.","vol":"4","page":55},{"text":"ثانيًا: حديث أبي سعيد الخدري يأباه، فقد قال الرسول ﷺ جوابًا على سؤال من عتبان، وقد اغتسل عتبان قبل أن ينزل، فقال عتبان: يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته، ولم يمن، ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ: إنما الماء من الماء. رواه مسلم، وسبق تخريجه.\nفهذا دليل على أن حكم الرسول ﷺ بقوله: إنما الماء من الماء ليس خاصًّا في الاحتلام، بل هو محكم في النائم واليقظان.\n(٦٩١ - ١١) ثالثًا: أن ما رواه البخاري ومسلم وتقدم لفظه، عن زيد بن خالد الجهني،\nأنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن، قال: عثمان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب ﵃ فأمروه بذلك. سبق تخريجه.\nفقوله: إذا جامع الرجل امرأته، ولم يمن صريح في إنه قد وقع الجماع، فليس الحديث عن الاحتلام، ولا عن المباشرة فيما دون الجماع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1679> دليل من قال: يجب الغسل بالتقاء الختانين ولو لم ينزل:</span>\nلهم أدلة تنص على وجوب الغسل بالتقاء الختانين ولو لم يحصل إنزال، وأدلة تنص على نسخ الحكم الأول من كون الغسل لا يجب بالإكسال، أما الأدلة التي تذكر وجوب الغسل بالتقاء الختانين، فمنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1680>الدليل الأول:</span>\n(٦٩٢ - ١٢) ما رواه البخاري من طريق قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد","vol":"4","page":56},{"text":"وجب الغسل. وأخرجه مسلم أيضًا (^١).\n• وأجيب:\nبأن الحديث ليس صريحًا في وجوب الغسل بمجرد التقاء الختانين؛ لأن قوله: (ثم جهدها) يحتمل أنه أراد بالجهد الإنزال؛ لأنه هو الغاية في الأمر، فلا يكون فيه دليل.\n• ورد هذا الجواب:\nبأنه قد رواه مسلم من طريق مطر، عن الحسن به، وزاد: وإن لم ينزل (^٢).\nبل وقع التصريح حتى في بعض طرق قتادة (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٢٩١) ومسلم (٣٤٨).\n(^٢) مسلم (٣٤٨).\n(^٣) فقد رواه قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، واختلف فيه على قتادة:\nفرواه شعبة، وهشام، عن قتادة به بدون ذكر (وإن لم ينزل)\nرواه أبو داود الطيالسي (١/ ٣٢١) ومن طريقه أخرجه أحمد (٢/ ٥٢٠) وأبو عوانة (١/ ٢٨٨) والبيهقي في المعرفة (٢٥٧).\nوأخرجه أبو داود (٢١٦) حدثنا مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، كلاهما (أبو داود الطيالسي والفراهيدي) عن شعبة، وهشام مقرونين، عن قتادة به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٨٤) رقم ٩٣١، وأحمد (٢/ ٢٣٤، ٣٩٣، ٥٢٠) وإسحاق ابن راهوية (١٩) والبخاري (٢٨٧، ٢٩١)، ومسلم (٣٤٨)، والدارمي (٧٦١) وابن ماجه (٦١٠)، وابن الجارود (٩٢)، والطحاوي (١/ ٥٦)، وابن حبان (١١٧٤، ١١٧٨، ١١٨٢)، وأبو عوانة (١/ ٢٨٨) والدارقطني (١/ ١١٣)، والبيهقي في السنن (١/ ١٦٣)، والبغوي في شرح السنة (٢٤١، ٢٤٢) من طريق هشام وحده به.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٥٢٠) وإسحاق بن راهوية (١١٠)، ومسلم ٠٣٤٨) والنسائي في الكبرى (١٩٧)، وفي المجتبى (١٩١)، وابن الجارود (٩٢)، والطحاوي (١/ ٥٦) والبيهقي (١/ ١٦٣) من طريق شعبة وحده به.\nوخالفهما سعيد بن أبي عروبة، فرواه البيهقي في السنن (١/ ١٦٣) من طريق يزيد بن زريع، ثنا سعيد بن أبي عروبة،\nورواه أحمد (٢/ ٣٤٧) الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٥٦)، والدارقطني في سننه (١/ ١١٢) من طريق همام وأبان، ثلاثتهم عن قتادة به، بزيادة: أنزل أو لم ينزل. =","vol":"4","page":57},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أبو داود الطيالسي ط هجر (٢٥٧١) ومن طريق أبي داود أخرجه أبو عوانة في مستخرجه (٨٢٥)، والبيقهي في المعرفة (٢٥٧) من طريق شعبة وهشام، عن قتادة به، ثم قال أبو داود الطيالسي: وزاد حماد بن سلمة في هذا الحديث (أنزل أو لم ينزل).\nوظاهر كلام أبي داود الطيالسي أن حماد يرويه عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة مرفوعًا كإسناد شعبة وهشام، لأنه لم يذكر أنه خالفهما إلا بهذه الزيادة.\nوأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٨١) من طريق حجاج - يعني ابن منهال - حدثنا حماد، عن قتادة، وحميد، وحبيب، عن الحسن، عن أبي هريرة موقوفًا: وفيه: (أنزل أو لم ينزل).\nفسقط من الإسناد: أبو رافع، ولعل هذا من فعل الحسن، فإنه كثير الإرسال.\nفقد رواه أبو يعلى الموصلي (٦٢٢٧) من طريق جرير بن حازم، حدثنا الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا، وفيه زيادة (وإن لم ينزل).\nورواه أحمد (٢/ ٤٧٠، ٤٧١) من طريق أشعث.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٨٤) رقم ٩٣٢ من طريق يونس بن عبيد، كلاهما عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا، وليس فيه ذكر (وإن لم ينزل)، فهذه ثلاثة طرق عن الحسن بإسقاط أبي رافع، فالذي يظهر أن الحمل على الحسن البصري بإسقاط أبي رافع، والله أعلم.\nذكر الدارقطني في العلل (٨/ ٢٦٠) بسنده عن موسى بن هارون، قال: سمع الحسن من أبي هريرة إلا أنه لم يستمع منه عن النبي ﷺ: إذا قعد بين شعبها الأربع، بينهما أبو رافع. اهـ\nقلت: وهذا دليل على أن تدليس الحسن ليس من قبيل الإرسال فحسب، وإنما قد يدلس أحاديث من سمع منهم ما لم يسمعه، وإن كان الغالب عليه الإرسال، والله أعلم. وكنت فيما سبق قد جزمت أن تدليسه من قبيل الإرسال حتى وقعت على هذا الحديث، فينظر هل له أمثلة أخرى، والله أعلم.\nوأخرجه النسائي (١٩٢) وفي الكبرى (١٩٨) من طريق يونس، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة.\nوقال النسائي عقبه: هذا خطأ، والصواب أشعث عن الحسن، عن أبي هريرة، وقال نحوه:\nأبو حاتم وأبو زرعة في العلل لابنه (١/ ٣٨)، والدارقطني في العلل (٨/ ٢٥٨، ٢٥٩).\nوأخرجه أبو يعلى (٤٩٢٦) من طريق هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وذكر أبو هريرة قصة الاختلاف بين الصحابة، وإن أبا هريرة انطلق إلى عائشة، فسألها، فأجابته بوجوب الغسل بالتقاء الختانين، وذكر ذلك عن عائشة موقوفًا عليها، وسوف يأتي بحث مسند عائشة بعد هذا الحديث إن شاء الله تعالى.\nوملخص البحث:\nأن طريق مطر، عن الحسن لم يختلف عليه في زيادة (وإن لم ينزل). =","vol":"4","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1681>الدليل الثاني:</span>\n(٦٩٣ - ١٣) ما رواه مسلم من طريق هشام، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة،\nعن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق، أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة، فأذن لي، فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك. قلت فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ: إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل (^١).\nورواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن أبا موسى أتى عائشة فذكر نحوه موقوفًا على عائشة، وقال أبو موسى في آخره: لا أسأل عن هذا أحدًا بعدك أبدًا (^٢).\n[اختلف على عائشة في وقفه ورفعه، والطرق الموقوفة أقوى، إلا أن الموقوف له حكم الرفع] (^٣).\n_________\n= وأما طريق قتادة، فقد اختلف عليه في ذكر هذه الزيادة،\nفرواه شعبة وهشام، عن قتادة بدون زيادة: (وإن لم ينزل).\nورواه همام، وأبان، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، عن قتادة بذكر زيادة وإن لم ينزل، وقد اختلف فيه على حماد بن سلمة في وقفه ورفعه، وفي إسقاط أبي رافع، والذي أميل إليه أن زيادة (وإن لم ينزل) جاءت من أكثر من طريق، فهي محفوظة، والله أعلم.\nانظر لمراجعة بعض طرق هذا الحديث في أطراف المسند (٨/ ١١٢، ١١٣)، تحفة الأشراف (١٤٦٥٩)، إتحاف المهرة (٢٠٠٥٢).\n(^١) مسلم (٣٤٩).\n(^٢) الموطأ (١/ ٤٦).\n(^٣) رواه جمع من الرواة عن عائشة موقوفًا، منهم سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وميمون بن مهران، وعبيد الله بن عدي بن الخيار، ورفاعة بن رافع، وغيرهم. =","vol":"4","page":59},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه جمع آخر مرفوعًا، على اختلاف على بعضهم في رفعه ووقفه، وإليك بيان من وقفت على رواياتهم:\nالطريق الأول: عن أبي موسى الأشعري، عن عائشة.\nأخرجه مسلم (٣٤٩) وابن خزيمة (٢٢٧) وأبو عوانة (١/ ٢٨٨، ٢٨٩) وابن حبان (١١٨٣)، والطبراني في الأوسط (٧١١٩)، والبيهقي في السنن (١/ ١٦٣)، من طريق محمد الأنصاري، عن هشام بن حسان، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، عن عائشة مرفوعًا.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي بردة إلا حميد بن هلال، ولا عن حميد إلا هشام، ولا عن هشام إلا الأنصاري. اهـ\nقلت: قد أخرجه مسلم أيضًا من طريق عبد الأعلى، عن هشام بن حسان، عن حميد، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي بردة، عن أبي موسى، فتردد في وصل إسناده.\nوقد عجب أحمد من هذا الحديث، وأن يكون حميد بن هلال حدث به بهذا الإسناد، وقال الدارقطني: صحيح غريب، تفرد به هشام بن حسان، عن حميد. انظر فتح الباري لابن رجب (١/ ٣٦٨).\nوقد رواه سعيد بن المسيب، أنا أبا موسى دخل على عائشة، فحدثته بذلك، ولم ترفعه.\nأخرجه مالك في الموطأ (١/ ٤٦) ومن طريقه الشافعي في مسنده (١/ ٣٧، ٣٨).\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٥٤) عن ابن جريج، كلاهما، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة ... وذكر الأثر موقوفًا.\nوفي مصنف عبد الرزاق فذكر أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة ...\nوأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ١٠٠) من طريق أبي قرة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب مرفوعًا.\nقال ابن عبد البر: هذا خطأ -يعني رفعه من طريق مالك- والصواب ما في الموطأ. اهـ يعني رواية الوقف.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٤٧)، وابن أبي شيبة (٩٢٩)، وإسحاق بن راهوية (١١٠٠) والترمذي (١٠٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٥٥)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٤٦٣)، والبغوي في شرح السنة (٢٤٣) من طريق علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة مرفوعًا. وعلي ابن زيد ضعيف.\nوفي شرح معاني الآثار (١/ ٥٥) عن سعيد بن المسيب، قال: قال أبو موسى: أنا آتيكم بعلم ذلك، فنهض وتبعته حتى أتى عائشة ... وذكر الحديث مرفوعًا. =","vol":"4","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي مسند الشافعي ترتيب السندي (١٠٢)، وأحمد (٦/ ٩٧) عن سعيد بن المسيب أن أبا موسى سأل عائشة ... وذكر الحديث مرفوعًا.\nفالظاهر أن ابن المسيب يروي الأثر عن عائشة، وليس عن أبي موسى عن عائشة، وذكر أبي موسى في طريق سعيد إنما ذكر على سبيل القصة، وليس على سبيل الرواية، والله أعلم.\nالطريق الثاني: عطاء بن أبي رباح، عن عائشة.\nأخرجه عبد الرزاق (٩٤٥)، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، وهو المعروف.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٨٤) وابن راهوية (١٢١٩) من طريق عبيد الله بن أبي زياد القداح، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة به وقالت في آخره: قد يكون ذلك مني، ومن رسول الله ﷺ فنغتسل. وهذا مرفوع إلا أن عبيد الله بن أبي زياد فيه ضعف، وقد خالف ابن جريج، وهو من أخص أصحاب عطاء.\nالطريق الثالث: ميمون بن مهران، عن عائشة.\nأخرجه الطحاوي في معاني الآثار (١/ ٦٠) من طريق عبيد الله -يعني الرقي- عن عبد الكريم -يعني الجزري- عن ميمون بن مهران، عن عائشة موقوفًا. وهذا إسناد صحيح.\nالطريق الرابع: رواه مسروق، عن عائشة.\nأخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين (٣٥)، وابن أبي شيبة (٩٣٥) من طريق داود بن أبي هند،\nوأخرجه عبد الرزاق (٩٣٨) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٥٧٩) من طريق الثوري، عن جابر، كلاهما (داود بن أبي هند وجابر) عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة موقوفًا ..\nالطريق الخامس: عن أبي سلمة، عن عائشة.\nرواه أبو سلمة، عن عائشة، واختلف على أبي سلمة فيه:\nفأخرجه مالك في الموطأ (١/ ٤٦) ومن طريقه عبد الرزاق (٩٤١) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٦٠)، والبيهقي (١/ ١٦٦) من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة، عن عائشة موقوفًا. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات.\nوتابعه على ذلك محمد بن عمرو كما ذكر ذلك البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ١٨٢)، ورواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة فيها كلام إلا أن مثل ذلك قد زال بالمتابعة.\nوخالفهما أبو واقد الليثي، وهو ضعيف كما في مسند إسحاق بن راهوية (١٠٤٤).\nوعثمان بن عطاء وهو ضعيف أيضًا كما في المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (٢/ ٣٧٤)، كلاهما عن أبي سلمة، عن عائشة به مرفوعًا، وطريق أبي النضر ومحمد بن عمرو أرجح.\nالطريق السادس: القاسم، عن عائشة.\nرواه عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، واختلف على عبد الرحمن: =","vol":"4","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٨٤) عن ابن علية، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه وعن نافع، قالا: قالت عائشة: إذا خالط الختان الختان فقد وجب الغسل. وهذا موقوف.\nورواه الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، واختلف على الأوزاعي:\nفرواه الوليد بن مسلم كما في مسند أحمد (٦/ ١٦١) وسنن الترمذي (١٠٨)، والسنن الكبرى للنسائي (١٩٦)، وسنن ابن ماجه (٦٠٨)، وصحيح ابن حبان (١١٧٦) وسنن الدارقطني (١/ ١١١).\nوعيسى بن يونس كما في مسند أبي يعلى (٤٩٢٥).\nوبشر بن بكر كما في المنتقى لابن الجاورد (٩٣) وشرح معاني الآثار (١/ ٥٥).\nوعبد الله بن كثير كما في صحيح ابن حبان (١١٧٥، ١١٨١، ١١٨٦).\nوالوليد بن مزيد كما في سنن الدارقطني (١/ ١١١) والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ١٦٤)، خمستهم عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ، واغتسلنا.\nقال الدارقطني في العلل (١٤/ ٧٩): «.... ووقفه ابن أبي العشرين، وأبو المغيرة، وأبو حفص العنسي، ويحيى بن كثير، ويحيى البابلتي، عن الأوزاعي. وذلك رواه أيوب السختياني وعبد الله بن عمر العمري، وغيرهم، عن عبد الرحمن بن القاسم موقوفًا».\nوقد أعله البخاري كما نقله عنه الترمذي في العلل الكبير (١/ ١٨٤)، فقال: «هذا حديث خطأ، إنما يرويه الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم مرسلًا، ثم استدل على ذلك بأن أبا الزناد قال: سألت القاسم بن محمد: سمعت في هذا الباب شيئًا؟ فقال: لا».\nقال الحافظ ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٣٣): «وأجاب من صححه بأنه يحتمل أن يكون القاسم كان نسيه، ثم تذكر، فحدث به ابنه، أو كان حدث به ابنه، ثم نسي. قال الحافظ: ولا يخلو الجواب عن نظر». اهـ\nالطريق السابع: أم كلثوم، عن عائشة ﵄.\nأخرجه مسلم (٣٥٠)، وأبو عوانة (١/ ٢٨٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٥٥)، والدارقطني (١/ ١١٢)، والبيهقي (١/ ١٦٤) من طريق عياض بن عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أم كلثوم، عن عائشة قالت: إن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ: إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل.\nوفي إسناده عياض بن عبد الله، قال أبو حاتم: ليس بقوي. الجرح والتعديل (٦/ ٤٠٩).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥٢٤).\nوقال الساجي: روى عنه ابن وهب أحاديث فيها نظر. تهذيب التهذيب (٨/ ١٨٠). =","vol":"4","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال يحيى بن معين: ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوقال البخاري: منكر الحديث. المرجع السابق. وقد ساق مسلم حديثه هذا في المتابعات.\nوفي التقريب: فيه لين. ومع لين حفظه إلا أنه هنا قد توبع: تابعه أشعث بن سوار وابن لهيعة من رواية عبد الله بن وهب عنه.\nفقد أخرجه أحمد (٦/ ٦٨) من طريق حسن بن صالح.\nوأبو يعلى (٤٦٩٧) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن أشعث،\nكما أخرجه أحمد (٦/ ٧٤) حدثنا موسى.\nوالدارقطني (١/ ١١٢) من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عمي عبد الله ابن وهب، كلاهما (موسى وعبد الله بن وهب) عن ابن لهيعة، كلاهما (أشعث، وابن لهيعة) عن أبي الزبير، عن جابر، عن أم كلثوم، عن عائشة، قالت: فعلناه مرة، فاغتسلنا. يعني الذي يجامع ولا ينزل. اهـ هذا لفظ أحمد، ولفظ أبي يعلى: قالت: إن رسول الله ﷺ خالطها من غير أن ينزل، قالت: فاغتسلنا. وأشعث ضعيف، فهؤلاء ثالثة يقوي بعضهم بعضًا (عياض بن عبد الله، وابن لهيعة، وأشعث) يروونه عن أبي الزبير، عن جابر، عن أم كلثوم به.\nوقد رواه البيهقي في السنن (١/ ١٦٤) من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وبحر بن نصر، كلاهما، عن ابن وهب، عن عياض بن عبد الله وغيره، عن أبي الزبير به.\nوأظن قوله: (وغيره) يقصد ابن لهيعة.\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٧٥٤) حدثنا عبد الله بن الحسين المصيصي، حدثنا محمد ابن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أم كلثوم، عن عائشة، قالت: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا.\nوعبد الله بن الحسين المصيصي ضعيف.\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (١/ ٣٦٩): «وحديث قتادة خرجه بقي بن مخلد ... ولكن في سماع قتادة من أم كلثوم نظر، ولأجله ترك مسلم تخريج الحديث من طريقه، والله أعلم».\nالطريق الثامن: عبد العزيز بن النعمان، عن عائشة.\nوعبد العزيز فيه جهالة، لم يخرج له أصحاب الكتب الستة، ولم يرو عنه أحد إلا عبد الله بن رباح فيما ذكره ابن حجر في تعجيل المنفعة، ولم يوثقه أحد إلا ابن حبان، ولا يعرف له سماع من عائشة فيما ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٩).\nأخرجه أحمد (٦/ ١٢٣، ٢٢٧، ٢٣٩)، وإسحاق بن راهوية (١٣٥٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٥٥) من طريق حماد بن سلمة، قال: حدثنا ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن عبد العزيز بن النعمان، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا التقى الختانان اغتسل. وهذا مرفوع. =","vol":"4","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال ابن رجب في الفتح (١/ ٣٦٩): «أنكر أحمد رفعه، وقال: عبد العزيز بن النعمان لا يعرف ...».\nورواه أحمد (٦/ ٢٦٥) عن عبد الوهاب بن عطاء.\nوإسحاق بن راهوية (١٣٥٥) عن عبدة بن سليمان، كلاهما، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الله بن رباح، أنه دخل على عائشة، فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك، فذكر نحو قصة أبي موسى مع عائشة.\nوقد اختصره إسحاق بن رواهويه، وفي رواية أحمد، من طريق عبد الوهاب عن سعيد، ذكر قول عائشة موقوفًا: إذا اختلف الختانان وجبت الجنابة، فكان قتادة يتبع هذا الحديث أن عائشة قالت: قد فعلت أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا، فلا أدري أشيء في هذا الحديث، أم كان قتادة يقوله.\nوعبد الله بن رباح لم يسمعه من عائشة، قاله يحيى بن معين في تاريخه، رواية الدوري عنه (٣٩٩١).\nوانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: أطراف المسند (٩/ ٤٩)، والتحفة (١٦١١٩)، وإتحاف المهرة (٢١٦٩٨).\nورواه أحمد (٥/ ١١٥) قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا زهير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن رفاعة بن رافع، وكان عقبيًا بدريًا قال:\nكنت عند عمر، فقيل له: إن زيد بن ثابت يفتي الناس برأيه في المسجد، في الذي يجامع ولا ينزل. فقال: أعجل به، فأتى به، فقال: يا عدو نفسه، أوقد بلغت أن تفتي في مسجد رسول الله ﷺ برأيك؟ ! قال: ما فعلت، ولكن حدثني عمومتي عن رسول الله ﷺ.\nقال: أي عمومتك؟\nقال: أبي بن كعب، وأبو أيوب، ورفاعة بن رافع. فالتفت إليَّ: ما يقول هذا الغلام؟\nفقلت: كنا نفعله في عهد رسول الله ﷺ.\nقال: فسألتم عنه رسول الله ﷺ؟ .\nقال: كنا نفعله في عهده، فلم نغتسل.\nقال: فجمع الناس، واتفق الناس على أن الماء لا يكون إلا من الماء إلا رجلين، علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، قالا: إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل.\nفقال علي: يا أمير المؤمنين، إن أعلم الناس بهذا أزواج رسول الله ﷺ، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم لي. فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. قال: فتحطم عمر -يعني: تغيظ- ثم قال: لا يبلغني أن أحدًا فعله، ولا يغتسل إلا أنهكته عقوبة. =","vol":"4","page":64},{"text":"قال ابن عبد البر: «وهذا الحديث يدخل في المسند بالمعنى والنظر؛ لأنه محال أن ترى عائشة نفسها في رأيها حجة على غيرها من الصحابة حين اختلافهم في هذه المسألة النازلة بينهم، ومحال أن يسلم أبو موسى لعائشة قولها من رأيها في مسألة قد خالفها فيها من الصحابة غيرها برأيه؛ لأن كل واحد ليس بحجة على صاحبه عند التنازع؛ لأنهم أمروا إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهذا يدلك على أن تسليم أبي موسى لعائشة في هذه المسألة إنما كان من أجل أن علم ذلك كان عندها عن رسول الله ﷺ فلذلك سلم لها؛ إذ هي أولى بعلم مثل ذلك من غيرها» (^١).\nقلت: وقولها: على الخبير سقطت إشارة إلى أنها لا تتكلم إلا عن علم فإن معنى خبر الأمر أي علمه والخُبْرُ بالضم: هو العلم بالشيء، والخَبِيرُ العالم (^٢).\nوأما الأدلة التي تصرح أن عدم الغسل كان في أول الأمر ثم نسخ، فمنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>الدليل الثالث:</span>\n(٦٩٤ - ١٤) روى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن مهران البزاز الرازي، حدثنا مبشر الحلبي، عن محمد أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد،\nحدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة\n_________\n= وقد سبق لي الكلام على هذا الطريق بالذات في الطهارة من الحيض والنفاس رقم (١٦١٩)، فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.\nهذا ما تيسر لي الوقوف عليه من طريق عائشة، وأقوى الطرق عنها ما جاء من طريق سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وميمون بن مهران، وقد رووا الحديث عنها موقوفًا، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي موسى الأشعري عنها مرفوعًا، وكما ذكرت في المتن أن الموقوف له حكم الرفع، والله أعلم.\n(^١) التمهيد (٢٣/ ١٠٠).\n(^٢) مختار الصحاح (ص: ٧١).","vol":"4","page":65},{"text":"رخصها رسول الله في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢١٥).\n(^٢) رجاله ثقات، وقد أخرجه الدارمي (٧٦٠)، والطبراني (٥٣٨)، وابن خزيمة (٢٢٦)،\nوابن حبان (١١٧٩)، والدارقطني (١/ ١٢٦)، والبيهقي (١/ ١٦٦) من طريق محمد بن مهران به. ...\nورواه الزهري، واختلف عليه فيه:\nفرواه عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن سهل بالعنعنة بين الزهري وسهل. وأخرجه أحمد (٥/ ١١٥)، وابن ماجه (٦٠٩)، وابن الجارود (٩١)، وابن خزيمة (٢٢٥)، والبيهقي (١/ ١٦٥) من طريق عثمان بن عمر، أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: قال سهل الأنصاري، حدثني أبي ابن كعب.\nورواه عبد الله بن المبارك، عن يونس به، واختلف على عبد الله،\nفأخرجه أحمد (٥/ ١١٥) حدثنا علي بن إسحاق.\nوأخرجه أيضًا (٥/ ١١٥) حدثنا خلف بن الوليد.\nوأخرجه الترمذي (١١٠)، وابن خزيمة (٢٢٥)، والحازمي في الاعتبار (ص: ٣٢) والضياء في المختارة (١١٧٨) من طريق أحمد بن منيع.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٥٧) من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني.\nوابن حبان (١١٧٣) من طريق حبان بن موسى.\nوالبيهقي (١/ ١٦٥) من طريق الحسن بن عرفة، ستتهم رووه عن ابن المبارك: عن يونس، عن الزهري، عن سهل بالعنعنة.\nوخالفهم كل من أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني كما في تهذيب الآثار ومسند بقي ابن مخلد.\nومعلى بن منصور، كما في كتاب ابن شاهين كلاهما، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، حدثني سهل بن سعد.\nوهذا خطأ، والصحيح رواية من رواه بالعنعنة لما يلي:\nأولًا: أن ستة رواة رووه عن ابن المبارك بالعنعنة، فهم أكثر عددًا.\nثانيًا: أن من رواه عن الزهري من غير طريق ابن المبارك كلهم لم يصرحوا بالتحديث، منهم شعيب بن أبي حمزة كما في مسند أحمد (٥/ ١١٦) وابن خزيمة (٢٢٥).\nومنهم عقيل بن خالد، كما في سنن الدارمي (٧٥٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٥٧)، من طريق عبد الله بن صالح، عن عقيل بن خالد به. =","vol":"4","page":66},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثالثًا: أنه قد رواه عمرو بن الحارث، وصرح بأن هناك واسطة بين الزهري وسهل بن سعد، فقد أخرجه أبو داود (٢١٤)، والطحاوي (١/ ٥٧)، وابن خزيمة (٢٢٦)، والبيهقي (١/ ١٦٥) من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، حدثني بعض من أرضى، عن سهل بن سعد، أن أبيًا حدثه ... وذكر نحو الحديث.\nوأخرجه أحمد (٥/ ١١٦) من طريق رشدين بن سعد، حدثني عمرو بن الحارث به. ورشدين فيه كلام معروف، ولكنه قد توبع كما لحظت.\nولا يفرح بطريق معمر بن راشد المصرح فيها بالسماع عند ابن خزيمة (٢٢٦) من طريق محمد بن جعفر، أخبرنا معمر بن راشد، عن الزهري، قال: أخبرني سهل بن سعد؛ لما قاله أبو حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٢٥٧) ما حدث معمر بن راشد بالبصرة ففيه أغاليط. اهـ\nقال ابن خزيمة: أهاب أن يكون هذا وهمًا من محمد بن جعفر أو ممن دونه؛ لأن ابن وهب روى عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، قال: أخبرني من أرضى عن سهل بن سعد.\nولأن معمر لم يضبط الحديث، فقد رواه مرة كما تقدم، ورواه مرة موقوفًا على سهل ابن سعد، أخرجه عبد الرزاق (٩٥١)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٩) عن عبد الأعلى السامي.\nوابن خزيمة (٢٢٦) من طريق محمد بن جعفر، والطبراني في الكبير (٥٦٩٦) من طريق عبد الواحد بن زياد، ثلاثتهم عن معمر بن راشد، عن الزهري، عن سهل بن سعد، قال: إنما كان قول الأنصار: الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم أمرنا بالغسل. ولم يذكر في إسناده أبي بن كعب.\nولهذا قال ابن خزيمة عن طريق معمر بن راشد المصرح فيه بالتحديث، قال: في القلب من هذه اللفظة التي ذكرها محمد بن جعفر: أعني قوله: أخبرني سهل بن سعد - وأهاب أن يكون هذا وهمًا من محمد بن جعفر، أو ممن دونه. اهـ\nوجاء في التمهيد لابن عبد البر (٢٣/ ١٠٧): قال موسى بن هارون: كان الزهري إنما يقول في هذا الحديث: قال سهل بن سعد، ولم يسمع الزهري هذا الحديث من سهل بن سعد، وقد سمع من سهل أحاديث إلا أنه لم يسمع هذا منه، رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، قال: حدثني بعض من أرضى، أن سهل بن سعد أخبره. إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\nوفي تلخيص الحبير (١/ ٢٣٤): جزم موسى بن هارون، والدارقطني بأن الزهري لم يسمعه من سهل. اهـ\nوإذا ثبت لنا أن الزهري لم يسمعه من سهل، فقد صح الطريق الذي اخترته في المتن من طريق أبي حازم، عن سهل، عن أبي بن كعب، ولا يبعد أن يكون الزهري إنما سمعه من أبي حازم، ودلسه، قال ابن خزيمة في صحيحه (١/ ١١٣): وهذا الرجل الذي لم يسمه عمرو بن الحارث يشبه أن يكون أبا حازم سلمة بن دينار؛ لأن ميسرة بن إسماعيل روى هذا الخبر عن أبي غسان =","vol":"4","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1683>الدليل الرابع:</span>\n(٦٩٥ - ١٥) ما رواه ابن حبان، من طريق الحسين بن عمران، عن الزهري، قال: سألت عروة عن الذي يجامع ولا ينزل، قال: على الناس أن يأخذوا بالآخر والآخر من أمر رسول الله ﷺ،\nحدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسل بعد ذلك، وأمر الناس بالغسل (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد.\nوقال ابن حبان في صحيحه (٣/ ٤٤٧): وقد تتبعت طرق هذا الخبر، على أن أجد أحدًا رواه عن سهل بن سعد، فلم أجد في الدنيا أحدًا إلا أبا حازم، ويشبه أن يكون الرجل الذي قال الزهري: حدثني من أرضى، عن سهل بن سعد، هو أبو حازم رواه عنه. اهـ\nوهذا القول أقرب للصواب من قول ابن حبان قبل هذا الكلام: ويشبه أن يكون الزهري سمع الخبر من سهل بن سعد كما قاله غندر، وسمعه عن بعض من يرضاه عنه، فرواه مرة عن سهل ابن سعد، وأخرى عن الذي رضيه عنه. اهـ\nلأنه في معرض المقارنة بين من رواه بالعنعنة وبين من صرح بالتحديث نجد لا مقارنة بين الرواة، وأن الكفة ترجح رواية من رواه بالعنعنة لما ذكرناه سابقًا، ويكفي أن هذا هو رأي الإمام الدارقطني، كما نقلناه عنه سابقًا، وكفى بالدارقطني خبيرًا في العلل، والله أعلم.\nانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: أطراف المسند (١/ ١٩٨)، تحفة الأشراف (٢٧)، إتحاف المهرة (٤٦).\n(^١) صحيح ابن حبان (١١٨٠).\n(^٢) في إسناده الحسين بن عمران، قال فيه البخاري: لا يتابع على حديثه في القدر.\nوذكره ابن حبان في ثقاته، وقال في صحيحه: ثقة من الثقات. صحيح ابن حبان (٣/ ٤٥٥) وسماه الحسين بن عثمان. وهو وهم.\nوقال الدارقطني: لا بأس به.\nوذكره العقيلي في الضعفاء (١/ ٢٥٤): ونقل قول البخاري: لا يتابع على حديثه، ثم قال: «والحديث في الغسل في التقاء الختانين ثابت عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه». اهـ\nوأخرجه الحازمي في الاعتبار (ص: ٣٤) من طريق ابن حبان، وقال: «هذا حديث قد حكم =","vol":"4","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1684>الدليل الخامس:</span>\n(٦٩٦ - ١٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا رشدين بن سعد، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن بعض ولد رافع بن خديج،\nعن رافع بن خديج قال: ناداني رسول الله ﷺ، وأنا على بطن امرأتي، فقمت، ولم أنزل، فاغتسلت، وخرجت إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته أنك دعوتني، وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت، فقال رسول الله ﷺ: لا عليك، الماء من الماء. قال رافع: ثم أمرنا رسول الله ﷺ بعد ذلك بالغسل (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= أبو حاتم بن حبان بصحته، وأخرجه في صحيحه، غير أن الحسين بن عمران قد يأتي عن الزهري بالمناكير، وقد ضعفه غير واحد من أصحاب الحديث، وعلى الجملة فالحديث بهذا السياق فيه ما فيه، ولكنه حسن جيد في الاستشهاد». اهـ\nوقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٨٣): «الذي وجدته في كتاب الضعفاء للعقيلي، أنه روى هذا الحديث، ثم أعله بالحسين بن عمران، وقال: لا يتابع على حديثه، ولا يعلم هذا اللفظ عن عائشة إلا في هذا الحديث. وذكر العقيلي عن آدم بن موسى قال: سمعت البخاري يقول: حسين بن عمران الجهني لا يتابع على حديثه. وكذلك ذكر أبو العرب القروي عن أبي بشر، قال: ولم أقف على أكثر من هذا في حسين بن عمران، وهو أخف من قول الحازمي: وقد ضعفه غير واحد، بل لو قيل: ليس فيه جزم بالتضعيف لم يبعد ذلك». اهـ كلام الزيلعي رحمه الله تعالى.\nقلت: الأثر بهذا الإسناد منكر، فأصحاب الزهري: معمر، ويونس، وعقيل، وشعيب، رووه عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن أبي، وخالفهم حسين بن عمران، فرواه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وتفرده بمثل هذا الإسناد يعتبر منكرًا، ولو كان ثقة لم يقبل تفرده ومخالفته لأصحاب الزهري، فكيف وقد تكلم فيه، والله أعلم.\n(^١) المسند (٤/ ١٤٣).\n(^٢) في إسناده رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وفيه جهالة بعض ولد رافع، واسمه سهل كما في رواية الطبراني، ولم أقف له على ترجمة.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٤٣٧٤) وفي الأوسط (٦٥١٣) من طريق أبي طاهر بن السرح، عن رشدين بن سعد، وسمى بعض ولد رافع سهلًا.\nورواه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٢٧) من طريق ابن لهيعة، عن موسى بن =","vol":"4","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1685>الدليل السادس:</span>\nأن بعض من كان يرى عدم وجوب الغسل إلا بالإنزال قد رجع إلى وجوب الغسل، وهذا يدل على أنه ثبت عنده ما يدل على نسخ حكم إنما الماء من الماء.\n(٦٩٧ - ١٧) فمنها ما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله ابن كعب مولى عثمان بن عفان،\nأن محمود بن لبيد الأنصاري سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينْزل؟ فقال زيد: يغتسل. فقال له محمود: إن أبي بن كعب كان لا يرى الغسل. فقال له زيد بن ثابت: إن أبي ابن كعب نزع عن ذلك قبل أن يموت (^١).\n[صحيح، إن كان عبد الله بن كعب مولى عثمان سمعه من محمود بن لبيد الأنصاري] (^٢).\n_________\n= أيوب، عن سهل بن رافع به.\nوهذه متابعة من ابن لهيعة لرشدين.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٤): فيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف.\nوقال الحازمي في الاعتبار (ص: ٣٢): «هذا حديث حسن».\nوتعقب ذلك الزيلعي في نصب الراية (١/ ٨٤)، فقال: «فيه نظر؛ فإن فيه رشدين بن سعد، أكثر الناس على ضعفه، وبعض ولد رافع مجهول العين والحال، وحيث سنده على ضعيف ومجهول، كيف يكون حسنًا؟!»،\nانظر أطراف المسند (٢/ ٣٣٤، ٣٣٥)، إتحاف المهرة (٤٥٥١).\n(^١) الموطأ (١/ ٤٧).\n(^٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ٤٧)، ومن طريق مالك أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٦٦).\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٨٨) عن أبي خالد الأحمر.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٥٧) من طريق يزيد بن هارون، ثلاثتهم (مالك، وأبو خالد الأحمر، ويزيد بن هارون) عن يحيى بن سعيد به. وانظر إتحاف المهرة (٤٨٤٤).\nوالإمام مالك رواه عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب أن محمود بن لبيد سأل زيد بن ثابت. والتعبير بأن يختلف عن التعبير بـ (عن).\nبينما رواه يزيد بن هارون، وأبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب، عن =","vol":"4","page":70},{"text":"قال الشافعي: «لا أحسبه تركه إلا أنه ثبت له أن النبي ﷺ قال بعده ما نسخه» (^١).\nوقال البيهقي: «قول أبي بن كعب الماء من الماء، ثم نزوعه عنه، يدل على أنه ثبت له أن رسول الله ﷺ قال بعدُ ما نسخه، وكذلك عثمان بن عفان ﵁ وعلي بن أبي طالب» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1686>الدليل الثامن:</span>\n(٦٩٨ - ١٨) ومنها ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن سعيد ابن المسيب،\nأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة زوج النبي ﷺ كانوا يقولون إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل (^٣).\n[سعيد بن المسيب قد سمع من عثمان، ومات عمر وله ثمان سنوات، وهو من أعلم الناس بقضاء عمر، وعلى تقدير أنه عن عمر مرسل فإن مراسيله من أصح المراسيل] (^٤).\n_________\n= محمود بن لبيد، فإذا حملنا صيغة (أن) على صيغة (عن) بقي أن أقف على أحد من أهل العلم ينقل لنا أن عبد الله بن كعب الحميري مولى عثمان سمع من محمود بن لبيد، ولم يذكره المزي من شيوخه، وكذلك لم يذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، فإن صح سماعه منه، كان الإسناد صحيحًا، والله أعلم.\nقال الحافظ في التهذيب (٥/ ٣٢٣): نقل ابن خلفون أنه روى عن محمود بن لبيد الأنصاري، وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري. اهـ ولم يتعقبه بشيء.\nوقال بعضهم: هذا الخبر يدور على عبد الله بن كعب، ولم يصح له سماع من زيد بن ثابت، وإنما يروى عن خارجة بن زيد، وهو أيضًا غير مشهور بنقل العلم. انظر التمهيد (٢٣/ ١١٦). اهـ\nوقد يشهد له ما ذكرته بسند صحيح من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن أبي ابن كعب في دليل سابق من هذه المسألة.\n(^١) نصب الراية (١/ ٨٤).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ١٦٦).\n(^٣) ومن طريق مالك أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٥٧). وانظر إتحاف المهرة (١٣٦٦٧).\n(^٤) اختلف في سماع ابن المسيب من عمر، انظر خلاف أهل العلم في ذلك في مجلد الحيض والنفاس، ح (١٧٧٥).","vol":"4","page":71},{"text":"فهذا دليل آخر على رجوع عثمان إلى القول بوجوب الغسل.\nوسبق لنا قول الأثرم: «قلت لأحمد بن حنبل: حديث حسين المعلم، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد قال: سألت خمسة من أصحاب رسول الله: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وأُبي ابن كعب، فقالوا: الماء من الماء، فيه علة تدفعه بها؟\nقال: نعم بما يروى عنهم من خلافه.\nقلت: عن عثمان وعلي وأبي بن كعب؟ قال: نعم» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1687>الدليل التاسع:</span>\nذكر ابن خواز منداد، أن إجماع الصحابة انعقد على إيجاب الغسل من التقاء الختانين (^٢).\nوقال القاضي ابن العربي: انعقد الإجماع أخيرًا على إيجاب الغسل (^٣).\n• وأجيب:\nبأن الخلاف محفوظ من الصحابة وممن دونهم، أما الصحابة فالخلاف بينهم مشهور.\nقال ابن عبد البر وهو ممن يرى وجوب الغسل: «كيف يجوز القول بإجماع الصحابة في شيء في هذه المسألة مع ما ذكرناه في هذا الباب، ومع ما ذكره عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد، قال: سمعت خمسة من المهاجرين الأولين، منهم علي بن أبي طالب، فكلهم قال: الماء من الماء» (^٤).\n_________\n(^١) التمهيد (٢٣/ ١١١).\n(^٢) التمهيد (٢٣/ ١١٣).\n(^٣) تلخيص الحبير (١/ ٢٣٥).\n(^٤) التمهيد (٢٣/ ١١٣، ١١٤).","vol":"4","page":72},{"text":"وأما الخلاف فيمن بعدهم فقد قال الحافظ ابن حجر: «ادعى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين، وهو معترض أيضًا، فقد قال الخطابي: إنه قال به من الصحابة جماعة، فسمى بعضهم، قال: ومن التابعين الأعمش، وتبعه عياض لكن قال: لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره، وهو معترض أيضًا، فقد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو في سنن أبي داود بإسناد صحيح، وعن هشام بن عروة عند عبد الرزاق بإسناد صحيح.\nوقال عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: لا تطيب نفسي إذا لم انزل حتى اغتسل؛ من أجل اختلاف الناس لأخذنا بالعروة الوثقى.\nوقال الشافعي في اختلاف الحديث: حديث الماء من الماء ثابت، لكنه منسوخ، إلى أن قال: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا -يعني من الحجازيين- فقالوا: لا يجب الغسل حتى ينزل. اهـ فعرف بهذا أن الخلاف كان مشهورًا بين التابعين ومن بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل، وهو الصواب والله أعلم» (^١).\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض الأدلة يظهر لي أن الخلاف في المسألة محفوظ، وأنه قد ثبت عن الرسول ﷺ القول بعدم وجوب الغسل، وربما كان هذا القول في أول الأمر، ثم نسخ هذا الحكم، فالأحاديث التي تدل على وجوب الغسل ناقلة عن البراءة الأصلية فهي مقدمة على غيرها، وكما قال البخاري: الغسل أحوط.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٣٩٨، ٣٩٩).","vol":"4","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1688>المبحث الثاني في الإيلاج في فرج الصغيرة التي لا يوطأ مثلها</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا التقى الختانان عمومه يشمل كل فرج، وتقييده بالكبيرة تقييد للنص الشرعي بلا دليل.\n[م-٣٠٤] اختلف الفقهاء في الإيلاج في فرج الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، هل يجب على من وطئها الغسل؟\nفقيل: لا يجب مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يجب عليه الغسل مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: إن كانت تطيق الجماع وجب عليه الغسل، وإلا فلا، وهو مذهب المالكية (^٤).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٦١)، البناية في شرح الهداية (١/ ٢٧٣).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٨١)، حاشية البيجوري على متن أبي شجاع (١/ ١٣٨).\n(^٣) جاء في مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (١/ ١٠٣٠): «قال: سألت أبي عن رجل وطئ امرأته، وهي صغيرة، يجب عليها الغسل؟ قال: نعم، إذا وصل إليها وجب الغسل، وإذا التقى الختانان وجب الغسل، الصغيرة والكبيرة» وانظر المبدع (١/ ١٨٢)، الفروع (١/ ١٩٨) شرح العمدة (١/ ٣٦٠)، الإنصاف (١/ ٢٣٤)، كشاف القناع (١/ ١٤٣)، المستوعب (١/ ٢٢٦).\n(^٤) الشرح الصغير (١/ ١٦٣)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٩).","vol":"4","page":74},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1689> دليل القائلين بعدم وجوب الغسل:</span>\nإن الموجب للغسل هو إنزال المني، كما أفاده حديث (إنما الماء من الماء) لكن المني تارة يوجد حقيقة، وتارة يوجد حكمًا عند كمال سببه، وهو غيبوبة الحشفة في محل يشتهى عادة مع خفاء خروجه، فكان الإيلاج في مثل هذا سببًا لاستطلاق وكاء المني عادة، فقام مقام خروج المني احتياطًا؛ لأنه مغيب عن بصره، فربما خرج ولم يقف عليه لقلته، وفي الصغيرة ونحوها لم يكن الإيلاج سببًا كاملًا لإنزال المني؛ لقصور اللذة، فلم يوجد إنزال المني حقيقة ولا تقديرًا، فلو قلنا بالوجوب من غير إنزال لكان فيه ترك العمل بالحديث أصلًا، وهو لا يجوز (^١).\nويشكل على هذا التنظير أن المرأة لو أدخلت ذكر زوجها العنين، فعلى مقتضى التعليل لا يجب عليه غسل؛ لأنه ليس هناك إنزال للماء لا حقيقة ولا تقديرًا، وهو خلاف ظاهر النصوص من وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وقد أوجب الحنفية الغسل من جماع الخصي على الفاعل والمفعول به، والله أعلم (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1690> دليل القائلين بوجوب الغسل:</span>\nعموم قوله ﷺ: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل).\nوحديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل).\nفهذه النصوص مطلقة، وهي توجب الغسل بالتقاء الختانين من غير قَيْدٍ، ومن قَيَّد ذلك بكونه لا يجب الغسل إلا إذا كانت المرأة كبيرة فقد قيد النصوص الشرعية بلا دليل.\n• الراجح:\nأرى أن الاحتياط وجوب الغسل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) بتصرف البحر الرائق (١/ ٦١).\n(^٢) انظر الفتاوى الهندية (١/ ١٥)، وقد نص المالكية على وجوب الغسل على العنين إذا أولج حشفته في فرج امرأته، انظر مواهب الجليل (١/ ٣٠٨).","vol":"4","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1691>المبحث الثالث في الإيلاج في فرج الميت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• العام والمطلق يجرى على عمومه وإطلاقه إلا أن يخصص، أو يقيد بنص، أو إجماع.\n• العلة في وجوب الغسل هو التقاء الختانين من ذكر أصلي في فرج أصلي، وعمومه يشمل الحي والميت، ومن أخرج الميت فعليه الدليل.\n• حرمة الميت كحرمة الحي، وكسر عظمه ككسر الحي.\n• ليس في الأحاديث ذكر لكمال اللذة حتى ينتقض الحكم بنقصانها مع فرج الميتة؛ ولأن الغسل يجب بالإيلاج في العجوز الفانية، والمجذومة والبرصاء، واللذة منهن ناقصة.\n• وقيل: الإيلاج في الميتة بمنزلة الإيلاج في البهيمة، لا يوجب الغسل ما لم ينزل.\n[م-٣٠٥] إذا أولج رجل ذكره في فرج امرأة ميتة، ولم ينزل، فهل حكمهما حكم المرأة الحية؟ فيجب الغسل بمجرد الإيلاج، ولو لم ينزل، أو يشترط هنا لوجوب الغسل الإنزال؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة.","vol":"4","page":76},{"text":"فقيل: لا يجب الغسل حتى ينزل، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يجب، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1692> دليل من قال: لا يجب الغسل في فرج الميتة:</span>\nتعليل الحنفية في عدم وجوب الغسل: إن الموجب للغسل هو إنزال المني كما أفاده حديث: (إنما الماء من الماء) لكن المني تارة يوجد حقيقة، وتارة يوجد حكمًا عند كمال سببه، وهو غيبوبة الحشفة في محل يشتهى عادة مع خفاء خروجه، وفي الميتة ونحوها لم يكن الإيلاج سببًا كاملًا لإنزال المني؛ لعدم الداعية إليه، فلم يوجد إنزال المني حقيقة ولا تقديرًا، فلو قلنا بالوجوب من غير إنزال لكان فيه ترك العمل بالحديث أصلًا، وهو لا يجوز (^٣).\nفملخص الكلام هنا بأن الميتة لا تشتهى عادة، وأن الإيلاج في حشفة الميتة لا لذة فيها، أو أن اللذة فيها ناقصة غير كاملة، فلم يكن فيه مظنة لإنزال المني.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1693> دليل من قال بوجوب الغسل:</span>\nاستدلوا بأن النصوص التي توجب الغسل بالتقاء الختانين مطلقة، ولم تقيد ذلك بكون المرأة حية أو ميتة، فالأخذ بالمطلق والعام أسعد من تقييد النص المطلق، أو تخصيص العام بعلة مستنبطة، لا ندري هل تكون هي العلة أم لا؟ وكون المحل لا يشتهى عادة فهذا ليس كافيًا في تقييد النص، فانظر إلى المرأة العجوز المتناهية في\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٦١)، البناية (١/ ٢٧٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦١).\n(^٢) الخرشي (١/ ١٦٤)، الفواكه الدواني (١/ ١١٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢٩)، الأم (١/ ٣٧)، روضة الطالبين (١/ ٨١)، المهذب (١/ ٢٩)، الوسيط (١/ ٣٣٩)، الحاوي الكبير (١/ ٢١٢)، الإنصاف (١/ ٢٣٥، ٢٣٦)، مطالب أولي النهى (١/ ١٦٤).\nوقد فرق المالكية بين أن يولج الرجل ذكره في فرج امرأة ميتة، فيجب عليه الغسل، وبين أن تدخل المرأة ذكر رجل ميت في فرجها، فلا يجب عليها الغسل إلا أن تنزل.\n(^٣) بتصرف البحر الرائق (١/ ٦١).","vol":"4","page":77},{"text":"القبح العمياء البرصاء المقطعة الأطراف لو جومعت، وهي لا تُشْتهى عادة، وجب الغسل بالتقاء الختانين، فانتقضت العلة.\n• الراجح:\nأن الغسل يجب بالتقاء الختانين، ونقصان اللذة لا يكفي للقول بتقييد النص النبوي المطلق، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1694>المبحث الرابع في إيجاب الغسل على الصغير إذا جامع</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في وجوب الغسل هو الإنزال، والصغير ليس من أهله، وإنما أقيم التقاء الختانين مقام الإنزال؛ لأنه سبب فيه.\n• موجب الحدث الأصغر كالبول والريح يتأتى من الصبي، وأما موجب الحدث الأكبر الذي هو الجنابة فلا يتأتى من الصبي، وإذا تعذر موجب الجنابة من شرطه، فهل يلحق بالحدث الأصغر أم لا؟ (^١).\n• الحدث يبطل الطهارة ولا يوجبها، وإنما يوجب الطهارة عبادة تكون الطهارة شرطًا لها كالصلاة ولو من غير البالغ.\n[م-٣٠٦] اختلف الفقهاء في ذلك،\nفقيل: لا يجب عليه غسل، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)،\nوقول في مذهب\n_________\n(^١) انظر القواعد الفقهية المستنبطة من المدونة (١/ ٣٨٠).\n(^٢) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٦).\n(^٣) الشرح الصغير (١/ ١٦٥)، بل إن المالكية لا يوجبون الغسل على المرأة الكبيرة إذا وطئها غير بالغ، انظر مواهب الجليل (١/ ٣٠٩). ...\nوهناك قول آخر في مذهب المالكية، وهو أن الصغيرة إذا وطئها بالغ، فإن كانت تؤمر بالصلاة أمرت بالغسل، انظر مواهب الجليل (١/ ٣٠٩) وانظر بهامشه التاج والإكليل في الصفحة نفسها، والله أعلم.\nقال الحطاب في مواهب الجليل: الصور العقلية أربع: الأولى: أن يكونا بالغين، فلا إشكال في وجوب الغسل.\nالثانية: عكسه، أن يكونا غير بالغين، ولا فرق بين الصغير والمراهق على المشهور. قال ابن بشير: مقتضى المذهب أن لا غسل، وقد يؤمران فيه على وجه الندب.\nالثالثة: أن يكون الواطئ غير بالغ، فلا غسل إلا أن تنزل.\nالرابعة: أن تكون الموطوءة غير بالغة، وهي ممن تؤمر بالصلاة، قال ابن شاس: لا غسل عليها؛ لأنها إنما أمرت بالوضوء ليسره، بخلاف الغسل، كما أمرت بالصلاة دون الصوم. وقال أشهب: عليها الغسل. قال ابن الحاجب: تؤمر الصغيرة على الأصح ....» إلخ كلامه ﵀.","vol":"4","page":79},{"text":"الحنابلة (^١).\nوتعليلهم ظاهر، وهو قائم على أن الصغير غير مكلف، ولا تجب عليها الصلاة التي تجب الطهارة لها، وأن الأصل في وجوب الغسل هو الإنزال، وليس من أهله، وإنما أقيم التقاء الختانين مقام الإنزال؛ لأنه سبب فيه، ولأنه لا يطلق عليه جنب ما دام لم يبلغ السن الذي يستطيع فيه الإنزال.\nوقيل: يجب عليه الغسل، وهو مذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣) إلا أن الحنابلة اشترطوا أن يكون مثله يجامع وإن لم يبلغ، وبعضهم يشترط كون الذكر ابن عشر سنين والأنثى بنت تسع سنين، وهذا تفسير للشرط.\nقالوا: وإذا قلنا بوجوب الغسل، فلا يعني ذلك: أنه يأثم بتركه، وإنما هو شرط لصحة الصلاة ونحوها مما تشترط لفعله الطهارة.\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٣٤).\n(^٢) قال النووي في روضة الطالبين (١/ ٨١): «ويصير الصبي والمجنون المولجان أو المولج فيهما جنبين بلا خلاف، فإن اغتسل الصبي وهو مميز صح غسله، ولا يجب إعادته إذا بلغ. إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\n(^٣) المغني (١/ ١٣٢).","vol":"4","page":80},{"text":"وللقياس على البول، فكما أن الصغير إذا بال لم تصح صلاته حتى يتوضأ، ولا يقال: يجب عليه الغسل، كما لا يقال: يجب عليه الوضوء، بل يقال: صار محدثًا، ويجب على الولي أن يأمره بالغسل إن كان مميزًا، كما يأمره بالوضوء.\nواستدل الإمام أحمد بفعل عائشة، وقد تزوجت النبي ﷺ، وهي بنت تسع سنين.\nقال ابن قدامة: «سئل -يعني أحمد- عن الغلام يجامع مثله ولم يبلغ، فجامع المرأة، يكون عليهما جميعا الغسل؟ قال: نعم.\nقيل له: أنزل أو لم ينزل؟ قال: نعم. وقال: ترى عائشة حين كان يطؤها النبي ﷺ لم تكن تغتسل؟ ويروى عنها: إذا التقى الختانان وجب الغسل» (^١).\nإلا أن السؤال الذي يرد على الاستدلال بفعل عائشة، هل كانت عائشة صغيرة لم تبلغ الحنث حين كانت زوجة للنبي ﷺ أو كانت قد بلغت، وإن كانت بنت تسع سنين؟ الظاهر الثاني، فإذا كانت قد بلغت لم يكن هناك دليل على مسألتنا، والله أعلم.\nولذلك روى الترمذي (^٢)، والبيهقي (^٣)، كلاهما تعليقًا:\nقال البيهقي: وروينا عن عائشة ﵂ قالت:\nإذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة.\nقال البيهقي: تعني -والله أعلم- فحاضت فهي امرأة.\n[ضعيف لتعليقه] (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٣٢).\n(^٢) سنن الترمذي (٣/ ٤١٨).\n(^٣) سنن البيهقي (١/ ٣٢٠).\n(^٤) سبق بحثه في كتاب الحيض والنفاس رقم (١٥٥٥).","vol":"4","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1695>المبحث الخامس في إدخال ذكر النائم والمجنون ونحوهما في الفرج</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• موجب الطهارة لا يشترط فيه القصد، بدليل احتلام النائم وسبق الحدث.\n[م-٣٠٧] نص الجمهور من المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، على أن المرأة إذا أدخلت ذكر رجل نائم، أو مجنون، أو مغمى عليه، أو مكره، فعليهما الغسل؟\n• وعللوا ذلك:\nبأن موجب الطهارة لا يشترط فيه القصد، بدليل احتلام النائم وسبق الحدث، والله أعلم.\nولعموم قوله ﷺ: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. وسبق تخريجه.\nوقيل: لا يجب الغسل على النائم والمجنون ونحوهما، وهو قول في مذهب\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٠٨)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ١٦٣، ١٦٤).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٨١)، تحفة المحتاج (١/ ١٦٢).\n(^٣) شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٠)، الإنصاف (١/ ٢٣٣)، مطالب أولي النهى (١/ ١٦٥).","vol":"4","page":82},{"text":"الحنابلة (^١)، واختيار ابن حزم رحمه الله تعالى (^٢).\nواستدل ابن حزم بأن الغسل لا يجب بمجرد مطلق الإيلاج، لقوله ﷺ إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل. وسبق تخريجه.\nفقوله ﷺ (إذا جلس) وقوله (ثم جهدها) هذه الألفاظ لا تطلق إلا على المختار القاصد، ولا يسمى المغلوب أنه جلس بين شعبها، ولا النائم ولا المغمى عليه كذلك.\nفكان المراد معنى زائدًا على مجرد الإيلاج، وهو انتشار الذكر ولذته بذلك، وأما إذا كان الذكر لم ينتشر، كما هو الحال في النائم فلا فرق بين دخوله ودخول الأصبع في الفرج، ومع ذلك لا يوجب الغسل إيلاجه في فرج المرأة، ولو وجدت اللذة بذلك.\n• ويناقش:\nبأن الجلوس ليس شرطًا في وجوب الغسل، فلو أنه أولج ذكره وهو قائم، أو من الخلف ولم يجلس بين شعبها الأربع لوجب الغسل، وكذلك قوله: (ثم جهدها) المقصود به: هو الاجتهاد في إيلاج الحشفة، فلو أنه حصل هذا بلا جهد لوجب الغسل، ولذلك قال في حديث أبي هريرة: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٣٣).\n(^٢) المحلى (١/ ٢٤٨).","vol":"4","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1696>المبحث السادس في الإيلاج في فرج البهيمة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ليس لفرج البهيمة حكم فرج الآدمي حتى لا يجب ستره، ولا الحد بالإيلاج فيه، فلا يجب منه الغسل.\n• الأصل عدم وجوب الغسل من الإيلاج في فرج البهيمة، ولا يجب الغسل إلا بإيلاج ذكر رجل في قبل امرأة.\n[م-٣٠٨] اختلف الفقهاء في الرجل يدخل ذكره في فرج بهيمة، هل يجب عليه الغسل بمجرد الإيلاج أو لا بد من الإنزال؟\nفقيل: لا يجب عليه الغسل، وهو مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٧)، البحر الرائق (١/ ٦١)، الفتاوى الهندية (١/ ١٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٦)، فتح القدير (١/ ٦٤).","vol":"4","page":84},{"text":"وقيل: بل يجب عليه، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\n• تعليل من قال: لا يجب عليه الغسل:\nالتعليل الأول:\nلا يجب الغسل إلا بدليل شرعي، ولا يوجد دليل يوجب الغسل من الإيلاج في فرج البهيمة، والأصل عدم الوجوب.\nالتعليل الثاني:\nلا يصح القياس على فرج المرأة لوجود الفارق؛ فلا يجب ستره، ولا يقع حد في الإيلاج فيه؛ ولأن الشهوة في فرج البهيمة ليست كالشهوة في فرج المرأة، وهو ما يعبر عنه بعض الفقهاء بقصور الشهوة في البهيمة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1697> دليل من قال بوجوب الغسل:</span>\nأن هذا الإيلاج إيلاج في فرج أصلي فأشبه الإيلاج في فرج المرأة.\nوالقول الأول أقوى من حيث التعليل، ويظهر ذلك بأنه لو أولج أصبعه في فرج المرأة لم يجب عليها غسل، وإن كانت قد تتلذذ المرأة بهذا، وقد يتلذذ الرجل أيضًا، ومع ذلك لم يجب الغسل عليهما، فلا بد من أن يكون ذكر الرجل في قبل المرأة، هذا ما ورد فيه النص، وما عداه فالأصل عدم الوجوب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٦٤)، الفواكه الدواني (١/ ١١٧)، حاشية العدوي (١/ ١٤٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢٩)، منح الجليل (١/ ١٢١، ١٢٢).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٥٠)، أسنى المطالب (١/ ٦٥)، حاشية الجمل (١/ ١٥٢).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٣٥)، الفروع (١/ ١٩٨)، كشاف القناع (١/ ١٤٣)، وقد أوجب الحنابلة الغسل فيما لو أولج في فرج سمكة.","vol":"4","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1698>المبحث السابع في إدخال بعض الحشفة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• موجب الغسل التقاء الختانين، وهذا يعني: أن تغيب الحشفة في الفرج، فإذا غابت فقد حاذى ختانه ختانها، وليس المراد بالتقاء الختانين التصاقهما، وضم أحدهما إلى الآخر، فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع ختانها، ولم يدخله في مدخل الذكر لم يجب غسل بإجماع الأمة.\n• كل حكم تعلق بالوطء كفى فيه تغييب الحشفة من الغسل، والزنا، والتحليل، والعنة، واستقرار المهر؛ قال بعض الفقهاء: إلى نحو من مائة حكم.\n[م-٣٠٩] ذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يشترط إيلاج الحشفة كاملة لوجوب الغسل بالتقاء الختانين (^١).\n_________\n(^١) انظر بدائع الصنائع (١/ ٣٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٦)، فتح القدير (١/ ٦٣)، البحر الرائق (١/ ٦١)، المدونة (١/ ١٣٥)، المنتقى للباجي (١/ ٩٦)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٨)، الخرشي (١/ ١٦٣)، المجموع (٢/ ١٤٨)، نهاية المحتاج (١/ ٢١٢)، المغني (١/ ١٣١)، الإنصاف (١/ ٢٣٢)، كشاف القناع (١/ ١٤٢).","vol":"4","page":86},{"text":"وقيل: يجب الغسل بإيلاج بعض الحشفة، اختاره بعض الشافعية، وأبو يعلى الصغير من الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1699> دليل من قال: يجب إدخال الحشفة:</span>\n(٦٩٩ - ١٩) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، حدثنا حميد بن هلال، عن أبي بردة،\nعن أبي موسى الأشعري قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت، فاستأذنت على عائشة، فأذن لي، فقلت لها: يا أماه -أو يا أم المؤمنين- إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك؟ فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ: إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل.\nوقد رواه مالك في الموطأ (^٢) من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي موسى الأشعري، عن عائشة من قولها بلفظ: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، وسبق الكلام على الحديث (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1700>الدليل الثاني:</span>\n(٧٠٠ - ٢٠) ما رواه أحمد من طريق أبي معاوية، عن حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٣٢).\n(^٢) الموطأ (١٠٦).\n(^٣) سبق تخريجه مفصلًا: انظر حديث رقم (٦٩٣).","vol":"4","page":87},{"text":"عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا التقت الختانان، وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nفهذه الأحاديث تشترط أن يجاوز الختان الختان، وبعضها يقول: وتوارت الحشفة، وهو تفسير لمجاوزة الختان الختان، لأن ختان الرجل لا يجاوز موضع الختان من المرأة إلا وقد توارت الحشفة.\nقال النووي: «بَيَّن الشيخ أبو حامد فرج المرأة، والتقاء الختانين، بيانًا شافيًا، فقال هو وغيره: ختان الرجل: هو الموضع الذي يقطع منه في حال الختان، وهو ما دون حزة الحشفة.\nوأما ختان المرأة -فاعلم- أن مدخل الذكر: هو مخرج الحيض والولد والمني، وفوق مدخل الذكر ثقب مثل إحليل الرجل، هو مخرج البول، وبين هذا الثقب ومدخل الذكر جلدة رقيقة، وفوق مخرج البول جلدة رقيقة مثل ورقة بين الشفرين، والشفران تحيطان بالجميع، فتلك الجلدة الرقيقة يقطع منها في الختان وهي ختان\n_________\n(^١) المسند (٢/ ١٧٨).\n(^٢) لضعف حجاج بن أرطأة، وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٨٦) وابن ماجه (٦١١) من طريق أبي معاوية به.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٤٨٩) من طريق أبي حنيفة، عن عمرو بن شعيب به. وزاد: أنزل أو لم ينزل.\nوهو موجود في مصنف مسند أبي حنيفة لأبي نعيم (ص: ١٦١).\nوأخرجه أبو يوسف في الآثار (٥٦)، قال: حدثني محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عمرو بن شعيب به، وفيه زيادة (أنزل أو لم ينزل).\nقال ابن رجب في الفتح (١/ ٣٧٢): «وحجاج مدلس، وقيل: إن أكثر روايته عن عمرو بن شعيب سمعها من العرزمي، ودلسها، والعرزمي ضعيف، وقد روي أيضًا هذا الحديث عن العرزمي، عن عمرو. وروي من وجه ضعيف، عن أبي حنيفة، عن عمرو به، وزاد في روايته: (أنزل أو لم ينزل) خرجه الطبراني».","vol":"4","page":88},{"text":"المرأة؛ فحصل أن ختان المرأة مستعل، وتحته مخرج البول، وتحت مخرج البول مدخل الذكر. قال البندنيجي وغيره: ومخرج الحيض الذي هو مخرج الولد ومدخل الذكر هو خرق لطيف، فإذا افتضت البكر اتسع ذلك الخرق فصارت ثيبًا. قال أصحابنا: فالتقاء الختانين أن تغيب الحشفة في الفرج، فإذا غابت فقد حاذى ختانه ختانها، والمحاذاة هي التقاء الختانين، وليس المراد بالتقاء الختانين التصاقهما وضم أحدهما إلى الآخر، فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع ختانها، ولم يدخله في مدخل الذكر لم يجب غسل بإجماع الأمة، هذا كلام الشيخ أبي حامد وغيره» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1701> دليل من قال: يكفي بعض الحشفة:</span>\nلا أعلم لهم دليلًا من السنة، إلا أن يقال: إذا كان إدخال الحشفة بمثابة إدخال الذكر كله، والحشفة بعض الذكر، فإدخال بعض الحشفة بمنزلة إدخال الحشفة.\nوهذا القياس إن كان قد قيل به، فإنه قياس بمقابلة النص، فإن النص علق وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وبمجاوزة الختان الختان، وإدخال بعض الحشفة لا يتحقق هذا الشرط، فلا يجب به غسل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٤٨، ١٤٩).","vol":"4","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1702>المبحث الثامن في إيلاج مقطوع الحشفة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل حكم تعلق بالوطء كفى فيه تغييب الحشفة من الغسل والزنا والتحليل والعنة واستقرار المهر، فإذا قطعت الحشفة، فهل الحكم معلق بمقدار الحشفة، فإذا غيب في الفرج مقدارها وجب الغسل، أو أن الحكم مختص بالحشفة؛ لكونها مجامع اللذة، وعليه لا بد من إدخال جميع ما تبقى من الذكر لوجوب الغسل؟ قولان.\n• تغييب مقدار الحشفة في وجوب الغسل بمنزلة الشك في الحدث، وللفقهاء قولان:\nالأصل الطهارة حتى نتيقن الحدث، والثاني: أن الشك في الحدث يوجب الشك في الطهارة، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط.\n• قياس غير الحشفة على الحشفة قياس مع الفارق، فإن الحشفة من الذكر، هي مجمع الشهوة من العضو.","vol":"4","page":90},{"text":"[م-٣١٠] إذا قطع بعض الذكر، فإن كان الباقي دون قدر الحشفة لم يتعلق به شيء من الأحكام باتفاق الأئمة (^١).\nوإن كان قدرها فقط تعلقت الأحكام بتغييبه كله دون بعضه.\nوإن كان أكثر من قدر الحشفة، فقولان:\nفقيل: لا بد لوجوب الغسل من تغييب جميع الباقي، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: يتعلق الحكم بقدر الحشفة منه، وهو مذهب الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، ووجه في مذهب الشافعية رجحه النووي (^٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1703> دليل من قال: لا بد من إيلاج جميع الذكر:</span>\nالأصل أن الغسل يتعلق بإيلاج الذكر كله؛ لأنه آلة الجماع، جاء الدليل بوجوب الغسل بإدخال الحشفة، فقلنا به بموجب الدليل، فإذا لم توجد الحشفة رجعنا إلى المتيقن، وهو وجوب الغسل بإيلاج الذكر كله، ولا يوجد دليل على أن إيلاج مقدار الحشفة من الذكر موجب للغسل، وقياس غير الحشفة على الحشفة قياس مع الفارق،\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٢) و(٤/ ٥) حاشية الطحطاوي (ص: ٦٣)، الفواكه الدواني (١/ ١١٧)، المجموع (٢/ ١٥١)، شرح العمدة (١/ ٣٦٠).\n(^٢) قال النووي في الروضة (١/ ٨٢): «ولنا وجه أن تغييب قدر الحشفة لا يوجب الغسل، وإنما يوجبه تغييب جميع الباقي إن كان قدر الحشفة فصاعدًا. قال النووي: هذا الوجه مشهور، وهو الراجح عند كثير من العراقيين، ونقله صاحب الحاوي عن نص الشافعي ﵀، ولكن الأول أصح -يعني أنه يكفي أن يغيب قدر الحشفة-». اهـ وانظر حلية العلماء\n(١/ ١٧٠)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٦).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٦١)، حاشية الطحطاوي (ص: ٦٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٢).\n(^٤) حاشية الدسوقي (١/ ٥٢٨)، الفواكه الدواني (١/ ١١٧).\n(^٥) حلية العلماء (١/ ١٧٠)، الوسيط (١/ ٣٣٩)، مغني المحتاج (١/ ٧١).\n(^٦) المبدع (١/ ١٨٢)، دليل الطالب (ص: ١٤).","vol":"4","page":91},{"text":"فإن الحشفة من الذكر، هي مجمع الشهوة من العضو.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1704> دليل من قال: يكفي إيلاج مقدار الحشفة:</span>\nدليل هذا القول: هو القياس على الحشفة، فإذا كان مقدار الحشفة يوجب الغسل، فإدخال مقدار الحشفة من الذكر عند عدم الحشفة موجب للغسل أيضًا، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1705>المبحث التاسع في الإيلاج بالدبر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الإيلاج في الدبر سبب لنزول المني عادة، مثل الإيلاج في السبيل المعتاد، والسبب يقوم مقام المسبب خصوصًا في موضع الاحتياط.\n[م-٣١١] اختلف الفقهاء في الإيلاج في الدبر، هل يوجب الغسل؟\nفقيل: يوجب الغسل، وهو مذهب الجمهور (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٦١)، تبيين الحقائق (١/ ١٦، ١٧)، فتح القدير (١/ ٦٣).\nوانظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ١٢٩)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٦٤).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٣٧)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ٢٣٤).\nوقال النووي في المجموع (٢/ ١٤٩): أما إيلاج الحشفة فيوجب الغسل بلا خلاف عندنا، والمراد بإيلاجها إدخالها بكمالها في فرج حيوان آدمي أو غيره، قبله أو دبره، ذكر أو أنثى، حي أو ميت، صغير أو كبير، فيجب الغسل في كل ذلك، والله أعلم.\nوفي مذهب الحنابلة: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٥٧)، المغني (١/ ١٣١).","vol":"4","page":93},{"text":"وقيل: لا يوجب الغسل، وهو قول آخر غير مشهور عن مالك (^١)، واختيار ابن حزم (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1706> دليل من قال: يوجب الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1707><span data-type=\"title\" id=toc-1711>الدليل الأول:</span></span>\nقال تعالى عن قوم لوط: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) [العنكبوت: ٢٨].\nوقال عن الزنا في القبل: (وَاللَاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ) [النساء: ١٥].\nوقال تعالى: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ) [النساء: ١٦].\nفجعل هاهنا فاحشة، وهاهنا فاحشة، فسمي هذا كما سمي هذا، فكان الموجب في هذا كالموجب في تلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1708>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان الإيلاج في الدبر يوجب الحد، فكذلك يوجب صاعًا من ماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1709>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن الإيلاج في الدبر سبب لنزول المني عادة، مثل الإيلاج في السبيل المعتاد، والسبب يقوم مقام المسبب خصوصًا في موضع الاحتياط (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1710> دليل من قال: لا يوجب الغسل:</span>\nالدليل الأول:\nعدم الدليل الموجب للغسل، والغسل لا يجب إلا بدليل شرعي، ولم يأت نص\n_________\n(^١) قال الدسوقي في حاشيته (١/ ١٢٩): «وفي قول شاذ لمالك، أن التغييب في الدبر لا يوجب غسلًا حيث لا إنزال». وقال في مواهب الجليل (١/ ٣٠٨): وحكى ابن رشد رواية عن مالك لا غسل في الوطء في الدبر. اهـ\n(^٢) المحلى (١/ ٢٧٤) مسألة: ١٨٧.\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٦).","vol":"4","page":94},{"text":"من الشارع على وجوب الغسل في الإيلاج في الدبر، وإنما النصوص الواردة جاءت بالتقاء الختانين، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>الدليل الثاني:</span>\nكون الإيلاج محرمًا لا يكفي لوجوب الغسل، فالقتل والكذب والغيبة محرمات بأدلة قطعية، ومع ذلك لا يجب الغسل منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1713>الدليل الثالث:</span>\nأن هذا المحل لم يخلق للجماع، وبالتالي لا يوجب الغسل الإيلاج فيه، كما لا يوجب الغسل الإيلاج في فخذ المرأة أو في عكن بطنها أو نحو ذلك.\nوالدليل على أنه لم يخلق لهذا قوله تعالى إنكارًا على قوم لوط: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم) [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦].\nوكونه يسمى فاحشة لا يكفي هذا لوجوب الغسل، بل جاء إطلاق الفاحشة على غير الجماع.\nقال الله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا) [الأعراف: ٢٨].\nوقد ذكر المفسرون أن الآية نزلت فيمن يطوف بالبيت عريانًا.\nومع ذلك من تعرى أمام الناس لا يجب عليه الغسل، وإن كان فعله من الفواحش، والله أعلم (^١).\nوقد يقال: إن قوله: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) لفظ الفاحشة نكرة في الآية، بخلاف قوله تعالى: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) [العنكبوت: ٢٨].\nوقوله ﷾: (وَاللَاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ) [النساء: ١٥].\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٨/ ١٥٤).","vol":"4","page":95},{"text":"فالفاحشة إذا عرفت فالمراد منها الزنا واللواط، وإذا نكرت فيراد بها غيرهما، والله أعلم.\nوالقول بعدم وجوب الغسل قول قوي؛ لأن الأصل عدم الوجوب، والغسل أحوط، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1714>المبحث العاشر في إدخال الأصبع ونحوها في الفرج</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأصبع ليس آلة للجماع، فلا يجب منه غسل، سواءً أدخله في قبل أو دبر، وسواءً وجدت الشهوة أم لم توجد، كما لو استنكح يده، ووجد لذة بذلك ولم ينزل.\n[م-٣١٢] إذا أدخل الإنسان أصبعه في قبل أو دبر، أو أدخل طبيب آلة تعرف بالمنظار للكشف على الجهاز الهضمي عن طريق الدبر، فهل يوجب مثل هذا الغسل؟\nفقيل: لا يوجب الغسل، وهو مذهب الأئمة (^١).\nوقيل: إذا أدخل أصبعه في دبره وجب عليه الغسل، وهو قول في مذهب الحنفية (^٢).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٦٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٦)، التاج والإكليل (١/ ٤٤٩)، المجموع (٢/ ١٥٦).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٦٢).","vol":"4","page":97},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1715> دليل من قال: لا يجب الغسل:</span>\nبأن الأصبع ليس آلة للجماع، فلا يجب فيه غسل، سواءً أدخله في قبل أو دبر، وسواءً وجدت الشهوة أم لم توجد، مثله تمامًا لو استنكح يده، ووجد اللذة بذلك إلا أنه لم ينزل، فلا يجب في ذلك غسل؛ لأن اليد لم تخلق للنكاح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1716> دليل من قال: يجب عليه الغسل:</span>\nربما قاسه على كلام لبعض الفقهاء من وجوب قضاء الصيام بمثل هذا الفعل، وأن الفاعل قد يجد لذة بذلك. وهذا كلام ضعيف، ولا دليل عليه البتة والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1717>المبحث الحادي عشر في الإيلاج مع وجود حائل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الإيلاج مع الحائل، هل هو بمنزلة مس الذكر مع الحائل ليس بحدث مطلقًا، أو يعتبر حدثًا مطلقًا؛ لأنه علق الغسل بالتقاء الختانين، وعمومه يشمل ما إذا كان هناك حائل، أو يفرق بين الحائل السميك والرقيق، فالأول يمنع كمال اللذة بخلاف الثاني، أو يفرق بين الحدث والحد، فالحدود تدرأ بالشبهات والحدث مبناه على الاحتياط حتى اعتبر مظنة الحدث بمنزلة الحدث؟\n• الإيلاج مع الحائل في وجوب الغسل بمنزلة الشك في الحدث، وللفقهاء قولان:\nالأصل الطهارة حتى نتيقن الحدث، والثاني: أن الشك في الحدث يوجب الشك في الطهارة، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط.\n[م-٣١٣] إذا أدخل الرجل ذكره في كيس أو لف عليه خرقة، ثم أدخل ذكره في قبل أو دبر امرأة، فهل عليهما الغسل؟","vol":"4","page":99},{"text":"اختلف الفقهاء في هذه المسألة:\nفقيل: لا غسل عليه مطلقًا، وهو وجه في مذهب الشافعية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يجب عليه الغسل مطلقًا، وهو قول لبعض المالكية (^٣)، وأصح الأوجه في مذهب الشافعية (^٤)، ووجه في مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: إن كان الحائل رقيقًا وجب الغسل، وإن كان كثيفًا لم يجب، قال الحطاب المالكي: وهو الأشبه بمذهبنا (^٦)، اهـ وهو وجه في مذهب الشافعية (^٧).\nوفسر المالكية الخفيفة: ما يحصل معها اللذة.\nوفسرها بعض الشافعية: بحيث لا تمنع وصول بلل الفرج إلى الذكر، ولا يمنع وصول الحرارة إليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1718> دليل من قال: لا يجب عليه الغسل مطلقًا:</span>\nقالوا: إن الإيلاج إنما هو وقع على الخرقة، ولم يمس الذكر الفرج، والدليل\n_________\n(^١) حلية العلماء (٣/ ٢٦٩)، المجموع (٢/ ١٥٢)، روضة الطالبين (١/ ٨٢).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٤٣)، الإنصاف (١/ ٢٣٢)، المستوعب (١/ ٢٢٨).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٣٠٨).\n(^٤) قال النووي في الروضة (١/ ٨٢): «ولو لف على ذكره خرقة، فأولجه، وجب الغسل على أصح الأوجه، ولا يجب في الثاني، والثالث: إن كانت الخرقة خشنة: وهي التي تمنع وصول بلل الفرج إلى الذكر، وتمنع وصول الحرارة من أحدهما إلى الأخر لم يجب، وإلا وجب». اهـ\nوقال النووي في المجموع (٢/ ١٥٢): «ولو لف على ذكره خرقة، وأولجه بحيث غابت الحشفة، ولم ينزل، ففيه ثلاثة أوجه حكاها الماوردي، والشاشي في كتبه، والروياني وصاحب البيان وغيرهم: الصحيح وجوب الغسل عليهما، وبه قطع الجمهور ...» إلخ كلامه رحمه الله تعالى. وانظر مغني المحتاج (١/ ٦٩).\n(^٥) المستوعب (١/ ٢٢٨).\n(^٦) مواهب الجليل (١/ ٣٠٨)، وانظر حاشية العدوي (١/ ١٨٣).\n(^٧) المجموع (٢/ ١٥٢).","vol":"4","page":100},{"text":"على أنه لم يقع مماسة أن هذه الأكياس يستعملها حتى المبتلى بأمراض جنسية معدية كمرض نقص المناعة، ولا تنتقل العدوى مع وجود هذه العوازل، وقياسًا على القول بنقض الوضوء من مس الذكر ومس المرأة، فكما أنه لا ينتقض الوضوء من مس الذكر بحائل، ومن مس المرأة بحائل على من يقول بالنقض من المس، فكذلك لا يوجب الغسل إيلاج بحائل، فلا بد من وجود مماسة بين الفرج وبين الذكر، وهذا ما لم يحصل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1719> دليل من قال: يجب الوضوء مع الحائل:</span>\nقالوا: إن الحكم متعلق بالإيلاج، وقد حصل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1720> دليل من قال بالتفريق بين الرقيق والغليظ:</span>\nقامت الأدلة على أن إيلاج الذكر في الفرج موجب للغسل ولو بدون إنزال، فإذا كان هذا الحائل رقيقًا لم يمنع كمال اللذة والإحساس بحرارة المكان، وقد يصل بلل الفرج إلى الذكر، فوجود العازل كعدمه حيث يجد مع العازل ما يجده بدونه.\n• الراجح:\nالقول بأن الجماع مع وجود هذه الأكياس كالجماع بدونها من حيث اللذة والحرارة قول ليس دقيقًا، وكل من جرب هذه الأكياس يشعر بأن وجودها يكون على حساب كمال الاستمتاع واللذة، فالقول بعدم وجوب الغسل قول قوي، والغسل أحوط للدين خاصة أن الأمر يتعلق بالركن العملي الأول في الإسلام، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1721>المبحث الثاني عشر إذا أولج في قبل أو دبر خنثى مشكل</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الإيلاج في دبر الخنثى المشكل كالإيلاج في الدبر؛ لأنه دبر أصلي، والإيلاج في فرج الخنثى المشكل بمنزلة الشك في الحدث، وللفقهاء قولان:\nالأصل الطهارة حتى نتيقن الحدث.\nوالثاني: أن الشك في الحدث يوجب الشك في الطهارة، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط.\n[م-٣١٤] إذا أولج الرجل في دبر خنثى مشكل، كان على الخلاف في الإيلاج في الدبر، لأن الدبر أصلي لا إشكال فيه، وقد سبق تحرير الخلاف.\nفقيل: يجب عليه الغسل، وهو مذهب الجمهور.\nوقيل: لا يجب الغسل بالإيلاج في الدبر، وهو رواية عن مالك، واختيار\nابن حزم رحمه الله تعالى. وانظر أدلتهم والعزو إلى كتبهم في مسألة الإيلاج في الدبر.\n[م-٣١٥] أما إذا أولج رجل في فرج خنثى مشكل، أو أولج خنثى مشكل ذكره في دبر أو قبل، فاختلف العلماء فيما يجب:","vol":"4","page":102},{"text":"فقيل: لا يجب عليهما الغسل.\nوهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١)، وقول في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: يجب عليهما الغسل، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٣)، ووجه في مذهب الحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1722> دليل من قال: بعدم وجوب الغسل:</span>\nقالوا: إن فرج الخنثى المشكل لا يعلم، هل هو فرج أصلي أو عضو زائد؟ ومع عدم اليقين بحقيقة الحال لا يجب الغسل بمجرد الشك؛ لأن الأصل عدم وجوب الغسل حتى نتيقن الحدث.\n(٧٠١ - ٢١) لما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب (ح) وعن عباد بن تميم،\nعن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، ورواه مسلم (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1723> دليل المالكية على وجوب الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1724>الدليل الأول:</span>\nقالوا: قد تيقنا حصول الإيلاج، وحدث شك، هل هو فرج أصلي أو زائد،\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٦٣)، البناية في شرح الهداية (١/ ٢٧٤، ٢٧٥)، المهذب (١/ ٢٩)، إعانة الطالبين (١/ ٧١)، روضة الطالبين (١/ ٨٢)، الإنصاف (١/ ٢٣٥)، الكافي (١/ ٥٧)، كشاف القناع (١/ ١٤٣، ١٤٤)، المغني (١/ ١٣١).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٣٠٩).\n(^٣) قال العدوي في حاشيته على الخرشي (١/ ١٦٢): «والمعتمد وجوب الغسل على قاعدة: أن الشك في الحدث يوجب الغسل». وانظر: حاشية الدسوقي (١/ ١٢٨)، الفواكه الدواني (١/ ١١٧)، حاشية العدوي (١/ ١٨٣)، الذخيرة (١/ ٢٩٢).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٢٣٥).\n(^٥) صحيح البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).","vol":"4","page":103},{"text":"فأصبحت طهارته مشكوكًا في بقائها؛ لأن كلا الاحتمالين قائم، ولا بد من اليقين في تحقيق الطهارة، وإنما أوجب الغسل بالشك؛ لأن الطهارة شرط، والشك في الشرط مؤثر، بخلاف الشك في طلاق زوجته، أو عتق أمته، أو في الرضاع فلا يؤثر؛ لأنه شك في المانع، وهو لا يؤثر، وإنما أثر في الشرط دون المانع؛ لأن العبادة محققة في الذمة فلا تبرأ منها إلا بطهارة محققة، والمانع يطرأ على أمر محقق، وهو الإباحة أو الملك من الرقيق، فلا تنقطع بأمر مشكوك فيه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1725>الدليل الثاني:</span>\nوعملًا بعموم الخبر (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)، وسبق تخريجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>الدليل الثالث:</span>\nالقياس على الإيلاج في دبر الخنثى المشكل.\n• ويناقش:\nبأن الدبر أصلي بخلاف القبل، والله أعلم.\nوأجاب المالكية عن حديث عبد الله بن زيد: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا».\nبأن الرسول ﷺ أمره إذا شك في الصلاة أن يستمر فيها، ولا ينصرف عنها إلا بيقين؛ لأن الخروج من الصلاة محرم، قالوا: وأما إذا شك خارج الصلاة، فالحكم مختلف، فيلزمه أن يأتي بالطهارة بيقين.\nقال الدسوقي في حاشيته: «من شك، وهو في الصلاة طرأ عليه الشك فيها بعد دخوله، فوجب أن لا ينصرف عنها إلا بيقين، ومن شك خارجها طرأ عليه الشك في طهارته قبل الدخول في الصلاة، فوجب أن لا يدخلها إلا بطهارة متيقنة» (^٢).\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (١/ ٢٣٧).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ١٢٤).","vol":"4","page":104},{"text":"قال ابن حجر تعليقًا على ذلك: «إن كان ناقضًا خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك في الصلاة كبقية النواقض» (^١).\nبعد استعراض الأدلة نجد أن مذهب الجمهور أقيس، ومذهب الإمام مالك ﵀ أحوط، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٢٣٨).","vol":"4","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1727>المبحث الثالث عشر لو غيب الرجل ذكره في دبر نفسه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل مناط وجوب الغسل أن يكون ذلك من فاعلين كما في ظاهر النصوص، أو مناط وجوب الغسل هو إيلاج ذكر أصلي في قبل أصلي، بصرف النظر هل كان ذلك من فاعل واحد، أو أكثر، الظاهر الثاني.\n• سبب الحدث يقوم مقامه كالنوم أقيم مقام الريح، والتقاء الختانين مقام الإنزال؛ لأنهما مظنة الحدث.\n• العام والمطلق في النصوص الشرعية يشمل الصور المعتادة والنادرة؛ إذ العام ظاهر في عمومه وشموله جميع الأفراد، فيجب العمل به إلا بدليل يصلح للتخصيص، أو يقال: لا يدخل في العموم إلا الصور المعتادة (^١).\n[م-٣١٦] ذكر بعض الفقهاء هذه الصورة، واختلفوا في وجوب الغسل منها:\nفقيل: لا غسل عليه، وهو مذهب الحنفية (^٢).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ٣٣٦).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٦٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٢).","vol":"4","page":106},{"text":"وقيل: يجب عليه الغسل، وهو قول في مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، والشافعية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1728> دليل الحنفية:</span>\nالنصوص الموجبة للغسل وردت في فاعل ومفعول به، فنقتصر على ما ورد فيه النص.\nقال ابن عابدين: «ولأنه أولى من الصغيرة والميتة في قصور الداعي». اهـ\nومعناه هذا: أي أن الحنفية لا يوجبون الغسل بالإيلاج في الصغيرة والميتة، فالإيلاج في دبر نفسه من باب أولى لنقص اللذة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1729> دليل من أوجب الغسل:</span>\nالعمل بعموم الخبر، فإنه إيلاج ذكر في أحد السبيلين، فمناط الحكم هو إيلاج فرج أصلي في قبل أصلي، وقد تحقق، سواءً كان الفاعل والمفعول به مختلفين أو كانا من شخص واحد كالإنزال، قد يكون سبب الإنزال الاستمتاع بامرأة لا تحل له، وقد يكون سبب الإنزال الاستمتاع بيده، فلا فرق في الحكم في وجوب الغسل، وهذا أقرب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٢)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٦٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢٨)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٦٣)، حاشية البجيرمي (١/ ٩٠).","vol":"4","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1730>الفصل الثالث في الشك في موجب الغسل</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\nيرجع الخلاف في الشك في الحدث إلى أصلين:\nأحدهما يرى أن الأصل بقاء الطهارة حتى نتيقن الحدث.\nوالثاني يرى أن الشك في الحدث يوجب الشك في الطهارة، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط.\n[م-٣١٧] إذا شك الرجل هل أنزل منيًا أو لم ينزل، أو شك، هل التقى الختانين أو لا؟ فهل يوجب هذا الشك الغسل عليه؟ اختلف العلماء في ذلك،\nفذهب الجمهور إلى أنه لا يجب عليه الغسل بمجرد الشك حتى يستيقن (^١).\nوذهب المالكية إلى وجوب الغسل بالشك (^٢).\nوأدلة هذه المسألة هي أدلة المسألة السابقة معنا، إذا أولج في فرج خنثى مشكل، فهل يجب عليه الغسل، مع الشك هل هو فرج أصلي أو زائد؟ أو لا يجب عليه الغسل حتى يتيقن أنه فرج أصلي؟ فأغنى ذكر الأدلة هناك عن إعادتها هنا.\n_________\n(^١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٥٧)، فتح القدير (١/ ١٨٦)، السراج الوهاج (صك ١٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٩)، منهاج الطالبين (١/ ٤)، المغني (١/ ١٣٠)، المبدع (١/ ١٧١).\n(^٢) الشرح الصغير (١/ ١٦٢)، الذخيرة (١/ ٣٠٢).","vol":"4","page":108},{"text":"ومذهب المالكية في الشك قول ضعيف غير مطرد، فهم يفرقون بين الشك في نجاسة الماء، وبين الشك في نجاسة غيره، ويفرقون بين الشك في نجاسة البدن، وبين الشك في نجاسة الثوب، ويفرقون بين الشك في النجاسة وبين الشك في الحدث، ويفرقون بين الشك في الحدث داخل الصلاة وبين الشك فيه خارجها،\nوإليك بيان مذهبهم في هذه المسائل.\nإذا شك في نجاسة الثوب ونحوه وجب نضحه (^١).\nوإذا شك في نجاسة البدن وجب غسله (^٢).\nوإذا شك في حصول الحدث، ففيه قولان:\nفقيل: ينقض مطلقًا، وهو رواية ابن القاسم عن مالك.\nوقيل: الشك ينقض الوضوء خارج الصلاة، ولا ينقض داخلها، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٣)، ونسب هذا القول للحسن ﵀ (^٤).\n_________\n(^١) قال الدسوقي في حاشيته (١/ ٨١): «يجب غسل النجاسة في حالتين: إذا تحققت النجاسة، أو ظنها ظنًّا قويًّا، ويجب النضح في حالتين: إذا شك في إصابة النجاسة أو ظنها ظنًّا ضعيفًا». اهـ وانظر مختصر خليل (ص: ٩)، الخرشي (١/ ١١٦)، البيان والتحصيل (١/ ٨٥).\n(^٢) البيان والتحصيل (١/ ٨١).\n(^٣) جاء في تهذيب المدونة (ص: ١٨١): «ولو أيقن بالوضوء، ثم شك في الحدث، فلم يدر أأحدث بعد الوضوء أم لا، فليعد وضوءه». اهـ\nوقال الخرشي في شرحه (١/ ١٥٧): من شك في طريان الحدث له بعد علمه بطهر سابق، فإن وضوءه ينتقض إلا أن يكون مستنكحًا بأن يشم في كل وضوء أو صلاة أو يطرأ له في اليوم مرة أو أكثر فلا أثر لشكه الطارئ بعد علم الطهر، ولا يبني على أول خاطر به على ما اختاره ابن\nعبد السلام؛ لأن من هذه صفته لا ينضبط له الخاطر الأول من غيره، والوجود يشهد لذلك، وإن كان ابن عرفة اقتصر على بنائه على ذلك، وكلام المؤلف فيمن حصل له الشك في طرو الحدث قبل الدخول في الصلاة بخلاف من شك في طرو الحدث في الصلاة أو بعدها فلا يخرج منها ولا يعيدها إلا بيقين؛ لأنه شك طرأ بعد تيقن سلامة العبادة». اهـ\nوانظر التاج والإكليل (١/ ٣٠١)، الثمر الداني (١/ ٢٠٠)، القوانين الفقهية (ص: ٢١)، حاشية العدوي (١/ ٤٣١).\n(^٤) المغني (١/ ١٢٦).","vol":"4","page":109},{"text":"وروى ابن نافع عن مالك أنه لا وضوء عليه مطلقًا كالجمهور (^١).\nوأما مذهب المالكية في الشك في الماء، فيعمل بالأصل، وهو الطهارة كمذهب الجمهور (^٢).\nوقد بسطت أدلتهم والجواب عليها في كتاب المياه من هذا البحث، فارجع إليها إن شئت (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٢٣٨).\n(^٢) قال الباجي في المنتقى (١/ ٥٩): «إن وجد مريد الطهارة الماء متغيرًا، ولم يدر من أي شيء تغير، أَمِنْ معنى يمنع التطهر به، أم مِنْ معنى لا يمنع ذلك؟ فإنه ينظر إلى ظاهر أمره، فيقضي عليه به، فإن لم يكن له ظاهر، ولم يدر من أي شيء هو حمل على الطهارة، روى ذلك ابن القاسم في المجموعة». اهـ\nوقال في الفواكه الدواني (١/ ١٢٥): «لو تحققنا تغير الماء، وشككنا في المغير له، هل هو من جنس ما يضر أم لا؟ فهو طهور حيث استوى طرفا الشك، وإلا عمل على الظن، بخلاف ما لو تحققنا التغير وعلمنا أن المغير مما يضر التغير به وشككنا في طهارته ونجاسته فلا يكون طهورًا بل هو طاهر فقط». اهـ\n(^٣) انظر كتاب أحكام الطهارة: المياه والآنية: الباب التاسع: في الشك والاشتباه. الفصل الأول: في حكم الماء ونحوه إذا كان مشكوكًا فيه.","vol":"4","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1731>الفصل الرابع في إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يوجد دليل صحيح يوجب الغسل على الكافر إذا أسلم، والأصل عدم الوجوب.\n• غسل الكافر هل هو للجنابة أو للإسلام، فمن رآه للجنابة جعله واجبًا إذ غسل الجنابة واجب، وهو مبني على مسألة: مخاطبة الكافر بفروع الشريعة، ومن رآه للإسلام فقد اختلفوا في وجوبه.\n[م-٣١٨] اختلف العلماء في إسلام الكافر الأصلي أو المرتد هل يوجب الغسل؟\nفقيل: يجب عليه الغسل مطلقًا، وهو مذهب المالكية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ١٣٠، ١٣١)، مواهب الجليل (١/ ٣١١)، وقال القرطبي في تفسيره (٨/ ١٠٢): «والمذهب كله على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم، إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: ليس بواجب؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله ...».\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ٢٣٦): «الثالث: إسلام الكافر -أي من موجبات الغسل- أصليًّا كان أو مرتدًا، هذا المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب ...». وانظر الكافي (١/ ٥٧)، كشاف القناع (١/ ١٤٥)، الفروع (١/ ١٩٩).","vol":"4","page":111},{"text":"وقيل: لا يجب عليه الغسل مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: يستحب الغسل مطلقًا وجد منه ما يوجب الغسل أو لم يوجد، وهو قول في مذهب الحنفية (^٢)، وقول في مذهب المالكية (^٣)، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: يستحب الغسل إلا أن يوجد منه ما يوجب الغسل حال كفره فإنه يجب عليه الغسل، وهو مذهب الحنفية (^٥)، والمالكية (^٦)، والشافعية (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1732> دليل من قال: يجب عليه الغسل مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1733>الدليل الأول:</span>\n(٧٠٢ - ٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين،\nعن جده قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر (^٨).\n[منقطع] (^٩).\n_________\n(^١) الكافي (١/ ٥٧).\n(^٢) فتح القدير (١/ ٦٤).\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ١٣٠، ١٣١)، مواهب الجليل (١/ ٣١١).\n(^٤) المستوعب (١/ ٢٣٠، ٢٣١)، قال في الإنصاف (١/ ٢٣٦): وهو أولى.\n(^٥) قال في بدائع الصنائع (١/ ٩٠): «والاغتسال في الحاصل أحد عشر نوعًا: خمسة منها فريضة، ثم ذكرها، ثم قال: وآخر مستحب وهو الكافر إذا أسلم، فإنه يستحب له أن يغتسل، به أمر رسول الله ﷺ من جاءه يريد الإسلام، وهذا إذا لم يكن جنبًا، فإن أجنب ولم يغتسل حتى أسلم، فقد قال بعض مشايخنا: لا يلزمه الغسل؛ لأن الكفار لا يخاطبون بالشرائع والأصح أنه يلزمه». إلخ كلامه رحمه الله تعالى. وانظر الفتاوى الهندية (١/ ١٦)، البحر الرائق (١/ ٦٩)، فتح القدير (١/ ٦٤).\n(^٦) حاشية الدسوقي (١/ ١٣١، ١٣٢).\n(^٧) الحاوي الكبير (١/ ٢١٧)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ٧١)، كفاية الأخيار (١/ ٤٧).\n(^٨) المسند (٥/ ٦١).\n(^٩) اختلف فيه على سفيان:\nفرواه عبد الرزاق في المصنف (٩٨٣٣). =","vol":"4","page":112},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأحمد (٥/ ٦١) والترمذي (٦٠٥) وابن خزيمة (٢٥٥) والخلال في السنة (١٦٦٨)، عن عبد الرحمن بن مهدي.\nوالنسائي (١٨٨) وابن خزيمة (٢٥٥) وابن حبان (١٢٤٠) والدولابي في الكنى والأسماء (٣٧٨)، من طريق يحيى بن سعيد القطان.\nوأبو داود (٣٥٥) حدثنا محمد بن كثير العبدي.\nوابن الجاورد في المنتقى (١٤) من طريق أبي عامر.\nوابن قانع في معجم الصحابة (٨٨٥)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٣٨) رقم ٨٦٦، والبيهقي في السنن (١/ ١٧١) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٦٨٠)، من طريق أبي عاصم.\nومؤمل بن إسماعيل كما في الكنى للدولابي (٣٧٨).\nومحمد بن يوسف الفريابي كما في الكنى للدولابي (٣٧٨).\nكلهم (ابن مهدي والقطان وعبد الرزاق والعبدي وأبو عامر وأبو عاصم والفريابي ومؤمل بن إسماعيل) رووه عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس بن عاصم، وأكثر هؤلاء معتبرون في الطبقة الأولى من أصحاب الثوري، خاصة ابن القطان وابن مهدي.\nورواه وكيع، واختلف عليه فيه في وجوه كثيرة:\nفرواه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٢٧)، قال: أخبرنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن الحصين، عن قيس بن عاصم.\nوهذه الرواية عن وكيع، عن سفيان موافقة لرواية الجماعة عن سفيان، وهي المحفوظة.\nورواه سعدان بن نصر كما في السنن الكبرى للبيهقي (١/ ١٧١) عن وكيع، عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين أن جده قيس بن عاصم أتى النبي ﷺ .... فأرسله خليفة بن حصين.\nورواه أحمد في المسند (٥/ ٦١) حدثنا وكيع،\nويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٩٦) و(٣/ ١٨٧)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١٧٢) عن قبيصة بن عقبة، كلاهما (وكيع وقبيصة) عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن أبيه أن جده. حدثنا سفيان، عن الأغر المنقري، عن خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم، عن أبيه، أن جده أسلم على عهد رسول الله ﷺ، فأمره أن يغتسل بماء وسدر، فأرسله حصين بن قيس.\nوزادا في الإسناد حصين بن قيس، وهذا إسناد ضعيف، للإرسال؛ ولأن حصين بن قيس لم يرو عنه إلا ابنه، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ١٥٦) فهو مجهول.\nورواه علي بن خشرم كما في كتاب ابن السكن نقلًا من كتاب الوهم والإيهام (٢/ ٤٢٩) فرواه عن وكيع، عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم، عن أبيه، عن جده، فوصله بذكر زيادة حصين بن قيس، إلا أنه جعله من مسند قيس بن عاصم. =","vol":"4","page":113},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهذه أربع اختلافات عن وكيع تدل على اضطرابه في هذا الحديث، والمحفوظ منها ما رواه\nابن سعد عن وكيع بمثل رواية الجماعة، وبقية الرويات عن وكيع فيها اضطراب.\nقال أبو حاتم في العلل (١/ ٢٤): «هذا خطأ، أخطأ قبيصة في هذا الحديث، إنما هو الثوري، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس».\nورجح ابن القطان الفاسي وابن السكن، أن الحديث من رواية خليفة بن حصين، عن أبيه، عن جده.\nقال ابن السكن كما في كتاب الوهم والإيهام (٢/ ٤٢٩): «هكذا رواه وكيع مجودًا عن أبيه، عن جده».\nوقال ابن القطان: في كتابه الوهم والإيهام (٢/ ٤٢٩): «فقد تبين أن رواية يحيى ومحمد بن كثير عن سفيان منقطعة، فإنها كانت معنعنة، فجاء وكيع -وهو في الحفظ من هو- فزاد في الإسناد (عن أبيه) فارتفع الإشكال، وتبين الانقطاع. ثم نقول: فإذ لا بد في هذا الإسناد من زيادة حصين بن قيس، بين خليفة وقيس، فالحديث ضعيف؛ فإنه زيادة عادت بنقص، فإنها ارتفع بها الانقطاع، وتحقق ضعف الخبر، فإن حاله مجهولة ...». إلخ كلام ابن القطان ﵀.\nونقل ابن دقيق العيد كلام ابن السكن وكلام ابن القطان، ولم يتعقبه بشيء انظر كتاب الإمام في معرفة أحاديث الأحكام (٣/ ٣٧).\nوهذا الكلام يمكن أن يقبل لولا أن وكيعًا قد اختلف عليه اختلافًا كثيرًا مما يعود على روايته بالاضطراب، فمرة يصله، ومرة يرسله، وإرساله له، مرة يرسله عن خليفة بن حصين، ومرة يرسله عن حصين بن قيس، وهكذا.\nورواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٣٨) رقم ٨٦٧ من طريق يحيى الحماني، ثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن قيس بن عاصم، أنه قدم على النبي ﷺ فاستخلاه، فأمره أن النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر، فاغتسل، فأقيمت الصلاة، فدخل بين أبي بكر وعمر، فقام بينهما، فلما قضي الصلاة، قال النبي ﷺ: لقد سألني قيس بن عاصم ثلاث كلمات، ما سألني عنهن غير أبي بكر. والحماني مجروح وقد توبع.\nحيث رواه أبو بكر أحمد بن عبد الله البرقي في تاريخه كما في كتاب الإمام لابن دقيق العيد (٣/ ٣٧) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، عن قيس بن الربيع به، بلفظ: أنه أتى النبي ﷺ فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر، وأن يقوم بين أبي بكر وعمر، فيعلمانه.\nوهذه الزيادة في حديث قيس بن الربيع لم تأت في حديث سفيان، فهي زيادة منكرة، والله أعلم.\nوانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: أطراف المسند (٥/ ٢١٠)، التحفة (١١١٠٠)، إتحاف المهرة (١٦٣٥٦).","vol":"4","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1734>الدليل الثاني:</span>\n(٧٠٣ - ٢٣) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبيد الله وعبد الله ابنا عمر، عن سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة أن ثمامة الحنفي أسر، فكان النبي ﷺ يغدو إليه، فيقول: ما عندك يا ثمامة؟ فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمن تمن على شاكر، وإن ترد المال تعط منه ما شئت، وكان أصحاب النبي ﷺ يحبون الفداء، ويقولون: ما نصنع بقتل هذا، فمر النبي ﷺ يومًا، فأسلم، فحله، وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل، وصلى ركعتين، فقال النبي ﷺ: لقد حسن إسلام أخيكم (^١).\n[في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمره بالغسل، وهو غير محفوظ، وإنما المحفوظ أنه اغتسل من قبل نفسه كما هي رواية الصحيحين، كما أن المحفوظ أن الرسول ﷺ مَنَّ عليه بإطلاق سراحه قبل أن يعلن إسلامه، فذهب واغتسل، ثم أعلن إسلامه، فكان غسله قبل أن يعلن إسلامه خلاف هذا الحديث] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٩٨٣٤). ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٥)، وابن خزيمة (٢٥٣)، وأبو عوانة (٦٦٩٩)، وابن حبان (١٢٣٨)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧١).\nوأخرجه ابن حبان في الثقات (١/ ٢٨٠) من طريق عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمر وحده به.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٠٤) حدثنا عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن عمر وحده به، ولفظه: (اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل).\n(^٢) رواه عبد الرزاق كما في إسناد الباب، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٥١٧)، وابن خزيمة (٢٥٣)، وأبو عوانة (٦٦٩٩)، وابن حبان (١٢٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١١٥)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧١).\nوأخرجه الخلال في السنة (١٦٧٠)، وابن حبان في الثقات (١/ ٢٨٠) من طريق عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمر وحده به.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٠٤)، ومن طريق أحمد أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٦) حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٤٨٣) حدثنا سريج، كلاهما حدثنا عبد الله بن عمر وحده به، ولفظه: (اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل)، =","vol":"4","page":115},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه أبو داود الطيالسي ط هجر (٢٤٥٤)، قال: حدثنا العمري، حدثنا سعيد المقبري به. فخرج عبد الرزاق من عهدته.\nوقد انفرد بهذا الحديث العمريان: عبيد الله وعبد الله ابنا عمر، وقد رواه غيرهما عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وليس فيه الأمر بأن يغتسل، وإنما فيه أنه اغتسل، وقد كنت أحمل على عبد الرزاق في المخالفة، إلا أني وقفت على راو آخر وهو عبد الرحمن بن مهدي يرويه عن\nعبد الله بن عمر المكبر، وفيه الأمر بالغسل.\nوقد قُرِنَتْ رواية عبد الله بن عمر الضعيف برواية أخيه عبيد الله الثقة، وكنت أعتقد أن اللفظ لعبد الله وحده؛ لأنه يبعد أن يكون عبيد الله بن عمر، وهو الثقة ينفرد بألفاظ في هذا الحديث ليست محفوظة، منها الأمر بالغسل، ومنها أن إطلاق سراحه كان بعد إعلان إسلامه، وكل هذا مخالف لرواية الصحيحين، بل ومخالف لكل من روى الحديث ولو خارج الصحيح، وقد خرجت طريق عبد الله بن عمر منفردًا، وفيه الأمر بالغسل، كما سبق ذكره من طريق ابن مهدي وسريج وأبي داود الطيالسي، وقد كان من سبيل أهل الحديث الحمل على الضعيف وتبرئة الثقة إذا وجد إلى ذلك سبيل، خاصة أن هذه المخالفات تليق بحال عبد الله بن عمر لما عرف من سوء حفظه، إلا أني وقفت على طريق عند البزار كما في كشف الأستار (٣٣٣) حدثنا سلمة بن شبيب وزهير بن محمد -واللفظ لزهير- أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أن ثمامة بن أثال ﵁ أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر.\nوقد انفرد البزار بهذا الطريق، وكل من رواه من طريق عبد الرزاق إنما رواه مقرونًا برواية أخيه عبد الله، أو من رواية عبد الله العمري المكبر وحده، فإن كان طريق البزار محفوظًا فهذا يبين أن الوهم من عبيد الله وأخيه، وأنا أشك في ذلك؛ لأن البزار فيه لين، وانفراده بهذا الطريق يجعل في النفس منه شيئًا، والموجود في مصنف عبد الرزاق روايته عن الأخوين مقرونين (٩٨٣٤).\nوقد رواه جمع من الحفاظ عن عبد الرزاق عن العمريين مقرونين، منهم:\nالأول: محمد بن يحيى الذهلي، كما في المنتقى لابن الجارود (١٥)، وصحيح ابن خزيمة (٢٥٣)، ومسند أبي عوانة (٦٦٩٩)، والسنن الصغرى للبيهقي (١/ ١١٣)، وفي الكبرى (١/ ١٧١).\nالثاني: سلمة بن شبيب، كما في صحيح ابن حبان (١٢٣٨)، وهذه الرواية عن سلمة تخالف رواية البزار عنه، حيث رواه سلمة عن عبد الرزاق، عن عبيد الله وعبد الله، بل إن ابن حبان رواه في الثقات (١/ ٢٨٠) من طريق سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمر المكبر وحده.\nالثالث: النجار، كما في الأوسط لابن المنذر (٢/ ١١٥). =","vol":"4","page":116},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الرابع: أبو الأزهر، كما في سنن البيهقي الصغرى (١/ ١١٣)، والكبرى (١/ ١٧١).\nوسواءً جعلنا الوهم من عبد الله أو من أخيه عبيد الله إلا أن الحديث من هذا الطريق قد انفرد بالأمر بالغسل، والمحفوظ أن ثمامة هو الذي اغتسل من قبل نفسه، وقبل أن يعلن إسلامه، وقد يكون الحامل على الاغتسال وإليك بيان من وقفت عليه ممن روى الحديث، ولم يذكر الأمر بالغسل:\nالأول: الليث بن سعد، وهو في البخاري (٤٦٢، ٤٦٩، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣، ٤٣٧٢) ومسلم (١٧٦٤)، وأبو داود (٢٦٧٩)، والنسائي (١٨٩)، وابن خزيمة (٢٥٢)، وابن حبان (١٢٣٩)، والبيهقي (١/ ١٧١)، وغيرهم.\nوأنقل إليك لفظ البخاري لتعرف قدر المخالفة في لفظ العمريين عن لفظ الصحيح،\nفقد رواه البخاري (٤٣٧٢) من طريق الليث، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد،\nأنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال عندي ما قلت لك، فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ. اهـ\nالثاني: عبد الحميد بن جعفر، كما في صحيح مسلم (١٧٦٤)، وأبي عوانة (٦٦٩٦)، والبيهقي في السنن (٩/ ٦٥).\nالثالث: ابن عجلان، كما في مسند أحمد (٢/ ٢٤٦) إلا أنه قال: فذهبوا به إلى بئر الأنصار، فغسلوه، فأسلم .... إلخ الحديث، وليس فيه الأمر بالاغتسال، وإن كان هذا مخالف لما في الصحيحين من كونه انطلق هو فاغتسل.\nالرابع: محمد بن إسحاق، واختلف عليه في إسناده،\nفرواه البيهقي في السنن (٩/ ٦٦) وفي الدلائل (٤/ ٧٩، ٨٠) من طريق يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وفيه: فقال رسول الله ﷺ: أطلقوه، فقد =","vol":"4","page":117},{"text":"ويحتمل أن يكون ثمامة اغتسل لمقابلة النبي ﷺ، فقد كان في الأسر ثلاثة أيام، وهو كبير قومه، فلما أطلق سراحه وكان يريد الجلوس مع النبي ﷺ، لإعلان إسلامه رأى أن يحسِّن من حاله، خاصة أن بلاد الحجاز بلاد حارة، كما أنه يليق بثمامة وهو كبير قومه، وقد نوى أن يقابل رجلًا مثل النبي ﷺ أن يُحَسِّنَ من هيئته ما استطاع، فكان غسله ليطرد عنه رائحة العرق، وقد وقع غسله قبل أن يعلن إسلامه، فإذا قلنا: تشترط النية للغسل، فقبل إعلان إسلامه ليس من أهل العبادة، فلا يصح غسله عن غسل الإسلام على القول بوجوب الغسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1735>الدليل الثالث:</span>\n(٧٠٤ - ٢٤) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن إدريس بن مطيب المصيصي، حدثنا سليم بن منصور بن عمار، حدثنا أبي، حدثنا معروف أبو الخطاب،\nعن واثلة بن الأسقع لما أسلمت أتيت النبي ﷺ فقال لي: اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر.\nقال الطبراني: لم يروه عن واثلة بن الأسقع إلا بهذا الإسناد، تفرد به منصور بن عمار (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= عفوت عنك يا ثمامة، فخرج ثمامة حتى أتى حائطًا من المدينة، فاغتسل فيه، وتطهر، وطهر ثيابه، ثم جاء رسول الله ﷺ، وهو جالس في المسجد ... وذكر الحديث. وليس فيه أنه أمره بالغسل.\nورواه البيهقي في الدلائل (٤/ ١٨١) من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، فزاد في إسناده (والد سعيد المقبري) وهو وهم.\n(^١) المعجم الصغير (٨٨٠).\n(^٢) ورواه الطبراني في المعجم الصغير (٨٨٠)، وفي المعجم الكبير (٢٢/ ٨٢) رقم: ١٩٩، من طريق محمد بن إدريس.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٦٤٢٨) من طريق محمد بن إسماعيل بن مهران.\nورواه صاحب طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٢٣٨، ٢٣٩) من طريق عامر بن عامر، =","vol":"4","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1736>الدليل الرابع:</span>\n(٧٠٥ - ٢٥) ما رواه الطبراني من طريق أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني، حدثنا قتادة بن الفضل بن قتادة الرهاوي (^١)، عن أبيه، حدثني عم أبي هشام ابن قتادة الرهاوي،\nعن أبيه، قال: أتيت رسول الله ﷺ، فقال لي: يا قتادة اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر، وكان رسول الله ﷺ يأمر من أسلم أن يختتن، وإن كان ابن ثمانين سنة (^٢).\n_________\n= وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٧١) من طريق أبي الحسن أحمد بن الحسن الصوفي، كلهم عن سليم بن منصور بن عمار، عن أبيه منصور بن عمار به.\nوفي إسناده منصور بن عمار، جاء في ترجمته:\nقال أبو حاتم: ليس بالقوي، صاحب مواعظ. الجرح والتعديل (٨/ ١٧٦).\nوقال ابن حبان: أخباره في القصص والحث على الخير أكثر من أن يحتاج إلى ذكرها، وليس من أهل الحديث الذين يحفظون، وأكثر روايته عن الضعفاء. الثقات (٩/ ١٧٠).\nوقال العقيلي: لا يقيم الحديث، وكان فيه تجهم من مذهب جهم. الضعفاء الكبير (٤/ ١٩٣).\nوقال الدارقطني: يروي عن ضعفاء أحاديث لا يتابع عليها. لسان الميزان (٦/ ٩٨).\nوفي الإسناد معروف الخياط، جاء في ترجمته:\nقال أبو حاتم: ليس بالقوي. الجرح والتعديل (٨/ ٣٢٢).\nوقال ابن عدي: هذه الأحاديث لمعروف عن واثلة منكرة جدًّا، ثم قال: ومعروف هذا عامة ما يرويه، وما ذكرته أحاديث لا يتابع عليه. الكامل (٦/ ٣٢٧).\nوقال الحافظ ابن حجر: أورد له ابن عدي في ترجمته عدة أحاديث منكرة من رواية عمر بن حفص المعمر، والبلية فيه، لا من معروف. تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٠٩).\nوفي التقريب: ضعيف.\nفالحديث ضعيف، وقد ضعفه الحافظ في تلخيص الحبير (٢/ ٦٨).\n(^١) قوله: (الفضل بن قتادة) هكذا رواه أحمد بن عبد الملك الحراني، ورواه علي بن بحر كما في معجم الصحابة للبغوي (٥/ ٥٤) فسماه (الفضيل بن عبد الله بن قتادة) فقال (الفضيل) بدلًا من الفضل، ولعل أحدهما نسبه إلى جده، انظر التاريخ الكبير (٧/ ١٨٥)، معجم الصحابة للبغوي (٥/ ٥٤)، الإصابة في تمييز الصحابة (٦/ ٤٥٦).\n(^٢) المعجم الكبير (١٩/ ١٤) رقم ٢٠.","vol":"4","page":119},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>الدليل الخامس:</span>\n(٧٠٦ - ٢٦) قال ابن دقيق العيد: وروي من حديث عبدالرحمن بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن نافع،\nعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أمر رجلًا أسلم أن يغتسل (^٢).\n[مع كونه ساقه معلقًا، فهو ضعيف جدًّا] (^٣).\n_________\n(^١) رواه الطبراني في الكبير (١٩/ ١٤) رقم: ٢٠، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٦١٨)، وابن شاهين كما في الإصابة (٥/ ٤١٨) من طريق أحمد بن عبد الملك الحراني.\nورواه أبو نعيم كما في جامع المسانيد (٧/ ٧٧)، والبغوي في معجم الصحابة (٥/ ٥٤) عن علي ابن بحر، كلاهما عن قتادة بن الفضل بن قتادة، عن الفضل بن قتادة، عن عمه هشام بن قتادة، عن أبيه قتادة بن عياش به.\nوفي إسناده: قتادة بن الفضل بن قتادة الرهاوي، سأل ابن أبي حاتم أباه عنه، فقال: شيخ. الجرح والتعديل (٧/ ١٣٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٢٢).\nوالفضل بن قتادة، ذكره البخاري في التاريخ الكبير، ولم يذكر فيه شيئًا. التاريخ الكبير (٧/ ١١٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣١٧). وليس له رواية في المسند أو في الكتب الستة.\nهشام بن قتادة، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٩/ ٦٨).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٠٣)، ولم يرو عنه سوى الفضيل بن قتادة.\nوضعفه الحافظ في تلخيص الحبير (٢/ ٦٨).\n(^٢) الإمام (٣/ ٣٩).\n(^٣) في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، وهو متروك.\nقال النسائي: متروك. الضعفاء والمتروكين (٣٥٦).\nوقال أحمد: ليس يسوى حديثه شيئًا، خرقنا حديثه، سمعت منه، ثم تركناه، وكان ولي قضاء المدينة، أحاديثه مناكير، وكان كذابًا حرقت أحاديثه منذ دهر. الكامل (٤/ ٢٧٧).\nوقال ابن حبان: كان ممن يروي عن عمه ما ليس من حديثه، وذاك أنه يهم، فيقلب الإسناد، ويلزق المتن بالمتن، يفحش ذلك في روايته، فاستحق الترك. المجروحين (٢/ ٥٣).\nوفي التقريب: متروك.","vol":"4","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1738>الدليل السادس:</span>\n(٧٠٧ - ٢٧) قال ابن دقيق العيد: وروي من حديث سالم بن سالم، عن أبي المغيرة،\nعن أبي البراء ﵁ أن النبي ﷺ أمر رجلًا أسلم أن يغتسل بماء وسدر (^١).\n[ضعيف مع كونه ساقه معلقًا] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1739> دليل من قال: لا يجب عليه الغسل مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1740>الدليل الأول:</span>\nعدم قيام دليل صحيح يوجب الغسل على الكافر إذا أسلم، والأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل صحيح، وقد رأينا من خلال ذكر أدلة القائلين بالوجوب بأنها أدلة ضعيفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1741>الدليل الثاني:</span>\nما أكثر الصحابة الذين أسلموا، ولم ينقل أنه ﷺ أمرهم بالغسل، ولو كان الغسل واجبًا، لكان هذا الحكم مشهورًا؛ لحاجة الناس إليه، ولجاءت به النصوص\n_________\n(^١) الإمام في معرفة أحاديث الأحكام (٣/ ٣٩).\n(^٢) في إسناده سلم بن سالم البلخي، وقد ضعفوه،\nقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: سلم بن سالم البلخي ليس بذاك في الحديث، كأنه ضعفه. الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٦).\nوقال يحيى بن معين: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سلم بن سالم ضعيف الحديث، وترك حديثه ولم يقرأه علينا. المرجع السابق.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: سئل أبو زرعة عن سلم بن سالم فقال: أخبرني بعض الخراسانيين، قال: سمعت ابن المبارك يقول: اتق حيات سلم بن سالم لا تلسعك.\nوقال أيضًا: سمعت أبا زرعة يقول ما أعلم أنى حدثت عن سلم بن سالم إلا أظنه مرة، قلت: كيف كان في الحديث؟ قال: لا يكتب حديثه، كان مرجئًا، وكان لا -وأومأ بيده إلى فيه- يعنى لا يصدق.","vol":"4","page":121},{"text":"الصحيحة؛ لأنه ما من أحد أسلم في عهد الرسول ﷺ إلا ويحتاج إلى معرفة هذا الحكم، فكونه ينفرد بهذا الحكم حصين بن قيس، وهو غير معروف، ولم يرو عنه إ لا ابنه يجعل في النفس شيئًا من إيجاب مثل هذا الحكم، لا سيما أننا قد علمنا أن حديث ثمامة في الأمر بالغسل حديث شاذ مخالف لرواية الصحيحين وغيرهما.\n• وأجيب:\nكونه لم ينقل أنه ﷺ أمر كل من أسلم بالغسل بعد إسلامه، فيقال: إن عدم النقل ليس نقلًا للعدم؛ لأن الأصل العمل بما أمر به النبي ﷺ، ولا يلزم أن ينقل العمل به من كل واحد؛ ولأن أمر النبي ﷺ واحدًا من الأمة أمر لجميع الأمة.\n• ورد هذا:\nبأن هذا الجواب مسلم لو ثبت الأمر النبوي لواحد من الأمة، وإذا لم يثبت كما تبين من خلال الكلام على إسناد الأحاديث فلا يصح أن يقال: إنه قد ثبت الأمر به لواحد من الأمة فيكون أمرًا للجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1742>الدليل الثالث:</span>\n(٧٠٨ - ٢٨) روى البخاري ﵀ من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس،\nعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب. ورواه مسلم (^١).\n_________\n(^١) البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩)","vol":"4","page":122},{"text":"وجه الاستدلال:\nلو كان الغسل على كل كافر دخل في الإسلام أن يغتسل لنبه الرسول ﷺ معاذًا إلى هذا، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1743> دليل من قال: يستحب له الغسل مطلقًا:</span>\nأخذ من حديث قيس بن عاصم وأن النبي ﷺ أمره بالغسل بأن الأمر للاستحباب، والذي حمله على صرف اللفظ عن ظاهره، كون الذي أسلم على عهد رسول الله ﷺ كثير، ولم ينقل عن الرسول ﷺ أنه أمرهم بالغسل، فصار هذا قرينة لصرف الأمر من الوجوب إلى الندب.\nوهذا التوجيه حسن لو صح حديث قيس بن عاصم، أما من لم يصحح الحديث، ولا يرى ثبوت الأحكام الشرعية بالأحاديث الضعيفة، فإن الأصل براءة الذمة حتى يثبت دليل صحيح خال من النزاع، وهذا ما لم يتحقق في مسألتنا هذه، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1744> دليل من قال: يجب عليه الغسل إن كان جنبًا حال كفره:</span>\nقالوا: لا خلاف في أن الكافر إذا بال في حال كفره، ثم أسلم، أنه يلزمه الوضوء إذا أراد الصلاة، فإذا كان ذلك في الحدث الأصغر، فكذلك الحدث الأكبر، فإذا أجنب قبل أن يسلم، ثم أسلم، فإنه يلزمه الغسل قياسًا على البول.\n• وأجيب:\nبأن الله ﷾ قال: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨].\nولحديث عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (الإسلام يهدم ما قبله) رواه مسلم (^١).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٩٢ - ١٢١).","vol":"4","page":123},{"text":"ولأنه أسلم خلق كثير لهم الزوجات والأولاد، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالغسل وجوبًا، ولو وجب لأمرهم به.\nولأن الكافر إذا أسلم لا يطالب بقضاء الصلاة ولا بقضاء الصوم، فكذلك لا يطلب بما فعله حال كفره قبل أن يلتزم أحكام الإسلام.\nوأما القياس على البول فهو قياس مع الفارق، فهو لم يجب عليه الوضوء للصلاة بسبب الحدث السابق حال كفره، وإنما هو مخاطب عند القيام إلى الصلاة بأن يكون على طهارة، وهو لم يفعلها، وقد قال سبحانه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...) [المائدة: ٦]، فكان فعله الوضوء بناءً على امتثال أمر الله ﷾ حال إسلامه، وليس بسبب الحدث القائم وقت كفره.\nورده النووي بقوله:\nأما الآية الكريمة والحديث فالمراد بهما غفران الذنوب، فقد أجمعوا على أن الذمي لو كان عليه دين أو قصاص لا يسقط بإسلامه، ولأن إيجاب الغسل ليس مؤاخذة وتكليفًا بما وجب في الكفر، بل هو إلزام شرط من شروط الصلاة في الإسلام فإنه جنب والصلاة لا تصح من الجنب، ولا يخرج بإسلامه عن كونه جنبًا، والجواب عن كونهم لم يؤمروا بالغسل بعد الإسلام أنه كان معلومًا عندهم، كما أنهم لم يؤمروا بالوضوء لكونه معلومًا لهم، والفرق بين وجوب الغسل ومنع قضاء الصوم والصلاة من وجهين.\nأحدهما: ما سبق أن الغسل مؤاخذة بما هو حاصل في الإسلام، وهو كونه جنبًا بخلاف الصلاة.\nوالثاني: أن الصلاة والصوم يكثران فيشق قضاؤهما، وينفر عن الإسلام، وأما الغسل فلا يلزمه إلا غسل واحد، ولو أجنب ألف مرة وأكثر، فلا مشقة فيه.","vol":"4","page":124},{"text":"• الراجح من الأقوال:\nبعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن أقرب الأقوال إلى الصحة القول بعدم الوجوب، لعدم ثبوت دليل صحيح يقضي بوجوب الغسل، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1745>الفصل الخامس في إيجاب الغسل بالموت أو تغسيل الميت</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1746>المبحث الأول في وجوب غسل الميت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• أمر الرسول ﷺ بغسل الميت، والأصل في الأمر الوجوب، والموجب له الموت.\n• تقدير عدد الغسلات إلى نظر الغاسل بقوله ﷺ: اغسلنها بالسدر وترًا، ثلاثًا أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك. راجع إلى أن غسل الميت مركب من نوعين من الغسل:\nأحدهما: غسل بمعنى ارتفاع الحدث،، وهذا أدناه مرة، وأكثره ثلاثًا.\nوالثاني: زوال الخبث والأوساخ من بدن الميت، وهذا راجع إلى تقدير الغاسل متى رأى أن الخبث انقطع، والدرن قد زال، وهذا قد يزول من غسلة واحدة، وقد يتجاوز الثلاث إلى خمس أو إلى أكثر من ذلك.","vol":"4","page":126},{"text":"[م-٣١٩] إذا مات المسلم، ولم يكن شهيدًا، شرع تغسيله قبل الصلاة عليه، وهل غسله واجب أو سنة؟ في هذا خلاف بين العلماء:\nفقيل: غسله واجب، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وأحد القولين المشهورين في مذهب المالكية (^١).\nوقيل: سنة مؤكدة، وهو قول مشهور في مذهب مالك رحمه الله تعالى (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1747> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1748>الدليل الأول:</span>\n(٧٠٩ - ٢٩) ما رواه البخاري من طريق حفصة،\nعن أم عطية ﵂ قالت: توفيت إحدى بنات النبي ﷺ، فأتانا النبي ﷺ فقال: اغسلنها بالسدر وترًا، ثلاثًا أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها. ورواه مسلم أيضًا (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: اغسلنها، وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب.\n_________\n(^١) المبسوط (٢/ ٥٨)، بدائع الصنائع (١/ ٢٩٩)، البحر الرائق (١/ ٦٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٧)، الأم (١/ ٢٧٤)، المهذب (١/ ١٢٧)، المجموع (٥/ ١١٢)، روضة الطالبين (٢/ ٩٨)، المبدع (٢/ ٢٢٠)، الإنصاف (٢/ ٤٦٩)، الكافي (١/ ٢٤٧).\nوجاء في حاشية الدسوقي (١/ ٤٠٧): «أما وجوب الغسل فهو قول عبد الوهاب وابن محرز وابن عبد البر، وشهره ابن راشد وابن فرحون ...». إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\n(^٢) مواهب الجليل (٢/ ٢٠٨)، وقال في حاشية الدسوقي (١/ ٤٠٧): «وأما سنيته فحكاها ابن أبي زيد وابن يونس وابن الجلاب وشهره ابن بزيزة ...». اهـ\nوقال القرطبي في المفهم (٢/ ٥٩٢): «لا خلاف أن غسل الميت مشروع ومعمول به في الشريعة، لكن اختلف في حكمه، فقيل: الوجوب، وقيل: سنة مؤكدة، والقولان في المذهب .... فالأولى أن غسل الميت سنة ثابتة، نقلت بالعمل».\n(^٣) البخاري (١٢٦٣)، ومسلم (٩٣٩).","vol":"4","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1749>الدليل الثاني:</span>\n(٧١٠ - ٣٠) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس ﵃ قال: بينما رجل واقف بعرفة، إذ وقع عن راحلته، فوقصته -أو قال فأوقصته- قال النبي ﷺ: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (اغسلوه) وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1750>الدليل الثالث:</span>\nحكى بعضهم الإجماع على وجوب غسل الميت، قال ابن الهمام: غسل الميت فرض بالإجماع (^٢).\nوقال النووي في المجموع: «وغسل الميت فرض كفاية بإجماع المسلمين» (^٣).\nوكذا حكاه النووي في الروضة (^٤).\nوأنكر ابن حجر على النووي دعوى الإجماع، فقال: «وهو ذهول منه شديد، فإن الخلاف مشهور عند المالكية، حتى إن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه، وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك -أي من لم يقل بالسنية (^٥).\n_________\n(^١) البخاري (١٢٥٦)، مسلم (١٢٠٦).\n(^٢) فتح القدير (٢/ ١٠٥).\n(^٣) المجموع (٥/ ١١٢).\n(^٤) روضة الطالبين (٢/ ٩٨).\n(^٥) فتح الباري (٣/ ١٢٦).","vol":"4","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1751>الدليل الرابع:</span>\nلقد غُسِّل أشرفُ الخلق على الله ﷾، وأمر رسول الله ﷺ بتغسيل ابنته، وغُسِّل أبو بكر بعده، والناس يتوارثونه خلفًا عن سلف، ولم ينقل عن أحد من المسلمين أنه مات، فدفن من غير غسل إلا الشهداء (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1752>الدليل الخامس:</span>\nيستدل الحنفية بحديث ينسبونه إلى النبي ﷺ، ونصه: «حق المسلم على المسلم ستة حقوق، وفي جملته: أن يغسله بعد موته) (^٢).\nوبعضهم يقول: حق المسلم على المسلم ثمانية حقوق، وذكر منها غسل الميت (^٣).\nقال الزيلعي: فهذا حديث ما عرفته، ولا وجدته، والذي وجدناه من هذا النوع، ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:\nحق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس. انتهى.\nوفي لفظ لمسلم: (حق المسلم على المسلم ست، فزاد: وإذا استنصحك فانصح له) (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1753>الدليل السادس:</span>\n(٧١١ - ٣١) ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، قال:، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن،\nعن عتي قال: رأيت شيخا بالمدينة يتكلم، فسألت عنه، فقالوا: هذا أبي بن كعب،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (٢/ ٢٥٧).\n(^٢) المبسوط (٢/ ٥٨).\n(^٣) فتح القدير (٢/ ١٠٦).\n(^٤) نصب الراية (٢/ ٢٥٧).","vol":"4","page":129},{"text":"فقال: إن آدم ﵇ لما حضره الموت قال لبنيه: أي بني، إني أشتهي من ثمار الجنة؟ فذهبوا يطلبون له، فاستقبلتهم الملائكة، ومعهم أكفانه وحنوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل، فقالوا لهم: يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون -أو ما تريدون وأين تذهبون- قالوا: أبونا مريض، فاشتهى من ثمار الجنة، قالوا لهم: ارجعوا فقد قضي قضاء أبيكم، فجاءوا، فلما رأتهم حواء عرفتهم، فلاذت بآدم فقال: إليك إليك عني؛ فإني إنما أوتيت من قبلك، خلي بيني وبين ملائكة ربي ﵎، فقبضوه، وغسلوه، وكفنوه، وحنطوه، وحفروا له، وألحدوا له، وصلوا عليه، ثم دخلوا قبره، فوضعوه في قبره، ووضعوا عليه اللبن، ثم خرجوا من القبر، ثم حثوا عليه التراب، ثم قالوا: يا بني آدم، هذه سنتكم (^١).\n[ضعيف انفرد به عتي بن ضمرة ولم يتابع عليه، وفي إسناده اختلاف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٥/ ١٣٦).\n(^٢) انفرد بهذا الخبر عتي، عن أبي بن كعب، ولم يتابع عليه، وقد اختلف فيه، فوثقه ابن سعد، وابن حبان، والعجلي. انظر الطبقات الكبرى (٧/ ١٤٦)، الثقات (٥/ ٢٨٦)، معرفة الثقات (٢/ ١٢٧).\nوقال علي بن المديني: مجهول، سمع من أبي بن كعب، لا نحفظها إلا من طريق الحسن، وحديثه يشبه حديث أهل الصدق، وإن كان لا يعرف. تهذيب التهذيب (٧/ ٩٥).\nوذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وسكت عليه (٧/ ٤١).\nوعتي بن ضمرة ﵀ لم يرو عنه إلا راو واحد، وهو الحسن، وقد قيل: إنه روى عنه ابنه عبد الله، وابنه هذا لم يوقف له على ترجمة، ولذلك قال ابن المديني: سمع من أبي، لا نحفظها إلا من طريق الحسن. اهـ فمثله لا يقبل تفرده بمثل هذا الحديث، كما أنه مخالف لما ذكر في الكتاب بأن الله ﷾ بعث غرابًا يبحث في الأرض ليعلم ولد آدم كيف يواري سوأة أخيه، والله أعلم.\n[تخريج الحديث]:\nالحديث رواه الحسن، عن عتي، عن أبي، واختلف على الحسن في وقفه ورفعه:\nالطريق الأول: حميد، عن الحسن، رواه عن حميد حماد بن سلمة، واختلف عليه فيه:\nفرواه هدبة بن خالد، كما في زوائد عبد الله بن أحمد على المسند (٥/ ١٣٦)، ومن طريقه رواه ابن عساكر في تاريخه، والضياء المقدسي في المختارة (١٢٥١) عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عتي، عن أبي بن كعب موقوفًا. =","vol":"4","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخالفه موسى بن إسماعيل كما في مستدرك الحاكم (٢/ ٥٤٥).\nوروح بن أسلم كما في المعجم الأوسط للطبراني (٨٢٦١) والأحاديث المختارة للمقدسي (١٢٥٢) والمحاملي في أماليه (٤٠٣)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٤٣)، كلاهما (موسى بن إسماعيل وروح) عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن، عن أبي بن كعب مرفوعًا.\nفهنا جعل حماد في الإسناد ثابتًا بدلًا من حميد، وجعله مرفوعًا بدلًا من وقفه، إلا أن الحافظ ابن حجر قد أشار في إتحاف المهرة (١/ ٢٤٨) أنه عند الحاكم موقوف، فإما أن يكون من اختلاف النسخ، أو أحدهما خطأ، فيتأمل، فإن صح أنه في مستدرك الحاكم موقفًا، فيكون رفعه منكر، ولهذا قال الطبراني: لم يرفع هذا الحديث عن حماد بن سلمة إلا روح بن أسلم.\nوقال المقدسي: روح بن أسلم تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والمشهور غير مرفوع، والله أعلم.\nوقال ابن عدي: «وهذه الأحاديث عن حماد غير محفوظة إلا حديث أبي فإنه شورك فيه». اهـ\nفيبقى الاختلاف على حماد بين كونه سمعه من حميد أو سمعه من ثابت، وقد يكون سمعه منهما، وقد يكون حميد سمعه من ثابت، فدلسه.\nهذا فيما يتعلق برواية حماد بن سلمة.\nوأخرجه عبد الرزاق (٦٠٨٨) عن معمر، عن ثابت البناني، قال: نزلت الملائكة حين حضر آدم الوفاة، فلما رآهم عرفهم، فقبضوه، وغسلوه، وكفنوه، وصلوا عليه، ودفنوه، وبنوه ينظرون، قال عبد الرزاق: قال معمر: سمعت غير ثابت يقول: ثم قالوا: هذه سنة ولدك.\nورواية معمر عن ثابت فيها كلام.\nالطريق الثاني: يونس بن عبيد، عن الحسن.\nفرواه يونس بن عبيد، واختلف عليه أيضًا:\nفرواه الطيالسي في مسنده (٥٤٩)، والبيهقي (٣/ ٤٠٤) عن خارجة بن مصعب، عن يونس، عن الحسن، عن عتي السعدي، عن أبي بن كعب موقوفًا. وخارجة متروك.\nوخالف أبا داود شبابة فرواه الدارقطني (١/ ٧١) من طريقه، حدثنا خارجة، عن يونس به مرفوعًا.\nورواه إسماعيل بن علية، واختلف عليه:\nفرواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٠) رقم ١٠٩١٢،\nوسعيد بن منصور كما في إتحاف الخيرة (٢٥٥٧)، كلاهما عن إسماعيل بن علية، عن يونس به موقوفًا.\nوخالفهما أحمد بن حنبل، فرواه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٤، ٣٤٥) عن أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا إ سماعيل به مرفوعًا.\nورواه عن يونس أيضًا هشيم، واختلف عليه فيه: =","vol":"4","page":131},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه سعيد بن سليمان كما في الطبقات الكبرى (١/ ٣٣ - ٣٤).\nوأحمد بن منيع كما طبقات ابن سعد (١/ ٣٣)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (١٢٥٠)، والبوصيري في إتحاف الخيرة (٢٥٥٨) روياه عن هشيم، عن يونس به موقوفًا.\nوخالفهما سعيد بن منصور وعلي بن حجر فرواه الحاكم (١/ ٣٤٤) من طريقهما مقرونين عن هشيم به مرفوعًا.\nالطريق الثالث: عثمان بن سعد، عن الحسن، واختلف على عثمان:\nفأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٥٨)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٥٨) رقم ٤٤٢٦، والدارقطني (٢/ ٧١)، والبيهقي (٤/ ٣٦) من طريق أبي عبيدة الحداد، عن عثمان بن سعد، عن الحسن، عن عتي به مرفوعًا. وعثمان بن سعد ضعيف.\nوأخرجه الدارقطني (٢/ ٧١) من طريق داود بن المحبر، ثنا رحمة بن مصعب، عن عثمان بن سعد به موقوفًا.\nوهذا أضعف من الذي قبله، داود بن المحبر متروك.\nالطريق الرابع: إسحاق بن الربيع، عن الحسن.\nرواه ابن سعد (١/ ٣٣) من طريق إسحاق بن الربيع، عن الحسن، عن عتي به موقوفًا.\nقال عمرو بن علي، عن إسحاق بن الربيع كما في الكامل لابن عدي (١/ ٣٣٦): حدث عن الحسن بحديث منكر، عن عتي، عن أبي كان آدم ﵇ رجلًا طوالًا، كأنه نخلة سحوق ... اهـ\nالطريق الخامس: مبارك بن فضالة، عن الحسن.\nرواه الطيالسي (٥٤٩) حدثنا ابن فضالة، عن الحسن، عن عتي به مرفوعًا.\nومبارك بن فضالة صدوق مدلس، إلا أنه مكثر عن الحسن البصري، وقد توبع.\nالطريق السادس:\nأخرجه الطبراني في الأوسط (٩٢٥٩) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن ذكوان، عن الحسن به مرفوعًا. ومحمد بن ذكوان ضعيف.\nالطريق السابع:\nأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٦) رقم: ١٢٧٦ من طريق عمر بن مالك المعافري، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن الحسن، عن أبي بن كعب.\nوعمر بن مالك لا بأس، ويزيد بن عبد الله ثقة، وهنا رواه الحسن عن أبي بن كعب مباشرة، ولعل هذا من تدليس الحسن، فإنه قد صرح بالتحديث من رواية سعيد بن سليمان، أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا يونس بن عبيد، عن حسن، قال: أخبرنا عتي السعدي به. =","vol":"4","page":132},{"text":"وعلى تقدير صحته فإن قوله: (سنة ولد آدم) تعم الواجب والمندوب، فليست نصًّا صريحًا في الوجوب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1754> دليل من قال: غسل الميت ليس بواجب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1755>الدليل الأول:</span>\nقوله ﷺ في حديث أم عطية المتقدم: (اغسلنها بالسدر وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك).\nفجعلوا قوله: (إن رأيتن ذلك) عائد إلى جميع ما ذكر من الغسل أو الزيادة على الثلاث.\nولو كان غسل الميت بمثابة الغسل من الحدث، وأنه تعبدي لم يزد على الثلاث، ولم يجعل الغسل راجعًا إلى تقدير الغاسل، وإذا ترجح أن الغسل ليس تعبديًا لم يكن واجبًا؛ لأن المسلم الميت طاهر، والطاهر لا يجب تطهيره.\nثم إنه ذكر مع الغسل، الثلاث والوتر، وهما ليس واجبين إجماعًا، فكذلك الغسل.\nوقال القاضي عياض: «وسبب الخلاف قوله ﵇: (إن رأيتن ذلك) هل معناه: إن رأيتن الغسل، أو إن رأيتن الزيادة في العدد؟ وهذا وأشباهه مما اختلف\n_________\n= وقد جعل الحاكم هذا الاختلاف عن الحسن هو السبب في عدم إخراج الشيخين لهذا الحديث، فقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهو من النوع الذي لا يوجد للتابعي إلا الراوي الواحد، فإن عتي بن ضمرة السعدي ليس له راو غير الحسن، وعندي أن الشيخين عللاه بعلة أخرى، وهو أنه روي عن الحسن، عن أبي دون ذكر عتي، ثم ساق طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد السابق، ثم قال: وهذا لا يعلل به حديث يونس بن عبيد؛ فإنه أعرف بحديث الحسن من أهل المدينة ومصر، والله أعلم.\nورواه عبد الرزاق (٦٠٨٦) عن ابن جريج، قال: حدثت عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ نحوه. وهذا إسناد ضعيف لجهالة الواسطة بين ابن جريج وبين أبي بن كعب ﵁. وانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: أطراف المسند (١/ ٢٢٤)، إتحاف المهرة (١٠٠، ١٠٤).","vol":"4","page":133},{"text":"فيه أهل الأصول، وذلك أنهم مختلفون في التقييد والاستثناء، والشروط إذا تعقبت الجمل، هل يرجع إلى جميعها إلا ما أخرجه الدليل، أو إلى أقربها؟ (^١).\n• الراجح من الخلاف:\nأرى أن القول بوجوب الغسل أرجح من القول بسنيته، للأمر به، والمحافظة عليه، ولكي يهيأ الميت لملاقاة الملائكة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (٣/ ٣٨٣).","vol":"4","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1756>المبحث الثاني في الغسل من تغسيل الميت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل غسل لا يوجبه حدث، ولا نجاسة فهو ليس بواجب كسائر الأغسال إلا غسل الجمعة على الصحيح.\n• إذا كان غسل النجاسة من بدن الحي لا يوجب الاغتسال فغسل بدن الميت الطاهر كذلك.\n• المسلم لا ينجس بالموت، وغسل الطاهر لا يوجب الغسل، بله ولا غسل النجس.\n• الأصل عدم وجوب الاغتسال من غسل الميت؛ لأن الواجبات لا تثبت إلا بدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صحابي لا مخالف له.\n[م-٣٢٠] اختلف العلماء في حكم الغسل لمن غَسَّل ميتًا،\nفقيل: ليس بسنة، وهو مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٦٦) بدائع الصنائع (١/ ٣٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٦)، أحكام القرآن للجصاص (٥/ ١٦٩).","vol":"4","page":135},{"text":"وقيل: بل سنة، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، واختاره بعض الحنابلة (^٣).\nوقيل: يجب الغسل، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٤)، ورجحه ابن حزم (^٥).\nوقيل: يجب الغسل من تغسيل الكافر دون المسلم، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٦).\nوقيل: غسل الكافر يوجب الوضوء فقط، وهو المنصوص عن أحمد (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1757> دليل من قال: يجب عليه الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>الدليل الأول:</span>\n(٧١٢ - ٣٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ (^٨).\n[اختلف في رفعه ووقفه، وقد رجح جمع من الأئمة المتقدمين وقفه] (^٩).\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٢٩٠)، الإشراف على مسائل الخلاف (١/ ٤٧)، القوانين الفقهية (ص: ٣٩)، الاستذكار (٢/ ١٣٧، ١٣٨).\n(^٢) الأم (١/ ٣٨)، روضة الطالبين (١/ ٨٥)، الحاوي الكبير (١/ ٤٦٠).\n(^٣) الكافي في فقه ابن حنبل (١/ ٢٥٥)، كشاف القناع (١/ ١٥١).\n(^٤) المبدع (١/ ١٩١)، المغني (١/ ١٣٤).\n(^٥) المحلى (١/ ٢٧٠) مسألة: ١٨١.\n(^٦) المبدع (١/ ١٩١)، المغني ١/ ١٣٤).\n(^٧) انظر شرح العمدة (١/ ٣٤٢).\n(^٨) المسند (٢/ ٤٥٤).\n(^٩) منهم أبو حاتم، وأحمد، والبخاري، والذهلي، وابن المنذر، والبيهقي، وغيرهم، وقد سبق تخريج الحديث في كتاب نواقض الوضوء، باب الوضوء من غسل الميت، ح: (٧١٢)، فأغنى عن إعادته هنا.","vol":"4","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1759>الدليل الثاني:</span>\n(٧١٣ - ٣٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الله ابن أبي السفر، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله ابن الزبير،\nعن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: يغتسل من أربع من الجمعة، والجنابة، والحجامة، وغسل الميت (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ١٥٢).\n(^٢) في إسناده مصعب بن شيبة متكلم فيه،\nقال أبو داود في السنن (٣١٦٠): سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن الغسل من غسل الميت، فقال: يجزيه الوضوء. ثم قال أبو داود: «وحديث مصعب ضعيف، فيه خصال ليس العمل عليه». اهـ\nوفي سنن البيهقي (١/ ٣٠١): «قال أبو عيسى (الترمذي): سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا: لا يصح في هذا الباب شيء، قال البخاري: حديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك». اهـ\nوساق العقيلي بإسناده من طريق أحمد بن محمد بن هانئ، قال: ذكرت لأبي عبد الله -يعني الإمام أحمد - الوضوء من الحجامة، فقال: ذاك حديث منكر، رواه مصعب بن شيبة، أحاديثه مناكير، منها هذا الحديث، وعشر من الفطرة ...».\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبا زرعة عن الغسل من الحجامة، قلت: يروى عن النبي ﷺ الغسل من أربع؟ فقال: لا يصح، هذا رواه مصعب بن شيبة، وليس بقوي. قلت لأبي زرعة: لم يرو عن عائشة من غير حديث مصعب؟ قال: لا».\nوضعفه ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٢٠٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٠٠)، والخطابي في معالم السنن (٤/ ٣٠٦) وغيرهم.\nومصعب بن شيبة، تقدمت ترجمته في كتابي سنن الفطرة، وفي كتابي الإنصاف فيما جاء في الأخذ من اللحية وتغيير الشيب بالسواد من الخلاف، في الكلام على حديث: عشر من الفطرة ...» فأغنى عن إعادته هنا.\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٣٤) ومن طريقه ابن الجوزي في الواهيات (٦٣٠) من طريق عبد الله بن محمد بن حجاج بن المنهال، عن يحيى بن حماد به، ولفظه: الغسل من خمسة: فزاد الغسل من ماء الحمام.\nورواه البيهقي في السنن (١/ ٣٠٠) من طريق سفيان، عن عبد الله بن أبي السفر به، بزيادة الغسل من ماء الحمام.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٨) رقم ٤٨٣، وأيضًا (١/ ٤٣٣) رقم: ٤٩٩٤، وأبو داود (٣٤٨، ٣١٦٠)، وابن خزيمة (٢٥٦)، والدارقطني (١/ ١١٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٦٣)، والبيهقي في السنن (١/ ١٩٩، ٣٠٠)، وفي الخلافيات (١٠٠٢) من طريق زكريا ابن أبي زائدة، عن مصعب به، وانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: إتحاف المهرة (٢١٧٨٩)، أطراف المسند (٩/ ٦٨)، تحفة الأشراف (١٦١٩٣).","vol":"4","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1760>الدليل الثالث:</span>\n(٧١٤ - ٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: وقد كنت حفظت من كثير من علمائنا بالمدينة أن محمد بن عمرو بن حزم كان يروي عن المغيرة أحاديث،\nمنها أنه حدثه أنه سمع النبي ﷺ يقول: من غسل ميتًا فليغتسل (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>الدليل الرابع:</span>\n(٧١٥ - ٣٥) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه،\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٢٤٦).\n(^٢) ضعيف لجهالة من روى عنهم ابن إسحاق، ولذلك قال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٢): في إسناده من لم يسم.\nولو كان صحيحًا لما قال أحمد وعلي بن المديني: لا يصح في هذا الباب شيء، وقد نقلت ذلك في الحديث السابق فانظره. وانظر أطراف المسند (٥/ ٣٧٥).","vol":"4","page":138},{"text":"عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: من غسل ميتًا فليغتسل (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) الأوسط (٣/ ١٤٩) رقم: ٢٧٦٠، ومن طريق يزيد بن زريع أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٣٧).\n(^٢) في إسناده علتان:\nالأولى: والد أبي إسحاق السبيعي، قال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٢، ٢٣): «رواه الطبراني في الأوسط من رواية أبي إسحاق السبيعي، عن أبيه، ولم أجد من ذكر أباه». اهـ\nالعلة الثانية: اختلف فيه على ابن إسحاق:\nفرواه يزيد بن زريع، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة.\nوخالف معمرًا جماعة، منهم:\nالأول: شعبة، كما في مسند أحمد (١/ ٩٧)، والطيالسي (١٢٠)، ومسند الإمام الشافعي (١/ ٢٠٧)، والنسائي (١٩٠)، وابن الجارود (٥٥٠)، والأحاديث المختارة للمقدسي (٧٤٥).\nالثاني: الثوري، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٠) ح ١١١٥٥، وأحمد (١/ ١٣١)، وأبو داود (٣٢١٤)، والنسائي في الكبرى (١٩٥)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٩٨)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (٧٤٦).\nالثالث: إسرائيل، كما في سنن البيهقي (١/ ٣٠٤).\nالرابع: إبراهيم بن طهمان، كما في مسند أبي يعلى (٤٢٣)، وفي معجمه أيضًا (٢٣٩)، والأحاديث المختارة للمقدسي (٧٤٧).\nالخامس: أبو الأحوص، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١١٨٤٠).\nالسادس والسابع والثامن والتاسع: شريك وزهير وقيس بن الربيع وورقاء ذكر ذلك الدارقطني في علله (٤/ ١٤٤).\nكلهم رووه عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن علي بن أبي طالب في أمر النبي ﷺ له بالاغتسال من دفن أبيه. وسوف أحكم على هذا الطريق إن شاء الله تعالى عند الكلام على دليل من قال: يغتسل من غسل الكافر إذا مات دون المسلم.\nقال الدارقطني في علله (٤/ ١٤٦): «وقال يزيد بن زريع، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، قال: ولا يثبت هذا عن أبي إسحاق، والمحفوظ قول الثوري وشعبة ومن تابعهما، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي». اهـ\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (١٠٤٦): «سألت أبي عن حديث رواه محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ من غسل ميتًا فليغتسل. قال أبي: هذا حديث غلط، ولم يبين غلطه». اهـ\nقلت: لم يبين غلطه اختصارًا أو اقتصارًا، وإلا فغلطه بين كما أوضحه الدارقطني.","vol":"4","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1762>الدليل الخامس:</span>\n(٧١٦ - ٣٦) ما رواه البخاري في التاريخ الكبير من طريق ابن وهب، عن إسامة، عن سعيد بن أبي سعيد مولى المهري، عن إسحاق مولى زائدة،\nعن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: من غسل ميتًا فليغتسل (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1763> دليل من قال: لا يشرع الغسل من تغسيل الميت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1764>الدليل الأول:</span>\nلم يثبت دليل صحيح في الأمر بالغسل من تغسيل الميت، والواجبات لا تثبت إلا بدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صحابي لا مخالف له.\nوقد قال جمع من أئمة المسلمين بأنه لم يثبت فيه حديث، من ذلك:\nالإمام أحمد (^٣)، وعلي بن المديني (^٤)، والذهلي (^٥)، وابن المنذر (^٦).\n_________\n(^١) التاريخ الكبير (١/ ٣٩٧) ومن طريقه البيهقي (١/ ٣٠١).\n(^٢) قد ساق البخاري الاختلاف في إسناد هذا الحديث في تاريخه (١/ ٣٩٦، ٣٩٧)، مما يدل على اضطراب فيه:\nمنها: رواه وهيب: عن أبي واقد، عن إسحاق مولى زائدة وابن ثوبان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nورواه سعيد بن أبي سعيد مولى الهروي، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nورواه البخاري من طريق ابن علية وابن عيينة، عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة من قوله.\nورواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوقال وذكر البخاري اختلافات أخرى من غير طريق إسحاق مولى زائدة، فرجع هذا الحديث إلى حديث أبي هريرة ﵁، وقد ذكرت طرقه بشيء من التفصيل في كتاب الوضوء عند الكلام على الوضوء من غسل الميت، (ح ١١٢١) فارجع إليه غير مأمور، والله أعلم.\n(^٣) سنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٠١).\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) فتح الباري تحت رقم (١٢٥٣).\n(^٦) الأوسط (٥/ ٣٥١).","vol":"4","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1765>الدليل الثاني:</span>\n(٧١٧ - ٣٧) ما رواه الحاكم من طريق أبي شيبة: إبراهيم بن عبد الله، حدثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة،\nعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه؛ فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم (^١).\n[المحفوظ وقفه على ابن عباس] (^٢).\n_________\n(^١) الحاكم في المستدرك (١/ ٣٨٦).\n(^٢) ومن طريق أبي شيبة أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (٣٨)، والدارقطني في السنن (٢/ ٧٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٠٦).\nواختلف فيه على سليمان بن بلال:\nفأخرجه الحاكم كما تقدم في إسناد الباب من طريق أبي شيبة، عن خالد بن مخلد، عن سليمان ابن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.\nوخالفه ابن وهب كما في سنن البيهقي الكبرى (٣/ ٣٩٨)،\nومعلى بن منصور كما في سنن البيهقي (١/ ٣٠٦).\nوأبو سلمة منصور بن سلمة كما في الناسخ والمنسوخ لابن شاهين (٣٩)، وسنن البيهقي (١/ ٣٠٦) ثلاثتهم عن سليمان بن بلال به، موقوفًا على ابن عباس.\nكما رواه عن ابن عباس من قوله جماعة، منهم:\nعطاء بن أبي رباح، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٩)، وعبد الرزاق (٦١٠١)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٤٩)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٠٦).\nوسعيد بن جبير، كما في سنن البيهقي (١/ ٣٠٦).\nفهذا الاختلاف من سليمان بن بلال.\nومال البيهقي ﵀ إلى أن الخطأ من أبي شيبة، فقال: «وروي هذا -يعني أثر ابن عباس- مرفوعًا، ولا يصح، ثم ساقه بإسناده مرفوعًا من طريق أبي شيبة، وقال: هذا ضعيف، والحمل فيه على أبي شيبة كما أظن».\nوتعقب الحافظ ابن حجر البيهقي في تلخيص الحبير (١/ ١٣٨)، فقال: «أبو شيبة هو إبراهيم ابن أبي بكر بن أبي شيبة، احتج به النسائي، ووثقه الناس»، ثم قال: «فالإسناد حسن».\nوقال الحافظ في التهذيب (١/ ١٣٦): «وكأن البيهقي ظنه جده إبراهيم بن عثمان، فهو المعروف بأبي شيبة أكثر مما يعرف بها هذا، وهو المضعف». اهـ ...\nقلت: وسواءً كان الخطأ من أبي شيبة، أو من شيخه خالد بن مخلد، وسواءً كان أبو شيبة الثقة، أو كان الضعيف، فإن الرفع خطأ؛ لأن كل من رواه عن ابن عباس رواه موقوفًا إلا ما جاء من طريق أبي شيبة، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، والله أعلم.","vol":"4","page":141},{"text":"وكون الثابت موقوفًا على ابن عباس فإنه يعارض بما ورد عن أبي هريرة موقوفًا عليه من الغسل من تغسيله، فإذا اختلف الصحابة نظر في الترجيح بينهما بأمر خارج، فمن المرجحات أن ابن عباس قد وافقه على هذا القول عائشة ﵂،\nوابن عمر كما سيأتي تخريجه عنهما، فهؤلاء الثلاثة أكثر عددًا، وأرجح فقهًا، يضاف إلى ذلك أن قول ابن عباس معلل بمقدمة ونتيجة، وهو بما أن الميت طاهر، فإن غسل الطاهر لا يوجب الغسل، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>الدليل الثالث:</span>\n(٧١٨ - ٣٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة،\nعن عائشة ﵂ أنها سئلت، هل على الذين يغسلون المتوفين غسل؟ قالت: لا (^١).\n[صحيح] (^٢).\nقلت: وهذا الأثر عن عائشة يدل على بطلان ما رواه مصعب بن شيبة، عن طلق ابن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: يغتسل من أربع وذكر منها غسل الميت، والذي خرجته في أدلة القول الأول.\nقال ابن عبد البر عقب أثر عائشة: «فدل على بطلان حديث مصعب بن شيبة؛ لأنه لو صح عنها ما خالفته، ومن جهة النظر والاعتبار لا تجب طهارة على من لم يوجبها الله عليه في كتابه، ولا أوجبها رسوله من وجه يشهد بها عليه» (^٣).\n_________\n(^١) المصنف (٢/ ٤٦٩) رقم: ١١١٤١.\n(^٢) ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٤٩، ٣٥٠).\n(^٣) الاستذكار (٣/ ١٢).","vol":"4","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1767>الدليل الرابع:</span>\n(٧١٩ - ٣٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nأن ابن عمر كفن ميتًا، وحنطه، ولم يمس ماء (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>الدليل الخامس:</span>\n(٧٢٠ - ٤٠) روى عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن بكر بن عبد الله المزني،\n_________\n(^١) المصنف (٢/ ٤٧٠) رقم ١١١٤٤.\n(^٢) ورواه ابن أبي شيبة (١١١)، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عمر: أغتسل من غسل الميت، قال: لا.\nوعطاء بن السائب قد اختلط بآخرة، وقد روى النسائي في السنن الكبرى (١٩٧٠) حديثًا من طريق أبي الأحوص، عن عطاء، ثم قال: عطاء بن السائب كان قد اختلط، وأثبت الناس فيه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج.\nولم يذكر صاحب كتاب الكواكب النيرات، ولا محققه، هل سمع أبو الأحوص من عطاء قديمًا أو سمع منه بآخرة؟ لكن لم ينفرد به عطاء بن السائب، فقد رواه غيره عن سعيد بن جبير.\nفقد رواه عبد الرزاق في المصنف (٦١٠٦) عن الثوري، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عمر، أغتسل من الميت؟ قال: أمؤمن هو؟ قلت: أرجو. قال: فتمسح من المؤمن، ولا تغتسل منه. اهـ وسنده حسن.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٤٦٩) من طريق حجاج، عن سليمان بن الربيع، عن سعيد بن جبير، قال: غسلت أمي ميتة، فقالت: هل علي غسل؟ فأتيت ابن عمر، فسألته، فقال: أنجسًا غسلت! ثم أتيت ابن عباس فسألته، فقال: مثل ذلك.\nورواه ابن أبي شيبة أيضًا (١/ ٤٦٩) من طريق حجاج، عن عطاء عن ابن عباس وابن عمر، قالا: ليس على غاسل الميت غسل.\nوحجاج هو ابن أرطأة، ضعيف، ويدلس عن المتروكين.\nوروى عبد الرزاق (١١٤١) من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: إني لأحب أن أغتسل من خمس: وذكر منها غسل الميت، ورواية الأعمش عن مجاهد فيها كلام.","vol":"4","page":143},{"text":"قال: أخبرني علقمة المزني، قال: غسل أباك أربعة من أصحاب الشجرة، فما زادوا على أن احتجزوا على ثيابهم، فلما فرغوا توضؤوا وصلوا عليه. قال: وسمعت أبا الشعثاء يقول: ألا تتقون الله، تغتسلون من موتاكم، أنجاس هم؟ (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1769> دليل من قال: يجب الغسل من تغسيل الكافر:</span>\n(٧٢١ - ٤١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن\nأبي إسحاق، قال: سمعت ناجية بن كعب يحدث عن علي ﵁،\nأنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبا طالب مات، فقال له النبي ﷺ: اذهب فواره، فقال: إنه مات مشركا. فقال: اذهب فواره. قال: فلما واريته، رجعت إلى النبي ﷺ، فقال لي: اغتسل (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\nوأجيب:\nأولًا: الحديث تفرد به ناجية بن كعب، عن علي، ولم يتابع عليه.\nثانيًا: لم يأمر النبي ﷺ عليًا بأن يغسله، وإنما أمره أن يواره، ولو صح لكان الحديث دليلًا على الغسل من دفن الكافر أو من حمله، ولا قائل به.\nوقد قال البيهقي ﵀: «وليس فيه أنه غسله» (^٥).\nقلت: ولا يشرع إذا مات الكافر أن يغسل.\n_________\n(^١) المصنف (٦١٠٣).\n(^٢) ورواه ابن أبي شيبة (١١١٤٢) من طريق حبيب بن الشهيد، عن بكر بن عبد الله به بنحوه.\n(^٣) المسند (١/ ٩٧).\n(^٤) تفرد به ناجية بن كعب، عن علي، ولم يتابع عليه، وسبق أن خرجت هذا الحديث عند الكلام على حديث حذيفة (ح ١١٦٢) في أدلة القول الأول، فارجع إليه غير مأمور.\n(^٥) سنن البيهقي (١/ ٣٠٤).","vol":"4","page":144},{"text":"ثالثًا: لعل الغسل بسبب أمر آخر، لا يرجع إلى أبي طالب، ولذلك جاء عند ابن أبي شيبة، من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن علي وفيه: (فانطلقت، فواريته، ثم رجعت إليه وعلي أثر التراب والغبار) (^١).\nوعلى الرغم من تفرد أبي الأحوص بهذه الزيادة إلا أن واقع الحال يشهد لها، فإن من أراد أن يحفر للميت حفرة بأرض مثل أرض الحجاز، لا بد أن يصيبه من أثر التراب والغبار، فبعيد أن يشتغل الإنسان بالحفر والدفن، ثم يرجع نظيف البدن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1770> دليل من قال: غسل الميت يوجب الوضوء فقط:</span>\nقد تعرضت لأدلة هذا القول في باب نواقض الوضوء، وهل غسل الميت يوجب الوضوء أم لا؟ ورجحت هناك أن غسل الميت لا يوجب الوضوء، وليس حدثًا، ولا مظنة للحدث فارجع إليه غير مأمور.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1771> دليل من قال: يستحب الغسل ولا يجب:</span>\nاستدلوا بأدلة القائلين بالوجوب، إلا أنهم حملوا الأمر فيها على الاستحباب، والذي حملهم على صرف الأمر من الوجوب إلى الندب ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (^٢)، والدارقطني في السنن (^٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (^٤)، من طريق محمد ابن عبد الله المخرمي، عن أبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي، عن وهيب، عن\nعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لم يغتسل.\n[صحيح] (^٥).\n_________\n(^١) المصنف (١١٨٤٠).\n(^٢) تاريخ بغداد (٥/ ٤٢٣).\n(^٣). سنن الدارقطني (٢/ ٧٢).\n(^٤). سنن البيهقي (١/ ٣٠٦).\n(^٥). وأمر الإمام أحمد ابنه عبد الله أن يكتب هذا الحديث، جاء في تاريخ بغداد (٥/ ٤٢٣)، وفي سير\nأعلام النبلاء (١٢/ ٢٦٦): «قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال لي أبي: كتبت حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر .... وذكر الأثر. قلت: لا. قال: في المخرم شاب يقال له محمد بن عبد الله، يحدث به عن أبي هشام المخزومي، عن وهيب، فاكتبه عنه». اهـ\nوقال ابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ١٣٨): وهذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث. والله أعلم.","vol":"4","page":145},{"text":"• الراجح من الأقوال:\nبعد استعراض الأقوال وأدلتها نجد أن القول بوجوب الغسل من تغسيل الميت قول ضعيف، والآثار في ذلك لا تسلم من ضعف، وقد حكم جمع من أئمة الحديث بأنه لا يثبت في الباب حديث، وأما القول بالاستحباب فإنه قول قوي لفعل بعض الصحابة ﵃.\nقال الخطابي: «ولا أعلم أحدًا من الفقهاء يوجب الاغتسال من غسل الميت، ولا الوضوء من حمله، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب» (^١).\nقلت: أما القول بوجوب الاغتسال من غسل الميت والقول بوجوب الوضوء من حمله فقد حفظ القول بهما، ولكن الأدلة لا تعضدهما، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). معالم السنن (٤/ ٣٠٥).","vol":"4","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1772>الفصل السادس في غسل الجمعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1773>المبحث الأول في وجوب غسل الجمعة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الغسل للجمعة غسل لا يوجبه حدث، ولا نجس، شرع أول ما شرع دفعًا للروائح التي يتأذى بها الناس، ثم أمروا به أمرًا عامًّا، ومن هنا اختلف الناس فيه:\nهل يجب نظرًا لظاهر النصوص، أو يستحب نظرًا لأنه ليس ناشئًا عن حدث أو نجس، وإنما هو بمنزلة الاغتسال للإحرام والطواف، ونحوهما.\n• الطهارة متى أمر بها لتحصيل النظافة، ثم دخلتها أحكام العبادة المحضة لزمه الإتيان بها على كل حال، ولم يراع سببها، فيغتسل المسلم وإن عدمت الرائحة، كالرمل في الطواف سبب مشروعيته إغاظة الكفار، واستمر مشروعًا بعد ارتفاع سببه لغلب العبادة عليه.\n• الحكمة إذا كانت غير منضبطة لم تعلل بها الأحكام الشرعية، كالغسل يوم الجمعة شرع من أجل النظافة ودفع الرائحة، ولما كان تقدير النظافة يختلف الناس فيه علق الغسل بيوم الجمعة وجعل حقًا لله ليكون تشريعًا عامًا، للنظيف","vol":"4","page":147},{"text":"وغيره، ومثله الترخص في السفر شرع من أجل دفع المشقة، ولما كانت المشقة غير منضبطة علق الحكم بالسفر، ولم ينظر للمشقة.\n• أمر الرسول ﷺ بالغسل يوم الجمعة، والأصل في الأمر الوجوب، بل إن غسل الجمعة لم يقتصر فيه بالأمر بالغسل، بل اقترن بالأمر فيه ألفاظ تؤكد الوجوب، كقوله: غسل يوم الجمعة واجب، وأنه حق لله على كل مسلم، واستعملت كلمة (على كل مسلم) الظاهرة في الوجوب.\n• أطلق على الاغتسال بأنه حق لله على كل مسلم، والحق بمعنى الواجب، ففي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟\nفاسْتُعْمِلَتْ كلمة حق في أعظم الواجبات على الإطلاق، وهو توحيد الله بالعبادة.\n• إذا كان غسل الجمعة سيؤدي إلى فوات سماع خطبة الجمعة، فإنه يترك ويكتفى بالوضوء؛ لأن مصلحة الاستماع للخطبة أعظم من مصلحة الغسل كما فعل عثمان ﵁، فالواجبات إذا تزاحمت رتبت.\n[م-٣٢١] لا يختلف العلماء أن الغسل للجمعة ليس شرطًا في صحة صلاة الجمعة، واختلفوا في وجوبه:\nفقيل: الغسل سنة، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والمالكية (^٣)،\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٩٠)، بدائع الصنائع (١/ ٣٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٨)، فتح القدير (١/ ٦٥)، البحر الرائق (١/ ٦٦)، الفتاوى الهندية (١/ ١٦).\n(^٢) المجموع (٤/ ٤٠٤)، حاشيتا قليبوبي وعميرة (١/ ٣٢٩)، فتاوى الرملي (١/ ٦٠)، نهاية المحتاج (٢/ ٣٢٨).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٠٦)، التمهيد (١٠/ ٨٠)، الفواكه الدواني (٢/ ٢٦٦)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٨٥)، ويعبر عنه بعض فقهاء المالكية بأن الغسل يوم الجمعة واجب وذلك لتأكيد سنيته، وليس معنى أنه واجب وجوب الفرائض الذي يأثم بتركها.","vol":"4","page":148},{"text":"والحنابلة (^١).\nوقيل: الغسل واجب، وهو رواية عن أحمد (^٢)، ومذهب الظاهرية (^٣).\nوقيل: يجب من عرق أو ريح يتأذى به الناس، اختاره بعض الحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1774> دليل من قال: الغسل يوم الجمعة مسنون</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1775>الدليل الأول:</span>\n(٧٢٢ - ٤٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن الحسن،\nعن سمرة أن النبي ﷺ قال من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل (^٥).\n[ضعيف، الحسن لم يسمع هذا الحديث من سمرة، واختلف عليه على الحسن] (^٦).\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٢٠٢)، وقال في الإنصاف (١/ ٢٤٧): وهذا المذهب مطلقًا، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، ونص عليه. اهـ وانظر كشاف القناع (١/ ١٤٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٣).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٤٧).\n(^٣) قال ابن حزم في المحلى (٢/ ٨) مسألة: ١٧٨: «وغسل يوم الجمعة فرض لازم لكل بالغ من الرجال والنساء، وكذلك الطيب والسواك ...». اهـ وانظر رسالة الإمام داود الظاهري، وأثره في الفقه الإسلامي (ص: ٢٣٣).\n(^٤) قال صاحب الإنصاف (١/ ٢٤٧): «وأوجبه الشيخ تقي الدين من عرق أو ريح يتأذى به الناس، وهو من مفردات المذهب أيضًا.\n(^٥) المسند (٥/ ١١).\n(^٦) الحديث فيه ثلاث علل:\nالعلة الأولى: لم يسمعه الحسن من سمرة، وقد اختلف العلماء في سماع الحسن من سمرة إلى ثلاثة أقوال:\nالأول: قيل: إنه سمع منه مطلقًا، وهو قول علي بن المديني، والترمذي.\nالثاني: أنه لم يسمع منه شيئًا، اختاره ابن حبان في صحيحه، وقال شعبة وابن معين: الحسن لم يلق سمرة. =","vol":"4","page":149},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= القول الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط، ففي صحيح البخاري سماع منه لحديث العقيقة، واختار هذا النسائي، قال أبو عبد الرحمن في المجتبى (١٣٨٠)، وفي السنن الكبرى (١٦٨٤): «الحسن عن سمرة كتابًا، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة». اهـ\nومال إليه الدارقطني في سننه. انظر نصب الراية للزيلعي (١/ ٨٩) فقد أطال الكلام فيه، وحاشية سبط ابن العجمي على الكاشف (١/ ٣٢٢) تحقيق محمد عوامة.\nالعلة الثانية: الاختلاف في إسناده، فقيل: عن الحسن، عن سمرة.\nوقيل: عن الحسن، عن أنس.\nوقيل: عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة.\nوقيل: عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا، وقيل غير ذلك مما سيأتي تفصيله عند تخريج الحديث.\nالعلة الثالثة: مخالفته لما أهو أصح منه وأقوى من أحاديث في الصحيحين، وظاهرها وجوب الغسل يوم الجمعة، وسوف نذكرها إن شاء الله تعالى عند ذكر أدلة القائلين بالوجوب.\nقال الترمذي في العلل (١٤١): «سألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث، فقال: روى همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ.\nوروى سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ، ولم يذكرا: عن سمرة». اهـ\nفألمح البخاري بذكر الاختلاف على قتادة إلى تضعيف الحديث.\nوقال ابن حجر في الفتح تحت رقم (٨٧٩): «ولهذا الحديث طرق، أشهرها وأقواها رواية الحسن، عن سمرة، أخرجها أصحاب السنن الثلاثة، وابن خزيمة، وابن حبان، وله علتان:\nإحداهما: أنه من عنعنة الحسن.\nوالأخرى: أنه اختلف عليه فيه. أخرجه ابن ماجه من حديث أنس، والطبراني من حديث أنس، والطبراني من حديث عبد الرحمن بن سمرة، والبزار من حديث أبي سعيد، وابن عدي من حديث جابر، وكلها ضعيفة». إلخ كلامه ﵀.\n[تخريج الحديث].\nالحديث رواه قتادة، واختلف عليه فيه:\nفقيل: قتادة، عن الحسن، عن سمرة.\nرواه همام كما في المسند (٥/ ٨، ١١، ١٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٥٠٢٦) والدارمي (١٥٤٠)، وأبو داود (٣٥٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٩)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٩٩) رقم ٦٨١٧، وابن الجارود في المنتقى (٢٨٥)، والبيهقي (١/ ٢٩٥)، (٣/ ١٩٠)، =","vol":"4","page":150},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وشعبة، كما في مسند أحمد (٥/ ١١) وسنن الترمذي (٤٩٧)، والمجتبى من سنن النسائي (١٣٨٠)، وفي الكبرى (١٦٨٤)، وصحيح ابن خزيمة (١٧٥٧)، والمعجم الكبير للطبراني (٦٨١٨، ٦٨١٩) ومسند البزار (٤٥٤١)، ومسند ابن الجعد (٩٨٦)، ومسند الروياني (٧٨٧)، وسنن البيهقي (١/ ٢٩٥، ٢٩٦)، والخطيب في تاريخه (٢/ ٣٥٢).\nأبو عوانة كما في المعجم الكبير للطبراني (٦٨٢٠)، ثلاثتهم (همام، وشعبة، وأبو عوانة) رووه عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.\nوتابع يونس بن عبيد قتادة في روايته عن الحسن، فأخرجه البزار في مسنده (٤٥٤٠)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٢٣) ح ٦٩٢٦ من طريق خالد بن يحيى، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن سمرة به.\nوقد تفرد بذلك خالد بن يحيى، عن يونس، وهو ممن لا يحتمل تفرده بذلك، فالمعروف أن الحديث حديث قتادة، عن الحسن.\nقال ابن عدي: «حدث عن يونس بن عبيد وغيره ما لا يرويه غيره، وقال: ولخالد هذا إفرادات وغرائب عمن يحدث عنه، وليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به؛ لأني لم أر في حديثه متنًا منكرًا». الكامل (٣/ ٩).\nوقال الذهبي: صويلح، قواه ابن عدي. المغني في الضعفاء (١٨٨٩).\nالطريق الثاني: عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nأخرجه عبد الرزاق (٥٣١١)، عن معمر.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢٩٦) من طريق عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، كلاهما (معمر، وسعيد بن أبي عروبة) عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ.\nقال البيهقي: وكذلك رواه أبان بن يزيد العطار، عن قتادة. اهـ أي رواه مرسلًا.\nفهؤلاء ثلاثة: معمر، وسعيد بن أبي عروبة، وأبان رووه عن قتادة، عن الحسن مرسلًا.\nفأما معمر فهو مستصغر في قتادة، سمع منه وهو صغير، فلم يكن يحفظ.\nفإما أن يكون هذا الاختلاف من قتادة فيكون سببًا في إعلال الحديث، أو يكون هذا الاختلاف من الرواة عن قتادة، فيكون النظر في الترجيح بين رواية شعبة، وهمام، وأبي عوانة من جهة ورواية سعيد بن أبي عروبة وأبان من جهة أخرى.\nفصحح الطريقين أبو حاتم الرازي كما في العلل لابنه (٥٧٥)، فقال: «جميعًا صحيحان، همام ثقة وصله، وأبان لم يوصله».\nورجح الدارقطني في العلل رواية شعبة، عن قتادة، انظر العلل (١٠/ ٢٦٣).\nوهذا الترجيح لا يعني الصحة، وإنما الترجيح بالنسبة للاختلاف، ويبقى أن الحسن لم يسمعه من سمرة، ومخالفة هذا الحديث لأحاديث الصحيحين المصرحة بوجوب الغسل، وأنه حق لله لا يمكن أن تدفع بمثل هذا الحديث، والله أعلم. =","vol":"4","page":151},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الثالث: عن الحسن، عن أنس.\nرواه قتادة عن الحسن، ولم يثبت. ذكره الدارقطني في العلل كما في تلخيص الحبير (٢/ ٦٧) من طريق عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس. وقال: «وهم فيه عباد بن العوام، والصواب رواية يزيد بن زريع وغيره، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة». اهـ\nرواه البزار في مسنده (٦٦٦٩)، من طريق يحيى بن أبي بصير.\nوالطحاوي (١/ ١١٩) من طريق يعقوب الحضرمي، كلاهما حدثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن. وعن يزيد الرقاشي، عن أنس ﵁.\nقال البزار: إنما يعرف هذا عن يزيد، عن أنس، هكذا رواه غير واحد، وجمع يحيى، عن الربيع في هذا الحديث بين الحسن ويزيد، عن أنس، فحمله قوم على أنه عن الحسن، عن أنس، وأحسب أن الربيع إنما ذكره عن الحسن مرسلًا، وعن يزيد عن أنس، فلما لم يفصله جعلوه كأنه عن الحسن، عن أنس، وعن يزيد، عن أنس». اهـ\nقلت: من جمع بين الحسن وبين يزيد ليس يحيى بن أبي بصير؛ لأنه قد توبع على هذا الجمع، وإنما جاء الجمع من الربيع بن صبيح، وهو سيء الحفظ، ويبقى كلام البزار صحيحًا فيما يخص رواية الحسن عن أنس، وأما رواية الحسن مرسلًا فهو وجه واحد من وجوه كثيرة اختلف فيها على الحسن كما تبين من التخريج السابق.\nوالذي يؤيد كلام البزار أن محمد بن الحسن رواه في الموطأ من روايته، ففصل الموصول عن المرسل، قال محمد بن الحسن (٦٣) أخبرنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، وعن الحسن البصري كلاهما يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: من توضأ يوم الجمعه فبها ونعمت .... وذكر الحديث.\nفهنا واضح أن الربيع بن صبيح يصله من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس، ويرسله من رواية الحسن، ولم يأت طريق صحيح عن الحسن وحده، عن أنس، وما روي من ذلك فهو حديث ضعيف.\nفقد أخرجه الطحاوي (١/ ١١٩)، والطبراني في الأوسط (٨٢٧٢)، والعقيلي (٢/ ١٦٧) من طريق الضحاك بن حمزة، عن الحجاج بن أرطأة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن الحسن، عن أنس.\nوهذا إسناد ضعيف، مسلسل بالضعفاء، فالضحاك والحجاج ضعيفان، وإبراهيم بن مهاجر متكلم فيه.\nورواه الطبراني في الأوسط (٤٥٢٥) من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس مرفوعًا.\nوهذا طريق ضعيف أيضًا، مؤمل بن إسماعيل سيء الحفظ.\nبخلاف رواية الربيع، عن يزيد وحده عن أنس فقد جاءت من طرق: =","vol":"4","page":152},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأخرجه أبو داود الطيالسي (٢١١٠) حدثنا الربيع، عن يزيد، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل.\nومن طريق الربيع بن صبيح أخرجه الطحاوي (١/ ١١٩)، وابن عدي (٣/ ١٣٣)، والبيهقي (١/ ٢٩٦).\nوتابع الثوري الربيع، فأخرجه علي بن الجعد في مسنده (١٧٥٠) أخبرنا سفيان الثوري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك به.\nومن طريق علي بن الجعد رواه أبو يعلى في مسنده (٤٠٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٩).\nوقال البغوي في الجعديات (١٧٧٣): هكذا حدثنا علي، عن سفيان، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، وهو مرسل، لم يسمع الثوري من يزيد الرقاشي شيئًا، بينهما الربيع بن صبيح، فرجعت رواية الثوري إلى رواية الربيع، والربيع سيء الحفظ.\nونقل الغماري في الهداية (٣/ ٢٩١)، فقال: «ورواه أبو العباس بن سريج في جزئه، قال: حدثنا الرمادي، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا سفيان، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي به. اهـ فهذا يؤكد ما ذكره البغوي.\nوأخرجه ابن ماجه (١٠٩١) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي، عن يزيد الرقاشي به.\nويزيد الرقاشي مشهور الضعف، وإسماعيل بن مسلم المكي ضعيف أيضًا.\nورواه عبد الرزاق (٥٣١٢) من طريق عكرمة بن عمار، عن يزيد الرقاشي به.\nالطريق الرابع: عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة.\nانفرد به أبو حرة، عن الحسن، وهو مضعف في روايته عن الحسن، وقد وهم في اسم صحابيه.\nأخرجه أبو داود الطيالسي (١٣٥٠)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٩٦)، قال: حدثنا أبو حرة، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ .... وذكر الحديث.\nوأخرجه العقيلي (٢/ ١٦٧)، من طريق سلم بن سليمان الضبي.\nوالطبراني في الأوسط (٧٧٦٥) من طريق حفص بن عمر الرازي،\nوالبيهقي (١/ ٢٩٦) من طريق بكر بن بكار، ثلاثتهم عن أبي حرة به من غير شك.\nوأبو حرة، وثقه أحمد.\nوقال يحيى بن معين: صالح، وحديثه عن الحسن ضعيف، يقولون: لم يسمعه من الحسن.\nوفي التقريب: صدوق عابد، وكان يدلس عن الحسن.\nوقال الحافظ في التلخيص (٦٥٥): «ورواه أبو حرة عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، ووهم في اسم صحابيه».\nوله شوهد ضعيفة، منها: =","vol":"4","page":153},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الشاهد الأول: حديث جابر.\nرواه عبد الرزاق (٥٣١٣) عن الثوري، عن رجل، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله والإسناد ضعيف.\nورواه عبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (١٠٧٧) من طريق الثوري،\nوأبو حنيفة كما في مسنده لأبي نعيم (ص: ٦٠) من طريق شريك، كلاهما، عن أبان، عن أبي نضرة به. فاتضح الرجل المبهم في إسناد عبد الرزاق. وأنه أبان ابن أبي عياش، وهو رجل متروك.\nورواه الطحاوي (١/ ١١٩) والبزار، كما في مختصر زوائد مسند البزار (٤٣٩) من طريق قيس ابن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٥): «رواه البزار، وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري، وضعفه جماعة. قلت: أين أصحاب الأعمش لو كان هذا من حديثه، فانفراد قيس بن الربيع دون أصحاب الأعمش يوجب في النفس شيئًا من قبول هذا الخبر».\nالشاهد الثاني: حديث أبي سعيد:\nرواه البزار كما في مسنده (١٦) من طريق أسيد بن زيد، حدثنا شريك، عن عوف، عن أبي نضرة،\nعن أبي سعيد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ يوم الجمعة، فبها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل.\nقال البزار: لا نعلمه عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن عوف إلا شريك، ولا عن شريك إلا أسيد بن زيد، وأسيد بن زيد كوفي قد احتمل حديثه مع شيعية شديدة كانت فيه.\nومن طريق أسيد بن زيد رواه البيهقي في السنن (١/ ٢٩٦).\nقال الذهبي في اختصاره لسنن البيهقي (١٢٧٥): أسيد بن زيد واهٍ.\nوأشار البيهقي إلى اختلاف على أبي نضرة، فقد قيل: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد كما تقدم.\nوقال البيهقي في السنن (١/ ٢٩٦): «ورواه الثوري، عمن حدثه عن أبي نضرة، عن جابر». اهـ\nالشاهد الثالث: حديث ابن عباس.\nرواه البيهقي في السنن (١/ ٢٩٥) من طريق أحمد بن نصر، حدثنا عمرو بن طلحة القناد حدثنا أسباط بن نصر السدي، عن عكرمة، عن بن عباس به مرفوعًا.\nقال البيهقي: «وهذا الحديث بهذا اللفظ غريب من هذا الوجه، وإنما يعرف من حديث الحسن وغيره».\nونقله ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٣٦٦)، وابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٦٥٣) وأقراه، ولم يتعقباه. =","vol":"4","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1776>الدليل الثاني:</span>\n(٧٢٣ - ٤٣) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا (^١).\nوجه الاستدلال:\nأنه ﷺ أثنى على المتوضئ، ولم يذكر الغسل، فلو كان واجبًا لذكره ﵊.\nقال القرطبي: ذكر الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحة، فدل على أن الوضوء كاف (^٢).\n• وأجيب:\nقال ابن حجر: «ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ: (من اغتسل) فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء» (^٣).\n_________\n= فتبين من خلال هذا التخريج أن الحديث على ضعفه، فيه اختلاف كثير، فلا يمكن أن يعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة في الصحيحين من الأمر بالغسل، والأصل في الأمر الوجوب، وبعضها صريح بأن الغسل واجب، وكلمة واجب لا تستعمل إلا بما لزم شرعًا كما سيأتي بيانه.\nوضعفه ابن رجب من حديث سمرة للاختلاف في سماع الحسن من سمرة، كما ضعفه من مسند أنس؛ لأن الرواي له يزيد الرقاشي، انظر فتح الباري لابن رجب (٨/ ٨٠).\nوانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: أطراف المسند (٢/ ٥٢٧)، التحفة (٤٥٨٧)، إتحاف المهرة (٦٠٦٦).\n(^١) صحيح مسلم (٨٥٧).\n(^٢) فتح الباري تحت رقم (٨٧٩).\n(^٣) المرجع السابق.","vol":"4","page":155},{"text":"قلت: كلام ابن حجر ظاهر، فهذا الدليل لا يمنع وجوب الغسل بدليل آخر، ولا يوجد دليل واحد يقوم بكل الواجبات الشرعية، فهذا دليل يوجب السعي للجمعة عند سماع النداء، وآخر يوجب الغسل، وثالث يوجب الاستماع وعدم الكلام وهكذا، وعلى التنزل أن يكون هذا الدليل فيه تلويح بعدم وجوب الغسل، فيكون ذلك على البراءة الأصلية، والأحاديث التي توجب الغسل تكون مقدمة؛ لأنها ناقلة عنها، وشاغلة للذمة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1777>الدليل الثالث:</span>\n(٧٢٤ - ٤٤) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر،\nعن ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ، فناداه عمر، أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل (^١).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: لما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل فدل ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار (^٢).\nوزاد بعضهم بأن من حضر من الصحابة الصلاة قد وافقوهما على ترك عثمان للغسل، فكان إجماعًا.\nوقال ابن عبد البر: «ومن الدليل على أن أمر رسول الله ﷺ بالغسل يوم الجمعة ليس بفرض واجب، أن عمر ﵁ في هذا الحديث لم يأمر عثمان بالانصراف للغسل، ولا انصرف عثمان حين ذكره عمر بذلك، ولو كان الغسل واجبًا فرضًا\n_________\n(^١) البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٨٤٥).\n(^٢) الفتح تحت رقم (٨٧٩).","vol":"4","page":156},{"text":"للجمعة ما أجزأت الجمعة إلا به، كما لا تجزئ الصلاة إلا بوضوء للمحدث أو بالغسل للجنب، ولو كان كذلك ما جهله عمر ولا عثمان» (^١).\nقال القاضي عياض: «هذا قول من عمر، وإقرار بمحضر جماعة من الصحابة، ولا منكر له، ولا مخالف، فهو كالإجماع، وعامة الفقهاء والأصوليين منهم يعدون هذا إجماعًا» (^٢).\n• وأجيب:\nبأنه لم يقل أحد: بأن غسل الجمعة شرط لصحة الصلاة، لا تجزئ صلاة الجمعة إلا به، ولم يأت نصٌّ نبويٌّ يقول: (لا يقبل الله صلاة الجمعة إلا بالغسل) كما قيل ذلك في الوضوء، ولو صلى تاركًا للغسل عمدًا مع القدرة عليه صحت صلاته، وقد حكي إجماعًا صحة صلاة الجمعة ولو لم يغتسل (^٣)، وإنما قالوا: الغسل واجب، وليس بشرط، وإذا فهم ذلك فلا يمكن أن تكون قصة عثمان ﵁ مع عمر دليلًا على نفي وجوب الغسل، بل إن الحديث ظاهر في وجوب الغسل، من وجهين:\nالأول: كون عمر يقطع الخطبة، ويشتغل بمعاتبة عثمان ﵁، ويقوم بتوبيخه على رؤوس الناس، كل ذلك دليل على وجوب الغسل، فلو كان ترك الغسل مباحًا لما فعل ذلك عمر ﵁.\nالثاني: أن عمر ﵁ قد أعلن في خطبته، بأن الرسول ﷺ كان يأمر بالغسل، والأصل في الأمر الوجوب، وإنما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة، خاصة وأن الخطبة كانت على عهد الخلفاء الراشدين قصيرة، كما كانت على عهد الرسول ﷺ، ولم يلزم من ذلك تأثيم عثمان؛ لأنه إنما تركه ذاهلًا عن الوقت، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنسان إذا خشي لو توضأ أن تفوته\n_________\n(^١) التمهيد (٥/ ٢٤٧).\n(^٢) إكمال المعلم (٣/ ٢٣٣).\n(^٣) الفتح تحت رقم (٨٧٩).","vol":"4","page":157},{"text":"الجمعة فإنه يتيمم، فما بالك بالغسل الذي هو مجرد واجب، وليس شرطًا في صحة الصلاة، على أن عثمان قد يكون قد اغتسل في أول النهار، لما ثبت في صحيح مسلم عن حمران، أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يفيض عليه الماء (^١)، وإنما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخير؛ لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، كما هو الأفضل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1778>الدليل الرابع:</span>\n(٧٢٥ - ٤٥) ما رواه البخاري من طريق عروة بن الزبير،\nعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في العباء يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم، وهو عندي، فقال النبي ﷺ: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله (لو أنكم تطهرتم) فكلمة (لو) حرف للتمني، أو للشرط، والجواب محذوف لكان حسنًا، وهذا يدل على الحض والترغيب في الغسل، لا على الوجوب.\n• وأجيب:\nبأن حديث عائشة هذا ليس فيه الأمر بالغسل، وإنما عرض عليهم الغسل عرضًا، وحثهم عليه، فليس فيه دليل على وجوب الغسل، ثم أمرهم النبي ﷺ بعد ذلك أمر إلزام، فصار الغسل واجبًا لذلك، ولو لم يرد إلا هذا الحديث ما قال أحد بوجوب الغسل، وإنما وردت مجموعة من الأحاديث تأمرهم بالغسل، وبعضها يعبر بالوجوب، (غسل الجمعة واجب) وبعضها بلفظ: (الغسل على كل بالغ) وهي\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٣١).\n(^٢) بتصرف يسير انظر الفتح تحت رقم (٨٧٩).\n(^٣) البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧).","vol":"4","page":158},{"text":"ظاهرة في الوجوب، وبعضها بلفظ: (الغسل على كل مسلم) ولا يمنع أن يكون الرسول ﷺ رغبهم بالغسل أول الأمر، ثم أوجبه عليهم، فيكون الرسول ﷺ تدرج بهم كشأن بعض الأحكام الشرعية، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1779>الدليل الخامس:</span>\n(٧٢٦ - ٤٦) ما رواه البخاري، من طريق عمرو بن سليم الأنصاري، قال:\nأشهد على أبي سعيد، قال: أشهد على رسول الله ﷺ قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا إن وجد.\nقال عمرو: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم، أواجب هو أم لا؟ ولكن هكذا في الحديث. ورواه مسلم دون قول عمرو (^١).\nوجه الاستدلال:\nظاهر الحديث وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعطف على الغسل، فالتقدير الغسل واجب، والاستنان والطيب كذلك، وليس الطيب والاستنان بواجبين اتفاقًا، فدل على أن الغسل ليس بواجب، إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد.\n• وأجيب بعدة أجوبة، منها:\nالأول: لا نسلم أن دلالة الاقتران، تعني التساوي في الحكم، لا سيما ولم يقع التصريح بحكم المعطوف، وقد قال ﷾: (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]، والأكل مباح، ودفع الحق واجب.\nثانيًا: على التسليم بأن الحديث ظاهر في وجوب الاستنان والطيب، فيقال: قد دل الإجماع على خروج الطيب والاستنان من القول بالوجوب، وبقي ما عداه على الأصل، وهو وجوب الغسل.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٨٨٠)، ومسلم (٨٤٦).","vol":"4","page":159},{"text":"ثالثًا: لا نسلم حكاية الإجماع بأن الطيب والاستنان ليسا واجبين، فالخلاف محفوظ فيهما، فأما الاستنان، فالقول بوجوبه ذهب إليه داوود الظاهري (^١)، ونُسِبَ هذا القول إلى إسحاق بن راهوية (^٢).\nوقد استعرضت أدلة الأقوال في كتابي سنن الفطرة، وهو جزء من هذه السلسلة، والله الموفق.\nوأما الطيب، فقد قال الحافظ ابن حجر: روى سفيان بن عيينة في جامعه عن\nأبي هريرة أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة. وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر (^٣).\nوإن كنت أرجح أن الطيب والاستنان ليسا واجبين، وظاهر حديث أبي سعيد يفيد الوجوب في الجميع، لكن لا يمنع أن يقال: خرج الطيب والاستنان من القول بالوجوب بدليل آخر، وبقي غسل الجمعة على الوجوب، ولذلك روى البخاري عن عمرو بن سليم الأنصاري الراوي لحديث أبي سعيد قوله: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا؟ ولكن هكذا في الحديث.\nمما يدل على أن فهم السلف للوجوب على ظاهره، وهو الإلزام، ولذلك شهد\n_________\n(^١) المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٣٠)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٤)، المغني - لابن قدامة (١/ ٦٩) قال: «ولا نعلم أحدًا قال بوجوبه إلا إسحاق وداود».\nوقال النووي في المجموع (١/ ٣٢٧): «السواك سنة، وليس بواجب. هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة إلا ما حكى الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا عن داود، أنه أوجبه. وحكى صاحب الحاوي أن داود أوجبه، ولم يبطل الصلاة بتركه، . قال: وقال إسحاق بن راهويه: هو واجب، فإن تركه عمدًا بطلت صلاته. وهذا النقل عن إسحاق غير معروف، ولا يصح عنه، وقال القاضي أبو الطيب والعبدري: غلط الشيخ أبو حامد في حكايته وجوبه عن داود، بل مذهب داود أنه سنة؛ لأن أصحابنا نصوا أنه سنة، وأنكروا وجوبه، ولا يلزم من هذا الرد على\nأبي حامد». اهـ\n(^٢) المجموع (١/ ٣٢٧)، المغني - لابن قدامة (١/ ٦٩).\n(^٣) الفتح تحت رقم (٨٧٩).","vol":"4","page":160},{"text":"عمرو بن سليم بوجوب الغسل يوم الجمعة، ولم يشهد على وجوب الطيب والاستنان، ولو كان الوجوب بمعنى التوكيد كما تأوله الجمهور لشهد بذلك للجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1780>الدليل السادس:</span>\nقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: «أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، وفي ذلك ما يكفي ويغني عن الإكثار .... ومع إجماعهم على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، اختلفوا فيه: هل هو سنة مسنونة للأمة؟ أم هو استحباب وفضل؟ أو كان لعلة فارتفعت؟» (^١).\nودعوى الإجماع على أنه ليس بواجب فيه نظر كبير، فالقول بوجوبه قد شهد به عمرو بن سليم الأنصاري الراوي للحديث عن أبي سعيد، وقوله في البخاري، وسبق تخريجه، كما أنه رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الظاهرية، وقال الحافظ: وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار بن ياسر (^٢).\nقلت: وهو مقتضى صنيع عمر حين أنكر على عثمان بن عفان ترك الاغتسال، وهو على المنبر محتجًا بأن الرسول ﷺ كان يأمر بالغسل، وهو في الصحيحين، وسبق تخريجه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1781> دليل من قال: غسل الجمعة واجب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1782>الدليل الأول:</span>\n(٧٢٧ - ٤٧) ما رواه البخاري من طريق نافع وسالم فرقهما،\nعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد (١٠/ ٨٠).\n(^٢) الفتح تحت رقم (٨٧٩).\n(^٣) البخاري (٨٧٧، ٨٩٤، ٩١٩).","vol":"4","page":161},{"text":"وجه الدلالة:\nقوله ﷺ: (فليغتسل) وهذا أمر بالغسل يوم الجمعة، والأصل في الأمر الوجوب.\n(٧٢٨ - ٤٨) لما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال:\nلولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة (^١).\nولو أمرنا بالسواك لكان واجبًا علينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1783>الدليل الثاني:</span>\n(٧٢٩ - ٤٩) ما رواه مسلم من طريق وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده. ورواه البخاري (^٢).\nوجه الدلالة: قوله (حق لله) فالحق بمعنى الواجب، ففي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا (^٣).\nفاسْتُعْمِلَتْ كلمة حق في أعظم الواجبات على الإطلاق، وهو ما خلق الخليقة من أجله، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1784>الدليل الثالث:</span>\n(٧٣٠ - ٥٠) ما رواه البخاري من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء ابن يسار،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٨٨٧).\n(^٢) مسلم (٨٤٩)، والبخاري (٨٩٨).\n(^٣) البخاري (٧٣٧٣)، ومسلم (٣٠).","vol":"4","page":162},{"text":"عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. ورواه مسلم (^١).\nفالواجب هو اللازم شرعًا، وقد حاول الجمهور تأويل الحديث؛ فقالوا: إن كلمة واجب المقصود بها التوكيد، كما تقول: إكرامك علي واجب، والذي حملهم على هذا التأويل المخالف لظاهر الحديث:\nإما لأنهم فهموا من كلمة واجب، أن الغسل شرط في صحة الصلاة، فقالوا: الإجماع منعقد على صحة الصلاة، ولو لم يغتسل للجمعة، فحملهم هذا على تأويل الحديث عن ظاهره، والحق أن الحديث نص في وجوب الغسل، وليس نصًّا على شرطية الغسل، فلا يصح الاعتراض (^٢).\nأو لأنهم حاولوا الجمع بين الأحاديث التي توجب الغسل وبين أحاديث تعارضها، ولكن ليست صحيحة، مثل حديث: (من اغتسل يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل).\nقالوا: فقوله: (الغسل أفضل) فإنه يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٨٧٩)، ومسلم (٨٤٦).\n(^٢) قال الشافعي في الرسالة (ص: ٣٠٣): «قول رسول الله ﷺ في غسل يوم الجمعة واجب، يحتمل معنيين: الظاهر منهما أنه واجب، فلا تجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، كما لا يجزئ في طهارة الجنب غير الغسل.\nويحتمل واجب في الاختيار والأخلاق والنظافة، ثم استدل للاحتمال الثاني بقصة عثمان مع عمر التي تقدمت، قال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل دل ذلك على أنهما عقد علما، أن أمر رسول الله ﷺ بالغسل على الاختيار». اهـ\nقال ابن حجر في الفتح تحت رقم (٨٧٩) بعد أن نقل نص الشافعي المتقدم: «وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة لكن حكى الطبري من قوم أنهم قالوا بوجوبه، ولم يقولوا: إنه شرط، بل واجب مستقل تصح الصلاة بدونه، كأن أصله قصد التنظيف وإزالة الروائح الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس». إلخ كلامه رحمه الله تعالى.","vol":"4","page":163},{"text":"الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء، فحملهم ذلك على تأويل (غسل يوم الجمعة واجب) إلى ما ذكرنا من أن المقصود به توكيد الغسل، وليس لزومه.\nوالحق أن سند هذا الحديث لا يمكن أن يعارض به أحاديث الصحيحين، فقد علمت ما في الحديث من اختلاف من خلال الكلام على سنده ومتنه.\nقال ابن دقيق العيد: «ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة، وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر -يعني من الأمر بالغسل، ومن الحكم بأنه واجب - وقد أولوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على التأكيد، كما يقال: إكرامك علي واجب، وهو تأويل ضعيف إنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحًا على هذا الظاهر، وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث. إلخ كلامه ﵀ (^١).\nقلت: وكلمة (واجب) في الحقيقة الشرعية تعني اللزوم، قال ﷺ: (لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم).\nوقد أخرج أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وابن الجارود (^٤)، والطبراني في المعجم الأوسط (^٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (^٦)، وابن خزيمة (^٧)، وابن حبان (^٨)،\n_________\n(^١) الفتح تحت رقم (٨٧٩).\n(^٢) السنن (٣٤٢).\n(^٣) روى النسائي الجملة الأولى منه فقط دون الغسل (١٣٧١).\n(^٤) المنتقى (٢٨٧).\n(^٥) الأوسط (٤٨١٦).\n(^٦) شرح معاني الآثار (١/ ١١٦).\n(^٧) صحيح ابن خزيمة (١٧٢١).\n(^٨) صحيح ابن حبان (١٢٢٠).","vol":"4","page":164},{"text":"والبيهقي (^١)، من طرق عن مفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس، عن بكير بن\nعبد الله الأشج، عن نافع، عن ابن عمر،\nعن حفصة، قالت: قال رسول الله ﷺ: على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل. فجمع بكلمة (على) الظاهرة في الوجوب بين الرواح وبين الغسل (^٢).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (٣/ ١٧٢).\n(^٢) تفرد بالزيادة في إسناده ومتنه مفضل بن فضالة، عن عياش، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن نافع، ورواية نافع عن ابن عمر في الصحيحين وغيرهما، ليس فيه زيادة ذكر حفصة في الإسناد، وليس فيه الجمع بين الأمر بالرواح، والأمر بالغسل.\nقال الطبراني كما في الفتح تحت رقم (٨٧٩): لم يروه عن نافع بزيادة حفصة إلا بكير، ولا عنه إلا عياش، تفرد به مفضل. ولم أقف على تعليق الطبراني في نسختي من الأوسط.\nوتعقبه الحافظ بقوله: «رواته ثقات، فإن كان محفوظًا فهو حديث آخر، ولا مانع أن يسمعه ابن عمر من النبي ﷺ، ومن غيره من الصحابة، فسيأتي في ثاني أحاديث الباب من رواية ابن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ، ولا سيما مع اختلاف المتون. اهـ\nقلت: القواعد الحديثية تقتضي شذوذ هذه الزيادة، فقد رواه نافع وسالم وأخوه عبد الله وعبد الله بن دينار عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ، وفي بعضها: سمعت رسول الله ﷺ يقول، ورواية بعضهم في الصحيحين، ولم يذكروا حفصة في إسناده، كما لم يجمعوا بين وجوب الرواح ووجوب الغسل، بل اقتصروا على لفظ: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل. وإليك بيان ما وقفت عليه ممن خرج أحاديثهم، فقد روى الحديث جماعة منهم:\nالأول: مالك كما في الموطأ (١/ ١٠٢)، ومسند أحمد (٢/ ٦٤)، وصحيح البخاري (٨٧٧)، وسنن النسائي (١٣٧٦)، والسنن الكبرى له (١٦٧٨)، وسنن الدارمي (١٥٣٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٥)، وسنن البيهقي (١/ ٢٩٣).\nالثاني: الليث كما في صحيح مسلم (٨٤٤)، وسنن البيهقي (١/ ٢٩٧).\nالثالث: عبيد الله بن عمر كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٥)، رقم ٥٠١٤، ومسند أحمد (٢/ ٣)، والمنتقى لابن الجاورد (٢٨٠)، والطبراني في الكبير (١٣٣٩٢)، وصحيح ابن حبان (١٢٢٥)، والخطيب في تاريخه (٥/ ٣٠٠).\nالرابع: الحكم بن عتيبة، كما في الطيالسي (١٨٥٠)، ومصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٦) رقم ٥٠٢١، وأحمد (٢/ ٧٧)، وسنن النسائي (١٤٠٥)، وفي الكبرى (١٦٧٧)، والطحاوي (١/ ١١٥)، والمعجم الأوسط للطبراني (١٠٨). =","vol":"4","page":165},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الخامس: أبو إسحاق السبيعي، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٣)، ومسند أحمد (٢/ ٤٢)، والنسائي في الكبرى (١٦٧٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٥).\nالسادس: يحيى بن سعيد الأنصاري كما في صحيح ابن حبان (١٢٢٥).\nالسابع: يحيى بن كثير الكاهلي، كما في صحيح ابن حبان (١٢٢٤)، .والله أعلم.\nالثامن: مالك بن مغول، كما في مسند أحمد (٢/ ٤١).\nالتاسع: أيوب، كما في مسند الطيالسي (١٨٤٨)، والحميدي (٦١٠)، أحمد (٢/ ٤٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٥).\nالعاشر: يحيى بن أبي كثير، كما في مسند أحمد (٢/ ١٠٥)، والطبراني في الأوسط (٢٦، ٥٦).\nالحادي عشر: الزهري، كما في معجم الأوسط للطبراني (٤٦).\nالثاني عشر: عبد الله بن سعيد بن أبي هند، كما في المعجم الأوسط للطبراني (٢٥٧).\nكل هؤلاء رووه عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ، لم يذكروا في الإسناد حفصة، ولم يجمعوا بين الأمر بالرواح إلى الجمعة وبين الأمر بالغسل، بل اقتصروا على قولهم: (من جاء منكم الجمعة فليغتسل).\nوقد وافقهم سالم، وأخوه عبد الله، وعبد الله بن دينار، فرووه عن ابن عمر بمثل ما رواه الجماعة من طريق نافع، عنه.\nفأما رواية سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ، فقد رواه الطيالسي (١٨١٨)، وأحمد (٢/ ٩)، والحميدي (٦٠٨)، والبخاري (٨٩٤)، ومسلم (٨٤٤)، والترمذي (٤٩٢)، والنسائي في الكبرى (١٦٧٢)، وفي المجتبى (١٤٠٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥٥) وابن الجارود في المنتقى (٢٨٣) وابن خزيمة (١٧٤٩)، والبيهقي (٣/ ١٨٨).\nوأما رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵁. فهي في مسند أحمد (٢/ ٣٧)، والحميدي (٦٠٩)، وصحيح ابن حبان (١٢٢٣).\nوأما رواية عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، فهي في مسند أحمد (٢/ ١٢٠)، وصحيح مسلم (٨٤٤)، والترمذي (٤٩٣)، والنسائي في الكبرى (١٦٧٥)، وفي المجتبى (١٤٠٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٥) من طريق الليث،\nوأخرجه عبد الرزاق (٥٢٩١)، وأحمد (٢/ ١٤٩)، ومسلم (٨٤٤)، والنسائي في الكبرى (١٦٧٣) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٥)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٩٣) من طريق ابن جريج كلاهما (الليث وابن جريج) روياه عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر مرفوعًا.\nقال النسائي: ما أعلم أحدًا تابع الليث على هذا الإسناد غير ابن جريج، وأصحاب الزهري يقولون: عن سالم بن عبد الله عن أبيه. =","vol":"4","page":166},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1785> دليل من قال: الغسل واجب على من كان به رائحة كريهة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>الدليل الأول:</span>\n(٧٣١ - ٥١) ما رواه البخاري من طريق عروة بن الزبير،\nعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في العباء يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم، وهو عندي، فقال: النبي ﷺ لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا. رواه مسلم (^١).\n• وأجيب:\nبأن هذا الحديث لا ينافي الوجوب، فبيان سبب الوجوب لا ينافي استصحاب الحكم، مع أن حديث عائشة ليس فيه أمر بالغسل، وإنما كان مجرد عرض وحث على الغسل، ثم أمرهم أمر إلزام بالغسل بعد ذلك، وكون السبب قد ارتفع لا يرتفع الحكم، أرأيت إلى مشروعية الرمل في الطواف، كان سبب مشروعيته إغاظة المشركين، ودحض ما أشاعوه بين الناس، بأن الصحابة رضوان الله عليهم قد وهنتهم حمى يثرب، ولا يزال الناس يرملون إلى اليوم، مع أن الله ﷾ قد طهر مكة من رجس المشركين.\n_________\n= ورواه يحيى بن وثاب، عن ابن عمر كما في مسند أحمد (٢/ ٥٣، ١١٥)، والنسائي في الكبرى (١٦٨٠١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٥).\nفكل هؤلاء يشهد على خطأ حديث من جعله عن ابن عمر عن حفصة، وهو طريق فرد لم يتابع، فالباحث يجزم بشذوذ مثل هذا الطريق، بل إذا كان النسائي يشير إلى تعليل الحديث من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، مع أنه ورد من طريقين كلاهما ثقة ابن جريج والليث، ولم يختلفا في متنه لمجرد أن أصحاب الزهري رووه عنه، عن سالم، عن ابن عمر، فما بالك بهذا الطريق الذي اشتمل على مخالفتين أحدهما في الإسناد، والأخرى في المتن، والله أعلم.\nانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: إتحاف المهرة (٢١٣٨٢).\n(^١) البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧).","vol":"4","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1787>الدليل الثاني:</span>\n(٧٣٢ - ٥٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا\nعبد العزيز، يعني ابن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو،\nعن عكرمة، أن أناسا من أهل العراق جاءوا، فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه. قال\nابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n• وأجاب عنه الحافظ بعدة أجوبة، منها:\nأولًا: الثابت عن ابن عباس خلافه.\nقلت: لعل الحافظ يشير إلى ما رواه ابن عباس مرفوعًا عن الرسول ﷺ بالأمر\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٥٣)، ومن طريق عبد الله بن مسلمة أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٦، ١١٧).\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٦، ١١٧) من طريق ابن أبي مريم، عن الدراوردي به.\nورواه أحمد (١/ ٢٦٨) وعبد بن حميد كما في المنتخب (٥٩٠)، وابن خزيمة (٣/ ١٢٧) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٠، ٢٨١) من طريق سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو به.\nانظر إتحاف المهرة (٨٢٩٥)، أطراف المسند (٣/ ٢٢١)، التحفة (٦١٧٩).\n(^٢) انظر تخريجه (ص: ١٧٢).","vol":"4","page":168},{"text":"بالغسل أمرًا مطلقًا (^١)، فإن كان مقصود الحافظ بقوله: «خلافه» أنه يخالفه مخالفة معارضة، بحيث يلزم من قبول هذا طرح ذاك، فليس بصواب، فابن عباس ساق سبب وجوب الغسل، ثم روى عن رسول الله ﷺ الأمر بالغسل أمرًا مطلقًا، وهما لا يتعارضان، خاصة فيما يتعلق بالمرفوع، أما فهم ابن عباس، بأن السبب إذا ارتفع ارتفع الحكم، فهذا فهم من عنده، موقوفًا عليه، والحجة في المرفوع خاصة، كما سيشير إليه الحافظ في الكلام التالي.\nثانيًا: قال الحافظ: «على تقدير الصحة، فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب، وأما نفي الوجوب فهو موقوف؛ لأنه من استنباط ابن عباس، وفيه نظر؛ إذ لا يلزم من زوال السبب زوال المسبب، كما في الرمل والجمار» (^٢).\nهذا فيما يتعلق بأهم الأدلة لكل فريق، وبعد استعراض الأدلة نجد أن الخلاف في المسألة قوي جدًّا، وأجد نفسي تميل إلى القول بالوجوب، لأنه ظاهر الأحاديث، والقائلون بالسنية يحتاجون إلى تأويل النصوص، وصرفها عن ظاهرها، لمعارض ليس من القوة بحيث نضطر إلى تأويل النصوص عن ظاهرها، والله أعلم، ومع القول بوجوب الغسل فإن من صلى بدون أن يغتسل فصلاته صحيحة، حتى ولو تركه بدون عذر؛ لأن الغسل واجب، وليس شرطًا في صحة الصلاة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن وجوب الغسل إنما كان من أجل النظافة وإزالة العرق، وليس عن حدث أو خبث، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) روى البخاري في صحيحه (٨٨٤) من طريق طاوس، قال: قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي ﷺ قال: اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رءوسكم، وإن لم تكونوا جنبًا، وأصيبوا من الطيب. قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري. ورواه مسلم أيضًا (٨٤٨).\n(^٢) المرجع السابق.","vol":"4","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1788>المبحث الثاني غسل الجمعة للصلاة لا لليوم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• غسل يوم الجمعة معقول المعنى، ومشروعيته من أجل اجتماع الناس في المسجد دفعًا لما قد يتأذى بعضهم من بعض نتيجة انبعاث الروائح الكريهة عند اجتماع الناس.\n• إطلاق يوم الجمعة على الصلاة، قال ﷺ: إذا جاء أحدكم الجمعة وفي رواية: إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل، فجعل الجمعة اسمًا للصلاة، وأمر بالاغتسال من جاءها، وذلك يقتضي تعلق الاغتسال بالصلاة.\n• حمل النصوص المطلقة في إضافة الغسل ليوم الجمعة على النصوص المقيدة والتي أضافت الغسل للصلاة، كقوله: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل، من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة.\n[م-٣٢٢] اختلف الفقهاء هل غسل الجمعة للصلاة، أو لليوم؟\nفقيل: الغسل للصلاة، ويدخل وقته بطلوع الفجر، وهو مذهب الجمهور","vol":"4","page":170},{"text":"من المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: الغسل للصلاة، ووقته أن يصلي الجمعة بذلك الغسل، حتى ولو اغتسل قبل طلوع الفجر، فإن اغتسل قبيل صلاة الجمعة، ثم أحدث قبل أن يصلي، أعاد الغسل، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (^٤).\nوقيل: الغسل لليوم، فلو اغتسل قبل غروب يوم الجمعة حقق السنة، اختاره بعض الحنفية (^٥)، وهو اختيار ابن حزم (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1789> دليل من قال: الغسل يوم الجمعة للصلاة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>الدليل الأول:</span>\n(٧٣٣ - ٥٣) ما رواه البخاري من طريق نافع وسالم فرقهما،\nعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1791>الدليل الثاني:</span>\nما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز، يعني\n_________\n(^١) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٧٩)، واشترط المالكية ألا يفصل بني الغسل والرواح نوم أو غذاء إلا أن يكون ذلك في المسجد.\n(^٢) إعانة الطالبين (٢/ ٧٢)، المنهج القويم (ص: ٣٨٠)، المهذب (١/ ١١٣)، مغني المحتاج (١/ ٢٩١).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٥٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٣).\n(^٤) تبيين الحقائق (١/ ١٨)، فتح القدير (١/ ٦٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٩)، فتح القدير (١/ ٦٧).\n(^٥) حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٩)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٦٩)، فتح القدير (١/ ٦٧).\n(^٦) المحلى (٢/ ١٩) مسألة: ١٧٩.\n(^٧) البخاري (٨٧٧، ٨٩٤، ٩١٩).","vol":"4","page":171},{"text":"ابن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو،\nعن عكرمة أن أناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه. قال\nابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nفكان مشروعية الغسل من أجل اجتماع الناس في المسجد، ودفعًا لما قد يتأذى\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٥٣).\n(^٢) الحديث رواه أبو داود (٣٥٣)، والطحاوي (١/ ١١٦)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٢٠) ح ١١٥٤٨، من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي.\nوأخرجه أحمد (١/ ٢٦٨)، وعبد بن حميد (٥٩٠)، وابن خزيمة (١٧٥٥)، والحاكم (١/ ٢٨٠)، (٤/ ١٨٩) والبيهقي (٣/ ١٨٩) من طريق سليمان بن بلال، كلاهما عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة أن أناسًا ... وذكر الحديث.\nومداره على عمرو بن أبي عمرو، وهو وإن كان ثقة من رجال الصحيحين إلا أنهما لم يخرجا له شيئًا من روايته عن عكرمة، قال أحمد: كل أحاديثه عن عكرمة مضطربة.\nوهو مخالف لما رواه طاوس، عن ابن عباس فقد روى الشيخان (خ ٨٨٤)، ومسلم (٨٤٨) قال طاوس: قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي ﷺ قال: اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنبا وأصيبوا من الطيب. قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري. وهذا لفظ البخاري.\nوقد حسن الحافظ إسناده في الفتح تحت رقم (٨٧٩)، وحسنه النووي في المجموع (٤/ ٥٣٦)، ويغني عنه حديث عائشة الذي قبله.","vol":"4","page":172},{"text":"بعضهم من بعض نتيجة انبعاث الروائح الكريهة عند اجتماع الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>الدليل الثالث:</span>\n(٧٣٤ - ٥٤) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر،\nعن ابن عمر ﵄، أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ، فناداه عمر، أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل (^١).\nوجه الاستدلال:\nأنكر عمر على عثمان إتيانه الجمعة مقتصرًا على الوضوء، وتاركًا للغسل، وقد ذكرنا نصه في الأدلة السابقة، ولو كان وقت الغسل لم يذهب بعد، لم يكن الإنكار في محله، فكان يمكن لعثمان أن يغتسل بعد الجمعة، فدل هذا على أن الغسل لحضور الصلاة، وليس لذات اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1793>الدليل الرابع:</span>\n(٧٣٥ - ٥٥) ما رواه البخاري من طريق سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان،\nعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. ورواه مسلم (^٢).\nقوله: (من اغتسل ثم راح) التعبير بـ (ثم) دليل على الترتيب، فكان الغسل\n_________\n(^١) البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٨٤٥).\n(^٢) البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠).","vol":"4","page":173},{"text":"قبل الرواح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1794> دليل من قال: الغسل لليوم، وليس للصلاة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1795>الدليل الأول:</span>\n(٧٣٦ - ٥٦) ما رواه البخاري من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار،\nعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أضاف الغسل إلى يوم الجمعة، ويوم الجمعة يمتد إلى غروب الشمس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1796>الدليل الثاني:</span>\n(٧٣٧ - ٥٧) ما رواه البخاري من طريق عروة بن الزبير،\nعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في العباء يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم، وهو عندي، فقال النبي ﷺ: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا) فجعل الطهر من أجل اليوم، وليس من أجل الصلاة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٨٧٩)، ومسلم (٨٤٦).\n(^٢) البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧).","vol":"4","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1797>الدليل الثالث:</span>\n(٧٣٨ - ٥٨) ما رواه مسلم من طريق وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده.\nوفي رواية للبخاري: (على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا) (^١).\nوجه الاستدلال:\nجعل الغسل مشروعًا في السبعة أيام، فإذا اغتسل في اليوم السابع فقد قام بالمشروع، وقد بينت الروايات الأخرى، أن هذا اليوم هو يوم الجمعة، ففي أي ساعة اغتسل فقد امتثل الأمر.\n(٧٣٩ - ٥٩) فقد روى أحمد ﵀، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن داود ابن أبي هند، عن أبي الزبير،\nعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: على كل مسلم غسل في سبعة أيام، كل جمعة (^٢).\n[أخطأ فيه داود بن أبي هند، فرواه على الجادة، عن أبي الزبير، عن جابر، وقد رواه الثقات عن أبي الزبير، عن طاوس، عن أبي هريرة] (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (٨٤٩)، والبخاري (٨٩٨).\n(^٢) المسند (٣/ ٣٠٤).\n(^٣) الحديث رواه أحمد كما في إسناد الباب، وابن أبي شيبة (٥٠٠٧)، والنسائي في المجتبى (١٣٧٨)، وفي الكبرى (١٦٨١)، وابن خزيمة (١٧٤٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٦)، وابن حبان (١٢١٩) من طريق داود بن أبي هند به.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (٤٩): «سألت أبي عن حديث رواه داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ، قال: (غسل يوم الجمعة واجب في كل سبعة أيام) قال أبي: هذا خطأ، إنما هو على ما رواه الثقات، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن أبي هريرة موقوف». اهـ ونقله ابن رجب في شرح البخاري ولم يتعقبه بشيء (٨/ ١٤٩).\nقلت: قد تابع ابن جريج داود بن أبي هند، إلا أن ابن جريج قد اختلف عليه فيه:\nفرواه وكيع كما في المنتخب من مسند عبد بن حميد (١٠٧٢) عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: على كل مسلم في كل سبع غسل يوم، وذلك يوم الجمعة.\nفهذه المتابعة قد تجعل الوهم من قبل أبي الزبير، وليس من الراوي عنه.\nفقد ذكر الدارقطني في العلل (١١/ ٣٧) أن ابن جريج، وابن عيينة، روياه عن عمرو يعني ابن دينار، عن طاوس، عن أبي هريرة موقوفًا.\nورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٧٤٦) أخبرنا محمد بن مهدي العطار، أخبرنا عمرو بن أبي سلمة، أخبرنا زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا بلفظ: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم). وهذا مخالف للفظ داود بن أبي هند، ومحمد بن مهدي مجهول.\nورواه عبد بن حميد (١٠٧٧) من طريق أبان بن عياش، عن أبي نضرة، عن جابر مرفوعًا: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل. وهذا ضعيف جدًّا، وسبق تخريجه ضمن شواهد حديث سمرة، انظر ح (٧٢٢).\nانظر إتحاف المهرة (٣٢٥٩)، أطراف المسند (٢/ ١٢٥)، تحفة الأشراف (٢٧٠٦).","vol":"4","page":175},{"text":"قلت: الجمع بين هذه الروايات ممكن، فقد يطلق الكل، ويراد به البعض، كما قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) [آل عمران: ١٧٣].\nوقد يطلق البعض، ويراد به الكل، كما في قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: ٩٢]، فالأحاديث التي أطلق فيها الغسل يوم الجمعة، لم يرد به كل اليوم، وإنما أراد به بعض اليوم، وهو ما قبل صلاة الجمعة، والقرينة التي تؤيد ذلك الأحاديث الصحيحة المصرحة بالأمر بالغسل من أراد أن يأتي الجمعة، أي الصلاة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1798> دليل من قال: لو اغتسل قبل الفجر ثم صلى الجمعة بذلك الغسل أجزأ:</span>\nاستدل من جهة اللغة، فإن النصوص قد نصت على الغسل يوم الجمعة لمن يريد حضور الصلاة، واليوم يطلق ويراد به اليوم والليلة، قال تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) [مريم: ١٠].\nوقال في آية أخرى: (أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَاّ رَمْزًا) [آل عمران: ٤١].","vol":"4","page":176},{"text":"(٧٤٠ - ٦٠) وقد روى البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام (^١).\nوفي رواية لمسلم: (أن أعتكف يومًا)، قال ﷺ: أوف بنذرك (^٢).\nالراجح من الخلاف:\nأن الغسل للصلاة، ليس من قبيل الغسل عن الأحداث، فهو مراد به النظافة، ومن أجل اجتماع الناس، وقد أمر به الرسول ﷺ، والأصل في الأمر الوجوب، وجاء بعضها بلفظ (غسل الجمعة حق لله) وفي بعضها (غسل الجمعة واجب) وفي بعضها (على كل مسلم) وهي كلها ألفاظ إن لم تكن صريحة فهي ظاهرة في الوجوب، وقد علق الأمر بالسعي إلى الجمعة: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) وفي بعضها أضاف الغسل إلى يوم الجمعة، فيقال: الغسل للصلاة يوم الجمعة، ويوم الجمعة يدخل من ليلة الجمعة حتى حضور الصلاة، لكن لو أنه عندما نام ليلة الجمعة، تعرض لعرق كثير أذهب فائدة اغتسال ذلك اليوم، كان المطلوب منه إعادة الغسل؛ لأن غسل الجمعة المراد منه النظافة، وليس رفع الحدث، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٠٤٢)، ومسلم (١٦٥٦).\n(^٢) مسلم (١٦٥٦).","vol":"4","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1799>المبحث الثالث في غسل من لا تجب عليه الجمعة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأحاديث التي تأمر بالغسل يوم الجمعة، يجب أن تقيد بالأحاديث التي تعلق الأمر بالغسل على شهود الجمعة، وقد نصت على أن الوجوب على كل محتلم، فغير البالغ، ولو حضر ليس مخاطبًا في الغسل.\n• الغسل حكم تكليفي، والأحكام التكليفية لا تلزم غير المكلف.\n[م-٣٢٣] بينت فيما سبق خلاف أهل العلم في وقت الغسل، وهل الغسل مشروع للصلاة أو لليوم؟\nوينبني على هذا الخلاف خلاف آخر، فمن قال: إن الغسل للصلاة رأى أن الحكم خاص بمن تلزمه الجمعة، أو بمن أراد حضورها، ولو لم تلزمه.\nومن قال: إن الغسل لليوم، رأى أن الغسل مشروع للمرأة، والرجل، والمسافر، وغيرهم، بل ذهب بعض أهل العلم إلى مشروعيته حتى للحائض والنفساء، وإليك بيان الأقوال في هذه المسألة،","vol":"4","page":178},{"text":"فقيل: يسن لكل من أراد حضور الجمعة، سواءً الرجل والمرأة، والصبي والمسافر والعبد وغيرهم، ولا يسن لمن لم يرد الحضور، وإن كان من أهل الجمعة، وهو الصحيح من مذهب الحنفية (^١)، وهو مذهب المالكية (^٢)، وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: يسن للرجل خاصة إذا حضر الجمعة، ولو لم تجب عليه، كالعبد، والمسافر، ولا يستحب للمرأة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: لا يسن إلا لمن لزمه الحضور، وهو قول في مذهب الشافعية (^٥).\nوقيل: يسن لمن هو من أهل الجمعة، ومنعه من الحضور عذر ونحوه، وهو قول في مذهب الشافعية (^٦).\nوقيل: الغسل على كل بالغ من الرجال والنساء، حضروا الصلاة أو لم يحضروا، وهو قول أبي ثور (^٧)، وقول في مذهب الشافعية (^٨)، واختاره ابن حزم حتى للحائض\n_________\n(^١) انظر الفتاوى الهندية (١/ ١٦)، فتح القدير (١/ ٦٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٢٠).\n(^٢) قال العدوي في حاشيته على شرح كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٧٩): «تسن في حق كل من حضرها، ولو لم تلزمه من مسافر وعبد وامرأة وصبي، كان ذا رائحة كالقصاب: أي اللحام أم لا ...». إلخ كلامه ﵀.\nوقال الدسوقي في حاشيته (١/ ٣٨٤): «والمعروف من المذهب أنه سنة لآتيها، ولو لم تلزمه». اهـ وانظر الفواكه الدواني (٢/ ٢٦٦).\n(^٣) المجموع (٤/ ٤٠٥)، وقال في حلية العلماء (٢/ ٢٤٠): «والصحيح تعلق ذلك بالحضور دون لزومه». اهـ وانظر مغني المحتاج (١/ ٢٩٠)، منهاج الطالبين (١/ ٢٢).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٢٤٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٣)، كشاف القناع (١/ ١٥٠)، مطالب أولي النهى (١/ ١٧٦).\n(^٥) المجموع (٤/ ٤٠٥).\n(^٦) المجموع (٤/ ٤٠٥).\n(^٧) حلية العلماء (٢/ ٢٤٠).\n(^٨) المجموع (٤/ ٤٠٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٩٠)، منهاج الطالبين (١/ ٢٢).","vol":"4","page":179},{"text":"والنفساء (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1800> دليل من قال: الغسل متعلق بالحضور، ولو لم تلزمه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1801>الدليل الأول:</span>\n(٧٤١ - ٦١) ما رواه البخاري من طريق نافع وسالم فرقهما،\nعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (^٢).\nفكلمة (أحد) نكرة مضافة، فتعم كل أحد ممن جاء إلى الجمعة، سواءً كان صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، مسافرًا أو غير مسافر، ومن قصر اللفظ على بعض أفراده لزمه دليل على تقييد هذا المطلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1802>الدليل الثاني:</span>\n(٧٤٢ - ٦٢) ما رواه البخاري من طريق سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان،\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. ورواه مسلم (^٣).\nقوله: «من اغتسل ثم راح» فيه فائدتان:\nالأولى: أن الغسل قبل الرواح.\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٢٦٦) مسألة: ١٧٩٠.\n(^٢) البخاري (٨٧٧، ٨٩٤، ٩١٩).\n(^٣) البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠).","vol":"4","page":180},{"text":"والثانية: أن الرواح سبب في الغسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1803>الدليل الثالث:</span>\n(٧٤٣ - ٦٣) ما رواه ابن خزيمة من طريق محمد بن رافع، عن زيد بن الحباب، حدثني عثمان بن واقد العمري، حدثني نافع،\nعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء (^١).\n[ذكر النساء في الحديث غير محفوظ] (^٢).\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة (١٧٥٢).\n(^٢) رواه ابن خزيمة كما في إسناد الباب، ومن طريق ابن خزيمة رواه البيهقي (٣/ ١٨٨).\nورواه ابن حبان (١٢٢٦) من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا زيد بن الحباب به. انظر إتحاف المهرة (١١٠٠٦) وقد ذكر الحافظ أن أبا عوانة قد رواه أيضًا من طريق زيد بن الحباب، عن عثمان بن واقد به.\nوقد انفرد بزيادة ذكر النساء عثمان بن واقد، عن نافع، وقد رواه جمع عن نافع، ولم يذكروا ما ذكره عثمان بن واقد، كما رواه سالم وأخوه عبد الله وابن دينار ويحيى بن وثاب وغيرهم عن ابن عمر ولم يذكروا في الحديث لفظ (النساء).\nقال الآجري عن أبي داود: «عثمان بن واقد ضعيف. قلت له: إن الدوري يحكي عن ابن معين أنه ثقة، فقال: هو ضعيف، حدث بحديث: (من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل) ولا نعلم أحدًا قال هذا غيره». اهـ\nقلت: قد خالف عثمان بن واقد كلًا من مالك، وعبيد الله بن عمر، والليث، والحكم بن عتيبة، وأبي إسحاق السبيعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن كثير الكاهلي، ومالك بن مغول، وأيوب، ويحيى بن أبي كثير.\nوإليك بيان مصادر هذه الروايات، فلو خالف عثمان بن واقد مالكًا وحده لردت رواياته، كيف وقد خالف أخص أصحاب نافع: عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس.\nالأول: مالك في الموطأ (١/ ١٠٢)، ومسند أحمد (٢/ ٦٤)، وصحيح البخاري (٨٧٧)، وسنن النسائي (١٣٧٦)، والسنن الكبرى له (١٦٧٨)، وسنن الدارمي (١٥٣٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٥)، وسنن البيهقي (١/ ٢٩٣).\nالثاني: الليث كما في صحيح مسلم (٨٤٤)، وسنن البيهقي (١/ ٢٩٧). ...\nالثالث: عبيد الله بن عمر كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٥)، رقم ٥٠١٤، ومسند أحمد (٢/ ٣)، والمنتقى لابن الجاورد (٢٨٠)، والطبراني في الكبير (١٣٣٩٢)، وصحيح ابن حبان (١٢٢٥)، والخطيب في تاريخه (٥/ ٣٠٠).\nالرابع: الحكم بن عتيبة، كما في الطيالسي (١٨٥٠)، ومصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٦) رقم ٥٠٢١، وأحمد (٢/ ٧٧)، وسنن النسائي (١٤٠٥)، وفي الكبرى (١٦٧٧)، والطحاوي (١/ ١١٥).\nالخامس: أبو إسحاق السبيعي، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٣)، ومسند أحمد (٢/ ٤٢)، والنسائي في الكبرى (١٦٧٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٥).\nالسادس: يحيى بن سعيد الأنصاري كما في صحيح ابن حبان (١٢٢٥).\nالسابع: يحيى بن كثير الكاهلي، كما في صحيح ابن حبان (١٢٢٤)، والله أعلم.\nالثامن: مالك بن مغول، كما في مسند أحمد (٢/ ٤١).\nالتاسع: أيوب، كما في مسند الطيالسي (١٨٤٨)، والحميدي (٦١٠)، أحمد (٢/ ٤٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٥).\nالعاشر: يحيى بن أبي كثير، كما في مسند أحمد (٢/ ١٠٥)، والطبراني في الأوسط (٢٦، ٥٦).","vol":"4","page":181},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1804> دليل من قال: الغسل يلزم كل بالغ حضر الجمعة أو لا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1805>الدليل الأول:</span>\n(٧٤٤ - ٦٤) ما رواه البخاري من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء ابن دينار،\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم (^١).\nفكلمة (كل) من ألفاظ العموم، فتعم الرجال والنساء، مَنْ حضر الجمعة ومن لم يحضر، حتى الحائض والنفساء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1806>الدليل الثاني:</span>\n(٧٤٥ - ٦٥) ما رواه مسلم من طريق وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٨٧٩)، ومسلم (٨٤٦).","vol":"4","page":182},{"text":"عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده. ورواه البخاري (^١).\nوجه الاستدلال:\nأنه جعل الغسل في كل سبعة أيام، فكأن هذا توقيت لتنظيف الجسد مرة واحدة من كل أسبوع، حضر الجمعة أو لم يحضر.\nوأجابوا عن حديث (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) بأن هذا الحديث فيه الأمر بالغسل على من حضر الجمعة، وليس فيه نص على إسقاط الغسل عمن لم يحضر، وفي الأحاديث الأخرى بينت وجوب الغسل على كل مسلم كما في حديث (حق لله على كل مسلم) وفي بعضها: (واجب على كل محتلم) فهذا قدر زائد فيجب الأخذ به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1807> دليل من قال: الغسل واجب على الرجال دون النساء:</span>\n(٧٤٦ - ٦٦) ما رواه البخاري، من طريق سالم بن عبد الله،\nأنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من جاء منكم الجمعة فليغتسل. ورواه مسلم.\nوجه الاستدلال:\nأن قوله ﷺ: (من جاء منكم الجمعة) يؤخذ منه فائدتان:\nالأولى: أن الغسل مشروع في حق من يحضر الجمعة.\nالثانية: أنه نص على وجوب الغسل على الرجال، لقوله: (منكم) ولم يقل: (منكن) فسقط وجوب الغسل على النساء.\n• وأجيب:\nبأن الأحكام على عمومها للرجال والنساء إلا بدليل، فما ثبت في حق الرجال\n_________\n(^١) مسلم (٨٤٩)، والبخاري (٨٩٨).","vol":"4","page":183},{"text":"ثبت في حق النساء، وكذلك العكس، وقد قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فكان هذا خطابًا للرجال، وقد دخل فيه النساء، وكذلك قوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) عام للرجال والنساء، كما أن قوله ﷺ: (من أتى الجمعة فليغتسل) فإن كلمة (من) اسم شرط، وهو من ألفاظ العموم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1808> دليل من قال: يلزم الغسل لمن تلزمه الجمعة وإن تركها لعذر:</span>\nقالوا: هذا الرجل المعذور في ترك الجمعة مشروع في حقه أمران، الأول حضور الجمعة، والثاني الغسل لها، فإذا عجز عن أحدهما لم يسقط الآخر.\nالراجح من أقوال أهل العلم:\nبعد استعراض أدلة كل قول، أجد أن القول بأن الغسل مشروع في حق من حضر الجمعة من الرجال والنساء البالغين أقوى من حيث الأدلة، والنصوص تفسر بعضها بعضًا، فالأحاديث التي تأمر بالغسل يوم الجمعة، يجب أن تقيد بالأحاديث التي تعلق الأمر بالغسل على شهود الجمعة، وقد نصت على أن الوجوب على كل محتلم، فغير البالغ، ولو حضر ليس مخاطبًا في الغسل، خاصة إذا علمنا أن سبب مشروعية الغسل هو اجتماع الناس، وقد يتضايق بعضهم من بعض بسبب اجتماع الناس، وقد ينبعث من بعضهم بعضُ الروائح التي تؤذي الآخرين، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1809>الفصل السابع من موجبات الغسل حيض المرأة</span>\n[م-٣٢٤] اتفق العلماء على أن الغسل يجب من الحيض، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: ٢٢٢].\nوجه الاستدلال:\nأن المرأة يلزمها تمكين زوجها من الوطء، ولا يجوز ذلك إلا بالغسل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nفإن قيل: أين الدلالة من الآية على أنه لا يجوز الوطء إلا بعد الاغتسال؟\nفالجواب:\nأن الله ﷾ علق الحكم بجواز إتيان الزوجة بشرطين:\nالأول: انقطاع الدم، ويؤخذ من قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢].","vol":"4","page":185},{"text":"فقوله: (يَطْهُرْنَ) بالتخفيف. كلمة (طهر) تستعمل فيما لا كسب فيه للإنسان وهو انقطاع دم الحيض.\nالشرط الثاني: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) وكلمة (تطهرن) بالتشديد: أي اغتسلن؛ لأن كلمة (تطهرّ) تستعمل فيما يكتسبه الإنسان بفعله، وهو الاغتسال من الماء.\nوقد سبق تحرير هذه المسألة في كتاب الحيض والنفاس من هذه السلسلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1810>الدليل من السنة على وجوب الاغتسال:</span>\n(٧٤٧ - ٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا\nأبو أسامة، قال: سمعت هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،\nعن عائشة ﵂، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إن ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي (^١).\nفقوله ﷺ: (ثم اغتسلي وصلي) أمر بالاغتسال، والأصل في الأمر الوجوب.\nوأما الدليل من الإجماع:\nفقد نقل الإجماع جماعة، منهم الكاساني الحنفي (^٢).\nوقال النووي: «أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض، وبسبب النفاس، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر، وابن جرير الطبري وآخرون» (^٣).\nونقل الإجماع ابن مفلح الحنبلي (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٥). وقد رواه الشيخان أيضًا بلفظ: «فاغسلي عنك الدم ثم صلي».\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ١٣٨).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٦٨).\n(^٤) المبدع (١/ ١٨٥).","vol":"4","page":186},{"text":"مبحث\nخلاف العلماء في موجب غسل الحائض\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الحيض من موجبات الغسل على خلاف: هل يجب الغسل بخروج الدم، أو يجب بانقطاعه، وفيه إشكال: فالطهارة لا توجب الطهارة، أو يجب بخروج الدم، وانقطاعه، وإرادة الصلاة؟\n[م-٣٢٥] اختلف العلماء في الموجب للغسل:\nفقيل: الموجب للغسل خروج الدم.\nاختاره بعض الحنفية (^١)، وقول العراقيين من الشافعية (^٢).\nوقيل: الموجب انقطاع دم الحيض.\n_________\n(^١) تبيين الحقائق للزيلعي (١/ ١٧)، البحر الرائق (١/ ٦٣)، العناية شرح الهداية مطبوع بهامش فتح القدير (١/ ٦٥)، البناية للعيني (١/ ٢٧٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٥).\n(^٢) انظر روضة الطالبين (١/ ٨١)، المجموع (٢/ ١٦٨)، مغني المحتاج (١/ ٦٩).","vol":"4","page":187},{"text":"اختاره بعض الحنفية (^١)، وأبو حامد من الشافعية (^٢)، وهو مفهوم كلام الخرقي (^٣).\nوقيل: الموجب للغسل خروج الدم، لكن الانقطاع شرط لصحته. وهو مذهب المالكية (^٤)، والحنابلة (^٥).\nوقيل: الموجب للغسل إرادة القيام إلى الصلاة.\nاختاره بعض الحنفية (^٦)، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٧).\nوقيل: الغسل يجب بمجموع خروج الدم وانقطاعه والقيام إلى الصلاة. وهو وجه في مذهب الشافعية (^٨).\nوقد ذكرنا أدلة هذه المسألة في الطهارة من الحيض النفاس فارجع إليه إن شئت، والحمد لله.\n* * *\n_________\n(^١) انظر البحر الرائق (١/ ٦٣)، وانظر المراجع السابقة للأحناف.\n(^٢) انظر المجموع (٢/ ١٦٨).\n(^٣) انظر المغني (١/ ٢٧٦)، والإنصاف (١/ ٢٣٨)، الفروع (١/ ٢٠٠).\n(^٤) الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٣٠)، منح الجليل (١/ ١٢٣)، مواهب الجليل (١/ ٣٧٤)، الشرح الصغير (١/ ١٦٦)، أسهل المدارك (١/ ٦٥).\n(^٥) كشاف القناع (١/ ١٤٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨١)، الفروع (١/ ٢٠٠)، الإنصاف (١/ ٢٣٨).\n(^٦) فتح القدير (١/ ٦٤).\n(^٧) المجموع (٢/ ١٦٨)، الروضة (١/ ٨١).\n(^٨) انظر المراجع السابقة.","vol":"4","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1811>الفصل الثامن من موجبات الغسل النفاس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النفاس كحيض، فيما يوجب، ومنه الغسل.\n• موجب الغسل في النفاس نزول الدم، لا خروج الولد، فلو ولدت بلا دم لم يجب عليها الغسل.\n[م-٣٢٦] يجب على النفساء الاغتسال إذا طهرت.\nقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن على النفساء الاغتسال عند خروجها من النفاس» (^١).\nوقال ابن حزم: «ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض، هذا لا خلاف فيه من أحد .... وكذلك الغسل منه واجب بإجماع» (^٢).\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) المحلى (مسألة: ٢٦١).","vol":"4","page":189},{"text":"وقال صاحب المجموع، وصاحب نيل المآرب يزيد بعضهم على بعض، قالا: والنفاس كحيض، فيما يجب: كغسل، وقضاء صوم، وكفارة بوطء فيه.\nوفيما يحرم: كصلاة وصوم ووطء في فرج، وطلاق.\nوفيما يسقط: كقضاء الصلاة، وطواف الوداع.\nوفيما يحل: كاستمتاع بما دون فرج.\nوفيما يمنع صحة الصلاة، والصوم، والطواف، والاعتكاف، والغسل (^١).\nوقد تم الاستدلال على ذلك في مجلد الطهارة الحيض والنفاس، في فصل: الأحكام المترتبة على النفاس، فارجع إليه إن شئت، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٣٦)، ونيل المآرب (١/ ١١٢).","vol":"4","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1812>الباب الثاني في الأغسال المستحبة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1813>الفصل الأول الغسل للإحرام</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الاغتسال للإحرام معقول المعنى، لم يكن سببه حدثًا، ولا خبثًا، وإنما شرع طلبًا للنظافة، ولهذا أمرت به أسماء بنت عميس، وهي نفساء، وأمرت به عائشة، وهي حائض.\n[م-٣٢٧] يسن لمن أراد أن يحرم بالحج أو بالعمرة أن يغتسل لإحرامه، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا كان أو كبيرًا، حتى الحائض والنفساء، وهذا مذهب الأئمة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (٤/ ٣)، بدائع الصنائع (٢/ ١٤٣)، فتح القدير (٢/ ٤٢٩، ٤٣٠)، البحر الرائق (٢/ ٣٤٤)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٢٢).\nوفي مذهب المالكية، جاء في المدونة (٢/ ٣٦٠): «قلت لابن القاسم: هل يوسِّع مالك في ترك الغسل للرجل أو المرأة إذا أراد الإحرام؟ قال: لا، إلا من ضرورة. قال: وقال مالك: والنفساء تغتسل، والحائض تغتسل إذا أرادت الإحرام، ولا تدع الغسل إلا من ضرورة». اهـ وانظر: مواهب الجليل (٣/ ١١)، الخرشي (٢/ ٣٢٢)، حاشية الدسوقي (٢/ ٣٨).\nوفي مذهب الشافعية، قال الشافعي في الأم (٢/ ١٤٥): «أستحب الغسل عند الإهلال للرجل\nوالصبي والمرأة والحائض والنفساء وكل من أراد الإهلال اتباعًا للسنة ...». وانظر المجموع (٧/ ٢٢٠).\nوفي مذهب الحنابلة: انظر المغني (٣/ ١١٩)، الإنصاف (٣/ ٤٣٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٥٢٨)، كشاف القناع (٢/ ٤٠٦).","vol":"4","page":191},{"text":"وقيل: يجب الغسل على النفساء إذا أرادت الإحرام، وعلى المرأة إذا أهلت بعمرة ثم حاضت، ثم أرادت أن تهل بالحج ففرض عليها الغسل أيضًا، وهذا مذهب ابن حزم ﵀ (^١).\nوقيل: يجب الغسل على كل من أراد أن يهل، طاهرًا كان أو غير طاهر، قال ابن عبد البر: وبه قال: أهل الظاهر (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1814> دليل من قال: الغسل للإحرام مسنون:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1815>الدليل الأول:</span>\n(٧٤٨ - ٦٨) ما رواه البزار، قال: حدثنا الفضل بن يعقوب الجزري، ثنا سهل ابن يوسف، ثنا حميد، عن بكر،\nعن ابن عمر، قال: من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم.\nقال البزار: لا نعلمه عن ابن عمر من وجه أحسن من هذا (^٣).\n[رجاله ثقات] (^٤).\nوقد روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر من فعله موقوفًا عليه، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) المحلى (٥/ ٦٨) مسألة: ٨٢٤، ومسألة: ٨٤٩ وانظر أيضًا المحلى (١/ ٢٧٤).\n(^٢) الاستذكار (٤/ ٥).\n(^٣) مختصر زوائد مسند البزار (٧٤٦).\n(^٤) ورواه الدارقطني (٢/ ٢٢٠) والحاكم في المستدرك (١/ ٤٤٧) من طريق سهل بن يوسف به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\nوقال الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار: هو إسناد صحيح. اهـ انظر إتحاف المهرة (٩٣٧١).","vol":"4","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1816>الدليل الثاني:</span>\n(٧٤٩ - ٦٩) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا عبد الله ابن يعقوب المدني، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت،\nعن أبيه، أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (^١).\n[تفرد به عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٨٣٠).\n(^٢) الحديث أخرجه الترمذي كما في إسناد الباب، والدارمي (١٧٩٤)، وابن خزيمة (٢٥٩٥) من طريق عبد الله بن يعقوب،\nوأخرجه الطبراني (٥/ ١٣٥) ح ٤٨٦٢، والدارقطني (٢/ ٢٢٠) والبيهقي (٥/ ٣٢) من طريق أبي غزية،\nوأخرجه البيهقي (٥/ ٣٢) من طريق الأسود بن عامر شاذان.\nوأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٩٢٣) من طريق عثمان بن اليمان بن هارون، أربعتهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه.\nوعبد الله بن يعقوب وأبو غزية مدنيان، إلا أن فيها ضعفًا، وعثمان بن يمان ضعيف أيضًا، ويبقى الأسود بن عامر وثقه أحمد وابن المديني، وهو من بغداد.\nقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nوقال ابن صاعد: شيخ الدارقطني: هذا حديث غريب، ما سمعناه إلا منه.\nوقال ابن القطان في كتاب الوهم والإيهام (٣/ ٤٤٩) بعد أن نقل كلام الإشبيلي بأنه حديث حسن غريب، قال: كذا قال، ولم يبين لم لا يصح ... فالذي لأجله حسنه الترمذي، هو الاختلاف على عبد الرحمن بن أبي الزناد، ولعله عرف عبد الله بن يعقوب، وما أدري كيف ذلك، ولا أراني تلزمني حجته، فإني أجهدت نفسي في تَعرُّفه، فلم أجد أحدًا ذكره». اهـ\nقلت: قد توبع عبد الله بن يعقوب المدني، ولكن انفراد عبد الرحمن بن أبي الزناد بهذا الحديث عن أبيه يوجب في النفس شكًا من صحته، فأين أصحاب أبي الزناد عن هذا الحديث، وإن كان ما رواه المدنيون عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أحسن حالًا مما رواه البغداديون، قال علي بن المديني: ما حدث بالمدينة، فهو صحيح، وما حدث ببغداد، أفسده البغداديون. تهذيب التهذيب (٦/ ١٧١)، وقد روى عنه هذا الحديث مدنيان إلا أنهما ضعيفان، فليتأمل.\nإتحاف المهرة (٤٧٥٩)، التحفة (٣٧١٠).","vol":"4","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1817>الدليل الثالث:</span>\n(٧٥٠ - ٧٠) ما رواه الطبراني من طريق عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: أخبرنا خالد بن إلياس، عن صالح بن أبي حسان، عن عبد الملك بن مروان،\nعن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى مكة اغتسل حين يريد أن يحرم.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن مروان إلا صالح بن\nأبي حسان، ولا عن صالح إلا خالد بن إلياس، تفرد به عبيد الله بن عبد المجيد (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>الدليل الرابع:</span>\n(٧٥١ - ٧١) ما رواه الدارقطني والحاكم في المستدرك من طريق يعقوب بن عطاء، عن أبيه،\nعن ابن عباس ﵄ قال: اغتسل رسول الله ﷺ ثم لبس ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى على البيداء أحرم بالحج (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٤٨٨٩).\n(^٢) في إسناده خالد بن إلياس، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: ليس بشيء، منكر الحديث. الضعفاء الكبير للعقيلي (٢/ ٣).\nوقال أحمد والنسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (١٧٢)، تهذيب التهذيب (٣/ ٧٠).\nوقال ابن عبد البر: ضعيف عند جميعهم. المرجع السابق.\nوقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٣/ ٤١٨): «يعقوب بن عطاء بن أبي رباح لا يحتج به».\nوفي التقريب: متروك الحديث.\nوذكر الحافظ هذا الحديث في الدراية، وقال: حديث ضعيف جدًّا. اهـ قلت: فلا يصلح هذا الحديث للاعتبار، والله أعلم.\n(^٣) الدارقطني (٢/ ٢١٩، ٢٢٠)، والمستدرك (١/ ٤٤٧). وانظر إتحاف المهرة (٨١٧١).\n(^٤) في إسناده يعقوب بن عطاء، وهو ضعيف الحديث، ...\nقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: ضعيف الحديث، وسمعته مرة يقول: أحاديثه أحاديث مناكير. الضعفاء الكبير (٤/ ٤٤٥).\nوقال يحيى بن معين: ليس بذاك، وقال أيضًا: ضعيف. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة والنسائي: ضعيف. تهذيب التهذيب (١١/ ٣٤٤).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، فإن يعقوب بن عطاء ممن جمع أئمة الإسلام حديثه، ولم يخرجاه. اهـ","vol":"4","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1819>الدليل الخامس:</span>\nأصح ما ورد في الاغتسال للإحرام، كون الرسول ﷺ أمر به أسماء بنت عميس، وهي نفساء، وأمر به عائشة، وهي حائض، واغتسال مثلهما لم يكن لرفع حدث، وإنما قصد به النظافة، فغيرهما ممن يصلي مع المسلمين أولى بالأمر بالغسل، والله أعلم.\n(٧٥٢ - ٧٢) فقد روى مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁ في صفة حج الرسول ﷺ، وفيه:\nولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ، كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي .. الحديث (^١).\nوقوله: (استثفري) دليل على أن الدم ما زال ينزل منها.\n(٧٥٣ - ٧٣) وروى مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير،\nعن جابر ﵁ أنه قال في حديث طويل وفيه: دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ... الحديث (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1820>الدليل السادس:</span>\nالإجماع، فقد حكى الإجماع بعض أهل العلم على استحباب الغسل للإحرام.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢١٨).\n(^٢) صحيح مسلم (١٢١٣).","vol":"4","page":195},{"text":"قال النووي: «اتفق العلماء على أنه يستحب الغسل عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة أو بهما» (^١).\n(٧٥٤ - ٧٤) ومن الآثار: ما رواه مالك، عن نافع،\nأن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة (^٢).\n[إسناده في غاية الصحة].\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1821> دليل ابن حزم على وجوب الغسل إذا خشيت فوات الحج:</span>\n(٧٥٥ - ٧٥) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁ في صفة حج الرسول ﷺ، وفيه:\nولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ، كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي .. الحديث (^٣).\nوقوله: (اغتسلي) أمر، والأصل في الأمر الوجوب إلا لصارف، ولا صارف هنا.\n(٧٥٦ - ٧٦) وروى مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير،\nعن جابر ﵁ أنه قال في حديث طويل وفيه: دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك، قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ... الحديث (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (٧/ ٢٢٠).\n(^٢) الموطأ (١/ ٣٢٢).\n(^٣) صحيح مسلم (١٢١٨).\n(^٤) صحيح مسلم (١٢١٣).","vol":"4","page":196},{"text":"وجه الاستدلال:\nكالاستدلال بالحديث الذي قبله حيث أمرها بالغسل، والأصل في الأمر الوجوب.\nويُجاب من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن هذا الأمر وقع جوابًا من السائل، وما وقع جوابًا يكون الأمر فيه للإرشاد إن كان من الأمور المباحة، ومن المندوبات إن كان من أمور العبادات، كما هنا، ومثله حين قالوا للنبي ﷺ علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا، فقال ﷺ: قولوا: اللهم صل على محمد ... الحديث، فقوله (قولوا) جاء جوابًا على استفهما.\nالجواب الثاني:\nإذا كان الغسل في حق المرأة الطاهرة وكذلك في حق الرجل ليس واجبًا بالإجماع، فكيف يكون واجبًا في حق المرأة النفساء والحائض، خاصة أن الغسل لن يمكنها من الطواف، ولن يمنع نزول الدم، والله أعلم.\nقال ابن المنذر في الأشراف: «أجمع عوام أهل العلم على أن الإحرام بغير غسل جائز، قال: وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما روي عن الحسن البصري أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكره» (^١).\nقلت: هذه العبارة من الحسن البصري لا تدل على وجوب الغسل؛ لأن الغسل المراد به التنظيف، فإذا نسيه فقد تركه لعذر، فيقضيه، كما تقضى السنن الرواتب إذا تركها المرء لعذر، والله أعلم.\n_________\n(^١) المجموع (٧/ ٢٢٠).","vol":"4","page":197},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1822> دليل من قال: الغسل للإحرام واجب:</span>\nربما استدل بأمره ﷺ للنفساء والحائض بالغسل، فإذا أمرن به، فالأصل في الأمر الوجوب، وإذا كان واجبًا في حق النفساء والحائض كان واجبًا في حق الطاهر من باب أولى.\nوالراجح: القول بالاستحباب، فإنه أقوى دليلًا، ولورود النقاش على أدلة من قال بالوجوب.\n* * *","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1823>الفصل الثاني الغسل لدخول مكة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الاغتسال لدخول مكة اغتسال من أجل الطواف، لا من أجل دخول الحرم، ولهذا لا تؤمر به الحائض ولا النفساء.\n[م-٣٢٨] من الأغسال المسنونة الغسل عند دخول الحرم، وقبل الطواف، وهو مذهب الأئمة.\nوهل الغسل لدخول الحرم، أو من أجل الطواف بحيث لا يشرع الغسل للحائض والنفساء؟ قولان.\nفقيل: لدخول الحرم، فيشرع الغسل للجميع حتى الحائض والنفساء، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (٢/ ١٤)، البحر الرائق (٢/ ٣٥٠، ٣٥١) الفتاوى الهندية (١/ ٢٢٤)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٩٢)، المجموع (٨/ ٦)، تحفة المحتاج (٤/ ٥٦)، كشاف القناع (٢/ ٤٧٦)، الفروع (١/ ٢٠٣)، المحرر (١/ ٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٤)، الإنصاف (١/ ٢٥٠).","vol":"4","page":199},{"text":"وقيل: بل من أجل الطواف، فلا يشرع الغسل للحائض والنفساء، وهو مذهب المالكية (^١)، ورجحه ابن تيمية ﵀ (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1824> الدليل على مشروعية الغسل لدخول مكة:</span>\n(٧٥٧ - ٧٧) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن نافع، قال:\nكان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك (^٣).\n(٧٥٨ - ٧٨) وفي رواية لمسلم: أن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله (^٤).\nوالذي يظهر أن الغسل كان للطواف، ولو كان الغسل لدخول الحرم لكان الغسل مشروعًا قبيل دخول الحرم، أو بعد دخوله مباشرة، أما كونه يغتسل بعد دخول الحرم، والمبيت بذي طوى، فيكون الغسل ظاهرًا أنه من أجل الطواف، ولم ينقل عنه ﷺ أنه أمر النفساء والحائض بالغسل عند دخول الحرم، كما أمر أسماء بنت عميس بالغسل عند الإحرام، ولو أمرهن لنقل وحفظ؛ لأنه من شريعة الله التي تعهد الله بحفظها، فلما لم ينقل علم أنه غير مشروع، والله أعلم.\nثم القياس على الجمعة، فكما أن الغسل مشروع يوم الجمعة للصلاة من أجل اجتماع الناس، فكذلك الغسل مشروع للطواف من أجل ازدحام الطائفين، لئلا يتأذى الناس والملائكة بسبب الروائح المنبعثة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المنتقى شرح الموطأ (٢/ ١٩٢)، مواهب الجليل (٣/ ١٠٣، ١٠٤)، الخرشي (٢/ ٣٢٢، ٣٢٣)، الفواكه الدواني (١/ ٣٥٥)،\n(^٢) الفروع (١/ ٢٠٣)، الإنصاف (١/ ٢٥٠).\n(^٣) البخاري (١٥٧٣).\n(^٤) مسلم (١٢٥٩).","vol":"4","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1825>الفصل الثالث الاغتسال من زوال العقل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يجب الغسل على المغمى عليه إلا أن يجنب.\n• اغتسل النبي ﷺ حين أغمي عليه، وهل كان ذلك بسبب الإغماء، أو فعله حين ثقلت عليه الصلاة فأراد منه النشاط والقوة للعبادة؟ الراجح الثاني.\n• لو كان الاغتسال بسبب الإغماء لحفظ الفعل عن الصحابة.\n[م-٣٢٩] إذا أفاق المجنون أو المغمى عليه، فيشرع في حقه الغسل، ولا يجب عليه، نص عليه كثير من العلماء (^١).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٦): «قال أصحابنا: ويستحب للمغمى عليه الغسل إذا أفاق، اقتداء برسول الله ﷺ. قال ابن المنذر وابن الصباغ وغيرهما: أجمع العلماء على أن الغسل لا يجب عليه». اهـ\nوانظر طرح التثريب (٨/ ١٩٠)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٢١٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٦٧) روضة الطالبين (٢/ ٤٤)، والإنصاف (١/ ٢٤٨)، كشاف القناع (١/ ١٥٠)، الفروع (١/ ٢٠٣) مطالب أولي النهى (١/ ١٧٦، ١٧٧). ...\nفي المدونة (١/ ١٢): قيل لمالك: فالمجنون أعليه الغسل إذا أفاق؟ قال: لا، ولكن عليه الوضوء. أهـ فهل نفي مالك للغسل يقصد به نفي الوجوب، أو يقصد به نفي المشروعية، محتمل، والذي يظهر أنه نفي للمشروعية، ولذلك قال القاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم، عند الكلام على غسل الرسول ﷺ حين أغمي عليه في مرض موته، قال (٢/ ٣١٩) المراد هنا بالغسل الوضوء. اهـ قلت: وهو خلاف ظاهر اللفظ، فهذا دليل على أن المالكية لا يرون الغسل مشروعًا للمغمى عليه والمجنون، والله أعلم.","vol":"4","page":201},{"text":"وقيل: يجب الغسل، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١)، وحكاه الرافعي من الشافعية وجهًا (^٢).\nوقيل: لا يشرع الغسل، وهو مذهب مالك، وحمل بعضهم غسل النبي ﷺ في مرض موته حين أغمي عليه، ليقوى على الخروج، وهو اختيار ابن حزم (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1826> دليل من قال بأن الغسل سنة:</span>\n(٧٥٩ - ٧٩) ما رواه البخاري من طريق موسى بن أبي عائشة،\nعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة، فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ. قالت: بلى، ثقل النبي ﷺ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك. قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال ﷺ: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، فقعد، فاغتسل، ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٢٠٣).\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٦): «حكى الرافعي وجهًا ضعيفًا شاذًّا، أنه يجب الغسل من الجنون مطلقًا، ووجهًا أشذ منه أنه يجب من الإغماء أيضا. ذكره في باب الغسل»، والله أعلم.\n(^٣) المحلى (١/ ٢٢٢) مسألة: ١٥٧.","vol":"4","page":202},{"text":"ينتظرون النبي ﵇ لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس ... الحديث (^١).\nقال النووي: قوله ﷺ: «ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا، فاغتسل» دليل الاستحباب بالغسل من الإغماء، وإذا تكرر الإغماء استحب تكرار الغسل لكل مرة، فإن لم يغتسل إلا بعد الإغماء مرات كفى غسل واحد، وقد حمل القاضي عياض الغسل هنا على الوضوء، ولكن الصواب أن المراد غسل جميع البدن، فإنه ظاهر اللفظ، ولا مانع يمنع منه، فإن الغسل مستحب من الإغماء، بل قال بعض أصحابنا: إنه واجب، وهذا شاذ، ضعيف (^٢).\nوإذا كان هذا الغسل في حق المغمى عليه، فالمجنون من باب أولى؛ لأنه أشد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1827> دليل من قال: لا يشرع الغسل:</span>\nذكر إن حديث عائشة السابق ليس فيه دليل على أن الغسل كان بسبب الإغماء، وإنما الغسل كان من أجل الحاجة لكي يتقوى للخروج إلى الصلاة بالمسلمين؛ لأنه لم يطلب الماء للغسل إلا حين قيل له: الناس عكوف في المسجد، ينتظرونك للصلاة، فلو كانت الصلاة في بيته لم يغتسل من أجل الإغماء، وفرق بين الغسل من أجل النشاط والقوة، وبين الغسل من أجل الإغماء.\nوهذا أجود من حمل القاضي عياض، بأن المراد بالغسل الوضوء؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ.\n_________\n(^١) البخاري (٦٨٧)، ومسلم (٤١٨).\n(^٢) شرح صحيح مسلم (٤/ ١٣٦)، وقال أيضًا: فيه دليل على جواز الإغماء على الأنبياء عليهم الصلوات والسلام، ولا شك في جوازه؛ فإنه مرض، والمرض يجوز عليهم بخلاف الجنون، فإنه لا يجوز عليهم؛ لأنه نقص، والحكمة في جواز المرض عليهم ومصائب الدنيا تكثير أجرهم، وتسلية الناس بهم؛ لئلا يفتتن الناس بهم، ويعبدوهم .. إلخ كلامه رحمه لله.","vol":"4","page":203},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1828> دليل من قال: الغسل واجب:</span>\nقال إن الجنون سبب في نزول المني غالبًا، ويلحق به المغمى عليه، فما كان مظنة للحدث نزل منزلة الحدث كالنوم.\n• ويُجاب:\nبأن الريح من النائم ليس لها أمارة يعرف بها خروج الحدث، فنزل النوم منزلة الحدث، بخلاف نزول المني فإن له أمارة وأثرًا على البدن والثوب، ولذلك لا يجب الغسل من النوم مع أن فيه زوال العقل؛ لأن موجب الغسل له أمارة تدل عليه، بخلاف نقض الوضوء بالريح، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nالراجح والله أعلم أن المغمى عليه إذا هم بفعل الصلاة، فوجد ثقلًا في بدنه، فإنه يستحب له الغسل ليصلي بقوة ونشاط، فإن كان لا يريد الصلاة، فلا يستحب له الغسل، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1829>الفصل الرابع الغسل للعيدين</span>\n• استحباب الغسل يوم العيد يتنازعه معنيان:\nأحدهما: أن النبي ﷺ لم يفعله ولم يأمر به، مع تكرره في عهده ﷺ، ولو فعله أو أمر به، لنقل إلينا برواية الثقات العدول، فلما لم ينقل ذلك علم أن هذا الأمر ليس مشروعًا، وكان ذلك بمثابة نقل عدم الفعل منه ﷺ، والترك من النبي ﷺ كالفعل.\n• المعنى الثاني: أن الغسل قد ثبت عن علي بن أبي طالب، وعن ابن عمر ﵃، خاصة أن ما ورد عن علي بن أبي طالب كان قوليًا، وهو أبلغ من الفعل، وهو إمام راشد، وله سنة متبعة.\n• غسل الجمعة معقول المعنى، وهو أنه شرع من أجل اجتماع الناس وهذا المعنى موجود في العيد، بل إن اجتماع الناس في العيد، أكبر منه في الجمعة، والله أعلم، فكان القياس يقتضيه.\n[م-٣٣٠] اختلف العلماء في غسل العيدين،","vol":"4","page":205},{"text":"فقيل: يشرع الغسل للعيدين، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nوقيل: لا يشرع الغسل (^٥).\n• دليل مشروعية الغسل للعيدين:\nالدليل الأول:\n(٧٦٠ - ٨٠) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني من لا أتهم،\nعن أصحاب النبي ﷺ، أنهم سمعوا رسول الله ﷺ في يوم جمعة من الجمع، وهو على المنبر يقول: يا معشر المسلمين، إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين، فاغتسلوا فيه من الماء، ومن كان عنده طيب أن يمس منه، وعليكم بهذا السواك (^٦).\n[ضعيف لإبهام في إسناده] (^٧).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٦٥)، المبسوط (١/ ١٠٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٨)، البحر الرائق (١/ ٦٦)، الفتاوى الهندية (١/ ١٦).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ٣١٦)، مواهب الجليل (٢/ ١٩٣)، الفواكه الدواني (١/ ٢٧٤)، التمهيد (١١/ ٢١٣)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٧٧)، حاشية الصاوي (١/ ٥٢٧).\n(^٣) الأم (١/ ١٩٧) المجموع (٢/ ٢٣٣)، فتاوى الرملي (١/ ٦٠)، روضة الطالبين (٢/ ٧٥) حلية العلماء (٢/ ٢٥٤).\n(^٤) المغني (٢/ ١١٢)، الفروع (١/ ٢٠٢)، الإنصاف (١/ ٢٤٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٢٥)، كشاف القناع (١/ ١٥٠).\n(^٥) جاء في المنتقى (١/ ٣١٦): «قال مالك: ولا أوجب غسل العيد كغسل يوم الجمعة، وجه ذلك: الاتفاق على غسل الجمعة، والاختلاف في غسل العيدين». فأثبت الخلاف في مشروعيته، وهو إثبات للقول بعدم المشروعية، وهو واضح.\n(^٦) المصنف (٥٣٠١).\n(^٧) الحديث اختلف فيه على الزهري اختلافًا كثيرًا:\nفرواه معمر كما في إسناد الباب، عن الزهري، عن من لا أتهم، عن صحابة رسول الله ﷺ. =","vol":"4","page":206},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه مالك، عن الزهري، واختلف عليه فيه:\nفرواه يحيى كما في روايته للموطأ (١/ ٦٥).\nوأبو مصعب كما في روايته للموطأ (٤٥٢).\nوابن أبي شيبة في المصنف (٥٠١٦) حدثنا زيد بن الحباب.\nوعبد الله بن وهب كما في الجامع لابن وهب (٢١٤)، وموطأ عبد الله بن وهب (٢١٧)، وعوالي مالك رواية أبي أحمد الحاكم (١/ ٣٩).\nوالشافعي كما في مسنده ترتيب سنجر (٤٠٩)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٤٥)، وفي المعرفة (٤/ ٤١٢).\nومسدد في مسنده كما في المطالب العالية (٦٩٥)، ستتهم عن مالك، عن الزهري، عن ابن السباق، أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع .... فذكر الحديث.\nوهذا مرسل. قال ابن عبد البر كما في التمهيد (١١/ ٢١٠): هكذا رواه جماعة من رواة الموطأ، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن السباق مرسلًا، كما روي، ولا أعلم فيه بين رواة الموطأ اختلافًا. اهـ\nورواه يزيد بن سعيد الصباحي، واضطرب فيه، فقال مرة، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوقال مرة: عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.\nوقال في ثالثة: عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. وإليك بيانها:\nفقد رواه الطبراني في الأوسط (٣٤٣٣)، وفي الصغير (٣٥٨) حدثنا الحسن بن مطرح الخولاني المصري، أخبرنا يزيد بن سعيد الصباحي، أخبرنا مالك بن أنس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع ... وذكر الحديث. قال الطبراني: لم يروه عن مالك إلا يزيد بن سعيد، ومعن بن عيسى. اهـ\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢١٠): «رواه يزيد بن سعيد الصباح، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولم يتابعه أحد من الرواة على ذلك، ويزيد بن سعيد هذا من أهل الإسكندرية ضعيف». اهـ\nثم ساقه بإسناده من طريق الحسن بن أحمد بن سليمان أبو علي البصري، عن يزيد بن سعيد الصباحي، عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ في جمعة من الجمع: يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدًا .... وساقه بنفس اللفظ. =","vol":"4","page":207},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (جعله الله عيدًا للمسلمين فاغتسلوا فيه) فعلل الأمر بالاغتسال يوم الجمعة لكونه عيدًا، فكذلك كل عيد للمسلمين يكون مشروعًا الاغتسال فيه، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(٧٦١ - ٨١) ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند من طريق يوسف بن خالد، قال حدثنا أبو جعفر الخطمي، عن عبدالرحمن بن عقبة بن الفاكه،\nعن جده الفاكه بن سعد، وكانت له صحبة، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر قال: وكان الفاكه ابن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام (^١).\n[موضوع] (^٢).\n_________\n= قال أبو عمر: لم يتابعه أحد على الإسنادين جميعًا في هذين الحديثين.\nثم ساقه ابن عبد البر بإسناده من طريقين، عن يزيد ين سعيد الصباحي، عن مالك، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فأسقط من إسناده: والد سعيد المقبري.\nقال ابن عبد البر: وهذا اضطراب عن يزيد بن سعيد، ولا يصح شيء من روايته في هذا الباب.\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (٥٩١): «وهم يزيد بن سعيد في إسناد هذا الحديث، إنما يرويه مالك بإسناد مرسل». اهـ\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٦/ ٧٠): «ورواه بعضهم عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أخرجه كذلك الطبراني وغيره، وهو وهم على مالك؛ قاله أبو حاتم الرازي، والبيهقي، وغيرهما». وانظر العلل للدارقطني (٢٠٧٠).\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢٢٠): ورواه حجاج بن سليمان الرعيني، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة وحميد ابني عبد الرحمن بن عوف، وعن أحدهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في يوم جمعة: جعله الله عيدًا، فاغتسلوا، وعليكم بالسواك.\nقال ابن عبد البر: ولا يصح فيه عن مالك إلا ما في الموطأ. يعني: مرسل.\n(^١) المسند (٤/ ٧٨).\n(^٢) الحديث أخرجه عبد الله بن أحمد كما في إسناد الباب، وابن ماجه (١٣١٦)، والطبراني في الكبير (١٨/) رقم ٨٢٨، والدولابي في الكنى (١/ ٨٥)، وابن قانع في معجمه (٢/ ٣٣٦) من طريق يوسف بن خالد به. =","vol":"4","page":208},{"text":"الدليل الثالث:\n(٧٦٢ - ٨٢) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران،\nعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر، ويوم الأضحى (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n= ويوسف بن خالد السمتي، قال فيه يحيى بن معين: كذاب خبيث عدو لله، رجل سوء، رأيته بالبصرة ما لا أحصي لا يحدث عنه أحد فيه خير. الجرح والتعديل (٩/ ٢٢١).\nوقال يحيى أيضًا: كذاب زنديق لا يكتب حديثه. المرجع السابق.\nوقال ابن أبي حاتم: «سمعت أبى، وسألته عن يوسف بن خالد السمتي فقال: أنكرت قول يحيى بن معين فيه: إنه زنديق، حتى حُمِل إليَّ كتاب قد وضعه في التجهم بابًا بابًا، ينكر الميزان في القيامة، فعلمت أن يحيى بن معين كان لا يتكلم إلا على بصيرة وفهم. قلت: ما حاله؟ قال: ذاهب الحديث». المرجع السابق.\nوفي إسناده عبد الرحمن بن عقبة بن الفاكه، لم يرو عنه إلا أبو جعفر الخطمي، ولم يوثقه أحد، ولذا قال عنه الحافظ في التقريب: مجهول.\nوانظر أطراف المسند مما استدركه المحقق على ابن حجر (٥/ ١٧٨)، تحفة الأشراف (١١٠٢٠).\n(^١) سنن ابن ماجه (١٣١٥). وانظر تحفة الأشراف (٥/ ٢٥٤).\n(^٢) الحديث أخرجه أيضًا ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٢٩)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٧٨) أخبرنا أبو يعلى، ثنا جبارة به.\nقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٥٦): «هذا إسناد ضعيف؛ لضعف جبارة، وكذلك حجاج، ومع ضعفه، قال فيه إذنه: روى عن ميمون بن مهران أحاديث لا يتابع عليها ...».\nقلت: قال يحيى بن معين: جبارة بن المغلس كذاب. الجرح والتعديل (٢/ ٥٥٠).\nقال ابن أبي حاتم: كان أبو زرعة حدث عنه في أول أمره وكناه، قال: حدثنا أبو محمد الحماني، ثم ترك حديثه بعد ذلك، فلم يقرأ علينا حديثه.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: سمعت أبا زرعة ذكر جبارة بن المغلس فقال: قال لي ابن نمير: ما هو عندي ممن يكذب. قلت: كتبت عنه؟ قال: نعم. قلت: تحدث عنه؟ قال: لا. قلت: ما حاله؟ قال: كان يوضع له الحديث فيحدث به، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب.\nوقال أبو حاتم الرازي: هو على يدي عدل، مثل القاسم بن أبى شيبة. الجرح والتعديل (٢/ ٥٥٠).\nوقال الدارقطني: متروك. تهذيب التهذيب (٢/ ٥٠)، وقيل فيه غير ذلك.","vol":"4","page":209},{"text":"الدليل الرابع:\n(٧٦٣ - ٨٣) ما رواه الطبراني من طريق نصر بن حماد، قال: أخبرنا أيوب\nابن خوط، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من صام رمضان، وغدا بغسل إلى المصلى، وختمه بصدقة، رجع مغفورًا له (^١).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا أيوب بن خوط، تفرد به نصر بن حماد.\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالدليل الخامس:\n(٧٦٤ - ٨٤) ما رواه البزار، قال: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا عبد العزيز، حدثنا مندل، عن محمد بن عبيد الله، عن أبيه،\nعن جده، أن النبي ﷺ اغتسل للعيدين (^٣).\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٥٧٨٤).\n(^٢) في إسناده أيوب بن خوط، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: تركه ابن المبارك. التاريخ الكبير (١/ ٤١٤).\nوقال النسائي والدارقطني: متروك. الضعفاء والمتروكين (٢٦)، تهذيب التهذيب (١/ ٣٥٢).\nوقال عمرو بن علي: كان أميًّا لا يكتب، وهو متروك الحديث، ولم يكن من أهل الكذب، كان كثير الغلط والوهم. المرجع السابق.\nوفي التقريب: متروك.\nقلت: وهذا الحديث دليل على غلطه ووهمه، فأين أصحاب قتادة عن هذا الحديث.\nوفي إسناده نصر بن حماد،\nقال فيه أبو حاتم الرازي: متروك الحديث. الجرح التعديل (٨/ ٤٧٠).\nوقال أبو زرعة: لا يكتب حديثه. المرجع السابق.\nوقال ابن حبان: كان من الحفاظ، ولكنه كان يخطئ كثيرًا، ويهم في الأسانيد حتى يأتي بالأشياء كأنها مقلوبة، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به إذا انفرد. المجروحين (٣/ ٥٤).\n(^٣) كشف الأستار (٦٤٨).","vol":"4","page":210},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\nالدليل السادس:\n(٧٦٥ - ٨٥) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع،\nعن ابن عمر ﵁ أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى (^٢).\n[إسناده في غاية الصحة، وهو موقوف].\nالدليل السابع:\n(٧٦٦ - ٨٦) ما رواه الشافعي، قال: أخبرنا ابن علية، عن شعبة، عن عمرو ابن مرة،\n_________\n(^١) في إسناده مندل، جاء في ترجمته:\nضعفه أحمد، والنسائي، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ. الجرح والتعديل (٨/ ٤٣١)، الضعفاء والمتروكين (٥٧٨).\nواختلف قول يحيى بن معين فيه، فقال في رواية ابن أبي خيثمة عنه: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال في رواية عثمان بن سعيد: ليس به بأس. المرجع السابق.\nوفي موضع آخر: سئل يحيى عن مندل وحبان، فقال: ضعيفان في الحديث. الكامل (٦/ ٤٥٥)\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبى يقول: سألت يحيى بن معين، عن مندل وحبان، أيهما أحب إليك؟ قال: ما بهما بأس. قال عبد الرحمن: سمعت أبى يقول كذا أقول، وكان البخاري أدخل مندلًا في كتاب الضعفاء، فقال أبى: يحول من هناك. الجرح والتعديل (٨/ ٤٣١).\nوقال ابن نمير: حبان وأخوه مندل أحاديثهما فيها بعض الغلط. المرجع السابق.\nوقال ابن سعد: فيه ضعف، ومنهم من يشتهي حديثه ويوثقه، وكان خيرًا فاضلًا من أهل السنة. الطبقات الكبرى (٦/ ٣٨١).\nوفي التقريب: ضعيف.\nقال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٩٨): رواه البزار، ومندل فيه كلام، ومحمد هذا ومن فوقه لا أعرفهم. اهـ\nقلت: عرفه ابن رجب كما في فتح الباري (٦/ ٧١) وهو محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، وهو ضعيف جدًّا، واهي الحديث.\n(^٢) الموطأ (١/ ١٧٧).","vol":"4","page":211},{"text":"عن زاذان، قال: سأل رجل عليًّا ﵁ عن الغسل؟ فقال: اغتسل كل يوم إن شئت، فقال: الغسل الذي هو الغسل؟ قال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر (^١).\n[صحيح].\nفينبغي أن يكون الاستدلال على مشروعية الاغتسال في يوم العيد على فعل\nابن عمر وعلي بن أبي طالب ﵄؛ لأن فعل الصحابي حجة فيما لم يُخَالَف فيه، ولم يُخَالِف نصًا صريحًا مرفوعًا.\nالدليل الثامن:\nالقياس على غسل الجمعة، بجامع أن كلًا منهما عيد للمسلمين، ويجتمع فيه الناس، فيستحب فيه أن يكون المسلم في كامل زينته، ومنها الاغتسال والطيب وغيرهما.\n• دليل من قال: غسل العيدين ليس مشروعًا:\nهذا القول رأى أن العبادات توقيفية، ولا يتعبد الله ﷾ إلا بما شرع لهم، ولا يوجد دليل صحيح مرفوع يأمر بالغسل يوم العيد، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤].\nوقد قال البزار: لا أحفظ في الاغتسال في العيدين حديثًا صحيحًا (^٢).\n• ويُجاب عنه:\nكونه لم يثبت عن النبي ﷺ حديث مرفوع، فهذا مسلم، ولكن قد فعله السلف،\n_________\n(^١) مسند الشافعي (ص: ٣٨٥)، ورواه الشافعي في الأم (٧/ ١٦٣).\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٥٠٠) رقم: ٥٧٧١، عن وكيع، عن شعبة به، وذكر فقط غسل الأضحى والفطر.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٩) من طريق يعقوب بن إسحاق، ثنا شعبة به. انظر إتحاف المهرة (١٤٢٥١).\n(^٢) تلخيص الحبير (٢/ ٨١).","vol":"4","page":212},{"text":"ومنهم علي بن أبي طالب، وهو خليفة راشد، وله سنة متبعة، كما فعله ابن عمر، وهو من أحرص الناس على السنة، فكل هذا يدل على أن استحباب الغسل للعيدين له أصل، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nاستحباب الغسل يوم العيد يتنازعه عندي معنيان،\nفعدم ثبوت اغتسال النبي ﷺ للعيد، وعدم ثبوت الأمر به من لدن النبي ﷺ، والعيد يتكرر في عهده ﷺ، ولو فعله أو أمر به، لنقل إلينا برواية الثقات العدول، فلما لم ينقل ذلك علم أن هذا الأمر ليس مشروعًا، وكان ذلك بمثابة نقل عدم الفعل منه ﷺ.\nوينازع ذلك أن الغسل قد ثبت عن علي بن أبي طالب، وعن ابن عمر ﵃، خاصة أن ما ورد عن علي بن أبي طالب كان قوليًا، وهو أبلغ من الفعل، وهو إمام راشد، له سنة متبعة، والمعنى الذي من أجله شرع الغسل يوم الجمعة، وهو اجتماع الناس موجود في العيد، بل هو في العيد أكبر اجتماعًا من الجمعة، ومطلوب في العيد أن يكون الإنسان على هيئة حسنة، ومنها الاغتسال، فيكون الغسل لهذا المعنى مستحبًا، وهذا ما أميل إليه، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1830>المبحث الأول في وقت الاغتسال للعيد</span>\n[م-٣٣١] بحثنا في المسألة السابقة استحباب الاغتسال للعيدين، واختلفوا في وقت الاغتسال،\nفقيل: وقته بعد صلاة الفجر، فإن فعله قبل طلوع الصبح لم يصب سنة الاغتسال، نص عليه خليل في مختصره (^١)، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يجوز فعله قبل الفجر، وهو مذهب المالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والمنصوص عن أحمد (^٥)، إلا أنهم اختلفوا في أي جزء من الليل يصح فعله،\n_________\n(^١) انظر مختصر خليل (ص: ٤٩)، وانظر مواهب الجليل (١/ ١٩٣).\n(^٢) مطالب أولي النهى (١/ ١٧٦)، كشاف القناع (١/ ١٥٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٢٥).\n(^٣) قال الباجي في المنتقى (١/ ٣١٦): «ويستحب أن يكون غسله متصلًا بغدوه إلى المصلى، قال ابن حبيب: أفضل أوقات الغسل للعيد بعد صلاة الصبح، قال مالك في المختصر: فإن اغتسل للعيدين قبل الفجر فواسع، ووجه ذلك ما ذكرناه أن من سنته الاتصال بالغدو إليها فلذلك استحب أن يكون بعد صلاة الصبح، فإن قدمه قبل الفجر فواسع؛ لقرب ذلك؛ ولأن الغسل لا تذهب آثاره قبل الغدو ولا تتغير نظافته». اهـ\n(^٤) المجموع (٥/ ١١)، ومغني المحتاج (١/ ٣١٢)، حواشي الشرواني (٣/ ٤٧)، المهذب (١/ ١١٩).\n(^٥) قال ابن عقيل: والمنصوص عن أحمد أنه قبل الفجر وبعده؛ لأن زمن العيد أضيق من وقت الجمعة، فلو وقف على الفجر ربما فات، ولأن المقصود منه التنظيف، وذلك يحصل بالغسل بالليل لقربه من الصلاة. انظر المغني لابن قدامة (٢/ ١١٣).","vol":"4","page":214},{"text":"فقيل: يصح في أي جزء من الليل، وهو أحد الوجوه في مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: يختص في النصف الثاني من الليل، وهو وجه في مذهب الشافعية أيضًا (^٢).\nوقيل: يصح فعله عند السحر، وهو قول في مذهب المالكية (^٣)، ووجه ثالث في مذهب الشافعية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1831> دليل من قال: يجوز بأي ساعة من الليل:</span>\nقال: لأن وقت الاغتسال ضيق، والناس يقدمون إلى الصلاة من مكان بعيد، فلو اشتغلوا بالاغتسال بعد صلاة الفجر ربما فاتتهم الصلاة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1832> دليل من قال: الغسل بعد طلوع الصبح:</span>\nقال: إن اليوم يبدأ من طلوع الصبح كما في الصيام، فإذا اغتسل قبل دخول وقته لم يصب السنة، شأنه شأن العبادات المؤقتة بوقت، لا تصح قبل أو بعد وقتها.\nوالحق أن اليوم إذا أطلق دخل فيه الليل والنهار، ويدخل من غروب الشمس إلى غروبها من الغد، وقد ذكرنا دليل ذلك في غسل الجمعة.\n* * *\n_________\n(^١) حلية العلماء (٢/ ٢٥٤)، روضة الطالبين (٢/ ٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٣١٢)، حواشي الشرواني (٣/ ٤٧)، المهذب (١/ ١١٩).\n(^٢) انظر المراجع السابقة.\n(^٣) نصت بعض كتب المالكية على أن وقته يدخل بأول السدس الأخير من الليل، انظر منح الجليل (١/ ٤٦٣)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٥٢٧).\n(^٤) حلية العلماء (٢/ ٢٥٤)، روضة الطالبين (٢/ ٧٥)، المجموع (٥/ ١١)، ومغني المحتاج (١/ ٣١٢)، حواشي الشرواني (٣/ ٤٧)، المهذب (١/ ١١٩).","vol":"4","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1833>المبحث الثاني غسل العيد لليوم أو للصلاة</span>\n[م-٣٣٢] كما اختلف العلماء هل اغتسال العيد من أجل الصلاة، فيفوت وقته بفواتها، أو من أجل اليوم، فيغتسل ولو بعد الصلاة، ولو لم يحضر الصلاة مع المسلمين؟\nفقيل: إنه لليوم؛ لأنه يوم زينة وفرح واجتماع، فلا يفوت فعله بفوات الصلاة، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\nوقيل: إن الاغتسال للصلاة، فيفوت بفوات الصلاة، وهو مذهب الحنابلة (^٣).\nلأن الصلاة هي الاجتماع الكبير في ذلك اليوم، فشرع لإذهاب الروائح الكريهة، وحتى لا يتأذّى الناس بعضهم من بعض.\nولا شك أن من فعله للصلاة فقد أحسن، ولكن لو لم يفعله للصلاة، هل يقال: خرج وقته، ولا تفعله لليوم، مع أن في هذا اليوم يشرع اتخاذ الزينة من لبس الثياب الحسنة، والتطيب وغير ذلك؟ مع أن هناك اجتماعًا آخر وإن كان أصغر من اجتماع\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (٢/ ٢٦٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٩٨)، منح الجليل (١/ ٤٦٣)، الخرشي (٢/ ١٠١)، مواهب الجليل (٢/ ١٩٤).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٣١٢)، حواشي الشرواني (٣/ ٤٧)، المهذب (١/ ١١٩).\n(^٣) مطالب أولي النهى (١/ ١٧٦)، كشاف القناع (١/ ١٥٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٢٥)","vol":"4","page":216},{"text":"الصلاة، وذلك أن الأقارب يجتمعون في ذلك اليوم بعد الصلاة، يصل بعضهم بعضًا، فمن هذا المعنى يكون مذهب الحنابلة قولًا مرجوحًا، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1834>الفصل الخامس\nالغسل يوم عرفة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم استحباب الغسل ليوم عرفة، وقد بين النبي ﷺ أحكام المناسك ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اغتسل لعرفة.\n• ترك النبي ﷺ لشيء مع إمكان فعله تشريع للأمة كفعله الشيء، فالترك والفعل كلاهما سنة.\n• الغسل لعرفة ليس بدعة، وقد ثبت عن علي بن أبي طالب، ﵁، وهو إمام راشد، وله سنة متبعة.\n• غسل الجمعة معقول المعنى، وهو أنه شرع من أجل اجتماع الناس وهذا المعنى موجود في عرفة، بل إن اجتماع الناس في عرفة، أكبر منه في الجمعة، والله أعلم، فكان القياس يقتضيه.\n[م-٣٣٣] استحب الفقهاء الغسل يوم عرفة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية،","vol":"4","page":218},{"text":"والشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: لا يستحب الغسل ليوم عرفة، وهو اختيار ابن تيمية ﵀ (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1835> دليل من قال: يستحب الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1836>الدليل الأول:</span>\n(٧٦٧ - ٨٧) ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، من طريق يوسف بن خالد، قال حدثنا أبو جعفر الخطمي، عن عبدالرحمن بن عقبة بن الفاكه،\nعن جده الفاكه بن سعد وكانت له صحبة، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٨)، فتح القدير (١/ ٦٥)، البحر الرائق (١/ ٦٦)، الفتاوى الهندية (١/ ١٦)، كفاية الطالب (١/ ٦٧٦)، شرح الزرقاني (٢/ ٤٧٤)، مواهب الجليل (٣/ ١٠٤)، الثمر الداني شرح رسالة القيرواني (ص: ٣٧١)، الأم (٢/ ١٤٦)، المجموع (٢/ ٢٣٤)، مغني المحتاج (١/ ٤٧٩)، إعانة الطالبين (٢/ ٣٠٨)، الفروع (١/ ٢٠٣)، كشاف القناع (١/ ١٥١)، مطالب أولي النهى (١/ ١٧٧).\n(^٢) قال في كتاب الإنصاف (١/ ٢٥٠): واختار الشيخ تقي الدين: عدم استحباب الغسل للوقوف بعرفة ....\nهكذا جاء في كتاب الإنصاف، والموجود في كتاب مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢): والاغتسال لعرفة قد روي فيه حديث عن النبي ﷺ، وروي عن ابن عمر وغيره، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال: غسل الإحرام، والغسل عند دخول مكة، والغسل يوم عرفة، وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار، وللطواف والمبيت بمزدلفة فلا أصل له عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه، ولا استحبه جمهور الأئمة: لا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد، وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه .... إلخ كلامه ﵀.\nفهذا الكلام يشعر بأن ابن تيمية يرى استحباب الغسل لعرفة، وأنه منسوب إلى الصحابة رضوان الله عليهم، وأن البدعة هي في الاغتسال لغير عرفة: كرمي الجمار والمبيت بمزدلفة، والله أعلم. كما أن ابن مفلح ﵀، وهو من تلاميذ ابن تيمية ﵀، ذكر في الفروع (١/ ٢٠٣): غسل عرفة وطواف زيارة ووداع ومبيت بمزدلفة ورمي جمار، ثم قال: «وخالف شيخنا -يعني ابن تيمية- في الثلاثة» يعني في الأخيرة منها: وهي الاغتسال لرمي الجمار والمبيت والطواف. وهذا يعني أنه يرى مشروعيته لعرفة، والله أعلم.","vol":"4","page":219},{"text":"الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر قال: وكان الفاكه ابن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام (^١).\n[موضوع] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1837>الدليل الثاني:</span>\n(٧٦٨ - ٨٨) ما رواه مالك، عن نافع،\nأن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة (^٣).\n[صحيح]\nالدليل الثاني:\n(٧٦٩ - ٨٩) ما رواه الشافعي، قال: أخبرنا ابن علية، عن شعبة، عن عمرو بن مرة،\nعن زاذان، قال: سأل رجل عليًّا ﵁ عن الغسل؟ فقال: اغتسل كل يوم إن شئت، فقال: الغسل الذي هو الغسل؟ قال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر (^٤).\n[صحيح].\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1838> دليل من قال: لا يستحب الغسل:</span>\nإذا ثبت هذا القول، فإنه يمكن أن يستدل له، بأن النسك قد تولى رسول الله ﷺ بيانه للأمة، مناديًا: (خذوا عني مناسككم) ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اغتسل لعرفة،\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٧٨).\n(^٢) سبق تخريجه انظر ح: (٧٦١).\n(^٣) الموطأ (١/ ٣٢٢).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر رقم (٧٦٦).","vol":"4","page":220},{"text":"ولو اغتسل لحفظه الصحابة رضوان الله عليهم، وترك النبي ﷺ لشيء مع إمكان فعله تشريع للأمة كفعله الشيء، فالترك والفعل كلاهما سنة، فلا يستحب الاغتسال لعرفة من أجل عرفة، أما لو اغتسل لوجود سبب يقتضي ذلك كوجود روائح كريهة في بدنه، فهذا لا مانع منه، فهو سبب آخر لا علاقة له بعرفة.\n• والراجح:\nاستحباب الغسل لعرفة، خاصة أنه ثبت عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو خليفة راشد، وثبت عن ابن عمر وهو صحابي جليل، فهذا كاف في الاستدلال على مشروعية الاغتسال، خاصة أن الثابت عن علي ﵁ ليس مجرد الفعل الذي قد يدخله احتمال أن يكون هناك سبب يقتضي الغسل من درن ونحوه، وإنما هو نص قولي يذكر فيه الأغسال المستحبة، فذكر منها يوم عرفة.\n* * *","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1839>الفصل السادس\nفي الاغتسال للوقوف بمزدلفة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم الاستحباب حتى يثبت دليل صحيح صريح باستحباب الاغتسال للوقوف بمزدلفة.\n• الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل.\n• كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ، ولم يفعله، ولم يمنع من فعله مانع فليس بمشروع.\n[م-٣٣٤] استحب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، الاغتسال لمزدلفة.\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٦٦)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٢٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٩)، الفتاوى الهندية (١/ ١٦).\n(^٢) قال الشافعي في الأم (٢/ ٢٢١): «وأحب له أن يغتسل لرمي الجمار والوقوف بعرفة والمزدلفة ....» إلخ كلامه ﵀، وانظر المجموع (٢/ ٢٣٤).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٥٠)، الفروع (١/ ٢٠٣).","vol":"4","page":222},{"text":"وقيل: لا يستحب، وهو اختيار ابن تيمية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1840> دليل من قال بالاستحباب:</span>\nربما استدل له بأنه مكان يجتمع فيه الناس، فكان الغسل مشروعًا قياسًا على غسل الجمعة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1841> دليل من قال: لا يستحب:</span>\nقال ابن تيمية: لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال: غسل الإحرام، والغسل عند دخول مكة، والغسل يوم عرفة، وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار، وللطواف، والمبيت بمزدلفة، فلا أصل له عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه، ولا استحبه جمهور الأئمة: لا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد، وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه ... إلخ كلامه ﵀ (^٢).\nوهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢).\n(^٢) المرجع السابق، نفس الصفحة.","vol":"4","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1842>الفصل السابع\nفي الاغتسال لرمي الجمار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم الاستحباب حتى يثبت دليل صحيح صريح باستحباب الاغتسال لرمي الجمار.\n• الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل.\n• كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ، ولم يمنع من فعله مانع، وتركه النبي ﷺ فإنه ليس بمشروع.\n[م-٣٣٥] استحب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢) والحنابلة (^٣) الغسل لرمي الجمار.\nوقيل: لا يستحب، اختاره ابن تيمية (^٤).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١٧٠).\n(^٢) المهذب (١/ ٢٠٤)، إعانة الطالبين (٢/ ٧٢)، الإقناع للشربيني (١/ ٧٢)، الوسيط (٢/ ٦٣٤).\n(^٣) المحرر (١/ ٢٠)، الإنصاف (١/ ٢٥٠)، شرح العمدة (١/ ٣٦١).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢).","vol":"4","page":224},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1843> دليل المشروعية:</span>\nقالوا: إن هذه المواضع يجتمع لها الناس، فيستحب الاغتسال لها كالجمعة.\n• وتعقب هذا:\nبأن هذا التعليل هو الذي جعل الشافعية يقولون بأنه لا يغتسل لرمي جمرة العقبة؛ لأن وقت الرمي من نصف الليل إلى آخر النهار، فلا يجتمع لها الناس في وقت واحد، ولأنه اغتسل للوقوف بالمشعر الحرام، وهو يرمي جمرة العقبة بعده بساعة، فأثر الغسل باق، فلا حاجة إلى إعادته (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1844> دليل من قال: لا يستحب:</span>\nأن هذه العبادة لو كانت مستحبة لفعلها الرسول ﷺ، أو أرشد إليها من قوله، فلما لم يفعلها مع إمكان الفعل علم أن الترك هو السنة، وكما ذكرت سابقًا أن الترك سنة كالفعل، فما تركه المصطفى فالسنة تركه، وما فعله فالسنة فعله، إلا أن يدل دليل على أنه خاص به، وهذا هو الراجح.\n* * *\n_________\n(^١) المهذب (١/ ٢٠٤)، الوسيط (٢/ ٦٣٤).","vol":"4","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1845>الفصل الثامن\nالاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم الاستحباب حتى يثبت دليل صحيح صريح باستحباب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء.\n• الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل.\n• كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ، ولم يفعله، ولم يمنع من فعله مانع، فليس بمشروع.\n[م-٣٣٦] استحب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٣٤) و(٥/ ٧٥)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٣٢٨).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٤٧)، الفروع (١/ ٢٠٢)، كشاف القناع (١/ ١٥١)، مطالب أولي النهى (١/ ١٧٦).","vol":"4","page":226},{"text":"وقيل: لا يستحب، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1846> دليل من قال بالاستحباب:</span>\nقال: إن هذا موضع يجتمع فيه الناس، فيستحب الاغتسال دفعًا للروائح الكريهة، وقياسًا على غسل الجمعة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1847> دليل من قال: لا يستحب ذلك</span>.\nانظر دليله في المسألة التي قبل هذه، وعمدته أنه لم ينقل عن النبي ﷺ فعل ولا قول في الاغتسال لهذه الصلوات، والأصل عدم المشروعية، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٤٧)، وقد قال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٦٩): «ولم أجده لأئمتنا فيما عندي». يعني غسل الاستسقاء والكسوف.\nقلت: قد وجدته في كتاب درر الحكام في شرح غرر الأحكام (١/ ٢٠)، وهو قبل ابن نجيم رحمهما الله تعالى، ولعله تابع بعض الكتب من غير المذهب، فإن متأخري أهل المذاهب ربما نقلوا من كتب غيرهم، إذا لم ينص على المسألة في كتبهم، خاصة إذا كانت المسألة تتمشى مع أصول مذهبهم، إلا أنهم في الغالب قد ينصون على الكتب التي نقلوا منها، والله أعلم.\nكما نص عليها من المتأخرين ابن عابدين في حاشيته (١/ ١٧٠).\nولم أقف على هذه المسألة في كتب المالكية، والله أعلم.","vol":"4","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1848>الفصل التاسع\nالغسل من الحجامة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل.\n• كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ، ولم يفعله ولم يمنع من فعله مانع فليس بمشروع\n[م-٣٣٧] اختلف العلماء في الاغتسال من الحجامة،\nفقيل: يسن الاغتسال، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، وقول في مذهب\n_________\n(^١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٦٩)، فتح القدير (١/ ٦٦)، درر الحكام في شرح غرر الأحكام (١/ ٢٠).\n(^٢) نص عليها الشافعي في القديم، كذا قال النووي في المجموع (٢/ ٢٣٤)، وانظر أسنى المطالب (١/ ٢٦٥)، نهاية المحتاج (٢/ ٣٣٢).\nوقال الغزالي في الوسيط (٢/ ٢٩٢): «هما اختياران لا يبلغان مبلغ السنن المتأكدة، وأنكر معظم الأصحاب استحبابهما». اهـ\nوقال النووي في روضة الطالبين (٢/ ٤٤): «ومنها الغسل من الحجامة .... ذكر صاحب التلخيص عن القديم استحبابهما، والأكثرون لا يذكرونهما ...». اهـ","vol":"4","page":228},{"text":"الحنابلة (^١).\nوقيل: يجب الاغتسال من الحجامة (^٢).\nوقيل: لا يستحب الاغتسال منها، قال في الإنصاف: «وهو الصحيح من المذهب» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1849> دليل من قال بالاستحباب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1850>الدليل الأول:</span>\n(٧٧٠ - ٩٠) ما رواه أحمد من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله ابن الزبير،\nعن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: يغتسل من أربع من الجمعة، والجنابة، والحجامة، وغسل الميت (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>الدليل الثاني:</span>\n(٧٧١ - ٩١) ما رواه الشافعي، قال: أخبرنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو ابن مرة،\nعن زاذان، أن عليًا ﵁ كان يغتسل من الحجامة (^٦).\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٢٠٣)، الإنصاف (١/ ٢٥١)، مطالب أولي النهى (١/ ١٧٨).\n(^٢) أشار إلى هذا القول إشارة صاحب الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح (ص: ٧٠) حيث علل الاستحباب بالغسل من الحجامة خروجًا من الخلاف القائل بلزوم الغسل، والله أعلم.\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٥١)، شرح العمدة (١/ ٣٦١)، الفروع (١/ ١٨٣).\n(^٤) المسند (٦/ ١٥٢).\n(^٥) سبق تخريجه، انظر رقم (٧١٣).\n(^٦) الأم (٧/ ١٦٥).","vol":"4","page":229},{"text":"[صحيح] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1852>الدليل الثالث:</span>\n(٧٧٢ - ٩٢) ما رواه بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد،\nعن عبد الله بن عمرو، قال: اغتسل من الحجامة (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1853>الدليل الرابع:</span>\n(٧٧٣ - ٩٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، قال: إذا احتجم الرجل فليتغتسل، ولم يره واجبًا (^٤).\n[صحيح عن ابن عباس] (^٥).\n_________\n(^١) رجاله ثقات. ورواه عبد الرزاق في المصنف (٧٠١) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٨٠) عن إسرائيل بن يونس، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، أن عليًّا كان يستحب أن يغتسل من الحجامة.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، أو موضوع، في إسناده ثوير بن أبي فاختة، قال الثوري: كان ثوير من أركان الكذب، وكان يحيى وابن مهدي لا يحدثان عنه. التاريخ الكبير (١/ ١٨٣)، وانظر المجروحين لابن حبان (١/ ٢٠٥).\n(^٢) المصنف (١/ ٤٨) رقم ٤٨٠.\n(^٣) لأنه من رواية الأعمش، عن مجاهد، وأكثرها لم يسمعه منه، بل هي مدلسة.\nوقد رواه عبد الرزاق في المصنف (٧٠٢) عن الثوري، عن الأعمش به، بأطول من هذا. ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٨٠).\n(^٤) المصنف (١/ ٤٨) رقم ٤٨٤.\n(^٥) ومن طريق إسرائيل رواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٨٠).\nورواه ابن أبي شيبة أيضًا (١/ ٤٨) رقم: ٤٨٤، حدثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل به. ورواه ابن أبي شيبة أيضًا (١/ ٤٨) رقم ٤٧٩، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن المسيب ابن رافع، عن ابن عباس، قال: الغسل من الحجامة.\nوهذا إسناد منقطع، قال يحيى بن معين: المسيب بن رافع لم يسمع من صحابي إلا من البراء\nوأبي إياس عامر بن عبدة. تهذيب التهذيب (١٠/ ١٣٩).","vol":"4","page":230},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1854> دليل من قال: لا يغتسل من الحجامة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>الدليل الأول:</span>\n(٧٧٤ - ٩٤) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان إذا احتجم غسل أثر محاجمه (^١).\n[إسناده صحيح].\nقلت: ما ثبت عن ابن عمر، لا يعارض ثبوت الغسل عن بعض الصحابة؛ لأن من اغتسل فقد استحب الغسل من الحجامة، ومن ترك الاغتسال دل على أن الاغتسال ليس بواجب، ونحتاج إلى أثر ينفي استحباب الاغتسال من الحجامة، ولم أقف عليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1856> دليل من قال: الاغتسال من الحجامة واجب</span>.\nلم أقف له على دليل يوجبه، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من قول الصحابة رضوان الله عليهم.\n• الراجح:\nثبت أن الرسول ﷺ احتجم، ولم ينقل أنه اغتسل، ولا يقال: عدم النقل ليس نقلًا للعدم، بل يقال: قام المقتضي للغسل، ولم يفعل ﷺ، ولو كان الغسل مشروعًا لفعله ﵊، ولو فعله لنقل إلينا، فلما لم يفعله دل على أن الترك منه ﷺ هو السنة، مثله مثل ما لو فعل أمرًا على وجه التعبد كان الفعل هو السنة، فيكون قول الصحابي ليس بحجة، ولا يرجع إلى المسألة الأصولية، هل فعل الصحابي حجة، أو ليس بحجة، فإني أميل إلى الاحتجاج بقول الصحابي وفعله إذا لم يثبت عن الرسول ﷺ فيه ترك أو فعل، أما وقد ثبت الترك، فالسنة الترك، ولا يبدع من فعل الاغتسال لفعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٤٧).","vol":"4","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1857>الباب الثالث أحكام الجنب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1858>الفصل الأول تحريم فعل الصلاة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الحدث ينافي صحة الصلاة مع القدرة على الطهور.\n• الحدث يمنع ابتداء الصلاة كما يمنع استدامتها إلا من عذر كالاستحاضة، أو فقد الطهورين.\n[م-٣٣٨] يحرم على الجنب فعل الصلاة مع قدرته على الماء، أو على التراب عند عدم الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1859>وهذا الحكم من المعلوم بالدين بالضرورة، ودل عليه أدلة كثيرة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1860>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].","vol":"4","page":232},{"text":"فأمر بالطهارة من الجنابة عند القيام إلى الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1861>الدليل الثاني:</span>\n(٧٧٥ - ٩٥) ومن السنة، ما رواه البخاري من طريق همام بن منبه،\nأنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ.\nقال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط. ورواه مسلم عدا قول أبي هريرة (^١).\nوإذا كان هذا في الحدث الأصغر فالحدث الأكبر من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>الدليل الثالث:</span>\n(٧٧٦ - ٩٦) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر، فصلينا معه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>الدليل الرابع:</span>\n(٧٧٧ - ٩٧) ما رواه مسلم من طريق سماك بن حرب، عن مصعب ابن سعد، قال:\nدخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥).\n(^٢) البخاري (٢٧٥)، ومسلم (٦٠٥).\n(^٣) مسلم (٢٢٤).","vol":"4","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1864>الدليل الخامس:</span>\nوأما الإجماع، فقد قال النووي: «أجمع المسلمون على تحريم الصلاة على المحدث، وأجمعوا على أنها لا تصح منه، سواءً كان عالمًا بحدثه، أو جاهلًا، أو ناسيًا، لكنه إن صلى جاهلًا أو ناسيًا فلا إثم عليه، وإن كان عالمًا بالحدث وتحريم الصلاة مع الحدث فقد ارتكب معصية عظيمة .....» (^١).\nقلت: وإذا كان هذا في الحدث الأصغر، كان ذلك في الحدث الأكبر من باب أولى؛ لأنه أغلظ الحدثين.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٧٨).","vol":"4","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1865>الفصل الثاني\nفي طواف الجنب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم وجوب الغسل لطواف الجنب، فمن أوجب الغسل فعليه الدليل.\n• كل حكم ينفرد بروايته الضعفاء مع حاجة الأمة إليه، فإنه يوجب في النفس ريبة من قبوله.\n• الطهارة من الحيض شرط في صحة الطواف بالإجماع مع القدرة على الطواف في حال الطهر.\n• اشتراط الطهارة من الجنابة قياسًا على اشتراط الطهارة من الحيض قياس مع الفارق؛ إذ لا يقاس الأخف على الأغلظ.\n• كل شرط تتوقف عليه صحة عبادة الناس ومعاملاتهم لا بد أن تأتي عليه الأدلة صحيحة صريحة تقوم بمثلها الحجة على الناس، فإذا لم يوجد مثل هذه علم أن مثله ليس بشرط.\n• الأفعال المجردة لا تدل على الوجوب، فضلًا عن الشرطية.","vol":"4","page":235},{"text":"[م-٣٣٩] اختلف العلماء في طواف الجنب.\nفقيل: يشترط الطهارة من الجنابة، بل ومن الحدث الأصغر، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: الطهارة واجبة، ويصح الطواف بدونها، وتجبر بدم، وهو الراجح عند الحنفية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: الطهارة من الجنابة سنة، وهو رواية عن أحمد (^٤)، واختاره ابن حزم ﵀ (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1866> دليل الجمهور على اشتراط الطهارة من الجنابة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1867>الدليل الأول:</span>\nلا خلاف في اشتراط الطهارة الصغرى والكبرى في الصلاة، وقد حكم\n_________\n(^١) المدونة (٢/ ٤٠٢)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٤٧٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٦٦)، المنتقى - الباجي (٢/ ٢٩٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٧٤) القوانين الفقهية - ابن جزي (ص ٥٥)، الخرشي (٢/ ٣١٤)، المجموع النووي (٨/ ١٧)، حلية العلماء (٣/ ٢٨٠)، روضة الطالبين (٣/ ٧٩)، حاشية البيجوري (١/ ٦٠٠)، المغني (٣/ ١٨٦)، الإنصاف (٤/ ١٦)، الفروع (١/ ٢٦٠، ٢٦١)، المبدع (٣/ ٢٢١).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣٥٥)، المبسوط (١/ ٤٤)، فتح القدير (١/ ٥١)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٥٣٦).\n(^٣) شرح العمدة (٣/ ٥٨٦).\n(^٤) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢٠٦): «نص أحمد في رواية، على أن الجنب إذا طاف ناسيًا أجزأه ذلك، فمن أصحابه من قصر ذلك على حال النسيان، ومنهم من قال: هذا يدل على أن الطهارة ليست فرضًا؛ إذ لو كانت فرضًا لما سقطت بالنسيان؛ لأنها من باب المأمور به، لا من باب المنهي عنه، كطهارة الحدث في الصلاة، بخلاف اجتناب النجاسة في الصلاة، فإن ظاهر مذهب أحمد أنه إذا صلى ناسيًا لها، أو جاهلًا بها لا يعيد؛ لأن ذلك من باب المنهي عنه، فإذا فعله ناسيًا أو جاهلًا به لم يكن عليه إثم، فيكون وجوده كعدمه ...» إلخ كلامه ﵀. وانظر المغني (٣/ ١٨٦).\n(^٥) المحلى (٥/ ١٨٩) مسألة: ٨٣٩.","vol":"4","page":236},{"text":"الرسول ﷺ بأن الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام، فيثبت للطواف ما يثبت للصلاة، ومنه اشتراط الغسل من الجنابة.\n(٧٧٨ - ٩٨) فقد روى الترمذي ﵀، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا، جرير، عن عطاء بن السائب، عن طاوس،\nعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير.\n[ضعيف، والراجح وقفه على ابن عباس] (^١).\nوقد رجح كونه موقوفًا جمع من الأئمة. قال الحافظ: «رجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي» (^٢).\nوقال الترمذي ﵀: «روي هذا الحديث عن ابن طاووس وغيره، عن طاووس، عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب» (^٣).\nورجح وقفه أيضًا ابن تيمية رحمه الله تعالى (^٤)، وابن عبد الهادي كما في فيض القدير (^٥).\nكما أن متنه شاهد على أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ، فالحديث يعتبر الطواف كالصلاة إلا في الكلام، وقد قال علماء الأصول: الاستثناء معيار العموم، بمعنى أنها تثبت للطواف جميع أحكام الصلاة إلا ما استثني، وعند التأمل نرى أنه يجوز بالطواف الأكل والشرب، وليس فيه تسليم، ولا دعاء استفتاح، ولا استقبال القبلة، ولا تجب\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر ح: (٧٧٨).\n(^٢) تلخيص الحبير (١/ ٢٢٥).\n(^٣) السنن (٣/ ٩٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٧٤) (٢٦/ ١٢٦).\n(^٥) فيض القدير (٤/ ٢٩٣).","vol":"4","page":237},{"text":"له قراءة الفاتحة، وله أن يقطع طوافه لشهود صلاة الجنازة، أو لحضور الجماعة، ثم يبني على طوافه بخلاف الصلاة، ولا يحتاج فيه إلى تسوية صفوف، ولا تقديم الرجال على النساء، وله أن يطوف وهو عاري الكتفين، وبالتالي فهذه المخالفات تدل على أن الكلام ليس من عند الرسول ﷺ: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1868>الدليل الثاني:</span>\nدل الدليل على اشتراط الطهارة الصغرى، وما اشترطت فيه الطهارة الصغرى كانت الطهارة الكبرى شرطًا فيه من باب أولى؛ لأنها أغلظ.\nوالدليل على اشتراط الطهارة الصغرى:\n(٧٧٩ - ٩٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أصبغ، عن ابن وهب، أخبرني\n_________\n(^١) وقد قال بعضهم: إن هذا الحديث على فرض صحته يشبه حديث أبي هريرة في الصحيح، فقد روى البخاري (٦٤٧) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. وهو في مسلم (٢٧٦) بغير هذا اللفظ.\nوالذي ينتظر الصلاة لا يلزمه ما يلزم المصلي، فله أن يأكل ويلتفت عن القبلة، وغيرها، فقد يكون الطواف صلاة من أجل أن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله، قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) والطواف إنما شرع لإقامة ذكر الله، وإن كانت الصلاة في اللغة: الدعاء، والطواف يدعو به الطائف ما شاء من أمور الدنيا والآخرة.\nوهذا الكلام ليس دقيقًا؛ لأن هناك فرقًا بين أن أقول: الطواف كالصلاة في الأجر والمثوبة، وبين أن أقول: الطواف صلاة إلا في الكلام، فهذا واضح أن الحديث لم يتعرض للثواب، وإنما تعرض فيما يجب ويلزم ويمنع.\nقال الكاساني في بدائع الصنائع (٢/ ١٢٩) تعليقًا على حديث «الطواف بالبيت صلاة»: يحمل على التشبيه كما في قوله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) أي كأمهاتهم، ومعناه أن الطواف كالصلاة إما في الثواب، أو في أصل الفرضية في طواف الزيارة؛ لأن كلام التشبيه لا عموم له فيحمل على المشابهة في بعض الوجوه، عملًا بالكتاب والسنة»، وانظر المبسوط (٤/ ٣٨).","vol":"4","page":238},{"text":"عمرو، عن محمد بن عبد الرحمن، ذكرت لعروة، قال:\nفأخبرتني عائشة رضي الله تعالى عنها، أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة. الحديث (^١).\nولا يقال: إن الوضوء مجرد فعل من النبي ﷺ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، لأننا نقول:\n(٧٨٠ - ١٠٠) قد روى مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج، أخبرني\nأبو الزبير،\nأنه سمع جابرًا يقول: رأيت النبي ﷺ يرمى على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (^٢).\nقال الشنقيطي: «وضوء النبي ﷺ لطوافه، قد دل دليلان على أن الوضوء لازم لا بد منه:\nأحدهما: أنه ﷺ قال في حجة الوداع: (خذوا عني مناسككم)، وهذا الأمر للوجوب، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالًا لأمره، في قوله ﷺ: (خذوا عني مناسككم).\nالثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتي به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم، ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي ﷺ للسارق من الكوع، بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب» (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٦١٤)، ومسلم (١٢٣٥) وفي مسلم قصة.\n(^٢) صحيح مسلم (١٢٩٧).\n(^٣) أضواء البيان (٥/ ٢٠٣).","vol":"4","page":239},{"text":"• وأجيب عن هذا الدليل:\nأما كونه لما طاف توضأ، فهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه كان ﷺ يتوضأ لكل صلاة حتى ولو كان طاهرًا، وتيمم لرد السلام، وقال: إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر.\n• وأما الجواب عن قوله: لتأخذوا عني مناسككم:\nقال ابن القيم: «أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب، فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه ﷺ فعل في حجته أشياء كثيرة جدًّا لم يوجبها أحد من الفقهاء» (^١).\nوعلى كل حال، لا أرى الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا أرى أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، فقوله ﷺ: (خذوا عني مناسككم) يدل على كونه مشروعًا، وأنه من أفعال المناسك، أما دلالته على الوجوب فيحتاج إلى دليل خاص، كما أن دلالته على الشرطية أو الركنية يحتاج إلى دليل خاص كذلك، فإذا كان ورود الأمر الخاص فيه نزاع في دلالته على الوجوب كما هو معلوم في أصول الفقه، فما بالك في حديث: (خذوا عني مناسككم) والذي يشمل جميع أفعال المناسك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1869>الدليل الثالث:</span>\nدل الدليل على منع الجنب من المكث في المسجد، ويلزم من طواف الجنب المكث فيه؛ لأن الطواف متعلق بالبيت، والبيت في وسط المسجد الحرام، والدليل على منع الجنب من المكث في المسجد، من الكتاب ومن السنة، أما الكتاب: فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].\n_________\n(^١) تهذيب السنن (١/ ٥٣).","vol":"4","page":240},{"text":"(٧٨١ - ١٠١) وأما السنة فهو ما رواه أبو داود (^١) من طريق أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت:\nسمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب.\n[ضعيف] (^٢).\nوسوف نناقش مسألة المكث في المسجد في فصل مستقل إن شاء الله تعالى، فانظر فيه الجواب عن الآية والحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1870>الدليل الرابع:</span>\nمنعت الحائض عن الطواف بالبيت بالإجماع مع القدرة على الطواف في حال الطهر، فيقاس عليها الجنب بجامع أن كلًا منهما حدث أكبر يوجب الغسل، ويمنع من الصلاة.\nقال ابن عبد البر: «الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجتمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا» (^٣).\nوقال ابن رشد: «اتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء، وذكر الثالث منها، قال: والثالث: فيما أحسب الطواف» (^٤).\nوقال النووي: «وقد أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض والنفساء. وأجمعوا على أنه لا يصح منهما طواف مفروض ولا تطوع، وأجمعوا على أن الحائض\n_________\n(^١) سنن أبو داود (٢٣٢).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد الثامن، رقم (١٨٢٢)، فأغنى عن إعادة تخريجه هنا.\n(^٣) التمهيد (١٧/ ٢٦٥).\n(^٤) بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ٥٩، ٦٠).","vol":"4","page":241},{"text":"والنفساء لا تمنع من شيء من مناسك الحج إلا الطواف وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره» (^١).\nوقال ابن تيمية: «وأما الذي لا أعلم فيه نزاعًا، أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض، إذا كانت قادرة على الطواف مع الطهر، فما أعلم منازعًا أن ذلك يحرم عليها، وتأثم به» (^٢).\nوقال ابن حزم: «أما امتناع الصلاة والصوم والطواف والوطء في الفرج حال الحيض فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه» (^٣).\n(٧٨٢ - ١٠٢) وعمدة الإجماع ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا\nأبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت:\nخرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري، ورواه مسلم (^٤).\n(٧٨٣ - ١٠٣) وبما رواه البخاري ﵀ من طريق الزهري، حدثني عروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن،\nأن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرتهما، أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع فقال النبي ﷺ: أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله،\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٣٨٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢٠٦).\n(^٣) المحلى (مسألة ٢٥٤).\n(^٤) صحيح البخاري (٣٠٥). رواه مسلم (١٢٠/ ١٢١١).","vol":"4","page":242},{"text":"وطافت بالبيت، فقال النبي ﷺ: فلتنفر. ورواه مسلم (^١).\n• وأجيب:\nبأن قياس الجنب على الحائض قياس مع الفارق، فأنتم لا تقولون بأن أحكامهما واحدة من كل وجه حتى يتم القياس،\nفهذه الحائض لا تقضي الصلاة، بخلاف الجنب، ولا يصح الصوم مع الحيض، بخلاف الجنب فإنه يصح أن يصبح صائمًا، وهو جنب، وإذا توضأ الجنب مكث في المسجد عندكم، مع أن الجنابة لم ترتفع، ولا تبيحون للحائض أن تمكث في المسجد ولو توضأت، فكل هذا يجعل قياس الأخف على الأغلظ قياسًا ضعيفًا، مع أن مكث الحائض في المسجد متنازع فيه، وقد رجحت في كتابي الحيض والنفاس جواز مكث الحائض في المسجد، فانظره هناك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1871>الدليل الخامس:</span>\nاستدل بعضهم بقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَاّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: ٢٦].\n• وجه الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن الطواف ذكر مع الصلاة، فإذا كانت الصلاة تشترط لها الطهارة، فكذلك الطواف، بل إن تقديم الطواف على الصلاة يدل على أن الطهارة فيه أولى.\nالوجه الثاني:\nإذا وجب تطهير مكان الطائف، فبدنه من باب أولى.\n• وأجيب:\nبأن هذه الدلالة دلالة اقتران، وهي من أضعف الدلالات، ولا يلزم من اقترانهما اشتراكهما في الحكم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٤٠١)، ومسلم (٣٨٢/ ١٢١١)","vol":"4","page":243},{"text":"قال الله تعالى: (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١].\nوالأكل مباح، فهل إتيان حقه يوم حصاده تقولون: إنه مباح، ثم إنه قال في الآية الأخرى: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة: ١٢٥].\nهل تقولون: إن المعتكف لا يصح اعتكافه إلا على طهارة؛ لأنه قرن بالصلاة، فإذا سقطت الدلالة من هذه الآية سقطت من تلك.\nوكونه قدم الطواف على الصلاة ليس دليلًا على كونه أولى بالطهارة من الصلاة، فقد يكون قدم باعتبار أن الطواف أخص بالبيت من الصلاة، فالصلاة يصليها الإنسان في كل المساجد، بل في الأرض كلها، وأما الطواف فلا يطوف الإنسان إلا في هذا البيت، والله أعلم.\nوأما الأمر بتطهير المكان، فالمراد من الشرك: وهو نجاسة معنوية، ومن الخبث: وهو نجاسة حسية، وأما المؤمن فإنه ليس بنجس، ولا ينجس بالحدث، ولا يمنع المحدث من دخول البيت، فليس مقصودًا في الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1872> دليل من قال: الطهارة من الجنابة سنة في الطواف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1873>الدليل الأول:</span>\nهذا القول لا يحتاج إلى دليل، وإنما الذي يطالب بالدليل الذي يقول باشتراط الطهارة من الجنابة ومن الحدث الأصغر للطواف، فعدم الدليل الموجب للطهارة كاف في الاستدلال، كما أن الأصل براءة الذمة حتى يثبت الدليل الصحيح الصريح، فدليل هذا القول هو عدم وجود دليل يدل على وجوب الطهارة من الحدث في الطواف، ومنه الطهارة من الجنابة.\nقال ابن تيمية: «لم ينقل أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف أنه","vol":"4","page":244},{"text":"أمر بالوضوء للطواف، مع العلم أنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمرًا متعددة، والناس معتمرون معه، فلو كان الوضوء فرضًا في الطواف لبينه النبي ﷺ بيانًا عامًا، ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه، ولم يهملوه» (^١).\nوقال ابن القيم: «لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة، لا في عمرته، ولا في حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا ولا يبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع» (^٢).\nقلت: وقد طاف مع الرسول ﷺ في حجته خلق كثير، وكثير منهم حديث عهد بالإسلام، ومع ذلك لم يأمرهم بالطهارة، وقد ينتقض وضوء كثير منهم أثناء الطواف، ومع هذا الاحتمال القوي لم يبين الرسول ﷺ أنه يلزمهم الطهارة في الطواف، مع أن الرسول ﷺ قد أخبر أنه يعلن أفعاله ليأخذ الناس مناسكهم، فقد كان الرسول ﷺ يشعر بأنه قد لا يحج العام القابل، وكان كما تنبأ النبي ﷺ، وإذا لم يدل دليل على وجوب الطهارة الصغرى للطواف، فكذلك لم يدل دليل على وجوب الطهارة من الجنابة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1874>الدليل الثاني:</span>\nقال ابن تيمية: «ثبت أيضًا أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة».\n(٧٨٤ - ١٠٤) لما ثبت في صحيح مسلم، من حديث ابن جريج، حدثنا سعيد ابن الحارث،\nعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب له طعام، فأكل، ولم يمس ماء. قال ابن جريج: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد ابن الحارث، أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم تتوضأ؟ قال: ما أردت صلاة فأتوضأ.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٧٣).\n(^٢) تهذيب السنن (١/ ٥٢، ٥٣).","vol":"4","page":245},{"text":"قال عمرو: سمعته من سعيد بن الحارث (^١).\nفقوله: (ما أردت صلاة فأتوضأ) يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا إذا أراد صلاة، وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب، وليس بواجب». اهـ\nوما يقال في عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر للطواف يقال: في عدم اشتراط الطهارة من الجنابة، سواءً بسواءٍ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1875> دليل من قال: الطهارة واجبة، ويصح الطواف بدونها وتجبر بدم:</span>\nاستدلوا: على أن الطهارة واجبة بقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ أمر بالآية بالطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة في الطواف يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قاطع، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين. وأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد، فيكون موجبًا للعمل دون العلم، فلم تصر الطهارة ركنًا، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في الحج (^٢).\n• ويُجاب:\nأولًا: لا نسلم أنه قد قام دليل على وجوب الطهارة للطواف ولو بخبر آحاد، فأين هذا الدليل الموجب للطهارة حتى نأخذ به؟.\n_________\n(^١) انظر الكلام علي الحديث، من حيث الاختلاف في لفظه في المجلد الثامن رقم (١٧٧١) من طهارة الحيض والنفاس رواية ودراية.\n(^٢) المبسوط - السرخسي (٤/ ٣٨).","vol":"4","page":246},{"text":"ثانيًا: تفريق الحنفية بين ما هو قطعي الدلالة، وما هو ظني الدلالة، والأول يصلح أن يكون دليلًا على الفرض، والثاني يكون دليلًا على الواجبات دون الشروط والأركان، والتفريق بين الواجب والفرض كل هذه الأمور مرجوحة لا تقوم على دليل صحيح، ولا يوافقهم فيها الجمهور، ثم الراجح من خبر الآحاد أنه يفيد العلم ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وتجويز الخطأ في خبر الآحاد تجويز عقلي، والأصل عدمه، ولو فتح الباب للتجويز العقلي لهدم الشرع، وهي لا تخرج عن أوهام ووساوس، لا تبنى على أسس، إنما بنيت على شفا جرف هار، وقد كان البلاغ في الرسالة يقوم على خبر الواحد، وهو أصل الشرع، فقد كان الرسول ﷺ يرسل الآحاد من الصحابة لتبليغ رسالته، وتقوم الحجة بذلك، فغيره من باب أولى. وليس هذا مقام بسط الكلام بالاحتجاج بخبر الواحد.\n• الراجح:\nجواز الطهارة من المحدث، سواءً كان حدثًا أصغر أو أكبر عدا الحيض، فإن الطواف لا يصح مع الحيض مع القدرة على الطواف في حال الطهر، فإن اضطرت إلى الطواف صح منها، والخلاف في طواف الحائض قد عقدت له فصلًا مستقلًا في كتابي الحيض والنفاس، فليراجع من هناك، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1876>الفصل الثالث\nمكث الجنب في المسجد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يمنع الجنب مما لم يمنع منه الكافر، فالكافر يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام، وهو متلبس بالحدث والخبث.\n• إذا لم تمنع المستحاضة من الاعتكاف في المسجد مع خوف تلويث المسجد، واستمرار الخبث، وهو أغلظ من الحدث، فكيف يمنع الجنب من المكث في المسجد مع طهارة بدنه وأمن التلويث؟!\n• إن كان منع الجنب من الدخول في المسجد لمعنى في الجنابة لا من أجل المسجد، فالجنب بدنه طاهر بالإجماع، وقد كانت عائشة تدهن رأس رسول الله ﷺ وترجله، وهي حائض، ولو كانت يدها نجسة لمنعت، فالجنب أولى بطهارة بدنه من الحائض؛ لأنه أخف حدثًا.\n• الأصل عدم منع الجنب من الدخول في المسجد إلا بدليل صحيح، أو إجماع.\nوقيل:","vol":"4","page":248},{"text":"• إذا كان آكل البصل والأشياء المكروهة ممنوعًا من البقاء في المسجد، فالجنب الذي تحرم عليه الصلاة من باب أولى، وينتقض بأن العلة في منع آكل البصل من أجل الرائحة، وهذا المعنى ليس موجودًا في الجنب.\n• منع الجنب من دخول المسجد؛ لأنها محل ذكر الله وعبادته، ومأوى ملائكته، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب؛ لذا منع الجنب من دخول المسجد.\nوينتقض بأن حديث الملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب لا يصح، والجنب ليس ممنوعًا من ذكر الله.\n[م-٣٤٠] اختلف العلماء في مكث الجنب للمسجد،\nفقيل: لا يجوز للجنب أن يمكث في المسجد مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\nوقيل: يجوز له المكث بشرط الوضوء، وهو مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: يجوز له المكث مطلقًا، سواءً كان متوضئًا أو غير متوضئ، وهو اختيار ابن حزم (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1877> دليل من قال: لا يجوز للجنب المكث في المسجد:</span>\nمن الكتاب قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٨)، المبسوط (١/ ١١٨).\n(^٢) المدونة (١/ ٣٢)، التاج والإكليل (١/ ٣٣٨)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٥٧).\n(^٣) الأم (١/ ٥٤)، وقال النووي في المجموع (٢/ ١٨٤): «مذهبنا أنه يحرم عليه المكث في المسجد جالسًا أو قائمًا أو مترددًا أو على أي حال كان، متوضئًا كان أو غيره، ويجوز له العبور من غير لبث، سواءً كان له حاجة أم لا .... إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\n(^٤) المغني (١/ ٩٧).\n(^٥) المحلى (١/ ٣٩) مسألة: ٢٦٢.","vol":"4","page":249},{"text":"(٧٨٥ - ١٠٥) فقد روى عبدالرزاق (^١)، قال: عن معمر، عن عبدالكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن عبد الله،\nعن ابن مسعود أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازًا ولا أعلمه إلا قال: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣].\n[أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ورأى بعضهم أن حديث أبي عبيدة في حكم المتصل] (^٢).\n(٧٨٦ - ١٠٦) وروى ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا\nأبو نعيم، ثنا أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن ابن عباس قال: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) قال: إلا وأنت مار فيه (^٣).\n[ضعيف، والثابت عن ابن عباس خلافه كما سيأتي إن شاء الله تعالى] (^٤).\nوقد ذهب عطاء (^٥)، والحسن (^٦)، وإبراهيم النخعي (^٧)، إلى أن معنى قوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) الجنب يمر في المسجد.\nوقد اختلف العلماء في معنى الآية على قولين:\nالأول: أن معنى قوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي: لا تقرب موضع الصلاة وأنت جنب إلا أن تكون مارًا في المسجد غير ماكث فيه.\n_________\n(^١) المصنف (١٦١٣).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد الثامن، رقم (١٨٢٧).\n(^٣) الأوسط (٢/ ١٠٦) ورواه الطبري في تفسيره (٩٥٥٥) من طريق عبدالله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي به.\n(^٤) انظر تخريجه في المجلد الثامن، رقم (١٨٢٨).\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٥) بسند رجاله ثقات وفيه عنعنة ابن جريج عن عطاء لكنه مكثر عن عطاء فلعلها تغتفر.\n(^٦) رواه ابن جرير الطبري (٩٥٥٩) بسند رجاله ثقات وفيه عنعنة قتادة، وهو مدلس مكثر.\n(^٧) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٥) رقم ١٥٥٤ بسند صحيح.","vol":"4","page":250},{"text":"وعليه فيكون معنى قوله: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) أي: لا تقربوا مواضع الصلاة (^١).\nوقد تقدم أن هذا القول مروي عن ابن مسعود.\nالمعنى الثاني: أن معنى قوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي: لا يقرب الصلاة الجنب إلا أن يكون مسافرًا فيتيمم ويصلي، وهذا التفسير هو الثابت عن ابن عباس وعلي ﵃، وجماعة من التابعين.\n(٧٨٧ - ١٠٧) فقد روى ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، ومحمد ابن المثني، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز،\nعن ابن عباس في قوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]، قال: المسافر. وقال ابن المثنى: السفر (^٢).\nفهذا سند في غاية الصحة، ولا تضر عنعنة قتادة، وقد جاء حديثه من طريق شعبة (^٣).\n_________\n(^١) انظر تفسير القرطبي (٥/ ١٠٠)، تفسير مجاهد (١/ ١٥٨)، زاد المسير (٢/ ٩٠)، فتح القدير (١/ ٤٦٩)، مشكل إعراب القرآن (١/ ١٩٨)، تفسير ابن كثير (١/ ٥٠٣) ورجح أن المراد بقوله: (إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي المجتاز مرًا. قال ابن كثير: «لو كان معنيًا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) معنى مفهوم.\nوفي أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٦٩) ورجح أن المراد به المسافر، قال: «وما روي عن علي وابن عباس في تأويله: أن المراد المسافر الذي لا يجد الماء فيتيمم أولى من تأويل من تأوله على الاجتياز في المسجد؛ وذلك لأن قوله تعالى: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) نهي عن فعل الصلاة في هذه الحال، لا عن المسجد؛ لأن ذلك حقيقة اللفظ، ومفهوم الخطاب، وحمله على المسجد عدول بالكلام عن حقيقته إلى المجاز: بأن تجعل الصلاة عبارة عن موضعها، كما يسمى الشيء باسم غيره للمجاورة، أو لأنه تسبب منه كقوله تعالى: (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ) يعني به مواضع الصلاة، ومتى أمكننا استعمال اللفظ على حقيقته لم يجز صرف ذلك عن الحقيقة، وفي نسق التلاوة ما يدل على أن المراد حقيقة الصلاة وهو قوله تعالى: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ).\n(^٢) تفسير الطبري (٩٥٣٧).\n(^٣) انظر تخريجه في المجلد الثامن، رقم (١٨٢٩)، فأغنى عن إعادته هنا.","vol":"4","page":251},{"text":"وله شاهد من قول علي ﵁.\n(٧٨٨ - ١٠٨) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن ابن\nأبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله وزر،\nعن علي: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]، قال: المار الذي لا يجد الماء يتيمم ويصلي (^١).\nورواه ابن جرير الطبري (^٢)، وابن المنذر (^٣)، من طريق ابن أبي ليلى إلا أن ابن المنذر لم يذكر عباد بن عبد الله، وابن جرير رواه عن عباد أو عن زر.\n[ضعف] (^٤).\nوقد فسر قوله تعالى: (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافرين جماعة من التابعين، منهم مجاهد (^٥)، وعمرو بن دينار (^٦)، وسعيد بن جبير (^٧)، وسليمان بن موسى (^٨)، والحكم بن عتيبة (^٩)، والحسن بن مسلم (^١٠).\nهذان هما القولان الواردان في معنى الآية، ولكل قول عندي مرجح.\nفأما ترجيح أن المراد به المجتاز، وليس المسافر، فيرجحه أن الله ﷾ قد\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٤٤) رقم ١٦٦٣.\n(^٢) تفسير الطبري (٩٥٣٩).\n(^٣) الأوسط (٢/ ١٠٨).\n(^٤) انظر تخريجه في المجلد الثامن، رقم (١٨٣٠).\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١٦١٥)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٩٥٤٣)، (٩٥٤٤)، (٩٥٤٥)، (٩٥٤٦) من طرق عن مجاهد.\n(^٦) رواه عبد الرزاق (١٦١٤) بسند صحيح عنه.\n(^٧) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩٥٤٠) بسند صحيح عنه.\n(^٨) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٥) رقم ١٦٦٦ بسند صحيح عنه.\n(^٩) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩٥٥١) بسند صحيح عنه.\n(^١٠) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٤) رقم ١٦٦٤ بسند صحيح، ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩٥٤٧) من طريق شيخ ابن أبي شيبة.","vol":"4","page":252},{"text":"بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ...) [المائدة: ٦] الآية، فلو كان يقصد بقوله: إلا عابري سبيل هو المسافر، لم يكن لإعادة ذكره معنى.\nوأما ترجيح تفسير: (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافر، فيكفي أنه تفسير اثنين من الصحابة ﵄: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، ولأنه لا يحتاج إلى تقدير في الآية، فمعنى: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) على حقيقته وليس مواضع الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1878>الدليل الثاني:</span>\n(٧٨٩ - ١٠٩) ما رواه أبو داود (^١)، من طريق أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت:\nسمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب.\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1879>الدليل الثالث:</span>\nروي أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب، والمساجد بيوت الله، وأماكن إقامة ذكره، والملائكة فيها أكثر من غيرها، ولذا منع آكل الثوم والبصل من دخول المساجد؛ وعُلِّل ذلك بأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فإذا كانت الملائكة لا تدخل مكانًا فيه جنب، منع الجنب من دخول المسجد حتى لا يؤذي الملائكة.\n_________\n(^١) سنن أبو داود (٢٣٢).\n(^٢) انظر تخريج هذا الحديث في مجلد الطهارة من الحيض والنفاس رقم (١٨٢٢)، فأغنى عن إعادة تخريجه هنا.","vol":"4","page":253},{"text":"(٧٩٠ - ١١٠) فقد روى أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني علي بن مدرك، عن أبى زرعة، عن ابن نجي، عن أبيه،\nعن علي ﵁ عن النبي ﷺ لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب ولا صورة ولا كلب (^١).\n[زيادة ذكر الجنب تفرد بها نجي الحضرمي، وهو مجهول، وحديث ابن عباس وعائشة وابن عمر وميمونة في الصحيح بدون ذكر الجنب] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (١/ ٨٤).\n(^٢) الحديث رواه أبو زرعة، واختلف عليه فيه:\nفرواه علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب.\nوتابعه شرحبيل بن مدرك، وهو ثقة، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه به.\nورواه الحارث العكلي، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نجي، عن علي بن أبي طالب بإسقاط والد عبد الله بن نجي، وعبد الله لم يسمع من علي.\nوتابعه جابر الجعفي، وهو متروك، فرواه عن عبد الله بن نجي، عن علي.\nورواية علي بن مدرك، عن أبي زرعة أرجح من رواية الحارث العكلي عن أبي زرعة، وذلك أن علي بن مدرك عن أبي زرعة قد تابعه ثقة على زيادة والد عبد الله بن نجي، تابعه شرحبيل بن مدرك، بخلاف رواية الحارث العكلي عن أبي زرعة فلم يتابعه أحد معتبر على إسقاط والد عبد الله بن نجي، إلا ما كان من جابر الجعفي، وهو متروك، والله أعلم.\nقال الدارقطني في العلل (٣/ ٢٥٨): ويقال: إن عبد الله بن نجي لم يسمع هذا الحديث من علي، وإنما رواه عن أبيه، عن علي، وليس بقوي في الحديث. اهـ\nوإذا كان المعروف في الإسناد أنه من رواية عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب.\nفإن نجي الحضرمي، لم يرو عنه غير ابنه عبد الله،\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد.\nكما أن في إسناده ولده عبد الله بن نجي،\nوثقه النسائي والعجلي معرفة الثقات (٩٨٤)، تهذيب الكمال (١٦/ ٢٢٠).\nوقال البخاري، عن علي: فيه نظر. الكامل (٤/ ٢٣٤).\nوقال الدارقطني: ليس بقوي في الحديث. تهذيب التهذيب (٦/ ٥٠).\nوقال الشافعي: مجهول. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: أخباره فيها نظر. الكامل (٤/ ٢٣٤). =","vol":"4","page":254},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولعل الحمل على حديثه هذا من أبيه، وليس منه، والله أعلم.\nقال الذهبي في الميزان: نجي الحضرمي لا يدرى من هو؟\n[تخريج الحديث]:\nالحديث رواه شعبة، واختلف عليه فيه:\nفرواه يحيى بن سعيد القطان كما في المجتبى من سنن النسائي (٢٦١، ٤٢٨١)، وفي الكبرى (٤٧٩٢) ومسند أبي يعلى (٦٢٦).\nوهشام بن عبد الملك كما في مسند أبي يعلى (٣١٣) والمجتبى من سنن النسائي (٢٦١)، وفي الكبرى (٢٥٧)، وصحيح ابن حبان (١٢٠٥)، والأحاديث المختارة للمقدسي (٧٥٦).\nوحفص بن عمر النميري كما في سنن أبي داود (٢٢٧).\nوعبد الله بن رجاء وحبان بن هلال كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (٤/ ٢٨٢).\nوآدم بن أبي إياس كما في مستدرك الحاكم (١/ ١٧١).\nويعقوب بن إسحاق الحضرمي كما في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٨٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٠١)، كلهم عن شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي.\nورواه أبو داود الطيالسي (١١٠)،\nوالبزار (٨٨٠) من طريق محمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نجي، عن علي به، بإسقاط والد عبد الله بن نجي.\nوالراجح رواية الجماعة عن شعبة، ومحمد بن جعفر وإن كان مقدمًا في شعبة إلا أن روايته قد انفرد فيها البزار، وهو يخطئ كثيرًا. فلا يمكن معارضة رواية الجماعة برواية الطيالسي والبزار، والله أعلم.\nورواه النسائي في المجتبى (١٢١٣) من طريق أبي أسامة مختصرًا،\nوأحمد (١/ ٨٥) والبزار (٨٧٩)، وابن خزيمة (٩٠٢) من طريق محمد بن عبيد، كلاهما (محمد بن عبيد، وأبو أسامة) قالا: عن شرحبيل بن مدرك، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي. وساق الحديث مطولًا بقصة فيه. وهذه متابعة لرواية علي بن مدرك بزيادة والد عبد الله بن نجي، قال الحاكم: هذا حديث صحيح.\nقال ابن خزيمة (٢/ ٥٤) لست أحفظ أحدًا قال: عن أبيه غير شرحبيل بن مدرك هذا.\nوقد علمت أن علي بن مدرك قد تابع شرحبيل على زيادة نجي الحضرمي في إسناده.\nورواه عبد الواحد بن زياد، واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي كما في سنن الدارمي (٢٦٦٣).\nومعلى بن أسد كما في صحيح ابن خزيمة (٩٠٤). =","vol":"4","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومحمد بن عبيد كما في السنن الكبرى للنسائي (٨٤٤٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٤٧)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٢٤٠) في ذكر دخول علي بن أبي طالب سحرًا على رسول الله ﷺ.\nوأبو سعيد مولى بني هاشم كما في مسند أحمد (١/ ٧٧).\nكلهم (أبو النعمان، ومعلى، ومحمد بن عبيد، وأبو سعيد) رووه عن عبد الواحد بن زياد، عن عمارة بن القعقاع، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نجي، عن علي.\nورواه أبو كامل واختلف عليه فيه:\nفرواه النسائي في الكبرى (٨٤٤٦) عن زكريا بن يحيى، عن أبي كامل (فضيل بن حسين الجحدري)، عن عبد الواحد بن زياد، عن عمارة بن القعقاع، عن الحارث به، كإسناد الجماعة عن عبد الواحد.\nورواه البزار (٨٨١)، قال: حدثنا أبو كامل، عن عبد الواحد بن زياد، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نجي، عن علي، بإسقاط الحارث العكلي.\nوقد كان يمكن أن يكون الحمل على البزار في روايته عن أبي كامل؛ لأنه قد خولف، وهو يخطئ كثيرًا، إلا أنه قد توبع على إسقاط الحارث العكلي.\nفقد رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٧) من طريق مسدد، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة به، بإسقاط الحارث.\nوفيه اختلاف ثالث على عبد الواحد بن زياد، فرواه البزار (٨٨٣) من طريق أبي هشام المخزومي (المغيرة بن سلمة البصري)، عن عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا سالم بن أبي حفصة، حدثنا عبد الله بن نجي، قال: سمعت عليًا ... وذكر الحديث، فأبدل القعقاع بسالم أبي حفصة.\nفإما أن يكون الخطأ من البزار، وإما أن يكون عبد الواحد بن زياد يضطرب فيه، وإن كانت رواية الجماعة عن عبد الواحد بن زياد أقرب للصواب؛ لأنهم أكثر عددًا من غيرهم، والله أعلم.\nكما رواه مغيرة بن مقسم، واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو بكر بن عياش كما في مسند أحمد (١/ ٨٠) ومصنف ابن أبي شيبة (٥٢٦٧٦)، وسنن ابن ماجه (٣٧٠٨)، وسنن النسائي (١٢١٢) وشرح معاني الآثار للطحاوي (٤/ ٢٨٢)، وصحيح ابن خزيمة (٩٠٤) عن مغيرة بن مقسم، حدثني الحارث العكلي، عن عبد الله بن نجي، عن علي بنحوه.\nواقتصر ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجه على بعض الحديث بذكر فضل علي.\nوخالفه جرير بن عبد الحميد كما في سنن النسائي (١٢١١)، ومسند أبي يعلى (٥٩٢)، وصحيح ابن خزيمة (٩٠٤) فرواه عن المغيرة، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نجي به بزيادة أبي زرعة بين الحارث وبين عبد الله بن نجي.\nوهذا أرجح؛ وقد قال أبو الوليد الطيالسي كما في التهذيب: لم يَرَ أحدًا أروى من مغيرة من =","vol":"4","page":256},{"text":"(٧٩١ - ١١١) وله شاهد ضعيف من حديث عمار، أخرجه أحمد، من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر،\nأن عمارًا قال: قدمت على أهلي ليلًا، وقد تشققت يداي، فضمخوني بالزعفران، فغدوت على رسول الله ﷺ، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي، فقال: اغسل هذا. قال: فذهبت، فغسلته، ثم جئت، وقد بقي علي منه شيء، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي وقال: اغسل هذا عنك، فذهبت فغسلته، ثم جئت، فسلمت عليه، فرد علي، ورحب بي وقال: إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر، ولا المتضمخ بزعفران، ولا الجنب، ورخص للجنب إذا نام، أو أكل، أو شرب أن يتوضأ (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= جرير، كما في التهذيب، وهي موافقة لرواية الجماعة عن عبد الواحد بن زياد.\nوقد قال الدارقطني في العلل (٣/ ٢٥٨): ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نجي، عن علي.\nفهذه متابعة من زيد بن أبي أنيسة لمغيرة على زيادة أبي زرعة بين الحارث، وبين عبد الله بن نجي.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٠٧) من طريق سفيان، وأخرجه من (١/ ١٥٠) من طريق شعبة، كلاهما عن جابر (يعني: الجعفي) عن عبد الله بن نجي، عن علي. وذكر قصة امتناع دخول جبريل البيت لوجود جرو في البيت، وجابر ضعيف مشهور الضعف. وجابر متروك.\nانظر لمراجعة طرق الحديث: أطراف المسند (٤/ ٤٤٤)، إتحاف المهرة (١٤٥٠، ١٤٥٥١، ١٤٥٥٢، ١٤٧٧٩، ١٤٧٨٠).\n(^١) المسند (٤/ ٣٢٠).\n(^٢) في هذا الإسناد ثلاث علل:\nالأولى: يحيى بن يعمر لم يلق عمار بن ياسر، ذكره الدارقطني في التهذيب (١١/ ٣٠٥).\nوقال أبو داود: بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر في هذا الحديث رجل.\nوقال البرقاني كما في سؤالاته للدارقطني (٦٥٦): «سألت الدارقطني عن حديث عطاء الخرساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار، حديث التخلق، فقال: لا يصح؛ لأنه لم يلق يحيى بن يعمر عمارًا، إلا أن يحيى بن يعمر صحيح الحديث عمن لقيه».\nالعلة الثانية: عطاء الخرساني كثير الوهم والتدليس. =","vol":"4","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= العلة الثالثة: الاختلاف في إسناده:\nفرواه حماد بن سلمة كما في مسند أبي داود الطيالسي (٦٤٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٥٠)، ومسند أحمد (٤/ ٣٢٠)، وسنن أبي داود (٢٢٥، ٤١٧٦، ٤٦٠١)، وسنن الترمذي (٦١٣)، ومسند البزار (١٤٠٢)، وأبي يعلى (١٦٣٥)، ومسند الشاميين للطبراني (٢٤٥٢)، وسنن البيهقي (٥/ ٣٦).\nومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (١٠٨٧) ومن طريقه الطبراني في مسند الشاميين (٢٤٥٢) كلاهما عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، أن عمار بن ياسر قال، ... وذكر الحديث\nوقال عبد الرزاق: عن يحيى بن يعمر، قال: قدم عمار بن ياسر.\nوأخرجه عبد الرزاق (٦١٤٥)، وأحمد (٤/ ٣٢٠) وأبو داود (٤١٧٧) ومن طريقه البيهقي (٥/ ٣٦) عن ابن جريج، أخبرني عطاء بن أبي الخوار، أنه سمع يحيى بن يعمر يخبر عن رجل أخبره عن عمار بن ياسر بنحوه في قصة غسل الخلوق من ثوبه ثلاثًا.\nزعم عمر بن عطاء أن يحيى بن يعمر قد سمى ذلك الرجل، ونسيه عمر.\nوأخرجه أبو داود (٤١٨٠)، والبيهقي (٥/ ٣٦) من طريق الحسن البصري، عن عمار ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث لا تقربهم الملائكة بخير: جيفة الكافر والمتمضخ بخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ. والحسن لم يسمع من عمار، قاله المزي في تهذيب الكمال (٦/ ٩٨)، (٢١/ ٢١٦).\nورواه قتادة، واختلف عليه فيه:\nفرواه البزار كما في كشف الأستار (٢٩٣٠) حدثنا العباس بن أبي طالب، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أبان، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس مرفوعًا.\nقال البزار: «رواه غير العباس بن أبي طالب مرسلًا، ولا نعلم يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه».\nالعلة الأولى: الاختلاف فيه على يحيى بن يعمر، فرواه عطاء الخرساني، عن يحيى، أن عمارًا قال ... وتقدم.\nورواه عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس، واختلف فيه على عبد الله بن بريدة.\nالعلة الثانية: الاختلاف فيه على قتادة:\nفرواه العباس بن أبي طالب، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، عن أبان، عن قتادة، عن عبد الله ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس مرفوعًا.\nتفرد به العباس عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل، وأين أصحاب موسى بن إسماعيل عن هذا الحديث، كما أن العباس قد اختلف عليه في وصله وإرساله، كما نقل ذلك قال البزار. =","vol":"4","page":258},{"text":"• ويُجاب:\nأولًا: أن الحديث ضعيف، كما وضح من تخريجه.\nثانيًا: حديث عائشة (^١)، وأبي طلحة (^٢)، وميمونة (^٣)، وابن عمر (^٤)، في الصحيح،\n_________\n= ورواه البخاري في التأريخ الكبير (٣/ ١/٧٤)، وفي الصغير (٢/ ١٩٠)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ٢٤١) من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن ابن بريدة به، موقوفًا على ابن عباس. وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري متكلم في روايته عن قتادة خاصة، وقد كان يمكن أن يكون طريق أبان أرجح من طريق أبي عوانة، لولا ما أشرت فيه إلى تفرد العباس بن أبي طالب عن أبي سلمة، والاختلاف عليه بين الوصل والإرسال.\nورواه يوسف بن صهيب، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه فجعله من مسند بريدة.\nرواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١/٧٤)، وابن أبي شيبة في المسند كما في إتحاف الخيرة المهرة (٦٨٢)، والبزار كما في المسند (٤٤٤٦) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٤١) من طريق عبد الله بن حكيم، عن يوسف بن صهيب به، وعبد الله بن حكيم متروك.\nقال البخاري في التاريخ الكبير: لا يصح. اهـ\nورواه الحربي في غريب الحديث (٢/ ٨٠٨) حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا يوسف بن خالد، عن عيسى بن هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عمارًا أتى النبي ﷺ فرأى به صفرة، فقال: اغسلها ... ولم يذكر الجنب. وهذا إسناد ضعيف جدًّا أو موضوع، فيه يوسف بن خالد السمتي، متهم بالوضع.\nورواه الطبراني في الأوسط (٥٤٠٥) من طريق زكريا بن يحيى الضرير، قال: أخبرنا شبابة بن سوار، قال: أخبرنا المغيرة بن مسلم، عن هشام بن حسان، عن كثير مولى سمرة، عن ابن عباس مرفوعًا بنحوه.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن كثير مولى سمرة إلا هشام، ولا عن هشام إلا المغيرة بن مسلم، تفرد به: شبابة.\nوفي إسناده زكريا بن يحيى بن أيوب، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ولم ينقل فيه جرح ولا تعديل، ففيه جهالة، والله أعلم.\n(^١) مسلم (٢١٠٤).\n(^٢) البخاري (٣٢٢٥)، ومسلم (٢١٠٦).\n(^٣) مسلم (٢١٠٥).\n(^٤) البخاري (٣٢٢٧).","vol":"4","page":259},{"text":"بذكر الكلب والصورة دون ذكر الجنب.\nثالثًا: ترجم البخاري في صحيحه: باب كينونة الجنب بالبيت، وساق حديث عائشة المتفق عليه في نوم الجنب إذا توضأ (^١).\nقال الحافظ: «أشار المصنف بهذه الترجمة إلى تضعيف ما ورد عن علي مرفوعًا: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ولا جنب» رواه أبو داود وغيره، وفيه نجي بضم النون وفتح الجيم الحضرمي، ما روى عنه غير ابنه عبد الله، فهو مجهول، لكن وثقه العجلي، وصحح حديثه ابن حبان، والحاكم، فيحتمل كما قال الخطابي: أن المراد بالجنب من يتهاون بالاغتسال، ويتخذ تركه عادة، لا من يؤخره ليفعله، قال: ويقويه: أن المراد بالكلب غير ما أذن في اتخاذه، وبالصورة ما فيه روح وما لا يمتهن. قال النووي: وفي الكلب نظر. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بالجنب في حديث علي من لا يرتفع حدثه كله ولا بعضه، وعلى هذا فلا يكون بينه وبين حديث الباب منافاة؛ لأنه إذا توضأ ارتفع بعض حدثه على الصحيح» (^٢).\nقلت: لست بحاجة إلى الجمع أو التأويل والحديث ضعيف، فالمعروف هو امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب أو صورة، وليست الجنابة أغلظ من النجاسة، ومع ذلك لا تمنع النجاسة دخول الملائكة، والجنب طاهر البدن والعرق، وقد رجحت في كتاب النجاسة جواز دخول المشرك مساجد الله عدا المسجد الحرام، كما ربط ثمامة في سارية من سواري المسجد، والمشرك جنب وزيادة، وكان رسول الله ﷺ ربما قرأ القرآن، ورأسه في حجر عائشة، وهي حائض، ولو كانت الجنابة تمنع دخول الملائكة لوجدت نصوص تحث على المبادرة في غسل الجنابة، ولم يؤمر المسلم بالغسل إلا عند القيام إلى الصلاة، أو تخفيف الجنابة بالوضوء عند النوم، والله أعلم.\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٦)، ومسلم (٣٠٥).\n(^٢) فتح الباري تحت رقم (٢٨٦).","vol":"4","page":260},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1880> دليل الحنابلة على جواز المكث بشرط الوضوء:</span>\n(٧٩٢ - ١١٢) ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم،\nعن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا وضوء الصلاة (^١).\n[اختلف فيه على هشام بن سعد، والمحفوظ أنه عن زيد بن أسلم عن رجال من أصحاب النبي ﷺ، وليس فيه (إذا توضؤوا) الدالة على الشرطية] (^٢).\nوعلى فرض صحته فإنه لا يدل على الوجوب.\nأولًا: أن هذا حكاية فعل عن بعض أصحاب رسول الله، والفعل المجرد من النبي ﷺ لا يدل على الوجوب فكيف من غيره.\nثانيًا: أن هذا الأثر فيه اختلاف سندًا ومتنًا كما تبين من تخريجه.\nثالثًا: على تفسير: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]، بأن المقصود به المجتاز فإنه يعارض هذا الأثر، فإن الآية تضمنت نهي الجنب عن المكث في المسجد، وجعلت غاية النهي هي الاغتسال، بينما الأثر جعل غاية النهي الوضوء.\nرابعًا: أن الأثر لم يحك عنهم أن هذا الفعل منهم كان زمن التشريع، بل صريح في أن زيد بن أسلم رآهم، وهذا يدل على أن ذلك كان بعد وفاة النبي ﷺ ولم يحك عن عموم الصحابة حتى يكون حكاية للإجماع، فلا يصلح للاحتجاج.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1881> دليل من قال: يجوز مكث الجنب في المسجد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1882>الدليل الأول:</span>\nأصحاب هذا القول ليسوا بحاجة إلى دليل؛ لأن المطالب بالدليل من منع ذلك؛\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٣١٣).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد الثامن، ح: (١٨٣٤).","vol":"4","page":261},{"text":"لأن الأصل الحل، وبراءة الذمة، ولم يرد دليل صحيح صريح في منع الجنب من المكث في المسجد، ولا يجوز منعه إلا بدليل صحيح صريح سالم من المعارضة، ولم يوجد هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1883>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان المشرك يدخل المسجد، ويمكث فيه، ولا يبعد أن يكون جنبًا، فالمسلم الجنب من باب أولى،\n(٧٩٣ - ١١٣) فقد روى البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد،\nأنه سمع أبا هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وقد اختصره البخاري (^١).\nوأجاب النووي عن هذا الدليل بقوله: «القياس على المشرك جوابه من وجهين:\nالأول: أن الشرع فرق بينهما!! فقام دليل تحريم مكث الجنب، وثبت أن النبي ﷺ حبس بعض المشركين في المسجد، فإذا فرق الشرع لم يجز التسوية.\nالثاني: أن الكافر لا يعتقد حرمة المسجد، فلا يكلف بها، بخلاف المسلم، وهذا كما أن الحربي لو أتلف على المسلم شيئًا لم يلزمه ضمانه، لأنه لم يلتزم الضمان بخلاف المسلم والذمي إذا أتلفا» (^٢).\nويمكن أن يدفع هذا الكلام، بأن الكافر منهي عما ينهى عنه المسلم، فإذا منع المسلم من دخول المسجد، وقد أكل بصلًا أو ثومًا، منع الكافر كذلك في هذه الحال،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٦٢)، وقد رواه البخاري (٣٤٧٢) ومسلم (١٧٦٤) بأطول من هذا.\n(^٢) المجموع (٢/ ١٨٥).","vol":"4","page":262},{"text":"وكذلك إذا منع المسلم من البصق في المسجد لم يترك الكافر ليبصق فيه، ومثله النهي عن البيع فيه وإنشاد الضالة ونحوها، يلزم الكافر بما يلزم به المسلم، فما كان من قبيل المنهيات أو كان من قبيل الأحكام الوضعية يستوي فيه الكبير والصغير والمسلم والكافر، كالكذب والسرقة والزنا ونحوها، وإذا مكنا الكافر من دخول المسجد، وإن كان لا يعتقد حرمته، فإن هذا الفعل أصبح من كسبنا، وليس من كسب الكافر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1884>الدليل الثالث:</span>\nأن الجنب ليس نجسًا، فبدنه، وعرقه، وريقه طاهر، فلا يمنع من دخول المسجد، بل إن المسلم المتضمخ بالنجاسة على وجه لا يتعدى لا يمنع من دخول المسجد، فإذا كان على بدن المسلم أثر بول، أو على ثوبه، لم يحرم عليه دخول المسجد، فالجنب من باب أولى.\n(٧٩٤ - ١١٤) فقد روى البخاري، قال: حدثنا عياش، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع،\nعن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هريرة إن المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم (^١).\nوجه الشاهد منه، قوله: (إن المؤمن لا ينجس) سواءً قلنا: إن معنى الحديث: إن المؤمن لا ينجس بالجنابة، وإن كانت قد تلحقه النجاسة الحسية كغيره، أو قلنا: إن المؤمن طاهر بإيمانه، كما أن المشرك نجس بشركه، فهي طهارة معنوية، فعلى كلا التفسيرين إذا كان المؤمن لا ينجس، ولو كان جنبًا، فالطاهر لا يمنع من دخول المسجد.\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١) واللفظ للبخاري.","vol":"4","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1885>الدليل الرابع:</span>\nإذا كانت الحائض لا تمنع من دخول المسجد على الصحيح، مع أن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، فالجنب من باب أولى،\n(٧٩٥ - ١١٥) فقد روى البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز ابن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد،\nعن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري». ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\n(افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي في البيت) فيقال: إن الاستثناء معيار العموم، فلم يستثن الرسول ﷺ إلا الطواف، ومعلوم أن الحاج يمكث في المسجد، ولو كان لا يحل لها لنهاه النبي ﷺ عنه. وبهذا الاستدلال قال ابن حزم، فقد قال: «لو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵇ عائشة إذ حاضت، فلم ينهها إلا عن الطواف في البيت، ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵇ عن ذلك، ويقتصر على منعها من الطواف» (^٢).\nوهذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن استثناء الطواف من العموم السابق:\n(افعلي ما يفعل الحاج) فكأنه قال: افعلي جميع المناسك ما عدا الطواف، والمكث في المسجد ليس من الأعمال الخاصة بالمناسك، والله أعلم.\nومع أن هذا الدليل لا أراه كافيًا في الاستدلال بمنع الحائض من دخول المسجد،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٥). رواه مسلم (١٢٠/ ١٢١١).\n(^٢) المحلى مسألة (٢٦٢).","vol":"4","page":264},{"text":"إلا أنه ليس الدليل الوحيد في الباب، وقد بحثت هذا الفصل ورجحت جواز دخول الحائض المسجد في بحوث الحيض والنفاس، فأغنى عن إعادته هنا، فالدليل متوجه في الجملة: وهو أن ما جاز للحائض فعله جاز للجنب، وليس العكس، وقد صح عندي جواز دخول الحائض المسجد، فالجنب أولى.\nالراجح من أقوال أهل العلم.\nبعد استعراض أدلة الأقوال أرى أن الراجح من أقوال أهل العلم جواز دخول الجنب المسجد، والحدث ليس أغلظ من النجاسة، ومع ذلك لا يمنع المسلم المتلبس بالنجاسة على وجه لا يتعدى من دخول المسجد، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1886>الفصل الرابع\nفي قراءة الجنب للقرآن</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم وجوب الغسل لقراءة القرآن، فمن أوجب الغسل لقراءة القرآن فعليه الدليل.\n• كل حكم ينفرد بروايته الضعفاء مع حاجة الأمة إليه، فإنه يوجب في النفس ريبة من قبوله.\n• كل شيء يحتاج إليه في الشرع، ويتكرر، وتكون حاجته عامة ليست مقصورة على فرد معين، لا بد أن تأتي النصوص فيه صحيحة صريحة واضحة تقوم بمثلها الحجة.\n[م-٣٤١] اختلف العلماء في قراءة الجنب للقرآن،","vol":"4","page":266},{"text":"فقيل: لا يجوز له، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nوقيل: يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وهو مذهب ابن عباس (^٥)، وسعيد\nابن المسيب (^٦)، واختيار ابن حزم (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1887> دليل الجمهور على منع الجنب من قراءة القرآن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1888>الدليل الأول:</span>\n(٧٩٦ - ١١٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن عبد الله بن سَلِمة، عن علي، قال:\nكان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا (^٨).\n[إسناده ضعيف، والمعروف أنه موقوف على عليّ] (^٩).\n_________\n(^١) مذهب الحنفية المنع من قراءة الآية، وأما ما دون الآية ففي مذهب قولان: انظر شرح معاني الآثار (١/ ٩٠)، البحر الرائق (١/ ٢٠٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٤٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٩٤)، المبسوط (١/ ٦٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٧)، الهداية شرح البداية (١/ ٣١)\n(^٢) رخص مالك في الآيات اليسيرة للتعوذ، بل أجاز بعضهم قراءة المعوذتين، وذكر الآية للاستدلال أو الرقية ونحوها انظر مواهب الجليل (١/ ٣١٧)، القوانين الفقهية (ص: ٢٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٤)، الخرشي (١/ ١٧٣)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٨، ١٣٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٧٨)، المهذب (١/ ٣٠)، حلية العلماء (١/ ١٧٢)، إعانة الطالبين (١/ ٦٩)، روضة الطالبين (١/ ٨٦)، شرح زبد بن رسلان (ص: ٧٠).\n(^٤) البخاري معلقًا عنه بصيغة الجزم، في كتاب الحيض، باب (٨) تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، قال: ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا. وسوف يأتي تخريجه عن إن شاء الله تعالى.\n(^٥) المبدع (١/ ١٨٧) شرح العمدة (١/ ٣٨٦)، الإنصاف (١/ ٢٤٣)، الكافي (١/ ٥٨)، كشاف القناع (١/ ١٤٧).\n(^٦) حلية العلماء (١/ ١٧٣)\n(^٧) المحلى (١/ ٩٤) مسألة: ١١٦.\n(^٨) المسند (١/ ٨٣).\n(^٩) انظر تخريجه في المجلد الثامن، ح (١٧٤٨).","vol":"4","page":267},{"text":"وعبد الله بن سلمة، وإن كان فيه كلام، إلا أنه قد توبع،\n(٧٩٧ - ١١٧) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السمط، عن أبي الغريف، قال:\nأتي علي بوضوء، فمضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية (^١).\n[ضعيف، وقوله: (هذا لمن ليس بجنب ...) إلخ موقوف] (^٢).\nوجه الاستدلال من الحديثين:\nقالوا: إن تبليغ القرآن من الرسول ﷺ واجب، وكونه يترك هذا الواجب يدل على أنه تركه لما هو أوجب منه، وهو اشتراط الطهارة من الجنابة لقراءة القرآن.\n• ويُجاب عن هذا الأثر بما يأتي:\nالأول: أننا أثبتنا أن الأثر موقوف على علي ﵁، وليس مرفوعًا، فإن قيل: أليس الموقوف حجة، قيل: نعم يكون حجة لو لم يخالف من صحابي آخر، وقد خالفه ابن عباس، فأجاز قراءة القرآن للجنب كما سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\nثانيًا: قولهم: إن قراءة الرسول ﷺ من قبيل التبليغ، يقال لهم: هل كل قراءة الرسول ﷺ للقرآن من قبيل ذلك، أو يقال: إن قراءة الرسول ﷺ منها ما هو واجب، ومنها ما هو على سبيل الاستحباب، كالتعبد بتلاوته؟ كما أن تبليغ الرسول ﷺ واحدًا من أمته للقرآن تبليغ للأمة، فأكثر ما تكون قراءته له ﷺ على وجه الذكر والتعبد، فإذا كان كذلك، كان حديث عليّ لو صح مجرد فعل من الرسول ﷺ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.\n_________\n(^١) المسند (١/ ١١٠).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد الثامن ضمن تخريج (ح ١٧٤٨).","vol":"4","page":268},{"text":"قال ابن خزيمة: «لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة؛ لأنه ليس فيه نهي، وإنما هو حكاية فعل» (^١).\nوقال ابن حزم: «فأما منع الجنب من قراءة القرآن فاحتجوا بما رواه عبد الله بن سلمة، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أن رسول الله ﷺ لم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ليس فيه نهي عن أن يقرأ الجنب القرآن، وإنما هو فعل منه ﵇ ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1889>الدليل الثاني:</span>\n(٧٩٨ - ١١٨) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا علي بن حجر والحسن ابن عرفة، قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع،\nعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1890>الدليل الثالث:</span>\n(٧٩٩ - ١١٩) ما رواه الدارقطني، من طريق أبي نعيم النخعي (عبد الرحمن ابن هانئ)، أخبرنا أبو مالك النخعي، عن عبد الملك بن حسين، حدثني أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي.\nقال أبو مالك: وأخبرني عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن أبي موسى كلاهما قال:\nقال رسول الله ﷺ: يا علي إني أرضى لك ما أرضى لنفسي، وأكره لك ما أكره\n_________\n(^١) تلخيص الحبير (١/ ٢٤٢) رقم ١٨٤.\n(^٢) المحلى (مسألة ١١٦).\n(^٣) سنن الترمذي (١٣١).\n(^٤) انظر تخريجه في المجلد الثامن ح: (١٧٤٦).","vol":"4","page":269},{"text":"لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا أنت راكع، ولا أنت ساجد، ولا تصل، وأنت عاقص شعرك، ولا تدبح تدبيح الحمار (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1891>الدليل الرابع:</span>\n(٨٠٠ - ١٢٠) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبد الله ابن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنود،\nعن مالك بن عبادة الغافقي، قال: أكل رسول الله ﷺ وهو جنب، فأخبرت عمر بن الخطاب، فجرني إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إن هذا أخبرني أنك أكلت، وأنت جنب، قال: نعم إذا توضأت أكلت وشربت، ولكني لا أصلي، ولا أقرأ حتى أغتسل (^٣).\n[ضعيف، ولو صح لكان حكاية فعل في الجنب خاصة] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1892>الدليل الخامس:</span>\n(٨٠١ - ١٢١) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن الثوري، عن أبي وائل، عن عبيدة السلماني، قال:\nكان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب.\n[رجاله ثقات، والكراهة عند السلف تعني التحريم، وعمر له سنة متبعة؛ لأنه من الخلفاء الراشدين المأمورين باتباع سنتهم] (^٥).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١١٨).\n(^٢) في إسناده أبو مالك النخعي، متروك الحديث، وانظر ترجمته مع تخريج الحديث في المجلد الثامن ح: (١٧٤٩).\n(^٣) شرح معاني الآثار (١/ ٨٨).\n(^٤) سبق تخريجه في المجلد الثامن، ح: (١٧٥٠).\n(^٥) المصنف (١٣٠٧) وانظر تخريجه في المجلد الثامن من الحيض والنفاس رقم (١٧٥١)، فأغنى عن إعادته هنا.","vol":"4","page":270},{"text":"• ويُجاب عن هذا:\nأولًا: الكراهة في الشرع لفظ مشترك بين التحريم والكراهة، قال رسول الله ﷺ: إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها.\nوقال تعالى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) [الإسراء: ٣٨].\nوقال ﷺ: إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، فالكراهة في النص الأول كراهة تنزيه، وفي الثاني والثالث المراد منها التحريم، وإذا كانت الكراهة نصًّا مشتركًا لم يكن الدليل نصًّا في التحريم.\nثانيًا: على فرض أن المراد بها التحريم، فإن الصحابة قد اختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، وليس قول بعضهم حجة على البعض، وإذا اختلفوا كان الموقف الشرعي النظر في أقرب أقوالهم للحق، كما هو الحال في هذه المسألة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1893>الدليل السادس:</span>\n(٨٠٢ - ١٢٢) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم،\nأن ابن مسعود كان يمشي نحو الفرات، وهو يقرئ رجلًا القرآن، فبال ابن مسعود، فكف الرجل عنه، فقال ابن مسعود: مالك؟ فقال: إنك بلت. فقال ابن مسعود: إني لست بجنب (^١).\n[منقطع، إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، وباقي رجاله ثقات إلا حماد بن أبي سليمان فإنه صدوق له أوهام، كما أن الأثر موقوف] (^٢).\nوعلى فرض صحته، فإن الجواب عنه لا يختلف عن الجواب عن أثر عمر ﵁.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٩٧).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد الثامن رقم (١٧٥٢).","vol":"4","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1894>الدليل السابع:</span>\n(٨٠٣ - ١٢٣) ما رواه الدارقطني من طريق أبي نعيم، أخبرنا زمعة ابن صالح، عن سلمة بن وهرام،\nعن عكرمة، قال: كان ابن رواحة مضطجعًا إلى جنب امرأته، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة، فوقع عليها، وفزعت امرأته، فلم تجده في مضجعه، فقامت وخرجت، فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت، فأخذت الشفرة، فقال: مهيم؟ فقالت: مهيم! لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة. قال: وأين رأيتيني؟ فقالت: رأيتك على الجارية. فقال: ما رأيتيني، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن، وهو جنب، قالت: فاقرأ، فقال:\nأتانا رسول الله يتلو كتابه ... كما لاح مشهور من الفجر ساطع\nأتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع\nفقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر، ثم غدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ (^١).\n[ضعيف، والشعر ثابت لعبد الله بن رواحة من غير هذا الطريق] (^٢).\nقالوا: فهذه الأحاديث في منع الجنب صالحة للاحتجاج إما بنفسها، وأما بمجموعها، وكلها تدل على أن الجنب ليس له أن يقرأ القرآن.\n• وأجيب:\nبأن أحاديث منع الجنب من قراءة القرآن كونها لا تأتي إلا من طريق الضعفاء، فانفرادهم بهذا الحكم مع حاجة الأمة إليه، يوجب في النفس ريبة من قبول هذا الحكم، فالحكم إذا كانت الأمة بحاجته، لا بد أن تأتي النصوص صحيحة صريحة\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٢٠).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد الثامن ح: (١٧٥٣).","vol":"4","page":272},{"text":"تقوم بمثلها الحجة، وكما قلنا في أحاديث البسملة في الوضوء، وأحاديث تخليل اللحية في الوضوء نقوله هنا، والاعتبار بالحديث الضعيف ليس على إطلاقه، وقد حكم العلماء بأن البسملة بالوضوء لا يثبت فيها حديث، وكذلك أحاديث التخليل مع كثرة الشواهد في الباب، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1895> دليل من قال: يجوز للجنب قراءة القرآن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1896>الدليل الأول:</span>\nالأصل عدم وجوب الغسل لقراءة القرآن، فمن أوجب الغسل لقراءة القرآن فعليه الدليل، وبالتالي فهذا القول لا يطالب بالدليل، وإنما يطالب بأن يجيب عن أدلة القائلين بالوجوب، وقد فعل فيما سبق، وهذا كاف في عدم وجوب الغسل من قراءة القرآن، ومع ذلك فسوف نلتمس دليلًا إيجابيًا على صحة قراءة القرآن من الجنب، فيقال:\nأمر الله بتلاوة القرآن وتدبره، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص: ٢٩].\nوقال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤].\nوهذا الأمر بالتدبر مطلق، فمن ادعى منع الجنب أو غيره كلف أن يأتي بالبرهان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>الدليل الثاني:</span>\nلو كان الجنب ممنوعًا من قراءة القرآن لجاءت النصوص الصحيحة الصريحة بمنعه، كما جاء في منعه من الصلاة، فلما كانت الأحاديث الواردة لا تقوم بها حجة، وتدور على الضعفاء والمتروكين علم أن الشرع لا يمنع من ذلك؛ لأن كل شيء يحتاج إليه في الشرع، ويتكرر، وتكون حاجته عامة ليست مقصورة على فرد معين، لا بد أن تأتي النصوص فيه صحيحة صريحة واضحة تقوم بمثلها الحجة، قال ﷾: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التوبة: ١١٥].","vol":"4","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1898>الدليل الثالث:</span>\n(٨٠٤ - ١٢٤) ما رواه مسلم من طريق البهي، عن عروة،\nعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن حجر: الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف (^٢).\nفإذا كان لفظ الذكر يشمل قراءة القرآن، وكان لفظ الذكر مطلقًا في الحديث، فمن قيد الذكر بما عدا القرآن فعليه الدليل.\nوحاول أن يرده ابن رجب، فقال: «ليس فيه دليل على جواز قراءة القرآن للجنب؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد به القرآن».\nوهذا غير صحيح؛ لأن قوله: «الذكر إذا أطلق لا يراد به القرآن»، هل يريد لا يراد به القرآن شرعًا، أم عرفًا؟ فإن كان يقصد العرف فمسلم، والعرف يختلف من قوم إلى قوم، ومن زمان إلى آخر، وأما في الشرع فإن القرآن كله يسمى الذكر، قال ﷾: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩]، وقال سبحانه: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، والحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة العرفية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>الدليل الرابع:</span>\n(٨٠٥ - ١٢٥) ما رواه مسلم، قال ﵀: حدثني محمد بن عمرو بن عباد ابن جبلة حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث،\nأنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام\n_________\n(^١) مسلم (١١٧)\n(^٢) الفتح، تحت حديث (٣٠٥).","vol":"4","page":274},{"text":"فأكل ولم يمس ماء.\nقال: وزادني عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث\nأن النبي ﷺ قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث (^١).\n(٨٠٦ - ٢٦) ورواه عبد بن حميد كما في المنتخب، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وفيه: إنما أمرتم بالوضوء للصلاة.\nوسنده صحيح، وفيه التعبير بالحصر بـ (إنما).\nوجه الاستدلال:\nفقوله ﷺ: «ما أردت صلاة فأتوضأ»، وقوله: «إنما أمرتم بالوضوء للصلاة» منطوقه: أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، ومفهومه: أنه لا يجب الوضوء لغير الصلاة من قراءة القرآن للجنب والحائض وغيرهما.\nوقد استدل به ابن تيمية: على جواز الطواف من غير وضوء، فالباب واحد، فينبغي أن يستدل به على هذا الباب أيضًا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1900>الدليل الخامس:</span>\n(٨٠٧ - ١٢٧) ما روى ابن المنذر من طريق عبيد بن عبيدة من بني عباب الناجي، قال: قرأ ابن عباس شيئًا من القرآن، وهو جنب، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك (^٢).\n[صحيح عن ابن عباس] (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (٣٧٤)، وانظر تخريجه في المجلد الثامن ح: (١٧٧١) ..\n(^٢) الأوسط (٢/ ٩٨).\n(^٣) انظر تخريجه في المجلد الثامن ح: (١٧٥٦).","vol":"4","page":275},{"text":"القول الراجح:\nبعد استعراض أدلة كل قول، نجد أن القول بجواز قراءة الجنب للقرآن أقوى حجة من القائلين باشتراط الطهارة من أجل القراءة، وهو مذهب ابن عباس رحمه الله تعالى، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1901>الفصل الخامس\nفي مس الجنب للمصحف</span>\n[م-٣٤٢] اختلف العلماء في مس الجنب للمصحف،\nفقيل: تشترط له الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١)، واختيار ابن تيمية (^٢).\nوقيل: يجوز للجنب أن يمس المصحف، وهو مذهب ابن حزم ﵀ (^٣).\nوقد ناقشت هذه المسألة في مباحث الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١٦٨)، تبيين الحقائق (١/ ٥٧، ٥٨)، البحر الرائق (١/ ٢١١)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣، ٣٤)، مراقي الفلاح (ص: ٦٠).\nوانظر في مذهب المالكية مختصر خليل (ص: ١٤)، الخرشي (١/ ١٦٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢٥)، الكافي (ص: ٢٤)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٣)، منح الجليل (١/ ١١٧، ١١٨)، القوانين الفقهية (ص: ٢٥)، الشرح الصغير (١/ ١٤٩)، وانظر في مذهب الشافعية: مغني المحتاج (١/ ٣٦)، روضة الطالبين (١/ ٧٩)، المجموع (٢/ ٧٧)، الحاوي الكبير (١/ ١٤٣، ١٤٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ١٣٤)، المحرر (١/ ١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٧) الإنصاف (١/ ٢٢٢) المغني (١/ ٢٠٢) الفروع (١/ ١٨٨) الكافي (١/ ٤٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٦).\n(^٣) قال ابن حزم في المحلى (١/ ٩٧): «وأما مس المصحف، فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه، فإنه لا يصح منها شيء; لأنها إما مرسلة، وإما صحيفة لا تسند، وإما عن مجهول، وإما عن ضعيف ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى.","vol":"4","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1902>الفصل السادس\nفي صيام الجنب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الصوم عبادة ليس من شرطها الغسل من الحدث.\n• الجماع في القرآن مباح إلى طلوع الفجر، ويلزم منه أن يكون الغسل بعد طلوع الفجر.\n• هل الإجماع اللاحق يلغي الخلاف السابق، الراجح: لا؛ لأن الأقوال لا تموت بموت أصحابها.\n[م-٣٤٣] اختلف العلماء في الرجل يجامع أهله قبل الفجر، ثم يطلع عليه الفجر، وهو جنب، هل يصح صومه، أو يلزمه الغسل قبل طلوع الفجر؟\nفقيل: يصح صوم الجنب مطلقًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n_________\n(^١) المبسوط (٣/ ٥٦)، بدائع الصنائع (٢/ ٩٢)، المنتقى للباجي (٢/ ٤٣)، تفسير القرطبي (٢/ ٣٢٦)، التمهيد (١٧/ ٤٢٤)، الأم (٢/ ٩٧)، المهذب (١/ ١٨١، ١٨٢)، المجموع (٦/ ٣٢٧)، الوسيط (٢/ ٥٣٧)، مغني المحتاج (١/ ٤٣٦)، المغني (٣/ ٣٦)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٣٥٠)، شرح العمدة (١/ ٤٥٨).","vol":"4","page":278},{"text":"وقيل: لا يصح صومه مطلقًا، وهو مروي عن أبي هريرة، وسالم بن عبد الله، والحسن البصري (^١).\nوقيل: إن أخر الاغتسال لغير عذر بطل صومه. وهو قول عروة بن الزبير (^٢).\nوقيل: يصح في النفل دون الفرض، وهو قول إبراهيم النخعي (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1903> دليل الجمهور على صحة صوم الجنب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1904>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧].\nوجه الاستدلال:\nدلت الآية على إباحة الوقاع في كل أجزاء الليل إلى طلوع الفجر، ويفهم منه إباحة الإصباح جنبًا في حالة الصوم؛ لأن إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، يستلزم أن يطلع عليه الفجر، وهو جنب. وهذه إشارة لطيفة من النص القرآني على صحة صوم الجنب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1905>الدليل الثاني:</span>\n(٨٠٨ - ١٢٨) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة وأبي بكر،\n_________\n(^١) نقل النووي في المجموع (٦/ ٣٢٧) عن ابن المنذر قوله: «وقال سالم بن عبد الله: لا يصح صومه -يعني فيمن أصبح جنبًا- قال: وهو الأشهر عن أبي هريرة والحسن البصري».\nوفي حلية العلماء (٣/ ١٦٠): «وحكي عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله ﵄ أنهما قالا: إذا أصبح جنبًا بطل صومه، ويلزمه إمساك بقية النهار، ويقضي يومًا مكانه». اهـ وانظر المغني (٣/ ٣٦)، ويحكى أن أبا هريرة رجع عن رأيه، انظر طرح التثريب (٤/ ١٢٤).\n(^٢) حلية العلماء (٣/ ١٦٠)، طرح التثريب (٤/ ١٢٣).\n(^٣) المجموع (٦/ ٣٢٧).","vol":"4","page":279},{"text":"قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يدركه الفجر في رمضان من غير حلم، فيغتسل ويصوم، ورواه مسلم (^١).\nوفي رواية للبخاري: (كان يدركه الفجر، وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم) (^٢).\nوجه الاستدلال:\nيؤخذ من الحديث فائدتان:\nالأولى: أنه كان يجامع في رمضان، ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانًا للجواز.\nالثانية: أن ذلك كان من جماع، لا من احتلام (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1906>الدليل الثاني:</span>\n(٨٠٩ - ١٢٩) ما رواه مسلم، من طريق أبي بكر (يعني ابن الحارث) حدثه،\nأن مروان أرسله إلى أم سلمة ﵂ يسأل، عن الرجل يصبح جنبًا أيصوم؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من جماع لا من حلم، ثم لا يفطر، ولا يقضي. وهو في البخاري (^٤).\nوجه الاستدلال من الحديث كالذي قبله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1907> دليل من قال: لا يصح صوم الجنب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1908>الدليل الأول:</span>\n(٨١٠ - ١٣٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام\n_________\n(^١) البخاري (١٩٣٠)، ومسلم (١١٠٩).\n(^٢) البخاري (١٩٢٦).\n(^٣) فتح الباري تحت رقم (١٩٢٦).\n(^٤) صحيح مسلم (١١٠٩)، وانظر البخاري (١٩٢٥، ١٩٣١).","vol":"4","page":280},{"text":"ابن منبه، قال:\nهذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إذا نودي للصلاة، صلاة الصبح وأحدكم جنب، فلا يصم يومئذ (^١).\n[رجاله ثقات] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣١٤).\n(^٢) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن حبان (٣٤٨٥).\nوعلقه البخاري في صحيحه بإثر حديث (١٩٢٦) من طريق همام وابن عبد الله بن عمر، عن\nأبي هريرة، كان النبي ﷺ يأمر بالفطر.\nورواه الزهري، واختلف عليه فيه:\nفرواه شعيب بن أبي حمزة كما في سنن النسائي الكبرى (٢٩٢٥) عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، أنه احتلم ليلًا في رمضان، فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر، ثم نام قبل أن يغتسل، فلم يستيقظ حتى أصبح، قال: فلقيت أبا هريرة حين أصبحت، فاستفتيته في ذلك، فقال: أفطر، فإن رسول الله ﷺ قد كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنبًا. قال عبد الله بن عبد الله: فجئت عبد الله بن عمر، فذكرت له الذي أفتاني به أبو هريرة، فقال: أقسم بالله لئن أفطرت لأوجعن شبيبتك، صم فإن بدا لك أن تصوم يومًا آخر، فافعل.\nورواه عقيل بن خالد، كما في السنن الكبرى للنسائي (٢٩٢٦) فرواه عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة بلفظه.\nفشعيب قال: عبد الله بن عبد الله بن عمر.\nوقال عقيل: عبيد الله بن عبد الله بن عمر.، وكلاهما ثقة، وسواءً كان هذا الراجح أو ذاك، فالإسناد صحيح، قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٢٢): وعبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر ثقتان. اهـ\nورواه أحمد (٢/ ٢٤٨) والحميدي (١٠١٧، ١٠١٨)، والنسائي في الكبرى (٢٧٤٤)،\nوابن ماجه (١٧٠٢)، وابن خزيمة (٢١٥٧)، وابن حبان (٣٦٠٩) وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٣٩٣) عن سفيان بن عيينة،\nورواه أحمد (٢/ ٢٨٦) عن عبد الرزاق عن ابن جريج، كلاهما عن عمرو بن دينار، عن يحيى ابن جعدة، عن عبد الله بن عمرو القاري قال: سمعت أبا هريرة يقول لا ورب هذا البيت ما أنا قلت: من أصبح جنبا فلا يصوم، محمد ورب البيت قاله، ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة، محمد نهى عنه ورب البيت. =","vol":"4","page":281},{"text":"وقد وقف العلماء من حديث عائشة وأم سلمة، ومن حديث أبي هريرة إما موقف الترجيح أو موقف الجمع، أو القول بالنسخ.\nفأما موقف الترجيح فمن وجوه:\nالأول: أن حديث عائشة موافق لحديث أم سلمة، ورواية الاثنين تقدم على رواية الواحد، لا سيما وهما زوجتان، وهما أعلم بذلك من غيرهما من الرجال.\nالوجه الثاني: أن حديث عائشة وحديث أم سلمة موافقان للقرآن، وذلك أن الله ﷾ في آية البقرة أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر، ومعلوم أنه إذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جنبًا، وصيامه صحيح.\nالوجه الثالث: أن حديث عائشة وأم سلمة موافقان للنظر، وهو أن المحرم هو الجماع في وقت الصيام، وأما كون حكم الجنابة باقيًا عليه في وقت الصيام فهذا لا يحرم عليه، فقد يحتلم بالنهار ويجب عليه الغسل، ولا يغتسل مباشرة بل يبقى ساعات كثيرة بالنهار، وهو جنب، ولا يفسد صومه بالإجماع، ولا يجب عليه الغسل إلا عند القيام إلى الصلاة، فكذلك إذا احتلم ليلًا، ثم بقي ساعات جنبًا وهو صائم، بل هو\n_________\n= وأخرجه أحمد (٢/ ٢٨٦) حدثنا محمد بن بكر البرساني، أخبرني ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، أخبره عن عبد الرحمن بن عمرو القارئ، عن أبي هريرة به، فقال سفيان بن عيينة وعبد الرزاق: عن عبد الله بن عمرو القارئ.\nوقال محمد بن بكر البرساني: عن عبد الرحمن بن عمرو القارئ.\nقال الدارقطني في العلل بعد أن ساق الاختلاف في إسناده (١١/ ٤٢): «والصحيح ما قاله ابن عيينة».\nوعبد الله بن عمرو القارئ، لم يرو عنه فيما يظهر إلا يحيى بن جعدة، وذكره ابن سعد، وقال: كان قليل الحديث كما في الطبقات (٥/ ٤٨٢) إلا أنه لم ينفرد بهذا الحديث، فقد رواه عبد الله بن عبد الله بن عمر، وهمام بن منبه، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وغيرهم.\nوقال أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٦): «هذا حديث غريب لم يروه عن عمرو بهذا اللفظ إلا سفيان».\nانظر أطراف المسند (٧/ ٣٣١)، إتحاف المهرة (١٩٠٢٧)، التحفة (١٣٥٨٣، ١٣٥٨٥).","vol":"4","page":282},{"text":"من باب أولى، وإنما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهارًا، وهو شبيه بمن يمنع من التطيب، وهو محرم، لكن لو تطيب، وهو حلال، ثم أحرم فبقي عليه لونه أو ريحه لم يحرم ذلك عليه.\nالوجه الرابع: إن أبا هريرة قد رجع عن قوله حين بلغه حديث عائشة وأم سلمة، فهذا يدل على أن أبا هريرة ﵁ قد رجح حديث عائشة وأم سلمة على ما سمعه من الفضل بن عباس،\n(٨١١ - ١٣١) فقد روى مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر، قال:\nسمعت أبا هريرة يقص، يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث (لأبيه) فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبي ﷺ يصبح جنبًا من غير حلم، ثم يصوم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول، قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله، قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس، فقال\nأبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك (^١).\nورواه أحمد من طريق شعبة، عن الحكم عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه به، وفيه:\nقال أبو هريرة: عائشة إذن أعلم برسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) مسلم (١١٠٩).","vol":"4","page":283},{"text":"[صحيح] (^١).\n(٨١٢ - ١٣٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب،\nأن أبا هريرة رجع عن فتياه من أصبح جنبًا فلا صوم له (^٢).\nورجاله ثقات إلا أن رواية قتادة عن سعيد بن المسيب فيها كلام (^٣).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٩٩) وسنده صحيح، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣٠٠) من طريق محمد ابن جعفر به.\nوأخرجه إسحاق بن راهوية (١٠٨٥) عن وهب بن جرير\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٠٣) من طريق أبي داود وروح، كلاهما عن شعبة به.\nورواه أبو داود الطيالسي (١٥٠٣) عن شعبة به، دون ذكر قصة أبي هريرة.\n(^٢) المصنف (٩٥٨١)، ورواه البيهقي (٤/ ٢١٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة به.\n(^٣) جاء في تهذيب التهذيب في ترجمة قتادة (٨/ ٣١٨): «قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن: سمعت علي بن المديني يضعف أحاديث قتادة، عن سعيد بن المسيب تضعيفًا شديدًا، وقال: أحسب أن أكثرها بين قتادة وسعيد فيها رجال».\nوفي جامع التحصيل للعلائي (ص: ٢٥٥): «قال أحمد بن حنبل: أحاديث قتادة، عن سعيد ابن المسيب، ما أدري كيف هي؟ قد أدخل بينه وبين سعيد نحوًا من عشرة رجال لا يعرفون».\nقلت: ولعل هذا الكلام إما أن يراد به الحكم على غالب حديث قتادة عن سعيد، أو على أحاديث بعينها؛ لأن الشيخين قد أخرجا أحاديث لقتادة، عن سعيد بن المسيب، منها على سبيل المثال:\nما أخرجه البخاري (١٢٩٢) ومسلم (٩٢٧) من طريق شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن عمر مرفوعًا الميت يعذب في قبره بما نيح عليه.\nكما روى له مسلم أيضًا (١١٩٨) من طريق شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة مرفوعًا: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم. وهو في البخاري من غير هذا الطريق.\nوأخرج له البخاري (٢٦٢١) ومسلم (١٦٢٢) من طريق شعبة، عن قتادة، عن سعيد ابن المسيب، عن ابن عباس مرفوعًا في العائد في هبته كالعائد في قيئه.\nوأخرجه له البخاري (٤١٦٢) ومسلم (١٨٥٩) من طريق شعبة، عن قتادة، عن سعيد ابن المسيب، عن أبيه، قال: لقد رأيت الشجرة، ثم أتيتها بعد فلم أعرفها. ...\nوأنت تلحظ أن هذه الأحاديث جاءت من طريق شعبة، عن قتادة، وشعبة لا يروي عن قتادة إلا ما صرح فيه بالتحديث كما هو معلوم لطلبة أهل العلم بالحديث.\nوأخرج له مسلم أيضًا (٢١٢٧) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد ابن المسيب، عن معاوية في قصة الشعر ... وقد أخرجه البخاري من غير هذا الطريق (٣٤٦٨).\nوأخرج له البخاري (٤١٥٣) من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر في عدد الذين بايعوا النبي ﷺ يوم الحديبية.\nورواه مسلم أيضًا لكن من غير هذا الطريق. فهذه الأحاديث تدل على أن كلام ابن المديني والإمام أحمد رحمهما الله تعالى ليس على إطلاقه، فتأمل، والله أعلم.","vol":"4","page":284},{"text":"(٨١٣ - ١٣٣) وأخرج النسائي في الكبرى (^١)، من طريق عبد الله بن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سليمان بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أخيه محمد،\nأنه كان يسمع أبا هريرة يقول: من احتلم من الليل أو واقع أهله، ثم أدركه الفجر، ولم يغتسل، فلا يصوم، قال: ثم سمعته نزع عن ذلك.\n[إسناده فيه لين] (^٢).\nفيكفي في التصريح بالرجوع من أبي هريرة بما ورد في صحيح مسلم، وسقته في أول الاستدلال على رجوع أبي هريرة.\nوبما رواه أحمد من طريق شعبة، عن الحكم، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عائشة وأم سلمة في صحة صيام الجنب، وإخبار عبد الرحمن لأبي هريرة بما قالتاه، وشهادة أبي هريرة بأن أمهات المؤمنين أعلم.\n(٨١٤ - ١٣٤) وأما ما رواه أحمد (^٣)، عن علي بن عاصم، عن خالد، عن أبي قلابة،\n_________\n(^١) السنن الكبرى (٢٩٢٨).\n(^٢) في إسناده سليمان بن عبد الرحمن بن ثوبان، لم يرو عنه إلا ابن أبي ذئب، ولم يوثقه إلا ابن حبان، ولذلك قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، يعني حيث يتابع، وإلا فلين الحديث. ولم يرو له أحد من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي روى له هذا الحديث فقط في السنن الكبرى، والله أعلم.\n(^٣) المسند (٦/ ١٨٤).","vol":"4","page":285},{"text":"عن عبد الرحمن بن عتاب، قال:\nكان أبو هريرة يقول: من أصبح جنبًا فلا صوم له، قال: فأرسلني مروان بن الحكم أنا ورجل آخر إلى عائشة وأم سلمة، وفيه: فقال مروان لعبد الرحمن: أخبر\nأبا هريرة بما قالتا، فقال: أبو هريرة: كذا كنت أحسب، وكذا كنت أظن. قال: فقال له مروان: بأظن وبأحسب تفتي الناس!\n[ضعيف، ومتنه منكر] (^١).\n_________\n(^١) في إسناده اختلاف كثير، فرواه أبو قلابة، واختلف عليه فيه:\nفرواه علي بن عاصم الواسطي كما في إسناد الباب عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن\nعبد الرحمن بن عتاب، قال: كان أبو هريرة يقول: ... فأرسلني مروان بن الحكم.\nورواه الثقات عن أبي قلابة، عن عائشة، وعن أبي قلابة عن أم سلمة، وكلاهما منقطع، لم يسمع أبو قلابة منهما، وهذه الطرق أرجح من طريق علي بن عاصم.\nفرواه النسائي (٢٩٤٨) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عائشة.\nوأخرجه أيضًا (٢٩٤٩) من طريق عبد العزيز بن المختار، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أم سلمة.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٢٩٥٠) من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن بعض أزواج النبي ﷺ ...\nوقيل: عن أبي قلابة، عن عبد الرحمن بن الحارث،\nرواه عبد الوهاب بن عطاء، واختلف عليه فيه:\nفرواه النسائي في السنن الكبرى (٢٩٤٧) من طريق محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، كلاهما عن عبد الوهاب، قال: وحدثنا - وذكر - خالدًا، عن أبي قلابة، عن عبد الرحمن بن الحارث، أن أبا هريرة كان يقول: من أصبح جنبًا فليفطر ... وفي آخره: قال أبو هريرة: هكذا كنت أحسب. قال النسائي: واللفظ لابن المثنى.\nورواه النسائي في الكبرى (٢٩٥١) أخبرنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أم سلمة.\nبمثل رواية عبد العزيز بن المختار المتقدمة.\nوالحديث في صحيح البخاري (١٩٢٦)، ومسلم (٧٥ - ١١٠٩) من طريق عبد الرحمن بن الحارث، عن عائشة وأم سلمة عن النبي ﷺ، وقد رد أبو هريرة ما يقول إلى الفضل بن عباس،\nولم يقل: إنه أفتى الناس بأحسب وأظن، والله أعلم، ولو صح لم يكن لمروان أن ينكر على\nأبو هريرة فتواه بالظن، فإن المجتهد قد يجتهد في المسألة إذا لم يعلم بالنص، وتكون الفتوى مبنية على الظن كغالب مسائل الفقه، فإذا علم بالنص رجع إلى النص.","vol":"4","page":286},{"text":"(٨١٥ - ١٣٥) وأما ما رواه ابن عبد البر من طريق عمر بن قيس، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أنه قال: كنت حدثتكم: من أصبح جنبًا فقد أفطر، فإنما ذلك من كيس أبي هريرة، فمن أصبح جنبًا فلا يفطر (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالوجه الخامس: من وجوه الترجيح ما ذكره البخاري في صحيحه، بعد أن أخرج حديث عائشة وأم سلمة، ثم ساق بعده ما يعارضه معلقًا، قال البخاري: قال همام وابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة، كان النبي ﷺ يأمر بالفطر.\nقال البخاري: والأول أسند، يعني: حديث عائشة وأم سلمة.\nومقصود البخاري بقوله: والأول أسند، أي أكثر طرقًا إلى عائشة وأم سلمة، قال الحافظ: والذي يظهر لي أن مراد البخاري أن الرواية الأولى: أقوى إسنادًا، وهي من حيث الرجحان كذلك؛ لأن حديث عائشة وأم سلمة قد ورد عنهما من طرق كثيرة جدًّا بمعنى واحد، حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أن كان يفتي به، وجاء عنه من طريق هذين (يعني همام وابن عبد الله ابن عمر) أنه كان يرفعه إلى النبي ﷺ، وكذلك وقع في رواية معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ، فذكره .. أخرجه عبد الرزاق. وللنسائي من طريق عكرمة بن خالد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال:\n_________\n(^١) التمهيد (٢٢/ ٤٤).\n(^٢) في إسناده عمر بن قيس، متروك الحديث، انظر الجرح والتعديل (٦/ ١٢٩)، وقال الحافظ في الفتح تحت حديث (١٩٢٦): وأما ما أخرجه ابن عبد البر من رواية عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة ... وذكر الأثر. قال الحافظ: فلا يصح ذلك عن أبي هريرة؛ لأنه من رواية عمر\nابن قيس، وهو متروك. اهـ","vol":"4","page":287},{"text":"بلغ مروان أنا أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ .... فذكره، وله من طريق المقبري، قال: بعثت عائشة إلى أبي هريرة لا تحدث بهذا عن رسول الله ﷺ، ولأحمد من طريق عبد الله بن عمرو القارئ، سمعت أبا هريرة يقول: ورب هذا البيت، ما أنا قلت: من أدرك الصبح، وهو جنب فلا يصم، محمد ورب الكعبة قاله. اهـ نقلًا من الفتح (^١). وقد سبق تخريج كل هذه الطرق عند ذكر أثر أبي هريرة ﵁.\nوأما طريقة من سلك مسلك الجمع، فله في الجمع أقوال:\nالأول: قال بعضهم: إن حديث أبي هريرة إرشاد إلى الأفضل، فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز.\nقال النووي: «وهذا مذهب أصحابنا، وجوابهم عن الحديث، فإن قيل: كيف يكون الاغتسال قبل الفجر أفضل، وقد ثبت عن النبي ﷺ خلافه؟ فالجواب أنه ﷺ فعله لبيان الجواز، ويكون في حقه حينئذ أفضل؛ لأنه يتضمن البيان للناس، وهو مأمور بالبيان، وهذا كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بيانًا للجواز، ومعلوم أن الثلاث أفضل، وطاف على البعير، ومعلوم أن الطواف ساعيًا أفضل» (^٢).\nوهذا الجواب غير ظاهر، فلا يمكن حمل حديث أبي هريرة على فعل الأفضل وقد وقع التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر لمن أصبح جنبًا، وبالنهي عن الصيام لمن أصبح وهو جنب.\nالقول الثاني في الجمع:\nقال بعضهم: إن حديث عائشة وأم سلمة في حق النبي ﷺ، وحديث أبي هريرة في حق أمته، فلا تعارض، فيكون من خصائص النبي ﷺ كونه يصبح جنبًا، وهو صائم، ولا يجوز هذا الفعل لأمته ﵊.\n_________\n(^١) تحت حديث رقم (١٩٢٦).\n(^٢) شرح النووي لصحيح مسلم، تحت حديث (١١٠٩).","vol":"4","page":288},{"text":"وهذا القول ضعيف؛ لأن خصائص النبي لا تثبت إلا بدليل صريح على أن هذا الحكم خاص به، وإلا فالأصل التأسي به ﷺ، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١].\nوقد ورد دليل صريح بأن هذا الحكم ليس خاصًا بالنبي ﷺ،\n(٨١٦ - ١٣٦) فقد روى مسلم من طريق أبي يونس مولى عائشة،\nعن عائشة أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة، وأنا جنب، أفأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ: وأنا تدركني الصلاة، وأنا جنب، فأصوم. فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي (^١).\nالقول الثالث في الجمع:\nقال بعضهم: لعل حديث أبي هريرة محمول على من أدركه الفجر مجامعًا، فاستدام بعد طلوع الفجر عالمًا فإنه يفطر، ولا صوم له (^٢).\n(٨١٧ - ١٣٧) قال الحافظ ابن حجر: ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبي حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه،\nأنا أبا هريرة كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه، ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم (^٣).\nإسناده صحيح.\nوأما وجه من اتبع طريقة النسخ، فقال البيهقي: «وروينا عن أبي بكر ابن المنذر\n_________\n(^١) مسلم (١١١٠).\n(^٢) ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم تحت حديث رقم (١١٠٩).\n(^٣) ذكره الحافظ في الفتح تحت رقم (١٩٢٦)، وقد رواه النسائي في السنن الكبرى (٢٩٣٣).","vol":"4","page":289},{"text":"أنه قال: أحسن ما سمعت في هذا، أن يكون ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم، كالطعام والشراب، فلما أباح الله ﷿ الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم؛ لارتفاع الحظر، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل ابن عباس على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه» (^١).\nقال ابن حجر: «ويقويه أن في حديث عائشة هذا الأخير ما يشعر بأن ذلك كان بعد الحديبية، لقوله فيها: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأشار إلى آية الفتح، وهي إنما نزلت عام الحديبية، سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية، وإلى دعوى النسخ ذهب ابن المنذر والخطابي وغير واحد» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1909> دليل من فرق بين الفرض والنفل أو بين المعذور وغير المعذور:</span>\nهذان القولان هما من وجوه الجمع بين حديث أبي هريرة، وبين حديث عائشة وأم سلمة، فحمل حديث أبي هريرة على الفرض، وحمل حديث عائشة وأم سلمة على النفل.\nأو حمل حديث أبي هريرة على غير المعذور، وحمل حديث عائشة وأم سلمة على المعذور، ومن سلك طريق الجمع لم ير حديث أبي هريرة غلطًا، أو منسوخًا، وإنما رأى أن هناك دليلين ظاهرهما التعارض، فحاول الجمع، وما زال بعض التابعين لا يرون أن أبا هريرة رجع عن حديثه.\nولذلك قال الترمذي في سننه: حديث عائشة وأم سلمة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، ثم قال: وقد قال قوم من التابعين: إذا أصبح\n_________\n(^١) سنن البيهقي (٤/ ٢١٥).\n(^٢) فتح الباري تحت رقم (١٩٢٦).","vol":"4","page":290},{"text":"جنبًا يقضي ذلك اليوم، والقول الأول أصح (^١).\nفهنا الترمذي يرى أن هناك قومًا من التابعين يأخذون بحديث أبي هريرة.\n(٨١٨ - ١٣٨) وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيبيت الرجل جنبًا في شهر رمضان حتى يصبح، يتعمد ذلك، ثم يصوم؟ قال: أما أبو هريرة فكان ينهى عن ذلك، وأما عائشة فكانت تقول: ليس بذلك بأس، فلما اختلفا على عطاء، قال: يتم يومه ذلك، ويبدل يومًا (^٢).\n[وإسناده صحيح عن عطاء].\n• الراجح من خلاف أهل العلم:\nبعد استعراض أدلة الأقوال نرى أن استصحاب حكم الجنابة لا يؤثر على الصيام، وقد دللنا على ذلك أثرًا ونظرًا، وهذا القول قد رأى بعضهم أن الإجماع انعقد عليه عند المتأخرين، قال النووي: «وأما حكم المسألة فقد أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب، سواءً كان من احتلام أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة والتابعين» (^٣).\nوقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وقد بقي على مقالة أبي هريرة بعض التابعين كما نقله الترمذي، ثم ارتفع ذلك الخلاف، واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي، وأما ابن دقيق العيد، فقال: صار ذلك إجماعًا أو كالإجماع» (^٤).\nوهل ينعقد الإجماع بعد ثبوت الخلاف عند الصحابة والتابعين، هذه مسألة خلافية بحثها في أصول الفقه، والراجح أن الأقوال لا تموت بموت أصحابها، والله ﷾ أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٧٧٩).\n(^٢) المصنف (٧٤٠٠).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم تحت رقم (١١٠٩).\n(^٤) الفتح تحت رقم (١٩٢٦).","vol":"4","page":291},{"text":"مبحث\nفي الحائض والنفساء تطهر قبل الفجر\nولا تغتسل إلا بعد طلوع الصبح\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• ما يمنع الحائض من الصوم هو وجود الأذى النازل منها، فإذا انقطع الخبث صارت في حكم الجنب، فيصح صومها.\n• إذا انقطع الحيض ارتفع حكمه إلا فيما تشترط له الطهارة من الحدث.\n• النقاء من الحيض شرط في صحة الصوم، والاغتسال منه بعد انقطاعه ليس بشرط.\n• كل ما يصح من الجنب يصح من الحائض إذا انقطع حيضها ولم تغتسل.\n• وجوب الغسل لا ينافي صحة الصوم كالغسل من الجنابة.\n[م-٣٤٤] إذا طهرت المرأة من الحيض ليلًا، ونوت الصيام، وأخرت الغسل إلى طلوع الفجر، فهل يصح صومها ذلك اليوم؟\nاختلف العلماء في ذلك:","vol":"4","page":292},{"text":"فقيل: إن طهرت قبل الفجر بوقت يتسع فيه للغسل، فلم تغتسل حتى طلع الفجر أجزأها، وإن كان الوقت ضيقًا، لا يتسع للغسل، لم يصح صومها (^١).\nوهذا مذهب الحنفية، واختاره من المالكية عبد الملك، ومحمد بن مسلمة (^٢).\nوقيل: صيامها صحيح، وهو مذهب الجمهور (^٣).\nوقيل: لا يباح الصيام مطلقًا حتى تغتسل، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٤)، وحكي قولًا للأوزاعي (^٥).\n_________\n(^١) إلا أن الحنفية يستثنون ما لو كان حيضها أكثر الحيض عندهم (عشرة أيام)، أو كان نفاسها أكثر النفاس عندهم (أربعون يومًا) ففي هذه الحالة إذا طهرت قبل الفجر صح صومها إذا أمكنها أن تنوي، ولو لم تدرك من الوقت ما يتسع للغسل.\nووجهه: أن المرأة إذا طهرت لأكثر الحيض أو النفاس فإنها تخرج من الحيض والنفاس بمجرد انقطاع الدم، أما إذا انقطع الحيض لدون عشرة أيام، أو انقطع النفاس لدون أربعين يومًا، فإن مدة الاغتسال محسوبة من الحيض والنفاس، فلا بد أن تدرك من الليل ما يتسع فيه للاغتسال. انظر بدائع الصنائع (٢/ ٨٩) وقال في فتح القدير (١/ ١٧١): «واعلم أن مدة الاغتسال معتبرة من الحيض في الانقطاع لأقل من العشرة، وإن كان تمام عادتها، بخلاف الانقطاع للعشرة». اهـ\n(^٢) انظر المعونة على مذهب مالك (١/ ٤٨١)، التفريع (١/ ٣٠٨، ٣٠٩)، الجامع لأحكام القرآن - القرطبي (٢/ ٣٢٦)، والموجود في تفسير القرطبي منسوبًا لعبد الملك بأنه إذا طهرت قبل الفجر، ولم تغتسل فإن يومها يوم فطر مطلقًا، بينما الموجود في التفريع التفصيل: إن طهرت قبل الفجر في وقت يمكنها فيه الاغتسال ففرطت، فلم تغتسل حتى أصبحت، لم يضرها كالجنب، وإن كان الوقت ضيقًا لا تدرك فيه الغسل لم يجز صومها، وقد أشار إلى مثل ذلك القرطبي ﵀.\n(^٣) المدونة (١/ ٢٠٧) وفيه: «وسألت مالكًا عن المرأة ترى الطهر في آخر ليلتها من رمضان، قال: إن رأته قبل الفجر اغتسلت بعد الفجر، وصيامها مجزئ عنها».\nوانظر شرح الخرشي (٢/ ٢٤٧) مختصر خليل (ص: ٧١)، المعونة على مذهب مالك (١/ ٤٨١)، التفريع (١/ ٣٠٨، ٣٠٩)، الجامع لأحكام القرآن - القرطبي (٢/ ٣٢٦) ونسبه قولًا للجمهور.\nوقال ابن المنذر في الإقناع (١/ ١٩٤): «وإذا أصبح المرء جنبًا، أو كانت امرأة حائضًا فطهرت آخر الليل، ثم أصبحا صائمين يغتسلان» أي وصيامهما صحيح.\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٤٩) المبدع (١/ ٢٦٢).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٢٦). «ونسبه ابن قدامة في المغني (٤/ ٣٩٣) قولًا للأوزاعي، والحسن بن حيّ، وعبد الملك بن الماجشون، والعنبري».","vol":"4","page":293},{"text":"وسبب الخلاف في هذه المسألة، اختلافهم فيها: هل هي مقيسة على من أجنب من الليل، ثم طلع عليه الفجر ولم يغتسل، أو لا؟\nفمن رأى أن الحيض حدث يمنع من الصيام لم يجر القياس.\nومن رأى أن الحائض إذا طهرت من الدم أصبحت كالجنب بجامع أن كلًا منهما يملك أن يرفع حدثه متى شاء، فالحائض عندما انقطع دمها قد طهرت من الخبث، وبقيت طهارتها من الحدث، فأصبح حدثها بعد انقطاع دمها لا يوجب إلا الغسل، كالجنب تمامًا، وصفة الغسل في الجنابة والحيض واحدة، أجرى القياس، فصحح صيام الحائض إذا طهرت من الليل ولم تغتسل إلا بعد طلوع الصبح.\nوهناك من رأى أنه يشترط أن تدرك من الوقت زمنًا يتسع للغسل، حتى يكون الصيام واجبًا في ذمتها، فإن كان الوقت ضيقًا، لا تدرك فيه الغسل، لم يصح صومها، ويومها يوم فطر، ويخرج الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في من طهرت قبل خروج وقت الصلاة، هل يشترط أن تدرك من الوقت زمنًا يتسع للغسل حتى تكون الصلاة واجبة في ذمتها، أو يكفي أن تدرك من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام، أو مقدار ركعة، على الخلاف المعروف ولا مدخل فيه لوقت الغسل.\nوقد ذكرنا أدلة هذه الأقوال بشيء من التفصيل في كتابي الحيض والنفاس رواية ودارية فأغنى عن إعادته هنا (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر كتاب الحيض والنفاس (٢/ ٥١٩).","vol":"4","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1910>الفصل السابع في أذان وإقامة الجنب للصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1911>المبحث الأول في أذان الجنب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم اشتراط الطهارة للأذان.\n• كل ذكر لله خارج الصلاة ولم يكن عن طريق مس المصحف لا تشترط له الطهارة، ومن ذلك الأذان.\n[م-٣٤٥] اختلف الفقهاء في أذان الجنب،\nفقيل: يكره أذانه، وهو مذهب الحنفية (^١)،\nوأحد القولين في مذهب المالكية (^٢)،\n_________\n(^١) قال في البحر الرائق (١/ ٢٧٧): «أما أذان الجنب فمكروه رواية واحدة ...».\nوقال في الفتاوى الهندية (١/ ٥٤): «وكره آذان الجنب وإقامته باتفاق الروايات، والأشبه أن يعاد الأذان، ولا تعاد الإقامة ...». وانظر تبيين الحقائق (١/ ٩٣)، فتح القدير (١/ ٢٥٢).\n(^٢) قال في مواهب الجليل (١/ ٤٣٥): «وهل يجوز أذان الجنب والصبي، في المذهب قولان ...». وانظر الخرشي (١/ ٢٣٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٩٥).","vol":"4","page":295},{"text":"ومذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل: لا بأس بذلك في غير المسجد، وهو قول في مذهب المالكية (^٣)، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: إن أذن جنبًا أعاد، وهو اختيار الخرقي من الحنابلة (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1912> دليل من قال: لا يصح الأذان إلا بطهارة:</span>\n(٨١٩ - ١٣٩) استدلوا: بما رواه البيهقي من طريق سلمة بن سليمان الضبي، حدثنا صدقة بن عبيد الله المازني، حدثنا الحارث بن عتبة، عن عبد الجبار بن وائل،\nعن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم (^٦).\n[ضعيف] (^٧).\n_________\n(^١) قال في الأم (١/ ٨٥): «فإذا أذن، أو أقام، محدثًا، أو جنبًا كره، وصح أذانه. والكراهة في الجنب أشد». وانظر المجموع (٣/ ١١٣) الأم (١/ ٨٥)، مغني المحتاج (١/ ١٣٨)، روضة الطالبين (١/ ٣١٣).\n(^٢) شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٢)، كشاف القناع (١/ ٣٢٩)، الكافي (١/ ١٠٢).\n(^٣) النوادر والزيادات (١/ ١٦٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٥).\n(^٤) قال عنه صاحب الإنصاف (١/ ٤١٥): «وهو الصحيح من المذهب».\n(^٥) وقال أبو داود في مسائله لأحمد (١٩٨): «سمعت أحمد سئل، يؤذن الجنب؟ قال: لا. وقال أحمد مثله في مسائل أحمد رواية ابنه صالح رقم (٣٨). وقال فيها أيضًا (١٠٣٨): يعجبني أن يتوقى». اهـ وقال في رواية ابن هانئ (١٨٨): «لا يعجبني أن يؤذن الجنب». اهـ\nوقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٢٢): «أكثر الروايات عن أحمد المنع من أذان الجنب، وتوقف عن الإعادة في بعضها، وصرح بعدم الإعادة في بعضها، وهو اختيار أكثر الأصحاب، وذكر جماعة عنه رواية بالإعادة، واختارها الخرقي».\n(^٦) سنن البيهقي (١/ ٣٩٢).\n(^٧) في إسناده سليمان بن سلمة الضبي، قال فيه ابن عدي: بصري، منكر الحديث عن الثقات، أظنه يكنى أبا هشام. ثم قال: ولم أر لسليمان كثير حديث. الكامل (٣/ ٣٣٢) ونقله الذهبي في المغني في الضعفاء (٢٥٣٧)، ولم يتعقبه بشيء. ...\nوقال النووي في المجموع (٣/ ١١٢): «وهو موقوف مرسل؛ لأن أئمة الحديث متفقون على أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه شيئًا، وقال جماعة منهم: إنما ولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر». اهـ","vol":"4","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1913>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن للأذان شبهًا بالصلاة، وذلك أنهما يفتتحان بالتكبير، ويؤديان مع الاستقبال، ويختصان بالوقت، ولا يتكلم فيهما (^١).\n• ويُجاب عنه:\nبأن الجنابة أحد الحدثين، ولو كان الأذان صلاة، ما صح مع الحدث الأصغر، ولما أجزأ عندهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1914>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن الأذان يتطلب دخول المسجد، والجنب ممنوع من دخول المسجد.\nويُجاب:\nبأن هذه المسألة قد بحثت في فصل مستقل، وعُرِض فيها أقوال أهل العلم، فمنهم من منع مطلقًا، ومنهم من أباح المرور فيه بدون مكث، ومنهم من أجاز المكث بشرط الوضوء، وقد ترجح من خلال البحث جواز دخول الجنب للمسجد مطلقًا، فأغنى عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1915> دليل من قال: يكره أذان الجنب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1916>الدليل الأول:</span>\nقالوا: قد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أذان الجنب لا يصح، فخروجًا من الخلاف قلنا بالكراهة (^٢).\nوالتعليل بالخلاف تعليل ضعيف، مع أنهم في هذه المسألة لم يخرجوا من الخلاف،\n_________\n(^١) العناية (١/ ٢٥٢).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢٣٩)، الكافي (١/ ١٠٢).","vol":"4","page":297},{"text":"بل زادوا منه لأمور:\nأولًا: أنتم لم تأتوا بقول يجمع بين القولين حتى يقال: قد وفقتم بين الخلاف، فلا أنتم قلتم بصحته بلا كراهة، ولا أنتم منعتم منه، فأنتم في الحقيقة أحدثتم قولًا ثالثًا في المسألة، لا بسبب دليل دعاكم إلى القول بهذا، ولكن الذي دعاكم إلى القول به، وجود قولين في المسألة، وبدلًا من أن يكون في المسألة قولان، أصبح فيها ثلاثة أقوال، فأصبح تعليلكم زاد من الخلاف، ولم تخرجوا منه.\nثانيًا: الكراهة حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها حتى نعلل به الحكم الشرعي.\nثالثًا: لو أخذنا بالخلاف كدليل أو تعليل للحكم الشرعي، للزم أن كل مسألة خلافية، نقول: إنها مكروهة، وهذا لا يقول به أحد، فالصحيح أن الخلاف قسمان: خلاف يكون ضعيفًا جدًّا، فهذا نطرحه ولا نبالي.\nوليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلا خلافًا له حظ من النظر\nوخلاف يكون قويًّا، فتجد كل خلاف في المسألة له دليل قوي، وله حظ من النظر، فهنا ينظر: فإن أمكن الخروج من الخلاف، بحيث نأخذ بقول يجمع بين القولين، فهو جيد، ويكون من باب الاحتياط، وليس السبب وجود الخلاف، ولكن السبب تنازع الأدلة، فهو من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وليس كل خلاف يمكن الخروج منه، فإن هناك أقوالًا متضادة لا يمكن الخروج من الخلاف فيها، وذلك مثل قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، فهناك قول يقول: تجب قراءتها، وقول آخر يقول: تحرم قراءتها، فلا يمكن هنا في مثل هذه المسألة الخروج من خلاف أهل العلم، ولا بد من ترجيح أحد القولين لامتناع جمع هذين القولين في قول ثالث، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1917>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إنه ذكر مشروع للصلاة يتقدمها أشبه الخطبة.","vol":"4","page":298},{"text":"قلت: القياس في العبادات ضعيف، ولا يصح إلا مع النص على العلة ووجودها في المقيس، وهذا لا يتأتى هنا، مع أن المقيس عليه، وهو الخطبة لا دليل فيها على كراهتها من الجنب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1918>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة، فإذا لم يكن متأهبًا لها دخل تحت قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٤٤].\n• ويُجاب:\nبأن الآية ليس هذا موضعًا لها، ولذا قال في آخر الآية: أَفَلا تَعْقِلُونَ) والأذان من الجنب ليس منافيًا للعقل، ثم إن الجنب سوف يصلي فلا يدخل تحت من يأمر الناس بشيء ولا يفعله، غاية ما فيه أنه سوف يذهب للغسل بعد الأذان، فهو كمن أذن، وهو محدث حدثًا أصغر، ثم ذهب يتوضأ بعد الأذان، ولا فرق إلا أن هذه طهارة لأربعة أعضاء، وهذه طهارة للبدن كله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1919> دليل من قال: يصح الأذان من الجنب:</span>\nقالوا: لم يأت نهي من كتاب الله، ولا من سنة رسول ﷺ للجنب يمنعه من الأذان، وقد قال ﷾: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩].\nفصح أن كل ما لم يفصل لنا تحريمه، فهو مباح (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1920>الدليل الثاني:</span>\nأن الأذان ذكر لله، والجنب لا يمنع من ذكر الله ﷾ اتفاقًا في غير القرآن الكريم، فكذا لا يمنع من الأذان.\n_________\n(^١) انظر المحلى (٣/ ١٤٣).","vol":"4","page":299},{"text":"• القول الراجح:\nبعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بصحة أذان الجنب هو أقوى الأقوال، وذلك أن من منع أو كره أذان الجنب لم يأت بدليل صحيح صريح على ما ذهب إليه، والأصل عدم المنع، وإذا كنتم لا تمنعون الجنب من إجابة المؤذن، وهو سوف يقول مثل ما قال المؤذن، فكيف يمنع من الأذان، فلا فرق بينهما، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1921>المبحث الثاني في إقامة الجنب للصلاة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ذكر لله خارج الصلاة ولم يكن عن طريق مس المصحف لا تشترط له الطهارة، ومن ذلك الإقامة.\n[م-٣٤٦] اختلف أهل العلم في إقامة الجنب للصلاة،\nفقيل: لا تصح الإقامة من الجنب، وهو مذهب المالكية (^١)، وقول عطاء، ومجاهد، والأوزاعي، وإسحاق (^٢).\nوقيل: تكره، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^٣)، وقول في مذهب\n_________\n(^١) قال في المدونة (١/ ٦٠): «يؤذن المؤذن، وهو على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء». وانظر الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٣٨).\n(^٢) مصنف عبد الرزاق (١/ ٤٦٥)، المجموع (٣/ ١١٤)، الأوسط (٣/ ٣٧)، عمدة القارئ (٥/ ١٤٨).\n(^٣) المبسوط (١/ ١٣١)، البحر الرائق (١/ ٢٧٧)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٤)، حاشية بن عابدين (١/ ٣٩٢)، المجموع (٣/ ١١٣)، روضة الطالبين (١/ ٣١٣)، الفروع (١/ ٣٢٠)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩)، الروض المربع (١/ ١٢٥).","vol":"4","page":301},{"text":"المالكية (^١).\nوقيل: تصح الإقامة من الجنب بلا كراهة، وهو اختيار ابن حزم (^٢).\n• وجه منع الجنب من إقامة الصلاة.\nكل الأدلة التي استدلوا بها على منع الجنب من الأذان، استدلوا بها هنا على منع الجنب من إقامة الصلاة، بل قالوا: إن الإقامة أشد في المنع من الأذان.\n• وجه كراهة إقامة الجنب:\nأنه يلزم منه الخروج من المسجد بعد الأذان، ويترتب عليه فوات قدر من الصلاة، وفواته المكان الفاضل، ويلزم منه الفصل بين الإقامة والصلاة، وهي متصلة بها.\n• وجه تصحيح إقامة الجنب:\nنفس الأدلة التي استدلوا بها على تصحيح أذان الجنب يستدل بها هنا على صحة إقامة الجنب، فلم يأت دليل من كتاب أو سنة يمنع من إقامة الجنب للصلاة، والتعاليل التي ذكروها لا تكفي في الكراهة الشرعية.\n• الراجح:\nصحة إقامة الجنب، ولو قيل: إنها خلاف الأولى لم يبعد هذا القول، أما الجزم بالكراهة، فيفتقر إلى نهي من الشارع، ولم يثبت، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ٢٣٢)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٧).\n(^٢) المحلى (١/ ١٨٠) مسألة: ٣٢٥.","vol":"4","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1922>الفصل الثامن\nفي نوم الجنب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• أحكام النوم كأحكام اليقظة، فإذا لم يجب الوضوء لليقظة لم يجب للنوم من باب أولى؛ لأن النوم مبطل للطهارة الصغرى.\n• كل وضوء لا يخرج صاحبه من حال الحدث إلى الطهارة لا يكون واجبًا، كوضوء الجنب، ومن به حدث دائم.\n• الوضوء تارة يكون واجبًا، وتارة يكون مستحبًا: فيكون واجبًا إذا كان الوضوء وسيلة لتحصيل بعض العبادات الواجبة كالصلاة، ومستحبًا إذا قصد لذاته، أو كان وسيلة لتحصيل بعض العبادات المستحبة كالذكر.\n• وضوء الجنب للنوم لا يتعلق به وجوب؛ لأن النوم مباح، ووسيلة المباح لا يكون واجبًا.\n• الوضوء قبل النوم مشروع بالاتفاق، والجنب كغيره (^١).\n_________\n(^١) لما رواه مسلم (٢٧١٠) من حديث البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: إذا أخذت مضعجك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك ... الحديث.","vol":"4","page":303},{"text":"• اختلفوا في تعليل الوضوء للجنب:\nفقيل: الوضوء للجنب طلبًا للنشاط.\nوقيل: من أجل المبيت على إحدى الطهارتين.\nوبناءً على هذا الاختلاف اختلفوا في وضوء الحائض قبل أن تنام:\nفمقتضى التعليل بالمبيت على إحدى الطهارتين أن تتوضأ الحائض؛ لأن المعنى موجود فيها.\nومقتضى التعليل بحصول النشاط ألا تؤمر به الحائض.\nوإذا أحدث بعد الوضوء، فإن قلنا: لينام على إحدى الطهارتين أعاد الوضوء استحبابًا، وإن قلنا: الوضوء للنشاط لا يعيد.\nوقيل شرع الوضوء؛ لأن النوم وفاة، فشرع للجنب نوع من الطهارة كالموت، وهذا التعليل لا يخص الجنب؛ لأن النوم وفاة في حق الجميع.\n• وضوء الجنب هل هو رفع للحدث الأصغر، أو تخفيف للحدث الأكبر بتقديم أعضاء الوضوء بالغسل لشرفها، كما قال في غسل ابنته: اغسلنها وابدأن بمواضع الوضوء منها؟ لأن الحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الأكبر، ولذلك لا ينتقض هذا الوضوء ببول، ولا غائط، ولا يبطل بشيء إلا بمعاودة الجماع؛ لأن هذا الوضوء لم يرفع حدثًا حتى يقال: بطل حكمه.\n[م-٣٤٧] اتفق العلماء على جواز النوم للجنب قبل الاغتسال، واختلفوا في جواز النوم قبل الوضوء،\nفقيل: الوضوء قبل أن ينام أفضل، وهو مذهب الحنفية (^١)،\nوإليه مال ابن عبد البر\n_________\n(^١) قال في المبسوط (١/ ٧٣): «ولا بأس للجنب أن ينام، أو يعاود أهله قبل أن يتوضأ؛ لحديث الأسود عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي ﷺ كان يصيب من أهله، ثم ينام من غير أن يمس ماء، فإذا انتبه ربما عاود، وربما قام فاغتسل .... وإن توضأ قبل أن ينام فهو أفضل؛ لحديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ أصاب من أهله، فتوضأ، ثم نام، وهذا لأن الاغتسال والوضوء محتاج إليه للصلاة لا للنوم والمعاودة، إلا أنه إذا توضأ ازداد نظافة فكان أفضل». اهـ\nوعبارة الفتاوى الهندية أن الوضوء حسن، قالوا (١/ ١٦): «ولا بأس للجنب أن ينام ويعاود أهله قبل أن يتوضأ، وإن توضأ فحسن». فهذه العبارة لا يؤخذ منها سنية الوضوء للجنب، كما لا يؤخذ منها استحباب الوضوء له، وإنما يدل على أن الوضوء من الفضائل فحسب. وانظر بدائع الصنائع (١/ ٣٨).\nبينما الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٣) اعتبر الوضوء للجنب عند إرادة النوم سنة.\nوفي شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٢٥) بعد أن ساق حديث أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة عن النبي ﷺ أنه كان ينام وهو جنب، ولا يمس ماء.\nقال الطحاوي: فذهب قوم إلى هذا، وممن ذهب إليه أبو يوسف، فقالوا: لا نرى بأسًا أن ينام الجنب من غير أن يتوضأ؛ لأن التوضئ لا يخرجه من حال الجنابة إلى حال الطهارة، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ينبغي له أن يتوضأ للصلاة قبل أن ينام».\nفهذا ظاهره أن أبا يوسف لا يرى الوضوء للنوم من الجنب؛ لأنه جعل قول أبي يوسف في مقابلة قول من قال: ينبغي له أن يتوضأ، حيث قال الطحاوي: وخالف أبا يوسف آخرون، فقالوا: ينبغي له أن يتوضأ، فمعنى ذلك أن قول أبي يوسف: أنه لا ينبغي للجنب أن يتوضأ، وهذا قول آخر في مذهب الحنفية.\nوقد فهم هذا الفهم أيضًا صاحب التاج والإكليل (١/ ١٤٥) من المالكية، فقال: «ونقل الطحاوي أن أبا يوسف ذهب إلى عدم الاستحباب، وتمسك بما رواه أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، أنه ﷺ كان يجنب، ثم ينام، ولا يمس ماء».","vol":"4","page":304},{"text":"﵀ (^١).\nوقيل: يندب للجنب أن يتوضأ قبل أن ينام، هو مذهب المالكية (^٢)،\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٤): «وأولى الأمور عندي في هذا الباب، أن يكون الوضوء للجنب عند النوم كوضوء الصلاة حسنًا مستحبًا، فإن تركه فلا حرج؛ لأنه لا يرفع به حدثه، وإنما جعلته مستحبًا، ولم أجعله سنة لتعارض الآثار فيه عن النبي ﷺ، واختلاف ألفاظ نقلته، ولا يثبت ما كانت هذه حاله سنة».\n(^٢) في مذهب المالكية وقفت على ثلاثة أقوال: القول بأنه مندوب، وآخر بأنه مرغب فيه، أي من الفضائل، وثالث: بأنه واجب، ففي الشرح الصغير (١/ ١٧٦) اقتصر على القول بالندب فقط، وهو ما اختاره خليل في مختصره رحمه الله تعالى (ص: ١٧)، وتابعه عليه شراح المختصر، كما في حاشية الدسوقي (١/ ١٣٨)، وتأتي عبارته بعد قليل إن شاء الله تعالى. ...\nوجاء في شرح الزرقاني (١/ ١٤٣): «ذهب الجمهور إلى أنها للاستحباب -يعني وضوء الجنب للنوم- وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وذهب أهل الظاهر إلى وجوبه، وهو شذوذ».\nوقال القاضي عياض في إكمال المعلم (٢/ ١٤٢): ظاهر مذهب مالك أنه ليس بواجب، وإنما هو مرغب فيه».\nوهذا يجعل الوضوء أقل من المندوب؛ لأن المستحب والمرغب فيه عند فقهاء المالكية يلحق بالفضائل، وليس بالسنن.\nوهناك قول بالوجوب عند المالكية، ونسب إلى مالك، ولكن أكثر أصحابه على عدم ثبوت هذا القول عن مالك، قال ابن العربي في العارضة كما في شرح الزرقاني (١/ ١٤٢): «قال مالك والشافعي: لا يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ، وأُنْكِر عليه؛ لأنهما لم يقولا بوجوبه، ولا يعرف عنهما».\nوقد قال الدسوقي في حاشيته (١/ ١٣٨): «لا خلاف في أن الجنب مأمور بالوضوء قبل النوم، وهل الأمر بذلك واجب أو ندب؟ في المذهب قولان».\nوعبارة المدونة (١/ ٣٠): «قال مالك: لا ينام الجنب حتى يتوضأ، ولا بأس أن يعاود أهله قبل أن يتوضأ، قال: ولا بأس أن يأكل قبل أن يتوضأ، قال: وأما الحائض فلا بأس أن تنام قبل أن تتوضأ، وليس الحائض في هذا بمنزلة الجنب. اهـ\nفنهى مالك الجنب أن ينام حتى يتوضأ، وجَوَّز أكل الجنب ومعاودته الوطء بدون وضوء، كما جوز النوم للحائض بدون وضوء، وقوله: ليس الحائض بمنزلة الجنب، فظاهر هذا الكلام أن مالك يرى وجوب الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام، فقول ابن العربي ليس بمستنكر، خاصة أن الدسوقي في حاشيته ذكر أن في المذهب المالكي قولين: الوجوب والندب، وممن قال بالوجوب من المالكية ابن حبيب، فيستغرب كيف يقول ابن عبد البر: إن القول بالوجوب شاذ، فيكفي أنه قد قال به اثنان من المالكية: ابن حبيب وابن العربي، وهو ظاهر عبارة الإمام في المدونة، أضف إلى ذلك، أن القول بالوجوب هو ظاهر السنة، حيث علق جواز النوم بشرط الوضوء، فجاء في الحديث: «أينام الجنب؟ قال: نعم إذا توضأ وسيأتي تخريجه في ذكر الأدلة إن شاء الله تعالى.","vol":"4","page":305},{"text":"وقيل: يكره أن ينام بدون وضوء، وهو مذهب الشافعية (^١)، والمشهور عند\n_________\n(^١) المهذب (١/ ٣٠)، وقال النووي في المجموع (٢/ ١٧٨): «ويكره للجنب أن ينام حتى يتوضأ». وانظر: مغني المحتاج (١/ ٦٣)، روضة الطالبين (١/ ٨٧)، حاشيتا قليبوبي وعميرة (١/ ٧٨)، الفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي (١/ ٦٣).\nوفي إعانة الطالبين (١/ ٧٩): ويحصل أصل السنة بغسل الفرج إن أراد نحو جماع أو نوم أو أكل أو شرب، وإلا كره. اهـ","vol":"4","page":306},{"text":"المتأخرين من الحنابلة (^١)، واختيار ابن تيمية ﵀ (^٢).\nوقيل: يجب عليه الوضوء إذا أراد أن ينام، اختاره ابن حبيب من المالكية (^٣)، وهو مذهب الظاهرية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1923> دليل من قال: للجنب أن ينام دون أن يمس ماء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1924>الدليل الأول:</span>\n(٨٢٠ - ١٤٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن الأسود،\nعن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ ينام، وهو جنب، ولا يمس ماء (^٥).\n[حديث معلول] (^٦).\n_________\n(^١) قال في مطالب أولي النهى (١/ ١٨٥، ١٨٦): «وكره تركه أي الوضوء لجنب لنوم فقط، أي دون الأكل والشرب». اهـ وانظر كشاف القناع (١/ ١٥٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٤٣).\n(^٣) انظر إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ١٤٢)، مواهب الجليل (١/ ٣١٦)، وسبق لنا أن هذا القول منسوب إلى مالك، وهو ظاهر عبارة المدونة، والله أعلم.\n(^٤) قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٤): «وأما من أوجبه من أهل الظاهر، فلا معنى للاشتغال بقوله لشذوذه؛ ولأن الفرائض لا تثبت إلا بيقين». اهـ\n(^٥) المسند (٦/ ١٤٦).\n(^٦) هكذا رواه أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة بلفظ: (دون أن يمس ماء).\nوخالفه إبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود، فروياه عن الأسود به، بلفظ: (إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة)، زاد فيه الحكم عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: إذا أراد أن يأكل أو ينام، فزاد وضوء الجنب للأكل، وقد رواه أبو سلمة وعروة عن عائشة ولم يذكرا وضوء الجنب للأكل، وسيأتي تخريج طريقهما إن شاء الله تعالى، انظر حديث (٨٢٨). إذا علم ذلك نأتي إلى تخريج الحديث:\nالطريق الأول: إبراهيم النخعي، عن الأسود:\nفرواها أبو داود الطيالسي (١٣٨٤) حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم عن الأسود،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا، فأراد أن ينام، أو يأكل توضأ. =","vol":"4","page":307},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومن طريق شعبة أخرجه أحمد (٦/ ١٢٦، ١٩٢) ومسلم (٣٠٥) وأبو داود في السنن (٢٢٤)، والنسائي (٢٥٥)، وفي الكبرى (٢٥٣، ٥٢٥)، وابن ماجه (٥٩١)، والدارمي (٢٠٧٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٥)، وابن خزيمة (٢١٥)، والبيهقي في السنن (١/ ١٩٣، ٢٠٢).\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٥٢٠٣) من طريق ميمون أبو حمزة، عن إبراهيم به.\nوهذه متابعة للحكم، إلا أن ميمون أبا حمزة ضعيف.\nجاء في مسند أحمد (٦/ ١٩١): «قال يحيى - يعني القطان - ترك شعبة حديث الحكم في الجنب إذا أراد أن يأكل توضأ».\nفإذا كان الراوي لهذه قد تركها عمدًا في آخر الآمر، فكيف يصح قبولها.\nوفي الإمام لابن دقيق العيد (٣/ ٩٢): «عن أحمد بن القاسم، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا أراد أن ينام فليتوضأ وضوءه للصلاة على الحديث ثم ينام، فأما إذا أراد أن يطعم، فليغسل يديه، ويمضمض، ويطعم؛ لأن الأحاديث في الوضوء لمن أراد النوم، قال: وبلغني أن شعبة ترك حديث الحكم بآخرة، فلم يحدث به في من أراد أن يطعم؛ وذلك لأنه ليس يقوله غيره، إنما هو في النوم».\nفهذا صريح من الإمام أحمد أن الحديث إنما هو في الوضوء للنوم فقط.\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٤٠): «لعله تركه بعد أن كان يحدث به لتفرده بذكر الأكل كما حكاه الخلال عن أحمد».\nوقد صوب الإمام أحمد فعل شعبة، فلم يكن يسوي بين وضوء الجنب للنوم، وبين وضوئه للأكل، مع أن رواية إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة قد قرن بينهما.\nففي مسائل أحمد رواية ابنه صالح (٤٣٣): «وسألته عن الجنب يأكل، أو يشرب؟ قال: هو أسهل من النوم، والنوم يتوضأ».\nفهنا الإمام أحمد لم يجعل الوضوء للنوم والأكل سواءً.\nوكان الإمام مالك أيضًا لا يسوى بين الوضوء للنوم، والوضوء للأكل، كما في المدونة (١/ ٣٠): «قال مالك: لا ينام الجنب حتى يتوضأ، ولا بأس أن يعاود أهله قبل أن يتوضأ، قال: ولا بأس أن يأكل قبل أن يتوضأ».\nوقد يكون تركه أيضًا للاختلاف فيه على إبراهيم:\nفرواه شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم موصولًا.\nوروي عن إبراهيم مرسلًا، وروي عن إبراهيم قوله، وروي عن إبراهيم، عن الأسود قوله، روى كل ذلك النسائي في السنن الكبرى.\nفقد رواه سفيان، واختلف عليه فيه: =","vol":"4","page":308},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه النسائي في السنن الكبرى (٦٧٠٦، ٩٠٠١) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن سفيان، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، قال: الجنب إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب توضأ وضوءه للصلاة. وهذا موقوف على إبراهيم.\nورواه النسائي في الكبرى (٩٠٠٠) عن سويد بن نصر، عن عبد الله - يعني ابن المبارك - عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم حدثت أن رسول الله ﷺ كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة. ولم يذكر الأكل.\nورواه النسائي في الكبرى (٨٩٩٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة. وهذا مرسل، ولم يذكر الأكل.\nورواه النسائي في الكبرى (٩٠٠٢) أخبرنا سويد بن نصر، عن عبد الله، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لا بأس بأن يشرب وإن لم يتوضأ.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٦) من طريق أبي الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال الأسود: إذا أجنب الرجل فأراد أن ينام فليتوضأ. فجعله من قول الأسود، ولم يذكر الأكل.\nهذا ما يتعلق برواية إبراهيم النخعي، والاختلاف عليه، فهل يقال: إن الحكم أثبت الناس في إبراهيم، وهو مقدم على غيره؟\nأو يقال: إن منصور قرين الحكم في الرواية عن إبراهيم، فإذا أضيف إلى منصور الزبير بن عدي ومغيره رجح على الحكم، قال أحمد: «أثبت الناس في إبراهيم الحكم، ثم منصور».\nوجاء في المنتخب من العلل للخلال (ص: ٣٢٥): «قال مهنأ: سألت أحمد: أيهما أحب إليك إذ حُدَّث عن إبراهيم؟ فقال: منصور. قلت: كيف ذاك؟ قال: بلغني أن الأعمش كان إذا حُدِّث عن أصحاب إبراهيم تكلم، وإذا حدث عن منصور سكت».\nالطريق الثاني: عبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود.\nأخرجه أحمد (٦/ ٢٧٣) من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي،\nعن عائشة زوج النبي ﷺ، قال: سألتها، كيف كان رسول الله ﷺ يصنع، إذا كان هو جنب، وأراد أن ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كان يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم ينام.\nومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن راهوية في مسنده (١٤٨٥)، والدارمي (٧٥٧).\nوهذا سند حسن، رجاله كلهم ثقات إلا ابن إسحاق، فإنه صدوق،\nوتابع حجاج بن أرطأة ابن إسحاق، وحجاج ضعيف، ويمشي في المتابعات، فقد أخرجه أحمد (٦/ ٢٢٤) حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا حجاج، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، =","vol":"4","page":309},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يجنب من الليل، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة حتى يصبح، ولا يمس ماء.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٢٦٠) حدثنا سليمان بن حيان، حدثنا حجاج به.\nوهذا المتن وإن كان إسناده فيه مقال، إلا أنه يوضح الإشكال القائم في إسناد أبي إسحاق، وأن المقصود بقوله: (ولا يمس ماء) يعني به: ولا يغتسل، وليس معناه أنه لا يتوضأ، وبهذا ينتفي الإشكال لكن هذا يقال: لو كان إسناد الحديث صحيحًا، أما وقد انفرد به مثل حجاج، فهو ضعيف، ومتنه منكر؛ لتفرده بهذا اللفظ.\nكما أن الحديث رواه غير الأسود عن عائشة، في الصحيحين وفي غيرهما، موافقًا في الجملة لرواية إبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود، عن عائشة، ولم يذكروا ما ذكره أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، وسوف يأتي تخريجها إن شاء الله تعالى عند ذكر أدلة القائلين بوجوب الوضوء عند النوم.\nالطريق الثالث: أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأسود:\nرواه أبو إسحاق، وانفرد بقوله: (دون أن يمس ماء) وقد رواه جماعة عن أبي إسحاق، منهم:\nالأول: إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق به،\nأخرجه أحمد (٦/ ١٤٦)، والنسائي في السنن الكبرى (٩٠٥٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٥)، وأبو بكر بن المقرئ في المعجم (١١٣٩) من طريق هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد به، وقد صرح هشيم بالتحديث عند الطحاوي، كما أن رواية النسائي ليس فيها قوله: (ولا يمس ماء).\nورواه الطبراني في الأوسط (٢١٨٢) من طريق أبي أسامة.\nوأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠) من طريق طريق زفر، كلاهما (أبو أسامة، وزفر) عن إسماعيل بن أبي خالد.\nالثاني: شعبة، عن أبي إسحاق.\nأخرجه الطيالسي (١٣٨٦)، وإسحاق بن راهوية (١٥١٣، ١٥١٤)، وأحمد (٦/ ١٧٦)، والبخاري في صحيحه (١١٤٦)، والنسائي في الكبرى (١٣٨٩)، وفي المجتبى (١٦٨٠)،\nوابن حبان (٢٥٩٣) وتعمد شعبة ترك قوله: (دون أن يمس ماء)، ولهذا أخرج البخاري الحديث من طريقه، والدليل على أن شعبة تعمد حذف هذه الزيادة، ما جاء في العلل لابن\nأبي حاتم (١١٥) عن أبيه: «سمعت نصر بن علي يقول: قال أبي: قال شعبة: قد سمعت حديث أبي إسحاق، أن النبي ﷺ كان ينام جنبًا، ولكني أتقيه». والله أعلم.\nالثالث: الأعمش، عن أبي إسحاق به. =","vol":"4","page":310},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرجه أحمد (٦/ ٤٣) وإسحاق بن راهوية (١٥١٨)، والترمذي (١١٨)، والنسائي في الكبرى (٩٠٠٣) وابن ماجه (٥٨١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٥)، والطوسي في مستخرجه على الترمذي (٨٩)، عن أبي بكر بن عياش.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٥) من طريق عبيد الله بن عمرو،\nوأبو الشيخ في ذكر الأقران (٤٥) من طريق منصور بن أبي الأسود، ثلاثتهم عن الأعمش به.\nالرابع: سفيان الثوري، عن أبي إسحاق.\nأخرجه الطيالسي ط هجر (١٥٠٠)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠٨٢)، وابن الجعد في مسنده (١٧٦٤)، وأحمد (٦/ ١٠٧)، وإسحاق بن راهوية (١٥١٢)، وأبو داود (٢٢٨)، والترمذي (١١٩)، وابن ماجه (٥٨٣)، وأبو يعلى في مسنده (٤٧٢٩)، وابن المنذر في الأوسط (٦٠٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٤)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠١) من طرق عن سفيان الثوري به.\nالخامس: أبو الأحوص، عن أبي إسحاق.\nأخرجه ابن أبي شيبة (٦٨٢)، ومن طريقه ابن ماجه (٥٨٢).\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٥) من طريق مسدد، كلاهما (ابن أبي شيبة ومسدد) عن أبي الأحوص به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا كانت له حاجة إلى أهله قضاها، ثم نام كهيئته، لا يمس ماء.\nالسادس: إسرائيل، عن أبي إسحاق.\nأخرجه أحمد (٦/ ٢١٤، ٦٣) حدثنا وكيع، عن إسرائيل، مطولًا ومختصرًا.\nوأخرجه الطيالسي (١٥١٧) أخبرنا يحيى بن آدم.\nوأخرجه ابن ماجه (١٣٦٥)، وابن حبان (٢٥٨٩) من طريق عبيد الله بن موسى.\nوأخرجه أحمد (٦/ ١٠٩) حدثنا أسود بن عامر مختصرًا، كلهم عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به.\nالسابع: شريك، عن أبي إسحاق.\nأخرجه أحمد (٦/ ١٠٩) حدثنا أسود بن عامر، قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق به، بلفظ: «إذا كانت له حاجة إلى أهله، أتاهم، ثم يعود، ولا يمس ماء.\nالثامن: زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق به.\nواختلف على زهير فيه، فرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٥) من طريق أبي غسان، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، قال:\nأتيت الأسود بن يزيد -وكان لي أخًا وصديقًا- فقلت: يا أبا عمرو حدثني ما حدثتك عائشة ﵂: أم المؤمنين عن صلاة رسول الله ﷺ، فقال: قالت: كان رسول الله ﷺ ينام أول الليل، ويحيى آخره، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان =","vol":"4","page":311},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= النداء الأول وثب -وما قالت: قام- فأفاض عليه الماء -وما قالت: اغتسل، وأنا أعلم بما تريد- وإن كان جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة.\nفبناءً على هذه الرواية بهذا اللفظ لا إشكال، (فإن كانت له حاجة قضى حاجته، ثم نام قبل أن يمس ماء، وإن كان جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة).\nقال ابن العربي في شرحه لسنن الترمذي (١/ ١٨٢): فهذا يدل على أحد وجهين:\nإما أن يريد الحاجة حاجة الإنسان من البول والغائط، فيقضيها، ثم يستنجي، ولا يمس ماء، وينام، فإن وطئ توضأ كما في آخر الحديث.\nويحتمل أن يريد بالحاجة حاجة الوطء، وبقوله: (ثم ينام ولا يمس ماء) يعني: الاغتسال، ومتى لم يحمل الحديث على أحد هذين الوجهين تناقض أوله وآخره، فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة هي حاجة الوطء، فنقل الحديث على معنى ما فهم».\nووافق المباركفوري ابن العربي على هذا الفهم في تحفته (١/ ١١٥)، والشوكاني في نيل الأوطار.\nوالحق أن هذا اللفظة أعني قوله: «وإن كان جنبًا توضأ وضوءه للصلاة» قد انفرد بها أبو غسان، عن زهير، وقد رواه غيره عن زهير بلفظ: (إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم نام قبل أن يمس ماء ثم قال: وإن لم يكن جنبًا توضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى ركعتين).\nرواه أبو نعيم الفضل بن دكين كما في الصلاة (٤٦).\nوابن الجعد في مسنده (٢٥٦٣).\nوأحمد (٦/ ١٠٢) والبيهقي في السنن (١/ ٢٠١) عن حسن بن موسى.\nوأحمد أيضًا (٦/ ١٠٢) حدثنا أبو كامل مظفر بن مدرك.\nومسلم في صحيحه (٧٣٩) والبيهقي في سننه (١/ ٢٠١) عن أحمد بن يونس ويحيى بن يحيى.\nوإسحاق بن راهوية أيضًا (١٥١٥) عن أبي نعيم الملائي.\nوأخرجه أيضًا (١٥١٦) عن يحيى بن آدم.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢٠١) من طريق عمرو بن خالد، كلهم، (أبو نعيم الفضل بن دكين، وعلي بن الجعد، وأبو كامل، وأحمد بن يونس، ويحيى بن يحيى، وحسن بن موسى، وعمرو بن خالد، وأبو نعيم الملائي، ويحيى بن آدم) سبعتهم رووه عن زهير بلفظ: (وإن لم يكن جنبًا توضأ) وليس بلفظ: (وإن كان جنبًا توضأ) كما قال أبو غسان، إلا أن مسلم تعمد أن يحذف قوله: (دون أن يمس ماء)، وأعلها في كتابه التمييز، فبناءً على هذا اللفظ ليس فيه حجة للطحاوي، وأبي بكر بن العربي، والمباركفوري، والشوكاني، ويبقى الكلام على مخالفة أبي إسحاق لإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود،\nفاختلف العلماء هل الحديثان محفوظان؟ أعني لفظ حديث أبي إسحاق، عن الأسود، ولفظ إبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن الأسود عن الأسود أو أن أحدهما أرجح من الآخر؟ =","vol":"4","page":312},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فذهب أكثر العلماء إلى ترجيح رواية إبراهيم، وعبد الرحمن بن الأسود، وأن رواية\nأبي إسحاق خطأ ووهم، ذهب إلى ذلك إمام أهل السنة أحمد ﵀، وشعبة، ومسلم، والثوري\nوأبو داود، والترمذي، ويزيد بن هارون، وأبو حاتم الرازي وغيرهم، فهؤلاء هم أدرى الناس بعلل بالحديث، ومن خالفهم في هذا الشأن فقد تكلف، وتكلم بما لا يعرف.\nقال أبو داود في السنن (٢٢٨) حدثنا الحسن بن علي الواسطي، قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث وهم، يعني حديث أبي إسحاق.\nوجاء في كتاب العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٩): «قال شعبة: قد سمعت حديث أبي إسحاق، أن النبي ﷺ كان ينام جنبًا، ولكني أتقيه».\nوقال الترمذي: قد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث: شعبة، والثوري، وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق. اهـ كلام الترمذي.\nوقال ابن رجب في الفتح (١/ ٣٦٢): «وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق، منهم: إسماعيل بن أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسلم بن حجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزاني، والترمذي، والدارقطني .... وقال أحمد بن صالح المصري الحافظ: لا يحل أن يروي هذا الحديث، يعني: أنه خطأ مقطوع به، فلا تحل روايته من دون بيان علته.\nوأما الفقهاء المتأخرون، فكثير منهم نظر إلى ثقة رجاله، فظن صحته، وهؤلاء يظنون أن كل حديث رواه ثقة فهو صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث، ووافقهم طائفة من المحدثين المتأخرين كالطحاوي والحاكم والبيهقي ....». إلخ كلام الحافظ ابن رجب.\nوقال الحافظ في تلخيص الحبير (١٨٧): «.... وفي علل الأثرم: لو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلا إبراهيم النخعي وحده لكفى، فكيف وقد وافقه عبد الرحمن بن الأسود، وكذلك روى عروة وأبو سلمة عن عائشة.\nوقال ابن مفوز: أجمع المحدثون على أنه خطأ من أبي إسحاق. وتعقبه الحافظ، فقال: كذا قال، وتساهل في نقل الإجماع، فقد صححه البيهقي، وقال: إن أبا إسحاق قد بين سماعه من الأسود في رواية زهير عنه، ثم قال: وقال الدارقطني في العلل: يشبه أن يكون الخبران صحيحين، قاله بعض أهل العلم.\nثم ساق الحافظ ابن حجر طريقة بعض العلماء في الجمع بين لفظ أبي إسحاق وبين لفظ إبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود على تقدير صحة لفظ أبي إسحاق بأن المقصود (لا يمس ماء) المقوصد به ماء الغسل، وليس ماء الوضوء، أو أنه كان يفعل الأمرين لبيان الجواز.\nونقل ابن رجب عن بعض العلماء في الجمع طريقة ثالثة بأنه إن أجنب أول الليل توضأ ونام، وإن أجنب آخر الليل نام نومة خفيفة للاستراحة، ثم قام فاغتسل لصلاة الفجر، وقد روى =","vol":"4","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1925>الدليل الثاني:</span>\n(٨٢١ - ١٤١) ما رواه ابن خزيمة من طريق أحمد بن عبدة، أخبرنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر،\nعن عمر، أنه سأل رسول الله ﷺ، أينام أحدنا، وهو جنب؟ قال: ينام، ويتوضأ إن شاء (^١).\n[رجاله ثقات إلا أن زيادة (إن شاء) ليست محفوظة] (^٢).\n_________\n= زهير وإسرائيل عن أبي إسحاق هذا الحديث بسياق مطول، وفيه: أن نومه من غير أن يمس ماء، إنما كان في آخر الليل إذا قضى صلاته، ثم كان له حاجة إلى أهله.\nقلت: والحق مع من ضعف هذا الحديث، وخلاف البيهقي والطحاوي والحاكم لا يعارض به جهابذة أهل الحديث، كأحمد وأبي حاتم وشعبة والثوري وأبي داود والترمذي ويزيد بن هارون، وأحمد بن صالح، وغيرهم.\nوأما كلام الدارقطني، فهو مع أنه نقله عن بعض أهل العلم، فإنه مع ذلك ليس فيه جزم بصحة الحديث، وإنما قال: يشبه أن يكون الخبران صحيحين، فليس في هذا الكلام جزم بالصحة، والحديث الشاذ يشبه في إسناده إسناد الحديث الصحيح من جهة عدالة نقلته، إلا أن فقد شرطًا من شروط الحديث الصحيح، وهو سلامته من العلة القادحة. والله أعلم.\nوانظر بعض طرق الحديث في: أطراف المسند (٩/ ٢٤)، إتحاف المهرة (٢١٥٢٥)، تحفة الأشراف (١٦٠١٧، ١٦٠١٨، ١٦٠٢٠، ١٦٠٢٣، ١٦٠٢٤).\n(^١) صحيح ابن خزيمة (٢١١)، ومن طريق ابن خزيمة أخرجه ابن حبان في صحيحه، انظر (١٢١٦).\n(^٢) الحديث في سؤال عمر للنبي ﷺ عن نومه، وهو جنب، ويرويه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، تارة من مسند عمر (أي عن ابن عمر، عن عمر) وتارة من مسند ابن عمر (أي عن ابن عمر أن عمر سأل النبي ﷺ .... والخطب في هذا سهل جدًّا، وأكثر الرواة يسوقونه من مسند ابن عمر ﵄.\nورجح الدارقطني أن الحديث عن ابن عمر أن عمر، قال في العلل (٢/ ٦٤) بعد أن ساق الاختلاف على رواته، قال: «والصحيح قول من قال: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن عمر. وكذلك رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن عمر .. وكذلك قال يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، أن عمر سأل النبي ﷺ. وهو المحفوظ المضبوط». =","vol":"4","page":314},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تخريج الحديث من مسند عمر ﵁:\nرواه سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر، إلا أنه قد اختلف على سفيان في لفظه:\nفرواه ابن خزيمة (٢١١)، ومن طريقه ابن حبان (١٢١٦) من طريق أحمد بن عبدة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر، بلفظ: (ينام ويتوضأ إن شاء).\nوأخرجه أحمد رحمه الله تعالى (١/ ٢٤، ٢٥) حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر، أنه سأل النبي ﷺ: أينام أحدنا، وهو جنب؟ قال: يتوضأ، وينام إن شاء. وقال سفيان مرة: ليتوضأ، ولينم.\nفهنا المشيئة راجعة إلى النوم، وليس إلى الوضوء، كأنه قال: إذا توضأ إن شاء نام، وإن شاء اغتسل.\nوأشار أحمد إلى أن سفيان بن عيينة رواه مرة أخرى بدون ذكر المشيئة.\nوقد رواه أيضًا عن ابن عيينة سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، كما في صحيح ابن خزيمة (٢١٢) بلفظ: (إذا أراد أن ينام، فليتوضأ) ولم يذكر لفظ (المشيئة).\nوخالفهم الحميدي (٦٥٧) فرواه عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن دينار به من مسند\nابن عمر، بلفظ: أينام أحدنا، وهو جنب، فقال: نعم إذا توضأ، ويطعم إن شاء.\nجعل المشيئة راجعة إلى الأكل لا إلى النوم، ومع هذا الاختلاف على سفيان فقد رواه من هو أكثر منه عددًا، ولم يذكروا لفظ المشيئة.\nفقد رواه أحمد (١/ ٣٨) من طريق الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر،\nعن عمر، أنه أتى النبي ﷺ، فقال: إنه تصيبني الجنابة من الليل، فأمره أن يغسل ذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة.\nفهنا الثوري رواه عن عبد الله بن دينار، وجعله من مسند عمر كما فعل ابن عيينة، ولم يذكر ما ذكره ابن عيينة من ذكر المشيئة،\nكما رواه الثوري أيضًا من مسند ابن عمر، وليس فيه ذكر المشيئة.\nفقد أخرجه أحمد (٢/ ٥٦) حدثنا يحيى.\nوأخرجه أحمد (٢/ ١١٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٧) عن أبي نعيم (الفضل ابن دكين)\nوأخرجه الدارمي (٧٥٦) عن عبيد الله بن موسى.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٧) من طريق أبي حذيفة النهدي، والفريابي، خمستهم (يحيى القطان، وعبيد الله بن موسى، وأبو حذيفة والفريابي وأبو نعيم) عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر من مسنده، وليس فيه ذكر المشيئة، ولفظ أحمد، عن =","vol":"4","page":315},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن عمر، قال: سأل عمر رسول الله ﷺ، قال: تصيبني الجنابة من الليل؟ فأمره أن يغسل ذكره وليتوضأ.\nكما رواه جماعة عن عبد الله بن دينار بدون زيادة (إن شاء)، عن ابن عمر من مسنده، ولم يذكروا ما ذكره سفيان بن عيينة، وإليك من وقفت على روايتهم:\nالأول: إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، أخرجه في الموطأ (١/ ٤٧)،\nومن طريق مالك أخرجه أحمد (٢/ ٦٤)، والبخاري (٢٩٠)، ومسلم (٣٠٦)، وأبو داود (٢٢١)، والنسائي في السنن الكبرى (٢٥٦، ٩٠٥٥، ٩٠٥٦)، وفي المجتبى (٢٦٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٧)، وابن حبان (١٢١٣) والبيهقي في السنن (١/ ١٩٩)، بلفظ: (ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه يصيبه جنابة من الليل؟ فقال رسول الله ﷺ: توضأ، واغسل ذكرك، ثم نم).\nالثاني: شعبة، عن عبد الله بن دينار.\nأخرجه الطيالسي (١٧)، وأحمد (١/ ٥٠) و(٢/ ٧٩)، وعبد الله بن أحمد وجادة عن أبيه (٢/ ٤٦)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٧)، وابن خزيمة (٢١٤)، وابن حبان (١٢١٢) بلفظ: (عن ابن عمر، قال: إن عمر قال: يا رسول الله تصيبني من الليل الجنابة؟ فقال: اغسل ذكرك، ثم توضأ، ثم ارقد). وليس فيه ذكر المشيئة.\nالثالث: إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، أخرجه ابن حبان بإسناد صحيح (١٢١٤) بلفظ: (فأمره أن ينام).\nورواه غير عبد الله بن دينار، فقد رواه نافع وسالم، عن ابن عمر، بدون ذكر الشرط: أعني قوله: إن شاء.\nفأما رواية نافع عن ابن عمر، فجاء الحديث تارة من مسند ابن عمر، وتارة عن ابن عمر، عن عمر، كما هو الحال في رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.\nوإليك بيان الحديث في مسنديه:\nما جاء من مسند ابن عمر:\nأخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٧، ٣٦، ١٠٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٦٣) رقم ٦٧٧، ومسلم (٣٠٦)، والنسائي في المجتبى (٢٥٩)، وفي الكبرى (٩٠٦٠، ٩٠٦١)، وابن ماجه (٥٨٥) وعبد بن حميد كما في المنتخب (٧٥٠) من طريق عبيد الله بن عمر.\nوأخرجه البخاري (٢٨٧) وابن حبان (١٢١٥) من طريق الليث بن سعد.\nوأخرجه البخاري أيضًا (٢٨٩) من طريق جويرية.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠٧٤) ومن طريقه أخرجه أحمد (١/ ٣٥)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٧) عن عبد الله بن عمر العمري. =","vol":"4","page":316},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه أيضًا (١٠٧٥) من طريق أيوب.\nوأخرجه عبد الرزاق أيضًا (١٠٧٧) ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٠١) عن ابن جريج.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٩٠٦٤) من طريق عمرو بن سعد.\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٠٣) من طريق عبد الرحمن بن ثابت، كلهم عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر ...\nوجاء الحديث عن نافع، عن ابن عمر، عن أبيه من مسند عمر.\nأخرجه أحمد (١/ ١٧، ٣٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٩٠٥٨، ٩٠٥٩)، والترمذي (١٢٠)، والبزار (١٤٧) من طريق عبيد الله بن عمر.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠٧٤) عن عبد الله بن عمر العمري.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٩٠٦٣) والبزار في مسنده (١٣١)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٦) ح ٨٠ من طريق أيوب، وأخرجه أحمد (١/ ١٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٧) من طريق ابن إسحاق، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٧) من طريق ابن عون، كلهم (أيوب، وعبد الله بن عمر، وعبيد الله بن عمر ومحمد بن إسحاق وابن عون) عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد.\nأما رواية سالم، عن ابن عمر:\nفأخرجها عبد الرزاق (١٠٨٨) عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر سأل النبي ﷺ أنام، وأنا جنب؟ قال: توضأ وضوءك للصلاة. قال سالم: فكان ابن عمر إذا أراد أن ينام أو يطعم، وهو جنب، غسل فرجه ووجهه ويديه، لا يزيد على ذلك.\nففي هذه الرواية جعل السائل ابن عمر، وحذف اسم عمر ﵁، والمحفوظ أن القصة كانت لعمر، وجاء الحديث من مسند ابن عمر، ومن مسند أبيه، وفي كلا الحديثين لا يختلفون أن القصة كانت لعمر.\nورواه النسائي في السنن الكبرى (٩٠٦٨) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٧) من طريق محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر. قال النسائي: عن عمر.\nوقال الطحاوي: أن عمر ﵁ .... وذكر الحديث.\nوهذا الإسناد وإن كان يوافق رواية الجماعة عن ابن عمر، إلا أن محمد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي نزيل المصيصة، صدوق كثير الغلط.\nانظر إتحاف المهرة (٩٥٦٣) و(٩٨٣٤)، وأطراف المسند (٥/ ٥٠) و(٣/ ٥٤٣)، تحفة الأشراف (٨١٧٨).","vol":"4","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1926>الدليل الثالث:</span>\n(٨٢٢ - ١٤٢) ما رواه مسلم، من طريق ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث،\nأنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام فأكل ولم يمس ماء.\nقال: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث،\nأن النبي ﷺ قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث (^١).\n(٨٢٣ - ١٤٣) ورواه عبد بن حميد كما في المنتخب من طريق ابن أبي مليكة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وفيه: إنما أمرتم بالوضوء للصلاة.\nوسنده صحيح، وفيه التعبير بالحصر بـ (إنما).\nوجه الاستدلال:\nفقوله ﷺ: (ما أردت صلاة فأتوضأ) وقوله: (إنما أمرتم بالوضوء للصلاة)، منطوقه: أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، ومفهومه: أنه لا يجب لغير الصلاة، ومنه الوضوء عند النوم للجنب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1927> دليل القائلين بوجوب الوضوء إذا أراد الجنب أن ينام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1928>الدليل الأول:</span>\n(٨٢٤ - ١٤٤) ما رواه البخاري من طريق الليث، عن نافع،\nعن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ، أيرقد أحدنا وهو جنب؟\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٧٤)، وانظر تخريج ألفاظه في المجلد الثامن من طهارة الحيض والنفاس، رقم (١٧٧١).","vol":"4","page":318},{"text":"قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد، وهو جنب، ورواه مسلم (^١).\nفأذن بالنوم بشرط الوضوء، وهذا دليل على وجوبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1929>الدليل الثاني:</span>\nصح من فعله ﷺ، أنه إذا أراد أن ينام توضأ، وهذا وإن كان فعلًا إلا أنه مؤيد لحديث عمر بن الخطاب، في عدم النوم إلا بشرط الوضوء، ولم ينقل ترك النبي ﷺ من حديث صحيح حتى يقال: يجوز تركه.\n(٨٢٥ - ١٤٥) فقد روى البخاري من طريق عن عروة،\nعن عائشة قالت كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام، وهو جنب، غسل فرجه، وتوضأ للصلاة، ورواه مسلم (^٢).\nفقوله: (كان) دليل على الاستمرار من حاله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1930>الدليل الثالث:</span>\n(٨٢٦ - ١٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخرساني، عن يحيى بن يعمر،\nعن عمار، عن النبي ﷺ، أنه رخص للجنب، إذا أراد أن ينام، أو يأكل، أو يشرب، أن يتوضأ وضوءه للصلاة (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦).\n(^٢) البخاري (٢٨٨)، ومسلم (٣٠٥).\n(^٣) المصنف (١/ ٦٣) رقم ٦٧٨.\n(^٤) ضعيف، وقد سبق تخريجه على إثر حديث رقم (٧٩١)، فأغنى عن إعادته هنا.\nوروى الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٦١) من طريق يوسف بن خالد السمتي، عن عيسى بن هلال السدوسي، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام أن يتوضأ.\nوهذا موضوع، وعلته يوسف بن خالد، وقد سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٠٩).","vol":"4","page":319},{"text":"فقوله: (رخص) يدل على أنه في مقابل المنع، فيؤخذ منه أن غير المتوضئ لا يرخص له في النوم.\nوهذا ممكن أن يتوجه القول به لو صح الحديث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1931> دليل من قال: يكره النوم للجنب بدون وضوء:</span>\nهذا القول حين رأى أن القول بالوجوب قول قوي، وأن الرسول ﷺ كان لا ينام، وهو جنب إلا وهو على وضوء، وحين استفتاه عمر ﵁ في النوم أذن له بشرط الوضوء، رأى أن ترك الوضوء والحالة هذه مكروه، خروجًا من خلاف القائلين بالوجوب، والله أعلم.\n• الراجح:\nبعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بالوجوب قول قوي، والقول بالاستحباب أقوى، وعلى كل فعلى المسلم أن يحرص على النوم على وضوء، خروجًا من خلاف أهل العلم، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1932>الفصل التاسع\nفي أكل الجنب وشربه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا كان رفع الحدث ليس مشروعًا لتحصيل الأكل، لم يكن تخفيف الحدث مشروعًا من الجنب لذلك.\n• الأصل عدم المشروعية، والأحاديث الواردة في الباب لا تسلم من علة التفرد والمخالفة.\n[م-٣٤٨] اختلف العلماء في وضوء الجنب للأكل والشرب،\nفقيل: يغسل يديه إن كان أصابهما أذى، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢).\n_________\n(^١) قال في حاشية الطحطاوي (ص: ٥٥): «الجنب إذا أراد أن يأكل، أو يشرب غسل ديه وفاه، وإن ترك فلا بأس به»، وانظر البحر الرائق (١/ ٤٩)، بدائع الصنائع (١/ ٣٨)، الفتاوى الهندية (١/ ١٦).\n(^٢) جاء في المدونة (١/ ٣٠): «قلت: هل كان مالك يأمر من أراد أن ينام، أو يطعم إذا كان جنبًا بالوضوء؟ قال: أما النوم فكان يأمره أن لا ينام حتى يتوضأ ... ثم قال: وأما الطعام فكان يأمره بغسل يده إذا كان الأذى قد أصابها، ويأكل، وإن لم يتوضأ».\nوجاء في المنتقى للباجي (١/ ٩٨): «قال مالك: لا يتوضأ إلا من أراد أن ينام فقط، وأما من أراد أن يطعم، ويعاود الجماع، فلم يؤمر بالوضوء».\nوقد اقتصر خليل في مختصره (ص: ١٧): باستحباب الوضوء للنوم، واستحباب غسل الفرج لمعاودة الوطء، ولم يذكر الوضوء للأكل. وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١٣٧، ١٣٨).","vol":"4","page":321},{"text":"وقيل: يستحب للجنب أن يتوضأ عند الأكل، وهو مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1933> دليل من قال: يستحب له أن يغسل يديه:</span>\n(٨٢٧ - ١٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن،\nأن عائشة زوج النبي ﷺ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل ويشرب، قالت: يغسل يده ثم يأكل ويشرب (^٣).\n[حديث الوضوء للنوم محفوظ في الصحيحين، وحديث غسل اليد من الجنب للأكل مختلف في ثبوته] (^٤).\n_________\n(^١) المهذب (١/ ٣٠)، المجموع (٢/ ١٧٨)، روضة الطالبين (١/ ٨٧)، مغني المحتاج (١/ ٦٣).\n(^٢) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢/ ١٤٨)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٤٣)، كشاف القناع (١/ ١٥٧)، مطالب أولى النهى (١/ ١٨٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٨)، كشاف القناع (١/ ١٥٨).\n(^٣) المسند (٦/ ١١٨، ١١٩).\n(^٤) اختلف على الزهري في ذكر غسل اليد من الجنب للأكل،\nفرواه بن عيينة، والليث، وابن جريج، وابن أخي الزهري عن الزهري، بالاقتصار على الوضوء للنوم.\nورواه يونس وصالح بن أبي الأخضر، عن الزهري بذكر غسل اليد للأكل، وقد رويت هذه اللفظة مرفوعة، وموقوفة من قول عائشة، واختلف أهل العلم في هذه الزيادة.\nفمن أهل العلم من رأى أن هذه الزيادة شاذة، وقدم رواية ابن عيينة، والليث ومن معهما على رواية يونس، وعلل ترجيحه هذا بتفرد يونس بها، وتابعه صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف، وقد اختلف على يونس في إسناد الحديث كما سيأتي بيانه، ولذلك أخرج مسلم الحديث من طريق الليث، وتجنب إخراجه من طريق يونس.\nومن المرجحات: أن حديث عائشة يتفقون على ذكر الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام، ويختلفون فيما زاد على ذلك: =","vol":"4","page":322},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة بزيادة الوضوء للأكل فزاد فيه إبراهيم وضوء الجنب للأكل، وسبق تخريجها، انظر ح: (٨٢٨).\nورواه يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، فجعل الوضوء للنوم، وغسل اليد للأكل، مخالفًا بذلك رواية إبراهيم النخعي عن الأسود عن أم المؤمنين، فأرى أن الباحث يأخذ بما لم يختلف الرواة فيه، وهو الوضوء للجنب إذا أراد النوم، ويدع ما اختلفوا فيه.\nومنهم من اعتبر زيادة يونس زيادة من ثقة، وأثبتها مرفوعة إلى النبي ﷺ.\nومنهم من رجح كونها موقوفة على عائشة إرشادًا منها، وهذا ما توجه له أبو داود يرحمه الله في سننه، وليست الجنابة بأشد من الخبث، وقد روى مسلم (٣٧٤) من مسند ابن عباس أن النبي ﷺ خرج من الخلاء فقرب إليه طعام، فأكل ولم يمس ماء.\nفلم يغسل يديه مع خروجه من الخلاء، والله أعلم.\nهذا موجز الحديث عن هذه الزيادة، وإليك تفصيل ما أجمل:\nالطريق الأول: يونس، عن الزهري:\nرواه عبد الرزاق واختلف عليه:\nفرواه الدارقطني (١/ ١٢٦) من طريق أبي الأزهر، عن عبد الرزاق بذكر الأكل فقط.\nورواه الدبري كما في مصنف عبد الرزاق (١٠٨٥)، وزاد فيه ذكر المضمضة قبل الأكل، وهي شاذة، تفرد بها عبد الرزاق.\nورواه أحمد (٦/ ١١٨، ١١٩)، حدثنا علي بن إسحاق.\nوالنسائي في المجتبى (٢٥٧)، وفي الكبرى (٢٥١) أخبرنا سويد بن نصر،\nورواه البغوي في شرح السنة (٢/ ٣٤) من طريق عبدان بإسناد فيه مجاهيل، ثلاثتهم، عن\nابن المبارك، عن يونس، عن الزهري به، بلفظ: إذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه.\nورواه ابن أبي شيبة (٦٥٨)، ومن طريقه ابن ماجه (٥٩٣).\nورواه أبو يعلى (٤٥٩٥)، وأبو داود (٢٢٣)، وابن حبان (١٢١٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠٣)، عن محمد بن الصباح.\nورواه أبو يعلى (٤٧٨٢) حدثنا عباد بن موسى،\nورواه أبو يعلى (٤٨٩١) وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (١٣٣) عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي،\nوالنسائي في المجتبى (٢٥٦)، وفي الكبرى (٢٥٠، ٦٨٥٤)، أخبرنا محمد بن عبيد، بذكر الأكل فقط.\nوالدارقطني (١/ ١٢٦) من طريق أبي ضمرة، خمستهم عن ابن المبارك، عن يونس به، بلفظ: وإذا أراد أن يأكل، وبعضها بلفظ: وإذا أراد أن يطعم، ولم يذكروا الشرب. =","vol":"4","page":323},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهي موافقة لرواية أبي الأزهر، عن عبد الرزاق عن ابن المبارك، وسبق ذكرها.\nفذكر الشرب إذا استبعدنا رواية عبدان باعتباره أن الإسناد إليه لا يثبت، فهل اتفاق سويد ابن نصر، وعلي بن إسحاق على ذكر زيادة الشرب هل يجعل ذلك محفوظًا، باعتبار أن سويد هو رواية ابن المبارك، وعلي بن إسحاق مروزي من بلد ابن المبارك، أو يقال أكثر الرواة عن\nابن المبارك على ذكر الأكل، والمعنى يقتضيه فإن الآكل يحتاج إلى نظافة يده أكثر من الشرب، فإن اليد لا تباشر الشراب كما تباشره في الأكل.\nأو يقال: إن هذا الاختلاف من قبل يونس بن يزيد، وليس من قبل الرواة عنه، فإذا أضيف هذا الاختلاف إلى الاختلاف عليه في إسناد الحديث، ومخالفته بذكر لرواية سفيان والليث وابن جريج وابن أخي الزهري في ذكر زيادة غسل اليد للجنب يكون مرجحًا على أن الوهم من قبل يونس بن يزيد، وليس من قبل الرواة عنه، أترك هذا للقارئ الكريم.\nهذا ما يخص الاختلاف على ابن المبارك عن يونس.\nوقد توبع ابن المبارك، تابعه على ذكر الأكل جماعة:\nالأول: محمد بن بكر البرساني، رواه أحمد (٦/ ١١٩) عنه قال: أخبرنا يونس، قال: حدثني\nابن شهاب، عمن حدثه عن عائشة كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام، وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، فإذا أراد أن يأكل غسل يديه، ثم أكل، واقتصر على ذكر الأكل.\nوقد أبهم يونس هنا شيخ الزهري، وقد صرح به في رواية ابن المبارك أنه أبو سلمة.\nالثاني: عامرُ بنُ صالح، رواه أحمد (٦/ ٢٧٩) عنه، عن يونس بن يزيد به، بلفظ ابن المبارك، بذكر الأكل والشرب، إلا أن عامر بن صالح متروك الحديث، قال فيه النسائي: ليس بثقة. الضعفاء والمتروكين (٤٣٧).\nوقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. المجروحين (٢/ ١٨٨).\nوقال يحيى بن معين: كان كذابًا. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين: جُنَّ أحمد بن حنبل، يحدث عن عامر بن صالح. الكامل (٥/ ٨٣).\nولا يبعد أن يكون عامر بن صالح قد سرق إسناد حديث ابن المبارك، فإنه معروف بالسرقة، قال ابن عدي: عامة أحاديثه مسروقة من الثقات ... الكامل (٥/ ٨٣).\nالثالث: حسان بن إبراهيم، عن يونس، كما في التمهيد لابن عبد البر (١٧/ ٣٧، ٣٨) إلا أنه قرنه برواية عبد الله بن المبارك، وقال ابن عبد البر: «واللفظ لحديث ابن المبارك، وحديث حسان بن إبراهيم مثله بمعناه»، ولم أقف على لفظ حسان بغير هذا، فإن كان ذكر الأكل مذكورًا فحسان رجل صدوق، فمتابعته معتبرة. =","vol":"4","page":324},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الرابع: إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، كما في سنن الدراقطني (١/ ١٢٦)، بلفظ: وإذا أراد أن يطعم غسل يديه، ثم أكل، قال الدارقطني: صحيح.\nالخامس: طلحة بن يحيى، عن يونس كما في سنن الدارقطني (١/ ١٢٦) بذكر الأكل، وطلحة، قال فيه أحمد: مقارب الحديث. اهـ ومنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه.\nهؤلاء الرواة (ابن المبارك، ومحمد بن بكر، وحسان بن إبراهيم، وأنس بن عياض، وطلحة بن يحيى) خمستهم رووه عن يونس بذكر الأكل فيه.\nوخالف هؤلاء اثنان:\nالأول: ابن وهب، قال أبو داود في سننه على إثر حديث (٢٢٢): «رواه ابن وهب، عن يونس، فجعل قصة الأكل قول عائشة مقصورًا».\nوما وقفت عليه من رواية ابن وهب عن يونس قد اقتصر فيها على ذكر الوضوء للنوم مرفوعًا للنبي ﷺ، كما في رواية سفيان وابن جريج والليث وابن أخي الزهري عن ابن شهاب.\nفقد أخرجه النسائي في الكبرى (٩٠٤٤)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٧، ٢٧٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٦)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠٠) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب به، بذكر الوضوء للنوم فقط، دون ذكر غسل اليدين.\nالثاني: الأوزاعي، عن يونس، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلًا، قال أبو داود: «ورواه الأوزاعي، عن يونس، عن الزهري، عن النبي ﷺ، كما قال ابن المبارك. وقال المزي في الأشراف (١٢/ ٣٦٥): «ورواه الأوزاعي، عن يونس، عن الزهري، مرسلًا». اهـ ولم أقف عليها.\nوأرى أن الحمل فيه على يونس، وليس عن الرواة عنه، وقد رواه سفيان بن عيينة، وهو مقدم على يونس في الزهري، ولم ينفرد به ابن عيينة، بل تابعه على ذلك الليث بن سعد، وابن جريج، وابن أخي الزهري، كلهم رووه عن ابن شهاب، ولم يذكروا غسل اليد للأكل، والله أعلم.\nكما رواه يحيى بن أبي كثير، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة موافقًا لرواية ابن عيينة والليث،\nوابن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، كل هذه الطرق تجعل طريق يونس ﵀ طريقًا شاذًّا.\nوكما خالف يونس بن يزيد في لفظه، فقد اختلف عليه في إسناده، والله أعلم.\nفرواه ابن المبارك، وعبد الله بن وهب، وعامر بن صالح، وحسان بن إبراهيم، أربعتهم عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، وسبق تخريج هذه الطرق.\nورواه عيسى بن يونس كما في صحيح ابن خزيمة (٢١٨)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٢٨) فرواه عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به. فجعل بدلًا من أبي سلمة، جعل عروة.\nورواه طلحة بن يحيى كما في سنن الدارقطني (١/ ١٢٥، ١٢٦) فرواه عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة أو عروة -على الشك- عن عائشة به. =","vol":"4","page":325},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أبو ضمرة أنس بن عياض كما في سنن الدارقطني (١/ ١٢٦) فرواه عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة وعروة، عن عائشة، بالجمع بينهما.\nقال الدارقطني في العلل (٥/ورقة ٧١): «ورواه أبو ضمرة فصح القولين جميعًا». وسيأتي تخريج طريق عروة، عنها مستقلًا إن شاء الله تعالى.\nورواه محمد بن بكر البرساني كما في مسند أحمد (٦/ ١١٩) عن يونس، عن الزهري، عمن حدثه عن عائشة.\nهذا ما يخص رواية يونس، والاختلاف عليه.\nالثاني: صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري.\nتابع صالح بن أبي الأخضر يونس، على ذكر غسل الجنب يده للأكل، إلا أن صالح ضعيف، وقد اختلف عليه في إسناده:\nفرواه أحمد (٦/ ١٠٢)، قال: حدثنا ساكن بن نافع، قال: حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أبي سلمة، أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام، وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، فإذا أراد أن يأكل، أو يشرب، غسل كفيه، ثم يأكل، أو يشرب إن شاء.\nورواه أحمد (٦/ ١٩٢) وإسحاق بن راهويه (٨٢٢)، والنسائي في الكبرى (٨٩٩٧) عن وكيع،\nورواه أحمد (٦/ ١١٩) من طريق عبد الله بن المبارك كلاهما، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة وأبي سلمة به.\nوصالح بن أبي الأخضر ضعيف،\nقال علي بن المديني: سمعت ابن عدي أو معاذ بن معاذ يقول: ألححنا على صالح بن أبي الأخضر في حديث الزهري، فقال: منه ما سمعت، ومنه ما عرضت، ومنه ما لم أسمع، فاختلط عليَّ. الكامل (٤/ ٦٤).\nوقال يحيى بن معين: ضعيف. المرجع السابق.\nوقال العجلي: يكتب حديثه، وليس بالقوي. معرفة الثقات (٧٤٥).\nكما أن الحديث قد رواه الأوزاعي، ومحمد بن عبد الرحمن المعروف بيتيم عروة، روياه عن عروة، عن عائشة فلم يذكرا ما ذكره صالح بن أبي الأخضر.\nفقد أخرجه البخاي (٢٨٨) والطبراني في الأوسط (٨٧٢٣) من طريق عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام، وهو جنب، غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة.\nفلم يذكر ما ذكره صالح بن أبي الأخضر من ذكر غسل اليد للأكل والشرب.\nورواه أحمد (٦/ ٩٢) حدثنا قتيبة. =","vol":"4","page":326},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أيضًا (٦/ ١٠٣) حدثنا حسن كلاهما، عن ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود به، بلفظ البخاري.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ١٢٦) من طريق الأوزاعي، عن عروة به، بلفظ البخاري.\nهذا ما يتعلق برواية يونس وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري، في زيادة غسل اليد للأكل والشرب.\nوقد خالفهما كل من سفيان بن عيينة، والليث، وابن جريج، وابن أخي الزهري، فرووه عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، عن عائشة، واقتصروا على وضوء الجنب للنوم، ولم يذكروا غسل اليد للأكل، وإليك تخريج رواياتهم:\nالأول: سفيان بن عيينة، عن الزهري.\nأخرجه الإمام أحمد (٦/ ٣٦)، وابن أبي شيبة (٦٥٧)، وإسحاق بن راهوية (١٠٤٠)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (٥٧)، وأبو داود (٢٢٢)، والنسائي في الكبرى (٨٩٩٤)، وأبو يعلى (٤٥٢٢)، وابن خزيمة (٢١٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٧)، من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب به بالاقتصار على الوضوء للنوم، ولو لم يخالف يونس إلا سفيان لكان هذا كافيًا في الحكم على زيادته بالشذوذ، فكيف وقد خالف غيره.\nورواه النسائي في الكبرى (٨٩٩٣) من طريق علي بن عياش، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به. فجعل عروة بدلًا من أبي سلمة.\nقال النسائي: حديث علي بن عياش خطأ، يعني أن الصواب ما رواه أحمد وابن أبي شيبة، وإسحاق، وأبو نعيم وابن مهدي وقتيبة بن سعيد وغيرهم عن سفيان.\nالثاني: الليث بن سعد، واختلف عليه،\nفرواه يحيى بن يحيى كما في صحيح مسلم (٣٠٥)، وسنن البيهقي (١/ ٢٠٠).\nومحمد بن رمح كما في صحيح مسلم (٣٠٥)، وسنن ابن ماجه (٥٨٤).\nوقتيبة بن سعيد كما في صحيح مسلم (٣٠٥)، والنسائي في المجتبى (٢٥٨)، وفي الكبرى (٩٠٤٤).\nوعبد الله بن وهب، كما في السنن الكبرى للنسائي (٨٩٩٥)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٢٦)، وسنن البيهقي (١/ ٢٠٠).\nومعلى بن منصور، وهاشم بن القاسم كما في مستخرج أبي عوانة (٧٨٨).\nويحيى بن بكير كما في مستخرج أبي نعيم (٦٩٦).\nوأحمد بن يونس، كما في مستخرج أبي نعيم، ثمانيتهم: (يحيى بن يحيى، ومحمد بن رمح، وقتيبة بن سعيد، وعبد الله بن وهب، ومعلى بن منصور، وهاشم بن القاسم، ويحيى بن بكير، وأحمد بن يونس) رووه عن الليث بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة به، بالاقتصار على الوضوء للنوم، فقط. =","vol":"4","page":327},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه محمد بن الحسن بن قتيبة، واختلف عليه في لفظه:\nفرواه ابن حبان في صحيحه (١٢١٧) أخبرنا ابن قتيبة -يعني محمد بن الحسن بن قتيبة- حدثنا يزيد بن موهب، عن الليث به، بلفظ الجماعة بالاقتصار على الوضوء للنوم.\nورواه البيهقي (١/ ٢٠٣) من طريق أبي علي الحافظ، عن محمد بن الحسن بن قتيبة به، بزيادة غسل اليد للأكل، ولفظه: عن عائشة أن رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام، وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام. قالت عائشة: وإذا أراد أن يأكل، أو يشرب، يغسل يديه، ثم يأكل أو يشرب إن شاء.\nوهذه الزيادة مع تفرد ابن قتيبة فيها، والاختلاف فيها عليه، فلا يمكن اعتبارها محفوظة، وقد رواه الطبقة الأولى من أصحاب الليث بدون ذكرها، وذلك مثل قتيبة بن سعيد، وابن وهب، وغيرهم.\nالثالث: ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب:\nرواه عبد الرزاق (١٠٧٣)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٦١٢).\nوأخرجه أحمد (٦/ ٢٠٠) حدثنا محمد بن بكر، كلاهما، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب به،\nولفظ محمد بن بكر (إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة) كرواية سفيان والليث.\nوأما عبد الرزاق فزاد فيه: (وإذا أراد أن يطعم غسل فرجه، ومضمض، ثم طعم)، فذكر غسل الفرج والمضمضة، فلا هو ذكر غسل اليدين كرواية يونس، ولا هو اقتصر على الوضوء للنوم، كرواية سفيان والليث.\nالرابع: ابن أخي الزهري، عن عمه:\nرواها أبو عوانة في مستخرجه (٧٨٨) مقرونة برواية ابن وهب عن يونس، وبرواية الليث، ولفظها: (إذا أراد أن ينام، وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة).\nهذا ما يتعلق برواية ابن شهاب، عن أبي سلمة، والاختلاف عليه، وقد رواه غير ابن شهاب، عن أبي سلمة، منهم:\nالأول: يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة.\nأخرجه أحمد (٦/ ٢٠٢) حدثنا يحيى، عن هشام الدستوائي، قال: حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، قال:\nسألت عائشة: أكان رسول الله ﷺ ينام، وهو جنب؟ قالت: نعم، ولكن كان يتوضأ مثل وضوئه للصلاة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٦٧٣)، وأحمد (٦/ ١٢٨)، والبخاري (٢٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٦) من طرق عن هشام الدستوائي. =","vol":"4","page":328},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1934> دليل من قال: يستحب له الوضوء</span>.\n(٨٢٨ - ١٤٨) ما رواه مسلم، من طريق ابن علية، ووكيع، وغندر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود،\nعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة (^١).\n[زيادة الوضوء للأكل انفرد بها الحكم عن إبراهيم، ورواه أبو سلمة وعروة عن عائشة بالاقتصار على وضوء الجنب للنوم] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1935>الدليل الثاني:</span>\n(٨٢٩ - ١٤٩) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن عمر بن هياج، حدثنا إسماعيل بن صبيح، حدثنا أبو أويس، عن شرحبيل بن سعد،\nعن جابر بن عبد الله قال: سئل النبي ﷺ عن الجنب، هل ينام، أو يأكل، أو\n_________\n= وأخرجه الطيالسي (١٤٨٥)، وأحمد (٦/ ١٢١)، والبخاري (٢٨٦) والطحاوي (١/ ١٢٦) من طريق همام أربعتهم، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به.\nوقد اقتصر على ذكر الوضوء للنوم، ولم يذكر غسل اليدين، وهي موافقة لرواية الزهري من طريق الليث وسفيان وابن جريج وابن أخي الزهري عنه، عن أبي سلمة.\nوأما طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة:\nفأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده (٦/ ٢١٦) حدثنا إسماعيل بن علية.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٢٣٧) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٦) عن يزيد بن هارون، كلاهما عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به، بذكر الوضوء للنوم، ولم يذكر غسل اليد للأكل.\nفبهذه الطرق عن أبي سلمة يتضح لنا شذوذ من روى غسل اليدين للجنب عند الأكل مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وأن المحفوظ من حديث عائشة المرفوع يتفق مع حديث ابن عمر في سؤال عمر للنبي ﷺ عن نوم الجنب، وأن الجنب إذا أراد أن ينام فليتوضأ، وما زاد على ذلك فليس بمرفوع إلى النبي ﷺ، والله أعلم.\n(^١) مسلم (٣٠٥).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر تخريج طرق حديث (٨٢٧).","vol":"4","page":329},{"text":"يشرب؟ قال: نعم إذا توضأ وضوءه للصلاة (^١).\n[تفرد به أبو أويس، وليس بالقوي] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1936>الدليل الثالث:</span>\n(٨٣٠ - ١٥٠) ما رواه الطبراني من طريق جابر بن يزيد الجعفي، عن عبد الرحمن ابن سابط، عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أجنب لم يطعم حتى يتوضأ وضوءه للصلاة (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٥٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٥٩٢) من طريق إسماعيل بن صبيح.\nورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢١٧) وابن المنذر في الأوسط (١/ ٩١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٤٩٥)، من طريق إسماعيل بن إبان الوراق، كلاهما عن أبي أويس المدني به.\nوقد تفرد به أبو أويس: عبد الله بن عبد الله بن أويس، قال ابن حبان: كان ممن يخطئ كثيرًا، لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولا هو ممن سلك مسلك الثقات، فيسلك مسلكهم، والذي أرى في أمره، تنكب ما خالف الثقات من أخباره، والاحتجاج بما وافق الثقات منها. المجروحين (٢/ ٢٤).\nوقال علي بن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا. تاريخ بغداد (١٠/ ٧).\nوقال عمرو بن علي: فيه ضعف، وهو عندهم من أهل الصدق. المرجع السابق.\nوقال يعقوب بن شيبة: أبو أويس صدوق، وصالح الحديث، وإلى الضعف ما هو. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال أحمد: ليس به بأس. الكامل (٤/ ١٨٢).\nونقل المزي في تهذيبه أقوالًا كثيرة ليحيى بن معين فيه، وكلها تدل على لين في حفظه.\nقلت: ومن هذا حاله، لا ينبغي أن يقبل تفرده، وقد انفرد في هذا الإسناد من حديث جابر.\n(^٣) روه الطبراني في الأوسط (٣٣٦٨)، وفي الكبير (٢٣/ ٣١٣) ح ٧٠٧، وفي المعجم الصغير (٣٢٥).\n(^٤) في إسناده جابر بن يزيد الجعفي، ضعيف جدًّا.","vol":"4","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1937>الدليل الرابع:</span>\n(٨٣١ - ١٥١) ما رواه الطبراني من طريق إسحاق بن إبراهيم القرقساني، حدثنا حجاج بن محمد، ثنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك،\nعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا، وأراد أن يأكل أو ينام توضأ (^١).\n[قال الطبراني: لم يروه عن قتادة إلا شعبة، ولا عنه إلا حجاج تفرد به إسحاق] (^٢).\n• الراجح:\nبعد استعراض الأقوال نجد أن الأدلة بمشروعية الوضوء للأكل ليست سالمة من علة التفرد أو المخالفة، والأصل عدم المشروعية، حتى يأتي دليل صحيح صريح سالم من المخالفة، نقطع بموجبه أو يغلب على ظننا استحباب وضوء الجنب للأكل، وما لم نصل إلى ذلك فلا أرى الجزم بالمشروعية، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٨٤٠٣).\n(^٢) إسحاق بن إبراهيم القرقساني، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا، وقال: روى عنه\nأبو زرعة. الجرح والتعديل (٢/ ٢٠٩)، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٢١)، ولم يوثقه غيره، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٧٤): إسناده حسن.\nوقد رواه يزيد بن هارون، واختلف عليه فيه:\nفرواه الطحاوي (١/ ١٢٦) حدثنا علي بن شيبان، ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بذكر الوضوء للنوم، وغسل الفرج، ولم يذكر الوضوء للأكل.\nوخالفه أحمد، فرواه في المسند (٦/ ٢٣٧) عن يزيد بن هارون،\nورواه أحمد (٦/ ٢١٦) عن إسماعيل بن علية، كلاهما عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، فجعله من مسند عائشة، واقتصر على ذكر الوضوء للنوم فقط دون ذكر الأكل.\nوكذا رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، فقال: عن عائشة وبذكر الوضوء للنوم فقط. وتم تخريجه في هذا الفصل، والله أعلم.","vol":"4","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1938>الفصل العاشر\nفي استحباب الوضوء لمعاودة الوطء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• وسيلة المباح لا تكون واجبة، وقد علل الأمر بالوضوء بأنه أنشط للعود.\n[م-٣٤٩] اختلف العلماء في الوضوء من الجنب إذا رغب أن يعاود الوطء قبل الغسل:\nفقيل: يستحب الوضوء، وهو مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل: يجب، اختاره ابن حبيب من المالكية (^٣)، وهو مذهب الظاهرية (^٤).\nوقيل: يستحب له غسل فرجه مطلقًا، سواءً عاد إلى المرأة التي جامعها أو غيرها،\n_________\n(^١) شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢١٧)، المجموع (٢/ ١٧٨).\n(^٢) المغني (١/ ١٤٤)، والفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ١٤٨)، كشاف القناع (١/ ١٥٧).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٣٧٦).\n(^٤) قال ابن حزم في المحلى (١/ ١٠٢): «إلا معاودة الجنب للجماع، فالوضوء فرض بينهما». وذكر ابن حجر في الفتح (١/ ٣٧٦)، والنووي في شرحه لصحيح مسلم (٣/ ٢١٨) أن القول بالوجوب هو مذهب الظاهرية.","vol":"4","page":332},{"text":"وهذا مذهب المالكية (^١).\nوقيل: يجب غسل فرجه، وهو مذهب إسحاق بن راهوية (^٢).\nوقيل: إن كانت الموطوءة أخرى وجب غسل الفرج، اختاره بعض المالكية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1939> دليل من قال: يجب الوضوء لمعاودة الوطء:</span>\n(٨٣٢ - ١٥٢) ما رواه مسلم من طريق عاصم، عن أبي المتوكل،\nعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ (^٤).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فليتوضأ) أمر، والأصل في الأمر الوجوب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1940> دليل من قال: يستحب الوضوء:</span>\nدليله حديث أبي سعيد المتقدم، وإنما حملوه على الاستحباب للتعليل الوارد في بعض طرق الحديث،\n(٨٣٣ - ١٥٣) فقد رواه ابن خزيمة من طريق مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي المتوكل،\n_________\n(^١) قال مالك في المدونة (١/ ٣٠): «لا ينام الجنب حتى يتوضأ، ولا بأس أن يعاود أهله قبل أن يتوضأ ...».\nوفي التاج والإكليل (١/ ٣١٦): «يستحب له غسل فرجه، ومواضع النجاسة إذا أراد أن يعاود الجماع». وانظر المنتقى للباجي (١/ ١٠٧)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٧٦)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٣٧)، مواهب الجليل (٤/ ١٣).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٣٧٧).\n(^٣) قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ١٧٦): «يندب للجنب أيضًا غسل فرجه إذا أراد العود للجماع، سواءً كانت التي جامعها أو غيرها؛ لما فيه من إزالة النجاسة، وتقوية العضو. وقيل: إن كانت الموطوءة أخرى وجب الغسل؛ لئلا يؤذيها بنجاسة غيرها». اهـ\n(^٤) صحيح مسلم (٣٠٨).","vol":"4","page":333},{"text":"عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا أراد أحدكم العود فليتوضأ؛ فإنه أنشط له في العود (^١).\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة (١/ ١١٠) رقم ٢٢١. وأخرجه ابن حبان (١٢١١)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٥٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠٤)، والبغوي في شرح السنة (٢٧١) من طريق مسلم ابن إبراهيم به.\nوقد انفرد مسلم بن إبراهيم عن شعبة بزيادة (فإنه أنشط للعود).\nورواه أبو داود الطيالسي (٢٢١٥).\nوأحمد (٣/ ٢١) حدثنا محمد بن جعفر، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٩) من طريق يوسف بن يعقوب،\nوأخرجه ابن خزيمة (٢١٩) من طريق خالد بن الحارث، أربعتهم (محمد بن جعفر، والطيالسي، ويوسف بن يعقوب، وخالد بن الحارث) عن شعبة به، بدون ذكر هذه الزيادة.\nولا يقدم أحد من أصحاب شعبة على محمد بن جعفر، فكيف وقد وافقه ثلاثة.\nكما رواه جماعة عن عاصم، فلم يذكروا ما ذكره مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، وإليك من وقفت عليه منهم.\nالأول: سفيان بن عيينة كما في مسند أحمد (٣/ ٧)، والحميدي (٧٥٣)، والنسائي في المجتبى (٢٦٢)، وفي الكبرى (٢٥٨)، وابن خزيمة (٢١٩، ٢٢٠).\nالثاني: حفص بن غياث، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٧٩) وصحيح مسلم (٣٠٨) وسنن أبي داود (٢٢٠)، وسنن الترمذي (١٤١)، والسنن الكبرى للنسائي (٩٠٣٩)، وابن خزيمة (٢١٩)، وسنن البيهقي (١/ ٢٠٣).\nالثالث: أبو الأحوص، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٢٩)، وصحيح ابن حبان (١٢١٠).\nالرابع: ابن أبي زائدة، كما في صحيح مسلم (٣٠٨)، وسنن البيهقي (٧/ ١٩٢).\nالخامس: عبد الله بن المبارك، كما في السنن الكبرى للنسائي (٨٩٨٩).\nالسادس: مروان بن معاوية الفزاري كما في صحيح مسلم (٣٠٨).\nالسابع: عبد الواحد بن زياد، كما في سنن ابن ماجه (٥٨٧)، ومستخرج أبي نعيم على مسلم (٧٠٢).\nالثامن: جرير، كما في مسند أبي يعلى (١١٦٤).\nالتاسع: محاضر بن المورع، كما في مسند أحمد (٣/ ٢٨)، ومستخرج أبي عوانة (٧٩٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠٣، ٢٠٤). ...\nالعاشر: سفيان الثوري كما في ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين (١٤٨).\nعشرتهم رووه عن عاصم به، بدون ذكر فإنه أنشط للعود.\nوقد ذهب الحاكم، والبيهقي إلى أنها زيادة محفوظة، مع هذا التفرد، وقد أخطأ الحاكم ﵀ حين ظن أن المتفرد بكلمة (فإنه أنشط للعود) هو شعبة، وقد تعقبه الحافظ ابن حجر ﵀، فقال في إتحاف المهرة (٥/ ٣٥٩): «والمتفرد باللفظ مسلم بن إبراهيم، لا شيخه، فقد رواه غيره عن شعبة بدونها». اهـ\nكما خالف كل هؤلاء همام بن يحيى، فرواه النسائي في السنن الكبرى (٨٩٩١) وأبو نعيم في مستخرجه (٧٠٢)، عنه، عن عاصم، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد، فأبدل أبا المتوكل بأبي الصديق، ولم يتابع على ذلك، والله أعلم.\nوانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: إتحاف المهرة (٥٥٨١)، تحفة الأشراف (٤٢٥٠)، أطراف المسند (٦/ ٣٥٢).","vol":"4","page":334},{"text":"فدل على أن الأمر للإرشاد، أو للندب؛ لأن تحصيل النشاط للعود ليس بواجب، فكذلك وسيلته، وهو الوضوء.\n(٨٣٤ - ١٥٤) كما أنه يصرفه عن الوجوب بما رواه الطحاوي، من طريق يحيى ابن أيوب، عن موسى بن عقبة وأبي حنيفة، عن أبي إسحاق، عن الأسود،\nعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يجامع، ثم يعود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل (^١).\n[انفرد بهذا اللفظ يحيى بن أيوب، عن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، وكل من رواه عن أبي إسحاق لم يذكروه بهذا اللفظ، فلعل يحيى رواه بالمعنى، فأخطأ فيه] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1941> دليل من قال: يغسل فرجه:</span>\nاستدلوا بحديث أبي سعيد المتقدم، ولكنهم حملوا الأمر بالوضوء على الوضوء\n_________\n(^١) معاني الآثار (١/ ١٢٧)، ورواه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (١٤٩) من طريق يحيى ابن أيوب به.\n(^٢) يحيى بن أيوب، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق ربما أخطأ.\nوقد خالف يحيى جماعة منهم: إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، والثوري، وأبو الأحوص، وزهير بن معاوية، كلهم رووه عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، فلم يذكروا معاودة الوطء أصلًا، وقد سبق تخريج روايتهم في فصل الوضوء لنوم الجنب، والله أعلم.","vol":"4","page":335},{"text":"اللغوي، وهو غسل الفرج (^١).\nوهذا الحمل لا توجد قرينة تدل عليه، ولأن الأصل في كلام الشارع أن يحمل على الحقيقة الشرعية إذا أمكن، فإن تعذر حمله على الحقيقة الشرعية حمل على الحقيقة اللغوية، فإن تعذر أيضًا حمل على الحقيقة العرفية، ولا تترك الحقيقة الشرعية مع إمكان الحمل عليها، ولم يمنع من حمله على الحقيقة الشرعية مانع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1942> دليل من قال: يجب غسل فرجه إن كانت الموطوءة أخرى:</span>\nقالوا: إذا عاد إلى امرأة أخرى لوثها بنجاسة غيرها؛ لأن فرجه لا يسلم من النجاسة، وهذا لا يجوز، بخلاف تلويثها بنجاستها هي، فإنه يتسامح فيه حتى تتمكن من إزالته.\nوهذا القول من المالكية مبني على قولهم بنجاسة المني، وهو قول مرجوح، بينت ضعفه في مباحث أحكام النجاسة، وفي كتاب آداب الخلاء في الاستنجاء من المني، وحتى على التنزل بأن المني نجس، فأين الدليل على تحريم التلوث بالنجاسة في مثل الجماع والاستنجاء ونحوهما، ولذلك قال الدسوقي في حاشيته: «غاية ما يلزم عليه التلطخ بالنجاسة، وهو مكروه على المعتمد ولو بالنسبة للغير إذا رضي بها» (^٢).\n• الراجح:\nبعد استعراض أدلة الأقوال في المسألة نجد أن القول باستحباب الوضوء لمعاودة الوطء هو القول الراجح؛ لدلالة السنة عليه من حديث أبي سعيد؛ ولأنه قول وسط بين القائلين بوجوب الوضوء، وبين القائلين بأنه يغسل فرجه فقط، ولحديث: (ما أردت صلاة فأتوضأ) (إنما أمرتم بالوضوء للصلاة) وسبق تخريجه والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (١/ ١٠٧).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ١٣٨).","vol":"4","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1943>الفصل الحادي عشر\nفي طهارة جسد الجنب وعرقه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• طهارة الخبث معقولة المعنى، والتطهير يتعلق في محل الخبث، وطهارة الحدث تعبدية، والتطهير يتعلق بأعضاء مخصوصة في غير محل الحدث.\n• قال ﷺ: إن المؤمن لا ينجس أي بالحدث، وإن كان بالخبث كغيره تلحقه النجاسة.\n• تطلق الطهارة ويراد بها الطهارة من الذنوب، وهذه لا تقتضي النجاسة الحسية، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣].\n• بدن الحائض طاهر في غير موضع الأذى، (إن حيضتك ليست في يدك) فالجنب أولى.\n[م-٣٥٠] عرق الجنب وسؤره وبدنه طاهر، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٤٧، ٧٠)، الجوهرة النيرة (١/ ٢١)، بدائع الصنائع (١/ ٦٧)، المدونة (١/ ٢٦)، المنتقى للباجي (١/ ١٠٦)، شرح الزرقاني للموطأ (١/ ١٥٦)، الاستذكار (١/ ٢٩٩)، الأم (١/ ١٨)، المجموع (٢/ ١٧١)، المغني (١/ ١٣٥)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٨).","vol":"4","page":337},{"text":"وقيل: بدن الجنب نجس نجاسة حكمية، وهو قول أبي حنيفة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1944> الدليل على طهارة بدن الجنب وعرقه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1945>الدليل الأول:</span>\n(٨٣٥ - ١٥٥) ما رواه البخاري من طريق حميد الطويل، قال: حدثنا بكر، عن أبي رافع،\nعن أبي هريرة أن النبي ﷺ لقيه في بعض طريق المدينة، وهو جنب، فانخنست منه، فذهب، فاغتسل، ثم جاء فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك، وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله إن المسلم لا ينجس. ورواه مسلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1946>الدليل الثاني:</span>\nمن الإجماع، فقد حكى الإجماع بعض أهل العلم على طهارة بدن الجنب وعرقه وسؤره.\n_________\n(^١) البناية (١/ ٣٥٠)، وذكر ابن عابدين في حاشيته (١/ ٢٠١) عن أبي حنيفة أنه لو نزل رجل محدث في بئر أن الماء والرجل نجسان.\nوقال في البناية (١/ ٣٥١): «رواية الحسن، عن أبي حنيفة، أن الماء المستعمل نجس نجاسة مغلظة، فسرها في المبسوط (١/ ٤٦): أي لا يعفى عنه أكثر من قدر الدرهم.\nثم قال العيني: ورواية أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه نجس نجاسة مخففة، فسرها بالمبسوط (١/ ٤٦) أن التقدير فيه بالكثير الفاحش. والله أعلم.\nوقد ذكرنا أدلة مذهبهم في كتاب المياه والآنية في مبحث (الماء المستعمل في رفع الحدث) وذكرنا الجواب عليها في مبحث طويل، فانظره هناك لزامًا.\nوذكر النووي في المجموع (٢/ ١٧١)، فقال: «وحكى أصحابنا، عن أبي يوسف، أن بدن الحائض نجس، فلو أصابت ماء قليلًا نجسته، وهذا النقل لا أظنه يصح عنه، فإن صح فهو، محجوج بالإجماع، وبقوله ﷺ: «إن حيضتك ليست في يدك» وقوله ﷺ: «إن المسلم لا ينجس» رواهما البخاري ومسلم. اهـ\n(^٢) البخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١).","vol":"4","page":338},{"text":"قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، ثبت ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم (^١).\nوقال ابن تيمية: «متفق عليه بين الأئمة، أن بدن الجنب طاهر، وعرقه طاهر، والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر، ولو سقط الجنب في دهن، أو مائع لم ينجسه بلا نزاع بين الأئمة، بل وكذلك الحائض عرقها طاهر، وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه أذن للحائض أن تصلي في ثوبها الذي تحيض فيه، وأنها إذا رأت دمًا أزالته، وصلت فيه» (^٢).\nوقد ذكرت لك أن في مذهب الحنفية قولًا بأن الجنب إذا انغمس في ماء قليل نجسه، مما يجعل المسألة خلافية، وليست محل إجماع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1947> دليل الحنفية على نجاسة بدن الجنب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1948>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nوالطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يعقل (^٣).\n• وأجيب:\nأولًا: إنما سمي طهارة؛ لأنه يطهر العبد من الذنوب، لا أنه طهره من نجاسة حلت فيه؛ ولذلك لما اعتبر أبو هريرة حدثه نجاسة، بين له ﷺ بقوله: (إن المؤمن لا ينجس). متفق عليه.\nوقوله: (لا ينجس) أي بمثل ذلك، وإلا فالمؤمن قد تطرأ عليه النجاسة الحسية كغيره.\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٣٥).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٢٦).\n(^٣) البناية بتصرف (١/ ٣٥٠، ٣٥١).","vol":"4","page":339},{"text":"وثانيًا: تجديد الوضوء يسمى طهارة شرعية مع أنه متطهر.\nوثالثًا: لو كان المحدث نجسًا، لما صح حمله في الصلاة، وقد جاء في حديث\nأبي قتادة في الصحيحين: أن الرسول ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب (^١).\nورابعًا: المغتسل لا بد أن يتساقط عليه من الماء المستعمل، ومعنى هذا أنه سوف يتنجس به، وكذلك سوف يتنجس بما يصيب ثيابه وما يتنشف به.\n• الراجح:\nأن بدن الجنب طاهر، وذلك أن بدن الحائض طاهر، مع أن حدثها أغلظ من الجنب، فهي متصفة بالحدث الأكبر الموجود بالجنب، وتزيد بنجاسة الخبث، وهو خروج الدم النجس منها، وتمنع من الصلاة والصيام، وقد قام الدليل على طهارة بدن الحائض، فالجنب أولى.\nقال النووي: «قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة، وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها، وغير ذلك من الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران، وكل هذا متفق عليه، وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري في كتابه (مذاهب العلماء) إجماع المسلمين على هذا كله، ودلائله من السنة ظاهرة مشهورة» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٥١٦)، ومسلم (٤١/ ٥٤٣).\n(^٢) شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٦٧).","vol":"4","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1949>الفصل الثاني عشر\nفي انغماس الجنب في الماء الدائم</span>\n[م-٣٥١] ثبت عن الرسول ﷺ النهي عن الانغماس في الماء الدائم، والإنسان جنب.\n(٨٣٦ - ١٥٦) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه،\nأنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (^١).\nوالبحث في هذا الحديث في مسألتين:\nالأولى: حكم الانغماس في الماء الدائم من الجنب.\nالثانية: أثر انغماس الجنب على الماء القليل.\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٢٨٣).","vol":"4","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1950>المبحث الأول في حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• نهى النبي ﷺ الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، واختلف في العلة:\nهل هي تعبدية، أو حتى لا يتحول الماء إلى ماء مستعمل، فيسلبه الطهورية، أو العلة حفظ الماء عن التنجيس، بحيث إذا غسل الأذى قبل الاغتسال لم يمنع، أو أن النهي للاستقذار؛ لأن النفوس تعافه للطعام والشراب بعد ذلك، وإن كان طهورًا؟ وهذا أقربها؛ لأن الماء طهور لا ينجسه شيء، وبدن الجنب طاهر بالإجماع.\n[م-٣٥٢] اختلف العلماء في حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم،\nفقيل: يحرم، وهو قول في مذهب أبي حنيفة (^١)، واختيار ابن حزم (^٢).\nوقيل: يكره، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) وهذا القول مبني على رواية في المذهب، تقول بنجاسة الماء المستعمل في رفع الحدث، انظر بدائع الصنائع (١/ ٦٧).\n(^٢) المحلى (١/ ٢٠٣)، ورأى أن الغسل لا يجزئ.\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٧٥)، الخرشي (١/ ٧٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤١)، منح الجليل (١/ ٣٩)، شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٨٩)، المجموع (٢/ ١٠٨)، الفروع (١/ ١١٦)، الإنصاف (١/ ٤٤، ٩٨).","vol":"4","page":342},{"text":"وقيل: يجوز بلا كراهة بشرط أن يغسل عنه الأذى، وهو اختيار ابن القاسم من المالكية (^١).\nوقيل: يجوز اغتسال الجنب في الماء الدائم ما لم يبل فيه، فإن بال فيه منع من الاغتسال (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1951> دليل من قال: يحرم الاغتسال في الماء الدائم:</span>\n(٨٣٧ - ١٥٧) ما رواه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه،\nأنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ نهى عن الاغتسال فيه، والأصل في النهي التحريم، ولا نصرفه للكراهة إلا بقرينة، ولا قرينة صارفة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1952> دليل من قال: النهي عن الاغتسال في الماء الدائم للكراهة:</span>\nقال: إن بدن الجنب طاهر، وقد ذكرنا أن ذلك إجماع من أهل العلم في فصل مستقل، ولا يمكن أن ينجس الماء الطهور بملاقاة البدن الطاهر، فكان النهي لمعنى آخر غير معنى تنجس الماء بذلك.\nفقيل: إن النهي عن الاغتسال فيه من أجل ألا يكون الماء مستعملًا، فيسلبه الطهورية، ويدل لذلك قول أبي هريرة حين سئل: كيف يفعل: قال: يتناوله تناولًا، فدل على أن المنع إنما هو من الانغماس فيه، لئلا يصير الماء مستعملًا، فيمتنع على\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (١/ ١٠٨).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٣٤٧).\n(^٣) مسلم (٢٨٣).","vol":"4","page":343},{"text":"الغير الانتفاع منه، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره، وهذا التعليل هو قول الجمهور كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في حكم أثر إنغماس الجنب على الماء في الفصل التالي (^١).\nوقيل: نهى عن ذلك كراهة أن يستقذر الماء، فإن الطباع تنفر من الماء الراكد القليل إذا اغتسل فيه الجنب (^٢).\nوسواءً كان لهذا المعنى أو ذاك، فإن مثل هذا لا يجعل النهي يبلغ مبلغ التحريم، وإنما هو الكراهة فقط.\n_________\n(^١) التعليل بأن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم حتى لا يتحول إلى ماء مستعمل قول ضعيف لأمور:\nأولًا: أن الرسول ﷺ لم يعلل بأن الماء يكون مستعملًا، ولم يذكر الرسول ﷺ قط بأن الماء يكون مستعملًا، هذا الكلام زيادة على حديث رسول الله ﷺ.\nثانيًا: أن الحديث نص في الماء الدائم، وهو يشمل ما فوق القلتين، وما دون القلتين، وأنتم قلتم بأنه لا يكون مستعملًا إلا إذا كان دون القلتين، فهذه مخالفة ثانية للحديث.\nثالثًا: أن الحديث نهي عن الاغتسال، وذلك يعني غسل البدن كله، وأنتم أدخلتم حتى الوضوء، بل أدخلتم ما دون ذلك، وذلك كما لو أدخل بعض أعضائه ناويًا رفع الحدث، فإن الماء يكون مستعملًا عندكم: أي طاهر، غير مطهر، فالحديث نص في الحدث الأكبر، فخالفتم الحديث، فأدخلتم الحدث الأصغر، بل حتى ولو غمس بعض أعضاء الحدث الأصغر. وهذه مخالفة ثالثة للحديث مع أن أبا هريرة قد أرشد إلى تناول الماء باليد، وهو نوع من إدخال العضو فيه، والتفريق بين اليد وغيرها تفريق بين متماثلين.\nرابعًا: الحديث نهى الجنب أن يغتسل في الماء ما دام جنبًا، سواءً نوى رفع الحدث، أو لم ينو؛ لأن معنى: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، أي لا يغتسل حالة كونه جنبًا، ولم يتطرق الحديث إلى اشتراط النية، وأنتم قلتم: لو انغمس، وهو جنب، ولم ينو رفع الحدث لا يكون الماء مستعملًا، بل يبقى طهورًا، وهذه مخالفة رابعة مع أن هذا لو كان له تأثير لكان من الأحكام الوضعية، والتي يفسد فيها الماء بمجرد الاغتسال ولو لم ينو، والله أعلم.\nفتبين بهذا أن القول بأن العلة حتى لا يكون الماء مستعملًا قول ضعيف، والله أعلم.\n(^٢) عون المعبود (١/ ١٠١).","vol":"4","page":344},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1953> دليل من قال: يجوز بلا كراهة بشرط غسل الأذى:</span>\nهذا القول من ابن القاسم مبني على أن ذكر الإنسان لا يسلم من المني والمذي، وهما نجسان في مذهب المالكية كما سنبينه إن شاء الله تعالى في باب النجاسات. فإذا غسل الإنسان الأذى عنه أصبح بدنه طاهرًا، فلا كراهة في هذه الحالة في انغماسه في الماء الدائم، لأن الماء لا ينجس إلا بملاقاته النجاسة، ولا نجاسة هنا.\nوهذا قول ضعيف أيضًا؛ لأن النهي لو كان خوفًا من تلوث الماء بالنجاسة؛ لأرشد النبي ﷺ إلى غسل الأذى قبل الاغتسال، خاصة وأنه يسن لمن أراد الغسل أن يغسل فرجه وما أصابه من أذى في أول غسله، فالنص النبوي مطلق، سواءً غسل الأذى أو لم يغسله، ولا يجوز أن يخص النص العام ولا يقيد النص المطلق إلا بنص مثله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1954> دليل من قال: إن النهي عن الجمع بين البول والاغتسال:</span>\n(٨٣٨ - ١٥٨) استدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،\nأنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه.\nهذا القول خرجه أصحابه على إمكان نصب كلمة (يغتسل)\nفقوله: (ثم يغتسل فيه) وذلك على تقدير (أن) محذوفة بعد حرف العطف (ثم) وكأنهم جعلوا (ثم) مقام واو المعية، أي: وأن يغتسل فيه.\nفكأنه نهى عن البول والاغتسال معًا، أي نهى عن الجمع بينهما، وليس فيه تعرض للبول مفردًا، أو للاغتسال مفردًا.\nوهذا الحمل مبني على تجويز نصب كلمة (يغتسل)، وتفسير النصب بأنه محمول على النهي عن الجمع بين البول والاغتسال.\nوالذي يدل على أن النصب إنما ذكره النحاة من باب التجويز، وليس من باب الرواية.","vol":"4","page":345},{"text":"قال ابن حجر: «قال القرطبي: لا يجوز النصب؛ إذ لا تضمر أن بعد (ثم) وأجازه ابن مالك بإعطاء (ثم) حكم (الواو) وتعقبه النووي: بأن ذلك يقتضي أن يكون المنهي عنه الجمع بين الأمرين، دون إ فراد أحدهما، وضعفه ابن دقيق العيد، بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر» (^١).\nفهذا واضح أن الكلام على التخريج اللغوي، وليس مبنيًا على رواية محفوظة، رواها الرواة بالنصب، وقام النحويون بتخريجها بناءً على ما حفظ من أفواه الرواة، فالمشهور في الحديث كما قال ابن حجر هو على رفع (ثم يغتسلُ فيه) (^٢).\n_________\n(^١) الفتح تحت رقم (٢٣٨).\n(^٢) قال ابن حجر في الفتح تحت رقم (٢٣٨): «قوله: (ثم يغتسلُ فيه) بضم اللام على المشهور».\nفيكون قوله (ثم يغتسل فيه): خرج مخرج التعليل، أي: لا تبل في هذا الماء الراكد؛ لأنه ليس من الحزم، ولا من المروءة أن تبول فيه، وأنت ستحتاجه عما قليل لغسل، أو وضوء أو غيره.\nفهو كقوله ﷺ في حديث عبد الله بن زمعة مرفوعًا: لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم. رواه البخاري (٥٢٠٤).\nوفي رواية لمسلم (٢٨٥٥): إلام يجلد أحدكم امرأته جلد العبد -وفي رواية: الأمة- ولعلها يضاجعها من آخر يومه.\nوهذا الحديث لم يروه أحد بالجزم؛ لأن المراد النهي عن الضرب؛ لأنه يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها، فتمتنع لإساءته إليها، فلا يحصل له مقصوده.\nوهناك طريق آخر عند أبي داود، قال فيه: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة) فيكون الحديث فيه النهي عن كل واحد منهما مستقلًا، والجمع بين النهي عن البول في الماء الدائم والنهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، ولو لم يبل فيه جمع بينهما ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوليس النقاش في ثبوت النهي عن الاغتسال في الماء الدائم للجنب، وإنما جمع الحديثين في حديث واحد انفرد به ابن عجلان في سائر من روى الحديث، وانفراده يوجب ريبة أن الحديث بهذا اللفظ لم يثبت، وقد اختلف على ابن عجلان أيضًا في إسناده. كما روى الحديث جماعة عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما، لم يذكروا ما ذكره محمد بن عجلان، وقد خرجت الحديث في المجلد الأول في حكم الماء المستعمل في رفع الحدث، فانظره هناك، والله أعلم.","vol":"4","page":346},{"text":"وعلى فرض أن اللفظ ورد بالنصب، فإنه لا يمكن منع أنه ثبت في صحيح مسلم من طريقين مستقلين:\nالنهي عن البول في الماء الراكد من حديث جابر، والنهي عن الاغتسال في الماء الدائم، وهو جنب دون تعرض للبول.\nفيكون قد ورد النهي عن البول منفردًا، وعن الاغتسال منفردًا، وعن الجمع بينهما على تقدير أن تكون رواية النصب محفوظة، والله أعلم ..\n• الراجح:\nبعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بأن اغتسال الجنب في الماء الدائم مكروه، وليس بحرام، هو القول القوي من حيث التعليل، كما أن هذا القول وسط بين قولين: القول بالتحريم مطلقًا، والقول بالجواز إذا غسل ما به من أذى، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1955>المبحث الثاني أثر انغماس الجنب على الماء القليل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا كان استعمال الماء في نظافة الثياب الطاهرة لا ينقله عن الطهورية، فكذلك بدن المسلم الطاهر لا ينقله عن الطهورية.\n• المستعمل في طهارة واجبة كالمستعمل في طهارة مستحبة؛ لأن الوجوب والاستحباب خطاب تكليفي، وانتقال الماء عن الطهورية بالاستعمال خطاب وضعي، ولا ارتباط بينهما.\n• استعمال الماء في طهارة الحدث كاستعمال التراب في التيمم لا ينقلهما عن الطهورية.\n• المستعمل ماء مطلق باقي على أوصاف خلقته، والأحكام إنما تناط بالحقائق الظاهرة، لا بالأشياء الخفية على الصحيح.\n• الطهورية صفة لازمة تفيد التكرار بصيغتها وصفتها على الصحيح، فيصح الوضوء بالمستعمل.\n• الماء المستعمل ماء طهور لاقى جسمًا طاهرًا فلم ينقله عن حكمه على الصحيح","vol":"4","page":348},{"text":"كما لو استعمل في تبرد وتنظف.\n• الماء ما دام في الأعضاء فلا خلاف أنه طهور مطلق (^١)، فانفصاله لا يوجب تغير حكمه على الصحيح.\n• المستعمل إن تغير بوسخ كان له حكم الماء المتغير بطاهر، وإن بقي على خلقته كان له حكم الماء الذي مر بطاهر لم يغيره، وفي الحالين هو طهور على الصحيح.\nوقيل:\n• سلب الماء المستعمل الطهورية، هل هو معلل بأنه أديت به قربة، فيدخل فيه التجديد والمسنون، أو معلل بأداء الفرض، وزوال المانع فيختص برفع الحدث؟\n• المستقذر شرعًا كالمستقذر حسًا، فالزكاة لما كانت مطهرة من الذنوب صارت أوساخ الناس فلم تحل لآل محمد، فمن ثم قال الأئمة: الماء المستعل لما كان مطهرًا من الذنوب لم يرفع الحدث.\n[م-٣٥٣] ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الجنب إذا انغمس في ماء قليل تحول الماء إلى ماء مستعمل.\nوسبق لنا أن بينا في مباحث المياه متى يكون الماء مستعملًا؟\nوذكرنا أن الماء المتقاطر من أعضاء الوضوء في رفع الحدث مستعمل بالاتفاق.\nوأما إذا غمس يده في ماء بنية رفع الحدث، فهل يكون مستعملًا؟\nقالوا: إذا كان الماء قليلًا كان مستعملًا.\nواختلفوا في حد القليل:\nفيرى الحنفية أن الجنب إذا انغمس في البئر بنية رفع الحدث فسد الماء، وإن انغمس لطلب الدلو فسد الماء على رأي أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه.\n_________\n(^١) الذخيرة للقرافي (٢/ ١١٨).","vol":"4","page":349},{"text":"ومعنى هذا أن البئر في حد القليل عندهم.\nوأما المالكية فيرون اليسير كآنية الوضوء والغسل، فإن غمس يده فيها صار مستعملًا، وإن كان أكثر من ذلك لم يكن مستعملًا.\nوالشافعية والحنابلة يحدون القليل بما دون القلتين، فإن انغمس في ماء دون القلتين صار مستعملًا، وإلا فلا.\nولا يكون الماء مستعملًا إذا أدخل يده في الإناء ليغترف منها.\nوقيل: بشرط أن يدخلها بنية الاغتراف (^١).\nإذا عرفنا هذا نأتي إلى الأقوال في حكم الماء القليل إذا استعمل في رفع الجنابة، كما لو انغمس فيه جنب بنية رفع الحدث،\nفقيل: إنه نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة (^٢)،\nواختارها أبو يوسف (^٣).\nوقيل: إنه طهور مكروه في رفع الحدث، غير مكروه في زوال الخبث، وهو مذهب المالكية (^٤).\n_________\n(^١) انظر العزو إلى كتب المذاهب في مباحث (كتاب المياه، والآنية) فصل: في حكم الماء المستعمل.\n(^٢) البناية (١/ ٣٥٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠١): وذكر عن أبي حنيفة أنه لو نزل رجل محدث في بئر أن الماء والرجل نجسان».\nوقال في البناية (١/ ٣٥١): «رواية الحسن عن أبي حنيفة أن الماء المستعمل نجس نجاسة مغلظة، فسرها في المبسوط (١/ ٤٦): أي لا يعفى عنه أكثر من قدر الدرهم.\nثم قال العيني: ورواية أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه نجس نجاسة مخففة، فسرها بالمبسوط (١/ ٤٦) أن التقدير فيه بالكثير الفاحش». والله أعلم.\n(^٣) المراجع السابقة.\n(^٤) الشرح الصغير (١/ ٣٧)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٧)، بداية المجتهد مع الهداي في تخريج أحاديث البداية (١/ ٢٧٤).\nوالكراهة مقيدة بأمرين:\nالأول: أن يكون ذلك الماء قليلًا كآنية الوضوء والغسل.\nالثاني: أن يوجد غيره، وإلا فلا كراهة.","vol":"4","page":350},{"text":"وقيل: إنه طاهر غير مطهر وهو الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وعليه الفتوى (^١) ومذهب الشافعية (^٢)،\nوالحنابلة (^٣)، واختيار محمد بن الحسن من الحنفية (^٤).\nوقيل: طهور بلا كراهة، وهو رواية عن أحمد (^٥)، ورجحها ابن حزم (^٦)،\n_________\n(^١) انظر فتح القدير (١/ ٨٧)، والمبسوط (١/ ٤٦)، وحاشية رد المحتار لابن عابدين (١/ ٢٠٠، ٢٠١)، قال العيني في البناية (١/ ٣٤٩): ورواه زفر ﵀ أيضًا عن أبي حنيفة يعني، كونه طاهرًا، ثم قال: حتى كان قاضي القضاة أبو حازم عبد الحميد العراقي يقول: أرجو أن لا تثبت رواية النجاسة فيه عن أبي حنيفة ﵀، وهو اختيار المحققين من مشايخنا بما وراء النهر، قال في المحيط: وهو الأشهر الأقيس. قال في المفيد: وهو الصحيح. قال الاسبيجابي: وعليه الفتوى\n(^٢) الأم (٨/ ١٠٠)، الروضة (١/ ٧)، وقال النووي في المجموع (١/ ٢٠٢): «قال الشيخ أبو حامد: نص الشافعي في جميع كتبه القديمة والجديدة، أن المستعمل ليس بطهور».\nوقال الماوردي: الماء المستعمل في رفع الحدث، وهو ما انفصل من أعضاء المحدث في وضوئه، أو من بدن الجنب في غسله، فذهب الشافعي المنصوص عليه في كتبه القديمة والجديدة، وما نقله عنه جميع أصحابه سماعًا، ورواية، أنه طاهر مطهر. هكذا في الحاوي (١/ ٢٩٦)، وهذه العبارة نصها نقلها النووي إلا أنه قال: «وما نقله جميع أصحابه سماعًا ورواية أنه غير طهور». المجموع (١/ ٢٠٣).\nوعبارة النووي أصوب؛ لما عرف من مذهب الشافعي ﵀.\nولذلك قال الماوردي بعد العبارة السابقة مما يبين أنها خطأ، قال: فكان أبو إسحاق المروزي، وأبو حامد المروزي يخرجان الماء المستعمل على قولين:\nالأول: أنه طاهر غير مطهر، وهو ما صرح به في جميع كتبه، ونقله جمهور أصحابه. اهـ\nفهذا يدل على خطأ في النص السابق، ولم ينتبه له محقق الكتاب -إن لم يكن الخطأ من الناسخ- ثم قال: والثاني: أنه طاهر مطهر، وهو ما حكاه عيسى بن أبان، ودلت عليه رواية أبي ثور، وكان أبو العباس، وابن أبي هريرة يمنعان من تخريج القولين، ويعدلان عن رواية عيسى؛ لأنه وإن كان ثقة، فهو مخالف لما يحكيه أصحاب الخلاف، ولم يلق الشافعي فيحكيه سماعًا من لفظه، ولا هو منصوصه، فيأخذ من كتبه، ولعله تأول كلامه في نصرة طهارته ردًا على أبي يوسف فحمله على جواز الطهارة به. إلخ كلامه.\n(^٣) الإنصاف (١/ ٣٥، ٣٦)، كشاف القناع (١/ ٣٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٤).\n(^٤) فتح القدير (١/ ٨٧)، والمبسوط (١/ ٤٦)، وحاشية رد المحتار لابن عابدين (١/ ٢٠٠، ٢٠١)، البناية (١/ ٣٤٩).\n(^٥) الكافي (١/ ٥)، المبدع (١/ ٤٤)، وقال صاحب الإنصاف (١/ ٣٦): وهو أقوى في النظر.\n(^٦) المحلى (١/ ١٨٣).","vol":"4","page":351},{"text":"وابن تيمية (^١)، وابن عبد الهادي (^٢)، والشوكاني (^٣)، وغيرهم.\nوقد ذكرت دليل كل قول، والراجح من الأقوال في كتاب أحكام المياه والآنية، فأغنى عن إعادته مرة أخرى، وذهبت إلى أن الراجح أن الماء المستعمل في غسل الجنابة طهور غير مكروه.\n* * *\n_________\n(^١) الاختيارات للبعلي (ص: ٣)، ومجموع الفتاوى (٢٠/ ٥١٩).\n(^٢) التنقيح (١/ ٢١١).\n(^٣) نيل الأوطار (١/ ٤٤).","vol":"4","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1956>الفصل الثالث عشر\nفي ذبيحة الجنب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• ذبيحة الكتابي جائزة، فذبيحة المسلم الجنب من باب أولى.\n[م-٣٥٤] ذهب الأئمة الأربعة، إلى جواز أكل ذبيحة الجنب (^١).\nوقيل: تكره، وهو رواية عن أحمد (^٢).\nوقال عكرمة وقتادة: يذبح الجنب إذا توضأ (^٣).\n• الصحيح جواز ذبيحة الجنب بلا كراهة، لأدلة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1957>الدليل الأول:</span>\nالقياس الجلي على ذبيحة الكتابي، فإذا كان القرآن قد نص على جواز ذبيحة أهل\n_________\n(^١) انظر مواهب الجليل (٣/ ٢٠٩)، والمجموع (٩/ ٨٨)، والمغني (٩/ ٣٢٢)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٤١٨)، مطالب أولي النهى (٦/ ٣٢٩).\n(^٢) قال في الإنصاف (١٠/ ٣٨٩): «وعنه -يعني عن الإمام- تكره ذبيحة الأقلف، والجنب، والحائض، والنفساء».\n(^٣) المحلى (٦/ ١٤٣)، قلت: وقد ذكر عن عكرمة وقتادة أن الجنب لا يذبح، ولو توضأ، انظر مواهب الجليل (٣/ ٢٠٩)، ولا أعلم صحة إسناده عنهما","vol":"4","page":353},{"text":"الكتاب، مع نص القرآن على أنهم مشركون، وأنجاس.\nقال تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ) [المائدة: ٥]. مع قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨].\nوالنصارى من جملة المشركين؛ لأنهم يعتقدون بأن الله ثالث ثلاثة، وأن المسيح ابن مريم ﵊ إله من دون الله، فكون ذبيحة الجنب تجوز من باب أولى فأولى، ثم أولى فأولى، وقد نصت السنة بأن المؤمن الجنب ليس بنجس، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم جئت، وهو قاعد، فقال: أين كنت يا أبا هر. فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1958>الدليل الثاني:</span>\nنقل بعض أهل العلم الإجماع على جواز ذبيحة الجنب\nقال النووي: «نقل ابن المنذر الاتفاق على حل ذبيحة الجنب، قال: وإذا دل القرآن على حل ذبيحة الكتابي، مع أنه نجس، فالذي نفت السنة عنه النجاسة أولى» (^٢).\nوقال ابن قدامة: وإن كان جنبًا جاز له أن يسمي ويذبح، وذلك أن الجنب تجوز له التسمية، ولا يمنع منها؛ لأنه إنما يمنع من القرآن، لا من الذكر، ولهذا تشرع له التسمية عند اغتساله، وليست الجنابة أعظم من الكفر، والكافر يسمي ويذبح، وممن رخص في ذبح الجنب: الحسن، والحكم، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا منع من ذلك (^٣).\n(٨٣٩ - ١٥٩) وقد روى البخاري في صحيحه من طريق عبيد الله، عن نافع،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٨٥) ومسلم (٣٧١).\n(^٢) المجموع (٩/ ٨٨).\n(^٣) المغني (٩/ ٣٣١).","vol":"4","page":354},{"text":"أنه سمع ابن كعب بن مالك يحدث عن أبيه، أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا، فكسرت حجرًا، فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل النبي ﷺ، أو أرسل إلى النبي ﷺ من يسأله، وأنه سأل النبي ﷺ عن ذاك، أو أرسل، فأمره بأكلها (^١).\nوجه الاستدلال من الحديث:\nففي هذا الحديث دليل على جواز إباحة ذبيحة المرأة، والحائض، والجنب، أما المرأة فظاهر، وأما الحائض، فلأن النبي ﷺ لم يستفصل، هل المرأة كانت حائضًا أم لا؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وإذا جازت من الحائض جازت من الجنب؛ لأن الحيض أشد، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٣٠٤).","vol":"4","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1959>الباب الرابع في آداب الغسل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1960>الفصل الأول تجنب الإسراف في الغسل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يشترط قدر معين في ماء الغسل، لا ينقص عنه، ولا يزاد عليه، فإذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان.\n• المطلوب شرعًا إسباغ الغسل، مع قلة الماء، بأي مقدار تحقق ذلك، فقد تحققت السنة.\n• الإسراف في الطهور اعتداء فيه، وكل إسراف فهو منهي عنه.\n[م-٣٥٥] سبق أن ذكرنا الأقوال في مقدار ماء الوضوء، في كتاب الوضوء، ونبين هنا الأقوال في مقدار ماء الغسل.\nفالجمهور على كراهة الإسراف في ماء الغسل (^١).\n_________\n(^١) قال البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء: وكره أهل العلم الإسراف فيه.\nوقال النووي في المجموع (٢/ ٢٢٠): واتفق أصحابنا وغيرهم على ذم الإسراف في الماء في الوضوء والغسل، وقال البخاري في صحيحه: كره أهل العلم الإسراف فيه، والمشهور أنه مكروه كراهة تنزيه، وقال البغوي والمتولي: حرام».","vol":"4","page":356},{"text":"وقيل: يحرم الإسراف فيه، اختاره البغوي والمتولي من الشافعية (^١).\nكما أن الفقهاء متفقون على أنه لا يشترط قدر معين في ماء الغسل، لا يجوز النقص عنه، ولا الزيادة عليه، فإذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان.\nقال النووي: «أجمعت الأمة على أن ماء الوضوء والغسل لا يشترط فيه قدر معين، بل إذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان، وممن نقل الإجماع فيه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري» (^٢).\nوإذا قلنا لا يشترط قدر معين في ماء الغسل، فهل يستحب الصاع؟\nفقيل: الصاع أدنى ما يكفي في الغسل، وهل يكفي الصاع حتى لو جمع بين الوضوء والغسل؟ أو الصاع يكفي إن ترك الوضوء، فإن توضأ قبل الغسل زاد على الصاع مدًا للوضوء؟ قولان في مذهب الحنفية (^٣).\nوقيل: يستحب أن يغتسل بالصاع، وهو مذهب الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\nوقيل: لا تقدير في ماء الغسل مطلقًا، وهو مذهب المالكية (^٦).\n_________\n(^١) انظر المجموع (٢/ ٢٢٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢١٩).\n(^٣) قال في بدائع الصنائع (١/ ٣٥): «وأما بيان مقدار الماء الذي يغتسل فيه، فقد ذكر في ظاهر الرواية، وقال: أدنى ما يكفي في الغسل من الماء صاع، وفي الوضوء مد ... وهذا التقدير الذي ذكره محمد، من الصاع والمد في الوضوء، ليس بتقدير لازم، بحيث لا يجوز النقصان عنه، أو الزيادة عليه، بل هو بيان مقدار أدنى الكفاية عادة، حتى إن من أسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك أجزأه». اهـ وانظر المبسوط (١/ ٤٥)، الفتاوى الهندية (١/ ١٦).\n(^٤) قال في المجموع (١/ ٤٩٢): «ماء الوضوء والغسل غير مقدر، لكن يستحب أن لا ينقص في الوضوء عن مد، ولا في الغسل عن صاع، والإسراف مكروه بالاتفاق ...».\n(^٥) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٥/ ٣٠٩)، الفروع (١/ ٢٠٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٧)، كشاف القناع (١/ ١٥٥).\n(^٦) مواهب الجليل (١/ ٢٥٦).","vol":"4","page":357},{"text":"وقيل: لا يجزئ في الغسل أقل من صاع، اختاره شعبان من المالكية (^١)، وبعض الشافعية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1961> دليل من قال: باستحباب الصاع للغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1962>الدليل الأول:</span>\n(٨٤٠ - ١٦٠) ما رواه البخاري، من طريق أبي جعفر،\nأنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه، وعنده قوم، فسألوه عن الغسل؟ فقال: يكفيك صاع؟ فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا، وخير منك، ثم أمنا في ثوب (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1963>الدليل الثاني:</span>\n(٨٤١ - ١٦١) ما رواه مسلم من طريق أبي ريحانة،\nعن سفينة قال: كان رسول الله ﷺ يغسله الصاع من الماء من الجنابة، ويوضئه المد (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1964>الدليل الثالث:</span>\n(٨٤٢ - ١٦٢) ما رواه الشيخان من طريق عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال:\nسمعت أنسًا يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. رواه البخاري (^٥)، ومسلم (^٦).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٥٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢١٩).\n(^٣) البخاري (٢٥٢).\n(^٤) مسلم (٣٣٦).\n(^٥) البخاري (٢٠١).\n(^٦) مسلم (٣٢٦).","vol":"4","page":358},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1965> دليل من قال: لا تقدير في ماء الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1966>الدليل الأول:</span>\nالإجماع، قال ابن عبد البر: «أجمعوا على أن الماء لا يكال للوضوء، ولا للغسل، من قال منهم بحديث المد والصاع، ومن قال بحديث الفرق، لا يختلفون أنه لا يكال الماء لوضوء ولا غسل، لا أعلم في ذلك خلافًا، ولو كانت الآثار في ذلك على التحديد الذي لا يتجاوز استحبابًا، أو وجوبًا، ما كرهوا الكيل، بل كانوا يستحبونه اقتداء وتأسيًا برسول الله ﷺ، ولا يكرهونه» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1967>الدليل الثاني:</span>\nأن النصوص الواردة في مقدار الماء الذي يغتسل فيه النبي ﷺ جاءت بمقادير متفاوتة، وهذا دليل على أنه ليس هناك مقدار معين يمكن استحبابه، بل المطلوب هو إحكام الغسل، مع قلة الماء.\n(٨٤٣ - ١٦٣) منها ما رواه مسلم من طريق حفصة بنت عبد الرحمن ابن أبي بكر،\nأن عائشة أخبرتها، أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد، يسع ثلاثة أمداد، أو قريبًا من ذلك (^٢).\n(٨٤٤ - ١٦٤) ومنها ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عروة،\nعن عائشة قالت كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من قدح يقال له الفرق. ورواه مسلم (^٣).\nقال ابن عيينة والشافعي وغيرهما: هو ثلاثة آصع (^٤).\n_________\n(^١) التمهيد (٨/ ١٠٥).\n(^٢) مسلم (٣٢١).\n(^٣) البخاري (٢٥٠)، ومسلم (٣١٩).\n(^٤) الفتح تحت رقم (٢٠١).","vol":"4","page":359},{"text":"قال ابن حجر: «فهذا يدل على اختلاف الحال بقدر الحاجة، وفيه رد على من قدر الوضوء والغسل بالمد والصاع، كابن شعبان من المالكية، وكذا من قال به من الحنفية مع مخالفتهم له في مقدار المد والصاع» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1968> دليل من قال: لا يجزئ أقل من صاع:</span>\nاستدلوا بحديث أنس في الصحيحين وتقدم ذكره، وليس فيه تحديد، بل ثبت أن الرسول ﷺ اغتسل بأقل من صاع، كما ذكرت ذلك في أدلة المالكية.\n• الراجح من الخلاف:\nمذهب المالكية أقوى من غيرهم، وأن الوارد لم يكن على سبيل استحباب التحديد؛ وذلك لأن الناس يختلفون في هذا، فهناك من الناس من هو معتدل الخلقة، ومنهم النحيف، ومنهم المتفاحش الخلق طولًا وعرضًا، ومنهم صاحب الشعر الكثير، ومنهم غير ذلك، فاستحباب مقدار معين لكل الناس على اختلاف خلقتهم قول ضعيف، فالأولى أن يقال كما قال المالكية: المستحب إحكام الغسل، مع قلة الماء، بأي مقدار تحقق ذلك، فقد حقق السنة، الله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري تحت رقم (٢٠١).","vol":"4","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1969>الفصل الثاني\nمن آداب الغسل أن يستتر عن أعين الناس</span>\nالستر تارة يكون للبدن، وتارة يكون للعورة، وحرصًا على هذا الأدب تكلم الفقهاء في هاتين المسألتين، وتعرضوا للكلام عليهما في حكم دخول الحمام؛ لأنه يلزم من دخول الحمام غالبًا، أن يتعرض: إما لكشف عورته، أو النظر إلى عورة الآخرين ممن يتساهل في سترها،، وسوف أسوق البحث في هذه المسائل الثلاث في حكم ستر العورة، وفي حكم ستر البدن حال الغسل، وفي حكم دخول الحمام.\n* * *","vol":"4","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1970>المبحث الأول في حكم ستر العورة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1971>الفرع الأول ستر العورة عن النظر إليها من الأجانب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يجوز كشف العورة إلا لحاجة أو زوج.\n• قد يترك الواجب لغير واجب، كترك الإنصات للخطبة بالتشاغل بتحية المسجد، وترك القيام في الصلاة لسجود التلاوة، وكشف العورة للمداواة.\n[م-٣٥٦] أما ستر العورة عن النظر إليها فهو واجب، ويحرم على المسلم أن يكشف عورته لناظر من غير حاجة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (٢/ ١٨٥)، شرح معاني الآثار (١/ ٤٧٦)، المبسوط (١٠/ ١٥٥)، العناية شرح الهداية (١٠/ ٢٨)، درر الحكام (١/ ٣١٣، ٣١٤)، واعتبر الزيلعي النظر إلى عورة الغير موجبًا للفسق، انظر تبيين الحقائق (٣/ ١٩٤).\nوانظر في مذهب المالكية: حاشية الصاوي على الشرح الصغير (٤/ ٧٣٦)، والخرشي (١/ ٢٤٦)، حاشية العدوي (٢/ ٤٥٦)، المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٢).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٢٣٧)، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ١١٥)، وطرح التثريب (٢/ ٢٢٧) و(٦/ ١٠٣)، وحاشيتا قليوبي وعميرة (٤/ ٣٢٠).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفتاوى الكبرى (١/ ٢٨٤، ٣٠٠)، الإنصاف (٨/ ٢٨)، كشاف القناع (١/ ٢٦٥).","vol":"4","page":362},{"text":"وهو أمر مجمع عليه، قال النووي: «ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع» (^١).\nومستند الإجماع كتاب الله وسنة رسول ﷺ،\nأما الكتاب فقال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) [النور: ٣٠].\n(٨٤٥ - ١٦٥) ومن السنة: روى مسلم من طريق الضحاك بن عثمان قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،\nعن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد (^٢).\nبقي للبحث مسألة كشف العورة، والإنسان خالٍ من غير حاجة، وكشف العورة للحاجة كما لو كشفها للغسل، وهذا الكشف يعبر عنه بالحاجة، وليس بالضرورة؛ لأنه يمكنه أن يغتسل بدون كشف العورة، كما لو اغتسل، وهو متسرول، وهاتان المسألتان قد خصصت لهما مباحث مستقلة، لوجود الخلاف فيها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ١٧١).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٣٨).","vol":"4","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1972>الفرع الثاني في كشف العورة بالخلوة من غير حاجة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تحريم النظر إلى عورة الغير من باب تحريم الوسائل، حتى لا يكون وسيلة إلى الوقوع في المحرم، وهذا منتف في نظره إلى عورته، وإنما يستحب الستر لقوله ﷺ: (فالله أحق أن يستحيا منه).\n• عورة الإنسان بضعة منه، ولا يحرم عليه النظر إلى أي جزء من جسمه.\n• إذا جاز للرجل النظر إلى عورة زوجته، وما ملكت يمينه، فعورته أولى بالجواز.\n[م-٣٥٧] أختلف أهل العلم في حكم كشف العورة بالخلوة من غير حاجة.\nفقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، ووجه في مذهب الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٦)، المبسوط (٣٠/ ٢٦٥)، البحر الرائق (٨/ ٢١٩)، الكسب (ص: ٧٧).\n(^٢) الفواكه الدواني (٢/ ٥٩٥)، حاشية العدوي (٢/ ٥٩٥).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٢٢٧).","vol":"4","page":364},{"text":"وقيل: لا يجوز، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (^١)،\nوالمشهور من مذهب الحنابلة (^٢)، وقول في مذهب الحنفية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1973> دليل من قال بالتحريم:</span>\n(٨٤٦ - ١٦٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وإسماعيل بن إبراهيم، عن بهز قال: حدثني أبي،\nعن جدي قال: قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك. قال، قلت: يا رسول الله فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يرينها. قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه.\nحدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن بهز فذكر مثله قال فالله ﷿ أحق أن يستحيا منه، ووضع يده على فرجه (^٤).\n[حسن] (^٥).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن حجر: «ظاهر حديث بهز يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز\n_________\n(^١) قال النووي في شرح صحيح مسلم (٤/ ٣٢): «وأما كشف الرجل عورته في حال الخلوة، بحيث لا يراه آدمي، فإن كان لحاجته جاز، وإن كان لغير حاجته ففيه خلاف بين العلماء في كراهته وتحريمه، والأصح عندنا أنه حرام». وانظر شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٩).\nوفي كتاب أسنى المطالب (١/ ١٧٦): «قال صاحب الذخائر: يجوز كشف العورة في الخلوة لأدنى غرض، ولا يشترط حصول الحاجة، ومن الأغراض كشف العورة للتبريد، وصيانة الثوب من الأدناس والغبار عند كنس البيت وغيره، وهي فائدة جليلة نقلها ابن العماد». اهـ\n(^٢) الفروع (١/ ٣٢٩)، الآداب الشرعية لابن مفلح (٣/ ٣٢٢)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٤٧)، كشاف القناع (١/ ٢٦٤).\n(^٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٦).\n(^٤) المسند (٥/ ٣، ٤).\n(^٥) سبق تخريجه، انظر المجلد السابع، الطهارة بالاستنجاء، ح (١٣٥٢).","vol":"4","page":365},{"text":"مطلقًا». اهـ\nقلت: لأن وجوب ستر العورة عن الناس لا ينازع فيه أحد، فإذا كان الله أحق أن يستحيا منه من الناس، كان ستر العورة خاليًا أولى بالمنع هذا ما يفيده قوله: (فالله أحق) كما استُدِلَ به في قوله: (اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء).\n(٨٤٧ - ١٦٧) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس ﵄ قال: أتى رجل النبي ﷺ، فقال له: إن أختي قد نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ: لو كان عليها دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء (^١).\nوكونه ثبت عن موسى وأيوب ﵉ اغتسالهما عريانين، فهذا في شريعتهما، وقد جاء في شريعتنا ما يدل على وجوب ستر العورة خاليًا.\nقال الشوكاني: «أصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشف شيء منها إلا لضرورة، كما يكون عند خروج الحاجة، فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج، لا حال كونه قائمًا، ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة» (^٢).\n• وممكن أن يُجاب:\nبأن قوله: (فالله أحق بالقضاء) هذا التعبير لا يدل على الوجوب، فالحج عن الميت، وكذا الصيام عنه، ووفاء نذره لا يجب على غير الميت، ولكن القضاء عنه من الوفاء له، والبر به، لأن الأصل في العبادة أنها واجبة على الإنسان نفسه، لكن إن تطوع أحد من الورثة كان محسنًا، فلا يدل تعبير (فالله أحق) على وجوب قضاء\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٦٩٩).\n(^٢) السيل الجرار (١/ ٦٤).","vol":"4","page":366},{"text":"العبادة عن الميت، وبالتالي لا يدل على هذا اللفظ على وجوب ستر العورة، والإنسان خاليًا، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1974> دليل من قال: يستحب ولا يجب:</span>\nعورة الإنسان بضعة منه، ولا يحرم عليه النظر إلى أي جزء من جسمه، فكما أنه يباح له النظر إلى عورة زوجته، وما ملكت يمينه، فعورته أولى بالجواز، وتحريم النظر إلى عورة الغير هي من باب تحريم الوسائل، حتى لا يكون وسيلة إلى الوقوع في المحرم، وهذا منتف في نظره إلى عورته، وإنما يستحب الستر لقوله ﷺ: (فالله أحق أن يستحيا منه).\n• الراجح:\nالقول باستحباب ستر العورة إذا كان الإنسان خاليًا أقوى من حيث النظر، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1975>الفرع الثالث في كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا أباحت الحاجة كشف العورة للغير أباحت الحاجة كشف العورة للنفس من باب أولى.\n• تحريم النظر إلى عورة الغير هي من باب تحريم الوسائل، حتى لا يكون وسيلة إلى الوقوع في المحرم، وهذا منتف في كشف العورة للغسل إذا كان خاليًا.\n[م-٣٥٨] اختلف الفقهاء في حكم كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا،\nفقيل: بالجواز، والستر أفضل، وهو مذهب الأئمة الربعة (^١)، واختاره البخاري\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (٣٠/ ٢٦٥) البحر الرائق (٨/ ٢١٩)، الكسب (ص: ٧٧).\nوفي مذهب المالكية، انظر حاشية العدوي (٢/ ٥٩٥)، الفواكه الداني (٢/ ٣١١).\nوفي مذهب الشافعية، انظر طرح التثريب (٢/ ٢٢٦)، المجموع (٢/ ٢٢٧) و(٣/ ١٧١) إعانة الطالبين (١/ ٨٠)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٩).\nوفي مذهب الحنابلة، انظر الإنصاف (١/ ٤٤٧)، الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٨)، المغني (١/ ١٤٧)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٢٤٧)، المغني (١/ ١٤٦) ..","vol":"4","page":368},{"text":"رحمه الله تعالى (^١).\nوقيل: لا يجوز، اختاره ابن أبي ليلى (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1976> دليل من قال بالجواز:</span>\n(٨٤٨ - ١٦٨) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى ﷺ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربًا، فقال أبو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضربًا بالحجر (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن موسى ﵊ اغتسل عريانًا، وهذا وإن كان في شرع من قبلنا، إلا أنه لم يأت في شرعنا ما ينسخه، ولو كان الاغتسال عريانًا في الخلوة منافيًا للآداب لمنع منه الأنبياء.\nوقال الشوكاني: «وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ قص القصتين، ولم يتعقب شيئًا منهما، فدل على موافقتهما لشرعنا، وإلا فلو كان فيهما شيء غير موافق لبينه» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1977>الدليل الثاني:</span>\n(٨٤٩ - ١٦٩) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام،\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٢٢٥).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٧٨)، ومسلم (٣٣٩).\n(^٤) نيل الأوطار (١/ ٣١٨).","vol":"4","page":369},{"text":"عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك (^١).\nوجه الاستدلال:\nوجه الاستدلال منه كالاستدلال بالحديث السابق سواءً بسواءٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1978>الدليل الثالث:</span>\nالاغتسال عريانًا غاية ما فيه أن يكون محرمًا، وكل ما كان محرمًا لغيره فإن الحاجة تبيحه، وإن لم تكن ضرورة، كإباحة النظر إلى العورة في الختان، والنظر إلى العورة في التداوي، فالحاجة إلى الاغتسال عريانًا محافظة على ثيابه من البلل، وعلى بدنه من البرد كاف في إباحة التعري للاغتسال، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1979> دليل من قال: يحرم التعري للاغتسال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1980>الدليل الأول:</span>\n(٨٥٠ - ١٧٠) حديث بهز بن حكيم، قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك. قال، قلت: يا رسول الله، فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يرينها. قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه.\n[حسن] (^٢).\nفإذا كان التعري حال الخلوة محرمًا، فكذلك التعري حال الاغتسال؛ لأنه تعر حال الخلوة، وليس هناك ضرورة بحيث يباح التعري للاغتسال، فيمكنه أن يغتسل، وهو متزر أو عليه سراويل.\n_________\n(^١) البخاري (٧٤٩٣).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر المجلد السابع، الطهارة بالاستنجاء، ح (١٣٥٢).","vol":"4","page":370},{"text":"وسبق الجواب عن هذا الحديث بالمسألة التي قبل هذه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1981>الدليل الثاني:</span>\n(٨٥١ - ١٧١) ما رواه ابن عدي، من طريق يحيى بن سعيد، ثنا أبو الزبير،\nعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يدخل أحدكم الماء إلا بمئزر؛ فإن للماء عامرًا (^١).\n[ضعيف جدًّا أو موضوع] (^٢).\n• الراجح:\nبعد استعراض أدلة القولين، نجد أن القول بجواز الاغتسال عريانًا هو الأقوى من حيث الدلالة، وهو الذي يليق بالفتوى، فإن المنع فيه تضييق على الناس، مع أنه لا يدفع مفسدة، ولا يحقق مصلحة، ويكفي أن الجواز قد دل عليه فعل موسى ﵊، وهو من أولى العزم من الرسل، ولو كان منافيًا للفطرة، أو مخالفًا للمروءة لكان أبعد ما يكون عنه أنبياء الله ﷾، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال (٧/ ١٩٤).\n(^٢) في إسناده يحيى بن سعيد، قال النسائي: يروي عن الزهري أحاديث موضوعة. الكامل (٧/ ١٩٤).\nوقال البخار ي وأبو حاتم: منكر الحديث. لسان الميزان (٦/ ٢٥٨).","vol":"4","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1982>المبحث الثاني في ستر سائر البدن حال الغسل</span>\n[م-٣٥٩] تكلمت فيما سبق في ستر العورة، وبقي الكلام في ستر سائر البدن من غير العورة عن أعين الناس.\n• وقد دلت أحاديث كثيرة على استحباب ستر سائر البدن، منها:\n(٨٥٢ - ١٧٢) ما رواه البخاري من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره،\nأنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ (^١).\n(٨٥٣ - ١٧٣) ومنها ما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم ابن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،\nعن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ، وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٠)، ومسلم (٣٣٦).\n(^٢) البخاري (٢٨١)، ورواه مسلم (٣١٧)، ولم يذكر فيه قولها: سترت النبي ﷺ.","vol":"4","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1983>المبحث الثالث في دخول الحمام من أجل الاغتسال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1984>الفرع الأول في تعريف الحمام</span>\nتعريف الحمام:\nالحمام: مشدد، واحد الحمامات، والمستحم في الأصل: الموضع الذي يستحم فيه بالحميم، وهو في الأصل: الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام، وقيل: إن الحميم من الأضداد، يكون الماء الحار، والماء البارد، وإطلاقه على الماء البارد جاء في قول الشاعر:\nوساغ لي الشراب وكنت قبلًا ... أكاد أغص بالماء الحميم (^١).\nوفيه: (لا يبولن أحدكم في مستحمه) (^٢).\nقال في الفتاوى الهندية: «الحمام يذكره العرب، هكذا في عين الخليل، وهو فعال: من الحميم، واستحم الرجل: إذا دخل الحمام، وحقيقته: اغتسال بالماء الحميم» (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٤/ ١٢)، تاج العروس (٣٢/ ١١)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٤٥).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد السابع، في الطهارة من الاستنجاء، ح: (٤٠٢).\n(^٣) الفتاوى الهندية (٦/ ٢٥٠).","vol":"4","page":373},{"text":"وقال في الشرح الكبير: «حمام، بتشديد الميم: وهو بيت الماء، المعد للحموم فيه بالماء الساخن، لتنظيف البدن والتداوي» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الشرح الكبير (٤/ ٤٣).","vol":"4","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1985>الفرع الثاني في دخول الحمام</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يصح في النهي عن دخول الحمام حديث مرفوع.\n• الخلاف في دخول الحمام، هل هو راجع إلى أنه مكان تكشف فيه العورات، أو لأنه قد يغتسل فيه من لا يتحفظ عن النجاسات، أو لأن العقد يشتمل على غرر، لجهالة المدة، وتفاوت الناس في استعمال الماء، أو لأنه نوع من الترفه، وقد نهي المسلم عن الترفه؟\n• النهي عن دخول الحمام من باب سد الذرائع، فمن نظر إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة لم يمنع من دخوله مطلقًا.\nومن نظر إلى العارض الذي يحتف بالدخول من تهاون بعض الناس في كشف العورات رجح المنع. ومع ذلك فمن احتاج إليه تقديمًا للأصل على العارض واعتبارًا بأن المحرم لغيره تبيحه الحاجة، فإنه يدخله ويدفع هذا العارض بالإنكار وغض البصر ما أمكنه.\n• ما حرم سدًّا للذرائع تبيحه المصلحة الراجحة.","vol":"4","page":375},{"text":"[م-٣٦٠] اختلف أهل العلم في حكم دخول الحمام للاغتسال:\nفقيل: ينهى عنه الرجال والنساء، وهو رواية عن الإمام أحمد وإسحاق (^١).\nوقيل: يباح دخوله للرجال، وهو مذهب الجمهور (^٢)،\nواختلفوا في دخول النساء.\n_________\n(^١) في كتاب المسائل (ص: ١٣٨): قلت يغتسل من الحمام؟ قال: لا. قال إسحاق: كما قال. وفي مسائل أحمد رواية عبد الله (٢٤): سمعت أبي سئل عن الغسل من ماء الحمام؟ قال: لا يغتسل من ماء الحمام.\n(^٢) نص على أن القول بالجواز هو مذهب الجمهور ابن كثير في كتابه (الآداب والأحكام المتعلقة بدخول الحمام) (ص: ٤٤).\nوانظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (٤/ ٢١٣)، المبسوط (١٠/ ١٤٧)، تبيين الحقائق (٣/ ٥٨)، فتح القدير (٤/ ٣٩٩).\nوفي مذهب المالكية ذكر الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٨٠): أن دخول الحمام وقع فيه اختلاف في الروايات، وفتاوى الشيوخ، والذي حصله ابن رشد في جامع المقدمات وتبعه عليه المتأخرون: ابن شاس، والقرافي، وابن ناجي، وغيرهم، أن دخوله للرجال على ثلاثة أقسام:\nالأول: إذا كان خاليًا، قال ابن ناجي: أو مع زوجته، أو جاريته، فهو جائز بلا كراهة.\nالثاني: إذا كان غير مستتر، أو معه من لا يستتر، فقال في المقدمات: لا يحل ذلك، ولا يجوز، ومن فعله كان جرحة في حقه.\nالثالث: إذا كان مستورًا مع مستورين، فذكر في هذا قولين: الجواز، والكراهة.\nوذكروا في وجه الكراهة، أنه قد لا يسلم من النظر إلى عورة أحد.\nوقيل: من أجل الاغتسال بالماء المسخن بالنجاسات والقاذورات، ولاختلاف الأيدي فربما تناول أخذه بيده من لا يتحفظ لدينه.\nوقيل: من أجل الاغتسال بالماء الدائم.\nوانظر في مذهب الشافعية: إعانة الطالبين (١/ ٨٠)، مغني المحتاج (١/ ٧٦)، المجموع شرح المهذب (٢/ ٢٣٧، ٢٣٨).\nوفي مذهب الحنابلة: مسائل أحمد رواية ابن هانئ (١٢): وسألته عن ماء الحمام، يجزئ عن الغسل؟ قال: نعم. وفي مسائل أحمد رواية صالح (٥٥٨) قلت: ما تقول في الغسل بماء الحمام؟ قال: الحمام بمنزلة الماء الجاري عندي. وانظر: غاية المطلب (ص: ٢٩)، المستوعب (١/ ٢٤٧)، كشاف القناع (١/ ١٥٩)، الإنصاف (١/ ٢٦٢).","vol":"4","page":376},{"text":"فقيل: يباح للنساء بلا كراهة، اختاره بعض الحنفية (^١)، وقال ابن رشد: الذي يوجبه النظر أنهن بمنزلة الرجال (^٢).\nوقيل: يحرم على النساء إلا لعذر، اختاره بعض الحنفية (^٣)، وهو مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: يكره للنساء ولو من عذر، إلا أن تكون مفردة، وهو قول في مذهب المالكية (^٥).\nوقيل: يكره للنساء إلا لعذر وهو مذهب الشافعية (^٦)، واختاره بعض المالكية (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1986> دليل من قال: يحرم الدخول للحمام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1987>الدليل الأول:</span>\n(٨٥٤ - ١٧٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، قال:\n_________\n(^١) قال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٦٧): «وفي الخانية: دخول الحمام مشروع للرجال والنساء».\nوانظر المبسوط (١٠/ ١٤٧ - ١٤٨) تبيين الحقائق (٣/ ٥٨)، فتح القدير (٤/ ٣٩٩)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٤١٦)، البحر الرائق (٤/ ٢١٣).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٨١)، حاشية العدوي (٢/ ٥٩٥) ..\n(^٣) فتح القدير (٤/ ٣٩٩)، درر الحكام (١/ ٤١٦).\n(^٤) قال في الفروع (٢/ ٢٠٦): «وللمرأة دخوله لعذر، وإلا حرم، نص عليه».\nوانظر غاية المطلب (ص: ٢٩) الإنصاف (١/ ٢٦٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٩)، الروض المربع (١/ ٣٥١)، شرح العمدة (١/ ٤٠٥).\n(^٥) قال في الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٦١١): «وكره مالك دخول الحمام للمرأة بمئزر أو بغير مئزر، مريضة أو صحيحة». وانظر القوانين الفقهية (ص: ٢٨٩).\n(^٦) المجموع (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، مغني المحتاج (١/ ٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ١٣١)، قوله: (إلا لعذر) لا حاجة إلى الاستثناء، لأن المكروه تبيحه الحاجة وليست الضرورة.\n(^٧) حاشية العدوي (٢/ ٥٩٥).","vol":"4","page":377},{"text":"قال علي: بئس البيت الحمام (^١).\n[منقطع] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1988>الدليل الثاني:</span>\n(٨٥٥ - ١٧٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين،\nعن ابن عمر قال: لا تدخل الحمام، فإنه مما أحدثوا من النعيم (^٣).\n[صحيح].\nفكان الحامل على النهي هو ترك الترفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1989>الدليل الثالث:</span>\n(٨٥٦ - ١٧٦) ما رواه مسدد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الرحمن، قال: سألت محمد بن سيرين عن دخول الحمام؟ فقال: كان عمر ابن الخطاب يكرهه (^٤).\n[لم يسمعه ابن سيرين من عمر] (^٥).\n_________\n(^١) المصنف (١١٦٦).\n(^٢) ورواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٢٤) من طريق جرير به، بلفظ: بئس البيت الحمام ينزع فيه الحياء، ولا يقرأ فيه آية من كتاب الله.\nوعمارة هو ابن القعقاع، وجرير هو ابن عبد الحميد.\nوأبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، لم يسمع من علي ﵁.\n(^٣) المصنف (١/ ١٠٣) رقم ١١٦٥.\n(^٤) المطالب العالية (١٧٥).\n(^٥) لم أجد في شيوخ محمد بن سيرين عمر بن الخطاب، وقد ذكر الدارقطني في العلل (٢/ ٨١)، وابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٣٧٩) والزيلعي في نصب الراية (٢/ ٣٣٣) أن ابن سيرين عن عمر مرسل، أي منقطع، وفات العلائي التنبيه على هذا في جامع التحصيل عند الكلام على محمد بن سيرين.\nوقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٢٠) عن معمر، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري ألا تدخلن الحمام إلا بمئز، ولا يغتسل اثنان من حوض.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٤) رقم ١١٧٥ من طريق منصور، عن قتادة به.\nوقتادة لم يدرك عمر.\nورواه عبد الرزاق أيضًا (١١٢١) عن ابن جريج، بلغه عن عمر.\nومع انقطاع هذين الإسنادين، فإن الكراهة مقيدة بدخول الحمام بدون إزار، فلا يكون دليلًا على مسألتنا.\nورواه مكحول وقبيصة، عن عمر بنحو رواية قتادة، وسوف أذكرها، إن شاء الله تعالى، في أدلة من أجاز دخول الحمام.","vol":"4","page":378},{"text":"• وأجيب:\nأولًا: أن كلام الصحابة ﵃ إنما هو عن اتخاذ الحمام في بلاد الحجاز، وهي بلاد حارة، لا يضطر فيها الإنسان إلى اتخاذ الحمام، ولذلك لم تعرف الحمامات في عهد النبوة، ولم تعرف كذلك في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃.\nثانيًا: على تقدير أن كلام الصحابة ﵃ عن الحمامات الموجودة في الشام، وهي أرض باردة، فإن الصحابة مختلفون فيها، والحجة إنما هو فيما أجمعوا عليه، وأما ما اختلفوا فيه فينظر في أقربها للصواب، وسوف أسوق في أدلة المجيزين بعض الآثار عن الصحابة في دخولها، والانتفاع بها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1990>الدليل الثالث للمانعين:</span>\nأن دخول الحمام من الإرفاه والتنعم الذي ينهى عنه، ومن ذلك:\n(٨٥٧ - ١٧٧) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا إسمعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن كهمس،\nعن عبد الله بن شقيق، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ عاملًا بمصر، فأتاه رجل من أصحابه، فإذا هو شعث الرأس مشعان، قال: ما لي أراك مشعانًا، وأنت","vol":"4","page":379},{"text":"أمير؟ قال: كان نبي الله ﷺ ينهانا عن الإرفاه، قلنا: وما الإرفاه؟ قال: الترجل كل يوم (^١).\n[ذكر ابن شقيق وهم، والصواب عن عبد الله بن بريدة، أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ، فإن كان ابن بريدة سمعه من الصحابي فهو صحيح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nكون الصحابي ذكر في تفسير الترفه الترجل كل يوم، إنما قصد به المثال؛ لأن\n_________\n(^١) سنن النسائي (٥٠٥٨).\n(^٢) رواه كهمس واختلف عليه:\nفرواه خالد بن الحارث كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٠٥٨) والكبرى (٩٢٦٧) عن كهمس، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من الصحابة.\nورواه ابن المبارك كما في التمهيد لابن عبد البر (٢٤/ ١١) والاستذكار (٢٧/ ٧٨، ٧٩) عن كهمس، عن عبد الله بن بريدة، كان رجل من أصحاب النبي ﷺ عاملًا بمصر.\nوذكر عبد الله بن شقيق وهم، قد يكون من قبل خالد بن الحارث، وقد يكون من قبل من كهمس، فإنه وإن كان ثقة فإن له أوهامًا، والذي يجعلنا نرجع رواية ابن المبارك أنه قد توبع بخلاف رواية خالد بن الحارث. والله أعلم.\nفقد رواه أحمد (٦/ ٢٢)، وأبو داود (٤١٦٠)، والدارمي (٥٧١) عن يزيد بن هارون.\nورواه النسائي في المجتبى (٥٢٣٩)، وفي الكبرى (٩٣١٩) من طريق ابن علية،\nوأخرجه البيهقي في الشعب (٦٤٦٩)، وفي الآداب (٦٩٨) من طريق حماد بن سلمة، ثلاثتهم (ابن علية، ويزيد بن هارون، وحماد) عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ قال: إن رسول الله ﷺ كان ينهى عن كثير من الإرفاه.\nورواية يزيد بن هارون سماه فضالة بن عبيد.\nورواية حماد بن سلمة لم يسم الصحابي.\nورواية ابن علية سم الصحابي عبيدًا، وابن علية أرجح من يزيد بن هارون في الجريري، لكن قال المزي في تحفة الإشراف (٧/ ٢٢٦): «وهو وهم، والصواب فضالة بن عبيد».\nوالجريري، هو سعيد بن إياس، كان قد تغير قبل موته، إلا أن ابن علية وحماد ممن سمع منه قبل تغيره، انظر الكواكب النيرات (ص: ٤٣)،\nوقد زاد يزيد بن هارون وحماد بن سلمة الأمر بالاحتفاء أحيانًا.\nفالحديث رجاله ثقات إن كان ابن بريدة قد سمع الحديث من الصحابي الذي ذكره عنه، والله أعلم.","vol":"4","page":380},{"text":"السؤال كان عن ترك الرأس شعثًا، وإلا كل ما فيه تنعم وترفه، فإن المؤمن منهي عن الإكثار منه؛ لأن المؤمن لا يذهب طيباته في حياته الدنيا، وإنما هذا شأن الكفار، قال سبحانه: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف: ٢٠].\n• وأجيب:\nبأن الحمام يختلف اتخاذه من بلد لآخر، فالحمام في البلاد الحارة كالبلاد الحجازية يمكن أن يكون من الترفه، وعليه يحمل كلام ابن عمر ﵀ المتقدم ذكره في الدليل الثاني، وأما اتخاذه في البلاد الباردة، لاسيما في العصور المتقدمة كان من الضرورة، حيث لم يكن موجودًا في ذلك العصر وسائل تسخين للمياه، وقد يكون الغسل واجبًا، أو مستحبًا، ثم على التسليم أن دخول الحمام من الترفه، فإن الترفه ليس من المحرمات، فقد يكون من باب المكروهات، والمكروه يرتفع بالحاجة، (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف: ٣٢]، فلا يؤمر الإنسان أن يغتسل بالماء البارد لاسيما في البلاد الباردة، وهو قادر على استعمال الماء الحار في استعمال مياه الحمام، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1991>الدليل الرابع:</span>\n(٨٥٨ - ١٧٨) ما رواه الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم،\nعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ، أنه قال: إن إبليس لما أنزل إلى الأرض، قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض، وجعلتني رجيمًا، أو كما ذكر، فاجعل لي بيتًا، قال: الحمام ....» وذكر الحديث بطوله (^١).\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٨/ ٢٠٧) رقم ٧٨٣٧.","vol":"4","page":381},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1992>الدليل الخامس:</span>\nأن العقد مشتمل على غرر، والغرر منهي عنه، فإن العقد في استئجار الحمام يكون على الماء، وعلى مقدار مدة الليث في الحمام، وهما مجهولان، والإجارة لا تصح إلا بشرط معرفة العين المستهلكة من الماء، ومدة اللبث في الحمام، وإلا كان العقد مشتملًا على جهالتين: جهالة المدة، وجهالة المعقود عليه، وكل ذلك كاف في إفساد مدة الإجارة.\n• وأجيب:\nبأن الأجرة في العقد في مقابلة الماء، واستعمال الأصطال، وسكنى المكان، وحفظ الثياب، والغرر ليس كله منهي عنه، بل هناك غرر متفق على قبوله، كالغرر اليسير، وغرر مجمع على النهي عنه كالغرر الكثير، وغرر مختلف فيه، هل يدخل في الغرر اليسير، فيقبل، أو في الغرر الكثير، فيمنع، وعقد الاستحمام من الغرر اليسير المقبول إن شاء الله تعالى؛ لأن عموم البلوى في هذا العمل، وتعارف الناس عليه يجعله جائزًا، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: «واغتفر في هذا الباب ما لم يغتفر في غيره؛ لأن منه ما ليس بمقدر كالماء، ومقدار الإقامة، والمتبع في ذلك عرف الناس، وتسامحهم بمثل ذلك؛ لأنه مما تدعو الحاجة إليه، ويعسر ضبطه على الناس، والله أعلم، وقد\n_________\n(^١) قال ابن حبان: إذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم. المجروحين (٢/ ٦٢).\nوفي إسناده أيضًا علي بن يزيد الألهاني.\nقال البخاري: منكر الحديث، عن القاسم بن عبد الرحمن، روى عنه عبيد الله بن زحر، ومطرح. التاريخ الكبير (٦/ ٣٠١)، الضعفاء الصغير (٢٥٥).\nوقال أيضًا: ذاهب الحديث، كما في علل الترمذي الكبير. انظر حاشية تهذيب الكمال\nوقال النسائي: ليس بثقة. المرجع السابق. وقال أيضًا: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٤٣٢).","vol":"4","page":382},{"text":"حكي عن بعض المتقشفين أنه كان يشارط الحمامي على قدر ما يستعمله من الماء، ولا يحتاج الأمر إلى ذلك إن شاء الله تعالى؛ لأن فاعله بعد مستهجنًا، وكان يلزمه أن يجلس في الحمام بالمنكام؛ لينضبط له مقدار الزمان. ولم يجعل الله ﷾ علينا في الدين من حرج، بل أموال اليتامى التي من تعمد أكلها أطعم يوم القيامة نارًا، قد أباح الله تعالى شركتهم في أطعمتهم من غير تقدير، بل بما جرت به العادة، وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: ٢٢٠] (^١).\nويقول ابن عابدين: «وللعرف؛ لأن الناس في سائر الأمصار يدفعون أجرة الحمام، وإن لم يعلم مقدار ما يستعمل من الماء، ولا مقدار العقود، فدل إجماعهم على جواز ذلك، وإن كان القياس يأباه لوروده على إتلاف العين مع الجهالة» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1993>الدليل السادس:</span>\nأن دخول الحمام وإن كان الإنسان قد يعرف من نفسه القيام بستر العورة، لكنه لا يضمن ذلك من قبل الناس، فلا يجوز له أن ينظر إلى عورة الناس، كما يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يمتثل الناس اعتزلهم، وإذا كان الناس في الأزمان المتقدمة يغلب عليهم الحياء، فإنهم في هذا العصر انقلبت فطر كثير منهم، وصاروا يمشون عراة على شواطئ البحار من غير نكير، لا تعرف الرجل منهم من المرأة، ولم يقتصر الأمر على العورة المخففة، بل قد يصل ذلك إلى العورة المغلظة، فيجب قطع الباب سدًا للذريعة.\n• وأجيب:\nبأن دخول الحمام محرم إذا اشتمل على فعل محرم، وذلك مثل كشف العورة، أو\n_________\n(^١) الآداب والأحكام المتعلقة بدخول الحمام (ص: ٩٦).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (٥/ ٣٢).","vol":"4","page":383},{"text":"تعمد النظر إلى عورة الغير، أو كان فيه تمكين للأجنبي بمس العورة، وقد أجمع العلماء على أن ستر العورة واجب بالنص والإجماع.\nوممن حكى الإجماع على ذلك ابن كثير (^١)، والنووي (^٢)، وغيرهم، وإنما تنازع الناس في حكم كشف العورة في الوحدة، وسبق ذكرها في بحث مستقل في ذكر هذه المسائل وأدلتها.\nواعلم أن دخول الحمام قد يكون محرمًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون مكروهًا، فتدخله الأحكام الخمسة.\nفيكون محرمًا، إذا اشتمل على فعل محرم، كأن يترتب على دخوله ترك للصلاة، أو كشف للعورات.\nيقول ابن كثير رحمه الله تعالى: «الواجب على الكافة منعهن من تعاطي مثل ذلك، فإنه مما يترتب عليه من المفاسد الخاصة والعامة، اللازمة والمتعدية ما الله به عليم، وقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل (^٣).\nفهذا قولها في المساجد التي زجر النبي ﷺ الرجال أن يمنعوهن إذا أردن الخروج إليها، فيكف بالحمامات» (^٤).\nوقد يكون دخول الحمام واجبًا إذا احتاج إلى طهارة واجبة، لا يمكنه فعلها إلا في الحمام، كالغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس، أو للجمعة على القول بوجوبه، ولا يمكنه الاغتسال بالماء البارد ولا بغيره بالبيت، فهذا يجب عليه الذهاب للاغتسال؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\n_________\n(^١) الآداب المتعلقة بدخول الحمام (ص: ٤٨).\n(^٢) المجموع (٣/ ١٧١).\n(^٣) البخاري (٨٦٩)، ومسلم (٤٤٥).\n(^٤) الآداب والأحكام المتعلقة بدخول الحمام (ص: ٣٧).","vol":"4","page":384},{"text":"وقد ذكر ابن تيمية ﵀ بأن هذه الاغتسال في البلاد الباردة لا يمكن إلا في حمام، وإن اغتسل في غير حمام خيف عليه الموت، أو المرض، فلا يجوز الاغتسال في غير حمام حينئذ (^١).\nوقد يكون مستحبًا إذا لم يمكنه فعل المستحب من الطهارة وغيرها إلا فيها، كغسل الجمعة على القول باستحبابه، ومثله الاغتسال الذي يقصد بها إزالة الدرن من البدن، فإن نظافة البدن من الدرن مستحب شرعًا، فهذا يستحب له الذهاب إلى الحمام إذا كان لا يستطيع الاغتسال في غير الحمام؛ ليحصل له هذا المقصود؛ لأنه والحالة هذه يعتبر الحمام وسيلة إلى فعل المستحب، فيكون مستحبًا.\nوقد يكون مكروهًا إذا كان يترتب على دخول الحمام الوقوع في بعض المكروهات، كالإسراف في الماء.\nوقد يكون مباحًا كما لو كان دخوله للتلذذ والترفه، أو للتداوي على القول بأن التداوي مباح (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1994>الدليل السابع:</span>\nأن مياه هذه الحمامات قد يغتسل فيه من لا يتحفظ عن النجاسات، وقد يبول فيها، وقد يكون على بدنه نجاسة، أو مرض، ثم الأواني المستعملة قد تكون نجسة، وقد يكون ما يغسل فيها من الثياب نجسًا.\nولذلك نهي عن الصلاة في الحمام، وذلك لأن أرضه لا تسلم من النجاسة.\n(٨٥٩ - ١٧٩) فقد روى أحمد من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى ابن عمارة، عن أبيه،\nعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: كل الأرض مسجد وطهور إلا المقبرة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣١١).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٠٥)، والآداب والأحكام المتعلقة بدخول الحمام (ص: ٣٥).","vol":"4","page":385},{"text":"والحمام (^١).\n[اختلف في وصله وإرساله] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٨٣).\n(^٢) رواه السفيانان: الثوري وابن عيينة مرسلًا، وخالفهم محمد بن إسحاق، والدراوردي، وعبد الواحد بن زياد، وحماد بن سلمة على اختلاف عليهم في إسناده.\nقال الترمذي في سننه على إثر حديث (٣١٧): وكأن رواية الثوري، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي ﷺ أثبت وأصح.\nوقال الدارقطني في العلل (٤/ورقة ٣): والمرسل المحفوظ. اهـ ونقله ابن عبد الهادي عنه في تنقيح التحقيق (١/ ٣٠٣).\nوذكره النووي في الخلاصة (٩٣٨) في قسم الأحاديث الضعيفة، وقال: ضعفه الترمذي وغيره، وقال: هو مضطرب، ولا يعارض هذا بقول الحاكم: أسانيده صحيحة، فإنهم أتقن في هذا منه؛ ولأنه قد تصح أسانيده، وهو ضعيف لاضطرابه». اهـ\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٢١): «في إسناد هذا الخبر من الضعف ما يمنع الاحتجاج به».\nوقال أيضًا (٥/ ٢٢٥): «هذا الحديث رواه ابن عيينة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه مرسلًا، فسقط الاحتجاج به».\nوقال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣١٩): «وأما حديث أبي سعيد فمضطرب، كان الدراوردي يقول فيه تارة: عن أبي سعيد، وتارة لا يذكره».\nوقال ابن رجب في فتح الباري (٣/ ١٩٦): «وقد اختلف في إرساله ووصله بذكر أبي سعيد فيه، ورجح كثير من الحفاظ إرساله ....».\nوصححه ابن خزيمة حيث أورده في صحيحه (٢/ ٧) رقم ٧٩١، كما خرجه ابن حبان في صحيحه (٢٣٢١)، كما حكم الحاكم بصحته أيضًا، فقال (١/ ٢٥١): «هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم». ولم يتعقبه الذهبي بشيء.\nكما رجح الوصل ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٨٢)، فقال: «إذا روى الحديث ثقة، أو ثقات مرفوعًا متصلًا، وأرسله بعضهم، يثبت الحديث برواية من روى موصولًا عن النبي ﷺ، ولم يوهن الحديث، تخلف من تخلف عن إيصاله، وهذا السبيل في الزيادات في الأسانيد، والزيادات في الأخبار».\nوقال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٧٢): «أسانيده جيدة، ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه». =","vol":"4","page":386},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال ابن دقيق العيد في الإمام نقلًا من نصب الراية للزيلعي (٢/ ٣٢٤): «حاصل ما أعل به الإرسال، وإذا كان الرافع ثقة، فهو مقبول».\nقلت: ليس هذا القول على إطلاقه، والعمل عند أئمة الحديث أحمد، والبخاري، وعلي بن المديني، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطني إنما ينظرون إلى القرائن، ومقارنة من وصل بمن أرسل، ومن زاد بمن نقص، فإن أمكن الترجيح بين من أرسله ومن وصله، فالذهاب للترجيح، فيرجح الإرسال إذا كان المرسل أوثق، أو أكثر عددًا ممن وصله، أو أخص بالراوي من غيره، ويرجح الوصل إن كان العكس، وقد كتبت صفحات في مقدمة الكتاب بينت عمل أئمة الحديث في الزيادات الواردة في الحديث، وعرضت أحاديث كثيرة حكم الأئمة بشذوذها للمخالفة، ويمكن للقارئ مراجعة البحث مشكورًا، وحديث الباب لا يمكن للباحث الترجيح؛ لأن غالب من وصل الحديث روي عنه بالإرسال أيضًا، وبالتالي فالحديث أقرب ما يكون إلى الاضطراب، فلا يمكن والحالة هذه الترجيح بين من رواه مرسلًا وبين من رواه موصولًا، إذا أضفت إلى ذلك أن غالب أئمة الحديث ممن حكموا على الحديث حكموا عليه بالضعف، فهذا الترمذي، والدارقطني، والبيهقي، وابن عبد البر والنووي وابن الجوزي،\nوابن رجب كلهم ضعفوا الحديث.\n[تخريج الحديث]:\nالحديث رواه عمرو بن يحيى، عن أبيه، ورواه عن عمرو جماعة، منهم:\nالأول: حماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى.\nأخرجه أحمد (٣/ ٨٣) حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد.\nومن طريق يزيد بن هارون أخرجه ابن ماجه (٧٤٥)، وأبو يعلى (١٣٥٠)، والسراج في حديثه (٢٩٨)، وفي مسنده (٥٠١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\nوهنا رواه حماد من غير شك.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٨٣) حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، فقال: عن أبي سعيد فيما يحسب، عن النبي ﷺ. فهنا شك حماد في وصله.\nوأخرجه أبو داود (٤٩٢) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد (ح)،\nوحدثنا مسدد، حدثنا عبد الواحد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ.\nوقال موسى في حديثه: فيما يحسب عمرو أن النبي ﷺ قال: الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة.\nفهنا رواية موسى بن إسماعيل، عن حماد على الإرسال، وليست على الوصل. =","vol":"4","page":387},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد فهم المزي كما في تحفة الأشراف (٣/ ٤٨٤): أن موسى شك في رفعه، فتعقبه الحافظ في النكت الظراف، فقال: بل في وصله.\nفأنت ترى أن حماد بن سلمة روايته ليست متفقة، بل اختلف عليه في وصله وإرساله وتارة بالجزم وتارة بالظن.\nالثاني: محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى.\nأخرجها أحمد في المسند (٣/ ٨٣) من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد مرفوعًا، بلفظ: كل الأرض مسجد وطهور، إلا المقبرة والحمام.\nوانفرد ابن إسحاق بزيادة لفظ (طهور) وقد نبهت إلى شذوذها.\nوأشار الترمذي إلى اختلاف حاصل على محمد بن إسحاق، فقال ﵀ في سننه بإثر ح (٣١٧): «ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، ولم يذكر فيه عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ. اهـ كلام الترمذي ﵀.\nوهذا اختلاف آخر أيضًا على محمد بن إسحاق، وهو ممن روى الحديث موصولًا.\nالثالث: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى.\nأخرجها الترمذي في السنن (٣١٧)، وفي العلل الكبير (١١٣)، والدارمي (١٣٩٠)، وابن خزيمة (٧٩١)، والحاكم (١/ ٢٥١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣٥)، والبغوي في شرح السنة (٥٠٦) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي به.\nوأشار الترمذي إلى اختلاف وقع من الدراوردي، فقال: «قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين، منهم من ذكره عن أبي سعيد، ومنهم من لم يذكره. وهذا حديث فيه اضطراب ....» إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\nفهذا راو ثالث ممن روى الحديث موصولًا يذكر الترمذي أنه قد اختلف عليه في وصله وإرساله.\nبل إن الدارمي رحمه الله تعالى ذهب إلى أن الأكثر على إرساله، ففي سنن الدارمي، بعد أن روى الحديث، «قيل له: تجزئ الصلاة في المقبرة؟ قال: إذا لم تكن على القبر، فنعم، وقال: الحديث أكثرهم أرسلوه». اهـ\nالرابع: عبد الواحد بن زياد، عن عمرو بن يحيى.\nأخرجه أحمد (٣/ ٩٦)، وأبو داود (٤٩٢)، وابن حبان (١٦٩٩، ٢٣١٦، ٢٣٢١)، وابن المنذر في الأوسط (٧٥٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٥١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣٥) من طرق عن عبد الواحد بن زياد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد.\nالخامس: سفيان الثوري، عن عمرو بن يحيى.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (١٥٨٢).\nابن أبي شيبة (٧٥٧٤) حدثنا وكيع، =","vol":"4","page":388},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والطوسي في مستخرجه على جامع الترمذي (٢٩٨) والدارقطني في العلل (١١/ ٣٢١) من طريق أبي نعيم (الفضل بن دكين).\nورواه الدارقطني في العلل (١١/ ٣٢١) من طريق قبيصة بن عقبة، أربعتهم عن الثوري، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ..\nوهذا مرسل.\nورواه أحمد (٣/ ٨٣) حدثنا يزيد - يعني ابن هارون - أخبرنا سفيان الثوري وحماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال حماد في حديثه: عن أبي سعيد الخدري، ولم يجز سفيان أباه.\nفهذا صريح أن رواية يزيد بن هارون، عن سفيان مرسلة، لقوله: ولم يجز سفيان أباه.\nورواه أبو يعلى (١٣٥٠) من طريق يزيد بن هارون به، كإسناد أحمد تمامًا، حيث قال: ولم يجاوز سفيان أباه.\nومع هذا النقل الصريح بأن رواية يزيد بن هارون، عن الثوري مرسلة، فقد وقع لبس لبعض العلماء في رواية ابن ماجه.\nفقد رواه ابن ماجه (٧٤٥) فقال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه. وحماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: ... وذكر الحديث.\nفتوهم أن طريق الثوري وطريق حماد بن سلمة كلاهما موصول عن أبي سعيد، وممن فهم ذلك المزي في تحفة الأشراف، فتعقبه الحافظ في النكت الظراف، فقال: «فقد أخرجه ابن ماجه من رواية حماد والثوري، فجمعهما بلفظ يوهم أنهما متفقان على وصله ... ثم ذكر سياق ابن ماجه، ثم قال: فقوله: عن أبي سعيد: ظاهر في رواية حماد، ومحتمل في رواية الثوري، والتحقيق أن رواية الثوري ليس فيها عن أبي سعيد». اهـ كلام الحافظ.\nوما رجحه الحافظ هو الحق، وقد رواه البيهقي في السنن (٢/ ٤٣٤) بنفس إسناد ابن ماجه، ولم يلتبس عليه كما التبس على المزي، فقال بعد أن ساق إسناد الحديث: حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولًا وليس بشيء، وحديث حماد بن سلمة موصول، وقد تابعه على وصله\nعبد الواحد بن زياد والدراوردي ...» إلخ كلام البيهقي رحمه الله تعالى.\nفحكم على طريق الثوري بأنه مرسل، وعلى طريق حماد بن سلمة بأنه موصول، ولم يجعل الطريقين كليهما موصولًا، كما فهم المزي.\nوأبعد النجعة أحمد شاكر حين قال: ولم أجده مرسلًا من رواية الثوري، إنما رأيته كذلك من رواية سفيان بن عيينة، فماذا يقول ﵀ عن رواية أحمد وأبي يعلى عندما قالا: ولم يجاوز سفيان أباه .. =","vol":"4","page":389},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أحمد شاكر رحمه الله تعالى في تحقيقه للترمذي: «ولا أدري كيف يزعم الترمذي ثم البيهقي أن الثوري رواه مرسلًا في حين أن روايته موصولة أيضًا .... وأنا لم أجده مرسلًا من رواية الثوري، وإنما رأيته كذلك من رواية سفيان بن عيينة، فلعله اشتبه عليهم سفيان بسفيان ...».\nقلت: لقد علمت أن الذين رواه مرسلًا لم يكن الثوري وابن عيينة فقط، ولذلك قال الدارمي: والأكثر على إرساله. وقال الدارقطني في العلل ونقله ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٣٠٣): ورواه جماعة عن عمرو بن يحيى، عن أبيه مرسلًا، والمرسل هو المحفوظ». اهـ\nنعم أشار الدارقطني في العلل، ونقله ابن عبد الهادي في التنقيح إلى اختلاف على الثوري في وصله وإرساله.\nفرواه عبد الرزاق، ووكيع، ويزيد بن هارون، وقبيصة بن عقبة، عن الثوري مرسلًا، وقد سبق تخريج هذه الطرق قبل قليل.\nورواه أبو نعيم الفضل بن دكين، واختلف عليه في وصله وإرساله:\nفرواه السري بن يحيى عن أبي نعيم كما في العلل للدارقطني (١١/ ٣٢١) مرسلًا.\nورواه أبو قلابة عن أبي نعيم، واختلف عليه فيه:\nفرواه الطوسي في مستخرجه على الترمذي (٢٩٨) عن أبي قلابة، عن أبي نعيم مرسلًا، كرواية السري بن يحيى عن أبي نعيم.\nورواه أحمد بن العباس البغوي، وإسماعيل الصفار كما في العلل للدارقطني (١١/ ٣٢١) عن أبي قلابة، عن أبي نعيم موصولًا.\nوالراجح عن أبي نعيم الإرسال، فالاختلاف على أبي قلابة، وهو كثير الخطأ لا يضعف رواية الطوسي، كيف وقد توبع الطوسي.\nوذكر الدارقطني في العلل (١١/ ٣٢١) أن سعيد بن سالم، ويحيى بن آدم، قد رووه عن الثوري، فوصلوه .... ومعنى هذا أن الثوري كغيره قد اختلف عليه في وصله وإرساله، وإن كان الراجح عن الثوري هي رواية الإرسال، ويكفي أنها رواية وكيع، وعبد الرزاق، ويزيد بن هارون، وغيرهم والله أعلم.\nالسادس: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن يحيى.\nأخرجه الشافعي في مسنده (ص: ٢٠) أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ مرسلًا.\nقال الشافعي: وجدت هذا الحديث في كتابي في موضعين: أحدهما منقطعًا، والآخر عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ.\nقال أحمد كما في العلل ومعرفة الرجال (١٧٦): «قال سفيان: لم أسمع منه حديث عمرو بن يحيى عن أبيه، عن النبي ﷺ في الحمام والمقبرة، قد حدثنا به سفيان، دلسه». =","vol":"4","page":390},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثم بين أحمد أن سفيان سمعه من يحيى بن سعيد القطان، فقال في العلل ومعرفة الرجال (١٨٣١): «حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرو بن يحيى منذ أربع وسبعين سنة فسألته بعد ذلك بقليل وكان يحيى أكبر منه قال سفيان سمعت منه ثلاثة أحاديث قال أبي حديث الأرض كلها مسجد الا الحمام والمقبرة قال سفيان لم أسمعه منه».\nالسابع: عمارة بن غزية، عن عمرو بن يحيى.\nأخرجه ابن خزيمة (٧٩٢) من طريق بشر بن المفضل، ثنا عمارة بن غزية، عن يحيى بن عمارة الأنصاري، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\nومن طريق بشر بن المفضل، أخرجه الحاكم (٢/ ٢٥١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣٥)، وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات، إلا أنه قد تفرد به بشر بن المفضل، وهو ثقة ..\nهذا ما وقفت عليه من طرقه، وأرى أن الحديث إن لم يكن مضطربًا كما قال الترمذي باعتبار أن كل من رواه موصولًا قد اختلف عليه في وصله وإرساله إلا طريقين: طريق عبد الواحد بن زياد، وهو ضعيف، وطريق عمارة بن غزية، عن يحيى بن عمارة، تفرد به بشر بن المفضل عنه، أو أن الراجح فيه الإرسال على الوصل كما اختاره جمع كثير من أهل العلم، وسواءً كان الراجح فيه الاضطراب أو الإرسال فهو ضعيف لا حجة فيه، والله أعلم.\nأضف إلى ذلك أن الحديث في الصحيحين من مسند جابر، وليس فيه استثناء، وإنما فيه: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) ولم يستثن.\nوأما ما رواه الترمذي (٣٤٦)، وابن ماجه (٧٤٦)، وعبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (٧٦٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٨٣)، والروياني في مسنده (١٤٣١)،\nوابن عدي في الكامل (٣/ ٢٠٣) من طريق زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن ... وذكر منها المقبرة والحمام ..\nفإن هذا الحديث غير صالح للاعتبار، فهو ضعيف جدًّا، وزيد بن جبيرة متروك الحديث.\nوأما حديث عمر بن الخطاب:\nفرواه أبو صالح كاتب الليث، واختلف عليه فيه:\nفرواه إبراهيم بن هانئ كما في مسند البزار (١٦١).\nومحمد بن إسماعيل السلمي كما في مسند عمر بن الخطاب للنجاد (٧١)، ومن طريقه الذهبي في معجم الشيوخ الكبير (١/ ١٢٠).\nوأبو عمران موسى بن يزيد كما في ميزان الاعتدال (٢/ ٤٤٥).\nويحيى بن عثمان بن صالح المصري كما في الضعفاء الكبير للعقيلي (٢/ ٧١)، أربعتهم عن عبد الله ابن صالح، عن الليث، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر.\nوعلقه الترمذي على إثر حديثه السابق بذكر عبد الله بن عمر. =","vol":"4","page":391},{"text":"فاستثنى الحمام من الأرض الطهور، وهذا دليل على نجاستها، وإنما تنجس الحمام بتنجس الماء المستعمل فيه.\nويُجاب عن هذا:\nأولًا: أما قولكم بأن مياه هذه الحمامات قد يغتسل فيها من لا يتحفظ عن النجاسات.\nفيقال: الأصل في الماء أنه طهور حتى يتغير بالنجاسة، ولم يتغير بها.\nثانيًا: الشك لا يقضي على اليقين، فنجاسة الماء مشكوك فيها، وطهوريته متيقنة، فلا ننتقل عن اليقين بمجرد الشك.\nثالثًا: أننا إذا افترضنا أن الماء قد خالطته نجاسة، فإن ماء الحمامات كثير، وفي حكم الماء الجاري، والماء الجاري على الصحيح لا ينجس إلا بالتغير، كما قال الإمام أحمد ففي مسائله رواية صالح، قلت: ما تقول في الغسل بماء الحمام؟ قال: الحمام\n_________\n= وهذا إسناد ضعيف، فيه عبد الله العمري المكبر، ضعيف، وفيه أبو صالح كاتب الليث في حفظه شيء. قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي صالح كاتب الليث».\nوخالفهما علي بن داود كما في سنن ابن ماجه (٧٤٧)، ومستخرج الطوسي على جامع الترمذي (٣٢٤)\nومحمد بن أبي الحسين، كما في سنن ابن ماجه (٧٤٧) كلاهما روياه عن أبي صالح، حدثني الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب.\nفأسقطا (عبد الله بن عمر العمري) من إسناده، قال الطوسي: «روى هذا الحديث الليث عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ولكن علي بن داود ترك عبد الله بن عمر».\nقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٤٨): سألت أبي عن حديث رواه الليث، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، أنه نهى أن يصلي الرجل في سبع مواطن: ... وذكر الحديث ورواه زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: جميعًا واهيين». اهـ\nوانظر لمراجعة بعض طرق حديث أبي سعيد: أطراف المسند (٦/ ٣٢٢)، تحفة الأشراف (٤٤٠٦)، إتحاف المهرة (٥٧٨١).","vol":"4","page":392},{"text":"بمنزلة الماء الجاري عندي (^١).\nوأما الجواب عن الحديث، والنهي عن الصلاة في الحمام، فيجيب عنه ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيقول:\n«استثنى الحمام مطلقًا، فيتناول الاسم ما دخل في المسمى، فلهم طريقان:\nالأول: أن النهي تعبد لا يعقل معناه، كما ذهب إليه طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وأتباعه.\nوالثاني: أن ذلك؛ لأنه مأوى الشياطين، كما في الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، أن الشيطان قال: يا رب اجعل لي بيتًا، قال: بيتك الحمام ... وذكر الحديث المتقدم (^٢).\nوهذا التعليل كتعليل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل بنحو ذلك، كما في الحديث: إن على ذروة كل بعير شيطانًا، وإنه جن، خلقت من جن، إذ لا يصح التعليل هناك بالنجاسة؛ لأنه فَرَّق بين أعطان الإبل ومبارك الغنم، وكلاهما في الطهارة والنجاسة سواءً، كما لا يصح تعليل الأمر بالوضوء بأنه لأجل مس النار مع تفريقه بين لحوم الإبل ولحوم الغنم، وكلاهما في مس النار وعدمه سواءً» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1995> دليل من قال بالجواز مطلقًا للرجال والنساء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1996>الدليل الأول:</span>\nقال الموصلي رحمه الله تعالى: «لم يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله ﷺ» (^٤).\nوقال ابن القيم: «ولم يدخل ﷺ حمامًا قط، ولعله ما رآه بعينه، ولم يصح في الحمام\n_________\n(^١) مسائل أحمد رواية صالح رقم (٥٥٨).\n(^٢) ضعيف جدًّا، وسبق توضيح ذلك.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٢٠).\n(^٤) المغني عن الحفظ والكتاب (ص: ٢٤٧).","vol":"4","page":393},{"text":"حديث» (^١).\nوقال عبد الحق في أحكامه: «وأما ما خرجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة، فلا يصح منه شيء؛ لضعف الأسانيد» (^٢).\nوإذا كان لم يصح فيه حديث، فالأصل في دخوله الإباحة للرجال والنساء، بشرط أن يخلو من محظور آخر، كالتعري ونحوه، فهذا إنما يمنع لا من أجل الحمام، ولكن من أجل كشف العورة، وهو غير خاص في دخول الحمام، بل في كل مكان يتعرض فيه الناس إلى كشف عوراتهم فيجب أن يمنعوا من ذلك، ولو كان هذا في أماكن العبادة ونحوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1997>الدليل الثاني:</span>\n(٨٦٠ - ١٨٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة،\nعن ابن عباس أنه دخل حمام الجحفة (^٣).\n[صحيح].\nوإذا جاز دخوله للرجال جاز دخوله للنساء إلا بدليل، وإنما النساء شقائق الرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1998>الدليل الثالث:</span>\n(٨٦١ - ١٨١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة،\nعن أبي هريرة، قال: نعم البيت الحمام، يذهب الدرن، ويذكر النار (^٤).\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٤٤).\n(^٢) الأحكام الوسطى (١/ ٢٤٤).\n(^٣) المصنف (١/ ١٠٣) رقم: ١١٦٩.\n(^٤) المصنف (١/ ١٠٣) رقم: ١١٧٠.","vol":"4","page":394},{"text":"[صحيح] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1999>الدليل الرابع:</span>\n(٨٦٢ - ١٨٢) ما رواه البزار حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه،\nعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: احذروا بيتًا يقال له الحمام، قالوا: يا رسول الله ينفي الوسخ؟ قال: فاستتروا.\nقال البزار: ..... ولا نعلم أحدًا وصله إلا يوسف، عن يعلى، عن الثوري (^٢).\nوقال عبد الحق في أحكامه عن حديث البزار: هذا أصح إسناد حديث في هذا الباب، على أن الناس يرسلونه عن طاوس (^٣).\n[الراجح أنه مرسل] (^٤).\n_________\n(^١) روى ابن أبي شيبة بهذا الإسناد إلى أبي زرعة، فقال مرة: عن علي بن أبي طالب: بئس البيت الحمام، وقال مرة عن أبي هريرة، قال: نعم البيت الحمام كما في هذا الإسناد، والأول ضعيف لانقطاعه، وسبق تخريجه، وهذا متصل، ولم ينفرد به جرير بن عبد الحميد.\nفقد رواه ابن المنذر في الأوسط (٦٥١) من طريق سفيان.\nوالبيهقي في شعب الإيمان (٧٤٦٥) من طريق عبد الواحد بن زياد، كلاهما عن عمارة بن القعقاع به. وهذه متابعة لجرير في جعله من مسند أبي هريرة.\n(^٢) مختصر مسند البزار (٢١١)، وكشف الأستار (٣١٩).\n(^٣) الأحكام الوسطى (١/ ٢٤٤).\n(^٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٧٧): رواه البزار، والطبراني في الكبير، إلا أنه قال: قالوا: يا رسول الله إنه يذهب بالدرن، وينفع المريض؟ ورجاله عند البزار رجال الصحيح إلا أن البزار، قال: رواه الناس عن طاوس مرسلًا. اهـ\nقلت اختلف فيه على سفيان:\nفرواه البزار كما في إسناد الباب، والبيهقي (٧/ ٣٠٩) من طريق يعلى بن عبيد، عن الثوري، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا.\nوخالفه عبد الرزاق في المصنف (١١٧).\nوابن أبي شيبة في المصنف (١١٨٤)، قال: حدثنا وكيع،\nوالبيهقي (٧/ ٣٠٩) من طريق أبي نعيم، ثلاثتهم عن الثوري، عن ابن طاوس، عن أبيه، مرسلًا.\nوأخرجه الفاكهي في أخبار مكة (١٨٥٨) والبيهقي في الشعب (٧٣٧٧) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه مرسلًا. وأشار إليه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٠٩)، وقال أيضًا في الشعب والسنن: وكذلك رواه روح بن القاسم عن ابن طاوس.\nقال الحافظ ابن كثير في كتابه الآداب المتعلقة بدخول الحمام (ص: ٣٤): وهذا إسناد جيد. اهـ\nورواه عبد الرزاق في مصنفه (١١١٦) عن معمر، عن ابن طاووس به مرسلًا. وسقط من إسناد المصنف معمر، واستدركته من كتاب ابن كثير الآداب المتعلقة بدخول الحمام، والله أعلم.\nفصار الثوري، وابن عيينة، ومعمر، وروح بن القاسم، رووه عن ابن طاوس، عن أبيه مرسلًا.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (٢٢٠٩): «وسألت أبي عن حديث رواه يعلى بن عبيد، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ... وذكر الحديث. قال أبي: إنما يروونه عن طاوس، عن النبي ﷺ مرسل». اهـ\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٠٩٣٢) والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٨٨) والبيهقي في الشعب (٧٣٧٥) من طريق أبي الإصبع عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثنا محمد بن مسلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن ابن طاوس وأيوب السختيان، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعًا.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. قلت: الحراني لم يخرج له مسلم، وقال فيه الحافظ: صدوق، ربما وهم، ومحمد بن إسحاق إنما أخرج له استشهادًا.\nقلت وقد خولف فيه محمد بن إسحاق، فقد رواه البيهقي في الشعب (٧٣٧٦) من طريق حماد بن زيد، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه مرسلًا. قال البيهقي: وهو المحفوظ. وانظر إتحاف المهرة (٧٨٦٦).","vol":"4","page":395},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2000> أدلة من فرق بين الرجال والنساء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2001>الدليل الأول:</span>\n(٨٦٣ - ١٨٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد،\nعن أبي مليح الهذلي، أن نساء من أهل حمص، ومن أهل الشام دخلن على عائشة، فقالت: أنتن اللاتي يدخلن نساؤكم الحمامات؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها، إلا هتكت الستر بينها وبين الله (^١).\n_________\n(^١) مسند أبي داود الطيالسي (١٥١٨).","vol":"4","page":396},{"text":"[صحيح] (^١).\n_________\n(^١) الحديث رواه منصور، واختلف عليه فيه:\nفرواه شعبة، عن منصور، واختلف على شعبة، فرواه أبو داود الطيالسي كما في إسناد الباب، ومن طريقه الترمذي (٢٨٠٣)، والبيهقي في السنن (٧/ ٣٠٨)،\nومحمد بن جعفر كما في مسند أحمد (٦/ ١٧٣)، وسنن أبي داود (٤٠١٠).\nوآدم بن إياس كما في المستدرك (٤/ ٢٨٨، ٢٨٩)، ثلاثتهم، عن شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي المليح، عن عائشة. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات.\nوخالفهم حجاج بن محمد، كما في المسند (٦/ ١٧٣) فقال: عن شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي الميح، عن رجل، عن عائشة، فزاد في إسناده (هذا الرجل المبهم).\nورواية الجماعة أولى؛ أولًا: لأنهم أكثر عددًا.\nوثانيًا: لأن فيهم محمد بن جعفر، وهو من أثبت أصحاب شعبة.\nوثالثًا: لأنه قد رواه الثوري وإسرائيل، عن منصور، كرواية الجماعة عن شعبة.\nفقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٣٢)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الإمام أحمد (٦/ ١٧٣، ١٩٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٨٨).\nوأخرجه ابن ماجه (٣٧٥٠) من طريق وكيع.\nوأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ١٥٧)، من طريق محمد بن شرحبيل، ثلاثتهم (وكيع، وعبد الرزاق، ومحمد بن شرحبيل) عن سفيان.\nوأخرجه الدارمي (٢٦٥٢) من طريق إسرائيل، كلاهما (سفيان وإسرائيل) روياه عن منصور، عن سالم، عن أبي المليح، عن عائشة.\nفهذان الطريقان يرجحان رواية الجماعة عن شعبة، وبهما يتبين خطأ حجاج بن محمد.\nوخالف جرير بن عبد الحميد، شعبة والثوري وإسرائيل، فأخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده (١٦٠٥)، وأبو داود (٤٠١٠) عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن سالم، عن عائشة، فأسقط من إسناده أبا المليح، وسالم لم يسمع من عائشة.\nورواية الجماعة هي المحفوظة، ولم يحفظ عن منصور روايته بإسقاط أبي المليح.\nوشعبة والثوري وجرير من كبار أصحاب منصور، إلا أن اجتماع شعبة والثوري على مخالفة جرير يجعل رواية جرير غير محفوظة، في شرح علل الترمذي (٢/ ٧٢١): «قال الدارقطني: أثبت أصحاب منصور: الثوري، وشعبة، وجرير الضبي».\nفبدأ بالثوري، ثم شعبة، ثم جرير، وفي الإرشاد للخليلي (٢/ ٥٦٨): «من فاته شعبة والثوري يستدرك بجرير، سمع منصور بن المعتمر ....». =","vol":"4","page":397},{"text":"والحديث استنبطت منه عائشة ﵂ حرمة دخول النساء للحمام، وإن كان الحديث مطلقًا، ولم يقيد بدخول الحمام، ولذا لا يشمل الحديث امرأة دخلت الحمام بقميص مثلًا؛ لأن الوعيد على من وضعت ثيابها، وهذه لم تضع ثيابها، كذلك الحديث لا يشمل من وضعت بعض ثيابها عند من تحل له رؤية زينتها الظاهرة، كالأزواج والنساء ونحو ذلك، فالحديث يقصد به تلك المرأة التي تضع ثيابها أمام الرجال الأجانب بقصد الفاحشة أو مقدماتها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2002>الدليل الثاني:</span>\n(٨٦٤ - ١٨٤) ما رواه أحمد من طريق عمر بن السائب، أن القاسم بن أبي القاسم\n_________\n= وتابع الأعمش جريرًا في إسقاطه أبا المليح، إلا أن الأعمش قد اختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد (٦/ ٤١) حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عائشة. فأسقط من إسناده أبا المليح.\nوخالفه يعلى بن عبيد، فأخرجه الدارمي (٢٦٥١) عنه، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عائشة.\nفزاد الأعمش في إسناده عمرو بن مرة، وأسقط أبا المليح، وحفص مقدم في الأعمش على يعلى بن عبيد، إلا أن الصواب مع الثوري وشعبة.\nقال الدارقطني في العلل (٥ - ورقة ٩٥) وقول شعبة والثوري، عن منصور أشبه بالصواب.\nوقال المزي في تهذيب الكمال (١٠/ ١٣١): والصحيح عن أبي المليح عنها.\nوأخرجه أبو يعلى (٤٦٨٠) من طريق إسحاق بن سليمان الرازي، عن معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به.\nقلت: لم يروه عن الزهري إلا معاوية بن يحيى الصدفي، انفرد به عنه إسحاق بن سليمان الرازي، وقد قال البخاري في معاوية: روى عنه إسحاق بن سليمان أحاديث مناكير، كأنها من حفظه. التاريخ الكبير (٧/ ٣٣٦).\nقلت: لو كان هذا من حديث الزهري، فأين أصحاب الزهري المعروفين بالرواية عنه عن هذا الحديث؟ فلا يثبت الحديث من هذا الطريق، وله شاهدان من حديث أم الدرداء، وأم سلمة في مسند أحمد، وفي غيرهما، وفيهما ضعف، كما أن في متن حديث أم الدرداء نكارة.\nانظر في مراجعة طرق الحديث: أطراف المسند (٩/ ٢٩٠)، تحفة الأشراف (١٧٨٠٤)، إتحاف المهرة (٢٢٩٩٦)، و(٢١٦٦٤).","vol":"4","page":398},{"text":"السبئي حدثه، عن قاص الأجناد بالقسطنطينية أنه سمعه يحدث،\nأن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها بالخمر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل الحمام (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nفجعل النهي للرجال متوقف على لبس الإزار، ونهى المرأة نهيًا مطلقًا من دخوله، لكن الحديث ضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2003>الدليل الثالث:</span>\n(٨٦٥ - ١٨٥) ما رواه الطبراني من طريق علي بن يزيد، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية،\nعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام ...\n_________\n(^١) المسند (١/ ٢٠).\n(^٢) الحديث رواه عبد الله بن وهب في موطأه (٦٤)، وأبو يعلى الموصلي (٢٥١)، والبيهقي في السنن (٧/ ٢٦٦) وفي شعب الإيمان (٧٣٨٠)، من طريق عمر بن السائب به.\nإسناده ضعيف؛ فيه أكثر من علة:\nالأولى: الانقطاع، قال البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ١٦٢): عمر بن السائب، عن القاسم بن أبي القاسم، روى عنه عمرو بن الحارث المصري، منقطع.\nالثانية: القاسم بن أبي القاسم، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١١٧)، والبخاري كما في التاريخ الكبير (٧/ ١٦٧) فلم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولم يوثقه إلا ابن حبان كما في الثقات (٧/ ٣٣٣)، ففيه جهالة.\nالعلة الثالثة: جهالة قاص الأجناد، حيث لم تعرف عينه، والله أعلم.\nانظر أطراف المسند (٥/ ٩٠)، إتحاف المهرة (١٥٨٧٧).","vol":"4","page":399},{"text":"الحديث (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2004>الدليل الرابع:</span>\n(٨٦٦ - ١٨٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عبد الله بن شداد، عن أبي عذرة، قال - وكان قد أدرك النبي ﷺ-.\nعن عائشة، أن رسول الله ﷺ نهى الرجال والنساء عن الحمامات، ثم رخص للرجال أن يدخلوها في المآزر (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) المعجم الأوسط للطبراني (٧٣٢٠).\n(^٢) ورواه البزار كما في كشف الأستار (٣١٨) من طريق علي بن يزيد به.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٧٧): «رواه الطبراني في الأوسط والبزار باختصار ذكر الجمعة، وفيه علي بن يزيد الألهاني، ضعفه أبو حاتم، وابن عدي، ووثقه أحمد وابن حبان». اهـ\nوفي إسناده أيضًا عطية بن سعد العوفي، ضعيف الحديث. انظر الجرح والتعديل (٦/ ٣٨٢).\n(^٣) المسند (٦/ ١٣٢).\n(^٤) في إسناده أبو عذرة، قال ابن القطان: مجهول الحال، وفي التقريب: مجهول.\nوقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، وإسناده ليس بذاك القائم.\nوالحديث أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٤)، وابن ماجه (٣٧٤٩) من طريق عفان به، إلا أن ابن\nأبي شيبة خالف في لفظه، فليس فيه الترخيص للرجال، واستثنى من النساء المريضة والنفساء.\nوأخرجه أحمد (٦/ ١٣٩) وابن ماجه (٣٧٤٩) من طريق وكيع.\nوأخرجه أحمد (٦/ ١٧٩) والترمذي (٢٨٠٢) عن عبد الرحمن بن مهدي،\nوأخرجه أبو داود (٤٠٠٩) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٨) وفي شعب الإيمان (٧٧٦٥) عن موسى بن إسماعيل.\nوأخرجه البيهقي (٧/ ٣٠٨) من طريق هشام بن عبد الملك، كلهم عن حماد بن سلمة به. قال الحازمي في الاعتبار (ص: ١٩٤) لا يعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه، وأبو عذرة غير مشهور، وأحاديث الحمام كلها معلولة، وإنما يصح فيها عن الصحابة ﵃، فإن كان هذا الحديث محفوظًا فهو صريح في النسخ، والله أعلم بالصواب.\nإتحاف المهرة (٢٢٩٨٦)، أطراف المسند (٩/ ٢٨٧)، تحفة الأشراف (١٧٧٩٨).","vol":"4","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2005>الدليل الخامس:</span>\n(٨٦٧ - ١٨٧) ما رواه أحمد من طريق أبي خيرة، عن موسى بن وردان، قال أبو خيرة: لا أعلم إلا أنه قال: عن أبي هريرة،\nأن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتي فلا تدخل الحمام (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2006>الدليل السادس:</span>\n(٨٦٨ - ١٨٨) ما رواه أحمد من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير،\nعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام ... الحديث (^٣).\n[ضعيف بهذا الإسناد] (^٤).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣٢١).\n(^٢) ورواه ابن أبي عمر في مسنده كما في المطالب العالية (١٧٤) والصيداوي في معجم الشيوخ (ص: ٢٥١) من طريق أبي خيرة به، وفي إسناده أبو خيرة، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٨/ ٤٤٤).\nوقال الحسيني والذهبي: لا يعرف. انظر تعجيل المنفعة (ص: ٣٩٤)، ميزان الاعتدال (٤/ ٥٢١).\nوقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٥٠٥): «هذا إسناد ضعيف، أبو خيرة لا يعرف، قاله الذهبي».\n(^٣) المسند (٣/ ٣٣٩).\n(^٤) رواه عن جابر ﵁ اثنان: أبو الزبير وطاووس.\nأما رواية أبي الزبير، فلها طرق، منها:\nالأول: ابن لهيعة، عن أبي الزبير، أخرجها أحمد في المسند (٣/ ٣٣٩)، حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير به. =","vol":"4","page":401},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثاني: عطاء، عن أبي الزبير.\nورواه النسائي في المجتبى (٤٠١)، وفي الكبرى (٦٧٠٨)، والطبراني في الأوسط (١٦٩٤، ٨٢١٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٦٢)، والبيهقي في الشعب (٥٥٩٦) والخطيب في تاريخ بغداد (١/ ٢٤٤) من طريق معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن عطاء، عن أبي الزبير،\nعن جابر عن النبي ﷺ، قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدخل الحمام إلا بمئزر. ولم يذكر النسائي النهي عن دخول النساء.\nوعطاء في جميع الطرق التي وقفت عليها لم ينسب، فهل هو عطاء بن أبي رباح، أو عطاء بن السائب؟ وبينهما فرق كبير، فإن كان عطاء هو عطاء بن أبي رباح، فالحديث إسناده صحيح إلى أبي الزبير، لكن الطبراني قال: في الأوسط: «يقال: إن عطاء الذي روى عنه هشام الدستوائي هذا الحديث هو عطاء بن السائب، ولم يرو عنه إلا هشام، ولا عن هشام إلا ابنه، تفرد به إسحاق». اهـ يشير الطبراني إلى علة التفرد في الحديث.\nوهذا الذي ذكره الطبراني محتمل جدًّا، وهو أولى من صنيع المزي ﵀ في التحفة، حيث جعله عطاء بن أبي رباح؛ لأمور منها:\nأولًا: أن عطاء بن أبي رباح من شيوخ أبي الزبير، وليس من تلاميذه، وقد يقال: إن الشيخ قد يروي عن تلميذه، وإن كان هذا قليلًا؛ لكنه لا يستبعد.\nثانيًا: لم يذكر المزي من تلاميذ عطاء بن أبي رباح هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، كما لم يذكر المزي أيضًا من شيوخ هشام عطاء بن أبي رباح.\nثالثًا: هشام الدستوائي يروي عن عطاء بن السائب، فيما ذكره أبو داود في مسائل أحمد، وقد سمع هشام من عطاء بن السائب قبل تغيره، نص عليه أبو داود في مسائل أحمد، قال أبو داود (١٨٥٢) «قال غير أحمد: قدم عطاء البصرة قدمتين، فالقدمة الأولى سماعهم صحيح، وسمع منه في القدمة الأولى: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وهشام الدستوائي.\nوالقدمة الثانية: كان متغيرًا فيها، سمع منه وهيب، وإسماعيل، وعبد الوارث، سماعهم منه ضعيف». اهـ\nرابعًا: أن حديث هشام الدستوائي في صحيح مسلم وفي غيره، بينه وبين عطاء بن أبي رباح دائما إما قتادة كما في ح (٩٠١)، أو مطر كما في ح (٩٩٧)، أو قتادة وبديل كما في ح (١٦٧٤).\nفإذا كان عطاء هو ابن السائب، فإنه ليس معروفًا بالرواية عن أبي الزبير، وقد بحثت في الكتب التسعة عن رواية لحديث يرويه عطاء بن السائب، عن أبي الزبير فلم أجد له إلا هذا الإسناد المبهم، كما أن عطاء بن أبي رباح لم أجد له رواية في الكتب التسعة عن أبي الزبير، وإنما هناك أحاديث كثيرة يرويها عطاء بن أبي رباح وأبو الزبير، عن جابر، وهناك أحاديث يرويها =","vol":"4","page":402},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبو الزبير، عن عطاء كما في سنن النسائي (٣٨٤٥)، وأحمد (٢٦٦١، ٢٧١١) وموطأ مالك (٨٧٢)، وأما رواية عطاء ابن أبي رباح، عن أبي الزبير، فلم أقف على إسناد واحد إلا أن يكون هذا الإسناد.\nوفي تحفة الأشراف (٢/ ٣٣٣) استدراك على المزي من جعله عطاء هو عطاء بن أبي رباح، فقد وجد المحقق في الحواشي تعليقًا من العراقي، فقال (٢/ ٣٣٣): «في حاشية ل: ذكر شيخنا الحافظ العراقي أن س قال في الوليمة: إن عطاء هذا: هو ابن دينار مديني.\nوفي حاشية ل أيضًا: عطاء بن دينار، عن أبي الزبير، عن جابر، يذكر معه الحديثان الأولان من الترجمة التي قبل هذا، كما ذكره شيخنا أبو الفضل الحافظ العراقي. اهـ\nوعطاء بن دينار ذكر المزي في تهذيبه اثنين: أحدهما: مصري ثقة، والآخر ذكره تمييزًا، وقال: مولى قريش، ولعله هذا، وقال: ذكره أبو سعيد بن يونس، في أثناء ترجمة الهذلي، وقال: وهو منكر الحديث. تهذيب الكمال (٢٠/ ٦٩).\nوما دام أن هذا الإسناد بهذه الغرابة، فإن الباحث لا يستطيع أن يقبل هذا الإسناد، فعلة التفرد الذي أشار إليها الطبراني ﵀ ما زالت قائمة في هذا الإسناد من هذا الطريق، والله أعلم».\nوقال الحافظ في الفتح (٩/ ٢٥٠): «إسناده جيد، وعطاء كان قد اختلط، وما لم يروه عنه سفيان وشعبة ففيه نظر».\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٦٨٨) من طريق عمرو بن هشام أبي أمية الحراني، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير به.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم، إلا عثمان.\nوهذا إسناد رجاله إلى أبي الزبير ثقات، إلا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي،\nقال فيه محمد بن عبد الله بن نمير: كذاب. المغني في الضعفاء (٤٠٣٦).\nوقال فيه أبو حاتم: صدوق، وأنكر على البخاري إدخال اسمه في كتاب الضعفاء، وقال: يروي عن الضعفاء، يشبه ببقية في روايته عن الضعفاء. الجرح والتعديل (٦/ ١٥٧).\nوقال يحيى بن معين: ثقة. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: لا بأس به، كما قال أبو عروبة، إلا أنه يحدث عن قوم مجهولين بعجائب، وتلك العجائب من جهة المجهولين، وهو في أهل الجزيرة كبقية في أهل الشام، وبقية أيضًا يحدث عن مجهولين بعجائب، وهو في نفسه ثقة، لا بأس به صدوق، وما يقع في حديثه من الإنكار، فإنما يقع من جهة من يروي عنه. الكامل (٥/ ١٧٤).\nوفي التقريب: صدوق، أكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، فضعف بسبب ذلك، حتى نسبه ابن نمير إلى الكذب، وقد وثقه ابن معين. =","vol":"4","page":403},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الدارمي (٢٠٩٢) من طريق الحسن بن أبي جعفر، حدثنا أبو الزبير به، بلفظ: من كان يؤمن بالله واليوم والأخر فلا يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر.\nوالحسن بن أبي جعفر ضعيف الحديث.\nوأخرجه ابن خزيمة (٢٤٩)، والحاكم (١/ ١٦٢) من طريق الحسن بن بشر الهمداني، حدثنا زهير، عن أبي الزبير به بلفظ: نهى أن يدخل الماء إلا بمئزر. وهذا اللفظ لم يذكر الحمام، كما لم يفرق بين الرجل والمرأة.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبي بأنه على شرط مسلم.\nلكن قال ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٥١): «ليس له أصل يرجع إليه، وقد سمع الحسن بن بشر هذا الخبر من حماد بن شعيب، ورواه عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير، وَهِمَ فيه».\nقلت: وإذا كان حديث الحسن بن بشر، إنما رواه عن حماد بن شعيب، فإن حماد بن شعيب ضعيف الحديث.\nوقد رواه أبو يعلى كما في المطالب العالية (١٧٩)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٣١٢)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ١١٩)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٥١) من طريق حماد بن شعيب، عن أبي الزبير به، بلفظ: ابن خزيمة.\nقال العقيلي: ولا يتابعه - يعني: حماد بن شعيب - عليه إلا من هو دونه ومثله.\nوقال ابن عدي: وهذا الحديث ليس يرويه بهذا اللفظ (أن يدخل الماء) غير أبي الزبير، وعن\nأبي الزبير غير حماد بن شعيب.\nورواه الطبراني في الأوسط (٢٥١٠) من طريق حجاج بن نصير، قال: أخبرنا عباد بن كثير المكي، قال: أخبرنا أبو الزبير، عن جابر بنحوه. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عباد إلا حجاج.\nقلت: المكي متروك، وحجاج ضعيف.\nالطريق الثاني: طاوس، عن جابر.\nأخرجه الترمذي (٢٨٠١)، وأبو يعلى (١٩٢٥) من طريق ليث بن أبي سليم، عن طاووس، عن جابر، بلفظ ابن لهيعة، عن أبي الزبير.\nقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث طاووس، عن جابر إلا من هذا الوجه. قال محمد بن إسماعيل: ليث بن أبي سليم صدوق، وربما يهم في الشيء. قال محمد\nابن إسماعيل: وقال أحمد بن حنبل: ليث لا يفرح بحديثه، كان ليث يرفع أشياء لا يرفعها غيره، فلذلك ضعفوه».\nهذا ما يتعلق بطرق الحديث، فطريق طاووس، عن جابر منكر؛ لأن المحفوظ من حديث طاووس، أنه يرويه مرسلًا، عن النبي ﷺ، وقد تقدم تخريجه، بقي في الحديث طريق أبي الزبير، =","vol":"4","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2007>الدليل السابع:</span>\n(٨٦٩ - ١٨٩) ما رواه أبو يعلى من طريق عمرو بن الربيع بن طارق، حدثني يحيى بن أيوب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن عبد الله ابن سويد الخطمي،\nعن أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم فلا يدخلْنَ الحمام، قال: فنميته إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ في خلافته، فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن سل محمد بن ثابت في حديثه، فإنه رضي، فسأله، فكتب إلى عمر ﵁، فمنع النساء من الحمام (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= وقد تبين لك أنه يرويه جماعة عن أبي الزبير، فلعله من غريب حديثه، ومما ينكر عليه، ولا أرى تعليل الحديث بعنعنة أبي الزبير؛ لأن أبا الزبير على الصحيح ليس مدلسًا.\nانظر طرق الحديث في أطراف المسند (٢/ ١٣٦)، إتحاف المهرة (٣٥٣٩) و(٣٢٨٢)، تحفة الأشراف (٢/ ٣٣٣).\n(^١) المطالب العالية (١٨٠) ولم أقف عليه في مسنده المطبوع، ولا في المقصد العلي في زوائد مسند\nأبي يعلى الموصلي، والله أعلم.\n(^٢) ومن طريق عمرو بن الربيع أخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٥٩٧).\nوفي إسناده يعقوب بن إبراهيم، ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٩٥)، وسكت عليه، وكذا فعل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٢٠١)، وقال: «يعقوب بن إبراهيم الأنصاري مصري، ولم يرو عنه إلا يحيى بن أيوب».\nولم يوثقه إلا ابن حبان حيث ذكره في الثقات (٧/ ٦٤٢) فمثله مجهول.\nوقد وهم الحاكم، ولم يتعقبه الذهبي حين قال: ويعقوب بن إبراهيم هذا الذي روى عنه الليث بن سعد، هو أبو يوسف. يقصد به صاحب أبي حنيفة، وقد علمت أن البخاري وابن أبي حاتم لم يجعلاه أبا يوسف، وهما أعلم من الحاكم، والله أعلم. =","vol":"4","page":405},{"text":"هذه تقريبًا الأحاديث التي وقفت عليها مرفوعة في التفريق بين الرجل والمرأة.\nالراجح والله أعلم.\nقد يكون الرجل والمرأة فيما سبق يضطرون إلى دخول الحمام، خاصة في البلاد\n_________\nكما أن في الإسناد اختلافًا أخر، فقد اختلف في إسناده على يحيى بن أيوب الغافقي،\nفرواه أبو يعلى الموصلي كما في إسناد الباب وابن حبان (٥٥٩٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٠٩) من طريق عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن محمد ابن ثابت بن شرحبيل، عن عبد الله بن سويد الخطمي، عن أبي أيوب.\nوخالفه عبد الله بن وهب والليث،\nأما رواية عبد الله بن وهب، فذكرها ابن أبي حاتم في العلل (١٩٢) عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن محمد بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب.\nفجعل عبد الله بن وهب عبد الله بن يزيد بدلًا من عبد الله بن سويد.\nوأما رواية الليث، فأخرجها الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٢٤) رقم ٣٨٧٣، وفي الأوسط (٨٦٥٨) والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٨٤) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يحيى ابن أيوب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن جبير، عن محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن أبي أيوب به.\nوسقط من إسناد الحكام يحيى بن أيوب، واستدركته من إتحاف المهرة لابن حجر (٤٣٧٧)، ومن المعجم الكبير للطبراني (٤/ ١٢٤).\nفوافق رواية ابن وهب بكون عبد الله هو ابن يزيد، وليس ابن سويد، وزاد في إسناده بين يعقوب ابن إبراهيم ومحمد بن شرحبيل زاد رجلًا اسمه عبد الرحمن بن جبير، وهذه الزيادة وهم، جاءت من عبد الله بن صالح، كاتب الليث، فإن في حفظه شيئًا، لكنها تقوي رواية ابن وهب في كون عبد الله هو عبد الله بن يزيد، وليس ابن سويد.\nوقد سأل ابن أبي حاتم أباه في العلل عن هذا الاختلاف (١٩٢) «فقال أبوه: عبد الله بن سويد أشبه»، فتعقبه ابنه، فقال: «والذي عندي، والله أعلم، أن الأصح على ما رواه ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن يعقوب، عن محمد بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن أبي أيوب». اهـ والحق مع ابنه.\nوعبد الله بن يزيد الخطمي، صاحبي صغير، من رجال الجماعة، وعبد الله بن سويد ليس له ذكر إلا في ثقات ابن حبان، ولم يذكر في ترجمته إلا حاصل ما في هذه الرواية، والله أعلم.","vol":"4","page":406},{"text":"الباردة، وفي الغسل الواجب، فيكون الإنسان بين أن يدخل الحمام، ويغتسل، وبين أن يدع ويتيمم، وإذا اغتسل في غير الحمام ربما عرض نفسه للتلف، أما الآن والحمد لله فإن الحال قد تغيرت، وأصبح في كل بيت من بيوت المسلمين ما يقوم بتسخين المياه عن طريق الكهرباء، فلم يحتج الرجل ولا المرأة إلى الذهاب إلى الحمامات، ولكن من جهة النظر العلمي، فإن الأصل أن المرأة في الأحكام كالرجل إلا ما دل عليه الدليل، فإذا لم تتجرد المرأة في هذه الحمامات، ولم يكن معها أجانب ينظرون منها ما يحرم النظر إليه، فإن الأصل الحل، وأن المرأة كالرجل والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2008>المبحث الرابع إذا دخل الحمام بنية الاغتسال ثم شك في حصول الاغتسال</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• اليقين يمتنع رفعه بغير يقين، فالجنابة متيقنة، ورفعها مشكوك فيه، والأصل عدم الغسل.\n[م-٣٦١] إذا دخل رجل الحمام بنية الاغتسال من الجنابة، وبعد ما خرج منه بمدة، حصل له شك، هل اغتسل من الجنابة أم لا؟\nفقيل: لا غسل عليه، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يجب عليه الغسل، وهو مذهب الجمهور (^٢).\n_________\n(^١) قال في المبسوط (١/ ٨٦): «وكذلك المحدث إذا علم أنه جلس للوضوء، ومعه الماء، وشك في أنه قام قبل أن يتوضأ، أو بعدما توضأ، فلا وضوء عليه؛ لأن الظاهر أنه لا يقوم حتى يتوضأ، والبناء على الظاهر واجب، ما لم يعلم خلافه». اهـ وانظر بدائع الصنائع (١/ ٣٣).\n(^٢) هذه المسألة تمشي على قاعدة مشهورة عند الجمهور، من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فإنه يبني على اليقين، انظر المجموع (٢/ ٧٤)، المنثور في القواعد (٣/ ١٣٦)، البحر المحيط (١/ ١٦)، القواعد لابن رجب (ص: ٣٣٩)، الإنصاف (١/ ٢٢٢)، الفروع (١/ ١٨٧).","vol":"4","page":408},{"text":"• وجه قول الحنفية:\nقالوا: غلبنا الظاهر على الأصل، وذلك أن الظاهر من حاله أنه لا يخرج من الحمام إلا بعد أن يغتسل، والبناء على الظاهر واجب، ما لم يعلم خلافه.\n• وجه قول الجمهور:\nالعمل باليقين، وذلك أن الجنابة متيقنة، وأما رفع الجنابة فمشكوك فيه، والأصل عدم الغسل، وأنه باق على حكم الجنابة حتى يتيقن الانتقال منها.\n• وقد دل على هذه القاعدة حديث متفق عليه:\n(٨٧٠ - ١٩٠) فقد روى البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب ح\nوعن عباد بن تميم، عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، ورواه مسلم (^١).\nفأمره الرسول ﷺ إذا شك في الحدث، وهو في الصلاة أن يستمر فيها، وأن يبقى على طهارته، ولا ينصرف عنها إلا بيقين، وكذلك الحكم لا يختلف لو كان متيقنًا الحدث، وشك في الطهارة، فإنه لا يزال محدثًا حتى يتيقن أنه اغتسل، وعلى هذه القاعدة فروع كثيرة منتشرة في كتب القواعد الفقهية، وكتب الفروق، فيرجع إليها في مظانها ليرى جوانب تطبيق هذه القاعدة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).","vol":"4","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2009>الفصل الثالث\nفي اغتسال الرجل وزوجه من إناء واحد وهما جنبان</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• جواز وضوء الرجل من فضل المرأة الجنب والعكس.\n• سؤر فضل وضوء المرأة كسؤر شرابها طهور على الصحيح.\n• سؤر بهيمة الأنعام حتى الهرة طهور، فسؤر طهور المرأة أولى، فهي كما قال\nابن عباس: ألطف بنانًا وأطيب ريحًا.\n• ما يرفع حدث المرأة يرفع حدث الرجل.\n• فضل وضوء الرجل طهور بالإجماع، والنساء شقائق الرجال.\n(٨٧١ - ١٩١) روى البخاري في صحيحه من طريق إبراهيم، عن الأسود،\nعن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، كلانا جنب، ورواه مسلم (^١).\n_________\n(^١) البخاري (٢٩٩)، ومسلم (٣١٦).","vol":"4","page":410},{"text":"وفي الصحيحين: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من الجنابة (^١).\nوفيهما: تختلف فيه أيدينا (^٢).\n(٨٧٢ - ١٩٢) وفي رواية لمسلم: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دع لي، قالت: وهما جنبان (^٣).\nوللبخاري: نغرف منه جميعًا (^٤).\nففي هذا الحديث دليل واضح على جواز وضوء الرجل من فضل المرأة الجنب والعكس؛ لأن اغتسالهما من إناء واحد يعني أن كلًا منهما يغتسل بفضل صاحبه.\n[م-٣٦٢] وقد اختلف في الوضوء من فضل الجنب في الصدر الأول، بين ابن عمر ﵁، وبين ابن عباس ﵁.\n(٨٧٣ - ١٩٣) فقد روى مالك، عن نافع،\nأن عبد الله بن عمر كان يقول: لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن حائضًا أو جنبًا (^٥).\n[صحيح موقوف].\nوبه أخذ إبراهيم النخعي، فقد قال ابن المنذر: انفرد إبراهيم النخعي بكراهة فضل المرأة إن كانت جنبًا (^٦).\nوخالفهما حبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عباس ﵄.\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٣)، ومسلم (٣١٦).\n(^٢) البخاري (٢٦١)، ومسلم (٢٢١) وكلمة (من الجنابة) جاءت في البخاري بلفظ آخر.\n(^٣) مسلم (٤٦ - ٣٢١).\n(^٤) البخاري (٢٧٣).\n(^٥) الموطأ (١/ ٥٢).\n(^٦) الأوسط (١/ ٢٩٧).","vol":"4","page":411},{"text":"فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي يزيد المديني، قال:\nسئل ابن عباس عن سؤر المرأة، فقال: هي ألطف بنانًا، وأطيب ريحًا (^١).\n[ورجاله ثقات].\nوقد ذهب إلى الأخذ برأي ابن عباس جماهير أهل العلم، فأجازوا الوضوء بفضل المرأة، جنبًا كانت، أو غير جنب (^٢)،\nوهو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل من الحنابلة (^٣)، ورجحه ابن المنذر (^٤)،\nقال ابن عبد البر في التمهيد: «والذي ذهب إليه جمهور العلماء، وجماعة فقهاء الأمصار، أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وتتوضأ المرأة بفضله، انفردت بالإناء، أو لم تنفرد، وفي مثل هذا آثار كثيرة عن النبي ﷺ صحاح، والذي يُذْهَب إليه أن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما ظهر فيه من النجاسات، أو غلب عليه منها، فلا وجه للاشتغال بما لا يصح من الآثار والأقوال، والله\n_________\n(^١) المصنف (٣٤٨).\n(^٢) انظر في مذهب الحنفية: تبيين الحقائق (١/ ٣١)، شرح معاني الآثار (١/ ٢٦)، المبسوط (١/ ٦١، ٦٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٣٣).\nوفي مذهب المالكية: الخرشي (١/ ٦٦)، مختصر خليل (ص: ٥)، بداية المجتهد (١/ ٢٩٤)، التاج والإكليل (١/ ٧٢)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٦٣)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٤٢)، الاستذكار (١/ ٣٧٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٥).\nوفي مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢١)، المجموع (٢/ ٢٢١)، طرح التثريب (٢/ ٣٩، ٤٠)، تحفة المحتاج (١/ ٧٧).\n(^٣) المغني (١/ ١٣٦).\n(^٤) قال في الأوسط (١/ ٢٩٥): «والذي نقول به الرخصة في أن يغتسل كل واحد منهما ويتوضأ بفضل طهور صاحبه، وإن كانا جنبين أو أحدهما، أو كانت المرأة حائضًا، وسواءً ذلك خلت به، أو لم تخل به، لثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ الدالة على صحة ذلك. اهـ","vol":"4","page":412},{"text":"المستعان» (^١).\nقال ابن حجر: «ونقل الطحاوي، ثم القرطبي، والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر؛ لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم، وهذا الحديث حجة عليهم» (^٢).\nوخالف الحنابلة الجمهور في مسألتين:\nفي تفسير فضل المرأة، وفي حكمه:\nفقالوا في تفسير فضل المرأة: هو الماء الذي خلت به المرأة من مشاهدة مميز، سواءً كان ذكرًا أم أنثى، وليس ما انفردت به.\nوهذاه هو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (^٣).\nوأما حكم هذا الماء، فقالوا: طهور في حق المرأة، وليس طهورًا في حق الرجل، فلا يستعمل في رفع حدث الرجل خاصة، ويستعمل في إزالة النجاسة، كما يستعمل\n_________\n(^١) التمهيد (١٤/ ١٦٥).\n(^٢) فتح الباري تحت رقم (١٩٣).\n(^٣) قال أحمد كما في مسائل عبد الله (١/ ٢٢، ٢٣): «سمعت أبي يقول: لا بأس أن يتوضأ -يعني بفضل وضوء المرأة- وهو يراها، ما لم تخل به».\nفشرط هنا أن يراها، فيكون معنى الخلوة: هي عدم المشاهدة، ولذلك قال المراداوي في الإنصاف (١/ ٤٩): إن في معنى الخلوة روايتين:\nأحدهما: وهي المذهب، أنها عدم المشاهدة عند استعمالها من حيث الجملة.\nوالثانية: انفرادها بالاستعمال، سواءً شوهدت أم لا، وتزول الخلوة بمشاركته لها في الاستعمال بلا نزاع.","vol":"4","page":413},{"text":"في رفع حدث المرأة والصبي (^١)، ومذهب ابن حزم قريب منه (^٢).\nوهذا الرأي من غريب الفقه، إذ كيف يكون ماء طهور في حق المرأة، ولا يكون طهورًا في حق الرجل، والحكم بالطهورية هو حكم وضعي، وليس حكمًا تكليفيًا، فإما أن يكون الماء قد طرأ عليه ما يفسده، فَنَقَلَه عن الطهورية إلى غيرها، وإما أن تكون الطهورية باقية، فلا فرق حينئذ بين الرجل والمرأة.\n_________\n(^١) مذهب الإمام أحمد كما في المشهور من مذهبه عند المتأخرين أن الماء لا يرفع حدث الرجل بشروط، وهي:\nالأول: أن تخلو به المرأة عن مشاهدة رجل، أو امرأة، أو مميز، وقد قدمنا أن في المذهب روايتين، هذه أحدهما.\nالثاني: أن تكون خلوتها بماء، فلا تضر خلوتها بتراب.\nالثالث: أن يكون الماء يسيرًا دون القلتين.\nالرابع: أن تكون خلوتها بالماء لطهارة كاملة.\nالخامس: أن تكون طهارتها عن حدث، وليس عن إزالة نجاسة.\nقال ابن قدامة في المغني (١/ ١٣٧): «فإن خلت به في بعض أعضائها، أو في تجديد طهارة، أو استنجاء، أو غسل نجاسة، ففيه وجهان:\nأحدهما: المنع؛ لأنه طهارة شرعية.\nوالثاني: لا يمنع؛ لأن الطهارة المطلقة تنصرف إلى طهارة الحدث الكاملة، وهذا ما عليه المتأخرون من أصحاب أحمد». وانظر في مذهب أحمد الكافي (١/ ٦٢)، الإنصاف (١/ ٤٨)، الفروع (١/ ٨٣)، تنقيح التحقيق (١/ ٢١٤)، كشاف القناع (١/ ٣٧).\n(^٢) قال ابن حزم في المحلى (١/ ٢٠٤): «وكل ماء توضأت منه امرأة -حائض أو غير حائض- أو اغتسلت منه، فأفضلت منه فضلًا، لم يحل لرجلٍ الوضوء من ذلك الفضل، ولا الغسل منه، سواءً وجدوا ماء آخر، أو لم يجدوا غيره، وفرضهم التيمم حينئذ، وحلال شربه للرجال والنساء، وجائز الوضوء به والغسل للنساء على كل حال، ولا يكون فضلًا إلا أن يكون أقل مما استعملته منه، فإن كان مثله، أو أكثر فليس فضلًا، والوضوء والغسل به جائز للرجال والنساء».\nوالفرق بين اختيار ابن حزم، ومذهب الحنابلة، أن ابن حزم لا يشترط أن تخلو به المرأة عن المشاهدة، بل يكفي أن تنفرد به عن الرجل، ولا يحد ابن حزم الماء اليسير في القلتين، بل يحده بأن يكون الماء المتبقي أقل مما استعملته منه، فإن كان مثله أو أكثر فليس فضلًا، والله أعلم.","vol":"4","page":414},{"text":"والصحيح أن الوضوء بفضل المرأة، جنبًا كانت، أو حائضًا، جائر بلا كراهة، وهل يكون سؤر الهرة أطيب من سؤر المرأة؟ !، فيتوضأ الإنسان من سؤر الهرة بدون حرج، ويتحاشى سؤر المرأة.\nوقد ذكرت أدلة الأقوال في مسألة مستقلة من كتاب أحكام الطهارة، في مباحث المياه والآنية، فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.\n* * *","vol":"4","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2010>الفصل الرابع\nالتسمية في الغسل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل أذكار الوضوء والغسل ليست واجبة، وهل تستحب؟ فيها قولان.\n• لم يرد في جميع أحاديث الغسل من الجنابة ذكر للتسمية، لا في حديث صحيح، ولا ضعيف، والأصل عدم المشروعية.\n• لو كانت التسمية مشروعة في غسل الجنابة لحفظت ونقلت؛ لأن دين الله محفوظ، ولما كنا بحاجة إلى قياس الحدث الأكبر على الحدث الأصغر، مع أن المقيس عليه، وهو الحدث الأصغر لم يصح في التسمية فيه شيء.\n• كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ، ولم ينقل أنه فعله، ولم يمنع من فعله مانع، كان ذلك دليلًا على أنه ليس بسنة.\n• التسمية على الأفعال، منها ما هو شرط كالذبح، ومنها ما هو مشروع، كالتسمية للأكل، ورمي الجمار، والدخول والخروج، ومنها ما هو بدعة كالتسمية للأذان، ولتكبيرة الإحرام.\n[م-٣٦٣] اختلف الفقهاء في التسمية للغسل، ومعلوم أن المغتسل للجنابة تارة","vol":"4","page":416},{"text":"يتوضأ قبل أن يغتسل، وتارة يغتسل بدون وضوء، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم الوضوء في غسل الجنابة، فإن توضأ قبل غسله، فقد ذكرت في مباحث الوضوء حكم التسمية في الوضوء، وجرى تحرير الخلاف فيها مع ذكر الأدلة هناك، وتم ترجيح أن التسمية غير مشروعة في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية،\nجاء في التاج والإكليل (^١): «أنكر مالك التسمية على الوضوء، وقال: ما سمعت بهذا، أيريد أن يذبح؟».\nوإن اغتسل بلا وضوء، فما حكم التسمية حينئذ عند الفقهاء رحمهم الله تعالى،\nفقيل: التسمية سنة، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣).\nوقيل: التسمية من الفضائل، وهو المشهور في مذهب المالكية (^٤).\nوقيل: لا تستحب التسمية للجنب، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٥)، وينبغي\n_________\n(^١) (١/ ٣٤٧) وجاء في حاشية العدوي (١/ ١٨٢): ولم ير بعض العلماء القول بالبداءة بالتسمية من الأمر المعروف عند السلف، بل رآه من الأمر المنكر.\nوقد نقل عن مالك ثلاث روايات: إحداها، وبها قال ابن حبيب: الاستحباب.\nالثانية: الإنكار، وقال: أهو يذبح؟\nالثالثة: التخيير. اهـ بتصرف يسير.\n(^٢) انظر إلى نور الإيضاح (ص: ٢٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٦٧).\n(^٣) شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٨)، متن أبي شجاع (ص: ٢٤)، المجموع (٢/ ٥١٠).\n(^٤) الشرح الصغير (١/ ١٧١)، القوانين الفقهية (ص: ٢٢)، الثمر الداني شرح رسالة القيرواني (ص: ٦٠)، الفواكه الدواني (١/ ١٤٧)، حاشية العدوي (٢/ ٢٦٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٠).\n(^٥) ذكر النووي في المجموع (٢/ ٢١٠) بأن هناك وجهًا في المذهب يرى أن التسمية غير مستحبة للجنب، حكاه القاضي حسين، والمتولي، وغيرهما، قال: ولم يذكر الشافعي في المختصر والأم والبويطي التسمية، وكذا لم يذكرها المصنف في التنبيه، والغزالي في كتبه، فيحتمل أنهم استغنوا بقولهم: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة؛ لأن وضوء الصلاة يسمي في أوله».\nقلت: ويحتمل أنهم لا يرون التسمية للجنب، كما هو وجه في مذهب الشافعية، والله أعلم.","vol":"4","page":417},{"text":"أن يكون قولًا في مذهب المالكية (^١).\nوقيل: تجب التسمية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2011> دليل من قال باستحباب التسمية في الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2012>الدليل الأول:</span>\n(٨٧٤ - ١٩٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله ﷿ فهو أبتر، أو قال: أقطع (^٣).\n[إسناده ضعيف، ومتنه مضطرب] (^٤).\n• ويُجاب عن ذلك:\nأولًا: أن الحديث ضعيف.\nثانيًا: ليس كل عبادة مشروعة تكون التسمية فيها مشروعة، فالتسمية في العبادات منها ما هو شرط كالذبح، ومنها ما هو مستحب كما في قراءة القرآن، بل قد تستحب في بعض المباحات كالأكل والشرب.\nومنها ما هو بدعة، كالتسمية في الأذان، وفي الإقامة، وفي الصلاة، وفي الحج والعمرة ونحوها، فليس كل فعل تشرع فيه التسمية (^٥).\n_________\n(^١) قدمت في مباحث الوضوء بأن التسمية للوضوء مكروهة على قول في مذهب المالكية، فإذا كانت مكروهة في الوضوء لم يبعد أن تكون كذلك في الغسل.\n(^٢) الفروع (١/ ٢٠٤)، الإنصاف (١/ ٢٥٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٥)، كشاف القناع (١/ ١٥٤).\n(^٣) المسند (٢/ ٣٥٩).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر المجلد السابع، رقم: (١٤٠٣).\n(^٥) يقول البقوري في كتابه ترتيب الفروق واختصارها (١/ ٣٦٨): «أفعال العباد إما قربات، وإما محرمات، وإما مكروهات، وإما مباحات:\nفالمباحات: جاءت البسملة في بعضها، كالأكل والشرب والجماع، والحث على ذلك في بعضها آكد من بعض، ولم يأت (أي الحث) في كل شيء من المباح، وأما ما لم يأت فيه، فحسن للإنسان أن يستعمله؛ ليجد بركة ذلك.\nوأما المحرمات والمكروهات، فيكره له التسمية عند الشروع فيها، من حيث قصد البركة بها، وذلك لا يراد في الحرام والمكروه، بل المراد من الشرع عدمه، وتركه.\nوأما القربات فقد جاء في بعضها وأُكِدَ فيه كالذبح، وجاء عند قراءة القرآن، واختلف فيه في بعضها، كالغسل والوضوء والتيمم .... إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\nفعلم من كلامه هذا أن التسمية مختلف في مشروعيتها في الغسل والوضوء والتيمم، وهو ما أريد أن يطلع عليه القارئ؛ ليعلم أن إنكار التسمية في الوضوء والغسل كان ثابتًا من لدن السلف، وقد سبق أن نقلت إنكار مالك للتسمية على الوضوء، وقوله: ما سمعت بهذا، أيريد أن يذبح»؟.","vol":"4","page":418},{"text":"وقد قال القرافي في كتابه الفروق: «فأما ضابط ما تشرع فيه التسمية من القربات، وما لم تشرع، فيه فقد وقع بحث مع جماعة من الفضلاء، وعسر تحرير ذلك وضبطه، ثم قال: والقصد من هذا الفرق بيان عسره، والتنبيه على طلب البحث عن ذلك، فإن الإنسان قد يعتقد أن هذا لا إشكال فيه، فإذا نبه على الإشكال استفاده، وحثه ذلك على طلب جوابه» (^١).\nقلت: رحمك الله رحمة واسعة يا أحمد بن إدريس القرافي، فلقد طلبت في بحثي هذا حديثًا صحيحًا أو ضعيفًا في مشروعية التسمية في غسل الجنابة، ولم أقف عليه حتى كتابة هذه السطور، وليس في قلبي شيء من عدم مشرعية التسمية في غسل الجنابة، فيبعد أن تكون التسمية مشروعة، ثم لا تأتي في الأحاديث التي تنقل لنا صفة الغسل من الجنابة، فهل يتصور أن يتتابع الصحابة على إهمال ترك التسمية، وعدم نقلها للأمة مع ثبوت مشروعيتها، ولو كانت التسمية من دين الله لحفظها الله ﷾، فإن الله ﷾ قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩]، وحفظ الكتاب إنما يكون أيضًا بحفظ الشرع، فلا يمكن أن يكون شيء من شرع الله غير محفوظ لنا، ودع عنك أيها القارئ الكريم متابعة جمهور الفقهاء بلا نور من\n_________\n(^١) أنواع البروق في أنواع الفروق (١/ ١٣٢).","vol":"4","page":419},{"text":"كتاب الله ﷾، أو حجة من هدي رسول الله ﷺ، فإنهما الحجة على خلقه، وما ليس فيهما فلا تتبعه، وإن قال به من قال، فإن خطأ القائل معذور به مأجور عليه، وأما متابعتك لغيرك من غير هدى فإن سلمت من الإثم، فلا أجر فيها، والله المستعان، وعليه التكلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2013>الدليل الثاني:</span>\nوردت أحاديث كثيرة في مشروعية التسمية في الوضوء، بلفظ: (لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه).\nورد ذلك من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وعلي ابن أبي طالب، وسعيد بن زيد، وأنس وعائشة ﵃ أجمعين، وإن كان في أسانيدها مقال، فإنها صالحة للحجة بالمجموع (^١).\nفإذا ثبتت التسمية في الطهارة الصغرى، كانت التسمية مشروعة في الطهارة الكبرى من باب أولى؛ لأنها صغرى وزيادة (^٢).\n• وأجيب:\nلا نسلم أن التسمية مشروعة في الطهارة الصغرى، وقد تقدم بحث التسمية في الطهارة الصغرى، وتبين أن التسمية فيها غير مشروعة، وإذا بطل الأصل بطل الفرع، ولو أخذنا بظاهر أحاديث «لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» لقلنا: إن التسمية شرط في صحة الوضوء، من تركها، ولو سهوًا، لم يصح وضوؤه، ووجب عليهم القول بأن منزلة التسمية في الوضوء، كمنزلة الوضوء للصلاة، ولما لم تكن هذه الأحاديث بتلك الصحة لم يذهب الجمهور إلى أن التسمية شرط، بل لم يذهبوا إلى القول بالوجوب إلا رواية عن الإمام أحمد، وقد استقر مذهبه على القول\n_________\n(^١) وقد تم تخريجها والكلام على أسانيدها في كتاب الوضوء، فأغنى عن إعادته هنا.\n(^٢) انظر بتصرف: المبدع (١/ ١٩٤).","vol":"4","page":420},{"text":"بعدم الوجوب كما نقل الخلال عنه، ونقلت ذلك في كتاب الوضوء، وعليه فنقول لهم: لا تحتجوا علينا بأحاديث أنتم أنفسكم لا تقولون بمقتضاها، والله المستعان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2014> دليل الحنابلة على وجوب التسمية:</span>\nلما كان الحنابلة يوجبون التسمية في الطهارة الصغرى، أوجبوها في الطهارة في الكبرى من باب القياس.\nوالجواب عنهم، هو الجواب نفسه الذي رُدَّ به قول الجمهور، فهذا الدليل هو عين دليل الجمهور إلا أن الجمهور قالوا: لما كانت الطهارة مشروعة في الطهارة الصغرى كانت مشروعة في الطهارة الكبرى، والحنابلة قالوا: لما كانت التسمية واجبة في الطهارة الصغرى كانت واجبة في الطهارة الكبرى، ولا يصح القياس لما ذكرنا في الجواب عن الدليل الذي قبل هذا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2015> دليل من قال: التسمية غير مشروعة في الغسل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2016>الدليل الأول:</span>\nالأصل في العبادات الحضر، حتى يرد دليل صحيح على المشروعية، وأحاديث الاغتسال من الجنابة ليس فيها ذكر التسمية، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2017>الدليل الثاني:</span>\nأن أحاديث غسل الجنابة في السنة خلو من التسمية، ولو كانت مشروعة لما أغفل الصحابة ﵃ ذكرها، ولو كانت التسمية مشروعة لحفظها الله لنا، فلما لم تنقل لنا التسمية في الغسل، لا في حديث صحيح، ولا في حديث ضعيف، كان هذا دليلًا على عدم مشروعية التسمية، والقول بمشروعية التسمية في غسل الجنابة يعني أن التسمية كانت تفعل من رسول الله ﷺ ومن صحابته، ولكن الصحابة قد قصروا في نقل هذه السنة للأمة، وأسوق لك بعض الأحاديث الصحيحة في صفة غسل الجنابة، وليس فيها ذكر للتسمية، منها:","vol":"4","page":421},{"text":"(٨٧٥ - ١٩٥) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. ورواه مسلم (^١).\nفهذه صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة وليس فيها ذكر البسملة.\n(٨٧٦ - ١٩٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال:\nحدثتني خالتي ميمونة، قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ بها على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بمنديل فرده. ورواه البخاري (^٢).\nوهذا الحديث كغيره ليس فيه التسمية، فيبعد أن تكون التسمية مشروعة ثم لا تنقل من قوله ﷺ ولا من فعله.\n(٨٧٧ - ١٩٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،\nعن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين (^٣).\nفهذه الأحاديث هي التي نقلت لنا صفة غسل الجنابة، وليست التسمية فيها،\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٢) ومسلم (٣١٦)\n(^٢) البخاري (٢٥٧) ومسلم (٣١٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٣٠).","vol":"4","page":422},{"text":"وبالتالي يقطع الباحث بعدم مشروعية التسمية، ولا حاجة لنا إلى الذهاب إلى القياس على الوضوء، لأمرين بل لثلاثة:\nالأول: عدم ثبوت التسمية في الوضوء.\nالثاني: أن الغسل كان يتكرر منه ﷺ، كما كان يتكرر من صحابته رضوان الله عليهم، فكانت الأمة بحاجة إلى معرفة حكم التسمية في الغسل، فلما لم يأت ذكر للتسمية في أحاديث صفة الغسل من الجنابة، علم أنها ليست مشروعة.\nالثالث: أن القياس في العبادات ضعيف إلا ما نص على علته، ولذلك سبق لنا قول القرافي: «يعسر الحصول على ضابط لما تشرع فيه التسمية وما لا تشرع».\nوإذا كان لا يوجد ضابط كان القول بمشروعية التسمية في الغسل يحتاج إلى توقيف من الشارع، فالضابط المطرد: هو النص، فإذا لم نجد مثل ذلك لم نذهب ونتكلف بالقول بالقياس، وكيف نرد على من قال: إذا قلتم بالقياس، فقولوا بمشروعية التسمية في الصلاة والأذان بجامع أن كلًا منهما عبادة، فإذا منعتم القياس بهذه العبادات منعنا القياس على الوضوء، وهذا على التسليم في صحة التسمية في الوضوء، بل يمكن أن يعكس القياس، فيقال: لم يرد حديث صحيح ولا ضعيف في ثبوت التسمية في الغسل، أو في التيمم، وكلاهما طهارة من الحدث، فيقاس عليهم الوضوء بعدم مشروعية التسمية بجامع أن كلًا منهما طهارة من حدث، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف.\nالقول بعدم مشروعية التسمية، هو القول الذي يتمشى مع الأدلة، والأصل عدم المشروعية حتى تثبت التسمية في حديث صحيح خال من النزاع، والله أعلم، وإن عدم ثبوت حديث صحيح أو ضعيف في مشروعية التسمية في الغسل يؤكد لك أخي القارئ عدم مشروعية التسمية في الطهارة الصغرى، والتي وردت فيها أحاديث لا تقوم فيها حجة، فإذا كان اغتسال النبي ﷺ من الجنابة لم نقف فيه على أثر مرفوع في","vol":"4","page":423},{"text":"مشروعية التسمية، فالطهارة الصغرى لا يستنكر القول بعدم مشروعية التسمية فيها، وإن وردت فيها أحاديث ليست بذاك، وإذا كان الجمهور يرى مشروعية التسمية في الغسل، مع أنه لا يوجد فيها سنة مرفوعة، ولو ضعيفة، لم نجعل قول الجمهور حجة في ذهابهم إلى مشروعية التسمية في الطهارة الصغرى، والله أعلم، وانظر كلامي في التسمية في غسل الحيض، فقد يكون فات هنا شيء قد ذكرته هناك، والله الموفق.\n* * *","vol":"4","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2018>الفصل الخامس\nالبداءة بغسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• غسل الفرج وما أصابه من أذى في ابتداء غسل الجنابة معلل، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.\n• قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (^١).\n• من غسل ذكره بنية رفع الحدث كفاه غسله عن الحدث والخبث، لأن طهارة الخبث لا تشترط لها النية، ومن غسل ذكره ناويًا إزالة الخبث لزمه إعادة غسله مع غسل بدنه بنية رفع الحدث.\n_________\n(^١) شرح العمدة (١/ ١٦٢)، وقال أيضًا في مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٩٤): الاستنجاء منه مستحب، كما يستحب إماطته من الثوب والبدن، وقد قيل: هو واجب، كما قد قيل: يجب غسل الأنثيين من المذي، وكما يجب غسل أعضاء الوضوء إذا خرج الخارج من الفرج، فهذا كله طهارة وجبت لخارج، وإن لم يكن المقصود بها إماطته وتنجيسه، بل سبب آخر، كما يغسل منه سائر البدن، فالحاصل أن سبب الاستنجاء منه ليس هو النجاسة، بل سبب آخر، فقولهم: يوجب طهارة الخبث، وصف ممنوع في الفرع، فليس غسله من الفرج للخبث، وليست الطهارات منحصرة في ذلك كغسل اليد عن القيام من نوم الليل، وغسل الميت، والأغسال المستحبة، وغسل الأنثيين وغير ذلك، فهذه الطهارة إن قيل بوجوبها، فهي من القسم الثالث، فيبطل قياسه على البول؛ لفساد الوصف الجامع. اهـ","vol":"4","page":425},{"text":"[م-٣٦٤] يستحب لمن أراد الغسل أن يغسل فرجه، وما أصابه من أذى، سواءً كان هذا الأذى نجسًا كالمذي، أو كان طاهرًا مستقذرًا كالمني (^١).\nوهل يستحب مطلقًا، أو يستحب حيث يوجد على ذكره أذى، فإن لم يوجد لم يستحب ذلك، كما لو أولج ذكره بحائل، ولم ينزل، في ذلك خلاف بين أهل العلم.\nفذهب الحنفية إلى أن تقديم غسل الفرج سنة مطلقًا، سواءً كان على ذكره نجاسة أم لا، وقاسوه على تقديم الوضوء على غسل باقي البدن، سواءً كان هناك حدث أم لا (^٢).\nوقيل: إن لم يكن هناك أذى، فلا حاجة إلى غسل فرجه، وهذا مذهب الشافعية (^٣).\nوربما أخذ الشافعية من قول ميمونة في الحديث: (وغسل فرجه، وما أصابه من أذى) وأن الأذى يطلق على النجاسة، لقوله ﷾ عن الحيض: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]. والمحيض: نجس بالإجماع.\nفالجواب: أن الأذى قد يطلق على النجاسة كإطلاقه على دم الحيض، وقد يطلق على الشيء الطاهر،\n_________\n(^١) معلوم أن المني قد اختلف العلماء في نجاسته، فذهب الحنفية والمالكية إلى نجاسته، انظر بدائع الصنائع (١/ ٨٤)، والمبسوط (١/ ٨١)، والبحر الرائق (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، وفي مذهب المالكية، انظر الاستذكار (٣/ ١١٣)، والقوانين الفقهية (ص: ٤١)، حاشية الدسوقي (١/ ١١١)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٤).\nوذهب الشافعية والحنابلة إلى طهارته، المني، انظر المجموع (١/ ١٤٦)، انظر مسائل أحمد رواية أبي داود (١/ ٣٢) رقم ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠. وقال أحمد في مسائله رواية صالح (٣/ ٤٦): قلت لأبي الفراش يصيبه المني، يبسط عليه؟ فقال: المني شيء آخر، وسهل في المني جدًّا، وقال: أين المني من البول، البول شديد، والمني يفرك، وقد جاء أنه بمنزلة المخاط، يقوله ابن عباس. اهـ وانظر مسائل أحمد رواية ابن هانئ (١/ ٢٥)، ورواية عبد الله (١/ ٤٩) رقم ٥٢. ومسائل أحمد وإسحاق (١/ ١٥٧، ١٩٢، ٢٤٧).\n(^٢) الفتاوى الهندية (١/ ١٤).\n(^٣) انظر حواشي الشرواني (١/ ٢٨٤).","vol":"4","page":426},{"text":"قال تعالى: (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ) [النساء: ١٠٢].\nوقال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) [البقرة: ٢٦٤].\nوقال: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) [البقرة: ٢٦٣].\nوقال: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ) [البقرة: ١٩٦].\nوأذى الرأس يقصد به القمل، كما هو معلوم من سبب النزول، وقصة كعب بن عجرة في الصحيحين (^١)، ولا يقال: إن القمل نجس.\nوأرى أن غسل الفرج لا يتعين من أجل إزالة النجاسة، بل قد يبدأ بغسله حتى لا يحتاج إلى مسه بعد ذلك، فينتقض وضوؤه، ولو كان كل من جامع أصبح ذكره نجسًا، لنقل عن المصطفى ﷺ مباشرة غسله بعد الجماع، خاصة أن الذكر يخرج من الجماع، وهو رطب، ولنقل عنه ﷺ حرصه على توقيه، حتى لا تتعدى النجاسة إلى ثيابه، ولجاء الأمر بغسل الذكر بعد الجماع مباشرة، أو التحفظ منه، فلما لم ينقل عن المعصوم أمر بغسل الذكر من الجماع، ولم ينقل غسله مباشرة بعد الجماع، علم أن غسل الذكر في غسل الجنابة ليس واجبًا، وسيأتي مزيد بيان لهذا، حين الكلام على دليل الاستحباب، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2019> الدليل على استحباب غسل الفرج في غسل الجنابة:</span>\nهناك دليلان أثري ونظري على استحباب البداءة بغسل الفرج.\nأما الدليل الأثري:\n(٨٧٨ - ١٩٨) فروى البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،\n_________\n(^١) البخاري (١٨١٥)، ومسلم (١٢٠١).","vol":"4","page":427},{"text":"عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري اللفظ له ومسلم (^١).\nقال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (^٢).\nوأما الدليل النظري:\nفإنه يستحب أن يغسل فرجه قبل ضوئه؛ لأنه إذا أخر غسل الفرج، فإنه إن مس فرجه انتقض وضوؤه، وإن لم يمسه أخل بسنة الدلك، وربما لا يتقين وصول الماء إلى مغابنه إلا بالدلك (^٣).\nوقد استدل الحنفية والمالكية بهذا الحديث على نجاسة المني، وذلك لكونه استنجى من المني فغسل فرجه، وليس بصواب، فإن الغسل ليس مقصورًا فقط على النجاسة، فقد يكون الغسل للنظافة، أو من أمر مستقذر وإن لم يكن نجسًا، وقد يكون الغسل من مذي أصابه، وهو نجس، فلا يصح الحديث دليلًا على نجاسة المني، وقد\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣١٧).\n(^٢) شرح العمدة (١/ ١٦٢)، وقال أيضًا في مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٩٤): الاستنجاء منه مستحب، كما يستحب إماطته من الثوب والبدن، وقد قيل: هو واجب، كما قد قيل: يجب غسل الأنثيين من المذي، وكما يجب غسل أعضاء الوضوء إذا خرج الخارج من الفرج، فهذا كله طهارة وجبت لخارج، وإن لم يكن المقصود بها إماطته وتنجيسه، بل سبب آخر، كما يغسل منه سائر البدن، فالحاصل أن سبب الاستنجاء منه ليس هو النجاسة، بل سبب آخر، فقولهم: يوجب طهارة الخبث، وصف ممنوع في الفرع، فليس غسله من الفرج للخبث، وليست الطهارات منحصرة في ذلك كغسل اليد عن القيام من نوم الليل، وغسل الميت، والأغسال المستحبة، وغسل الأنثيين وغير ذلك، فهذه الطهارة إن قيل بوجوبها، فهي من القسم الثالث، فيبطل قياسه على البول؛ لفساد الوصف الجامع. اهـ\n(^٣) شرح العمدة (١/ ٣٧٠).","vol":"4","page":428},{"text":"يكون الغسل حتى لا يحتاج إلى مسه بعد ذلك، فيبطل وضوؤه (^١).\nوقد أشار النووي إلى أن الاستنجاء من المني لا يكفي في رفع الجنابة، فلا بد من غسله مرة أخرى بنية رفع الجنابة،\nقال النووي: «وينبغي لمن اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه، أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها، وهي: أنه إذا استنجى، وطهر محل الاستنجاء بالماء، فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسله الآن ربما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصح غسله لترك ذلك، وإن ذكره احتاج إلى مس فرجه، فينتقض وضوءه، أو يحتاج إلى كلفة في لف خرقة على يده، والله أعلم» (^٢).\nقلت: إذا استنجى بنية رفع الحدث وإزالة النجاسة كفى، ولا يحتاج الأمر إلى إعادة غسل الفرج مرة أخرى بنية رفع الجنابة، بل إن إزالة النجاسة لا يحتاج الأمر فيها إلى نية، فإذا ذهبت النجاسة ولو كانت النية رفع الحدث فقد حصل المطلوب، وربما كان غسل الفرج أولًا لكي لا يحتاج إلى غسله مرة أخرى فينتقض وضوءه، ولو كان غسل الفرج يتكرر أكثر من مرة لبينته السنة.\nولذلك قال الخرشي: «ثم يغسل ذلك المحل، أو غيره بنية غسل الجنابة؛ ليأمن من نقض الوضوء بمس ذكره بعد ذلك، وإن لم ينو رفع الجنابة عند غسل فرجه فلا بد من غسله ثانيًا؛ ليعم جسده، وكثير من الناس لا يتفطن لذلك فينوي بعد غسل فرجه، ثم لا يمسه حفظًا للوضوء، فيؤدي لبطلان الغسل لعرو غسل الفرج عن نية، قاله المؤلف في شرحه على المدونة اللخمي، وإن نوى رفع الجنابة في حين إزالة النجاسة عنه، وغسل غسلًا وحدًا أجزأ على مذهب المدونة» (^٣).\n_________\n(^١) وقد ذكرت خلاف العلماء في حكم المني من حيث الطهارة والنجاسة، وأدلة كل فريق في مبحثين: أحدهما في كتاب أحكام النجاسة، وفي كتاب الاستنجاء من المني، فانظره هناك في مبحث مطول، فلله الحمد.\n(^٢) شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٢٩).\n(^٣) الخرشي (١/ ١٧٢).","vol":"4","page":429},{"text":"فهذا الكلام أدق من كلام النووي، حيث لا يطلب غسل الفرج مرة أخرى إذا كان غسله للفرج بنية رفع الجنابة، أو نواهما معًا: إزالة النجاسة ورفع الحدث، وأرى أن الأمر سهل جدًّا، وأن النية العامة في رفع حدث الجنابة تكفي إن شاء الله تعالى، ولا يتطلب الأمر نية خاصة عند كل عضو من البدن، فإذا نوى نية عامة في هذا الغسل رفع الجنابة، يكون الفرج داخلًا في تلك النية، حتى ولو غسله بنية إزالة الأذى، فنية الصلاة تكفي عن نية خاصة عند الركوع والسجود والجلوس، فكذلك نية الغسل تكفي عن نية خاصة عند غسل الفرج، أو الرأس، أو اليد، وهكذا، والله أعلم\n* * *","vol":"4","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2020>الفصل السادس\nغسل اليدين قبل الوضوء وقبل غسل الفرج</span>\nنحتاج في بحث هذه المسألة إلى الكلام\nأولًا: في محل غسل اليدين من غسل الجنابة.\nوثانيًا: هل يغسل كفيه كليهما، أو اليمنى فقط التي يغرف بها؟\nوثالثًا: ما نية غسلهما، هل يغسلهما بنية النظافة، أو بنية رفع الحدث، أو ماذا؟\nورابعًا: عدد غسلات اليد، هل تغسل مرة واحدة، أو أكثر؟\n* * *","vol":"4","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2021>المبحث الأول في محل غسل اليدين من غسل الجنابة</span>\n[م-٣٦٥] جاء السنة الصحيحة الصريحة في أن غسل الكفين إنما يكون في ابتداء الغسل، وقبل الاستنجاء.\n(٨٧٩ - ١٩٩) لما روى البخاري من طريق سفيان عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب،\nعن ابن عباس، عن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ، وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، وما أصابه، ثم مسح بيده الحائط، أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه.\nفهذه الرواية صريحة في أن غسل اليد كان قبل غسل الفرج، وأن غسل الفرج كان قبل الوضوء، ثم يفيض على جسده الماء، وكان التعبير بلفظ (ثم) الدالة على الترتيب في جميع ذلك.\n(٨٨٠ - ٢٠٠) وأما ما رواه البخاري رحمه الله تعالى من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،","vol":"4","page":432},{"text":"عن ميمونة زوج النبي ﷺ، قالت: توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه، وما أصابه من أذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه، فغسلهما. هذه غسله من الجنابة.\nفذكر غسل الفرج بعد الوضوء، فقد أجاب عنه الحافظ في الفتح، فقال: «فيه تقديم وتأخير؛ لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء؛ إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وقد بين ذلك ابن المبارك عن الثوري عند البخاري في باب الستر في الغسل، فذكر غسل اليدين، ثم غسل الفرج، ثم مسح يده بالحائط، ثم الوضوء غير رجليه، وأتى بـ (ثم) الدالة على الترتيب في جميع ذلك» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري تحت حديث (٢٤٩).","vol":"4","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2022>المبحث الثاني هل يغسل يديه كليهما أو اليمنى فقط لأنها آلة الغرف</span>\n[م-٣٦٦] قال الباجي: «ويكفي غسل اليمنى في هذا الموضع على قول أشهب؛ ليمكنه غرف الماء بها، ولا معنى لغسل اليد اليسرى معها؛ لأنه يغسل بها فرجه بعد ذلك، فيباشر النجاسة، ولا يباشر شيئًا من ذلك بيمناه، فلذلك غسلها ليتناول بها الماء» (^١).\n(٨٨١ - ٢٠١) واستدل الباجي بأثر موقوف على ابن عمر ﵁، رواه مالك في الموطأ، عن نافع،\nعن عبد الله بن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فأفرغ على يده اليمنى، فغسلها، ثم غسل فرجه، ثم مضمض واستنثر ... إلخ (^٢).\n(٨٨٢ - ٢٠٢) بل يمكن أن يستدل له بما رواه البخاري من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (١/ ٩٥).\n(^٢) الموطأ (١٠٢)","vol":"4","page":434},{"text":"عن ميمونة بنت الحارث، قالت: وضعت لرسول الله ﷺ غسله، وسترته، فصب على يده، فغسلها مرة أو مرتين، قال سليمان: لا أدري أذكر الثالثة أم لا، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه ... الحديث.\nقلت: الصحيح غسل الكفين معًا، وهذه الرواية لا بد من حملها على باقي الروايات الأخرى لحديث ميمونة، لأن الحديث واحد، فيقال: إن كلمة (يده) مفرد مضاف، فيعم كلتا يديه.\nفحديث ميمونة مداره على الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،\n(٨٨٣ - ٢٠٣) رواه البخاري من طريق أبي حمزة، عن الأعمش به بلفظ: (صب على يديه، فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها .... الحديث.\nفهنا ذكر أن الغسل كان لكلتا يديه قبل غسل الفرج، وأما بعد غسل فرجه فكان الغسل ليده اليسرى؛ لأنها هي التي باشر بها غسل فرجه، وهي التي ضرب بها الأرض.\n(٨٨٤ - ٢٠٤) ورواه البخاري من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش به، بلفظ: صببت للنبي ﷺ غسلًا، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض، فمسحها بالتراب، ثم غسلها، ثم تمضمض واستنشق ... الحديث.\nورواية حفص هذه توافق رواية أبي حمزة، بأن غسل اليدين كان قبل غسل الفرج، وأن الغسل كان لكلتا يديه، ثم عاد وغسل اليد اليسرى بعد أن مسحها بالتراب.\n(٨٨٥ - ٢٠٥) ورواه مسلم من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش به، بلفظ: فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ بها على فرجه، وغسله","vol":"4","page":435},{"text":"بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة (^١).\nفهذه الروايات في حديث ميمونة صريحة في أن الغسل كان لكفيه كليهما، ولم يختلف الأمر في صفة الغسل في حديث عائشة،\n(٨٨٦ - ٢٠٦) فقد رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بلفظ:\nكان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ... الحديث (^٢).\nورواه البخاري كذلك من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام به (^٣).\nورواه مسلم من طريق وكيع، عن هشام به، بلفظ: بدأ، فغسل كفيه ثلاثًا (^٤).\nورواه مسلم أيضًا من طريق أبي معاوية، عن هشام به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ، فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٣١٧).\n(^٢) البخاري (٢٤٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٧٢).\n(^٤) مسلم (٣١٦).\n(^٥) مسلم (٣١٦).","vol":"4","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2023>المبحث الثالث الموجب لغسل اليدين في غسل الجنابة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الطهارة متى أمر بها لتحصيل النظافة، ثم دخلتها أحكام العبادة المحضة شرع الإتيان بها ولو كانت نظيفة، ولم يراع سببها، فغسل اليدين قبل غسل الجنابة حين دخله العدد غلبت عليه أحكام العبادة المحضة.\n[م-٣٦٧] اختلف العلماء في موجب غسل اليدين،\nقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون غسلهما من أجل النظافة، وإزالة ما بهما من مستقذر (^١).\nقلت: يمنع من هذا اعتبار العدد في غسلهما، فإنه لو كان الأمر من أجل النظافة وإزالة المستقذر فقط لاكتفى بذلك بغسلة واحدة، فإن النجاسة العينية تكفي في غسلها غسلة واحدة تذهب بعينها، فلما كان الغسل ثلاث مرات، كان الأمر ليس من أجل النظافة، أو إزالة النجاسة، أو المستقذر.\n_________\n(^١) الفتح، تحت رقم (٢٤٨).","vol":"4","page":437},{"text":"وهذا الخلاف ليس لفظيًا، فمن قال: إن الغسل من أجل النظافة، لم ير أن غسلهما مشروع فيما لو كانت يده نظيفة، أو كان قد غسلهما، ثم أحدث، فإذا استأنف الوضوء لم يشرع له إعادة غسلهما، كما أنه لا يرى وجوب النية في غسلهما؛ لأن الغسل إذا كان من قبيل النظافة، أو إزالة النجاسة لم تكن النية واجبة، بخلاف من يرى أن غسلهما من أجل الوضوء فحسب، سواءً كانت اليد نظيفة، أو غير نظيفة.\nفالراجح أن غسل اليدين مشروع، حتى ولو كانت اليد نظيفة؛ لأن الطهارة إذا دخلتها أحكام العبادة المحضة غلبت عليها، فلم يراع فيها السبب، فغسل اليدين حين دخله العدد غلبت عليه أحكام العبادة المحضة، ومثله غسل الجمعة أصله إزالة الرائحة، فلما دخلت عليه أحكام العبادة لزمه الاتيان به، وإن لم يوجد سببه، والله أعلم.\nقال الحافظ: ويحتمل أن يكون غسلهما هو الغسل المشروع عند القيام من النوم (^١).\n(٨٨٧ - ٢٠٧) وقد أخذ ذلك بما رواه مسلم من طريق زائدة، عن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة (^٢).\nورواه الشافعي والترمذي من طريق سفيان بن عيينة، عن هشام به، وذكر غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء.\nوكونه غسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ليس فيه دليل على أن ذلك بسبب القيام من النوم، بل كان ذلك هديه ﷺ إذا أراد أن يتوضأ غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء،\n_________\n(^١) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.\n(^٢) مسلم (٣١٦).","vol":"4","page":438},{"text":"(٨٨٨ - ٢٠٨) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء ابن يزيد أخبره،\nأن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق. الحديث. وأخرجه مسلم (^١).\nفلم يدخل يمينه في الإناء حتى غسلها ثلاثًا، ولم يكن ذلك بسبب القيام من نوم الليل، لأن الحديث مطلق، نعم إذا كان غسل اليد بعد القيام من نوم الليل فإن غسلهما يتأكد، وقد قال بعض العلماء بالوجوب، وقد ذكرت خلاف العلماء في ذلك في باب المياه، والدليل على تأكد غسلهما إن كان ذلك بعد القيام من النوم،\n(٨٨٩ - ٢٠٩) ما رواه مسلم حديث أبي هريرة: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. ورواه البخاري دون قوله ثلاثًا (^٢).\nفالذي يظهر أن غسل الكفين ثلاثًا في ابتداء الغسل كان من أجل الوضوء، فَفَعَلَ في وضوء غسله، كما كان يفعل في وضوئه المعتاد، والله أعلم، ومن أدخل يديه في الإناء قبل غسلهما لم يضر ذلك وضوءه، فإن كانت يده نظيفة فالأمر ظاهر، يد طاهرة لاقت ماء طهورًا فلم تؤثر فيه.\nوإن كان في يده نجاسة، وتغير الماء بالنجاسة نجس إجماعًا، وإن لم يتغير الماء رجعت هذه المسألة إلى مسألة أخرى سبق أن حُرِّرت الأقوال فيها، وهي في حكم الماء إذا لاقته نجاسة فلم تغيره، وقد فصلت القول فيها في كتاب المياه.\nوقد ترجم البخاري بابًا في صحيحه، بعنوان: باب هل يدخل الجنب يده في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٦٠)، ومسلم (٢٢٦).\n(^٢) مسلم (٢٧٨)، البخاري (١٦٢).","vol":"4","page":439},{"text":"الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة، ثم ساق حديث القاسم، عن عائشة ﵂، قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه، ورواه مسلم (^١).\nكما ساق أثرًا معلقًا، قال البخاري: أدخل ابن عمر، والبراء بن عازب يده في الطهور، ولم يغسلها، ثم توضأ (^٢).\nقال الحافظ في الفتح في توجيه الاستدلال بحديث عائشة: «لما جاز للجنب أن يدخل يده في الإناء، ليغترف بها قبل ارتفاع حدثه؛ لتمام الغسل كما في حديث الباب، دل على أن الأمر بغسل يده قبل إدخالها ليس لأمر يرجع إلى الجنابة، بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسة متيقنة أو مظنونة».\nقلت: هذا التوجيه مبني على قول: إن الحدث لا يرتفع عن العضو المغسول حتى يرتفع الحدث عن البدن كله، أما من يرى: أن كل عضو تم غسله فقد ارتفع حدثه، فلا يتوجه هذا الاستدلال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قول الحافظ: إن غسل اليد لا يرجع إلى أمر الجنابة، بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسة متيقنة أو مظنونة، ينتقض ذلك باستحباب غسل اليد، ولو تيقن نظافتها، فغسل اليد في ابتداء الوضوء والغسل إن كانت اليد بحاجة إلى النظافة فظاهر، وإلا كان غسلهما تعبدي، وذلك لكون غسلهما يسن فيه التثليث، وغسل النجاسة يكفي فيه غسلة واحدة تذهب بعينها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٦١)، ومسلم (٣١٦).\n(^٢) قال الحافظ: أما أثر ابن عمر فوصله عبد الرزاق بمعناه، وأما أثر ابن عباس فوصله ابن أبي شيبة عنه، وعبد الرزاق من وجه آخر أيضًا عنه. اهـ\nقلت: أثر ابن عمر يدل على أن غسل اليد قبل إدخاله في الإناء ليس بواجب، وليس يدل على عدم المشروعية عند نظافة اليد، فتأمل.","vol":"4","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2024>المبحث الرابع عدد غسل الكفين في ابتداء الغسل</span>\n[م-٣٦٨] ذهب الأئمة الأربعة (^١)، إلى أن غسل الكفين في غسل الجنابة مرة واحدة إلى ثلاث مرات، ولا يزيد على الثلاث.\nوقيل: يغسل كفيه سبع مرات، يروى هذا عن ابن عباس، ولا يصح (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2025> دليل الجمهور:</span>\nما ورد في صفة الغسل من حديث ميمونة وحديث عائشة ﵄ من أنه غسل كفيه ثلاثًا، وسبق في الفصل الذي قبل هذا ذكر ألفاظهما.\n(٨٩٠ - ٢١٠) واستدل من رأى غسل الكفين سبعًا بما رواه أحمد من طريق ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس،\nأن ابن عباس ﵄ كان إذا اغتسل من الجنابة أفرغ بيده اليمنى على اليسرى فغسلها سبعًا قبل أن يدخلها في الإناء، فنسي مرة كم أفرغ على يده، فسألني:\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، المبسوط (١/ ٤٤)، الشرح الكبير (١/ ١٣٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٤٧)، المجموع (٢/ ٢٠٩)، الإنصاف (١/ ٢٥٢)، شرح العمدة (١/ ٣٧٠).\n(^٢) تفسير القرطبي (٥/ ٢١١)، التمهيد (٢٢/ ٩٤).","vol":"4","page":441},{"text":"كم أفرغت؟ فقلت: لا أدري؟ فقال: لا أم لك، ولم لا تدري، ثم توضأ وضوءه للصلاة ... الحديث (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\nومع ضعف الحديث، فإن الظاهر أن التسبيع كان في غسل الفرج؛ لأنه لم يذكر التسبيع إلا في غسل اليد اليسرى، واليد اليسرى هي التي يغسل بها المرء فرجه قبل الاغتسال، ولأنه ربما كان على الذكر نجاسة من مذي ونحوه، ففي غسل النجاسة قد قيل بغسلها سبعًا، كما هو مذهب الحنابلة، وهو مرجوح (^٣).\nقال ابن رجب: «وليس في هذه الرواية التسبيع سوى في غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء، ويحتمل أن المراد به التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر» (^٤).\nوالصحيح أنه غسلها بعد الاستنجاء وقبل إدخال اليد في الإناء؛ وذلك لمباشرتها غسل الفرج، وما كان عليه من أذى، ومع ذلك فلو صح هذا عن ابن عباس لم يكن فيه حجة، لأنه موقوف عليه، فكيف، وهو ضعيف، مخالف للسنة المرفوعة إلى النبي ﷺ.\n* * *\n_________\n(^١) المسند (١/ ٣٠٧).\n(^٢) وقد سبق بحثه في المجلد الثامن، رقم (١٧١٦).\n(^٣) قد ذكرت خلاف العلماء في العدد المشروع في غسل النجاسة، وأن الصحيح أنه يكفي في غسل النجاسة غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، إلا في نجاسة الكلب، فإن النص قد ورد في غسلها سبعًا، والله أعلم.\n(^٤) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ٢٦٧).","vol":"4","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2026>الفصل السابع\nمن سنن الغسل الوضوء قبله</span>\n[م-٣٦٩] نحتاج في الكلام على الوضوء في غسل الجنابة إلى الكلام على مسائل كثيرة منها:\nأولًا: حكم الوضوء في غسل الجنابة.\nوثانيًا: في موضع الوضوء من الغسل، هل يكون قبل الغسل أو بعده؟\nوثالثًا: في نية الوضوء، هل يتوضأ بنية رفع الحدث الأصغر، أو يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر؟\nرابعًا: لو اغتسل بدون وضوء، فهل يرتفع الحدث الأصغر، أو يرتفع الحدثان، ولو لم يتوضأ؟\nخامسًا: في التثليث في الوضوء، هل يغسل أعضاء الوضوء مرة، أو ثلاثًا؟\nفهذه خمس مسائل سوف نتكلم عليها في المباحث التالية إن شاء الله تعالى، وأسأل الله ﷾ منه التوفيق والعون، إنه على كل شيء قدير.\n* * *","vol":"4","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2027>المبحث الأول حكم الوضوء في غسل الجنابة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأصغر يندرج في الأكبر.\n[م-٣٧٠] اتفق العلماء على مشروعية الوضوء لمن أراد أن يغتسل للجنابة (^١)، واختلفوا في وجوبه،\nفقيل: الوضوء سنة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، واختيار ابن حزم رحمه الله تعالى (^٦).\n_________\n(^١) التمهيد (٢٢/ ٩٣).\n(^٢) فتح القدير (١/ ٥٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦)، البناية (١/ ٢٥٨)، البحر الرائق (١/ ٥٢).\n(^٣) مختصر خليل (ص: ١٥)، منح الجليل (١/ ١٢٨)، الكافي (ص: ٢٤)، الشرح الصغير (١/ ١٧٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٦)، القوانين الفقهية (ص: ٢٣).\n(^٤) المجموع (٢/ ٢١٥)، روضة الطالبين (١/ ٨٩)، مغني المحتاج (١/ ٧٣) نهاية المحتاج (١/ ٢٢٥).\n(^٥) كشاف القناع (١/ ١٥٢)، الإنصاف (١/ ٢٥٢)، معونة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٠٣)، الممتع شرح المقنع (١/ ٢٣٣)، المغني (١/ ٢٨٧)، الفروع (١/ ٢٠٤).\n(^٦) المحلى (المسألة ١٨٨).","vol":"4","page":444},{"text":"وقيل: الوضوء شرط في صحة الغسل، وهو رأي داود الظاهري رحمه الله تعالى (^١)، وأبي ثور (^٢)، وراوية عن أحمد (^٣).\nوقيل: إن كان أجنب، وهو محدث لزمه الوضوء، وإن كان حين أجنب طاهرًا لم يلزمه، ذكره بعض الحنفية (^٤)، وذهب إليه بعض الشافعية (^٥)، وبعض الحنابلة (^٦). هذه مجمل الأقوال في المسألة.\n• وسبب اختلافهم في حكم الوضوء:\nاختلافهم في آية المائدة في قوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، هل هي من قبيل المجمل، أو من قبيل المبين، فالإمام داود يرى أن قوله ﷾: (فَاطَّهَّرُوا) أمر مجمل، وبيانه يؤخذ من فعل الرسول ﷺ، والرسول قد حافظ على الوضوء في غسله، فتكون هذه الصفة بيانًا للأمر الرباني في قوله تعالى:\n_________\n(^١) انظر المجموع (٢/ ٢١٥)، وكتاب الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي (ص: ٤٩٦)\n(^٢) المجموع (٢/ ٢١٥).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٠٥).\n(^٤) المبسوط (١/ ٤٤).\n(^٥) قال الشيرازي في المهذب (١/ ٣٢): «فإن أحدث وأجنب ففيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه يجب الغسل، ويدخل فيه الوضوء، وهو المنصوص في الأم؛ لأنهما طهارتان فتداخلتا، كغسل الجنابة وغسل الحيض.\nوالثاني: أنه يجب عليه الوضوء والغسل؛ لأنهما حقان مختلفان، يجبان بسببين مختلفين، فلم يدخل أحدهما في الآخر، كحد الزنا والسرقة.\nوالثالث: أنه يجب أن يتوضأ مرتبًا، ويغسل سائر البدن؛ لأنهما متفقان في الغسل، ومختلفان في الترتيب، فما اتفقا فيه تداخلا، وما اختلفا فيه لم يتداخلا، قال الشيخ الإمام ﵀ وأحسن توفيقه: سمعت شيخنا أبا حاتم القزويني يحكي فيه وجهًا رابعًا: أنه يقتصر على الغسل إلا أنه يحتاج أن ينويهما، ووجهه: لأنهما عبادتان متجانستان صغرى وكبرى، فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال دون النية، كالحج والعمرة». اهـ\n(^٦) قال في الإنصاف (١/ ٢٥٩): «ذكر الدينوري وجهًا: أنه إن أحدث، ثم أجنب، فلا تداخل ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى.","vol":"4","page":445},{"text":"(فَاطَّهَّرُوا) فما كان بيانًا لأمر واجب، يكون حكمه حكم ذلك الواجب، كما أن قوله ﷾: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) [النور: ٥٦]، مجمل، وجاء بيانه من فعل الرسول ﷺ، فكان امتثال الصفة الواردة عن الرسول ﷺ في صفة الصلاة واجبة؛ لكونها بيانًا لأمر مجمل، وقل مثله في كثير من الأوامر المجملة في كتاب الله تعالى كما في قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) [النور: ٥٦].\nوأما الجمهور فيرون أن قوله تعالى: (فَاطَّهَّرُوا) أمر مبين وليس مجملًا، وكذلك قوله تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]، فالغسل ليس مبهمًا، وإنما هو مبين، فأباح الله ﷾ الصلاة بالاغتسال، فمن شرط الوضوء مع الغسل فقد زاد في الآية ما ليس فيها، ولو كان الوضوء واجبًا لذكره الله ﷾، كما أن الرسول ﷺ قد أفتى الصحابة بالاغتسال من الجنابة، ولم يذكر لهم الوضوء في أحاديث صحيحة، كما في قوله ﷺ في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، قال: خذ هذا فأفرغه عليك، رواه البخاري (^١)، فلم يطلب إلا إفراغ الماء على بدنه.\nوقال الرسول ﷺ لأم سلمة: إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين. رواه مسلم (^٢).\nفاكتفى بالإفاضة، ولم يذكر الوضوء، وجاء بلغة (إنما) الدالة على الحصر.\nوأما قول من فرق بين من أجنب، وهو محدث، وبين من أجنب وهو طاهر، فيلزم الأول الوضوء دون الثاني، قالوا: إذا كان محدثًا يلزمه الوضوء؛ لأنه قبل الجنابة لزمه الوضوء، فلا يسقط غسل الجنابة الوضوء الواجب عليه، وهذا قول ضعيف؛ لأن الأحداث تتداخل.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٧) من حديث طويل.\n(^٢) صحيح مسلم (٣٣٠).","vol":"4","page":446},{"text":"قال القرافي في الذخيرة: «اتفق أئمة الفقه على أن الوضوء غير واجب، سواءً طرأت الجنابة على الحدث، أو الطهارة، إلا الشافعي في أحد قوليه: إن كان محدثًا قبل الجنابة، واحتج عليه القاضي بدخوله معًا إذا اجتمعا، أو سبقت الجنابة، فكذلك ههنا؛ ولأن الكبرى تدخل في الكبرى، فالصغرى أولى» (^١).\nوعليه فقول الجمهور هو الراجح، حتى حكى ابن جرير الإجماع على صحة الغسل بدون وضوء (^٢)، ولا تصح حكاية الإجماع مع خلاف داود وأبي ثور، وقد استكملت أدلة الفريقين وبسطتها مع المناقشة والترجيح في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية، فليرجع إليه من أراد الاستزادة (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٣١٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢١٥).\n(^٣) كتاب الحيض والنفاس رواية ودراية (١/ ٣٥٧) من الطبعة الأولى.","vol":"4","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2028>المبحث الثاني في موضع الوضوء من غسل الجنابة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• وضوء الجنب، هل هو رفع للحدث الأصغر، أو هو تقديم لأعضاء الوضوء بالغسل لشرفها، كما قال في غسل ابنته: اغسلنها، وابدأن بمواضع الوضوء منها؟؟ الحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الأكبر، ولذلك لا ينتقض هذا الوضوء ببول، ولا غائط؛ لأن هذا الوضوء لم يرفع الحدث الأصغر حتى يقال: بطل حكمه.\n• الوضوء بعد الغسل لم يصح فيه شيء (^١).\n• السنة للمغتسل في القدمين التخيير بين غسل القدمين أولًا، أو تأخيرهما إلى نهاية الغسل، ولا يقاس بقية أعضاء الوضوء عليهما، فلا يستحب تأخير الوضوء.\n[م-٣٧١] في المبحث السابق تبين لنا أن الجمع بين الوضوء والغسل هو السنة عند الجمهور، وفي هذا البحث نتكلم على موضع الوضوء من الغسل،\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٤٩).","vol":"4","page":448},{"text":"فقد نص جمهور الفقهاء على استحباب تقديم الوضوء على الغسل واختلفوا في غسل الرجلين من الوضوء (^١):\nفمنهم من استحب تأخير غسل رجليه إلى آخر الغسل.\nومنهم من رأى غسل الرجلين مع الوضوء.\nومنهم من قال: هو مخير، إن شاء غسل رجليه مع وضوئه، وإن شاء أخر غسلهما إلى آخر غسله، وسوف يأتي إن شاء الله التفصيل فيه عند الكلام على غسل الرجلين.\nوقيل: الوضوء بعد الغسل أفضل، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: الوضوء قبل الغسل وبعده سواءً، اختاره أصحاب الشافعي (^٣)، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: إن نسي الوضوء قبل الغسل، فإنه يتوضأ بعد الغسل، نص عليه مالك وأحمد (^٥).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (١/ ٤٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣٥).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٥٢).\n(^٣) حاشية الجمل (١/ ١٦٣)، حاشية البجيرمي (١/ ٩٥)، قال النووي في كتابه المجموع (٢/ ٢١١): قال أصحابنا: «وسواءً قدم الوضوء كله أو بعضه، أو أخره أو فعله في أثناء الغسل، فهو محصل سنة الغسل، ولكن الأفضل تقديمه». اهـ وذكر الحافظ ابن رجب في شرحه للبخاري (١/ ٢٤٩): «قال أصحاب الشافعي: إن الجنب مخير، إن شاء توضأ قبل الغسل، وإن شاء بعد». اهـ\n(^٤) الإنصاف (١/ ٢٥٢).\n(^٥) قال ابن رجب في شرح البخاري (١/ ٢٤٥): «وأما إن نسي الوضوء قبل الغسل، فإنه يتوضأ بعد الغسل، نص عليه أحمد ومالك وغير واحد».\nكذا نسبه ابن رجب نصًا لمالك، وقد قال ابن عبد البر ﵀ في التمهيد (٢٢/ ٩٣): بعد أن ذكر إجماع العلماء على صحة الغسل بدون وضوء، قال: ومجمعون أيضًا على استحباب الوضوء قبل الغسل للجنب تأسيًا برسول الله ﷺ؛ لأنه أعون على الغسل وأهذب فيه، وأما بعد الغسل فلا». اهـ\nوقال في الاستذكار (١/ ٢٦٠): «وأما الوضوء بعد الغسل فلا وجه له عند أهل العلم». ...\nقلت: لكن جاء في الذخيرة للقرافي (١/ ٣١٠): «قال صاحب الاستذكار: أجمع أهل العلم على أن الوضوء بعد الغسل لا وجه له، وإنما يستحب قبله. قال صاحب الطراز: ظاهر المذهب أنه يؤمر بالوضوء بعد الغسل». اهـ فجعل الوضوء بعد الغسل ظاهر المذهب، فليتأمل.\nوفي كتاب النوادر والزيادات وهو من كتب المالكية (١/ ٦٤): «قال عنه ابن القاسم وابن نافع: وإن لم يتوضأ قبل الغسل ولا بعده أجزأه الغسل إذا أمر يديه على مواضع الوضوء».\nفظاهر هذا النص أن له أن يتوضأ بعد الغسل، والله أعلم.","vol":"4","page":449},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2029> دليل من قال الوضوء قبل الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2030>الدليل الأول:</span>\n(٨٩١ - ٢١١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة زوج النبي ﷺ، أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. ورواه مسلم (^١).\nوفي الباب حديث ميمونة في الصحيحين (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2031>الدليل الثاني:</span>\n(٨٩٢ - ٢١٢) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شريك وزهير، عن أبي إسحاق، عن الأسود،\nعن عائشة أن النبي ﷺ كان لا يتوضأ بعد الغسل (^٣).\n[حسن إن شاء الله تعالى] (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦).\n(^٢) البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣١٧).\n(^٣) مسند أبي داود الطيالسي (١٣٩٠).\n(^٤) شريك سيئ الحفظ، وزهير سمع من أبي إسحاق بآخرة، لكن تابعهما الحسن بن صالح، وعمار ابن رزيق، وقد أخرج مسلم من رواية عمار بن رزيق عن أبي أبي إسحاق، فيكون الحديث صحيحًا إن شاء الله بهذه المتابعات، والله أعلم. ...\nوالحديث أخرجه أحمد (٦/ ٦٨) و(٦/ ١٩٢)، وابن أبي شيبة (٧٤٤)، وأبو يعلى في مسنده (٤٥٣١)، والترمذي (١٠٧)، والنسائي (٢٥٢، ٤٢٨)، وفي الكبرى (٢٤٩)، وابن ماجه (٥٧٩)، والحاكم (١/ ١٥٣) والبيهقي (١/ ١٧٩) من طريق شريك وحده، عن أبي إسحاق به.\nوأخرجه أحمد (٦/ ١١٩) وأيضًا في (٦/ ١٥٤) وإسحاق بن راهوية (١٥٢١)، وأبو داود (٢٥٠)، والحاكم (١/ ١٥٣)، والبيهقي (١/ ١٧٩) من طريق زهير وحده، عن أبي إسحاق به.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٢٥٣)، والنسائي (٢٥٢، ٤٢٨) وأبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٣٣٥) من طريق الحسن، عن أبي إسحاق به. وقد جزم الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٩/ ٢٢)، وفي إتحاف المهرة (٢١٥٢٣) أن الحسن هو الحسن بن عياش، فوهم في ذلك، وقد جاء في سنن النسائي المجتبى (٢٥٢)، وفي الكبرى (٢٤٥) عن أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا أبي، حدثنا حسن، وهو ابن صالح بن صالح بن حي ... كما جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم (٧/ ٣٣٥) من طريق أبي غسان النهدي، قال: حدثنا الحسن بن صالح. وكذلك فعل المزي في تحفة الأشراف (١١/ ٣٧٩) رقم: ١٦٠١٩.\nورواه إسحاق في مسنده (١٥٥٥) من طريق عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق به، بنحوه. وعمار ابن رزيق لا بأس به.\nكما أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (٤٧)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٤٤٠)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٧٦) من طريق لوين (محمد بن سليمان بن حبيب) حدثنا حبان (يعني ابن علي العنزي) عن الأعمش، عن أبي إسحاق به.\nوفي إسناده حبان بن علي ضعيف.\nهذه هي الطرق التي وقفت عليها في تخريج الحديث. وقد قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال: وهذا قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين أن لا يتوضأ بعد الغسل.\nولا أرى التعليل بعنعنة أبي إسحاق؛ لأن التدليس علة إنما تكشف بجمع الطرق، والمتن ليس منكرًا حتى يبحث له عن علة، والله أعلم.\nانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: أطراف المسند (٩/ ٢٢)، التحفة (١٦٠١٩)، إتحاف المهرة (٢١٥٢٣).","vol":"4","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2032>الدليل الثالث:</span>\n(٨٩٣ - ٢١٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم","vol":"4","page":451},{"text":"الأحول، عن غنيم بن قيس،\nعن ابن عمر، سئل عن الوضوء بعد الغسل؟ فقال: وأي وضوء أعم من الغسل (^١).\n[صحيح، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2033>الدليل الرابع من الآثار:</span>\n(٨٩٤ - ٢١٤) ما رواه عبد الرزاق، عن هشيم، عن جعفر بن أبي وحشية، عن أبي سفيان، قال:\nسئل جابر بن عبد الله عن الجنب يتوضأ بعد الغسل؟ قال: لا، إلا أن يشاء، يكفيه الغسل (^٣).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٦٩) رقم ٧٤٣.\n(^٢) غنيم بن قيس، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه في الجرح والتعديل (٧/ ٥٨).\nقال النسائي: ثقة. تهذيب التهذيب (٨/ ٢٢٥).\nوقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. المرجع السابق.\nوفي التقريب: مخضرم ثقة، وباقي إسناده ثقات.\nوأخرجه عبد الرزاق (١٠٣٩) عن ابن جريج، أخبرني نافع،\nعن ابن عمر، كان يقول: إذا لم تمس فرجك بعد أن تقضي غسلك، فأي وضوء أسبغ من الغسل؟ وسنده صحيح.\nوأخرجه عبد الرزاق أيضًا (١٠٣٨) قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، قال:\nكان أبي يغتسل، ثم يتوضأ، فأقول: أما يجزيك الغسل؟ قال: وأي وضوء أتم من الغسل للجنب؟ ولكنه يخيل إلي أنه يخرج من ذكري الشيء، فأمسه، فأتوضأ لذلك. وسنده صحيح.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٣٠) من طريق الأوزاعي، عن الزهري به، بلفظ:\nعن ابن عمر، أنه كان يرى أن الغسل من الجنابة يجزئ صاحبه من الوضوء. اهـ\nورواه الطبراني (١٢/ ٣٧١)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٥٣) من طريق عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وهو ضعيف، في إسناده عبد الله بن عمر العمري.\nوفي إتحاف المهرة (٩/ ٢٠٧): قال: عبيد الله بن عمر، فإن كان صوابًا فالرفع شاذ، وإلا كان منكرًا، والله أعلم.\n(^٣) المصنف (١٠٤٥).","vol":"4","page":452},{"text":"[صحيح] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2034>الدليل الخامس:</span>\nذكر بعض أهل العلم أن الوضوء بعد الغسل لم يصح فيه شيء، منهم ابن رجب الحنبلي في شرحه لصحيح البخاري (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2035> دليل من قال: الأفضل بعد الغسل:</span>\nلا أعلم لهم دليلًا من السنة، بل السنة على خلافه،\n(٨٩٥ - ٢١٥) ولعله يستدل له في أثر ابن عمر فيما رواه عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، قال:\nكان أبي يغتسل، ثم يتوضأ، فأقول: أما يجزيك الغسل؟ قال: وأي وضوء أتم من الغسل للجنب، ولكنه يخيل إلي أنه يخرج من ذكري الشيء فأمسه، فأتوضأ لذلك.\n[سنده صحيح، وسبق تخريجه قبل قليل].\nولا دليل فيه؛ لأن ابن عمر إنما حمله الوضوء على الغسل لانتقاض طهارته بمس ذكره، ولم يكن سبب الوضوء هو حدث الجنابة، إلا أن يفضل أحد الوضوء بعد الغسل من باب، أنه ربما مس ذكره أثناء الغسل، فاحتاج إلى إعادة الوضوء، فيقال: هذا الاستحسان كان قائمًا في حق المصطفى ﷺ، ولم يره سببًا في تقديم الغسل على الوضوء، فما بالك تراه سببًا في التقديم، فاحرص على عدم مس ذكرك، فإن مسسته فلا مانع من إعادة الوضوء، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2036> دليل من قال: هو مخير إن شاء توضأ قبل الغسل أو بعده:</span>\nيرى أن طهارة الجنب ليس فيها ترتيب، فمن اغتسل بعد الوضوء، أو توضأ بعد الغسل فقد حصل المطلوب، من القيام بالوضوء والغسل معًا في غسل الجنابة.\n_________\n(^١) ورواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٣٠) من طريق عبد الرزاق به.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٤٩).","vol":"4","page":453},{"text":"وإذا ثبت في حديث ميمونة تأخير غسل رجليه في الوضوء إلا أن يفرغ من غسله، فإن الوضوء في هذه الصورة لم يتم إلا بعد الفراغ من الغسل، فإذا شُرِعَ له تأخير بعض أعضاء الوضوء إلى نهاية الاغتسال، لم يمنع أن يكون مخيرًا في الأعضاء الأخرى.\nويقال لهم: قولكم ليس فيه ترتيب، إن كنتم تقصدون أنه لا يجب الترتيب فمسلم، فإن الوضوء كله لو تركه واقتصر على الغسل، فقد ارتفع حدثه، وإن قلتم: ليس فيه ترتيب، أي مشروع، فإنه غير مسلم، فإن السنة واضحة في الصحيحين وفي غيرهما من تقديم الوضوء، وأما تأخير غسل الرجلين فإنه لا مانع أن يقال: السنة للمغتسل في القدمين التخيير بين غسل القدمين أولًا، أو تأخيرهما إلى نهاية الغسل، ولا يقاس أعضاء بقية أعضاء الوضوء عليهما، تمسكًا بالنص الوارد، مع اختلاف العلماء في علة تأخير غسل القدمين، وسوف يبحث إن شاء الله تعالى في فصل قادم العلة في تأخير غسل القدمين، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2037> دليل من قال: إن نسي أن يتوضأ في أول غسله توضأ بعده:</span>\nهذا القول رأى أن النسيان عذر شرعي، والمعذور يغتفر له ما لا يغتفر لغيره، فإذا ترك الوضوء قبل الغسل معذورًا فله أن يأتي به بعد الغسل.\nوهذا القول في ظاهره أنه جيد، وليس كذلك، فالمعذور يكتب له الأجر؛ لأنه لم يتعمد الترك، ولا يشرع في حقه الوضوء بعد الغسل، وذلك لأن الوضوء قبل الغسل يراد به ليس الوضوء الخاص برفع الحدث الأصغر، وإنما المطلوب أن يبدأ في غسله في مواضع الوضوء، ثم يغسل سائر جسده، ولا يغسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، أما إذا اغتسل ثم توضأ يكون قد غسل أعضاء الوضوء مرتين، مرة في الغسل، ومرة في الوضوء، وهذا لا حاجة له.\nوسيأتي مزيد بحث في مبحث مستقل عن نية الوضوء في الغسل، ليتبين لك","vol":"4","page":454},{"text":"أن المراد البداءة بأعضاء الوضوء، وليس الوضوء الذي سببه الحدث الأصغر، والله أعلم.\n• الراجح:\nبعد ذكر الخلاف، ودليل كل قول، الذي يترجح لي أن السنة لا تحصل إلا بتقديم الوضوء على الغسل إلا في الرجلين، فإن شاء قدم غسل قدميه مع الوضوء، وإن شاء أخر غسلهما إلى نهاية الغسل، فإن ترك الوضوء قبل الغسل، فلا يعيده بعد الغسل، إلا أن تنتقض الطهارة الصغرى بحدث، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2038>المبحث الثالث ارتفاع الحدث الأصغر في الاغتسال</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصغر يندرج في الأكبر.\n• الوضوء والغسل إذا تكررت أسبابهما المختلفة أو المتماثلة فإنه يجزئ وضوء واحد، وغسل واحد، ويدخل أحد السببين في الآخر فلم يظهر له أثر، وكالوضوء مع الغسل، فإن الحدث الأصغر يندرج في الأكبر، لا يجب عليه وضوء.\n[م-٣٧٢] اختلف العلماء في هذه المسألة:\nفقيل: يجزئ الغسل عن الوضوء مطلقًا، سواءً كان محدثًا حدثًا أصغر قبل الجنابة، أم لا، وسواءً نوى رفع الحدثين معًا، أو نوى رفع الجنابة، وهذا هو مذهب الحنفية (^١)،\n_________\n(^١) يرى الحنفية أن الغسل يجزئ عن الحدثين الأصغر والأكبر، ولو لم ينو أحدهما، باعتبار أن النية في الوضوء والغسل ليست بشرط عندهم، بينما المالكية والشافعية وما اختاره ابن تيمية: يرى أنه إذا نوى الطهارة الكبرى أجزأه عن نية الطهارة الصغرى. انظر في مذهب الحنفية: البناية (١/ ١٧٣) تبيين الحقائق (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ٢٤)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥١٥)، المبسوط (١/ ٤٤).","vol":"4","page":456},{"text":"والمالكية (^١)، وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (^٢)، واختاره ابن تيمية (^٣).\nوقيل: لا يرتفع الأصغر حتى يتوضأ، سواءً توضأ قبل الغسل أو بعده، وهو أحد قولي الشافعي (^٤)، وقول في مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: لا تتداخل الطهارتان الكبرى والصغرى إلا بنية، فعلى هذا، إما أن يتوضأ قبل الغسل، أو ينوي بغسله الطهارة من الحدثين، وهذا نص الإمام أحمد ﵀ (^٦)،\n_________\n(^١) قال في حاشية الدسوقي (١/ ١٤٠): «وكذا إذا أفاض الماء على جسده ابتداء، وذلك بنية رفع الحدث الأكبر، ولم يستحضر الأصغر، جاز له أن يصلي به». وانظر: حاشية العدوي (١/ ٢٧٠)، الشرح الصغير (١/ ١٧٣).\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥): «الحال الثاني: أن يحدث، ثم يجنب، كما هو الغالب، ففيه الأوجه الأربعة التي ذكرها المصنف، الصحيح عند الأصحاب، وهو المنصوص في الأم أنه يكفيه إفاضة الماء على البدن، ويصلي به بلا وضوء».\n(^٣) قال ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٦): «والقرآن يدل على أنه لا يجب على الجنب إلا الاغتسال، وأنه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة، والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر، كما قال جمهور العلماء ...». وانظر شرح العمدة لابن تيمية ﵀ (١/ ٣٧٧).\n(^٤) الشافعية يقولون بذلك في بعض الصور دون بعض، لأنهم يرون أن الجنب له ثلاث أحوال:\nالحال الأولى: أن يجنب من غير أن يحدث حدثًا أصغر، فيكفيه في هذه الحالة غسل البدن، ولا يلزمه الوضوء قال النووي: بلا خلاف عندنا كما في المجموع (٢/ ٢٢٣).\nالحال الثانية: أن يحدث حدثًا أصغر، ثم يجنب، ففي مذهب الشافعية أربعة أوجه، أحدها: أنه يجب عليه الوضوء، فلو اغتسل بدون الوضوء لم يرتفع حدثه الأصغر. انظر المجموع (٢/ ٢٢٣).\nالحال الثالثة: أن يجنب من غير حدث، ثم يحدث، فهل يؤثر الحدث، فيه وجهان، أرجحهما أنه لا يؤثر، حكاه الدارمي عن ابن القطان، وحكاه الماوردي عن جمهور الأصحاب، فعلى هذا يجزيه الغسل بلا وضوء قطعًا.\n(^٥) قال ابن تيمية ﵀ في شرح العمدة (١/ ٣٧٦): «وعنه -أي: عن أحمد- أنه لا يرتفع الأصغر إلا بوضوء مع الغسل، بفعله قبل الغسل، أو بعده».\n(^٦) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٦)، وقال في كشاف القناع (١/ ٨٩): «إن نوى الغسل للجنابة لم يرتفع حدثه الأصغر إلا إن نواه». وقال ابن تيمية في شرح العمدة في تقريره للمذهب (١/ ٣٧٦): «وإذا نوى الأكبر فقط بقي عليه الأصغر».","vol":"4","page":457},{"text":"ووجه في مذهب الشافعية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2039> دليل الجمهور على أنه يكفي الغسل وحده في رفع الحدثين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2040>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ أباح الصلاة بالاغتسال من غير وضوء، فمن شرط في صحة الغسل وجود الوضوء، أو شرط نية رفع الحدث، فقد زاد في الآية ما ليس فيها، وذلك غير جائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2041>الدليل الثاني:</span>\n(٨٩٦ - ٢١٦) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر\nأنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^٢).\n[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nلم يطلب النبي ﷺ للمجنب إذا وجد الماء إلا أن يمسه بشرته، فلو كان الوضوء، أو نيته واجبة لذكره الرسول ﷺ.\n_________\n(^١) الروضة (١/ ٥٤)، المجموع (٢/ ٢٢٣).\n(^٢) المصنف (٩١٣).\n(^٣) سبق تخريجه في المجلد الأول، انظر ح (٣١).","vol":"4","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2042>الدليل الثالث:</span>\nأن الطهارة الكبرى متضمنة للطهارة الصغرى، فالأكبر متضمن لغسل الأعضاء الأربعة، فيتداخلان، كما أن الوضوء إذا تعددت أسبابه، أو تكرر السبب الواحد تداخلا، ولم يجب لكل سبب وضوء، والغسل إذا اختلفت أسبابه، أو تكرر السبب الواحد كذلك، فالطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى وتغني عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2043>الدليل الرابع:</span>\nأن تقديم الوضوء لم يكن من أجل رفع الحدث الأصغر، بل هو غسل في صورة وضوء، فتقديمه لأعضاء الوضوء بمنزلة تقديم اليمنى على اليسرى في الوضوء، والدليل على أنه توضأ بنية الغسل، ولم يكن بنية رفع الحدث الأصغر، قوله ﷺ لأم عطية واللواتي غسلن ابنته: اغسلنها، وابدأن بمواضع الوضوء منها. متفق عليه (^١).\nفجعل الأمر موجه للغسل، وجعل ابتداء الغسل إنما هو لمواضع الوضوء، فهو لم يكن وضوءًا بنية رفع الحدث، وإنما كان غسلًا مقدمًا فيه أعضاء الوضوء لشرفها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن النبي ﷺ إذا بدأ بمواضع الوضوء، ثم غسل سائر جسده، لم يكن يغسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل كان يكتفي بغسلها في أول الأمر، ولو كان غسله الأعضاء بنية رفع الحدث الأصغر لاحتاج إلى غسلها مرة أخرى بنية رفع الحدث الأكبر، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الذين نقلوا لنا صفة غسله كعائشة ﵂ ذكرت أنه كان يتوضأ، ثم يفيض الماء على شعره، ثم على سائر بدنه، ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين، وكان لا يتوضأ بعد الغسل» (^٢).\nوسيأتي إن شاء الله تعالى كلام الفقهاء حول هذه المسألة بمزيد بحث في مبحث مستقل.\n_________\n(^١) البخاري (١٦٧)، ومسلم (٩٣٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٧).","vol":"4","page":459},{"text":"فظهر لنا أن من فهم من الوضوء في أول الغسل، أنه أراد نية رفع الحدث الأصغر فقد أخطأ، وعليه فيكفي نية الغسل ليرتفع الحدثان، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2044> دليل من قال: إذا لم ينو رفع الحدث الأصغر بالغسل لم يرتفع:</span>\n(٨٩٧ - ٢١٧) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد ابن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:\nسمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nلفظ: (إنما) للحصر، وليس المراد صورة العمل، فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية، ودليل آخر، وهو قوله ﷺ: (وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا لم يتوضأ، ولم ينو رفع الحدث الأصغر، فلا يكون له (^٢).\n• ويُجاب عن ذلك:\nبأنه لا يمكن أن ينكر أحد تداخل بعض العبادات مع بعض، فتدخل تحية المسجد في الفريضة، ولا يطالب بتحية المسجد، وإذا أخر طواف الإفاضة سقط عنه طواف الوداع على الصحيح، وهكذا، فكيف بالطهارة الصغرى والكبرى فكلاهما عبادتان من جنس واحد، فيتداخلان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2045> دليل من قال: لا يرتفع الحدث الأصغر حتى يتوضأ:</span>\nأنه يجب عليه الوضوء والغسل؛ لأنهما حقان مختلفان يجبان بسببين مختلفين، فلم\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٦٨٩)، ومسلم (١٩٠٧).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٥٦).","vol":"4","page":460},{"text":"يدخل أحدهما في الآخر، كحد الزنا والسرقة.\nولأنه قبل الجنابة قد لزمه الوضوء، فلا يسقط غسل الجنابة الوضوء الواجب عليه.\nوهذا التعليل في مقابل النصوص، فلا يقبل.\n• الراجح من الخلاف.\nبعد معرفة أدلة الأقوال نجد أن قول الجمهور أقوى لقوة أدلته، وضعف أدلة الأقوال الأخرى، وهناك أدلة أخرى لم أذكرها للجمهور قد ذكرتها في مجلد الحيض والنفاس فلتراجع هناك (^١) والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر في مجلد الحيض والنفاس، مسألة: في غسل أعضاء الوضوء مرة ثانية في الغسل.","vol":"4","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2046>المبحث الرابع نية الوضوء في غسل الجنابة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• وضوء الجنب هل هو رفع للحدث الأصغر، أو هو تقديم لأعضاء الوضوء بالغسل لشرفها، كما قال في غسل ابنته: اغسلنها وابدأن بمواضع الوضوء منها؟؟ الحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الأكبر، ولذلك لا ينتقض هذا الوضوء ببول، ولا غائط؛ لأن هذا الوضوء لم يرفع الحدث الأصغر حتى يقال: بطل حكمه.\n[م-٣٧٣] عرفنا فيما سبق، أن السنة: هو أن يغسل أعضاء الوضوء في ابتداء الغسل، وأنه لا يشرع له الوضوء بعد الغسل، والكلام الآن في هذا المبحث في النية، هل يتوضأ قبل الغسل بنية رفع الحدث الأصغر؟ أو يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر؟ وكنت قد أشرت في المسألة السابقة إلى هذه المسألة، ووعدت أن أفصل فيها كلام أهل الفقه في مبحث مستقل، وهذا أوان الوفاء بالوعد،\nفقيل: يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر، وهو مذهب المالكية (^١)، واختاره محمد بن\n_________\n(^١) قال الدسوقي في حاشيته (١/ ١٤٠): «إطلاق الوضوء على غسل أعضائه في الطهارة الكبرى\nمجاز؛ لأنه صورة وضوء، وهو في الحقيقة جزء من الغسل الأكبر».\nوقال الخرشي في شرح مختصر خليل (١/ ١٧٠): «ثم يتوضأ بنية الجنابة وضوءًا كاملًا». اهـ فجعل الوضوء بنية الجنابة، وليس بنية رفع الحدث.\nقال العدوي في حاشيته على الخرشي (١/ ١٧١): «لا يخفى أن هذا الوضوء قطعة من الغسل، فهو صورة وضوء». اهـ\nوقال في كفاية الطالب (١/ ٢٦٧): «وظاهر كلامه (يعني المصنف) أنه يغسل ما حقه الغسل في هذا الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وهو مصرح به في بعض النسخ، والمشهور أنه إنما يغسله مرة مرة بنية رفع حدث الجنابة». ونظر الفواكه الدواني (١/ ١٤٨)، مواهب الجليل (١/ ٣١٤).","vol":"4","page":462},{"text":"عقيل الشهرزوي من الشافعية (^١)، وهو رأي ابن تيمية من الحنابلة (^٢).\nوقيل: يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر، إلا إن أحدث، ثم أجنب فإنه، ينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر، اختاره عمرو بن الصلاح من الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢١١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٧).\n(^٣) قال النووي في المجموع (٢/ ٢١١): «لم يذكر الجمهور ماذا ينوي بهذا الوضوء؟ قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: لم أجد في مختصر، ولا مبسوط تعرضًا لكيفية نية هذا الوضوء، إلا لمحمد بن عقيل الشهرزوي، فقال: يتوضأ بنية الغسل، قال: إن كان جنبًا من غير حدث فهو كما قال، وإن كان جنبًا محدثًا كما هو الغالب، فينبغي أن ينوي بوضوئه هذا رفع الحدث الأصغر».\nوقال ابن دقيق العيد في شرح عمدة الأحكام (١/ ١٣١): «قولها -يعني: عائشة- (وتوضأ وضوءه للصلاة) يقتضي استحباب تقديم الغسل لأعضاء الوضوء في ابتداء الغسل، ولا شك في ذلك، نعم، يقع البحث في أن هذا الغسل لأعضاء الوضوء: هل هو وضوء حقيقة؟ فيكتفي به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة، فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، أو يقال: إن غسل هذه الأعضاء، إنما هو عن الجنابة، وإنما قدمت على بقية الجسد تكريمًا لها وتشريفًا، ويسقط غسلها عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى.\nفقد يقول قائل: قولها: (وضوءه للصلاة) مصدر مشبه به، تقديره: وضوءًا مثل وضوئه للصلاة، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الأعضاء المغسولة مغسولة عن الجنابة؛ لأنها لو كانت مغسولة عن الوضوء حقيقة، لكان قد توضأ عن الوضوء للصلاة، فلا يصح التشبيه؛ لأنه يقتضي تغاير المشبه والمشبه به، فإذا جعلناها مغسولة للجنابة صح التغاير، وكان التشبيه في الصورة الظاهرة. وجوابه بعد تسليم كونه مصدرًا مشبهًا به من وجهين: ...» ثم ذكرهما، ويحسن بك أن ترجع إلى الكتاب لتقرأهما، فقد تركت نقلهما اختصارًا، والله الموفق.","vol":"4","page":463},{"text":"قلت: يلزم على هذا القول وجوب الوضوء مع الغسل إذا كان جنبًا محدثًا، والراجح عدم وجوب الوضوء مطلقًا، وهو الصحيح حتى في مذهب الشافعية، وقد تقدم تحرير الخلاف في الفصل الذي قبل هذا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2047> دليل من قال: يتوضأ بنية رفع الجنابة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2048>الدليل الأول:</span>\nالدليل على أن الوضوء في غسل الجنابة، هو غسل في صورة وضوء، وأن تقديمه لأعضاء الوضوء بمنزلة تقديم اليمنى على اليسرى في الوضوء، ولم يكن بنية رفع الحدث الأصغر، قوله ﷺ لأم عطية واللواتي غسلن ابنته:\nاغسلنها، وابدأن بمواضع الوضوء منها. متفق عليه (^١).\nفجعل الأمر موجهًا للغسل، وجعل ابتداء الغسل إنما هو لمواضع الوضوء، فهو لم يكن وضوءًا بنية رفع الحدث، وإنما كان غسلًا مقدمًا فيه أعضاء الوضوء لشرفها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2049>الدليل الثاني:</span>\nكان النبي ﷺ إذا فرغ من الوضوء غسل سائر جسده، ولم يغسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل كان يكتفي بغسلها في أول الأمر، ولو كان غسله الأعضاء بنية رفع الحدث الأصغر، لاحتاج إلى غسلها مرة أخرى بنية رفع الحدث الأكبر، وإلا فلا يمكن أن ينوي الأصغر، ويرتفع الأكبر؛ لأن الأصغر لا يتضمن الأكبر والعكس صحيح.\n(٨٩٨ - ٢١٨) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بين شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ورواه مسلم (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (١٦٧)، ومسلم (٩٣٩).\n(^٢) البخاري (٢٧٢)، ومسلم (٣١٦).","vol":"4","page":464},{"text":"فقولها: (ثم غسل سائر جسده) أي بقية جسده، وقد ذكر الزبيدي: أن كلمة سائر الناس: أي الباقي من الناس (^١).\nوله شاهد من حديث ميمونة من رواية مسلم له، في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة، وفيه: «ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده» (^٢).\nوالبخاري ﵀ لا يرى غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل يتوضأ، ثم يغسل بقية بدنه، قال ﵀ في صحيحه: «باب: من توضأ في الجنابة، ثم غسل سائر جسده، ولم يعد غسل مواضع الوضوء فيه مرة أخرى» (^٣).\nقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الذين نقلوا لنا صفة غسله كعائشة ﵂ ذكرت أنه كان يتوضأ، ثم يفيض الماء على شعره، ثم على سائر بدنه، ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين، وكان لا يتوضأ بعد الغسل» (^٤).\n_________\n(^١) انظر تاج العروس (٦/ ٤٨٩). وفي حديث أبي موسى في البخاري (٣٤١١) ومسلم (٢٤٣١)،\nقال: قال رسول الله ﷺ: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، فمعنى (سائر الطعام) أي على بقيته.\nوقال ابن الأثير في النهاية (٢/ ٣٢٧): «والسائر: الباقي، والناس يستعملونه بمعنى الجميع، وليس بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء». اهـ\nوذكر الزبيدي في تاج العروس (٦/ ٤٨٩) إلى أن في السائر قولين:\nالأول: وهو قول الجمهور من أئمة اللغة وأرباب الاشتقاق، أنه بمعنى الباقي، ولا نزاع فيه بينهم، واشتقاقه من السُّوْر، وهو البقية.\nوالثاني: أنه بمعنى الجميع، وقد أثبته جماعة، وصوبوه، وإليه ذهب الجوهري، والجواليقي، وحققه ابن بري في حواشي الدرة، وأنشد عليه شواهد كثيرة، وأدلة ظاهرة، وانتصر لهم الشيخ النووي في مواضع من مصنفاته، وسبقهم إمام العربية أبو علي الفارسي، ونقله بعضٌ عن تلميذه ابن جني» إلخ كلامه ﵀، ولا مانع أن يكون معنى كلمة (سائر) مشتركًا بين المعنيين، والأصل فيها: أن تكون بمعنى الباقي إلا إن دلت قرينة على أن المراد بمعنى سائر: الكل فيقبل.\n(^٢) مسلم له (٣١٧).\n(^٣) كتاب الغسل باب (١٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٧).","vol":"4","page":465},{"text":"وقال ابن حزم ﵀: «وأما غسل الجنابة والوضوء، فإنه أجزأ فيهما عمل واحد، بنية واحدة لهما جميعًا، للنص الوارد في ذلك، ثم ذكر حديث ميمونة من رواية مسلم له، وفيه: (ثم غسل سائر جسده) فقال: هذا رسول الله ﷺ لم يعد غسل أعضاء الوضوء في غسله للجنابة ...» (^١).\nويذكر ابن عبد البر أن غسل أعضاء الوضوء في غسل الجنابة ليس من قبيل المستحب، بل هو فرض، ويقصد أن المستحب هو تقديمها في الغسل، وأما غسلها إذا قدمتها فهو فرض؛ لأنه بنية رفع الجنابة، ونية رفع الجنابة فرض.\nيقول ابن عبد البر في الاستذكار: «والابتداء بالوضوء في غسل الجنابة يقتضي تقديم أعضاء الوضوء في الغسل سنة مسنونة في تقديم تلك الأعضاء خاصة؛ لأنه ليس في الغسل رتبة، وليس ذلك من باب السنة التي هي غير الفرض، ولذلك لم يحتج أن يعيد تلك الأعضاء بنية الجنابة؛ لأنه بذلك غسلها، وقدم الغسل لها على سائر البدن» (^٢).\nفقوله: «وليس ذلك من باب السنة التي هي غير الفرض» يقصد بالسنة: الطريقة المشروعة، وهي هنا يعني بها الفريضة.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد: «وأما قوله في حديث عائشة: (يتوضأ وضوءه للصلاة) فيحتمل أنها أرادت: بَدَأ بمواضع الوضوء، والدليل على ذلك أنه ليس في شيء من الآثار الواردة عنه ﷺ في غسل الجنابة أنه أعاد غسل تلك الأعضاء، ولا أعاد المضمضة ولا الاستنشاق، وأجمع العلماء على أن ذلك كله لا يعاد، من أوجب منهم المضمضة والاستنشاق ومن لم يوجبها» (^٣).\nفإذا كان لا يرجع إلى أعضاء الوضوء مرة أخرى، وحكى فيه ابن عبد البر\n_________\n(^١) المحلى، مسألة (٩٥).\n(^٢) الاستذكار (٣/ ٦١).\n(^٣) التمهيد (٢٢/ ٩٥).","vol":"4","page":466},{"text":"الإجماع، لزم على ذلك أحد ثلاثة أمور:\nالأول: أما أن يكون غسله لأعضاء الوضوء كان بنية رفع الحدث الأصغر، فيلزم منه أنه لم يغسلها بنية رفع الحدث الأكبر، فيبقى الحدث الأكبر ما زال على أعضاء الوضوء؛ لأن الحدث الأصغر أدنى، فهو لا يغني عن الحدث الأكبر؛ لكونه أعلى منه وأشد، والأخف لا يتضمن الأشد.\nالثاني: أن يكون غسل أعضاء الوضوء بنية رفع الحدثين، فيقال: هذه دعوى، إذ لو كان هذا شرطًا لرفع الحدث الأصغر، لبينه النبي ﷺ، وبينه القرآن، فلم يذكر في القرآن إلا قوله تعالى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) وقال ﷺ: (خذ هذا فأفرغه عليك).\nالأمر الثالث: أن يكون غسله لأعضاء الوضوء كان بنية رفع الجنابة، وليس بنية رفع الحدث الأكبر، وهذا ما يفسر اكتفاء الرسول ﷺ بغسلها في الوضوء عن غسلها مرة أخرى عند غسل سائر جسده، وهذا هو المتعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2050>الدليل الثالث:</span>\nقد يستدل له بأنه لا يمكن رفع الحدث الأصغر، والأكبر باق، وعليه فتكون نيته في الوضوء، هي نية الغسل، وإنما بدأ بمواضع الوضوء لشرفها.\nوبعضهم استدل بطريقة أخرى، فقال: الوضوء في غسل الجنابة مستحب، فلو توضأ بنية الوضوء المعروف للزم منه أن يجزئ المستحب عن الواجب (^١)، فلزم أن يكون الوضوء هو بنية الغسل، وليس بنية رفع الحدث.\nقلت: وهذا الاستدلال يستأنس به مع الأدلة السابقة الذكر، وإن لم يكن وحده ملزمًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2051> دليل من قال: إن كان عليه حدث وجنابة لزمه نية رفع الحدث الأصغر:</span>\nذكرنا دليلهم في الفصل الذي قبل هذا، من إيجابهم الطهارة الصغرى، وأجبنا عليه.\n_________\n(^١) بتصرف الذخيرة للقرافي (١/ ٣١٣).","vol":"4","page":467},{"text":"فالراجح: أن الوضوء يكون بنية رفع الحدث الأكبر، وليس بنية رفع الحدث الأصغر، ولو نواهما معًا لم يمنع من ذلك مانع، أما أن يكون ذلك حتم عليه، وإلا فلا يرتفع حدثه، أو يكون ذلك بنية رفع الحدث الأصغر، وهو لن يعود إلى غسل أعضائه مرة أخرى فهذا فيه نظر، والله أعلم.\nوثمرة الخلاف بين القولين:\nأن من يرى أن وضوءه هذا بنية رفع الحدث الأكبر، فلو أحدث في أثنائه بنى على وضوئه؛ لأن الترتيب في الغسل ليس بشرط، وأي عضو تم غسله، فقد فرغ منه، وبقي عليه غسل الباقي، كما أنه لو أحدث في أثناء غسله لم يؤثر ذلك في غسله، بل يتمه ويجزيه.\nولذلك نص المالكية على أن وضوء الغسل لا يبطله إلا الجماع:\nقال في الشرح الصغير: «وضوء الجنب لا يبطله إلا الجماع، بخلاف وضوء غيره فإنه ينقضه كل ناقض مما تقدم» (^١).\nوإنما كان لا يبطله إلا الجماع لأنه لم يكن وضوءًا، وإنما كانت صورته صورة الوضوء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الشرح الصغير (١/ ١٧٦).","vol":"4","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2052>المبحث الخامس التثليث في وضوء الغسل</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• استحباب التثليث يرجع إلى الخلاف في حقيقة الوضوء، هل هذا الوضوء هو جزء من غسل البدن، وإنما صورته صورة الوضوء، وقدمت أعضاء الوضوء في الغسل لشرفها، وإذا كان الوضوء غسلًا لم يكن التثليث فيه مشروعًا، أو أن هذا الوضوء قبل الغسل هو وضوء بنية رفع الحدث قبل ارتفاع الحدث الأكبر، فيأخذ حكم الوضوء، ومنها التثليث.\n[م-٣٧٤] اختلف العلماء في وضوء الغسل، هل يغسل أعضاء الوضوء مرة واحدة، أو يغسلها ثلاثًا، كما هو في الوضوء المستقل عن غسل الجنابة؟.\nفقيل: يسن في وضوء الغسل أن يكون ثلاثًا ثلاثًا.\nوهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١)، وبه قال سفيان الثوري، وإسحاق\n_________\n(^١) مراقي الفلاح (ص: ٤٣، ٤٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦، ١٥٧)، فتح القدير (١/ ٥٨)، مغني المحتاج (١/ ٧٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٥)، روضة الطالبين (١/ ٨٩)، الحاوي (١/ ٢١٩)، كشاف القناع (١/ ١٥٢)، الفروع (١/ ٢٠٤)، الإنصاف (١/ ٢٥٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٥)، الكافي (١/ ٥٩)، المحرر (١/ ٢٠).","vol":"4","page":469},{"text":"ابن راهويه (^١)، ووجه في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: يتوضأ مرة مرة، وهو وجه في مذهب المالكية (^٣).\nورجحه القاضي عياض، قال في الإكمال: «لم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، وقال بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه» (^٤).\nقال خليل تعليقًا «لا فضيلة في تكراره، يريد؛ لأنه - أي وضوء الجنب - من الغسل، ولا فضيلة في تكراره» (^٥).\nوقال ابن رجب: لم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثًا، وعلى تثليث صب الماء على الرأس (^٦). اهـ وينبغي أن يتفطن أن هذه المسألة غير مسألة التثليث في غسل البدن، وسوف تأتي هذه إن شاء الله تعالى.\nوقد ذكرت أدلة هذه الأقوال بشيء من التفصيل في مبحث الحيض والنفاس رواية ودراية (^٧)، فأغنى عن إعادته هنا، وقد رجحت في ذلك أنه لا يشرع التثليث في وضوء الغسل؛ لأن هذا الوضوء جزء من غسل البدن، وإنما صورته صورة الوضوء، كما تقدم بيانه في الفصل السابق، والبدن لا يشرع فيه التثليث كما سوف يتبين إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل من هذا الباب، إلا في غسل الكفين في ابتداء الغسل، فإنه\n_________\n(^١) انظر قول الثوري وإسحاق في شرح ابن رجب لصحيح البخاري (١/ ٢٣٨).\n(^٢) الشرح الصغير (١/ ١٧٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٦)، منح الجليل (١/ ١٢٨).\n(^٣) قال في كفاية الطالب (١/ ٢٦٧): «وظاهر كلامه أنه يغسل ما حقه الغسل في هذا الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وهو مصرح به في بعض النسخ، والمشهور: أنه إنما يغسله مرة مرة، بنية رفع حدث الجنابة». اهـ وانظر: تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة (١/ ٥٤٠)، مختصر خليل (ص ١٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٦)، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل (١/ ٣١٤).\n(^٤) إكمال المعلم (٢/ ٨٤).\n(^٥) التوضيح لخليل شرح جامع الأمهات لابن الحاجب تحقيق أحمد نجيب (١/ ١٧٨).\n(^٦) شرح ابن رجب لصحيح البخاري (١/ ٢٣٨).\n(^٧) الحيض والنفاس تحت عنوان: في تثليث الوضوء والغسل.","vol":"4","page":470},{"text":"يشرع فيهما التثليث،\n(٨٩٩ - ٢١٩) لما روى البخاري من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم ابن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال:\nقالت ميمونة: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا ... وذكر بقية الحديث. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).\nوروى مسلم من طريق وكيع، عن هشام، عن أبيه،\nعن عائشة أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فبدأ، فغسل كفيه ثلاثًا ... الحديث (^٢).\nوكأن غسل الكفين سنة مستقلة في ابتداء الطهارة، يغسلهن ثلاثًا إن أراد وضوءًا، أو أراد غسلًا، قبل إدخال يديه في الإناء، حتى ولو كانت اليد نظيفة، ويجب غسلهما إن كان في اليد نجاسة، أو كان قائمًا من نوم الليل على أحد القولين، ويستحب غسلهما في غير ذلك، والله أعلم. وقد بحثت مسألة حكم غسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم في المجلد الأول: في مباحث المياه، فأغنى عن إعادته هنا.\nوكذلك يستحب التثليث في غسل الرأس، وسوف يأتي بحثه في فصل مستقل إن شاء الله تعالى، وأما ما عدا الكفين والرأس فلا يستحب التثليث على الصحيح من أقوال أهل العلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٥)، ومسلم (٣١٧).\n(^٢) مسلم (٣٦/ ٣١٦).","vol":"4","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2053>الفصل الثامن\nاستحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا كان الوضوء ليس واجبًا في الطهارة الكبرى، فكذلك المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما جزء منه.\n[م-٣٧٥] اختلف أهل العلم في حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل،\nفقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء والغسل، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\nوقيل: هما واجبان في الوضوء والغسل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٣٣ - ١٧٠)، منح الجليل (١/ ١٢٨)، مواهب الجليل (١/ ٣١٣)، القوانين الفقهية (ص: ٢٢)، مقدمات ابن رشد (١/ ٨٢)، بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ١٢)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٣، ٢٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٦)، الشرح الصغير (١/ ١١٨، ١٧٠).\n(^٢) الأم (١/ ٤١)، المجموع (١/ ٣٩٦)، روضة الطالبين (١/ ٥٨، ٨٨)، مغني المحتاج (١/ ٥٧ - ٧٣).\n(^٣) الفروع (١/ ١٤٤)، الإنصاف (١/ ١٥٢، ١٥٣)، المحرر (١/ ١١، ٢٠)، كشاف القناع (١/ ١٥٤)، معرفة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٠٣)، المبدع (١/ ١٢٢)، الكافي (١/ ٢٦)، الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني (١/ ٥٩).","vol":"4","page":472},{"text":"هذان قولان متقابلان.\nوفيه قولان آخران متقابلان أيضًا:\nفقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، واجبان في الغسل، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل (^٢).\nوقيل: المضمضة سنة، والاستنشاق واجب فيهما (^٣).\nوالراجح: أن المضمضة والاستنشاق سنة في غسل الجنابة،\nفقد روى البخاري من حديث طويل، في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، فقال له الرسول ﷺ: خذ هذا فأفرغه عليك (^٤).\n(٩٠٠ - ٢٢٠) وروى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لها: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^٥).\nفعبر بـ (إنما) الدالة على الحصر، واكتفى بالإفاضة ولم يذكر المضمضة والاستنشاق.\nوقد بحثت المسألة، وناقشت أدلة الأقوال في كتاب الحيض والنفاس، فأغنى عن إعادته هنا (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٢٥، ٥٦)، البناية (١/ ٢٥٠)، تبيين الحقائق (١/ ٤، ١٣)، البحر الرائق (١/ ٤٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦)، مراقي الفلاح (ص: ٤٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، رؤوس المسائل (ص: ١٠١).\n(^٢) انظر الفروع (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، المبدع (١/ ١٢٢)، الإنصاف (١/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٣) انظر المصادر السابقة.\n(^٤) صحيح البخاري (٣٣٧).\n(^٥) صحيح مسلم (٣٣٠).\n(^٦) تحت عنوان: حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل إذا لم تتوضأ.","vol":"4","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2054>الفصل التاسع\nالسنن الواردة في غسل الرأس</span>\nنحتاج في الكلام على السنن الواردة في غسل الرأس إلى الكلام على جملة من المسائل:\nالأولى: هل يمسح الرأس في وضوء غسل الجنابة، أو لا يمسح باعتبار أن فرضه الغسل، وهو أعلى من المسح؟.\nالثانية: حكم تخليل الشعر في غسل الجنابة، ومنه شعر الرأس.\nالثالثة: استحباب التثليث في مسح الرأس.\nالرابعة: هل يوجد فرق بين الرجل والمرأة في عدد غسلات الرأس.\nالخامسة: هل تنقض الضفائر في غسل الجنابة؟\nالسادسة: في حكم المسترسل من الشعر، هل يجب غسل ظاهره وباطنه؟\nفهذه ستة مسائل متعلقة بالرأس في غسل الجنابة، وأسأل الله ﷾ عونه وتوفيقه، إنه على كل شيء قدير.\n* * *","vol":"4","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2055>المبحث الأول العمل في الرأس في وضوء الغسل</span>\n- غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه؛ لمخالفته السنة، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه؛ لأن غسل الرأس فرض، والمسح يندرج في الغسل.\n• لم أقف على حديث واحد يصرح بمسح الرأس في وضوء غسل الجنابة.\n• كل الأحاديث التي فصلت وضوء غسل الجنابة تذكر صراحة غسل الرأس، وليس في حديث منها ذكر للمسح.\n[م-٣٧٦] علمنا فيما سبق أن غسل أعضاء الوضوء سنة في ابتداء الغسل، وأن أعضاء الوضوء تغسل بنية رفع الجنابة، ومعلوم أن أعضاء الوضوء منها ما هو مغسول كالوجه واليدين والرجلين، ومنها ما هو ممسوح كالرأس، هذا في رفع الحدث الأصغر، فهل يمسح الرأس في وضوء رفع الحدث الأكبر، أو يكون السنة فيه الغسل؟","vol":"4","page":475},{"text":"أما الوضوء في رفع الحدث الأصغر، فالمشروع فيه المسح بلا خلاف بين أهل العلم، واختلفوا هل يجزئ الغسل على ثلاثة أقوال:\nقيل: لا يجزئ مطلقًا.\nوقيل: يجزئ مع الكراهة.\nوقيل: يجزئ إن مر بيده على رأسه.\nوقد تقدم بحثها في كتاب الوضوء وذكرنا مستمسك كل قول مع مناقشتها في الكلام على فروض الوضوء.\nوأما في غسل الجنابة، فهل يمسح الرأس في وضوء الغسل؟ أو يكتفي في غسل الرأس بدلًا من مسحه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم،\nفقيل: يمسح الرأس، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)؛ لأنهم يرون إتمام الوضوء قبل غسل الرأس وإفاضة الماء.\nوقيل: يكتفي بغسله؛ إذ لا فائدة من مسحه، وهو سوف يغسل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (^٥)، ورواية ابن وهب عن مالك (^٦)، وهو نص الإمام أحمد رضي\n_________\n(^١) العناية المطبوع مع فتح القدير (١/ ٥٨)، مراقي الفلاح (ص: ٤٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣٥)، البحر الرائق (١/ ٥٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٤)، فتح القدير (١/ ٥٧، ٥٨).\n(^٢) الشرح الكبير للدردير (١/ ١٣٧)، المنتقى للباجي (١/ ٩٣)، مواهب الجليل (١/ ٣١٤)، ورجح في تنوير المقالة في شح الرسالة (١/ ٥٤٠) أنه لا يمسح رأسه إذ لا فائدة في المسح مع الغسل، منح الجليل (١/ ١٢٨).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ٧٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٥)، روضة الطالبين (١/ ٨٩)، الحاوي (١/ ٢١٩).\n(^٤) كشاف القناع (١/ ١٥٢)، الفروع (١/ ٢٠٤)، الإنصاف (١/ ٢٥٢)، معونة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٠٣)، المغني (١/ ٢٨٧).\n(^٥) قال في بدائع الصنائع (١/ ٣٥): «وهل يمسح رأسه عند تقديم الوضوء على الغسل؟ ذكر في ظاهر الرواية أنه يمسح، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يمسح؛ لأن تسييل الماء عليه بعد ذلك يبطل معنى المسح، فلم يكن فيه فائدة، بخلاف سائر الأعضاء». وانظر تبيين الحقائق (١/ ١٤).\n(^٦) انظر المنتقى (١/ ٩٣)، تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة (١/ ٥٤٠).","vol":"4","page":476},{"text":"الله عنه (^١).\nوذكر ابن رجب: عن ابن عمر أنه لم يكن يمسح رأسه، بل يصب عليه الماء صبًا ويكتفي بذلك، ونص عليه إسحاق (^٢)\nوقال ابن رجب: «غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2056> دليل من قال: لا يمسح رأسه بل يغسله:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2057>الدليل الأول:</span>\nكل الأحاديث التي فصلت وضوء غسل الجنابة تذكر صراحة غسل الرأس، وليس في حديث منها ذكر للمسح، من ذلك:\n(٩٠١ - ٢٢١) ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم ابن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال:\nقالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح بيده الأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه، فغسل قدميه. وهو في مسلم بغير هذا اللفظ.\nفانظر كيف قالت ﵂: «غسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده» فلو كان الرأس يمسح كيف تذكر المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين، ثم تذكر غسل الرجلين، ولا تذكر مسح الرأس؟ فدل على أن المشروع هو الغسل، ولا معنى لمسح الرأس في عضو سوف يغسل ثلاث مرات، وأي مسح أبلغ من الغسل؟\n_________\n(^١) قال أبو داود في مسائل أحمد (١٣٦): «قيل لأحمد: يمسح رأسه أعني الجنب إذا توضأ؟ قال: أي شيء يمسح، وهو يفيض على رأسه الماء». اهـ\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٣٩).\n(^٣) المرجع السابق، في الصفحة نفسها.","vol":"4","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2058>الدليل الثاني:</span>\nقد بينت في فصل سابق، أن هذا الوضوء لم يكن بنية رفع الحدث، وإنما هو جزء من الغسل الواجب قُدِّمَ فيه أعضاء الوضوء لشرفها، كتقديم اليمين بالنسبة للشمال، ولن يرجع إلى أعضاء الوضوء مرة أخرى، وإذا كان هذا الوضوء بنيه رفع الجنابة لم يكن فيه شيء ممسوح؛ لأن غسل الجنابة على اسمه غسل، وليس مسحًا، وهذا يوضح بجلاء كيف أن الرسول ﷺ لم يمسح رأسه؟ وإنما أفاض عليه الماء حين بلغ الرأس، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2059> دليل من قال: يمسح رأسه، ثم يغسله</span>.\n(٩٠٢ - ٢٢٢) استدلوا بما رواه البخاري في صحيحه من طريق عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، رواه البخاري واللفظ له، ومسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقولها ﵂: (توضأ وضوءه للصلاة) يراد به الوضوء الكامل، ومنه مسح الرأس.\n• ويُجاب عن هذا الحديث:\nقولها ﵂: (توضأ وضوءه للصلاة) مجمل، قد يراد به الوضوء الكامل، وقد يقال: باعتبار الأغلب، فهذه ميمونة ﵂ تقول: (توضأ وضوءه للصلاة) والمراد الأغلب، وليس كل أعضاء الوضوء،\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٢)، ومسلم (٣١٦).","vol":"4","page":478},{"text":"(٩٠٣ - ٢٢٣) فقد روى البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،\nعن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري واللفظ له، ومسلم (^١).\nفإذا صح أن تقول ميمونة ﵂: (توضأ وضوءه للصلاة) والمراد غير رجليه، صح أن قول عائشة ﵂: (توضأ وضوءه للصلاة) أي وغسل رأسه بدلًا من مسحه، خاصة أن الرأس لم يترك حتى يستثنى، بل غسل غسلًا، وهو مسح وزيادة، وكوننا نحمل حديث عائشة على حديث ميمونة في صفة غسل الرأس، أولى من حمله على صفتين، خاصة أننا لم نقف على حديث واحد عن رسول الله ﷺ يصرح بمسح الرأس في غسل الجنابة، بل جاء عن عائشة ما يوافق حديث ميمونة عندما ذكر الوضوء بشيء من التفصيل،\n(٩٠٤ - ٢٢٤) فقد روى أحمد ﵀، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، قال:\nسمعت أبا سلمة، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن غسل رسول الله ﷺ من الجنابة؟ قالت: كان يؤتى بإناء، فيغسل يديه ثلاثًا، ثم يصب من الإناء على فرجه، فيغسله، ثم يفرغ بيده اليمنى على اليسرى، فيغسلها، ثم يمضمض ويستنشق، ثم يفرغ على رأسه ثلاثًا، ثم يغسل سائر جسده (^٢).\n[حسن، ورواه بعضهم عن عطاء بذكر التثليث في الوضوء، وليس ذلك بمحفوظ] (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣١٧).\n(^٢) المسند (٦/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(^٣) انظر تخريجه، في المجلد الثامن ح: (١٦٧٢).","vol":"4","page":479},{"text":"فهذا حديث عائشة حين ذكر الوضوء فيه مفصلًا، ذكر غسل الرأس بدلًا من مسحه، وهو يؤكد أن قوله: (توضأ وضوءه للصلاة) أن ذلك يدخل فيه الرأس، ولكن بالغسل، وليس بالمسح، كما في رواية ميمونة، وكما في حديث عائشة من رواية أبي سلمة عنها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2060>الدليل الثاني على مسح الرأس:</span>\n(٩٠٥ - ٢٢٥) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،\nعن ميمونة، قالت: توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه ..... وذكرت الحديث. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).\nفالاستثناء معيار العموم، فمعنى ذلك أنه لم يستثن إلا الرجلين، فدل على أن الرأس يمسح.\nقلت: هذا الحديث ليس صريحًا، نعم فيه دليل على أن الرأس لم يترك كما ترك غسل الرجلين، ولكنه ليس صريحًا أنه مسح رأسه، فقد يكون غسل رأسه، وهو مسح وزيادة، خاصة أن ميمونة عندما ذكرت الوضوء مفصلًا ذكرت غسل الرأس، وكذلك فعلت عائشة من رواية أبي سلمة عنها عندما فصلت الوضوء، والله أعلم.\n• الراجح من خلاف أهل العلم:\nالذي يظهر لي أن الراجح من كلام أهل العلم هو القول بغسل الرأس؛ إذ لا فائدة ترجى من المسح، وهو يريد غسله، فيدخل المسح بالغسل، لكون الغسل أعلى، والمقصود واحد، وهو رفع الجنابة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٨١)، ومسلم (٣١٧).","vol":"4","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2061>المبحث الثاني تخليل الشعر في غسل الجنابة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• شعر اللحية ينوب غسله إذا كان كثيفًا عن غسل البشرة تحته في الطهارة الصغرى، ولا ينوب عن ذلك في الطهارة الكبرى بدليل أنه كان ﷺ يخلل أصول شعره في غسل الجنابة.\n• تخليل الشعر الكثيف في الوضوء لا يشرع؛ لأنه يؤدي إلى غسل الباطن وهو من التعمق والتكلف بخلاف غسل الجنابة حيث كان يخلل أصول الشعر حتى يظن أنه قد أروى البشرة.\n• قال مالك عن تخليل الشعر: «لم يأت أن النبي ﷺ فعله في وضوئه، وجاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة» (^١).\n[م-٣٧٧] تكلمنا عن تخليل الشعر في الوضوء، وكان التخليل في الوضوء\n_________\n(^١) رواه ابن نافع، عن مالك، انظر النوادر والنوازل (١/ ٣٣).","vol":"4","page":481},{"text":"خاصًا في شعر اللحية؛ لأن شعر الرأس في الوضوء يمسح مسحًا، فلا حاجة فيه إلى التخليل، وانتهينا إلى أن الراجح أن التخليل ليس بسنة، ولا يصح فيه حديث.\nوأما في الغسل، فإن عندنا مع شعر اللحية شعر الرأس، فهل يشرع لهما التخليل، أو لا؟\nقال مالك: «ولم يأت أن النبي ﷺ فعله في وضوئه، وجاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة» (^١).\nالأصل في هذا الباب هو حديث عائشة ﵂.\n(٩٠٦ - ٢٢٦) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب الماء على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.\nفقول عائشة ﵂: (ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره) نص على تخليل شعر الرأس.\n(٩٠٧ - ٢٢٧) ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام به، وفيه:\nثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه» (^٢).\nقال ابن رجب في شرح البخاري: «وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي ﷺ، لم يتنبه لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وآدابه، ولم أر من صرح به منهم، إلا صاحب المغني من أصحابنا، وأخذه من عموم قول\n_________\n(^١) رواه ابن نافع، عن مالك، انظر النوادر والنوازل (١/ ٣٣).\n(^٢) مسلم (٣١٦).","vol":"4","page":482},{"text":"أحمد: الغسل على حديث عائشة، وكذلك ذكره صاحب المهذب من الشافعية» (^١).\nويمكن أيضًا يستدل بمشروعية تخليل الشعر بالقياس على غسل الحيض، فإن غسل الحيض وغسل الجنابة متشابهان في كثير من الأحكام، وبجامع أن كلًا منهما حدث أكبر،\n(٩٠٨ - ٢٢٨) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث،\nعن عائشة، أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فَتَطَهَّر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها ... الحديث (^٢)، ورواه البخاري بأخصر من هذا (^٣).\nقلت في مذهب المالكية قولان في تخليل اللحية:\nأحدهما: الوجوب، قال أشهب: عن مالك: «وعليه تخليل لحيته في غسل الجنابة. قيل له في موضع آخر: أيخللها في غسله من الجنابة؟ قال: نعم، ويحركها، واحتج في الموضعين بأن النبي ﵇ خلل أصول شعر رأسه، وكذلك روى عنه\nابن القاسم، وابن وهب في المجموعة، بأنه يخلل لحيته في الغسل ويحركها» (^٤).\nوقال ابن حبيب: «ومن ترك تخليل لحيته في ذلك وأصابع رجليه لم يجزه» (^٥).\n• وجه وجوب التخليل:\nقال الباجي: «وجه قول أشهب: قول عائشة في هذا الحديث: ثم يدخل أصابعه\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ٣١١).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٣٢).\n(^٣) صحيح البخاري (٣١٤)، وسبق بحثه في كتاب الحيض والنفاس، ح (١٦٤٧).\n(^٤) النوادر والنوازل (١/ ٦٣).\n(^٥) المرجع السابق (١/ ٦٤).","vol":"4","page":483},{"text":"في الماء، فيخلل بها أصول شعره. ومن جهة المعنى: أن استيعاب جميع الجسد في الغسل واجب، والبشرة التي تحت اللحية من جملته، فوجب إيصال الماء إليها ومباشرتها بالبلل، وإنما انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى؛ لأنها مبنية على التخفيف، ونيابة الأبدال فيها من غير ضرورة، ولذلك جاز فيها المسح على الخفين، ولم يجز في الغسل» (^١).\n• ونوقش هذا من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن هذه الصفة لم يأت فيها أمر شرعي، كما لو قال: خللوا شعوركم أو نحو ذلك، وإنما هي حكاية فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، كما في القواعد الأصولية.\nالوجه الثاني:\nأن هناك أحاديث كثيرة أخرى، تنقل لنا صفة الغسل من الجنابة من قوله، ومن فعله ﷺ، وليس فيها ذكر التخليل.\nأما الأحاديث القولية: فمنها:\nقوله ﷺ في قصة الرجل الذي أصابته جنابة، ولا ماء، قال له: (خذ هذا فأفرغه عليك) قطعة من حديث طويل رواه البخاري (^٢)، فلم يطلب إلا إفراغ الماء على بدنه.\n(٩٠٩ - ٢٢٩) ومنها قول الرسول ﷺ لأم سلمة: إنما كان يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين. رواه مسلم (^٣). فاكتفى بالإفاضة، ولم يذكر التخليل.\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (١/ ٩٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٣٧) من حديث طويل.\n(^٣) صحيح مسلم (٣٣٠).","vol":"4","page":484},{"text":"وأما الأحاديث الفعلية:\nوهي التي تحكي لنا فعل الرسول ﷺ، فمنها وأشهرها حديث ميمونة:\n(٩١٠ - ٢٣٠) فقد رواه البخاري ﵀، عنها، قالت: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه، فغسل قدميه، رواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).\nالقول الثاني في مذهب مالك:\nروى ابن القاسم، عن مالك: ليس على المغتسل من الجنابة تخليل لحيته (^٢).\nقال الباجي: «وجه رواية ابن القاسم: أن الفرض قد انتقل إلى الشعر النابت على البشرة، فوجب أن يسقط حكم إيصال الماء إلى البشرة بإمرار اليد عليها» (^٣).\nقلت: إن كان نفي التخليل المقصود به نفي الوجوب، فذاك مسلم، وإن كان تعليل الباجي قد يفهم منه، أن إيصال الماء إلى البشرة قد سقط، وليس بمشروع، فإن كان هذا هو المقصود، فحديث عائشة رد عليه، وهو يفيد استحباب تخليل أصول شعر الرأس في الغسل، ولا يفيد الوجوب كما أسلفنا، وقد ترجم النسائي رحمه الله تعالى في سننه، في كتاب الطهارة، قال: باب: تخليل الجنب رأسه، ثم ساق حديث عائشة ﵂، وهو يدل على أن الاستحباب ما زال محكمًا في غسل الجنابة، والله أعلم.\nوقال ابن دقيق العيد ﵀: «قوله: (ثم يخلل بيديه شعره) التخليل ههنا: إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر، ورأيت في كلام بعضهم إشارة إلى أن التخليل،\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٥)، ومسلم (٣١٧).\n(^٢) النوادر والنوازل (١/ ٦٣)، المنتقى للباجي (١/ ٩٤).\n(^٣) المنتقى للباجي (١/ ٩٤).","vol":"4","page":485},{"text":"هل يكون بنقل الماء، أو بإدخال الأصابع مبلولة بغير نقل الماء؟ وأشار به إلى ترجيح نقل الماء؛ لما وقع في بعض الروايات الصحيحة في كتاب مسلم: (ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول شعره) فقال هذا القائل: نقل الماء لتخليل الشعر: هو رد على من يقول: يخلل بأصابعه مبلولة بغير نقل الماء، قال: وذكر النسائي في السنن ما يبين هذا، فقال: باب تخليل الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة ﵂ فيه، فقالت فيه: (كان رسول الله ﷺ يشرب رأسه، ثم يحثي عليه ثلاثًا) قال: فهذا يبين أن التخليل بالماء. قال النووي: وفي الحديث دليل على أن التخليل يكون بمجموع الأصابع العشر، لا بالخمس» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ١٣١).","vol":"4","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2062>المبحث الثالث استحباب التثليث في غسل الرأس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يشرع التثليث في غسل الجنابة إلا في موضعين: في غسل الكفين قبل الاستنجاء، وفي غسل الرأس.\n• أفاض الرسول ﷺ على رأسه ثلاث غرفات في غسل الجنابة، فهل كان هذا الفعل بنية تكرار الغسل، أو بنية إتمام طهارة الرأس؛ لكون الغرفة لا تجزئ في استيعابه.\n[م-٣٧٨] ذكرنا فيما سبق عند الكلام على وضوء الغسل أنه يتوضأ مرة واحدة بنية غسل الجنابة، ولا يشرع له تثليث الوضوء، إلا في غسل الكفين، فقد ثبت أنه غسلهما ثلاثًا، والكلام الآن في غسل الرأس، هل يشرع التثليث في غسله؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم،\nفقيل: يشرع غسل الرأس ثلاث مرات، وهو مذهب الحنفية (^١)،\nوالشافعية (^٢)،\n_________\n(^١) قال في العناية شرح الهداية (١/ ٥٨): «ثم يفيض الماء على رأسه، وسائر جسده ثلاثًا». وقال في تحفة الملوك (ص: ٢٨): «ثم يغسل رأسه وجسده ثلاثًا». وقال مثله في الفتاوى الهندية (١/ ١٤).\nوالحنفية يذهبون إلى استحباب التثليث ليس في الرأس فقط، بل في سائر البدن، انظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٦٨)، نور الإيضاح (ص: ٢٣)،\n(^٢) المجموع (٢/ ٢١٤)، تحفة المحتاج (١/ ٢٧٩)، المهذب (١/ ٣١)، حلية العلماء (١/ ١٧٥)، الوسيط (١/ ٣٤٨).","vol":"4","page":487},{"text":"والحنابلة (^١)، وقول في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: ليس فيه عدد معتبر، وإنما المطلوب أن يغسل رأسه، ويسبغ الغسل بدون توقيت عدد معين، فإذا بلغ الماء إلى بشرة الرأس فقد أدى ما عليه. وهذا نص مالك في المدونة (^٣).\nوقد نص القرطبي (^٤)، والقاضي عياض (^٥)، على أن التكرار في الغسل غير مشروع حتى في غسل الرأس.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2063> دليل الجمهور على استحباب التثليث في غسل الرأس:</span>\n(٩١١ - ٢٣١) ما رواه البخاري من طريق عبد الله، قال: أخبرنا هشام، عن أبيه،\nعن عائشة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه،\n_________\n(^١) جاء في الفروع (١/ ٢٠٤): «ويروي رأسه، والأصح ثلاثًا». وانظر الإنصاف (١/ ٢٥٣)، والكافي (١/ ٥٩)، كشاف القناع (١/ ١٥٢).\n(^٢) استحباب التثليث في الرأس، هو ما اختاره خليل في مختصره، وذكره من مندوبات الغسل وسننه (ص: ١٧). وتبعه على ذلك شراح المختصر. قال في مواهب الجليل (١/ ٣١٦): «والتثليث مستحب، قال ابن حبيب: لا أحب أن ينقص من الثلاث، ولو عم بواحدة زاد الثانية والثالثة؛ إذ كذلك فعل النبي ﷺ، ولو اجتزأ بالواحدة أجزأته».\nوقال الدردير في الشرح الكبير (١/ ١٣٧): «(وتثليث رأسه) أي يغسلها بثلاث غرفات، يعمها بكل غرفة، والأولى: هي الفرض».\nوقال الخرشي (١/ ١٧٢): «ومنها تثليث غسل رأسه، بأن يعمها بكل واحدة».\nوذكر صاحب الشرح الصغير أن التثليث من الفضائل، قال (١/ ١٧١): «وفضائله ... ثم ذكر «وتخليل أصول شعر رأسه، وتثليثه يعمه بكل غرفة». اهـ وانظر الفواكه الدواني (١/ ١٤٧)، التاج والإكليل (١/ ٣١٥).\n(^٣) جاء في المدونة (١/ ٢): «ما رأيت عند مالك في الغسل والوضوء توقيتًا، لا واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاثًا، ولكنه كان يقول: يتوضأ، أو يغتسل، ويسبغهما جميعًا». اهـ\n(^٤) المفهم (١/ ٥٧٦).\n(^٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ١٥٦).","vol":"4","page":488},{"text":"وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).\nفقوله ﵂: (أفاض عليه الماء ثلاث مرات) ظاهره أنه أفاضه على جميع رأسه، مما يدل على تعميم الرأس بكل غرفة.\nورواه البخاري من طريق مالك، عن هشام، وفيه: (ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه) (^٢).\nفالصب ظاهره على جميع الرأس، وبكفيه كليهما.\n(٩١٢ - ٢٣٢) وروى مسلم من طريق سليمان بن صرد، عن جبير بن مطعم، قال: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ، فقال بعض القوم: أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا،\nفقال رسول الله ﷺ: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف. رواه مسلم (^٣).\nوفي لفظ للبخاري: (فأفيض على رأسي ثلاثًا)، وأشار بيديه كلتيهما (^٤).\nفذه الرواية تدل على أن الغرفة كانت بكلتا يديه، وأنه أفاض على كل واحدة منها على جميع رأسه.\n(٩١٣ - ٢٣٣) وروى البخاري ﵀ من طريق أبي جعفر، قال:\nقال لي جابر بن عبد الله: أتاني ابن عمك، يعرض بالحسن بن محمد بن الحنفية، قال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثة أكف، ويفيضها على\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٢)، ومسلم (٣١٦).\n(^٢) البخاري (٢٤٨).\n(^٣) مسلم (٣٢٧).\n(^٤) البخاري (٢٥٤).","vol":"4","page":489},{"text":"رأسه، ثم يفيض على سائر جسده، فقال لي الحسن: إني رجل كثير الشعر، فقلت: كان النبي ﷺ أكثر منك شعرًا (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2064> دليل من قال: لا يشرع التكرار في غسل الرأس:</span>\nذهب القرطبي والقاضي عياض من المالكية إلى أنه لا يشرع التكرار في غسل الجنابة، لا في وضوء الغسل، ولا في الرأس، ولا في سائر البدن.\nوأجابوا عن الأحاديث السابقة بأنها لا تسلم إلا إذا دلت صراحة أن كل غرفة من الغرفات الثلاث حصل بها تعميم الرأس بالغسل.\nقال الباجي: «قوله: (ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات) يحتمل أن يكون على ما شرع في الطهارة من التكرار، ويحتمل أن يكون لتمام الطهارة؛ لأن الغرفة لا تجزئ في استيعاب ما يحتاج إليه من غسل رأسه» (^٢).\nوقال القرطبي في المفهم: «ولا يفهم من هذه الثلاث حفنات، أنه غسل رأسه ثلاث مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع؛ لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه، كما في حديث عائشة».\n(٩١٤ - ٢٣٤) قلت: حديث عائشة رواه مسلم من طريق القاسم، عنها، قالت:\nكان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه: بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه (^٣).\nولفظ البخاري: فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بهما على\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٦)، ورواه مسلم (٣٢٩).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ٩٤).\n(^٣) مسلم (٣١٨).","vol":"4","page":490},{"text":"وسط رأسه (^١).\nوتعقب ابن رجب كلام القرطبي في شرحه لصحيح البخاري، فقال عن كلامه: وهو خلاف الظاهر، قال: «والظاهر، والله أعلم أنه يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأولى بجهة اليمين، وفي الثانية: بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى» (^٢).\nقلت: كلام ابن رجب هو الذي خلاف الظاهر، فلو كان المقصود هو فقط البداءة باليمين إلى نهاية الرأس، فلماذا يقدم الجهة اليسرى على وسط الرأس، فإن الجانب الأيسر لا يعرف في الشرع تقديمه على غيره، وكان الأفضل بعد تقديم الجهة اليمنى أن يبدأ بأعلى الرأس، فالظاهر أنه بدأ بجوانب الرأس مقدمًا فيه اليمين لاستحباب تقديم اليمين، ثم أنهى ذلك بأعلى الرأس، ثم هي غرفة واحدة، كيف تكفي في كل مرة من جانب الرأس الأيمن إلى أعلاه، وصولًا إلى جانبه الأيسر وانتهاء بمؤخرة الرأس؟ فلو كانت هذه الصفة هي المنقولة، لجاءت صريحة في الحديث، ثم القول بعدم تثليث الرأس يطرد مع بقية أعمال الغسل، فقد ثبت لنا أن الوضوء ليس فيه تكرار، وسبق بحثه، وأن سائر البدن فيما عدا الرأس لا يشرع فيه تكرار، كما سيأتي إثباته إن شاء الله تعالى، فما بال الرأس يستثنى من سائر الجسم، فالقول بعدم تكرار غسله متسق مع القول بأنه لا يشرع تكرار في سائر أحكام الغسل، وكنت فيما سبق أرى سنية غسل الرأس ثلاثًا، ثم بعد التأمل رأيت أن القول بعدم تكرار غسل الرأس، هو الراجح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٨).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ٢٥٩).","vol":"4","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2065>المبحث الرابع الفرق بين الرجل والمرأة في عدد غسلات الرأس</span>\n[م-٣٧٩] الأحاديث المرفوعة في غسل الرأس للمرأة تذكر ثلاث غرفات، لا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك.\n(٩١٥ - ٢٣٥) فقد روى مسلم عن أبي الزبير عبيد بن عمير، قال:\nبلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو، هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (^١).\nفهذا نص مرفوع أن عائشة لا تزيد على ثلاث إفراغات، وكان الرسول ﷺ يغتسل معها.\nوقال رسول الله ﷺ لأم سلمة في صحيح مسلم: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (٣٣١).\n(^٢) مسلم (٣٣٠).","vol":"4","page":492},{"text":"(٩١٦ - ٢٣٦) وروى البخاري من طريق صفية بنت شيبة،\nعن عائشة ﵂، قالت: كنا إذا أصاب إحدانا جنابة، أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها على شقها الأيسر (^١).\nفظاهر هذا الأثر أنها تصب على رأسها خمس حفنات، إلا أن الأثر جاء بصيغة (كنا نفعل) ولم تضف ذلك إلى زمن النبوة، فهل له حكم الرفع، أو يكون موقوفًا؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم.\nوقد بينت في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية كلام أهل العلم حول الحديثين، وهل يؤخذ منه أن في غسل رأس المرأة صفتين، تارة بثلاث غرفات، وتارة بخمس، أو السبيل الترجيح بين هذه النصوص، أرجو مراجعة ما كتب هنالك لمن أراد الاستزادة، والله أعلم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٧٧).\n(^٢) انظر مجلد الحيض والنفاس تحت عنوان: في تثليث الوضوء في الغسل.","vol":"4","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2066>المبحث الخامس نقض الضفائر في غسل الجنابة</span>\n[م-٣٨٠] كانت المرأة العربية من عصر البنوة إلى عهد قريب، وهي تربي شعرها، حتى يكون لها ضفائر تنزل على ظهرها، فإذا أرادت المرأة أن تغتسل للجنابة أو للحيض، فهل عليها أن تنقض شعرها، ليتخلل الماء شعرها؟ أو يمكنها أن تغسل رأسها، ولو كانت لم تحل ضفائرها؟ وكذلك بعض الأعراب من أهل البادية يترك شعره حتى يكون له ضفائر طويلة، فهل إذا أراد أن يغتسل من الجنابة كان لزامًا عليه أن يحل ضفائره؟ في هذا المسألة اختلف الفقهاء:\nفقيل: لا تنقض المرأة ولا الرجل رأسه مطلقًا، لا في غسل الجنابة ولا في غسل الحيض.\nوهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\n_________\n(^١) مختصر خليل (ص: ١٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٤)، الشرح الصغير (١/ ١٦٩)، أسهل المدارك (١/ ٦٨)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ١٠١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٤)، منح الجليل (١/ ١٢٦، ١٢٧)، مواهب الجليل (١/ ٣١٢، ٣١٣)، المدونة (١/ ١٣٤).\n(^٢) الأم (١/ ٤٠) وقال: «إذا كانت المرأة ذات شعر تشد ظفرها، فليس عليها أن تنفضه في غسل الجنابة، وغسلها من الحيض كغسلها من الجنابة لا يختلفان»، وانظر مغني المحتاج (١/ ٧٣)، المجموع (١/ ٢١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٤)، روضة الطالبين (١/ ٨٨)، الحاوي (١/ ٢٢٤، ٢٢٥).\n(^٣) المغني (١/ ٢٩٨)، المبدع (١/ ١٩٧)، الكافي (١/ ٦٠)، الفروع (١/ ٢٠٥)، الإنصاف (١/ ٢٥٦).","vol":"4","page":494},{"text":"وقيل: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: في التفريق بين غسل الجنابة والحيض، فلا يجب نقضه في الجنابة ويجب في غسل الحيض، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢)، واختاره الباجي من المالكية (^٣)، وابن حزم من الظاهرية (^٤).\nوالراجح: القول الأول، وقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها في كتاب الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا، والله الموفق (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) مراقي الفلاح (ص: ٤٢، ٤٣)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، البحر الرائق (١/ ٥٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٣)، فتح القدير (١/ ٥٨) وانظر العناية مطبوعة معه (١/ ٥٩).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٥٤)، الفروع (١/ ٢٠٥)، الإنصاف (١/ ٢٥٦)، المغني (١/ ٢٩٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٦)، الكافي (١/ ٦٠)، المحرر (١/ ٢١)، المبدع (١/ ١٩٧).\n(^٣) المنتقى (١/ ٩٦).\n(^٤) المحلى (مسألة ١٩٢).\n(^٥) انظر: (٨/ ٣٢٠).","vol":"4","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2067>المبحث السادس في غسل المسترسل</span>\n[م-٣٨١] إذا رجحنا أنه لا يجب عليها نقض الضفائر، فهل يجب غسل ظاهر الشعر وباطنه؟ أو يجب غسل ظاهره فقط؟ أو يجب غسل أصول الشعر (بشرة الشعر) دون المسترسل؟\nهذه مسألة اختلف فيها العلماء:\nفقيل: يجب غسل ما استرسل من الشعر، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: لا يجب، وهو مذهب الحنفية (^٤)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) الشرح الصغير (١/ ١٦٩)، مختصر خليل (ص: ١٥)، أسهل المدارك (١/ ٦٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٤)، منح الجليل (١/ ١٢٦، ١٢٧)، مواهب الجليل (١/ ٣١٢)، المدونة (١/ ١٣٤).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٧٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٤)، روضة الطالبين (١/ ٨٨)، المجموع (١/ ٢١٥).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٥٤)، الفروع (١/ ٢٠٥)، الإنصاف (١/ ٢٥٦)، شرح الزركشي (١/ ٣٢٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٥)، الكافي (١/ ٦٠)، المبدع (١/ ١٩٧).\n(^٤) مراقي الفلاح (ص: ٤٣)، البحر الرائق (١/ ٥٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٣)، وصحح الكاساني في بدائع الصنائع القول بعدم وجوب إيصال الماء إلى أثناء الشعر إن كان مضفورًا (١/ ٣٤).\n(^٥) المغني (١/ ٣٠١، ٣٠٢).","vol":"4","page":496},{"text":"وهذا القول هو الراجح، والقول الأول أحوط، وقد ذكرت أدلتهما في كتاب الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر الطهارة من الحيض والنفاس من هذا الكتاب (٨/ ٣٢٩).","vol":"4","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2068>الفصل العاشر\nاستحباب التيامن في الاغتسال</span>\n[م-٣٨٢] ورد دليل خاص في التيامن في غسل الرأس:\n(٩١٧ - ٢٣٧) فقد روى مسلم من طريق القاسم،\nعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. رواه البخاري، ومسلم واللفظ لمسلم (^١).\nوأما التيامن في البدن فالأحاديث كلها تنص على إفاضة الماء على البدن، ولم تذكر أنه بدأ بشقه الأيمن، ثم الأيسر.\nفحديث عائشة في صفة غسل النبي ﷺ، في البخاري: (ثم يفيض الماء على جلده كله) (^٢).\nولفظ مسلم (ثم أفاض على سائر جسده) (^٣).\nوفي رواية أخرى للبخاري (ثم غسل سائر جسده) (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٨) ومسلم (٣١٨).\n(^٢) البخاري (٢٤٨).\n(^٣) مسلم (٣١٦).\n(^٤) البخاري (٢٧٣).","vol":"4","page":498},{"text":"وكذا قالت ميمونة ﵂ في صفة غسل النبي ﷺ.\nوقد وصفت عائشة وميمونة ﵄ كل شيء في غسله، من غسل الكفين ثلاثًا، فغسل الفرج، ثم وضوء الصلاة بتقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى، والرجل اليمنى على اليسرى، ثم تخليل أصول الشعر، ثم غسل الرأس بثلاث غرفات، ثم غسل القدمين بعد الفراغ من الغسل، فهل يمكن أن يفعل الرسول ﷺ التيامن في غسل البدن، من تقديم الشق الأيمن، ثم الأيسر، ولا ينقلان ذلك، بل إن عائشة نقلت تقديم غسل الجانب الأيمن من الرأس، ثم الجانب الأيسر منه، ثم وسط الرأس، ولما كان التيامن في غسل الرأس مشروعًا، حفظ لنا بالنقل الخاص الصريح، فهل نحن بحاجة إلى استخدام عمومات، أو استخدام القياس في استحباب التيامن في غسل البدن، والرسول ﷺ كان يغتسل عند أزواجه، وينقلان لنا صفة غسله، ثم لا ينقلان لنا التيامن في غسل البدن؟\nإن التيامن إما أن يكون مشروعًا، فيكون أولى الناس بفعله رسول الله ﷺ، وتكون أمهات المؤمنين قد أهملن نقل هذه الصفة لنا من فعله ﷺ؟ وإما أن يكون التيامن غير مشروع، ويكون تركهن لنقل التيامن في غسله دليلًا على أنه لم يكن يفعل هذه الصفة، وما تركه ﵊ كانت السنة تركه، والله أعلم، إنني أبحث عن حديث صحيح صريح في استحباب تقديم الشق الأيمن في غسل البدن من الجنابة، وفي استحباب تأخير الشق الأيسر منه، إن الذي أراه أن البدن عضو واحد، والعضو الواحد الأصل فيه عدم تقسيمه إلى أيمن وأيسر، نعم ورد هذا في الرأس على خلاف الأصل، فنقتصر عليه، ولا نتعداه، انظر إلى الأذنين في الوضوء لما كانت من الرأس بحكم العضو الواحد مسحا جميعًا دون تقصد في تقديم اليمنى على اليسرى، مع أنه لو قيل في التيامن في مسح الأذنين لم يبعد؛ لأن الأذنين في واقع الأمر عضوان مستقلان، فما بالك بالبدن الذي هو عضو واحد، فإذا كان الأمر ليس فيه حديث صريح في غسل الجنابة والحيض، فهل يقاس غسل الجنابة على غسل الميت،","vol":"4","page":499},{"text":"وقوله ﷺ في حديث أم عطية ﵂: (ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها). رواه البخاري ومسلم (^١).\nفهل كان غسل الجنابة لا يتكرر فعله من رسول الله ﷺ، حتى نضطر إلى القياس في عبادة كانت تفعل كثيرًا في بيوت أمهات المؤمنين، ونقلن ﵅ ما شاهدنه من فعله ﵊، ولم يذكرن في حديث واحد، أنه كان يبدأ بالشق الأيمن على الشق الأيسر؟\n(٩١٨ - ٢٣٨) أو نحتاج إلى أخذ استحباب التيامن، بما رواه البخاري، ومسلم (^٢)، من طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، سمعت أبي يحدث عن مسروق،\nعن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله.\nأليس هذا الحديث مطلقًا، وليس نصًا في غسل الجنابة؟ فلماذا لم يؤخذ من هذا الحديث المطلق استحباب تقديم الأذن اليمنى على الأذن اليسرى، وذهب الفقهاء إلى أنهما يمسحان معًا، أو ذهب الفقهاء إلى استحباب تقديم الجانب الأيمن في مسح الرأس في الحدث الأصغر، خاصة أن التيامن في الرأس محفوظ في غسل الجنابة، فإذا كان الرسول ﷺ قد فعل التيامن في غسل بدنه من الجنابة، فلماذا لم تنقله عائشة وميمونة وغيرهما؟ وإذا كان لم يفعله فلماذا نستحب فعله اتكاء على حديث لم يكن سياقه في غسل الجنابة؟\nأليس نقل عائشة وميمونة بمثابة نقل لترك التيامن في غسل الجنابة، وليس غفلة منهما عن نقله؟\nوعلى كل حال إن كانت المسألة إجماعًا في تقديم غسل الجانب الأيمن على الجانب\n_________\n(^١) البخاري (١٦٧) ومسلم (٤٢/ ٩٣٩).\n(^٢) البخاري (١٦٨) (٤٢٦) ومسلم (٢٦٨).","vol":"4","page":500},{"text":"الأيسر فهذا مسلم للإجماع؛ لأنه من الأدلة الشرعية، وإن لم يكن مسلمًا فإني أترك هذه المسألة ليتأملها الباحثون وطلبة العلم، فيوجدوا أجوبة لما ذكرته، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2069>الفصل الحادي عشر\nالتثليث في غسل البدن</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لا يشرع التثليث في غسل الجنابة إلا في موضعين: في غسل الكفين قبل الاستنجاء، وهذا صريح، وفي غسل الرأس على احتمال، هل قصد بذلك التكرار، أو الاستيعاب؟\n[م-٣٨٣] تبين لنا في المبحث السابق أن الوضوء في غسل الجنابة لا يشرع فيه التثليث، واختلف العلماء في غسل البدن، هل يستحب التثليث فيه أو لا؟.\nفقيل: يستحب، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: لا يستحب، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٤)، واختاره ابن تيمية من\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، فتح القدير (١/ ٥٨).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٩٠)، مغني المحتاج (١/ ٧٤)، المجموع (٢/ ٢١٣).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٥٣)، الفروع (١/ ٢٠٤)، كشاف القناع (١/ ١٥٢)، المحرر (١/ ٢٠).\n(^٤) نصت كتب المالكية على أن من سنن الغسل تثليث الرأس، ومعناه أنه لا يشرع التثليث لما عداه، وصرح بعضهم بأنه لا يشرع تثليث البدن، بل كره كثير منهم التثليث في أعضاء الوضوء فضلًا عن الغسل. قال في حاشية العدوي المطبوع بهامش شرح الخرشي: «ليس شيء في الغسل يندب فيه التكرار غير الرأس». ...\nوقال في الشرح الكبير (١/ ١٣٦، ١٣٧): «يندب بدؤه بأعضاء وضوءه كاملة مرة بنية رفع الجنابة، فلا يندب التثليث بل يكره».\nوانظر الشرح الصغير (١/ ١٧٢)، مختصر خليل (ص: ١٥)، وشروحه الخرشي (١/ ١٧١)، وشرح الزرقاني (١/ ١٠٤)، منح الجليل (١/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"4","page":502},{"text":"الحنابلة (^١).\nوهذا القول هو الراجح، وسبق أن بينت أن وضوء غسل الجنابة، وغسل الرأس وكذلك غسل البدن لا يشرع فيه التثليث، والخلاف في التثليث في الرأس خلاف قوي، فقد ورد فيه ثلاث غرفات، فمنهم من عد هذا من التكرار، ومنهم من أخذ بحديث عائشة، وأنه غسل جانب الرأس الأيمن بغرفة، والأيسر بغرفة، وأعالي الرأس بالغرفة الثالثة، وأما تثليث البدن فالخلاف فيه ضعيف، لأنه لم يرد فيه نص باستحباب التثليث، والراجح عندي طرد الباب، وأنه لا يشرع في غسل الجنابة تثليث البتة إلا في غسل الكفين، وغسلهما في ابتداء الطهارة سنة مستقلة تفعل في الوضوء وفي الغسل قبل مباشرة اليد للغسل، وقبل إدخالهما في الإناء.\nوقد عرضت هذه المسألة مع أدلتها في كتاب الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا، فلله الحمد (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٥٣)، الفروع (١/ ٢٠٤).\n(^٢) الحيض والنفاس تحت عنوان: التثليث في غسل البدن.","vol":"4","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2070>الفصل الثاني عشر\nفي تأخير غسل الرجلين</span>\n[م-٣٨٤] إذا اغتسل المكلف من الجنابة، وبدأ بالوضوء، فهل يغسل رجليه مع الوضوء، أم يؤخر غسلهما إلى تمام الغسل؟\nاختلف الفقهاء في ذلك.\nفقيل: لا يغسلهما مع الوضوء، بل يؤخر غسلهما إلى تمام الغسل، وهو مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب المالكية (^٢)، وقول في مذهب الشافعية (^٣)، ورواية عن أحمد (^٤).\nوقيل: يغسلهما مع الوضوء، وهو مذهب المالكية (^٥)، والمشهور عند الشافعية (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٥٨).\n(^٢) قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ١٧٢): «لهم -يعني أهل المذهب طريقتان في الوضوء: التثليث، وعدمه، وتقديم الرجلين قبل غسل الرأس، وتأخيرهما بعد تمام الغسل». ورجح تأخير غسل الرجلين محمد عليش في منح الجليل (١/ ١٢٨).\n(^٣) قال النووي في روضة الطالبين (١/ ٨٩): «تحصل سنة الوضوء سواءً أخر غسل القدمين إلى الفراغ، أو فعله بعد مسح الرأس والأذن. وأيهما أفضل؟ قولان، المشهور أنه لا يؤخر.\n(^٤) الفروع (١/ ٢٠٤)، المستوعب (١/ ٢٤٠)، المغني (١/ ٢٨٨).\n(^٥) التفريع - ابن الجلاب (١/ ١٩٤)، أسهل المدارك (١/ ٦٧)، الشرح الصغير (٢/ ١٧٢)، المعونة (١/ ١٣٢)، وقال في جواهر الإكليل (١/ ٢٣): «ثم أعضاء وضوءه كاملة -أي يغسلهما- فلا يؤخر غسل رجليه إلى آخر غسله». اهـ\n(^٦) روضة الطالبين (١/ ٨٩).","vol":"4","page":504},{"text":"وقيل: يغسلهما مع الوضوء، ويعيد غسلهما بعد تمام الغسل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: إن كان المكان غير نظيف، فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم (^٢).\nوقيل: التقديم في غسل الرجلين والتأخير سواءً، وهو رواية عن أحمد (^٣).\nوالذي يظهر لي أن السنة في تأخير غسلهما على حديث ميمونة، وقد بينت أن حديث عائشة والذي ظاهره أنه يكمل وضوءه ليس صريحًا، وقد جاء عن عائشة في معرض تفصيلها للوضوء ما يدل على تأخير غسلهما، فإذا أمكن حمل حديث عائشة على حديث ميمونة حملًا لا تكلف فيه تعين حمله، لأن الأصل عدم تعدد السنة في العضو المغسول، وقد بينت أنه يمكن حمل حديث عائشة على حديث ميمونة، وتكون الصفة الواردة في غسل الرجلين صفة واحدة، انظر الكلام على هذا المسألة في كتاب الحيض والنفاس (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٥٣).\n(^٢) الفروع (١/ ٢٠٤).\n(^٣) المغني - ابن قدامة (١/ ٢٨٩)، الفروع (١/ ٢٠٤).\n(^٤) انظر: (٨/ ٣٥٢).","vol":"4","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2071>الفصل الثالث عشر\nفي الموالاة في غسل الجنابة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل الموالاة في الغسل كالموالاة في الوضوء، أو أن البدن في الغسل عضو واحد، وإنما تكون الموالاة في غسل عضوين فأكثر.\n• الغسل المنقول عنه ﷺ كان متواليًا، ولم ينقل عنه ﷺ أنه فرق غسله، فهل هذا كاف في اشتراط الموالاة، أو أن مثل هذا لا يكفي في القول بالوجوب فضلًا عن الشرطية؟\n• أمر الشرع بغسل البدن في الجنابة، فمن غسله فقد أتى بما وجب عليه، سواءً كان متواليًا أو مفرقًا.\nوقيل:\n• من غسل بعض بدنه بنية الغسل، ثم انصرف إلى عمل آخر، ثم عاد ليتم ما بدأ به من غير ضرورة صدق عليه قوله ﷺ: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.\n[م-٣٨٥] إذا فرق المغتسل غسله، بأن غسل بعض بدنه، ثم فصل بفاصل طويل، فهل يبني على غسله، أو يستأنف؟","vol":"4","page":506},{"text":"اختلف الفقهاء في ذلك؛ لاختلافهم في حكم الموالاة في غسل الجنابة،\nفقيل: الموالاة سنة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١)،\nورجحه ابن حزم (^٢).\nوقيل: تجب الموالاة في الغسل، وهو مذهب المالكية (^٣)، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2072> دليل المالكية على الوجوب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2073>الدليل الأول:</span>\nأن الغسل المنقول عنه ﷺ كان متواليًا، ولم ينقل عنه ﷺ أنه فرق غسله، وليس المقصود هنا الاحتجاج بمطلق الفعل، ولكن هذا الفعل كان بيانًا لقوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، فكما أن الأمر بقوله تعالى: (فَاطَّهَّرُوا) واجب، فكذلك ما وقع بيانًا له من فعله ﷺ، وقد كان فعله متواليًا غير مفرق، فمن فرق غسله، فقد جاء أمرًا ليس عليه أمر الله ولا رسوله ﷺ، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد.\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦)، الجوهرة النيرة (١/ ٧).\nوفي مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (٢/ ٢١٣): «وأما موالاة الغسل فالمذهب أنها سنة». وانظر تحفة الحبيب على شرح الخطيب (١/ ٢٤٤).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٢٥٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٥١)، كشاف القناع (١/ ١٥٣)، مطالب أولي النهى (١/ ١٨١).\n(^٢) قال ابن حزم في المحلى (١/ ٣١٢): «ومن فرق وضوءه أو غسله أجزأه ذلك».\n(^٣) جاء في المدونة (١/ ٢٨): «وسئل مالك عن الرجل يغسل جسده، ولا يغسل رأسه؛ وذلك لخوف من امرأته، ثم يدع غسل رأسه حتى يجف جسده، ثم تأتي امرأته لتغسل رأسه، هل يجزئه ذلك عن غسل الجنابة؟ قال: ليستأنف الغسل». وانظر مواهب الجليل (١/ ٣١٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٣)، الخرشي (١/ ١٦٨)، الفواكه الدواني (١/ ١٤٧).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٢٥٧).","vol":"4","page":507},{"text":"ويُجاب:\nبأن الآية القرآنية في قوله تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا و) [النساء: ٤٣]، لم تذكر إلا غسل البدن فقط، وهذا هو الواجب، وكما في قوله ﷺ: (خذ هذا فأفرغه عليك).\nوما فعله ﷺ في السنة المطهرة زيادة على ما في الآية الكريمة، فهو من قبيل الاستحباب، ومنه الموالاة، والوضوء قبله، والمضمضة والاستنشاق وغيرها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2074>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على الوضوء، فإذا كانت الموالاة واجبة في الوضوء، فكذلك الغسل؛ لأنه إحدى الطهارتين.\n• وأجيب:\nبأن وجوب الموالاة في الوضوء ليست محل إجماع، فقد اختلف العلماء في وجوب الموالاة فيه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هناك فرقًا بين الغسل والوضوء، فإن الوضوء فيه أعضاء متعددة: الوجه واليدان والرجلان، بخلاف الغسل فإنه ينظر إليه بأنه عضو واحد، وهو جميع البدن.\nوقد يقال: إذا كان لا يعذر في تفريق الأعضاء المختلفة في الوضوء، وهي أعضاء لا يرتبط بعضها ببعض، فكيف يعذر في تفريق غسل عضو واحد، فهو أولى بوجوب الموالاة من غيره.\n• ويُجاب على هذا:\nبأن حقيقة الموالاة: هي أن تكون بين شيئين مختلفين، فإذا كان الغسل لشيء واحد، وهو البدن، فكيف يتصور وجوب الموالاة فيه؟","vol":"4","page":508},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2075> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2076>الدليل الأول:</span>\nلو كانت الموالاة واجبة لجاء النص الشرعي المقرر لوجوبها، لأن المسألة مهمة جدًّا، فإما أن يرتفع الحدث أو لا يرتفع، وبالتالي إما أن تصح صلاته، أو تكون صلاته باطلة، فإذا كان الأمر بهذه المثابة من الأهمية، وتتعلق بأعظم أركان الإسلام العملية، وهي الصلاة، فلا بد من وجود نص صحيح صريح تقوم به الحجة على وجوب الموالاة، ولم يوجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2077>الدليل الثاني:</span>\nأن المأمور به في الغسل هو غسل البدن، فكيفما غسل فقد قام بما أوجب الله عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2078>الدليل الثالث:</span>\n(٩١٩ - ٢٣٩) ما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،\nعن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ، وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه (^١).\nفهنا غسل بدنه إلا رجليه، ثم تنحى من مقامه فغسل رجليه، فوجد مهلة بين فعله الأول وبين غسل رجليه، فإذا جاز وجود مهلة بين أفعال الغسل لم تكن الموالاة واجبة إلا أن يقال: إن هذا من التفريق اليسير، وهو لا يضر.\nقال ابن حزم: «إذا جاز أن يجعل رسول الله ﷺ بين وضوئه وغسله، وبين تمامهما\n_________\n(^١) البخاري (٢٨١)، ورواه مسلم (٣١٧)، ولم يذكر فيه قولها: «سترت النبي ﷺ».","vol":"4","page":509},{"text":"بغسل رجليه مهلة خروجه من مغتسله، فالتفريق بين المدد لا نص فيه ولا برهان» (^١).\n• الراجح:\nأن القول بالوجوب هو حكم شرعي، يحتاج إلى دليل شرعي، ولم أجد دليلًا على وجوب الموالاة في الغسل، والأصل عدم الوجوب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣١٣).","vol":"4","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2079>الفصل الرابع عشر\nتدليك البدن في الغسل</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• منشأ الخلاف هل حقيقة الغسل لغة إيصال الماء مع الدلك؛ لأن الواجب إيصال الماء على وجه يسمى غسلًا لا غمسًا، وذلك يقتضي صفة زائدة على إيصال الماء؛ لأن العرب فرقوا بين الغسل والغمس، فتقول غمست اللقمة في المرق، ولا تقول غسلتها.\nأو أن حقيقة الغسل هو جريان الماء على العضو فقط؛ لقول العرب غسلت السماء الأرض إذا أمطرتها، والدلك قدر زائد على ذلك، لقوله ﷺ: خذه فأفرغه عليك، وإنما يدخل الدلك في الإسباغ، وهو مسنون؟ (^١).\n[م-٣٨٦] اختلف العلماء في تدليك البدن في الغسل،\nفقيل: التدليك ليس بفرض، وهو مذهب الجمهور (^٢).\n_________\n(^١) انظر الذخيرة (١/ ٣٠٩)، شرح التلقين للمازري (١/ ٢١٠)، المعونة (١/ ١٣٣).\n(^٢) الفتاوى الهندية (١/ ١٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٧٠ - ٤٧١)، المبسوط (١/ ٤٤)، تحفة الحبيب (١/ ٢٤٤)، المغني لابن قدامة (١/ ١٨٣).","vol":"4","page":511},{"text":"وقيل: بل فرض، وهو مذهب المالكية (^١).\nقال القرافي: «ومنشأ الخلاف: هل حقيقة الغسل لغة: الإيصال مع الدلك، فيجب، وهو الصحيح، ولذلك تفرق العرب بين الغسل والغمس لأجل التدليك، فتقول: غمست اللقمة في المرق، ولا تقول: غسلتها، أو نقول: حقيقته: الإيصال فقط، لقول العرب: غسلت السماء الأرض: إذا أمطرتها» (^٢).\nقلت: إنما فرق بين المرق والماء، لأن الغسل يراد به الطهارة والنظافة، وهو مختص بالماء، فالماء مطهر بخلاف المرق، وليس هذا التفريق راجعًا إلى وجوب الدلك أو عدمه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2080> دليل الجمهور على عدم وجوب الدلك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2081>الدليل الأول:</span>\n(٩٢٠ - ٢٤٠) ما رواه مسلم من طريق أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،\nعن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (إنما كان يكفيك) ساقه مساق الحصر، ولم يذكر سواءً إفاضة الماء على\n_________\n(^١) جاء في المدونة (١/ ٢٧) «قال مالك: في الجنب يأتي النهر، فينغمس فيه انغماسًا، وهو ينوي الغسل من الجنابة، ثم يخرج، قال: لا يجزئه إلا أن يتدلك، وإن نوى الغسل لم يجزه إلا أن يتدلك، قال: وكذلك الوضوء أيضًا. قلت: أرأيت إن أمر يديه على بعض جسده، ولم يمرهما على جميع جسده؟ قال: قال مالك: لا يجزئه ذلك حتى يمرهما على جميع جسده كله ويتدلك». وانظر الذخيرة (١/ ٣٠٩).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٠٩).\n(^٣) مسلم (٣٣٠).","vol":"4","page":512},{"text":"البدن، وهي لا تقتضي الدلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2082>الدليل الثاني:</span>\n(٩٢١ - ٢٤١) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر\nأنه أتى النبي ﷺ، وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^١).\n[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (^٢).\nفالنص لم يطلب إلا أن يمس الماء بشرة المسلم، ولا يلزم من ذلك التدليك، فدل الحديث على عدم وجوبه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2083>الدليل الثالث:</span>\nلو كان الدلك فرضًا لجاء نقله عن المصطفى ﷺ، ولذلك لما كان الدلك مشروعًا في غسل الرأس جاء ذكره في السنة،\n(٩٢٢ - ٢٤٢) فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث\nعن عائشة، أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء .... الحديث (^٣).\nفلما لم يذكر دلك البدن في غسل الجنابة والحيض علم أنه ليس بواجب.\n_________\n(^١) المصنف (٩١٣).\n(^٢) سبق تخريجه في المجلد الأول، انظر ح (٣١).\n(^٣) مسلم (٣٣٢)، وانظر الكلام عليه في المجلد الثامن، رقم (١٦٤٧).","vol":"4","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2084>الدليل الرابع:</span>\n(٩٢٣ - ٢٤٣) ما رواه البخاري بإسناده عن عمران بن حصين من حديث طويل، وفيه:\nصلى النبي ﷺ بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك، ثم قال له بعد أن حضر الماء: اذهب فأفرغه عليك. الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ لم يطلب منه إلا إفراغ الماء على جسده، ولو كان الدلك شرطًا في الطهارة لأخبره النبي ﷺ، خاصة أنه كان يجهل أن التيمم رافع للحدث، وتأخير البيان عن وقته لا يجوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2085>الدليل الخامس:</span>\nلو كان على بدنه نجاسة، فصب عليه الماء صبًا حتى زالت عين النجاسة طهر المحل، ولو لم يدلك موضع النجاسة، فإذا كان لا يشترط الدلك مع طهارة الخبث، وقيام جرم النجاسة على البدن، فكيف يشترط الدلك في رفع الحدث، ولم يكن هناك شيء على البدن يزال بالدلك أصلًا؟\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2086> دليل المالكية على وجوب التدليك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2087>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن الله ﷾ أمر بغسل أعضاء الوضوء، والدلك شرط في حصول مسمى الغسل، فلا يكون هناك غسل إلا إذا كان معه دلك، فليس المطلوب هو وصول الماء إلى هذه الأعضاء، بل المطلوب إيصال الماء إلى الجسد على وجه يسمى\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٤٤).","vol":"4","page":514},{"text":"غسلًا، ولا يتحقق هذا إلا بالدلك (^١).\nقال عطاء في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلًا؛ لأن الله تعالى قال: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه (^٢).\nوهذا القول ليس عليه دليل، والصحيح أن الغسل هو جريان الماء على العضو وقد شهد لذلك حديث عمران بن الحصين وحديث أم سلمة المتقدمان.\nقال ابن حزم: من ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدلك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2088>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على طهارة التيمم، قال المزني: ولأن التيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذلك هنا.\n• وأجيب:\nقال ابن قدامة: وأما قياسه على التيمم فبعيد؛ لأن التيمم أمرنا فيه بالمسح، والمسح لا يكون إلا باليد، ويتعذر بالغالب إمرار التراب إلا باليد.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة القولين نجد أن قول الجمهور هو الصواب، وأن الدلك ليس بواجب، بل لو قيل: إن في استحبابه نظرًا لم يبعد قائله عن الصواب (^٤)،\nولا يقال: هذا\n_________\n(^١) مواهب الجليل بتصرف يسير (١/ ٢١٨).\n(^٢) المغني (١/ ٢٩٠).\n(^٣) المحلى (مسألة: ١١٥).\n(^٤) اعتبر الحنفية الدلك من السنن والآداب انظر الفتاوى الهندية (١/ ١٤) كما استحب الدلك الشافعية وعللوا ذلك بالخروج من خلاف من أوجبه احتياطًا، وهذا يدل على أن المسألة ليست قائمة على سنة، وإنما على سبيل الاحتياط، انظر تحفة الحبيب (١/ ٢٤٤)، كما استحبه الحنابلة كذلك، انظر المغني لابن قدامة (١/ ١٣٨). ...\nوقد ناقش الجصاص موضوع الدلك وقال كلامًا مقتضاه عدم الاستحباب، حيث يقول: «قال الله تعالى: (فاغسلوا)؛ فهو متى أجرى الماء على الموضع فقد فعل مقتضى الآية وموجبها، فمن شرط فيه دلك الموضع بيده، فقد زاد فيه ما ليس منه، وغير جائز الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به النسخ». فقوله: «غير جائز الزيادة» يتقضي التحريم، وهذا يعني عدم المشروعية.\nوقال السرخسي في المبسوط (١/ ٤٥): «والدلك في الاغتسال ليس بشرط إلا على قول مالك يقيسه بغسل النجاسة العينية، ولنا أن الواجب بالنص الأطهار، والدلك يكون زيادة عليه، والدلك لمقصود إزالة عين من البدن، وليس على بدن الجنب عين يزيلها بالاغتسال، فلا حاجة إلى الدلك». اهـ\nفهل هذا الكلام رد لمشروعية الدلك، أو رد لاشتراط الدلك، يتأمل، وإن كان الظاهر من كلام الحنفية في متونهم رد للاشتراط، والله أعلم.\nوإن كنت أميل إلى عدم استحباب الدلك، وليس لموجب الحنفية، وهو الزيادة على النص، وإنما لكون الدلك لم ينقل في صفة غسل النبي ﷺ إلا في الرأس خاصة، ولو فعل النبي ﷺ الدلك لبدنه، لنقله إلينا أمهات المؤمنين ﵅، فلما لم ينقل عنه ﷺ دلك البدن، بقي القول بمشروعيته يفتقر إلى دليل، إلا أن هذا القول مني معلق على القول به من السلف، فإن ثبت أن أحدًا قال به، فهو متجه، وإلا لزمت مذهب الاستحباب؛ لأنه أخف القولين، والله أعلم.","vol":"4","page":515},{"text":"من إسباغ الغسل، لأن الإسباغ في الطهارة المقصود به إكماله وإتمامه غير منقوص، كما قال ﷺ: (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار) فجعل عدم وصول الماء إلى العقب من ترك الإسباغ.\nولو كان الغسل لا يقع إلا على الدلك، لكان المواضع الذي لا يستطيع الوصول إليها بيده كبعض المواضع من ظهره لا يمكن أن يغسلها، فإما أن يقال: بسقوط الدلك للعجز، كما اختاره من المالكية ابن القصار (^١)، وبالتالي لم يقم بغسل جميع بدنه؛ لأن الغسل عندهم لا يطلق إلى على جريان الماء مع الدلك. أو يقال: يجب أن يتخذ خرقة ليستعين بها على دلك ما يعجز عن دلكه، كما اختاره سحنون من المالكية (^٢)، وقال بعضهم: يجب استنابة من يدلكه من زوجة أو أمة، أو يتدلك بحائط إن كان\n_________\n(^١) الذخيرة للقرافي (١/ ٣٠٩)، وسقوط الدلك في حالة العجز هو المعتمد في المذهب المالكي، انظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٦٨).\n(^٢) الذخيرة للقرافي (١/ ٣٠٩).","vol":"4","page":516},{"text":"ملكًا له، أو أذن له مالكها، ولم يكن الدلك يؤذيه (^١)، وهذا أيضًا لم يقم عليه دليل من السنة، ومن التعمق الذي لم نؤمر به، وكل هذا يدل على ضعف القول بوجوب التدليك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر الشرح الصغير (١/ ١٦٨).","vol":"4","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2089>الباب الخامس في فروض الغسل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2090>الفرض الأول الماء الطهور مع القدرة عليه</span>\n[م-٣٨٧] لا يرفع الحدث إلا الماء الطهور مع وجوده،\nفلا يرفع الحدث الماء النجس، وهذا إجماع.\nقال ابن المنذر: قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء، إلا ما منع منه كتاب، أو سنة أو إجماع، والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه: هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون، أو طعم، أو ريح (^١).\nولا يرفع الحدث سائل آخر غير الماء:\nقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الحدث لا يرفع بسائل آخر غير الماء، كالزيت، والدهن، والمرق (^٢).\nوقال الغزالي: الطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) الأوسط لابن المنذر (١/ ٢٥٣).","vol":"4","page":518},{"text":"فبالإجماع (^١).\nوتعقبه النووي في المجموع شرح المهذب، فقال: حكى أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي بكر الأصم: أنه يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة بكل مائع طاهر، قال القاضي أبو الطيب إلا الدمع فإن الأصم يوافق على منع الوضوء به، ثم قال: والأول أرجح؛ قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء، ولم ينقلنا إلى سائل آخر (^٢).\nقلت: ويستثنى من السوائل النبيذ فإنه مختلف في رفع الحدث به:\nفقيل: يتوضأ به إن لم يجد غيره، وهو مذهب أبي حنيفة (^٣).\nوقيل: يتوضأ به ويتيمم، وهو مذهب محمد بن الحسن (^٤).\nوقيل: يتيمم، ولا يتوضأ به، وهو مذهب المالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧)،\n_________\n(^١) الوسيط (١/ ١٠٧، ١٠٨).\n(^٢) المجموع (١/ ١٣٩) وقال النووي: وأما قول الغزالي في الوسيط: طهارة الحدث مخصوصة بالماء بالإجماع، فمحمول على أنه لم يبلغه قول ابن أبي ليلى إن صح عنه. اهـ\n(^٣) المبسوط (٢/ ٩٠)، بدائع الصنائع (١/ ١٥)، العناية شرح الهداية (١/ ١١٨)، أحكام القرآن (٢/ ٥٤٣).\n(^٤) البناية (١/ ٤٦٤)، وفتح القدير (١/ ١١٨، ١١٩)، بدائع الصنائع (١/ ١٥) ..\n(^٥) قال مالك في المدونة (١/ ١١٤): «ولا يتوضأ بشيء من الأنبذة، ولا العسل الممزوج بالماء، قال: والتيمم أحب إلي من ذلك». اهـ\n(^٦) انظر الأم (١/ ٧) قال النووي في المجموع (١/ ١٤٠): «أما النبيذ فلا يجوز الطهارة به عندنا على أي صفة كان من عسل أو تمر، أو زبيب، أو غيرها، مطبوخًا كان أو غيره، فإن نشَّ أو أسكر فهو نجس يحرم شربه، وعلى شاربه الحد، وإن لم ينش فطاهر لا يحرم شربه، ولكن لا تجوز الطهارة به، هذا تفصيل مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف والجمهور». اهـ\n(^٧) مسائل أحمد رواية عبد الله (١/ ٢٢)، ومسائل ابن هانئ (١/ ٥)، ومسائل أحمد وإسحاق (١/ ١٢٧)، المغني (١/ ٢٣)، الانتصار في المسائل الكبار (١/ ١٣٦)، الكافي لابن قدامة (١/ ٦)، المبدع (١/ ٤٢)، تنقيح التحقيق (١/ ٢٢٥).","vol":"4","page":519},{"text":"واختاره أبو يوسف والطحاوي من الحنفية (^١)، وهو رواية عن أبي حنيفة (^٢)، وهو اختيار ابن حزم (^٣).\nوقد سبق أن ذكرت أدلتهم وبيان الراجح في كتاب أحكام الطهارة: أحكام المياه، فانظره هناك مشكورًا.\nفإذا لم يوجد الماء الطهور فإنه يتيمم، وهذه مسألة خلافية أعني التيمم من الجنابة، وسوف أتعرض لذكر الخلاف فيها إن شاء الله تعالى في كتاب التيمم، بلغنا الله إياه بمنه وكرمه.\nوقولي: لا يرفع الحدث إلا الماء الطهور، لا أعني به إثبات قسم الماء الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، وهي مسألة بحثت في أقسام المياه، وخلصت إلى أن الماء قسمان على القول الصحيح: طهور، ونجس، بخلاف مذهب الجمهور الذي يذهب إلى إثبات قسم الماء الطاهر، المستعمل عندهم في الأكل والشرب، ولا يستعمل في رفع الحدث، ومن أراد الإطلاع على أدلة القوم فليرجع إليه في كتاب الطهارة: في أحكام المياه، في مبحث أقسام المياه، والله الموفق.\n* * *\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ١٥) المبسوط (٢/ ٩٠)، تبيين الحقائق (١/ ٣٥)، العناية شرح الهداية (١/ ١١٨).\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ٣٥).\n(^٣) المحلى (مسألة: ١٤٨).","vol":"4","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2091>الفرض الثاني\nالنية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• العبادة المعقولة المعنى، لا تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالطهارة من النجاسة، والعبادة المحضة غير المعللة تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالصلاة، والغسل فيه شبه من العبادتين، والصحيح اشتراط النية له.\n• الأعمال كلها إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله قصدًا، فلا معنى للنية فيه، والمطلوب: إما نواه أو أوامر، والنواهي كلها يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم يشعر بها، والنية فيها شرط للثواب لا في الخروج من العهدة.\nوالأوامر على قسمين: الأول منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، والودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فإن هذه الأفعال يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها.\nوالقسم الثاني من الأوامر ما تكون صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات والطهارات والصيام والنسك، فإن المقصود منها تعظيمه تعالى بفعلها والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله ﷾، فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال (^١).\n_________\n(^١) انظر الذخيرة للقرافي (١/ ٢٤٥).","vol":"4","page":521},{"text":"[م-٣٨٨] اختلف العلماء في حكم النية في طهارة الحدث عمومًا: الأصغر والأكبر،\nفقيل: النية سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في طهارة التيمم، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: النية شرط لطهارة الحدث مطلقًا الأصغر والأكبر، بالماء أو التيمم، وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وهو الراجح.\nوقيل: يجزئ الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، وهو قول الأوزاعي (^٥).\n• وسبب الاختلاف في اشتراط النية للطهارة:\nما قاله ابن رشد: اختلف العلماء هل النية شرط في صحة الوضوء أم لا؟ بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات لقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: ٥] ثم قال: وسبب اختلافهم: تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٣٢)، البناية في شرح الهداية (١/ ١٧٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ٢٤)، بدائع الصنائع (١/ ١٩)، مراقي الفلاح (ص: ٢٩).\n(^٢) المالكية يرون أن النية فرض من فروض الوضوء، فهم يتفقون مع الجمهور على وجوبها، ويختلفون في حكم الوجوب، هل هي شرط في صحة الوضوء، أو فرض من فروض الوضوء؟ فالشافعية والحنابلة يرون أن النية شرط، بينما المالكية يرون أن النية من فروض الوضوء انظر حاشية الدسوقي (١/ ٨٥)، مواهب الجليل (١/ ١٨٢، ٢٣٠)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٥)، مختصر خليل (ص: ١٣)، القوانين الفقهية (ص: ١٩)، الخرشي (١/ ١٢٩)، الشرح الصغير (١/ ١١٤، ١١٥)، منح الجليل (١/ ٨٤)، الكافي (١/ ١٩).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٥٥)، الروضة (١/ ٤٧)، مغني المحتاج (١/ ٤٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٦)، الحاوي الكبير (١٨٧)، متن أبي شجاع (ص: ٥).\n(^٤) معونة أولي النهى شرح المنتهى (١٢٧٧)، الممتع شرح المقنع (١/ ١٧٦)، المحرر (١/ ١١)، كشاف القناع (١/ ٨٥)، المغني (١/ ١٥٦)، الكافي (١/ ٢٣)، المبدع (١/ ١١٦).\n(^٥) الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٧٠).","vol":"4","page":522},{"text":"عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى نية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين (^١).\nوقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها نقاشًا مستفيضًا في كتاب الحيض والنفاس رواية ودراية فارجع إليه غير مأمور.\nولما كان الكلام في النية طويلًا ومتشعبًا عقدت فصلًا خاصًا في كتاب الوضوء عن النية من حيث تعريفها، وبيان حكمها وذكر محلها، وشروطها، ووقتها، وكيفيتها، فالحمد لله على منه وفضله.\n* * *\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ١٠٣).","vol":"4","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2092>الفرض الثالث\nتعميم جميع البدن بالغسل</span>\n[م-٣٨٩] اتفق الفقهاء على أن تعميم الجسد كله بالماء فرض من فروض الغسل (^١).\nنقل الإجماع في هذا النووي وغيره (^٢).\nومستند الإجماع في هذا قوله تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].\nوقوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nومن السنة أحاديث كثيرة سبق ذكرها، منها حديث عائشة وميمونة وهما في الصحيحين، وحديث أم سلمة في مسلم، وحديث عمران بن حصين في البخاري للرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، ثم حضر الماء بعد، وكل هذه الأحاديث سبق تخريجها في هذا الكتاب.\n_________\n(^١) انظر: المبسوط (١/ ٤٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، المدخل (٢/ ١٧٥)، الخرشي (١/ ١٦٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٤٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٥)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٦٨)، المغني لابن قدامة (١/ ١٣٩)، الموسوعة الفقهية الكويتية (١٣/ ١٩).\n(^٢) انظر المجموع (٢/ ٢١٢)، الموسوعة الكويتية (١٣/ ١٩).","vol":"4","page":524},{"text":"ولم يستثن من الإجماع إلا مسائل وقع فيها خلاف، منها:\nداخل الفم والأنف، وقد سبق بحث حكم المضمضة والاستنشاق، وخلصت إلى أنهما غير واجبين في الغسل.\nوكذلك لا يجب نقض ضفائر الرأس في الغسل وقد سبق بحث الخلاف فيه، كما لا يجب غسل المسترسل من الشعر، وقد سبق تحرير الخلاف فيه،\nوكذلك لا يجب غسل داخل فرج المرأة مطلقًا بكرًا كانت أو ثيبًا (^١).\nوكذلك لا يجب غسل داخل العينين؛ لأنه لم ينقل غسلهما من المصطفى ﷺ، ولأنهما من الباطن الذي لم نؤمر بغسله؛ ولأن الغسل مضر بهما، ولأن غسلهما من الحرج المرفوع عن هذه الأمة، قال ﷾: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].\nوقال سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦] (^٢).\nوما عدا ذلك فإنه يجب إيصال الماء إليه حتى ولو كان غائرًا، كعمق السرة ونحوها (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) جاء في فتح الباري تحت حديث رقم (٣١٣) قوله: «نص أحمد على أنه لا يجب غسل باطن الفرج من حيض ولا جنابة ولا استنجاء.\nقال جعفر بن محمد: قلت لأحمد: إذا اغتسلت من المحيض تدخل يدها؟\nقال: لا إلا ما ظهر، ولم ير أن تدخل أصابعها ولا يدها في فرجها في غسل ولا وضوء». وانظر كتاب الإنصاف (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٢) انظر: فتح القدير (١/ ٥٧)، درر الحكام شرع غرر الأحكام (١/ ١٧).\n(^٣) قال في بدائع الصنائع (١/ ٣٤): «ويجب إيصال الماء إلى داخل السرة؛ لإمكان الإيصال إليها بلا حرج».","vol":"4","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2093>الباب السادس في ذكر صفة الغسل الكامل والمجزئ</span>\n[م-٣٩٠] بعد أن تكلمنا بشيء من تفصيل الخلاف، وذكر الأدلة على سنن الغسل، وآدابه، وفروضه، نستطيع أن نخلص من هذه المباحث بصفة الغسل الكامل والمجزئ منها على وجه الاختصار، وهذا العرض إنما هو خاص بما هو راجح لدى الباحث، وقد لا يكون راجحًا عند غيره، وربما لا يكون راجحًا في حقيقة الأمر، ومن أراد أن يطلع على وجه الترجيح، فلينظر المسألة في معرض ذكر خلاف العلماء فيها وأدلتها التفصيلية، المهم أن من اقتصر على الاطلاع على هذا الفصل، فلن يعرف وجه الحجة فيما رجحت، وكان يمكن أن يختم البحث بدون هذا الفصل، خاصة أن هذا الفصل خال من ذكر أدلة الترجيح، لولا ما تعود الفقهاء من ذكر صفة الغسل الكامل والمجزئ في بحوثهم، مما دفعني أن أختار هذه الطريقة لتجمع للطالب المبتدئ صفة الغسل على وجه الإيجاز، فأقول في صفة الغسل الكامل وبالله التوفيق:\nإذا أراد أن يغتسل، فلا بد أولًا من النية، وذلك بأن ينوي رفع الحدث، أو ينوي استباحة ما تشترط له الطهارة من صلاة ونحوها.","vol":"4","page":526},{"text":"ولا يتقدم الغسل أيُّ ذكر قولي، ومن ذلك البسملة، فإن الراجح أنها غير مشروعة لا في وضوء، ولا غسل، ولا تيمم.\nثم يقوم بغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، ثلاثًا، أو مرتين.\nثم يتمضمض ويستنشق مرة واحدة.\nثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين غسلة واحدة، ولا يشرع تكرار غسلهما، ويكون غسلهما بنية الغسل، لا بنية رفع الحدث الأصغر، فهذا الوضوء صوري، وإنما المراد هو غسل بدنه، قُدِّمَ فيه غسل مواضع الوضوء لشرفها.\nولا يشرع على الصحيح مسح رأسه، وإنما يخلل شعر رأسه بالماء حتى يبلغ الماء أصول شعره، وحتى يظن أنه قد أروى بشرته، ثم يفيض على رأسه ثلاثًا، مبتدئًا بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أعلى الرأس.\nثم يفيض الماء على سائر جسده، ولا يعيد غسل مواضع الوضوء مرة أخرى.\nثم يغسل قدميه.\nوبهذا يكون قد انتهى من الغسل مراعيًا فيه سنن الغسل، ويكفي هذا الفعل في رفع الحدثين الأصغر والأكبر.\nوأما الغسل المجزئ، فهو أن ينوي الغسل، ثم يعم بدنه كله بالماء مرة واحدة، ولا يجب في هذا الغسل مضمضة ولا استنشاق، والله أعلم.\nوبهذا انتهى كتاب الغسل، ولله الحمد والمنة، ويليه كتاب التيمم إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"4","page":527},{"text":"موسوعة\nأحكام الطهارة\nأدلة ومسائل وقواعد وضوابط\n\nالقسم الأول\nطهارة الحدث\n\nالمجلد الخامس\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2094>طهارة البدل (الطهارة بالتراب)</span>\nتأليف\nدبيان بن محمد الدبيان","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2095>كتاب التيمم</span>","vol":"5","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي خلقنا من تراب، وجعله لأمتنا خاصة من بين سائر الأمم مسجدًا وطهورًا، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه إلى يوم الدين ...\nأما بعد، فهذا هو الكتاب الخامس والأخير من طهارة الحدث، وهو خاص بالتيمم، فطهارة الحدث تنقسم إلى قسمين كما أشرنا في مقدمة الطهارة:\nطهارة أصلية: وهذه لا تكون إلا بالماء، وسبق لي البحث فيها.\nوطهارة بدل: وهي الطهارة بالتراب عند فقد الماء، وتدخل في الحدث الأصغر والأكبر، ولا مدخل لها في طهارة الخبث على الصحيح. وهذا هو موضوع كتابنا هذا.\nومن عناية الشارع بطهارة الحدث أن جعل لها بدلًا عند فقد آلته (الماء) أو عند العجز عن استعماله، بخلاف طهارة الخبث فلم يجعل لها بدلًا، ومن رحمة الله ﷾ أن مكن عباده من الصلوات: التي هي صلة بين العباد وبين خالقهم حتى في حالة عدم التمكن من الطهارة المائية، ولو منع الإنسان من الصلاة إلا في حالة وجود الماء لربما قسا قلب العبد بسبب تركه للصلوات أيامًا وربما أسابيع بسبب عدم قيامه بما هو صلة بينه وبين ربه، فكان لطفًا من الله أن شرع التيمم مطهرًا بدلًا من الماء، ليكون العبد متهيئًا لمناجاة الله في أعظم ركن عملي، وهو الصلاة، وهو ما أشار الله إليه في آية التيمم، من كون الغاية من مشروعية التيمم رفع الحرج عن هذه الأمة، والغاية الثانية تطهيرها، قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].\nفكان الأمر قبل مشروعية التيمم إما أن يدع الإنسان الصلاة إلى حين وجود الماء ثم يقضي تلك الصلوات، أو يدع الصلاة من غير قضاء، وكل هذا فيه ما فيه من","vol":"5","page":5},{"text":"الحرج، فترك الصلوات فيه ما أشرنا إليه من قسوة القلب وغفلته عن ذكر ربه، وقد قال ﷾: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤]، كما أن القضاء قد يشق على العبد إذا اجتمع إليه صلوات كثيرة خاصة في الأسفار التي تطول، ولا يكون الماء مقدورًا عليه، ثم فوات تطهير العبد الطهارة المعنوية من الوضوء، ومن بدله وهو التيمم، فترك الطهارة يجعل الذنوب تتراكم عليه، ولكن إذا كان يتعاهد نفسه بالوضوء أو ببدله بالتيمم، ثم بعد ذلك بالصلوات والتي ضرب الرسول ﷺ لها مثلًا بالنهر في باب أحدنا، يغتسل فيه باليوم خمس مرات، فلا يبقى من درن الإنسان شيئًا، وهكذا التيمم الذي يجعل المسلم بإمكانه أن يصلي ويتطهر من تلك الذنوب التي لا يسلم منها أحد، وكان الشرط في هذا البحث كغيره من البحوث السابقة التي سبقته، يقوم على تمهيد، وأبواب، وفصول ومباحث وفروع ومسائل على النحو التالي:\nخطة البحث:\nالتمهيد: ويشتمل: على خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التيمم.\nالمبحث الثاني: الأدلة على مشروعية التيمم.\nالمبحث الثالث: في بدء مشروعية التيمم.\nالمبحث الرابع: التيمم من خصائص الأمة المحمدية.\nالمبحث الخامس: مشروعية التيمم على وفق القياس.\nالباب الأول: في حكم التيمم:\nالفصل الأول: طهارة التيمم بين الرخصة والعزيمة.\nالمبحث الأول: في تعريف الرخصة.\nالمبحث الثاني: في تردد التيمم بين الرخصة والعزيمة.\nالفصل الثاني: طهارة التيمم ترفع الحدث.","vol":"5","page":6},{"text":"الفصل الثالث: في إمامة المتيمم للمتوضئ.\nالفصل الرابع: إذا عدم الماء والصعيد.\nالفصل الخامس: في تأخير الصلاة لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت.\nالفصل السادس: في وطء عادم الماء.\nالباب الثاني: في الأسباب الموجبة للتيمم:\nالفصل الأول: مشروعية التيمم لفقد الماء، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: انعدام الماء.\nالمبحث الثاني: إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة.\nالمبحث الثالث: لو كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط.\nالمبحث الرابع: لو اجتمع حدث وخبث ووجد ماء يكفي أحدهما.\nالفصل الثاني: في تعذر استعمال الماء، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: في تيمم المريض.\nالمبحث الثاني: في تيمم الصحيح إذا كان محتاجًا للماء لشرب ونحوه.\nالمبحث الثالث: في الماء يباع بأكثر من ثمنه.\nالمبحث الرابع: في قبول الرجل هبة الماء.\nالفصل الثالث: في التيمم خوفًا من فوات العبادة، ويشتمل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: إذا خاف خروج وقت الفريضة.\nالمبحث الثاني: في التيمم خوفًا من فوت صلاة الجنازة والعيد.\nالمبحث الثالث: في التيمم خوفًا من فوات الجمعة.\nالباب الثالث: في شروط التيمم:\nالشرط الأول: النية، وينقسم البحث فيها إلى فصول ومباحث وفروع ومسائل على النحو التالي:","vol":"5","page":7},{"text":"الفصل الأول: في اشترط النية لطهارة التيمم.\nالفصل الثاني: لو سفت الرياح التراب على وجهه ونوى به التيمم.\nالفصل الثالث: في صفة النية.\nالمبحث الأول: لو نوى مطلق التيمم.\nالمبحث الثاني: إذا نوى المتيمم بتيممه رفع الحدث.\nالمبحث الثالث: في اشتراط نية ما يتيمم عنه.\nالفرع الأول: إذا تيمم ولم ينو ما تيمم عنه.\nالفرع الثاني: إذا تيمم للأصغر، فهل يرتفع الأكبر؟\nالفرع الثالث: في نية ما يتيمم له من صلاة ونحوها.\nالمسألة الأولى: لو نوى بالتيمم الصلاة وأطلق.\nالمسألة الثانية: لو نوى بالتيمم نفلًا فصلى به فريضة.\nالمسألة الثالثة: لو تيمم للفريضة فصلى به نافلة.\nالمسألة الرابعة: في أداء الفرائض بتيمم واحد.\nالمسألة الخامسة: إذا تيمم للنافلة فصلى به نوافل أخرى.\nالمبحث الرابع: لو تيمم يريد به تعليم الغير.\nالشرط الثاني: من شروط التيمم الإسلام.\nالشرط الثالث: التكليف.\nالشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور.\nالشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم.\nالفرع الأول: في تقدير المسافة التي تبيح التيمم ويسقط فيها طلب الماء.\nالفرع الثاني: لو تيمم ناسيًا وجود الماء.\nالشرط السادس: في اشتراط دخول الوقت.","vol":"5","page":8},{"text":"الشرط السابع: في الشروط المتعلقة بالأرض المتيمم عليها.\nالفرع الأول: في التيمم بغير تراب.\nالفرع الثاني: في طهارة ما يتيمم به.\nالفرع الثالث: في اليتمم على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت.\nالفرع الرابع: في التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة.\nالفرع الخامس: التيمم بالتراب المغصوب.\nالباب الرابع: فيما يتيمم عنه:\nالفصل الأول: في التيمم عن الحدث.\nالفصل الثاني: في التيمم عن النجاسة.\nالباب الخامس: في فروض التيمم:\nالفرض الأول: مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب.\nالمبحث الأول: ضرب اليدين في الأرض ليمسح بهما وجهه ويديه.\nالمبحث الثاني: استيعاب المسح للوجه واليدين.\nالمبحث الثالث: مسح ما تحت الشعر الخفيف في التيمم.\nالمبحث الرابع: صفة مسح الوجه واليدين عند الفقهاء.\nالمبحث الخامس: في اشتراط ضرب الأرض بالكفين للتيمم.\nالمبحث السادس: مسح الوجه بيد واحدة أو أصبع واحد.\nالفرض الثاني: حكم الترتيب في طهارة التيمم.\nالفرض الثالث: الموالاة في التيمم.\nالباب السادس: في سنن التيمم:\nالفصل الأول: في التسمية.\nالفصل الثاني: في تكرار المسح في التيمم.","vol":"5","page":9},{"text":"الفصل الثالث: نفخ الأيدي بعد ضربها الأرض.\nالفصل الرابع: في استحباب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى.\nالفصل الخامس: في تجديد التيمم.\nالفصل السادس: في استقبال القبلة حال التيمم.\nالفصل السابع: في إقبال اليدين وإدبارهما في التراب حال الضرب.\nالفصل الثامن: في البدء بأعلى الوجه حين المسح.\nالفصل التاسع: استحباب الصمت أثناء التيمم.\nالباب السابع: في مبطلات التيمم:\nالفصل الأول: يبطل التيمم ما يبطل الوضوء.\nالفصل الثاني: يبطل التيمم بوجود الماء.\nالمبحث الأول: وجود الماء قبل الصلاة.\nالمبحث الثاني: في وجود الماء أثناء الصلاة.\nالمبحث الثالث: في وجود الماء بعد الفراغ من الصلاة.\nالفصل الثالث: خروج الوقت.\nهذه خطة البحث في هذا الكتاب، فإن يكن من صواب فهو من الله ﷾، وإن يكن من خطأ فهو من الشيطان، ومن ضعفي وتقصيري، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n* * *","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2096>التمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2097>المبحث الأول تعريف التيمم</span>\nتعريف التيمم اصطلاحًا (^١):\nتعريف الحنفية:\nقال في بدائع الصنائع: «عبارة عن استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة» (^٢).\nتعريف المالكية:\nقال الصاوي في تعريف التيمم: «طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين\n_________\n(^١) التيمم لغةً: القصد، يقال: يمَّمتُه وتَيَمَّمته: إذا قصدته، وأصله التعمد والتوخي.\nومنه قوله تعالى: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ) [البقرة: ٢٦٧]، أي: لا تقصدوا.\nوقوله سبحانه: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦]، أي اقصدوا الصعيد الطيب.\nوقول كعب بن مالك: «فيممت بها التنور» أي: قصدت.\nومنه قول الشاعر:\nوما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني\nأأ الخير الذي أنا ابتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني\nثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم اسمًا علمًا لمسح الوجه واليدين بالتراب. انظر: النهاية في غريب الحديث (٥/ ٢٩٩)، مختار الصحاح (ص: ٣١٠)، لسان العرب (١٢/ ٢٣).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٤٥).","vol":"5","page":11},{"text":"بنية» (^١). زاد بعضهم: تستعمل عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، والمراد بالتراب: جنس الأرض فيشمل جميع أجزائها (^٢).\nتعريف الشافعية:\nقالوا: التيمم: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشروط بدلًا عن الوضوء، أو الغسل، أو بدلًا عن عضو من أعضائهما بشرائط مخصوصة (^٣).\nتعريف الحنابلة:\nقال البهوتي: «مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص» (^٤).\nوهذه التعريفات متقاربة، وقد قال أبو بكر بن العربي بأن التيمم له ثلاثة أسماء، الأول: التيمم، قال الله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦].\nالثاني: الوضوء، قال النبي ﷺ: الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو لم يجد الماء عشر حجج (^٥).\nالثالث: الطهور، قال النبي ﷺ: وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا (^٦) (^٧).\nوالاسمان الأخيران ليسا من باب التسمية اللغوية، وإنما هو من باب الحكم الشرعي، فالتيمم يقوم مقام الوضوء، كما أنه يطهر المسلم، أي يرفع حدثه، أو في حكم الطهور كما سيأتي تحرير الخلاف فيه إن شاء الله تعالى، هل التيمم مبيح أو رافع؟\n* * *\n_________\n(^١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٧٩).\n(^٢) الفواكه الدواني (١/ ١٥٢)، شرح الخرشي لمختصر خليل (١/ ١٨٥).\n(^٣) حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٨٨)، تحفة المحتاج (١/ ٣٢٤).\n(^٤) كشاف القناع (١/ ١٦٠)، وللاستزادة من الاطلاع على تعريف التيمم لغة انظر: شرح حدود ابن عرفة (ص: ٤٢)، معجم مقاييس اللغة (١١٠٨).\n(^٥) سبق تخريجه في المجلد الأول، رقم (٣١).\n(^٦) البخاري (٣٣٥).\n(^٧) القبس شرح الموطأ (١/ ١٧٦).","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2098>المبحث الثاني الأدلة على مشروعية التيمم</span>\n[م-٣٩١] التيمم مشروع عند عدم الماء، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع،\nأما الكتاب فقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦].\nومن السنة، أحاديث كثيرة، منها:\n(٩٢٤ - ١) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:\nأخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ .... الحديث (^١).\nورواه مسلم من طريق هشيم به، بلفظ: وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥).\n(^٢) مسلم (٥٢١).","vol":"5","page":13},{"text":"(٩٢٥ - ٢) وروى مسلم في صحيحه من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (^١).\n(٩٢٦ - ٣) وروى مسلم أيضًا من طريقين عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي،\nعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى (^٢).\nوأما الإجماع فقد نقله طائفة من أهل العلم:\nقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء بالأمصار بالمشرق والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مسلم ...» (^٣).\nوقال النووي: «إذا عدم الماء بعد طلبه المعتبر جاز له التيمم للآية، والأحاديث الصحيحة، والإجماع» (^٤).\nوقال صاحب كتاب رحمة الأمة: «التيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء أو الخوف من استعماله جائز بالإجماع» (^٥).\nوقال الشوكاني: «والحديث يدل على مشروعية التيمم للصلاة عند عدم الماء، من غير فرق بين الجنب وغيره، وقد أجمع العلماء على ذلك» (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٥٢٣).\n(^٢) مسلم (٥٢٢).\n(^٣) الاستذكار (١/ ٣٦٨).\n(^٤) المجموع (٢/ ٣٠٠).\n(^٥) رحمة الأمة (٢١).\n(^٦) نيل الأوطار (١/ ٣٠١).","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2099>المبحث الثالث في بدء مشروعية التيمم</span>\n[م-٣٩٢] روت كتب السنة بدء مشروعية التيمم في أحاديث صحيحة،\n(٩٢٧ - ٤) فقد روى البخاري ﵀ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،\nعن عائشة، زوج النبي ﷺ، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء -أو بذات الجيش- انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر، ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته،","vol":"5","page":15},{"text":"ورواه مسلم (^١).\nفي هذا الحديث من الفقه:\nقول عائشة ﵂: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره) فيه دليل على جواز خروج النساء مع الرجال في الأسفار، وفي الغزوات إذا كان العسكر كبيرًا يؤمن عليه الغلبة (^٢).\nوفيه أيضًا جواز تأديب الرجل ابنته، ولو كانت متزوجة كبيرة، خارجة عن بيته، ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه (^٣).\nوفيه أيضًا أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب لم يبعث رجالًا في طلب العقد، وهو تحت البعير.\nوفيه أيضًا: أن الله ﷾ قد يربط تشريع بعض الأحكام بأسباب قدرية، وأخرى شرعية، فجعل غياب هذا العقد سببًا لمشروعية التيمم لجميع الأمة.\nوفيه إثبات البركة لبعض الصالحين، قال أسيد (ما هي بأول بركتكم يا آل\nأبي بكر) أي بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها وتكرار البركة منهما (^٤).\nوفي رواية للبخاري: (جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة)» (^٥).\nوفيه فرح الصحابة ﵃ بتيسير الأحكام عليهم، على خلاف ما ينشده بعض الناس في عصرنا من النزعة إلى التحريم، وحجب الأقوال التي فيها تيسير على\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٤)، ومسلم (٣٦٧).\n(^٢) التمهيد (١٩/ ٢٦٦).\n(^٣) فتح الباري تحت حديث رقم (٣٣٤).\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) البخاري (٣٧٧٣).","vol":"5","page":16},{"text":"الأمة، بدعوى أن الناس قد يتهاونون، فيتجاوزن الحد المباح إلى الوقوع في المحرم، وهذا ليس من الفقه في شيء، واستحسان مخالف لمقاصد الشارع وقواعد الشرع.\nإن تعامل بعض الناس مع الخلاف يكشف لك أننا نعاني من أزمة حقيقية في التعامل مع الخلاف الفقهي، ونظن أن بالإمكان إلغاء الخلاف المحفوظ، وأننا بالقدر الذي نسفه فيه قول المخالف نردع الناس من الأخذ به وقبوله، ونعتقد بأن هذا الأسلوب يكفل لنا ترويج اختياراتنا الفقهية، ولذا إذا أتينا إلى أدلة المخالفين، نضع عنوانين تحكي نزعة الإلغاء والازدراء للقول الآخر، فيقول بعضهم: شبهات القائلين بالجواز، فنجعل أدلتهم مجرد شبهات، وليست أدلة قائمة، حتى ولو كان هذا القول هو قول الجمهور، وكأننا قد نزل علينا الوحي بأن قولنا هو الصواب، بينما المطلوب منا أن نتعامل مع تراث المسلمين الفقهي بشيء من الاحترام بصرف النظر عن الصواب والخطأ، وأن تكون عباراتنا بالترجيح تعكس مقدار الأدب الإسلامي المأمور به شرعًا، فنتجنب قدر المستطاع القطع في مسائل الخلاف، ونتجنب القول بأن هذا القول ساقط أو باطل، أو ليس عليه آثارة من علم، أو هذا القول سبب في رقة الدين، أو هذا قول شاذ، مع العلم أنه مذهب جماهير أهل العلم.\nإنني لا أدعو إلى اتباع قول الجمهور، لكونه كذلك، ومن قرأ البحوث السابقة تأكد له ذلك، ولكن مع وجوب اتباع ما يترجح يجب احترام قول الجمهور، بل وكل قول عالم من علماء هذه الأمة مع بيان الخطأ بالدليل الشرعي.\nإن الوحي قد انقطع، والخلاف الفقهي في هذه الأمة قدر كوني وشرعي، وما زال الصحابة يختلفون في أمور الفقه، وما لم يعصم منه الصحابة فلن يعصم منه غيرهم، وإني لا يعجبني أبدًا في أي بلد من المسلمين أن تقوم لجنة أو هيئة رسمية أو غير رسمية فتجعل من نفسها مرجعًا يجب الرد إليه عند التنازع في أمور فقهية قد حفظ فيها الخلاف، ولا ينبغي لها أن تتصدى بالرد على فلان أو فلان من طلبة","vol":"5","page":17},{"text":"العلم بسبب اختياره الفقهي ما دام داخلًا تحت الخلاف السائغ الذي قيل به من لدن السلف، ولا حجر عليها أن تذكر رأيها دون أن تتعرض لأحد باسمه، فمن شاء أن يأخذ بفتواها فله ذلك، ومن رأى أنه يسعه أن يأخذ برأي أحد من الأئمة فإن له ذلك أيضًا، ولا حجر عليه، وإذا أبت إلا الخوض في ذلك فلا بد أن يحفظ للطرف الأخر حقه بالرد عليهم، وبيان حجته فيما يطرحون، وأن يكون في مأمن من ظلمهم من منع كتابه من الطبع، فإن منع مثل ذلك يعتبر من الظلم والعدوان الذي لا يرضاه خلق ولا دين، ولم يكن من عمل السلف، فمن أعطى لنفسه حق الرد على الناس فليعط غيره حق الجواب على رده، ولا يسوغ أبدًا أن يتكلم أحد في نيته أو في منهجه لمجرد أن رد على أحد من علماء عصره في مسألة يسوغ فيها الخلاف، وإذا كنا نعطي أنفسنا أن نخالف أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وعائشة وابن عباس في مسائل فقهية وقع الخلاف بينهم فيها، وهم أجل قدرًا وأوسع علمًا، وقد زكاهم القرآن والرسول ﷺ، فمخالفة غيرهم من باب أولى، ولا يضيق بالخلاف من أوتى قدرًا من العلم الشرعي، وعلم أن هذا سبيل المؤمنين، وليست المشكلة في الكلام النظري المجرد عن التطبيق، فإن كل واحد من طلبة العلم يردد في مجالسه ودروسه المقولة المشهورة: كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ، ولكن عند التطبيق تجد البون الشاسع بين ما يقال وبين ما يفعل، وليس هذا من صغار الطلبة، بل ممن ترأس وتصدر، فالله المستعان، وقد تركت ضرب الأمثلة من الواقع حتى لا أنكأ الجراح، وأزيد في سعة الخلاف، ولا أبرئ نفسي مما يقع فيه غيري، فإن طبيعة الإنسان الظلم والجهل إلا من وفقه الله ﷾.\n* * *","vol":"5","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2100>المبحث الرابع التيمم من خصائص الأمة المحمدية</span>\n[م-٣٩٣] التيمم من الخصائص التي اختص الله بها هذه الأمة، وقد دل على ذلك السنة والإجماع.\n(٩٢٨ - ٥) أما السنة، فقد روى البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:\nأخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... الحديث (^١).\nورواه مسلم من طريق هشيم به، بلفظ: وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا (^٢).\n(٩٢٩ - ٦) وروى مسلم في صحيحه من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥).\n(^٢) مسلم (٥٢١).\n(^٣) مسلم (٥٢٣).","vol":"5","page":19},{"text":"(٩٣٠ - ٧) وروى مسلم أيضًا من طريقين عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي،\nعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: فضلنا على الناس بثلاث (^١):\nجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى (^٢).\nقال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: «وروي عن النبي ﷺ أنه قال: جعلت لي الأرض كلها مسجدًا وطهورًا، في تعديد فضائله ﷺ من وجوه كثيرة، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ (^٣)، وابن عباس (^٤)، وجابر (^٥)، وأبي هريرة (^٦)،\n_________\n(^١) اختلاف الأحاديث، ففي بعضها: أعطيت خمسًا، وفي بعضها: ستًا، وفي بعضها: ثلاثًا، أجاب عليه الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح تحت حديث (٣٣٥)، فقال: «طريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولًا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي. ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله». اهـ\nقلت: الراجح أن العدد لا مفهوم له، وإنما هو طريقة من طرق الحفظ والتعليم.\n(^٢) مسلم (٥٢٢). قال القاضي عياض في إكمال المعلم (٢/ ٤٣٧): «قوله: (فضلنا على الناس بثلاث): ظاهره أنه ذكر ثلاث خصال، وإنما هي اثنتان كما ذكر؛ لأن قضية الأرض كلها خصلة واحدة، والثالثة التي لم تذكر بينها النسائي من رواية أبي مالك بسنده هنا، وقال: وأتيت هذه الآيات من خواتم البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن أحد قبلي، ولا يعطهن أحد بعدي». اهـ\n(^٣) حديث علي بن أبي طالب ﵁، رواه أحمد (١/ ٩٨)، وابن أبي شيبة (٦/ ٣٠٤) رقم: ٣١٦٤٧، والبزار (٦٥٦) من طريق زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن علي،\nعن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم.\nرجاله ثقات إلا ابن عقيل، فإن أكثر العلماء على ضعفه، وإنما يتقى من حديثه ما ينفرد به، وهذا الحديث له شواهد كثيرة، فأرجو أن يكون ابن عقيل قد حفظ هذا الحديث، والله أعلم.\n(^٤) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في آخر هذا الفصل.\n(^٥) البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).\n(^٦) صحيح مسلم (٥٢٣).","vol":"5","page":20},{"text":"وأبي موسى (^١)،\nوحذيفة (^٢)، وهي آثار كلها صحاح ثابتة، كرهت ذكرها بأسانيدها خشية الإطالة، وقد ذكرها كلها أو أكثرها أبو بكر ابن أبي شيبة في أول كتاب الفضائل» (^٣).\nوأما الإجماع، فقد نقل الإجماع طائفة من أهل العلم.\nقال في منح الجليل: «وهو من خصائص هذه الأمة إجماعًا» (^٤).\nوقال الصاوي: «وهو من خصائص هذه الأمة اتفاقًا، بل إجماعًا» (^٥).\nوقال الحطاب: «وانعقد الإجماع على مشروعيته، وعلى أنه من خصائص هذه الأمة لطفًا من الله بها، وإحسانًا» (^٦).\nكما صرح جملة من العلماء على أن التيمم من خصائص هذه الأمة، وإن لم ينصوا على ذكر الإجماع، منهم: ابن الهمام في فتح القدير (^٧)، وابن نجيم في البحر الرائق (^٨)، وابن عابدين في حاشيته (^٩)، وهؤلاء من الحنفية.\n_________\n(^١) الحديث رواه إسرائيل، واختلف عليه فيه:\nفرواه حسين بن محمد المروذي كما في مسند أحمد (٤/ ٤١٦).\nوعبيد الله بن موسى كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٣٠٤)، كلاهما عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى موصولًا.\nوخالفهما أبو أحمد الزبيري كما في مسند أحمد موصولًا بالرواية السابقة، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، قال: قال رسول الله، فذكر معناه، ولم يسنده.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٨): «رواه أحمد متصلًا ومرسلًا، ورجاله رجال الصحيح».\n(^٢) صحيح مسلم (٥٢٢).\n(^٣) التمهيد (٥/ ٢٢٣).\n(^٤) منح الجليل (١/ ١٤٣).\n(^٥) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٧٩).\n(^٦) مواهب الجليل (١/ ٣٢٥).\n(^٧) فتح القدير (١/ ١٣٧).\n(^٨) البحر الرائق (١/ ١٦٣).\n(^٩) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٢٩).","vol":"5","page":21},{"text":"ومن المالكية: الخرشي في شرحه لمختصر خليل (^١)، والنفرواي في الفواكه الدواني (^٢)، والقرافي في الذخيرة (^٣).\nومن الشافعية: العراقي في طرح التثريب (^٤)،، وقليوبي وعميرة في حاشيتهما (^٥).\nومن الحنابلة: ابن مفلح في الفروع (^٦)، والبهوتي في كشاف القناع (^٧).\nوغيرهم خلق كثير من حملة العلم الشرعي تركتهم اقتصارًا واختصارًا.\nقال النفرواي: «وهو من خصائص هذه الأمة؛ لأن الأمم السابقة لا تصلي إلا بالوضوء، كما أنها كانت لا تصلي إلا في أماكن مخصوصة يعينونها للصلاة، ويسمونها بيعًا وكنائس وصوامع، ومن عدم منهم الماء، أو غاب عن محل صلاته يدع الصلاة حتى يجد الماء، أو يعود إلى مصلاه» (^٨).\nوذكر اللالكائي في كتابه اعتقاد أهل السنة: «جعلت له ولأمته الأرض مسجدًا، وكان غيره من الأنبياء لا تجزئ صلاته إلا في كنائسهم وبيعهم ... وجعل التراب له ولأمته طهورًا إذا عدم الماء» (^٩).\nونقل الحافظ عن ابن التين قوله:: «المراد جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا، ولم تجعل له طهورًا؛ لأن عيسى كان يسبح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، كذا قال وسبقه إلى ذلك الداودي» (^١٠).\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٨٤).\n(^٢) الفواكه الدواني (١/ ١٥٢).\n(^٣) الذخيرة (١/ ٣٣٤).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ١١١).\n(^٥) حاشيتا قليبوبي وعميرة (١/ ٨٨).\n(^٦) الفروع (١/ ٣٦٦).\n(^٧) كشاف القناع (١/ ١٦٠).\n(^٨) الفواكه الدواني (١/ ١٥٢).\n(^٩) اعتقاد أهل السنة (٤/ ٧٨٢).\n(^١٠) الفتح، تحت حديث رقم (٣٣٥).","vol":"5","page":22},{"text":"وقال القاضي عياض: «وأما اختصاصه بكون الأرض له مسجدًا وطهورًا، فيدل أن التيمم لم يشرع لغيره قبله، وأما كونها مسجدًا فقيل: إن من كان قبله من الأنبياء كانوا لا يصلون إلا فيما أيقنوا طهارته من الأرض، وخص نبينا وأمته بجواز الصلاة على الأرض إلا ما تيقنت نجاسته منها» (^١).\nقال الحافظ: «والأظهر ما قاله الخطابي: وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم» (^٢).\nوهذا نص في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية.\nويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس (^٣) بنحو حديث الباب فيه: (ولم\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ٤٣٧).\n(^٢) هذا الحديث رواه أحمد في مسنده (٢/ ٢٢٢) من طريق ابن الهاد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك، قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف إليهم، فقال لهم: لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبًا، وأحلت لي الغنائم أكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم، والخامسة، هي ما هي؟ قيل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم، ولمن شهد أن لا إله إلا الله.\nوهذا الحديث إسناده حسن إن شاء الله تعالى، وله شواهد كثيرة في الصحيح وفي غيره، والله أعلم.\nقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٥٦): «إسناد جيد قوي، ولم يخرجوه».\nوقال المنذري في الترغيب والترهيب (٥٤٩٨): رواه أحمد بإسناد صحيح. اهـ\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٧): رواه أحمد، ورجاله ثقات. اهـ\n(^٣) رواه البزار (٢٣٦٦) و(٢٤٤١) والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١١٤) والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣٣)، وفي دلائل النبوة (٥/ ٤٧٣) من طريق عبيد الله بن موسى، عن سالم أبي حماد، عن السدي،، عن عكرمة، عن ابن عباس. ...\nوفي إسناده سالم أبو حماد، قال أبو حاتم: شيخ مجهول، لا أعلم روى عنه غير عبيد الله بن موسى. الجرح والتعديل (٤/ ١٩٢).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٤١١).\nوقال الذهبي في المغني (١/ ٣٦٥): مجهول.\nوقال في ميزان الاعتدال (٢/ ١١١): حديث منكر.\nوسكت عليه الحافظ في الفتح، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٥٨): «رواه البزار، وفيه من لم أعرفهم».\nكما أن في إسناده السدي، صدوق يهم.\nوقد جاء الحديث من مسند ابن عباس بإسناد أمثل من هذا، ولكن ليس فيه (لا يصلي حتى يبلغ محرابه)، انظر مسند أحمد (١/ ٣٠١)، ومصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٣٠٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٠٣)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٤٦٠).","vol":"5","page":23},{"text":"يكن من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الفتح، تحت حديث رقم (٣٣٥).","vol":"5","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2101>المبحث الخامس مشروعية التيمم على وفق القياس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التراب له قوة في تطهير النجاسة، كتطهير النعل، وذيل المرأة، فكان له قوة في رفع الحدث بشرطه.\n• إذا خرج شيء عن نظائره لمصلحة أكمل، وأخص من مصالح نظائره لا يقال: إن مثل هذا خرج عن القياس.\n• من رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر.\n[م-٣٩٤] اختلف العلماء في كون التيمم مطهرًا، هل هذا على وفق القياس، أو مخالف للقياس، مع أني أتحفظ على هذا الطرح، لولا أن هذا موجود في كتب الفقه؛ لأننا نرى أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس، إن كان المقصود بالقياس: هو النظر والحكمة؛ لأن أحكام الشرع لا تخالف المعقول، وإن كان شيء متهمًا فهو في عجز العقول عن إدراك أسرار الأحكام، فأحكام الله من لدن حكيم خبير، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ والبحث في العلة إنما هو في حدود الحاجة إلى تعدية","vol":"5","page":25},{"text":"النص من أصل منصوص عليه إلى فرع لعلة جامعة، فيلحق النظير بنظيره؛ لأن النصوص محدودة، والوقائع غير متناهية، ولذلك لما سئلت عائشة ﵂، ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، وكأن السائلة رأت أن هذا مخالف للقياس، فإما أن يسقط القضاء عنهما، أو تكلف بقضاء كليهما، فقالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (^١)، فأرجعت الشأن إلى النص.\n[م-٣٩٥] فإذا علم هذا، فقد اختلف العلماء في التيمم،\nفذهب بعض أهل العلم إلى أن رفع الحدث بالتيمم على خلاف القياس (^٢).\nوذهب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى إلى أن التيمم على وفق القياس، وأنه لا يوجد شيء في الشرع يخالف القياس الصحيح (^٣).\n• حجة من قال: إن التيمم ليس جاريًا على وفق القياس:\nاستدلوا بدليلين:\nأحدهما: أن التراب ملوث، لا يزيل درنًا ولا وسخًا، ولا يطهر البدن، كما لا يطهر الثوب.\nالثاني: أنه شرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروج عن القياس الصحيح، ولذلك حين استعمل عمار القياس تمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة؛ ليعم بدنه كله بالتراب، كما يعم بدنه كله بالماء في غسل الجنابة.\n• ونوقش هذا:\nبأن لفظ القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح، والقياس الفاسد:\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٣٥)، البخاري (٣٢١).\n(^٢) إعلام الموقعين (١/ ٣٠٠)، مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٠٤)، المستصفى (ص: ٣٢٥)، البحر المحيط (٧/ ١١٩)، التقرير والتحبير (٣/ ١٢٦)، شرح الكوكب المنير (ص: ٤٨٣).\n(^٣) إعلام الموقعين (١/ ٣٠٠)، مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٠٤).","vol":"5","page":26},{"text":"فالقياس الصحيح: هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين:\nفالأول: قياس الطرد.\nوالثاني: قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله ﷺ.\nفالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق الحكم بها في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو ألا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع، فمثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائره، فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره، لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر، وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد، فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر (^١).\n«فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده» (^٢).\nوالحديث إذا خالف أصلًا عند المخالفين، فإن هذا الحديث هو أصل بنفسه، كما أن غيره أصل، فلا تضرب الأصول بعضها ببعض، بل يجب اتباعها كلها، فإنها كلها من عند الله (^٣).\nوقال ابن تيمية: «وبالجملة فما عرفت حديثًا صحيحًا إلا ويمكن تخرجه على الأصول الثابتة، وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياسًا صحيحًا\n_________\n(^١) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٥٠٤).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) انظر مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٥٧).","vol":"5","page":27},{"text":"يخالف حديثًا صحيحًا، كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياسًا يخالف أثرًا فلا بد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير منه على أفاضل العلماء فضلًا عمن هو دونهم؛ فإن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها، ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة من أشرف العلوم، فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم، فلهذا صار قياس كثير من العلماء يرد مخالفًا للنصوص؛ لخفاء القياس الصحيح عليهم، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام» (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: التيمم على وفق القياس الصحيح؛ فإن الله ﷾ جعل من الماء كل شيء حي، وخلقنا من التراب، فلنا مادتان: الماء والتراب، فجعل منهما نشأتنا وأقواتنا، وبهما تطهرنا وتعبدنا، فالتراب أصل ما خلق منه الناس، والماء حياة كل شيء، وهما الأصل في الطبائع التي ركب الله عليهما هذا العالم، وجعل قوامه بهما، وكان أصل ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار: هو الماء في الأمر المعتاد، فلم يجز العدول عنه إلا في حال العدم والعذر بمرض أو نحوه، وكان النقل عنه إلى شقيقه وأخيه التراب أولى من غيره، وإن لوث ظاهرًا فإنه يطهر باطنًا، ثم يُقَوِّى طهارة الباطن فيزيل دنس الظاهر أو يخففه، وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ بحقائق الأعمال، وارتباط الظاهر بالباطن، وتأثر كل منهما بالآخر، وانفعاله عنه».\nقلت: من يسلم أن التراب ملوث غير مطهر، فهذا الكلام يصادم النص المنقول، ويصادم الأمر المعقول.\nأما النص، فقد قال الرسول ﷺ: الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق (٢٠/ ٥٦٧).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر المجلد الأول ح (٣١).","vol":"5","page":28},{"text":"وقال ﷺ: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (^١).\nوالطهور: ما يطهر غيره.\nوأما موافقته للمعقول، فإن طهارة الخبث إذا أمكن إزالتها بالتراب، وهي عين خبيثة، وطهارتها معقولة المعنى، كما في الاستجمار، وكما في طهارة النعل بدلكها بالتراب، وكما في تطهير الإناء من ولوغ الكلب ونحوها من النجاسات، فلأن يطهر التراب طهارة الحدث، والتي هي ليست عن نجاسة أصلًا من باب أولى، فإذا كان للتراب قوة في إزالة النجاسة، كان له قوة في رفع الحدث بشرطه كالماء والتراب.\nوأما كونه في عضوين، يقول ابن القيم: «فهذا في غاية الموافقة للقياس، فإن وضع التراب على الرؤوس مكروه في العادات، وإنما يفعل عند المصائب والنوائب، والرجلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع، والتعظيم لله، والذل له، والانكسار لله ما هو من أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد، ولذلك يستحب للساجد أن يترب وجهه لله، وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد، وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال: (ترب وجهك) وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرجلين.\nوأيضًا فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر: وهو أن التيمم جعل في العضوين المغسولين، وسقط عن العضوين الممسوحين، فإن الرجلين تمسحان في الخف، والرأس في العمامة، فلما خفف عن المغسولين بالمسح، خفف عن الممسوحين بالعفو؛ إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت به الشرعية هو أعدل الأمور، وأكملها، وهو الميزان الصحيح» (^٢).\nوهذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سبق تخريجه في المبحث السابق.\n(^٢) إعلام الموقعين (١/ ٣٠٠).","vol":"5","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2102>الباب الأول في حكم التيمم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2103>الفصل الأول طهارة التيمم بين الرخصة والعزيمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2104>المبحث الأول في تعريف الرخصة</span>\nتعريف الرخصة:\nالرخصة في اللغة تطلق على التيسير والتسهيل، يقال: رخص الشرع في كذا: إذا يسره وسهله.\nوالرخصة في الأمر: هو خلاف التشديد.\nوقال ﷺ: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.\n[حسن] (^١).\nويقال: رَخُص السعر: إذا تراجع وسهل الشراء.\nويقال: رخَّص له في الأمر: إذا أذن له فيه وسهله بعد أن كان ممنوعًا.\n_________\n(^١) رواه أحمد في المسند (٢/ ١٠٨) من حديث ابن عمر، وهو حديث حسن، وسبق تخريجه بتمامه في المجلد الثالث، رقم (٥٤٦).","vol":"5","page":30},{"text":"والرخصة: ترخيص الله للعبد في أشياء خففها عنه.\nوأما العزيمة: فالعزم عبارة عن القصد المؤكد، قال الله تعالى: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: ١١٥]، أي: قصدًا بليغًا، وسمي بعض الرسل أولي العزم، لتأكيد قصدهم في طلب الحق (^١).\nوفي اصطلاح الفقهاء:\nالرخصة، قال الغزالي: عبارة عما وُسِّعَ للمكلف في فعله لعذر، وعجز عنه مع قيام السبب المحرم (^٢).\nوقال في شرح المجلة: هي الأحكام التي ثبتت مشروعيتها بناء على الأعذار مع قيام الدليل المحرم توسعًا في الضيق (^٣).\nوقيل: الرخصة ما شرع على وجه التسهيل والتخفيف (^٤).\nوقيل: حكم شرعي سهل، انتقل إليه من حكم شرعي صعب لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي (^٥).\nوأما العزيمة: فقيل: هو الحكم الأصلي السالم موجبه عن المعارض (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) لسان العرب (٧/ ٤٠) و(١٢/ ٤٠١) مختار الصحاح (ص: ١٠١، ١٨١).\n(^٢) المستصفى (ص: ٧٨).\n(^٣) درر الحكام شرح مجلة الأحكام (١/ ٣٥).\n(^٤) الفواكه الدواني (١/ ١٦١).\n(^٥) الخرشي (١/ ١٧٦).\n(^٦) البحر المحيط (٢/ ٢٩ - ٣٠)، وكذا قال في شرح الكوكب المنير (ص: ١٤٩)، فقد عرف العزيمة بقوله: «حكم ثاب بدليل شرعي خال عن معارض راجح».","vol":"5","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2105>المبحث الثاني في تردد التيمم بين الرخصة والعزيمة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• العصيان هل ينافي الترخص أم لا؟\n• الرخصة هل هي من باب الإعانة، والعاصي لا يحل أن يعان أم هي تخفيف عام فتتناوله؟\n• النصوص في الرخص مطلقة، تشمل المطيع والعاصي كقوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) ولا يقيد النصوص الشرعية إلا نص أو إجماع.\n• سفر المعصية إنما يؤثر في رخصة تختص بالسفر كقصر الصلاة، وأما الرخصة التي تكون فيه وفي الحضر كالتيمم، فلا أثر للعصيان بالسفر فيها.\nوقيل:\n• المعاصي لا تكون أسبابًا للترخص فمن عصى بسفره لم يقصر ولم يفطر، وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمنع إجماعًا، فيجوز لأفسق الناس وأعصاهم التيمم عند عدم الماء، وكذلك الفطر إذا أضر به الصوم (^١).\n_________\n(^١) الفروق (٢/ ٣٣).","vol":"5","page":32},{"text":"[م-٣٩٦] اختلف العلماء في التيمم، هل هو رخصة أو عزيمة؟\nفقيل: رخصة، وهو مذهب الجمهور (^١)، وأومأ إليه ابن القيم ﵀ (^٢).\nوقيل: عزيمة، وهو قول في مذهب الشافعية (^٣)،\nوالمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: عزيمة عند عدم الماء، رخصة في حق المريض إذا تيمم مع وجود الماء، أو مع بُعْدِه، أو بيعه بأكثر من ثمنه، وهو قول في مذهب المالكية (^٥)، وقول في مذهب الشافعية (^٦).\n• سبب الخلاف في التيمم، هل هو عزيمة أو رخصة؟\nأن بعض العلماء لا يرى أن الرخصة تكون في الواجبات، والتيمم واجب عند\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: تبيين الحقائق (١/ ٣٧)، فتح القدير (١/ ١٢٣)، البحر الرائق (١/ ١٤٦).\nوفي مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٢)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٧٩).\nوفي مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (٢/ ٢٣٨): «وهو -يعني: التيمم- رخصة وفضيلة، اختصت بها هذه الأمة». وانظر نهاية المحتاج (١/ ٢٦٣).\n(^٢) قال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٣٠١): «وأما كون تيمم الجنب كتيمم المحدث، فلما سقط مسح الرأس والرجلين بالتراب عن المحدث، سقط مسح البدن كله بالتراب بطريق الأولى؛ إذ في ذلك من المشقة والحرج والعسر ما يناقض رخصة التيمم».\n(^٣) قال في المنثور في القواعد (٢/ ١٦٥): «ومنه التيمم لفقد الماء أو للخوف من استعماله إذا جعلناه رخصة، وهو ما أورده الإمام والرافعي.\nوالثاني: أنه عزيمة، وهو ما أورده البندنيجي. والثالث: التفصيل بين التيمم لعدم الماء فعزيمة، أو للمريض أو بعد الماء عنه، أو بيعه بأكثر من الثمن فرخصة، وهو ما أورده الغزالي في المستصفى ...».\n(^٤) المغني (١/ ٥٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٦٢).\n(^٥) مواهب الجليل (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٢)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٧٩) ..\n(^٦) انظر المنثور في القواعد (٢/ ١٦٥).","vol":"5","page":33},{"text":"عدم الماء، أو العجز عن استعماله، فلا يلحق بالرخص، وبعض العلماء لا يرى مانعًا من إلحاقه بالرخص وإن كان واجبًا؛ لأن الرخصة عنده تنقسم إلى واجب ومندوب ومباح (^١).\nفإن قيل: كيف يكون الشيء واجبًا، ويكون رخصة؟\nقيل: أكل الميتة للمضطر واجب لإنقاذ نفسه من الهلكة، فهو من حيث وجوب الأكل عزيمة، ومن حيث إسقاط العقاب والعفو عن الفعل هو رخصة (^٢).\nومثله دفع الغصة بالخمر إذا خاف على نفسه، فهو واجب، ورخصة أيضًا (^٣).\nوذكر بعضهم ثمرة الخلاف في هذه المسألة، في تيمم العاصي بسفره، فعلى أنه عزيمة، يتيمم، ولو كان عاصيًا، وعلى أنه رخصة، لا يتيمم (^٤).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٢/ ٣٤)، ومواهب الجليل (١/ ٣٢٦) الأشباه والنظائر (ص: ٨٢).\n(^٢) اختلف العلماء في أكل الميتة للمضطر:\nفمنهم من يرى أن أكل الميتة عزيمة لا رخصة؛ لوجوب الأكل؛ وذلك لأنه سبب لإحياء النفس، وما كان كذلك فهو واجب، ولقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥] اختاره من الشافعية إلكيا الهراسي.\nومنهم من يرى أن أكل الميتة من الرخص الواجبة، وهذا مذهب الشافعية، انظر المجموع (٤/ ٢٢٠)، والبحر المحيط (٢/ ٣٤)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٨٢)، شرح الكوكب المنير (ص: ١٥٠).\nومنهم من يرى أن أكل الميتة للمضطر جائز، وليس بواجب، بناء على أن القول بالوجوب يتنافى مع الترخيص، فلا يأثم بالامتناع عن أكلها، مثله مثل لو أخذ بالعزيمة، وامتنع عن قول كلمة الكفر\nوإذا أكل، فقيل: ترتفع الحرمة في هذه الحال، فيصير أكلها مباحًا.\nوقيل: يبقى التحريم، ويرتفع الإثم فقط، لقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة: ١٧٣] فنفى الإثم فقط، وإلى هذا ذهب أبو يوسف من الحنفية، انظر التقرير والتحرير (٢/ ١٥١)، والموسوعة الكويتية (٢٢/ ١٥٥).\n(^٣) انظر المستصفى للغزالي (ص: ٧٩).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٣٢٦)، وانظر الفتاوى الفقهية الكبرى للرملي (١/ ٢٣٠).","vol":"5","page":34},{"text":"والحق أنه يتيمم مطلقًا، سواء كان عاصيًا بسفره أو لا، وقد بحثت هذه المسألة فيما سبق في أحكام المسح على الحائل، وذكرت أدلة الأقوال مع بيان الراجح، مع أن التيمم ليس من الرخص الخاصة بالسفر على القول بأنه رخصة؛ لأن القائلين بمنع العاصي من الرخص في السفر خصوا ذلك بالرخص الخاصة بالسفر، كالقصر والفطر في رمضان، فإنها من رخص السفر خاصة، والله أعلم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2106> دليل من قال: التيمم رخصة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2107>الدليل الأول:</span>\n(٩٣١ - ٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،\nعن عمار بن ياسر أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليهم الرخصة في المسح بالصعدات، فدخل عليها أبو بكر، فقال: إنك لمباركة، لقد نزل علينا فيك رخصة، فضربنا بأيدينا لوجوهنا، وضربنا بأيدينا ضربة إلى المناكب والآباط.\n[الحديث مضطرب الإسناد منكر المتن] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فنزلت عليهم الرخصة في المسح) وقول أبي بكر: (لقد نزل علينا فيك رخصة).\n_________\n(^١) قال في الشرح الكبير (١/ ١٤٣): «وضابط الراجح: أن كل رخصة جازت في الحضر كمسح خف، وتيمم، وأكل ميتة، فتفعل وإن من عاص بالسفر، وكل رخصة تختص بالسفر كقصر الصلاة وفطر رمضان فشرطه أن لا يكون عاصيًا به».\n(^٢) المسند (٤/ ٣٢٠)، انظر تخريجه في الصفحة التالية.","vol":"5","page":35},{"text":"• ويُجاب عن ذلك:\nأولًا: الحديث قد اختلف فيه على الزهري سندًا ولفظًا (^١).\n_________\n(^١) الحديث اختلف فيه على الزهري، فروي عنه من ثلاثة أوجه:\nفقيل: عن الزهري، عن عبيد الله، عن عمار.\nوقيل: عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار.\nوقيل: عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمار.\nالوجه الأول: الزهري، عن عبيد الله، عن عمار بن ياسر.\nوعبيد الله بن عبد الله لم يدرك عمارًا ﵁، انظر تحفة التحصيل (٢١٨).\nوقد رواه عن الزهري كل من: ابن أبي ذئب، ويونس، ومعمر، والليث بن سعد، وعقيل، وإليك تفصيل مروياتهم.\nفرواه ابن أبي ذئب، واختلف عليه فيه:\nفرواه الطيالسي في مسنده (٦٣٧) ومن طريقه رواه البيهقي (١/ ٢٠٨)، وأبو يعلى في مسنده (١٦٣٣).\nوحجاج بن محمد كما في مسند أحمد (٤/ ٣٢٠).\nكلاهما رواه عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله، عن عمار بذكر ضربتين للتيمم، والمسح إلى المناكب والآباط.\nوخالفهما يزيد بن هارون، فأخرجه الطحاوي (١/ ١١١)، والشاشي في مسنده (١٠٤٠) من طريقه، عن ابن أبي ذئب به، ولم يذكر ضربتين، وفيه: فقام المسلمون فضربوا بأيديهم إلى الأرض، فمسحوا بها وجوههم، وظاهر أيديهم إلى المناكب، وباطنها إلى الآباط.\nورواه يونس بن يزيد، واختلف عليه فيه:\nفرواه عثمان بن عمر كما في مسند أحمد (٤/ ٣٢١) ومسند الروياني (١٣٤٤)، وفي الشريعة للآجري (١٩٠٢)، عن يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عمار بن ياسر كان يحدث أن الرخصة التي أنزل الله ﷿ في الصعيد، فذكر الحديث، إلا أنه قال: أنهم ضربوا أكفهم في الصعيد فمسحوا به وجوهم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا فمسحوا أيديهم إلى المناكب والآباط.\nورواه عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد، واختلف على عبد الله بن وهب:\nفرواه ابن ماجه (٥٧١) حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح المصري، قال: حدثنا عبد الله ابن وهب، قال: أنبأنا يونس بن يزيد به، ولفظه عن عمار بن ياسر حين تيمموا مع رسول الله ﷺ، فأمر المسلمين فضربوا بأكفهم التراب، ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم. =","vol":"5","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهنا لم يذكر المناكب والآباط وذكر أن هذا كان بأمر النبي ﷺ.\nورواه أبو داود (٣١٨) عن أحمد بن صالح، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس به، بلفظ: أنهم تمسحوا مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم.\nورواه أبو داود (٣١٩) حدثنا سليمان بن داود المهري، وعبد الملك بن شعيب، عن ابن وهب به، ولم يذكر المناكب والآباط.\nورواه معمر، واختلف عليه في لفظه:\nفرواه عبد الرزاق (٨٢٧)، ومن طريقه أحمد (٤/ ٣٢٠)، وأبو يعلى (١٦٣٢)، وابن المنذر في الأوسط (٥٣٥) عن معمر عن الزهري به بذكر ضربتين للتيمم إلى الإبطين، كرواية يونس، ورواية ابن أبي ذئب، من طريق الطيالسي وحجاج بن محمد عنه.\nورواه الشافعي في المسند (١٦٠) ومن طريقه البيهقي في المعرفة السنن (١٥٦٦)، والحازمي في الاعتبار (ص: ٥٨) قال: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار.\nفزاد في إسناده (عبد الله بن عتبة). ومعمر مقدم في عبد الرزاق.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٨٧٩) ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٤٩) رقم ١٣٠ عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه أو غيره، قال: سقط عقد لعائشة ... فذكر نحوه، فأرسله. ومعمر متكلم في روايته عن هشام.\nفهذه ثلاث اختلافات على معمر.\nورواه الليث بن سعد، كما في مسند إسحاق (١٠٤١)، وسنن ابن ماجه (٥٦٥)، ومسند الشاشي (١٠٤١)، وذكره البيهقي في السنن (١/ ٢٠٨) عن الزهري به ولم يذكر الضربتين.\nكما رواه عقيل عن الزهري به ذكره ابن أبي حاتم في العلل (٦١).\nوعلى كل حال فهذا إسناد منقطع، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يسمع من عمار، كما ذكره المزي في تحفة الأشراف (٧/ ٤٨١).\nالوجه الثاني: الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار به، فزاد في الإسناد والد عبيد الله، رواه عن الزهري اثنان:\nالأول: مالك، كما في سنن النسائي الكبرى (٢٩٧)، وفي المجتبى (٣١٥)، ومسند الشاشي (١٠٤٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٠)، وابن حبان (١٣١٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٠٨). =","vol":"5","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثاني: أبو أويس كما في مسند أبي يعلى الموصلي (١٦٣١)، كلاهما، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، فزادا في الإسناد عبد الله بن عتبة والد عبيد الله.\nولم يذكر الضربتين، وإنما فيه: تيممنا مع رسول الله ﷺ بالتراب، فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب.\nورواه سفيان بن عيينة، واختلف عليه فيه:\nفرواه إبراهيم بن بشار كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١١)،\nومحمد بن أبي عمر العدني كما في سنن ابن ماجه (٥٦٦)، روياه عن سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار به.\nورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٨) عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن الزهري به، بإسقاط عمرو بن دينار، وهو الصواب.\nوقد وافق ابن أبي عمر جماعة على إسقاط عمرو بن دينار، منهم:\nأبو بكر بن خلاد كما في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٢٧٨).\nوالحميدي كما في مسنده (١٤٣)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٥٣٦).\nوالشافعي كما في المعرفة للبيهقي (١٥٦١).\nومحمد بن عمرو بن العباس الباهلي، كما في مسند البزار (١٤٠٣).\nوالزبير بن بكار كما في مستخرج الطوسي على جامع الترمذي (١٢٩)، كل هؤلاء رووه عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، بلا واسطة.\nفلا يمكن معارضة رواية إبراهيم بن بشار، وابن أبي عمر في إحدى روايتيه معارضة لرواية الحميدي ومن معه من أصحاب سفيان.\nوقد ذكر الحميدي قصة رواها في مسنده (١٤٣)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٣/ ٦٦)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١٣٨) تبين أن ابن عيينة روى عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن عبيد الله أن عمر أمر رجلًا أن يتوضأ من مس الإبط.\nوروى سفيان حديث التيمم عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، فدخل على بعض الرواة عن سفيان إسناد الوضوء من مس الإبط بإسناد حديث التيمم، مما يدل على أن الوهم ليس من ابن عيينة، خاصة أن رواية أصحاب سفيان وهم جماعة قد رووه عن سفيان موافقين لرواية مالك بن أنس، وأبي أويس عن الزهري، والله أعلم.\nوإنما الذي اختلف فيه على سفيان كونه مرة يرويه عن عبيد الله عن عمار، ومرة عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار.\nقال البيهقي: هذا حديث قد رواه ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، ثم سمعه من الزهري، فرواه عنه، وكان يقول أحيانًا: عن عمار، وأحيانًا يقول: عن أبيه. قال علي بن المديني: =","vol":"5","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قلت لسفيان: عن أبيه، عن عمار؟ قال: أشك في أبيه. قال علي: كان إذا حدثنا لم يجعل عن أبيه.\nولعل هذا ما جعل أبا داود يذهب إلى أن ابن عيينة يضطرب في الحديث.\nقال أبو داود على إثر حديث (٣٢٠): «شك فيه ابن عيينة، قال مرة: عن عبيد الله، عن أبيه، أو عن عبيد الله عن ابن عباس. ومرة قال: عن أبيه، ومرة قال: عن ابن عباس، اضطرب فيه ابن عيينة، وفي سماعه من الزهري».\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٨٥): «واضطرب ابن عيينة، عن الزهري في هذا الحديث في إسناده ومتنه».\nالوجه الثالث: الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمار.\nرواه محمد بن إسحاق، كما في مسند البزار (١٣٨٣، ١٣٨٤)، ومسند أبي يعلى (١٦٣٠)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١١٠).\nوصالح بن كيسان، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، وسنن أبي داود (٣٢٠)، والمجتبى من سنن النسائي (٣١٤)، وفي الكبرى (٢٩٦)، والمنتقى لابن الجارود (١٢١)، ومسند أبي يعلى (١٦٢٩)، وشرح معاني الآثار (١/ ١١٠، ١١١)، ومسند الشاشي (١٠٢٤)، وتمهيد ابن عبد البر (١٩/ ٢٧٠) كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمار إلا أن ابن إسحاق ذكر للتيمم ضربتين، وذكر صالح ضربة واحدة.\nولفظ ابن إسحاق: فضربنا ضربة باليدين بالصعيد للوجه، فمسحناه مسحة واحدة، قال: ثم ضربنا ضربة أخرى لليدين، فمسحناهما بهما إلى المنكبين ظهرًا وبطنًا.\nولفظ صالح بن كيسان فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئًا فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.\nوفي هذا الطريق أدخلوا ابن عباس واسطة بين عبيد الله وبين عمار.\nورواه أبو يعلى في مسنده (١٦٠٩، ١٦٥٢) من طريق يوسف بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري به، بذكر ضربة واحدة للتيمم، ولفظه: تيممنا مع رسول الله ﷺ فمسحنا وجوهنا وأيدينا إلى المناكب بالتراب.\nإلا أن يوسف بن خالد السمتي، متروك.\nهذا ما وقفت عليه من طرق الحديث، وهذا الاختلاف على الزهري لم يكن من صغار أصحابه، بل وقع هذا بين الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، ولم يكن هذا الاختلاف قد انفرد به واحد دونهم فيحمل على الوهم، فهذا مالك وابن عيينة ومعمر وابن أبي ذئب ويونس وعقيل والليث قد اختلفوا فيما بينهم على الزهري، وهم من أخص أصحابه، ولم يقتصر الاختلاف على إسناد الحديث، بل اختلفوا حتى في متنه، فبعضهم يذكر ضربتين للتيمم، وبعضهم يذكر ضربة واحدة، كما أن ذكر المسح إلى الآباط مخالف لرواية الصحيحين من حديث عمار ﵁، =","vol":"5","page":39},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فصفة التيمم في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وفي غيرهما ليس فيها ذكر ضربتين للتيمم، وليس فيها المسح إلى الآباط والمناكب، مما يزيد الحديث ضعفًا فأميل إلى أن الحديث مضطرب الإسناد، منكر المتن، وقد نقل الحميدي أن هذا الحديث مما ينكره الناس على الزهري.\nقال الحميدي في مسنده (١٤٣): حضرت سفيان، وسأله عنه يحيى بن سعيد القطان، فحدثه، وقال فيه: حدثنا الزهري، ثم قال: حضرت إسماعيل بن أمية أتى الزهري، فقال: يا أبا بكر إن الناس ينكرون عليك حديثين تحدث بهما، فقال: ما هما؟ قال: تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب، فقال الزهري: أخبرنا عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار. وذكر بقية الكلام.\nفقوله: إن الناس ينكرون عليك حديثين وذكر هذا من أحدهما دليل على أن غالب العلماء ممن أنكر هذا الحديث على الزهري رحمه الله تعالى.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٨٧): «أكثر الآثار المرفوعة في هذا الحديث إنما فيها ضربة واحدة للوجه واليدين، وكل ما يروى في هذا الباب عن عمار فمضطرب مختلف فيه».\nومن الأئمة السابقين من سلك مسلك الترجيح، وقد اختلفوا في الترجيح:\nفقيل: الراجح: الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (٦١): سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار، عن النبي ﷺ في التيمم.\nفقالا: هذا خطأ، رواه مالك وابن عيينة عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار، وهو الصحيح، وهما أحفظ.\nقلت: قد رواه يونس وعقيل وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار، عن النبي ﷺ، وهم أصحاب الكتب.\nفقالا: مالك صاحب كتاب، وصاحب حفظ». اهـ\nوقيل: كلاهما محفوظ: يعني: رواية عبيد الله عن ابن عباس، عن عمار.\nورواية عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، ذهب إلى هذا الإمام النسائي ﵀.\nقال النسائي في السنن الكبرى (١/ ١٩١) بعد أن ذكر الطريقين: قال: «كلاهما محفوظ». ولم يذكر الإمام النسائي ﵀ الطريق المنقطع: أعني طريق عبيد الله، عن عمار مباشرة بلا واسطة، والله أعلم بالصواب.\nفإن كان السبيل الترجيح بين اختيارات هؤلاء الأئمة، فينبغي أن يراعى في الترجيح المتن أيضًا، وليس الإسناد:\nفإما أن يرجح في اللفظ الضربة الواحدة على الضربتين، لاتفاقهما مع حديث عمار في الصحيحين، وإما أن يقال: إن الضربتين كانت باجتهاد من الصحابة، ولم يأمرهم بها النبي ﷺ، وتكون هذه =","vol":"5","page":40},{"text":"ثانيًا: قد يكون المقصود بالرخصة هنا المعنى اللغوي، وهو التسهيل والتيسير، وليس المقصود به المعنى الاصطلاحي، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2108>الدليل الثاني:</span>\n(٩٣٢ - ٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء،\nعن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك موسى- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (^١).\n[ضعيف، وزيادة ويعصر أو يعصب ثم يمسح عليها زيادة منكرة] (^٢).\n_________\n= الصفة مرجوحة لمخالفتها الصفة الصحيحة المرفوعة.\nهذا من جهة اللفظ، ومن جهة الإسناد، فإن طريق صالح بن كيسان، وابن إسحاق بزيادة ابن عباس زيادة شاذة، لا تقارن بإسناد الإمام مالك وابن عيينة في رواية الجماعة عنه، وأبي أويس، وتبقى المقارنة بين طريق ابن أبي ذئب، وعقيل، ويونس، عن الزهري، عن عبيد الله عن عمار.\nوبين طريق مالك وابن عيينة وأبي أويس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار.\nوالأول منقطع، والثاني متصل، فهل نقول: إن الإسناد المنقطع يعل الإسناد المتصل، أو يقال: إن مالكًا وابن عيينة مقدمان على غيرهما، فيه تأمل، والله أعلم.\nانظر بعض طرق هذا الحديث في إتحاف المهرة (١٤٩٣٨)، أطراف المسند (٥/ ١٠)، تحفة الأشراف (١٠٣٥٧).\n(^١) سنن أبي داود (٣٣٦).\n(^٢) سبق تخريجه في المجلد الثالث، انظر ح: (٦٧٠).","vol":"5","page":41},{"text":"وجه الاستدلال:\nأنه سألهم: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فاعتبر التيمم رخصة، وقد أنكر عليهم الرسول ﷺ صنيعهم مما يدل على أن التيمم رخصة.\nوهذا الحديث لا حجة فيه كما قلت لضعفه، ولو صح فليس فيه دليل على كون التيمم رخصة بالمفهوم الاصطلاحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2109>الدليل الثالث:</span>\nأن مسمى الرخصة الاصطلاحي ينطبق على التيمم، وذلك أن الحكم الأصلي، وهو وجوب الغسل، سقط هذا الحكم لحكم آخر أخف منه وذلك عند العجز عن الماء سواء كان العجز حسيًا لفقد الماء، أو عجزًا شرعيًا كما لو خاف على نفسه من الضرر من استعماله مع وجوده لمعارض راجح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2110> دليل من قال: التيمم عزيمة، وليس برخصة:</span>\nقالوا: التيمم عند فقد الماء لا يمكن تسميته رخصة، بخلاف المكره على الكفر، فإن للمكره أن يمتنع عن قول الكفر والأخذ بالعزيمة، وله الأخذ بالرخصة في إظهار الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، ومثله الفطر للمسافر في نهار رمضان، فإن له الأخذ بالعزيمة، وله الأخذ بالرخصة من الفطر، هذا هو حقيقة الرخصة، وأما التيمم فإنه لا يشرع مع القدرة على وجود الماء، ويجب عند فقد الماء، فهو بمنزلة الإطعام عند فقد الرقبة، وذلك ليس برخصة، بل وجبت الرقبة في حال، والإطعام في حال، فكذلك الوضوء وجب في حال، ووجب التيمم في حال أخرى، بخلاف المسح على الخفين، فله أن يمسح، وله أن يخلع الخف، ويغسل رجله، ولذلك قالوا في مسح الجبيرة عزيمة، وليس برخصة؛ لأنه لا مندوحة عنه، فيجب المسح عندهم عند العجز عن الغسل.","vol":"5","page":42},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2111> دليل من فرق بين التيمم لفقد الماء وبين التيمم لبيعه بأكثر من ثمنه</span>.\nقالوا: التيمم عند فقد الماء لا يمكن أن يقال له رخصة؛ لما سبق ذكره من أدلة القول السابق، ولكن التيمم عند بيع الماء بأكثر من ثمن المثل، فإنه يصح أن يقال له رخصة؛ لأن له شراء الماء والوضوء به (^١)، ويباح له التيمم في هذه الحالة عند بعض أهل العلم، وسوف يأتي ذكر خلاف أهل العلم في هذه المسألة (^٢).\n• الراجح من الخلاف:\nما دمنا قد رجحنا أن العاصي بسفره وغيره سواء في الترخص لم يكن للخلاف في هذه المسألة ثمرة كبيرة، وإطلاق الرخصة على التيمم إن كان ذلك من قبيل الإطلاق اللغوي، وهو أن مشروعية التيمم من التيسير والتسهيل على المكلف فلا حرج، بل قد يطلق الترخيص على أمر لم يرد فيه منع، كما أبيح لنا شحوم البقر والغنم، وكانت محرمة على غيرنا، فيجوز أن نقول: إن ذلك رخصة في حقنا، ومن رفع الحرج عن هذه الأمة، وإن لم يرد فيه منع أصلًا في شرعنا، وإن كان المقصود بالرخصة هو الاصطلاح الفقهي، فالذي أميل إليه أنه لا يسمى التيمم رخصة إلا في الحال الذي يكون التيمم مباحًا، وليس واجبًا، كما لو كان الماء يبعد مسافة كبيرة، فله أن يتيمم، وله أن يؤخر الصلاة ويطلب الماء ما دام أنه يجده قبل خروج الوقت، وهذا المثال أفضل من مثال شراء الماء بأكثر من ثمن المثل، فإن في هذا خلافًا بين أهل العلم، هل يصح له التيمم، أو يجب عليه الشراء ما دام أن الثمن لا يضره، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ٢٢٠).\n(^٢) انظر البحر المحيط (٢/ ٣٥).","vol":"5","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2112>الفصل الثاني\nطهارة التيمم ترفع الحدث</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المقصود برفع الحدث: أي رفع المانع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.\n• لما كان وجود الماء يبطل طهارة التيمم، وليس وجود الماء حدثًا بذاته حملهم ذلك على القول بأن التيمم مبيح للعبادة، لا رافع للحدث؛ إذ لو أنه كان رافعًا للمانع كيف يعود إلى البدن بعد رفعه، وقيل: إنه رفع مؤقت إلى حين وجود الماء.\n• كل ما يستباح بالماء يستباح بالصعيد، إلا وطء الحائض، ومسح الخف (^١).\n[م-٣٩٧] اختلف العلماء في التيمم، هل يقوم مقام الماء في رفع الحدث، فيكون الإنسان متطهرًا به، أو أنه يبيح له فعل الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة مع قيام الحدث.\nفقيل: التيمم لا يرفع الحدث، وهو المشهور عن الإمام مالك ﵀ (^٢)،\n_________\n(^١) انظر الكليات الفقهية للمقري (ص ٨٢).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ١٠٩)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٥٦)، مواهب الجليل (١/ ٣٤٣)، الخرشي (١/ ١٩١)، الذخيرة (١/ ٣٦٥).","vol":"5","page":44},{"text":"والقول الجديد للشافعي (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: بل يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، وهو مذهب الحنفية (^٣)، وأحد القولين في مذهب المالكية (^٤)، ورجحه ابن تيمية من الحنابلة (^٥).\n• ثمرة الخلاف بين القولين:\nهناك خلاف بين القولين نظري، وعملي:\nأما النظري فخلافهم: هل التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى حين القدرة على استعمال الماء، أو أن الحدث قائم، ولكن تصح الصلاة مع وجود الحدث المانع؟\nوأما الخلاف العملي، فقد اختلفوا بناء على اختلافهم في هذه المسألة في مسائل منها:\nهل يقوم التيمم مقام الماء، فيتيمم قبل الوقت، كما يتوضأ قبل الوقت، ويصلي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلي بالماء؟\nوهل خروج الوقت مبطل للتيمم، أو يكون بمنزلة الماء؟\nوهل يصح وطء الحائض إذا طهرت من الحيض به؟\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ١٠٩)، والمهذب المطبوع مع المجموع (٢/ ١١٣) والمجموع (٢/ ٣٢٨)، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٦٦).\n(^٢) المغني (١/ ٧٨، ١٥٨)، كشاف القناع (١/ ١٧٥).\n(^٣) جاء في بدائع الصنائع (١/ ٥٥): «قال أصحابنا: إن التيمم بدل مطلق، وليس ببدل ضروري، وعنوا به: أن الحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤادة، لا أنه يباح له الصلاة مع قيام الحدث، وقال الشافعي: التيمم بدل ضروري، وعنى به أن يباح له الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة كطهارة المستحاضة».\n(^٤) اختاره من المالكية ابن العربي والمازري والقرافي والقرطبي، انظر في هذا الذخيرة للقرافي (١/ ٣٦٥) ومواهب الجليل (١/ ٣٤٨)، الخرشي (١/ ١٩١)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٥٥)، أنواع البروق في أنواع الفروق (١/ ١٤٣).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٥٢).","vol":"5","page":45},{"text":"وهل يلبس الخفان في طهارة التيمم؟\nوهل تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ؟\nفهذه مسائل خمسة اختلف فيها الفقهاء بناء على اختلافهم في التيمم هل يرفع الحدث، أو يبيح فعل المأمور، والحدث قائم (^١).\nوإن كانت المسألة الأخيرة: أعني إمامة المتيمم للمتوضئ قال بها بعض الأئمة الذين يرون أن التيمم لا يرفع الحدث، وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة بخصوصها إن شاء الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2113> دليل من قال: التيمم لا يرفع الحدث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2114>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إذا كان التيمم لا يرفع الحدث مع وجود الماء، لم يرفعه مع عدمه كسائر المائعات (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2115>الدليل الثاني:</span>\n(٩٣٣ - ١٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان،\nعن أبي ذر أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^٣).\n[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (^٤).\n_________\n(^١) الذخيرة للقرافي (١/ ٣٦٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٥٥).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ١٠٩).\n(^٣) المصنف (٩١٣).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر المجلد الأول ح (٣١).","vol":"5","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2116>الدليل الثالث:</span>\n(٩٣٤ - ١١) ما رواه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه:\nفلما انفتل ﷺ من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك.\nوفي آخر الحديث حين وجد ﵊ الماء أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، وقال: اذهب فأفرغه عليك (^١).\nوجه الاستدلال من الحديثين السابقين:\nلو كان الحدث يرتفع بالتيمم لما عاد إليه حدثه إذا وجد الماء، فلو كانت الجنابة قد ارتفعت بالتيمم كيف تعود الجنابة بوجود الماء، مع أنه لم يوجد ما يوجب تجدد الجنابة، ولذلك لما كان الماء رافعًا للحدث لم يرجع الحدث إلا بتجدد حدث آخر، وهذا دليل على أن الحدث أصلًا لم يرتفع، وإنما أبيح فعل المأمور مع بقاء الحدث.\n• ويُجاب:\nكون الحكم يكون ثابتًا إلى غاية أو غايات كثيرة غير ممنوع شرعًا، فالتيمم يرفع الحدث إلى غايات منها: طريان الحدث، ومنها وجود الماء، ألا ترى أن الأجنبية ممنوعة محرمة، والعقد عليها رافع لهذا المنع إلى غايات منها: الطلاق، وثانيها الحيض، وثالثها الصوم، ورابعها: الإحرام، وخامسها الظهار (^٢)، فما المانع أن يكون الحدث مرتفعًا إلى حين وجود الماء، خاصة أن التيمم بدل عن الماء فهو مطهر ما دام الماء مفقودًا، كما أن الملتقط يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها، وكان ملك الملتقط ملكًا مؤقتًا إلى ظهور المالك، فإنه كان بدلًا عن المالك، فإذا جاء صاحبها خرجت عن ملك الملتقط إلى\n_________\n(^١) البخاري (٣٤٤).\n(^٢) انظر أنواع البروق في أنواع الفروق (٢/ ١٤٣).","vol":"5","page":47},{"text":"ملك صاحبها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2117>الدليل الرابع:</span>\n(٩٣٥ - ١٢) ما رواه أحمد في مسنده، قال: حدثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن ابن جبير،\nعن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: ٢٩]، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئًا (^٢).\n[منقطع، وروي مرسلًا] (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٣٧).\n(^٢) المسند (٤/ ٢٠٣).\n(^٣) اختلف فيه على عبد الرحمن بن جبير:\nفقيل: عنه عن عمرو بن العاص. وعبد الرحمن بن جبير لم يسمع من عمرو بن العاص.\nوقيل: عنه، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص كان على سرية فذكر الحديث ... وذكر الوضوء بدلًا من التيمم، وهذا مرسل.\nأما الطريق الأول: عبيد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص:\nفرواه ابن لهيعة، واختلف عليه فيه:\nفرواه حسن بن موسى، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٠٣).\nوعبد الله بن عبد الحكم كما في فتوح مصر (ص: ٢٧٧)، وتغليق التعليق (٢/ ١٨٩)، كلاهما عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص. بذكر التيمم بدلًا عن الغسل. =","vol":"5","page":48},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه معاذ بن فضالة، كما في تفسير ابن أبي حاتم (٥١٨٧).\nوأبو الأسود النضر بن عبد الجبار كما في مشكل الآثار كلاهما عن ابن لهيعة به، فوافقا حسن بن موسى في إسناده، وخالفاه في لفظه، فذكرا الاقتصار على الوضوء بدلًا من التيمم، ولم يذكرا غسل المغابن.\nورواه معلى بن منصور كما في الناسخ والمنسوخ لابن شاهين (١٣٧)، قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير أن النبي ﷺ أمَّر عمر بن العاص على جيش .... فذكر التيمم بدلًا من الوضوء، وأرسله.\nورواه زيد بن الحباب كما في فتوح مصر لابن عبد الحكم (ص: ٢٧٧) عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي فراس يزيد بن رباح مولى عمرو، عن عمرو بن العاص.\nفزاد في إسناده بين عبد الرحمن بن جبير، وبين عمرو بن العاص أبا فراس يزيد بن رباح.\nوأظن أن أرجح الطرق طريق حسن بن موسى وعبد الله بن عبد الحكم، عن ابن لهيعة.\nوتابع ابن لهيعة على هذا الطريق يحيى بن أيوب كما في سنن أبي داود (٣٣٤)، والدارقطني (١/ ١٧٨)، ومستدرك الحاكم (١/ ١٧٧، ١٧٨)، والبيهقي (١/ ٢٢٥) فرواه عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص. بذكر التيمم بدلًا عن الغسل، كرواية حسن بن موسى عن ابن لهيعة.\nورواه أبو داود (٣٣٥) من طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس، مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص كان على سرية ... وذكر الحديث، وذكر غسل المغابن، والوضوء، ولم يذكر التيمم.\nوسيأتي الحديث على هذا الطريق عند الكلام على طريق عمرو بن الحارث.\nفتبين من هذه الطرق ما يلي:\nالأول: الاختلاف فيه على ابن لهيعة اختلافًا كثيرًا مع ضعفه، وما انفرد فيه ابن لهيعة فهو فسبيله الرد، وما وافق فيه يحيى بن أيوب فإنه يتقوى بالمتابعة، كرواية الحسن بن موسى، وعبد الله بن عبد الحكم، عن ابن لهيعة.\nالثاني: الاتفاق في جميع طرق ابن لهيعة على ترك الاغتسال من أجل البرد، والاختلاف في البدل عن الغسل، هل كان التيمم، أو كان الوضوء، وبعضها ذكر غسل المغابن مع الوضوء كالرواية المقرونة مع عمرو بن الحارث.\nالثالث: أن علة طريق ابن لهيعة إما الإرسال كرواية ابن وهب عن عمرو بن الحارث وابن لهيعة، وسيأتي مزيد تخريج لهذا الطريق إن شاء الله تعالى وإما الانقطاع، حيث لم يسمع عبد الرحمن بن =","vol":"5","page":49},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جبير من عمرو بن العاص.\nقال أحمد بن حنبل ﵀ كما في شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٧٩): «ليس إسناده بمتصل».\nوقال ابن حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٢٢١) عن عبد الرحمن بن جبير: «أدرك عمرو بن العاص، وسمع من عبد الله بن عمرو». اهـ\nفهنا ابن أبي حاتم نص على إدراكه لعمرو، وخص السماع بعبد الله بن عمرو، خاصة أن الحديث قد روي بذكر واسطة بين عبد الرحمن بن جبير المصري، وبين عمرو بن العاص تارة بزيادة أبي قيس مولى عمرو بن العاص كما سيأتي بيانه في التخريج، وتارة بزيادة أبي فراس يزيد بن رباح، وتارة بالوصل وتارة بالإرسال.\nوقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٨٠): «هذا مرسل، لم يسمعه عبد الرحمن بن جبير من عمرو ابن العاص، والذي روي عن عمرو بن العاص في هذه القصة متصلًا ليس فيه ذكر التيمم».\nوذكره البخاري تعليقًا بصيغة التمريض في باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم، قال البخاري: ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم، وتلا: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فذكر للنبي ﷺ فلم يعنف.\nالطريق الثاني: عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص مرسلًا.\nأخرجه أبو داود (٣٣٥) حدثنا محمد بن سلمة المرادي، أخبرنا ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو ابن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن\nأبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص كان على سرية وذكر الحديث نحوه، قال: فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم، فذكر نحوه ... ولم يذكر التيمم.\nوكل من رواه عن ابن لهيعة وحده لم يذكروا في إسناده أبا قيس مولى عمرو بن العاص، والله أعلم.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٧٩) من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عمي (ابن وهب) عن عمرو بن الحارث وحده به.\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٧٧) وعنه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٦) من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم، أنبأ ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث ورجل آخر، عن يزيد بن أبي حبيب به.\nقال البيهقي: ورجل آخر أظنه ابن لهيعة، بذكر الوضوء، وغسل المغابن، دون ذكر التيمم.\nقال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٢٧٩): «وظاهرها الإرسال». يقصد أنه لم يقل: عن عمرو بن العاص، وإنما قال: أن عمرو بن العاص، وهو لم يشهد الواقعة.\nورواه حرملة بن يحيى، واختلف عليه فيه: =","vol":"5","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأخرجه ابن حبان (١٣١٥)، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سلم،\nوابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٦/ ١٤٨) من طريق محمد بن الحسن بن قتيبة، كلاهما عن حرملة بن يحيى، حدثني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث به.\nوخالفهما أحمد بن داود كما في الأوسط لابن المنذر (٥٢٨)، قال: حدثنا حرمله به إلا أنه ذكر التيمم، ولم يذكر غسل المغابن ولا الوضوء، ولعله اختلط عليه رواية عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص، برواية عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس أن عمرو بن العاص ... إلخ. إلا أن أحمد بن داود وثقه الحاكم، وقال الدارقطني: متروك كذاب.\nقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٥٤): «وإسناده قوي، لكن علقه بصيغة التمريض؛ لكونه اختصره ....» إلخ كلامه.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٧٨) عن ابن جريج، أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص أنه أصابته جنابة، وهو أمير الجيش، فترك الغسل من أجل آية، قال: إن اغتسلت مت، فصلى بمن معه جنبًا، فلما قدم على النبي ﷺ عرفه بما فعل، وأنبأه بعذره، فسكت.\nوأورده الهيثمي في المجمع (١/ ٢٦٣)، وقال: «رواه الطبراني في الكبير، وقال: وفيه\nأبو بكر بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، ولم أجد من ذكره».\nوقال ابن حجر تغليق التعليق (٢/ ١٩١): هذا إسناد جيد، لكني لم أعرف حال إبراهيم هذا.\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٢٧٩): «روى أبو إسحاق الفزاري في كتاب السير للأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال: بعث النبي ﷺ بعثًا، وأمَّر عليهم عمرو بن العاص، فلما أقبلوا سألهم عنه، فأثنوا عليه خيرًا إلا أنه صلى بنا جنبًا .. وذكر نحو الحديث. قال ابن رجب: وهذا مرسل، وقد ذكره أبو داود في سننه تعليقًا مختصرًا، وذكر فيه أنه تيمم».\nهذا ما وقفت عليه من طرق الحديث، والترجيح بين رواية منقطعة: (عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص) بذكر التيمم. وبين رواية مرسلة (عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي قيس، أن عمرو بن العاص كان على سرية ...) بذكر الاقتصار على الوضوء وغسل المغابن، وكلاهما المنقطع والمرسل ضعيف لا حجة فيه.\nوالرواية المنقطعة جاءت من طريق جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، وتابعه عليها ابن لهيعة في بعض طرقه.\nوالرواية المرسلة جاءت من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، ولا شك أن عمرو بن الحارث أرجح من يحيى بن أيوب، وإن تابعه ابن لهيعة في بعض طرقه، إلا أن ابن لهيعة قد اختلف عليه اختلافًا كثيرًا. =","vol":"5","page":51},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (صليت بأصحابك وأنت جنب) فدل على أن التيمم لم يرفع الجنابة، ولو كان التيمم يرفع الجنابة لم يكن عمرو بن العاص ﵁ صلى، وهو جنب، بل صلى وقد ارتفع حدثه.\n• ويُجاب:\nبأن الرسول ﷺ حين قال له ذلك قاله مستفهمًا؛ لأنه معلوم أن من تيمم مع وجود الماء، وبلا عذر، فإن حدثه لا يرتفع إجماعًا، وأن التيمم إنما يرفع الحدث بشرطه، وهو عدم الماء، أو الخوف من استعماله لمرض ونحوه، وحين أخبره عمرو بن العاص ﵁ بعذره، أقره عليه، وعلم الرسول ﷺ أنه لم يصل، وهو جنب، فكيف لا يكون إقرار النبي ﷺ بعد اطلاعه على عذره دليلًا على أن حدثه قد ارتفع.\nيقول ابن تيمية ﵀: «قوله: (أصليت بأصحابك وأنت جنب) استفهام، أي: هل فعلت ذلك؟ فأخبره عمرو ﵁ أنه لم يفعله، بل تيمم لخوفه أن يقتله البرد، فسكت عنه، وضحك، ولم يقل شيئًا.\nفإن قيل: إن هذا إنكار عليه أنه صلى مع الجنابة، فإنه يدل على أن الصلاة مع الجنابة لا تجوز، فإنه ﷺ لم ينكر ما هو منكر، فلما أخبره أنه صلى بالتيمم دل على أنه لم يصل وهو جنب.\nفالحديث حجة على من جعل المتيمم جنبًا ومحدثًا، والله يقول: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) فلم يجز الله له الصلاة حتى يتطهر، والمتيمم قد تطهر بنص الكتاب\n_________\n= قال الحاكم: «حديث جرير بن حازم هذا لا يعل حديث عمرو بن الحارث الذي وصله بذكر أبي قيس، فإن أهل مصر أعرف بحديثهم من أهل البصرة».\nقلت: لعل المقصود بأن عمرو بن الحارث وصله من الانقطاع، ولكنه يبقى مرسلًا.\nوانظر لمراجعة طرق الحديث: إتحاف المهرة (١٥٩٥٦)، أطراف المسند (٥/ ١٣٨)، تحفة الأشراف (١٠٧٥٠).","vol":"5","page":52},{"text":"والسنة، فكيف يكون جنبًا غير متطهر؟ لكنها طهارة بدل، فإذا قدر على الماء بطلت هذه الطهارة، وتطهر بالماء حينئذ؛ لأن البول المتقدم جعله محدثًا، والصعيد جعله مطهرًا إلى أن يجد الماء، فإن وجد الماء فهو محدث بالسبب المتقدم، لا أن الحدث كان مستمرًا» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2118> دليل من قال: إن التيمم يرفع الحدث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2119>الدليل الأول:</span>\nمن الكتاب قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ نص على أنه شرع لنا الوضوء والغسل والتيمم لغايتين:\nالأمر الأول: رفع الحرج عن هذه الأمة.\nوالأمر الثاني: إرادة التطهير، فدل على أن التيمم مطهر لنا بنص الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2120>الدليل الثاني:</span>\n(٩٣٦ - ١٣) من السنة ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:\nأخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل .... الحديث، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٠٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٣٥).","vol":"5","page":53},{"text":"وجه الاستدلال:\nفإذا كان الماء طهورًا يرفع الحدث لقوله ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فكذلك التيمم يرفع الحدث لقوله ﷺ: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) فالطهور: هو ما يتطهر به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2121>الدليل الثالث:</span>\n(٩٣٧ - ١٤) ما رواه الترمذي من طريق أبي أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (^١).\n[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nوجه الاستدلال منه كالاستدلال من الحديث السابق، حيث حكم على الصعيد بأنه طهور المسلم، فكيف يكون الحدث قائمًا، ولدى المسلم طهوره من الصعيد؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2122>الدليل الرابع:</span>\n(٩٣٨ - ١٥) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب،\nعن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة (^٣).\nفالحديث نص على أن الصلاة لا تصح بدون طهور مطلقًا؛ لأن نفي القبول\n_________\n(^١) سنن الترمذي (١٢٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر المجلد الأول ح (٣١).\n(^٣) مسلم (٢٢٤).","vol":"5","page":54},{"text":"هنا نفي للصحة، وقد أطلق الطهور على الماء، كما أطلق على التيمم في حديث أبي ذر المتقدم، فإذا صحت الصلاة بالتيمم دل على أن التيمم طهور بشرطه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2123>الدليل الخامس:</span>\nقولكم: إن التيمم لا يرفع الحدث، إن كان المراد لا يرفع الأسباب الموجبة له كالريح والوطء، فكذلك الوضوء؛ لأن رفع الأسباب محال وقد وقعت، وإن كان المقصود لا يرفع الحدث لا يرفع المنع الشرعي من الإقدام على العبادة، فإن المنع قد ارتفع بالضرورة، فإن الإباحة ثابتة بالإجماع، ومع الإباحة لا منع، فهذا بيان ضروري لا محيص عنه (^١)، ولذلك قال ابن تيمية ﵀: «من قال: إن التيمم مبيح لا رافع فإن نزاعه لفظي، فإنه إن قال: إنه يبيح الصلاة مع الجنابة والحدث، وإنه ليس بطهور فهو يخالف النصوص والجنابة مُحَرِّمة للصلاة، فيمتنع أن يجتمع المبيح والمُحَرِّم على سبيل التمام؛ فإن ذلك يقتضي اجتماع الضدين، والمتيمم غير ممنوع من الصلاة، فالمنع ارتفع بالاتفاق، وحكم الجنابة المنع، فإذا قبل بوجوده (يعني الحدث) دون مقتضاها -وهو المنع- فهو نزاع لفظي» (^٢).\n• الراجح:\nبعد استعراض الأقوال نجد أن القول بأن التيمم يقوم مقام الماء في كل شيء عند فقده أقوى دليلًا؛ وذلك لأن البدل له حكم المبدل، إلا أن رفعه للحدث يكون إلى غاية وجود الأصل، وهو الماء، فإذا وجد الماء عاد إليه حدثه، ووجب عليه رفع الحدث بالماء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الذخيرة للقرافي (١/ ٣٦٥).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٠٥).","vol":"5","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2124>الفصل الثالث\nفي إمامة المتيمم للمتوضئ</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره.\n• التيمم أحد الطهورين عند فقد الماء، فطهارة المتيمم به طهارة أصلية.\n• إمامة المتيمم للمتوضئ كإمامة الماسح للغاسل.\n• كل من قام بشرط الصلاة في حقه صح الاقتداء به، فشرط الصلاة في حق المتيمم والمتوضئ موجود بكماله، فجاز بناء أحدهما على الآخر.\n[م-٣٩٨] اختلف أهل العلم في حكم إمامة المتيمم للمتوضئ:\nفقيل: يجوز من غير كراهة، وهو مذهب الحنفية (^١)، ونص عليه الإمام أحمد\n_________\n(^١) العناية شرح الهداية (١/ ٣٦٧)، البحر الرائق (١/ ٣٨٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٤٢، ٥٨٨)، بدائع الصنائع (١/ ٢٢٧)، الفتاوى الهندية (١/ ٨٤).","vol":"5","page":56},{"text":"وإسحاق (^١)، واختاره ابن حزم (^٢)، وابن تيمية (^٣).\nوقيل: يكره إمامة المتيمم للمتوضئ، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٤)، وصرح متأخرو الحنابلة بأن إمامة المتوضئ أولى (^٥).\nوبالرغم من أن المالكية والحنابلة لا يرون التيمم رافعًا للحدث إلا أنهم صححوا إمامة المتيمم بالمتوضئ (^٦).\nوقيل: لا يجوز، وهو اختيار محمد بن الحسن من الحنفية (^٧).\nوقيل: إن كان المتيمم تلزمه إعادة الصلاة فلا يجوز الاقتداء به، كما لو تيمم في الحضر لعدم الماء، وإن كانت لا تلزمه الإعادة فيجوز الاقتداء به، وهو مذهب\n_________\n(^١) جاء في كتاب المسائل للكوسج (٨٧): «قلت: يؤم المتيمم المتوضئين؟ قال: نعم، أليس\nابن عباس ﵄ أمهم؟ قال: إسحاق: كما قال: يعني: أحمد». اهـ\nوفي مسائل أبي داود (١٢٤): «سمعت أحمد سئل عن المتيمم يؤم المتوضئين؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس، واحتج بفعل ابن عباس». وانظر: المحرر (١/ ١٠٥)، الإنصاف (١/ ٢٧٦).\n(^٢) المحلى (١/ ٣٦٦) مسألة: ٢٤٨.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٦٠).\n(^٤) المدونة (١/ ٤٨)، مواهب الجليل (١/ ٣٤٨)، الخرشي (١/ ١٩١)، المعونة (١/ ١٥١)، وجاء في الموطأ (١/ ٥٥): «سئل مالك، عن رجل تيمم: أيؤم أصحابه وهم على وضوء؟ فقال: يؤمهم غيره أحب إلي، ولو أمهم هو لم أر بذلك بأسًا».\n(^٥) الإنصاف (٢/ ٢٥١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٧٢)، كشاف القناع (١/ ٤٧٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٥١).\n(^٦) قال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٢٦٦): «أكثر العلماء لم يبنوا جواز إمامته على رفع حدثه، ولهذا أجاز ذلك كثير ممن يقول: إن التيمم لا يرفع الحدث، كمالك والشافعي وأحمد، لكن الإمام أحمد ذكر أن ما فعله ابن عباس يستدل به على أن طهارة التيمم كطهارة الماء، يصلي بها ما لم يحدث، ولكن لا يختلف مذهبه في صحة ائتمام المتوضئ والمغتسل بالمتيمم، فإن المتيمم يصلي بطهارة شرعية، قائمة مقام الطهارة بالماء في الحكم، فهو كائتمام الغاسل لرجليه بالماسح لخفيه».اهـ\n(^٧) اختار محمد بن الحسن صحة إمامة المتيمم بالمتوضئ في صلاة الجنازة، وفسادها في غيرها من الصلوات، انظر البحر الرائق (١/ ٣٨٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٤٢) ..","vol":"5","page":57},{"text":"الشافعية (^١).\nوقيل: لا يؤمهم إلا أن يكون الإمام أميرًا، وهو قول الأوزاعي رحمه الله تعالى (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2125> دليل من قال: تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2126>الدليل الأول:</span>\nمن الكتاب قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ نص على أنه شرع لنا الوضوء والغسل والتيمم لغايتين: أحدهما: رفع الحرج عن هذه الأمة.\nوالأمر الثاني: إرادة التطهير، فدل على أن التيمم مطهر لنا بنص الكتاب، وإذا كان مطهرًا فلا فرق بين إمامة المتيمم وإمامة المتوضئ، فكل قد فعل ما أمر به شرعًا، وكل واحد منهما صلاته صحيحة، وإذا صحت صلاته صحت صلاة من خلفه.\nومثل الآية الكريمة الأحاديث الواردة بأن التيمم جعله الله مطهرًا لنا، كحديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... الحديث، رواه مسلم، واللفظ للبخاري (^٣).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٤/ ١٦٠): «قال أصحابنا: تجوز صلاة غاسل الرجل خلف ماسح الخف، وصلاة المتوضئ خلف متيمم لا يلزمه القضاء، بأن تيمم في السفر، أو في الحضر لمرض وجراحة ونحوها، وهذا بالاتفاق، فإن صلى خلف متيمم يلزمه القضاء كمتيمم في الحضر، ومن لم يجد ماء ولا ترابًا ..... وقلنا: تجب عليهم الإعادة، أثم، ولزمه الإعادة؛ لأن صلاة إمامه غير مجزئة، فهو كالمحدث، ولو صلى من لم يجد ماء ولا ترابًا خلف مثله لزمه الإعادة على الصحيح».\n(^٢) الأوسط (٢/ ٦٩)، شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٦٥).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٣٥).","vol":"5","page":58},{"text":"وما رواه الترمذي من حديث أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (^١).\n[سبق تخريجه] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2127>الدليل الثاني:</span>\n(٩٣٩ - ١٦) ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير،\nعن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (^٣)، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئًا (^٤).\n[منقطع، وروي مرسلًا] (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2128>الدليل الثالث:</span>\n(٩٤٠ - ١٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر،\n_________\n(^١) سنن الترمذي (١٢٤).\n(^٢) انظر ح (٣١) من المجلد الأول.\n(^٣) النساء: ٢٩.\n(^٤) المسند (٤/ ٢٠٣).\n(^٥) سبق تخريجه في هذا المجلد، انظر ح: (٩٣٥).","vol":"5","page":59},{"text":"عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس في سفر مع أناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فيهم عمار بن ياسر، فكانوا يقدمونه يصلي بهم لقرابته من رسول الله ﷺ، فصلى بهم ذات يوم، ثم التفت إليهم فضحك، فأخبرهم أنه أصاب جارية له رومية، وصلى بهم، وهو جنب، فتيمم (^١).\n[حسن، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2129> دليل من قال: لا تجوز إمامة المتيمم للمتوضئ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2130>الدليل الأول:</span>\n(٩٤١ - ١٨) ما رواه الدارقطني من طريق صالح بن بيان، عن محمد بن المنكدر،\nعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يؤم المتيمم المتوضئين (^٣).\n[ضعيف جدًا] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2131>الدليل الثاني:</span>\n(٩٤٢ - ١٩) ما رواه ابن المنذر من طريق زيد بن الحباب، أخبرني معاوية بن\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٩٣) رقم: ١٠٣٦.\n(^٢) انظر تخريجه ح: (٩٥٥).\nوقد جاء في مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٧٩): «قلت الرجل يجامع أهله في السفر، وليس معه ماء؟ قال: لا أكره ذلك، قد فعل ذلك ابن عباس.\nفهنا جزم الإمام أحمد رحمه الله تعالى بثبوت ذلك عن ابن عباس ﵄.\nوقال الحافظ في الفتح: وصله ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما، وإسناده صحيح.\n(^٣) الدارقطني (١/ ١٨٥)، ومن طريق الدارقطني أخرجه البيهقي في السنن (١/ ٢٣٤)، وانظر إتحاف المهرة (٣٦٩٢).\n(^٤) في إسناده صالح بن بيان، قال الدارقطني: متروك. تاريخ بغداد (٩/ ٣١٠).\nوقال الخطيب: كان ضعيفًا، يروي المناكير عن الشيوخ الثقات. المرجع السابق.\nوقال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم، ويحدث بالمناكير عمن لم يحتمل. الضعفاء الكبير (٢/ ٢٠٠).\nوقال الذهبي: متروك. المهذب في اختصار السنن الكبير (١٠٢١).","vol":"5","page":60},{"text":"صالح، قاضي الأندلس، أخبرني العلاء بن الحارث الحضرمي،\nحدثني نافع، قال: صحبت ابن عمر في سفر، فأصابت ابن عمر جنابة، ولم يقدر على ماء، فتيمم، وأمرني أن أصلي بهم، وكان ماء معنا (^١).\n[ضعيف، ولو صح فهو موقوف، وقد خالفه ابن عباس] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2132>الدليل الثالث:</span>\n(٩٤٣ - ٢٠) ما رواه ابن المنذر من طريق مسدد، ثنا حفص، عن أبي إسحاق، عن الحارث،\nعن علي أنه كره أن يصلي المتيمم بالمتوضئ (^٣).\n[ضعيف جدًا] (^٤).\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٦٨) ورواه البيهقي (١/ ٢٣٤) من طريق ابن وهب، ثنا معاوية بن صالح به.\n(^٢) في إسناده العلاء بن الحارث، قد اختلط، ولم يتميز لي ما سمع منه قبل الاختلاط ممن سمع منه بعد، كما أن معاوية بن صالح صدوق له أوهام، وقد تفرد به عن العلاء، وقد ضعف الحافظ في التلخيص (١/ ١١٧) حديثًا رواه أبو داود من طريق معاوية بن صالح، عن العلاء، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري مرفوعًا في غسل الأنثيين من المذي، والله أعلم.\n(^٣) الأوسط (٢/ ٦٨).\n(^٤) في إسناده الحارث الأعور، وقد رمي بالكذب.\nوفيه أبو إسحاق السبيعي: لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث، وهو مدلس.\nوقد اختلف فيه على مسدد،\nفقيل: محمد بن يحيى، عن مسدد، عن حفص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي كما هو إسناد ابن المنذر المتقدم.\nولعل حفص بن غياث لم يسمعه من أبي إسحاق، وإنما سمعه من حجاج بن أرطأة فدلسه، وقد وصفه بالتدليس الإمام أحمد والدارقطني.\nفقد رواه البيهقي (١/ ٢٣٤) من طريق أبي المثنى، حدثنا مسدد، حدثنا حفص بن غياث، عن الحجاج، عن إبي إسحاق، عن الحارث، عن علي.\nورواه الدارقطني (١/ ١٨٥) من طريق يعقوب وحفص، وهشيم، ثلاثتهم عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. ...\nفتبين أن حفص لم يسمعه من أبي إسحاق، وإنما بينهما الحجاج بن أرطأة، وهو مشهور بالضعف.\nوقد صرح هشيم بالتحديث.\nوقيل: مسدد، عن حفص، عن حجاج بن أرطأة قال: إن عليًا ﵁ كان يكره أن يؤم المتيمم المتوضئين.\nرواه مسدد في مسنده كما في المطالب العالية (٤٣٧)، وإتحاف الخيرة المهرة (١١٠٠).\nفهنا رواه حفص عن حجاج، ودلسه حجاج، فلم يذكر أبا إسحاق، وهو مشهور بالتدليس على ضعفه، كما أسقط من إسناده الحارث أيضًا.\nهذه بعض طرق الأثر التي وقفت عليها، وهي ضعيفة؛ لأن مدارها على الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف، والحارث أشد منه ضعفًا، ولم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا نزرًا يسيرًا، والله أعلم. وانظر إتحاف المهرة (١٤٠٩٣).","vol":"5","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2133>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إن المتيمم أقل من المتطهر بالماء، والإمام يجب أن يكون مساويًا للمأموم أو أعلى منه، ولا يصح أن يكون أقل منه، والتيمم نفسه لا يرفع الحدث، وطهارته طهارة ضرورة.\n• ويُجاب:\nبأننا لا نسلم أن المتطهر بالتراب أقل من المتطهر بالماء، فكل قد قام بما هو مطهر له شرعًا، كما أن المكفر إذا لم يجد الرقبة، وكفر بالصيام لم تكن كفارته ناقصة، وقد قدمنا أن التيمم يرفع الحدث، وسقت الأدلة على ذلك، فأغنى عن إعادته هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2134>الدليل الخامس:</span>\n(٩٤٤ - ٢١) ما رواه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه من طريق محمد بن عبد الملك الأنصاري، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،\nعن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يؤم المتيمم المتوضئين (^١).\n[ضعيف جدًا] (^٢).\n_________\n(^١) ناسخ الحديث لابن شاهين (١٣٦).\n(^٢) فيه محمد بن عبد الملك الأنصاري متروك الحديث.","vol":"5","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2135>الدليل السادس:</span>\nالقياس على ائتمام القارئ بالأمي الذي لا يقرأ الفاتحة وكان فرضه التسبيح والذكر، وبصلاة القائم خلف القاعد، فإن كلًا منهما أتى ببدل، لا يصح أن يؤم إلا من هو مثله.\n• ويُجاب عن ذلك:\nبأن الأمي مخل بركن القيام الأعظم، وهو القراءة، والقرآن مقصود لذاته في الصلاة بخلاف الطهارة، فإنها لا تراد لذاتها بل لغيرها، وهو استباحة الصلاة بها، والتيمم يبيح الصلاة كطهارة الماء، وإما ائتمام القاعد بالقائم فقد أجازه جماعة من العلماء، وأجازه أحمد في صورة خاصة، فإن القاعد قد أتى ببدل القيام، وهو الجلوس، وأتى بركن القيام الأعظم، وهو القراءة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2136> دليل من قال: يجوز إذا كان الإمام الأمير:</span>\nربما يرى الأوزاعي أن الأصل منع المتيمم من أن يكون إمامًا إلا لمثله، إلا أن إمامة عمرو بن العاص في أصحابه، وهو جنب استثني لكونه أميرًا للجند، وسبق لنا أن الحديث قد أعله أحمد بالانقطاع، وعلى فرض صحته، فإن هذا فرد من أفراد الحكم المطلق لا يقتضي اختصاص الحكم به، بل هو دليل على الجواز المطلق، ومن أين لنا القول بأن الأصل منع إمامة المتيمم إلا لمثله، فلم يأت نص من الشارع على المنع حتى يقال: إن إمامة عمرو بن العاص ﵁ اغتفرت لكونه أميرًا، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بأن طهارة المتيمم وطهارة المتوضئ لا فرق بينهما؛ فلا مانع من أن يؤم المتيمم غيره من المتوضئين، وقد ورد ذلك عن\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٦٧).","vol":"5","page":63},{"text":"ابن عباس ﵁، وأن التيمم يرفع الحدث كما أن الماء يرفعه، إلا أن التيمم يرفعه بشرطين:\nالأول: عدم الماء أو العجز عن استعماله.\nوالثاني: استمرار فقد الماء أو العذر المبيح للتيمم، فإذا ارتفع الموجب للتيمم عاد إليه حدثه، ووجب عليه حينئذ أن يمس الماء، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2137>الفصل الرابع\nإذا عدم الماء والصعيد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل الواجبات والشروط والأركان تسقط بالعجز.\n• فاقد الطهورين يصلي بحسب حاله، وكل من أمر بالصلاة فامتثل الأمر لم يطلب منه الإعادة.\n• المقاصد مقدمة على الوسائل.\n• الطهارة وسيلة للصلاة، والصلاة هي الغاية، والوسيلة منها ما هو مقصود في نفسه كالوضوء، ومنها ما هو مقصود لغيره فقط كالتيمم، فإذا سقطت الوسيلة بالعجز عنها لم تسقط الغاية، وهي الصلاة.\nأو بلفظ آخر:\n• العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كالعجز عن الطهارة والسترة والاستقبال.\nوصاغ بعضهم القاعدة بقوله:\n• المكمل إذا عاد على الأصل بالنقض سقط اعتباره، فالطهارة مكملة للصلاة، فالعجز عنها لا يكون مسوغًا لإسقاط الصلاة.","vol":"5","page":65},{"text":"[م-٣٩٩] اختلف أهل العلم في الرجل لا يجد صعيدًا ولا ماء، كما لو كان محبوسًا.\nفقيل: لا يصلى، ويقضي صلاته إذا قدر على الطهارة، وهو قول أبي حنيفة (^١)، والثوري (^٢)، وقول في مذهب مالك (^٣)، وقول في مذهب الشافعية (^٤).\nوقيل: يصلي، ويعيد إذا قدر على الماء أو على الصعيد، وهو اختيار ابن القاسم (^٥)، والمشهور في مذهب الشافعية (^٦)، وقول في مذهب الحنابلة (^٧).\nوقيل: يصلي حسب حاله، ولا قضاء عليه، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٨).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥٠)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٣٥).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٢٢).\n(^٣) الاستذكار (١/ ٣٠٥)، الذخيرة (١/ ٣٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٠).\n(^٤) المجموع (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n(^٥) الاستذكار (١/ ٣٠٤)، الذخيرة (١/ ٣٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٠).\n(^٦) قال النووي في المجموع (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢): «إذا لم يجد المكلف ماء ولا ترابًا، بأن حبس في موضع نجس، أو كان في أرض ذات وحل، ولم يجد ماء يجففه به، أو ما أشبه ذلك، ففيه أربعة أقوال، حكاها أصحابنا الخرسانيون:\nأحدها: يجب عليه أن يصلي في الحال على حسب حاله، ويجب عليه الإعادة إذا وجد ماء أو ترابًا في موضع يسقط الفرض فيه بالتيمم، وهذا القول هو الصحيح الذي قطع به كثيرون من الأصحاب أو أكثرهم، وصححه الباقون، وهو المنصوص في الكتب الجديدة ...».\nوانظر المهذب (١/ ٤٢)، حلية العلماء (١/ ٢٥٦)، روضة الطالبين (١/ ١٢١)، مغني المحتاج (١/ ١٠٦).\n(^٧) قال ابن رجب في شرح البخاري في معرض سرده للأقوال فيمن لم يجد ماء، ولا ترابًا (٢/ ٢٢٢)، قال: «الثاني: يصلي، ويعيد، وهو قول مالك في رواية، والشافعي، وأحمد في رواية عنه، نقلها أكثر أصحابه». وانظر الهداية لأبي الخطاب (١/ ٢١)، المبدع (١/ ٢١٨). الإنصاف (١/ ٢٨٢).\n(^٨) المحرر (١/ ٢٣)، الفروع (١/ ٢٢١ - ٢٢٢)، الإنصاف (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، المبدع (١/ ٢١٨ - ٢١٩)، الهداية لأبي الخطاب (١/ ٢١)، الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني (١/ ٨٣).","vol":"5","page":66},{"text":"وقيل: لا يصلي، ولا يعيد، هو رواية عن مالك (^١)، وقول بعض الظاهرية (^٢)، وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2138> دليل من قال: لا يصلي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2139>الدليل الأول:</span>\nأن الله ﷾ قال: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...) وقال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\n(٩٤٥ - ٢٢) وروى مسلم في صحيحه من طريق سماك بن حرب، عن مصعب ابن سعد، عن ابن عمر، وفيه:\nقال عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول (^٤).\nومن صلى بغير وضوء ولا تيمم فقد صلى بغير طهور، فلا يكون ذلك صلاة، فالطهارة شرط أهلية أداء الصلاة، كالحائض لا تجب عليها الصلاة لفقد شرط الأهلية: وهي الطهارة، فلا تجب الصلاة إلا بطهور من ماء أو تيمم.\n• ويُجاب عن هذا:\nبأن قوله ﷺ: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) أي مع القدرة على الطهور، كما في قوله ﷺ: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) أي مع القدرة على الوضوء؛ لأنه لا خلاف أنه لو عدم الماء، وصلى بالتيمم صحت صلاته (^٥).\n_________\n(^١) انظر الذخيرة للقرافي (١/ ٣٥٠)، وقال خليل في مختصره (ص: ٢١): «وتسقط صلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد». وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١٥٦)، الفواكه الدواني (١/ ٢٤٢)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٠).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٢٣).\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) مسلم (٢٢٤).\n(^٥) انظر شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣).","vol":"5","page":67},{"text":"ومثله حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (^١)، ولو عجز عن الفاتحة لم تسقط عنه الصلاة مع قيام النفي بصحة الصلاة بدونها.\nولو قلنا: الطهارة شرط في وجوب الصلاة، لكان لكل مكلف أن يقول: أنا لا تجب علي الصلاة حتى أتطهر، وأنا لا أتطهر فلا يجب عليّ شيء؛ لأن القاعدة: أن كل ما هو شرط في الوجوب كالحول مع الزكاة، والإقامة مع الجمعة لا يتحقق الوجوب حالة عدمه، ولا يجب على المكلف تحصيله، فالصحيح أن وجوب الصلاة ليس مشروطًا بالطهارة (^٢).\nولا يصح القياس على الحائض؛ لأن الحائض مكلفة بترك الصلاة، لا سبيل لها إلى فعلها، ولو وجدت الطهور، بخلاف عادم الطهورين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2140>الدليل الثاني:</span>\n(٩٤٦ - ٢٣) استدلوا بما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،\nعن عائشة زوج النبي ﷺ، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء -أو بذات الجيش- انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء ..... وفيه: فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا ..... الحديث، والحديث رواه مسلم (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ نام حتى أصبح على غير ماء، وأنه لم يصل هو ولا من كان معه حتى\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٤)، ومسلم (٣٦٧).\n(^٢) انظر الذخيرة للقرافي (١/ ٣٥١).\n(^٣) المجموع (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"5","page":68},{"text":"أنزل الله آية التيمم، فإذا كان الطهور هو الماء وحده قبل نزول آية التيمم، وحين فقد الماء لم يصل رسول الله ﷺ، ولا من كان معه حتى أنزل الله آية التيمم، فكذلك يكون الحال فيمن فقد القدرة على التيمم لا يصلي حتى يتمكن من الفعل.\n• وأجيب عن ذلك:\nقال ابن رجب: «وأما توقفهم -يعني الصحابة- في التيمم حتى نزلت آية المائدة مع سبق نزول آية التيمم في سورة النساء، فالظاهر -والله أعلم- أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة؛ لأن فقدهم للماء إنما كان بسبب إقامتهم لطلب عقد أو قلادة، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه، مع إمكان سيرهم جميعًا إلى مكان فيه ماء، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرًا في طلب الماء، فلا يباح معه التيمم، فنزلت آية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال، وأن هذه الصورة داخلة في عموم آية النساء، ولا يستبعد هذا، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة، دون الأسفار المباحة، ومنهم من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله في عموم قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]» (^١).\nوقال أيضًا: «وزعم بعضهم أن رواية القاسم، عن عائشة: أن النبي ﷺ نام حتى أصبح على غير ماء يدل على أنه لم يصل هو ولا من معه. وهذا في غاية الضعف، وقد قررنا فيما تقدم أن آية سورة النساء التي فيها ذكر آية التيمم كان نزولها سابقًا لهذه القصة، وأن توقفهم في التيمم إنما كان لظنهم أن من فوت الماء لطلب مال لا رخصة له في التيمم، فنزلت الآية التي في سورة المائدة مبينة لجواز التيمم في مثل ذلك، والظاهر أن الجميع صلوا بالتيمم، ولكن حصل لهم شك في ذلك، فزال ذلك\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٠٠).","vol":"5","page":69},{"text":"عنهم بنزول أية المائدة، والله أعلم» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2141> دليل من قال: يصلي ولا يعيد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2142>الدليل الأول:</span>\n(٩٤٧ - ٢٤) استدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فأرسل رسول الله ﷺ ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم ... الحديث، والحديث رواه مسلم (^٢).\nوقد استدل البخاري بهذا الحديث الذي رواه هشام عن أبيه، على أن من لم يجد ماء ولا ترابًا أنه يصلي على حسب حاله، فإنهم صلوا بغير وضوء، ولم يكن شرع التيمم قبل ذلك، وشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، فإذا كان من فقد الماء قبل نزول التيمم صلى على حسب حاله، فكذلك من فقد الماء والصعيد صلى على حسب حاله، ولم يؤمر بالإعادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2143>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].\n(٩٤٨ - ٢٥) وروى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (^٣).\n_________\n(^١) المرجع السابق (٢/ ٢٢١).\n(^٢) البخاري (٣٧٧٣)، ومسلم (٣٦٧)\n(^٣) صحيح البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).","vol":"5","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2144>الدليل الثالث:</span>\nأن الطهارة شرط، فإذا عجز عنها سقطت عنه، كاستقبال القبلة، وستر العورة، ونحوهما، وكما لو عجز عن القيام بركن من أركان الصلاة كالقيام فإنه يصلي قاعدًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، وهكذا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2145> دليل من قال: يصلي ويعيد:</span>\nهذان حكمان: الصلاة، ووجوب الإعادة، وكل واحد عليه دليل:\nأما الدليل على وجوب الصلاة عليهم في الحال، فاستدلوا بما سبق من حديث عائشة، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فإن هؤلاء الصحابة صلوا على حسب حالهم حين عدموا المطهر معتقدين وجوب ذلك، وأخبروا النبي ﷺ، ولم ينكر عليهم، ولا قال: ليست الصلاة واجبة في هذا الحال، ولو كانت غير واجبة لبين ذلك لهم، كما قال لعمار ﵁: إنما كان يكفيك كذا وكذا ....\nوأما الدليل على وجوب الإعادة فاحتجوا بما رواه مسلم من حديث ابن عمر المتقدم ذكره: لا يقبل الله صلاة بغير طهور.\nولأنه عذر نادر غير متصل، فلم تسقط الإعادة، كمن صلى محدثًا ناسيًا أو جاهلًا حدثه (^١).\n• ويُجاب عن هذا الدليل:\nأما استدلالكم على وجوب الصلاة عليه في الحال، فهو دليل صحيح، غير مدفوع.\nوالاعتراض إنما هو على وجوب الإعادة، فإذا كانت هذه الصلاة لم تسقط عنه الصلاة، ولم تبرأ ذمته بهذا الفعل فما المصلحة من فعل صلاة لم يعتد بها، فأوجبتم عليه صلاة الظهر مرتين، وإنما أوجب الله عليه الظهر مرة واحدة.\n_________\n(^١) انظر المجموع (٢/ ٣٢٦).","vol":"5","page":71},{"text":"وأما استدلالكم على وجوب الإعادة بحديث لا يقبل الله صلاة بغير طهور، فهل قلتم: إن الصلاة غير المقبولة لاغية، وليست صحيحة، ولا يطلب من المكلف فعل عبادة لا يقبلها الله، ولكن الجواب عن الحديث ما تقدم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور: أي مع القدرة عليه، مثله مثل حديث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، أي مع القدرة عليه، فإن عجز تيمم، فإن عجز صلى على حسب حاله. والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nالقول بأنه يصلي ولا يعيد هو أقوى الأدلة وأسلمها من المعارضة، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2146>الفصل الخامس\nفي تأخير الصلاة لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل من قام بشرط الصلاة في حقه فصلاته أول الوقت أفضل، ومنه المتيمم.\n• التيمم رافع للحدث إلى حين وجود الماء، وليس مبيحًا للصلاة، فطهارة المتيمم كاملة وليست ناقصة.\nوقيل:\n• رعاية الشروط أولى من رعاية السنن والآداب، والصلاة في أول الوقت فضيلة.\n[م-٤٠٠] اختلف الفقهاء هل الأفضل أن يصلي في أول الوقت بالتيمم، أو يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان يرجو وجود الماء فيه:\nفقيل: تأخيرها إلى آخر الوقت أفضل، إن كان يغلب على ظنه وجود الماء، وهو مذهب الحنفية (^١) والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥٤)، البحر الرائق (١/ ١٦٣)، الهداية شرح البداية (١/ ٢٦).\n(^٢) رؤوس المسائل للعكبري (١/ ٨٣)، الهداية (١/ ٢٠)، المغني (١/ ١٥٣)، الإنصاف (١/ ٣٠٠)، كشاف القناع (١/ ١٧٨).","vol":"5","page":73},{"text":"وقيل: يصلي في أول الوقت إلا إذا تيقن وجوده في آخر الوقت في منزله الذي هو فيه، فالتأخير أفضل، وهو مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: إذا لم يغلب على ظن المسافر الرجاء للماء، ولا اليأس منه، فالمستحب له أن يتيمم وسط الوقت.\nفإن غلب على ظنه إدراك الماء استحب له التأخير.\nوإن غلب على ظنه عدم وجود الماء، استحب له الصلاة في أول الوقت وهذا مذهب المالكية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2147> دليل من قال: يؤخر إلى آخر الوقت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2148>الدليل الأول:</span>\n(٩٤٩ - ٢٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث،\nعن علي، قال: يتلوم الجنب ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء توضأ، وإن\n_________\n(^١) الأم (١/ ٤٦)، وذكر النووي في المجموع (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢) أن عادم الماء له ثلاث حالات: أحدها: أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت، بحيث يمكنه الطهارة والصلاة في الوقت، فالأفضل أن يؤخر الصلاة.\nالحال الثاني: أن يكون على يأس من وجود الماء في آخر الوقت، فالأفضل تقديم التيمم والصلاة في أول الوقت بلا خلاف.\nالحال الثالثة: أن لا يتيقن وجود الماء ولا عدمه، وله صورتان:\nأحدهما: أن يكون راجيًا ظانًا الوجود، ففيه قولان مشهوران في كتب الأصحاب، ونص عليهما مختصر المزني، أصحهما باتفاق الأصحاب أن تقديم الصلاة بالتيمم في أول الوقت أفضل، وهو نصه في الأم.\nوالثاني: التأخير أفضل، وهو نصه في الإملاء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وأكثر العلماء. وانظر: المهذب (١/ ٣٤).\n(^٢) الشرح الكبير (١/ ٢٢٤)، المقدمات الممهدات (١/ ١٢١)، الإشراف (١/ ١٧٢)، المعونة (١/ ١٤٨)، الكافي (ص: ٢٨).","vol":"5","page":74},{"text":"لم يجد الماء تيمم وصلى، فإن وجد الماء بعد اغتسل، ولم يعد الصلاة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nفي التأخير تحصيل شرط من شروط الصلاة، وهو الطهارة، بينما الصلاة في أول الوقت تحصيل فضيلة الوقت، وهو مستحب فقط، ومراعاة الشرط أولى من مراعاة السنن والمستحبات.\n• تعليل من قال: يصلي في أول الوقت:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2149>الدليل الأول:</span>\n(٩٥٠ - ٢٧) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن سنان القزاز، أخبرنا عمرو ابن محمد بن أبي رزين، حدثنا هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتيمم بموضع يقال له مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة (^٣).\n[ضعيف، والمحفوظ وقفه على ابن عمر] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2150>الدليل الثاني:</span>\n(٩٥١ - ٢٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: ثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله،\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (٨١١٧) سنن الدارقطني (١/ ١٨٦).\n(^٢) ومن طريق شريك رواه ابن المنذر في الأوسط (٥٥٧)، والدارقطني (١/ ١٨٦)، البيهقي في السنن (١/ ٢٣٢)، وفي الخلافيات (٨٦٢).\nكما أخرجه البيهقي في السنن (١/ ٢٣٣) من طريق إبراهيم بن عمر مقرونًا بشريك، عن أبي إسحاق به.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٥١٣) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث به، بلفظ: إذا أجنبت فسل عن الماء جهدك، فإن لم تقدر عليه فتيمم وصل، فإذا قدرت على الماء فاغتسل.\nوعلته الحارث الأعور، متفق على ضعفه، والله أعلم. وانظر إتحاف المهرة (١٤٠٩٤).\n(^٣) سنن الدارقطني (١/ ١٨٦).\n(^٤) انظر تخريجه في حديث رقم (٩٨٥)، وانظر معه (٩٨٦، ٩٨٧).","vol":"5","page":75},{"text":"أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يخرج، فيهريق الماء، فيتمسح بالتراب، فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب، فيقول: وما يدريني، لعلي لا أبلغه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2151>الدليل الثالث:</span>\n(٩٥٢ - ٢٩) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن محمد ويحيى بن سعيد، عن نافع،\nأن ابن عمر تيمم، وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان، ثم دخل المدينة،\n_________\n(^١) المسند (١/ ٢٨٨).\n(^٢) علته ابن لهيعة، وهو ضعيف مطلقًا على الصحيح قبل احتراق كتبه، وبعد احتراقها، وسواء روى عنه العبادلة أم غيرهم، وقد سبق نقل كلام أهل العلم في ابن لهيعة، انظر ح (٨٦٤) من كتاب الوضوء.\nوالحديث رواه ابن المبارك كما في الزهد له (٢٩٢)، ومن طريق ابن المبارك أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٣٨٣)، وأحمد في مسنده (١/ ٢٨٨).\nوموسى بن داود كما في مسند أحمد (١/ ٣٠٣).\nوأشهل بن حاتم كما في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (١٠٠)،\nويحيى بن يحيى كما في قصر الأمل لابن أبي الدنيا (٧) أربعتهم، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس مرفوعًا.\nوخالفهما يحيى بن إسحاق، كما في مسند أحمد (١/ ٣٠٣)، والمعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٢٣٨) ح ١٢٩٨٧، والبيهقي في الخلافيات (٨٦١)، فرواه عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة. عن الأعرج .. عن حنش به.\nفزاد يحيى بن إسحاق في الإسناد: الأعرج بين عبد الله بن هبيرة، وبين حنش الصنعاني وقد تفرد بهذه الزيادة يحيى مخالفًا عبد الله بن المبارك وموسى بن داود، وهذا والله أعلم قد يكون من تخليط ابن لهيعة.\nقال أبو حاتم الرازي كما في العلل لابنه (٩٤): «لا يصح هذا الحديث، ولا يصح في هذا الباب حديث». وانظر إتحاف المهرة (٧٣١٤).","vol":"5","page":76},{"text":"والشمس مرتفعة، فلم يعد (^١).\n[صحيح، وسبق تخريجه] (^٢).\nوهذا أصح ما ورد في الباب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2152>الدليل الرابع:</span>\nالصلاة أول الوقت من أفضل القربات، وفيه إبراء للذمة، ومسارعة لفعل الخيرات، قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [آل عمران: ١٣٣].\nوقال تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) [البقرة: ١٤٨]، ولم يستثن من ذلك شيئًا إلا شد الحر، فإنه أمر بالإبراد، وصلاة العشاء الآخرة إذا لم يشق على الجماعة من غير فرق بين من يصلي بالماء وبين من يصلي بالتيمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2153>الدليل الخامس:</span>\nآخر الوقت غيب علمه عند الله، والإنسان إنما هو مكلف في ساعته القائمة، ولذا يباح للمسافر القصر والجمع وإن كان قد شارف الوصول إلى بلده، ويمكنه أن يدرك الوقت حال الإقامة ليصلي تمامًا وبدون جمع، ومع ذلك إذا صلى فإنه يصلى بحسب حاله وقت الأداء، فكذلك المتيمم يستحب له أن يبرئ ذمته في أداء الصلاة أول الوقت، إلا ما استحب له التأخير فيه كالعشاء والإبراد بالظهر زمن الحر، والله أعلم.\n• تعليل المالكية على تقسيم عادم الماء إلى ثلاثة:\nقال في المعونة: «العادمون ثلاثة: منهم من يدخل عليه الوقت، وهو راج له، يغلب على ظنه وصوله إليه في الوقت، فيستحب له تأخير التيمم؛ ليجمع بين الوقت والطهارة الكاملة؛ لأن مراعاة كمال الطهارة أولى من مراعاة فضيلة أول الوقت.\nومنهم من يغلب على ظنه أنه لا يجده حتى يخرج الوقت، فيستحب له أن يقدم\n_________\n(^١) المصنف (٨٨٤).\n(^٢) انظر تخريجه: في الأرقام (٩٨٥، ٩٨٦، ٩٨٧).","vol":"5","page":77},{"text":"التيمم؛ لأن في تأخيره فوات الأمرين -يعني: فضيلة الوقت، وفضيلة كمال الطهارة- ومنهم من هو بين الخوف والرجاء، لا يغلب على ظنه أحد الأمرين، فيتيمم وسط الوقت؛ لأنه لم تبلغ فيه قوة الرجاء أن يؤخره، ولا ضعفه أن يقدمه، فاستحب له الوسط» (^١).\n• الراجح:\nبعد استعراض أدلة كل قول أجد أن القول بالصلاة في أول الوقت أقوى من حيث التعليل، وذلك أن الإنسان إذا صلى بالتيمم فقد امتثل الأمر الشرعي، لا فرق بينه وبين المصلي بالماء؛ لأن كلًّا من المتطهر بالماء والمتطهر بالتراب قد فعل ما أمر به شرعًا، والتيمم على ما ترجح مطهر، وليس مجرد رافع للمنع، فكيف يقال: إن مراعاة شرط الطهارة أولى من فضيلة الوقت، وكأن المتيمم لم يراع شرط الطهارة، فإذا كانت الطهارة في حق فاقد الماء، هو التيمم، فقد قام بحق الطهارة على أكمل وجه.\nقال الإمام مالك ﵀: «من قام إلى الصلاة، فلم يجد ماء، فعمل بما أمره الله به من التيمم، فقد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه، ولا أتم صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعًا، فكل عمل بما أمره الله به، وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة» (^٢).\nوإذا كان التيمم هو طهارة فاقد الماء، فتكون المبادرة بفعل الصلوات في أول الوقت قد أدرك فضيلتين: فضيلة الطهارة، وهي في حقه التيمم، وفضيلة أول الوقت، بينما من أخر الصلاة إلى آخر الوقت قد أردك فضيلة واحدة، وهو فضيلة الطهارة بالماء، وإدراك فضيلتين أولى، ويكفي أنه فعل ابن عمر ﵁ على ما عرف عنه من الحرص على السنة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المعونة (١/ ١٤٧).\n(^٢) الموطأ (١/ ٥٥).","vol":"5","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2154>الفصل السادس\nفي وطء عادم الماء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو إلى عشر سنين، فإذا وجد الماء فليسمه بشرته.\n• التيمم أحد الطهورين عند فقد الماء، فطهارة المتيمم به طهارة أصلية.\n• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.\n[م-٤٠١] إذا كان الإنسان على طهارة مائية، فهل يباح له نقض طهارته بالجماع ليتيمم بعد ذلك، أو يجب أن يحافظ على طهارته المائية؟\nويتصور وقوع ذلك في صور كثيرة، منها:\nلو أن الإنسان خاف على نفسه الضرر من الاغتسال لوجود برد شديد ونحوه، ولا يخاف ذلك من الوضوء، فهل له أن يجامع زوجته، ويتيمم عن الغسل، أو ليس له ذلك ليحافظ على الطهارة المائية؟\nومثله: لو كان الإنسان معه ماء يكفي لوضوئه، وليس معه ما يكفي للغسل، فهل له أن يجامع ليتيمم بعد ذلك، أو يحافظ على الطهارة المائية؟","vol":"5","page":79},{"text":"اختلف أهل العلم في ذلك،\nفقيل: لا بأس أن يجامع أهله، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، واختيار ابن حزم ﵀ (^٤).\nوبه قال ابن عباس (^٥) وجابر بن زيد (^٦)، والحسن البصري وسعيد بن المسيب (^٧)، وقتادة وسفيان الثوري (^٨)، ورجحه ابن تيمية (^٩).\nوقيل: يكره الجماع إلا أن يخاف الضرر، وهو مذهب المالكية (^١٠)،\nورواية عن\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٧)، البحر الرائق (١/ ١٤٧)، وقال في الفتاوى الهندية (١/ ٣١): «وللمسافر أن يطأ زوجته، وإن علم أنه لا يجد الماء».\n(^٢) قال الشافعي في الأم (١/ ٦١): «والرجل المسافر لا ماء معه، والمعزب في الإبل له أن يجامع أهله ويجزئه التيمم إذا غسل ما أصاب ذكره، وغسلت المرأة ما أصاب فرجها أبدًا حتى يجد الماء، فإذا وجد الماء فعليهما أن يغتسلًا». وانظر المجموع (٢/ ٢٤١).\n(^٣) شرح العمدة (١/ ٣٧٩)، المغني (١/ ١٧١)، الإنصاف (١/ ٢٦٣)، كشاف القناع (١/ ١٦١).\n(^٤) المحلى (١/ ٣٦٥) مسألة: ٢٤٧.\n(^٥) سيأتي النص عنه مخرجًا ضمن أدلة الأقوال.\n(^٦) المصنف لابن أبي شيبة، قال: (١٠٣٧)، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد سئل عن الرجل يعزب، ومعه أهله، قال: يأتي أهله ويتيمم. وسنده صحيح.\n(^٧) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠٤٠)، حدثنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن، أنهما كانا لا يريان بأسًا إذا كان الرجل في سفر، وليس معه ماء أن يصيب أهله ويتيمم. ورجاله ثقات إلا أن أحمد بن حنبل ﵀، قال: عباد بن العوام مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة، كما أن رواية قتادة عن سعيد بن المسيب فيها تدليس كثير، لكن رواه ابن أبي شيبة (١٠٤١)، عن عباد بن العوام عن هشام، عن الحسن، وسنده صحيح.\n(^٨) المحلى (١/ ٣٦٥).\n(^٩) تصحيح الفروع (١/ ٢٠٩).\n(^١٠) قال الباجي في المنتقى (١/ ١٠٩): «الأحداث على ضربين: ضرب يكون معتادًا، ولا يمكن الامتناع منه كالنوم، والبول، والغائط، فهذا يجوز فعله للمتوضئ مع عدم الماء.\nوضرب يمكن الاحتراز منه كالجماع، والملامسة، ومس الذكر، فلا يجوز فعله مع عدم الماء فيما يقرب ويطرأ من المشقة».\nوجاء في المدونة (١/ ٣١): «قال مالك: لا يطأ المسافر امرأته ولا جاريته إلا ومعه ماء».\nوظاهر هذه النصوص المنع، إلا أن العدوي قال في حاشيته على الخرشي (١/ ١٩٩): والمعتمد على أن المنع على الكراهة.\nوعبارة مختصر خليل قال: «ومنع مع عدم ماء تقبيل متوضئ وجماع مغتسل».\nقال في الشرح الكبير (١/ ١٦١): «ومنع: أي كره على المعتمد مع عدم ماء تقبيل متوضئ».\nوقال في حاشية الدسوقي (١/ ١٦١): «قوله: كره، على هذا حمل ابن رشد قول المدونة: يمنع وطء المسافر، وتقبيله؛ لعدم ماء يكفيهما». وانظر: الخرشي (١/ ١٩٨)، الفواكه الدواني\n(١/ ١٥١)، مواهب الجليل (١/ ٣٥٩).","vol":"5","page":80},{"text":"أحمد (^١).\nوقيل: ليس له أن يجامع أهله، وبه قال الزهري ﵀ (^٢).\nوقيل: إن كان بينه وبين أهله أربع ليال فليصب أهله، وإن كان ثلاث فما دونها فلا يصبها، وهو قول عطاء، والأوزاعي (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2155> دليل من قال: له أن يطأ زوجته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2156>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فأفادت الآية إباحة الجماع في حال عدم الماء، وقد قدمنا أن اللمس هنا المقصود به الجماع في خلاف أهل العلم في تيمم الجنب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2157>الدليل الثاني:</span>\nأباح الله ﷾ للرجل أن يجامع زوجه وملك يمينه، فما أباح فهو على الإباحة، لا يجوز حظر ذلك، ولا المنع منه إلا بسنة أو إجماع، والممنوع منه: حال الحيض، والإحرام، والصيام، وحال المظاهر قبل أن يكفر، وما عدا ذلك فهو على\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٧١)، شرح العمدة (١/ ٣٧٩).\n(^٢) جاء في المدونة (١/ ٣١): «قال ابن وهب: عن يونس، عن ابن شهاب أنه قال: لا يجامع الرجل امرأته بمفازة حتى يعلم أن معه ماء».\n(^٣) المغني (١/ ١٧١).","vol":"5","page":81},{"text":"الإباحة، قال تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة: ٢٢٢]، وما خص الله تعالى بذلك من حكمه الغسل أو الوضوء ممن حكمه التيمم، ولا فرق بين من صلى بوضوء عند وجود الماء، وبين من صلى بتيمم حيث لا يجد الماء، فكل واحد منهم قد أدى ما فرض عليه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2158>الدليل الثاني:</span>\n(٩٥٣ - ٣٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر\nأنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^٢).\n[تفرد به عمرو بن بجدان، قال أحمد: لا أعرفه] (^٣).\nوجه الاستدلال من وجهين:\nالوجه الأول:\nالصعيد الطيب وضوء المسلم، وفي رواية طهور المسلم، وهذا عام لطهارته من الحدث ومن الجنابة، وإذا كان التيمم بهذه المثابة لم تكن طهارته ناقصة.\nالوجه الثاني:\nأن الرسول ﷺ لم يسأله هل كان جنبًا من جماع أو من احتلام، فدل على أنه لا فرق في الحكم، ولو كان هناك فرق لسأله النبي ﷺ، هل كانت جنابته من جماع، فينهاه عن ذلك، أو كانت من احتلام فيرشده إلى التيمم؟ فلما ترك الاستفصال في مقام\n_________\n(^١) انظر الأوسط لابن المنذر (٢/ ١٧ - ١٨).\n(^٢) المصنف (٩١٣).\n(^٣) انظر المجلد الأول، رقم (٣١).","vol":"5","page":82},{"text":"الاحتمال، نزل ذلك منزلة العموم في المقال، مع أنه ورد في بعض طرق الحديث أن تيمم أبي ذر كان عن جماع، كما في مصنف عبد الرزاق (^١)، وسنن أبي داود (^٢)، الله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2159>الدليل الثالث:</span>\n(٩٥٤ - ٣١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، الرجل يغيب، لا يقدر على الماء، أيجامع أهله؟ قال: نعم (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2160>الدليل الخامس:</span>\n(٩٥٥ - ٣٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن مجاهد، قال:\nكنا مع ابن عباس في سفر، ومعه جارية له، فتخلف، فأصاب منها ثم أدركنا، فقال: معكم ماء؟ قلنا: لا؟ قال: أما إني قد علمت ذلك، فتيمم (^٥).\n_________\n(^١) المصنف (٩١٢).\n(^٢) سنن أبي داود (٣٣٣).\n(^٣) المسند (٢/ ٢٢٥)، وفي إتحاف المهرة (١١٨٦٣) لفظه: الرجل يجنب، ولا يقدر على الماء، أيجامع أهله؟ قال: نعم.\n(^٤) في إسناده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومدلس.\nوقد أخرجه البيهقي في السنن (١/ ٢١٨) من طريق سعدان بن نصر.\nوابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢١٨) من طريق محمد بن الصباح، كلاهما عن معتمر بن سليمان به.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٣): «رواه أحمد، وفيه الحجاج بن أرطأة، وفيه ضعف، ولا يتعمد الكذب».\nوقال النووي في المجموع (٢/ ٢٤٢): «ضعيف؛ لأنه من رواية حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف». اهـ\n(^٥) المصنف (١/ ٩٤) رقم: ١٠٤٦.","vol":"5","page":83},{"text":"[رواية الأعمش عن مجاهد فيها تدليس كثير، ومع ذلك فالأثر حسن لغيره إن شاء الله تعالى] (^١).\n_________\n(^١) جاء في تهذيب التهذيب (٤/ ٢٢٥): «قال يعقوب بن شيبة في مسنده: ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال: سمعت، وهي نحو من عشرة، وإنما أحاديث مجاهد عنده عن أبي يحيى القتات .... إلخ كلامه رحمه الله تعالى».\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٩٣)، وابن المنذر في الأوسط (٥٦٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٢١٨) عن جرير بن عبد الحميد، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس في سفر مع أناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فيهم عمار بن ياسر، فكانوا يقدمونه يصلي بهم لقرابته من رسول الله ﷺ، فصلى بهم ذات يوم، ثم التفت إليهم فضحك، فأخبرهم أنه أصاب جارية له رومية، وصلى بهم، وهو جنب، فتيمم.\nوأشعث هذا: هو أشعث بن إسحاق بن سعد بن مالك، قال فيه أحمد: صالح الحديث. وقال فيه يحيى بن معين كما في رواية ابن أبي خيثمة عنه: ثقة.\nوقال فيه النسائي في التمييز: ثقة. تهذيب التهذيب (١/ ٣٥٢).\nوجعفر: هو ابن أبي المغيرة، وثقة أحمد كما في العلل (٤٣٩٣).\nذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ١٣٤).\nوقال الحافظ ابن حجر: نقل ابن حبان في الثقات عن أحمد توثيقه. تهذيب التهذيب (١/ ٣٥٢)، والله أعلم.\nوقال ابن مندة: ليس بالقوي في سعيد بن جبير. تهذيب التهذيب (٢/ ٩٢).\nوفي التقريب: صدوق يهم، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: رأى ابن عمر، وكان صدوقًا.\nوذكر البخاري الأثر معلقًا بصيغة الجزم، قال البخاري في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء. قال البخاري: أم ابن عباس، وهو متيمم. وقال الحافظ ابن حجر: وصله ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما، وإسناده صحيح.\nقلت: لعل ضعف رواية جعفر بن أبي المغيرة فيما يرويه عن سعيد بن جبير ينجبر في رواية مجاهد عن ابن عباس، وإن كان هذا الطريق الأخير لا يسلم من مقال أيضًا؛ لأنه من طريق الأعمش، عن مجاهد، وقد علمت ما فيها، والله أعلم.\nوروى ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٧) قال: حدثونا عن إسحاق بن راهوية، أخبرنا المعتمر بن سليمان، سمعت ليثًا يحدث عن عطاء، عن ابن عباس في الرجل يكون مع أهله في السفر، وليس معهم ماء، فلم ير بأسًا أن يغشى أهله، ويتيمم. ...\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا؛ لأن الواسطة بين ابن المنذر وبين إسحاق مبهم، ولم يتبين لي من ليث هذا؛ وذلك لأن المعتمر يروي عن ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، ويروي عن ليث بن سعد بن عبد الرحمن، وهو ثقة، وكل من الليثين يروي عن عطاء.\nوقد جاء في مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٧٩): «قلت الرجل يجامع أهله في السفر، وليس معه ماء؟ قال: لا أكره ذلك، قد فعل ذلك ابن عباس.\nقال إسحاق: هو سنة مسنونة عن النبي ﷺ في أبي ذر». اهـ\nفهذا يدل على أن فعل ابن عباس ثابت عنه عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى.","vol":"5","page":84},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2161> دليل من قال بالمنع:</span>\nقالوا: كما أن الإنسان لو كان معه ماء لا يجوز له أن يريقه ويتيمم، ولو فعل ذلك لكان عاصيًا، وكذلك لو كان على طهارة مائية لا يجوز له أن يتعمد نقض طهارته بريح أو بول أو غائط ما لم يكن مضطرًا إلى ذلك حتى لا ينتقل إلى التيمم مع قدرته على الطهارة المائية، فكذلك الجماع يمنع منه ما لم يتضرر من ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2162> دليل من قال بالكراهة:</span>\nقالوا: إذا لم يكن هناك حاجة شديدة فيكره الجماع؛ لأن فيه انتقال من الطهارة المائية إلى الطهارة الترابية من غير حاجة، فيفوت على نفسه طهارة مائية يمكنه بقاؤها.\n• الراجح:\nبعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بإباحة الجماع قول قوي جدًا، ولم يقدم المانعون أو القائلون بالكراهة دليلًا شرعيًا على كراهية ذلك، والأصل الإباحة حتى يقوم دليل صحيح صريح ينقلنا عن هذا الأصل، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2163>الباب الثاني في الأسباب الموجبة للتيمم</span>\nالأسباب الموجبة للتيمم ترجع إلى ثلاثة أسباب في الجملة:\nالسبب الأول: عدم الماء.\nالسبب الثاني: تعذر استعمال الماء.\nوتعذر الاستعمال تارة يكون لخوف المرض أو زيادته، أو لخوف عطش على نفسه أو على غيره من آدمي أو بهيمة، أو يخاف إن هو خرج إلى الماء لصوصًا أو سباعًا، أو يباع الماء بأكثر من ثمنه، أو يخشى فوات الوقت إن ذهب إلى الماء أو انتظره، وهل له أن يتيمم مع وجود شخص يتبرع له بالماء من غير مسألة؟\nوسوف نعرض بالبحث إن شاء الله تعالى على كل هذه المسائل، وبعضها قد يؤجل بحثه ليبحث مع نظائره في فصول أخرى، والله وحده المستعان، والموفق إلى معرفة الصواب.\nالسبب الثالث: إذا خشي فوات العبادة بخروج وقتها.\n* * *","vol":"5","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2164>الفصل الأول مشروعية التيمم لفقد الماء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2165>المبحث الأول انعدام الماء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• العلة في مشروعية التيمم هو العجز عن الوصول إلى الماء نصًا، ويلحق به العجز الشرعي؛ لأن العجز الشرعي كالعجز الحسي.\n• ما جاز لعذر بطل بزواله.\n• العاجز حكمًا كالعاجز حقيقة.\n[م-٤٠٢] إذا فقد المسلم وجود الماء فإن كان مسافرًا فإنه يشرع له التيمم إجماعًا، نقل الإجماع على ذلك طائفة من أهل العلم.\nقال ابن عبد البر: «وأجمع علماء الأمصار، بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب -فيما علمت- أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر ...» (^١).\n_________\n(^١) التميهد (١٩/ ٢٧٠)، الاستذكار (٢/ ٣).","vol":"5","page":87},{"text":"ونقل الإجماع أيضًا العيني من الحنفية (^١)، وابن رشد في بداية المجتهد من المالكية (^٢)، وابن تيمية (^٣)، وابن عبد الهادي (^٤) من الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (^٥).\n[م-٤٠٣] وإن كان حاضرًا داخل المصر، فقد اختلف العلماء:\nفقيل: يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (^٦)، والمشهور في مذهب المالكية (^٧)، وقول في مذهب الشافعية (^٨)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٩).\nوقيل: يتيمم، ويصلي، ويعيد إذا وجد الماء، وبه قال الليث، وهو المشهور في مذهب الشافعية (^١٠)، ووجه في مذهب الحنابلة (^١١).\n_________\n(^١) عمدة القاري (٤/ ٧).\n(^٢) بداية المجتهد (١/ ٤٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٥٠، ٤٤١).\n(^٤) مغني ذوي الأفهام (ص: ٤٦).\n(^٥) مراتب الإجماع (ص: ١٨، ٢٢)، وانظر للاستزادة إجماعات ابن عبد البر في العبادات (١/ ٣٠٢).\n(^٦) البحر الرائق (١/ ١٤٧) ورجحه ابن نجيم فيه، وانظر تبيين الحقائق (١/ ٣٧)، وحاشية\nابن عابدين (١/ ٢٣٣).\n(^٧) قال في تنوير المقالة (١/ ٥٥٧): «والمشهور أنه يتيمم كالمسافر» يعني الحاضر العادم للمياه. وانظر الذخيرة للقرافي (١/ ٣٣٥)، التفريع لابن الجلاب (١/ ٢٠١).\nوقال في المعونة (١/ ١٤٣): «وأما في الحضر، فيجوز عندنا إذا عدم الوصول إليه خلافًا\nلأبي حنيفة حين منعه لغير المجوس والمريض، ثم قال: ولا إعادة عليه خلافًا للشافعي».\n(^٨) المجموع (٢/ ٣٥٠).\n(^٩) المبدع (١/ ٢٠٦)، الإنصاف (١/ ٢٧٩)، الكافي (١/ ٦٥)، المحرر (١/ ٢١).\n(^١٠) قال النووي في المجموع (٢/ ٣٥٠): «قال: النووي: هذا هو الصحيح المشهور المقطوع به في أكثر كتب الشافعي وطرق الأصحاب».\n(^١١) شرح البخاري لابن رجب (٢/ ٢٢٥).","vol":"5","page":88},{"text":"وقيل: لا يصلي حتى يجد الماء، أو يسافر، وهو قول في مذهب الحنفية (^١)، وأحد القولين عن الإمام مالك ﵀ (^٢)،\nواختاره بعض الخرسانين من الشافعية (^٣)، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2166> دليل من قال: يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2167>الدليل الأول:</span>\nأن العلة في مشروعية التيمم هو فقد الماء نص عليه في آية التيمم، قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٦٨)، البحر الرائق (١/ ١٤٧)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٧)، وقال في الجوهرة النيرة (١/ ٢١): «وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز التيمم لعدم الماء في المصر سوى المواضع المستثناة، وهي ثلاثة: خوف فوت صلاة الجنازة، أو صلاة العيد، أو خوف الجنب من البرد، وعن السلمي جواز ذلك، والصحيح عدم الجواز؛ لأن المصر لا يخلو عن الماء».\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٩٣): «قال أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض، ولا لخوف خروج الوقت».\n(^٢) قال في تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة (١/ ٥٥٧): «وظاهر كلامه أن الحاضر العادم للماء لا يتيمم، وإن خرج الوقت، وهو أحد قولي مالك»، وجاء في النوادر والزيادات (١/ ١٠٩): «قال ابن حبيب، عن ابن عبد الحكم، في حاضر لم يجد الماء، فتيمم، وصلى، ثم وجد الماء بعد الوقت، فعليه أن يعيد؛ لأن الله ﵎ إنما ذكر التيمم في المريض والمسافر».\nوقال ابن رشد في المقدمات (١/ ١١٣): أمر الله ﷾ المسافر والمريض بالتيمم للصلاة عند عدم الماء، وأجمع أهل العلم على وجوب التيمم عليهما؛ لأن الأمر لهما بالتيمم عند عدم الماء نص في الآية، لا يحتمل التأويل، واختلفوا في الصحيح الحاضر العادم للماء .. اهـ\n(^٣) المجموع (٢/ ٣٥٠).\n(^٤) قال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٢٠٢): «وعن أحمد رواية باشتراط السفر للتيمم». وقال أيضًا (٢/ ٢٢٦) وذهبت طائفة إلى أنه لا يصلي حتى يجد الماء أو يسافر، وهو رواية عن أبي حنيفة، وراية عن أحمد اختارها الخلال والخرقي وحكي عن زفر وداود».","vol":"5","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2168>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان التيمم للمريض المقيم يجوز بالإجماع مع وجود الماء (^١)، فجوازه للمقيم عند فقد الماء جائز أيضًا، ولا فرق؛ لأن المرض هو عجز حكمي، وفقد الماء عجز حسي، والعجز الحسي أولى بالمراعاة؛ لأنه يستحيل معه الفعل بخلاف العجز الحكمي، فقد يستعمل الماء إلا أنه قد يلحقه ضرر بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2169>الدليل الثالث:</span>\nثبت عن النبي ﷺ أنه تيمم لرد السلام في الحضر، مع أن الطهارة لرد السلام ليست شرطًا بل ولا واجبًا، فكونه يتيمم لفعل الصلاة المفروضة، والقيام بالطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة أولى فأولى.\n(٩٥٦ - ٣٣) فقد روى البخاري من طريق الأعرج، قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،\nفقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (^٢).\nوقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة (^٣).\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: التيمم للمريض، والمسافر إذا لم يجد الماء بالكتاب والسنة والإجماع. اهـ انظر التمهيد (١٩/ ٢٩٣)، الاستذكار (٢/ ١٨).\n(^٢) البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩).\n(^٣) قال البخاري في ترجمة هذا الحديث، باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوت الصلاة، وبه قال عطاء ... الخ.","vol":"5","page":90},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2170> دليل من قال: السفر شرط في جواز التيمم:</span>\nاستدل بقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ قال: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) فذكر شيئين مبيحين للتيمم: أحدهما: المرض، والثاني: السفر.\n• وأجيب:\nبأن الله ﷾ ذكر السفر لكونه مظنة عدم الماء، فإن فقد الماء في الحضر نادر وقليل، ومثله ذكر السفر في آية الرهن، قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣]، وليس السفر بشرط للرهن، فإذا جاز الرهن في الحضر، جاز التيمم في الحضر أيضًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2171> دليل من قال: يتيمم ويعيد:</span>\nعلل النووي وجوب الإعادة إذا تيمم في الحضر، بأن هذا العذر نادر غير متصل، وقال: احترزنا بالنادر عن المريض والمسافر، وبغير المتصل من المستحاضة.\n• ويُجاب عنه بأمور:\nالأول: هذا التعليل عليل، وإنما شرع التيمم لرفع الحرج عن هذه الأمة كما في قوله تعالى بعد أن ذكر طهارة الماء والتيمم (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦]، فأين التخفيف، وقد كلف في فعل الصلوات مرتين، مرة في التيمم، ومرة إذا وجد الماء، وقد يطول ذلك فيجتمع عليه صلوات كثيرة، فأين التخفيف في ذلك، وهل ذلك إلا موجب للعنت والمشقة على الناس.\nثانيًا: إذا كان لا يعيد الصلاة إذا تيمم في السفر، فلا يعيد الصلاة إذا تيمم في","vol":"5","page":91},{"text":"الحضر، ولا فرق.\nثالثًا: التكليف بالإعادة لا بد له من دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولم يقم دليل في تكليف المسلم بالإعادة، ولم يوجب الله فرض الظهر مرتين، فمن أوجب عليه الإعادة فقد أوجب عليه الفرض الواحد مرتين، وهذا خلاف المشروع.\nرابعًا: أن الذي أميل إليه أن الإنسان إذا اجتهد وأخطأ، وامتثل الأمر معتقدًا أن هذا هو الواجب عليه، ثم تبين له أنه أخطأ لم يكلف الإعادة، فما بالك بمن نأمره أن يتيمم، ثم نطلب منه أن يعيد، فإن كان التيمم لا يسقط عنه الواجب فلماذا نأمره به، وإذا كان التيمم يقوم مقام الماء عند فقده فلماذا نأمره بالإعادة.\nفهذه المرأة التي كانت تستحاض، وكانت تعتقد أن ذلك حيض، وكانت تمتنع عن الصلاة والصيام قال لها رسول الله ﷺ: إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (^١)، ولم يأمرها الرسول ﷺ بإعادة الصلوات التي تركت ظنًا منها أنه دم حيض.\nوهذا الرجل المسيء في صلاته مع أن الرسول ﷺ قال له: ارجع فصل فإنك لم تصل (^٢)، لم يطلب منه إعادة الصلوات السابقة، مع أنه نفى عنه فعل الصلاة، وكلفه بإعادة الصلاة القائمة فقط، إما لأن الوقت ما زال قائمًا، أو لأجل أن تشتد حاجته لمعرفة الصواب، ولذلك اغتفر تكراره مع الإساءة للصلاة لمصلحة التعليم، وإلا فالإنسان الذي لا يعلم أن يصلي قد لا يجوز أن نجعله يعبث في الصلاة على غير هدى، ونطلب منه أكثر من مرة أن يعيد الصلاة، وهو لا يحسن.\nوهذا عمار تمرغ كما تتمرغ الدابة، وصلى، ظنا منه ﵁ أن هذه هي الصفة المطلوبة في تيمم الجنب، ولم يفعل الصفة المشروعة، ولم يكلفه الرسول ﷺ\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).","vol":"5","page":92},{"text":"بالإعادة، وإنما اكتفى بإخباره بالصفة المشروعة (^١)، هذا عدي ﵁ جعل تحت وساده عقالين: أبيض وأسود، وأخذ يأكل حتى تبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، فأخبر الرسول ﷺ بذلك، فضحك منه، وأخبره بالصواب، ولم يأمره بالإعادة (^٢)، وهكذا فالنصوص متظافرة على أن من اجتهد، ففعل ما يعتقد أنه يلزمه شرعًا، ثم تبين له خطأ فعله، لم يكلف بالإعادة، فما بال المتيمم الذي كلفناه بالتيمم، وأنه يجب عليه فعل الصلاة على هذه الصفة، فما بالنا نأمره بالإعادة، فهذا القول بعيد جدًا عن الصواب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).\n(^٢) البخاري (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠).","vol":"5","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2172>المبحث الثاني إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يصح الجمع بين البدل والمبدل كما لا يصح الجمع بين الظهر والجمعة، وبين الغسل والمسح للقدم.\n• الطهارة لا تقبل التبعيض على الصحيح، فلا يدخلها التلفيق بين الماء والتراب.\n• إيجاب الماء والتراب معًا مخالف لكتاب الله فإنه قد ذكر أن الواجب أحد شيئين: إما الماء عند وجوده، أو التراب عند عدمه.\n[م-٤٠٤] ناقشنا في الفصل السابق، أن التيمم مشروع بشرط عدم الماء، فهل يختلف الحكم إذا وجد ماء لا يكفي لطهارته؟ وهل يستعمل الماء بدون تيمم؟، أو يتيمم ويدع الماء ما دام أنه لا يكفي لفعل الطهارة كاملة؟ أو يستعمل الماء، ويتيمم عن الباقي؟. في هذه المسألة اختلف أهل العلم:\nفقيل: يتيمم، ويدع الماء، وهذا مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والقول القديم\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٢٦)، المبسوط (١/ ١١٣)، بدائع الصنائع (١/ ٥٠)، البحر الرائق (١/ ١٤٦).\n(^٢) مختصر خليل (ص: ١٩)، التاج والإكليل (١/ ٣٣١)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٣)، مواهب الجليل (١/ ٣٣١ - ٣٣٢)، الذخيرة (١/ ٣٣٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٩).","vol":"5","page":94},{"text":"للشافعي (^١)، واختاره المزني (^٢).\nوقيل: يستحب له استعمال الماء، ويتيمم عن الباقي، وبه قال جماعة من أهل العلم (^٣).\nوقيل: يجب عليه استعمال الماء، ثم يتيمم عن الباقي، وهذا هو نص الإمام الشافعي في الأم (^٤)، ومذهب الحنابلة (^٥)، واختيار ابن حزم ﵀ (^٦).\nوقيل: بالتفريق بين طهارة الوضوء وطهارة الغسل، فإذا وجد ماء يكفي بعض الغسل تيمم بعد استعماله، ولا يتوضأ بماء يكفي بعض الوضوء (^٧).\nوقيل: يتوضأ بذلك الماء ويصلي، فإن لم يكن معه من الماء إلا قدر ما يغسل به وجهه ويديه، فهو أولى من التيمم، وإن لم يجد إلا ما يغسل به وجهه غسله، ومسح كفيه بالتراب، وهو قول الحسن وعطاء (^٨).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2173> دليل من قال: يتيمم، ويدع الماء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2174>الدليل الأول:</span>\nمن الكتاب قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) إلى قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\n_________\n(^١) المهذب (١/ ٣٤)، طرح التثريب (٢/ ١١٨)، فتح العزيز (٢/ ٢٧٩، ٢٨١).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ١١٨).\n(^٣) البيان في مذهب الشافعي (١/ ٢٩٧).\n(^٤) المهذب (١/ ٣٤)، البيان في مذهب الشافعي (١/ ٢٩٧)، الوسيط (١/ ٣٦١)، حاشية البجيرمي (١/ ٩٦)، الروضة (١/ ٩٦ - ٩٧) شرح زبد ابن رسلان (ص: ٦٢) منهاج الطالبين (١/ ٦)، وقال النووي في المجموع (٢/ ٣٠٩): «واتفق الأصحاب على أن الأصح وجوب استعماله».\n(^٥) المغني (١/ ١٥٠)، وقال في الإنصاف (١/ ٢٧٣): «وهو المذهب، وعليه الأصحاب».\n(^٦) الإنصاف (١/ ٢٧٣)، المغني (١/ ١٥٠).\n(^٧) المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩٣).\n(^٨) المنتقى للباجي (١/ ١١٥).","vol":"5","page":95},{"text":"فاقتضى ذلك وجوب أحد شيئين: إما الماء عند وجوده، أو التراب عند عدمه، فكوننا نوجب الماء والتراب معًا هذا خلاف نص الآية، فلما لم يكن هذا الماء كافيًا في طهارته علمنا أن فرضه هو التيمم، ولو كان هذا الماء هو الماء الذي تقوم به طهارته لم تكن صلاته موقوفة على التيمم، فلما لم يرفع هذا الماء حدثه كان وجوده كعدمه كالماء النجس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2175>الدليل الثاني:</span>\nأن التيمم بدل عن الماء، فلا يجمع بين الأصل والبدل، فإما أن يستعمل الماء، أو يتيمم، وما دام أن الماء لا يرفع حدثه ينتقل إلى بدله، وهو التيمم ويكون وجوده كعدمه، وهذا له أمثلة في الشريعة، فلو وجبت عليه كفارة يمين، ولم يجد الكسوة والرقبة، ووجد ما يطعم به تسعة مساكين انتقل إلى الصيام، ولم يؤمر بإطعام التسعة، وهكذا.\nوكذلك من وجبت عليه رقبة، وكان عنده ثمن بعض الرقبة، انتقل إلى الإطعام كما لو عدم الرقبة أصلًا.\n• واعترض على هذا الدليل:\nأما قولكم: إنه لا يجمع بين البدل والأصل، فغير مسلم، فقد جمع بين الأصل والبدل في الوضوء، فهذا مسح الخفين بدل عن طهارة الماء، وقد جمع بينهما في الوضوء، فإنه يغسل أعضاء الوضوء، ويمسح قدميه.\nكما أنه جمع بين الأصل والبدل في المسح على الجبيرة، فإن المسح بدل من الغسل، فلو كان في العضو جبيرة، فإنه يمسح عليها، ويغسل الباقي، وهو جمع بين الأصل والبدل.\nوأما قولكم بأنه لا عبرة بالقدرة على البعض إذا لم يقدر على الكل قياسًا على القدرة على بعض الكفارة، فيقال: «ضابط الباب: أن ما لم يكن جزؤه عبادة مشروعة","vol":"5","page":96},{"text":"لا يلزمه الإتيان به، كإمساك بعض اليوم، وما كان جزؤه عبادة مشروعة لزمه الإتيان به، كتطهير الجنب بعض أعضائه، فإنه يشرع عند النوم والأكل والمعاودة ... تخفيفًا للجنابة .... وإذا ثبت تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن، فكذلك الحدث الأصغر» (^١).\n• ورد هذا الجواب:\nأما قولكم في المسح على الخفين بأنه جمع بين الأصل والبدل، فيقال: إن المسح على الخفين فيه خلاف هل هو أصل بنفسه أو بدل، وعلى القول بأنه بدل فهو بدل عن غسل الرجل، وليس بدلًا عن الوضوء، حتى يقال: جمع بين البدل والمبدل منه، فقد سقط غسل القدم إلى بدله، وهو المسح، ولم يجمع بين الغسل والمسح، وكذلك يقال في الجبيرة، فمسح الجبيرة بدل عن غسل الجرح، ولم يجمع بين مسح الجرح وغسله، فتأمل.\nوأما قياسكم على تخفيف الحدث، في مشروعية غسل بعض الأعضاء، دون بعض، فكذلك غسلها في مسألتنا، فهذا الكلام ظاهره القوة، ولكن يعكر عليه ما يلي:\nأولًا: نحن نوجب أمرًا قياسًا على أمر مستحب، فإن كان الفرع له حكم الأصل، فالأصل غير واجب، فكيف يكون الفرع واجبًا، فتخفيف الحدث في غسل الجنابة للأكل والوطء مستحب، وليس بواجب، فكذلك ما قيس عليه ينبغي أن يكون كذلك.\nثانيًا: لو سلم هذا الفعل في الحدث الأكبر، وأن الجنب إذا قدر على الوضوء، وعجز عن الغسل فله أن يتوضأ بالماء، ويتيمم عن الجنابة، وهي مسألة سوف نتعرض لها إن شاء الله تعالى، فأين الدليل من الشرع على جريانه بالحدث الأصغر، وأن الرسول ﷺ قد عمد إلى تخفيف الحدث الأصغر بغسل بعض أعضائه، فلم يقع\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٤/ ٣٠).","vol":"5","page":97},{"text":"هذا منه ﷺ لا في حديث صحيح، ولا في حديث ضعيف أنه خفف الحدث الأصغر، فكيف نوجب على الإنسان أن يستعمل الماء في الحدث الأصغر على بعض أعضائه، وأن ذلك من باب تخفيف الحدث، قياسًا على تخفيف الحدث الأكبر، وهو أمر لم يحدث منه ﷺ قط، فلو تعبد أحد بتخفيف الحدث الأصغر بغسل بعض أعضاء الوضوء مع وجود الماء لقيل: إنه مبتدع (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2176> دليل من قال: يستعمل الماء، ثم يتيمم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2177>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦].\nفاشترط للتيمم عدم الماء، وهذا واجد للماء، ومن جهة أخرى، فإن كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، فلا يتيمم حتى يفرغ من استعمال الماء، فيكون تيممه عن الباقي من أعضائه مما لم يمسها الماء، لتحقق فقد الماء.\n• وأجيب:\nبأن المقصود بكلمة (فلم تجدوا ماء) أي ماء يطهره، ألا ترى أن وجود الماء النجس لا يمنعه من التيمم؛ ولأنه معطوف على ما سبق، وقد سبق بيان حكم الوضوء والاغتسال بالماء في أول الآية بقوله: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) إلى قوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، فأراد به جميع البدن، ثم قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي يقوم بجميع ما ذكر، فإن آخر الكلام مرتبط بأوله، فإذا لم يوجد هذا الماء الذي يقوم بجميع ما ذكر فإنه غير واجد لذلك الماء (^٢).\n_________\n(^١) نعم ورد في حديث علي تخفيف الوضوء في تجديد الوضوء، وليس في تخفيف الحدث الأكبر، حيث مسح أعضاء الوضوء بالماء، وقال: هذا وضوء من لم يحدث، وقد تكلمنا على الحديث في باب الوضوء، فارجع إليه مشكورًا.\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ١١٣).","vol":"5","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2178>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].\n(٩٥٧ - ٣٤) وروى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا إسماعيل: حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم (^١).\nفهذا مكلف قد أمر بالطهارة، واستطاع أن يأتي ببعضها، فهو مكلف بأن يأتي بما يستطيع، ويتيمم عن الباقي.\n• ويُجاب:\nبأن الحديث لم يسق في المسألة بخصوصها، ولو قيل: العبرة بعموم اللفظ فنقول إن هذا العموم غير مراد هنا، بدليل أن هناك أمورًا يكلف فيها الإنسان، ويكون المشروع إما أن يأتي بها كلها، أو يتركها كلها، فمن طلب منه صيام يوم، فلو استطاع أن يصوم بعضه لم يكلف به؛ لأن المطلوب صيام يوم كامل، وكذلك ما تقدم من الإطعام في الكفارة، فمن استطاع أن يطعم خمسة مساكين، والمطلوب إطعام العشرة لم يكلف بالإطعام، بل ينتقل إلى بدله، فكذلك في الطهارة، فالمطلوب أن يرتفع حدثه إما بالماء أو بالتيمم، وبعض الماء لا يرفع الحدث، فوجوده كعدمه، والتيمم كاف في رفع الحدث، فينتقل إليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2179> دليل من فرق بين الوضوء والغسل:</span>\nقالوا: إذا وجد ماء يكفي بعض الوضوء فلا فائدة من استعماله؛ لأن الحدث لا يرتفع لعدم الموالاة، ويفارق هذا الغسل من الجنابة؛ لأن الحدث يرتفع عن قدر\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٧٤٤)، ومسلم (٢٣٨٠).","vol":"5","page":99},{"text":"ما غسل؛ لأنه ليس من شرطها الموالاة (^١).\nهذا ما وقفت عليه من أدلة القوم: سواء من قال: يتيمم، ومن قال: يستعمل الماء، ثم يتيمم، وأما قول عطاء، بأنه لو وجد من الماء ما يغسل به وجهه، غسل وجهه، ومسح كفيه بالتراب، فلا هو فعل صفة التيمم المطلوبة، فيرتفع حدثه بالتيمم، ولا هو قام برفع حدثه بالماء، فجاء بطهارة جديدة ملفقة من طهارتين مختلفتين، فهذا قول لا أعرف له وجهًا من الشرع، ولا وجهًا من اللغة، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nأجد أن مذهب الحنفية والمالكية القائلين بأن الواجب هو التيمم أقوى من مذهب الشافعية والحنابلة، وإن كان في كل من القولين قوة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩٣).","vol":"5","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2180>المبحث الثالث لو كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأصغر يندرج في الأكبر.\n[م-٤٠٥] هذه المسألة سوف نبحثها وفقًا لمذهب الحنفية والمالكية؛ لأن مذهب الشافعية والحنابلة كما مر معنا في المسألة المتقدمة يوجبون استعمال الماء، مهما قَلَّ، فالمسألة مفروضة على مذهب من يشترط أن يكون الماء كافيًا للطهارة، وإلا انتقل إلى التيمم، فهل يقولون يتيمم عن الجنابة، ويتوضأ عن الحدث الأصغر باعتباره مقدورًا عليه؟ أو يقولون: يتيمم، ويدع الوضوء؛ لأن التيمم قد رفع الحدث، فلا حاجة إلى استعمال الوضوء؟.\nفقيل: يتيمم، ولا يستعمل هذا الماء في الحدث الأكبر، فإن أحدث بعد تيممه حدثًا أصغر توضأ، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يتيمم، وإذا أحدث حدثًا أصغر تيمم أيضًا، ولا يستعمل الماء، وهذا\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٢٦).","vol":"5","page":101},{"text":"مذهب المالكية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2181> دليل الحنفية:</span>\nبأن هذا الرجل قد ارتفع حدثه الأكبر بالتيمم، فلا يرجع إليه إلا بقدرته على الاغتسال، وقد قام به حدث أصغر، وهو قادر على الوضوء، فلا يرتفع هذا الحدث الأصغر إلا بالوضوء، فلزمه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2182> ودليل المالكية:</span>\nقالوا: الفرق بين الغسل للجنابة والتيمم للجنابة، في كون الوضوء شرع مع الغسل دون التيمم أمران:\nأحدهما: أن الوضوء من جنس الغسل، شرع بين يديه أهبة له، كالمضمضة والاستنشاق قبل الوضوء، والإقامة بين يدي الصلاة، والصدقة بين يدي النجوى، والوضوء ليس من جنس التيمم، فلا يشرع تهيؤ له.\nوثانيهما: أن أعضاء الوضوء أشرف الجسد لكونها موضع التقرب إلى الله، فكانت البداءة به أولى، والتيمم شرع في عضوين منها، فالوضوء يأتي عليهما وعلى غيرهما، فلا معنى للبداية بالوضوء (^٢).\nقلت: هذا الكلام وجيه في عدم استحباب الوضوء في تيمم الجنب، لكن لو أحدث حدثًا أصغر، فما الدليل على أنه لا يشرع له الوضوء بالماء مع القدرة عليه؟\nأجاب الحطاب في مواهب الجليل بقوله: «وإن تيمم الجنب، ثم أحدث، أو نام ثم وجد من الماء قدر الوضوء، لم يجزه الوضوء به؛ لأنه عاد جنبًا، وكذلك يعود بدخول وقت صلاة ثانية» (^٣).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٣٢).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٣٩).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٣٣٢).","vol":"5","page":102},{"text":"قلت: يعود جنبًا بوجود الماء الذي يكفي لرفع حدثه الأكبر، ولو قلنا: إنه يعود جنبًا بوجود هذا الماء القليل لما صح تيممه الأول عن الجنابة مع وجود الماء القليل، فلما ألغينا اعتبار وجود الماء في التيمم الأول عن الجنابة، يجب أن نلغي عود الجنابة ببقاء هذا الماء إلا أن يجنب، فإذا أحدث حدثًا أصغر توضأ عنه لقدرته على الوضوء، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2183>المبحث الرابع لو اجتمع حدث وخبث ووجد ماء يكفي أحدهما</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا تعارض واجبان قدم آكدهما، فلو كان معه ماء يكفي إحدى الطهارتين تعين تقديم طهارة الحدث؛ لأن الحدث لا يرتفع إلا بالماء، والخبث يزال بأي مزيل.\nوقيل:\n• يقدم طهارة الخبث؛ لأن الحدث له بدل وهو التيمم، والخبث لا بدل له، وما لا بدل له مقدم على ما له بدل.\n[م-٤٠٦] إذا كان المحدث على بدنه نجاسة، ووجد ماء يكفي إحدى الطهارتين، إما النجاسة أو رفع الحدث، فماذا يقدم؟\nقيل: يقدم إزالة النجاسة؛ لأنه لا بدل لها، بخلاف رفع الحدث، وهذا مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) قال في بدائع الصنائع (١/ ٥٧): «غسل به الثوب، وتيمم للحدث عند عامة العلماء».\n(^٢) قواعد، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ٩٤).\n(^٣) كتاب المسائل (١/ ١٩١).","vol":"5","page":104},{"text":"وقيل: يتوضأ به، ويصلي بالنجاسة، وهو قول أبي يوسف وحماد (^١)، واختاره بعض المالكية.\nقال في مواهب الجليل: «قال ابن عبد السلام: وأظن أني وقفت لأبي عمران على أنه يتوضأ، ويصلي بالنجاسة، وكان بعض أشياخي ينقله عنه، ويحتج بأن طهارة الخبث مختلف في وجوبها، وذكر ابن هارون أنه اختلف في ذلك، فقيل: يصلي بالنجاسة، ويتوضأ، وقيل: يزيل به النجاسة، ويتيمم، وجزم ابن رشد في رسم سلف من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب الطهارة، بأنه يزيل النجاسة، ويتيمم، وكذلك\nابن العربي وصاحب الطراز، ذكره في الكلام على سؤر ما لا يتوقى النجاسة.\nقال الحطاب: «وهذا إذا لم يمكنه جمع الماء من أعضائه طهورًا، وأما إن أمكنه جمعه طهورًا من غير تغير فإنه يتوضأ به، ويجمعه، ويغسل به النجاسة؛ لأنه طهور على المشهور» (^٢).\nقلت: جمع الماء المتساقط ليس معروفًا عن السلف.\nوقال العز أيضًا: «إذا وجد المحرم ما يكفيه لطهارة الحدث، أو لغسل الطيب العالق به، فإن يغسل به الطيب تحصيلًا لمصلحة التنزه منه في حال الإحرام، ويتيمم عن الحدث تحصيلًا لمصلحة بدل طهارة الحدث، ولو عكس ذلك لفاتت إحدى المصلحتين» (^٣).\nوهذه أخف من السابقة؛ لأن الطيب لا يعتبر نجاسة، وإن كان من المحظورات.\nوعندي أن القيام بالوضوء أهم من القيام بغسل النجاسة.\nأولًا: أن الوضوء فعل مأمور، وغسل النجاسة ترك محظور، وفعل المأمور\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥٧).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ١٥٤).\n(^٣) المرجع السابق.","vol":"5","page":105},{"text":"لا يسقط بالنسيان، بخلاف المحظور، فلو صلى بدون طهارة لم تصح صلاته، وطلب منه إعادة الفعل بخلاف ما لو صلى ناسيًا وجود النجاسة على بدنه، فإن صلاته صحيحة.\nثانيًا: أن طهارة الحدث شرط لصحة الصلاة بلا خلاف، بخلاف إزالة النجاسة فإنه مختلف فيها، هل التخلي عنها شرط أو واجب أو مستحب، وما اتفق على اعتباره أولى بالتقديم، والله أعلم.\nثالثًا: من اهتمام الشارع بطهارة الحدث أنه جعل لها بديلًا عند عدم الماء، وهذا لأهميتها، بينما طهارة الخبث لم يجعل لها بدلًا.\nرابعًا: أن طهارة الحدث لا يرفعها إلا الماء، وطهارة الخبث تزال بأي مزيل.\n* * *","vol":"5","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2184>الفصل الثاني في تعذر استعمال الماء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2185>المبحث الأول في تيمم المريض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• العلة في مشروعية التيمم هو العجز عن الوصول للماء نصًا، ويلحق به العجز الشرعي؛ لأن العجز الشرعي كالعجز الحسي.\n[م-٤٠٧] اختلف أهل العلم في تيمم المريض:\nفقيل: المريض لا يتيمم أصلًا مع وجود الماء، حتى ولو خشي التلف، وهذا القول منسوب إلى الحسن وعطاء (^١).\n• وحجتهما في ذلك:\nبأن الله أباح التيمم للمريض والمسافر بشرط عدم الماء، فقال تعالى: (وَإِن\n_________\n(^١) الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٠ - ٢١)، التمهيد لابن عبد البر (١٩/ ٢٩٤)، شرح البخاري\nلابن رجب (٢/ ٢٠٤)، المحلى لابن حزم (١/ ٣٤٦) مسألة: ٢٢٤، المجموع (٢/ ٣٢١)، المغني (١/ ١٦١).","vol":"5","page":107},{"text":"كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\nقال ابن عبد البر: «ولولا قول الجمهور، وما روي من الأثر (^١)، كان قول عطاء صحيحًا، والله أعلم» (^٢).\nوهذا القول ضعيف جدًا؛ لأنه لو لم يجز التيمم إلا لفقد الماء لكان ذكر المرض لا فائدة له.\nومن حيث المعنى، فإن فائدة وجود الماء: هو الاستعمال والانتفاع، وذلك بالقدرة على ذلك، فمعنى قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي: فلم تقدروا؛ ليتضمن ذلك الوجوه المتقدمة المذكورة: وهي المرض والسفر، فإن المريض واجد للماء صورة، ولكنه لما لم يتمكن من استعماله لضرر، صار معدمًا حكمًا؛ فالمعنى الذي يجمع نشر الكلام (فلم تقدروا على استعمال الماء) وهذا يعم المرض والصحة إذا خاف من أخذ الماء لصًا أو سبعًا، ويجمع الحضر والسفر، وهذا هو العلم الصريح، والفقه الصحيح، والأصوب بالتصحيح، ألا ترى أنه لو وجده زائدًا عن قيمته جعله معدمًا حكمًا، وقيل له: تيمم، فتبين أن المراد: هو الوجود الحكمي، وليس الوجود الحسي (^٣).\nوقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن المريض يباح له التيمم،\nقال السرخسي: «وأما إذا كان يخاف الهلاك باستعمال الماء، فالتيمم جائز له بالاتفاق» (^٤).\nوقال ابن عبد البر: «أجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب\n_________\n(^١) يقصد ابن عبد البر ﵀ ما جاء في تيمم عمرو بن العاص عن الجنابة حين خشي التلف.\n(^٢) التمهيد (١٩/ ٢٩٤).\n(^٣) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٥٥).\n(^٤) المبسوط (١/ ١١٢).","vol":"5","page":108},{"text":"فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر ...» (^١).\nوقال القاضي ابن رشد: «أمر الله ﷾ المسافر والمريض بالتيمم للصلاة عند عدم الماء، وأجمع أهل العلم على وجوب التيمم عليهما» (^٢).\nوحكاية الإجماع مع خلاف الحسن وعطاء فيه نظر، إلا أن ذلك مشروط بصحة نسبة هذا القول عنهما، إلا أن يقال: قد انعقد الإجماع بعدهما، فيمن يجوز الإجماع اللاحق ويمحي به الخلاف السابق، والله أعلم.\nوقد شكك في صحة هذا القول عنهما ابن رجب في شرحه للبخاري، فقال: «وهذا بعيد الصحة عنهما» (^٣).\nولم أقف على إسناد عنهما لأنظر في صحته، وإنما حكاه عنهم جماعة من أهل العلم منهم ابن المنذر والنووي وابن عبد البر وابن قدامة وابن حزم وغيرهم، وسبق العزو إليهم (^٤).\n_________\n(^١) الاستذكار (٢/ ٣)، التمهيد (١٩/ ٢٧٠).\n(^٢) مقدمات ابن رشد (١/ ١١١).\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٠٤).\n(^٤) فإن كان أخذ هذا القول عن الحسن لما رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٦١) حدثنا حفص، عن أشعث بن عبد الملك، عن الحسن، سئل عن الرجل اغتسل بالثلج، فأصابه البرد، فمات، فقال: يا لها من شهادة. إسناده صحيح.\nفالظاهر أنهم أخذوا مذهب الحسن من هذا النص؛ لأن ابن قدامة قال في المغني (١/ ١٦١): ونحوه أي: نحو قول عطاء، عن الحسن في المجدور الجنب قال: لا بد من الغسل.\nفإن كان ابن قدامة أخذ هذا من قول الحسن في الرجل يغتسل في الثلج فيموت، فاعتبر ذلك شهادة، ففيه ما فيه؛ لأن هذا إنما هو في اغتسال الصحيح، وليس في اغتسال المريض، وقد يغتسل الصحيح بالماء البارد فيمرض، وقد يغتسل ولا يحصل له شيء، فمن أين لنا أن هذا الرجل كان مريضًا، أو كان صحيحًا قد غلب على ظنه أنه لو استعمل الماء لخاف زيادة المرض، وأما ثناء الحسن على فعله، فكل ما يصيب الإنسان من نصب من جراء قيامه بالطاعات فهو له فيها أجر، على أن لا يتقصد العمل الشاق، إذا كان يمكنه أن يقوم بالعمل دون كلفة أو مشقة؛ لأن مقصود الشارع هو القيام بالعمل، وليس المقصود طلب المشقة، والله أعلم.","vol":"5","page":109},{"text":"وقد روي عن الحسن مسندًا خلاف هذا القول (^١).\nوقيل: يباح التيمم للمريض بالجملة، واختلفوا في المريض الذي يباح له التيمم:\nفقيل: يباح لكل مريض يجد أن في استعمال الماء حرجًا ومشقة، حتى ولو كان استعمال الماء لا يزيد في علته، ولا يؤخر البرء. وهذا منسوب إلى أهل الظاهر (^٢).\nوقيل: يباح التيمم إذا كان استعمال الماء يزيد في المرض أو يتسبب في تأخير البرء، وهو مذهب الجمهور (^٣)، وأحد القولين في مذهب الشافعي (^٤).\nوقيل: لا يباح التيمم إلا إذا كان يخشى التلف لنفسه، أو عضوه من استعمال الماء، أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس، أو العضو، أو فوات منفعة العضو، حكي هذا القول عن مالك (^٥)، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية (^٦)، ورواية عن أحمد (^٧).\n_________\n(^١) فقد روى ابن أبي شيبة (١/ ٩٦) حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن والشعبي، أنهم قالوا: في الذي به الجرح والمحصوب والمجدور يتيمم.\nوحفص يروي عن أربعة كل واحد منهم اسمه أشعث، أشعث بن سوار، وهو ضعيف، وأشعث بن أبي الشعثاء، وأشعث بن عبد الملك وأشعث بن عبد الله بن جابر، وهؤلاء ثقات، وكلهم يروون عن الحسن البصري، وإن كنت أميل إلى أنه أشعث بن سوار الضعيف؛ لأنه قد قرن معهما حماد بن أبي سليمان، وحماد لم أجد في تلاميذه عند المزي إلا أشعث بن سوار، والله أعلم.\n(^٢) المحلى (١/ ٣٤٦) مسألة: ٢٢٤، المجموع (٢/ ٣٢٩).\n(^٣) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ١٤٧)، المبسوط (١/ ١١٢).\nوانظر في مذهب المالكية: الذخيرة للقرافي (١/ ٣٣٩)، مواهب الجليل (١/ ١٥٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٣)، المنتقى للباجي (١/ ١١٠).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المبدع (١/ ٢٠٨)، الإنصاف (١/ ٢٦٥)، الكافي (١/ ٦٥).\n(^٤) المجموع (٢/ ٣٢٠).\n(^٥) المنتقى للباجي (١/ ١١٠).\n(^٦) المجموع (٢/ ٣٢٠).\n(^٧) الإنصاف (١/ ٢٦٥).","vol":"5","page":110},{"text":"وألحق المالكية والحنابلة بالمريض الصحيح إذا خشي نزلة أو حمى (^١).\nهذا ملخص الأقوال في المريض، رجعت إلى أربعة أقوال:\nالأول: لا يتيمم المريض مع وجود الماء، ولا يصح التيمم إلا مع فقد الماء، وهذا سبق ذكر دليله والرد عليه.\nالثاني: يتيمم المريض إذا كان في استعمال الماء حرج ومشقة، ولو لم يكن في استعمال الماء زيادة في المرض، أو تأخير للبرء.\nالثالث: يتيمم إذا خاف زيادة المرض، أو تأخير البرء.\nالرابع: لا يتيمم إلا أن يخاف التلف لنفسه، أو عضوه، أو فوات منفعة عضو من أعضائه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2186> دليل من قال: يكفي للتيمم وجود الحرج والمشقة، ولا يشترط الضرر:</span>\nاستدل بقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) [المائدة: ٦]، فذكر الأعذار المبيحة للتيمم، ثم قال: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) [المائدة: ٦].\nفقوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) فوجود فكل حرج ومشقة فالمقصد الشرعي من مشروعية التيمم للمريض ما ذكره الله ﷾ بقوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) فحرج: نكرة، في سياق النفي، فتعم نفي أي حرج ومشقة، فكل حرج ومشقة زائدًا عن المشقة المعتادة التي لا تنفك عن العبادة مع قيام المرض يبح له التيمم، ولم يوجد في الآية نص على اشتراط زيادة المرض باستعمال الماء، أو تأخير البرء، فهذان الشرطان زيادة على ما في الآية الكريمة،\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: الفواكه الدواني (١/ ١٥٣)، المنتقى للباجي (١/ ١١٠)، مواهب الجليل (١/ ١٥٣).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٢٦٥).","vol":"5","page":111},{"text":"وإذا كنتم تشترطون الضرر باستعمال الماء، فإن وجود الحرج والمشقة نوع من الضرر المعتبر شرعًا، وإذا كنا نبيح للمريض الفطر إذا شق عليه الصيام بسبب المرض، ولا نشترط أن يكون الصيام سببًا في زيادة المرض أو تأخير العافية، فكذلك في التيمم.\n• وقد يُجاب عن ذلك:\nبأن الحرج والمشقة لا ضابط لهما، وأن الناس يتفاوتون في هذا، فمنهم من يرى أن مس الماء البارد في ليالي الشتاء الباردة فيه حرج ومشقة حتى ولو لم يكن مريضًا، ومنهم من لا يشعر بالمشقة الكبيرة خاصة إذا كان ذلك على سبيل القربة، فلا بد من ضابط يمكن طرده لجميع الناس، فلا يصح التيمم إلا مع خوف الضرر من استعمال الماء، أو زيادة المرض.\n• ويرد على ذلك:\nبأن الناس كما هم متفاوتون في اعتبار الحرج والمشقة متفاوتون أيضًا في تقدير الضرر، والناس مؤتمنون على مثل ذلك، والخطأ في ذلك مغفور إذا عمل الإنسان بغلبة ظنه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2187> دليل من قال: يتيمم المريض إذا خاف زيادة المرض أو تأخر البرء:</span>\nيجب على الإنسان أن يحفظ بدنه من كل شيء يضره، وإذا أخبر طبيب حاذق بأن أكل المباح يلحق به ضرر في بدنه حرم عليه أكله، فكذلك الواجبات تسقط عن الإنسان إذا كان يترتب على القيام بها ضرر في بدنه أو في ماله، وزيادة المرض أو تأخير البرء لا شك أنه ضرر يلحق بالإنسان، فيجب عليه دفعه، وقد قال ﷾: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى) فأباح التيمم للمريض، ومعلوم أن المرض الذي لا يتأثر من استعمال الماء كالصداع ووجع الضرس هو والصحيح سواء في استعمال الماء، وبالتالي لا يباح له التيمم، كما أن اشتراط خوف التلف لم يذكر في الآية.\nوإذا كان خوف التلف يبيح التيمم فكذلك خوف المرض؛ لأن المرض محذور","vol":"5","page":112},{"text":"كما أن التلف محذور،\nوإذا كان كثير من الفقهاء يقولون: إذا زاد الماء على قدر قيمته لم يلزمه شراؤه صيانة للمال، في الوقت الذي يلزمونه بالتيمم ولو كان ذلك سببًا في زيادة المرض وتأخير البرء، أليس حفظ البدن أولى من حفظ المال؟ (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2188> دليل من قال: يشترط خوف التلف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2189>الدليل الأول:</span>\nمن الكتاب قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥].\nوقال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: ٢٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2190>الدليل الثاني:</span>\n(٩٥٨ - ٣٥) من السنة ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن ابن جبير،\nعن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: ٢٩]، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئًا.\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) انظر تفسير القرطبي (٥/ ٢١٧).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر حديث رقم: (٩٣٥) من هذا الكتاب.","vol":"5","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2191>الدليل الثاني:</span>\n(٩٥٩ - ٣٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء،\nعن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب - شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (^١).\n[ضعيف، وزيادة (ويعصر أو يعصب) ثم يمسح عليها زيادة منكرة] (^٢).\nوجه الاستدلال من الحديثين:\nأن الرسول ﷺ، أنكر على عمرو بن العاص ﵁ أن يصلي بأصحابه، وهو جنب، وحين ذكر له أنه خشي على نفسه الهلكة أقره ﵊، ومثله إنكاره ترك التيمم في الحال الذي يخشى على نفسه من الهلكة، فلا يتيمم الإنسان إلا في مثل هذه الحالة.\n• ويُجاب:\nنحن لا ننكر أنه إذا خاف على نفسه الهلكة أنه يشرع له التيمم، ولكن أين الدليل على أنه لا يشرع التيمم إلا في مثل هذه الحالة، وكما سبق وذكرنا إذا كان خوف التلف محذورًا، فكذلك خوف المرض وطول مدته محذور أيضًا، وليس في كتاب الله إلا اشتراط المرض.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٣٦).\n(^٢) سبق تخريجه انظر المجلد الثالث، ح: (٦٧٠).","vol":"5","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2192>الدليل الثاني:</span>\nفرض الوضوء متيقن، وزيادة المرض أو تأخير البرء غير متحققة، فلا يجوز ترك الفرض المتيقن للخوف المشكوك فيه.\n• ويُجاب عن ذلك:\nبأن مثل هذا القول قد يقال حتى في حال خوف التلف، فيقال: فرض الوضوء متيقن، وخوف التلف مشكوك فيه، ولا يترك اليقين للشك.\n• الراجح من الخلاف:\nالذي أميل إليه هو ما اختاره ابن حزم، وأن المريض إذا كان يلحقه مشقة وحرج باستعمال الماء فإنه يشرع له التيمم ولو لم يترتب على استعمال الماء زيادة في مرضه أو في طول مدته، كما يقال للمريض الصائم إذا كان يشق عليه الصيام فله الفطر، ولا فرق، وهذا هو ما يحقق المقصود الشرعي من مشروعية التيمم، وهو نفي الحرج (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) [المائدة: ٦].\nوالمشاق في العبادة على قسمين:\nالأول: مشقة لا تنفك عن العبادة، كالوضوء، والغسل في البرد، والصوم في نهار الصيف، والمخاطرة بالنفس بالجهاد، فمثل هذا لا يوجب تخفيفًا في العبادة؛ لأنها قررت معه.\nالثاني: تنفك عن العبادة، وهي ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: نوع في المرتبة العليا، كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع، فهذا يوجب التخفيف؛ لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة، فلو حصلنا هذه العبادة طلبًا لثوابها لذهب أمثالها.\nونوع في المرتبة الدنيا: كأذى وجع في أصبع، فتحصيل هذه العبادة أولى من درء","vol":"5","page":115},{"text":"هذه المشقة، لشرف العبادة وخسة هذه المشقة.\nالنوع الثالث: مشقة بين هذين النوعين، فما قرب من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا لم يوجب، وما توسط يختلف فيه لتجاذب الطرفين له (^١)، فإذا وجدت مشقة في تحصيل القيام في الصلاة، وكان إدراك القيام سببًا في التأثير على الخشوع سقط القيام، وإن كان يمكنه أن يفعل، ولكن مع المشقة العظيمة، وإذا كان يشق على المريض الصيام بسبب المرض، ويجد من ذلك حرجًا ومشقة أبيح له الفطر، ولو كان يمكنه أن يقوم بالصيام ولكن مع المشقة الكبيرة، وهكذا نقول في التيمم، إذا كان يلحقه باستعمال الماء مشقة كبيرة، أبيح له التيمم بصرف النظر هل التيمم يزيد في مرضه أو يؤخر في برئه، والله أعلم.\nفإن قيل: ما ضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها؟\nذكر القرافي في الذخيرة ما معناه: إذا سألنا الفقهاء عن ذلك، قالوا: يرجع إلى العرف، فيحيلون على غيرهم، ويقولون: لا نحد ذلك، فلم يبق بعد الفقهاء إلا العوام، والعوام لا يصح تقليدهم في الدين.\nجوابه: هذا السؤال له وقع عند المحققين، وإن كان سهلًا في بادي الرأي، ونحن نقول: ما لم يرد الشرع بتحديده يتعين تقريبه بقواعد الشرع؛ لأن التقريب خير من التعطيل لما اعتبره الشرع، فنقول: على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال، ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى، جعله مسقطًا، وإن كان أدنى لم يجعله، مثاله: التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بحديث كعب بن عجرة، فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح، وإلا فلا، والسفر مبيح للفطر بالنص، فيعتبر به غيره من المشاق، والعبادات مشتملة على مصالح المعاد، فلا يليق تفويتها بمسمى المشقة، ولذلك\n_________\n(^١) الذخيرة للقرافي (١/ ٣٤٠).","vol":"5","page":116},{"text":"قال رسول الله ﷺ: أجرك على قدر نصبك، فيحرص العبد على العبادة مع المشقة المحتملة، وإذا كانت المشقة كبيرة غير محتملة إلا بجهد ونصب؛ فإنه حينئذ له أن يترخص برخص الله ﷾، وإذا ترك العمل لعذر كتب له ما كان يعمل صحيحًا كما جاء في الحديث الصحيح، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2193>المبحث الثاني في تيمم الصحيح إذا كان محتاجًا للماء لشرب ونحوه</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل من خاف على نفسه عطشًا، أو تلفًا أو مرضًا من استعمال الماء، فالتيمم مباح له، ولو مع وجود الماء؛ لأن العجز الشرعي كالعجز الحسي.\n• المآل معتبر كالحال، فيجوز لمن معه ماء يحتاج إلى شربه في المآل أن يتيمم تنزيلًا للضرر المتوقع منزلة الواقع.\n• حفظ النفس واجب ما أمكن.\n• الرخص تبنى على الاحتياط.\n[م-٤٠٨] الرجل إذا كان معه ماء، ويحتاج إليه لشرب ونحوه، كأن يخاف على نفسه العطش، أو يخاف على رفيقه، أو على ذي حياة محترم من ذمي، أو مستأمن، أو دابة، فإنه يجب عليه التيمم، ويحرم عليه الوضوء.","vol":"5","page":118},{"text":"وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة (^١)،\nوالثوري (^٢)، وإسحاق (^٣)، وحكى ابن المنذر الإجماع على هذا.\nقال ابن المنذر: «أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا خشي على نفسه العطش، ومعه مقدار ما يتطهر به من الماء، أنه يبقي ماءه للشرب، ويتيمم» (^٤).\nومستند هذا الإجماع قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩].\nوقياسًا على المريض، بجامع أن كلًا منهما خائف على نفسه.\nوقال النووي: «وأما إذا كان الحيوان غير محترم، كالحربي، والمرتد، والخنزير، والكلب، وسائر الفواسق الخمس المذكورة في الحديث، وما في معناها فلا يجوز صرف الماء إلى سقيها بالاتفاق، بل يجب الوضوء به، فإن سقاها وتيمم أثم» (^٥).\nفإن كانت المسألة بالاتفاق كما قال النووي فالحجة ما حكاه من قيام الاتفاق، وإن لم يكن هناك اتفاق ففي كلام النووي نظر،\n(٩٦٠ - ٣٧) فقد روى البخاري من طريق أبي صالح،\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (١/ ١١٤)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٥٤)، فتح القدير (١/ ١٣٤)، الجوهرة النيرة (١/ ٢١).\nوفي مذهب المالكية، جاء في المدونة (١/ ٤٦): «قال مالك: من كان معه ماء، وهو يخاف العطش إن توضأ به، قال: يتيمم، ويبقي ماؤه». وانظر القوانين الفقهية (ص: ٢٩).\nوقال الشافعي في الأم (١/ ٤٤): «إذا وجد الجنب ماء يغسله، وهو يخاف العطش، فهو كمن لم يجد ماء». وانظر المجموع (٢/ ٢٨١).\nوفي مذهب الحنابلة: انظر مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (١/ ١٢٨)، ومسائل أحمد رواية\nابن هانئ (٦٧)، المغني (١/ ١٦٥)، كشاف القناع (١/ ١٦٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٩١).\n(^٢) الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٩).\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) الأوسط (٢/ ٢٨).\n(^٥) المجموع (٢/ ٢٨٢).","vol":"5","page":119},{"text":"عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرًا، فشرب منها، ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا. قال: في كل كبد رطبة أجر. ورواه مسلم أيضًا (^١).\nفعموم: (في كل كبد رطبة أجر) يشمل كل ما استثناه النووي رحمه الله تعالى.\n(٩٦١ - ٣٨) وروى البخاري من طريق عوف، عن الحسن وابن سيرين،\nعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث، قال: كاد يقتله العطش، فنَزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك. ورواه مسلم بنحوه (^٢).\nوكون المرتد يجب قتله من قبل الحاكم هذا لا يوجب أبدًا تركه يتعذب ويموت عطشًا، وربما رجع عن ردته قبل قتله، نعم في الحربي إذا خاف منه على نفسه أو على المسلمين إذا سقاه أن يتقوى على ذلك لا يجوز سقيه، دفعًا لضرره، وليس عقوبة له، وإن تمكن من قتله فهو أولى من تركه يموت عطشًا، وإن لم يخش على نفسه، ولا على المسلمين منه، وكان من بلد يتولى القتال فيها الجند، ولم يكن منهم لم يتركه يموت عطشًا، والله أعلم.\nوذهب بعض المالكية بأن الكلب غير المأذون فيه والخنزير إن قدر على قتلهما وإلا ترك الماء لهما، ولا يعذبان بالعطش (^٣). وهذا أقوى من كلام النووي رحمة الله\n_________\n(^١) البخاري (٢٣٦٣)، ومسلم (٢٢٤٤).\n(^٢) البخاري (٣٣٣١)، ومسلم (٢٢٤٥).\n(^٣) انظر حاشية العدوي على شرح الكفاية (١/ ٢٢٣)، وقال الدسوقي في حاشيته (١/ ١٤٩): «ومثلهما -يعني مثل الكلب غير المأذون فيه والخنزير- الجاني إذا ثبت عند الحاكم جنايته، وحكم بقتله قصاصًا فلا يدفع إليه الماء، ويتيمم صاحبه، بل يعجل بقتله، فإن عجز عنه دفع الماء له».","vol":"5","page":120},{"text":"عليهما جميعًا.\nوالمالكية يقسمون الخوف من العطش تقسيمًا جيدًا، فيذكرون أن خوف العطش: تارة يخاف منه، ولم يتلبس به، وتارة يكون متلبسًا به،\nفإن خاف العطش سواء كان الخوف متيقنًا أو غلب على ظنه العطش، وخاف هلاكًا، أو أذى شديدًا، فإنه يجب عليه التيمم، ويحبس الماء لدفع العطش.\nوإن غلب على ظنه أنه يلحقه أذى، وإن لم يكن شديدًا، فإنه يجوز له التيمم، ولا يجب عليه.\nوإن شك في ذلك فلا يتيمم، ومن باب أولى إن توهم ذلك.\nوإن كان متلبسًا بالعطش بالفعل، وخاف الضرر عليه فإنه يتيمم مطلقًا، تحقق الضرر أو ظنه أو شك فيه أو توهمه؛ لأن التلبس بالعطش مظنة الضرر (^١).\nويلحق بالخوف على نفسه من العطش، الخوف على نفسه من اللصوص، أو السباع إذا خرج إلى الماء، كما أنه لا فرق بين الخوف على نفسه، أو الخوف على غيره من رفيق ودابة ونحوهما.\nقيل للإمام أحمد كما في مسائل ابن هانئ: «الرجل معه إداوة من ماء لوضوئه، فيرى قومًا عطاشًا، أحب إليك أن يسقيهم، ويتيمم، أو يتوضأ؟\nقال: يسقيهم، ثم ذكر عدة من أصحاب النبي ﷺ أنهم تيمموا، وحبسوا الماء لسقياهم» (^٢).\nونقل هذا ابن قدامة في المغني، وعارضه بقول أبي بكر والقاضي حيث قالا: لا يلزمه بذله؛ لأنه محتاج إليه.\nفتعقبه ابن قدامة بقوله: «إن حرمة الآدمي تقدم على الصلاة، بدليل ما لو رأى\n_________\n(^١) انظر حاشية العدوي على شرح الكافية (١/ ٢٢٣).\n(^٢) مسائل ابن هانئ (٦٧).","vol":"5","page":121},{"text":"حريقًا أو غريقًا في الصلاة عند ضيق وقتها لزمه ترك الصلاة، والخروج لإنقاذه، فلأن يقدمها على الطهارة بالماء أولى» (^١).\nوجاء في مسائل أبي داود: «قلت لأحمد: المرأة تكون في القرية، والماء عنده مجتمع الفساق، فتخاف أن تخرج، أتتيمم؟ قال: لا أدري» (^٢).\nولعل الإمام أحمد رأى أن هذا الأمر قد يكون من المرأة من قبيل توهم الخوف الذي لا حقيقة له، وإلا فإن المرأة إذا خافت على عرضها حرم عليها الخروج؛ لأن المحافظة على العرض أولى من تحصيل الطهارة بالماء، وإذا كان يشرع له التيمم إذا خاف على ماله من اللصوص، فلأن يشرع له التيمم إذا خاف على عرضه من باب أولى فأولى.\nكما جاء في مسائل أحمد ﵀: «قلت لأحمد: الذي يخاف أن يأتي الماء أيتيمم؟ قال: مم يخاف؟ قلت: من لا شيء، خاف هو بالليل. قال: رجل يخاف السبع؟ قلت: ليس سبع. فقال أحمد: لا بد من أن يتوضأ» (^٣).\nقلت: الخوف من الليل هو نوع من المرض، والمرض يبيح التيمم، ومقصود الشرع من مشروعية التيمم رفع الحرج، وتكليف هذا الرجل بالوضوء مع مرضه هذا يلحقه أذى نفسي شديد، فلا أرى حرجًا من تيمم هذا الرجل، وأكثر من يخاف من الليل أصحاب الأمراض النفسية المسمى في عصرنا بالاكتئاب، ويصيب كبار السن أكثر من غيرهم، فتجدهم يخافون من الظلمة، وإذا سألتهم مم يخافون؟ قالوا: لا ندري، وقد يكون نتيجة تغيرات في خلايا المخ بسبب الهرم، أسأل الله لنا ولهم السلامة والعافية.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٦٥).\n(^٢) مسائل أبي داود (١٢١).\n(^٣) مسائل أحمد برواية أبي داود (١٢٢).","vol":"5","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2194>المبحث الثالث في الماء يباع بأكثر من ثمنه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الزيادة اليسيرة على ثمن المثل لا أثر لها.\n• إذا وجد الماء بأكثر من ثمن المثل نزِّل الماء في حقه منزلة العدم؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة.\n• حرمة المال مقدمة على حرمة العبادة؛ لأن الطهارة بالماء لها بدل بخلاف تلف المال، ولهذا قالوا: ما لا بدل له مقدم على ما منه بدل، فلو وجد ثوبًا وماء يباعان، وهو محتاج إليهما في الصلاة، ومعه ثمن أحدهما فقط؛ لزمه شراء الثوب؛ لأنه لا بدل له، ولا يلزمه شراء الماء للطهارة؛ لأن له بدلًا، وهو التيمم.\n[م-٤٠٩] إذا وجد الرجل الماء يباع، فإما أن يباع بأكثر من ثمنه، أو يباع بثمنه بدون زيادة،\nفإن بيع بثمنه، وهو واجد للثمن، غير محتاج إليه لزمه شراؤه، كما يلزمه شراء","vol":"5","page":123},{"text":"الرقبة في الكفارة، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (^١).\nوقال النووي: يلزمه شراؤه بلا خلاف (^٢).\nوقيل: ليس عليه شراؤه لا بما قل ولا بما كثر، فإن اشتراه لم يجز الوضوء به، ولا الغسل، وفرضه التيمم، وله أن يشتريه للشرب إن لم يعطه بلا ثمن. وهو اختيار\nابن حزم ﵀ (^٣).\n(٩٦٢ - ٣٩) واستدل ابن حزم ﵀ بما رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير،\nعن جابر ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء (^٤).\n(٩٦٣ - ٤٠) وبما رواه ابن ماجه من طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار (^٥).\n[صحيح] (^٦).\nوإنما جعل الشرع الناس شركاء في الماء، والكلأ والنار؛ لأنها أسباب الحياة: حياة\n_________\n(^١) انظر: شرح العناية على الهداية (١/ ١٤٢)، بدائع الصنائع (١/ ٤٨ - ٤٩)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٤٢)، المدونة (١/ ٤٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٨٨)، منح الجليل (١/ ١٤٨)، الخرشي (١/ ١٨٩)، المجموع (٢/ ٢٩٣)، الإنصاف (١/ ٢٦٩)، الكافي (١/ ٦٦)، كشاف القناع (١/ ١٦٥).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٩٢).\n(^٣) المحلى (١/ ٣٦٠) مسألة: ٢٤١.\n(^٤) صحيح مسلم (١٥٦٥).\n(^٥) سنن ابن ماجه (٢٤٧٣).\n(^٦) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٨١): «هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، محمد بن عبد الله بن يزيد المقري أبو يحيى، وثقه النسائي، وابن أبي حاتم، ومسلمة الأندلسي، والخليلي، وغيرهم، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين».\nوصحح إسناده الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (١٣٠٤).\nوقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٩٨): رواه ابن ماجه بإسناد جيد.","vol":"5","page":124},{"text":"الإنسان، وحياة الحيوان، وما كان سببًا في حياة الناس فلا يجوز احتكاره كالهواء.\nوهذه المسألة: «أعني بيع فضل الماء فيه خلاف بين الفقهاء، وقد بحثت هذه المسألة في المعاملات المالية أصالة ومعاصرة، ويكفي الإشارة في ذلك إلى الأقوال الفقهية، فأقول:\nقال القرطبي: «ماء الأنهار والعيون، وآبار الفيافي التي ليست بمملوكة، فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي في ذلك» (^١).\nكما أن الماء إذا استخرجه الإنسان وحازه في إناء ونحوه جاز له بيعه، وإذا جمع الكلأ وحصده، فقد ملكه، وصح له بيعه.\nومثل الكلأ الحطب، فإذا جمعه صار مالكًا له، وجاز بيعه» (^٢).\nقال القرطبي في المفهم: «المسلمون مجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلًا فقد ملكه، وأن له بيعه، وأما ماء الأنهار والعيون وآبار الفيافي التي ليست بمملوكة فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي لذلك، وأما فضل ماء في ملك فهذا هو محل الخلاف، فهل يجبر على بذل فضله، أو لا يجبر، وإذا أجبر فهل هو بالقيمة أم لا؟ وسبب الخلاف معارضة النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتيج إليه».\nكما يجوز بيع البئر وحده دون الأرض، ويجوز بيع الأرض وفيها بئر،\nودليل ذلك ما رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم،\nقال البخاري: وقال عثمان: قال النبي ﷺ: من يشتري بئر رومة، فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، فاشتراها عثمان ﵁.\n_________\n(^١) المفهم (٤/ ٤٤١).\n(^٢) عمدة القارئ للعيني (١٢/ ١٩٠).","vol":"5","page":125},{"text":"فالماء إذا كان نابعًا في أرض مباحة فهو مشترك بين الناس، وإن كان نابعًا في ملك رجل، فهل يجوز بيعه، أو لايجوز، فيه خلاف، والخلاف مبني على مسألة أخرى: هل يملك أو لا يملك؟\nومذهب الجمهور على أن الإنسان إذا حاز الماء من البئر واستخرجه منه فقد ملكه، وجاز له بيعه،\n(٩٦٤ - ٤١) واستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه،\nمن حديث الزبير ابن العوام، عن النبي ﷺ قال: لأن يأخذ أحدكم أحبلًا، فيأخذ حزمة من حطب، فيبيع، فيكف الله بها وجهه خير من أن يسأل الناس، أعطي أم منع (^١).\nفإذا أذن الشرع في بيع الحطب، مع أن الشرع جعل الناس شركاء في الكلأ، فيحمل ذلك على أن الأمر قبل احتطابه، فكذلك الماء، إذا استخرجه من البئر في الأرض المباحة جاز له بيعه، وإن كانت البئر في أرضه فهو أحق بالماء إذا كان محتاجًا إليه، وإن كان غير محتاج إليه وجب بذله، ولا يجوز بيعه، ما دام الماء نقعًا في البئر، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٢٣٧٣).\n(^٢) القول الذي ذكرناه هو قول الجمهور، وأنه لا يجوز بيع الماء ما دام في البئر، مستدلين بعموم الأحاديث السابقة: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الماء.\nولأن مياه الآبار في الأعم الأغلب متصلة بالمجرى العام للمياه، فهي تأتي إليه من غير أرضه إلى ملكه، فأشبه الماء الجاري في النهر يأتي إلى ملكه، فله حاجته منه، وما فضل يجب بذله، وهذا القول هو قول في مذهب الحنفية، ومذهب المالكية والحنابلة.\nانظر بدائع الصنائع (٦/ ١٨٨)، الذخيرة (٦/ ١٦٦)، التمهيد (١٣/ ١٢٨)، المغني لابن قدامة (٤/ ٧١)، الكافي في فقه أحمد (٢/ ٤٤٥)، المبدع (٥/ ٢٥٣)، المحرر (١/ ٣٦٨).\nوذهب الشافعية إلى أنه يجوز له أن يمنع الناس منه ما دام أن الماء قد نبع في ملكه، انظر روضة الطالبين (٥/ ٣١٠)، المهذب (١/ ٤٢٨)\nوقال النووي في شرح مسلم (١٥٦٥): واعلم أن المذهب الصحيح أن من نبع في ملكه صار مملوكًا له، وحملوا حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء، إما على أن النهي للتنزيه، أو يحمل حديث جابر على حديث أبي هريرة في مسلم (١٥٦٦): «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ» فيكون معنى الحديث أن تكون لإنسان بئر مملوكة في أرض موات، لا مالك لها، وفيها ماء فاضل عن حاجته، ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذه، فلا يمكن لأصحاب المواشي رعيه إلا إذا حصل لهم السقي من هذه البئر، فيحرم عليه منع فضل هذا الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض؛ لأنه إذا منع بذله امتنع الناس من رعي ذلك الكلأ خوفًا على مواشيهم من العطش، ويكون بمنعه الماء مانعًا من رعي الكلأ، وعليه قال الشافعي: يجب بذل الماء بالفلاة بشروط: الأول: أن لا يكون هناك ماء آخر يستغنى به. الثاني: أن يكون بذل الماء لحاجة الماشية، لا لسقي الزرع. الثالث: أن لا يكون مالكه محتاجًا إليه.\nومذهب الجمهور أصح، والله أعلم.","vol":"5","page":126},{"text":"هذا فيما يتعلق بالخلاف في جواز شراء الماء للوضوء، وأن الراجح مذهب الجمهور، وهو جواز شراء الماء للوضوء، وصحة بيع الماء إذا حازه الإنسان من الآبار ونحوها. وحتى لو صححنا مذهب ابن حزم ﵀ في عدم جواز بيع الماء للتيمم، فإن الإنسان إذا منع حقه، فاشتراه فإن له أن يتوضأ به، والإثم على من منع بذله إلا بالمال، مثله مثل ما إذا احتاج إلى كلب صيد، ولم يبذل له إلا بالمال فإن له أن يشتريه، والإثم على من منعه بذل هذا الكلب إلا بالبيع.\nهذا فيما يتعلق بالخلاف فيما إذا وجد الماء يباع من غير زيادة في ثمنه.\n[م-٤١٠] وإن وجد الرجل الماء يباع بأكثر من ثمنه، فهل يجب عليه شراؤه، أو يتيمم؟\nاختلف أهل العلم في هذا.\nفقيل: يلزمه الشراء، ولو كان بجميع ماله، ذهب إلى هذا الحسن البصري رحمه الله تعالى (^١).\n_________\n(^١) ذكر هذا مذهبًا للحسن البصري ﵀ كل من صاحب المجموع (٢/ ٢٩٣)، وبدائع الصنائع (١/ ٤٨).","vol":"5","page":127},{"text":"وقيل: إذا زاد ثمن الماء عن قيمته، فإن كان الغبن يسيرًا، وجب عليه شراؤه، وإن كان فاحشًا فله أن يتيمم، وهذا هو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\nونظر المالكية إلى اعتبار المشتري، فقالوا: إن كان قليل الدراهم تيمم، أي حتى ولو عرض الماء بثمن المثل، وإن كان يقدر على الشراء فليشتره ما لم يرفعوا عليه في الثمن (^٣).\nوقيل: لا يلزمه الشراء إذا زاد عن ثمن المثل، ولو كان يسيرًا، وهذا مذهب الشافعية (^٤)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) واختلف الحنفية في تفسير الفاحش، ففي النوادر: جعله في تضعيف الثمن، وقال بعضهم: هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين. انظر شرح العناية على الهداية (١/ ١٤٢)، بدائع الصنائع (١/ ٤٨ - ٤٩)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٤٢).\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ٢٦٩): «يباح له التيمم إذا وجد الماء يباع بزيادة كثيرة على ثمن مثله، هذا المذهب .... ومفهوم قوله: إلا بزيادة كثيرة، أن الزيادة لو كانت يسيرة يلزمه شراؤه، وهو الصحيح، وهذا المذهب، وعليه أكثر الأصحاب». اهـ وانظر شرح منتهى الإرادات (١/ ٩٢).\n(^٣) جاء في المدونة (١/ ٤٦): «وسألت مالكًا عن الجنب لا يجد الماء إلا بثمن؟ قال: إن كان قليل الدراهم، رأيت أن يتيمم، وإن كان موسعًا عليه يقدر، رأيت أن يشتري ما لم يكثر عليه في الثمن، فإن رفعوا في الثمن يتيمم ويصلي». اهـ\nواختلف المالكية في المقدار الذي إذا رفع امتنع من الشراء، فقيل: إذا زيد عليه أكثر من الثلث، لم يلزمه، وإن كانت الزيادة من الثلث فأقل لزمه شراؤه، اختاره عبد الحق من المالكية.\nوقال اللخمي: محل الخلاف إذا كان الثمن له بال، أما لو كان بمحل لا بال لثمن ما يتوضأ به فيه، كما لو كان ثمنه فلسًا فإنه يلزمه شراؤه، ولو زيد عليه في الثمن مثل ثلثيه اتفاقًا». انظر حاشية الدسوقي (١/ ٥٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٨٨)، منح الجليل (١/ ١٤٨)، الخرشي (١/ ١٨٩). كما نص المالكية بأنه إذا كان الرجل مليًا في بلده، فعليه أن يشتري المال ولو بذمته، إن وجد من يقرضه.\n(^٤) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٩٣): قال أصحابنا: «سواء كثرت الزيادة عن ثمن المثل أو قلت، لا يلزمه الشراء، هذا هو الصحيح المشهور، وبه قطع الجمهور في كل الطرق، ونص عليه الشافعي ﵀ في الأم. وفيه وجه آخر أنه يجب شراؤه بزيادة يتغابن الناس بها، وبه قطع البغوي، وحكاه المتولي عن القاضي حسين بعد حكايته عن الأصحاب أنه لا فرق». وانظر: المنثور في القواعد (٢/ ١٨٣)، البحر المحيط (٢/ ٣٥).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٢٦٩).","vol":"5","page":128},{"text":"وقيل: إن كان ذا مال كثير، ولا تجحف به الزيادة لزمه الشراء، ولو كانت الزيادة كثيرة، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2195> دليل الحسن على وجوب شراء الماء ولو بماله كله:</span>\nهذا القول انفرد به الحسن عن بقية العلماء، ولعل دليله، أن الله ﷾ شرط للتيمم عدم وجود الماء بقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، وهذا واجد للماء، ثم إن المال إذا ذهب لتحصيل شرط الصلاة لم يكن مبذرًا ولا مسرفًا؛ وذلك لأنه صرفه في أعظم الأعمال بعد الشهادتين، وهو الصلاة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2196> دليل الجمهور على أن الزيادة إذا كانت فاحشة تيمم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2197>الدليل الأول:</span>\nدلت النصوص القطعية على حرمة مال المسلم، وأن حرمة ماله كحرمة نفسه، والضرر في النفس مسقط، فكذلك الضرر في المال (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2198>الدليل الثاني:</span>\nأن التفريق بين الغبن اليسير والغبن الفاحش مقرر في الشرع، وأن الناس قد يقع بينهم مثل ذلك في معاملاتهم، ولا يعدون ذلك موجبًا لفسخ البيع، فالمصير إليه متعين في وجوب شراء الماء.\nوالعجب أن الشافعية يوجبون التيمم، ولو كان ذلك يلحق بالبدن ضررًا كبيرًا من زيادة في المرض أو تأخير في البرء، ولا يجيزون التيمم إلا مع خوف تلف النفس أو العضو، مع أن زيادة المرض نوع من الضرر يلحق بالبدن، ويجيزون التيمم إذا لحق المال ضرر يسير، مع أن الأولى مراعاة البدن على مراعاة المال.\n_________\n(^١) قال في الإنصاف (١/ ٢٦٩): «وعنه إن كان ذا مال كثير لا تجحف به زيادة لزمه الشراء». إلخ كلامه ﵀.\n(^٢) انظر العناية شرح الهداية (١/ ١٤٢).","vol":"5","page":129},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2199> دليل المالكية على اعتبار الثلث:</span>\nالمالكية يجعلون الزيادة على الثلث في كثير من الأمور فرقًا بين القليل والكثير، ويستدلون بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁، (٩٦٥ - ٤٢) فقد روى البخاري من طريق عامر بن سعد، عن سعد، قال: كان النبي ﷺ يعودني، وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال، أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ... الحديث، والحديث رواه مسلم (^١).\nومع أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يستثني الإنسان من ماله مقدار الثلث، وبين أن يأخذ الأجنبي من ماله الثلث فأكثر، كما أن هذا قيل في باب الوصية، فسحب هذا الحكم على كل شيء في أبواب الفقه، في العبادات والمعاوضات، فيجعل ما زاد على الثلث كثير في كل شيء فيه تكلف، وفيه قياس أمور على أخرى دون أن يكون هناك علة جامعة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2200> دليل من قال: يلزمه الشراء إذا كان ذا مال ولا تجحف به الزيادة:</span>\nأن الله ﷾ شرع التيمم بشرط المرض، أو عدم الماء، فقال تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) إلى قوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فكان المعتبر إما عدم الماء، أو دفع الضرر كما لو كان مريضًا، وإذا كان المعتبر مع وجود الماء هو دفع الضرر، فإن صاحب المال الكثير لن يضره بذل الماء، ولو زاد على ثمنه كثيرًا، وبالتالي لا يشرع له التيمم، ما دام أن الضرر أو عدم الماء غير موجود، وقياسًا على الإسراف، فإن الإسراف في المجتمعات الفقيرة قد يكون من التقتير في المجتمعات الغنية، والله أعلم.\n_________\n(^١) البخاري (٥٣٥٤)، ومسلم (١٦٢٨).","vol":"5","page":130},{"text":"• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض الأقوال، وحجة كل قول نجد أن أضعف الأقوال هو قول الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى، وهو وجوب بذل المال كله في شراء الماء، حتى ولو كان ذلك يلحق الضرر به.\nكما أن مذهب الشافعية الذي يعتبرون أدنى زيادة في قيمة الماء تجيز للإنسان أن يتيمم، ولو كان ذا مال كثير، هو قول ضعيف أيضًا.\nبقي قول الجمهور بأن الغبن إذا كان فاحشًا فإن له أن يتيمم، وقول من قال: يشتريه ولو كان الغبن فاحشًا إذا كان ذا مال، وكانت الزيادة لا تضره، فهذا القولان لهما حظ من النظر، وأجد نفسي تميل إلى اعتبار الضرر بقيمة الماء، فإن كانت قيمة المال تضره لم يجب عليه الشراء، ولو كان الماء بثمن المثل، وإن كانت لا تضره فإنه يجب عليه الشراء، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2201>المبحث الرابع في قبول الرجل هبة الماء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• بذل الماء للطهارة يختلف عن بذل سائر الأموال، فالماء إذا بذل بلا سؤال لم يكن فيه منة غالبًا فيجب قبوله.\n• قد يكون الماء من أنفس الأموال كالحاجة إلى الماء العذب في لجة البحر، وفي المفازة.\n[م-٤١١] إذا وهب للرجل ماء ليتوضأ به، فهل يلزمه قبوله؟.\nقيل: يلزمه، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والصحيح المنصوص في مذهب الشافعية (^٣)، وأصح الوجهين في مذهب الحنابلة (^٤)، وهو اختيار ابن حزم (^٥).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١٣٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٢٦).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٣٤٣)، الذخيرة للقرافي (١/ ٣٤٤) أنواع البروق في أنواع الفروق (٣/ ٢١ - ٢٢).\n(^٣) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٩١): «إذا وهب له الماء لزمه قبوله، هذا هو الصحيح المنصوص، وبه قطع الأصحاب في الطرق». وانظر منهاج الطالبين (ص: ٦)، الإقناع للشربيني (١/ ٧٩)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ١٥)، حاشيتا قليبوبي وعميرة (١/ ٩٣).\n(^٤) المبدع (١/ ٢١٢).\n(^٥) المحلى (١/ ٣٦٠).","vol":"5","page":132},{"text":"وقيل: لا يلزمه، اختاره بعض المالكية (^١)، حكاه بعضهم وجهًا في مذهب الشافعية (^٢).\nومن أجاز رأى أن بذل الماء بين الناس ليس فيه منة، فأوجب قبول الهبة.\nومن منع رأى أن ذلك لا يسلم من منة، والمنة نوع من الحرج والأذى، وقد قال ﷾: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].\nوالحقيقة أن المنة لها تعلق بالآخذ وبالدافع، فإن كان يعرف من حال الدافع أنه يتبع هبته بالمن والأذى، لم يلزمه قبوله، فإن بعض الناس قد يمن بالشيء الحقير، وبعض الناس قد يرى أن أخذك لهديته نوع من الإحسان عليه، كما قال الشاعر:\nيا ذا الذي يعطي الكثير وعنده أني عليه بأخذه أتصدق، كما أن بعض الناس لم يتعود أن يسأل الناس شيئًا، حتى ولو لم يكن في ذلك منة من الدافع، فقد تعود أن تكون يده دائمًا عليا، واليد العليا خير من اليد السفلى.\nوقد كان الرسول ﷺ يبايع الناس على ألا يسألوا الناس شيئًا، كما في صحيح مسلم، قال الراوي: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه (^٣).\nثم هناك فرق بين أن يعطى الماء دون مسألة، وبين أن يسأل الناس الماء، ففي الأول أقل مِنَّة من الثاني.\nوإذا غلب على ظنه أن يمنعه، أو يمن عليه ينبغي أن يقال: لا يجب عليه السؤال حتى على مذهب الجمهور القائلين بأنه إذا وهب له وجب عليه قبوله.\n_________\n(^١) الذخيرة للقرافي (١/ ٣٤٤).\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٩١): «حكى صاحب التتمة والبيان وجهًا أنه\nلا يلزمه قبوله، كما لا يلزمه قبول الرقبة للكفارة، وهذا ليس بشيء». اهـ\n(^٣) صحيح مسلم (١٠٤٣).","vol":"5","page":133},{"text":"جاء في النوادر والزيادات: «وإنما على المسافر أن يطلب الماء ممن يليه، أو ممن يرجو أن يعطيه، وليس عليه أن يطلب أربعين رجلًا» (^١).\nفقوله: «ممن يرجو أن يعطيه» دليل على أنه إذا غلب على ظنه أن لا يبذل له الماء لم يجب عليه السؤال.\nوقال الغزالي في الوسيط: «وهل يجب عليه الابتداء بسؤال هذه الأمور؟ فيه وجهان: لأن السؤال أصعب على ذوي المروءات، وإن هان قدر المسؤول» (^٢).\nوأما إذا وهب له ثمنه، فقد قال النووي: لم يلزمه قبوله بالاتفاق، ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه (^٣).\nوينبغي أن يقيد ذلك بأن لا يكون الواهب ابنًا أو أبًا؛ وذلك لأنه لا منة من الأب على ابنه، فإن الأب هو سبب وجود الابن، فالمنة له قائمة على ولده، أخذ منه ثمن الماء أو لم يأخذ، كما أن الولد لا يمن على أبيه إذا أعطاه ثمن الماء، وذلك لأن الأب إذا احتاج إلى مال ولده فله أن يأخذ قدر كفايته منه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) النوادر (١/ ١١٢).\n(^٢) الوسيط (١/ ٣٦٤).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٩١).","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2202>الفصل الثالث\nفي التيمم خوفًا من فوات العبادة</span>\n[م-٤١٢] ذكرنا فيما سبق سببين من أسباب التيمم، وهو فقد الماء، والثاني: التعذر عن استعماله، وسوف نتناول في هذا الفصل بحثًا آخر، وهو في الرجل بين يديه الماء، إن توضأ به فاتته العبادة، أو فاته وقت أدائها، فهل يتيمم ليدرك العبادة، أو يتوضأ؟ والمسائل التي يتكلم عليها الفقهاء في مثل هذه المسألة ثلاث:\nالأولى: إذا خشي خروج وقت الفريضة.\nالثانية: إذا خاف فوت صلاة العيد، أو صلاة الجنازة.\nالثالثة: إذا خاف فوت الجمعة.\n* * *","vol":"5","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2203>المبحث الأول إذ خاف خروج وقت الفريضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا ازدحم واجبان أو شرطان، ولم يمكن الجمع بينهما، كازدحام شرط الطهارة وشرط الوقت، فأيهما يقدم، فالصلاة لا تنفك عن الوقت إما أداء، وإما قضاء، والنوم والنسيان عذر معتبر لفوات الوقت، فليلحق بهما عذر تحصيل الطهارة.\n• الصلاة لا تصح إلا بالوضوء مع القدرة عليه، وهذا قادر على استعمال الماء من غير عجز ولا ضرر.\n• التيمم لم يشرع لإدراك الوقت فقط، بل ربما روعي فيه ألا تتراكم الصلوات على المكلف، فيشق عليه القضاء.\n• الطهارة ألصق بالصلاة من الوقت، فالوقت ظرف، والطهارة شطر الصلاة، قال ﷺ: الطهور شطر الإيمان (^١)، والمقصود شطر الصلاة، والفائتة تصح خارج الوقت، وإذا أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت حتى ولو وقع أكثر الصلاة خارج الوقت، بينما لا صلاة بغير طهور، والطهارة بمنزلة الأهلية للأداء، فلو أحدث بأي جزء من الصلاة قبل التسليم عاد البطلان إلى جميع الصلاة.\n_________\n(^١) قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي صلاتكم.","vol":"5","page":136},{"text":"وقيل:\n• التيمم شرع مراعاة للوقت وحتى لا تتراكم الصلوات، وإلا لأمكن أن يقال: ينتظر إلى حين وجود الماء.\n[م-٤١٣] إذا خشي خروج الوقت لو توضأ، فهل يتيمم ليدرك الوقت، أو يتوضأ، ولو صلى خارج الوقت؟\nوهذه المسألة فرع من مسائل كثيرة تدور على أيهما يقدم مراعاة الوقت، أو مراعاة الشرط، إذا كان تحصيل أحدهما سيكون سببًا في فوات الآخر؟\nفالمسافر إذا عدم الماء، ولا يصل إليه إلا بعد خروج الوقت، فجمهور العلماء يرون أنه يتيمم ويصلي في الوقت (^١).\nقال ابن تيمية: «المسافر إذا علم أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان فرضا عليه أن يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق الأئمة وليس له أن يؤخر الصلاة حتى يصل إلى الماء» (^٢).\nإلا أن الحنفية لم يجعلوا المعيار في التيمم إدراك الوقت، وإنما نظروا إلى قرب الماء وبعده، فإن كان الماء قريبًا فإنه لا يتيمم، وإن خرج الوقت، وإن كان بعيدًا تيمم (^٣).\n[م-٤١٤] ومثله العريان لو أمكنه تحصيل السترة بعد خروج الوقت لم يؤخر الصلاة حكاه ابن تيمية إجماعًا (^٤)، وفيه قول للشافعية إن كان يمكنه تحصيل السترة\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ٤٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٢)، (٢٢/ ٥٦).\n(^٣) انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٢)، بدائع الصنائع (١/ ٥٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٢١)، البحر الرائق (١/ ١٤٧، ١٦٧)، المبسوط (١/ ١١٤، ١١٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٧)، وانظر الفتاوى الهندية (١/ ٥٩)، البحر الرائق (١/ ٢٨٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤١١)، الشرح الكبير (١/ ٢٢٢)، المغني (١/ ٣٤٧).","vol":"5","page":137},{"text":"قريبًا لزمه انتظار السترة، وإن فات الوقت (^١).\n[م-٤١٥] وإذا أخر الصلاة عن وقتها للاشتغال بشرطها الذي يحصله قريبًا، كرجل وقف على بئر، وهو محدث، فإن اشتغل باستخراج الماء من البئر خرج الوقت، وإن تيمم صلى في الوقت، فأيهما أولى بالمراعاة؟\nوقع نزاع بين أهل العلم،\nفقيل: يقدم الوقت على الشرط، فيصلي بالتيمم لإدراك الوقت.\nاختاره زفر من الحنفية، وهو المشهور في مذهب مالك، نص عليه في المدونة، وأحد القولين في مذهب الشافعية، واستظهره النووي (^٢).\n_________\n(^١) البيان للعمراني (٢/ ١٣٢).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ١٤٧)، بدائع الصنائع (١/ ٥٥)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٨، ٥٩)، واقتصر عليه صاحب الشرح الصغير (١/ ١٨٢).\nجاء في المدونة (١/ ٤٤): «سألنا مالكًا عن المسافر يأتي البئر في آخر الوقت، فهو يخاف إن نزل ينزع بالرشا، ويتوضأ، يذهب وقت تلك الصلاة؟ قال: فليتيمم، وليصل. فقلت لابن القاسم: أفيعيد الصلاة بعد ذلك إذا توضأ في قول مالك؟ قال: لا. قلت: فإن كان هذا الرجل في حضر، أتراه في قول مالك بهذه المنزلة في التيمم؟ قال: نعم. قال ابن القاسم: وقد كان مرة من قوله في الحضري أنه يعيد إذا توضأ». اهـ فهنا حسب نص المدونة أنه يتيمم، وفي الإعادة قولان: أنه لا يعيد مطلقًا، وقول آخر: بأن الحضري يعيد دون المسافر.\nوالذي تجمع لي أن في مذهب المالكية أقوالًا كثيرة، وقد ذكرها صاحب النوادر والزيادات (١/ ١١٠) وذكرها غيره، منها:\nالأول: أنه يتيمم، ولا يعيد، وهذا نص المدونة كما سبق، واقتصر عليه صاحب الشرح الصغير، وقال الصاوي: المعول عليه، فلذا اقتصر عليه المصنف.\nالثاني: أنه يتيمم، ويعيد مطلقًا.\nالثالث: أنه يتيمم، ويعيد إن كان في الحضر، ولا يعيد إن كان مسافرًا.\nالرابع: أنه يتوضأ، ولو خرج الوقت، وهذا القول حكى عبد الحق عن بعض الشيوخ الاتفاق عليه ..\nالخامس: التفريق بين أن يكون الماء في البئر يحتاج إلى نزح، فيتيمم، وبين أن يكون الماء بين يديه، لكن يخشى إن استعمله أن يخرج الوقت، فإنه يتوضأ، ولو خرج الوقت. ...\nقال ابن شاس: يستعمله عند المغاربة؛ لأنه واجد.\nوقال أبو محمد القاضي: أنه يتيمم، وحكاه الأبهري رواية.\nقال عبد الحق في النكت: والفرق بين النزع من البئر والاستعمال، أن المستعمل واجد، والنازح فاقد، وإنما هو يتسبب ليجد.\nقال ابن يونس: ولا فرق عندي بين تشاغله باستعماله أو باستخراجه من البئر، فإن المقصود الصلاة في الوقت، وكذلك قال ابن القصار والقاضي عبد الوهاب». انظر الذخيرة للقرافي (١/ ٣٣٧)، ومواهب الجليل (١/ ٣٢٩).\nوانظر الخلاف في مذهب الشافعية في روضة الطالبين (١/ ٩٦)، المجموع (٢/ ٢٤٦).","vol":"5","page":138},{"text":"وقيل: يقدم الشرط على الوقت، فيصلي بالماء ولو خرج الوقت.\nوهذا مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، ورجحه الرافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (^١).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥١)، البحر الرائق (١/ ١٤٧، ١٦٧)، الدر المختار (١/ ٢٤٦)، المحيط البرهاني (١/ ١٣٧)، فالحنفية يقسمون العبادات إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: نوع لا يخشى فواتها أصلًا لعدم توقيتها، كالنفل المطلق فهذا لا يصليها إلا مع وجود الماء.\nالثاني: نوع يخشى فواتها، وليس لها بدل عندهم، كصلاة الجنازة وصلاة العيد، فهذه يتيمم لها إذا خشي فواتها.\nالثالث: نوع يخشى فواتها، وتقضى بعد وقتها كالفرائض، أو يصلى بدلها كالجمعة إذا فاتت صلاها ظهرًا، فهذه لا يتيمم لها، وإن خرج الوقت، بل ينتقل إلى بدلها، أو يقضيها.\nوانظر قول المالكية: الذخيرة للقرافي (١/ ٣٣٧)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٨٢).\nوالحقيقة أن المالكية ليس لهم منهج مطرد في هذا، وقد ذهبوا إلى أن من عليه قضاء صلوات يسيرة كالخمس فما دونها، وخشي خروج الوقت، أنه يقدم الترتيب، ولو خرج وقت الحاضرة، فلو كان عليه صلاة الفجر والظهر والعصر وقرب الغروب فإنه يبدأ بالفجر، ولو خرج وقت العصر، فقدموا الترتيب على شرط الوقت مع أن الترتيب أقل شأنا من الطهارة. انظر المقدمات الممهدات (١/ ٢٠٢)، القوانين الفقهية (ص: ٥١)، شرح الخرشي (١/ ٣٠١).\nوانظر القولين في مذهب الشافعية: روضة الطالبين (١/ ٩٦)، المجموع شرح المهذب (٢/ ٢٤٦)، أسنى المطالب (١/ ٧٥)، حاشيتي قليوبي وعميرة، وقال في حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (١/ ٣٣٢): «هذا في المسافر، أما المقيم فلا يتيمم، وعليه أن يسعى إلى الماء، وإن فات به الوقت».\nوقال عبد الله بن أحمد في مسائله (١/ ١٣٥): «سألت أبي عن رجل في مصر من الأمصار، فخاف إن هو ذهب يجئ بالماء ليتوضأ، أن تطلع عليه الشمس، يتيمم؟ قال: لا يكون هذا في مصر من الأمصار، إنما يتيمم في السفر، أو غير واجد للماء». اهـ وانظر الفروع (١/ ٢٩٣)، المبدع (١/ ٣٠٤)، الإنصاف (١/ ٣٠٣)، المستوعب (١/ ٢٨١ - ٨٨٢)، المحرر (١/ ٢٣)، كشاف القناع (٢/ ٢٢٦).","vol":"5","page":139},{"text":"وقيل: بالتفريق بين النائم والناسي وبين غيرهما، فإن كان نائمًا، فاستيقظ من نومه، أو ناسيًا فتذكر في آخر الوقت، قدم الشرط ولو خرج الوقت، وإن لم يكن معذورًا بنوم أو نسيان فإنه يتيمم لإدراك الوقت، وهذا اختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2204> دليل من قال: يتيمم ويصلي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2205>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) [النساء: ١٠٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2206>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن التيمم إنما شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، ولولا مراعاة الشارع لهذه المصلحة لقيل: ينتظر إلى حين وجود الماء، فيصليها بالماء، فمشروعية التيمم دليل على اهتمام الشارع بالوقت، وأن المحافظة على الوقت بالتيمم، أولى من المحافظة على الطهارة المائية خارج الوقت.\nوالدليل على عناية الشارع بالوقت أنه لم يجعل قتال العدو مبيحًا لتأخير الصلاة عن وقتها، قال تعالى: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة: ٢٣٩].\nفرخص الله لعبيده في الصلاة حال الخوف رجالًا على الأقدام، أو ركبانًا على الخيل والإبل ونحوهما، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه، وجوز ترك بعض الشروط كاستقبال القبلة، بل ومن الاكتفاء بالإيماء عن الركوع والسجود كل ذلك من أجل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٦٩)، الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٧٨).","vol":"5","page":140},{"text":"المحافظة على الوقت، مع أنه يمكنه أن يصلي خارج الوقت مع قيامه بشروط العبادة وأركانها، فالوقت أولى بالمراعاة من الطهارة المائية، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2207>الدليل الثالث:</span>\nالقياس على المسافر، وذلك أن المسافر إذا علم أنه لا يجد الماء إلا بعد خروج الوقت كان فرضًا عليه أن يصلي بالتيمم حكاه بعض العلماء إجماعًا (^١)، وليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يصل إلى الماء، فكذلك الحال هنا، يجب عليه أن يؤدي الصلاة بالتيمم، ولا يخرج العبادة عن وقتها طلبًا للطهارة المائية.\n• ونوقش هذا:\nبأن الخلاف محفوظ حتى في المسافر، فالحنفية رأوا أن الماء إذا كان قريبًا من المسافر فإنه لا يتيمم، ولو خرج الوقت (^٢)، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2208>الدليل الرابع:</span>\n(٩٦٦ - ٤٣) ما رواه البخاري من طريق الأعرج، قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،\nفقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٢).\n(^٢) انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٢)، بدائع الصنائع (١/ ٥٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٢١)، البحر الرائق (١/ ١٤٧، ١٦٧)، المبسوط (١/ ١١٤، ١١٥).\n(^٣) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (١/ ٣٣٢).\n(^٤) البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩).","vol":"5","page":141},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ لما خشي فوات الرد على الرجل إن هو توضأ لرد السلام، تيمم في الحضر مع وجود الماء من أجل إدراك الرد على الرجل على طهارة، فكذلك إذا خشي فوات وقت الفريضة تيمم لإدراك الوقت، وإن كان الماء موجودًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2209>الدليل الخامس:</span>\nما رواه مسلم من حديث أبي موسى مرفوعًا، وقوله: الصلاة ما بين هذين (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2210> دليل من قال: يتوضأ، ولا يتيمم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2211>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\nفالانتقال إلى التيمم مشروط بعدم الماء للرجل الصحيح، وهذا واجد للماء حقيقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2212>الدليل الثاني:</span>\n(٩٦٧ - ٤٤) ما رواه أبو ذر، قال النبي ﷺ له: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك لهو خير (^٢).\n[انفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال أحمد: لا أعرفه] (^٣).\nفقوله: (فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) مطلق، سواء خاف خروج الوقت أو لا، فالله ﷾ إنما أجاز التيمم بشرطين: فقد الماء، أو العجز عن استعماله لمرض ونحوه، أما مع وجود الماء، والقدرة على استعماله فإنه يجب عليه استعماله، ولو خرج الوقت؛ وخروج الوقت معذور فيه؛ لأنه مشتغل بتحصيل شرط العبادة.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٦١٤).\n(^٢) مصنف عبد الرزاق (٩١٣).\n(^٣) سبق تخريجه، انظر المجلد الأول، رقم (٣١).","vol":"5","page":142},{"text":"• ويُجاب:\nواعترض عليه بالمسافر إذا علم أنه يدرك الماء بعد خروج الوقت لم يجز له تأخير الصلاة، ووجب عليه التيمم.\nورد هذا الجواب:\nبأن مسألة المسافر كمسألة الحاضر، والخلاف فيها محفوظ، وإنما كان الخلاف في المسافر أقل من الخلاف في الحاضر ليس راجعًا إلى مراعاة الوقت أو الشرط، وإنما هو راجع إلى قيام الخلاف في مشروعية التيمم في الحضر، واتفاقهم على مشروعية التيمم في السفر لعادم الماء، وقد قدمت في الأقوال أن الحنفية يجعلون المدار على قرب الماء وبعده للمسافر، فإن كان قريبًا قدم الشرط على الوقت، وإن كان بعيدًا على خلاف بينهم في تحديد مسافة البعد قدم الوقت على الشرط، وهو أحد القولين عند الشافعية، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2213> دليل ابن تيمية على التفريق بين النائم والناسي وبين غيرهما:</span>\nقال: إن الوقت في حق النائم يبدأ من حين الاستيقاظ، فلا تفوته الصلاة،\n(٩٦٨ - ٤٥) وقد قال ﷺ: أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى.\nالحديث قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة (^١).\nفإذا كان النوم ليس فيه تفريط، وقد أمر النائم بإيقاع الصلاة إذا قام من النوم، فهذا هو وقتها بالنسبة إليه، لا فرق بين كون الصلاة في الوقت أو خارج الوقت.\n• الراجح:\nبعد استعراض الأقوال، أجد أن المسألة فيها خلاف قوي، وليس هناك نص\n_________\n(^١) مسلم (٦٨١).","vol":"5","page":143},{"text":"يقطع النزاع، ولا إجماع ترد إليه الأقوال، والوقت للصلاة سبب وشرط، والطهارة شرط، وإذا كان بمقدور النائم إذا انتبه وكان يمكنه أن يصلي الصلاة في وقتها بالتيمم، وقلنا له: ليس فرضك التيمم، بل يحب عليك الوضوء وتحصيل الطهارة، وإن خرج الوقت، فغيره مثله، ومسألة فائدة العذر إنما هو في تعلق الإثم على التفريط، وهو حكم تكليفي، لذلك أجدني أميل إلى القول بمراعاة الطهارة، إذا كانت بين يديه، ويلحق فعله بالقضاء إن كان قد تعمد التأخير، وبالأداء إن كان لم يتعمد، والله أعلم.\nتنبيه:\nقال ابن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى: «وأما قول بعض أصحابنا: إنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا لناو لجمعها أو مشتغل بشرطها، فهذا لم يقله قبله أحد من الأصحاب، بل ولا أحد من سائر طوائف المسلمين، إلا أن يكون بعض أصحاب الشافعي؛ فهذا أشك فيه. ولا ريب أنه ليس على عمومه وإطلاقه بإجماع المسلمين، وإنما فيه صورة معروفة، كما إذا أمكن الواصل إلى البئر أن يضع حبلا يستقي، ولا يفرغ إلا بعد الوقت؛ وإذا أمكن العريان أن يخيط له ثوبا ولا يفرغ إلا بعد الوقت، ونحو هذه الصور، ومع هذا فالذي قاله في ذلك خلاف المذهب المعروف عن أحمد وأصحابه، وخلاف قول جماعة علماء المسلمين من الحنفية والمالكية وغيرهم.\nوما أعلم من يوافقه على ذلك إلا بعض أصحاب الشافعي. ومن قال ذلك فهو محجوج بإجماع المسلمين على أن مجرد الاشتغال بالشرط لا يبيح تأخير الصلاة عن وقتها المحدود شرعا، فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن يطلب الماء وهو لا يجده إلا بعد الوقت لم يجز له التأخير باتفاق المسلمين ....».\nهذا القول من الشيخ ﵀ يشكل عليه، ما جاء في مسائل أحمد رواية\nعبد الله: «سألت أبي عن رجل في مصر من الأمصار، فخاف إن هو ذهب يجيء بالماء ليتوضأ أن تطلع الشمس يتيمم؟ قال: لا يكون هذا في مصر من الأمصار، إنما يتيمم","vol":"5","page":144},{"text":"في السفر، أو غير واجد الماء» (^١).\nوقد علمت أن مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، ونصره الرافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة تقديم الشرط على الوقت، وأنه لا يتيمم وهو قادر على الصلاة بالماء، ولو خرج الوقت.\n* * *\n_________\n(^١) مسائل أحمد رواية عبد الله (١/ ١٣٥).","vol":"5","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2214>المبحث الثاني في التيمم خوفًا من فوت صلاة الجنازة والعيد</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في صلاة الجنازة، هل تفوت الصلاة عليها بالدفن إلى غير بدل، أو لا تفوت؟\nفمن قال: إنها تفوت ويقصد بفوتها فوتها مع الإمام رأى أنه يتيمم لها إذا خشي فواتها. ومن قال: لا تفوت، رأى أنه لا يتيمم لها، ويفسر عدم الفوات بإمكان الصلاة عليها بعد دفنها.\nوعليه يمكن أن يقال: كل عبادة تفوت لا إلى بدل يجوز أداؤها بالتيمم، وكل عبادة تفوت إلى بدل لا يشرع لها التيمم، والله أعلم.\n• شرع التيمم عند فقد الماء لاستدراك ما قد يفوت من مصالح الوضوء من حصول الطهارة، والإذن بالصلاة، وإدراك الوقت.\n[م-٤١٦] اختلف أهل العلم في الرجل يخشى فوات صلاة الجنازة وصلاة العيد، هل يتيمم؟","vol":"5","page":146},{"text":"فقيل: يتيمم ويصلي، وهذا مذهب الحنفية (^١)،\nورواية عن أحمد (^٢)، وبه قال سفيان وإسحاق (^٣)، ورجحه ابن تيمية (^٤).\nوقيل: لا يتيمم في الحضر لصلاة جنازة إلا إن تعينت عليه، ويتيمم لها المسافر والمريض مطلقًا تعينت عليه أم لا، وهذا مذهب المالكية (^٥).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥١)، فتح القدير (١/ ١٣٨)، البحر الرائق (١/ ١٦٥).\nوالعجب أن الحنفية ﵏ يجيزون التيمم لخوف فوت الجنازة مع أن الصلاة على الجنازة ليست واجبة، ومع أنه يمكن له أن يصلي على القبر، ولا يجيزون التيمم لخروج وقت الصلاة، مع أن إدراكه واجب، وهو آكد شروط الصلاة على الإطلاق.\n(^٢) الروايتين والوجهين (١/ ٩٤) المستوعب (١/ ٢٨٢)، الفروع (١/ ١٣٨)، الإنصاف (١/ ٣٠٤).\n(^٣) مسائل أحمد وإسحاق (٢/ ٣٩٥)، الأوسط (٢/ ٧١).\n(^٤) الاختيارات (ص: ٢٠)، الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٠٩)، الفروع (١/ ١٣٨).\n(^٥) المدونة (١/ ٤٧)، الإشراف (١/ ١٧١)، قال في مواهب الجليل (١/ ٣٢٨): «يعني: أن الحاضر الذي ليس بمسافر، وهو صحيح إنما يتيمم للجنازة إذا تعينت: بأن لا يوجد متوضئ يصلي عليها، ولا يمكن تأخيرها حتى يحصل الماء، أو يصل إليه ..... ثم ذكر وإن لم تتعين: فيتيمم لها المسافر كما تقدم عن المدونة وكذا المريض، قال في التوضيح؛ لأن المريض يتيمم لما هو أدون منها ....». وانظر الفواكه الدواني (١/ ١٥٣)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٩)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ١٨٤).\nوهذا الكلام مشى عليه المتأخرون من فقهاء المالكية، ويذهبون إلى أن الحاضر الصحيح لا يتيمم للصلوات التالية:\n١ - صلاة الجمعة.\n٢ - صلاة الجنازة إذا لم تتعين بأن وجد من يصلي عليها من المتوضئين.\n٣ - السنن والنوافل، فلا يتيمم لها استقلالًا، ويجوز أن يصليها متصلة بالفريضة.\n٤ - دخول المسجد، فلا يتيمم الحاضر الصحيح لدخول المسجد للصلاة أو للجلوس إلا أن يضطر إلى المبيت فيه، أو كان الماء بداخل المسجد، ولم يجد من يناوله إياه. انظر ما تقدم من المراجع، وهذا كله مخالف لظاهر الموطأ (١/ ٥٥) فقد ذكر مالك جملة من الأحكام تدل على أنه لا فرق بين الوضوء والتيمم، ومن ذلك قول مالك: «من قام إلى الصلاة، فلم يجد ماء، فعمل بما أمره الله به من التيمم، فقد أطاع الله، وليس الذي وجد ماء بأطهر منه، ولا أتم صلاة ...» وقال أيضًا في الرجل الجنب: «إنه يتيمم ويقرأ حزبه من القرآن، ويتنفل، ما لم يجد ماء».","vol":"5","page":147},{"text":"وقيل: لا يتيمم مطلقًا للجنازة والعيد، وهذا مذهب الشافعية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يصلي عليها من غير وضوء ولا تيمم، وهو قول الشعبي (^٣)، ومحمد بن جرير الطبري (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2215> دليل من قال: يتيمم لفوت الجنازة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2216>الدليل الأول:</span>\n(٦٦٩ - ٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عمر بن أيوب الموصلي، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء،\n_________\n(^١) قال الشافعي كما في مختصر المزني (ص: ١٠٠): «ولا يتيمم صحيح في مصر لمكتوبة ولا لجنازة، ولو جاز ما قال غيري: يتيمم للجنازة لخوف الفوت لزمه ذلك لفوت الجمعة والمكتوبة، فإذا لم يجز عنده لفوت الأوكد كان من يجوز فيما دونه أبعد، وروي عن ابن عمر أنه كان لا يصلي على جنازة إلا متوضئًا». اهـ وانظر كتاب الأم أيضًا (١/ ٥٢، ٢٣٢)، والمجموع (٢/ ٢٨٠)، نهاية المحتاج (١/ ٣٠٩).\n(^٢) قال القاضي أبو يعلى في كتاب المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩٤): «واختلفت في الجنازة إذا حضرت، وخاف إن توضأ فاتته الصلاة عليها، هل يجوز له التيمم؟ على روايتين، نقلهما المروذي:\nإحداهما: لا يجوز، وهو أصح؛ لأن كل صلاة لم يجز التيمم لها إذا لم يخف فوتها لا يجوز وإن خاف فوتها، دليله صلاة الجمعة، وعكسه إذا عدم الماء.\nوالثانية: يجوز؛ لأنه لما لم يصل إلى أداء فرضه باستعمال الماء جاز له أن يتيمم، دليله العادم للماء، وهذا التعليل لا يخرج على المذهب؛ لأن صلاة الجنازة لا تفوت عندنا». اهـ وانظر: المستوعب (١/ ٢٨٢)، والمغني (١/ ١٦٦)، رؤوس المسائل الخلافية لأبي المواهب العكبري (١/ ٨٢).\nوقال في الإنصاف (١/ ٣٠٤): «ظاهر كلام المصنف أن صلاة العيد لا تصلى بالتيمم مع وجود الماء خوفًا من فواتها قولًا واحدًا، وهو الصحيح عند أكثر الأصحاب، قال ابن تميم: وألحق عبد العزيز صلاة العيد بصلاة الجنازة، وقطع غيره بعدم التيمم فيها، وقال في الرعايتين: وفي صلاة الجنازة، وقيل: والعيد إذا خاف الفوت: روايتان ...».\n(^٣) الاستذكار (٣/ ٤٢)، المغني (١/ ١٦٦)، المجموع (٥/ ١٨١).\n(^٤) المجموع (٥/ ١٨١)، فتح الباري (٣/ ١٩٢)، عمدة القارئ (٢/ ٢٤٥).","vol":"5","page":148},{"text":"عن ابن عباس، قال: إذا خفت أن تفوتك الجنازة، وأنت على غير وضوء، فتيمم، وصل (^١).\n[المحفوظ وقفه على عطاء، وأنكر أحمد وابن معين والبيهقي إسناده إلى ابن عباس ﵁] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٢/ ٤٩٧) رقم ١١٤٦٧.\n(^٢) والأثر رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٦) من طريق يحيى بن حسان، ثنا عمر بن أيوب.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٧٠)، والبيهقي في الخلافيات (٨٥٥) من طريق المعافى بن عمران، كلاهما عن مغيرة بن زياد به.\nواختلف على عطاء:\nفرواه مغيرة بن زياد، وهو صدوق له أوهام، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفًا عليه، وضعفه الحافظ في الفتح (٣/ ١٩١).\nوخالفه من هو أوثق منه، خالفه ابن جريج، وهو من أصحاب عطاء الملازمين له، فأخرجه\nابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٤٩٨) رقم ١١٤٧١، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٦) من طريق ابن جريج، عن عطاء من قوله. وإسناده صحيح، وصححه الحافظ في الفتح.\nوقد روى ابن أبي شيبة (٢/ ٤٩٨) ١١٤٧٧ حدثنا يزيد بن هارون، عن عبد الملك، عن عطاء في الرجل يخاف يحضر الجنازة، فيخاف أن تفوته الصلاة عليها، قال: لا يتيمم.\nوإسناده صحيح، فصار لعطاء قولان في المسألة، أحدهما يتيمم، والأخر لا يتيمم.\nوقال عبد الله بن أحمد كما في العلل (٣/ ٣٥) سمعت أبي يقول: مغيرة بن زياد أحاديثه مناكير، روى عن عطاء، عن عائشة ... وذكر حديثًا منكرًا، ثم قال: وحديث عطاء، عن ابن عباس، في الجنازة تمر، وهو غير متوضئ، قال: يتيمم. قال أبي: رواه عبد الملك وابن جريج، عن عطاء موقوفًا، لم يقولا: عن ابن عباس، خالفا مغيرة بن زياد. وانظر نحو هذا الكلام في الكتاب نفسه أيضًا (٣/ ١٦٣) رقم ٤٧٢٩.\nونقل البيهقي بسنده كلام الإمام أحمد في الخلافيات (٢/ ٥١٥).\nكما أعله يحيى بن معين أيضًا، فساق البيهقي في المعرفة (٢/ ٤٥) وفي الخلافيات (٨٥٧) بسنده عن يحيى بن معين، أنه أنكر على المغيرة بن زياد حديث التيمم على الجنازة، إنما هو عن عطاء، فبلغ به ابن عباس. اهـ وانظر إتحاف المهرة (٨٠٧٢).","vol":"5","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2217>الدليل الثاني:</span>\n(٩٧٠ - ٤٧) ما رواه ابن عدي من طريق يمان بن سعيد، حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا معافي بن عمران، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء،\nعن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: إذا فاجأتك جنازة، وأنت على غير وضوء، فتيمم (^١).\n[وهذا أشد نكارة من الذي قبله] (^٢).\n_________\n(^١) الكامل (٧/ ١٨٢)، ومن طريق البيهقي في الخلافيات (٨٥٨)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٦٣٥).\n(^٢) وقد اختلف على المعافى بن عمران، فرواه يمان بن سعيد، عن وكيع بن الجراح، عن المعافى به مرفوعًا.\nوخالفه غيره فرواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٧٠) من طريق النصر بن تمار،\nوالبيهقي في الخلافيات (٨٥٥) من طريق هشام بن براهم، كلاهما عن المعافى بن عمران، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس من قوله.\nوقد بينت في الأثر السابق بأن هذا الاختلاف من قبل المغيرة بن زياد، فإنه لم يضبطه، فتارة يوقفه على ابن عباس، وتارة يرفعه، وقد رواه الثقات عن عطاء من قوله، وهو الصواب.\nقال الإمام أحمد كما في الخلافيات للبيهقي (٢/ ٥١٦): «قال الإمام أحمد: وقد روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وليس بشيء». اهـ\nوقال أحمد أيضًا في كتاب المعرفة للبيهقي (٢/ ٤٥): «وقد رواه يمان بن سعيد، عن وكيع، عن معافى بن عمران، عن مغيرة فارتقى به درجة أخرى، فبلغ به رسول الله ﷺ، واليمان بن سعيد ضعيف، ورفعه خطأ فاحش». اهـ\nوقال عبد الله بن أحمد كما في الضعفاء للعقيلي (٤/ ١٧٥): «سمعت أبي يقول: المغيرة بن زياد الموصلي ضعيف الحديث، كل حديث رفعه مغيرة فهو منكر، ومغيرة بن زياد مضطرب الحديث، فقلت لأبي: كيف؟ فقال: روى عن عطاء، عن ابن عباس، قال في الرجل تمر به الجنازة، قال: يتيمم، ويصلي، وهذا رواه ابن جريج وعبد الملك عن عطاء، قوله، وهؤلاء أثبت منه». اهـ\nوقال ابن عدي في الكامل عقب روايته له: وهذا مرفوع غير محفوظ، والحديث موقوف على\nابن عباس. اهـ\nقلت: بل موقوف على عطاء، كما بينت في الأثر السابق.","vol":"5","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2218>الدليل الثالث:</span>\n(٩٧١ - ٤٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،\nفقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأنه لما تيمم بالمدينة مع جود الماء خوفًا من فوت السلام، كان تيممه خوفًا من فوات الجنازة وصلاة العيد من باب أولى، فكل ما يفوت لا إلى بدل يجوز أداؤه بالتيمم، بخلاف الجمعة فإنها تفوت إلى بدل، وهو الظهر، وبخلاف الصلوات الخمس، فإنها تفوت إلى بدل، وهو القضاء.\nولأنه جعل التيمم في تلك الحالة طهورًا، لأنه حين تيمم تحقق له أنه ذكر الله على طهارة، فاقتضى أن يكون فعل الصلاة به جائزًا، ولأنها صلاة لا يقدر على فعلها إلا بالتيمم، فاقتضى أن يجزئه كالمريض والمسافر.\n• ويُجاب:\nقالوا: إن الطهارة ليست بشرط في رد السلام، فالتيمم لذلك أهون مما هو شرط فيها كالصلاة على الجنازة والعيد.\nوأما الصلاة على الجنازة فإنها لا تفوت؛ لأنه يمكنه الصلاة على القبر، قال النووي: «الجنازة لا تفوت، بل يصليها على القبر إلى ثلاثة أيام بالإجماع، ويجوز بعدها\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩).","vol":"5","page":151},{"text":"عندنا» (^١).\n• ورد هذا:\nبأن رد السلام ليس من شرطه الطهارة، هذا لا خلاف فيه، وإذا تحقق أن المتيمم لرد السلام قد ارتفع حدثه وأصبح طاهرًا، فقد أذن لمن تطهر أن يصلي على الجنازة وأن يصلي صلاة العيد؛ لأن الحدث قد ارتفع.\nوأما قولهم بأن الجنازة لا تفوت لإمكان الصلاة على القبر، قلنا: المقصود بقولنا تفوت ما قاله المرداوي، في كتابه الإنصاف، قال: «مراد المصنف (ابن قدامة) وغيره بفوات الجنازة: فواتها مع الإمام، قاله القاضي وغيره. قال جماعة: ولو أمكنه أن يصلي على قبره لكثرة وقوعه، وعظم المشقة فيه».\nقلت: والذي أذن بأن تقضى السنة الراتبة للفجر بعد الصلاة إذا فاتته مع أنه وقت نهي، مع إمكان أن يصليها ضحى في غير وقت النهي، لكون ذلك قد يشق عليه، فكذلك تكليفه باتباع الجنازة للمقبرة والصلاة على القبر قد يكون أكثر مشقة من مثل هذا، وإذا فرغ الإمام من الصلاة رفعت الجنازة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2219>الدليل الرابع:</span>\n(٩٧٢ - ٤٩) ما رواه ابن المنذر من طريق محمد بن عمرو، حدثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن مسلم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أتي بجنازة، وهو على غير وضوء، فتيمم وصلى عليها (^٢).\n[الصواب أنه موقوف على الشعبي] (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٨١).\n(^٢) الأوسط (٢/ ٧٠).\n(^٣) ورواه الدارقطني في السنن (٧٧٥)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (٢/ ٤٤) من طريق محمد بن عمرو بن أبي مذعور، قال: حدثنا عبد الله بن نمير به.\nقال البيهقي: وهذا لا أعلمه إلا من هذا الوجه، فإن كان محفوظًا فإنه يحتمل أن يكون ورد في سفر، وإن كان الظاهر بخلافه، فالكتاب، ثم السنة، ثم القياس يدل على وجوب الوضوء عند وجود الماء، وعدم المرض فيما لا يجوز للمحدث فعله، وقد رواه أحمد بن حنبل في التأريخ، عن عبد الله بن نمير، قال: أخبرنا إسماعيل، عن رجل، عن عامر، قال: إذا فجأتك الجنازة وأنت على غير وضوء، فصل عليها».\nقال البيهقي: هذا هو الحديث عن إسماعيل، أظنه ابن أبي خالد، عن رجل يقال: هو مطيع الغزال، عن عامر الشعبي، وحديث أبي مذعور يشبه أن يكون خطأ، والله أعلم. اهـ\nوقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٥١٢): «قال الإمام أحمد: وقد وجدت لحديث ابن أبي مذعور عن عبد الله بن نمير علة واستدللت بها على خطأ روايته، ثم ساق البيهقي بإسناده إلى أحمد بن حنبل، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسماعيل، عن رجل، عن عامر ... وذكر الأثر السابق. قال أحمد: فعاد الحديث إلى قول عامر الشعبي، وليس له أصل من حديث عبد الله بن عمر، والله أعلم».\nقال عبد الله بن أحمد كما في مسائله (١/ ١٣٦) رقم: ١٧٨: «سمعت أبي سئل عن: الرجل تحضره الجنازة، وهو غير متوضئ، أيتيمم، ويصلي؟\nقال: اختلف الناس في هذا اختلافًا كثيرًا، وذكر عن ابن عمر أنه كان لا يصلي على الجنازة؛ إلا وهو متوضئ».","vol":"5","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2220>دليل من قال: لا يتيمم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2221>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، وهذا واجد للماء مع القدرة على استعماله من غير خوف، ولا ضرر، فلا يعذر بالتيمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2222>الدليل الثاني:</span>\n(٩٧٣ - ٥٠) ما رواه عبد الرزاق من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر:\nأنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء","vol":"5","page":153},{"text":"فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) فأوجب مس الماء للبشرة إذا وجد الماء، وهذا واجد للماء، فكيف يتيمم مع وجوده.\n• وأجيب عن هذا الدليل والذي قبله:\nالتيمم إنما شرع من أجل المحافظة على الوقت، فإنه يمكن لمن عدم الماء في السفر أن يؤخر الصلاة عن وقتها، ويصليها إذا وجد الماء، فإذا كان لا يجوز له ذلك، وإن كان يعلم أنه يجد الماء بعد خروج الوقت، فكذلك يشرع له التيمم إذا خاف فوت العبادة؛ لأن فوت العبادة أبلغ من فوت وقتها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2223>الدليل الثالث:</span>\n(٩٧٤ - ٥١) ما رواه مالك، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه قال: لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر (^٢).\nإسناده صحيح.\nويُجاب عن هذا:\nبأن هذا الأثر رد على الشعبي والطبري ممن يجيز الصلاة على الجنازة بغير طهارة، وأما من اشترط لها التيمم، فقد صلاها بطهارة؛ لأن التيمم على الصحيح مطهر، كما مر معنا في الأحاديث الصحيحة: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. وحديث الصعيد الطيب طهور المسلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2224> دليل من قال: يصلى على الجنازة بالتيمم بشرط إن تعينت عليه:</span>\nتعليلهم في ذلك، بأن صلاة الجنازة إذا تعينت أصبحت فرض عين عليه، فصار\n_________\n(^١) المصنف (٩١٣)، وسبق تخريجه، انظر حديث رقم (٣١) من كتاب المجلد الأول.\n(^٢) الموطأ (١/ ٢٣٠).","vol":"5","page":154},{"text":"معذورًا في التيمم لها، وأما إذا لم تتعين، بأن وجد من يصلي عليها من المتوضئين فإنها لا تجب عليه، لأنها لما كانت على الكفاية جرت مجرى السنن في حقه.\nوهذا التعليل عليل، فالرسول ﷺ تيمم لرد السلام، والطهارة ليست شرطًا، بل ولا واجبًا في رد السلام، وإنما رد السلام من ذكر الله، والطهارة للذكر سنة بالاتفاق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الخطاب في فرض الكفاية موجه إلى جميع الناس إلى أن تفعله طائفة منهم، وأن فعل الجميع يقع فرضًا، وليس من قبيل السنن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2225> دليل الشعبي والطبري على جواز صلاة الجنازة بدون طهارة:</span>\nحجتهم في ذلك بأن الصلاة على الميت دعاء له بالمغفرة والرحمة، وهذا الفعل لا تشترط له الطهارة.\nوالصحيح أن الدعاء للميت صلاة، وليست مجرد دعاء له.\nقال ابن عبد البر: «وقد أجمعوا أنه لا يصلى عليها إلا إلى القبلة، ولو كانت دعاء كما زعم الشعبي لجازت إلى غير القبلة، ولما أجمعوا على التكبير فيها، واستقبال القبلة علم أنها صلاة، ولا صلاة إلا بوضوء» (^١).\nقلت: ولو قال: ولا صلاة إلا بطهور لكان أعم؛ لأن الصلاة بالتيمم تجوز، وهي بلا وضوء.\nوالشارع أطلق على الجنازة صلاة، فقال: صلوا على صاحبكم، وما جاء من الشارع فيحمل على الحقيقة الشرعية، ولا يحمل على الحقيقة اللغوية إلا إذا مع التعذر أو قرينة.\n• الراجح من أقوال أهل العلم:\nبعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بجواز التيمم لمن خاف فوات الصلاة على الجنازة أو العيد، ويشق عليه أن يصلى على الجنازة بالمقبرة أو على القبر أن\n_________\n(^١) الاستذكار (٣/ ٥٢).","vol":"5","page":155},{"text":"ذلك سائغ إن شاء الله تعالى، والأصل في مشروعيته تيمم الرسول ﷺ لرد السلام، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2226>المبحث الثالث التيمم خوفًا فوات الجمعة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ما يفوت لا إلى بدل يجوز أداؤه بالتيمم، بخلاف الجمعة فإنها تفوت إلى بدل، وهو الظهر.\n[م-٤١٧] اختلف العلماء فيما إذا خاف الرجل أن تفوته صلاة الجمعة، فهل يتيمم لها، أو يتوضأ ولو فاتته، بناء على أن الجمعة لها بدل، وهو صلاة الظهر، وصلاة الظهر يمكنه أن يصليها في وقتها؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم،\nفقيل: لا يتيمم لها، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمشهور من مذهب المالكية (^٢)، ومذهب الشافعية (^٣)، ومذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٤٣)، تحفة الفقهاء (١/ ٣٩)، البحر الرائق (١/ ١٦٧)، الدر المختار (١/ ٢٤٦)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٧٧).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٣٢٩)، مواهب الجليل (١/ ٣٢٩)، الشرح الكبير مطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٤٨)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٣).\n(^٣) مختصر المزني (١/ ١٠٠)، الأم (١/ ٥٢، ٢٣٢)، والمجموع (٢/ ٢٨٠)، نهاية المحتاج (١/ ٣٠٩).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٠٣)، المبدع (١/ ٢٣٢).","vol":"5","page":157},{"text":"وقيل: بل يتيمم لها، وهو قول في مذهب المالكية خلاف المشهور عند المتأخرين (^١)، واختاره ابن تيمية (^٢).\nوقيل: يتيمم، ويصلي الجمعة، ثم يتوضأ، ويعيدها ظهرًا، وهو قول في مذهب المالكية (^٣).\nوالأدلة في هذه المسألة هي الأدلة نفسها في المسألة السابقة، وهي إذا خشي فوات العيد، هل يتيمم، حتى يدرك الصلاة، أو لا يتيمم في الحضر مع وجود الماء؟ إلا أن صلاة الجمعة قد رأى بعضهم أن هناك إجماعًا على عدم صلاتها بالتيمم؛ والإجماع لعله غير محفوظ.\nقال ابن المنذر: «قال أبو ثور: لا أعلم خلافًا أن رجلًا لو أحدث يوم الجمعة، وخاف فواتها أن ليس له أن يتيمم، ويصلي، فإذا كان هذا من القوم إجماعًا لوجود الماء، كان كل محدث في موضع يجد فيه الماء مثله» (^٤).\nوالخلاف محفوظ عند المالكية كما تبين لك من خلال عرض الأقوال في المسألة، كما أنه رأي ابن تيمية.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ١٤٨)، مواهب الجليل (١/ ٣٢٩).\n(^٢) المبدع (١/ ٣٢٣)، الاختيارات (ص: ٢٠).\n(^٣) التاج والإكليل (١/ ٣٢٩)، مواهب الجليل (١/ ٣٢٩).\n(^٤) الأوسط (٢/ ٧١).","vol":"5","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2227>الباب الثالث في شروط التيمم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2228>الشرط الأول النية</span>\nالكلام في النية طويل ومتشعب، وكنت قد تطرقت إلى كثير من أحكامها في كتاب الوضوء، عند الكلام على شروط الوضوء، وسوف أتطرق إلى مباحث النية الخاصة بالتيمم، والتي لم نتطرق لها في أحكام الوضوء، وسوف أقسم الكلام على أحكام النية إلى ثلاثة فصول إن شاء الله تعالى، وأقسم هذه الفصول إلى مباحث، والمباحث إلى فروع، والفروع إلى مسائل، حتى آتي إن شاء الله تعالى على أكثر أحكامها، يسر الله ذلك بمنه وكرمه.\n* * *","vol":"5","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2229>الفصل الأول\nفي اشتراط النية لطهارة التيمم</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، والودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فإن هذه الأفعال يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها، وكل ما كانت صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات، والطهارات، والصيام، والنسك، فإن المقصود منها تعظيمه تعالى بفعلها والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله ﷾، فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال (^١).\n[م-٤١٨] اختلف العلماء في اشتراط النية في الطهارة عمومًا،\nوقد سبق لنا أن ذكرنا خلاف العلماء في كتاب الوضوء،\nفقيل: النية شرط في طهارة الأحداث كلها، الأصغر والأكبر، لا فرق بين طهارة\n_________\n(^١) انظر الذخيرة للقرافي (١/ ٢٤٥).","vol":"5","page":160},{"text":"الماء، وبين طهارة التيمم، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: عكسه، أن النية ليست بشرط مطلقًا، وهذا القول منسوب لزفر من الحنفية (^٢)، وللأوزاعي رحمه الله تعالى (^٣)، وللحسن بن صالح (^٤).\nوقيل: كل طهارة بالماء تجوز بغير نية، ولا يجزئ التيمم إلا بنية، وهو مذهب الحنفية (^٥)، وبه قال سفيان الثوري (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2230> دليل الجمهور على اشتراط النية في الطهارتين الماء والتيمم:</span>\nسبق لنا أن ذكرنا أدلتهم في كتاب الحيض والنفاس، فأغنى عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2231> دليل الحنفية على التفريق بين طهارة الماء وطهارة التراب:</span>\nأما دليل الحنفية على عدم اشتراط النية في طهارة الماء، فقد ذكرته، وأجبت عنه، في كتابي أحكام المسح على الحائل (^٧).\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٦٨)، مواهب الجليل (١/ ٢٣٤)، الخرشي (١/ ١٩٠).\nوفي مذهب الشافعية انظر: المجموع (١/ ٣٥٥)، الروضة (١/ ٤٧)، مغني المحتاج (١/ ٤٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٦)، الحاوي الكبير (١٨٧).\nوفي مذهب الحنابلة: انظر المغني (١/ ١٥٨)، الإنصاف (١/ ٢٨١)، إعلام الموقعين (١/ ٢١٩)، الفروع (١/ ٢٢٤)، معونة أولي النهى شرح المنتهى (١٢٧٧)، الممتع شرح المقنع (١/ ١٧٦)، المحرر (١/ ١١)، كشاف القناع (١/ ٨٥)، الكافي (١/ ٢٣)، المبدع (١/ ١١٦).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٥٢).\n(^٣) الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٧٠).\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٧٢).\n(^٥) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٧٢)، بدائع الصنائع (١/ ٥٢)، المبسوط (١/ ١١٦)، فتح القدير (١/ ٣٢)، البناية في شرح الهداية (١/ ١٧٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ٢٤)، مراقي الفلاح (ص: ٢٩).\n(^٦) الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٧٠).\n(^٧) انظر شروط المسح على الخفين: الشرط الرابع عشر (ص: ٢٦٧).","vol":"5","page":161},{"text":"• وأما وجه التفريق بين طهارة الماء وطهارة التراب:\nذكروا وجوهًا منها:\nالوجه الأول:\nأن التيمم في اللغة: القصد، وذلك يدل على اشتراط النية فيه، بخلاف الوضوء والغسل، فإن النية قدر زائد على مرور الماء على الأعضاء المغسولة، فإذا جرى الماء على أعضاء الوضوء، أو عم الماء جميع البدن فيصدق عليه أنه امتثل الأمر الشرعي بقوله: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\nوقوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].\nفهذا الأمر تحصيله لا يتوقف على النية.\nالوجه الثاني: الماء مطهر بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجدت النظافة به على أي وجه كان فقد حصل المقصود، بخلاف التراب فإنه ملوث، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية.\nويُجاب عن هذا بجوابين:\nالجواب الأول: أن يقال: وكذلك التراب ملوث بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجد التلوث به على أي وجه كان فقد حصل المقصود.\nالجواب الثاني: لا نسلم أن التراب غير مطهر، فإنه قد ثبت أنه مطهر للحدث والخبث معًا،\nفالدليل على أنه مطهر من الأحداث قوله تعالى بعد ذكره للتيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].\nفنص على أن الغاية من مشروعية التيمم إرادة التطهير مع نفي الحرج عن هذه الأمة.","vol":"5","page":162},{"text":"ومن السنة، قال رسول الله ﷺ كما في حديث جابر وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل .... الحديث، والحديث رواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).\nوفي حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (^٢).\nفحكم الرسول ﷺ على أن الصعيد طهور المسلم.\nفهذا دليل على أن التراب مطهر للحدث، وأما طهارة الخبث بالتراب فذلك مثل الاستجمار، ومثل طهارة النعل بالتراب، وطهارة ذيل المرأة بمروره على تراب طاهر، فالقول بأن التراب غير مطهر مخالف لنصوص الكتاب والسنة، والتفريق بين الوضوء والتيمم، فلا تجب النية في طهارة الوضوء، وتجب النية في طهارة التيمم تفريق بين ما جمع الله ﷾، فقد جمع بينهما في آية المائدة، ذاكرًا ﷾ الوضوء بقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) إشارة إلى النية، وقال في التيمم (فَتَيَمَّمُوا) إشارة إلى قصد الصعيد، فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله، وقوله في غاية الضعف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2232> دليل من قال: التيمم يصح بدون نية:</span>\nقالوا: إن التيمم بدل عن طهارة الماء، وإذا كانت طهارة الماء وهي الأصل تصح بلا نية، فكذلك طهارة البدل؛ لأن البدل يأخذ حكم المبدل.\nويُجاب:\nلا نسلم أن طهارة الماء تصح بلا نية، وما بني على قول ضعيف كان ضعيفًا، فالصحيح من أقوال أهل العلم أن الطهارة من الأحداث كلها تفتقر إلى نية، وقد\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥).\n(^٢) سنن الترمذي (١٢٤)، سبق تخريجه، انظر المجلد الأول ح (٣١).","vol":"5","page":163},{"text":"قدمنا مجموعة من الأدلة على اشتراط النية في بحث سابق، فأغنى عن إعادته هنا (^١)، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القول بأن النية شرط في طهارة الحدث مطلقًا، سواء كانت الطهارة بالماء، أو بالتراب هو القول الراجح، لقوة أدلته، وضعف أدلة الأقوال الأخرى، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر شروط المسح على الخفين: الشرط الرابع عشر في كتابي أحكام المسح على الحائل.","vol":"5","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2233>الفصل الثاني\nلو سفت الريح التراب على وجهه ونوى به التيمم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل من مس التراب وجهه ويديه بنية التيمم صح تيممه.\n[م-٤١٩] اختلف أهل العلم فيما لو ألقت عليه الريح ترابًا عمَّ وجهه ويديه، هل يصح تيممه؟\nقال النووي: فإن لم يقصدها لم يجزه بلا خلاف (^١).\nقلت: ينبغي أن يكون فيه خلاف، فإن من لم يشترط النية ربما صحح تيممه، كما أن من لم يشترط النية في غسل الجنابة، لو انغمس في نهر ارتفع حدثه، إلا أنني لم أقف على من صرح بصحة تيممه في مسألتنا هذه، فليتأمل.\nوأما إذا نوى به التيمم وصمد للريح،\nفقيل: لا يصح تيممه، وهو مذهب المالكية (^٢)، والمنصوص في مذهب الشافعية،\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٧١).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٥٦).","vol":"5","page":165},{"text":"وعليه أكثرهم (^١)، ورجحه كثير من الحنابلة (^٢).\nوقيل: يصح تيممه، اختاره بعض الشافعية (^٣)، وبعض الحنابلة (^٤).\nوقيل: إن مسح أجزأ، وإلا فلا، اختاره ابن الصباغ من الشافعية (^٥)، والمتأخرون من الحنابلة، قال صاحب الإنصاف: وهذا الصحيح قياسًا على مسح الرأس (^٦).\n• تعليل من قال: لا يصح تيممه:\nقالوا: إن النقل شرط، ولم يوجد.\n_________\n(^١) قال الشافعي في الأم (١/ ٤٩): «وإن سفت عليه الريح ترابًا عمه، فأمر ما على وجهه منه على وجهه لم يجزه؛ لأنه لم يأخذه لوجهه، ولو أخذ ما على رأسه لوجهه، فأمره عليه أجزأه، وكذلك لو أخذ ما على بعض بدنه غير وجهه وكفيه».\nوقال النووي في المجموع (٢/ ٢٧١): «وإن قصدها وصمد لها -يعني الريح- ففيه خلاف مشهور، حكاه الأصحاب وجهين، وحقيقته قولان:\nأحدهما: لا يصح، وهو الصحيح، نص عليه في الأم، وهو قول أكثر الأصحاب المتقدمين، وقطع به جماعات من المتأخرين، وصححه جمهور الباقين، ونقله إمام الحرمين عن الأئمة مطلقًا، قال: والوجه الآخر ليس معدودًا في المذهب.\nوالثاني: يصح، وهو قول القاضي أبي حامد، واختيار أبي حامد الإسفراييني ...». وانظر حاشية الجمل (١/ ٢١٦). تحفة الحبيب على شرح الخطيب (١/ ٢٨٥).\n(^٢) قال صاحب الإنصاف (١/ ٢٨٨): «ولو نوى وصمد وجهه للريح، فعم التراب جميع وجهه، لم يصح على الصحيح من المذهب، اختاره المصنف (ابن قدامة) وابن عقيل، وقدمه في الكافي، وهو ظاهر كلام الخرقي». واختاره ابن مفلح في الفروع (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٧١).\n(^٤) قال صاحب الإنصاف (٢/ ٢٨٨): «وقيل: يصح، اختاره القاضي، والشريف أبو جعفر، وصاحب المستوعب، والتلخيص والمجد والحاوي الكبير ومجمع البحرين، وقدمه في الرعاية الكبرى ...».\n(^٥) البيان في مذهب الشافعي (١/ ٢٨٣).\n(^٦) الإنصاف (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، وعليه مشى صاحب كشاف القناع (١/ ١٧٤)، وصاحب مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٢١١).","vol":"5","page":166},{"text":"• ونوقش هذا:\nأين الدليل على أن النقل شرط، فالقصد للشي: وهو النية كافية في المطلوب، وقصده لا يستلزم قصد النقل، وكما أن النقل ليس شرطًا في طهارة الماء، وهي أصل، كذلك لا تكون شرطًا في طهارة البدل، فلو نزل المطر على بدن الجنب ونوى به الغسل، حتى عمم به جميع بدنه ارتفع حدثه، فكذلك هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2234> دليل من قال: يصح تيممه:</span>\nقاله قياسًا على ما ذكرنا من صحة الغسل لو جلس تحت المطر أو الميزاب، ونزل عليه الماء، فعمم جميع بدنه أن حدثه يرتفع، فكذلك هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2235> دليل من قال: إن مسح أجزأ، وإلا فلا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2236>الدليل الأول:</span>\nاستدل بقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) فطلب الشرع المسح، فإذا لم يمسح لم يمتثل للأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2237>الدليل الثاني:</span>\nولأنه يتعذر وصول التراب إلى جميع وجهه من غير مسح.\n• ويُجاب عن هذين الدليلين:\nبأن المسح ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو آلة لتحقيق المطلوب، ولذلك لو يممه غيره مع قدرته صح تيممه، مع أنه لم يمسح هو، وإنما مسح غيره، فلا فرق بين أن يكون مرور التراب عن طريق يد غيره، وبين أن يكون مروره عن طريق الريح إذا قصد التيمم، فالغاية أن يمس التراب وجهه ويديه، وأما كون التعميم متعذرًا، فالتعميم حتى باليد متعذر، فالمسح الأصل فيه التخفيف بخلاف الغسل، كالمسح على الخفين ومسح الرأس وغيرهما، فإذا أصاب أكثر التراب غالب وجهه أجزأه، والله أعلم.","vol":"5","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2238>الدليل الثالث:</span>\nقالوا اشترطنا المسح قياسًا على ما ذكرناه في كتاب الوضوء فيما لو غسل رأسه بدلًا من مسحه، فمنهم من قال: لا يجزئ مطلقًا، ومنهم من قال: يجزئ مطلقًا، ومنهم من قال: إن مسح أجزأ، ليتحقق امتثال الأمر، والكلام في تلك المسألة كالكلام في هذه، ولا فرق، وقد سبق تحريرها.\nوأجاب المانعون عن هذا الدليل:\nقالوا: هناك فرق بين ما لو غسل رأسه أجزأ عن مسحه، وبين هذه المسألة، فإن من غسل رأسه قد قام الدليل على صحته، لأنه إذا أجزأ غسل الرأس عن الجنابة، فلأن يجزئ ذلك عن الوضوء أولى بخلاف التيمم، والراجح أنه لا فرق.\n• تنبيه:\nقال المسعودي: «وإن أدنى وجهه من الأرض أو تمعك في التراب، فحصل الغبار على أعضاء التيمم، فإن كان لعجز صح، وإن كان لا لعجز، فهل يصح؟ فيه وجهان» (^١).\nقلت: ينبغي أن يصح مطلقًا، وبدون شرط الغبار، وسيأتي مزيد بحث في اشتراط الغبار إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) البيان في مذهب الشافعي (١/ ٢٨٤).","vol":"5","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2239>الفصل الثالث\nفي صفة النية</span>\nسوف نخصص هذا الفصل في الكلام عن كيفية النية في التيمم، فلو نوى المتيمم نية التيمم فقط فهل يجزئ؟ أو لا بد من نية ما يتيمم له، وما يتيمم عنه، فأنوي مثلًا التيمم، للصلاة أو للطواف أو نحوهما، عن الحدث الأصغر، أو عن الحدث الأكبر، أو عن النجاسة على البدن كما في مذهب الحنابلة، فعندنا ثلاثة أشياء.\nالأولى: نية التيمم.\nالثانية: نية ما يتيمم له من الطاعات كالصلاة والطواف وقراءة القرآن، وهل إذا نوى الفرض منها يكفي عن نية النفل؟\nالثالثة: نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، وسوف نتناول هذه المسائل واحدة واحدة، وما يتفرع منها.\n* * *","vol":"5","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2240>المبحث الأول لو نوى مطلق التيمم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.\n• البدل يقوم مقام المبدل في حكمه، لا في وصفه (^١).\nوقيل:\n• الوضوء وسيلة لغيره، ومقصود لنفسه، ولذا صح قصده وحده، والتيمم وسيلة فقط، وليس مقصودًا لذاته، فلا يصح قصده فقط.\n• الوضوء يصح تجديده، والتيمم لا يستحب تجديده.\n• البدل دون المبدل منه (^٢).\n• الوضوء أفضل من التيمم الذي لا يجوز إلا عند العجز عن الوضوء (^٣).\n[م-٤٢٠] إذا نوى فرض الوضوء صح الوضوء قولًا واحدًا، وأما إذا نوى\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٢٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٧).\n(^٣) المرجع السابق (١٩/ ١٢٠).","vol":"5","page":170},{"text":"فرض التيمم أو التيمم المفروض، أو فرض الطهارة، فقد اختلف الفقهاء هل يصح تيممه؟\n• وسبب الخلاف يرجع إلى الأسباب التالية:\nالأول: أن الوضوء عبادة مقصودة لذاتها يصح قصده وحده، ولهذا استحب تجديده، والتيمم ليس مقصودًا لذاته، ولا يستحب تجديده وإنما وهو وسيلة لغيره مما تشترط له الطهارة.\nالثاني: الخلاف في التيمم هل هو رافع للحدث، أو مبيح للصلاة، فمن قال: إنه مبيح لا رافع لا يرى صحة أن ينوي فرض التيمم.\nالثالث: أن التمييز لا يحصل بنية فرض التيمم؛ لأن التيمم عن الحدث والجنابة فرض، وصورته واحدة، فلا يحصل التمييز بينهما إذا نوى فرض التيمم، بخلاف الوضوء والغسل فإنما يتميزان بالصورة.\nومن هنا وقع الخلاف:\nفقيل: إذا نوى فرض التيمم صح تيممه، وهو اختيار أبي بكر بن سعيد البلخي من الحنفية، ونسب إلى أبي حنيفة (^١)، وهو مذهب المالكية (^٢)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) نسب هذا مذهبًا للبلخي ابن الهمام في فتح القدير (١/ ١٣٠) كما ذكر أيضًا قوله: «روى في النوادر: لو مسح وجهه وذراعيه ينوي التيمم جاز به الصلاة، وعن أبي حنيفة فيمن تيمم لرد السلام يجوز، فعلى هاتين الروايتين تعتبر مجرد نية التيمم، لكنه غير الظاهر من المذهب». اهـ وذكر نحو هذا الكلام الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٤٠).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ١٥٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٩٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٧)، الخلاصة الفقهية (ص: ٤٢).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٦٠)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٠١ - ١٠٢)، تحفة المحتاج (١/ ٣٥٩).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٢٩١)، الفروع (١/ ٢٢٥).","vol":"5","page":171},{"text":"وقيل: لا يصح، وهو مذهب الحنفية (^١)،\nوأصح الوجهين في مذهب\n_________\n(^١) قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٢٤٧): «وشرطها: أن ينوي عبادة مقصودة إلخ أو الطهارة، أو استباحة الصلاة، أو رفع الحدث أو الجنابة، فلا تكفي نية التيمم على المذهب، ولا تشترط نية التمييز بين الحدث والجنابة خلافًا للجصاص». اهـ\nقال ابن عابدين (١/ ٢٤٧): «وتقدم في الوضوء أنه تكفي نية الوضوء، فما الفرق بينه وبين نية التيمم تأمل، ولعل وجه الفرق: أنه لما كان بدلًا عن الوضوء، أو عن آلته على ما مر من الخلاف، ولم يكن مطهرًا في نفسه إلا بطريق البدلية، لم يصح أن يجعل مقصودًا بخلاف الوضوء فإنه طهارة أصلية، والأقرب أن يقال: إن كل وضوء تستباح به الصلاة، بخلاف التيمم فإن منه ما لا يستباح به، فلا يكفي للصلاة التيمم المطلق، ويكفي الوضوء المطلق، هذا ما ظهر لي والله أعلم». اهـ\nومع أن الحنفية يرون أن التيمم يرفع الحدث إلا أنهم في النية لم يجعلوا حكم التيمم حكم الماء من كل وجه، فلا يشترط عندهم نية التيمم للحدث أو للجنابة، بل يشترط لصحة نية التيمم الذي تصح به الصلاة أن ينوي أحد أمور ثلاثة:\n١ - نية الطهارة من الحدث ٢ - أو استباحة الصلاة ٣ - أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة، ومعنى كونها عبادة مقصودة أي لا تجب في ضمن شيء آخر بطريق التبعية. فلو تيمم لدخول المسجد لم يصح أن يصلي به؛ سواء كان محدثًا حدثًا أكبر أو حدثًا أصغر؛ لأنه إن كان محدثًا حدثًا أصغر فلفوات الشرطين: فدخول المسجد ليس عبادة مقصودة لذاتها، ويصح بدون الطهارة من الحدث الأصغر، وإن كان محدثًا حدثًا أكبر، فهو وإن كان لا يحل بدون طهارة، فلفوات الشرط الثاني: وهو كونه عبادة مقصودة لذاتها.\n٢ - ولو تيمم لقراءة القرآن، فإن كان جنبًا جاز له أن يصلي به الصلوات؛ لأن القراءة عبادة مقصودة، وهو لا يحل من الجنب بدون طهارة، فصحت صلاته، وإن كان محدثًا حدثًا أصغر لم يصل به؛ لأن الطهارة من الحدث الأصغر للقراءة يصح بدون طهارة. هذا ملخص مذهب الحنفية في التيمم الذي تصح به الصلاة، أما التيمم الذي يصح، ولا يصلي به فلا يشترط فيه هذه الشروط، فلو تيمم لدخول المسجد، أو تيمم لرد السلام أو تيمم للأذان ولذكر الله صح تيممه لهذا، ولكن لا يصلي به، هذا هو الفرق بين من تيمم للجنازة، فيصلي به سائر الصلوات، وبين من تيمم للذكر، فيصح لما تيمم له، ولكن لا يصلي به، والله أعلم. انظر مذهبهم في الكتب التالية: البحر الرائق (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، شرح فتح القدير (١/ ١٣١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٤٥).\nويتضح ضعف مذهب الحنفية رحمهم الله تعالى أنه إن تيمم عنده لقراءة القرآن، فإن كان جنبًا فله أن يصلي بهذا التيمم، وإن كان محدثًا حدثًا أصغر فليس له أن يصلي به، مع أن الحدث الأصغر أخف من الحدث الأكبر، والفعل واحد، فهذا مما يدل على ضعف القول.","vol":"5","page":172},{"text":"الشافعية (^١)، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (^٢).\n• وجه من قال بالصحة:\nالقياس على الوضوء، فكما أنه لو نوى فرض الوضوء صح الوضوء، فكذلك التيمم.\n• وجه من قال: لا يصح:\nوأما دليل الحنفية فاستدلوا بقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) ثم قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فتضمنت الآية نية التيمم للصلاة، وليس مطلق النية (^٣).\nوأما تعليل إمام الحرمين من الشافعية: قال: لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح فعل الصلاة، فلا بد من تعيين ما يتيمم له كالصلاة والطواف، وما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، قالوا: ويفارق الوضوء، أن الوضوء مقصود لنفسه، ولهذا استحب تجديده بخلاف التيمم.\nوعلل السيوطي التفريق بين التيمم والوضوء بقوله: «إن التمييز لا يحصل بذلك -أي بنية الفرض- لأن التيمم عن الحدث والجنابة فرض، وصورته واحدة بخلاف الوضوء والغسل فإنما يتميزان بالصورة» (^٤).\nوالراجح أنه لو تيمم بنية الفرض أو بنية رفع الحدث فإن حدثه يرتفع، ولا إشكال كما نبهت على أن هذه المسألة إنما بنيت على أصل ضعيف، وهو أن التيمم لا يرفع الحدث، وهو خلاف الكتاب والسنة كما بينت في مبحث مستقل.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٦٠)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٠١ - ١٠٢)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١٩)، تحفة المحتاج (١/ ٣٥٩).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٩١)، الفروع (١/ ٢٢٥).\n(^٣) انظر بتصرف البحر الرائق (١/ ١٥٩).\n(^٤) الأشباه والنظائر (ص: ١٩).","vol":"5","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2241>المبحث الثاني إذا نوى المتيمم رفع الحدث</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الخلاف في المسألة راجع إلى الخلاف في التيمم: هل هو مبيح للعبادة، أو رافع للحدث؟ فمن قال: التيمم مبيح لم يصحح التيمم بنية رفع الحدث، بخلاف من قال: التيمم يرفع الحدث.\n• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم بشرطه.\n• البدل يقوم مقام المبدل في حكمه، لا في وصفه (^١).\n[م-٤٢١] اختلف أهل العلم فيما إذا نوى المتيمم رفع الحدث،\nفقيل: يرتفع حدثه، وهو مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٢٥).\n(^٢) فتح القدير (١/ ١٣٠)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٣٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٠)، البحر الرائق (١/ ١٥٧)، البيان في مذهب الشافعي (١/ ٢٧٧)، المجموع (٢/ ٢٥٤)، الفروع (١/ ٢٢٥).","vol":"5","page":174},{"text":"وقيل: لا يرتفع حدثه، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوالقول في أدلة هذه المسألة راجع إلى مسألة سبق بحثها، وهي هل التيمم يرفع الحدث، أو يبيح فعل الصلاة فقط؟ فمن رأى أن التيمم يرفع الحدث كالحنفية لم يمنع التيمم بهذه النية، ومن رأى أن التيمم لا يرفع الحدث منع المتيمم أن يتيمم بهذه النية، وقد رجحت فيما سبق أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى حين وجود الماء، وقد ذكرنا أدلتهم فيما سبق، فأغنى عن إعادته هنا، ولا يختلف القول لو نوى الطهارة، فإن نية الطهارة راجع إلى مسألتنا، هل التيمم مطهر، أو مبيح فقط، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المعونة (١/ ١٤٦)، الخرشي (١/ ١٩٠)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٥٤) الإشراف (١/ ١٦٧)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٩٢)، المجموع (٢/ ٢٥٤)، روضة الطالبين (١/ ١١٠)، البيان في مذهب الشافعي (١/ ٢٧٦).\nوقال في المغني (١/ ١٥٨): «وينوي إستباحة الصلاة، فإن نوى رفع الحدث لم يصح؛ لأنه لا يرفع الحدث». وانظر الإنصاف (١/ ٢٩٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٩٨)، كشاف القناع (١/ ١٧٤).","vol":"5","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2242>المبحث الثالث في اشتراط نية ما يتيمم عنه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2243>الفرع الأول لو تيمم ولم ينو ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التيمم بدل عن طهارة الماء، والبدل يأخذ حكم المبدل.\n• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.\n• شروط العبادة متلقاة من الشارع، مبناها على التوقيف.\n• الأصل في شروط العبادة المنع، فلا يشرع منها شيء إلا بدليل.\n[م-٤٢٢] عرفنا فيما سبق الخلاف فيما لو نوى التيمم فقط، وسوف نناقش في هذا المبحث حكم نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر،\nفقيل: لا يشترط نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، بل يكفي أن","vol":"5","page":176},{"text":"ينوي التيمم للصلاة مثلًا، وهذا مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، وقول في مذهب المالكية (^٣).\nوقيل: إن كان التيمم من الحدث الأصغر لم يلزمه استحضاره حال التيمم، بل يكفي فيه استباحة الصلاة من غير ذكر المتعلق، وفي الأكبر لابد من استحضار المتعلق، فإن ترك ذلك أعاد أبدًا. هذا هو المشهور من مذهب المالكية (^٤).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، شرح فتح القدير (١/ ١٣١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٤٥)، وقد بينت مذهب الحنفية بأوضح من هذا في فصل: إذا نوى التيمم، وأطلق، فانظره مشكورًا إن كان هناك حاجة لبيان مزيد.\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٥٤): «وأما صفة النية في التيمم فإن نوى استباحة الصلاة أو استباحة ما لا يباح إلا بالطهارة صح تيممه بلا خلاف؛ لأنه نوى مقتضاه». اهـ\nفلم يتعرض النووي إلى نية ما يتيمم عنه من حدث أو جنابة، فالشافعية عندهم يجب تعيين ما يتمم له من صلاة ونحوها، لا نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، ولذلك ذكر النووي بأنه لو تيمم عن الحدث الأصغر، ناسيًا حدثه الأكبر ارتفع حدثه الأكبر، ودلل على ذلك بقوله في المجموع (٢/ ٢٦٠): «إن الجنب ينوي بتيممه ما ينويه المحدث، وهو استباحة الصلاة، فلا فرق». اهـ فهذا صريح بأنه لا يشترط أن ينوي الجنابة بالتيمم.\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٣٤٦).\n(^٤) انظر التاج والإكليل (١/ ٣٤٥)، والثمر الداني شرح رسالة القيرواني (ص: ٧٦)، الخلاصة الفقهية (ص: ٣٨)، الشرح الكبير (١/ ١٥٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٧).\nوقال في مواهب الجليل (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦): «قال ابن عبد السلام: فإذا نوى استباحة الصلاة، فلا بد أن يتعرض مع ذلك إلى الحدث الأصغر أو الأكبر، فإن نسي، وهو جنب أن يتعرض لذلك لم يجزه خلافًا لابن وهب. انتهى.\nقال الحطاب: ويفهم منه أنه إذا نسي أن يتعرض لذلك، وهو غير جنب أجزأه تيممه، وصرح بذلك البساطي، قال: وحاصل كلامه: أن الحدث الأصغر لا يلزمه استحضاره حال التيمم، بل يكفي فيه استباحة الصلاة من غير ذكر المتعلق، وفي الأكبر لا بد من استحضار المتعلق، فإن ترك عامدًا أعاد أبدًا، أو ناسيًا أعاد في الوقت، هذا هو المشهور، وقيل: يعيد في الوقت، وقيل: لا إعادة. انتهى.\nقال الحطاب: وما ذكره في نية الحدث الأصغر هو ظاهر كلامهم، وأما ما ذكره أنه هو المشهور في الإعادة خلاف المشهور، قال ابن الحاجب: فإن نسي الجنابة لم يجزه على المشهور، ويعيد أبدًا. انتهى. ...\nقال ابن ناجي في شرح المدونة: وتعليله فيها بأن التيمم إنما كان للوضوء، لا للغسل يدل على أن الإعادة أبدًا، وهو قول مالك في الواضحة. انتهى.\nوعزاه ابن عرفة للمدونة، واستظهره ابن رشد في سماع أبي زيد، والله أعلم». انتهى نقلًا من مواهب الجليل.","vol":"5","page":177},{"text":"وقيل: يستحب له استحضار نية الحدث الأكبر، فإن ترك هذا مطلقًا عامدًا أو ناسيًا أعاد في الوقت، وهو قول في مذهب المالكية (^١).\nوقيل: يشترط أن ينوي نية ما يتيمم له، وما يتيمم عنه، وهذا مذهب الحنابلة (^٢).\nوالراجح أن التيمم يقوم مقام الماء، فإذا نوى فرض التيمم، فقد قام بما هو واجب عليه، وإذا نوى الصلاة بتيممه، ارتفع حدثه الأصغر والأكبر؛ لأنه يلزم من نية الصلاة ارتفاع الحدث، وإذا نوى ارتفاع الحدث الأصغر ارتفع الأصغر فقط، أو نوى ارتفاع الحدث الأكبر دخل فيه الحدث الأصغر تمامًا كما هو في طهارة الماء، ولا فرق؛ لأن التيمم بدل عن طهارة الماء، والبدل يأخذ حكم المبدل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٤٦) وذكر فيه ثلاثة أقوال، منها أنه يعيد ما دام في الوقت، وما دام عُلِّقَت الإعادة في الوقت، فإنه على الاستحباب؛ لأن الواجب يعاد أبدًا في الوقت وغيره.\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ٢٨٩): «ويجب تعيين النية لما يتمم له من حدث أو غيره». وقال في كشاف القناع (١/ ١٧٣): «ويشترط النية لما يتيمم له من حدث أو خبث ...». اهـ وانظر المبدع (١/ ٢٢٢)، دليل الطالب (ص: ١٩).","vol":"5","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2244>الفرع الثاني إذا تيمم للأصغر فهل يرتفع الأكبر</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.\n[م-٤٢٣] لو أن رجلًا تيمم للحدث الأصغر ناسيًا حدثه الأكبر، فهل يصح تيممه عن الحدث الأكبر؟ في هذا خلاف بين أهل العلم،\nفقيل: يصح، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)،\nوأحد القولين في مذهب المالكية (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥٢) تبيين الحقائق (١/ ٤٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٤٧، ٢٤٨)، بل صرح الحنفية بأن الواجب نية التطهير، انظر فتح القدير (١/ ١٣٠).\n(^٢) جاء في مختصر المزني (ص: ٩٨): «ولو نسي الجنابة فتيمم للحدث أجزأه؛ لأنه لو ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم».\nوقال النووي في المجموع (٢/ ٢٦٠): «لو تيمم عن الحدث الأصغر، غالطًا ظانًا أن حدثه الأصغر، فكان جنبًا أو عكسه صح تيممه بلا خلاف عندنا».\n(^٣) الذخيرة (١/ ٣٦٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٥٤)، حاشية العدوي على شرح الخرشي (١/ ١٨٩).","vol":"5","page":179},{"text":"وقيل: لا يصح، اختاره الجصاص وأبو بكر الرازي من الحنفية (^١)، وهو مذهب المالكية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nتعليل من قال: يصح تيممه عن الحدث الأكبر:\nالتعليل الأول:\nقالوا: لأنه لو كان ذاكرًا للجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم، وقد فعل.\nالتعليل الثاني:\nقالوا: إن التيمم طهارة، فلا يلزم نية أسبابها كما في الوضوء.\nوهذا التعليل جيد، لكنهم لا يقبلونه فيما لو نوى التيمم وأطلق، فلا بد عندهم من نية الطهارة، أو نية استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة بذاتها لا تصح بدون طهارة، وهذا سبق بيانه.\nالتعليل الثالث:\nأن الجنب والمحدث نيتهما واحدة، فلم يشترط نية الحدث الأكبر، قال النووي: إن الجنب ينوي بتيممه ما ينويه المحدث، وهو استباحة الصلاة، فلا فرق (^٤). اهـ\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥٢)، المبسوط (١/ ١١٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٤٧)، تبيين الحقائق (١/ ٤٠).\n(^٢) جاء في المدونة (١/ ٤٨): «سألت مالكًا عن الرجل يكون في السفر، فتصيبه الجنابة، ولا يعلم بجنابته، وليس معه ماء، فتيمم يريد بتيممه الوضوء، ويصلي الصبح، ثم يعلم أنه كان جبنًا قبل صلاة الصبح، أتجزئه صلاته بذلك التيمم؟\nقال: لا، وعليه أن يتيمم، ويعيد الصبح؛ لأن تيممه ذلك كان للوضوء لا للغسل». وانظر المسائل الفقهية لابن قداح (ص: ١١٩)، مواهب الجليل (١/ ٣٤٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٧).\n(^٣) قال في المغني (١/ ١٦٦): «وإذا نسي الجنابة، وتيمم للحدث لم يجزه ...». وانظر الفروع (١/ ٢٢٧)، كشاف القناع (١/ ١٧٥)، شرح العمدة (١/ ٣٧٨)، رؤوس المسائل لأبي المواهب الحنبلي (١/ ٦٧).\n(^٤) المجموع (٢/ ٢٦٠).","vol":"5","page":180},{"text":"قلت: نية الصلاة تستلزم نية الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، فكذلك لو كان جنبًا ونوى بغسله الصلاة ارتفع حدثه الأكبر، ولكن لو أن هذا الجنب انغمس في ماء، وخرج مرتبًا على القول بوجوب الترتيب، ولم ينو إلا الحدث الأصغر لم يرتفع حدثه الأكبر، فلماذا في التيمم قلنا: إذا نوى حدثه الأصغر ارتفع حدثه الأكبر، فالواجب أن يكون التيمم حكمه حكم الماء.\nالتعليل الرابع:\nقالوا: التيمم عن الحدث الأصغر يجزئ عن الحدث الأكبر؛ لأن صفة التيمم فيهما واحدة.\nوقد جعل بعض أهل العلم هذا التعليل سببًا في وجوب تعيين النية كما سيأتي في أدلة القول الثاني.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2245> دليل من قال: لا يصح تيممه عن الحدث الأكبر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2246>الدليل الأول:</span>\n(٩٧٥ - ٥٢) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:\nسمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن هذا لم ينو إلا الحدث الأصغر، فكيف يرتفع الحدث الأكبر، وإذا كان هذا ممنوعًا في طهارة الماء، وهي الأصل، فكيف يكون مسموحًا به في طهارة التيمم، وهي\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٦٨٩) ومسلم (١٩٠٧).","vol":"5","page":181},{"text":"الفرع، أي البدل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2247>الدليل الثاني:</span>\nالتيمم للحدثين الأصغر والأكبر يقع لهما على صفة واحدة، فلا بد من التمييز بالنية (^١).\nوهذا القول هو الراجح، فلا بد من التيمم إما أن ينوي رفع الحدث، أو استباحة الصلاة، نظرًا لقوة أدلته، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر بدائع الصنائع (١/ ٥٢).","vol":"5","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2248>الفرع الثالث: في نية ما يتيمم له من صلاة ونحوها</span>\nالمسألة الأولى لو نوى بالتيمم الصلاة وأطلق\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التيمم يقوم مقام الماء.\n• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.\n• هذه المسألة ترجع إلى الاختلاف في توصيف التيمم، هل رافع للحدث، أو مبيح للعبادة؟ فعلى القول بأنه رافع لا يشترط نية ما يتيمم له، وعلى القول بأنه مبيح يشترط، والصواب الأول.\n[م-٤٢٤] إذا نوى بالتيمم الصلاة وأطلق فهل يصلي به الفرائض والنوافل؟\nاختلف العلماء في هذا:\nفقيل: يصلي به النافلة والفريضة، وهذا مذهب الحنفية (^١)، واختيار إمام الحرمين\n_________\n(^١) قال في الهداية على البداية المطبوع مع فتح القدير (١/ ١٣١): «ثم إذا نوى الطهارة أو استباحة الصلاة أجزأه، ولا يشترط نية التيمم للحدث أو الجنابة». وانظر البحر الرائق (١/ ١٥٧).","vol":"5","page":183},{"text":"والغزالي من الشافعية (^١)، ووجه في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: لا يصلي به إلا النافلة، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\n• تعليل الحنفية الشافعية:\nتعليل الحنفية يختلف عن تعليل الشافعية: أما الحنفية فيرون أن التيمم يرفع الحدث، فإذا ارتفع الحدث كان له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وهذا هو التعليل الصحيح لفروع هذه المسائل.\nوأما تعليل إمام الحرمين والغزالي من الشافعية، فقالوا: إن الصلاة اسم جنس، فيشمل الفرض والنفل، فيكون حكمه حكم ما لو نوى بتيممه الفريضة والنافلة معًا.\n• تعليل الحنابلة:\nلما كان التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستباح به الصلاة، فلا يستباح به الفرض حتى ينويه؛ ولهذا كان التعيين شرطًا في الفرض، ولما لم يوجد أبيح له التنفل؛ لأنه أقل\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٥٦): «أما إذا لم ينو الفريضة بل نوى استباحة النافلة، أو نوى استباحة الصلاة، ولم يقصد فرضًا ولا نفلًا، ففيه ثلاثة طرق ... فذكرها، وقال: الثالث: إن نوى الصلاة فقط، استباح الفرض قولًا واحدًا، وهذا الطريق اختيار إمام الحرمين والغزالي، قال الإمام: لأن الصلاة اسم جنس، تتناول الفرض والنفل، ويخالف ما لو نوى المصلي الصلاة، فإنها لا تنعقد إلا نفلًا؛ لأن الصلاة لا يمكن أن يجمع فيها بين فرض ونفل بنية واحدة، فحمل على الأقل، وهو النفل. وأما التيمم فيمكن الجمع في نيته بين فرض ونفل، فحملت الصلاة في نيته على الجنس».\n(^٢) المبدع (١/ ٢٢٤)، واختاره ابن حامد انظر الإنصاف (١/ ٢٩١).\n(^٣) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٥٦): «أما إذا لم ينو الفريضة بل نوى استباحة النافلة، أو نوى استباحة الصلاة، ولم يقصد فرضًا ولا نفلًا، ففيه ثلاثة طرق، الصحيح منها عند جمهور الأصحاب أنه لا يستبيح الفرض في الصورتين ...».\n(^٤) المبدع (١/ ٢٢٤)، الروض المربع (١/ ٣٧٨).","vol":"5","page":184},{"text":"ما يحمل عليه الإطلاق بخلاف الوضوء فإنه يرفع الحدث فاستباح به الجميع.\nوالجواب عن هذا قد ذكرته في المسألة المتقدمة، وأن القول بأن التيمم لا يرفع الحدث قول ضعيف، وما بني على الضعيف فهو ضعيف.\n* * *","vol":"5","page":185},{"text":"المسألة الثانية\nلو نوى بالتيمم نفلًا فصلى به فريضة\n• مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\nالتيمم طهور المسلم عند عدم الماء.\n• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.\n• إذا نوى نفلًا جاز له أن يصلي به ما يشاء من الفروض والنوافل بناء على أن التيمم رافع للحدث، وقيل: إذا نوى نفلًا لم يصل به فرضًا بناء على أن التيمم مبيح لا رافع، والصواب الأول.\nوقيل:\n• الشيء لا يتضمن ما فوقه.\n• التيمم طهارة ضرورة، والحكم بالضرورة مقيد بقدرها.\n[م-٤٢٥] إذا نوى بتيممه نافلة، فهل له أن يصلي بهذا التيمم فريضة؟\nاختلف أهل العلم في هذا:\nفقيل: يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يجد الماء أو يحدث، وهذا","vol":"5","page":186},{"text":"مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: لا يجوز أن تصلى الفريضة بتيمم النافلة، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nوقيل: لا تصلى النافلة بالتيمم أصلًا، وإنما يتيمم للمكتوبة (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2249> دليل من قال: يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2250>الدليل الأول:</span>\n(٩٧٦ - ٥٣) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:\nأخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... الحديث، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^٦).\nفإذا تيمم الرجل فهو على طهارته ما لم يجد الماء أو يحدث، ومن طلب منه إعادة التيمم فعليه الدليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ، ولا يوجد دليل يطلب لمن كان متطهرًا إعادة الطهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2251>الدليل الثاني:</span>\n(٩٧٧ - ٥٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥٥)، المبسوط (١/ ١١٣)، فتح القدير (١/ ١٣٨).\n(^٢) قال ابن الجلاب في التفريع (١/ ٢٠٣): «ولا يجوز أن تصلى الفريضة بتيمم النافلة، وصلها بها، أو قطعها عنها». وانظر المنتقى للباجي (١/ ١١١)، التاج والإكليل (١/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، مواهب الجليل (١/ ٣٤٠).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٥٦)، المهذب (١/ ٣٦)، الإقناع للماوردي (ص: ٣٢).\n(^٤) المغني (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، شرح العمدة (١/ ٤٤٥).\n(^٥) المغني (١/ ١٦٩)، الذخيرة (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨).\n(^٦) صحيح البخاري (٣٣٥).","vol":"5","page":187},{"text":"عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر\nأنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^١).\nفإذا كان التيمم يقوم مقام الوضوء، فإنه يأخذ حكمه، فإذا كان للمتوضئ أن يصلي بوضوئه ما شاء من الفرائض والنوافل، فكذلك الحكم في التيمم، له أن يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2252> دليل من قال: إذا تيمم للنافلة لا يصلي بها الفريضة:</span>\nهذه المسألة وأمثالها بنوها على مسألة سابقة، وهي هل التيمم يرفع الحدث، أو يعتبر يبيح للمتيمم فعل المأمور؟ فحين ذهبوا إلى الاعتقاد بأن التيمم لا يرفع الحدث، لم يجعلوا حكمه حكم الوضوء، وبنوا على هذه المسألة من الشروط والأحكام ما كنا في غنية عنه لو تبنوا القول الراجح، وهو أن التيمم يرفع الحدث إلى وجود الماء، فمن ذلك اشترطوا في التيمم نية ما يتيمم له من صلاة أو طواف، ونية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، فلو تيمم، ونوى نفلًا لم يدخل الفرض؛ لأن الفرض أعلى من النفل، ولو نوى استباحة الصلاة وأطلق، فلم يعين فرضًا ولا نفلًا لم يصل به فرضًا (^٢)، وبعضهم ذهب إلى أنه لا يصلي فرضين بتيمم واحد كما سيأتي بيانه، وهكذا كل هذه الفروع بنيت على أصل ضعيف، وهو أن التيمم لا يرفع الحدث، وقد بينت فيما سبق من السنة أن التيمم يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، وهو يقوم مقام الماء في كل شيء، فأغنى عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2253> دليل من قال: لا يتيمم لنافلة:</span>\nقال: إن التيمم لا يرفع الحدث، فلا يتيمم إلا للمكتوبة؛ لأنه محدث أجيزت له\n_________\n(^١) المصنف (٩١٣)، وسبق تخريجه، انظر ح (٣١) من المجلد الأول.\n(^٢) الروض المربع بتحقيق الدكتور خالد المشيقح وجماعة من طلبة العلم (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨).","vol":"5","page":188},{"text":"الفريضة للضرورة، فلا نتعداها.\nوهذا يعكر عليه أن الرسول ﷺ تيمم لرد السلام، والطهارة لرد السلام مستحب، وليس بواجب.\n(٩٧٨ - ٥٥) فقد روى البخاري من طريق الأعرج، قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،\nفقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (^١).\n• الراجح:\nالراجح من الخلاف مذهب الحنفية، وأن التيمم يقوم مقام الماء فيرفع الحدث بشرطه، وهو عدم الماء، أو الخوف أو العجز عن استعماله، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩).","vol":"5","page":189},{"text":"المسألة الثالثة\nلو تيمم للفريضة فصلى به نافلة\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل طهارة يجوز أن يصلي بها نافلة، فإنه فيجوز له أن يصلي بها فريضة كالوضوء، والعكس.\n• الصلاة جنس واحد، فما يصح في النفل يصح في الفرض إلا بدليل.\n• التيمم طهور المسلم عند عدم الماء.\n• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم بشرطه.\nوقيل:\n• الأعلى يتضمن الأدنى، والأقوى يتضمن الأضعف، فإذا نوى الفرض صلى به نافلة، وإذا نوى النافلة أبيح له مس المصحف، والطواف، وقراءة القرآن؛ لأن النافلة آكد من ذلك كله.\n• القوي ينوب عن الضعيف.\n[م-٤٢٦] اختلف أهل العلم فيما لو تيمم للفريضة، فهل له أن يصلي به نافلة،","vol":"5","page":190},{"text":"فقيل: له أن يصلي به نافلة مطلقًا، سواء تقدمت النافلة على الفريضة، أو العكس، وهذا مذهب الحنفية (^١)، ومذهب الشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: له أن يصلي به نافلة بشرط ألا تتقدم النافلة على الفريضة، وأن تكون النافلة موصولة بالفريضة، وهذا مذهب المالكية (^٤)، وقول في مذهب الشافعية (^٥).\n• وجه قول الجمهور:\nأما الحنفية فتعليلهم هو ما سبق أن التيمم يرفع الحدث، فإذا ارتفع الحدث فله أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وهذا هو التعليل الصحيح لهذه المسألة.\nوأما تعليل الشافعية، فقالوا: كل طهارة يجوز له أن يتنفل بها بعد الفريضة، فإنه يجوز له قبلها كالوضوء (^٦).\nوهذا التعليل جيد، لكن لا يطردونه، فلا يجيزون له فعل الفريضة لو تيمم بنية النافلة، فيقال لهم: لما لا تقولون: كل طهارة جاز أن يصلي بها نافلة، فيجوز أن يصلي بها فريضة كالوضوء، ولا فرق.\nوأما تعليل الحنابلة، قالوا: إذا نوى استباحة الأعلى الذي هو الفرض جاز له استباحة الأدنى: الذي هو النفل، فنية الفريضة أعلى من نية النافلة، دون العكس.\nفيقال لهم القاعدة المشهورة: الصلاة جنس واحد، ما صح في النفل صح في الفرض، وكذلك العكس، فكل ما يبطل النافلة يبطل الفريضة، وكل شيء يبطل\n_________\n(^١) درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ٥٥)، تبيين الحقائق (١/ ٤٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٣٤٦)، التنبيه (ص: ٢١)، البيان في مذهب الشافعي (١/ ٢٧٨).\n(^٣) الكافي في فقه أحمد (١/ ٦٧)، دليل الطالب (ص: ٢٠)، منار السبيل (١/ ٥٦).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٣٣٩).\n(^٥) البيان في مذهب الشافعي (١/ ٢٧٨) المهذب (١/ ٣٦) إلا أن الشافعية لم يشترطوا كالمالكية أن تكون موصولة بالفريضة.\n(^٦) المهذب (١/ ٣٦).","vol":"5","page":191},{"text":"الفريضة يبطل النافلة إلا بدليل صحيح من السنة كاستقبال القبلة ونحوها، فما لم يأت دليل على أن هذا خاص بالنفل دون الفرض فالأصل فيه استواء الحكم، ولذلك لما ذكر الصحابي ﵁ أن الرسول ﷺ كان يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها، قال: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (^١)، فلولا هذا الاستثناء لانسحب الحكم حتى على الفريضة، فنحتاج إلى دليل من السنة على أن من تيمم للنفل لا يصلي به الفرض، ولا يوجد دليل، فلذلك فالقول الراجح أن الحدث إذا ارتفع يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل، سواء نوى ارتفاع الحدث، أو نوى صلاة مطلقة أو نوى نفلًا أو فرضًا.\n• تعليل المالكية:\nالتعليل الأول:\nقال في مواهب الجليل: «الأصل أن لا يصلي صلاتين بتيمم واحد نافلة ولا فريضة، وأن لا يجوز التيمم للصلاة عند عدم الماء إلا عند القيام إليها، فأجيز أن يصلي بتيمم واحد ما اتصل من النوافل، والنافلة إذا اتصلت بالفريضة استحسانًا ومراعاة للخلاف لكونها لاتصالها بها كالصلاة الواحدة، فإذا طال ما بينهما سقطت مراعاة للخلاف، ورجعت المسألة إلى حكم الأصل في وجوب إعادة التيمم» (^٢).\n• ويُجاب:\nالظاهر من هذا التعليل أنهم بنوه على أصل ضعيف، وهو أنه لا يصلي صلاتين بتيمم واحد، وهذا لا دليل عليه، وأنه اغتفر ذلك في النافلة بشرط أن تكون بعد الفريضة، وبشرط أن تكون متصلة بها بدون فاصل، وحملهم على ذلك أن النافلة يتسامح فيها ما لا يتسامح في الفرض، ومراعاة للخلاف، وأنها إذا اتصلت كان\n_________\n(^١) الحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر، وهذا لفظ مسلم (٧٠٠)، وانظر البخاري (٩٩٩).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٣٣٩).","vol":"5","page":192},{"text":"حكمها حكم الصلاة الواحدة، وكل ذلك لا دليل عليه من السنة، وإنما هو قائم على نظر غير صحيح، وأن التيمم لا يرفع الحدث، ولو كانت النافلة إذا اتصلت بالفريضة كان حكمهما حكم الصلاة الواحدة، فلماذا لا تقولون هذا في الفريضة، وأنه يجوز أن يصلي فرضين بتيمم واحد بشرط اتصالها حتى يكونا كالصلاة الواحدة، ولو كان الحامل على ذلك مراعاة الخلاف، فإن الخلاف قائم حتى في صلاة فريضتين بتيمم واحد، فلماذا لم تقولوا بجواز ذلك مراعاة للخلاف، مع أن مراعاة الخلاف ليس من أدلة الشرع مطلقًا، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها، ولكن دائمًا تجد القول الضعيف لا يَطَّرد، ويحمل تناقضه معه، بخلاف القول الصحيح، والله أعلم.\n• التعليل الثاني للمالكية:\nذكر بعضهم تعليلًا آخر، وهو أن مالكًا إنما قال: تصلى النافلة بتيمم الفريضة، ولا تصلى الفريضة بتيمم النافلة، مع أن الكل صلاة؛ لأن الأصول مبنية على أن النوافل تبع للفرائض؛ لأن الفرائض أصول، فلما كان الأصل كذلك جاز أن تصلى النافلة بتيمم الفريضة؛ لأنها تبع لها، ولم يجز أن تصلى الفريضة بتيمم النافلة؛ لأن ذلك خلاف الأصول؛ إذ تصير الفريضة حينئذ تبعًا للنافلة.\n• ويُجاب:\nلو كان هذا الأصل صحيحًا لاطرد هذا الأصل في طهارة الماء، وكنا نمنع من صلاة الفريضة بعد النافلة حتى في الوضوء من أجل أن لا تكون الفريضة تبعًا للنافلة، فلما لم يراع مثل هذا في طهارة الماء لم يراع مثل ذلك في طهارة التيمم، والتيمم إنما هو بدل عن الوضوء، والبدل له حكم المبدل.\n* * *","vol":"5","page":193},{"text":"المسألة الرابعة\nفي أداء الفرائض بتيمم واحد\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.\n• يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفروض والنوافل بناء على أن التيمم رافع للحدث، وقيل: لا يستباح بالتيمم الواحد أكثر من فريضة بناء على أن التيمم مبيح لا رافع، والصواب الأول.\n[م-٤٢٧] اختلف الفقهاء في الرجل الواحد يصلي أكثر من فريضة بتيمم واحد:\nفقيل: إذا تيمم للفريضة فله أن يصلي به ما شاء من الفروض والنوافل، وهذا مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) الهداية شرح البداية (١/ ٢٧)، بدائع الصنائع (١/ ٥٥)، تحفة الفقهاء (١/ ٤٦)، نور الإيضاح (ص: ٢٧)، تبيين الحقائق (١/ ٤٠)، المبسوط (١/ ١١٣).\n(^٢) قال أحمد في رواية الميموني كما في جامع المسائل (٢/ ١٧٣): «أستحسن أن يتيمم لكل صلاة، ولكن القياس أنه بمنزلة الماء حتى يحدث، أو يجد الماء». وانظر شرح العمدة (١/ ٤٤٥)، عمدة الفقه (ص: ١١)، مطالب أولي النهى (١/ ١٩١)، الإنصاف (١/ ٢٩٢).","vol":"5","page":194},{"text":"وقيل: لا يصلي به إلا فريضة واحدة، وهذا مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)،\nإلا أن المالكية في أحدى القولين عنهم استثنوا الصلوات الفائتة إذا صلاها متصلة بعضها ببعض (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2254> دليل من قال: يصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2255>الدليل الأول:</span>\n(٩٧٩ - ٥٦) ما رواه عبد الرزاق من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر\nأنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^٤).\nفقوله: (الصعيد وضوء المسلم) أي يقوم مقام الوضوء، فإذا كان من توضأ له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، فكذلك التيمم، فمن تيمم فقد ارتفع حدثه بالتيمم، فجاز له أن يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يحدث أو يجد الماء،\n_________\n(^١) انظر التمهيد (١٩/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، المقدمات (١/ ١١٧)، التهذيب في مختصر المدونة (١/ ٢١٤)، المعونة (١/ ١٤٩).\n(^٢) جاء في الأم (١/ ٤٧): «وإن كان قد فاتته صلوات استأنف التيمم لكل صلاة منهما، كما وصفت، لا يجزيه غير ذلك، فإن صلى صلاتين بتيمم واحد، أعاد الآخرة منهما؛ لأن التيمم يجزيه للأولى، ولا يجزيه للآخرة».\nوقال في كتاب البيان في مذهب الشافعي (١/ ٣١٦): «وإن كان عليه صلوات فوائت، وأراد أن يقضيها في وقت واحد، وهو عادم للماء، قال الشيخ أبو حامد: فإنه يطلب الماء للأولى، ويتمم، ويصليها، فإذا أراد أن يصلي الثانية أعاد الطلب لها، ثم يتيمم، وكذلك الثالثة والرابعة وإن كان في موضع واحد؛ لأن ذلك شرط في التيمم».\n(^٣) المعونة (١/ ١٥٠)، الكافي في فق أهل المدينة (ص: ٣٠)، ونص المدونة على أنه لا يصلي إلا صلاة واحدة، حتى في الفائتة، انظر المدونة (١/ ٤٨).\n(^٤) المصنف (٩١٣)، وسبق تخريجه، انظر المجلد الأول ح (٣١).","vol":"5","page":195},{"text":"فما دام أنه لم يأت ما يبطل تيممه، ولم يشرع له تجديد التيمم، فيبقى على طهارته، هذا وجه استدلال الحنفية من الحديث القائلين بأن التيمم يرفع الحدث.\nوأما وجه استدلال الحنابلة القائلين بأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح، يرون أن التيمم إذا استباح به فعل الفريضة استباح به ما كان من جنسها، ولا فرق بين فريضة وأخرى، وأما إذا استباح به نافلة، فلا يستبيح به ما هو أعلى منها كالفريضة، فإذا تيمم للفريضة صلى به ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرج وقت الصلاة، أو يجد الماء، أو يحدث، فليس الفراغ من الفريضة حدثًا يبطل التيمم حتى نوجب للفريضة الأخرى تيممًا آخر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2256>الدليل الثاني:</span>\nروى ابن المنذر من طريق إسرائيل، عن أبي عمر، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، قال: يجزئ المتيمم أن يصلي الصلوات بتيمم واحد (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2257>الدليل الثالث:</span>\nقال تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) ... ثم قوله في سياقه: (فَتَيَمَّمُوا) فأمر بالصلاة بالتيمم على الوجه الذي أمر بها بالوضوء، فلما لم تقتض الآية تكرار الوضوء لكل صلاة لم تقتض تكرار التيمم (^٢).\nوقال مالك: من قام إلى الصلاة، فلم يجد ماء، فعمل بما أمره الله به، من التيمم، فقد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء، بأطهر منه، ولا أتم صلاة؛ لأنهما أمرا جميعًا،\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٥٨)، وإسرائيل يروي عن شيخين كل واحد منهما يقال له أبو عمر، الأول:\nعبد الملك بن عمير، والثاني: هلال بن أبي حميد، وقد ترجم لهما المزي، ولم أجد من شيوخهما عكرمة حتى أجزم بأحدهما، فقد يكون فات المزي ذكر ذلك، فإن كان عبد الملك فإنه ثقة، تغير حفظة بآخرة، وربما دلس، وإن يكن هلال بن أبي حميد فهو ثقة إن شاء الله تعالى، فأرجو أن يكون إسناده صحيحًا.\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٧).","vol":"5","page":196},{"text":"فكلٌ عمل بما أمره الله به، وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء، لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء. قبل أن يدخل في الصلاة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2258> دليل من قال: لا يصلي به أكثر من فريضة واحدة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2259>الدليل الأول:</span>\n(٩٨٠ - ٧٥) ما رواه ابن المنذر من طريق الأزهر بن مروان، ثنا عبد الوارث، عن عامر الأحول، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: يتيمم لكل صلاة (^٢).\n[حسن إن سلم من خطأ عامر الأحول] (^٣).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٥٣).\n(^٢) الأوسط (٢/ ٥٧).\n(^٣) الأثر رواه الدارقطني (١/ ١٨٤) ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٨٠٩) من طريق إبراهيم بن الحجاج، ثنا عبد الوارث به،\nورواه ابن المبارك، واختلف عليه فيه:\nفرواه الطبري في تفسيره (٥/ ١١٤) من طريق عبدان المروزي،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢١) من طريق الحسن بن عيسى، كلاهما عن ابن المبارك عن عبد الوارث به.\nورواه البيهقي في الخلافيات (٨٠٨) من طريق حبان، عن ابن المبارك، عن عامر الأحول. فأسقط حبان من إسناده عبد الوارث، والحديث إنما هو حديث عبد الوارث، عن عامر. قال البيهقي: هذا إسناد صحيح.\nقلت: عامر الأحول، قال فيه أحمد بن حنبل: ليس حديثه بشيء، كما في رواية عبد الله عنه، وقال في رواية أبي طالب: ليس بقوي. وقال أبو داود: سمعت أحمد يضعفه. تهذيب الكمال (١٤/ ٦٦).\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣١٠).\nوقال يحيى بن معين: ليس به بأس. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: ثقة، لا بأس به، كما في الجرح والتعديل (٦/ ٣٢٦).\nوقال ابن حبان: من ثقات أهل البصرة ومتقنيهم. مشاهير علماء الأمصار (١٢٢٤).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: شيخ. (٥/ ١٩٣). ...\nوفي التقريب: صدوق يخطئ، فإن سلم هذا الأثر من خطئه، فأرجو أن يكون حسنًا، وذلك أن ابن أبي شيبة (١/ ١٤٧) قد رواه من طريق همام، عن عامر الأحول، عن عمرو بن العاص به. ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٨٤)، والبيهقي في الخلافيات (٨٠٥)، وهذا إسناد منقطع، عامر لم يسمع من عمرو بن العاص، فأخشى أن يكون وهم فيه عامر الأحول، فجعل ما يرويه عن عمرو بن العاص، جعله من طريق نافع، عن ابن عمر، فوصل إسناده، خاصة أن الإمام أحمد قد قال فيه ما علمت، وهو من أهل الجرح المعتدلين، والأئمة المعتبرين، فلا يكون كلامه في عامر إلا وقد رأى في روايته ما يحمله على هذا القول فيه، ولم يرو في الباب أثر أقوى منه مع غرابته، فأين أصحاب نافع المشهورين في أخذ الرواية عنه، مثل عبيد الله بن عمر، ونافع، أين هما عن مثل هذا الأثر لو كان صحيحًا؟ وليس لعامر في الكتب التسعة رواية عن نافع، مما يدل هذا على قلة روايته عنه، فإذا كان من نافع بهذه المنزلة، ثم تفرد بحديث أو أثر لم يتابعه عليه إلا متروك أو ضعيف، فكيف تطمئن النفس إلى صحة مثل هذا؟ وانظر إتحاف المهرة (١٠٦٠٢).","vol":"5","page":197},{"text":"وعلى فرض صحته، فإنه مخالف لما ثبت عن ابن عباس، فإذا اختلف الصحابة كان الاتباع لأقرب القولين إلى الشرع، وقول ابن عباس موافق للقياس الصحيح، وسبق ذكره في أدلة القول الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2260>الدليل الثاني:</span>\n(٩٨١ - ٥٨) ما رواه عبد الرزاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد،\nعن ابن عباس، قال: من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة (^١).\n[ضعيف جدًا] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٨٣٠).\n(^٢) الأثر رواه عبد الرزاق كما في إسناد الباب، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٥٧)، والدارقطني في السنن (١/ ١٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢١).\nوفي إسناده الحسن بن عمارة، قال أحمد في رواية أبي طالب: الحسن بن عمارة متروك الحديث، أحاديثه موضوعة، لا يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٣/ ٢٧).\nوفي التقريب: متروك. قال الدارقطني عقب روايته له: الحسن بن عمارة ضعيف. ...\nوقال الحافظ ابن حجر كما في الدراية (١/ ٦٩) وعن ابن عباس: من السنة أن لا يصلي بالتيمم أكثر من صلاة واحدة، أخرجه الدارقطني بإسناد واهٍ.\nوقد رواه عبد الرزاق أيضًا (٨٣١) عن الثوري، عن رجل، عن ابن عباس بنحوه، وإسناده ضعيف؛ لأن فيه مبهمًا. وانظر إتحاف المهرة (٨٧٨٦).","vol":"5","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2261>الدليل الثالث:</span>\n(٩٨٢ - ٥٩) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أن عمرو بن العاص قال: نحدث لكل صلاة تيممًا (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2262>الدليل الرابع:</span>\n(٩٨٣ - ٦٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث،\nعن علي، قال: يتيمم لكل صلاة (^٣).\n[ضعيف، وله أكثر من علة] (^٤).\n_________\n(^١) المصنف (٨٣٣).\n(^٢) فيه علتان، الأولى: رواية معمر عن قتادة فيها ضعف؛ لأن سماعه منه كان وهو صغير. العلة الثانية: قتادة لم يسمع من عمرو بن العاص، ولم يسمع من صحابي غير أنس.\nقال الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ١٥٥): فيه إرسال شديد بين قتادة وعمرو. اهـ\nوقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٧) حدثنا ابن مهدي، عن همام، عن عامر الأحول، عن عمرو ابن العاص به. ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٨٤)، والبيهقي في الخلافيات (٨٠٥)، وعامر الأحول لم يدرك صحابيًا واحدًا.\nوالصحيح عن قتادة من قوله، فقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٧) حدثنا أبو أسامة، عن سعيد، عن قتادة، قال: كان يعجبه أن يتيمم لكل صلاة. وإسناده صحيح. والعبارة لا تدل على الوجوب.\nوانظر إتحاف المهرة (١٥٩٥٩) فقد حكم ابن حجر على طرقه بالانقطاع.\n(^٣) المصنف (١/ ١٤٧).\n(^٤) الحارث الأعور ضعيف، وحجاج بن أرطأة ضعيف ومدلس. ...\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف كما في إسناد الباب، ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢١).\nوأخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ١١٤) من طريق يعقوب، ومن طريق ابن المبارك فرقهما.\nوأخرجه مسدد كما في المطالب العالية (١٥٩) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٥٧) والبيهقي في الخلافيات (٨٠٤).\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٨٤) من طريق سعيد بن سليمان، أربعتهم عن هشيم به.\nوقد ضعفه جماعة من أهل العلم، منهم ابن المنذر في الأوسط وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٤٠)، وابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٢٢١).","vol":"5","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2263>الدليل الخامس:</span>\nالأصل أن الطهارة تجب لكل صلاة، بظاهر قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ...) [المائدة: ٦]، ولكن السنة خصت من ذلك الطهارة بالماء، حيث صلى النبي ﷺ يوم فتح مكة صلوات بوضوء واحد، فبقي التيمم على أصله، إذ لم يرد فيه من التخصيص ما ورد في الوضوء.\n• وأجيب:\nبأن قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦].\nإن كان يدل على استحباب الوضوء لكل صلاة لفعل الرسول ﷺ، فإنه لا يدل على استحباب التيمم لكل صلاة، فضلًا أن يجب التيمم لكل صلاة، وذلك أن تجديد الوضوء قد وردت به السنة، ولم يرد في التيمم استحباب تجديده لكل صلاة، فكان الأولى أن يقال: إن السنة خصت التيمم، فلا يشرع التيمم لكل صلاة، والقول بأنه لولا ما فعل الرسول ﷺ يوم الفتح لكان الوضوء واجبًا لكل صلاة ليس بصواب، لما روى البخاري من حديث أنس، قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث (^١).\n_________\n(^١) البخاري (٢١٤).","vol":"5","page":200},{"text":"فهذا الحديث ظاهره أن الوضوء لكل صلاة من فعل الرسول ﷺ خاصة، وأن الصحابة لم يكن يصنعون ما يصنع ﵊، وأن هذا لم يتلق بعد فتح مكة، وإنما كان هذا شأن الصحابة ﵃.\nوإن كان في الآية تقدير كما ذكر بعض أهل العلم، وأن معنى الآية، كما قال زيد بن أسلم ﵀: إذا قمتم إلى الصلاة: أي: من النوم .. فعلى هذا التقدير لا يكون فيه مستمسك لمن أوجب التيمم لكل صلاة، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض الأدلة نجد أن القول بأن المتيمم له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل أقوى من حيث الاستدلال، وذلك لأن القول بأنه ليس له أن يصلي إلا فريضة واحدة، وله أن يصلي ما شاء من النوافل خلاف القياس، فإن كان له أن يجمع من النوافل ما شاء، فله أن يصلي من الفرائض ما شاء، إذ ليس بين طهارته للمكتوبة وطهارته للنافلة فرق في شيء من الأحكام، وغير جائز أن نقول: إذا صليت النافلة فأنت متطهر، وإذا صليت المكتوبة فأنت غير متطهر، هذا من جهة.\nومن جهة أخرى فإن من تطهر بموجب الكتاب والسنة فهو على طهارته، ولا ينقضها إلا كتاب أو سنة أو إجماع، أو قول صاحب لا مخالف له، ولا يوجد في هذه المسألة شيء من هذه الأمور، والعجب في مذهب المالكية رحمهم الله تعالى كيف يصلي الرجل مجموعة من الفرائض بتيمم واحد إذا كانت مقضية، ولا يصليها إذا كانت أداء، فهل هذا إلا دليل على أن هذا القول بني على الرأي المحض، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":201},{"text":"المسألة الخامسة\nإذا تيمم للنافلة فصلى به نوافل أخرى\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التيمم طهور المسلم عند عدم الماء.\n• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.\n• إذا نوى المتيمم النافلة صلى به ما يشاء من الفروض والنوافل بناء على أن التيمم رافع للحدث، وقيل: لا يستباح بالتيمم الواحد أكثر من عبادة واحدة بناء على أن التيمم مبيح لا رافع، وأن طهارة الضرورة تقدر بقدرها.\n[م-٤٢٨] لو تيمم الرجل ينوي بتيممه فعل نافلة من النوافل، فهل له أن يصلي بهذا التيمم نوافل أخرى، اختلف الفقهاء في ذلك،\nفقيل: له أن يصلي ما شاء من النوافل، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)،\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٣٨)، المبسوط (١/ ١١٣).\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٥٧): «فإذا نوى استباحة نافلة جاز أن يصلي من جنس النوافل ما شاء إلى أن يحدث ...».","vol":"5","page":202},{"text":"والحنابلة (^١).\nوقيل: له أن يصلي نوافل أخرى بشرط أن تكون متصلة، فإن كان بينها فاصل طويل عرفًا أعاد تيممه، وهذا مذهب المالكية (^٢).\nوهذه المسألة وإن كانت متفرعة عن المسائل السابقة، من كون التيمم يرفع الحدث، أو لا يرفعه، وإنما يبيح فعل الصلاة، ومع ذلك فقد خفف الجمهور في مسألة النوافل، فأجازوا فيها صلاة أكثر من نافلة بتيمم واحد، ولم يجيزوا ذلك في الفرض، وهذا راجع إلى أن النوافل مبنية على التيسير، فهذا الرسول ﷺ كان يصلي حيث توجهت به راحلته.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٥٨)، الفروع (١/ ٢٢٧).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٤٩٦)، مواهب الجليل (١/ ٣٣٩)، الشرح الكبير (١/ ١٥٢).","vol":"5","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2264>المبحث الرابع لو تيمم يريد به تعليم الغير</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• من نوى ما لا يصح إلا بطهارة كالصلاة صح تيممه، ومن نوى شيئًا لا يشترط فيه الطهارة كالتعليم لم يصح تيممه.\n• نية التعليم لا تتضمن نية الطهارة؛ لأنها ليست شرطًا فيها.\n• من نوى التعليم والصلاة صح تيممه؛ لعدم المنافاة، وتعليم العبادة عبادة.\n[م-٤٢٩] لو تيمم الرجل يريد تعليم الغير، فهل له أن يصلي بهذا التيمم؟ اختلف في ذلك.\nفقيل: يصلي به، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (^١).\n_________\n(^١) ذكر ذلك صاحب درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣٠)، والزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٤٠)، وهو مخالف لما ذكره ابن الهمام في فتح القدير، فإنه قال (١/ ١٣٠): «ولو تيمم يريد به تعليم الغير دون الصلاة لا يجوز عند الثلاثة». يقصد بالثلاثة: أبا حنيفة وصاحبيه. كما أنه مخالف لما ذكره السعدي في النتف في الفتاوى (١/ ٣٨)، وهو أيضًا مخالف لقواعد المذهب، فإن التيمم الذي تصح الصلاة يشترط له شرطان: الأول: كون المنوي عبادة مقصودة. والثاني: كونه لا يحل فعله إلا بطهارة، والتعليم يصح بدون طهارة، انظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٧٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٤٥).","vol":"5","page":204},{"text":"وقيل: لا يصلي به، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nقال سفيان: من علم غيره الوضوء أجزأه، ومن علمه التيمم لم يجزه (^٥).\nوالخلاف في هذا قائم على حكم النية في التيمم، فمن يرى أن النية ليست شرطًا في صحة التيمم رأى أن تيممه لتعليم الغير يمكن له أن يصلي به، ومن رأى أن النية شرط في صحة التيمم، اشترط أن يكون مع نية التعليم نية التيمم للصلاة، ونحوها.\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن القاعدة: أن من نوى ما لا يصح إلا بطهارة كالصلاة صح تيممه، ومن نوى شيئًا لا يشترط فيه الطهارة كالتعليم لم يصح تيممه؛ لأن نية التعليم لا تتضمن نية الطهارة؛ لأنها ليست شرطًا فيها، والله أعلم، ومن نوى التعليم والصلاة صح تيممه؛ لأن التعليم عبادة مقصودة، وكذا الصلاة، وقد صلى الرسول ﷺ على المنبر، وقال: إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي. متفق عليه (^٦).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٧)، فتح القدير (١/ ١٣٠)، البحر الرائق (١/ ١٥٧).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ٣٤)، مواهب الجليل (١/ ٢٣٧).\n(^٣) الأشباه والنظائر للسوطي (ص: ٢٢).\n(^٤) قال في الإنصاف (١/ ١٤٧): «لو نوى رفع الحدث وإزالة النجاسة أو التبرد أو تعليم غيره: ارتفع حدثه على الصحيح من الذهب».\nهذا الكلام في الوضوء، ولا يختلف الحكم عنه في التيمم، فلو نوى التيمم للصلاة من الحدث الأصغر، ونوى به تعليم غيره ارتفع حدثه، ولو نوى التعليم فقط لم يرتفع الحدث؛ لأن نية استباحة الصلاة من الحدث لم تنو، والمذهب يشترطون كما سبق لنا في التيمم نية التيمم للصلاة ونحوها من الحدث الأصغر أو الأكبر.\n(^٥) جاء في المنتقى للباجي (١/ ٣٤): «وروي عن سفيان الثوري أنه قال: من علم غيره الوضوء أجزأه، ومن علمه التيمم لم يجزه حتى ينويه لنفسه. قال الباجي: وهذا مبني على أن التيمم يفتقر إلى نية دون الوضوء».\n(^٦) البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٥٤).","vol":"5","page":205},{"text":"فإذا كانت نية التعليم لم تقدح في صحة الصلاة، فكذلك إذا نوى التيمم للصلاة، ونوى التعليم لم يقدح في صحة التيمم، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2265>الشرط الثاني\nمن شروط التيمم الإسلام</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الإيمان شرط لصحة العبادة، وليس شرطًا لوجوبها وأن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، ومعاقب في الآخرة على تركها على الصحيح.\n• كل ما تشترط له النية من العبادات لا يصح من الكافر؛ لأن الكافر ليس من أهل الثواب في الآخرة إلا غسل الجنابة من الذمية تكون تحت المسلم، وذبيحة الكتابي يذكر اسم الله عليها.\n[م-٤٣٠] سبق لنا في الكلام على شروط الوضوء أن قدمنا خلاف العلماء في وضوء الكافر، وهل يصح وضوؤه أو لا يصح، وأن مذهب الجمهور على أن الإسلام شرط في صحة الوضوء، وخالف في ذلك الحنفية ﵀، فقالوا بصحة وضوء الكافر، وقد تم مناقشة الأدلة هناك، فأغنى عن إعادته هنا، وفي هذا البحث نتناول الخلاف في التيمم، وهل يصح التيمم من الكافر، أو يشترط أن يكون المتيمم","vol":"5","page":207},{"text":"مسلمًا، في ذلك خلاف بين أهل العلم،\nفقيل: الطهارة كلها من وضوء أو تيمم، بل وكل العبادات لا يصح فعلها من الكافر، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: يصح الوضوء من الكافر ولا يصح منه التيمم، وبه قال أبو حنيفة ومحمد ابن الحسن (^٢).\nوقال أبو يوسف: إذا تيمم بنية الإسلام أو الطهر فهو صحيح، وإذا أسلم فله أن يصلي به، وإن تيمم بنية الصلاة لم يصح (^٣).\nأما الخلاف في صحة الوضوء فقد سبق تحريره في كتاب الوضوء.\nوأما سبب الخلاف في التيمم فيرجع إلى الكلام على اشتراط النية فيه، فمن ذهب إلى وجوب النية في التيمم اشترط أن يكون المتيمم مسلمًا؛ لأن الكافر ليس من أهل النية، فكل عمل يفتقر إلى نية لا يصح فعله من الكافر؛ لأن النية تصير الفعل منتهضًا مسببًا للثواب، ولذلك لما كان أبو حنيفة ﵀ يرى صحة الوضوء بلا نية صحح الوضوء من الكافر، ولم يصحح تيممه لاشتراطه النية عنده في التيمم، وأما الجمهور الذين يذهبون إلى أن النية شرط في الوضوء والتيمم والغسل يذهبون إلى أن الإسلام شرط في صحة هذه الأفعال، فلا يصح فعلها من الكافر، وهو الصحيح.\nوسبب تفريق أبي يوسف بأنه إن نوى الكافر بتيممه الإسلام صح، فإذا أسلم بعد صلى بتيممه، وإن نوى به الصلاة لم يصح؛ لأن الكافر من أهل نية الإسلام، والإسلام رأس العبادة، فيصح تيممه بخلاف ما إذا تيمم للصلاة، فإنه ليس من أهل\n_________\n(^١) انظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٣٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٥)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٤)، المجموع (٢/ ٣٧٢)، الأشباه والنظائر (١/ ٤٢٩)، المقدمة الحضرمية (ص: ٣٣)، المنهج القويم (ص: ٥١)، كشاف القناع (١/ ٨٥).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٦)، البحر الرائق (١/ ١٥٩)،\n(^٣) المبسوط (١/ ١١٦)، البحر الرائق (١/ ١٥٩)، بدائع الصنائع (١/ ٥٢).","vol":"5","page":208},{"text":"الصلاة، فلا يصح تيممه بهذه النية.\nوالراجح قول الجمهور، وهل تجب على الكافر الطهارة من وضوء وتيمم وغسل، فيه خلاف، وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أصولية، وهي هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟\nوقد حررت فيها الخلاف في كتاب الوضوء، في الكلام على شروط الوضوء، فارجع إليها غير مأمور.\n* * *","vol":"5","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2266>الشرط الثالث\nالتكليف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الجنون سبب لرفع التكليف.\n• أقوال المجنون والطفل الذي لا يميز وقصدهما لغو في الشرع.\n• من صحت منه النية صحت منه الطهارة، وما لا فلا؛ لأن التكليف شرط لوجوب الطهارة، وليس شرطًا لصحتها.\n[م-٤٣١] المكلف: هو البالغ العاقل، فلا يجب ولا يصح تيمم المجنون،\nوأما المميز: فيصح منه التيمم، ولا يجب عليه (^١).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٨٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٥)، المجموع (١/ ٣٧٢)، شرح البهجة (١/ ٧٧)، مغني المحتاج (١/ ٤٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥١)، حاشية البجيرمي على المنهج (١/ ٦٤)، حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٢٩)، المقدمة الحضرمية (ص: ٣٣) كشاف القناع (١/ ٨٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٥٢).","vol":"5","page":210},{"text":"وتعريف التمييز: هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، ولا ينضبط بسن، بل يختلف باختلاف الناس (^١).\nوقيل: هو من يصل إلى حالة بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده، ولا يتقيد بسبع سنين (^٢).\nوهذا التعريف هو ما يدل عليه اشتقاق كلمة مميز.\nوقيل: هو من استكمل سبع سنين (^٣).\nوأما كون التيمم لا يصح من مجنون، وغير مميز؛ فلأن من شرط الوضوء النية على الصحيح، وهما ليس لهما نية صحيحة.\nوأما كونه لا يجب عليهما؛ فلأن من شرط الوجوب التكليف، وهما غير مكلفين.\nوقد أجمع أهل العلم على أن الطفل غير المميز لا يصح منه التيمم، قال ابن تيمية: الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول، ويقصده، فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين (^٤).\nوالكلام في هذا الشرط كالكلام فيه في باب الوضوء، فقد سبق لي أن ذكرت الأدلة على أن الوضوء لا يصح من غير المميز والمجنون، وأن البلوغ شرط لوجوب الوضوء، والتمييز شرط لصحته، والكلام في الباب هنا كالكلام في الباب هناك فارجع إليه غير مأمور إن أردت الوقوف على مزيد أدلة هذا الشرط، والله الموفق.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٧٢٥)، وانظر مطالب أولي النهى (١/ ٧٧).\n(^٢) شرح البهجة للأنصاري (٤/ ٤٠٦).\n(^٣) مطالب أولي النهى (١/ ٧٧).\n(^٤) التفسير الكبير (٣/ ٨٠).","vol":"5","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2267>الشرط الرابع\nانقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا بقاء للطهارة مع وجود ما ينافيها إلا في المعذور.\nأو بلفظ آخر:\n• انقطاع ما يوجب الحدث شرط في صحة الطهارة إلا في المعذور.\n[م-٤٣٢] إذا أراد التيمم لا بد أن ينقطع ما يوجب الحدث، وذلك كالحيض والنفاس، والبول والغائط؛ لأن خروج مثل هذه ينقض الطهارة، ويوجب الحدث، إلا في المعذور كالمستحاضة، ومن به سلس بول، ونحوهما، فإنه يجوز له أن يتيمم، ولو لم ينقطع حدثه، بل إن خروج دم الاستحاضة، ومن به سلس بول، لا يعتبر حدثًا ناقضًا للوضوء أصلًا، وإنما يستحب منه الوضوء ومثله التيمم، ولا يجب، وهذا مذهب المالكية (^١).\nوقد بحثت هذه المسألة في مجلد الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٩١)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٦)، الخرشي (١/ ١٥٢)، القوانين الفقهية لابن جزي (ص: ٢٩)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٥٠٨)، الاستذكار (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n(^٢) انظر المجلد (٩/ ٣٠٤) في خلاف العلماء في وجوب الوضوء من دم الاستحاضة.","vol":"5","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2268>الشرط الخامس\nطلب الماء قبل التيمم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• عدم الماء شرط في صحة التيمم، قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) ولا يصدق عليه أنه لم يجد إلا إذا سبقه طلب.\n• لا يجوز لمريد الوضوء الانتقال إلى التيمم إلا بعد اليأس من الوصول إلى الماء، أو القدرة على استعماله؛ لأن التيمم رخصة فلا تستباح إلا بيقين.\n[م-٤٣٣] سبق لنا أنه لا يصح التيمم إلا مع قيام العذر: وهو عدم الماء، أو العجز عن استعماله.\nوهل يجب عليه قبل التيمم طلب الماء، حتى يتحقق أن الماء معدوم، أو لا يجب عليه الطلب؟ اختلف في ذلك أهل العلم،\nفقيل: إذا لم يرجُ وجود الماء، ولم يخبره مخبر، فليس عليه الطلب، ويجزيه التيمم، وهو مذهب الحنفية (^١)، وراوية عن أحمد (^٢).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٨)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٣٠).\n(^٢) المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩١) وذكر قولين:\nالأول: أنه شرط،. وهذا نقل صالح وابن منصور، واختيار الخرقي.\nوالثاني: أنه مستحب، وهذا نقل الميموني. ورجح القاضي الأول.","vol":"5","page":213},{"text":"وقيل: يجب عليه الطلب، فإن تيمم قبل الطلب لم يجزه، وهو مذهب الجمهور (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2269> دليل الجمهور على وجوب طلب الماء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2270>الدليل الأول:</span>\nاستدلوا بقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) فهذا دليل على وجوب طلب الماء؛ لأنه لا يصدق عليه أنه لم يجد الماء إلا بعد الطلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2271>الدليل الثاني:</span>\nمن جهة القياس، فإن التيمم بدل عن طهارة الماء، ولا يصح فعل البدل إلا بالعجز عن المبدل، ولا يتحقق العجز إلا بعد البحث والطلب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2272> دليل الحنفية على أن طلب الماء إذا لم يكن معه ماء غير واجب:</span>\nاستدلوا بقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً)، فمن لم يكن معه ماء فهو غير واجد للماء، فإن قيل: لا يكون غير واجد إلا بعد الطلب، قيل: هذا خطأ؛ لأن الوجود لا يقتضي طلبًا، قال تعالى: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) [النساء: ٩٢]، ومعناه: ليس في ملكه، ولا له قيمتها، لا أنه أوجب عليه أن يطلبها.\nوقال تعالى: (فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ) [الأعراف: ٤٤]، فأطلق اسم الوجود على ما لم يطلبوه.\nوقال تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) [الضحى: ٨].\nويقال: وجد فلان لقطة، وإن لم يطلب وجودها.\nفإذا كان الوجود قد يكون من غير طلب، فمن ليس بحضرته ماء، ولا هو عالم به، فهو غير واجد، وإذا تناوله إطلاق اللفظ لم يجزئنا أن نزيد عليه فيه فرض الطلب؛ لأن فيه إلحاق الزيادة بحكم الآية، وذلك غير جائز (^٢).\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: المقدمات (١/ ١٢٠)، الذخيرة للقرافي (١/ ٣٣٥)، المعونة (١/ ١٤٩).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٣٠).","vol":"5","page":214},{"text":"• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض القولين وأدلتهما، يمكننا القول بأن من تحقق عدم الماء فإنه يتيمم من غير طلب؛ لأن طلب الماء حينئذ سيكون نوعًا من العبث، وأما من كان لا يتحقق عدم الماء، فإنه يلزمه طلب الماء؛ لأن الوضوء واجب إجماعًا، فيجب طلب الماء للقيام به؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن شرط صحة التيمم عدم وجود الماء، ويبطل إذا وجد الماء، فكيف يصح تيممه، والاحتمال قائم بأن الماء قد يكون موجودًا حوله.\nويمكن لنا أن نقسم حال الإنسان إلى أقسام:\nالأول: أن يعلم أن الماء غير موجود، كما لو كان في مفازة من الرمال، ولا يوجد بها أثر من حياة، فهذا يتيمم، وليس عليه الطلب. والله أعلم.\nالثاني: أن يغلب على ظنه بناء على أمارات معينة، فيعمل بغلبة الظن، سواء غلب على ظنه عدم الماء، فلا يلزمه الطلب، أو غلب على ظنه وجود الماء، فيجب عليه الطلب حينئذ.\nالثالث: أن يشك في وجود الماء، فيجب عليه الطلب حتى يصل إلى اليقين أو إلى غلبة الظن، فيعمل بموجبها.\nالرابع: أن يتوهم الأمر، فيجب عليه الطلب، سواء كان الوهم في وجود الماء أو عدمه.\n* * *","vol":"5","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2273>الفرع الأول في تقدير المسافة التي تبيح التيمم ويسقط فيها طلب الماء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• التحديد والتقدير لا يقال إلا بتوقيف، والواجب منه طلب لا مشقة فيه، ولا عظيم نصب؛ لأن التيمم شرع لدفع الحرج.\n• كل ما لم يحد شرعًا فإن مرجعه إلى العرف.\n• شرع التيمم دفعًا للحرج، والطلب الذي فيه حرج ومشقة ينافي مقصود الشارع.\n[م-٤٣٤] من خلال الفصل السابق تم مناقشة، هل يجب عليه طلب الماء قبل التيمم، وفي هذا الفصل سوف نناقش الحدود التي إذا بعد الماء فيها عن صاحبه، شرع له التيمم.\nاختلف في ذلك أهل العلم،\nفقيل: يتيمم إذا كان الماء يبعد ميلًا فأكثر، فإن كان أقل من ميل لم يجز التيمم،","vol":"5","page":216},{"text":"وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، ورجحه الكاساني في بدائع الصنائع (^١).\nوقيل: إن كان الماء أمامه يعتبر ميلين، وإن كان يمنة أو يسرة يعتبر ميلًا واحدًا، وهو اختيار الحسن بن زياد من الحنفية (^٢).\nوقيل: إن كان الماء بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير، ويحس أصواتهم، وأصوات الدواب، فهو قريب، وإن كان يغيب عنه ذلك فهو بعيد، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (^٣).\nوقيل: لا يحد فيه حدًا، وإنما إذا شق عليه، أو على أصحابه إن انتظروه، أو خاف فوات الرفقة تيمم.\nوهذا القول رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة (^٤)، والمشهور في مذهب المالكية (^٥).\n_________\n(^١) قال في مراقي الفلاح (ص: ٤٨): «العذر المبيح للتيمم كبعده ميلًا، ولو في المصر».\nوقال الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٤٦): «أن يكون الماء بعيدًا عنه، ولم يذكر حد البعد في ظاهر الرواية، وروى محمد أنه قدره بالميل، وهو أن يكون ميلًا فصاعدًا، فإن كان أقل من ميل لم يجز التيمم ... وأقرب الأقاويل اعتبار الميل؛ لأن الجواز لدفع الحرج، وإليه وقعت الإشارة في أية التيمم، وهو قوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٤٦).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٤٧)، وهناك أقوال أخرى في مذهب الحنفية تركتها اقتصارًا.\n(^٤) جاء في المبسوط (١/ ١٠٨): «قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: سألت أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه عن المسافر لا يجد الماء، أيطلبه عن يمين الطريق وعن يساره؟ قال: إن طمع في ذلك فليفعل، ولا يُبْعِد، فيضر بأصحابه إن انتظروه، أو بنفسه إن انقطع عنهم». اهـ\n(^٥) جاء في المنتقى للباجي (١/ ١٠٢): «روى ابن القاسم عن مالك في المسافر يكون الماء حائدًا عن طريقه أن ذلك على قدر قوة الرجل وضعفه، وبُعْد الموضع وقربه، فإن كان فيه مشقة أجزأه التيمم». اهـ\nوقال الباجي أيضًا (١/ ١١٠): «وفي المبسوط من رواية ابن وهب عن مالك: أن كل ما يشق على المسافر طلبه والخروج إليه، وإن خرج إليه فاته أصحابه فإنه يتيمم، ولم يحد فيه حدًا».\nوعبارة خليل في متنه: «طلبًا لا يشق به». قال الخرشي في شرحه (١/ ١٨٩): «أي طلبه طلبًا لا يشق به، فليس الرجل والضعيف كالمرأة والقوي».","vol":"5","page":217},{"text":"وقيل يطلب الماء في رحله، وما قرب منه عرفًا، بحيث ينظر أمامه، وخلفه، ويمينه، وشماله إن كان الذي حواليه لا يستتر عنه، وهذا مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nولم يرد دليل في الشرع على تقدير مسافة معينة، وكل ما لم يحد شرعًا فإن مرجعه إلى العرف، والحكمة من مشروعية التيمم هو رفع الحرج كما نصت عليه آية التيمم، فالطلب الذي يلحق صاحبه مشقة وعنت فهو مرفوع، وإذا خاف فوت الرفقة لم يجب عليه طلب الماء، حتى ولو لم يكن يتضرر بفوتهم، فيكفي أن يفقد الإنس والألفة معهم، ومن قدره بالميل كالحنفية فتقديره لم يكن عن توقيف من الشارع، وإنما نظروا إلى المشقة التي تلحق الرجل في عصرهم، وأما في عصرنا فقد يكون الحال مختلفًا، فالسيارة ليست كالراحلة، والراكب ليس كالماشي، ومذهب الشافعية والحنابلة أرى أنه أيسر على المكلف ما دام أن الأمر ليس فيه توقيف، فينظر في مكانه، وما قرب منه، ولا يلزمه أن يشد رحله في طلب الماء، ويكفي أن يسأل أهل الخبرة بالمكان الذي هو فيه إن أمكن، فإذا لم يقف على الماء تيمم، ولا حرج،\n(٩٨٤ - ٦١) فقد روى ابن المنذر من طريق صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: سألت الأوزاعي، قلت: حضرت الصلاة، والماء حائز على الطريق، أيجب أن أعدل إليه؟ قال: حدثني موسى بن يسار، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان يكون في السفر، والماء على غلوتين ونحو ذلك، فلا يعدل إليه (^٣).\n[حسن] (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٨٨).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٧٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٩٤)، كشاف القناع (١/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٣) الأوسط (٢/ ٣٥).\n(^٤) في إسناده موسى بن يسار، قال عنه أبو حاتم الرازي: شيخ مستقيم الحديث. الجرح والتعديل (٨/ ١٦٧). ...\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٥٧).\nوقال الذهبي: لا بأس به. ميزان الاعتدال (٤/ ٢٢٦).\nوقال في المغني: صدوق. المغني في الضعفاء (٢/ ٦٨٩).\nواحتج به إسحاق، ففي كتاب المسائل (٨٠): قال إسحاق: لا يلزمه الطلب إلا في موضعه، ألا ترى أن ابن عمر ﵄ لم يكن يعدل إلى الماء، وهو منه على غلوة أو غلوتين.\nوالأثر رواه البيهقي (١/ ٢٣٣) من طريق أبي عامر، ثنا الوليد بن مسلم به.","vol":"5","page":218},{"text":"(٩٨٥ - ٦٢) وأما ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن سنان القزاز، أخبرنا عمرو بن محمد بن أبي رزين، حدثنا هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتيمم بموضع يقال له مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة (^١).\n[فهذا منكر، والمحفوظ وقفه على ابن عمر] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٨٦).\n(^٢) رواه الدارقطني في سننه (١/ ١٨٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٨٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٣٤) من طريق محمد بن سنان، عن عمرو بن محمد به.\nقال الحاكم: «هذا حديث صحيح تفرد به عمرو بن محمد بن أبي رزين، وهو صدوق، ولم يخرجاه، وقد أوقفه يحيى بن سعيد الأنصاري وغيره عن نافع، عن ابن عمر».\nوقال البيهقي في المعرفة: (٢/ ٣٥): «تفرد به عمرو بن محمد بإسناده هذا، والمحفوظ عن نافع، عن ابن عمر من فعله ...»، ونقله الحافظ ابن رجب كلام البيهقي مقرًا له، انظر فتح الباري شرح البخاري (٢/ ٢٢٧).\nوفي إسناده محمد بن سنان القزاز، جاء في ترجمته:\nقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي بالبصرة، وكان مستورًا في ذلك الوقت. الجرح والتعديل (٧/ ٢٧٩).\nوقال عبد الرحمن بن خراش: كذاب، روى حديث (والان) عن روح بن عبادة، فذهب حديثه. المرجع السابق.\nوقال عبد الرحمن بن خراش: ليس عندي بثقة. تاريخ بغداد (٥/ ٣٤٥).\nوقال الآجري: سمعته -يعني: أبا دواد السجستاني- يتكلم في محمد بن سنان، يطلق فيه الكذب. المرجع السابق.\nوقال الدارقطني: لا بأس به. سؤالات الحاكم (١٦٣). ...\nوذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١٣٣)، ووثقه مسلمة في الصلة، انظر تهذيب التهذيب (٩/ ١٨٣).\nوقال الحافظ في التهذيب: «إن كان عمدة من كذبه كونه ادعى سماع هذا الحديث -يعني: حديث والان العدوي- من ابن عبادة، فهو جرح لين، لعله استجاز روايته عنه بالوجادة». تهذيب التهذيب (٩/ ١٨٣).\nوفي التقريب: ضعيف.\nوقال الحافظ في تغليق التعليق (٢/ ١٨٥): «محمد بن سنان تكلم فيه أبو داود وغيره، لكن قال الدارقطني: لا بأس به، وعمرو بن محمد بن أبي رزين ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ، قال الحافظ: ورفعه لهذا الحديث من جملة ما أخطأ فيه، والله أعلم».\nفالحديث ضعيف على كل حال، سواء كان القزاز ضعيفًا أو صدوقًا، وذلك لأنه تفرد بروايته مرفوعًا، وخالف غيره من الثقات ممن رووه موقوفًا على ابن عمر.\nقال الدارقطني: «يرويه عبيد الله بن عمر، واختلف عنه، فرواه محمد بن سنان بن يزيد القزاز، عن عمرو بن محمد بن أبي رزين، عن هشام بن حسان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.\nوغيره يرويه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، وكذلك رواه أيوب السختياني ويحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي، عن نافع، عن ابن عمر، من فعله موقوفًا». تاريخ بغداد (٥/ ٣٤٤).\nوقال الخطيب: تفرد بروايته مرفوعًا محمد بن سنان بهذا الإسناد، وتابعه محمد بن يونس الكديمي، فرواه عن عمرو بن محمد بن أبي رزين كذلك .... والمحفوظ ما أخبرنا ثم ساق بإسناده إلى أيوب، وابن عجلان، فرقهما كلاهما عن نافع، أن ابن عمر تيمم في مربد النعم ...».\nقلت: لا يفرح بمتابعة الكديمي لأنه رجل متهم.\nوضعف إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري. وانظر تخريج ما بقي من طرق حديث ابن عمر في حديث رقم (١٤٣٠، ١٤٣١، ١٤٤٤) من هذا الكتاب. وانظر إتحاف المهرة (١٠٩٠٢، ١١١٣٠، ١١٣٢٢، ١١٤٦١).","vol":"5","page":219},{"text":"والموقوف كاف في الاحتجاج؛ لأن الصحابي أعلم من غيره متى يشرع له التيمم، ومتى لا يشرع.\n(٩٨٦ - ٦٣) فقد روى مالك، عن نافع،\nأنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجرف حتى إذا كانا بالمربد نزل عبد الله، فتيمم","vol":"5","page":220},{"text":"صعيدًا طيبًا، فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى (^١).\nوإسناده في غاية الصحة.\n(٩٨٧ - ٦٤) ورواه ابن المنذر من طريق أيوب، عن نافع به، بلفظ:\nعن ابن عمر أنه أقبل من أرضه بالجرف، حتى إذا كان مربد النعم، حضرت صلاة العصر، فتيمم، وإنه لينظر إلى بيوت المدينة (^٢).\nوهو أصح شيء ورد في الباب حسب علمي، والله أعلم.\nوقول محمد بن مسلمة من المالكية: «إنما تيمم عبد الله بالمربد، وهو بطرف المدينة؛ ولم ينتظر الماء؛ لأنه خاف فوات الوقت» (^٣)، فيشكل عليه أن نافعًا قال: دخل المدينة، والشمس مرتفعة.\nوأجاب الباجي في المنتقى على هذا الإشكال، فقال: يحتمل وجهين:\nالوجه الأول: أن يريد بقوله: والشمس مرتفعة: أي أنها مرتفعة عن الأفق، لم\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٥٨)، ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق (٨٨٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٤)، والدارقطني (١/ ١٨١)، والبيهقي (١/ ٢٠٧).\nوانظر إتحاف المهرة (١١١٣٠). وانظر لاستكمال تخريج طرق الحديث رقم (١٣٢٩، ١٤٤٤)\n(^٢) الأوسط (٢/ ٣٤)، وهو في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٤٦) رقم ١٦٧٣ عن ابن علية، عن أيوب به بنحوه. وإسناده صحيح.\nورواه الشافعي في الأم (١/ ٤٥) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٦١) والبيهقي في الكبرى (١/ ٢٢٤) عن ابن عيينة.\nورواه الدارقطني (١/ ١٨٦) من طريق فضيل بن عياض،\nورواه عبد الرزاق (٨٨٤) عن الثوري، ثلاثتهم: (ابن عيينة وفضيل والثوري) عن ابن عجلان، عن نافع به، بنحوه. وإسناده حسن.\nورواه عبد الرزاق (٨٨٤) عن الثوري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع به. وسنده صحيح.\nوانظر مزيد بحث لهذا الأثر في حديث رقم (١٤٢٩، ١٤٤٤).\n(^٣) المنتقى للباجي (١/ ١١٣).","vol":"5","page":221},{"text":"تغب بعد، إلا أن الصفرة قد دخلتها، فخاف فوات وقت الصلاة المختار.\nالوجه الثاني: «أن يكون عبد الله قد رأى أنه لا يدخل المدينة حتى يخرج الوقت، فتيمم على هذا الاجتهاد، وصلى، ثم تبين له أنه كان في فسحة من الوقت، فلم يعد» (^١).\nقلت: هذا كله تأويل للأثر، ومن قبيل الحدس، ولا أظن أن عبد الله بن عمر ﵁ لا يدري أنه يدخل المدينة قبل خروج الوقت، خاصة وأنه ينظر إلى بيوت المدينة حين تيمم.\n(٩٨٨ - ٦٥) أما ما رواه الطبراني من طريق المهيمن بن عباس، عن أبيه،\nعن جده، أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يأتون العالية، فيدركون المغرب عند مربد النعم، فيتيممون (^٢).\n[فإسناده ضعيف] (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر المرجع السابق.\n(^٢) المعجم الكبير (٦/ ١٢٤) رقم: ٥٧١٥.\n(^٣) هذا تفرد به الطبراني، وفي إسناده عبد المهيمن بن عباس بن سهل:\nقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٦/ ١٣٧).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٣٨٦).\nوقال أيضًا: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (٦/ ٣٨٣).\nوقال ابن حبان: ينفرد عن أبيه بأشياء مناكير، لا يتابع عليها من كثرة وهمه، فلما فحش ذلك في روايته بطل الاحتجاج به. المجروحين (٢/ ١٤٩).\nوفي التقريب: ضعيف.","vol":"5","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2274>الفرع الثاني لو تيمم ناسيًا وجود الماء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• النسيان عذر في المنهيات دون المأمورات.\nوالفرق: أن الأمر يقتضي إيجاد الفعل، فما لم يفعل لم يخرج من العهدة، والنهي يقتضي الكف، والمفعول من غير قصد للمنهي عنه كلا قصد.\n• الشروط لا تسقط بالسهو.\n• لو صلى ناسيًا التيمم لم يسقط؛ لأنه من نسيان الشروط المأمور بفعلها، وأما نسيان محل الماء فهو عذر يلحقه بالعاجز عن الوصول إلى الماء.\n[م-٤٣٥] إذا تيمم ناسيًا وجود الماء، وبعد الصلاة تبين له أن الماء كان معه، فهل يلزمه إعادة الصلاة، أو يصح تيممه؟\nفقيل: لا تلزمه الإعادة. وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن (^١)، ومالك في\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥٢٩)، المبسوط (١/ ١٢١)، بدائع الصنائع (١/ ٤٩)، تبيين الحقائق (١/ ٢٣٣).","vol":"5","page":223},{"text":"إحدى الروايتين عنه (^١)، ورواه أبو ثور عن الشافعي (^٢)، واختاره ابن حزم ﵀، ورجحه ابن العربي من المالكية (^٣).\nوقيل: لا يصح تيممه، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (^٤)، وإحدى الروايتين عن مالك (^٥)، والصحيح من مذهب الشافعية (^٦)، والمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2275> دليل من قال: لا تلزمه الإعادة، وتيممه صحيح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2276>الدليل الأول:</span>\nالنسيان: عذر شرعي يلحق الإنسان، ومعه يكون عاجزًا عن استعمال الماء، والشرع اعتبر العذر مبيحًا للتيمم، ولو كان الماء موجودًا، كما لو جاء الإنسان إلى بئر، ولم يكن معه دلو يستقي به، فإن هذا عذر له يبيح التيمم، وإن كان الماء موجودًا، فالنسيان عجز شرعي لا يمكن معه استعمال الماء، فصح تيممه كالعجز الحسي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2277>الدليل الثاني:</span>\nإذا جهل وجود الماء، وخشي خروج الوقت صار مطالبًا شرعًا بالتيمم، وأن\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٤٣)، أسهل المدارك (١/ ١٣٤)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٦٦).\n(^٢) البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ٢٩٥)، وقال النووي في المجموع (٢/ ٣٠٦): لو كان في رحله ماء، فطلب الماء في رحله، فلم يجده، فتيمم وصلى، ثم وجده، فإن لم يمعن في الطلب، وجبت الإعادة، وإن أمعن حتى ظن العدم فوجهان، وقيل: قولان، وهما مخرجان من القولين في الخطأ في القِبْلَة، أصحهما: وجوب الإعادة».\n(^٣) المحلى (١/ ٣٥٠) مسألة: ٢٣٢، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٦٦).\n(^٤) المبسوط (١/ ١٢١).\n(^٥) الذخيرة للقرافي (١/ ٣٦١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٥٩).\n(^٦) البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ٢٩٥)،\n(^٧) المستوعب (١/ ٢٧٨)، الإنصاف (١/ ٢٧٨)، الفروع (١/ ٢١٦)، وقال في المغني (١/ ١٥٣): «توقف أحمد ﵀ في هذه المسألة، وقطع في موضع أنه لا يجزئه».","vol":"5","page":224},{"text":"يؤدي الصلاة في وقتها، فلو ترك التيمم حتى خرج الوقت صار آثمًا لتفريطه، وإذا كان التكليف في حقه أن يتيمم ويصلي، كان فعله التيمم بمقتضى الشرع، فكيف نطالبه بالإعادة، وقد امتثل الأمر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2278> دليل من قال: تلزمه الإعادة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2279>الدليل الأول:</span>\nأن القواعد الشرعية تدل على أن النسيان والجهل يعذر بهما المرء في حق الله تعالى في باب المنهيات، دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة ولم يؤمر بالإعادة لجهله (^١)، وصلاته ﷺ في نعليه، وبهما آذى حتى أخبره جبريل بذلك، وهو في الصلاة، فنزعهما، وبنى على صلاته (^٢)،\nبخلاف فعل المأمور فإنه حين رأى رجلًا في قدمه لمعة لم يصبها الماء، قال: ارجع فأحسن وضوءك (^٣).\n_________\n(^١) حديث يعلى روه مسلم (٥٣٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء ابن يسار،\nعن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .. الحديث. وجه الاستدلال: أنه لم يأمره بالإعادة مع ارتكابه المنهي عنه، وهو الكلام لجهله بالحكم.\n(^٢) الحديث رواه أحمد (٣/ ٢٠) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،\nأن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما. والحديث إسناده صحيح، وسبق تخريجه انظر المجلد السابع، ح: (١٤٩٩).\n(^٣) مسلم (٢٤٣).","vol":"5","page":225},{"text":"والفرق بين المأمورات والمنهيات من حيث المعنى: أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها، والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها، امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه، فمن نسي الماء، وهو في رحله، وصلى بالتيمم، فإنه يطالب بفعله؛ لأنه من باب المأمورات، أرأيت لو أن الرجل نسي الطهارة، وصلى بدونها، لزمته إعادة الصلاة، فكذلك نسيان الماء، فإنه بمنزلة نسيان الطهارة الواجبة عليه. وهذا من أقوى أدلتهم (^١).\n• ويُجاب:\nالنزاع: هل يعتبر من نسي الماء، عاجزًا عن استعماله، أو ليس بعاجز؟ فإن اعتبرناه عاجزًا عن استعمال الماء لم يكن تاركًا للمأمور، لأنه حينئذ لم يكن مأمورًا بما عجز عنه شرعًا، وكان المأمور به في هذه الحال هو التيمم، وإن اعتبرناه في حالة النسيان ليس بعاجز شرعًا، صدق عليه أنه ترك ما هو مأمور فيه، فلا يعذر بالجهل والنسيان، ونحن نذهب إلى أن من نسي وجود الماء، وطلب الماء، وأمعن في طلبه، فلم يجده، أنه عاجز عن استعماله حالة نسيانه، وتيممه وصلاته إنما وقع في هذه الحالة، أعني حالة العجز، فلا يكون قد ترك المأمور، وفرق بين نسيان التيمم ونسيان الماء، فنسيان التيمم لا يسقطه كما لو نسي الوضوء، ونسيان الماء عجز شرعي عن استعماله، لأنه مخاطب أن يصلي قبل خروج الوقت، وقد عجز عن الوصول إلى الماء بذهوله عنه، فلا يكلف بالإعادة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2280>الدليل الثاني:</span>\nأن التيمم إنما يصح بشرطين: عدم الماء، أو عدم القدرة على استعماله، وهذا واجد للماء، وقادر على استعماله، إلا أنه جاهل بالوجود والقدرة، والجهل عذر في\n_________\n(^١) انظر المنثور في القواعد (٢/ ١٩).","vol":"5","page":226},{"text":"رفع الإثم، لا في إسقاط الواجب المأمور به، كما قلنا: في صلاته، ناسيًا الحدث، فإنه يجب عليه أن يتطهر ويصلي، فكذلك هنا.\n• ويُجاب عن هذا.\nإذا عجز الإنسان عن استعمال الماء صح تيممه كالمريض، وهذا الناسي غير قادر على استعمال الماء، فإمكان وقوع التيمم يقف على القدرة، والقدرة إنما تتصور مع العلم بمكان المقدور عليه، فإذا لم يعلم اختل شرط القدرة، وإذا لم يقدر صار عاجزًا، وإذا عجز أبيح له التيمم، وإذا أبيح له ذلك لم يلزم بالإعادة، ويفارق من حاله هذا حال من صلى بدون طهارة؛ لأن من صلى بدون طهارة لم يأت بالمأمور أصلًا، بينما هذا كان المأمور في حقه التيمم بدليل أنه لو ترك التيمم حتى خرج وقت الصلاة أثم لتفريطه، فإذا كان التيمم هو الطهارة في حقه، فكيف يقاس من نسي الطهارة بالكلية على من قام بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2281>الدليل الثالث:</span>\nأن الله ﷾ قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) فاشترط عدم وجود الماء، ولم يشترط عدم العلم بوجود الماء، وبينهما فرق.\n• الراجح:\nالقولان فيهما قوة، وكل قول له وجه، والنفس تميل إلى القول بصحة تيممه، إلا أن ذلك ينبغي أن يكون مشروطًا بأن يكون الرجل قد قام بما يعتقد أنه يلزمه من البحث عن الماء حوله حتى غلب على ظنه عدم وجود الماء، فإن لم يقم بطلب الماء حوله، فإنه يكون بذلك قد قصر في القيام بما يجب عليه، ويكون القول بالإعادة في هذه الحالة فيه قوة واحتياط، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2282>الشرط السادس\nفي اشتراط دخول الوقت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التيمم طهور المسلم عند عدم الماء.\n• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.\nالبدل يقوم مقام المبدل في حكمه، لا في وصفه (^١).\nوقيل:\n• البدل دون المبدل منه (^٢).\n• المبدل منه أفضل من البدل الذي لا يجوز إلا عند العجز عن المبدل (^٣).\n[م-٤٣٦] العبادات نوعان: عبادة مؤقتة بوقت، وذلك مثل الفرائض الخمس، والسنن الرواتب، والوتر ونحوها، وعبادة غير مؤقتة بوقت كالنفل المطلق.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٢٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٧).\n(^٣) المرجع السابق (١٩/ ١٢٠).","vol":"5","page":228},{"text":"وقد اختلف العلماء هل يشترط لصحة التيمم دخول وقت العبادة المؤقتة، أو يصح تيممه ولو تيمم قبل دخول وقتها؟\nفقيل: لا يشترط، وهو مذهب أبي حنيفة (^١)، واختاره ابن شعبان من المالكية (^٢)، وابن حزم (^٣)، ورجحه ابن تيمية (^٤).\nوقيل: يشترط دخول وقتها، وهو مذهب المالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).\n• وسبب الخلاف يرجع إلى سببين:\nالأول: أن الوضوء عبادة مقصودة لذاتها يصح قصده وحده، ولهذا استحب تجديده، والتيمم ليس مقصودًا لذاته، ولا يستحب تجديده وإنما وهو وسيلة لغيره مما تشترط له الطهارة.\nالثاني: اختلافهم في طهارة التيمم، هل هي طهارة ضرورة، والحدث فيها لا يرتفع، وإنما يستباح بها فعل المأمور، أو أنها طهارة بدل، تأخذ حكم المبدل من كل وجه إلى حين وجود الماء، فمن رأى أنه طهارة ضرورة، قال: لا يجوز التيمم إلا بعد دخول وقت الصلاة، ومن رأى أنها تقوم مقام الماء عند عدمه أو عند العجز عن\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٣٦)، بدائع الصنائع (١/ ٥٤)، المبسوط (١/ ١٠٩)، تبيين الحقائق (١/ ٤٢).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ١١١).\n(^٣) المحلى (١/ ٩٢) مسألة: ١١٢.\n(^٤) الفتاوى الكبرى (٢/ ١٤)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٥٢).\n(^٥) المنتقى للباجي (١/ ١٠٩)، التاج والإكليل (١/ ٥٢٠)، الخرشي (١/ ١٩٣)، المقدمات (١/ ١١٨).\n(^٦) انظر الأم (١/ ٤٦)، المهذب (١/ ٣٤)، وقال النووي في المجموع (٢/ ٢٧٥): «اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن التيمم للمكتوبة لا يصح إلا بعد دخول وقتها».\n(^٧) المغني (١/ ١٤٩)، المستوعب (١/ ٢٩٦)، المبدع (١/ ٢٠٦)، الفروع (١/ ٢٣١)، الإنصاف (١/ ٢٦٣).","vol":"5","page":229},{"text":"استعماله، قال: بجواز أن يتيمم قبل الوقت، وأن يصلي بتيممه هذا فروضًا ونوافل إلى حين وجود الماء أو قيام حدث ناقض لهذه الطهارة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2283> دليل من قال: لا يتيمم قبل دخول وقت العبادة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2284>الدليل الأول:</span>\nقالوا: من القرآن قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) إلى قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nأن القائم إلى الصلاة أمر بالوضوء، فإن لم يجده تيمم، وهذا يقتضي أن لا يفعله إلا بعد قيامه إليها، وعدم الماء، والوضوء إنما جاز قبل الوقت؛ لوجود دليل خاص على جواز وقوعه قبل الوقت، فبقي التيمم على المنع، ولكون الوضوء رافعًا للحدث، بخلاف التيمم، فإنه طهارة ضرورة كطهارة المستحاضة (^١).\n• ويُجاب عن هذا:\nإذا كنا أمرنا بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولم يمنع ذلك من جواز تقدم الوضوء على الوقت، لم يمنع هذا أيضًا من صحة التيمم قبل الوقت، وهذا مقتضى القياس الصحيح.\nولا يمكن لكم أن تخرجوا من هذا القياس الصحيح بقولكم إن الوضوء يرفع الحدث بخلاف التيمم؛ لأننا لا نسلم أن التيمم ليس رافعًا للحدث، وقد تمت مناقشة هذه المسألة في مسألة مستقلة، وتبين لنا بدليل الكتاب والسنة أن التيمم جعله الله مطهرًا لهذه الأمة كما في قوله تعالى: (وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ).\nوقوله ﷺ: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (^٢).\n_________\n(^١) انظر المبدع (١/ ٢٠٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).","vol":"5","page":230},{"text":"فهذه الأدلة نص في موضع النزاع، وأن التيمم طهور المسلم، والطهور: هو ما يطهر غيره، ولو كان المراد طاهرًا لم يكن فيه خصوصية، فإن التراب طاهر لنا ولغيرنا من الأمم، وإنما اختصت هذه الأمة بكون التيمم مطهر.\nكما أن القياس على طهارة المستحاضة، وأن طهارتها يشترط لها دخول الوقت، فهذه مسألة فيها نزاع أيضًا، ولا يوجد حديث صحيح يأمر المستحاضة بأنها لا تتوضأ إلا بعد دخول الوقت، ولا بأمرها بالوضوء لكل صلاة، وإنما صح هذا من قول عروة ﵁ موقوفًا عليه، فالمستحاضة ومن به سلس بول إذا توضأ فهو على طهارته، يصلي به ما شاء من الفروض والنوافل، خرج الوقت أو لم يخرج، والحدث الدائم لا يؤثر في طهارته شيئًا؛ لأنه مغلوب عليه، فوجوده كعدمه، وهذا مذهب المالكية، وسبق بحث هذه المسألة في باب نواقض الوضوء، وإذا بطل المقيس عليه بطل المقيس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2285>الدليل الثاني:</span>\n(٩٨٩ - ٦٦) روى البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:\nأخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ في الحديث أدركته الصلاة أي أدركه وقت الصلاة، فهذا دليل على أن التيمم لا يكون إلا بعد دخول وقت الصلاة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥).","vol":"5","page":231},{"text":"• ويُجاب:\nأن الحديث إنما هو عن وجوب التيمم على العبد لوجوب الصلاة، فلا يجب التيمم على العبد إلا إذا أدركته الصلاة: أي وجب عليه فعلها، فالحديث في معنى الآية الكريمة: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: ٦]، فإذا كانت هذه الآية لا تمنع من الوضوء قبل دخول وقت الصلاة، لم يمنع الحديث من التيمم قبل دخول الوقت.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2286> دليل من قال: يجوز التيمم قبل دخول الوقت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2287>الدليل الأول:</span>\nلا يوجد نص من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ يمنع من التيمم قبل الوقت، ومن ادعى ذلك فعليه الدليل الصحيح الخالي من النزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2288>الدليل الثاني:</span>\nالقياس الصحيح: أن التيمم بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء، وإذا كان التيمم بدل عن الوضوء، فالبدل له حكم المبدل، فكما أن الوضوء يجوز قبل دخول الوقت فكذلك بدله الذي هو التيمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2289>الدليل الثالث:</span>\nالصلاة في أول الوقت فضيلة في الجملة، قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء ٧٨].\nوقوله ﷺ: أفضل الأعمال الصلاة على وقتها متفق عليه أي على أول وقتها.\nولا يمكن أن تقع الصلاة في أول الوقت إلا بتقديم الطهارة على دخول الوقت، والطهارة شيئان: الماء عند وجوده، والتراب عند عدم الماء، فاقتضى ذلك جواز تقديم التيمم على الوقت (^١).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٣٧).","vol":"5","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2290>الدليل الرابع:</span>\nحديث أبي ذر، وقول النبي ﷺ له: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^١).\nولم يفرق بين كونه قبل الوقت أو بعده، وإنما علق جوازه بعدم الماء، لا بالوقت، وهذا معنى قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فأمر بالتيمم بعد الحدث إذا عدم الماء، ولم يفرق بين حاله قبل الوقت أو بعده.\nالراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بجواز التيمم قبل الوقت هو القول الصحيح لقوة أدلته، وضعف أدلة الجمهور، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٩١٣)، وسبق تخريجه، انظر المجلد الأول، ح: (٣١).","vol":"5","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2291>الشرط السابع في الشروط المتعلقة بالأرض المتيمم عليها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2292>الفرع الأول في التيمم بغير التراب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما كان من جنس الأرض، ولم يتغير عن حكم الأصل، فإنه يجوز التيمم به.\n• يجوز التيمم بالتراب والجص، والنورة، والرمل، وبكل ما هو من جنس الأرض.\n• كل موضع جازت الصلاة فيه من الأرض جاز التيمم به، لقوله: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا.\n[م-٤٣٧] اتفق العلماء على جواز التيمم بالتراب إلا من شذ.\nقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز إلا من شذ منهم» (^١).\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٣٧).","vol":"5","page":234},{"text":"وقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب جائز، واختلفوا فيما عداه من الأرض (^١).\nوقال ابن رشد: «حصل الإجماع على إجازة التيمم على التراب، والاختلاف فيما سواه مما هو مشاكل للأرض» (^٢).\n[م-٤٣٨] واختلفوا بالتيمم بغير تراب مما هو من جنس الأرض،\nفقيل: التيمم جائز بكل ما صعد على الأرض من جنسها، من تراب، أوجص، أو نورة، أو رمل، أو غير ذلك، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية (^٣).\nوقيل: لا يجوز التيمم إلا بتراب طهور له غبار، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (^٤)، واختيار أبي يوسف من الحنفية (^٥).\nوقيل: يجوز التيمم بكل ما هو على وجه الأرض حتى الحشيش النابت على وجه الأرض والثلج إذا عم الأرض وحالا بينك وبينها، وهو قول في مذهب مالك (^٦).\nوقيل: لا يجوز التيمم إلا بالتراب أو بالرمل دون الحجارة ونحوها، وهو قول\n_________\n(^١) الاستذكار (١/ ٣٠٩).\n(^٢) مقدمات ابن رشد (١/ ١١٣).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٥٤)، المبسوط (١/ ١٠٨)، فتح القدير (١/ ١١٢ - ١١٣)، تبيين الحقائق (١/ ٣٨ - ٣٩)، البحر الرائق (١/ ...)، بدائع الصنائع (١/ ٥٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٥٠)، التمهيد (١٩/ ٢٨١)، الاستذكار (٣/ ١٥٧)، الشرح الصغير (١/ ١٩٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٥٥).\n(^٤) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٤٦): «مذهبنا أنه لا يصح التيمم إلا بتراب، هذا هو المعروف في المذهب، وبه قطع الأصحاب، وتظاهرت عليه نصوص الشافعي».\nوانظر المهذب (١/ ٣٢ - ٣٣)، روضة الطالبين (١/ ١٠٨ - ١٠٩)، مغني المحتاج (١/ ٩٦)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٢)، الخلافيات للبيهقي (٢/ ٤٦٧)، المغني (١/ ١٥٥)، المحرر (١/ ٢٢)، الإنصاف (١/ ٢٨٤).\n(^٥) المبسوط (١/ ١٠٨).\n(^٦) المقدمات (١/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"5","page":235},{"text":"لأبي يوسف من الحنفية (^١).\n• وسبب الخلاف في هذه المسألة:\nاختلافهم في تفسير قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦]، ما هو الصعيد، وفي تفسيرها قولان:\nأحدهما: أن الصعيد يطلق على التراب الخالص.\n(٩٩٠ - ٦٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: أطيب الصعيد الحرث، وأرض الحرث (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\nوليس فيه دليل على أن الصعيد يطلق على التراب؛ لأن قوله «أطيب الصعيد» اسم تفضيل، فهو يدل على أن غير أرض الحرث يسمى صعيدًا، لكن أرض الحرث أطيب الصعيد.\nوقال الشافعي: لا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار (^٤).\nوقال الأزهري: «مذهب أكثر العلماء أن الصعيد في قوله ﷾: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦]، أنه التراب الطاهر الذي على وجه الأرض، أو خرج من باطنها» (^٥).\nواستدل بعضهم بقوله «طيبًا» فالأرض الطيبة: هي القابلة للإنبات، ففيها إشارة إلى اعتبار التراب، بدليل قوله تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٨).\n(^٢) المصنف (١/ ١٤٨) رقم ١٧٠٢.\n(^٣) في إسناده قابوس بن ظبيان، ضعيف، قال جرير بن عبد الحميد: أتينا قابوس بعد فساده. والأثر رواه البيهقي في سننه (١/ ٢١٤) من طريق جرير به.\n(^٤) الأم (١/ ٥٠).\n(^٥) المصباح المنير (ص: ٣٤٠).","vol":"5","page":236},{"text":"لا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا) (^١).\nولا يتعين الطيب بوصف الإنبات فقط، وليس لاعتبار الإنبات معنى يعود إلى التيمم، وإنما المقصود بالطيب هنا الطاهر الذي هو ضد النجس، قال محمد بن مسلمة: يريد أن يكون طاهرًا، ولم يرد كرم الأرض ولا لؤمها (^٢).\nفالطيب: ضده الخبيث، ولا نعرف خبيثًا يمكن أن يوصف به الصعيد إلا أن يكون نجسًا.\nوالقول الثاني: الصعيد هو وجه الأرض.\nقال في المصباح المنير: «الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، قال الزجاج: ولا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة في ذلك» (^٣).\nوقال الباجي: «الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو رملًا أو حجرًا، قاله\nابن الأعرابي وأبو إسحاق، والزجاج، قال أبو إسحاق: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة» (^٤).\nفهذان إمامان من أهل اللغة يحكيان الإجماع على أن الصعيد هو وجه الأرض، وينفيان وقوع اختلاف بين أهل اللغة في ذلك.\nقلت: ويدل عليه قوله تعالي: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) [الكهف: ٤٠].\nوقال ﷾: (صَعِيدًا جُرُزًا) [الكهف: ٨]. والجرز: هي الأرض التي لا نبات عليها ولا زرع ولا غرس (^٥).\n_________\n(^١) الأعراف: ٥٨. انظر شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢١٠).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ١١٤)\n(^٣) المصباح المنير (ص: ٣٤٠).\n(^٤) تفسير الطبري (١٥/ ١٩٦).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٣/ ٧٣).","vol":"5","page":237},{"text":"وقال ابن كثير: صعيدًا جرزًا: أي لا ينبت ولا ينتفع به (^١).\nوقال في المصباح المنير أيضًا: الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه:\nعلى التراب الذي على وجه الأرض، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق، وتجمع هذه على صعد بضمتين وصعدات، مثل طريق وطرق وطرقات.\nفالخلاصة: أن الصعيد على هذا التفسير الأخير اسم مشترك يطلق على التراب، وعلى وجه الأرض، فمن استدل بالآية على أنها دليل على أنه لا يجوز التيمم إلا على التراب فقط فقد أخطأ؛ والذين يجوزون التيمم بكل ما هو على وجه الأرض لا يمنعون من التيمم بالتراب، وإنما ينكرون أن في الآية دليلًا على اختصاص التيمم بالتراب فقط.\nفإذا عرفنا منشأ الخلاف فهذا أوان ذكر أدلة كل قول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2293> دليل من قال: يتيمم بكل ما هو من جنس الأرض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2294>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nقد قدمنا كلام أهل اللغة في معنى الصعيد، وأنه لفظ مشترك يطلق على التراب، وعلى وجه الأرض، ويجب استعمال المشترك في معنييه إلا أن يمنع من ذلك مانع، ولا مانع هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2295>الدليل الثاني:</span>\n(٩٩١ - ٦٨) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:\n_________\n(^١) انظر المرجع السابق.","vol":"5","page":238},{"text":"أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... الحديث، والحديث رواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nفكل موضع جازت الصلاة فيه من الأرض جاز التيمم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2296>الدليل الثالث:</span>\nأنه ﷺ في غزوة تبوك مر برمال كثيرة، ولم يكن يحمل معه التراب، ولم ينقل أنه كان يصلي بدون تيمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2297>الدليل الرابع:</span>\nلو كان التيمم يختص بالتراب لجاءت النصوص صريحة واضحة بالنهي عن التيمم بالرمال والحجارة ونحوها؛ لأن الأمر يتعلق بالطهارة، والطهارة تتعلق بالركن الثاني للإسلام وهو الصلاة، فلما لم يأت نصوص تنهى عن التيمم بغير التراب، علم أن الأرض كلها يجوز التيمم عليها، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2298> دليل من قال: التيمم خاص بالتراب ذي الغبار:</span>\nأما الدليل على اشتراط التراب، فاستدلوا بما يلي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2299>الدليل الأول:</span>\nاستدلوا بقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦]، قالوا: الصعيد: هو التراب.\nوسبق الجواب عن ذلك، وبينت أن الصعيد كما يطلق على التراب يطلق على وجه الأرض، فهو لفظ مشترك.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥)، مسلم (٥٢١).","vol":"5","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2300>الدليل الثاني:</span>\n(٩٩٢ - ٦٩) استدلوا بما رواه مسلم في صحيحه من طريق أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش،\nعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى.\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث جعل الأرض كلها مسجدًا، وخص الطهورية بالتربة، وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان الاختصاص فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذكر التربة لا معنى له، بل كان زيادة في اللفظ، ونقصًا في المعنى، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم (^١).\nوهذا أقوى دليل لمن اشترط التراب، وأجيب عنه بأجوبة منها:\nالأول: أن حديث جابر: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا منطوقه يدل على أن جميع الأرض طهور.\nوحديث حذيفة منطوقه يدل على أن التراب طهور، فمنطوقه موافق لمنطوق حديث جابر.\nومفهوم حديث حذيفة: أن غير التراب ليس مطهرًا، وإذا تعارض في غير التراب دلالة المفهوم الذي يقتضي عدم طهوريته، ودلالة المنطوق الذي يقتضي طهوريته، فالمنطوق مقدم على المفهوم؛ لأن دلالة المفهوم دلالة ضعيفة، بخلاف المنطوق، ولا يمكن أن نخصص أو نقيد بالمفهوم (^٢).\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢١١).\n(^٢) التخصيص بالمفهوم محل خلاف بين الأصوليين، وتحريرها في كتب الأصول.","vol":"5","page":240},{"text":"الجواب الثاني:\nإذا ذكر عموم أو مطلق بحكم، ثم ذكر فرد من أفراده بحكم يوافق حكم العام أو المطلق، فإن هذا الفرد لا يعتبر مخصصًا ولا مقيدًا للعموم.\nمثال ذلك: إذا قلنا: أكرم طلبة العلم، فهذا لفظ يفيد عموم الطلبة، ثم قلنا: أكرم زيدًا، وكان زيد من طلبة العلم، فإنه لا يفهم منه تخصيص الإكرام لزيد وحده.\nفحديث جابر: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا مطلق يشمل جميع الأرض.\nوحديث وجعلت تربتها لنا طهورًا التراب فرد من أفراد الأرض، ذكر بحكم يوافق حكم الأرض بكونها طهورًا، فلم يقتض ذلك تقييدًا ولا تخصيصًا.\nقال ابن المنذر في الأوسط للتدليل على هذه القاعدة: «ونظير ذلك قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) الآية [البقرة: ٢٣٨]، فأمر بالمحافظة على الصلوات، والصلوات داخلة في جملة قوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) [البقرة: ٢٣٨]، ثم خص الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها، فقال: (والصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨]، فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها مخرجًا سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر بالمحافظة على الصلوات» (^١).\nفكأن ابن المنذر يقول مفهوم (والصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨] الآية، لا يعارض به منطوق حافظوا على الصلوات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2301>الدليل الثالث:</span>\n(٩٩٣ - ٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا المثنى بن الصباح، أخبرني عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إني أكون في الرمل أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، فيكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٢٧٠).","vol":"5","page":241},{"text":"قال: عليك بالتراب (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٢٧٨).\n(^٢) الحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩١١)، ومن طريقه أحمد كما في إسناد الباب.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٥٢) والبيهقي (١/ ٢١٦) من طريق الثوري، كلاهما (عبد الرزاق، والثوري) عن المثنى بن الصباح به. والمثنى ضعيف.\nوأخرجه أبو يعلى كما في مسنده (٥٨٧٠) وفي المطالب العالية (١٥٦) حدثنا كامل بن طلحة، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عمرو بن شعيب به. وقال: عليكم بالأرض بدلًا من قوله: (عليكم بالتراب) وبينهما فرق. وهذا الإسناد ضعيف أيضًا؛ لأن فيه ابن لهيعة.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٠٣٢) من طريق وكيع بن الجراح، عن إبراهيم بن يزيد، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن المسيب به، بلفظ: أن أقوامًا سألوا النبي ﷺ، قالوا: إنا نغرب عن الماء الثلاثة أشهر، والخمسة، فلا نجد الماء، وفينا الحائض والجنب والنفساء، قال: عليكم بالأرض.\nقال الطبراني: لا نعلم لسليمان الأحول، عن سعيد بن المسيب غير هذا، ولم يروه إلا وكيع، عن إبراهيم بن يزيد، وقد روي عن سعيد بن المسيب من وجه آخر، ورواه المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، عن سعيد. اهـ\nوهذا إسناد ضعيف جدًا، فيه إبراهيم بن يزيد، وهو متروك.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢١٧) من طريق أبي الربيع السمان: أشعث بن سعيد، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن المسيب به.\nوهذا إسناد ضعيف جدًا أيضًا؛ لأن أبا الربيع متروك، وقد جعل بدلًا من عمرو بن شعيب عمرو بن دينار.\nقال البيهقي: أبو الربيع السمان ضعيف، ثم ساق بإسناده إلى ابن المديني أنه قال: قلت لسفيان: إن أبا الربيع روى عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في الرجل يعزب عن إبله، فقال: سفيان: إنما جاء بهذا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، وإنما قال: عمرو بن دينار: سمعت جابرًا بن زيد يقوله. قال علي: قلت لسفيان: إن شعبة رواه هكذا عن جابر، فقال: إن شعبة كان من أهل الحفظ والصدق، ولم يكن ممن يريد الباطل. قال البيهقي: وقد روي عن ابن أبي عروبة، عن عمرو بن دينار، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وابن أبي عروبة إنما سمعه من أبي الربيع، عن عمرو، كذلك رواه سعيد بن الصلت، عن ابن أبي عروبة. اهـ ...\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢١٧) من طريق عبد الله بن سليمان الأفطس، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب.\nقال البيهقي: عبد الله بن سلمة الأفطس ضعيف. وانظر أطراف المسند (٧/ ٢٦٦)، إتحاف المهرة (١٨٧٤٤).","vol":"5","page":242},{"text":"وأما الدليل على اشتراط الغبار:\nفلقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nأن لفظة (منه) دالة على التبعيض، ولا يتحقق ذلك إلا بغبار يعلق باليد، ويمسح به الوجه واليدان.\n• وأجيب:\nأولًا: أن كلمة (منه) في الآية ليست دالة على التبعيض، وإنما هي لابتداء الغاية، كما في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الإسراء: ١].\nثانيًا: أن آية التيمم في سورة النساء ليس فيها كلمة (منه) قال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) [المائدة: ٦].\nثالثًا: في حديث عمار ﵁ الذي رواه البخاري وفيه، فقال النبي ﷺ: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح وجهه وكفيه (^١).\nوالنفخ قد يزيل أثر التراب والغبار.\nرابعًا: أن الرسول ﷺ كان يسافر في الأرض الرملية، ولم ينقل عنه ترك التيمم لعدم وجود الغبار، كل ذلك دليل على أن اشتراط الغبار قول ضعيف، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2302> دليل من خص التيمم بالتراب والرمل:</span>\nلعل صاحب هذا القول حمله على إدخال الرمل خاصة مع التراب، كونه رأى\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٨)، ورواه مسلم (٣١٢).","vol":"5","page":243},{"text":"أن الرسول ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وكان ماؤهم في غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل التراب معه، ولا أمر بحمله، ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب، فجعل الرمل ملحقًا بالتراب، والله أعلم.\n• الراجح:\nأن التراب والرمل ليس بشرط في صحة التيمم، فالأرض كلها يصح أن يتيمم عليها المسلم، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2303>الفرع الثاني في طهارة ما يتيمم به</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• قال ﷺ: الصعيد الطيب طهور المسلم، فالحكم المعلق بوصف مناسب دليل على أن ذلك الوصف علة له، فعلم أن طهارتها مؤثرة في كونها مسجدًا وطهورًا، وإذا لم يكن التراب طهورًا لم يكن مطهرًا.\n• الماء المتغير بالنجاسة لا يتوضأ به إجماعًا، وفرضه التيمم، والتراب بدل عن الماء، فهل للبدل حكم المبدل؟\nأو يقال نجاسة الماء بسبب رقته تتعدى إلى بدن المتوضئ وثيابه، واستعماله سينشر النجاسة، بخلاف التراب النجس، ولأننا لو قلنا بوجوب طهارة التراب فالشرطية لا تثبت إلا بدليل؛ لأنها قدر زائد عن مجرد الوجوب؟\n• الماء لا ينجس على الصحيح إلا بالتغير، فالتراب مثله إذا لم تظهر عليها النجاسة فالتيمم به صحيح.","vol":"5","page":245},{"text":"[م-٤٣٩] ذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط طهارة ما يتيمم به، فلا يصح التيمم على الأرض النجسة (^١).\nوفي مذهب المالكية قولان فيمن تيمم على أرض نجسة:\nأحدهما: يعيد ما دام في الوقت.\nوالثاني: يعيد أبدًا (^٢).\nوعلى القول بأنه يعيد ما دام في الوقت فإن الإعادة ليست واجبة؛ لأن الذمة لو كانت مشغولة في وجوب الإعادة لم يكن هناك فرق بين الوقت وبين خارج الوقت، وقد قال بعضهم عن أصحاب مالك: إن كل موضع يقول فيه مالك: إنه يعيد في الوقت هو استحباب ليس بإيجاب (^٣).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ١٥٤)، مجمع الأنهر (١/ ٣٩)، بدائع الصنائع (١/ ٥٣)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٧٩).\nوانظر في مذهب الشافعية الإقناع للماوردي (ص: ٣١)، المهذب (١/ ٣٣)، غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ٦٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفروع (١/ ٢٢٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر المدونة (١/ ٣٩)، الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٦١)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٩)، الذخيرة (١/ ٣٤٩).\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٠٩): «اختلف قولهم فيمن تيمم على موضع نجس، فقال أكثرهم: يعيد في الوقت وبعده، لقول الله ﷿: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) يعني: طاهرًا، وقال بعضهم: لا يعيد إلا في الوقت، وهو قول أشهب قياسًا على من صلى بثوب نجس ليستدرك فضل السنة في الوقت، فإذا خرج الوقت لم يستدرك بذلك».\nوكان قد قال قبل (١٣/ ١٠٨): قال مالك: من تيمم عليها أو صلى (أي على الأرض النجسة) أعاد في الوقت، وقد قال: يعيد أبدًا، وكذلك اختلف أصحابه، فمنهم من قال: يعيد أبدًا من تيمم على موضع نجس، ومنهم من قال: يعيد في الوقت لا غير، هذا إنما هو في نجاسة لم تظهر في التراب، وفيما لم تغيره النجاسة، وأما من تيمم على نجاسة يراها أو توضأ بماء تغير أوصافه أو بعضها بنجاسة فإنه يعيد أبدا ...». اهـ\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٠٥).","vol":"5","page":246},{"text":"وقد أثبت جماعة من أهل العلم الخلاف في التيمم بالتراب النجس، وأنه ليس من مسائل الإجماع، منهم ابن حزم (^١)، وابن المنذر (^٢)، وسائر من نقلنا عنه من كتب المالكية ممن حرر الخلاف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2304> دليل من اشترط الطهارة:</span>\nقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦]، والطيب ضد النجس (^٣).\nقال ابن قدامة: الطيب: الطاهر (^٤).\n(٩٩٤ - ٧١) ولما رواه ابن الجارود في المنتقى من طريق حماد، عن ثابت وحميد،\nعن أنس ﵁، قال: جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا (^٥).\n[صحيح] (^٦).\n_________\n(^١) قال ابن حزم في مراتب الإجماع (ص: ٢٧): «واختلفوا أيمس المتيمم المصحف ويؤم المتوضئ أم لا؟ وهل يتيمم بتراب نجس أم لا؟».\n(^٢) قال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٠): «اختلف أهل العلم في التيمم بالتراب النجس، فقال كثير منهم: لا يجوز التيمم به ...».\n(^٣) وقيل: الطيب: هي الأرض القابلة للإنبات، كما في قوله تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) الأعراف: ٥٨. انظر شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢١٠).\n(^٤) المغني (١/ ١٥٥).\n(^٥) المنتقى لابن الجارود (١٢٤).\n(^٦) الحديث رواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٢) والمقدسي في الأحاديث المختارة (١٦٥٣) من طريق حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة به.\nواستدل به ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٢) على اشتراط طهارة الأرض، فقال في ترجمته لهذا الحديث: الدليل على أن الأرض الذي جعل من الأرض طهورًا الطاهر منها دون النجس.\nوقال الحافظ في الفتح تحت حديث رقم (٣٣٥): «روى ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس مرفوعًا».\nوقد نسبه الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة (٤٨٢) إلى مسند أحمد، ولم أقف عليه في المسند، ولا في أطراف المسند، وقد صرح محقق الإتحاف أيضًا بأنه لم يقف عليه في المسند.","vol":"5","page":247},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2305> دليل من قال: يعيد ما دام في الوقت:</span>\nلقد ذكر ابن عبد البر: أن هذا الحكم إنما هو في أرض أصابتها نجاسة، ولم يظهر لها أثر في الأرض، وأما الأرض التي تُرَى فيها النجاسة، فإنه يعيد أبدًا (^١)، فإذا كان ذلك كذلك، فهل الأرض بذلك تكون نجسة، ولا بد من غسلها بالماء، أو يحكم بطهارتها ما دامت لم تظهر فيها النجاسة، الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة فلم يظهر لها لون أو طعم، أو رائحة، وفيه قولان لأهل العلم، فمنهم من يرى نجاسته، ومنهم من يرى أنه طاهر حتى يتأثر بالنجاسة، وقد حررت ذلك في كتاب المياه، وذكرت أدلة كل قول، ورجحت أن الماء لا يحكم له بالنجاسة حتى تكون النجاسة غالبة على الماء، وذلك بأن يظهر لها أثر في الماء من طعم أو لون أو رائحة، فإذا لم يظهر لها شيء من ذلك، واستهلكت في الماء، فإن الماء طهور، والحكم لا يختلف عنه في الأرض، فإن لم يكن للنجاسة وجود محسوس لم تكن الأرض نجسة، ولكن ما هو الدليل على استحباب الإعادة بالوقت، ذكروا وجوهًا للاستحباب منها:\nأن التيمم لا يجب فيه إيصال التراب إلى البشرة، إذ لو تيمم على الحجر الصلد أجزأه، وإنما الواجب قصد الأرض وضربها باليد، والمرتفع من التراب النجس إلى الأعضاء لم يحصل به خلل في طهارة الحدث، وإنما هو حامل لنجاسة لم يتعمدها، فيعيد في الوقت، على قاعدة إزالة النجاسة.\nأو لأن الغبار ينتقل مع الريح الجارية على هذا المكان، والتيمم إنما يقع على أعلى المنتقل الطاهر (^٢).\nأو لأن الأمام طلب الإعادة بالوقت مراعاة للقائل من الأئمة بطهارة الأرض\n_________\n(^١) التمهيد (١٣/ ١٠٨) و(٢٢/ ٢٤٤) الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٩).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٤٩).","vol":"5","page":248},{"text":"بالجفاف كمحمد بن الحنفية، والحسن البصري (^١).\nقلت: هذه مسألة أخرى سوف أتعرض لها في المسألة التالية لهذه.\nأو لأن الحكم عائد إلى حكم الصلاة بالثوب النجس، فإن في مذهب المالكية قولًا باستحباب التخلي عن النجاسة في الصلاة، وأن الطهارة من الخبث ليس شرطًا ولا واجبًا من واجبات الصلاة، وأن من صلى في الثوب النجس يعيد ما دام في الوقت، ولا يعيد إذا خرج الوقت، فهذا مثله. وقد ناقشت أدلة هذه المسألة ولله الحمد في كتاب أحكام النجاسات، فانظره مشكورًا في المجلد الذي يلي هذا.\n• الراجح من الخلاف:\nالتيمم على النجاسة يختلف عن التيمم على التراب النجس، فالتيمم على النجاسة لا يجوز، وأما على التراب المتنجس، فإن كانت الأرض لم تظهر عليها النجاسة، فإن الأرض طيبة، يجوز التيمم والصلاة عليها، وإن كانت النجاسة ترى على الأرض فإنه لا يتيمم عليها، ولكن أن يجعل ذلك شرطًا في صحة التيمم نحتاج إلى نص شرعي ينفي صحة التيمم، ولا يكفي كون الشيء واجبًا أن يكون شرطًا، فإن الشرطية أخص من الوجوب، ولا بد في إثبات الشرطية أن نستند إلى نص ينفي صحة التيمم على الأرض النجسة، كما عبر عن الشرطية في الطهارة بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٦١).\n(^٢) البخاري (٦٩٥٤)، مسلم (٢٢٥).","vol":"5","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2306>الفرع الثالث في التيمم على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأرض كالماء إذا زال تغيرها بالنجاسة طهرت.\n• الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.\n[م-٤٤٠] إذا أصابت الأرض نجاسة، ثم جفت، وذهب أثرها، فهل يتيمم بها؟\nاختلف العلماء في هذا بناء على اختلافهم في طهارة الأرض المتنجسة بالجفاف، وهل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أو تزال بأي مزيل، ومنه الجفاف؟\nفقيل: يتيمم بها، وهو قول في مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يصلي عليها، ولا يتيمم بها، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (^٢).\nوقيل: لا يتيمم بها، وهو مذهب الجمهور (^٣).\n_________\n(^١) قال في بدائع الصنائع (١/ ٥٣): «ولو تيمم بأرض قد أصابتها نجاسة، فجفت، وذهب أثرها لم يجز في ظاهر الرواية. وروى ابن الكاسر النخعي عن أصحابنا أنه يجوز». وانظر المبسوط (١/ ١٩١).\n(^٢) انظر المرجعين السابقين.\n(^٣) سبق لنا أن الأرض المتنجسة لا يجوز التيمم بها اتفاقًا في المسألة التي قبل هذه، كما أن الجمهور\nلا يرون الطهارة بالجفاف أو بالشمس، ويرون أن الأرض لا زالت نجسة، وإن ذهبت عين النجاسة حتى تغسل بالماء. وقد فصلت القول ولله الحمد في كتاب أحكام النجاسة وذكرت خلاف العلماء في الطهارة بالجفاف، ورجحت بالدليل أن الأرض إذا ذهبت عين النجاسة، فلم يبق لها أثر من لون أو رائحة، فإن حكم الأرض يعود كما كان قبل إصابتها بالنجاسة، فتصبح طاهرة مطهرة، والله أعلم.","vol":"5","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2307>دليل الحنفية في التفريق بين الصلاة والتيمم:</span>\nقالوا: لا يصح التيمم بها، وإن صحت الصلاة عليها؛ لأن الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت أصبحت طاهرة، غير مطهرة، وطهارتها كافية في الصلاة عليها، وأما التيمم فلا بد من طهورية الأرض، وبناء على هذا القول فهم يقسمون التراب إلى طهور وطاهر ونجس.\nوقد أجبنا على ضعف قول من ذهب إلى هذا التقسيم في المسألة السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2308>دليل من قال: يتيمم بها:</span>\nذهب إلى أن الطهارة تزال بأي مزيل، ولا يتعين ذهابها بالماء، فإذا ذهبت عين النجاسة فقد ذهب حكمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2309>دليل من قال: لا يتيمم بها:</span>\nذكرنا أدلتهم في مسألة سابقة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى في مسألة لاحقة.\nأما المسألة السابقة فقد ذكرنا أدلتهم في مسألة خلاف العلماء في وجوب تعيين الماء لإزالة النجاسة، فالجمهور يذهبون إلى أن النجاسة لا تذهب حتى تزال بالماء فإذا لم تغسل بالماء فما زال حكم النجاسة باقيًا، ولو ذهبت عين النجاسة.\nوسنكمل أدلتهم في مسألة لاحقة إن شاء الله تعالى، وهي مسألة: هل الجفاف مطهر للنجاسات، أو لا؟ في كتاب أحكام النجاسات من هذه السلسلة، فانظره في الموضعين غير مأمور.\n* * *","vol":"5","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2310>الفرع الرابع في التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• التراب كالماء، إما طهور، أو ونجس، ولا يوجد قسم ثالث لا طهور ولا نجس.\n[م-٤٤١] اختلف الفقهاء في التيمم بالتراب المستعمل.\nفقيل: يجوز التيمم به، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، وأحد القولين في مذهب الشافعية (^٣)، ووجه في مذهب الحنابلة (^٤)، واختيار ابن حزم (^٥).\nوقيل: لا يجوز التيمم به، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (^٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٧).\n_________\n(^١) جاء في تبيين الحقائق (١/ ٣٨): «قال في الدراية: ويجوز التيمم بالتراب المستعمل عندنا». وانظر فتح القدير (١/ ١٣٦).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٥١٨ - ٥١٩)، الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ٤٢).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٥١)، طرح التثريب (٢/ ١٠٩).\n(^٤) المغني (١/ ١٦٠ - ١٦١)، الإنصاف (١/ ٢٨٦).\n(^٥) المحلى (١/ ١٨٦).\n(^٦) المجموع (٢/ ٢٥١)، طرح التثريب (٢/ ١٠٩).\n(^٧) المغني (١/ ١٦٠ - ١٦١)، الإنصاف (١/ ٢٨٦)، الفروع (١/ ٢٢٣).","vol":"5","page":252},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2311> دليل من قال: يجوز التيمم بالتراب المستعمل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2312>الدليل الأول:</span>\nلا يوجد دليل على تقسيم التراب إلى طهور وطاهر ونجس، بل التراب كالماء قسمان: إما طهور، وإما نجس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2313>الدليل الثاني:</span>\nكل الأدلة التي سيقت في الاستدلال على جواز الوضوء بالماء المستعمل في طهارة واجبة تصح دليلًا على صحة التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة، وقد سبق ذكرها في كتاب المياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2314>الدليل الثالث:</span>\nقال ﷺ: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (^١)، والاستدلال في الحديث من وجهين:\nالأول: أن الحديث قد نص على أن الأرض قد جعلها الله طهورًا، خرج من ذلك الأرض النجسة بالدليل الشرعي، بقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦]، وبقي ما عداه على الطهورية.\nالوجه الثاني: أن كلمة (طهور) على وزن فعول، وهذا الصيغة تدل على التكرار، فدلت بالإشارة إلى جواز التيمم بالتراب المستعمل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2315>الدليل الرابع:</span>\nأن التيمم لا يمكن أن ينفك عن استعمال التراب المستعمل، خاصة إذا قلنا: إن التيمم ضربة واحدة كما هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وسوف نعرض لها إن شاء لله تعالى في مبحث مستقل، فإذا مسح المتيمم وجهه، ثم عاد ومسح يديه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ١٠٩).","vol":"5","page":253},{"text":"بنفس الضربة، فقد مسحهما بالتراب المستعمل في مسح الوجه، وهذا دليل على جواز استعمال التراب المستعمل في طهارة واجبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2316>الدليل الخامس:</span>\nذكر بعضهم: أن التيمم لا يرفع الحدث، فلا يصير التراب مستعملًا بخلاف الماء.\nوالصحيح أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا، ولا نحتاج إلى هذا الدليل في التفريق بين الماء المستعمل في طهارة واجبة، وبين التراب المستعمل في طهارة واجبة، بل الكل طهور.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2317> دليل من قال: لا يجوز التيمم بالتراب المستعمل:</span>\nإذا كان الماء المستعمل في طهارة واجبة لا يرفع الحدث، فكذلك التراب المستعمل في طهارة واجبة.\nوقد بينا ضعف هذا القياس، وأن الصحيح أن الماء المستعمل في طهارة واجبة ماء طهور، وإذا كان الأصل ضعيفًا، فما بني على القول الضعيف فهو ضعيف.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض الأدلة نجد أن القول الذي يقسم التراب أو الماء إلى طهور وطاهر قول ضعيف، وأن الصحيح أن التراب إما طهور، وإما نجس، ولا فرق بين الماء والتراب، وعلى التنزل بأن الماء المستعمل في طهارة واجبة ليس ماء مطلقًا، فهل التراب المستعمل أيضًا لا يقال له تراب مطلق، فالتيمم بالتراب لا يخرجه عن كونه ترابًا، وهو باق على صفته التي خلقه الله عليها، فكيف يمنع من التيمم به، ونقول له: إذا لم يجد غيره صل بدون تيمم.\n* * *","vol":"5","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2318>الفرع الخامس التيمم بالتراب المغصوب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل التراب المغصوب كالماء المغصوب، أو أن التطهر بالماء المغصوب يستهلك بالاستعمال فيفوته على صاحبه بخلاف التراب.\n• هل المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا؟\n• هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا، أو أن النهي إذا كان لمعنى في غيره لم يقتض فساده؟\n[م-٤٤٢] اختلف العلماء في التيمم بالتراب المغصوب،\nفقيل: يصح التيمم به، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: لا يصح، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٥٣٨)، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٣)، الموسوعة الفقهية الكويتية (١٤/ ٢٦٢).\n(^٢) الفروع (١/ ٢٢٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٩٧)، كشاف القناع (١/ ١٧٢)، الإنصاف (١/ ٢٨٦).","vol":"5","page":255},{"text":"والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في الوضوء بالماء المغصوب، قال ابن مفلح: «وتراب مغصوب كالماء» (^١).\nفالأدلة في المسألتين واحدة، وقد سبق بحث خلاف العلماء في الوضوء بالماء المغصوب، مع ذكر أدلة كل قول، وبينت أن الراجح صحة الوضوء، وأن التحريم والصحة منفكان، غير متلازمين، فقد يكون الشيء حرامًا صحيحًا، وقد يكون الشيء حرامًا فاسدًا، باعتبارات تعود إلى المنهي عنه، فتارة يكون النهي عائدًا إلى ذات الشيء المنهي عنه، وتارة يكون النهي لا يعود إليه، وإنما يعود لأمر خارج، فانظر أدلة كل فريق في المجلد الأول.\n* * *\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٢٢٣).","vol":"5","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2319>الباب الرابع فيما يتيمم عنه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2320>الفصل الأول في التيمم عن الحدث</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• قال تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...) إلى قوله: (... وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) فذكر في طهارة الوضوء الحدث الأكبر والأصغر، ثم انتقل إلى طهارة التيمم فذكر حدثين: الأصغر بقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) والأكبر بقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) أي جامعتم النساء.\n[م-٤٤٣] أما التيمم عن الحدث الأصغر فإنه إجماع بين أهل العلم،\nقال النووي: «يجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب والسنة والإجماع» (^١).\nواختلفوا في التيمم عن الحدث الأكبر،\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٣٩).","vol":"5","page":257},{"text":"فقيل: يتيمم عنه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\nوقيل: لا يتيمم، وهو مذهب عمر وابن مسعود ﵄ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2321>دليل من قال بمشروعية التيمم عن الجنابة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2322>الدليل الأول:</span>\nاستدلوا من كتاب الله بآية المائدة، سواء من قال: إن قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (^٣)، المقصود به الجماع، أو من قال إن المقصود به الحدث الأصغر وهو مس بدن المرأة.\nلكن من قال: إن المقصود بقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) الحدث الأصغر كان توجيه للاستدلال بالآية على النحو التالي، قال: إن قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...) إلى قوله سبحانه: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) ثم قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (^٤)، وهو عائد إلى المحدث والجنب جميعًا.\nوأما من قال: إن المراد بقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) هو الجماع، وهو تفسير\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١١)، الفتاوى الهندية (١/ ٣١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٩١)، البحر الرائق (١/ ١٤٧).\nوفي مذهب المالكية: انظر الذخيرة (١/ ٣٤٤)، الاستذكار (١/ ٣٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٣٣٠)، المنتقى للباجي (١/ ١١٢)، التمهيد (١٩/ ٢٧١).\nوفي مذهب الشافعية: المهذب (١/ ٣٢)، المجموع (٢/ ٢٣٩)، غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ٦١)، مغني المحتاج (١/ ٨٧).\nوفي مذهب الحنابلة: المبدع (١/ ٢١٧)، المحرر (١/ ٢٢)، شرح العمدة (١/ ٣٧٩)، شرح منتهى الإراد ١ ت (١/ ٩٦)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٨٢)، كشاف القناع (١/ ١٦١).\n(^٢) ستأتي الآثار عنهما مخرجة ضمن سياق أدلة القوم إن شاء الله تعالى.\n(^٣) صحيح البخاري (٣٣٥).\n(^٤) صحيح البخاري (٣٣٥).","vol":"5","page":258},{"text":"ابن عباس ﵄، وهو الموافق لبلاغة القرآن، فالآية نص في تيمم الجنب، وتوجيه الآية: أن الله ﷾ ذكر طهارتين: الماء والتيمم، وذكر في وجوب طهارة الماء سببين: الحدث الأصغر والأكبر، فالأصغر في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) والحدث الأكبر بقوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا).\nوفي طهارة التيمم كذلك: ذكر حدثين: الأصغر والأكبر، فالأصغر بقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) والأكبر بقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) أي جامعتم النساء، ولو حمل على اللمس باليد لكان المعنى تكرار الحدث الأصغر، وإهمال الحدث الأكبر في طهارة التيمم، وهذا مناف للبلاغة المعهودة من كتاب الله ﷾، فكان مقتضى التقسيم في طهارة الماء من ذكر الحدث الأصغر والأكبر، أن يعاد التقسيم نفسه في طهارة التيمم، لا أن يكرر الحدث الأصغر، ويهمل الحدث الأكبر، وهذه القرينة كافية في حمل اللمس على الجماع في الآية الكريمة، وقد فسرها ابن عباس بالجماع، وهو ترجمان القرآن،\n(٩٩٥ - ٧٢) فقد روى ابن أبي شيبة، من طريق عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد ابن جبير، قال:\nاختلفت أنا وأناس من العرب في اللمس، فقلت: أنا وأناس من الموالي: اللمس ما دون الجماع، وقالت العرب: هو الجماع، فأتينا ابن عباس، فقال: غلبت العرب، هو الجماع.\n[صحيح] (^١).\nوقد احتج أبو موسى ﵁ بآية المائدة على مشروعية التيمم عن الجنابة، وذلك حين ناظر ابن مسعود، وانقطع ابن مسعود عن الجواب عن الآية، واعتذر بذلك بأنه قال بالمنع سدًا للذريعة:\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٥٣).","vol":"5","page":259},{"text":"(٩٩٦ - ٧٣) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، عن الأعمش،\nعن شقيق قال: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا أما كان يتيمم ويصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)؟ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد، قلت: وإنما كرهتم هذا لذا، قال: نعم ... الحديث (^١).\nوفي رواية للبخاري: «فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، فكيف تصنع بهذه الآية، فما درى عبد الله ما يقول، فقال: إنا لو رخصنا لهم .... وذكر الكلام السابق» (^٢).\nوجواب ابن مسعود لم يكن مطابقًا للسؤال؛ لأن السؤال عن رجل أجنب فلم يجد الماء شهرًا، فهو عادم للماء، فقال: لا يصلي، واعتذر ابن مسعود بأنه لو رخص في هذا لتيمم الرجل الذي يجد الماء إذا برد عليه، وجواب ابن مسعود مشكل من الناحية الشرعية؛ لأن سد الذرائع يجب ألا يؤدي القول بها إلى إسقاط واجب أو ارتكاب محرم، وسوف أعلق عليه عند الكلام على مذهب عمر وابن مسعود ﵄.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2323>الدليل الثاني:</span>\n(٩٩٧ - ٧٤) ما رواه البخاري من طريق الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى،\nعن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت، فصليت، فذكرت للنبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٤٧).\n(^٢) البخاري (٣٤٦).","vol":"5","page":260},{"text":"وكفيه، ورواه مسلم بنحوه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2324>الدليل الثالث:</span>\n(٩٩٨ - ٧٥) ما رواه البخاري، قال: أخبرنا عبد الله، قال أخبرنا عوف، عن أبي رجاء، قال:\nحدثنا عمران بن حصين الخزاعي، أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2325>الدليل الرابع:</span>\n(٩٩٩ - ٧٦) ما رواه أبو داود من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو ابن بجدان،\nعن أبي ذر، قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ، فقال: يا أبا ذر ابد فيها، فبدوت إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ، فقال أبو ذر: فسكت، فقال: ثكلتك أمك أبا ذر، لأمك الويل، فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعس فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترت بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال: الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك؛ فإن ذلك خير (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2326>الدليل الخامس:</span>\nمن النظر، فإن التيمم إنما شرع من أجل استدراك مصلحة الوقت؛ لأن عادم الماء قد يستطيع أن يصلي خارج الوقت بالماء، فشرع لإدراك فضيلة الوقت، وهذا قدر\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).\n(^٢) البخاري (٣٤٨).\n(^٣) سنن أبي داود (٣٣٢)، سبق تخريجه، انظر المجلد الأول، ح (٣١).","vol":"5","page":261},{"text":"مشترك بين الحدثين الأصغر والأكبر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2327> دليل عمر وابن مسعود على أن الجنب لا يتيمم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2328>الدليل الأول:</span>\nعدم العلم بالدليل، وهو في حقهما كاف في الاستدلال؛ لأن الأصل في العبادات الحضر حتى يقوم دليل على المشروعية، إلا أن من لم يعلم بالدليل لا يكون قوله حجة على من علم، وقد حفظ غيرهما التيمم عن الجنابة من حديث عمران بن الحصين، ومن حديث أبي ذر ﵁ فضلًا عن حديث عمار المتفق على صحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2329>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ نهى الجنب أن يقرب مصلى المسلمين إلا مجتازًا فيه حتى يغتسل، ولم يرخص له بالتيمم.\nقالوا: وتأويل قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) قالوا: اللمس قالوا: المقصود به: اللمس باليد دون الفرج ودون الجماع (^١).\nوقد تكلمت في أدلة الجمهور على أن الراجح في معنى اللمس: هو الجماع خاصة، ولكن الله يكني بذكره كما قال تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ) [البقرة: ١٨٧]، وقال: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: ٢٣٧]، وهذا يراد به الجماع.\nوقد قال ابن عبد البر: «لم يتعلق بقول عمر وعبد الله أحد من فقهاء الأمصار من أهل الراي وحملة الآثار» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٥/ ١١٣).\n(^٢) التمهيد (١٩/ ٢٧١).","vol":"5","page":262},{"text":"قلت: قد تبعهما على ذلك إبراهيم النخعي من فقهاء التابعين، فيما حكاه ابن المنذر (^١).\nوقد حاول بعض أهل العلم أن ينسب إليهما الرجوع عن هذا القول، وعندي أن دعوى الرجوع تحتاج إلى إثباته عنهما بسند صحيح صريح، وكثير من الأقوال الضعيفة التي قال بها بعض الصحابة، كالقول بجواز المتعة، أو القول بجواز مسح القدم بلا خف، أو نفي القول بمشروعية المسح على الخفين، أو القول بجواز ربا الفضل ونحوها تجد من أهل العلم من يحاول أن يثبت أن الصحابي الذي قال بهذا القول بأنه قد رجع، ولا يكون له دليل على هذه الدعوى إلا أنه قد ينبل بالصحابي أن يقول بهذا القول الضعيف فيحمله هذا على دعوى الرجوع، وقد يكون له دليل غير صحيح، أو صحيح ولكنه غير صريح، فمن ذلك مسألتنا هذه، فقد رأى بعض أهل العلم أن عمر وابن مسعود قد رجعا عن قولهما. قال النووي: «التيمم عن الحدث الأكبر جائز، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلا عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي التابعي، فإنهم منعوه، قال ابن الصباغ وغيره: قيل إن عمر وعبد الله رجعا» (^٢).\nفقد ساق الرجوع بصيغة التمريض، وحكاية قيل ليست جزمًا برجوعهما.\nقال ابن عبد البر: «قال قائل: إن في بعض الأحاديث عن عمار، أن عمر لم يقنع بقول عمار، فالجواب: أن عمر كان يذهب إلى أن الجنب لا يجزيه إلا الغسل بالماء، فلما أخبره عمار عن النبي ﷺ بأن التيمم يكفيه سكت عنه، ولم ينهه، فلما لم ينهه علمنا أنه قد وقع في قلبه تصديق عمار؛ لأن عمارًا قال له: إن شئت لم أذكره، ولو وقع في قلبه تكذيب عمار لنهاه؛ لما كان الله قد جعل في قلبه تعظيم حرمات الله، ولا شيء أعظم من الصلاة، وغير متوهم على عمر أن يسكت على صلاة تصلى عنده بغير طهارة، وهو الخليفة المسؤول عن العامة، وكان أتقى الناس لربه، وأنصحهم لهم في دينهم في\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ١٥).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٤٠).","vol":"5","page":263},{"text":"ذلك الوقت رحمة الله عليه» (^١).\nقلت: ليست القسمة أن يقع في قلب عمر تصديق عمار، أو تكذيبه، بل هناك قسم ثالث، وهو أن يقع في قلبه خطأ عمار، وقد قال لعمار: نوليك ما توليت (^٢)، يعني: أنت تتحمل مسؤولية هذا البلاغ، وأنا برئ من هذا، فهو في أحسن أحواله لا يذكر شيئًا، ولذلك قال عمر لعمار: اتق الله يا عمار (^٣)، فهذا دليل على أنه لم يقنع بكلام عمار.\nوقال الباجي: «والذي يظهر لي من قولهما أنهما إنما منعا ذلك للذريعة، وذلك أن أبا وائل روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لو رخصنا لهم فيها لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتمم» (^٤).\nوهذا الكلام يمكن أن يصدق على ابن مسعود وحده، ولا يصدق هذا الكلام على عمر، وذلك لأن عمر قد وعظ عمارًا حين ذكر له قصة التيمم، وقال له: اتق الله يا عمار، وأخبره بأنه لا يذكر شيئًا، وأما عن ابن مسعود فهو ثابت عنه، وفيه إشكال كبير، ولا بد من توجيهه، فالعمل في سد الذرائع سائغ بشرط ألا يؤدي ذلك إلى إسقاط واجب، أو ارتكاب محرم، فالجنب إذا منعناه من التيمم كان معنى ذلك إما أن يدع الصلاة إلى أن يجد الماء، أو يصلي بدون طهارة، وكلا الأمرين حرام، ثم لو صح كلام ابن مسعود في الجنب إذا تيمم مع وجود الماء خوفًا من البرد، لم يصح كلامه في الجنب إذا تيمم لفقد الماء، وعمر وابن مسعود يمنعان الجنب من التيمم مطلقًا مع عدم الماء، ومع وجوده والخوف من استعماله، فلا بد من توجيه كلام ابن مسعود ﵁، خاصة أنه من كبار فقهاء الصحابة ﵃، فيقال: إن\nابن مسعود ذكر سببًا واحدًا من الأسباب التي حملته على القول بعدم تيمم الجنب، ولم\n_________\n(^١) التمهيد (١٩/ ٢٧٣).\n(^٢) مسلم (٣٦٨).\n(^٣) مسلم (٣٦٨).\n(^٤) المنتقى (١/ ١١٢).","vol":"5","page":264},{"text":"يذكر كل الأسباب التي حملته على القول بالمنع، ولقد كان ابن مسعود ﵁ شديد المتابعة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فحين رأى أن عمر لم يقنع بكلام عمار، كما ذكر ابن مسعود ذلك في مناظرته لأبي موسى، ورأى أنه تعارض عنده كلام عمر وكلام عمار، وعمر أفقه من عمار ﵁، فاتبع ابن مسعود أفقه الرجلين، ولا بد من القول بذلك؛ لأن الاعتذار الذي ذكره ابن مسعود ﵁ من كونه منع ذلك من باب سد الذرائع لا يجوز القول به، وهو يؤدي إلى ترك الواجبات، والوقوع في المحرمات، وإنما كان ذلك من جملة المرجحات، وليس المرجح الوحيد، والله أعلم.\nوأعتقد أن مذهب عمر وابن مسعود أصبح مهجورًا في هذا العصر، فليس له أتباع فيما أعلم، والعجب ليس من نسيان عمر ﵁ ما حدث له مع عمار، فإن الإنسان مهما أوتي من حفظ فإنه معرض للنسيان، ولكن العجب كيف خفي على عمر وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري ﵁ الأحاديث الأخرى في تيمم الجنب، كحديث عمران بن الحصين، وقد كان وقع ذلك في الغزو بشهود عدد كثير من الصحابة، وكيف خفي عليهم حديث أبي ذر ﵁، فأبو موسى لم يحتج على ابن مسعود إلا في حديث عمار، وآية المائدة مما يدل على أنه لا يعلم الأحاديث الأخرى، وفي ذلك تسلية لطالب علم الحديث، فإنه قد يحكم لإسناد ما بأنه ضعيف، وهناك طريق أخرى صحيحة لم يقف عليها، وهذا أمر لا يسلم منه أحد، فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n* * *","vol":"5","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2330>الفصل الثاني\nفي التيمم عن النجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التيمم لا يطهر الثياب النجسة، وهذا بالاتفاق.\n• لم يرد في النصوص ما يدل على مشروعية التيمم عن النجاسة، والأصل في العبادات المنع.\n• التيمم ليس بدلًا عن إزالة النجاسة، وإنما هو بدل عن الحدث الأصغر بالاتفاق، والأكبر على الصحيح، إلا في استباحة الوطء، والمسح على الخفين.\n[م-٤٤٤] تبين لنا فيما سبق أن التيمم عن الحدث الأصغر محل اتفاق بين العلماء، وأن التيمم عن الجنابة أيضًا هو مذهب الأئمة الأربعة، ولم يخالف في ذلك إلا عمر بن الخطاب وابن مسعود وإبراهيم النخعي، وسوف نبحث في هذه المسألة التيمم عن طهارة الخبث،\nفإن كانت النجاسة على ثيابه لم يتيمم لها قولًا واحدًا (^١)، وإن كانت النجاسة على بدنه، وليس عنده ما يزيلها، أو تضره إزالتها، فهل يتيمم لها؟ في هذا خلاف\n_________\n(^١) الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٦٤).","vol":"5","page":266},{"text":"بين أهل العلم،\nفقيل: لا يتيمم عن طهارة الخبث، وهو مذهب الجمهور (^١)، ورواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: بل يتيمم عنها، وبه قال الحسن البصري (^٣)، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى (^٤).\nوقيل: يمسح موضع النجاسة بالتراب، ويصلي، وبه قال الثوري والأوزاعي، وحكاه أبو ثور عن الشافعي (^٥).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥٤)، الأم (١/ ٤٢ - ٤٣)، حلية العلماء (١/ ١٨١)، حواشي الشرواني (١/ ٣٢٥)، مغني المحتاج (١/ ٨٧)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ٧٩).\nوقال النووي في شرحه لصحيح مسلم (٤/ ٥٧): «وأما إذا كان على بعض أعضاء المحدث نجاسة، فأراد التيمم بدلًا عنها، فمذهبنا، ومذهب جمهور العلماء أنه لا يجوز. وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: يجوز أن يتيمم إذا كانت النجاسة على بدنه، ولم يجز إذا كانت على ثوبه».\nوقال ابن تيمية في الاختيارات (ص: ٢٠): «ولا يتيمم للنجاسة على بدنه، وهو قول الثلاثة خلافًا لأشهر الروايتين عن أحمد ﵀».\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٧٩)، كشاف القناع (١/ ١٧٠)، الكافي (١/ ٦٤).\n(^٣) المغني (١/ ١٦٩).\n(^٤) قال عبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه (١/ ١٤٣): «قرأت على أبي، قلت:: رجل كان في سفر، أصاب جسده بول، وليس معه ماء، قال: هذا بمنزلة الجنب، يتيمم».\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ١٦٩ - ١٧٠): «قال القاضي: يحتمل أن يكون معنى قول أحمد: إنه بمنزلة الجنب الذي يتيمم: أي أنه يصلي على حسب حاله كما يصلي الجنب الذي يتيمم، وهذا قول الأكثرين من الفقهاء؛ لأن الشرع إنما ورد بالتيمم للحدث، وغسل النجاسة ليس في معناه؛ لأنه إنما يؤتى به في محل النجاسة، فلا في غيره، ولأن مقصود الغسل: إزالة النجاسة، ولا يحصل ذلك بالتيمم». اهـ\nوانظر: الإنصاف (١/ ٢٧٩)، وقال: وهو من المفردات. المستوعب (١/ ٢٨٩)، كشاف القناع (١/ ١٧٠)، شرح العمدة (١/ ٣٧٩)، المغني (١/ ١٦٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٩٦) الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني (١/ ٨٤).\n(^٥) المجموع (٢/ ٢٤٢)، شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ٥٧)، قال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٧٥): «وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي -يعني: التيمم عن النجاسة- قال ابن المنذر: وقول الشافعي المعروف من قوله بمصر: أن التيمم لا يجزئ من نجاسة تكون على البدن، وعليه أن يعيد كل صلاة صلاها وعلى بدنه نجاسة». اهـ","vol":"5","page":267},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2331> دليل من قال: لا يتيمم عن النجاسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2332><span data-type=\"title\" id=toc-2336>الدليل الأول:</span></span>\nالنص الشرعي ورد في التيمم عن الحدث، ولم يوجد دليل من الكتاب، ولا من السنة على صحة التيمم عن النجاسة، والأصل في العبادات الحضر حتى يقوم دليل على المشروعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2333>الدليل الثاني:</span>\nأن طهارة الحدث عبادة تعبدية، ومتعلقة بأعضاء لا علاقة لها بمحل الحدث، فإذا تعذر الماء تعبد الله بتعفير كفيه ووجهه بالتراب، وأما الطهارة من النجاسة فهي عبادة معقولة المعنى، ومتعلقة بمحل النجاسة، وليس بأعضاء الطهارة، وكان المطلوب من استعمال الماء في غسل النجاسة هو إزالتها، فمتى زالت النجاسة عن البدن ولو بلا نية طهر المحل، وهذا لا يحصل بالتيمم، فالتيمم لا يزيل النجاسة ولا يخففها، فلهذا لم يشرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2334>الدليل الثالث:</span>\nالطهارة من النجاسة إنما تكون في محل النجاسة حيث كانت دون غيره، فلو كان هناك مطهر من ماء ونحوه لم يغسل من البدن إلا ما أصابته النجاسة، وأما التيمم فمحل التطهير في الوجه والكفين، فكيف يكون التراب مطهرًا للنجاسة في غير محل التطهير؟\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2335> دليل من قال: يصح التيمم عن النجاسة إذا كانت على البدن:</span>\nالدليل الأول:\nأما اشتراط كون النجاسة على البدن، فلحديث أبي ذر:\nالصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه","vol":"5","page":268},{"text":"بشرته» سبق تخريجه (^١).\nفقوله: «فليمسه بشرته» دليل على تعلق التيمم بطهارة بالبدن دون طهارة الثوب والبقعة.\nوقوله (طهور المسلم) مطلق، يشمل طهارته عن الحدث، وعن الخبث.\n• ويُجاب:\nبأن الحديث ورد جوابًا على سؤال وقع من أبي ذر، وهو أنه تصيبه الجنابة الليالي لا يقدر على الماء، فقال له الرسول ﷺ: الصعيد الطيب طهور المسلم أي طهوره من الجنابة، وليس من الخبث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2337>الدليل الثاني:</span>\nأن المكان النجس هو موضع من البدن يجب تطهيره بالماء مع القدرة عليه، فإذا عجز عن الماء وجب له التيمم بالتراب قياسًا على طهارة الحدث.\n• ويُجاب:\nبأن قياس طهارة الخبث على طهارة الحدث قياس مع الفارق، وذلك أن طهارة الحدث تجب لها النية، وطهارة الخبث تصح بدون نية، فلو نزل المطر على ثوب نجس حتى ذهب بعين النجاسة طهر الثوب، ولو لم ينو صاحبه إزالة النجاسة.\nومنها أن طهارة الحدث من قبيل فعل المأمور، وأما طهارة الخبث فهي من قبيل ترك المحظور، ولذلك لو صلى بدون طهارة الحدث وجب عليه إعادة الصلاة، بخلاف ما لو صلى ناسيًا أن عليه نجاسة، فإن صلاته صحيحة، ولا تجب عليه الإعادة.\nومنها أن طهارة الحدث تكون في أعضاء مخصوصة، بينما طهارة الخبث تتبع موضع النجاسة حيث كانت.\nومنها أن طهارة الحدث تعبدية، فليست ناشئة عن نجاسة، ولا ينجس المؤمن\n_________\n(^١) انظر المجلد الأول ح (٣١).","vol":"5","page":269},{"text":"بالحدث، بخلاف الخبث، فإنه عين مستقذرة شرعًا.\nأن الحدث مانع يرتفع بالتعبد بالماء أو بالتراب، وأما الخبث فلن يزول بمجرد التيمم، نعم يمكنه أن يدعكه بالتراب حتى تزول عين النجاسة، وهذا لا يقال عنه تيمم.\nفهذه بعض الفروق بين الطهارتين مما يجعل قياس طهارة الحدث على طهارة الخبث قياس مع الفارق، والله أعلم.\nالراجح: مذهب جماهير أهل العلم، وأن التيمم عن النجاسة غير مشروع، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2338>الباب الخامس في فروض التيمم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2339>الفرض الأول مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2340>المبحث الأول ضرب اليدين في الأرض ليمسح بهما وجهه ويديه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يصح حديث في ذكر ضربتين في صفة التيمم.\n• طهارة المسح لا يشرع فيها التكرار إلا في طهارة الاستجمار ثلاثًا وإن أنقى بما دونها.\n• طهارة المسح مبنية على التخفيف.\n[م-٤٤٥] اختلف الفقهاء في كيفية الضرب والمسح،\nفقيل: يجب للتيمم ضربتان في الأرض، ضربة يمسح بهما وجهه، وضربة يمسح","vol":"5","page":271},{"text":"بهما يديه إلى المرفقين، هذا مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\nوقيل: التيمم ضربة واحدة، للوجه والكفين، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤)، وأشهر القولين عن الأوزاعي (^٥).\nوقيل: الضربة الأولى، ومسح اليدين إلى الكوعين فرض في التيمم، والضربة الثانية ومسح اليدين إلى المرفقين سنة فيه، وهو المشهور عند المالكية (^٦)، واختاره\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤٥)، أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٧)، البحر الرائق (١/ ١٤٥)، المبسوط (١/ ١٠٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٠)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٧٨).\n(^٢) قال مالك في المدونة (١/ ٤٢): «التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين يضرب الأرض بيديه جميعًا ضربة واحدة، فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضا خفيفًا، ثم مسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى بيديه، فيبدأ باليسرى على اليمنى، فيمرها من فوق الكف إلى المرفق ....». اهـ\nوفي الموطأ (١/ ٥٦): «وسئل مالك، كيف التيمم؟ فقال: يضرب ضربة للوجه، وضربة لليدين، ويمسحهما إلى المرفقين». وقال في الإشراف (١/ ١٥٨): «اختلف أصحابنا في حد فرض اليدين في التيمم عند مالك، فمنهم من قال: إلى المرفقين، وهو قول ابن نافع ... ومنهم من قال: إلى الكوعين، وهو قول ابن حبيب». اهـ وانظر المعونة (١/ ١٤٥).\n(^٣) الأم (١/ ٤٩)، المجموع (٢/ ٢٤٣)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ٨٢)، المهذب (١/ ٣٣)، حلية العلماء (١/ ١٨١)، مغني المحتاج (١/ ٦٠).\n(^٤) مسائل أحمد رواية ابنه عبد الله (١/ ١٢٧)، ومسائل أحمد رواية ابن هانئ (١/ ١١)، ومسائل أحمد رواية أبي الفضل (٢/ ١٢١) و(٣/ ٢٤)، المغني (١/ ١٥٤)، الإنصاف (١/ ٣٠١) الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٦٢)، المبدع (١/ ٢٢٩)، المحرر (١/ ٢١)، شرح العمدة (١/ ٤١١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٩٨)، تنقيح التحقيق (١/ ٥٦٣)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٢) وقد نص بعض الحنابلة بأن التيمم يجزئ بضربة واحدة، وإن تيمم بأكثر من ضربة أو مسح أكثر جاز.\n(^٥) الاستذكار (٣/ ١٦٣).\n(^٦) التمهيد (١٩/ ٢٨٢)، التاج والإكليل (١/ ٣٥٦)، الثمر الداني شرح رسالة القيرواني (١/ ٧٦ - ٧٧)، الشرح الكبير (١/ ١٥٨)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٧)، القوانين الفقهية (ص: ٣٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٥٨)، الخرشي (١/ ١٩٤)، شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ١٦٥ - ١٦٦)، مواهب الجليل (١/ ٣٥٦). ...\nوذكر صاحب الذخيرة (١/ ٣٥٢) بأنه إذا اقتصر على ضربة واحدة، ففيها ثلاثة أقوال:\nالأول: قال مالك في العتبية: يجزيه ضربة واحدة إذا اقتصر عليها، قال ابن القاسم: لا يعيد لا في وقت، ولا غيره.\nوالثاني: يعيد في الوقت، ولا يعيد في غيره، وهو قول ابن حبيب.\nوالثالث: يعيد مطلقًا، في الوقت وغيره، وهو قول ابن نافع.","vol":"5","page":272},{"text":"القاضي من الحنابلة (^١).\nوقيل: يمسح اليدين إلى الآباط، وهو مذهب الزهري رحمه الله تعالى (^٢).\nوقيل: التيمم ضربتان، يمسح بكل ضربة وجهه وذراعيه ومرفقيه، وهذا قول ابن أبي ليلى، والحسن بن حي. قال ابن عبد البر: وما أعلم قال ذلك غيرهما (^٣).\nوقيل: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الكوعين، وهذا أحد القولين عن الأوزاعي (^٤)، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٥).\nوتقدم القول الأول عنه، أنه ضربة واحدة، للوجه واليدين إلى الكوعين.\nهذا تقريبًا أهم كل ما قيل من أقوال في المسألة (^٦).\nوالأقوال الشاذة لن نعنى بها، وبذكر أدلتها، وإنما الذي يهمنا في هذا الباب ذكر أدلة أشهر الأقوال، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2341> دليل من قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2342>الدليل الأول:</span>\n(١٠٠٠ - ٧٧) ما رواه أبو داود في السنن من طريق محمد بن ثابت العبدي،\n_________\n(^١) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠١).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٥٤)، الاستذكار (٣/ ١٦٥)، أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٧).\n(^٣) الاستذكار (٣/ ١٦٥).\n(^٤) الاستذكار (٣/ ١٦٥).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٣٠١).\n(^٦) ثم وقفت على قول لابن سيرين أيضًا يرى أن التيمم ثلاث ضربات، ذكره السرخسي عنه في المبسوط (١/ ١٠٧).","vol":"5","page":273},{"text":"أخبرنا نافع، قال:\nانطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر (^١).\n[المعروف أنه موقوف على ابن عمر، وقد أنكر رفعه أحمد بن حنبل، والبخاري وأبو داود وأبو زرعة والبيهقي وغيرهم] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٣٠).\n(^٢) الحديث رواه أبو داود الطيالسي ط هجر (١٩٦٢)، الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٥)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٩)، والطبراني في المعجم الأوسط (٧٧٨٤) والدارقطني (١/ ١٧٧) والبيهقي (١/ ٢١٥)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٣٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٣٥) من طريق محمد بن ثابت العبدي به.\nوفي إسناده محمد بن ثابت العبدي، وهو ضعيف، وقد خالفه من هو أوثق منه.\nقال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال مرة: ضعيف. قال الدوري: قلت ليحيى بن معين: أليس قلت مرة: ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط. تاريخ ابن معين (٢/ ٥٠٧).\nقلت: قد نقل الدارمي عنه: أنه ليس به بأس (٨٠٩).\nوقال البخاري: يخالف في بعض حديثه. التأريخ الكبير (١/ ٥٠ - ٥١).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٥٤٤).\nوقال أيضًا: ليس به بأس. تهذيب التهذيب (٩/ ٨٥).\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس هو بالمتين، يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٧/ ٢١٦).\nوقال ابن عدي: عامة أحاديثه لا يتابع عليه. مختصر الكامل لابن الملقن (١٦٣٧).\nوقال أبو داود: ليس بشيء. تهذيب التهذيب (٩/ ٨٥).\nوفي التقريب: صدوق، لين الحديث.\nوخالف محمد بن ثابت الثقات من أصحاب نافع، حيث رووه عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا عليه، منهم: =","vol":"5","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأول: أيوب كما في مصنف عبد الرزاق (٨١٨) وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٤٦) رقم ١٦٧٣، والطبري في تفسيره (٥/ ١١١) وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٤) إلا أن ابن المنذر ذكر مطلق التيمم، ولم يذكر صفته.\nالثاني: إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁ كما في الموطأ (١/ ٥٨) ومن طريقه عبد الرزاق (٨٨٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٤)، والدارقطني في سننه (١/ ١٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٠٧). ولم يذكر مالك الضربتين، وذكر المسح إلى المرفقين.\nالثالث: يونس بن عبيد، كما في سنن الدارقطني (١/ ١٨٠)، والبيهقي (١/ ٢٠٧).\nالرابع: عبد الله بن عمر كما في مصنف عبد الرزاق (٨١٩).\nالخامس: عبد الكربم الجزري كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١١٤).\nالسادس: محمد بن عجلان، كما في مصنف عبد الرزاق (٨٨٤)، والأوسط لابن المنذر (٢/ ٦١)، والدارقطني (١/ ١٨٦)، وذكر مطلق التيمم، ولم يذكر صفته.\nالسابع: يحيى بن سعيد الأنصاري، كما في مصنف عبد الرزاق (٨٨٤)، والأوسط لابن المنذر (٢/ ٦٤)، والحاكم (١/ ١٨١).\nكلهم رووه عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا عليه، فلو خالف العبدي مالكًا لردت روايته، كيف وقد خالفه كل هؤلاء في نافع.\nورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، واختلف على عبيد الله:\nفرواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣٦٧) رقم ١٣٣٦٦، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٨)، والدارقطني في سننه (١/ ١٨٠) والحاكم (١/ ١/١٧٩) من طريق علي بن ظبيان، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر،\nعن النبي ﷺ قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.\nقال الحاكم: ولا أعلم أحدًا أسنده عن عبيد الله غير علي بن ظبيان، وهو صدوق، فتعقبه الذهبي في التلخيص، فقال: بل واه. قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة. اهـ\nوقال البخاري: علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر منكر الحديث. الضعفاء للعقيلي (٣/ ٢٣٤).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٤٣٣)، والكامل (٥/ ١٨٧).\nوقال أبو زرعة: واهي الحديث جدًا. الضعفاء لأبي زرعة (٢/ ٤٢٩)، تنقيح التحقيق (١/ ٥٦٨).\nوقال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث الجرح والتعديل (٦/ ١٩١).\nكما رواه هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر مرفوعًا، وفي إسناده محمد بن سنان القزاز. =","vol":"5","page":275},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه الدارقطني في سننه (١/ ١٨٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٨٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٢٤) من طريق محمد بن سنان القزاز، عن عمرو بن محمد بن أبي رزين، عن هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر به، إلا أنه لم يذكر إلا مطلق التيمم، ولم يذكر الضربتين، ولا إلى المرفقين.\nومحمد بن سنان القزاز ضعيف.\nقال الدارقطني: «يرويه عبيد الله بن عمر، واختلف عنه، فرواه محمد بن سنان بن يزيد القزاز، عن عمرو بن محمد بن أبي رزين، عن هشام بن حسان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.\nوغيره يرويه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، وكذلك رواه أيوب السختياني ويحيى ابن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي، عن نافع، عن ابن عمر، من فعله موقوفًا». تاريخ بغداد (٥/ ٣٤٤).\nوقد رواه الثقات عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، منهم:\n١ - سفيان الثوري كما في الأوسط لابن المنذر (٢/ ٤٨).\n٢ - وعلي بن معبد كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١١٤).\n٣ - يحيى بن سعيد القطان،\n٤ - وهشيم بن بشير كما في سنن الدارقطني (١/ ١٨٠)، وسنن البيهقي (١/ ٢٠٧):\nأربعتهم (سفيان وعلي بن معبد ويحيى بن سعيد القطان وهشيم) رووه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا عليه.\nورواه عن نافع مرفوعًا أيضًا سليمان بن أبي داود الحراني،\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٨١)، والحاكم (١/ ١٨٠) من طريقه، عن سالم ونافع،\nعن ابن عمر، عن النبي ﷺ في التيمم ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.\nكما أخرجه الدارقطني (١/ ١٨١) وعلقه البيهقي في السنن (١/ ٢٠٧) من طريق سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم،\nعن أبيه، قال: تيممنا مع النبي ﷺ ضربنا أيدينا على الصعيد، ثم نفضنا أيدينا، فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا، فمسحنا بأيدينا من المرافق إلى الأكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن.\nوسليمان بن أبي داود الحراني ضعيف، وسليمان بن أرقم متروك.\nهؤلاء من رووا الحديث عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، (محمد بن ثابت العبدي، وسليمان بن أبي داود الحراني، وعبيد الله بن عمر في رواية علي بن ظبيان عنه)، وثلاثتهم متكلم فيه: أعني العبدي والحراني وعلي بن ظبيان. =","vol":"5","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2343>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٠١ - ٧٨) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا محمد بن مخلد، وإسماعيل بن علي، وعبد الباقي بن قانع، أخبرنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حدثنا عثمان بن محمد الأنماطي، ثنا حرمي بن عمارة، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير،\nعن جابر، عن النبي ﷺ، قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين (^١).\n_________\n= فتبين بهذا أن حديث ابن عمر رفعه منكر، وأن المعروف أنه موقوف عليه، وأنه لم يرفعه إلى النبي ﷺ إلا رجل ضعيف، ولو رفعه ثقة مع هذه المخالفة من أصحاب نافع لكان رفعه شاذًّا، فكيف وقد انفرد برفعه رجال مجروحون، وأخفهم جرحًا من يقال في حقه ضعيف، ومنهم المتروك.\nوتابع سالم نافعًا في روايته عن ابن عمر موقوفًا، فأخرجه عبد الرزاق (٨١٧) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٨) من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه بنحوه.\nقال أبو زرعة: سألت أبا زرعة عن حديث رواه محمد بن ثابت، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في التيمم ضربتين، قال: خطأ، إنما هو موقوف.\nوقال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٥٠) «روى محمد عن نافع، عن ابن عمر مرفوع في التيمم، وخالفه أيوب وعبيد الله والناس، فقالوا: عن نافع، عن ابن عمر فعله».\nوقال أبو داود في سننه بعد روايته أن ساق الحديث (٣٣٠): «سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيمم».\nوقال ابن داسه: قال أبو داود: لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ، ورووه فعل ابن عمر. اهـ\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٨٧): «وهذا لم يروه عن نافع أحد غير محمد بن ثابت هذا، به يعرف، ومن أجله يضعف، وهو عندهم حديث منكر، لا يعرفه أصحاب نافع».\nوقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٠٦): «في إسناده محمد بن ثابت العبدي، وقد ضعفه بعض الحفاظ، ورواه غيره من الثقات، فوقفوه على ابن عمر».\nوقال أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (١٣٦): «هذا خطأ، إنما هو موقوف».\nوارجع إن شئت لمراجعة بعض طرق الحديث إتحاف المهرة بالأرقام التالية (١٠٩٠٠، ١١١٣٠، ١١٢٩١، ١١٣٢٢، ١١٤٦١).\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٨١).","vol":"5","page":277},{"text":"[الصواب موقوف، ورفعه شاذ] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2344>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٠٢ - ٧٩) ما رواه الطحاوي من طريق أبي يوسف، عن الربيع بن بدر، حدثنا أبي، عن جدي،\nعن أسلع التميمي، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لي: يا أسلع قم، فارجل لنا. قلت: يا رسول الله أصابتني بعدك جنابة، فسكت حتى أتاه جبريل بآية\n_________\n(^١) ورواه الحاكم (١/ ١٨٠) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٢٠٧) حدثنا علي بن حمشاذ العدل، وأبو بكر بن بالويه، قالا: ثنا إبراهيم بن إسحاق به.\nقال الدارقطني بعد أن ساق الحديث المتقدم: رجاله كلهم ثقات، والصواب موقوف.\nقلت: رواه أبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٤٥، ١٥٣) ومن طريق أبي نعيم أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٤)، والحاكم (١/ ١٨٠) والبيهقي (١/ ٢٠٧).\nوابن المبارك كما في الأوسط لابن المنذر (٢/ ٤٩).\nووكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٦٨٨)، ثلاثتهم (أبو نعيم، وابن المبارك، ووكيع) عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر به موقوفًا.\nفترجحت رواية الوقف على الرفع.\nوحاول ابن الجوزي أن يعل الطريق المرفوع بسبب آخر غير الوقف، فقال في التحقيق: (١/ ٥٦٧) «وأما حديث جابر فقد تُكِّلم في عثمان بن محمد».\nفتعقبه ابن عبد الهادي، في التنقيح، فقال (١/ ٥٧١): «لم يذكر المؤلف من تكلم في عثمان بن محمد، وقد روى عنه أبو داود، وأبو بكر بن أبي عاصم وغيرهما، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه، ولم يذكر جرحًا، وقد روى الحديث البيهقي والدارقطني وقال: رواته كلهم ثقات، والصواب موقوف. ورواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح».\nكما انتقد ابن دقيق العيد ابن الجوزي في تضعيفه بعثمان بن محمد، فقال كما في تلخيص الحبير (١/ ١٥٢): «لم يتكلم فيه أحد، نعم روايته شاذة؛ لأن أبا نعيم رواه عن عزرة موقوف». وهذه موافقة من ابن دقيق العيد للدارقطني على أن الصواب فيه أنه موقوف.\nوقد بحثت عن كلام ابن دقيق العيد في كتابه الإمام، وقد ذكر هذا الحديث، ونقل كلام ابن الجوزي (١/ ١٥٣) إلا أنه لم يتعقبه بشيء، فلعل الحافظ نقله عن ابن دقيق العيد من كتاب آخر له، والله أعلم، وانظر إتحاف المهرة (٣٥٣٥).","vol":"5","page":278},{"text":"التيمم، فقال لي: يا أسلع، قم فتيمم صعيدًا طيبًا: ضربتين، ضربة لوجهك، وضربة لذراعيك، ظاهرهما وباطنهما، فلما انتهينا إلى الماء، قال: يا أسلع قم، فاغتسل (^١).\n[حديث منكر، وقصة نزول آية التيمم مشهورة في الصحيحين، حين كان الصحابة في سفر، وقد ضاع عقد لعائشة، فقاموا، وليس معهم ماء، وليسوا على ماء، فنزلت آية التيمم، ولم تنزل الآية لهذه الحادثة] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2345>الدليل الرابع:</span>\n(١٠٠٣ - ٨٠) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن إسحاق، عن أبي صالح، حدثني الليث، حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عمير\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١١٣).\n(^٢) وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٩٨) رقم ٨٧٥ من طريق روح بن الفرج المصري وعمرو بن خالد الحراني.\nكما رواه أيضًا (٨٧٦) من طريق يحيى الحماني.\nورواه الدارقطني (١/ ١٧٩)، ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٨١) من طريق سعيد بن سليمان ويحيى بن إسحاق\nوأخرجه البيهقي في السنن (١/ ٢٠٨) من طريق آدم بن إياس، ستتهم (روح، وعمرو، والحماني، وسعيد، ويحيى، وآدم)، عن الربيع بن بدر به.\nوفي إسناده الربيع بن بدر، قال فيه أحمد بن حنبل: لا يساوي حديثه شيئًا. بحر الدم (٢٨٩).\nوقال أبو حاتم الرازي: لا يشتغل به. الجرح والتعديل (٣/ ٤٥٥).\nوقال فيه النسائي والدارقطني: متروك الحديث، الضعفاء والمتروكين (٢٠٠)، سنن الدارقطني (١/ ٩٩).\nكما أن جده عمرو بن جراد، قال عنه الحافظ في التقريب مجهول، وقد ذكرنا في بدء مشروعية التيمم، قصة نزول آية التيمم في الصحيحين، وهي مخالفة لما تفرد به الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، عن أسلع.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٢): «رواه الطبراني في الكبير، وفيه الربيع بن بدر مجمع على ضعفه».\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٥٣): «رواه الدارقطني والطبراني وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف».","vol":"5","page":279},{"text":"مولى بن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج\nالنبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،\nفقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ السلام حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه وذراعيه، ثم رد ﵇ (^١).\n[ذكر الذراعين في الحديث ليس بمحفوظ، وقد اختلف على أبي صالح عبد الله ابن صالح كاتب الليث في ذكر هذه الزيادة، والحديث في صحيح البخاري، وليس فيه مسح الذراعين] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٧٧)، ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٢٠٥).\n(^٢) اختلف فيه على أبي صالح كاتب الليث:\nفرواه محمد بن إسحاق الصغاني، وهو ثقة ثبت، عن أبي صالح به بذكر الذراعين.\nورواه ابن الجارود في المنتقى (١٢٧) حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو صالح به، وليس فيه مسح الذراعين، وهو المحفوظ؛ لأنه موافق للفظ البخاري ومسلم.\nفقد رواه البخاري من طريق يحيى بن بكير، حدثنا الليث به، وفيه: فسلم عليه، فلم يرد ﵇ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه. ولم يقل: ذراعيه.\nوذكره مسلمًا تعليقًا في صحيحه (٣٦٩) قال مسلم: وروى الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، فذكر إسناد البخاري ولفظه.\nورواه أبو داود (٣٢٩) وابن خزيمة (٢٧٤) من طريق شعيب بن الليث، عن أبيه به، بلفظ البخاري.\nقال ابن الجوزي في التحقيق مع التنقيح (١/ ٥٦٧): «وقد روي من حديث كاتب الليث، وهو مطعون فيه».\nقلت: والذي يجعلنا نجعل الوهم من أبي صالح؛ لأن من روى عنه محمد بن يحيى الذهلي ومحمد بن إسحاق كلاهما أوثق من أبي صالح، فكان الحمل عليه.\nورواه الدارقطني (١/ ١٧٧) من طريق أبي معاذ، أخبرنا أبو عصمة، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج،\nعن أبي جهيم، قال: أقبل رسول الله ﷺ من بئر جمل، إما من غائط أو من بول، فسلمت عليه، فلم يرد علي السلام، فضرب الحائط بيده ضربة، فمسح بها وجهه، ثم ضرب أخرى، فمسح بها ذراعيه إلى المرفقين، ثم رد السلام.\nقال الدارقطني: قال أبو معاذ: وحدثني خارجة، عن عبد الله بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم، عن النبي ﷺ مثله.\nقال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٦٧) «وأما حديث أبي جهم فإن أبا عصمة وخارجه متكلم فيهما».\nقال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٥٦٩): «أبو عصمة في حديث أبي جهيم: هو نوح بن أبي مريم متروك، وخارجه هو ابن مصعب، وقد ضعفوه، وقال محمد بن سعد: تركوه، والأعرج لم يسمع الحديث من أبي جهيم، بل بينهم عمير مولى ابن عباس كما تقدم».\nورواه الشافعي في الأم (١/ ٥١) عن إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن ابن الصمة، قال: مررت على النبي ﷺ، وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد علي حتى قام إلى جدار، فحته بعصا كانت معه، ثم مسح يديه على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد علي.\nورواه البيهقي (١/ ٢٠٥) من طريق الشافعي به. قال البيهقي: هذا منقطع: عبد الرحمن الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة، إنما سمعه من عمير مولى ابن عباس، عن ابن الصمة ... إلخ كلامه.\nونقل ابن دقيق العيد في كتاب الإمام (٢/ ١٥٥) كلام البيهقي، وقال: «قال الأثرم: وأما حديث أبي جهم، فإنما هو حديث إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك».\nفالمحفوظ من حديث أبي جهم أنه ليس فيه ذكر للذراعين، وإنما المعروف من حديثه أنه مسح وجهه ويديه، والله أعلم.","vol":"5","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2346>الدليل الخامس:</span>\n(١٠٠٤ - ٨١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر؟ فقال: حدثني محدث عن الشعبي، عن عبد الرحمن ابن أبزى،\nعن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال إلى المرفقين (^١).\n[إسناده ضعيف، وهو مخالف لما رواه أبان عن قتادة، ومخالف لما كان يفتي به قتادة، ومخالف لما رواه الناس عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٢٨).\n(^٢) الحديث أخرجه البزار (١٣٩٠، ١٣٩١)، والدارقطني (١/ ١٨٢) من طريق إبراهيم بن هانئ، حدثنا موسى بن إسماعيل به، وزاد: قال أبو إسحاق يعني: ابن هانئ: فذكرته لأحمد بن حنبل، فعجب منه، وقال: ما أحسنه. وانظر إتحاف المهرة (١١/ ٧٢٥ - ٧٢٦). ...\nوهذا ضعيف؛ لأن الراوي عن الشعبي مبهم، قال ابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ١٤٢): «وهذا كالمنقطع لجهالة المحدث عن الشعبي، وقد تقدم في الصحيح رواية عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار إلى الكفين».\nوقال البيهقي في السنن: «وأما حديث قتادة عن محدث، عن الشعبي، فهو منقطع، لا يعلم من الذي حدثه فينظر فيه».\nوقال ابن رجب في شرحه للبخاري: (٢/ ٥٥): «وهذا الإسناد مجهول لا يثبت، والصحيح عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمار أن النبي ﷺ أمره بالتيمم للوجه والكفين».\nقلت: وفيه ثلاث مخالفات:\nالمخالفة الأولى: أن هذا الحديث مخالف لما رواه أبان وغيره عن قتادة مسندًا.\nفقد روى أحمد في المسند (٤/ ٢٦٣) حدثنا عفان ويونس، قالا: حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، أن نبي الله ﷺ. قال يونس: أنه سأل رسول الله ﷺ عن التيمم؟ فقال: ضربة للكفين والوجه. وقال عفان: إن النبي ﷺ كان يقول في التيمم: ضربة للوجه والكفين.\nوإسناده صحيح، وقد أخرجه الدارمي (٧٤٥)، والبزار في مسنده (١٣٨٩)، وابن الجارود في المنتقى (١٢٦)، والطبراني في الأوسط (٥٤٢) وابن المنذر في الأوسط (٥٤٥)، والدارقطني في سننه (١/ ١٨٢ - ١٨٣) من طريق عفان به.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبان إلا عفان. قلت: قد رواه أحمد كما تقدم، عن يونس، عن أبان.\nكما رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بالاقتصار على الوجه والكفين:\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٤٧) رقم ١٦٨٦، وابن خزيمة في صحيحه (٢٦٧) من طريق ابن علية.\nورواه وأبو داود في السنن (٣٢٧)، والترمذي (١٤٤)، والبزار في مسنده (١٣٨٧)، والنسائي في الكبرى (٣٠٦)، وأبو يعلى في المسند (١٦٠٨، ١٦٣٨)، وابن حبان في صحيحه (١٣٠٣، ١٣٠٨)، والدارقطني (١/ ١٨٢) من طريق يزيد بن زريع.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٢١٠) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، ثلاثتهم (ابن علية ويزيد بن زريع وعبد الوهاب بن عطاء) عن سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار به بالاقتصار على الوجه والكفين. وإسناده صحيح، وابن زريع سمع من سعيد قبل تغيره.\nالمخالفة الثانية: أن طريق أبي داود هذا مخالف لما ثبت عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار. ...\nفقد روى البخاري (٣٣٨) و(٣٣٩) ومسلم (٣٦٨) من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، فذكر التيمم للوجه والكفين، ولم يذكر الذراعين.\nالمخالفة الثالثة: أنه مخالف لما كان يفتي به قتادة، فقد ثبت عنه بسند صحيح أنه كان يفتي بأن التيمم ضربة للوجه والكفين، انظر صحيح ابن حبان (١٣٠٣، ١٣٠٨)، سنن البيهقي (١/ ٢١٠).","vol":"5","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2347>الدليل السادس:</span>\nالقياس على الوضوء، وذلك أن الفرض في الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين، فكذلك التيمم يجب أن يكون المسح فيه إلى المرفقين (^١).\n• ويُجاب:\nبأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، وهل هذا النظر إلا مثل نظر عمار ابن ياسر ﵁ حين تمرغ في التراب قياسًا على طهارة الماء، فطهارة المسح لا ينبغي أن تقاس على طهارة الغسل، فطهارة المسح المشروع فيها التخفيف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2348> دليل من قال: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2349>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) [المائدة: ٦].\nفذكر (اليد) وأطلق فلم يقيدها بشيء كما فعل في الوضوء، في قوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦]، واليد عند الإطلاق إنما يراد بها الكف، بدليل قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، وقد أجمعوا على أن القطع إلى الكوعين، نقل الإجماع ابن عبد البر (^٢)، فالمسح ينبغي أن يكون إلى الكوعين.\nقال ابن عبد البر: «وحجة من رأى التيمم إلى الكوعين جائز، ولم ير بلوغ\n_________\n(^١) الاستذكار (٣/ ١٦٥).\n(^٢) الاستذكار (٣/ ١٦٤).","vol":"5","page":283},{"text":"المرفقين واجبًا: ظاهر قوله ﷿: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) [المائدة: ٦]، ولم يقل: إلى المرفقين: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٣٤]، فلم يجب بهذا الخطاب إلا أقل ما يقع عليه اسم يد؛ لأنه اليقين، وما عدا ذلك شك، والفرائض لا تجب إلا بيقين، وقد قال الله ﷿: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، وثبتت السنة المجتمع عليها أن الأيدي في ذلك أريد بها من الكوع، فكذلك التيمم، إذ لم يذكر فيه المرفقين، وقد ثبت عن النبي ﷺ في أكثر الآثار في التيمم أنه مسح وجهه وكفيه، وكفى بهذا حجة؛ لأنه لو كان ما زاد على ذلك واجبًا لم يدعه رسول الله ﷺ» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2350>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٠٥ - ٨٢) ما رواه البخاري من طريق الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى،\nعن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت، فصليت، فذكرت للنبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، ورواه مسلم معلقًا بنحوه (^٢).\nوهذا صريح أن المسح ضربة واحدة، وأنه في اليدين إلى الكفين، وقد أخرجه البخاري في صحيحه، فيجب المصير إليه، وظاهر آية المائدة تؤيده كما سقت ذلك في الدليل الأول.\nقال الحافظ ابن حجر: «الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى\n_________\n(^١) التمهيد (١٩/ ٢٨٢ - ٢٨٣).\n(^٢) البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).","vol":"5","page":284},{"text":"حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف، أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملًا (^١)، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيها مقال ...» (^٢).\nقلت: وكذلك رواية الآباط لا تثبت عن النبي ﷺ أيضًا، وقد سبق تخريجها والتيمم إلى الآباط، قول لا يعرف إلا لابن شهاب رحمه الله تعالى (^٣).\nفلم يبق من روايات حديث عمار إلا ما ورد في الصحيحين، وأن التيمم للكفين فقط، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2351> دليل من قال: التيمم إلى الآباط:</span>\n(١٠٠٦ - ٨٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،\nعن عمار بن ياسر أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليهم الرخصة في المسح بالصعدات، فدخل عليها أبو بكر، فقال: إنك لمباركة، لقد نزل علينا فيك رخصة، فضربنا بأيدينا لوجوهنا، وضربنا بأيدينا ضربة إلى المناكب والآباط (^٤).\n[الحديث فيه اضطراب كثير] (^٥).\n_________\n(^١) حديث أبي جهم في البخاري (٣٣٧)، هذا لفظه: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (٣٦٩).\n(^٢) فتح الباري تحت حديث (٣٣٩).\n(^٣) قال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١٦٥): «وقال ابن شهاب: يبلغ بالتيمم الآباط، ولم يقل ذلك غيره فيما علمت». اهـ\n(^٤) المسند (٤/ ٣٢٠).\n(^٥) سبق تخريجه، انظر ح (٩٣١) من هذا المجلد.","vol":"5","page":285},{"text":"وقد حاول بعض العلماء الإجابة عنه، على احتمال ثبوته بأجوبة منها:\nالأول: أن يكون ذلك في أول الأمر، ثم نسخ.\nذكر الشافعي رحمه الله تعالى وأبو بكر الأثرم وغيرهما من العلماء: أن التيمم إلى الآباط إن كان وقع ذلك بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده، فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. اهـ\nومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد (^١).\nالثاني: أن يكون ذلك وقع من الصحابة على وجه الاجتهاد قبل معرفتهم للصفة المشروعة من النبي ﷺ.\nقال ابن عبد البر: «يحتمل أن يكون من تيمم عند نزول الآية إلى المناكب أخذ بظاهر الكلام، وما تقتضيه اللغة من عموم لفظ الأيدي، ثم أحكمت الأمور بعدُ بفعل النبي ﵇، وأمره بالتيمم إلى المرفقين» (^٢).\nوقال ابن الجوزي: «وحديث عمار: (تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط) ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأن عمارًا لم يذكر أن النبي ﷺ أمرهم بالوجه والكفين، والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي ﷺ في التيمم، أنه قال: الوجه والكفين. ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما عَلَّمه النبي ﷺ» (^٣).\nوقال ابن رجب: «وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان:\nأحدهما: أن النبي ﷺ لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنما فعلوه\n_________\n(^١) الفتح تحت حديث رقم (٣٣٩)، شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٥٣).\n(^٢) الاستذكار (٣/ ١٦٦).\n(^٣) تنقيح التحقيق (١/ ٥٦٥).","vol":"5","page":286},{"text":"عند نزول الآية لظنهم أن اليد عند الإطلاق تشمل الكفين والذارعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطًا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة، وظن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل، ثم بين النبي ﷺ التيمم بفعله، وقوله (التيمم للوجه والكفين) فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه ﷺ، ومنهم عمار راوي الحديث، فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين» (^١).\nوهذا الجواب لا حاجة إليه مع تضعيف حديث عمار من طريق الزهري، لأنه يبعد كل البعد أن يكون التيمم نزل على رسول الله ﷺ، وهم في السفر، ثم يتيمم أصحابه ﵃ دون أن يسألوا رسول الله ﷺ عن صفة التيمم، مع حرصهم على متابعة الرسول ﷺ في الدقيق والجليل، وإمكان الرجوع إلى المصطفى ﷺ في معرفة تلك الصفة، وعلى فرض أن يكون بعضهم فعل ذلك اجتهادًا مع وجود الرسول ﷺ بينهم، فإن الرسول ﷺ كان سيعلم ذلك إما من الوحي لمخالفته الصفة المشروعة، وإما من الناس خاصة إذا شاهدوا تيمم الرسول ﷺ مخالفًا لما فعلوه، وهذا إنما نقوله في المناظرة، وإلا فهو بعيد جدًا، ولم يكن الصحابة يجتهدون إلا حيث لم يكن رسول الله ﷺ معهم، وأما إذا كان معهم فإنه يرجعون إليه، ويصدرون عنه، فالصواب أن حديث عمار من طريق الزهري حديث مضطرب، وقد بينت اختلاف أصحاب الزهري عليه في إسناده في أول كتاب التيمم، وهذا الذي دفع ابن عبد البر أن يقول: «أحاديث عمار في التيمم كثيرة الاضطراب، وإن كان رواتها ثقات» (^٢).\nقال ابن رجب: «هذا حديث منكر جدًا، لم يزل العلماء ينكرونه، وقد أنكره الزهري راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس، ذكره الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وروي عن الزهري أنه امتنع أن يحدث به، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله، وروي\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) الاستذكار (٣/ ١٦٥). قلت: ينبغي أن يستثني من حديث عمار ما كان منه في الصحيحين، وقد نص على أن التيمم في الوجه والكفين، وما خالف ذلك فإنه حديث ضعيف أو موقوف.","vol":"5","page":287},{"text":"عنه أنه قال: لا أدري ما هو؟ وروي عن مكحول أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث، وعن ابن عيينة أنه امتنع أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه، وسئل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشيء، وقال: أيضًا: اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه، وقال: ما أرى العمل عليه» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2352> الدليل الثاني لمن قال: يمسح إلى الآباط:</span>\nقالوا: إن اليد إذا أطلقت يتناول جميع اليد، من رؤوس الأصابع إلى الآباط.\n• ويُجاب:\nهذا يحتاج إلى دليل على أن اليد تطلق على جميع الجارحة، بل الدليل قام من القرآن على خلاف هذا، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو بلسان عربي مبين، قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، فأطلق اليد، ولم يفهم منه الرسول ﷺ، ولا صحابته الكرام أن القطع يشمل جميع الجارحة من رؤوس الأصابع إلى الآباط، بل قام الإجماع على أن القطع للكف فقط، وقد نقلته عن ابن\nعبد البر في أدلة القول السابق.\n• الراجح:\nبعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بأن التيمم يقتصر على الوجه والكفين بضربة واحدة هو أقوى الأقوال دليلًا، وأسلمها من الاعتراض، فلم يثبت حديث مرفوع إلى النبي ﷺ بالتيمم إلى المرفقين، وإنما صح ذلك موقوفًا على بعض الصحابة، وليس في قولهم حجة مع مخالفتهم لحديث عمار المرفوع في الصحيحين، كما لم يثبت حديث مرفوع في أن التيمم ضربتان، والمصير في صفة التيمم إلى آية المائدة، مع حديث عمار بن ياسر، وما خالفهما فهو إما موقوف أو ضعيف، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٥٢).","vol":"5","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2353>المبحث الثاني استيعاب المسح للوجه واليدين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• طهارة المسح مبنية على التخفيف، ولهذا لم يشرع فيها التكرار، بخلاف طهارة الغسل.\n[م-٤٤٦] اختلف العلماء في حكم استيعاب المسح للوجه واليدين، فلو أن المتيمم ترك شيئًا يسيرًا من مسح وجهه أو يديه، فهل يصح تيممه؟\nفقيل: الاستيعاب فرض،\nوهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤٦)، تبيين الحقائق (١/ ٣٨)، البحر الرائق (١/ ١٤٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٠).\nوقال في مواهب الجليل (١/ ٣٤٩): «لزم المتيمم تعميم وجهه بالمسح، وتعميم كفيه إلى كوعيه ...». اهـ ونص خليل في متنه على نزع خاتمه، ونقل الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٣٤٩) عن التوضيح قوله: «لا خلاف أنه مطلوب بنزع خاتمه ابتداء؛ لأن التراب لا يدخل تحته، فإن لم ينزعه فالمذهب أنه لا يجزئه ...». وانظر الثمر الداني (١/ ٧٦)، شرح الخرشي (١/ ١٩١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٥٥)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٩٥). ...\nوقال النووي في المجموع (٢/ ٢٤٣): «فمذهبنا المشهور، أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين مع المرفقين، فإن حصل استيعاب الوجه واليدين بالضربتين، وإلا وجبت الزيادة حتى يحصل الاستيعاب ...». وانظر إعانة الطالبين (١/ ٥٦)، المغني (١/ ١٥٩)، كشاف القناع (١/ ١٧٤)، شرح العمدة (١/ ٤٢٠)، المبدع (١/ ٢٢٢).","vol":"5","page":289},{"text":"وقيل: الاستيعاب ليس بفرض، فمسح الأكثر يقوم مقام الكل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (^١)، واختيار ابن مسلمة من المالكية (^٢)، ورجحه ابن حزم ﵀ (^٣).\nولذلك أوجب الأئمة الأربعة نزع الخاتم من أجل القيام بفرض الاستيعاب (^٤).\nوأما تخليل الأصابع في التيمم: فمن ذهب منهم إلى جواز التيمم على الحجر ونحوه أوجب تخليل الأصابع، لكي يقوم بواجب الاستيعاب كالحنفية (^٥)، والمالكية على المشهور (^٦).\nومن اشترط الغبار اشترط تفريج أصابعه إذا ضرب الأرض، حتى يتخللها\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٧) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٥٠) بدائع الصنائع (١/ ٤٦)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٧٨).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٣٤٩).\n(^٣) المحلى (١/ ٣٧٦).\n(^٤) المبسوط (١/ ١٠٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٢)، مواهب الجيل (١/ ٣٤٩)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٢٠)، كشاف القناع (١/ ١٧٨)، منار السبيل (١/ ٥٦).\n(^٥) المبسوط (١/ ١٠٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤٦)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٥٠)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٦): وفي تبيين الحقائق (١/ ٣٨): «ويجب تخليل الأصابع إن لم يدخل بينها غبار».\n(^٦) مواهب الجليل (١/ ٣٤٩)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٧)، الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٥٥)، الثمر الداني شرح رسالة القيرواني (١/ ٧٧).\nوقال في حاشية الدسوقي (١/ ١٥٥): «قال أبو محمد: لم أر القول بلزوم تخليل الأصابع في التيمم لغير ابن شعبان، وذلك لأن التخليل لا يناسب المسح المبني على التخفيف».","vol":"5","page":290},{"text":"الغبار كالشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل: ليس عليه تخليل أصابعه ولا نزع خاتمه،\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٦٧): «ويخلل بين أصابعهما، فاتفق جمهور العراقيين على أنه سنة، ليس بواجب، ونقله ابن الصباغ عن الأصحاب مطلقًا، هذا إذا كان فرق أصابعه في الضربتين، أو في الثانية، أما إذا فرق في الأولى فقط، وقلنا: يجزيه، فيجب التخليل، وقال الخرسانيون والماوردي: في وجوب التخليل ومسح إحدى الراحتين بالأخرى وجهان».\n(^٢) نصت كتب الحنابلة في صفة التيمم على الضرب بيديه مفرجتي الأصابع، بعد نزع الخاتم، وعللوا ذلك لأجل دخول التراب بين أصابعه، ومقتضى التعليل أن التفريج واجب؛ لأن الاستيعاب واجب عندهم، وكذا نزع الخاتم، والعلة واحدة، في تفريج الأصابع وفي نزع الخاتم، وهي وجوب الاستيعاب، فكان مقتضى التعليل أن التفريج واجب، وقد حاولت أن أجد من صرح بأن تفريج الأصابع واجب، ولم أقف عليه فيما قرأت من المراجع، إلا أن شيخنا محمد ابن عثيمين ﵀ رحمة واسعة في درسه لزاد المستقنع ذكر أن هذا واجب عند الحنابلة،\nقال شيخنا في الشرح الممتع (١/ ٤٨٥): «قوله: (مفرجتي الأصابع) أي متباعدة؛ لأجل أن يدخل التراب بينها؛ ولأن الفقهاء يرون وجوب استيعاب الوجه والكفين هنا، ولذلك قالوا: مفرجتي الأصابع».\nقال في الفروع (١/ ٢٢٥): «ويضرب بيديه مفرجتي الأصابع».\nوقال في الإنصاف (١/ ٣٠١): «والسنة في التيمم أن ينوي، ويسمي، ويضرب بيديه مفرجتي الأصابع على التراب ضربة واحدة».\nوقال في شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠١): «ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع؛ ليصل التراب إلى ما بينهما، وينزع نحو خاتم».\nوقال في كشاف القناع (١/ ١٧٨): «ويضرب يديه مفرجتي الأصابع ليصل التراب إلى ما بينها ..... بعد نزع خاتم ونحوه ليصل التراب إلى ما تحته». وقال مثله في مطالب أولى النهى (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).\nوقال في المبدع (١/ ٢٢٩): «ويضرب بيديه مفرجتي الأصابع ليدخل الغبار بينهما، وينزع خاتمه». وانظر المحرر (١/ ٢١)، والمستوعب (١/ ٢٩٨).\nوذكر العنقري في حاشيته على الروض وجوب نزع الخاتم، ولا يكفي تحريكه (١/ ٩٥)\nوابن تيمية اعتبر تفريج الأصابع عند الأصحاب تحصيل فضيلة، ويفهم منه أنه ليس بواجب، قال في شرح العمدة (١/ ٤١٤): «قال أصحابنا: والأفضل أن يضرب بيديه الصعيد مفرجتي الأصابع ...». فتأمل.","vol":"5","page":291},{"text":"وهو رواية الكرخي عن أبي حنيفة (^١)، وأحد القولين في مذهب المالكية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2354> دليل من قال: يجب الاستيعاب:</span>\nقال تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦].\n(١٠٠٧ - ٨٤) وفي البخاري من حديث عمار بن ياسر:\nقال النبي ﷺ: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (^٣).\nفقوله: (ثم مسح بهما وجهه وكفيه) يقتضي أن يكون المسح لجميع الوجه واليدين، والحديث امتثال وبيان للآية الكريمة (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة:\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤٦)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٥٠)، مراقي الفلاح (ص: ٤٩)، والذي وقفت عليه في مذهب الحنفية قولين: الأول: وجوب استيعاب الوجه واليدين بالمسح، والثاني: يكفي مسح أكثر الوجه واليدين.\nوقد ساق ابن رجب الحنبلي في شرحه للبخاري (٢/ ٢٤٥) روايات أخرى، فأذكرها، وليبحث عنها في كتب الحنفية، فإني لم أقف عليها:\nقال ابن رجب: «وعن أبي حنيفة روايات، إحداها: كقول الشافعي وأحمد -يعني: وجوب الاستيعاب- والثانية: إن ترك قدر الدرهم لم يجزئه، وإن ترك دونه أجزأه، والثالثة: إن ترك دون ربع الوجه أجزأه، وإلا فلا. والرابعة: إن مسح أكثره، وترك الأقل منه أو من الذارع أجزأه، وإلا فلا، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر».\nوالذي أخشاه أن يكون الحافظ ابن رجب نقل ذلك عن النووي ﵀، ولم يحرره من كتب الحنفية، فقد قال العيني في البناية (١/ ٥٠٠ - ٥٠١): «قال النووي: مذهب الشافعي ﵀ أنه يجب إيصال التراب إلى جميع البشرة .... قال: وعن أبي حنيفة روايات، أحدها كمذهبنا ... والثانية: إن ترك قدر درهم لم يجزئه ... قال العيني متعقبًا كلام النووي: هذه ليس لها أصل في الكتب الأمهات لأصحابنا مثل المبسوط، والمحيط، والذخيرة، وشرح مختصر الكرخي والبدائع والفوائد ونحوها». والله أعلم.\n(^٢) قال ابن عطية في تفسيره (ص: ٤٤٢) «واختلف المذهب في تحريك الخاتم، وتخليل الأصابع على قولين: يجب، ولا يجب». اهـ ونسختي من تفسير ابن عطية طبع في مجلد واحد كبير، طبعة دار ابن حزم. وانظر مواهب الجليل (١/ ٣٤٩).\n(^٣) البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).","vol":"5","page":292},{"text":"٦]، وهو يرفع ما قد يتوهم في الباء من تبعيض، وقد بينا في فرائض الوضوء من قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) أن الباء لا تأتي للتبعيض، فهي كالباء في قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩]، ولا يجوز بالإجماع الطواف ببعض البيت، والذين ذهبوا إلى جواز مسح بعض الرأس، مستدلين بأن الباء للتبعيض في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) لم يقولوا هذا في آية التيمم (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) وهي واحدة في الآيتين، ومتعلقها واحد، وهو فعل الأمر (امسحوا) وهذا نوع من التناقض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2355>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على طهارة الماء، فكما أن غسل الوجه واليدين يجب أن يشمل جميع الوجه واليدين، فكذلك في طهارة التيمم يجب أن يشمل جميع الوجه واليدين؛ لأن البدل له حكم المبدل.\n• ويُجاب:\nبأن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في وصفه، ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين (^١).\nثم إن هذا الدليل أنتم لا تأخذون به من كل وجه، فهل ترون أنه يجب أن يصل الماء إلى باطن الفم والأنف ليقوم مقام المضمضة والاستنشاق، أو إلى باطن الشعر الخفيف كشعر الحاجبين واللحية الخفيفة (^٢)، فإذا استثنيتم ذلك، بطل القياس على طهارة الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2356>الدليل الثالث:</span>\nحكى الإمام أحمد أن التعميم في مسح الوجه إجماع.\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٧٨).\n(^٢) اختلف الفقهاء في وجوب إيصال التراب إلى باطن الشعر الخفيف، كشعر الحاجبين والعنفقة وشعر اللحية الخفيف إلى قولين سوف نتعرض لذكرهما إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة.","vol":"5","page":293},{"text":"قال ابن رجب: «قال الجوزجاني: حدثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي، قال: سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعض وجهه في التيمم، قال: يعيد الصلاة. فقلت له: فما بال الرأس يجزئ في المسح، ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم؟ فقال: لم يبلغنا أن أحدًا ترك ذلك من تيممه» (^١).\nفإن كان فُهِم من كلام الإمام أحمد أنه إجماع كما فهمه ابن رجب ﵀، فهو إجماع على حكاية فعل، وليس إجماعًا قوليًا على وجوب التعميم، فهناك فرق بين النقل بأن أحدًا لم يترك كذا، وبين القول بوجوب التعميم؛ لأن الإجماع هنا قد يؤخذ منه على القول بثبوته على مشروعية التعميم، وليس على وجوبه؛ وذلك لأن الرسول ﷺ لم ينقل عنه أنه أخل بالترتيب في الوضوء، ومع ذلك فالخلاف في وجوبه محفوظ، فما بالك بالنقل عن فعل السلف، وقد أثبتنا أن هناك قولًا في مذهب الحنفية أنه يجزئ مسح أكثر الوجه واليدين، وهذا اختيار ابن حزم، فهذا كاف في خرق الإجماع، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2357> دليل من قال: مسح الأكثر يقوم مقام الكل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2358>الدليل الأول:</span>\nذكر ابن حزم: أن الله ﷾ قال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء: ١٩٥]، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [إبراهيم: ٤]، والمسح في اللغة لا يقتضي الاستيعاب، فوجب الوقوف عند ذلك، ولم يأت بالاستيعاب في التيمم قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قول صاحب، نعم ولا قياس، فبطل القول به ... والعجب أن لفظة المسح لم تأت في الشريعة إلا في أربعة مواضع، ولا مزيد: مسح الرأس، ومسح الوجه واليدين في التيمم، ومسح على الخفين، والعمامة والخمار، ومسح الحجر الأسود في الطواف، ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٤٦).","vol":"5","page":294},{"text":"لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضي الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك في التيمم، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكمًا بلا برهان .... واضطربوا في الرأس .... ثم ذكر اختلافهم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2359>الدليل الثاني:</span>\nأن طهارة المسح مبنية على التخفيف، بخلاف طهارة الغسل، فإيجاب الاستيعاب في طهارة المسح فيه عسر ومشقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2360>الدليل الثالث:</span>\nإذا كان المتيمم يمسح وجهه مرة واحدة بكلتا يديه، فلا تكفي يداه لاستيعاب كل جزء في وجهه مهما قل، فلو كان الاستيعاب فرضًا لشرع تكرار المسح للوجه؛ ليحصل الاستيعاب، فلما لم يشرع تكرار المسح للوجه علم أن الاستيعاب ليس فرضًا.\n• الراجح من الخلاف:\nالمطلوب أن يمسح وجهه بكلتا يديه، ولا يكرر المسح، فما أتت يداه على وجهه بالمسح كاف في حصول المقصود، فإن الرسول ﷺ مسح وجهه مرة واحدة بكلتا يديه، ويعلم أن مسح الوجه باليدين لا يمكن أن يمسح كل جزء من وجهه، فإنه إن جمع أصابعه ليعمم بالمسح كل جزء من وجهه بقي طرفا الوجه بدون مسح، وإن فرج أصابعه ليمسح أكبر قدر ممكن من وجهه فإن ما بين أصابعه لم يصبه المسح، فيكون بذلك قد فوت جزءًا، ولو يسيرًا، وهذا دليل على أن مسح الغالب يقوم مقام الكل، وأما تخليل الأصابع فلم يقم دليل صحيح بل ولا ضعيف فيما أعلم على مشروعية تخليل الأصابع في التيمم، فضلًا أن يكون التخليل واجبًا، والتعليل في أن التراب ليس له نفوذ الماء وسريانه، فيعتبر التخليل آكد منه في التيمم منه في الوضوء، فهذا القول ممكن أن يعكس، فيقال: طهارة المسح مبنية على التخفيف، بخلاف طهارة\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣٧٦).","vol":"5","page":295},{"text":"الماء، فيستحب التخليل في الوضوء، ولا يشرع التخليل في التيمم، ثم إننا نقول: لسنا بحاجة إلى القياس بالعبادات، وخاصة إن التخليل إما أن يكون مشروعًا أو لا؟\nفإن لم يكن مشروعًا فظاهر، وإن كان مشروعًا فلا بد أن يفعله الرسول ﷺ، أو يرشد إليه، خاصة أنه تيمم ﵊، وفعله الصحابة في عهده، وبعد وفاته، فهل قدمتم دليلًا على أن الرسول ﷺ قد فعل ذلك، فإذا لم يوجد دليل كان هذا دليلًا على أن السنة تركه، فما تركه الرسول ﷺ فالسنة تركه، والله أعلم.\nقال سليمان بن داود الهاشمي: «يجزئه في التيمم إن لم يصب بعض وجهه، أو بعض كفيه؛ لأنه بمنزلة المسح على الرأس إذا ترك منه بعضًا أجزأه» (^١).\nوقال يحيى بن يحيى النيسابوري: «المسح في التيمم كما يمسح الرأس، لا يتعمد لترك شيء من ذلك، فإن بقي شيء منه لم يعد، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء» (^٢).\nوقال الجوزجاني: «لم نسمع أحدًا يتبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم، كما يتبعون في الوضوء بالتخليل» (^٣).\nونقل حرب، عن إسحاق أنه قال: تضرب بكفيك على الأرض، ثم تمسح بهما وجهك، وتمر بيديك على جميع الوجه واللحية، أصاب ما أصاب، وأخطأ ما أخطأ، ثم تضرب مرة أخرى بكفيك (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) انظر المرجع السابق\n(^٣) انظر المرجع السابق.\n(^٤) انظر المرجع السابق.","vol":"5","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2361>المبحث الثالث مسح ما تحت الشعر الخفيف في التيمم</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• طهارة المسح مبنية على التخفيف\n[م-٤٤٧] سبق لنا في طهارة الماء وجوب غسل ما تحت الشعر الخفيف، واختلف العلماء في طهارة التيمم، هل يجب مسح ما تحت الشعر الخفيف كالعنفقة وشعر الحاجبين، وشعر اللحية الخفيف، أو لا يجب؟.\nفقيل: يجب مسح ما تحت الشعر الخفيف، وهو مذهب الحنفية (^١)، وأحد\n_________\n(^١) جاء في درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣١): «ويمسح تحت الحاجبين، وموق العينين، ومن وجهه ظاهر البشرة، والشعر على الصحيح، وفي السراج: لا يجب مسح اللحية، ولا الجبيرة».\nقال في مراقي الفلاح (ص: ١٢٠): «قوله: (والشعر على الصحيح) أي الشعر الذي يجب غسله في الوضوء، وهو المحاذي للبشرة، لا المسترسل، وعليه يحمل قول صاحب السراج: لا يجب عليه مسح اللحية في التيمم». وانظر البحر الرائق (١/ ١٥٢)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٦)، مجمع الأنهر (١/ ٣٩)، فتح القدير (١/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"5","page":297},{"text":"الوجهين في مذهبي الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل: لا يجب مسح ما تحت الشعر،\nاختاره أبو يوسف من الحنفية (^٣)، وهو مذهب المالكية (^٤)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nوقيل: لا يجب عليه مسح اللحية في التيمم، وهو قول في مذهب الحنفية (^٧).\n_________\n(^١) المهذب (١/ ٣٣).\n(^٢) قال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٢٤٥): «فأما الوجه، فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء أنه يجب عليه استيعاب بشرته بالمسح بالتراب، ومسح ظاهر الشعر الذي عليه، وسواء كان ذلك الشعر يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالشعر الخفيف الذي يصف البشرة، أم لا، هذا هو الصحيح.\nوفي مذهبنا وفي مذهب الشافعي وجه آخر: أنه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها، ولا يجب عند أصحابنا إيصال الماء إلى باطن الفم والأنف، وإن وجب عندهم المضمضة والاستنشاق في الوضوء». اهـ\n(^٣) جاء في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٧٨): «وعن أبي يوسف: يمسح وجهه من غير تخليل اللحية ...». وإطلاق اللحية يشمل الخفيفة والكثيفة.\n(^٤) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٩٥)، الخرشي (١/ ١٩١)، مواهب الجليل (١/ ٣٥٠).\n(^٥) قال في المهذب (١/ ٣٣): «ولا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الحاجبين والعذارين والعنفقة. ومن أصحابنا من قال: يجب ذلك كما يجب إيصال الماء إليه في الوضوء، والمذهب الأول».\nوقال في تحفة المحتاج (١/ ٣٦٢): «(ولا يجب) بل يسن (إيصاله) أي التراب (منبت الشعر الخفيف) وفي وجه: أو يد».\nواختار القاضي حسين بأنه لا يسن إيصال التراب إلى ما تحت الشعر، انظر كفاية الأخيار (١/ ٦٠). وانظر نهاية الزين (ص: ٣٧)، وفتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (١/ ٤٥).\n(^٦) شرح منتهى الإرادات (١/ ٩٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٢١١)، شرح البخاري لابن رجب (٢/ ٢٤٥).\n(^٧) جاء في السراج الوهاج كما نقله ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ١٥٢): «ولا يجب عليه مسح اللحية في التيمم».\nوقال في الجوهرة النيرة (١/ ٢٢): «ولا يجب عليه مسح اللحية ...». وهذا نص في نفي مسح\nاللحية وليس مجرد مسح ما تحت اللحية، ولكن قال الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٧٨): «الشعر الذي يجب غسله في الوضوء، هو المحاذي للبشرة لا المسترسل، وعليه يحمل قول صاحب السراج: لا يجب عليه مسح اللحية في التيمم. كذا في البحر. بقي الكلام في اللحية الخفيفة: هل يبالغ في المسح فيها حتى يصل إلى البشرة كأصله، أو يكفي مسح ظاهر الملاقي كالكثة؟ يراجع». اهـ فتأمل تفسير الطحطاوي، فإن صح، فإن المسألة فيها قولان فقط، وإن لم يصح كانت المسألة فيها ثلاثة أقوال، والله أعلم.","vol":"5","page":298},{"text":"• وسبب الخلاف اختلافهم في مسألتين:\nالأولى: وسبق بحثها، هل يجب استيعاب الوجه واليدين بالمسح في التيمم؟\nوقد ترجح بأن الاستيعاب ليس بواجب، وأن عليه أن يمسح وجهه بكلتا يديه، ولا يتعمد ترك شيء منه، فإن بقي منه شيء لا يرجع إليه بالمسح.\nوالثانية: قياس التيمم على الوضوء، فلما كان الوضوء يجب غسل ما تحت الشعر الخفيف، فهل يقاس عليه التيمم، فيقال بوجوب مسح ما تحت الشعر الخفيف؟\nوالصحيح أن قياس التيمم على الوضوء قياس مع الفارق؛ لأن المسح مبني على التخفيف، بخلاف طهارة الغسل، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2362>المبحث الرابع صفة مسح الوجه واليدين عند الفقهاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية: (^١)\n• كيفما أوصل المتيمم التراب إلى وجهه، وظاهر كفيه، صح تيممه.\n• صفة العبادة كأصلها يقوم على التوقيف.\n[م-٤٤٨] اختلف العلماء في صفة المسح بالتيمم:\nفقيل: يضرب بيديه الصعيد، فيقبل بهما ويدبر (^٢)، ثم ينفضهما، ثم يمسح بهما\n_________\n(^١) لقد أغرب كثير من الفقهاء في ذكر صفة مسح الوجه واليدين، وتكلفوا في ذكر صفات لا يدل عليها كتاب، ولا سنة، ولولا أن يؤخذ على الكتاب عدم ذكر هذا البحث لأعرضت عن ذكرها، مكتفيًا بالقول الراجح؛ لأني يهمني - وأنا أحرر أي فصل من فصول هذا الكتاب - كيف يفهم القارئ وطالب العلم ما يدون هنا بيسر وسهولة؟ وسوف أحاول قدر الإمكان في تذليل هذا الفصل ما أمكن، فإن وفقت فمن الله ﷾، وإن لم أوفق فليلتمس لي طالب العلم العذر؛ فإن السبب هو ما تبناه الفقهاء من تفريعات ضعيفة، والله المستعان.\n(^٢) الإقبال والإدبار من سنن التيمم عند الحنفية، ومعنى ذلك: أي يحركهما بعد الضرب أمامًا وخلفًا مبالغة في إيصال التراب إلى أثناء الأصابع، وإن كان الضرب أولى من الوضع .. انظر حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٣٨)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٢٣١)، البحر الرائق (١/ ١٥٣).","vol":"5","page":300},{"text":"وجهه، ثم يعود بكفيه على الصعيد مرة ثانية، فيقبل بهما ويدبر، ثم ينفضهما، ثم يمسح بذلك ظاهر الذراعين وباطنهما إلى المرفقين، وهذه الصفة رواية أبي يوسف عن\nأبي حنيفة (^١).\nوقيل: يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى، ظاهر يده اليمنى، من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك. وهذه هي الصفة المختارة عند الحنفية (^٢).\nوذلك لأن مسح ظاهر اليد اليمنى بباطن الأصابع، ثم مسح باطن اليد اليمنى بباطن الكف دون الأصابع فيه احتراز من استعمال التراب المستعمل (^٣).\nونحوها عند المالكية، إلا أنهم لم يجعلوا الأصابع تمسح ظاهر اليد، والكف يمسح باطن اليد، بل الكف بأصابعها تمسح ظاهر اليد وباطنها، فقالوا في صفة التيمم المستحبة ما يلي:\n«أن يضرب الأرض بيديه جميعًا ضربة واحدة، فإن تعلق بها شيء نفضه نفضًا خفيفًا، ومسح بهما وجهه، ثم يضرب أخرى لليدين ويضع اليسرى على اليمنى فيمرها من فوق الكف إلى المرفق، ومن باطن المرفق إلى الكوع، ويفعل باليسرى كذلك.\n_________\n(^١) أحكام القرآن- للجصاص (٤/ ٢٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٠)، تبيين الحقائق (١/ ٣٨).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٠)، بدائع الصنائع (١/ ٤٦) البحر الرائق (١/ ١٥٣).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٠)، قال في بدائع الصنائع (١/ ٤٦) عن هذه الصفة: وهذه أقرب إلى الاحتياط؛ لما فيه من الاحتِراز عن استعمال التراب المستعمل بالقدر الممكن\nوكذا ذكر في البحر الرائق (١/ ١٥٣).\nلكن ذكر في البناية وفي حاشية الطحطاوي بأن هذه الصفة لم ترد في شيء من الأحاديث، وإذا كانت كذلك كيف تكون الصفة المختارة، انظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٧٩)، والبناية على الهداية (١/ ٤٩٨).","vol":"5","page":301},{"text":"وأجاز الشيخ أبو الحسن وعبد الحق مسح كف اليمنى قبل الشروع في اليسرى؛ لأن الأصل أن لا يشرع في عضو إلا بعد كمال ما قبله.\nوروى ابن حبيب تركها حتى يصل إلى كوع الأخرى، ويمسح الكوعين.\nوجهه: أن كفه اليمنى كما تمسح ذراعه فكذلك ذراعه يمسح كفه، والتكرار في التيمم غير مطلوب، فلا يؤمر بمسح كفه بكفه، ولأنه يذهب بما في كفه اليمين من التراب (^١).\nوذكر صاحب الرسالة أنه إذا وصل إلى الكوع مسح بباطن إبهام اليسرى ظاهر إبهامه اليمنى، وكذلك في اليسرى (^٢).\nوذكر الشافعية صفة التيمم المستحبة نحوًا من ذلك، حيث قالوا:\nأن يضع بطون أصابع اليسرى سوى الإبهام على ظهور أصابع اليمنى سوى الإبهام، بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى، ولا مسبحة اليمنى عن أنامل اليسرى، ويمرها على ظهر كفه اليمنى، فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع، فيمرها عليه رافعًا إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى (^٣).\nوذكر النووي بأن مسح إحدى الراحتين، سنة على قول جمهور العراقيين، ونقله ابن الصباغ عن الأصحاب مطلقًا إذا كان قد فرق بين أصابعه في الضربة الثانية.\nوقال البغوي: إن قصد بإمرار الراحتين على الذراعين مسحهما حصل، وإلا فلا.\n_________\n(^١) الذخيرة للقرافي (١/ ٣٥٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، المنتقى شرح الموطأ - للباجي (١/ ١١٤).\n(^٢) تنوير المقالة بشرح ألفاظ الرسالة (١/ ٥٧٧)، الذخيرة للقرافي (١/ ٣٥٢).\n(^٣) نهاية المحتاج (١/ ٣٠٣)، تحفة المحتاج (١/ ٣٦٤)، المجموع (٢/ ٢٦٦)، حاشيتا قليبوبي وعميرة (١/ ١٠٥).","vol":"5","page":302},{"text":"قلت: كلام البغوي فيه نظر؛ لأن نية التيمم كافية، ولا تشترط نية عند كل فعل من أفعال التيمم، ومثله سائر العبادات، فالصلاة نية واحدة، والوضوء نية واحدة، والله أعلم.\nوصوب النووي طريقة العراقيين، قال: فإن قيل: إذا سقط فرض الراحتين صار التراب الذي عليهما مستعملًا، فكيف يجوز مسح الذراعين به؟ ولا يجوز نقل الماء الذي غسلت به إحدى اليدين إلى الأخرى؟ فالجواب من وجهين:\nأحدهما: أن اليدين كعضو واحد، ولهذا جاز تقديم اليسار على اليمين، ولا يصير التراب مستعملًا إلا بانفصاله، والماء ينفصل عن اليد المغسولة، فيصير مستعملًا.\nالثاني: أنه يحتاج إلى هذا هاهنا، فإنه لا يمكنه أن يتم الذارع بكفها، بل يفتقر إلى الكف الأخرى، فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه.\nونقل صاحب البيان وجهًا أنه يجوز نقل الماء من يد إلى يد أخرى؛ لأنهما كيد، فعلى هذا يسقط السؤال (^١).\nوأما صفة التيمم عند الحنابلة:\nفقالوا: يضرب بيديه مفرجتي الأصابع ضربة واحدة، يمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه براحتيه (^٢).\nوقال ابن قدامة: «ويستحب أن يمسح إحدى الراحتين بالأخرى، وليس بفرض؛ لأن فرض الراحتين قد سقط بإمرار كل واحدة على ظهر الكف» (^٣).\nومع اعتراف بعض الفقهاء من كل مذهب بأن هذه الصفة التي استحبوها لم\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٦٧)، وانظر البيان (١/ ٢٨١).\n(^٢) الفروع (١/ ٢٢٥)، الإنصاف (١/ ٣٠١ - ٣٠٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠١)، كشاف القناع (١/ ١٧٩).\n(^٣) المغني (١/ ١٥٩).","vol":"5","page":303},{"text":"يأت عليها دليل من الشرع\nفقد ذكر العيني في البناية والطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح، وهما من الحنفية بأن هذه الصفة -أعني المسح بالأصابع ظاهر اليد اليمنى، والمسح بباطن الكف باطن اليد اليمنى، ثم اليسرى مثل ذلك- لم ترد في شيء من الأحاديث (^١).\nوقال القرافي من المالكية: «وهذه الصفة وإن لم ترد - يعني في السنة- فليست تحكمًا، بل لما علم الفقهاء أن الإيعاب مطلوب، والصعيد ليس يعم بسيلانه كالماء اختاروا هذه الصفة؛ لإفضائها لمقصود الشارع، وفعل الوسائل لتحصيل المقاصد من قواعد الشرع وعادته» (^٢).\nفيقال: إذا اعترفتم بأن هذه الصفة لم ترد، فهل غاب إدراك هذه المصلحة عن الرسول ﷺ، وعن صحابته الكرام، أو لا؟\nفإن قلتم: هي معلومة للرسول ﷺ، قلنا: فلماذا علمها ومع ذلك تركها، ألا يكون لكم في رسول الله أسوة حسنة. ألا يكون فعلكم نوعًا من الاستدراك على الشرع، وإحداث صفة لم تكن مشروعة، أليست صفة العبادة توقيفية، فكيف نستحسن شيئًا لم يرد في أحاديث التيمم، نعم القول بأن التيمم ضربتان ورد في بعض الأحاديث المرفوعة الضعيفة، وفي بعض الآثار الصحيحة الموقوفة، وقد ناقشت ذلك في فصل مستقل، كما ناقشت في فصل مستقل القول بأن التراب فيه ما هو مستعمل، فلا يتيمم به، ومنه ما هو غير مستعمل، فيختص التيمم به، قياسًا على الماء، وبينت أن القول بأنه يوجد ماء أو تراب مستعمل لا يتطهر به، قول ضعيف، فأغنى الكلام هناك عن إعادته هنا، والله الموفق.\nقال النووي من الشافعية: «قال الرافعي: وزعم بعضهم أن هذه الكيفية منقولة\n_________\n(^١) انظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٧٩)، والبناية على الهداية (١/ ٤٩٨).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٥٢).","vol":"5","page":304},{"text":"عن فعل الرسول ﷺ، وليس هذا بشيء، قال أصحابنا: كيف أوصل التراب إلى وجهه واليدين بضربتين فأكثر بيده أو خرقة أو خشبة جاز، ونص عليه في الأم» (^١).\nوقال ابن رجب الحنبلي: «وهذا الذي قالوه في صفة التيمم لم ينقل عن الإمام أحمد، ولا قاله أحد من متقدمي أصحابه كالخرقي، وأبي بكر، وغيرهما» (^٢).\nفهذا كلام جملة من أصحاب المذاهب قد صرحوا بأن هذه الصفة لم يثبت فيها حديث، فإذا عرفنا هذا فيقال في صفة المسح ما دل عليه حديث عمار في الصحيحين:\nضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيه، وكيف مسح فقد حصل المقصود.\nقال في تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة: «ولو مسح اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه، وأوعب المسح أجزأه؛ لأن الواجب التعميم على أي وجه وجد» (^٣).\nقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: أرني كيف التيمم؟ فضرب بيده باطن كفيه، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض ضربة واحدة، وقال: هكذا.\nقال ابن رجب تعليقًا: وهذا يدل على أنه مسح وجهه بيديه، ثم مسح يديه إحداهما بالأخرى من غير تخصيص للوجه بمسح باطن الأصابع، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من الحديث المرفوع، ومن كلام من قال من السلف: إن التيمم ضربة للوجه والكفين.\nوما قاله المتأخرون من الأصحاب فإنما بنوه على أن التراب المستعمل لا يصح التيمم به كالماء المستعمل، وهذا ضعيف؛ لأن التراب المستعمل فيه لأصحابنا وجهان:\nالوجه الأول: أنه يجوز التيمم به بخلاف الماء؛ لأن الماء المستعمل قد رفع حدثًا، وهذا لم يرفع حدثًا على ظاهر المذهب.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٦٧).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٩٧).\n(^٣) تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة (١/ ٥٨٠).","vol":"5","page":305},{"text":"وعلى الوجه الثاني: أنه لا يتيمم بالتراب المستعمل، فالمستعمل هو ما علق بالوجه، أو تناثر منه، فأما ما بقي على اليد الممسوح بها فهو بمنزلة ما بقي في الإناء بعد الاستعمال منه، وليس هو بمستعمل، ويجوز التيمم به» (^١).\nوقال ابن تيمية: «وصفة التيمم أن يضرب بيديه الأرض، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه لحديث عمار بن ياسر الذي في الصحيح» (^٢).\nوليس فيه دليل على استحباب - فضلًا عن وجوب - تفريج الأصابع، ولم يدل عليها سنة مرفوعة، ولا أعلم بها أثرًا صحيحًا، والسنة لزوم ما ورد في السنة عن الرسول ﷺ، ولا يستحسن شيء من الصفات إلا بتوقيف عن رسول الله ﷺ، أو عن أحد من صحابته رضوان الله عليهم.\n* * *\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٩٧).\n(^٢) الاختيارات (ص: ٢٠).","vol":"5","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2363>المبحث الخامس في اشتراط ضرب الأرض بالكفين للتيمم</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• العبرة بمسح الوجه واليدين بالتراب بنية التيمم.\n[م-٤٤٩] هل يشترط في التيمم ضرب الأرض بيديه، أو يصح التيمم حتى لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب؟\nاختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: لا يشترط ضرب الأرض بيديه، فلو وضع كفيه على التراب أجزأه، وهذا","vol":"5","page":307},{"text":"مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nودليلهم: أن الكتاب لم يعتبر ضرب الأرض من مسمى التيمم، فإن المأمور به في القرآن هو المسح فقط، قال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦].\nفالعبرة بمسح الوجه واليدين بالتراب بنية التيمم.\nوأما حديث عمار بن ياسر ﵁ مرفوعًا، وفيه:\nفقال النبي ﷺ: إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (^٥).\nفهو لا يدل على وجوب كل ما ذكر في الحديث، ومنه الضرب، بدليل أن النفخ ليس بواجب، وهو مذكور فيه، وبدليل أن آية التيمم ليس فيها ذكر الضرب، فقد يكون الحديث خرج مخرج الغالب، أو أنه أراد من الضرب: إرادة المسح بالأرض، والضرب أبلغ من وضع اليد بالأرض، والله أعلم.\n_________\n(^١) قال في المبسوط (١/ ١٠٦): «ثم بين صفة التيمم، فقال: يضع يديه على الأرض ... ثم قال: فقد ذكر الوضع، والآثار جاءت بلفظ الضرب .... والوضع جائز، والضرب أبلغ ليتخلل التراب بين أصابعه». وانظر درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣٠)، فتح القدير (١/ ١٢٦).\n(^٢) قال في الشرح الصغير (١/ ١٩٤): «قوله (وضع الكفين على الصعيد) إنما قال ذلك دفعًا لما يتوهم من لفظ الضرب أنه يكون بشدة، فأفاد أنه وضع الكفين على الصعيد، ومثل الكفين: أحدهما أو بعضهما، ولو بباطن إصبع واحد، وأما لو تيمم بظاهر كفه فلا يجزئ».\n(^٣) الشافعية يشترطون أن يعلق بيده غبار كما سبق أن هذا عندهم من شروط التيمم، انظر: الأم (١/ ٥٠)، وقال في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (ص: ٨٢): «ولا يتعين الضرب، فلو وضع يديه على تراب ناعم، وعلق بهما غبار كفى». وانظر: السراج الوهاج (ص: ٢٨)، حلية العلماء (١/ ١٨٦)، مغني المحتاج (١/ ١٠٠)، المجموع (٢/ ٢٦٣)، كفاية الأخيار (١/ ٦٠).\n(^٤) قال ابن تيمية في شرح العمدة (١/ ٤٢١): «ولو وضع يده على التراب، فعلق من غير ضرب جاز».وانظر المبدع (١/ ٢٢٩)، كشاف القناع (١/ ١٧٩).\n(^٥) البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).","vol":"5","page":308},{"text":"ويتفرع على هذه المسألة سؤال آخر:\nهل ضرب اليد بالأرض ركن بالتيمم، أو وسيلة يتوصل بها لمسح الوجه واليدين بالأرض، وينبني على الخلاف في هذه المسألة ما لو ضرب الأرض بيديه، ثم أحدث قبل مسح وجهه ويديه.\nفقال أبو شجاع وهو من الحنفية: يعيد ضرب الأرض، كبطلان بعض الوضوء بالحدث.\nوفي الخلاصة: الأصح أنه لا يستعمل ذلك التراب، كذا اختاره شمس الأئمة السرخسي (^١).\nقلت: وهذا هو مذهب الشافعية:\nقال القاضي حسين البغوي: «إذا أحدث المتيمم بعد أخذه التراب، وقبل المسح بطل ذلك الأخذ، وعليه الأخذ ثانيًا، بخلاف ما لو أحدث بعد أخذ الماء، وقبل غسل الوجه، فإنه لا يضره؛ لأن المطلوب في الوضوء الغسل لا نقل الماء، وهنا المطلوب نقل التراب» (^٢).\nوالصحيح أن نقل التراب ليس هو العبادة في التيمم، وإنما العبادة هو مسح الوجه واليدين بعد ضرب الصعيد الطيب.\nقال القاضي الإسبيجابي من الحنفية: «يجوز -يعني: إذا أحدث بعد ضرب الأرض- كمن ملأ كفيه ماء، فأحدث، ثم استعمله، والذي يقتضيه النظر عدم اعتبار ضربة الأرض من مسمى التيمم شرعًا؛ فإن المأمور به المسح ليس غير في الكتاب،\n_________\n(^١) درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣٠)، فتح القدير (١/ ١٢٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٧٢)، بل اشترط الشافعية أن يكون أخذ التراب بعد دخول الوقت، فلو أخذ التراب على يديه قبل الوقت، ومسح بهما وجهه في الوقت لم يصح. انظر المجموع (٢/ ٢٧٥) وقد بينت فيما سبق أن اشتراط دخول الوقت في التيمم لا دليل عليه.","vol":"5","page":309},{"text":"قال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦] (^١).\nهذا وقد عقدت فصلًا مستقلًا فيما لو ألقت الرياح التراب على وجه المتيمم وكفيه، فهل يجزئ ذلك عن ضرب الأرض، أو لا بد من ضرب الأرض بالتيمم، فتلك المسألة لها متعلق بهذه، وقد حكيت فيها ثلاثة أقوال:\nالإجزاء مطلقًا، والمنع مطلقًا، والإجزاء إن مسح بيديه على وجه وكفيه، فارجع إليها لزيادة البحث في هذه المسألة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣٠)، فتح القدير (١/ ١٢٦).","vol":"5","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2364>المبحث السادس مسح الوجه بيد واحدة أو أصبع واحد</span>\n[م-٤٥٠] اختلف العلماء في مسح الوجه بيد واحدة أو أصبع واحد:\nفقيل: لا يجوز المسح بأقل من ثلاثة أصابع، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يجوز ولو بباطن إصبع واحد، وهذا مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٣٨)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣٠).\n(^٢) قال في مواهب الجليل (١/ ٣٤٩): «لم يقيد المصنف تعميم وجهه بمسحه بيديه جميعًا، فلو مسحه بيد واحدة أجزأه، بل قال سند: لو مسح وجهه بأصبع واحدة أجزأه، كقول ابن القاسم في مسح الرأس. قال ابن ناجي في شرح المدونة: قال ابن عطية: هذا هو المشهور». اهـ وانظر شرح مختصر خليل للخرشي (١/ ١٩١)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٩٤).\n(^٣) قال في المجموع (٢/ ٢٦٣): «ولا يشترط اليد، بل المطلوب نقل التراب، سواء حصل، بيد، أو خرقة، أو خشبة أو نحوها، ونص عليه الشافعي في الأم، قال في الأم: واستحب أن يضرب بيديه جميعًا». وانظر كفاية الأخيار (١/ ٦٠)، مغني المحتاج (١/ ٩٩)، السراج الوهاج (ص: ٢٨)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ١٠٤)، المنهج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١١٦).\n(^٤) قال في المغني (١/ ١٦٠): «وإن مسح محل الفرض بيد واحدة أو ببعض يده أجزأه». وانظر كشاف القناع (١/ ١٧٩).\nوقال في الإنصاف (١/ ٣٠٢): «لو تيمم بيد واحدة، أو بعض يده أجزأه على الصحيح من المذهب». وانظر مطالب أولي النهى (١/ ٢٢١).","vol":"5","page":311},{"text":"وقيل: لا يجزئه، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2365> دليل من قال: يجزئ يد واحدة:</span>\nقالوا: إن الغرض إيصال التراب إلى محل الفرض، وقد حصل (^٢).\nولأن المسح في الآية مطلق، فيتناول اليد وغيرها كما يتناول يد الغير (^٣).\nفآية التيمم ذكرت الممسوح، ولم تذكر آلة المسح، فكيف حصل المسح أجزأ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2366> دليل من قال: لا يجزئه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2367>الدليل الأول:</span>\n(١٠٠٨ - ٨٥) استدلوا بما رواه البخاري من حديث عمار بن ياسر، وفيه:\nقال النبي ﷺ: إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. ورواه مسلم (^٤).\nوهذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، نعم يدل على استحباب ضرب جميع الكفين بالأرض، والله أعلم.\n• الراجح:\nجواز مسح الوجه واليدين بيد واحدة أو بعض يده، أو بخرقة ونحوها بعد ضربها بالتراب؛ كما لو يممه غيره بإذنه.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٣٠٢)، الفروع (١/ ٢٢٦).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٧٩).\n(^٣) شرح العمدة (١/ ٢٠٣).\n(^٤) البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).","vol":"5","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2368>الفرض الثاني\nحكم الترتيب في طهارة التيمم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم وجوب الترتيب.\n• الواو هل تفيد الجمع والترتيب، أو تفيد مطلق الجمع فلا يلزم الترتيب إلا بدليل مستقل.\nوقيل:\n• العبادات المحضة المشتملة على أفعال متغيرة يلزم فيها التقيد بالصفة الواردة بالشرع، والترتيب جزء من صفة العبادة، والإخلال به تغيير للعبادة الواردة.\n[م-٤٥١] اختلف العلماء في حكم الترتيب في التيمم، بأن يمسح وجهه أولًا، ثم يديه،\nفقيل: الترتيب مسنون، وليس بواجب، وهذا مذهب الحنفية (^١)،\n_________\n(^١) قال في المبسوط (١/ ١٢١): «وإن بدأ بذارعيه في التيمم، أو مكث بعد تيمم وجهه ساعة، ثم تيمم على ذارعيه أجزأه، لأنه بدل عن الوضوء، وقد بينا أن الترتيب والموالاة في الوضوء مسنون، لا يمنع تركه الجواز، فكذلك في التيمم». وانظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٤٨)، البحر الرائق (١/ ١٥٢).","vol":"5","page":313},{"text":"والمالكية (^١)، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: الترتيب فرض، بأن يقدم وجهه، ثم يديه وهو مذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nوقيل: إن تيمم بضربتين: وجب الترتيب، وإن تيمم بضربة واحدة لم يجب، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: يقدم في التيمم اليدان قبل الوجه، وهو قول الأعمش (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2369> دليل من قال: إن الترتيب مسنون:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2370>الدليل الأول:</span>\nلا يوجد دليل على أن الترتيب واجب، والأصل عدم التكليف حتى يقوم دليل على الوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2371>الدليل الثاني:</span>\nلو كان الترتيب واجبًا لعبر الله عنه بـ (ثم) المفيدة للترتيب، ولقال سبحانه\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٥٦)، الخرشي (١/ ١٩٤)، الخلاصة الفقهية (ص: ٤٢)، التاج والإكليل (١/ ٣٥٦).\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ٢٨٧): «قال المجد في شرحه: قياس المذهب عندي أن الترتيب لا يجب في التيمم، وإن وجب في الوضوء؛ لأن بطون الأصابع لا يجب مسحها بعد الوجه في التيمم بالضربة الواحدة، بل يعتد بمسحها معه، واختاره في الفائق، قال ابن تميم: وهو أولى». وانظر المبدع (١/ ٢٢٢).\n(^٣) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٦٨): «قال أصحابنا: أركان التيمم ستة متفق عليها، وهي النية، ومسح الوجه واليدين، وتقديم الوجه على اليدين، والقصد إلى الصعيد ونقله ...». وانظر: مغني المحتاج (١/ ٩٩)، كفاية الأخيار (١/ ٦٠).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٢٨٧)، المبدع (١/ ٢٢٢).\n(^٥) جاء في الإنصاف نقلًا من الحاوي الكبير (١/ ٢٨٧): «إن تيمم بضربتين وجب الترتيب، وإن تيمم بضربة واحدة لم يجب، قال ابن عقيل: رأيت التيمم بضربة واحدة قد أسقط ترتيبًا مستحقًا في الوضوء، وهو أنه يعتد بمسح باطن يديه قبل مسح وجهه».\n(^٦) المحلى (١/ ٣٧٩) مسألة: ٢٥٣.","vol":"5","page":314},{"text":"وتعالى: فامسحوا بوجوهكم ثم أيديكم، فلما قال ﷾: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦]، وطلب مسح الوجه والأيدي بالواو، والواو في اللغة لا تقتضي ترتيبًا، وإنما تقتضي مطلق التشريك، مثله لو قلت لك: اشتر لي خبزًا ولحمًا. فإذا اشتريت اللحم قبل الخبز فقد امتثلت الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2372>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٠٩ - ٨٦) ما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال:\nكنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه ... الحديث وفيه مناظرة بين عبد الله بن مسعود وبين أبي موسى (^١).\n[قال أحمد: رواية أبي معاوية عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط] (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٤٧)، والحديث في مسلم بغير هذا اللفظ.\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٢٩٢).\nوالحديث رواه أبو معاوية، عن الأعمش، واختلف فيه على أبي معاوية.\nفرواه أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كما في المسند (٤/ ٢٦٤).\nومحمد بن سلام كما في صحيح البخاري (٣٤٧)،\nومحمد بن سليمان الأنباري كما في سنن أبي داود (٣٢١)، كلهم عن أبي معاوية، عن الأعمش به. بذكر تقديم مسح اليدين على الوجه.\nورواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (١/ ١٤٦) ومن طريقه مسلم (٣٦٨).\nويحيى بن يحيى وابن نمير كما في صحيح مسلم (٣٦٨).\nوإسحاق بن راهوية كما في صحيح ابن حبان (١٣٠٤)، وتغليق التعليق (٢/ ١٩٢). =","vol":"5","page":315},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويوسف بن موسى كما في صحيح ابن خزيمة (٢٧٠)\nومحمد بن العلاء كما في سنن النسائي (٣٢٠) ستتهم رووه عن أبي معاوية به، ولم يذكروا تقديم اليدين على الوجه.\nهذا بيان الاختلاف على أبي معاوية، وقد رواه غير أبي معاوية عن الأعمش، ولم يذكروا ما ذكره أبو معاوية، منهم:\nالأول: شعبة بن الحجاج، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٦٥) صحيح البخاري (٣٤٥)، والبيهقي (١/ ٢١٥) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة. إلا أنه لم يذكر صفة التيمم.\nالثاني: يعلى بن عبيد، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٦٥)، وأبي عوانة (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، ومسند الشاشي (١٠٢٥)، وصحيح ابن حبان (١٣٠٤، ١٣٠٧)، وسنن البيهقي (١/ ٢١١).\nالثالث: عبد الواحد بن زياد، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٦٥)، وصحيح مسلم (٣٦٨)، وأبي عوانة (١/ ٣٠٤)، ومسند الشاشي (١٠٢٦)، وابن حبان (١٣٠٥).\nالرابع: حفص بن غياث، كما في صحيح البخاري (٣٤٦).\nالخامس: الوليد بن قاسم الهمداني، كما في مسند أبي عوانة (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، خمستهم رووه عن الأعمش به، ولم يذكروا تقديم اليدين على الوجه بلفظ (ثم).\nوأبو معاوية، وإن كان من أثبت أصحاب الأعمش، إلا أن الثقة قد يخطئ، خاصة أن أبا معاوية نفسه قد اختلف عليه، فتارة يرويه بلفظ (ثم) وتارة يرويه بالواو، ولهذا خطأ الإمام أحمد أبا معاوية في التعبير بـ (ثم)، كما نقله ابن رجب، ونقلته عنه، والله أعلم.\nقال ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ٢٩١): «وفي حديث أبي معاوية الذي خرجه البخاري ها هنا شيئان أنكرا على أبي معاوية:\nأحدهما: ذكره مسح وجهه بعد مسح الكفين، فإنه قال: (ثم مسح وجهه).\nوقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاوية، وليست هي في رواية مسلم، كما ذكرنا.\nوكذلك خرجه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية، ولفظ حديثه: (إنما كان يكفيك أن تقول: هكذا وضرب بيده على الأرض ضربة، فمسح كفيه، ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله، على كفيه ووجهه).\nوخرجه أبو داود، عن محمد بن سليمان الأنباري، عن أبي معاوية، ولفظه: (إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض، فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه).\nواختلف على أبي معاوية في ذكر مسح الوجه، وعطفه هل هو بالواو، أو بلفظة (ثم)؟\nوقد قال الإمام أحمد في رواية أحمد بن عبدة: رواية أبي معاوية، عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط. =","vol":"5","page":316},{"text":"وإذا كان في هذا الدليل اعتراض، فإن الأدلة السابقة كافية في الاستدلال بعدم وجوب الترتيب، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2373> دليل من قال: يجب الترتيب:</span>\nاستدلوا بقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦]، فبدأ بالوجه.\n(١٠١٠ - ٨٧) وقد روى النسائي رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه،\nعن جابر، أن رسول الله ﷺ طاف سبعًا، ورمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم قرأ: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فصلى سجدتين، وجعل المقام بينه وبين الكعبة، ثم استلم الركن، ثم خرج، فقال: إن الصفا والمروة من شعائر الله، فابدأوا بما بدأ الله به (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمرنا أن نبدأ بما بدأ الله به، والأصل في الأمر الوجوب، وقد بدأ الله بذكر الوجه قبل اليدين، فيكون الترتيب امتثالًا للأمر النبوي بتقديم ما قدمه الله، وتأخير ما أخره الله.\n• وأجيب:\nبأن المحفوظ من لفظ الحديث أنه بلفظ الخبر: نبدأ بما بدأ الله به، فلا حجة فيه (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2374> دليل الأعمش على وجوب تقديم اليدين على الوجه:</span>\nإن ثبت هذا القول عن الأعمش، فربما أخذه مما رواه عن أبي وائل.\n_________\n= الثاني: أنه ذكر أن أبا موسى هو القائل لابن مسعود: إنما كرهتم هذا لهذا؟ فقال ابن مسعود: نعم. وقد صرح بهذا في رواية أبي داود، عن الأنباري المشار إليها.\nوإنما روى أصحاب الأعمش منهم حفص بن غياث، ويعلى بن عبيد، وعبد الواحد بن زياد أن السائل هو الأعمش، والمسئول هو شقيق أبو وائل». اهـ\n(^١) سنن النسائي (٢٩٦٢).\n(^٢) سبق تخريج الحديث في مسائل الوضوء، في حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء، (٢/ ٥١٣)، فانظره هناك مشكورًا.","vol":"5","page":317},{"text":"(١٠١١ - ٨٨) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال:\nكنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه ... الحديث وفيه مناظرة بين عبد الله ابن مسعود وأبي موسى (^١).\nوقد بينا أن هذه اللفظة قد بين الإمام أحمد أنها غلط، وإن كان أبو معاوية من أثبت أصحاب الأعمش، وهو مقدم على غيره في حديث الأعمش إلا أن الاختلاف على أبي معاوية نفسه دليل على أنه لم يضبط، والثقة قد يخطئ، ولو سلمت صحة رواية أبي معاوية على الأعمش، فإن الترتيب هذا في تقديم اليدين على الوجه مجرد فعل من الرسول ﷺ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب، وظاهر القرآن تقديم الوجه، وهو يدل على أنه إن قدم الوجه على اليدين عملًا بكتاب الله تعالى فحسن، وإن قدم اليدين على الوجه عمل بلفظ\nأبي معاوية عن الأعمش فحسن أيضًا، ولا يدل على وجوب تقديم اليدين على الوجه، وهو ظاهر، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2375> دليل من قال: إن تيمم بضربتين كان الترتيب واجبًا وإلا فلا:</span>\nاستدل لقوله بأن بطون الأصابع لا يجب مسحها بعد مسح الوجه، فإذا وقع مسح باطن الأصابع مع مسح وجهه أخل بالترتيب.\nقال ابن عقيل: رأيت التيمم بضربة واحدة قد أسقط ترتيبًا مستحقًا في الوضوء،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٤٧)، والحديث في مسلم بغير هذا اللفظ، وانظر ح (١٠٠٩).","vol":"5","page":318},{"text":"وهو أنه يعتد بمسح باطن يديه قبل مسح وجهه (^١).\nقلت: في هذا دليل على أن الترتيب ليس واجبًا، وليس معناه أن نقول بوجوب الترتيب إن كان التيمم بضربتين، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nالقول بعدم وجوب الترتيب أقوى من حيث النظر، كما أن الأثر لا يدل على وجوب الترتيب، والأصل عدم الوجوب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٨٧).","vol":"5","page":319},{"text":"الفرض الثالث\nالموالاة في التيمم\n[م-٤٥٢] اختلف العلماء في حكم الموالاة بين الوجه واليدين في طهارة التيمم،\nفقيل: سنة مطلقًا في التيمم من الحدث الأصغر والأكبر، وهو مذهب الحنفية (^١)، وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (^٢)، وقول في مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: فرض مطلقًا في الحدث الأصغر والأكبر، وهو مذهب المالكية (^٤).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ١٥٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣١)، واعتبر الحنفية أن تفريق التيمم أو الوضوء أو الغسل مكروه بدون عذر، وأما إذا كان التفريق بعذر فلا بأس، انظر الفتاوى الهندية (١/ ٨، ٣٠).\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ٢٦٩): «وأما السنن كثيرة، إحداها: التسمية.\nالثانية: تقديم اليد اليمنى على اليسرى.\nالثالثة: الموالاة على المذهب ....». وانظر حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ١٠٥).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٨٧).\n(^٤) وكما ذهب المالكية إلى وجوب الموالاة بين أجزاء التيمم، ذهبوا إلى أبعد من هذا، فأوجبوا الموالاة بين التيمم، وبين ما فعل له من صلاة ونحوها، فإن طال الفصل أعاد التيمم.\nانظر الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ١٩٨)، منح الجليل (١/ ١٤٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٥٧).\nوجاء في المدونة (١/ ٤٤): «قلت: أرأيت إن تيمم رجل، فيمم وجهه في موضع، ويمم يديه في موضع آخر؟\nقال: إن تباعد ذلك فليبتدئ التيمم، وإن لم يتطاول ذلك، وإنما ضرب لوجهه في موضع، ثم قام إلى موضع آخر قريب من ذلك، فضرب ليديه أيضًا، وأتم تيممه، فإنه يجزئه».","vol":"5","page":320},{"text":"وقيل: فرض في الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو مذهب الحنابلة (^١).\nوالكلام في أدلة هذه المسألة مقيسة على مسألة حكم الموالاة في الوضوء والغسل، وما ذكر من أدلة هناك، هي نفس أدلة هذه المسألة، فارجع إليها إن شئت.\nوقد رجحت هناك أن الموالاة واجبة، وتسقط بالعذر كغيرها من الواجبات؛ لأن التيمم عبادة واحدة، فلا يفرق بين أفعالها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٨٧)، الفروع (١/ ٢٢٥)، كشاف القناع (١/ ١٧٥).","vol":"5","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2376>الباب السادس في سنن التيمم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2377>الفصل الأول في التسمية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لم يرد ذكر للتسمية في جميع الأحاديث التي نقلت لنا صفة التيمم، والأصل عدم المشروعية.\n• ليس كل عبادة مشروعة تكون التسمية فيها مشروعة، فالأذان والصلاة لا يشرع لهما التسمية.\n• الأصل في العبادات المنع، والمشروعية تحتاج إلى توقيف.\n[م-٤٥٣] سبق لنا خلاف أهل العلم في حكم التسمية في الوضوء وفي الغسل، وسوف نعرض في هذا الفصل حكم التسمية في بدلهما: وهو التيمم،\nفقد اختلف العلماء فيها إلى أقوال.","vol":"5","page":322},{"text":"فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^١)، اختارها ابن قدامة (^٢).\nوقيل: التسمية من فضائل الوضوء، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (^٣).\nوقيل: لا تشرع التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (^٤)،\nوهو الراجح.\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٣٦)، الجوهرة النيرة (١/ ٢٢)، البحر الرائق (١/ ١٥٣)، الفتاوى الهندية (١/ ٣٠)، المجموع (١/ ٢٦١)، نهاية المحتاج (١/ ٣٠١)، المقدمة الحضرمية (ص: ٥٠).\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ٧٣): «ظاهر مذهب أحمد ﵁ أن التسمية مسنونة في طهارة الأحداث كلها، رواه عنه جماعة من أصحابه، وقال الخلال: الذي استقرت الروايات عنه: أنه لا بأس به، يعني: إذا ترك التسمية». اهـ فقوله: في طهارة الأحداث كلها، يدخل فيه الوضوء والغسل والتيمم.\n(^٢) قال ابن قدامة في المغني (١/ ٧٢): «التسمية في الوضوء غير واجبة في الصحيح»، ثم قال أيضًا (١/ ١٦٠): «والحكم في التسمية -يعني في التيمم- كالحكم في الوضوء».\n(^٣) المدخل لابن الحاج (١/ ١٧٧).\n(^٤) يقول البقوري في كتابه ترتيب الفروق واختصارها (١/ ٣٦٨): «أفعال العباد إما قربات، وإما محرمات، وإما مكروهات، وإما مباحات:\nفالمباحات: جاءت البسملة في بعضها، كالأكل والشرب والجماع، والحث على ذلك في بعضها آكد من بعض، ولم يأت (أي الحث) في كل شيء من المباح، وأما لم يأت فيه فحسن للإنسان أن يستعمله ليجد بركة ذلك.\nوأما المحرمات والمكروهات فيكره له التسمية عند الشروع فيها، من حيث قصد البركة بها، وذلك لا يراد في الحرام والمكروه، بل المراد من الشرع عدمه وتركه.\nوأما القربات فقد جاء في بعضها وأكد فيه كالذبح، وجاء عند قراءة القرآن، واختلف فيه في بعضها، كالغسل والوضوء والتيمم ....». إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\nفعلم من كلامه هذا أن التسمية مختلف في مشروعيتها في الغسل والوضوء والتيمم، وهو ما أريد أن يطلع عليه القارئ ليعلم أن إنكار التسمية في الوضوء والغسل والتيمم كان ثابتًا من لدن السلف.\nوجاء في حاشية العدوي (١/ ١٨٢): «ولم ير بعض العلماء القول بالبداءة بالتسمية من الأمر المعروف عند السلف، بل رآه من الأمر المنكر.\nوقد نقل عن مالك ثلاث روايات: إحداها، وبها قال ابن حبيب: الاستحباب. ...\nالثانية: الإنكار، وقال: أهو يذبح؟\nالثالثة: التخيير. اهـ بتصرف يسير.\nوفي الذخيرة (١/ ٢٨٤): «قال صاحب الطراز: استحسنها مالك ﵀، وأنكرها مرة، وقال: أهو يذبح؟ ما علمت أحدًا يفعل ذلك، ونقل ابن شاس عنه التخيير، وعن ابن زياد الكراهة ...».\nوفي النوادر والزيادات (١/ ٢٠): «قال علي: قال مالك: ما أعرف التسمية في الوضوء، وأنكرها، واستحب ذلك علي بن زياد ...».\nوإذا أنكرت التسمية في طهارة الوضوء كان إنكارها لسائر الطهارات من باب أولى؛ لأن الآثار الضعيفة في استحبابها إنما وردت في الوضوء، ولم ترد التسمية في الغسل، أو في التيمم لا في حديث صحيح ولا في حديث ضعيف، وإنما من استحبها أو أوجبها في سائر الأحداث إنما كان ذلك قياسًا على الوضوء، فإذا سقطت في الوضوء، سقطت مشروعيتها في سائر الطهارة، وانظر التاج والإكليل (١/ ٢٦٦)، الثمر الداني شرح رسالة القيرواني (ص: ٤٥). واعتبر ابن ناجي التسمية في الطهارة من الأمر المنكر، انظر تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة (١/ ٤٧٨).","vol":"5","page":323},{"text":"وقيل: تجب التسمية مع الذكر، وتسقط بالنسيان، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: تباح التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (^٢).\nوإذا كان هذا الخلاف في الوضوء فالخلاف في التيمم مخرج عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2378>دليل من قال: التسمية سنة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2379>الدليل الأول:</span>\n(١٠١٢ - ٨٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله ﷿ فهو أبتر أو قال أقطع (^٣).\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٨٨)، المحرر (١/ ٢٢).\n(^٢) تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة (١/ ٤٧٨).\n(^٣) المسند (٢/ ٣٥٩).","vol":"5","page":324},{"text":"[إسناده ضعيف، ومتنه مضطرب] (^١).\nوقد قال القرافي في كتابه الفروق: «فأما ضابط ما تشرع فيه التسمية من القربات، وما لم تشرع فيه فقد وقع بحث مع جماعة من الفضلاء، وعسر تحرير ذلك وضبطه، ثم قال: والقصد من هذا الفرق بيان عسره والتنبيه على طلب البحث عن ذلك، فإن الإنسان قد يعتقد أن هذا لا إشكال فيه، فإذا نبه على الإشكال استفاده، وحثه ذلك على طلب جوابه» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2380>الدليل الثاني:</span>\nاستحسان التسمية على كل شيء، قال في النوادر: «لا يأتي - يعني: ذكر التسمية - من طريق صحيح، والتسمية في كل شيء حسنة».\nقلت: استحسان التسمية في كل شيء قول ليس بالصواب، بل المطلوب اتباع الشرع، فما تركت فيه التسمية كانت السنة تركه، وما فعلت فيه التسمية كانت السنة فعله، ثم ما ثبت فيه فعل التسمية ننظر فيه، فإن ورد فيه ما يدل على الشرطية كقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١٢١]، اعتبرنا التسمية شرطًا في حل الأكل، وما لم يرد ما يدل على الشرطية، فإن كان فيه ما يدل على الوجوب، اعتبرنا التسمية واجبة، وإلا بقيت على الاستحباب، وليس كل عبادة مشروعة تكون التسمية فيها مشروعة، فالتسمية في العبادات منها ما هو شرط كالذبح، ومنها ما هو مستحب كما في قراءة القرآن إذا افتتحت القراءة بأول السورة، بل قد تستحب في بعض المباحات كالأكل والشرب، ومنها ما هو بدعة، كالتسمية في الأذان وفي الإقامة وفي الصلاة وفي الحج والعمرة ونحوها، فليس كل فعل تشرع فيه التسمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2381>الدليل الثالث:</span>\nوردت أحاديث كثيرة في مشروعية التسمية في الوضوء، بلفظ: (لا صلاة إلا\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر ح: (١٤٠٣).\n(^٢) أنواع البروق في أنواع الفروق (١/ ١٣٢).","vol":"5","page":325},{"text":"بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)\nورد ذلك من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وعلي ابن أبي طالب، وسعيد بن زيد، وأنس وعائشة ﵃ أجمعين، وإن كان في أسانيدها مقال، فإنها صالحة للحجة بالمجموع (^١).\nفإذا ثبتت التسمية في طهارة الماء، كانت التسمية مشروعة في التيمم، لأنه بدل عن طهارة الماء (^٢).\n• وأجيب:\nلا نسلم أن التسمية مشروعة في الطهارة المائية، وقد تقدم بحث التسمية في الطهارة المائية من وضوء، وغسل، وتبين أن التسمية فيهما غير مشروعة، وإذا بطل الأصل بطل الفرع، ولو أخذنا بظاهر أحاديث (لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) لقلنا: إن التسمية شرط في صحة الوضوء، من تركها ولو سهوًا لم يصح وضوؤه، وكان لزامًا عليهم القول بأن منزلة التسمية في الوضوء، كمنزلة الوضوء للصلاة، ولما لم تكن هذه الأحاديث بتلك الصحة لم يذهب الجمهور إلى أن التسمية شرط، بل لم يذهبوا إلى القول بالوجوب إلا رواية عن الإمام أحمد، وعليه فنقول لهم: لا تحتجوا علينا بأحاديث أنتم أنفسكم لا تقولون بمقتضاها، والله المستعان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2382> دليل الحنابلة على وجوب التسمية مع الذكر:</span>\nلما كان الحنابلة يوجبون التسمية في الطهارة الصغرى، أوجبوها في بدلها، وهو التيمم، فإذا ثبتت التسمية في طهارة الأصل ثبتت في طهارة البدل؛ لأن البدل له حكم المبدل.\n_________\n(^١) وقد تم تخريجها والكلام على أسانيدها في كتاب الوضوء، فأغنى عن إعادته هنا.\n(^٢) انظر بتصرف: المبدع (١/ ١٩٤).","vol":"5","page":326},{"text":"• ويُجاب عن ذلك:\nأولًا: لم تثبت مشروعية التسمية في الوضوء حتى يثبت حكمها في التيمم هذا من جهة.\nومن جهة أخرى على القول بثبوت التسمية في الوضوء، وهو قول ضعيف، فلا يلزم منه ثبوت التسمية في التيمم.\nقال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى: «قد يعارض في هذا، فيقال: إن التيمم ليس له حكم المبدل في وجوب تطهير الأعضاء؛ لأن التيمم إنما يطهر فيه عضوان فقط: الوجه والكفان في الحدث الأصغر والأكبر، فلا يقال: ما وجب في طهارة الماء وجب في طهارة التيمم، لكن الاحتياط أولى، فيسمي عند التيمم أيضًا، والمتأمل لحديث عمار بن ياسر، وهو قوله ﷺ: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا يستفيد منه أن التسمية ليست واجبة» (^١).\nقلت: ليس الاحتياط في قول التسمية في التيمم؛ لأن الاحتياط في العبادات عدم الفعل حتى تثبت المشروعية، وذلك لأن الأصل في العبادات الحضر حتى يقوم دليل على المشروعية، وإذا استفيد من حديث عمار عدم الوجوب، كان تارك التسمية لا يلام، بينما فاعل التسمية قد يقال عنه: إنه مبتدع، لأنه لا يوجد في التيمم حديث صحيح ولا ضعيف يذكر التسمية، وإذا اختلف في عبادة، هل هي مستحبة أو غير مشروعة كان الاحتياط تركها حتى نتيقن مشروعيتها، ويكفي أن الإمام مالكًا يقول في التسمية في الوضوء: لم أسمع بها في شيء، أهو يريد أن يذبح؟ ونقلنا كلامه أثناء تحرير الأقوال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2383> دليل من قال: التسمية غير مشروعة في التيمم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2384>الدليل الأول:</span>\nالأصل في العبادات الحضر، حتى يرد دليل صحيح على المشروعية، وأحاديث\n_________\n(^١) الشرح الممتع (١/ ١٨٤).","vol":"5","page":327},{"text":"التيمم ليس فيها ذكر التسمية، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2385>الدليل الثاني:</span>\nأن آية التيمم في كتاب الله ﷾ وأحاديث التيمم التي نقلت لنا في سنة المصطفى خلو من التسمية، فلو كانت مشروعة لذكرها الله ﷾ في كتابه، ولما أغفل الصحابة ﵃ عن ذكرها، ولو كانت التسمية مشروعة لحفظها الله لنا، قال تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) [المائدة: ٦]، ولم يذكر التسمية.\n(١٠١٣ - ٩٠) ومنها ما رواه البخاري من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال:\nجاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (^١).\nفقوله: «إنما كان يكفيك هكذا» ولم يذكر التسمية، فلو كانت التسمية واجبة لما كفاه هذا الفعل.\n• القول الراجح:\nالقول بعدم مشروعية التسمية هو القول الذي يتمشى مع الأدلة، والأصل عدم المشروعية حتى تثبت التسمية في حديث صحيح خال من النزاع، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).","vol":"5","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2386>الفصل الثاني\nتكرار المسح في التيمم</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• طهارة المسح مبنية على التخفيف، ولهذا لم يشرع فيها التكرار، بخلاف طهارة الغسل.\n[م-٤٥٤] سبق لنا في الوضوء خلاف العلماء في استحباب الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، فهل يشرع تكرار المسح في التيمم مرتين وثلاثًا قياسًا على الوضوء؟\nفقيل: لا يشرع تكرار المسح للمتيمم، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٥٤٦): «التيمم مسح، فليس تكراره بمسنون، كالمسح على الخفين ومسح الرأس ...». وانظر بدائع الصنائع (١/ ٤٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٢٢).\nوقال الباجي في المنتقى (١/ ٣٩) للاستدلال على أن الرأس في الوضوء لا يشرع تكراره، قال: «ودليلنا من جهة القياس: أنه ممسوح في الطهارة، فلم يسن تكراره كالتيمم والمسح على الخفين».\nوقال في المجموع (٢/ ٢٦٩): «الزيادة على مسحة للوجه ومسحة لليدين مكروهة، وحكى الرافعي وجهًا أنه يستحب تكرار المسح كالوضوء، وليس بشيء؛ لأن السنة فرقت بينهما ...».\nوقال في الحاوي (١/ ٢٤٩): «فأما تكرار المسح فلا يسن في التيمم؛ لما فيه من تقبيح الوجه بالغبار. وانظر مغني المحتاج (١/ ١٠١)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ١٠٥)، المغني (١/ ٨٨)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٣٠)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ٢٧٧).","vol":"5","page":329},{"text":"وقيل: يستحب تكرار المسح، حكاه الرافعي وجهًا في مذهب الشافعية، وضعفه النووي (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2387> دليل من قال: لا يشرع التكرار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2388>الدليل الأول:</span>\nالأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على الاستحباب، ولا يوجد دليل على استحباب تكرار التيمم، وقد أمر الله ﷾ بمسح الوجه واليدين، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2389>الدليل الثاني:</span>\nأن طهارة التيمم طهارة تقوم على المسح، فهي مبنية على التخفيف، بخلاف الطهارة المائية، ولذلك لم يشرع التكرار لما هو ممسوح بالماء، كمسح الرأس ومسح الخفين ومسح الجبيرة، فكيف لما هو ممسوح بالتراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2390>الدليل الثالث:</span>\n(١٠١٤ - ٩١) ما رواه البخاري من حديث عمار، وفيه:\nقال النبي ﷺ: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (^٢).\nوجه الاستدلال:\nفكونه ينفخ في يديه دليل على سقوط استحباب التكرار؛ لأن تكرار المسح يستلزم تخفيف التراب على يديه، فلا يحوجه إلى نفخ يديه، فلما نفخ كان ذلك دليلًا على سقوط استحباب التكرار، والله أعلم.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٦٩).\n(^٢) البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).","vol":"5","page":330},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2391> دليل من قال: يشرع التكرار:</span>\nلما كان الوضوء يشرع فيه التكرار، فثبت الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، والتيمم بدل عن الماء، فيأخذ حكمه؛ لأن البدل له حكم المبدل.\nوقد أجبنا على هذا التعليل فيما سبق، وقلنا: إن البدل له يقوم مقام المبدل في حكمه وليس في وصفه، فالمسح على الخفين بدل عن غسل الرجل، ولا يأخذ صفته، والله أعلم.\nالراجح: أنه لا يشرع تكرار المسح لعدم الدليل.\n* * *","vol":"5","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2392>الفصل الثالث\nنفخ الأيدي بعد ضربهما في الأرض</span>\n[م-٤٥٥] اختلف أهل العلم في حكم نفخ الأيدي بعد ضربهما في الأرض،\nفقيل: يستحب، والغرض إزالة ما علق في اليدين من التراب؛ لأنه لا يجب عليه تلطيخ التراب على عضو التيمم، وهو دليل على أنه لا يشترط في التيمم التراب، وإنما يشترط الضرب من غير زيادة، وهذا مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢).\n_________\n(^١) يستبدل الحنفية نفخ الأيدي بنفضهما، وهو لإزالة التراب العالق باليد، انظر عمدة القارئ (٤/ ١٦ - ١٧)، البحر الرائق (١/ ١٥٣)، أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٧)، المبسوط (١/ ١٠٦ - ١٠٧)، تبيين الحقائق (١/ ٣٨).\nقال في الهداية (١/ ١٢٥): «وينفض يديه بقدر ما يتناثر التراب كي لا يصير مثلة».\nقال الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٤٦): «ذكر في ظاهر الرواية أنه ينفضهما نفضة، وروي عن أبي يوسف أنه ينفضهما نفضتين.\nوقيل: إن هذا لا يوجب اختلافًا؛ لأن المقصود من النفض تناثر التراب صيانة عن التلوث الذي يشبه المثلة، إذ التعبد ورد بمسح كفٍ مسه التراب على العضوين، لا تلويثهما به، فلذلك ينفضهما، وهذا الغرض قد يحصل بالنفض مرة، وقد لا يحصل إلا بالنفض مرتين على قدر ما يلتصق باليدين من التراب، فإن حصل المقصود بنفضة واحدة اكتفى بها، وإن لم يحصل نفض نفضتين».\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٣٥٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٧).","vol":"5","page":332},{"text":"وقيل: يسن النفخ من أجل تخفيف التراب إن كان كثيرًا بحيث يبقى بعد النفخ من التراب قدر الحاجة، وهذا لمن يشترط التراب في التيمم، وهو مذهب الشافعية، وبعضهم اعتبره قولًا قديمًا للشافعي (^١)،\nوبه قال إسحاق (^٢).\nويفهم من القولين أنه إذا لم يكن تراب، فلا يسن النفض (^٣).\nوقال أحمد: لا يضره إن فعل أو لم يفعل (^٤).\nوقيل: يكره نفخ التراب، وهو رواية عن أحمد (^٥).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع وهو يذكر سنن التيمم (٢/ ٢٦٩): «السابعة: أن يخفف التراب المأخوذ وينفخه إذا كان كثيرًا، بحيث يبقى قدر الحاجة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ نفخ في يديه بعد أخذ التراب، ونص عليه الشافعي والأصحاب، وقال صاحب الحاوي: نص في القديم أنه يستحب، ولم يستحبه في الجديد، فقال أصحابنا: فيه قولان: القديم يستحب، والجديد لا يستحب. وقال آخرون: على حالين: إن كان كثيرًا نفخ، وإلا فلا». اهـ\nوقال في مغني المحتاج (١/ ١٠٠): «ويخفف الغبار من كفيه أو ما يقوم مقامهما إن كان كثيرًا بالنفض أو النفخ بحيث يبقى قدر الحاجة لخبر عمار وغيره، ولئلا تتشوه به خلقته، وأما مسح التراب من أعضاء التيمم فالأحب أن لا يفعله حتى يفرغ من الصلاة، كما نص عليه في الأم».\n(^٢) الأوسط (٢/ ٥٥).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣١).\n(^٤) جاء في مسائل أبي داود لأحمد (١١١): «قلت لأحمد: ينفض يديه إذا ضرب بهما الأرض في التيمم؟ قال: لا يضره إن فعل، أو لم يفعل». اهـ وانظر الأوسط لابن المنذر (٢/ ٥٥).\n(^٥) جاء في كتاب المسائل الفقهية من كتاب (١/ ٨٩): «واختلفت في التيمم إذا علق على يديه تراب كثير، هل يكره له نفخ التراب ليخف ما عليها؟\nفنقل الميموني كراهية ذلك. ونقل جعفر بن محمد نفي الكراهية، وهو أصح؛ لأن النبي ﷺ نفخ عن يديه التراب، ويمكن أن تحمل كراهيته لذلك إذا كان النفخ يذهب بجميع التراب، ولا يبقى له غبار يمسح به وجهه، فإنه لا يجوز ذلك».\nوجاء في مطالب أولي النهى (١/ ٢٢٠): «فإن علق بيديه غبار كثير نفخه إن شاء، وإلا بأن كان خفيفًا كره نفخه؛ لئلا يذهب فيحتاج إلى إعادة الضرب، فإن ذهب ما على اليدين بنفخ، أعاد الضرب».","vol":"5","page":333},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2393> الدليل على استحباب النفخ:</span>\n(١٠١٥ - ٩٢) ما رواه البخاري من حديث عمار بن ياسر، وفيه:\nقال النبي ﷺ: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (^١).\nفثبت عن الرسول ﷺ أنه نفخ يديه بعد أن ضربهما الأرض، واختلف العلماء، هل هذا النفخ لكونه علق بيديه شيء، فخشي ﵊ أن يصيب وجهه الكريم.\nأو علق بيده من التراب شيء له كثرة، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه.\nويحتمل أن يكون لبيان التشريع، فهذه ثلاثة أقوال لثلاثة احتمالات (^٢).\nوقد سقنا لك كل مذهب ومن قاله، والذي يظهر لي أن مذهب الحنفية هو أقوى المذاهب، وقد دللنا فيما سبق أن التراب ليس شرطًا في صحة التيمم، وأن المتيمم يصح تيممه إذا ضرب جنس الأرض، سواء كان ترابًا أو غيره، فإذا ضرب الأرض، وكان في يديه غبار يتقيه، فلينفخه، ولا حرج؛ لأن المطلوب هو ضرب الأرض باليدين ومسح الوجه واليدين بهما، وليس نقل التراب من الأرض.\nونفخ اليدين ليس واجبًا؛ لأن الله ﷾ لم يذكره في آية التيمم، قال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦]، وكان ابن عمر لا ينفخ يديه،\n(١٠١٦ - ٩٣) فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم،\nعن ابن عمر أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة على التراب، ثم مسح وجهه،\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٤٤)، عمدة القارئ (١/ ١٦).","vol":"5","page":334},{"text":"ثم ضرب ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب. قال عبد الرزاق: وبه نأخذ (^١).\n[إسناده صحيح] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٨١٧).\n(^٢) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٤٨)، والدارقطني في سننه (١/ ١٨٢).\nوروي مرفوعًا، وهو ضعيف جدًا، انظر الدراقطني (١/ ١٨١، ١٨٢)، والحاكم (١/ ١٧٩ - ١٨٠). وانظر إتحاف المهرة (٩٥٦٧).","vol":"5","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2394>الفصل الرابع\nفي استحباب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى</span>\n[م-٤٥٦] ذهب الفقهاء إلى استحباب التيامن في التيمم، وهو تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى (^١).\nواعتبر المالكية ذلك من فضائل التيمم (^٢).\n• ومستند هذا الاستحباب:\n(١٠١٧ - ٩٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا\n_________\n(^١) جاء في البحر الرائق (١/ ١٥٣): «وسنن التيمم سبعة ... وهي التيامن كما في جامع الفتاوى والمجتبى».\nوانظر في مذهب الشافعية: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (ص: ٨٢)، غاية البيان في شرح ألفاظ ابن رسلان (ص: ٦٤)، مغني المحتاج (١/ ١٠٠).\nقال في كفاية الأخيار (١/ ٦١): «وسننه: ثلاثة أشياء: التسمية، وتقديم اليمنى على اليسرى، والموالاة ...».\nوقال في مطالب أولى النهى (١/ ٢٢٠): وسنن تيمم: ترتيب .... وتقديم يد يمنى على يد يسرى في مسح، لا في ضرب».\nوتقدم لنا الصفة المستحبة عند الحنابلة في مسح الكف، بأن يضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهر كفه الأيمن ... انظر المبدع (١/ ٢٣١).\n(^٢) الشرح الكبير (١/ ١٥٨)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٢)، منح الجليل (١/ ١٥٥).","vol":"5","page":336},{"text":"شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق،\nعن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، في شأنه كله. ورواه مسلم بنحوه (^١).\nفإذا كان الرسول ﷺ يستحب التيمن في الطهور، فقد جاء عن المصطفى أن التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فثبت استحباب تقديم اليمين فيه، والله أعلم.\n(١٠١٨ - ٩٥) ومنه ما رواه أبو داود من طريق أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن شقيق، وفيه ذكر مناظرة بين أبي موسى وعبد الله بن مسعود، فكان منه أن قال أبو موسى:\nألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض، فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه؟ فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار (^٢).\n[حديث عمار صحيح بالجملة، وتقديم مسح اليدين على الوجه انفرد به أبو معاوية عن الأعمش، وليس بمحفوظ] (^٣).\nوقال النووي: «قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء، والغسل ولبس الثوب، والنعل والخف، والسراويل، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس والسلام من الصلاة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، والأخذ والعطاء، وغير\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨).\n(^٢) سنن أبي داود (٣٢١).\n(^٣) سبق تخريجه في حكم الترتيب بين أعضاء التيمم، ح (١٠٠٩).","vol":"5","page":337},{"text":"ذلك مما هو في معناه.\nويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كالامتخاط والاستنجاء، ودخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع الخف والسراويل والثوب والنعل، وفعل المستقذرات، وأشباه ذلك» (^١).\nوقال ابن تيمية: «قد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة كالوضوء والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال والترجل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك.\nوتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء، وخلع النعل، والخروج من المسجد، والذي يختص بإحداهما إن كان بالكرامة كان باليمين، كالأكل والشرب والمصافحة، ومناولة الكتب، وتناولها، ونحو ذلك.\nوإن كان ضد ذلك كان باليسرى، كالاستجمار، ومس الذكر، والاستنثار، والامتخاط، ونحو ذلك» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (١/ ٣٨٤)، وانظر شرح مسلم للنووي (٣/ ١٦٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٨).","vol":"5","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2395>الفصل الخامس\nتجديد التيمم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في العبادات المنع.\n• الوضوء تارة يكون مقصودًا لذاته، وتارة يكون وسيلة لتحصيل عبادة لغيره، وأما التيمم فلم يثبت أنه مقصود لذاته، بل هو وسيلة لغيره، وما كان وسيلة لغيره فقط لم يستحب تجديده.\n• البدل دون المبدل منه (^١).\n• المبدل منه أفضل من البدل الذي لا يجوز إلا عند العجز عن المبدل (^٢).\n[م-٤٥٧] ذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يستحب تجديد التيمم (^٣)،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٧).\n(^٢) المرجع السابق (١٩/ ١٢٠).\n(^٣) تبيين الحقائق (١/ ٨)، المغني (٣/ ١٢٠)، المجموع (١/ ٤٨٧)، وقال في كشاف القناع (١/ ٨٩): «ولا يسن تجديد تيمم وغسل لعدم وروده».","vol":"5","page":339},{"text":"وقيل: يستحب التجديد، وهو أضعف الوجهين في مذهب الشافعية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2396> دليل من قال: لا يستحب:</span>\nاستدلوا: بعدم الدليل على المشروعية، والأصل في العبادات المنع.\nواستدلوا أيضًا: بأن المقصود من تجديد الوضوء النظافة ورفع الحدث، والتيمم طهارة ضرورة، وهو ملوث. والتعليل الأول أصح.\n• واستدل من استحب التجديد:\nبالقياس على الوضوء، ولأنه بدل عنه، والبدل له حكم المبدل.\nوالصحيح الأول، ولم يثبت عن الرسول ﷺ من فعله، ولا من قوله أن طلب تجديد التيمم، وترك النبي ﷺ للعبادة سنة كفعله لها.\nوهذه المسألة مما يخالف فيه التيمم الوضوء؛ مع أنه بدل عنه، وهذا يدلك على أن القاعدة التي تقول: البدل له حكم المبدل، ليست على إطلاقها.\n* * *\n_________\n(^١) حلية العلماء (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، روضة الطالبين (١/ ١٢٣)،\nقال النووي في شرح صحيح مسلم (٣/ ١٧٨): «وفي استحباب تجديد التيمم وجهان، أشهرهما: لا يستحب، وصورته في الجريح والمريض ونحوهما ممن يتيمم مع وجود الماء، ويتصور في غيره، إذا قلنا: لا يجب الطلب لمن تيمم ثانيًا في موضعه، والله أعلم».","vol":"5","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2397>الفصل السادس\nاستقبال القبلة حال التيمم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.\n[م-٤٥٨] اعتبر المالكية استقبال القبلة حال التيمم من الفضائل (^١).\nواعتبره الشافعية من الآداب (^٢). ولا فرق بين الفضائل والآداب.\nوقد سبق أن الأئمة الأربعة على استحباب استقبال القبلة حال الوضوء، ولم أجد أحدًا حكى الإجماع على استحباب استقبال القبلة إلا أن ابن مفلح قال: «ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل». اهـ\nوهذه العبارة ليست حكاية للإجماع والله أعلم، خاصة إذا علمنا أنه لم ينقل\n_________\n(^١) قال في الشرح الكبير (١/ ١٥٨): «ثم شرع في فضائله بقوله: (وندب تسمية ... واستقبال قبلة)». وانظر الشرح الصغير (١/ ١٨٩).\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ٣٧٥): «والآداب ثلاثة: استقبال القبلة ... والابتداء بأعلى الوجه وبالكفين في اليدين ...».","vol":"5","page":341},{"text":"عن الرسول ﷺ أنه كان يتحرى القبلة عند فعل الوضوء، ولا أمر به من قوله ﷺ، والاستحباب لا يثبت إلا بدليل من فعله أو قوله ﵊.\nوالاستحسان في العبادات التي كانت تفعل على وقت الرسول ﷺ ولم يستحسنها من أضعف الأشياء، وإذا لم يثبت استحباب استقبال القبلة في الوضوء، فكذلك الشأن في التيمم، ولا أعلم لهم دليلًا من كتاب أو سنة على هذا الاستحباب، والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، فإذا لم يوجد لم يكن استحبابه جيدًا، ولا أعلم أن الرسول ﷺ أمر بقوله، أو كان من فعله أنه إذا أراد أن يتيمم استقبل القبلة.\nولو كان هذا في الدعاء لقيل له دليل إيجابي على ذلك، فقد استقبل الرسول ﷺ الكعبة حين دعا على الصفا، وكذا حين دعا على المروة، كما استقبل القبلة بعد رميه الجمرة الأولى والوسطى من اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وأما استقبال القبلة حين الوضوء، أو التيمم فلا أعلم له أصلًا من الشرع، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2398>الفصل السابع\nإقبال اليدين وإدبارهما في التراب حال الضرب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• صفة العبادة كأصلها يقوم على التوقيف.\n[م-٤٥٩] ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى استحباب إقبال اليدين وإدبارهما حال الضرب، مبالغة في الاستيعاب، ومعنى ذلك: أن يحركهما بعد الضرب أمامًا وخلفًا مبالغة في إيصال التراب إلى أثناء الأصابع (^١).\nولا أعلم دليلًا من الكتاب ولا من السنة على استحباب هذه الصفة، وهذا التعليل غير كاف في استحباب صفة لم ينقل فعلها من الرسول ﷺ، ولا من صحابته الكرام، ولو كانت هذه الصفة مشروعة لفعله الرسول ﷺ، ولو فعلها لحفظت، ونقلت لنا.\n* * *\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٣٦)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٢٣١)، البحر الرائق (١/ ١٥٣).","vol":"5","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2399>الفصل الثامن\nالبداءة بأعلى الوجه حين المسح</span>\n[م-٤٦٠] ظاهر الأحاديث في صفة التيمم أنه لا استحباب في البداءة بشيء من الوجه، فكيف مسح وجهه فقد امتثل الأمر، سواء بدأ بأعلى الوجه أو بأسفله أو بغير ذلك، وهذا هو الصحيح؛ لأن الاستحباب حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ولم يوجد.\nوقد صرح جماعة من أصحاب الشافعية باستحباب البداءة بأعلى الوجه، منهم المحاملي في اللباب، والرافعي.\nوقال صاحب الحاوي: مذهب الشافعي أنه يبتدئ بأعلى الوجه كالوضوء.\nقال: ومن أصحابنا من قال: يبدأ بأسفل الوجه، ثم يستعلي؛ لأن الماء في الوضوء إذا استعلى به انحدر بطبعه، فعم جميع الوجه، والتراب لا يجري إلا بإمرار اليد، فيبدأ بأسفله ليقل ما يصير على أعلاه من الغبار؛ ليكون أجمل لوجهه، وأسلم لعينيه (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٦٥)، أسنى المطالب (١/ ٨٧).","vol":"5","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2400>الفصل التاسع\nاستحباب الصمت أثناء التيمم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• صفة العبادة كأصلها يقوم على التوقيف.\n• الأصل في الكلام أنه مباح، فلا ينتقل عنه إلا بدليل من الشرع.\n[م-٤٦١] سبق لنا أن الصمت عن كلام الناس من آداب الوضوء، وهو مذهب الحنفية (^١)، المالكية (^٢).\nوقيل: يكره الكلام أثناء الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (^٣)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) قال الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٦، ٧): ومن آداب الوضوء استقبال القبلة وذكر أشياء، ثم قال: وأن لا يتكلم فيه بكلام الناس. إلخ وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٦).\n(^٢) انظر التاج والإكليل (١/ ٣٦٩، ٣٧٠)، والخرشي (١/ ١٣٧) حيث اعتبروا ترك الكلام من فضائل الوضوء.\n(^٣) قال القاضي عياض في شرح صحيح مسلم أن العلماء كرهوا الكلام في الوضوء والغسل.\n(^٤) الآداب الشرعية (١/ ٣٣٥)، الإنصاف (١/ ١٣٧)، وفسر ابن مفلح في الفروع (١/ ١٥٢) الكراهة بترك الأولى.","vol":"5","page":345},{"text":"وعد النووي من سنن الوضوء ترك الكلام من غير حاجة (^١).\nوأما التيمم فلم أقف على استحباب الصمت فيه عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ولم يذكروه من سنن التيمم أو من فضائله وآدابه.\nوذهب المالكية إلى اعتبار الصمت أثناء التيمم من فضائل التيمم (^٢)، ولا أعلم له دليلًا من الكتاب أو السنة على هذا الاستحباب، ولا أعرف أحدًا غير المالكية اعتبروا الصمت من فضائل التيمم، فإن كانوا قاسوه على الوضوء، فلم يثبت النهي عن الكلام في الوضوء حتى يثبت في التيمم،\n(١٠١٩ - ٩٦) وقد روى البخاري من طريق مالك بن أنس، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره،\nأنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره قالت: فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد. الحديث. ورواه مسلم (^٣).\nفهذا في الكلام أثناء الغسل، والوضوء والتيمم مثله.\n* * *\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ٤٨٩): سنن الوضوء ومستحباته منها، ثم ذكر: وأن لا يتكلم فيه لغير حاجة. اهـ وانظر حاشية الجمل (١/ ١٣٣).\n(^٢) الخرشي (١/ ١٩٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٢).\n(^٣) البخاري (٣٥٧)، مسلم (٣٣٦).","vol":"5","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2401>الباب السابع في مبطلات التيمم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2402>الفصل الأول يبطل التيمم ما يبطل الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض التيمم.\n[م-٤٦٢] سبق لنا نواقض الوضوء المتفق عليها والمختلف فيها، فما أجمع عليه العلماء على أنه يبطل الوضوء فإنه يبطل التيمم بالإجماع، كالبول والغائط والريح.\nوما اختلف في نقضه للوضوء اختلف في نقضه للتيمم، والترجيح هناك لا يختلف عن الترجيح هنا، فما رجحنا أنه مبطل للوضوء فإنه مبطل للتيمم، وما ترجح لنا أنه لا يبطل الوضوء فلا يبطل التيمم.\nويبطل التيمم عن الحدث الأكبر بما يوجب الغسل، وقد قدمنا في كتاب الغسل موجباته المتفق عليها والمختلف فيها.\nقال ابن حزم: «وكل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض التيمم، هذا مما لا خلاف","vol":"5","page":347},{"text":"فيه من أحد من أهل الإسلام» (^١).\nوقال في بدائع الصنائع: «وأما بيان ما ينقض التيمم، فالذي ينقض التيمم نوعان: عام، وخاص، أما العام: فكل ما ينقض الوضوء من الحدث الحقيقي والحكمي ينقض التيمم» (^٢).\nوقال المرداوي الحنبلي: «وأما مبطلات التيمم، فيبطل التيمم عن الحدث الأصغر بما يبطل الوضوء بلا نزاع، ويبطل التيمم عن الحدث الأكبر بما يوجب الغسل، وعن الحيض والنفاس بحدوثهما، فلو تيممت بعد طهرها من الحيض له، ثم أجنبت: جاز وطؤها لبقاء حكم تيمم الحيض، والوطء إنما يوجب حدث الجنابة على ما تقدم» (^٣).\n[م-٤٦٣] ولو تيمم للحدث الأصغر والأكبر معًا، ثم أحدث،\nفقيل: يبطل تيممه عن الحدث الأصغر، ويبقى تيممه عن الحدث الأكبر، وهو مذهب الحنفية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nوقيل: يبطل تيممه كله، ويعود جنبًا، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٧).\n_________\n(^١) المحلى: مسألة: ٢٣٣.\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٥٦).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٩٧).\n(^٤) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٥٥)، المبسوط (١/ ١١٤)، وقال في الدر المختار (١/ ٢٥٥): «فلو تيمم للجنابة، ثم أحدث صار محدثًا، لا جنبًا ...».\n(^٥) حواشي الشرواني (١/ ٣٧١).\n(^٦) قال في كشاف القناع (١/ ١٧٦) «وإن تيمم للجنابة والحدث، ثم أحدث بطل تيممه للحدث، وبقي تيمم الجنابة»، وانظر الإنصاف (١/ ٢٩٠)، ومطالب أولي النهى (١/ ٢١٣)، المغني (١/ ١٦٧).\n(^٧) الخرشي (١/ ١٩٥)، مواهب الجليل (١/ ٣٥٧)، وقال في حاشية الدسوقي (١/ ١٥٨): «واعلم أن التيمم يبطل بكل ما أبطل الوضوء، ولو كان ذلك التيمم لحدث أكبر، فنواقض الوضوء وإن كانت لا تبطل الغسل، لكنها تبطل التيمم الواقع بدلًا عنه، ويعود جنبًا على المشهور من أنه لا يرفع الحدث، وثمرته أنه ينوي التيمم بعد بذلك من الحدث الأكبر، ولو قلنا: إنه لا يعود جنبًا ينوي التيمم من الحدث الأصغر، وثمرته أيضًا: أنه إن عاد جنبًا لا يقرأ القرآن ظاهرًا، وإن قلنا: لا يعود جنبًا يقرؤه ظاهرًا».","vol":"5","page":348},{"text":"• تعليل الجمهور:\nأنه لو اغتسل من الجنابة بنية رفع الحدثين، ارتفعا، فإذا أحدث لم يعد إليه الحدث الأكبر، فكذلك التيمم.\n• وتعليل المالكية:\nبأن التيمم مبيح لا رافع، فإذا تيمم للحدثين، ثم أحدث بطل تيممه، فإذا بطل تيممه رجع إلى حالته قبل التيمم، وهو كونه جنبًا.\nوالتعليل الأول أرجح، خاصة أننا رجحنا أن التيمم مطهر، وأنه بدل عن طهارة الماء، فيقوم البدل مقام المبدل إلا ما نص عليه الدليل.\n* * *","vol":"5","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2403>الفصل الثاني يبطل التيمم بوجود الماء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2404>المبحث الأول وجود الماء قبل الصلاة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا وجد الماء عاد الحدث إلى البدن، أصغر كان الحدث أو أكبر.\n• التيمم طهارة ضرورة فتقدر بقدرها.\n[م-٤٦٤] إذا تيمم الرجل، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، فهل وجود الماء يبطل تيممه؟.\nقيل: إذا وجد الماء بطل تيممه، وهو قول عامة أهل العلم (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٤٠)، المبسوط (١/ ١١١)، بدائع الصنائع (١/ ٥٧).\nوانظر في مذهب المالكية: تفسير القرطبي (٥/ ٢٣٤)، التاج والإكليل (١/ ٥٢٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٥٩)، الخرشي (١/ ١٩٥)، مواهب الجليل (١/ ٣٥٦ - ٣٥٧).\nوفي مذهب الشافعية: الأم (١/ ٤٨)، المجموع (٢/ ٣٤٩)، أسنى المطالب (١/ ٨٨)، حاشيتا قليبوبي وعميرة (١/ ١٠٥).\nوفي مذهب الحنابلة: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٦٨، ٦٩)، المبدع (١/ ٢٢٧)، شرح العمدة (١/ ٤٥٠).","vol":"5","page":350},{"text":"وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن والشعبي: إذا فرغ من التيمم لا يبطل بوجود الماء (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2405> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2406>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) إلى قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فأوجب غسل هذه الأعضاء عند وجود الماء، ثم نقله إلى التراب عند عدمه، فمتى وجد الماء فهو مخاطب باستعماله بظاهر الآية (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2407>الدليل الثاني:</span>\nالإجماع، قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء أن من تيمم بعد أن طلب الماء فلم يجده، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن تيممه باطل، لا يجزيه أن يصلي، وأنه قد عاد بحاله قبل التيمم» (^٣).\nوقال القرطبي: «أجمعوا على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥٧)، المجموع (٢/ ٣٤٩)، الاستذكار (٣/ ١٦٧)، مقدمات ابن رشد (١/ ١١٦).\nقال ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ٢٦٢): «وقد طرد أبو سلمة بن عبد الرحمن قوله في أنه يرفع الحدث، فقال: يصلي به، وإن وجد الماء قبل الصلاة، ولا ينتقض تيممه إلا بحدث جديد، وكذا قال في الجنب إذا تيمم، ثم وجد الماء: لا غسل عليه.\nقال ابن رجب: وهذا شذوذ عن العلماء، ويرده قوله: فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، ومن العجب أن أبا سلمة ممن يقول: إن من صلى بالتيمم، ثم وجد الماء في الوقت أنه يعيد الصلاة، وهذا تناقض فاحش».\nوقال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١٦٨) بعد أن ذكر قولي أبي سلمة: «وهذا تناقض وقلة روية، ولم يكن أبو سلمة عندهم يفقه كفقه أصحابه التابعين بالمدينة». ثم ساق ابن عبد البر بإسناده إلى الزهري، قال: «كان أبو سلمة يماري ابن عباس، فحرم بذلك علمًا كثيرًا». اهـ\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٤٠).\n(^٣) الاستذكار (٣/ ١٦٨).","vol":"5","page":351},{"text":"بطل تيممه، عليه استعمال الماء» (^١).\nوقال ابن المنذر: «أجمع عوام أهل العلم على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن طهارته تنقض، وعليه أن يتطهر، ويصلي، إلا حرف روي عن أبي سلمة فإنه فيما بلغني عنه أنه قال في الجنب، يتيمم، ثم يجد الماء، قال: لا يغتسل» (^٢).\nوجاء في حاشية قليبوبي وعميرة: «ومن تيمم لفقد ماء، فوجده، إن لم يكن في صلاة بطل تيممه بالإجماع» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2408>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٢٠ - ٩٧) ما رواه عبد الرزاق من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر\nأنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^٤).\n[سبق تخريجه] (^٥).\nفقوله: «فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» أمر من الرسول ﷺ بوجوب مس الماء حين وجوده، وقد وجده قبل التلبس بالصلاة فوجب عليه مسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2409>الدليل الرابع:</span>\nأن التيمم بدل عن الماء، يراد لغيره، فإذا وجد المبدل قبل التلبس بالمقصود وجب الرجوع إليه.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٥/ ٢٣٤).\n(^٢) الأوسط (٢/ ٦٥).\n(^٣) حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٠٥).\n(^٤) المصنف (٩١٣).\n(^٥) انظر المجلد الأول، ح (٣١).","vol":"5","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2410>الدليل الخامس:</span>\nسبق لنا في مبحث خاص أن التيمم مطهر إلى غاية وهو وجود الماء، ومن حكم الغاية أن يكون ما بعدها خلاف ما قبلها، فعند وجود الماء يصير محدثًا بالحدث السابق.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2411> دليل أبي سلمة على أنه لا يلزمه استعمال الماء:</span>\nقال: إن التيمم طهارة صحيحة، ومتى صحت الطهارة فلا ينقضها إلا الحدث، وليس وجود الماء حدثًا حتى نقول ببطلان الطهارة.\n• وأجيب بأمور منها:\nأولًا: القول بأن وجود الماء ليس بحدث مُسَلَّم به، ولا يصير المتيمم محدثًا بوجود الماء، وإنما الحدث السابق يعود حكمه عند وجود الماء، وفرق بين أن يكون وجود الماء حدثًا، وبين قولنا: إنه عاد إليه حدثه السابق؛ لأن التيمم طهارة إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء وجب عليه استعماله.\nثانيًا: أن هذا نظر في مقابل النص، فيعتبر نظرًا فاسدًا؛ لأن الدليل إذا قام على بطلان العبادة لم يعارض بالدليل النظري،\n(١٠٢١ - ٩٨) فقد روى البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه:\n«فلما انفتل ﷺ من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم، قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك».\nثم ذكر في الحديث قصة الماء الذي أحدثه الله تعالى آية لنبيه ﵇، قال: «وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، وقال: اذهب فأفرغه عليك» (^١).\n_________\n(^١) البخاري (٣٤٤).","vol":"5","page":353},{"text":"وكذلك يشهد لذلك ما رواه عبد الرزاق من حديث أبي ذر، وقد سقنا لفظه في أدلة القول الأول، وفيه قال النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^١).\n[سبق تخريجه] (^٢).\nفهذه الأحاديث تشهد على أن الطهور بالتراب إنما يصح مع عدم الماء، فإذا وجد الماء فلا يصح التطهر بالتراب، وأن الحدث السابق قبل التيمم يعود إلى العبد، سواء كان حدثًا أكبر أو أصغر.\n• الراجح:\nالقول الراجح الذي لا شك فيه أن المتيمم إذا وجد الماء قبل التلبس بالعبادة وجب عليه استعمال الماء لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا ...) [المائدة: ٦]، الآية فأمرت بالطهارة بالماء حين القيام إلى الصلاة، فإذا كان الماء موجودًا حال القيام إلى الصلاة، كان الفرض على العبد هو غسل أعضاء الوضوء في ذلك الماء، واختلفوا فيما لو أدرك من الوقت ما يتسع لأن يتطهر بالماء، فهل يصلي قبل خروج الوقت، أو يراعي الشرط، ولو خرج الوقت، وقد بحثت هذه المسألة، في فصل مستقل وذكرت أدلة كل فريق هناك، فأغنى بحثه السابق عن إعادة ذكر أدلته في هذا الفصل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٩١٣).\n(^٢) سبق تخريجه انظر المجلد الأول، ح (٣١).","vol":"5","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2412>المبحث الثاني في وجود الماء أثناء الصلاة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• وجود الماء يمنع ابتداء التيمم بالإجماع، وطهارة التيمم تنتهي بوجود الماء، فإن وجد الماء بعد الفراغ من العبادة لم يؤثر بطلان التيمم على صحة الصلاة، وإن وجد الماء أثناء الصلاة بطلت؛ لأن الصلاة إذا بطل بعضها بطل جميعها.\n• إذا بطل التيمم بوجود الماء قبل الصلاة وبعدها، بطل التيمم بوجود الماء أثناء الصلاة.\n• ما جاز لعذر بطل بزواله.\n• الحادث بعد انعقاد السبب قبل إتمامه يجعل كالموجود عند ابتداء السبب.\n[م-٤٦٥] إذا قدر المتيمم على استعمال الماء، وهو في الصلاة، فهل يلزمه الخروج، أو يتم صلاته؟\nفي هذه المسألة اختلف أهل العلم:","vol":"5","page":355},{"text":"فقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢)، واختيار ابن حزم (^٣).\nوقيل: يتم صلاته، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٤)، ورواية عن أحمد (^٥)، وقيل: إن أحمد رجع عن هذا القول فتكون المسألة عند الحنابلة رواية واحدة كقول الجمهور (^٦).\nوقيل: يتم صلاته إن كان تيممه يغنيه عن إعادة الصلاة، كما لو كان تيممه في السفر الطويل، وتبطل صلاته إن كان يجب عليه إعادة الصلاة، كما لو تيمم في الحضر،\n_________\n(^١) جاء في أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٣٩): واختلف في المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: إذا وجد الماء في الصلاة بطلت صلاته، وتوضأ، واستقبل، وقال مالك والشافعي: يمضي فيها، وتجزئه ...». وانظر: المبسوط\n(١/ ١١٠)، الفروق للكرابيسي (١/ ٣٨)، بدائع الصنائع (١/ ٥٧)، فتح القدير (١/ ٣٨٥).\n(^٢) المستوعب (١/ ٣٠٨)، الإنصاف (١/ ٢٩٨)، كشاف القناع (١/ ١٧٧).\n(^٣) المحلى مسألة (٢٣٤).\n(^٤) جاء في الموطأ (١/ ٥٥): «قال مالك في رجل تيمم حين لم يجد ماء، فقام وكبر، ودخل في الصلاة، فطلع عليه إنسان معه ماء، قال: لا يقطع صلاته، بل يتمها بالتيمم، وليتوضأ لما يستقبل من الصلوات». وانظر: الإشراف (١/ ١٦٤)، أحكام القرآن لابن العربي\n(١/ ٥٦٦)، وجاء في مواهب الجليل (١/ ٣٥٧): «قال التلمساني: إذا قلنا: لا يجب عليه أن يقطع، فهل المذهب أنه لا يستحب له القطع، أو يستحب له القطع؟ قال ابن العربي: بل يحرم عليه ذلك، ويكون عاصيًا إن فعل، وحكمه كحكمه إذا وجده بعد الصلاة، لا يستحب له أن يعيد. قال في الطراز: وهذا فيمن تيمم، وهو على إياس من الماء، وأما من تيمم، وهو يرتجي الماء، فهذا لا يبعد أن يقال فيه يقطع؛ لأن الصلاة إنما أسندت إلى تخمين، وقد تبين فساده». اهـ\n(^٥) المستوعب (١/ ٣٠٨)، الفورع (١/ ٢٣٣).\n(^٦) جاء في المستوعب (١/ ٣٠٩): «وقد نقل عنه المروذي أنه قال: كنت أقول يمضي في صلاته، ثم تدبرت الأحاديث، فإذا أكثرها أنه يخرج. قال صاحب المستوعب: وظاهر هذا أنه رجع عن قوله بالمضي، فتكون المسألة رواية واحدة في وجوب الخروج».","vol":"5","page":356},{"text":"وهذا مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: يتطهر، ويبني على صلاته، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2413> دليل من قال ببطلان الصلاة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2414>الدليل الأول:</span>\n(١٠٢٢ - ٩٩) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان،\nعن أبي ذر، أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (^٣).\n_________\n(^١) قال صاحب البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ٣٢٥): «وإن تيمم لعدم الماء، ودخل في الصلاة، ثم وجد الماء، فإن كان ذلك في الحضر، أو في سفر قصير، وقلنا: يلزمه الإعادة، بطلت صلاته؛ لأنه تلزمه الإعادة، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة، وإن كان في سفر طويل، أو في سفر قصير، وقلنا: لا تلزمه الإعادة، لم تبطل صلاته»، وقد ذكر صاحب البيان (١/ ٣٢٢) قولين في مذهب الشافعي في وجوب الإعادة في السفر القصير، وهو السفر الذي لا يجوز فيه القصر والفطر.\nوقال النووي في الروضة (١/ ١١٥): «إذا رأى الماء في الصلاة، فإن لم تكن مغنية له عن القضاء، كصلاة الحاضر بالتيمم، بطلت على الصحيح، وعلى الثاني: يتمها، ويعيد. وإن كانت مغنية كصلاة المسافر، فالمذهب المنصوص: أنه لا تبطل صلاته، ولا تيممه».\nوهذا التفصيل عائد إلى مذهب الشافعية في تيمم الرجل في الحضر إذا عدم الماء، وقد ذكر النووي في المجموع (٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣): أن مذهب الشافعية فيمن عدم الماء في الحضر أنه يصلي بالتيمم، وعليه الإعادة، وقد سبق لنا أن القول بالإعادة قول ضعيف.\nوقال الشافعي في الأم (١/ ٤٨): «وإذا تيمم، فدخل في المكتوبة، ثم رأى الماء، لم يكن عليه أن يقطع الصلاة، وكان له أن يتمها، فإذا أتمها توضأ لصلاة غيرها، ولم يكن له أن يتنقل بتيمم للمكتوبة إذا كان واجدًا للماء بعد خروجه منها».\n(^٢) الفروع (١/ ٢٣٣).\n(^٣) المصنف (٩١٣).","vol":"5","page":357},{"text":"[سبق تخريجه] (^١).\nفأوجب استعمال الماء إذا وجده، وهو يشمل ما إذا كان قبل الصلاة، أو في أثناء الصلاة، أو بعد الصلاة، فإذا عاد إليه حدثه السابق أثناء الصلاة بطلت صلاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2415>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٢٣ - ١٠٠) ما رواه البخاري من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب ح وعن عباد بن تميم،\nعن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. وأخرجه مسلم (^٢).\nاحتج به البيهقي في الخلافيات، ولولا أنه ذكره لم أذكره؛ لأن الحديث ليس في مسألتنا.\nوجه الاستدلال:\nأن الاستثناء معيار العموم، فقوله ﷺ: لا ينصرف نهي عن الانصراف عن الصلاة. وقوله: (إلا أن يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) استثناء من النهي، ولو كان له أن ينصرف لوجود الماء لذكره الحديث.\nوالحديث إنما سيق في معرض طرح الشك، والأخذ باليقين، ونحن نقول بذلك: فلا ينصرف إذا شك في وجود الماء، أما إذا تيقن وجود الماء، فإن عليه الانصراف كما لو تيقن الحدث، ثم إن الحديث سيق جوابًا على سؤال عن الشك في الحدث أثناء الصلاة، وليس في موضوع البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2416>الدليل الثالث:</span>\nإذا كان وجود الماء قبل الصلاة يبطل التيمم بالإجماع إلا ما روي عن أبي سلمة،\n_________\n(^١) انظر المجلد الأول ح (٣١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٧٧)، ومسلم (٣٦١).","vol":"5","page":358},{"text":"فكذلك وجود الماء أثناء الصلاة يبطلها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2417> دليل من قال: يتم صلاته:</span>\nقالوا: جعل الله للطهارة وقتًا، وجعل للصلاة وقتًا غيره، فوقت الطهارة: هو وقت القيام إلى الصلاة قبل الدخول فيها، ووقت الصلاة: هو وقت الدخول في أدائها، وهو حينئذ غير متعبد بفرض الطهارة، إذ لا يجوز له أن يدخل في الصلاة إلا بعد فراغه من طهارتها، فإذا تيمم كما أمر، فقد خرج عن فرض الطهارة، وإذا كبر فقد دخل في فرض الصلاة، ولا يجوز نقض طهارة قد مضى وقتها، وإبطال ما صلى من الصلاة، كما فرض عليه وأمر به إلا بحجة من كتاب أو سنة أو إجماع.\n• ويُجاب:\nبأن فرض الطهارة لا شك أنه قبل الدخول في الصلاة، ويلزمه استصحاب حكم الطهارة، فلو ورد ما ينقض طهارته أثناء الصلاة بطلت، كما لو خرج منه ريح، ووجود الماء في حق المتيمم سبب في رجوع حدثه السابق، وإذا رجع حدثه السابق إلى بدنه بطلت صلاته كما لو أحدث فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2418>الدليل الثاني:</span>\nإذا تلبس بمقصود البدل: وهو الصلاة لم يلزمه الخروج، كما لو أنه شرع في الصيام، ثم قدر على العتق لم يجب عليه الانتقال على الصحيح.\n• ويُجاب عن هذا بجوابين:\nالجواب الأول:\nهناك فرق بين المسألتين، فوجود الماء سبب في رجوع الحدث السابق، وهذا مبطل بحد ذاته للصلاة، فإن من شروط صحة الصلاة مطلقًا أن يكون متطهرًا من الحدث، فإذا رجع إليه حدثه لوجود الماء بطلت صلاته، بخلاف وجود الرقبة فليس مبطلًا للصيام، فمفسدات الصيام: هي الأكل والشرب والجماع، وليس وجود الرقبة","vol":"5","page":359},{"text":"يخل بعبادة الصوم لا من قريب ولا من بعيد، فاعتبر تلبسه بالصيام قبل قدرته على العتق كاف في براءة ذمته.\nالجواب الثاني:\nما ذكره ابن رجب في قواعده، قال: «من تلبس بعبادة، ثم وجد قبل فراغها ما لو كان واجدًا له قبل الشروع لكان هو الواجب، دون ما تلبس به، هل يلزمه الانتقال إليه، أم يمضي ويجزيه؟\nهذا على ضربين:\nالضرب الأول: أن يكون المتلبس به رخصة عامة، شرعت تيسيرًا على المكلف، وتسهيلًا عليه، مع إمكان إتيانه بالأصل على ضرب من المشقة والتكلف، فهذا لا يجب عليه الانتقال منه بوجود الأصل كالمتمتع إذا عدم الهدي، فإنه رخص له في الصيام رخصة عامة، حتى لو قدر على الشراء بثمن في ذمته، وهو ميسور في بلده لم يلزمه.\nالضرب الثاني: أن يكون المتلبس به إنما شرع ضرورة للعجز عن الأصل وتعذره بالكلية، فهذا يلزمه الانتقال إلى الأصل عند القدرة عليه، ولو في أثناء التلبس كالعدة بالأشهر، فإنها لا تعتبر بحال مع القدرة على الاعتداد بالحيض، ولهذا تؤمر من ارتفع حيضها لعارض معلوم، أن تنتظر زواله، ولو طالت المدة، وإنما جوز لمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه أن تعتد بالأشهر؛ لأن حيضها غير معلوم، ولا مظنون عوده، وسواء كانت هذه المعتدة مكلفة قبل هذا بالاعتداد بالحيض كمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه أن تعتد بالأشهر، ثم حاضت في أثنائها، أو لم تكن مكلفة به كالصغيرة إذا حاضت في أثناء العدة بالأشهر. وهاهنا مسائل كثيرة مترددة بين الضربين، منها:\nالمتيمم إذا شرع في الصلاة، ثم وجد الماء، ففي بطلانها روايتان؛ لأن التيمم من حيث كونه رخصة عامة، فهو كصيام المتمتع، ومن حيث كونه ضرورة يشبه العدة","vol":"5","page":360},{"text":"بالأشهر، وبيان الضرورة أنه تستباح معه الصلاة بالحدث فإنه غير رافع له على المذهب، فلا يجوز إتمام الصلاة محدثًا مع وجود الماء الرافع له» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2419>الدليل الثالث:</span>\nأن هذا المتيمم قد دخل في الصلاة بإذن من الشارع، ولم تثبت سنة عن النبي ﷺ توجب قطع الصلاة بعد الدخول فيها بوجه مشروع.\n• ويُجاب:\nبأن قولكم قد دخل في الصلاة بوجه جائز مسلم، وأما قولكم بأنه لا توجد سنة توجب قطع الصلاة فإن هذا هو محل النزاع، وقد اتفقنا معكم أن الصعيد طهور المسلم بشرط عدم وجود الماء، وأن وجود الماء يوجب على المتيمم أن يمسه بشرته، فالنتيجة: أن المصلي بالتيمم قد صلى بالتيمم مع وجود الماء، ولم يمسه بشرته في عبادة من شرطها الطهارة بالماء مع وجوده، فكيف نصحح طهارة المتيمم مع وجود الماء والقدرة على استعماله، ولو سلمنا صحة بعض الصلاة قبل وجود الماء، فإننا لا يمكن أن نصحح القدر الباقي من الصلاة مع وجود الماء، وإذا تطرق الفساد إلى جزء من الصلاة فسدت كلها؛ لأن الصلاة يبنى آخرها على أولها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2420> دليل الشافعية على التفريق بين الصلاة التي يلزمه إعادتها وبين غيرها:</span>\nالشافعية بنوا تعليلهم على قول ضعيف، وهو أن الرجل إذا عدم الماء في الحضر تيمم وصلى، فإذا قدر على الماء وجب عليه إعادة الصلاة التي صلاها؛ لأن فقد الماء في الحضر عذر نادر، فألزموه أن يصلي الظهر مرتين: مرة بالتيمم، ومرة حين وجود الماء، فإذا كانت صلاته بالتيمم ليست مغنية له عن إعادة الصلاة، ولم تبرأ ذمته بذلك فلماذا تجب عليه الصلاة بالتيمم، وإن كان قد فعل ما أمر به، فقد برئت ذمته، فلماذا إذًا الإعادة، وسبق مناقشة هذا القول وبيان ضعفه، فإذا وجد الماء أثناء الصلاة، فإن\n_________\n(^١) قواعد ابن رجب: القاعدة السابعة (ص: ٩).","vol":"5","page":361},{"text":"كانت تلزمه إعادة الصلاة حسب مذهبهم، بطلت صلاته؛ لأنه لما كانت الإعادة واجبة عليه، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة، وإن كانت لا تلزمه الإعادة، لم تبطل صلاته، ويمضي فيها ولو وجد الماء في أثنائها. وهذا التفصيل ضعيف؛ لأنه بني على قول ضعيف من وجوب الإعادة على المتيمم في الحضر، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2421> دليل من قال: يتطهر ويبني على صلاته:</span>\nلم أقف لهم على دليل من الكتاب أو السنة في هذه المسألة، ولم تذكر الكتب التي رجعت إليها في ذكر هذا القول دليلًا لهم، ولعلهم قاسوا ذلك على من خرج منه رعاف، وهو في الصلاة،، فقد ثبت عن بعض الصحابة القول بالخروج من الصلاة، والوضوء، ثم البناء على ما مضى، من ذلك، وقد روي مرفوعًا، ولا يصح، وأما الموقوف فمنه:\n(١٠٢٤ - ١٠١) ما رواه مالك، عن نافع،\nعن ابن عمر ﵄، كان إذا رعف انصرف، فتوضأ، ثم رجع، فبنى، ولم يتكلم (^١).\n[وهذا إسناد في غاية الصحة، وهو موقوف على ابن عمر] (^٢).\n(١٠٢٥ - ١٠٢) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن علي بن صالح وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة،\nعن علي، قال: إذا وجد أحدكم في بطنه رزًا أو قيئًا أو رعافًا فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم (^٣).\n[حسن] (^٤).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٣٨).\n(^٢) سبق تخريجه في نواقض الوضوء، انظر ح (٤٠١).\n(^٣) المصنف (١/ ١٣).\n(^٤) سبق تخريجه والكلام على طرقه في نواقض الوضوء، انظر ح: (٤٠٢).","vol":"5","page":362},{"text":"(١٠٢٦ - ١٠٣) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عمران ابن ظبيان، عن حكيم بن سعد أبي يحيى،\nعن سلمان، قال: إذا أحدث أحدكم في صلاته، فلينصرف غير راع لصنعه، فليتوضأ، ثم ليعد في آيته التي كان يقرأ (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nفهذه الآثار تبين أن الإنسان ممكن أن يبني على صلاته إذا وجد في أثنائها ما يقتضي الطهارة، وهو جار على خلاف القياس؛ لأن إيجاب الوضوء من الرعاف يعني: بطلان الطهارة، وبطلان الطهارة يلزم منه بطلان الصلاة كخروج البول والريح إذا خرجا من المصلي أثناء الصلاة، فإنه يجب استئناف الصلاة بعد إعادة الطهارة، فصحة الآثار عن الصحابة لا نقاش فيها، فإن ثبت الخلاف عن الصحابة كان الأمر واسعًا، وتقديم قول الصحابي الذي يوافق القياس أولى من غيره، وإن لم يثبت الخلاف بينهم، بحيث لا يعلم مخالف لقول من قال بالبناء، فإنا نقول به، ولو خالف القياس، لكن لا نتعداه إلى غيره، ولا نقول به في وجود الماء أثناء الصلاة، وإنما يقتصر فقط على ما ورد عن الصحابة، والله أعلم.\n• الراجح من القولين:\nبعد استعراض الأدلة نجد أن أقرب القولين إلى الصواب هو القول القائل بأنه يلزمه الخروج من الصلاة فإنه يعضده بعض النصوص المرفوعة كحديث أبي ذر ﵁، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٢/ ١٣)\n(^٢) سبق تخريجه والكلام عليه في كتاب نواقض الوضوء، انظر ح (٤٠٣).","vol":"5","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2422>المبحث الثالث في وجود الماء بعد الفراغ من الصلاة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• وجود الماء بعد الفراغ من الصلاة لا يبطل الصلاة؛ لأن القدرة على الأصل كان بعد حصول المقصود بالبدل.\n[م-٤٦٦] إذا تيمم، ثم صلى، وبعد فراغه من الصلاة وجد الماء، فإن كان وجود الماء بعد خروج وقت الصلاة فلا إعادة عليه إجماعًا.\nقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن من تيمم صعيدًا طيبًا كما أمر الله، وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج وقت الصلاة، لا إعادة عليه» (^١).\nوإن وجد الماء قبل خروج وقت الصلاة، فهل تجب عليه إعادة الصلاة، أو تجزئه صلاته؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة،\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٦٣).","vol":"5","page":364},{"text":"فقيل: لا يجب عليه أن يعيد صلاته، وهو مذهب الجمهور (^١)،\nإلا أن المالكية استحبوا له الإعادة ما دام في الوقت، وحصل تقصير في طلب الماء (^٢).\nوقيل: يستحب له الإعادة مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٣)، وقول الأوزاعي رحمه الله تعالى (^٤).\nوقيل: إن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة نُظِر: فإن كان في الحضر أعاد الصلاة، وإن كان في السفر نظر: فإن كان في سفر طويل لم يلزمه الإعادة، وإن كان في سفر قصير، ففيه قولان: أشهرهما أنه لا يلزمه الإعادة، وهذا مذهب الشافعية (^٥).\nوقيل: تجب عليه الإعادة، وبه قال عطاء وطاووس والقاسم بن محمد، ومكحول، وابن سيرين، والزهري، وربيعة (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2423> دليل من قال: لا يعيد صلاته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2424>الدليل الأول:</span>\n(١٠٢٧ - ١٠٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن محمد ويحيى بن سعيد، عن نافع،\nأن ابن عمر تيمم، وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان، ثم دخل المدينة،\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (١/ ١١٠)، بدائع الصنائع (١/ ٥٨).\nوفي مذهب المالكية جاء في المدونة (١/ ٤٥): «قال مالك في الجنب، لا يجد الماء، فيتيمم، ويصلي، ثم يجد الماء بعد ذلك، قال: يغتسل لما يستقبل، وصلاته الأولى تامة».\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفروع (١/ ٢٣٢)، كشاف القناع (١/ ١٧٧).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٣٥٧)، الخرشي (١/ ١٩٦)، مدونة الفقه المالكي وأدلته (١/ ٢٢٠).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٣٢).\n(^٤) الأوسط (٢/ ٦٣)، تفسير القرطبي (٥/ ٢٣٤).\n(^٥) المهذب (١/ ٣٦)، المجموع (٢/ ٣٥٠)، حلية العلماء (١/ ٢٠٨)، مغني المحتاج (١/ ١٠١)، منهاج الطالبين (ص: ٧)، السراج الوهاج (ص: ٦٤٤).\n(^٦) انظر المجموع (٢/ ٣٥٤)، المغني (١/ ١٥٣)، الأوسط لابن المنذر (٢/ ٦٣).","vol":"5","page":365},{"text":"والشمس مرتفعة، فلم يعد (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2425>الدليل الثاني:</span>\nأن من تيمم، وصلى، وفرغ من صلاته قبل وجود الماء فقد فعل ما أمر به شرعًا، ومن أوجب عليه الإعادة فإنه يطالب بحجة من كتاب الله، أو من سنة رسول الله ﷺ، أو من إجماع الصحابة، ولا يوجد حجة على بطلان عبادة كان صاحبها ممتثلًا الأمر الشرعي فيما فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2426>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٢٨ - ١٠٥) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن إسحق المسيبي، أخبرنا عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار،\nعن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين (^٣).\n[رجح أبو داود أن الحديث مرسل، وأن ذكر أبي سعيد ليس بمحفوظ] (^٤).\n_________\n(^١) المصنف (٨٨٤).\n(^٢) انظر تخريجه: في الأرقام (٩٨٥، ٩٨٦، ٩٨٧).\n(^٣) سنن أبي داود (٣٣٨).\n(^٤) اختلف فيه على الليث بن سعد:\nفرواه عبد الله بن نافع، كما في المجتبى من سنن النسائي (٤٣٣)، والدارمي (٧٤٤)، والطبراني في الأوسط (١٨٤٢)، (٧٩٢٢) والحاكم (١/ ١٧٨) وعنه البيهقي في السنن (١/ ٢٣١) عن الليث ابن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري.\nورواه أبو علي بن السكن كما في كتاب الوهم والإيهام (٢/ ٤٣٤)، قال: حدثنا أبو بكر بن أحمد الواسطي، قال: حدثنا عباس بن محمد، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: نبأني الليث بن =","vol":"5","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سعد، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد. اهـ\nفهذا وإن تابع عبد الله بن نافع في وصله، إلا أنه خالفه في إسناده، فجعل الليث لا يرويه عن بكر بن سوادة كما ذكر ذلك عبد الله بن نافع، بل جعل بينهما عمرو بن الحارث، وعميرة بن أبي ناجية.\nوهذ إسناد منكر، والوهم قد يكون من الواسطي أبو بكر محمد بن أحمد لم أقف على ترجمته.\nوقيل: عن الليث بن سعد، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة.\nرواه يحيى بن بكير كما في مستدرك الحاكم (١/ ١٧٩)، وسنن البيهقي (١/ ٢٣١)، عن الليث ابن سعد، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوقيل: عن الليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار مرسلًا بإسقاط عميرة بن أبي ناجية.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٠٣٢) عن وكيع، عن ليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار أن رجلين ... مرسلًا.\nويحيى بن بكير من أثبت الناس في الليث بن سعد، وهو مقدم على وكيع.\nورواه عبد الله بن المبارك بالإسنادين، تارة عن الليث، عن عميرة، وتارة عن الليث عن بكر بن سوادة، وكلاهما مرسل.\nفرواه الدارقطني (١/ ١٨٨)، عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن ابن المبارك، عن ليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، أن رجلين أصابتهما جنابة فتيمما ... مرسلًا.\nورواه سويد بن نصر، كما في سنن المجتبى من سنن النسائي (٤٣٣)، عن ابن المبارك، عن ليث، عن عميرة وغيره، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار ... وذكر الحديث.\nوسويد بن نصر أرجح من عبد الرزاق في ابن المبارك، خاصة أن الراوي عن عبد الرزاق هو الدبري، وقد سمع من عبد الرزاق بعد أن عمي عبد الرزاق.\nفصار يحيى بن بكير، وعبد الله بن المبارك من رواية سويد بن نصر عنه، يرويانه، عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار مرسلًا.\nويرويه وكيع، وعبد الله بن المبارك من رواية عبد الرزاق عنه، يرويانه عن الليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء مرسلًا، ورواية يحيى بن بكير وما وافقها من رواية ابن المبارك أقوى، والله أعلم.\nورواه عبد الله بن مسلمة كما في سنن أبي داود (٣٣٩)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٣١)، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، عن عطاء بن يسار مرسلًا أيضًا. =","vol":"5","page":367},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ قد صرح بأن ترك الإعادة من إصابة السنة، فمن علم السنة لزمه الأخذ بها، وعدم مخالفتها، وأما من صلى مجتهدًا لا يعلم السنة في هذا، فله أجران بمجوع الاجتهادين: أجر على صلاته بالتيمم، وأجر على إعادة صلاته بالماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2427>الدليل الرابع:</span>\nالقياس، فكما أن من صلى جالسًا لعلة، ثم فرغ من صلاته، ثم قدر على القيام\n_________\n= وهذا الطريق تفرد به ابن لهيعة، وهو ضعيف، وقد أدخل بين بكر بن سوادة وبين عطاء\nابن يسار مولى إسماعيل بن عبيد، وهو مجهول.\nفإذا طرحنا رواية أبي علي بن السكن؛ لأن فيها مجهولًا، وما تفرد فيه ابن لهيعة، بقي لنا ثلاث اختلافات في إسناده، أحدها موصولًا، عن أبي سعيد، وهذا شاذ، تفرد به عبد الله بن نافع، وفي حفظه شيء.\nوالثاني: مرسل عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار عن رسول الله ﷺ، فالليث وإن كان سماعه ممكن من بكر بن سوادة إلا أن جل روايته عنه بواسطة، إلا ما كان من هذا الحديث، وقد ذكر ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤٣٣) أن رواية الليث عن بكر بن سوادة منقطعة.\nوالثالث: مرسل موصول، عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء ابن يسار مرسلًا، وهذا أرجحها، والإسناد إلى عطاء إسناد صحيح.\nوقد أعله ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤٣٣) بعميرة بن أبي ناجية، وذكر أنه مجهول، وهو وهم منه، فالرجل ثقة، قد وثقه النسائي، والحافظ ابن حجر، وقال أبو القاسم بن بشكوال: لا بأس به، ولم أقف على أحد جرحه.\nوقال الدارقطني في سننه (١/ ١٨٨): «تفرد به عبد الله بن نافع، عن الليث بهذا الإسناد متصلًا، وخالفه ابن المبارك وغيره».\nقال أبو داود: «وغير ابن نافع يرويه عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ، قال أبو داود: وذكر أبى سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ وهو مرسل».\nوقال الحافظ في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٧٠): «أخرجه أبو داود والحاكم، وأعل بالإرسال».","vol":"5","page":368},{"text":"في الوقت لا يعيد صلاته، فكذلك من صلى بالتيمم في وقت لم يوجد فيه الماء، ولم يكن قادرًا على استعماله فإنه لا يعيد، ولو قدر على ذلك بعد فراغه من الصلاة، وفي الوقت.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2428> دليل من فرق بين الحضر والسفر:</span>\nالشافعية بنوا تعليلهم على قول ضعيف، وهو أن الرجل إذا عدم الماء في الحضر تيمم وصلى، فإذا قدر على الماء وجب عليه إعادة الصلاة التي صلاها؛ لأن فقد الماء في الحضر عذر نادر، فألزموه أن يصلي الظهر مرتين: مرة بالتيمم، ومرة حين وجود الماء، فإذا كانت صلاته بالتيمم ليست مغنية له عن إعادة الصلاة، ولم تبرأ ذمته بذلك فلماذا تجب عليه الصلاة بالتيمم، وإن كان قد فعل ما أمر به، فقد برئت ذمته، فلماذا يطلب منه الإعادة، وسبق مناقشة هذا القول وبيان ضعفه، فإذا وجد الماء بعد الصلاة، فإن كانت تلزمه إعادة الصلاة حسب مذهبهم، بطلت صلاته؛ لأنه لما كانت الإعادة واجبة عليه، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة، وإن كانت لا تلزمه الإعادة، لم تبطل صلاته، ولم يجب عليه إعادتها. وهذا التفصيل ضعيف؛ لأنه بني على قول ضعيف من وجوب الإعادة على المتيمم في الحضر، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2429> دليل من قال: يستحب له الإعادة:</span>\nلعلهم استحبوا له الإعادة خروجًا من خلاف من أوجب عليه الإعادة، والحقيقة أن الخروج من الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي من كتاب الله، أو من سنة رسوله ﷺ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2430> دليل من قال: يجب عليه الإعادة:</span>\nلم أقف على دليل لهذا القول في الكتب التي رجعت إليها، وكتب الخلاف التي وقفت عليها تذكر قولهم، ولا تسوق دليلهم، وهل يمكن أن يستدل له بحديث","vol":"5","page":369},{"text":"المسيء في صلاته، بقوله: (ارجع فصل فإنك لم تصل) (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن المسيء في صلاته لم يكلفه الرسول ﷺ إعادة تلك الصلوات التي لم يحسن صلاتها، وقد خرج وقتها، وخاطبه بإعادة الصلاة الحالية التي لم يزل وقتها قائمًا، فهل يمكن أن يقال: يؤخذ من الحديث وجوب الإعادة ما دام الوقت قائمًا.\nوالحديث ليس فيه دليل؛ وذلك لأن المسيء في صلاته لم يمتثل الأمر الشرعي، بخلاف المتيمم الذي صلى بتيممه فقد كان ممتثلًا أمر ربه، بقوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فيكف يطالب بالإعادة، ثم إن الرسول ﷺ حين ردده ليعيد الصلاة ربما لم يكن لأجل الإعادة، فقد تكون الصلاة من قبيل النافلة، وكان بإمكانه تعليمه من أول مرة، وإنما ردده ليستشعر قدر حاجته إلى معرفة الصواب، وهذا الذي دفعه لأن يقول: (والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا، فعلمني) (^٢)، ولم ينقل أنه حين علمه الصواب رجع فصلى.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض الأقوال والأدلة نجد أن القول بعدم إعادة الصلاة هو أقوى الأقوال، لقوة دليله وضعف أدلة المخالفين، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) سبق تخريجه، انظر العزو السابق.","vol":"5","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2431>الفصل الثالث خروج الوقت</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• جميع الأحداث متعلقة بالبدن، فاعتبار خروج الوقت حدثًا مخالف للقياس.\n[م-٤٦٧] تكلمنا في شروط التيمم للصلاة اشتراط دخول وقت الصلاة عند الجمهور، وأنه لا يصح التيمم قبل دخول الوقت، والآن نتناول تأثير خروج وقت الصلاة على صحة التيمم، فإذا تيمم للصلاة، فهل يبطل التيمم بخروج الوقت، في هذا خلاف بين أهل العلم،\nفقيل: لا يبطل التيمم خروج الوقت، فإذا تيمم له أن يصلي ما لم يحدث أو يجد الماء، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يبطل التيمم بخروج الوقت، وهو المشهور مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٣)، الهداية (١/ ٢٧)، بدائع الصنائع (١/ ٥٥)، تحفة الفقهاء (١/ ٤٦)، نور الإيضاح (ص: ٢٧)، تبيين الحقائق (١/ ٤٠).\n(^٢) قال ابن قدامة في عمدة الفقه (ص: ١١): «وإن تيمم لفريضة، فله فعلها، وفعل ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرج وقتها».","vol":"5","page":371},{"text":"وأما مذهب المالكية والشافعية وإن لم ينصوا على أن خروج الوقت مبطل للتيمم إلا أنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث منعوا صلاة فريضتين بتيمم واحد (^١)، واشترط المالكية الموالاة بين التيمم والصلاة، فإن وجد فاصل طويل بين التيمم والصلاة بطل تيممه، وهذا القول أبلغ من اعتبار خروج الوقت مبطلًا للتيمم (^٢).\n• وسبب الخلاف بين الحنفية وغيرهم:\nاختلافهم في التيمم، هل هو رافع للحدث، أو مبيح لفعل المأمور مع قيام الحدث؟\nيقول الكاساني الحنفي رحمه الله تعالى: «قال أصحابنا: إن التيمم بدل مطلق، وليس ببدل ضروري، وعنوا به أن الحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة، لا أنه يباح له الصلاة مع قيام الحدث، وقال الشافعي: التيمم بدل ضروري، وعنى به أن يباح له الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة كطهارة المستحاضة ... وعلى هذا الأصل يبنى التيمم قبل دخول الوقت، أنه جائز عندنا، وعند الشافعي لا يجوز؛ لأنه بدل مطلق عند عدم الماء، فيجوز قبل دخول الوقت وبعده، وعنده بدل ضروري، فتتقدر بدليته بقدر الضرورة، ولا ضرورة قبل دخول\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: انظر التمهيد (١٩/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، المقدمات (١/ ١١٧)، التهذيب في مختصر المدونة (١/ ٢١٤)، المعونة (١/ ١٤٩).\nوفي مذهب الشافعية: جاء في الأم (١/ ٤٧): «وإن كان قد فاتته صلوات استأنف التيمم لكل صلاة منهما، كما وصفت، لا يجزيه غير ذلك، فإن صلى صلاتين بتيمم واحد، أعاد الآخرة منهما؛ لأن التيمم يجزيه للأولى، ولا يجزيه للآخرة».\nوقال في كتاب البيان في مذهب الشافعي (١/ ٣١٦): «وإن كان عليه صلوات فوائت، وأراد أن يقضيها في وقت واحد، وهو عادم للماء، قال الشيخ أبو حامد: فإنه يطلب الماء للأولى، ويتمم، ويصليها، فإذا أراد أن يصلي الثانية أعاد الطلب لها، ثم يتيمم، وكذلك الثالثة والرابعة وإن كان في موضع واحد؛ لأن ذلك شرط في التيمم».\n(^٢) قال في الشرح الصغير (١/ ١٩٩ - ٢٠٠): «ومما يبطله -يعني التيمم- طول الفصل بينه وبين الصلاة، كما علم من الموالاة». وانظر الخلاصة الفقهية (ص: ٤٠).","vol":"5","page":372},{"text":"الوقت، وعلى هذا يبنى أنه إذا تيمم في الوقت يجوز له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث عندنا، وعنده لا يجوز له أن يؤدي به فرضًا آخر غير ما تيمم لأجله» (^١).\nوقد بنى الحنابلة دليلهم على أمرين:\nالأمر الأول: أن التيمم طهارته طهارة ضرورة، فتقدر بقدرها، وأنه يبيح فعل الصلاة، ولا يرفع الحدث.\nوقد ناقشت في مسألة مستقلة: هل التيمم يرفع الحدث، أو يبيح فعل المأمور مع قيام الحدث في مسألة مستقلة، وذكرنا أدلة الخلاف، والراجح فيها، فأغنى عن إعادته هنا، كما ناقشت في مسألة مستقلة: فيما إذا تيمم للصلاة فرضًا كانت أو نفلًا، هل له أن يصلي به فريضة أو نافلة أخرى، أو يجب أن يتيمم لكل صلاة؟ وذكرت أدلة الأقوال مع مناقشتها وبيان الراجح فأغنى عن إعادته هنا أيضًا.\nوقد تبين لنا من كل هذه المسائل أن التيمم بدل عن طهارة الماء، وأنه يرفع الحدث، وأن له أن يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل، سواء تيمم قبل الوقت، أو تيمم في الوقت وخرج عليه الوقت، وأن خروج الوقت ليس بناقض له.\nالأمر الثاني:\nالقياس على طهارة المستحاضة، فكما أن المستحاضة طهارتها طهارة ضرورة، وقد أمرت أن تتوضأ لكل صلاة، فكذلك المتيمم يجب عليه أن يتطهر لوقت كل صلاة عند الحنابلة، أو لكل صلاة كما عند الشافعية والمالكية.\n• ودليل المستحاضة عندهم:\n(١٠٢٩ - ١٠٦) ما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، قال: حدثنا هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٥٥).","vol":"5","page":373},{"text":"جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\nقال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (^١).\n[زيادة قال هشام: قال أبي، الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (^٢).\n• ويُجاب بأمور:\nالأول: أن أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة موقوف على عروة.\nثانيًا: أن المرفوع من الأحاديث بأمر المستحاضة لكل صلاة، لا يثبت منها شيء.\nقال ابن رجب: «أحاديث الوضوء لكل صلاة قد رويت من وجوه متعددة، وهي مضطربة ومعللة» (^٣).\nولهذا لم يذهب مالك بوجوب الوضوء على المستحاضة،\nقال ابن عبد البر: «والوضوء عليها - أي على المستحاضة - عند مالك على الاستحباب دون الوجوب، وقد احتج بعض أصحابنا على سقوط الوضوء بقول رسول الله ﷺ: فإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي ولم يذكر وضوءًا، قال: «وممن قال بأن الوضوء على المستحاضة غير واجب ربيعة وعكرمة ومالك وأيوب وطائفة» (^٤).\nثالثًا: لو أخذتم بالقياس على وجوب الوضوء على المستحاضة، للزم الحنابلة القول بوجوب الوضوء لكل صلاة، كما هو مذهب الشافعية والمالكية، وذلك لأن الآثار الواردة في ذلك توجب على المستحاضة الوضوء لكل صلاة، وليس الوضوء\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٨).\n(^٢) سبق تخريجه في المجلد السابع ح: (١٥١٦).\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٧٣).\n(^٤) المرجع السابق، والصفحة نفسها.","vol":"5","page":374},{"text":"لوقت كل صلاة، وبينهما فرق (^١).\n_________\n(^١) حمل الحنابلة على أن قوله: (توضئي لكل صلاة) بأن المراد بكل صلاة بوقت كل صلاة، قالوا: وإطلاق الصلاة على الوقت جاء الدليل على صحته من القرآن والسنة:\nالدليل الأول:\nمن القرآن قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) الإسراء: ٧٨.\nفقوله: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي: لوقت دلوكها.\nالدليل الثاني:\nما رواه البخاري من طريق هشيم، قال أخبرنا سيار، قال حدثنا يزيد - هو ابن صهيب الفقير - قال: أخبرنا جابر بن عبد الله، أن النبي - ﷺ - قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي ﷺ يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة. ورواه مسلم (٥٢١)، واللفظ للبخاري (٣٣٥).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (أدركته الصلاة) أي أدركه وقت الصلاة.\nالدليل الثالث:\nما رواه أحمد (٦/ ٣٣٢)، قال: ثنا محمد بن فضيل، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس.\nوجه الاستدلال:\nقوله: (إن للصلاة أولًا وآخرًا). أي إن لوقت الصلاة، فأطلقت الصلاة وأريد بها الوقت.\nوالحديث ضعيف والمحفوظ أنه مرسل ووصله شاذ، وسبق بحثه في مجلد الحيض والنفاس، ح (٤٧٩).\nوأما حمل الأمر بالوضوء لكل صلاة: أي لوقت كل صلاة، فيحتاج الأمر إلى دليل على أن المراد الوقت، وليس خروج الوقت حدثًا، ويكفي أن حملهم خلاف ظاهر اللفظ بلا مسوغ.\nوالجواب عما قالوه ﵏: إن إطلاق الصلاة قد يطلق ويراد بذلك الوقت إذا صح إنما يصح لقرينة تمنع من إرادة الصلاة نفسها، وإلا فالأصل في الكلام عدم الحذف وعدم التقدير، ولا قرينة هنا تمنع من إرادة الصلاة، أي فعلها، فوجب حمل اللفظ على ظاهره وهذا لو قلنا بصحة أحاديث وضوء المستحاضة لكل صلاة، ولكنها لم تصح كما قدمنا.","vol":"5","page":375},{"text":"وإذا لم يجب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، كان القول ببطلان التيمم بخروج الوقت قياسًا على المستحاضة قياس غير صحيح، وبهذا يتبين أن القول ببطلان التيمم بخروج الوقت قول ضعيف، والله أعلم.\nوبهذه المسألة نكون قد أنهينا مبطلات التيمم، وبه نكون قد أنهينا الكلام على التيمم، بل وعلى طهارة الحدث من وضوء وغسل وبدلهما، وهو التيمم، فلله الحمد أولًا وآخرًا، اللهم كما يسرت هذا البحث بفضلك ومَنِّك وكرمك، من غير حول مني ولا قوة فتقبله مني، واجعله خالصًا لوجهك، لا أبتغي به إلا رضاك، ودفع سخطك، اللهم كفر به زلاتي، وارفع به درجاتي، وصحح به نياتي، واستر به عيوبي، اللهم إني أعوذ بك أن أقصد به أو بغيره من أعمال الآخرة شيئًا من حظ الدنيا مما يحبط به عملي، ويوجب غضبك عليَّ، اللهم ارزقني شكر نعمتك التي أنعمت علي، وأن أعمل صالحًا ترضاه، اللهم علمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، واجعله حجة لي، ولا تجعله حجة علي، آمين آمين، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وسلم.\n* * *","vol":"5","page":376},{"text":"موسوعة\nأحكام الطهارة\nأدلة ومسائل وقواعد وضوابط\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2432>القسم الثاني\nطهارة الخبث</span>\nالمجلد السادس\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2433>الأعيان النجسة وكيفية تطهيرها</span>\nتأليف\nدبيان بن محمد الدبيان","vol":"6","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فإن القسم الأول من أحكام الطهارة، والذي خصص للطهارة التعبدية، (طهارة الحدث) قد انتهى والحمد لله في المجلدات الخمسة السابقة، وقد انتظم فيه: الكتب التالية:\nأحكام المياه، والوضوء، ومنه طهارة المسح بالماء، وطهارة الغسل والتيمم.\nوهذا أوان الدخول في القسم الثاني من أحكام الطهارة، وهي الطهارة الحسية (طهارة الخبث) وستقوم الدراسة إن شاء الله تعالى على معرفة الأعيان النجسة، وكيفية الطهارة منها. وسينتظم البحث فيه إن شاء الله تعالى بالكتب التالية:\nالأعيان النجسة وكيفية الطهارة منها.\nالطهارة من حاجة الإنسان الطبيعية (البول والغائط).\nالطهارة من الدماء الطبيعية (الحيض والنفاس).\nوستكون الخطة في الكتاب الأول، أعني الأعيان النجسة وكيفية الطهارة منها على النحو التالي:","vol":"6","page":5},{"text":"خطة البحث:\nمقدمة الكتاب: وتشتمل على ثلاثة مباحث.\nالمبحث الأول: في تعريف النجاسة.\nالمبحث الثاني: الأصل في الأشياء الطهارة.\nالمبحث الثالث: في أقسام النجاسات.\nالباب الأول: في الطاهر والنجس من الحيوان.\nالفصل الأول: في طهارة بني آدم.\nالمبحث الأول: في طهارة المسلم.\nالمبحث الثاني: في طهارة المشرك.\nالمبحث الثالث: في نجاسة بني آدم بالموت.\nالفصل الثاني: في الحيوان غير الآدمي.\nالمبحث الأول: في الحيوان الحي غير المأكول.\nالفرع الأول: في طهارة الهرة.\nالفرع الثاني: في الحيوان المركوب كالحمار والبغل.\nالفرع الثالث: في نجاسة الكلب.\nالفرع الرابع: في نجاسة الخنزير.\nالفرع الخامس: في نجاسة سباع البهائم والطير.\nالمبحث الثاني: في الحيوان البري المأكول.\nالفرع الأول: في طهارة الحيوان المأكول الحي أو المذكى.\nالفرع الثاني: في نجاسة الحيوان البري بالموت.\nالمسألة الأولى: في نجاسة الحيوان البري بالموت مما له نفس سائلة.","vol":"6","page":6},{"text":"المسألة الثانية: في الحيوان البري الذي لا نفس له سائلة.\nالمطلب الأول: المقصود من قول الفقهاء لا نفس له سائلة.\nالمطلب الثاني: في طهارة ما لا نفس سائلة وهو حي.\nالمطلب الثالث: في طهارة ميتة ما لا نفس له سائلة.\nالمبحث الثالث: في طهارة الحيوان البحري.\nالمبحث الرابع: في الجلالة.\nالفرع الأول: في تعريف الجلالة.\nالفرع الثاني: في حكم لحم الجلالة وركوبها وشرب لبنها.\nالمبحث الخامس: في الأجزاء المنفصلة من الحيوان.\nالفرع الأول: في الشحم واللحم إذا انفصلا من الحيوان وهو حي.\nالفرع الثاني: في شعر الحيوان وريشه ووبره.\nالفرع الثالث: في طهارة العظم من الحيوان.\nالفرع الرابع: في عصب الحيوان.\nالفرع الخامس: في جلد الميتة.\nالباب الثاني: في فضلات الحيوان.\nالفصل الأول: في البول والغائط والروث.\nالمبحث الأول: في بول الآدمي وعذرته.\nالفرع الأول: في بول الصبي والجارية.\nالفرع الثاني: ذكر العلة التي أوجبت التفريق بين بول الغلام والجارية.\nالفرع الثالث: في البول والغائط من الآدمي الكبير.\nالمبحث الثاني: في بول وروث الحيوان.","vol":"6","page":7},{"text":"الفرع الأول: في بول ورث الحيوان المأكول.\nالفرع الثاني: في بول وروث الحيوان غير المأكول.\nالفصل الثاني: من المني والمذي والودي من الحيوان.\nالمبحث الأول: في مني الآدمي.\nالفرع الأول: في طهارة مني بني آدم.\nالفرع الثاني: في المني الخارج بعد الاستجمار.\nالفرع الثالث: في طهارة ماء المرأة.\nالمبحث الثاني: في مني الحيوان.\nالمبحث الثالث: في نجاسة المذي.\nالفرع الأول: في نجاسة مذي الإنسان.\nالفرع الثاني: في نجاسة مذي الحيوان غير الآدمي.\nالمبحث الرابع: في نجاسة الودي.\nالفصل الثالث: في حكم الدم.\nالمبحث الأول: في نجاسة دم الحيض.\nالمبحث الثاني: في نجاسة دم الإنسان من عرق ونحوه.\nالمبحث الثالث: في دم الشهيد.\nالمبحث الرابع: في دم الحيوان الذي لا نفس له سائلة.\nالمبحث الخامس: علقة الحيوان الطاهر.\nالمبحث السادس: في دم القلب واللحم والباقي في العروق بعد الذبح من الحيوان المأكول.\nالمبحث السابع: في دم الكبد والطحال.","vol":"6","page":8},{"text":"المبحث الثامن: في دم السمك.\nالفصل الرابع: في طهارة القيء.\nالفصل الخامس: في طهارة القلس.\nالفصل السادس: في طهارة رطوبة الفرج.\nالفصل السابع: في اللبن.\nالمبحث الأول: طهارة لبن الآدمي الحي.\nالمبحث الثاني: في طهارة لبن الآدمي الميت.\nالمبحث الثالث: في طهارة لبن البهيمة المأكولة حال الحياة أو بعد التذكية الشرعية.\nالمبحث الرابع: في لبن الميتة إذا كانت من حيوان مأكول.\nالمبحث الخامس: في لبن الحيوان غير المأكول حيًا وميتًا.\nالفصل الثامن: طهارة إنفحة الميتة.\nالفصل التاسع: في القيح والصديد.\nالفصل العاشر: في بيض الحيوان.\nالمبحث الأول: في بيض مأكول اللحم.\nالمبحث الثاني: في بيض غير مأكول اللحم.\nالمبحث الثالث: في البيض الفاسد.\nالمبحث الرابع: سلق البيض بماء نجس.\nالباب الثالث: في الآسار.\nالفصل الأول: في سؤر الآدمي.\nالفصل الثاني: في طهارة سؤر الحيوان المأكول لحمه.","vol":"6","page":9},{"text":"الفصل الثالث: في طهارة سؤر الحيوان غير مأكول اللحم.\nالمبحث الأول: في سؤر الهرة وما دونها في الخلقة.\nالمبحث الثاني: في طهارة سؤر البغل والحمار.\nالمبحث الثالث: في سؤر سباع البهائم والطير.\nالمبحث الرابع: في سؤر الخنزير.\nالمبحث الخامس: في سؤر الكلب.\nالباب الرابع: في الجمادات.\nالفصل الأول: في طهارة الخمر.\nالفصل الثاني: في حكم الطيب الموجود فيه كحول.\nالفصل الثالث: في الحشيشة المسكرة.\nالباب الخامس: في حكم الطهارة من النجاسة.\nالفصل الأول: في حكم إزالة النجاسة.\nالفصل الثاني: في الصلاة مع التلبس بالنجاسة.\nالفصل الثالث: في اشتراط الفورية في إزالة النجاسة.\nالفصل الرابع: في اشتراط النية في إزالة النجاسة.\nالفصل الخامس: فيما يعفى عنه من النجاسات.\nمبحث: المعفو عنه هل هو طاهر حقيقة أم حكمًا.\nالفصل السادس: مذاهب العلماء في العفو عن النجاسات.\nالفصل السابع: فيما يحرم استعماله في إزالة النجاسة.\nالمبحث الأول: إزالة النجاسة بالكتب الشرعية.","vol":"6","page":10},{"text":"المبحث الثاني: في إزالة النجاسة بالأطعمة.\nالمبحث الثالث: إزالة النجاسة بالعظام والروث.\nالباب السادس: في كيفية إزالة النجاسة.\nالفصل الأول: في إزالة النجاسة بالماء.\nالمبحث الأول: في مشروعية إزالة النجاسة بالماء.\nالمبحث الثاني: في تعين الماء لإزالة النجاسة.\nالمبحث الثالث: تكرار الغسل في إزالة النجاسة.\nالمبحث الرابع: في بقاء لون أو رائحة النجاسة بعد التطهير.\nالمبحث الخامس: في إضافة مطهر مع الماء لإزالة اللون أو الرائحة.\nالمبحث السادس: في اشتراط عصر الثياب النجسة عند غسل النجاسة.\nالمبحث السابع: في حكم الحت والقرص.\nالمبحث الثامن: في كيفية تطهير المذي.\nالمبحث التاسع: في الكلام على غسالة النجاسة.\nالفصل الثاني: في كيفية التطهير بالنضح.\nالمبحث الأول: في تطهير بول الرضيع الذكر بالنضح.\nالمبحث الثاني: في تطهير المذي يصيب الثوب.\nالفصل الثالث: في كيفية تطهير النجاسة بغير الماء.\nالمبحث الأول: في التطهير بالمسح.\nالفرع الأول: تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف والمرآة والسكين بالمسح.\nالفرع الثاني: في الاستجمار بالحجارة.\nالفرع الثالث: المسح، هل يطهر حقيقةً أو حكمًا.","vol":"6","page":11},{"text":"الفرع الرابع: في وجوب تكرار المسح في إزالة النجاسة.\nالمبحث الثاني: في التطهير بالدلك.\nالمبحث الثالث: التطهير بالجفاف.\nالمبحث الرابع: التطهير بالاستحالة.\nالفصل الرابع: في كيفية تطهير المائع المتنجس.\nالمبحث الأول: في كيفية تطهير الماء المتنجس.\nالفرع الأول: الماء المتغير بالنجاسة متنجس وليس نجسًا.\nالفرع الثاني: أن يزول تغير الماء الكثير بنفسه.\nالفرع الثالث: أن يزول تغير الماء بإضافة ماء آخر عليه.\nالفرع الرابع: أن يزول تغير الماء بإضافة تراب أو طين.\nالفرع الخامس: أن يزول تغير الماء بالنزح.\nالمبحث الثاني: في تطهير المائعات سوى الماء.\nالفصل الخامس: في كيفية تطهير الأرض المتنجسة.\nالفصل السادس: في كيفية تطهير بعض النجاسات المخصوصة.\nالمبحث الأول: في كيفية التطهير من ولوغ الكلب.\nالفرع الأول: في عدد الغسلات من نجاسة الكلب.\nالفرع الثاني: في وضع الصابون والأشنان بدلًا من التراب.\nالفرع الثالث: في تعفير الإناء بتراب نجس.\nالفرع الرابع: في كيفية الطهارة من بول الكلب ورجيعه.\nالفرع الخامس: في قيام الغسلة الثامنة مقام التراب.\nالفرع السادس: في صفة التطهير بالتراب.","vol":"6","page":12},{"text":"المبحث الثاني: في كيفية التطهير من نجاسة الخنزير. هذا ما يسَّر الله ﷾ دراسته من أحكام النجاسات، سائلًا المولى ﷿ بأسمائه وصفاته الحسنى كما تفضل عليَّ بإنجازه، أن يمن علي بقبوله، وأن يرزق القبول والانتفاع.\nوكتبه\nأبو عمر دبيان بن محمد الدبيان\nالسعودية - القصيم - بريدة\n* * *","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2434>مقدمة الكتاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2435>المبحث الأول تعريف النجاسة</span>\nتعريف النجاسة اصطلاحًا (^١):\nقدَّم الفقهاء عدة تعريفات للنجاسة، وهم في ذلك يعرفون النجاسة تارة، ويعرفون حكم النجاسة تارة أخرى بقولهم: النجاسة وصف يمنع من كذا وكذا، وهناك فرق بين تعريف عينها، وبين تعريف حكمها، وقد اخترت من كل مذهب تعريفًا وقمت بشرحه وبيان محترزاته، والله الموفق.\nتعريف الحنفية للنجاسة:\nقالوا: النجاسة: عين مستقذرة شرعًا (^٢).\n_________\n(^١) ذكر في المصباح المنير (ص: ٥٩٤): نَجِسَ ينجَس فَهُوَ نَجِسٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا كَانَ قَذِرًا غَيْرَ نَظِيفٍ.\nوَنَجَسَ يَنْجُسُ مِنْ بَابِ قَتَلَ لُغَةٌ.\nوقَالَ بَعْضُهُمْ: وَنَجُسَ من باب شَرُف خِلافُ طَهُرَ، وَمَشَاهِيرُ الْكُتُبِ لا تذكر ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقَذَرَ قَدْ يَكُونُ نَجَاسَةً فَهُوَ مُوَافِقٌ لِهَذَا.\nوَالاسْمُ النَّجَاسَةُ. وَثَوْبٌ نَجِسٌ بِالْكَسْرِ اسْمُ فَاعِلٍ وَبِالْفَتْحِ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ، وَقَوْمٌ أَنْجَاسٌ، وَتَنَجَّسَ الشَّيْءُ، وَنَجَّسْتُهُ. وَالنَّجَاسَةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: قَذَرٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ مَا يَمْنَعُ جِنْسُهُ الصَّلاةَ كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ.\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٨).","vol":"6","page":15},{"text":"فقولهم: (عين) خرج به الوصف، فإنه معنى من المعاني.\nوقولهم: (مُستقذرة شرعًا) خرج به ما استقذر طبعًا، كالمخاط والبصاق، فإنهما مستقذران في عرف الناس وطبيعتهم، وإن كانا طاهرين شرعًا؛ وذلك لأن استقذارهم بالطبع والعرف، وليس بالشرع.\nتعريف المالكية للنجاسة:\nقالوا: صفة حكمية توجب لموصوفها منع جواز استباحة الصلاة به أو فيه (^١).\nوهذا تعريف النجاسة بتعريف حكمها، وما سبق تعريف لذات النجاسة، وبعض الأصوليين يمنعون تعريف الشيء بحكمه، فكونها تمنع استباحة الصلاة به، إن كانت محمولة، أو فيه إن كانت في المكان، هذا حكم النجاسة، وليس تعريفًا لماهية النجاسة. وقد قال بعضهم:\nوعندهم من جملة المردودِ ... أن تدخل الأحكام في الحدودِ\nثم قد يعترض عليه باعتراض آخر: وهو الصلاة في الدار المغصوبة وكذلك الثوب المغصوب، فإنه قد قام به وصف يمنع من استباحة الصلاة فيه إن كان بالمكان، أو به، إن كان بالثوب، ولا يقال بنجاستهما، والله أعلم.\nتعريف الشافعية:\nقال المتولي: «حدها: كل عين حرم تناولها على الإطلاق مع إمكان التناول لا\n_________\n(^١) حدود ابن عرفة (ص: ٢٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٣)، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي (١/ ٣٢).\nوقال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ٢٤): تعريف النجاسة: صفة حكمية يمتنع بها ما استبيح بطهارة الخبث. والطاهر: الموصوف بصفة حكمية يستباح بها ما منعه الحدث أو حكم الخبث. اهـ\nوالتعريف قريب مما قدمناه في صلب الكتاب.","vol":"6","page":16},{"text":"لحرمتها، زاد النووي: أو استقذارها أو ضررها في بدن أو عقل، والله أعلم» (^١).\nقال: وقولنا: (على الإطلاق) احتراز من السموم التي هي نبات، فإنها لا يحرم تناولها على الإطلاق، بل يباح القليل منها، وإنما يحرم الكثير الذي فيه ضرر.\nقال: وقولنا: (مع إمكان التناول) احتراز من الأشياء الصلبة؛ لأنه لا يمكن تناولها، وقولنا: (لا لحرمتها) احتراز من الآدمي.\nوما دفع النووي إلى هذه الزيادة قوله: وهذا الذي حدد به المتولي ليس محققًا فإنه يدخل فيه التراب والحشيش المسكر والمخاط والمني وكلها طاهرة مع أنها محرمة. وفي المني وجه أنه يحل أكله، فينبغي أن يضم إليها «لا لحرمتها أو استقذارها أو ضررها في بدن أو عقل والله أعلم».\nوقال الزركشي في المنثور: واعلم أن ذا حد للنجس لا للنجاسة؛ فإن النجاسة حكم شرعي فكيف تفسر بالأعيان، وقال صاحب الإقليد: رسموها بحكمها الذي لا يعرف إلا بعد معرفتها لكل عين حرمت لا لمضرتها ولا تعلق حق الغير بها أو كل ما يبطل بملاقاته الصلاة (^٢).\nوعرف النجاسة بعض الشافعية بأنها: مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص (^٣).\nتعريف الحنابلة:\nقال المرداوي: «حد النجاسة كل عين حرم تناولها مع إمكانه، لا لحرمتها، ولا لاستقذارها، ولا لضرر بها في بدن أو عقل» قاله في المطلع (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٦٥)، وانظر أسنى المطالب (١/ ٩)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٧٨)، تحفة المحتاج (١/ ٢٨٧).\n(^٢) المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ٢٤٨).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ٧٧).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٢٥).","vol":"6","page":17},{"text":"قلت: هذا التعريف متفق مع التعريف الذي ارتضاه النووي من الشافعية.\nهذه بعض التعريفات التي قدمها الفقهاء، والمتأمل لها يجد أن الفقهاء جعلوا علة النجاسة:\nإما راجعًا إلى الاستقذار شرعًا، كالتعريف المختار عند الحنفية، وهو أرجحها.\nأو راجعًا إلى تحريم التناول، كالتعريف المختار عند الشافعية والحنابلة.\nوالحق أن الحكم للشيء بأنه نجس هو حكم متلقى من الشارع، لا مكان للاجتهاد في عين هل هي نجسة أو طاهرة، وذلك أن النجاسة على الصحيح معدودة لا محدودة.\n• العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:\nهناك وجه شبه بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للنجس.\nفالنجس في لغة العرب: ضد النظافة والطهارة، فكل شيء يستقذر فهو نجس، وفي الشرع النجاسة: مستقذر مخصوص كالبول ونحوه.\nفالمخاط والبصاق مثلًا قذر لغة، وليس قذرًا شرعًا، والبول قذر لغةً وشرعًا.\n* * *","vol":"6","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2436>المبحث الثاني الأصل في الأشياء الطهارة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، من حيوان، أو نبات، أو جماد، أو مائع.\n• النجاسات محصورة مستقصاة، والطاهر من الأعيان لا حصر له.\n• الحكم بنجاسة شيء متلقى من الشارع، لا دخل للقياس فيه.\n[م-٤٦٨] هذا أصل عظيم من أصول الشريعة، يحتاج إليه الفقيه في كثير من الأعيان المختلف في طهارتها.\nقال ابن حزم: «من ادعى نجاسةً أو تحريمًا لم يصدق إلا بدليل من نص: قرآن، أو سنة صحيحة» (^١).\n• وقد دل على هذا أدلة كثيرة منها:\nمن الكتاب قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: ٢٩].\nقال الكاساني: أباح الانتفاع بالأشياء كلها، ولا يباح الانتفاع إلا بالطاهر (^٢).\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ٣٩٤).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٦٥).","vol":"6","page":19},{"text":"وقال في مغني المحتاج: «اعلم أن الأعيان جماد وحيوان، فالجماد كله طاهر؛ لأنه خلق لمنافع العباد، ولو من بعض الوجوه.\nقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: ٢٩]، وإنما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة إلا ما نص الشارع على نجاسته» (^١).\nوقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَاّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩].\nوجه الدلالة من الآية:\nأن الله ﷾ بيَّن لنا أنه قد فصل لنا ما حرم علينا: والتفصيل: هو التبيين، ومعنى هذا أنه بيَّن المحرمات، فما لم يبيِّن تحريمه فليس بمحرم، وما ليس بمحرم فهو حلال، وكل حلال لنا فهو طاهر.\nوقد ذكر ابن تيمية: أن الطاهر ما حل ملابسته ومباشرته وحمله في الصلاة، والنجس بخلافه (^٢).\nوقال القرافي: والطهارة ترجع للإباحة (^٣).\n(١٠٣٠ - ١) وأما الآثار، فمنها ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن داود بن صبيح، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا محمد يعني ابن شريك المكي، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء،\nعن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله تعالى نبيه ﷺ، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو وتلا: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا)\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٧٧)، وانظر أسنى المطالب (١/ ٩)، حاشية البجيرمي (١/ ١٠٣).\n(^٢) بتصرف مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٥٣٦، ٥٤١).\n(^٣) الفروق (٢/ ٣٥).","vol":"6","page":20},{"text":"[الأنعام: ١٤٥] إلى آخر الآية (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوأما الإجماع، فقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن النجاسات محصاة مستقصاة، وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر، كما يقولون فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل، وما لا يحل\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٨٠٠).\n(^٢) وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٠٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار على إثر حديث (٧٥٤)، والحاكم (٤/ ١١٥) والمقدسي في الأحاديث المختارة (٥٠٤) من طريق\nأبي نعيم الفضل بن دكين به.\nوأخرجه ابن حزم في المحلى (٧/ ٤٣٦) من طريق أحمد بن الهيثم، أخبرنا محمد بن شريك به.\nوأخرجه البيهقي (٩/ ٣٣٠) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار به. وفيه قصة.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢٥٩) عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن ابن عباس.\nوانظر إتحاف المهرة (٧٢٥٢)، وتحفة الأشراف (٥٣٦٨).\nوله شاهد من حديث أبي الدرداء، ومن حديث سلمان ﵄،\nأما حديث أبي الدرداء: فأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢١٠٢)، من طريق عبد الوهاب بن نجدة،\nوالبزار كما في مسنده (٤٠٨٧) من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا).\nقال البزار: إسناده صالح.\nوأخرجه الدارقطني في السنن (٢/ ١٣٧)، والبيهقي في السنن (١٠/ ١٢) من طريق أبي نعيم، ثنا عاصم بن رجاء به. وهذه متابعة لإسماعيل بن عياش.\nوعلة هذا الحديث الانقطاع؛ فإن رجاء بن حيوة لم يسمع من أبي الدرداء.\nانظر تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (٢٥٩)، وجامع التحصيل (ص: ١٧٥).\nوله شاهد من حديث سلمان ﵁: أخرجته في الكلام على إنفحة الميتة، حديث رقم (١٦٢٩).","vol":"6","page":21},{"text":"نكاحه وشبه ذلك» (^١).\nوقال أيضًا: «الأصل الجامع: طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها، فكل ما لم يبين لنا أنه نجس فهو طاهر» (^٢).\nوأما البراءة الأصلية: قال الشوكاني: «حق استصحاب البراءة الأصلية، وأصالة الطهارة أن يطالب من زعم بنجاسة عين من الأعيان بالدليل، فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي، وغائطه، والروثة فذاك، وإن عجز عنه، أو جاء بما لا تقوم به الحجة، فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة» (^٣).\nوقال الشوكاني: «الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم، والأصل البراءة من ذلك، ولا سيما في الأمور التي تعم بها البلوى» (^٤).\nوبناءً على هذه القاعدة الجليلة المهمة التي سنحتاج إليها كثيرًا في بحثنا هذا، وذلك أنه إذا وقع نزاع في شيء، هل هو طاهر أو نجس؟ نطالب من قال بالنجاسة بالدليل من الكتاب، أو من السنة، أو من الإجماع، أو من القياس الصحيح، أو من قول صحابي لم يخالف، فإن أثبت لنا حجته، وإلا حكم للشيء بالطهارة، ولا نحتاج إلى دليل على طهارة هذه العين، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٤٢، ٥٩١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٣٦).\n(^٣) السيل الجرار (١/ ٣١).\n(^٤) الدراري المضيئة (١/ ٢٧).","vol":"6","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2437>المبحث الثالث أقسام النجاسات</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تقسيم النجاسة تقسيم اصطلاحي راجع تارة إلى ذات النجاسة، وتارة إلى كيفية تطهيرها، ولا مشاحة في الاصطلاح.\n• الحكم على شيء بأنه نجس متلقى من الشرع، وأما تطهيره فمعقول المعنى، فمتى زال، أو أزيل بأي مزيل زال حكمه.\n[م-٤٦٩] لما كان الكلام على تقسيم النجاسة إنما هو اصطلاح فقهي، فقد اختلفت المذاهب في تقسيم النجاسات،\nفالحنفية: يقسمون النجاسة: إلى حقيقية وحكمية.\nفالحقيقية: هي نجاسة الخبث، ويقسمونها إلى مرئية كالدم، وغير مرئية كالبول إذا جفَّ مثلًا.\nوالحكمية: وهي نجاسة الحدث.\nوهذا بناء على مذهبهم في الحدث وأنه نوع من النجاسة، ولذلك فالماء المستعمل","vol":"6","page":23},{"text":"في رفع الحدث نجس عندهم على قول في مذهبهم كما بيناه سابقًا (^١).\nكما يقسم الحنفية النجاسة إلى مغلظة ومخففة:\nفالمغلظة عند أبي حنيفة: ما ورد فيها نص لم يعارض بنص آخر، فإن عورض بنص آخر فمخففة.\nمثاله: دم الحيض نجس مغلظ لورود النص على نجاسته، ولم يعارض بنص آخر.\nبينما بول ما يؤكل لحمه نجس مخفف؛ لأن حديث: «استنزهوا من البول» (^٢)، يدل على نجاسته، وحديث العرنيين، حيث أذن لهم بشرب أبوال الإبل يدل على طهارته، فلما عورض بنص آخر دل على أن نجاسته مخففة.\nوذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن النجاسة المغلظة ما أجمع على نجاسته، والمخففة ما اختلف الأئمة في نجاسته.\nفروث ما يؤكل لحمه مغلظة عند أبي حنيفة؛ لقوله: إنها ركس (^٣)، ولم يعارض بنص آخر.\nوالروث عند صاحبيه مخفف لقول مالك وأحمد بطهارته (^٤).\nوذهب الشافعية والحنابلة إلى تقسيم النجاسة باعتبار كيفية تطهيرها إلى ثلاثة أقسام:\nأ - مغلظة: وهي نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما، فتحتاج إلى التسبيع والتتريب، بخلاف غيرها من النجاسات.\n_________\n(^١) ذكرنا أدلتهم والجواب عليها في كتاب أحكام الطهارة (المياه والآنية) في بحث الماء المستعمل في رفع الحدث.\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في ذكر خلاف أهل العلم في نجاسة أبوال ما يؤكل لحمها.\n(^٣) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، انظر خلاف أهل العلم في نجاسة بول ما يؤكل لحمه.\n(^٤) انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣١٨)، البحر الرائق (١/ ٢٤٠).","vol":"6","page":24},{"text":"ب - مخففة: وهي طهارة بول الرضيع الذكر، ويكفي في طهارتها النضح.\nجـ - متوسطة: وهي سائر النجاسات.\nكما قسم الشافعية والحنابلة النجاسة إلى قسمين:\nنجس العين: وهي النجاسة التي لا تطهر بحال إلا الخمر، فتطهر بالتخلل.\nونجاسة حكمية: وهي النجاسة الطارئة على محل نجس (وهو ما يسمى بالمتنجس).\nوعلى هذا فتكون النجاسة إما نجسًا أو متنجسًا، فالنجس لا يطهر بحال، والمتنجس ما يمكن تطهيره (^١).\nوقال النووي: الحكمية: هي التي تيقن وجودها ولا تحس كالبول إذا جف على المحل، ولم يوجد له رائحة ولا أثر، فيكفي إجراء الماء على المحل مرة.\nوأما العينية: فلا بد من محاولة إزالة ما وجد منها من طعم ولون وريح (^٢).\nوهذه التقاسم هي تقاسيم اصطلاحية كما سبق، تارة ترجع إلى ذات النجاسة، وتارة ترجع إلى كيفية تطهيرها، ولا مشاحة في الاصطلاح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٨٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٧)، كشاف القناع (١/ ٥٨).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٢٨).","vol":"6","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2438>الباب الأول في الطاهر والنجس من الحيوان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2439>الفصل الأول في طهارة بني آدم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2440>المبحث الأول في طهارة المسلم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تطهير الخبث معقول المعنى، ولذا كان التطهير في محل الخبث، وطهارة الحدث تعبدية فلم يتعلق التطهير في محل الحدث.\n• قال ﷺ: إن المؤمن لا ينجس أي بالحدث، وإن كان المسلم بالخبث كغيره تلحقه النجاسة.\n• تطلق الطهارة ويراد بها الطهارة من الذنوب، وهذه لا تقتضي النجاسة الحسية، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣].\n• بدن الحائض طاهر في غير موضع الأذى، إن حيضتك ليست في يدك، وكانت عائشة تدهن رأس رسول الله ﷺ وترجله، وهي حائض، فالمحدث والجنب أولى بطهارة بدنهما من الحائض؛ لأنهما أخف حدثًا.","vol":"6","page":26},{"text":"[م-٤٧٠] المسلم إذا كان متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر فهو طاهر بلا خلاف بين أهل العلم (^١).\n[م-٤٧١] وإن كان محدثًا، سواءً كان محدثًا حدثًا أكبر: كالجنب والحائض، أو حدثًا أصغر كما لو نام، أو بال، أو تغوط، ونحوها، فقد اختلف في طهارته:\nفقيل: طاهر، وهو مذهب الجمهور (^٢)، وقول في مذهب الحنفية (^٣).\nوقيل: نجس نجاسة حكمية، وهو قول في مذهب الحنفية (^٤).\nوقيل: يجب اعتزال الحائض، روي هذا عن ابن عباس (^٥)، ولا يثبت عنه، وروي عن عبيدة السلماني (^٦)، وهو قول شاذ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2441> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2442>الدليل الأول:</span>\nلو كان المحدث نجسًا لما صح حمله في الصلاة، وقد جاء في حديث أبي قتادة في الصحيحين: «أن الرسول ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب» (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2443>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٣١ - ٢) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع،\n_________\n(^١) شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٦٧)، وسيأتي نقل كلامه بتمامه في أثناء ذكر الأدلة، وانظر الفتاوى الكبرى (١/ ٢٢٦).\n(^٢) المفهم (١/ ٥٥٩)، شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٦٧)، فتح الباري تحت حديث رقم (٢٩٩)، الإجماع لابن المنذر (ص: ٣٦).\n(^٣) تبيين الحقائق (١/ ٨٨).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٧٠)، تبيين الحقائق (١/ ٨٨).\n(^٥) انظر المصنف لعبد الرزاق (١٢٣٤)، ومسند أحمد (٦/ ٣٣٢) وسيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^٦) سيأتي قوله منسوبًا ومخرجًا إن شاء الله تعالى.\n(^٧) البخاري (٥١٦)، ومسلم (٤١/ ٥٤٣).","vol":"6","page":27},{"text":"عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ، وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هر. فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (^١).\nوقوله: إن المؤمن لا ينجس: يحتمل معنيين:\nالأول: إن المؤمن لا ينجس بهذا -أي بالحدث- وذلك أن أبا هريرة إنما كره جلوسه مع الرسول ﷺ لكونه جنبًا، فقال له: إن المؤمن لا ينجس أي بهذا، وإن كان المؤمن قد تلحقه النجاسة الطارئة كغيره، فإذا أصاب بدنه نجاسة تنجس.\nفيكون الحديث دليلًا على طهارة بدن الجنب.\nالمعنى الثاني: إن المؤمن لا ينجس أي طاهر بإيمانه، وهي طهارة معنوية، خاصة أن الحكم كان على وصف الإيمان، فيكون الإيمان مؤثرًا في الحكم، فيكون المعنى: المؤمن طاهر بإيمانه.\nكقوله ﷺ: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف (^٢).\nأي المؤمن القوي في إيمانه خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف في إيمانه، وليس المراد ما يستدل به أهل الرياضة على قوة الأبدان، فإن قوة البدن لا يتعلق بها مدح ولا ذم إلا حيث استعملت في طاعة الله ﷾، ولذلك كان ابن مسعود دقيق الساق، وهو من أفضل الصحابة.\nوحديث أبي هريرة في طهارة الجنب، وهو حدث أكبر، وأما طهارة الحائض فنذكره في الأدلة التالية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2444>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٣٢ - ٣) ما رواه مسلم، من طريق ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٦٦٤).","vol":"6","page":28},{"text":"عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ:\nناوليني الخمرة من المسجد. قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (^١).\nففي هذا الحديث دلالة على أنه لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى، فكما أن حيضتها ليست في يدها، فهي ليست في شيء من جسمها إلا موضع خروج الأذى، وهكذا سائر الأحداث. والله أعلم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2445>الدليل الرابع:</span>\n(١٠٣٣ - ٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عمرة،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج إلي رأسه من المسجد، وهو مجاور، فأغسله وأنا حائض. ورواه البخاري أيضًا (^٢).\nقال الحافظ: وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها (^٣).\nوالحيض حدث، فدل على أن المسلم المحدث طاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2446>الدليل الخامس:</span>\n(١٠٣٤ - ٥) ما رواه مسلم، من طريق المقدام بن شريح عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٩٨).\n(^٢) البخاري (٢٩٩)، ومسلم (٢٩٧).\n(^٣) الفتح في شرحه لحديث (٢٩٩)","vol":"6","page":29},{"text":"موضع فيّ. ولم يذكر زهير فيشرب (^١).\nقال القرطبي: قولها: «أتعرق العرْق: أي العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم، وهذه الأحاديث متفقة الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يجتنب إلا موضع الأذى فحسب» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2447>الدليل السادس:</span>\n(١٠٣٥ - ٦) ما رواه مسلم، قال حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن\nابن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت،\nعن أنس ﵁ قال: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فقال ﷺ: اصنعوا كل شيء إلا النكاح فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أنه لم يجد عليهما (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2448>الدليل السابع:</span>\nالإجماع: قال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن عرق الجنب طاهر وكذلك الحائض» (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٠٠).\n(^٢) المفهم (١/ ٥٥٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٠٢)\n(^٤) الإجماع لابن المنذر (ص: ٣٦).","vol":"6","page":30},{"text":"وإذا كان عرقهما طاهرين، وهو خارج من جسدهما، كان جسدهما طاهرًا.\nوقال النووي: قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها، وغير ذلك من الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران. وكل هذا متفق عليه، وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري في كتابه في مذاهب العلماء إجماع المسلمين على هذا كله ودلائله من السنة ظاهرة مشهورة (^١).\nوقال ابن تيمية: «وأبدان الجنب من الرجال والنساء طاهرة»، ثم قال: وهذا متفق عليه بين الأئمة أن بدن الجنب طاهر، وعرقه طاهر، والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر، ولو سقط الجنب في دهن أو مائع لم ينجسه، بلا نزاع بين الأئمة «(^٢).\nوإذا ثبتت طهارة المحدث حدثًا أكبر، كان المحدث حدثًا أصغر طاهرًا من باب أولى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2449> دليل من قال: المحدث نجس نجاسة حكمية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2450>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن استعمال الماء لرفع الحدث يسمى طهارة، قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nوالطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يعقل (^٣).\n• ويجاب عنه:\nأولًا: سمي طهارة؛ لأنه يطهر العبد من الذنوب، لا أنه طهره من نجاسة حلت\n_________\n(^١). شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٦٧).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٢٦).\n(^٣) البناية بتصرف (١/ ٣٥٠، ٣٥١).","vol":"6","page":31},{"text":"فيه، ولذلك لما اعتبر أبو هريرة حدثه نجاسة بين له ﷺ بقوله: (إن المؤمن لا ينجس). متفق عليه، وقد يقال: سمي طهارة باعتبار اللغة، فإن الطهارة في اللغة النظافة وإزالة ما يستقذر وهذا الفعل متضمن لذلك.\nثانيًا: تجديد الوضوء يسمى طهارة شرعية مع أنه متطهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2451>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٣٦ - ٧) ما رواه مسلم، من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه،\nأنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (^١).\nفلولا أن الجنب يؤثر في طهورية الماء لما نهى عنه، فهذا دليل على أن بدنه نجس.\n• وأجيب:\nبأنه الرسول ﷺ لم يتعرض لحكم الماء، ولم يقل ﵊: إنه أصبح نجسًا بمجرد الاغتسال فيه، فالحديث ليس فيه إلا النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، حالة كون المغتسل جنبًا، فإن قيل: ما الحكمة من النهي عن الاغتسال في الماء الدائم؟\nيقال: إن الطباع مجبولة على كراهة استعمال الماء الدائم الذي يغتسل فيه من الجنابة، وقد يكون في بدنه شيء من المذي فيستقذر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2452> دليل من قال: يجب اعتزال الحائض حال الحيض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2453>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].\nواعتزال النساء: اعتزال لجميع بدنها. ومن باشرها لا يصدق عليه أنه اعتزلها.\n_________\n(^١) مسلم (٢٨٣).","vol":"6","page":32},{"text":"• وأجيب:\nبأن الذي يوضح القرآن هو الرسول ﷺ، وقد بعثه الله ﷾ ليبين للناس ما نزل إليهم، وقد قال ﷺ في حديث أنس عند مسلم (^١)، وقد ذكرته بطوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2454>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٣٧ - ٨) أخرج عبد الرزاق (^٢)، وأحمد (^٣)، وأبو داود (^٤)، والنسائي (^٥)، وابن جرير الطبري (^٦)، والبيهقي (^٧)، واللفظ للبيهقي، رووه كلهم من طريق الزهري، عن حبيب مولى عروة بن الزبير،\nأن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ أخبرته، أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله ابن عباس في رسالة، فدخلت عليه فإذا فراشه معزول عن فراش امرأته، فرجعت إلى ميمونة فبلغتها رسالتها، ثم ذكرت ذلك. فقالت لها ميمونة: ارجعي إلى امرأته فسليها عن ذلك، فرجعت إليها، فسألتها عن ذلك، فأخبرتها أنها إذا طمثت عزل فراشه\nعبد الله عنها، فأرسلت ميمونة إلى عبد الله بن عباس، فتغيظت عليه، وقالت: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ، فوالله إن كانت المرأة من أزواجه لتأتزر بالثوب ما يبلغ أنصاف فخذيها، ثم يباشرها بسائر جسده.\n[ضعيف] (^٨).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٠٢).\n(^٢) المصنف (١٢٣٤).\n(^٣) المسند (٦/ ٣٣٢، ٣٣٦).\n(^٤) السنن (٢٦٧).\n(^٥) سنن النسائي (١/ ١٨٩).\n(^٦) في التفسير (٤٢٤٣).\n(^٧) السنن الكبرى (١/ ٣١٣).\n(^٨) انظر تخريجه في المجلد الثامن ح: (١٦٣٠).","vol":"6","page":33},{"text":"وعلى فرض صحته فإنه لا يتوقع من ابن عباس ﵄ أن تبلغه سنة المصطفى ثم يبقى على رأيه المخالف لفعل الرسول ﷺ، بل والمخالف لقوله. فكونه لم يعترض على ميمونة دليل منه على التسليم والقبول لما أخبرته، وإذا رجحنا رجوعه عنه لم يبق قولًا له. والله أعلم.\nوممن رأى هذا الرأي عبيدة السلماني:\n(١٠٣٨ - ٩) فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريقين، عن محمد ابن سيرين، قال: قلت لعبيدة السلماني:\nما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضًا، قال: الفراش واحد، واللحاف شتى (^١).\n[صحيح].\nوهذا موقوف عليه، ولا حجة في قول أحد مع قول الرسول ﷺ وفعله، وقول عبيدة لا يخرق الإجماع المؤيد بالسنة الصحيحة الصريحة ما دام أن الأمر لم يثبت عن ابن عباس.\nبل الثابت عن ابن عباس خلافه.\n(١٠٣٩ - ١٠) فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريق محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال:\nقال ابن عباس: إذا جعلت الحائضُ ثوبًا أو ما يكف الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدها زوجها (^٢).\n[حسن] (^٣).\nقال النووي: «وأما ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره، من أنه لا يباشر شيئًا\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٤٢٤٢، ٤٢٤٤).\n(^٢) تفسير الطبري (٤٢٥٢).\n(^٣) انظر تخريجه في المجلد الثامن، ح: (١٦٣٢).","vol":"6","page":34},{"text":"منها بشيء منه فشاذ منكر غير معروف، ولا مقبول، ولو صح عنه لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة المشهورة، المذكورة في الصحيحين وغيرها من مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار، وإذنه في ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده» (^١).\nوقال الشوكاني: «وأما ما يروى عن ابن عباس، وعبيدة السلماني، أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش امرأته إذا حاضت فليس بشيء» (^٢).\nفالراجح: طهارة المسلم سواءً كان محدثًا أو غير محدث، وسواءً كان حدثه أكبر أم أصغر، وأما طهارته حال الممات فإننا سوف نتعرض له في باب مستقل عند الكلام على الميتة.\n• الراجح:\nأن بدن المسلم طاهر، ولو كان محدثًا، وأن الحدث معنى تعبدي، يمنع المتصف به من بعض العبادات التي من شرطها الطهارة من الحدث، وليس الحدث خبثًا يتصف به بدن المحدث حتى يتنجس به.\n* * *\n_________\n(^١) شرح مسلم (٣/ ٢٠٤).\n(^٢) تفسير فتح القدير (١/ ٢٢٦).","vol":"6","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2455>المبحث الثاني في طهارة المشرك</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إباحة نساء أهل الكتاب وطعامهم دليل على طهارة أبدانهم.\n• إذا علقت الطهارة على وصف كالإيمان، أو علقت النجاسة على وصف كالشرك لم يرد بذلك الطهارة أو النجاسة الحسية؛ لأن تطهير الشرك لا يكون إلا باعتقاد الإيمان، بينما النجاسة عين خبيثة يمكن تطهيرها بإزالتها.\n[م-٤٧٢] اختلف الفقهاء في بدن المشرك، هل هو طاهر أو نجس؟\nفقيل: بدنه طاهر، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١). قال السرخسي في المبسوط (١/ ٤٧): «أنزل النبي ﷺ وفد ثقيف في المسجد، وكانوا مشركين، ولو كان عين المشرك نجسًا لما أنزلهم في المسجد».اهـ وانظر بدائع الصنائع (١/ ٦٤)، والمحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ١٢٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٨).\nوهذا القول ينبغي أن ينزل على الرواية الثانية في مذهب الحنفية، والتي تقول بطهارة بدن المحدث، وأما على القول بنجاسة بدن المحدث، فإنه ينبغي أن يكون المشرك نجسًا نجاسة حكمية إلا أن يكون متطهرًا، وهم يصححون وضوء المشرك؛ لأن النية ليست شرطًا عندهم.\nوذهب المالكية في الراجح عندهم إلى طهارة كل حي مطلقًا حتى الكلب، انظر منح الجليل (١/ ٤٧)، التاج والإكليل (١/ ٢٢٧)، مواهب الجليل (١/ ٩٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٠)، وانظر الحاوي (١/ ٨٠)، المجموع (١/ ٣٢٠)، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (١/ ٢٤)، كشاف القناع (١/ ٩٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٣٣).","vol":"6","page":36},{"text":"وقيل: بدنه نجس مطلقًا، وهو قول في مذهب المالكية، وإليه ذهب ابن حزم رحمه الله تعالى (^١).\nوقيل: المشرك طاهر حيًا، ونجس ميتًا، وهو قول في مذهب المالكية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2456> دليل من قال: إن بدن المشرك طاهر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2457>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥].\nوجه الاستدلال:\nيلزم من حل طعامهم لنا مع مباشرتهم لها طهارة أبدانهم، كما أباح لنا نكاح نسائهم، ويلزم من المعاشرة الزوجية مباشرة كل واحد من الزوجين للآخر، وفي هذا لا يسلم من إصابة عرقهن وريقهن، فدل على طهارة أجسادهن.\nاعتراض على الاستدلال:\nاعترض ابن حزم على هذا الاستدلال بقوله: فإن قيل: قد أبيح لنا نكاح الكتابيات ووطؤهن، قلنا نعم، فأي دليل في هذا على أن لعابها وعرقها ودمعها طاهر؟ فإن قيل: إنه لا يقدر على التحفظ من ذلك. قلنا: هذا خطأ، بل يفعل فيما مسه من لعابها وعرقها مثل الذي يفعل إذا مسه بولها أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق، ولا حرج في ذلك، ثم هب أنه لو صح لهم ذلك في نساء أهل الكتاب، من أين لهم\n_________\n(^١) القوانين الفقهية لابن جزي (ص: ٤٧)، المحلى مسألة: ١٣٤ (١/ ١٣٧).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ٥٣).","vol":"6","page":37},{"text":"طهارة رجالهم أو طهارة النساء والرجال من غير أهل الكتاب؟ فإن قالوا: قلنا ذلك قياسًا على أهل الكتاب. قلنا: القياس كله باطل، ثم لو كان حقًّا لكان هذا منه عين الباطل؛ لأن أول بطلانه أن علتهم في طهارة الكتابيات جواز نكاحهن، وهذه العلة معدومة بإقرارهم في غير الكتابيات. والقياس عندهم لا يجوز إلا بعلة جامعة بين الحكمين، وهذه علة مفرقة لا جامعة وبالله تعالى التوفيق.\n• ورد هذا الاعتراض:\nيمكن الرد على ابن حزم ﵀ بأنه إذا كانت المرأة من أهل الكتاب طاهرة، كان الرجل طاهرًا ولا فرق، ولو سلم اعتراض ابن حزم على هذا الدليل فما جوابه عن أكل طعام أهل الكتاب، فإنهم يباشرونه بأيديهم، ويطبخونه بمياههم، وفي آنيتهم، ومن غير فرق بين طعام الرجل وطعام المرأة.\n(١٠٤٠ - ١١) فقد أخرج البخاري بسنده من حديث أبي هريرة في قصة وضع السُّمِّ للرسول ﷺ، وفيه:\nقال رسول الله ﷺ: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم؟ قالوا: نعم. قال: هل وضعتم في هذه الشاة سمًّا؟ قالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك (^١).\n(١٠٤١ - ١٢) وروى مسلم بإسناده من طريق عبد الله بن مغفل، قال:\nأصبت جرابًا من شحم يوم خيبر قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا. قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسمًا، ورواه البخاري واللفظ لمسلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2458>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٤٢ - ١٣) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد،\n_________\n(^١) البخاري (٣١٦٩).\n(^٢) مسلم (١٧٧٢)، البخاري (٥٥٠٨).","vol":"6","page":38},{"text":"أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد فجاءت برجلٍ من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد. الحديث قطعة من حديث طويل. ورواه مسلم أيضًا (^١).\nوجه الاستدلال:\nلو كان الكافر نجس العين لما ربط ثمامة في المسجد وهو مشرك، فدل على طهارة بدن المشرك.\n• اعتراض وجواب:\nاعترض على هذا الحديث بأنه كان قبل النهي عن دخول المشركين المسجد في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [التوبة: ٢٨]، فتكون الآية ناسخة للحكم الوارد في الحديث.\n• ويجاب:\nبأن النهي عن دخول المسجد الحرام لا يشمل النهي عن دخول غيره من المساجد، وهذا النهي ليس خاصًا في مسجد الكعبة، بل ينهى عن دخول الحرم كله، وإن كان باقي الحرم قد يتبول فيه الإنسان ويتغوط، فهذا نهي خاص عن الحرم كله لا عن المسجد، فلا يقاس عليه غيره من البقاع إلا ما ورد الدليل بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2459>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٤٣ - ١٤) ما أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وقد جاء فيه:\nأن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأن أحد الصحابة كان مجنبًا فاغتسل من ذلك الماء. والحديث في صحيح مسلم دون قصة اغتسال الجنب (^٢).\n_________\n(^١) صحيحي البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤).\n(^٢) البخاري (٣٥٧١)، صحيح مسلم (٦٨٢).","vol":"6","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2460>الدليل الرابع:</span>\n(١٠٤٤ - ١٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن،\nعن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم. الحديث (^١).\n[اختلف في سماع الحسن من عثمان، كما اختلف في وصله وإرساله، والراجح إرساله] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٢١٨).\n(^٢) رجاله ثقات، واختلف في سماع الحسن من عثمان بن أبي العاص.\nفأثبت سماعه علي بن المديني. انظر علل ابن المديني (٤).\nوذكر البخاري في التأريخ الكبير (٦/ ٢١٢) عن الحسن قوله: كنا ندخل على عثمان بن\nأبي العاص.\nوصحح الترمذي حديث الحسن عن عثمان بن أبي العاص، قال: (واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا).\nوأثبت البزار سماع الحسن من عثمان بن أبي العاص، انظر نصب الراية (١/ ٩).\nوقال المزي: قيل: لم يسمع منه. وهذه الصيغة على سبيل التمريض، فلم يجزم المزي بعدم السماع.\nوقال ابن معين في تاريخه رواية الدوري (٤/ ٢٦٠) «يقال: إنه رأى عثمان بن أبي العاص». والحاكم في المستدرك (١/ ٤٠٩) وجزم الحافظ في التهذيب بعدم السماع منه.\n[تخريج الحديث]\nأخرجه الطيالسي (٩٣٩)، ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٣٠٥).\nوأخرجه أحمد كما في إسناد الباب، وابن أبي شيبة في المصنف (١٠٥٧٩)، وابن خزيمة (١٣٢٨) عن عفان.\nورواه أبو داود (٣٠٢٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٣٠)، والطبراني (٩/ ٥٤) ح ٨٣٧٢، وابن خزيمة (١٣٢٨)، والبيهقي (٢/ ٤٤٤)، من طريق أبي الوليد.\nوأخرجه ابن الجاورد في المنتقى (٣٧٣) حدثنا محمد بن يحيى.\nوأخرجه في الآحاد والمثاني (١٥٢٠) والطبراني (٩/ ٥٤) رقم ٨٣٧٢ عن هدبة بن خالد، ...\nكلهم (أبو داود الطيالسي، وعفان، وأبو الوليد، ومحمد بن يحيى، وهدبة) عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص مرفوعًا.\nواختلف على الحسن:\nفرواه حميد موصولًا كما سبق.\nوأخرجه أبو داود في المراسيل (١٧)، وفي الآحاد والمثاني (١٥٢١) من طريق أشعث، عن الحسن مرسلًا.\nوأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٢٠) وابن أبي شيبة (٢/ ٢٦٠) من طريق سفيان،\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٦٠) عن ابن علية، كلاهما عن يونس، عن الحسن مرسلًا.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣) من طريق أبي عقيل الدورقي، عن الحسن مرسلًا.\nفهؤلاء ثلاثة يروونه عن الحسن مرسلًا، ويونس من أصحاب الحسن، مقدم على غيره، والله أعلم.","vol":"6","page":40},{"text":"وجه الاستدلال به، كالاستدلال بحديث ثمامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2461>الدليل الخامس:</span>\nلم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه توقي الكفار، وقد كانوا معهم في مكة قبل الهجرة، كما لم ينقل توقيهم لأهل الكتاب في المدينة، ولو كانوا أنجاسًا لنقل توقيهم لهم، وغسل ما أصابهم منهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2462> دليل من قال بنجاسة المشرك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2463>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا و) [التوبة: ٢٨].\nوجه الاستدلال:\nنهى الله ﷾ عن دخول المشركين المسجد الحرام، وذكر العلة في ذلك، وهو أنهم نجس، فدل على نجاستهم نجاسة عينية، وإذا ورد لفظ نجس في الشرع حمل ذلك على الحقيقة الشرعية.","vol":"6","page":41},{"text":"• وأجيب:\nبأن الحكم معلق على وصف، وهو الشرك، والشرك نجاسة معنوية، كما أن الإيمان طهارة معنوية في قوله: (إن المؤمن لا ينجس) (^١)، وحمل المعنى على الحقيقة الشرعية هو الأصل، لكن إذا وردت قرينة تمنع من إرادة الحقيقة الشرعية لم يحمل عليها، فلما أذن في نكاح نساء أهل الكتاب، وأباح لنا طعامهم، علم أن الحقيقة الشرعية غير مرداة، فحملنا الآية على النجاسة المعنوية، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2464>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٤٥ - ١٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، قال: أخبرني ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم، وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ لم يأذن باستعمالها إلا بعد غسلها، فدل ذلك على نجاستها، وإذا كانت آنيتهم نجسة فمن باب أولى أن تكون أبدانهم نجسة كذلك.\n• وأجيب بجوابين:\nالأول: لو كانت العلة النجاسة لأمر بغسلها مباشرة، فالنهي عن استعمالها مع\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٤٧٨)، ومسلم (١٩٣٠).","vol":"6","page":42},{"text":"وجود غيرها مطلق، سواءً تيقنا طهارتها أم لا، والأصل في النهي المنع، لكن لما قال ﷾: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ) [المائدة: ٥]، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم وأوانيهم، وأكل النبي ﷺ طعام أهل الكتاب في أحاديث صحيحة، فدل على أن الغسل من باب الاحتياط والاستحباب.\nالجواب الثاني:\nأن حديث أبي ثعلبة الخشني في قوم كانوا يأكلون في آنيتهم الميتة والخنزير، ويشربون فيها الخمر، ولذا أمر بغسلها إن لم يوجد غيرها، أما من يعلم أنهم لا يأكلون فيها الميتة ولا يشربون فيها الخمر فآنيتهم كآنية المسلمين.\n(١٠٤٦ - ١٧) ويدل على هذا ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد ابن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،\nأن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إنى بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم منها بدًا، فإذا لم تجدوا منها بدًا فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبنه قال: واشربوا (^١).\n[أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2465>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٤٧ - ١٨) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع،\nعن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ، وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت\n_________\n(^١) سنن أبي داود الطيالسي (١٠١٤).\n(^٢) سبق تخريجه في المجلد الأول ح (١١٩).","vol":"6","page":43},{"text":"يا أبا هر؟ فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (^١).\nمفهومه: إن المشرك نجس.\nقلت: لا حاجة إلى الاستدلال بمفهوم الحديث، وعندنا منطوق الآية الكريمة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) وقد أجبت عن الآية، وما كان جوابًا عن الآية كان جوابًا عن مفهوم حديث أبي هريرة ﵁.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2466> دليل من قال: إن المشرك ينجس بالموت:</span>\nسوف أعقد إن شاء الله تعالى في الفصل التالي كلام أهل العلم في حكم ميتة الآدمي، وأذكر فيه أدلة كل قول، فانظره مشكورًا.\n• الراجح من الخلاف:\nالراجح أن بدن المشرك طاهر، وأن نجاسته معنوية، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٥) مسلم (٣٧١).","vol":"6","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2467>المبحث الثالث في نجاسة بني آدم بالموت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تغسيل الميت دليل على طهارة عينه؛ إذ لو كان نجس العين لما تعبدنا بغسله؛ لأن غسل ما هو نجس العين لا يزيده إلا تنجيسًا.\n• المقصد الشرعي من غسل الميت معنيان: أحدهما غسل بمعنى الحدث، وهذا يكفي فيه غسلة واحدة إلى ثلاث، وغسل يرجع إلى نظافة بدنه، وهذا يرجع تقديره إلى الغاسل، قال ﷺ لمن غسل ابنته: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك.\n[م-٤٧٣] اختلف العلماء في ميتة الآدمي:\nفقيل: نجس مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، وقول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (^١).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٤٣)، وقد حكم الحنفية بنجاسة البئر إذا مات فيه آدمي انظر الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٧) المبسوط (١/ ٥٨)، بدائع الصنائع (١/ ٧٥)، الهداية شرح البداية، مطبوع مع شرح فتح القدير (١/ ١٠٤)، وهل نجاسته نجاسة حدث، أو نجاسة خبث الصحيح في مذهب الحنفية أن نجاسته نجاسة خبث، باعتباره حيوانًا دمويًا فينجس بالموت، انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٢١١).\nوانظر مواهب الجليل (١/ ٩٩)، المجموع (٢/ ٥٧٩، ٥٨٠)، المغني (١/ ٤٢)، الإنصاف (١/ ٣٣٧).","vol":"6","page":45},{"text":"وقيل: طاهر مطلقًا، وهو الراجح في مذهب الشافعية، والمالكية، والمشهور عند الحنابلة (^١).\nوقيل: المسلم الميت طاهر، والكافر الميت نجس، وهو قول في مذهب المالكية (^٢)، وقول عند الحنابلة (^٣)،\nواختيار ابن حزم (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2468> دليل من قال: إن ميتة الآدمي طاهرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2469>الدليل الأول:</span>\n(١٠٤٨ - ١٩) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع،\nعن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ، وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٥٧٩، ٥٨٠): «وأما الآدمي هل ينجس بالموت أم لا؟ فيه هذان القولان، الصحيح منهما: أنه لا ينجس، اتفق الأصحاب على تصحيحه، ودليله الأحاديث السابقة والمعنى الذي ذكره». اهـ وانظر أسنى المطالب (١/ ١٠)، نهاية المحتاج (١/ ٢٣٨، ٢٣٩).\nوانظر: مواهب الجليل (١/ ٩٩) الخرشي (١/ ٨٨، ٨٩)، المغني (١/ ٤٢)، كشاف القناع (١/ ١٩٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٣٣).\n(^٢) قال في مواهب الجليل (١/ ٩٩): «وذهب بعض أشياخنا إلى التفرقة بين المسلم والكافر، ولا أعلم أحدًا من المتقدمين ولا من المتأخرين فرق بينهما».اهـ\n(^٣) ساقه ابن قدامة احتمالًا، قال في المغني (١/ ٤٢): لم يفرق أصحابنا بين المسلم والكافر؛ لاستوائهما في الآدمية، وفي حال الحياة، ويحتمل أن ينجس الكافر بموته؛ لأن الخبر إنما ورد في المسلم، ولا يصح قياس الكافر عليه؛ لأنه لا يُصلى عليه، وليس له حرمة كحرمة المسلم. اهـ\nوقال في الإنصاف (١/ ٣٣٧): وقيل: ينجس الكافر، دون المسلم، وهو احتمال في المغني. قال المجد في شرحه، وتابعه في مجمع البحرين: ينجس الكافر بموته على كلا المذهبين في المسلم ولا يطهر بالغسل أبدًا كالشاة. وخص الشيخ تقي الدين في شرح العمدة الخلاف بالمسلم. وأطلقهما ابن تميم في الكافر. اهـ\n(^٤) يأخذ ابن حزم ﵀ بظاهر حديث (إن المؤمن لا ينجس) فمنطوقه: أن المؤمن لا ينجس حيًا ولا ميتًا، ومفهومه: أن الكافر نجس، حيًا وميتًا، ويؤيد هذا المفهوم منطوق الآية عنده: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) وبالتالي يحكم على نجاسة لعاب الكافر وعرقه ولبنه وسائر أجزائه في الحياة والموت، انظر المحلى مسألة: (١٣٤، ١٣٩، ٦٠٣، ٢٠١٨).","vol":"6","page":46},{"text":"حتى قعد فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هر. فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (إن المؤمن لا ينجس) هذا مطلق، وهو يشمل حال الحياة وحال الموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2470>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٤٩ - ٢٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء،\nعن ابن عباس: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا (^٢).\nورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2471>الدليل الثالث:</span>\nقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: ٧٠].\nوجه الاستدلال:\nأن التكريم يقتضي بأن لا يحكم عليه بالنجاسة سواءً في حال الحياة أو في حال الموت.\n• ويمكن يجاب عنه:\nبأن هذا الدليل ليس نصًّا على طهارة الميت، كما أن الحكم على بوله وغائطه ومذيه بأنه نجس، لا ينافي تكريم الله له،، فكذلك الحكم على بدنه بأنه نجس حال\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٥) مسلم (٣٧١).\n(^٢) المصنف (٢/ ٤٦٩).\n(^٣) في باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر.\n(^٤) سبق تخريجه، انظر المجلد الثاني، ح (٤٩٥).","vol":"6","page":47},{"text":"الموت لا ينافي التكريم، وقد يكون المراد من التكريم هو ما أعطاه الله لهذا المخلوق من عقل، وسخر له ما في السموات والأرض وغير ذلك من نعم الله على بني آدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2472>الدليل الرابع:</span>\nيشرع للميت الغسل قبل الدفن، ولو كان نجس العين لما طهره الغسل، ولم يكن لمشروعيته فائدة، وهذا ما ينزه عنه الشارع.\n• وأجيب:\nبأنه لو كان طاهرًا لم يؤمر بغسله كسائر الأعيان الطاهرة.\n• ورد هذا:\nبأن غسل الميت له مقصودان في الشرع، أحدهما: تعبدي، وهو بمنزلة رفع الحدث من الحي، فكما أن المسلم الحي طاهر، سواءً كان محدثًا أو غير محدث، فكذلك الميت، والطهارة من الحدث ليست طهارة عن نجاسة، وذلك لأن غسل الأعضاء المخصوصة في الوضوء لا دخل لها في مخرج البول والغائط والريح وسائر الأحداث، وإنما هي طهارة تعبدية.\nوالثاني: وهي نظافة بدنه، ولهذا ترك عدد الغسلات فيه إلى تقدير الغاسل، قال ﷺ: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2473>الدليل الخامس:</span>\n(١٠٥٠ - ٢١) ما روه مسلم، من طريق عبد العزيز بن محمد، عن عبد الواحد ابن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير،\nأن عائشة أمرت أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها فقالت: ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد (^١).\n_________\n(^١) مسلم (٩٧٣).","vol":"6","page":48},{"text":"وجه الاستدلال:\nكون المسلمين إلى يومنا هذا يصلون على موتاهم في المساجد، دليل على طهارة الميت، ولو كان الموت يجعل الآدمي نجسًا ما صلي على الميت في المسجد، مع الأمر بحفظ المساجد عن النجاسات، بل وعن القاذورات ولو كانت طاهرة كالبصاق والنخامة ونحوهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2474> دليل من قال: إن الميت نجس مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2475>الدليل الأول:</span>\nإذا كان الحيوان الطاهر المأكول اللحم إذا مات من غير تذكية أصبح نجسًا بالإجماع، فكذلك بدن الآدمي، فإن طهارته حال الحياة لا تمنع من نجاسته إذا مات، لكونه حيوانًا له نفس سائلة.\n• وأجيب:\nبأن هذا القياس في مقابل النص، فيكون قياسًا فاسدًا، فقد دلت النصوص على طهارة المسلم حيًا وميتًا كما ذكرناها في أدلة القول الأول، فيكون الآدمي مخصوصًا من الحيوان الذي له نفس سائلة، وينجس بالموت، كما خص السمك بطهارته ميتًا، وإن كان له نفس سائلة.\nكما يمكن أن يقال: بأن هذا قياس مع الفارق، حيث إن الحيوان حلال الأكل خلقه الله ليكون مائدة تؤكل، ويفتقر عند التذكية إلى ذكر اسم الله عليه ليكون طاهرًا حلالًا، بخلاف الآدمي فلا يحل أكله حيًا ولا ميتًا كما هو معلوم، وإذا ثبت الفارق سقط القياس، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2476>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٥١ - ٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن منصور،\nعن عطاء أن حبشيًّا وقع في زمزم، فمات، قال: فأمر ابن الزبير أن ينزف ماء","vol":"6","page":49},{"text":"زمزم، قال: فجعل الماء لا ينقطع، قال: فنظروا فإذا عين تنبع من قبل الحجر الأسود، قال: فقال ابن الزبير: حسبكم (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2477>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٥٢ - ٢٣) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة،\nعن ابن عباس: أن زنجيًّا وقع في ماء زمزم، فأنزل إليه رجلًا فأخرجه، ثم قال: انزفوا ما فيها من ماء، ثم قال للذي في البئر: ضع دلوك من قبل العين التي تلي البيت أو الركن؛ فإنها من عيون الجنة (^٣).\n[قتادة لم يسمع من ابن عباس] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2478>الدليل الرابع:</span>\n(١٠٥٣ - ٢٤) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق جابر،\nعن أبي الطفيل، قال: وقع غلام في ماء زمزم، فنزفت أي نزح ماؤها (^٥).\n_________\n(^١) المصنف (١٧٢١).\n(^٢) والأثر قد أخرجه أبو عبيد في كتاب الطهور (١٨٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٧٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٧) من طريق هشيم، أخبرنا منصور به.\n(^٣) المصنف (١/ ١٥٠) رقم: ١٧٢٢.\n(^٤) وقد تابع ابن سيرين قتادة في الرواية عن ابن عباس فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٣٣) ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٦٦) من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن ابن عباس.\nوابن سيرين لم يسمع من ابن عباس أيضًا كما أفاده البيهقي في سننه (١/ ٢٦٦)، وفي المعرفة (١/ ٩٤).\nورواه البيهقي في المعرفة (١/ ٩٣) من طريق القعنبي، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس. وابن لهيعة فيه ضعف.\nفهذه ثلاثة طرق عن ابن عباس، وإن كان كل طريق منها ضعيفًا إلا أن هذه الطرق بمجموعها قد يشد بعضها بعضًا. وانظر إتحاف المهرة (٨٨٨٤).\n(^٥) شرح معاني الآثار (١/ ١٧).","vol":"6","page":50},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\nوجه الاستدلال من هذه الآثار:\nلو لم يكن الآدمي ينجس بالموت لما نجس ماء زمزم بموت الآدمي فيه، ولما كان هناك حاجة إلى نزحه.\n• ويجاب عن هذا من أربع وجوه:\nالوجه الأول:\nهناك من يضعف قصة وقوع الزنجي في بئر زمزم، وإلى هذا ذهب سفيان بن عيينة ﵀.\nفقد روى البيهقي بإسناده عن سفيان قوله: أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر أحدًا صغيرًا ولا كبيرًا يعرف حديث الزنجي الذي قالوا: إنه مات في زمزم، وما سمعت أحدًا يقول: ينزح زمزم (^٢).\nالوجه الثاني:\nهذه الآثار إن صحَّت فهي موقوفة على صحابي، وفعل الصحابي حجة إذا لم يخالف المرفوع، وهنا قد خالف ما رواه أحمد،\n(١٠٥٤ - ٢٥) قال أحمد في مسنده: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الوليد ابن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله -وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج-\nعن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر\n_________\n(^١) في إسناده جابر الجعفي، وهو متروك.\nوقال البيهقي في المعرفة (١/ ٩٤): رواه جابر الجعفي مرة عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، ومرة عن أبي الطفيل نفسه، ثم قال: وجابر الجعفي لا يجتح به.\n(^٢) المعرفة (١/ ٩٥).","vol":"6","page":51},{"text":"يلقى فيها الحيض، والنتن، ولحوم الكلاب؟ قال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء (^١).\n[صحيح بشواهده] (^٢)\n(١٠٥٥ - ٢٦) وروى أحمد أيضًا، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك ابن حرب، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «الماء لا ينجسه شيء» (^٣).\n[سبق تخريجه] (^٤).\nبل إن فعل ابن عباس بالأمر بنزح البئر على التسليم بصحته عنه معارض بما صح عن ابن عباس نفسه،\n(١٠٥٦ - ٢٧) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء،\nعن ابن عباس: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا (^٥).\nوهذا نص صريح بأن الموت لا ينجس المؤمن، وإذا كان الموت ليس من أسباب النجاسة في حق المؤمنين، لم يكن من أسبابها في حق غيرهم، لأن الشيء لا يمكن أن يكون إذا لحق زيدًا لم ينجسه، وإذا لحق عمرًا نجسه، بل الحكم يكون شاملًا لعموم الناس على صورة واحدة.\nالوجه الثالث:\nربما نزح البئر لسبب آخر غير وقوع الجثة في البئر، فإنه يبعد أن يسقط أحد في بئر ويسلم من الجروح، وقد يغير الدم لون الماء وطعمه، ومعلوم أن الدم يحرم شربه،\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٣١).\n(^٢) انظر المجلد الأول، ح: (٤).\n(^٣) المسند (١/ ٣٠٨).\n(^٤) انظر (١/ ٥١) الشاهد الثالث.\n(^٥) المصنف (٢/ ٤٦٩)، وسبق تخريجه انظر (١٠٤٩).","vol":"6","page":52},{"text":"فنزحت من أجل ذلك، أو من أجل استقذار الماء.\n(١٠٥٧ - ٢٨) ويؤيد ذلك ما رواه البخاري، من طريق ابن شهاب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس،\nعن ميمونة، أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها، فاطرحوه، وكلوا سمنكم (^١).\nفإذا كان هذا في الفأرة الميتة وهي بلا شك نجسة، وفي إناء السمن، وهو إناء صغير ليس كالبئر، والسمن ليس كالماء في دفعه للنجاسة، ومع ذلك لم ينجس السمن كله، فما بالك بالبئر والذي غالبًا ما يكون الماء فيه كثيرًا، ومع الآدمي وهو على الصحيح عين طاهرة، فإنه بلا شك يكون طاهرًا، وأن الأمر بنزح الماء إنما هو للاستقذار أو لحرمة شرب الدم وقد تغير الماء به، والله أعلم.\nالوجه الرابع:\nأنكم تقولون بنزح البئر مطلقًا، تغير الماء أو لم يتغير، مع أن الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو ماء طهور بالإجماع كما نقلنا الإجماع على ذلك عند الكلام على سؤر الخنزير فلماذا أخرجتم البئر من هذا الإجماع، وما الحاجة إلى نزحه، وبئر زمزم من الماء الكثير، وليس من الماء القليل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2479> دليل من قال: إن الكافر الميت نجس بخلاف المؤمن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2480>الدليل الأول:</span>\nاستدلوا بعموم قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨].\nفهذا مطلق يشمل حال الحياة وحال الموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2481>الدليل الثاني:</span>\nمفهوم قوله ﷺ: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٣٥).","vol":"6","page":53},{"text":"معناه: أن غير المؤمن نجس.\nوقد أجبنا على هذه الأدلة في الكلام على طهارة الكافر في حال الحياة، ولا يوجد دليل على نجاسته في حال الوفاة، وترك غسله والصلاة عليه؛ لأنه ليس من أهل العبادة، وليس هذا راجعًا إلى نجاسته.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة الأقوال تبين لنا أن القول بطهارة بني آدم أرجح من غيرها، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراض، على خلاف أدلة بقية الأقوال، فإنها لا تكاد تسلم من الاعتراضات، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2482>الفصل الثاني في الحيوان غير الآدمي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2483>المبحث الأول في الحيوان البري الحي غير المأكول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2484>الفرع الأول في طهارة الهرة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ما شق التحرز منه فنجاسته معفو عنها، كالهرة عللت طهارتها بكثرة التطواف، ويلحق بها ما كان مثلها.\n[م-٤٧٤] اختلف العلماء في حكم الهرة من حيث الطهارة والنجاسة،\nفقيل: إن الهرة عينها نجسة، ولكن سقطَتْ نجاسة سؤرها لعلة التطواف علينا، وبقيت الكراهة لإمكان التحرز منه، وهذا مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٦٥)، المبسوط (١/ ٥١)، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (١/ ٥٨).","vol":"6","page":55},{"text":"وقيل: هي طاهرة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2485> دليل الحنفية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2486>الدليل الأول:</span>\n(١٠٥٨ - ٢٩) ما رواه الترمذي في سننه، قال: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب يحدث، عن محمد بن سيرين،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة (^٢).\n[المحفوظ أن غسل الإناء من ولوغ الكلب مرفوع، ومن ولوغ الهر موقوف على أبي هريرة، فلا حجة فيه فيما عارض المرفوع من حديث أبي قتادة] (^٣).\n_________\n(^١) ذهب المالكية إلى جواز أكل لحم الهر مع الكراهة، انظر المدونة (٤/ ١٠٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٩)، الخرشي (٥/ ١٦).\nوقال الباجي في المنتقى (١/ ٦٢): الهرة عند مالك طاهرة العين.\nقال الشافعي في الأم (١/ ٦): ولا نجاسة في شيء من الأحياء ماسَّت ماء قليلًا، بأن شربت منه، أو أدخلت فيه شيئًا من أعضائها إلا الكلب والخنزير، وإنما النجاسة في الموتى. اهـ وانظر المهذب مع المجموع (٢/ ٥٨٥).\nواعتبر الحنابلة أن الهرة وما دونها في الخلقة طاهر، انظر الفروع (١/ ٢٤٦)، الإنصاف (١/ ٣٤٣)، كشاف القناع (١/ ٥٧).\n(^٢) سنن الترمذي (٩١).\n(^٣) هذا الحديث رجاله ثقات إلا أنه معلول، فقد اختلف فيه على معتمر بن سليمان، فرواه سوار بن عبد الله العنبري كما في سنن الترمذي (٩١)، ومشكل الآثار للطحاوي (٢٦٥٠)،\nومحمد بن أبي بكر المقدمي كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢١) كلاهما عن المعتمر بن سليمان، عن أيوب به مرفوعًا. =","vol":"6","page":56},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخالفهما مسدد، كما في سنن أبي داود (٧٢) فرواه عن المعتمر بن سليمان به موقوفًا.\nقال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٦٠): علة الحديث أن مسددًا رواه عن معتمر فوقفه، رواه عنه أبو داود. اهـ\nوقد رواه غير المعتمر بن سليمان، عن أيوب، موقوفًا:\nرواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٧) حدثنا عبد الوهاب الثقفي.\nوأبو داود (٧٢) والدارقطني (١/ ٦٤) من طريق حماد بن زيد.\nوعبد الرزاق كما في المصنف (٣٤٤)، ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن المنذر في الأوسط (٢١٧)، والدارقطني (١/ ٦٧) عن معمر، ثلاثتهم (الثقفي وحماد ومعمر) عن أيوب، عن ابن سيرين به موقوفًا.\nورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٧/ ٧٠) وفي شرح معاني الآثار (١/ ٢٠) من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين به موقوفًا. وهذه متابعة لرواية أيوب الموقوفة.\nورواه قرة بن خالد، عن ابن سيرين، واختلف على قرة فيه:\nفرواه أبو عاصم النبيل كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢١)، ومشكل الآثار (٢٦٤٩) ومستدرك الحاكم (١/ ١٦٠)، وفوائد تمام (١٣٦٦)، ومعجم ابن المقرئ (٣٨)، عن قرة بن خالد، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: الهرة مرة أو مرتين، قرة يشك.\nوخالفه أبو عامر العقدي، كما في العلل للداقطني (٨/ ١١٧).\nومسلم بن إبراهيم كما في الأوسط لابن المنذر (٢١٦)، وسنن الدارقطني (١/ ٩٨)، والحاكم (١/ ١٦١)، والبيهقي (١/ ٢٤٧، ٢٤٨) عن قرة به موقوفًا على أبي هريرة.\nورواه نصر الجهضمي، عن قرة موقوفًا كذلك.\nقال الحاكم: وقد شفى علي بن نصر الجهضمي، عن قرة في بيان هذه اللفظة، فأخرجه الحاكم (١/ ١٦١)، والبيهقي (١/ ٢٤٧) من طريق نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبي (علي بن نصر الجهضمي)، حدثنا قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين،\nعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات، أولاهن بالتراب، ثم ذكر أبو هريرة الهر، لا أدري قال: مرة أو مرتين. قال نصر بن علي: وجدته في كتاب أبي في موضع آخر، عن قرة، عن ابن سيرين عن أبي هريرة في الكلب مسندًا، وفي الهر موقوفًا. اهـ\nورواه أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ٢٠) عن أبي نعيم، عن قرة موقوفًا كذلك، فهؤلاء ثلاثة يروونه عن قرة، موقوفًا مخالفين في ذلك رواية أبي عاصم عن قرة. =","vol":"6","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2487>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٥٩ - ٣٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عيسى بن المسيب، عن أبي زرعة،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الهر سبع (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= فتبين من هذا أن أبا عاصم أدرج الموقوف من كلام أبي هريرة بالمرفوع،\nقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ٢٠): كذا رواه أبو عاصم، وأخطأ فيه، ثم روى عن أبي نعيم، عن قرة، عن محمد موقوفًا عليه.\nوروى الدارقطني (١/ ٦٧) عن شيخه الحافظ أبي بكر النيسابوري قوله: كذا رواه أبو عاصم مرفوعًا، ورواه غيره عن قرة ولوغ الكلب مرفوعًا، وولوغ الهر موقوفًا.\nوقال البيهقي (١/ ٢٤٧): وأبو عاصم الضحاك بن مخلد ثقة إلا أنه أخطأ في إدراج قول أبي هريرة في الهرة في الحديث المرفوع في الكلب.\nوقال الدارقطني في العلل (٨/ ١١٧): «والصحيح قول من وقفه عن أبي هريرة في الهر خاصة».\nوقال البيهقي في المعرفة (٢/ ٦٩): «وأما حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: (إذا ولغ الهر غسل مرة) فقد أدرجه بعض الرواة في حديثه، عن النبي ﷺ في ولوغ الكلب ووهموا فيه، والصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي ولوغ الهر موقوف».\nوقال البيهقي في الخلافيات (٣/ ١١٣): «غلط فيه بعض الرواة فأدرجه في الحديث، وقد بينه قرة، عن ابن سيرين بيانًا شافيًا، ثم ساق الحديث بإسناده من طريق قرة، ونقل كلام نصر بن علي الجهضمي المتقدم، ثم قال: وكذلك رواه حماد بن زيد، والمعتمر بن سليمان، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: إذا ولغ الهر غسل مرة.\nفعلى هذا الوجه رواية الحفاظ، فلا اعتبار برواية من رواه في الهر مرفوعًا».\n(^١) المسند (٢/ ٤٤٢).\n(^٢) ومن طريق وكيع أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٧) رقم ٣٤٣، وإسحاق بن راهوية (١٧٨)، وأبو يعلى في مسنده (٦٠٩٠) والدارقطني (١/ ٦٣)، والحاكم (٦٥٠).\nورواه أحمد (٢/ ٣٢٧)، والدارقطني (١/ ٦٣) والحاكم (٦٤٩)، والبيهقي (١/ ٢٤٩، ٢٥١) من طريق أبي النظر هاشم بن القاسم، أخبرنا عيسى بن المسيب به، وفيه قصة، وقال: السنور سبع بدلًا من قوله: الهر. =","vol":"6","page":58},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2488> دليل الجمهور:</span>\n(١٠٦٠ - ٣١) ما رواه مالك، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:\nأن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (^١).\n_________\n= وأخرجه ابن عدي (٥/ ٢٥٢) من طريق مسكين الحذاء، عن عيسى به.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، وعيسى بن المسيب تفرد به عن أبي زرعة، إلا أنه صدوق، ولم يجرح قط. اهـ\nقلت: روى الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: عيسى بن المسيب ضعيف الحديث، ليس بشيء. الجرح والتعديل (٦/ ٢٨٨).\nوقال أبو حاتم الرازي: محله الصدق ليس بالقوي، قيل: هو أحب إليك أم بكير بن عامر؟ قال: بكير أثبت عندي. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: شيخ ليس بالقوي. المرجع السابق.\nقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين للنسائي (٤٢٤).\nوقال الدارقطني: ضعيف. لسان الميزان (٤/ ٤٠٥)، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/ ٢٤٢).\nوقال أبو داود: هو قاضي الكوفة ضعيف. لسان الميزان (٤/ ٤٠٥).\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٨٦)، وقال: لا يتابعه إلا من هو مثله أو دونه.\nوفي العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٤): قال أبو زرعة: لم يرفعه أبو نعيم، وهو أصح، وعيسى ليس بالقوي. اهـ\nأطراف المسند (٨/ ١٢٧)، إتحاف المهرة (٢٠٣٣٧، ٢٠٣٣٨).\n(^١) الموطأ (١/ ٤٤).","vol":"6","page":59},{"text":"[صحيح] (^١).\n_________\n(^١) في إسناده حميدة بنت عبيد بن رفاعة، روى عنها زوجها إسحاق بن عبد الله وابنها يحيى بن إسحاق، وذكرها ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٥٠).\nوفي التقريب: مقبولة أي إن توبعت وإلا فلينة الحديث.\nوكبشة بنت كعب بن مالك، لم يرو عنها إلا حميدة، وذكرها ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٤٤).\nعلى أن كبشة قد ذكر ابن حبان في ثقاته ونقله أبو موسى المديني عن جعفر أنها صحابية، انظر الثقات (٣/ ٣٥٧)، و(٥/ ٣٤٤)، كما ذكر ذلك ابن سعد أيضًا في طبقاته (٨/ ٣٥١).\nوقد جاء في سنن البيهقي (١/ ٢٤٥): «قال أبو عيسى سألت محمدًا يعني: ابن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: جود مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره». وكلمة (أصح) قد لا تدل على الصحة.\nوصححه أيضًا الترمذي، قال في السنن (١/ ١٥٣): «هذا حديث حسن صحيح، وهذا أحسن شيء روي في هذا الباب، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يأت أحد أتم من مالك».اهـ\nوقال العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٤٢): «إسناده ثابت صحيح».\nوقال الدارقطني في العلل (٦/ ١٦٣) بعد أن ساق الاختلاف في إسناده: «ورفعه صحيح، ثم قال: وأحسنها إسنادًا ما رواه مالك عن إسحاق، عن امرأته، عن أمها، عن أبي قتادة، وحفظ أسماء النسوة وأنسابهن، وجود ذلك ورفعه إلى النبي ﷺ».اهـ\nوصححه ابن خزيمة وابن حبان حيث ذكراه في صحيحيهما كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nكما صححه ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٢٤).\nوقال الحاكم: «هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه على ما أصلاه في تركه، غير أنهما قد شهدا جميعًا لمالك بن أنس أنه الحكم في حديث المدنيين، وهذا الحديث مما صححه مالك، واحتج به في الموطأ». ولم يتعقبه الذهبي.\nوقال البيهقي: إسناده صحيح كما في تلخيص الحبير (١/ ٥٤)، وصححه النووي في المجموع (١/ ١٦٨، ٢٢٥)، وابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٢).\nوأعله ابن منده، قال ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ٢٣٤): «وأما أبو عبد الله بن منده فإنه أخرج هذا الحديث من رواية مالك في الموطأ، ثم ذكر اختلاف رواياته، وقال: أم يحيى اسمها حميدة، وخالتها كبشة، ولا يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، ومحلها محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر من وجه من الوجوه، وسبيله سبيل المعلول».اهـ =","vol":"6","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فتعقبه ابن دقيق العيد بقوله: «إذا لم تعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، فلعل طريق من صححه أن يكون اعتمد على إخراج مالك لروايتهما مع شهرته بالتشدد، نقلت من خط الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي وروايته من سؤالات أبي زرعة، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا روى مالك عن رجل لا يعرف، فهو حجة.\nقال ابن دقيق العيد: فإن سلكت هذا الطريق في تصحيح هذا الحديث (أعني: الاعتماد على تخريج مالك له) وإلا فالقول ما قال ابن منده، وقد ترك الشيخان إخراجه في صحيحيهما». انظر البدر المنير (٢/ ٣٤٢، ٣٤٣).\nورد ابن الملقن كلام ابن منده، في خلاصة البدر المنير (١/ ٢٠): وتعجب من الشيخ تقي الدين كيف تابع ابن مندة على هذه المقولة، وقال في البدر المنير: «قال شيخنا الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري: بقي على ابن مندة أن يقول: ولم يعرف حالهما من جارح، فكثير من رواة الأحاديث مقبولون.\nوقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٦): «استبعد كل البعد توارد الأئمة المتقدمين على تصحيح هذا الحديث مع جهالتهم بحال حميدة وكبشة، فإن الإقدام على التصحيح -والحالة هذه- لا يحل بإجماع المسلمين، فلعلهم اطلعوا على حالهما، وخفي علينا».اهـ\nقلت: بل هذا يفصح عن منهج الأئمة، وأن مجهول الحال ليس مردودًا مطلقًا.\nقال الذهبي في ميزان الاعتدال (ترجمة: ٢١١٢) في ترجمة حفص بن بغيل: قال ابن القطان: لا يعرف له حال، ولا يعرف. فتعقبه الذهبي بقوله: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا؛ فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته، وهذا شيء كثير ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل».اهـ\nوقال في ترجمة مالك بن الخير: قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته، فتعقبه الذهبي بقوله: يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة، وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدًا نص على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ، قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه، أن حديثه صحيح».اهـ\nقلت: فإذا أضيف إلى ذلك تصحيح هؤلاء الأئمة لحديث حميدة وكبشة، فكيف يضعف الحديث بهما.\nوقال ابن سعد كما في الطبقات (٨/ ٣٥١): أسلمت كبشة، وبايعت رسول الله ﷺ. =","vol":"6","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= [تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه مالك في الموطأ كما علمت من إسناد الباب، ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٥٣)، والشافعي في المسند (ص: ٩)، وفي الأم (١/ ٦)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٣٦) رقم ٣٢٥، و(٧/ ٣٠٨) رقم ٣٦٣٤٨، وأحمد في مسنده (٥/ ٣٠٣)،\nوأبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي (٦٨، ٣٤٠)، وابن ماجه (٣٦٧)، والدارمي (٧٣٦)، وابن الجارود (٦٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٨، ١٩)، وفي شرح مشكل الآثار (٣/ ٣٧٠)، وابن خزيمة (١٠٤)، وابن حبان (١٢٩٩)، والدارقطني (١/ ٧٠)، والحاكم (٥٦٧)، والبيهقي (١/ ٢٤٥).\nوقد توبع فيه مالك، تابعه حسين المعلم وهمام بن يحيى.\nفقد أخرجه البيهقي (١/ ٢٤٥) من طريق حسين المعلم، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أم يحيى، عن خالتها بنت كعب، قالت: دخل علينا أبو قتادة .. فذكرت الحديث.\nقال البيهقي: أم يحيى هي حميدة، وابنة كعب: هي كبشة بنت كعب.\nوقال مثله أبو زرعة وأبو حاتم، انظر علل ابن أبي حاتم (١/ ٥٢).\nوأخرجه البيهقي أيضًا (١/ ٢٤٥) من طريقين عن همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدثتني أم يحيى به.\nهكذا روى الحديث مالك، وحسين المعلم، وهمام هذا الحديث بهذا الإسناد:\nوخالفهم ابن عيينة، وعلي بن المبارك، وهشام بن عروة.\nأما رواية سفيان بن عيينة:\nفأخرجها عبد الرزاق (٣٥١) عن ابن عيينة، عن إسحاق بن عبد الله، عن امرأة، عن أمها، وكانت عند أبي قتادة مثل حديث مالك.\nورواه الحميدي كما في مسنده (٤٣٠) عن ابن عيينة، عن إسحاق، قال: سمعت امرأة أظنها امرأة عبد الله بن أبي قتادة يشك سفيان أن أبا قتادة كان يأتيهم فيتوضأ عندهم فيصغي الإناء للهر، فيشرب، فسألناه عن سؤرها فقال: إن رسول الله ﷺ أخبرنا أنها ليست بنجس، فقال: إنها من الطوافين والطوافات عليكم.\nفأسقط ابن عيينة حميدة.\nوأخرجه عبد الرزاق (٣٥٢) عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن إسحاق، عن امرأة، عن أمها، وكانت تحت أبي قتادة أن أمها أخبرتها أن أبا قتادة زارهم، وذكر نحو حديث مالك، وهذه موافقة لرواية عبد الرزاق عن ابن عيينة. =","vol":"6","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقولهما: عن أمها: تطلق الأم أحيانًا على الخالة، فإن صح الحمل كانت رواية هشام ورواية ابن عيينة من رواية عبد الرزاق عنه موافقة لرواية مالك وإلا كان هذا الخطأ من قبل هشام وابن عيينة.\nوقال الدارقطني في العلل (٦/ ١٦٠): «ورواه ابن نمير، عن هشام نحو هذا، وقال أبو معاوية: عن هشام، عن إسحاق من بني زريق، عن أبي قتادة، فنقص من الإسناد حميدة امرأة إسحاق.\nورواه عبد الله بن إدريس وعبد الله بن داود الخريبي، عن هشام، عن إسحاق، عن أبي قتادة، لم يذكر بينهما أحدًا.\nورواه وكيع، عن هشام. وعلي بن المبارك، عن إسحاق، عن امرأة عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة، وافق أبا معاوية في روايته عن هشام، ونقص من الإسناد امرأة إسحاق .... وأحسنها إسنادًا ما رواه مالك، عن، إسحاق، عن امرأته، عن أمها، عن أبي قتادة، وحفظ أسماء النسوة وأنسابهن وجود ذلك ورفعه إلى النبي ﷺ».اهـ\nقال البيهقي «هكذا رواه مالك بن أنس في الموطأ، وقد قصر بعض الرواة فلم يقم إسناده ....».\nوقال ابن عبد البر: «وقد روى هذا الحديث جماعة عن إسحاق كما رواه مالك، منهم همام ابن يحيى، وحسين المعلم، وهشام بن عروة، وابن عيينة، وإن كان هشام وابن عيينة لم يقيما إسناده ....».\nوقال الدارقطني في العلل (٦/ ١٦٠): «ورواه حماد بن سلمة، عن إسحاق، عن أبي قتادة مرسلًا.\nورواه عبد الله بن عمر، عن إسحاق، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ، قاله إسماعيل بن عياش عنه ووهم في ذكر أبي سعيد.\nوكل هؤلاء رفعوه إلى النبي ﷺ، ورواه عكرمة وعبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة موقوفًا، ورفعه صحيح، ولعل من وقفه لم يسأل أبا قتادة هل عنده عن النبي ﷺ فيه أثر أم لا؟ لأنهم حكوا فعل أبي قتادة فحسب ...».اهـ\nانظر مشكورًا: إتحاف المهرة (٤٠٩٨) و(٤٠٦٦)، تحفة الأشراف (١٢١٤١)، أطراف المسند (٧/ ٤٩، ٥٠).\nوللحديث شاهدان:\nالأول: حديث عائشة.\nأخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده (٤٦٠)، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، أخبرنا داود بن صالح التمار، عن أمه، =","vol":"6","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن عائشة أنها قالت في الهرة: إنما هي من الطوافين عليكم، ولقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها.\nوأخرجه أبو داود (٧٦)، وأبو عبيد في كتاب الطهور (٢٠٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٦٥٣، ٢٦٥٤)، والطبراني في الأوسط (٣٦٤)، والدارقطني (١/ ٧٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٤٦)، وفي الخلافيات (٣/ ٩٩)، من طرق كثيرة عن عبد العزيز بن محمد به.\nوفي إسناده أم داود بن صالح، لم يرو عنها إلا ابنها، ولم يوثقها أحد، فهي مجهولة العين.\nومع ذلك فقد اختلف في وقفه ورفعه:\nقال الدارقطني في السنن (١/ ٧٠): «رفعه الدراوردي، عن داود بن صالح، ورواه عنه هشام ابن عروة، ووقفه على عائشة».اهـ\nقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٦٠) بعد أن نقل كلام الدارقطني: «قلت: قال أحمد في داود ابن صالح: لا أعلم به بأسًا، فإذًا لا يضر تفرده، لكن أمه مجهولة لا يعلم لها حال، ولهذا قال البزار: لا يثبت من جهة النقل، وقال الدارقطني في علله: اختلف في هذا الحديث فرفعه قوم، ووقفه آخرون، واقتضى كلامه أن وقفه هو الصحيح». اهـ\nوقال الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٧/ ٧٤): «تأملنا هذا الحديث فوجدناه يرجع إلى أم داود بن صالح، وليست من أهل الرواية التي يؤخذ مثل هذا عنها، ولا هي معروفة عند أهل العلم».اهـ\nورواه الدارقطني من طريق عبد ربه بن سعيد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير،\nعن عائشة، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يمر به الهر، فيصغي لها الإناء، فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها.\nقال الدارقطني: عبد ربه: هو عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف. اهـ\nوأخرجه البزار في المسند كما في كشف الأستار (٢٧٥)،، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (١٤١)، وابن عدي في الكامل (٧/)، والخطيب في الموضح (٢/ ١٩٢) من طريق عبد الله بن سعيد المقبري به.\nوعبد الله بن سعيد المقبري ضعيف جدًّا، قال أحمد: منكر الحديث متروك. وقال البخاري: تركوه.\nوقال يحيى بن سعيد: جلست إليه مجلسًا فعرفت فيه، يعني الكذب.\nوقال النسائي: ليس بثقة. وانظر تنقيح التحقيق (١/ ٢٧١).\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩) من طريق صالح بن حسان، ثنا عروة، به مرفوعًا. =","vol":"6","page":64},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا ضعيف جدًّا، فيه صالح بن حسان، قال أحمد وابن معين: ليس بشيء.\nوقال البخاري: منكر الحديث.\nوقال النسائي: متروك الحديث.\nوأخرجه ابن خزيمة (١٠٢)، والحاكم (١/ ١٦٠)، والدارقطني (١/ ٦٩)، والبيهقي (١/ ٢٤٦) من طريق محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي، قال: حدثنا سليمان بن مسافع، عن منصور بن صفية، عن أمه،\nعن عائشة مرفوعًا: إنها ليست بنجس، هي كبعض أهل البيت.\nوصححه الحاكم، وضعفه الذهبي في الميزان (٢/ ٢٢٣)، وقال: لا يعرف، أتى بخبر منكر، وكذا قال في المغني في الضعفاء (٢٦٢٤).\nوتعقبه الحافظ في اللسان، فقال: وليس فيه نكارة كما زعم المصنف. اهـ\nوالحق مع الذهبي والنكارة ليست في متنه، وإنما هي متوجهة إما لتفرد مسافع فيه عن منصور، وإما في رفعه، فقد أورده العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ١٤١) من طريق زهدم بن الحارث، عن عبد الملك بن مسافع الحجي، عن منصور، عن أمه، عن عائشة موقوفًا عليها، ورجح العقيلي وقفه.\nولم أقف على راو يقال له عبد الملك بن مسافع وكنت أخشى أنه تحريف، إلا أن ابن حجر قد نقله في لسان الميزان ولم يتعقبه (٣/ ١٠٥).\nوزهدم بن الحارث ليس بأرجح من عبد الله بن أبي جعفر الرازي.\nوقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (١/ ٢٦٩): سليمان بن مسافع لا يعرف، ولم يذكره ابن أبي حاتم في كتابه، وقد ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء، ورواه في ترجمته، وقال: لا يتابع عليه. اهـ\nورواه إسحاق بن راهوية في المسند (١٠٠٢)، وعبد الرازق (٣٥٦)، وابن ماجه (٣٦٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩)، والدارقطني في السنن (١/ ٥٢، ٦٩)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (١٤٢، ١٤٣)، من طرق عن حارثة، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا كنت أتوضأ أنا ورسول الله ﷺ من إناء قد أصاب منه الهر قبل ذلك.\nهذا لفظ عبد الرزاق.\nقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٥٥): هذا إسناد ضعيف، لضعف حارثة بن أبي الرجال.\nوبه أعله ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ٢٣٦)، والحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٥٥). =","vol":"6","page":65},{"text":"فاشتمل الحديث على حكمين:\nالأول: طهارة عينها، بقوله: إنها ليست بنجس.\nالثاني: طهارة سؤرها. ولا يلزم من طهارة الثاني طهارة الأول، لأنه قد يقال: إنه عفي عن السؤر لعلة التطواف، لكن لما قال: إنها ليست بنجس علمنا طهارة عينها، والله أعلم.\n_________\n= فالخلاصة حديث عائشة ﵂ لا يصح مرفوعًا، ولا موقوفًا.\nوالحديث في البخاري (٢٥٠)، ومسلم (٣١٩) عن عائشة أنها كانت تغتسل هي ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولم يذكروا إصابة الهرة.\nوروى الطحاوي (١/ ١٩) من طريق خالد بن عمرو الخرساني، قال: حدثنا صالح بن حيان، قال: حدثنا عروة بن الزبير، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصغي الإناء للهرة، ويتوضأ بفضله.\nوفي إسناده خالد بن عمرو الخرساني، قال فيه أحمد: ليس بثقة. وقال أحمد: أحاديثه موضوعة.\nالشاهد الثاني: حديث أنس.\nرواه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ٢٢٧)، وأبو نعيم كما في أخبار أصبهان (٢/ ٧١) من طريق جعفر بن عنبسة، قال: حدثنا عمر بن حفص المكي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين،\nعن أنس بن مالك، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى أرض بالمدينة يقال لها: بطحان، فقال: يا أنس اسكب لي وضوءًا، فسكبت له، فلما قضى رسول الله ﷺ حاجته، أقبل إلى الإناء، وقد أتى هر، فولغ في الإناء، فوقف له رسول الله ﷺ وقفة حتى شرب، ثم توضأ، فذكرت لرسول الله ﷺ أمر الهر، فقال: يا أنس إن الهر من متاع البيت، لن يقذر شيئًا، ولن ينجسه.\nقال الطبراني عقبه: لم يروه عن جعفر إلا عمر بن حفص، ولا روى علي بن الحسين عن أنس حديثًا غيره. اهـ\nوفيه جعفر بن عنبسة قال الحاكم: قال الدارقطني: يحدث عن الضعفاء، ليس به بأس.\nوقال البيهقي في الدلائل في إسناده هو فيه: إسناد مجهول. اللسان (٢/ ٤٦١).\nوقال ابن القطان: لا يعرف.\nوعمر بن حفص، قال الذهبي في الميزان: لا يدرى من ذا (٣/ ١٩٠).\nوضعفه الحافظ ابن حجر في الدراية (١/ ٦٢).","vol":"6","page":66},{"text":"إلا أن الحنابلة أخذوا من طهارة الهرة أن ما كان مثلها فما دون في الخلقة فهو طاهر، وكأن الحكم علق في حجم الحيوان، وليس لعلة التطواف، والحديث صريح بأنها أعطيت الهرة حكم الطهارة لمشقة التطواف لا غير، ولم ينظر إلى حجم الهرة، فقد يقاس على الهرة كل حيوان محرم الأكل يشق التحرز منه، سواءً كان في حجم الهرة أو أكبر أو أصغر؛ لأن الحجم لا يؤثر في الطهارة والنجاسة، وقد يحكم على حيوان أصغر حجمًا من الهرة بأنه نجس، إذا كان محرم الأكل، ولم يشق التحرز منه.\nفتعليق الحكم بحجم الحيوان فيه محذوران:\nالأول: إهمال العلة التي نصَّ عليها النبي ﷺ: وهي علة التطواف.\nالثاني: إعمال علَّة لم ينص عليها الرسول ﷺ، وهو حجم الهرة. وعليه فالمشقة هي علَّة الحكم لا غير، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2489>الفرع الثاني في الحيوان المركوب كالحمار والبغل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الحيوان الطهارة، ولا يحكم بنجاسة شيء منها إلا بدليل.\n• العلة في طهارة الحيوان البري، هل راجعة إلى الحياة؛ لأنه بالموت يكون نجسًا؟ وعليه فكل حيوان حي فهو طاهر بما في ذلك الكلب والخنزير، وما ورد في تطهير الإناء من ولوغ الكلب فهو تعبدي، لوجوب العدد في غسله، والنجاسة يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها.\nأو أن الحكم بالطهارة للحيوان راجع إلى إباحة الأكل، فما كان محرم الأكل فهو نجس، إلا أن يشق التحرز منه؟\n• علة الطهارة والنجاسة في الحيوان مركبة، ومتنوعة، فالموت علة في نجاسة كل حيوان مطلقًا إلا ميتة الآدمي، وميتة البحر، وما لا نفس له سائلة، والتذكية من أهلها علة في طهارة ما يؤكل من الحيوان البري، بخلاف ما لا يؤكل، والحيوان محرم الأكل نجس إلا أن يشق التحرز منه.\n[م-٤٧٥] اختلف العلماء في الحمار والبغل:","vol":"6","page":68},{"text":"فتوقف الحنفية فيهما (^١).\nوقيل: إنهما طاهران، وإليه ذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة (^٢).\nوقيل: الحمار والبغل نجسان، وهو المشهور في مذهب الحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2490> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2491>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأعيان الطهارة، ولا يحكم بنجاسة شيء إلا بدليل صحيح صريح، ولا دليل هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2492>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) [النحل: ٨].\nفذكر الله ﷾ هذه الحيوانات في مقام الامتنان على عباده، في حل ركوبها واتخاذها زينة، ولو كانت نجسة لما أباحها لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2493>الدليل الثالث:</span>\nأن الحمار والبغل كانت تركب على عهد رسول الله ﷺ، ولا بد أن يصيب\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ١٤٠)، البناية (١/ ٤٥٤)، المبسوط (١/ ٥٠)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٢).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٩١)، حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير (١/ ٥٠).\nقال النووي في المجموع (٢/ ٥٩٠): وأما الحيوان فكله طاهر إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما. اهـ وانظر الأوسط (١/ ٣٠٨).\nوانظر المستوعب (١/ ٣٢١)، الإنصاف (١/ ٣٤٢).\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ٤٤): «والصحيح عندي طهارة البغل والحمار؛ لأن النبي ﷺ كان يركبها في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسًا لبينه النبي ﷺ؛ ولأنهما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبه السنور، وقول النبي ﷺ: إنها رجس، أراد أنها محرمة».اهـ\n(^٣) شرح الزركشي (١/ ١٤٢)، الدرر السنية (٤/ ١٨٨).","vol":"6","page":69},{"text":"الراكبَ شيء من عرقها ولعابها، ولو كانت نجسة لبينه النبي ﷺ، ولنقل توقي الصحابة لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2494>الدليل الرابع:</span>\nأن الرسول ﷺ حكم بطهارة الهرة لكونها من الطوافين علينا كما تقدم ذكر الدليل وتخريجه، والحمار والبغل يشتركان في هذه العلة، خاصة قبل ظهور السيارات وانتشارها، فقد كانت مركوب عامة الناس، ولا زالت مركوب كثير من الناس في المجتمعات الإسلامية الفقيرة، ويستعملها الرعاة في بواديهم، وإذا وجدت العلة وجد الحكم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2495> دليل من قال بنجاسة الحمار والبغل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2496>الدليل الأول:</span>\n(١٠٦١ - ٣٢) ما رواه البخاري من طريق محمد بن سيرين،\nعن أنس بن مالك ﵁ قال صبحنا خيبر بكرة، وفيه: فأصبنا من لحوم الحمر فنادى منادي النبي ﷺ إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس (^١).\n• وأجيب:\nبأن الخلاف ليس في لحوم الحمر الأهلية وإنما في أبدانها حال الحياة، فالضمير في قوله: (فإنها رجس) عائد إلى اللحوم، وليس إلى الحمر، ونجاسة اللحوم لا يستلزم نجاسة الحيوان حال الحياة؛ لأن الحمار لا تحله التذكية، فإذا ذبح كان ميتة، ونجاسة الميتة معلوم من الشرع بالضرورة. فالرسول ﷺ قال: إنها رجس لما قيل له: يا رسول الله أكلت الحمر، ولذلك أكفئت القدور بعد أن طبخت.\nويحتمل أن قوله: إنها رجس: أي حرام، فلم يتعرض الحديث للنجاسة، كما في قوله تعالى في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام إنها رجس، أي حرام، وإلا فالميسر\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤١٩٨)، ورواه مسلم (١٩٤٠).","vol":"6","page":70},{"text":"لا يقال: إنه نجس، وكذلك الأنصاب والأزلام، والجواب الأول أقوى؛ لأن الغالب في إطلاق لفظة «رجس» على الحيوان إنما يراد بها أنه نجس، وإن كانت تطلق على غير المأكول والمشروب ويراد بها الحرام أحيانًا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2497>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إنه حيوان حرم أكله لا لحرمته، مع إمكان التحرز منه غالبًا أشبه الكلب في النجاسة.\n• وأجيب:\nبأن الكلب ورد فيه نص على نجاسة سؤره، ووجوب غسل الإناء من ولوغه سبعًا، وحرم اقتناؤه إلا لحاجة، بخلاف الحمار فإنه يجوز اقتناؤه للزينة، ولم يرد نص في غسل الإناء من ولوغه، ولم نؤمر بغسل ما أصاب ثيابنا من عرقه ولعابه، فأين وجه الشبه بين المقيس والمقيس عليه.\nوأما القول بأنه يمكن التحرز منه في الغالب ففيه نظر، إذ لا يمكن لراكبه التحرز من عرقه فبدنه يلامس بدن الراكب، فيعرق بدن الحمار خاصة في البلاد الحارة، فيصيب ثياب الراكب وبدنه، ولا بد.\n• ذكر ما أوجب للحنفية التوقف في البغل والحمار:\nحيث كان التوقف في المسألة لا يعتبر حكمًا، لم أقدم ذكر أدلة الحنفية كالعادة حين ذكر الأدلة؛ فالتوقف ليس من أحكام الشرع، والمتوقف هو ملتبس عليه الأمر، فلم يحرر في المسألة قولًا فضلًا أن يحرر دليلًا، وما أوجب لهم التوقف هو تعارض الأدلة عندهم في طهارة سؤره، وفي حكم لحمه، فجاء عندهم ما يقتضي نجاسة سؤره، وما يقتضي طهارته، وجاء عندهم ما يقتضي تحريم لحمه، وما يقتضي إباحة أكلها، فلما تعارضت الأدلة توقفوا، وجعلوا سؤرهما مشكوكًا فيه:\nيقول السرخسي: «أما سؤر الحمار فطاهر عند الشافعي رحمه الله تعالى، وهو قول","vol":"6","page":71},{"text":"ابن عباس ﵄، فإنه كان يقول: الحمار يعلف القت والتبن، فسؤره طاهر. وعندنا مشكوك فيه غير متيقن بطهارته، ولا بنجاسته؛ فإن ابن عمر ﵄ كان يقول: إنه رجس، فيتعارض قوله وقول ابن عباس ﵄، وكذلك الأخبار تعارضت في أكل لحمه فروي أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر.\nوروي أن أبجر بن غالب ﵁ قال: لم يبق لي من مالي إلا حميرات فقال ﵊ كل من سمين مالك (^١)، وكذلك اعتبار سؤره بعرقه يدل على طهارته، واعتباره بلبنه يدل على نجاسته؛ ولأن الأصل الذي أشار إليه رسول الله ﷺ في الهرة موجود في الحمار؛ لأنه يخالط الناس لكنه دون ما في الهرة فإنه لا يدخل المضايق فلوجود أصل البلوى لا نقول بنجاسته، ولكون البلوى فيه متقاعدًا لا نقول بطهارته فيبقى مشكوكًا فيه، وأدلة الشرع أمارات لا يجوز أن تتعارض، والحكم فيها الوقف (^٢).\nوهذه الأدلة التي ساقها السرخسي ليست متكافئة، حتى يقال: بالتعارض، فأثر ابن عباس لم يعارض الحديث المرفوع في النهي عن لحوم الحمر الأهلية، فإننا نقول بطهارة سؤرها، وتحريم لحمها، ولا تعارض.\nوأما الأحاديث التي ساقها، فيقال: الحديث الضعيف لا يعارض به الحديث المتفق على صحته، فالنهي عن لحوم الحمر الأهلية ثابت في حديث متفق على صحته، كما خرجته في أدلة القول الأول.\nوحديث (كل من سمين مالك) حديث مضطرب، لا يثبت عن رسول الله ﷺ.\n(١٠٦٢ - ٣٣) فقد رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، عن عبيد بن الحسن، قال: سمعت عبد الله بن معقل يحدث عن عبد الله بن بسر،\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^٢) المبسوط (١/ ٤٩).","vol":"6","page":72},{"text":"عن ناس من مزينة الظاهرة، أن أبجر -أو ابن أبجر- سأل النبي ﷺ، فقال:\nيا رسول الله لم يبق لي مال إلا حمري، فقال رسول الله ﷺ: أطعم أهلك من سمين مالك، فإنما كرهت لهم جوال (^١) القرية (^٢).\n[الحديث فيه اضطراب كثير] (^٣).\n_________\n(^١) الجوال: جمع جالة، والجلالة من الحيوان هي التي تأكل العذرة.\n(^٢) مسند أبي داود الطيالسي (١٣٠٥).\n(^٣) في إسناده اختلاف كثير:\nفرواه شعبة، اختلف عليه فيه:\nفرواه أبو داود الطيالسي في مسنده كما في إسناد الباب، ومن طريقه رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٣٤)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٢٦٦) ح ٦٦٧، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١١٠٣)، عن شعبة، عن عبيد بن الحسن، عن عبد الله بن معقل، عن عبد الله بن بسر، عن ناس من مزينة أن أبجر أو ابن أبجر سأل النبي ﷺ ... وذكر الحديث.\nوقد تفرد بروايته عن أبي داود الطيالسي يونس بن حبيب فقال في مسند أبي داود الطيالسي: وفي المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٢٦٦) ح ٦٦٧، وفي معرفة الصحابة (عبد الله بن بسر).\nوأشار محقق المسند ط هجر (١٤٠١) أن في بعض النسخ (عبد الله بن بشر).\nورواه يونس بن حبيب عن أبي داود كما في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم فقال: (عبد الله بن بشر).\nوخالف إبراهيم بن مرزوق يونس بن حبيب، فرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٠٣) من طريقه، قال: حدثنا أبو داود (يعني الطيالسي) غير أنه قال: عبد الرحمن بن معقل بدلًا من عبد الله بن معقل. وهما أخوان، وقال: عبد الرحمن بن بشر، بدلًا من عبد الله.\nوفي رواية أبي دواد الطيالسي قوله (ناس من مزينة) مبهمون لا يعرف من هم، ولم يقل: من أصحاب النبي ﷺ.\nورواه روح بن عبادة، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي في (٤/ ٢٠٣).\nوأبو نعيم الفضل بن دكين كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (٤/ ٢٠٣)، كلاهما روياه عن شعبة، عن عبيد بن الحسن، عن عبد الرحمن بن معقل، عن عبد الرحمن بن بشر، أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ من مزينة حدثوا عن سيد مزينة الأبجر أو ابن الأبجر.\nفروياه عن عبد الرحمن بن معقل بدلًا من أخيه عبد الله، وعن عبد الرحمن بن بشر بدلًا من =","vol":"6","page":73},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبد الله بن بشر وقيل: بسر، ووصفا المبهمين من مزينة بأنهم من أصحاب النبي ﷺ، فإن كان محفوظًا فإبهامهم لا يضر إذا ثبتت صحبتهم.\nوفي شرح معاني الآثار للعيني المسمى نخب الأفكار (٢١/ ٢٦٨)، قال في إسناد الطحاوي (عبد الله بن معقل) بدلًا من عبد الرحمن بن معقل فلينظر ما هو الصحيح في نسخة شرح معاني الآثار.\nورواه محمد بن جعفر، عن شعبة، واختلف على محمد:\nفرواه الحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (ص: ١٥٩) من طريق محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة به كرواية روح والفضل بن دكين.\nورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (١١٠٤) من طريق أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن جعفر، عن عبيد أبي الحسن، سمعت عبد الله بن معقل، عن عبد الرحمن بن بشر، أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ حدثوا أن سيد مزينة ابن الأبجر أو الأبجر ...\nفذكر عبد الله بن معقل بدلًا من عبد الرحمن بن معقل.\nفتبين أن أبا دواد الطيالسي رواه بقوله: عبد الله بن معقل، وقوله: (عبد الله بن بشر، أو عبد الله بن بسر).\nوخالفه روح بن عبادة، والفضل بن دكين، فقالا: عبد الرحمن بن معقل، وعبد الرحمن بن بشر. كرواية إبراهيم بن مرزوق عن أبي داود الطيالسي، والله أعلم.\nورواه محمد بن جعفر بالوجهين، مرة بذكر عبد الله بن معقل، ومرة بذكر عبد الرحمن بن معقل، إلا أنه لم يقل أحد: عبد الله بن بشر إلا أبا داود الطيالسي.\nورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٣٤٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٣١) وإبراهيم بن طهمان كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (١١٠٤) فروياه عن شعبة، عن عبيد بن الحسن، قال وكيع: عن ابن معقل. وقال إبراهيم: عن عبد الرحمن بن معقل، عن أناس من مزينة، قال إبراهيم: من أصحاب النبي ﷺ، عن أبجر أو ابن أبجر. وأسقطا من إسناده عبد الرحمن بن بشر.\nولم يصف وكيع المبهمين أنهم من أصحاب النبي ﷺ.\nهذا هو الاختلاف على شعبة، والذي يمكن الترجيح فيه أن عبد الله بن بسر تفرد به أبو داود الطيالسي مخالفًا كل من رواه عن شعبة، فقد ذكروه باسم (عبد الرحمن بن بشر).\nوأما الترجيح بين عبد الله بن معقل أو عبد الرحمن بن معقل فلا أستطيع الترجيح، لورودها من غير طريق أبي داود الطيالسي. =","vol":"6","page":74},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعبد الرحمن بن بشر أخرج له مسلم حديثًا واحدًا متابعة، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال ابن حزم: هذا الحديث بطرقه باطل؛ لأنها كلها من طريق عبد الرحمن بن بشر، وهو مجهول».\nوقال فيه ابن حجر: مقبول: أي حيث يتابع، وإلا فلين، وهذا أقرب ما يقال في مثله، والله أعلم، كيف وقد اختلف في إسناده، وعارض ما هو أصح منه مما هو في الصحيح. ورواه غير شعبة.\nرواه مسعر بن كدام، واختلف عليه فيه أيضًا:\nفرواه عبد الرزاق كما في المصنف (٨٧٢٨)، عن ابن عيينة، عن مسعر، عن عبيد بن الحسن، عن عبد الله بن معقل، أن رجلين من مزينة أتيا النبي ﷺ ... وذكر الحديث، ولم يذكر أبجر أو ابن أبجر، وجعل عبد الله بن معقل يرويه مباشرة عن رجلين من مزينة من أصحاب النبي ﷺ. وهذا منقطع، فإن ابن معقل إنما رواه عن عبد الرحمن بن بشر، عن أناس من مزينة.\nورواه ابن أبي عمر العدني، واختلف عليه:\nفرواه ابن أبي عاصم كما في الآحاد والمثاني (١١٣٣) عن ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن مسعر به كرواية عبد الرزاق.\nورواه أحمد بن عمرو الخلال المكي كما في المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٢٦٦) ح ٦٦٨، حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن عبيد بن الحسن، عن رجل، عن رجلين من مزينة أتيا النبي ﷺ، فقالا: إن السنة أصابتنا ... وذكر الحديث. فإذا حمل المبهم في قوله (عن رجل) أنه ابن معقل، تصبح الرواية موافقة لرواية عبد الرزاق، وابن أبي عاصم عن ابن عيينة، ولم يذكر في الإسناد أبجر أو ابن أبجر.\nويكون هذا الإسناد كما قلت منقطعًا فإن ابن معقل يرويه عن عبد الرحمن بن بشر كما في رواية شعبة، وليس يرويه عن رجلين من مزينة من أصحاب النبي ﷺ.\nوخالف ابن عيينة كل من:\nمحمد بن سليمان كما في سنن أبي داود (٣٨١٠).\nوفهد بن سليمان، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (٤/ ٢٠٣)،\nوفضيل بن محمد الملطي كما في المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٢٦٦) رقم ٦٦٦، ثلاثتهم رووه عن أبي نعيم (الفضل بن دكين)، حدثنا مسعر، عن عبيد بن حسن، عن ابن معقل، عن رجلين من مزينة، أحدهما عن الآخر: أحدهما عبد الله بن عمرو بن عويم، والآخر غالب بن الأبجر. قال مسعر: أرى غالبًا الذي أتى النبي ﷺ بهذا الحديث.\nوابن معقل هنا يرويه مباشرة عن رجلين من مزينة، على خلاف رواية شعبة.\nوعبد الله بن عمرو بن عويم مختلف في صحبته، انظر الإصابة (٤/ ١٦٧). =","vol":"6","page":75},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه وكيع كما في المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٢٦٦) عن مسعر، عن عبيد بن الحسن، عن ابن معقل، عن أناس من مزينة الظاهرة، عن غالب بن الأبجر، فزاد في إسناده على ابن عيينة غالب بن أبجر.\nهذا هو وجه الاختلاف على مسعر، ورواه منصور، واختلف عليه:\nفرواه أبو داود (٣٨٠٩) وابن سعد في الطبقات الكبرى (٦/ ٤٨) والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٣٢) من طريق إسرائيل، عن منصور، عن عبيد أبي الحسن، عن عبد الرحمن، عن غالب بن أبجر.\nوهذا مخالف لإسناد شعبة، حيث يرويه عبيد بن الحسن عن عبد الرحمن معقل، عن عبد الرحمن ابن بشر، عن أناس من مزينة، عن أبجر أو ابن أبجر.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٣٣٨)، وابن أبي عاصم (١١٣٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٠٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٦٧) رقم ٦٧٠، من طريق شريك، عن منصور، عن عبيد بن الحسن، عن غالب بن ذيخ، هكذا في مصنف ابن أبي شيبة، وقال في رواية ابن أبي عاصم والطبراني: (ذريح)، وفي رواية الطحاوي عن غالب بن أبجر.\nقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة غالب بن أبجر، ويقال: غالب بن ذيخ، ولعله جده.\nفأسقط عبد الرحمن بن معقل، وصار يرويه عبيد بن الحسن عن غالب دون واسطة، وشريك سيء الحفظ.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٢٦٥) ح ٦٦٤ من طريق حفص بن غياث، عن أبي عميس، عن عبيد بن الحسن، عن عبد الله بن معقل، عن غالب بن أبجر.\nفجعله من رواية عبد الله بن معقل بدلًا من عبد الرحمن، ورواه عن غالب بلا واسطة على خلاف رواية شعبة.\nقال أبو زرعة: الصحيح حديث شعبة، انظر العلل (٢/ ٧).\nقال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٩٧): وفي إسناده اختلاف كثير: فمنهم من يقول: عن عبيد أبي الحسن. ومنهم من يقول: عبيد بن الحسن. ومنهم من يقول: عن عبد الله بن معقل. ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن معقل. ومنهم من يقول: عن ابن معقل وغالب بن أبجر ويقال أبجر بن غالب. ومنهم من يقول: غالب بن ذريح. ومنهم من يقول: غالب بن ذيخ ومنهم من يقول: عن أناس من مزينة عن غالب بن أبجر. ومنهم من يقول: عن أناس من مزينة أن رجلًا أتى النبي ﷺ.\nومنهم من يقول: إن رجلين سألا النبي ﷺ، وهذه الاختلافات بعضها في معجم الطبراني، وبعضها في مصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وبعضها في مسند البزار وقال البزار: ولا يعلم =","vol":"6","page":76},{"text":"وذكر الطحاوي عن بعضهم جوابًا عن هذا الحديث، فقال:\nقد يجوز أن يكون الحمر التي أباح النبي ﷺ أكلها في هذا الحديث كانت وحشية، ويكون قول النبي ﷺ: فإنما كرهت لكم جوال القرية على الأهلية (^١).\nوجوابًا آخر: أنه جاء في الحديث قيل للنبي ﷺ: إنه قد أصابتنا سنة، وإن سمين مالنا في الحمير، فقال: كلوا من سمين مالكم، فأخبر أن ما كان أباح لهم من ذلك كان في عام سنة فيكون إنما أباحه لهم في حال الضرورة وقد تحل في حال الضرورة الميتة، فليس في هذا الحديث دليل على حكم لحوم الحمر الأهلية في غير حال الضرورة، وقد جاءت الآثار عن رسول الله ﷺ مجيئا متواترا في نهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية (^٢).\n_________\n= لغالب بن أبجر إلا هذا الحديث وقد اختلف فيه، ثم ذكر الاختلاف على ما تقدم. ثم قال: قال البيهقي في المعرفة: حديث غالب بن أبجر إسناده مضطرب وإن صح فإنما رخص له ثم الضرورة حيث تباح الميتة كما في لفظه انتهى.\nوذكر ابن حزم هذا الحديث وقال: «هذا كله باطل؛ لأنها من طريق عبد الرحمن بن بشر وهو مجهول، والآخر من طريق عبد الرحمن بن عمرو بن لويم، وهو مجهول، أو من طريق شريك وهو ضعيف، عن أبي الحسن ولا يدرى من هو، عن غالب بن ذيخ ولا يدرى من هو، ومن طريق سلمى بنت النضر الخضرية ولا يدرى من هي».اهـ\nوفي كثير مما قاله ابن حزم نظر.\nوقال الخطابي في معالم السنن (٤/ ٢٥٠): «حديث ابن أبجر قد اختلف في إسناده».\nانظر تحفة الأشراف (١١٠١٨)، إتحاف المهرة (٤، ١٦٢٤١)، وقد نسبه الحافظ فيه إلى المسند، وقد قال محققه: ولم أجده في مسند أحمد مع شدة تتبعي له، وفحصي فيه خاصة، ولا في ترتيبه (الفتح الرباني) ولم يذكره المصنف في أطراف المسند، لا في أبجر بن غالب، ولا غالب بن أبجر، ولا ابن أبجر، ولا عزاه إلى المسند في ترجمته لأبجر في الإصابة أو التهذيب وعزاه ابن كثير في جامع السنن والمسانيد إلى المسند، فالله أعلم.\n(^١) وهذا جواب ضعيف، حيث إن ذكر الحمر جاء في الحديث المذكور مطلقًا، فينصرف غالبًا إلى الحمر الأهلية المعتادة، ولو أراد الوحشية لقيده، كما هو المعروف عن الشارع أنه متى أراد غير المعهود قيده بوصفه، والله أعلم.\n(^٢) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٠٣) بتصرف يسير جدًّا.","vol":"6","page":77},{"text":"وهذا جواب قوي لو كان حديث ابن أبجر صحيحًا، أما إذا كان ضعفه بيِّنًا فلا حاجة لتلمس الجواب عن دليل لا يقوم بنفسه لضعفه، والله أعلم.\nوالقول بأن هناك شيئًا من أحكام الشريعة مشكوكًا فيه غير صحيح، ولا يجوز القول به ولا اعتقاده؛ لأن الشك إنما هو أمر عارض يعتري المجتهد عند تعارض الأدلة، وما يكون مشكوكًا فيه عند مجتهد لا يكون مشكوكًا فيه عند آخر؛ لأن الشك في الشيء هو عجز عن الوصول إلى الحكم الشرعي، قطعيًا كان أو ظنيًا، والتوقف وإن صح أن يكون من آحاد المجتهدين لقصور أو تقصير، لكن لا يصح كونه مذهبًا يدعى إليه وإلى تبنيه من أتباع المذهب الحنفي، بل يجب على غيرهم من علماء المذهب الحنفي الاجتهاد في الوصول إلى الحكم الشرعي، واختلاف الصحابة في شيء لا يوجب الشك في طهارة الشيء، فليس كل ما اختلف فيه الصحابة يكون حكمه مشكوكًا فيه، وإلا أدى الأمر إلى الشك في كثير من الأحكام الشرعية؛ لأن الأمور التي اختلف فيها الصحابة أكثر من الأمور التي اتفقوا عليها، بل يجب النظر في خلافهم، والأخذ بما هو أقرب إلى الكتاب والسنة وقواعد الشرع.\nثم إن الأحكام الشرعية جميعها قد بينها الله ﷾ بيانًا واضحًا، كما قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) [النحل: ٨٩]، ولكن هذا البيان لم يعلمه كل أحد، والخلاف إنما هو ناشئ عن اختلاف الأفهام، فالقصور والتقصير إنما هو من قبل البشر، لا من قبل التشريع قطعًا.\n* * *","vol":"6","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2498>الفرع الثالث في نجاسة الكلب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• نجاسة الإناء بولوغ الكلب دليل على نجاسة لسانه، وإذا كان لسانه نجسًا لم يكن هناك فرق بين اللسان وبين سائر أعضائه.\n• كل حيوان محرم الأكل فهو نجس على الصحيح، ولو في الحياة، إلا ما شق التحرز منه كالهر، أو كان التحريم لحرمته كالآدمي.\nوقيل: كل حي من الحيوان فهو طاهر حتى الكلب والخنزير.\n[م-٤٧٦] اختلف الفقهاء في نجاسة عين الكلب، وسيأتي الكلام على سؤره في باب مستقل إن شاء الله تعالى.","vol":"6","page":79},{"text":"فقيل: إن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة (^١)، ومذهب المالكية (^٢)، وقول الزهري (^٣)، واختاره داود الظاهري (^٤).\nوقيل: إن الكلب نجس العين، معلمه وغير معلمه، وهو قول أبي يوسف ومحمد ابن الحسن من الحنفية (^٥)، والمعتمد في مذهب الشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2499> دليل من قال بطهارة عين الكلب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2500>الدليل الأول:</span>\nمن الكتاب قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٤].\nوجه الاستدلال:\nأباح الله ﷾ الأكل مما أمسكت الكلاب، ولم يأمرنا بغسل المكان\n_________\n(^١) لا خلاف عند الحنفية في نجاسة لحم الكلب، ولا في نجاسة سؤره، وإنما الخلاف عندهم في نجاسة عينه، فالقول بطهارة عينه هو قول أبي حنيفة، والقول بنجاستها هو قول أبي يوسف ومحمد، وتظهر ثمرة الخلاف فيما لو وقع الكلب في بئر وأخرج حيًا، فعند أبي حنيفة الماء طاهر، وعند صاحبيه الماء نجس.\nوكذلك فيما لو انتفض الكلب المبتل بالماء، فأصاب رشاشه ثوب أحد أو بدنه فعلى رواية أبي حنيفة الثوب والبدن طاهران، وعلى رواية صاحبيه أنهما نجسان، وهكذا، انظر البناية (١/ ٣٦٧، ٤٣٥)، فتح القدير (١/ ٩٣ - ١٠٢)، البحر الرائق (١/ ١٠٦ - ١٠٨)، حاشية\nابن عابدين (١/ ٢٠٨)، بدائع الصنائع (١/ ٦٣).\n(^٢) المدونة (١/ ٥، ٦)، الاستذكار (١/ ٢٠٨، ٢١١)، والتمهيد (١٨/ ٢٧١، ٢٧٢)، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي (١/ ٥٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٤٥).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٨٥).\n(^٤) المجموع (٢/ ٥٨٥)، الاستذكار (١/ ٢١١)، حلية العلماء (١/ ٣١٣).\n(^٥) انظر الإحالة على مذهب الحنفية في القول الأول.\n(^٦) الأم (١/ ٥، ٦)، الوسيط (١/ ٣٠٩، ٣٣٨)، المجموع (٢/ ٥٨٥)، روضة الطالبين (١/ ٣١)، مغني المحتاج (١/ ٧٨).\n(^٧) الفروع (١/ ٢٣٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٨٩)، المحرر (١/ ٨٧)، الإنصاف (١/ ٣١٠)، رؤوس المسائل (١/ ٨٩).","vol":"6","page":80},{"text":"الذي أمسكته معه، مع أنه لا يخلو من التلوث بريق الكلب، ولو كان نجسًا لأمرنا بغسله، ولنقل عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم غسله.\n• وأجيب:\nبأن الحنابلة يوجبون غسل ما أصاب فم الكلب من الصيد، قال البهوتي: ويجب غسل ما أصاب فم الكلب؛ لأنه موضع أصابته نجاسة، فوجب غسله كغيره من الثياب والأواني (^١).\nوقال النووي في المجموع: «لنا خلاف معروف في وجوب غسل ما أصاب الكلب، فإن لم نوجبه فهو معفو عنه للحاجة والمشقة في غسله بخلاف الإناء» (^٢).\nوبناء عليه فهناك قول في مذهب الشافعية وهو المشهور من مذهب الحنابلة بوجوب غسل ما أصابه فم الكلب، وإذا قلنا بالوجوب فلا طريق إلى إلزامنا بعدم الغسل.\n• ورد عليهم:\nبأن اعتراض المالكية والحنفية بعدم وجود أمر من الشارع بغسل ما أصاب فم الكلب، وهذا حق، فليس هناك أمر، أما كونه يوجد قول بوجوب الغسل فهذا لم نتعرض له، ولم ندع أن المسألة إجماع، إلا أن يقال: عدم الأمر اكتفاء بعموم أدلة تطهير المتنجس.\nويمكن أن يجاب عن هذا بأن الآية دليل عام على جواز أكل صيد الكلب المعلم للحاجة إلى ذلك، وليس في الآية ما يدل على طهارة الكلب، بل قد وردت أدلة أخرى بينت نجاسة الكلب، كحديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ...) وغيره من الأحاديث، فهذا دليل خاص تحمل عليه الأدلة العامة، كالآية ونحوها، والله أعلم.\n_________\n(^١) كشاف القناع (٦/ ٢٢٤).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٨٥).","vol":"6","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2501>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٦٣ - ٣٤) ما رواه البخاري في صحيحه: قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،\nعن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك (^١).\n• وأجيب بعدة أجوبة:\nالأول: أن هذا كان في بداية الإسلام، وقبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب.\nوهذا الجواب قائم على الظن، ولا يعلم التاريخ حقيقة، بل إن الأمر بقتل الكلاب كان متقدمًا ثم نسخ، فلو عكس قائل المسألة وقال: إن التغليظ في نجاسة الكلب كان ذلك حين كان المسلم مأمورًا بقتلها، فلما نسخ القتل خفف الأمر، لو قيل به كان أوجه من هذه الدعوى.\nالثاني: أن بول الكلاب لا خلاف في نجاسته، فكيف تستدلون على طهارتها بما قام الإجماع على نجاسته؟\n• وأجيب:\nبأن حكاية الإجماع فيه نظر، فقد ذكر الحافظ في الفتح أن ابن وهب يرى أن جميع الأبوال طاهرة عدا بول الآدمي، كما أن هناك قولًا بجواز أكل لحم الكلاب، ويرى أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، وهذا القول يخرق دعوى الإجماع (^٢).\nالثالث:\nأن النجاسة كونها لم تغسل؛ لأن النجاسة قد تطهرها الشمس، وهو ما يسمى\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٧٤)، قال الحافظ في الفتح: زاد أبو نعيم والبيهقي في روايتهما لهذا الحديث من طريق أحمد بن شبيب المذكور موصولًا بصريح التحديث.\n(^٢) فتح الباري (١/ ٢٧٨).","vol":"6","page":82},{"text":"عند بعض الفقهاء التطهير بالاستحالة، خاصة أن بلاد الحجاز بلاد حارة، فإذا أذهبت الحرارة لون النجاسة وريحها وطعمها طهر المحل.\nوهذا الجواب أقواها في نظري، والله أعلم.\nوهناك أدلة أخرى استدلوا بها على طهارة الكلاب، منها أدلتهم في طهارة سؤر السباع، وسوف نذكرها في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى، فانظرها غير مأمور.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2502> دليل من قال بنجاسة الكلاب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2503>الدليل الأول:</span>\n(١٠٦٤ - ٣٥) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (^١).\nفقوله: (طهور إناء أحدكم) والطهور لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا يتصور وجود الحدث على الإناء، فدل على نجاسته.\n(١٠٦٥ - ٣٦) وروى مسلم من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار (^٢).\n• وأجيب:\nبأن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب إنما هو للتعبد، وليس للنجاسة، يؤيد ذلك أمور:\nالأول: أمر بغسل الإناء مع أن الماء لم يتغير، وإنما ينجس الماء بالتغير بالنجاسة،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٧٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٧٩).","vol":"6","page":83},{"text":"فإذا وقعت نجاسة في الماء ولم تغيره لم ينجس على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهذا دليل على أن الأمر بغسلها إنما هو للتعبد.\nثانيًا: غسل النجاسة معقول المعنى، والمطلوب غسلها حتى تذهب عينها، فإذا ذهبت ذهب حكمها، فلم اعتبر العدد في غسل نجاسة الكلب دل على أن الغسل للتعبد، لأن دم الحيض وهو مجمع على نجاسته قد أمر الرسول ﷺ بغسله بدون عدد كما في حديث أسماء المتفق عليه.\nثالثًا: استعمال التراب مع الماء على خلاف القياس في سائر النجاسات، كل هذا يدل على أن الأمر بغسلها إنما هو تعبدي.\nرابعًا: أن قوله: «طهور إناء أحدكم» لا يدل على أن الإناء تنجس، قال ابن العربي:\nفإن قيل: «روي عن النبي ﷺ طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعًا، والطهارة تقابل النجاسة، قلنا: لا يصح ما ذكرتم، بل يرد على المحل النجس وعلى الطاهر، قال الله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [النساء: ٤٣]، وقال ﷺ: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (^١).\nوليس هناك نجاسة، وقال في السواك في الفم: (السواك مطهرة للفم) وقال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣]، وحقيقة المسألة أن لفظ النجاسة يقتضي الطهارة، وأما لفظ الطهارة فلا يقتضي النجاسة (^٢).\n• وأجيب:\nأولًا: أن قوله «طهور إناء أحدكم» دليل على ثبوت النجاسة؛ إذ الطاهر ليس بحاجة إلى تطهير.\nثانيًا: أن قوله: «فليرقه» دليل على أن الماء تنجس، وإلا لما أمر بإفساد الماء وإراقته،\n_________\n(^١) مسلم (٢٢٤).\n(^٢) عارضة الأحوذي (١/ ١٣٤، ١٣٥).","vol":"6","page":84},{"text":"وإذا ثبتت نجاسة لعابه، فعرقه وبوله ومنيه وسائر بدنه نجس من باب أولى؛ لأن فم الكلب أطهر ما فيه.\nوالحق أن زيادة فليرقه في الحديث لا يثبتها أهل الحديث، ويرونها لفظة شاذة (^١)، ولكن يكفي قوله: (طهور إناء أحدكم) لإثبات نجاسة لعابه، فكذلك عرقه وبوله ومنيه وسائر بدنه.\nثالثًا: أما الجواب عن القول بأن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فنقول: هذه مسألة خلافية، وإن كنا نعتقد أن الصحيح أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وإذا حكمنا بنجاسة الماء في ولوغ الكلب لم يلزم منه أن نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها التسبيع، ومنها التتريب، فلا يقاس الأخف على الأغلظ.\nعلى أنه قد يقال: لا نسلم عدم التغير؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء فتظهر على شيء منه، فيكون هذا نوعًا من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة، فينجس والله أعلم.\nوأما قول ابن العربي رحمه الله تعالى: إن لفظ الطهارة لا يقتضي النجاسة فليس بصواب، لأننا نقول: الطهارة إما أن تكون عن حدث وإما أن تكون عن نجاسة، والأمر بتطهير الجنب إنما هو عن حدث، وأما غسل الإناء فلا يمكن أن يحمل على طهارة الحدث، فيكون المقصود به طهارة الخبث، وأما حديث (السواك مطهرة) فالمقصود به الطهارة اللغوية: وهي النظافة، وآية الصدقة المقصود بها الطهارة من الذنوب، فهي طهارة معنوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2504>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٦٦ - ٣٧) ما رواه أحمد، من طريق عيسى يعني: ابن المسيب، حدثني أبو زرعة\n_________\n(^١) سبق الكلام على شذوذ هذه اللفظة في المجلد الأول، ح (٨١).","vol":"6","page":85},{"text":"عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يأتي دار قوم من الأنصار، ودونهم دار قال: فشق ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله سبحان الله تأتي دار فلان، ولا تأتي دارنا قال: فقال النبي ﷺ: لأن في داركم كلبًا، قالوا: فإن في دارهم سنورًا، فقال النبي ﷺ: إن السنور سبع (^١).\n[ضعيف وسبق تخريجه في طهارة الهر] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ فرق بين الهر والكلب، فدل على نجاسة الكلب كما دل على طهارة الهر.\n• وأجيب:\nبأن الحديث ضعيف، ولم يذكر الرسول ﷺ في الحديث أن الهر طاهر حتى يقال بالمفهوم، فيقال: مفهومه أن الكلب نجس، وإنما قال: الهر سبع، والسبع قد يكون طاهرًا وقد يكون نجسًا، وهذه مسألة سوف أبحثها في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2505>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٦٧ - ٣٨) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن شهاب، عن ابن السباق، أن عبد الله بن عباس، قال:\nأخبرتني ميمونة أن رسول الله ﷺ أصبح يومًا واجمًا، فقالت ميمونة: يا رسول الله لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله ﷺ: إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أما والله ما أخلفني قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣٢٧).\n(^٢) انظر حديث رقم (١٠٥٩) من هذا الكتاب.","vol":"6","page":86},{"text":"فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة، قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ، فأمر بقتل الكلاب حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير.\nوجه الاستدلال:\nبأن النبي ﷺ نضح مكان الكلب، ولو كان محله طاهرًا لما نضحه؛ لأن فيه إضاعة للمال.\nوالنضح هنا المقصود به الغسل.\nقال ابن الأثير: قد يرد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (^١).\nقال السيوطي في شرحه للحديث: ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (^٢).\nوقال الطحاوي: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح الغسل؛ لأن النضح قد يسمى غسلًا. قال رسول الله ﷺ: إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها يعني يضرب البحر بجانبها» (^٣).\n• وأجيب:\nلو سلم أن النضح مكان الكلب المقصود به الغسل، لكان ذلك مجرد فعل،\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث (٥/ ٧٠). قلت: الحديث قد رواه مسلم (١٩٧٢)، قال: حدثنا\nأبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع ومحمد بن بشر، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه، فهو ينضح الدم عن جبينه. وهو في الصحيحين إلا أنه بلفظ: وهو يمسح الدم عن وجهه.\n(^٢) الديباج (٤/ ٤٠٢).\n(^٣) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٥٣). وهذا الحديث الذي ذكره الطحاوي ضعيف، انظر تخريجه في المجلد الثامن، ح (١٧٣٢).","vol":"6","page":87},{"text":"والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.\n• ويرد عليه:\nبأن جبريل لا يخلف وعده وهو واجب عليه من أجل أمر مستحب، بل لأجل أمر واجب.\nوقد يقال: سلمنا أن خروج الكلب من البيت كان واجبًا لدخول الملائكة، ولذلك من اقتنى كلبًا من غير حاجة نقص من أجره كل يوم قيراط، لكن النضح لم يدل الحديث على وجوبه، فربما كان خروج الكلب كافيًا، ولكن الرسول إنما نضحه طلبًا للكمال، وطلب الكمال ليس فيه إضاعة للمال، فتأمل.\n• الراجح:\nبعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بنجاسة الكلب قول قوي جدًّا، ونجاسة لسان الكلب ظاهرة في السنة الصحيحة، ولا يوجد فرق بين لسان الكلب وبين سائر أعضائه، بل إن لسان الكلب قد يكون أطهر من سائر أعضائه، فإذا حكمنا بنجاسة فم الكلب حكمنا بنجاسة سائر الأعضاء ولا بد، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2506>الفرع الرابع في نجاسة الخنزير</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الخلاف في طهارة الخنزير يرجع إلى الخلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان:\nهل علة الطهارة هي الحياة، فلا نجاسة في حيوان حي، فإذا مات تنجس إلا ما استثني كميتة الآدمي، والبحر، وما لا نفس له سائلة، وما ورد في تطهير الإناء من ولوغ الكلب فهو تعبدي، لوجوب العدد في تطهيره، والنجاسة يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها.\nأو أن علة النجاسة في الحيوان ترجع إلى تحريم الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس، إلا أن يكون آدميًا، أو يشق التحرز منه كالهر، الصحيح الثاني.\n[م-٤٧٧] اختلف العلماء في نجاسة الخنزير:\nفقيل: الخنزير نجس نجاسة عينية، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية،","vol":"6","page":89},{"text":"والحنابلة (^١)، وقول في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: إن عينه طاهر، بناء على أن كل حيوان حي، فهو طاهر، وهو المعتمد في مذهب المالكية (^٣)، ورجحه الشوكاني (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2507> دليل من قال بنجاسة الخنزير</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2508>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].\nوالرجس: يأتي بمعنى النجس.\nقال الجصاص: واللحم وإن كان مخصوصًا بالذكر فإن المراد جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه أعظم منفعته وما يبتغى منه، كما نص على تحريم قتل الصيد على المحرم والمراد حظر جميع أفعاله في الصيد، وخص القتل بالذكر؛ لأنه أعظم ما يقصد به الصيد. وكقوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: ٩]، فخص البيع بالنهي؛ لأنه كان أعظم ما يبتغون من منافعهم، والمعني جميع الأمور الشاغلة عن الصلاة. وإنما نص على البيع تأكيدًا للنهي عن الاشتغال عن الصلاة، كذلك خص لحم الخنزير بالنهي تأكيدًا لحكم تحريمه وحظرًا لسائر أجزائه، فدل على أن المراد بذلك جميع أجزائه وإن كان النص خاصًّا\n_________\n(^١) البناية على الهداية (١/ ٣٦٠)، بدائع الصنائع (١/ ٦٣)، شرح فتح القدير (١/ ٩٤ - ١١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٦)، مغني المحتاج (١/ ٧٨)، الأم (١/ ٥، ٦)، الوسيط (١/ ٣٠٩، ٣٣٨، ٣٣٩)، المجموع (٢/ ٥٨٥)، روضة الطالبين (١/ ٣١)، الفروع (١/ ٢٣٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٨٩)، المحرر (١/ ٨٧)، الإنصاف (١/ ٣١٠)، رؤوس المسائل (١/ ٨٩).\n(^٢) التمهيد (١/ ٣٢٠).\n(^٣) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي (١/ ٥٠)، المدونة (١/ ٥، ٦)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٨٠)، الخرشي (١/ ٨٥).\n(^٤) السيل الجرار (١/ ٣٨).","vol":"6","page":90},{"text":"في لحمه (^١).\n• اعتراض وجواب:\nحمل الشوكاني رحمه الله تعالى قوله: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) على الحرام، وتحريم أكل لحم الخنزير إجماع لا خلاف فيه.\n• وأجيب:\nبأن حمله على الحرام فيه بعدٌ؛ لأنه يؤدي إلى التكرار وينافي البلاغة القرآنية، فيكون تقدير الآية: قل لا أجد فيما أوحي إلى محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه حرام فيبعد أن يكون صدر الآية وآخرها على تكرار التحريم، بل قوله تعالى: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) تعليل للتحريم، وليس تكرارًا له.\nوالصحيح أن قوله: (رِجْسٌ) دليل على النجاسة، لكن هل هو دليل على نجاسة الخنزير أو على نجاسة لحمه عند إرادة أكله، فالهر لحمه رجس، وكذا الحمار لحمه رجس كما جاء في الحديث (^٢)، وذلك لا يتضمن حال الحياة؛ لأن الخنزير إذا فارقته الحياة فهو ميتة، سواءً مات حتف أنفه، أو مات عن طريق التذكية؛ لأن التذكية لا تعمل فيه الحل، وهو محرم الأكل، ولو قال: (أو خنزير فإنه رجس) لكان في الآية دليل على نجاسة عين الخنزير، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2509>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٦٨ - ٣٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،\nأن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إني بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٧٤).\n(^٢) سبق ذكر الأدلة على تحريم الحمر الأهلية في مسألة مستقلة.","vol":"6","page":91},{"text":"منها بدًا، فإذا لم تجدوا منها بدًا فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبه قال: واشربوا (^١).\n[أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأنه أمر بغسلها في الماء حين كان أهلها يطبخون في آنيتهم الخنزير، وهذا شأن النجاسات.\nاعتراض:\nأن نجاسة لحم الخنزير لا تعني نجاسة الخنزير حال الحياة، وبينهما فرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2510>الدليل الثالث:</span>\nقال النووي: نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على نجاسة الخنزير، وهو أولى ما يحتج به لو ثبت الإجماع، ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير ما دام حيًا (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2511>الدليل الرابع:</span>\nالخنزير أولى بالنجاسة من الكلب؛ لأنه يحرم اقتناؤه بخلاف الكلاب فإنه مباح للحاجة، ويجب قتله من غير ضرر، ومنصوص على تحريمه.\nوقولنا: من غير ضرر: احتراز من العقرب، فإنه يباح قتلها، وهي طاهرة، ولكن من أجل دفع ضررها (^٤).\n_________\n(^١) سنن أبي داود الطيالسي (١٠١٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر المجلد الأول، ح (١١٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٨٦)، ولم أقف عليه في كتاب الإجماع لابن المنذر، فليتأمل.\n(^٤) المهذب مع المجموع (٢/ ٥٨٦).","vol":"6","page":92},{"text":"• وأجيب:\nبأنه لا يلزم من تحريم الأكل والاقتناء لزوم النجاسة، فالتحريم أعم من النجاسة، فقد يكون الشيء محرم الأكل وهو طاهر، كالسم ونحوه، كما أنه قد يحرم الاقتناء مع الطهارة كالتماثيل والأزلام ونحوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2512>الدليل الخامس:</span>\n(١٠٦٩ - ٤٠) ما رواه مسلم، من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة،\nعن أبيه أن النبي ﷺ قال من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه (^١).\nفشبه اللعب بها بغمس اليد في هذه النجاسات.\nلكن قد يجاب عنه بما قاله النووي في شرحه لصحيح مسلم، قال: ومعنى «صبغ يده في لحم الخنزير ودمه في حال أكله منهما» وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما. والله أعلم.\nيعني: وليس لمجرد تلوث اليد بهذه القاذورات، وتحريم الأكل مجمع عليه، والنزاع في طهارة عينه حال الحياة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2513>الدليل الثالث:</span>\nكل حيوان محرم الأكل الأصل فيه النجاسة مطلقًا حال الحياة وحال الممات، ولكن استثني ما يشق التحرز منه لعلة التطواف، وبقي ما عداه على النجاسة، أرأيت إلى الهر، فإن الرسول ﷺ حين حكم بطهارتها، لم يقل: إنه لا يوجد دليل يقتضي النجاسة، ولم ير كونها حية كافيًا في كونها طاهرة، بل إن التعليل يفهم منه الحكم\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٢٦٠).","vol":"6","page":93},{"text":"بالنجاسة لولا وجود هذه العلة، فإنه قال: إنها من الطوافين عليكم، يعني: رفع الحكم بنجاسته دفعًا للحرج والمشقة علينا، لوجود علة التطواف، ومشقة التحرز منها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلو كان جنس الهر لا يطوف علينا، وتوحش لكان مقتضى التعليل أن يعود الحكم عليها بالنجاسة، والله أعلم.\nوهذا أقوى دليل في نظري على الحكم بنجاسة كل حيوان محرم الأكل.\n• وقد يجاب عنه:\nبأن يقال: إن قوله: (إنها من الطوافين عليكم) تعليل لكون الله ﷾ خلقها طاهرة، أي كيف تكون نجسة، وهي من الطوافين عليكم؟ فلأجل ذلك لم يخلقها الله تعالى نجسة، ولا يستفاد من ذلك العكس، أن ما لم يكن طوافًا كان نجسًا؛ لأن هذا يقتضي أن الأصل هو النجاسة، ومعلوم أن النجاسة حكم شرعي ناقل عن الأصل: الذي هو الطهارة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2514> دليل من قال بالطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2515>الدليل الأول:</span>\nقالوا: الأصل في الأشياء الطهارة، ولا نحكم بنجاسة عين إلا لدليل صحيح صريح يقتضي النجاسة، ولا دليل هنا.\nقال النووي ﵀ مع أنه يتبنى مذهب الشافعية، قال: ليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته (^١). وهذا من تمام عدله وإنصافه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2516>الدليل الثاني:</span>\nإن تحريم أكل لحم الخنزير لا يقتضي نجاسته حال الحياة، فالحمار والبغل والهر محرمة الأكل، ومع ذلك هي طاهرة على الصحيح.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٨٦).","vol":"6","page":94},{"text":"• الراجح بين القولين:\nأرى أن القول بالنجاسة أقوى من حيث الدليل والتعليل، وتوجيه طهارة الهر واضح في أن كل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا ما يشق التحرز منه فإنه طاهر حال الحياة، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2517>الفرع الخامس في نجاسة سباع البهائم والطير</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الخلاف في طهارة سباع البهائم والطير يرجع إلى الخلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان:\nهل علة الطهارة هي الحياة، فلا نجاسة في حي حتى الكلب والخنزير، أو أن علة الطهارة هي إباحة الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا الآدمي، وما يشق التحرز منه كالهر.\n[م-٤٧٨] اختلف الفقهاء في نجاسة سباع البهائم والطير،\nفقيل: إنها نجسة، وهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) وإن كان الحنفية يفرقون بين سؤر سباع البهائم، وسؤر سباع الطير على ما سيأتي ذكره عند الكلام على الأسآر إن شاء الله تعالى. انظر بدائع الصنائع (١/ ٦٤)، المبسوط (١/ ٤٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٢٣)، البناية على الهداية (١/ ٤٣٩)، شرح فتح القدير (١/ ١١١).\n(^٢) يرى الحنابلة نجاسة سباع البهائم والطير إلا الهر وما دونه في الخلقة فإنه طاهر عندهم، وقد سبق مناقشة تعليلهم النجاسة بالخلقة قياسًا على الهر عند الكلام على حكم الهر. انظر الإنصاف (١/ ٣٤٢)، رؤوس المسائل الخلافية (١/ ٩٣)، الهداية (١/ ٢٢)، المبدع (١/ ٤٣١)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٣٢).","vol":"6","page":96},{"text":"وقيل: إنها طاهرة، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2518> دليل من قال بالنجاسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2519>الدليل الأول:</span>\n(١٠٧٠ - ٤١) ما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص: لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع وترد علينا (^٣).\n[رجاله ثقات إلا أن إسناده منقطع] (^٤).\n_________\n(^١) بناء على أصلهم في أن الحياة علة الطهارة، فكل حي طاهر عندهم. انظر: الاستذكار (٢/ ١٢١)، الإشراف (١/ ٤٣)، الخرشي (١/ ٨٤).\n(^٢) بناء على أصلهم: في أن كل الحيوانات طاهرة خلا الكلب والخنزير، انظر روضة الطالبين (١/ ١٣)، كفاية الأخيار (١/ ٤٣)، حاشيتا القليوبي وعميرة (١/ ٦٩)، مغني المحتاج (١/ ٨٠).\n(^٣) الموطأ (١/ ٢٣)، ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٥٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٥٠).\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٣٢) من طريق حماد بن زيد، حدثنا يحيى بن سعيد به. وانظر إتحاف المهرة (١٥٨٣٤).\n(^٤) قال النووي في المجموع (١/ ٢٢٦): هذا الأثر إسناده صحيح إلى يحيى بن عبد الرحمن، لكنه مرسل منقطع؛ فإن يحيى وإن كان ثقة فلم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هذا هو الصواب، قال يحيى بن معين: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عمر باطل، وكذا قاله غير ابن معين. إلخ كلامه ﵀.\nوقال ابن أبي حاتم وابن حبان مثل قول ابن معين بأنه ولد في خلافة عثمان. الجرح والتعديل (٩/ ١٦٥)، الثقات (٥/ ٥٢٣)، وانظر جامع التحصيل (ص: ٢٩٨).\nوقال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٧٥): «وفي إسناده انقطاع».","vol":"6","page":97},{"text":"وجه الاستدلال:\nلولا أنه كان إذا أخبر بورود السباع يتعذر عليهم استعماله لما نهاه عن ذلك.\n• وأجيب:\nبأن الأثر ضعيف أولًا.\nوثانيًا: ليس فيه دلالة، فإن قول عمر: فإنا نرد على السباع وترد علينا صريح أنه لا يؤثر ورود السباع على الماء حتى مع العلم بورودها، ولو قال: لا تخبره، فإنا لم نكلف السؤال، عملًا بالأصل لكان الاستدلال له وجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2520>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٧١ - ٤٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (^١).\n[إسناده صحيح إن شاء الله] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nلو لم يكن ولوغ السباع مؤثرًا في طهارة الماء لما قال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فإن مفهومه إذا كان الماء دون القلتين فقد يحمل الخبث من ولوغ السباع والدواب، والله أعلم.\n• وأجيب:\nبأن السباع والدواب منها ما هو نجس كالكلب، فالكلب داخل في لفظ السباع كما أنه داخل في لفظ الدواب، ومنها ما هو طاهر، فلا يدل على نجاسة كل السباع،\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٣٣) رقم ١٥٢٦.\n(^٢) سبق تخريجه، انظر المجلد الأول، ح (٧٩).","vol":"6","page":98},{"text":"وإذا كان الكلب من جملة ما ينوب الماء لم يكن الحديث دالًّا على نجاسة كل سبع، وإنما يدل على نجاسة السباع النجاسة التي من جملتها الكلب.\nثانيًا: ورد في بعض ألفاظ الحديث: وما ينوبه من الكلاب والدواب.\nثالثًا: أن كلمة ينوبه لا تعني فقط الاقتصار على الولوغ، فقد تبول فيه أيضًا، وبولها غير ريقها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2521>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٧٢ - ٤٣) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني،\nعن أبي ثعلبة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، ورواه مسلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2522>الدليل الرابع:</span>\n(١٠٧٣ - ٤٤) ما ورواه مسلم، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ميمون بن مهران،\nعن ابن عباس قال نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث دال على أن هذه السباع من البهائم والطير محرمة الأكل، وكل ما كان محرم الأكل لا لحرمتها، وأمكن التحرز منها كانت نجسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2523>الدليل الخامس:</span>\nما قلناه سابقًا في نجاسة الخنزير، نعيده هنا: فالهر، حين حكم الرسول ﷺ بطهارتها، لم يقل: إنه لا يوجد دليل يقتضي النجاسة، ولم ير في كونها حية كافيًا\n_________\n(^١) البخاري (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢).\n(^٢) مسلم (١٩٣٤).","vol":"6","page":99},{"text":"لاعتبارها طاهرة، بل إن التعليل يفهم منه الحكم بالنجاسة لولا وجود هذه العلة، فإنه قال: إنها من الطوافين عليكم. يعني: رفع الحكم بنجاسته دفعًا للحرج والمشقة علينا، لوجود علة التطواف، ومشقة التحرز منها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلو كان جنس الهر لا يطوف علينا، وتوحش لكان مقتضى التعليل أن يعود الحكم عليها بالنجاسة، وإذا كانت هذه السباع يمكن التحرز منها كانت نجسة ولابد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2524> دليل من قال بطهارة سباع البهائم والطير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2525>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأشياء الطهارة، ولا ننتقل عنه إلا بدليل صحيح صريح.\n• وأجيب:\nبأننا سقنا الأدلة على نجاستها، وهذا يكفي في النقل عن أصل الإباحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2526>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٧٤ - ٤٥) ما رواه ابن ماجه حدثنا أبو مصعب المدني، حدثنا عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار،\nعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة منها فقال: لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٥١٩).\n(^٢) الحديث رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختلف عليه في إسناده:\nفرواه أبو مصعب أحمد بن أبي بكر القرشي كما في سنن ابن ماجه (٥١٩).\nوإسماعيل بن أبي أويس كما في مشكل الآثار للطحاوي (٢٦٤٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٥٨)، كلاهما عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد.\nوخالفهما ابن وهب فرواه كما في مشكل الآثار (٢٦٤٧)، وسنن الدارقطني (١/ ٣١) ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٦٦) فرواه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء، عن أبي هريرة. فجعله من مسند أبي هريرة.\nوفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: ضعفه علي جدًّا - يعني ابن المديني - التأريخ الكبير (٥/ ٢٨٤).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين للنسائي (٣٦٠).\nوقال يحيى بن معين: ليس بشيء. الكامل لابن عدي (٤/ ٢٦٩).\nوقال علي بن المديني: ليس في ولد زيد بن أسلم ثقة. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: له أحاديث حسان، وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم، وهو ممن يكتب حديثه. المرجع السابق.\nوجاء في الضعفاء للعقيلي (٢/ ٣٣١): عامة أهل المدينة لا تريد عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، إنه كان لا يدري ما يقول.\nقال الشافعي: ذكر رجل لمالك حديثا منقطعا فقال: أذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه عن نوح. تهذيب التهذيب (٦/ ١٦١).\nانظر تحفة الأشراف (٤١٨٦)، إتحاف المهرة (١٩٥٧٤).","vol":"6","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2527>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٧٥ - ٤٦) ما رواه الدارقطني من طريق أيوب بن خالد الحراني، حدثنا محمد بن علوان، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فسار ليلًا، فمروا على رجل جالس عند مقراة له، فقال عمر: يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي ﷺ: يا صاحب المقراة لا تخبره، هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب طهور (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٢٦)، ومن طريق الدارقطني رواه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٦٦). وانظر إتحاف المهرة (١١٣٣٦).\n(^٢) في إسناده أيوب بن خالد، ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٢٥). ...\nقال ابن عدي: حدث عن الأوزاعي بالمناكير، ثم قال: ولأيوب بن خالد غير ما ذكرت من الأخبار قل ما يتابعه عليها أحد. الكامل (١/ ٣٥٨).\nوقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في أكثر أحاديثه. التنقيح (١/ ٤٩).\nوقال القاسم بن زكريا المطرز عن إبراهيم بن هانئ، ثنا أيوب بن خالد الحراني وكان ثقة. المرجع السابق.\nوفي إسناده أيضًا محمد بن علوان، قال ابن الجوزي: متروك الحديث، نقله الذهبي في المغني في الضعفاء (٥٨٣٢).\nوقال الأزدي: متروك. انظر ميزان الاعتدال (٣/ ٦٥١).\nوهناك رجل اسمه محمد بن علوان يروي عن علي مرسلًا، قال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٤٩): مجهول. قال الحافظ في اللسان: أظنهما واحدًا. (٥/ ٢٨٩).\nوقال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٤٩): هذا حديث منكر، ومحمد بن علوان ضعيف. اهـ","vol":"6","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2528>الدليل الرابع:</span>\n(١٠٧٦ - ٤٧) ما رواه الشافعي في الأم عن إبراهيم بن محمد.\nورواه عن سعيد بن سالم عن ابن أبي حبيبة أو أبي حبيبة (شك الربيع)، كلاهما (إبراهيم وابن أبي حبيبة) عن داود بن الحصين، عن أبيه،\nعن جابر، قال: قيل لرسول الله ﷺ أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: وبما أفضلت السباع كلها (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) الأم (١/ ٦).\n(^٢) ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٤٩).\nوفي أحد إسناديه إبراهيم بن محمد، جاء في ترجمته:\nقال فيه أحمد: كان قدريًا معتزليًا، جهميًا، كل بلاء فيه.\nوقال بشر بن المفضل: سألت فقهاء المدينة عنه كلهم يقولون: كذاب، أو نحو هذا.\nوقال يحيى بن معين: كان فيه ثلاث خصال: كان كذابًا، وكان قدريًا، وكان رافضيًا. تهذيب الكمال (٢/ ١٨٤). ...\nولا عبرة بتوثيق الشافعي ﵀؛ لأن الجرح إذا كان مفسرًا كان مقدمًا على التعديل، ولو كان من إمام واحد إذا لم يعرف أنه متشدد في الجرح، فكيف إذا اتفق الأئمة المعتبرون على تركه كالإمام أحمد والبخاري ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان والإمام مالك.\nوفي الإسناد الآخر: ابن أبي حبيبة، واسمه إبراهيم بن إسماعيل، قال البخاري كما في التاريخ الأوسط (٢/ ١٥٣): «عنده مناكير».\nوضعفه النسائي، كما في الضعفاء والمتروكين له (٢).\nوقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال في الضعفاء والمتروكين: متروك.\nوضعفه ابن حجر في التقريب، ووثقه أحمد بن حنبل.\nوفي الإسنادين معًا: حصين والد داود، جاء في ترجمته:\nقال البخاري وأبو حاتم: حديثه ليس بالقائم. الضعفاء الكبير (١/ ٣١٥)، تهذيب الكمال (٦/ ٥٥١)، وتنقيح التحقيق (١/ ٥٠)، وعبارة البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧): حديثه ليس في وجه صحيح.\nوفي التقريب: لين الحديث.\nوقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، حتى كان لا يدري ما يحدث به، واختلط حديثه القديم بحديثه الأخير فاستحق الترك. التنقيح (١/ ٥٠).","vol":"6","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2529>الدليل الخامس:</span>\n(١٠٧٧ - ٤٨) ما رواه أبو عبيد في كتاب الطهور (^١)، ومن طريقه ابن المنذر (^٢)، عن ابن أبي عدي، عن حبيب بن شهاب، عن أبيه، قال: قلت لأبي هريرة: أرأيت السؤر في الحوض يصدر عنها الإبل، فتردها السباع وتلغ فيها الكلاب ويشرب منها الحمار، هل أتطهر منه؟ فقال: لا يحرم الماء شيء.\n[صحيح موقوف].\nوجه الاستدلال:\nطهارة سؤرها دليل على طهارة عينها.\n_________\n(^١) الطهور (٢٣٨).\n(^٢) الأوسط (١/ ٣١٠).","vol":"6","page":103},{"text":"• وأجيب:\nالحديث ليس في مسألتنا، بل يتحدث عن تأثير النجاسة تقع في الماء الكثير هل تضره أم لا؟ ولم يقل أبو هريرة: إن هذه الأشياء طاهرة، وإنما قال: لا يحرم الماء شيء. بل إن السؤال دليل على أنها نجسة، وإنما لم تؤثر في الماء لكثرته، ولعدم تغيره بها، والاستدلال بها على طهارتها كالاستدلال به على طهارة الميتة والكلاب والحيضة حين سئل رسول الله ﷺ عن بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء، فإذا كان الحديث لا يدل على طهارة هذه الأشياء الواقعة في بئر بضاعة، فلا يدل أثر أبي هريرة على طهارة سؤر السباع، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2530>الدليل السادس:</span>\nأن السباع كالأسد والصقر ونحوها حيوانات يجوز بيعها والانتفاع بها من غير ضرورة، فكانت طاهرًا كالشاة (^١).\n• وأجيب:\nأن اشتراط الطهارة في المبيع شرط مختلف فيه بين الفقهاء بعد اتفاقهم على تحريم بيع الميتة، واختلفوا في العلة هل هي النجاسة، فيحرم بيع كل نجس؟\nأو لأن الميتة ليست مالًا، وما يجوز بيعه يشترط أن يكون مالًا، فهذا القرد والحمار يجيز الحنابلة بيعه مع أنه نجس عندهم، فليس كل ما جاز بيعه حكمنا بطهارته.\nالراجح والله أعلم: نجاسة هذه الحيوانات إلا ما كان يشق التحرز منها فهو طاهر لعلة التطواف، بصرف النظر عن حجمه، وهل هو أكبر من الهر خلقة أو مثله أو دونه؟ والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ١٧٤)، المغني (١/ ٤٩).","vol":"6","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2531>المبحث الثاني في الحيوان البري المأكول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2532>الفرع الأول في طهارة المأكول الحي أو المذكى</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل حيوان مأكول اللحم فهو طاهر في الحياة، وكذا إن فارقته الحياة بذكاة شرعية.\n[م-٤٧٩] الحيوان مأكول اللحم، إما أن يكون حيًا، أو فارقته الحياة عن طريق التذكية الشرعية، فهذا القسم من الحيوان طاهر بالإجماع.\nقال ابن حزم: «وكل ما يؤكل لحمه فلا خلاف فيه أنه طاهر، قال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧]، فكل حلال طيب، والطيب لا يكون نجسًا بل هو طاهر» (^١).\n_________\n(^١) المحلى: مسألة: ١٣٣ (١/ ١٣٧).","vol":"6","page":105},{"text":"وقال ابن قدامة: «ما يؤكل لحمه فهو طاهر بلا خلاف» (^١).\nوقال الشيرازي: «إذا ذبح حيوان يؤكل لم ينجس بالذبح شيء من أجزائه ... وإن ذبح حيوان لا يؤكل نجس بذبحه كما ينجس بموته؛ لأنه ذبح لا يبيح أكل اللحم فنجس به كما ينجس بالموت كذبح المجوسي» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الكافي (١/ ١٣).\n(^٢) المهذب (١/ ١١).","vol":"6","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2533>الفرع الثاني في نجاسة الحيوان البري بالموت</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2534>المسألة الأولى في نجاسة الحيوان البري بالموت مما له نفس سائلة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا مات الحيوان فإما أن يموت حتف أنفه، أو بذكاة، فإن مات بالذكاة، فهو طاهر بالاتفاق إن كان مباح الأكل، ومختلف في طهارته إن كان محرم الأكل، وإن مات حتف أنفه، فإن كان بحريًّا فهو حلال خلافًا لأبي حنفية، وإن كان بريًا ليس له نفس سائلة، فهو طاهر خلافًا للشافعي، وإن كان بريًا ذا نفس سائلة فهو نجس بالاتفاق.\n[م-٤٨٠] أجمع العلماء على نجاسة الحيوان البري الذي له نفس سائلة إذا مات حتف أنفه بغير ذكاة، أو كانت التذكية غير معتبرة شرعًا (^١).\nويستثنى من ذلك ميتة الآدمي فإنه طاهر على الصحيح.\n_________\n(^١) سيأتي توثيق نقل الإجماع على نجاسة الميتة ضمن الأدلة إن شاء الله تعالى.","vol":"6","page":107},{"text":"وشذَّ الشوكاني فذهب إلى طهارة الميتة، ولا أعلم أحدًا سبقه إلى هذا القول (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2535> دليل الجمهور على نجاسة الميتة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2536>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].\nوقد رد الشوكاني هذا الاستدلال بقوله:\nإن الضمير راجع إلى أقرب مذكور، وهو لحم الخنزير، لإفراد الضمير بقوله: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (^٢).\nوهذا الجواب ضعيف، وقد يُجاب بجواب أقوى من هذا بأن يقال: إن الآية سيقت لبيان تحريم الأكل، بقوله: (عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) ولا نزاع في تحريم أكل الميتة.\nوأما القول: بأنه رجس، فالرجس هو الشيء المستقذر، وليس نصًّا في النجاسة. وهذا يقال لو كان هذا هو الدليل الوحيد في نجاسة الميتة، ويكفي في نجاسته ما حكي من إجماع على نجاستها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2537>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٧٨ - ٤٩) ما رواه البخاري من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح،\nعن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال: رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله\n_________\n(^١) الدراري المضية شرح الدرر البهية (١/ ٢٦).\n(^٢) الدراري المضية (١/ ٣٢).","vol":"6","page":108},{"text":"لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه. ورواه مسلم (^١).\nفالعلة في تحريم بيع الميتة عند جمهور الفقهاء: هو كونها نجسة، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: إن العلة كونها ليست مالًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2538>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٧٩ - ٥٠) ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، أن عبد الرحمن بن وعلة أخبره،\nعن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا دبغ الإهاب فقد طهر (^٢).\nفإذا كان الجلد قبل الدبغ نجسًا كان ذلك دليلًا على نجاسة لحم الميتة؛ وذلك لأن نجاسة الجلد إنما هو لاتصاله بشحم ولحم الميتة، فإذا دبغ قطع منه ما تعلق به من شحم ولحم ورطوبة، فبقي لحم الميتة نجسًا لعدم إمكان دبغه،\nقال ابن تيمية: فالميتة ثلاثة أقسام:\n«منها ما هو طاهر مطلقًا، كالشعر إذا جز، سواءً جز في حال الحياة، أو بعد الموت.\nومنها ما لا يطهر بحال كاللحم، والدم المسفوح.\nومنه ما يحكم بنجاسته ما دام متصلًا برطوبة النجاسة ودمها، فإذا دبغ قطعت عنه هذه النجاسات، فأصبح طاهرًا. ونجاسة الجلد قبل الدباغ كنجاسة الثوب، فإذا دبغ قطعت عنه النجاسة» (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).\n(^٢) مسلم (٣٦٦)، وقد ورد بلفظ: إذا دبغ الإهاب فقد طهر، وبلفظ: «أيما إهاب دبغ، وتكلمنا على الراجح من اللفظين في (١/ ٤٢٥) ح ١٢٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى بتصرف (٢١/ ٩٠ - ١٠٢).","vol":"6","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2539>الدليل الرابع:</span>\nالإجماع، قال ابن رشد: «وأما أنواع النجاسات فإن العلماء قد اتفقوا في أعيانها على أربعة: ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي ...» (^١).\nوقال ابن قدامة: «لا يختلف المذهب في نجاسة الميتة قبل الدبغ، ولا نعلم أحدًا خالف فيه» (^٢).\nوقال النووي بعد حكمه بطهارة ميتة السمك والجراد: «وأما باقي الميتات فنجسة، ودليلها الإجماع» (^٣).\nوقال ابن حزم: «واتفقوا أن لحم الميتة وشحمها، وودكها، وعضروفها، ومخها، وأن لحم الخنزير وشحمه ... حرام كله، وكل ذلك نجس» (^٤).\nكما حكى الإجماع ابن الرفعة من الشافعية (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2540> دليل الشوكاني على طهارة الميتة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2541>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأعيان الطهارة، ولا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح.\n• ويجاب:\nبأن هذا أصل عظيم، وهو مسلم، ولكننا لا نسلم أن الميتة لم يأت فيها دليل على النجاسة، بل وردت أدلة من الأثر ومن النظر على نجاستها كما سبق، والله أعلم.\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ٦٦).\n(^٢) المغني (١/ ٥٣)، وانظر الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (١/ ٤٠)، تحفة المحتاج (١/ ٢٩٢)، نهاية المحتاج (١/ ٢٣٨).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٨٠).\n(^٤) مراتب الإجماع (ص: ٢٣).\n(^٥) الغرر البهية شرح البهجة الوردية (١/ ٤٠)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (١/ ٢٩٢)، حاشية الشبراملسي (١/ ٢٣٨).","vol":"6","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2542>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٨٠ - ٥١) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله،\nعن ابن عباس ﵄ قال وجد النبي ﷺ شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي ﷺ هلا انتفعتم بجلدها؟ قالوا: إنها ميتة. قال: إنما حرم أكلها، ورواه مسلم (^١).\nفقوله: (إنما حرم أكلها) دليل على أنه لا يحرم من الميتة إلا الأكل.\n• وأجيب:\nبأن هذا الحديث دليل على جواز الانتفاع بالنجاسات على وجه لا يتعدى، وليس فيه دليل على الطهارة، ولو أخذنا بظاهر الحصر لقلنا بجواز بيع الميتة، وقد جاء حديث جابر المتفق عليه في النهي عن بيع الميتة، وهو غير الأكل، وبالتالي ليس في الحديث دليل على طهارة أو نجاسة الميتة.\n• الراجح من الخلاف:\nأن الميتة نجسة، ولم أقف على قول لأحد قال بطهارة الميتة قبل الشوكاني، وقد حكي الإجماع على نجاستها، وعلى تحريم أكلها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤٩٢)، صحيح مسلم (٣٦٣).","vol":"6","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2543>المسألة الثانية\nفي الحيوان البري الذي لا نفس له سائلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2544>المطلب الأول\nالمقصود من قول الفقهاء لا نفس له سائلة</span>\n[م-٤٨١] اختلف العلماء في المقصود من قولهم لا نفس له سائلة، هل يعني ذلك أنه لا دم له مطلقًا، أو له دم ولكنه لا يسيل:\nفقيل: المعتبر السيلان، لا عدم أصل الدم.\nجاء في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: «قوله: (لا دم له) أي سائل، فالمعتبر عدم السيلان لا عدم أصل الدم، حتى لو مات في الماء حيوان له دم جامد غير سائل لا ينجسه» (^١).\nوقال العمراني: «الحيوان الذي لا نفس له سائلة إذا ذبح لم يسل دمه عن موضعه» (^٢).\nولم يقل: لا دم له.\nوجاء في المصباح المنير: «النفس: وهو الدم، ومنه قولهم: «لا نفس له سائلة:\n_________\n(^١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٤٠).\n(^٢) البيان للعمراني (١/ ٣٢).","vol":"6","page":112},{"text":"أي: لا دم له يجري، وسمي الدم نفسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان، قوامها بالدم. والنفساء من هذا» (^١).\n(١٠٨١ - ٥٢) روى البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن زينب بنت أم سلمة حدثته، أن أم سلمة حدثتها، قالت: بينا أنا مع النبي مضطجعة في خميصة إذ حِضْتُ، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، قال: أنفست؟ قلت: نعم. فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. ورواه مسلم (^٢).\nقال في الفتح: قال الخطابي: أصل هذه الكلمة من النفس وهو الدم (^٣).\nقال ابن عبد البر: قوله: «(نفست) لعلك أصبت بالدم، يعني الحيضة، والنفس: الدم. ألا ترى إلى قول إبراهيم النخعي، وهو عربي فصيح، كل ما لا نفس له سائلة يموت في الماء لا يفسده. يعني: دمًا سائلًا» (^٤).\nوقالت المالكية: إن المقصود بقولنا لا نفس له سائلة: أي لا دم له، فإن وجد فيه دم، فإن كان ذاتيًّا فلا يدخل في حكم ما لا دم له سائل، وإن كان الدم منقولًا أي طارئًا كالقمل والبعوض، فإن يصدق عليه أنه لا دم له، لأننا نقول: لا دم له، ولا نقول: لا دم فيه.\nقال الصاوي في الشرح الصغير: «قوله: (ما لا دم له) هو معنى قول غيره: (لا نفس له سائلة): أي لا دم ذاتي له، بل إن وجد فيه دم يكون منقولًا، ويحكم\n_________\n(^١) المصباح المنير (ص: ٣١٧).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٩٨) ومسلم (٢٩٦).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٥٣٦).\n(^٤) انظر: التمهيد كما في فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٤٥٦) وانظر في أسماء الحيض اللسان (٤/ ١٤٢) (٥/ ١٢٦)، وتاج العروس (١٠/ ٤٤)، والحاوي الكبير (١/ ٣٧٨) والمجموع (٢/ ٣٧٨)، وعارضة الأحوذي لابن العربي (١/ ٢٠٣، ٢٠٤).","vol":"6","page":113},{"text":"بنجاسة الدم فقط، فلذلك قال: (لا دم له) ولم يقل: (لا دم فيه)» (^١). (النفس): هو الدم، فما لا نفس له سائلة: أي لا دم له يجري.\nوقيل: ما ليس فيه عظم.\n(١٠٨٢ - ٥٣) روى عبد الرزاق، عن معمر،\nعن يحيى بن أبي كثير، في الجعل والزنبور وأشباهه إذا سقط في الماء أو وقع في الطعام والشراب: قال يؤكل ويشرب ويتوضأ منه وما يكون في الماء مما ليس فيه عظم فلا بأس به (^٢).\nومذهب الحنفية أصح من حيث اللغة والشرع.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٤).\n(^٢) المصنف (٢٩٦)","vol":"6","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2545>المطلب الثاني\nفي طهارة ما لا نفس له سائلة وهو حي</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل حيوان لا دم له، أو له دم لا يسيل فهو طاهر بالاتفاق إن كان حيًا، وطاهر على الصحيح إن كان ميتًا خلافًا للشافعي، والأصل فيه حديث غمس الذباب.\n• نجاسة الميتة تارة تكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك، يجمع ذلك قوله ﷺ: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، بخلاف ما لا دم له، فلا ينحبس فيه ما يقتضي تنجيسه.\n[م-٤٨٢] اختلف العلماء في طهارة الحيوان الذي لا دم له يجري،\nفقيل: طاهر مطلقًا، سواءً تولد من طاهر أو من نجس، وهذا هو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^١).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣٤)، المبسوط (١/ ٥١)، بدائع الصنائع (١/ ٦٢)، المدونة (١/ ٤)، مواهب الجليل (١/ ٨٧)، الشرح الكبير (١/ ٤٨)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٤٤)، منح الجليل (١/ ٤٥)، الأم (١/ ٥)، فتح العزيز (١/ ١٦١)، روضة الطالبين (١/ ١٣)، المغني (١/ ٤١).","vol":"6","page":115},{"text":"قال النووي: «وأما الحيوانات، فطاهرة، إلا الكلب، والخنزير، وما تولد من أحدهما. ولنا وجه شاذ، أن الدود المتولد من الميتة نجس العين، كولد الكلب، وهذا الوجه غلط، والصواب: الجزم بطهارته» (^١).\nوقال الدردير في الشرح الصغير: «كل حي، ولو كلبًا أو خنزيرًا طاهر» (^٢).\nوقال الخرشي: «الحيوان الذي لا دم له كالعقرب والذباب والخنافس وبنات وردان والجراد والدود والنمل وما في معناها، وهو مراد أهل المذهب بما لا نفس له سائلة طاهر» (^٣).\nوقيل: إن تولد من شيء طاهر، فهو طاهر، وإن تولد من نجس، كصراصير الكنف، فهو نجس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، ووجه شاذ عند الشافعية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2546> دليل من قال بطهارة ما لا نفس له سائلة مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2547>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الحيوان الحي الطهارة، ولا يحكم بنجاسة حيوان حي إلا بدليل، ولا يوجد دليل على نجاسة الحيوان الذي لا دم له سائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2548>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى عن النحل: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) [النحل: ٦٩].\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ١٣).\n(^٢) الشرح الصغير (١/ ٤٣).\n(^٣) شرح الخرشي (١/ ٨١).\n(^٤) روضة الطالبين (١/ ١٣)، الإنصاف (١/ ٣٣٨)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٦)، الهداية (١/ ٢٢)، بلغة الساغب (ص: ٣٧)، غاية المطلب في معرفة المذهب (ص: ٣٥)، روضة الطالبين (١/ ١٣).","vol":"6","page":116},{"text":"قال الجصاص: فيه بيان طهارة العسل ومعلوم أنه لا يخلو من النحل الميت وفراخه فيه، وحكم الله تعالى مع ذلك بطهارته فأخبر عما فيه من الشفاء للناس، فدل ذلك على أن ما لا دم له لا يفسد ما يموت فيه (^١).\nوإذا كانت ميتته طاهرة، كان في حال حياته طاهرًا من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2549>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٨٣ - ٥٤) ما رواه البخاري، من طريق عتبة بن مسلم مولى بني تيم، عن عبيد بن حنين مولى بني زريق،\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء (^٢).\nوله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري،\n(١٠٨٤ - ٥٥) رواه أحمد ﵀ من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني سعيد ابن خالد، عن أبي سلمة،\nعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه (^٣).\n[حسن] (^٤).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٢٧٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٧٨٢).\n(^٣) المسند (٣/ ٢٤).\n(^٤) الحديث رواه أبو داود الطيالسي (٢١٨٨)، وعبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (٨٨٤)، والنسائي في المجتبى (٤٢٦٢)، وأبو يعلى (٩٨٦)، وابن حبان في الصحيح (١٢٤٧)، وفي الثقات (٦/ ٣٥٨) والبيهقي (١/ ٢٥٣) من طريق ابن أبي ذئب به.\nوفي إسناده سعيد بن خالد:\nذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ١٦) ولم يذكر فيه شيئًا. ...\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٥٧).\nوقال الدارقطني: مدني يحتج به. سؤالات البرقاني (١٨٣)، تهذيب التهذيب (٤/ ١٨).\nوقال الذهبي: صدوق، ضعفه النسائي. المغني في الضعفاء (٢٣٧١)، ونقل ذلك المزي في تهذيب الكمال (١٠/ ٤٠٥).\nوفي التهذيب: ضعفه النسائي، لكن ذكر الحافظ عن النسائي أنه قال: في الجرح والتعديل: ثقة، فينظر أين قال: إنه ضعيف.\nوفي حاشية تحقيق تهذيب الكمال: «ذكر مغلطاي وابن حجر أن النسائي قال في كتاب الجرح والتعديل: ثقة، وذكر مغلطاي أنه بحث في تصانيف النسائي فلم يجد هذا القول -أعني تضعيفه- وذكر مغلطاي أيضًا أن ابن خلفون نقل توثيق النسائي له في ثقاته».\nوفي التقريب: صدوق.\nوانظر إتحاف المهرة (٥٨٢٣)، أطراف المسند (٦/ ٣٣٣)، تحفة الأشراف (٤٤٢٦).","vol":"6","page":117},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال ابن القيم: أمر النبي ﷺ بمقله: وهو غمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولاسيما إذا كان الطعام حارًّا، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنملة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا في ما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجس لانتفاء علته (^١).\nوإذا كان لا ينجس بالموت، لم ينجس في الحياة من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2550>الدليل الرابع:</span>\nأن هذه الحيوانات مما يشق الاحتراز منها، فلو حكمنا بنجاستها لوقع الناس في الحرج؛ لأنه يتعذر صون الأواني عنها، والحرج مرفوع عن هذه الأمة، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].\n_________\n(^١) زاد المعاد (٣/ ٢١٠).","vol":"6","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2551>الدليل الخامس:</span>\n(١٠٨٥ - ٥٦) ما رواه الدارقطني، من طريق بقية، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن بشر بن منصور، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب،\nعن سلمان، قال: قال رسول الله ﷺ: يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فيه، فهو حلال أكله وشربه ووضوءه.\nقال الدارقطني: لم يروه غير بقية، عن سعيد الزبيدي، وهو ضعيف (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2552>الدليل السادس:</span>\n(١٠٨٦ - ٥٧) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن منبوذ،\nعن أمه، أنها كانت تسافر مع ميمونة زوج النبي ﷺ، قالت: فكنا نأتي الغدير فيه الجعلان أمواتًا، فنأخذ منه الماء. يعني: فيشربونه (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٣٧)، ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٦٥) رقم ٤٥.\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٤٠٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٥٣)، من طريق بقية به.\nقال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٨): وفيه بقية بن الوليد، وقد تفرد به، وحاله معروف، وشيخه سعيد بن أبي سعيد الزبيدي مجهول. وقد اتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين واهية، وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف أيضًا. وقال الحاكم أبو أحمد: هذا محفوظ.\nوساقه ابن عدي من منكرات سعيد بن أبي سعيد، وقال: وهذه الأحاديث يرويها سعيد الزبيدي، عمن يرويه عنهم، وليس هو بكثير الحديث، وعامتها ليست بمحفوظة. الكامل (٢/ ٤٠٥).\nوأورده الذهبي في الميزان (٣/ ١٤٠)، وقال: أحاديثه ساقطة.\nانظر إتحاف المهرة (٥٩١٢).\n(^٢) المصنف (٢٩٧).\n(^٣) في الإسناد: منبوذ، قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول. فلم يصب.\nقال ابن معين: ثقة. الجرح والتعديل (٨/ ٤١٨)، وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢١٣). ...\nوذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٧/ ٥٢٤).\nوقال الذهبي: ثقة. الكاشف (٥٦٢٤).\nومثل هذا لا يقال له مقبول: أي لين الحديث إذا انفرد، لكن علة الإسناد أم منبوذ، حيث لم يرو عنها إلا ابنها منبوذ، ولم يوثقها أحد فهي مجهولة.\nوالأثر رواه ابن أبي شيبة (١٥١٠)،\nوأبو عبيد في كتاب الطهور (١٨٧)،\nوإسحاق بن راهوية (٢٠٢٧)،\nالبيهقي في السنن (١/ ٢٥٩) من طريق الحميدي، أربعتهم عن ابن عيينة به.","vol":"6","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2553>الدليل السابع:</span>\nأن الميتة إنما تنجست لاحتباس الدم فيها، ولذلك إذا دبغ الإهاب وهو جزء من الميتة طهر، لما في الدباغ من قطع للدماء والرطوبات النجسة، وما لا نفس له سائلة ليس له دم مسفوح، فيكون طاهر حيًا وميتًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2554> دليل من قال: بنجاسة ما لا نفس له سائلة إذا كان متولدًا من نجس:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2555>الدليل الأول:</span>\nأن ما استحال من النجاسة فهو نجس؛ لأن الفرع له حكم أصله، وما تولد من نجس فهو نجس، ولأن النجس غير المتنجس، فالنجس عينه نجسة، وما كانت عينه نجسة لا يمكن أن ينقلب إلى عين طاهرة، فإذا احترقت النجاسة وصارت رمادًا، أو وقع الخنزير في الملاحة، وصار ملحًا، أو تكثف البخار المتصاعد من ماء نجس، فتحول إلى رطوبة، فإن كل هذا لا يحول الأعيان النجسة إلى طاهرة، فكذلك إذا تولد ما لا نفس له سائلة من النجاسات صارت عينه نجسة.\n• ونوقش هذا:\nالصحيح أن الاستحالة مؤثرة، فالاستحالة تقلب الطيب إلى خبيث، كالغذاء ينقلب إلى عذرة، وتقلب الخبيث إلى طيب، كاللبن من دم الحيض، وعلى القول","vol":"6","page":120},{"text":"بنجاسة الخمر فإنها إذا انقلبت خلًا بنفسها حكمتم بطهارتها وهكذا.\nقال ابن حزم: «وإذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رمادًا أو ترابًا، فكل ذلك طاهر، ويتيمم بذلك التراب، برهان ذلك أن الأحكام إنما هي على ما حكم الله تعالى بها فيه مما يقع عليه ذلك الاسم الذي به خاطبنا الله ﷿، فإذا سقط ذلك الاسم فقد سقط ذلك الحكم، وأنه غير الذي حكم الله تعالى فيه. والعذرة غير التراب وغير الرماد، وكذلك الخمر غير الخل، والإنسان غير الدم الذي منه خلق، والميتة غير التراب» (^١).\n• الراجح:\nالراجح قول من قال بطهارة ما لا دم له سائل.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ١٣٢).","vol":"6","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2556>المطلب الثالث\nفي طهارة ميتة ما لا نفس له سائلة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل حيوان لا دم له، أو له دم لا يسيل فهو طاهر بالاتفاق إن كان حيًا، وطاهر على الصحيح إن كان ميتًا خلافًا للشافعي، والأصل فيه حديث غمس الذباب.\n• نجاسة الميتة تارة تكون لاحتقان الدم فيها، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك، يجمع ذلك قوله ﷺ: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، بخلاف ما لا دم له، فلا ينحبس فيه ما يقتضي تنجيسه.\n[م-٤٨٣] تكلمت في المسألة السابقة عن خلاف العلماء في طهارة الحيوان إذا لم يكن له نفس سائلة حال الحياة، فإذا مات مثل هذا الحيوان، فهل ينجس بالموت علمًا أنه ليس له دم، أو يكون حكمه ميتًا كحكمه حيًا؟\nاختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: طاهر مطلقًا، سواءً تولد من الطاهرات، أو تولد من غيرها، وسواءً مات فيما تولد منه، أو مات في غيره، وسواءً كان مأكولًا كدود الفاكهة، أو غير مأكول كالصراصير ونحوها.","vol":"6","page":122},{"text":"وهذا هو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، وقول في مذهب الشافعية (^٣)، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: نجسة مطلقًا، لكن إن تولد من شيء طاهر، ومات فيما تولد منه، لم ينجسه، كدود التمر والتين والجبن يموت فيها، وإن أخرج ومات في غيره، نجَّسه، وهو مذهب الشافعية (^٥).\nقال النووي: «لا فرق في الحكم بنجاسة هذا الحيوان بين ما تولد من الطعام، كدود الخل، والتفاح، وما يتولد منه، كالذباب، والخنفساء، لكن يختلفان في تنجيس ما ماتا فيه، وفي جواز أكله، فإن غير المتولد، لا يحل أكله، وفي المتولد أوجه. الأصح: يحل أكله مع ما تولد منه، ولا يحل منفردًا» (^٦).\nوفي أسنى المطالب: «فميتة دود نحو خل، وتفاح نجسة لكن لا تنجسه؛ لعسر الاحتراز عنها ويجوز أكله معه لعسر تمييزه بخلاف أكله منفردا، وأكله مع ما لم يتولد منه» (^٧).\nوقيل: إن تولد من شيء طاهر، فهو طاهر مطلقًا، سواءً مات فيما تولد منه أم لا، وإن تولد من شيء نجس، كصراصير الكنف، فهو نجس، وهذا هو المشهور من\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣٤)، المبسوط (١/ ٥١)، بدائع الصنائع (١/ ٦٢).\n(^٢) المدونة (١/ ٤)، الشرح الكبير (١/ ٤٨)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٤٤)، منح الجليل (١/ ٤٥).\n(^٣) الأم (١/ ٥).\n(^٤) المغني (١/ ٤١).\n(^٥) روضة الطالبين (١/ ١٤)، قال الشافعي في الأم (١/ ٥): «أحب إلي أن كل ما كان حرامًا أن يؤكل، فوقع في ماء، فلم يمت حتى أخرج منه لم ينجسه، وإن مات فيه نجسه، وذلك مثل الخنفساء والجعل والذباب والبرغوث، والقملة وما كان في هذا المعنى».\n(^٦) روضة الطالبين (١/ ١٤).\n(^٧) أسنى المطالب (١/ ١٠).","vol":"6","page":123},{"text":"مذهب الحنابلة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2557>دليل من قال بطهارة ميتة ما لا نفس له سائلة مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2558>الدليل الأول:</span>\nما رواه البخاري، من طريق عتبة بن مسلم مولى بني تيم، عن عبيد بن حنين مولى بني زريق،\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء (^٢).\nوله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري،\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ أمر بغمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولاسيما إذا كان الطعام حارًا، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنملة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا في ما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجس لانتفاء علته (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2559>الدليل الثاني:</span>\nأن الميتة إنما تنجست لاحتباس الدم فيها، قال ﷺ: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل (^٤).\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٣٣٨)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٦)، الهداية (١/ ٢٢)، بلغة الساغب (ص: ٣٧)، غاية المطلب في معرفة المذهب (ص: ٣٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٧٨٢).\n(^٣) زاد المعاد (٣/ ٢١٠).\n(^٤) صحيح البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨).","vol":"6","page":124},{"text":"ولهذا إذا دبغ الإهاب وهو جزء من الميتة طهر، لما في الدباغ من قطع للدماء والرطوبات النجسة، وما لا نفس له سائلة ليس له دم مسفوح حتى يتنجس بالموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2560>دليل من قال بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2561>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، وهذا ميتة.\nوقال تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً) [الأنعام: ١٤٥].\nوهذا عام يشمل كل ميتة، سواءً كان له نفس سائلة أم لا.\nوأجيب:\nبأنكم لا تأخذون بعموم هذا اللفظ، فهذا شعر الميتة إذا جز حال الحياة لا تقولون بنجاسته، وهو جزء من الميتة، وهذا جلد الميتة يطهره الدباغ، وهو جزء من الميتة، فكونه يخرج من هذا العموم الذباب ونحوه مما لا دم له ليس بمستنكر، فيكون قد خص من هذا العموم ما لا دم له، كما خص غيره من الجلود إذا دبغت ونحوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2562>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٨٧ - ٥٨) من السنة، ما رواه البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،\nأنه سمع ابن عباس يحدثه عن ميمونة، أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي ﷺ عنها فقال: ألقوها وما حولها وكلوه (^١).\nوجه الاستدلال:\nأنه تنجس ما حول الفأرة حين ماتت، وهذا دليل على نجاسة الميتة، وهو عام في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٥٣٨).","vol":"6","page":125},{"text":"كل ميتة، ولا يخرج منه شيء إلا بدليل.\nقال ابن حزم: «العجب من تفريق أبي حنيفة ومالك بين ما لا دم له يموت في الماء وفي المائعات، وبين ما له دم يموت فيها، وهذا فرق لم يأت به قط قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا قول صاحب، ولا قياس ولا معقول، والعجب من تحديدهم ذلك بما له دم، وبالعيان ندري أن البرغوث له دم والذباب له دم.\nفإن قالوا: أردنا ما له دم سائل، قيل: وهذا زائد في العجب ومن أين لكم هذا التقسيم بين الدماء في الميتات؟ وأنتم مجمعون معنا ومع جميع أهل الإسلام على أن كل ميتة فهي حرام، وبذلك جاء القرآن، والبرغوث الميت والذباب الميت والعقرب الميت والخنفساء الميت حرام بلا خلاف من أحد، فمن أين وقع لكم هذا التفريق بين أصناف الميتات المحرمات؟ فقال بعضهم: قد أجمع المسلمون على أكل الباقلاء المطبوخ وفيه الدقش الميت، وعلى أكل العسل وفيه النحل الميت وعلى أكل الخل وفيه الدود الميت، وعلى أكل الجبن والتين كذلك، وقد أمر رسول الله ﷺ بمقل الذباب في الطعام. قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: إن كان الإجماع صح بذلك كما ادعيتم، وكان في الحديث المذكور دليل على جواز أكل الطعام يموت فيه الذباب كما زعمتم، فإن وجه العمل في ذلك أحد وجهين: إما أن تقتصروا على ما صح به الإجماع من ذلك وجاء به الخبر خاصة. ويكون ما عدا ذلك بخلافه، إذ أصلكم أن ما لاقى الطاهرات من الأنجاس فإنه ينجسها، وما خرج عن أصله عندكم فإنكم لا ترون القياس عليه سائغا أو تقيسوا على الذباب كل طائر، وعلى الدقش كل حيوان ذي أرجل، وعلى الدود كل منساب. ومن أين وقع لكم أن تقيسوا على ذلك ما لا دم له؟ فأخطأتم مرتين:\nإحداهما: أن الذباب له دم، والثانية: اقتصاركم بالقياس على ما لا دم له، دون أن تقيسوا على الذباب كل ذي جناحين أو كل ذي روح. فإن قالوا: قسنا ما عدا","vol":"6","page":126},{"text":"ذلك على حديث الفأر في السمن. قيل لهم: ومن أين لكم عموم القياس على ذلك الخبر؟ فهلا قستم على الفأر كل ذي ذنب طويل، أو كل حشرة من غير السباع وهذا ما لا انفصال لهم منه أصلًا، والعجب كله من حكمهم: أن ما كان له دم سائل فهو النجس، فيقال لهم: فأي فرق بين تحريم الله تعالى الميتة وبين تحريم الله تعالى الدم؟ فمن أين جعلتم النجاسة للدم دون الميتة؟ وأغرب ذلك أن الميتة لا دم لها بعد الموت فظهر فساد قولهم بكل وجه» (^١).\n• والجواب على ما أثاره ابن حزم، أن يقال:\nأولًا: ليس كل دم حرام، وإنما النص جاء في الدم المسفوح، فقال تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا).\nثانيًا: (١٠٨٨ - ٥٩) لا شك أن تحريم الميتة كان من أسبابها انحباس الدم، ولذلك روى البخاري في صحيحه من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة،\nعن جده أنه قال: يا رسول الله ليس لنا مدى فقال ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس الظفر والسن أما الظفر فمدى الحبشة وأما السن فعظم (^٢).\nفقوله: ما أنهر الدم، دليل على أن انحباس الدم وعدم إنهاره مؤثر في حل الذبيحة.\nثالثًا: جاء في حديث ابن عباس في مسلم: إذا دبغ الإهاب فقد طهر (^٣).\nفالإهاب لما كان متصلًا برطوبة النجاسة ودمها كان نجسًا، فإذا دبغ قطعت عنه هذه النجاسات، فأصبح طاهرًا، فما بالك بالحيوان الذي ليس فيه دم أصلًا.\nوقد ذكر ابن تيمية أن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، فما لا نفس له سائلة، ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فلا ينجس والذي\n_________\n(^١) المحلى (١/ ١٥٢) وما بعدها.\n(^٢) صحيح البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨).\n(^٣) مسلم (٣٦٦).","vol":"6","page":127},{"text":"يوضح هذا أكثر أن الله ﷾ حرم علينا الدم المسفوح، قال ﷾: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].\nوعفا عن غير الدم المسفوح، مع أنه من جنس الدم، والله ﷾ حرم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، والفرق بينهما إنما هو في سفح الدم، فدل على أن سبب التنجس هو احتقان الدم واحتباسه، ثم قال: ولا يعارض هذا بتحريم تذكية المرتد والمجوسي، ولو سفح الدم؛ لأن التحريم تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وما صيد بعرض المعراض، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2563>دليل من قال: يعطى حكم ما تولد منه:</span>\nنظر الحنابلة إلى أصله، فإن تولد من نجس فهو نجس حيًا وميتًا، وإن تولد من طاهر فهو طاهر حيًا وميتًا، فالفرع له حكم أصله، ولا تأثير للاستحالة، ولا حكم للموت في نجاسته أو طهارته.\nوسبق ذكر دليلهم ومناقشته عند الكلام على طهارة ما لا نفس له سائلة، في حال الحياة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.\nوالراجح:\nأن ما لا نفس له سائلة طاهر حيًا وميتًا مطلقًا، سواءً تولد من طاهر أو من نجس، وسواءً مات فيما تولد منه أو في غيره، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٩، ١٠٠) بتصرف يسير.","vol":"6","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2564>المبحث الثالث في طهارة الحيوان البحري</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• موت الحيوان حتف أنفه علة في نجاسته إلا ثلاثة: ميتة الآدمي، وميتة البحر، وما لا نفس له سائلة.\n• إذا مات الحيوان حتف أنفه، فإن كان بحريًّا فهو حلال خلافًا لأبي حنفية، وإن كان بريًّا ليس له نفس سائلة، فهو طاهر خلافًا للشافعي، وإن كان بريًّا ذا نفس سائلة فهو نجس بالاتفاق.\n[م-٤٨٤] اختلف العلماء في ميتة البحر:\nفقيل: ميتة البحر طاهرة، ولا يباح منها إلا السمك خاصة بشرط أن يموت بسبب ظاهر، كانحسار الماء أو نبذه له، أو ضرب صياد ونحو ذلك، فإن مات حتف أنفه بغير سبب ظاهر وطفا، فأكله مكروه، وهذا مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٥١)، بدائع الصنائع (١/ ٧٩) و(٥/ ٣٦)، حاشية\nابن عابدين (٦/ ٣٠٦، ٣٠٧) البناية (١٠/ ٧٢٦)، تبيين الحقائق (٥/ ٢٩٧)، المبسوط (١/ ٥٧) و(١١/ ٢٦٧).","vol":"6","page":129},{"text":"وقيل: إن مات في البحر ما لا نفس له سائلة فهو طاهر، وإن مات ما له نفس سائلة فهو نجس، وهذا منسوب إلى أبي يوسف من الحنفية (^١).\nوقيل: يباح جميع ميتات البحر، مما لا يعيش إلا في الماء، وهذا مذهب الجمهور، إلا أن بعضهم استثنى كلب وإنسان وخنزير الماء (^٢).\nوقيل: إن ميتة البحر نجسة مطلقًا، سواءً مات في البر أو في البحر، اختاره\nابن نافع من المالكية (^٣).\nوقيل: ما مات في البحر فهو طاهر، وما مات في البر فهو نجس، وهذا اختيار ابن قاسم من المالكية (^٤).\nفمذهب الحنفية أضيق المذاهب فيما يتعلق بالأكل، ومن أوسع المذاهب فيما يتعلق بالطهارة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2565> دليل الحنفية على اقتصار الإباحة على ميتة السمك خاصة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2566>الدليل الأول:</span>\nجاء النص من كتاب الله بتحريم الميتة مطلقًا في قوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ\n_________\n(^١) الجوهرة النيرة (١/ ١٥).\n(^٢) انظر في مذهب المالكية: المدونة (١/ ٥)، المنتقى للباجي (٣/ ١٢٨)، التفريع (١/ ٢١٥، ٢١٦)، ومختصر خليل (ص: ٦)، القبس (١/ ١٣٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٩)، ومنح الجليل (١/ ٤٥)، الخرشي (٣/ ٢٦)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٨٦).\nوانظر في مذهب الشافعية: الحاوي (١٥/ ٦٣)، المجموع (١/ ١٨٠)، روضة الطالبين (٣/ ٢٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٧٨) و(٤/ ٢٩٨)، إعانة الطالبين (١/ ٩٠)، نهاية المحتاج (١/ ٢٣٩).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ٤٢) و(٩/ ٣١٤)، شرح الزركشي (١/ ١٣٧) و(٦/ ٦٤٧)، الإنصاف (١٠/ ٣٨٤)، كشاف القناع (٦/ ٢٠٤)، المبدع (١/ ٢٥٣).\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ٤٩)، منح الجليل (١/ ٤٥).\n(^٤) انظر المراجع السابقة.","vol":"6","page":130},{"text":"عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) [النحل: ١١٥].\nواستثني الحديث من الميتات ميتة السمك والجراد، فدل على أن ميتة غير السمك والجراد ليست حلالًا.\n(١٠٨٩ - ٦٠) فقد روى أحمد (^١) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد بن أسلم،\nعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال.\n[سبق تخريجه] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2567>الدليل الثاني:</span>\nاستدلوا بعموم قوله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧].\nوجه الاستدلال:\nبأن ميتة البحر فيما عدا السمك تعافه الطباع السليمة، وما عافته فهو خبيث.\n• وأجيب:\nبأن الحكم على الشيء بأنه خبيث يحتاج إلى حكم شرعي، وليس مرد ذلك إلى الطباع، ولا يوجد دليل شرعي يقضي بأن ميتة ما سوى السمك من الخبائث، بل يوجد دليل على أنها من الطيبات، كما سأذكره في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2568>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٩٠ - ٦١) ما رواه أحمد، من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب،\nعن عبد الرحمن بن عثمان قال: ذكر طبيب الدواء عند رسول الله ﷺ، وذكر\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٩٧).\n(^٢) انظر (ص: ٢٦٠) من هذا الكتاب.","vol":"6","page":131},{"text":"الضفدع تكون في الدواء، فنهى رسول الله ﷺ عن قتلها (^١).\n[حسن] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ حرم قتل الضفدع، وهو يستلزم تحريم أكلها، وهذا حيوان غير السمك.\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٤٩٩).\n(^٢) الحديث رواه أبو داود الطيالسي (١١٨٣) وابن أبي شيبة (٥/ ٦٢)، وأبو داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، وعبد بن حميد في المنتخب (٣١٣)، والنسائي (٤٣٦٦)، والفسوي في المعرفة (١/ ٢٨٥)، والدارمي (١٩٨٨)، والحاكم (٤/ ٤١٠)، والبيهقي (٩/ ٢٥٨، ٣١٨)، والمزي في تهذيب الكمال (١٠/ ٤٠٥) من طرق عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد به. وصححه الحاكم، ولم يتعقبه الذهبي.\nفي إسناده سعيد بن خالد:\nذكره البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٦٩).\nوابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ١٦).\nوابن سعد في الطبقات الكبرى الطبقات الكبرى (١/ ٢٧٦)، ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوقال الدارقطني: مدني يحتج به. المرجع السابق، وانظر سؤالات البرقاني (١٨٣).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٥٧).\nوقال النسائي: ضعيف. نقله المزي في تهذيب الكمال (١٠/ ٤٠٥)، والذهبي في المغني في الضعفاء (٢٣٧١).\nقال مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال (٥/ ٢٨٢): «قال النسائي في كتاب الجرح والتعديل: ثقة، والذي نقله عنه المزي متبعا صاحب الكمال: ضعيف لم أره في شيء من تصانيف النسائي فيما أعلم .... وهو الذي نقله عنه جماعة أيضا منهم ابن خلفون لما ذكره في كتاب الثقات، وفي كتاب المجروحين لابن حبان عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي: هو ثقة».\nوقال ابن جحر في التهذيب متعقبًا المزي في نقله التضعيف عن النسائي: قال النسائي في الجرح والتعديل: ثقة، فينظر في أين قال: إنه ضعيف».اهـ\nوقال الذهبي في المغني في الضعفاء، والحافظ في التقريب: صدوق.\nوبقية رجال الإسناد ثقات مشهورون.\nوانظر إتحاف المهرة (١٣٥٠٨)، تحفة الأشراف (٩٧٠٥)، أطراف المسند (١٠/ ٦٢١).","vol":"6","page":132},{"text":"• وأجيب:\nبأن الضفدع ليس من حيوان البحر خاصة، بل هو يعيش في البحر كما يعيش في الماء، وعليه فالحديث ليس في محل النزاع.\n• وأما الدليل على أن السمك الطافي الذي مات حتف أنفه حرام:\n(١٠٩١ - ٦٢) فهو ما رواه أبو داود من طريق يحيى بن سليم الطائفي، قال: حدثنا إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير،\nعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه (^١).\n[ضعيف، والصواب وقفه على جابر] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٨١٥).\n(^٢) رواه إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، واختلف فيه على إسماعيل:\nفرواه يحيى بن سليم الطائفي كما في سنن أبي داود (٣٨١٥)، وسنن ابن ماجه (٣٢٤٧) ومشكل الآثار للطحاوي (٤٠٢٨)، والمعجم الأوسط (٢٨٨٠)، وسنن الدارقطني (٤/ ٢٦٨)، وسنن البيهقي (٩/ ٢٥٥، ٢٥٦)، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير به مرفوعًا.\nقال البيهقي: يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم سيء الحفظ، وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفًا.\nوذكر المزي في زيادته على تحفة الأشراف (٢/ ٢٨٧): أن إسحاق بن عبد الواحد الموصلي رواه عن يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. فجعله من مسند ابن عمر.\nوهذا من سوء حفظ يحيى بن سليم.\nورواه إسماعيل بن عياش كما في سنن الدارقطني (٤/ ٢٦٩) عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا. قال الدارقطني: موقوف هو الصحيح.\nكما رواه ابن أبي ذئب عن جابر مرفوعًا، ولا يصح.\nأخرجه الترمذي في العلل الكبير (٢/ ٦٣٦)، والطبراني في الأوسط (٥٦٥٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ١٤٨) من طريق حسين بن يزيد الطحان، عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا. ...\nقال البخاري فيما نقله عنه الترمذي في العلل الكبير (٤٣٩): «ليس هذا بمحفوظ، ويروى عن جابر خلاف هذا، ولا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئًا».\nوقد رواه أيوب كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٩٧٣٩).\nوعبيد الله بن عمر كما في سنن الدارقطني (٤/ ٢٦٨)، ومن طريقه البيهقي (٩/ ٢٦٥) كلاهما عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا، وهو الصواب.\nوقال أبو داود عقب روايته للحديث: «روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد، عن أبي الزبير، أو قفوه على جابر. وقد أسند هذا الحديث أيضًا من وجه ضعيف، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر».اهـ\nورواه الثوري عن أبي الزبير، واختلف عليه:\nفرواه أبو أحمد الزبير كما في سنن الدارقطني (٤/ ٢٦٨)، وسنن البيهقي (٩/ ٢٥٥) عن الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا.\nورواه عبد الرزاق كما في المصنف (٨٦٦٢) عن الثوري به موقوفًا.\nقال الدارقطني: «لم يسنده عن الثوري غير أبي أحمد، وخالفه وكيع والعدنيان وعبد الرزاق ومؤمل وأبو عاصم وغيرهم عن الثوري، رووه موقوفًا وهو الصواب.\nوكذلك رواه أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وابن جريج وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير موقوفًا. وروي عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير. وابن أبي ذئب، عن أبي الزبير مرفوعًا ولا يصح رفعه، رفعه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية ووقفه غيره. اهـ\nوقال البيهقي: نحو كلام الدارقطني.\nوانظر: إتحاف المهرة (٣١٨٩)، تحفة الأشراف (٢٦٥٧).","vol":"6","page":133},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2569> دليل من قال: يباح حيوان البحر كله:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2570>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) [المائدة: ٩٦].\nقال ابن عباس: طعامه ميتته (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم في كتاب الذبائح والصيد، باب قول الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ؟). قال الحافظ في الفتح: وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص، عن عكرمة، عن ابن عباس.","vol":"6","page":134},{"text":"• وأجيب:\nبأن المقصود من قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) هو فعل الصيد، وهو الاصطياد؛ لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد؛ لأنه مفعول فعل الصيد، وقوله: وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا المراد منه الاصطياد من المحرم، لا أكل الصيد؛ لأن ذلك مباح للمحرم إذا لم يصطده بنفسه ولا غيره بأمره، فثبت أنه لا دليل في الآية على إباحة الأكل، بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم (^١).\nورد هذا الجواب:\nبأن إباحة الاصطياد يلزم منها إباحة الصيد، ولا يلزم من إباحة الصيد إباحة الاصطياد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2571>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٩٢ - ٦٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن صفوان ابن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق،\nعن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال في ماء البحر: هو الطهور ماؤه الحلال ميتته (^٢).\n[صحيح وسبق تخريجه] (^٣).\nفقوله: (الحل ميتته) يشمل جميع ميتات البحر سواءً كان سَمَكًا أو غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2572>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٩٣ - ٦٤) ما رواه البخاري من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار،\nأنه سمع جابرًا -﵁- يقول: غزونا جيش الخبط، وأُمِّر أبو عبيدة،\n_________\n(^١) بتصرف انظر بدائع الصنائع (٥/ ٣٥).\n(^٢) أحمد (٢/ ٢٣٧).\n(^٣) انظر المجلد الأول ح (٣).","vol":"6","page":135},{"text":"فجعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم نر مثله يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه، فمر الراكب تحته، فأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: قال أبو عبيدة: كلوا، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي ﷺ، فقال: كلوا رزقًا أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم فأكله (^١).\n• وأجاب الحنفية عنه بجوابين:\nالأول: أن الحوت نوع من السمك.\nالثاني: أن أكل ذلك الميت كان في حال ضرورة ومخمصة، وهي حال تباح فيها أكل الميتة مطلقًا.\n• ورد عليهم:\nأن الرسول ﷺ قال: كلوا رزقًا أخرجه الله، فقوله: (كلوا) تعبير عن المستقبل، ثم إن الرسول ﷺ أكل منه، وهو في المدينة، وليس في حال الضرورة والمخمصة.\nوهذا القول هو الراجح.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٣٦٢)، ورواه مسلم بنحوه (١٩٣٥).","vol":"6","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2573>المبحث الرابع في الجلالة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2574>الفرع الأول في تعريف الجلالة</span>\n[م-٤٨٥] اختلف أهل العلم في تعريف الجلالة على أقوال:\nفقيل: ما كان علفها النجاسة، ولم يخلط بغيره، وأنتن لحمها من ذلك.\nقال السرخسي: «تفسير الجلالة التي تعتاد أكل الجيف ولا تخلط، فيتغير لحمها، ويكون لحمها منتنًا، فحرم الأكل؛ لأنه من الخبائث، والعمل عليها لتأذي الناس بنتنها، وأما ما يخلط فيتناول الجيف وغير الجيف على وجه لا يظهر أثر ذلك من لحمه، فلا بأس بأكله، والعمل عليه، حتى ذكر في النوادر: لو أن جديًّا غذي بلبن خنزير فلا بأس بأكله؛ لأنه لم يتغير لحمه، وما غذي به صار مستهلكًا، ولم يبق له أثر، وعلى هذا نقول: لا بأس بأكل الدجاجة، وإن كانت تقع على الجيف؛ لأنها تخلط، ولا يتغير لحمها ولا ينتن» (^١).\nوقيل: الجلالة ما كان أغلب علفها النجاسة، وهو قول في مذهب الحنفية (^٢)،\n_________\n(^١) المبسوط (١١/ ٢٥٥).\n(^٢) بدائع الصنائع (٥/ ٣٩).","vol":"6","page":137},{"text":"وقول في مذهب الشافعية (^١)، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nوقال الكاساني من الحنفية: يكره أكل لحوم الإبل الجلالة، وهي التي الأغلب من أكلها النجاسة (^٣).\nوقيل: الجلالة: ما ظهر فيها أثر النجاسة من ريح ونتن، وهو قول في مذهب الحنفية (^٤)، ومذهب الشافعية (^٥).\nوهذا القول هو أقرب الأقوال؛ لأن النجاسة إذا لم يظهر لها أثر، وقد استحالت إلى مادة أخرى، فإن الاستحالة مؤثرة، فتعطى حكم ما استحالت إليه، إلا أنه في الحالة التي يظهر فيها أثر للنجاسة فإن هذا دليل على التغير بالنجاسة، فإذا كان الماء\n_________\n(^١) المجموع (٩/ ٣٠).\n(^٢) قال ابن قدامة في المغني (٩/ ٣٢٩): «قال أحمد: أكره لحوم الجلالة وألبانها. قال القاضي في المجرد: هي التي تأكل القذر، فإذا كان أكثر علفها النجاسة، حرم لحمها ولبنها. وفي بيضها روايتان. وإن كان أكثر علفها الطاهر، لم يحرم أكلها ولا لبنها. وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة، لم نسمعه عن أحمد، ولا هو ظاهر كلامه، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرًا في مأكولها، ويعفى عن اليسير».اهـ\n(^٣) بدائع الصنائع (٥/ ٣٩).\n(^٤) قال في بدائع الصنائع (٥/ ٤٠): «ولا يكره أكل الدجاج المخلى، وإن كان يتناول النجاسة؛ لأنه لا يغلب عليه أكل النجاسة، بل يخلطها بغيرها وهو الحب فيأكل ذا وذا.\nوقيل: إنما لا يكره؛ لأنه لا ينتن كما ينتن الإبل، والحكم متعلق بالنتن؛ ولهذا قال أصحابنا: في جدي ارتضع بلبن خنزير حتى كبر: إنه لا يكره أكله؛ لأن لحمه لا يتغير ولا ينتن فهذا يدل على أن الكراهة في الجلالة لمكان التغير والنتن، لا لتناول النجاسة، ولهذا إذا خلطت لا يكره، وإن وجد تناول النجاسة؛ لأنها لا تنتن، فدل أن العبرة للنتن، لا لتناول النجاسة».\n(^٥) قال النووي في المجموع (٩/ ٣٠): «الصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا اعتبار بالكثرة، وإنما الاعتبار بالرائحة والنتن، فإن وجد في عرفها وغيره ريح النجاسة فجلالة، وإلا فلا». اهـ\nوقال البيهقي في الشعب (٥/ ١٩): وما روي عنه من النهي عن الجلالة وما قال فيها أهل العلم من أن المراد بها إذا ظهر ريح القذر في لحمها. اهـ","vol":"6","page":138},{"text":"الذي خلق طهورًا، ويدفع النجاسة عن غيره فإذا تغير بالنجاسة حكمنا له بالنجاسة، فما بالك بغير الماء، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2575>الفرع الثاني في حكم لحم الجلالة وركوبها وشرب لبنها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النجاسة في مقرها الباطن لا حكم لها.\n• انقلاب الأعيان له تأثير في الأحكام على الصحيح\n• استحالة الطيب إلى خبيث تجعله خبيثًا، فكذا استحالة الخبيث إلى طاهر تجعله طاهرًا.\n• تغير الصفات دليل على تغير الذات.\n[م-٤٨٦] اختلف أهل العلم على أقوال،\nفقيل: يكره كراهة تنزيه، وهو مذهب الحنفية (^١)، والصحيح من قولي الشافعية (^٢)، وقول في مذهب الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٢٣)، الفتاوى الهندية (٥/ ٢٨٩)، بدائع الصنائع (٥/ ٤٠)، الجوهرة النيرة (٢/ ١٨٥)، المبسوط (١١/ ٢٥٥).\n(^٢) مغني المحتاج (٤/ ٣٠٤)، أسنى المطالب (١/ ٥٦٨)، تحفة المحتاج (٩/ ٣٨٦)، نهاية المحتاج (٨/ ١٥٦).\n(^٣) الإنصاف (١٠/ ٣٥٦).","vol":"6","page":140},{"text":"وقيل: لا بأس بذلك، وهو مذهب المالكية (^١)، وإليه ذهب الحسن البصري (^٢).\nوقيل: يحرم، وهو قول في مذهب الشافعي (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤)، واختاره ابن حزم (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2576> دليل من قال بالكراهة أو التحريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2577>الدليل الأول:</span>\n(١٠٩٤ - ٦٥) ما رواه أحمد، قال: حدنهثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن عكرمة،\nعن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبن شاة الجلالة، وعن المجثمة، وعن الشرب من في السقاء (^٦).\n[صحيح] (^٧).\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٥٤٢)، والتاج والإكليل (٤/ ٣٤٦)، مواهب الجليل (٣/ ٢٣٠).\n(^٢) انظر المغني (٩/ ٣٢٩).\n(^٣) المجموع (٩/ ٣٠).\n(^٤) المغني (٩/ ٣٢٩)، الإنصاف (١٠/ ٣٥٦)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٤١١)، كشاف القناع (٦/ ١٩٣، ١٩٤).\n(^٥) المحلى (٧/ ٤١٠).\n(^٦) المسند (١/ ٢٢٦).\n(^٧) الحديث رواه هشام الدستوائي عن قتادة كما في مسند أحمد (١/ ٢٢٦، ٢٩٣، ٣٢١)، وسنن أبي داود (٣٧٨٦)، والترمذي (١٨٢٥)، والنسائي في المجتبى (٤٤٤٨) وفي الكبرى (٤٥٢٢)، وابن الجارود في المنتقى (٨٨٧)، والدارمي (٢٠٠١)، والطبراني (١١/ ٣٠٧)، والبيهقي (٩/ ٣٣٣) بالنهي عن لبن الجلالة.\nورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، واختلف على سعيد:\nفرواه أبو عبد الصمد كما في مسند أحمد (١/ ٣٣٩).\nوعبد العزيز بن عبد الصمد كما في صحيح ابن حبان (٥٣٩٩).\nوعبد الوهاب بن عطاء كما في مستدرك الحاكم (٢/ ٣٤) وسنن البيهقي (٩/ ٣٣٤) ثلاثتهم =","vol":"6","page":141},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به بلفظ: نهى عن لبن الجلالة كما هي رواية هشام الدستوائي عن قتادة.\nورواه محمد بن جعفر عن سعيد كما في مسند أحمد (١/ ٣٣٩) بلفظ: نهى عن الجلالة، هكذا مجملًا.\nورواه الترمذي (١٨٢٥) عن ابن أبي عدي، عن سعيد، وقال: نحوه، يعني نحو رواية هشام.\nورواه حماد بن سلمة، عن قتادة به بالنهي عن ركوب الجلالة.\nرواه أبو داود (٣٧١٩) عن موسى بن إسماعيل.\nوابن خزيمة (٢٥٥٢) من طريق أسد بن موسى.\nوالبيهقي (٥/ ٢٥٤) من طريق أسود بن عامر، ثلاثتهم رووه عن حماد بن سلمة، عن قتادة به بلفظ: نهى عن ركوب الجلالة.\nورواه حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة كما في المعجم الكبير للطبراني (١١٨١٩)، ومستدرك الحاكم (١/ ٤٤٤) بلفظ نهى عن الجلالة مجملًا ولم يذكر لبنًا ولا ركوبًا كرواية محمد بن جعفر عن سعيد بن أبي عروبة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١٩٨٥٦)، (٢٤١٢٨) حدثنا يونس بن محمد.\nوالدارمي (١٩٧٥، ٢١١٧)، والبيهقي (٥/ ٢٥٤) و(٩/ ٣٣١) عن عفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن قتادة به مختصرًا، ولم يذكر ابن أبي شيبة والدارمي والبيهقي في إحدى موضعيه الجلالة، وذكر البيهقي في الموضع الآخر عن عفان النهي عن ركوب الجلالة، كرواية الأكثر عن حماد.\nوأخرجه البخاري في صحيحه (٥٦٢٩) وابن ماجه (٣٤٢١)، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٤٩) ح ١١٩٧٧، ١١٩٧٨، وابن حبان في صحيحه (٥٣١٦)، والحاكم في المستدرك (٧٢٠٦)، من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة به، واقتصر البخاري وابن ماجه وابن حبان على النهي من الشرب من في السقاء، ولم يذكروا الجلالة.\nورواه الطبراني في الكبير (١١٨٢٠) حدثنا السري بن سهل الجنديسابوري، حدثنا عبد الله ابن رشيد، حدثنا مجاعة بن الزبير، عن قتادة، عن عكرمة به، بالنهي عن الجلالة. وهذا إسناد ضعيف، شيخ الطبراني، وشيخه عبد الله بن رشيد فيهما ضعف.\nوأخرجه الطبراني (١١/ ٢٦٧) ح ١١٦٩٢ من طريق بسام الصيرفي، عن عكرمة، عن\nابن عباس مرفوعًا بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن الشاة الجلالة، وعن ثمن الكلب وعسب الفحل وكسب الحجام، وزاد فيه الصيرفي النهي عن ثمن الكلب، وعسب الفحل، وكسب الحجام. وهو رجل صدوق. =","vol":"6","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2578>الدليل الثاني:</span>\n(١٠٩٥ - ٦٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا سهل بن بكار حدثنا وهيب عن ابن طاووس\nعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحمها (^١).\n[رواه وهيب عن ابن طاووس، فوصله، ورواه معمر عن ابن طاووس معضلًا، وهو المحفوظ] (^٢).\n_________\n= وأخرجه البيهقي (٩/ ٣٣٣) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن طاووس، عن ابن عباس، أن رسول الله ق نهى عن أكل لحوم الجلالة وألبانها. وانفرد ابن لهيعة بهذا الإسناد، وبالجمع بين النهي عن لبن الجلالة وأكل لحومها.\nفملخص الحديث أن الحديث من رواية قتادة، يرويه هشام، وسعيد بن أبي عروبة بالنهي عن لبن الجلالة، ويرويه حماد بن سلمة، عن قتادة بالنهي عن ركوب الجلالة، والمحفوظ رواية هشام ومن وافقه، والله أعلم.\nانظر أطراف المسند (٣/ ٢٢٢)، إتحاف المهرة (٨٥٩٧)، تحفة الأشراف (٦١٩٠، ٦١٩١).\n(^١) سنن أبي داود (٣٨١١).\n(^٢) اختلف فيه على ابن طاوس:\nفرواه أحمد (٢/ ٢١٩)، حدثنا مؤمل.\nوالطبراني في المعجم الأوسط (٢٨٠٩) من طريق إبراهيم بن الحجاج السامي.\nوالحاكم (٢٤٩٨)، والبيهقي (٩/ ٣٣) من طريق أحمد بن إسحاق الحضرمي. ثلاثتهم عن وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nفيكون الإسناد: عمرو بن شعيب، عن أبيه (شعيب بن محمد) عن جده (عبد الله بن عمرو).\nورواه سهل بن بكار، واختلف عليه:\nفرواه أبو داود وأبو داود (٣٨١١)، عن سهل بن بكار، عن وهيب به كما هي رواية الجماعة.\nورواه النسائي في المجتبى (٤٤٤٧) وفي الكبرى (٤٥٢١) أخبرني عثمان بن عبد الله بن خرزاذ، قال: حدثني سهل بن بكار، قال: حدثني وهيب بن خالد، عن ابن طاوس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن محمد بن عبد الله بن عمرو، قال مرة: عن أبيه، وقال مرة: عن جده. =","vol":"6","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2579>الدليل الثالث:</span>\n(١٠٩٦ - ٦٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن أبي سريج، أخبرني عبد الله ابن جهم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السختياني، عن نافع،\nعن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها (^١).\n[حسن وعمرو بن أبي قيس قد توبع في أيوب] (^٢).\n_________\n= فإن كان ذكر محمد بن عبد الله بن عمرو محفوظًا في الإسناد ففيه علتان:\nالأولى: محمد بن عبد الله بن عمرو لم يوثقه أحد، وقال ابن حجر: مقبول، أي حيث توبع، وإلا فلين.\nالعلة الثانية: أنه لم يسمع من عمرو بن العاص، وإنما روايته على قلتها والاختلاف عليه فيها عن أبيه، قال المزي في تهذيب الكمال (٢٥/ ٥١٤): «روي له شيء يسير من الحديث على خلاف فيه».\nوصحح إسناده ابن عبد الهادي في التنقيح (٤/ ٦٧٠)، وحسن إسناده الحافظ في الفتح (٩/ ٦٤٨).\nوخالف وهيبًا معمر بن راشد، فرواه عبد الرزاق (٨٧١٢) عنه، عن ابن طاووس، قال: أخبرني عمرو بن شعيب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الإبل الجلالة وألبانها، وكان يكره أن يحج عليها. وهذا معضل.\nومعمر مقدم على وهيب، خاصة في أهل اليمن، فمعمر وشيخه ابن طاووس يمنيان.\nوأخرجه الدارقطني (٤/ ٢٨٣)، والحاكم (٢٢٦٩)، وعنه البيهقي (٩/ ٣٣٣) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو بنحوه.\nوصحح إسناده الحاكم، فتعقبه الذهبي بقوله: إسماعيل وأبوه ضعيفان. اهـ\nانظر إتحاف المهرة (١١٧٩٩)، تحفة الأشراف (٨٧٢٦)، أطراف المسند (٤/ ٥٣) حيث ألحقه المحقق وفقه الله مستدركًا على ابن حجر عدم ذكره.\n(^١) سنن أبي داود (٣٧٨٧).\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤)، والبيهقي (٩/ ٣٣٣) من عمرو بن أبي قيس، عن أيوب به.\nوأخرجه أبو داود (٢٥٥٧) والبيهقي (٥/ ٢٥٤) من طريق عبد الوارث، عن أيوب به، بلفظ: نهى عن ركوب الجلالة. =","vol":"6","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2580>الدليل الرابع:</span>\n(١٠٩٧ - ٦٨) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، حدثنا مغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير،\nعن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة أن يؤكل لحمها، أو يشرب لبنها (^١).\n[حسن إن شاء الله] (^٢).\n_________\n= ورواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، واختلف على ابن أبي نجيح فيه:\nفرواه محمد بن إسحاق، كما في سنن الترمذي (١٨٢٤)، ومستدرك الحاكم (٢٢٤٨) والسنن الكبرى للبيهقي (٩/ ٣٣٢) عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر.\nورواه عبد الرزاق كما في المصنف (٨٧١٨).\nووكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٦١٠)، كلاهما (عبد الرزاق ووكيع) عن سفيان به، فالراجح من رواية مجاهد أنها مرسلة.\nقال الترمذي: روى الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nولا شك أن الثوري مقدم على ابن إسحاق.\nقال الترمذي في علله (ص: ٣٠٤) بعد أن ذكر رواية محمد بن إسحاق لابن أبي نجيح موصولة، قال: «سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: روى سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الجلالة مرسل».اهـ\nيشير البخاري إلا إعلال الرواية الموصولة.\nكما رواه عبد الرزاق في المصنف (٨٧١٣)، وابن أبي شيبة أيضًا (٥/ ١٤٨) من طريق الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد مرسلًا أيضًا.\nوخالف كل هؤلاء شريك، فرواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٣٢) من طريقه، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس. وهذا الإسناد منكر، تفرد به شريك، عن ليث.\nانظر إتحاف المهرة (١٠١٣٠)، تحفة (٧٥٨٩).\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٤٦٠٤)، وفي مسنده كما في المطالب العالية (٢٣٤٧).\n(^٢) مغيرة بن مسلم هو السراج، صدوق الحديث، وكذا أبو الزبير وباقي رجاله ثقات، وقد حسن إسناده الحافظ في الفتح (٩/ ٦٤٨)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٤/ ٣٢٦): رجاله ثقات.","vol":"6","page":145},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2581> دليل من قال: لا بأس بالجلالة ركوبًا وحلبًا ولحمًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2582>الدليل الأول:</span>\nإذا اعتبرنا أن الاستحالة مؤثرة في تحول العين النجسة إلى طاهر، كالخمرة تتحول إلى خل ونحوها، فكذلك هذه النجاسة التي أكلتها الدابة قد تحولت إلى عين طاهرة، فلا يبقى لها حكم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2583>الدليل الثاني:</span>\nأن النجاسة في مقرها لا حكم لها، فهذا البول والغائط من الإنسان ما دام في جوفه لا يحكم لمن يحمله بالنجاسة، فكذلك النجاسة التي أكلتها هذه الدابة لا يحكم لها بالنجاسة ما دامت في معدنها، وبالتالي لا يمكن أن تتنجس الدابة الطاهرة بعذرة في جوفها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2584>الدليل الثالث:</span>\nتنجس الدابة لما تحمل في معدتها من نجاسة إنما هو تنجس بالمجاورة، والماء إذا تروح بريح نجسة حكمنا له بالطهارة كما حكي ذلك إجماعًا (^١)، فكذلك تنجس الدابة إنما هو عن مجاورة النجاسة، فلا يحكم لها بالنجاسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2585>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إن المسلم قد يبتلى بشرب الخمر، والكافر يشربه ويأكل الخنزير، ولا يكون ظاهرهما نجسًا؛ إذ لو تنجسا ما طهرهما الاغتسال، ويلزم من قولهم: إن الجلالة نجسة أن تكون نجسة قبل أكل النجاسة؛ لأنها متولدة من المني، والمني من الدم، والدم عندهم نجس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2586>الدليل الخامس:</span>\nاستدل بعضهم بقوله تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ\n_________\n(^١) قدمت بحثًا في الماء المتغير بالمجاورة في كتاب المياه في مسألة مستقلة.","vol":"6","page":146},{"text":"إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].\nولم تذكر الجلالة، وهذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن ما نهى عنه رسول الله ﷺ حكمه حكم ما نهى عنه الله ﷾، وقد تكون الآية خرجت على سبب فيما كان يحرمه أهل الجاهلية مما حكاه الله عنهم، وقد حرم الله أيضًا المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وحرم الرسول ﷺ كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وهو زيادة على قوله تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) [الأنعام: ١٤٥].\n• الراجح من الخلاف:\nبعض أدلة المالكية فيه قوة، ولكن لا مجال للنظر وفي المسألة أثر صحيح، خاصة حديث ابن عباس فإن رجاله رجال الصحيح، لكن يقال: قوة أدلة المالكية تجعل الباحث يحمل الأحاديث على الكراهة بدلا من حملها على التحريم، فنقول: يكره أكل لحوم الجلالة ما دامت النجاسة لها أثر في لحمها ونتنها؛ لأن النهي من الشارع مشترك بين التحريم والكراهة، والأصل فيه التحريم إلا لقرينة، ومن القرائن أن يكون النهي من أجل الآداب لا من أجل العبادة، والطعام له أثر على الإنسان والحيوان، فإن الإنسان إذا أكل بعض الأكل وجد ريحه في عرقه كالحلبة والثوم، فما بالك إذا أنتن من أكل النجاسة، وكذلك الدابة تأكل الطعام الطيب فيظهر في لبنها، ويخلط لها الأكل الرديء فيظهر أيضًا في جودة لبنها، ومع ذلك لا يمكن أن يقال: إن لبن الحيوان نجس إذا ظهر فيه ريح النجاسة، لكن الكراهة لها وجه قوي جدًّا.\n[م-٤٨٧] ومتى يحل أكل الجلالة؟\nيحل أكلها إذا ذهب عنها ريح النجاسة، وبعضهم لم يقيده بمدة معينة، وإنما علقه على ذهاب النتن والقذر.\nوبعضهم قدره بثلاثة أيام، وقد روي في ذلك أثر صحيح عن ابن عمر","vol":"6","page":147},{"text":"﵄.\n(١٠٩٨ - ٦٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن ميمون، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ١٤٨) رقم ٢٤٦٠٨.\n(^٢) ورواه عبد الرزاق في المصنف (٨٧١٧) عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة ثلاثًا إذا أراد أن يأكل بيضها.\nوهذا إسناد صالح في المتابعات، وعبد الله العمري في حفظه شيء، لكنه قد توبع من عمرو بن ميمون.\nكما روى ابن أبي شيبة أيضًا (٥/ ١٤٨) من طريق ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان عنده إبل جلالة، فأصدرها إلى الحمى، ثم ردها، فحمل عليها الرواحل إلى مكة.\nوهو في مصنف عبد الرزاق (٨٧١٠).\nوفي إسناده عبد العزيز بن أبي رواد، جاء في ترجمته:\nقال ابن عدي: في بعض رواياته ما لا يتابع عليه. الكامل (٥/ ٢٩٠).\nوقال النسائي: لا بأس به. تهذيب الكمال (١٨/ ١٣٦).\nوقال أحمد بن حنبل: رجل صالح الحديث، وكان مرجئا وليس هو في التثبت مثل غيره. المرجع السابق.\nوقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. المرجع السابق.\nوقال العجلي: ثقة. معرفة الثقات (٢/ ٩٦).\nوقال ابن حبان: كان ممن غلب عليه التقشف حتى كان لا يدري ما يحدث به، فروى عن نافع أشياء لا يشك من الحديث صناعته إذا سمعها أنها موضوعة، كان يحدث بها توهمًا لا تعمدًا، ومن حدث على الحسبان وروى على التوهم حتى كثر ذلك منه سقط الاحتجاج به وإن كان فاضلا في نفسه، وكيف يكون التقي في نفسه من كان شديد الصلابة في الإرجاء، كثير البغض لمن انتحل السنن، ثم قال ابن حبان: روى عبد العزيز، عن نافع، عن ابن عمر نسخة موضوعة، لا يحل ذكرها إلا على سبيل الاعتبار منها. المجروحين (٢/ ١٣٦). ...\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٣/ ٦).\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق عابد ربما وهم، ورمي بالإرجاء.\nومع متابعة عمرو بن ميمون عن نافع في حبس الجلالة يتقوى ما روى عبد العزيز بن أبي رواد، والله أعلم.\nوروى عبد الرزاق أيضًا (٨٧١١) عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كره أن تركب الجلالة، أو أن يحج عليها.\nولا شك أن الانتفاع بالركوب أخف من الأكل، والحيوان النجس يجوز الانتفاع به في غير الأكل، فما بالك بالحيوان الطاهر إذا أكل نجاسة، وما يرشح من عرق فله حكم عرق الحيوان الطاهر، وليس له حكم النجاسة، والله أعلم.","vol":"6","page":148},{"text":"وهذا أحسن ما ورد في حبس الجلالة.\nوقال في بدائع الصنائع: «والأفضل أن تحبس الدجاج حتى يذهب ما في بطنها من النجاسة (لما روي أن رسول الله ﷺ كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يأكله) وذلك على طريق التنزه وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة عليهما الرحمة أنها تحبس ثلاثة أيام كأنه ذهب إلى ذلك للخبر ولما ذكرنا أن ما في جوفها من النجاسة يزول في هذه المدة ظاهرًا أوغالبًا (^١).\nوقال الحافظ: وأخرج البيهقي بسند فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعا أنها لا تؤكل حتى تعلف أربعين يومًا.\nوبعضهم حرمها مطلقًا إذا تغذت على النجاسة، ولو علفت بعد ذلك بالحلال، كابن حزم ﵀، قال: ولا يحل أكل لحوم الجلالة، ولا شرب ألبانها، ولا ما تصرف منها؛ لأنه منها وبعضها، ولا يحل ركوبها (^٢).\nثم قال: روينا عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثًا حتى يطيب بطنها. قال أبو محمد: هذا لا يلزم لأنه إن كان حبسها من أجل ما في قانصتها مما أكلت فالذي\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (٥/ ٤٠).\n(^٢) المحلى (٦/ ٨٥).","vol":"6","page":149},{"text":"في القانصة لا يحل أكله جملة؛ لأنه رجيع، وإن كان من أجل استحالة المحرمات التي أكلت فلا يستحيل لحمها في ثلاثة أيام، ولا في ثلاثة أشهر بل قد صار ما تغذت به من ذلك لحما من لحمها، ولو حرم من ذلك لحرم من الثمار والزرع ما ينبت على الزبل - وهذا خطأ. وقد قدمنا أن الحرام إذا استحالت صفاته واسمه بطل حكمه الذي علق على ذلك الاسم وبالله تعالى التوفيق (^١).\nفكأن ابن حزم لا يرى علة في تحريم الجلالة إلا الاتباع فقط، وهو لا يرى الاستدلال بقول الصحابي ﵁، وهي مسألة خلافية، والجمهور على الاستدلال به، وأقل أحواله أن يكون من المرجحات إذا لم يخالف ولم يعارض نصًّا.\nفعلى هذا يكون القول الراجح أن الجلالة يكره أكل لحمها ما دام النتن قد ظهر في لحمها، فإذا ذهب النتن جاز أكلها، والثلاثة أيام غالبًا ما يكون كافيًا في إزالة النتن منها إذا حبست وعلفت طعامًا طيبًا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (٦/ ١١٠).","vol":"6","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2587>المبحث الخامس في الأجزاء المنفصلة من الحيوان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2588>الفرع الأول في الشحم واللحم إذا انفصلا من الحيوان وهو حي</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ما يقطع من البهيمة وهي حية مما فيه حياة حيوانية فهو كميتته طهارة ونجاسة.\n[م-٤٨٨] إذا انفصل من الحيوان عضو حال الحياة فما حكم هذا المنفصل؟ هل يعتبر طاهرًا أو نجسًا؟\nإذا انفصل من الحيوان يد أو رجل، أو شحم، أو لحم، أو كرش أو أمعاء ونحوها بلا تذكية شرعية، فإن هذه الأشياء إذا انفصلت من الحي فلها حكم ميتته، فإن كانت ميتته طاهرة إجماعًا كانت هذه الأجزاء طاهرة إجماعًا، وإن كانت ميتته نجسة اتفاقًا كانت منه نجسة كذلك، وإن كانت ميتته مختلفًا فيها كان الخلاف في أجزائها كذلك، فمن رجح طهارة ميتته حكم بطهارتها، ومن رجح نجاسة ميتته رجح نجاستها، وهكذا.","vol":"6","page":151},{"text":"فالسمك والجراد مجمع على طهارة ميتتهما، فالعضو المبان منهما حال الحياة طاهر.\nوساق النووي خلافًا في العضو المبان من السمك مع الاتفاق على طهارة ميتته (^١).\nوما أجمع على نجاسة ميتته مما له نفس سائلة غير الآدمي والسمك كالإبل والغنم والبقر فإن العضو المبان منها نجس، وحكي الإجماع على نجاسته (^٢).\nقال النووي: «العضو المنفصل من حيوان حي - كألية الشاة وسنام البعير وذنب البقرة والأذن واليد وغير ذلك- نجس بالإجماع» (^٣).\nوما اختلف في نجاسة ميتته - كالآدمي وما لا نفس له سائلة - فما انفصل منه حال الحياة يكون على الخلاف (^٤).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٥٨١): «وأما العضو المبان من السمك والجراد والآدمي كيده ورجله وظفره ومشيمة الآدمي ففيها كلها وجهان:\nأصحهما: طهارتها، وهو الذي صححه الخراسانيون كميتاتها.\nوالثاني: نجاستها ....».\nوظاهر قول العمراني في البيان أن الوجهين فيما قطع من السمكة إذا بقيت السمكة حية، قال في البيان (١/ ٤٢٣): «فإن قطع من السمكة قطعة، وبقيت السمكة حية، فهل يحكم بطهارة تلك القطعة؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ ....».\n(^٢) قال الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ١٣٣): «إن كان المبان جزءًا فيه دم كاليد والأذن والأنف ونحوها فهو نجس بالإجماع، وإن لم يكن فيه دم كالشعر والصوف والظفر ونحوه فهو على الاختلاف».اهـ\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٨٠).\n(^٤) قال ابن قدامة في المغني (٨/ ٢٥٨): «ومن ألصق أذنه بعد إبانتها، أو سنه، فهل تلزمه إبانتها؟ فيه وجهان، مبنيان على الروايتين، فيما بان من الآدمي، هل هو نجس أو طاهر؟ إن قلنا: هو نجس لزمته إزالتها، ما لم يخف الضرر بإزالتها، كما لو جبر عظمه بعظم نجس. وإن قلنا بطهارتها لم تلزمه إزالتها. وهذا اختيار أبي بكر، وقول عطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وهو ...\nالصحيح؛ لأنه جزء آدمي طاهر في حياته وموته، فكان طاهرًا كحالة اتصاله».اهـ وانظر من المغني أيضًا (١/ ٤٢).\nويرى ابن حزم كما في المحلى (١/ ١٨١) مسألة: ٣٩: أن ما أبين من المسلم فهو طاهر، وما أبين من الكافر فهو نجس تمشيًا مع مذهبه بنجاسة الكافر، وقد ذكر دليله في مسألة مستقلة في الباب الأول وسبق ترجيح طهارة الكافر مطلقًا حيًا وميتًا.","vol":"6","page":152},{"text":"وقد سبق الحديث عن الخلاف في طهارة ميتة الآدمي، فليرجع إليه.\n• ومستند الإجماع في ذلك.\n(١٠٩٩ - ٧٠) ما رواه أحمد من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن أبي واقد الليثي قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، والناس يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال رسول الله ﷺ: ما قطع من البهيمة وهي حية، فهي ميتة (^١).\n[الراجح أنه مرسل] (^٢)\n* * *\n_________\n(^١) المسند (٥/ ٢١٨).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر المجلد الأول ح (١٤٣).","vol":"6","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2589>الفرع الثاني في شعر الحيوان وريشه ووبره</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأشياء الطهارة.\n• كل جزء من البهيمة مما لا تحله الحياة الحيوانية لا ينجس بالموت، كالشعر والصوف، والظلف والقرن.\n• الشعر حياته نباتيه، وليست حيوانية، فلا ينجس من البهيمة حية أو ميتة.\n• إذا كان جلد الميتة إذا قطعت الرطوبات النجسة بالدباغ طهر، فالشعر لا رطوبة فيه أصلًا، فهو باق على طهارته.\n• علة نجاسة الميتة ليس موتها فحسب، لأنه موجود في السمك والجراد، بل لاحتباس الدماء النجسة فيها، ولهذا لا ينجس بالموت ما لا نفس له سائلة.\n• ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، وإن كانت حياته حيوانية، فالشعر والوبر والصوف مثله، أو أولى.\n[م-٤٨٩] إذا جُزَّ الشعر والوبر من حيوان طاهر، وهو حي، فإنه طاهر","vol":"6","page":154},{"text":"بالإجماع (^١).\nقال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن الانتفاع بأشعارها، وأوبارها، وأصوافها جائز؛ إذا أخذ ذلك، وهي حية» (^٢).\nوقال ابن عبد البر: «وأجمع العلماء على أن جز الصوف عن الشاة، وهي حية حلال» (^٣).\n[م-٤٩٠] وأما إذا جُزَّ الشعر والوبر والصوف من حيوان ميت، فقد اختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: طاهر مطلقًا، سواءً أكان من حيوان طاهر أم نجس، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد (^٤)، إلا أن الحنفية استثنوا شعر الخنزير فقط.\nوقيل: الشعر في الطهارة تبع لذات الحيوان، فإن كان الشعر من حيوان طاهر في الحياة ولو كان غير مأكول، فشعره طاهر، وإن كان من حيوان نجس فالشعر تبع له،\n_________\n(^١) نقل الإجماع على ذلك النووي في المجموع (١/ ٢٩٦)، وابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ١٨٣)، وابن تيمية في الفتاوى (٢١/ ٩٨).\n(^٢) الإجماع (ص: ١٦)، وانظر الأوسط (٢/ ٢٧٣).\n(^٣) التمهيد (٩/ ٥٢).\n(^٤) البناية على الهداية (١/ ٣٧٧)، البحر الرائق (١/ ١١٢)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٧٠، ١٧١)، تبيين الحقائق (١/ ٢٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٩٦)، الجوهرة النيرة (١/ ١٦)، شرح فتح القدير (١/ ٩٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٤)، مجمع الأنهر في ملتقى الأبحر (١/ ٣٢، ٣٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٦، ٤٧)، المنتقى (١/ ١٨٠)، تفسير القرطبي (٢/ ٢١٩)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٨٩)، حاشية العدوي (١/ ٥٨٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٠، ٥١)، هذا قولهم في الشعر والوبر والصوف، وأما الريش من الميتة، فقد ذكر ابن عبد البر في الكافي مذهب المالكية، فقال: (ص: ١٨٩) «لا يجوز الانتفاع بريش الميتة»، ونص على ذلك ابن الجلاب في التفريع (١/ ٤٠٨)، واستثنى الباجي في المنتقى (٣/ ١٣٧) الريش الذي لا سنخ له، مثل الزغب ونحوه.\nوانظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ٢٦٣)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٦١٧).","vol":"6","page":155},{"text":"وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: إن الشعر والوبر والصوف من الميتة نجس إلا شعر الآدمي، وهو المشهور مذهب الشافعية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: صوف الميتة وشعرها ووبرها نجس قبل الدباغ طاهر بعده، وهو اختيار ابن حزم (^٤).\nواشترط من قال بطهارته أن يجز جزًا.\nقال ابن نجيم: «شعر الميتة إنما يكون طاهرًا إذا كان محلوقًا، أو مجزوزًا، وإن كان منتوفًا فهو نجس» (^٥).\nوقال الدردير: «والمقصود بالجز: ما يقابل النتف، فيشمل الحلق والإزالة بالنورة، فلو جزت بعد النتف، فالأصل الذي فيه أجزاء الجلد نجس، والباقي طاهر» (^٦).\nوقد ذكرنا أدلة كل قول في بحث مستقل، في المجلد الأول المياه والآنية، فأغنى عن إعادته هنا.\nوقد ترجح لي أن رأي الحنفية والمالكية أقوى من حيث الدليل، وأن الشعر لا تدخله الحياة الحيوانية، والحياة النباتية لا تكفي لتنجيسه إذا فارقها، وأنه لا فرق بين شعر الحيوان الطاهر بالحياة والحيوان النجس، ومن استثنى شعر الكلب\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٩٢)، المبدع (١/ ٧٦)، الفروع (١/ ٧٨)، الكافي (١/ ٢٠)، كشاف القناع (١/ ٥٧)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٦١٧)، المغني (١/ ٦٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٢٩١)، المهذب (١/ ١١)، حلية العلماء (١/ ٩٦)، روضة الطالبين (١/ ١٥، ٤٣).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٩٢)، الفروع (١/ ٧٧، ٧٨).\n(^٤) المحلى (١/ ١٢٨).\n(^٥) البحر الرائق (١/ ١١٣).\n(^٦) الشرح الكبير (١/ ٤٩).","vol":"6","page":156},{"text":"أو الخنزير إن كان في ذلك إجماع فالدليل الإجماع، وإن لم يصح في المسألة إجماع فلا فرق بين شعره وشعر غيره، وبهذا يتبن لنا أن الميتة ثلاثة أقسام:\nنجس مطلقًا لا يطهر بحال، وهو اللحم والدم.\nوطاهر مطلقًا، وهو الشعر والوبر والصوف إذا جز جزًا.\nوطاهر بشرط قطع الرطوبة النجسة العالقة عن طريق الدباغ ونحوه، وهو الجلد.\nوهناك قول آخر لم أذكره لأنه راجع إلى أحد الأقوال السابقة، وهو أن الشعر طاهر بعد الغسل، وهو مروي عن عطاء، والحسن، والأوزاعي كما ذكر ذلك عنهما ابن قدامة والنووي، وهذا المذهب يرجع إلى قول من قال بطهارة الشعر؛ لأن الشعر والوبر والصوف لو كان نجس العين لما طهره الغسل. والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2590>الفرع الثالث في طهارة العظم من الحيوان</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل جزء من البهيمة مما لا تحله الحياة الحيوانية لا ينجس بالموت، كالعظم، والشعر والظلف والقرن.\n• جلد الميتة إذا قطعت عنه الرطوبات النجسة بالدباغ طهر، فالعظم لا رطوبة فيه بأصل الخلقة، فهو باق على طهارته.\n• ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، فالعظم مثله، أو أولى.\n[م-٤٩١] عظم الحيوان المأكول اللحم المذكى طاهر إجماعًا، كما أن عظم الآدمي طاهر تبع لذاته على الصحيح، ولكن لا يجوز استعماله ولو من كافر لكرامة المؤمن، وتحريم المثلة في الكافر (^١).\n_________\n(^١) انظر غمز عيون البصائر (٤/ ٢١٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٢)، تحفة المحتاج (١/ ١١٧)، كشاف القناع (١/ ٥١)، المحلى (١/ ٤٢٦).","vol":"6","page":158},{"text":"وإذا كان في العظم دسم فإن حكمه حكم الجلد واللحم.\nوإذا انفصل العظم من الحيوان في حياته، أو كان من حيوان غير مذكى كما لو كان من ميتة، سواءً أكان من مأكول اللحم أم من غيره فقد اختلف العلماء في طهارته على النحو التالي:\nفقيل: طاهر، وهو مذهب الحنفية، ورجحه ابن تيمية (^١) إلا أن الحنفية يستثنون أمرين:\nالأول: عظم الخنزير.\nالثاني: ما أبين من الحي فهو عندهم كميتته، فيحكمون بنجاسة السن والأذن وغيرهما في حق غير صاحبها، أما في حق صاحبها فطاهرة (^٢).\nوقيل: إن العظم له حكم ميتته، فما كانت ميتته طاهرة فعظمه طاهر، وما كانت ميتته نجسة فعظمه نجس، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٦٧).\n(^٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ١٦٧)، البحر الرائق (١/ ١١٢)، تبيين الحقائق (١/ ٢٦)، بدائع الصنائع (١/ ٦٣)، الهداية شرح البداية (٣/ ٤٦)، الجامع الصغير (ص: ٣٢٩)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٧٠) و(٣/ ٣٣).\n(^٣) المنتقى (٣/ ١٣٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٣، ٥٤)، الخرشي (١/ ٨٩)، مختصر خليل (ص: ٧)، حاشية العدوي (١/ ٥٨٥)، الفواكه الدواني (٢/ ٢٨٧)، التمهيد (٩/ ٥٢)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٠).\nوقال الشافعي في الأم (١/ ٢٣): «ولا يتوضأ ولا يشرب في عظم ميتة، ولا عظم ذكي لا يؤكل لحمه، مثل عظم الفيل والأسد وما أشبهه؛ لأن الدباغ والغسل لا يطهران العظم».اهـ\nوانظر المجموع (١/ ٢٩١) حاشية البجيرمي (١/ ٣٥)، وحاشية الشرواني (١/ ١١٧)، روضة الطالبين (١/ ٤٣، ٤٤)، مختصر الخرقي (ص: ١٦)، المغني (١/ ٥٦)، دليل الطالب (ص: ٥)، المبدع (١/ ٧٤، ٧٦)، كشاف القناع (١/ ٥٦)، الإنصاف (١/ ٩٢)، الكافي (١/ ٢٠).","vol":"6","page":159},{"text":"وقيل: لا يجوز بيع العظام، ويجوز الانتفاع بها، وهو اختيار ابن حزم (^١).\nوقال بعضهم: إن العظام نجسة، تطهر بالدباغ، ودباغها غليها، اختاره بعض المالكية (^٢).\nوسبب اختلافهم في عظام الميتة، اختلافهم في نجاسة الميتة هل هو بسبب احتقان الدم فيها، ولذلك الحيوان الذي لا دم له لا ينجس بالموت، فكذلك العظام من باب أولى؛ لأنه لا دم فيها، وهذا جلد الميتة إذا دبغ وانقطعت عنه الرطوبة النجسة أصبح طاهرًا، فالعظام من باب أولى؛ إذ لا رطوبة فيها أصلًا، أو أن الموت هو سبب النجاسة، والعظام جزء من الميتة فتنجس بالموت؟\nوهل النمو والتغذية في هذه العظام من خصائص الحياة الحيوانية، فيدخله الموت، أو أن الموت خاص في الحس والحركة المستقلة، وليس في العظام شيء من ذلك، وبالتالي لا يلحقها الموت؟\nوقد سبق ذكر هذه المسألة بأدلتها في بحث مستقل، ورجحت طهارة عظام الميتة مما أغنى عن إعادته في هذا الكتاب (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) قال في المحلى (١/ ١٣٢): وأما العظم والريش والقرن فكل ذلك من الحي بعض الحي، والحي مباح ملكه وبيعه إلا ما منع من ذلك نص، وكل ذلك من الميتة ميتة، وقد صح تحريم النبي ﷺ بيع الميتة، وبعض الميتة ميتة، فلا يحل بيع شيء من ذلك، والانتفاع بكل ذلك جائز، لقوله ﵇: «إنما حرم أكلها»، فأباح ما عدا ذلك إلا ما حرم باسمه من بيعها والادهان بشحومها، ومن عصبها ولحمها. اهـ\n(^٢) المنتقى شرح الموطأ (٣/ ١٣٦، ١٣٧).\n(^٣) انظر كتابي أحكام الطهارة (باب المياه والآنية) (ص: ٥٤٥).","vol":"6","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2591>الفرع الرابع في عصب الحيوان</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل جزء من البهيمة مما لا تحله الحياة الحيوانية لا ينجس بالموت، كالعصب والعظم، والشعر، والظلف، والقرن.\n• تنجيس الميتة تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وتارة يكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك، يجمع ذلك قوله ﷺ: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل.\n• ليس الموت فحسب هو علة النجاسة في الميتة لوجوده في السمك والجراد وهما طاهران، بل لما فيهما من الرطوبات السيالة والدماء النجسة.\n• ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت فالعصب مثله أو أولى.\n• جلد الميتة إذا قطعت عنه الرطوبات النجسة بالدباغ طهر فالعصب طاهر منها بأصل الخلقة أو نجاسته عن مجاورة.\n[م-٤٩٢] العصب إما أن ينفصل من الحيوان في حال الحياة، أو بعد مفارقته للحياة.","vol":"6","page":161},{"text":"فإن انفصل من الحيوان في حال الحياة فإن كان من حيوان ميتته طاهرة كان طاهرًا بالاتفاق كما لو انفصل من سمك، وقد سبق الكلام على هذه المسألة عند الحديث على حكم ما أبين من الحيوان حال الحياة.\nوكذا لو انفصل العصب من حيوان مأكول بعد تذكيته التذكية الشرعية.\n[م-٤٩٣] وإن انفصل من حيوان حال الحياة، وكانت ميتته نجسة، أو انفصل من حيوان بعد أن مات حتف أنفه، فهل يعطى العصب حكم ميتته فيكون نجسًا، أو يكون طاهرًا باعتبار أن العصب لا دم فيه فينجس بالموت؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة.\nفقيل: العصب طاهر، إلا من الخنزير فإنه نجس، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: العصب نجس، وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وقول في مذهب الحنفية (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2592> دليل الحنفية على طهارة عصب الميتة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2593>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، ولذلك كان ما لا نفس\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (٥/ ١٤٢)، البحر الرائق (١/ ١١٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٠٧)، شرح فتح القدير (١/ ٩٦، ٢١١).\n(^٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٥٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٠)، الخرشي (١/ ٨٩)،\n(^٣) قال النووي في المجموع (٢/ ٥٨١): «عصب الميتة غير الآدمي نجس بلا خلاف».اهـ ويقصد ﵀ بقوله: بلا خلاف أي في المذهب.\n(^٤) المبدع (١/ ٧٥)، الفروع (١/ ١١٠) الإنصاف (١/ ٩٢) كشاف القناع (١/ ٥٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٦١).\n(^٥) المبسوط (١/ ٢٠٣).","vol":"6","page":162},{"text":"له سائلة، إذا مات لم ينجس؛ لأنه لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فالعصب ونحوه أولى بعدم التنجس من هذا، فإن العصب ليس فيه دم سائل، ولا كان متحركًا بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان الحيوان الكامل الإحساس المتحرك بالإرادة، لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العصب الذي ليس فيه دم سائل أصلًا؟! (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2594>الدليل الثاني:</span>\nهذه الأشياء ليست بميتة، فليست داخلة في عموم تحريم الميتة؛ لأن الميتة من الحيوان في عرف الشارع اسم لما زالت حياته، ولا حياة في هذه الأشياء، وما لا تحله الحياة لا يحله الموت.\nفإن قيل: إنها داخلة في الميتة؛ لأن العصب تحس وتتألم.\nقيل لهم: أنتم لم تأخذوا في عموم اللفظ، فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب لا ينجس عند جماهير العلماء، مع أنه ميتة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2595>الدليل الثالث:</span>\nأن طهارة العصب أولى من طهارة الجلد بالدباغ، فهذا الجلد جزء من الميتة، وفيه الدم كسائر أجزائها، والنبي ﷺ جعل الدباغ طهارة له؛ لأن الدباغ ينشف رطوبته، فدل على أن سبب التنجس هو الرطوبات، والعصب ليس فيه رطوبة سائلة، فهو أولى بالطهارة من الجلد (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2596>الدليل الرابع:</span>\nما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄، وفيه، قال رسول الله ﷺ عن الميتة: إنما حرم أكلها (^٤)، وقد سبق الحديث بتمامه.\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٩، ١٠٠) بتصرف يسير.\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) صحيح البخاري (١٤٩٢)، صحيح مسلم (٣٦٣).","vol":"6","page":163},{"text":"فهذا دليل على جواز الانتفاع بعصب الميتة، ولا يلزم من تحريم أكل الميتة نجاستها، فالأكل شيء، والنجاسة شيء آخر، فلا تلازم بينهما.\nوقد يقال: ولا يلزم من جواز الانتفاع بعصب الميتة طهارته، فباب الانتفاع أوسع من باب الطهارة، فهذا الكلب نجس، ويجوز الانتفاع به بالصيد والحراسة ونحوهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2597> دليل الجمهور على نجاسة العصب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2598>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، والعصب جزء من الميتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2599>الدليل الثاني:</span>\n(١١٠٠ - ٧١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،\nعن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب النبي ﷺ، وأنا غلام، أن لا تنتفعوا بإهاب ميتة، ولا عصب (^١).\n[رجاله ثقات، إلا أن عبد الله بن عكيم لم يثبت له سماع من النبي ﷺ، فهو مرسل، وقد اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ٢٠٦).\n(^٢) الحديث في إسناده اختلاف كثير، فرواه الحكم بن عتيبة، واختلف عليه:\nفقيل: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم مرسلا.\nوقيل: عن الحكم عن عبد الله بن عكيم.\nوقيل: عن الحكم، عن رجال مجهولين، عن عبد الله بن عكيم.\nوتارة يحدث به عبد الله بن عكيم مباشرة، وتارة يرويه عبد الله بن عكيم، عن مشايخ من جهينة.\nورواه القاسم بن مخيمرة، واختلف عليه أيضًا:\nفقيل: عن القاسم، عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ من جهينة. ...\nوقيل: عن القاسم، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم.\nوكما اختلفوا في إسناده، اختلفوا في متنه:\nفقيل: قبل وفاته بشهر.\nوقيل: قبل وفاته بشهر أو شهرين على الشك.\nوقيل: قبل وفاته بأربعين يومًا.\nوقيل: قبل وفاته بثلاثة أيام. وقد خرجت هذه التفصيلات في المجلد الأول ح (١٢٠).","vol":"6","page":164},{"text":"• الراجح:\nبعد استعراض أدلة الفريقين يتبين لي أن العصب طاهر، وأن تحريم الأكل لا يلزم منه النجاسة، وأنه يجوز الانتفاع به، شأنه شأن العظم والظفر والقرن والحافر ونحوها، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2600>الفرع الخامس في جلد الميتة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• قال النبي ﷺ: أيما إهاب دبغ فقط طهر.\n[م-٤٩٤] اختلف العلماء في جلد الميتة، هل هو نجس أو متنجس يمكن أن يطهر بالدباغ ونحوه، وهل يباح الانتفاع به قبل الدبغ أو بعده؟ فأقول:\nاختلف العلماء على قولين:\nفقيل: إن جلد الميتة نجس، وليس متنجسًا، وعلى هذا لا يمكن أن يطهره الدباغ، وقبل الدبغ لا ينتفع بالجلد مطلقًا، وهو مذهب مالك (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ٥٤، ٥٥)، التاج والإكليل (١/ ١٠١)، مواهب الجيل (١/ ١٠١)، البيان والتحصيل (١/ ١٠٠)، التمهيد (٤/ ١٥٦، ١٥٧) و(١/ ١٦٢)، الكافي (ص: ١٨٩).\n(^٢) المبدع (١/ ٧٠)، شرح العمدة (١/ ١٢٢)، كشاف القناع (١/ ٥٤)، الإنصاف (١/ ٨٦)، الإقناع (١/ ١٣)، الفروع (١/ ٧٢)، الكافي (١/ ١٩)، المغني (١/ ٥٣).","vol":"6","page":166},{"text":"وأما بعد الدبغ فيباح استعماله في يابس عندهما، وفي الماء عند المالكية (^١).\nوقيل: إن جلد الميتة متنجس، وليس بنجس، وعلى هذا يمكن أن يطهره الدباغ على خلاف بينهم في عين الجلود التي يطهرها الدباغ.\nفقيل: الدباغ يطهر جميع الجلود، إلا جلد الإنسان والخنزير، وهو مذهب الحنفية (^٢).\nوقيل: الدباغ يطهر جميع جلود الميتة بما في ذلك جلود ما لا يؤكل لحمه، إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما، وهو مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: الدباغ لا يطهر إلا ما تحله الذكاة، وهو رواية عن مالك (^٤)، واختاره أبو ثور (^٥)، ورجحه بعض الحنابلة كالمجد وابن رزين وابن عبد القوي (^٦)، وابن تيمية (^٧).\n_________\n(^١) والفرق بين الماء وبين غيره من السوائل كالعسل واللبن والسمن، قالوا: إن الماء له قوة الدفع عن نفسه لطهوريته، فلا يضره إلا ما غير أحد أوصافه الثلاثة، بخلاف غيره.\n(^٢) الهداية شرح البداية (١/ ٢١)، البحر الرائق (١/ ١٠٥)، بدائع الصنائع (١/ ٨٥)، تبيين الحقائق (١/ ٢٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٣)، المبسوط (١/ ٢٠٢)، حاشية الطحطاوي (١/ ١١١).\n(^٣) الأم (١/ ٩) حلية العلماء (١/ ٩٣)، الإقناع للشربيني (١/ ٢٨)، الوسيط (١/ ١٢٩)، روضة الطالبين (١/ ٤١)، المجموع (١/ ٢٧٥).\n(^٤) جاء في البيان والتحصيل (١/ ١٠١): «وسئل مالك: أترى ما دبغ من جلود الدواب طاهرًا؟ فقال: ألا يقال هذا في جلود الأنعام، فأما جلود ما لا يؤكل لحمه فكيف يكون طاهرًا إذا دبغ، وهو مما لا ذكاة فيه، ولا يؤكل لحمه». اهـ\nونقل ابن عبد البر هذا الكلام في الاستذكار (١٥/ ٣٢٦). وقال في التمهيد (٤/ ١٨٢): «وقالت طائفة من أهل العلم لا يجوز الانتفاع بجلود السباع لا قبل الدباغ ولا بعده، مذبوحة كانت أو ميتة، وممن قال هذا القول: الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق، وأبو ثور، ويزيد بن هارون».اهـ\n(^٥) الاستذكار (١٥/ ٣٢٦).\n(^٦) الإنصاف (١/ ٨٧).\n(^٧) مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٥).","vol":"6","page":167},{"text":"وقيل: الدباغ يطهر كل حيوان طاهر في الحياة، وهو رواية عن أحمد، واختارها بعض أصحابه، وهو رواية ثانية عن ابن تيمية (^١).\nوقيل: الدباغ يطهر جميع الجلود حتى جلد الكلب والخنزير، وهو مذهب الظاهرية (^٢).\nفتلخص لنا من هذا الخلاف ما يلي:\nقيل: الدباغ لا يطهر مطلقًا.\nوقيل: يطهر مطلقًا.\nوقيل: يطهر جميع الجلود إلا الكلب والخنزير والإنسان.\nوقيل: يطهر ما تحله الذكاة.\nوقيل: يطهر ما كان طاهرًا في الحياة، وإن كان محرمًا أكله كالهرة ونحوها.\nوأما الانتفاع بالجلود، فقيل:\nيباح الانتفاع بالجلود مطلقا، سواءً دبغت أم لا (^٣).\nوقيل: يباح الانتفاع بها بشرط الدبغ.\nوقيل: يباح الانتفاع بها في يابس، وقيل: في يابس وماء.\nوقد ذكرت أدلة كل قول في هذه المسألة في المجلد الأول من كتاب الآنية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٨٦).\n(^٢) المحلى (١/ ١١٨)، وذكره مذهبًا لداود الظاهري ابن رشد في البيان والتحصيل (٣/ ٣٥٧)، وعون المعبود (١١/ ١٧٩).\n(^٣) هذا القول يراه الإمام الزهري ﵀، كما في مصنف عبد الرزاق (١/ ٦٢)، ومسند أحمد (١/ ٣٦٥)، وأبو داود (٤١٢٢)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠١)، وحكاه ابن تيمية عن بعض السلف.","vol":"6","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2601>الباب الثاني في فضلات الحيوان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2602>الفصل الأول في البول والغائط والروث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2603>المبحث الأول في بول الآدمي وعذرته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2604>الفرع الأول في بول الصبي والجارية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل بول من الآدمي فهو نجس حتى بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، وإنما التخفيف في كيفية تطهيره، لا في طهارته.\n• ليس كل ما ثبت التخفيف في طهارته كان طاهرًا، فالأمر بنضح بول الصبي دليل على نجاسته.\n• ما ثبت للغائط من حكم ثبت للبول، فبول من لا يأكل الطعام نجس قياسًا على غائطه، وروث ما يؤكل لحمه طاهر فكذلك بوله، وأما كيفية تطهير النجاسات فليست واحدة، فتطهير نجاسة الكلب مختلفة عن نجاسة غيره (^١).\n_________\n(^١) انظر شرح التلقين للمازري (١/ ٢٦٠).","vol":"6","page":169},{"text":"• ما استثني من النجاسات بتطهير خاص لا يقاس عليه غيره، كتطهير بول الصبي، لا يقاس عليه بول ذكور صغار البهائم النجسة، كما لا يقاس في صفة تطهير الإناء من ولوغ الخنزير على صفة تطهير الإناء من ولوغ الكلب.\n[م-٤٩٥] اختلف العلماء هل بول الصبي الذي لم يأكل الطعام طاهر أو نجس؟\nفقيل: نجس، وهو قول العامة (^١).\nوقيل: طاهر، وهو مذهب داود الظاهري (^٢)، واختاره بعض الحنابلة (^٣)، ونصره الشوكاني (^٤).\nوأما الاختلاف في كيفية تطهيره فسوف يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب كيفية إزالة النجاسة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2605> دليل من قال بطهارته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2606>الدليل الأول:</span>\n(١١٠١ - ٧٢) ما رواه البخاري، من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله ابن عتبة،\nعن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله. ورواه مسلم أيضًا (^٥).\n_________\n(^١) سبق أن ذكرنا في تطهيره أقوال الأئمة الأربعة، هل يجب النضح أم الغسل، وكلهم يرون نجاسته، انظر العزو إليهم في المسألة التي قبل هذه.\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ١٤٠).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٣٢٣).\n(^٤) للشوكاني قولان في هذه المسألة، الطهارة والنجاسة، انظر الدراري المضيئة (١/ ٢٢)، والسيل الجرار (١/ ٣١، ٣٥).\n(^٥) صحيح البخاري (٣٢٣)، ومسلم (٢٨٧).","vol":"6","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2607>الدليل الثاني:</span>\n(١١٠٢ - ٧٣) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يؤتى بالصبيان، فيدعو لهم، فأتي بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه ولم يغسله. ورواه مسلم (^١).\nفهذان الحديثان دليلان على أنه يكفي في بول الصبي النضح، وأن الغسل غير واجب لقوله في الحديث: ولم يغسله.\nوهذا النضح خاص في بول الصبي، وأما الجارية فيجب غسله،\n(١١٠٣ - ٧٤) لما رواه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى ابن الوليد، حدثني محل بن خليفة،\nحدثني أبو السمح، قال: كنت أخدم النبي ﷺ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي، فأستره به، فأتي بحسن أو حسين ﵄، فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام (^٢).\n[حسن] (^٣).\nفأخذوا من الاكتفاء بنضح بول الصبي أن بوله طاهر، إذ لو كان نجسًا لوجب غسله كبول الجارية، بل وكغيره من النجاسات.\nوالصحيح أنه نجس، فالأمر بنضحه وبإتباع الماء إياه دليل على نجاسته، ولو كان البول طاهرًا لم يكن هناك حاجة إلى تطهيره؛ إذ الطاهر لا يطهر.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٣٥٥)، ومسلم (٢٨٦).\n(^٢) سنن أبي داود (٣٧٦).\n(^٣) وسوف يأتي تخريجه في كيفية التطهير بالنضح، وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب، وحديث أم الفضل وأم كرز الخزاعية وغيرهم، وقد خرجناها كاملة في كيفية التطهير بالنضح فأغنى عن إعادتها هنا.","vol":"6","page":171},{"text":"قال القرطبي في «المفهم»: والعجب ممن يستدل برش بول الصبي، أو بالأمر بنضحه على طهارته، وليس فيه ما يدل على ذلك؛ وغاية دلالته على التخفيف في نوع طهارته، إذ قد رخص في نضحه ورشه وعفا عن غسله تخفيفًا خص هذا التخفيف الذكر دون الأنثى لملازمتهم حمل الذكران لفرط فرحهم بهم لمحبتهم لهم -والله أعلم- (^١).\nولو أخذنا بقاعدة، أن كل ما ثبت التخفيف في طهارته كان طاهرًا لقلنا: بطهارة النعل الذي تصيبه النجاسة، فإن طهارته الدلك بالتراب، ومع ذلك هو نجس قبل الدلك، ولا يجب غسل النعل منها.\nولقلنا بطهارة ذيل المرأة إذا أصابته نجاسة، فإن تطهيره بأن يمر على مكان طاهر، فيطهره ما بعده، ولا يجب غسله، وهو نجس قبل أن يمر على مكان طاهر، وهكذا، فليس التخفيف في طهارة بعض الأماكن دليلًا على طهارتها، بل هي نجسة، وإن خفف الشارع في تطهيرها، وهذا هو الراجح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٦٤٤).","vol":"6","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2608>الفرع الثاني ذكر العلة التي أوجبت التفريق بين بول الغلام والجارية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لم تكشف النصوص الشرعية علة في التفريق بين بول الجارية والغلام.\n• ما استثني من الأشياء مما لا يفهم معناه لا يقاس عليه.\n• طريقة التطهير متلاقاة من الشرع، كغسل بول الجارية دون الغلام، ووجوب الغسل من المني والحيض دون البول والمذي، وإيجاب أربعة شهداء في الزنا دون القتل، ومثله كثير.\n• العلة المستنبطة بالاجتهاد ليست بمنزلة العلة المنصوصة؛ لأن الاجتهاد يخطئ ويصيب.\n• طلب العلة ينبغي أن يكون مقصورًا على ما يفيد من تعدي الحكم إلى غيره مما يلحقه القياس.\n[م-٤٩٦] من المقطوع به أن الشارع لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين","vol":"6","page":173},{"text":"متفرقين، فإذا فرَّق الشارع بين متشابهين فإن هناك علة أوجبت مثل ذلك، وقد تعلم العلة، وقد لا تعلم، والعقول قاصرة عن إدراك علل جميع الأحكام، فالله ﷾ حكيم، ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة، وإن كان طلب العلة ينبغي أن يكون مقصورًا على ما يفيد من تعدي الحكم إلى غيره مما يلحقه القياس، وإلا فالتسليم للنص الشرعي هو طريق المؤمنين: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) [الأحزاب: ٣٦].\n(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) [النور: ٥١].\nولا يعارض المؤمن النص بعقله فيهلك، ويكون حاله كحال إبليس الذي قال معترضًا على أمر ربه: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [ص: ٧٦].\nوقد اختلف العلماء في تلمس تلك العلة، فمنهم من أرجع ذلك إلى طبيعة بول الأنثى، وأنه يختلف عن بول الذكر فيرى بعضهم أن بول الأنثى أنتن رائحة وأثقل من بول الذكر، ولذلك أمر بغسله دون بول الغلام.\n(١١٠٤ - ٧٥) ومما يدخل في هذا ما ذكره أبو الحسن بن سلمة قال: حدثنا أحمد ابن موسى بن معقل، حدثنا أبو اليمان المصري قال: سألت الشافعي عن حديث النبي ﷺ: يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية، والماءان جميعًا واحد؟ قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال: لقنتَ؟ قال: قلت: لا، قال: إن الله تعالى لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال: قال لي: فهمت؟ قلت: نعم. قال: نفعك اللَّه به.","vol":"6","page":174},{"text":"رواه أبو الحسن بن سلمة في زوائده على ابن ماجه، كما في «سنن ابن ماجه» (^١).\n• وقد يناقش:\nبأن هذا الفرق ليس خاصًّا بالصبي، وإنما يصدق حتى في حق الرجل، ولا فرق بينه وبين بول الأنثى.\nومنهم من أرجع ذلك إلى طريقة خروج البول فبول الغلام يخرج بقوة فينتشر فيشق غسله، ولذلك تسومح فيه، أما بول الأنثى فيكون مجتمعًا فيسهل غسله.\nومنهم من أرجع ذلك إلى أن نفوس الناس تميل إلى الغلمان، فتحمله أكثر من غيره، فيكثر منهم التبول، ويشق عليهم غسله.\nوالأخيران قريبان؛ لأن العلة فيهما المشقة، وهي معتبرة شرعًا في تخفيف النجاسة، بل وفي العفو عنها كليًا، كما سيأتي أمثلة ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام على النجاسة المعفو عنها.\nوالذي أميل إليه أن هذه المسألة مستثناة، وغير معقولة المعنى فلا يقاس عليها غيرها، كما خصت نجاسة الكلب بالتطهير بالتسبيع والتتريب.\n* * *\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (١/ ١٧٥).","vol":"6","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2609>الفرع الثالث في البول والغائط من الآدمي الكبير</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل بول من الآدمي فهو نجس حتى بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، وإنما التخفيف في كيفية تطهيره، لا في طهارته.\n• كل بول من حيوان محرم الأكل فهو نجس، سواءً كان التحريم لحرمته كالآدمي، أو لنجاسته كالسباع إلا ما يشق التحرز منه.\n[م-٤٩٧] أجمع المسلمون على نجاسة بول وغائط الآدمي الكبير، ونقل الإجماع خلق من أهل العلم.\nقال الطحاوي: «فنظرنا في ذلك، فإذا لحوم بني آدم كل قد أجمع على أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسة ...» (^١). اهـ\nوقال العيني: «بول الآدمي الكبير فحكمه أنه نجس مغلظ بإجماع المسلمين من أهل الحل والعقد» (^٢).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ١٠٩).\n(^٢) البناية (١/ ٣٨٧، ٤٠٠).","vol":"6","page":176},{"text":"وقال ابن رشد: «وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة، ثم ذكر منها: بول ابن آدم ورجيعه» (^١).\nوقال ابن جزي: «وأما الأبوال والرجيع فذلك من ابن آدم نجس إجماعًا» (^٢).\nوقال أيضًا: «النجاسات المجمع عليها في المذاهب، ثم ذكر منها: بول ابن آدم ورجيعه» (^٣).\nوقال النووي: «وأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيها ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم» (^٤).\nوقال العراقي: «فيه نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع من العلماء إلا ما حكي عن داود في بول الصبي الذي لم يطعم أنه ليس بنجس للحديث الصحيح، فنضحه ولم يغسله، وهو مردود بالإجماع فقد حكى بعض أصحابنا الإجماع أيضا في نجاسة بول الصبي» (^٥).\nوقال ابن المنذر: أجمعوا على إثبات نجاسة البول (^٦).\nونقل الإجماع كذلك في كتابه العظيم الأوسط (^٧).\nوقال الزركشي: «نجس بلا نزاع، وهو البول والغائط» (^٨).\nوقال الصنعاني في سبل السلام: والحديث فيه دلالة على نجاسة بول الآدمي،\n_________\n(^١) بداية المجتهد (٢/ ١٧٥، ١٩٢).\n(^٢) القوانين الفقهية (ص: ٣٥، ٣٦).\n(^٣) القوانين الفقهية (ص: ٣٥، ٣٦).\n(^٤) المجموع (٢/ ٥٦٧).\n(^٥) طرح التثريب (٢/ ١٤٠).\n(^٦) الإجماع (ص: ٣٤).\n(^٧) الأوسط (٢/ ١٣٨).\n(^٨) شرح الزركشي (٢/ ٣٩، ٤٠).","vol":"6","page":177},{"text":"وهو إجماع (^١).\nوقال الشوكاني: واستدل بحديث الباب على نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه (^٢).\nوانظر للاستزادة كتاب إجماعات ابن عبد البر في العبادات (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) سبل السلام (١/ ٣٤).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ٦١).\n(^٣) (١/ ٣١٤).","vol":"6","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2610>المبحث الثاني في بول وروث الحيوان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2611>الفرع الأول في بول وروث الحيوان المأكول</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأشياء الطهارة.\n• كل بول أو روث من حيوان مباح الأكل فهو طاهر على الصحيح، لتجويزه ﷺ الصلاة في مرابض الغنم وإذنه في شرب أبوال الإبل.\nوقيل:\n• كل الأبوال نجسة من مأكول اللحم وغيره، لقوله: كان لا يستتر من البول.\n[م-٤٩٨] اختلف العلماء في بول الحيوان المأكول وروثه،\nفقيل: هو طاهر مطلقًا، وهو مذهب المالكية (^١)، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٩٤)، الخرشي (١/ ٨٥، ٨٦)، القوانين الفقهية (ص: ٢٧).\n(^٢) مسائل أحمد رواية عبد الله (١/ ٣١)، ومسائل ابن هانئ (١٣١)، والمستوعب (١/ ٣١٤)، المبدع (١/ ٣٣٨)، الإنصاف (١/ ٣٣٩)، الفروع (١/ ٢٤٨، ٢٤٩).","vol":"6","page":179},{"text":"وقيل: نجس مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (^١)، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: إن بول الحيوان نجس، وأما بول الطير، فإن كان يذرق في الهواء كالعصافير والحمام والخفافيش فهو طاهر، وإن كان لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط فهو نجس. وهذا مذهب الحنفية (^٣).\nوقيل: بطهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي، وهو مذهب داود الظاهري (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2612> دليل من قال بالطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2613>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي دليل من القرآن، أو من السنة، أو من الإجماع على نجاستها، ومن ادعى النجاسة فعليه الدليل، خاصة ونحن نعلم أن الصحابة كانوا أصحاب إبل وغنم فالحاجة داعية إلى بيان حكمها لو كانت نجسة، وليست البلوى في ولوغ الكلب في الأواني أكثر من البلوى في أبوال المواشي وروثها، فلما لم يأت بيان بأنها نجسة علم أنها طاهرة.\nقال ابن تيمية ﵀: «وبول ما أكل لحمه وروثه طاهر، لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجسه، بل القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة» (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2614>الدليل الثاني:</span>\n(١١٠٥ - ٧٦) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور،\nعن جابر بن سمرة، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال:\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٤٧)، مغني المحتاج (١/ ٧٩)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٤).\n(^٢) المستوعب (١/ ٣١٥).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٦١، ٦٢)، البحر الرائق (١/ ٢٣٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢١٠).\n(^٤) المحلى (٢/ ١٦٩).\n(^٥) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣١٣).","vol":"6","page":180},{"text":"إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا.\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ أذن في الصلاة في مرابض الغنم، ومرابض الغنم لا تخلو من البول والروث، فدل على طهارتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2615>الدليل الثالث:</span>\n(١١٠٦ - ٧٧) ما رواه البخاري، حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد ابن زيد عن أيوب عن أبي قلابة\nعن أنس بن مالك قال قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها. الحديث والحديث رواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nكون النبي ﷺ أمرهم بالشرب من أبوال الإبل، ولم يأمرهم بغسل الأواني منها، ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الأواني منها. وهذا نص صريح في محل النزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2616>الدليل الرابع:</span>\n(١١٠٧ - ٧٨) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله،\nعن ابن عباس ﵄ قال طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. ورواه مسلم (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٦٠٨)، ومسلم (١٢٧٢).","vol":"6","page":181},{"text":"وجه الاستدلال:\nإدخال البعير المسجد، والطواف عليه دليل على طهارة بوله، حيث لا يؤمن بول البعير في أثناء الطواف، ولو كان نجسًا لم يعرض النبي ﷺ المسجد للنجاسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2617>الدليل الخامس:</span>\n(١١٠٨ - ٧٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال:\nسألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ: فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ نهى أن نستنجي بالروث؛ لأنه علف دواب إخواننا من الجن، ومعلوم أنه إنما نهى عن ذلك لئلا ننجسه عليهم، فلو كان البعر في نفسه نجسًا لم يكن الاستنجاء به ينجسه، ولم يكن هناك فرق بين البعر والمستنجى به، ثم إن البعر لو كان نجسًا لم يصلح أن يكون علفًا لقوم مؤمنين، فإنها تصير بذلك جلالة، ولو جاز أن تصير جلالة لجاز أن تعلف رجيع الإنس ورجيع الدواب، فلا فرق حينئذ، وكونه\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤٥٠).","vol":"6","page":182},{"text":"شَرَطَ في طعام الجن طهارة العظم، بقوله: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، فكذلك لا بد أن يَشْرِط في علف دوابهم نحو ذلك من الطهارة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2618>الدليل السادس:</span>\n(١١٠٩ - ٨٠) ما رواه ابن خزيمة في صحيحه، قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير،\nعن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل ينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع لنا فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يده فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلمت، ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n_________\n(^١) بتصرف مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٧٧).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة (١٠١).\n(^٣) ومن طريق يونس أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٥).\nورواه ابن حبان في صحيحه (١٣٨٣)، والبزار في مسنده (١٨٤١)، والحاكم في المستدرك (٥٦٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٣١) من طريق حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب به. وهذه متابعة من حرملة ليونس بن عبد الأعلى.\nكما أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٥) من طريق يعقوب بن محمد، ثنا عبد الله بن وهب به. وهذه متابعة أخرى.\nورواه الطبراني في المعجم الأوسط (٣٢٩٢) من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة به. انظر إتحاف المهرة (١٥٤٧٣).","vol":"6","page":183},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال ابن خزيمة: لو كان ماء الفرث إذا عصر نجسًا لم يجز للمرء أن يجعله على كبده، فينجس بعض بدنه، وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه، فأما شرب الماء النجس عند خوف التلف إن لم يشرب ذلك الماء فجائز إحياء للنفس بشرب ماء نجس؛ إذ الله ﷿ قد أباح عند الاضطرار إحياء النفس بأكل الميتة والدم ولحم الخنزير إذا خيف التلف إن لم يأكل ذلك. والميتة والدم ولحم الخنزير نجس محرم على المستغني عنه، مباح للمضطر إليه لإحياء النفس بأكله، فكذلك جائز للمضطر إلى الماء النجس أن يحيي نفسه بشرب ماء نجس إذا خاف التلف على نفسه بترك شربه، فأما أن يجعل ماء نجسا على بعض بدنه، والعلم محيط أنه إن لم يجعل ذلك الماء النجس على بدنه لم يخف التلف على نفسه، ولا كان في إمساس ذلك الماء النجس بعض بدنه إحياء نفسه بذلك، ولا عنده ماء طاهر يغسل ما نجس من بدنه بذلك الماء، فهذا غير جائز ولا واسع لأحد فعله (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2619>الدليل السابع:</span>\nكان الحَبُّ في عهد الصحابة ومن بعدهم يداس في البيادر عن طريق الدواب، ولا بد أن يصيب الحبوب شيء من أبوالها وأرواثها، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن صحابته، ولا عن غيرهم أنهم كانوا يغسلون الحب بعد الفراغ من دياسها، فلو كانت نجسة لوجب غسلها، ولنقل الأمر بذلك من النبي ﷺ، فلما لم يأمر بغسلها علم أن أبوالها طاهرة.\nقال ابن تيمية حاكيًا عن عهد الصحابة: «فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع، ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب، ونتيقن أنه لا بد أن تبول على البيدر الذي يبقى أيامًا ويطول دياسها له، فهذه كلها مقدمات يقينية» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة (١/ ٥٣ - ٥٤).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٥٨٤).","vol":"6","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2620>الدليل الثامن:</span>\nإجماع المسلمين على اتخاذ الحَمَام في المسجد الحرام من غير نكير، فهذا دليل على طهارتها؛ خاصة أن الله ﷾ قد أمر بتطهير المسجد بقوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: ٢٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2621>الدليل التاسع:</span>\n(١١١٠ - ٨١) ما رواه الدارقطني في سننه، من طريق سوار بن مصعب، عن مطرف بن طريف، عن أبي الجهم،\nعن البراء، قال: قال رسول الله ﷺ: لا بأس ببول ما أكل لحمه (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2622> دليل من قال بالنجاسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2623>الدليل الأول:</span>\n(١١١١ - ٨٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٢٨).\n(^٢) ومن طريق سوار بن مصعب أخرجه البيهقي في السنن (١/ ٢٥٢)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٠١).\nقال أحمد ويحيى بن معين والنسائي والدارقطني: سوار بن مصعب متروك. انظر سنن الدارقطني (١/ ١٢٨)، والتحقيق (١/ ١٠١).\nقال الدارقطني: خالفه يحيى بن العلاء، ثم ساق الدارقطني إسناده (١/ ١٢٨) من طريق عمرو بن الحصين، نا يحيى بن العلاء، عن مطرف، عن محارب بن دثار، عن جابر.\nوعمرو بن الحصين ويحيى بن العلاء متروكان.\nقال الدارقطني: لا يثبت، عمرو بن الحصين ويحيى بن العلاء ضعيفان.\nقال ابن الجوزي: قال أحمد: يحيى بن العلاء كذاب يضع الحديث. التحقيق (١/ ١٠٢).\nوعمرو بن الحصين: قال أبو حاتم الرازي: ليس بشيء.\nوقال الدارقطني: متروك. وانظر إتحاف المهرة (٢٢١٠).","vol":"6","page":185},{"text":"الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس،\nعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول. الحديث والحديث رواه مسلم بنحوه (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: «لا يستتر من البول» فـ (أل) في البول عام لجميع الأبوال، سواءً جعلنا أل للجنس أو للاستغراق.\nوعلى فرض الاختصاص ببول الإنسان فإن سائر الأبوال تلحق به قياسًا.\nقال الخطابي: «في الحديث دلالة على أن الأبوال كلها نجسة مجتنبة من مأكول اللحم وغير مأكوله، لورود اللفظ به مطلقًا على سبيل العموم» (^٢).\n• وأجيب:\nبأن اللام في كلمة (البول) للعهد الذهني، أي بول نفسه، وقد نص أهل المعرفة باللسان أنه لا يصار إلى تعريف الجنس إلا إذا لم يكن ثم شيء معهود، فإن كان هناك شيء معهود لم يحمل على الجنس، والدليل على أن المقصود به بوله هو عدة أدلة:\nالأول: ما جاء في الصحيحين في رواية أخرى للحديث (أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله).\nالثاني أن الحديث قد رواه ابن أبي شيبة حدثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاووس،\nعن ابن عباس بلفظ: لا يستبرئ من بوله (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٦١)، ومسلم (٢٩٢).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٩).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣٠٤)، ورواه النسائي (٢٠٦٩) من طريق أبي معاوية وحده به.\nورواه ابن الجارود في المنتقى (١٣٠) والطحاوي في مشكل الآثار (٥١٩٠) من طريق وكيع وحده به.","vol":"6","page":186},{"text":"ورواه النسائي من طريق منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس (^١).\nوالاستبراء: طلب البراءة من البول، وهو أن يستفرغ بقية البول، وينقي موضعه ومجراه، حتى يبرئهما منه: أي يبينه عنهما كما يبرأ من الدين والمرض، والاستبراء استنقاء الذكر عن البول (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2624>الدليل الثاني:</span>\n(١١١٢ - ٨٣) ما رواه عبد بن حميد، قال: خبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد،\nعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: إن عامة عذاب القبر في البول فتنزهوا من البول (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) النسائي (٢٠٦٨).\n(^٢) اللسان (١/ ٣٣)، التوقيف على مهمات التعريف (ص: ٥٤)، النهاية في غريب الحديث (١/ ١١٢).\n(^٣) المنتخب من مسند عبد بن حميد (٦٤٢)، وأخرجه الدارقطني (١/ ١٢٨) والحاكم (٦٥٣) من طريق إسحاق بن منصور، عن إسرائيل به. قال الدارقطني: لا بأس به. وانظر إتحاف المهرة (٨٧٧٩).\n(^٤) في إسناده أبو يحيى القتات، جاء في ترجمته:\nقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل- أبو يحيى القتات؟ قال: روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرة مناكير جدًّا. الجرح والتعديل (٣/ ٤٣٢).\nقلت: وهذا منها، فإن حديث ابن عباس في الصحيحين بغير هذا اللفظ.\nوقال الدوري عن يحيى بن معين: أبو يحيى القتات في حديثه ضعف. المرجع السابق.\nوروى الدارمي عن ابن معين أنه قال: ثقة. تهذيب التهذيب (١٢/ ٣٠٣).\nوقال أحمد: كان شريك يضعف أبا يحيى القتات. الجرح والتعديل (٣/ ٤٣٢).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين له (٦٧٢). ...\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٢٩، ٢٣٠).\nوقال علي بن المديني: قيل ليحيى بن سعيد: إن إسرائيل روى عن أبي يحيى القتات ثلاثمائة، وعن إبراهيم بن مهاجر ثلاثمائة، فقال: لم يؤت منه، أتي منهما جميعًا. يعني من أبي يحيى ومن إبراهيم.\nوقال ابن سعد: أبو يحيى القتات فيه ضعف. المرجع السابق.","vol":"6","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2625>الدليل الثالث:</span>\n(١١١٣ - ٨٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: أكثر عذاب القبر من البول (^١).\n[رجاله ثقات، ورجح أبو حاتم الرازي والدارقطني وقفه، وهو مما لا يدرك بالرأي] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣٢٦).\n(^٢) اختلف فيه على الأعمش:\nفرواه أبو عوانة كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١١٥)، ومسند أحمد (٢/ ٣٨٨، ٣٨٩)، وسنن ابن ماجه (٣٤٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥١٩٢)، وابن المنذر في الأوسط (٦٨٩)، والدارقطني (١/ ١٢٨)، والحاكم في المستدرك (٦٥٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١٢) عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nورواه ابن فضيل كما في علل الدارقطني (٨/ ٢٠٨) عن الأعمش به موقوفًا على أبي هريرة.\nوسئل عنه الدارقطني في علله (٨/ ٢٠٨)، فقال: يرويه الأعمش، واختلف عنه، فأسنده\nأبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. وخالفه ابن فضيل، فوقفه، ويشبه أن يكون الموقوف أصح. اهـ\nوفي علل ابن أبي حاتم (١/ ٣٦٦): «سألت أبي عن حديث رواه عفان، عن أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: أكثر عذاب القبر من البول. قال أبي: هذا حديث باطل. يعني: مرفوع». اهـ\nونقله الحافظ في التلخيص وأقره، فقال (١/ ١٠٦): أعله أبو حاتم، فقال: إن رفعه باطل. اهـ\nوقال الحافظ في إتحاف المهرة (١٤/ ٤٨٦) ذكر الترمذي في العلل المفرد أنه سأل البخاري عنه، فقال: هو صحيح. ...\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه.\nورواه الدارقطني (١/ ١٢٨) من طريق محمد السمان البصري، نا أزهر بن سعد السمان، عن\nابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه.\nقال الدارقطني: الصواب مرسل.\nقال الذهبي في المغني (٢/ ٥٩٣): محمد بن صباح السمان البصري، عن أزهر السمان لا يعرف، وخبره منكر. وانظر لسان الميزان (٥/ ٢٠٣).\nوانظر إتحاف المهرة (١٨٠٥٩)، أطراف المسند (٧/ ١٩٨)، تحفة الأشراف (١٢٥٠١).","vol":"6","page":188},{"text":"وجه الاستدلال:\nاستنزهوا من البول عام في كل بول، وكما قلنا في توجيه حديث ابن عباس نقوله هنا.\nالجواب عن هذا الاستدلال:\nأولًا: الأحاديث ضعيفة، وهذا الحكم يريحنا من الجواب عنها.\nثانيًا: أن المقصود به بول الإنسان، كما قدمنا في حديث ابن عباس.\nثالثًا: أن البول الذي يصيب الإنسان، ويكون عامة عذاب القبر منه إنما هو بوله هو، وهو الذي يتعرض له في كل يوم، بل ربما في اليوم عدة مرات، وأما بول غيره فيندر أن يصيب أحدًا من الناس، فكيف يكون عامة عذاب القبر من شيء لا يكاد يصيب أحدًا من الناس، فتعين حمله على بول نفسه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2626>الدليل الرابع:</span>\n(١١١٤ - ٨٥) ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه،\nأنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ","vol":"6","page":189},{"text":"الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (^١).\nفإن قيل: ليس في الحديث دليل على النجاسة، وإنما فيه ترك الاستنجاء بالروث، ولا يلزم من ذلك النجاسة، كما لم يلزم من ترك الاستنجاء بالعظم والمحترمات كونها نجسة.\nفالجواب: أن الاعتماد على نجاستها ليس لترك الاستنجاء فيها، ولكن لقول النبي ﷺ: إنها ركس. والركس له معنيان:\nأحدهما: الركس بمعنى الرجيع.\nوالمعنى الآخر: الركس: بمعنى النجس.\nولا ينبغي أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأن الروث رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي إلى الحمل عليه خلو الكلام من الفائدة، فوجب حمله على ما ذكرنا بأن معنى الركس: النجس.\n• وأجيب:\nبأن النهي عن الاستنجاء بالروث مركب من علتين، تنزل كل علة على محل: فالروث إن كان نجسًا فإنه لا يستنجى به؛ لأنه نجس، ونحن لا نقول: إن كل روث طاهر.\nوعليه يحمل كلام الرسول ﷺ بقوله: إنها ركس.\nوإن كان الروث طاهرًا كما هو الحال هنا، فإنه لا يستنجى به؛ لا لأنه لا يطهر، ولكن لأنه طعام دواب إخواننا من الجن كما جاء في الحديث، وذكرناه في أدلة القول الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2627>الدليل الخامس:</span>\nقال تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧].\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٦).","vol":"6","page":190},{"text":"ومعلوم أن الطباع الكريمة تستخبثه، وتحريم الشيء لا لكرامته واحترامه تنجيس له شرعًا.\n• وتعقب:\nأولًا: الحكم على الشيء بأن هذا طيب أو خبيث ليس مرده إلى الطباع، وإنما مرده إلى الشرع؛ لأن الطباع قد تستقبح ما هو طيب، وتستطيب ما هو خبيث، والشرع عندنا لم يحكم على هذا بأنه خبيث، بدليل أنه أذن في شرب أبوال الإبل، والصلاة في مرابض الغنم، وهي لا تخلو من بولها وروثها.\nثم إن كراهة الشيء طبعًا لا تقتضي نجاسته، فهذه النخامة مستقذرة طبعًا، وهي طاهرة.\nثانيًا: قوله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧]، فكل ما هو محرم، فهو خبيث، وليس كل محرم نجسًا، فالخبث والنجاسة غير متلازمتين، قال تعالى عن المال الردئ (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ) [البقرة: ٢٦٧]، والخبث هنا في الشيء الطاهر.\nوقال تعالى: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) [إبراهيم: ٢٤]، والكلام ليس فيه ما هو نجس بالمعنى الاصطلاحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2628>الدليل السادس:</span>\nالقياس على بول الآدمي ورجيعه، فإذا كان بول الآدمي نجسًا بالإجماع فكذلك بول الحيوان بجامع أن كلًا منهما قد استحال إلى فساد ونتن.\n• وأجيب:\nبأن هذا قياس مع الفارق، حيث أذن الشارع في شرب أبوال الإبل دون بول الآدمي، وأذن بالصلاة في مرابض الغنم، ولم يأذن في الصلاة في موضع فيها بول آدمي أو رجيعه، وقياس بول ما يؤكل لحمه على بول ما لا يؤكل قياس مع الفارق، وهو","vol":"6","page":191},{"text":"قياس مصادم للنص فلا عبرة به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2629>الدليل السابع:</span>\nالقياس على نجاسة القيء بجامع أن كلًا منهما قد استحال إلى نتن وفساد في الباطن.\n• وأجيب:\nلا نسلم لكم بنجاسة القيء، ولا يوجد دليل على نجاسته، وإذا لم يسلم لكم الأصل لم يسلم لكم الفرع، وسوف يعقد إن شاء الله تعالى فصل خاص في حكم القيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2630>الدليل الثامن:</span>\nنهى النبي ﷺ عن الصلاة في معاطن الإبل، وهذا يدل على نجاستها. وقد ذكر نص الحديث في أدلة القول الأول.\n• وأجيب:\nأولًا: بأنه لو كان النهي عن الصلاة في معاطن الإبل من أجل النجاسة ما صلى عليها رسول الله ﷺ، وقد كان يصلي النافلة على بعيره.\n(١١١٥ - ٨٦) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب،\nعن سعيد بن يسار، أنه قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فقال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم لحقته، فقال عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح، فنزلت، فأوترت، فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؟ فقلت: بلى والله. قال: فإن رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٩٩٩)، ومسلم (٧٠٠).","vol":"6","page":192},{"text":"ثانيًا: يقابل النهي هذا بإذنه في الصلاة في مرابض الغنم، فيقال: إن العلة ليست النجاسة، ولو كانت العلة هي النجاسة لم يكن هناك فرق بين بول الإبل والغنم، ولكن العلة شيء آخر:\nفقيل: إن الحكم تعبدي، فتكون علته مخفية عنا.\nوقيل: إنه يخشى إنْ صلى في مباركها أن تأوي إلى هذه المبارك، وهو يصلي، فتشوش عليه صلاته؛ لأنها كبيرة الجسم، ولأن من طبعها النفار المفضي إلى تشويش قلب المصلي، ولذلك ورد في الحديث أن الإبل خلقت من الشياطين.\n(١١١٦ - ٨٧) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن،\nعن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٣٣٧) رقم ٣٨٧٧.\n(^٢) الحديث رواه ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب، ومن طريقه أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٧٠٢).\nورواه البيهقي في سننه (٢/ ٤٤٩) من طريق هشيم.\nورواه أحمد في مسنده (٤/ ٨٥) حدثنا إسماعيل بن علية. وزاد قتل الكلب الأسود، وإباحة اتخاذ الكلب في الصيد والماشية.\nورواه أحمد أيضًا (٥/ ٥٦، ٥٧) حدثنا عبد الأعلى.\nورواه الرواياني في مسنده (٨٩٨) من طريق سفيان.\nورواه ابن ماجه (٧٦٩) من طريق أبي نعيم،\nورواه ابن حبان في صحيحه (٥٦٥٧) من طريق يزيد بن زريع، ستتهم (هشيم وابن علية\nوعبد الأعلى وسفيان ويزيد بن زريع وأبو نعيم) عن يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل.\nوقد توبع يونس بن عبيد، تابعه أبو سفيان بن العلاء ومبارك بن فضالة. ...\nفقد أخرجه أحمد (٥/ ٥٤) ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣١٧) حدثنا وكيع، عن أبي سفيان بن العلاء، عن الحسن به.\nوأبو سفيان بن العلاء لم أقف على أحد وثقه، لكن قال فيه يحيى بن سعيد القطان: كنت أشتهي أن أسمع من أبى سفيان حديث الحسن، عن عبد الله بن مغفل، كان يقول فيه: حدثني\nابن مغفل. الجرح والتعديل (٩/ ٣٨١)، كما أنه قد توبع في هذا الحديث، فإذا روى حديثًا لم ينكر عليه، بل قد تابعه عليه الثقات، ولم نقف له على جرح كان هذا مما يقوي أمره، والله أعلم.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي (٩١٣) وأحمد (٤/ ٨٦) وعلي بن الجعد (٣١٨٠) وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٢٠) من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن به.\nقال ابن عبد البر (٢٢/ ٣٣٣): «حديث عبد الله بن مغفل رواه نحو خمسة عشر رجلًا عن الحسن، وسماع الحسن من عبد الله بن مغفل صحيح».اهـ\nوقد خرجت من هذه الطرق ما نص فيها على أن الإبل خلقت من الشياطين، وتركت غيرها مما لم يرد فيه موضع الشاهد، والله أعلم.\nوانظر إتحاف المهرة (١٣٤١٥)، أطراف المسند (٤/ ٢٤١)، تحفة الأشراف (٩٦٥١).","vol":"6","page":193},{"text":"قال ابن حبان في صحيحه: لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل لأجل أنها خلقت من الشياطين لم يصل ﷺ على البعير؛ إذ محال أن لا تجوز الصلاة في المواضع التي قد يكون فيها الشيطان ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه، بل معنى قوله ﷺ: إنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب (^١).\nوقال ابن حبان في موضع آخر من صحيحه: قوله ﷺ: فإنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين، وهكذا قوله ﷺ: فليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان، ثم قال في خبر صدقة بن يسار، عن ابن عمر: فليقاتله؛ فإن معه القرين (^٢).\nوقيل: معناه أن من طبعها الشيطنة، وليس معناه أن مادة خلقها الشيطنة، فهو كقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧]، يعني: طبيعته هكذا، فهي\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٤/ ٦٠٣).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٤/ ٦٠١).","vol":"6","page":194},{"text":"لا تكاد تهدأ، ولا تقر في العطن، بل تثور، فربما قطعت على المصلي صلاته، وشوشت عليه خشوعه، وهذه هي الشيطنة المذكورة في الحديث.\nولذلك لما صلى عليها أمن من شرها، بخلاف الصلاة في مباركها، فقد تأتي إليه مجتمعة في حالة من النفار فتفسد عليه صلاته.\nوعلى كل حال فليس في نهيه عن الصلاة في معاطن الإبل دليل على نجاسة بولها وروثها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2631>الدليل التاسع:</span>\n(١١١٧ - ٨٨) ما رواه أبو يعلى، من طريق ثابت بن حماد أبو زيد، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب،\nعن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ: يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nفقوله: (إنما تغسل ثوبك من البول) مطلق، فيشمل كل بول.\nوالحديث ضعيف، فلا داعي للجواب عنه، ولو صح لم يسلم لهم الاستدلال به، كما قدمناه في حديث ابن عباس (أما أحدهما فكان لا يستتر من البول).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2632> دليل الحنفية في التفريق بين ما يذرق في الهواء وبين غيره:</span>\nالحنفية ذهبوا إلى ما ذهب إليه الشافعية في نجاسة الأبوال كلها من الحيوان، إلا أنهم خالفوهم في بعض الطيور، فقسموا الطيور إلى قسمين:\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (١٦١١).\n(^٢) سبق تخريجه، في الطهارة بالاستنجاء والاستجمار، ح (١٥٠٤).","vol":"6","page":195},{"text":"طير يذرق في الهواء كالعصافير والحمام فذرقه طاهر.\nوطير لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط، فذرقه نجس.\nواستدلوا بطهارة ما يذرق في الهواء بوجود الحَمَام في المسجد الحرام، مع الأمر بتطهير المساجد من البول والقذر: قال تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: ٢٦].\n(١١١٨ - ٨٩) وروى مسلم في صحيحه من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا إسحق بن أبي طلحة،\nحدثني أنس بن مالك وهو عم إسحق، قال: قال رسول الله ﷺ: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ (^١).\nولأن فضلات ما يطير في الهواء لا رائحة له، بخلاف ذرق الدجاج ونحوها مما لا يطير فإنه منتن.\nولأن الذي يذرق في الهواء يشق التحرز منه، فلا يمكن صيانة الثياب عنه، فيكون طاهرًا دفعًا للحرج والمشقة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2633> دليل داود على طهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2634>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأشياء الطهارة، ولا نعدل عنه إلا بدليل من نص أو إجماع، ولا يوجد ما يدل على نجاسة الأبوال، فتبقى طاهرة.\n• ونوزع في هذا:\nأما الأصل فصحيح، وأما دعوى أنه لا يوجد دليل على نجاسة بعض الأبوال\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٨٥).","vol":"6","page":196},{"text":"فغير مسلم، بل هناك أدلة كثيرة تدل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، منها ما ذكرنا في قوله عن الروث: إنها ركس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2635>الدليل الثالث:</span>\n(١١١٩ - ٩٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبان، عن أنس، قال: لا بأس ببول ذات الكرش (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n• الراجح من الخلاف:\nالقول بطهارة بول ما يؤكل لحمه هو أقوى الأقوال، وأوسطها، بين قول من يرى طهارة جميع الأبوال عدا بول الآدمي، وقول من يرى نجاسة كل الأبوال.\nولا يمكن أن يباح لحمه، ثم يكون بوله نجسًا.\nولا يمكن أن يكون الكلب والخنزير أطهر بولًا من الإنسان، وأن يكون ريق الكلب نجسًا، وبوله طاهرًا، وبوله أخبث من ريقه، لذا أجد مذهب المالكية والحنابلة أقوى الأقوال في هذه المسألة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (١٤٨٣).\n(^٢) في إسناده أبان بن أبي عياش، وهو متروك، ولا يميز بين قول الحسن وبين قول أنس، وقد رواه عبد الرزاق (١٧١٣٩) عن الثوري، عن أبان، عن الحسن من قوله، فلا يبعد أن تكون نسبته لأنس غلط من أبان بن أبي عياش، والله أعلم.","vol":"6","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2636>الفرع الثاني في بول وروث الحيوان غير المأكول</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• بول الحيوان وروثه تبع للحمه، فما كان منها محرمًا فهو نجس، وما كان منها مباحًا فهو طاهر إلا ما شق التحرز منه فهو عفو.\n[م-٤٩٩] اختلف العلماء في بول وروث الحيوان غير المأكول عدا الآدمي،\nفقيل: نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\nوقيل: طاهر، وهو مذهب داود الظاهري (^٢)، والشعبي (^٣)، والبخاري (^٤)،\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (١/ ٦٠)، الفتاوى الهندية (١/ ٤٦)، شرح فتح القدير (١/ ٢٠٢)، وحاشية ابن عابدين ١/ ٣١٩)، والبحر الرائق (١/ ٢٤١).\nوانظر في مذهب المالكية المدونة (١/ ١١٦)، الخرشي (١/ ٩٤)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٥٨) والشرح الصغير ١/ ٥٤).\nوانظر في مذهب الشافعية: الحاوي الكبير (٢/ ٢٤٩)، البيان للعمراني (١/ ٤١٨)، فتح العزيز (١/ ١٧٧)، روضة الطالبين (١/ ١٦).\nوانظر في مذهب الحنابلة الفروع (١/ ٢٥٦)، الإنصاف (١/ ٣٤٠)، كشاف القناع (١/ ١٩٣)، المستوعب (١/ ٣٢١)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٣٤).\n(^٢) الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي (ص: ١٧١).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٩) رقم ١٢٤٤، قال: حدثنا ابن فضيل، عن ابن شبرمة، قال: كنت مع الشعبي في السوق، فبال بغل، فتنحيت عنه، فقال: ما عليك لو أصابك. وسنده حسن.\n(^٤) صحيح البخاري مع فتح الباري (١/ ٣٣٥، ٢٧٨)، والمحلى (١/ ١٩٦)","vol":"6","page":198},{"text":"﵏ جميعًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2637> دليل من قال بنجاسة البول والروث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2638>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن لحم هذا الحيوان خبيث، فكذلك بوله (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2639>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان الحيوان الطاهر الحلال الأكل إذا أكل العذرة حبس كما في الجلالة، فما بالك بحيوان قد خبث لحمه بنفسه، وليس عن طريق أكل العذرة المستحيلة إلى شيء آخر، ألا يكون نجسًا من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2640>الدليل الثالث:</span>\nإذا كان ريق الكلب نجسًا، ويغسل منه الإناء سبعًا، فما بالك ببوله الذي هو أخبث وأنتن من ريقه، وقد سبقت هذه الأحاديث في نجاسة الكلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2641>الدليل الرابع:</span>\n(١١١٢٠ - ٩١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله،\nعن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (^٢).\n[صحيح إن شاء الله، وسبق تخريجه] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ قضى بهذا الحديث الصحيح أن الماء الكثير لا يتأثر بسؤر السباع\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٨٦، ٥٨٥).\n(^٢) المصنف (١/ ١٣٣) رقم ١٥٢٦.\n(^٣) انظر تخريجه في المجلد الأول، ح (٧٩).","vol":"6","page":199},{"text":"والدواب، ومفهومه أن الماء القليل قد يتأثر بسؤر السباع والدواب، وإذا كان هذا في سؤرها: أي بقية شرابها، فما بالك ببولها وروثها، فإنه أشد خبثًا ونتنًا من ريقها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2642>الدليل الخامس:</span>\n(١١٢١ - ٩٢) ما رواه مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:\nأن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nلما علل طهارة الهرة بأنها من الطوافين علينا، علم أن المقتضي لنجاستها قائم، وهو كونها محرمة، لكن عارضه مشقة التحرز منها، فطهرت لذلك دفعًا للحرج، ومعنى ذلك أن الهرة لو لم تكن طوافة علينا لكان سؤرها نجسًا، وإذا كان هذا في سؤرها، فما بالك في بولها، فإنه أشد نجاسة من سؤرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2643>الدليل السادس:</span>\nقد ثبت عندنا أن الروث نوعان:\nروث ما يؤكل لحمه، وهذا طاهر، لأدلة كثيرة ذكرناها في مسألة (بول مأكول اللحم)، وروث نجس، وهو روث ما لا يؤكل لحمه،\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٤٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح (١٠٦٠) من هذا الكتاب.","vol":"6","page":200},{"text":"(١١٢٢ - ٩٣) لما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه،\nأنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2644> دليل من قال بالطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2645>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي نص من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا نص ولا إجماع في تنجيس غير بول الآدمي.\n• وأجيب:\nقد قدمنا الأدلة على نجاسة سؤر الكلب، وعلى نجاسة سؤر الهرة لولا علة التطواف، وقدمنا أن الماء القليل قد يتأثر بسؤر الدواب والسباع، مع أن ريقها أطهر من بولها، وكل هذه الأدلة صحيحة ظاهرة في نجاسة بول هذه الحيوانات، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2646>الدليل الثاني:</span>\n(١١٢٣ - ٩٤) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،\nعن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٦).\n(^٢) صحيح البخاري (١٧٤)، قال الحافظ في الفتح: زاد أبو نعيم والبيهقي في روايتهما لهذا الحديث من طريق أحمد بن شبيب المذكور موصولًا بصريح التحديث.","vol":"6","page":201},{"text":"• وأجيب:\nبأن بوله لن يكون أطهر من ريقه، وقد حكمنا على ريقه بالنجاسة كما في الحديث المتفق على صحته في غسل الإناء من ولوغ الكلب، ولكن عدم تطهير المكان من بول الكلب إما لكون الشمس حارة في بلاد الحجاز، فكانت تطهر الأرض بالاستحالة، فإذا أذهبت الشمس النجاسة لونًا وطعمًا وريحًا فقد طهر المكان، وربما كان مرور الكلاب ليس في موضع مصلى المسلمين، بل في مؤخرة المسجد، فكان الأمر لا يتطلب المبادرة إلى تطهيره بالماء، بل يترك حتى تطهره الشمس.\nوقد يقال: إن هذا الأمر كان في أول الإسلام، خاصة أن في بعض ألفاظه أن ابن عمر كان شابًّا عزبًا، وكان ينام في مسجد رسول الله ﷺ، وقد تزوج ابن عمر في حياته ﷺ كما في قصة طلاق ابن عمر للمرأة الحائض في عهد النبي ﷺ، والحديث في الصحيحين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2647>الدليل الثالث:</span>\n(١١٢٤ - ٩٥) روى البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، قال البخاري: صلى\nأبو موسى في دار البريد والسرقين والبرية إلى جنبه فقال هاهنا وثم سواءً (^١).\n_________\n(^١) رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، في كتاب الوضوء، في باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها.\nقال الحافظ في الفتح (١/ ٣٣٦): وهذا الأثر وصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، قال: حدثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث هو السلمي الكوفي، عن أبيه، قال: صلى بنا\nأبو موسى في دار البريد، وهناك سرقين الدواب والبرية على الباب، فقالوا: لو صليت على الباب فذكره. اهـ\nوقال في تغليق التعليق (٢/ ١٤١): ذكره البخاري في تاريخه عن أبي نعيم، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف عن وكيع، عن الأعمش نحوه.\nوقال أيضا: حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبيه قال: كنا مع\nأبي موسى بعين التمر في دار البريد، فأذن وأقام، فقلنا له: لو خرجت إلى البرية، فقال: ذاك وذا سواءً.\nومالك بن الحارث هو السلمي روى له مسلم من حديث الأعمش عنه، ووثقه يحيى بن معين، وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات.\nقلت روايتا ابن أبي شيبة التي أشار إليها الحافظ رحمه الله تعالى هي في المصنف، فروايته عن محمد بن عبيد فهي في (١/ ١٩٨) ح ٢٢٦٨، وقد ذكر الحافظ لفظها.\nوأما رواية ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش به، فذكرها ابن أبي شيبة في (٢/ ١٦٩) بلفظ: كنا مع أبي موسى في دار البريد، فحضرت الصلاة، فصلى بنا على روث ونتن، فقلنا: تصلي بنا هنا، والبرية إلى جنبك، فقال: البرية وهاهنا سواءً. اهـ\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦٠٦) عن الثوري، عن الأعمش به.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٩٦) من طريق شريك، عن الأعمش به.","vol":"6","page":202},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن أبا موسى صلى على السرقين في دار البريد، وكانت تربط فيها الدواب ذوات الحوافر من خيل وبغال وحمير، ولو كان نجسًا لما صلى عليه.\n• وأجيب:\nأولًا: أن هذه الدواب التي ترد إلى البريد طاهرة، لأنها إما خيل وإبل فأكلها حلال، فكذلك بولها، وإما بغال وحمر فهي طاهرة لمشقة التحرز منها كما قدمنا بحثه في مسألة مستقلة.\nثانيًا: قد يكون أبو موسى صلى بحائل.\nوهذا الاحتمال الأصل عدمه، ثم ظاهر اللفظ يأباه بقوله: صَلَّى على سرقين، ظاهره أنه مباشر له.\nثالثًا: على فرض أن يكون صلى على سرجين نجس، فهو فعل صاحبي قد خالفه غيره من الصحابة كابن عمر وغيره فلا يكون حجة، وقد قدمنا أدلة مرفوعة على نجاسة هذه الأبوال، وإنما يصار إلى الاستدلال برأي الصحابي بشرطين:\nالأول: ألا يخالف نصًا من كتاب أو سنة مرفوعة.","vol":"6","page":203},{"text":"الثاني: ألا يخالفه غيره من الصحابة، فإن خالفه غيره ذهبنا إلى الترجيح بينهما بحسب ما تقتضيه الأدلة والقواعد الشرعية.\nرابعًا: قال بعضهم: لعل أبا موسى كان لا يرى الطهارة من النجاسة شرطًا أو واجبًا في صحة الصلاة، وهو قول في مذهب المالكية.\n• الترجيح:\nالراجح والله أعلم بالصواب، مذهب القائلين بنجاسة أبوال البهائم الحية غير المأكولة، ألا أن يشق التحرز منها، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\n* * *","vol":"6","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2648>الفصل الثاني في المني والمذي والودي من الحيوان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2649>المبحث الأول في المني الخارج من الإنسان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2650>الفرع الأول في طهارة مني بني آدم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل الفضلات المتولدة من أصل طاهر فحكمها حكم أصلها، كالمني، والبيض، واللبن، والعرق، والعفو عن غسل المني آية طهارته.\n• كل مني من الحيوان فهو تبع للحمه حتى بني آدم، ولحمه إنما حرم لحرمته، لا لنجاسته.\n• لم يأت أمر بالتطهر من المني، كما جاء الأمر بالتطهر من البول، والمذي، ودم الحيض وغيرها، وما ورد من غسل وفرك موقوف على عائشة، وهو لا يدل على الجوب.\n• لا تأثير للمخرج في طهارة أو نجاسة، فيخرج منه البول والمذي والودي، وهي أشياء نجسة، ويخرج منه الريح وهي طاهرة، وكذا المني ورطوبة فرج المرأة على الصحيح.\n• ليس كل ما ينقض الطهارة فهو نجس كالريح والمني.","vol":"6","page":205},{"text":"[م-٥٠٠] اختلف العلماء في مني الإنسان هل هو طاهر أم نجس،\nفقيل: المني نجس، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، وقول في مذهب الشافعية (^٣)، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: المني طاهر، وهو مذهب الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦)، ورجحه\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٨٥)، المبسوط (١/ ٨١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٢)، شرح معاني الآثار (١/ ٥٣)، البحر الرائق (١/ ٢٣٥، ٢٣٦).\n(^٢) قال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١١٣): ولا يجزئ عند مالك وأصحابه في المني ولا في سائر النجاسات إلا الغسل بالماء، ولا يجزئ فيه عنده الفرك، وأنكره، ولم يعرفه. اهـ\nوقال في القوانين الفقهية (ص: ٥١): لا يجوز الاستجمار -يعني: بالحجارة- من المني ولا من المذي، ولا إن تعدت النجاسة المخرجين أو ما قرب منهما. اهـ، وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١١١)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٥)، مختصر خليل (ص: ١٥)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٥، ٢٨٥)، المفهم للقرطبي (١/ ٥٥٨)، والمدونة (١/ ١٢٨)، المنتقى شرح الموطا (١/ ١٠٣).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٧٢).\n(^٤) المغني (١/ ٥١٦)، الإنصاف (١/ ٣٥٠، ٣٥١)، وعن أحمد ثلاث روايات في المني:\nالأولى: أنه طاهر، قال في المغني: وهو المشهور.\nالثانية: أنه نجس كالدم، ويعفي عن يسيره.\nالثالثة: أنه لا يعفى عن يسيره، ويجزئ فرك يابسه من الرجل والمرأة. وقيل: من الرجل دون المرأة.\n(^٥) المجموع (١/ ١٥٦)، (٢/ ٥٥٣)، مغني المحتاج (١/ ٨٠).\n(^٦) انظر مسائل أحمد رواية أبي داود (١/ ٣٢) رقم ١٥٠، ١٥٨، ١٥٩. وقال أحمد في مسائله رواية صالح (٣/ ٥٦): قلت لأبي الفراش يصيبه المني، يبسط عليه؟ فقال: المني شيء آخر، وسهل في المني جدًّا، وقال: أين المني من البول، البول شديد، والمني يفرك، وقد جاء أنه بمنزلة المخاط، يقوله ابن عباس. اهـ وانظر مسائل أحمد رواية ابن هانئ (١/ ٢٥)، ورواية\nعبد الله (١/ ٥٩) رقم ٥٢. ومسائل أحمد وإسحاق (١/ ١٥٧، ١٩٢، ٢٥٧).\nوعن أحمد ثلاث روايات في المني:\nالأولى: أنه طاهر، قال في المغني: وهو المشهور.\nالثانية: أنه نجس كالدم، ويعفي عن يسيره.\nالثالثة: أنه لا يعفى عن يسيره، ويجزئ فرك يابسه من الرجل والمرأة. وقيل: من الرجل دون المرأة. انظر المغني (١/ ٥١٦)، الإنصاف (١/ ٣٥٠، ٣٥١).","vol":"6","page":206},{"text":"ابن حزم (^١)، وابن تيمية (^٢).\nوسبب اختلاف العلماء في هذه المسألة اختلافهم في تفسير ما ثبت عن رسول الله ﷺ في هذا من غسل المني رطبًا، وفركه يابسًا.\nفأخذ الحنابلة والشافعية من الاكتفاء بفركه يابسًا دليلًا على طهارته، إذ لو كان نجسًا لوجب غسله خاصة أن المني سائل ثخين، ويتشرب جزء منه الثوب، ولو كان المني نجسًا لجاء الأمر من الرسول ﷺ بغسله، خاصة أن البلوى فيه شديدة في الأبدان والثياب والفرش وغيرها، فلما لم يأمرهم ﷺ بغسل ما أصابهم، وكان الثابت عنه مجرد فعل، وأفعال الرسول ﷺ المجردة لا تدل على الوجوب بل تدل على الاستحباب، علم أن المني طاهر.\nوأخذ الحنفية من فركه يابسًا وغسله رطبًا دليلًا على نجاسته، فإن النجاسة قد تزول بالفرك كما تطهر النعلين بدلكهما في التراب، وذيل المرأة بمروره بتراب طاهر بعده، وهكذا.\nورجح المالكية أحاديث الغسل على أحاديث الفرك، ولم يروا أن النجاسة تزال بالفرك، بل لا بد من غسلها بالماء.\nوقد ذكرت أدلة الأقوال في كتاب أحكام الخلاء، في حكم الاستنجاء من المني، ولله الحمد، وقد رجحت هنا القول بطهارة المني، ويكفي حجة لهذا القول أن الشارع لم يأت منه أمر بغسله، ولو كان نجسًا لجاء الأمر بغسله، والتوقي منه كما جاء الأمر بالاستتار من البول، وغسل دم الحيض، وغسل المذي، وغيرها من سائر النجاسات، ولا مع من قال بنجاسته إلا مجرد أن عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) قال في المحلى (١/ ١٣٥) مسألة: ١٣١: المني طاهر في الماء كان أو في الجسد أو الثوب لا تجب إزالته، والبصاق مثله ولا فرق. اهـ\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٨٨).","vol":"6","page":207},{"text":"وتفركه إذا كان يابسًا، ولو كان الفاعل هو النبي ﷺ لم يكن ذلك حجة على نجاسة المني؛ لأن أفعال النبي ﷺ المجردة لا تقتضي الوجوب، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2651>الفرع الثاني في المني الخارج بعد الاستجمار</span>\n[م-٥٠١] إذا خرج المني، وقد سبقه استجمار، فاختلف العلماء القائلون بطهارة المني هل يبقى المني طاهرًا أم يتنجس؛ لاختلاطه بأثر البول المتبقي بعد الاستجمار؟\nفقيل: يتنجس، وإليه ذهب الشافعية (^١).\nوقيل: لا يؤثر ذلك، ويبقى المني طاهرًا، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2652> دليل من قال بنجاسته:</span>\nهذا القول مركب من مقدمة ونتيجة.\nالمقدمة: أن الاستجمار لا يطهر المحل، وإنما يخفف النجاسة، فأثر النجاسة الباقية على المحل معفو عنها.\nالنتيجة: إذا اختلط أثر البول بالمني الخارج تنجس المني، ولو كان الالتقاء في الباطن لم يضر، أما في الخارج فإنه يُنَجِس المني.\nوحتى القائلون بنجاسة المني كالحنفية يرون أن طهارته بالفرك إذا كان يابسًا،\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٨٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٦٠٦)، مطالب أولى النهى (١/ ٢٣٥).","vol":"6","page":209},{"text":"فإذا سبقه استجمار تعين الماء في تطهيره، ولا يجزئ الفرك، ولو كان يابسًا للعلة نفسها.\nوقال في الدر المختار: ويطهر مني يابس بفرك إن طهر رأس حشفة كأن كان مستنجيًا بماء (^١). اهـ\nقال ابن عابدين في حاشيته شرحًا لهذا النص: «قوله: (إن طهر رأس حشفة) قيل: هو مقيد أيضًا بما إذا لم يسبقه مذي، فإن سبقه فلا يطهر إلا بالغسل. وعن هذا قال شمس الأئمة الحلواني: مسألة المني مشكلة؛ لأن كل فحل يمذي ثم يمني إلا أن يقال: إنه مغلوب بالمني، مستهلك فيه، فيجعل تبعًا. وهذا ظاهر، فإنه إذا كان كل فحل كذلك، وقد طهره الشرع بالفرك يابسًا يلزم أنه اعتبر مستهلكًا للضرورة، بخلاف ما إذا بال فلم يستنج حتى أمنى لعدم الملجئ.\nثم قال: وقوله: (كأن كان مستنجيًا بماء): أي بعد البول، واحترز عن الاستنجاء بالحجر؛ لأنه مقلل للنجاسة لا قالع لها» (^٢).\nوعليه فمذهب الحنفية يكفي فرك المني من رأس الحشفة بشرط أن يكون قد استنجى بماء، فإن كان استنجاؤه بحجر، فيجب غسل المني. والله أعلم.\nوالعجيب: أن الحنفية لا يرون الاستنجاء واجبًا إذا لم يتجاوز الخارج موضعه المعتاد، فكيف أوجبوا غسل المني من رأس الحشفة إذا كان قد استجمر!\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2653> دليل الحنابلة:</span>\nأن غالب الصحابة كانوا يستجمرون بالحجارة، حتى إن بعضهم أنكر استعمال الماء في إزالة النجاسة، وقد قدمنا ذلك في كتاب الاستنجاء، ومع ذلك لم يأمرهم الرسول ﷺ بغسل المني، ولو كان غسله واجبًا لبينه ﷺ لأمته.\nكما أن الصحيح أن الاستجمار مطهر، وأما أثر الاستنجاء،\n_________\n(^١) الدر المختار (١/ ٣١٢).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٣١٢).","vol":"6","page":210},{"text":"فقيل: نجس، معفو عن يسيره.\nوقيل: طاهر (^١). وحكي الإجماع على أنه معفو عنه.\nقال ابن قدامة: «وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها في ثلاثة مواضع:\nأحدها: محل الاستنجاء، فعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد بغير خلاف نعلمه.\nواختلف أصحابنا في طهارته، فذهب أبو عبد الله بن حامد وأبو حفص بن المسلمة إلى طهارته، وهو ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به، ولو كان نجسًا لنجسه ... وقال أصحابنا المتأخرون: لا يطهر المحل، بل هو نجس» (^٢). أي نجس معفو عنه.\nوقال البهوتي: «وأثر الاستجمار نجس؛ لأنه بقية الخارج من السبيل، يعفى عن يسيره بعد الإنقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه (^٣).\nوقد ذكرنا الأدلة على أن الاستجمار مطهر على الصحيح في كتاب الاستنجاء.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة الفريقين نرى أن ما ذهب إليه الحنابلة من أن المني طاهر، ولو اختلط في أثر الاستجمار أقوى حجة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٠٩)، المغني (١/ ٥١١).\n(^٢) المغني (١/ ٥١١).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٩٢).","vol":"6","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2654>الفرع الثالث في طهارة ماء المرأة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل.\n[م-٥٠٢] اختلف العلماء القائلون بطهارة مني الرجل، اختلفوا في حكم مني المرأة.\nفقيل: إن ماءها طاهر كالرجل، وهو الراجح في مذهب الشافعية (^١)، ومذهب الحنابلة (^٢).\nوالأدلة على طهارته هي الأدلة على طهارة مني الرجل وقد سبق ذكرها.\nوقيل: إن ماءها نجس، وهو قول في مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٧٢).\n(^٢) المغني (١/ ٥١٧).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٧٢)، الإنصاف (١/ ٣٥١)، المغني (١/ ٥١٧) ولم نتعرض لمذهب الحنفية والمالكية؛ لأنهم يرون نجاسة المني مطلقًا من الرجل والمرأة، وقد ذكرنا الإحالة على مذهبهم في المسألة التي قبل هذه، والله أعلم.","vol":"6","page":212},{"text":"واستدلوا بأدلة القائلين بأن مني الرجل نجس، وسبق ذكر ذلك؛ ولأن رطوبة فرجها نجسة، فكذلك ماؤها.\nوالصواب الأول، وسوف يأتي الكلام على رطوبة فرج المرأة، ولو قدر أن رطوبة فرج المرأة نجسة فإن اختلاط الماء في الباطن لا يضر.\n* * *","vol":"6","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2655>المبحث الثاني في مني الحيوان</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل مني من الحيوان فهو تبع للحمه حتى بني آدم، ولحمه إنما حرم لحرمته، لا لنجاسته.\n[م-٥٠٣] اختلف العلماء في مني الحيوان،\nفقيل: نجس مطلقًا من غير فرق بين مأكوله وغير مأكوله، وهو مذهب الحنفية، والقول المعتمد في مذهب المالكية (^١)، وقول للشافعية (^٢).\nوقيل: طاهر إلا مني الكلب والخنزير أو ما تفرع من أحدهما، وهو الأصح عند الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) البناية على الهداية (١/ ٧٢٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣١٥)، بدائع الصنائع (١/ ٦٠، ٦١)، المدونة (١/ ٢٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٥، ٥٥)، منح الجليل (١/ ٥٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٦)، الخرشي (١/ ٩٢).\n(^٢) انظر روضة الطالبين (١/ ١٧).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ٧٩، ٨٠)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٥)، روضة الطالبين (١/ ١٧).","vol":"6","page":214},{"text":"وقيل: إن كان من مأكول اللحم فهو طاهر، وإن كان من محرم الأكل فهو نجس. وهذا قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية (^١)، والمشهور في مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2656> دليل من قال بنجاسة مني الحيوان مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2657>الدليل الأول:</span>\nكل دليل استدلوا به على نجاسة مني الآدمي استدلوا به على نجاسة مني الحيوان، وقد سبقت أدلة الحنفية والمالكية على نجاسة مني الآدمي في مسألة مستقلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2658>الدليل الثاني:</span>\nأن هذا المني نجس لأنه يجري مجرى البول.\nوقد أجبت على هذا الدليل في مسألة مني الآدمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2659>الدليل الثالث:</span>\nأن أصل المني دم، والدم نجس، فيكون نجسًا تبعًا لأصله.\nوقد أجيب عن قولهم هذا في الأدلة السابقة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2660> دليل من قال بطهارة مني كل حيوان عدا الكلب والخنزير:</span>\nلما كان مذهب الشافعية طهارة كل حيوان عدا الكلب والخنزير جعلوا منيه تبعًا لبدنه، فما كان من حيوان طاهر عندهم كان منيه كذلك، وما كان من حيوان نجس عندهم كان منيه نجسًا.\nوالشافعية لم يجعلوا حكم المني حكم البول؛ لأنهم يقولون بنجاسة البول مطلقًا\n_________\n(^١) علل الطهارة الخرشي في شرحه لمختصر خليل (١/ ٩٢)، بطهارة بول ما يؤكل لحمه، فإذا كان بوله طاهرًا كان منيه كذلك. وانظر قول الشافعية في روضة الطالبين (١/ ١٧).\n(^٢) بلغة الساغب (ص: ٣٧)، الإنصاف (١/ ٣٣٩)، المستوعب (١/ ٣١٥)، المبدع (١/ ٣٣٨)، الفروع (١/ ٢٥٧) الإقناع (١/ ٦٣).","vol":"6","page":215},{"text":"من كل حيوان وطير، وإنما جعلوا العبرة لبدن الحيوان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2661> دليل من فرق بين مني الحيوان المأكول وغير المأكول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2662>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن الحيوان المأكول بوله طاهر فكذلك منيه.\nلكن يشكل على هذا أنهم حكموا على بول الآدمي بالنجاسة، وحكموا على منيه بأنه طاهر، فإن كان المني تبعًا للبول فلماذا قالوا بطهارة مني الآدمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2663>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على لبن الحيوان، فمادام أن لبن الحيوان المأكول طاهر، فكذلك منيه.\nالذي يظهر لي أن المني تبعًا لحكم الحيوان، فإذا كان الحيوان طاهرًا في الحياة فإن منيه طاهر؛ لأن المني فضلة كسائر فضلاته، فإذا حكمنا بالطهارة لعرق الحيوان وريقه فكذلك منيه لا يخرج عن سائر فضلاته.\nوإن حكمنا لعرقه وريقه بالنجاسة كان منيه أولى بهذا الحكم.\nولأن كل حيوان منيه أصل له، فإذا كان طاهرًا حال حياته، فيلزم أن يكون منيه كذلك، والله أعلم.\nوقد سبق لنا طهارة كل حيوان حلال الأكل، ونجاسة كل حيوان محرم الأكل كالكلب والخنزير إلا أن يشق التحرز منه. والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2664>المبحث الثالث في نجاسة المذي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2665>الفرع الأول في نجاسة مذي الإنسان</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المذي تبع للبول، فما كان بوله نجسًا كان مذيه نجسًا، وما كان بوله طاهرًا كان مذيه طاهرًا.\n• يوجب المذي ما يوجبه البول من نقض الطهارة، ووجوب التطهر منه.\n• ما دار بين أصلين يلحق بالأشبه منهما، فالمذي متردد بين البول والمني، فمن قوى شبهه بالبول حكم بنجاسته، وعلله بأنه خارج من الفرج، ولا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل، ومن قوى شبهه بالمني حكم بطهارته وعلله بأنه خارج بسبب الشهوة ويخرج أمامها، والنصوص تؤيد الشبه الأول.\n[م-٥٠٤] اختلف أهل العلم في نجاسة المذي،\nفقيل: نجس، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب","vol":"6","page":217},{"text":"الحنابلة (^١).\nوقيل: المذي طاهر، وهو رواية عن أحمد (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2666> دليل من قال: إن المذي نجس</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2667>الدليل الأول:</span>\n(١١٢٥ - ٩٦) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن منذر بن يعلى -ويكنى أبا يعلى- عن ابن الحنفية،\nعن علي قال كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ، ورواه البخاري بنحوه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2668>الدليل الثاني:</span>\n(١١٢٦ - ٩٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه،\nعن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة، فكنت أكثر الاغتسال منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: إنما يجزئك منه الوضوء. فقلت: كيف بما يصيب ثوبي؟ فقال يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتمسح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصاب (^٤).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٥٨)، شرح فتح القدير (١/ ٧٢)، المبسوط (١/ ٦٧)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٥)، الخرشي (١/ ١٥٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٣٢٣)، المجموع (٢/ ١٦٥)، روضة الطالبين (١/ ٦٧)، مغني المحتاج (١/ ٧٩)، المغني (١/ ٥١٣)، المبدع (١/ ١٥٩)، الإنصاف (١/ ٣١٥).\n(^٢) في المبدع شرح المقنع (١/ ١٥٩): وعن أحمد أن المذي طاهر كالمني، اختاره أبو الخطاب في خلافه؛ لأنه خارج بسبب الشهوة. وانظر المغني (١/ ٥١٣)، والإنصاف (١/ ٣٥١).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٠٣)، وصحيح البخاري (٢٦٩).\n(^٤) المسند (٣/ ٥٨٥).","vol":"6","page":218},{"text":"[حسن] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2669>الدليل الثالث:</span>\n(١١٢٧ - ٩٨) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام ابن حكيم،\nعن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت النبي ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: ذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك\n_________\n(^١) رجاله ثقات غير محمد بن إسحاق، فإنه صدوق، فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى.\nالحديث أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٨٨) ٩٧٢، وأبو داود (٢١٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩١٣)، والطبراني في الكبير (٥٥٩٥)، وابن خزيمة (٢٩١)، وابن حبان كما في الموارد (٢٥٠) عن إسماعيل بن علية به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٢٠)، والدارمي (١/ ١٨٥) والطبراني (٥٥٩٥) من طريق يزيد بن هارون.\nوأخرجه الترمذي (١١٥)، وابن ماجه (٥٠٦) من طريق عبدة بن سليمان.\nوأخرجه ابن ماجه (٥٠٦) والطبراني في الكبير (٥٥٩٥) من طريق عبد الله بن المبارك.\nوأخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب (٥٦٨) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٥٧) والطبراني في الكبير (٥٥٩٣) من طريق حماد بن زيد.\nوأخرجه ابن خزيمة (٢٩١) من طريق محمد بن أبي عدي.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٥١٩٦) من طريق العلاء بن هارون، كلهم عن محمد بن إسحاق به.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق في المذي مثل هذا، وقد اختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب، فقال بعضهم: لا يجزئ إلا الغسل، وهو قول الشافعي وإسحاق.\nوقال إسحاق: يجزئه النضح، وقال أحمد: أرجو أن يجزئه النضح بالماء. وانظر ح: (٣٧٨)\nانظر لمراجعة طرق الحديث: أطراف المسند (٢/ ٥٤٣)، تحفة الأشراف (٤٦٦٤)، إتحاف المهرة (٦١٦٣).","vol":"6","page":219},{"text":"فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢١١).\n(^٢) في هذا الحديث ثلاث علل:\nالأولى: الأمر بغسل الأنثيين على اختلاف في ذكرها كما سيتبين، وقد روى البخاري (٢٦٩)، ومسلم (١٧ - ٣٠٣) من حديث علي ﵁ صفة تطهير المذي، فقال النبي ﷺ: يغسل ذكره ويتوضأ، ولم يذكر أنثييه.\nالعلة الثانية: في إسناده العلاء بن الحارث، قد اختلط، ولم يتميز لي من سمع منه قبل الاختلاط ممن سمع منه بعد.\nالعلة الثالثة: معاوية بن صالح صدوق له أوهام، وقد تفرد به عن العلاء، وقد ضعفه الحافظ في التلخيص (١/ ١١٧).\nوالحديث مداره على العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه.\nرواه عنه معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، واختلف على معاوية بن صالح:\nفرواه عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح كما في مسند أحمد (٤/ ٣٤٢)، وسنن الترمذي (١٣٣)، وفي الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٨٦٥)، وسنن ابن ماجه (٦٥١، ١٣٧٨)، وسنن الدارمي (١٠٧٣)، وفي معجم الصحابة لأبي القاسم البغوي (١٥٥٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٠٢)، ومعجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٩٣)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٤١٧٨)، ولم يذكر غسل الأنثيين، رواه أحمد بتمامه، واختصره الباقون.\nورواه عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح بذكر غسل الأنثيين:\nرواه أبو داود (٢١١)، حدثنا إبراهيم بن موسى.\nوابن الجارود في المنتقى (٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٩٩٤) حدثنا بحر بن نصر، كلاهما رواياه عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح به، بذكر غسل الأنثيين، واختصره الطحاوي على فضل صلاة التطوع في البيت.\nورواه ابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٩٤) من طريق إبراهيم بن المنذر، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا معاوية بن صالح به، فقال: يغسل فرجه، ويتوضأ، ولم يذكر غسل الأنثيين.\nوتوبع ابن وهب على ذكر غسل الأنثيين تابعه عبد الله بن صالح كاتب الليث، حيث أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٩٨٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١١) من طريقه، عن معاوية بن صالح به. ...\nوكاتب الليث في حفظه شيء.\nوانظر مراجعة بعض طرق الحديث في إتحاف المهرة (٧١٧٥، ٧١٧٦)، أطراف المسند (٣/ ٢٧)، تحفة الأشراف (٥٣٢٦، ٥٣٢٨).","vol":"6","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2670>الدليل الرابع:</span>\n(١١٢٨ - ٩٩) ما رواه ابن ماجه، من طريق مصعب بن شيبة، عن أبي حبيب ابن يعلى بن منية،\nعن ابن عباس أنه أتى أبي بن كعب ومعه عمر، فخرج عليهما، فقال: إني وجدت مذيًا، فغسلت ذكري، وتوضأت، فقال عمر: أو يجزئ ذلك؟ قال: نعم قال: أسمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2671>الدليل الخامس:</span>\n(١١٢٩ - ١٠٠) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن\nابن عباس، قال في المذي والودي والمني: من المني الغسل، ومن المذي والودي الوضوء، يغسل حشفته ويتوضأ (^٣).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٥٠٧).\n(^٢) رواه أحمد (٥/ ١١٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٩٦٩)، وعنه ابن ماجه (٥٠٧) من طريق مصعب بن أبي شيبة به.\nوفي إسناده أبو حبيب بن يعلى بن أمية، فيه جهالة، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه، فلم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٩/ ٣٥٩).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٧٥).\nوقال الذهبي في الميزان: تفرد عنه مصعب بن شيبة.\nوقال الحافظ في التقريب، وفي اللسان (٧/ ٥٥٨): مجهول.\nومصعب بن شيبة، قال فيه أحمد: أحاديثه مناكير، منها ... عشرة من الفطرة ... انظر ضعفاء العقيلي (١٧٧٥)، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: لا يحمدونه.\n(^٣) المصنف (٦٠٨).","vol":"6","page":221},{"text":"[صحيح] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2672>الدليل السادس:</span>\nحكى الإجماع على نجاسته، وعلى وجوب الوضوء.\nقال ابن عبد البر: «وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، أو لطول عزبة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته» (^٢).\nوقال النووي: «أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي» (^٣).\nوسبق لنا أن الإمام أحمد في رواية عنه يرى أن المذي طاهر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2673> دليل من قال بطهارته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2674>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن المذي خارج بسبب الشهوة، فيكون طاهرًا (^٤).\nوكأن هذا القول قاسه على المني، ولو صح القياس لوجب فيه الغسل، فلما لم يجب فيه الغسل علم أن قياسه على المني لا وجه له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2675>الدليل الثاني:</span>\n(١١٣٠ - ١٠١) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب،\n_________\n(^١) انظر تخريجه في الطهارة بالاستنجاء، المجلد السابع، ح (١٤٩٤).\n(^٢) الاستذكار (١/ ١٩٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٧١).\n(^٤) المبدع (١/ ١٥٩).","vol":"6","page":222},{"text":"عن عمر، قال: إني لأجد المذي على فخذي ينحدر وأنا على المنبر ما أبالي بذلك (^١).\n[منقطع] (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2676>الدليل الثالث:</span>\nربما يؤخذ من كونه ورد في بعض الأحاديث النضح في طهارته ربما يفهم بعضهم منه أن ذلك دليل على طهارته، كما قالوه في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، وليس في ذلك ما يدل على طهارته؛ لأنه لو كان طاهرًا لما وجب في حقه النضح، مع أن النضح مختلف فيه، هل المقصود به الغسل، أو مجرد الرش، وهل ذلك على البدن أم في الثياب خاصة، وسوف يأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى في كيفية تطهير النجاسات في باب مستقل بلغنا الله إياه بمنه وكرمه ورحمته.\n• الراجح:\nأن المذي نجس، والخلاف في طهارته خلاف شاذ، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٦١٣)\n(^٢) اختلف في سماع ابن المسيب من عمر، انظر خلاف أهل العلم في ذلك في مجلد الحيض والنفاس، ح (٢٥٧).\nوقد روى مالك في الموطأ (١/ ٥١) عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال: إني لأجد ينحدر مني مثل الخزيزة، فإذا وجد أحدكم، فليغسل ذكره وليتوضأ وضوءه للصلاة، يعني: المذي. وهذا إسناد صحيح، وهو أصح من الإسناد السابق.","vol":"6","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2677>الفرع الثاني مذي الحيوان غير الآدمي</span>\nالمذي تبع للبول، فما كان بوله نجسًا كان مذيه نجسًا، وما كان بوله طاهرًا فإن مذيه لن يكون أخبث من بوله، فحكمهما واحد.\nفالإنسان حين كان بوله نجسًا بالإجماع كان مذيه نجسًا، وكذلك الودي منه.\nوينبغي أن يكون حكم المذي من الحيوان حكم البول، وقد فصلنا مسألة بول الحيوان في مسألة مستقلة.\n* * *","vol":"6","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2678>المبحث الرابع في نجاسة الودي</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الودي بمنزلة البول.\n[م -٨٤٦] اختلف العلماء في حكم الودي،\nفقيل: الودي نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (١/ ٦٠)،\nفي مذهب المالكية: جاء في المدونة (١/ ١٢١): قال مالك: المذي عندنا أشد من الودي؛ لأن الفرج يغسل عندنا من المذي، والودي عندنا بمنزلة البول. اهـ\nواختلف أصحاب مالك في فهم عبارة إمامهم:\nفقيل: يحتمل قول مالك المذي أشد من الودي، أنه يجب غسل الذكر كله، بخلاف الودي، فيغسل رأس الحشفة منه.\nوقال بعضهم: معنى المذي أشد من الودي؛ لأن الودي يستنجى منه بالأحجار، والمذي لا بد من غسله. انظر التمهيد لابن عبد البر (٢١/ ٢٠٥)، الخرشي (١/ ١٥٩)، الفواكه الدواني، حاشية العدوي (١/ ١٣٣)، وفي مواهب الجليل (١/ ١٠٥) أن شاس نقل الإجماع على نجاسة الودي. اهـ وحاشية الدسوقي (١/ ٥٦). ...\nوقال الشافعي في الأم (١/ ٧٢): كل ما خرج من ذكر من رطوبة بول، أو مذي، أو ودي، أو ما لا يعرف، أو يعرف، فهو نجس كله ما خلا المني. اهـ\nبل قال النووي في المجموع (٢/ ٥٧١): أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي. اهـ\nوانظر الفروع (١/ ٢٥٨)، الإنصاف (١/ ٣٥١)، كشاف القناع (١/ ١٩٣).","vol":"6","page":225},{"text":"وقيل: طاهر، وهي رواية عن أحمد (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2679> الدليل على نجاسة الودي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2680>الدليل الأول:</span>\n(١١٣١ - ١٠٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن حصين بن قبيصة الفزاري،\nعن علي قال: كنت رجلًا مذاءً، وكانت تحتي بنت رسول الله ﷺ، فكنت أستحي أن أسأله، فأمرت رجلًا فسأله فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيت الودي فضخ الماء فاغتسل (^٢).\n[رجاله ثقات إلا أن ذكر الودي فيه غير محفوظ] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2681>الدليل الثاني:</span>\n(١١٣٢ - ١٠٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان،\n_________\n(^١) المبدع (١/ ٢٥٩)، الإنصاف (١/ ٣٥١).\n(^٢) المصنف (١/ ٨٩).\n(^٣) وأخشى أن تكون لفظة الودي تحرفت عن المني، وبالرجوع إلى مصنف ابن أبي شيبة تحقيق عوامة، وجدت الحديث بهذا اللفظ: إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل. اهـ\nفليس فيه ذكر للودي، وهذا هو الصواب؛ لأن الودي لا يوجب الغسل بالإجماع.\nوروى ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٢/ ٥١٣) الحديث من طريق ابن أبي شيبة، بلفظ: وإذا رأيت نضح الماء فاغتسل.\nوانظر تخريج الحديث في المجلد السابع، ح (١٥٠١).","vol":"6","page":226},{"text":"عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس، قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2682> دليل من قال: إن الودي طاهر:</span>\nقالوا: لا نعلم في الكتاب، ولا في السنة المرفوعة نصًا بأن الودي نجس، وإذا كان كذلك فالأصل طهارته، ولا يكفي في كونه يخرج من مخرج البول حتى يعطى حكمه، فهذا المني يخرج من نفس المخرج، ومع ذلك فهو طاهر، وإذا كان يخرج عقب البول، كان الاستنجاء منه بسبب البول، لا بسببه.\nقلت: لا شك أن أكثر الأقوال على أن الودي يخرج عقب البول، لكن قال بعض الفقهاء: إن خروج الودي بعد البول غالب لا دائم، فقد يخرج بعد حمل شيء ثقيل، وقد يخرج وحده بلا سبب (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٨٩) رقم ٩٨٥.\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد السابع (ص: ٣٨١).\n(^٣) قال في حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٥): الودي ماء ثخين أبيض كدر، يخرج عقب البول.\nوقال في الفتاوى الهندية (١/ ١٠): «الودي بول غليظ. وقيل: ماء يخرج بعد الاغتسال من الجماع وبعد البول. كذا في التبيين».اهـ\nوقال في شرح خليل (١/ ١٥٢): «واعلم أن ودي المرأة يخرج أيضا بأثر البول إلا أنه حينئذ لا حكم له، نعم يكون ناقضًا فيما إذا خرج بأثر سلس بول، أو خرج عند حمل شيء ثقيل».اهـ","vol":"6","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2683>الفصل الثالث في حكم الدم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2684>المبحث الأول في نجاسة دم الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل دم يخرج من فرج المرأة، ويمنع من الصلاة والجماع، فهو نجس، عكسه دم الاستحاضة.\n[م-٥٠٥] نقل الإجماع على نجاسة دم الحيض بعض الفقهاء، وإليك النقول عن بعضهم.\nقال القرافي في الذخيرة في دم الحيض: «وهو نجس إجماعًا» (^١).\nوقال النووي بعد أن ساق حديث أسماء في الأمر بغسل دم الحيض، قال:\n«والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر» لكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ١٨٥).","vol":"6","page":228},{"text":"من أصحابنا وغيرهم ... إلخ كلامه ﵀ (^١).\nقال الشوكاني: «واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين كما قال النووي» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2685> مستند الإجماع على نجاسة دم الحيض:</span>\nاستند الإجماع إلى أدلة كثيرة، نسوق منها ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2686>الدليل الأول:</span>\n(١١٣٣ - ١٠٤) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت:\nأرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (^٣).\nقال الحافظ ﵀: (تحته): أي تحكه. كذا رواه ابن خزيمة، والمراد بذلك إزالة عينه.\n(ثم تقرصه): أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها، ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه.\n(وتنضحه) قال الخطابي: أي تغسله. وقال القرطبي: المراد به الرش؛ لأن غسل الدم استفيد من قوله: (تقرصه بالماء). وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب. قال الحافظ: فعلى هذا فالضمير في قوله: تنضحه يعود على الثوب، بخلاف تحته. فإنه يعود على الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل. ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا لم يطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٧٦).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ٥٨).\n(^٣) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).\n(^٤) الفتح بتصرف يسير (١/ ٥٣٩).","vol":"6","page":229},{"text":"قلت: النضح يأتي في اللغة بمعنى الغسل، كما يأتي بمعنى الرش.\nقال ابن الأثير: قد يرد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (^١).\n(١١٣٤ - ١٠٥) قلت: الحديث قد رواه مسلم من طريق الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال:\nكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه، فهو ينضح الدم عن جبينه (^٢).\nقال السيوطي في شرحه للحديث ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (^٣).\nوقال الطحاوي: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح الغسل؛ لأن النضح قد يسمى غسلًا، قال رسول الله ﷺ: إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها يعني يضرب البحر بجانبها (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2687>الدليل الثاني:</span>\n(١١٣٥ - ١٠٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:\nجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\nقال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (^٥).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث (٥/ ٧٠).\n(^٢) رواه مسلم (١٩٧٢)، وهو في الصحيحين إلا أنه بلفظ: وهو يمسح الدم عن وجه.\n(^٣) الديباج (٥/ ٥٠٢).\n(^٤) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٥٣)، وإسناده ضعيف، وسبق تخريجه، في الحيض والنفاس، ح (١٧٣٢).\n(^٥) رواه البخاري (٢٢٨)، ورواه مسلم (٣٣٣) دون قوله وقال أبي ... إلخ.","vol":"6","page":230},{"text":"وجه الاستدلال من الحديث:\nقوله: (فاغسلي عنك الدم) أمر، والأصل فيه الوجوب إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2688>الدليل الثالث:</span>\n(١١٣٦ - ١٠٧) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت:\nكانت إحدانا تحيض، ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2689>الدليل الرابع:</span>\n(١١٣٧ - ١٠٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدي بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن قالت:\nسألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع (^٢) واغسليه بالماء والند والسدر.\n_________\n(^١) البخاري (٣٠٨).\n(^٢) قال ابن حجر في التلخيص (١/ ٥٦): «قوله: (بصلع) ضبطه ابن دقيق العيد بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام ثم عين مهملة، وهو: الحجر، ووقع في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام، ولعله تصحيف؛ لأنه لا معنى يقضي تخصيص الضلع بذلك، كذا قال، لكن قال الصاغاني في العباب في مادة ضلع بالمعجمة: وفي الحديث حتيه بضلع، قال ابن الأعرابي: الضلع ههنا العود الذي فيه اعوجاج، وكذا ذكره الأزهري في المادة المذكورة وزاد عن الليث، قال: الأصل فيه ضلع الحيوان، فسمي به العود الذي يشبهه. قوله: (ثم اقرصيه) وقع في حديث عائشة في الصحيحين فلتقرصه، ثم لتنضحه بالماء. وقوله (فلتقرصه) بفتح التاء وضم الراء ويجوز كسرها، وروي بفتح القاف وتشديد الراء: أي فلتقطعه بالماء، ومنه تقريص العجين، قاله أبو عبيد، وسئل الأخفش عنه فضم بإصبعيه الإبهام والسبابة وأخذ شيئًا من ثوبه بهما، وقال: هكذا يفعل بالماء في موضع الدم».","vol":"6","page":231},{"text":"[صحيح] (^١).\nقال السندي: حكيه بضلع بكسر معجمة وفتح لام: أي بعود وفي الأصل واحد أضلاع الحيوان أريد به العود لشبهه به، وقد تسكن اللام تخفيفًا. قال الخطابي: وإنما أمر بحكه لينقلع المتجسد منه، اللاصق بالثوب، ثم يتبعه الماء ليزيل الأثر، وزيادة السدر للمبالغة، وإلا فالماء يكفي، وذكر الماء لأنه المعتاد ولا يلزم منه أن غيره من المائعات لا تجزى كيف ولو كان لبيان اللازم لوجب السدر أيضًا، ولا قائل به (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2690>الدليل الخامس:</span>\n(١١٣٨ - ١٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا حيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها طرقتها الحيضة من الليل ورسول الله ﷺ يصلي، فأشارت إلى رسول الله ﷺ بثوب، وفيه دم فأشار إليها رسول الله ﷺ وهو في الصلاة اغسليه، فغسلت موضع الدم ثم أخذ رسول الله ﷺ ذلك الثوب فصلى فيه (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٣٥٥)، وانظر تخريجه في الحيض والنفاس، المجلد الثامن، ح: (١٧٣٤).\n(^٢) حاشية السندي على النسائي (١/ ١٥٥).\n(^٣) المسند (٦/ ٦٦).\n(^٤) الإسناد فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، إلا أنه صالح في الشواهد.\nوفيه حيي بن عبد الله، مختلف فيه.\nفقال أحمد: حيي أحاديثه مناكير. تهذيب الكمال (٦/ ٥٨٨).\nوقال البخاري: فيه نظر انظر التاريخ الكبير (٣/ ٧٦).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. انظر الضعفاء والمتروكين له (١٦٢).\nوقال أبو أحمد ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة. انظر الكامل في الضعفاء (٢/ ٥٥٩) وتهذيب الكمال (٦/ ٥٨٨).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٣٥). وفي التقريب: صدوق يهم.\nوانظر موضع الحديث من إتحاف المهرة (٢٢٩٨١)، أطراف المسند (٩/ ٢٨٦).","vol":"6","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2691>المبحث الثاني في نجاسة دم الإنسان من عرق ونحوه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• دم الآدمي طاهر تبعًا لذاته كالسمك، وإنما حرم أكل الآدمي لحرمته، لا لنجاسته.\n• كل حيوان لا ينجس بالموت فدمه طاهر كالسمك، ومنه الآدمي.\n• حرم الله جماع الحائض ونكاح الدبر لوجود النجاسة في المحل، وأباح جماع المستحاضة، فدل على طهارة دمها.\n• كل دم يخرج من فرج المرأة، ويمنع من الصلاة والجماع، فهو نجس، عكسه دم الاستحاضة، وقد علل بأنه دم عرق، فليلحق به كل دم عرق.\n• كل دم لا يمنع الصلاة، والصيام، والجماع، والاعتكاف في المسجد فهو دم طاهر والاستنجاء منه مستحب.\n• لم يمنع صاحب الجرح النازف من النزول في المسجد، ولو كان الدم نجسًا لوجب تنزيه المسجد.\n• هل المعتبر في التنجيس المخرج، فكل ما خرج من السبيل فهو نجس، ومنه دم الاستحاضة، أو المعتبر الخارج، ولا تأثير للمخرج، حيث يخرج منه الطاهر كالريح والمني، ويخرج منه النجس كالبول والمذي، وهذا هو الصحيح.","vol":"6","page":233},{"text":"[م-٥٠٦] اختلف العلماء في نجاسة الدم:\nفقيل: إنه نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١)، إلا أنهم يرون العفو عن يسيره، على خلاف بينهم في مقدار اليسير:\nفقيل: المرجع في تقدير القليل والكثير إلى العرف، فما اعتبره الناس كثيرًا فهو كثير، وما عده الناس قليلًا فهو قليل، وهو قول في مذهب الحنفية (^٢)، وقول في مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: القليل: ما دون الدرهم، والكثير ما زاد عنه، وحقيقة الدرهم عند الحنفية هو الدرهم المالي (^٤)، وعند المالكية الدرهم البغلي (^٥).\nوقيل: كل شخص بحسبه، فما فحش بنفسه فهو كثير، والقليل: ما لم يفحش،\n_________\n(^١) قال مالك في المدونة (١/ ٢٠): «في الرجل يصلي، وفي ثوبه دم يسير من دم حيضة أو غيره، فيراه وهو في الصلاة، قال: يمضي على صلاته ولا يبالي ألا ينزعه، ولو نزعه لم أر به بأسًا، وإن كان دمًا كثيرًا كان دم حيضة أو غيره نزعه، واستأنف الصلاة من أولها بإقامة، ولا يبني على شيء مما صلى ...». إلخ آخر كلامه ﵀.\nوقال الشافعي في الأم (١/ ٦٧): «وفي هذا دليل على أن دم الحيض نجس، وكذا كل دم غيره».\nوقال ابن تيمية: «لما سئل أحمد، الدم والقيح عندك سواءً؟ قال: الدم لم يختلف الناس فيه، والقيح قد اختلف الناس فيه».اهـ انظر شرح العمدة (١/ ١٠٥)، إغاثة اللهفان (١/ ١٥١).\nوانظر: الأوسط لابن المنذر (٢/ ١٥٣)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥١)، الاجماع لابن حزم، والمحلى (٧/ ٣٨٩).\n(^٢) جاء في بدائع الصنائع (١/ ٨٠): «روي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة عن الكثير الفاحش، فكره أن يحد له حدًّا، وقال: الكثير الفاحش ما يستفحشه الناس، ويستكثرونه».\n(^٣) الإنصاف (١/ ٣٣٦).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٨٠)، البناية على الهداية (١/ ٧٣٣)، وقد قدروا الدرهم بمقدار عرض الكف، وقيل الدرهم مقداره مثقال، ومنهم من جمع بين القولين، فقال: إن التقدير بالوزن بالنسبة للنجاسة الجامدة، وبالعرض والمساحة بالنسبة للنجاسة المائعة.\n(^٥) حاشية الدسوقي (١/ ٧٢)، المنتقى للباجي (١/ ٥٥)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٧٦).","vol":"6","page":234},{"text":"فيكون التقدير راجعًا إلى الشخص نفسه، وهذا هو الأصل المروي عن أبي حنيفة (^١)، ونص عليه الإمام أحمد (^٢).\nوفيه أقوال أخرى في تقدير القليل والكثير لا دليل عليها، سنتعرض لها إن شاء الله تعالى في باب العفو عن النجاسات.\nوقيل: دم العرق من الإنسان طاهر، وقد أخذوه من قول الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم (^٣).\nواختاره بعض المتكلمين (^٤)، ورحجه الشوكاني، وشيخنا ابن عثيمين، والألباني (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2692> دليل من قال بنجاسة الدم المسفوح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2693>الدليل الأول:</span>\nالإجماع على نجاسة دم الآدمي حكاه جماعة منهم الإمام أحمد وابن عبد البر كما في التمهيد، والنووي في المجموع وغيرهم.\nقال أحمد لما سئل عن الدم: الدم والقيح عندك سواءً؟ قال: «الدم لم يختلف الناس\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٢١).\n(^٢) جاء في مسائل أحمد رواية عبد الله (١/ ٧٥): «قرأت على أبي: كل ما خرج من السبيلين ففي قليله وكثيره الوضوء، وإذا كان من الجسد، فإذا كان فاحشًا أعاد، وإن لم يكن فاحشًا لم يعد. قلت: ما الفاحش عندك؟ قال: ما يفحش عند الرجل، ما أحده بأكثر من هذا».اهـ\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٣٠): «وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس، إلا أن المسفوح وإن كان أصله الجاري في اللغة، فإن المعنى فيه في الشريعة الكثير، إذ القليل لا يكون مسفوحًا، فإذا سقطت من الدم الجاري نقطة في ثوب أو بدن لم يكن حكمها حكم المسفوح الكثير، وكان حكمها حكم القليل، ولم يلتفت إلى أصلها في اللغة».اهـ\n(^٣) رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين (١/ ٤٦).\n(^٤) المجموع (٢/ ٥٧٦).\n(^٥) الدراري المضيئة (١/ ٢٦)، وتبعه صديق خان في الروضة الندية (١/ ٨١)، تمام المنة في التعليق على فقه السنة (ص: ٥٢)، الشرح الممتع (١/ ٤٤١).","vol":"6","page":235},{"text":"فيه، والقيح قد اختلف الناس فيه» (^١).\nوقال ابن حزم في كتابه مراتب الإجماع: «واتفقوا على أن الكثير من أي دم كان حاشا دم السمك، وما لا يسيل دمه نجس» (^٢).\nقال النووي: «والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين، إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين، أنه قال: هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع ...». إلخ كلامه ﵀ (^٣).\nوقال القرطبي: «اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس» (^٤).\nوقال ابن حجر: «والدم نجس اتفاقًا» (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2694>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [الأنعام: ١٥٥].\n• وأجيب:\nأولًا: تحريم الأكل لا يستلزم النجاسة، لأن الآية نصت على تحريم الأكل بقوله: على طاعم يطعمه.\nثانيًا: الرجس، قد يراد به النجاسة المعنوية، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب: ٣٣].\n_________\n(^١) شرح العمدة لابن تيمية (١/ ١٠٥).\n(^٢) مراتب الإجماع (ص: ١٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥١١).\n(^٤) تفسير القرطبي (٢/ ٢٢٢).\n(^٥) فتح الباري (١/ ٣٥٢).","vol":"6","page":236},{"text":"وقال تعالى عن المنافقين: (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ) [التوبة: ٩٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2695>الدليل الثالث:</span>\n(١١٣٩ - ١١٠) ما رواه البخاري في صحيحه، من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة،\nعن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه وتصلي فيه، ورواه مسلم (^١).\nفهذا صريح في نجاسة دم الحيض، وسائر الدماء قياس عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2696>الدليل الرابع:</span>\n(١١٤٠ - ١١١) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي، ورواه مسلم (^٢).\nفقوله: (فاغسلي عنك الدم) فيه الأمر بغسله، ولو لم يكن نجسًا لم يجب غسله.\n• وأجيب:\nبأن الغسل بمثابة الاستنجاء من الدم الذي حكم له بأنه حيض حال إقباله وإدباره، فلم يتوجه الأمر بغسل دم الاستحاضة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2697> أدلة من قال: إن الدم طاهر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2698>الدليل الأول:</span>\nأن الصحابة أهل جهاد، والمجاهدون تكثر فيهم الجراح، فيصيب الدم\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).\n(^٢) البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣).","vol":"6","page":237},{"text":"أجسامهم وثيابهم، ولم يأت أمر من الشارع صحيح صريح بوجوب غسله، فعلم من ذلك طهارته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2699>الدليل الثاني:</span>\nأن الشهيد يدفن بدمه، ولا يغسل، ولو كان نجسًا لوجب غسله، وقولهم: إن العلة أنه يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك، أو قولهم: إنه أثر عبادة كل ذلك ليس كافيًا في ترك النجاسة على بدن المسلم، فالدم يوم القيامة ليس هو الدم الذي يدفن على ثيابه، لأن الله ينشئه نشأة أخرى، وأثر العبادة لا يجعلنا نترك الميت متضمخًا بالنجاسة، وإذا ثبتت طهارة دم الشهيد فغيره قياس عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2700>الدليل الثالث:</span>\nأن الرسول لم ينزه المسجد من أن يجلس فيه الجريح والمستحاضة، وهما أصحاب جرح ينزف، وهذا مظنة تلويث المسجد بالدم، فلو كان نجسًا لجاء الأمر بالنهي عن دخول المسجد، كما منعت الحائض، بل منع من هو أقل من هذا مما يؤذي، كما منع من دخول المسجد من أكل كراثًا أو بصلًا، مع الإجماع على طهارتهما، ونهي عن النخامة في المسجد لاستقذارها، ولو كانت طاهرة.\n(١١٤١ - ١١٢) فقد روى البخاري في صحيحه، من طريق هشام، عن أبيه،\nعن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا فمات فيها، ورواه مسلم بنحوه (^١).\n(١١٤٢ - ١١٣) وروى البخاري من طريق خالد، عن عكرمة،\nعن عائشة أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه، وهي مستحاضة ترى الدم،\n_________\n(^١) (صحيح البخاري (٥٦٣)، ومسلم (١٧٦٩).","vol":"6","page":238},{"text":"فربما وضعت الطست تحتها من الدم، وزعم أن عائشة رأت ماء العصفر فقالت: كأن هذا شيء كانت فلانة تجده (^١).\nوقد قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم:\nإن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ (^٢).\nفإذا كان القذر لا يصلح للمسجد، وأقر الرسول ﷺ المكلوم والمستحاضة في دخول المسجد مع أن الدم منهما قد ينزف، لم يكن هذا من المستخبث شرعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2701>الدليل الرابع:</span>\nجواز وطء المستحاضة ودمها ينزل، فلو كان الدم نجسًا لحرم الجماع كما حرم حال الحيض في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢] وحرم نكاح الدبر للعلة نفسها، فدم الاستحاضة ليس أذى، فلا يمنع من الجماع، ولا من التلطخ به.\nولا يعترض عليه بالمذي، أو برطوبة فرج المرأة، فإنه لو منع الجماع بسبب ذلك لحرم الوطء، فإن كل فحل يمذي، ومع ذلك فالمذي يخرج بعد الفراغ من الجماع، وانكسار الشهوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2702>الدليل الخامس:</span>\nأن الآدمي ميتته طاهرة على الصحيح، فيكون دمه طاهرًا كالسمك.\nوالعلة في نجاسة الميتة إما انحباس الدم فيها، وإما فقد الأهلية من المذكي، يجمع ذلك قوله ﷺ: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل.\nفلما كان انحباس الدم في بدن الميت الآدمي لا ينجسه، لم يكن نجسًا، ولو أبين\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٨٥).","vol":"6","page":239},{"text":"عضو من الآدمي، لكان طاهرًا وإن كان فيه دم؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته، ولو كان دمه نجسًا، لكان العضو نجسًا، أو متنجسًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2703>الدليل السادس:</span>\n(١١٤٣ - ١١٤) ما رواه أحمد، من طريق محمد بن إسحاق، حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر،\nعن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع، فأصيبت امرأة من المشركين، فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلًا، وجاء زوجها وكان غائبا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد ﷺ، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ، فنزل النبي ﷺ منزلًا، فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله. قال: فكونوا بفم الشعب، قال: وكانوا نزلوا إلى شعب من الوادي، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم، فوضعه فيه فنزعه فوضعه، وثبت قائمًا، ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، وثبت قائمًا، ثم عاد له بثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه، فقال: اجلس فقد أوتيت، فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذروا به، فهرب فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله ألا أهببتني؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع الرمي ركعت، فأريتك، وايم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها (^١).\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٣٥٣).","vol":"6","page":240},{"text":"[الحديث ضعيف الإسناد منكر المتن] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2704>الدليل الخامس: من الآثار</span>\n(١١٤٤ - ١١٥) ما رواه ابن أبي شيبة، ومن طريقه أخرجه البيهقي، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن التيمي،\nعن بكر، قال: رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه، فخرج شيء من دمه، فحكه بين أصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ (^٢).\n_________\n(^١) والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٣، ٣٥٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٥٣)، وأبو داود (١٩٨)، وابن خزيمة (٣٦)، وابن حبان (١٠٩٦)، والدارقطني (١/ ٢٢٣، ٢٢٥)، والحاكم (١/ ١٥٦، ١٥٧) وصححه، والبيهقي (١/ ١٥٠) من طريق ابن إسحاق به.\nوقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند الدارقطني والحاكم.\nوعلقه البخاري في صيغة التمريض، في كتاب الوضوء، قال: ويذكر عن جابر أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع، فرمي بسهم، فنزف الدم، فركع، وسجد، ومضى في صلاته. اهـ\nوفي إسناده عقيل بن جابر، لم يرو عنه إلا صدقة بن يسار، وذكره ابن حبان في ثقاته، ولم يوثقه أحد غيره.\nقال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٢٩٢): «عقيل بن جابر فيه جهالة».\nوقال أبو حاتم الرازي: لا أعرفه. الجرح والتعديل (٦/ ٢١٨).\nوأما نكارة المتن فإن الإنسان مأمور بحفظ نفسه، فلا يجوز للإنسان أن يعرض نفسه للهلاك، من أجل نافلة لا يضره لو قطع القراءة من غير سبب، فكيف إذا كان ذلك سبيلًا لحفظ نفسه، وحفظ أصحابه من المؤمنين الذين قد وكلوا له أمر حفظهم وحراستهم.\nوله شاهد ضعيف، أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٧٨، ٣٧٩) من طريق الواقدي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، عن أخيه عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن أبيه خوات بن جبير الأنصاري، بنحوه.\nوإسناده ضعيف جدًّا، في إسناده الواقدي، وهو متروك، والعمري (عبد الله بن عمر) المكبر ضعيف.\nانظر طرق الحديث من: إتحاف المهرة (٣٠٠٦) تحفة الأشراف (٢٤٩٧)، أطراف المسند (٢/ ٦٨).\n(^٢) البيهقي في السنن (١/ ١٥١).","vol":"6","page":241},{"text":"[صحيح].\n(١١٤٥ - ١١٦) ومنها ما رواه عبد الرزاق (^١)، وابن المنذر (^٢)، من طريق الثوري وابن عيينة،\nعن عطاء بن السائب، قال: رأيت عبد الله بن أبي أوفى بصق دمًا ثم صلى، ولم يتوضأ.\n[حسن] (^٣).\nوعطاء لا يضر اختلاطه؛ لأن الراوي عنه الثوري، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه.\n(١١٤٦ - ١١٧) ومنها ما رواه عبد الرزاق (^٤)، ومن طريقه ابن المنذر (^٥)، من طريق جعفر بن رقان،\nعن ميمون بن مهران قال: رأيت أبا هريرة ﵁ أدخل أصبعه في أنفه، فخرج فيها دم، ففته بأصبعه، ثم صلى ولم يتوضأ.\nوالراجح فيه أن إسناده منقطع، فقد رواه ابن أبي شيبة (^٦)، من طريق شعبة، عن غيلان بن جامع، عن ميمون بن مهران قال: أنبأني من رأى أبا هريرة فذكره.\nوالقول بأن هذه الآثار كان الدم فيها يسيرًا فعفي عنه، هي في الحقيقة دعوى في محل النزاع، فلا فرق بين قليل الدم وكثيره في النجاسة، كما لا فرق بين قليل البول\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق (٥٧١).\n(^٢) رواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٢) من طريق سفيان وحده به.\n(^٣) ورواه أبو بكر الأثرم في سننه (١١١) عن ابن عيينة وحده، وعلقه البخاري بصيغة الجزم، قال البخاري: وبزق ابن أبي أوفى دمًا، فمضى في صلاته. وانظر ح (٤٠٩).\n(^٤) المصنف (١/ ١٥٥).\n(^٥) الأوسط (١/ ١٧٣)، وانظر: (٤١٢).\n(^٦) المصنف (١/ ١٢٨).","vol":"6","page":242},{"text":"وكثيره في الحدث.\n(١١٤٧ - ١١٨) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة من طريق خالد ومنصور، عن\nابن سيرين، عن يحيى بن الجزار،\nأن ابن مسعود صلى وعلى بطنه فرث ودم، قال: فلم يعد الصلاة.\n[صحيح] (^١).\nهذا فيما يتعلق بالخلاف في طهارة الدم، وظاهر الأدلة تدل على طهارته، وهو مقتضى القياس على طهارة ميتته، وطهارة ما أبين من الآدمي، وما حكي من إجماع إن كان محفوظًا فهو حجة، ولا اعتراض، ويجب التسليم، وإلا حمل الإجماع على أنه قول عامة العلماء، أو حمل الإجماع على دم الحيض، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) اختلف فيه على ابن سيرين:\nفرواه خالد ومنصور كما في المصنف، وذكرته في إسناد الباب.\nورواه هشام بن حسان كما في الأوسط لابن المنذر في الأوسط (١/ ١٥٦).\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٥٥٩)، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٤٨) ح ٩٢١٩، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٣٦)، عن معمر، عن قتادة، ورواية معمر عن قتادة فيها كلام، لكنها مقبولة في المتابعات.\nكلهم (خالد ومنصور وقتادة وهشام بن حسان)، رووه عن ابن سيرين، عن يحيى بن الجزار، عن ابن مسعود.\nولفظ ابن المنذر: أن ابن مسعود نحر جزورًا فأصابه من فرثها ودمها، فصلى ولم يغسله. وقد تصحفت في المطبوع كلمة (فرثها) إلى كلمة (قرشها).\nورواه عبد الرزاق (٥٦٠) عن الثوري، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود، فأسقط عاصم من إسناده يحيى بن الجزار، ورواية الجماعة أولى.","vol":"6","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2705>المبحث الثالث في دم الشهيد</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• طهارة دم الشهيد فرع عن طهارة دم كل حيوان طاهر.\n[م-٥٠٧] اختلف الفقهاء في دم الشهيد إذا لم ينفصل عن صاحبه،\nفقيل بطهارته، وهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل: إنه نجس، وهو مذهب المالكية (^٣)،\nوالشافعية (^٤)، وقول في مذهب\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٢٩)، البحر الرائق (١/ ١٢٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢١١).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٣٢٨)، الفروع (١/ ٢٥٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٨)، كشاف القناع (١/ ١٩١).\n(^٣) كتب المالكية تذكر من الدم النجس الدم المسفوح، ولا تستثني دم الشهيد، فظاهر كلامهم أنه نجس، وقد ذكر الحطاب الدم النجس والطاهر، ولم يذكر دم الشهيد، فقال (١/ ٩٦): «قال اللخمي: الدم على ضربين: نجس ومختلف فيه: فالأول دم الإنسان، ودم ما لا يجوز أكله، ودم ما يجوز أكله إذا خرج في حال الحياة، أو حين الذبح؛ لأنه مسفوح، واختلف فيما بقي في الجسم بعد الذكاة، وفي دم ما ليس له نفس سائلة، وفي دم الحوت».اهـ\nفهذا هو الدم النجس المتفق عليه عندهم والمختلف فيه، وبعموم الدم المسفوح يدخل دم الشهيد وأنه نجس. ولم أقف على نص عندهم يستثني دم الشهيد من الدم النجس، والله أعلم. وذكر\nابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٢٤٣)، والاستذكار (٥/ ١١٨) أن الشهيد يدفن بدمه، ولم يستفد من ذلك طهارة دمه، وإنما علل ذلك باتباع الأثر في قتلى أحد، ولأنه يبعث يوم القيامة، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.\nوقد يستفاد من هذا طهارة دمه؛ لأن أحكام الدنيا تختلف عن أحكام الآخرة، والدم يوم القيامة غير الدم الذي كان عليه في الدنيا.\n(^٤) حاشية الجمل (١/ ١٩٤)، حاشية البجيرمي على المنهج (١/ ٤٨٨)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٣٩٧).","vol":"6","page":244},{"text":"الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2706> دليل من قال بطهارته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2707>الدليل الأول:</span>\n(١١٤٨ - ١١٩) ما رواه البخاري من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن\nعبد الرحمن بن كعب بن مالك،\nعن جابر قال: قال النبي ﷺ: ادفنوهم في دمائهم يعني يوم أحد ولم يغسلهم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأنه لو كان الدم نجسًا لأمر بإزالته عن بدن الميت، فلما أمر بدفنهم بدمائهم دل ذلك على طهارته.\nقلت: هذا دليل على طهارة الدم مطلقًا، دم الشهيد وغيره سواءً؛ لأن الحكم بالنجاسة هو حكم وضعي، أكثر من كونه حكمًا تكليفيًا، فلو كان الدم نجسًا لكان نجسًا على الشهيد وعلى غيره، فالخبيث لا يمكن أن يكون طيبًا إلا إذا تغيرت عينه باستحالة ونحوها، فلما لم يأمر بغسلها دل على طهارة دم الإنسان مطلقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2708>الدليل الثاني:</span>\n(١١٤٩ - ١٢٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة، واللون لون الدم، والريح ريح المسك. وأخرجه مسلم بنحوه (^٣).\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٣٢٨).\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٤٦).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (٣٤٨٦).","vol":"6","page":245},{"text":"وجه الاستدلال:\nحيث شبه لون ريح دم الشهيد بريح المسك، والمسك طاهر، فالدم إذًا على الشهيد طاهر أيضًا.\n• وأجيب:\nبأن هذا الحكم يوم القيامة، وأحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، والدم الذي رائحته ريح المسك ليس هو الدم الذي على الميت، فهو دم آخر، فقد جاء في رواية مسلم إلا جاء يوم القيامة، وجرحه يثعب، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.\nنعم يؤخذ من الحديث فضل المطعون في سبيل الله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2709> دليل من قال بنجاسته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2710>الدليل الأول:</span>\nكل الأدلة التي استدللنا بها على نجاسة الدم تصلح دليلًا على نجاسة دم الشهيد؛ لأنه من جنسه، وقد ذكرتها في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها.\nولأنه دم مسفوح، فيكون نجسًا كسائر الدماء، وعدم غسله من الشهيد لا لكونه طاهرًا، وإنما عدم غسله للنص، ولأنه أثر ناتج عن عبادة، وأثر العبادة له فضل، كما جاء في خلوف فم الصائم ونحوه.\n(١١٥٠ - ١٢١) فقد روى البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن\nابن المسيب،\nعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. والحديث في مسلم (^١).\n_________\n(^١) وهذا لفظ البخاري. ...\nوأخرجه البخاري (١٩٠٤) ومسلم (١١٥١)، من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن أبي صالح الزيات، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله -زاد مسلم: يوم القيامة- من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه.","vol":"6","page":246},{"text":"• الراجح:\nسبق أن رجحنا طهارة دم الإنسان مطلقًا إلا دم الحيض، وعدم غسل دم الشهيد دليل على صحة هذا الاختيار، لا أنه مستثنى كما رأى بعض الفقهاء ﵏ جميعًا؛ إذ أن دم الشهيد في الدنيا كسائر الدماء من حيث الحكم، وإنما يفارق غيره من الدماء يوم القيامة فقط، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2711>المبحث الرابع في دم الحيوان الذي لا نفس له سائلة</span>\n[م-٥٠٨] تكلمت في مسألة سابقة عن طهارة الحيوان الذي لا دم له يجري، كالبق والبعوض والخنفس ونحوها، وهذا فيما يتعلق بحكم عينه، وأما حكم دمه، فقد اختلف العلماء فيه طهارة الدم إذا كان من حيوان لا نفس له سائلة، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول:\nأن دمه طاهر تبعًا لذاته، وهو المعتمد في مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (^١).\nوقد ذكرت الأدلة على طهارة عينه في مسألة مستقلة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وأقوى دليل في الباب: ما رواه البخاري، من طريق عتبة بن مسلم مولى بني تيم، عن عبيد بن حنين مولى بني زريق،\n_________\n(^١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ١٥٤)، المبسوط (٢/ ٨٦، ٨٧)، فتح القدير (١/ ٢٠٨)، مواهب الجليل (١/ ٩٨)، الإنصاف (١/ ٣٢٧)، المحرر (١/ ٦)، الكافي (١/ ٨٨)، المغني (١/ ٤١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٧).","vol":"6","page":248},{"text":"عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن القيم: أمر النبي ﷺ بمقله: وهو غمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولاسيما إذا كان الطعام حارًّا، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنملة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا في ما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجس لانتفاء علته (^٢).\nالقول الثاني:\nأن ذاته طاهرة، ودمه نجس؛ لأن الدم الذي فيه ليس دمه وإنما هو منقول من غيره، كالقمل والبعوض ونحوهما، ويعفى عن قليله، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة، واختاره أبو يوسف من الحنفية، ورجحه ابن حزم (^٣).\nقال الصاوي في الشرح الصغير: «قوله: (ما لا دم له) هو معنى قول غيره: (لا نفس له سائلة): أي لا دم ذاتي له، بل إن وجد فيه دم يكون منقولًا، ويحكم بنجاسة\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٧٨٢).\n(^٢) زاد المعاد (٣/ ٢١٠).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٩٨)، منح الجليل (١/ ٧٠)، التاج والإكليل (١/ ١٣٩)، حاشية العدوي على شرح الخرشي (١/ ٨٢)، التوضيح لخليل (١/ ٢٤)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٤١)، الذخيرة للقرافي (١/ ١٨٠)، المهذب (١/ ٦٠)، مغني المحتاج (١/ ١٩٣)، المجموع (٣/ ١٤٠)، أسنى المطالب (١/ ١٧٥)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٤٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ٨٨)، المحلى (١/ ١٥٢) وما بعدها.","vol":"6","page":249},{"text":"الدم فقط، فلذلك قال: (لا دم له) ولم يقل: (لا دم فيه)» (^١).\nفقوله: (إن وجد فيه دم يكون منقولًا) يقصد أن دم البعوض والقمل منقول من الإنسان، وليس دمًا ذاتيًا للحشرة، فينجس الدم دون الحيوان، والله أعلم.\nوجه هذا القول:\nأما طهارة ذاته؛ فلأن ذاته لا دم لها، فكل ما كان لا دم له فإن ميتته طاهرة، والدم الذي فيه ليس دمًا ذاتيًا.\nوأما نجاسة الدم الذي فيه؛ فلأنه دم منقول من حيوان دمه نجس، فصار الدم نجسًا.\nالقول الثالث:\nأن ذاته نجسة، ودمه نجس، ويعفى عنه في الثياب والبدن، ولو كان كثيرًا ما لم يكن بفعله، وهو الأصح في مذهب الشافعية (^٢).\nقال النووي: «وأما دم القمل والبراغيث والقراد والبق ونحوها مما ليس له نفس سائلة فنجسة عندنا كغيرها من الدماء، لكن يعفى عنها في الثوب والبدن للحاجة» (^٣).\nوقال أيضًا: «أما دم القمل والبراغيث والبق والقردان وغيرها مما لا نفس له سائلة فهو نجس عندنا .... واتفق أصحابنا على أنه يعفى عن قليله، وفي كثيره وجهان مشهوران أحدهما قاله الإصطخري لا يعفى عنه، وأصحهما باتفاق الأصحاب يعفى عنه» (^٤).\n_________\n(^١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٤).\n(^٢) المهذب (١/ ٦٠)، مغني المحتاج (١/ ١٩٣)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٧٨)، إعانة الطالبين (١/ ١٠١).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥١٤).\n(^٤) المجموع (٣/ ١٤٠).","vol":"6","page":250},{"text":"وجه القول بالعفو:\nأما كون ذاته نجسة؛ فلأنه داخل في عموم الميتة.\nوأما وجه العفو عن دمه، فلأن ذلك مما تعم به البلوى، ويشق الاحتراز منه، ولهذا فرقنا بين ما كان من فعله، فلا يعفى عن كثيره، وما كان من غير فعله فيعفى عنه مطلقًا.\nونوقش:\nبأن تحريم الميتة كان من أسبابها انحباس الدم فيها،\nولذلك روى البخاري في صحيحه من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة،\nعن جده أنه قال: يا رسول الله ليس لنا مدى فقال ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس الظفر والسن أما الظفر فمدى الحبشة وأما السن فعظم.\nفقوله: (ما أنهر الدم)، دليل على أن انحباس الدم وعدم إنهاره مؤثر في حل الذبيحة.\nوجاء في حديث ابن عباس في مسلم: إذا دبغ الإهاب فقد طهر (^١).\nفالإهاب حين كان متصلًا برطوبة النجاسة ودمها كان نجسًا، فإذا دبغ قطعت عنه هذه النجاسات، فأصبح طاهرًا، فما بالك بالحيوان الذي ليس فيه دم أصلًا.\nوقد ذكر ابن تيمية أن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، فما لا نفس له سائلة، ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فلا ينجس والذي يوضح هذا أكثر أن الله ﷾ حرم علينا الدم المسفوح، قال ﷾: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].\n_________\n(^١) مسلم (٣٦٦).","vol":"6","page":251},{"text":"وعفا عن غير الدم المسفوح، مع أنه من جنس الدم، والله ﷾ حرم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، والفرق بينهما إنما هو في سفح الدم، فدل على أن سبب التنجس هو احتقان الدم واحتباسه، ثم قال: ولا يعارض هذا بتحريم تذكية المرتد والمجوسي، ولو سفح الدم؛ لأن التحريم تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وما صيد بعرض المعراض، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك (^١).\nواعترض على هذا:\nبأن الأنعام إذا قطعت من أوساطها وخرجت دماؤها أنها نجست بالموت مع انتفاء الدم.\nورد هذا الاعتراض:\nبأن الشرع لم يسلطنا على الحيوان إلا بشرط انتفاعنا به وأن نسلك أقرب الطرق في ذلك وأقرب الطرق هو الذكاة في الموضع المخصوص فمن عدل عنه لم يرتب الشرع على فعله أثرا فسوى بين هذه الصورة وبين التي احتقنت فيها الفضلات زجرًا له (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٩، ١٠٠) بتصرف يسير.\n(^٢) انظر الفروق للقرافي (١/ ١٨٠).","vol":"6","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2712>المبحث الخامس في علقة الحيوان الطاهر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• علقة الحيوان الطاهر، إن حكمنا عليها بالنظر إلى أصلها فأصلها المني، وهو طاهر، قال تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) وإن حكمنا عليها بالنظر إلى حالها، فهي دم جامد أشبه بدم الكبد والطحال، ولا تشبه دم الحيض السائل.\n• الأصل في الأعيان الطهارة، ولا ينجس منها شيء إلا بدليل.\n[م-٥٠٩] اختلف العلماء في علقة الحيوان الطاهر:\nفقيل: إنها نجسة، وهو مذهب الحنفية (^١)، ووجه في مذهب الشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٣٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٢٧)، المبسوط (١/ ٨١)، شرح فتح القدير (١/ ٢٠١)، تبيين الحقائق (١/ ٧١).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٧٨).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٩١). وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٤١٧): «أما العلقة، فقال ابن عقيل: فيها روايتان، كالمني؛ لأنها بدء خلق آدمي. والصحيح نجاستها؛ لأنها دم، ولم يرد من الشرع فيها طهارة، وقياسها على المني ممتنع، لكونها دما خارجا من الفرج، فأشبهت دم الحيض». اهـ وانظر الفروع (١/ ٢٥١)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٣٣).","vol":"6","page":253},{"text":"وقيل بطهارتها، وهو وجه في مذهب الشافعية وصححه النووي (^١)، واختاره بعض الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2713> دليل من قال بالنجاسة:</span>\nالقياس على دم الحيض، بجامع أن كلًا منهما دم خارج من الفرج.\n• وأجيب:\nبأن القياس على دم الحيض قياس مع الفارق، حيث إن الحيض يتعلق به أحكام من ترك الصلاة والصيام، بخلاف العلقة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2714> دليل من قال بالطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2715>الدليل الأول:</span>\nلا يوجد دليل على نجاسة العلقة، والأصل في الأعيان الطهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2716>الدليل الثاني:</span>\nأن العلقة أصلها مني، وهو طاهر على الصحيح كما قدمنا.\nوإن كان هذا الدليل يمكن مناقشته، بأن المني قد تحول إلى دم، فالعين الثانية صارت غير الأولى.\n_________\n(^١) قال الشيرازي في المهذب (٢/ ٥٧٨): «وأما العلقة ففيها وجهان، قال أبو إسحاق: هي نجسة؛ لأنه دم خارج من الرحم فهو كالحيض، وقال أبو بكر الصيرفي: هي طاهرة؛ لأنه دم غير مسفوح، فهو كالكبد والطحال».\nقال النووي في شرحه لهذه العبارة: هذان الوجهان في العلقة مشهوران، ودليلهما ما ذكره المصنف؛ أصحهما الطهارة، ونقله الشيخ أبو حامد عن الصيرفي وعامة الأصحاب، وصرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد والمحاملي والرافعي في المحرر وآخرون».اهـ وانظر مغني المحتاج (١/ ٨١).\n(^٢) المغني (١/ ٤١٧).","vol":"6","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2717>الدليل الثالث:</span>\nالعلقة وإن كانت دمًا، إلا أنها ليست دمًا مسفوحًا، فهي تشبه دم الكبد والطحال ونحوها، فتكون طاهرة.\nوهذا القول هو الراجح بناءً على أن الأصل في الأعيان الطهارة.\n* * *","vol":"6","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2718>المبحث السادس في دم القلب واللحم والدم الباقي في العروق بعد الذبح من الحيوان المأكول</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• دم القلب واللحم والعروق دم ليس بحرام، وهل هو طاهر لمشقة التحرز، أو هو نجس عفي عنه؛ لأنه يسير؟ قولان.\n• حرم الله الدم المسفوح، ودم القلب، واللحم والباقي في العروق، والمسك وفأرته، ليس مسفوحًا.\n[م-٥١٠] اختلف العلماء في هذا الدم،\nفقيل: طاهر، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٤١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣١٩، ٣٢٠).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ٥٢)، الخرشي (١/ ٨٧)، مواهب الجليل (١/ ٩٦)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٨).\n(^٣) مطالب أولي النهى (٢/ ٢٣٤)، الفروع (١/ ٢٥٤).\nوقال في الإنصاف (١/ ٣٢٧): «دم عروق المأكول طاهر على الصحيح من المذهب. ولو ظهرت حمرته نص عليه، وهو الصحيح من المذهب، وهو من المفردات؛ لأن العروق لا تنفك عنه. فيسقط حكمه؛ لأنه ضرورة. وظاهر كلام القاضي في الخلاف: نجاسته. ...\nقال ابن الجوزي: المحرم هو الدم المسفوح. ثم قال القاضي: فأما الدم الذي يبقى في خلال اللحم بعد الذبح، وما يبقى في العروق فمباح.\nقال في الفروع: ولم يذكر جماعة إلا دم العروق. وقال الشيخ تقي الدين فيه: لا أعلم خلافًا في العفو عنه، وأنه لا ينجس المرق، بل يؤكل معها. انتهى\nقلت: وممن قال بطهارة بقية الدم الذي في اللحم غير دم العروق، وإن ظهرت حمرته: المجد في شرحه، والناظم، وابن عبيدان، وصاحب الفائق، والرعايتين، ونهاية ابن رزين، ونظمها وغيرهم».","vol":"6","page":256},{"text":"وقيل: نجس، ولكنه معفو عنه، وهو مذهب الشافعية (^١).\nولا فرق كبير بين القولين، سواءً قلنا: إنه طاهر أصلًا، أو قلنا: إنه نجس عفي عنه، لأن المحصلة النهائية أنه لا حكم له من حيث وجوب غسله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2719> الدليل على طهارة دم العروق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2720>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]، فنصت الآية على تحريم الدم المسفوح، وهذا غير مسفوح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2721>الدليل الثاني:</span>\nالإجماع، قال ابن تيمية: وقد ثبت أنهم يضعون اللحم بالقدر، فيبقى الدم في الماء مخلوطًا، وهذا لا أعلم بين العلماء خلافًا في العفو عنه (^٢).\nومن قال بالعفو عنه، هل كان يرى العفو بسبب كونه دمًا يسيرًا، فلو كان كثيرًا فإنه لا يعفى عنه؟ أو كان يرى العفو لمشقة التحرز، فيكون طاهرًا سواءً كان الدم يسيرًا أم لا؟ محل تأمل.\nقال ابن العربي: قال الإمام الحافظ: الصحيح أن الدم إذا كان مفردًا حرم منه\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (١/ ٢٩٣، ٢٩٤)، نهاية المحتاج (١/ ٢٤٠)، مغني المحتاج (١/ ٧٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٤٢).","vol":"6","page":257},{"text":"كل شيء، وإن خالط اللحم جاز؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، وإنما حرم الدم بالقصد إليه (^١).\nوقال في الجوهرة النيرة: «أما الذي يبقى في اللحم بعد الذكاة فهو طاهر، وعن أبي يوسف أنه معفو عنه في الأكل، ولو احمرت منه القدر، وليس بمعفو عنه في الثياب والأبدان؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه في الأكل، ويمكن في غيره» (^٢).\nوالظاهر من التعليلات المذكورة ضمن كلام العلماء المنقول آنفًا: أن الدم المخالط لغيره من اللحم والعروق طاهر لمشقة التحرز منه، وبناء على ذلك يكون طاهرًا قليله وكثيره عند من أطلق، ولم يقيده بقليل ولا كثير كابن العربي ومن نحا نحوه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٩١).\n(^٢) الجوهرة النيرة (١/ ٣٨).","vol":"6","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2722>المبحث السابع في دم الكبد والطحال</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• حرم الله الدم المسفوح، ودم الكبد والطحال، ليس مسفوحًا.\n[م-٥١١] الكبد والطحال من الحيوان الطاهر طاهران بالإجماع، نقل الإجماع النووي وغيره (^١).\nوقال المرداوي: الكبد والطحال، وهما دمان، ولا خلاف في طهارتهما،\nوقد اختلف العلماء في الدم المتحلب من الكبد والطحال.\nفقيل: إنه دم طاهر، وإليه ذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والحنابلة (^٤)، والشافعية في أحد الوجهين (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٧٨) و(٩/ ٧٧، ٧٨).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٢٩)، وقال في الجوهرة النيرة (١/ ٣٨): وكذلك دم الكبد والطحال طاهر حتى لو طلي به الخف لا يمنع الصلاة. اهـ\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٩٠).\n(^٤) مطالب أولي النهى (١/ ٢٣٤).\n(^٥) انظر العزو التالي عن النووي.","vol":"6","page":259},{"text":"وقيل: إنه دم نجس، وإليه ذهب الشافعية في القول الراجح عندهم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2723> دليل الجمهور:</span>\nما رواه أحمد في مسنده من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد ابن أسلم،\nعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال (^٢).\n[الراجح وقفه على ابن عمر، وقول الصحابي أحل لنا كذا في حكم المرفوع] (^٣).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٥٧٦): وأما الوجهان في دم السمك فمشهوران ونقلهما الأصحاب أيضا في دم الجراد، ونقلهما الرافعي أيضا في الدم المتحلب من الكبد والطحال، والأصح في الجميع النجاسة.\n(^٢) المسند (٢/ ٩٧).\n(^٣) الحديث أخرجه ورواه الدارقطني في السنن (٤/ ٢٧١، ٢٧٢) من طريق عبد الله بن زيد ابن أسلم،\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٨٨)، والبيهقي في السنن (٩/ ٢٧٥) من طريق إسماعيل ابن أبي أويس، عن عبد الرحمن وعبد الله وأسامة أبناء زيد بن أسلم، عن أبيهم به.\nوقد اختلف فيه على زيد بن أسلم:\nفرواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما في مسند الشافعي (٢/ ١٧٣)، ومسند أحمد (٢/ ٩٧)، ومسند عبد بن حميد كما في المنتخب (٨٢٠)، وسنن ابن ماجه (٣٢١٨، ٣٣١٤)، وسنن الدارقطني (٤/ ٢٧١)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٥٤).\nوعبد الله بن زيد بن أسلم كما في سنن الدارقطني (٤/ ٢٧١، ٢٧٢)، والكامل لابن عدي (١/ ٣٨٨).\nوأسامة بن زيد بن أسلم كما في الكامل لابن عدي (١/ ٣٨٨)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٥١) من طريق إسماعيل بن أبي أويس عنه،\nثلاثتهم أبناء زيد بن أسلم: (عبد الله وعبد الرحمن وأسامة)، عن أبيهم زيد بن أسلم، عن\nابن عمر، عن النبي ﷺ كما سبق.\nوأبناء زيد هؤلاء كلهم ضعفاء، وأمثلهم عبد الله وثقه أحمد وعلي بن المديني، وضعفه علي بن ...\nالمديني في رواية، وقال النسائي: ليس بالقوي، وضعفه ابن عدي وأبو زرعة ويحيى بن معين وغيرهم.\nوخالفهم سليمان بن بلال كما في السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٥٤) فرواه عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر موقوفًا عليه، من قوله.\nوسليمان بن بلال مقدم على أولاد زيد بن أسلم.\nقال البيهقي عقب روايته: هذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند، وقد رفعه أولاد زيد عن أبيهم، ثم ساق روايتهم، ثم قال: والصحيح من هذا الحديث هو الأول.\nوكذلك رجح الدارقطني في علله أن الصواب الموقوف كما في نصب الراية (٤/ ٢٠٢).\nانظر: أطراف المسند (٣/ ٣٥٤، ٣٥٥)، إتحاف المهرة (٩٤٧٣)، التحفة (٦٧٣٨).","vol":"6","page":260},{"text":"وإذا كانت الكبد والطحال حلال الأكل، مع أنهما دمان، دل ذلك على طهارتهما؛ إذ لا يؤكل إلا ما كان طاهرًا، فكذلك ما تحلب منهما لا بد أن يكون طاهرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2724>الدليل الثاني:</span>\nأن المحرم هو الدم المسفوح، ودم الكبد والطحال ليس مسفوحًا، فيكون طاهرًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2725> دليل الشافعية على النجاسة:</span>\nأن الدم المتحلب من الكبد والطحال دم مسفوح، فحقه أن يكون نجسًا، لكن عفا عنه الشرع.\n* * *","vol":"6","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2726>المبحث الثامن في دم السمك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل حيوان ميتته طاهرة، فدمه طاهر كالسمك والآدمي.\n[م-٥١٢] اختلف القائلون بنجاسة الدم المسفوح، في حكم دم السمك،\nفقيل: إنه طاهر، وهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢)، وقول في مذهب\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٧٤)، تبيين الحقائق (١/ ٧٥)، فتح القدير (١/ ٨٤) وقال في بدائع الصنائع (١/ ٦١): «وأما دم السمك فقد روي عن أبي يوسف أنه نجس، وبه أخذ الشافعي اعتبارا بسائر الدماء، وعند أبي حنيفة ومحمد طاهر؛ لإجماع الأمة على إباحة تناوله مع دمه، ولو كان نجسًا لما أبيح؛ لأنه ليس بدم حقيقة، بل هو ماء تلون بلون الدم؛ لأن الدموي لا يعيش في الماء، والدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر؛ لأنه ليس بمسفوح، ولهذا حل تناوله مع اللحم، وروي عن أبي يوسف أنه معفو في الأكل غير معفو في الثياب؛ لتعذر الاحتراز عنه في الأكل وإمكانه في الثوب. اهـ\nولو عكس أبو يوسف لكان أقرب، فالعفو في باب الملبوسات أولى من العفو في باب المطعومات، لأن أكل النجاسات قد يؤثر في البدن، بخلاف لبس النجس، فالعفو عنه في الأكل سبب في العفو عنه في الثياب من باب أولى، هذا لو قيل بنجاسة دم السمك».\n(^٢) الإنصاف (١/ ٣٢٧)، المبدع (١/ ٣٢٨)، المغني (١/ ٤١٠)، الفروع (١/ ٢٥٠).","vol":"6","page":262},{"text":"المالكية (^١)، ووجه في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: نجس، اختاره أبو يوسف من الحنفية (^٣)، وهو قول في مذهب المالكية (^٤)، والوجه المعتمد في مذهب الشافعية (^٥)، واختيار ابن حزم (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2727> دليل من قال بطهارته:</span>\n(١١٥١ - ١٢٢) حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال.\n[سبق تخريجه والراجح وقفه، وله حكم الرفع] (^٧).\nوجه الاستدلال:\nقال أبو بكر الجصاص: لما أباح السمك بما فيه من الدم من غير إراقة دمه، وقد تلقى المسلمون هذا الخبر بالقبول في إباحة السمك من غير إراقة دمه، وجب تخصيص الآية (يعني: قوله تعالى: أو دمًا مسفوحًا) في إباحة دم السمك؛ إذ لو كان محظورًا لما حل دون إراقة دمه كالشاة وسائر الحيوان ذوات الدماء، والله أعلم (^٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2728>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن دم السمك ليس بدم في الحقيقة، وذلك لأن الدم يسود إذا شمس،\n_________\n(^١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٣).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٧٦)، الأشباه والنظائر (ص: ٤٣١).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٦١)، تبيين الحقائق (١/ ٧٥).\n(^٤) المدونة (١/ ١٢٨) الخرشي (١/ ٩٣) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٣).\n(^٥) قال النووي في المجموع (٢/ ٥٧٦): وأما الوجهان في دم السمك فمشهوران ونقلهما الأصحاب أيضا في دم الجراد، ونقلهما الرافعي أيضا في الدم المتحلب من الكبد والطحال، والأصح في الجميع النجاسة. وانظر الأشباه والنظائر (ص: ٤٣١).\n(^٦) المحلى (مسألة: ١٢٤) (١/ ١١٦).\n(^٧) انظر (ص: ٢٦٠) من هذا الكتاب.\n(^٨) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٧٤).","vol":"6","page":263},{"text":"ودم السمك يَبْيَضَّ، ولأن طبع الدم حار، وطبع الماء بارد، فلو كان للسمك دم لم يدم سكونه في الماء (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2729> دليل من قال بنجاسته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2730>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) [المائدة: ٣]، وهذا عام في كل دم، ومنه دم السمك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2731>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن دم السمك داخل في عموم قوله تعالى: (َوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2732>الدليل الثالث:</span>\nمن جهة القياس، أن دم السمك دم سائل، فوجب أن يكون نجسًا كسائر الدماء.\n• وأجيب:\nبأن الاستدلال بالعام أو المطلق غير صحيح؛ لأن الخاص مقدم على العام، وقد دل الدليل على جواز أكل ميتة السمك، مع أن الدم منحبس فيها، وقد أجاز الشافعية أكل السمك الميت، فكيف يكون الدم طاهرًا إذا كان محبوسًا في ميتته، ويكون نجسًا إذا خرج منها؟ فهذا دليل على ضعف قولهم.\n* * *\n_________\n(^١) البناية (١/ ٧٤٨).","vol":"6","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2733>الفصل الرابع\nفي طهارة القيء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل قيء من الحيوان فإنه تبع لذاته طهارة ونجاسة، فما كان من حيوان طاهر كالإنسان، والحمار، والبغل، والهر فهو طاهر، وما كان من حيوان نجس كالكلب، والخنزير ونحوهما فهو نجس؛ لاختلاطه بالنجاسة.\nوقيل:\n• القيء من الحيوان تبع لبوله، فإن كان بوله نجسًا كان نجسًا، وإن كان من حيوان بوله طاهر فهو طاهر.\n[م-٥١٣] إذا خرج القيء إلى الفم، ففيه أقوال:\nفقيل: نجس مطلقًا، تغير أو لم يتغير، وهذا مذهب الحنفية (^١)، والمعتمد عند\n_________\n(^١) قال في بدائع الصنائع (١/ ٢٦): «لا فرق بين أن يكون القيء مرة صفراء أو سوداء، وبين أن يكون طعامًا أو ماءً صافيًا؛ لأن الحدث اسم لخروج النجس، والطعام أو الماء نجس لاختلاطه بنجاسات المعدة». وانظر تبيين الحقائق (١/ ٩)، البناية (١/ ٢١٥).","vol":"6","page":265},{"text":"الشافعية (^١).\nوعبر ابن حزم بالتحريم، بدلًا من النجاسة، فقال: القيء حرام يجب اجتنابه من كل مسلم وكافر (^٢).\nوقيل: طاهر مطلقًا، تغير أو لم يتغير، وهو قول الشوكاني (^٣).\nوقيل: إن خرج غير متغير فهو طاهر، وإن تغير ولو بحموضة فهو نجس، ولو لم يشبه أوصاف العذرة، وهذا اختيار الحسن من الحنفية (^٤)، والمالكية (^٥)، وقول في مذهب الشافعية (^٦).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٧٠)، نهاية المحتاج (١/ ٢٤٠)، مغني المحتاج (١/ ٧٩).\n(^٢) المحلى (مسألة: ١٤٣).\n(^٣) السيل الجرار (١/ ٤٣).\n(^٤) قال في تبيين الحقائق (١/ ٩): «ولا فرق بين أنواع القيء؛ لأنها نجسة، خلافا للحسن في الماء والطعام إذا لم يتغيرا». اهـ وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠٩)، البحر الرائق (١/ ٣٧).\n(^٥) قال في الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ٥١): «ومن الطاهر قيء: وهو الخارج من الطعام بعد استقراره في المعدة، إلا المتغير منه بنفسه عن حالة الطعام فنجس، ولو لم يشابه أحد أوصاف العذرة ....». إلخ كلامه ﵀.\nوقال في مواهب الجليل (١/ ٩٤): «كلام المصنف أن المتغير نجس كيفما كان التغير، وعلى ذلك حملها سند والباجي وابن بشير وابن شاس وابن الحاجب.\nوقال اللخمي: يريد إذا تغير إلى أحد أوصاف العذرة، وتبعه عياض.\nوقال أبو إسحاق التونسي وابن رشد: إن شابه أحد أوصاف العذرة، أو قاربها، فتحصل أن القيء على ثلاثة أقسام:\n- ما شابه أحد أوصاف العذرة، أو قاربها فنجس اتفاقًا.\n- وما كان على هيئة الطعام لم يتغير فطاهر اتفاقًا، لكن ألزم ابن عرفة من يقول بنجاسة الصفراء والبلغم أن يقول بنجاسة القيء مطلقًا.\n- وما تغير عن هيئة الطعام ولم يقارب أحد أوصاف العذرة، قال ابن فرحون: بأن يستحيل عن هيئة الطعام ويستعد للهضم. وقال البساطي: بأن تظهر فيه حموضة، فإذا كان كذلك فهو نجس على المشهور، خلافًا للخمي وأبي إسحاق وابن بشير وعياض».\n(^٦) المجموع (٢/ ٥٧٠).","vol":"6","page":266},{"text":"وقيل: لا ينجس القيء إلا إذا أشبه أحد أوصاف العذرة، اختاره من المالكية\nابن رشد، والقاضي عياض (^١).\nوقيل: قيء ما يؤكل لحمه طاهر، وأما غيره فنجس مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nهذا مجمل الخلاف في مسألة القيء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2734> دليل من قال بنجاسته مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2735>الدليل الأول:</span>\n(١١٥٢ - ١٢٣) ما رواه أبو يعلى من طريق ثابت بن حماد أبي زيد، حدثنا علي ابن زيد، عن سعيد بن المسيب،\nعن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ: يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2736>الدليل الثاني:</span>\nأنه طعام مستخبث مستقذر لا يجوز الانتفاع به بوجه من الوجوه، فكان نجسًا كالبول.\n• وأجيب:\nبأن الاستقذار الشرعي دليل على النجاسة، ولا يوجد هنا، وأما استقذار الطبائع\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٥١).\n(^٢) قال في شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٧): والقيء مما لا يؤكل نجس. اهـ\n(^٣) مسند أبي يعلى (١٦١١).\n(^٤) انظر تخريجه في المجلد السابع، ح: (١٥٠٤).","vol":"6","page":267},{"text":"فلا يكفي للتنجيس، فإن الناس قد يستقذرون أشياء كثيرة، وهي طاهرة كالبصاق والنخامة ونحوهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2737>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن القيء ينقض الوضوء، وهذا دليل على نجاسته كالبول والغائط.\nوالدليل على أن فيه الوضوء،\n(١١٥٣ - ١٢٤) ما رواه البيهقي في الخلافيات، من طريق سهل بن عفان السجزي، حدثنا الجارود بن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: يعاد الوضوء من إقطار البول، والدم السائل، والقيء، ومن دسعة يملأ بها الفم، والنوم المضطجع، وقهقهة الرجل في الصلاة، ومن خروج الدم (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n(١١٥٤ - ١٢٥) ومنها ما رواه الدارقطني من طريق سوار بن مصعب، عن زيد ابن علي، عن أبيه،\nعن جده قال: قال رسول الله ﷺ: القلس حدث (^٣).\nقال الدارقطني: سوار متروك، ولم يروه عن زيد غيره.\n(١١٥٥ - ١٢٦) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، أخبرنا هشام، عن\n_________\n(^١) الخلافيات للبيهقي (٦٥٨).\n(^٢) قال البيهقي: «سهل بن عفان مجهول، والجارود بن يزيد ضعيف في الحديث، ولا يصح هذا».اهـ\nوقال الحافظ في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٣٣): «إسناده واه جدًّا».\n(^٣) سنن الدارقطني (١/ ١٥٥)، وقد سبق الكلام عليه، انظر ح: (٣٩٨).","vol":"6","page":268},{"text":"يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد بن هشام، عن معدان أو معدان،\nعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ، قاء، فأفطر قال: فلقيت ثوبان في مسجد رسول الله ﷺ، فسألته عن ذلك فقال: أنا صببت لرسول الله ﷺ وضوءه.\n[حسن، قال أحمد: جوده حسين المعلم] (^١).\n(١١٥٦ - ١٢٧) ومنها ما رواه ابن ماجه، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة،\nعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: من أصابه قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\nوهناك آثار عن بعض الصحابة في الوضوء من القيء والقلس ذكرناها في كتاب الوضوء، فارجع إليها إن شئت.\nوجه الشاهد من هذه الأحاديث:\nأن الخارج من البدن من غير السبيلين لا ينقض الوضوء إلا إذا كان نجسًا، فحين توضأ من القيء، كان ذلك دليلًا على نجاسته.\n• وأجيب:\nبأن القيء مختلف في نقضه للوضوء، وقد سبق بيان القول الراجح فيه في كتاب الوضوء، وعلى التسليم بأنه ينقض الوضوء، فهل ثبت أنه لا ينقض الوضوء إلا الشيء النجس، فهذه الريح تنقض الوضوء إجماعًا، وهي طاهرة.\nوأما الجواب عن حديث ثوبان، وقوله ﵁: أنا صببت عليه وضوءه،\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر المجلد الثاني، ح (٣٩١).\n(^٢) سنن ابن ماجه (١٢٢١).\n(^٣) سبق تخريجه في المجلد الثاني، انظر ح (٣٩٢).","vol":"6","page":269},{"text":"فمن وجهين:\nالأول: أن الوضوء مجرد فعل من الرسول ﷺ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، أقصى ما يدل عليه الفعل إذا كان على وجه التعبد أن يكون ذلك مستحبًا، ولذلك لما تيمم الرسول ﷺ لرد السلام لم يقل أحد بوجوب التيمم لرد السلام.\nالثاني: أن الوضوء قد يكون بعد القيء من أجل النظافة، وإزالة القذر الذي يبقى في الفم، أو في البدن وربما في الأنف، لا من أجل كون القيء ناقضًا للوضوء، فلا نستطيع أن نحكم على من تطهر بموجب الكتاب والسنة أن نحكم عليه بفساد عبادته إلا بدليل صريح على أن عبادته أصبحت باطلة، فما صح بموجب الكتاب والسنة لا يبطل إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، أو قول صحابي لا مخالف له من الصحابة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2738> دليل من قال بطهارته مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2739>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأشياء الطهارة، ولا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل شرعي صحيح، وحديث عمار لا تقوم به حجة، وهو ضعيف جدًّا، كما سبق بيانه عند تخريج الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2740>الدليل الثاني:</span>\nأن هذا القيء مما تبتلى به الأمهات، ويكثر من الأطفال، فلو كان نجسًا لقامت الحاجة إلى بيانه بدليل صحيح صريح، لأننا نعلم أن كل حكم شرعي تحتاج إليه الأمة، ويكثر وقوعه وتكراره لا بد أن تأتي فيه الأدلة صحيحة صريحة بما تقوم به الحجة على الخلق، ويحفظ به الشرع عن رب العالمين، فلا يمكن أن يكون القيء نجسًا، وهو لا تكاد تسلم أم من التلوث به، ثم مع ذلك لا يأتي في نجاسته إلا حديث ضعيف جدًّا، فهذا مما يجعل الباحث يجزم بطهارته.","vol":"6","page":270},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2741> دليل من قال: ينجس إن تغير وإلا فطاهر:</span>\nاعتبر الطعام عينًا طاهرة تغير بنجاسة، وكل شيء طاهر تغير بشيء نجس، تنجس حكمًا، وإن لم يتغير وخرج على هيئة الطعام، فالطعام ما زال طاهرًا حيث لم يتغير بالنجاسة.\n• ويجاب عنه:\nبأن تغير الطعام إنما هو بسائل المعدة، والتي تسهله للهضم، وهذا السائل ليس بنجس حتى يحكم عليه بالنجاسة إذا غير أوصاف الطعام، فالصحيح أن الطعام طاهر، تغير بشيء طاهر، فلا يخرجه عن حكمه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2742> دليل من قال: ينجس إن أشبه العذرة وإلا فطاهر:</span>\nهذا القول يختلف عن القول الذي قبله، لأن القول الذي قبله يرى أن الطعام طاهر تغير بنجس فتنجس.\nوهذا القول يعتبر الطعام نفسه نجسًا، لأنه استحال إلى ما يشبه العذرة، والاستحالة لها حكمها، فكما أن الخبيث إذا استحال إلى طاهر أصبح طاهرًا كما في الخمرة تتحول إلى خل، فكذلك الطيب إذا استحال إلى خبيث أخذ حكم الخبيث، كالطعام يتحول إلى عذرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2743> دليل من قال: ينجس إن كان من حيوان لا يؤكل لحمه:</span>\nرأى أن القيء من الحيوان المأكول لا يمكن أن يكون أخبث من بوله، فإذا كان من حيوان بوله طاهر، كان طاهرًا، وإن كان من حيوان ذاته نجس، أُعْطِي حكم بول هذا الحيوان.\n• الراجح:\nالذي أطمئن له أن قيء الحيوان ليس تبعًا لبوله، وإنما هو تبع لذاته، فإن كان من حيوان طاهر كالإنسان والحمار والبغل والهر فهو طاهر، وإن كان من حيوان نجس","vol":"6","page":271},{"text":"كالكلب، والخنزير ونحوهما فهو نجس؛ لاختلاطه بالنجاسة، فإن ريق الكلب نجس، فما بالك بسائل معدته، وبناء على ذلك يكون القول بنجاسة القيء مطلقًا قول ضعيف، وذلك لعدم الدليل المعتمد على نجاسته، فيبقى طاهرًا على الأصل، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2744>الفصل الخامس\nفي طهارة القلس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل قلس من الحيوان فإنه تبع لذاته طهارة ونجاسة، فما كان من حيوان طاهر كالإنسان، والحمار، والبغل، والهر فهو طاهر، وما كان من حيوان نجس كالكلب، والخنزير ونحوهما فهو نجس؛ لاختلاطه بالنجاسة.\nوقيل:\n• القلس من الحيوان تبع لبوله، فإن كان بوله نجسًا كان نجسًا، وإن كان من حيوان بوله طاهر فهو طاهر.\n[م-٥١٤] اختلف العلماء في القلس، هل هو طاهر أم نجس.\nفقيل: إن القلس نجس، وهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) الحنفية يرون القلس نجسًا، وذلك لأنهم قد ذكروا في نواقض الوضوء كما في بدائع الصنائع (١/ ٢٦) وغيره: أن الحدث اسم لخروج النجس. اهـ\nوقد اعتبروا أن القلس ينقض الوضوء بشرط أن يكون ملء الفم كالقيء عندهم، فهذا منهم ذهاب إلى نجاسة القيء، وإلا فخروج الطاهر عندهم لا ينقض الوضوء. وانظر المبسوط (١/ ٧٤، ٧٥).\n(^٢) قال في كشاف القناع (٢/ ٣٢٩): (وإن تنجس فمه ولو بخروج قيء ونحوه) كقلس. اهـ وهذا نص منهم على تنجس الفم بالقلس.","vol":"6","page":273},{"text":"وقيل: القلس حكمه حكم القيء في التفصيل، وهذا مذهب المالكية (^١).\nوقيل: القلس طاهر مطلقًا، اختاره ابن رشد من المالكية (^٢).\nوقيل: القلس تبع لذات صاحبه، فإن كان من حيوان طاهر، فهو طاهر، وإن كان من نجس، فهو نجس، وهذا اختيار ابن حزم (^٣).\nوالأدلة في القلس هي الأدلة نفسها المذكورة في حكم القيء سواءً بسواءٍ، فارجع إليها إن شئت.\nوما رجح هناك فهو الراجح هنا، وهو أن القلس من الحيوان الطاهر طاهر، ومن الحيوان النجس نجس تبعًا لذاته، وللأدلة والتعليلات ذاتها؛ لأن القلس قيء أو فرع عنه، وبالتالي فإنه يأخذ حكمه تمامًا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) قال في الشرح الكبير (١/ ٥١): «والقلس كالقيء في التفصيل. وقد قدمنا مذهب المالكية في القيء في المسألة التي قبل هذه، وأنهم يقسمونه ثلاثة أقسام:\n١ - إذا لم يتغير، فهو طاهر بالاتفاق.\n٢ - إذا تغير تغيرًا يشبه العذرة، فهو نجس بالاتفاق.\n٣ - إذا تغير، ولم يشبه العذرة، ففيه قولان: المشهور أنه نجس، وقيل: طاهر. وانظر مواهب الجليل (١/ ٩٥).\nواختار بعضهم طهارة القلس مطلقًا.\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٩٤، ٩٥، ٤٩٦).\n(^٣) المحلى (مسألة: ١٣٩).","vol":"6","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2745>الفصل السادس\nفي طهارة رطوبة الفرج</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأشياء الطهارة.\n• كل حيوان بوله طاهر، فرطوبة فرجه طاهرة من باب أولى.\n• كل حيوان نجس الذات فرطوبة فرجه نجسة؛ لاختلاطها بالنجاسة.\n• بقي النظر في الحيوان الطاهر إذا كان بوله نجسًا، فهل يقال: رطوبة الفرج تبع لذاته، وذاته طاهرة، أو يقال: رطوبة الفرج تبع لبوله، وبوله نجس، فهي نجسة، والصحيح الأول؛ لأن ذلك هو الأصل حتى يقوم دليل على النجاسة.\n• لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة، لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته، وكونها تفرك المني بعد تلوثها برطوبة فرج المرأة دليل على طهارتها.\n[م-٥١٥] اختلف العلماء في رطوبة فرج الحيوان:\nفإن كانت رطوبة الفرج من حيوان نجس، فهي نجسة تبعًا لذات الحيوان.\nوإن كانت رطوبة الفرج من حيوان طاهر، فهي قسمان:","vol":"6","page":275},{"text":"أن تكون الرطوبة من ظاهر الفرج، فهي طاهرة.\nوقد نقل الإجماع على طهارتها ابن عابدين في حاشيته، فقال: وأما رطوبة الفرج الخارج، فطاهرة اتفاقًا (^١).\nوقال أيضًا: «مطلب في رطوبة الفرج، قوله: (الفرج): أي الداخل، أما الخارج فرطوبته طاهرة اتفاقًا (^٢).\nولأن رطوبة الفرج الظاهرة بمنزلة رطوبة الأنف والفم والعرق الخارج من البدن.\nوإن كانت من باطن الفرج ففيها خلاف بين أهل العلم،\nفقيل: إن رطوبة الفرج طاهرة، وهو مذهب أبي حنيفة (^٣)، وقول في مذهب الشافعية، رجحه النووي وغيره (^٤)،\nوالمشهور من مذهب الحنابلة (^٥)، رحجه\nابن قدامة (^٦).\nوقيل: إن رطوبة الفرج نجسة، اختاره أبو يوسف ومحمد من الحنفية (^٧)، وقول\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣١٣).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٦).\n(^٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (١/ ٦٤)، الدر المختار (١/ ٣٤٩).\n(^٤) قال في روضة الطالبين (١/ ١٨): وليست رطوبة فرج المرأة بنجس في الأصح. اهـ\nوقال في شرح صحيح مسلم (٣/ ١٩٨): «فيها - يعني رطوبة فرج المرأة - خلاف مشهور عندنا وعند غيرنا، والأظهر طهارتها».اهـ وانظر المجموع (٢/ ٥٨٨، ٥٨٩).\n(^٥) المبدع (١/ ٢٥٥)، وقال في الإنصاف (١/ ٣٤١): وهو الصحيح من المذهب مطلقًا. اهـ وانظر الكافي في فقه أحمد (١/ ٨٧)، كشاف القناع (١/ ١٩٥).\n(^٦) المغني (١/ ٤١٤)، المبدع (١/ ٢٥٥).\n(^٧) قال في الدر المختار المطبوع مع حاشية الدر المحتار (١/ ٣٤٩): «رطوبة فرج المرأة طاهرة، خلافًا لهما».اهـ","vol":"6","page":276},{"text":"في مذهب الشافعية (^١)، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: إن رطوبة الفرج إن كانت من مباح الأكل فطاهرة، وإن كانت من غيره كالآدمي فنجسة، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٣).\nوقيل: ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس، وإلا فطاهر، اختاره القاضي من الحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2746> دليل من قال بطهارة رطوبة الفرج:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2747>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل المقتضي للنجاسة، والأصل في الأشياء الطهارة، ولو كانت رطوبة الفرج نجسة لنقل إلينا تحرز الرسول ﷺ من إصابة الرطوبة لثيابه، ولنقل إلينا غسله ما أصابه منها، ولجاء الأمر من النبي ﷺ لأمته بالتحرز منها، والتطهر منها إذا لحق الثوب شيء من ذلك، فلما لم يأت شيء من هذا علم أن الرطوبة طاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2748>الدليل الثاني:</span>\nقال ابن مفلح الصغير: كانت عائشة تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ، وإنما\n_________\n(^١) قال الشيرازي في المهذب (١/ ٤٨): «وأما رطوبة فرج المرأة، فالمنصوص أنها نجسة؛ لأنها رطوبة متولدة في محل النجاسة، فكانت نجسة. ومن أصحابنا من قال: هي طاهرة كسائر رطوبات البدن».اهـ\n(^٢) المغني (١/ ٤١٤)، الإنصاف (١/ ٣٤١).\n(^٣) قال في الشرح الكبير في معرض كلامه على عدد النجاسات (١/ ٥٧): (ورطوبة فرج) من غير مباح الأكل، أما منه فطاهرة إلا المتغذي بنجس.\nواشترط الدسوقي شرطين للقول بطهارة رطوبة فرج المرأة من مباح الأكل:\nألا يتغذى بالنجاسات، وأن يكون الحيوان ممن لا يحيض.\nوقال في مواهب الجليل (١/ ١٠٥): يستثنى من رطوبة فرج رطوبة ما بوله طاهر. اهـ\n(^٤) المغني (١/ ٤١٤).","vol":"6","page":277},{"text":"كان من جماع؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون (^١)، وهو يصيب الرطوبة، ولأنه لو حكمنا بنجاستها لحكمنا بنجاسة منيها؛ لكونه يلاقي رطوبته بخروجه منه» (^٢).\nوقال ابن قدامة: لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2749>الدليل الثالث:</span>\nالقول بنجاسة رطوبة فرج المرأة فيه حرج شديد، لأن في التحرز منه مشقة كبيرة، أكثر من المشقة في التحرز من ولوغ الهرة ونحوها، فلو كانت الرطوبة نجسة العين لخفف ذلك من أجل المشقة، فكيف والأدلة على نجاستها ليست صريحة في الباب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2750> دليل من قال: رطوبة الفرج نجسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2751>الدليل الأول:</span>\n(١١٥٧ - ١٢٨) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني أبو أيوب،\nقال أخبرني: أبي بن كعب، أنه قال: يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل. قال: يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي. ورواه مسلم بنحوه (^٤).\nقال ابن حجر:\nقوله: «(يغسل ما مس المرأة منه) أي يغسل الرجل العضو الذي مس فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن المراد رطوبة فرجها» (^٥).\n_________\n(^١) الأنبياء كغيرهم في هذا، ولم يثبت حديث صحيح في نفي الاحتلام عنه ﷺ.\n(^٢) المبدع (١/ ٢٥٥).\n(^٣) المغني (١/ ٤١٤).\n(^٤) البخاري (٢٨٤)، ومسلم (٥٢٢).\n(^٥) فتح الباري (١/ ٣٩٨).","vol":"6","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2752>الدليل الثاني:</span>\n(١١٥٨ - ١٢٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد أخبره،\nأنه سأل عثمان بن عفان ﵁ قلت: أرأيت إذا جامع فلم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره.\nقال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ، فسألت عن ذلك عليًا، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال النووي: هذان الحديثان (يعني: حديث أبي بن كعب وعثمان) في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل منسوخان كما سبق في باب ما يوجب الغسل. وأما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فثابت غير منسوخ، وهو ظاهر في الحكم بنجاسة رطوبة الفرج.\n• واعترض على هذا التوجيه بجوابين:\nالأول: قالوا: إن غسل الذكر من الجماع مستحب، وليس بواجب.\nالثاني: قالوا: إن الوضوء، وغسل الذكر عند الإكسال منسوخان بأحاديث إيجاب الغسل (^٢)، فالحكم الشرعي الأول في أول الإسلام كان في الإيلاج واجبان: الوضوء، وغسل الذكر.\nوالحكم المتأخر: هو إيحاب غسل البدن، فنسخ الحكم الأول برمته، واستقر الحكم الثاني.\nوالحقيقة أن كلام النووي عندي أقوى، وعند التأمل ليس فيه نسخ للحكم\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٧٣)، ومسلم (٥٢٤).\n(^٢) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (ص: ٣٠ - ٣٦).","vol":"6","page":279},{"text":"الأول، بل زيادة عليه.\nفمن وجب عليه غسل بدنه كله فقد غسل في ذلك ذكره ضمنًا من باب أولى، فلم ينسخ الحكم بغسل العضو.\nومن وجب عليه الغسل دخل في ذلك الوضوء، فالوضوء وغسل الذكر دخلا تبعًا لوجوب الغسل.\nلكن لفظ مسلم (يغسل ما أصابه من المرأة) ولفظ البخاري (يغسل ما مس المرأةَ منه).\nفالمغسول في اللفظ الأول يختلف عن المغسول في اللفظ الثاني، فالمغسول في قوله: (يغسل ما أصابه من المرأة) هو رطوبة فرج المرأة، سواءً على العضو أو على البدن أو عليهما.\nوالمغسول في لفظ البخاري (يغسل ما مس المرأة منه) هو ذكره؛ لأنه هو الذي مس المرأة منه.\nفإن أخذنا بلفظ البخاري، وهو غسل الذكر فلم ينسخ؛ لأنه داخل في وجوب غسل البدن.\nوإن أخذنا لفظ مسلم (يغسل ما أصابه من المرأة) فهل نسخ هذا الحكم أم لا؟ الأولى والله أعلم حمل لفظ مسلم على لفظ البخاري، وأن المقصود من اللفظين غسل الذكر، لا سيما أنه ورد في الصحيحين اللفظ الصريح في ذلك، قال: (في الرجل يأتي أهله ثم لا ينزل، قال: يغسل ذكره ويتوضأ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2753>الدليل الثالث:</span>\nأن هذه الرطوبة في الفرج، ولا يخلق منها الولد، فأشبهت المذي (^١).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤١٤).","vol":"6","page":280},{"text":"• وأجيب:\nبأنه ليس كل شيء في الفرج لا يخلق منه الولد فهو يشبه المذي، لأن الفرج يطلق على القبل والدبر كما هو معلوم، ومع ذلك هذه الريح في الفرج، ولا يخلق منها الولد، وهي طاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2754>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إنه عرق متولد من مكان النجاسة (^١).\n• اعترض عليه:\nبأننا لا نسلم أن فرجها نجس؛ لأنه لو كان نجسا لحكمنا بنجاسة منيها لخروجه من الفرج.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2755> دليل من قال بطهارتها إن كانت من مباحة الأكل:</span>\nقاس رطوبة فرجها على بولها، فإذا كان بول ما يؤكل لحمه طاهرًا -كما قدمنا في مسألة مستقلة- فرطوبة فرجها تأخذ حكمه، إلا المتغذي على النجاسة فهو في حكم الجلالة عنده، والجلالة بولها نجس عندهم، وقد نوقشت في مسألة مستقلة، أو كان ذلك بعد الحيض، فإنه يتنجس بدم الحيض.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2756> دليل من قال: ما أصاب منه في حال الجماع فنجس:</span>\nلأن حال الجماع مظنة تلوثه بالمذي، فيتنجس لمخالطته النجاسة.\nوالراجح: القول بالطهارة من الحيوان الطاهر، لأنه بمنزلة العرق، خاصة من الإنسان ومن الحيوان حلال الأكل، أما الأول فلعدم الدليل المقتضي للنجاسة كما قدمنا، وأما الثاني فلأن بوله طاهر على الصحيح، فكذلك رطوبة فرجه من باب أولى، ولأن من قال بالنجاسة ليس له دليل يعتمد عليه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٨١).","vol":"6","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2757>الفصل السابع في اللبن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2758>المبحث الأول في طهارة لبن الآدمي الحي</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لبن الحيوان تبع لذاته طهارة ونجاسة.\n• كل الفضلات المتولدة من أصل طاهر فحكمها حكم أصلها، كالمني، والبيض، واللبن، والعرق.\n[م-٥١٦] إن كان لبن المرأة من امرأة مسلمة حال الحياة فهو طاهر بالإجماع، لأن ما جاز تناوله كان ذلك دليلًا على طهارته.\nوإن كان من امرأة كافرة كان الخلاف فيه مبنيًا على طهارة الكافر، فمن رأى أن الكافر طاهر، كان لبن المرأة الكافرة طاهرًا، ومن رأى أنه نجس، كان لبن المرأة نجسًا، تبعًا لعينه كرأي ابن حزم (^١)، وقد تقدم الخلاف في عين الكافر، هل هو طاهر أم نجس؟ ورجحنا طهارة عينه، وأن نجاسته نجاسة معنوية.\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ١٣٩).","vol":"6","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2759>المبحث الثاني في طهارة لبن الآدمي الميت</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ما كان مباحًا أخذه من الحيوان، وهو حي، لا ينجس بالموت، كاللبن والإنفحة، والشعر، والصوف والوبر، عكسه اللحم والشحم.\n[م-٥١٧] اختلف العلماء في لبن المرأة الميتة،\nفقيل: إنه نجس، وهو قول في مذهب المالكية (^١)، وقول في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: لبنها طاهر، وهو المعتمد في مذهب المالكية (^٣)، والمذهب عند الشافعية (^٤).\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ٨٥)، حاشية الدسوقي (١/ ٥١)، وقال القرطبي في تفسيره (١٠/ ١٢٦): فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه، فمن قال: إن الإنسان طاهر حيًا وميتًا، فهو طاهر، ومن قال: ينجس بالموت فهو نجس. إلخ كلامه ﵀.\n(^٢) المجموع (١/ ٢٩٩، ٣٠٠).\n(^٣) قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ١٨٢): «وأما لبن الآدمي فطاهر مباح مطلقًا، خرج في الحياة أو بعد الموت على المعتمد».اهـ وانظر منح الجليل (١/ ٤٨).\n(^٤) قال النووي في المجموع (١/ ٢٩٩، ٣٠٠): «إذا ماتت امرأة وفي ثديها لبن - فإن قلنا ينجس الآدمي بالموت - فاللبن نجس كما في الشاة. وإن قلنا بالمذهب: إن الآدمي لا ينجس بالموت فهذا اللبن طاهر؛ لأنه في إناء طاهر».اهـ","vol":"6","page":283},{"text":"وسوف تأتي أدلة هذه المسألة إن شاء الله تعالى في باب أحكام الميتة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2760> دليل من قال: إن لبن المرأة الميتة نجس:</span>\nهذا القول مبني على قول ضعيف، وهو أن الآدمي ينجس بالموت، وإذا نجس الظرف تنجس المظروف، وإذا لم تصح المقدمة لم تصح النتيجة، فالصحيح أن الآدمي طاهر حيًا وميتًا، وهي مسألة خلافية، سبق بحثها ورجحت طهارة الآدمي الميت مطلقًا مسلمًا كان أو كافرًا فارجع إليها إن شئت، وعلى فرض التسليم بنجاسة الميت فإن اللبن لا تدخله الحياة، فلا يحله الموت، ونجاسة الظرف لا تعني نجاسة اللبن حتى يتغير بالنجاسة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في المبحث الخامس من الباب الرابع.","vol":"6","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2761>المبحث الثالث في لبن البهيمة المأكولة حال الحياة أو بعد التذكية الشرعية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لبن الحيوان تبع لذاته طهارة ونجاسة.\nوقيل:\n• لبن الحيوان تبع للحمه إلا الآدمي فإنه طاهر، ولحمه حرام؛ لأن تحريمه لحرمته لا لنجاسته.\n[م-٥١٨] لا خلاف بين العلماء في طهارة لبنها.\nقال النووي: «الألبان أربعة أقسام: أحدها: لبن مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم والخيل والظباء وغيرها من الصيود وغيرها، وهذا طاهر بنص القرآن والأحاديث الصحيحة والإجماع» (^١).\nفأما القرآن فلقوله تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) [النحل: ٦٦].\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٦٩).","vol":"6","page":285},{"text":"قال الكاساني: «خرجت الآية مخرج الامتنان، والمنة في موضع النعمة تدل على الطهارة» (^١).\n(١١٥٩ - ١٣٠) وقد روى البخاري، من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال ابن المسيب:\nقال أبو هريرة: أتي رسول الله ﷺ ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن. قال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر غوت أمتك (^٢).\nقال الشيرازي: «إذا ذبح حيوان يؤكل لم ينجس بالذبح شيء من أجزائه، ويجوز الانتفاع بجلده وشعره وعظمه ما لم يكن عليها نجاسة؛ لأنه جزء طاهر من حيوان طاهر مأكول، فجاز الانتفاع به بعد الذكاة كاللحم».\nقال النووي في شرح هذه العبارة: «هذا الذي ذكره متفق عليه، وقوله: (من حيوان مأكول) احتراز من أجزاء غير المأكول، فإنه لا يجوز الانتفاع بها بمجرد الذكاة» (^٣).\nقلت: ومن ذلك اللبن، فإنه طاهر بعد التذكية، كما أنه طاهر قبلها. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٦٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٤٧٠٩)، ومسلم (١٦٨).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٠١).","vol":"6","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2762>المبحث الرابع في لبن الميتة إذا كانت من حيوان مأكول</span>\n• مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\nكل ما يؤخذ من البهيمة مما لا تحله الحياة الحيوانية لم ينجس بالموت، كاللبن، والشعر، والريش، والوبر.\n• كل ما كان مباحًا أخذه من الحيوان، وهو حي، لا ينجس بالموت، كاللبن والإنفحة، والشعر، والصوف والوبر، عكسه اللحم والشحم.\n[م-٥١٩] اختلف أهل العلم في لبن الميتة إذا كان من حيوان مأكول:\nفقيل: إنه طاهر، وهذا قول أبي حنيفة (^١)، ورواية عن الإمام أحمد (^٢)، واختيار داود الظاهري (^٣)، ورجحه ابن تيمية (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٩٦)، و(٣/ ٤٥٥)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٦٨)، المبسوط (٢٤/ ٢٧)، تبيين الحقائق (١/ ٢٦).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ١٠٢، ١٠٣).\n(^٣) المغني (١/ ٥٧)، الفروع (١/ ١٠٧)، الإنصاف (١/ ٩٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٣)، الفتاوى الكبرى (١/ ١٧١).","vol":"6","page":287},{"text":"وقيل: نجس، اختاره أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (^١)، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2763> دليل من قال بالطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2764>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) [النحل: ٦٦].\nوجه الاستدلال:\nفالآية عامة في سائر الألبان، ومن قيده في حال الحياة فعليه الدليل.\n• ويناقش:\nبأن الامتنان إنما هو في شرب ألبان الأنعام في حال الحياة، وهو المعروف عند الناس لا في الصور النادرة والتي قد لا يحتاج إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2765>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: اللبن لا يجوز أن يلحقه حكم الموت؛ لأنه لا حياة فيه. ويدل عليه أنه يؤخذ منها وهي حية فيؤكل، فلو كان مما يلحقه حكم الموت لم يحل إلا بذكاة الأصل، كسائر أعضاء الشاة.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٦٣)، فتح القدير (١/ ٩٦، ٩٧).\n(^٢) قال ابن عبد البر في الكافي (ص: ١٨٨): «ولا تؤكل بيضة أخرجت من دجاجة ميتة، وكذلك لبن الميتة؛ لأنه في ظرف نجس؛ لأنه يموت بموت الشاة». اهـ وانظر حاشية الدسوقي (١/ ٥٠).\nوقال الشيرازي (١/ ٢٩٩، ٣٠٠): «وأما اللبن في ضرع الشاة الميتة فهو نجس؛ لأنه ملاق للنجاسة، فهو كاللبن في إناء نجس».اهـ\nوقال النووي شارحًا هذه العبارة: «أما مسألة اللبن فهو نجس عندنا بلا خلاف، هذا حكم لبن الشاة وغيرها من الحيوان الذي ينجس بالموت».اهـ\nالفروع (١/ ١٠٧)، المغني (١/ ٥٧)، الإنصاف (١/ ٩٢).","vol":"6","page":288},{"text":"وهذا معنى قول السرخسي: «لو كان اللبن يتنجس بالموت لتنجس بالحلب أيضا (يعني: ولو كان من بهيمة حية) فإن ما أبين من الحي ميت، فإذا جاز أن يحلب اللبن، فيشرب عرفنا أنه لا حياة فيه، فلا يتنجس بالموت، ولا بنجاسة وعائه؛ لأنه في معدنه، ولا يعطى الشيء في معدنه حكم النجاسة» (^١).\nوسبق لي بحث (حكم ما أبين من الحيوان، وهو حي).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2766>الدليل الثالث:</span>\nقياس لبن الميتة على أنفحتها، فإذا كانت الأنفحة طاهرة، وهي مأخوذة من وعاء نجس، فكذلك اللبن طاهر، ولو أخذ من وعاء نجس.\nقال ابن تيمية: «الصحابة لما فتحوا العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر؛ فإنه من نقل بعض الحجازيين، وفيه نظر، وأهل العراق كانوا أعلم بهذا؛ فإن المجوس كانوا ببلادهم، ولم يكونوا بأرض الحجاز» (^٢).\nوفي طهارة الأنفحة خلاف، وسوف تناقش الآثار الواردة في طهارة الأنفحة في فصل مستقل - إن شاء الله تعالى - فانظره في بابه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2767> دليل من قال بالنجاسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2768>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣].\nوهذا عام في جميع أجزاء الميتة، ومنه لبنها.\n• وأجيب:\nبأن اللبن ليس جزءًا من الميتة، وقد تبين أنه إذا انفصل عنها في حال الحياة جاز\n_________\n(^١) المبسوط (٢٤/ ٢٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٣).","vol":"6","page":289},{"text":"شربه إجماعًا، ولو كان جزءًا منها لأعطي حكم ميتته، ثم إن أجزاء الميتة ليست على درجة واحدة، فمنه الشعر والوبر والصوف، فهذا طاهر على الصحيح.\nومنه الجلد، فهذا يطهر بالدباغ.\nومنه اللحم فهذا محرم الأكل، وحكي الإجماع على نجاسته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2769>الدليل الثاني:</span>\nأنه لبن طاهر في ذاته، ولكنه تنجس لنجاسة الوعاء، فهو بمنزلة لبن طاهر صب في قصعة نجسة.\nقال ابن تيمية: واللبن والإنفحة لم يموتا، وإنما نجسهما من نجسهما لكونهما في وعاء نجس، فالتنجس مبني على مقدمتين: على أن المائع لاقى وعاء نجسًا، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسًا (^١).\n• وأجيب:\nقال أبو بكر الجصاص: إن قيل: ما الفرق بينه وبين ما لو حلب من شاة حية ثم جعل في وعاء نجس وبين ما إذا كان في ضرع الميتة؟\nقيل: الفرق بينهما أن موضع الخلقة لا ينجس ما جاوره بما حدث فيه خلقة. والدليل على ذلك اتفاق المسلمين على جواز أكل اللحم بما فيه من العروق مع مجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل لذلك، فدل ذلك على أن موضع الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما خلق فيه.\nودليل آخر، وهو قوله: (مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) [النحل: ٦٦]، فهذا إخبار بخروجه من بين فرث ودم، وهما نجسان مع الحكم بطهارته، ولم تكن مجاورته لهما موجبة لتنجيسه؛ لأنه موضع الخلقة، كذلك كونه في ضرع ميتة لا يوجب\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٣).","vol":"6","page":290},{"text":"تنجيسه» (^١).\nوقال مثله ابن تيمية، قال: هذا القول مبني على مقدمتين: على أن المائع لاقى وعاء نجسًا، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسًا.\nفيقال: لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة، وقد تقدم أن السنة دلت على طهارته، لا على نجاسته.\nويقال ثانيًا: إن الملاقاة في الباطن لا حكم لها، كما في قوله ﷾: (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) [النحل: ٦٦]، ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في بطنه (^٢).\nالراجح والله أعلم: القول بالطهارة، لكن إن كان فيه أدنى تغير من طعم أو لون أو رائحة خبيثة، فهو نجس، وإن كان باقيًا على خلقته فهو طاهر، وإن قال الأطباء إن مثله يضر بالصحة لتلوثه بالميكروبات والجراثيم حرم تناوله ولو حكمنا بطهارته، لأجل الضرر، لا لأجل تنجيسه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٦٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٣).","vol":"6","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2770>المبحث الخامس في لبن الحيوان غير المأكول حيًّا وميتًا</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لبن الحيوان تبع لذاته طهارة ونجاسة.\nوقيل:\n• لبن الحيوان تبع للحمه إلا الآدمي فإنه طاهر، ولحمه حرام؛ لأن تحريمه لحرمته لا لنجاسته.\n[م-٥٢٠] اختلف العلماء في لبن الحيوان غير المأكول، سواءً كان في حياته، أو بعد موته على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول:\nأنه طاهر مطلقًا حيًا وميتًا، وإن حرم شربه، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره محمد بن الحسن (^١).\nجاء في فتح القدير: «وفي المحيط: ولبن الأتان نجس في ظاهر الرواية. وعن محمد\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١١٤)، وانظر المحيط البرهاني (١/ ١٣١)، المبسوط (٥/ ١٣٩).","vol":"6","page":292},{"text":"أنه طاهر، ولا يؤكل ... وفي فتاوى قاضي خان: وفي طهارة لبن الأتان روايتان» (^١).\n• وجه القول بالطهارة:\nأما طهارة اللبن من الحيوان الحي غير المأكول، فلأن الحيوان طاهر، فاللبن المنفصل من الحيوان طاهر أيضًا.\nولأن اللبن ليس جزءًا من الحيوان، ولو كان جزءًا من الحيوان لكان اللبن المنفصل من الحيوان المأكول له حكم ميتته؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته.\nوأما طهارة اللبن من الحيوان غير المأكول، وهو ميت، فلأن اللبن لا تحله الحياة، فلا ينجس بالموت، فإذا كان اللبن قبل الموت طاهرًا كان بعد الموت كذلك، وتحريم تناوله لا يعني نجاسته.\nالقول الثاني:\nأنه نجس مطلقًا، وهو ظاهر الرواية عند الحنفية، ومذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، ورجحه ابن حزم (^٢).\nقال في المحيط البرهاني: «ولبن الأتان نجس في ظاهر الرواية» (^٣).\nقال الخرشي: «لبن غير الآدمي تابع للحمه، فإن كان الحيوان مباح الأكل فلبنه طاهر .... وإن كان محرم الأكل فلبنه نجس» (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١١٤).\n(^٢) المحيط البرهاني (١/ ١٣١)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ١١٤)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٤٠)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٥٠، ٥١)، القوانين الفقهية (ص: ٢٧)، البيان والتحصيل (٣/ ٢٩٣)، البيان للعمراني (٥/ ٤٠٧)، المجموع (٢/ ٥٢٥)، المهذب (١/ ٤٧)، مغني المحتاج (١/ ٨٠)، إعانة الطالبين (١/ ٨٥)، كشاف القناع (١/ ١٩٥)، المغني (٩/ ٣٢٥)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٨/ ٣٩٧٨).\n(^٣) المحيط البرهاني (١/ ١٣١).\n(^٤) شرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٨٥).","vol":"6","page":293},{"text":"وإذا كان نجسًا من الحيوان الحي، كان نجسًا من الحيوان الميت.\nوقال ابن قدامة: «حكم الألبان حكم اللحمان» (^١).\nوقال ابن حزم: «وكل ما حرم أكل لحمه فحرام بيعه ولبنه؛ لأنه بعضه، ومنسوب إليه، وبالله تعالى التوفيق، إلا ألبان النساء فهي حلال» (^٢).\nواستدل أصحاب هذا القول:\nبأن اللبن تبع للحم، وليس تبعًا لذات الحيوان، فإذا كان لحمه نجسًا كان لبنه نجسًا.\nونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن هناك فرقًا بين اللحم وبين اللبن، فاللحم إذا انفصل من الحيوان كان له حكم ميتته، فلو قطعت ألية الحيوان المأكول، وهو حي كانت الألية لها حكم الميتة في الطهارة والنجاسة، وفي حل الأكل، بخلاف اللبن فإنه ينفصل من الحيوان المأكول، ولا يعطى حكم ميتته، بل يكون حلالًا، فدل على أن الشريعة فرقت بين حكم اللبن وحكم اللحم.\nالوجه الثاني:\nأن لحم الميتة نجس بالإجماع، ولو كان من حيوان مأكول، وأما لبن الميتة إذا كان من حيوان مأكول فالصحيح طهارته قياسًا على أنفحتها، ففارق اللبن اللحم.\nقال ابن تيمية: «الصحابة لما فتحوا العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر؛ فإنه من نقل بعض الحجازيين، وفيه نظر، وأهل العراق كانوا أعلم بهذا؛ فإن المجوس كانوا ببلادهم،\n_________\n(^١) المغني (٩/ ٣٢٥).\n(^٢) المحلى، مسألة (٩٩٧).","vol":"6","page":294},{"text":"ولم يكونوا بأرض الحجاز» (^١).\nفإذا لم يعط حكم لبن الميتة حكم لحمها في الحيوان المأكول، لم يعط حكم اللبن حكم اللحم في الحيوان غير المأكول.\nالقول الثالث:\nأن اللبن تبع لذات الحيوان، وليس تبعًا للحمه، فما كان من حيوان طاهر في الحياة والممات كالآدمي، كان طاهرًا فيهما، وما كان من حيوان نجس في الحياة والممات كالكلب والخنزير كان نجسًا فيهما، وإن كان من حيوان طاهر في الحياة فقط، كان اللبن طاهرًا من الحي، نجسًا من الميت. وهذا وجه في مذهب الشافعية (^٢).\nواستدل أصحاب هذا القول:\nقياس اللبن على سؤر الحيوان، فالحيوان الطاهر سؤره طاهر، فكذا لبنه وعرقه، وأما الحيوان النجس فإن سؤره نجس فكذا لبنه.\nفقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله،\nعن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة، وما ينوبه من السباع، والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (^٣).\n[صحيح إن شاء الله، وسبق تخريجه] (^٤).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ قضى بهذا الحديث الصحيح أن الماء الكثير لا يتأثر بسؤر السباع\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٣).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٢٥).\n(^٣) المصنف (١/ ١٣٣) رقم ١٥٢٦.\n(^٤) انظر تخريجه في المجلد الأول، ح (٨٨).","vol":"6","page":295},{"text":"والدواب، ومفهومه أن الماء القليل قد يتأثر بسؤر السباع والدواب، وإذا كان هذا في سؤرها: أي بقية شرابها، فاللبن مقيس عليه.\nوقد روى مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:\nأن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ علل طهارة الهرة بأنها من الطوافين علينا، فعلم أن المقتضي لنجاستها قائم، لكن عارضه مشقة التحرز منها، فطهرت لذلك دفعًا للحرج، ومعنى ذلك أن الهرة لو لم تكن طوافة علينا لكان سؤرها نجسًا، وإذا كان هذا في سؤرها فاللبن مقيس عليه.\nولعل هذا القول هو أقرب الأقوال، فاللبن تبع للذات، وليس تبعًا للحم.\n* * *\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٤٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح (١٠٦٠) من هذا الكتاب.","vol":"6","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2771>الفصل الثامن\nفي طهارة إنفحة الميتة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إنفحة الميتة لا تحلها الحياة، فلا تنجس بالموت، فليست جزءًا من الميتة.\n• الإنفحة سائل في وعاء نجس، فهو طهور ما لم يتغير.\n[م-٥٢١] اختلف العلماء في إنفحة الميتة إذا أخذت من حيوان رضيع،\nفقيل: إنها طاهرة، وهو مذهب أبي حنيفة (^١)، ورواية في مذهب الحنابلة (^٢)، رجحها ابن تيمية (^٣).\nوقيل: إنها نجسة، وهو مذهب المالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والمشهور من مذهب\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٤٧)، البحر الرائق (١/ ١١٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٦)، المبسوط (٢٤/ ٢٧)، شرح فتح القدير (١/ ٩٦)، بدائع الصنائع (١/ ٦٣).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٩٢)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٢).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٩٢)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٣).\n(^٤) تفسير القرطبي (٢/ ٢٢٠)، القوانين الفقهية (ص: ١٢١).\n(^٥) قال النووي في روضة الطالبين (١/ ١٦): «وأما الأنفحة فإن أخذت من السخلة بعد موتها أو بعد أكلها غير اللبن فنجسة بلا خلاف»، وانظر مغني المحتاج (١/ ٨٠).","vol":"6","page":297},{"text":"الحنابلة (^١).\nوقيل: إن كانت جامدة فلا بأس، وإن كانت مائعة فإنها مكروهة، وهذا اختيار أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2772> دليل من قال بالطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2773>الدليل الأول:</span>\nكل دليل ساقه الفقهاء على طهارة لبن الميتة فإنه دليل على هذه المسألة، إذ لا فرق بينهما، فكما أن لبن الميتة سائل في وعاء نجس، فكذا الأنفحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2774>الدليل الثاني:</span>\n(١١٦٠ - ١٣١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن شرحبيل، قال:\nذكرنا الجبن عند عمر فقلنا: إنه يصنع فيه أنافيح الميتة، فقال: سموا عليه، وكلوه.\n[وهذا سند في غاية الصحة] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2775>الدليل الثالث:</span>\n(١١٦١ - ١٣٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضيل بن دكين، عن عمرو ابن عثمان،\nعن موسى بن طلحة. قال: سمعته يذكر أن طلحة كان يضع السكين ويذكر\n_________\n(^١) المبدع (١/ ٧٤)، شرح العمدة لابن تيمية (١/ ١٣٠)، الإنصاف (١/ ٩٢)، كشاف القناع (١/ ٥٦)، المغني (٩/ ٣٤٢).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٤٧)، البحر الرائق (١/ ١١٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٦).\n(^٣) المصنف (٢٤٤٢٢).\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٨٧٨٢) عن معمر، عن الأعمش، حسبت أنه ذكره عن شقيق، أنه قيل لعمر: إن قومًا يعملون الجبن، فيضعون فيه أنافيح الميتة، فقال عمر: سموا الله وكلوا.\nومعمر في روايته عن الأعمش كلام، وأبو معاوية من أثبت الناس في الأعمش.","vol":"6","page":298},{"text":"اسم الله، ويقطع، ويأكل (^١).\n[صحيح].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2776>الدليل الرابع:</span>\n(١١٦٢ - ١٣٣) ما روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جحش، عن معاوية بن قرة،\nعن الحسن بن علي أنه سئل عن الجبن فقال: لا بأس به ضع السكين واذكر اسم الله وكل (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2777>الدليل الخامس:</span>\n(١١٦٣ - ١٣٤) روى الترمذي، قال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا سيف بن هارون البرجمي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان،\nعن سلمان، قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه (^٤).\n[ضعيف مرفوعًا، والمعروف أنه موقوف على سلمان] (^٥).\n_________\n(^١) المصنف (٢٤٤٢٤).\n(^٢) المصنف (٢٤٤٢٣).\n(^٣) في إسناده جحش بن زياد، روى عنه جماعة، وسكت عليه ابن أبي حاتم، فلم يذكر فيه جرحًا. الجرح والتعديل (٢/ ٥٥٠).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ١٥٧). وباقي رجال الحديث كلهم ثقات.\n(^٤) سنن الترمذي (١٧٢٦).\n(^٥) رواه جماعة عن سلمان:\nالأول: سليمان التيمي، واختلف عليه فيه:\nفرواه سيف بن هارون كما في سنن الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧)، والضعفاء =","vol":"6","page":299},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الكبير للعقيلي (٢/ ١٧٤)، والمعجم الكبير للطبراني (٦/ ٣٠٦) ح ٦١٢٤، ومستدرك الحاكم (٤/ ١١٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ١٢)، وأخبار أصبهان لأبي نعيم (١/ ٢٥٥)، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي مرفوعًا.\nوفي إسناده سيف بن هارون، جاء في ترجمته:\nقال فيه أبو داود، ويحيى بن معين: ليس بشيء.\nوقال الدارقطني: ضعيف متروك.\nوقال النسائي: ضعيف.\nوقال ابن عدي: له أحاديث ليست بالكثيرة، وفي رواياته بعض النكرة.\nووثقه أبو نعيم. انظر تهذيب الكمال (١٢/ ٣٣٤).\nوقال الذهبي في استدراكه على المستدرك: ضعفه جماعة.\nوقال البخاري فيما رواه عنه الترمذي (٤/ ١٩٢): مقارب الحديث. وقال الحافظ في التقريب (٢٧٢٧): ضعيف. أفحش ابن حبان القول فيه.\nوخالفه سفيان بن عيينة ابن هارون، قال الترمذي في السنن (٤/ ٢٢٠) وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح. وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظًا، روى سفيان عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا .....».\nولم أقف على رواية ابن عيينة الموقوفة التي جزم بها الترمذي والبخاري، بل وقفت في سنن البيهقي الكبرى (١٠/ ١٢) من طريق الحميدي، عن سفيان، حدثنا سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان ﵁ - أراه رفعه - قال: إن الله ﷿ أحل حلالًا وحرم حرامًا، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو.\nوهذه الرواية عن سفيان فيها الميل بلا جزم إلى رفع الحديث، إلا أنه ليس فيه ذكر للجبن.\nورجح أبو حاتم الرازي في العلل كون الحديث مرسلًا، فقد جاء في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ١٠): «وسألته عن حديث رواه سيف بن هارون البرجمي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سليمان، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الفراء والسمن والجبن؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه.\nقال أبي: هذا خطأ رواه الثقات، عن التيمي، عن أبي عثمان، عن النبي ﷺ مرسل، ليس فيه سلمان، وهو الصحيح».اهـ\nالثاني: سويد غلام سلمان، عن سلمان. =","vol":"6","page":300},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨/ ٩٨) قال حدثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن سويد - غلام سلمان - وأثنى عليه خيرًا. قال: لما افتتحنا المدائن خرج الناس في طلب العدو، قال: قال سلمان: وقد أصبنا سلة، فقال: افتحوها، فإن كان طعامًا أكلناه، وإن كان مالًا دفعناه إلى هؤلاء، قال: ففتحنا فإذا أرغفة حواري، وإذا جبنة وسكين، قال: وكان أول ما رأت العرب الحواري، فجعل سلمان يصف لهم كيف يعمل، ثم أخذ السكين وجعل يقطع، وقال: بسم الله كلوا.\nوأبو جعفر الرازي، في حفظه شيء، إلا أنه لم ينفرد فيه.\nوأما الربيع بن أنس. قال فيه النسائي: ليس به بأس.\nوقال فيه أحمد العجلي: صدوق.\nوفي التقريب (١٨٨٢): صدوق له أوهام.\nوسويد، غلام سلمان. ذكره البخاري في تاريخه الكبير القسم الثاني، من الجزء الثاني (ص: ١٤٤) وقال: روى عنه الربيع بن أنس، وسمع سلمان قوله.\nوفي الجرح والتعديل (٤/ ٢٣٦) سويد غلام سلمان، وأثني عليه خيرًا، روى عنه الربيع بن أنس، ومن الناس من يقول الربيع بن أنس، عن أبي العالية عن سويد، سمعت أبي يقول ذلك. اهـ\nوأخرج الحديث البيهقي (٩/ ٦٠) من طريق يعقوب بن القعقاع، عن الربيع بن أنس عن سويد به.\nوهذا إسناد حسن، فزال ما يخشى من سوء حفظ أبي جعفر الرازي.\nالثالث: عن أبي عبد الله الجدلي، عن سلمان.\nأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٣١٩، ٣٢٠) ح (٦١٥٩) من طريق عبد الغفار بن عبد الله الموصلي، حدثنا علي بن مسهر، عن أبي إسماعيل -يعني بشرًا- عن مسلم البطين، عن أبي عبد الله الجدلي، عن سلمان بنحوه.\nوفي إسناده عبد الغفار بن عبد الله الموصلي، ذكره ابن حبان في الثقات، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكت عليه.\nالرابع: أبو عبيد الله غير منسوب، عن سلمان.\nرواه البيهقي في السنن (٩/ ٣٢٠) من طريق عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي، حدثنا أبي، قال: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، حدثني يونس بن خباب، عن أبي عبيد الله، عن سلمان ﵁ بمثله. =","vol":"6","page":301},{"text":"وكونه موقوفًا، لا يعني أنه لا يستدل به. فهذا عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والحسن بن علي، وسلمان كلهم يرون طهارة الأنفحة، فإذا لم نجد في السنة المرفوعة حكمًا فإنا لا نتجاوز ما اختاره الصحابة ﵃، فسبيلهم سبيل المؤمنين.\nقال ابن تيمية في الفتاوى: ويدل لذلك أن سلمان الفارسي كان هو نائب عمر ابن الخطاب على المدائن، وكان يدعو الفرس إلى الإسلام. وقد ثبت عنه أنه سئل عن شيء من السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه» (^١). اهـ\n_________\n= وفي إسناده: عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي.\nذكره الذهبي في الميزان، وقال: حدث عنه علي بن محمد بن مهرويه القزويني، فذكر خبرًا موضوعًا. اهـ\nكما أن في إسناده يونس بن خباب، جاء في ترجمته:\nقال يحيى بن معين: رجل سوء. الجرح والتعديل (٩/ ٢٣٨).\nوقال أخرى: ليس بشيء. الكامل (٧/ ١٧٢).\nوقال في رواية ابن أبي مريم عنه: ليس به بأس، يكتب حديثه. تهذيب التهذيب (١١/ ٣٨٤).\nقال أحمد: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن يونس بن خباب. الجرح والتعديل (٩/ ٢٣٨).\nقال أبو حاتم الرازي: مضطرب الحديث، ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن سعيد: كان كذابًا. ميزان الاعتدال.\nقال عباد بن عباد: لقيت يونس بن خباب، فسمعته يقول: قتل عثمان بنتي رسول الله ﷺ. فقلت له: قتل واحدة فزوجه الأخرى؟ قال: قم عني فإنك صاحب هوى. الكامل (٧/ ١٧٢).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٦١٩).\nوقال العقيلي: كان ممن يغلو في الرفض. الضعفاء الكبير (٤/ ٤٥٨).\nوفي التقريب: صدوق يخطئ.\nوأبو عبيد الله إن كان هو مولى عبد الله بن عباس، فلم يوثقه أحد إلا ابن حبان، ففيه جهالة، والله أعلم.\nوانظر إتحاف المهرة (٥٩٤٢)، تحفة الأشراف (٤٤٩٦).\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٣).","vol":"6","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2778>الدليل السادس:</span>\n(١١٦٤ - ١٣٥) روى أبو داود، قال: حدثنا يحيى بن موسى البلخي، قال: ثنا إبراهيم بن عيينة، عن عمرو بن منصور، عن الشعبي، عن ابن عمر قال: أتى النبي ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بسكين، فسمى وقطع (^١).\n[انفرد إبراهيم بن عيينة بوصله، والراجح فيه الإرسال] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٨١٩).\n(^٢) اختلف فيه على عمرو بن منصور.\nفرواه إبراهيم بن عيينة كما في سنن أبي داود (٣٨١٩)، ومسند البزار (٥٣٧١)، وصحيح\nابن حبان (٥٢٤١)، والمعجم الصغير للطبراني (١٠٢٦)، والأوسط له (٧٠٨٤)، والمعجم الكبير (١٣/ ٦٧) ح ١٣٦٩٦، والسنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ٦) عن عمرو بن منصور، عن الشعبي، عن ابن عمر مرفوعًا.\nوفي إسناده إبراهيم بن عيينة، جاء في ترجمته:\nقال فيه يحيى بن معين: كان مسلمًا، صدوقًا.\nوقال أبو حاتم: شيخ يأتي بالمناكير.\nوقال النسائي: ليس بالقوي.\nوقال الحافظ في التقريب (٢٢٧): صدوق. يهم.\nوخالف عيسى بن يونس إبراهيم بن عيينة، فروى ابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ١٠٠) حدثنا عيسى بن يونس، عن عمرو بن منصور، عن الشعبي قال: أتي النبي ﷺ في غزوة تبوك بجبنة ... وذكره.\nوتابعه قيس بن الربيع.\nرواه عبد الرزاق. (٨٧٩٥) عنه، أن عمرو بن منصور الهمداني أخبره عن الشعبي والضحاك بن مزاحم قال: أتي رسول الله ﷺ بجبنة في غزوة تبوك، فقيل: يا رسول الله، إن هذا طعام يصنعه أهل فارس، أخشى أن يكون فيه ميتة، قال رسول الله ﷺ: سموا الله عليه وكلوا.\nفعيسى بن يونس: روى له الجماعة. وهو مقدم على إبراهيم بن عيينة بكل حال، ولا مقارنة. وقد توبع عيسى بن يونس من قيس بن الربيع، وقيس قد اختلف فيه، إلا أنه صالح في المتابعات.\nوقال أبو حاتم الرازي كما في العلل لابنه (١٤٨٨): «ليس بصحيح، وهو منكر». وانظر تحفة الأشراف (٧١١٤).","vol":"6","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2779>الدليل السابع:</span>\n(١١٦٥ - ١٣٦) روى علي بن الجعد في مسنده، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت امرأة يقال لها: تملك،\nتحدث عن أم سلمة، أنها سئلت عنه -يعني الجبن- فقالت: كلوا، واذكروا اسم الله عليه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2780>الدليل الثامن:</span>\n(١١٦٦ - ١٣٧) ما رواه البيهقي من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه،\nعن أبي بكر بن المنكدر، قال: سألت امرأة منا عائشة عن أكل الجبن، فقالت عائشة: إن لم تأكليه، فأعطنيه آكل (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) مسند ابن الجعد (٤٥٢).\n(^٢) رواه علي بن الجعد في مسنده (٤٥٢).\nومعاذ بن معاذ العنبري كما في السنن الكبرى للبيقهي (١٠/ ٦) كلاهما عن شعبة.\nورواه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٥١) من طريق الثوري، كلاهما (شعبة والثوري) عن\nأبي إسحاق، عن تملك به.\nوتملك، لم يوثقها سوى ابن حبان. الثقات (٤/ ٨٨)، ولم يرو عنها سوى أبي إسحاق، والله أعلم، ففيها جهالة.\n(^٣) البيهقي (١٠/ ٦).\n(^٤) أبو بكر بم المنكدر لم أقف على أحد صرح أنه سمع من عائشة، فالإسناد منقطع، فإن كان الإسناد على تقدير أنه يرويه عن امرأة عن عائشة، كان علة الإسناد المرأة المبهة، لا تعرف عينها.\nكما أن رواية مخرمة بن بكير عن أبيه وجادة.\nقال يحيى بن معين: مخرمة بن بكير ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمعه من أبيه. الجرح والتعديل (٨/ ٣٦٣). ...\nوقال ابن حبان: من متقني أهل المدينة، في سماعه عن أبيه بعض النظر. مشاهير علماء الأمصار (١١٠٢).\nوقال في الثقات (٧/ ٥١٠): يحتج بروايته من غير روايته عن أبيه؛ لأنه لم يسمع من أبيه ما يروى عنه.\nوقال العلائي: أخرج له مسلم عن أبيه عدة أحاديث، وكأنه رأى الوجادة سببًا للاتصال، وقد انتقد ذلك عليه. جامع التحصيل (ص: ٢٧٥).\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما. وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلًا.","vol":"6","page":304},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2781> دليل من قال بالنجاسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2782>الدليل الأول:</span>\nكل دليل ساقوه على نجاسة لبن الميتة فإنهم يسوقونه دليلًا هنا، بجامع أن كلًا منهما سائل في وعاء نجس، فيتنجس به، أو لأن الله حرم الميتة، وهذا منها، وقد سبق الجواب عن ذلك في الحديث عن حكم لبن الميتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2783>الدليل الثاني:</span>\n(١١٦٧ - ١٣٨) ما رواه البيهقي من طريق سفيان الثوري، حدثني إبراهيم العقيلي، حدثني عمي ثور بن قدامة، قال:\nجاءنا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ أن لا تأكلوا من الجبن إلا ما صنع أهل الكتاب (^١).\n[إسناده فيه لين، وقد ثبت عن عمر خلافه بسند صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١٠/ ٦)، ورواه البيهقي (١٠/ ٦) من طريق شعبة، عن رجل من بني عقيل، عن عمه، قال: قرئ علينا كتاب عمر.\nقال البيهقي: هو إبراهيم العقيلي، وعمه ثور بن قدامة.\n(^٢) في إسناده إبراهيم العقيلي، روى عنه شعبة وسفيان، وسكت عليه البخاري وابن أبي حاتم، ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان ذكره في ثقاته. ...\nوهو مخالف لما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن شرحبيل، عن عمر ﵁.\nومخالف لما رواه البيهقي (١٠/ ٦) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت قرظة يحدث عن كثير بن شهاب، قال: سألت عمر بن الخطاب ﵁ عن الجبن؟ فقال: إن الجبن من اللبن واللبا، فكلوا واذكروا اسم الله عليه، ولا يغرنكم أعداء الله.\nورواه ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٣٠) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن قرظة بن أرطأة به.\nوقرظة بن أرطاة، ذكره ابن أبي حاتم والبخاري وسكتا عليه، فلم يذكرا فيه شيئًا. التاريخ الكبير (٧/ ١٩٣)، والجرح والتعديل (٧/ ١٤٤).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٤٨).\nوقال ابن المديني: مجهول كما في ميزان الاعتدال (٣/ ٣٨٧).\nقلت: قد توبع قرظة، قال ابن حجر في الإصابة (٥/ ٥٧١) أخرج ابن عساكر من طريق جرير، عن حمزة الزيات، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى كثير بن شهاب، مر من قبلك فليأكلوا الخبز الفطير بالجبن، فإنه أبقى في البطن. اهـ وهذا إسناد حسن.","vol":"6","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2784>الدليل الثالث:</span>\n(١١٦٨ - ١٣٩) ما رواه البيهقي من طريق شعبة وسفيان، عن منصور، عن عبيد بن أبي الجعد، عن قيس بن سكن، قال:\nقال عبد الله هو ابن مسعود ﵁: كلوا الجبن ما صنع المسلمون، وأهل الكتاب (^١).\n[إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (^٢).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١٠/ ٦).\n(^٢) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٤١٤) حدثنا عبيدة بن حميد، عن منصور به.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٠١) ح ٨٩٨٠، من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عبيد بن أبي الجعد به.\nوعبيد بن أبي الجعد: هو أخو سالم بن أبي الجعد، سكت عليه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٤٤٥). ...\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي عن جماعة من الصحابة، روى عنه أهل الكوفة. الثقات (٥/ ١٣٨).\nوقال ابن سعد: قليل الحديث. تهذيب التهذيب (٧/ ٥٧).\nوفي التقريب: صدوق.","vol":"6","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2785>الدليل الرابع:</span>\n(١١٦٩ - ١٤٠) ما رواه البيهقي من طريق علي بن عباس، حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن قتادة،\nعن علي البارقي، أنه سأل ابن عمر عن الجبن، فقال: كل ما صنع المسلمون، وأهل الكتاب (^١).\n[حسن] (^٢).\nوكون ابن عمر وابن مسعود ﵃ لا يأكلون إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب ذلك لأن السخال والعجول تذبح لتؤخذ منها الإنفحة التي يصلح بها الجبن، فإذا كانت من ذبائح أهل الأوثان أو المجوس لم تحل ذبيحتهم، فكان الصحابيان ﵄ لا يريان طهارة الإنفحة من الميتة إذا جاءت من قبل أناس لا تحل ذبيحتهم.\n_________\n(^١) البيهقي (١٠/ ٦).\n(^٢) علي بن عباس بن الوليد أبو الحسن البجلي، المقانعي، قال فيه الذهبي: الشيخ المحدث الصدوق. انظر ترجمته في السير (٤٣٠)، والأنساب (١٢/ ٣٨٤)، والشذارت (٢/ ٢٥٩).\nوعلي البارقي، سبقت ترجمته، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ.\nوباقي رجال الإسناد ثقات.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٥٢، ٥٣) ح ١٣٦٧٦، من طريق الصعق بن حزن، عن قتادة به. بأطول منه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٤٣): «رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح خلا شيخه، وهو ثقة».\nوالصعق بن حزن، وثقة أبو زرعة، والنسائي وأبو داود، وقال أبو حاتم الرازي: ما به بأس، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وفي التقريب: صدوق يهم.","vol":"6","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2786>الدليل الخامس:</span>\n(١١٧٠ - ١٤١) ما رواه البيهقي من طريق أبان بن أبي عياش،\nعن أنس، قال: كنا نأكل الجبن على عهد رسول الله ﷺ وبعده لا نسأل عنه، وكان أنس لا يأكل إلا ما صنع المسلمون، وأهل الكتاب (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2787> دليل من فرق بين الجامد والمائع:</span>\nلعلهم رأوا أن المائع قد يتأثر بمخالطته النجاسة، التي هي كرش الميتة، بخلاف الجامد فإن النجاسة لا تمازجه، وبالتالي يحافظ على طهارته، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف.\nكما رجحنا طهارة لبن الميتة، فإننا نرجح هنا طهارة الإنفحة للسبب نفسه، ويكفي أن الحل هو قول عامة الصحابة، وقد ضعف ابن تيمية ما نقل عن بعض الصحابة من التحريم، وقال: والأظهر أن جبنهم حلال، وأن إنفحة الميتة ولبنها طاهر؛ وذلك لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر، فإنه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر. وأهل العراق كانوا أعلم بهذا، فإن المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز (^٣).\nوحتى على القول بنجاسة الإنفحة، فإنها مستهلكة في الجبن، ولا يظهر لها طعم أو لون أو رائحة، فإن الكمية اليسيرة من الإنفحة تستخدم في كميات كبيرة من الجبن، والشيء إذا استهلك في الأعيان الطاهرة، ولم يظهر له أثر من طعم أو لون أو رائحة لم يكن له حكم، ولو خالط الأعيان الطاهرة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١٠/ ٧).\n(^٢) فيه أبان بن أبي عياش، وهو متروك.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٣).","vol":"6","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2788>الفصل التاسع\nفي القيح والصديد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأشياء الطهارة.\n• القيح والصديد تبع للذات نجاسة وطهارة.\n• خبث الرائحة لا يعني النجاسة، فالطعام واللحم قد يلحقه نتن وفساد مع طهارته.\n[م-٥٢٢] القيح والصديد نجس إذا كان من حيوان نجس في الحياة، أو كان نجسًا ميتًا، وخرجت منه في هذه الحالة.\nوإن خرج القيح والصديد من حيوان حال طهارته، فهل تكون هذه الأشياء طاهرة بناء على طهارة الحيوان، أو تكون نجسة؟\nهذه مسألة اختلف فيها أهل العلم.","vol":"6","page":309},{"text":"فقيل: إنها نجسة، وهو رأي الأئمة الأربعة (^١).\nوقيل: إنها طاهرة، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢)، رجحه ابن حزم (^٣)، واختاره الشوكاني (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2789> دليل الجمهور على نجاسة القيح والصديد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2790>الدليل الأول:</span>\nكل دليل استدل به على نجاسة الدم فهو دليل على نجاسة القيح والصديد باعتبار أن أصلهما دمان استحالا إلى نتن وفساد، فيكون لهما حكم أصلهما.\n• ونوقش هذا الدليل من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول:\nأن الدم طاهر على الصحيح، وإذا كان الأصل طاهرًا كان الفرع طاهرًا كذلك.\nالوجه الثاني:\nأن القيح والصديد ليسا بمنزلة الدم حتى عند القائلين بالنجاسة، قال\nابن قدامة: القيح والصديد كالدم فيما ذكرناه، وأسهل وأخف منه حكمًا عند أبي\nعبد الله لوقوع الاختلاف فيه، فإنه روي عن ابن عمر والحسن أنهم لم يروا القيح والصديد كالدم، وقال أبو مجلز في الصديد لا شيء فيه، إنما ذكر الله الدم المسفوح (^٥).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٦٠)، المبسوط (١/ ٧٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٨، ٣٩)، مواهب الجليل (١/ ١٠٥)، القوانين الفقهية (ص: ٢٧)، المجموع (٢/ ٥٧٧)، روضة الطالبين (١/ ١٨)، الفتاوى الكبرى (٥/ ٣١٣)، الفروع (١/ ٢٥٣)، الإنصاف (١/ ٣٢٨).\n(^٢) الفروع (١/ ٢٥٣)، الإنصاف (١/ ٣٢٨).\n(^٣) المحلى مسألة: ١٣٩ (١/ ١٨١).\n(^٤) السيل الجرار (١/ ٤٣).\n(^٥) المغني (١/ ١٢٠).\nوأثر أبي مجلز رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١١٠) رقم ١٢٥٢، عن وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز أنه كان لا يرى القيح شيئًا، قال: إنما ذكر الله الدم. وسنده صحيح.","vol":"6","page":310},{"text":"الوجه الثالث:\nالقول بأنهما استحالا إلى نتن وفساد غير كاف للحكم بالنجاسة، فهذا الطعام واللحم إذا ترك قد يلحقه نتن وفساد، ولا يحكم عليه بالنجاسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2791><span data-type=\"title\" id=toc-2794>الدليل الثاني:</span></span>\nالإجماع على نجاسة القيح والصديد، قال النووي: «القيح نجس بلا خلاف، وكذا ماء القروح المتغير نجس بالاتفاق» (^١).\nوالخلاف محفوظ كما قدمنا في عرض الأقوال في طهارة القيح، وأنه قول في مذهب الحنابلة، رجحه ابن حزم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2792> دليل من قال بطهارة القيح والصديد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2793>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأعيان الطهارة، ولا نحكم بنجاسة شيء حتى يقوم دليل من الشرع صحيح صريح على النجاسة، ولا يوجد دليل على نجاسة القيح والصديد.\nالدليل الثاني:\nإذا كان الحيوان طاهرًا، كان بعضه طاهرًا كذلك، ومنه القيح والصديد،\n• الراجح من الخلاف:\nالقول بطهارة القيح والصديد هو الراجح؛ لعدم وجود دليل صحيح يقتضي نجاسة هذه الأشياء، فتبقى على الأصل، وهو الطهارة حتى يثبت الدليل على نجاستها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٧٧).","vol":"6","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2795>الفصل العاشر في بيض الحيوان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2796>المبحث الأول في بيض مأكول اللحم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• البيض تبع لأصله، فما كان من حيوان طاهر فهو طاهر، وما كان من حيوان نجس فهو نجس.\n• البيض ليس جزءًا من الحيوان فينجس بعدم الذكاة، وإنما هو مودع فيه، فأشبه الولد إذ اخرج حيًا من الميتة.\n• كل ما كان مباحًا أخذه من الحيوان وهو حي لا ينجس بالموت، كالبيض واللبن، والإنفحة، والشعر، والصوف، والوبر، عكسه اللحم والشحم.\n[م-٥٢٣] إن خرج البيض من حيوان مأكول في حال حياته، أو بعد التذكية الشرعية، أو بعد موته، وهو مما لا يحتاج إلى التذكية كالسمك، فبيضه طاهر مأكول","vol":"6","page":312},{"text":"إجماعًا، إلا إذا فسد، وسوف يأتي معنى الفساد في البيض في بحث مستقل إن شاء الله تعالى.\nنقل الإجماع على ذلك النووي رحمه الله تعالى، حيث قال: «البيض من مأكول اللحم طاهر بالإجماع» (^١).\n[م-٥٢٤] وإذا انفصلت البيضة من حيوان مأكول بعد موته دون تذكية شرعية، وهو مما يحتاج إلى التذكية، وكانت البيضة لم تتغير، فاختلف العلماء فيها:\nفقيل: إنها طاهرة مطلقًا، سواءً صلب قشرها أم لا، وهو مذهب الحنفية (^٢)، واختاره بعض الشافعية (^٣)، وابن عقيل من الحنابلة (^٤).\nوقيل: إنها نجسة مطلقًا سواءً صلب قشرها أم لا، وهذا مذهب المالكية (^٥).\nوقيل: إن صلب قشرها فهي طاهرة، وإلا كانت نجسة، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧)، واختاره ابن حزم (^٨).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٧٤).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٧٦، ٧٧)، تبيين الحقائق (١/ ٢٦، ٢٧)،\n(^٣) المجموع (١/ ٣٠٠).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٩٤)، وقال في المستوعب (١/ ٣٣٣): وما جمد، ولم يصلب قشره في طهارته وجهان. اهـ\n(^٥) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٩٣)، التاج والإكليل (١/ ١٣٢)، الخرشي (١/ ٨٥).\n(^٦) المجموع (١/ ٣٠٠).\n(^٧) قال في المستوعب (١/ ٣٣٣): وما صلب قشره من بيضها طاهر قولًا واحدًا. اهـ وقال في الإنصاف (١/ ٩٤): إذا صلب قشر بيضة الميتة من الطير المأكول، فباطنها طاهر بلا نزاع ونص عليه، وإن لم يصلب فهو نجس على الصحيح من المذهب. وعليه أكثر الأصحاب. اهـ وانظر المغني (١/ ٥٧، ٥٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٢).\n(^٨) المحلى، مسألة: ١٠١٠ (٦/ ٩٥).","vol":"6","page":313},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2797> دليل من قال بالطهارة مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2798>الدليل الأول:</span>\nأن البيض لا تحله الحياة، فلا ينجس بموت الحيوان، مثله مثل لبن الميتة وقد قدمت أن الراجح طهارته، ومثله مثل الإنفحة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أن الراجح طهارتها، فكذلك البيضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2799>الدليل الثاني:</span>\nأن البيض هذا لو أخذ، واستخرج منه فرخه، كان الحيوان طاهرًا إجماعًا، فهذا دليل على طهارة البيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2800>الدليل الثالث:</span>\nأن البيض هو الأصل الذي يخلق منه الحيوان، وهو طاهر، فكذا أصله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2801>الدليل الرابع:</span>\nأن البيض محمي بغشاء رقيق، وهذا الغشاء بمثابة الجلد، يمنع من تسرب النجاسة إلى البيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2802>الدليل الخامس:</span>\nأن البيضة تؤخذ من الطائر حال حياته، وهي طاهرة إجماعًا كما قدمنا، فلو كانت جزءًا منه كان لها حكم ميتته، لحديث ما أبين من حي فهو كميتته (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2803> دليل من قال بالنجاسة مطلقًا:</span>\nأن البيضة جزء من الميتة، والميتة نجسة، فكذلك بيضها.\n• وأجيب:\nبأن البيض ليس جزءًا من الميتة، بل هو منفصل عنها، وعلى التسليم فليس كل\n_________\n(^١) سبق تخريجه في مبحث «حكم ما قطع من البهيمة، وهي حية، ورجحت أنه مرسل، والله أعلم.","vol":"6","page":314},{"text":"أجزاء الميتة نجسة، فهذا الشعر من الميتة طاهر، ولا ينجس بالموت، وكذلك عظم الميتة على الصحيح وقرنها، وكذلك جلدها إذا دبغ، وهذا الأشياء تتكون منها الميتة، فما بالك بالبيض الذي هو بمنزلة الجنين من الميتة لا ينجس بنجاسة الأم، فلو خرج الجنين من الميتة حيًا كان طاهرًا، فكذلك البيضة إذا خرجت ولم تكن فاسدة فهي طاهرة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2804> دليل من قال: إن صلب قشرها فهي طاهرة وإلا فهي نجسة:</span>\nقالوا: إذا تصلب قشر البيضة منع من تسرب النجاسة إليها، بخلاف غير المتصلب، فإنه لا يمنع من التأثر بالنجاسة.\n• وأجيب:\nعلى التسليم بهذا، فإننا نعرف أن النجاسة قد تسربت إليها أو لم تتسرب بالفساد، فإذا خرجت البيضة غير فاسدة جزمنا أن النجاسة لم تتسرب إليها، إذ لو تسربت إليها لم تبق البيضة على حالتها لم تتغير، بل لو تسرب إليها سائل طاهر لغير البيضة، فكيف إذا تسرب إليها شيء نجس؟.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض الأدلة يظهر أن القول بطهارة البيضة أرجح من حيث قوة الاستدلال، والحكم بالنجاسة يحتاج إلى دليل صحيح سالم من المعارضة، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2805>المبحث الثاني في بيض غير مأكول اللحم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• بيض الحيوان تبع لذاته، فما كان من حيوان طاهر فهو طاهر، وما كان من حيوان نجس فهو نجس.\n• البيض النجس هل يشمل النجاسة باطن البيض وظاهره، أو الباطن فقط، وأما الظاهر فكله طاهر؟\n[م-٥٢٥] اختلف العلماء في البيض غير مأكول اللحم،\nفقيل: إنه طاهر، وهو مذهب المالكية (^١)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: إنه نجس، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣)، والمشهور من مذهب\n_________\n(^١) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٤٣)، مواهب الجليل (١/ ٩٣)، وقد أشار إلى خلاف في المذهب، فقد اختار بعضهم أن بيض الطير طاهر، وبيض السباع والحشرات تبع للحومها، ورجح المصنف الطهارة مطلقًا.\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ٥٧٤): البيض من مأكول اللحم طاهر بالإجماع، ومن غيره فيه وجهان كمنيه، والأصح الطهارة. اهـ وانظر الأشباه والنظائر (ص: ٤٤٨)، مغني المحتاج (٤/ ٣٠٦).\n(^٣) مغني المحتاج (٤/ ٣٠٦)، إعانة الطالبين (٢/ ٣٥٢).","vol":"6","page":316},{"text":"الحنابلة (^١).\nوقيل: إن بيضه تبع لأصله، فإن كان أصله طاهرًا كان بيضه طاهرًا، وإن كان أصله نجسًا كان بيضه كذلك (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2806> دليل من قال بالطهارة:</span>\nالأصل في الأعيان الطهارة، ولا يوجد دليل يقضي بالنجاسة، وفرق بين الطهارة وبين إباحة الأكل، فليس كل محرم الأكل يكون نجسًا، وإن كان كل نجس فهو محرم الأكل، ومن ادعى نجاسة شيء فعليه الدليل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2807> دليل من قال بالنجاسة:</span>\nقال: ما دام أن لحمه محرم الأكل، فكذلك ما نتج منه، كاللبن والبيض ونحوهما، وتحريم الأكل من غير ضرر أو تكريم دليل على النجاسة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2808> دليل من قال: إن البيض تبع لأصله:</span>\nهذا القول قاس البيض على الحيوان، فإن كانت من حيوان نجس، كان بيضه نجسًا، وإن كانت من حيوان طاهر كان بيضه طاهرًا قياسًا على أصله.\nوالذي يبدو أن القول بقياس البيض على أصله قول فيه قوة، جريًا على قاعدة: التابع تابع، ولأن البيض مستخلص من الحيوان، فهو جزء منه، فيكون حكمه تبعًا لأصله، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١٩٥).\n(^٢) استفدت هذا من كلام ابن قدامة في حكم بيع بيض ما لا يؤكل لحمه، حيث يقول في المغني (٤/ ١٧٥): «أما بيض ما لا يؤكل لحمه من الطير، فإن كان مما لا نفع فيه، لم يجز بيعه، طاهرًا كان أو نجسًا. وإن كان ينتفع به، بأن يصير فرخًا، وكان طاهرًا، جاز بيعه؛ لأنه طاهر منتفع به؛ أشبه أصله، وإن كان نجسًا، كبيض البازي، والصقر، ونحوه، فحكمه حكم فرخه. وقال القاضي: لا يجوز بيعه؛ لأنه نجس، لا ينتفع به في الحال. وهذا ملغى بفرخه، وبالجحش الصغير».اهـ","vol":"6","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2809>المبحث الثالث في البيض الفاسد</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• تغير الطاهر بالنتن لا يصيره نجسًا، وإن كان مستقذرًا كالطعام واللحم، وإن ثبت الضرر في تناوله حرم، وإن كان طاهرًا.\n[م-٥٢٦] البيض تارة يتغير بعفن، وتارة يصير دمًا.\nفإن تغير بعفن، فقيل: إنه طاهر، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: نجس، وهو مذهب المالكية (^٢).\nوإن تغير بأن صارت البيضة دمًا.\n_________\n(^١) مغني المحتاج (٤/ ٣٠٥)، حواشي الشرواني (٩/ ٣٨٨)، المجموع (٢/ ٥٧٥)، الفروع (١/ ٧٩، ٢١٨)، الإنصاف (١/ ٣٢٨)، كشاف القناع (١/ ١٩١)، الموسوعة الكويتية (٨/ ٢٦٧).\n(^٢) منح الجليل (١/ ٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٩٣)، الشرح الصغير (١/ ٤٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٠).","vol":"6","page":318},{"text":"فقيل: إنها نجسة، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: إنها طاهرة، إذا قال أهل المعرفة: إنها صالحة للتخلق، وهذا مذهب الشافعية (^٢)، ووجه في مذهب الحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2810> دليل الجمهور:</span>\nأن الدم المسفوح نجس، وهذا منه، ولذلك نص المالكية لو أن الدم مجرد نقطة لم تنجس البيضة؛ لأن النقطة ليس من الدم المسفوح، فيفهم منه: أنه إذا كان أكثر من ذلك كان نجسًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2811> دليل من قال بالطهارة:</span>\nقال: إن هذا التغير من جنس اللحم إذا تغيرت رائحته، فلا يحكم له بالنجاسة، ومن جنس الماء إذا تغير بمكثه، وهذا أقرب القولين، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) العناية شرح الهداية (١/ ٨٤)، مواهب الجليل (١/ ٩٣)، الشرح الصغير (١/ ٤٤)، الفروع (١/ ٢١٨)، الإنصاف (١/ ٣٢٨)، كشاف القناع (١/ ١٩١)، شرح العمدة (١/ ١٣٠).\n(^٢) قال في إعانة الطالبين (١/ ٨٤): «ولو استحالت البيضة دمًا، وصلح للتخلق فطاهرة، وإلا فلا». وقال أيضًا: «ولو استحالت البيضة دمًا فهي طاهرة على ما صححه المصنف في تنقيحه، وصحح في شروط الصلاة منه، وفي التحقيق وغيره أنها نجسة».اهـ وانظر الإقناع للشربيني (١/ ٨٩)، حواشي الشرواني (١/ ٢٩٨)، مغني المحتاج (١/ ٨٠)، تحفة المحتاج (١/ ٢٩٨).\n(^٣) الفروع مع تصحيح الفروع (١/ ٢١٨)، الإنصاف (١/ ٣٢٨)، وهذا الوجه عند الحنابلة لم يشترطوا فيه صلاحيتها للتخلق كما شرطه الشافعية.","vol":"6","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2812>المبحث الرابع سلق البيض بماء نجس</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا سلق البيض بماء نجس، فهل قشر البيض له مسام يمكن أن ينفذ منه الماء النجس فيتنجس، أو لا مسام له فيكون معزولًا بقشره عن الماء، فيكون بمنزلة الماء المسخن بالنجاسة.\n[م-٥٢٧] إذا سلق البيض بماء نجس،\nفقيل: لا يضره، وهذا مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: لا يحل أكله، وهو مذهب المالكية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2813> دليل الجمهور:</span>\nقالوا: إذا سلق البيض بالماء النجس، فإنه بمنزلة الماء المسخن بالنجاسة، فإذا\n_________\n(^١) روضة الطالبين (٣/ ٢٧٩)، مغني المحتاج (٤/ ٣٠٥)، المجموع (٩/ ٣٢)، شرح العمدة (١/ ١٣٠).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ١١٣)، مواهب الجليل (١/ ١١٥)، الدسوقي (١/ ٦٠).","vol":"6","page":320},{"text":"كان ذلك لا يضر الماء، فكذلك لا يضر البيض.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2814> دليل المالكية:</span>\nأن البيض يتأثر بالماء، ويتعذر تطهيره منه، لسريان الماء النجس في مسامه.\n• الراجح من القولين:\nينبني على ما إذا كان لقشرة البيض مسام أو لا، فإن ثبت أن لها مسامًا فلا شك في نجاسة البيض حينئذ، لمخالطة ما بداخلها للنجاسة، وإن لم يثبت لها مسام كما هو الظاهر فليست نجسة، وذلك لأن السائل الذي بداخلها قد تجمد بفعل الحرارة، فلم تصل إليه النجاسة، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2815>الباب الثالث في الآسار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2816>الفصل الأول في سؤر الآدمي</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ذات طاهر فسؤرها طاهر؛ لأن السؤر متحلب من البدن.\n[م-٥٢٨] ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى طهارة سؤر الآدمي مطلقًا، سواءً كان محدثًا أم غير محدث، وسواءً أكان رجلًا أم امرأةً، واستثنى بعضهم سؤر الآدمي حال شرب الخمر، أما لو مكث قدر ما يغسل فمه بلعابه، فلا بأس بسؤره (^١).\nواشترط ابن حزم في طهارة سؤر الآدمي الكافر عدم ظهور أثر لعاب الكافر\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١٠٨)، المبسوط (١/ ٤٧)، الهداية شرح البداية (١/ ٢٣)، تبيين الحقائق (١/ ٣١)، بدائع الصنائع (١/ ٦٣)، البحر الرائق (١/ ١٣٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٥)، الشرح الكبير (١/ ٣٤، ٣٥)، مواهب الجليل (١/ ٥٢)، التاج والإكليل (١/ ٥٢)، المجموع (١/ ٢٢٥) وقد ذهب الشافعية إلى طهارة سؤر جميع الحيوانات المأكول منها وغير المأكول عدا الكلب والخنزير وما تولد منهما.\nوانظر الإنصاف (١/ ٢٤٥)، الكافي (١/ ١٣)، الفروع (١/ ٢٦٤)، كشاف القناع (١/ ١٩٣).","vol":"6","page":322},{"text":"فيه، فإن ظهر تنجس السؤر؛ لأنه يرى نجاسة بدن الكافر وقد ذكرنا أدلته في مسألة مستقلة.\n• الأدلة على طهارة سؤر الآدمي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2817>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل على نجاسة سؤر الآدمي، والأصل في الأشياء الطهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2818>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان بدن الآدمي طاهرًا، فكذلك سؤره؛ لأن سؤره متحلب من بدنه، وقد تقدم ذكر الأدلة على أن بدن الآدمي طاهر في فصل مستقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2819>الدليل الثالث:</span>\n(١١٧١ - ١٤٢) ما رواه البخاري، من طريق الزهري، قال:\nحدثني أنس بن مالك ﵁، أنها حُلِبَت لرسول الله ﷺ شاةٌ داجن، وهي في دار أنس بن مالك، وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطي رسول الله ﷺ القدح، فشرب منه حتى إذا نزع القدح من فيه، وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال عمر - وخاف أن يعطيه الأعرابي- أعط أبا بكر يا رسول الله عندك، فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه ثم قال: الأيمن فالأيمن. ورواه مسلم بنحوه (^١).\nفإن قيل: هذا سؤر رسول الله ﷺ، وليس سؤره كسؤر غيره، قيل: إن قوله ﷺ: الأيمن فالأيمن دليل على طهارة السؤر، ولو من غيره ﷺ، ثم إن الأصل أن الرسول ﷺ كغيره في الطهارة والنجاسة على الصحيح.\nوأصرح منه ما رواه البخاري، قال: حدثني أبو نعيم بنحو من نصف هذا الحديث، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا مجاهد،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٣٥٢)، ومسلم (٣٧٨٣).","vol":"6","page":323},{"text":"أن أبا هريرة كان يقول: آلله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: يا أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: الحق، ومضى، فتبعته فدخل، فاستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبنًا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة. قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي ﷺ، وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح، فوضعه على يده فنظر إلي، فتبسم، فقال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت.\nقلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد، فاشرب، فقعدت، فشربت فقال: اشرب، فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا. قال: فأرني فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى، وشرب الفضلة (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤٥١).","vol":"6","page":324},{"text":"وجه الشاهد من الحديث:\nأن الصحابة ﵃ شرب بعضهم من سؤر بعض، ولو كان سؤر الآدمي نجسًا لم يتناوله، ولم يشرب منه ﷺ.\n• وأما الدليل على طهارة سؤر المحدث:\n(١١٧٢ - ١٤٣) فهو ما رواه مسلم من طريق المقدام بن شريح عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ. ولم يذكر زهير فيشرب (^١).\nقال القرطبي: «قولها: (أتعرق العرْق): أي العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم، وهذه الأحاديث متفقة الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يجتنب إلا موضع الأذى منها فحسب» (^٢).\nوأما طهارة سؤر الكافر، فقد أباح الله لنا نكاح نساء أهل الكتاب، ومعاشرة الرجل للمرأة يقتضي منه أن يخالط ريقه ريقها، وأن يمس بدنه بدنها، وكذلك أباح الله لنا طعام أهل الكتاب، وقد ذبحوه في أيديهم، وطبخوه في آنيتهم، فإذا كانت أبدانهم طاهرة فكذلك سؤرهم، وقد سبق في فصل مستقل طهارة أبدان الكفار في أول الكتاب.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٠٠).\n(^٢) المفهم (١/ ٥٥٩).","vol":"6","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2820>الفصل الثاني\nفي طهارة سؤر الحيوان المأكول لحمه</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل بدن طاهر فسؤره طاهر؛ لأن السؤر متحلب من البدن.\n[م-٥٢٩] ذهب الأئمة الأربعة إلى طهارة سؤر ما يؤكل لحمه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2821>واستدلوا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2822>الدليل الأول:</span>\nالإجماع، فقد أجمع الفقهاء على طهارة سؤر ما يؤكل لحمه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2823>الدليل الثاني:</span>\nأن لعاب الحيوان متحلب من لحمه، ولحمه طاهر فيكون سؤره طاهرًا أيضًا، لأن ملاقاة الطاهر للطاهر لا توجب تنجيسه.\n* * *\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٤٧، ٤٨)، تبيين الحقائق (١/ ٣١)، شرح فتح القدير (١/ ١٠٨)، مواهب الجليل (١/ ٥١، ٥٢)، الخرشي (١/ ٦٥)، المجموع (١/ ٢٢٥)، المغني (١/ ٤٥)، المحلى، مسألة: ١٣٣ (١/ ١٣٦).\n(^٢) المغني (١/ ٤٥).","vol":"6","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2824>الفصل الثالث\nفي طهارة سؤر الحيوان غير مأكول اللحم</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، ولم يطردوا القول في الحيوانات غير المأكولة لاختلافهم في طهارتها، وذلك لأن الحيوانات غير المأكولة منها ما هو طاهر في الحياة، ومنها ما هو نجس متفق على نجاسته، ومنها ما هو مختلف في نجاسته، ولذلك سوف نعرض لذكر هذه الحيوانات على سبيل التفصيل، ويمكن لنا أن نقسم الحيوانات غير المأكولة إلى أقسام عدة، منها:\nـ سؤر الهرة.\nوسؤر الحمار والبغل.\nوسؤر سباع البهائم والطير.\nوسؤر الخنزير.\nوسؤر الكلب، هذه أهم التقسيمات للحيوانات غير المأكولة.\n* * *","vol":"6","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2825>المبحث الأول في سؤر الهرة وما دونها في الخلقة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• طهارة سؤر الهرة فرع عن طهارة عينها، وهو المنصوص، لذا قال: إنها ليست بنجس، وصرح بالعلة: إنها من الطوافين.\n[م-٥٣٠] اختلف العلماء في طهارة سؤر الهرة:\nفذهب الحنفية إلى أن سؤر الهرة وحشرات البيوت كالفأرة والحية طهور مكروه (^١).\nوذهب الأئمة الثلاثة إلى طهارة سؤرها بلا كراهة (^٢).\n_________\n(^١) قال في المبسوط (١/ ٥٠): «فأما سؤر حشرات البيت كالفأرة، والحية، ونحوهما في القياس فنجس؛ لأنها تشرب بلسانها، ولسانها رطب من لعابها، ولعابها يتحلب من لحمها، ولحمها حرام، ولكنه استحسن فقال: طاهر مكروه؛ لأن البلوى التي وقعت الإشارة إليها في الهرة موجودة هنا، فإنها تسكن البيوت، ولا يمكن صون الأواني عنها».اهـ\nوانظر البناية (١/ ٤٤٤) شرح معاني الآثار (١/ ١٩)، إعلاء السنن للتهانوي (١/ ٢٨٨)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٦١) شرح المشكاة للطيبي (٢/ ١٠٨).\n(^٢) الاستذكار (٢/ ١١٢)، البيان والتحصيل (١/ ٤٤)، التمهيد (٣/ ١٨)، عارضة الأحوذي لابن العربي (١/ ١٣٧)، الوسيط للغزالي (١/ ٣٤١)، الأوسط (١/ ٢٧٧)، روضة الطالبين (١/ ١٤٣)، المبدع (١/ ٢٥٧)، الإنصاف (١/ ٢٤٣)، تنقيح التحقيق (١/ ٢٦٧)، شرح الزركشي (١/ ١٣٩).","vol":"6","page":328},{"text":"وقيل: يغسل الإناء من ولوغ الهرة، قال به أبو هريرة (^١)، وسعيد بن المسيب (^٢)، ومحمد بن سيرين (^٣)، وعطاء (^٤)، وقتادة (^٥)، والحسن (^٦) ﵃ جميعًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2826> دليل من قال: يكره سؤر الهرة:</span>\nيرى الحنفية أن الهرة عينها نجسة، لكن سقطت نجاسة سؤرها لعلة التطواف، وبقيت الكراهة لإمكان التحرز منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2827> دليل من قال بطهارة سؤرها:</span>\n(١١٧٣ - ١٤٤) روى مالك، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٧٢) عنه بسند صحيح. وقد جاء عن أبي هريرة خلافه، فعلى هذا يكون\nلأبي هريرة قولان في المسألة.\nفقد أخرجه أبو عبيد في الطهور (٢٢٢) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٠٢) قال: نا علي بن معبد، عن أبي المليح: الحسن بن عمرو الفزاري، عن ميمون بن مهران، أنه سئل عن سؤر السنور؟ فقال: إن أبا هريرة كان لا يرى بأسًا، وربما كفى له الإناء، وقال: إنما هو من أهل البيت. وهذا سند صحيح أيضًا.\n(^٢) روى ابن أبي شيبة (١/ ٣٨) رقم ٣٤٤ من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: يغسل مرتين.\nوروى عبد الرزاق (٣٤٥) عن معمر، عن قتادة، قال: سألت ابن المسيب عن الهر يلغ في الإناء؟ قال: يغسل مرة أو مرتين.\n(^٣) روى ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٠) من طريق أيوب، عن محمد في الإناء يلغ فيه الهر، قال: يغسل مرة. وسنده صحيح.\n(^٤) روى عبد الرزاق في المصنف (٣٤٢) عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: الهر؟ قال: هو بمنزلة الكلب، أو شر منه. وسنده صحيح.\nوروى ابن أبي شيبة (٣٤٢) عن الحسن بن علي، قال: سمعت عطاء يقول في الهر يلغ في الإناء: يغسله سبع مرات.\n(^٥) روى ابن أبي شيبة (٣٤٥) حدثنا غندر، عن هشام، عن قتادة، قال: يغسل مرتين أو ثلاثًا. وسنده صحيح.\n(^٦) روى ابن أبي شيبة (٣٤١) حدثنا معتمر، عن يونس، عن الحسن أنه سئل عن الإناء يلغ فيه السنور، قال: يغسل.","vol":"6","page":329},{"text":"حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:\nأن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2828>الدليل الثاني:</span>\n(١١٧٤ - ١٤٥) ما رواه إسحاق بن راهوية في مسنده (^٣)، قال: أخبرنا\nعبد العزيز بن محمد، نا داود بن صالح التمار، عن أمه،\nعن عائشة أنها قالت في الهرة: إنما هي من الطوافين عليكم، ولقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها.\n[ضعيف، واختلف في وقفه ورفعه] (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2829> دليل من قال: يغسل الإناء من ولوغ الهر:</span>\n(١١٧٥ - ١٤٦) ما رواه الترمذي في سننه، قال: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب يحدث، عن محمد ابن سيرين،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة.\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٤٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح (١٠٦٠) من هذا الكتاب.\n(^٣) المسند (٢/ ٤٣٦، ٤٥٨) ح ٤٦٠.\n(^٤) سبق تخريجه، انظر ح (١٠٦٠) فقد ذكرت تخريجه ضمن شواهده.","vol":"6","page":330},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة (^١).\n[المحفوظ أن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الهر موقوف على أبي هريرة] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2830>الدليل الثاني:</span>\n(١١٧٦ - ١٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عيسى بن المسيب، عن أبي زرعة،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الهر سبع (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\nوإذا كان الهر سبعًا، فإن غسل الإناء منه واجب.\n• الراجح:\nإذا كنا قد رجحنا طهارة عين الهرة، كما في الكلام على ذوات الحيوان، فإننا نطهر سؤره كذلك، وحديث أبي قتادة نص في الموضوع في المسألتين: في طهارة عينه، وفي طهارة سؤره، حيث قال: إنها ليست بنجس، فنفى النجاسة عن ذاتها وجعله ذلك علة في الوضوء من سؤرها.\n* * *\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٩١).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح (١٠٥٨).\n(^٣) المسند (٢/ ٤٤٢).\n(^٤) سبق تخريجه انظر ح (١٠٥٩).","vol":"6","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2831>المبحث الثاني في طهارة سؤر البغل والحمار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الحيوان الطهارة، ولا يحكم بنجاسة شيء منه إلا بدليل.\n• كل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا أن يشق التحرز منه، الأصل في ذلك طهارة الهر، وغيره مقيس عليه.\n• الخلاف في طهارة البغل والحمار يرجع إلى الخلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان البري:\nهل علة الطهارة هي الحياة، فلا نجاسة في حيوان حي، فإذا مات تنجس إلا ما استثني كميتة الآدمي، والبحر، وما لا نفس له سائلة، أو أن علة النجاسة في الحيوان ترجع إلى تحريم الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا ما شق التحرز منه كالهر.\n• علة الطهارة والنجاسة في الحيوان مركبة، ومتنوعة، فالموت علة في نجاسة كل حيوان إلا ميتة الآدمي، والبحر، وما لا نفس له سائلة، والتذكية من أهلها علة في طهارة ما يؤكل من الحيوان البري، بخلاف ما لا يؤكل، والحيوان محرم الأكل نجس إلا الآدمي فلحرمته، أو كانت طهارته لمشقة التحرز منه.","vol":"6","page":332},{"text":"[م-٥٣١] اختلف العلماء في طهارة سؤر الحمار والبغل،\nفقيل: مشكوك فيه، وهذا مذهب الحنفية (^١)، وبناء عليه يكون استعمال سؤرهما مكروهًا.\nوقيل: سؤرهما طاهر، وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عن أحمد (^٤).\nوقيل: نجس، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٥).\nوهذه الأقوال مبنية على اختلاف الفقهاء في ذواتهما، فمن ذهب إلى نجاسة عين الحمار والبغل ذهب إلى نجاسة سؤره، ومن رأى طهارتهما في حال الحياة ذهب إلى طهارة سؤرهما، ومن توقف في أعيانهما كالحنفية لاختلاف الأدلة رأى أن سؤرهما مشكوك فيه، وقد ذكرنا الخلاف وأدلته في ذات الحيوان محرم الأكل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n* * *\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٦٥)، تبيين الحقائق (١/ ٣٤)، الجوهرة النيرة (١/ ٢٥)، البحر الرائق (١/ ١٤٠)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٤).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ٦٣)، مواهب الجليل (١/ ٥١).\n(^٣) المجموع (٢/ ٦٠٧).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٤٢)، الفروع (١/ ٢٥٦)، كشاف القناع (١/ ١٩٢).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٣٤٢).","vol":"6","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2832>المبحث الثالث في سؤر سباع البهائم والطير</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الخلاف في طهارة سباع البهائم والطير يرجع إلى الخلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان:\nهل علة الطهارة فيه هي الحياة، فلا نجاسة في حيوان حي حتى الكلب والخنزير، أو أن علة الطهارة هي إباحة الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا ما شق التحرز منه كالهر.\n[م-٥٣٢] اختلف العلماء في سؤر سباع البهائم والطير،\nفقيل: سؤر سباع الطير طاهر، وسؤر سباع البهائم نجس، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: سؤرهما طاهر، وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٥١، ٥٢)، بدائع الصنائع (١/ ٦٤، ٦٥)، تبيين الحقائق (١/ ٣٣).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ٦٢)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٤٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٤) وعبر بعضهم بكراهة سؤر ما لا يتوقى النجاسة منها إلا أن يشق الاحتراز منه فلا كراهة.\n(^٣) المجموع (١/ ٢٢٣).","vol":"6","page":334},{"text":"وقيل: سؤرهما نجس، وهو مذهب الحنابلة (^١).\nوهذا الخلاف راجع إلى الخلاف في أعيانها هل هي طاهرة أم نجسة، وقد ذكرنا أدلة كل قول في مسألة مستقلة، إلا أن هنا كلامًا يزاد على ما ذكر، وهو وجه التفريق عند الحنفية بين سباع الطير، وبين سباع البهائم، مع أن ذواتها نجسة عندهم، قالوا في وجه التفريق:\nإن القياس نجاسة سؤرها على نجاسة لحمها، ولكن ترك هذا القياس للاستحسان، وذلك أن سباع الطير تشرب بمنقارها، وهو عظم جاف، بخلاف سباع البهائم التي تشرب بلسانها، والذي يكون فيه رطوبة من لعابها، وهو نجس، وسباع الطير تنقض من علو لتشرب من الأواني، وفي الحكم بتنجيس آسارها حرج شديد، والحرج مرفوع عن هذه الأمة، والله أعلم.\n• الراجح:\nقد سبق فيما مضى ترجيح أن أعيان السباع نجسة، ولكن هذا لا يكفي للحكم بنجاسة سؤرها؛ لأن نجاسة سؤرها مبني على مسألة أخرى، وهي إذا وقعت نجاسة في الماء، فهل ينجس بمجرد وقوع النجاسة، أو يشترط للحكم بالنجاسة أن يتغير أحد أوصاف الماء: طعمه أو لونه أو ريحه؟\nفالعلماء متفقون على أن الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فإنه طهور،\nوقد نقل الإجماع على ذلك ابن الهمام من الحنفية (^٢)، وابن رشد، من المالكية (^٣)،\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١٩٢)، الإنصاف (١/ ٣٢٩).\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ٧٧، ٧٨)، وانظر البناية (١/ ٣١٩)، البحر الرائق (١/ ٩٤).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٥٣)، ونقل الإجماع كذلك ابن عبد البر كما في التمهيد (٩/ ١٠٨)، وقال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد (١/ ٢٤٥): «واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه، وأنه طاهر».\nوقال الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٥٣): الماء الكثير إذا خالطه شيء نجس، ولم يغيره، فإنه باق على طهوريته. اهـ وانظر الخرشي (١/ ٧٧).","vol":"6","page":335},{"text":"وابن المنذر من الشافعية (^١)، وعبد الرحمن بن قدامة من الحنابلة (^٢).\nوطوائف من العلماء، منهم: الطبري (^٣)، وابن حزم (^٤)، وابن تيمية (^٥)، وابن قدامة (^٦)، وابن دقيق العيد (^٧)، والزركشي (^٨)، وابن رجب (^٩)، والعراقي في طرح التثريب (^١٠)، وابن عبد الهادي (^١١)، والشوكاني (^١٢)، وغيرهم.\nواتفقوا كذلك على أن الماء إذا تغير بالنجاسة فإنه ينجس مطلقًا كثيرًا كان أو قليلًا.\nوممن نقل الإجماع على ذلك الطحاوي (^١٣)، وابن نجيم (^١٤) من الحنفية.\nوأبو الوليد ابن رشد من المالكية (^١٥).\n_________\n(^١) الإجماع (ص: ٣٣)، وانظر الأوسط (١/ ٢٦١).\n(^٢) الشرح الكبير (١/ ١٣).\n(^٣) تهذيب الآثار (٢/ ٢١٩، ٢٣٣).\n(^٤) مراتب الإجماع (ص: ١٧).\n(^٥) نقد مراتب الإجماع (ص: ١٧).\n(^٦) المغني (١/ ٣٩).\n(^٧) إحكام الأحكام (١/ ٢٢، ٢٣).\n(^٨) شرح الزركشي (١/ ١٣٤).\n(^٩) القواعد (٢٩).\n(^١٠) طرح التثريب (١/ ٣٦).\n(^١١) مغني ذوي الأفهام (ص: ٤٢).\n(^١٢). نيل الأوطار (١/ ٤٥).\n(^١٣) شرح معاني الآثار (١/ ١٢)، ونقل الإجماع العيني كما في البناية (١/ ١٣٠)، وابن الهمام كما في شرح فتح القدير (١/ ٧٧)، وغيرهما.\n(^١٤) البحر الرائق (١/ ٧٤).\n(^١٥) مواهب الجليل (١/ ٥٣، ٦٠)، وانظر مقدمات ابن رشد (١/ ٥٧)، والمنتقى للباجي (١/ ٥٦، ٥٩)، وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي (١/ ٢٢٣): فإن تغير الماء لم يطهر إجماعًا. وانظر البيان والتحصيل (١/ ٤٢، ٦٠، ١٣٤)، القوانين الفقهية (٣٢).","vol":"6","page":336},{"text":"وقال الشافعي ﵀: وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه، أو لونه، كان نجسًا، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا (^١)، ونقله النووي أيضًا (^٢).\nوقال ابن تيمية: إذا وقع في الماء نجاسة، فغيرته، تنجس اتفاقًا (^٣).\nوقد نقل الإجماع طوائف من العلماء منهم:\nابن عبد البر (^٤)، وأبو العباس بن سريج (^٥)، وابن جرير الطبري (^٦)، وابن المنذر (^٧)، وابن حبان (^٨)، والقاضي عياض (^٩)، وابن القطان الفاسي (^١٠)، وابن دقيق العيد (^١١)،\n_________\n(^١) الأم (١/ ١٣).\n(^٢) المجموع (١/ ١٣١)، وقد نقل الإجماع مجموعة من الشافعية، منهم الماوردي في الحاوي (١/ ٣٢٥)، والعراقي في طرح التثريب (٢/ ٣٢، ٣٣، ٣٥)، شرح المنهج (١/ ٤١)، الغرر البهية (١/ ٣٤).\n(^٣) مختصر الفتاوى المصرية (ص: ١٨).\n(^٤) التميهد (١٨/ ٢٣٥، ٢٣٦)، (١٩/ ١٦)، والاستذكار (١/ ٢١١).\n(^٥) الودائع لنصوص الشرائع (١/ ٩٣).\n(^٦) تهذيب الآثار (٢/ ٢١٣، ٢١٦).\n(^٧) الأوسط (١/ ٢٦٠)، والإجماع (ص: ٣٣).\n(^٨) قال ابن حبان في صحيحه (٤/ ٥٩): قوله ﷺ: الماء لا ينجسه شيء، لفظة أطلقت على العموم، تستعمل في بعض الأحوال، وهو المياه الكثيرة التي لا تحتمل النجاسة فتظهر فيها، وتخص هذه اللفظة التي أطلقت على العموم ورود سنة، وهو قوله ﷺ: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ويخص هذين الخبرين الإجماع على أن الماء قليلًا كان أو كثيرًا فغير طعمه أو لونه أو ريحه نجاسة وقعت فيها أن ذلك الماء نجس بهذا الإجماع الذي يخص عموم تلك اللفظة المطلقة التي ذكرناها. اهـ\n(^٩) مواهب الجليل (١/ ٦٠).\n(^١٠) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني (١/ ٤٩).\n(^١١) إحكام الأحكام (١/ ٢٢، ٢٣).","vol":"6","page":337},{"text":"وابن الفاكهاني (^١)، وابن الملقن (^٢)، وابن مفلح (^٣)، وغيرهم (^٤).\nومن النظر: أن الله ﷾ حرم استعمال النجاسة، والماء المتغير بالنجاسة إذا استعمل فقد استعملت النجاسة، لظهور أثرها في الماء من لون أو طعم أو رائحة، والله أعلم.\nواختلفوا في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره:\nفالجمهور على أن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة فإن الماء ينجس مطلقًا، تغير الماء أو لم يتغير، على خلاف بينهم في حد الماء الكثير والقليل.\nوذهب مالك في رواية المدنيين عنه (^٥)، وراية عن أحمد (^٦) إلى أن الماء لا ينجس إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة، وهو الراجح، وقد ذكرت أدلة المسألة ومناقشتها في في المجلد الأول، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.\nفالراجح أن الماء القليل إذا شربت منه السباع، ولم يتغير بهذا اللعاب، ولم يظهر للعاب أثر بالماء فإنه طهور.\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٨٥).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ٤٠).\n(^٣) المبدع (١/ ٥٢).\n(^٤) انظر إجماعات ابن عبد البر في العبادات (١/ ١٢٤).\n(^٥) المدونة (١/ ١٣٢)، ورجحه ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٢٧)، والاستذكار (٢/ ١٠٣)، الخرشي (١/ ٧٦، ٨١)، وقال ابن رشد في بداية المجتهد (١/ ٢٤٩): «ويتحصل عن مالك في الماء اليسير تقع فيه النجاسة ثلاثة أقوال، قول: إن النجاسة تفسده، وقول: إنها لا تفسده إلا أن يتغير أحد أوصافه، وقول: إنه مكروه».\n(^٦) المغني (١/ ٣١)، المحرر (١/ ٢).","vol":"6","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2833>المبحث الرابع في سؤر الخنزير</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الخلاف في طهارة سؤر الخنزير راجع إلى الخلاف في طهارة ذاته.\n• الخلاف في طهارة ذات الخنزير يرجع إلى الاختلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان:\nهل علة الطهارة هي الحياة، فلا نجاسة في حيوان حي حتى الكلب والخنزير، أو أن علة الطهارة هي إباحة الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا ما شق التحرز منه كالهر، الراجح الثاني.\n[م-٥٣٣] اختلف العلماء في سؤر الخنزير،\nفقيل: نجس، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)،\n_________\n(^١) البناية على الهداية (١/ ٣٦٠)، بدائع الصنائع (١/ ٦٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٦)، فتح القدير (١/ ٩٤، ١١٠).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٧٨)، الأم (١/ ٥، ٦)، الوسيط (١/ ٣٠٩، ٣٣٨، ٣٣٩)، المجموع (٢/ ٥٨٥)، روضة الطالبين (١/ ٣١).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٣٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٨٩)، المحرر (١/ ٨٧)، الإنصاف (١/ ٣١٠)، رؤوس المسائل (١/ ٨٩).","vol":"6","page":339},{"text":"وقول في مذهب المالكية (^١).\nوقيل: طاهر، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٢).\nوالخلاف في سؤر الخنزير راجع إلى الخلاف في ذاته، هل هو طاهر أو نجس، وقد ذكرنا أدلة كل قول في مسألة مستقلة، إلا أن نجاسة عينه لا يلزم منها نجاسة سؤره؛ لأن نجاسة سؤره مبني على مسألة أخرى، وهي إذا وقعت نجاسة في الماء، فهل ينجس بمجرد وقوع النجاسة، أو يشترط للحكم بالنجاسة أن يتغير أحد أوصاف الماء: طعمه أو لونه أو ريحه؟\nوقد بحثت هذا الخلاف في المجلد الأول من كتاب المياه فانظره، وعليه فالراجح أنه إن ظهر أثر للعاب في الماء كان السؤر نجسًا، وإن لم يكن له أثر، فالماء باق على خلقته التي خلقه الله عليها، لا يمكن أن يحكم بنجاسته إلا إذا ظهر أثر النجاسة من لون أو طعم أو رائحة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) التمهيد (١/ ٣٢٠).\n(^٢) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي (١/ ٥٠)، المدونة (١/ ٥، ٦)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٨٠)، الخرشي (١/ ٨٥).","vol":"6","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2834>المبحث الخامس في سؤر الكلب</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• نجاسة الإناء بولوغ الكلب دليل على نجاسة لسانه، وإذا كان لسان الكلب نجسًا لم يكن هناك فرق بين اللسان وبين سائر أعضائه.\n• علة الطهارة والنجاسة في الحيوان مركبة، ومتنوعة:\n• فكل حيوان مات حتف أنفه فهو نجس إجماعًا إلا ميتة الآدمي، والبحر، وما لا نفس له سائلة.\n• والتذكية من أهلها مطهرة إجماعًا لكل ما يؤكل من الحيوان البري، واختلف في تذكية ما لا يؤكل.\n• كل حيوان محرم الأكل فهو نجس على الصحيح إلا أن يشق التحرز منه كالهر.\nوقيل: كل حيوان طاهر في الحياة حتى الكلب والخنزير.\n[م-٥٣٤] اختلف العلماء في سؤر الكلب.\nفقيل: نجس، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)،\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٢٤)، المبسوط (١/ ٤٨)، بدائع الصنائع (١/ ٦٤).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (١/ ٢٢١).","vol":"6","page":341},{"text":"والحنابلة (^١).\nوقيل: سؤره طاهر، وهو مذهب المالكية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2835> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2836><span data-type=\"title\" id=toc-2838>الدليل الأول:</span></span>\n(١١٧٧ - ١٤٨) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب (^٣).\nورواه من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار (^٤).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وجعله طهارة لهذا الإناء، كما أمر بإراقة سؤره، ولم يفرق بين ما تغير وما لم يتغير.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2837> دليل المالكية على طهارة سؤره:</span>\nالدليل الأول:\nمن الكتاب قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٤].\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (١/ ٤١٧)، الفروع (١/ ٢٣٦)، طرح التثريب (٢/ ١٢٠)، الإنصاف (١/ ٣١٠)، كشاف القناع (١/ ١٨١).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٧٤)، الخرشي (١/ ٧٦)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٨٥، ٨٦).\n(^٣) صحيح مسلم (٩١/ ٢٧٩).\n(^٤) المرجع السابق (٨٩/ ٢٧٩).","vol":"6","page":342},{"text":"وجه الاستدلال:\nأباح الله ﷾ الأكل مما أمسكت الكلاب، ولم يأمرنا بغسل المكان الذي أمسكته معه، مع أنه لا يخلو من التلوث بريق الكلب، ولو كان نجسًا لأمرنا بغسله، ولنقل عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم غسله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2839>الدليل الثاني:</span>\n(١١٧٨ - ١٤٩) ما رواه البخاري في صحيحه: قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،\nعن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (^١).\nوقد أجبنا عن هذه الأدلة في ذكر الخلاف في عين الكلب، هل عينه طاهرة أم نجسة، فارجع إليه إن شئت.\n• الجواب عن حديث الولوغ.\nفيمكن أن يجاب بأحد جوابين.\nالجواب الأول: أن زيادة «فليرقه» زيادة شاذة (^٢).\nومع الحكم بشذوذ «فليرقه»، فإن المعنى يقتضي تنجس الماء ولو لم يتغير، لأن الرسول ﷺ أمر بغسل الإناء، وجعل ذلك طهارة للإناء.\nفقوله ﷺ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٧٤)، قال الحافظ في الفتح: زاد أبو نعيم والبيهقي في روايتهما لهذا الحديث من طريق أحمد بن شبيب المذكور موصولًا بصريح التحديث.\n(^٢) بحثت هذا الحديث وجمعت طرقه في أحكام المياه، وبينت أن علي بن مسهر قد خالف أكثر من خمسة عشر حافظًا رووا الحديث بدون هذه الزيادة، انظر المجلد الأول مسألة: الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره.","vol":"6","page":343},{"text":"ومعلوم أن نجاسة الإناء إنما جاءت من نجاسة الماء؛ لأن الولوغ إنما وقع على الماء، فتنجس الإناء لنجاسة الماء؛ ولأن النجاسة لو كانت للإناء وحده لأمر الرسول ﷺ أن يغسل من الإناء جهة الولوغ فقط، فلما أمر بغسل الإناء كله، علم أن النجاسة إنما سرت عن طريق الماء المتنجس. فإن قال قائل: إذًا كيف حكمتم على الأمر بالإراقة بالشذوذ؟\nفالجواب: لا يلزم من الحكم بنجاسة الماء الحكم بوجوب إراقته؛ لأن الماء إذا تنجس لا يكون نجس العين، إذ يمكن تطهيره، وإذا أمكن تطهيره أمكن الانتفاع به بخلاف ما إذا أوجبنا إراقته.\nالجواب الثاني:\nلا يعني ذلك إذا حكمنا بنجاسة الماء أن نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها التسبيع، ومنها التتريب، فلا يقاس الأخف على الأغلظ.\nعلى أنه قد يقال: لا نسلم عدم التغير؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء فتظهر على شيء منه، فيكون هذا نوعًا من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة، فينجس والله أعلم.\nفالراجح أن سؤر الكلب نجس، خاصة إذا وقع الولوغ في الآنية؛ لأن الحديث إنما جاء نصًّا في الآنية: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، وأما إذا ولغ في البرك والمستنقعات الكبيرة فإن ذلك لا يضر الماء؛ لأن الماء في هذه الحال كثير، وقد كانت مياه المسلمين في الفلاة يردها السباع والكلاب، ولم ينقل أنهم كانوا يجتنبون ذلك، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2840>الباب الرابع في الجمادات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2841>الفصل الأول في طهارة الخمر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأعيان الطهارة.\n• الحكم بنجاسة الشيء مشروط باتصافه بأعراض النجاسة.\n• إراقة الخمرة في سكك المدينة دليل على طهارتها.\n[م-٥٣٥] اختلف العلماء في الخمرة، هل هي طاهرة أم نجسة؟.\nفقيل: إنها نجسة نجاسة حسية، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١)، واختيار\nابن حزم (^٢)، ورجحه ابن تيمية (^٣).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٢٠)، تبيين الحقائق (١/ ٧٦)، المبسوط (١/ ٥٢)، بدائع الصنائع (١/ ٦٦)، شرح فتح القدير (١/ ٧٩)، المنتقى للباجي (١/ ٤٣)، التاج والإكليل (١/ ٩٨)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٩، ٥٠)، الأم (١/ ٥٢)، المجموع (٢/ ٥٦٥)، الإنصاف (١/ ٣١٩)، المغني (١/ ٤٩)، الفروع (١/ ٢٤٢)، الكافي (١/ ٨٨)، قواعد ابن رجب (ص: ٢٣٠)، كشاف القناع (١/ ١٨٧).\n(^٢) المحلى (مسألة: ١٢١، (١/ ١٠٥)\n(^٣) الإنصاف (١/ ٣٢٠).","vol":"6","page":345},{"text":"وقيل: الخمرة طاهرة، وإليه ذهب ربيعة الرأي (^١)، والمزني من أصحاب الشافعي (^٢)، وداود الظاهري (^٣)، ورجحه الشوكاني، والصنعاني (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2842> دليل من قال: إن الخمر نجسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2843>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: ٩٠].\nوجه الاستدلال:\nأن الله تعالى وصف الخمر بأنها رجس، والرجس في عرف الشرع هو النجس نجاسة عينية.\n• وأجيب:\nبأن الرجس في الآية لا يراد به النجاسة الحسية، لما يأتي:\nأولًا: أن الله ﷾ قرن الخمر بالميسر، والأنصاب، والأزلام، وإذا كانت هذه الأشياء ليست نجسة نجاسة حسية، فكذلك الخمرة (^٥).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٨٨).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٨١).\n(^٤) السيل الجرار (١/ ٣٥)، سبل السلام (١/ ٦١).\n(^٥) وحاول المخالفون الخروج من هذا بقولهم: إن الميسر والأنصاب والأزلام خرجت بالإجماع على طهارتها، وبقي ما عداها على النجاسة.\nفيقال: ما دام أن كلمة رجس ليست نصًا في النجاسة الحسية، لم يكن هذا الدليل حجة في النجاسة؛ لأن الإجماع دل على أن كلمة رجس قد تطلق على الشيء، وهو ليس بنجس.\nثم إنه ليس هناك إجماع، فقد خالف ابن حزم، فقال بنجاسة الميسر والأنصاب والأزلام، ولكن لا يعرف هذا القول إلا لابن حزم ﵀، وهو رأي لا يستند إلى حجة.","vol":"6","page":346},{"text":"ثانيًا: أن الرجس هنا وصف بقوله: (من عمل الشيطان) فهو رجس عملي، أي معنوي، وليس رجسًا حسيًّا، ولذلك قال القرطبي: من عمل الشيطان: أي بحمله وتزيينه.\nثالثًا: الرجس في كلام الشارع أكثر ما جاء في النجاسة المعنوية، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب: ٣٣]، وقال تعالى: (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) [يونس: ١٠٠]، وقال تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: ١٢٥]، وقال سبحانه: (قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ) [الأعراف: ٧١]، وقال سبحانه: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]، وقال سبحانه: (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ) [التوبة: ٩٥]، وقال: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠].\nفإذا كان الأكثر في كلام الشارع إطلاق الرجس على النجاسة المعنوية، كما مر معنا في الآيات السابقة، والميسر والأنصاب والأزلام يراد بها النجاسة المعنوية، والخبر هنا إخبار عن الأربعة الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، فالقول بأن الرجس في الخمر وحده فقط دليل على النجاسة الحسية، وعلى غيره مما قرن معه يراد به النجاسة المعنوية فيه نوع تحكم لا دليل عليه.\nولذلك لم ير النووي -وهو ممن يرى نجاسة الخمر- في الآية نصًا على نجاسة الخمر، حيث يقول ﵀:\n«ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة لأن الرجس عند أهل اللغة القذر ولا يلزم من ذلك النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة» (^١).\n(١١٧٩ - ١٥٠) رابعًا: ساق ابن جرير الطبري من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة،\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٨٢).","vol":"6","page":347},{"text":"عن ابن عباس قوله: رجس من عمل الشيطان، يقول: سخط (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2844>الدليل الثاني:</span>\n(١١٨٠ - ١٥١) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،\nأن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إني بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم منها بدًّا، فإذا لم تجدوا منها بدًا فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبنه قال: واشربوا (^٣).\n[أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين، وليس فيه زيادة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير] (^٤).\n• وأجيب عن هذا بثلاثة أجوبة:\nالجواب الأول: أن هذا الحديث في الصحيحين، وليس فيه ذكر هذه الزيادة.\nالجواب الثاني: لو كانت العلة النجاسة لأمر بغسلها مباشرة، فالنهي عن استعمالها مع وجود غيرها مطلق، سواءً تيقنا طهارتها أم لا، والأصل في النهي المنع، لكن لما قال ﷾: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ) [المائدة: ٥]، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم وأوانيهم، وأكل النبي ﷺ طعام أهل الكتاب في أحاديث صحيحة، فدل على أن الغسل من باب الاحتياط والاستحباب.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٧/ ٣٢).\n(^٢) علي بن أبي طلحة قال الحافظ عنه في التقريب: أرسل عن ابن عباس، ولم يره.\nوعبد الله بن صالح كثير الخطأ.\n(^٣) سنن أبي داود الطيالسي (١٠١٤).\n(^٤) سبق تخريجه في المجلد الأول، ح (١١٩).","vol":"6","page":348},{"text":"الجواب الثالث: أننا لو تنزلنا وقلنا بوجوب غسل الأواني، فإن غسل الأواني من أثر الخمر ليس فيه دليل على النجاسة؛ وإنما لكون الخمر والخنزير يحرم تناولهما، فخشية الوقوع في المحرم أمر بغسل الأواني منهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2845>الدليل الثالث:</span>\nقوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) [الإنسان: ٢١].\nوجه الاستدلال:\nقال الشنقيطي: «وصفه شراب أهل الجنة بأنه طهور، يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح الله تعالى بها خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله تعالى: (لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) [الصافات: ٤٧]، وقوله تعالى: (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ) [الواقعة: ١٩]، بخلاف خمر الدنيا، ففيها غول يغتال العقول، وأهلها يصدعون أي يلحقهم الصداع (^١).\n• وأجيب بأجوبة منها:\nالأول: أن قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) [الإنسان: ٢١]، لا يوجد نص بأن المقصود به خمر الآخرة، وإنما هو شراب مخصوص يشربه المؤمنون، فيطهرهم من الذنوب وعن خسائس الصفات، كالغل والحسد، فجاءوا الله بقلب سليم، ودخلوا الجنة بصفات التسليم، وقيل لهم حينئذ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (^٢).\nثانيًا: على التسليم بأن المراد به في قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) [الإنسان: ٢١] أن المراد به خمر الآخرة، فإن هذا لا يعني أن خمر الدنيا نجس، فلو أخذنا بالمفهوم -على ضعفه- فإنه يعني أن خمر الدنيا ليست بطهور، وما كان غير طهور لا يعني أنه نجس، بل قد يعني كونه طاهرًا، ومعلوم أن الطهور غير الطاهر.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ١٢٨).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٤٠).","vol":"6","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2846>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إن الخمر عين يحرم تناولها من غير ضرر فيها، فأشبهت الدم، يعني في النجاسة (^١).\nورده النووي بقوله: «هذا لا دلالة فيه لوجهين:\nأحدهما: أنه منتقض بالمني والمخاط وغيرهما -يعني أنه يحرم تناولهما من غير ضرر فيهما، وهما طاهران-.\nوالثاني: أن العلة في منع تناولهما مختلفة فلا يصح القياس؛ لأن المنع من الدم لكونه مستخبثًا، والمنع من الخمر لكونها سببا للعداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما صرحت به الآية الكريمة ....» (^٢).\nقلت: والعجب كيف يقال: إنه لا ضرر فيه، مع أن العقل والنقل دالان على أضرار الخمر، وأي ضرر أكبر من كونه يصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، هذا مع ما يقع بسببه من العداوة والبغضاء بين المسلمين، فضلًا عما قد يؤول إليه الأمر من مضاره التي لا تحصى، فقد يؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل والمال والعيال، وخسارة الدنيا والآخرة، كما هو معلوم، نسأل الله العافية.\nهذه أضراره الدينية، وأضراره البدنية قد تكلم فيه الأطباء، بما لا مجال لذكره هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2847>الدليل الخامس:</span>\nأن الخمرة نجسة تغليظًا وزجرًا عنها، قياسًا على الكلب، نقله النووي عن الغزالي، واستحسنه (^٣).\n_________\n(^١) ذكر ذلك الشيرازي في المهذب المطبوع مع المجموع (٢/ ٥٨٣)، وابن مفلح في المبدع شرح المقنع (٢/ ٢٤٢).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٦٤).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٨٢).","vol":"6","page":350},{"text":"• وأجيب:\nبأن هذا الدليل ليس من أدلة الشرع المتفق عليها ولا المختلف فيها، والكلب ليست نجاسته من باب الزجر والتغليظ، ولو قلنا: بأن الزجر والتغليظ سبب في النجاسة لنجسنا كثيرًا من المحرمات مما لم يقل أحد بنجاستها، كنجاسة التماثيل والأصنام، لكونها من أشد المحرمات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2848>الدليل السادس:</span>\nإن النصوص الشرعية حرمت وجوه الانتفاع بالخمر، فأمرت بإراقتها، ومنعت من التداوي بها، وحرمت بيعها، ومنع من تخليلها، وكل هذه الأمور جاءت فيها نصوص صحيحة صريحة، فلو كانت طاهرة العين لأبيح التداوي بها أو الانتفاع بأي وجه من الوجوه، وكل هذا دليل على نجاستها.\nوإليك النصوص الشرعية التي تؤكد هذه الأحكام.\n(١١٨١ - ١٥٢) منها ما رواه البخاري من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء ابن أبي رباح،\nعن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه. ورواه مسلم (^١).\n(١١٨٢ - ١٥٣) ومنها، ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن ابن وعلة رجل من أهل مصر،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (٢٩٦٠).","vol":"6","page":351},{"text":"أنه سأل عبد الله بن عباس عما يعصر من العنب؟ فقال ابن عباس: إن رجلا أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر؟ فقال له رسول الله ﷺ: هل علمت أن الله قد حرمها؟ قال: لا، فسار إنسانًا، فقال له رسول الله ﷺ: بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها. فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها. قال ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها (^١).\n(١١٨٣ - ١٥٤) ومنها ما رواه البخاري من طريق ثابت،\nعن أنس ﵁: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة. الحديث، والحديث رواه مسلم (^٢).\n(١١٨٤ - ١٥٥) ومنها: ما روه مسلم من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل الحضرمي،\nأن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء (^٣).\n(١١٨٥ - ١٥٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن، عن سفيان، عن السدي، عن يحيى بن عباد، عن أنس أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلًا؟ فقال: لا (^٤).\n• وأجيب:\nتحريم بيعها لا يلزم منه نجاستها، فقد قرن تحريم بيع الخمر بتحريم بيع الأصنام،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٥٧٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٤٦٤)، ومسلم (٣٦٦٢).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٦٧٠).\n(^٤) صحيح مسلم (١٩٨٣).","vol":"6","page":352},{"text":"والأصنام ليست نجسة، فالنهي عن بيع الخمر جاء معللًا في الحديث: إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، ولم يقل: إن الله إذا حرم شيئًا اقتضى نجاسته، وسائر وجوه الانتفاع بها محرم لا لنجاستها، ولأن هناك أشياء نجسة، ولا يحرم الانتفاع بها، ولذلك جاء في الحديث: أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس، قال: لا. هو حرام. أي البيع، فجواز الانتفاع بشحوم الميتة لا يسوغ صحة البيع، ولو كانت النجاسة دليلًا على تحريم الانتفاع بها ما جاز الاستصباح بشحوم الميتة وطلي السفن بها ودهن الجلود وغير ذلك من وجوه الانتفاع.\nوهذا الكلب نجس، ويباح الانتفاع به في صيد وحراسة ونحوهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2849> دليل من قال: إن الخمر طاهرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2850>الدليل الأول:</span>\nالنجاسة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولم يرد في الشرع نص يقتضي النجاسة الحسية للخمر، والأصل في الأشياء الطهارة، والخمر طاهرة قبل تحريمها، فكذلك بعد تحريمها، والتحريم وحده لا يقتضي النجاسة، ألا ترى إلى السم، فإنه محرم الأكل، ومع ذلك ليس بنجس، وهي مصنوعة من أشياء طاهرة كالعنب ونحوه، وكونه يتخمر ويشتد ويغلي فهذا لا يقتضي النجاسة، فإن اللحم قد ينتن وتتغير رائحته، ومع ذلك لا يقال عنه: إنه نجس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2851>الدليل الثاني:</span>\n(١١٨٦ - ١٥٧) ما رواه البخاري من طريق ثابت، عن أنس ﵁، قال: أمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: أخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة. الحديث، والحديث رواه مسلم (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٤٦٤)، ومسلم (٣٦٦٢).","vol":"6","page":353},{"text":"وحديث ابن عباس في مسلم في قصة الرجل الذي أهدى إلى رسول الله ﷺ راوية خمر، فأخبره رسول الله ﷺ بتحريمها، فأراقها بين يدي رسول الله ﷺ حتى ذهب ما فيها. وسبق ذكره بتمامه.\nوجه الاستدلال:\nلو كان الصحابة يعتقدون نجاستها لتحروا لإراقتها أماكن النجاسات، ولنهاهم رسول الله ﷺ عن إراقتها في الشوارع كما نهاهم عن التخلي في الطريق والظل.\n(١١٨٧ - ١٥٨) فقد روى مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللعانين قالوا وما اللعانان يا رسول الله قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم (^١).\n• وأجيب عن هذا الاستدلال:\nقال القرطبي: «إن الصحابة أراقوا هذا؛ لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم، وقالت عائشة ﵂ إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت،\nونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، وأيضًا فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة واسعة، ولم يكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرًا يعم الطرق كلها، وإنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها، هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك، والله أعلم» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٩).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٨٨).","vol":"6","page":354},{"text":"• ويمكن أن يتعقب هذا:\nأولًا: قولهم إن الخمر كانت يسيرة، وجرت في مواضع يسيرة، ويمكن التحرز منها.\nهذا خلاف الحديث السابق، من قول الصحابي: حتى جرت في سكك المدينة، فظاهره أنها جرت في جميع سكك المدينة، وأقل ما يدل عليه أنها جرت في غالب سكك المدينة.\nثانيًا: قوله: يمكن التحرز منها، فإن التحرز من بول الإنسان في الطريق أهون من التحرز من الخمرة التي جرت في غالب سكك المدينة، ومع ذلك لم يكن هذا مبررًا لأن يؤذن في التبول في الطريق.\nثالثًا: قوله: إن نقل الخمر خارج المدينة يلحقهم مشقة كبيرة، فهل كانت المدينة كبيرة جدًّا؟ بحيث يلحقهم تلك المشقة، وهذا الفعل لن يتكرر، بل إن المشقة تلحقهم في تحري البول خارج المدينة أكثر من نقل الخمر مرة واحدة والتخلص منها؛ لأن البول قد يفاجئ الإنسان وهو في الطريق، ويتكرر في اليوم عدة مرات، ومع ذلك لا يؤذن له بالبول في طريق الناس، مع كون البول يسيرًا، ويمكن التحرز منه.\nرابعًا: قوله: إن في إراقتها في طرق المدينة فائدة من كونه يشتهر ليشيع العمل، فيقال: ألا يشيع العلم حتى تراق في طرق المدينة، ألا تحصل هذه الفائدة لو أريقت في الأماكن التي لا تطرق من جوانب الطريق، والأماكن الخالية في المدينة، مع نزول آيات القرآن في تحريمها، وشدة عناية الصحابة بقراءة كتاب الله وتعلم ما فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2852>الدليل الثالث:</span>\nلم يأت نص من السنة بغسل الأواني من أثر الخمر، فالرجل الذي أهدى للرسول ﷺ راوية خمر لم يأمره النبي ﷺ بتطهير راويته منها، بل اكتفى بإراقتها فقط.\nوقد كان المسلمون قبل تحريم الخمر تكون في أوانيهم، وربما أصابت شيئًا من","vol":"6","page":355},{"text":"أبدانهم وثيابهم، فلما نزل تحريمها وأراقوها لم ينقل أن أحدًا منهم غسل شيئًا من ذلك من بدنه أو من ثيابه أو من آنيته، ولو كانت نجسة لفعلوا ولأمرهم النبي ﷺ بذلك.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة الفريقين، أرى أن القول بالطهارة أقوى من حيث الأثر ومن حيث النظر، والقول بالنجاسة وإن كان قول الأكثر إلا أن هذا غير كاف في الحكم بالنجاسة، ويكفي القائلين بالطهارة الجواب عن أدلة القائلين بالنجاسة، فإن الأصل في الأعيان الطهارة، ومن ذهب إلى طهارة عين فإنه لا يطالب بالدليل، بل يكفيه الدليل السلبي، وهو عدم وجود دليل على النجاسة، وإنما يطالب بالجواب عن أدلة القائلين بالنجاسة، وقد فعلوا، فكيف إذا كان القائلون بطهارة الخمر معهم دليل إيجابي على طهارته. ثم إن أصل تكوين الخمرة مواد طاهرة، فكيف تنجست، وهي لم تؤكل ولم تشرب، غاية ما في الأمر أنها تغيرت، وهذا لا يقتضي نجاستها، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2853>الفصل الثاني\nفي حكم الطيب الموجود فيه كحول</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الحكم بنجاسة شيء مشروط باتصافه بأعراض النجاسة.\n• الأصل في الأعيان الطهارة.\n• إراقة الخمرة في سكك المدينة بلا تحفظ دليل على طهارتها.\n• الكحول المستخدم في العطور وغيرها لا يستخرج من الخمر أبدًا، وإنما يصنع بطرق كيماوية منها تحويل غاز الإيثان إلى الكحول الإيثيلي أو الإيثانول كما يسمى علميًا.\n• الحشيشة طاهرة مع أن نسبة الكحول الموجودة فيها أكثر من العطور.\n[م-٥٣٦] اختلف العلماء في طهارة الكحول:\nفقيل: نجس، وهو اختيار الشنقيطي رحمه الله تعالى (^١).\nوقيل: طاهر. وهو يلزم كل من قال بطهارة الخمر، وقد سبق بيان من قال بهذا\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ١٢٩).","vol":"6","page":357},{"text":"القول في مسألة مستقلة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2854> دليل من قال بالنجاسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2855>الدليل الأول:</span>\nهذه العطور ثبت أنها مسكرة، ويشربها بعض الفقراء بديلًا عن الخمر، أو في المواضع التي يمنع فيها بيع الخمر، وإذا كانت مسكرة، كانت خمرًا بمقتضى النص النبوي.\n(١١٨٨ - ١٥٩) فقد روى مسلم في صحيحه، من طريق حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن نافع،\nعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات، وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة (^١).\nفقوله (كل مسكر) من ألفاظ العموم، فيشمل كل مسكر، سواءً كان من العطور أو عصير العنب أو غيرهما.\n(١١٨٩ - ١٦٠) وروى البخاري في صحيحه من طريق أبي حيان، عن الشعبي،\nعن ابن عمر، قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر: ما خامر العقل (^٢).\nفقوله ﵁: (الخمر ما خامر العقل)، دليل على أنه ليس خاصًّا بنوع معين، وإذا ثبت الإسكار في الطيب، ثبت له حكم الخمر، وذلك في:\nتحريم بيعها وشرائها، كما في حديث: (إن الله حرم بيع الخمر ....). الحديث متفق عليه، وسبق تخريجه في حكم الخمر.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٠٠٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٤٦١٩)، وهو في مسلم (٧٦٦٢).","vol":"6","page":358},{"text":"وتحريم الانتفاع بها بأي وجه من الوجوه، ومن ذلك تحريم تخليلها، كما جاء في الحديث الصحيح، وتحريم التداوي بها، ووجب إراقتها. وكل هذه الأحكام ثبتت في أحاديث في الصحيحين، أو في أحدهما وقد ذكرناها في الخلاف في بيع الخمر، فالخمر لا يعتبر مالًا حتى يمكن أن يصح بيعه وشراؤه، ووجب التخلص منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2856><span data-type=\"title\" id=toc-2860>الدليل الثاني:</span></span>\nإن الله ﷾ قال في الخمر: (فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: ٩٠] وهو أبلغ من النهي عن شربه، واستعماله في الأبدان والثياب مخالف للأمر الرباني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2857><span data-type=\"title\" id=toc-2861>الدليل الثالث:</span></span>\nكل دليل استدل به على نجاسة الخمر، يستدل به هنا على نجاسة هذه العطور.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2858> دليل من قال بطهارة العطور ونحوها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2859>الدليل الأول:</span>\nكل دليل سيق على طهارة الخمر يساق هنا، وقد ذكرتها على وجه التفصيل في حكم الخمر فارجع إليها إن شئت.\nالدليل الثاني:\nأكثر القائلين بنجاسة الخمر يرى طهارة الحشيشة، مع أن نسبة الكحول الموجودة فيها ربما أكثر من العطور، وكونه صلبًا أو سائلًا لا يكفي لاختلاف الحكم، ولا يغير في حقيقته شيئًا.\nالدليل الثالث:\nالكحول يتكون في كثير من المأكولات، وجميع ما نخمره مثل الخمير والخبز والكعك والبسكويت ... بل إن الكحول يتكون داخل أمعائنا بفعل البكتريا، فهذا دليل أن الكحول ليس نجسًا.","vol":"6","page":359},{"text":"وإذا علمنا أن الكحول المستخدم من الكولونيا وغيرها لا يستخرج من الخمر أبدًا ...، وإنما يصنع بطرق كيماوية منها تحويل غاز الإيثان إلى الكحول الإيثيلي أو الإيثانول كما يسمى علميًا، فإنه ليس نجسًا، بل طهور لأنه مصنوع من مواد ليست نجسة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2862>الدليل الرابع:</span>\nعلى فرض أن الكحول نجس، فالتلبس بالنجاسة ليس حرامًا إلا إذا كان يريد فعل عبادة يشترط لفعلها الطهارة، ولذلك صرح الشافعية بأن الاستجمار لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره حتى يريد الطهارة أو الصلاة (^٢)، وقاسوا إزالة النجاسة على بقية شروط الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة وجب الاستنجاء وجوبًا موسعًا بسعة الوقت، ومضيقًا بضيقه كبقية الشروط (^٣).\n(١١٩٠ - ١٦١) ولما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، قال: حدثني حمزة ابن عبد الله،\nعن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (^٤).\nوقد استدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف، لقوله: «فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» فإذا نفي الرش كان نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك\n_________\n(^١) انظر الخمر بين الطب والفقه (ص: ٥٢).\n(^٢) المجموع (١/ ١٤٦)، إعانة الطالبين (١/ ١٠٧)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٣)، حواشي الشرواني (١/ ١٧٤)، شرح زبد بن رسلان (ص: ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٣)، أسنى المطالب (١/ ٥٠).\n(^٣) حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٨١).\n(^٤) صحيح البخاري (١٧٤).","vol":"6","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2863>الدليل الخامس:</span>\nالطيب يغاير الخمر؛ لأن الطيب في أصله وضع للتطيب به لا للسكر، والخمر إنما وضع للسكر، فحرم بيعه وشراؤه، وإخراج الطيب عن أصله الذي وضع له لفعل شواذ من الناس لا يقتضي القول بتحريم بيعه مطلقًا، لكن من اشتراه ليسكر به حرم منه هذا الفعل، كشراء العنب لمن يريد عصره خمرًا، والقول بتحريم بيع العطور يلزم منه القول بتحريم زراعة العنب وبيعه مطلقًا، ولا قائل به، وهكذا يلزم منه تحريم سائر الأشياء المباحة التي قد تستعمل فيما حرم الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2864>الدليل السادس:</span>\nالكحول سائل، سرعان ما يتطاير ويتحول إلى غاز (بخار)، وهذا البخار يعتبر طاهرًا ولو كان أصله نجسًا، كما أن الخمر إذا تحول إلى خل أصبح طاهرًا عندكم.\n• الراجح من الخلاف:\nبعد استعراض أدلة الفريقين يتبين لي طهارة الكحول كما سبق ترجيح طهارة الخمرة في المسألة التي قبل هذه، ولكن مع ذلك إذا ثبت أن الكثير من هذه الأطياب مسكرة، فينبغي للمسلم أن يجتنبها تحقيقًا لقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: ٩٠]، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2865>الفصل الثالث\nفي الحشيشة المسكرة</span>\n[م-٥٣٧] تقدم لنا الخلاف في حكم الخمر، وقد عرفنا أن علة النجاسة عند القائلين بها كونه مسكرًا مائعًا، وبقي لنا حكم الحشيشة المسكرة، وهي ذات جامدة، فهل تكون نجسة أو يحكم لها بالطهارة، في ذلك خلاف:\nفقيل: إن الحشيشة طاهرة، وهو مذهب الحنفية (^١)، المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، وقول في مذهب الحنابلة، قال في غاية المطلب: وهو المشهور (^٤).\nوقيل: نجسة، اختاره بعض الشافعية (^٥)، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٦)، اختاره\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٧٧)، وأباح الحنفية أكل القليل من الحشيشة غير المسكرة، وهذا ذهاب منهم إلى طهارتها، انظر حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٥٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٤٤١)،\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ٥٠)، الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٩٠).\n(^٣) أسنى المطالب (١/ ١٠)، الغرر البهية شرح البهجة الوردية (١/ ٣٩)، المنهج القويم (ص: ٩٦)، حواشي الشرواني (١/ ٢٨٨)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ٢٩)،.\n(^٤) غاية المطلب في معرفة المذهب (ص: ٣٦)، وانظر الإنصاف (١/ ٣٢٠، ٣٢١).\n(^٥) الغرر البهية شرح البهجة الوردية (١/ ٣٩).\n(^٦) المبدع (١/ ٢٤٢)، منار السبيل (١/ ٥٨)،","vol":"6","page":362},{"text":"ابن تيمية (^١)، قال في الإنصاف: نجسة على الصحيح (^٢).\nوقيل: نجسة إن أميعت، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2866> دليل من قال طاهرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2867>الدليل الأول:</span>\nما سبق وذكر في طهارة الخمر، فكل دليل سقناه على طهارة الخمر فهو دليل يساق هنا على طهارة الحشيشة، بل هي أولى بالطهارة من الخمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2868>الدليل الثاني:</span>\nالإجماع، فقد حكى الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرحه لفروع\nابن الحاجب الإجماع على أنها ليست نجسة. وكذلك نقل الإجماع القرافي في القواعد (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2869> دليل من قال بالنجاسة:</span>\nقال: إن علة النجاسة في الخمر هي الإسكار، وهي موجودة في الحشيشة، فيكون الحكم واحدًا لا فرق بين الخمر والحشيشة، وعليه فكل دليل ذكر في نجاسة الخمر يصلح أن يكون دليلًا على نجاسة الحشيشة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2870> دليل من قال: إن ميعت نجست:</span>\nرأى هذا أن الخمر نجاسته مركبة من أمرين:\n١ - كونه مسكرًا.\n٢ - وكونه مائعًا، فإذا فقد واحدة من هذين حكم بطهارته، والحشيشة وإن\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٣/ ٤١٩)، الإنصاف (١/ ٣٢٠)، مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٥٨).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٣٢٠، ٣٢١).\n(^٣) غاية المطلب في معرفة المذهب (ص: ٣٦)، الفتاوى الكبرى (٣/ ٤١٩)، الإنصاف (١/ ٣٢٠، ٣٢١)، المبدع (١/ ٢٤٢).\n(^٤) الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي (٤/ ٢٣١).","vol":"6","page":363},{"text":"كانت مسكرة، إلا أنها جامدة، والجامد عنده سبب في الطهارة.\nوكونه جامدًا أو سائلًا ليس علة في الطهارة ولا في النجاسة، فإن الطاهرات والنجاسات منها الجامد ومنها السائل، وهذا القول أضعف الأقوال.\n• الراجح من الخلاف:\nسبق أن رجحنا طهارة الخمر، والحشيشة مختلف فيها هل هي مسكرة أو مخدرة، على قولين لأهل العلم، فمن رأى أنها مخدرة لم ير نجاستها، ومن قال: إنها مسكرة، اختلف في نجاستها، والقائلون بالنجاسة ألحقوها بالخمرة، وقد ذكرت الخلاف في نجاسة الخمرة، وبيان القول الراجح في المسألة التي قبل هذه، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2871>الباب الخامس في حكم الطهارة من النجاسة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2872>الفصل الأول في حكم إزالة النجاسة</span>\n[م-٥٣٨] لما تبين حكم الأعيان النجسة من الإنسان والحيوان والجماد، ومن الحي والميت، ومن المائع والجامد، ناسب معرفة حكم إزالة النجاسة، فأقول:\nيختلف حكم إزالة النجاسة من مسألة إلى أخرى، فهناك عبادات تصح ولو كان الإنسان متلبسًا بالنجاسة، ف-كون العبد يذكر الله لا يجب لذلك الطهارة من النجاسة، فيمكن للإنسان أن يذكر الله على أي حال من أحواله.\n(١١٩١ - ١٦٢) وقد روى مسلم من طريق البهي، عن عروة، عن عائشة، ﵂، قالت:\nكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (^١).\nوهذه الحائض قد اجتمع في حقها عدم الطهارة من الحدث والخبث، ومع ذلك لم تمنع من ذكر الله.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١١٧).","vol":"6","page":365},{"text":"قال رسول الله ﷺ لعائشة حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري (^١).\nوقوله: (افعلي ما يفعل الحاج) دخل فيه جميع ما يفعله الحجاج من ذكر الله، فهي تقف بعرفة، وتدعو هناك وتذكر الله، وتقف في المشعر الحرام وتذكر الله هناك، وترمي الجمرات، وتذكر الله بعد رمي الجمرة الأولى والوسطى، فهي ليست ممنوعة من ذكر الله.\n(١١٩٢ - ١٦٣) وروى البخاري من طريق عاصم، عن حفصة،\nعن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، حتى تخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته.\nوهو في مسلم، دون قوله: ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته (^٢).\nكما أنه يصح وضوء الرجل ولو كانت هناك نجاسة على بدنه، فطهارة الخبث لا علاقة لها بطهارة الحدث، وإنما يكون الإنسان مطلوبًا أن يتخلى عن النجاسة إذا كان يريد أن يؤدي عبادة من شرطها أو من واجبها الطهارة من الخبث كالصلاة، وبالتالي يستطيع المسلم أن يمس المصحف ولو كان بدنه أو ثوبه عليه نجاسة ما دام أنه قد توضأ؛ ويستطيع أن يلبس خفيه؛ لأن الطهارة من الخبث ليست شرطًا في مس المصحف، ولا شرطًا في لبس الخف.\nوهناك عبادات تجب لها الطهارة من النجاسة قبل التلبس بها وبعض الفقهاء يرى الطهارة شرطًا لصحة العبادة، وذلك في طهارة الثوب والبدن والبقعة في الصلاة، وهذا ما سوف يخصص له فصل مستقل إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٥)، ورواه مسلم أيضًا (١٢١١).\n(^٢) صحيح البخاري (٩٧١)، مسلم (٨٩٠).","vol":"6","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2873>الفصل الثاني\nفي الصلاة مع التلبس بالنجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• وجوب الشيء لا يستلزم الشرطية حتى يستلزم انتفاؤه انتفاء المشروط، كما جاء في طهارة الحدث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ.\n[م-٥٣٩] إذا صلى المصلي، وهو متلبس بالنجاسة، عالمًا بها، قادرًا على إزالتها، فما حكم ذلك، وهل تصح صلاته؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة،\nفقيل: إن الطهارة من الخبث شرط في صحة الصلاة، ومن صلى، وهو متلبس بالنجاسة، عالمًا بها قادرًا على إزالتها، فصلاته باطلة.","vol":"6","page":367},{"text":"وهذا مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، وقول في مذهب المالكية (^٤).\nوقيل: الطهارة من الخبث سنة، اختاره بعض المالكية (^٥).\nوقيل: إن صلى بالنجاسة ناسيًا أو جاهلًا أو مضطرًا أعاد صلاته في الوقت، وإن صلى عالمًا متعمدًا غير مضطر أعاد أبدًا، وهذا القول هو رواية ابن القاسم، عن مالك ﵀ (^٦).\nوقيل: تجب الطهارة من النجاسة، فإن صلى بالنجاسة عالمًا متعمدًا فصلاته صحيحة مع الإثم، ويعيد ما دام في الوقت وهو قول في مذهب المالكية (^٧)،\nاختاره\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٧٩، ١١٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٥)، تبيين الحقائق (١/ ٩٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٠٢)، البحر الرائق (١/ ٢٨١)، فتح القدير (١/ ٢٥٦).\n(^٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ١٠١)، وقال النووي في المجموع (٣/ ١٣٩): «مذهبنا أن إزالة النجاسة شرط في صحة الصلاة فإن علمها لم تصح صلاته بلا خلاف، وإن نسيها أو جهلها فالمذهب أنه لا تصح صلاته».اهـ\n(^٣) قال ابن قدامة في المغني (١/ ٤٠١) «وهو شرط لصحة الصلاة في قول أكثر أهل العلم». وانظر الإنصاف (١/ ٤٨٣)،\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ١٣١)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٠١).\n(^٥) التاج والإكليل (١/ ١٨٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٠١)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٦٤، ٢٦٠)، مواهب الجليل (١/ ١٣١).\n(^٦) التاج والإكليل (١/ ١٨٨)، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٣٣)، الخرشي (١/ ١٠١).\n(^٧) قال الباجي في المنتقى (١/ ٤١): «فأما إزالة النجاسة فإن أصحابنا العراقيين اختلفوا فيما حكوا عن مالك في ذلك:\nفحكى القاضي أبو محمد في المعونة عن مالك في ذلك روايتين.\nإحداهما: أن إزالتها واجبة وجوب الفرائض، فمن صلى بها عامدا ذاكرا أعاد أبدًا، وهو الذي رواه أبو طاهر عن ابن وهب.\nوالثانية: أنها واجبة وجوب السنن، ومعنى ذلك أن من صلى بها عامدا أثم ولم يعد إلا في الوقت استحبابًا، وهذا ظاهر قولي ابن القاسم. ...\nوعلى الوجهين جميعا من صلى بها ناسيا أو غير قادر على إزالتها أجزأته صلاته ويستحب له الإعادة في الوقت.\nوذهب القاضي أبو الحسن إلى أننا إن قلنا: إنها واجبة وجوب الفرائض أعاد الصلاة أبدًا من صلى بها ناسيا أو عامدًا.\nوإذا قلنا: إنها واجبة وجوب السنن أعاد الصلاة أبدًا من صلى بها عامدا، ومن صلى بها ناسيا أو مضطرًا أعاد في الوقت استحبابًا.\nوقال القاضي أبو محمد مثل هذا في شرح الرسالة، وقال في تلقين المبتدئ: إنها واجبة لا خلاف في ذلك من قوله وإنما الخلاف في الإزالة هل هي شرط في صحة الصلاة أم لا، وهذا هو الصحيح عندي إن شاء الله وبالله التوفيق».اهـ وانظر فتح العلي المالك (١/ ١١٢).","vol":"6","page":368},{"text":"الشوكاني (^١).\nفبهذه الأقوال يتبين لنا أن الأقوال كالتالي.\nالأول: أن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة على اختلاف بينهم، هل تسقط مع الجهل والنسيان أو لا؟\nالثاني: أنها سنة، ويستحب له أن يعيد الصلاة ما دام في الوقت.\nالثالث: أن الطهارة واجبة للصلاة، وتصح الصلاة بدونها مع الإثم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2874> دليل من قال: إن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2875>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: ٤].\nأمر الله ﷾ بطهارة الثياب، والمقصود فيه في الصلاة؛ لأن طهارتها خارج الصلاة ليست واجبة إجماعًا.\n• وأجيب بجوابين:\nالجواب الأول:\nأن المراد بالثياب غير اللباس، وإنما المقصود بالثياب القلب، وتطهيره من\n_________\n(^١) السيل الجرار (١/ ١٥٨).","vol":"6","page":369},{"text":"الشرك، خاصة أن هذه الآية أول ما نزل من القرآن، فهي قد نزلت قبل الأمر بالصلاة والوضوء.\nولو حملنا الآية على طهارة الثياب الظاهرة، فإن الآية فيها الأمر بتطهير الثياب، وهو مطلق، ليس فيه أن ذلك خاص بالصلاة، فهل تقولون بوجوب طهارة الثياب من النجاسة مطلقًا، ولو خارج الصلاة؟ فإن قلتم ذلك، فإن الإجماع منعقد على أنه لا يجب على الإنسان الطهارة من الخبث إلا حال الصلاة (^١)، وإن قلتم إن الآية مقيدة بالصلاة فقط، قلنا: لكم، إن الصلاة وقت نزول الآية لم تكن معلومة للرسول ﷺ، وإنما علمه جبريل كيفية الصلاة بعد أن فرضها الله عليه ليلة الإسراء.\nوقد جاء في اللغة ما يدل على إطلاق الثياب على غير اللباس:\nيقال: فلان طاهر الثياب، إذا لم يكن دنس الأخلاق\nقال امرؤ القيس: ثياب بني عوف طهارى نقية.\nوقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: ٤]، معناه: وقلبك فطهر، وعليه قول عنترة:\nفشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم\nأي شككت قلبه. وقيل: معنى وثيابك فطهر: أي نفسك.\nوقيل: معناه لا تكن غادرًا، فتدنس ثيابك؛ فإن الغادر دنس الثياب. قال ابن سيده: ويقال للغادر: دنس الثياب.\nوقيل: معناه: وثيابك فقصر؛ فإن تقصير الثياب طهر؛ لأن الثوب إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن تصيبه نجاسة، وقصره يبعده من النجاسة.\nوقيل معنى قوله: وثيابك فطهر، يقول: عملك فأصلح.\nوروى عكرمة، عن ابن عباس في قوله ﷿: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: ٤]،\n_________\n(^١) نقل الإجماع ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٠٣) مسألة: ٣٤٣.","vol":"6","page":370},{"text":"يقول: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على فجور وكفر، وأنشد قول غيلان:\nإني بحمد الله لا ثوب غادر لبست ولا من خزية أتقنعا (^١).\nواللفظ إذا منع مانع من حمله على ظاهره، وكان للتأويل وجه في اللغة العربية لم يمنع من حمله عليه، فالأصل في لفظ (الثياب) هو إطلاقها على اللباس الظاهر، لكن منع من ذلك ما سبق أن ذكرناه من كون الآية نزلت قبل فرض الصلاة والوضوء.\nالجواب الثاني:\nسلمنا أن المراد بالثياب اللفظ الحقيقي، وهو اللباس الظاهر، فإن غاية ما يستفاد من الآية الوجوب، والوجوب لا يستلزم الشرطية؛ لأن كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌ وضعيٌ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل بدونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي الثمرة ولا يثبت بمجرد الأمر به.\nفلم يأت من الشارع قوله: لا صلاة إلا بالطهارة من الخبث، أو من لم يتطهر من الخبث فلا صلاة له. أو لا يقبل الله صلاة أحدكم إلا بالتطهر من الخبث، كما قال في الطهارة من الحدث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (^٢).\nوما دام أنه لم يأت ما يفيد الشرطية فلا يصح القول بالشرطية.\n• ورد هذا الجواب:\nبأن قولكم: إن الآية نزلت قبل الأمر بالصلاة، وفي هذا دليل على أن المراد القلب، فغير صحيح، لجواز أن يكون النبي ﷺ خص بذلك في أول الإسلام، وفرض عليه دون أمته، ثم ورد الأمر بذلك لأمته.\n_________\n(^١) لسان العرب (٤/ ٥٠٤، ٥٠٥)، القاموس المحيط (ص: ٥٥٤) العين (٤/ ١٨، ١٩)، مختار الصحاح (٢/ ٣٧٩)، وانظر أنيس الفقهاء (ص: ٤٦).\n(^٢) البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥).","vol":"6","page":371},{"text":"وجواب ثان: وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيحتمل أن يكون قد اتبع في الصلاة شرع من قبله من النبيين، فأوجب ذلك اتباعهم، وتأخر الأمر به بنص شرعنا عن ذلك الوقت.\nوالذي يرجح أن المراد بالثياب اللباس الظاهر أننا لو حملنا الثياب على ترك المعاصي لكان في سياق الآيات تكرار، فإن قوله: وثيابك فطهر والرجز فاهجر؛ فإن هجر الرجز من معانيه هجر المعاصي، فتكون هذه قرينة على أن المراد بالثياب اللفظ الحقيقي المتبادر إلى الذهن، وهو طهارة اللباس الظاهر.\nوهذا الكلام جيد، إلا أن التعميم بعد التخصيص، والتخصيص بعد التعميم كلاهما وارد في كتاب الله.\nفمن الأول قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) [التحريم: ٤].\nفإن جبريل من الملائكة، فذكر الله ﷾ عموم الملائكة بعد تخصيص جبريل بالذكر، وهذا منه.\nومثال التخصيص بعد التعميم، قوله تعالى: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) [البقرة: ٩٨].\nفهنا ذكر الملائكة على سبيل العموم ثم خص بالذكر جبريل وميكال،\nومثله قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨]، وليس هذا على وجه التكرار، بل لمزيد عناية واهتمام.\nوالقول بأن شرع من قبلنا شرع لنا فنكون مخاطبين بطهارة الثياب من النجاسة، هذا القول بعيد عن الصواب، فإن الصحابة لم ينقل عنهم أنهم كانوا يصلون على طريقة أهل الكتاب، ولم يكلفوا بالصلاة إلا بعد الإسراء، وهل يقول أحد: بأن أول الإسلام كان المسلمون مخاطبين في تعلم ديانة أهل الكتاب أو غيرها من الديانات؛","vol":"6","page":372},{"text":"لأن شرع من قبلهم شرع لهم، ما دام أنه لم يأت في شرعهم ما ينفيه، وأن الإنسان لو لم يقم بمثل هذا لكان مفرطًا؟ أو نقول: إن الأصل براءة الذمة حتى يأتي الخطاب المكلف من الشارع، كما قال سبحانه: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]،\nولم يعمل بقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام: ١٤٦].\nوأما قولكم: إنه يجوز أن يكون الرسول قد خص بالتكليف في الطهارة من الثياب وفي الصلاة، فإن كان الأمر من باب التجويز العقلي فهذا جائز، والأصل عدمه، وإن كان من باب الدعوى فأين الدليل على أن الرسول ﷺ قد كلف بالصلاة دون سائر أمته في أول الإسلام؟ والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2876> الدليل الثاني على أن الطهارة شرط لصحة الصلاة:</span>\n(١١٩٣ - ١٦٤) ما رواه البخاري، من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر،\nعن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت: سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ: إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة، فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصلي فيه (^١).\nوجه الاستدلال:\nفكونه ﷺ أمر بغسل الثوب من دم الحيض قبل الصلاة فيه، دليل على امتناع الصلاة وعدم صحتها في الثوب المتنجس بدم الحيض، وإذا كان وجود دم الحيض\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٧)، ورواه مسلم بنحوه (٢٩١).","vol":"6","page":373},{"text":"مانعًا من صحة الصلاة فيه، فكذلك سائر النجاسات.\n• وأجيب:\nبأن حديث أسماء غاية ما فيه الدلالة على الوجوب، والوجوب لا يستلزم الشرطية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2877>الدليل الثالث:</span>\n(١١٩٤ - ١٦٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ: يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن العذاب على عدم الاستتار من البول يدل على أن التلبس بالنجاسات في الصلاة من الكبائر، وأن التنزه عن النجاسات من أوكد الواجبات، ويبعد أن تكون صلاته صحيحة ثم يعذب في قبره، فالذي يظهر أن صلاته غير صحيحة مع عدم التنزه من البول، وهذا مفيد لمعنى الشرطية.\n• وأجيب عن هذا الدليل:\nبما أجيب به عن الأدلة السابقة، بأن الحديث دال على تأثيم من صلى في النجاسة، وليس فيه دليل على وجوب إعادة الصلاة على من صلى متلبسًا بالنجاسة، والوجوب لا يفيد معنى الشرطية، والعذاب على ترك الواجب لا يفيد بطلان الصلاة، لأن من ترك الواجب فقد استحق العقاب بخلاف المندوب.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).","vol":"6","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2878>الدليل الرابع:</span>\n(١١٩٥ - ١٦٦) ما رواه الدارقطني من طريق روح بن غطيف، عن الزهري، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم.\nقال الدارقطني: لم يروه عن الزهري غير روح بن غطيف، وهو متروك الحديث (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2879>الدليل الخامس:</span>\n(١١٩٦ - ١٦٧) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا المقرئ، حدثنا يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع،\nعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله (^٢).\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\nويغني عنه حديث صب الماء على بول الأعرابي حين بال في المسجد، فإنه دليل على وجوب تطهير المسجد عن النجاسات، ووجوب طهارة بقعة المصلي، وليس فيه\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٤٠١) ورواه البيهقي في السنن (٢/ ٤٠٤) ونقل بإسناده عن يحيى بن معين أنه قال: بلغني عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: أخاف أن يكون هذا موضوعًا، وروح هذا مجهول. اهـ\nوقال البخاري: هذا الحديث باطل، وروح منكر الحديث. الضعفاء الكبير (٢/ ٥٦).\nوقال ابن حبان: هذا خبر موضوع لا شك فيه. المجروحين (١/ ٢٩٩).\nوانظر إتحاف المهرة (٢٠٤٣٣).\n(^٢) سنن الترمذي (٣٤٦).\n(^٣) سبق تخريجه، في المجلد الرابع (ص: ٣٩١) ح: ٨٥٩ ضمن تخريج حديث أبي سعيد في النهي عن الصلاة في الحمام.","vol":"6","page":375},{"text":"دليل على أن الطهارة شرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2880>الدليل السادس:</span>\nالقياس على الطهارة من الحدث، فإذا كانت الطهارة من الحدث شرطًا، فإن الطهارة من الخبث كذلك، لأنها إحدى الطهارتين.\n• وأجيب:\nبأن هناك فرقًا بين الطهارة من الحدث والطهارة من الخبث، فلا يصح القياس مع وجود الفارق، فمن ذلك:\nأولا: طهارة الحدث من باب فعل المأمور، وأما طهارة الخبث فمن باب ترك المحظور.\nثانيًا: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح خلافًا للحنفية، بخلاف طهارة الخبث فهي من باب التروك لا تشترط لها النية كترك الزنا والخمر ونحوها.\nوقد حكى جماعة الإجماع على أن طهارة الخبث لا تحتاج إلى نية، منهم القرطبي في تفسيره (^١)، وابن بشير وابن عبد السلام من المالكية (^٢)، والبغوي، وصاحب الحاوي من الشافعية (^٣).\nثالثًا: طهارة الحدث طهارة تعبدية محضة غير معقولة المعنى، فبدن المحدث وعرقه وريقه طاهر، وأما طهارة الخبث فإنها طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.\nرابعًا: طهارة الحدث الصغرى تختص بأعضاء مخصوصة، ربما ليس لها علاقة بالحدث، فالحدث: الذي هو البول والغائط موجب لغسل الأعضاء الأربعة الطاهرة، بينما طهارة الخبث تتعلق بعين النجاسة أين ما وجدت.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٥/ ٢١٣).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ١٦٠).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٥٤).","vol":"6","page":376},{"text":"خامسًا: طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان على الصحيح، بخلاف طهارة الخبث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2881> دليل من قال: إن الطهارة من النجاسة واجبة، وليست بشرط:</span>\nأدلتهم هي أدلة القول الأول، إلا أنهم لا يرون في هذه الأدلة ما يقتضي الحكم بالشرطية، وأن الحكم بالشرطية يحتاج إلى نص بنفي القبول أو نفي الصحة عن الفعل، ولم يوجد، فبقيت هذه الأدلة دالة على وجوب التخلي من النجاسة حال الصلاة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2882> دليل من قال: الطهارة من النجاسة سنة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2883>الدليل الأول:</span>\n(١١٩٧ - ١٦٨) ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،\nأن رسول الله ﷺ صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ بنى على صلاته رغم أنه كان متلبسًا بالنجاسة، ولو كانت الطهارة من النجاسة واجبة أو شرطًا لاستأنف الصلاة.\n• وأجيب:\nبأن الحديث دليل على أن من صلى وفي ثوبه نجاسة، ولم يكن عالمًا بها فصلاته\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٢٠، ٩٢).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد السابع، ح: (١٤٩٩).","vol":"6","page":377},{"text":"صحيحة، وليس فيه ما يدل على أن التخلي عن النجاسة مستحب، وليس بواجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2884>الدليل الثاني:</span>\n(١١٩٨ - ١٦٩) ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: حدثني عمرو ابن ميمون،\nأن عبد الله بن مسعود حدثه أن النبي ﷺ كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض، أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم، فجاء به، فنظر حتى إذا سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئًا لو كان لي منعة قال فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة، فطرحت عن ظهره، فرفع رسول الله ﷺ رأسه ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات. الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن هذا السلى نجس، لأنه من ذبيحة أهل الأوثان، ولا يخلو من دم.\n• وأجيب:\nبأن الأمر لعله كان قبل أن يتعبد باجتناب النجاسة في لباسه؛ لأن هذا الفعل كان بمكة قبل ظهور الإسلام، والأمر باجتناب النجاسة متأخر.\nوهذا الجواب جائز، إلا أن غير المقبول أنه عندما كان الكلام على قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: ٤] قالوا: من الجائز أن يكون المسلمون مكلفين في شريعة من قبلهم باجتناب النجاسة، أو أن الرسول قد خص في هذا الواجب قبل الأمة، وعندما كان الدليل عليهم قالوا: إن هذا كان قبل أن تفرض الصلاة، وقبل أن يكون اجتناب النجاسة واجبًا، فهذا نوع من التناقض!\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤).","vol":"6","page":378},{"text":"• الراجح من أقوال أهل العلم:\nبعد استعراض الأدلة نجد أن القول بأن اجتناب النجاسة في الصلاة واجب قول وسط بين قولين: القول بالشرطية، والقول بالاستحباب، وقد دلت الأدلة على وجوب اجتناب النجاسة، ولم يأت في الأدلة ما يدل على بطلان الصلاة إذا صلى وهو متلبس بالنجاسة، فيكون القول بالوجوب هو القول الراجح، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2885>الفصل الثالث\nفي اشتراط الفورية في إزالة النجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل نجاسة يكون مجرد التلطخ بها معصية فإزالتها على الفور، وكل نجاسة تكون إزالتها وسيلة لعبادة أخرى لم تجب إزالتها إلا حين تجب تلك العبادة.\n• الأمر المطلق هل هو على الفور أم على التراخي؟\n• الواجب لغيره يجب عند وجوب ذلك الشيء.\n[م-٥٤٠] إزالة النجاسة تارة تكون على الفور، وتارة تكون على التراخي، فمثلًا إزالة النجاسة عن الكتب المحترمة، كالكتب السماوية، وكتب أهل العلم واجبة على الفور؛ لأن بقاءها على هذه الحال من المنكرات،\n(١١٩٩ - ١٧٠) بدليل ما رواه مسلم، من طريق قيس بن مسلم،\nعن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد:","vol":"6","page":380},{"text":"أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (^١).\nفقوله: «من رأى منكم منكرًا فليغيره» أي على الفور.\nقال النووي: إزالة النجاسة التي لم يعص بالتلطخ بها في بدنه ليس على الفور، وإنما تجب عند إرادة الصلاة ونحوها، لكن يستحب تعجيل إزالتها (^٢).\nفقوله: «التي لم يعص بالتلطخ بها» دليل على أن النجاسة إذا كان التلطخ بها معصية فإزالتها على الفور كما لو وقعت النجاسة على كتب محترمة شرعًا.\nوأما إذا كانت إزالة النجاسة واجبة للصلاة، فلا يجب إزالتها على الفور، بل يجوز تأخير ذلك حتى يريد الطهارة أو الصلاة (^٣)، ويستجب تعجيلها.\n• واستدلوا بأدلة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2886>الدليل الأول:</span>\nقياس إزالة النجاسة على بقية شروط الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة وجب الاستنجاء وجوبًا موسعًا بسعة الوقت، ومضيقًا بضيقه كبقية الشروط (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2887>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٠٠ - ١٧١) ما رواه البخاري في صحيحه: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤٩).\n(^٢) المجموع (٢/ ٦٢٠).\n(^٣) المجموع (١/ ١٤٦)، إعانة الطالبين (١/ ١٠٧)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٣)، حواشي الشرواني (١/ ١٧٤)، شرح زبد بن رسلان (ص: ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٣)، أسنى المطالب (١/ ٥٠).\n(^٤) حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٨١).","vol":"6","page":381},{"text":"فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك (^١).\nواستدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف، لقوله: «فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» فإذا نفي الرش كان نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك بغير تطهير.\n• وأما الدليل على استحباب تعجيل إزالة النجاسة:\n(١٢٠١ - ١٧٢) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا همام، أخبرنا إسحاق،\nعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ رأى أعرابيًا يبول في المسجد، فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه، ورواه مسلم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٧٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٢١٩)، وصحيح مسلم (٢٨٤).","vol":"6","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2888>الفصل الرابع\nاشتراط النية في إزالة النجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ما كانت صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته فإنه لا يفتقر إلى نية، كغسل النجاسة.\n[م-٥٤١] اتفق الجمهور على أن الطهارة من الخبث لا تشترط له نية (^١).\nوخالف أكثر المالكية فاشترطوا النية في طهارة الاستنجاء من المذي خاصة، وهو المعتمد في المذهب (^٢).\n_________\n(^١) أما الحنفية فإنهم لا يشترطون النية لا في طهارة الحدث، ولا في طهارة الخبث، انظر في كتب الحنفية شرح فتح القدير (١/ ٣٢)، البناية في شرح الهداية (١/ ١٧٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ٢٤)، بدائع الصنائع (١/ ١٩)، مراقي الفلاح (ص: ٢٩)، أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣٣٧).\nوفي مذهب الشافعي انظر المهذب (١/ ١٤)، والمجموع (١/ ٣٥٤)،\nوفي مذهب الحنابلة مطالب أولي النهي (١/ ١٠٥)، انظر المبدع (١/ ١١٧).\n(^٢) قال في حاشية الدسوقي (١/ ١١٢): واعلم أن غسل الذكر من المذي وقع فيه خلاف، قيل: إنه معلل بقطع المادة، وإزالة النجاسة. ...\nوقيل: إنه تعبد، والمعتمد الثاني. (أي كونه تعبدًا) ثم قال: ويتفرع أيضًا، هل تجب النية في غسله أو لا تجب، فعلى القول بالتعبد تجب، وعلى القول بأنه معلل لا تجب، والمعتمد وجوبها. اهـ\nوأما في غير المذي فقد صرحوا بأن الاستنجاء يجزئ بلا نية، جاء في التاج والإكليل (١/ ٢٢٩): قال ابن أبي زيد في الاستنجاء: ويجزئ فعله بغير نية، وكذلك غسل الثوب النجس. اهـ وانظر مواهب الجليل (١/ ١٦٠).","vol":"6","page":383},{"text":"وقال القرافي: تشترط النية في إزالة كل النجاسات، وهو قول شاذ (^١).\nوقد ذكرنا أدلتهم في آداب الخلاء، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ١٦٠).","vol":"6","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2889>الفصل الخامس\nفيما يعفى عنه من النجاسات</span>\n[م-٥٤٢] يتفق الفقهاء على القول بالعفو في بعض أحكام النجاسة، ويختلفون في سبب هذا العفو، فبعضهم يرى أن قليل النجاسة معفو عنها بخلاف كثير النجاسة، ويستدلون على ذلك بالعفو عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء والعدد، وبعضهم يقسم النجاسة إلى مغلظة ومخففة، والمغلظة يعفى فيها عن قدر الدرهم والمخففة يعفى عنها بمقدار ربع الثوب، وهكذا، وحتى يمكن وضع ضابط تقريبي للعفو عن النجاسة يمكن لنا أن نرجع سبب العفو من حيث الجملة إلى أمور منها:\nالأول: الاضطرار، وتعريف الاضطرار: «هي الحالة الملجئة لتناول الممنوع شرعًا» (^١)، كالاضطرار إلى أكل النجاسة (الميتة)، أو الاضطرار إلى لبس الثوب النجس في الصلاة لستر العورة المغلظة، ونحو ذلك.\nالثاني: مشقة الاحتراز من النجاسة، كما قال ﷺ في الهر إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات. فلعلة التطواف نفى عنها النجاسة.\n_________\n(^١) درر الحكام شرح مجلة الحكام (١/ ٣٤).","vol":"6","page":385},{"text":"ويقاس على الهرة البغل والحمار والفأرة؛ لمشقة الاحتراز منها، فيعفى عن سؤرها وعرقها.\nومما يصعب الاحتراز منه العفو عما يصيب القدم من النجاسة والاكتفاء بدلكها بالتراب، حيث يتكرر مرور الناس في الطرقات، وهي لا تخلو من النجاسات التي تعلق بأقدامهم، وقد تكون هذه الطرقات موحلة.\nوقد يتنجس ذيل المرأة ويتأثر بهذه النجاسات فكان يكفي في ذلك مروره على تراب طاهر بعده.\nالثالث: عموم البلوى، ولذلك عفي عن أثر الاستجمار وذلك أن الاستنجاء مما تعم به البلوى، ويضطر كل أحد إليه في كل وقت وكل مكان، ولا يمكن تأخيره فلو كلف إزالته بالماء شق وتعذر ذلك في كثير من الأوقات ووقع الحرج، والاكتفاء بالاستجمار يبقى معه أثر لا يزال إلا بالماء، فعفي عنه.\nالرابع: عسر الإزالة، فلا يكلف الإنسان إزالة لون النجاسة وريحها إذا عسر عليه ذلك، ويكفي إزالة عينها.\nالخامس: كون الشيء يسيرًا، فالشريعة تعفو عن الشيء الحقير غالبًا في جوانب كثيرة من الشريعة، وليس فقط في باب النجاسة، كالعفو عن دم البراغيث، والبول الذي ترشش على الثوب بقدر رؤوس الإبر، وظهور شيء يسير من العورة أثناء الصلاة، والعمل الأجنبي القليل في الصلاة لا يبطلها، والغرر اليسير في البيوع.\nفإذا عرفنا الضوابط التقريبية للعفو عن النجاسة بقي الأمر معلقًا على تحقيق المناط، هل هذه النجاسة داخلة في عفو الشارع عنها لكثرة وقوعها وتكرره ولوجود المشقة في الاحتراز منها أو للاضطرار إلى فعلها، أو ليست كذلك فلا يعفى عنها؟ وكما قسنا الفأرة والحمار على الهرة لعلة التطواف، نقيس غيرها عليها، فما ظهر فيه مشقة من التحرز منه خففنا طهارته، وكما قسنا من به سلس بول على المستحاضة","vol":"6","page":386},{"text":"في الصلاة في كونه لا عبرة بحدثه ويصلي ولو كان البول نازلًا، وكونه يؤذن له في الجمع بين الصلوات، وهكذا إذا ظهر لنا في نجاسة ما مشقة أو تكرار أو عموم بلوى أو اضطرار أو كونها نجاسة يسيرة عفونا عن ذلك قياسًا لما ليس فيه نص على ما فيه نص، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":387},{"text":"مبحث\nطهارة المعفو عنه حقيقة أو حكمية\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• هل إطلاق النجس على المعفو عنه مجاز شرعي تغليبًا لحكم جنسه عليه؟ أو أن إطلاق النجس على المعفو عنه حقيقة؛ لأنه يمنع لولا العذر، نظير الرخصة (^١).\n[م-٥٤٣] اختلف العلماء في المعفو عنه، هل يصبح طاهر العين بعد العفو عنه، أو أن حكم النجاسة سقط مع قيامها، ويتبين أثر الخلاف بين القولين إذا قلنا: أكل المضطر للميتة، هل هو من باب الإباحة، أو من باب المعفو عنه، ولعل فائدة ذلك أنها على الثاني باقية على النجاسة، وإنما عفي عنها للأكل فيغسل فمه ويده للصلاة، وعلى الأول: لا يغسل (^٢).\nومثله: الهر قد حكمت السنة بطهارته لعلة التطواف ومشقة الاحتراز، فإذا ذهبت علة التطواف، وكان الهر متوحشًا وليس طوافًا فهل يرجع إلى أصله من\n_________\n(^١) انظر حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير للدردير (١/ ٣٣).\n(^٢) انظر منح الجليل (٢/ ٤٥٦).","vol":"6","page":388},{"text":"النجاسة، أو يكون طاهرًا مطلقًا.\nوقد اختلف العلماء في هذه المسألة.\nفقيل: إن المعفو عنه طاهر حقيقة، وهو قول في مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: إنه نجس، وإنما سقط حكم النجاسة، وهذا قول في مذهب الحنفية (^٣)، ومذهب المالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2890> دليل من قال: إنه طاهر:</span>\n(١٢٠٢ - ١٧٣) استدلوا بما رواه مالك من طريق حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:\nأن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٠٩)، وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٤١١): واختلف أصحابنا في طهارته، فذهب أبو عبد الله بن حامد وأبو حفص بن المسلمة إلى طهارته، وهو ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به، ولو كان نجسًا لنجسه.\nثم قال: وقال أصحابنا المتأخرون: لا يطهر المحل، بل هو نجس. اهـ أي نجس معفو عنه. اهـ\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧)، تبيين الحقائق (١/ ٧٢)، البحر الرائق (١/ ٢٣٨).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٤٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١١١).\n(^٥) حيث اعتبر أثر الاستجمار نجسًا، انظر حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٢٠٨)، تحفة المحتاج (٢/ ١٢٨)، الأشباه والنظائر (ص: ٨٤)،\n(^٦) المغني (١/ ٤١١). وقال البهوتي: وأثر الاستجمار نجس؛ لأنه بقية الخارج من السبيل، يعفى عن يسيره بعد الإنقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه. اهـ","vol":"6","page":389},{"text":"عليكم أو الطوافات (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأنه نفى ﷺ عن الهر النجاسة، مع تعليله طهارتها بعلة التطواف، أي مشقة التحرز منها، فلو كانت الهرة نجسة معفوًا عنها لم يقل ﵊: إنها ليست بنجس.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2891> دليل من قال: إنها نجسة:</span>\nقالوا: الميتة نجسة، لكن أبيحت للمضطر للعذر، وهذا لا يحولها إلى عين طاهرة، ولذلك إذا زال العذر رجع التحريم.\nولأن المستجمر في الحجارة يبقى بعده أثر من النجاسة في المحل، لا يزيله إلا الماء، وهذا الأثر عينه نجسة؛ لأنه جزء من الغائط، فكيف يكون المحل طاهرًا حقيقة والنجاسة لا تزال عليه؟ وإنما عفي عن حكمها تخفيفًا من الله ﷾، وتيسيرًا على المكلف، فالحمد لله على تيسيره ومنه.\nوسواءً رجحنا هذا أو ذاك، فالذي يعنينا من النجاسات هو حكمها، فإذا سقط حكم النجاسة، وعفي عنها، سواءً قلنا بعد ذلك: إن العين نجسة أو طاهرة لم يكن للخلاف أثر، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٤٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (١٠٦٠).","vol":"6","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2892>الفصل السادس\nمذاهب العلماء في العفو عن النجاسات</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما لا يمكن التحرز عنه أو يشق فهو عفو.\n• المشقة تجلب التيسير.\n• المشقة والحرج إنما يعتبران في غير المنصوص عليه، وأما ما فيه نص فلا.\n• يعفى عن النجاسة المخففة ما لا يعفى عن النجاسة المغلظة، ويعفى عن اليسير منها ما لا يعفى عن الكثير.\n[م-٥٤٤] في معرض ذكر النجاسة المعفو عنها في كل مذهب لا حاجة لنا في بيان أن بعض الأعيان المعتبرة في بعض المذهب نجسة، هي في راجح الأمر من الأعيان الطاهرة؛ أو العكس؛ لأنه يفترض أننا قد حرر فيما سبق الراجح في كل الأعيان المختلف في طهارتها، سواءً كان من إنسان أو حيوان أو جماد في الأبواب التي قبل هذا الفصل، وإنما أوردنا في هذا الفصل سرد النجاسات المعفو عنها في كل مذهب، فإن أردت أن تعرف هل النجاسة المذكورة في هذا المذهب هي حقًّا من","vol":"6","page":391},{"text":"الأعيان النجسة أو الطاهرة فارجع إلى باب ذكر الأعيان النجسة، وراجع خلاف العلماء ومعرفة الراجح.\nالقول الأول: مذهب الحنفية:\nذهب الحنفية إلى العفو عن قليل النجاسة مطلقًا في حق المصلي في بدنه وثوبه وبقعته، إلا أن تقديرهم للقليل يختلف من نجاسة إلى أخرى،\nفتقدير القليل في النجاسة المخففة: هو ما لم يفحش.\nوتقدير القليل في النجاسة المغلظة: هو قدر الدرهم (^١).\n• ويستدلون بأدلة منها:\nأولًا: أن الاستنجاء والاستجمار ليس بواجب عندهم، ومعنى هذا أنه يعفى عن غسل النجاسة من بول أو غائط في مكانه المعتاد.\nوقد نوقشت هذه المسألة في باب مستقل في كتاب أحكام الطهارة «آداب الخلاء» وترجح أن الاستنجاء أو الاستجمار واجب.\nويستدلون أيضًا بالعفو عن الأثر المتبقي بعد الاستجمار، وهو أثر لا يزيله إلا الماء، ومع ذلك عفي عنه، وهو دليل على العفو عن قليل النجاسة.\n_________\n(^١) جاء في حاشية ابن عابدين (١/ ٣١٨) والبحر الرائق (١/ ٢٤٠) أن المغلظة عند أبي حنيفة: ما ورد فيها نص لم يعارض بنص آخر، فإن عورض بنص آخر فمخفف.\nمثاله: دم الحيض نجس مغلظ؛ لورود النص على نجاسته، ولم يعارض بنص آخر.\nبينما بول ما يؤكل لحمه نجس مخفف؛ لأن حديث استنزهوا من البول يدل على نجاسته، وحديث العرنيين يدل على طهارته، فلما عورض بنص آخر دل على أن نجاسته مخففة.\nوذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن النجاسة المغلظة: ما أجمع على نجاسته. والمخفف: ما اختلف الأئمة في نجاسته. فروث ما يؤكل لحمه مغلظ عند أبي حنيفة؛ لقوله ﷺ: «إنها ركس»، ولم يعارض بنص آخر.\nوالروث عند صاحبيه مخفف لقول مالك وأحمد بطهارته.","vol":"6","page":392},{"text":"ويعفى عن النجاسة الكثيرة إن كانت في بقعة المصلي في موضع اليدين والركبتين؛ لأن وضعهما في حال السجود ليس بركن، ولا يعفى عن كثير النجاسة في موضع قدم المصلي؛ لأن القيام ركن.\nوأما في موضع السجود فاختلف في العفو عن النجاسة الكثيرة على قولين.\nفقيل: لا يعفى؛ لأن الجبهة أكبر من الدرهم.\nوقيل: يعفى؛ لأن فرض السجود يؤدى بقدر أرنبة الأنف، وهي أقل من الدرهم.\nوالتفريق بين الركن والواجب تفريق بلا دليل.\nكما يعفى عن النجاسة المنتضحة كرؤوس الإبر، وإن كثرت بشرط ألا ترى، فإن رؤيت وكان بحال لو جمعت بلغت أكثر من الدرهم وجبت إزالتها.\nوكالبول المنتضح والدم على ثوب القصاب\nكما يعفى عن النجاسة الكثيرة إذا كانت مختلطة في طين الشوارع وكانت طرق المصلي لا تنفك عنها النجاسات غالبًا لكن ما لم ير عين النجاسة فإن رأى عين النجاسة فلا يعفى إلا عن قليلها كما سبق.\nكما يعفى عن بعر الإبل والغنم إذا وقع في البئر ما لم يكثر كثرة فاحشة أو يتفتت فيتلون به الماء.\nكما يعفى عن ذرق ما لا يؤكل لحمه من الطيور، كالبازي والصقر وإن كثر؛ لأنها تذرق في الهواء، فيصعب الاحتراز منها (^١).\nالقول الثاني: مذهب المالكية:\nيعفى في مذهب المالكية عما يعسر الاحتراز عنه من النجاسات كحدث\n_________\n(^١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ١٠٤، ١٠٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٢٢)، شرح فتح القدير (١/ ٢٠٢ - ٢٠٥)","vol":"6","page":393},{"text":"مستنكح (أي ملازم كثيرًا) وكبلل باسور، وكثوب مرضعة أو جسدها إذا اجتهدت في درء البول أو الغائط بأن تنحيه عنها حال البول فإذا أصابها شيء بعد التحفظ عفي عنه، ومثل المرضع: الكناف، أي الذي ينزح الكنف، والجزار، فيعفى عما أصابهما بعد التحفظ، فإن لم يتحفظا فلا عفو.\n- ويعفى عما دون قدر الدرهم البغلي عن عين أو أثر من دم مطلقًا منه ومن غيره ولو دم حيض أو خنزير في ثوب أو بدن أو مكان.\n- ويعفى عن يسير الدم والقيح والصديد، فمثله مثل الدم من كل وجه.\n- ويعفى عن أثر موضع الحجامة إذا كان يتضرر بالغسل فلا يجب غسله، ولكن إن كان زائدًا عن قدر الدرهم مسح حتى يبرأ، وإن كان أقل من الدرهم البغلي عفي عنه بلا مسح، ويستمر العفو إلى أن يبرأ ذلك الموضع.\n- ويعفى عما أصاب النعل والخفاف من أرواث الدواب وأبوالها، بموضع يطرقه الدواب كثيرًا، فإن أصابت الثياب فلا عفو، وإن كانت النجاسة من غير أرواث الدواب وأبوالها فلا عفو أيضًا، ولا بد من غسله (^١).\n_________\n(^١) قال في مواهب الجليل (١/ ١٥٢): إذا كانت النجاسة يابسة فمعفو عن الذيل الواصل إليها، وفي الرطبة قولان: المشهور لا يعفى، والثاني أنه يعفى.\nوقال أيضًا في المرجع المذكور (١/ ١٥٣): ويعفى عن أثر ما يصيب الخف، وعما يصيب النعل من أرواث الدواب وأبوالها، ولو كانت رطبة، كما قاله في المدونة، بشرط أن يدلك ذلك، فإذا دلكه جاز له أن يصلي بذلك الخف والنعل، والعلة في ذلك المشقة، وهو الذي ارتضاه ابن الحاجب.\nوبعضهم ساوى بين الذيل والخف، فقال يعفى عنهما ولو كانت النجاسة رطبة، وخرج حكم ذيل المرأة على كلام مالك في الخف.\nقال في مواهب الجليل (١/ ١٥٢): الأشبه أن ذلك فيما لا تنفك منه الطرقات من أرواث الدواب وأبوالها، وإن كانت رطبة، فإن ذلك لا ينجس ذيلها للضرورة، كما قال مالك في الخف. قال سند: ولعمري أن تخريج ذلك على الخف حسن؛ لأن غسل الثوب كل وقت فيه حرج ...\nومشقة، ربما كانت فوق مشقة غسل الخف، فإن الخف يغسله وينزعه وينشف، والثوب إن تركه عليه مبلولًا فمشقة إلى مشقة، وإن نزعه فليس كل أحد يجد ثوبًا آخر يلبسه. قال الحطاب تعليقًا: وما قالاه ظاهر، لكنه خلاف مذهب المدونة.\nوقال في حاشية الدسوقي (١/ ٧٥): وحاصله أن الخف إذا أصابه شيء من النجاسات غير أرواث الدواب وأبوالها كخرء الكلاب أو فضلة الآدمي أو أصابه دم فإنه لا يعفى عنه كما مر، ولا بد من غسله. اهـ","vol":"6","page":394},{"text":"- كما يعفى عن الدم المباح في الصقيل كالسيف والسكين والمرآة وإن لم يمسحه لئلا يفسد.\n- ويعفى عن أثر الدمل الواحد، ومثله الجرح الواحد ما لم ينك: أي يعصر أو يقشر بلا حاجة، فإن عصره أو قشره بلا حاجة لم يعف عما زاد عن الدرهم، وإن عصره أو قشره لحاجة عفي عنه ولو كثر.\nوإن كثرت الدمامل فيعفى عنها مطلقًا، ولو عصرها أو قشرها لاضطراره لذلك كالحكة والجرب.\n- كما يعفى عن أثر ذباب وناموس يحملها على أعضائه، ثم يحطها على الثوب أو البدن.\n- يعفى عن طين الشوارع المتنجس، سواءً كان الطين لسبب المطر أو الرش أو نحوهما، بشرط أن يكون الطين طريًا يخشى منه الإصابة، وأن لا تغلب النجاسة على الطين يقينًا أو ظنًا، وأن لا يصيب الإنسان عين النجاسة غير المختلطة.\n- ويعفى عما يعلق من غبار النجس بذيل المرأة إذا أطالته للستر وليس للخيلاء، وكذا ما يعلق برجل مبلولة من نجاسة يابسة إذا مر عليها، وليس العفو عنهما مترتبًا بمرورهما على ما يطهرهما (^١).\nهذا جل ما يعفى عنه من النجاسات في مذهب المالكية، وهو كما سبق يرجع\n_________\n(^١) انظر الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٧١ - ٧٨)،","vol":"6","page":395},{"text":"إلى الضوابط التي ذكرت سابقًا من مشقة التحرز وعموم البلوى والاضطرار ويسير النجاسة.\nالقول الثالث: مذهب الشافعية:\n- يعفى عن أثر استجمار بمحله، وفي الأصح أنه يعفى عنه ولو عرق محل الأثر وانتشر؛ لعسر الاحتراز منه (^١).\n- ويعفى عن شعر الحيوان المركوب النجس، ولو كان كثيرًا؛ لمشقة الاحتراز عنه (^٢).\n-ويعفى عن قليل بول الخفاش، وونيم الذباب، وبول وروث الزنابير والبعوض، وروث السمك في الماء ونحوها؛ لمشقة الاحتراز (^٣).\n- أما دم القمل والبراغيث والبق والقردان وغيرهما مما لا نفس له سائلة فقد اتفق أصحاب الشافعية على أنه يعفى عن قليله، وفي كثيره وجهان مشهوران أصحهما العفو عنه. قال صاحب البيان هذا قول عامة أصحابنا.\nوأما دم الشخص نفسه، فضربان:\nالضرب الأول: ما يخرج من بثرة من دم وقيح وصديد، فله حكم دم البراغيث بالاتفاق، يعفى عن قليله قطعًا، وفي كثيره الوجهان: أصحهما العفو.\nالضرب الثاني: ما يخرج منه لا من البثرات، بل من الدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة وغيرها. وفيه طريقان:\nالطريقة الأولي: أنه كدم البراغيث والبثرات فيعفى عن قليله، وفي كثيره الوجهان قال الرافعي: هذا مقتضى كلام الأكثرين.\n_________\n(^١) نهاية المحتاج (١/ ٢٥).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٨١).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ٨١) أسنى المطالب (١/ ١٧٥) منظومة ابن العماد (ص: ١٨، ١٩).","vol":"6","page":396},{"text":"الطريقة الثانية: وهو الأصح اختاره إمام الحرمين وسائر العراقيين أنه كدم الأجنبي. أي فلا يعفى عنه.\nوإذا عصر هو البثرة أو الدمل أو قتل البرغوث عفي عن قليله فقط دون كثيره (^١).\n- وإذا تيقن نجاسة طين الشوارع فلا خلاف في العفو عن القليل الذي يلحق ثياب الطارقين.\nأما إذا غلب على الظن نجاسة طين الشوارع، فهناك قولان، الأول: يحكم بنجاسته، والثاني: بطهارته، بناء على تعارض الأصل والظاهر (^٢).\n- كما يعفى عن ميتة ما لا نفس له سائلة إذا وقع في الماء شرط أن يكون الواقع قليلًا، وألا يغير الماء، وهذا مبني على مذهب الشافعية القائل بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة (^٣).\n- يعفى عن القليل من دخان وغبار النجاسة، وقليل دخان السرجين (^٤).\n- يعفى عن النجاسة التي لا يدركها البصر المعتدل، كنقطة خمر لا تبصر لقلتها، أما من كان بصره حادًا فأبصر تلك النجاسة فلا عبرة برؤيته (^٥).\nوقد قسم السيوطي النجاسات المعفو عنها في مذهب الشافعية أقسامًا تارة باعتبار مقدارها، وتارة باعتبار محلها، وننقله بحروفه؛ نظرًا لأن التقسيم يعين الطالب على الحفظ:\nقال السيوطي: «النجاسات أقسام:\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ١٤٣).\n(^٢) المجموع (١/ ٢٦١، ٢٦٢)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧، ٢٨).\n(^٣) حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ٣٢٣)، شرح منظومة ابن العماد (ص: ٥٥).\n(^٤) مغني المحتاج (١/ ٨١).\n(^٥) انظر حاشية البجيرمي (١/ ٨٨)، شرح منظومة ابن العماد (ص: ٤٨، ٤٩).","vol":"6","page":397},{"text":"أحدها: ما يعفى عن قليله وكثيره في الثوب والبدن.\nوهو: دم البراغيث والقمل والبعوض والبثرات والصديد والدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة، ولذلك شرطان:\nالشرط الأول: أن لا يكون بفعله، فلو قتل برغوثًا، فتلوث به وكثر، لم يعف عنه.\nالشرط الثاني: أن لا يتفاحش بالإهمال؛ فإن للناس عادة في غسل الثياب، فلو تركه سنة مثلًا، وهو متراكم لم يعف عنه.\nالثاني: ما يعفى عن قليله دون كثيره.\nوهو دم الأجنبي، وطين الشارع المتيقن نجاسته.\nالثالث: ما يعفى عن أثره دون عينه.\nوهو أثر الاستنجاء، وبقاء ريح أو لون، عسر زواله.\nالرابع: ما لا يعفى عن عينه ولا أثره، وهو ما عدا ذلك.\nتقسيم ثان لما يعفى عنه من النجاسة.\nأحدها: ما يعفى عنه في الماء والثوب، وهو ما لا يدركه الطرف، وغبار النجس الجاف، وقليل الدخان والشعر، وفم الهرة والصبيان. ومثل الماء: المائع، ومثل الثوب: البدن.\nالثاني: ما يعفى عنه في الماء والمائع دون الثوب والبدن، وهو الميتة التي لا دم لها سائل ومنفذ الطير وروث السمك في الحب والدود الناشئ في المائع.\nالثالث: عكسه، وهو: الدم اليسير وطين الشارع ودود القز إذا مات فيه لا يجب غسله، صرح به الحموي، وصرح القاضي حسين بخلافه.\nالرابع: ما يعفى عنه في المكان فقط، وهو ذرق الطيور في المساجد والمطاف، كما أوضحته في البيوع، ويلحق به ما في جوف السمك الصغار على القول بالعفو عنه؛","vol":"6","page":398},{"text":"لعسر تتبعها وهو الراجح.\nثم أتبع ذلك السيوطي بوضع عنوان آخر، فقال:\nالصور التي استثني فيها الكلب والخنزير من العفو:\nالصورة الأولى: الدم اليسير من كل حيوان يعفى عنه إلا منهما، ذكره في البيان قال في شرح المهذب: ولم أر لغيره تصريحا بموافقته ولا مخالفته، قال الإسنوي: وقد وافقه الشيخ نصر المقدسي في المقصود.\nالصورة الثانية: يعفى عن الشعر اليسير إلا منهما، ذكره في الاستقصاء.\nالصورة الثالثة: يعفى عن النجاسة التي يدركها الطرف إلا منهما، ذكره في الخادم بحثًا.\nالصورة الرابعة: الدباغ يطهر كل جلد إلا جلدهما بلا خلاف عندنا.\nالصورة الخامسة: يعفى عن لون النجاسة أو ريحها إذا عسر زواله إلا منهما، ذكره في الخادم بحثًا.\nالصورة السادسة: قال في الخادم: ينبغي استثناء نجاسة دخان نجاسة الكلب والخنزير؛ لغلظهما، فلا يعفى عن قليلها (^١). اهـ\nالقول الرابع: مذهب الحنابلة:\nلا تختلف الرواية في مذهب أحمد أنه يعفى عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء والعدد.\nكما يعفى عن يسير الدم والقيح والصديد في غير مائع ومطعوم من حيوان طاهر في الحياة، سواءً كان من مأكول اللحم أو من غيره كالهر، بشرط أن يكون من غير السبيلين، فإن وقع في مائع أو مطعوم أو كان من حيوان نجس كالكلب والخنزير أو خرج من أحد السبيلين فلا يعفى عن شيء من ذلك.\n_________\n(^١) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٣٢).","vol":"6","page":399},{"text":"وأما القيء فلا يعفى عن يسيره على الصحيح من المذهب.\nوفيه قول ثان بأنه يعفى عن يسيره.\nكما أن ريق الحمار والبغل وعرقهما على القول بنجاستهما لا يعفى عن يسيره على الصحيح من المذهب.\nوفيه رواية ثانية أنه يعفى عن يسيره.\nكما أن ريق سباع البهائم -غير الكلب والخنزير- والطير وعرقها على القول بنجاسته لا يعفى عن يسيره على الصحيح من المذهب.\nوقيل: يعفى عن يسيره.\nكما أن بول الخفاش وكذا الخشاف وكذا الخطاف نجس، فلا يعفى عنه على الصحيح من المذهب.\nوعنه يعفى عن يسيره.\nولا يعفى عن يسير بول كل بهيم نجس أو طاهر لا يؤكل، وينجس بموته على الصحيح من المذهب.\nوأما النبيذ النجس، فلا يعفى عن يسيره على الصحيح من المذهب.\nوعنه يعفى عن يسيره.\nويعفى عن دم البق والقمل والبراغيث والذباب ونحوها على القول بنجاستها، وقد تقدم أن الراجح فيها الطهارة.\nومنها يسير النجاسة إذا كانت على أسفل الخف والحذاء بعد الدلك يعفى عنها على القول بنجاسته، وقطع به الأصحاب.\nومنها يسير سلس البول مع كمال التحفظ يعفى عنه، قال الناظم: وظاهر كلام الأكثر عدم العفو، وعلى قياسه يسير دم الاستحاضة.","vol":"6","page":400},{"text":"ومنها يسير دخان النجاسة وغبارها وبخارها يعفى عنه ما لم تظهر له صفة على الصحيح من المذهب.\nقال جماعة: يعفى عنه ما لم يتكاثف، وقيل: ما لم يجتمع منه شيء ويظهر له صفة، وقيل: أو تعذر أو تعسر الاحتراز منه.\nوقيل: لا يعفى عن يسير ذلك.\nومنها يسير نجاسة الجلالة قبل حبسها لا يعفى عنه على الصحيح من المذهب، وقيل: يعفى عنه (^١).\nهذا جل ما يعفى عنه وما لا يعفى في مذهب الحنابلة، وكما قلنا: إن الشأن في هذا الفصل هو تحرير المذاهب دون تعرض لمناقشتها؛ وذلك لأنه سبق أن تحرير الأعيان النجسة والطاهرة، والراجح فيها في أبواب وفصول ومباحث متقدمة، وأما الراجح في العفو فكما سبق محاولة ضبط ذلك من خلال ضوابط جامعة،\nفكل نجس يسير عرفًا فهو معفو عنه على الصحيح، دون تفريق بين البول وبين الدم النجس، وسواءً كان من الإنسان أو من الحيوان، وسواءً تعلقت النجاسة في البدن أو في الثوب أو في المكان.\nويقاس ما لم يرد فيه نص بالعفو على ما ورد فيه النص، إذا اتحدا في العلة.\nكما أن كل ما يشق التحرز منه فهو عفو من غير فرق، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ) [النساء: ٢٨]، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥].\nكما أن الضرورة تبيح تعاطي النجاسات، سواءً في ستر العورة أو في أكل الميتة أو في غيرها.\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٣٣١، ٣٣٤)، المستوعب (١/ ٣٤٠)، المبدع (١/ ٢٤٩، ٢٥٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٣٥).","vol":"6","page":401},{"text":"كما أن كل ما تعم به البلوى فإنه مدعاة للتخفيف، وفقًا للقاعدة الشرعية المشقة تجلب التيسير، هذه هي الضوابط الشرعية في العفو عن النجاسة، ويبقى على طالب العلم تحقيق المناط، في تنزيل هذه الضوابط على الأعيان، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2893>الفصل السابع فيما يحرم استعماله في إزالة النجاسة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2894>المبحث الأول إزالة النجاسة بالكتب الشرعية</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث تنبيه على النهي عن الاستنجاء بكل ما هو محترم من طعام أو كتب شرعية، أو مال له قيمة.\n[م-٥٤٥] إزالة النجاسة بالمصحف الشريف كفر بالله وإلحاد به.\nقال النووي: «لو استنجى بشيء من أوراق المصحف والعياذ بالله عالمًا صار كافرًا مرتدًا.\nوأما إزالة النجاسة بالكتب الشرعية، فقد تكلم العلماء عن الاستنجاء به، ونهوا عن ذلك، وهل هو على التحريم أو الكراهة؟ خلاف:\nفقيل: يكره، ويجزئ، وهو مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٠)، نور الإيضاح (ص: ١٦).","vol":"6","page":403},{"text":"وقيل: يحرم ويجزئ، وهو مذهب المالكية (^١).\nوقيل: يحرم ولا يجزئ، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٢) والحنابلة (^٣).\n• تعليل الكراهة أو المنع:\nقالوا: إن الكتب الشرعية يجب احترامها، لما فيه من علم محترم، وإزالة النجاسة بها إهانة لها، وهذا منهي عنه.\nولأن الكتب الشرعية تعتبر من المال، فلها قيمة شرعًا، وإزالة النجاسة بها إفساد لهذا المال، وإفساد الأموال منهي عنه.\nولأن الكتب الشرعية لا تخلو من أسماء الله ﷾، ومن أحاديث شريفة يجب توقيرها، ولا يجوز إهانتها.\nوقياسًا على النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام إخواننا من الجن وطعام دوابهم، فإذا كان زاد الأبدان منهيًا عنه، فكذلك زاد الأرواح من العلوم الشرعية.\nوالكراهة التي عند الحنفية لا يبعد أن تكون كراهة تحريم، لا كراهة تنزيه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) قال العدوي في حاشيته على الخرشي (١/ ١٥١): «أما المحترم من مطعوم ومكتوب وذهب وفضة يحرم عليه -يعني الاستنجاء بها- سواءً أراد الاقتصار عليه أم لا؟ ولكن إذا أنقى يجزئ».اهـ وانظر مواهب الجليل (١/ ٢٨٦)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، مختصر خليل (ص: ١٥)، التمهيد (١/ ٣٤٧).\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ١٣٧): «من الأشياء المحترمة التي يحرم الاستنجاء بها الكتب التي فيها شيء من علوم الشرع، فإن استنجى بشيء عالمًا أثم. وفي سقوط الفرض الوجهان: الصحيح لا يجزئه». وانظر الوسيط (١/ ٣٠٦)، المنهج القويم (ص: ٧٩، ٨٠)، شرح زبد\nابن رسلان (ص: ٥٥)، روضة الطالبين (١/ ٦٨).\n(^٣) المغني (١/ ١٠٥)، الإنصاف (١/ ١١٠، ١١١)، المبدع (١/ ٩٣)، المحرر (١/ ١٠)،","vol":"6","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2895>المبحث الثاني في إزالة النجاسة بالأطعمة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث تنبيه على النهي عن الاستنجاء بكل ما هو محترم من طعام، أو كتب شرعية، أو مال له قيمة.\n[م-٥٤٦] نهي رسول الله ﷺ عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام الجن وطعام دوابهم، فالنهي عن طعام الإنس وطعام دوابهم من باب أولى، والاستنجاء نوع من إزالة النجاسة عن البدن.\nوكما أنه إذا نهي عن الاستنجاء بها نهي عن التبول عليها من باب أولى.\n(١٢٠٣ - ١٧٤) فقد روى مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال:\nسألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا","vol":"6","page":405},{"text":"هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ: فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (^١).\nولهذا ذهب الأئمة الأربعة (^٢)\nإلى تحريم الاستنجاء بالطعام.\nوإذا خالف واستنجى أجزأه إذا حصل الإنقاء عند الحنفية والمالكية.\nوقيل: لا يجزئ في مذهب الشافعية والحنابلة.\nومثل طعام الآدمي طعام البهيمة فلا يستنجي به (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (٤٥٠).\n(^٢) أطلق الكراهة في مراقي الفلاح (ص: ٢٠) قال: «ويكره الاستنجاء بعظم وطعام لآدمي ...». إلخ.\nويقصد بها كراهة تحريم كالجمهور، فإن الموجود في الدر المختار (١/ ٣٣٩) «وكره تحريمًا بعظم وطعام وروث ... إلخ. وقال في البحر الرائق (١/ ٢٥٥): «والظاهر أنها كراهة تحريم.\nوقال ابن عبد البر من المالكية في كتابه الكافي (ص: ١٧): «وما يجوز أكله لا يجوز الاستنجاء به».اهـ وانظر حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٥١)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٦)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، مختصر خليل (ص: ١٥).\nوفي مذهب الشافعية: قال في المجموع (٢/ ١٣٥): «لا يجوز الاستنجاء بعظم ولا خبز ولا غيرهما من المطعوم، فإن خالف واستنجى به عصى، ولا يجزئه هكذا نص عليه الشافعي، وقطع به الجمهور .... وإذا لم يجزئه المطعوم كفاه بعده الحجر إن لم ينشر النجاسة».اهـ وانظر إعانة الطالبين (١/ ١٠٨)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٤)، شرح زبد بن رسلان (ص: ٥٥).\nوفي مذهب الحنابلة انظر: كشاف القناع (١/ ٦٧، ٦٩)، المغني (١/ ١٠٤)، الإنصاف (١/ ١١٠، ١١١)، المبدع (١/ ٩٣)، المحرر (١/ ١٠).\n(^٣) نص على طعام البهيمة الحنفية في نور الإيضاح (ص: ١٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٩).\nومن الحنابلة دليل الطالب (ص: ٦)، ومنار السبيل (١/ ٢٤)، المبدع (١/ ٩٣)، الإنصاف (١/ ١١٠)، كشاف القناع (١/ ٦٩).","vol":"6","page":406},{"text":"ولأن الاستنجاء بالطعام مناف لشكر النعمة وتعظيمها، وعدم امتهانها، وقد ينتفع بها حيوان، أو طير، أو غيرهما من دواب الأرض.\nوأجاز بعض الفقهاء إزالة النجاسة ببعض الأطعمة إذا اضطر إلى ذلك كما لو لم يكن هناك ماء، أو كان الماء لا يكفي في تطهير المحل المتنجس.\n(١٢٠٤ - ١٧٥) واستدل لذلك بما ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت،\nعن امرأة من بني غفار، قالت: أردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله. قالت: فوالله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح فأناخ، ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني، فكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم، قال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قالت: قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك، وخذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحًا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك. الحديث (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوجه الاستدلال: استعمال الملح في إزالة دم الحيض، والملح مطعوم.\nقال الخطابي تعليقًا على هذا الحديث: «فيه من الفقه أنه استعمل الملح في غسل الثياب وتنقيته من الدم، والملح مطعوم، فعلى هذا يجوز غسل الثياب بالعسل إذا كان ثوبًا من إبريسم يفسده الصابون، وبالخل إذا أصابه الحبر ونحوه، ويجوز على هذا التدلك بالنخالة، وغسل الأيدي بدقيق الباقلى والبطيخ ونحو ذلك من الأشياء التي لها قوة الجلاء.\nوحدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال: «دخلت الحمام بمصر، فرأيت الشافعي\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٣٨٠).\n(^٢) وقع تخريجه في هذا المجلد (ص: ٤٣٢) ح: ١٢١٤.","vol":"6","page":407},{"text":"يتدلك بالنخالة» (^١).\nوأجاز الحنفية (^٢) وهو قول في مذهب الحنابلة (^٣)، إزالة النجاسة بالخل، والخل قد قال فيه الرسول ﷺ: نعم الإدام الخل (^٤).\nوقال النووي: «اتفق أصحابنا على تحريم الاستنجاء بجميع المطعومات كالخبز واللحم والعظم وغيرها، وأما الثمار والفواكه فقسمها الماوردي تقسيمًا حسنًا، فقال: منها ما يؤكل رطبًا لا يابسًا، كاليقطين فلا يجوز الاستنجاء به رطبًا، ويجوز يابسًا إذا كان مزيلًا.\nومنها ما يؤكل رطبًا ويابسًا وهو أقسام:\nأحدها: مأكول الظاهر والباطن، كالتين والتفاح والسفرجل وغيرها، فلا يجوز الاستنجاء بشيء منه رطبًا ولا يابسًا.\nوالثاني: ما يؤكل ظاهره دون باطنه، كالخوخ والمشمش وكل ذي نوى فلا يجوز بظاهره، ويجوز بنواه المنفصل.\nوالثالث: ما له قشر ومأكوله في جوفه كالرمان، فلا يجوز الاستنجاء بلبه، وأما قشره فله أحوال:\nأحدها: لا يؤكل رطبا ولا يابسًا كالرمان، فيجوز الاستنجاء بالقشر، وكذا لو استنجى برمانة فيها حبها جاز إذا كانت مزيلة.\nوالثاني: يؤكل قشره رطبًا ويابسًا كالبطيخ، فلا يجوز رطبًا ولا يابسًا.\n_________\n(^١) معالم السنن للخطابي مطبوع مع تهذيب السنن (١/ ١٩٧).\n(^٢) قال الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٦٩): «يطهر البدن بالماء وبمائع مزيل كالخل وماء الورد. اهـ وعندما منعوا إزالة النجاسة باللبن والدهن لم يعللوا ذلك بأنه مطعوم، وإنما عللوا ذلك بأن فيه دسومة فيبقى بنفسه بالثوب فلا يزيل غيره». وانظر درر الحكام (١/ ٤٤).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٣٠٩).\n(^٤) رواه مسلم (٢٠٥١).","vol":"6","page":408},{"text":"والثالث: يؤكل رطبًا لا يابسًا كاللوز والباقلاء، فيجوز بقشره يابسًا لا رطبًا.\nثم قال: وقال البغوي: إن استنجى بما مأكوله في جوفه كالجوز واللوز اليابس كره وأجزأه، فإن انفصل القشر جاز الاستنجاء به بلا كراهة، والله أعلم (^١).\nوالصحيح أن إزالة النجاسة بالأطعمة إن كان مع وجود الماء، واستوى الماء وغيره في النظافة، فأقل أحواله أن يكون مكروهًا، والقول بالتحريم وجيه جدًّا؛ لأن في ذلك إفسادًا للطعام وامتهانًا له، وقد يأكله حيوان أو دواب الأرض، وليس هذا الصنيع من شكر النعمة، فإن احتاج له في زيادة تنظيف أو قلع لون النجاسة أو نحوها، أو كان الماء غير متوفر، فإنه والله أعلم قد يباح في ذلك قدر الحاجة، قال ابن تيمية: لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٣٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٥).","vol":"6","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2896>المبحث الثالث في إزالة النجاسة بالعظام والروث</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النهي عن الشيء لذاته يقتضي فساد المنهي عنه، والنهي عنه لغيره لا يقتضيه.\nوبعبارة أخرى:\n• كل منهي عنه له جهتان: أحدهما مأمور به، وهو الاستنجاء، والأخرى منهي عنه كونه في عظم أو روث، فإذا نفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد.\n• الحكم بالنجاسة معلل، فإذا زالت بأي مزيل زال حكمها.\n[م-٥٤٧] منع الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢) الاستنجاء بالعظام والروث وهو نوع من إزالة النجاسة عن البدن، واختاره ابن حزم من الظاهرية (^٣).\n_________\n(^١) المهذب (١/ ٢٨)، حلية العلماء (١/ ٦٥)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٤)، إعانة الطالبين (١/ ١٠٨)، التنبيه (ص: ١٨).\n(^٢) الفروع (١/ ٩٢)، كشاف القناع (١/ ٦٩)، المبدع (١/ ٩٢)، المحرر (١/ ١٠).\n(^٣) المحلى (١/ ١١٠).","vol":"6","page":410},{"text":"وقيل: يستنجي بهما، وهو اختيار أشهب من المالكية (^١).\nوقيل: لا يستنجي بهما، وإن خالف وأزال النجاسة أجزأه، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، وابن تيمية من الحنابلة (^٤).\n(١٢٠٥ - ١٧٦) والصحيح أنه لا يجوز الاستنجاء بالعظم والروث لما رواه البخاري، من طريق أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه\nأنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (^٥).\n(١٢٠٦ - ١٧٧) ولما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،\nعن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من\n_________\n(^١) قال أشهب كما في المنتقى للباجي (١/ ٦٨): «ما سمعت في العظم والروث نهيًا عامًا، وأما أنا في علمي فما أرى به بأسا». اهـ فواضح أن النهي عن الاستنجاء بالعظم والروثة لم يبلغه.\n(^٢) ذكرنا العزو إلى كتبهم في المسألة المتقدمة في اشتراط طهارة ما يستنجى به، فانظره إن شئت.\n(^٣) قال في الخرشي (١/ ١٥١) فإن أنقت -يعني: الاستجمار بروث وعظم أجزأت. اهـ وانظر التاج والإكليل (١/ ٢٨٩)، الشرح الكبير (١/ ١١٤)، المنتقى للباجي (١/ ٦٨)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٤)، حاشية الصاوي (١/ ١٠٢)، القوانين الفقهية (ص: ٤٢)، منح الجليل (١/ ١٠٦) ..\n(^٤) الفروع (١/ ١٢٣)، المبدع (١/ ٩٢)، دليل الطالب (ص: ٦)، (١/ ١٠)، منار السبيل (١/ ٢٣)، الكافي (١/ ٥٣)، كشاف القناع (١/ ٦٩).\n(^٥) صحيح البخاري (١٥٦).","vol":"6","page":411},{"text":"طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا (^١).\nفإن كان العظم والروث طاهرين، فعلة النهي أنهما طعام إخواننا من الجن، وطعام دوابهم.\nوإن كان العظم والروث نجسين، فالعلة ماذكره رسول الله ﷺ: فألقى الروثة وقال: هذا ركس (^٢).\nفقوله ﷺ: (هذا ركس): أي نجس. وقد سبق الكلام على أدلة الأقوال في المسألة في (الطهارة بالاستنجاء والاستجمار) فأغنى عن إعادته كاملًا هنا.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٨٦٠).\n(^٢) صحيح البخاري (١٥٦).","vol":"6","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2897>الباب السادس في كيفية إزالة النجاسة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2898>الفصل الأول في إزالة النجاسة بالماء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2899>المبحث الأول في مشروعية إزالة النجاسة بالماء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه.\n• بذل المال في مقابل المنفعة لا يعد إتلافًا.\n• إذا صح بذل الماء لتطهير الثوب صح بذله لتطهير البدن بل هو أولى.\n• الماء أنزله الله طاهرًا مطهرًا، وبذله في ذلك موافق لمقصد الشارع قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)، وقال: (لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ).\n[م-٥٤٨] يجوز إزالة النجاسة بالماء، وهو مذهب الأئمة الأربعة في ذهابهم إلى","vol":"6","page":413},{"text":"مشروعية الاستنجاء بالماء (^١).\nولا أعلم أحدًا منع من إزالة النجاسة بالماء إلا ما ورد عن بعض السلف من النهي عن الاستنجاء بالماء، والاكتفاء عنه بالاستجمار بالحجارة. وهو مرجوح (^٢).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٢٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ٢١)، تبيين الحقائق (١/ ٧٧)، البحر الرائق (١/ ٢٥٤)، الفتاوى الهندية (١/ ٤٨).\nوانظر في مذهب المالكية: المدونة (١/ ١١٧)، المنتقى للباجي (١/ ٤٤)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٣).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١١٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٤٩).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٠١)، الفتاوى الكبرى (١/ ٢٦١)، الإنصاف (١/ ١٠٥).\n(^٢) جاء في المنتقى للباجي (١/ ٤٦): «كان سعيد بن المسيب وغيره من السلف يكرهون ذلك، ويقول ابن المسيب: إنما ذلك وضوء النساء».اهـ\nوقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٤٢): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة، قال: سئل عن الاستنجاء بالماء؟ فقال: إذًا لا تزال في يدي نتن.\nوسنده صحيح، وقد صحح إسناده الحافظ في الفتح.\nوروى ابن أبي شيبة (١/ ١٤٣) حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن نافع، قال: كان ابن عمر لا يستنجي بالماء.\nوهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى.\nوروى ابن أبي شيبة (١/ ١٤٢)، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان الأسود وعبد الرحمن بن يزيد يدخلان الخلاء، فيستنجيان بأحجار، ولا يزيدان عليها، ولا يسمان ماء. وإسناده صحيح.\nوروى ابن أبي شيبة أيضًا (١/ ١٤٢): حدثنا وكيع، عن مسعر، عن عبيد الله بن القبطية، عن ابن الزبير أنه رأى رجلًا يغسل عنه أثر الغائط، فقال: ما كنا نفعله. وهذا إسناد صحيح.\nوقال ابن حجر في الفتح (ح ١٥٠) تعليقًا على ترجمة البخاري (باب الاستنجاء بالماء): روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: إذا لا يزال في يدي نتن. وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء، وعن ابن الزبير: ما كنا نفعله. ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء. وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم. اهـ\nكذا نقل ابن حجر عن ابن حبيب، مع أن الموجود عن ابن حبيب كما في حاشية الخرشي أنه يوجب الاستنجاء بالماء، ولا يجوز الاقتصار على الاستنجاء بالحجارة مع وجود الماء. والنقل هذا عكس ما نقله ابن حجر، وهو مقدم على نقل الحافظ؛ لأن هذا من كتب المالكية، وهم أعلم بمذهب أصحابهم، والله أعلم.","vol":"6","page":414},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2900> دليل من قال: يجوز إزالة النجاسة بالماء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2901>الدليل الأول:</span>\n(١٢٠٧ - ١٧٨) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة، عن أسماء، قالت:\nجاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2902>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٠٨ - ١٧٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت،\nعن أنس بن مالك، أن أعرابيًا بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ: لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء، فصب عليه، ورواه مسلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2903>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٠٩ - ١٨٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد ابن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة،\nسمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٠٢٥) ومسلم (٢٨٤).\n(^٣) صحيح البخاري (١٥٢)، ومسلم (٢٧١). ...\nقال الأصيلي في الفتح (ح ١٥٠) متعقبًا على البخاري استدلاله بهذا الحديث: بأن قوله: (فيستنجي به) ليس من قول أنس، وإنما من قول أبي الوليد، أحد الرواة عن شعبة، فقد رواه البخاري عن أبي الوليد، عن شعبة، عن أبي معاذ، واسمه عطاء بن أبي ميمونة، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته، أجيء أنا وغلام، معنا إداوة من ماء، يعني: يستنجي به.\nوالدليل على أنها من قول أبي الوليد: بأن الحديث قد رواه البخاري عن سليمان ابن حرب، عن شعبة به، كما في رقم (١٥١) بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام، معنا إداوة من ماء. فلم يذكر فيستنجي به، فتعقبه الحافظ في الفتح، فقال: لكن رواه عقبة من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به، فقال: يستنجي بالماء.\nوالإسماعيلي، من طريق ابن مرزوق، عن شعبة به، بلفظ: فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة من ماء يستنجي منها النبي ﷺ.\nوللبخاري من طريق روح بن القاسم، عن عطاء بن أبي ميمونة: (إذا تبرز لحاجته أتيته بماء، فيغتسل به).\nقلت: فهذه الطريق غير طريق شعبة. قال الحافظ: ولمسلم من طريق خالد الحذاء، عن عطاء، عن أنس، فخرج علينا، وقد استنجى بالماء. وهذه متابعة ثانية لشعبة.\nقال الحافظ: وقد بان بهذه الروايات أن حكاية الاستنجاء من قول أنس ﵁ راوي الحديث، وكذا فيه الرد على من زعم أن قوله: يستنجي بالماء مدرج من قول عطاء، الراوي عن أنس، فيكون مرسلًا، فلا حجة فيه كما حكاه ابن التين عن أبي عبد الملك البوني، فإن رواية خالد الحذاء التي في مسلم، تدل على أنه قول أنس، حيث قال: (وقد خرج علينا، وقد استنجى بالماء).","vol":"6","page":415},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2904> دليل من قال: لا يستنجي بالماء:</span>\nذكرت أدلتهم في الطهارة بالاستنجاء والاستجمار، في مسألة: الاستنجاء بالماء، وأجبت عنها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.\n* * *","vol":"6","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2905>المبحث الثاني في تعين الماء لإزالة النجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه.\n• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل، فلم يتعين الماء.\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها.\n• الاستجمار هل هو على خلاف الأصل فيقتصر على الحجارة، أو لا فيقاس عليه غيره؟\nوعلى التسليم بأنه ثبت على خلاف القياس، فالصواب أنه يصح القياس على ما ثبت خلافًا للأصل إذا كان معللًا (^١).\n[م-٥٤٩] اختلف العلماء هل يتعين الماء في إزالة النجاسة؟\nفقيل: لا تزال النجاسة إلا بالماء الطهور.\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ١١٩).","vol":"6","page":417},{"text":"وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، ومحمد وزفر من الحنفية (^٤).\nوقيل: النجاسة لا يتعين الماء لإزالة النجاسة، وهو المشهور من مذهب الحنفية (^٥)، واختيار ابن تيمية (^٦).\nوقيل: إن نص الشارع على تطهيره بالماء كنجاسة دم الحيض والمذي لم يجز العدول إلى غيره.\nوإن نص الشارع على غير الماء كطهارة النعلين، فيجوز الاقتصار عليه.\n_________\n(^١) المقدمات لابن رشد (١/ ٨٦)، القوانين الفقهية - ابن جزي (ص: ٢٥)، منح الجليل (١/ ٣٠)، الشرح الصغير (١/ ٣١).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ١٧، ١٨)، المجموع (١/ ١٤٢)، روضة الطالبين (١/ ٧)، نهاية المحتاج (١/ ٦١).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٣٠٩)، كشاف القناع (١/ ١٨١)، الفروع (١/ ٢٥٩).\n(^٤) انظر بدائع الصنائع (١/ ٨٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠٩)، البناية (١/ ٧١١).\n(^٥) بدائع الصنائع (١/ ٨٣)، البحر الرائق (١/ ٢٣٣)، مراقي الفلاح (ص ٦٤، ٦٥)، رؤوس المسائل للزمخشري (ص: ٩٣)، البناية (١/ ٧٠٩) إلا أنهم نصوا على وجوب الماء في طهارة المذي، انظر شرح معاني الآثار (١/ ٤٨)، شرح فتح القدير (١/ ٧٢)، المبسوط (١/ ٦).\n(^٦) الإنصاف (١/ ٣٠٩)، الفروع (١/ ٢٥٩)، مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٢٢)، (٢١/ ٦١٠، ٦١١) إلا أن ابن تيمية يرى أن النجاسة تزال بأي مزيل قالع للنجاسة، ولو لم يكن مائعًا بخلاف الحنفية.\nقال العيني في البناية (١/ ٧٠٩): وشُرِط ثلاثة أشياء في إزالة النجاسة:\nالأول: كونه مائعًا يسيل كالخل ونحوه.\nالثاني: أن يكون المائع طاهرًا؛ لأن النجس لا يزيل النجاسة.\nالثالث: أن يكون المائع الطاهر مزيلًا كالخل وماء الورد ونحوهما، واحترز به عن الدهن والدبس واللبن ونحوها؛ لأن بها تنبسط النجاسة، ولا تزول.\nوفي الذخيرة روى الحسن عن أبي يوسف: لو غسل الدم من الثوب بدهن أو سمن أو زيت حتى أذهب أثره جاز، إلخ كلامه ﵀.\nومع ذلك فهم نصوا على طهارة بعض النجاسات بالدلك، وبعضها بالمسح بشروط معينة، كطهارة النعل والسكين، وسوف يأتي بسط هذه الأشياء في مسائل مستقلة إن شاء الله تعالى.","vol":"6","page":418},{"text":"ويجوز العدول إلى الماء؛ لأن الماء أقوى من غيره بالتطهير.\nوإن كان الشارع لم ينص على مادة التطهير، وجب الاقتصار على الماء فقط. وهذا القول اختيار الشوكاني ﵀ (^١).\nوسبب الاختلاف بين الفقهاء: اختلافهم في فهم الأدلة الواردة في هذا الباب، فقد أرشد الرسول ﷺ إلى تطهير دم الحيض وبول الأعرابي والمذي والكلب يلغ في الإناء وآنية أهل الكتاب إذا لم يوجد غيرها ونحو ذلك إلى تطهيرها بالماء في أحاديث صحيحة، وكل هذه الأحاديث قد ذكرت في مسائل سابقة متفرقة، فأخذ منها الجمهور أن النجاسة لا تزال إلا بالماء.\nوقاس عليه الحنفية كل مائع مزيل للنجاسة.\nوورد الاستجمار بالحجارة، وهي إزالة للنجاسة بغير الماء، كما ثبت طهارة النعل بدلكها بالتراب، وذيل المرأة يمر بالمكان النجس يطهره ما بعده من التراب الطهور، والهرة تأكل الفأرة يطهره ريقها، والخمر يتخلل فيطهر بنفسه بدون أن يضاف إليه ماء طهور، والمسلم يشرب الخمر فيطهر الريق فمه على القول بنجاسة الخمرة، فأخذ منها بعض العلماء جواز إزالة النجاسة بكل مزيل، سواءً كان مائعًا أو جامدًا.\nوأجاب الجمهور عن الاستجمار بالحجارة بأنه خاص في موضعه لعموم البلوى فيه، فإذا تجاوز الخارج موضع العادة تعين الماء عند الجمهور (^٢)، وتعين المائع المزيل عند الحنفية (^٣)، ولا يوجد دليل على أن إزالة النجاسة بالأحجار خاص بالاستجمار،\n_________\n(^١) انظر نيل الأوطار (١/ ٧٠)، والسيل الجرار (١/ ٤٩).\n(^٢) انظر في مذهب المالكية مواهب الجليل (١/ ٢٨٥)، الخرشي (١/ ١٤٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، منح الجليل (١/ ١٠٥).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢٢)، روضة الطالبين (١/ ٦٨)، المجموع (٢/ ١٤٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المبدع (١/ ٨٩)، الإنصاف (١/ ١٠٥)، كشاف القناع (١/ ٦٦).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٥٤)، مراقي الفلاح (ص: ١٨).","vol":"6","page":419},{"text":"والقياس يقتضي جواز إزالة النجاسة بالحجارة في أي موضع على البدن.\nكما حملوا تطهير النعل بالدلك على نجاسة يابسة لا تتعدى، فإذا دلكها بالتراب سقطت وأما المحل فلم يتنجس أصلًا، وبعضهم يرى أن النعل نجس نجاسة معفوًا عنها تخفيفًا من الشارع، وسيأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء الله تعالى، ومثله ذيل المرأة.\nوقد بحثت هذه المسألة بشيء من التفصيل في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية وترجح أن النجاسة متى زالت بأي مزيل فقد زال حكمها، فأغنى عن إعادته هنا (^١).\n* * *\n_________\n(^١) في مبحث (هل يتعين الماء لإزالة دم الحيض).","vol":"6","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2906>المبحث الثالث تكرار الغسل في إزالة النجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.\n• لم يرد التكرار في غسل النجاسة إلا في تطهير الإناء من ولوغ الكلب، وفي الاستجمار ثلاثًا إذا أنقى بما دونها.\n• التكرار في غسل النجاسة راجع إما إلى تغليظ النجاسة كنجاسة الكلب، وإما إلى ضعف المطهر كالاستجمار بالحجارة.\n[م-٥٥٠] اختلف العلماء في وجوب تكرار غسل النجاسة بالماء،\nفقيل: إن كانت النجاسة مرئية كالدم يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها، وإن كانت غير مرئية وجب غسلها ثلاثًا، وذلك مثل نجاسة ولوغ الكلب ونحوها، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: لا يجب العدد في غسل النجاسات مطلقًا ما عدا الكلب، وهو مذهب\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٧٥)، بدائع الصنائع (١/ ٨٨)، مراقي الفلاح (ص: ٦٤). الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٥، ٣٦). شرح فتح القدير (١/ ٢٠٩).","vol":"6","page":421},{"text":"مالك (^١)، والشافعية، إلا أن الشافعية ألحقوا الخنزير بالكلب (^٢).\nوسوف يأتي الخلاف في كيفية التطهير من نجاسة الكلب والخنزير إن شاء الله تعالى.\nوقيل: يجب غسل جميع النجاسات سبعًا، إلا نجاسة بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، والنجاسة التي على الأرض، وهو مذهب الحنابلة (^٣).\n• سبب اختلاف الفقهاء في وجوب العدد:\nأن العدد ورد في غسل بعض النجاسات كغسل نجاسة الكلب، حيث ورد غسلها سبعًا، كما ورد العدد في غسل اليدين من القيام من نوم الليل، وفهم منه بعض العلماء أن الغسل إنما هو لمظنة النجاسة، فقالوا: إذا كان العدد ورد في النجاسة المظنونة، فكيف بالنجاسة المتيقنة، كما ورد العدد في الاستجمار بالحجارة، فأخذ منه الحنابلة الأمر بغسل النجاسات سبعًا، وأخذ الحنفية الأمر بغسلها ثلاثًا في النجاسة غير المرئية، وورد في غسل دم الحيض بدون عدد، فأخذ منه العلماء أن النجاسة تزال بدون عدد، ويكفي فيه غسلة تذهب بعين النجاسة، وهذا هو الراجح، وأنه يكفي في غسل النجاسات غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، فإن لم تذهب كرر ذلك حتى تذهب. والله أعلم.\nوقد ذكرت أدلة كل قول ومناقشتها في كتاب الحيض والنفاس في مسألة في وجوب تكرار الغسل من دم الحيض، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد، وقد ترجح لي أن النجاسة لا يشترط في إزالتها عدد معين، وإنما يغسلها حتى تذهب عينها، فإذا ذهبت فقد زال حكمها، إلا في طهارة الكلب فيجب غسلها سبعًا أولاهن بالتراب، وفي الاستجمار بالحجارة لا بد من ثلاثة أحجار مع الإنقاء والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٦٩)، بداية المجتهد (٢/ ٢٢٣)، مختصر خليل (ص: ٩)، الخرشي (١/ ١١٤).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٣١، ٣٢)، المجموع (٢/ ٦١١)، الأم (١/ ٦)، مغني المحتاج (١/ ٨٣)، حاشية القليوبي وعميرة (١/ ٧٣).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٨٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٢).","vol":"6","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2907>المبحث الرابع في بقاء لون أو رائحة النجاسة بعد التطهير</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• بقاء طعم النجاسة يدل على بقاء جزء منها.\n• لون النجاسة وريحها إذا شق إزالتها عفي عنها.\n[م-٥٥١] إذا غسل المحل المتنجس، فإن بقي طعم النجاسة فهو ما زال نجسًا بلا خلاف،\nحكاه النووي في المجموع (^١)، وعلل ذلك: بأن بقاء الطعم يدل على بقاء جزء من النجاسة.\nوحكى صاحب الإنصاف خلافًا للحنابلة في الطعم (^٢).\nوإن بقي اللون أو الرائحة أو هما معًا فقد اختلف العلماء.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٦١٣).\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ٣١٧): ويضر بقاء الطعم على الصحيح من المذهب، وقيل: لا يضر. اهـ","vol":"6","page":423},{"text":"فقيل: لا يضر بقاء أحدهما أو بقاؤهما معًا إذا شق إزالتهما، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: إن بقي اللون والرائحة معًا فإن المحل لم يطهر، وأما إن بقي أحدهما وشقت إزالته فلا يضر، وهذا هو القول المعتمد عند الشافعية (^٤).\nوقيل: يعفى عن اللون دون الريح، اختاره بعض الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2908> دليل من قال: لا يضر بقاء اللون والرائحة معًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2909>الدليل الأول:</span>\n(١٢١٠ - ١٨١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا موسى بن داود الضبي، حدثنا\nابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عيسى بن طلحة،\nعن أبي هريرة، أن خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ في حج أو عمرة فقالت: يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه قال: فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره (^٧).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٢٠٩)، البحر الرائق (١/ ٢٤٩).\n(^٢) قال في حاشية الدسوقي (١/ ٨٠): ولا يشترط زوال لون وريح عسرًا، بل يغتفر بقاء ذلك في الثوب، لا في الغسالة. اهـ وانظر مواهب الجليل (١/ ١٦٣)، الخرشي (١/ ١١٥) منح الجليل (١/ ٧٣).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٨٣)، الفتاوى الكبرى (١/ ٤٢٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٢٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٣)، المبدع (١/ ٢٣٩)، الإنصاف (١/ ٣١٧).\n(^٤) المجموع (٢/ ٦١٣، ٦١٤)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٣٣)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٨٦)، تحفة المحتاج (١/ ٣١٨).\n(^٥) مغني المحتاج (١/ ٨٥).\n(^٦) الإنصاف (١/ ٣١٧).\n(^٧) المسند (٢/ ٣٦٤).","vol":"6","page":424},{"text":"[ضعيف، فيه ابن لهيعة، وقد اضطرب في إسناده] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2910>الدليل الثاني:</span>\nأن الله ﷾ أمر بتطهير النجاسات بالماء وحده، كما في غسل دم الحيض، ومعلوم أن الماء وحده ليس من شأنه إزالة أثر النجاسة، فلو كانت إزالة الأثر مشترطة لأرشد الشارع إلى مطهر آخر، كما أرشد في تطهير ولوغ الكلب إلى التراب مثلًا.\n_________\n(^١) في إسناده ابن لهيعة، وقد رأى بعضهم تحسين حديثه إذا كان من طريق من روى عنه قبل احتراق كتبه، خاصة أن هذا الحديث قد رواه عنه عبد الله بن وهب وقتيبة بن سعيد.\nوالراجح أنه ضعيف مطلقًا، لكن رواية العبادلة عنه أعدل من غيرها كما قال الحافظ، وهذه العبارة لا تقتضي تحسين حديثه، وقد نقلت ما يدل على ذلك من كلام أهل العلم، انظر المجلد العاشر (ص: ٣٥٢).\nوهذا الطريق بهذا الإسناد لا أعلم أحدًا تابع فيه ابن لهيعة، فهو ضعيف، وقد اختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد كما في إسناد الباب، عن موسى بن داود الضبي، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله\nابن أبي جعفر، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٨٠) وأبو داود (٣٦٥) من طريق قتيبة بن سعيد.\nوالبيهقي (٢/ ٤٠٨) من طريق عبد الله بن وهب وعثمان بن صالح، ثلاثتهم عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة.\nفجعلوا حديث ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب، وليس عن عبيد الله بن أبي جعفر.\nقال ابن رجب في فتح الباري (٢/ ٨٦): «فابن لهيعة لا يحتج برواياته في مخالفة روايات الثقات، وقد اضطرب في إسناده، فرواه تارة كذلك، وتارة رواه عن عبيد الله ابن أبي جعفر، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، وخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضًا، وهذا يدل على أنه لم يحفظه».\nوأخرجه البيهقي في السنن (٢/ ٤٠٨) من طريق علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن خولة بنت نمار به.\nقال البيهقي: «قال أبو بكر بن إسحاق الفقيه: قال إبراهيم الحربي: الوازع بن نافع غيره أوثق منه، ولم يسمع من خولة بنت نمار أو يسار إلا في هذين الحديثين».اهـ\nانظر إتحاف المهرة (١٩٦٧٢)، أطراف المسند (٧/ ٤٣٤)، تحفة الأشراف (١٤٢٨٦).","vol":"6","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2911>الدليل الثالث:</span>\n(١٢١١ - ١٨٢) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:\nقالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته بظفرها (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الريق وحده لا يمكن أن يذهب بلون النجاسة، ولا يقطع رائحتها، وهذا دليل على أن ذهاب اللون والرائحة ليس بشرط، خاصة إذا كان يتعسر إزالتهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2912>الدليل الرابع:</span>\n(١٢١٢ - ١٨٣) ما رواه البيهقي من طريق شعبة، عن يزيد الرشك،\nعن معاذة، قالت: سألت عائشة ﵂ عن الدم يكون في الثوب، فأغسله، فلا يذهب أثره، فقالت: الماء طهور.\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣١٢).\n(^٢) سنن البيهقي (٢/ ٤٠٨)، وهو في سنن الدارمي (١٠١٢) من طريق شعبة به، بلفظ: قالت لها امرأة الدم يكون الثوب، فأغسله، فلا يذهب؟ فأقطعه؟ قالت: الماء طهور.\nوهذا إسناد صحيح.\nوله طرق كثيرة عن معاذة، منها:\nفقد رواه الدارمي (١٠١١) من طريق ثابت بن يزيد،\nوابن المنذر في الأوسط (٧٠٨) من طريق حماد بن زيد، كلاهما عن عاصم، عن معاذة العدوية، عن عائشة، قالت: إذا غسلت المرأة الدم، فلم يذهب، فلتغيره بصفرة ورس أو زعفران. هذا لفظ الدارمي، ولفظ ابن المنذر بنحوه.\nوهذا إسناد صحيح. والزعفران هنا لا يزيل اللون، وإنما يستره فقط.\nورواه أبو داود (٣٥٧) ومن طريقه البيهقي في السنن (٢/ ٤٠٨) حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثتني أم الحسن، يعني جدة أبي بكر العدوي، عن معاذة، قالت: سألت عائشة ﵂ عن الحائض يصيب ثوبها الدم قالت تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة. قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا.\nورواه أحمد (٦/ ٢٥٠) عن عبد الصمد به، إلا أنه لم يذكر غسل الثوب من دم الحيض، وتغييره بشيء من الصفرة، وزاد أيضًا: لقد كان رسول الله ﷺ يصلي، وعلي ثوب عليه بعضه وعلي بعضه.\nوفي الإسناد أم الحسن جدة أبي بكر العدوي لم يرو عنها سوى عبد الوارث، وليس لها رواية إلا هذا الحديث، قال الذهبي عنها: لا تعرف، وفي التقريب: لا يعرف حالها.\nوقد انفردت عن معاذة بقولها: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا، ولا أغسل لي ثوبًا.\nورواه البيهقي (٢/ ٤٠٨) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن معاذة، أن امرأة سألت عائشة ﵂ عن دم الحيض يكون في الثوب، فيغسل فيبقى أثره؟ فقالت: ليس بشيء. وهذا إسناد صحيح.\nوقد رواه معمر كما في مصنف عبد الرزاق (١٢٢٥) عن قتادة، أن عائشة سئلت عن دم الحيضة يغسل بالماء فلا يذهب أثره، قالت: قد جعل الله الماء طهورًا. وقتادة لم يسمع من عائشة، ومعمر ضعيف في قتادة، والمعروف رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن معاذة كما سبق.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف ت عوامة (١٠٢٥) من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، أن امرأة سألت عائشة عن نضح الدم في الثوب؟ فقالت: اغسليه بالماء؛ فإن الماء طهور. وهذا إسناد صحيح أيضًا.\nوقد روي أثر عائشة من غير طريق معاذة، رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٠٧٦) عن وكيع.\nوالدارمي (١٠٢٠) أخبرنا سعيد بن الربيع، كلاهما عن علي بن المبارك، قال: سمعت كريمة، قالت: سمعت عائشة بنحوه.","vol":"6","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2913>الدليل الخامس:</span>\nأن في اشتراط ذهاب اللون والرائحة فيه كلفة ومشقة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2914>الدليل السادس:</span>\nأن اللون والرائحة عرض، وليس عينًا، وبالتالي لا يضر بقاؤهما مع تعسر إزالتهما.","vol":"6","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2915>الدليل السابع:</span>\nإذا باشر المستنجي الاستنجاء بيده فإنه مهما غسل يده فإنه يبقى فيها شيء من رائحة النجاسة، ولو كانت إزالة رائحة النجاسة شرطًا لأوجب الشارع على المستنجي إزالة هذه الرائحة من يده، أو عدم مباشرة إزالتها بيده، ومع ذلك كان الصحابة يستنجون بالماء، ويباشرون ذلك بأيديهم، ولم يكن هناك مطهرات معطرة تذهب برائحة النجاسة، ولم يأت في الشرع ما يوجب ذلك، فدل على أن بقاء رائحة النجاسة ليس مؤثرًا في طهارة المحل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2916> دليل من قال: يشترط إزالة اللون والرائحة:</span>\nقالوا: ما دام أن لون النجاسة أو رائحتها باقية فهذا دليل على وجودها، وإذا كانت النجاسة موجودة فالمحل نجس؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.\n• وأجيب:\nلا نسلم أن النجاسة موجودة مع بقاء اللون؛ لأن اللون كما قلنا عرض، فهذا الحناء يوجد لونه على البدن أو على الشعر ولا يمنع وصول الماء، ولو كان الحناء موجودًا لمنع وصول الماء، وعلى التسليم بأنه موجود فإنه معفو عنه، للمشقة في إزالته، ولا يكلف الله نفسًا إلى وسعها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2917> دليل من فرق بين الرائحة واللون:</span>\nقالوا: إنما قلنا يعفى عن اللون دون الريح؛ لأن المشقة في إزالة اللون ظاهرة، والمشقة مرفوعة، بخلاف الريح فلا يشق إزالتها.\nوالحقيقة لو أن هذا القول عكس الحكم لكان ربما يكون له وجه؛ لأن اللون دليل على بقاء النجاسة بخلاف الريح، والفقهاء دائمًا يخففون مسألة الريح، ولذلك قالوا لو تروح الماء بنجاسة مجاورة فهو طهور، بخلاف ما لو تغير لونه من النجاسة","vol":"6","page":428},{"text":"فإنه نجس، وهذا دليل على التفريق بين اللون والرائحة، وأن اللون أشد تأثيرًا من الرائحة، والله أعلم.\n• القول الراجح:\nبعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن قول الجمهور أقوى من حيث الدلالة، وأن اللون والرائحة إذا شق إزالتهما فإن ذلك لا يؤثر على طهارة المحل، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2918>المبحث الخامس في إضافة مطهر مع الماء لإزالة اللون أو الرائحة</span>\n[م-٥٥٢] اختلف العلماء في إزالة اللون أو الرائحة بإضافة مطهر مع الماء:\nفقيل: لا يجب الاستعانة بغير الماء، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: يستحب، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقال ابن مفلح: يتوجه احتمال أنه يجب، وكلام أحمد يحتمله (^٣).\nواختاره بعض الحنابلة في التراب (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2919> دليل من قال لا يجب الاستعانة بغير الماء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2920>الدليل الأول:</span>\nالأدلة التي سيقت في المسألة التي قبل هذه، من كون اللون والرائحة لا تجب\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (١/ ٨٨)، تبيين الحقائق (١/ ٧٥).\nوقال في مواهب الجليل، وهو مالكي: (١/ ١٦٣، ١٦٤): «إذا أمكن زوال اللون أو الريح بغير الماء لم يجب، ثم نقل عن ابن العربي وابن الحاجب قولهما: لو أمكن زوال اللون والريح بأشنان أو صابون فالظاهر أنه لا يجب». اهـ وانظر حاشية الدسوقي (١/ ٨٠)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٨).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٨٣)، الإنصاف (١/ ٣١٧).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٤٠)، الإنصاف (١/ ٣١٧).\n(^٤) المرجعان السابقان.","vol":"6","page":430},{"text":"إزالتهما مع المشقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2921>الدليل الثاني:</span>\nأن النصوص أرشدت إلى غسل النجاسة بالماء، وبعض النجاسات كدم الحيض لا يزيل الماء لون النجاسة، فلو كانت الإزالة واجبة لأرشد الشارع إلى مطهر آخر، فلما اكتفى بالماء علم أن إضافة غير الماء ليس بواجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2922>الدليل الثالث:</span>\nأرشد الشارع إلى إضافة التراب في تطهير ولوغ الكلب، ولم يرشد إلى ذلك في طهارة دم الحيض، مع كون الدم له لون يلصق بالثياب، بخلاف ريق الكلب، فلو كانت الإضافة واجبة في سائر النجاسات لأرشد إليها الشارع كما أرشد إليها في طهارة ولوغ الكلب، وما كان ربك نسيًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2923> دليل من استحب إضافة مطهر أخر إلى الماء لإزالة لون النجاسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2924>الدليل الأول:</span>\n(١٢١٣ - ١٨٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع، واغسليه بالماء، والند، والسدر.\n[صحيح] (^١).\nوإنما لم نقل: إن الأمر للوجوب؛ لأنه قد ورد حديث أسماء الاقتصار على الماء، وهو متفق عليه.\n_________\n(^١) المسند الإمام أحمد (٦/ ٣٥٥). وسبق تخريجه في المجلد الثامن، رقم: (١٧٣٤)، في الطهارة من الحيض والنفاس.","vol":"6","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2925>الدليل الثاني:</span>\n(١٢١٤ - ١٨٥) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت،\nعن امرأة من بني غفار -وقد سماها لي- قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من بني غفار، فقلنا له: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا -وهو يسير إلى خيبر- فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال: على بركة الله. قالت: فخرجنا معه، وكنت جارية حديثة، فأردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، قالت: فوالله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح فأناخ، ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني، فكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي، ورأى الدم، قال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قالت: قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك، وخذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحًا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك. الحديث (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٣٨٠).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ لجهالة أمية بنت أبي الصلت، لم يرو عنها سوى سليمان ابن سحيم، وفي التقريب: لا يعرف حالها.\nواختلف في اسمها، فقيل: أمية، وقيل: آمنة، انظر سنن البيهقي (٢/ ٤٠٧).\nوالحديث رواه أحمد كما في إسناد الباب عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق.\nوأخرجه أبو داود (٣١٣) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠٧) من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق به.\nوأخرجه البيهقي في السنن (٢/ ٤٠٧) من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق به.\nواختلف فيه على سليمان بن سحيم:\nفروي عنه كما سبق. ...\nوأخرجه الواقدي في المغازي (٢/ ٦٨٥)، ومن طريقه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٢٩٣) عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن أم علي بنت أبي الحكم، عن أمية بنت قيس أبي الصلت.\nفزاد في إسناده أم علي بنت أبي الحكم، وجعله من مسند أمية بنت قيس.\nوالواقدي متروك، وكذا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة.","vol":"6","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2926>الدليل الثالث:</span>\n(١٢١٥ - ١٨٦) ما رواه أبو داود، من طريق عبد الوارث، حدثتني أم الحسن يعني جدة أبي بكر العدوي،\nعن معاذة قالت: سألت عائشة ﵂ عن الحائض يصيب ثوبها الدم، قالت: تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة، قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا (^١).\n[ضعيف، وزيادة (كنت أحيض ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا) زيادة منكرة، تفردت بها أم الحسن، وفيها جهالة، والحديث ثابت عن معاذة من طرق أخرى دون هذه الزيادة] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2927> دليل من قال بوجوب إضافة شيء إلى الماء إذا أمكن إزالة لون النجاسة:</span>\nهذا القول لم يثبت عندي، وإنما ساقه ابن مفلح احتمالًا، فإن ثبت فلعل دليله، أنه مبني على وجوب إزالة لون النجاسة مع إمكان ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والله أعلم.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٥٧).\n(^٢) في إسناده أم الحسن جدة أبي بكر العدوي، لم يرو عنها إلا عبد الوارث بن سعيد، ولم يوثقها أحد، وفي التقريب: لا يعرف حالها.\nوقد رواه البيهقي في السنن (٢/ ٤٠٨) من طريق عبد الوارث به.\nوقد سبق تخريجه، واستكمال طرقه، انظر ح (١٢١٢).\nانظر إتحاف المهرة (٢٣٢٢٢)، تحفة الأشراف (١٧٩٧١).","vol":"6","page":433},{"text":"• الراجح:\nبعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول الوسط، وهو استحباب إزالة اللون بمادة أخرى إذا لم يذهب بالماء أقوى، لقوة أدلته وتعليلاته، ويكفي أنه مذهب لأم المؤمنين ﵂ عائشة الصديقة بنت الصديق، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2928>المبحث السادس في اشتراط عصر الثياب النجسة عند غسل النجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• غسالة النجاسة ما دامت على المحل فهي ليست نجسة فلا موجب لإخراجها بالعصر، وكذلك إذا انفصلت غير متغيره على الراجح.\n[م-٥٥٣] اختلف العلماء في اشتراط العصر في الأشياء التي تتشرب النجاسة كالثياب ونحوها،\nفقيل: يشترط العصر، وهو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل: لا يشترط عصرها، وهو مذهب المالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، واختيار أبي\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٨٨)، تبيين الحقائق (١/ ٧٦)، البحر الرائق (١/ ٢٤٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٢).\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ٣١٦): يعتبر العصر في كل غسلة مع إمكانه فيما يتشرب النجاسة، أو دقه أو تقليبه إن كان ثقيلًا على الصحيح من المذهب. وانظر الفروع (١/ ٢٣٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٤).\n(^٣) التاج والإكليل (١/ ٢٣٥)، مواهب الجليل (١/ ١٥٩)، الخرشي (١/ ١١٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٠).\n(^٤) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (٣/ ٢٠٠): هل يشترط عصر الثوب إذا غسله؟ فيه وجهان: الأصح أنه لا يشترط. اهـ\nوقال في مغني المحتاج (١/ ٨٥): ويسن عصر ما يمكن عصره خروجًا من الخلاف. اهـ وقال في روضة الطالبين (١/ ٢٨): ولا يشترط في حصول الطهارة عصر الثوب على الأصح بناءً على طهارة الغسالة. وإن قلنا بالضعيف: إن العصر شرط قام مقامه الجفاف على الأصح؛ لأنه أبلغ في زوال الماء. اهـ","vol":"6","page":435},{"text":"يوسف من الحنفية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2929> دليل من قال يشترط العصر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2930>الدليل الأول:</span>\n(١٢١٦ - ١٨٧) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة، عن أسماء، قالت:\nجاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ثم تقرصه) قال ابن حجر: أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه (^٣).\n• وأجيب:\nبأن الحت والقرص ليس واجبًا، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث ذلك في مسألة مستقلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2931>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن الثياب تتشرب النجاسة، ومرور الماء على الثياب دون عصرها\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٨٨).\n(^٢) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).\n(^٣) فتح الباري تحت حديث: ٢٢٧.","vol":"6","page":436},{"text":"لا يستخرج أجزاء النجاسة من الثوب، ولهذا اشترطنا العصر في الثياب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2932>الدليل الثالث:</span>\nأن غسالة النجاسة نجسة، وإذا كانت نجسة كان وجودها في الثوب سببًا في بقائه نجسًا، فيجب إخراجها من الثوب حتى يمكن الحكم له بالطهارة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2933> دليل من قال: لا يشترط العصر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2934>الدليل الأول:</span>\n(١٢١٧ - ١٨٨) ما رواه البخاري من طريق همام، أخبرنا إسحاق،\nعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ رأى أعرابيًا يبول في المسجد، فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nمعلوم أن الأرض تتشرب النجاسة، ومع ذلك اكتفى بصب الماء عليها، فإن قيل: إن الأرض لا يمكن عصرها. قيل: يمكن نقل غسالة النجاسة، بل يمكن حفر الأرض المتنجسة قبل تطهيرها، فلما لم يأمر بنقل غسالة النجاسة مع إمكانه علم أن المحل طهر بمجرد صب الماء عليه، فدل على أن عصر الثوب لإخراج غسالة النجاسة ليس شرطًا في الطهارة، والتفريق بين الأرض والثياب تفريق بغير دليل، بل قياس الثياب على الأرض هو الفقه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2935>الدليل الثاني:</span>\n(١٢١٨ - ١٨٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٩)، وصحيح مسلم (٢٨٤).","vol":"6","page":437},{"text":"بماء، فأتبعه إياه. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أتبع البول الماء، ولم يعصر الثوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2936>الدليل الثالث:</span>\nالأصل عدم وجوب العصر، ولم يأت في الشرع ما يرشد إلى عصر الثياب حين غسلها، ولو كان العصر واجبًا لجاء الأمر به، كما جاء في حت الدم وقرصه بالماء، ومن غسل ثوبه حتى ذهبت عين النجاسة وطعمها وريحها فقد طهر الثوب، وفعل ما أمر به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2937>الدليل الرابع:</span>\nلم يقم دليل على أن غسالة النجاسة نجسة، وإذا انفصل الماء عن المحل ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن إخراج الغسالة إخراجًا للنجاسة حتى يجب إخراجه بالعصر، وسوف تبحث غسالة النجاسة في بحث مستقل من هذا الباب إن شاء الله تعالى.\nوهذا القول هو الراجح.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٢) ومسلم (٢٨٦).","vol":"6","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2938>المبحث السابع في حكم الحت والقرص</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• النجاسة عين خبيثة، متى زالت أو أزيلت فقد زال حكمها.\n[م-٥٥٤] اختلف العلماء في حكم الحت والقرص،\nفقيل: يستحب، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\nوقيل: يجب إن لم تذهب النجاسة بدونهما، ولم يتضرر المحل بهما، وهو قول في مذهب الشافعية (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2939> دليل من قال بالاستحباب:</span>\n(١٢١٩ - ١٩٠) ما رواه البخاري، من طريق مالك عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت:\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ١٥٩).\n(^٢) فتاوى الرملي (١/ ٦٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٨)، أسنى المطالب (١/ ٢١).\n(^٣) انظر روضة الطالبين (١/ ٢٨).\n(^٤) الفروع (١/ ٢٤١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٣)، كشاف القناع (١/ ١٨٥).","vol":"6","page":439},{"text":"سألت امرأة رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ: إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بماء، ثم لتصل فيه.\nوفي رواية: قال: تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه (^١).\nوجه الاستدلال:\nبين الرسول في الثوب الذي أصابته نجاسة الدم أنها تحته ثم تدلكه بالماء، ثم تغسله، ثم تصلي فيه، وهذا على وجه الاستحباب؛ لأن غسل الدم كاف في طهارته، ولأن المطلوب إزالة النجاسة، فكيف زالت فقد زال حكمها، ولم يتعين الحت والقرص في إزالتها، فلو غسلت الدم حتى زالت عين النجاسة بدون حت وقرص فقد حصل المطلوب وطهر الثوب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2940> دليل من قال بالوجوب:</span>\nقوله ﷺ: (فلتقرصه) أمر منه ﷺ، والأصل في الأمر الوجوب حتى يوجد صارف يصرفه عن ذلك.\nوالراجح، والله أعلم أن زوال عين النجاسة إن توقف على الحت، ولم يذهب بالغسل فإنه واجب لا لذاته، وإنما لأن إزالة النجاسة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن زال عين النجاسة بمجرد مرور الماء على الثوب فقد حصل المطلوب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).","vol":"6","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2941>المبحث الثامن في كيفية تطهير المذي</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المذي بمنزلة البول.\n• الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه.\n[م-٥٥٥] لما كان المذي قد نص على تطهيره بالماء ناسب ذكر كيفية تطهيره في باب كيفية إزالة النجاسة بالماء، وقد اختلف الفقهاء في الطهارة من المذي، هل يتعين الماء، أو تكفي الحجارة؟\nفقيل: يتعين الماء وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)،\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٤٨)، شرح فتح القدير (١/ ٧٢)، المبسوط (١/ ٦٧).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٢٨٥)، الخرشي (١/ ١٤٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٣٢٣).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٦٤)، روضة الطالبين (١/ ٦٧)، مغني المحتاج (١/ ٧٩).\n(^٤) الفروع (١/ ٢١٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١)، الإنصاف (١/ ٣٣٠)، المبدع (١/ ٢٤٩)، الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني (١/ ٨٧)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٥٦)، المغني (١/ ١١٢).","vol":"6","page":441},{"text":"على خلاف بينهم هل يجب غسل موضع الحشفة فقط كما هو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، ونسبه النووي للجمهور (^٣)، ورجحه ابن عبد البر (^٤).\nأو يجب غسل الذكر كله، وعليه أكثر أصحاب مالك (^٥)، وهو رواية عن أحمد (^٦).\nأو يجب غسل الذكر كله مع الأنثيين، كما هو مذهب الحنابلة، وذكروه من المفردات (^٧)، وهو مذهب ابن حزم (^٨).\nوقيل: يجزئ الاستجمار، وهو قول في مذهب الشافعية (^٩).\nوقيل: المذي طاهر، وهو رواية عن أحمد (^١٠).\nوسبب اختلاف الفقهاء اختلافهم في الأحاديث الواردة في ذلك:\nفمن أوجب غسل الذكر كله، أخذه من حديث علي المتفق عليه، وفيه: «يغسل ذكره ويتوضأ» هذا لفظ مسلم، ورواه البخاري بنحوه (^١١).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٤٨)، شرح فتح القدير (١/ ٧٢)، المبسوط (١/ ٦٧).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٦٤)، روضة الطالبين (١/ ٦٧)، مغني المحتاج (١/ ٧٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٦٤).\n(^٤) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٣٢٣).\n(^٥) مواهب الجليل (١/ ٢٨٥)، الخرشي (١/ ١٤٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٣٢٣).\n(^٦) الكافي في فقه أحمد (١/ ٥٦)، الإنصاف (١/ ٣٣٠).\n(^٧) الفروع (١/ ٢١٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١)، الإنصاف (١/ ٣٣٠)، المبدع (١/ ٢٤٩)، الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني (١/ ٨٧)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٥٦)، المغني (١/ ١١٢).\n(^٨) المحلى (١/ ١١٨).\n(^٩) المجموع (٢/ ١٦٤).\n(^١٠) في المبدع شرح المقنع (١/ ١٤٩): وعن أحمد أن المذي طاهر كالمني، اختاره أبو الخطاب في خلافه؛ لأنه خارج بسبب الشهوة. اهـ وانظر المغني (١/ ٤١٣)، والإنصاف (١/ ٣٤١).\n(^١١) صحيح مسلم (٣٠٣)، وصحيح البخاري (٢٦٩).","vol":"6","page":442},{"text":"فقوله: (يغسل ذكره): حقيقة في جميع الذكر، فهو مفرد مضاف، فيعم جميع الذكر.\nومن قال: يغسل موضع الحشفة: قالوا: إن من غسل مخرج المذي من الذكر فقد غسل ذكره، فإيجاب غسل الذكر كله لا دليل عليه من الشرع.\nوقد صح عن ابن عباس أنه يقول: تارة: (يغسل ذكره) وتارة يقول: (يغسل حشفته) فدل على أن مراده بقوله: (اغسل ذكرك) أي الحشفة، وفهم الصحابي أولى من فهم غيره؛ لأنه عربي قح لم تدخل لسانه العجمة، وهو ممن روى عن علي حديث غسل الذكر من المذي، فلو كان يقتضي ذلك غسل الذكر كله لكان ابن عباس أولى بفهم ذلك من غيره.\nوقياسًا على البول فإن الإنسان لا يغسل فيه الذكر كله.\nومن رأى أن الاستجمار لا يكفي استدل بقوله في الحديث: (يغسل ذكره) فهذا دليل على أن الاستجمار لا يكفي، قال ابن عبد البر: وليس في أحاديث المذي على كثرتها ذكر الاستجمار (^١).\nوأما من قال: يغسل أنثييه: فاستدل بحديث علي، ففي رواية منه، قال: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ (^٢).\nوهذه الزيادة لا تثبت عن النبي ﷺ، وقد ضعفها أحمد في سؤالات أبي داود (^٣).\nوأما من قال: إن الاستجمار يكفي، فقد قاسه على البول:\nوقد عرضت أدلة كل قول، والجواب عنها، فأغنى عن إعادته هنا (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) شرح الزرقاني (١/ ١٢٥)، التمهيد (٢١/ ٢٠٥).\n(^٢) المسند (١/ ١٢٤).\n(^٣) جاء في مسائل أحمد لأبي داود (١٠٦): «قلت لأحمد: إذا أمذى يجب عليه غسل أنثييه؟ قال: ما قال غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة - يعني: في حديث علي، فأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا».اهـ\n(^٤) راجعها في آداب الخلاء، من هذا الكتاب.","vol":"6","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2942>المبحث التاسع في الكلام على غسالة النجاسة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• غسالة النجاسة ما دامت على المحل فهي ليست نجسة، فلا موجب لإخراجها بالعصر، وكذلك إذا انفصلت غير متغيره على الراجح.\n[م-٥٥٦] الماء المستعمل في إزالة النجاسة قبل أن ينفصل عن المحل فإنه طهور مطلقًا تغير أو لم يتغير؛ لأننا لو قلنا ينجس بمجرد الملاقاة ما طهر المحل أبدًا، ولم يمكنا في هذه الحال تطهير النجاسات إلا بالماء الكثير وهذا فيه حرج (^١).\n[م-٥٥٧] وأما إذا انفصل عن المحل فلا يخلو إما أن يتغير بالنجاسة أو لا.\nفإن تغير الماء بالنجاسة، فهو نجس بالإجماع، وقد نقلناه عن جماعة من علماء المذاهب في مسألة سؤر سباع البهائم فانظره هناك.\nوإن كان الماء المنفصل لم يتغير، وهو ماء قليل، فقد اختلف العلماء في حكمه بناء على اختلافهم في وجوب تكرار الغسل، فبعضهم يرى وجوب تكرار غسل النجاسة\n_________\n(^١) مطالب أولي النهى (١/ ٤٠).","vol":"6","page":444},{"text":"ثلاثًا، وبعضهم سبعًا، وبعضهم يرى أنه يكفي غسل النجاسة مرة واحدة ما لم تكن نجاسة كلب، وقد ذكرنا أدلة كل قول في مسألة سابقة، وترجح أن العدد لا يشترط في غسل النجاسات إلا نجاسة الكلب للنص عليها من الشارع.\nوقد اختلف العلماء في الماء المنفصل عند تطهير هذا المحل المتنجس، وهو ما يسمى بغسالة النجاسة، إذا انفصل عن المحل، وهو لم يتغير هل يكون نجسًا أو طاهرًا أو طهورا؟\nفقيل: الماء المنفصل من غسل النجاسة الحقيقية من الغسلة الأولى حتى الغسلة الثالثة نجس، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: الماء المنفصل طهور ما لم يتغير بالنجاسة، وهو مذهب المالكية (^٢)، وهو الراجح.\nوقيل: يكون طاهرًا غير مطهر، وهو الأصح عند الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٦٦)، البحر الرائق (١/ ٢٤٥)، بريقة محمودية (٤/ ٢٤٠)، حاشية\nابن عابدين (١/ ٣٢٥)، وهذا مبني على وجوب غسل النجاسات الحقيقية ثلاث مرات، وضد الحقيقية الحكمية، وهي طهارة الحدث، فلا يجب فيها العدد، وهذا بناء على قولهم بأن الحدث نوع من النجاسة، وانظر بدائع الصنائع (١/ ٨٧).\n(^٢) تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك (١/ ٤٣)، منح الجليل (١/ ٧٢)، القوانين الفقهية (ص: ٣٥ - ٣٦)، الخرشي (١/ ٨٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٨٠)، الاستذكار (٣/ ٢٥٩).\n(^٣) قال النووي في روضة الطالبين (١/ ٣٤): «في غسالة النجاسة إن تغير بعض أوصافها بالنجاسة فنجسة، وإلا فإن كان قلتين فطاهرة بلا خلاف، ومطهرة على المذهب، والله أعلم. وإن كانت دونهما فثلاثة أقوال، وقيل أوجه:\nأظهرها: وهو الجديد أن حكمها حكم المحل بعد الغسل، إن كان نجسًا بعد فنجسة، وإلا فطاهرة غير مطهرة.\nوالثاني: وهو القديم، حكمها حكمها قبل الغسل فتكون مطهرة.\nوالثالث: وهو مخرج من رفع الحدث، حكمها حكم المحل قبل الغسل فتكون نجسة».اهـ\nوقال في المجموع (٢/ ٥٤٤): «والأصح طهارة غسالة النجاسة إذا انفصلت غير متغيرة، وقد\nطهر المحل». وانظر شرح زبد بن رسلان (١/ ٣٤). واشترط الشافعية للحكم بطهارة الغسالة شروطًا.\nقال العراقي في طرح التثريب (٢/ ١٣٤): «الصحيح عند أصحابنا طهارة غسالة النجاسة بشرط عدم تغيرها، وبشرط طهارة المحل .... وزاد الرافعي شرطًا آخر، وهو ألا يزداد وزن الغسالة بعد انفصاله على قدره قبل غسل النجاسة به».اهـ","vol":"6","page":445},{"text":"وقيل: المنفصل من الغسلة الأولى حتى الغسلة السادسة نجس، حتى ولو زالت عين النجاسة في الغسلة الأولى، والمنفصل من الغسلة السابعة طاهر، غير مطهر، والمنفصل من الغسلة الثامنة طهور. وهذا المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوقد ذكرت أدلة المسألة في المجلد الأول، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.\n* * *\n_________\n(^١) قال أبو الخطاب في الانتصار (١/ ٤٨٥): يجب العدد في سائر النجاسات سبعًا نص عليه في رواية صالح وحنبل وأبي طالب والميموني. اهـ\nوفي مسائل عبد الله لأبيه (١/ ٣٤): «سألت أبي عن الثوب يصيبه البول يجزيه أن يغمسه في الماء، أو لا بد من الدلك؟ فقال: يغسله سبعًا، ويعصره». وانظر مسائل ابن هانئ (١/ ٢٧) رقم ١٣٧، كشاف القناع (١/ ٣٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٢)، الفروع (١/ ٢٣٨، ٢٣٩)، الإنصاف (١/ ٣١٣)","vol":"6","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2943>الفصل الثاني في كيفية التطهير بالنضح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2944>المبحث الأول في تطهير بول الرضيع الذكر بالنضح</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل بول من الآدمي فهو نجس حتى بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، وإنما التخفيف في كيفية تطهيره، لا في طهارته.\n• ليس كل ما ثبت التخفيف في طهارته كان طاهرًا، فالأمر بنضح بول الصبي دليل على نجاسته.\n• إذا ثبت للغائط حكم ثبت للبول، فبول من لا يأكل الطعام نجس قياسًا على غائطه، وروث ما يؤكل لحمه طاهر فكذا بوله، وأما كيفية تطهير النجاسات فليست واحدة، فتطهير نجاسة الكلب مختلفة عن نجاسة غيره (^١).\n[م-٥٥٨] اختلف العلماء في بول الصبي والجارية هل حكمهما واحد أو لا؟\n_________\n(^١) انظر شرح التلقين للمازري (١/ ٢٦٠).","vol":"6","page":447},{"text":"فقيل: يجب غسلهما معًا، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢).\nوقيل: بول الجارية يغسل، وبول الغلام ينضح، وهو مذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وبه قال الحسن البصري (^٥)، والزهري (^٦)، وجماعة من أهل الحديث.\nوقيل: يكفي النضح فيهما ما لم يطعما، فإذا طعما وجب غسلهما، وهذا القول مروي عن الحسن البصري، وسفيان، وأحد قولي الأوزاعي (^٧).\nوقيل: ينضح بول الذكر مطلقًا، كبيرًا كان أم صغيرًا، ويغسل بول الأنثى، وهو اختيار ابن حزم رحمه الله تعالى (^٨).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2945> دليل من قال لا فرق بين بول الصبي والجارية في وجوب الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2946>الدليل الأول:</span>\n(١٢٢٠ - ١٩١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالصبيان، فيدعو لهم، وإنه أتي\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٦٩، ٧٠)، بدائع الصنائع (١/ ٨٨)، شرح معاني الآثار (١/ ٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣١٨).\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ١٢٩)، الخرشي (١/ ٩٤)، الاستذكار (٢/ ٦٧).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ٨٤، ٨٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٣٩، ٢٤٠)، المجموع (٢/ ٥٨٩).\n(^٤) المبدع (١/ ٣٢٥، ٣٢٦) كشاف القناع (١/ ٢١٧، ٢١٨)، الفروع (١/ ٣٤٦)، الإنصاف (١/ ٣٢٣).\n(^٥) التمهيد (٩/ ١١٢).\n(^٦) قال ابن شهاب كما في صحيح ابن حبان (٤/ ٢١١): فمضت السنة بأن لا يغسل من بول الصبي حتى يأكل الطعام، فإذا أكل الطعام غسل من بوله. اهـ\n(^٧) المحلى (١/ ١٣٣)، فقه الإمام الأوزاعي (١/ ٩٨).\n(^٨) المحلى (١/ ١٣٣).","vol":"6","page":448},{"text":"بصبي، فبال عليه، فقال رسول الله ﷺ: صبوا عليه الماء صبًا (^١).\n[انفرد أبو معاوية عن هشام بقوله: صبوا عليه الماء صبًا، وحديث أبي معاوية عن هشام في بعضها كلام] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٤٦).\n(^٢) والحديث مداره على هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،\nرواه أبو معاوية عن هشام كما في مسند أحمد (٦/ ٤٦)، ومسند إسحاق بن راهويه (٥٨٧)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٩٣)، بلفظ: (صبوا عليه الماء صبًّا).\nوقد انفرد أبو معاوية عن هشام بهذا اللفظ، وقد قال فيه أحمد: في غير حديث الأعمش مضطرب لا يحفظها جيدًا.\nوقال أبو داود: قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ.\nورواه غير أبي معاوية عن هشام بأحد لفظين:\nاللفظ الأول: فدعا بماء فأتبعه إياه. أخرجه مالك بن أنس كما في الموطأ (١٤٢) ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٢٢٢).\nورواه يحيى بن سعيد القطان كما في البخاري (٦٠٠٢)، ومسند أبي عوانة (١/ ٢٠)\nوعبد القدوس بن بكر بن خنيس، كما في مسند أحمد (٦/ ٢١٢).\nوشريك كما في مسند أبي يعلى في مسنده (٤٦٢٣) كلهم رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. بلفظ: فدعا بماء فأتبعه إياه.\nورواه جرير بن عبد الحميد، عن هشام، كما في صحيح مسلم (٢٨٦) بلفظ: فدعا بماء، فصبه عليه.\nوهي رواية بالمعنى لقوله (فأتبعه إياه)\nواللفظ الثاني: مثله إلا أنه زاد كلمة: ولم يغسله.\nرواه عبد الله بن المبارك، كما في صحيح البخاري،\nووكيع كما في مسند أحمد (٦/ ٥٢).\nوعبد الله بن نمير كما في صحيح مسلم (٢٨٦).\nوعيسى بن يونس كما في صحيح مسلم (٢٨٦).\nوسفيان، كما في صحيح ابن حبان (١٣٧٢). ...\nومحاضر كما في مسند أبي عوانة (١/ ٢٠٢).\nوعبدة بن سليمان، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (٩٣).\nوزائدة، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (٩٢)، ثمانيتهم رووه عن هشام به، وزادوا كلمة، ولم يغسله، فهي زيادة محفوظة بلا شك.\nوهناك بعض الرواة رووه باللفظين، مثل يحيى بن سعيد القطان، فقد رواه مرة بدون كلمة ولم يغسله، ومرة رواه بهذه الزيادة عند أحمد (٦/ ٥٢).\nومثله عبد الله بن نمير، رواية مسلم والبيهقي فيها (ولم يغسله) بينما رواية أبي عوانة (١/ ٢٠٢)، بلفظ: فدعا بماء، فأتبعه بوله.\nوكذلك أخرجه الحميدي (١/ ٨٨) عن سفيان، بلفظ: فأتبع بوله الماء، بينما رواية ابن حبان (ولم يغسله).\nفتبين من هذا التخريج: أنهم أجمعوا على قولهم: (فدعا بماء فأتبعه إياه) وزاد عليه جمع من الرواة، وقفت على ثمانية منهم قولهم (ولم يغسله) ولم يقل أحد منهم (صبوا عليه الماء صبًا) وقد انفرد أبو معاوية عن هشام بلفظ (صبوا عليه الماء صبًا) وأخشى أن يكون هذا من الرواية بالمعنى التي لم توافق ألفاظ الرواية للحديث، كما أن رواة الحديث أجمعوا على أن الرسول ﷺ هو الذي باشر غسل النجاسة، لقولهم: (فأتبعه إياه) بينما رواية أبي معاوية كأنه باشر غسل النجاسة غيره، والله أعلم.\nانظر لمراجعة بعض طرق الحديث: إتحاف المهرة (٢٢٢٥٩)، أطراف المسند (٩/ ١٥٧)، تحفة الأشراف (١٦٩٩٨، ١٦٧٧٥، ١٦٩٧٢، ١٧١٣٧)","vol":"6","page":449},{"text":"وجه الاستدلال:\nأنه أمر بصب الماء على نجاسة بول الصبي صبًا، وهذا دليل على أنه لا يكفي النضح، بل لا بد من الغسل، ألا ترى لو أن رجلًا أصاب ثوبه عذرة، فأتبعها الماء حتى ذهب بها، أن ثوبه قد طهر.\n• وأجيب بأجوبة منها:\nالجواب الأول: أن أبا معاوية قد تفرد بهذا اللفظ، عن هشام، وسائر الرواة عن هشام لم يذكروا ما ذكره أبو معاوية.\nالجواب الثاني: أن الحديث نص في قوله: (ولم يغسله) فإتباع الماء بدون غسل","vol":"6","page":450},{"text":"وبدون أن يتقاطر الماء إن كنتم تسمون هذا غسلًا فالخلاف معكم لفظي، وإن كنتم تشترطون مع إتباع الماء أن يتقاطر وأن يعصر الثوب حتى يخرج منه الماء، فالحديث لم يدل عليه، بل صرح بنفيه.\nالجواب الثالث: على فرض صحة لفظ أبي معاوية فليس فيها ما يدل على وجوب الغسل، فإن مكاثرة المحل بالماء دون أن يصل إلى حد السيلان لا ينافي ذلك الصب، ولا يسمى غسلًا عندنا، فليس صب الماء مرادفًا للغسل، حتى يؤخذ من لفظ (صبوا) أن يكون هذا بمعنى الغسل، ولذلك جاء اللفظ صريحًا بقولهم: (ولم يغسله) فلو كان الصب يعني الغسل لكان قوله: (ولم يغسله) تناقضًا في الحديث، كما لو قال: غسله ولم يغسله، وهذا واضح بين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2947>الدليل الثاني:</span>\nالأحاديث العامة الآمرة بوجوب الغسل من البول، منها:\n(١٢٢١ - ١٩٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس قال: مرَّ النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ: يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (^١).\n(١٢٢٢ - ١٩٣) ومنها: ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا ثابت بن حماد أبو زيد، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب،\nعن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ: يا عمار\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).","vol":"6","page":451},{"text":"ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n• وأجيب:\nأما حديث ابن عباس فهو في بول الكبير؛ لأنه في حق المكلف، وهو لا يكلف إلا وهو كبير، وأحاديث التفريق هي في بول الصبي، فلا يقضي الحديث العام على الحديث الخاص، وإنما الخاص مقدم على العام.\nوأما حديث عمار فهو ضعيف جدًّا كما بينا، ومع ذلك لو صح لم يكن فيه دلالة، وكان الجواب عنه كالجواب عن حديث ابن عباس، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2948>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: لا فرق بين بول الغلام والجارية بعد سن الرضاع، فكيف يفرق بينهما قبله (^٣).\n• وأجيب:\nبأن هذا النظر نظر فاسد؛ لأنه في مقابلة النص، فلا يقبل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2949> دليل من قال بالتفريق بين بول الجارية وبول الغلام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2950>الدليل الأول:</span>\n(١٢٢٣ - ١٩٤) ما ورواه البخاري، من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن\nعبد الله بن عتبة،\nعن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (١٦١١).\n(^٢) انظر تخريجه في الطهارة بالاستنجاء والاستجمار، ح (١٥٠٤).\n(^٣) شرح معاني الآثار (١/ ٩٤).","vol":"6","page":452},{"text":"فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله. ورواه مسلم أيضًا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2951>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٢٤ - ١٩٥) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يؤتى بالصبيان، فيدعو لهم، فأتي بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه ولم يغسله. ورواه مسلم (^٢).\nفهذان الحديثان دليلان على أنه يكفي في بول الصبي النضح، وأن الغسل غير واجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2952>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٢٥ - ١٩٦) ما رواه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مهدي، حدثني يحيى ابن الوليد، حدثني محل بن خليفة،\nحدثني أبو السمح، قال: كنت أخدم النبي ﷺ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي، فأستره به، فأتي بحسن أو حسين ﵄، فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام (^٣).\n[حسن] (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٣)، ومسلم (٢٨٧).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٣٥٥)، ومسلم (٢٨٦).\n(^٣) سنن أبي داود (٣٧٦).\n(^٤) ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي أخرجه النسائي في المجتبى (٣٠٤) وفي الكبرى (٢٩٣)، وابن ماجه (٥٢٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٨٤) برقم: ٩٥٨، والدولابي في الكنى والأسماء (٢٢٦)، وابن خزيمة (٢٨٣)، والدارقطني (١/ ١٣٠)، والحاكم (١/ ١٦٦)، وصححه، والبيهقي (٢/ ٤١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٦٢).\nوفي إسناده محل بن خليفة، جاء في ترجمته: ...\nقال يحيى بن معين: ثقة. الجرح والتعديل (٨/ ٤١٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: صدوق ثقة. المرجع السابق.\nذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٥٣، ٤٥٤).\nوقال النسائي: ثقة. تهذيب الكمال (٢٧/ ٢٩٠).\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١١٢): حديث المحل الذي ذكر فيه الرش حديث لا تقوم به حجة، والمحل ضعيف.\nوقال أيضًا (٩/ ١١١) «رواية من روى الصب على بول الصبي واتباعه الماء أصح وأولى».اهـ\nفتعقبه الحافظ في التهذيب (١٠/ ٥٤) فقال في ترجمة محل بن خليفة: «لم يتابع ابن عبد البر على ذلك». اهـ\nوقد تابع عبد الحق الإشبيلي ابن عبد البر كما في البدر المنير (٢/ ٣٠٣).\nوالحق أن الحديث حديث صحيح، ومحل بن خليفة قد وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي، على ما عرف عن هؤلاء الأئمة من التشدد في التوثيق، كما وثقه أيضًا الدارقطني.\nوبناء على هذا يكون الحديث حسنًا، ولولا يحيى بن الوليد لكان الحديث صحيحًا، وللحديث شواهد سنتعرض لها في ذكر باقي الأدلة إن شاء الله تعالى.\nوانظر إتحاف المهرة (١٧٧٥٣)، وقد فات الحافظ أن يعزوه إلى ابن خزيمة ولم يستدركه المحقق، مع أنه على شرط الحافظ، وانظر تحفة الأشراف (١٢٠٥٢).","vol":"6","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2953>الدليل الرابع:</span>\n(١٢٢٦ - ١٩٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود الديلي، عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: في الرضيع ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية.\nقال قتادة: وهذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعًا (^١).\n[رفعه هشام الدستوائي، عن قتادة، ورواه غيره عن قتادة موقوفًا على علي، وهو\n_________\n(^١) المسند (١/ ٩٧).","vol":"6","page":454},{"text":"المحفوظ] (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي، ورواه عن قتادة جمع، منهم:\nالأول: هشام الدستوائي، عن قتادة.\nأخرجها أحمد (١/ ٩٧، ١٣٧)، وأبو داود (٣٧٨)، والترمذي (٦١٠)، وابن ماجه (٥٢٥)، والبزار (٧١٧)، وأبو يعلى في مسنده (٣٠٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٢)،\nوابن خزيمة (٢٨٤)، وابن حبان (١٣٧٥) والدارقطني (١/ ١٢٩)، والحاكم (١/ ١٦٥، ١٦٦)، والبيهقي (٢/ ٤١٥) من طريق معاذ بن هشام.\nورواه أحمد (١/ ٧٦، ١٣٧) والدارقطني (١/ ١٢٩) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، كلاهما (معاذ بن هشام، وعبد الصمد) عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب مرفوعًا.\nوخالفهما مسلم بن إبراهيم، فرواه البيهقي (٢/ ٤١٥) من طريقه، عن هشام، عن قتادة، عن ابن أبي الأسود، عن أبيه عن رسول الله ﷺ. هكذا مرسلًا.\nوقد ذكر البزار والدارقطني في العلل أن هشام رواه أيضًا موقوفًا، ولم أقف على رواية الوقف.\nقال البزار في مسنده (٢/ ٢٩٤): «وإنما أسنده معاذ بن هشام، عن أبيه، وقد رواه غير معاذ عن هشام، عن قتادة، عن أبي حرب، عن أبيه، عن علي موقوفًا».\nوقال الدارقطني في العلل (٤/ ١٨٥): «رفعه هشام بن أبي عبد الله من رواية ابنه معاذ،\nوعبد الصمد بن عبد الوارث، عن هشام، ووقفه غيرهما عن هشام».\nفقول الداقطني: ووقفه غيرهما عن هشام، وقول البزار: وقد رواه غير معاذ موقوفًا، إشارة إلى أن الأكثر عن هشام موقوفًا، لأن المعدود غالبًا هو المحصور.\nالطريق الثاني: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، واختلف على سعيد:\nفرواه عبدة بن سليمان كما في مصنف ابن أبي شيبة ت عوامة (١٣٠١)،\nوعثمان بن مطر كما في مصنف عبد الرزاق (١٤٨٨) كلاهما روياه عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: قال علي: بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل. زاد عثمان ابن مطر: ما لم يطعم.\nوليس في إسنادهما (أبو الأسود).\nورواه يحيى بن سعيد، كما في سنن أبي داود (٣٧٧)، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤١٥)،\nوابن المنذر في الأوسط (٦٩)، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن الأسود، عن أبيه =","vol":"6","page":455},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (أبي الأسود)، عن علي موقوفًا.\nفزاد في إسناده لفظ: (عن أبيه)، وهو المحفوظ، ولو كانت هذه الزيادة لم تأت إلا من طريق يحيى ابن سعيد القطان لم أقدمه على عبدة بن سليمان في سعيد بن أبي عروبة، ولكن هشام الدستوائي قد تقدمت روايته، وقد ذكر في إسناده أبا الأسود، والله أعلم.\nوروي الحديث ابن أبي شيبة في المصنف -ت عوامة- (١٣٠٠) حدثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي جعفر، قال: دخل النبي ﷺ على أم الفضل، ومعها حسين، فناولته إياه، فبال على بطنه، أو على صدره، فأرادت أن تأخذه منه، فقال النبي ﷺ: لا تزرمي ابني، لا تزرمي ابني، فإن بول الغلام يرشح أو ينضح، وبول الجارية يغسل.\nوهذا معضل، وقد علقه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٤٥)، قال: رواه إسحاق بن راهويه، عن عبدة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن محمد بن علي بن الحسين، عن النبي ﷺ.\nوقد رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣٣٨) قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن محمد بن علي أبي جعفر، عن أم الفضل، أنها أتت النبي ﷺ بالحسين بن علي، فوضعته في حجره، فبال. قالت: فذهبت لآخذه، فقال: لا تزرمي ابني، فإن بول الغلام ينضح أو يرش -شك سعيد- وبول الجارية يغسل.\nوهذا منقطع، محمد بن علي لم يسمع من أم الفضل.\nالطريق الثالث:\nشعبة، عن قتادة، ولم أقف عليه مسندًا.\nجاء في العلل الكبير للترمذي (١/ ٣٨): «سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: شعبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي حافظ، ورواه يحيى القطان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة فلم يرفعه».\nفرأى بعض المشايخ أن ذكر شعبة في هذا تصحيف، وأن الصواب: سعيد لا يرفعه، وهشام الدستوائي حافظ، واعتمد في هذا على أن من نقل كلام البخاري مثل البيهقي في السنن (٢/ ٤١٥)، وابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ٣٩٨)، وابن الملقن في البدر المنير (١/ ٥٣١) لم يذكروا شعبة، كما أن من ذكر الاختلاف في هذا الحديث كالترمذي، والدارقطني، والبيقهي لم يذكروا شعبة.\nوأميل إلى أن ذكر شعبة ليس تصحيفًا؛ لأن البخاري قد ذكر رواية سعيد، فيبعد أن يذكر سعيد مرتين، فالبخاري ذكر أن شعبة لم يرفعه، وهشام رفعه، وهو حافظ، وأن ابن أبي عروبة رواه عن قتادة فلم يرفعه، فلو أن سعيد لم يذكر بعد لكان احتمال التصحيف واردًا. =","vol":"6","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2954>الدليل الخامس:</span>\n(١٢٢٧ - ١٩٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، قال: حدثنا\n_________\n= وكون جمع من العلماء لا يذكرون شعبة عند ذكر الاختلاف على قتادة، فليس هذا كافيًا في الجزم بالتصحيف، فقد رواه همام عن قتادة موقوفًا، وأكثر العلماء بمن فيهم البخاري لا يذكرون رواية همام، ولا يعني هذا أن همام لم يروه، كما أن البخاري لم يذكر الاختلاف على هشام في وقفه، ورفعه وإرساله، وكل ذلك روي عن هشام الدستوائي، وعدم ذكر ذلك لا يعني أن ذلك ليس واقعًا.\nوقد نقل مغلطاي في شرحه لابن ماجه عبارة الترمذي بذكر شعبة (١/ ٥٥٩).\nكما نقل الإشبيلي كلام البخاري في الأحكام الكبرى بذكر شعبة (١/ ٣٨٦) إلا أنه لم يذكر سعيد ابن أبي عروبة، فإن كان ثمت تصحيف فهو قديم، والله أعلم.\nالطريق الثالث: همام، عن قتادة.\nلم أقف عليها مسندة، وقد ذكرها الدارقطني في علله (٤/ ١٨٥) عن همام، عن قتادة به موقوفًا.\nفالخلاصة:\nأن ثلاثة من أصحاب قتادة رووه عن قتادة،\nفسعيد بن أبي عروبة وهمام روياها عن قتادة موقوفة.\nووافقهما شعبة إذا كان ذلك محفوظًا.\nورواه هشام، عن قتادة، واختلف عليه: فروي عن هشام مرفوعًا، من رواية ابنه معاذ وعبد الصمد، وروي عنه موقوفًا، وروي عن هشام مرسلًا.\nفعلى القول بأن ذكر شعبة تصحيف، فإن المقارنة ستكون بين سعيد بن أبي عروبة، وبين هشام الدستوائي، وكلاهما من الطبقة الأولى من أصحاب قتادة، ويترجح رواية ابن أبي عروبة بموافقة همام لسعيد بن أبي عروبة، وللاختلاف على هشام الدستوائي، فقد أشار البزار والدارقطني أنه لا يرويه عن هشام مرفوعًا إلا معاذ وعبد الصمد، وغيرهما رواه عن هشام موقوفًا؛ لهذا رجحت رواية الوقف، والله أعلم.\nوالراجح من حديث الإمام علي ﵁ أنه موقوف عليه، ورأي الصحابي حجة فيما لم يخالف.\nقال الترمذي: حديث حسن.\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ٣٨): «إسناده صحيح، إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي وصله وإرساله، وقد رجح البخاري صحته، وكذا الدارقطني».اهـ\nانظر أطراف المسند (٤/ ٤٩٢)، إتحاف المهرة (١٤٣٥٣)، تحفة الأشراف (١٠١٣١).","vol":"6","page":457},{"text":"أيوب، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل، قالت: أتيت النبي ﷺ، فقلت: إني رأيت في منامي أن في بيتي أو حجرتي عضوًا من أعضائك، قال: تلد فاطمة إن شاء الله غلامًا، فتكفلينه، فولدت فاطمة حسنًا، فدفعته إليها، فأرضعته بلبن قثم، وأتيت به النبي ﷺ يومًا أزوره، فأخذه النبي ﷺ، فوضعه على صدره، فبال على صدره، فأصاب البول إزاره، فزخخت بيدي على كتفيه، فقال: أوجعت ابني أصلحك الله -أو قال: رحمك الله- فقلت: أعطني إزارك أغسله، فقال: إنما يغسل بول الجارية، ويصب على بول الغلام (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٣٤٠).\n(^٢) الحديث يرويه عن لبابة أم الفضل ﵂ خمسة:\nعبد الله بن الحارث، وعطاء الخرساني، وقابوس بن أبي المخارق، وابن عباس، وشداد بن عبد الله.\nأما رواية عبد الله بن الحارث:\nفأخرجها أحمد (٦/ ٣٤٠) حدثنا عفان، حدثنا وهيب، قال: حدثنا أيوب، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن لبابة به.\nوهذا أحسن إسناد روي فيه هذا الحديث، ورجاله كلهم ثقات.\nأما رواية عطاء الخرساني، فقد أخرجه أحمد (٦/ ٣٣٩) من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء الخرساني، عن لبابة أم الفضل، وعطاء لم يدرك أم الفضل، وقد أشار أحمد أن عطاء الخرساني دلسه عن لبابة، فقال عقبه حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد، قال حميد: كان عطاء يرويه عن\nأبي عياض، عن لبابة. اهـ\nوأبو عياض هذا مجهول.\nوأما رواية قابوس بن المخارق، فقد رواه سماك، واختلف عليه اختلافًا كثيرًا:\nفقيل: عن سماك، عن قابوس، عن أم الفضل.\nرواه ابن أبي شيبة (١٢٨٨) وإسحاق بن راهويه (٢٢٧٤)، وأبو داود (٣٧٥)، وابن ماجه (٥٢٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٢) وابن خزيمة (٢٨٢)، والحاكم (١/ ٢٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤١٤) من طرق عن أبي الأحوص. =","vol":"6","page":458},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٤) وابن أبي الدنيا في العيال (٦٦٩) والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٣) ح ٢٥٤١ من طرق عن شريك، كلاهما (أبو الأحوص، وشريك) روياه عن سماك بن حرب، عن قابوس بن المخارق عن أم الفضل بنحوه.\nورواه إسرائيل، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد (٦/ ٣٣٩) وأبو يعلى في مسنده (٧٠٧٤) عن يحيى بن أبي بكير.\nوابن سعد في الطبقات (٨/ ٢٧٨) عن عبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل، عن سماك به، كرواية أبي الأحوص، وشريك.\nورواه إسحاق بن راهويه (٢٢٧٣)، قال: أخبرنا وكيع، أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن قابوس بن المخارق أن الحسين بن علي كان في حجر رسول الله ﷺ فبال عليه، فقالت:\nأم الفضل يا رسول الله أرني ثوبك كيما أغسله ... وذكر الحديث. وهذا مرسل.\nوقيل: سماك، عن قابوس، عن أبيه، عن أم الفضل.\nرواه علي بن صالح، عن سماك، واختلف على علي بن صالح فيه:\nفرواه معاوية بن هشام، كما في سنن ابن ماجه (٣٩٢٣) والمعجم الكبير للطبراني (٢٥/ ٢٥) ح ٣٩ والدولابي في الذرية الطاهرة (١١٦) عن علي بن صالح، عن سماك، عن قابوس بن المخارق، قال: قالت أم الفضل يا رسول الله رأيت كأن في بيتي عضوًا من أعضائك ... وذكرت الحديث. وفي إسناد الطبراني: حسن بن صالح، والصواب علي بن صالح.\nورواه عثمان بن سعيد المري، واختلف عليه:\nفرواه علي بن عبد العزيز بن المرزبان، كما في المعجم الكبير للطبراني (٣/ ٢٠) ح ٢٥٢٦، و(٢٥/ ٢٥) ح ٣٨، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٧١)، وفي معرفة الصحابة (٤٥٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١٤) عن عثمان بن سعيد، عن علي بن صالح، عن سماك، عن قابوس، عن أبيه، قال: جاءت أم الفضل إلى رسول الله ﷺ وذكر الحديث. فزاد في الإسناد والد قابوس مخالفًا رواية معاوية بن هشام، عن علي بن صالح.\nورواه محمد بن سليمان الواسطي، كما في معجم ابن المقرئ (٥٧٠) عن عثمان بن سعيد، حدثنا مسعر بن كدام، عن سماك بن حرب، عن قابوس، عن أبيه به.\nوهذا الحديث معروف عن علي بن صالح، على خلاف عليه في ذكر والد قابوس، ولا يعرف من حديث مسعر بن كدام، والله أعلم.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢٥/ ٢٦) رقم ٤١ من طريق أبي مالك الأشجعي، عن سماك بن حرب، عن قابوس الشيباني، عن أبيه، عن أم الفضل. بزيادة (عن أبيه). =","vol":"6","page":459},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذه المتابعة لعلي بن صالح في زيادة (عن أبيه) لا يفرح بها لأن أبا مالك الأشجعي متروك.\nوقيل: عن سماك بن حرب، عن أم الفضل بإسقاط قابوس وأبيه من الإسناد.\nرواه داود بن أبي هند كما في تاريخ دمشق (١٤/ ١١٤).\nوحاتم بن أبي صغيرة كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٢٧٨) كلاهما عن سماك، عن\nأم الفضل أنها رأت فيما يرى النائم ... وذكرت الحديث.\nوسماع داود وحاتم من سماك قديم، فهما مقدمان على إسرائيل، وأبي الأحوص وشريك.\nوقيل: سماك، عن قابوس يرفعه إلى النبي ﷺ.\nأخرجه عبد الرزاق (١٤٨٧)، عن الثوري، عن سماك، عن قابوس عن رسول الله ﷺ. وهذا مرسل أيضًا.\nوقد سبق أن وكيع رواه عن إسرائيل، عن سماك، عن قابوس مرسلًا.\nوالذي أميل إليه أن سماك قد اضطرب فيه، وقد اختلف هل سمعه قابوس من أم الفضل أم سمعه من أبيه، عنها؟\nقال ابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ٤٠١): «ففي هذه الرواية إثبات الواسطة بين قابوس\nوأم الفضل، وذلك يقتضي أن رواية أبي الأحوص التي أخرجها أبو داود منقطعة وعبد الملك أبو مالك المتقدم في الإسناد قبله ضعفه الرازيان أبو زرعة وأبو حاتم، وقال يحيى في رواية عباس: ليس بشيء».اهـ\nوقال في مصباح الزجاجة (٤/ ١٥٧): «هذا إسناد رجاله ثقات إن سلم من الانقطاع، قال المزي في التهذيب والأطراف: روى قابوس عن أبيه، عن أم الفضل».\nورجح الدارقطني أنه عن سماك، عن قابوس، عن أم الفضل (١٥/ ٣٩٣).\nوأما رواية ابن عباس عن أم الفضل،\nفرواه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٦) من طريق إسماعيل بن عياش، حدثنا عطاء بن عجلان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أم الفضل.\nوهذا ضعيف جدًّا، فيه عطاء بن عجلان متروك، وإسماعيل في روايته عن غير أهل بلده فيها اضطراب.\nوأما رواية شداد بن عبد الله، عن أم الفضل.\nفرواها الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٣) من طريق محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن أبي عمار شداد بن عبد الله، عن أم الفضل. =","vol":"6","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2955>الدليل السادس:</span>\n(١٢٢٨ - ١٩٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي، قال: حدثنا أسامة ابن زيد، عن عمرو بن شعيب،\nعن أم كرز الخزاعية قالت: أتي النبي ﷺ بغلام، فبال عليه، فأمر به فنضح، وأتي بجارية فبالت عليه، فأمر به فغسل (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2956>الدليل السابع:</span>\n(١٢٢٩ - ٢٠٠) ما رواه أبو داود، من طريق يونس، عن الحسن، عن أمه،\n_________\n= وهذا الطريق تفرد به محمد بن مصعب، وفي حفظه شيء خاصة فيما يتفرد به عن الأوزاعي، والله أعلم.\nانظر إتحاف المهرة (٢٣٣٤٠)، أطراف المسند (٩/ ٤٦١)، تحفة الأشراف (١٨٠٥٥).\n(^١) المسند (٦/ ٤٢٢، ٤٤٠).\n(^٢) وعلته الانقطاع حيث لم يدرك عمرو بن شعيب أم كرز، قاله المزي في تحفة الأشراف (١٣/ ١٠٠)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٧٦): «إسناده منقطع، عمرو بن شعيب لم يدرك أم كرز».اهـ\nوالحديث اختلف فيه على أسامة بن زيد:\nفرواه أبو بكر الحنفي كما في مسند أحمد (٦/ ٤٢٢)، وسنن ابن ماجه (٥٢٧)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٥/ ١٦٨) ح ٤٠٨، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أم كرز الخزاعية.\nورواه عبد الله بن موسى كما في الأوسط للطبراني (٨٢٤) عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده.\nقال الحافظ في التلخيص (١/ ٣٨): «فيه انقطاع، وقد اختلف على عمرو بن شعيب، فقيل: عنه، عن أبيه، عن جده، كالجادة، أخرجه الطبراني في الأوسط».اهـ\nأخطأ فيه عبد الله بن موسى التيمي، وهو ضعيف، فرواه على الجادة، قال البزار: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إلا أسامة بن زيد، تفرد به عبد الله بن موسى.\nوانظر إتحاف المهرة (٢٣٦٦٨)، أطراف (٩/ ٤٦٦)، تحفة الأشراف (١٨٣٥٠).","vol":"6","page":461},{"text":"أنها أبصرت أم سلمة تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم فإذا طعم غسلته وكانت تغسل بول الجارية (^١).\n[حسن موقوفًا، وروي مرفوعًا ولم يصح] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٧٩).\n(^٢) في إسناده أم الحسن، قال الحافظ في التقريب: إنها مقبولة، يعني: في المتابعات، وإلا ففيها لين حيث التفرد، ولعلها أقوى درجة مما ذكر الحافظ، فقد روى لها مسلم حديث: (تقتل عمارًا الفئة الباغية)، وحديث: (كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يوكى أعلاه).\nوذكرها ابن حبان في ثقاته (٤/ ٢١٦).\nوقال ابن حزم: ثقة مشهورة. المحلى (٣/ ١٢٧) فإذا اعتبرنا إخراج مسلم حديثها في صحيحه، يجعل حديثها على أقل الأحوال حسنًا، فإذا أضفت إلى ذلك توثيق ابن حبان وابن حزم تأكد الاحتجاج بها، والله أعلم.\nقال ابن عبد البر (٩/ ١١١): «أولى وأحسن شيء في هذا الباب ما قالته أم سلمة، قالت: بول الغلام يصب عليه الماء صبًّا، وبول الجارية يغسل طعمت أو لم تطعم».اهـ\nوصحح إسناده الحافظ في التلخيص (١/ ٣٨) وهذا ذهول منه عن ما قاله في أم الحسن، فإنه حكم عليها في التقريب بقوله: مقبولة، ولو قال: صحيح لقلت ربما صححه بالمجموع، ولكن حين حكم على إسناده بالصحة فهذا منه توثيق لأم الحسن، فتنبه.\nوالحديث رواه أبو داود كما في حديث الباب، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن (٢/ ٤١٦) من طريق يونس بن عبيد.\nوأخرجه ابن ورواه ابن أبي شيبة (١/ ١١٤) من طريق الفضل بن دلهم، كلاهما عن الحسن عن أمه، عن أم سلمة موقوفًا عليها.\nوالفضل بن دلهم في حفظه شيء، إلا أنه قد زال ذلك في متابعة يونس، ورواه المبارك بن فضالة، واختلف عليه فيه:\nفرواه علي بن الجعد كما في مسنده (٣١٩٠) عن المبارك، عن الحسن، عن أمه به موقوفًا على أم سلمة.\nوخالفه حوثرة بن أشرس كما في مسند أبي يعلى (٦٩٢٣) عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أم سلمة زوج النبي ق عن النبي ق مرفوعًا بلفظ: بول الغلام يصب عليه الماء صبًا ما لم يطعم، وبول الجارية يغسل غسلًا طعمت أو لم تطعم. =","vol":"6","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2957>الدليل الثامن:</span>\n(١٢٣٠ - ٢٠١) ما رواه أحمد بن منيع في مسنده، قال: حدثنا ابن علية، حدثنا عمارة بن أبي حفصة، عن أبي مجلز، عن حسن بن علي، أو أن حسين بن علي، قال:\nحدثتنا امرأة من أهلي، قالت: بينا رسول الله ﷺ مستلقيًا على ظهره يلاعب صبيًا على صدره، إذ بال فقامت لتأخذه، وتضربه، فقال ﷺ: دعيه، إيتوني بكوز من ماء، فنضح الماء على البول حتى تفايض الماء على البول، فقال ﷺ: هكذا يصنع بالبول، ينضح من الذكر، ويغسل من الأنثى (^١).\n[رجاله ثقات إلا أن ابن معين يرى أن رواية أبي مجلز عن الحسن مرسلة] (^٢).\n• اعتراض وجواب:\nاعترض الحنفية على هذا الاستدلال بقولهم: إن النضح الوارد في الحديث المقصود به الغسل، فإن النضح قد يطلق على الغسل.\n_________\n= فوهم في أمرين، في رفعه، وفي إسقاط أم الحسن.\nوروي مرفوعًا من وجه آخر، ولا يصح، أخرجه أبو يعلى (٦٩٢١) عن إسماعيل بن عياش.\nوالطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٦٦) ح ٨٦٦، وفي الأوسط (٢٧٤٢) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة مرفوعًا.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الحسن، عن أمه إلا إسماعيل، تفرد به عبد الرحيم.\nقلت: إسماعيل بن مسلم المكي. قال فيه يحيى ين معين: ليس بشيء.\nوقال ابن المديني: لا يكتب حديثه.\nوقال أحمد: منكر الحديث.\nوأخرجه البيهقي (٢/ ٤١٥) من طريق كثير بن قاروند، أنبأ عبد الله بن حزم، عن معاذة بنت حبيش، عن أم سلمة به مرفوعًا.\nولم أقف على ترجمة لمعاذة بنت حبيش، وكذلك الراوي عنها عبد الله بن حزم.\n(^١) المطالب العالية (١٣)، وقال في إتحاف الخيرة المهرة (١/ ٢٩٧): «هذه إسناد رجاله ثقات».\n(^٢) انظر التهذيب (١١/ ١٧٢).","vol":"6","page":463},{"text":"(١٢٣١ - ٢٠٢) فقد روى مسلم في صحيحه، قال: عن علي بن أبي طالب أرسلنا المقداد بن الأسود إلى رسول الله ﷺ فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به، فقال رسول الله ﷺ: توضأ، وانضح فرجك (^١).\nوقد رواه البخاري بلفظ: توضأ، واغسل ذكرك (^٢).\nوفي رواية لمسلم: «يغسل ذكره ويتوضأ» (^٣).\nفأطلق النضح على الغسل.\n• وأجيب:\nلا إشكال في إطلاق النضح على الغسل وعلى الرش، وهو مشترك بينهما، وإذا جاءت قرينة تدل على أن المراد من النضح الرش تعين، وامتنع حمله على الغسل، فلما قال في الحديث: ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية، امتنع حمل النضح على الغسل، ولو حملنا على الغسل كان كلام الرسول ﷺ في التفريق بين بول الغلام والجارية لغوًا لا فائدة منه.\nقال ابن دقيق العيد: «ورد في بعض الأحاديث التفرقة بين بول الصبي والصبية، فإن الموجبين للغسل لا يفرقون بينهما، ولما فرق في الحديث بين النضح في الصبي والغسل في الصبية كان ذلك قويًا في النضح غير الغسل» (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2958> دليل من قال يكفي النضح فيهما:</span>\nقالوا: إن حكمهما بعد أن يطعما واحد وهو الغسل، فكذلك حكمهما قبل أن يطعما واحد وهو الاكتفاء بالرش، وهذا القول من أضعف ما قيل في المسألة، فلم\n_________\n(^١) مسلم (٣٠٣).\n(^٢) البخاري (٢٦٩).\n(^٣) مسلم (٣٠٣).\n(^٤) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٨٠، ٨١).","vol":"6","page":464},{"text":"يأخذ بالعموم في وجوب غسل الأبوال كلها من غير فرق بين بول الصبي والجارية، ولم يأخذ بأحاديث الباب في استثناء بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، فأخذ ببعض الأحاديث الواردة في الغلام قبل أن يطعم، وألغى نص هذه الأحاديث في التفريق بين الغلام والجارية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2959> دليل ابن حزم على التفريق بين بول الذكر مطلقًا وبول الأنثى:</span>\nلعله نظر إلى ظاهر الأحاديث، فوجد أن التفريق بين الغلام والجارية ثابت، والغلام في اللغة العربية الأصل فيه أنه يطلق على الصغير طعم أو لم يطعم، وقال الأزهري: سمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرًا غلام، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام، وهو فاش في كلامهم (^١). اهـ\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى فالأحاديث المرفوعة لم تذكر قيد الإطعام.\nفهذا حديث أبي السمح قال: يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام.\nوحديث أم الفضل: إنما يغسل بول الجارية، ويصب على بول الغلام.\nفعموم الأحاديث القولية لم تشترط الإطعام.\nوالأحاديث التي اشترطت عدم الإطعام إما موقوفة كما في أثر علي ﵁، وأثر أم سلمة، وابن حزم لا يحتج بقول الصحابي، وإما ضعيفة، وإما حكاية فعل لم يقصد فيها التقييد، كما في حديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فهذا بيان واقع، ولم يقصد تقييد الحكم الشرعي فيها، ولهذا ذهب\nابن حزم إلى التفريق بين بول الذكر وبين بول الأنثى، فالذكر صغيرًا كان أو كبيرًا ينضح بوله، والأنثى يغسل.\n• ويجاب على ابن حزم:\nأولًا: فهم الصحابة رضوان الله عليهم بأن المقصود بالغلام الذي لم يطعم حجة\n_________\n(^١) مختار الصحاح (ص: ٢٣٤).","vol":"6","page":465},{"text":"على فهم غيرهم، نظرًا لقربهم من الوحي، وملازمتهم للرسول ﷺ، فهم أعلم الناس بمراد الرسول ﷺ.\nثانيًا: عندنا أحاديث عامة في وجوب التنزه من البول، ووجوب غسله، كحديث ابن عباس، وحديث بول الأعرابي في المسجد، وهو متفق عليه، وعندنا أحاديث تستثني من ذلك بول الصبي الذي لم يطعم، فيكفي في طهارته النضح، فيبقى الحكم خاصًا بها، ويبقي ما عداه على وجوب غسله، والخاص دائمًا مقدم على العام، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2960>المبحث الثاني في تطهير المذي يصيب الثوب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• المذي بمنزلة البول.\n• النضح لفظ مشترك يأتي بمعنى الغسل كما يأتي بمعنى الرش في اللغة.\n[م-٥٥٩] علمنا كيفية تطهير المذي من البدن، وتبين أن الجمهور يرون وجوب غسله بالماء، على خلاف بينهم، هل يجب غسل رأس الحشفة من الذكر، أو يجب غسل الذكر كله، أو يجب غسل الذكر مع الأنثيين، واختلف العلماء في المذي يصيب الثوب،\nفقيل: لا بد من غسله، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٤٨)، شرح فتح القدير (١/ ٧٢)، المبسوط (١/ ٦٧).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٢٨٥)، الخرشي (١/ ١٤٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٣٢٣).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٦٤)، روضة الطالبين (١/ ٦٧)، مغني المحتاج (١/ ٧٩).\n(^٤) الكافي في فقه أحمد (١/ ٥٦)، الإنصاف (١/ ٣٣٠).","vol":"6","page":467},{"text":"وقيل: يكفي فيه النضح، وهو رواية عن أحمد، وأحد القولين للإمام إسحاق (^١)، ورجحه ابن تيمية، وابن القيم (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2961> دليل من قال: يجب غسل المذي:</span>\n(١٢٣٢ - ٢٠٣) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن منذر بن يعلى ويكنى أبا يعلى، عن ابن الحنفية،\nعن علي قال: كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود، فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ. ورواه البخاري بنحوه (^٣).\nوالثوب مقيس على البدن، فإذا كان البدن يجب غسل المذي منه، فكذلك يجب في الثوب، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2962> دليل من قال: يكفي فيه النضح:</span>\n(١٢٣٣ - ٢٠٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد ابن إسحاق، عن سعيد بن السباق، عن أبيه،\nعن سهل بن حنيف، قال: كنت ألقى من المذي شدة، فكنت أكثر الغسل منه، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: إنما يكفيك من ذلك الوضوء. قال: قلت: يا رسول الله فكيف ما يصيب ثوبي؟ قال: إنما يكفيك كف ماء تنضح به من ثوبك حيث ترى أنه أصاب (^٤).\n[سبق تخريجه] (^٥).\n_________\n(^١) سنن الترمذي (ح ١١٥).\n(^٢) تهذيب السنن (١/ ١٤٨، ١٤٩)، إعلام الموقعين (٤/ ٢٧٧، ٢٧٨)، بدائع الفوائد (٣/ ١١٩، ١٢٠) و(٤/ ٨٨).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٠٣)، وصحيح البخاري (٢٦٩).\n(^٤) المصنف (٧/ ٣٢٠)\n(^٥) في نجاسة المذي، ح (١١٢٦)، وانظر ح (٣٧٨).","vol":"6","page":468},{"text":"• وأجيب عن ذلك:\nبأن المراد بالنضح هو الغسل؛ لأن النضح لفظ مشترك بين الغسل وبين الرش، وإذا كان يجب غسل المذي من الذكر، وتَعَرُض الذكر للمذي أكثر من تعرض الثياب؛ لأنه يخرج أصلًا منه، ومع ذلك نص على غسله، فكذلك الثوب يجب فيه الغسل، لأن البلوى بالبدن أكثر منه بالثياب.\n• والدليل على أن النضح يراد به الغسل:\n(١٢٣٤ - ٢٠٥) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: عن علي بن أبي طالب أرسلنا المقداد بن الأسود إلى رسول الله ﷺ فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به، فقال رسول الله ﷺ: توضأ، وانضح فرجك (^١).\nوقد رواه البخاري بلفظ: توضأ، واغسل ذكرك (^٢).\nوفي رواية لمسلم: «يغسل ذكره ويتوضأ» (^٣).\nفأطلق النضح على الغسل.\n(١٢٣٥ - ٢٠٦) وروى البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت:\nأرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (^٤).\nقال الحافظ: (تنضحه) قال الخطابي: أي تغسله.\nوقال القرطبي: المراد به الرش؛ لأن غسل الدم استفيد من قوله: «تقرصه بالماء».\n_________\n(^١) مسلم (٣٠٣).\n(^٢) البخاري (٢٦٩).\n(^٣) مسلم (٣٠٣).\n(^٤) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).","vol":"6","page":469},{"text":"وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب.\nقال الحافظ: فعلى هذا فالضمير في قوله: تنضحه يعود على الثوب، بخلاف تحته فإنه يعود على الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل، ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا لم يطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي (^١).\nوقال ابن الأثير: قد يَرِد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (^٢).\n(١٢٣٦ - ٢٠٧) قلت: الحديث قد رواه مسلم من طريق الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال:\nكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه، فهو ينضح الدم عن جبينه (^٣).\nقال السيوطي في شرحه للحديث: ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (^٤).\n• الراجح:\nأن المذي يجب غسله، سواءً كان على الثوب أو على البدن، ويكفي في غسله كف من ماء؛ لأن المذي عادة يكون يسيرًا، فيكفيه الماء اليسير، ولفظ النضح مع كونه يراد به الغسل في اللغة، فهو من مفردات محمد بن إسحاق، فإن حملنا النضح على الغسل كان حديثه حسنًا، حيث لم ينفرد بوجوب الغسل، فحديث علي في الصحيحين نص في وجوب الغسل، وإن حملنا النضح على الرش ضعفنا حديث محمد بن إسحاق؛\n_________\n(^١) الفتح بتصرف يسير (١/ ٤٣٩).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث (٥/ ٧٠).\n(^٣) رواه مسلم (١٩٧٢)، وهو في الصحيحين إلا أنه بلفظ: «وهو يمسح الدم عن وجه».\n(^٤) الديباج (٤/ ٤٠٢).","vol":"6","page":470},{"text":"لأن الحديث إذا كان أصلًا في الباب، فلا نقبل ما ينفرد به الصدوق، وهذه قاعدة مهمة يغفل عنها بعض المتأخرين ممن له عناية بالتصحيح والتضعيف، وقد نبه عليها\nابن رجب في كتابه العظيم شرح علل الترمذي، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2963>الفصل الثالث في كيفية تطهير النجاسة بغير الماء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2964>المبحث الأول في التطهير بالمسح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2965>الفرع الأول تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف والمرآة والسكين بالمسح</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها.\n• تطهير النجاسة معقول المعنى، فمتى زالت أو أزيلت بأي مزيل زال حكمها.\n• الاستجمار هل هو على خلاف الأصل فيقتصر على الحجارة، أو لا فيقاس عليه غيره؟\nوعلى التسليم بأنه ثبت على خلاف القياس، فالصواب أنه يصح القياس على ما ثبت خلافًا للأصل إذا كان معللًا (^١).\n[م-٥٦٠] اختلف العلماء في تطهير الأشياء الصقيلة هل تطهر بالمسح، أم لا بد من غسلها؟\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ١١٩).","vol":"6","page":472},{"text":"فقيل: يطهرها المسح مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يعفى عن الشيء الصقيل من دم مباح إن خشي عليه الفساد، وهل يعفى عنه بدون مسح، أو بعد المسح؟ قولان في مذهب المالكية والمعتمد الأول (^٢).\nوقيل: لا يطهر المسح مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2966> دليل من قال: المسح مطهر للأشياء الصقيلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2967>الدليل الأول:</span>\nأن أصحاب الرسول ﷺ كانوا يقاتلون الكفار بسيوفهم، فيصيبها الدم، ومع ذلك يصلون، وهي معهم حاملون لها، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمرهم بغسلها، ولو كان غسلها واجبًا لأمرهم به ﷺ.\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٣٦)، بدائع الصنائع (١/ ٨٥)، تبيين الحقائق (١/ ٧٢)، البناية على الهداية (١/ ٧٢٨).\n(^٢) فقوله: يعفى عن الشيء الصقيل: معنى ذلك أن طهارته حكمية، وإلا فالمحل نجس، إذ لو كان طاهرًا لما احتاج إلى العفو عنه، وقوله: إن خشي عليه الفساد بالغسل، هذا شرط العفو، فإن لم يخش عليه من الفساد تعين الغسل.\nوسواءً مسحه من الدم أم لا على المعتمد: أي خلافًا لمن علله بانتفاء النجاسة بالمسح، قال عيسى في روايته عن ابن القاسم، عن مالك: مسحه من الدم أو لم يمسحه.\nوقيل: إن العفو بشرط المسح، نقله الباجي عن مالك، وقال ابن رشد: إنه قول الأبهري.\nوفهم من قوله: من دم مباح: أن العفو خاص بالدم، وهو المفهوم من أكثر عباراتهم، ومقتضى كلام ابن العربي عدم التخصيص. وقال في التوضيح: أكثر أمثلتهم في السيف إنما هو في الدم، فيحتمل أن لا يقصر الحكم عليه، ويحتمل القصر؛ لأنه الغالب من النجاسات الواصلة إليه. انظر مواهب الجليل (١/ ١٥٦)، حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير (١/ ٧٧)، الخرشي (١/ ١١٢)، القوانين الفقهية (ص: ٢٨).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ٨٥).\n(^٤) المبدع (١/ ٣٢٣)، الإنصاف (١/ ٣٢٢).","vol":"6","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2968>الدليل الثاني:</span>\nأن الأجسام الصقيلة ليس فيها مسام فلا تدخلها النجاسة، فإذا مسحت رجعت كما كانت قبل إصابتها للنجاسة، وهذا هو المطلوب في الطهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2969>الدليل الثالث:</span>\nأن النجاسة عين خبيثة، فمتى زالت فقد زال حكمها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2970> دليل من قال: لا بد من غسلها:</span>\nيرى أصحاب هذا القول أن النجاسة لا تزال إلا بالماء المطلق، وقد نوقشت أدلته مع بيان الجواب عليها في بحث مستقل تحت عنوان: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ فارجع إليه غير مأمور.\n* * *","vol":"6","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2971>الفرع الثاني في الاستجمار بالحجارة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• استعمال الحجارة منه ما هو تعبدي كرمي الجمار، فلا يجزئ غيره، ومنها ما هو معلل كالاستجمار، ولهذا عدي إلى كل طاهر منق غير مضر ولا محترم.\n• لو كان الحجر متعينًا لكان تعليل الروثة بأنها ليست بحجر أولى من ردها بعلة أنها ركس.\n[م-٥٦١] اختلف العلماء في جواز الاستجمار بالحجارة:\nفقيل: يجوز الاستجمار بالحجارة، ولو مع وجود الماء والقدرة عليه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١)،\nمع أن الحجر قد لا ينقي المحل، فلا بد أن يبقى به أثر لا يزيله إلا\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٦)، البحر الرائق (١/ ٢٥٣)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣١)، الفتاوى الهندية (١/ ٤٨)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٤٨)، وانظر في مذهب المالكية مواهب الجليل (١/ ٢٨٦)، القوانين الفقهية (ص: ٢٩)، شرح الزرقاني (١/ ٩٣)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، الشرح الكبير (١/ ١١٣)، مختصر خليل (ص: ١٥).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢٢) المهذب (١/ ٢٧)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٣)، روضة الطالبين (١/ ٦٥)، المجموع (٢/ ١١٩).\nوانظر في الفقه الحنبلي: الفروع (١/ ٨٩)، الإنصاف (١/ ١٠٩)، المبدع (١/ ٩١)، المحرر (١/ ١٠)، عمدة الفقه (ص: ٦)، الكافي (١/ ٥٢).","vol":"6","page":475},{"text":"الماء، وهذا من تيسير الشريعة، ومن التخفيف الذي وضعه الله ﷾ عن عباده، خاصة أن الإنسان قد يحتاج إلى قضاء حاجته في مكان لا يوجد فيه ماء، فكان من سعة الله على عباده أن يسر لهم إزالتها بأي مزيل من أحجار ونحوها.\nوقيل: لا يجوز الاستجمار بالحجارة إلا لمن عدم الماء، وادَّعى أن العمل بالاستجمار قد ترك العمل به، اختاره ابن حبيب من المالكية (^١).\nوقد سبق ذكرنا أدلة كل قول، ومناقشتها وتبين أن الراجح منها جواز استعمال الحجارة في إزالة النجاسة، بل تجوز بكل مزيل، سواءً كان مائعًا أو جامدًا، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٧/ ٤٨٥): قال ابن حبيب: لا نبيح اليوم الاستنجاء -يعني: بالحجارة- إلا لمن عدم الماء؛ لأنه أمر قد ترك، وجرى العمل بخلافه، على ما قاله ابن هرمز. اهـ\nوقال القرطبي في المفهم (١/ ٥٢٠): وقد شذ ابن حبيب من أصحابنا، فقال: لا يجوز استعمال الأحجار مع وجود الماء، وهذا ليس بشيء؛ إذ قد صح في البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ استعمل الحجارة مع وجود الماء في الإداوة مع أبي هريرة يتبعه بها. اهـ\n(^٢) انظر المسألة في المجلد السابع.","vol":"6","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2972>الفرع الثالث المسح هل يطهر حقيقة أو حكمًا</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• هل إطلاق النجس على المعفو عنه مجاز شرعي تغليبًا لحكم جنسه عليه؟ أو أن إطلاق النجس على المعفو عنه حقيقة؛ لأنه يمنع لولا العذر، نظير الرخصة (^١).\n[م-٥٦٢] معلوم أن الاستجمار -وهو إزالة للنجاسة بالمسح- يبقى بعده أثر لا يزيله إلا الماء، فهل الاستجمار والحالة هذه مطهر، أو أن المحل يبقى نجسًا معفوًا عنه، في هذا اختلف العلماء.\nفقيل: طهارة الاستجمار طهارة حكمية، أي يبيح للمسلم فعل الصلاة، وليس رافعًا للنجاسة، فالمحل نجس معفو عنه.\nوهذا مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، وقول في مذهب الحنفية (^٤)، الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) انظر حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير للدردير (١/ ٣٣).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٤٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١١١).\n(^٣) حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٢٠٨)، تحفة المحتاج (٢/ ١٢٨)، الأشباه والنظائر (ص: ٨٤).\n(^٤) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧)، تبيين الحقائق (١/ ٧٢)، البحر الرائق (١/ ٢٣٨).\n(^٥) المغني (١/ ٤١١). وقال البهوتي: «وأثر الاستجمار نجس؛ لأنه بقية الخارج من السبيل، يعفى عن يسيره بعد الإنقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه».اهـ","vol":"6","page":477},{"text":"وقيل: الاستجمار طهارته طهارة حقيقية، وهو القول الثاني في مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقد ذكرت أدلة المسألة في المجلد السابع، في مسألة: الأثر المتبقي بعد الاستجمار فارجع إليه إن شئت.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٠٩)، وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٤١١): واختلف أصحابنا في طهارته، فذهب أبو عبد الله بن حامد وأبو حفص بن المسلمة إلى طهارته، وهو ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به، ولو كان نجسًا لنجسه.\nثم قال: وقال أصحابنا المتأخرون: لا يطهر المحل، بل هو نجس. اهـ أي نجس معفو عنه. اهـ","vol":"6","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2973>الفرع الرابع وجوب تكرار المسح في إزالة النجاسة</span>\n[م-٥٦٣] علمنا عند الكلام على كيفية التطهير بالماء: خلاف العلماء في وجوب العدد في إزالة النجاسة، وفي هذه المسألة نبحث وجوب العدد في التطهير بالمسح، فقد اختلف العلماء في وجوب العدد في إزالة النجاسة بالحجارة،\nفقيل: لا يجب العدد، بل المعتبر الإنقاء، فكيف حصل أجزأ، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢).\nوقيل: لا بد من ثلاثة أحجار، فأكثر، وهو مذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)،\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ١٢١) وما بعدها، بدائع الصنائع (١/ ١٩)، تبيين الحقائق (١/ ٧٦، ٧٧)، البحر الرائق (١/ ٢٥٣).\n(^٢) المنتقى (١/ ٦٨)، شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٧٢)، التاج والإكليل (١/ ٢٧٠)، التمهيد (١١/ ١٧)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٧)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٠)، بداية المجتهد (١/ ٦٢).\n(^٣) الأم (١/ ٢٢)، المجموع (٢/ ١٢٠)، المهذب (١/ ٢٧)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٤)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٥).\n(^٤) المغني (١/ ١٠٢)، الفتاوى الكبرى (١/ ٣٣٩، ٣٤٠)، المبدع (١/ ٩٤)، مختصر الخرقي (ص: ١٧)، منار السبيل (١/ ٢٣)، الكافي (١/ ٥٢)، كشاف القناع (١/ ٦٩)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٢١١).","vol":"6","page":479},{"text":"واختيار ابن حزم (^١).\nوقد ذكرت أدلة كل قول مع بيان الراجح منها في المجلد السابع فأغنى ذلك عن إعادته هنا (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (١/ ١٠٨).\n(^٢) انظر المناقشة في خمس عشرة صفحة (من ص: ٣٦٩ إلى ص: ٣٨٣) من الكتاب المذكور.","vol":"6","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2974>المبحث الثاني في التطهير بالدلك</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه.\n• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل، فلم يتعين الماء.\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها.\n• الاستجمار هل هو على خلاف الأصل فيقتصر على الحجارة، أو لا فيقاس عليه غيره؟\nوعلى التسليم بأنه ثبت على خلاف القياس، فالصواب أنه يصح القياس على ما ثبت خلافًا للأصل إذا كان معللًا (^١).\n[م-٥٦٤] اختلف العلماء في التطهير بالدلك إلى أقوال:\nالقول الأول: مذهب الحنفية:\nذهب الحنفية إلى أن الدلك مطهر للنعل والخفاف خاصة، فلا يطهر بالدلك\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ١١٩).","vol":"6","page":481},{"text":"البدن مطلقًا، ولا يطهر الثوب بالدلك إلا في المني خاصة، ويشترطون أن تكون النجاسة لها جرم، فإن كانت بولًا لم يطهرها الدلك، ولا بد من الغسل، وهل يشترط في الجرم أن يكون جافًا؟\nفيه قولان: أحدهما قول أبي حنيفة حيث ذهب إلى اشتراط أن يكون جرم النجاسة جافًا، فإن كان رطبًا تعين الغسل.\nوذهب أبو يوسف إلى عدم اشتراط الجفاف (^١).\nالقول الثاني: مذهب المالكية:\nذهب المالكية إلى التفريق بين ذيل المرأة والنعل، فإذا أصاب الذيل نجاسة فإنه لا يطهرها إلا الماء، وحمل حديث أم سلمة على القشب اليابس يعلق بالثوب ثم ينظفه ما بعده، وليس هذا من باب تطهير النجاسة، وإنما هو من باب التنظيف (^٢).\nوأما في النعل والخفاف فإن الدلك يطهر النعل من أرواث الدواب وأبوالها فقط يابسة كانت أو رطبة، فإن كانت النجاسة من غير أرواث الدواب وأبوالها، فإنه لا\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٣٤)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ١٠٨)، شرح فتح القدير (١/ ١٩٥).\n(^٢) قال ابن عبد البر في التمهيد، قال: (١٣/ ١٠٥) «اختلف الفقهاء في طهارة الذيل على المعنى المذكور في هذا الحديث: فقال مالك: معناه في القشب اليابس والقذر الجاف الذي لا يتعلق منه بالثوب شيء، فإذا كان هكذا كان ما بعده من المواضع الطاهرة حينئذ تطهيرًا له، وهذا عنده ليس تطهيرًا من نجاسة؛ لأن النجاسة عنده لا يطهرها إلا الماء، وإنما هو تنظيف؛ لأن القشب اليابس ليس بنجس ما مسه، ألا ترى أن المسلمين مجمعون على أن ما سفت الريح من يابس القشب والعذرات التي قد صارت غبارًا على ثياب الناس ووجوههم لا يراعون ذلك، ولا يأمرون بغسله ولا يغسلونه، لأنه يابس، وإنما النجاسة الواجب غسلها ما لصق منها، وتعلق بالثوب وبالبدن. فعلى هذا المحمل حمل مالك وأصحابه حديث طهارة ذيل المرأة، وأصلهم: أن النجاسة لا يزيلها إلا الماء، وهو قول زفر بن الهذيل والشافعي وأصحابه وأحمد وغيره».","vol":"6","page":482},{"text":"يعفى عنه، ولا بد من غسله (^١).\nوهل الدلك في هذه الحالة مطهر أو يقال: إنه معفو عنه للمشقة، رجح ابن جزي الأول، ورجح خليل في مختصره وشراحه الثاني (^٢).\nالقول الثالث: مذهب الشافعية:\nيجب غسل ذيل المرأة وأسفل الخف مطلقًا، وهو قول الشافعي في الجديد (^٣)،\n_________\n(^١) قال في مواهب الجليل (١/ ١٥٢): إذا كانت النجاسة يابسة فمعفو عن الذيل الواصل إليها، وفي الرطبة قولان: المشهور لا يعفى، والثاني: أنه يعفى.\nوقال في (١/ ١٥٣): ويعفى عن أثر ما يصيب الخف، وعما يصيب النعل من أرواث الدواب وأبوالها، ولو كانت رطبة، كما قاله في المدونة، بشرط أن يدلك ذلك، فإذا دلكه جاز جاز له أن يصلي بذلك الخف والنعل، والعلة في ذلك المشقة، وهو الذي ارتضاه ابن الحاجب.\nوبعضهم ساوى بين الذيل والخف، فقال يعفى عنهما ولو كانت النجاسة رطبة، وخرج حكم ذيل المرأة على كلام مالك في الخف.\nقال في مواهب الجليل (١/ ١٥٢): الأشبه أن ذلك فيما لا تنفك منه الطرقات من أرواث الدواب وأبوالها، وإن كانت رطبة، فإن ذلك لا ينجس ذيلها للضرورة، كما قال مالك في الخف. قال سند: ولعمري إن تخريج ذلك على الخف حسن؛ لأن غسل الثوب كل وقت فيه حرج ومشقة، ربما كانت فوق مشقة غسل الخف، فإن الخف يغسله وينزعه وينشف، والثوب إن تركه عليه مبلولًا فمشقة إلى مشقة، وإن نزعه فليس كل أحد يجد ثوبًا آخر يلبسه. قال الحطاب تعليقًا: وما قالاه ظاهر، لكنه خلاف مذهب المدونة.\nوقال في حاشية الدسوقي (١/ ٧٥): وحاصله أن الخف إذا أصابه شيء من النجاسات غير أرواث الدواب وأبوالها كخرء الكلاب أو فضلة الآدمي أو أصابه دم فإنه لا يعفى عنه كما مر، ولا بد من غسله. اهـ\n(^٢) القوانين الفقهية (ص: ٢٨)، وانظر حاشية الدسوقي (١/ ٧٤)، مواهب الجليل (١/ ١٥٢، ١٥٣).\n(^٣) قال الشيرازي في المهذب المطبوع مع المجموع (٢/ ٦١٩): فإن أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه على الأرض نظرت، فإن كانت نجاسة رطبة لم يجزه، وإن كانت يابسة فقولان: قال في الجديد: لا يجوز حتى يغسله؛ لأنه ملبوس نجس، فلا يجزئ فيه المسح كالثوب. وقال في الإملاء والقديم: يجوز.\nوقال النووي في شرحه لهذا النص: قال الرافعي: إذا قلنا بالقديم وهو العفو فله شروط:\nأحدها: أن يكون للنجاسة جرم يلتصق بالخف، أما البول ونحوه فلا يكفي دلكه بحال.\nالثاني: أن يدلكه في حال الجفاف، وأما ما دام رطبًا فلا يكفي دلكه قطعًا.\nالثالث: أن يكون حصول النجاسة بالمشي من غير تعمد، فلو تعمد تلطيخ الخف بها وجب الغسل قطعًا، والقولان جاريان فيما لو أصاب أسفل الخف وأطرافه من طين الشوارع المتيقن نجاسته الكثير الذي لا يعفى عنه، وسائر النجاسات الغالبة في الطرق كالروث وغيره، واعلم أن الغزالي وصاحبه محمد بن يحيى جزما بالعفو عن النجاسة الباقية على أسفل الخف، وهذا شاذ مردود والله أعلم.\nوقال النووي في المجموع أيضًا (١/ ١٤٤): إن المراد بالقذر (يعني في حديث أم سلمة في طهارة ذيل المرأة) نجاسة يابسة، ومعنى يطهره ما بعده، أنه إذا انجر على ما بعده من الأرض ذهب ما علق به من اليابس، هكذا أجاب أصحابنا وغيرهم، قال الشيخ أبو حامد في تعليقه: ويدل على هذا التأويل الإجماع أنها لو جرت ثوبها على نجاسة رطبة فأصابته لم يطهر بالجر على مكان طاهر، وكذا نقل الإجماع في هذا أبو سليمان الخطابي، ونقل الخطابي هذا التأويل عن آباء عبد الله مالك والشافعي وأحمد -﵏- وأما حديث أبي سعيد (يعني في طهارة النعل بالدلك) فلنا في المسألة قولان: القديم: أن مسح أسفل الخف الذي لصقت به نجاسة كاف في جواز الصلاة فيه، مع أنه نجس عفي عنه، والجديد: أنه ليس بكاف. اهـ","vol":"6","page":483},{"text":"والمشهور من مذهب الحنابلة (^١).\n_________\n(^١) قال صاحب الإنصاف (١/ ٣٢٣): وإذا تنجس أسفل الخف أو الحذاء وجب غسله، هذا المذهب وعليه الجمهور، قال في الفروع: نقله، واختاره الأكثر. ثم قال:\nوعنه يجزئ دلكه بالأرض، قال في الفروع: وهي أظهر، واختاره جماعة منهم ابن قدامة والمجد وابن عبدوس والشيخ تقي الدين. إلخ ثم قال: وحمل القاضي الروايات على ما إذا كانت النجاسة يابسة، وقال: إذا دلكها وهي رطبة لم يجزه رواية واحدة، ورده الأصحاب، وأطلق\nابن تميم في إلحاق الرطبة باليابسة الوجهين. ثم قال:\nوعلى القول بأنه يجزئ الدلك لا يطهره، بل هو معفو عنه على الصحيح من المذهب، قال المجد في شرحه: وهذا هو الصحيح.\nوقال أيضًا (١/ ٣٢٤): مفهوم كلام المصنف أنه إذا تنجس غير الخف والحذاء أنه لا يجزئ الدلك رواية واحدة، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، وأحد الوجهين في ذيل المرأة.\nوالوجه الثاني: يطهر بمروره على طاهر بذيلها، اختاره الشيخ تقي الدين. اهـ وانظر المغني (١/ ٤١١).","vol":"6","page":484},{"text":"وفي القديم للشافعي: التفريق بين ذيل المرأة والخف، فيغسل الأول ويعفى عن نجاسة تصيب أسف النعل بعد دلكها وهي يابسة (^١).\nفتلخص لنا من هذا الخلاف أقوال:\nالأول: أن الدلك يطهر مطلقًا، في الرطب واليابس، في نعل المرأة وفي ذيلها.\nالثاني: أن الدلك لا يطهر مطلقًا.\nالثالث: أن الدلك يطهر النجاسة الجافة دون الرطبة.\nالرابع: أن الدلك يطهر الخف والنعل فقط دون ذيل المرأة. وبعض هذه الأقوال ذكرناها في الحاشية، ولم نذكرها في المتن؛ لأنها أقوال في بعض المذاهب ليست مشهورة، فلينتبه لهذا.\nوأما أدلة هذه المسألة فهي ترجع إلى مسألة بحثناها في فصل مستقل: وهي: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أو أن النجاسة تزال بأي مزيل كان؟\nفمن رأى أن النجاسة لا يزيلها إلا الماء المطلق منع إزالة النجاسة بالدلك، وأجاب عن حديث ذيل المرأة بما نقله ابن عبد البر في التمهيد، بأن المقصود به النجاسة اليابسة التي تعلق بالثوب، وهي نجاسة لا تتعدى، فالفرك يسقط النجاسة، والمحل لم يتنجس أصلًا، وقد نقلنا كلامه عند عرض الأقوال.\nواعترض على هذا التفسير: بأن القشب اليابس لا يعلق بالثوب، وأي شيء يبقى حتى يقول ﷺ: يطهره ما بعده.\nوأجيب: بأن القشب قد يكون له غبار يعلق بالثوب، فإذا مر على ما بعده طهره (^٢).\n_________\n(^١) ومذهب الشافعي في القديم قريب من مذهب المالكية، والفرق بينهما أن المالكية يشترطون في طهارة النعل بالدلك: أن تكون النجاسة من أرواث الإبل وأبوالها، وأما الشافعية فلا يقيدونها بذلك.\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ١٥٢).","vol":"6","page":485},{"text":"أو يقال: المراد يطهره الطهارة اللغوية، وليست الطهارة الشرعية (^١).\nوهذا الجواب ليس بسديد؛ لأن غبار النجاسة ليس بنجس، ولم يقم دليل على أن الغبار منه ما هو طاهر ومنه ما هو نجس.\nوأما حمل اللفظ على الطهارة اللغوية: أي النظافة، فالطهارة إذا جاءت من الشارع فهي على حقيقتها الشرعية، فالأصل في كلام الشارع حمله على الحقيقة الشرعية حتى يمنع من ذلك مانع، ولم يوجد مانع يمنع من ذلك.\nومن أجاز إزالة النجاسة بأي مزيل قالع للنجاسة أجاز إزالة النجاسة بالدلك.\nومن اشترط أن تكون النجاسة يابسة: رأى أن هناك إجماعًا أن النجاسة الرطبة على الخف لا يكفي في تطهيرها الدلك، كما نقله النووي عن الخطابي ونقلناه عن النووي (^٢)،\nوالحقيقة أن المسألة ليس فيها إجماع، والأحاديث مطلقة، تشمل الرطب واليابس، بل إن الحديث نص في الرطب.\n(١٢٣٧ - ٢٠٨) فقد روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير -يعنى ابن معاوية- ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت:\nيا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ٧٥).\n(^٢) وكلام الخطابي موجود في معالم السنن، حيث يقول (١/ ١٠٢): وقال مالك: إن الأرض يطهر بعضها بعضًا، إنما هو أن يطأ الأرض القذرة، ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فإن بعضها يطهر بعضًا، فأما النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد فإن ذلك لا يطهره إلا الغسل، قال: وهذا إجماع الأمة. اهـ\nقلت: على التنزل بأن كلام الخطابي صحيح في أن الأرض النظيفة تطهر الأرض النجسة، فإذا أمكن تطهير نجاسة الأرض بالتراب، أمكن تطهير سائر النجاسات بالقياس. وأما قوله: إن النجاسة مثل البول تصيب الثوب أو البدن لا يطهرها إلا الغسل، فماذا يقول في الاستجمار، فإن الحجارة تطهر البول، وهو على البدن، فهذا كاف في خرق الإجماع المنقول، والله أعلم.","vol":"6","page":486},{"text":"بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى قال: فهذه بهذه (^١).\n[صحيح] (^٢).\nومن قيد النجاسة بأن تكون في أرواث الدواب وأبوالها خاصة نظر إلى أن هذا النوع من النجاسة يشق الاحتراز منه، ويكثر في الطرقات فعفي عنها، وخفف في طهارتها بخلاف غيرها من النجاسات.\nوما سبق ترجيحه هناك بأن النجاسة أيًا كانت تزال بأي مزيل فهو الراجح هنا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٤٣٥).\n(^٢) سبق تخريجه، في كتاب الطهارة بالاستنجاء والاستجمار المجلد السابع (ص: ٣٨٩) ح: ١٤٩٨. والجهالة بالصحابية لا يضر. وله شاهد من حديث أم سلمة.","vol":"6","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2975>المبحث الثالث التطهير بالجفاف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه.\n• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل، فلم يتعين الماء.\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها.\n[م-٥٦٥] إذا أصابت النجاسة أرضًا، فتركت حتى جفت، إما بفعل الشمس أو بفعل الريح أو بغيرهما، فذهبت عين النجاسة ولونها وريحها، فهل هذا كاف في طهارتها، أو لا بد من غسل النجاسة؟\nفقيل: إن الجفاف يطهر الأرض في حق الصلاة فقط، ولا يجوز التيمم بها، وهذا مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٣٧)، بدائع الصنائع (١/ ٨٥٩)، البناية على الهداية (١/ ٧٢٨).\nوفرق الحنفية بين الصلاة والتيمم، بوجوه منها: ...\nالأول: يشترط في التيمم أن يكون التراب طاهرًا، وطهورًا، فإذا أصابت الأرض نجاسة فقد الوصفان معًا، فإذا ذهبت النجاسة بالجفاف فقد أصبح التراب طاهرًا، ولم تثبت طهوريته، وحتى يتيمم به لا بد من ثبوت الوصفين معًا.\nالثاني: طهارة التراب وطهوريته ثبتت شرطًا بنص قطعي، وهو الكتاب العزيز، فلا ينسخ بخبر الواحد الظني!\nالوجه الثالث: الطهارة بالجفاف يبقى معه شيء يسير من النجاسة، وهو معفو عنه، ولا يعفى عن شيء من النجاسة في التيمم، وسبق لنا بحث ما يعفى عنه من النجاسات، والله أعلم.","vol":"6","page":488},{"text":"وقيل: لا تطهر الأرض بالجفاف، بل لا بد من غسلها، وهذا مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، واختيار زفر من الحنفية (^٤).\nوقيل: الجفاف مطهر مطلقًا، في حق الصلاة وفي حق التيمم وفي حق غيرهما، وهو رواية عن أحمد، نصرها ابن تيمية (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2976> دليل من قال: إن النجاسة يطهرها الجفاف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2977>الدليل الأول:</span>\n(١٢٣٨ - ٢٠٩) ما رواه البخاري في صحيحه، قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله،\nعن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (^٦).\nاستدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف،\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١٤٠)، مواهب الجليل (١/ ١٦٢)، المنتقى (١/ ٦٤).\n(^٢) المجموع (٢/ ٦١٦)، طرح التثريب (٢/ ١٤٤).\n(^٣) المبدع (١/ ٣١٨)، الفروع (١/ ٢٤١)، الإنصاف (١/ ٣١٧)، المغني (١/ ٤١٩).\n(^٤) انظر الكتب التي أحيل عليها في مذهب الحنفية من هذه المسألة.\n(^٥) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٨٠، ٥١٠).\n(^٦) صحيح البخاري (١٧٤).","vol":"6","page":489},{"text":"لقوله «فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» فإذا نفي الرش كان نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2978>الدليل الثاني:</span>\nأن المطلوب زوال النجاسة، فإذا زالت فقد زال حكمها، والجفاف خاصة في البلاد الحارة يذهب بالنجاسة لونًا وطعمًا وريحًا، وهذا هو عين المطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2979>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٣٩ - ٢١٠) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل الأزرق، عن ابن الحنفية، قال: إذا جفت الأرض فقد زكت (^١).\n[في إسناده إسماعيل بن سلمان الأزرق ضعيف] (^٢).\n• ويجاب:\nبأن محمد بن الحنفية من التابعين، فيحتج له، ولا يحتج به.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٥٩) رقم ٦٢٦.\n(^٢) جاء في ترجمته:\nقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، واهي الحديث. الجرح والتعديل (٢/ ١٧٦).\nوقال النسائي: متروك. الضعفاء (٧٦). وضعفه غيرهما.\nوروى ابن أبي شيبة (١/ ٥٩) من طريق عبد العزيز بن مهران البصري، قال: رأيت الحسن جالسًا على أثر بول جاف، فقلت له: فقال: إنه جاف.\nوابن مهران قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول.\nكما روى ابن أبي شيبة (١/ ٥٩) من طريق الحارث بن عمير، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: إذا جفت الأرض فقد زكت. اهـ\nوالحارث بن عمير، قال فيه الحافظ في التقريب: وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان وغيرهما، فلعله تغير حفظه في الآخر.\nوعلى كل حال هذه الآثار، وهي يستأنس بها، ولكن ليست من الأدلة الشرعية؛ لأنها أقوال رجال تابعين غير معصومة.","vol":"6","page":490},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2980> دليل من قال: إن الجفاف غير مطهر:</span>\nأدلة أصحاب هذا القول هي أدلتهم على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء الطهور، وقد سبق ذكر أدلتهم والجواب عليها في مسألة: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ فانظرها مشكورًا هناك.\nفالراجح أن الجفاف مطهر بشرط أن يذهب معه أثر النجاسة.\n* * *","vol":"6","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2981>المبحث الرابع التطهير بالاستحالة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• استحالة النجاسة إلى عين طاهرة بمنزلة إزالتها.\n[م-٥٦٦] قد تتحول العين النجسة إلى عين أخرى، سواءً بفعل آدمي، أو بمرور الوقت، أو بغيرهما (^١)، فإذا تغيرت هذه العين النجسة إلى عين طاهرة فهل ننظر إلى\n_________\n(^١) وأضرب أمثلة في تحول العين من حقيقة إلى حقيقة أخرى:\nالأول: تحول الطعام الطيب إلى غائط خبيث. وهذا ممكن أن نسميه التحول عن طريق التغذية، وقد يكون عكس هذا الحال، كالجلالة التي تعلف النجاسة، والنبات يسمد بالنجاسة، فتتحول النجاسة إلى شيء طاهر.\nالثاني: التحول عن طريق المعالجة، كتحول مياه المجاري إلى ماء طهور عن طريق التقطير، وتحول النجاسة إلى رماد أو دخان أو غبار، ومثله البخار الخارج من فم الحيوان النجس كالكلب مثلًا فهل يعطى هذا البخار حكم الريق، أو يقال: إنه تحول إلى بخار فأصبح طاهرًا، ومثله بخار النجاسة كالمتصاعد من الغائط في أيام الشتاء، فلو أصاب ثوبًا رطبًا، هل ينجس بمثل هذا أو يكون البخار طاهرًا؟\nالثالث: أن يتغير بنفسه، وذلك كانقلاب الخمر إلى خل، وانقلاب الدم إلى مسك، أو بمرور الزمن أو بفعل الشمس أو الريح وذلك كانقلاب العذرة إلى تراب.\nالرابع: التولد كأن تتولد الحشرات والدود من أعيان نجسة.","vol":"6","page":492},{"text":"أصلها فنحكم لها بالنجاسة، أو ننظر إلى حالها الحادث، فنحكم لها بالطهارة؟.\nهذه المسألة محل خلاف بين العلماء، بعد اتفاقهم على طهارة الخمر إذا انقلب خلًا بنفسه على القول بنجاسة الخمر.\nواتفاقهم على طهارة الدم المنقلب إلى مسك، على القول بنجاسة الدم.\nفقيل: إن الاستحالة مطهرة، وهو مذهب الحنفية (^١)، ومذهب المالكية (^٢)، واختيار ابن حزم (^٣)، ورجحه ابن تيمية (^٤).\nوقيل: لا تأثير للاستحالة، وهو مذهب الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2982> دليل من قال: إن الاستحالة مطهرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2983>الدليل الأول:</span>\nالقياس على الخمرة تنقلب خلًا بذاتها، فقد أجمع العلماء على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها حَلَّت وجاز تناولها بالإجماع، فكذلك سائر المحرمات والنجاسات إذا انقلبت إلى عين مباحة صار لها حكم المباحات.\nقال ابن تيمية: «إذا انقلبت الخمر خلا بغير قصد آدمي فإنها طاهرة حلال باتفاق الأئمة» (^٧).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣١٣)، بدائع الصنائع (١/ ٦٢).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٩٧).\n(^٣) المحلى (٦/ ١٠١).\n(^٤) الفتاوى الكبرى (١/ ٤٤١).\n(^٥) المجموع (٢/ ٥٩٢)، تحفة المحتاج (١/ ٣٠٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٤٧).\n(^٦) المغني (١/ ٦٥)، الإنصاف (١/ ٣١٨).\n(^٧) الفتاوى الكبرى (١/ ٤٤١).\nوقال ابن قدامة في المغني (٩/ ١٤٦): «إذا انقلبت (يعني الخمرة) بنفسها، فإنها تطهر وتحل، في قول جميعهم فقد روي عن جماعة من الأوائل، أنهم اصطبغوا بخل خمر؛ منهم علي، وأبو الدرداء، وابن عمر، وعائشة. ورخص فيه الحسن، وسعيد بن جبير، وليس في شيء من أخبارهم أنهم\nاتخذوه خلًّا، ولا أنه انقلب بنفسه، لكن قد بينه عمر بقوله: لا يحل خل خمر أفسدت حتى يكون الله هو يتولى إفسادها؛ ولأنها إذا انقلبت بنفسها، فقد زالت علة تحريمها، من غير علة خلفتها، فطهرت، كالماء إذا زال تغيره بمكثه».اهـ","vol":"6","page":493},{"text":"• واعترض عليه:\nبأن هذا خاص بالخمرة، وذلك لأن نجاستها كانت عن طريق الاستحالة، فتكون طهارتها عن طريق الاستحالة، وأما غيرها من النجاسات فإنها نجسة العين ابتداء بدون استحالة.\n• ورد عليهم:\nلا نسلم أن سائر النجاسات نجاستها ابتداء بدون استحالة، فهذا البول والغائط نجاسته عن طريق استحالة الطعام الطيب إلى خبيث، ومع ذلك تمنعون طهارته بالاستحالة، فما الفرق؟\nوهذا الدم تقولون بنجاسته، وهو مستحيل من الطعام أيضًا، وهذا المني طاهر عند المالكية والحنابلة، وهو مستحيل من الدم النجس عند الأئمة الأربعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2984>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان الطعام الطيب إذا استحال إلى شيء خبيث كالبول والغائط أصبح له حكم البول والغائط من النجاسة، فكذلك الشيء النجس إذا استحال إلى طيب أعطي له حكم الطيب من الحل والطهارة.\nقال ابن حزم: «ومن خالف هذا لزمه أن يحرم اللبن؛ لأنه دم استحال لبنا، وأن يحرم التمر والزرع المسقي بالعذرة والبول، ولزمه أن يبيح العذرة والبول، لأنهما طعام وماء حلالان، استحالا إلى اسم منصوص على تحريم المسمى به» (^١).\nومعلوم أنه إذا استحال الشيء بالشيء حتى لا يرى له ظهور يحكم له بالعدم، وعلى هذا فلو وقعت قطرة من لبن امرأة في ماء، فاستهلكت فيه، وشربه الرضيع\n_________\n(^١) المحلى (٦/ ١٠١).","vol":"6","page":494},{"text":"خمس رضعات فأكثر، لم تنتشر الحرمة، ولو كانت قطرة خمر فاستهلكت في الماء البتة، لم يجلد بشربه، وهكذا، والاستهلاك بالشيء نوع من الاستحالة، ومع ذلك لم يعتبر الأصل بل اعتبر الحال.\nوالفرق بين الأعيان الطاهرة والأعيان النجسة وجود صفات فيها، فإذا وجدت في الأعيان حكم لها بالطهارة أو بالنجاسة، فإذا لم توجد هذه الصفات التي تجعلنا نحكم للشيء بالنجاسة لم نحكم له بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2985>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٤٠ - ٢١١) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، قال: حدثني حمزة ابن عبد الله،\nعن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (^١).\nفهذا النوع من الطهارة، وهو ذهاب النجاسة عن طريق الشمس والريح استحالة للنجاسة بانقلابها إلى عين طاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2986>الدليل الرابع:</span>\n(١٢٤١ - ٢١٢) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل الأزرق، عن ابن الحنفية، قال: إذا جفت الأرض فقد زكت (^٢).\n[ضعيف، وهو قول تابعي لا حجة فيه].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2987>الدليل الخامس:</span>\nقالو: إن المسلم قد يبتلى بشرب الخمر، والكافر يشربه ويأكل الخنزير، ولا يكون ظاهرهما نجسًا؛ إذ لو تنجسا ما طهرهما الاغتسال، ويلزم من قولهم: إن الاستحالة\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٧٤).\n(^٢) المصنف (١/ ٥٩) رقم ٦٢٦، وسبق تخريجه، انظر ح: (١٢٣٩).","vol":"6","page":495},{"text":"مؤثرة أن تكون الحيوانات نجسة؛ لأنها متولدة من المني، والمني من الدم، والدم عندهم نجس.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2988> دليل من قال: إن الاستحالة غير مطهرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2989>الدليل الأول:</span>\n(١٢٤٢ - ٢١٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن عكرمة،\nعن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبن شاة الجلالة، وعن المجثمة، وعن الشرب من في السقاء (^١).\n[صحيح] (^٢).\n• وأجيب بعدة أجوبة:\nالجواب الأول:\nبأننا إذا عرفنا الجلالة على القول الصحيح بأنها: هي الدابة التي ظهر فيها أثر النجاسة من ريح ونتن، وهو قول في مذهب الحنفية (^٣)،\nومذهب الشافعية (^٤).\n_________\n(^١) المسند (١/ ٢٢٦).\n(^٢) سبق تخريجه انظر (ح ١٠٩٤)، وله شاهد من حديث جابر وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد تم تخريجها، والحكم عليها في مسألة حكم الجلالة، فانظره هناك مشكورًا.\n(^٣) قال في بدائع الصنائع (٥/ ٤٠): ولا يكره أكل الدجاج المحلي، وإن كان يتناول النجاسة؛ لأنه لا يغلب عليه أكل النجاسة، بل يخلطها بغيرها، وهو الحب فيأكل ذا وذا.\nوقيل: إنما لا يكره؛ لأنه لا ينتن كما ينتن الإبل، والحكم متعلق بالنتن؛ ولهذا قال أصحابنا: في جدي ارتضع بلبن خنزير حتى كبر: إنه لا يكره أكله؛ لأن لحمه لا يتغير ولا ينتن فهذا يدل على أن الكراهة في الجلالة لمكان التغير والنتن، لا لتناول النجاسة، ولهذا إذا خلطت لا يكره وإن وجد تناول النجاسة؛ لأنها لا تنتن فدل أن العبرة للنتن، لا لتناول النجاسة.\n(^٤) قال النووي في المجموع (٩/ ٣٠): الصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا اعتبار بالكثرة، وإنما الاعتبار بالرائحة والنتن، فإن وجد في عرفها وغيره ريح النجاسة فجلالة، وإلا فلا. اهـ ...\nوقال البيهقي في الشعب (٥/ ١٩): وما روي عنه من النهي عن الجلالة وما قال فيها أهل العلم من أن المراد بها إذا ظهر ريح القذر في لحمها. اهـ","vol":"6","page":496},{"text":"ففي الحالة التي يظهر فيها أثر للنجاسة دليل على تغير الطاهر بالنجاسة، فإذا كان الماء الذي خلق طهورًا، ومنه تطهر الأعيان النجسة إذا تغير بالنجاسة حكمنا له بالنجاسة، فما بالك بغير الماء، فلا يكون في هذا دليل على أن الاستحالة غير مؤثرة، فإذا أكل الحيوان النجاسة ولم يظهر فيه نتنها نحكم لها بالطهارة؛ لأن النجاسة استحالت واستهلكت في العين الطاهرة، كما حكمنا للماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره بأنه طهور.\nالجواب الثاني:\n(١٢٤٣ - ٢١٤) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو ابن ميمون، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا (^١).\n[إسناده صحيح] (^٢).\nوهذا أحسن ما ورد في حبس الجلالة، فهذا دليل على أن الجلالة التي نهي عنها لتناولها النجاسة قد طهرت بالاستحالة، وذلك بحبسها فلما زال أثر النتن عن لحمها أصبحت طاهرة حلالًا بدون غسل النجاسة، وإنما عن طريق الاستحالة أيضًا.\nالجواب الثالث:\nقيل: إن النهي للكراهة، وهو ما سبق ترجيحه في الخلاف في حكم الجلالة.\nالجواب الرابع:\nقيل: إن تحريم الأكل لا يعني النجاسة، فليس كل محرم نجسًا. وهذا الجواب\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ١٤٨) رقم ٢٤٦٠٨.\n(^٢) سبق تخريجه في حكم الجلالة، ح (١٠٩٨).","vol":"6","page":497},{"text":"لعله من أضعفها، فإن النهي إنما هو بسبب النجاسة لا غير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2990>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٤٤ - ٢١٥) ما رواه البخاري من طريق همام، أخبرنا إسحاق،\nعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ رأى أعرابيًا يبول في المسجد، فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ بادر إلى صب الماء على النجاسة، ولو كانت الاستحالة تطهره أو تطهره الشمس أو الريح أو الجفاف لتركه ﵊، ولما أمر بصب الماء عليه.\n• ويجاب عن هذا:\nبأن حديث الأعرابي مجرد فعل من الرسول ﷺ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، نعم فيه دليل على استحباب المبادرة إلى إزالة النجاسة؛ لأن الماء معلوم بأنه أسرع في إزالة النجاسة من الاستحالة؛ لأن الاستحالة ربما احتاجت إلى وقت طويل كي تتحول فيه النجاسة إلى عين طاهرة؛ ولأن بقاع المساجد أحب البقاع إلى الله تعالى، وأطهرها، فيجب أن تكون هذه البقاع أطهر ما يكون وعلى أتم الاستعداد لأداء العبادة فيها بين لحظة وأخرى لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، فالماء هو أسرع وسيلة في تطهير النجاسة وإزالتها، فمن أجل ذلك بادر بصب الماء عليها، وهذا لا يعني عدم زوال النجاسة بالجفاف، والله أعلم.\n• الراجح من أقوال أهل العلم:\nالراجح أن الاستحالة مؤثرة سواءً في انقلاب العين الطاهرة إلى نجسة أو العكس.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٩)، وصحيح مسلم (٢٨٤).","vol":"6","page":498},{"text":"قال ابن القيم: على هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس؛ فإنها نجاسة لوصف الخبث، فإذا زال الموجِب زال الموجَب، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها، بل وأصل الثواب والعقاب، وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت، وقد نَبَشَ النبي ﷺ قبور المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب، وقد أخبر الله ﷾ عن اللبن أنه يخرج من بين فرث ودم، وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا علفت بالنجاسة، ثم حبست وعلفت بالطاهرات حَّلَ لبنها ولحمها، وكذلك الزرع والثمار إذا سقيت بالماء النجس، ثم سقيت بالطاهر حَلَّت؛ لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب، وعكس هذا أن الطيِّب إذا استحال إلى خبيث صار نجسًا، كالماء والطعام إذا استحال بولًا وعذرة، فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثًا، ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبًا؟ والله تعالى يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب، ولا عبرة بالأصل، بل بوصف الشيء في نفسه (^١).\nوقال ابن تيمية: «ولا ينبغي أن يعبر عن ذلك بأن النجاسة طهرت بالاستحالة، فإن نفس النجس لم يطهر بل استحال، وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس، وإن كان مستحيلًا منه، والمادة واحدة، كما أن الماء ليس هو الزرع والهواء والحب، وتراب المقبرة ليس هو الميت، والإنسان ليس هو المني، والله تعالى يخلق أجسام العالم بعضها من بعض، ويحيل بعضها إلى بعض، وهي تبدل مع الحقائق، ليس هذا هذا» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (١/ ٤٤٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٦٠٨ - ٦١٢).","vol":"6","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2991>الفصل الرابع في كيفية تطهير المائع المتنجس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2992>المبحث الأول في كيفية تطهير الماء المتنجس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2993>الفرع الأول الماء المتغير بالنجاسة متنجس وليس نجسًا</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الماء المتغير بالنجاسة متنجس، وليس نجسًا.\n[م-٥٦٧] اختلف العلماء في كيفية تطهير الماء، وقبل أن أذكر خلافهم ينبغي أن نعلم هل الماء نجس أو متنجس؟\nالصحيح أن الماء متنجس، فهو كالثوب النجس؛ لأنه يطهر غيره فنفسه من باب أولى، وهذا مذهب الجمهور، كما سيأتي التفصيل عنهم في كيفية تطهير الماء المتنجس، وهو اختيار ابن تيمية (^١)، وصوبه في الإنصاف (^٢).\nوقيل: نجاسته عينية.\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٨٧).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٦٢، ٦٣).","vol":"6","page":500},{"text":"قال ابن مفلح في الفروع: وهو ظاهر كلام الأصحاب، وتعقبه المرداوي في تصحيح الفروع (^١).\nوفي قوله: إنها عينيه نظر، لأن الحنابلة قالوا: النجاسة العينية لا يمكن تطهيرها، وهذا يمكن تطهيره (^٢).\nوقيل: نجاسته نجاسة مجاورة سريعة الإزالة، ولهذا يجوز بيعه (^٣).\nوقد ذهب أهل العلم في عصرنا كالمجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلام إلى تطهير مياه المجاري إذا عولجت بالطرق الحديثة، وزال تغيرها بالنجاسة عن طريق الترشيح والتقطير، وتحولت بذلك إلى مياه عذبة، فلا مانع من استعمالها في الشرب وغيره، وسوف أنقل لكم نص قرار المجمع عند الكلام على كلام أهل العلم في كيفية تطهير المتنجس، وممكن أن نقسم لكم الكلام في تطهير الماء المتنجس إلى فروع.\n* * *\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٨٧).\n(^٢) تصحيح الفروع (١/ ٨٧).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٦٣).","vol":"6","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2994>الفرع الثاني أن يزول تغير الماء الكثير بنفسه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ماء كثير زال تغيره بنفسه فقد عاد طهورًا.\n• النجس يطهر بالاستحالة، فالمتنجس أولى أن يطهر بزوال أثر النجاسة.\n• انتقال الماء من الطهورية إلى النجاسة حسي، وليس تعبديًا، كانتقال النجس إلى عين طاهرة على الصحيح.\n• حكم الشيء يدور مع أثره وجودًا وعدمًا، فينزل وجود أثر الشيء منزلة وجوده، وعدمه منزلة عدمه استدلالًا بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه (^١).\n• ما دفع النجاسة عن غيره دفعها عن نفسه من باب أولى.\n[م-٥٦٨] إذا زال تغير الماء بنفسه فإما أن يكون كثيرًا وإما أن يكون قليلًا، على\n_________\n(^١) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص: ٢٦٩).","vol":"6","page":502},{"text":"خلاف بين أهل العلم في حد القليل والكثير (^١).\n_________\n(^١) اختلف الحنفية والشافعية في مقدار الماء القليل والماء الكثير، مع اتفاقهم أن الماء القليل ينجس ولو لم يتغير بخلاف الماء الكثير:\nفمذهب الحنفية في حد الماء القليل هو أن ينظر، فإن كانت النجاسة تخلص إلى الطرف الآخر لم يتوضأ منه، وإن كانت لا تخلص إلى طرفه الآخر توضأ من الطرف الآخر، وكيف نعرف أن النجاسة تخلص إلى الجانب الآخر؟ على أقوال عندهم، أهمها ما يلي:\nالأول: أن الرد إلى رأي المبتلى به، فإن غلب على ظنه وصول النجاسة إلى الجانب الآخر لم يتوضأ به، وإلا توضأ به، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة ﵀، وقد رجحه ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٧٨، ٧٩)، قال: وممن نص على أنه ظاهر المذهب شمس الأئمة السرخسي في المبسوط. وجاء في البناية في التحديد قال: «إن غلب على الظن وصول النجاسة إلى الجانب الآخر فهو نجس، وإن غلب عدم وصولها فهو طاهر»، وقال عنه: «هذا هو الأصح، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة».\nالقول الثاني: قالوا: يعتبر الخلوص بالحركة، فإن كان إذا حرك أحد طرفيه تحرك الطرف الآخر تنجس، ولو لم يتغير، وإن كان لا يتحرك الطرف الآخر فلا ينجس إلا بالتغير، واختلفوا في نوع الحركة:\nفقيل: المعتبر حركة المغتسل، وهذا اختيار أبي يوسف، ومحمد في رواية؛ لأن الغالب في الحياض الاغتسال منها، وأما الوضوء فإنما يكون في البيوت.\nوقيل: بحركة المتوضئ، وهو مروي عن أبي حنيفة.\nوقيل: المعتبر حركة اليد من غير وضوء ولا اغتسال.\nالقول الثالث: قدره بالمساحة، على خلاف كثير بينهم، أشهرها عشرة أذرع في عشرة أذرع.\nالقول الرابع: قالوا: يوضع في الماء صبغ، فحيثما وصل الصبغ اعتبر وصول النجاسة.\nومنهم من اعتبر التكدر.\nوأما مذهب الشافعية في حد القليل من الكثير، فجعلوا التقدير بالقلتين، فإذا بلغ الماء قلتين فهو كثير، لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان دون القلتين نجس ولو لم يتغير، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.\nوأما المالكية فيقدرون القليل بآنية الوضوء ونحوها.\nانظر في مذهب الحنفية بدائع الصنائع (١/ ٧١)، شرح فتح القدير (١/ ٧٩)، البناية (١/ ٣٣٠ - ٣٣٤)، المبسوط (١/ ٨٧)، المبسوط للشيباني (١/ ٥٠)، البحر الرائق (١/ ٧٨).\nوانظر في مذهب الشافعية الأم (١/ ١٨)، أسنى المطالب (١/ ١٤)، المهذب (١/ ٦).","vol":"6","page":503},{"text":"فإن كان كثيرًا وزال تغيره بنفسه،\nفقيل: إن الماء يتحول إلى طهور، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: إنه نجس، وهو قول في مذهب المالكية (^٤)، وقول في مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: إنه طاهر، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2995> دليل من قال: إن الماء يتحول إلى طهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2996>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن الحكم بالنجاسة إنما هو لأجل التغير بالنجاسة، وقد زالت النجاسة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2997>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان الخمر إذا تحول بنفسه إلى خل أصبح طاهرًا، فكذلك الماء من باب أولى؛\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ٨٠، ٨١)، منح الجليل (١/ ٤٢، ٤٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٦، ٤٧)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤١، ٤٢).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٢٢، ٢٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٠، ٢١)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ٢٨، ٢٩)، المهذب (١/ ٧).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٦٦)، الكافي (١/ ١٠)، كشاف القناع (١/ ٣٨).\n(^٤) ومع أن هذا القول من المالكية يحكمون له بالنجاسة إلا أنهم قيدوا الحكم بالنجاسة مع وجود غيره، أما إذا لم يوجد إلا هو فيستعمله بلا كراهة مراعاة للخلاف.\nوهذا يدل على ضعف القول بنجاسته عندهم؛ لأنهم لو جزموا بالنجاسة لما صح استعماله مطلقًا، سواءً وجد غيره أم لم يوجد؛ لأنه إذا لم يوجد إلا ماء نجس صار إلى التيمم، كما هو الحال إذا وجد ماء متغيرًا بالنجاسة، ثم إن استعماله وهو نجس عندهم لا يرفع الحدث من جهة، ويلوثهم بالنجاسة من جهة أخرى، ولكن لما كان هذا القول ليس محل الجزم عندهم ذهبوا إلى الجمع بينه وبين التيمم. اهـ\n(^٥) المغني (١/ ٥٢)، المبدع (١/ ٥٨)، الإنصاف (١/ ٦٦)، الكافي (١/ ١٠)، كشاف القناع (١/ ٣٨).\n(^٦) انظر المراجع السابقة.","vol":"6","page":504},{"text":"لأن الماء أصلًا خلق طهورًا مطهرًا، بخلاف الخمر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2998> دليل من قال: إنه نجس:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2999>الدليل الأول:</span>\nقالوا: الأصل في إزالة النجاسة هو الماء المطلق (الماء الطهور) وهذا ما لم يحصل هنا، فيبقى نجسًا، ولو زال تغيره بالنجاسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3000>الدليل الثاني:</span>\nإذا زال تغير الماء النجس فإنما طهر عن طريق الاستحالة، والاستحالة عندنا غير مطهرة.\nوقد سبق بحث مستقل في طهارة الأعيان النجسة بالاستحالة، مع ذكر حجج الفريقين، فارجع إليها غير مأمور.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3001> دليل من قال: يكون الماء طاهرًا غير مطهر:</span>\nقالوا: لا يكون مثل هذا الماء طهورًا، وقد زالت به النجاسة، ولا يكون نجسًا، وهو ماء كثير غير متغير، قاسوه على الماء القليل إذا كان آخر غسلة زالت بها النجاسة عندهم، فإنه عندهم يكون طاهرًا غير مطهر.\nوقد ترجح في بحث سابق أن الماء قسمان: طهور ونجس، ولا يوجد قسم من المياه يكون طاهرًا غير مطهر (^١).\nالراجح: أن الماء إذا زال تغيره بنفسه فإنه يكون طاهرًا مطهرًا، وإنما حكم عليه بالنجاسة لتغيره بها، وقد زال عنه هذا الوصف، فرجع إلى أصله.\n[م-٥٦٩] هذا خلاف أهل العلم في الماء الكثير إذا زال تغيره بنفسه، وهل يختلف الحكم إذا كان الماء المتغير بنفسه قليلًا؟\nالجواب: اختلف أهل العلم في الماء النجس القليل إذا زال تغيره بنفسه:\n_________\n(^١) انظر كتابي أحكام الطهارة (مجلد المياه والآنية) من هذه السلسلة.","vol":"6","page":505},{"text":"فقيل: إذا وقعت في الأواني أو في الحوض الصغير نجاسة، فلهم في تطهير الماء بشرط زوال تغيره إن وجد ثلاثة أقوال:\nفقيل: إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه طهر، وإن قل إذا كان الخروج حال دخول الماء فيه؛ لأنه بمنزلة الجاري.\nوقيل: لا يطهر إلا بخروج ما فيه.\nوقيل: لا يطهر إلا بخروج ثلاثة أمثال ما كان فيه من الماء، وسائر المائعات كالماء في القلة والكثرة، وهذا مذهب الحنفية (^١).\n• تعليل الحنفية:\nأن الماء النجس إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه، وكان خروج الماء حال دخول الماء الجديد فيه؛ أصبح بمنزلة الماء الجاري، والماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير.\nوقيل: إنه لا يمكن أن يطهر بنفسه، وهو قليل، وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nلأن الماء القليل عند الشافعية والحنابلة ينجس مطلقًا إذا لاقى النجاسة ولو لم يتغير، فزوال النجاسة إنما هو شرط في تطهير الماء الكثير، وأما الماء القليل فإنه ينجس بمجرد ملاقاته للنجاسة.\nوقد ذكرنا أدلة الجمهور على أن الماء القليل ينجس بمجرد ملاقاته النجاسة، ولو لم يتغير وذلك في المجلد الأول، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.\n* * *\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٢٣)، بدائع الصنائع (١/ ٨٧)، شرح فتح القدير (١/ ٨١).\n(^٢) الخرشي (١/ ٨٠، ٨١)، منح الجليل (١/ ٤٢، ٤٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٦، ٤٧)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤١، ٤٢).\n(^٣) المجموع (١/ ١٨٣ - ١٩١)، الحاوي (١/ ٣٣٩)، مغني المحتاج (١/ ٢٢، ٢٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٠، ٢١)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ١/ ٢٨، ٢٩)، المهذب (١/ ٧).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٦٦)، الكافي (١/ ١٠)، كشاف القناع (١/ ٣٨)، المغني (١/ ٥٢)، المبدع (١/ ٥٨).","vol":"6","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3002>الفرع الثالث أن يزول تغير الماء بإضافة ماء آخر عليه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ورود الماء الطهور على الماء النجس للتطهير بمنزلة ورود الماء الطهور على الأعيان المتنجسة للتطهير.\n[م-٥٧٠] إذا زال تغير الماء النجس بإضافة ماء آخر، فهل يطهر؟ اختلف العلماء في ذلك،\nالقول الأول: مذهب المالكية:\nذهب المالكية إلى أن الماء يطهر مطلقًا بإضافة ماء آخر عليه، ولا يشترط أن يكون الماء المضاف قلتين، وإنما يشترط أن يزول تغيره بنفسه، وأن يكون الماء المضاف ماء مطلقًا: أي ليس ماء نجسًا، ولا ماء طاهرًا غير مطهر. وهذا مذهب المالكية (^١).\nالقول الثاني: مذهب الشافعية:\nقالوا: إن كان الماء قلتين فأكثر فإنه يطهر بإضافة ماء آخر عليه، سواءً كان المضاف\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ٨٠، ٨١)، منح الجليل (١/ ٤٢، ٤٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٦، ٤٧)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤١، ٤٢).","vol":"6","page":507},{"text":"طاهرًا أم نجسًا، قليلًا أم كثيرًا، صب عليه الماء أو نبع فيه، فإذا زال تغيره طهر.\nوإن كان الماء دون القلتين فيكون تطهيره بأن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه حتى يبلغ قلتين، حتى ولو كان المضاف نجسًا، ما دام أنه إذا بلغ الماء قلتين فقد زال تغيره، فإنه يطهر.\nوأما إذا أضيف إليه ماء دون القلتين، ففيه وجهان عندهم:\nالوجه الأول: يكون طاهرًا غير مطهر.\nلماذا كان طاهرًا، وقد لاقى النجاسة، وهو قليل؟\nقالوا: لأن الماء القليل إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه، أما إذا ورد الماء على النجاسة كما هو الحال هنا فلا ينجس.\nولماذا إذًا لا يكون طهورًا؟\nقالوا: لأنه ماء استعمل في إزالة النجاسة.\nالوجه الثاني: قالوا لا يطهر، لأنه ماء استعمل في إزالة النجاسة، فيبقى نجسًا (^١).\nالقول الثالث: مذهب الحنابلة.\nأن يكون الماء دون القلتين، وفي هذه الحال إما أن تكون نجاسته بالتغير، أو بالملاقاة ولو لم يتغير.\nفيشترط لتطهير الماء المتنجس بالملاقاة شرط واحد، هو أن تضيف إليه قلتين من الماء الطهور، وبالتالي يصبح طهورًا فإن أضفت إليه دون القلتين لم يطهر.\nالتعليل: لأن الماء القليل لا يدفع النجاسة عن نفسه، فكيف يدفعها عن غيره؟ لقوله ﷺ في حديث ابن عمر: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (^٢).\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٢٢، ٢٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٠، ٢١)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ١/ ٢٨، ٢٩)، المهذب (١/ ٧).\n(^٢) سبق الكلام عليه، انظر المجلد الأول (ح: ٧٩)، وأنه حديث صحيح.","vol":"6","page":508},{"text":"لو قال قائل: لنفرض أن الماء المتنجس بالملاقاة قلة واحدة، فأضفت إليها قلة أخرى، حتى أصبح الماء قلتين، فهل يطهر؟\nأكثر الأصحاب على أنه لا يطهر، وهو المشهور من المذهب، وحكى بعضهم وجهًا بالتطهير، وصوبه صاحب الإنصاف.\nوإن كانت نجاسة الماء القليل أو الكثير بالتغير ففي هذه الحالة تضيف إليه قلتين من الماء الطهور، ثم تنظر هل زال التغير أم بقي؟ فإن زال فقد طهر، وإن لم يزل فإنك تضيف إليه حتى يذهب تغيره.\nأما إذا أضفت إليه دون القلتين فإن الماء يكون نجسًا، حتى ولو زال تغيره، وهذا هو المذهب.\nوقيل: يكون طهورًا حتى على قواعد المذهب، أو القائلين بالنجاسة ولو لم يتغير، قالوا: لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا كانت واردة عليه وهنا قد ورد الماء على النجاسة.\nولو قلنا بنجاسة الماء هنا لقلنا بنجاسة الماء إذا صب على ثوب نجس، إلا أن يكون قلتين، ولما كان الدلو مطهرًا لبول الأعرابي، لأنه بالتأكيد ليس قلتين ولا حتى قلة، بل إن هذا أولى من تطهير الخمر القليل الذي استحال إلى خل فطهر.\nوهذه الطريقة في تطهير الماء عند الحنابلة ﵏ إذا كان تنجيس الماء بالتغير، سواءً كان قليلًا أم كثيرًا، ما لم تكن النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة، فإن كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة وكانت النجاسة لم تغير الماء، وكان لا يشق نزحه، فإن تطهيره بإضافة ما يشق نزحه، فيطهر بذلك.\nوإن كانت نجاسة الماء بالتغير، فإنه يضيف إليه ما يشق نزحه، بشرط زوال التغير، فإن زالت فقد طهر، وإلا فيضيف إليه حتى يزول أثر النجاسة (^١).\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٦٦)، الكافي (١/ ١٠)، كشاف القناع (١/ ٣٨).","vol":"6","page":509},{"text":"وهذا التفريق بين نجاسة بول الآدمي وعذرته المائعة، وبين غيرها من النجاسات من المسائل التي انفرد بها المذهب الحنبلي.\nتلخص لنا مما سبق: أن التطهير بالإضافة عند العلماء يشترط له شروط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3003>الشرط الأول: أن يكون الماء المضاف طهورًا، وهذا شرط عند المالكية، والحنابلة، وليس بشرط عند الشافعية، إذ لا مانع أن تضيف عندهم ماء نجسًا إذا كان بإضافته سوف يزول تغير الماء بالنجاسة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3004>الشرط الثاني: أن يكون المضاف كثيرًا -قلتان فأكثر- وهذا شرط للحنابلة، وليس بشرط عند المالكية، والشافعية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3005>الشرط الثالث: أن يبلغ الماء قلتين بعد الإضافة، وليس بشرط عند المالكية، وأما الحنابلة فلا يكفي هذا عندهم؛ لأنهم يشترطون أن يكون المضاف نفسه قلتين</span>.\nوالراجح أن الماء إذا زال تغيره بإضافة ماء عليه طهر، سواءً كان المضاف قليلًا أم كثيرًا، وسواءً كان طهورًا أم نجسًا، ما دام أنه قد زال تغيره بعد الإضافة؛ لأن الحكم عليه بالنجاسة إنما كان من أجل تغيره بالنجاسة، وقد زال، فيرجع إلى أصله، وهو أن الماء طهور.\nوقد ذكرنا أن المجمع الفقهي الإسلامي رجح طهارة مياه المجاري إذا عولجت وذهب تغيرها بالنجاسة، وهذا أوان الوفاء بما وعدنا به من نقل نص القرار، يقول القرار:\nصدر قرار من مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة، المنعقدة في مكة المكرمة يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ منه: «وبعد مراجعة المختصين بالتنقية بالطرق الكيماوية وما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل: وهي الترسيب والتهوية وقتل الجراثيم وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجاسة أثر في طعمه ولونه وريحه، وهم مسلمون عدول موثوق","vol":"6","page":510},{"text":"بصدقهم وأمانتهم، قرر المجمع ما يأتي:\nأن ماء المجاري إذا نقي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها ولم يبق للنجاسة أثر في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه، صار طهورًا، يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به، بناء على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثر فيه، والله أعلم». اهـ\n* * *","vol":"6","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3006>الفرع الرابع أن يزول تغير الماء بإضافة تراب أو طين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التراب أحد الطهورين يرفع الحدث بشرطه ويزيل الخبث، وهل يطهر الماء النجس؟ قولان للتردد، هل التراب مزيل أو ساتر؟ (^١).\n[م-٥٧١] اختلف العلماء في حكم الماء النجس يضاف إليه التراب أو الطين فيزول تغيره، هل يطهر بذلك؟\nفقيل: يطهر بشرط أن لا يتغير الماء بالتراب والطين، وهذا مذهب المالكية (^٢)،\n_________\n(^١) إذا زال تغير الماء بطرح الزعفران أو المسك فلا يطهر عند الشافعية؛ لأن الرائحة مستترة برائحة غيره، فالحاصل استتار لا زوال، فإن زال تغير الماء النجس بالتراب فقولان عند الشافعية؛ للتردد هل التراب مزيل أو ساتر، والصحيح أنه مزيل، فالتراب أطلق عليه طهور، والطهور: هو ما يطهر غيره، فيستخدم في رفع الحدث كالتيمم، ويستخدم في رفع الخبث، كتطهير الإناء من ولوغ الكلب، وتطهير النعل بدلكها بالتراب، وتطهير ذيل المرأة الذي أصابته نجاسة، وغيرها، والله أعلم.\n(^٢) الخرشي (١/ ٨٠، ٨١)، منح الجليل (١/ ٤٢، ٤٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٦، ٤٧)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤١، ٤٢).","vol":"6","page":512},{"text":"وعليه أكثر الشافعية (^١).\nوقيل: إذا زالت النجاسة طهر مطلقًا، سواءً كان الماء كدرًا بما ألقي فيه، أو كان صافيًا، وهو قول في مذهب الشافعية (^٢)، واختاره ابن عقيل من الحنابلة (^٣).\nوقيل: لا يطهر مطلقًا، أي سواءً تكدر بما ألقي فيه أم لا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3007> دليل من قال: إن الماء يطهر بإضافة التراب مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3008>الدليل الأول:</span>\nقال: إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وإذا كنا حكمنا له بالنجاسة لأنه متغير بها، فنحكم له بالطهارة إذا زالت هذه النجاسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3009>الدليل الثاني:</span>\nإن النجاسة تزال بأي مزيل كان، سواءً عن طريق إضافة ماء أو نزحه أو إضافة تراب أو غيره، ولا يتعين الماء لإزالة النجاسة، وقد قدمنا قرار مجمع الفقه الإسلامي أن المعالجة الكيمائية عن طريق التقطير والترشيح والتعقيم مطهر للماء النجس إذا زال تغيره بالنجاسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3010>الدليل الثالث:</span>\nأن التراب أحد الطهورين، فهو يطهر النعل كما تقدم، ويطهر ذيل المرأة، ويطهر الأواني من ولوغ الكلاب بإضافته إلى الماء، ويطهر التراب أيضًا مكان البول والغائط،\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٢٢، ٢٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٠، ٢١)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ١/ ٢٨، ٢٩)، المهذب (١/ ٧).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٢٠، ٢١).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٦٦).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٦٦)، المبدع (١/ ٥٨)، المغني (١/ ٥٢).","vol":"6","page":513},{"text":"بل إن التراب خاصة يرفع الحدث عند فقد الماء، كما يرفع الخبث، فإذا زال تغير الماء النجس بسبب التراب فقد طهر.\nولا يخفى قوة هذا التعليل في تطهير التراب للنجاسة الواقعة في الماء وغيره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3011> دليل من قال: إن التراب لا يطهر مطلقًا:</span>\nهذا القول يرى أن النجاسة لا تزال إلا بالماء المطلق، وقد تقدمت أدلته كاملة والجواب عنها في بحث: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة، وترجح هناك أن النجاسة تزال بأي مزيل كان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3012> دليل من اشترط ألا يتكدر الماء بالتراب:</span>\nإذا تكدر الماء بالتراب لا نستطيع أن نجزم بأن النجاسة قد زالت، فقد تكون استترت بسبب التكدر، ولو كان الماء صافيًا لأمكن الجزم ببقاء النجاسة أو زوالها، وما دام أننا لا نستطيع أن نجزم بذهاب النجاسة، فالأصل بقاء النجاسة، استصحابًا للحال، والله أعلم.\n• الراجح من الأقوال:\nهو القول بأن إضافة التراب تطهر مطلقًا بشرط زوال النجاسة، وكما عُلِّلَ سابقًا: بأن بقاء النجاسة سبب في الحكم للماء بالنجاسة، وذهابها بأي طريقة كانت سبب بالحكم له بالطهارة، وأن النجاسة تزال بأي مزيل كان، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3013>الفرع الخامس أن يزول تغير الماء بالنزح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• انتقال الماء من الطهورية إلى النجاسة حسي، وليس تعبديًا، كانتقال النجس إلى عين طاهرة على الصحيح.\n• حكم الشيء يدور مع أثره وجودًا وعدمًا، فينزل وجود أثر الشيء منزلة وجوده، وعدمه منزلة عدمه، استدلالًا بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه (^١).\n• الحكم بنجاسة الشيء مشروط باتصافه بأعراض النجاسة.\n• الماء لا ينجس إلا بالتغير على الصحيح، وإذا زال تغيره فقد طهر.\n[م-٥٧٢] اختلف العلماء في تطهير الماء عن طريق نزح النجاسة أو نزح بعض الماء حتى يزول التغير، فهل مثل هذا النزح يطهر الماء أو لا؟\nفالحنفية يفرقون بين هذه المسألة وبين المسائل التي قبلها؛ وذلك لأن النزح غالبًا ما يكون لماء البئر، ومسائل البئر عندهم على خلاف القياس، بينما الجمهور يطردون\n_________\n(^١) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص: ٢٦٩).","vol":"6","page":515},{"text":"قواعدهم السابقة بين الماء الكثير والماء القليل، وحين كان التفصيل في مذهب الحنفية متشعبًا أحببت أن أفصل كل مذهب وأدلته قبل الانتقال إلى القول الثاني، وهكذا.\nالقول الأول: مذهب الحنفية:\nيختلف الحكم عند الحنفية باختلاف البئر، وباختلاف حجم الحيوان، وهل أخرج الحيوان من البئر ميتًا أو حيًا، فيمكن لنا تقسيم البئر إلى أربع حالات:\nالحالة الأولى: أن يكون البئر ليس معينًا -أي ليس في داخلها عين تنبع- والحيوان قد مات في البئر أو وقع فيه ميتًا، وكان الحيوان لم ينتفخ ولم يتفسخ، فالحكم على النحو التالي:\nالأول: أن يكون الحيوان بحجم الفأرة والعصفور، فينزح منه عشرون دلوًا.\nويستدلون لذلك بما يروى عن أنس أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر، وأخرجت من ساعتها ينزح منها عشرون دلوًا.\n[ولم أقف عليه] (^١).\nالثاني: أن يكون الحيوان بحجم الدجاجة والسنور، فينزح منها أربعون دلوًا إلى خمسين.\n(١٢٤٥ - ٢١٦) ويستدلون لذلك بما يروى عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: في الدجاجة إذا ماتت في البئر ينزح منها أربعون دلوًا.\n[ولم أقف عليه] (^٢).\n_________\n(^١) نقله الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٢٨)، وقال: قال شيخنا علاء الدين: رواه الطحاوي من طرق، قال الزيلعي: ولم أجده في شرح معاني الآثار للطحاوي.\nوقال العيني في البناية (١/ ٤٤٨): «إن كان مراده أنه رواه في معاني الآثار، فليس له وجود فيه، وإن كان في غيره فالبيان على مدعيه».\n(^٢) نقله الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٢٨)، وقال مثل ما قال عن أثر أنس، قال: قال شيخنا علاء الدين: رواه الطحاوي من طرق، قال الزيلعي: ولم أجده في شرح معاني الآثار للطحاوي.","vol":"6","page":516},{"text":"الثالث: أن تكون النجاسة بحجم الشاة، أو تكون آدميًا، أو كلبًا، فإنه ينزح ماء البئر كله.\nويستدلون بأدلة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3014>الدليل الأول:</span>\n(١٢٤٦ - ٢١٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن منصور،\nعن عطاء أن حبشيًا وقع في زمزم، فمات، قال: فأمر ابن الزبير أن ينزف ماء زمزم، قال: فجعل الماء لا ينقطع، قال: فنظروا فإذا عين تنبع من قبل الحجر الأسود، قال: فقال ابن الزبير: حسبكم (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3015>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٤٧ - ٢١٨) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة،\nعن ابن عباس أن زنجيًا وقع في ماء زمزم، فأنزل إليه رجلًا فأخرجه، ثم قال: انزفوا ما فيها من ماء، ثم قال للذي في البئر: ضع دلوك من قبل العين التي تلي البيت أو الركن؛ فإنها من عيون الجنة (^٣).\n[قتادة لم يسمع من ابن عباس] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3016>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٤٨ - ٢١٩) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق جابر، عن أبي الطفيل، قال: وقع غلام في ماء زمزم، فنزفت أي نزح ماؤها (^٥).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٥٠) رقم: ١٧٢١.\n(^٢) سبق تخريجه في حكم ميتة الآدمي، انظر ح (١٠٥١) من هذا المجلد.\n(^٣) المصنف (١/ ١٥٠) رقم: ١٧٢٢.\n(^٤) سبق تخريجه في حكم ميتة الآدمي، انظر ح (١٠٥٢) من هذا المجلد.\n(^٥) شرح معاني الآثار (١/ ١٧).","vol":"6","page":517},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\nالحالة الثانية:\nأن يكون البئر ليس مَعِينًا، والنجاسة لا جرم لها، كالبول وكالدابة تتفسخ بعد سقوطها، فهذا يجب نزح البئر كله.\nالحالة الثالثة:\nأن يخرج الحيوان حيًا، وليس ميتًا، فينظر:\nفإن كان الحيوان خنزيرًا فإن البئر تنزح كلها قولًا واحدًا في مذهب الحنفية.\nوإن كان الحيوان كلبًا، ففيه خلاف مبني على اختلافهم في نجاسة عين الكلب، وقد تقدم تحرير مذهبهم.\nوإن كان الحيوان غيرهما، فإن النزح يتوقف على حكم سؤره، فإن كان سؤره نجسًا كالسباع، فإن البئر تنزح كلها، وإن كان سؤره مكروهًا استحب النزح، ويلحق به ما كان سؤره مشكوكًا فيه.\nعلى خلاف بينهم في القدر المستحب نزحه، فمن قائل باستحباب نزح البئر كلها، ومنهم من قدره بعدد من الدلاء.\nوأما الحيوانات التي سؤرها ليس بنجس، فإن كان عليها نجاسة حقيقية نزح البئر كله، وأما إن كان الحيوان ليس بنجس فلا ينزح البئر، إلا أنه يستحب أن ينزح من وقوع البقر والغنم؛ لعدم خلو أفخاذها وأرجلها من النجاسة.\nالحالة الرابعة:\nأن يكون البئر معِينًا، كلما نزح منها دلو جاء مكانه آخر، فإذا وقعت فيه نجاسة فقد اختلفوا في مقدار ما ينزح منه.\n_________\n(^١) وقع تخريجه في حكم ميتة الآدمي، انظر ح (١٠٥٣) من هذا المجلد.","vol":"6","page":518},{"text":"فقيل: ينزح منها مائتا دلو، وهو رواية عن محمد بن الحسن.\nوقيل: ينزح منها مائة دلو، وهو رواية عن أبي حنيفة.\nوقيل: ينزح منها حتى يغلبهم الماء، ولم يقدِّر حدًّا للغلبة.\nوأجيب عن هذا بعدة أجوبة.\nالجواب الأول:\nهناك من يضعف قصة وقوع الزنجي في بئر زمزم، وإلى هذا ذهب الشافعي وسفيان بن عيينة ﵀ والنووي وغيرهم.\nفقد روى البيهقي بإسناده عن سفيان قوله: أنا بمكة منذ سبعين سنة، لم أر أحدًا صغيرًا ولا كبيرًا يعرف حديث الزنجي الذي قالوا: إنه مات في زمزم، وما سمعت أحدًا يقول: ينزح زمزم (^١).\nقال النووي: فهذا سفيان كبير أهل مكة، قد لقي خلائق من أصحاب ابن عباس وسمعهم، فكيف يتوهم بعد هذا صحة هذه القضية التي من شأنها إذا وقعت أن تشيع في الناس لاسيما أهل مكة، ولاسيما أصحاب ابن عباس وحاضروها؟ وكيف يصل هذا إلى أهل الكوفة ويجهله أهل مكة؟ (^٢).\nوقال أيضًا: إن هذا الذي زعموه باطل لا أصل له، قال الشافعي: لقيت جماعة من شيوخ مكة فسألتهم عن هذا، فقالوا: ما سمعنا هذا (^٣).\n• ورد هذا:\nبأنه لا يلزم من عدم سماع سفيان لهذا الخبر عدم وقوعه، ثم إن الراوي مثبت، وسفيان نافٍ، والمثبت مقدَّم على النافي، خاصة إذا كان النافي لم يشهد الأمر الذي\n_________\n(^١) المعرفة (١/ ٩٥).\n(^٢) المجموع (١/ ١٦٧).\n(^٣) المجموع (١/ ١٦٧).","vol":"6","page":519},{"text":"نفاه، ولم يعاصره، ولا يشترط لقبول الحديث أن يكون راويه من أهل مكة، وقد انتشر الصحابة في الأمصار، فما يبعد أن ينفرد أهل الكوفة أو غيرهم عن مدني أو مكي، والله أعلم.\nالجواب الثاني:\nهذه الآثار إن صحت فهي موقوفة على صحابي، وفعل الصحابي حجة إذا لم يخالف المرفوع، وهنا قد خالف السنة المرفوعة،\n(١٢٤٩ - ٢٢٠) فقد روى أحمد، قال: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الوليد ابن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله -وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج-.\nعن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، والنتن، ولحوم الكلاب؟ قال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء (^١).\n[صحيح بشواهده] (^٢)\n(١٢٥٠ - ٢٢١) وروى أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة\nعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «الماء لا ينجسه شيء» (^٣).\n[سبق تخريجه] (^٤).\nالجواب الثالث:\nأن فعل ابن عباس بالأمر بنزح البئر على التسليم بصحته عنه معارض بما صح\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٣١).\n(^٢) انظر المجلد الأول، ح (٤).\n(^٣) المسند (١/ ٣٠٨).\n(^٤) انظر تخريجه (١/ ٥١)، الشاهد الثالث.","vol":"6","page":520},{"text":"عن ابن عباس نفسه،\n(١٢٥١ - ٢٢٢) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء،\nعن ابن عباس: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا (^١).\nوهذا نص صريح بأن الموت لا ينجس المؤمن، وإذا كان كذلك لم يكن سقوطه في البئر سببًا في تنجيس البئر.\nالجواب الرابع:\nربما نزح البئر لسبب آخر غير وقوع الجثة في البئر، فإنه يبعد أن يسقط أحد في بئر ويسلم من الجروح، فقد يكون دمه غلب على الماء، فغير لون الماء وطعمه، ومعلوم أن الدم يحرم شربه، فنزحت من أجل ذلك.\n(١٢٥٢ - ٢٢٣) ويؤيد ذلك ما رواه البخاري، من طريق ابن شهاب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس،\nعن ميمونة، أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها، فاطرحوه، وكلوا سمنكم (^٢).\nفإذا كان هذا في الفأرة الميتة وهي بلا شك نجسة، وفي إناء السمن، وهو إناء صغير ليس كالبئر، والسمن ليس كالماء في دفعه للنجاسة، ومع ذلك لم ينجس السمن كله، فما بالك بالبئر والذي غالبًا ما يكون الماء فيه كثيرًا، ومع الآدمي وهو على الصحيح عين طاهرة.\nالجواب الخامس:\nأنكم تقولون بنزح البئر مطلقًا، تغير الماء أو لم يتغير، مع أن الماء الكثير إذا وقعت\n_________\n(^١) المصنف (٢/ ٤٦٩)، وسبق تخريجه، انظر في المجلد الثاني، ح: (٤٩٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٣٥).","vol":"6","page":521},{"text":"فيه نجاسة ولم تغيره فهو ماء طهور بالإجماع، فما الحاجة إلى نزحه، وبئر زمزم من الماء الكثير، وليس من الماء القليل.\nوقد نقل الحنفية عن محمد قوله: «اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري؛ لأنه ينبع من أسفله، ويؤخذ من أعلاه، فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه، كحوض الحمام إذا كان يصب فيه من جانب، ويغترف فيه من جانب آخر فإنه لا ينجس بإدخال اليد النجسة فيه، ثم قلنا: وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء، ولا نخالف السلف؟ فتركنا القياس الظاهر بالخبر والأثر» (^١).\nفيقال: هل تركتم قول ابن عباس لقول الرسول ﷺ في بئر بضاعة، وما دمتم أنكم قد صرحتم بأن قولكم هذا خلاف القياس، فهل يوجد في الشرع شيء خلاف القياس، أو أن أحكام الشريعة مطردة منتظمة، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.\nوقد تركت أقوالًا وتفريعات وتفاصيل لا طائل من ذكرها، وهي أقوال مرجوحة، وأخشى أن نفسد على القارئ فهمه لهذه الأقوال مع تداخلها، وكثرة تفريعاتها، وهي أقوال ضعيفة جدًّا مخالفة للسنة المرفوعة عن النبي ﷺ كما أسلفنا، والله أعلم.\nالقول الثاني: مذهب المالكية في التطهير بالنزح:\nفي المذهب المالكي قولان في الماء إذا زال تغيره بالنزح،\nفقيل: يعود طهورًا؛ وإنما زال حكم النجاسة لزوال عينها.\nوقيل: يستمر نجسًا، ووجهه: أن النجاسة لا تزال إلا بالماء المطلق (^٢).\n_________\n(^١) البناية على الهداية (١/ ٤٠٨ - ٤١٠)، تبيين الحقائق (١/ ٣٠)، بدائع الصنائع (١/ ٧٤، ٧٥)، البحر الرائق (١/ ١١٧).\n(^٢) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير (١/ ٤٦) وقال ابن جزي في قوانينه (ص: ٢٨): وإذا وقعت دابة نجسة في بئر، وغيرت الماء، وجب نزح جميعه، فإن لم تغيره استحب أن ينزح منه بقدر الدابة والماء.","vol":"6","page":522},{"text":"القول الثالث: مذهب الشافعية والحنابلة:\nأن الماء إذا نزح منه وزالت النجاسة وبقي بعد النزح قلتين فأكثر غير متغير فإنه يطهر، ولم يشترطوا مقدارًا للنزح، وإنما ينزح منه حتى يزول تغيره بالنجاسة، ويبقى بعد النزح ماء كثير.\nفإن بقي بعد النزح ماء قليل دون القلتين لم يطهر بالنزح؛ لأن الماء القليل عندهم ينجس ولو لم يتغير، وقد سبق ذكر أدلة هذه المسألة في الماء الراكد تقع فيه نجاسة ولم تغيره (^١).\nويضيف المتقدمون من الحنابلة تفصيلًا آخر، وهو إن كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة فلا بد أن يبقى بعد النزح ماء يشق نزحه، وهو غير متغير بالنجاسة، وأما المتأخرون من الحنابلة فلا يفرقون بين نجاسة بول الآدمي وعذرته المائعة، وبين غيرها من النجاسات.\nالراجح من أقوال أهل العلم:\nالراجح أن الماء ينجس بالتغير ويطهر بزوال ذلك، فإذا زالت النجاسة، فلم يبق لها أثر من طعم أو لون أو رائحة فقد طهر الماء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تكلمنا على هذه المسألة في كتاب أحكام الطهارة (المياه والآنية) (ص: ٣٣٩).","vol":"6","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3017>المبحث الثاني في تطهير المائعات سوى الماء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• حكم الشيء يدور مع أثره وجودًا وعدمًا، فينزل وجود أثر الشيء منزلة وجوده، وعدمه منزلة عدمه، استدلالًا بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه.\n• انتقال المائع من الطهورية إلى النجاسة حسي، وليس تعبديًا، كانتقال النجس إلى عين طاهرة بالاستحالة على الصحيح (^١).\nوقيل:\n• كل مائع سوى الماء لا يدفع النجاسة عن غيره، فلا يدفعها عن نفسه.\n• المخالط إذا استهلك هل يكون معدومًا، أو يبقى حكمه ويعد موجودًا، وإنما\n_________\n(^١) إذا كانت الأعيان النجسة إذا استحالت إلى طاهرة صار لها حكم الطاهر على الصحيح، والأعيان الطاهرة إذا استحالت إلى أعيان نجسة كانت نجسة، فكذلك المائع الطاهر إذا وقعت عليه نجاسة، ولم يظهر أثرها عليه كان له حكم الأعيان الطاهرة.","vol":"6","page":524},{"text":"خفي عن الحس فقط؟ (^١).\n• الماء له قوة الدفع عن نفسه، لخاصية تركيبه، ولطافته، ورقته، بما لا يشاركه فيه سائر المائعات.\n[م-٥٧٣] إذا وقعت نجاسة في شيء جامد فإنه يكفي في تطهيره أن يلقي النجاسة وما حولها، ويكون الباقي طاهرًا لعدم تعدي النجاسة إلى باقيه.\nوأما إذا وقعت نجاسة في مائع غير الماء كالزيت والخل واللبن، فمتى نحكم له بالنجاسة؟ وهل يمكن تطهيره؟\nاختلف الفقهاء في ذلك،\n_________\n(^١) إذا اختلط المائع أو الطعام بشيء آخر أكثر منه حتى غلب عليه، فهل يعدُّ المغلوب كالعدم لا حكم له، وتنقلب عينه، ويعطى الحكم للغالب، أو يبقى للمغلوب حكمه، ويعد موجودًا، وإنما خفي عن الحس فقط، في هذا خلاف بين العلماء.\nومن فروع هذه القاعدة:\nمنها: إذا خالطت النجاسة الماء ولم تغيره يبقى طاهرًا؛ لأن الماء لا ينجسه شيء إلا إذا تغيرت أوصافه، لأنه باق على طهارته حيث لم يتغير، وهو المشهور، وإنما يكره استعماله استقذارًا.\nومنها: إذا خالط قليل النجاسة طعامًا كثيرًا مائعًا، فهل تنقلب عينه إلى الذي خالطه، ويصير الطعام نجسًا؟\nومنها: لبن الأم إذا اختلط بمائع آخر حتى غلب عليه، لا تنقلب عينه، ويبقى للبن الأم حكمه وإن خفي، فتنتشر به الحرمة. وهو قول أشهب من المالكية.\nوقال ابن القاسم: تنقل عينه إلى عين الذي خالطه، ويعد كالعدم، ولا تنتشر به الحرمة، ولا يصير من شرب منه أخًا من الرضاع.\nومنها: من حلف: لا يأكل سمنًا، فأكله بعد أن استهلك بلته في سويق، حنث؛ لأنه يمكن استخلاصه بالماء. انظر القواعد الفقهية وتطبيقاتها (٢/ ٨٧٥، ٨٧٦)، شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب أحمد المنجور (١/ ١٢٧)، خواتم الذهب على المنهج المنتخب (ص: ٤٧)، تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية للغرياني (ص: ٢٧).","vol":"6","page":525},{"text":"فقيل: إذا خالطت النجاسة مائعًا غير الماء فإنه يتنجس بملاقاة النجاسة، من غير فرق بين القليل والكثير، وبين المتغير وغير المتغير، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nوقيل: حكمه حكم الماء، لا تنجس منه القلتان فما فوق إلا بالتغير، وهو قول في مذهب الحنابلة.\nوقيل: بالتفرقة بين المائع المائي كالخل ونحوه، وغيره، فالمائع الذي يشبه الماء حكمه حكم الماء، وغير الماء كالزيوت والأدهان فتنجس بملاقاة النجاسة، قل أو كثر، تغير أم لم يتغير، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: المائعات إذا وقعت فيها نجاسة لا تنجس إلا إذا تغير طعمها أو لونها أو ريحها بسبب النجاسة، إلا السمن الذائب تقع فيه الفأرة، فإنه يتنجس مطلقًا، سواءً ماتت فيه، أو خرجت وهي حية، وهذا اختيار ابن حزم (^٦).\n_________\n(^١) الفتاوى الهندية (١/ ٤٥)، وأحكام القرآن للجصاص (١/ ١٦٦، ١٦٧)، المبسوط (١٠/ ١٩٨).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ٥٩)، وقال ابن عبد البر في الكافي (ص: ١٨٩): ولا تطهر الأدهان النجسة بغسلها، وهذا تحصيل مذهب مالك وطائفة من المدنيين. اهـ\nوانظر التمهيد (٩/ ٤٦)، مواهب الجليل (١/ ١١٠ - ١١٤)، التاج والإكليل (١/ ١١٣)، الفواكه الدواني (١/ ٣٨٨).\n(^٣) قال النووي في المجموع (٢/ ٦٢٠): إذا نجس الزيت والسمن والشيرج وسائر الأدهان، فهل يمكن تطهيره؟ فيه وجهان مشهوران، وقد ذكرهما المصنف في باب ما يجوز بيعه\nأصحهما عند الأكثرين: لا يطهر بالغسل ولا بغيره، لقوله ﷺ في الفأرة تقع في السمن: إن كان مائعًا فلا تقربوه. ولم يقل اغسلوه، ولو جاز الغسل لبينه لهم، وقياسًا على الدبس والخل وغيرهما من المائعات إذا تنجست، فإنه لا طريق إلى تطهيرها بلا خلاف.\nوالثاني: يطهر بالغسل. وانظر المجموع أيضًا (٩/ ٤٠)، وحاشية البجيرمي (١/ ٢٦)، روضة الطالبين (٣/ ٣٤٩)، منهاج الطالبين (١/ ٦).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٢١)، كشاف القناع (١/ ١٨٨)، المبدع (١/ ٢٤٣).\n(^٥) المغني (١/ ٣٣)، الإنصاف (١/ ٦٧)، المبدع (١/ ٥٦).\n(^٦) المحلى (١/ ١٤٢).","vol":"6","page":526},{"text":"هذه الأقوال في حكم المائع إذا خالطته نجاسة، وأما خلافهم في إمكان تطهير ذلك المائع الذي وقعت فيه نجاسة،\nفقيل: إنه يمكن تطهير جميع المائعات إذا وقعت فيها نجاسة، وهو مذهب الحنفية (^١)، واختاره ابن القاسم وابن العربي من المالكية (^٢)، وابن سريج من الشافعية (^٣).\nوقيل: لا يطهر البتة، وهو مذهب الجمهور من المالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nوقيل: يمكن تطهير الزيت، ولا يمكن تطهير غيره من المائعات، وذلك لأن الماء لا يخالط الزيت، بخلاف غيره، وهو قول في مذهب المالكية (^٧)، والحنابلة (^٨).\nوقد ذكرت أدلة هذه الأقوال في المجلد الأول، تحت عنوان: في المائع غير الماء تخالطه النجاسة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣)، الفتاوى الهندية (١/ ٤٢).\n(^٢) عارضة الأحوذي (٧/ ٣٠٢)، الذخيرة (١/ ١٨٥)، الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢١٩، ٢٢٠).\n(^٣) المجموع (٢/ ٦٢٠).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ١١٣ - ١١٥)، الخرشي (١/ ٩٥، ٩٦)، الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢١٩).\n(^٥) روضة الطالبين (١/ ٢٩)، المجموع (٢/ ٦٢٠).\n(^٦) المبدع (١/ ٣٢٣، ٣٢٤)، الإنصاف (١/ ٣٢١).\n(^٧) مواهب الجليل (١/ ١١٣، ١١٤).\n(^٨) الإنصاف (١/ ٣٢١)، المبدع (١/ ٣٢٣).","vol":"6","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3018>الفصل الخامس\nفي كيفية تطهير الأرض المتنجسة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.\n• إزالة النجاسة عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها ليس بالمزيل، بل بالإزالة.\n[م-٥٧٤] اختلف الفقهاء في كيفية تطهير الأرض المتنجسة،\nفقيل: إن كانت الأرض رخوة، فيصب عليها الماء حتى يتخللها، ويكون تخلله قائمًا مقام العصر.\nوإن كانت الأرض صلبة، فإن كانت مستوية فتطهيرها يكون بحفر جزء منها، ونقل ترابه، ولا ينفعها الغسل، وإن كانت غير مستوية، فيحفر في أسفلها حفرة، ويصب الماء عليها حتى يستقر في الحفيرة ثلاث مرات، وهذا هو مذهب الحنفية ﵏ (^١).\nوقيل: الاكتفاء بصب الماء على الأرض مطلقًا، وهو مذهب المالكية (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٨٩)، البحر الرائق (١/ ٢٣٧، ٢٣٨)، البناية على الهداية (١/ ٧٣١).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ١٥٩).","vol":"6","page":528},{"text":"وقيل: إن كانت النجاسة لها جرم مختلط بأجزاء الأرض، فلا بد من إزالة التراب الذي اختلطت به النجاسة، وإن كانت النجاسة لا جرم لها كالبول مثلًا فيكفي مكاثرة الأرض المتنجسة بالماء حتى يغمرها، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3019> دليل من قال بوجوب حفر الأرض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3020>الدليل الأول:</span>\n(١٢٥٣ - ٢٢٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جرير -يعني: ابن حازم- قال: سمعت عبد الملك -يعني: ابن عمير- يحدث عن عبد الله ابن معقل بن مقرن قال: صلى أعرابي مع النبي ﷺ بهذه القصة - يعني: قصة بول الأعرابي في المسجد- قال فيه: وقال: يعني النبي ﷺ: خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء (^٣).\nقال أبو داود: وهو مرسل ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ.\n[ضعيف، وزيادة خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه زيادة منكرة، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (^٤).\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٢٩).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٣١٥)، الفروع (١/ ٢٣٨)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٧٤).\n(^٣) سنن أبي داود (٣٨١).\n(^٤) والحديث رواه أبو داود أيضًا في المراسيل (ص: ٧٦) رقم ١١ بالإسناد نفسه، ومن طريق\nأبي داود رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٢٨)، والدارقطني (١/ ١٣٢)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٧٧).\nقال الدارقطني: عبد الله بن معقل تابعي، وهو مرسل.\nوقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر. تنقيح التحقيق (١/ ٢٦٥).\nكما أن فيه علة أخرى، عبد الملك بن عمير مدلس، وقد عنعن، وهو مدلس مكثر.\nوله شاهدان: =","vol":"6","page":529},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأول: من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، رواه الدارقطني (١/ ١٣١)، من طريق أبي هشام الرفاعي: محمد بن يزيد، عن أبي بكر بن عياش، حدثنا سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: جاء أعرابي فبال في المسجد، فأمر رسول الله ﷺ بمكانه، فاحتفر فصب عليه دلوًا من ماء، فقال الأعرابي: يا رسول الله المرء يحب القوم ولما يعمل عملهم، فقال رسول الله ﷺ: المرء مع من أحب.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٤) من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا أبو بكر بن عياش به.\nوفي إسناده سمعان بن مالك:\nقال أبو زرعة: هذا حديث منكر، وسمعان ليس بالقوي. الجرح والتعديل (٤/ ٣١٦).\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لا أصل لهذا الحديث. العلل (١/ ٢٤).\nقال الدارقطني: سمعان مجهول.\nوفي إسناده أيضًا: أبو هشام الرفاعي:\nقال أبو حاتم الرازي: ضعيف، يتكلمون فيه، هو مثل مسروق بن المرزبان. الجرح والتعديل (٨/ ١٢٩).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٥٥١).\nوقال العجلي: كوفي لا بأس به، صاحب قرآن. معرفة الثقات (٢/ ٤٣٤).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطئ ويخالف. الثقات (٩/ ١٠٩).\nوالشاهد الثاني: من حديث أنس ﵁، رواه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٧٨)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٣٣) برقم ٥٤٥، من طريق محمد بن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد،\nعن أنس، أن أعرابيًا بال في المسجد، فقال النبي ﷺ: احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوبًا من ماء.\nوالحديث معلول، والمعروف أنه مرسل، قال ابن الجوزي: قال الدارقطني: وهم عبد الجبار على ابن عيينة؛ لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عن يحيى بن سعيد فلم يذكر أحد منهم الحفر، وإنما روى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، أن النبي ﷺ قال: احفروا مكانه. مرسلًا، فاختلط على عبد الجبار المتنان. اهـ\nقلت: مرسل طاووس أخرجه عبد الرازق في مصنفه (١/ ٤٢٤) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار عن طاووس.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٤) من طريق ابن عيينة به. =","vol":"6","page":530},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: «واحتجوا فيه - يعني الحنفية - بحديث جاء من ثلاث طرق، أحدها موصول عن ابن مسعود، أخرجه الطحاوي لكن إسناده ضعيف. قاله أحمد وغيره، والآخران مرسلان، أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن معقل، والآخر من طريق سعيد بن منصور، ومن طريق طاووس، ورواتهما ثقات، وهو يلزم من يحتج بالمرسل مطلقًا، وكذا من يحتج به إذا اعتضد، والشافعي إنما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التابعين، وكان من أرسل إذا سمى لا يسمي إلا ثقة، وذلك مفقود في المرسلين المذكورين على ما هو ظاهر من سنديهما، والله أعلم» (^١). اهـ\nوالراجح: أنه لا يحتج بهما في كل حال، حتى على فرض أن يقوي بعضهما بعضًا، فإننا نحكم بشذوذها؛ لأن الحديث في الصحيحين وفي غيرهما من رواية الثقات، لم يذكروا إلا مجرد صب الماء على البول، ولم يذكروا الحفر، ولو كان الحفر ثابتًا لنقل لأهميته.\n«ولو كان نقل التراب واجبًا في التطهير لاكتفي به، فإن الأمر بصب الماء حينئذ يكون زيادة تكليف وتعب من غير منفعة تعود إلى المقصود، وهو تطهير الأرض» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3021> دليل من قال: يكفي صب الماء على الأرض حتى يذهب بالنجاسة</span>.\n(١٢٥٤ - ٢٢٥) ما رواه البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود،\nأن أبا هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ: دعوه، وأهريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم\n_________\n= وقد ذكر الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢١١) وابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٣٧) أن الدارقطني أخرج الحديث، ولم أقف عليه في سننه، فلعله في كتاب آخر، والله أعلم.\n(^١) فتح الباري (١/ ٣٢٥).\n(^٢) العدة شرح العمدة (١/ ٣٣٦).","vol":"6","page":531},{"text":"تبعثوا معسرين (^١).\n(١٢٥٥ - ٢٢٦) وروى مسلم، قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحق بن أبي طلحة،\nحدثني أنس بن مالك -وهو عم إسحق- قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مه مه. قال: قال رسول الله ﷺ: لا تزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ. قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه. ورواه البخاري دون قوله: إن هذه المساجد .... إلخ (^٢).\nولم ينقل عن النبي ﷺ في حديث صحيح أنه نقل التراب، أو أنه نقل غسالة الماء،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3022>الدليل الثاني:</span>\nمن النظر قالوا: إذا غلب الماء على النجاسة ولم يظهر فيه شيء منها فقد طهرها، ولا تضره ممازجته لها إذا غلب عليها، سواءً كان الماء قليلًا أم كثيرًا، فقد جعل الله الماء طهورًا، وأنزله علينا ليطهرنا به، وقال الرسول ﷺ: «الماء لا ينجسه شيء» يعني: إلا ما غلب عليه من النجاسة فغيره، ومعلوم أنه لا يطهر نجاسة حتى يمازجها، فإن غلب عليها ولم يظهر فيه شيء منها، فالحكم له، وإن غلبته النجاسة فالحكم لها إذا ظهر في الماء شيء منها (^٣).\nوقد أجمع العلماء على طهارة الخمر، إذا صارت خلًا من غير صانع، لاستهلاك\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٨٥)، صحيح البخاري (٢١٩، ٢٢٠، ٦٠٢٥).\n(^٣) الاستذكار (٣/ ٢٥٩).","vol":"6","page":532},{"text":"ما كان يخامر العقل منها بطريان التحليل عليه، فلأن تطهر النجاسة، ويزول حكمها باستهلاك الماء لها أولى وأحرى (^١).\nالراجح من أقوال أهل العلم:\nأن حفر الأرض ليس بواجب، وأنه يكفي صب الماء على النجاسة حتى تتحلل، وتستهلك في الماء، ويغلب عليها، ويذهب عينها وطعمها ولونها وريحها، وأن غسالة النجاسة طاهرة، وقد ذكرنا حكم غسالة النجاسة في حكم مستقل.\n* * *\n_________\n(^١) تهذيب المسالك (١/ ٤٥).","vol":"6","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3023>الفصل السادس في كيفية تطهير بعض النجاسات المخصوصة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3024>المبحث الأول في كيفية التطهير من ولوغ الكلب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3025>الفرع الأول في عدد الغسلات من نجاسة الكلب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• التكرار في غسل النجاسة راجع: إما إلى تغليظ النجاسة كنجاسة الكلب، أو إلى ضعف المطهر، كالاستجمار.\n[م-٥٧٥] سبق لنا الخلاف في عين الكلب، وهل هو حيوان طاهر أو نجس، وذكرنا قولين في المسألة:","vol":"6","page":534},{"text":"أحدهما: أن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة (^١)، ومذهب المالكية (^٢)، وقول الزهري (^٣)، واختاره داود الظاهري (^٤).\nوالثاني: أن الكلب نجس العين مطلقًا، معلمًا كان أو غير معلم، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (^٥)، والمعتمد في مذهب الشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).\nوقد ذكرنا أدلة الفريقين، ورجحنا أن الكلب عينه نجسة.\nوقد اختلف القائلون بنجاسة الكلب، في كيفية تطهير الأواني من ولوغه،\nفقيل: يجب غسل النجاسة ثلاث مرات، من غير فرق بين نجاسة الكلب وبين غيره من النجاسات غير المرئية (^٨).\n_________\n(^١) لا خلاف عند الحنفية في نجاسة لحم الكلب، ولا في نجاسة سؤره، وإنما الخلاف عندهم في نجاسة عينه، فالقول بطهارة عينه هو قول أبي حنيفة، والقول بنجاستها هو قول أبي يوسف ومحمد، وتظهر ثمرة الخلاف فيما لو وقع الكلب في بئر وأخرج حيًا، فعند أبي حنيفة الماء طاهر، وعند صاحبيه الماء نجس.\nوكذلك فيما لو انتفض الكلب المبتل بالماء، فأصاب رشاشه ثوب أحد أو بدنه، فعلى رواية أبي حنيفة الثوب والبدن طاهران، وعلى رواية صاحبيه أنهما نجسان، وهكذا، انظر البناية (١/ ٣٦٧، ٤٣٥)، فتح القدير (١/ ٩٣ - ١٠٢)، البحر الرائق (١/ ١٠٦ - ١٠٨)، حاشية\nابن عابدين (١/ ٢٠٨)، بدائع الصنائع (١/ ٦٣).\n(^٢) المدونة (١/ ٥، ٦)، الاستذكار (١/ ٢٠٨، ٢١١)، والتمهيد (١٨/ ٢٧١، ٢٧٢)، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي (١/ ٥٠)، الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٤٥).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٨٥).\n(^٤) المجموع (٢/ ٥٨٥)، الاستذكار (١/ ٢١١)، حلية العلماء (١/ ٣١٣).\n(^٥) انظر الإحالة على مذهب الحنفية في القول الأول.\n(^٦) الأم (١/ ٥، ٦)، الوسيط (١/ ٣٠٩، ٣٣٨)، المجموع (٢/ ٥٨٥)، روضة الطالبين (١/ ٣١)، مغني المحتاج (١/ ٧٨).\n(^٧) الفروع (١/ ٢٣٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٨٩)، المحرر (١/ ٨٧)، الإنصاف (١/ ٣١٠)، رؤوس المسائل (١/ ٨٩).\n(^٨) تبيين الحقائق (١/ ٧٥)، بدائع الصنائع (١/ ٨٨)، مراقي الفلاح (ص: ٦٤). الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٥، ٣٦). شرح فتح القدير (١/ ٢٠٩).","vol":"6","page":535},{"text":"وقيل: يندب غسل الإناء تعبدًا من ولوغ الكلب سبع مرات، ولا يستحب التتريب، كما يندب إراقة الماء الذي في الإناء دون الأحواض ولا يجب، ولا يراق الطعام الذي ولغ فيه الكلب، وهذا مذهب المالكية، وإنما قالوا: إن غسله تعبدي لأنهم يرون طهارة عين الكلب (^١).\nوقول الحنفية والمالكية أنه يغسل بدون إضافة التراب.\nوقيل: يجب غسل الإناء سبع مرات، إحداهن بالتراب، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢).\nوقيل: يجب غسله ثمان مرات، إحداهن بالتراب، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3026> دليل الحنفية على وجوب الغسل ثلاث مرات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3027>الدليل الأول:</span>\n(١٢٥٦ - ٢٢٧) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال: حدثنا إسماعيل\n_________\n(^١) قال في الشرح الكبير (١/ ٨٣): «وندب غسل إناء ماء ويراق ذلك ندبًا لا إناء طعام فلا يندب غسله ولا إراقته، بل يحرم لما فيه من إضاعة المال، إلا أن يريقه لكلب أو بهيمة فلا يحرم، ولا حوض فلا يندب غسل ولا يراق».\nوقال في حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير (١/ ٨٣) «اعلم أن كون الغسل تعبدًا هو المشهور، وإنما حكم بكونه تعبدًا لطهارة الكلب، ولذلك لم يطلب الغسل في الخنزير.\nوقيل: إن نَدْبَ الغسل معلل بقذارة الكلب.\nوقيل: لنجاسته إلا أن الماء لما لم يتغير قلنا بعدم وجوب الغسل، فلو تغير لوجب.\nوعلى هذين القولين يلحق الخنزير بالكلب في ندب غسل الإناء من ولوغه، وعلى القول الأول يجوز شرب ذلك الماء، ولا ينبغي الوضوء به إذا وجد غيره للخلاف في نجاسته. وعلى القول بالنجاسة فلا يجوز شربه ولا الوضوء به».\n(^٢) الأم (١/ ٥، ٦)، الوسيط (١/ ٣٠٩، ٣٣٨)، المجموع (٢/ ٥٨٥)، روضة الطالبين (١/ ٣٢)، مغني المحتاج (١/ ٧٨)، الفروع (١/ ٢٣٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٨٩)، المحرر (١/ ٨٧)، الإنصاف (١/ ٣١٠)، رؤوس المسائل (١/ ٨٩).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٣٥)، الإنصاف (١/ ٣١٠).","vol":"6","page":536},{"text":"ابن إسحاق، قال ثنا أبو نعيم: قال ثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة،\nفي الإناء يلغ فيه الكلب أو الهر قال: يغسل ثلاث مرات (^١).\n[المحفوظ من حديث أبي هريرة الأمر بغسله سبعًا] (^٢).\nقال الطحاوي: «لما كان أبو هريرة قد رأى أن الثلاثة يطهر الإناء من ولوغ الكلب فيه وقد روى عن النبي ﷺ ما ذكرنا ثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن به فلا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي ﷺ إلا إلى مثله، وإلا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته» (^٣).\n• والجواب على ذلك من وجوه:\nالوجه الأول: الصحابي لا يتعمد مخالفة ما روى، ولكن قد يخالفه خطأ، وليس بمعصوم، فقد ينسى ما روى، وقد يظن من عام أنه خاص، أو من مطلق أنه مقيد، أو العكس.\nالوجه الثاني: ليس عندنا أن فعل أبي هريرة كان متأخرًا عن حديث الأمر بغسل الإناء سبعًا حتى يمكن أن نجزم بالنسخ،\nالوجه الثالث: فعل الصحابي لا ينسخ الحديث المرفوع؛ لأن الوحي معصوم بخلاف فعل الصحابي.\nالوجه الرابع: قد ثبت عن أبي هريرة أنه قال: يغسل سبع مرات موقوفًا عليه، وهذا أصح إسنادًا، فلماذا يأخذ الحنفية برواية الثلاث، ولا يأخذون برواية السبع، مع أنه اجتمع في رواية السبع قوة الإسناد، وقوة المتن، وموافقة الموقوف للمرفوع، فهي\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٢٣).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر، المجلد الثامن، ح (١٧٤٣).\n(^٣) شرح معاني الآثار (١/ ٢٣).","vol":"6","page":537},{"text":"أولى من رواية الأخذ بالثلاث.\n(١٢٥٧ - ٢٢٨) فقد روى ابن المنذر من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن\nابن سيرين، عن أبي هريرة،\nقال: إذا ولغ الكلب فاغسلوه سبع مرات، أولاهن بالتراب (^١).\n[إسناده صحيح، بل قال ابن حجر: إسناده من أصح الأسانيد].\nقال الحافظ: «ثبت أنه أفتى -يعني أبا هريرة- بالغسل سبعًا. ورواية من روى عنه موافقة فتياه أرجح ممن روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر. أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد. وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن\nأبي سليمان، عن عطاء عنه. وهو دون الأولى في القوة بكثير ... الخ «(^٢).\n• وأما الدليل على عدم التتريب:\nأولًا: أن أكثر الرواة الذين رووا الحديث عن أبي هريرة لم يذكروا التراب، وهم خلق كثير، وانفرد بذكرها ابن سيرين رحمه الله تعالى عن أبي هريرة، وقد تجنب\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٣٠٥) ومن طريق حماد بن زيد أخرجه الدارقطني (١/ ٦٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٤٨).\nوأخرجه أبو عبيد في كتاب الطهور (٢٠٤) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب به. وأخرجه أبو داود (٧٢)، ومن طريقه البيهقي كما في المعرفة (٢/ ٦٠) عن أيوب عن ابن سيرين به موقوفًا.\n(^٢) الفتح (ح ١٧٢). وقال البيهقي في المعرفة (٢/ ٥٩): «لم يروه غير عبد الملك، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات». ثم قال أيضًا (٢/ ٦١): «ولمخالفته -يعني عبد الملك- أهل الحفظ والثقة في بعض رواياته تركه شعبة بن الحجاج، ولم يحتج به محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح، وحديثه هذا مختلف عليه، فروي عنه من قول أبي هريرة. وروي عنه من فعله، فكيف يجوز ترك رواية الحفاظ الثقات الأثبات من أوجه كثيرة لا يكون مثلها غلطًا، برواية واحد قد عرف بمخالفته الحفاظ في بعض الأحاديث؟». اهـ","vol":"6","page":538},{"text":"البخاري في صحيحه الرواية التي فيها ذكر التراب للاختلاف في ذكرها، فلعله لا يرى صحة هذه اللفظة.\nقال البيهقي: «لم يروه ثقة غير ابن سيرين عن أبي هريرة، يعني بذكر التراب» (^١).\nثانيًا: الاضطراب في ذكرها، فبعض الروايات تقول: «أولاهن» وبعضها «أخراهن» وبعضها: «إحداهن» وبعضها: السابعة، وبعضها الثامنة، فهذا الاضطراب يوجب طرح هذه اللفظة، فيكون اجتمع في هذه اللفظة علتان: التفرد والاضطراب، وهما من علل الحديث.\nقال القرطبي: «هذه الزيادة مضطربة، ولهذا لم يأخذ بها مالك، ولا أحد من أصحابه» (^٢).\n• والجواب عن هذا:\nأولًا: قد يقال: ابن سيرين إمام في الحفظ، وله عناية في الألفاظ، وكون مثله\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٢٤١)، والمعرفة (٢/ ٥٨)، وهذا ذكر للجماعة الذين رووه بدون ذكر التراب من أصحاب أبي هريرة،\nالأول: الأعرج، رواه البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عنه.\nالثاني والثالث: أبو صالح السمان، وأبو رزين، أخرجه مسلم (٢٧٩).\nالرابع: همام بن منبه، كما في مسلم (٢٧٩).\nالخامس: ثابت بن عياض الأحنف، كما في المسند (٢/ ٢٧١)، والنسائي (٦٤)، وفي الكبرى (٦٦).\nالسادس والسابع: عبيد بن حنين وعبد الرحمن بن أبي عمرة، كما في مسند أحمد (٢/ ٣٦٠، ٣٩٨، ٤٨٢).\nالثامن: أبو سلمة، كما في المسند (٢/ ٢٧١)، وسنن النسائي (٦٤)، وفي السنن الكبرى (٦٧).\nالتاسع: أبو السدي عبد الرحمن بن أبي كريمة، أخرجه أبو عبيد في الطهور (٢٠٣).\nقال أبو داود في سننه بعد أن ذكر رواية ابن سيرين: وأما أبو صالح وأبو رزين والأعرج وثابت الأحنف وهمام بن منبه وأبو السدي عبد الرحمن رووه عن أبي هريرة ولم يذكروا التراب. اهـ يشير بذلك إلى تفرد ابن سيرين بذكر التراب.\n(^٢) المفهم (١/ ٥٤٠).","vol":"6","page":539},{"text":"ينفرد بلفظة فهو دليل على كونها محفوظة، وقد رواها مسلم في صحيحه.\nوهذا القول لا يشفي؛ لأن الإمام قد يخطئ وليس بمعصوم.\nثانيًا: قد يقال أيضًا: إن ابن سيرين لم ينفرد بها، فقد تابعه فيها غيره،\nفقد رواه الدارقطني (^١) من طريق خالد بن يحيى الهلالي (^٢)، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ويونس عن الحسن، عن أبي هريرة. فقال فيه: الأولى بالتراب (^٣).\nكما أخرجه النسائي من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، وفيه ذكر التراب (^٤).\nإلا أن هذا الطريق في النفس منه شيء،\nأولًا: انفرد به معاذ بن هشام، وهو صدوق ربما وهم، ولم يتابع في هذا الإسناد، ولذلك قال البيهقي في سننه: «هذا حديث غريب إن حفظه معاذ بن هشام، عن أبيه فهو حسن؛ لأن التراب في هذا الحديث لم يروه ثقة غير ابن سيرين، عن أبي هريرة، وإنما رواه غير هشام عن قتادة، عن ابن سيرين كما تقدم».اهـ\nثانيًا: أن سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد وسعيد بن بشير والحكم بن\nعبد الملك رووا الحديث عن قتادة، فقالوا: عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وخالفوا\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٦٤).\n(^٢) وفي إتحاف المهرة (الذهلي).\n(^٣) وخالد هذا لم أقف على ترجمته، إلا أن يكون هو الذي ذكره ابن عدي في الكامل، قال: خالد بن يحيى أبو عبيد السدوسي البصري، حدث عن يونس بن عبيد وغيره ما لا يرويه غيره، وذكر من أفراده وغرائبه ثلاثة أحاديث، قال: ولخالد هذا غير ما ذكرت من الحديث إفرادات وغرائب عمن يحدث عنه، وليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به؛ لأني لم أر في حديثه متنًا منكرًا. اهـ انظر تراجم رجال الدارقطني للوادعي ﵀ (ص: ٢١٦).\nوقال الذهبي: صويلح لا بأس به.\n(^٤) سنن النسائي (٣٣٨).","vol":"6","page":540},{"text":"معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة (^١)، فرجعت رواية قتادة والله أعلم إلى رواية\nابن سيرين (^٢)، خاصة أن الراوي عن ابن أبي عروبة عبدة بن سليمان، وهو من أصحاب سعيد القدماء، وكذلك أبان بن يزيد، وقد أشار البيهقي إلى هذا فيما نقلناه عنه قبل قليل.\nكما أن هناك شاهدًا آخر على إضافة التراب إلى الماء من حديث عبد الله بن مغفل،\n(١٢٥٨ - ٢٢٩) فقد روى مسلم، من طريق شعبة، عن أبي التياح، سمع مطرف ابن عبد الله يحدث،\nعن ابن المغفل قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب؟ ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب (^٣).\nوأما الجواب عن دعوى الاضطراب، في قوله: (إحداهن أو أولاهن أو أخراهن أو السابعة أو الثامنة أو بالشك ...) إلخ.\n_________\n(^١) وقد جعلت الحمل على معاذ بن هشام، ولم أجعل المخالفة من أبيه ولذلك قال البيهقي ﵀: «إن كان معاذ حفظه. قال ابن التركماني تعليقًا على عبارة البيهقي: لقائل أن يقول: كان ينبغي أن يقول: إن كان هشام حفظه؛ لأنه هو الذي انفرد به، عن قتادة، كما بينه البيهقي، ولعله إنما عدل إلى ابنه معاذ لجلالة هشام الدستوائي. وابنه معاذ وإن روى له الجماعة لكن ليس بحجة، كذا قال ابن معين. وقال أبو أحمد بن عدي: ربما يغلط في الشيء، وأرجو أنه صدوق». اهـ\n(^٢) رواه النسائي (٣٣٩) من طريق عبدة بن سليمان،\nورواه الطحاوي (١/ ٢١) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، كلاهما، عن سعيد بن أبي عروبة.\nرواه أبو داود (٧٣) والدارقطني (١/ ٦٤) من طريق أبان بن يزيد،\nورواه الدارقطني (١/ ٦٤)، والبيهقي (١/ ٢٤١) من طريق سعيد بن بشير،\nورواه الدارقطني (١/ ٦٤) من طريق الحكم بن عبد الملك، أربعتهم (سعيد بن أبي عروبة وأبان وسعيد بن بشير والحكم بن عبد الملك) عن قتادة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة.\n(^٣) صحيح مسلم (٢٨٠).","vol":"6","page":541},{"text":"فالجواب ما ذكره العراقي حيث يقول:\n«الحديث المضطرب إنما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه الاضطراب، أما إذا ترجح بعض الوجوه فالحكم للرواية الراجحة، فلا يقدح فيها رواية من خالفها، كما هو معروف في علوم الحديث».\nوإذا تقرر ذلك فلا شك أن رواية أولاهن أرجح من سائر الروايات؛ فإنه رواها عن محمد بن سيرين ثلاثة:\nالأول: هشام بن حسان، قلت: وهو من أثبت أصحاب محمد.\nالثاني: حبيب بن الشهيد.\nالثالث: أيوب السختياني.\nوأخرجها مسلم في صحيحه من رواية هشام، فتترجح بأمرين:\n١ - كثرة الرواة\n٢ - تخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض.\nوأما رواية أخراهن بالخاء المعجمة، والراء فلا توجد منفردة مسندة في شيء من كتب الحديث، إلا أن ابن عبد البر ذكر في التمهيد أنه رواها خلاس عن أبي هريرة (^١)، كما سيأتي في الوجه الذي يليه إلا أنها رويت مضمومة مع أولاهن كما سيأتي.\nوأما رواية السابعة بالتراب فهي وإن كانت بمعناها، فإنه تفرد بها عن محمد بن سيرين قتادة، وانفرد بها أبو داود، وقد اختلف فيها على قتادة فقال إبان عنه هكذا، وهي رواية أبي داود.\nوقال سعيد بن بشير عن قتادة الأولى بالتراب فوافق الجماعة، رواه كذلك الدارقطني في سننه، والبيهقي من طريقه، وهذا يقتضي ترجيح رواية أولاهن لموافقته للجماعة.\n_________\n(^١) الظاهر أنه سقط منه ذكر أبي رافع، فقد رواه النسائي كما سبق، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة.","vol":"6","page":542},{"text":"وأما رواية إحداهن بالحاء المهملة، والدال فليست في شيء من الكتب الستة، وإنما رواها البزار كما تقدم.\nوأما رواية أولاهن أو أخراهن فقد رواها الشافعي، والبيهقي من طريقه بإسناد صحيح، وفيه بحث أذكره، وهو أن قوله: أولاهن أو أخراهن لا تخلو إما أن تكون مجموعة من كلام الشارع، أو هو شك من بعض رواة الحديث؟\nفإن كانت مجموعة من كلام النبي ﷺ فهو دال على التخيير بينهما، ويترجح حينئذ ما نص عليه الشافعي ﵀ من التقييد بهما؛ وذلك لأن من جمع بينهما معه زيادة علم على من اقتصر على الأولى أو السابعة؛ لأن كلا منهم حفظ مرة فاقتصر عليها، وحفظ هذا الجمع بين الأولى، والأخرى فكان أولى.\nوإن كان ذلك شكًا من بعض الرواة فالتعارض قائم، ويرجع إلى الترجيح، فترجح الأولى كما تقدم، ومما يدل على أن ذلك شك من بعض الرواة لا من كلام الشارع: قول الترمذي في روايته (أولاهن)، أو قال: (أخراهن بالتراب) فهذا يدل على أن بعض الرواة شك فيه، فيترجح حينئذ تعيين الأولى، ولها شاهد أيضا من رواية خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة كما سيأتي في الوجه الذي يليه. وإذا كان ذكر الأولى أرجح ففيه حجة لما ذكر أصحابنا من كون التتريب في المرة الأولى أولى، وذكروا له معنى آخر، وهو أنه إذا قدم التتريب في الأولى فتناثر من بعض الغسلات رشاش إلى غير الموضع المتلوث بالنجاسة الكلبية لم يجب تتريبه، بخلاف ما إذا أخر، فكان هذا أرفق، لكن حمله على الأولوية متقاصر عما دلت عليه الرواية الصحيحة، فينبغي حمله على تعيين المرة الأولى والله أعلم» (^١). اهـ كلام العراقي رحمه الله تعالى.\nوقال الصنعاني: «رواية أولاهن أرجح لكثرة رواتها، وبإخراج الشيخين لها، وذلك من وجوه الترجيح عند التعارض» (^٢).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ١٣٠).\n(^٢) سبل السلام (١/ ٣٩).","vol":"6","page":543},{"text":"وهذا وهم منه رحمه الله تعالى، فإن البخاري تجنب ذكر التراب في صحيحه، كما أشرت إليه سابقًا.\nومال النووي إلى صحة كل الألفاظ، فقد قال ﵀: قد روى البيهقي وغيره هذه الروايات كلها، وفيه دليل على أن التقيد بالأولى وغيرها ليس للاشتراط، بل المراد: إحداهن، وهو القدر المتيقن من كل الروايات.\nوأما قوله في حديث عبد الله بن مغفل: «وعفروه الثامنة بالتراب» وفي حديث أبي هريرة (سبعًا إحداهن بالتراب) فاختلف العلماء في الجواب عن هذا الاختلاف،\nفقيل: إن رواية أبي هريرة أولى، فتقدم على رواية عبد الله بن مغفل، قال البيهقي في المعرفة: «وإذا صرنا إلى الترجيح بزيادة الحفظ، فقد قال الشافعي ﵀:\nأبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره» (^١).\nوسبب آخر في ترجيح رواية أبي هريرة على رواية عبد الله بن مغفل، بكون الإجماع على خلاف رواية ابن مغفل، فإن الأقوال: ليست إلا الغسل ثلاثًا أو سبعًا، ولم يقل أحد بغسل الإناء ثمان مرات.\nوأجاب الحافظ عن هذا بقوله:\nقال ابن دقيق العيد: «وفي هذا القول نظر؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري، وبه قال أحمد بن حنبل في رواية حرب الكرماني عنه» (^٢).\nوقيل: إن رواية ابن مغفل أولى؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة، خصوصًا من مثله، ومن أخذ بحديث عبد الله بن مغفل فقد عمل بحديث أبي هريرة، وليس العكس (^٣).\n_________\n(^١) المعرفة (٢/ ٥٩)، وقال مثله في السنن الكبرى (١/ ٢٤٢).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٣٦٨).\n(^٣) الجوهر النقي (١/ ٢٤١).","vol":"6","page":544},{"text":"وهناك من يقول: لو أخذنا بالترجيح أصلًا لم نأخذ بالقول بالتراب؛ لأن الرواة الذين رووا الحديث عن أبي هريرة بدون ذكر التراب أكثر عددًا ممن ذكرها، وبعضهم من أخص أصحاب أبي هريرة كالأعرج وأبي صالح السمان وغيرهما.\nوهناك من جمع بين الروايتين، فقال: «لما كان التراب جنسًا غير الماء، جعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودًا اثنتين.\nوتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله: وعفروه الثامنة بالتراب ظاهر في كونها غسلة مستقلة، لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازًا، وهذا الجمع من مرجحات تعين التراب في الأولى» (^١).\nومما يرجح كون التراب في الأولى أن الغسل بالتراب لو جعل في الثامنة لاحتاج إلى غسله بالماء بعد ذلك؛ لإزالة التراب، أما على القول بغسل الأولى بالتراب فإن الماء في الغسلات التالية يزيل أثر التراب، ويكون في هذا أدعى لنظافة الإناء، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3028> دليل من قال: يستحب غسله سبعًا ولا يجب:</span>\nيرى المالكية أن الأمر بغسل الإناء ليس بسبب نجاسة الكلب، فهم يرون أن عينه طاهرة، وهذا ما حملهم على القول باستحباب الغسل سبعًا، لأن الغسل لو كانت العلة فيه النجاسة، لكان المطلوب الإنقاء، وقد يحصل في مرة واحدة.\nولم يوجب المالكية إراقة الماء، لأن الماء عندهم لا ينجس إلا بالتغير، ولم يتغير الماء بسبب ولوغ الكلب، فلماذا يراق عندهم وهم يرون أنه ماء باق على خلقته، وقد سبق ذكر أدلتهم على طهارة الكلب في مسألة مستقلة، والجواب عنها، فالراجح أن الكلب عينه نجسة.\nوأما قولهم إن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم،\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٣٦٨).","vol":"6","page":545},{"text":"لكن لا يعني أننا إذا حكمنا بنجاسة الماء إذا ولغ فيه الكلب أَنْ نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة، ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها الأمر بغسلها سبعًا، مع أن دم الحيض مع الإجماع على نجاسته لم نؤمر بغسله سبعًا، كما في حديث أسماء المتفق عليه، ومنها الأمر بالتتريب، وبالتالي لا يمكن أن يقاس الأخف على الأغلظ.\nعلى أنه قد يقال: لا نسلم عدم تغير الماء من لعاب الكلب؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء، فتظهر على شيء منه، فيكون هذا نوعًا من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة فينجس، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3029> دليل من قال بوجوب الغسل سبعًا مع التتريب:</span>\n(١٢٥٩ - ٢٣٠) ما رواه مسلم من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب (^١).\nفقوله ﷺ: (طهور إناء أحدكم) جعل طهارة الإناء متوقفة على الغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، ومن نقص من هذا العدد فلم يحصل للإناء الطهور، ومعنى هذا أنه نجس، والطهارة: هي الطهارة الشرعية: لأننا لا نرجع إلى الحقيقة اللغوية إلا إذا امتنع حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، ولم يمنع من ذلك مانع.\nوكون الطهارة تتوقف على هذا الفعل دليل أن الأمر ليس تعبديًا، كما قال ذلك المالكية، إذ لو كان تعبديًا لما كان هذا الفعل طهارة للإناء، لأن الطهارة لا تكون إلا من حدث أو نجاسة، والإناء ليس محلًا لطهارة الحدث، فلم يبق إلا طهارة الخبث.\nوهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٧٩).","vol":"6","page":546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3030>الفرع الثاني في وضع الصابون والأشنان بدلًا من التراب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إزالة النجاسة عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة، لا بالمزيل.\n[م-٥٧٦] اختلف العلماء القائلون بإضافة التراب إلى الماء في تطهير نجاسة الكلب هل يقوم الأشنان والصابون مقام التراب؟\nفقيل: لابد من التراب، ولا يقوم غيره مقامه، وهو مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: يقوم الأشنان والصابون وغيرهما من المنظفات مقام التراب، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: إذا فقد التراب أو كان التراب يفسد المحل كما لو كانت نجاسة الكلب في الثياب ونحوها أجزأ الصابون ونحوه، وإلا فلا، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) نهاية المحتاج (١/ ٢٣٦)، روضة الطالبين (١/ ٣٢)، طرح التثريب (٢/ ١٣٣).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢٠٩)، الإنصاف (١/ ٣١٠).\n(^٣) نهاية المحتاج (١/ ٢٣٦)، روضة الطالبين (١/ ٣٢)، طرح التثريب (٢/ ١٣٣).","vol":"6","page":547},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3031> دليل من قال: لا بد من التراب ولا يقوم غيره مقامه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3032><span data-type=\"title\" id=toc-3035>الدليل الأول:</span></span>\nأن النص إنما ورد في التراب، ولو كان غير التراب يقوم مقامه لذكره الشارع.\nوقد يناقش هذا بأن أكثر المنظفات الموجودة اليوم لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ والتي قد يكون فيها من قوة إزالة النجاسة وما شابهها أكثر مما يوجد في التراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3033>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على التيمم، فكما أن التيمم لا يكون إلا بالأرض، فكذلك هنا، فالتراب والماء بينهما علاقة في باب الطهارة، فالتراب يرفع الحدث ويزيل الخبث، والماء يرفع الحدث ويزيل الخبث، ولا يرفع الحدث مائع آخر مهما كانت قوته في التطهير.\nقال ابن القيم: «وأما جمعها بين الماء والتراب في التطهير فلله ما أحسنه من جمع وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، وقد عقد الله ﷾ الإخاء بين الماء والتراب قدرًا وشرعًا، فجمعهما الله ﷾ حيث خلق منهما آدم وذريته، وجعل منهما حياة كل حيوان، وأخرج منهما أقوات الدواب والناس والأنعام، وكانا أعم الأشياء وجودًا، وأسهلهما تناولًا ...» إلخ كلامه رحمه الله تعالى (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3034> دليل من قال: يجزئ عن التراب غيره:</span>\nالدليل الأول:\nقالوا: إن الصابون والأشنان ونحوهما أقوى من التراب في الإزالة، ولما نص على التراب كان هذا تنبيهًا على أن غيره يقوم مقامه مما هو مثله أو أقوى منه.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ١٦١).","vol":"6","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3036>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إذا كان يجوز الاستجمار بكل جامد مزيل، مع أن النص إنما ورد في الحجارة، فكذلك هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3037> دليل من قال: يجزئ عند فقد التراب:</span>\nقالوا: قواعد الشريعة تدل على أن الواجبات كلها إنما تجب مع القدرة عليها، وعدم الضرر من استعمالها، فإذا عجز عن التراب أو خشي الضرر من استعماله لم يجب، والنص ورد في التراب، إشارة إلى أن الماء وحده لا يكفي في إزالة النجاسة، فإذا فقد التراب قام غيره مقامه، وكونه يغسل بالماء والصابون خيرًا من كونه يغسل بالماء وحده.\nوهذا القول وسط بين القولين السابقين، وهو أقواها عندي، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3038>الفرع الثالث في تعفير الإناء بتراب نجس</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• ما كان نجسًا في نفسه، لا يمكن أن يطهر غيره.\n[م-٥٧٧] اختلف القائلون باشتراط التراب في تطهير الإناء من ولوغ الكلب، هل يشترط أن يكون التراب طاهرًا؟\nفقيل: يشترط ذلك، وهو أصح الوجهين عند الشافعية (^١)، ومذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يجزئ التراب النجس، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3039> دليل القائلين باشتراط الطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3040>الدليل الأول:</span>\nإن التراب النجس لا يمكن أن يكون سببًا في طهارة المحل، فما كان نجسًا في\n_________\n(^١) قال في روضة الطالبين (١/ ٣٢): ولا يكفي التراب النجس على الأصح كالتيمم. اهـ، وانظر مغني المحتاج (١/ ٨٤)، حاشيتا قليبوبي وعميرة (١/ ٧٤).\n(^٢) شرح منتهى الإرادات (١/ ٩٧، ٩٨)، كشاف القناع (١/ ٢٠٩)، الإنصاف (١/ ٣١٠ - ٣١٢).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ٨٤)، حاشيتا قليبوبي وعميرة (١/ ٧٤)، روضة الطالبين (١/ ٣٢).","vol":"6","page":550},{"text":"نفسه لا يمكن أن يطهر غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3041>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان يشترط في التيمم طهارة التراب، فكذلك في طهارة الخبث؛ لأن طهارة الخبث إحدى الطهارتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3042>الدليل الثالث:</span>\nإذا نهي عن الاستجمار بالنجس، وهو إزالة للنجاسة عن البدن، فكذلك إزالة النجاسة عن الآنية والثياب ونحوها.\n• والدليل على أنه لا يستجمر إلا بطاهر:\n(١٢٦٠ - ٢٣١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه\nأنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: هذا ركس. فإن معنى الركس في اللغة يحتمل أمرين:\nالأول: الركس بمعنى: الرجيع.\nوالثاني: الركس بمعنى: النجس. فعلل النبي ﷺ تركه بأنه رجس.\nوقد قال بعضهم: ليس في الحديث دليل على اشتراط الطهارة، وإنما فيه ترك الاستنجاء بالروث، ولا يلزم من ذلك النجاسة، كما لم يلزم من تركه الاستنجاء بالعظم والمحترمات.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٦).","vol":"6","page":551},{"text":"فأجاب النووي بقوله: «إن الاعتماد في الاستدلال على قوله ﷺ: إنها ركس، وليس على مجرد تركه الاستنجاء بها، قال: ولا يجوز أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأنها رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي الحمل عليه إلى خلو الكلام عن فائدة، فوجب حمل الكلام على ما ذكرناه من تفسير الركس بمعنى: النجس» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3043> دليل من قال: لا يشترط طهارة التراب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3044>الدليل الأول:</span>\nقالوا: ليس في الحديث اشتراط طهارة التراب، وإنما الحديث فيه التعفير بالتراب، وهذا متحقق مع التراب النجس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3045>الدليل الثاني:</span>\nعلى فرض أن يكون التراب نجسًا، فإنه سوف يتبع بالماء الطهور، وهذا كاف في تطهيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3046>الدليل الثالث:</span>\nقالوا من النظر: النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها، وقولكم: إن النجس لا يطهر، هل تقصدون لا يطهر حقيقة أو لا يطهر حكمًا؟\nفإن قلتم: لا يطهر حقيقة، فإن الحجر الذي وقع عليه بول فإنه يمكن أن يستجمر به، ويقطع النجاسة.\nوإن قلتم: إنه لا يطهر حكمًا فلا يوجد دليل على اشتراط طهارة التراب.\nفالراجح أن التراب النجس ممكن أن يطهر المحل إذا أتبع بالماء، ولم يكن التراب هو الغسلة الأخيرة، وهذه المسألة راجعة إلى مسألة أخرى وهي جواز الانتفاع بالشيء النجس على وجه لا يتعدى، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٧٠).","vol":"6","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3047>الفرع الرابع في كيفية الطهارة من بول الكلب ورجيعه</span>\n[م-٥٧٨] لو بال الكلب في الإناء، فهل يجب أن يغسل سبع مرات مع التراب، أو أن هذا مقصور على الولوغ فقط؟\nاختلف العلماء في هذا.\nفقيل: يجب التسبيع مع التراب في نجاسة الكلب مطلقًا، سواءً كانت من بوله أو عَرَقِه أو ريقه أو غيرها، وهذا هو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: التسبيع خاص بالولوغ فقط، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣).\nوأما مذهب الحنفية والمالكية فهم لا يقولون بالتتريب أصلًا، لا في الولوغ ولا في غيره.\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٨٣، ٨٤)، روضة الطالبين (١/ ٣٢).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٣١٠، ٣١٢)، كشاف القناع (١/ ٢٠٩)، الفروع (١/ ٢٣٥، ٢٣٦).\n(^٣) انظر المراجع التي أحلنا عليها في القول الأول.","vol":"6","page":553},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3048> دليل من قال: يجب التسبيع من نجاسة الكلب مطلقًا:</span>\nقالوا: إذا كان ريق الكلب نجسًا، ويغسل منه الإناء سبعًا، فما بالك ببوله الذي هو أخبث وأنتن من ريقه؟\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3049> دليل من قال: التسبيع خاص بالولوغ:</span>\nالأصل في النجاسات أن تغسل حتى تذهب عين النجاسة، لا فرق في ذلك بين الدم والبول والسؤر النجس وغيرها من النجاسات، وسواءً كانت هذه النجاسة من الإنسان أو الحيوان، وورد في النص النبوي وجوب التسبيع والتتريب من ولوغ الكلب خاصة، وما كان ربك نسيًا، والرسول ﷺ قد أعطي جوامع الكلم، فلما خص الولوغ بهذه الأحكام دون سائر النجاسات، دل على اختصاصه بذلك، وأما بوله وروثه فحكمه حكم سائر النجاسات من بول الآدمي وغائطه وحكم دم الحيض وغيره من النجاسات، وهو الغسل حتى تذهب عين النجاسة، ومن قال بوجوب غسلها سبعًا مع التراب فعليه الدليل، وقد يكون في الريق معنى لا يوجد في البول والدم وغيرهما، والله ﷾ أعلم بما خلق، فقد يوجد في ريق الكلب نوع من الجراثيم لا يطهره إلا التراب، كما أخبر الرسول ﷺ أن في أحد جناحي الذباب داء، وفي الآخر شفاء، مع تماثل الجناحين خِلْقَة، ومع ذلك لم يتماثلا حكمًا، وكون ريق الكلب نجسًا، وبوله نجسًا لا يعني تماثلهما في طريقة التطهير، وانظر إلى بول الصبي وبول الجارية، فمع نجاستهما لم يتحدا في التطهير، فإذا فارقت نجاسة من النجاسات غيرها في طريقة التطهير قصرنا الحكم عليها حتى يوجد دليل صريح على تعدية الحكم إلى غيرها، ولا دليل على تعدية الحكم إلى بول الكلب وروثه وعرقه إلا القياس على ريقه، والقياس في مثل هذا ضعيف.\nوهذا القول هو الراجح لقوة دليله، والله أعلم ..\n* * *","vol":"6","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3050>الفرع الخامس في قيام الغسلة الثامنة مقام التراب</span>\n[م-٥٧٩] اختلف العلماء فيما إذا اقتصر على الماء، وغسله ثماني مرات، فهل تكفي الغسلة الثامنة عن التراب.\nفقيل: لا يطهر، وهو الوجه الأصح في مذهب الشافعية (^١)، ومذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يطهر مطلقًا، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: يطهر عند عدم التراب دون وجوده، وهو وجه ثالث في مذهب الشافعية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3051> دليل من قال: تنوب الغسلة الثامنة عن التراب:</span>\nقال: إن الماء أقوى من التراب في التطهير، فإذا استبدل القوي بالأقوى قام مقامه في التطهير.\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٣٢)، طرح التثريب (٢/ ١٣٣، ١٣٤).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢٠٩)، الإنصاف (١/ ٣١٠ - ٣١٢).\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ٣٢).\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"6","page":555},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3052> دليل من قال: لا بد من التراب:</span>\nإن التراب ليس غسلة مستقلة حتى يقال: إن الماء أقوى من التراب، وإنما المقارنة بين غسله بالماء وحده، أو بالماء مع التراب، ولا شك أن الجمع بين التراب والماء في الإزالة أقوى من الماء وحده، ولهذا المعنى قصد الشارع من الجمع بينهما حصول الطهارة المستيقنة.\nقال ابن قدامة: «فأما الغسلة الثامنة فالصحيح أنها لا تقوم مقام التراب؛ لأنه إن كان القصد به تقوية الماء في الإزالة، فلا يحصل ذلك بالثامنة؛ لأن الجمع بينهما أبلغ في الإزالة، وإن وجب تعبدًا امتنع إبداله والقياس عليه» (^١).\nوقال العراقي: «وأما من قال من أصحابنا يكفي؛ لأن الماء أبلغ في التطهير من التراب فمردود؛ لأنه لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3053> دليل من قال: يكفي إذا فقد التراب:</span>\nأن الواجب هو التراب، فإذا تعذر فإما أن نقول: إنه يسقط التراب إلى غير بدل، أو يسقط إلى بدل وهو الغسلة الثامنة، ولو كانت الغسلة السابعة كافية في التطهير لما أوجب التراب، فالإناء بعد غسله سبع مرات ما زال نجسًا، يحتاج إلى التراب، وقد تعذر التراب فأقمنا الغسلة الثامنة مقامه، والله أعلم.\nالراجح والله أعلم، أن الغسلة الثامنة لا تقوم مقام التراب، ولو غسل الإناء مائة مرة، لأن الماء قد عمل عمله بغسله سبع غسلات، ولا معنى لتكرار غسله بالماء، وقد امتثل المطلوب، فالمعنى الذي في التراب ليس موجودًا في الماء مهما كان تكراره، وليس الهدف فقط هو النظافة، بل الهدف هو تطهير من نوع خاص.\nفالبول إذا غسلته مرة واحدة ذهبت بالنجاسة، فغسله مرة ثانية لا معنى لذلك،\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤٦).\n(^٢) طرح التثريب (١/ ١٣٣، ١٣٤).","vol":"6","page":556},{"text":"فالمحل قد طهر، وإذا كررت الغسل كان ذلك لمعنى لا يرجع إلى النجاسة، فإنها قد ذهبت، وإنما مبالغة في النظافة، وهو غير ذهاب النجاسة، فكذلك إذا غسلته سبع مرات، فلا معنى لوجود غسلة ثامنة أو عاشرة أو غيرهما؛ لأن الماء قد نظف المحل فيما يختص بالماء، وبقي معنى لا يذهب إلا بالتراب، وكأن التراب بمثابة التعقيم والوقاية من أمراض قد تكون موجودة في الإناء لا يذهب بها الماء، وإنما تحتاج إلى التراب لقطعها، وبالتالي إذا لم يوجد التراب فلا داعي لتكرار الماء، وإنما الانتظار حتى يتوفر التراب وإن اضطر إلى استعمال الإناء فلا حرج فيه لسقوط التراب لتعذره، وذلك لأن الواجبات إنما تجب بشرط القدرة، ولم يقدر على التراب فسقط، نعم لو كان هناك ما يقوم مقام التراب من صابون ونحوه ربما كان وجوده يضيف إلى الإناء شيئًا ليس موجودًا في الماء بخلاف تكرار الماء، والله أعلم.\n* * *","vol":"6","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3054>الفرع السادس في صفة التطهير بالتراب</span>\n[م-٥٨٠] اختلف العلماء في التراب، هل يكفي ذره على الإناء، أو لا بد من مزجه بمائع يوصله إليه؟\nفقيل: لا يكفي ذره، بل لا بد من مزجه بمائع يوصله إلى جميع أجزائه، وهو الأصح في مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل: يكفي ذره، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3055> دليل من قال: لا يكفي ذر التراب:</span>\nاستدل بقوله ﷺ في الحديث: «أولاهن بالتراب»، فالباء للمصاحبة أو للإلصاق، أي مصحوبًا بالتراب، فكونه جعل التراب داخلًا في مسمى الغسلات، فذر التراب\n_________\n(^١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٧٨)، طرح التثريب (٢/ ١٣٢)، حاشية البجيرمي (١/ ١٠٥).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٣١١).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ١٣٢).\n(^٤) صوبه صاحب الإنصاف (١/ ٣١١).","vol":"6","page":558},{"text":"وحده لا يسمى غسلًا.\nقال ابن دقيق العيد: «قوله ﷺ: (فاغسلوه سبعًا أولاهن أو أخراهن بالتراب) قد يدل لما قاله بعض أصحاب الشافعي: أنه لا يكتفى بذر التراب على المحل، بل لا بد أن يجعله في الماء ويوصله إلى المحل» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3056> دليل من قال: يكفي ذر التراب:</span>\nاستدل بحديث عبد الله بن مغفل «وعفروه الثامنة بالتراب» دليل على أنه يكفي التعفير بالتراب دون أن يكون مصحوبًا بالماء، حيث جعل التراب مستقلًا عن الماء.\nوالأمر في هذا واسع، فإن غسل الإناء بالتراب وحده فليدلك الإناء بالتراب حتى يكون أقوى في التطهير، وإن خلطه بالماء أجزأ كذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ٧٧)، وانظر طرح التثريب (٢/ ١٣٢).","vol":"6","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3057>المبحث الثاني في كيفية التطهير من نجاسة الخنزير</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت أو أزيلت زال حكمها.\nسبق لنا خلاف العلماء في الخنزير هل هو طاهر أم نجس؟ وتبين فيما مضى أن الجمهور ذهب إلى نجاسة الخنزير (^١).\nوقيل: إن عينه طاهر، بناء على أن كل حيوان حي فهو طاهر، وهو المعتمد في مذهب المالكية، ورجحه الشوكاني (^٢).\n_________\n(^١) البناية على الهداية (١/ ٣٦٠)، بدائع الصنائع (١/ ٦٣)، شرح فتح القدير (١/ ٩٤ - ١١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٦)، مغني المحتاج (١/ ٧٨)، الأم (١/ ٥، ٦)، الوسيط (١/ ٣٠٩)، ٣٣٨، ٣٣٩)، المجموع (٢/ ٥٨٥)، روضة الطالبين (١/ ٣١)، الفروع (١/ ٢٣٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٨٩)، المحرر (١/ ٨٧)، الإنصاف (١/ ٣١٠)، رؤوس المسائل (١/ ٨٩).\n(^٢) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي (١/ ٥٠)، المدونة (١/ ٥، ٦)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٨٠)، الخرشي (١/ ٨٥)، السيل الجرار (١/ ٣٨).","vol":"6","page":560},{"text":"وقد سبق ذكر أدلة كل قول، ورجحت نجاسة عينه.\n[م-٥٨١] واختلف القائلون بنجاسته، في كيفية تطهير هذه النجاسة.\nفقيل: لا فرق بين نجاسة الخنزير وبين غيره من سائر النجاسات، وهو مذهب الحنفية، والقديم في مذهب الشافعي، وقول في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: يلحق الخنزير بالكلب في وجوب التسبيع والتتريب، وهو الجديد في مذهب الشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3058> دليل من قال: يلحق الخنزير بالكلب:</span>\nاستدل بأن النص ورد في الكلب، والخنزير شر منه، لنص الشارع على تحريمه، وتحريم اقتنائه، بل إن الكلب مأذون في اتخاذ بعض أفراده ككلب الصيد والماشية والزرع بخلاف الخنزير فإنه منهي عن اتخاذه مطلقًا، وإنما السنة لم تنص على الخنزير؛ لأنهم لم يكونوا يعتادونه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3059> دليل من قال: لا فرق بين نجاسة الخنزير وبين غيره من النجاسات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3060>الدليل الأول:</span>\nالواجب في غسل نجاسة الخنزير غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة كسائر النجاسات، ولا يوجد نص من الشارع يوجب التسبيع والتتريب في نجاسة الخنزير، والأصل عدم الوجوب.\n_________\n(^١) البناية على الهداية (١/ ٣٦٠)، بدائع الصنائع (١/ ٦٣)، شرح فتح القدير (١/ ٩٤ - ١١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٦)، مغني المحتاج (١/ ٧٨)، الأم (١/ ٥، ٦)، الوسيط (١/ ٣٠٩، ٣٣٨، ٣٣٩)، المجموع (٢/ ٥٨٥)، روضة الطالبين (١/ ٣٢)، الفروع (١/ ٢٣٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٨٩)، المحرر (١/ ٨٧)، الإنصاف (١/ ٣١٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٨٥)، روضة الطالبين (١/ ٣٢).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٣٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٨٩)، المحرر (١/ ٨٧)، الإنصاف (١/ ٣١٠)، رؤوس المسائل (١/ ٨٩).","vol":"6","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3061>الدليل الثاني:</span>\nالقول بأن الخنزير لم يكن معتادًا عندهم، ولذلك لم ينص على كيفية التطهير منه ليس كافيًا لصحة القياس على الكلب، فإن الشريعة عامة، وبيانها للناس كافة، وكيف لا يكون معروفًا عندهم، والخنزير مذكور في كتاب الله: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ) [الأنعام: ١٤٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3062>الدليل الثالث:</span>\nالقياس في كيفية التطهير ليس بصحيح، خاصة إذا كان الأصل المقيس عليه قد فارق سائر النجاسات، وخص بأحكام لم يماثله غيره فيها، من وجوب العدد، وإضافة التراب، فهذه الأمور لا تدرك الحكمة منها، فيكون القياس فاسدًا، والله أعلم.\nوهذا القول هو الراجح؛ لقوة أدلته وسلامتها من الاعتراض.\n* * *","vol":"6","page":562},{"text":"موسوعة\nأحكام الطهارة\nأدلة ومسائل وقواعد وضوابط\n\nالقسم الثاني\nطهارة الخبث\n\nالمجلد السابع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3063>الطهارة من حاجة الإنسان الطبيعية</span>\nتأليف\nدبيان بن محمد الدبيان","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3064>مقدمة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد، فهذا هو المجلد السابع في سلسلة كتاب الطهارة، والمجلد الثاني في طهارة الخبث، وهو مخصص للطهارة من حاجة الإنسان الطبيعية (البول والغائط) عن طريق الاستنجاء والاستجمار، وقد عرفنا في المجلد السابق الأعيان والنجسة، وكيفية الطهارة منها، وهذا الكتاب يدخل في كيفية الطهارة من النجاسة إلا أنه في نجاسة خاصة تتعلق بحاجة الإنسان، وفي محل مخصوص، وهو القبل والدبر.\nوقد اعتنى الفقهاء في هذه الطهارة، وجعلوا لها بابًا مستقلًا عن سائر النجاسات، ومن كمال هذه الشريعة أن ربطت الأمور الجبلية بأنواع من العبادات. فالناظر في الآداب الإسلامية، ومنها آداب الاستنجاء يلحظ كمال هذه الشريعة وشمولها، بحيث جعلت المسلم في كل أحواله مرتبطًا بعبادة الله ﷾، فالبول والغائط من الأمور الجبلية، ولكن الشارع فتح لعباده في هذا الأمر أبوابًا من العبادات، ولولا ذلك لكان التقرب بها بدعة، وهكذا سائر الأمور الجبلية، فالأكل والشرب مجبول عليهما الإنسان، ولكن ما يميز المسلم أن جعل من هذا الأمر الذي لا بد منه صفات تجعله مرتبطًا بالله، فالتسمية في أوله، والأكل في اليمين، ومما يلي الإنسان، والحمد في آخره، ونحو ذلك هي من العبادات التي هي مصداق لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي","vol":"7","page":5},{"text":"وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ) [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].\nوقوله تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [الأنعام: ٣٨].\nوهكذا البول والغائط ترتبط فيه مجموعة من العبادات تبدأ قبل الدخول في الأماكن المخصصة، وحال قضاء الحاجة، وتنتهي بعد الفراغ من حاجته، ومن هذه الآداب ما هو واجب يأثم الإنسان بتركه، ومنها ما هو مندوب، ومنها ما هو مكروه.\nوقد قال بعض الكفار ساخرًا من تعاليم الإسلام، بأنه يعلم حتى آداب الخلاء، فأجابه الصحابي سلمان جواب العزيز بدينه،\n(١٢٦٠ - ١) فقد روى مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن ابن يزيد، عن سلمان، قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخراءة؟! قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (^١).\nقال الطيبي: جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم؛ لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدد أو يسكت عن جوابه، لكن ما التفت سلمان إلى استهزائه، وأخرج الجواب مخرج المرشد الذي يرشد السائل المجد يعني ليس هذا مكان الاستهزاء، بل هو جد وحق، فالواجب عليك ترك العناد والرجوع اليه (^٢).\nفالحمد لله الذي هدانا لهذا الدين العظيم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.\n• خطة البحث في هذا الكتاب:\nخطة البحث مكونة من أبواب وفصول ومباحث وفروع على غرار البحوث السابقة على النحو التالي.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٢).\n(^٢) حاشية السندي على سنن النسائي (١/ ٣٩).","vol":"7","page":6},{"text":"التمهيد: في التعريف اللغوي.\nالباب الأول: في حكم الاستنجاء\nالفصل الأول: خلاف العلماء في حكم الاستنجاء.\nالفصل الثاني: هل الاستنجاء على الفور أم على التراخي.\nالفصل الثالث: في العاجز عن الاستنجاء.\nالباب الثاني: في آداب الخلاء.\nالفصل الأول: في آداب تتعلق بالدخول والخروج وقضاء الحاجة.\nالمبحث الأول: حكم التسمية عند الدخول.\nالمبحث الثاني: في حكم التعوذ من الخبث والخبائث.\nالفرع الأول: هذه الآداب خاصة في المكان المعد أم في كل مكان؟\nالفرع الثاني: متى يقال الذكر الوارد في دخول الخلاء؟\nالفرع الثالث: إذا دخل الخلاء بطفل فهل يعيذ الطفل بالذكر الوارد؟\nالمبحث الثالث: في حكم لبس الحذاء عند الدخول للخلاء.\nالمبحث الرابع: في حكم تقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج.\nالمبحث الخامس: في الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة.\nالمبحث السادس: في الكلام أثناء قضاء الحاجة.\nالفرع الأول: في ذكر الله تعالى داخل الخلاء.\nالفرع الثاني: الكلام في الخلاء.\nالمبحث السابع: في اللبث على الحاجة فوق الحاجة.","vol":"7","page":7},{"text":"المبحث الثامن: في حكم تغطية الرأس.\nالمبحث التاسع: في مسح الذكر عند الفراغ من البول.\nالمبحث العاشر: في نتر الذكر.\nالمبحث الحادي عشر: في حكم قول غفرانك.\nفرع: مناسبة طلب المغفرة بعد قضاء الحاجة.\nالمبحث الثاني عشر: في حكم الحمد بعد الخروج من الخلاء.\nالمبحث الثالث عشر: في حكم تنظيف اليد بعد غسل دبره.\nالمبحث الرابع عشر: في البول واقفًا.\nالفصل الثاني: في آداب قضاء الحاجة المتعلقة بالمكان.\nالمبحث الأول: في طلب المكان الرخو.\nالمبحث الثاني: في حكم الاستتار.\nالفرع الأول: في حكم الابتعاد عن أعين الناس إذا كان في فضاء.\nالفرع الثاني: في حكم ستر العورة عن الناس عند قضاء الحاجة.\nالفرع الثالث: في رفع الثوب قبل الدنو من الأرض.\nالفرع الرابع: إذا لم يتمكن من قضاء الحاجة إلا بالنظر إلى عورته.\nالمبحث الثالث: في حكم استقبال الريح حال البول.\nالمبحث الرابع: في حكم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط.\nالمبحث الخامس: في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء.\nالمبحث السادس: في استقبال النيرين (الشمس والقمر).\nالمبحث السابع: في البول في الطريق والظل النافع وتحت شجرة مثمرة.\nالمبحث الثامن: البول في المسجد.","vol":"7","page":8},{"text":"المبحث التاسع: البول في الشق ونحوه.\nالمبحث العاشر: البول على القبر.\nالمبحث الحادي عشر: البول في الإناء.\nالمبحث الثاني عشر: التحول عن موضع قضاء الحاجة عند الاستنجاء.\nالباب الثالث: في صفة الاستنجاء والاستجمار.\nالفصل الأول: في التسمية عند الاستنجاء والاستجمار.\nالفصل الثاني: حكم النية للاستنجاء.\nالفصل الثالث: يبدأ الرجل بالقبل قبل الدبر.\nالفصل الرابع: هل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين؟\nالفصل الخامس: في صفة الإنقاء.\nالمبحث الأول: في صفة الإنقاء بالحجر.\nالمبحث الثاني: في صفة الإنقاء بالماء.\nالفصل السادس: قول العلماء في الأثر المتبقي بعد الاستجمار.\nفرع: ما تطاير من الماء وقت الاستنجاء.\nالفصل السابع: القول في قطع الاستنجاء على وتر.\nالفصل الثامن: في صفة المسح بالأحجار.\nالفصل التاسع: لا يباشر الاستنجاء بيده اليمنى ولا يمس الذكر بها حال البول.\nالمبحث الأول: هل يكره مس الذكر مطلقًا، أو حال البول فقط؟\nالمبحث الثاني: إذا استنجى بيمينه هل يجزئه ذلك؟.\nالمبحث الثالث: إشكال وجوابه.\nالمبحث الرابع: حكم مس الدبر.","vol":"7","page":9},{"text":"المبحث الخامس: حكم مس فرج المرأة.\nالفصل العاشر: الشك بعد الفراغ من الاستنجاء.\nالفصل الحادي عشر: نضح الماء على الفرج والسراويل.\nالباب الرابع: في الاستجمار.\nالفصل الأول: خلاف العلماء في جواز الاستجمار.\nالفصل الثاني: في شروط الاستجمار.\nالشرط الأول: في اشتراط ثلاثة أحجار.\nمبحث: في الاكتفاء بحجر واحد له ثلاث شعب.\nالشرط الثاني: أن تكون الأحجار ونحوها طاهرة.\nالشرط الثالث: أن يكون المستنجى به غير عظم وروث.\nمبحث: حكم النهي عن الاستنجاء بالعظام والروث.\nالشرط الرابع: في اشتراط أن يكون المستجمر به من الأحجار.\nالشرط الخامس: أن يكون الحجر ونحوه منقيًا.\nخلاف العلماء في الاستنجاء بالزجاج.\nمبحث: إذا استنجى بزجاج فهل يجزئه الاستجمار أو يتعين الماء؟\nالشرط السادس: في اشتراط أن يكون جامدًا.\nالشرط السابع: في اشتراط ألا يكون المستجمر به حممة.\nالشرط الثامن: في اشتراط أن يكون المستجمر به غير محترم.\nالمبحث الأول: الاستنجاء بالكتب الشرعية.\nالمبحث الثاني: الاستنجاء بما هو طعام للآدمي وغيره.\nالمبحث الثالث: ألا يكون المستنجى به حيوانًا.","vol":"7","page":10},{"text":"الفرع الأول: الاستنجاء بشيء من الحيوان متصل به.\nالفرع الثاني: الاستنجاء بجلد الحيوان المنفصل.\nفرع: ما منع الاستنجاء به لحرمته لا يجوز البول عليه.\nالباب الخامس: في ما يستنجى منه.\nالفصل الأول: في الاستنجاء من البول والغائط.\nالفصل الثاني: في الاستنجاء من المذي.\nالفصل الثالث: في الاستنجاء من الودي.\nالفصل الرابع: في الاستنجاء من المني.\nالفصل الخامس: في الاستنجاء من الحدث الدائم.\nالمبحث الأول: هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة حدثًا أم يعفى عنه.\nالمبحث الثاني: في وجوب غسل فرج من به حدث دائم عند الوضوء.\nالمبحث الثالث: شد عصابة الفرج عند الوضوء.\nالفصل السادس: في الاستنجاء من البعر الناشف والحصاة.\nالفصل السابع: في الاستنجاء من الريح.\nالباب السادس: في الاستنجاء بالماء.\nالفصل الأول: خلاف العلماء في الاستنجاء بالماء.\nالفصل الثاني: أيهما أفضل الاستنجاء أم الاستجمار؟\nالفصل الثالث: في الجمع بين الحجارة والماء وأيهما يقدم.\nالفصل الرابع: متى يتعين الاستنجاء بالماء؟\nالمبحث الأول: إذا تجاوز الخارج موضع العادة.\nالمبحث الثاني: إذا استجمر بمنهي عنه ثم استجمر بعده بمباح فهل يتعين الماء؟","vol":"7","page":11},{"text":"المبحث الثالث: في تعين الماء في الاستنجاء من المذي.\nالمبحث الثالث: في تعين الماء في الاستنجاء من الدم والقيح.\nالمبحث الرابع: هل يتعين الماء في بول المرأة؟\nالمبحث الخامس: في تعين الماء إذا عرق فسال أثر الاستجمار.\nالمبحث السادس: في تعين الماء إذا خرج البول والغائط من غير السبيلين.\nالباب السابع: حكم الترتيب بين الاستنجاء والوضوء.\nهذا ما وفقت لجمعه ودراسته، وأسأل الله ﷾ بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، مقربًا إليه، سببًا في مغفرته ورضوانه، مبعدًا لي عن سخطه وغضبه، وأن يرزق هذا البحث وغيره القبول والانتفاع من إخواني طلبة العلم، وأن يغفر لي تقصيري وجهلي وتفريطي وإسرافي في أمري، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\n* * *","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3065>تمهيد في التعريف اللغوي</span>\nالاستنجاء ومثله الاستجمار والاستبراء والاستنقاء كلها ألفاظ لها علاقة في كتابنا، ولذا يحسن بي قبل أن ندخل في تفاصيل أحكام هذه العبادة أن نقدم تعريفها اللغوي، وقد قيل: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3066>تعريف الاستنجاء:</span>\nالاستنجاء: من نجا ينجو نجوًا. يقال: نجا الشجرة ينجوها نجوًا: إذا قطعها من أصولها.\nقال شمر: وأرى الاستنجاء في الوضوء من هذا لقطعه العذرة بالماء.\nونجا فلان ينجو نجوًا: إذا أحدث من ريح، أو غائط، يقال: ما نجا منذ أيام: أي ما أتى الغائط.\nوالنجو: ما يخرج من البطن من ريح أو غائط.\nوفي الصحاح: استنجى: مسح موضع النجو أو غسله (^١).\nوقدم المسح على الغسل؛ لأنه هو المعروف في بدء الإسلام، وإنما التطهر بالماء زيادة على أصل الحاجة.\nواستنجى: تحرى إزالة النجو أو طلب نجوة: أي قطعة مدر لإزالة الأذى، كقولهم: استجمر: إذا طلب جمارًا أو حجرًا.\n_________\n(^١) حاشية الصحاح (٦/ ٢٥٠٢).","vol":"7","page":13},{"text":"وقال ابن الأثير: الاستنجاء استخراج النجو من البطن، أو إزالته عن بدنه بالغسل والمسح. أو من نجوت الشجرة وأنجيتها: إذا قطعتها، كأنه قطع الأذى عن نفسه، أو من النجوة للمرتفع من الأرض، كأنه يطلبها ليجلس عليها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3067>تعريف الاستجمار</span>.\nالاستجمار: مأخوذ من الجمار: هي الصغار من الأحجار، جمع جمرة، ومنها سموا المواضع التي ترمى جمارًا وجمرات لما بينهما من الملابسة.\nواستجمر: أي استنجى بالجمار: وهي الأحجار الصغار (^٢).\nوفي اللسان: قيل: الاستجمار هو الاستنجاء، واستجمر واستنجى واحد (^٣).\nقلت: جاء هذا في حديث سلمان ﵁ في مسلم:\nلقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3068>تعريف الاستطابة</span>.\nالاستطابة: تطلق كناية على الاستنجاء. وسمي بها من الطيب؛ لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء: أي يطهره، ويقال منه: استطاب الرجل فهو مستطيب، وأطاب نفسه فهو مطيب، والمطيب، والمستطيب: المستنجي، مشتق من الطيب، وروي عن النبي أنه نهى أن يستطيب الرجل بيمينه. الاستطابة والإطابة كناية عن الاستنجاء (^٥).\n_________\n(^١) لسان العرب (١٥/ ٣٠٦).\n(^٢) تاج العروس (٦/ ٢١٣)، المغرب (ص: ٨٨، ٨٩).\n(^٣) اللسان (٤/ ١٤٧).\n(^٤) مسلم (٢٦٢).\n(^٥) اللسان (١/ ٥٦٧).","vol":"7","page":14},{"text":"(١٢٦١ - ٢) وقد روى أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا يعقوب ابن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،\nعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3069>تعريف الاستبراء:</span>\nالاستبراء في اللغة: طلب البراءة.\nوالاستبراء في الطهارة: طلب البراءة من البول: وهو أن يستفرغ بقية البول، وينقي موضعه ومجراه حتى يبرئهما منه، أي يبينه عنهما كما يبرأ من الدين والمرض. والاستبراء: استنقاء الذكر عن البول. واستبرأ الذكر: طلب براءته من بقية بول فيه بتحريكه ونتره وما أشبه ذلك (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3070>تعريف الاستنقاء</span>.\nالاستنقاء: طلب النقاوة، وهي النظافة، ونقاه: أي نظفه.\nوقال في المغرب: الاستنقاء: المبالغة في تنقية البدن (^٣).\nقلت: ومنه تنقيته من البول والغائط، وقد جاء في حديث حمنة بنت جحش مرفوعًا: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلةً. الحديث (^٤).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ١٣٣)، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\n(^٢) اللسان (١/ ٣٣)، التوقيف على مهمات التعريف (ص: ٥٤)، النهاية في غريب الحديث (١/ ١١٢).\n(^٣) المغرب (ص: ٤٧٤).\n(^٤) سنن أبي داود (٢٨٧)، والحديث فيه ضعف، وقد خرجته في مسألة شد العصابة على الفرج عند الوضوء.","vol":"7","page":15},{"text":"وأما المعنى الاصطلاحي لهذه الألفاظ، فلا يخرج عن المعنى اللغوي، ولذلك تعمدت ألا أذكر تعريفها الاصطلاحي.\n* * *","vol":"7","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3071>الباب الأول في حكم الاستنجاء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3072>الفصل الأول خلاف العلماء في حكم الاستنجاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأمر الوجوب وفي النهي التحريم.\n• الأمر بصيغة الخبر يقصد به توكيد الأمر، وتوكيده لا يعني إلا الوجوب، قال ﷺ في المذي: يغسل ذكره ويتوضأ (^١).\n• لا يلزم من العفو عن أثر النجاسة العفو عن عينها.\n• كل نجاسة ظاهرة لا مشقة في إزالتها تجب إزالتها للصلاة.\n• التخيير بين الحجارة والماء ينافي التعيين، ولا ينافي الوجوب كخصال الكفارة.\nوقيل:\n• كل نجاسة لا يلزم إزالة أثرها لا يلزم إزالة عينها كدم البراغيث.\n• كل نجاسة لا تجب إزالتها بالماء، لا تجب إزالتها بغير الماء قياسًا على أثر النجاسة.\n_________\n(^١) حديث يغسل ذكره ويتوضأ متفق عليه، وهو خبر بمعنى الأمر، ومثله قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) أي ليتربصن.\nوقوله تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الآية: [الصف: ١٠، ١١].أي: أمنوا بالله بدليل جزم الفعل في قوله: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ) فهو مجزوم بالطلب المراد بالخبر في تؤمنون بالله، انظر أضواء البيان (٥/ ١٣).","vol":"7","page":17},{"text":"[م-٥٨٢] اختلف العلماء في حكم الاستنجاء، هل هو واجب أم سنة؟\nفقيل: إنه سنة (^١)، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: إن الاستنجاء واجب، وهو قول في مذهب المالكية (^٣)، ومذهب الشافعية، والحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3073> دليل من قال: الاستنجاء سنة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3074>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].\nقال الجصاص في بيان وجه الدلالة:\nحوت هذه الآية الدلالة من وجهين على ما قلنا:\nأحدهما: إيجابه على المحدث غسل هذه الأعضاء، وإباحة الصلاة به، وموجب\n_________\n(^١) فلو ترك الاستنجاء لجازت صلاته ولكن مع الكراهة عند الحنفية، ومالك يستحب له الإعادة ما دام في الوقت.\n(^٢) انظر في مذهب الحنفية بدائع الصنائع (١/ ١٨)، البناية على الهداية (١/ ٧٥٧، ٧٥٨)، شرح فتح القدير (١/ ١٨٧)، تبيين الحقائق (١/ ٧٦، ٧٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٥).\nوانظر في مذهب المالكية: التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٩١)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٦٩)، مواهب الجليل (١/ ١٣٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٣١)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٨٥).\n(^٣) الخلاف في المسألة عند المالكية يرجع إلى الخلاف في حكم إزالة النجاسة عن البدن والثوب هل يجب إزالتها أم يسن، على قولين في مذهبهم، أحدهما أنه سنة من سنن الصلاة، سواء كان قادرًا على إزالتها أو غير قادر، وسواء كان ذاكرًا لها، أو غير ذاكر.\nوقيل: إنه واجب مع ذكر النجاسة، والقدرة على إزالتها. انظر كفاية الطالب (١/ ١٣١)، التاج والإكليل (١/ ١٣١)، مواهب الجليل (١/ ٤٧).\n(^٤) انظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١١١)، روضة الطالبين (١/ ٦٥)، المهذب (١/ ٢٧)، حلية العلماء (١/ ١٦١)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٣)، متن أبي شجاع (ص: ١٧).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٠٠)، شرح العمدة (١/ ١٦٠)، المحرر (١/ ١٠)، الإنصاف (١/ ١١٣)، الكافي (١/ ٥١).","vol":"7","page":18},{"text":"الاستنجاء فرضًا مانع ما أباحته الآية، وذلك يوجب النسخ، وغير جائز نسخ الآية إلا بما يوجب العلم من النقل المتواتر، وذلك غير معلوم في إيجاب الاستنجاء. ومع ذلك فإنهم متفقون على أن هذه الآية غير منسوخة، وأنها ثابتة الحكم، وفي اتفاقهم على ذلك ما يبطل قول موجبي الاستنجاء فرضا.\nوالوجه الآخر من دلالة الآية: قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) الآية: [المائدة: ٦]؛ فأوجب التيمم على من جاء من الغائط، وذلك كناية عن قضاء الحاجة، فأباح صلاته بالتيمم من غير استنجاء، فدل ذلك على أنه غير فرض.\n• ويجاب عن هذا:\nبأن الذي يقوم إلى الصلاة لا يجب عليه الاستنجاء، فالاستنجاء واجب في حال خروج النجاسة من المخرج، لا في حال الوضوء، فلو قلنا بوجوب الاستنجاء عند كل وضوء لصح لكم الاستدلال، فالآية دليل على أن الاستنجاء ليس من أعمال الوضوء، وهذا لا نخالف فيه.\nومثله يقال في قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) [المائدة: ٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3075>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٦٢ - ٣) ما رواه أحمد من طريق عيسى بن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:\nمن اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (^١).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣٧١).","vol":"7","page":19},{"text":"[إسناده ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (^١).\n_________\n(^١) في الإسناد حصين الحبراني:\nذكره البخاري، وسكت عليه. التاريخ الكبير (٣/ ٦).\nوقال أبو زرعة: شيخ. الجرح والتعديل (٣/ ١٩٩).\nوذكره ابن حبان في الثقات. ثقات ابن حبان (٦/ ٢١١).\nوقال الذهبي: لا يعرف في زمن التابعين. ميزان الإعتدال (١/ ٥٥٥)، لسان الميزان (٧/ ٢٠٠).\nوقال الحافظ في التقريب: مجهول.\nوفي الإسناد أيضًا: أبو سعيد الحبراني:\nذكره ابن حبان في الثقات (٣/ ٢٧١)، وقال: له صحبة.\nقال أبو زرعة: لا أعرفه. الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٨).\nوقال العجلي: تابعي، ثقة. ثقات العجلي (٢/ ٤٠٤).\nوقل الحافظ: مجهول. لسان الميزان (٧/ ٤٦٦).\nوخطأ الحافظ في التهذيب من ادعى أنه صحابي، وقال: هما اثنان: الأنماري، والحبراني،\nفأبو سعيد الحبراني تابعي قطعًا.\nومع أن الحافظ ضعف الحديث في التلخيص (١/ ١٨٠) وقال: «حصين الحبراني: مجهول». إلا أنه سها في الفتح (١/ ٣٤٨)، فقال: «إسناده حسن».\nوقال النووي في المجموع (٢/ ٩٢): «وأما حديث أبي هريرة فحسن، رواه أحمد، والدارمي، وأبو داود، وابن ماجه بأسانيد حسنة».\n[تخريج الحديث]:\nالحديث مداره على ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعيد، وقيل سعد الخير، عن أبي هريرة.\nأخرجه أبو داود (٣٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢١)، والطبراني في مسند الشاميين (٤٨١)، والبيهقي (١/ ٩٤) من طريق عيسى بن يونس. إلا أن البيهقي اقتصر على آخره: (من أتى الغائط فليستتر ...) إلخ الحديث.\nوأخرجه الدارمي (٦٦٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢١) وفي مشكل الآثار (١٣٨)، وابن حبان (١٤١٠) والحاكم في المستدرك (٤/ ١٣٣)، من طريق أبي عاصم. ولم يذكر ابن حبان قوله في الحديث: (ومن تخلل .. ومن لاك).\nوأخرجه ابن ماجه (٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٩٨) من طريق عبد الملك بن الصباح،\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٤٨١) من طريق عمرو بن خالد الحراني. أربعتهم عن ثور ابن يزيد به.\nوفي رواية أحمد، والبيهقي، والطحاوي، قالوا: أبو سعد الخير.\nوفي رواية أبي داود، وإحدى روايتي الطحاوي، وإحدى روايتي ابن ماجه، قالوا: أبو سعيد.","vol":"7","page":20},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال في نصب الراية: الاستدلال به من وجهين:\nأحدهما: أنه نفى الحرج في تركه، ولو كان فرضًا لكان في تركه حرج.\nالثاني: أنه قال: من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومثال هذا لا يقال في المفروض، وإنما يقال هذا في المندوب إليه والمستحب.\n• ويجاب من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن نفي الحرج لا يرجع إلى الاستنجاء، وإنما إلى الايتار، لأنه أقرب مذكور، وهو صفة في الاستنجاء، وسوف يأتي حكم الايتار فيه.\nالثاني: أن الحديث ضعيف، يرويه مجهول عن مثله، وسبق بيانه في التخريج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3076>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن الفقهاء متفقون على العفو عن النجاسة اليسيرة، وهذا منها.\n• ويجاب على هذا:\nأننا وإن سلمنا أن يسير النجاسات معفو عنها في الجملة، فإننا لا نسلم أن أثر الاستنجاء من البول والغائط من اليسير المعفو عنه، وإنما يعفى عن يسير النجاسة في حالتين:\nالأولى: أن يلحق في الاحتراز منها مشقة، ولذلك حكم الشارع بطهارة الهرة؛ لمشقة الاحتراز منها.\nالثاني: ألا يمكن إزالتها، كالأثر المتبقي في الاستجمار، فإنه لا يمكن إزالته إلا بالماء، وطهارة من به سلس بول، والمستحاضة ونحو ذلك.\nوطهارة الاستنجاء لا تلحق مشقة بالاحتراز منها، ويمكن إزالتها بيسر","vol":"7","page":21},{"text":"وسهولة، والبول والغائط من الأمور الجبلية التي تتكرر، وقد أمرنا بالاستنجاء منها، وبين لنا الشارع صفة الاستجمار، وعدد الأحجار، ولم ينقل في السنة أن الصحابة كانوا يتركون الاستنجاء للعفو عنها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3077>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إن الاستنجاء لا يجب بالماء مع وجوده، والقدرة عليه، ومن غير ضرورة توجب تركه، فإذا لم يجب الاستنجاء بالماء، وهو آلة التطهير، فكيف يجب بالحجارة أو غيرها من المخففات، وهي ليست مطهرة (^١).\n• ويجاب عن هذا من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن النجاسة عين خبيثة بأي مزيل زالت فقد زال حكمها، ولا يتعين الماء في إزالة النجاسة، ولذلك جاء تطهير النعل وذيل المرأة بالتراب، وسوف نذكر أدلة هذه المسألة في مبحث مستقل.\nالوجه الثاني:\nكون الاستنجاء بالماء ليس واجبًا بعينه، لا يعني سقوط الاستنجاء، كما هو الحال في التخيير بين خصال كفارة الأيمان، (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [المائدة: ٨٩] فلا يقال: كون الإطعام ليس واجبًا يدل على أن كفارة الأيمان ليست واجبة، فالواجب في الاستنجاء أحد أمرين إما الماء أو الحجارة أو ما يقوم مقامهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3078> دليل من قال بوجوب الاستنجاء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3079>الدليل الأول:</span>\n(١٢٦٣ - ٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان،\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٧٧)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٥٩).","vol":"7","page":22},{"text":"حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (^١).\n[حسن] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٢٥٠).\n(^٢) رجاله كلهم ثقات إلا ابن عجلان فإنه صدوق.\nوالحديث مداره على ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nوالحديث قد أخرجه الشافعي (١/ ٢٨)، والحميدي (٩٨٨)، وأحمد (٢/ ٢٤٧)، وابن ماجه (٣١٣)، وأبو عوانة (٥١١)، والطحاوي (١/ ١٢٣)، والبيهقي (١/ ١٠٢)، من طريق سفيان بن عيينة.\nوأخرجه أحمد كما في حديث الباب، والنسائي (٤١)، وابن خزيمة (٨٠)، وابن حبان (١٤٤٠)، والبيهقي (١/ ٩١، ١٢٢) من طريق يحيى بن سعيد القطان.\nوأخرجه أبو داود (٨)، والدرامي (٦٧٤) من طريق ابن المبارك.\nوأخرجه ابن ماجه مختصرًا (٣١٢) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن وعبد الله بن رجاء المكي، قرنهما.\nوأخرجه أبو عوانة مختصرًا (٥٠٩) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢١) من طريق صفوان بن عيسى.\nوأخرجه ابن حبان (١٤٣١) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢١) من طريق وهيب.\nوالبيهقي (١/ ٩١) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، كلهم عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم به.\nوأخرجه يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، واختلف على يزيد بن زريع:\nفأخرجه مسلم مختصرًا (٢٥٦) وأبو عوانة (١/ ٢٠٠) من طريق عمر بن عبد الوهاب الرياحي، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن سهيل بن أبي صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nوأخرجه البيهقي (١/ ١٠٢) من طريق أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن محمد بن عجلان به كرواية الجماعة.","vol":"7","page":23},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (وكان يأمرنا بثلاثة أحجار) والأصل في الأمر الوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3080>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٦٤ - ٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج، حدثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،\nعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (^١).\n[إسناده فيه لين] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ١٣٣).\n(^٢) رجاله كلهم ثقات إلا مسلم بن قرط، تفرد بالرواية عنه أبو حازم، وذكره البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه شيئًا. التاريخ الكبير (٧/ ٢٧١)، الجرح والتعديل (٨/ ١٩٢).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٤٧)، وقال: يخطئ.\nوقال الذهبي: لا يعرف. الميزان (٨٥٠٩).\nوفي التقريب: مقبول. وفي التهذيب: هو مقل جدًا. وإذا كان يخطئ مع قلة حديثه فهو ضعيف. وكنت قد حسنته سابقًا اغتررًا بقول الدارقطني في سننه (١/ ٥٤، ٥٥) إسناده حسن. وقد بينت في المجلد الأول أن تحسين الدارقطني في سننه لا يعني التحسين الاصطلاحي، بل يعني أنه غريب، وهو على ضعفه شاهد صالح لحديث أبي هريرة السابق.\n[تخريج الحديث].\nرواه سريج بن النعمان، عن عبد العزيز بن أبي حازم، واختلف فيه على سريج:\nفرواه أحمد (٦/ ١٣٣) عن سريج بن النعمان، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن مسلم ابن قرط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.\nوخالف أحمد إسحاق الحربي، كما في العلل للدارقطني (١٤/ ٢٠٥) فرواه عن سريج، عن\nعبد العزيز بن أبي حازم، عن هشام بن عروة، عن مسلم بن قرط، عن عروة، عن عائشة.\nفأبدل الحربي أبا حازم بهشام بن عروة. قال الدارقطني: وهم في هذا القول. يعني إسحاق الحربي. ...\nقلت: ويدل على وهمه أن جماعة رووه عن عبد العزيز بن أبي حازم كما رواه أحمد عن سريج.\nفقد رواه قتيبة بن سعيد كما في سنن والنسائي الكبرى (٤٢)، والمجتبى (٤٤).\nوأبو معمر إسماعيل بن إبراهيم القطيعي كما في مسند أبي يعلى (٤٣٧٦).\nوهشام بن سعد كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٢١).\nويعقوب بن إبراهيم الدورقي كما في سنن الدارقطني (١/ ٥٤)، كلهم رووه عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. لم يذكر أحد منهم في إسناده هشام بن عروة.\nكما رواه غير عبد العزيز بن أبي حازم بذكر أبي حازم.\nفقد أخرجه أحمد (٦/ ١٠٨) وأبو داود (٤٠) والدارمي (٦٧٠) والبيهقي (١/ ١٠٣)،\nوابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٣١٠) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ١٢١) من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني هشام بن سعد، كلاهما (يعقوب وهشام) عن أبي حازم به.\nقال الدارقطني في العلل (١٤/ ٢٠٦): «واختلف فيه على هشام بن عروة، فقال إسحاق الحربي: عن سريج بن النعمان، عن ابن أبي حازم، عن هشام بن عروة، عن مسلم بن قرط، عن عروة، عن عائشة، وقد بينا أن ذلك وهم.\nوقال يونس بن بكير: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.\nواختلف عن ابن عيينة، فقيل عن أبي الصباح الجوزجاني، عنه، عن هشام، عن أبيه، أحسبه عن عائشة.\nوخالفه الحميدي، رواه عن ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، وهو الصحيح، عن هشام.\nوحديث أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة، عن عائشة، متصل صحيح، عن أبي حازم». اهـ نقلًا من العلل.\nويشهد له حديث أبي هريرة المتقدم وحديث سلمان الآتي وغيرهما.","vol":"7","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3081>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٦٥ - ٦) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،\nعن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي","vol":"7","page":25},{"text":"بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (^١).\nوجه الدلالة:\nأننا إذا كنا نهينا أن نستنجي بحجر واحد أو حجرين، فما بالك بمن ترك الاستنجاء بالكلية، فهذا أولى بالنهي، والأصل في النهي التحريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3082>الدليل الرابع:</span>\nمعلوم أن البول والغائط نجسان بالإجماع، وقد كلف الإنسان بإزالة النجاسة عند فعل عبادة تشترط لها الطهارة، منها حديث أسماء في غسل دم الحيض، وهو في الصحيحين، ومنها حديث أنس في بول الأعرابي، وهو متفق عليه، والأحاديث في ذلك كثيرة، فنحتاج إلى دليل على جواز الصلاة، والإنسان لم يقم بالاستنجاء من البول والغائط، ولا دليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3083>الدليل الخامس:</span>\n(١٢٦٦ - ٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ: يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث وإن لم يكن صريحًا في وجوب الاستنجاء، لكنه صريح في وجوب إزالة النجاسة من البول، فيبقى الحديث شاملًا لكل بول، سواء كان الأثر المتبقي بعد\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).","vol":"7","page":26},{"text":"البول، أو البول نفسه، فمن لم يوجب قطع نجاسة البول بعد الفراغ منه فعليه الدليل.\nوأخرت هذا الدليل؛ لأن دلالته ليست صريحة.\nالراجح من الخلاف:\nلا شك أن قول الشافعية والحنابلة في وجوب الاستنجاء أقوى من حيث الأدلة، وهو الذي يليق بدين الإسلام دين الطهارة والنظافة.\n* * *","vol":"7","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3084>الفصل الثاني\nهل الاستنجاء على الفور أم على التراخي</span>؟\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأمر المطلق، هل هو على الفور، أم على التراخي؟\n• الواجب لغيره يجب عند وجوب ذلك الشيء.\n[م-٥٨٣] لما كان الاستنجاء هو من باب إزالة النجاسة، وإزالة النجاسة واجبة للصلاة صرح الشافعية بأن الاستجمار لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره حتى يريد الطهارة أو الصلاة (^١)، ويستحب تعجيله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3085> الدليل بأن الاستنجاء على التراخي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3086>الدليل الأول:</span>\n(١٢٦٧ - ٨) ما رواه البخاري في صحيحه: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ١٤٦)، إعانة الطالبين (١/ ١٠٧)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٣)، حواشي الشرواني (١/ ١٧٤)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٣)، أسنى المطالب (١/ ٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري (١٧٤).","vol":"7","page":28},{"text":"واستدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف، لقوله: (فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك) فإذا نفي الرش كان نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3087>الدليل الثاني:</span>\nقياس إزالة النجاسة على بقية شروط الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة وجب الاستنجاء وجوبًا موسعًا بسعة الوقت، ومضيقًا بضيقه كبقية الشروط (^١).\n• والدليل على استحباب تعجيل إزالة النجاسة.\nحديث أنس في تطهير بول الأعرابي، فقد بادر النبي ﷺ في إهراق الماء على بوله،\n(١٢٦٨ - ٩) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا همام، أخبرنا إسحاق،\nعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ رأى أعرابيًا يبول في المسجد، فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه، ورواه مسلم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٨١).\n(^٢) صحيح البخاري (٢١٩)، وصحيح مسلم (٢٨٤).","vol":"7","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3088>الفصل الثالث\nفي العاجز عن الاستنجاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المحرم لغيره تبيحه الحاجة ككشف العورة.\nأو بعبارة أخرى:\n• ما حرِّم تحريم الوسائل فالحاجة تبيحه.\n• تجوز مباشرة الممنوع للتخلص منه (^١).\n• ما جاز فعله مع الميت جاز فعله مع الحي؛ لأن حرمة الميت والحي واحدة (^٢).\n[م-٥٨٤] إذا عجز الإنسان عن الاستنجاء، فمن يرى أن الاستنجاء سنة فهذا واضح أنه لا يجب عليه شيء؛ لأنه لو تركه مع القدرة لم يأثم، فكيف إذا تركه مع عدم\n_________\n(^١) الأصل في مباشرة الممنوع التحريم، لكن إذا كان بنية التخلص فإن ذلك جائز، وللقاعدة هذه فروع منها: مسألتنا هذه مباشرة اليد بالنجاسة من المستنجي، أو من غيره مع عجزه بغرض إزالة النجاسة جائز.\nومنها: إزالة الطيب من المحرم إذا تطيب ناسيًا أو جاهلًا.\nومنها لو لبس المحرم ثوبه جهلًا أو لحاجة، فأراد خلعه، فله أن يخلعه ولو غطى رأسه.\nومنها من طلع الفجر عليه، وهو يجامع زوجته، فنزع في الحال، فلا قضاء عليه، ولا كفارة؛ لأنه لا طريق للتخلص إلا بذلك.\nومنها لو غصب رجل أرضًا، وسكن فيها، فأراد إرجاعها إلى صاحبها، فإن مشيها فيها للخروج منها جائز، ولا يؤاخذ بذلك.\n(^٢) فإذا كان الميت ينجى فالحي المحتاج أولى؛ لكونه يتأذى ويؤذي غيره ببقاء النتن على جسده.","vol":"7","page":30},{"text":"القدرة عليه، وأما من يرى وجوب الاستنجاء مطلقًا أو يراه واجبًا إذا تجاوز المخرج المعتاد فهل ينجيه غيره أم لا؟\nفقيل: يسقط عنه الاستنجاء، وهو مذهب الحنفية (^١)، واختيار الشوكاني (^٢).\nوقيل: إن أمكنه الاستنجاء بمن يجوز له النظر من زوجة أو أمة لزمه، وإلا سقط عنه، وهذا مذهب الحنابلة (^٣)، ومثله مذهب المالكية في الرجل إلا أنهم قالوا في المرأة: لا يجوز أن توكل غيرها بغسله من جارية أو غيرها لكن إن تطوع زوجها بغسله عنها فبها ونعمت، ولا يجب عليه ذلك، وإن أبى فلها أن تصلي بالنجاسة، ولا تكشف عورتها لأحد (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3089> دليل من قال بسقوط الاستنجاء عند العجز:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3090>الدليل الأول:</span>\nكل الأدلة التي استدلوا على عدم وجوب الاستنجاء استدلوا بها هنا، فإذا كان الاستنجاء ليس واجبًا، وكان كشف العورة للغير محرمًا، فلا يرتكب المحرم من أجل تحقيق أدب من الآداب.\nوقد أجبت عن أدلتهم هناك في حكم الاستنجاء فانظرها هناك يا رعاك الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3091>الدليل الثاني:</span>\nعلى التسليم بأن الاستنجاء واجب، فإن الواجبات كلها تسقط مع العجز، فالتكليف من شرطه القدرة، وهذا غير قادر.\n_________\n(^١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣١)، وفي الفتاوى الهندية (١/ ٥٠): المرأة المريضة إذا لم يكن لها زوج، وعجزت عن الوضوء، ولها ابنة أو أخت توضئها، ويسقط عنها الاستنجاء. كذا في فتاوى قاضي خان.\n(^٢) السيل الجرار (١/ ٣٣٢).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٦١).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٣١٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٢).","vol":"7","page":31},{"text":"(١٢٦٩ - ١٠) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (فأتوا منه ما استطعتم) وهذا لا يستطيع الاستنجاء.\n• ويناقش:\nلا خلاف بأن الواجبات تسقط مع العجز، ولكن القدرة تارة يكون قادرًا بنفسه، وتارة يكون قادرًا بغيره، فإذا وجد من ينجيه لم يكن عاجزًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3092> دليل من قال: يلزمه إن كان عنده أمة أو زوجة متطوعة:</span>\nلما كان كشف العورة للأمة والزوجة مباحًا، كان مباشرة الزوجة والأمة للاستنجاء مباحًا أيضًا.\nوالحقيقة أن الخلاف يرجع إلى حكم كشف العورة للحاجة، والذي أراه أن كشف العورة للحاجة جائز للأجنبي.\nأولًا: لأن كشف العورة محرم لغيره، وما كان محرمًا لغيره أباحته الحاجة وذلك كإباحة العرايا، وإباحة كشف العورة للتداوي.\nفإذا جاز بيع العرايا والرجع في معرفة التساوي إلى الخرص لمجرد الحاجة إلى أكل الرطب تفكهًا، وقلنا: إنه من باب التفكه؛ لأن الإنسان يملك تمرًا، لكن ليس عنده رطب، فإذا كان الشرع نظر إلى حاجة هذا الشخص في التفكه، فكونه يباح له أن يتخلص من النجاسات بواسطة شخص آخر أولى، خاصة أن بقاء النجاسة على البدن يؤذي الرجل كما يؤذي من يجالسه للرائحة الكريهة التي تنبعث منه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).","vol":"7","page":32},{"text":"ومثله التداوي فإنه لا يعتبر ضرورة بل يعتبر حاجة بدليل أنه يجوز تركه، ولم يرشد الرسول ﷺ المرأة السوداء إليه\n(١٢٧٠ - ١١) فقد روى البخاري من طريق عمران أبي بكر، قال: حدثني عطاء ابن أبي رباح قال:\nقال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها. ورواه مسلم (^١).\nفأرشدها إلى الصبر، ولو كان التداوي لازمًا لأرشدها إليه.\n(١٢٧١ - ١٢) ومنها ما رواه البخاري من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس ﵄ قال: خرج علينا النبي ﷺ يومًا، فقال: عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد، ورأيت سوادًا كصثيرًا سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر فرأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس ولم يبين لهم، فتذاكر أصحاب النبي ﷺ فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ فقال: هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون ... الحديث رواه مسلم بنحوه (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٦٥٢)، صحيح مسلم (٢٥٧٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٧٥٢)، وصحيح مسلم (٢٢٠).","vol":"7","page":33},{"text":"فقوله: لا يسترقون: أي لا يطلبون الرقية.\nومع ذلك أجاز الفقهاء كشف العورة للتداوي، مع أنه حاجة وليس ثمت ضرورة، مع أننا في الاستنجاء قد لا نحتاج إلى كشف العورة، وإنما يحتاج من ينجي غيره إلى مباشرة العورة بحائل فقط دون النظر إليها. وإذا كان الميت في غسله ينجى فالحي أولى بالاستنجاء من الميت لما يلي:\nأولًا: أن بقاء النجاسة على الحي يؤذيه أذى شديدًا، وإيذاء الحي أشد من إيذاء الميت، ويجب إزالة كل أذى عنه متى ما كان مستطيعًا.\nثانيًا: أن بقاء النجاسة على غيره يؤذي غيره ممن يخالطه، ولا بد للإنسان من المخالطة.\nثالثًا: أن هذا المريض مكلف بأداء الصلاة، ويجب لها الطهارة متى كان مقتدرًا بنفسه أو بغيره، وبقاؤه على حالته تلك يوجب له من الحرج والألم النفسي ما لم يعلم قدره إلا الله، فمن أجل هذا وغيره يجب تطهيره من النجاسة وتنقيته منها متى كان ذلك بالإمكان، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3093>الباب الثاني في آداب الخلاء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3094>الفصل الأول في آداب تتعلق بالدخول والخروج وقضاء الحاجة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3095>المبحث الأول في حكم التسمية عند الدخول</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في العبادات المنع، وفي العادات الإباحة.\n• التسمية قد تكون شرطًا كما في التذكية، وقد تكون بدعة كالتسمية للدخول في الصلاة أو للأذان، وقد تكون مستحبة كالتسمية للأكل، وأحكامها قائمة على التوقيف، وليس الاستحسان.\n[م-٥٨٥] ذهب الفقهاء إلى مشروعية التسمية عند دخول الخلاء (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: الجوهرة النيرة (١/ ٥)، شرح فتح القدير (١/ ٢٤)، درر الحكام (١/ ٥٠)، البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤).\nوانظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ١٠٦)، حاشية الصاوي (١/ ٨٩)، منح الجليل (١/ ٩٩)، الشرح الكبير (١/ ١٠٦)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٣).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٨٨)، المنثور في القواعد الفقهية (١/ ٢٩٨)، أسنى المطالب (١/ ٤٥، ٤٨)، نهاية المحتاج (١/ ١٤٢)، حاشية الجمل (١/ ٩١).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١١٠)، الفروع (١/ ١١٣)، الإنصاف (١/ ٩٦)، كشاف القناع (١/ ٥٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٤).","vol":"7","page":35},{"text":"وقيل: لا تشرع التسمية مطلقًا، وهو قول في مذهب المالكية (^١).\nوقيل: لا تشرع عند الدخول، وتشرع عند الخروج، وهو قول في مذهب المالكية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3096> دليل من قال بمشروعية التسمية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3097>الدليل الأول: الإجماع</span>.\nوممن حكى الإجماع على مشروعية التسمية عند دخول الخلاء النووي، قال: وهذا الأدب -يعني: قول بسم الله- متفق على استحبابه، ويستوي فيه الصحراء والبنيان (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3098>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٧٢ - ١٣) قال الحافظ ابن حجر: روى العمري، من طريق عبد العزيز بن المختار، عن عبد العزيز بن صهيب،\nعن أنس، عن رسول الله ﷺ: إذا دخلتم الخلاء، فقولوا: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث.\n[ذكر التسمية في الحديث شاذ] (^٤).\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٤٣).\n(^٢) الخرشي (١/ ١٤٣).\n(^٣) المجموع (١/ ٨٨).\n(^٤) قال الحافظ: إسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية ولم أرها في غير هذه الرواية. قلت: هذه الزيادة شاذة، فقد رواه جماعة عن عبد العزيز بن صهيب، دون ذكر التسمية، منهم:\nالأول: شعبة، كما في مسند أحمد (٣/ ٢٨٢)، والبخاري (١٤٢)، والترمذي (٥)، وابن الجارود في المنتقى (٢٨)، ومسند أبي يعلى (٣٩١٤)، ومسند أبي عوانة (١/ ٢١٦)، وشرح السنة للبغوي (١٨٦).\nالثاني: حماد بن زيد، كما في سنن أبي داود (٤)، والترمذي (٦)، والدرامي (٦٩٩)، ومسند ابن الجعد (١٤٢٧)، والبيهقي (١/ ٩٥). =","vol":"7","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3099>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٧٣ - ١٤) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن أبي معشر، هو نجيح، عن عبد الله بن أبي طلحة،\nعن أنس، أن النبي ﷺ كان إذا دخل الكنيف، قال: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث (^١).\n[سنده ضعيف] (^٢).\n_________\n= الثالث: هشيم بن بشير، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١١)، وأحمد (٣/ ٩٩)، ومسند ابن الجعد (١٤٢٦)، ومسلم (٣٧٥)، وأبي يعلى (٣٩٠٢)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٨٢٤)، وابن حبان (١٤٠٧).\nالرابع: إسماعيل بن علية، كما في المسند (٣/ ١٠١)، ومسلم (٣٧٥)، والنسائي في السنن الكبرى (١٩)، والمجتبى (١٩)، وابن ماجه (٢٩٨)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٨٢٥).\nالخامس: حماد بن سلمة، كما في مسند أبي يعلى (٣٩١٤)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٨٢٤)، وصحيح ابن حبان (١٤٠٧).\nالسادس: عبد الوارث، كما في سنن النسائي الكبرى (٧٦٦٤، ٩٩٠٢)، وعمل اليوم والليلة (٧٤)، وسنن البيهقي (١/ ٩٥).\nالسابع: زكريا بن يحيى بن عمارة، كما في مسند ابن الجعد (١٤٢٧)، وأبي يعلى (٣٩٣١).\nالثامن: حماد بن واقد، كما في مسند ابن الجعد (١٤٢٧).\nالتاسع: سعيد بن زيد، كما في الأدب المفرد (٦٩٢).\nهؤلاء شعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وهشيم وإسماعيل بن علية وعبد الوارث بن سعيد وزكريا بن يحيى وحماد بن واقد وسعيد بن زيد تسعة رواة، رووه عن ابن صهيب، فلم يذكروا البسملة، وخالفهم عبد العزيز بن المختار، فزادها، ولا شك أنهم أكثر عددًا، ومنهم من هو مقدم على عبد العزيز بن المختار في الحفظ لو أنفرد كشعبة، فما بالك بهذا العدد.\n(^١) المصنف (١/ ١١).\n(^٢) ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الطبراني في الدعاء (٣٥٨).\nورواه ابن عدي في الكامل (٨/ ٣٢١) من طريق الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم به.\nوفي إسناده أبو معشر، ضعيف سيء الحفظ، وقد تغير حفظه، وفي إسناده اختلاف، فقد ذكره\nابن أبي حاتم في العلل (١/ ٦٤) «حدثنا أبو زرعة، عن محمد بن المنكدر، عن أبي معشر به، وقال: =","vol":"7","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3100>الدليل الرابع:</span>\n(١٢٧٤ - ١٥) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان، حدثنا خلاد الصفار، عن الحكم بن عبد الله النصري، عن\nأبي إسحاق، عن أبي جحيفة،\nعن علي بن أبي طالب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده ليس بذاك القوي (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n_________\n= قال أبي في كتابه: عن أبي معشر، عن حفص، عن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبي ﷺ».\nوقال صاحب منتقى الأخبار أبو البركات (١/ ٩٧): «ولسعيد بن منصور في سننه كان يقول: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. فينظر في طريق سعيد بن منصور، هل هو طريق متابع، أو أنه لا يخرج عما ذكر، فلعله يكون طريقًا مستقلًا صحيحًا فيكون دليلًا على مشروعية هذا الذكر عند دخول الخلاء، والله أعلم».\n(^١) سنن الترمذي (٦٠٦).\n(^٢) ورواه ابن ماجه (٢٩٧) حدثنا محمد بن حميد به.\nوفي إسناده شيخ الترمذي وابن ماجه: محمد بن حميد الرازي، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: فيه نظر. التاريخ الكبير (١/ ٦٩).\nوقال أبو بكر بن أبى خيثمة: سئل يحيى بن معين، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: ثقة، ليس به بأس، رازي كيس. الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٢).\nوقال ابن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن حميد ثقة، وهذه الأحاديث التي يحدث بها ليس هو من قبله، إنما هو من قبل الشيوخ الذي يحدث به عنهم. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: سألني يحيى بن معين، عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر، فقال أي شيء تنقمون عليه؟ فقلت: يكون في كتابه الشيء، فنقول ليس هذا هكذا، إنما هو كذا وكذا، فيأخذ القلم فيغيره على ما نقول. قال: بئس هذه الخصلة، قدم علينا بغداد، فأخذنا منه كتاب =","vol":"7","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يعقوب القمي، ففرقنا الأوراق بيننا، ومعنا أحمد بن حنبل، فسمعناه ولم نر إلا خيرًا. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: وتكثر أحاديث ابن حميد التي أنكرت عليه إن ذكرناها، على أن أحمد بن حنبل قد أثنى عليه خيرًا لصلابته في السنة. الكامل (٦/ ٢٧٤).\nوقال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة -يعنى الرازي- «سألت أبا زرعة، عن محمد بن حميد، فأومأ بأصبعه إلى فمه. فقلت له: كان يكذب، فقال برأسه: نعم. قلت له: كان قد شاخ لعله، كان يعمل عليه، ويدلس عليه. فقال: لا يا بني كان يتعمد». تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٩).\nوكان أحمد بن حنبل قد أحسن الثناء عليه، لكن لما قال له أبو زرعة ومحمد بن مسلم بن وارة: قد صح عنه أنه يكذب، صار إذا ذكر عنده ابن حميد، نفض يده. المجروحين (٢/ ٣٠٤).\nواتهمه بالكذب النسائي، وقال مرة: ليس بشيء. تهذي التهذيب (٩/ ١١٤).\nوقال صالح بن محمد: كنا نتهم ابن حميد. سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٠٤).\nوقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد، فإن أحمد بن حنبل قد أحسن الثناء عليه؟ قال: إنه لو عرفه كما عرفناه لما أثنى عليه أصلًا. المرجع السابق.\nوقال أبو أحمد العسال: سمعت فضلك يقول: دخلت على ابن حميد، وهو يركب الأسانيد على المتون. المرجع السابق.\nقال الذهبي: آفته هذا الفعل، وإلا فما أعتقد فيه أنه يضع متنا، وهذا معنى قولهم: فلان سرق الحديث.\nقال يعقوب بن إسحاق الفقيه: سمعت صالح بن محمد الأسدي يقول: ما رأيت أحذق بالكذب من سليمان الشاذكوني، ومحمد بن حميد. المرجع السابق.\nولم ينفرد به ابن حميد، فقد تابعه غيره، فقد رواه البزار في مسنده (٤٨٤) حدثنا يوسف بن موسى، قال: أخبرنا الحكم بن بشير به.\nويوسف رجل صدوق، قال فيه أبو حاتم الرازي ويحيى بن معين: صدوق.\nوقال النسائي: لا بأس به.\nإلا أن الحديث له علتان أخريان:\nالأولى: عنعنة أبي إسحاق السبيعي، وهو مدلس مكثر، وقد تغير بآخرة.\nالثانية: الحكم بن عبد الله النصري.\nذكره البخاري وابن أبي حاتم، فلم يذكرا فيه شيئًا. التاريخ الكبير (٢/ ٣٣٧)، الجرح والتعديل (٣/ ١٢٠).\nولم يوثقه إلا ابن حبان، الثقات (٦/ ١٨٦).\nوقال الذهبي في المغني: مجهول. =","vol":"7","page":39},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي التقريب: مقبول، وهذه عبارة تليين من الحافظ، وليست عبارة تمتين.\nفهذا حديث ضعيف؛ ولا عبرة بإسناد الترمذي وابن ماجه لأن ابن حميد متهم بتركيب الأسانيد، والنظر في إسناد البزار، والبزار نفسه فيه كلام، والله أعلم.\nوالحديث له شواهد لا تخلو من ضعف، منها:\nالشاهد الأول: حديث أنس.\nأخرج تمام في الفوائد (١٧٠٨) من طريق بشر بن معاذ العقدي، ثنا محمد بن خلف الكرماني، ثنا عاصم الأحول، عن أنس به.\nومحمد بن خلف لم أقف على ترجمته، فهو مجهول، وقد خولف.\nفقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٩٣) رقم ٢٩٧٣٥ حدثنا ابن فضيل، حدثنا عاصم الأحول، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: كان يقال: إن من ستر ما بين عورات بني آدم، وبين أعين الجن والشياطين إذا دخل الكنيف، أن يقول أحدكم إذا وضع ثيابه: بسم الله.\nوهذا إسناد حسن إلا أن بكر بن عبد الله المزني تابعي، ولم ينسبه إلى النبي ﷺ.\nورواه زيد العمي، عن أنس، فقد أخرجه الطبراني في الدعاء (٣٦٨)، وتمام الرازي في فوائده (١٧٠٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٩٨)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٥٢٨)، والسهمي في تاريخ جرجان (١/ ٥٤٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق سعيد بن مسلمة، حدثنا الأعمش، عن زيد العمي، عن أنس.\nوهذا الإسناد له أكثر من علة:\nالأولى: ضعف زيد العمي.\nالثانية: رواية زيد العمي، عن أنس مرسلة.\nالثالثة: سعيد بن مسلمة، مجروح، قال فيه البخاري: منكر الحديث، في حديثه نظر.\nوقال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي، ضعيف الحديث، منكر الحديث.\nالعلة الرابعة: الاختلاف على زيد العمي، فرواه أحمد بن منيع في مسنده كما في المطالب العالية (٣٧) من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن زيد العمي، عن جعفر العبدي، عن أبي سعيد الخدري، فجعله من مسند أبي سعيد، وهذا شديد الضعف؛ لأن محمد بن الفضل، قال فيه أحمد: حديثه ليس بشيء، وقال مرة: كذاب.\nوقال عمرو بن علي: متروك الحديث كذاب.\nوقد رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٢) من طريق أصرم بن حوشب، حدثنا يحيى بن العلاء، عن الأعمش، عن زيد العمي، عن أنس. =","vol":"7","page":40},{"text":"• الراجح:\nأن التسمية ليست مشروعة في الدخول إلى الخلاء، وحديث أنس في الصحيحين ليس فيه ذكر للتسمية، والله أعلم.\n* * *\n_________\n= وأصرم كذاب، ويحيى بن العلاء متهم.\nهذا في ما يتعلق بحديث أنس، فحديث فيه مثل هذه العلل، كيف يعتبر به؟ وحديث أنس في الصحيحين وليست فيه هذه الزيادة.\nالشاهد الثاني: حديث ابن مسعود.\nرواه أبو بكر بن النقور، في الفوائد (١/ ١٥٥، ١٥٦) من طريق محمد بن حفص بن عمر الضرير، ثنا محمد بن معاذ، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود.\nومحمد بن حفص الضرير صدوق يهم كما في التقريب، وقد ينسب إلى جده أحيانًا، فيقال: محمد ابن عباد.\nالشاهد الثالث: معاوية بن حيدة.\nرواه أبو بكر بن النقور معلقًا، عن مكي بن إبراهيم، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده.\nوهذا حديث ضعيف، لم أقف على من وصله، ومن طوي من الإسناد قد يكون ضعيفًا، وقد يكون ضعيفًا جدًا، وما دام الأمر كذلك لا أستطيع أن أجزم، فأعتبر به، وبالتالي لا أرى في التسمية حديثًا صحيحًا، ولا ما يعتبر به بالمجموع خاصة أن حديث الصحيحين ليس فيه ذكر البسملة، والله أعلم.","vol":"7","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3101>المبحث الثاني في حكم التعوذ من الخبث والخبائث</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الفعل التعبدي المجرد من النبي ﷺ إذا لم يكن بيانًا لمجمل واجب فهو على الاستحباب.\n[م-٥٨٦] يستحب أن يقول قبل الدخول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث (^١).\n• الدليل على المشروعية:\n(١٢٧٥ - ١٦) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب قال:\nسمعت أنسًا يقول كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. ورواه مسلم أيضًا (^٢).\nالدليل الثاني:\nالإجماع على مشروعية هذا الذكر، نقل الإجماع جماعة منهم النووي في المجموع (^٣)،\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٢٤)، درر الحكام (١/ ٥٠)، البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٦)، حاشية الصاوي (١/ ٨٩)، منح الجليل (١/ ٩٩)، الشرح الكبير (١/ ١٠٦)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٣)، المجموع (٢/ ٨٨)، (١/ ٢٩٨)، أسنى المطالب (١/ ٤٥، ٤٨)، نهاية المحتاج (١/ ١٤٢)، حاشية الجمل (١/ ٩١)، المغني (١/ ١١٠)، الفروع (١/ ١١٣)، الإنصاف (١/ ٩٦)، كشاف القناع (١/ ٥٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٤).\n(^٢) صحيح البخاري (١٤٢)، مسلم (٣٧٥)، وقد سبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه.\n(^٣) المجموع (٢/ ٨٨).","vol":"7","page":42},{"text":"وابن قاسم في حاشيته على الروض (^١)، وغيرهم.\nوقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: وهذا الأدب مجمع على استحبابه، ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء (^٢).\nقال أحمد: ما دخلت قط المتوضأ، ولم أقلها إلا أصابني ما أكره (^٣).\nقال الخطابي: الخبُث بضم الباء: جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة يريد ذكران الشياطين وإناثهم. اهـ\nوقيل: الخبث: الشر والمكروه، والخبائث: الشياطين، فكأنه استعاذ من الشر وأهله.\nوقال ابن العربي: أصل الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام، فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. اهـ\nوقال الخطابي: عامة أصحاب الحديث يقولون الخبْث ساكنة الباء وهو غلط والصواب الخبُث مضمومة الباء (^٤).\nوجاء في عون المعبود: قال ابن سيد الناس: وهذا الذي أنكره الخطابي هو الذي حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام، وحسبك به جلالة، وقال القاضي عياض: أكثر روايات الشيوخ بالإسكان. وقال القرطبي: رويناه بالضم والإسكان (^٥).\nوقال ابن تيمية: والأول أقوى -يعني الضم- لأن: فعيل: اذا كان صفة جمع على\n_________\n(^١) حاشية ابن قاسم (١/ ١١٨).\n(^٢) شرح النووي (٤/ ٧١).\n(^٣) المغني (١/ ١١٠).\n(^٤) معالم السنن (١/ ١٦) مع تهذيب السنن لابن القيم.\n(^٥) عون المعبود (١/ ١٢).","vol":"7","page":43},{"text":"فعلاء، مثله: ظريف: ظرفاء، وكريم: وكرماء، وإنما يجمع على فُعُل إذا كان اسمًا مثل، رغيف: ورغُف ونذير ونُذُر، ولأنه أكثر (^١).\nوقال ابن دقيق العيد: ذكر الخطابي في أغاليط المحدثين روايتهم له بإسكان الباء. ولا ينبغي أن يعد هذا غلطا؛ لأن فُعُل -بضم الفاء والعين- يخفف عينه قياسا. فلا يتعين أن يكون المراد بالخبث -بسكون الباء- ما لا يناسب المعنى، بل يجوز أن يكون -وهو ساكن الباء- بمعناه، وهو مضموم الباء. نعم من حمله -وهو ساكن الباء- على ما لا يناسب، فهو غالط في الحمل على هذا المعنى، لا في اللفظ (^٢).\nوقال الحافظ: يجوز إسكان الموحدة كما في نظائره مما جاء على هذا الوجه، ككتب، ورسل (^٣). اهـ\n* * *\n_________\n(^١) شرح العمدة (١/ ١٣٨، ١٣٩).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٩٤).\n(^٣) فتح الباري عند شرح حديث (١٤٢).","vol":"7","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3102>الفرع الأول في محل هذه الآداب</span>\n• الجمهور على أن التعوذ أدب لقضاء الحاجة وكشف العورة ودخول مكانها فتشمل الصحراء والبينان.\n[م-٥٨٧] اختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: يشرع في البنيان وفي الصحراء، لكن إن كان المكان معدًا لقضاء الحاجة قال الذكر قبل دخوله المكان، وإن كان في الصحراء قال الذكر قبل أن يشمر ثوبه. قال الحافظ: وهذا مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: إن هذا الذكر خاص في الأماكن المعدة لقضاء الحاجة (^٢).\n_________\n(^١) انظر فتح الباري عند شرح حديث (١٤٢)، وانظر مواهب الجليل (١/ ٢٧١)، الخرشي (١/ ١٤٣)، المجموع (١/ ٨٨)، وحاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٤٧)، حاشية البجيرمي (١/ ٥٨).\n(^٢) ذكره الحافظ في الفتح، وصحح خلافه، انظر فتح الباري عند الكلام على حديث (١٤٢).\nوقال ابن دقيق العيد في شرحه لحديث أنس: «إذا دخل: يحتمل أن يراد به: إذا أراد الدخول. كما في قوله سبحانه (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ).\nويحتمل أن يراد به: ابتداء الدخول، وذكر الله تعالى مستحب في ابتداء قضاء الحاجة. فإن كان المحل الذي تقضى فيه الحاجة غير معد لذلك -كالصحراء مثلًا- جاز ذكر الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معدا لذلك -كالكنف- ففي جواز الذكر فيه خلاف بين الفقهاء. فمن كرهه، هو محتاج إلى أن يؤول قوله: (إذا دخل) بمعنى: إذا أراد؛ لأن لفظة: (دخل) أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح؛ أو لأنه قد تبين في حديث آخر المراد؛ حيث قال ﷺ: ...\n(إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: ...) الحديث. وأما من أجاز ذكر الله تعالى في هذا المكان: فلا يحتاج إلى هذا التأويل. ويحمل: (دخل) على حقيقتها». اهـ نقلًا من إحكام الأحكام (١/ ٩٤).","vol":"7","page":45},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3103> دليل من قال: الذكر خاص بالحشوش</span>\n(١٢٧٦ - ١٧) ما رواه أحمد عن أسباط وعبد الوهاب، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن القاسم الشيباني،\nعن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله ﷺ: إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أراد أحدكم أن يدخل، فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث (^١).\n[رجاله ثقات، إلا أن قتادة قد اختلف عليه في إسناده] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (١/ ٣٧٣).\n(^٢) اختلف فيه على قتادة:\nفرواه الطيالسي (٦٧٩)، وأبو داود (٦)، وابن ماجه (٢٩٦)، وابن خزيمة (٦٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٨٧) من طريق شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم. ورجاله ثقات، وقد صرح قتادة بالتحديث.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١١) حدثنا عبدة بن سليمان.\nوأحمد (٤/ ٣٧٣) حدثنا أسباط وعبد الوهاب بن عطاء.\nوابن ماجه (٢٩٦) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٨٧) من طريق يزيد بن زريع وعبد الوهاب بن عطاء، كلهم عن سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن قاسم الشيباني، عن زيد بن أرقم. وقاسم الشيباني، صدوق يغرب، كذا في التقريب.\nوعبدة بن سليمان ويزيد بن زريع وعبد الوهاب بن عطاء كلهم ممن سمع من ابن أبي عروبة قبل اختلاطه، انظر الكواكب النيرات (ص: ١٩٠).\nوالظاهر أنه لهذا الاختلاف تجنبه الشيخان، فلم يخرجاه، وإنما أخرجا حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، وسبق تخريجه.\nوقال ابن أبي حاتم: «سمعت أبا زرعة يقول: حديث زيد بن أرقم، عن النبي ﷺ في دخول الخلاء قد اختلفوا فيه، فأما سعيد بن أبي عروبة، فإنه يقول: عن قتادة، عن القاسم بن عوف، عن زيد، عن النبي ﷺ، وحديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس أشبه عندي». اهـ\nوقال الحاكم: وكلا الإسنادين على شرط الصحيح، ولم يخرجاه بهذا اللفظ.","vol":"7","page":46},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمر بالاستعاذة، ثم علل الأمر بأن هذه الحشوش محتضرة، فظاهره أن غيرها ليس مثلها مما لم يكن معدًا لقضاء الحاجة، فوجود الشياطين في هذه الحشوش أكثر من وجودهم في غيرها.\n• ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الحديث قد اختلف فيه على قتادة في إسناده.\nالوجه الثاني:\nأنه إنما سمي موضع الخلاء حشًا؛ لأنهم كانوا يقضون حاجاتهم في البساتين؛ لأن الحش في اللغة: هو البستان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3104> دليل من قال الذكر ليس خاصًا في البنيان:</span>\n(١٢٧٧ - ١٨) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب قال:\nسمعت أنسا يقول كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. ورواه مسلم أيضًا (^١).\nفالخلاء: هو الموضع الذي يخلو الإنسان بنفسه لقضاء الحاجة، ولا يشترط أن يكون معدًا لقضاء الحاجة، كما أطلق الغائط على المكان المنخفض من الأرض، في قوله ﷺ: إذا أتيتم الغائط.\nوجاء في العين: الخلاء ممدود: البراز: وهو اسم للفضاء الواسع يكنى به عن قضاء الغائط كما يكنى عنه بالخلاء.\nقال ابن حجر: هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك، لكونها يحضرها\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤٢)، مسلم (٣٧٥)، وقد سبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه.","vol":"7","page":47},{"text":"الشياطين، كما ورد في حديث زيد بن أرقم في السنن، أو يشمل حتى لو بال في إناء مثلًا جانب البيت؟ الأصح الثاني (^١).\nوقد يقال: إن الخلاء وإن كان هذا هو أصل اسمه فإنه قد نقل إلى الأماكن المعدة لقضاء الحاجة، كما أن الغائط الأصل فيه الموضوع المنخفض، ونقل إلى ما يخرج من الإنسان.\n• الراجح:\nالذي تميل إليه نفسي أن هذا الذكر لا يختص في الأماكن المعدة لقضاء الحاجة، خاصة أن حديث زيد بن أرقم قد تكلم فيه، وحديث أنس أصح منه، وهو مطلق في أماكن الخلاء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري عند الكلام على حديث (١٤٢).","vol":"7","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3105>الفرع الثاني متى يقال الذكر الوارد في دخول الخلاء</span>\n[م-٥٨٨] الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى الخلاف في مسألة أخرى، وهي ذكر الله في الخلاء، فمن منعه طلب أن يقال هذا الذكر قبل دخول الخلاء، ومن أجاز ذكر الله في الخلاء لم يمنع، وسوف نأتي على تفصيل هذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله، والخلاف في هذه المسألة على خمسة أقوال:\nقيل: يقول هذا الذكر قبل دخول الخلاء إن كان المكان معدًا لذلك، وإلا قاله في أول الشروع كتشمير ثيابه، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة.\nوقيل: يقوله قبل الدخول إن كان المكان معدًا لذلك، وإن كان في مكان لم يعد لذلك فإنه يقول هذا الذكر ما لم يجلس لقضاء الحاجة. وهو قول في مذهب المالكية.\nوقيل: يقوله: ما لم يكشف عورته. وهو قول في مذهب المالكية.\nوقيل: يقوله ما لم يخرج منه الحدث، وهو قول في مذهب المالكية.\nوقيل: يقوله مطلقًا، ولو خرج منه الحدث، هو قول في مذهب المالكية أيضًا.\nوسوف نأتي على ذكر أدلة المسألة، وعزو الأقوال إلى كتب المذاهب في مسألة ذكر الله في الخلاء إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"7","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3106>الفرع الثالث في إعاذة الطفل بالذكر الوارد</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• التعوذ هل هو من آدب قضاء الحاجة، أو هو أدب لدخول مكانها، أو لهما معًا؟\n[م-٥٨٩] قال الرملي: «إذا دخل الخلاء بطفل لقضاء حاجة الطفل فهل يسن له أن يقول على وجه النيابة عن الطفل: بسم الله اللهم إني أعوذ بك، أو يقول: اللهم إنه يعوذ بك، أو لا يسن قول شيء من ذلك؟\nقال الرملي: فيه نظر، ولا يبعد أن يقول ذلك ويقول إنه يعوذ بك» (^١).\nوالذي يظهر لي أن الجواب مبني على مسألة هل التعوذ من أجل دخول هذه الأماكن المحتضرة من الشياطين، أو من أجل قضاء الحاجة وكشف العورة، أو منهما جميعًا؟\nفإن كان من أجل قضاء الحاجة وكشف العورة تعوذ للطفل فقط، وإن كان من أجل أن هذه الحشوش محتضرة، تكثر فيها الشياطين، فيتعوذ له وللطفل، فيقول: اللهم إنا نعوذ بك، أو يتعوذ عن نفسه، ويعوذ الطفل بقوله: اللهم أني أعيذه بك من الخبث والخبائث، ونحو ذلك،\n_________\n(^١) نهاية المحتاج (١/ ١٤٢)، ونقله الجمل في حاشيته (١/ ٩١)، وانظر حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٨٩).","vol":"7","page":50},{"text":"وتعويذ الطفل بالأذكار المشروعة وارد في الشرع.\n(١٢٧٨ - ١٩) فقد روى البخاري من طريق المنهال، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس ﵄ قال كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين، ويقول: إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة (^١). والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٧١).","vol":"7","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3107>المبحث الثالث استحباب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء</span>\n[م-٥٩٠] استحب بعض فقهاء الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، لبس الحذاء عند دخول الخلاء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3108> دليل الاستحباب:</span>\n(١٢٧٩ - ٢٠) ما رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبدالله، عن حبيب بن صالح، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء لبس حذاءه، وغطى رأسه (^٣).\n[إسناده ضعيف مع إرساله] (^٤).\nقال النووي: وقد اتفق العلماء على أن الحديث المرسل، والضعيف، والموقوف يتسامح به في فضائل الأعمال، ويعمل بمقتضاه وهذا منها (^٥).\nقلت: لنا غنية في العمل بالحديث الصحيح عن الضعيف، ثم العمل بالمرسل عند الشافعية يعمل فيه بشروط لم تتوفر في هذا المرسل، منها أن يكون رجاله ثقاتًا، وأن يعتضد، وهذا إسناده ضعيف، ولم يعتضد.\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ١٠٩): «ويستحب أن لا يدخل الخلاء حافيًا، ذكره جماعة منهم أبو العباس بن سريج في كتاب الأقسام». وانظر أسنى المطالب (١/ ٤٥)، تحفة المحتاج (١/ ١٧٣).\n(^٢) انظر المغني (١/ ١٠٩)، الفروع (١/ ١١٤)، كشاف القناع (١/ ٥٩).\n(^٣) سنن البيهقي (١/ ٩٦).\n(^٤) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، انظر رقم (١٣٠٣) من هذا المجلد.\n(^٥) المجموع (٢/ ١١٠).","vol":"7","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3109>الدليل الثاني:</span>\nمن النظر، قالوا: إن لبس الحذاء يقي الرجل من النجاسة، فإذا دخل حافيًا قد تتنجس رجلاه، وقد يكون المحل غير طاهر، فقد يدخله الصغير الذي لا يتوقى عن نشر النجاسة في الأرض، فلبس الحذاء فيه حماية للقدم من التلوث بالنجاسة، وقد يصيب الإنسان شيء من الوسواس، هل تنجست قدماه أم لا؟ وقطع وسواس الشيطان مطلوب.\nقلت: هذا التعليل ظاهر، لكن ما دام أن المسألة لم يثبت فيها نص، فلو عبر بكلمة: ينبغي، أو الأولى أو أي عبارة أخرى لا تكون مشتملة على ألفاظ شرعية من الاستحباب، أو الكراهة، ونحوها لكان أفضل، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3110>المبحث الرابع في حكم تقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• اليمين تقدم في باب التكريم، واليسرى تقدم في عكسه، وما لا يمكن إلحاقه في أحد منهما، فالأصل فيه اليمين.\n[م-٥٩١] استحب الفقهاء تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء، وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3111> دليل المشروعية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3112>الدليل الأول: الإجماع</span>.\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية درر الحكام (١/ ٥٠)، البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٥).\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٧١)، التاج والإكليل (١/ ٢٧٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٨)، مختصر خليل (ص: ١٥)، التمهيد (١٨/ ١٨١)، الخرشي (١/ ١٤٥).\nوانظر في مذهب الشافعية: المهذب (١/ ٢٦)، التنبيه (ص: ١٧)، روضة الطالبين (١/ ٦٦)، المجموع (٢/ ٩١)، أسنى المطالب (١/ ٤٥)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٤٣)، تحفة المحتاج (١/ ١٥٧، ١٥٨).\nوانظر في مذهب الحنابلة المغني (١/ ١١٠)، أخصر المختصرات (ص: ٩٠)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٤٩)، المبدع (١/ ٨٠)، كشاف القناع (١/ ٥٩)، الفروع (١/ ٨٣)، المحرر (١/ ٨)، عمدة الفقه (ص: ٦).","vol":"7","page":54},{"text":"قال النووي: وهذا الأدب متفق على استحبابه (^١). ونقل الإجماع أيضًا ابن قاسم في حاشيتيه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3113>الدليل الثاني:</span>\nجاءت نصوص كثيرة أن ما كان من باب التكريم قدم فيه اليمين، وما كان ضده قدم فيه اليسار، ومن هذه النصوص.\n(١٢٨٠ - ٢١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة أنها قالت:\nكانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى.\nقال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه.\n[الراجح في إسناده الانقطاع] (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٩١).\n(^٢) الروض (١/ ١٢٢).\n(^٣) عبد الوهاب بن عطاء، وإن كان في التقريب: صدوق ربما وهم، إلا أنه من أصحاب سعيد المكثرين عنه، وممن سمع من سعيد قبل اختلاطه.\nقال الأثرم عن أحمد: كان عالمًا بعطاء.\nوأخرج مسلم حديث سعيد من طريق عبد الوهاب بن عطاء. فهذا دليل على أنه ثقة فيه.\nوقال ابن عدي: أرواهم عنه - أي عن سعيد عبد الأعلى السامي، والبعض منها عن شعيب، وعبدة بن سليمان، وعبد الوهاب الخفاف.\nوقال الذهبي: روى الخفاف كل مصنفات سعيد بن أبي عروبة. الميزان (٢/ ١٥٣).\nوباقي الإسناد رجاله كلهم ثقات.\nوقد اختلف فيه على سعيد بن أبي عروبة:\nفرواه أحمد كما في المسند (٦/ ٢٦٥)، وأبو داود (٣٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ١١٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١١٣)، وفي شعب في شعب الإيمان (٥٨٤٠) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، =","vol":"7","page":55},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن عائشة على الاتصال.\nوخالفه كل من: محمد بن جعفر كما في مسند أحمد (٦/ ٢٦٥).\nوعبدة بن سليمان كما في مسند إسحاق بن راهوية (١٦٣٩)، كلاهما روياه عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن النخعي، عن عائشة بإسقاط الأسود.\nوإبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة.\nورواه عيسى بن يونس واختلف على عيسى.\nفرواه أبو داود (٣٣)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (١/ ١١٣) عن الربيع بن نافع، عن عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن النخعي، بإسقاط الأسود كما في رواية ابن جعفر وعبدة.\nورواه أمية بن محمد الصواف كما في أخلاق النبي ﷺ لأبي الشيخ (١/ ٢٥٠) عن نصر بن علي، عن عيسى بن يونس، عن سعيد به، بذكر الأسود. والربيع أوثق من الصواف.\nوعيسى بن يونس، وعبدة بن سليمان كلاهما رويا عن سعيد بن أبي عروبة قبل الاختلاط.\nبل قال يحيى بن معين: أثبت الناس سماعًا منه -يعني من سعيد بن أبي عروبة- عبدة بن سليمان. علوم الحديث (ص: ٣٥٣).\nواختلف في سماع محمد بن جعفر هل سمع من سعيد قبل اختلاطه أم بعده؟\nفذهب عبد الرحمن بن مهدي كما في شرح علل الترمذي أن محمد بن جعفر سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الاختلاط.\nوخالفه عمرو بن الفلاس، فقال: سمعت غندرًا يقول: ما أتيت شعبة حتى فرغت من سعيد، يعني أنه سمع منه قديمًا، وأيًا كان فقد تابعه عيسى بن يونس، وعبدة بن سليمان، ومغيرة بن مقسم.\nورواه مغيرة بن مقسم على الانقطاع أيضًا، فقد رواه أحمد (٦/ ١٧٠) حدثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يفرغ يمينه لمطعمه ولحاجته، ويفرغ شماله للاستنجاء ولما هناك.\nوهذا إسناد حسن إلى مغيرة.\nورواه ابن أبي عدي، وخالف فيه جميع من سبق. فروه أحمد (٦/ ٢٦٥) قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن رجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة.\nفزاد ابن أبي عدي رجلًا بين سعيد بن أبي عروبة، وبين أبي معشر. وقد قال أحمد: ابن أبي عدي جاء إلى ابن أبي عروبة بآخرة. يعني: وهو مختلط. نقله محقق كتاب الكواكب النيرات (ص: ٢١١) من شرح علل الترمذي (ل ٣٢٧) (ل ٣٢٨).\nفالراجح أن الحديث من رواية إبراهيم، عن عائشة، ولم يسمع منها، وذكر الأسود شاذ في الحديث. والله أعلم.\nورواه الأعمش، عن رجل، عن مسروق، عن عائشة. =","vol":"7","page":56},{"text":"(١٢٨١ - ٢٢) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن المسيب،\nعن حفصة زوج النبي ﷺ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، وكانت يمينه لطعامه وطهوره وصلاته وثيابه، وكانت شماله لما سوى ذلك، وكان يصوم الاثنين والخميس (^١).\n[إسناده مضطرب] (^٢).\n_________\n= أخرجه أحمد في مسنده (٦/ ١٦٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٨٥٧) عن ابن فضيل، عن الأعمش به. وهذا سند ضعيف للرجل المبهم.\nورواه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٥٥) من طريق السهمي، عن يحيى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كانت يمين رسول الله ﷺ لطعامه وشرابه، وشماله لما سوى ذلك.\nوالسهمي لم أعرفه.\n(^١) المسند (٦/ ٢٨٧).\n(^٢) في إسناده عاصم بن أبي النجود، فيه ضعف من قبل حفظه، وقد اختلف عليه فيه:\nفرواه زائدة، عن عاصم بن أبي النجود، عن المسيب بن رافع، عن حفصة.\nكما في مسند أحمد (٦/ ٢٨٧)، ومصنف ابن أبي شيبة (١٦١٦)، والمنتخب من مسند عبد بن حميد (١٥٤٥) والمجتبى من سنن النسائي (٢٣٦٧) والسنن الكبرى له مختصرًا (٢٦٨٨)، ومسند أبي يعلى مختصرًا (٧٠٣٧) والمعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٢٠٣) رقم: ٣٤٧.\nوهذا إسناد منقطع؛ لأن المسيب بن رافع لم يسمع من حفصة.\nورواه أبو أيوب الأفريقي، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن حارثة بن وهب الخزاعي، عن حفصة.\nفجعل بين المسيب وحفصة حارثة بن وهب الخزاعي.\nأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٩/ ٨)، وأبو داود (٣٢)، وأبو يعلى (٧٠٤٢) و(٧٠٦٠)، وهو في معجم شيوخه (٢٢٢)، وابن حبان (٥٢٢٧)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٣) رقم: ٣٤٦، والحاكم (٤/ ١٠٩)، والبيهقي في السنن (١/ ١١٢ - ١١٣) من طريق أبي أيوب عبد الله ابن علي الإفريقي، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن حارثة بن وهب، عن حفصة.\nوقد قرن أبو داود وأبو يعلى والطبراني والبيهقي قرنوا بالمسيب بن رافع معبد بن خالد.\nوقد انفرد بهذا الإسناد أبو أيوب الإفريقي، واسمه عبد الله بن علي، قال أبو زرعة: ليس بالمتين، في حديثه إنكار. وذكره ابن حبان في الثقات. =","vol":"7","page":57},{"text":"(١٢٨٢ - ٢٣) ومنها: ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ابن أبي قتادة،\nعن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه، وهو يبول،\n_________\n= ورواه حماد بن سلمة، واختلف على حماد فيه:\nفرواه عفان تامًا كما في مسند أحمد (٦/ ٢٨٧)، وشعب الإيمان للبيهقي (٢٧٨٦).\nوالنضر بن شميل كما في مسند إسحاق بن راهوية تامًا (١٩٨٧)، وسنن النسائي مختصرًا (٢٣٦٦)، وفي الكبرى كذلك (٢٦٧٥).\nومحمد بن الفضل كما في المنتخب من مسند عبد بن حميد (١٥٤٤).\nوموسى بن إسماعيل كما في سنن أبي داود مختصرًا (٢٤٥١).\nوعبد الأعلى بن حماد كما في مسند أبي يعلى مختصرًا (٧٠٤٧).\nوإبراهيم بن الحجاج السامي كما في مسند أبي يعلى (٧٠٣٤).\nويزيد بن هارون مختصرًا كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٩٤١)، ومسند أبي يعلى الموصلي (٧٠٥٨)، والسنن الكبرى للنسائي (١٠٥٢٩).\nوالحجاج بن منهال كما في المعجم الكبير للطبراني مختصرًا (٢٣/ ٢٠٤) رقم: ٣٥٢، وعبد الواحد بن غياث كما في سنن البيهقي الكبرى (٤/ ٢٩٤، ٢٩٥)، كلهم رووه عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن سواء الخزاعي، عن حفصة.\nوسواء الخزاعي فيه جهالة، روى عنه اثنان، ولم يوثقه إلا ابن حبان.\nوخالفهم أبو نصر التمار (عبد الملك بن عبد العزيز) كما في المجتبى من سنن النسائي (٢٣٦٥) وفي الكبرى (٢٦٨٦) فرواه عن حماد، عن عاصم، عن سواء الخزاعي، عن أم سلمة مختصرًا بذكر صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والخميس والجمعة.\nورواه أبان، عن عاصم، عن معبد بن خالد، عن سواء، عن حفصة.\nفجعل بين عاصم وسواء معبد بن خالد.\nرواه أحمد مطولًا (٦/ ٢٨٨)، وأبو داود مختصرًا (٥٠٤٦) والنسائي في السنن الكبرى (١٠٥٣٠) والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢١٥) رقم: ٣٩٤، وابن السني في عمل اليوم والليلة مختصرًا (٧٣٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٧٠٧)، وسواء ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه غيره، وفي التقريب مقبول.\nوالحديث ضعيف، لاضطراب إسناده. والله أعلم.","vol":"7","page":58},{"text":"ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء. رواه مسلم، ورواه البخاري بغير هذا اللفظ (^١).\nفالحديث ظاهر في إكرام اليمين، واختصاص اليسرى بالأذى.\n(١٢٨٣ - ٢٤) ومنها ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ليكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع (^٢).\nوهذا الحديث أيضًا ظاهر في إكرام اليمين.\nومنها حديث تقديم الرجل اليمنى في دخول المسجد، واليسرى في خروجه،\n(١٢٨٤ - ٢٥) أخرجه الحاكم من طريق أبي خليفة القاضي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شداد أبو طلحة، قال: سمعت معاوية بن قرة يحدث عن أنس بن مالك،\nأنه كان يقول: من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى.\n[أرجو أن يكون حسنًا] (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٧)، ولفظ البخاري (١٥٤): (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه)، وسوف يأتي مزيد بحث في مسألة الاستنجاء باليمين إن شاء الله تعالى.\n(^٢) صحيح البخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧) إلا قوله: لتكن اليمنى أولهما تنزع .. إلخ.\n(^٣) رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢١٨)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٢/ ٤٤٢).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بشداد بن سعيد أبي طلحة الراسبي ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وصححه النووي في المجموع (٢/ ٤١٩).\nوالحق أن شداد لم يحتج به مسلم، وإنما أخرج له حديثًا واحدًا في المتابعات، وقال البيهقي في السنن الكبرى: «تفرد به شداد بن سعيد، أبو طلحة الراسبي، وليس بالقوي».\nوسئل الدارقطني عنه، فقال: يعتبر به. انظر فتح الباري لابن رجب (٣/ ١٩٢).\nوقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم.\nوضعفه عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال العقيلي: له غير حديث لا يتابع عليه. ...\nوقال أحمد: شيخ ثقة، ووثقه ابن معين والنسائي، فتوثيق هؤلاء مع جرح البيهقي وأبو أحمد الحاكم والدارقطني، وعبد الصمد، والعقيلي ينزل به عن مرتبة التوثيق إلا أن يكون صدوقًا، وانفراد الصدوق بحديث لا يرويه غيره قد تكون علة في الحديث، فهذا ما جعلني لا أجزم بتحسينه، وفضلت بدلًا من ذلك أن اختار لفظة: أرجو أن يكون حسنًا، والله أعلم.","vol":"7","page":59},{"text":"قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء، والغسل ولبس الثوب، والنعل والخف، والسراويل، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس والسلام من الصلاة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، والأخذ والعطاء، وغير ذلك مما هو في معناه.\nويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كالامتخاط والاستنجاء، ودخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع الخف والسراويل والثوب والنعل، وفعل المستقذرات، وأشباه ذلك.\nوقال ابن تيمية: «قد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة كالوضوء والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال والترجل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك.\nوتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء، وخلع النعل، والخروج من المسجد، والذي يختص بإحداهما إن كان بالكرامة كان باليمين، كالأكل والشرب والمصافحة، ومناولة الكتب، وتناولها، ونحو ذلك.\nوإن كان ضد ذلك كان باليسرى، كالاستجمار، ومس الذكر، والاستنثار، والامتخاط، ونحو ذلك».اهـ\nولو قيل: إن الأمور ثلاثة:\nما كان ظاهرًا أنه من باب التكريم، فتقدم فيه اليمنى.","vol":"7","page":60},{"text":"وما كان ظاهرًا أنه من باب الأذى، فتقدم فيه اليسرى.\nوما لا يمكن إلحاقه في أحد منهما، فالأصل فيه اليمين،\n(١٢٨٥ - ٢٦) لما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق،\nعن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، في شأنه كله. ورواه مسلم بنحوه (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨).\nوالحديث مداره على الأشعث بن سليم، سمعت أبي يحدث عن مسروق، عن عائشة مرفوعًا.\nوقد رواه جماعة عن الأشعث بن سليم على اختلاف في ألفاظهم، من تقديم وتأخير، وزيادة ونقص.\nفأحدها لفظ البخاري الذي قدمناه في الباب: (كان النبي يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره في شأنه كله).\nاللفظ الثاني:\nما رواه أحمد (٦/ ٩٤) من طريق بهز.\nوالبخاري (٤٢٦) من طريق سليمان بن حرب، كلاهما عن شعبة به، بلفظ:\n(كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره، وترجله، وتنعله).\nوهو عند مسلم (٦٧ - ٢٦٨) دون قوله: (ما استطاع) مع تقديم وتأخير.\nاللفظ الثالث:\nبزيادة: الواو في قوله: (وفي شأنه كله)، بلفظ: (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله).\nقال الحافظ في الفتح (١٦٨): «للأثر من الرواة بغير واو، وفي رواية أبي الوقت بإثبات الواو، وهي التي اعتمدها صاحب العمدة». اهـ\nوهل بين هذه الألفاظ من اختلاف؟\nفالجواب: أما على إثبات الواو، فإن الحديث ظاهره، أن التيامن سنة في جميع الأشياء، لا يختص بشيء دون شيء، ولفظ: (كل) صريح في العموم، خاصة وأنه جاء توكيدًا بكلمة: (شأنه) المفردة المضافة الدالة على العموم بذاته، فكيف بعد توكيده بكلمة: (كل) إلا أن هذا العموم قد خص منه ما جاء في حديث عائشة أيضًا: (كان يد رسول ﷺ اليمنى لطهوره ولحاجته، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى) فهذا نص أن الأذى والخلاء له اليسرى. ...\nوأما على الرواية بدون واو فليس فيها هذا العموم، قال صاحب الفتح (١٦٨): وأما على إسقاطها فقوله: (في شأنه كله) متعلق بـ يعجبه، لا بالتيمن. أي يعجبه في شأنه كله التيمن في تنعله .. إلخ أي لا يترك ذلك سفرًا ولا حضرًا ولا في فراغه، ولا شغله، ونحو ذلك».\nوجاء في بعض ألفاظ الحديث من دون قوله: (في شأنه كله) فقد رواه أحمد (٦/ ١٤٧) عن محمد ابن جعفر، ورواه أيضًا (٦/ ٢٠٢) عن يحيى بن سعيد القطان.\nوأخرجه البخاري (٥٩٢٦) عن أبي الوليد، ومن طريق عبدالله بن المبارك (٥٣٨٠) كلهم عن شعبة به بدون قوله (في شأنه كله).\nورواه مسلم (٢٦٨) والترمذي (٦٠٨) من طريق أبي الأحوص عن أشعث به. بدون ذكرها، والراجح والله أعلم أنها محفوظة، لأن محمد بن جعفر، وعبدان قد صرحا في آخر الحديث عن شعبة بأن أشعث كان قد قال بواسط: (في شأنه كله) فبين شعبة أن كلمة (في شأنه كله) ثبتت في السماع القديم، والسماع القديم مقدم على غيره.","vol":"7","page":61},{"text":"لكان هذا القول أقرب إلى الصواب، وأوفق بالدليل، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3114>المبحث الخامس في الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل فعل من العبادات توفر سببه على عهد النبي ﷺ، ولم يفعله ولم يكن هناك مانع من فعله فالمشروع تركه.\n• الأصل في العبادات عدم المشروعية.\n• الاستحباب حكم شرعي يقوم على دليل شرعي.\n• الصواب لا يعرف بكثرة القائلين به.\n[م-٥٩٢] استحب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١)، الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة.\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: تبيين الحقائق (١/ ٧٧)، نور الإيضاح (ص: ١٦)، البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٥).\nوانظر في مذهب المالكية: التاج والإكليل (١/ ٣٨٧)، الخرشي (١/ ١٤١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٥)، الشرح الصغير (١/ ٨٧).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١٠٤)، أسنى المطالب (١/ ٤٥)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٤٣، ٤٤)، حاشية البجيرمي (١/ ٥٢)، شرح زبد بن رسلان (ص: ٥٤)، فتح الوهاب (١/ ٢٠)، روضة الطالبين (١/ ٦٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفروع (١/ ١١٤)، كشاف القناع (١/ ٦٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٥)، أخصر المختصرات (١/ ٩٠)، زاد المستقنع (ص: ٢٣)، المبدع (١/ ٨١)، شرح العمدة (١/ ١٤١)، المحرر (١/ ٩)، عمدة الفقه (ص: ٦).","vol":"7","page":63},{"text":"وقيل: لا يستحب، اختاره بعض المحققين (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3115>دليل من قال بالاستحباب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3116>الدليل الأول: من الأثر</span>.\n(١٢٨٦ - ٢٧) ما رواه البيهقي من طريق زمعة (^٢)، عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل من بني مدلج، عن أبيه، قال:\nقدم علينا سراقة بن جعشم فقال: علمنا رسول الله ﷺ إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى، وينصب اليمنى (^٣).\n[إسناده ضعيف مسلسل بالمجاهيل] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3117>الدليل الثاني: من النظر</span>.\nقالوا: الاعتماد على اليسرى أسهل في خروج الحدث، وحكمة ذلك: أن المعدة في الشق الأيمن، فإذا اعتمد على ذلك صار المحل كالمزلق لخروج الحدث، فهي شبه الإناء الملآن الذي أقعد على جنبه للتفريغ منه، بخلاف ما إذا أقعد معتدلًا.\n_________\n(^١) منهم الشوكاني كما في السيل الجرار (١/ ٦٤)، وشيخنا ابن عثيمين في الشرح الممتع (١/ ١٠٩)، وشيخه ابن باز عليهما رحمة الله.\n(^٢) في المطبوع ربيعة، وهو خطأ.\n(^٣) سنن البيهقي (١/ ٩٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة وابن منيع في مسنديهما كما في المطالب العالية (٤٧)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٦٠) رقم ٦٦٠٥ من طريق زمعة بن صالح به، والحديث ضعيف، فيه ثلاث علل:\nالأولى: ضعف زمعة بن صالح.\nالثانية: جهالة محمد بن عبد الرحمن.\nالثالثة: فيه رجلان مبهمان، المدلجي وأبوه.\nقال الحازمي: لا نعلم في الباب غيره، وفي إسناده من لا يعرف. تلخيص الحبير (١/ ٨٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٦): وفيه رجل لم يسم.\nوقال ابن دقيق العيد: وهذا في حكم المنقطع؛ لجهالة الرجل من بني مدلج، وجهالة أبيه.","vol":"7","page":64},{"text":"ويجاب: بأن هذا الكلام غير دقيق، والمرجع فيه إلى الطب، وليس لنظر الفقهاء، والغائط لا يخرج من المعدة مباشرة إلى الخارج حتى يقال: إن المعدة في الشق الأيمن، ويكون الاعتماد على اليسرى من أجل إفراغها من الفضلات، والله أعلم.\nثم وقفت على كلام للدكتور محمد بن علي البار، نقله الشيخ ابن بسام في توضيح الأحكام، قال: «إن أحسن طريقة فسيولوجية لقضاء الحاجة؛ لإخراج الفضلات: الجلوس على الأرض، والاتكاء على الرجل اليسرى، وذلك أن شكل المستقيم -وهو آخر الأمعاء الغليظة- وفيه تخزن الفضلات على شكل (٤) فإن اتكأ على اليسرى، صار مستقيمًا، وسهل نزول الغائط، كما أن خلف المستقيم معى بكسر الميم، وفتح العين منونة غليظًا يدعى القولون السيني؛ لأنه على شكل (س) وكذلك يستقيم وضعه عند الاتكاء على الرجل اليسرى، وذلك كله من أسباب سهولة خروج الفضلات» (^١).\nومن خلال قراءتي لبحوث الدكتور محمد بن علي البار باعتباره طبيبًا ذا توجهات إسلامية وله كتابات نافعة وفقه الله، وله جهد في عمل الدعوة يشكر عليه إلا أنني رأيت أنه يأخذ كلام الفقهاء غير المعصوم على أنه من الشريعة المعصومة، ثم يبحث له في الطب ما يؤكده، ليقال: إن الشريعة قد سبقت الطب إلى هذا، ولهذا أرتاح إلى كلام الطبيب الذي ليس له خلفية شرعية في الاستدلال بكلامه وأفرح به أكثر من الطبيب الذي له ثقافة شرعية، وهي ليست بالقدر الذي يجعله يفرق بين الشريعة وبين كلام الفقهاء الذي لا دليل عليه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3118>الدليل الثالث:</span>\nأن في الاعتماد على اليسرى إكرامًا لليمين.\nويجاب عنه: لو كان ذلك من باب إكرام اليمين لجاء الأمر به، أو فعله من الرسول ﷺ فلما لم ينقل الأمر به، ولا فعله، وكان يتكرر من الرسول ﷺ ومن صحابته علم أنه غير مشروع، والله أعلم.\n_________\n(^١) توضيح الأحكام (١/ ٣٦٠).","vol":"7","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3119>دليل من قال: لا يشرع</span>.\nالأصل عدم المشروعية، فمن استحب شيئًا فعليه الدليل، وما ورد في ذلك فليس بصحيح، ولا حسن، ولا ضعيف خفيف الضعف، وإثبات الأحكام الشرعية بما لا تقوم به حجة لا يجوز.\nوهذا هو الراجح.\n* * *","vol":"7","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3120>المبحث السادس في الكلام أثناء قضاء الحاجة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3121>الفرع الأول في ذكر الله تعالى داخل الخلاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.\n• يجب حمل العام على عمومه، والمطلق على إطلاقه حتى يرد دليل التخصيص أو التقييد.\n• النصوص لا تخصص، ولا تقيد إلا بنصوص مثلها.\n[م-٥٩٣] اختلف العلماء في ذكر الله داخل الخلاء، كأن يجيب المؤذن، أو يحمد الله إذا عطس، ومنه دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله، كورقة كتب فيها اسم من أسماء الله، وكالدراهم المنقوش فيها ذكر الله، ونحو ذلك على قولين:\nفقيل: يكره أن يذكر الله داخل الخلاء، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: مراقي الفلاح (ص: ٢٣)، البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٠٩)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٣). وانظر قول المالكية: حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٩٠، ٩١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٦)، الخرشي (١/ ١٤٥).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١٠٣، ١٠٤)، المهذب (١/ ٢٦)، روضة الطالبين (١/ ٦٦).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المبدع (١/ ٧٩)، الفروع (١/ ٨٣)، شرح العمدة (١/ ١٤٠)، المحرر (١/ ٩)، عمدة الفقه (ص: ٦)، الكافي (١/ ٥١).","vol":"7","page":67},{"text":"وهذا المذهب منسوب إلى ابن عباس ﵄ (^١).\nوقيل: لا مانع من ذكر الله داخل الكنيف، فإذا عطس فليحمد الله ولو كان على حاجته، وهو قول مالك، ورجحه القرطبي من المالكية، وهو رواية عند أحمد، ورجحه ابن تيمية (^٢).\nوهذا المذهب منسوب إلى عبد الله بن عمرو ﵁، والنخعي، وابن سيرين والشعبي (^٣).\n_________\n(^١) الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٣٩).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٣٩٢)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٤٨، ٣٤٩).\nوفي مواهب الجليل (١/ ٢٧٥): «روى عن مالك في العتبية: لا بأس أن يستنجي بالخاتم فيه ذكر الله». اهـ\nوأنكرها بعض أصحاب الإمام مالك، ظنًا منهم أن ذلك يستلزم أن يتلطخ اسم الله الكريم بالنجاسة، ولا يلزم من الاستنجاء باليد تلطخ اسم الله الكريم بالنجاسات.\nوجاء في البيان والتحصيل (١/ ٧١): «وسألت مالكًا عن لبس الخاتم فيه ذكر الله، أيلبس في الشمال، وهو يستنجي به؟ قال مالك: أرجو أن يكون خفيفًا.\nقال محمد بن رشد: قوله: أرجو أن يكون خفيفًا يدل على أنه عنده مكروه، وأن نزعه أحسن ...». إلخ كلامه.\nوقال في نفس الكتاب (١/ ١٢٧): «وسئل أينزع الخاتم الذي فيه ذكر الله منقوش عند الاستنجاء؟ فقال: إن نزعه فحسن، وما سمعت أحدًا نزع خاتمه عند الاستنجاء. قيل له: فإن استنجى، وهو في يده فلا بأس به؟ قال: نعم». اهـ\nوذكر الحافظ في الفتح أن مالك يرى جواز ذكر الله تعالى في الخلاء.\nوانظر ترجيح القرطبي في تفسيره (٤/ ٣١١).\nوانظر رواية الإمام أحمد في مسائل أبي داود (٥، ٦)، ومسائل عبد الله (١/ ١١١)، كتاب التمام (١/ ١٠٧)، شرح العمدة (١/ ١٤٢)، الفروع (١/ ١١٤).\nوانظر قول ابن تيمية الفروع (١/ ٣٢٥)، الإنصاف (١/ ٩٥، ٤٢٦).\n(^٣) انظر المرجع السابق، وانظر شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٦٥)، وفتح الباري (ح ١٤٢).","vol":"7","page":68},{"text":"ونقل الإجماع على جواز ذكر الله في القلب حال قضاء الحاجة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3122> دليل من قال يكره ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3123>الدليل الأول:</span>\nأن الرسول ﷺ كان يتعوذ قبل دخول الخلاء، ولو كان الأمر غير مكروه لكان التعوذ مصاحبًا للفعل عند الشروع في قضاء الحاجة، فلما قدمه على سببه علم كراهيته له فيه.\n(١٢٨٧ - ٢٨) فقد روى البخاري في الأدب المفرد، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال:\nحدثني أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث (^٢).\n[انفرد بقوله: إذا أراد أن يدخل سعيد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، والحديث في الصحيحين، من طرق عن عبد العزيز بن صهيب، بلفظ: إذا دخل الخلاء، ولم يقل: إذا أراد أن يدخل] (^٣).\n_________\n(^١) حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٤٥).\n(^٢) الأدب المفرد (٦٩٢).\n(^٣) وسعيد بن زيد لا تحتمل مخالفته، وقد رواه البخاري (١٤٢) من طريق شعبة.\nورواه مسلم (٣٧٥) من طريق حماد بن زيد وهشيم وإسماعيل بن علية، أربعتهم عن عبد العزيز ابن صهيب به، بلفظ: كان إذا دخل الخلاء وقيل: الكنيف. وسعيد بن زيد لم يتابع على قوله: إذا أراد أن يدخل، وليس بالقوي حتى يقبل تفرده، فقد جاء في ترجمته:\nقال يحيى بن معين: ليس بقوي. قيل: يحتج بحديثه؟ قال: يكتب حديثه الجرح والتعديل (٤/ ٢١).\nوقال الدوري: عن يحيى بن معين: ثقة. تاريخ ابن معين (٢/ ١٩٩).\nوقال النسائي: ليس بقوي. الضعفاء والمتروكين (٢٧٥).\nوقال أبو عبيد الآجري، عن أبي داود: كان يحيى بن سعيد يقول: ليس بشيء. سؤالات الآجري (٣٥٥). ...\nوضعفه الدارقطني. تهذيب التهذيب (٤/ ٢٩).\nوقال ابن حبان: كان صدوقًا حافظًا، ممن كان يخطئ في الأخبار، ويهم في الآثار حتى لا يحتج به إذا انفرد. المجروحين (١/ ٣٢٠).\nوقال البخاري: قال مسلم: حدثنا سعيد بن زيد أبو الحسن صدوق حافظ. التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٢).\nووثقه سليمان بن حرب والعجلي. الجرح والتعديل (٤/ ٢١)، معرفة الثقات (١/ ٣٩٩).\nوفي التقريب: صدوق له أوهام.","vol":"7","page":69},{"text":"وقد يقال: إن هذه الرواية ليست معارضة لرواية الصحيحين، بل هي مبينة لها؛ فتكون معنى: إذا دخل الخلاء: أي إذا أراد أن يدخل؛ لأن إذا تأتي قبلية، وبعدية، ومصاحبة بحسب القرائن (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3124>الدليل الثاني:</span>\n(١٢٨٨ - ٢٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع،\nعن ابن عمر، أن رجلا مرَّ، ورسول الله ﷺ يبول، فسلم، فلم يرد عليه (^٢).\n_________\n(^١) فقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ): أي إذا أردت أن تقرأ.\nومثله: إذا دخل الخلاء: أي إذا أراد أن يدخل.\nوأما البعدية: فقوله في الحديث: إذا كبر الإمام فكبروا.\nوأما المصاحبة، فقوله في الحديث: إذا أمن الإمام فأمنوا. أي معه، كما تفيده رواية: وإذا قال الإمام ولا الضالين، فقولوا: آمين.\nومثله قوله تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ)، والله أعلم.\n(^٢) صحيح مسلم (٣٧٥).\nوالحديث مداره على نافع، عن ابن عمر، يرويه عن نافع ثقتان:\nالأول: الضحاك بن عثمان، كما في رواية مسلم المذكورة في الباب، أخرجها ابن أبي شيبة (٥/ ٢٤٧) رقم ٢٥٧٣٦، وأبو داود (١٦)، والترمذي (٩٠، ٢٧٢٠)، والنسائي (٣٧)،\nوابن ماجه (٣٥٣)، وأبو عوانة (١/ ٢١٥)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٨١٥)، والطحاوي (١/ ٨٥)، وابن الجارود في المنتقى (٣٨)، وابن خزيمة (٧٣)، والبيهقي (١/ ١٣٨).\nالثاني: يزيد بن الهاد، عن نافع به، وزاد ذكر التيمم لرد السلام، فقد أخرجه أبو داود (٣٣١)\nحدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا عبد الله بن يحيى البرلسي، حدثنا حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، أن نافعًا حدثه عن ابن عمر قال: أقبل رسول الله ﷺ من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ حتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله ﷺ على الرجل السلام.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢٠٦) من طريق أبي داود. وجعفر بن مسافر في التقريب: صدوق ربما وهم، لكن قد تابعه ثقة، فقد أخرجه الدراقطني (١/ ٢٠٦) من طريق الحسن بن عبد العزيز الجردي، أخبرنا عبد الله بن يحيى المعافري، نا حيوة بن شريح به. وهذا إسناد حسن.\nوالتيمم لرد السلام له شاهد من حديث أبي الجهيم الأنصاري في الصحيحين، فقد روى البخاري ﵀ (٣٣٧)، قال: حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (٣٦٩).\nكما أن له شاهدًا من حديث المهاجر بن قنفذ وغيره وسنأتي على ذكرها إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":70},{"text":"وأجيب:\nبأنه يحتمل أنه لم يرد عليه؛ لأنه على غير طهر، كما جاء في بعض الأحاديث.\n(١٢٨٩ - ٣٠) فقد روى أبو داود من طريق عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر أبي ساسان،\nعن المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر، أو قال: على طهارة (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١٧).\n(^٢) اختلف في لفظه: هل قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبول، أو قال: وهو يتوضأ، وعلى اللفظ الثاني ليس فيه موضع شاهد لمسألتنا.\nوالحديث رواه شعبة، كما عند الحاكم (٥٩٢). ...\nوهشام الدستوائي كما في سنن الدارمي (٢٦٤١)، والأوسط لابن المنذر (١/ ١٣٣)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٢٩) رقم ٧٨٠.\nومعاذ بن معاذ، كما في سنن النسائي الكبرى (٣٧)، والصغرى (٣٨). ثلاثتهم عن قتادة به، بلفظ: أنه سلم على النبي ﷺ وهو يبول، وأنه تيمم لرد السلام.\nورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، واختلف على سعيد:\nفرواه روح بن عبادة كما في مسند أحمد (٥/ ٨٠)، وسنن ابن ماجه (٣٥٠).\nوعبد الوهاب بن عطاء، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٨٥).\nويزيد بن زريع، كما في معجم الطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٢٩) رقم ٧٨١، ثلاثتهم رووه عن سعيد، بلفظ: أنه سلم على رسول الله ﷺ، وهو يتوضأ.\nوخالفهم عبد الأعلى، كما في سنن أبي داود (١٧)، وصحيح ابن حبان (٨٠٦) فرواه عن سعيد ابن أبي عروبة به، بلفظ شعبة وهشام الدستوائي ومعاذ بن معاذ.\nوأرى أن لفظ شعبة ومن معه أولى بالحفظ من لفظ سعيد؛ لأن سعيدًا واحد، وقد اختلف عليه، وهؤلاء جماعة، وقد جاء الحديث من غير طريق قتادة، وفيه ذكر البول، فقد رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٤٧) رقم ٢٥٧٣٥ حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا جرير بن حازم، قال: حدثنا الحسن، عن المهاجر، أنه سلم على النبي ﷺ وهو يبول، فلم يرد عليه حتى فرغ.\nوهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات إلا زيد بن الحباب فإنه صدوق، إلا أن الحسن قد دلسه عن المهاجر، ولم يسمعه منه إنما سمعه من حضين كما في طريق قتادة.\nورواه أحمد (٥/ ٨١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٥) من طريق حميد بن أبي حميد الطويل، عن الحسن، عن المهاجر، بلفظ: أن النبي ﷺ كان يبول، أو قد بال، فسلمت عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم رد علي. اهـ\nوالشك هنا لا يقضي على يقين طريق قتادة، فالذي يظهر لي أن السلام على النبي ﷺ وهو يبول، وقد ذكره ثلاثة حفاظ من أصحاب قتادة: هم شعبة وهشام، ومعاذ بن معاذ، والله أعلم.","vol":"7","page":71},{"text":"فالحديث ظاهر بأنه لم يترك السلام بناء على أنه في الخلاء، وأن ذكر الله مكروه في هذا المكان، وإنما ترك السلام؛ لأنه ليس على طهارة؛ لأنه لو سلم بعد الفراغ من البول لم يرد عليه أيضًا؛ لأنه يصدق عليه أنه ليس على طهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3125>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٩٠ - ٣١) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عيسى بن","vol":"7","page":72},{"text":"يونس، عن هاشم بن البريد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، أن رجلًا مر على النبي ﷺ، وهو يبول، فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ: إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي؛ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٣٥٢).\n(^٢) في إسناده سويد بن سعيد، قال الحافظ: وهو وإن أخرج له مسلم في صحيحه، فقد ضعفه الأئمة، واعتذر مسلم عن تخريج حديثه، بأنه ما أخرج له إلا ما له أصل من رواية غيره، وقد كان مسلم لقيه، وسمع منه قبل أن يعمى، ويتلقن ما ليس من حديثه، وإنما كثرت المناكير في روايته بعد عماه. النكت (١/ ٤١١).\nوقال ابن حجر أيضًا: فليس ما ينفرد به على هذا صحيحًا. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق في نفسه، إلا أنه عمي، فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وأفحش ابن معين فيه القول. اهـ\nوفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه.\nقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، كان يحدث على التوهم فيجيء بالخبر على غير سننه فلما كثر ذلك في أخباره وجب مجانبتها والاحتجاج بضدها. المجروحين (٢/ ٣).\nقال سفيان كان ابن عقيل في حفظه شيء فكرهت أن ألقيه. الجرح والتعديل (٥/ ١٥٤).\nوقال يعقوب: ابن عقيل صدوق، وفي حديثه ضعف شديد جدًا وكان ابن عيينة يقول: أربعة من قريش يترك حديثهم، فذكره فيهم.\nوقال ابن المديني عن ابن عيينة رأيته يحدث نفسه فحملته على أنه قد تغير. تهذيب التهذيب (٦/ ١٣). تهذيب الكمال (١٦/ ٧٨).\nوقال أبو حاتم: لين الحديث ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه يكتب حديثه وهو أحب إليَّ من تمام بن نجيح. الجرح والتعديل (٥/ ١٥٣).\nوضعفه يحيى بن معين وابن المديني، والنسائي، وقال: أحمد منكر الحديث، وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه. الجرح والتعديل (٥/ ١٥٣)، تهذيب الكمال (١٦/ ٧٨)، تهذيب التهذيب (٦/ ١٣).\nوقال الترمذي: صدوق وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل =","vol":"7","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3126>الدليل الرابع:</span>\n(١٢٩١ - ٣٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا نصر بن علي، عن أبي علي الحنفي، عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (^١).\n_________\n= يقول: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قال: محمد بن إسماعيل: وهو مقارب الحديث. سنن الترمذي (١/ ٩).\nوقال ابن عبد البر: هو أوثق من كل من تكلم فيه. قال الحافظ: وهذا إفراط. تهذيب التهذيب (٦/ ١٣).\nولا أعلم أين ذكر ذلك ابن عبد البر، والموجود في التمهيد (٢٠/ ١٢٥): «ليس بالحافظ». فعلى هذا الأكثر على تضعيفه، فابن عيينة، ويحيى بن معين، وابن خزيمة، وابن حبان، ويعقوب ابن شيبة، وأبو حاتم الرازي، وابن المديني، والنسائي، والخطيب، كل هؤلاء تكلموا في حفظ\nابن عقيل، ومن رفعه لم يرفعه إلى درجة الضبط، بل قال: مقارب الحديث، والله أعلم.\nوقال أبو حاتم الرازي كما في العلل لابنه (٦٨): «لا أعلم روى هذا الحديث غير هاشم بن البريد». يشير إلى علة التفرد.\nوله شاهد من حديث ابن عمر، رواه ابن الجارود في المنتقى (٣٦)، والبزار في مسنده (٥٩٨٤) من طريقين عن عبد الله بن رجاء، أخبرنا سعيد بن سلمة، أخبرنا أبو بكر رجل من ولد ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا مر برسول الله ﷺ، وهو يهريق الماء، فسلم عليه الرجل، فرد عليه رسول الله ﷺ السلام، ثم قال: إنما رددت عليك السلام أني خشيت أن تقول: سلمت عليه فلم يرد علي، فإذا رأيتني هكذا فلا تسلم علي، فإني لا أرد عليك السلام.\nزيادة أنه رد ﵇ وأخبره أنه إن سلم عليه فلن يرد عليه انفرد بذلك سعيد بن سلمة، وهو ضعيف، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقد رواه مسلم (٣٧٣) وأبو داود (١٦)، والترمذي (٩٠)، من طريق الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا مر، ورسول الله ﷺ يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه، وسبق تخريجه في الدليل الأول.\nوهو محمول على حديث المهاجر بن قنفذ في مسلم، وأنه تحرى الطهارة لرد السلام، والله أعلم، ولذلك قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره أن النبي ﷺ تيمم، ثم رد على الرجل السلام، وسبق تخريجه في الدليل الأول، وانظر سنن أبي داود (٣٣١).\n(^١) سنن أبي داود (١٩).","vol":"7","page":74},{"text":"[الحديث معلول] (^١).\n_________\n(^١) الحديث أعله جماعة بأنه من رواية همام عن ابن جريج، ولم يخرج الشيخان رواية همام عن ابن جريج، وأنه وهم في لفظه، وأن ابن جريج لم يسمعه من الزهري، وإنما سمعه من زياد بن سعد، عن الزهري، بلفظ آخر، وابن جريج مدلس، وقد عنعن، فإذا قيل لم يسمعه من الزهري فهو على الانقطاع حتى يصرح بالسماع.\nقال أبو داود: «هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق، ثم ألقاه. والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام».\nونقل البيهقي كلام أبي داود، وأقره، وقال: هذا هو المشهور عن ابن جريج، دون حديث همام. سنن البيهقي (١/ ٩٥).\nوقال النسائي: هذا حديث غير محفوظ. تلخيص الحبير (١/ ١٠٧، ١٠٨).\nوحكم الدارقطني بشذوذه. المرجع السابق، وانظر الجامع الصغير للسيوطي (١/ ١٣٢).\nوضعفه النووي، وقال: ضعفه أبو داود والنسائي والبيهقي والجمهور. وقول الترمذي: إنه حسن مردود عليه. الخلاصة (٣٢٩).\nوقال ابن السكن: هو وهم. البدر المنير (٢/ ٣٣٧).\nومثل به العراقي في ألفتيه وشرحها للحديث المنكر. الجامع الصغير للسيوطي (١/ ١٣٢).\nوقال الحافظ: حديث معلول. كما في بلوغ المرام.\nفهذا أبو داود، والدارقطني، والنسائي، والبيهقي، والنووي، وابن حجر، وابن السكن، والعراقي، كلهم ضعفوا الحديث.\nوقال الترمذي: حسن غريب. سنن الترمذي (١٧٤٦)، وفي بعض النسخ: حسن صحيح غريب.\nوقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٣٨): «والصواب أنه حديث صحيح بلا شك ولا مرية واعتمد على ثقة همام، ثم قال: وتفرده به لا يوهن الحديث، وإنما يكون غريبًا كما قال الترمذي».\nوقال المنذري: «الصواب عندي تصحيحه، فإن رواته ثقات أثبات! ! وتبعه على ذلك أبو الفتح القشيري (ابن دقيق العيد) في آخر الاقتراح». تلخيص الحبير (١/ ١٠٧، ١٠٨).\nوقال ابن التركماني متعقبًا تضعيف البيهقي: «همام ثقة، وثقه ابن معين وغيره، وقال أحمد: ثبت في كل المشايخ، واحتج به الشيخان، وحديثه هذا قال فيه الترمذي: صحيح. والحديثان مختلفان متنًا وسندًا؛ لأن الأول رواه ابن جريج بلا واسطة، والثاني بواسطة، فانتقال الذهن من الحديث الذي زعم البيهقي أنه المشهور، إلى حديث وضع الخاتم -مع اختلافهما- لا يكون إلا عن غفلة شديدة، وحال همام لا يحتمل مثل ذلك». =","vol":"7","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3127>الدليل الخامس:</span>\nمن النظر، قالوا: إن في ذلك تكريمًا لاسم الله ﷾، وتكريم اسماء الله تعالى، وإبعادها عن الأماكن الخبيثة، وصونها عن ذلك من تعظيم الله ﷾،\n_________\n= وقال أيضًا: «وقول البيهقي: هذا شاهد ضعيف فيه نظر؛ إذ ليس في سنده من تكلم فيه فيما علمت ... وذكر الدارقطني في كتاب العلل أن يحيى الضريس رواه عن ابن جريج كرواية همام، فهذه متابعة ثانية، وابن الضريس ثقة، فتبين بذلك أن الحديث ليس له علة، وأن الأمر فيه كما ذكره الترمذي من الحسن والصحة». اهـ\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه أبو داود (١٩) من طريق أبي علي الحنفي.\nوأخرجه الترمذي (١٧٤٦) في السنن، وفي الشمائل (٨٨) من طريق سعيد بن عامر.\nوأخرجه الترمذي (١٧٤٦) والبيهقي في السنن (١/ ٩٤) من طريق حجاج بن منهال.\nوأخرجه ابن ماجه (٣٠٣) من طريق أبي بكر الحنفي.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٣٥٤٣) وابن حبان (١٤١٣)، والحاكم (٦٧٠)، والبيهقي (١/ ٩٤، ٩٥) من طريق هدبة، كلهم عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس.\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٨٧)، وتمام الرازي في الفوائد (١٤٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبحان (٢/ ١١٠)، والبيهقي (١/ ٩٥)، والبغوي في شرح السنة (١٨٩) من طريق يحيى بن المتوكل، عن ابن جريج به. بلفظ: أن رسول الله ﷺ لبس خاتمًا، نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء وضعه. وهذه متابعة لهمام في رفعه.\nوهذه المتابعة لا ترفع الإعلال المتقدم من أن ابن جريج لم يسمعه من الزهري. وقد عنعنه، وقال أبو داود: أنه سمعه من زياد بن سعد، عن الزهري بلفظ آخر، وحديث أنس في الصحيحين أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة، ونقش فيه محمد رسول الله. ولم يذكر ما ذكره ابن جريج من كونه إذا دخل الخلاء وضع خاتمه. رواه البخاري (٦٥) ومسلم (٢٠٩٢) من طريق شعبة، عن قتادة.\nورواه البخاري (٥٨٧٧) ومسلم (٢٠٩٢) من طريق عبد العزيز بن صهيب.\nورواه البخاري (٥٨٧٠) من طريق حميد بن أبي حميد، ثلاثتهم عن أنس، ولم يذكروا ما ذكره ابن جريج عن الزهري.\nبل إن يونس بن يزيد رواه عن الزهري عن أنس في صحيح مسلم (٢٠٩٤) وسنن النسائي (٥١٩٦، ٥١٩٧) ولم يذكر ما ذكره ابن جريج عن الزهري.\nولفظ النسائي: أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق، وفصه حبشي، ونقش فيه محمد رسول الله.\nولفظ مسلم: كان خاتم رسول الله ﷺ من ورق، وفصه حبشي. والله أعلم.","vol":"7","page":76},{"text":"فإذا كان الإنسان يستحب له أن لا يذكر الله تعالى إلا على طهارة، كما تقدم من حديث ابن عمر تعظيمًا لله سبحانه، وهي طهارة من الحدث، فتعظيم الله عن نجاسة الخبث من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3128>الدليل السادس:</span>\n(١٢٩٢ - ٣٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زمعة، عن سلمة بن وهرام،\nعن عكرمة، قال: كان ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه.\n[ضعيف فيه زمعة بن صالح، وقد توبع] (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3129> دليل من قال: يذكر الله حتى في الخلاء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3130>الدليل الأول:</span>\n(١٢٩٣ - ٣٤) ما رواه مسلم من طريق البهي، عن عروة،\nعن عائشة قالت كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ في الحديث: (كل) وكل من ألفاظ العموم. وقوله: (أحيانه) أي أوقاته، وهي نكرة مضافة، فتعم كل وقت، ومنه حال قضاء الحاجة.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٠٦).\nوقد روى ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٤٠) من طريق قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: يكره أن يذكر الله، وهو جالس على الخلاء، والرجل يواقع امرأته؛ لأنه ذو الجلال يجل عن ذلك.\nوالإسناد فيه قابوس بن أبي ظبيان، فيه ضعف، فلعل أحد الطريقين يقوي الآخر.\nوإن كان هناك فرق بين حال البول والغائط، وحال الجماع، وإن كان يجمع بينهما كشف العورات، فالبول والغائط لم يجعلهما الله صفة لأهل الجنة، بخلاف الجماع، بل إن ذكر الله حال الجماع فيه محمدة؛ لأن حال الجماع تكون مدعاة للانشغال عن ذكر الله، وسببًا في اللهو والنسيان، فإذا تذكر الله في تلك الحال، كان ذكره محمودًا، والله أعلم.\n(^٢) صحيح مسلم (٣٧٣).","vol":"7","page":77},{"text":"• وأجيب:\nبأن المقصود يذكر الله متطهرًا ومحدثًا، وجنبًا، وفي حال القعود والمشي، والقيام والاضطجاع، وليس المقصود أنه يذكر الله حال قضاء الحاجة؛ لأن الذي يظهر أن هذه الحال ليست داخلة في إطلاق الحديث، فالمطلق والعام إنما يدخل فيه ما يتبادر إلى ذهن المخاطب دخوله، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3131>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: لا يوجد نص صريح في النهي عن ذكر الله، وقد شرع الله لنا ذكره في كل حال، وأمرنا أن نذكره ذكرًا كثيرًا، وحذر من نسيان ذكره، فلا نترك هذه النصوص إلا لنص صريح لا نزاع فيه، وما ذكرتموه لا يكفي لمعارضة ما ذكر:\nفقولكم: إن الرسول ﷺ كان يقول الذكر قبل دخول الخلاء، إذا سلم ذلك فيكون دليلًا على استحباب هذا الذكر قبل الدخول، ولا يلزم منه كراهية ذكره بعد الدخول؛ لأن ترك المستحب لا يلزم منه ارتكاب المكروه، مع أن رواية الأكثر للحديث كان يقول إذا دخل الخلاء، وتفرد بقوله: (إذا أراد أن يدخل) راو ليس بالقوي.\nوأما حديث تركه رد السلام على من سلم عليه، فقد سبق الجواب عليه، ولا نجتهد في طلب العلة وقد نص عليها الشارع: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر).\nوأما حديث وضع الخاتم، فقد علمتم أنه معلول.\nوأما قولكم: إن فيه تكريمًا لذكر الله، فنحن لا نذكر الله إلا تكريمًا وتعظيمًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3132>الدليل الثالث:</span>\n(١٢٩٤ - ٣٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم، عن كريب،\nعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي","vol":"7","page":78},{"text":"أهله قال: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًا. وأخرجه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nترجم له البخاري في صحيحه بقوله: باب التسمية على كل حال، وعند الوقاع.\nقال الحافظ: «فيه إشارة إلى تضعيف ما ورد من كراهية ذكر الله في حالين: الخلاء والوقاع» (^٢).\nفإذا كان الإنسان يذكر الله حال كشف العورة في الجماع، فلا مانع من ذكر الله حال البول والغائط، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3133>الدليل الرابع:</span>\nكان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن، ورأسه في حجر عائشة، وهي حائض، فإذا كان قربه من النجاسة لا يمنعه أن يقرأ القرآن، لم يمنع حال قضاء الحاجة.\n(١٢٩٥ - ٣٦) فقد روى البخاري من طريق منصور، عن أمه، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقرأ القرآن، ورأسه في حجري، وأنا حائض، ورواه مسلم بنحوه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3134>الدليل الخامس:</span>\nالراجح من أقوال أهل العلم أن الحائض تقرأ القرآن، مع أن حدثها مستمر، ودم الحيض بمنزلة البول، بجامع أن كلا منهما نجس، ومنتن الرائحة، ومن مخرج واحد، ومع ذلك قد تقرأ القرآن ودمها يسيل، فما المانع أن تذكر الله بغير القرآن إذا احتاجت إلى ذلك حال قضاء الحاجة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٣٨٨)، ومسلم (١٤٣٤).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٢٤٢).\n(^٣) صحيح البخاري (٧٥٤٩)، ومسلم (٣٠١).","vol":"7","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3135>الدليل السادس:</span>\nكان معروفًا ذكر الله في حال الخلاء عن بعض السلف، وهذا يذكر للاستئناس، وليس ذكره من باب الاحتجاج\n(١٢٩٦ - ٣٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد -يعني: ابن سيرين- سئل عن الرجل يعطس في الخلاء؟ قال: لا أعلم به بأسًا بذكر الله ﷿ (^١).\n[صحيح].\n(١٢٩٧ - ٣٨) وروى أيضًا من طريق منصور، عن إبراهيم، قال: يحمد الله فإنه يصعد (^٢).\n[وسنده صحيح].\n(١٢٩٨ - ٣٩) وروى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن الشعبي في الرجل يعطس على الخلاء، قال: يحمد الله (^٣).\n[رجاله ثقات] (^٤).\nفهؤلاء ثلاثة من التابعين يرون أنه لا بأس بذكر الله في الخلاء.\nفالراجح من الخلاف: جواز ذكر الله تعالى ولو كان على حاجته، فإذا عطس فلا يمنع أن يحمد الله، وإذا سمع المؤذن فلا مانع من إجابته، ولم أقف على دليل صحيح صريح يمنع من ذكر الله حال قضاء الحاجة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٠٨).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ١٠٨).\n(^٣) المصنف (١/ ١٠٨).\n(^٤) إن سلم من تغير حصين، وقد أخرج مسلم لحصين من رواية ابن إدريس، ولم أقف على من نص على أن رواية ابن إدريس قبل أو بعد تغير حصين، فالظاهر أن الإسناد صحيح إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":80},{"text":"مسألة\nبسملة المتوضيء في الخلاء\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا تعارض الأمر والنهي فإن كان الأمر للوجوب والنهي لغير التحريم قدم الأمر، وإلا قدم النهي.\n[م-٥٩٤] إذا توضأ الرجل في الخلاء فهل يبسمل؟\nأما من يرى وجوب التسمية في الوضوء، وكذلك من يرى إجابة المؤذن فإنه يفعل ذلك ولو كان في الخلاء؛ لأن المكروه تبيحه الحاجة، فلا يبقى مكروهًا مع الحاجة، فما بالك بالواجب.\nوأما من يرى سنية التسمية وإجابة المؤذن، فهنا تعارض الأمر والنهي على القول بكراهة ذلك، فهل يقدم الأمر، أو يقدم النهي؟\n(١٢٩٩ - ٤٠) فالظاهر تقديم النهي؛ لما رواه البخاري من طريق مالك، عن\nأبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٢٨٨)، مسلم (١٣٣٧).","vol":"7","page":81},{"text":"فالأمر يتعلق بالاستطاعة، والنهي حتم تركه.\nوسوف نأتي على حكم التسمية في الوضوء في باب سنن الوضوء، والأقوال فيها ثلاثة:\nفقيل: تجب التسمية.\nوقيل: بل هي من سنن الوضوء.\nوقيل: لا تشرع.\nومع ذلك لا ينبغي أن يعطى حكمًا عامًا، بل يرجع إلى طبيعة الخلاف، فليس كل خلاف يكون الراجح قويًا، والمرجوح ضعيفًا، ففي بعض المسائل تتجاذب الأقوال، فيكون أحدها قويًا، والآخر أقوى منه، وليست المقابلة بين ضعيف وقوي، والخلاف في التسمية ليس كالخلاف في إجابة المؤذن، وهكذا، وسوف نأتي في سنن الوضوء على أدلة حكم التسمية في الوضوء، وما فيه من آثار إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"7","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3136>الفرع الثاني في الكلام في الخلاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النهي عن الكلام في الخلاء، هل يتعلق بالمكان أو حال قضاء الحاجة؟\n• الكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي.\n• الأصل في العادات الإباحة.\n[م-٥٩٥] الكلام في الخلاء إن كان في ذكر الله تعالى، فقد سبق بحثه، وإن كان كلامًا غير ذلك، فقد اختلف فيه:\nفقيل: يكره إلا لحاجة، وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: لا يتنحنح (^٢).\nوقيل: يحرم، اختاره ابن عبيدان من الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية (ص: ٢٢)، شرح فتح القدير (١/ ٢١٣)، درر الحكام (١/ ٤٩)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٠).\nوفي مذهب المالكية: التاج والإكليل (١/ ٣٩٧).\nوفي مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١٠٣)، أسنى المطالب (١/ ٤٦)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٤٦)، فتاوى الرملي (١/ ٣٤).\nوفي مذهب الحنابلة: الفروع (١/ ١١٤)، كشاف القناع (١/ ٦٤).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢٥٦).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٩٦).","vol":"7","page":83},{"text":"وقيل: يحرم إن كان الكلام من رجلين يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما (^١).\nوقيل: لا يكره، وهو الراجح.\nوظاهر كلامهم أن الكراهة لا تختص بحال قضاء الحاجة، بل ما دام في المكان المعد لقضاء الحاجة.\nواختار بعضهم أن الكراهة تختص بقاضي الحاجة دون المكان (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3137> دليل الكراهة:</span>\n(١٣٠٠ - ٤١) ما رواه أحمد من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، قال:\nحدثني أبو سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كاشفان عورتهما، يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك (^٣).\n[إسناده ضعيف، وفيه اضطراب] (^٤).\n_________\n(^١) قال في مراقي الفلاح (ص: ٢٢): «ولا يتكلم إلا لضرورة». وهذا الاستثناء ظاهره يدل على التحريم، وليس على الكراهة، لكن جاء في حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٣) ما ظاهره أن التحريم خاص بمن جمع كل أوصاف حديث أبي سعيد الآتي: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط ...) الحديث.\n(^٢) أسنى المطالب (١/ ٤٦).\n(^٣) المسند (٣/ ٣٦).\n(^٤) ضعيف، أولًا: لأن في إسناده هلال بن عياض، تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير.\nقال الذهبي: لا يعرف، كما في ميزان الاعتدال.\nوفي التقريب: مجهول.\nثانيًا: أنه من رواية عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، وفيها اضطراب.\nوقد ضعف حديثه عن يحيى كل من يحيى بن سعيد القطان، وأحمد والبخاري وأبو حاتم الرازي وابن حبان وغيرهم، انظر الجرح والتعديل (٧/ ١٠)، الثقات (٥/ ٢٣٣)، ميزان الاعتدال (٥٧١٩).\nثالثًا: الاختلاف في إسناده. فقد قال الدارقطني في العلل (٣ - ورقة ٢٣٨): يرويه يحيى بن =","vol":"7","page":84},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبي كثير، واختلف عنه، فرواه عكرمة بن عمار، واختلف عن عكرمة أيضًا: فرواه الثوري، عن عكرمة، عن يحيى، عن عياض بن هلال، عن أبي سعيد، وكذلك قال عبد الملك بن الصباح، عن عكرمة.\nوقال عبيد بن عقيل: عن عكرمة بن عمار، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nوقال أبان العطار، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.\nوقال مسكين بن بكير: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ابن عبد الله.\nوقال غير مسكين: عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، مرسلًا.\nوأشبهها بالصواب: حديث عياض بن هلال، عن أبي سعيد».\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه أحمد كما في حديث الباب، وأبو داود (١٥)، والنسائي في الكبرى (٣٣)،\nوابن خزيمة في صحيحه (٧١)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٤٩)، والبيهقي في السنن (١/ ٩٩، ١٠٠) من طريق عبد الرحمن بن مهدي.\nوأخرجه ابن ماجه (٣٤٢) عن عبد الله بن رجاء، كلاهما عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض ... فذكره.\nقال أبو داود: لم يسنده إلا عكرمة بن عمار.\nوأخرجه ابن ماجه (٣٤٢)، وابن خزيمة بعد ح (٧١) والحاكم في المستدرك (١/ ١٥٧) والبيهقي في السنن (١/ ١٠٠) من طريق سلم بن إبراهيم الوراق.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٣٢)، وابن ماجه (٣٤٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٥٧) من طريق سفيان.\nوأخرجه ابن حبان (١٤٢٢) من طريق إسماعيل بن سنان، ثلاثتهم عن عكرمة بن عمار به إلا أنهم قالوا: عياض بن هلال، بدلًا من هلال بن عياض.\nقال ابن خزيمة: هذا الشيخ هو عياض بن هلال، روى عنه يحيى بن أبي كثير غير حديث، وأحسب الوهم من عكرمة بن عمار حين قال: هلال بن عياض.\nورواه الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٣٤٥) من طريق عمر بن يونس اليمامي ومن طريق أبي حذيفة (موسى بن مسعود) كلاهما عن عكرمة بن عمار به، فقال: عن هلال بن عياض. بمثل ما رواه ابن مهدي.\nقال الخطيب: وهكذا رواه أبان العطار، عن يحيى بن أبي كثير، وروى حرب بن شداد، وعلي بن المبارك، وهشام الدستوائي، عن يحيى، عن عياض بن هلال، وهو أصح. والله أعلم». اهـ =","vol":"7","page":85},{"text":"والحديث لو صح لدل على التحريم، وليس على الكراهة، لكن قالوا: إن التحريم خاص بمن جمع كل أوصاف الحديث، رجلان يمشيان إلى الغائط كاشفين عن عورتيهما، يتكلمان، فمن فعل بعض موجبات المقت، فقد ارتكب مكروهًا.\nقال الشوكاني: القرينة الصارفة إلى معنى الكراهة الإجماع على أن هذا الكلام غير محرم في هذه الحالة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3138> دليل من قال: يكره التنحنح:</span>\nلا أعلم له دليلًا، والتنحنح ليس كلامًا، فلو تنحنح الإنسان، وهو في صلاته لم\n_________\n= وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح، من حديث يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هلال الأنصار، وإنما أهملاه لخلاف بين أصحاب يحيى بن أبي كثير فيه، فقال بعضهم: هلال بن عياض، وقد حكم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل في التاريخ، أنه عياض بن هلال الأنصاري، سمع أبا سعيد، سمع منه يحيى بن أبي كثير. قاله هشام، ومعمر، وعلي بن المبارك، وحرب بن شداد، عن يحيى ابن أبي كثير.\nوسواء كان عياض أو كان هلال بن عياض فهو ضعيف، فقد حكم الذهبي في الميزان على عياض بن هلال بأنه لا يعرف، ونقل عن يحيى القطان وأحمد والبخاري بأن أحاديث عكرمة ابن عمار، عن يحيى بن أبي كثير ضعاف، وليست بصحاح. والله أعلم.\nوخالف الأوزاعي عكرمة بن عمار، وهو أوثق منه فقد رواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن رسول الله مرسلًا.\nأخرجه الحاكم (٥٦٠) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٠٠) من طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن رسول الله ﷺ. وهذا السند حسن إن سلم من عنعنة الوليد بن مسلم، فإنه يسوي حديث الأوزاعي.\nوفي العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤١) «قال أبي: الصحيح في هذا المعنى حديث الأوزاعي، وحديث عكرمة وهم».\nواختلف على عكرمة بن عمار: فرواه عبد الرحمن بن مهدي وسلم بن إبراهيم وسفيان الثوري، عن عكرمة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هلال، عن أبي سعيد كما سبق.\nورواه الطبراني كما في مجمع البحرين (٣٤٤) من طريق عبيد بن عقيل، حدثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\n(^١) نيل الأوطار (١/ ١٠٠).","vol":"7","page":86},{"text":"تبطل صلاته على الصحيح، ولو كان متعمدًا.\nوقد نص الشافعية على أنه لا يكره التنحنح.\nقال في تحفة المحتاج: «والأقرب أن مثل التنحنح عند طرق باب الخلاء من الغير ليعلم هل فيه أحد أم لا؟ لا يسمى كلامًا، وبتقديره فهو لحاجة، وهي دفع دخول الغير عليه» (^١). اهـ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3139> دليل من قال: لا يكره:</span>\nحجته أن الكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي، ولا دليل على الكراهة، والأصل في مثل هذا الإباحة حتى يثبت النهي من الشارع، ولم يثبت نهي، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (١/ ١٧١).","vol":"7","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3140>المبحث السابع في اللبث على الحاجة فوق الحاجة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• حكم اللبث على الحاجة فوق الحاجة يرجع إلى حكم كشف العورة بلا حاجة إذا خلا من الناظر، هل الأصل فيه التحريم أو الكراهة، أو الإباحة؟ وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى.\n• يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.\n[م-٥٩٦] استحب الحنفية، والشافعية، أن لا يطيل القعود فوق الحاجة (^١).\nوفي مذهب الحنابلة ثلاثة أقوال:\nالتحريم، وهو أشهرها (^٢).\nوالكراهة، والجواز بلا كراهة (^٣).\n_________\n(^١) قال في البحر الرائق (١/ ٢٥٦): ولا يطيل القعود على البول والغائط؛ لأنه يورث الباسور، أو وجع الكبد. اهـ وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٥)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (١/ ٣٦).\nوانظر في مذهب الشافعية: تحفة المحتاج (١/ ١٧٣)، المجموع (٢/ ١٠٥)، المنهج القويم (١/ ٧٧)، حواشي الشرواني (١/ ١٧٣)، أسنى المطالب (١/ ٤٦).\n(^٢) قال في كشاف القناع (١/ ٦٣): ويحرم لبثه في الخلاء فوق حاجته. وانظر مطالب أولى النهى (١/ ٧٠، ٧١).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٩٦، ٩٧)، تصحيح الفروع (١/ ١١٤، ١١٥).","vol":"7","page":88},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3141> دليل من منع المكث فوق الحاجة:</span>\nالأول: قالوا: إن فيه كشفًا للعورة بلا حاجة.\nالثاني: ما يروى عن لقمان الحكيم.\n(١٣٠١ - ٤٢) ذكره ابن المنذر بلا إسناد، قال: وروينا عن لقمان أنه قال لمولاه: إن طول القعود على الخلاء يجمع منه الكبد، ويأخذ منه الناسور (^١).\nالثالث: الإجماع، قال النووي في المجموع: وهذا الأدب -يعني: عدم إطالة القعود- مستحب بالاتفاق (^٢).\nوقال ابن قاسم ﵀ في حاشيته: قد حكي الإجماع على تحريمه.\nقلت: وفي ذلك نظر، فلعله يعني الإجماع الذي نقله النووي، فإنه ينقل كثيرًا من إجماعات النووي، وهو إجماع على الاستحباب، لا على التحريم، وقد ذكرنا وجهًا في مذهب أحمد أنه يجوز بلا كراهة (^٣).\nهذا غاية ما يمكن أن يستدل به لهذا القول.\nويمكن مناقشة هذا القول بما يلي:\nأما الجواب عن قولهم بأنه كشف للعورة بلا حاجة، فسوف يأتي الجواب عنه في مسألة: رفع الثوب قبل الدنو من الأرض.\nوأما الجواب عن الاستدلال بما يروى عن لقمان الحكيم، فهذا لا أصل له.\nقال الشوكاني: «ومما يضحك منه التمسك بما روي عن لقمان الحكيم، أنه يورث الباسور، فيا لله العجب ممن لا يتحاشى عن تدوين مثل هذا الكلام في كتب الهداية، ولقد أبعد النجعة من اعتمد في مثل هذه المسألة الشرعية على لقمان الحكيم» (^٤).\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٣٤٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٠٥).\n(^٣) انظر تصحيح الفروع (١/ ١١٤).\n(^٤) السيل الجرار (١/ ٧١).","vol":"7","page":89},{"text":"وأما الجواب عن قولهم: بأنه يدمي الكبد، ويورث الناسور.\nفإن ذلك مرجعه إلى الطب، فإذا أخبر طبيب ثقة، ولو كافرًا بأن هذا يحصل منه ذلك، حرمناه.\nوالعجب من الحنابلة كيف يعتبر رفع الثوب قبل دنوه من الأرض مكروهًا فقط مع أنه كشف للعورة بلا حاجة، ويعتبر إطالة المكث من المحرمات، مع أنه قد يقال: إن إطالة اللبث في الخلاء تبع لأمر مباح، بخلاف من فعل ذلك ابتداء من غير حاجة، وقد يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الاستدامة، وقد يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فيتسامح في إطالة المكث، ما لا يتسامح في كشفه لعورته قبل دنوه من الأرض، والله أعلم.\n(١٣٠٢ - ٤٣) وأما ما رواه الترمذي في سننه، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن نيزك البغدادي، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو محياة، عن ليث، عن نافع،\nعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: إياكم والتعري؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم.\nقال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وأبو محياة اسمه يحيى بن يعلى.\n[إسناده ضعيف] (^١).\nفالراجح: أن القول بالتحريم قول ضعيف، وأما الكراهة فيتجه إلا أنه مبني على مسألة حكم كشف العورة والإنسان خالٍ، فإن كان ذلك مباحًا فهو مباح، وإلا كان مكروهًا، ولا يتجاوز به الكراهة.\n* * *\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٨٠٠)، وفيه الليث بن أبي سليم، متفق على ضعفه.","vol":"7","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3142>المبحث الثامن في استحباب تغطية الرأس حال قضاء الحاجة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• استحباب تغطية الرأس صح عن أبي بكر ﵁ ومرد ذلك إلى العرف، وليس الشرع.\n[م-٥٩٧] استحب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، تغطية الرأس عند قضاء الحاجة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3143>دليل الاستحباب:</span>\n(١٣٠٣ - ٤٤) ما رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر ابن عبد الله،\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٠).\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٧٠)، التاج والإكليل (١/ ٢٧٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٦)، والشرح الكبير (١/ ١٠٦)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٨٩)، مختصر خليل (ص: ١٤).\nوفي مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (٢/ ١٠٩): «قال إمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون: يستحب أن لا يدخل الخلاء مكشوف الرأس، قال بعض أصحابنا فإن لم يجد شيئًا وضع كمه على رأسه». اهـ\nوانظر في مذهب الحنابلة: المبدع (١/ ٨٢)، الإنصاف (١/ ٩٧).","vol":"7","page":91},{"text":"عن حبيب بن صالح، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء لبس حذاءه، وغطى رأسه (^١).\n[إسناده ضعيف مع إرساله] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3144>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٠٤ - ٤٥) ما رواه ابن عدي، من طريق محمد بن يونس، ثنا خالد بن\nعبد الرحمن المخزومي، ثنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء غطى رأسه، وإذا أتى أهله غطى رأسه (^٣).\n[موضوع] (^٤).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٩٦).\n(^٢) في إسناده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، جاء في ترجمته:\nقال يحيى بن معين: شامي ضعيف الحديث، ليس بشيء. الكامل (٢/ ٣٦).\nوقال عيسى بن يونس: لو أردت أبا بكر بن أبي مريم على أن يجمع لي فلانًا، وفلانًا، وفلانًا، لفعل، يعني: راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وحبيب بن عبيد. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ضعيف. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، طَرَقَهُ لصوص، فأخذوا متاعه، فاختلط.\nوفي التقريب: ضعيف وكان قد سرق بيته فاختلط.\nورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٣٨٣) من طريق ابن المبارك، عن أبي بكر بن عبد الله به.\n(^٣) الكامل (٦/ ٢٩٣).\n(^٤) فيه محمد بن يونس الكديمي متهم بالوضع.\nقال ابن أبي حاتم: سمعت أبى وعرض عليه شيء من حديثه، فقال: ليس هذا حديث أهل الصدق. الجرح والتعديل (٨/ ١٢٢).\nوقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث وبسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم، ورواية عن قوم لا يعرفون، وترك عامة مشايخنا الرواية عنه، ومن حدث عنه نسبه إلى جده موسى بأن لا يعرف. الكامل (٦/ ٢٩٢).\nوقال ابن حبان: كان يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث. المجروحين (٢/ ٣١٢).","vol":"7","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3145>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٠٥ - ٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: أخبرني عروة، عن أبيه\nأن أبا بكر الصديق قال وهو يخطب الناس: يا معشر المسلمين استحيوا من الله، فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطى رأسي استحياء من ربي (^١).\n[رجاله ثقات].\nوقال البيهقي: وروي عن أبي بكر، وهو عنه صحيح (^٢).\n(١٣٠٦ - ٤٧) ومن الآثار، روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية،\nعن ابن طاوس، قال: أمرني أبي إذا دخلت الخلاء أن أقنع رأسي. قلت: لم أمرك بذلك؟ قال: لا أدري (^٣).\n[رجاله ثقات].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3146>الدليل الرابع:</span>\nذكر بعض الفقهاء جملة من التعاليل لاستحباب تغطية الرأس عند دخول الخلاء، فقالوا منها:\nيغطي رأسه حياء من الله ﷾.\nومنها: أنه أجمع لمسام البدن، وأسرع لخروج الفضلات!!\nولأنه قد يصل إلى شعره ريح الخلاء فيعلق به (^٤).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٠٠) رقم ١١٢٧.\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ٩٦).\n(^٣) المصنف (١/ ١٠١) رقم ١١٣٥.\n(^٤) الجامع الصغير للسيوطي (١/ ١٣٥)، فيض القدير (٥/ ١٢٨).","vol":"7","page":93},{"text":"وقال الحطاب: إن كشف الرأس حال قضاء الحاجة يصيبه مرض يقال له: اللوى يمنع الخارج! ! (^١)\nوالذي صح من هذه التعليلات ما ذكره الصديق ﵁: وهو الحياء من الله ﷾.\nولولا ما صح عن الصديق ﵁ لقلت: في استحباب هذا نظر؛ لأن العورة وهي العورة يباح للإنسان إذا أراد الاغتسال أن يغتسل وهو عريان، وإن كان الستر أفضل، كما فعله موسى ﵊ وأيوب، وهذا ثابت عنهما، فكيف بتغطية الرأس.\n(١٣٠٧ - ٤٨) فقد روى البخاري من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام ابن منبه،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى ﷺ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربًا، فقال أبو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضربًا بالحجر، ورواه مسلم (^٢).\n(١٣٠٨ - ٤٩) وروى البخاري من طريق الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى. قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك (^٣).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ١٤٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٧٨)، وصحيح مسلم (٣٣٩).\n(^٣) صحيح البخاري (٧٤٩٣).","vol":"7","page":94},{"text":"ومع ذلك يكفي في الاستحباب ما جاء عن أبي بكر الصديق ﵁، فينبغي تعظيم ما يروى عن صحابة رسول الله ﷺ لمنزلتهم عند الله سبحانه، وصحبتهم لرسول الله ﷺ وجهادهم في نشر الدين والعلم، وهذا من آحادهم، فكيف إذا كان هذا عن خليفة رسول الله ﷺ ومن له سنة متبعة، فلا يعظم صحابة رسول الله إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا زنديق، ولا يبعد أن يكون الباعث على ذلك هو العرف، وليس النص الشرعي، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3147>المبحث التاسع في مسح الذكر عند الفراغ من البول</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الباقي في المخرج من البول هل هو في حكم الخارج أو في حكم الداخل؟\n• كل فعل توفر سببه على عهد النبي ﷺ، ولم يفعله ولم يكن هناك مانع من فعله فالمشروع تركه.\n• قال ابن تيمية: سلت البول بدعة.\n[م-٥٩٨] سلت الذكر عند الفراغ من البول، ويسميه بعض الفقهاء الاستبراء: أي طلب البراءة من البول وذلك باستخراج ما في المخرج منه، وهو خاص بالبول دون الغائط (^١)، وقد اختلف الفقهاء في حكمه:\nفقيل: يجب سلت الذكر، وهو مذهب الحنفية، والمالكية (^٢).\n_________\n(^١) قال الدسوقي في حاشتيه (١/ ١١٠): «قوله: مع سلت ذكر، هذا خاص بالبول، وأما الغائط فيكفي في تفريغ منه الإحساس بأنه لم يبق شيء مما هو بصدد الخروج». اهـ\n(^٢) انظر في مذهب الحنفية: مراقي الفلاح (ص: ١٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤)، الدر المختار (١/ ٣٤٥، ٣٤٦)، نور الإيضاح (١/ ١٤)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٨، ٢٩).\nوانظر في مذهب المالكية: القوانين الفقهية (ص: ٤٢)، التاج والإكليل (١/ ٤٠٧، ٤٠٨)، مواهب الجليل (١/ ١٨٢)، منح الجليل (١/ ١٠٤).","vol":"7","page":96},{"text":"وقيل: يستحب، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان من طبعه وعادته أنه لا يطهر إلا بالاستبراء فعله، ومن غلب على ظنه أنه طهر، استنجى، ولو لم يستبرئ، اختاره بعض الحنفية (^٢).\nوقيل: يكره، اختاره بعض المحققين كابن تيمية (^٣)، وهو الراجح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3148> دليل من قال بوجوب الاستبراء بسلت ونحوه:</span>\n(١٣٠٩ - ٥٠) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن قدامة، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ بحائط من حيطان مكة أو المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال رسول الله ﷺ: يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى كان أحدهما لا يستبرئ من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث (^٤).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: الاستبراء: طلب البراءة من البول، وذلك باستفراغ ما في المخرج منه، كما يقال: براءة الرحم: خلوه من الحمل. فالبراءة من البول: خلو الذكر منه، وذلك بسلته.\n_________\n(^١) انظر في مذهب الشافعية: أسنى المطالب (١/ ٤٩)، شرح البهجة (١/ ١٤١)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٤٧)، تحفة المحتاج (١/ ١٧١)، نهاية المحتاج (١/ ١٤١)، حاشية الجمل (١/ ٩١).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ١٠٢)، مطالب أولى النهى (١/ ٧٢)، المبدع (١/ ٨٧)، الفروع (١/ ٨٩)، شرح العمدة (١/ ١٥٠)، المحرر (١/ ٩)، عمدة الفقه (ص: ٦)، كشاف القناع (١/ ٦٥).\n(^٢) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ٦٧).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٠٢)، شرح العمدة (١/ ١٥١).\n(^٤) النسائي (٢٠٦٨).","vol":"7","page":97},{"text":"• وأجيب:\nبأن رواية الأكثر: لا يستتر. وفي رواية لمسلم: لا يستنزه، وهي بمعنى: لا يستتر (^١).\nثم لوكان الاستبراء: هو سلت الذكر لنقل عن الرسول ﷺ فعله، فلم يكن رسول الله ﷺ يسلت ذكره، ولا يتنحنح، ولا يمشي خطوات قبل الاستنجاء، وكل ذلك من فعل أهل الوسوسة، ومن تلاعب الشيطان ببني آدم، ولم ينقل عن الصحابة فعل ذلك، ولو فعلوه لنقل عنهم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3149>الدليل الثاني:</span>\nقال محمد عليش: إن الاستبراء شرط مطلق في صحة الوضوء إجماعًا، وعلل ذلك: بأن الباقي من البول في المخرج خارج حكمًا، فهو مناف للوضوء، وشرط صحة الوضوء عدم المنافي (^٢).\nوالصحيح أن البول في الذكر ليس في حكم الخارج، ولا ينقض الوضوء إلا\n_________\n(^١) قلت: رواه البخاري (١٣٧٨) عن عثمان بن محمد، عن جرير به، بلفظ: (لا يستتر من بوله).\nورواه البخاري أيضًا (٦٠٥٥) من طريق عبيدة بن حميد، عن منصور به، بلفظ (لا يستتر من البول).\nوطريق منصور، رواه عن مجاهد، عن ابن عباس.\nورواه البخاري (١٣٧٨) ومسلم (٢٩٤) من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس، بلفظ: (لا يستتر من بوله)، وفي رواية للبخاري (٦٠٥٥) (لا يستتر من البول).\nوفي رواية لمسلم (٢٩٤) من طريق عبد الواحد، عن الأعمش به، بلفظ: (لا يستنزه عن البول).\nقال الحافظ في الفتح (١/ ٣١٨): «قوله لا يستتر كذا في أكثر الروايات.\nوفي رواية ابن عساكر: (يستبرئ) بموحدة ساكنة: من الاستبراء.\nولمسلم وأبي داود في حديث الأعمش (يستنزه) بنون ساكنة بعدها زاى ثم هاء.\nفعلى رواية الأكثر: معنى الاستتار: أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة -يعني: لا يتحفظ منه- فتوافق رواية (لا يستنزه)؛ لأنها من التنزه: وهو الابعاد.\nوقد وقع عند أبي نعيم في المستخرج، من طريق وكيع، عن الأعمش: كان لا يتوقى. وهي مفسرة للمراد».\n(^٢) منح الجليل (١/ ١٠٤).","vol":"7","page":98},{"text":"بخروجه من الذكر، ومشاهدته، وإذا كان كذلك لم يجب الاستبراء منه، بل نقل ابن تيمية اتفاق العلماء على أنه لا يجب إخراج البول الواقف (^١).\nوالغريب أن الذين قالوا بوجوب الاستبراء كالحنفية والمالكية هم الذين يقولون: إن الاستنجاء كله ليس بواجب، فلو ترك النجاسة على مخرجيه لم يجب عليه غسلها، فهلا قالوا ذلك في سلت الذكر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3150> دليل من قال بالسنية:</span>\n(١٣١٠ - ٥١) ممكن أن يستدل له بما رواه البخاري من طريق عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا بال أحدكم فلا يمسح ذكره بيمينه، وإذا تمسح أحدكم فلا يتمسح بيمينه، وأخرجه مسلم بنحوه (^٢).\nفقوله: لا يسمح ذكره بيمينه، مفهومه أنه يمسح ذكره بشماله، ولا يقصد فيه الاستنجاء؛ لأنه قال بعده: ولا يتمسح بيمينه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3151> دليل من قال: لا يشرع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3152>الدليل الأول:</span>\nأنه لم يرد عن النبي ﷺ، ولا أرشد إليه، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3153>الدليل الثاني:</span>\nأنه مضر بالصحة، يورث السلس، وما كان كذلك يحرم فعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3154>الدليل الثالث:</span>\nأن ذلك قد ينتهي به إلى الوسواس والعياذ بالله، والوسواس غلو في الطهارة وتعد وظلم، مع ما يحمل الإنسان من تفويت للواجبات، وأحيانًا في الوقوع في المحرمات.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٦).\n(^٢) البخاري (٥٦٣٠)، ومسلم (٢٦٧).","vol":"7","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3155>الدليل الرابع:</span>\nاعتبره ابن تيمية من البدع، قال في مجموع الفتاوى: «سلت البول بدعة، لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ والحديث المروي في ذلك ضعيف لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، وإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع، إن تركته قر، وإن حلبته در، وكلما فتح الإنسان ذكره فقد يخرج منه، ولو تركه لم يخرج منه، وقد يخيل إليه أنه خرج منه شيء، ولم يخرج، والبول يكون واقفًا في رأس الإحليل لا يقطر، فإذا عصر الذكر أو الفرج أو الثقب بحجر أو أصبع أو غيره خرجت الرطوبة، فهذا أيضًا بدعة، وذلك أن البول الواقف لا يحتاج إلى إخراج باتفاق العلماء، لا بحجر ولا أصبع، ولا غير ذلك، بل كلما أخرجه جاء غيره؛ فإنه يرشح دائمًا» (^١).\nوجه من قال يفعله من يحتاج إليه:\nنقل النووي عن إمام الحرمين قوله: «إن المختار أن هذا يختلف باختلاف الناس، والمقصود أن يظن أنه لم يبق في مجرى البول شيء يخاف خروجه، فمن الناس من يحصل له هذا المقصود بأدنى عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكراره، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح، ومنهم من يحتاج إلى مشي خطوات، ومنهم من يحتاج إلى صبر لحظة، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا، وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة» (^٢).\nقلت: إذا كان البائل يحتاج إلى شيء من ذلك فهذا دليل مرض لا صحة؛ لأنه خلاف الطبيعة، فينبغي له طلب العلاج، والحمد لله على العافية.\nالراجح: أنه لا يشرع له شيء من ذلك لعدم وجود دليل يدل على المشروعية، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مجمع الفتاوى (٢١/ ١٠٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٠٦).","vol":"7","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3156>المبحث العاشر في نتر الذكر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3157>الفرع الأول في تعريف النتر</span>\nتعريف النتر:\nقال في المصباح المنير: نترته نترًا من باب: قَتَلَ: جذبته في شدة، والنترة المرة، والجمع نترات، مثل سجدة وسجدات (^١).\nوفي اللسان: النَّتْر: الجذب بجفاء، واستنتر الرجل بوله: اجتذبه واستخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء (^٢).\nومنه نترني فلان بكلامه: إذا شدده لك وغلظه، واستنتر: طلب النتر، وحرص عليه، واهتم به (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) المصباح المنير (ص: ٥٩٣).\n(^٢) اللسان (٥/ ١٩٠).\n(^٣) الفائق في غريب الحديث (٣/ ٤٠٦).","vol":"7","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3158>الفرع الثاني في حكم نتر البول</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الباقي في المخرج من البول هل هو في حكم الخارج أو في حكم الداخل؟\n• كل فعل توفر سببه على عهد النبي ﷺ، ولم يفعله ولم يكن هناك مانع من فعله فالمشروع تركه.\n• قال ابن تيمية: نتر الذكر بدعة.\n[م-٥٩٩] حكم النتر يرجع إلى حكم الاستبراء من البول، فالقائلون بوجوب الاستبراء كالحنفية والمالكية يرون أن على البائل أن يستبرئ من بوله، سواء كان عن طريق النتر أو النحنحة أو المشي خطوات، أو عن طريق مسح الذكر، فلو توقف الاستبراء على النتر كان واجبًا عندهم (^١). وقد تكلمت في مسألة سابقة عن حكم الاستبراء بمسح الذكر من أصله إلى رأسه.\n_________\n(^١) انظر مواهب الجليل (١/ ٢٨٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٠)، وقال الخرشي في شرح مختصر خليل (١/ ١٤٧): السلت والنتر واجبان، قال الحطاب: وهو الذي يقتضيه كلام غير واحد من أهل المذهب، وانظر حاشية العدوي (١/ ٢١٩)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٩٤، ٩٥).","vol":"7","page":102},{"text":"بينما الشافعية والحنابلة يرون استحباب النتر (^١).\nوقيل: لا يشرع النتر، اختاره ابن تيمية ﵀ (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3159> دليل من قال: النتر مشروع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3160>الدليل الأول:</span>\nوجوب الاستبراء من البول، وقد سبق ذكر الأدلة عليه في مسألة مستقلة. وقد تمت مناقشة هذه الأدلة والجواب عنها ويزاد: بأن الرسول ﷺ كان من أكمل الناس طهارة واستتارًا من البول، فإن كان هذا الاستبراء الذي يذكرونه من النتر والنحنحة، والمشي، والقيام والقعود الخ إن كان فعله فأين الدليل على أنه فعله؟ وإن لم يفعله لم يكن هذا بيانًا للاستتار من البول المذكور في حديث صاحب القبرين المعذبين، وفيه: (كان أحدهما لا يستتر من بوله)، فلم يرشد الشرع إلا بالاستنجاء إما بماء أو بأحجار، هذا هو حقيقة الاستبراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3161>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن التوقي من البول والاحتراز منه واجب إجماعًا، وفي النتر تحقيق لذلك.\n• ويجاب:\nبأن الذي أوجب الاحتراز من البول والتوقي منه لم يفعله، ولو كان خيرًا لفعله، ولو فعله لنقل إلينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3162>الدليل الثالث:</span>\n(١٣١١ - ٥٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٠٦)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٤٧)، تحفة المحتاج (١/ ١٧١)، إعانة الطالبين (١/ ١١٢)، روضة الطالبين (١/ ٦٦)، شرح زبد بن رسلان (ص: ٥٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ١٠٢)، أخصر المختصرات (ص: ٩٠)، شرح العمدة (١/ ١٥١)، المبدع (١/ ٨٧)، عمدة الفقه (ص: ٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٧).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٠١)، وشرح منتهى الإرادات (١/ ٣٧)، الإنصاف (١/ ١٠٢).","vol":"7","page":103},{"text":"عيسى بن يزداد،\nعن أبيه قال: قال رسول الله: إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3163> دليل من قال لا يشرع النتر:</span>\nالأدلة التي استدل بها من يقول: لا يشرع سلت الذكر، يستدل بها هنا على عدم مشروعية النتر، فلو كان النتر مشروعًا لفعله خير الخلق، ولو فعله لنقل إلينا، هذا مع ما فيه من كونه مضرًا للذكر، جالبًا للوسوسة.\nقال ابن تيمية: «التنحنح بعد البول والمشي، والطفر إلى فوق، والصعود في السلم، والتعلق في الحبل، وتفتيش الذكر بإسالته وغير ذلك كل ذلك بدعة، ليس بواجب ولا مستحب عند أئمة المسلمين، بل وكذلك نتر الذكر بدعة على الصحيح، لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ، وكذلك سلت البول بدعة لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٣٤٧).\n(^٢) الحديث له علتان:\nالأولى: جهالة عيسى بن يزداد.\nالثاني: كونه مرسلًا.\nقال يحيى بن معين عن عيسى بن يزداد: لا يعرف. الجرح والتعديل (٦/ ٢٩١).\nوقال أبو حاتم الرازي: لا يصح حديثه، وليس لأبيه صحبة، ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز، وهو وأبوه مجهولان. المرجع السابق.\nوقال البخاري: عيسى بن يزداد، عن أبيه، مرسل، لا يصح. التاريخ الكبير (٦/ ٣٩١).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢١٦).\n[تخريج الحديث].\nالحديث رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٩)، وأحمد (٤/ ٣٤٧) وابن ماجه (٣٢٦)، وأبو داود في المراسيل (٤) من طريق زمعة بن صالح.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٤٧)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٨١، ٣٨٢)، والبيهقي (١/ ١١٣) من طريق زكريا بن إسحاق، كلاهما عن عيسى بن يزداد به.","vol":"7","page":104},{"text":"والحديث المروي في ذلك ضعيف، لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، فإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع إن تركته قر، وإن حلبته در» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٦، ١٠٧).","vol":"7","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3164>المبحث الحادي عشر في حكم قول غفرانك بعد الخروج من الخلاء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لم يصح ذكر بعد قضاء الحاجة إلا قول غفرانك.\n[م-٦٠٠] استحب الفقهاء أن يقول: إذا خرج من الخلاء غفرانك (^١).\n• والدليل على هذا:\n(١٣١٢ - ٥٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه قال:\nحدثتني عائشة أن النبي كان إذا خرج من الغائط قال غفرانك (^٢).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٥).\nوانظر في مذهب المالكية: التاج والإكليل (١/ ٣٩١)، الخرشي (١/ ١٤٣)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٣٣)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٠٦)، حاشية الصاوي (١/ ٩٠)، منح الجليل (١/ ٩٩).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٩٠)، شرح البهجة - الأنصاري- (١/ ١١٥)، تحفة المحتاج (١/ ١٧٣)، نهاية المحتاج (١/ ١٤٣)،\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١١٠)، الفروع (١/ ١١٧)، كشاف القناع (١/ ٦٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٥)، المبدع (١/ ٨٢)، دليل الطالب (ص: ٧)، شرح العمدة (١/ ١٣٩)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣٦).\n(^٢) المسند (٦/ ١٥٥).","vol":"7","page":106},{"text":"[حديث حسن] (^١).\n_________\n(^١) في إسناده يوسف بن أبي بردة،\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٦).\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٧/ ٦٣٨).\nوقال العجلي: كوفي ثقة. معرفة الثقات (٢/ ٣٧٥).\nوقال الذهبي: ثقة. الكاشف (٦٤٢٧).\nكما صحح حديثه ابن حبان، وابن خزيمة، حيث خرجاه في صحيحيهما، كما سيأتي بيانه في تخريج الحديث.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح، يوسف بن أبي بردة من ثقات آل أبي موسى، ولم نجد أحدًا يطعن فيه، وقد ذكر سماع أبيه من عائشة.\nوذكر الشوكاني وأحمد شاكر أن أبا حاتم صحح حديثه هذا. سنن الترمذي (١/ ١٢)، ونيل الأوطار (١/ ٨٨).\nوالموجود في العلل (١/ ٤٣) قال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: أصح حديث في هذا الباب حديث عائشة، يعني: حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة». اهـ\nفإن كان الشوكاني وأحمد شاكر أخذا ذلك من هذه العبارة، فهي ليست صريحة في التصحيح؛ لأن قوله: أصح حديث في هذا الباب، لا يلزم منها تصحيح الحديث، إلا أن يكون للشيخ أحمد شاكر والشوكاني مصدر آخر غير هذا.\nوفي التقريب: مقبول، يقصد بشرط المتابعة، والذي يظهر لي والعلم عند الله أن يوسف أرفع من حكم الحافظ، وحديثه إن لم يكن من قبيل الحديث الصحيح، فهو من قبيل الحديث الحسن لذاته، والله أعلم.\n[تخريج الحديث]\nالحديث أخرجه أحمد (٦/ ١٥٥)، وأبو داود (٣٠) وابن الجارود (٤٢)، والبغوي في شرح السنة (١٨٨) من طريق هاشم بن القاسم.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١) وابن خزيمة (٩٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٩٧) من طريق يحيى بن أبي بكير.\nوأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٨٦) والترمذي (٧) والدارمي (٦٨٠) من طريق مالك بن إسماعيل.\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٥٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٩٧) من طريق عبيد الله بن موسى.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٩٧) من طريق طلق بن غنام وأبي النضر. كلهم رووه عن إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة به.","vol":"7","page":107},{"text":"مبحث\nمناسبة طلب المغفرة بعد قضاء الحاجة\n[م-٦٠١] ذكر النووي وجهين:\nالوجه الأول: أنه استغفر من ترك ذكر الله تعالى، حال لبثه على الخلاء، وكان لا يهجر ذكر الله تعالى إلا عند الحاجة (^١).\nوقد تعقبه بعضهم: بأنه امتنع عن ذكر الله بأمر الله، فهو محمود في ذلك غير مذموم، ومن فعل فعلًا محمودًا كان المناسب له الشكر، وليس الاستغفار.\nوممكن أن يقال: إن المرأة ناقصة عن الرجل في دينها، وقد فسره النبي بأنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم، مع أنها تركت الصلاة اتباعًا للشرع، وهي محمودة في تركها للصلاة، ولو فعلت لكانت مستحقة للذم. والذي يترجح لي أن المرأة لا تثاب على تركها للصلاة؛ لأنها ليست مكلفة في الصلاة حال حيضها، ثم تركت الصلاة لوجود عذر، وإنما هي ليست مخاطبة بالصلاة حال الحيض، بخلاف من كان من عادته فعل شيء، وكان مخاطبًا به مطلوبًا منه فعله، ثم تركه لعذر، فإنه يكتب له، وقد بحثت هذه المسألة في كتابي الحيض والنفاس، وذكرت أقوال أهل العلم فيها، والله أعلم.\nالوجه الثاني:\nقال النووي: «إنه استغفر خوفًا من تقصيره في شكر نعمة الله تعالى التي أنعمها\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٩٠).","vol":"7","page":108},{"text":"عليه، فقد أطعمه، ثم هضمه، ثم سهل خروجه، فرأى شكره قاصرًا عن بلوغ هذه النعمة، فتداركه بالاستغفار» (^١).\nوهذا ليس ببعيد، فإذا كان أكل الطعام من النعيم، وتمام ذلك بخروجه، فقد قال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر: ٨]. فناسب أن يطلب المغفرة، والله أعلم.\nالوجه الثالث:\nقال ابن القيم: «في هذا من السر -والله أعلم- أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وسأل أن يخلصه من المؤذي الآخر، ويريح قلبه منه، ويخففه، وأسرار كلماته وأدعيته فوق ما يخطر بالبال» (^٢).\nفيكون بذهاب الأذى الحسي، تذكر الأذى المعنوي: وهو الذنوب، فسأل الله المغفرة.\nالوجه الرابع:\nيذكره بعض الفقهاء، وليس له أصل.\nقال الخرشي: «لما كان خروج الأخبثين بسبب خطيئة آدم، ومخالفة الأمر حيث جعل مكثه في الأرض، وما تنال ذريته فيها عظة للعباد، وتذكرة لما تؤول إليه المعاصي، فقد روي: أنه حين وجد من نفسه ريح الغائط، قال: أي رب، ما هذا؟ فقال تعالى: هذا ريح خطيئتك، فكان نبينا، يقول: حين خروجه من الخلاء: غفرانك، التفاتًا إلى هذا الأصل، وتذكيرًا لأمته بهذه العظة» (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٥٨، ٥٩).\n(^٣) الخرشي (١/ ١٤٣).","vol":"7","page":109},{"text":"ولا يبعد أن يكون هذا التعليل من الإسرائيليات، خاصة أن النصارى هم الذين يرون أن بني آدم يحملون خطيئة أبيهم، فيحتاجون إلى الاستغفار عن ذنب لم يعملوه، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3165>المبحث الثاني عشر في حكم الحمد بعد الخروج من الخلاء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لم يصح ذكر بعد قضاء الحاجة إلا قول غفرانك.\n[م-٦٠٢] استحب الفقهاء أن يقول بعد خروجه من الخلاء: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3166> دليل الاستحباب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3167>الدليل الأول:</span>\n(١٣١٣ - ٥٤) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل ابن مسلم، عن الحسن وقتادة،\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٥٠).\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٧٠)، الشرح الكبير (١/ ١٠٦)، القوانين الفقهية (ص: ٢٩)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٤)، منح الجليل (١/ ٩٩).\nوانظر في مذهب الشافعية: المهذب (١/ ٢٦)، إعانة الطالبين (١/ ١١٢)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٩)، روضة الطالبين (١/ ٦٦)، شرح زبد بن رسلان (١/ ٥٤).\nوانظر في مذهب الحنابلة: دليل الطالب (ص: ٧)، الفروع (١/ ٨٧)، المحرر (١/ ٩)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٤٩)، والمبدع (١/ ٨٢)، كشاف القناع (١/ ٦٧).","vol":"7","page":111},{"text":"عن أنس بن مالك قال كان النبي إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3168>الدليل الثاني:</span>\n(١٣١٤ - ٥٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان ووكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي علي،\nأن أبا ذر كان يقول إذا خرج من الخلاء: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني (^٣).\n[موقوف، وإسناده ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٣٠١).\n(^٢) فيه علتان:\nالأولى: إسماعيل بن مسلم المكي، متفق على ضعفه، قاله في الزوائد.\nوقال البخاري: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه، وتركه يحيى وابن مهدي. التاريخ الكبير (١/ ٣٧٢).\nالعلة الثانية: عنعنة عبد الرحمن المحاربي، وهو مدلس.\n(^٣) المصنف (١/ ١٢) رقم ١٠.\n(^٤) فيه أبو علي الأزدي، اسمه: عبيد بن علي، ذكره البخاري، وسكت عليه. التاريخ الكبير (٥/ ٤٥٥).\nوفي التقريب: مقبول، وباقي رجال إسناده ثقات.\nوقد رواه المزي في التحفة (٩/ ١٩٥) من طريق ابن مهدي ومحمد بن بشر، كلاهما عن سفيان به.\nورواه شعبة، واختلف عليه فيه:\nفرواه النسائي في اليوم والليلة كما في تحفة الأشراف (٩/ ١٩٤، ١٩٥) من طريق يحيى بن بكير، عن شعبة، عن منصور، عن أبي الفيض، عن أبي ذر كان النبي إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.\nوخالف يحيى من هو أوثق منه لا سيما في شعبة، فرواه محمد بن جعفر، عن شعبة، عن منصور، قال: سمعت رجلًا يرفع الحديث إلى أبي ذر قوله. نقلًا من التحفة.\nومحمد بن جعفر من أثبت الناس في شعبة.\nوفي العلل لابن أبي حاتم (١/ ٢٧) رواه شعبة، عن منصور، عن الفيض بن أبي حثمة، عن أبي ذر.\nفصار شعبة تارة يرويه عن منصور عن أبي الفيض، وقيل: الفيض بن أبي حثمة.\nوتارة يروية عن منصور، عن رجل يرفع الحديث إلى أبي ذر.\nويرويه سفيان، عن منصور، عن أبي علي الأزدي: واسمه عبيد بن علي.\nجاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٢٧) «سألت أبي عن حديث رواه شعبة، عن منصور، عن الفيض بن أبي حثمة، عن أبي ذر، أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي عافاني وأذهب عني الأذى.\nفقال أبو زرعة: وهم شعبة في هذا الحديث، ورواه الثوري فقال: عن منصور، عن أبي علي عبيد ابن علي، عن أبي ذر، وهذا هو الصحيح وكان أكثر وهم شعبة في أسماء الرجال. وقال أبي: كذا قال سفيان، وكذا قال شعبة، والله أعلم أيهما الصحيح، والثوري أحفظ، وشعبة ربما أخطأ في أسماء الرجال، ولا يدرى هذا منه أم لا؟». اهـ\nوقال الدارقطني في العلل (٦/ ٢٣٥): «يرويه شعبة واختلف عنه، فرواه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن شعبة، عن منصور، عن أبي الفيض، عن سهل بن أبي حثمة وأبي ذر، عن النبي، وليس هذا القول بمحفوظ، وغيره يرويه عن شعبة، عن منصور، عن رجل يقال له الفيض، عن ابن أبي حثمة، عن أبي ذر موقوفًا، وهو أصح».\nفإن رجحنا رواية سفيان، كانت علة الحديث أبا علي الأزدي، مع كونها موقوفة على أبي ذر. وإن رجحنا رواية شعبة، فإن شعبة قد اختلف عليه في الإسناد اختلافًا يرد حديثه، وقد رجح الدارقطني الرواية الموقوفة، والله أعلم.","vol":"7","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3169>الدليل الثالث:</span>\n(١٣١٥ - ٥٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن جبير، عن الضحاك، قال: كان حذيفة إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله ... وذكر الحديث (^١).\n[ضعيف جدًا] (^٢).\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٢) رقم ١١.\n(^٢) في إسناده جويبر بن سعيد،\nقال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء، ضعيف ما أقربه من عبيدة الضبي ومحمد بن سالم وجابر الجعفي. الجرح والتعديل (٢/ ٥٤٠).\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: جويبر بن سعيد كان خراسانيًا ليس بالقوي. المرجع السابق.\nقال فيه النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (١٤٠).\nوقال في موضع آخر: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (٢/ ١٠٦).\nوقال الدارقطني وعلي بن الجنيد: متروك. الكامل (٢/ ١٢٢)، ميزان الاعتدال (ت ١٥٩٥).\nوقال ابن عدي: والضعف على حديثه ورواياته بين. الكامل (٢/ ١٢١، ١٢٢).\nوقال عبد الله بن علي بن المديني: سألته -يعني أباه- عن جويبر فضعفه جدًا. تهذيب التهذيب (٢/ ١٠٦).\nوقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. المرجع السابق.\nوقال الحاكم أبو عبد الله: أنا أبرأ إلى الله من عهدته. المرجع السابق.\nوفي التقريب: ضعيف جدًا.","vol":"7","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3170>الدليل الرابع:</span>\n(١٣١٦ - ٥٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا هريم، عن ليث، عن المنهال بن عمرو، قال:\nكان أبو الدرداء إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أماط عني الأذى وعافاني (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nفصار الحديث يروى من حديث أنس مرفوعًا، وهو ضعيف، ومن حديث أبي ذر، والصواب موقوف من قوله، وفيه ضعف، وعن حذيفة، وهو ضعيف جدًا، وعن أبي الدرداء موقوفًا عليه، وهو ضعيف، وعليه فلا يثبت في الباب شيء، والله أعلم.\nقال أبو حاتم الرازي: «أصح حديث في هذا الباب -يعني في باب الدعاء عند الخروج من الخلاء- حديث عائشة» (^٣). اهـ والذي فيه قول: غفرانك- وسبق الكلام عليه.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٢) رقم ١٣.\n(^٢) فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف قد تغير، كما أن المنهال بن عمرو لم يدرك أبا الدرداء.\n(^٣) العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٣).","vol":"7","page":114},{"text":"وقال الترمذي: لا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة (^١).\nوضعف الحديث النووي في الخلاصة (^٢).\nوقال في مصباح الزجاجة: هذا حديث ضعيف ولا يصح فيه بهذا اللفظ عن النبي شيء (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٧).\n(^٢) الخلاصة (١/ ١٧١).\n(^٣) مصباح الزجاجة (١/ ٤٤).","vol":"7","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3171>المبحث [*] الثالث عشر\nفي حكم تنظيف اليد بعد غسل دبره</span>\n• يشرع تنظيف اليد بالمطهرات بعد إزالة النجاسة بها.\n[م-٦٠٣] يستحب له أن يدلك يده في الأرض أو بغيرها من المطهرات بعد غسل دبره لقطع الرائحة عنها، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: يجب غسلها، وهو قول في مذهب الحنفية (^٢).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٥٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٥)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣١)، الفتاوى الهندية (١/ ٦)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٥٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠)، بل إن الحنفية استحبوا أيضًا غسل اليد قبل الاستنجاء كما استحبوه بعد الاستنجاء، انظر الإحالات السابقة.\nوانظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ١٠٥)، التاج والإكليل (١/ ٢٦٩)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٩).\nقال في الشرح الصغير (١/ ٩٦): «وندب بعد فراغه من الاستنجاء أن يغسل يده التي لاقى بها الأذى حال الاستنجاء بتراب ونحوه، كأشنان وغاسول وصابون». اهـ\nوفي مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (٢/ ١٢٩): «السنة أن يدلك يده بالأرض بعد غسل الدبر، ذكره البغوي والروياني وآخرون ...». إلخ كلامه ﵀.\nوانظر حواشي الشرواني (١/ ١٨٤)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٣)، مغني المحتاج (١/ ٤٦)، أسنى المطالب (١/ ٥٣).\nوانظر في مذهب الحنابلة: شرح العمدة (١/ ٩٤)، كشاف القناع (١/ ٦٦)، المغني (١/ ١٠٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٣).\n(^٢) قال في حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٥): «قيل: يجب غسلها -يعني اليد- لأنها تتنجس بالاستنجاء، وقيل: يسن وهذا هو الصحيح». اهـ\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع: «الفصل»","vol":"7","page":116},{"text":"وهل يشترط ذهاب الرائحة، على قولين في مذهب الحنفية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3172> دليل الاستحباب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3173>الدليل الأول:</span>\n(١٣١٧ - ٥٨) ما رواه البخاري من طريق سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،\nعن ميمونة أن النبي اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده ثم دلك بها الحائط ثم غسلها ثم توضأ وضوءه للصلاة فلما فرغ من غسله غسل رجليه (^٢).\nولفظ مسلم: ثم أدخل يده في الإناء، أفرغ بها على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3174>الدليل الثاني:</span>\n(١٣١٨ - ٥٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: أخبرنا شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة،\nعن أبي هريرة قال: كان النبي إذا دخل الخلاء دعا بماء، فاستنجى، ثم مسح بيده على الأرض ثم توضأ (^٤).\n_________\n(^١) جاء في حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٥): «قال في السراج: وهل يشترط فيه ذهاب الرائحة؟ قال بعضهم: نعم. فعلى هذا لا يقدر بالمرات، بل يستعمل الماء حتى تذهب العين والرائحة. وقال بعضهم: لا يشترط، بل يستعمل حتى يغلب على ظنه أنه قد طهر، وقدروه بالثلاث». اهـ\nوالظاهر أن الفرق بين القولين: أنه على الأول يلزمه شم يده حتى يعلم زوال الرائحة،\nوعلى الثاني لا يلزمه بل يكفي غلبة الظن». اهـ نقلًا من حاشية ابن عابدين.\nوقال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣١): «يغسل حتى يقطع الرائحة الكريهة: أي عن المحل وعن أصبعه التي استنجى بها؛ لأن الرائحة أثر النجاسة، فلا طهارة مع بقائها، والناس عنه غافلون». اهـ\n(^٢) صحيح البخاري (٢٦٠).\n(^٣) صحيح مسلم (٣١٧).\n(^٤) المسند (٢/ ٤٥٤).","vol":"7","page":117},{"text":"[ضعيف] (^١).\nوالدليل الأول كاف في الاستدلال، وهذا الأدب ظاهر أثرًا ونظرًا، وهو شاهد على أن الدين الإسلامي ولله الحمد لم يترك صغيرة ولا كبيرة مما قد يحتاجها الإنسان\n_________\n(^١) الحديث أخرجه أحمد (٢/ ٢١٣) وأبو داود (٤٥)، وابن ماجه (٣٥٨)، والنسائي (٥٠)،\nوابن حبان (١٤٠٥) والبيهقي (١/ ١٠٦، ١٠٧) من طريق شريك، عن إبراهيم بن جرير به.\nواختلف على إبراهيم بن جرير:\nفرواه شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة كما سبق.\nورواه أبان بن عبد الله البجلي، واختلف عليه:\nفرواه الدارمي (٦٧٩) عن محمد بن يوسف.\nوالنسائي (٥١) من طريق شعيب بن حرب.\nوابن ماجه (٣٥٩) وابن خزيمة (٨٩) من طريق أبي نعيم.\nوالبيهقي (١/ ١٠٧) من طريق محمد بن عبد الله أبي عثمان الكوفي، أربعتهم عن أبان، عن إبراهيم بن جرير، عن أبيه جرير، فجعله أبان من مسند جرير، ولفظه: كنت مع النبي، فأتى الخلاء، فقضى الحاجة، ثم قال: يا جرير هات طهورًا، فأتيته بالماء، فاستنجى بالماء، وقال بيده، فدلك بها الأرض. قال النسائي: هذا أشبه بالصواب من حديث شريك.\nوإبراهيم بن جرير لم يسمع من أبيه، فهو منقطع.\nوخالفهم جماعة:\nفرواه محمد بن عبد الله بن الزبير كما في مسند أحمد (٢/ ٣٥٨) والبيهقي (١/ ١٠٧).\nوأبو داود الطيالسي كما في مسند أبي يعلى (٦١٣٦).\nومحمد بن يوسف كما في سنن الدارمي (٦٧٨). ثلاثتهم رووه عن أبان، عن مولى لأبي هريرة، عن أبي هريرة بنحوه.\nومولى أبي هريرة هذا لم أعرفه، وقد جاء في سند البيهقي، قال: وأظنه قال: أبو وهب. اهـ\nوأبو وهب ذكره البخاري في الكنى (٧٥١) ولم يذكر في الرواة عنه سوى حميد بن سعيد، وسكت عليه، فلم يذكر فيه شيئًا.\nفهذا الاختلاف على أبان مما يضعف روايته، فإن رجحنا رواية شريك، فإنه هو علة الحديث؛ لأنه سيء الحفظ.\nوإن رجحنا رواية أبان بن عبد الله فإن فيه ضعفًا، فهو من مسند جرير فيه انقطاع، ومن مسند أبي هريرة فيه رجل مجهول، فالحديث ضعيف على أية حال، والله أعلم.","vol":"7","page":118},{"text":"إلا وقد أرشد إليها، فأين هذا من الديانات التي تدين بالقذارة والنجاسة، وصدق الله (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [الأنعام: ٣٨].\nوخير الهدي هدي محمد ﷺ، فلا تجد خيرًا في أي نحلة أو ملة إلا وتجد في هذه الشريعة ما هو أكمل وأتم، فلله الحمد على إكمال دينه، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) [المائدة: ٣].\nرضينا بالله ربا، وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا.\n* * *","vol":"7","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3175>المبحث الرابع عشر في حكم البول واقفًا</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في العادات الإباحة.\n• الأفعال الجبلية من الرسول على الإباحة.\n• البول واقفًا جائز إذا أمن التلوث والناظر.\n[م-٦٠٤] اختلف الفقهاء في البول، والإنسان قائم:\nفقيل: يكره من غير عذر، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤)، البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٥)، الفتاوى الهندية (٥/ ٣٧٩)، بريقة محمودية (٤/ ١١٦).\n(^٢) قال في المهذب (١/ ٢٦): «ويكره أن يبول قائمًا من غير عذر». اهـ\nوقال في المجموع (٢/ ١٠٠): «يكره البول قائمًا بلا عذر كراهة تنزيه، ولا يكره للعذر، هذا مذهبنا». اهـ\nوانظر إعانة الطالبين (١/ ١١٢)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٨)، روضة الطالبين (١/ ٦٦)، أسنى المطالب (١/ ٤٩).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٩٩).","vol":"7","page":120},{"text":"وقيل: لا بأس به إن أمن التلوث والناظر، وهو نص المدونة (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nواستحب بعض المالكية البول جالسًا، وهو نص خليل في مختصره (^٣)، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.\nفإن كان البول واقفًا من عذر جاز بالاتفاق (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3176> دليل من قال: لا بأس بالبول قائمًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3177>الدليل الأول:</span>\nلم يأت نهي من الشارع عن البول واقفًا، والأصل الإباحة حتى يأتي دليل يدل على المنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3178>الدليل الثاني:</span>\n(١٣١٩ - ٦٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن\n_________\n(^١) قال في المدونة (١/ ١٣١): وقال مالك في الرجل يبول قائما قال: إن كان في موضع رمل أو ما أشبه ذلك لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس بذلك، وإن كان في موضع صفا يتطاير عليه فأكره له ذلك، وليبل جالسًا.\n(^٢) قال في الفروع (١/ ١١٧): ولا يكره البول قائمًا وفاقًا لمالك. اهـ وانظر الإنصاف (١/ ٩٩)، شرح العمدة (١/ ١٤٧)، كشاف القناع (١/ ٦٥)، دليل الطالب (ص: ٧)، منار السبيل (١/ ٢٦).\n(^٣) قال في مختصره (ص: ١٤): ندب لقاضي الحاجة جلوس. اهـ\nومقتضى ذلك أنه لا يكره؛ لأنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، وهذا ما صرح به الخرشي (١/ ١٤١) قال: ويجوز له القيام إذا أمن الاطلاع.\nونص عليه الباجي في المنتقى حيث أجاز البول واقفًا، وقال عن الجلوس بأنه أفضل، قال في المنتقى (١/ ١٢٩): البول على قدر الموضع الذي يبال فيه، فإن كان موضعًا طاهرًا دمثًا لينًا يؤمن فيه تطاير البول على البائل جاز أن يبال فيه قائمًا؛ لأن البائل حينئذ يأمن تطاير البول عليه، ويجوز أن يبول قاعدًا؛ لأنه يأمن على ثوبه من الموضع. والبول قاعدا أفضل وأولى؛ لأنه أستر للبائل. اهـ وانظر التاج والإكليل (١/ ٣٨٥ - ٣٨٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٤).\n(^٤) لم أقف على أحد منع البول قائمًا لعذر، فهذا الشافعية والحنفية كرهوا البول قائمًا وقيدوا الكراهة من غير عذر، انظر ما تقدم من مراجعهم.","vol":"7","page":121},{"text":"الأعمش، عن أبي وائل،\nعن حذيفة قال أتى النبي سباطة قوم، فبال قائمًا، ثم دعا بماء، فجئته بماء فتوضأ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3179>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٢٠ - ٦١) ما رواه أحمد، قال: أبي ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا عاصم بن بهدلة وحماد، عن أبي وائل،\nعن المغيرة بن شعبة أن رسول الله أتى على سباطة بني فلان، فبال قائمًا. قال حماد بن أبي سليمان: ففحج رجليه (^٢).\n[المحفوظ حديث أبي وائل، عن حذيفة، وحديث أبي وائل عن المغيرة وهم، والله أعلم] (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٤) ومسلم (٢٧٣) وزاد: ومسح على خفيه.\n(^٢) المسند (٤/ ٢٤٦).\n(^٣) الحديث رواه عاصم بن بهدلة وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل عن المغيرة.\nوخالفهما الأعمش ومنصور، والشعبي فرووه عن أبي وائل، عن حذيفة، وهو الصواب.\nقال الترمذي في سننه (١/ ٢٠): حديث أبي وائل عن حذيفة أصح.\nوقال الدارقطني في العلل (٧/ ٩٥) إن عاصمًا وحمادًا وهما فيه على أبي وائل، وقال: رواه الأعمش ومنصور، عن أبي وائل، عن حذيفة، عن النبي، وهو الصواب. اهـ\nوكذا قال البيهقي في سننه الكبرى (١/ ١٠١).\nوقال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٢٩): قال الترمذي: «حديث أبي وائل، عن حذيفة أصح -يعني من حديثه عن المغيرة- وهو كما قال، وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين، لكون حماد بن أبي سليمان وافق عاصمًا على قوله: عن المغيرة، فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما، فيصح القولان معًا، لكن من حيث الترجيح؛ رواية الأعمش ومنصور أصح من رواية عاصم وحماد، لكونهما في حفظهما مقال». اهـ\nقلت: حديث حذيفة في الصحيحين، وسبق تخريجه.\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه أحمد كما في إسناد الباب عن عفان. ...\nوأخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب (٣٩٦)، وابن خزيمة (٦٣) عن يونس بن محمد\nوالطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٠٥) رقم ٩٦٦ من طريق حجاج بن منهال وأسد بن موسى، أربعتهم، عن حماد بن سلمة به.\nوأخرجه ابن ماجه (٣٠٦) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٠١) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٠٦) رقم ٩٦٩، من طريق شعبة.\nوأخرجه عبد بن حميد (٣٩٩) والبزار في البحر الزخار (٢٨٩١) من طريق أبي بكر بن عياش.\nوالطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٠٥) رقم ٩٦٦ من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن عاصم به.","vol":"7","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3180>الدليل الرابع:</span>\n(١٣٢١ - ٦٢) من الآثار، ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، قال:\nرأيت عليًا بال قائمًا، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم أقام المؤذن، فخلعهما (^١).\n[رجاله ثقات] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٧٣).\n(^٢) أبو ظبيان اسمه: حصين بن جندب، من رجال الجماعة، وقد وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة، والدارقطني وغيرهم.\nورواه عبد الرزاق (٧٨٤) عن الثوري، عن الأعمش به.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٢٨٨) من طريق ابن نمير، عن الأعمش به مطولًا، ولفظه: رأيت علي بن أبي طالب بالرحبة بال قائمًا حتى أرغى، فأتى بكوز من ماء، فغسل يديه، واستنشق، وتمضمض، وغسل وجهه وذراعيه، ومسح برأسه، ثم أخذ كفًا من ماء، فوضعه على رأسه حتى رأيت الماء ينحدر على لحيته، ثم مسح على نعليه، ثم أقيمت الصلاة، فخلع نعليه، ثم تقدم، فأم الناس. قال ابن نمير: قال الأعمش: فحدثت إبراهيم، قال: إذا رأيت أبا ظبيان فأخبرني، فرأيت أبا ظبيان قائمًا في الكناسة، فقلت: هذا أبو ظبيان، فأتاه، فسأله عن الحديث.\nورواه عبد الرزاق (٧٨٣) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظبيان به.\nواختلف في سماع أبي ظبيان من علي، قال في التهذيب: «لا يثبت له سماع من علي. وسئل الدارقطني: ألقي أبو ظبيان عليًا؟ قال: نعم». اهـ\nوهنا أبو ظبيان يقول: رأيت عليًا. وقال الحافظ في التهذيب (٢٢٦): «قد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قيامًا، وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش، والله أعلم، ولم يثبت في النهي عنه شيء». اهـ","vol":"7","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3181>الدليل الخامس:</span>\n(١٣٢٢ - ٦٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن زيد، قال: رأيت عمر بال قائمًا.\n[صحيح] (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3182> دليل من قال يكره البول قائمًا:</span>\n(١٣٢٣ - ٦٤) ما رواه أحمد، قال: وكيع، عن سفيان، عن المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه،\nقالت عائشة: من حدثك أن رسول الله بال قائمًا فلا تصدقه، ما بال رسول الله قائمًا منذ أنزل عليه القرآن (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nفقالوا: إن قول عائشة هذا ناسخ لحديث حذيفة.\n• وأجيب عنه:\nقال الحافظ: «الصواب أنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١١٥) ورجاله ثقات.\n(^٢) المسند (٦/ ١٩٢).\n(^٣) الحديث رواه أحمد أيضًا (٦/ ٢١٣)، وإسحاق بن راهوية في مسنده (١٥٧٠) عن وكيع،\nوأخرجه أحمد (٦/ ٢١٣) عن عبد الرحمن بن مهدي.\nوأخرجه أبو عوانة في مسنده (١/ ١٩٨) من طريق قبيصة.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٦٧) والحاكم في المستدرك (٦٤٤) والبيهقي في سننه الكبرى (١/ ١٠١) من طريق أبي نعيم، أربعتهم عن سفيان به.\nوأخرجه الحاكم (٦٦٠) والبيهقي (١/ ١٠١، ١٠٢) من طريق إسرائيل، عن المقدام به.\nوأخرجه الطيالسي (١٥١٥)، وابن أبي شيبة (١/ ١١٦)، والترمذي (١٢)، والنسائي (٢٩)، وابن ماجه (٣٠٧) من طريق شريك، عن المقدام به. وشريك سيء الحفظ، لكنه قد توبع.\nوزعم أبو عوانة في مسنده (١/ ١٩٨) أن هذا الحديث ناسخ لحديث حذيفة ﵁!!","vol":"7","page":124},{"text":"إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة، فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3183>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٢٤ - ٦٥) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، عن عبد الكريم بن أبي أمية، عن نافع،\nعن ابن عمر، عن عمر قال: رآني رسول الله وأنا أبول قائمًا، فقال: يا عمر لا تبل قائمًا، فما بلت قائمًا بعد (^٢).\n[إسناده ضعيف جدًا، ومتنه منكر] (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (ح ٢٢٦).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٣٠٨).\n(^٣) في إسناده عبد الكربم بن أبي أمية، وهو متروك، وقد خالف فيه عبيد الله بن عمر، فقد رواه عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: ما بلت قائمًا منذ أسلمت، وهذا إسناد في غاية الصحة، إلا أنه موقوف على عمر، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١٦) حدثنا ابن إدريس وابن نمير، عن عبيد الله بن عمر به.\nقال الترمذي (١٢): وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أيوب السختياني، وتكلم فيه، وروى عبيد الله بن عمر، عن نافع، فذكر حديث ابن أبي شيبة الموقوف، وقال: وهذا أصح.\nوأخرجه أبو عوانة (٤/ ٢٥) من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج به، وفيه زيادة النهي عن الحلف بغير الله.\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٤٠)، والحاكم (٦٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٠٢) من طريق عبد الرزاق به.\nواختلف على ابن جريج، فرواه عبد الرزاق، عنه، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر مرفوعًا.\nوأخرجه ابن حبان (١٤٢٣) من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن نافع به، فأسقط من إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق، فصار ظاهر الإسناد الصحة. ...\nوقد قال ابن حبان: أخاف أن ابن جريج لم يسمع من نافع هذا الخبر. اهـ\nوخوفه متحقق، وقد قال في مصباح الزجاجة (١/ ٤٥): «هذا إسناد ضعيف عبد الكريم متفق على تضعيفه وقد تفرد بهذا الخبر، وعارضه خبر عبيد الله بن عمر العمري الثقة المأمون المجمع على ثقته، ولا يغتر بتصحيح ابن حبان هذا الخبر من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر؛ فإنه قال بعده: أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع، وقد صح ظنه، فإن ابن جريج سمعه من ابن أبي المخارق كما ثبت في رواية ابن ماجه هذه». اهـ","vol":"7","page":125},{"text":"ويعارضه ما تقدم عن عمر في أدلة القول الأول أن زيد بن وهب الجهني، قال: رأيت عمر بال قائمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3184>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٢٥ - ٦٦) ما رواه البخاري في التاريخ الكبير (^١)، والبزار (^٢)، والطبراني في الأوسط (^٣)، من طريق سعيد بن عبيد الله بن جبير، حدثنا عبد الله بن بريدة،\nعن أبيه، قال: قال رسول الله ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده.\nقال البزار: لا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، إلا سعيد، ورواه عن سعيد عبد الله بن داود وعبد الواحد بن واصل.\n[ضعفه الترمذي وغيره] (^٤).\n_________\n(^١) (٣/ ٤٩٦).\n(^٢) كما في كشف الأستار (٥٤٧).\n(^٣) (٦/ ١٢٩) رقم ٥٩٩٨.\n(^٤) قال الترمذي (١/ ١٨): «حديث بريدة هذا غير محفوظ». فاعترض عليه العيني في شرح البخاري (٣/ ١٣٥) وقال: «في قول الترمذي هذا نظر؛ لأن البزار أخرجه بسند صحيح».\nقال العلامة المباركفوري: «الترمذي من أئمة هذا الشأن، فقوله: حديث بريدة هذا غير محفوظ يعتمد عليه. وأما إخراج البزار حديثه بسند ظاهره الصحة فلا ينافي كونه غير محفوظ». اهـ\nونقل هذا أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي (١/ ١٨).\nوقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٧٤): «رجاله ثقات إلا أنه معلول».\nقلت: القول بأن إسناده صحيح فيه نظر، فإن سعيد بن عبد الله هو ابن جبير، قال عنه الدارقطني كما في سؤالات الحاكم (٣٣٤): «ليس بالقوي، يحدث بأحاديث يسندها، وغيره يوقفها». اهـ\nوفي التقريب: صدوق ربما وهم. اهـ وهذا من أو هامه.\nوهذا جرح مفسر مقدم على التوثيق المطلق من بعض الأئمة، وعلى فرض أن يكون ثقة فإن فيه علة أخرى، وهي المخالفة، فقد خالفه من هو أوثق منه، فقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ١١٦) حدثنا وكيع، عن كهمس بن الحسن، عن ابن بريدة قال: كان يقال: من الجفاء أن يبول قائمًا، ولم يرفعه.\nورواه البيهقي (٢/ ٢٨٥) من طريق جعفر بن عون، عن سعيد، عن قتادة، عن ابن بريدة، عن ابن مسعود موقوفًا عليه.","vol":"7","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3185>الدليل الرابع:</span>\n(١٣٢٦ - ٦٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، قال: قال عبد الله: من الجفاء أن يبول قائمًا (^١).\n[المسيب لم يسمع من ابن مسعود] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3186>الدليل الخامس:</span>\n(١٣٢٧ - ٦٨) ما رواه البيهقي من طريق عدي بن الفضل، عن علي، عن الحكم، عن أبي نضرة،\nعن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله أن يبول الرجل قائمًا (^٣).\n[ضعيف جدًا] (^٤).\nوأجابوا عن كون الرسول ﷺ بال قائمًا بعدة أجوبة منها:\nالأول: أنه كان به ﷺ وجع الصلب، وأن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب، ولا دليل على هذا.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١١٦) رقم ١٣٢٦.\n(^٢) قال أحمد: لم يسمع من ابن مسعود شيئًا. جامع التحصيل (ص: ٢٨١).\n(^٣) سنن البيهقي (١/ ١٠٢).\n(^٤) فيه عدي بن الفضل، ضعف البيهقي الحديث بسببه، وفي التقريب: عدي بن الفضل التيمي متروك.","vol":"7","page":127},{"text":"الثاني: أنه فعل ذلك لوجع في مأبضه.\n(١٣٢٨ - ٦٩) فقد أخرج الحاكم، وعنه البيهقي من طريق حماد بن غسان الجعفي، حدثنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ بال قائمًا من جرح كان بمأبضه.\n[إسناده ضعيف] (^١).\nالثالث: قالوا: إنه لم يجد مكانًا يصلح للقعود، فاحتاج إلى القيام، وقد يكون خشي أن يرتد عليه بوله خاصة أنه بال على سباطة القوم.\nالرابع: قالوا: إنما بال قائمًا؛ لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار.\n(١٣٢٩ - ٧٠) ويؤيده ما رواه ابن المنذر، من طريق سعيد بن عمرو بن سعيد، قال: قال عمر: البول قائمًا أحصن للدبر (^٢).\n[رجاله ثقات إلا أن سعيد بن عمرو بن سعيد لم يدرك عمر].\nفالوجوه المتقدمة كلها ضعيفة، والصواب أنه فعل ذلك لبيان الجواز، بل إن العرب كانت تعد البول قاعدًا من شأن المرأة.\n(١٣٣٠ - ٧١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة، قال:\nكنت أنا وعمرو بن العاص جالسين، قال: فخرج علينا رسول الله ﷺ ومعه درقة أو شبهها، فاستتر بها، فبال جالسًا. قال: فقلنا: أيبول كما تبول المرأة؟ ! قال: فجاءنا، فقال: أو ما علمتم ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كان الرجل منهم إذا\n_________\n(^١) قال الحاكم: هذا حديث صحيح، تفرد به حماد بن غسان، ورواته كلهم ثقات. قال الذهبي: حماد ضعفه الدارقطني قاله في التلخيص، وقاله في الميزان (١/ ٥٩٩).\nوقال في الفتح: لو صح لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي.\n(^٢) الأوسط (١/ ١١٦).","vol":"7","page":128},{"text":"أصابه شيء من البول، قرضه، فنهاهم عن ذلك، فعذب في قبره (^١).\n[صحيح] (^٢).\nقال السيوطي: قال الشيخ ولي الدين العراقي: هل المراد التشبه بها في الستر أو الجلوس أو فيهما؟\nمحتمل، وفهم النووي الأول، فقال في شرح أبي داود: معناه أنهم كرهوا ذلك، وزعموا أن شهامة الرجال لا تقتضي الستر على ما كانوا عليه في الجاهلية.\nقال الشيخ ولي الدين: ويؤيد الثاني رواية البغوي في معجمه، فإن لفظها، فقال بعضنا لبعض: يبول رسول الله ﷺ كما تبول المرأة، وهو قاعد. وفي معجم الطبراني: يبول رسول الله ﷺ وهو جالس كما تبول المرأة. وفي سنن ابن ماجة: قال أحمد بن عبد الرحمن المخزومي: كان من شأن العرب البول قائمًا، ألا تراه في حديث عبد الرحمن بن حسنة يقول يقعد ويبول (^٣).\n• الراجح من الخلاف:\nجواز البول واقفًا بشرطه، وهو الأمن من الناظر، وأما الأمن من التلوث فليس بشرط؛ لأن التلوث بالنجاسة ليس محرمًا، وإنما يجب عليه أن يتخلى من النجاسة عند إرادة العبادة التي من واجبها الطهارة كالصلاة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المسند (٤/ ١٩٦).\n(^٢) الحديث أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١٥)، وأبو يعلى (٩٣٢)، وأبو بكر الشيباني في الآحاد والمثاني (٥/ ٥٢)، والنسائي في الكبرى (٢٦)، وفي المجتبى (٣٠) وابن ماجه (٣٤٦)،\nوابن حبان (٣١٢٧)، والحاكم (٦٥٧) من طريق أبي معاوية.\nوأخرجه الحميدي (٨٨٢) عن سفيان.\nوأبو داود (٢٢) من طريق عبد الواحد بن زياد.\nوأخرجه ابن الجارود (١٣١) وابن المنذر في الأوسط (١/ ١٣٧)، والبيهقي (١/ ١٠١) من طريق يعلى بن عبيد.\nوأخرجه البيهقي (١/ ١٠٤) من طريق عبيد الله بن موسى، كلهم رووه عن الأعمش به.\n(^٣) شرح السيوطي للنسائي (١/ ٢٨).","vol":"7","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3187>المبحث الخامس عشر [*] استحباب أن يهيئ ما يستجمر به قبل جلوسه</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• يشرع التأكد من وجود الماء أو الحجارة أو ما يقوم مقامهما قبل قضاء الحاجة.\n[م-٦٠٥] استحب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، أن يهيئ ما يستجمر به قبل جلوسه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3188> دليل الاستحباب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3189>الدليل الأول:</span>\n(١٣٣١ - ٧٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا يعقوب ابن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،\nعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (^٤).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٦٩)، التاج والإكليل (١/ ٢٦٩)، مختصر خليل (ص: ١٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٥)، الخرشي (١/ ١٤٢)، القوانين الفقهية (ص: ٢٩)، منح الجليل (١/ ٩٨)، حاشية الصاوي (١/ ٩٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٠٩)، تحفة المحتاج (١/ ١٦٦)، شرح البهجة (١/ ١١٤)، روضة الطالبين (١/ ٦٥)، مغني المحتاج (١/ ٤٠).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٦٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٧).\n(^٤) المسند (٦/ ١٣٣).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «السادس عشر»","vol":"7","page":130},{"text":"[إسناده فيه لين] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3190>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٣٢ - ٧٣) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل، قال: حدثنا مخلد بن خالد، قال: حدثنا إبراهيم بن خالد الصنعاني، قال: حدثنا رباح بن زيد، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن أبي رشدين،\nعن سراقة بن مالك بن جعشم، أنه كان إذا جاء من عند رسول الله ﷺ حدث قومه وعلمهم، فقال له رجل يومًا -وهو كأنه يلعب- ما بقي لسراقة إلا أن يعلمكم كيف التغوط؟ فقال سراقة: إذا ذهبتم إلى الغائط فاتقوا المجالس على الظل، والطريق، خذوا النبل، واستنشبوا على سوقكم، واستجمروا وترًا (^٢).\n[إسناده ضعيف مع أنه موقوف] (^٣).\nقال النووي: النُبَل بضم النون وفتح الموحدة: هي الحجارة الصغيرة (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3191>الدليل الثالث:</span>\nمن النظر، قالوا: لأنه إذا لم يعد الأحجار أو الماء، وتحرك لتحصيل المزيل ربما انتشرت النجاسة فلا يكفيه إلا الماء، وربما تلوثت ثيابه بالنجاسة، فكان الأفضل أن يعدها قبل جلوسه ليزيلها مباشرة.\n* * *\n_________\n(^١) سبق تخريجه في مسألة حكم الاستنجاء، انظر رقم: (١٢٦١).\n(^٢) الأوسط (٥١٩٨).\n(^٣) انظر تخريجه (ص: ١٩٩ - ٢٠٠) ح ١٣٨٦.\n(^٤) المجموع (٢/ ١٠٩).","vol":"7","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3192>الفصل الثاني في آداب قضاء الحاجة المتعلقة بالمكان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3193>المبحث الأول في طلب المكان الرخو</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الاحتياط في توقي النجاسات مطلوب ما لم يبلغ حد الوسوسة.\n[م-٦٠٦] يستحب أن يطلب لبوله موضعًا رخوًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3194>الدليل الأول: الإجماع</span>.\nقال النووي: وهذا الأدب متفق على استحبابه (^٢).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: الفتاوى الهندية (١/ ٥٠).\nوفي مذهب المالكية: الشرح الكبير (١/ ١٠٧)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٢٩)، والتاج والإكليل (١/ ٤٠٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٨)، الخرشي (١/ ١٤٥)، الشرح الصغير (١/ ٨٨)، منح الجليل (١/ ١٠٠).\nوفي مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٩٨)، المهذب (١/ ٢٦)، المنهج القويم (١/ ٧٦)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٨)، حواشي الشرواني (١/ ١٦٩)، أسنى المطالب (١/ ٤٨).\nوفي مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٦٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٦)، المغني (١/ ١٠٨)، المبدع (١/ ٨٢)، المحرر (١/ ٩)، الكافي (١/ ٥٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٩٨).","vol":"7","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3195>الدليل الثاني:</span>\nأن طلب المكان الرخو مشروع حتى لا يرتد عليه رشاش من بوله.\n(١٣٣٣ - ٧٤) فقد روى البخاري من طريق جرير، عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ: يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (^١).\nقال الشوكاني: «إن كان البول في الصلب مما يتأثر عنه عود شيء منه إلى البائل، فتجنب ذلك واجب؛ لأن التلوث به حرام، وما يتسبب عن الحرام حرام» (^٢).\n• ويجاب:\nبأن التخلي عن النجاسة واجب في عبادة تشترط لها الطهارة من النجاسة كالصلاة، وقبل ذلك مستحب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3196>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٣٤ - ٧٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، حدثنا شعبة، حدثنا أبو التياح، عن شيخ لهم،\nعن أبي موسى، قال: مال رسول الله ﷺ إلى دمث إلى جنب حائط، فبال قال: شعبة: فقلت لأبي التياح جالسًا؟ قال: لا أدري، قال: فقال رسول الله ﷺ: إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض، فإذا بال أحدكم فليرتد لبوله (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).\n(^٢) السيل الجرار (١/ ٦٦).\n(^٣) المسند (٤/ ٣٩٩).","vol":"7","page":133},{"text":"[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف لإبهام شيخ أبي التياح.\nوالحديث أخرجه الطيالسي (٥١٩)، عن شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت رجلًا أسود كان قدم مع ابن عباس البصرة، قال: لما قدم ابن عباس البصرة حُدِّث بأحاديث عن أبي موسى، عن النبي ﷺ، فكتب إليه ابن عباس يسأله عنها، فكتب إليه الأشعري: إنك رجل من أهل زمانك، وإني لم أحدث عن النبي ﷺ منها بشيء إلا أني كنت مع رسول الله ﷺ، فأراد أن يبول، فمال إلى دمث حائط، فبال، وقال: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب أحدهم البول قرضه بالمقراضين، قال أبو سعيد: فإذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله. هذا لفظ أبي داود الطيالسي، وهو صريح أن قوله: (فليرتد لبوله) من كلام أبي سعيد، وليس مرفوعًا.\nوقد أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق أبي داود الطيالسي (٣/ ٤٦٤) إلا أنه جعل قوله: (فليرتد لبوله) مدرجًا من كلام رسول الله ﷺ.\nوقد أخرجه أبو داود (٣) ومن طريقه البيهقي (١/ ٩٣، ٩٤) من طريق حماد بن سلمة.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٩٦) حدثنا محمد بن جعفر.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٤١٤) عن وكيع،\nوأخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢٩) من طريق المقرئ، كلهم عن شعبة بإسناد أبي داود الطيالسي، وفيه: كان بنو إسرائيل إذا بال أحدهم فأصابه شيء من بوله، يتبعه، فقرضه بالمقراضين، وقال: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله.\nفظاهر قوله: (وقال: إذا أراد أحدكم أن يبول) أن هذا من كلام أبي سعيد، ويتأكد ذلك بجزم أبي داود الطيالسي بذلك حيث قال: وقال أبو سعيد.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٩٣، ٩٤) من طريق وهب بن جرير، عن شعبة بإسناد أبي داود الطيالسي إلا أنه أدرج قول أبي سعيد بالحديث.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٩٩) من طريق بهز، حدثنا شعبة، عن أبي التياح، عن شيخ لهم، عن أبي موسى، فأسقط ذكر ابن عباس، وكتابته إلى أبي موسى، وجعل قوله: فإذا بال أحدكم فليرتد لبوله مرفوعًا من كلا رسول الله ﷺ.\nوالحديث صححه الحاكم، وضعفه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢٩).\nوالحق أن زيادة (فليرتد لبوله) زيادة ضعيفة لمدارها على مبهم، وأما فعل بني إسرائيل فقد رواه البخاري موقوفة على أبي موسى فقد رواه البخاري (٢٢٦) من طريق شعبة، ورواه مسلم (٢٧٣) من طريق جرير، كلاهما عن منصور، عن أبي وائل، قال: كان أبو موسى يشدد في البول، يقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه. هذا لفظ البخاري، ومسلم بنحوه. ...\nوفعل بني إسرائيل جاء مرفوعًا بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن حسنة،\nرواه أحمد (٤/ ١٩٦) وأبو يعلى في مسنده (٩٣٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٨٨)، والنسائي (٣٠)، وفي الكبرى (٢٦) وابن ماجه (٣٤٦)، وابن حبان (٣١٢٧)، عن أبي معاوية.\nورواه أبو داود (٢٢) والحاكم في المستدرك (١/ ١٨٤) من طريق عبد الواحد بن زياد.\nورواه الحميدي في مسنده (٩٠٦) ومن طريقه الحاكم في المستدرك (١/ ١٨٤) عن سفيان.\nورواه ابن أبي شيبة في مسنده (٧٣٨)، وفي المصنف (١٢٠٣٩)، وأحمد في المسند (١/ ١٩٦)، عن وكيع.\nورواه أحمد (١/ ١٩٦) عن يحيى بن سعيد القطان.\nوابن الجارود في المنتقى (١٣١) من طريق يعلى بن عبيد.\nوالطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥٢٠٦) من طريق أبي عوانة.\nوالحاكم في المستدرك (١/ ١٨٤) من طريق معاوية بن عمرو، وزائدة بن قدامة، كلهم عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة مرفوعًا في عمل بني إسرائيل إذا أصاب أحدهم البول، وفيه قصة بول النبي ﷺ قاعدًا.","vol":"7","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3197>الدليل الرابع:</span>\n(١٣٣٥ - ٧٦) روى الطبراني في الأوسط من طريق يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا سعيد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عبيد، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله.\n[ضعيف، والمعروف أنه مرسل] (^١).\n_________\n(^١) رواه يحيى بن إسحاق، واختلف عليه فيه:\nفرواه الطبراني في الأوسط (٣٠٦٤) حدثنا بشر بن موسى، قال: أخبرنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، عن سعيد بن زيد، عن واصل، عن يحيى بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nورواه ابن قانع في معجم الصحابة (١١٧٤) حدثنا بشر بن موسى، أخبرنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا سعيد بن زيد أخو حماد، عن يحيى بن عبيد بن دحي، عن أبيه، ولم يذكر أبا هريرة.\nكما رواه الحارث بن أسامة كما في بغية الباحث (٥٩) والمطالب العالية (٣٥) وإتحاف المهرة (٦٤٣)، عن يحيى بن إسحاق به بدون ذكر أبي هريرة. وهذا هو المعروف.\nورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ١٨٤) أخبرنا مسلم بن إبراهيم.\nورواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٣٧٧) من طريق أبي عاصم، ...\nكلاهما عن سعيد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عبيد، عن أبيه، ولم يذكرا أبا هريرة.\nقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٠٤): رواه الطبراني في الأوسط، وهو من رواية يحيى بن عبيد بن دحي، عن أبيه، ولم أر من ذكرهما، وبقية رجاله موثقون. وضعفه السيوطي في الجامع الصغير (٤٩٥).\nوفي العلل لابن أبي حاتم (٨٧): «وسمعت أبا زرعة يقول في حديثه: رواه سعيد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عبيد، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يتبوأ لبوله، فقال أبو زرعة: هذا مرسل». وانظر المراسيل لابن أبي حاتم (٤٨٨).\nوقال أبو زرعة أيضًا في نفس الكتاب (٦٠٧): «ليس لوالد يحيى بن عبيد صحبة».","vol":"7","page":135},{"text":"قال السيوطي: «يتبوأ بالهمز لبوله كما يتبوأ لمنزله: أي يطلب موضعًا يصلح كما يطلب موضعًا يصلح للسكنى، يقال: تبوأ منزلًا: أي اتخذه، فالمراد: اتخاذ محل يصلح للبول فيه. قال الحافظ العراقي: واستعمال هذه اللفظة على جهة التأكيد، والمراد: أنه يبالغ في طلب ما يصلح لذلك، ولو قصر زمنه، كما يبالغ في استصلاح المنزل الذي يراد للدوام، وفيه أنه يندب لقاضي الحاجة أن يتحرى أرضًا لينة من نحو تراب أو رمل، لئلا يعود عليه الرشاش، فينجسه، فإذا لم يجد إلا صلبة لينها بنحو عود، والله أعلم» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3198>الدليل الخامس:</span>\n(١٣٣٦ - ٧٧) روى أبو داود في المراسيل حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا الوليد بن مسلم، أخبرنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، عن طلحة بن أبي قنان، أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يبول فأتى عزازًا من الأرض أخذ عودًا فنكت به حتى يثري، ثم يبول (^٢).\n[ضعيف على إرساله] (^٣).\n_________\n(^١) الجامع الصغير (٤٩٥).\n(^٢) المطالب العالية (٣٦).\n(^٣) الحديث له أكثر من علة:\nمنها: الإرسال، فقد نص البخاري في التاريخ الكبير بأن رواية طلحة بن أبي قنان، عن النبي ﷺ مرسلة. التاريخ الكبير (٤/ ٣٤٧).\nوأعله البوصيري في الإتحاف بعنعنة الوليد بن مسلم (١/ ٣٥٦)، وقد يقال: إن الوليد بن مسلم قد صرح بالتحديث، واتهامه بتدليس التسوية إنما هو فيما يرويه عن الأوزاعي، والله أعلم.\nومنها جهالة طلحة بن أبي قنان، قال ابن القطان كما في فيض القدير (٥/ ٩٤): «لم يذكر عبد الحق لهذا علة إلا الإرسال وطلحة هذا لا يعرف بغير هذا». اهـ\nورواه الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (٦٠)، والمطالب العالية (٣٦)، وإتحاف المهرة (٦٤٤) عن الحكم بن موسى، أخبرنا الوليد بن مسلم به.","vol":"7","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3199>الدليل السادس:</span>\n(١٣٣٧ - ٧٨) ما رواه ابن عدي في الكامل (^١)، وابن حبان في المجروحين (^٢)، من طريق عمر بن هارون البلخي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ابن أبي قتادة،\nعن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يتبوأ للبول، كما يتبوأ الرجل لنفسه منزلًا.\n[ضعيف جدًا] (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) الكامل (٥/ ٣١).\n(^٢) المجروحين (٢/ ٩١).\n(^٣) فيه عمر بن هارون البلخي، وهو متروك.","vol":"7","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3200>المبحث الثاني في استحباب الاستتار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3201>الفرع الأول في حكم التواري عن أعين الناس في الفضاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الفعل التعبدي المجرد من النبي ﷺ إذا لم يكن بيانًا لمجمل واجب فهو على الاستحباب.\n• التواري عن الناس لقضاء الحاجة إن كان لستر البدن فهو مستحب، وإن كان لستر العورة فهو واجب.\n• التواري عن الناس هل يشرع للبول والغائط، أو للغائط فقط؟\n[م-٦٠٧] يندب لقاضي الحاجة إذا كان في الفضاء التباعد عن الناس، ذكر هذا الآداب كل من المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٧٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٦)، التاج والإكليل (١/ ٢٧٥)، مختصر خليل (ص: ١٥)، الشرح الكبير (١/ ١٠٦)، الشرح الصغير (١/ ٩١).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٩٢)، المهذب (١/ ٢٦)، التنبيه (ص: ١٧)، أسنى المطالب (١/ ٤٥)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٨)، روضة الطالبين (١/ ٦٦)، شرح البهجة (١/ ١١٤).\nوانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٦٠)، الروض المربع (١/ ٣٥)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٦)، أخصر المختصرات (ص: ٩٠)، الفروع (١/ ٨٢)، شرح العمدة (١/ ١٤٣)، المحرر (١/ ٩).","vol":"7","page":138},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3202> دليل المشروعية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3203>الدليل الأول:</span>\n(١٣٣٨ - ٧٩) ما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق،\nعن مغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني، فقضى حاجته. الحديث، ورواه مسلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3204>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٣٩ - ٨٠) ما رواه مسلم من طريق محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي،\nعن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، فأسر إلي حديثًا لا أحدث به أحدًا من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف، أو حائش نخل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3205>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٤٠ - ٨١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،\nعن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وكان إذا ذهب أبعد في المذهب، فذهب لحاجته وقال يا مغيرة اتبعني بماء فذكر الحديث (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٦٣)، مسلم (٢٧٤).\n(^٢) مسلم (٣٤٢).\n(^٣) المسند (٤/ ٢٤٨).","vol":"7","page":139},{"text":"[صحيح] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3206>الدليل الرابع:</span>\n(١٣٤١ - ٨٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا يحيى بن سعيد، عن\nأبي جعفر الخطمي، قال: حدثنا عمارة بن خزيمة والحارث بن فضيل،\nعن عبد الرحمن بن أبي قراد قال: خرجت مع النبي ﷺ حاجًا، فرأيته خرج من الخلاء، فاتبعته بالإداوة أو القدح، فجلست له بالطريق، وكان إذا أتى حاجته أبعد (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n_________\n(^١) الحديث أخرجه الدارمي (٦٦٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٣٧) رقم ١٠٦٤، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢١) من طريق يعلى بن عبيد به.\nوأخرجه أبو داود (١) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٣٦) رقم ١٠٦٢ من طريق الدراوردي.\nوأخرجه الترمذي (٢٠) من طريق عبد الوهاب الثقفي.\nوأخرجه النسائي (١٧) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٣٦) رقم ١٠٦٣، وابن خزيمة (٥٠)، والحاكم في المستدرك (٤٨٨) من طريق إسماعيل: هو ابن جعفر بن أبي كثير القارئ.\nوابن ماجه (٣٣١) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٣٧) رقم ١٠٦٥ من طريق إسماعيل بن علية.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٩٣) من طريق يزيد بن هارون. كلهم رووه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن المغيرة بن شعبة.\nومحمد بن عمرو وإن كان صدوقًا فقد تكلم في روايته عن أبي سلمة إلا أنه قد توبع.\nفقد أخرجه الدارمي (٦٦١) قال: أخبرنا أبو نعيم، حدثنا جرير بن حازم، عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة بن شعبة قال: كان النبي ﷺ إذا تبرز تباعد.\nومن طريق أبي نعيم أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢١). وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وجرير بن حازم أخرج له الجماعة، وإنما ضعفه ابن معين وأحمد وابن عدي في قتادة خاصة، وإذا حدث من حفظه ربما وهم، والحديث قد جاء في الصحيحين بنحوه، وسبق تخريجه.\n(^٢) المسند (٣/ ٤٤٣).\n(^٣) رجاله كلهم ثقات، وقد قال الحافظ في أبي جعفر عمير بن يزيد: صدوق، والحق أنه ثقة، فقد وثقه يحيى بن معين. الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٩).\nوقال النسائي أيضًا: ثقة. تهذيب الكمال (٢٢/ ٣٩٢) وحسبك بهما.\nكما وثقه ابن نمير والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات. معرفة الثقات (٢/ ١٩٢)، ثقات ...\nابن حبان (٧/ ٢٧٢)، تهذيب التهذيب (٨/ ١٣٤).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: كان أبو جعفر وأبوه وجده قومًا يتوارثون الصدق بعضهم عن بعض. تهذيب التهذيب (٨/ ١٣٤).\nوقال الطبراني في الأوسط: ثقة. المرجع السابق.\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٠) رقم ١١٢٩ وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٤/ ٢٢٤)، والنسائي (١٦)، وفي الكبرى (١٧)، وابن ماجه (٣٣٤) وابن خزيمة (٥١) من طرق عن يحيى بن سعيد القطان به.\nوفي العلل لابن أبي حاتم (١/ ٥٧) سئل أبو زرعة عن حديث رواه يحيى بن سعيد القطان، عن أبي جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة والحارث بن فضيل، عن عبد الرحمن بن قراد، عن النبي ﷺ في الوضوء، ورواه غندر، عن شعبة، عن أبي جعفر المديني، عن عمارة بن عثمان ابن حنيف، قال: حدثني القيس أنه كان مع النبي ﷺ فأتى بماء فغسل يده مرة، وغسل وجهه وذراعيه مرة، وغسل رجليه مرة بيديه كلتيهما. فقال أبو زرعة: الصحيح حديث يحيى بن سعيد القطان». اهـ\nقلت: حديث شعبة الذي أشار إليه ابن أبي حاتم أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٨)، والنسائي (١١٣).","vol":"7","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3207>الدليل الخامس:</span>\n(١٣٤٢ - ٨٣) ما رواه أبو داود من طريق إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير،\nعن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢).\n(^٢) الحديث فيه في إسناده إسماعيل بن عبد الملك.\nقال عمرو بن على: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن إسماعيل بن عبد الملك بن\nأبى الصفيراء. الجرح والتعديل (٢/ ١٨٦).\nوقال عمرو بن على: رأيت عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- وذكر إسماعيل بن عبد الملك، وكان قد حمل عن سفيان عنه، فقال: اضرب على حديثه. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، وليس حده الترك. قيل: يكون مثل أشعث بن السوار في الضعف؟ فقال: نعم. المرجع السابق.\nوقال ابن حبان: كان سيء الحفظ، ردئ الفهم، يقلب ما يروي. المجروحين (١/ ١٢١). ...\nوفي التقريب: صدوق كثير الوهم.\n[تخريج الحديث].\nالحديث رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٢١) وعبد بن حميد في مسنده (١٠٥٣)، والدارمي في المقدمة (١٧) وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٢٢٣) من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل ابن عبد الملك به، مطولًا، وفيه قصة اجتماع الشجرتين ليستتر رسول الله ﷺ بهما، وفيه أيضًا أن امرأة عرضت صبيًا على رسول ﷺ وكان فيه مس من شيطان، فأخرجه منه رسول الله ﷺ.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠١) ومن طريقه ابن ماجه (٣٣٥) عن عبيد الله بن موسى به مختصرًا، بلفظ: كان رسول الله ﷺ لا يأتي البراز حتى يتغيب فلا يرى.\nوأخرجه السراج في مسنده (١٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٤٠) من طريق عبد الحميد الحماني.\nوأخرجه السراج في مسنده (١٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٩٣) من طريق يونس بن بكير، كلاهما عن إسماعيل بن عبد الملك به.","vol":"7","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3208>الدليل السادس:</span>\n(١٣٤٣ - ٨٤) ما رواه ابن ماجه من طريق يونس بن خباب،\nعن يعلى بن مرة أن النبي ﷺ كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد (^١).\n[إسناده فيه ضعف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3209>الدليل السابع:</span>\n(١٣٤٤ - ٨٥) ما رواه أبو يعلى في مسنده، قال: حدثني أبو بكر الرمادي، حدثنا\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٣٣٣).\n(^٢) فيه يونس بن خباب، جاء في ترجمته:\nقال يحيى بن سعيد: كان كذابًا. ميزان الاعتدال (٩٩١١).\nقال يحيى بن معين: يونس بن خباب رجل سوء. وقال أيضًا: لا شيء. الجرح والتعديل (٩/ ٢٣٨).\nوقال أبو حاتم الرازي: مضطرب الحديث ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال الجوزجاني: كذاب مفتر. أحوال الرجال (٢٢).\nوقال الدارقطني: كان رجل سوء، فيه شيعية مفرطة، كان يسب عثمان، وحين سمعه عباد بن عوام يتهم عثمان بقتل ابنتي رسول الله ﷺ؟ قال له: قتل واحدة، فلم زوجه الأخرى؟!! الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ٢٢٤).\nقال في مصباح الزجاجة (١/ ٤٩): إسناده ضعيف، لضعف يونس بن خباب.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ، ورمي بالرفض.","vol":"7","page":142},{"text":"ابن أبي مريم، حدثنا نافع -يعني: ابن عمر- عن عمرو بن دينار،\nعن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يذهب لحاجته إلى المغمس. قال نافع: نحو ميلين عن مكة (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3210>الدليل الثامن:</span>\n(١٣٤٥ - ٨٦) ما رواه أبو يعلى من طريق يوسف بن عطية، عن عطاء بن أبي ميمونة،\nعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا انطلق لحاجته تباعد حتى لا يكاد يرى (^٣).\n[ضعيف جدًا] (^٤).\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (٥٦٢٦).\n(^٢) الحديث أخرجه السراج في مسنده (١٧) حدثنا محمد بن سهل العسكري.\nوأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٦٠٩) حدثنا عمر بن الخطاب القشيري.\nوأخرجه الطبراني (١٢/ ٤٥١) رقم ١٣٦٣٨، حدثنا عمرو بن أبي الطاهر بن السرح ويحيى بن أيوب العلاف المصريان، كلهم عن سعيد بن أبي مريم به.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٣): رواه أبو يعلى، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات من أهل الصحيح.\n(^٣) مسند أبي يعلى (٣٦٦٤).\n(^٤) في إسناده يوسف بن عطية، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٨/ ٣٨٧)، والأوسط (٢/ ٢٢٣).\nقال يحيى بن معين وأبو داود: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٦)، تهذيب التهذيب (١١/ ٣٦٧).\nوقال عمرو بن علي: كثير الوهم والخطأ. الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٦).\nوقال أبو حاتم وأبو زرعة: ضعيف الحديث، زاد أبو حاتم: منكر الحديث. المرجع السابق.\nوقال النسائي: متروك. الضعفاء والمتروكين (٦١٧)، والكامل (٧/ ١٥٣).\nوقال ابن عدي: عامة حديثه مما لا يتابع عليه. الكامل (٧/ ١٥٣).\nوقال الذهبي: مجمع على ضعفه. ميزان الاعتدال (٩٨٨٥). =","vol":"7","page":143},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي التقريب: متروك.\nوالحديث أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (١٢٥٣) من طريق سعيد بن منصور، ثنا يوسف بن عطية، عن عطاء بن أبي ميمونة، ثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أمر الفضل بن عباس أن يعد له طهورًا، فانطلق رسول الله ﷺ لحاجته، وكان إذا كانت له حاجة تباعد حتى لا يكاد يرى، فلما قضى رسول الله ﷺ حاجته أقبل راجعًا، فمر بامرأة عند قبر ميت لها، وهي تعدد وتعول، فقام رسول الله ﷺ عليها، وهي لا تعرفه، فقال لها: اتقي الله واصبري. قالت: يا عبد الله إذهب لحاجتك. فقال لها ثلاثًا، ثم انصرف، فجاء، فأخذ المطهرة من الفضل، فقام الفضل، فأتى المرأة، فقال لها: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ فقامت، فقالت: يا ويلها! هذا رسول الله، ولم أعرفه، فسعت حتى لحقته على باب المسجد، فقالت: يا رسول الله، والله ما عرفتك. فقال لها رسول الله ﷺ: الصبر عند الصدمة الأولى، قالها ثلاثًا.\nوهذه الزيادة من تخليط يوسف بن عطية، وحديث أنس في البخاري (١٢٨٣)، ومسلم (٩٢٦)، وليس فيه زيادة: (أن رسول الله ﷺ أمر الفضل بن عباس أن يعد له طهورًا، فانطلق رسول الله ﷺ لحاجته، وكان إذا كانت له حاجة تباعد حتى لا يكاد يرى) فهي زيادة منكرة.\nوذكره البوصيري في الإتحاف (٦٤٠)، وقال: «هذا إسناد ضعيف: عطاء بن أبي ميمونة ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والبخاري وأبو داود والنسائي، والعجلي وابن المديني، والدارقطني وغيرهم». اهـ\nقلت: ينبغي أن تكون علته يوسف بن عطية، فإن عطاء بن أبي ميمونة قد وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح لا يحتج بحديثه، وكان قدريًا. وقال ابن عدي: في بعض أحاديثه بعض ما ينكر عليه. ووثقه يعقوب بن سفيان، واحتج به الجماعة سوى الترمذي، وليس له في البخاري سوى حديثه عن أنس في الاستنجاء، وفي التقريب: ثقة. فأقل أحواله أن يكون حسنًا.\nوقد خولف فيه يوسف بن عطية، فقد أخرجه الشيخان البخاري (١٥٠)، ومسلم (٢٧١) من طريق شعبة.\nوأخرجه البخاري (٢١٧)، ومسلم (٢٧١) من طريق روح بن القاسم.\nوأخرجه مسلم (٢٧٠) من طريق خالد الحذاء، كلهم رووه عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس، كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء، يعني: يستنجي به.\nوأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢٣٨) من طريق الأعمش، عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة أبعد. والأعمش لم يسمع من أنس.\nوأخرجه ابن ماجه (٣٣٢) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا عمرو بن عبيد، عن عمر بن المثنى [وفي المطبوع محمد، وهو خطأ والتصحيح من تحفة الأشراف (١/ ٢٨٨)]، =","vol":"7","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3211>الدليل التاسع:</span>\n(١٣٤٦ - ٨٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا عيسى ابن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (^١).\n[ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (^٢).\nولو كان الحديث صحيحًا لكان الاستتار واجبًا؛ فإذا كان تركه يفضي إلى أن يتلاعب الشيطان بمقاعد بني آدم، فكيف يكون الاستتار مستحبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3212>الدليل العاشر:</span>\n(١٣٤٧ - ٨٩) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق سعد بن طريف\n_________\n= عن عطاء الخراساني، عن أنس قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فتنحى لحاجته، ثم جاء، فدعا بوضوء، فتوضأ.\nوهذا إسناد ضعيف جدًا، فيه عمرو بن عبيد التيمي.\nحدث أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن يونس قال: كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ٢٤٦).\nوقال الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: عمرو بن عبيد ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال عمرو بن على: كان متروك الحديث، صاحب بدعة. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: كان متروك الحديث. المرجع السابق.\nوفي التقريب: اتهمه جماعة، مع أنه كان عابدًا.\nوفيه أيضًا: عمر بن المثنى قال عنه الحافظ في التقريب: مستور.\n(^١) المسند (٢/ ٣٧١).\n(^٢) وسبق تخريجه في حكم الاستنجاء، انظر رقم (١٢٦٢).","vol":"7","page":145},{"text":"الإسكاف، عن عكرمة،\nعن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته، ثم توضأ، ولبس أحد خفيه، فجاء طائر أخضر، فأخذ الخف الآخر، فارتفع به، ثم ألقاه، فخرج منه أسود سابح، فقال رسول الله ﷺ: هذه كرامة أكرمني الله بها، ثم قال رسول الله ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من شر من يمشي على بطنه، ومن شر من يمشي على رجلين، ومن شر من يمشي على أربع (^١).\n[إسناده ضعيف جدًا] (^٢).\nهذه الأدلة من السنة، وقد كان يكفي ذكر الصحيح عن الضعيف، لكن أردت أن أستوعب تخريج الأحاديث لمن أراد أن ينظر في صحتها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3213>الدليل الحادي عشر:</span>\nاستدلوا على مشروعية الإبعاد في الفضاء بالإجماع.\nقال النووي: وهذان الأدبان -يعني: البعد والاستتار- متفق على استحبابهما (^٣).\nوابتعاد الإنسان هل يشرع للبول والغائط، أو للغائط فقط؟ فقد يقال يشرع للغائط فقط،\n(١٣٤٨ - ٩٠) لما أخرج مسلم من طريق الأعمش، عن شقيق،\nعن حذيفة قال: كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا، فتنحيت فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ فمسح على خفيه. وأخرجه البخاري (^٤).\nفهنا بال الرسول ﷺ وأمر حذيفة أن يكون قريبًا منه:\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٩٣٠٤).\n(^٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٣) فيه سعد بن طريف متهم بالوضع.\n(^٣) المجموع (٢/ ٩٢).\n(^٤) البخاري (٢٢٤)، ومسلم (٢٧٣).","vol":"7","page":146},{"text":"فقيل: فعله لبيان الجواز.\nوقيل: استدناه ليستتر به عن أعين الناس، واستدبره حذيفة،\n(١٣٤٩ - ٩١) فقد روى الطبراني حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا خالد ابن عبد السلام الصدفي، حدثنا الفضل بن المختار، عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سكك المدينة، فانتهى إلى سباطة قوم، فقال: يا حذيفة استرني (^١).\nوسكت عليه الحافظ في الفتح.\nوالحق أن هذا الطريق موضوع (^٢).\nوقيل: فعله؛ لأنه في البول خاصة، وهو أخف من الغائط؛ لاحتياجه إلى زيادة تكشف، ولم يقترن به من الرائحة. ولأن الغرض من الإبعاد هو التستر، وهو حاصل لمن بال قائمًا بإرخاء ذيله، ودنوه من الساتر.\nوقيل: فعله؛ لأنه بال قائمًا، ولو بال قاعدًا لتباعد، فلا بأس لمن بال قائمًا أن يبول بقرب الناس؛ لأن البول قائمًا أحصن للدبر (^٣)، وقد روي عن عمر، ولا أظنه يصح.\n(١٣٥٠ - ٩٢) فقد روى ابن المنذر، حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن مطرف، عن سعيد بن عمرو بن سعيد، قال:\nقال عمر: البول قائمًا أحصن للدبر (^٤).\n[ورجاله كلهم ثقات إلا أن سعيد بن عمرو بن سعيد لم يدرك عمر].\n(١٣٥١ - ٩٣) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن إدريس وابن نمير، عن\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ١٧٩) رقم: ٤٧٢.\n(^٢) في إسناده شيخ الطبراني أحمد بن رشدين متهم بالوضع، والفضل بن المختار متروك.\n(^٣) انظر فتح الباري حديث (٢٢٥)، والأوسط (١/ ٢٢٢).\n(^٤) الأوسط (١/ ٣٢٢)، والأثر أخرجه البيهقي (١/ ١٠٢) من طريق إسحاق به، وانظر ح (١٣٢٩).","vol":"7","page":147},{"text":"عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر،\nعن عمر: مابلت قائمًا منذ أسلمت (^١).\n[إسناده صحيح].\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١١٦).","vol":"7","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3214>الفرع الثاني في ستر العورة عن الناس عند قضاء الحاجة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التواري عن الناس لقضاء الحاجة إن كان لستر البدن فهو مستحب، وإن كان لستر العورة فهو واجب.\n• ستر السوأة عن الناس مستقر في الفطر، وإنما سميت العورة سوأة؛ لأنه يسوء صاحبها انكشافها.\n• عاقب الله آدم على معصيته أن بدت سوأته.\n• اللباس: معنوي وهو لباس التقوى، وحسي، وهو نوعان: ضروري وهو ما يواري السوأة، وتكميلي وهو لباس الزينة، قال تعالى: (يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: ٢٦].\n• كشف العورة من فعل إبليس من لدن آدم إلى اليوم، قال تعالى: (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) [الأعراف: ٢٧].\n[م-٦٠٨] ذهب الفقهاء إلى وجوب ستر العورة عن الناس (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (٢/ ١٨٥)، شرح معاني الآثار (١/ ٤٧٦)، المبسوط (١٠/ ١٥٥)، العناية شرح الهداية (١٠/ ٢٨)، درر الحكام (١/ ٣١٣، ٣١٤)، واعتبر الزيلعي النظر إلى عورة الغير موجبًا للفسق انظر تبيين الحقائق (٣/ ١٩٤).\nوانظر في مذهب المالكية: حاشية الصاوي على الشرح الصغير (٤/ ٧٣٦)، والخرشي (١/ ٢٤٦)، حاشية العدوي (٢/ ٤٥٦)، المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٢).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٢٣٧)، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ١١٥)، وطرح التثريب (٢/ ٢٢٧) و(٦/ ١٠٣)، وحاشيتي قليوبي وعميرة (٤/ ٣٢٠).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفتاوى الكبرى (١/ ٢٨٤، ٣٠٠)، الإنصاف (٨/ ٢٨)، كشاف القناع (١/ ٢٦٥).","vol":"7","page":149},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3215> أدلة وجوب ستر العورة:</span>\nوالدليل على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب فقال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) [النور: ٣٠].\n(١٣٥٢ - ٩٤) ومن السنة: ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وإسماعيل ابن إبراهيم، عن بهز قال: حدثني أبي،\nعن جدي قال قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قال قلت يا رسول الله فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها قلت فإذا كان أحدنا خاليا قال فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه.\nحدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن بهز فذكر مثله قال فالله ﷿ أحق أن يستحيا منه ووضع يده على فرجه (^١).\n[إسناده حسن] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٥/ ٣، ٤).\n(^٢) الحديث مداره على بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وهذا الإسناد حسن لذاته.\nفقد أخرجه أحمد كما في حديث الباب، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، والنسائي في الكبرى (٨٩٧٢)، والروياني في مسنده (٩١١) من طريق يحيى بن سعيد القطان.\nوأخرجه أحمد كما في حديث الباب، والبيهقي (١/ ١٩٩) و(٢/ ٢٢٥)، والروياني في مسنده (٩٢٨) من طريق إسماعيل بن علية.\nوأخرجه عبد الرزاق (١١٠٦)، وعنه أحمد (٥/ ٤)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٤١٤) رقم ٩٩٦. عن معمر. ...\nوأخرجه أحمد (٥/ ٤)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٤١٢) رقم ٩٩١. من طريق حماد بن زيد.\nوأخرجه الترمذي (٢٧٩٤)، والروياني في مسنده (٩٢٨)، والبيهقي (١/ ١٩٩)، (٢/ ٢٢٥) من طريق معاذ بن معاذ.\nوأخرجه الترمذي (٢٧٩٤)، وابن ماجه (١٩٢٠)، والحاكم (٧٣٥٨)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٤١٣) رقم ٩٩٤ من طريق يزيد بن هارون.\nوأخرجه البيهقي (٧/ ٩٤) من طريق سفيان.\nوأخرجه أبو داود (٤٠١٧) من طريق مسلمة بن قعنب.\nوأخرجه ابن ماجه (١٩٢٠) من طريق حماد بن أسامة.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٤١٣) رقم ٩٩٢. من طريق حماد بن سلمة.\nوأخرجه أيضًا (١٩/ ٤١٣) رقم ٩٩٣. من طريق عيد بن الفضل.\nوأخرجه أيضًا (١٩/ ٤١٣) رقم ٩٩٥. من طريق النضر بن شميل.\nوأخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٦٣) والطبراني في الكبير (١٩/ ٤١٣) رقم ٩٩٥ من طريق عيسى بن يونس. كلهم رووه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.\nورواه البخاري تعليقًا، ذكره قبل حديث (٢٧٨) جازمًا به. قال الحافظ في الفتح: الإسناد إلى بهز صحيح، ولهذا جزم به البخاري. وصححه الشوكاني في السيل الجرار (١/ ٦٨).","vol":"7","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3216>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٥٣ - ٩٥) روى مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن ابن أبي سعيد الخدري،\nعن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3217>الدليل الثالث: من الإجماع</span>.\nقال النووي: ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع (^٢).\nونقل الإجماع معه جماعة (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٣٨).\n(^٢) المجموع (٣/ ١٧١).\n(^٣) انظر موسوعة الإجماع (٢/ ٨٤٤).","vol":"7","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3218>الفرع الثالث في رفع الثوب قبل الدنو من الأرض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• رفع الثوب قبل الدنو من الأرض إذا لم يكن هناك ناظر يرجع إلى حكم كشف العورة والإنسان خال.\n• هل الأصل في كشف العورة بلا حاجة، ولا ناظر، التحريم، أو الكراهة، أو الإباحة؟\n• شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إذا ورد في شرعنا ما ينسخه؟\n[م-٦٠٩] استحب الفقهاء أن لا يرفع ثوبه قبل الدنو من الأرض، وبعضهم عبر بكراهة رفع الثوب. وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\nوقيل: يحرم، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٢).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٠)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٦).\nوفي مذهب المالكية: التاج والإكليل (١/ ٢٦٩)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٩)، الخرشي (١/ ١٤٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٥).\nوفي مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٩٨)، المهذب (١/ ٢٦)، روضة الطالبين (١/ ٦٦)، المنهج القويم (ص: ٧٦).\nوفي مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٠٨)، الفروع (١/ ١١٥، ١١٦)، الإنصاف (١/ ٩٥)، المبدع (١/ ٨٠)، شرح العمدة (١/ ٤٠١)، الكافي (١/ ٥٠)، كشاف القناع (١/ ٦١).\n(^٢) الفروع (١/ ١١٦).","vol":"7","page":152},{"text":"وقيل: يجوز بلا كراهة، يعني: ولم يكن ثم ناظر ينظر إلى عورته (^١).\nقال الطيبي: يستوي فيه الصحراء والبنيان؛ لأن رفع الثوب كشف للعورة، وهو لا يجوز إلا عند الحاجة، ولا ضرورة في الرفع قبل القرب من الأرض (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3219> دليل من قال: يستحب أن لا يرفع ثوبه من الأرض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3220>الدليل الأول:</span>\nالإجماع، قال النووي: هذا الأدب مستحب بالاتفاق (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3221>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٥٤ - ٩٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن رجل،\nعن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض (^٤).\n[إسناده ضعيف] (^٥).\n_________\n(^١) اختارها ابن تميم من الحنابلة، انظر الفروع (١/ ١١٦).\n(^٢) شرح المشكاة (٢/ ٤١) وهذا الكلام حسن، إلا أنه جعل كشف العورة لا يجوز مطلقًا حتى ولو لم يكن هناك ناظر، وهي مسألة خلافية.\n(^٣) المجموع (٢/ ٩٨).\n(^٤) سنن أبي داود (١٤).\n(^٥) ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (١/ ٩٦). وفيه رجل مبهم، واختلف على الأعمش، فرواه وكيع، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عمر.\nورواه أبو داود (١٤) والترمذي (١٤) والدارمي (٦٦٦) من طريق عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن أنس بنحوه، ولم يسمع الأعمش من أنس.\nوضعف أبو داود في سننه بعد أن رواه من طريق عبد السلام بن حرب.\nوفي علل الترمذي (ص: ٢٥) ذكر الحديث من مسند أنس ومن مسند ابن عمر، ثم قال: «فسألت محمدًا عن هذا الحديث أيهما أصح؟ -يعني: مسند أنس أم مسند ابن عمر- فقال: كلاهما مرسل، ولم يقل أيهما أصح». اهـ","vol":"7","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3222>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٥٥ - ٩٧) ما رواه الطبراني، من طريق الحسين بن عبيد الله العجلي، ثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل،\nعن جابر، أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض (^١).\n[موضوع] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3223> دليل من قال: يحرم كشف ثوبه قبل دنوه من الأرض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3224>الدليل الأول:</span>\nدلت السنة على تحريم كشف العورة، ولو كان الإنسان خاليًا.\n(١٣٥٦ - ٩٨) لما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وإسماعيل بن إبراهيم عن بهز قال حدثني أبي،\nعن جدي قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قال قلت: يا رسول الله فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها. قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه (^٣).\n[إسناده حسن] (^٤)\n_________\n(^١) مجمع البحرين (٣٤٣).\n(^٢) ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٦٤) من طريق الحسين بن عبيد الله العجلي به.\nوفيه الحسين بن عبيد الله العجلي.\nقال الدارقطني: كان يضع الحديث. ميزان الاعتدال (٢٠٢٤).\nوقال ابن عدي: يشبه أن يكون ممن يضع الحديث. الكامل (٢/ ٣٦٤).\n(^٣) المسند (٥/ ٣، ٤).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر رقم: ١٣٥٢.","vol":"7","page":154},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال ابن حجر: «ظاهر حديث بهز يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز مطلقًا». اهـ\nقلت: لأن وجوب ستر العورة عن الناس لا ينازع فيه أحد، فإذا كان الله أحق أن يستحيا منه من الناس، كان ستر العورة خاليًا أولى بالمنع هذا ما يفيده قوله: (فالله أحق) كما استدل به في قوله: (اقضوا الله فالله أحق بالقضاء).\n(١٣٥٧ - ٩٩) فقد روى البخاري، قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس ﵄ قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال له: إن أختي قد نذرت أن تحج، وإنها ماتت فقال النبي ﷺ: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء (^١).\nوكونه ثبت عن موسى وأيوب ﵉ اغتسالهما عريانين، فهذا في شريعتهما، وقد جاء في شريعتنا ما يدل على وجوب ستر العورة خاليًا.\nقال الشوكاني: «أصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشف شيء منها إلا لضرورة، كما يكون عند خروج الحاجة، فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج، لا حال كونه قائمًا، ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة» (^٢).\n• ويجاب عن هذا:\nبأن يقال: قوله: (فالله أحق بالقضاء)، هذا التعبير لا يدل على الوجوب، فالصيام عن الميت، ووفاء نذره لا يجب على غير الميت، وإن كان القضاء عنه من الوفاء له والبر\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٦٩٩).\n(^٢) السيل الجرار (١/ ٦٤).","vol":"7","page":155},{"text":"به، لكن الأصل في العبادة أنها واجبة على الإنسان نفسه، فإن تطوع أحد من الورثة كان محسنًا، فلا يدل تعبير (فالله أحق) على وجوب قضاء العبادة عن الميت، وإذا لم يدل تعبير (فالله أحق) على وجوب قضاء العبادة عن الميت لم يدل على على وجوب ستر العورة والإنسان خال، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3225>الفرع الرابع [*] إذا اضطر إلى كشف العورة أمام الغير لقضاء الحاجة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المحرم لذاته تبيحه الضرورة، والمحرم لغيره تبيحه الحاجة.\n• يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.\n[م-٦١٠] إذا لم يتمكن الإنسان من قضاء الحاجة إلا بالنظر إليه، فعل ذلك بعد أن يأمرهم بكف أبصارهم، وبالإنكار عليهم إن لم يفعلوا؛ لأن كشف العورة محرم لغيره (^١)، فتبيحه مجرد الحاجة، فكيف وهو هنا مضطر إلى كشفها، ولذلك يجوز كشف عورته للتداوي مع أن التداوي ليس بواجب، ولو تركه لا يلام.\nوأما الاستنجاء فهل يتركه باعتبار أنه لا يجب عليه فعله مع النظر إليه؛ لأن إزالة النجاسة ليست واجبة على الفور، ويحاول تخفيفها وتقليلها بنحو حجر ونحوه من تحت ساتر ما أمكن.\nأو يقال: يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وما دام قد كشف عورته لقضاء الحاجة فليقطع النجاسة قبل سترها، وهذا أقرب عندي والله (^٢)، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المحرمات قسمان: محرم لذاته لا تبيحه إلا الضرورة، كأكل الميتة.\nومحرم لغيره تبيحه الحاجة، ويذكر العلماء له أمثلة، ككشف العورة للتداوي، ولبس الرجل لثوب الحرير لحكة ونحوها.\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٩)، مراقي الفلاح (ص: ٢٠).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «الخامس»","vol":"7","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3226>المبحث الثالث في كراهية استقبال الريح</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الاحتياط في توقي النجاسات مطلوب، ما لم يبلغ حد الوسوسة.\n[م-٦١١] يكره استقبال الريح حال البول، وهو مذهب الجمهور (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3227> دليل الكراهة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3228>الدليل الأول:</span>\n(١٣٥٨ - ١٠٠) ما رواه الطحاوي من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن الأعرج،\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٤).\nوانظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ١/١٠٧)، التاج والإكليل (١/ ٢٧٥، ٢٧٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦)، مختصر خليل (ص: ١٥)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٩١).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١٠٩)، أسنى المطالب (١/ ٤٩)، شرح البهجة للأنصاري (١/ ١٢١)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٤٥)، تحفة المحتاج (١/ ١٦٩)، زبد ابن رسلان (ص: ٥٣).\nوانظر في مذهب الحنابلة: دليل الطالب (ص: ٧)، الإنصاف (١/ ١٠٠)، منار السبيل (١/ ٢٥)، المغني (١/ ١٠٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٤).","vol":"7","page":158},{"text":"عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إذا خرج أحدكم لغائط أو بول فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح (^١).\n[زيادة ولا يستقبل الريح زيادة منكرة انفرد بها ابن لهيعة، وهو ضعيف، وحديث أبي هريرة في صحيح مسلم وليس فيه هذه الزيادة] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3229>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٥٩ - ١٠١) ما رواه الدارقطني من طريق مبشر بن عبيد، حدثني الحجاج ابن أرطاة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂ قالت: مر سراقة بن مالك المدلجي على رسول الله ﷺ فسأله عن التغوط، فأمره أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح، وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب.\nقال الدارقطني: لم يروه إلا مبشر بن عبيد، وهو متروك الحديث (^٣).\nوجاء من مسند سراقة مرفوعًا، والراجح وقفه (^٤).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٣).\n(^٢) حديث أبي هريرة في مسلم (٢٦٥) من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. اهـ\n(^٣) سنن الدارقطني (١/ ٥٦).\n(^٤) قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٦): «سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن ثابت فرخويه، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن أبي رشدين الجندي، عن سراقة بن مالك، عن النبي ﷺ: إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة، واتقوا مجالس اللعن والظل، وقارعة الطريق، واستمخروا الريح، واستنشبوا على سوقكم، وأعدوا النبل.\nقال أبي: إن ما يرونه موقوف وأسنده عبد الرزاق بآخرة». اهـ\nوانظر الكلام على طرق الحديث وتخريجه في مسألة النهي عن البول في الطريق والظل النافع، والله أعلم.","vol":"7","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3230>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٦٠ - ١٠٢) ما رواه ابن عدي، من طريق يوسف بن السفر بن الفيض\nأبي الفيض، ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يكره البول في الهواء.\nحكم عليه ابن عدي بالوضع (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3231>الدليل الرابع:</span>\n(١٣٦١ - ١٠٣) قال الحافظ: روى ابن قانع عن الحضرمي رفعه: إذا بال أحدكم فلا يستقبل الريح ببوله، فترده عليه.\nقال الحافظ: إسناده ضعيف جدًا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3232>الدليل الخامس:</span>\nمن النظر أن في استقبال الريح قد يتلوث بالنجاسة بأن يرتد عليه بوله.\nهذا ما وقفت عليه مما ورد في الباب، والمعتمد في الكراهة التعليل، وإلا فالدليل لا يثبت فيه شيء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الكامل (٧/ ١٦٣)، ومن طريق ابن عدي أخرجه البيهقي في السنن (١/ ٩٨).\nقال ابن عدي: «وهذه الأحاديث، عن يحيى، عن أبى سلمة مع غيرها بهذا الإسناد يرويها كلها يوسف بن السفر، وهي موضوعة كلها». اهـ\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٠٧): «وفي إسناده يوسف بن السفر، وهو ضعيف. اهـ\nقلت: هو أكثر من ذلك، فقد قال الجوزجاني عن يوسف: كان يكذب». أحوال الرجال (٢٨٥).\nوقال دحيم: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٣).\nوقال أبو زرعة: ذاهب الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث جدًا. المرجع السابق.\nوقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الأوسط (٢/ ٢٢٣).\nوقال النسائي: ليس بثقة. لسان الميزان (٦/ ٣٢٢).\nوقال الدارقطني: متروك الحديث يكذب. المرجع السابق.\n(^٢) تلخيص الحبير (١/ ١٠٧).","vol":"7","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3233>المبحث الرابع في حكم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا خالف فعل الرسول ﷺ قوله، حمل الأمر على الاستحباب، والنهي على الكراهة، إلا أن يدل دليل على اختصاص الفعل بالنبي ﷺ.\n• ما كان علته تكريم القبلة لم يختلف فيه الصحراء عن البنيان.\n• القول مقدم على الفعل.\n[م-٦١٢] اختلف العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة إلى سبعة أقوال،\nفقيل: يحرم مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنفية (^١)، ورجحه من المالكية\nابن العربي (^٢)، ورواية في مذهب أحمد (^٣)، واختاره ابن حزم (^٤).\nوهو قول أبي أيوب الأنصاري، وأبي هريرة، وابن مسعود، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والثوري، وأبي ثور، وعطاء، والأوزاعي وغيرهم.\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤١)، البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، نور الإيضاح (ص: ١٦)، مراقي الفلاح (ص: ٢٢).\n(^٢) عارضة الأحوذي (١/ ٢٧).\n(^٣) تصحيح الفروع (١/ ١١١).\n(^٤) المحلى (١/ ١٨٩، ١٩٠).","vol":"7","page":161},{"text":"وقيل: يجوز مطلقًا، وهو قول عائشة ﵂، وعروة، وربيعة، وداود (^١).\nوقيل: يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء، ويجوز في البنيان ونحوه، وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، ونسبه الحافظ في الفتح إلى الجمهور، واختاره البخاري في صحيحه، قال ابن حجر: وهو أعدل الأقوال.\nوقيل: يكره استقبال القبلة واستدبارها (^٥).\nوقيل: يحرم الاستقبال في الصحراء والبنيان، ويحل الاستدبار فيهما، وهو رواية عن أبي حنيفة، وأحمد (^٦).\nوقيل: يجوز الاستدبار في البنيان فقط، وهو وجه في مذهب الحنابلة (^٧).\nوقيل: إن التحريم مختص بأهل المدينة، ومن كان على سمتها، وأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وهذا أضعف الأقوال، والله أعلم.\n_________\n(^١) المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٣٦).\n(^٢) المدونة (١/ ١١٧)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٣٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٩)، التمهيد (١/ ٣٠٩)، التاج والإكليل (١/ ٤٠٣)، الخرشي (١/ ١٤٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٨).\n(^٣) الأم (١/ ١٧٦)، المجموع (١/ ٩٢)، اختلاف الحديث (ص: ٢٢٧)، حلية العلماء (١/ ١٥٩)، متن أبي شجاع (ص: ١٨)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٦)، روضة الطالبين (١/ ٦٥).\n(^٤) المغني (١/ ١٠٧)، الفروع (١/ ٨٢)، الإنصاف (١/ ١٠٠)، كشاف القناع (١/ ٦٤)، الكافي (١/ ٥٠).\n(^٥) حمل بعض الفقهاء القول بجواز استقبال القبلة واستدبارها على الجواز مع الكراهة. جاء في شرح البخاري للسفيري (٢/ ٣٢٦): «إذا جاز للإنسان استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط بالشروط المذكورة في غير الأخلية المعدة لذلك فهل هو جائز مع الكراهة أو بلا كراهة؟ جزم الرافعي تبعًا للمتولي أن الكراهة موجودة.\nواختار النووي أن الكراهة منتفية قال: لكن الأدب والأفضل الميل عن القبلة إذا أمكن بلا مشقة احترامًا لها». وانظر فتح القدير، والعناية شرح الهداية (١/ ٤١٩).\n(^٦) الإنصاف (١/ ١٠١).\n(^٧) الإنصاف (١/ ١٠١).","vol":"7","page":162},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3234> دليل من قال بالتحريم مطلقًا في الصحراء والبنيان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3235>الدليل الأول:</span>\n(١٣٦٢ - ١٠٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي،\nعن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشأم، فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة، فننحرف ونستغفر الله تعالى، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال من الحديث:\nأن النهي عن استقبال القبلة واستدبارها مطلق في الحديث، فيشمل ما إذا كان في الصحراء أو في البنيان، وهذا هو الذي فهمه أبو أيوب راوي الحديث ﵁، فإنه كان ينحرف عن القبلة في المرحاض، وهو بنيان، ويستغفر الله؛ لأنه اعتبر ذلك ذنبًا ممن فعله، ومشروع للمسلم أن يستغفر الله إذا رأى كثرة المعاصي حتى لا تشمله عقوبة عامة، وغضب من الله (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال: ٣٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3236>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٦٣ - ١٠٥) ما رواه مسلم من طريق سهيل، عن القعقاع، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها (^٢).\nولم يستثن الحديث من ذلك شيئًا، فوجب أن يشمل الصحراء والبنيان.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٦٥).","vol":"7","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3237>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٦٤ - ١٠٦) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،\nعن سلمان، قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخراءة؟! قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3238>الدليل الرابع:</span>\n(١٣٦٥ - ١٠٧) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أحمد بن حرب الموصلي، حدثنا القاسم بن يزيد الجرمي، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من لم يستقبل القبلة، ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة، ومحي عنه سيئة.\nقال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا حسين، ولا عنه إلا إبراهيم، ولا عنه إلا القاسم، تفرد به أحمد.\n[رجاله ثقات إلا أحمد بن حرب الموصلي وشيخه، وهما صدوقان] (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٢).\n(^٢) مجمع البحرين (٣٤٢).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٦): «رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، إلا شيخ الطبراني وشيخ شيخه، وهما ثقتان».\nوإليك تراجم إسناده:\nشيخ الطبراني: هو أحمد بن محمد بن صدقة، ثقة حافظ. انظر تاريخ بغداد (٥/ ٤٠)، والتذكرة (٧٤٥).\nالثاني: أحمد بن حرب الموصلي. روى له النسائي، وقال عنه: لا بأس به.\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: أدركته، ولم أكتب عنه. الجرح والتعديل (٢/ ٤٩). ...\nوفي التقريب: صدوق.\nالثالث: القاسم بن يزيد الجرمي.\nقال أحمد: ما علمت إلا خيرًا.\nوقال أبو حاتم: صالح، وهو ثقة.\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما خالف. (٩/ ١٦)\nوقال يحيى بن معين: ليس به بأس، ثقة.\nوقال أحمد بن أبي رافع: حدثنا القاسم بن يزيد الجرمي، وكان من خير أهل زمانه.\nوقال أبو زكريا يزيد بن محمد الأزدي: كان فاضلًا ورعًا حسنًا من المعدودين في أصحاب سفيان.\nوإبراهيم بن طهمان ومن فوقه على شرط الشيخين. فالسند حسن إن شاء الله تعالى، وما أشار إليه الطبراني من التفرد، قد يكون علة، وقد يقال: هو علة لو كان تفرد بشيء لا يحتمل تفرده به، أما كون التفرد في اعتبار هذا الفعل يعد حسنة، فإنه معلوم من الشرع أن ما يأمر الله به من الطاعات، ففعله يكتب حسنة لفاعله، فالحديث لم ينفرد بشيء يوجب رده، والله أعلم.","vol":"7","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3239>الدليل الخامس:</span>\n(١٣٦٦ - ١٠٨) ما رواه البزار في مسنده من طريق مسدد، قال: أخبرنا حصين ابن نمير قال: أخبرنا سفيان بن حسين، عن الحكم، عن إبراهيم،\nعن علقمة قال: قال رجل من المشركين لعبد الله: إني لأحسب صاحبكم قد علمكم كل شيء، حتى علمكم كيف تأتون الخلاء. قال: إن كنت مستهزئًا، فقد علمنا أن لا نستقبل القبلة بفروجنا، وأحسبه قال: ولا نستنجي بأيماننا، ولا نستنجي بالرجيع، ولا نستنجي بالعظم، ولا نستنجي بدون ثلاثة أحجار (^١).\n[أخطأ فيه سفيان بن حسين، والمحفوظ أنه من مسند سلمان] (^٢).\n_________\n(^١) مسند البزار (١٤٩٢).\n(^٢) دراسة الإسناد:\nحصين بن نمير، قال أبو زرعة: ثقة. الجرح والتعديل (٣/ ١٩٧).\nوقال أبو حاتم: صالح، ليس به بأس. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٠٨).\nوروى عباس الدوري عن ابن معين قال: ليس بشيء. وروى إسحاق بن منصور عن ...\nابن معين: صالح ذكره النباتي. ميزان الاعتدال (٢١٠١).\nوفي التقريب: لا بأس به.\nروى له البخاري حديثًا واحدًا (٣٤١٠): عرضت علي الأمم. الحديث، وقد تابعه عليه جماعة.\nالثاني: سفيان بن حسين الواسطي، تكلم في روايته عن الزهري، وهذا الحديث ليس منها.\nقال أحمد بن حنبل في رواية المروذي: ليس هو بذاك، في حديثه عن الزهري شيء.\nوقال النسائي: ليس به بأس إلا في الزهري.\nوالحكم ومن فوقه رجال ثقات مشهورون.\nوقد اختلف فيه على الأعمش.\nفرواه مسلم من طريق أبي معاوية، والثوري، ووكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبدالرحمن ابن يزيد، عن سلمان.\nوخالفهم سفيان بن حسين، فرواه، عن الحكم، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن\nابن مسعود.\nويغلب على ظني أن سفيان أخطأ فيه، ولذلك قال البزار بعد أن ساق الحديث: قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الحكم إلا سفيان بن حسين، ولا نعلم رواه عن حصين بن نمير إلا مسدد، وإنما يعرف هذا الحديث من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان.\nورواه منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن بعض أصحاب النبي ﷺ».\nوقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٥): «رواه البزار، ورجاله موثوقون».","vol":"7","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3240>الدليل السادس:</span>\n(١٣٦٧ - ١٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث -يعني: ابن سعد-، عن يزيد -يعني: ابن أبي حبيب- أنه سمع عبد الله بن الحارث الزبيدي يقول: أنا أول من سمع النبي ﷺ يقول: لا يبولُ أحدكم مستقبل القبلة، وأنا أول من حدث الناس بذلك (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٤/ ١٩٠).\n(^٢) الحديث رجاله ثقات،\nوقد رواه أحمد (٤/ ١٩٠) حدثنا يونس بن محمد. ...\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٠٩)، وفي مسنده (٦٠١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٨٥) عن شبابة.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٩١) حدثنا حجاج بن محمد.\nورواه أحمد عن موسى، يعني ابن داود.\nوأخرجه ابن ماجه (٣١٧) حدثنا محمد بن رمح المصري.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٢) من طريق ابن وهب.\nوالطبراني في الأوسط (٦/ ٣١٣) رقم ٦٥٠٠ من طريق رشدين بن سعد.\nوأخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (٩٣١) من طريق أبي الوليد (هشام بن عبد الملك).\nوأخرجه ابن نعيم في الحلية (٧/ ٣٢٦) من طريق عاصم بن علي، كلهم عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحارث به.\nوخالف كل من سبق عبد الله بن صالح، فرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٣) من طريقه، قال: حدثني الليث، قال: حدثني سهل بن ثعلبة، عن عبد الله بن الحارث. وعبد الله بن صالح كثير الوهم، وهذا من أوهامه.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٢) والطبراني في الأوسط (٦٥٠٠)، من طريق عمرو بن الحارث.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٩٠) وعبد بن حميد (٤٨٧) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٢) وابن قانع في معجم الصحابة (٩٣٠)، من طريق عبد الحميد بن جعفر، كلاهما عن يزيد بن حبيب به. وهذه متابعة تامة لليث بن سعد من عمرو من الحارث، وعبد الحميد بن جعفر.\nورواه ابن لهيعة، واختلف عليه فيه:\nفأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٢) من طريق ابن أبي مريم، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: أخبرني يزيد بن أبي حبيب، عن جبلة بن رافع، قال: سمعت عبد الله بن الحارث. فجعل بين يزيد بن أبي جبيب وعبد الله بن الحارث جبلة بن رافع.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٩٠) حدثنا حسن،\nوالطبراني في الأوسط (٤٩٣٩)، وابن حبان (١٤١٩) من طريق غوث بن سليمان بن زياد، كلاهما عن سليمان بن زياد الحضرمي، عن عبد الله بن الحارث به.\nورواه الطبراني في الأوسط (٦٥٠٠) من طريق رشدين بن سعد.\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٢) من طريق ابن وهب، كلاهما عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحارث به، كرواية الليث. ولعل هذا هو الراجح في رواية ابن وهب، ورواية عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة أعدل من غيرها، لكونه عد ممن روى عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، والله أعلم.","vol":"7","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3241>الدليل السادس</span>.\nأن العلة في النهي تكريم القبلة، ولذلك قال: لا تستقبلوا القبلة. وهذا موجود في الصحاري والبنيان، ولو كان مجرد الحائل كافيًا لجاز في الصحاري لوجود الجبال والأشجار بيننا وبين الكعبة، وأما جهة القبلة فلا حائل بيننا وبينها.\nقال ابن العربي: «ظاهر الأحاديث يقتضي أن الحرمة إنما هي للقبلة، لقوله: (لا تستقبلوا القبلة) فذكرها بلفظها، فأضاف الاحترام لها». اهـ\n(١٣٦٨ - ١١٠) على أن الدارقطني روى في سننه من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، قال:\nسمعت طاووسًا قال: قال رسول الله ﷺ إذا أتى أحدكم البراز، فليكرم قبلة الله، فلا يستقبلها، ولا يستدبرها، ثم ليستطب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب، ثم ليقل: الحمد لله الذي أخرج ما يؤذيني، وأمسك ما ينفعني (^١).\n[إسناده ضعيف، ورفعه منكر، والصواب وقفه على طاووس] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3242> دليل من قال بالجواز مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3243>الدليل الأول:</span>\nالأصل الحل، فلا يجوز المنع إلا بدليل لا معارض له، وقد نظرنا في الأدلة فإذا\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٥٧)، ومن طريقه رواه البيهقي (١/ ١١١).\n(^٢) زمعة بن صالح ضعيف، وقد خالفه سفيان بن عيينة، فرواه الدارقطني (١/ ٥٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن سلمة بن وهرام، أنه سمع طاووسًا يقول: نحوه، ولم يرفعه. قال: قلت لسفيان: أكان زمعة بن صالح يرفعه؟ قال: نعم. فسألت سلمة عنه، فلم يعرفه. يعني: لم يعرف رفعه.\nوروي موصولًا عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، رواه الدارقطني، وقال: لم يسنده إلا الحسن المضري، وهو كذاب متروك.\nفصار الراجح عن طاووس من قوله؛ لأن سفيان أرجح من زمعة.","vol":"7","page":168},{"text":"هي متعارضة، فلم يجب العمل بشيء منها، فرجعنا إلى الأصل، وهو الحل (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3244>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٦٩ - ١١١) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد بن جبر،\nعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة (^٢).\n[حسن] (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد (٣/ ١٠٩).\n(^٢) المسند (٣/ ٣٦٠).\n(^٣) إسناده حسن، رجاله ثقات إلا محمد بن إسحاق، وهو صدوق، وقد صرح بالتحديث، والرواي عنه إبراهيم بن سعد، وكان يهتم ببيان ما سمعه ابن إسحاق مما لم يسمعه، قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلس إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد إذا كان سماع قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. قلنا. انظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٢١)، تاريخ بغداد (١/ ٢٤٥)، موسوعة أقوال الإمام أحمد (٣/ ٢٣٩). وقد بين إبراهيم بن سعد أن محمد بن إسحاق قد سمع هذا الحديث.\nوأما أبان بن صالح، فقد قال المزي في الأطراف: أبان بن صالح ضعيف.\nقلت: تابع المزي ﵀ ابن عبد البر وابن حزم، فقد قال ابن عبد البر كما جاء في التهذيب: أبان بن صالح ضعيف.\nوقال ابن حزم: ليس بالمشهور، فتعقبهما الحافظ في التهذيب، وقال: هذه غفلة منهما، وخطأ تواردا عليه، فلم يضعف أبان أحد قبلهما، وقد جاء في التهذيب: قال ابن معين والعجلي ويعقوب بن أبي شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة.\nوقال النسائي: لا بأس به. انظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٩٧)، معرفة الثقات (١/ ١٩٨)، الثقات (٦/ ٦٧)، تهذيب الكمال (٢/ ٩).\nوفي حاشية سبط ابن العجمي على الكاشف، ذكر عن العراقي أنه وهم المزي في تضعيفه لأبان.\nوفي التقريب: وثقه الأئمة، ووهم ابن حزم فجهله، وابن عبد البر فضعفه. اهـ\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه أحمد كما في حديث الباب، وابن الجارود (٣١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٤)، وابن حبان (١٤٢٠)، والدارقطني (١/ ٥٨، ٩٥)، والحاكم (٥٥٢)، والبيهقي (١/ ٩٢) من طريق إبراهيم بن سعد.\nوأخرجه أبو داود (١٣)، وابن ماجه (٣٢٥)، والترمذي (٩)، وابن خزيمة (٥٨) من طريق جرير بن حازم، كلاهما عن ابن إسحاق به.\nقال الترمذي: حديث جابر حديث حسن غريب.\nواختلف على جابر، فروي عنه كما سبق من مسنده.\nورواه أحمد (٥/ ٣٠٠) ثنا حسن بن موسى وموسى بن داود.\nورواه الترمذي (١٠) حدثنا قتيبة.\nورواه الطبراني في الأوسط (١/ ٦١) من طريق سعيد بن أبي مريم.\nكلهم عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة، أنه رأى رسول الله ﷺ يبول مستقبل القبلة. فجعله ابن لهيعة من مسند أبي قتادة.\nقال الترمذي: وحديث جابر، عن النبي ﷺ أصح من حديث ابن لهيعة، وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد وغيره من قبل حفظه.\nوقال الطبراني: لا يروى عن أبي قتادة إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة.\nورواه أحمد (٣/ ١٢) حدثنا موسى بن داود،\nورواه أيضًا (٣/ ١٥) حدثنا حسن بن موسى.\nورواه ابن ماجه (٣٢٠) من طريق مروان بن محمد، ثلاثتهم عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، حدثني أبو سعيد الخدري، أنه شهد على رسول الله ﷺ أنه زجر أن تستقبل القبلة لبول. ولفظ ابن ماجه بغائط أو ببول. وهذا من تخليط ابن لهيعة.","vol":"7","page":169},{"text":"ولا يعتبر هذا الحديث مخالفًا لحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة حتى يضعف لذلك، بل هو موافق لها في كونه نهى عن استقبال القبلة أولًا، ولكنه زاد أن الرسول ﷺ رآه يفعل ذلك، ومخرج الحديث ليس واحدًا حتى يقال بشذوذه، فلا أجد مناصًا من قبوله.\n• وقد أجيب عنه بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nأنه حكاية فعل للرسول ﷺ، فلا يقدم على القول، ولا يعارضه أيضًا، فيحتمل أن يكون خاصًا بالنبي ﷺ، والقول تشريع للأمة.","vol":"7","page":170},{"text":"وهذا الاحتمال ضعيف؛ لأن الأصل التأسي بالنبي ﷺ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]، حتى يأتي دليل صحيح صريح بأن ذلك خاص بالنبي ﷺ.\nالجواب الثاني:\nيحتمل أنه كان يبول إلى ساتر، ولا يتعين الساتر أن يكون بناء؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر، ولا فرق في الساتر بين الجدار والدابة وكثيب الرمل، ونحوها.\nوقد يقال في الرد بأن الأحكام لا تثبت بالاحتمال.\nالجواب الثالث:\nيحتمل أن فعله لبيان الجواز، ولبيان أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة فقط. وهذا هو الذي يتمشى مع القواعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3245>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٧٠ - ١١٢) ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك،\nعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ١٣٧).\n(^٢) الحديث فيه أكثر من علة:\nالأولى: خالد بن أبي الصلت.\nقال البخاري: خالد بن أبي الصلت عامل عمر بن عبد العزيز، عن عمر بن عبد العزيز وعراك مرسل. التاريخ الكبير (٣/ ١٥٥).\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه فلم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٣/ ٣٣٦).\nوقال أحمد: ليس معروفًا. تهذيب التهذيب (٣/ ٨٤). =","vol":"7","page":171},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الذهبي: لا يكاد يعرف. ميزان الاعتدال (٢٤٣٥).\nوقال ابن حزم: مجهول. فتعقبه ابن مفوز، فقال: هو مشهور بالرواية، معروف بحمل العلم، ولكن حديثه معلول. تهذيب التهذيب (٣/ ٨٤).\nوقال ابن عبد البر: ليس خالد بن أبي الصلت بمجهول، لأنه يروي عنه خالد الحذاء والمبارك بن فضالة، وواصل مولى ابن عيينة، وكان عاملًا لعمر بن عبد العزيز، فكيف يقال فيه: مجهول؟\nقلت: إن انتفت عنه جهالة العين، فهو مستور إذ لم يوثقه أحد، ولذلك قال في التقريب: مقبول.\nالعلة الثانية: الاختلاف في سماع عراك من عائشة.\nفقد جزم الإمام أحمد بأن عراكًا لم يسمع من عائشة، فجاء في المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ١٦٢، ١٦٣): «قال أحمد بن هانئ سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن أبي الصلت، عن عراك، عن عائشة، عن النبي ﷺ حولوا مقعدتي ... الحديث فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك، قال: سمعت عائشة ﵂، فأنكره، وقال: عراك من أين سمع عائشة، ماله ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ». اهـ\nالثالثة: أن في إسناده اختلافًا كثيرًا، والصواب وقفه، كما رجحه البخاري وغيره.\nقال البخاري: قال موسى، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال عراك بن مالك: سمعت عائشة قالت، قال النبي ﷺ: حولوا مقعدي إلى القبلة بفرجه.\nوقال موسى: حدثنا وهيب، عن خالد، عن رجل، أن عراكًا حدث عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ.\nوقال ابن بكير: حدثني بكر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك، عن عروة، أن عائشة كانت تنكر قولهم لا تستقبل القبلة. قال البخاري: وهذا أصح». التاريخ الكبير (٣/ ١٥٥).\nوفي علل الترمذي (ص: ٢٤): «هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها». اهـ\nوقال أبو حاتم الرازي: «لم أزل اقفو أثر هذا الحديث حتى كتبت بمصر عن اسحاق بن بكر ابن مضر أو غيره، عن بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة موقوف، وهذا أشبه». العلل لابن أبي حاتم (ح ٥٠).\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه أبو داود الطيالسي (١٥٤١)، وأحمد كما في حديث الباب، وأيضًا (٦/ ٢١٩، ٢٢٧، ٢٣٩)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٠) رقم ١٦١٣، وإسحاق بن راهوية (١٠٩٥)، وابن ماجه (٣٢٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٥٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٤)، والدارقطني (١/ ٥٩، ٦٠)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢٦) من طريق حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك، عن عائشة به. =","vol":"7","page":172},{"text":"قال ابن حزم: «حديث عائشة ساقط؛ لأن روايه خالد الحذاء، وهو ثقة، عن خالد بن أبي الصلت، وهو مجهول. ثم قال: ولو صح لما كان لهم فيه حجة؛ لأن نصه يبين أنه إنما كان قبل النهي؛ لأن من الباطل المحال أن يكون رسول الله ﷺ ينهاهم عن استقبال القبلة بالبول والغائط، ثم ينكر عليهم طاعته في ذلك، هذا ما لا يظنه مسلم، ولا ذو عقل، وفي هذا الخبر إنكار ذلك عليهم، فلو صح لكان منسوخًا بلا شك».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3246>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٧١ - ١١٣) استدل بعضهم بما رواه البخاري من طريق مالك، عن يحيى\n_________\n= ورواه أحمد (٦/ ١٨٤)، وإسحاق بن راهوية (١٠٩٦)، والدارقطني (١/ ٥٩) والبيهقي (١/ ٩٢) من طريق علي بن عاصم، عن خالد الحذاء به.\nوقيل: عن خالد الحذاء، عن عراك، دون ذكر خالد بن أبي الصلت.\nرواه إسحاق بن راهوية (١٠٩٤) والدارقطني (١/ ٥٩) من طريق أبي عوانة، والقاسم بن مطيب، ويحيى بن مطر فرقهم، عن خالد الحذاء، عن عراك، عن عائشة.\nوقيل: عن خالد الحذاء، عن رجل، عن عراك، عن عائشة.\nرواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٠) وأحمد (٦/ ١٨٣)، وإسحاق بن راهوية في مسنده (١٠٩٣)، والدارقطني (١/ ٦٠) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد به، بنحوه.\nوقيل: عن عراك، عن عروة، عن عائشة موقوفًا عليها.\nساقه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٥٥)، وابن أبي حاتم في العلل (ح ٥٠)، وذكرنا تصويب البخاري وأبي حاتم الرازي لهذا الطريق على غيره، وأن المعروف أن الحديث موقوف على عائشة، والله أعلم.\nوالغريب مع هذا الاختلاف الكبير في إسناده مما يجعل الباحث يميل إلى اضطرابه لولا أن البخاري وأبا حاتم رجحا وقفه على عائشة، تجد الإمام النووي يقول في شرحه لصحيح مسلم بأن إسناده حسن.\nويقول الكناني في مصباح الزجاجة (١/ ٤٧): «وهذا الذي علل به البخاري ليس بقادح، فالإسناد الأول حسن رجاله ثقات معروفون، وقد أخطأ من زعم أن خالد بن أبي الصلت مجهول، أقوى ما علل به هذا الخبر أن عراكًا لم يسمع من عائشة، نقلوه عن الإمام أحمد، وقد ثبت سماعه منها عند مسلم، رواه الدارقطني في سننه من هذا الوجه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه كما رواه ابن ماجه عنه». اهـ","vol":"7","page":173},{"text":"ابن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان،\nعن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إن ناسًا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته. الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، فكون الرسول ﷺ استدبر القبلة في حديث ابن عمر، وحديث جابر دليل على جواز استقبالها، فهذا دليل على أن النهي عن الاستقبال والاستدبار منسوخ، وأن الاستقبال والاستدبار كلاهما جائز.\n• ونوزع هذا الاستدلال بما يلي:\nأما القائلون بالتحريم مطلقًا، فأجابوا عن حديث ابن عمر بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nيحتمل أن يكون فعل ابن عمر قبل النهي عن استدبار القبلة؛ لأنه على البراءة الأصلية.\nقال ابن حزم: «ليس فيه -يعني: حديث ابن عمر- أن ذلك كان بعد النهي، وإذا لم يكن ذلك فيه، فنحن على يقين من أن ما في حديث ابن عمر موافق لما كان الناس عليه قبل أن ينهى النبي ﷺ عن ذلك، وهذا ما لا شك فيه، فحكم حديث\nابن عمر منسوخ قطعًا بنهي النبي ﷺ عن ذلك، هذا يعلم ضرورة، ومن الباطل المحرم ترك اليقين بالظنون، وأخذ المتيقن نسخه، وترك المتيقن أنه ناسخ، وقد رجحنا في غير هذا المكان أن كل ما صح أنه ناسخ، لحكم منسوخ، فمن المحال الباطل أن يكون الله تعالى يعيد الناسخ منسوخًا، والمنسوخ ناسخًا، ولا يبين ذلك تبيانًا لا إشكال فيه، إذ لو كان هذا لكان الدين مشكلًا غير بين، ناقصًا غير كامل، وهذا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦).","vol":"7","page":174},{"text":"باطل، قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: ٣] وقال تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤]. انتهى كلام ابن حزم (^١).\nالجواب الثاني:\nحديث ابن عمر فعل، وأحاديث النهي قول، والقول مقدم على الفعل؛ لأن الفعل قد يكون فعله معذورًا، أو ناسيًا بخلاف القول، وقد يكون الفعل خاصًا بالنبي ﷺ.\n• ورد هذا:\nأن الأصل عدم العذر والنسيان، وكونه خاصًا بالنبي ﷺ سبق الجواب عليه.\nالجواب الثالث:\nأن حديث ابن عمر لو أخذنا به فليس فيه إلا جواز الاستدبار، وليس فيه جواز الاستقبال. وهذا القول بناء على أن حديث جابر لم يثبت عندهم، أو لم يطلعوا عليه، وسبق لنا أنه حديث حسن إن شاء الله تعالى.\n• جواب القائلين بالتفريق بين الصحراء وغيرها:\nأن حديث ابن عمر دليل على جواز ذلك في البنيان، وأن المنع مختص بالصحراء؛ لأننا لما رأينا رسول الله ﷺ استقبل القبلة واستدبرها، واستحال أن يأتي رسول الله ﷺ ما نهى عنه، علمنا أن الحال التي استقبل فيها القبلة واستدبرها غير الحال التي نهى عنها، فأنزلنا النهي عن ذلك في الصحاري، والرخصة في البيوت؛ لأن حديث ابن عمر في البيوت، ولم يصح لنا أن يجعل أحد الخبرين ناسخًا للآخر؛ لأن الناسخ يحتاج إلى تاريخ، أو دليل لا معارض له، ولا سبيل إلى القول بالنسخ ما وجد إلى استعمال الدليلين، والقول بالنسخ إبطال لأحدهما (^٢).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ١٩١).\n(^٢) التمهيد بتصرف (٣/ ١٠٦).","vol":"7","page":175},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3247> دليل من فرق بين الصحراء والبنيان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3248>الدليل الأول:</span>\nحملوا حديث أبي أيوب الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. ورواه مسلم (^١).\nومثله حديث سلمان وابن مسعود وأبي هريرة حملوا هذه الأحاديث على الصحراء.\nوحملوا حديث ابن عمر ﵄: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته. الحديث (^٢).\nعلى جواز استدبار القبلة إذا كان ذلك في البنيان.\nوحملوا حديث جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة (^٣).\nحملوا هذا الحديث على جواز الاستقبال إذا كان هناك ساتر من جدار أو غيره، مع أن حديث جابر ليس فيه ذكر الساتر، لكن قالوا: هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر حال قضاء الحاجة.\nقال الحافظ ابن حجر: «دل حديث ابن عمر على جواز استدبار القبلة في الأبنية، وحديث جابر على جواز استقبالها، ولولا ذلك لكان حديث أبي أيوب لا يخص من عمومه بحديث ابن عمر إلا جواز الاستدبار فقط، ولا يلحق به الاستقبال قياسًا؛ لأنه لا يصح إلحاقه به، لكونه فوقه» (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤).\n(^٢) صحيح البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦).\n(^٣) المسند (٣/ ٣٦٠).\n(^٤) الفتح (ح ١٤٤).","vol":"7","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3249>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٧٢ - ١١٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا صفوان بن عيسى، عن الحسن بن ذكوان، عن مروان الأصفر، قال:\nرأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس (^١).\n[إسناده فيه لين] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١١).\n(^٢) انفرد به الحسن بن ذكوان، ومثله لا يحتمل تفرده، فقد قال فيه:\nقال يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي: ضعيف، زاد أبو حاتم: ليس بالقوي. الجرح والتعديل (٣/ ١٣).\nوقال ابن عدي: للحسن بن ذكوان أحاديث غير ما ذكرت، وليس بالكثير، وفي بعض ما ذكرت لا يرويه غيره، على أن يحيى القطان وابن المبارك قد رويا عنه كما ذكرته، وناهيك للحسن بن ذكوان من الجلالة أن يرويا عنه، وأرجوا أنه لا بأس به. الكامل (٢/ ٣١٧).\nقلت: رواية يحيى بن سعيد القطان عنه ليست دليلًا على توثيقه، فقد قال علي بن المديني: حدث يحيى بن سعيد، عن الحسن بن ذكوان، ولم يكن عنده بالقوي. الضعفاء الكبير (٢/ ٢٢٣)، الكامل (٢/ ٣١٧).\nوفي التقريب: صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس.\nوقال في مقدمة الفتح (ص: ٥٦٠): «ضعفه أحمد وابن معين، وأبو حاتم والنسائي وابن المديني، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وأورد له حديثين عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي. وقال: إنه دلسها، وإنما سمعها من عمر بن خالد الواسطي، وهو متروك». اهـ\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه ابن الجارود في المنتقى (٣٢)، وابن خزيمة (٦٠)، والدارقطني (١/ ٥٨)، والحاكم في المستدرك (٥٥١)، والسنن الصغرى للبيهقي (١/ ٦٢)، والسنن الكبرى له (١/ ٩٢) من طريق صفوان بن عيسى به.\nقال الدارقطني في سننه (١/ ٥٨): هذا صحيح، كلهم ثقات، مع أنه قال في العلل: ضعيف. كما نقل ذلك بشار عواد في تحقيقه البديع لتهذيب المزي (٦/ ١٤٧).\nوقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسن بن ذكوان، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. قلت: البخاري خرج له حديثًا واحدًا له شواهد كثيرة.","vol":"7","page":177},{"text":"وجه الاستدلال:\nقالوا: إن قول ابن عمر: إنما نهي عن هذا في الفضاء، يدل على أنه علم ذلك من رسول الله ﷺ، فيكون له حكم الرفع.\nوأجيب:\nهذا القول من ابن عمر يحتمل أن يكون قال ذلك فهمًا منه للفعل الذي شاهده من النبي ﷺ ورواه، فكأنه لما رأى النبي ﷺ في بيت حفصة مستدبرًا للقبلة، فهم اختصاص النهي بالبنيان، فلا يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا للاستدلال به، خاصة وقد عارضه غيره من الصحابة، منهم أبو أيوب، وإذا اختلف الصحابة لم يكن في قول أحد منهم حجة، هذا على التسليم بأن قول ابن عمر: إنما نهي عن هذا بالفضاء صحيح، ومع تضعيفه فلا حاجة إلى هذا التوجيه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3250>الدليل الثالث:</span>\nمن النظر، قالوا: إن التكريم وإن كان لجهة القبلة، فإن التفريق بين البنيان والصحراء له حظ من النظر، وذلك أن الأمكنة المعدة لقضاء الحاجة تكون مأوى للشياطين، فليست صالحة لكونها قبلة؛ ولأن الحديث يقول: إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة. وحقيقة الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض في الفضاء، وهذه حقيقته اللغوية، فلا يدخل فيه البنيان أصلًا، وإن كان قد صار يطلق على كل مكان أعد لذلك مجازًا، فيختص النهي به؛ إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة. قال الحافظ: وهذا الجواب للإسماعيلي، وهو أقواها.\nوقالوا أيضًا: إن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية، فإنها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عرفًا (^١).\n_________\n(^١) الفتح (ح ١٤٤).","vol":"7","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3251>الدليل الرابع:</span>\n(١٣٧٣ - ١١٥) ما رواه الدارقطني (^١) من طريق موسى بن وارد.\nورواه البيهقي (^٢) من طريق يعقوب بن كعب الحلبي، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل، عن عيسى بن أبي عيسى، قال:\nقلت للشعبي: عجبت لقول أبي هريرة، ونافع عن ابن عمر. قال: وما قالا؟ قلت: قال أبو هريرة: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. وقال نافع، عن ابن عمر: رأيت النبي ﷺ ذهب مذهبًا مواجه القبلة. فقال: أما قول أبي هريرة ففي الصحراء. إن لله تعالى خلقًا من عباده يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي يتخذونها للنتن، فإنه لا قبلة لها.\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\nومع ضعفه، فإن متنه منكر؛ فإنه علله بوجود المصلين في الصحراء، لا تكريمًا للقبلة، وقد رده ابن العربي من خمسة أوجه:\nالأول: أنه موقوف على الشعبي.\nالثاني: أنه إخبار عن غيب، فلا يثبت إلا عن الشارع.\nالثالث: أنه لو كان لحرمة المصلين ما جاز التشريق والتغريب؛ لأن العورة لا تخفى معه أيضًا عن المصلين، وهذا يعرف باختبار المعاينة.\nالرابع: أن النهي علل بحرمة القبلة، لقوله: لا تستقبلوا القبلة، فذكرها بلفظها، وأضاف الاحترام لها.\nالخامس: أن الإسناد فيه رجل متروك (^٤).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٦١).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ٩٣).\n(^٣) فيه عيسى بن أبي عيسى الحناط، وفي البيهقي: الخياط، قال الحافظ عنه في التقريب: متروك.\n(^٤) انظر شرح ابن العربي (١/ ٢٥).","vol":"7","page":179},{"text":"وقال النووي: قول المصنف: ولأن في الصحراء خلقًا من الملائكة والجن يصلون. هكذا قال أصحابنا واعتمدوه، ورواه البيهقي بإسناد ضعيف، عن الشعبي التابعي من قوله. وهو تعليل ضعيف؛ فإنه لو قعد قريبًا من حائط، واستقبله، ووراءه فضاء واسع، جاز بلا شك، صرح به إمام الحرمين والبغوي وغيرهما، ويدل على ما قدمناه عن ابن عمر، أنه أناخ راحلته، وبال إليها، فهذا يبطل هذا التعليل، فإنه لو كان صحيحًا لم يجز في هذه الصورة، فإنه مستدبر الفضاء الذي فيه المصلون، ولكن التعليل الصحيح أن جهة القبلة معظمة، فوجب صيانتها في الصحراء، ورخص فيها بالبناء للمشقة (^١). اهـ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3252> دليل من قال بكراهة الاستقبال والاستدبار:</span>\nقالوا: إن الرسول ﷺ إذا نهى عن شيء، فالأصل فيه التحريم، وإذا خالف النهي انتقل من التحريم إلى الكراهة.\nوأن الرسول ﷺ إذا أمر بشيء اقتضى الوجوب، فإذا خالف ذلك الأمر انتقل الأمر إلى الاستحباب، فالرسول ﷺ نهى عن الاستقبال والاستدبار مطلقًا، ثم خالف ذلك في الاستدبار كما في حديث ابن عمر، وخالف ذلك في الاستقبال كما في حديث جابر، فانتقل النهي من التحريم إلى الكراهة، والله أعلم.\nفالأحاديث القولية مطلقة، تشمل الاستقبال والاستدبار، والصحراء والبنيان، وكون الرسول ﷺ فعل ذلك في البنيان، هل ورد أن الرسول ﷺ بين أنه إنما خالف النهي؛ لأنه كان في البنيان، أم أن كونه في البنيان وقع اتفاقًا، فهو وصف غير مؤثر في الحكم؟ الذي يترجح لي الثاني. ولو كان البنيان مؤثرًا لما أطلق الرسول ﷺ النهي في أحاديث كثيرة منها حديث أبي أيوب، وسلمان وابن مسعود وأبي هريرة، وغيرها.\nوالذي يؤيد ذلك حديث جابر، فإن الراوي لم يذكر أنه كان في البنيان، ولم يذكر\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٩٧).","vol":"7","page":180},{"text":"أن الرسول ﷺ عمد إلى ساتر، فاعتماد أن البنيان مؤثر في الحكم، ويلحق به الساتر علة مظنونة مستنبطة، قد تكون علة مؤثرة، وقد لا تكون، وفهم جابر ﵁ في حديثه قد بين أن الرسول ﷺ نهى عن استقبال القبلة، ثم وقع منه مخالفة لما نهى، وهو واضح أن النهي كان مطلقًا، وأن الرسول ﷺ قد خالف ذلك بعد أن نهى، واعتبار أن الفعل يكون ناسخًا للقول ضعيف أيضًا، فالراجح عندي القول بالكراهة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3253> دليل من قال يحرم الاستقبال مطلقًا ويحل الاستدبار مطلقًا:</span>\nوأما الذين قالوا بتحريم الاستقبال في الصحراء والبنيان، وجواز الاستدبار فيهما فاستدلوا بتحريم الاستقبال بحديث أبي أيوب وسلمان وغيرهما. وقد تقدم ذكر الأحاديث.\nواستدلوا بجواز الاستدبار مطلقًا بحديث ابن عمر: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي .. الحديث. ومنعنا الاستقبال مطلقًا؛ لأنه لم يقم دليل على جوازه (^١)، ولا يصح قياس الاستقبال على الاستدبار لعدم مساواة الفرع بالأصل، لكون الاستقبال أشد قبحًا من الاستدبار.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3254> دليل من قال بجواز الاستدبار في البنيان فقط:</span>\nتمسك هذا القائل بظاهر حديث ابن عمر، فإنه ﷺ استدبر القبلة في البنيان، فيخصص النهي عن استدبار القبلة، ويبقى النهي عن الاستقبال مطلقًا بلا مخصص، شاملًا للصحراء والبنيان، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3255> دليل من قال: يحرم حتى في القبلة المنسوخة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3256>الدليل الأول:</span>\n(١٣٧٤ - ١١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق سليمان بن بلال، ووهيب، فرقهما، قالا: حدثنا عمرو بن يحيى المازني، عن أبي زيد،\n_________\n(^١) إما لأنهم لم يطلعوا على حديث جابر، أو لم يصححوه.","vol":"7","page":181},{"text":"عن معقل الأسدي، وقد صحب النبي ﷺ قال: نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين بغائط أو بول (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوقد نقل الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، والله أعلم.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٣٩) رقم ١٦٠٣، ١٦١٠.\n(^٢) فيه أبو زيد مولى بني ثعلبة، لم يرو عنه إلا عمرو بن يحيى المازني، ولم يوثقه أحد، وفي التقريب: مجهول.\nوالحديث رواه سليمان بن بلال، واختلف عليه:\nفرواه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٩) ومن طريقه ابن ماجه (٣١٩) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٥٧) حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى المازني به، بلفظ: نهى رسول الله ﷺ أن يستقبل القبلتين بغائط أو بول.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٣) من طريق الحماني، ثنا سليمان بن بلال به، بلفظ: أن نستقبل القبلة بغائط أو بول.\nوالحماني وإن كان مجروحًا إلا أنه قد توبع، فقد تابعه عبد العزيز بن محمد، وعبد العزيز بن المختار،\nفرواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٥٨) حدثنا يعقوب بن حميد، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى المازني به، بلفظ الحماني بإفراد القبلة.\nوكذلك رواه ابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٧٧، ٧٨) من طريق عبد العزيز بن المختار، حدثني عمرو بن يحيى المازني به، بإفراد القبلة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٩١)، وأبو داود (١٠)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٧٨) والبيهقي (١/ ٩١)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٠٤، ٣٠٥) من طريق وهيب.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢١٠) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٣) وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٧٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٣٤) رقم ٥٥٠ من طريق داود العطار، كلاهما عن عمرو بن يحيى المازني به، بلفظ: القبلتين.\nورواه أحمد (٦/ ٤٠٦) والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٣٤) رقم ٥٤٩ من طريق ابن جريج، عن عمرو بن يحيى المازني به، بلفظ: القبلتين. وسواء كان الراجح فيه لفظ إفراد القبلة، أو ذكر بلفظ: النهي عن القبلتين، فإن مداره على أبي زيد، وهو مجهول.","vol":"7","page":182},{"text":"وفي هذا الإجماع نظر، فقد خالف فيه ابن سيرين وإبراهيم النخعي، نقله عنهما الحافظ في الفتح (^١).\n(١٣٧٥ - ١١٧) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن ابن عون،\nعن ابن سيرين، قال: كانوا يكرهون أن يستقبلوا واحدة من القبلتين (^٢).\n[رجاله ثقات].\nوقول التابعي: كانوا يكرهون يقصد به الصحابة رضوان الله عليهم، ولعل الصحابة كانوا يكرهون ذلك؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبار الكعبة، فالعلة استدبار القبلة، لا استقبال بيت المقدس، فقد ثبت أن الرسول ﷺ استقبل بيت المقدس حال قضاء الحاجة، كما في حديث ابن عمر، وقد تقدم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3257> دليل من قال: التحريم خاص بأهل المدينة ومن على سمتها:</span>\nوهذا القول هو أضعف الأقوال، وقد أخذوه من عموم قوله ﷺ: (ولكن شرقوا أو غربوا) قاله أبو عوانة، صاحب المزني، وهذه ظاهرية بحتة، ولا يوجد حكم يخص به أهل المدينة دون غيرهم، والعلة تكريم القبلة، وهم وغيرهم سواء في ذلك.\nبقي أن نشير قبل ختام هذا البحث أن القائلين بالتفريق بين الصحراء والبنيان لا فرق عندهم في الساتر بين الجدار والدابة والوهدة، وكثيب الرمل، ونحو ذلك، ولو أرخى ذيله في قبالة القبلة فهل يحصل به الستر، وجهان عند الشافعية والحنابلة، الصحيح منهما عندهما الاكتفاء بذلك حيث أمن التنجس؛ لأن المقصود ألا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بسوأته، وهذا المقصود يحصل بالذيل، وبه قال المالكية (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (ح ١٤٤).\n(^٢) المصنف (١/ ١٣٩).\n(^٣) حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٤٧)، المجموع (٢/ ٩٣)، تصحيح الفروع (١/ ١١٢)، كشاف القناع (١/ ٦٥).","vol":"7","page":183},{"text":"وإذا قلنا: إن الساتر مؤثر في جواز الاستقبال والاستدبار حال قضاء الحاجة، ومعلوم أن الفضاء فيه جبال وأشجار وغيرها، فهل يشترط مسافة معينة من الساتر حتى يكون مؤثرًا، أو يكفي وجود الساتر ولو بعد من الإنسان، وهل يشترط في الساتر قدرٌ معينٌ في ارتفاعه، أو لا يشترط.\nأما القائلون بالتحريم مطلقًا كالحنفية فلا يحتاجون إلى هذا التفصيل.\nوأما القائلون بالتفريق بين الصحراء والبنيان، فهم يفصلون في ذلك:\nقال ابن ناجي من المالكية: لم أقف عندنا على مقدار السترة (^١).\nوأما الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، فقالوا: إن كان قضاء الحاجة في بيت بني لذلك كالمرحاض ونحوه، فلا يشترط أن يكون قريبًا من الساتر، وإن كان في غيره، فقالوا: يشترط أن يكون بينه وبين الساتر نحو ثلاثة أذرع، فما دونها، وأن يكون ارتفاع الساتر مرتفعًا قدر مؤخرة الرحل، فإن زاد ما بينهما على ثلاثة أذرع، أو قصر الحائل عن مؤخرة الرحل، فهو حرام. وإنما اعتبروا في المسافة ثلاثة أذرع كسترة الصلاة، واعتبروا مؤخرة الرحل في الارتفاع من أجل أن تستر أسفله ليحصل المقصود.\nوكل هذه الشروط تدل على أن اشتراط الساتر فيه ضعف؛ لأن كل هذه المقادير تحتاج إلى توقيف، ولا توقيف هنا.\nوهذا التفصيل لا يلزمنا إذا رجحنا القول بكراهة استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، في الصحراء والبنيان، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٤٧)، وقد نص الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ٩٤) بقوله: «ويكفي أن يكون طوله ثلثي ذراع، وقربه منه ثلاثة أذرع فأقل، وعرضه منه مقدار ما يواري عورته». اهـ\n(^٢) المجموع (٢/ ٩٣).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٦٥).","vol":"7","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3258>المبحث الخامس في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في العادات الحل.\n• النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط، هل هو للخارج النجس، أو لكشف العورة ونحوها؟\n• أحكام القبلة توقيفية فيشرع استقبالها في الدعاء، ويشرع استدبارها للإمام حال خطبة الجمعة، وينهى عنهما حال قضاء الحاجة، وما سكت عنه فلا يشرع إلا بتوقيف.\n• لا يستدل بالأخص على الأعم، ولا بالأخف على الأغلظ، فالنهي عن استقبال القبلة حال الغائط أخص من النهي عن كشف العورة حال استقبالها.\n[م-٦١٣] اختلف العلماء في استقبال القبلة واستدبارها عند الاستنجاء:\nفقيل: يكره الاستقبال والاستدبار، وهو المشهور من مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يكره الاستقبال فقط، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: لا يكره الاستقبال والاستدبار حال الاستنجاء، ومثله الجماع، وخروج\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٥)، البحر الرائق (١/ ٥٤)، بدائع الصنائع (٥/ ١٢٦)، الهداية شرح البداية (١/ ٦٥).\n(^٢) جاء في الفروع (١/ ١١٢): ويكره استقبالها في فضاء باستنجاء. وانظر الإنصاف (١/ ١٠٢).","vol":"7","page":185},{"text":"الريح، وهو المشهور من مذهب الشافعية (^١)، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقال المراداوي من الحنابلة: ويتوجه التحريم (^٣).\nولم أقف على نص في مذهب المالكية إلا أن تكون مقيسة على الجماع، وهم قد نصوا على تحريم الوطء في الفضاء مستقبلًا القبلة أو مستدبرها (^٤).\nويرجع اختلافهم إلى اختلافهم في علة المنع من استقبال القبلة بالبول والغائط، هل هو للخارج النجس، أو لكشف العورة ونحوها؟\nفمن علل بالأول أباح الاستنجاء، ومن علل بالثاني منعه، والله أعلم.\nوالصحيح جواز الاستنجاء مستقبل القبلة، لعدم وجود الدليل المقتضي للتحريم، أو الكراهة، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤].\nولأن الأصل في الأشياء الحل. فلا نحرم ولا نكره شيئًا إلا بنص.\nوتكريم القبلة في مثل هذا الأمر يحتاج إلى توقيف، نعم جاء النص فيه بالبول والغائط، فلا يتعداه إلى غيره، ولو كان الانحراف عن القبلة من شرع الله حال الاستنجاء أو الوطء لجاء النص فيه من الشرع لحاجة الناس إليه، بل قد بالغ الحنفية حتى كرهوا مد الرجل إلى القبلة في النوم وغيره عامدًا، وهذا تكلف لا يعرف عن السلف ﵏ (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٩٤).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٠٢).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٠٢).\n(^٤) جاء في المدونة (١/ ١١٧): أيجامع الرجل امرأته مستقبل القبلة في قول مالك؟ قال: لا أحفظ عن مالك فيه شيئًا، وأرى أنه لا بأس به؛ لأنه لا يرى بالمراحيض بأسًا في المدائن والقرى، وإن كانت مستقبلة القبلة. إلخ.\nونص المالكية على تحريم الوطء في الفضاء مستقبلًا القبلة أو مستدبرها، انظر حاشية الدسوقي (١/ ١٠٨، ١٠٩)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٩٣)، الخرشي (١/ ١٤٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٠)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٣٦، ٣٣٧).\n(^٥) حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٥).","vol":"7","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3259>المبحث السادس في استقبال النيرين (الشمس والقمر)</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.\n[م-٦١٤] كره جمهور الفقهاء من الحنفية (^١)، وقول في مذهب المالكية (^٢)، وعليه جمهور الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، استقبال عين الشمس والقمر (^٥).\nوقيل: يكره استقبالهما واستدبارهما، اختاره بعض الحنفية (^٦)، وبعض الشافعية (^٧).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، مراقي الفلاح (ص: ٢٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٢)، الفتاوى الهندية (١/ ٣٢٠)، نور الإيضاح (ص: ١٦).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٤٠٧).\n(^٣) أسنى المطالب (١/ ٤٦)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٤٤).\n(^٤) المغني (١/ ١٠٧)، مطالب أولي النهي (١/ ٦٧)، كشاف القناع (١/ ٦١)، الإنصاف (١/ ١٠٠).\n(^٥) قال في مراقي الفلاح (ص: ٢٣): «ويكره استقبال عين الشمس والقمر». اهـ\nوفي حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٢): «والذي يظهر أن المراد استقبال عينهما مطلقًا، لا جهتهما، ولا ضوئهما، وأنه لو كان ساتر يمنع عن العين، ولو سحابًا فلا كراهة، وأن الكراهة إذا لم يكونا في كبد السماء، وإلا فلا استقبال للعين». اهـ\n(^٦) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٢) إلا أن الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح (ص: ٣٤) أشار إلى أن الاستدبار لا يكره.\n(^٧) أسنى المطالب (١/ ٤٦)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٤٤)، المجموع (٢/ ١١٠).","vol":"7","page":187},{"text":"وقيل: لا يكره مطلقًا الاستقبال والاستدبار، اختاره بعض المالكية (^١)، وبعض الشافعية (^٢)، وبعض الحنابلة (^٣)، ورجحه الشوكاني (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3260> دليل من قال بالكراهة:</span>\n(١٣٧٦ - ١١٨) ما رواه الحكيم الترمذي في كتاب المناهي، كما في تلخيص الحبير، من طريق عباد بن كثير، عن عثمان الأعرج، عن الحسن، قال: حدثني سبعة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو هريرة وجابر، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض في الحديث: أن النبي ﷺ نهى أن يبال في المغتسل، ونهى عن البول في الماء الراكد، ونهى عن البول في المشارع، ونهى أن يبول الرجل، وفرجه باد إلى الشمس والقمر ... وذكر حديثًا طويلًا في نحو خمسة أوراق (^٥).\n[قال الحافظ: وهو حديث باطل لا أصل له، بل هو من اختلاق عباد] (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3261>الدليل الثاني:</span>\nأوردوا تعاليل فيها نظر كثير، فقالوا: كره؛ لأن معهما ملائكة؛ ولأن أسماء الله\n_________\n(^١) الشرح الكبير (١/ ١٠٩)، منح الجليل (١/ ١٠٣، ١٠٤)، وجاء في مواهب الجليل (١/ ٢٨١): قال في التوضيح عن ابن هارون: إنه يجوز عندنا استقبال الشمس والقمر لعدم ورود النهي. وقال في المدخل في آداب الاستنجاء: لا يستقبل الشمس والقمر؛ فإنه ورد أنهما يلعنانه، فأتى كلامه أنه في المذهب، فإنه قال قبل ذلك: وقد ذكر علماؤنا آداب التصرف في ذلك. انتهى ثم قال: تنبيه علم من كلام صاحب المدخل أن المنهي عنه في القمرين إنما هو استقبالهما، لا استدبارهما، وصرح بذلك الدميري من الشافعية، وعد ابن يعلى في منسكه في الآداب أن لا يستقبل الشمس ولا يستدبرها. انتهى وقال المواق الجزولي في آداب الأحداث: لا يستقبل الشمس ولا القمر ولا يستدبرهما. وقال ابن هارون: لا يكره ذلك. اهـ نقلًا من مواهب الجليل.\n(^٢) رجح النووي في المجموع عدم الكراهة (٢/ ١١٠).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٠٠).\n(^٤) السيل الجرار (١/ ٧٠).\n(^٥) تلخيص الحبير (١/ ١٨٠).\n(^٦) وقال النووي في المجموع (٢/ ١١٠): ضعيف، بل باطل.","vol":"7","page":188},{"text":"مكتوبة عليهما، ولأنهما يلعنانه؛ ولأن نورهما من نور الله، وقيل: لشرفهما بالقسم بهما، فأشبهتا الكعبة (^١).\nأما قولهم: إن معهما ملائكة، فلا يقتضي ذلك كراهة؛ لأن كثيرًا من مخلوقات الله قد وكل فيها ملائكة كالسحاب، والجبال وغيرهما، فهل يكره استقبال الغيم مثلا؟\nوأما القول بأن أسماء الله مكتوبة عليهما، فهذا يحتاج إلى توقيف، فأين الدليل عليه؟\nوكذلك يقال عن قولهم: بأنهما يلعنان من يستقبلهما.\nوأما قولهم بأن فيهما من نور الله، فلا شك أن نورهما نور مخلوق، وليس المقصود بنور الله الذي هو صفته، وإذا كان كذلك فلا يقتضي هذا التعليل كراهة، ولو أخذنا بهذا التعليل لكره استقبال ضوئهما، بحيث لا يستقبل ضوء الشمس والقمر حال البول، وأنتم إنما كرهتم استقبال عينهما.\nوأما قولهم: إن الله قد أقسم بهما، فقد أقسم الله بالنجوم أيضًا، وأقسم بالضحى، وأقسم بالليل، فلا تقضى فيها الحاجات إذًا، فهذه التعاليل هالكة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3262> دليل من قال: لا يكره استقبال الشمس والقمر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3263>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل على الكراهة، والكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3264>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٧٧ - ١١٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي،\nعن أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٦١)، نيل الأوطار (١/ ١١٠)، حاشية ابن قاسم (١/ ١٣٤).","vol":"7","page":189},{"text":"ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشأم، فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة، فننحرف، ونستغفر الله تعالى، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ولكن شرقوا أو غربوا) فيه الإذن باستقبال الشرق أو الغرب واستدبارهما، فلا بد أن يكونا أو أحدهما في الشرق أو الغرب، والله أعلم.\n• الراجح:\nجواز استقبال النيرين. قال ابن القيم: لم ينقل عنه ﷺ في ذلك كلمة واحدة، لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف، ولا مرسل، ولا متصل، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع (^٢).\nوقال الشوكاني: وأما استقبال النيرين فهذه من غرائب أهل الفروع، فإنه لم يدل على ذلك دليل لا صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، وما روي في ذلك فهذا كذب على رسول الله ﷺ، ومن رواية الكذابين، وإن كان ذلك بالقياس على القبلة، فقد اتسع الخرق على الراقع، ويقال لهذا القائس: ما هكذا تورد يا سعد الإبل .. وأعجب من هذا إلحاق النجوم النيرات بالقمرين، فإن الأصل باطل، فكيف بالفرع، وكان ينبغي لهذا القائس أن يلحق السماء، فإن لها شرفًا عظيمًا، لكونها مستقر الملائكة، ثم يلحق الأرض؛ لأنه مكان العبادات والطاعات، ومستقر عباد الله الصالحين، فحينئذ تضيق على قاضي الحاجة الأرض بما رحبت، ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة، وسبحان الله ما يفعل التساهل في إثبات أحكام الله من الأمور التي يبكى لها تارة، ويضحك منها أخرى (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٩٤)، صحيح مسلم (٢٦٤).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٠٥).\n(^٣) نيل الأوطار (١/ ٧٠).","vol":"7","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3265>المبحث السابع في البول في الطريق والظل النافع وتحت شجرة مثمرة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ليس للإنسان أن يفعل ما يؤذي الآخرين في أماكن اجتماعهم، ولو كان في أكل مباح كالبصل.\n• من آذى الناس استحق لعنهم.\n• انتفاع الإنسان بالأماكن العامة مقيد بألا يؤذي الآخرين.\n• تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.\n[م-٦١٥] اختلف العلماء في حكم البول في الطريق والظل النافع:\nفقيل: يكره البول فيها، وهذا مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، وعليه أكثر أصحاب الشافعية، ورواية في مذهب أحمد (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٣)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٥).\nوالمقصود بالكراهة كراهة تنزيه؛ لأنه في حاشية الطحطاوي (ص: ٥٣) خص الكراهة بما إذا كان الظل مباحًا، أما إذا كان مملوكًا فيحرم فيه قضاء الحاجة.\nوجاء في النوادر والزيادة (١/ ٢٢): «ويكره أن يتغوط في ظلال الجدر، والشجر وقارعة الطريق وضفة الماء وقربه». اهـ وانظر مواهب الجليل (١/ ٢٧٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٧)، الذخيرة (١/ ٢٠١)، التاج والإكليل (١/ ٤٠٢، ٤٠٣).\nوانظر قول أكثر الشافعية في روضة الطالبين (١/ ٦٦)، اختلاف الحديث (ص: ١٠٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٤٠، ١٤١)، المهذب (١/ ٢٦)، إعانة الطالبين (١/ ١١٠).\nوانظر رواية أحمد في الفروع (١/ ١١٦)، الإنصاف (١/ ٩٧، ٩٨).","vol":"7","page":191},{"text":"وقيل: اتقاء هذه الأماكن مندوب، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، وهي عبارة خليل في مختصره، وابن الحاجب في جامع الأمهات وغيرهما (^١).\nوقيل: يحرم البول فيها، اختاره القاضي عياض من المالكية (^٢)، ورجحه النووي من الشافعية (^٣)، وهو المشهور من مذهب أحمد، وجزم به في المغني وغيره (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3266> أدلة القائلين بالتحريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3267>الدليل الأول:</span>\nمن الكتاب، قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [الأحزاب: ٥٨].\nولا شك أن الذي يتغوط في طريق الناس، وفي ظلهم ومجالسهم أنه قد آذى المؤمنين بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3268>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٧٨ - ١٢٠) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،\n_________\n(^١) اعتبر المالكية اتقاء الطريق والظل النافع من الآداب المستحبة انظر الخرشي (١/ ١٤٤)، جامع الأمهات (ص: ٥٢)، ولا يلزم من ترك المندوب الوقوع في المكروه.\n(^٢) نقل العدوي في حاشيته على الخرشي (١/ ١٤٥): عن عياض القول بالتحريم، ونقل عن علي الأجهوري أنه قال: «وظاهر الحديث التحريم، وينبغي الرجوع إليه، إذ فاعل المكروه لا يلعن». اهـ وقال في حاشية الدسوقي (١/ ١٠٧): «قال شيخنا: والظاهر أن قضاء الحاجة في المورد والطريق والظل وما ألحق به حرام كما يفيده عياض، وقاله عج خلافًا لما يقتضيه كلام المنصف من الكراهة؛ لأنه جعل اتقاءها مندوبًا»، وانظر منح الجليل (١/ ١٠٠).\n(^٣) قال النووي في المجموع (١/ ١٠٢): وظاهر كلام المصنف والأصحاب أن فعل هذه الملاعن أو بعضها مكروه كراهة تنزيه، لا تحريم، وينبغي أن يكون محرمًا لهذه الأحاديث، ولما فيه من إيذاء المسلمين، وفي كلام الخطابي إشارة إلى تحريمه. اهـ\n(^٤) المغني (١/ ١٠٨)، والمبدع (١/ ٨٣)، الفروع (١/ ١١٦)، الإنصاف (١/ ٩٧، ٩٨)، تصحيح الفروع (١/ ١١٦)، كشاف القناع (١/ ٦٤).","vol":"7","page":192},{"text":"عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللعانين. قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3269>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٧٩ - ١٢١) ما رواه أبو داود من طريق سعيد بن الحكم، عن نافع بن يزيد، حدثني حيوة بن شريح، أن أبا سعيد الحميري حدثه، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\nومعنى قوله: (اتقوا اللاعنين)، أو (الملاعن) يحتمل أن يكون المعنى: أي الملعون فاعلهما. فيكون المراد من اسم الفاعل اسم المفعول.\nويحتمل أن يكون المعنى: أي الجالبين للعن، أي الباعثين للناس عليه، فإنه سبب للعن من فعله في هذه المواضع، وهذا المعنى يرجع إلى الأول؛ لأن المسلمين لا يلعنون ولا ينبغي لهم أن يلعنوا أحدًا إلا لشخص مستحق للعن، ولو كان غير مستحق لنهى\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٩).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٦).\n(^٣) فيه أبو سعيد الحميري، لم يرو عنه إلا حيوة بن شريح، ولم يوثقه أحد، وفي التقريب: مجهول، وروايته عن معاذ بن جبل مرسلة.\nوالحديث أخرجه ابن ماجه (٣٢٨)، من طريق عبد الله بن وهب.\nوالطبراني (٢٠/ ١٢٣) رقم ٢٤٧، والحاكم (٥٩٤)، والبيهقي (١/ ٩٧) من طريق سعيد بن أبي مريم، كلاهما عن نافع بن يزيد به.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه.\nوصححه ابن السكن كما في تلخيص الحبير (١/ ١٨٤)، وتعقبه الحافظ، فقال: فيه نظر؛ لأن أبا سعيد لم يسمع من معاذ، ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد. قاله ابن القطان. اهـ\nوقال في مصباح الزجاجة (١/ ٤٨): هذا إسناد ضعيف، فيه أبو سعيد الحميري المصري، قال ابن القطان: مجهول. وقال أبو داود والترمذي وغيرهما: روايته عن معاذ مرسلة.","vol":"7","page":193},{"text":"الشرع عن لعنه، فبأي المعنيين حملناه، فإنه دليل على أن صاحبه ملعون، والعياذ بالله، وهذا دليل على أن فعله محرم، وليس مكروهًا كما قيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3270>الدليل الرابع:</span>\n(١٣٨٠ - ١٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن هشام، عن الحسن،\nعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: إذا سرتم في الخصب فأمكنوا الركاب أسنانها، ولا تجاوزوا المنازل، وإذا سرتم في الجدب فاستجدوا، وعليكم بالدلج؛ فإن الأرض تطوى بالليل، وإذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان، وإياكم والصلاة على جواد الطريق، والنزول عليها؛ فإنها مأوى الحيات والسباع، وقضاء الحاجة فإنها الملاعن (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٣/ ٣٠٥).\n(^٢) الحديث له علتان:\nالأولى: الانقطاع، فإن الحسن لم يسمع من جابر.\nقال علي بن المديني: لم يسمع من جابر. تهذيب التهذيب (٢/ ٢٣١).\nوقال أبو زرعة: لم يلق جابرًا.\nوقال ابن أبي حاتم: سألت أبي سمع الحسن من جابر؟ قال: ما أرى، ولكن هشام بن حسان يقول: حدثنا جابر، وأنا أنكر هذا، وإنما الحسن عن جابر كتاب، معن أدرك جابرًا. اهـ\nالعلة الثانية: هشام بن حسان ضعيف في الحسن، قال في التقريب: روايته عن الحسن وعطاء فيها مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١٣) رواه أبو يعلى رجاله رجال الصحيح.\nوقال الحافظ في التلخيص (١٥٨): إسناده حسن.\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٢٤٧).\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١١٩)، وأبو يعلى في مسنده (٢٢١٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٢٥) من طريق يزيد بن هارون.\nوأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٣٢) من طريق سويد بن عبد العزيز. وابن خزيمة (٢٥٤٩) من طريق يحيى بن يمان. =","vol":"7","page":194},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كلهم (عبد الرزاق، ويزيد بن هارون، وسويد وابن يمان) رووه عن هشام بن حسان به.\nوأخرجه ابن ماجه (٣٢٩)، وابن خزيمة (٢٥٤٨) من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، قال: قال سالم: سمعت الحسن يقول: حدثنا جابر بن عبد الله، فذكره بنحوه.\nوهذا الحديث من هذا الطريق له علتان أيضًا:\nالأولى: ضعف سالم هذا. قال في مصباح الزجاجة (١/ ٤٩): وهذا إسناد ضعيف، وسالم هذا: هو ابن عبد الخياط المكي البصري، ضعفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم وابن حبان والدارقطني. اهـ\nالعلة الثانية: زهير بن محمد، جاء في التقريب: ثقة، إلا أن رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها.\nكأن زهيرًا الذي يروي عنه الشاميون آخر.\nوقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه، فكثر غلطه.\nقلت: والراوي عنه عمرو بن أبي سلمة، شامي من أهل دمشق، ضعفه يحيى بن معين، وقال العقيلي: في حديثه وهم، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وفي التقريب صدوق له أوهام.\nواختلف فيه على الحسن البصري:\nفرواه هشام بن حسان، وسالم المكي عن الحسن البصري، عن جابر، كما سبق.\nوأخرجه البزار في مسنده (١٢٤٧) من طريق يونس بن عبيد.\nوابن عدي في الكامل (٥/ ١٠٧) من طريق عمرو بن عبيد، كلاهما عن الحسن البصري، عن سعد بن أبي وقاص، قال: أمرنا رسول الله ق إذا تغولت لنا، أو إذا رأينا الغول ننادي بالأذان.\nوقال البزار عقبه: لا نعلمه يروى عن سعد إلا من هذا الوجه، ولا نعلم سمع الحسن من سعد شيئًا.\nقال الهيثمي (١٠/ ١٣٤): «رجاله ثقات إلا أن الحسن البصري لم يسمع من سعد».\nقلت: إسناد البزار فيه شيخه محمد بن الليث الهدادي، لم يرو له أحد من الكتب الستة، وقال العقيلي: لا يعرف. وقال الذهبي: لا يدرى من هو؟ وعرفه ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف.\nوفي إسناد ابن عدي: عمرو بن عبيد ضعيف معتزلي، معلن بالبدعة ومن الدعاة لها، قال النسائي: ليس بثقة.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٩٢٥٢) عن ابن جريج، حدثت عن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسول الله ق يقول: إذا تغولت لكم الغيلان فأذنوا.","vol":"7","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3271>الدليل الخامس:</span>\n(١٣٨١ - ١٢٣) ما رواه أحمد من طريق عبد الله - يعني ابن المبارك - قال: أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني ابن هبيرة، قال: أخبرني من سمع ابن عباس يقول:\nسمعت رسول الله ﷺ: يقول: اتقوا الملاعن الثلاث. قيل: ما الملاعن يا رسول الله؟ قال: أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nقال في فيض القدير: نقع ماء: أي ماء ناقع: أي مجتمع ومستنقع الماء (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3272>الدليل السادس:</span>\n(١٣٨٢ - ١٢٤) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن حبان بن بكر الباهلي البصري ببغداد، ثنا كامل بن طلحة الجحدري، ثنا محمد بن عمرو الأنصاري، عن محمد بن سيرين، قال:\nقال رجل لأبي هريرة: قد أفتيتنا في كل شيء، يوشك أن تفتينا في الخرء. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سل سخيمته على طريق عامرة من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (^٤).\n_________\n(^١) المسند (١/ ٢٩٩).\n(^٢) فيه راو مبهم، كما أن فيه ابن لهيعة، وإن كان الراوي عنه ابن المبارك، إلا أن الراجح فيه ضعفه مطلقًا، ورواية العبادلة عنه أعدل من غيرها، وهذا لا يعني التعديل، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن كثيرًا من أئمة الحديث يضعفونه مطلقًا قبل احتراق كتبه، وبعدها، من رواية العبادلة ومن رواية غيرهم في في المجلد العاشر (١/ ٣٥٢) فانظره إن شئت.\nقال مغلطاي: «هو مرسل؛ لأنه أبهم الراوي فيه عن ابن عباس، وابن لهيعة مختلف فيه، لكن ذلك لا يقدح في إيراده شاهدًا لما قبله؛ لأن الشواهد لا يعتبر لها شرط الصحيح من كل وجه». انتهى نقلًا من فيض القدير (١/ ١٣٧).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٤): «رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، ورجل لم يسم». اهـ\n(^٣) فيض القدير (١/ ١٣٧).\n(^٤) مجمع البحرين (٣٥٠).","vol":"7","page":196},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3273>الدليل السابع:</span>\n(١٣٨٣ - ١٢٥) ما رواه ابن ماجه من طريق عمرو بن خالد، حدثنا ابن لهيعة، عن قرة، عن ابن شهاب، عن سالم،\nعن أبيه، أن النبي ﷺ نهى أن يصلى على قارعة الطريق، أو يضرب الخلاء عليها، أو يبال فيها (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) في إسناده محمد بن عمرو الأنصاري، جاء في ترجمته:\nقال يحيى بن سعيد القطان: روى عن الحسن أوابد. الجرح والتعديل (٨/ ٣٢).\nوقال أحمد بن حنبل: كان يحيى بن سعيد يضعفه جدًا. المرجع السابق.\nوقال ابن نمير: أبو سهل محمد بن عمرو بصريّ ليس يسوى شيئًا. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين: ضعيف. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: عزيز الحديث، وأحاديثه إفرادات، ويكتب حديثه في جملة الضعفاء. الكامل (٦/ ٢٢٥).\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٥)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١١٠)، والحاكم (٦٦٥) والبيهقي (١/ ٩٨).\nقال العقيلي: لا يتابع عليه.\n(^٢) رواه ابن ماجه (٣٣٠).\n(^٣) في إسناده ابن لهيعة، وقد بينت في المجلد العاشر (ص: ٣٥٢) أنه ضعيف مطلقًا.\nوفيه أيضًا: قرة بن عبد الرحمن، جاء في ترجمته:\nقال أحمد: منكر الحديث جدًا. الجرح والتعديل (٧/ ١٣١).\nوقال يحيى بن معين: ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي.\nوقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. المرجع السابق.\nوقال في مصباح الزجاجة (١/ ٤٩): «هذا الحديث ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، وشيخه، ولكن للمتن شواهد صحيحة». اهـ ...\n[تخريج الحديث].\nوالحديث أخرجه ابن ماجه كما في حديث الباب من طريق الذهلي.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٨١) رقم ١٣٢٠ من طريق روح بن الفرج، كلاهما عن قرة ابن عبد الرحمن به.\nورواه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٥١) من طريق رشدين بن سعد، حدثني قرة وعقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.\nوانفرد رشدين بن سعد بذكر عقيل، ورشدين ضعيف، وقد قدم أحمد ابن لهيعة عليه، انظر الجرح والتعديل (٣/ ٥١٣).\nورواه الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٤٠٧) من طريق أيوب بن سويد الرملي، عن يونس، عن الزهري به. وأيوب بن سويد الرملي ضعيف.","vol":"7","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3274>الدليل الثامن:</span>\n(١٣٨٤ - ١٢٦) ما رواه الطبراني من طريق شعيب بن بيان، ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي الطفيل،\nعن حذيفة بن أسيد، أن النبي ﷺ قال: من آذى المسلمين في طرقهم، وجبت عليه لعنتهم (^١).\n[إسناده فيه لين] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الكبير (٣/ ١٧٩) رقم ٣٠٥٠.\n(^٢) شعيب بن بيان، قال العقيلي: بصرى يحدث عن الثقات بالمناكير وكاد أن يغلب على حديثه الوهم. ضعفاء العقيلي (٢/ ١٨٣).\nوقال الجوزجاني: له مناكير. المغني في الضعفاء (٢٧٧٣).\nوقال الذهبي: صدوق. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ.\nوأما عمران القطان، فذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٤٣).\nقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ٢٩٧).\nوقال ابن معين: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٤٧٨)، والكامل (٥/ ٨٨).\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٠٠). ...\nوذكره يحيى بن سعيد القطان، فأحسن الثناء عليه. المرجع السابق.\nوقال ابن شاهين: من أخص الناس بقتادة. تاريخ أسماء الثقات (١١١١).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٤): رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.\nوقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٨١): إسناده حسن. اهـ\nواختلف على أبي الطفيل، فرواه قتادة كما سبق.\nورواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢١٣) من طريق زكريا بن حكيم الحبطي، ثنا عطاء بن السائب، عن أبي الطفيل، عن أبي ذر مرفوعًا: من آذى المسلمين في طرقهم أصابته لعنتهم.\nوزكريا بن حكيم ضعيف جدًا، والله أعلم.","vol":"7","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3275>الدليل التاسع:</span>\n(١٣٨٥ - ١٢٧) ما رواه الطبراني من طريق فرات بن السائب، عن ميمون ابن مهران،\nعن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة، ونهى أن يتخلى على ضفة نهر جار (^١).\n[ضعيف جدًا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3276>الدليل العاشر:</span>\n(١٣٨٦ - ١٢٨) ما رواه الطبراني من طريق رباح بن زيد، عن معمر، عن سماك ابن الفضل، عن أبي رشدين،\nعن سراقة بن مالك بن جعشم، أنه كان إذا جاء من عند رسول الله ﷺ حدث قومه وعلمهم، فقال له رجل يومًا -وهو كأنه يلعب- ما بقي لسراقة إلا أن يعلمكم\n_________\n(^١) الأوسط (٣/ ٣٦) رقم ٢٣٩٢.\n(^٢) فيه فرات بن السائب، وهو متروك.\nومن طريق فرات بن السائب أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٣)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٥٨)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٤) «رواه الطبراني في الأوسط، وفي الكبير الشطر الأخير. وفيه فرات بن السائب، وهو متروك الحديث». اهـ","vol":"7","page":199},{"text":"كيف التغوط؟ فقال سراقة: إذا ذهبتم الى الغائط فاتقوا المجالس على الظل، والطريق، خذوا النبل واستنشبوا على سوقكم، واستجمروا وترًا (^١).\n[ضعيف موقوف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3277>الدليل الحادي عشر:</span>\n(١٣٨٧ - ١٢٩) ما رواه الخطيب في تاريخه، من طريق داود بن عبد الجبار، حدثنا سلمة بن المجنون، قال:\nسمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: من تغوط على ضفة نهر يتوضأ منه ويشرب، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (^٣).\n_________\n(^١) الأوسط (٥١٩٨).\n(^٢) في إسناده أبو رشدين الجندي، واسمه زياد، ذكره ابن أبي حاتم، والبخاري في التاريخ الكبير وسكتا عليه. الجرح والتعديل (٣/ ٥٥٠).\nوذكره ابن حبان في ثقاته، ولم يوثقه غيره.\nوقال البخاري: وروى معمر، عن سماك بن الفضل، عن أبي رشدين الجندي، قال سراقة في الغائط. قال أبو عبد الله: لم أجده في العتيق. التاريخ الكبير (٣/ ٣٥٣).\nواختلف على معمر:\nفرواه عنه رباح بن زيد القرشي، كما في حديث الباب موقوفًا على سراقة.\nوخالفه عبد الرزاق، فرواه عن معمر به، مرفوعًا. والمعروف وقفه.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٦): «سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن ثابت فرخويه، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن أبي رشدين الجندي، عن سراقة بن مالك، عن النبي ﷺ ... وذكر الحديث بطوله. قال أبي: إنما يروونه موقوفًا، وأسنده عبد الرزاق بآخرة». اهـ\nقلت: عبد الرزاق قد عمي في آخر عمره، فتغير.\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٨٩): «حكى ابن أبي حاتم عن أبيه أن الأصح وقفه، وكذا هو عند عبد الرزاق في مصنفه». اهـ\nفإذا كان موقوفًا في مصنف عبد الرزاق كان هذا دليلًا على أنه قد اختلف على عبد الرزاق في رفعه ووقفه، فيكون الوقف هو القديم. ولم أقف عليه في مصنف عبد الرزاق، والله أعلم.\n(^٣) تاريخ بغداد (٨/ ٣٥٦).","vol":"7","page":200},{"text":"[ضعيف جدًا] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3278>الدليل الثاني عشر:</span>\n(١٣٨٨ - ١٣٠) حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: اتقوا الملاعن.\n[رجح الدارقطني وقفه] (^٢).\nهذه الأدلة من السنة، وإن كان في بعضها ضعف، إلا أن أكثرها من الضعف المنجبر، وقد كان يكفي في الاستدلال حديث أبي هريرة في مسلم، إلا أن الكتاب كان من شرطه أن يأتي على أغلب الأحاديث الواردة في الباب، الصحيح منها والسقيم. والله أعلم.\n• تنبيهات على هذه المسألة:\nالتنبيه الأول:\nالطريق إذا لم تكن مطروقة فلا بأس بالتبول فيها، لقوله ﷺ: (في طريق الناس) أي الذي يحتاجون إليه بطرقه.\n_________\n(^١) في إسناده داود بن عبد الجبار المؤذن، وهو متروك، وقد كذبه ابن معين.\nوفيه سلمة بن المجنون: أبو شرعة، وهو مجهول.\n(^٢) ذكره الدارقطني في العلل (٤/ ٣٧٨، ٣٧٩) رقم ٦٤١، وفيه: سئل عن حديث قيس بن سعد، عن النبي ﷺ: اتقوا الملاعن.\nفقال: يرويه بيان بن بشر وإسماعيل بن أبي خالد، فرواه شعبة عن بيان، واختلف عنه، فرفعه ابن حميد الرازي، عن أبي داود، عن شعبة.\nورواه أبو عباد يحيى بن عباد، عن شعبة، عن بيان، فقال: أظنه رفعه.\nورواه غيرهما عن شعبة موقوفًا، وكذلك رواه أبو الأحوص وخالد الواسطي، عن بيان.\nوأما إسماعيل بن أبي خالد، فرواه عن قيس موقوفًا على سعد. والموقوف، هو المحفوظ.\nحدثنا ابن مخلد، ثنا محمد بن سعيد بن غالب، ثنا أبو عباد يحيى بن عباد، ثنا شعبة، عن بيان، عن قيس، عن سعد، أظنه رفعه: قال إياكم والملاعن: أن يلقي أحدكم أذاه في الطريق فلا يمر به أحد إلا قال: من فعل هذا لعنه الله». اهـ","vol":"7","page":201},{"text":"وفي حديث أبي هريرة: (من سل سخيمته في طريق عامرة من طرق المسلمين) وسبق تخريجه.\nوفي حديث حذيفة: (من آذى المسلمين في طرقهم).\nوالطريق المهجور لا يؤذي المسلمين، فالحكم يدور مع علته.\nالتنبيه الثاني:\nالظل الذي لا ينتفع به فلا بأس بالتبول فيه، فالمراد هنا بالظل: هو الظل الذي اتخذه الناس مقيلًا ومنزلًا ينزلونه، وليس كل ظل يحرم قضاء الحاجة تحته، ولأنه ثبت عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن جعفر: كان أحب ما استتر به النبي ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل.\nوقال ابن خزيمة في تفسير قوله: هدف أو حائش نخل، فقال: الهدف: هو الحائط. والحائش من النخل: هو النخلات المجتمعات، وإنما سمي البستان حائشًا لكثرة أشجاره، ولا يكاد الهدف يكون إلا وله ظل إلا وقت استواء الشمس، فأما الحائش من النخل فلا يكون وقت من الأوقات بالنهار إلا ولها ظل، والنبي ﷺ قد كان يستحب أن يستتر الإنسان في الغائط بالهدف والحائش، وإن كان لهما ظل انتهى (^١).\nولقوله في حديث أبي هريرة: (قيل: وما اللعنان يا رسول الله: قال الذي يتبول في طريق الناس أو في ظلهم).\nفحين أضاف الظل إليهم علم أنه الظل الذي يستظلون به، أما الظل الذي لا يستظلون به، فليس هو من ظلهم، والله أعلم.\nالتنبيه الثالث:\nذكر بعض الفقهاء من الحنفية والمالكية بأنه يلحق بالظل في الصيف محل الاجتماع في الشمس في الشتاء.\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة (١/ ٣٧).","vol":"7","page":202},{"text":"وهذا قياس جلي؛ لأن العلة ليست من أجل الظل أو من أجل الشمس، إنما العلة أذية المؤمنين في أماكن اجتماعهم، ويدخل فيه محل مدارسهم، وأماكن بيعهم، ونحوها (^١).\nقال ابن عابدين: ينبغي تقييده بما إذا لم يكن محلًّا للاجتماع على محرم، أو مكروه، وإلا فقد يقال بطلب ذلك لدفعهم عنه.\nقلت: قد يقول قائل: إن النهي مطلق، فيدخل حتى هذا في النهي عن البول، وقد يقال: بأن ذلك يغتفر؛ لأنه من باب إزالة المنكر، كما أن هجر المسلم محرم، ويغتفر إذا كان ذلك رادعًا له أو لغيره عن بدعة ونحوها، لكن ينبغي ألا يفعل ذلك حتى يغلب على ظنه أن الفعل يحقق المصلحة منه، ولا يحملهم على منكر أكبر، وأن النصيحة لا تجدي في تغيير المنكر، ولا يفعل ذلك إلا إذا كان ما يفعل في تلك الأماكن محرمًا، وليس مكروهًا، والله أعلم.\nالتنبيه الرابع:\nاشتملت الأحاديث على النهي عن الموارد. والمقصود بالموارد، قال الخطابي: هي طرق الماء، واحده: مورد (^٢).\nوفي فيض القدير: المراد بها: مناهل الماء، أو الأمكنة التي يأتي إليها الناس، ورجح الأول بموافقته لقوله في الحديث: (أو نقع ماء) والحديث يفسر بعضه بعضًا، وإرادة طرق الماء بعيدة هنا. والله أعلم (^٣).\nأو يكون مقصوده النهي عن البول في الماء الراكد، وقد ذكرنا أحاديث النهي عنه في مباحث المياه، وذكرنا حكم البول في الماء الراكد،\n_________\n(^١) انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٣) وحاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٤٥).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٩).\n(^٣) فيض القدير (١/ ١٣٦).","vol":"7","page":203},{"text":"فقيل: يحرم البول في الماء القليل مطلقًا؛ لأنه ينجسه ويتلفه على نفسه وعلى غيره. ولأن الأصل في النهي التحريم.\nوقد اختار هذا بعض الحنفية وبعض المالكية، والنووي من الشافعية.\nوقيل: يكره مطلقًا، كما هو مذهب الشافعية.\nوفرق الحنابلة بين البول والتغوط، فحرموا التغوط فيه، وكرهوا البول، والله أعلم (^١).\nالتنبيه الخامس:\nقوله: (اتقوا اللاعنين) وقوله: (اتقوا الملاعن) قال النووي في الأذكار: «ظاهر هذه الأحاديث تدل على جواز لعن العاصي مع التعيين، أي أنه لو لم يجز لعنه كانت اللعنة على لاعنه، والمشهور حرمة لعن المعين. وأجاب الزين العراقي: بأنه قد يقال: إن ذلك من خصائص المصطفى ﷺ لقوله: اللهم إني أتخذ عهدًا عندك أيما مسلم سببته أو لعنته. الحديث، والله أعلم» (^٢).\nالتنبيه السادس:\nقيد جمهور الفقهاء بأن تكون الشجرة لها ثمرة.\nقال النووي: وإنما لم يقولوا بتحريم ذلك؛ لأن تنجس الثمار به غير متيقن (^٣).\nوفي حاشية ابن عابدين: ذكر العلة، فقال: خوفًا من إتلاف الثمر، وتنجسه، والمتبادر أن المراد وقت الثمرة، ويلحق به ما قبله بحيث لا يأمن زوال النجاسة بمطر\n_________\n(^١) انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٢)، وحاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٤٤)، المجموع (٢/ ١٠٨، ١٠٩).\n(^٢) نقلًا من فيض القدير (١/ ١٣٧).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٠٣).","vol":"7","page":204},{"text":"أو نحوه كجفاف أرض من بول، ويدخل فيه الثمر المأكول وغيره، ولو مشمومًا لاحترام الكل، والانتفاع به (^١).\nقال النووي: وهذا الذي ذكره -يعني: من كراهية البول في مساقط الثمار- متفق عليه، ولا فرق بين الشجر المباح (غير المملوك) والذي يملكه، ولا بين وقت الثمر، وغير وقته؛ لأن الموضع يصير نجسًا، فمتى وقع الثمر تنجس، وسواء البول والغائط، وإنما ذكروا البول تنبيهًا للأعلى على الأدنى (^٢). اهـ\nقلت: قد يأتي إلى الشجرة صاحبها لسقي أو تقليم أو غيره، ولو لم يكن تحتها ثمرة، فيتأذى من النجاسة، ويدخل في عموم النهي عن أذية المؤمنين.\nوقيل: بتحريم ذلك، وهي رواية في مذهب أحمد بشرط أن يكون عليها ثمرة مقصودة، فإن لم يكن عليها ثمرة، ولم يكن لها ظل مقصود لم يحرم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٣).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٠٢).","vol":"7","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3279>المبحث الثامن التبول في المسجد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تنزه المساجد عن النجاسات وعن كل ما يستقدر من مخاط وبصاق وإن لم يكن نجسًا.\n• إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر.\n[م-٦١٦] يحرم البول في المسجد.\nوهل يحرم إذا بال في إناء في المسجد؟ فيه خلاف:\nفقيل: يحرم، وهو مذهب الحنفية (^١)، وظاهر مذهب المالكية (^٢)، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٣)، والمذهب عند الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٦)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٣٢٠).\n(^٢) قال في الشرح الكبير (٤/ ٧٠): «وجاز إعداد إناء لبول أو غائط إن خاف بالخروج سبعًا». اهـ فكونه قيد البول في الإناء بالخوف من السبع، ظاهره أنه يجوز للضرورة، ويحرم بدونها. وانظر مواهب الجليل (٦/ ١٣)، الخرشي (٧/ ٧١)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٣٦).\n(^٣) قال في المجموع (٢/ ٢٠٠): «وفي تحريم البول في إناء في المسجد وجهان: أصحهما يحرم». وفي الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٢١): «يحرم البول فيه، ولو في إناء».\nوانظر حلية العلماء (٣/ ١٨٩)، المنهج القويم (ص: ٧٧)، روضة الطالبين (١/ ٦٦)، نهاية المحتاج (١/ ١٣٩).\n(^٤) قال في كشاف القناع (١/ ١٠٧): «ويحرم فيه -أي في المسجد- الاستنجاء والريح والبول ولو بقارورة؛ لأن هواء المسجد كقراره». وانظر الفروع (٣/ ١٣٠).","vol":"7","page":206},{"text":"وقيل: يجوز، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3280> دليل من قال يحرم البول في المسجد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3281>الدليل الأول:</span>\n(١٣٨٩ - ١٣١) ما رواه البخاري من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود،\nأن أبا هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ: دعوه، وهريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن حجر: «وفي هذا الحديث من الفوائد: تعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار، وأن الاحتراز من النجاسة كان مقررًا في نفوس الصحابة، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته ﷺ قبل استئذانه، ولما تقرر عندهم أيضا من طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولم ينكر النبي ﷺ على الصحابة، ولم يقل لهم: لم نهيتم الأعرابي؟ بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما. وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع لأمرهم عند فراغه بصب الماء» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3282>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٩٠ - ١٣٢) ما رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا إسحق بن أبي طلحة،\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٠٠)، البيان للعمراني (٣/ ٥٩٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٢٠).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٣٢٥).","vol":"7","page":207},{"text":"حدثني أنس بن مالك -وهو عم إسحق- قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مه مه. قال: قال رسول الله ﷺ: لا تزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه. ورواه البخاري دون قوله: إن هذه المساجد ... إلخ (^١).\nفقوله: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر).\nنص على شيئين: النجاسات، وذلك مثل البول، فتنزه المساجد عن سائر النجاسات.\nوالقذر: أي ما يستقذر، وإن لم يكن نجسًا، كالمخاط والبصاق والرائحة الكريهة كالثوم والبصل، ونحوهما، فينزه المسجد عنها، وإن لم تكن من النجاسات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3283>الدليل الثالث:</span>\n(١٣٩١ - ١٣٣) ما رواه البخاري من طريق شعبة، قال: حدثنا قتادة، قال:\nسمعت أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها. ورواه مسلم (^٢).\nفإذا نزه المسجد من البصاق، وهو طاهر، فتنزيه المسجد من النجاسات أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3284>الدليل الرابع:</span>\n(١٣٩٢ - ١٣٤) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله قال: حدثني نافع،\nعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يقربن مسجدنا، ورواه مسلم (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٨٥)، صحيح البخاري (٢١٩، ٢٢٠، ٦٠٢٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٤١٥)، وصحيح مسلم (٥٥٢).\n(^٣) صحيح البخاري (٨٥٣)، مسلم (٥٦١).","vol":"7","page":208},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3285> دليل من قال: يجوز البول في إناء في المسجد:</span>\n(١٣٩٣ - ١٣٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ابن لهيعة، قال: كتب إلي موسى بن عقبة يخبرني عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد. قلت لابن لهيعة: في مسجد بيته؟ قال: لا، في مسجد الرسول ﷺ (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nإذا جازت الحجامة بالمسجد جاز البول قياسًا على الدم.\nويجاب:\nابن لهيعة ضعيف، وقد وهم فيه، ذكر ذلك مسلم في كتابه القيم التمييز، قال ﵀: «وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن والإسناد جميعًا، وابن لهيعة المصحِّف في متنه المغفل في إسناده، وإنما الحديث أن النبي ﷺ احتجر في المسجد بخوصة أو حصير يصلي فيها .... ثم ساق بإسناده إلى موسى بن عقبة، قال: سمعت أبا النضر يحدث، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، أن النبي ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله ﷺ فيها ليالي حتى اجتمع إليه أناس، ثم فقدوا صوته ليلة وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح بأن يخرج إليهم ....» (^٣).\nثالثًا: لو تنزلنا، وقلنا بصحة الحديث، فإنه لا يصح القياس، فالبول غير الدم، فإن قلنا بنجاسته، وهو قول ضعيف، فإن الدم يعفى عن يسيره، والبول لا يعفى عن يسيره، وإن قلنا بطهارة الدم، وهو الصحيح، فإنه لا مجال لقياس النجس على\n_________\n(^١) المسند (٥/ ١٨٥).\n(^٢) في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.\n(^٣) التمييز (ص: ١٨٧).","vol":"7","page":209},{"text":"الطاهر، وليس هذا موضع بحث طهارة الدم.\n(١٣٩٤ - ١٣٦) وقد روى البخاري من طريق هشام، عن أبيه،\nعن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم -وفي المسجد خيمة من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات فيها، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٦٣)، ومسلم (١٧٦٩).","vol":"7","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3286>المبحث التاسع في البول في الشق ونحوه</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• حكم مساكن الحشرات والهوام حكم الحشرات نفسها: فالحشرات والهوام أقسام:\nمنها ما أمرنا بقتله ابتداء، لكونه معتديًا بطبعه، كالحية والعقرب.\nومنها: ما نهينا عن قتله كالنملة والنحلة.\nومنها ما سكت عنه، فهذا النوع والذي قبله لا يعتدى عليه إلا إذا اعتدى أو آذى، وحكم مساكنها حكمها.\n• ما لم نؤمر بقتله لا نعتدي على مساكنه لاحترامه، وما أمرنا بقتله لا نعتدي على مساكنه بالبول خوفًا من خروجه فنتلوث بالنجاسة.\n[م-٦١٧] كره الفقهاء البول في الشق ونحوه كالجحر: وهو ما يحفره الهوام والسباع لأنفسها. وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: مراقي الفلاح (ص: ٢٣)،\nوفي مذهب المالكية: الخرشي (١/ ١٤٤)، الشرح الكبير (١/ ١٠٦)، مختصر خليل (ص: ١٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٦)، التاج والإكليل (١/ ٣٩٨، ٣٩٩).\nوفي مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١٠٠، ١٠١)، أسنى المطالب (١/ ١٤٨، ١٤٩)، المهذب (١/ ٢٦)، الإقناع للماوردي (١/ ٢٥)، روضة الطالبين (١/ ٦٥)، التنبيه (ص: ١٧).\nوفي مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٠٨)، الفروع (١/ ١١٦)، الإنصاف (١/ ٩٧)، المبدع (١/ ٨٣)، المحرر (١/ ٩)، الكافي (١/ ٥١)، كشاف القناع (١/ ٦٢).","vol":"7","page":211},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3287> دليل الكراهة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3288>الدليل الأول:</span>\nالإجماع. قال النووي: وهذا الذي قاله المصنف من الكراهة -يعني: من البول في الثقب ونحوه- متفق عليه، وهي كراهة تنزيه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3289>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٩٥ - ١٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة،\nعن عبد الله بن سرجس، أن النبي ﷺ قال: لا يبولن أحدكم في الجحر. الحديث وفيه: قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال يقال: إنها مساكن الجن (^٢).\n[تفرد به معاذ بن هشام عن أبيه، واختلف في سماع قتادة من عبد الله بن سرجس] (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٠١).\n(^٢) المسند (٥/ ٨٢).\n(^٣) الحديث تفرد به معاذ بن هشام، عن أبيه.\nوكان يحيى بن سعيد لا يرضى معاذ بن هشام، وقال يحيى بن معين: صدوق، وليس بحجة، وقال مرة: ليس بثقة. وفي رواية ابن محرز عنه، قال: فلم يكن بالثقة، وإنما رغب فيه أصحاب الحديث للإسناد.\nوقال ابن عدي: له عن غير أبيه أحاديث صالحة، وهو ربما يغلط في الشيء بعد الشيء، وأرجو أنه صدوق، فإذا كان يغلط بالشيء، وتفرد بحديث فالنفس من ذلك فيها شيء.\nوقد أشار ابن أبي حاتم إلى تفرد معاذ بن هشام، فقال في المراسيل (٦١٩): «حديث ابن سرجس ما يرويه غير معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس».\nكما أن العلماء قد اختلفوا في سماع قتادة من عبد الله بن سرجس:\nفأثبت سماعه منه علي بن المديني، كما في تلخيص الحبير (١/ ١٠٦).\nوأبو حاتم الرازي، كما في المراسيل لابنه (ص: ٧٥).\nوأحمد بن حنبل، في رواية ابنه عبد الله.\nوروى ابن أبي حاتم في المراسيل (ص: ١٦٨) عن حرب بن إسماعيل، عن أحمد: ما أعلم قتادة روى عن أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا عن أنس. قيل: فابن سرجس؟ فكأنه لم يره سماعًا. اهـ\nفصار للإمام أحمد قولان في سماع قتادة من عبد الله بن سرجس، وحديثنا هذا لم أجد طريقًا صرح به قتادة بالسماع من عبد الله بن سرجس، وقتادة مدلس، فمن يرد بمجرد العنعة، فهذه علة أخرى.\nواختلف قول الحاكم فيه، ففي المستدرك لم يستبعد سماعه منه، وفي التهذيب، ذكر الحاكم بأنه لم يسمع من صحابي غير أنس.\n[تخريج الحديث]:\nالحديث أخرجه أحمد كما في حديث الباب، وأبو داود (٢٩)، والنسائي في الكبرى (٣٠)، وفي المجتبى (٣٤)، وابن الجارود في المنتقى (٣٤)، والحاكم (١/ ١٨٦)، والروياني في مسنده (١٤٥١)، والبيهقي (١/ ٩)، والبغوي في شرح السنة (١٩٢)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (٩/ ٤٠٢) من طريق معاذ بن هشام به.\nوالحديث سكت عليه أبو داود والمنذري، وصححه ابن خزيمة، وقال الحاكم: هذا حديث على شرط الشيخين فقد احتجا بجيمع رواته، ولعل متوهمًا يتوهم أن قتادة لم يذكر سماعًا، وليس هذا بمستبعد، فقد سمع قتادة من جماعة من الصحابة لم يسمع منهم عاصم بن سليمان الأحول، وقد احتج مسلم بحديث عاصم، عن عبد الله بن سرجس، وهو من ساكني البصرة». اهـ\nقلت: لم يذكر لنا الحاكم جماعة الصحابة الذين روى عنهم قتادة، والمعلوم أنه لم يرو إلا عن أنس، واختلف في سماعه من عبد الله بن سرجس، فإذا كان عاصم بن سليمان الأحول قد شاركه في الرواية عن أنس وعن عبد الله بن سرجس، فكيف يكون روى عن جماعة من الصحابة لم يسمع منهم عاصم بن سليمان الأحول، إلا إن كان مقصود الحاكم بأنه يرسل عنهم، فإذا كان كذلك فأي فائدة تذكر في روايته عنهم، والله أعلم.","vol":"7","page":212},{"text":"وما يقال: إنها مساكن الجن، هذا قول قتادة، ليس قولًا مرفوعًا، وقد ساقه بصيغة: يقال إنها مساكن الجن. وهذا لا يقبل إلا بتوقيف.\n(١٣٩٦ - ١٣٨) وقد روى الطبراني، قال: حدثنا أبو مسلم الكشي، ثنا أبو عاصم، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: بينا سعد يبول قائمًا إذ اتكأ، فمات قتلته الجن فقالوا:\nنحن قتلنا سيد الخزر ج، سعد بن عبادة\nرميناه بسهمين فلم يخطئ فؤاده (^١).\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٦/رقم ٥٣٥٩).","vol":"7","page":213},{"text":"[ضعيف] (^١).\nوقال بعضهم: لعله أراد صغار الحيات، فإنها يقال لها جن، وجنان، وأحدها جانٌّ.\n_________\n(^١) ابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة، قاله الهيمثي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٦).\nوالحديث أخرجه الحارث بن أبي أسامة، كما في بغية الباحث (٦٣) قال: حدثنا أبو عاصم به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١٦) رقم ١٣٢٢ حدثنا أبو أسامة وابن إدريس، عن ابن عون، عن ابن سيرين أن سعد بن عبادة بال قائمًا. اهـ\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٥١٠٢) من طريق بكار بن محمد، ثنا ابن عون به، بلفظ: أن سعد ابن عبادة أتى سباطة قوم، فخر ميتًا، فقالت الجن: وذكر البيتين.\nورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ٦١٧) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن ابن سيرين به بنحوه.\nوقد تابع محمد بن سيرين كل من قتادة، وعبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة، وعطاء بن\nأبي رباح، وأبو رجاء العطاردي.\nأما متابعة قتادة، فأخرجها عبد الرزاق في مصنفه (٦٧٧٨) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في الكبير (٦/رقم ٥٣٦٠) والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٥٣) عن معمر، عن قتادة، قال: قام سعد بن عبادة يبول ... وذكر قول الجن.\nوهذا الإسناد فيه انقطاع أيضًا، فإن قتادة لم يدرك سعد بن عبادة. وقد قدمنا عن الأئمة أن قتادة لا يروي عن صحابي إلا عن أنس، واختلف في سماعه من عبد الله بن سرجس، وانظر جامع التحصيل (ص: ٢٥٤).\nكما أن رواية معمر عن قتادة فيها كلام.\nوأما متابعة عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة: فأخرجها ابن سعد في الطبقات (٣/ ٦١٧)، و(٧/ ٣٩٠) من طريق الواقدي، قال: أخبرنا يحيى بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، فذكر بمعناه، وسياقه أطول. والواقدي متروك، فلا يفرح بها، ويحيى قال فيه أبو حاتم: لا أعرفه. الجرح والتعديل (٩/ ١٧١).\nوأما متابعة عطاء بن أبي رباح: فقد ذكره ابن عبد البر معلقًا في الاستيعاب، المطبوع بهامش الإصابة (٢/ ٤٠) قال: روى ابن جريج، عن عطاء، فذكره ... وهذا ضعيف؛ لانقطاعه.\nوأما متابعة أبي رجاء العطاردي، فذكرها الذهبي في السير (١/ ٢٧٨) قال الأصمعي: حدثنا سلمة بن بلال، عن أبي رجاء، فذكره مختصرًا. ولم أقف على ترجمة سلمة بن بلال، والإسناد معلق، ولم يذكر الذهبي إسناده إلى الأصمعي لينظر فيه. هذا ما وقفت عليه في طرق الحديث، وكلها لا تخلو من ضعف، والله أعلم.","vol":"7","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3290>الدليل الثالث:</span>\nمن النظر، فإنه ينهى عن البول في الجحر؛ لأن في ذلك مفسدتين:\nالأولى: أن هذه الهوام قد تخرج من جحرها، فيفزع منها، فيتلوث بالنجاسة.\nالثانية: أن في ذلك اعتداء على هذه الهوام، وإفسادًا لمساكنها، دون أن تؤذيه، وقد علم أن الحشرات والهوام أقسام:\nمنها ما أمرنا بقتله ابتداء، لكونه معتديًا بطبعه، كالحية والعقرب.\nومنها: ما نهينا عن قتله كالنملة والنحلة.\nومنها ما سكت عنه، فهذا النوع لا يعتدى عليه إلا إذا اعتدى أو آذى، ولذا جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ... الحديث. مع أن غمسه قد يكون سببًا في هلاكه أحيانًا كما لو كان الشراب حارًا، أو دهنًا، أو نحوهما، ولكنه حين اعتدى وسقط في الإناء أمرنا بذلك، ولم يأت نص بقتله ابتداء.\n* * *","vol":"7","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3291>المبحث العاشر في البول على القبر</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• حرمة الميت كحرمة الحي.\n[م-٦١٨] اختلف العلماء في البول على القبر:\nفقيل: يكره البول على القبر، وهو مذهب الحنفية، ولعلها كراهة تحريم (^١)،\nوقول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يحرم البول على القبر، وهو مذهب الجمهور (^٣).\n_________\n(^١) قال ابن نجيم في البحر الرائق (٢/ ١٠٩): «وفي المجتبى: ويكره أن يطأ القبر أو يجلس أو ينام عليه أو يقضي عليه حاجة من بول أو غائط». اهـ\nوانظر الكتاب نفسه (١/ ٢٥٦)، وتحفة الفقهاء (١/ ٢٥٧)، وشرح معاني الآثار (١/ ٥١٦، ٥١٧).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٠٠) قال المرداوي: «لو قيل بالتحريم لكان أولى، وكأنه لا يعلم أن هناك قولًا بالتحريم، بل قال المؤلف نفسه في الكتاب نفسه (٢/ ٥٥٠): لا يجوز التخلي عليه، على الصحيح من المذهب، وقال في نهاية الأزجي: يكره التخلي. قال المرداوي: فلعله أراد بالكراهة التحريم، وإلا فبعيد جدًا، ويكره التخلي بينها، وكرهه الإمام أحمد، زاد حرب: كراهية شديدة، وقال في الفصول: حرمته ثابتة، ولهذا يمنع من جميع ما يؤذي الحي أن ينال به، كتقريب النجاسة منه». انتهى.\n(^٣) الأم (١/ ٢٧٧، ٢٧٨)، مواهب الجليل (٢/ ٢٥٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٢٨)، التاج والإكليل (١/ ٢٥٢)، المنتقى للباجي (٢/ ٢٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٤٦، ٤٠٠)، المجموع (٢/ ١٠٨)، روضة الطالبين (١/ ٦٦)، المغني (٢/ ١٩٢)، الفروع (٢/ ٢٣٦)، المحلى (٥/ ١٤١).","vol":"7","page":216},{"text":"وأما البول بقربه، فقيل: يكره البول بقربه (^١).\nوقيل: لا يكره، وهو رواية عن أحمد (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3292> دليل من قال: يحرم البول عليه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3293>الدليل الأول:</span>\n(١٣٩٧ - ١٣٩) ما رواه مسلم من طريق سهيل، عن أبيه،\nعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر (^٣).\nوجه الاستدلال:\nإذا كان الجلوس على القبر محرمًا، فالبول والتغوط عليه أشد حرمة، مع أن\nأبا حنيفة (^٤) ومالكًا (^٥) فسرا الجلوس على القبر كناية عن الجلوس عليه لقضاء الحاجة، فيكون الاستدلال إما بالقياس الجلي، وإما بالنص حسب تفسير المالكية، وإن كان تفسير المالكية فيه ضعف (^٦).\n_________\n(^١) انظر المراجع السابقة.\n(^٢) الإنصاف (١/ ٩٩).\n(^٣) مسلم (٩٧١).\n(^٤) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٥١٦).\n(^٥) المنتقى للباجي (٢/ ٢٤).\n(^٦) فقد رد ابن حزم على الحنفية والمالكية الذين حملوا النهي عن الجلوس على القبر، بأنه كناية عن الجلوس للغائط، فقال في المحلى (٥/ ١٣٦): وهذا باطل بحت لوجوه:\nأولها: أنه دعوى بلا برهان، وصرف لكلام رسول الله ﷺ عن وجهه، وهذا عظيم جدًا.\nوثانيها: أن لفظ الخبر مانع من ذلك قطعًا بقوله ﵇: (لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر)، وبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أن القعود للغائط لا يكون هكذا ألبتة، وما عهدنا قط أحدًا يقعد على ثيابه للغائط إلا من لا صحة لدماغه.\nوثالثها: أن الرواة لهذا الخبر لم يتعدوا به وجهه من الجلوس المعهود، وما علمنا قط في اللغة ...\nجلس فلان بمعنى تغوط، فظهر فساد هذا القول، ولله تعالى الحمد». اهـ\nوقال ابن قدامة في المغني (٢/ ١٩٢): «ذكر لأحمد أن مالكًا يتأول حديث النبي ﷺ أنه نهى أن يجلس على القبور: أي للخلاء، فقال: ليس هذا بشيء، ولم يعجبه رأي مالك». اهـ","vol":"7","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3294>الدليل الثاني:</span>\nما رواه أحمد من طريق شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن عمرة،\nسمعت عائشة تقول: كسر عظم الميت مثل كسر عظم الحي.\nوكان مولى من أهل المدينة يحدثه عن عائشة عن النبي ﷺ.\n[صحيح، وروي مرفوعًا، قال البخاري: وغير مرفوع أكثر] (^١).\nووقفه لا يؤثر على الاحتجاج به، لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، والمقصود ككسر الحي بالإثم، وليس مطلقًا، حيث لا قود في كسر عظم الميت.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3295> دليل من قال: يكره البول بقربه:</span>\nاستدل هذا القول بأدلة القائلين بالتحريم إلا أنهم حملوها على الكراهة، كما حملوا على النهي عن البول في طريق الناس وفي ظلهم على الكراهة، وقالوا: إن هذا قد يؤذي الأحياء ممن يأتي لزيارة القبور، ومثله البول بالقرب من القبر فإنه في معنى المنهي عنه، بجامع الأذية في الكل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3296> دليل من قال: لا يكره البول بقرب القبر:</span>\n(١٣٩٨ - ١٤٠) روى ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، ثنا\n_________\n(^١) المسند (٦/ ١٠٠). وقد أخرجه إسحاق بن رواهويه (١١٧١)، من طريق وهب بن جرير.\nوالبخاري في التأريخ الكبير (١/ ١٥٠) عن آدم.\nوابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٤٣، ١٤٤) من طريق يحيى بن سعيد القطان، ثلاثتهم عن شعبة به.\nوقد رواه سعد بن سعيد، ومحمد بن عمارة، وحارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا. وقد رجح البخاري رواية الوقف، وحين كان القدر الموقوف صالحًا للاحتجاج اكتفيت بتخريجه موقوفًا.","vol":"7","page":218},{"text":"المحاربي، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني،\nعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق (^١).\n[المحفوظ فيه وقفه على عقبة] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (١٥٦٧).\n(^٢) فقد رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٦) حدثنا شبابة، عن ليث بن سعد به، موقوفًا على عقبة، والمحاربي مدلس، ولعل ذكره قضاء الحاجة في السوق، وفي مسند ابن أبي شيبة: والناس ينظرون أن يبين أن الوطء على القبر أشد حرمة، والله أعلم.","vol":"7","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3297>المبحث الحادي عشر التبول في الإناء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في العادات الحل.\n• الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.\n• الاحتياط في التوقي من أسباب التلوث بالنجاسة مطلوب، ما لم يبلغ حد الوسوسة.\n[م-٦١٩] يجوز البول في إناء، وهو مذهب الشافعية (^١)،\nواختاره ابن قدامة في المغني (^٢).\nوقيل: يكره إن كان بلا حاجة، وهو مذهب الحنابلة (^٣).\nوخص المالكية الكراهة بالآنية النفيسة كالذهب والفضة (^٤).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ١٠٨): قال أصحابنا لا بأس بالبول في إناء. اهـ\nوانظر حلية العلماء (٣/ ١٨٩)، روضة الطالبين (١/ ٦٦)، بل قال في شرح البجيرمي على الخطيب (١/ ١٩١): ويندب اتخاذ إناء للبول فيه ليلًا للاتباع؛ ولأن دخول الحش يخشى منه ليلًا. اهـ\n(^٢) قال ابن قدامة في المغني (١/ ١١٠) ولا بأس أن يبول في الإناء.\n(^٣) الإنصاف (١/ ٩٩)، الفروع (١/ ٨٥)، منار السبيل (١/ ٢٦)، كشاف القناع (١/ ٦٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٨).\n(^٤) قال في مواهب الجليل (١/ ٢٧٧): قال في المدخل: يكره البول في أواني النفيسة؛ للسرف، وكذلك يحرم في أواني الذهب والفضة؛ لحرمة اتخاذها واستعمالها. اهـ","vol":"7","page":220},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3298> دليل من جوز البول في إناء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3299>الدليل الأول:</span>\nالأصل الجواز، وقد حكى الشوكاني في جوازه الإجماع.\nقال الشوكاني: جواز إعداد الآنية للبول فيها بالليل، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3300>الدليل الثاني:</span>\n(١٣٩٩ - ١٤١) ما رواه النسائي، قال: خبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أزهر، أنبأنا ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود،\nعن عائشة قالت: يقولون: إن النبي ﷺ أوصى إلى علي، لقد دعا بالطست؛ ليبول فيها، فانخنثت نفسه وما أشعر، فإلى من أوصى؟ (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n_________\n(^١) نيل الآوطار (١/ ١١٥).\n(^٢) سنن النسائي (٣٣).\n(^٣) الحديث اختلف فيه على أزهر:\nفرواه النسائي (٣٣) عن عمرو بن علي.\nوابن حبان (٦٦٠٣) أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا نصر بن علي الجهضمي.\nوالبيهقي (١/ ٩٩) من طريق العباس بن محمد الدوري، ثلاثتهم عن أزهر به. بذكر البول.\nوأخرجه البخاي (٤٤٥٩) حدثنا عبد الله بن محمد، أخبرنا أزهر به. وفيه: فدعا بالطست، فانخنث، فمات. فلم تذكر البول.\nوأخرجه البخاري (٢٧٤١) ومسلم (١٦٣٦) من طريق إسماعيل بن علية، عن ابن عون به، بلفظ: فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري. الحديث. ولم تذكر البول.\nورواه الترمذي في الشمائل (٣٦٨) من طريق حميدة بن مسعدة البصري،\nوابن خزيمة (٦٥) حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، كلاهما عن سليم بن أخضر، عن ابن عون به، بذكر البول.\nوهذه الرواية توافق رواية أزهر من رواية عمرو بن علي، ونصر الجهضمي، وعباس الدوري عنه.\nفهل يحمل المجمل في هذه الرواية على الصريح في رواية النسائي، وأن الطست إنما دعا به للبول فيه، فيه احتمال. قال النووي في المجموع (٢/ ١٠٨): «وهو محمول على الرواية الصحيحة الصريحة في البول». اهـ","vol":"7","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3301>الدليل الثالث:</span>\n(١٤٠٠ - ١٤٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عيسى، ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة،\nعن أمها أنها قالت: كان للنبي ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل (^١).\n[فيه لين] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3302> دليل من قيده بالحاجة:</span>\nلعلهم رأوا أن ذلك كان في وقت قبل أن تنتشر الحشوش في البيوت في المدينة، وكان الخروج لقضاء الحاجة ليلًا فيه مشقة، أو رأوا أن في ذلك نجاسة للآنية، فيقيد بالحاجة، أو رأوا أن الأدلة الدالة على الجواز تشعر بقيد الحاجة؛ لأنها إما بوقت مرض النبي ﷺ أو في وقت الليل، وكلها تدل على وجود الحاجة إلى هذا الفعل، فقيدوه بالحاجة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3303> دليل من خص الكراهة بالآنية النفيسة:</span>\nدليله أن البول في الآنية الثمينة يدل على السرف والخيلاء، وهذا منهي عنه\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٤).\n(^٢) في إسناده حكيمة بنت أميمة، لم يرو عنها إلا ابن جريج، ولم يوثقها إلا ابن حبان. الثقات (٤/ ١٩٥)، وقال الذهبي في الميزان: غير معروفة. وفي التقريب: لا تعرف.\n[تخريج الحديث]:\nالحديث أخرجه النسائي في الكبرى (٣٤)، وفي الصغرى (٣٢)، وأبو بكر الشيباني في الآحاد والمثاني (٣٣٤٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٠٥)، وابن حبان في صحيحه (١٤٢٦)، والحاكم في المستدرك (٥٩٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٩٩) من طريق حجاج بن محمد به.","vol":"7","page":222},{"text":"في آيات وأحاديث كثيرة، وليس النهي عائدًا إلى ذات البول، وإنما ما يكون فيه من إسراف وخيلاء، ولا شك أن من يبول في آنية الذهب والفضة أنه مسرف، مع ما قد يقال: إن البول في آنية الذهب والفضة يدخل في الاستعمال، وقد حررت الخلاف في حكم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب في مسألة مستقلة من هذا الكتاب.\nوالقول الأول أقوى، وهو الراجح أن البول في الإناء جائز، والأصل الحل، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3304>المبحث الثاني عشر في التحول عن موضع قضاء الحاجة عند الاستنجاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الاحتياط في التوقي من أسباب التلوث بالنجاسة مطلوب، ما لم يبلغ حد الوسوسة.\n• الأصل في النهي التحريم، إلا أن تدل قرينة على أن المراد به الكراهة.\n• قطع كل ما يؤدي إلى الوسوسة مشروع.\n[م-٦٢٠] استحب الجمهور أن يتحول عن موضع قضاء الحاجة عند الاستنجاء (^١)، بشرطين:\nالأول: أن يكون الاستنجاء بالماء، فإن كان الاستنجاء بالحجارة، فلا يشرع له التحول؛ لأن التحول قد يزيده تلوثًا.\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (٣٥)، ومواهب الجليل (١/ ٢٧٦)، وقال النووي في المجموع (٢/ ١٠٧): واتفق أصحابنا على أن المستحب أن لا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة، لئلا يترشش عليه، وهذا في غير الأخلية المتخذة لذلك. أما المتخذ لذلك كالمرحاض فلا بأس فيه؛ لأنه لا يترشش عليه؛ ولأن في الخروج منه إلى غيره مشقة، وقول المصنف والأصحاب: لا يستنجي بالماء في موضعه، احتراز من الاستنجاء بالأحجار، فإن شرطه أن لا ينتقل عن موضعه كما سنوضحه إن شاء الله تعالى. وانظر تحفة المحتاج (١/ ١٧٠، ١٧١)، روضة الطالبين (١/ ٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ١٤١)، وانظر المغني (١/ ١٠٩)، كشاف القناع (١/ ٦٣)، الروض المربع (١/ ٣٦)، زاد المستقنع (ص: ٢٣).","vol":"7","page":224},{"text":"الثاني: عند خوف التلوث، فإن أمن التلوث لم يشرع له الانتقال، كما في المرحاض؛ لأن التلوث فيه مأمون.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3305> دليل الاستحباب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3306>الدليل الأول:</span>\n(١٤٠١ - ١٤٣) روى الإمام أحمد في مسنده من طريق أبي عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي،\nعن حميد الحميري، قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبوهريرة أربع سنين قال: نهانا رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في مغتسله. الحديث (^١).\n[رجاله ثقات] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3307>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٠٢ - ١٤٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، أخبرني أشعث، عن الحسن،\nعن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يتوضأ فيه؛ فإن عامة الوسواس منه (^٣).\n[اختلف في وقفه ورفعه، والحسن قد سمع من عبد الله بن مغفل] (^٤).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٤/ ١١١).\n(^٢) وسبق الكلام عليه في باب المياه، انظر رقم (٦٥).\n(^٣) المسند (٥/ ٥٦).\n(^٤) أشعث ورد في أكثر الرواة غير منسوب.\nوروى النسائي النسائي (٣٦) من طريق ابن المبارك، عن معمر، عن الأشعث بن عبد الملك، فنسبه ابن المبارك وابن عبد الملك ثقة.\nورواه أحمد (٥/ ٥٦)، وابن ماجه (٣٠٤) وعبد بن حميد (٥٠٥) والروياني في مسنده (٩٠٧) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، وهذا صدوق.\nوقال الترمذي (٢١): «هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أشعث بن عبد الله».\nوالأكثر على ذكر أشعث غير منسوب، ومعمر يروي عن الاثنين، وما دام أن الأمر يدور على ثقة أو صدوق، فكلاهما صالح للاحتجاج.\nوالحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٧٨)، ومن طريقه أخرجه أحمد كما في حديث الباب، وعبد بن حميد (٥٠٥)، وأبو داود (٢٧)، وابن ماجه (٣٠٤)، وابن الجارود (٣٥)، والبيهقي (١/ ٩٨).\nوأخرجه أحمد (٥/ ٥٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٢٩)، والترمذي (٢١)، والنسائي (٣٦) وابن حبان (١٢٥٥)، والحاكم (٥٩٥) من طريق ابن المبارك، أخبرنا معمر، حدثني أشعث به، بلفظ: نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل في مستحمه، فإن عامة الوسواس منه.\nورواه قتادة، واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٦) رقم ١٢٠١، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٤٣١)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٩)، والبيهقي (١/ ٩٨) من طريق شعبة، عن قتادة، عن عقبة بن صهبان، عن ابن مغفل، أنه سئل عن الرجل يبول في مغتسله. قال: يخاف منه الوسواس. وهذا موقوف، ورجاله ثقات.\nورواه الحاكم (٦٦٣)، وعنه البيهقي (١/ ٩٨) من طريق يزيد بن زريع، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عقبة بن صهبان، عن عبد الله بن مغفل، قال: نهي أو زجر أن يبال في المغتسل.\nويزيد بن زريع سمع من سعيد قبل اختلاطه، فهنا اختلف شعبة وسعيد بن أبي عروبة في لفظه، ولفظ سعيد بن أبي عروبة له حكم الرفع، ولفظ شعبة صريح بالوقف، وشعبة إمام.\nورواه البيهقي (١/ ٩٨) من طريق يزيد بن إبراهيم التستري، حدثنا قتادة، عن سعيد، عن الحسن بن أبي الحسن، عن عبد الله بن مغفل، أنه كان يكره البول في المغتسل، وقال: إن منه الوسواس.\nوهذا موقوف أيضًا، إلا أن إسناده ضعيف، فيه يزيد بن إبراهيم التستري، وإن كان ثقة ثبتًا إلا أن روايته عن قتادة فيها لين، وسعيد لم ينسب، فلم يتبين لي من هو؟","vol":"7","page":225},{"text":"قال الخطابي: «المستحم: المغتسل، ويسمى مستحمًا باسم الحميم، وهو الماء الحار الذي يغتسل به، وإنما نهي عن ذلك إذا لم يكن المكان جددًا صلبًا، أو لم يكن مسلك ينفذ فيه البول، ويسيل فيه الماء، فيوهم المغتسل أنه أصابه من قطره ورشاشه، فيورثه الوسواس» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٣١).","vol":"7","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3308>الباب الثالث في صفة الاستنجاء والاستجمار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3309>الفصل الأول في التسمية عند الاستنجاء والاستجمار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في العبادات الحضر.\n[م-٦٢١] لم أقف على كلام لأحد من أهل العلم أنه استحب للإنسان أن يسمي إذا أراد الشروع في الاستنجاء أو الاستجمار.\nوقد ذكرنا الخلاف في مشروعية التسمية عند إرادة الدخول لمكان الخلاء في فصل مستقل، فلعلهم رأوا أن التسمية السابقة لدخول الخلاء إنما هي للبول والغائط والاستنجاء منهما، خاصة إذا علمنا أن الجمهور يكرهون ذكر الله في الخلاء، كما أني لا أعلم دليلًا من السنة أن الرسول ﷺ كان يسمي عند مباشرته للاستنجاء، فنستطيع أن نقول: بأن التسمية عند البدء بالاستنجاء أو الاستجمار غير مشروعة، فلا قائل بها فقهًا، ولم يرد فيها أثر منقول فيما أعلم، والله أعلم.\n(١٤٠٣ - ١٤٥) ولا يستدل للتسمية للاستنجاء بما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى ابن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن","vol":"7","page":227},{"text":"أبي سلمة،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله، فهو أبتر أو قال: أقطع (^١).\n[فإن إسناده ضعيف ومتنه مضطرب] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣٥٩).\n(^٢) أما ضعف إسناده ففيه قرة بن عبد الرحمن، وفي التقريب يقال: اسمه يحيى.\nقال أحمد: منكر الحديث جدًا. الكامل (٦/ ٥٣)، لسان الميزان (٧/ ٤٩٢).\nوقال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، كما في رواية ابن أبي خيثمة. الجرح والتعديل (٧/ ١٣١)، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٣٣).\nوقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. الجرح والتعديل (٧/ ١٣١).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (٨/ ٣٣٣).\nوذكره ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار (٥٢٦).\nوذكره في الثقات. ثقات ابن حبان (٧/ ٣٨٢) ورد قول ابن السمط أن قرة بن عبد الرحمن أعلم الناس بالزهري، وقال: كيف يكون أعلم الناس بالزهري، وكل شيء روى عنه لا يكون ستين حديثًا.\nقلت ما نسبه ابن حبان من قول ابن السمط إنما هو من قول الأوزاعي. انظر الجرح والتعديل (٧/ ١٣١)، وتهذيب التهذيب (٨/ ٣٣٣).\nوقال الآجري عن أبي داود: في حديثه نكارة. تهذيب التهذيب (٨/ ٣٣٣).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٣/ ٤٨٥)\nوفي التقريب: صدوق له مناكير.\nوقد اضطرب إسناده ومتنه.\nأما اضطراب الإسناد فقيل فيه كما في إسناد الباب:\nالأوزاعي عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nوقيل: الأوزاعي، عن الزهري به، سقط منه قرة.\nوقيل: الأوزاعي، عن يحيى (قرة بن عبد الرحمن) عن أبي سلمة به، سقط منه الزهري.\nوقيل: عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوأما اضطراب المتن، فقيل: =","vol":"7","page":228},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (كل أمر لا يفتح بذكر الله ..).\nوقيل: (لا يبدأ فيه بحمد الله ....).\nوقيل: (لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم ...).\nوقيل: (لا يبدأ بحمد الله والصلاة عليَّ - أي على النبي ﷺ) فزاد الصلاة على النبي ﷺ. وإليك تفصيل ما أجمل من الإسناد والمتن:\nأما رواية: [لا يبدأ فيه بذكر الله]:\nفرواها ابن المبارك كما عند أحمد (٢/ ٣٥٩)، وموسى بن أعين كما في سنن الدارقطني (١/ ١٢٩) كلاهما عن الأوزاعي، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nوأما رواية: [لا يبدأ فيه بحمد الله]:\nفرواها جماعة:\nالأول: الوليد بن مسلم، كما في سنن أبي داود (٤٨٤٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤٩٤)، والدارقطني (١/ ٢٢٩).\nالثاني: عبيد الله بن موسى، كما في سنن ابن ماجه (١٨٤٩).\nالثالث: عبد الحميد بن أبي العشرين، كما في صحيح أبن حبان رقم (١).\nالرابع: شعيب بن إسحاق، كما في صحيح ابن حبان رقم (٢).\nالخامس: أبو المغيرة: عبد القدوس بن الحجاج الخولاني كما في سنن البيهقي (٣/ ٢٠٨، ٢٠٩) خمستهم رووه عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة به، فتبين أن أكثر الرواة يروونه بلفظ (الحمد) وليس فيها شاهد على مسألتنا، ولذا قال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٢٠) «في تفسير قوله تعالى: (قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) في الكلام على حديث هرقل، قال: وصححه ابن حبان وفي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته، فالمشهور فيه بلفظ: حمد الله». اهـ\nوأما الرواية بلفظ: [لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم]:\nفقد رواه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من طريق مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن الزهري به.\nوهذا الطريق كما أن فيه مخالفة في المتن، فيه مخالفة في الإسناد، حيث أسقط من سنده قرة بن عبد الرحمن.\nوأما رواية: [لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة عليَّ]:\nفقد أخرجها الخليلي في الإرشاد (١/ ٤٤٩) من طريق إسماعيل بن أبي زياد الشامي، عن يونس ابن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة به. =","vol":"7","page":229},{"text":"ومع ضعف الحديث فإن هناك عبادات لا تشرع فيها التسمية، منها الأذان، والدخول في الصلاة، فلا يقال: إن التسمية مشروعة في كل شيء، والاستنجاء شيء، لأننا نقول: إن الاستنجاء يتكرر من النبي ﷺ كثيرًا، فهل نقل من فعله أنه كان يسمي، أو نقل من قوله: أن الإنسان يسمي إذا شرع في الاستنجاء؟ وإذ لم يوجد تكون التسمية في الاستنجاء بدعة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n= قال المناوي في فيض القدير (٥/ ١٤): «وقال الرهاوي غريب تفرد بذكر الصلاة. فيه إسماعيل ابن أبي زياد، وهو ضعيف جدًا، لا يعتبر بروايته ولا بزيادته».\nقال الدارقطني: يضع الحديث، كذاب متروك. الضعفاء والمتروكين له (٨٥). الكشف الحثيث (١٤٢)، اللسان (١/ ١/٤٠٦).\nوقال الخليلي: «ليس بالمشهور، كان يكون في دار المهدي. يقال: إنه كان يعلم ولد المهدي، وهو من جملة الحواشي، ويشحن هذا التفسير بأحاديث مسندة يرويها عن شيوخه عن ثور بن يزيد، وعن يونس الأيلي أحاديث لا يتابع عليها». الإرشاد (١/ ٣٩١).\n[وأما رواية الزهري عن النبي ﷺ مرسلًا].\nفأخرجها النسائي (٤٩٦) في عمل اليوم والليلة عن قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري مرسلًا، وأخرجه (٤٩٥) عن محمود بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري به.","vol":"7","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3310>الفصل الثاني\nحكم النية للاستنجاء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما كانت صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته فإنه لا يفتقر إلى نية كإزالة النجاسة.\n• كل ما تمحض للتعبد أو غلبت عليه شائبته فإنه يفتقر إلى نية كالصلاة والتيمم.\nوكل ما كان معقول المعنى أو غلبت عليه شائبته فإنه لا يفتقر إلى نية كإزالة النجاسة.\n• الطهارة من الخبث من باب التروك لا يفتقر إلى نية.\n[م-٦٢٢] اتفق الجمهور على أن الطهارة من الخبث لا تشترط له نية، ومنه الاستنجاء (^١)، وخالف أكثر المالكية فاشترطوا النية في الاستنجاء من المذي خاصة، وهو المعتمد في المذهب (^٢).\n_________\n(^١) أما الحنفية فإنهم لا يشترطون النية لا في طهارة الحدث، ولا في طهارة الخبث، انظر في كتب الحنفية شرح فتح القدير (١/ ٣٢)، البناية في شرح الهداية (١/ ١٧٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ٢٤)، بدائع الصنائع (١/ ١٩)، مراقي الفلاح (ص: ٢٩)، أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣٣٧).\nوفي مذهب الشافعي انظر المهذب (١/ ١٤)، والمجموع (١/ ٣٥٤).\nوفي مذهب الحنابلة مطالب أولي النهي (١/ ١٠٥)، انظر المبدع (١/ ١١٧).\n(^٢) قال في حاشية الدسوقي (١/ ١١٢): «واعلم أن غسل الذكر من المذي وقع فيه خلاف، قيل: إنه معلل بقطع المادة، وإزالة النجاسة. ...\nوقيل: إنه تعبد، والمعتمد الثاني. (أي كونه تعبدًا) ثم قال: ويتفرع أيضًا، هل تجب النية في غسله أو لا تجب، فعلى القول بالتعبد تجب، وعلى القول بأنه معلل لا تجب، والمعتمد وجوبها». اهـ\nوأما في غير المذي فقد صرحوا بأن الاستنجاء يجزئ بلا نية، جاء في التاج والإكليل (١/ ٢٢٩): «قال ابن أبي زيد في الاستنجاء: ويجزئ فعله بغير نية، وكذلك غسل الثوب النجس». اهـ وانظر مواهب الجليل (١/ ١٦٠).","vol":"7","page":231},{"text":"وقال القرافي: تشترط النية في إزالة كل النجاسات، وهو خلاف شاذ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3311>دليل الجمهور على عدم اشتراط النية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3312>الدليل الأول: الإجماع</span>.\nحكى جماعة من أهل العلم الإجماع على أن طهارة الخبث لا تحتاج إلى نية، منهم القرطبي في تفسيره (^٢)، وابن بشير وابن عبد السلام من المالكية (^٣)، والبغوي، وصاحب الحاوي من الشافعية (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3313>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن الطهارة من الخبث من باب التروك، وهو لا يحتاج إلى نية كترك الزنا والخمر، فلو أن المطر نزل على ثوب نجس، فزالت النجاسة طهر الثوب ولو لم ينو؛ لأن النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3314> دليل المالكية على اشتراط النية:</span>\n(١٤٠٤ - ١٤٦) ما رواه البخاري من طريق زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن،\nعن علي قال: كنت رجلًا مذاء، فأمرت رجلًا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته،\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ١٦٠).\n(^٢) تفسير القرطبي (٥/ ٢١٣).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ١٦٠).\n(^٤) المجموع (١/ ٣٥٤).","vol":"7","page":232},{"text":"فسأل فقال: توضأ واغسل ذكرك (^١).\nفقوله ﷺ: (اغسل ذكرك)، حقيقة في جميع الذكر، فهو مفرد مضاف، فيعم جميع الذكر، فيغسل مخرج الذكر من أجل النجاسة، أما بقية الذكر فالراجح عندهم أن غسله تعبدي غير معقول المعنى، وهذا سبب اشتراط النية.\nوقال بعضهم: إن غَسْل الذكر إنما هو من أجل قطع مادة المذي، فهو كغسل النجاسات، لا يفتقر إلى نية، والمعتمد القول الأول (^٢).\nوالراجح قول الجمهور، وأن طهارة الخبث لا تفتقر إلى نية، وسوف يأتي بحث مستقل هل يغسل الذكر كله، أو يغسل رأس الحشفة منه، أو يغسل الذكر كله مع الأنثيين في الاستنجاء من المذي، وكلها أقوال فقهية للأئمة، رجحت منها أن غسل الذكر كله لا يجب، وإنما الواجب غسل رأس الحشفة، وبالتالي يكون قول المالكية قولًا مرجوحًا، لأنه بني على قول مرجوح، وهو وجوب غسل جميع الذكر، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣).\n(^٢) قال القاضي أبو الوليد كما في المنتقى للباجي (١/ ٥٠): الصحيح عندي أنه يفتقر إلى النية؛ لأنها طهارة تتعدى محل وجوبها. وانظر في مذهب المالكية مواهب الجليل (١/ ٢٨٥)، الخرشي (١/ ١٤٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٣٢٣).","vol":"7","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3315>الفصل الثالث\nيبدأ الرجل بالقبل قبل الدبر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل مسألة لا نص فيها من أمور العادات فالأمر فيها على التوسعة.\n• الاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.\n[م-٦٢٣] اختلف الفقهاء أيهما أفضل يبدأ في الاستنجاء بالقبل أم بالدبر:\nفقيل: يبدأ بالدبر قبل القبل، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (^١).\nوقيل: يبدأ بالقبل قبل الدبر، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد من الحنفية (^٢)\nوقيل: يبدأ بالقبل قبل الدبر إلا إن كان القبل يقطر عند ملاقاة الماء لدبره، اختاره بعض المالكية (^٣).\nوقيل: يستحب إن كان يستنجي بالماء تقديم القبل على الدبر، وإن كان بالحجر قدم الدبر على القبل، اختاره بعض الشافعية (^٤).\n_________\n(^١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣١).\n(^٢) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣١)، ولم يذكر غيره ابن عابدين في حاشيته (١/ ٣٤٥).\n(^٣) الشرح الكبير (١/ ١٠٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٢)، الخرشي (١/ ١٤٢)، حاشية العدوي (١/ ١٧٣، ١٧٤)، حاشية الصاوي (١/ ٩٧).\n(^٤) المنهج القويم (ص: ٨٣)، إعانة الطالبين (١/ ١٠٨)، حاشية البجيرمي (١/ ٦٣)، حاشيتا قليبوبي وعميرة (١/ ٤٨)، مغني المحتاج (١/ ٤٦)، وأطلق النووي في كتابيه المجموع (١/ ١٢٧)، وروضة الطالبين (١/ ٧١) تقديم القبل على الدبر مطلقًا، ولم يفصل إن كان المستنجى به ماءً أو حجرًا.","vol":"7","page":234},{"text":"وقيل: يبدأ ذكر وبكر بقبل، والثيب تخير بأيهما تبدأ، وهو مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: إن المرأة تتخير مطلقًا بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو وجه في مذهب الحنابلة (^٢).\nهذه هي الأقوال في المسألة، ولا أعلم أن هناك نصًا في استحباب تقديم القبل أو العكس، وإنما المسألة مبنية على تعاليل استنبطها بعض القوم، ورأى أنها كافية في الاستحباب، فمن استحب تقديم القبل على الدبر، قال: من أجل أن يأمن التلوث عند الاستنجاء بالدبر؛ لأن يده قد تمس ذكره، فتتنجس يده.\nومن استحب تقديم الدبر على القبل، قال: لأنه إذا قام بدلك دبره وما حوله قطر البول كما هو مشاهد، فلا تكون هناك فائدة في تقديم القبل، وهذا اختيار\nأبي حنيفة، وهو الذي جعل المالكية يستحبون تقديم القبل على الدبر إلا في رجل يعرف من نفسه أنه إذا مس الماء الدبر قطر بوله.\nوأما من فرق بين البكر والثيب، رأى أن البكر يخرج بولها فوق الفرج، والعذرة تمنع نزول البول فيه، فأشبهت الرجل من هذا الوجه بخلاف الثيب، والصحيح أن المرأة ليست كالرجل، فإن ذكر الرجل يتدلى وقد يلوث اليد إذا لم يبدأ بالقبل قبل الدبر بخلاف المرأة.\nوبهذه التعليلات نعرف أنها كلها مبنية على استحسان ليس أكثر، وليس في المسألة نص، والأمر واسع، ولو كان هناك صفة مشروعة لجاء الشرع بها (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤] والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٦٥)، الفروع (١/ ٨٩)، وقال في الإنصاف (١/ ١٠٧): يبدأ الرجل والبكر بالقبل على الصحيح من المذهب. اهـ\n(^٢) شرح العمدة (١/ ١٥٦)، الإنصاف (١/ ١٠٧).","vol":"7","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3316>الفصل الرابع\nهل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الظن معمول به إلا ما قام الدليل على إهماله.\nويتفرع عليه: أن الواجب ظن الإنقاء في الاستنجاء.\nوقيل:\n• لا يلتفت إلى غلبة الظن إذا أمكن اليقين بلا مشقة، كالمكي الذي يقدر على استقبال عين الكعبة، فلا يصح منه الاجتهاد بغلبة الظن.\nقلت: اليقين ممكن في الماء مع المشقة، أما في الاستجمار ففيه حرج لبقاء أثر لا يزيله إلا الماء.\n[م-٦٢٤] إذا علم هذا فقد اختلف الفقهاء في الاستنجاء هل يكفي فيه غلبة الظن، أو يكفي فيه ظن الإنقاء؟\nفقيل: يكفي فيه غلبة الظن، وهو مذهب الجمهور (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: الهداية شرح البداية (١/ ١٣٧)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٥).\nوفي مذهب المالكية: الفواكه الدواني (١/ ١٣٢)، الثمر الداني شرح رسالة القيرواني (١/ ٤٣).\nوفي مذهب الشافعية: الإقناع للشربيني (١/ ١٥٥)، روضة الطالبين (١/ ٧٢)، إعانة الطالبين (١/ ١٠٧)، مغني المحتاج (١/ ٤٦).\nوفي مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٧٠)، الإنصاف (١/ ١١٠)، المبدع (١/ ٩٥)، الفروع (١/ ١٢٠).","vol":"7","page":236},{"text":"وقيل: لا بد من اليقين، وهو قول في مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3317> دليل من قال: يكفي غلبة الظن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3318>الدليل الأول:</span>\n(١٤٠٥ - ١٤٧) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، وقالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ وسلم من إناء واحد، نغرف منه جميعًا، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته) وغسل الجنابة إحدى الطهارتين؛ لأن الطهارة إما عن حدث، وإما عن خبث، فإذا جاز الاكتفاء بالظن في طهارة الحدث، جاز في طهارة الخبث.\n• ويناقش هذا الاستدلال:\nأولًا: يحتمل أن يكون الظن هنا، بمعنى العلم، فيكون معناه: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته: أي حتى إذا علم. وإطلاق الظن على العلم كثير في اللغة العربية، قال تعالى: (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) [الحاقة: ٢٠]، وقال: (فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا) [الكهف: ٥٣]، وقد يطلق العلم على الظن، قال تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) [الممتحنة: ١٠]، فالعلم هنا متعذر؛ لأن الإيمان أمر قلبي، لكن يراد به غلبة الظن.\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٥).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١١٠).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٧٣)، ومسلم (٣١٦).","vol":"7","page":237},{"text":"ثانيًا: على التسليم أن الظن في الحديث على بابه، فلم يكتف بالظن، ألا ترى أنه حين ظن أنه أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، فيحصل العلم بتعميم الماء، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3319>الدليل الثاني:</span>\nجاء العمل بالظن في كثير من العبادات، والطهارة من الاستنجاء مقيسة عليها.\n(١٤٠٦ - ١٤٨) منها ما رواه البخاري من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:\nقال عبد الله: صلى النبي ﷺقال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى، كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: فليتحر الصواب. فالتحري عمل بالظن، وإذا جاز العمل بالظن في الصلاة وهي مقصودة، جاز العمل بالظن في الطهارة لها، والله أعلم.\n(١٤٠٧ - ١٤٩) ومنها: ما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة،\nعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: أفطرنا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٠١)، مسلم (٥٧٢).\n(^٢) صحيح البخاري (١٩٥٩).","vol":"7","page":238},{"text":"ولو أمروا بالقضاء لنقل، فإذا جاز التحري بدخول وقت الصلاة، جاز التحري للطهارة لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3320>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن طلب اليقين في مثل هذه الأشياء يكون فيه حرج ومشقة، والحرج مدفوع عن هذه الأمة، قال سبحانه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]، وقال سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) [المائدة: ٦].\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3321> دليل من قال: لا بد من اليقين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3322>الدليل الأول:</span>\nقالوا: اليقين لا يزول إلا بيقين مثله، والنجاسة متيقنة فلا بد من اليقين بزوالها، وإنما يكتفى بغلبة الظن إذا تعذر اليقين، واليقين هنا غير متعذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3323>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٠٨ - ١٥٠) ربما يستدل بعضهم بما رواه البخاري من طريق منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ: يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (^١).\nويجاب بأن الحديث ليس في رجل يستنجي، ويعمل بغلبة ظنه، وإنما رجل لا يستنزه من بوله، ولا يقوم بما أوجب الله عليه من الطهارة والتحرز من البول، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).","vol":"7","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3324>الفصل الخامس في صفة الإنقاء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3325>المبحث الأول في صفة الإنقاء بالحجر</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي للمسألة:\n• يسير النجاسة وأثرها معفو عنه على الصحيح للمشقة.\n[م-٦٢٥] اختلف العلماء في صفة الإنقاء بالحجر على قولين:\nفقيل: بقاء أثر لا يزيله إلا الماء، وهو مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) قال في الأم (١/ ٣٧): «فإن امتسح بثلاثة أحجار، فعلم أنه أبقى أثرًا لم يجزه، إلا أن يأتي من الامتساح على ما يرى أنه لم يبق أثرًا قائمًا، فأما أثر لاصق لا يخرجه إلا الماء فليس عليه إنقاؤه؛ لأنه لو جهد لم ينقه بغير ماء». اهـ وانظر أسنى المطالب (١/ ٥١)، شرح البهجة (١/ ١٢٢)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٠)، تحفة المحتاج (١/ ١٨٢).\n(^٢) قال في كشاف القناع (١/ ٦٩): والإنقاء بأحجار ونحوها كخشب وخرق: إزالة العين الخارجة من السبيلين حتى لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء، والإنقاء بالماء: خشونة المحل، وعوده كما كان، لزوال لزوجة النجاسة وآثارها». اهـ وانظر المبدع (١/ ٩٤)، دليل الطالب (ص: ٦)، الفروع (١/ ٩٠)، الإنصاف (١/ ١١٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٦).","vol":"7","page":240},{"text":"وقيل: خروج الحجر الأخير لا أثر به إلا يسيرًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١)، ورجحه ابن تيمية (^٢).\nوالثاني أقوى؛ والقول الأول فيه حرج ومشقة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة إن شاء الله، والنجاسة اليسيرة معفو عنها إجماعًا كما سيأتي بحثه إن شاء الله في فصل لا حق، وقد اختار الحنفية والمالكية أن الاستنجاء كله ليس بواجب ما دام أن النجاسة لم تتجاوز الموضع المعتاد، فما بالك بالأثر اليسير جدًا يبقى على المحل؟\n* * *\n_________\n(^١) قال في الإنصاف (١/ ١١٠): حد الإنقاء بالأحجار: بقاء أثر لا يزيله إلا الماء، جزم به في التلخيص، والرعاية والزركشي، وقدمه في الفروع.\nوقال المصنف -يعني ابن قدامة- والشارح وابن عبيدان وغيرهم: هو إزالة عين النجاسة وبلتها، بحيث يخرج الحجر نقيًا ليس عليه أثر إلا شيئا يسيرًا. فلو بقي ما يزول بالخرق لا بالحجر أزيل على ظاهر الأول، لا الثاني. اهـ وانظر المبدع (١/ ٩٤).\n(^٢) انظر الفروع (١/ ٩٠).","vol":"7","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3326>المبحث الثاني في صفة الإنقاء بالماء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.\n[م-٦٢٦] اختلف الفقهاء في صفة الإنقاء بالماء،\nفقيل: لا يعتبر عدد معين، بل المطلوب أن يعود المحل كما كان، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٢١)، الهداية في شرح البداية (١/ ٣٧)، البحر الرائق (١/ ٢٥٣)، وسوف يأتي أن الحنفية لا يرون العدد في الاستجمار بالحجارة فضلًا أن يروا العدد في الماء.\n(^٢) يرى المالكية أن العدد غير معتبر في الاستنجاء سواء كان بحجر أم بماء، انظر المنتقى (١/ ٦٨)، شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٧٢)، التاج والإكليل (١/ ٢٧٠)، التمهيد (١١/ ١٧)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٧)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٠)، بداية المجتهد (١/ ٦٢)، وسوف يأتي أدلتهم في الاكتفاء بحجر واحد في الشرط الأول من شروط الاستجمار، فانظره غير مأمور.\n(^٣) قال الشافعي في الأم (١/ ٢٢): «وإذا استنجى بالماء فلا عدد في الاستنجاء إلا أن يبلغ من ذلك ما يرى أنه قد أنقى كل ما هنالك، ولا أحسب ذلك يكون إلا في أكثر من ثلاث مرات، وثلاث فأكثر». اهـ\n(^٤) المغني (١/ ١٠٦)، المبدع (١/ ٢٣٨)، شرح العمدة (١/ ٩٠)، الإنصاف (١/ ٣١٣)، الكافي (١/ ٩١).","vol":"7","page":242},{"text":"وقيل: المطلوب غسل المحل سبع غسلات، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: ثلاث غسلات، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢)، والراجح الأول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3327> دليل من قال: لا يشترط في الاستنجاء عدد معين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3328>الدليل الأول:</span>\nقالوا: القياس على الطهارة من دم الحيض، فإذا كان دم الحيض لا يشترط لطهارته عدد معين، فكذلك البول والغائط.\n(١٤٠٩ - ١٥١) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت:\nأرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (^٣).\nوجه الاستدلال:\nفهنا الرسول ﷺ لم يذكر عددًا في غسل نجاسة دم الحيض، والمقام مقام بيان، وجواب عن سؤال كيف يطهر الثوب، وقد أرشد الرسول ﷺ إلى حته، وقرصه، وغسله، مع أن الحت ليس بواجب مع الغسل، فيبعد أن ينص على ما ليس بواجب، ويهمل ما هو واجب، فدل على أن تكرار الغسل ليس بواجب، ولا فرق بين نجاسة تكون على الثوب أو نجاسة تكون على البدن؛ لأن المطلوب إزالة النجاسة في كل منهما.\n_________\n(^١) قال ابن تيمية في شرح العمدة (١/ ٩١): وهي اختيار أكثر أصحابنا، وانظر المغني (١/ ١٠٦)، الإنصاف (١/ ٣١٣)، دليل الطالب (ص: ٢٠)، المحرر (١/ ٤)، منار السبيل (١/ ٥٧)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٩١).\n(^٢) انظر المراجع السابقة.\n(^٣) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).","vol":"7","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3329>الدليل الثاني:</span>\n(١٤١٠ - ١٥٢) ما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:\nجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\nقال وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمرها بغسل الدم، بقوله ﷺ: (فاغسلي عنك الدم، ثم صلي). ولو كان العدد معتبرًا لبينه النبي ﷺ وقد علم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما هو مقرر في أصول الفقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3330>الدليل الثالث:</span>\n(١٤١١ - ١٥٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار، قال:\nسمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع، واغسليه بالماء والند وسدر.\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٢٨)، ورواه مسلم (٣٣٣) دون قوله وقال أبي ... إلخ وسيأتي الكلام عليه في الاستحاضة إن شاء الله تعالى.\n(^٢) المسند (٦/ ٣٥٥). أبو المقدام اسمه: ثابت بن هرمز.\nوثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين كما في الجرح والتعديل (٢/ ٤٥٩)، وتهذيب الكمال (٤/ ٣٨٠). ...\nووثقه أبو داود، ويعقوب بن سفيان وابن المديني وأحمد بن صالح كما في تهذيب التهذيب (٢/ ١٥).\nووثقه الذهبي انظر الكاشف (٧٠٠). وليس له إلا هذا الحديث، وقد صححه ابن حبان،\nوابن خزيمة، وفي التهذيب: «صححه ابن القطان، وقال عقبه: لا أعلم له علة، وثابت ثقة، ولا أعلم أحدًا ضعفه غير الدارقطني».\nقلت: كلام ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ليس فيه تضعيف الدارقطني، فأخشى أن يكون هذا وهمًا من ابن حجر، أو يكون في نسخة أخرى غير المطبوعة، ولم أقف على تضعيف الدارقطني في غيره من الكتب. وإليك كلام ابن القطان، قال في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٨١): «وهذا في غاية الصحة، فإن أبا المقدام: ثابت بن هرمز الحداد، والد عمرو بن أبي المقدام، ثقة، قاله أحمد بن حنبل، وابن معين، والنسائي، ولا أعلم أحدًا ضعفه». اهـ\nوعدي بن دينار. وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر تهذيب التهذيب (٧/ ١٥١). وباقي رجاله ثقات مشهورون.\nتخريج الحديث:\nالحديث أخرجه أحمد (٦/ ٣٥٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٤٤)، وأبو داود (٣٦٣)، والنسائي في المجتبى (٢٩٢، ٣٩٥)، وابن ماجه (٦٢٨)، وابن خزيمة (٢٧٧)، وابن حبان (١٣٩٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠٧) من طريق يحيى بن سعيد.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٢٢٦)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٢٥/ ١٨٢) رقم: ٤٤٧.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٣٥٦)، والدارمي (١٠١٩) وابن ماجه (٦٢٨)، من طريق عبد الرحمن بن مهدي.\nوأخرجه ابن نعيم في حلية الأولياء (٧/ ١٢٣) من طريق إسماعيل بن منصور، كلهم رووه عن سفيان، عن ثابت به.\nوأخرجه إسحاق بن راهويه (٢١٧٧) وأحمد (٦/ ٣٥٦) من طريق إسرائيل، عن ثابت\nأبي المقدام به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠١٠) من طريق حجاج - يعني ابن أرطأة - عن ثابت به. وقد وقع تخريجه في المجلد الثامن، ح (١٧٣٤).","vol":"7","page":244},{"text":"وجه الاستدلال:\nالاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالذي قبله، وقد ذكر السدر مع كونه ليس واجبًا، فكيف يترك ذكر العدد لو كان العدد واجبًا.","vol":"7","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3331>الدليل الرابع:</span>\nمن النظر، قالوا: النجاسة عين محسوسة، ووجوب غسلها معلل ببقائها، فإذا زالت من الغسلة الأولى ارتفع حكمها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3332> دليل من قال: يجب غسل النجاسة في الاستنجاء سبع مرات:</span>\nقال ابن قدامة: روي عن ابن عمر أنه قال: أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا (^١).\nوالجواب على هذا من وجهين.\nالأول: أن هذا الأثر لا يعرف مسندًا في كتب الحديث، إنما ذكره الحنابلة في كتبهم الفقهية، فلا حجة فيه.\nالثاني: على فرض صحته قد روي ما يدل على أنه منسوخ.\n(١٤١٢ - ١٥٤) فقد روى أحمد من طريق أيوب بن جابر، عن عبد الله -يعني\nابن عصمة- عن ابن عمر قال:\nكانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار، والغسل من البول سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة مرة، والغسل من البول مرة (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٧٥).\n(^٢) المسند (٢/ ١٠٩).\n(^٣) الحديث أخرجه أبو داود (٢٤٧)، والبيهقي في السنن (١/ ١٧٩، ٢٤٤)، والمعجم الصغير للطبراني (١/ ١٢٣) ح ١٨٢ من طرق عن أيوب بن جابر به.\nوفي إسناده أيوب بن جابر: ضعفه أبو حاتم الرازي، وابن المديني، ويحيى بن معين، وقال أبو زرعة: واهي الحديث ضعيف. انظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٤٢).\nوضعفه النسائي. انظر الضعفاء والمتروكين (ص: ٥).\nوفي الإسناد: عبد الله بن عصم. وقيل: عصمة. مختلف فيه. ...\nقال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ. كما في الجرح والتعديل (٥/ ١٢٦). وقال: مثله الذهبي في الكاشف.\nواضطرب قول ابن حبان فيه، فذكره في المجروحين (٢/ ٥)، وقال: منكر الحديث جدًا على قلة روايته، يروي عن الأثبات ما لا يشبه أحاديثهم حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة. ثم رجع ابن حبان وذكره في الثقات (٥/ ٥٧)، وقال: يخطئ كثيرًا.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ، أفرط ابن حبان فيه وتناقض.","vol":"7","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3333>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: ثبت الأمر بغسل نجاسة الكلب سبعًا، وغيرها من النجاسات قياسًا عليه.\n• والدليل على وجوب غسل نجاسة الكلب سبعًا:\n(١٤١٣ - ١٥٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: إن رسول الله ﷺ، قال:\nإذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا. ورواه مسلم (^١).\nوأجيب:\nبأن نجاسة الكلب مغلظة لا يمكن قياس النجاسة العادية على النجاسة المغلظة، أرأيت نجاسة دم الحيض مع أنه مجمع على نجاسته كما قدمنا إلا أنه لم يرد فيه تكرار الغسل، ولم يرد ذكر التراب في تطهير شيء من النجاسات إلا نجاسة الكلب، والرواية التي فيها ذكر التراب رواها مسلم في صحيحة،\n(١٤١٤ - ١٥٦) قال مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:\nطهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٧٩).","vol":"7","page":247},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3334> دليل من قال: يشترط ثلاث غسلات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3335>الدليل الأول:</span>\n(١٤١٥ - ١٥٧) روى مسلم من طريق أبي معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،\nعن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: إذا كان الاستجمار لا بد فيه من ثلاثة أحجار، فكذلك الاستنجاء بالماء لا بد فيه من ثلاث غسلات.\n• وأجيب:\nبأن هناك فرقًا بين الماء والأحجار، فالأحجار لا تزيل النجاسة بالكلية، ولذلك اشترط العدد بخلاف الماء فإنه يزيل عين النجاسة حتى لا يبقي لها أثرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3336>الدليل الثاني:</span>\n(١٤١٦ - ١٥٨) ما رواه مسلم من طريق خالد، عن عبد الله بن شقيق،\nعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وهو في البخاري دون قوله: ثلاثًا (^٢).\nوجه الاستدلال:\nإذا كان النبي ﷺ أمر القائم من نوم الليل أن يغسل يده ثلاثًا معللًا بتوهم\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٢).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٧٨)، وانظر صحيح البخاري (١٦٢).","vol":"7","page":248},{"text":"النجاسة، فوجوب الثلاث مع تحققها أولى.\nوأجيب:\nبأنه قد تقدم الخلاف في العلة من أمر القائم بغسل يده ثلاثًا من نوم الليل، وأن هناك خلافًا، هل غسل اليد تعبدي أو معقول المعنى؟ وهل هو للوجوب أم للاستحباب؟ ولو كان غسلها من أجل النجاسة لكفى غسلها مرة واحدة، ولن تكون أكثر نجاسة من دم الحيض، ومع ذلك لم يطلب تكرار الغسل.\n• الراجح:\nأرى أن الاستنجاء بالماء ليس فيه عدد معين، وإنما يغسل حتى يغلب على ظنه أن المحل رجع كما كان قبل البول والغائط، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3337>الفصل السادس\nفي الأثر المتبقي بعد الاستجمار</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• يسير النجاسة وأثرها معفو عنه على الصحيح للمشقة.\n[م-٦٢٧] اختلف العلماء في أثر الاستجمار:\nفقيل: نجس، معفو عن يسيره.\nوقيل: طاهر (^١). وحكي الإجماع على أنه معفو عنه.\nقال ابن قدامة: «وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها في ثلاثة مواضع:\nأحدها: محل الاستنجاء، فعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد بغير خلاف نعلمه.\nواختلف أصحابنا في طهارته، فذهب أبو عبد الله بن حامد وأبو حفص بن المسلمة إلى طهارته، وهو ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به، ولو كان نجسًا لنجسه.\nثم قال: وقال أصحابنا المتأخرون: لا يطهر المحل، بل هو نجس». اهـ أي نجس معفو عنه (^٢).\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٠٩)، المغني (١/ ٤١١).\n(^٢) المغني (١/ ٤١١).","vol":"7","page":250},{"text":"وقال البهوتي: وأثر الاستجمار نجس؛ لأنه بقية الخارج من السبيل، يعفى عن يسيره بعد الإنقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه (^١).\n• الدليل على أن الاستجمار مطهر:\n(١٤١٧ - ١٥٩) ما رواه الدارقطني، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، أخبرنا سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي،\nعن أبي هريرة، قال: إن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بروث أو عظم، وقال: إنهما لا يطهران (^٢).\n[ضعيف، فيه ثلاثة ضعفاء، ابن كاسب، وسلمة، والحسن بن فرات يرويه بعضهم عن بعض، وقد انفردوا بقولهم: (إنهما لا يطهران) ويصعب إلصاق الوهم بواحد منهم، حيث لا يوجد متابع لأي منهم] (^٣).\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١٩٢).\n(^٢) سنن الدارقطني (١/ ٥٦).\n(^٣) دراسة الإسناد:\nيعقوب بن حميد بن كاسب، جاء في ترجمته:\nقال النسائي ويحيى بن معين: ليس بشيء. الضعفاء والمتروكين (٦١٦)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٠٦).\nوقالا أيضًا في موضع آخر: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (١١/ ٣٣٦).\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن يعقوب بن كاسب؟ فحرك رأسه. قلت: كان صدوقًا في الحديث؟ قال: لهذا شروط وقال في حديث رواه يعقوب: قلبي لايسكن على ابن كاسب. المرجع السابق.\nوقال أبو داود السجستاني: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها. ضعفاء العقيلي (٤/ ٤٤٦).\nوقال البخاري: لم يزل خيرًا، هو في الأصل صدوق. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق ربما وهم. قلت: لو قال: له أوهام أو كثير الوهم لكان أقرب، فقد =","vol":"7","page":251},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جرحه أبو داود والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، وجرحهم له مفسر.\nسلمة بن رجاء، جاء في ترجمته:\nقال النسائي: كوفي ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٢٤٢).\nقرئ على العباس بن محمد الدوري: سئل يحيى بن معين عن سلمة بن رجاء، فقال: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٤/ ١٦٠).\nوقال أبو حاتم الرازي: ما بحديثه بأس. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: كوفى صدوق. المرجع السابق.\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٤٩).\nوذكر ابن عدي هذا الحديث من غرائب سلمة بن رجاء، وأعله به، وقال: «لا أعلم رواه عن فرات القزاز غير ابنه الحسن، وعن الحسن سلمة بن رجاء، وعن سلمة ابن كاسب، ولسلمة بن رجاء غير ما ذكرت من الحديث، وأحاديثه أفراد وغرائب، ويحدث عن قوم بأحاديث لا يتابع عليه». الكامل (٣/ ٣٣١).\nوقال الدارقطني: ينفرد عن الثقات بأحاديث. تهذيب التهذيب (٤/ ١٢٧).\nوفي التقريب: صدوق يغرب.\nالحسن بن فرات القزاز، جاء في ترجمته،\nقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين قال: الحسن بن فرات القزاز ثقة. الجرح والتعديل (٣/ ٣٢).\nذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ١٦٥).\nوقال أبو حاتم منكر: الحديث نقله عنه ابنه في مقدمة الجرح والتعديل.\nوفي التقريب: صدوق يهم.\nوقد بين الدارقطني أن الوهم من الحسن بن الفرات، حيث انفرد بزيادة: إنهما لا يطهران، وقد رواه غيره عن أبيه، ولم يقل: إنهما لا يطهران.\nفقد رواه الدارقطني كما في العلل (٨/ ٢٣٩) من طريق نصر بن حماد، حدثنا شعبة، عن فرات، عن أبي حازم به، بلفظ: نهى أن يستنجى بعظم أو روث.\nقال الدارقطني: وزاد الحسن بن فرات، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة في آخره، وقال: إنهما لا يطهران». اهـ\nونصر بن حماد فيه ضعف.\nفهنا الدارقطني نسب التفرد إلى الحسن بن فرات، بينما ابن عدي أعله بسلمة بن رجاء كما تقدم.\nوالحق أن الحديث فيه ثلاثة ضعفاء الحسن بن فرات، وسلمة بن رجاء، ويعقوب بن كاسب، وكل واحد يرويه عن الآخر منفردًا به، فيصعب جدًا إلصاق الوهم بواحد منهما، خاصة أنه =","vol":"7","page":252},{"text":"الدليل الثاني:\nأن النجاسة تزال بأي مزيل، ولا يتعين الماء في إزالتها، فكيف زالت زال حكمها، فإذا استنجى الإنسان، وأزال عين النجاسة فقد طهر المحل، والدليل على أن الماء لا يتعين في إزالة النجاسة أحاديث كثيرة في تطهير ذيل المرأة بالتراب، وتطهير النعل بدلكه في التراب،\n(١٤١٨ - ١٦٠) فقد روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير -يعني ابن معاوية- ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت:\nيا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة، فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى. قال: فهذه بهذه (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n= لا يوجد متابع لأي منهم، والله أعمل.\nوقال الدارقطني في السنن (١٥٢): «إسناده صحيح». قال ابن الملقن عقبه في البدر المنير (٢/ ٣٥٠): «في سنده سلمة بن رجاء، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى له البخاري في الصحيح، وفيه أيضًا يعقوب بن كاسب، قيل: روى عنه البخاري في صحيحه ولم ينسبه، وقال يحيى والنسائي: ليس بشيء، ووثقه يحيى مرة». اهـ\nوالنهي عن الاستنجاء بالعظم والروث محفوظ من حديث أبي هريرة في البخاري (٣٨٦٠)، وحديث ابن مسعود في البخاري (١٥٦)، وحديث سلمان في مسلم (٢٦٢)، وإنما الكلام على زيادة: (إنهما لا يطهران) مع أن الرسول ﷺ قد علل النهي عن الروث والعظام في حديث أبي هريرة في البخاري (٣٨٦٠)، بأنها طعام إخواننا من الجن، وكذا علله في مسلم من حديث ابن مسعود في قصة قراءة القرآن على الجن. وعلل النهي عن الروث في حديث ابن مسعود في البخاري بأنها ركس، ولم يذكر قط في الصحيحين ولا في غيرهما بأنهما لا يطهران إلا في هذا الحديث، وقد تفرد به مجموعة من الضعفاء، فالضعف ظاهر على هذه الزيادة، والله أعلم.\n(^١) المسند (٦/ ٤٣٥).\n(^٢) انظر تخريجه (ص: ٣٨٩) ح: ١٤٩٨.","vol":"7","page":253},{"text":"(١٤١٩ - ١٦١) ومنها ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن\nأبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،\nأن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (^١).\n[صحيح] (^٢).\n(١٤٢٠ - ١٦٢) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:\nقالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها فقصعته بظفرها (^٣).\nفإذا كانت النعل تطهر بالتراب، وكان التراب لها طهورًا، وكان ذيل المرأة يطهره ما بعده من التراب الطيب، وكان الريق ربما طهر الثوب يصيبه شيء من دم الحيض، فكذلك مكان البول والغائط يطهره الأحجار ونحوها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٢٠، ٩٢).\n(^٢) انظر تخريجه في هذا المجلد، (ح ١٤٩٩).\n(^٣) صحيح البخاري (٣١٢).","vol":"7","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3338>فرع\nما تطاير من الماء وقت الاستنجاء</span>\nمدخل إلى ضابط المسألة الفقهي:\n• المشقة تجلب التيسير.\n[م-٦٢٨] جاء في المعيار المعرب: وسئل أبو حفص عما تطاير في الثوب وقت الاستنجاء؟\nفأجاب: إن كان أول شروعه فهو نجس، وإن كان مما بعده فهو طاهر (^١).\nقلت: ينبغي أن يفصل إن كان يسيرًا جدًا فهو من المعفو عنه؛ لأن المشقة قد تلحق به، وقد حكي الإجماع في العفو عن أثر الاستجمار مع بقاء قدر من النجاسة لا يزيلها إلا الماء، وإن كان كثيرًا عرفًا كان التفصيل الذي ذكره جيدًا.\n* * *\n_________\n(^١) المعيار المعرب (١/ ١٤)، وانظر النوازل الكبرى للوازاني (١/ ٢٤).","vol":"7","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3339>الفصل السابع\nالقول في قطع الاستنجاء على وتر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• من استجمر فليوتر.\n• الوتر مستحب فيما ورد في إيتاره نص كالاستجمار، ولا يشرع في التطهير بالماء.\n• النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، هل هو راجع إلى طلب الإيتار فيكون مستحبًا، أو راجع إلى اختلاف الحجر عن الماء، فالماء يزيل العين والأثر ودلالته قطعية، فلا يشترط فيه عدد بخلاف الحجر فلا يزيل الأثر، ودلالته ظنية فاشترط فيه العدد.\n[م-٦٢٩] استحب الفقهاء قطع الاستجمار على وتر، على خلاف بينهم هل يتحقق الوتر بحجر واحد، أم يتحقق الوتر بعدد المسحات الثلاث بحسب اختلافهم في وجوب الاستنجاء:\nفمن يرى أن الاستنجاء سنة، كما هو المشهور من مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)،\n_________\n(^١) انظر العزو إلى كتبهم في مسألة: حكم الاستنجاء.\n(^٢) انظر العزو إلى كتبهم في مسألة: حكم الاستنجاء.","vol":"7","page":256},{"text":"أو يرى أن الاستنجاء واجب، ولكن لا يشترط ثلاثة أحجار، بل المقصود الإنقاء ولو بحجر واحد، فيرى أن تحقيق السنة في قطعه على وتر يتحقق ولو بحجر واحد إذا أنقى (^١).\nوأما من يرى وجوب الثلاث مسحات أو ثلاثة أحجار، فيكون قطعه على وتر بعدها مستحبًا، كما لو أنقى بأربعة أحجار فيستحب له حجر خامس، أو أنقى بستة أحجار فيستحب له حجر سابع، أما لو أنقى بثلاث أو خمس، فلا يستحب له الزيادة، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢).\nوقيل: يجب الوتر في الاستنجاء بالحجارة مطلقًا، اختاره بعض الشافعية (^٣)، وهو رأي ابن حزم (^٤).\n_________\n(^١) انظر مذهب الحنفية في استحباب قطعه على وتر شرح معاني الآثار (١/ ١٢١ - ١٢٣).\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ١٧): «ويجوز عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار إذا ذهب النجس؛ لأن الوتر يقع على الواحد فما فوقه، والوتر عندهم مستحب، وليس بواجب، وإذا كان الاستنجاء عندهم ليس بواجب، فالوتر فيه أحرى بأن لا يكون واجبًا». اهـ\nوقال الزرقاني في شرحه (١/ ٧٢): «ذهب مالك وأبو حنيفة وداود ومن وافقهم في أن الإيتار مستحب فقط، لا شرط، ولا يخالفه حديث سلمان عند مسلم مرفوعًا: (لا يستنج أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار)؛ لحمله على الكمال، وكذا أمره لابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، لا أنه شرط كما قال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث؛ لتصريحه في هذه الرواية -يعني: من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج- بأن الأمر ليس للوجوب، وبه حصل الجمع بين الأدلة، وحمله على الزائد على الثلاثة إن لم تنق تحكم». اهـ وانظر المنتقى للباجي (١/ ٦٨).\n(^٢) انظر في مذهب الشافعية: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٢٦)، شرح زبد ابن رسلان (١/ ٥٢)، أسنى المطالب (١/ ٥٢)، المنهج القويم (١/ ٨٢)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٤)، المجموع (٢/ ١١٢)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٠)، تحفة المحتاج (١/ ١٨٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٧٠)، المبدع (١/ ٩٥)، المغني (١/ ١٠٢).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٢٦)، طرح التثريب (٢/ ٥٥).\n(^٤) المحلى (١/ ١٠٨) مسألة: ١٢٢.","vol":"7","page":257},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3340> دليل استحباب قطع الاستنجاء على وتر</span>.\n(١٤٢١ - ١٦٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه، ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. ورواه مسلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3341>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٢٢ - ١٦٤) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير،\nأنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ: إذا استجمر أحدكم فليوتر (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3342>الدليل الثالث:</span>\n(١٤٢٣ - ١٦٥) ما روه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3343>الدليل الرابع:</span>\n(١٤٢٤ - ١٦٦) ما رواه ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن منصور، عن هلال بن يساف،\nعن سلمة بن قيس، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٦٢)، وصحيح مسلم (٢٣٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٣٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٣٧).\n(^٤) المصنف (١/ ٣٢) رقم ٢٧٣، ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه ابن ماجه (٤٠٦).","vol":"7","page":258},{"text":"[صحيح] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3344>الدليل الخامس:</span>\n(١٤٢٥ - ١٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن ويحيى بن إسحاق، قالا: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا اكتحل أحدكم فليكتحل وترًا، وإذا استجمر فليستجمر وترًا (^٢).\n[ضعيف من أجل ابن لهيعة] (^٣).\n_________\n(^١) رجاله ثقات، وقد أخرجه أحمد (٤/ ٣٣٩) والحميدي (٨٥٦) والطبراني (٧/ ٣٨) رقم: ٦٣١٣ عن سفيان بن عيينة.\nوأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٣٣٩، ٣٤٠) والطبراني (٧/ ٣٧) رقم ٦٣٠٣، وابن حبان (١٤٣٦) من طريق الثوري.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٤٠) والطبراني (٧/ ٣٧) رقم ٦٣٠٦ من طريق معمر.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٤٤) من طريق حماد.\nوأخرجه الترمذي (٢٧) من طريق حماد بن زيد وجرير.\nوأخرجه الطيالسي (١٢٧٤)، والطحاوي (١/ ١٢١) والطبراني (٧/ ٣٧) رقم ٦٣٠٨ من طريق شعبة.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٦٣٠٩) من طريق زائدة.\nوأخرجه أيضًا (٦٣١٠) من طريق قيس بن الربيع.\nوأخرجه أيضًا (٦٣١١) من طريق أبي عوانة، كلهم عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس به.\n(^٢) المسند (٢/ ٣٥١).\n(^٣) وقد أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩٩) من طريق ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، أن أبا يونس حدثه، فذكره دون موضع الشاهد: وهو الاستجمار.\nوابن وهب وإن كانت روايته عن ابن لهيعة أعدل من غيرها إلا أن ابن لهيعة ضعيف في كل أمره على الصحيح، وقد حررت الأقوال فيه، انظر (١٠/ ٣٥٢) إن شئت.\nورواه ابن لهيعة من مسند عقبة بن عامر ﵁، واختلف على ابن لهيعة في إسناده:\nفرواه حسن بن موسى كما في مسند أحمد (٤/ ١٥٦). ...\nوعمرو بن خالد كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (٤/ ٣٢١).\nوسعيد بن أبي مريم كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٣٨) رقم: ٩٣٢.\nوالقعنبي كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٣٨) ح ٩٣٣.\nوأبو عبد الرحمن المقرئ كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٣٨) ح ٩٣٤، أربعتهم عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عقبة بن عامر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الكي، وكان يكره شرب الحميم، وكان إذا اكتحل اكتحل وترًا، وإذا استجمر استجمر وترًا.\nواقتصر الطحاوي على النهي عن الكي.\nورواه أحمد (٤/ ١٥٦) حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، قال: أخبرني\nعبد الرحمن بن جبير، أنه سمع عقبة بن عامر، فذكره، فاستبدل ابن لهيعة الحارث بن يزيد\nبعبد الله بن هبيرة، وهذا من سوء حفظه ﵀.\nوله طريق آخر إلى أبي هريرة بإسناد ضعيف أيضًا، رواه أحمد (٢/ ٣٧١) من طريق ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج. وسبق تخريجه في مسألة حكم الاستنجاء، رقم (١٢٦٢) فليراجع.","vol":"7","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3345>الدليل السادس:</span>\n(١٤٢٦ - ١٦٨) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا أبو غسان مالك بن سعد القيسي، نا روح -يعني: ابن عبادة- ثنا أبو عامر الخزاز، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استجمر أحدكم فليوتر، فإن الله وتر يحب الوتر، أما ترى السموات سبعًا، والأرض سبعًا، والطواف سبعًا ... وذكر أشياء (^١).\n[انفرد به أبو عامر صالح بن رستم، وهو كثير الخطأ] (^٢).\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة (٧٧).\n(^٢) تفرد به أبو عامر الخزاز صالح بن رستم، ومثله لا يحتمل تفرده، جاء في ترجمته:\nقال أحمد: صالح الحديث. الجرح والتعديل (٤/ ٤٠٣). ...\nوقال يحيى بن معين: لا شيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، هو صالح، وهو أشبه من ابنه عامر. المرجع السابق.\nوذكره العقيلي في الضعفاء. (٢/ ٢٠٣).\nوقال الدارقطني: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٤٢).\nوقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. المرجع السابق.\nووثقه أبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٤٢).\nوقال ابن حبان: من الحفاظ الذين كانوا يخطئون. مشاهير علماء الأمصار (١١٩٠).\nوفي التقريب: صدوق كثير الخطأ.\nوقد رواه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٤٩) من طريق إبراهيم بن بسطام الزعفراني.\nوأخرجه ابن حبان (١٤٣٧) والبزار كما في كشف الأستار (٢٣٩) من طريق محمد بن معمر.\nوأخرجه الحاكم (٥٦١)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١٠٤) من طريق الحارث بن أبي أسامة، كلهم عن روح بن عبادة به.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه الألفاظ، وإنما اتفقا على: (ومن استجمر فليوتر) فقط.\nفتعقبه الذهبي بقوله: منكر، والحارث ليس بعمدة.\nقلت: لم ينفرد به الحارث، بل رواه محمد بن معمر وأبو غسان وإبراهيم بن بسطام كلهم رووه عن روح بن عبادة، لكن لا يحتمل تفرد أبي عامر الخزاز، فإنه كما قال الحافظ: صدوق كثير الخطأ، والله أعلم.","vol":"7","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3346>الدليل السابع:</span>\n(١٤٢٧ - ١٦٩) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا الأخنسي أحمد بن عمران، حدثنا محمد بن فضيل وسمعته يقول: حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص،\nعن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: إن الله وتر يحب الوتر، فإذا استجمرت فأوتر (^١).\n[ضعيف جدًا] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (٥٢٧٠).\n(^٢) في إسناده أحمد بن عمران، وقال بعضهم: محمد بن عمران الأخنسي. ...\nقال البخاري: محمد بن عمران الأخنسي، كان ببغداد يتكلمون فيه، منكر الحديث عن أبي بكر ابن عياش. التاريخ الكبير (١/ ٢٠٢).\nوقال ابن حبان: حدثنا عنه أبو يعلى مستقيم الحديث. الثقات (٨/ ١٣).\nوقال أبو زرعة: كتبت عنه ببغداد، وكان كوفيًا، وتركوه. الجرح والتعديل (٢/ ٦٤)\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لم أكتب عنه، وقد أدركته. قلت: وما حاله؟ قال: شيخ. المرجع السابق.\nوفي إسناده أيضًا: إبراهيم الهجري، جاء في ترجمته:\nضعفه النسائي، وابن عيينة، وابن سعد. الضعفاء والمتروكين للنسائي (٦)، التاريخ الكبير (١/ ٣٢٦)، الطبقات الكبرى (٦/ ٣٤١).\nقال يحيى بن معين: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٢/ ١٣١).\nوقال أبو حاتم الرازي: إبراهيم الهجري ليس بقوي لين الحديث. المرجع السابق.\nوقال سفيان بن عيينة: أتيت إبراهيم الهجري، فدفع إلي عامة حديثه، فرحمت الشيخ، فأصلحت له كتابه، فقلت: هذا عن عبد الله، وهذا عن النبي ﷺ، وهذا عن عمر. الكامل (١/ ٢١١).\nومعنى هذا أن حديث الهجري من رواية سفيان صالحة، ولذلك كان ابن مهدي يحدث عن سفيان، عنه. ولا يحدث يحيى عن الهجري. انظر المرجع السابق.\nوفي التقريب: لين الحديث، رفع موقوفات.\nوقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثه عامتها مستقيمة المتن، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن\nأبي الأحوص. اهـ قلت: وهذا الحديث منها.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١١): فيه أحمد بن عمران الأخنسي متروك.","vol":"7","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3347>دليل من قال: إن الإيتار واجب:</span>\nاستدل بحديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعًا: ومن استجمر فليوتر.\nوبحديث جابر عند مسلم: إذا استجمر أحدكم فليوتر. وسبق تخريجهما في أدلة القول الأول.\nوجه الاستدلال:\nقالوا: قول الرسول ﷺ: (من استجمر فليوتر) أمر، والأصل في الأمر الوجوب، ولا يوجد صارف يمنع من حمله على الوجوب.","vol":"7","page":262},{"text":"والشافعية والحنابلة حملوا الأمر بالإيتار إن كان في الثلاث مسحات، فالأصل فيها الوجوب، وما زاد حملوه على الاستحباب، وأخذوا من مفهوم حديث سلمان في مسلم: (ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار).\nفدل على أن الاكتفاء بأقل من ثلاثة أحجار محرم؛ لأنه الأصل في النهي، فصار الإيتار بثلاثة واجب، وما زاد على الثلاثة فقطعه على وتر مستحب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3348> دليل من قال: يحصل الإيتار ولو بحجر واحد:</span>\n(١٤٢٨ - ١٧٠) استدلوا بما رواه أحمد من طريق عيسى بن يونس، حدثنا ثور ابن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (^١).\n[ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (^٢).\nقالوا: فالمعتبر بالاستجمار: هو الإنقاء، دون العدد، فإن حصل بحجر واحد كفاه، وتحقق له سنة الإيتار.\nورد عليهم:\nأولًا: أن هذا الحديث ضعيف، لا يرد الأحاديث الصحيحة كحديث سلمان، وحديث أبي هريرة، وحديث عائشة وغيرها.\nثانيًا: لو ثبت أن الحديث صحيح، فلا بد من الجمع بينه وبين الأحاديث التي\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣٧١).\n(^٢) سبق تخريجه في حكم الاستنجاء، انظر ح: (١٢٦٢).","vol":"7","page":263},{"text":"تنهى عن الاستنجاء دون ثلاثة أحجار، فيحمل الإيتار بما زاد على الثلاثة.\nثالثًا: إذا كان المقصود هو الإنقاء كما تقولون، فإنه معلوم أن الإنقاء لا يحصل بحجر واحد غالبًا، هذا من جهة.\nولو كفى الإنقاء لم يكن لاشتراط العدد معنى في حديث سلمان وحديث أبي هريرة وحديث عائشة وغيرها، فإنا نعلم أن الإنقاء قد يحصل بواحد، وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى؛ لأن الماء يزيل العين والأثر، فدلالته قطعية، فلم يحتج إلى الاستظهار بالعدد، وأما الحجر فلا يزيل الأثر، وإنما يفيد الطهارة ظاهرًا لا قطعًا، فاشترط فيه العدد.\n(١٤٢٩ - ١٧١) رابعًا: يرد عليهم بما رواه أحمد، قال: ثنا علي بن بحر، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان،\nعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا (^١).\n[إسناده حسن إن كان أبو سفيان سمعه من جابر، وقد رواه أبو الزبير عن جابر في مسلم، ولم يقل: ثلاثًا] (^٢).\nوسوف يأتي مزيد بحث في الكلام على مسألة هل يشترط ثلاثة أحجار، أم يكفي حجر واحد؟\nوإنما الكلام في مسألتنا هنا هل قطع الاستنجاء على وتر تتحقق السنة فيه بالحجر الواحد، أم تتحقق فيما زاد على الثلاثة، والله أعلم.\nكما أن الكلام في قطعه بالأحجار، أم الماء فالصحيح أنه لا يشرع فيه الإينار لعدم الدليل وقد تقدم الكلام عليه في الفصل الذي قبل هذا، والله الموفق.\n* * *\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٤٠٠).\n(^٢) انظر تخريجه (ص: ٣٠٢) ح: ١٤٤٩.","vol":"7","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3349>الفصل الثامن\nفي صفة المسح بالأحجار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.\n[م-٦٣٠] اختلف الفقهاء في صفة المسح بالأحجار:\nفقيل: لا كيفية له، فكيف حصل الإنقاء أجزأ. رجحه السرخسي من الحنفية، ومال إليه ابن نجيم، وهو المنصوص عليه في السراج الوهاج والمجتبى (^١)، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢). وهو الراجح.\nوقيل: كيفية الاستنجاء أن يمسح بالحجر الأول من جهة المقدم إلى خلف، وبالثاني من خلف الى قدام، وبالثالث من قدام الى خلف إذا كانت الخصية مدلاة، وإن كانت غير مدلاة يبتدئ من خلف الى قدام، والمرأة تبتدئ من قدام الى خلف خشية تلويث فرجها، وهو قول في مذهب الحنفية (^٣).\n_________\n(^١) قال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٠): «قال السرخسي: لا كيفية له، والقصد الإنقاء كما في السراج، قال ابن أمير حاج: وهو الأوجه في الكل». اهـ ونقل في البحر الرائق (١/ ٢٥٢) المجتبى ما نصه: «أن المقصود الإنقاء، فيختار ما هو الأبلغ والأسلم عن زيادة التلويث». وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١١٢).\n(^٣) نور الإيضاح (ص: ١٤، ١٥).","vol":"7","page":265},{"text":"وقيل: كيفيته في المقعد في الصيف للرجل إدبار الحجر الأول والثالث، وفي الشتاء العكس، اختاره بعض الحنفية (^١).\nوقيل: يعم بكل حجر موضع النجو، وهو مذهب المالكية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوفي مذهب الشافعية ثلاثة أوجه:\nفقيل: يمر حجرًا من مقدم الصفحة اليمنى ويديره عليها، ثم على اليسرى حتى يصل الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الحجر الثاني من أول الصفحة اليسرى إلى آخرها، ثم على اليمنى حتى يصل موضع ابتدائه، ثم يمر بالثالث على المسربة، وهو الراجح في مذهب الشافعية (^٤)، وذكره بعض الحنفية (^٥)، واختاره القاضي من الحنابلة (^٦).\nالوجه الثاني: أن يمسح بحجر الصفحة اليمنى وحدها، ثم بحجر اليسرى وحدها، وبالثالث المسربة (^٧)، واختاره بعض الحنابلة (^٨).\nوالوجه الثالث: يضع حجرًا على مقدم المسربة ويمره إلى آخرها، ثم حجرًا على مؤخرة المسربة ويمره إلى أولها، ثم يحلق بالثالث، حكاه البغوي قال النووي: وهو غريب.\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧)، ولعل التفريق بين الشتاء والصيف لتدلي الخصية، فيرجع إلى القول الثاني في مذهب الحنفية.\n(^٢) المنتقى للباجي (١/ ٦٨)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٣)، حاشية العدوي (١/ ٢٢٣).\n(^٣) قال في كشاف القناع (١/ ٦٩) «بثلاثة أحجار -يعني الاستجمار- تعم كل مسحة المسربة والصفحتين». اهـ\n(^٤) قال النووي في المجموع (٢/ ١٢٣، ١٢٤) واتفق الأصحاب على أن الصحيح هو الوجه الأول؛ لأنه يعم المحل بكل حجر.\n(^٥) الجوهرة النيرة (١/ ٤٠) إلا أنه قال: ثم يمر الثالث على الصفحتين.\n(^٦) الإنصاف (١/ ١١٢) إلا أنه قال: ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين.\n(^٧) وهو قول أبي إسحاق المروزي من الشافعية انظر المجموع (٢/ ١٢٤).\n(^٨) قال في الإنصاف (١/ ١١٢): قال المصنف -يعني ابن قدامة-: ويحتمل أن يجزئه لكل جهة مسحة لظاهر الخبر.","vol":"7","page":266},{"text":"واختلف الشافعية في هذا الخلاف، هل هو على الوجوب أو الاستحباب على قولين (^١).\nوقيل: يكفي لكل جهة مسحها ثلاثا بحجر، والوسط مسحه ثلاثًا بحجر، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3350> دليل من قال: لا كيفية للاستنجاء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3351>الدليل الأول:</span>\nقال: إن استحباب كيفية معينة تحتاج إلى توقيف من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صاحب، ولم يصح دليل في المسألة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3352>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن المطلوب في الاستنجاء هو الإنقاء وإزالة النجاسة فكيف زالت النجاسة حصل المقصود، فلا يتكلف صفة معينة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3353> دليل من قال: يمسح بالأول من المقدم وبالثاني عكسه وبالثالث كالأول:</span>\nعلل هذا الاستحباب بأنه إذا بدأ من جهة الخلف في أول مرة ربما لوث الخصية بالنجاسة، فتنتشر النجاسة إلى غير موضعها المعتاد، ثم لا تكفي إزالتها بالأحجار في حقه، ولكن إذا بدأ من جهة المقدم أمن تلوث الخصية بالنجاسة، ولذلك قال: إذا كانت الخصية غير مدلاة بدأ من جهة الخلف.\nوهذا التعليل لا يكفي في استحباب هذه الصفة في الاستنجاء، بل إن التعليل\n_________\n(^١) الأول: قال النووي في المجموع (٢/ ١٢٤): الصحيح أنه خلاف في الأفضل وأن الجميع جائز. وبهذا قطع العراقيون والبغوي وآخرون من الخراسانيين، وحكاه الرافعي عن معظم الأصحاب.\nالثاني: حكى الخراسانيون وجهًا أنه خلاف في الوجوب، فصاحب الوجه الأول لا يجيز الكيفية الثانية وصاحب الثاني لا يجيز الأولى، وهذا قول الشيخ أبي محمد الجويني والغزالي.\n(^٢) الإنصاف (١/ ١١٢).","vol":"7","page":267},{"text":"السابق أقوى، وأن المقصود من الاستجمار هو إزالة النجاسة، فكيف زالت حصل مقصود الشارع من مشروعية الاستجمار.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3354> دليل من طلب تعميم المحل بكل حجر:</span>\nقالوا: إن المطلوب أن يعم المحل بكل حجر حتى يصدق عليه أنه مسح المحل ثلاث مسحات، فإذا لم تعم كل مسحة المحل كله لم تكن مسحة، بل كانت بعضها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3355> دليل من فرق الأحجار بين الصفحتين والمسربة:</span>\n(١٤٣٠ - ١٧٢) ما رواه الدارقطني، قال: نا علي بن أحمد بن الهيثم العسكري، أخبرنا علي بن حرب، نا عتيق بن يعقوب الزبيري، نا أبي بن العباس بن سهل ابن سعد، عن أبيه،\nعن جده سهل بن سعد أن النبي ﷺ سئل عن الاستطابة؟ فقال: أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين، وحجرًا للمسربة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٥٦).\n(^٢) الحديث أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٤٢٠)، والطبراني في الكبير (٥٦٩٧)، والروياني في مسنده (١١٠٨)، والبيهقي في سننه (٢/ ١١٤)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ١٦) من طريق عتيق ابن يعقوب به.\nوفي إسناده: أبي بن العباس بن سهل، جاء في ترجمته:\nقال البخاري: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (١/ ١٦٣).\nوقال أحمد: منكر الحديث. بحر الدم (٤٩).\nوقال يحيي بن معين: ضعيف. تهذيب الكمال (٢/ ٢٦٠).\nقال النسائي: ليس بالقوي. الكامل (١/ ٤٢٠).\nوقال ابن عدي: ولأبي غير ما ذكرت من الحديث يسير، وهو يكتب حديثه، وهو فرد في المتون والأسانيد. المرجع السابق.\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٢/ ٢٩٠).\nوقواه الدارقطني. انظر من تكلم فيه وهو موثق (١٢). ...\nوفي التقريب: فيه ضعف.\nفالحديث ضعيف، ولا يحتمل تفرد أبي بن عباس بهذا الحديث، قال العقيلي: روى الاستنجاء بثلاثة أحجار عن النبي ﷺ جماعة منهم أبو هريرة وسلمان وخزيمة بن ثابت، وعائشة، والسائب ابن خلاد الجهني وأبو أيوب، ولم يأت أحد منهم بهذا اللفظ، ولأبي أحاديث لا يتابع منها على شيء.\nوقال الإمام الدارقطني في السنن: إسناد حسن، ولا يقصد الحسن الاصطلاحي عند المتأخرين، بل يقصد به الغريب كما بينت ذلك في كتاب المياه.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢١١): «رواه الطبراني في الكبير، وفيه عتيق بن يعقوب الزبيري، يقال: إنه حفظ الموطأ في حياة مالك». اهـ\nوينبغي أن يقول فيه: فيه أبي بن عباس، وقد تكلموا فيه.","vol":"7","page":268},{"text":"• الراجح:\nأن الاستجمار لم يرد له في الشرع صفة معينة، بل المطلوب أمران:\nالأول: الإنقاء، وهو إزالة عين النجاسة، على الصفة المطلوبة التي قدمناها في صفة الإنقاء.\nالثاني: استعمال ثلاثة أحجار، بحيث لا يكتفى بحجر واحد، وكيف استعمل هذه الأحجار أجزأه، والكلام على استحباب صفة معينة يحتاج إلى توقيف، ولا توقيف في المسألة، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3356>الفصل التاسع\nلا يباشر الاستنجاء بيده اليمنى ولا يمس ذكره بها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النهي عن مس الذكر باليمين حال البول، هل هو من باب تكريم اليمين باعتبار العضو طاهرًا، فيكون النهي للكراهة، أو من باب وقاية اليمين عن مباشرة النجاسة فيكون النهي للتحريم.\n• الأصل في النهي التحريم ويصرف عنه إلى الكراهة لأدنى صارف.\n[م-٦٣١] كره الفقهاء مس الفرج باليمين حال البول، واستنجاءه واستجماره بها، وهو مذهب الأئمة (^١).\nوقيل: يحرم الاستنجاء باليمين، رجحه ابن نجيم من الحنفية (^٢)، واختاره\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (١/ ١١٩)، شرح فتح القدير (١/ ٢١٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٢١٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٩).\nوفي مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٩٠)، القوانين الفقهية (ص: ٢٩)، التاج والإكليل (١/ ٣٨٨)، الخرشي (١/ ١٤١)، حاشية الصاوي (١/ ٩٥).\nوفي مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١٢٥)، روضة الطالبين (١/ ٧٠)، أسنى المطالب (١/ ٥٣)، المهذب (١/ ٢٨)، حلية العلماء (١/ ١٦٣)، حواشي الشرواني (١/ ١٨٤)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٠)، تحفة المحتاج (١/ ١٨٤، ١٨٥).\nوفي مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٠٣)، شرح العمدة (١/ ١٥٢)، المحرر (١/ ١٠)، الكافي (١/ ٥٤)، كشاف القناع (١/ ٦١)، الفتاوى الكبرى (١/ ٣٤٠)، الفروع (١/ ١٢٠).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢٥٥).","vol":"7","page":270},{"text":"ابن حزم (^١)، ورجحه الشوكاني (^٢).\nوقيل: يكره مس الذكر باليمين، ويحرم الاستنجاء بها، اختاره بعض الحنابلة وبعض الشافعية (^٣).\n• دليل من قال: يحرم الاستنجاء باليمين:\nقال: ورد النهي عن الاستنجاء باليمين في أحاديث كثيرة، والأصل في النهي التحريم. ومن تلك الأحاديث مايلي:\nالدليل الأول:\n(١٤٣١ - ١٧٣) ما رواه البخاري من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه، ولا يتنفس في الإناء، ورواه مسلم (^٤).\nالدليل الثاني:\n(١٤٣٢ - ١٧٤) ما رواه مسلم من طريق وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،\nعن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال:\n_________\n(^١) المحلى (١/ ١٠٨)، والعجبيب أن ابن حزم أباح للمرأة أن تمس فرجها باليمين حال البول، وحرم ذلك على الرجل، اتباعًا للظاهر، وجمودًا عليه. انظر المحلى (١/ ٣١٨).\nوقد قال بالتحريم غير ابن حزم، قال ابن عبد البر في الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٧): «ولا يجوز لأحد أن يستنجي بيمينه».اهـ\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ١٠٦).\n(^٣) الفروع (١/ ٩٣)، ونسبه ابن حجر في الفتح (ح ١٥٣) لبعض الحنابلة، وذهب إليه بعض الشافعية، قال في المهذب (٢/ ١٢٥): «ولا يجوز أن يستنجي بيمينه». ونسبه النووي إلى سليم الرازي في الكفاية والمتولي، والشيخ نصر وأبي حامد. راجع المجموع (٢/ ١٢٥).\n(^٤) صحيح البخاري (١٥٤)، مسلم (٢٦٧).","vol":"7","page":271},{"text":"أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (^١).\nالدليل الثالث:\n(١٤٣٣ - ١٧٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (^٢).\n[حسن] (^٣).\nالدليل الرابع:\n(١٤٣٤ - ١٧٦) روى أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود،\nعن عائشة أنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى.\nقال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه\n[الراجح في إسناده الانقطاع] (^٤).\nفهذه الأحاديث فيها النهي عن مس الذكر باليمين، وعن الاستنجاء باليمين، وأخذ بظاهرها ابن حزم ومن معه، فقالوا: يحرم الاستنجاء باليمين.\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٢).\n(^٢) المسند (٢/ ٢٥٠).\n(^٣) سبق تخريجه. انظر ح (١٢٦٣).\n(^٤) انظر تخريجه في رقم (١٢٨٠).","vol":"7","page":272},{"text":"• دليل من قال: يكره الاستنجاء باليمين:\nحملوا النهي في الأحاديث السابقة على الكراهة، والقرينة الصارفة عندهم أن ذلك أدب من الآداب، فلا يصل النهي فيها للتحريم، فيحتمل أن تكون الحكمة من النهي كون اليد اليمنى معدة للأكل بها، فلو استنجى بها لأمكن أن يتذكر ذلك عند الأكل فيتأذى بذلك، والله أعلم.\n• دليل من حرم مس الذكر باليمين وكره الاستنجاء بها:\nقالوا: ثبت النهي عن مس الذكر باليمين، وعن الاستنجاء باليمين كما في حديث أبي قتادة المتقدم، لكن قالوا: إن الاستنجاء باليمين أقبح من مس الذكر حال البول؛ لأن في الأولى مباشرة إزالة النجاسة باليد اليمنى، وفي الثاني مسه فقط دون الاستنجاء، والذكر في نفسه طاهر، وليس بنجس، لهذا حملنا النهي على الأصل في إزالة النجاسة باليمين، وأنه للتحريم، وحملنا النهي على الكراهة في مس الذكر؛ لأنه بضعة من الإنسان، والله أعلم.\n• الراجح:\nأن القول بالتحريم قول قوي؛ لأن الصارف ليس واضحًا؛ نعم يتساهل الفقهاء بالصارف لو وجد، ويصرفون اللفظ من الوجوب للندب، ومن التحريم للكراهة لأدنى صارف، لكن لم يظهر لي حكمة كونه أدبًا من الآداب أن نحمله على الكراهة، ولا يخفى أن هذا الصارف ليس نصًا منصوصًا عليه، إنما هو شيء انقدح في النفس، وهي علة مستنبطة، فلا بد من حمله على الكراهة من قرينة جلية تكون سببًا في نقله من أصله الذي هو التحريم إلى الكراهة، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3357>المبحث الأول هل يكره مس الذكر باليمين مطلقًا أو حال البول فقط</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النهي عن الأغلظ لا يشمل الأخف.\n• النهي عن مس الذكر باليمين حال البول، إن كان من باب تكريم اليمين كان النهي مطلقًا، وإن كان من باب وقاية اليمين عن مباشرة النجاسة كان النهي خاصًا بحال البول، وهو الراجح.\n[م-٦٣٢] اختلف الفقهاء هل يكره مس الذكر باليمين مطلقًا أو حال البول؟\nفقيل: يكره مس الذكر باليمين مطلقًا حال البول وغيره (^١).\nوقيل: يكره حال البول فقط، وهو الظاهر (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3358> دليل من قال: يكره حال البول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3359>الدليل الأول:</span>\n(١٤٣٥ - ١٧٧) ما رواه مسلم من طريق همام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،\n_________\n(^١) وهو ظاهر عبارة أحمد، قال في الفروع (١/ ١٢٤): «أكره أن يمس فرجه بيمينه، فظاهره مطلقًا، وذكر صاحب المحرر، وهو ظاهر كلام الشيخ، وحمله أبو البركات ابن منجا على وقت الحاجة، لسياقه فيها، وترجم الخلال رواية صالح كذلك». اهـ وانظر معالم السنن (١/ ٢٣)، شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٥٦)، إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ١٠٣)، حاشية السيوطي على النسائي (١/ ٤٣)، البحر الرائق (١/ ٢٥٥)، أسنى المطالب (١/ ٥٣).\n(^٢) فتح الباري (ح ١٥٤)، البحر المحيط في أصول الفقه (٥/ ٢٩).","vol":"7","page":274},{"text":"عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه، وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء، ورواه البخاري بنحوه (^١).\nوفي رواية للبخاري: إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه. وتقدم تخريجها.\nفقوله: وهو يبول: أي حالة كونه يبول، فلا يتعدى النهي إلى غيرها؛ لأن الأصل الحل، فلا يكره شيء، ولا يحرم إلا بيقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3360>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٣٦ - ١٧٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله ابن بدر، عن قيس بن طلق،\nعن أبيه قال: خرجنا وفدًا حتى قدمنا على رسول الله ﷺ، فبايعناه وصلينا معه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله ما ترى في مس الذكر في الصلاة؟ فقال: وهل هو إلا بضعة أو مضغة منك (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٤)، مسلم (٢٦٧).\n(^٢) المصنف (١/ ١٥٢).\n(^٣) الحديث أخرجه ابن أبي شيبة كما في حديث الباب، وأخرجه أبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، والنسائي في الكبرى (١٦٢)، والمجتبى (١٦٥) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٦٧٥)، وابن الجارود في المنتقى (٢١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥، ٧٦)، وابن حبان (١١١٩، ١١٢٠)، والطبراني في الكبير (٨٢٤٣)، والدارقطني (١/ ١٤٩)، والبيهقي في السنن (١/ ١٣٤) من طريق عبد الله بن بدر.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٢٦)، وأحمد (٤/ ٢٣)، وابن ماجه (٤٨٣)، وابن الجارود في المنتقى (٢٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥)، والدارقطني (١/ ١٤٩)،\nوأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٠٣) من طريق محمد بن جابر، عن قيس بن طلق به.\nومحمد بن جابر متكلم فيه، قد تغير بآخرة، قال الحافظ: صدوق، ذهبت كتبه، فساء حفظه، وخلط كثيرًا، وعمي، فصار يلقن، وقد تابعه عبد الله بن بدر كما سبق وتابعه غيره. =","vol":"7","page":275},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الطيالسي (١٠٩٦)، وأحمد (٤/ ٢٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٥، ٧٦)، والحازمي في الاعتبار (ص: ٨٢) من طريق أيوب بن عتبة، ثلاثتهم، (عبد الله بن بدر، ومحمد بن جابر، وأيوب) رووه عن قيس بن طلق به.\nوأيوب بن عتبة، وإن كان متكلمًا فيه إلا أن سليمابن داود بن شعبة اليمامي، قال: وقع أيوب بن عتبة إلى البصرة، وليس معه كتب، فحدث من حفظه، وكان لا يحفظ، فأما حديث اليمامة ما حدث به، فهو مستقيم.\nوقد ضعفه كل من يحيىبن معين وعلي بن المديني، وعمرو بن علي، ومسلم بن الحجاج، والبخاري، والنسائي، وابن حجر وغيرهم.\nوالحديث مداره على قيس بن طلق، جاء في ترجمته:\nقال أحمد: غيره أثبت منه. وهذه العبارة من عبارات الجرح، بخلاف ما إذا قال: فلان أثبت منه، وذكر اسمه، فيحتمل أن يكون كل واحد منهما ثبتًا، وأحدهما أثبت من الآخر.\nوقال الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره.\nوقال الدارقطني: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث محمد بن جابر، فقالا: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة، ووهناه، ولم يثبتاه.\nوقال الدارقطني: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (٨/ ٣٥٦).\nواختلف قول ابن معين فيه، فقد ضعفه في رواية كما نقل ذلك سبط ابن العجمي في حاشتيه على الكاشف، وذكر ذلك الحافظ الذهبي في الميزان.\nوأما ما أخرجه الحاكم (١/ ١٣٩) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٣٥) عن عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، ثنا رجاء بن مرجي الحافظ، قال: اجتمعنا في مسجد الخيف أنا وأحمد بن حنبل وعلي ابن المديني ويحي بن معين، فتناظروا في مس الذكر، فذكر قصة، وفيها: ثم قال يحيى: ولقد أكثر الناس في قيس بن طلق، وأنه لا يحتج بحديثه ... إلخ المناظرة.\nففي إسناده عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، قال عنه في الميزان (٢/ ٥٢٤): لقيه أحمد بن عدي، واتهمه في الكذب في روايته عن علي بن حجر ونحوه. وضعفها ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ١٣٥). والمعتمد في تضعيف يحيى بن معين ما ذكره الذهبي وسبط ابن العجمي، لا هذه الرواية.\nووثقه يحيى بن معين في رواية، قال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين، قلت:\nعبد الله بن النعمان، عن قيس بن طلق؟ قال شيوخ يمامية ثقات. الجرح والتعديل (٧/ ١٠٠).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣١٣).\nوقال العجلي: يمامي تابعي ثقة. معرفة الثقات (٢/ ٢٢٠).\nولا شك أن الإمام أحمد وأبا حاتم وأبا زرعة والدارقطني والشافعي أولى من ابن حبان والعجلي. =","vol":"7","page":276},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (إنما هو بعضة منك): دل على جواز مسه بكل حال، خرجت حالة البول بحديث أبي قتادة المتفق عليه، وبقي ما عداها على الإباحة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3361> دليل من قال يكره مس الذكر مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3362>الدليل الأول:</span>\nما رواه مسلم من طريق أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبي قتادة، أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه (^١).\nونوقش هذا:\nبأن الحديث قد رواه غير أيوب عن يحيى بن أبي كثير بالتقييد بالبول، فيحمل\n_________\n= وأما يحيى بن معين فليس قبول توثيقه بأولى من قبول تضعيفه، فيتقابلان ويتساقطان.\nوأما ابن حجر، فقال في التقريب: صدوق، ومعلوم أن الحافظ ﵀ وإن كان قد أعطي اعتدالًا وسبرًا للرجال، إلا أن عمدته كلام المتقدمين، وقد علمت أقوالهم فيه، ولا أعلم أحدًا تابع قيس بن طلق في حديثه عن أبيه، والمتقدمون يعلون الحديث بالتفرد، ولو كان من ثقة، فكيف إذا كان متكلمًا فيه من أئمة الجرح كالإمام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم والدارقطني والشافعي، فلا شك في تضعيف حديثه، والله أعلم.\nوله شاهد من حديث أبي أمامة إلا أن ضعفه شديد، فلا يصلح في الشواهد، أخرجه ابن ماجه (٤٨٤) من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: سئل رسول الله ﷺ عن مس الذكر، فقال: إنما هو جزء منك. وجعفر بن الزبير متروك الحديث.\nوله شاهد ثان، وهو ضعيف جدًا أيضًا، أخرجه الدراقطني (١/ ١٤٩) من طريق الفضل بن المختار، عن الصلت بن دينار، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب وعن عبيد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي، وكان من أصحاب النبي ﷺ أن رجلًا قال: يا رسول الله احتككت في الصلاة، فأصابت يدي فرجي، وذكر الحديث.\nوفي الإسناد الفضل بن المختار، قال أبو حاتم: هو مجهول، وأحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل. وذكر له في لسان الميزان حديثًا، وقال: هذا يشبه أن يكون موضوعًا، وانظر ح: (٤٤٢).\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٧).","vol":"7","page":277},{"text":"المطلق من هذا الحديث على المقيد، خاصة أن الحديث مخرجه واحد (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3363>الدليل الثاني:</span>\nما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة أنها قالت:\nكانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى.\nقال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه.\n[الراجح في إسناده الانقطاع] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3364>الدليل الثالث:</span>\nما رواه أحمد، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن المسيب،\nعن حفصة زوج النبي ﷺ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، وكانت يمينه لطعامه وطهوره وصلاته وثيابه، وكانت شماله لما سوى ذلك، وكان يصوم الاثنين والخميس (^٣).\n[إسناده مضطرب] (^٤).\n_________\n(^١) راوه البخاري (١٥٤) من طريق الأوزاعي.\nورواه البخاري (١٥٣) ومسلم (٢٦٧) من طريق هشام الدستوائي.\nورواه البخاري (٥٦٣٠) من طريق شيبان.\nورواه مسلم (٢٦٧) من طريق همام كلهم رووه عن يحيى بن أبي كثير به، بقيد البول.\n(^٢) سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٨٠).\n(^٣) المسند (٦/ ٢٨٧).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٨١).","vol":"7","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3365>الدليل الرابع:</span>\nما رواه ابن ماجه من طريق الصلت بن دينار، عن عقبة بن صهبان، قال:\nسمعت عثمان بن عفان يقول: ما تغنيت، ولا تمنيت، ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ.\n[ضعيف جدًا] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3366>الدليل الخامس:</span>\nقالوا: إذا نهي عن مس الذكر حال البول، مع مظنة الحاجة في تلك الحالة، فيكون النهي في غيرها مع عدم الحاجة من باب أولى.\n• الراجح:\nأرى أن أقواها القول بجواز مس الذكر في غير حالة البول، ولا يمكن القياس على النهي عن مسه حال البول؛ لأن الشارع حريص على عدم ملابسة النجاسة، أما إذا انقطع البول فلا فرق بين الذكر وغيره من الأعضاء، ولا يقاس الأخف على الأغلظ، ولو كان مسه منهيًا عنه مطلقًا لجاءت النصوص الواضحة التي تنهى عن مسه مطلقًا، والإنسان قد لا ينفك عن الحاجة إلى مسه، فالقول بالمنع مع عدم قيام الدليل المانع فيه حرج وكلفة بلا دليل واضح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٣٠٧)، وفيه الصلت بن دينار متروك الحديث.","vol":"7","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3367>المبحث الثاني في صحة الاستنجاء باليمين إذا وقع</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النهي عن الشيء لذاته يقتضي فساد المنهي عنه، والنهي عنه لغيره لا يقتضيه.\n• الحكم بالنجاسة معلل، فإذا زالت النجاسة بأي مزيل زال حكمها.\n[م-٦٣٣] إذا استنجى بيمينه هل يجزئه ذلك؟\nأما القائلون بالكراهة، فظاهر أنه يجزئ بلا إثم.\nوأما القائلون بالتحريم، فقد اختلفوا:\nفقيل: يجزئ مع الإثم (^١).\nوقيل: لا يجزئ، وهو اختيار ابن حزم (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3368> دليل من قال: لا يجزئ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3369>الدليل الأول:</span>\nأن النهي عن الشيء يقتضي فساده؛ لأننا إذا صححنا الفعل المحرم نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثرًا صحيحًا، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ؛ ولأن\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٩٣).\n(^٢) المحلى (١/ ١٠٨).","vol":"7","page":280},{"text":"تصحيح الفعل المحرم فيه تشجيع على فعله، بخلاف ما إذا جعل لغوًا، فهذا يحمله على تركه.\n• ويناقش:\nبأن النهي عن الشيء لا يقتضي فساده مطلقًا، فإن كان النهي لمعنى في غير المنهي عنه صح الفعل مع الإثم.\nولهذا لو كان الصوم يضر بالرجل، كان الصيام عليه محرمًا، فلو صام صح صومه، وكذلك لو غصب سكينًا فذبح بها شاة، حلت الذبيحة، وإن كان استعمال السكين في الذبح محرمًا، ومثله مسألتنا فالاستنجاء باليمين منهي عنه ليس لذات الاستنجاء، وإنما إكرام لليمين، فإذا استنجى صح الاستنجاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3370>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٣٧ - ١٧٩) ما رواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد،\nقال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن القيم: وقوله: (فهو رد) الرد: فَعْل بمعنى المفعول، أي فهو مردود، وعبر عن المفعول بالمصدر مبالغة، حتى كأنه نفس الرد، وهذا تصريح بإبطال كل عمل على خلاف أمره ورده، وعدم اعتباره في حكم المقبول، ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه ردًا أبلغ من كونه باطلًا، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه أو منفعته قليلة جدًا، وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه، وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئًا ولم يترتب عليه مقصوده أصلًا (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧١٨).\n(^٢) تهذيب السنن (٣/ ٩٩).","vol":"7","page":281},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3371> دليل من قال يجزئ مع الإثم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3372>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحًا، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، ومثله الصلاة في الأرض المغصوبة، والصلاة في الثوب المسروق الصحيح صحة الصلاة مع الإثم، والله أعلم.\nومن النظر: قالوا: لا يمكن أن نحكم بنجاسة المحل، مع زوال النجاسة، فالحكم مرتبط بعلته، فإذا ذهبت النجاسة طهر المحل.\nولأن القاعدة الشرعية: أن العبادة الواقعة على وجه محرم:\nإن كان التحريم عائدًا إلى ذات العبادة، كصوم يوم العيد، لم تصح العبادة.\nوإن كان التحريم عائدًا إلى شرطها على وجه يختص بها كالصلاة بالثوب النجس على القول بأن الطهارة من النجاسة شرط، لم تصح إلا لعاجز أو عادم.\nوإن كان التحريم عائدًا إلى شرط العبادة، ولكن لا يختص بها، ففيها روايتان:\nفقيل: يصح، وهو الأرجح.\nوقيل: لا يصح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.\nوإن كان التحريم عائدًا إلى أمر خارج لا يتعلق بشرطها، كالوضوء من الإناء المحرم، فالراجح صحة العبادة، وعليه الأكثر (^١).\nوهنا المنع ليس عائدًا على شرط العبادة التي هي الطهارة، وإنما عائد على أمر خارج، وهو الاستنجاء باليمين، فيصح الاستنجاء، وهل يستحق الإثم هذا عائد إلى حكم الاستنجاء باليمين، هل هو للتحريم أو للكراهة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر بتصرف القاعدة التاسعة من قواعد ابن رجب الفقهية (ص: ١٢)، وفي مسألة اعتبار الطهارة من النجاسة شرطًا لصحة الصلاة خلاف بين أهل العلم، وإن كنت أميل إلى مذهب المالكية، وأن الطهارة منها واجبة، وليست شرطًا، وهذا مذهب الشوكاني رحمه الله تعالى.","vol":"7","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3373>المبحث الثالث إشكال وجوابه</span>\n[م-٦٣٤] نهي عن الاستنجاء باليمين، وعن مس الذكر بها، فإن استنجى باليد اليسرى، لزم منه مس الذكر باليمين على القول بأنه منهي عن مسه مطلقًا، وإن استنجى باليمين وقع في النهي، فما المخرج من ذلك؟\nقال النووي: «الصحيح الذي قاله الجمهور أنه يأخذ الحجر بيمينه، والذكر بيساره، ويحرك اليسار دون اليمين، فإن حرك اليمين، أو حركهما كان مستنجيًا باليمين، مرتكبًا لكراهة التنزيه» (^١). اهـ\nوقال الخطابي في معالم السنن: «الصواب في مثل هذا أن يتوخى الاستنجاء بالحجر الضخم الذي لا يزول عن مكانه بأدنى حركة تصيبه، أو بالجدار، أو بالموضع الناتئ من وجه الأرض، أو بنحوها من الأشياء، فإن أدته الضرورة إلى الاستنجاء بالحجارة، والنبل ونحوها، فالوجه أن يتأتى بأن يلصق مقعدته إلى الأرض، ويمسك الممسوح بين عقبيه، ويتناول عضوه بشماله، فيمسحه به، وينزه عنه يمينه» (^٢). اهـ\nوتعقبه ابن حجر، فقال: «وأثار الخطابي هنا بحثًا، وبالغ في التبجح به، وقال عن\n_________\n(^١) ونسب ابن حجر في الفتح (ح ١٥٣) هذا القول إلى إمام الحرمين، ومن بعده كالغزالي في الوسيط، والبغوي في التهذيب. قال ابن حجر: «ومن ادعى في هذه الحالة أنه يكون مستجمرًا بيمينه فقد غلط، وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره حال الاستنجاء». اهـ\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢١).","vol":"7","page":283},{"text":"رأي الخطابي: بأنه هذه هيئة منكرة، بل يتعذر فعلها في غالب الأوقات» (^١).\nوذكر النووي قولًا ثالثًا، ونسبه لبعض أصحابهم: بأنه يأخذ الذكر بيمينه، والحجر بيساره، ويحرك اليسار، لئلا يستنجي باليمين. حكاه صاحب الحاوي وغيره.\nقال النووي: وهذا غلط؛ فإنه منهي عن مس الذكر باليمين.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (ح ١٥٣).","vol":"7","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3374>المبحث الرابع حكم مس الدبر باليمين حال قضاء الحاجة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• التنصيص على الذكر لا مفهوم له، فيلحق به الدبر قياسًا أو من باب أولى.\n[م-٦٣٥] المس وإن كان منصوصًا على الذكر، لكن يلحق به الدبر قياسًا، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له.\nوقال ابن حزم: بأن النهي عن الاستنجاء باليمين خاص بالدبر، ويرى أن مسح البول باليمين جائز.\nوتعليل ابن حزم: بأنه لم ينه عنه، وإنما نهي عن الاستنجاء باليمين، ومسح البول لا يسمى استنجاء.\nوهذا القول ضعيف جدًا؛ لأنه إذا نهي عن مس الذكر، وهو يبول، فنهيه عن مباشرة البول من باب أولى، ثم هل يسلم له بأن مسح البول لا يسمى استنجاء؟\nفإذا نظرنا إلى أصل النجو في اللغة وجدنا أن من معانيه القطع، من قولهم: نجوت الشجرة: إذا قطعتها. وفي الاستنجاء من البول ونحوه قطع له، والمسح الذي لم يره ابن حزم استنجاء هو بحد ذاته قطع وإزالة للنجاسة، فاتضح أن مسح البول يسمى استنجاء، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3375>المبحث الخامس حكم مس فرج المرأة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل.\n[م-٦٣٦] التنصيص على ذكر الرجل لا مفهوم له، بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبين، والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خصه الدليل.\nوقال ابن حزم: ومس المرأة فرجها بيمينها وشمالها جائز (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3376> دليل ابن حزم:</span>\nأخذ ابن حزم ﵀ بالظاهر، وأن المنهي عنه هو مس الذكر، لا مس فرج المرأة، وكل ما لا نص في تحريمه، فهو مباح بقوله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: ١١٩].\nوبحديث: (دعوني ما تركتكم).\nولكن يقال: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣].\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣١٨).","vol":"7","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3377>الفصل العاشر\nالشك بعد الفراغ من الاستنجاء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الشك الطارئ بعد الفراغ من العبادة لا تأثير له على الصحيح.\n• الشك بعد الفراغ من العبادة من باب تقديم الظاهر على الأصل.\n[م-٦٣٧] لو شك بعد الاستنجاء هل غسل ذكره أم لا، وهل مسح اثنتين أم ثلاثًا لم تلزمه إعادته كما لو شك بعد الوضوء (^١).\nوقد نص الفقهاء على أن الشك بعد الفراغ من العبادة لا يؤثر فيها (^٢).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (٢/ ١٨)، فتح المعين (١/ ١٠٧)، وانظر إعانة الطالبين (١/ ١١٢).\n(^٢) قال ابن قدامة في المغني (٣/ ١٨٧): «وإن شك بعد الفراغ منه -أي من الطواف- لم يلزمه شيء». اهـ\nوقال أيضًا (١/ ٨٠): «وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها؛ لأنها عبادة شك في شرطها وهو فيها، فلم تصح كالصلاة، إلا أن النية إنما هي القصد، ولا يعتبر مقارنتها، فمهما علم أنه جاء ليتوضأ وأراد فعل الوضوء مقارنا له أو سابقا عليه قريبا منه فقد وجدت النية، وإن شك في وجود ذلك في أثناء الطهارة لم يصح ما فعله منها، وهكذا إن شك في غسل عضو أو مسح رأسه، كان حكمه حكم من لم يأت به؛ لأن الأصل عدمه، إلا أن يكون ذلك وهما كالوسواس، فلا يلتفت إليه. وإن شك في شيء من ذلك بعد فراغه من الطهارة لم يلتفت إلى شكه؛ لأنه شك في العبادة بعد فراغه منها، أشبه الشك في شرط الصلاة ...». إلخ كلامه ﵀.\nوقال الدسوقي في حاشتيه (١/ ١٢٤): «إذا شك بعد الفراغ من الصلاة فلا شيء عليه إلا إذا تبين له الحدث». اهـ","vol":"7","page":287},{"text":"وساق العمراني في البيان في المسألة وجهين، والله أعلم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3378> دليل القول بأن الشك بعد العبادة لا يؤثر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3379>الدليل الأول:</span>\nأن الالتفات إلى الشك بعد الفراغ من العبادة لو كلف به العبد لأدى ذلك إلى الحرج والمشقة.\nقال الزركشي: «فرق الإمام الشافعي بين الشك في الفعل، وبين الشك بعد الفعل، فلم يوجب إعادة الثاني؛ لأنه يؤدى إلى المشقة، فإن المصلي لو كلف أن يكون ذاكرًا لما صلى لتعذر عليه ذلك، ولم يطقه أحد فسومح فيه» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3380>الدليل الثاني:</span>\nتقديم الظاهر على الأصل؛ لأن الظاهر من أفعال المكلفين أنها وقعت على الوجه الصحيح.\nقال ابن رجب في القواعد: «إذا شك بعد الفراغ من الصلاة أو غيرها من العبادات في ترك ركن منها، فإنه لا يلتفت إلى الشك، وإن كان الأصل عدم الإتيان به وعدم براءة الذمة، لكن الظاهر من أفعال المكلفين للعبادات أن تقع على وجه الكمال، فيرجح هذا الظاهر على الأصل» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) البيان (١/ ١٤٣).\n(^٢) المنثور في القواعد الفقهية (٢/ ٢٥٧).\n(^٣) القواعد لابن رجب، القاعدة (١٥٩)، (ص: ٣٤٠).","vol":"7","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3381>الفصل الحادي عشر\nنضح الماء على الفرج والسراويل</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• ما استحب لسبب خاص كدفع وسوسة ممن ابتلي بها يختص به، ولا عموم له.\n[م-٦٣٨] إذا فرغ من الاستنجاء بالماء استحب له أن ينضح فرجه أو سراويله بشيء من الماء، إن كان الشيطان يريبه كثيرًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية (^١).\nوقيل: يستحب مطلقًا، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢)، قطعًا للوسواس.\nوقيل: لا ينتضح في الاستنجاء كما لا ينتضح في الاستجمار، وهو رواية عن أحمد (^٣).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٥٣)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٩)، وفي الفتاوى الهندية (١/ ٤٩): «ولو عرض له الشيطان كثيرًا لا يلتفت إلى ذلك كما في الصلاة، وينضح فرجه بماء حتى لو رأى بللا حمله على بلة الماء. هكذا في الظهيرية». اهـ\nوانظر في مذهب المالكية: التاج والإكليل (١/ ٢٨٢)، المنتقى للباجي (١/ ٨٩).\n(^٢) في مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (٢/ ١٣٠): يستحب أن يأخذ حفنة من ماء، فينضح بها فرجه، وداخل سراويله أو إزاره بعد الاستنجاء دفعا للوسواس، ذكره الروياني وغيره. وجاء به الحديث الصحيح في خصال الفطرة وهو الانتضاح، والله أعلم. وانظر طرح التثريب (٢/ ٨٥، ٨٦)، أسنى المطالب (١/ ٥٣).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفروع (١/ ١٢٢)، الإنصاف (١/ ١٠٩)، المغني (١/ ١٠٣).\n(^٣) الفروع (١/ ١٢٢)، الإنصاف (١/ ١٠٩).","vol":"7","page":289},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3382> دليل من قال: ينضح فرجه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3383>الدليل الأول:</span>\n(١٤٣٨ - ١٨٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،\nعن أبي الحكم أو الحكم بن سفيان الثقفي قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ، ونضح فرجه.\nقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، قال: قال شريك: سألت أهل الحكم بن سفيان فذكروا أنه لم يدرك النبي ﷺ (^١).\n[اختلف في إسناده، وهل هو متصل أم منقطع] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٤١٠).\n(^٢) اختلف في إسناده على هذا الوجه.\nفقيل: عن منصور، عن الحكم بن سفيان أو أبي الحكم بن سفيان، عن النبي ﷺ.\nأخرجه أحمد كما في حديث الباب، والطبراني في الكبير (٣١٨٤) من طريق جرير به.\nوأخرجه الطبراني أيضًا (٣١٧٩) من طريق أبي عوانة،\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢١٦) رقم ٣١٧٧، من طريق شعبة، كلاهما عن منصور به.\nواختلف على شعبة، فقيل: هذا، وقيل: عن الحكم أو أبي الحكم عن أبيه عن رسول الله ﷺ بزيادة أبيه، وسيأتي تخريجها.\nوقيل: عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان، أو سفيان بن الحكم، عن النبي ﷺ.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٨٦، ٥٨٧) ومن طريقه عبد بن حميد كما في المنتخب (٤٨٦) والطبراني في الكبير (٣١٧٤) عن معمر.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٧٩، ٢١٢) والطبراني (٦٣٩٢) والحاكم (٦٠٨) من طريق الثوري.\nوأخرجه الطبراني أيضًا (٣١٨١) من طريق مفضل بن مهلهل،\nوأخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٢٠٦) من طريق زائدة أربعتهم عن منصور عن مجاهد به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٥٥) ومن طريقه ابن ماجه (٤٦١)، والطبراني في الكبير (٣١٨٠)، و(٣١٨٢) من طريق زكريا بن أبي زائدة.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٣١٧٥) وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٢٠٦) من طريق سلام ابن أبي مطيع. =","vol":"7","page":290},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه أيضًا (٣١٨٣) من طريق قيس بن الربيع. ثلاثتهم عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم ابن سفيان، عن النبي ﷺ ولم يشك.\nوقيل: عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم، أو أبي الحكم، عن أبيه عن النبي ﷺ. فزاد كلمة عن أبيه.\nرواه أبو داود الطيالسي (١٢٦٨) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٦١)\nوأخرجه البيهقي في السنن (١/ ١٦١) من طريق حفص بن عمر كلاهما عن شعبة، عن منصور، عن مجاهد به.\nوقيل: عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان، عن أبيه عن النبي ﷺ.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (١٣٥)، وفي المجتبى (١٣٤) من طريق شعبة.\nوالطبراني في الكبير (٣١٧٨) من طريق وهيب، كلاهما عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان، عن أبيه به.\nوقيل: عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم أو ابن الحكم، عن أبيه.\nأخرجه أبو داود (١٦٧) من طريق زائدة، عن منصور، عن مجاهد به.\nوقيل: عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه.\nأخرجه الحاكم (٦٠٩) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٦١) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد به.\nوعندي أن هذا الاختلاف يرجع إلى اختلافين:\nهل هو عن الحكم بن سفيان، عن النبي ﷺ.\nأو عن الحكم بن سفيان، عن أبيه.\nوعلى تقدير أن يكون عن الحكم، عن النبي ﷺ هل سمع الحكم بن سفيان من النبي ﷺ فيكون متصلًا، أو لم يسمع فيكون منقطعًا؟\nوأما بقية الاختلافات هل هو الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم، أو أبي الحكم فإنما هو اختلاف في اسمه، وهو لا يؤثر إذا كانت عينه معروفة.\nواختلف في الراجح من هذين الاختلافين: فقد ذكر هذه الطرق ابن أبي حاتم في العلل، وصحح أبو زرعة: أنه عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان، وله صحبة.\nورجح أبو حاتم أنه عن الحكم بن سفيان عن أبيه. انظر العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٦).\nوقال الترمذي على إثر حديث رقم (٥٠): «وفي الباب عن أبي الحكم بن سفيان، وقال بعضهم: سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، واضطربوا في هذا الحديث». اهـ كلام الترمذي\nوقال العلائي في جامع التحصيل (ص: ١٦٦): «الحكم بن سفيان، وقيل: ابن أبي سفيان، وقيل: سفيان بن الحكم، ويقال أيضا: أبو الحكم، وقيل: غير ذلك الثقفي له في سنن أبي داود، =","vol":"7","page":291},{"text":"وعلى تقدير صحته فليس فيه دليل؛ لأنه يحتمل أن يكون النضح هنا بمعنى الغسل، فيكون إشارة إلى الاستنجاء، كما قال في المذي: توضأ وانضح فرجك كما هو في مسلم سواء بسواء، وفي حديث أسماء في دم الحيض يصيب الثوب، في الصحيحين: قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3384>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٣٩ - ١٨١) رواه أحمد، قال: ثنا عفان، ثنا: حماد، ثنا علي بن زيد، عن سلمة ابن محمد بن عمار بن ياسر،\nعن عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ قال: إن من الفطرة -أو الفطرة- المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وتقليم الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط والاستحداد والاختتان، والانتضاح.\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3385>الدليل الثالث:</span>\n(١٤٤٠ - ١٨٢) ما رواه الترمذي من طريق أبي قتيبة سلم بن قتيبة، عن الحسن ابن علي الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج،\n_________\n= والنسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ بال ثم توضأ، ونضح فرجه، وفي بعضها يقول: رأيت النبي ﷺ وفي رواية: عن الحكم بن سفيان، عن أبيه، وفيه اختلاف كثير. قال شريك النخعي: سألت أهل الحكم بن سفيان فذكروا أنه لم يدرك النبي ﷺ، وأما بن عبد البر فصحح صحبته وسماعه، والله أعلم». اهـ\nوقال البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٣٢٩): «وقال بعض ولد الحكم بن سفيان لم يدرك الحكم النبي ﷺ». اهـ\nولاشك أن أهل الرجل أعلم به، خاصة أن مثلهم حريص على مثل هذا الشرف العظيم، فكونهم ينفون سماع سفيان بن الحكم من النبي ﷺ دليل على عدم سماعه، ولو سمع لكان أهله أعلم به من الناس، والله أعلم.\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).\n(^٢) المسند (٤/ ٢٦٤) انظر تخريجه في (١٠/ ٣٨٣) ح: ٢٢٥٢.","vol":"7","page":292},{"text":"عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: جاءني جبريل، فقال: يا محمد إذا توضأت فانتضح (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3386>الدليل الرابع:</span>\n(١٤٤١ - ١٨٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هيثم -قال عبد الله: وسمعته أنا من الهيثم بن خارجة- حدثنا رشدين بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة ابن الزبير،\nعن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ أن جبريل ﵇ لما نزل على النبي ﷺ فعلمه الوضوء، فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها نحو الفرج، قال فكان النبي ﷺ يرش بعد وضوئه.\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٥٠) وقال بعده الترمذي: هذا حديث غريب، قال وسمعت محمدا يقول الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث.\n(^٢) ورواه ابن ماجه (٤٦٣) وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٢١) والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٣٤) والمجروحين لابن حبان (١/ ٢٣٥) وابن الجوزي في العلل المتناهية (٥٨٦) من طريق سلم بن قتيبة به.\nوفي إسناده الحسن بن علي الهاشمي، جاء في ترجمته:\nقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي، منكر الحديث، ضعيف الحديث، روى ثلاثة أحاديث أربعة أحاديث أو نحو ذلك مناكير. الجرح والتعديل (٣/ ٢٠).\nوقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٨).\nوقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير، فلا يحتج به إلا بما يوافق الثقات. المجروحين (١/ ٢٣٤).\nوقال ابن عدي: حديثه قليل، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق. الكامل (٢/ ٣٢١).\n(^٣) في إسناده رشدين بن سعد، وهو رجل ضعيف، وستأتي ترجمته وافية في باب تغيير الشيب بالسواد من كتاب سنن الفطرة، فانظره غير مأمور.\nوقد اختلف فيه على الهيثم بن خارجة:\nفرواه أحمد وابنه عبد الله كما في إسناد الباب، =","vol":"7","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3387>الدليل الخامس:</span>\n(١٤٤٢ - ١٨٤) ما رواه أبو داود، قال: أخبرنا قبيصة، أنبأ سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ونضح فرجه.\n[ضعيف] (^١).\n_________\n= والحربي في غريب الحديث (٢/ ٨٩٥).\nوالدارقطني (١/ ١١١) من طريق حمدان بن علي، ثلاثتهم عن رشدين، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد. وقرن الدارقطني بعقيل قرة.\nورواه ابن لهيعة واختلف عليه فيه:\nفرواه الحارث كما في بغية الباحث (٧٢) حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عقيل ابن خالد، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن النبي كما في رواية رشدين.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٨٢) عن الحسن بن موسى.\nوأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٨٥٨) من طريق كامل بن طلحة.\nوأخرجه الدراقطني (١/ ١١) من طريق حمدان بن علي.\nوأخرجه البيهقي (١/ ١٦١) من طريق عبد الله بن يوسف، كلهم عن ابن لهيعة، أخبرني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن أسامة بن زيد بن حارثة، عن أبيه. فجعله من مسند زيد بن حارثة.\nوابن لهيعة، وهو ضعيف.\nورواه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٧٤) من طريق سعيد بن شرحبيل، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب به بجعله من مسند زيد بن حارثة.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الليث إلا سعيد بن شرحبيل، والمشهور من حديث ابن لهيعة.\n(^١) انفرد قبيصة عن سفيان بزيادة: ونضح على فرجه، ولم يذكرها أحد غيره، فذكر النضح غير محفوظ بهذا الحديث، خاصة وأن رواية قبيصة عن سفيان متكلم فيها، وهذا الحديث قد اتفق رواته على أن الوضوء فيه مرة مرة، سواء ذكروه بهذا اللفظ المختصر، أو ذكروه على سبيل التفصيل بأن ذكروا غسل الوجه مرة وغسل اليدين مرة وغسل الرجلين مرة وهكذا، وكلا الروايتين في البخاري، والذي ساقه مختصرًا لم يتعرض لذكر أعضاء الوضوء بما فيها الرجلان، والذين ذكروه مفصلًا اختلفوا في الرجلين، فبعضهم يذكر غسل الرجلين فقط، وبعضهم يذكر رش الرجلين، وبعضهم يذكر مسح القدمين وفيها النعلان، وقد خرجت هذه الروايات بشيء =","vol":"7","page":294},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من التفصيل، وبيان الراجح منها في كتاب المسح على الحائل انظر (ح ٣٧) فمن أراد أن ينظر إلى الكلام على ألفاظه فلينظره مشكورًا، والذي أنا بصدده الآن بيان من خالف قبيصة بن عقبة بعدم التعرض للنضح، فقد رواه جماعة عن سفيان، ولم يذكروا ما ذكره قبيصة، منهم:\nالأول: محمد بن يوسف، كما عند البخاري (١٥٧)، ولفظه: أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة.\nالثاني: يحيى بن سعيد، أخرجه أبو داود (١٣٨) والنسائي (٨٠)، والترمذي (٤٢) وابن ماجه (٤١١)، وابن حبان (١١٩٥) ولفظه أيضًا كلفظ محمد بن يوسف (توضأ مرة مرة).\nالثالث: وكيع، كما عند الترمذي (٤٢) بالوضوء مرة مرة.\nالرابع: أبو عاصم النبيل كما عند الدارمي (٦٩٦) والطحاوي (١/ ٢٩) بذكر الوضوء مرة مرة.\nالخامس: أبو شهاب الحناط، كما عند أبي عبيد في كتاب الطهور (١٠٣).\nالسادس: المؤمل بن إسماعيل، كما عند البغوي في شرح السنة (٢٢٦).\nالسابع: عبد الرزاق كما في المصنف (١٢٨)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (١/ ٣٦٥).\nالثامن: زيد بن الحباب كما في سنن البيهقي (١/ ٢٨٦).\nالتاسع: رواد بن الجراح كما في الكامل لابن عدي (٣/ ١٧٧).\nفهؤلاء تسعة رواة رووه عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، ولم يذكروا ما ذكره قبيصة، ومنهم من يقدم وحده على قبيصة كالقطان ووكيع.\nكما رواه عن زيد بن أسلم ثمانية رواة، ولم يذكروا ما ذكره قبيصة، وإليك بيان رواياتهم:\nالأول: ابن عجلان عند ابن أبي شيبة (١/ ١٧) رقم ٦٤، وأبي يعلى (٢٤٨٦)، والنسائي (١٠٣)، وابن ماجه (٤٣٩)، وابن خزيمة (١٤٨)، وابن حبان (١٠٧٨، ١٠٨٦)، والبيهقي (١/ ٥٥، ٧٣) وغيرهم.\nالثاني: سليمان بن بلال عند البخاري (١٤٠)، وأحمد (١/ ٢٨٦) والبيهقي (١/ ٧٢)\nالثالث: هشام بن سعد عند أبي داود (١٣٧) والحاكم (١/ ١٤٧)، والبيهقي (١/ ٧٣) وفي المعرفة (١/ ٢٢٢).\nالرابع: الدراوردي، كما في الطهور لأبي عبيد (١٠٥)، والنسائي (١٠١)، وابن ماجه (٤٠٣)، والدارمي (٦٩٧)، ومسند أبي يعلى (٢٦٧٠، ٢٦٧٢)، والطحاوي (١/ ٣٢، ٣٥) والبيهقي (١/ ٥٠)، وابن حبان (١٠٧٦).\nالخامس: محمد بن جعفر بن كثير عند البيهقي (١/ ٧٣).\nالسادس: ورقاء بن عمر، كما عند البيهقي (١/ ٦٧، ٧٣).\nالسابع: أبو بكر بن محمد عند عبد الرزاق (١٢٩).\nالثامن: معمر، عند عبد الرزاق على إثر ح (٧٨٣).\nفكل هؤلاء لم يذكروا ما ذكره قبيصة، وبالتالي لا يشك الباحث بخطأ قبيصة، وأن الحديث ليس فيه ذكر النضح، خاصة إذا علمنا أن رواية قبيصة عن سفيان قد تكلم فيها، والله أعلم.","vol":"7","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3388>الدليل السادس:</span>\n(١٤٤٣ - ١٨٥) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عاصم ابن علي، حدثنا قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير،\nعن جابر قال توضأ رسول الله ﷺ، فنضح فرجه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3389> دليل من قال: لا ينضح فرجه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3390>الدليل الأول:</span>\nالقياس على الاستجمار، كما أن الاستجمار لا ينضح الإنسان فرجه، فكذلك الاستنجاء بالماء.\n• ويناقش:\nبأن النضح في الاستجمار غير متصور بخلاف الاستنجاء بالماء، كما أن هناك فرقًا بين الاستجمار والاستنجاء، فيشرع في الاستجمار القطع على وتر على خلاف في وجوب الثلاث، ولا يشرع ذلك في الاستنجاء، ويعفى عن أثر الاستجمار دون الاستنجاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3391>الدليل الثاني:</span>\nأن الأحاديث الصحيحة في وضوء رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرها من\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٦٤).\n(^٢) في إسناده ابن أبي ليلى، سيء الحفظ، والله أعلم، وفي إسناده أيضًا قيس بن الربيع مختلف فيه، قال عمرو بن على: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن قيس بن الربيع، وكان عبد الرحمن حدثنا عنه قبل ذلك، ثم تركه. الجرح والتعديل (٧/ ٩٦).\nوفي التقريب: صدوق، تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به، وانظر ترجمته وافية في باب دفن الظفر والشعر من باب سنن الفطرة من كتابي هذا، والله الموفق.","vol":"7","page":296},{"text":"حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد وغيرهما لم تذكر النضح، وهي مقدمة على غيرها.\n• ويناقش:\nأن المقصود بالنضح بعد البول، وليس في الوضوء إذا لم يتقدمه بول، ولعل الوضوء في الأحاديث السابقة يقصد بها الاستنجاء بالماء؛ لأنه من المعلوم بأن الاستنجاء لا دخل له في الوضوء الشرعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3392>الدليل الثالث:</span>\nأن أحاديث النضح في الوضوء لا تخلو من مقال، وبالتالي لو كان النضح ثابتًا لجاء فيه حديث صحيح، ولا أرى في مثل هذه المسألة التي تتكرر أن يتساهل فيها فيصحح النضح بالشواهد، بل كون الأحاديث التي جاءت فيها كلها ضعيفة دليل على ضعف القول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3393> دليل من قال: ينضح إن كان الشيطان يريبه كثيرًا:</span>\nرأى أن هذا من العلاج للوسواس، وأن فيه نوعًا من قطع الوسوسة، حتى إذا رابه شيء قال: هذا من الماء، والقول به كعلاج لقطع الوسواس جيد، ومجرب، ولكن لا يقال: إنه سنة، وإنما يفعله لعارض، وإن كان العبد يقدر على دفع الوسوسة بدونه فهو أحب إلي، ومتى ما فتح الإنسان بابًا للشيطان أفسد عليه عبادته إما بغلو وإما بتقصير، والله المستعان وحده على شر الشيطان وشركه.\n* * *","vol":"7","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3394>الباب الرابع في الاستجمار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3395>الفصل الأول خلاف العلماء في جواز الاستجمار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• استعمال الحجارة منه ما هو تعبدي كرمي الجمار، فلا يجزئ غيره، ومنها ما هو معلل كالاستجمار، ولهذا عدي إلى كل طاهر منق غير مضر ولا محترم.\n• لو كان الحجر متعينًا لكان تعليل الروثة بأنها ليست بحجر أولى من ردها بعلة أنها ركس.\n• النجاسة عين خبيثة بأي مزيل زالت فقد زال حكمها.\n[م-٦٣٩] اختلف العلماء في جواز الاستجمار بالحجارة:\nفقيل: يجوز الاستجمار بالحجارة، ولو مع وجود الماء والقدرة عليه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٦)، البحر الرائق (١/ ٢٥٣)، حاشية الطحطاوي (ص: ٣١)، الفتاوى الهندية (١/ ٤٨)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٤٨).\nوانظر في مذهب المالكية مواهب الجليل (١/ ٢٨٦)، القوانين الفقهية (ص: ٢٩)، شرح الزرقاني (١/ ٩٣)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، الشرح الكبير (١/ ١١٣)، مختصر خليل (ص: ١٥). ...\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢٢)، المهذب (١/ ٢٧)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٣)، روضة الطالبين (١/ ٦٥)، المجموع (٢/ ١١٩).\nوانظر في الفقه الحنبلي: الفروع (١/ ٨٩)، الإنصاف (١/ ١٠٩)، المبدع (١/ ٩١)، المحرر (١/ ١٠)، عمدة الفقه (ص: ٦)، الكافي (١/ ٥٢).","vol":"7","page":298},{"text":"وقيل: لا يجوز الاستجمار بالحجارة إلا لمن عدم الماء، وادعى أن العمل بالاستجمار قد ترك العمل به، اختاره ابن حبيب من المالكية (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3396>الأدلة على جواز الاستجمار بالحجارة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3397>الدليل الأول:</span>\n(١٤٤٤ - ١٨٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (^٢).\n[حسن] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3398>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٤٥ - ١٨٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا\n_________\n(^١) قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٧/ ٤٨٥): «قال ابن حبيب: لا نبيح اليوم الاستنجاء -يعني: بالحجارة- إلا لمن عدم الماء؛ لأنه أمر قد ترك، وجرى العمل بخلافه، على ما قاله ابن هرمز». اهـ\nوقال القرطبي في المفهم (١/ ٥٢٠): «وقد شذ ابن حبيب من أصحابنا، فقال: لا يجوز استعمال الأحجار مع وجود الماء، وهذا ليس بشيء؛ إذ قد صح في البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ استعمل الحجارة مع وجود الماء في الإداوة مع أبي هريرة يتبعه بها». اهـ\n(^٢) المسند (٢/ ٢٥٠).\n(^٣) رجاله كلهم ثقات إلا ابن عجلان، فإنه صدوق، وسبق تخريجه، انظر ح: (١٢٦٣).","vol":"7","page":299},{"text":"يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،\nعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (^١).\n[إسناده فيه لين] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3399>الدليل الثالث:</span>\n(١٤٤٦ - ١٨٨) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح\nوحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،\nعن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3400>الدليل الرابع:</span>\n(١٤٤٧ - ١٨٩) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي، حدثنا الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي شعيب الحضرمي،\nعن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا تغوط أحدكم فليتمسح بثلاثة أحجار، فإن ذلك كافيه (^٤).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ١٣٣).\n(^٢) سبق تخريجه انظر ح ١٢٦١.\n(^٣) مسلم (٢٦٢).\n(^٤) مجمع البحرين (٣٥٤).","vol":"7","page":300},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3401>الدليل الخامس:</span>\n(١٤٤٨ - ١٩٠) ما أخرجه الطبراني من طريق أبي غسان محمد بن يحيى الكناني،\n_________\n(^١) تفرد به الطبراني، وهو محل للغرائب والمنكرات، وفي إسناده شيخ الطبراني بكر بن سهل الدمياطي، ضعفه النسائي كما في المغني في الضعفاء (٩٧٨).\nوجاء في لسان الميزان: حمل الناس عنه وهو مقارب الحال.\nوقال البيهقي في الزهد: أخبرنا الحاكم وجماعة قالوا حدثنا الأصم حدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الله بن محمد بن رمح بن المهاجر، أنا بن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: ما من معمر عمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين لين الله عليه حسابه، وإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة، وإذا بلغ السبعين أحبه الله وأحبه أهل السماء، وإذا بلغ الثمانين قبل الله حسناته، وتجاوز عن سيئاته وإذا بلغ التسعين غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في الأرض، وشفع في أهل بيته.\nومن وضعه ما حكاه أبو بكر القتات مسند أصبهان، أنه سمع أبا الحسن بن شنبوذ المقري، قال: سمعت بكر بن سهل الدمياطي: يقول هجرت أي بكرت يوم الجمعة، فقرأت إلى العصر، ثمان ختمات فاسمع إلي هذا وتعجب. انتهى.\nوقد ذكره ابن يونس في تاريخ مصر وسمي جده نافعًا، ولم يذكر فيه جرحًا.\nوقال مسلمة بن قاسم: تكلم الناس فيه، ووضعوه من أجل الحديث الذي حدث به، عن سعيد ابن كثير، عن حيي بن أيوب، عن مجمع بن كعب، عن مسلمة بن مخلد رفعه: اعروا النساء يلزمن الحجال. قال الحافظ: والحديث الذي أورده المصنف لم ينفرد به، بل رواه أبو بكر المقري في فوائده، عن أبي عروبة الحسين بن محمد الحراني، عن مخلد بن مالك الحراني، عن الصنعاني، وهو حفص بن ميسرة به أملاه الحافظ أبو القاسم بن عساكر في المجلس التاسع والسبعين من أماليه وقال: إنه حديث حسن، وإما حديث مسلمة فأخرجه الطبراني عنه. لسان الميزان (١/ ٦١).\nوالحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٤/ ١٧٤) رقم ٤٠٥٥، وفي الأوسط (٣/ ٢٨٠) رقم ٣١٤٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١١): «رجاله موثوقون إلا أبا شعيب صاحب أبي أيوب لم أر فيه تعديلًا ولا تجريحًا». اهـ\nوتضعيفه ببكر بن سهل أولى من تضعيفه بأبي شعيب، ذلك أن أبا شعيب من التابعين، والجهالة فيهم أخف من الجهالة في من دونهم حيث انتشر علم الجرح والتعديل، واستقرت قواعده، وكان له أئمته المعروفون.","vol":"7","page":301},{"text":"حدثني أبي، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال: أخبرني ابن خلاد،\nأنا أباه سمع من النبي ﷺ يقول: إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات.\n[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3402>الدليل السادس:</span>\n(١٤٤٩ - ١٩١) ما رواه أحمد، قال: ثنا علي بن بحر، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان،\nعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا (^٢).\n[إسناده حسن إن كان أبو سفيان سمعه من جابر، ورواه أبو الزبير عن جابر في مسلم، ولم يقل: ثلاثًا] (^٣).\n_________\n(^١) في إسناده والد أبي غسان يحيى بن علي بن عبد الحميد الكناني ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكت عليه، فلم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٩/ ١٧٥).\nوكذلك ذكره البخاري، وسكت عليه. التاريخ الكبير (٨/ ٢٩٧)، ولم يوثقه أحد.\n(^٢) المسند (٣/ ٤٠٠).\n(^٣) قال وكيع، عن شعبة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، وفي رواية إنما هو كتاب.\nوقال أبو خيثمة، عن سفيان بن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة.\nوقال شعبة: سمع أبو سفيان من جابر أربعة أحاديث، قال: ويقال إن أبا سفيان أخذ صحيفة جابر وصحيفة سليمان اليشكري. جامع التحصيل (ص: ٢٠٢).\nقلت: ولعلها هي الأحاديث التي أخرجها البخاري عنه في صحيحه مقرونًا بغيره.\nوالحديث أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٣) حدثنا أبو معاوية.\nوأخرجه ابن خزيمة (٧٦) من طريق جرير وعيسى بن يونس، وسفيان الثوري.\nوأخرجه البيهقي (١/ ١٠٣) من طريق جابر، كلهم عن الأعمش به.\nوتابع أبو الزبير طلحة بن نافع، فأخرجه عبد الرزاق (٩٨٠٤)، ومن طريقه أحمد (٣/ ٢٩٤) ومسلم (٢٣٩)، وأبو عوانة (١/ ٢١٩) حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: إذا استجمر أحدكم فليوتر. ولم يقل أبو الزبير ثلاثًا.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٣٣٦) من طريق ابن لهيعة، حدثنا أبو الزبير به، بلفظ: إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات. وهذا إسناد فيه ابن لهيعة.","vol":"7","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3403>الدليل السابع:</span>\n(١٤٥٠ - ١٩٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير وعبدة، عن هشام ابن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ: الاستطابة بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٤٢) رقم ١٦٥٢.\n(^٢) في إسناده عمرو بن خزيمة،\nذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٢٠).\nوسكت عليه البخاري وابن أبي حاتم، فلم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. التاريخ الكبير (٦/ ٣٢٧)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٩).\nوفي التقريب: مقبول: أي حيث يتابع، ولم أعلم أحدًا تابعه في هذا الإسناد.\n[تخريج الحديث]\nأخرجه أحمد (٥/ ٢١٣) من طريق محمد بن بشر.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢١٣)، وابن ماجه (٣١٥) من طريق وكيع.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢١٤) وابن أبي شيبة في المصنف (١٦٥٢) عن ابن نمير.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٥٢) عن عبدة.\nوأخرجه الدارمي (٦٧١) من طريق علي بن مسهر.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ١٢١) من طريق عبد الرحمن بن سليمان، كلهم عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة به.\nواختلف على هشام بن عروة.\nفرواه عنه من سبق: ابن نمير، وعبدة، ومحمد بن بشر ووكيع، وعلي بن مسهر، وعبد الرحمن بن سليمان، كلهم عن هشام، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت.\nورواه مالك كما في الموطأ (١/ ٢٨).\nوأحمد في المسند (٥/ ٢١٥) عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ سئل عن الاستطابة، فقال: أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار. وهذا مرسل.\nورواه سفيان بن عيينة، عن هشام، واختلف على سفيان، =","vol":"7","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3404>الدليل الثامن:</span>\nما ثبت من فعله ﷺ أنه اكتفى بالحجارة في الاستنجاء، من ذلك:\n_________\n= فرواه ابن ماجه (٣١٥) حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا هشام به، كرواية الجماعة (ابن نمير وعبدة ووكيع).\nوواه الشافعي في مسنده (ص: ١٣) عن سفيان بن عيينة، أخبرني هشام بن عروة، قال: أخبرني أبو وَجْزة، عن عمران بن حدير، عن عمارة بن خزيمة، عن أبيه به.\nورواه الحميدي في مسنده (٤٣٢) بمثل طريق الشافعي، إلا أنه سقط منه عمران بن حدير.\nووراه أبو معاوية، واختلف عليه:\nفرواه أبو داود (٤١) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٠٣) حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت، بمثل حديث الجماعة.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٤/ ٨٦) رقم ٣٧٢٣ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهوية كلاهما عن أبي معاوية، عن هشام، عن عبد الرحمن بن سعد، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة به. فجعلوا بين هشام وبين عمرو بن خزيمة عبد الرحمن بن سعد.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣١٥) عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني رجل، عن عمارة بن خزيمة به. وهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه مبهمًا.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٤/ ٨٧) رقم ٣٧٢٩ من طريق هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة به.\nوساق الترمذي الاختلاف في إسناده، ثم قال: «سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: الصحيح ما روى عبدة ووكيع، وحديث مالك عن هشام بن عروة عن النبي ﷺ صحيح أيضًا». اهـ\nوفي العلل لابن أبي حاتم (١/ ٥٤): «سئل أبو زرعة عن اختلاف الرواة في خبر هشام بن عروة في الاستنجاء، رواه وكيع وعبدة، عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن أبيه خزيمة، عن النبي ﷺ قال: ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، ومنهم من يقول: عن هشام بن عروة، عن من حدثه، عن عمارة بن خزيمة، عن أبيه عن النبي ﷺ فقال أبو زرعة: الحديث حديث وكيع وعبدة». اهـ\nوفي سنن البيهقي (١/ ١٠٣) عن علي بن المديني أنه قال: «الصواب رواية الجماعة، عن هشام ابن عروة، عن عمرو بن خزيمة ...». يعني رواية وكيع وعبدة وابن نمير ومن تابعهم.\nوإذا كان الراجح في إسناده أنه من رواية عمرو بن خزيمة، فقد علمت أن عمرو بن خزيمة لم يوثق أحد إلا ابن حبان، فيكون الإسناد فيه ضعف، إلا أنه صالح في الشواهد، والله أعلم.","vol":"7","page":304},{"text":"(١٤٥١ - ١٩٣) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،\nعن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3405>الدليل التاسع:</span>\n(١٤٥٢ - ١٩٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه،\nأنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة وقال: هذا ركس (^٢).\nفلجميع هذه النصوص يجزم المسلم أن الحجارة تكفي في إزالة النجاسة من البول والغائط، مع أن الحجر قد لا ينقي المحل، فلا بد أن يبقى به أثر لا يزيله إلا الماء، وهذا من تيسير الشريعة، ومن التخفيف الذي وضعه الله ﷾ عن عباده، خاصة أن الإنسان قد يحتاج إلى البول والغائط في مكان لا يوجد فيه ماء، فكان من سعة الله على عبادة أن يسر لهم إزالتها بأي مزيل من أحجار ونحوها.\nوللاستجمار بالحجارة شروط، سوف نذكرها، ونذكر كلام أهل العلم حولها إن شاء الله تعالى في المباحث التالية.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٦).\n(^٢) البيان والتحصيل (١٧/ ٤٨٤).","vol":"7","page":305},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3406> دليل من قال: الاستجمار لا يجزي إلا لمن عدم الماء:</span>\nلا أعلم له دليلًا من السنة على أن الاستنجاء بالحجارة مشروط بعدم القدرة على الماء، وأحاديث الاستجمار مطلقة، وليست مقيدة.\nقال ابن رشد: «لا اختلاف في أن من اكتفى في استنجائه بالأحجار دون الماء، فصلى أن صلاته تامة، ولا إعادة عليه في وقت ولا غيره، لما جاء أن النبي ﵇ سئل عن الاستطابة، فقال: أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار، إلا أن الماء أطهر وأطيب، ومن قدر على الجمع بين الأحجار والماء فهو أولى وأحسن» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) البيان والتحصيل (١٧/ ٤٨٤).","vol":"7","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3407>الفصل الثاني\nفي شروط الاستجمار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3408>الشرط الأول\nفي اشتراط ثلاثة أحجار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• اشتراط ثلاثة أحجار، هل يراد بالحجر معناه، فيكفي ثلاث مسحات، أو يراد لفظه فلا بد من أحجار ثلاثة، وإذا كان الاستجمار معقول المعنى بالإجماع ترجح الأول على الثاني.\n• النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، يحتمل أن يكون ذلك على الاستحباب منه للوتر، ويحتمل أنه أراد به العدد الذي لا يطهِّر ما هو أقل منه؛ لاختلاف الحجر عن الماء، فالماء يزيل العين والأثر ودلالته قطعية، فلا يشترط فيه عدد، بخلاف الحجر فلا يزيل الأثر، ودلالته ظنية، فاشترط فيه العدد.\n• لو كان المطلوب الايتار مطلقًا لما نص على الثلاث؛ لأن الايتار يحصل بأقل كالواحد وبأكثر كالخمس.\n[م-٦٤٠] اختلف الفقهاء هل يشترط في الاستجمار ثلاثة أحجار، أم لا؟","vol":"7","page":307},{"text":"فقيل: لا يجب العدد، بل المعتبر الإنقاء، فكيف حصل أجزأ، وهو مذهب الحنفية، والمالكية (^١).\nوقيل: لا بد من ثلاثة أحجار، فأكثر، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢)، واختيار ابن حزم (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3409> دليل الحنفية والمالكية على الاكتفاء بحجر واحد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3410>الدليل الأول:</span>\n(١٤٥٣ - ١٩٥) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه،\nأنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة وقال: هذا ركس (^٤).\nوجه الاستدلال:\nقال الطحاوي: ففي هذا الحديث ما يدل أن النبي ﷺ قعد للغائط في مكان\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: شرح معاني الآثار (١/ ١٢١) وما بعدها، بدائع الصنائع (١/ ١٩)، تبيين الحقائق (١/ ٧٦، ٧٧)، البحر الرائق (١/ ٢٥٣).\nوانظر في مذهب المالكية: المنتقى (١/ ٦٨)، شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٧٢)، التاج والإكليل (١/ ٢٧٠)، التمهيد (١١/ ١٧)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ١٧)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٠)، بداية المجتهد (١/ ٦٢).\n(^٢) انظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢٢)، المجموع (٢/ ١٢٠)، المهذب (١/ ٢٧)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٤)، شرح زبد بن رسلان (ص: ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٠٢)، الفتاوى الكبرى (١/ ٣٣٩، ٣٤٠)، المبدع (١/ ٩٤)، مختصر الخرقي (ص: ١٧)، منار السبيل (١/ ٢٣)، الكافي (١/ ٥٢)، كشاف القناع (١/ ٦٩)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٢١١).\n(^٣) المحلى (١/ ١٠٨).\n(^٤) صحيح البخاري (١٥٦).","vol":"7","page":308},{"text":"ليس فيه أحجار، لقوله لعبد الله: ناولني ثلاثة أحجار، ولو كان بحضرته من ذلك شيء لما احتاج إلى أن يناوله من غير ذلك المكان، فلما أتاه عبد الله بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وأخذ الحجرين، دل ذلك على استعماله الحجرين، وعلى أنه قد رأى أن الاستجمار بهما يجزيء، ولو كان لا يجزئ الاستجمار بما دون الثلاث لما اكتفى بالحجرين، ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثًا، ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين (^١).\nوطريق آخر للاستدلال على جواز الأقل من ثلاثة:\nأن الرسول ﷺ طلب من ابن مسعود ثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين، فإما أن يكون ابن مسعود لم يأته بالثالث، أو أنه أتاه به، وعلى الحالين ففيه دليل على عدم اشتراط ثلاثة أحجار؛ لأنه ﷺ اقتصر في الموضعين على ثلاثة، فحصل لكل منهما أقل من ثلاثة.\n• وأجيب عن هذا الدليل:\nقالوا: كون الرسول ﷺ لم يطلب حجرًا ثالثًا لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب ثلاثة أحجار، فلم يجدد الأمر بطلب الثالث، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأن المقصود بالثلاث أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد.\nقال ابن حزم ﵀: «وليس في الحديث أنه ﵇ اكتفى بالحجرين، وقد صح أمره ﷺ له أن يأتيه بثلاثة أحجار، فالأمر باق لازم، لابد من إبقائه» (^٢).\nأما قولكم: إنه استعمل في الموضعين ثلاثة، فحصل لكل منهما أقل من ثلاثة، فيحتمل أنه لم يخرج منه شيء إلا من سبيل واحد، خاصة إذا علمنا أن الرسول ﷺ من عادته إذا أراد الغائط أبعد، حتى يستتر عن أعين الناس، بحيث لا يراه أحد، ولم\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ١٢٢).\n(^٢) المحلى (١/ ١١٣).","vol":"7","page":309},{"text":"يكن يفعل هذا في البول، فقد بال ﷺ قائمًا، وحذيفة عند عقبه، فقول ابن مسعود: (أتى الغائط، فأمرني) ظاهره أنه لم يأمره حتى أتى مكان قضاء الحاجة، وهذا يرجح أنه كان للبول فقط.\nوقال الحافظ: وعلى تقدير أن يكون خرج منهما، فيحتمل أن يكون اكتفى للقبل بالمسح في الأرض، وللدبر بالثلاثة، أو مسح من كل منهما بطرفين.\nوأجاب ابن حزم بجواب آخر، وقصر وجوب ثلاثة أحجار للغائط فقط دون البول.\nقال ﵀: «فإن قيل: أمره ﵇ بثلاثة أحجار، هو للغائط والبول معًا، فوقع لكل منهما أقل من ثلاثة أحجار.\nقلنا: هذا باطل؛ لأن النص ورد بأن لا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، ومسح البول لا يسمى استنجاء» (^١).\nوهذا أضعف الأجوبة.\nوقال ابن حزم أيضًا: «فإن بدأ بمخرج البول، أجزأت تلك الأحجار بأعيانها لمخرج الغائط، وإن بدأ بمخرج الغائط لم يجزه من تلك الأحجار إلا ما كان لا رجيع عليه فقط، والله أعلم» (^٢).\n(١٤٥٤ - ١٩٦) وقد روى أحمد ﵀ من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس،\nعن ابن مسعود أن النبي ﷺ ذهب لحاجته، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وبروثه، فألقى الروثة وقال: إنها ركس ائتني بحجر (^٣).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ١١٠).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ١٠٨).\n(^٣) المسند (١/ ٤٥٠).","vol":"7","page":310},{"text":"[منقطع] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3411>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٥٥ - ١٩٧) استدلوا بما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد، عن\nأبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:\nمن اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر،\n_________\n(^١) الحديث أخرجه أحمد كما في حديث الباب، والطبراني (٩٩٥١)، والدارقطني (١/ ٥٥)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٣) من طريق عبد الرزاق، عن معمر به.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٥٥) من طريق أبي شيبة الواسطي، عن أبي إسحاق به.\nقال أبو زرعة وأبو حاتم: أبو إسحاق لم يسمع من علقمة شيئًا. المراسيل (ص: ١٤٥).\nوروى ابن أبي حاتم بسند صحيح عن شعبة، قال: كنت عند أبي إسحاق، فقال له رجل: شعبة يقول إنك لم تسمع من علقمة؟ قال: صدق شعبة. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين كما في تاريخه (٢/ ٤٤٨): رأى علقمة، ولم يسمع منه. اهـ\nوأثبت الكرابيسي سماع أبي إسحاق من علقمة فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١/ ٢٥٧)، والأول أرجح، فقد نص كل من شعبة ويحيى بن معين وأبي حاتم وأبي زرعة أربعة أئمة على عدم سماعه منه، ثم أبو أسحاق نفسه قد صرح بأنه لم يسمع من علقمة شيئًا، ويكفي هذا في غلط الكرابيسي.\nوعلى التنزل أن يكون أبو إسحاق سمع من علقمة مع أن هذا افتراض بعيد، فإن هذه الزيادة يحكم بشذوذها، فقد رواه البخاري (١٥٦)، والنسائي (١/ ٣٩) وابن ماجه (٣١٤)،\nوأبو يعلى (٥١٢٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٢)، والطبراني في الكبير (٩٩٥٣)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٨) من طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، وليس فيه هذه الزيادة.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٣)، وأحمد (١/ ٣٨٨)، والترمذي (١٧)، والشاشي في مسنده (٩٢١)، والطبراني في الكبير (٩٩٥٢) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، وليس فيه زيادة علقمة. وأبو عبيدة وإن كان لم يسمع من أبيه فهو في حكم المتصل.","vol":"7","page":311},{"text":"فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (^١).\n[ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3412>الدليل الثالث:</span>\nمن النظر، قالوا: إن المقصود من الاستنجاء: هو الإنقاء، فلا معنى لاشتراط الزيادة بالثلاث بعد حصوله، ولهذا لو لم يحصل الإنقاء بالثلاث يزاد عليها إجماعًا، لكونه هو المقصود.\nوأجيب عن هذا:\nقولكم: إن المقصود: هو الإنقاء غير صحيح، فلو كان المقصود هو الإنقاء لخلا اشتراط العدد عن فائدة، فلما اشترط العدد لفظا، وعلم الإنقاء به معنى، دل على إيجاب الأمرين، ونظيره العدة بالقروء، فإن العدد معتبر، ولو تحققت براءة الرحم بقرء.\nورد هذا الجواب:\nبأن العدة بالقروء فيها حكم كثيرة غير براءة الرحم، منها زيادة الأجل في حق الزوج في إرجاع زوجته، والنظر في الأصلح لهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3413> دليل الشافعية والحنابلة على اشتراط الثلاث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3414>الدليل الأول:</span>\n(١٤٥٦ - ١٩٨) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح\nوحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣٧١).\n(^٢) سبق تخريجه في حكم الاستنجاء، انظر (ح ١٢٦٢).","vol":"7","page":312},{"text":"إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،\nعن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)، والأصل في النهي التحريم، ولا صارف له عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3415>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٥٧ - ١٩٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (^٢).\n[حسن] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (وكان يأمر بثلاثة أحجار) والأصل في الأمر الوجوب، ولا صارف له عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3416>الدليل الثالث:</span>\n(١٤٥٨ - ٢٠٠) ما رواه أحمد من طريق أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٢).\n(^٢) المسند (٢/ ٢٥٠).\n(^٣) رجاله كلهم ثقات إلا ابن عجلان، فإنه صدوق، وسبق تخريجه، انظر (ح ١٢٦٣)","vol":"7","page":313},{"text":"عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (^١).\n[فيه لين] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: فليذهب معه بثلاثة أحجار. فهذا أمر، والأصل فيه الوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3417>الدليل الرابع:</span>\n(١٤٥٩ - ٢٠١) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا بكر، ثنا عمرو بن هاشم، ثنا الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي شعيب الحضرمي،\nعن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا تغوط أحدكم فليتمسح بثلاثة أحجار، فإن ذلك كافيه (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3418>الدليل الخامس:</span>\n(١٤٦٠ - ٢٠٢) ما أخرجه الطبراني من طريق أبي غسان محمد بن يحيى الكناني، حدثني أبي، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال: أخبرني ابن خلاد،\nأنا أباه سمع من النبي ﷺ يقول: إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات.\n[ضعيف] (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3419>الدليل السادس:</span>\n(١٤٦١ - ٢٠٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا علي بن بحر، حدثنا عيسى بن يونس،\n_________\n(^١) المسند (٦/ ١٣٣).\n(^٢) سبق تخريجه انظر ح: ١٢٦١.\n(^٣) مجمع البحرين (٣٥٤).\n(^٤) سبق تخريجه انظر ح: ١٤٤٧.\n(^٥) سبق تخريجه، انظر (ح: ١٤٤٨).","vol":"7","page":314},{"text":"عن الأعمش، عن أبي سفيان،\nعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا (^١).\n[إسناده حسن إن كان أبو سفيان سمعه من جابر، ورواه أبو الزبير عن جابر في مسلم، ولم يقل: ثلاثًا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3420>الدليل السابع:</span>\n(١٤٦٢ - ٢٠٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير وعبدة، عن هشام ابن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ: الاستطابة بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع (^٣).\n[إسناده فيه لين] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3421>الدليل الثامن:</span>\nمن النظر، قالوا: ليس الحجر كالماء، إذا أنقى كفى؛ لأن الماء يزيل العين والأثر فدلالته قطعية، فلم يحتج إلى الاستظهار بالعدد، وأما الحجر فلا يزيل الأثر، وإنما يفيد الطهارة ظاهرًا لا قطعًا، فاشترط فيه العدد (^٥).\n• جواب الحنفية والمالكية عن أدلة الشافعية والحنابلة:\nأجابوا عن الأحاديث السابقة بأن ذكر الأحجار الثلاثة خرجت مخرج الغالب والعادة؛ لأن النقاء يحصل بها غالبًا، أو أن الثلاثة تحمل على الكمال والاستحباب (^٦).\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٤٠٠).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر (ص: ٣٠٢) ح: ١٤٤٩.\n(^٣) المصنف (١/ ١٤٢) رقم ١٦٥٢.\n(^٤) سبق تخريجه، انظر ح: (١٤٥٠).\n(^٥) معالم السنن (١/ ١١، ١٢)، المجموع (٢/ ١٢٢).\n(^٦) انظر شرح معاني الآثار (١/ ١٢١)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٠).","vol":"7","page":315},{"text":"وقال ابن الهمام: وما رووه من الأحاديث متروك ظاهرها، فإنه لو استنجى بحجر واحد له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع (^١).\n• ويجاب عن هذا:\nبأن حمل الأحاديث على الاستحباب خلاف الأصل، لإن الأصل في الأمر الوجوب، وفي النهي التحريم.\nكما أن القول بأنها خرجت مخرج الغالب يحتاج إلى دليل، وكما قلنا سابقًا، لما كان الماء يطهر طهارة كاملة، لم يشترط عدد، ولما كانت الحجارة يبقى منها أثر معفو عنه، اشترط لحصول العفو عن هذا النجاسة عدد معين، وهو ثلاثة أحجار.\nأما قولكم: إن الأحاديث التي تنص على ثلاثة أحجار متروك ظاهرها بالإجماع كما لو استنجى بحجر واحد له ثلاث شعب.\nفيقال: حكاية الإجماع ليست دقيقة، فإن ابن المنذر وابن حزم يريان وجوب ثلاثة أحجار، ولا يكفي ثلاث مسحات بحجر واحد له شعب.\nوعلى التنزل فمن تمسح بثلاث مسحات لا يكون بمنزلة من تمسح بحجر واحد مرة واحدة. فالقول الراجح أنه لا بد من ثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٢١٤).","vol":"7","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3422>المبحث الأول في الاكتفاء بحجر واحد له ثلاث شعب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• اشتراط ثلاثة أحجار، هل يراد بالحجر معناه، فيكفي ثلاث مسحات، أو يراد لفظه فلا بد من أحجار ثلاثة؟ وإذا كان الاستجمار معقول المعنى بالإجماع ترجح الأول على الثاني.\n[م-٦٤١] اختلف القائلون باشتراط ثلاثة أحجار، هل المطلوب ثلاث مسحات، بحيث يكفي الحجر الواحد إذا كان ذا ثلاث شعب، أو لا بد من ثلاثة أحجار.\nفقيل: يكفي الحجر الواحد إذا كان له ثلاث شعب، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢٢)، المهذب (١/ ٢٧)، تحفة المحتاج (١/ ١٨٢)، المنهج القويم (١/ ٨٢)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٤)، التنبيه (ص: ١٨)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٦٩)، المغني (١/ ١٠٥)، المبدع (١/ ٩٤)، الفروع (١/ ٩٠)، المحرر (١/ ١٠)، الإنصاف (١/ ١١٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٨).","vol":"7","page":317},{"text":"وقيل: لا بد من ثلاثة أحجار مطلقًا، هو رواية عن أحمد (^١)، واختاره ابن المنذر (^٢)، ورجحه ابن حزم (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3423> دليل من قال: يكفي حجر واحد له ثلاث شعب:</span>\nقالوا: إن الشارع لما نص على ثلاثة الأحجار أراد من المستجمر ألا يكتفي بمسح المحل مرة واحدة، بل يكرر المسح ثلاث مرات، فكان المعنى ثلاثة أحجار: أي ثلاث مسحات، وإذا كان ذلك كذلك كان هذا حاصلًا ولو بحجر واحد، والدليل على صحته أنه لو مسح بطرف واحد وروماه، ثم جاء شخص آخر، فمسح بطرفه الآخر لأجزأهما بلا خلاف، واعتبر لكل واحد منهما مسحة. وأيضًا لو استجمر، ثم كسر المتنجس منها، واستجمر به ثانية لعد حجرين، وكذا لو غسله، ثم استنجى به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3424> دليل من قال: لا بد من ثلاثة أحجار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3425>الدليل الأول:</span>\nحديث سلمان ﵁: (ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) فمن استنجى بحجر واحد ثلاث مسحات يكون قد استنجى بحجر واحد، وقد وقع في ما نهى عنه رسول الله ﷺ، ولو كان المقصود ثلاث مسحات لجاء بها النص، والرسول ﷺ أعطي جوامع الكلم، فلما لم يأت نص بالتعبير بالمسح، لزم الأخذ بظاهر النص، وأنه لا بد من ثلاثة أحجار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3426>الدليل الثاني:</span>\nقال ابن المنذر: ليس يخلو الأمر بثلاثة أحجار من أحد أمرين: إما أن يكون أريد بها إزالة نجاسة، فإن كان هكذا فبما أزيلت النجاسة يجزي بحجر وغير حجر ولو أزيلت بحجر واحد.\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٠٥)، المحرر (١/ ١٠).\n(^٢) الأوسط (١/ ٣٥٤).\n(^٣) المحلى (١/ ١٠٨) مسألة: ١٢٢.","vol":"7","page":318},{"text":"أو يكون عبادة فلا يجزي أقل من العدد.\nأو معنى ثالثًا.\nفيقال: أريد بها إزالة نجاسة وعبادة، فلما بطل المعنى الأول لم يبق إلا هذان المعنيان، ولا يجزي في واحد من المعنيين إلا بثلاثة أحجار؛ لأن العبادات لا يجوز أن ينتقص عددها، والخبر يدل على صحة ما قاله هذا القائل، وذلك موجود في حديث سلمان: (لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار) وكلما أمر الناس بعدد شيء لم يجز أقل منه، ولا يجزي أن ترمي الجمرة مع سبع حصيات، مع أن قول رسول الله ﷺ مستغنى به عن غيره، ولا تأويل لما قال: (لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار) لمتأول معه (^١).\nوهذا الكلام جيد، إلا أن قياسه على الرمي فيه نظر، فالرمي عبادة غير معقولة المعنى، بخلاف إزالة النجاسة.\nفالراجح مذهب الشافعية والحنابلة، وأن المقصود من ثلاثة الأحجار تكرار المسح ثلاث مرات، كما أن المعتبر بقطع الاستنجاء على وتر إنما هو في المسح، وليس في عدد الأحجار، فلو مسح المستنجي ست مرات من ثلاثة أحجار لم يكن قد أتى بسنة الإيتار؛ لأن الإيتار المقصود به في عدد المسحات، لا عدد الأحجار، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٣٥٤).","vol":"7","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3427>الشرط الثاني\nأن تكون الأحجار ونحوها طاهرة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• رد الشارع الروثة، وعلل ذلك بأنها ركس؛ لهذا عدي الاستجمار إلى كل طاهر منق.\n[م-٦٤٢] اختلف العلماء هل يشترط طهارة ما يستجمر به؟\nفقيل: يشترط أن يكون طاهرًا، لا نجسًا، ولا متنجسًا (^١)، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nوقيل: يجزئ الاستجمار بكل ما يزيل العين من طاهر ونجس، وهو مذهب\n_________\n(^١) النجس: ما كانت عينه نجسة. والمتنجس: ما طرأت عليه النجاسة.\n(^٢) انظر في مذهب المالكية: المنتقى (١/ ٦٨، ٦٩)، التاج والإكليل (١/ ٤١٤)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٣)، حاشية الصاوي (١/ ١٠١)، القوانين الفقهية (ص: ٤٢)، الخرشي (١/ ١٤٩)، منح الجليل (١/ ١٠٦).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢٢)، تحفة المحتاج (١/ ١٧٦)، المهذب (١/ ٢٨)، إعانة الطالبين (١/ ١٠٨)، حلية العلماء (١/ ١٦٤)، المجموع (٢/ ١٣٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: مطالب أولي النهى (١/ ٧٧)، المبدع (١/ ٩١)، دليل الطالب (ص: ٦)، الفروع (١/ ٩٢)، المحرر (١/ ١٠)، كشاف القناع (١/ ٦٨)، الكافي (١/ ٥٣).","vol":"7","page":320},{"text":"الحنفية (^١)، وقول للإمام الطبري ﵀ (^٢)، واختاره ابن تيمية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3428> الدليل على اشتراط الطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3429>الدليل الأول:</span>\n(١٤٦٣ - ٢٠٥) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه\nأنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (^٤).\nوجه الاستدلال:\nقوله: هذا ركس. فإن معنى الركس في اللغة يحتمل أمرين:\nالأول: الركس بمعنى: الرجيع.\nوالثاني: الركس بمعنى: النجس. فعلل النبي ﷺ تركه بأنه رجس.\n_________\n(^١) قال في بدائع الصنائع (١/ ١٨): «فإن فعل ذلك -يعني من الاستنجاء بالعظم والروث-فإنه يعتد به عندنا، فيكون مقيمًا سنة، ومرتكبًا كراهة، ويجوز أن يكون لفعل واحد جهتان مختلفتان، فيكون بجهة كذا، وبجهة كذا .....». وانظر العناية شرح الهداية (١/ ٢١٦)، شرح فتح القدير (١/ ٢١٦)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٠)، والفتاوى الهندية (١/ ٥٠)، مراقي الفلاح (ص: ١٩)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٩، ٣٠)، البحر الرائق (١/ ٢٥٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٩).\n(^٢) انظر فتح البر في ترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٩٢).\nكما أجاز الاستجمار بالروث أشهب من المالكية وأبو الحسن القاضي، انظر المنتقى للباجي (١/ ٦٨).\n(^٣) قال ابن تيمية كما في الفروع (١/ ١٢٣): وانفرد شيخنا بجزائه بروث وعظم، وظاهر كلامه وبما نهي عنه، قال: لأنه لم ينه عنه لأنه لا ينقي، بل لإفساده، فإذا قيل: يزول بطعامنا مع التحريم، فهذا أولى.\n(^٤) صحيح البخاري (١٥٦).","vol":"7","page":321},{"text":"وقد قال بعضهم: ليس في الحديث دليل على اشتراط الطهارة، وإنما فيه ترك الاستنجاء بالروث، ولا يلزم من ذلك النجاسة، كما لم يلزم من تركه الاستنجاء بالعظم والمحترمات.\nفأجاب النووي بقوله: «إن الاعتماد في الاستدلال على قوله ﷺ: (إنها ركس) وليس على مجرد تركه الاستنجاء بها، قال: ولا يجوز أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأنها رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي الحمل عليه إلى خلو الكلام عن فائدة، فوجب حمل الكلام على ما ذكرناه من تفسير الركس بمعنى: النجس» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3430>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٦٤ - ٢٠٦) ما رواه الدارقطني، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، أخبرنا سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، قال: إن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بروث أو عظم، وقال: إنهما لا يطهران (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3431>الدليل الثالث:</span>\nمن جهة النظر، قالوا: إن النجس: نجس في نفسه، فلا يمكن أن يطهر غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3432>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إن الاستجمار رخصة عندهم؛ لأن الأصل في إزالة النجاسة هو الماء، والرخصة لا تحصل بحرام، يعني: بملابسة النجاسة.\nوالصحيح أن الاستجمار على وفق القياس، وليس هو رخصة، لأن إزالة\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٧٠).\n(^٢) سنن الدارقطني (١/ ٥٦).\n(^٣) وسبق تخريجه، انظر ح: (١٤١٧).","vol":"7","page":322},{"text":"النجاسة إذا أزيلت بأي مزيل زال حكمها، ولا يختص هذا في محل الاستجمار، كما قدمنا في دلك النعل بالتراب (^١)، وفي تطهير ذيل المرأة (^٢)، ونحوهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3433> دليل من قال: يجزئ الاستجمار بكل مزيل ولو كان نجسًا:</span>\nقالوا: إن النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها، وحديث ابن مسعود غايته عدم الاستنجاء بالنجس، لكن إذا استنجى فقد طهر مع الإثم، لكن لا يمكننا الحكم بنجاسة المحل، وقد ارتفعت النجاسة، فالنهي والصحة غير متلازمين، فقد تجتمع الصحة والتحريم.\n• الراجح:\nالقول بصحة الاستنجاء بالنجس، ولا يقال هذا القول ابتداء، لكن لو استنجى أحد بما نهي عن الاستنجاء به، وجاء يسأل هل يجزئه ذلك؟ قلنا: يجزئك، ولا تعد.\n* * *\n_________\n(^١) سبق تخريجه من حديث أبي سعيد، والحديث صحيح انظر ح ١٤٩٩.\n(^٢) انظر تخريجه من حديث أمرأة من بني عبد الأشهل، ومن حديث أم سلمة، والحديث صحيح انظر: (ص: ٣٨٩) ح: ١٤٩٨.","vol":"7","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3434>الشرط الثالث\nأن يكون المستنجى به غير عظم وروث</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النهي عن الشيء لذاته يقتضي فساد المنهي عنه، والنهي عنه لغيره لا يقتضيه.\nوبعبارة أخرى:\n• كل منهي عنه له جهتان: أحدهما مأمور به، وهو الاستنجاء، والأخرى منهي عنه كونه في عظم أو روث، فإذا نفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد.\n• الحكم بالنجاسة معلل، فإذا زالت بأي مزيل زال حكمها.\n[م-٦٤٣] اختلف العلماء في الاستنجاء بالعظم والروث.\nفقيل: لا يستنجي بهما، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الشافعية: المهذب (١/ ٢٨)، حلية العلماء (١/ ٦٥)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٤)، إعانة الطالبين (١/ ١٠٨)، التنبيه (ص: ١٨).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفروع (١/ ٩٢)، كشاف القناع (١/ ٦٩)، المبدع (١/ ٩٢)، المحرر (١/ ١٠).\nوانظر قول ابن حزم في المحلى (١/ ١١٠).","vol":"7","page":324},{"text":"وقيل: يستنجي بهما، وهو اختيار أشهب من المالكية (^١).\nوقيل: لا يستنجي بهما، وإن خالف واستنجى أجزأه، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، وابن تيمية من الحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3435> دليل من قال: لا يستنجي بعظم وروث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3436>الدليل الأول:</span>\n(١٤٦٥ - ٢٠٧) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه\nأنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3437>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٦٦ - ٢٠٨) ما رواه مسلم من طريق وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،\nعن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي\n_________\n(^١) قال أشهب كما في المنتقى للباجي (١/ ٦٨): «ما سمعت في العظم والروث نهيًا عامًا، وأما أنا في علمي فما أرى به بأسا». اهـ فواضح أن النهي عن الاستنجاء بالعظم والروثة لم يبلغه.\n(^٢) ذكرنا العزو إلى كتبهم في المسألة السابقة في اشتراط طهارة ما يستنجى به، فانظره إن شئت.\n(^٣) قال في الخرشي (١/ ١٥١) «فإن أنقت -يعني: الاستجمار بروث وعظم أجزأت». اهـ وانظر التاج والإكليل (١/ ٢٨٩)، الشرح الكبير (١/ ١١٤)، المنتقى للباجي (١/ ٦٨)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٤)، حاشية الصاوي (١/ ١٠٢)، القوانين الفقهية (ص: ٤٢)، منح الجليل (١/ ١٠٦).\n(^٤) الفروع (١/ ١٢٣)، المبدع (١/ ٩٢)، دليل الطالب (ص: ٦)، (١/ ١٠)، منار السبيل (١/ ٢٣)، الكافي (١/ ٥٣)، كشاف القناع (١/ ٦٩).\n(^٥) صحيح البخاري (١٥٦).","vol":"7","page":325},{"text":"بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3438>الدليل الثالث:</span>\n(١٤٦٧ - ٢٠٩) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،\nعن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3439>الدليل الرابع:</span>\n(١٤٦٨ - ٢١٠) ما رواه مسلم من طريق زكرياء بن إسحق، حدثنا أبو الزبير،\nأنه سمع جابرًا يقول: نهى رسول الله ﷺ أن يتمسح بعظم أو ببعر (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3440>الدليل الخامس:</span>\n(١٤٦٩ - ٢١١) ما رواه أحمد من طريق محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (^٤).\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٨٦٠).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٦٣).\n(^٤) المسند (٢/ ٢٥٠).","vol":"7","page":326},{"text":"[حسن] (^١).\nقال الطحاوي: الرمة: العظام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3441>الدليل السادس:</span>\n(١٤٧٠ - ٢١٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا المفضل، قال: حدثني عياش بن عباس، أن شييم بن بيتان أخبره، أنه سمع شيبان القتباني يقول:\nاستخلف مسلمة بن مخلد رويفع بن ثابت الأنصاري على أسفل الأرض، قال: فسرنا معه قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو بعظم فإن محمدًا ﷺ بريء منه (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر (ح: ١٢٦٣).\n(^٢) المسند (٤/ ١٠٩).\n(^٣) في إسناده شيبان القتباني، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٤/ ٣٥٥).\nوفي التقريب: مجهول.\nوفي إسناده اختلاف على عياش بن عباس:\nفرواه أبو داود (٣٦) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ١٠١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١٩٦)، والبزار كما في البحر الزخار (٢٣١٧)، والطبراني في الكبير (٤٤٩١) من طريق المفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس، عن شييم، عن شيبان القتباني، عن رويفع.\nوقيل: عن شييم، أنه سمع رويفع، بإسقاط شيبان.\nأخرجه أحمد (٤/ ١٠٨) حدثنا يحيى بن إسحاق.\nوأخرجه أيضًا (٤/ ١٠٨) حدثنا حسن بن موسى فرقهما، عن ابن لهيعة.\nوأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٩٣٣٦) وفي المجتبى (٥٠٦٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٣) من طريق حيوة بن شريح، كلاهما (ابن لهيعة وحيوة) عن عياش بن عباس، عن شييم، قال: حدثنا رويفع. ...\nوقيل: عن شييم، عن أبي سالم، عن شيبان بن أمية، عن رويفع، فجعل بين شييم، وبين رويفع رجلين.\nأخرجه أحمد (٤/ ١٠٨) حدثنا يحيى بن إسحاق من كتابه، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن عياش بن عباس، عن شييم به، بذكر بعضه. وهذه الأسانيد كلها على اختلافها فيها شيبان بن أمية، وهو مجهول كما قدمنا، والله أعلم.\nفائدة: قال في التطريف في التصحيف (ص: ٣٠): «قال ثابت بن قاسم السرقسطي في كتاب الدلائل غريب الحديث: هكذا في الحديث، من عقد لحيته، وصوابه والله اعلم: من عقد لحاء، من قولك: لحيت الشجر، ولحوته إذا قشرته، وكانوا في الجاهلية يعقدون لحاء الحرم، فيقلدونه أعناقهم، فيأمنون بذلك، وهو قوله تعالى: (لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ) فلما أظهر الله تعالى الاسلام نهى عن ذلك من فعلهم، وروى أسباط، عن السدي في هذه الآية، أما شعائر الله فحرم الله، وأما الهدي والقلائد، فإن العرب كانوا يقلدون من لحاء الشجر شجر مكة فيقيم الرجل بمكة حتى إذا انقضت الأشهر الحرم، وأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر، فيأمن حتى يأتي أهله. قال ابن دقيق العيد في الامام: وما أشبه ما قاله بالصواب، لكن لم نره في رواية مما وقفت عليه». اهـ","vol":"7","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3442>الدليل السابع:</span>\n(١٤٧١ - ٢١٣) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم ابن أبي المخارق، أن الوليد بن مالك بن عبد القيس أخبره، أن محمد بن قيس مولى سهل بن حنيف أخبره،\nأن سهل بن حنيف أخبره، أن رسول الله ﷺ قال له: أنت رسولي إلى أهل مكة. قل: إن رسول الله ﷺ أرسلني يقرأ السلام عليكم، ويأمركم بثلاث لا تحلفوا بغير الله، وإذا تخليتم فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولا تستنجوا بعظم ولا ببعرة (^١).\n[ضعيف جدًا] (^٢).\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق (١٥٩٢٠).\n(^٢) في إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف جدًا.\nكما أن في إسناده الوليد بن مالك ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٩/ ١٧).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٥٢).\nوقال ابن حجر: مجهول غير مشهور. تعجيل المنفعة (١١٥٥). ...\nومحمد بن قيس، قال علي بن المديني: لا يعرف. لسان الميزان (٥/ ٣٤٩). وقال الحافظ في تعجيل المنفعة (٩٦٩): ليس بمشهور.\n[تخريج الحديث]:\nالحديث رواه أحمد (٣/ ٤٨٧) عن عبد الرزاق به.\nوأخرجه الدارمي (٦٦٤) والحاكم (٣/ ٤١٢) من طريق أبي عاصم.\nوأخرجه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٦٦) من طريق جرير، كلاهما عن عبد الكريم بن أبي المخارق به.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٥)، (٤/ ١٧٧): «رواه أحمد، وفيه عبد الكريم بن\nأبي المخارق، وهو ضعيف». اهـ\nوقال ابن حجر في التلخيص: رواه أحمد، وإسناده. اهـ","vol":"7","page":328},{"text":"والعلة في النهي: إما أن يكون الروث والعظم طاهرين، أو نجسين:\nفإن كانا طاهرين، فالعلة فيهما أنهما طعام إخواننا من الجن وطعام دوابهم.\n(١٤٧٢ - ٢١٤) لما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،\nعن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا (^١).\nوروى مسلم من طريق عبد الأعلى، عن داود، عن عامر، عن علقمة،\nعن ابن مسعود، وفيه: قال رسول الله ﷺ: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٨٦٠).","vol":"7","page":329},{"text":"علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ: فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (^١).\nوإن كان العظم والروث نجسين، كان علة النهي النجاسة،\n(١٤٧٣ - ٢١٥) لما رواه البخاي من حديث ابن مسعود ﵁، قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (^٢).\nوسقنا إسناده في أول دليل في مسألتنا هذه. فقوله ﷺ: هذا ركس: أي نجس كما بيناه من قبل، ولا ينبغي أن يفسر الركس بمعنى الرجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي الحمل عليه إلى خلو الكلام من فائدة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3443> دليل من قال: يجوز الاستنجاء بالعظم والروث:</span>\nلا أعلم له دليلًا، وقد صرح أشهب بأنه لا يعلم فيه نهيًا، وهذا دليل على أنه لم يبلغه النهي، ولو بلغه لقال به؛ لأن النهي ثابت في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وابن مسعود وغيرهما كما سقناه في أدلة القول الأول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3444> دليل من قال: لا يستنجي، وإذا استنجى أجزأ:</span>\nقالوا: إن كان العظم والروث طعام إخواننا من الجن، فإن هذا لا يمنع من صحة الاستنجاء، كما لو استنجى بثوب غيره، فكونه قد اعتدى على ثوب غيره لم يمنع من الاستنجاء به، وإن كان العظم والروث نجسين فإن هذا أيضًا لا يمنع من صحة الاستنجاء؛ لأن العظم نجاسته لا تتعدى كما لو كان خاليًا من الرطوبة، وكذلك البعر الناشف لا تتعدى نجاسته إلى البدن، فهو يزيل النجاسة، ولا ينجس غيره، وبالتالي فإن النهي عن الاستنجاء منهما منفك عن كونهما ينظفان المحل، وكيف نحكم على المحل بالنجاسة وقد زالت عينها؟\nوهذا أقرب الأقوال، أنه لا يستنجي بهما، وإن فعل أجزأ إذا أنقت المحل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٤٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري (١٥٦).","vol":"7","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3445>فرع\nالنهي عن العظام والروث للكراهة أو للتحريم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في النهي التحريم.\n• النهي عن الاستنجاء لا يعني النهي عن سائر الانتفاعات بسبب أنه طعام الجن ودوابهم.\n• ظاهر النهي عن الاستنجاء يشمل المملوك والمباح.\n• الإخبار بالغيبيات الواجب فيه التسليم؛ لأنه خبر من لا ينطق عن الهوى.\nالنهي عن الاستنجاء بالعظم والروث من الإخبار بالغيبيات التي يجب فيها التسليم، والسؤال: هل يشمل النهي المملوك أو يختص بالمباح؟\nظاهر النصوص الإطلاق، فقد يقال: إن هذا خاص بالمباح؛ لأن النهي لما كان من أجل طعام الجن ودوابهم فهو معارض بالملكية السابقة، ومن ملك شيئًا اختص به.\nوقد يقال: حتى المباح فهو لمن سبق، ووضع اليد عليه تجعل المستجمر أحق به من غيره، ومع ذلك لما نهي عن الاستنجاء بهما مع سبق يده عليهما دل على أنه منهي عن الاستنجاء بهما، ولو كان يملكهما.\nوقد يقال: إن هذا التفصيل يصح في حال الاضطرار إلى العظم والروث، فيقدم المالك وواضع اليد على غيره، أما في حال الاختيار ففي الحجارة غنية عنهما، والنهي عن الاستجمار لا يعني النهي عن سائر الانتفاعات الأخرى بحجة أنه طعام الجن","vol":"7","page":331},{"text":"ودوابهم فحاجة الإنسان مقدمة على غيره؛ لأن الأصل أن الله أباح لنا جميع ما على الأرض إلا ما نهي عنه.\nوأما كيف يطعمه الجن ودوابهم فهذا أمر غيبي لم يكشف لنا إلا أنه لا يعني الاستهلاك كما يفعل الآدمي بطعامه؛ لأننا نشاهد العظام والروث تبلى وتفسد، ومع ذلك فالمسلم منهي عن الاستنجاء بهما، ولو فسدتا، والله أعلم.\nإذا علم ذلك نأتي إلى بحث ما كلفنا به، وما لم نكلف به فالواجب التفويض؛ لأنه خبر من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فأقول:\n[م-٦٤٤] اختلف الفقهاء هل النهي عن الاستجمار بالروث والعظام هل هو للكراهة أم للتحريم؟\nفقيل: يكره، اختاره بعض الحنفية (^١).\nوقيل: يكره في العظم والروث الطاهرين، وهو مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: يحرم، اختاره بعض الحنفية (^٣)، وبعض المالكية (^٤)، وهو مذهب الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) كتب الحنفية نصت على كراهة الاستنجاء بعظم أو روث كما في بدائع الصنائع (١/ ١٨)، وتبيين الحقائق (١/ ٧٨)، والجوهرة النيرة (١/ ٤٠)، والبحر الرائق (١/ ٢٥٥) وأكثر كتبهم لم تفسر الكراهة هل هي للتحريم أو للتنزيه، إلا أن ابن عابدين قال في حاشيته (١/ ٣٣٩): «أما العظم والروث فالنهي ورد فيهما صريحًا في صحيح مسلم لما سأله الجن الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم، فقال النبي ﷺ: فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم، وعلل في الهداية للروث بالنجاسة، وإليه يشير قوله في حديث آخر: (إنها ركس) لكن الظاهر أن هذا لا يفيد التحريم». اهـ\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٢٨٨)، الشرح الكبير (١/ ١١٤).\n(^٣) مراقي الفلاح (ص: ٢١).\n(^٤) الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ١٧).\n(^٥) المهذب (١/ ٢٨)، حلية العلماء (١/ ٦٥)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٤)، إعانة الطالبين (١/ ١٠٨)، التنبيه (ص: ١٨).\n(^٦) الفروع (١/ ٩٢)، كشاف القناع (١/ ٦٩)، المبدع (١/ ٩٢)، المحرر (١/ ١٠).","vol":"7","page":332},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3446> دليل من قال: يكره:</span>\nقالوا: إن الأصل في النهي التحريم، لكن مقتضى التعليل بأنه زاد إخواننا من الجن جعلنا نحمل النهي على الكراهة دون التحريم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3447> دليل من قال: يحرم:</span>\nقالوا: الأصل في النهي التحريم، ولا توجد قرينة صارفة للنهي عن هذا الأصل.\nبل قالوا: إن مقتضى التعليل يقتضي التحريم؛ لأن العظم والروث لما كان طعام إخواننا من الجن، كان في الاستنجاء به، تعد وإفساد له، أما التعدي فظاهر، فلأن كل عظم وروث جعل من طعامهم وطعام دوابهم، فكانوا أحق به.\nوأما الإفساد، فلأن هذا الطعام إذا استنجي به أدى إلى إفساده عليهم، وما جمع بين التعدي والإفساد كيف لا يكون حرامًا؟\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3448> دليل من قال: يكره إن كان العظم والروث طاهرين ويحرم إن كانا نجسين:</span>\nلعلهم سبب التفريق عندهم إن العظم والروث إن كانا طاهرين كان في الاستنجاء بهما ملابسة للنجاسة، وهي مكروهة عندهم، بخلاف ما إذا كانا طاهرين.\nولو عكسوا لم يبعدوا، لأن العظم والروث إن كانا نجسين فاستعمال النجاسة على وجه لا يتعدى لا يمنع منه، كما انتفع من شحم الميتة، فإنه يطلى به السفن ويدهن به الجلود ويستصبح به الناس كما في حديث جابر المتفق عليه.\n(١٤٧٤ - ٢١٦) فقد روى البخاري من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح،\nعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها","vol":"7","page":333},{"text":"الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه، ورواه مسلم (^١).\nوأما إذا كان العظم والروث طاهرين فإن فيه كما بينا سابقًا تعديًا وإفسادًا فينبغي أن يكون حرامًا، لو قيل هذا لم يبعد.\n• الراجح:\nأن النهي للتحريم، لأنه الأصل في نهي رسول الله ﷺ، وإذا خالف، واستنجى به، فهل يجزئه أم لا؟\nأما القائلون بالكراهة فظاهر، وأما القائلون بالتحريم فهل يصح أم لا فيه خلاف بيناه في مسألة مستقلة في اشتراط أن يكون المستنجى به طاهرًا، وفي ما سبق من الفصول، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).","vol":"7","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3449>الشرط الرابع\nفي اشتراط أن يكون المستجمر به من الأحجار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لما خص النهي بالعظم والروثة دل على جواز غيرهما، ولو لم يكن حجرًا.\n• تعليل الشارع الروثة بأنها ركس، يقتضي اعتبار غير الحجر، وإلا لعلل بأنها ليست بحجر.\n• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل. فلم يتعين الحجر.\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها.\n[م-٦٤٥] اختلف الفقهاء هل يشترط أن يكون الاستجمار من الأحجار، أو يجوز أن يكون من الخشب والورق ونحوهما؟\nفقيل: يجوز الاستجمار بكل طاهر منق من حجر أو ورق أو خشب ونحوها، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٥٣)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٤٨)، الفتاوى النهدية (١/ ٤٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٠)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٩). ...\nوانظر في مذهب المالكية: المنتقى (١/ ٦٧، ٦٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٣)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٦)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، حاشية الصاوي (١/ ١٠٠، ١٠١)، مختصر خليل (ص: ١٥).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢٢)، المهذب (١/ ٢٨)، حلية العلماء (١/ ١٦٤)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٤)، أسنى المطالب (١/ ٥٠)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٤٨)، المجموع (٢/ ١٣٠).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المبدع (١/ ٩١)، الفروع (١/ ٩٢)، المحرر (١/ ١٠)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٥٣)، المغني (١/ ١٠٣)، كشاف القناع (٦٨)، الإنصاف (١/ ١٠٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٦).","vol":"7","page":335},{"text":"وقيل: لا يجوز إلا الماء أو بالأحجار ونحوها مما هو من جنس الأرض، ولا يجوز بالورق والخشب وغيرها من غير جنس الأحجار، وهو اختيار أصبغ من المالكية (^١)، وابن حزم من الظاهرية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3450> دليل الجمهور على جواز الورق والخشب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3451>الدليل الأول:</span>\n(١٤٧٥ - ٢١٧) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،\nعن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت. الحديث (^٣).\nفقوله: (ولا تأتني بعظم ولا روثة) لما خص النهي بالعظم والروثة دل على جواز غيرهما، ولو لم يكن حجرًا كالورق والخشب.\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٨٦).\n(^٢) المحلى (١/ ١٠٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٨٦٠).","vol":"7","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3452>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٧٦ - ٢١٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه\nأنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ علل منع الاستنجاء بها بكونها ركسًا، ولم يعلل بكونها ليست حجرًا. وهذا يعني جواز الاستنجاء بكل طاهر منق ما لم يكن رجسًا أو محترمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3453>الدليل الثالث:</span>\n(١٤٧٧ - ٢١٩) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، نا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن عبد الله الترقفي، نا يحيى بن يعلى، نا أبي، عن غيلان، عن أبي إسحاق،\nعن مولى عمر يسار بن نمير، قال كان عمر ﵁ إذا بال قال: ناولني شيئا أستنجي به، قال: فأناوله العود والحجر، أو يأتي حائطًا يتمسح به، أو يمس الأرض ولم يكن يغسله.\nقال البيهقي: وهذا أصح ما روي في هذا الباب وأعلاه (^٢).\n[رجاله ثقات إلا أن غيلان بن جامع لم أقف هل سمع من أبي إسحاق قبل أو بعد تغيره] (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٦).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ١١١).\n(^٣) غيلان بن جامع من رجال مسلم، ومع ذلك لم يخرج مسلم حديث أبي إسحاق من رواية غيلان، ولا أحد من الكتب الستة إلا النسائي فقد أخرج له حديثًا واحدًا قد توبع عليه (٥٠٧٧) بلفظ: (أفضل ما غيرتم به الشمط الحناء والكتم).","vol":"7","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3454>الدليل الرابع:</span>\n(١٤٧٨ - ٢٢٠) ما رواه الدارقطني من طريق مبشر بن عبيد، حدثني الحجاج ابن أرطاة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂ قالت: مر سراقة بن مالك المدلجي على رسول الله ﷺ فسأله عن التغوط، فأمره أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح، وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب.\nقال الدارقطني: لم يروه إلا مبشر بن عبيد، وهو متروك الحديث (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3455>الدليل الخامس:</span>\n(١٤٧٩ - ٢٢١) ما رواه الدارقطني، قال: أخبرنا عبد الباقي بن قانع، أخبرنا أحمد ابن الحسن المضري، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا زمعة بن صالح، عن سلمة ابن وهرام، عن طاوس،\nعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أعواد، أو ثلاثة أحجار، أو بثلاث حثيات من التراب. قال زمعة: فحدثت به\nابن طاوس، فقال: أخبرني أبي عن ابن عباس بهذا سواء (^٢).\n[موضوع] (^٣).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٥٦)، وانظر ح: (١٣٥٩).\n(^٢) سنن الدارقطني (١/ ٥٧).\n(^٣) قال الدارقطني: لم يسنده غير المضري، وهو كذاب متروك، وغيره يرويه عن أبي عاصم، عن زمعة، عن سلمة بن وهرام، عن طاوس مرسلًا، ليس فيه عن ابن عباس، وكذلك رواه\nعبد الرزاق وابن وهب ووكيع وغيرهم عن زمعة. ورواه ابن عيينة عن سلمة بن وهرام عن طاوس قوله، وقد سألت سلمة (السائل ابن عيينة) عن قول زمعة: أنه عن النبي ﷺ فلم يعرفه.\nعلى هذا فالمرفوع ضعيف جدًا أو موضوع، والمرسل ضعيف؛ لأن فيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف، والمعروف أنه من قول طاوس موقوفًا عليه.\nوهو كذلك في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٤٢) قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن طاووس، قال: الاستنجاء بثلاثة أحجار، قال: قلت: فإن لم أجد ثلاثة أحجار؟ قال: فثلاثة أعواد، قلت: فإن لم أجد ثلاثة أعواد؟ قال: فثلاث حفنات من تراب. وسنده صحيح إلى طاووس.\nورواه البيهقي (١/ ١١١) من طريق هشيم به. وقال: «هذا هو الصحيح عن طاووس من قوله، وكذلك رواه سفيان بن عيينة، عن سلمة بن وهرام، عن طاووس. ورواه زمعة بن صالح، عن سلمة، فرفعه مرسلًا ...» ثم ساقه البيهقي بإسناده (١/ ١١١) من طريق عبد الرزاق، عن زمعة ابن صالح، عن سلمة بن وهرام، قال: سمعت طاووسًا قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.\nقال البيهقي: هكذا رواه ابن وهب ووكيع وغيرهم عن زمعة. حتى قال: ولا يصح وصله ولا رفعه».","vol":"7","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3456>الدليل السادس:</span>\nمن النظر، قالوا: إن النجاسة عين خبيثة، متى زالت بأي مزيل زال حكمها، وليس التعبد بالمزيل، ولكن التعبد بالإزالة، فالحجر وما كان مثله أو أنقى منه يحصل به المقصود، وهو طهارة المحل، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3457> دليل ابن حزم على وجوب الاقتصار على الماء أو الحجارة:</span>\nيرى ابن حزم أن الاستنجاء يقتصر على ما ورد فيه النص، وقد جاء الاستنجاء بالماء في أحاديث كثيرة سوف نسوق ما وقفنا عليه منها في باب الاستنجاء بالماء، وجاء الاستنجاء بالحجارة، وقد ذكرنا ما وقفت عليه منها في باب الاستجمار بالحجارة، ولم يرد النص في الاستنجاء إلا بالماء أو الحجارة، فطلب الاستنجاء بغيرهما لم يدل عليه الدليل، فلا يجوز الاستنجاء به، ولا يرى ابن حزم القياس حتى يقيس على الحجارة غيرها مما يزيل النجاسة، أو ربما يكون أنقى منها في الإزالة.\n• ويرد على ابن حزم:\nكيف جوزت الاستجمار بالرمل والتراب مع أنه لم يأت به نص، فإن كان الدليل هو الاستجمار بالحجارة، فهذا باب من القياس، وأنت لا ترى القياس، وإن كان","vol":"7","page":339},{"text":"اتباعًا للدليل فلا أعلم نصًا في السنة في الاستجمار بالرمل والتراب.\nواستدل بعضهم من وجه آخر، فقال: إن الاستجمار رخصة، فيقتصر بها على ما ورد (^١).\nوقال ابن المنذر: «لا نحفظ عن رسول الله شيئًا من الأخبار أنه أمر بالاستنجاء بغير الحجارة، ومن استنجى بالحجارة كما أمر به رسول الله ﷺ فقد أتى بما عليه، وإن استنجى بغير الحجارة، فالذي نحفظ عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا: ذلك جائز، والاستنجاء بالحجارة أحوط» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٨٦).\n(^٢) الأوسط (١/ ٣٥٣).","vol":"7","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3458>الشرط الخامس\nأن يكون الحجر ونحوه منقيًا</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الاستنجاء بما لا ينقي مخالف لمقصود الشارع.\n[م-٦٤٦] اشترط الفقهاء أن يكون الحجر أو ما يقوم مقامه منقيًا (^١).\nلأن المقصود من الاستجمار هو الإنقاء، فالذي لا ينقي لا حاجة إلى الاستجمار به، وعليه:\nفقيل: يكره الاستجمار بزجاج، وهو مذهب الحنفية (^٢).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٢) نور الإيضاح (ص: ١٤)، الدر المختار (١/ ٣٣٧) وقال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٣٣٧): «لم يرد به حقيقة الإنقاء، بل تقليل النجاسة».\nقلت: الذي يقلل النجاسة يحصل به الإنقاء تدريجيًّا.\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٨٦)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، الشرح الكبير (١/ ١١٣)، مختصر خليل (ص: ١٥).\nوقال النووي من الشافعية في المجموع (٢/ ١٣٤) «اتفق الأصحاب على أن شرط المستنجى به أن يكون قالعًا لعين النجاسة». اهـ\nوانظر في مذهب الحنابلة المبدع (١/ ٩٣)، الفروع (١/ ٩٢)، المحرر (١/ ١٠).\nوقال في كشاف القناع (١/ ٦٩): «والإنقاء بأحجار ونحوها: إزالة العين الخارجة من السبيلين حتى لا يبقى أثر لا يزيله إلا الماء. الخ وقد بينا في مسألة مستقلة صفة الإنقاء بالحجر، فارجع إليه إن شئت، غير مأمور». اهـ\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ٧٨)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٠).","vol":"7","page":341},{"text":"وقيل: لا يجوز الاستجمار بالزجاج، وهو مذهب الجمهور (^١).\n• علة الكراهة عند الحنفية:\nبينا في حكم الاستنجاء أن الحنفية لا يرونه واجبًا، وإنما يرون تركه مكروهًا، فإذا استنجى بأداة لا تنقي بقي حكم الكراهة لم يرتفع، والله أعلم.\n• علة النهي عن الاستنجاء بالزجاج:\nعلل الفقهاء النهي عن الاستنجاء بالزجاج بأمرين:\nالأول: أنه لا ينقي، والمقصود من الاستجمار هو الإنقاء، فإذا كان الزجاج لا ينقي المحل كان الاستنجاء به عبثًا.\nالثاني: أن الزجاج قد يضر بالمقعدة.\nوالذي يظهر من التعليل أنه لا يوجد نص في النهي عن الاستنجاء بالزجاج أو بالحجر الأملس، وإذا استنجى به فإن تم المقصود، وأزل عين النجاسة فقد طهر المحل، وإن لم ينق فإنه يكون مطالبًا بالاستنجاء حتى يطهر المحل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ١١٣)، الخرشي (١/ ١٥٠)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٦)، مختصر خليل (ص: ١٥).\nوانظر في مذهب الشافعية: روضة الطالبين (١/ ٦٨). وقال النووي في المجموع (٢/ ١٣٤): «واتفقوا - يعني أصحابهم- على أن الزجاج والقصب الأملس وشبهها لا يجزئ».\nوانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٦٩)، المغني (١/ ١٠٤)، المبدع (١/ ٩٣)، شرح العمدة (١/ ١٥٩).","vol":"7","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3459>فرع\nفي تعين الاستنجاء بالماء على من استنجى بالزجاج</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ما قارب الشيء هل يعطى حكمه؟\n• الاستجمار هل هو رخصة، أو عزيمة؟\nأو بمعنى آخر:\n• الاستجمار هل هو على خلاف الأصل فيقتصر على الحجارة، أو لا فيقاس عليه غيره؟\nوعلى التسليم بأنه ثبت على خلاف القياس، فالصواب أنه يصح القياس على ما ثبت خلافًا للأصل إذا كان معللًا (^١).\nوعلى القول بأنه رخصة:\n• هل النجاسة القريبة من محل الاستنجاء، يكفي فيها الاستجمار بالحجارة؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه.\nأو لا بد من غسلها بالماء؛ لأن الرخصة في الاستجمار بالحجارة قاصرة على محل الاستنجاء، دون ما قرب منه؟\n[م-٦٤٧] اختلف الفقهاء في هذه المسألة:\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ١١٩).","vol":"7","page":343},{"text":"فقيل: إن كان حين استنجى بالزجاج بسط النجاسة بحيث تعدت محلها، فإن الماء يتعين في هذه الحالة، وإلا فتكفيه الحجارة، وهذا مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\nوفي مذهب الحنابلة ثلاثة أقوال فيما إذا استجمر بمنهي عنه، ثم استجمر بمباح:\nفقيل: لا يجزئ مطلقًا، ويتعين الماء.\nوقيل: يجزئ مطلقًا الاستجمار بالحجارة.\nوقيل: إن أزال شيئًا أجزأ، وإلا تعين الماء (^٣).\nوأما من يرى أن الاستجمار مجزئ، ولو تعدت النجاسة مخرجها المعتاد، فإنه ليس بحاجة إلى هذا التفصيل، وهو الراجح، وسوف يأتي الكلام في مسألة مستقلة: خلاف الفقهاء فيما إذا تجاوزت النجاسة مخرجها المعتاد، في بحث: متى يتعين الماء، فانظره إن شئت.\n* * *\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٥٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٣٤).\n(^٣) انظر تصحيح الفروع (١/ ١٢٣).","vol":"7","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3460>الشرط السادس\nفي اشتراط أن يكون المستجمر به جامدًا</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل، فلم يتعين الحجر.\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها.\n• الاستجمار هل هو على خلاف الأصل فيقتصر على الحجارة، أو لا فيقاس عليه غيره؟\nوعلى التسليم بأنه ثبت على خلاف القياس، فالصواب أنه يصح القياس على ما ثبت خلافًا للأصل إذا كان معللًا (^١).\nوقيل:\n• كل مائع غير الماء لا يدفع النجاسة عن نفسه فلا يدفعها عن غيره.\n[م-٦٤٨] اختلف الفقهاء فيما يستجمر به هل يشترط أن يكون جامدًا، أو يجزئ الاستنجاء بكل رطب أو مائع غير الماء؟\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ١١٩).","vol":"7","page":345},{"text":"فقيل: يجزئ كل مزيل للنجاسة سواء كان مائعًا أو جامدًا أو رطبًا، وهذا مذهب الحنفية، واختيار ابن تيمية (^١).\nوقيل: لا يجزئ إلا ما كان جامدًا، أما الرطب والمائع من غير الماء فلا يجزئ الاستنجاء به، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3461> دليل الحنفية على إزالة الاستجمار بكل مائع ورطب:</span>\nقالوا: إن كل مائع مزيل فإنه يطهر النجاسة، قياسًا على إزالة النجاسة بالماء بناء على أن الطهارة بالماء معلولة بعلة كونه قالعًا لتلك النجاسة، والمائع قالع فهو محصل ذلك المقصود فتحصل به الطهارة.\nوقيدوا المائع بكونه مزيلًا ليخرج الدهن والسمن واللبن وما أشبه ذلك؛ لأن الإزالة إنما تكون بأن يخرج أجزاء النجاسة مع المزيل شيئا فشيئًا، وذلك إنما يتحقق فيما ينعصر بالعصر بخلاف الخل وماء الباقلاء الذي لم يثخن فإنه مزيل، وكذا الريق،\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧)، الهداية شرح البداية (١/ ٣٤).\nقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٥): «الراجح في هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها؛ فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة؛ لما في ذلك من فساد الأموال كما لا يجوز الاستنجاء بها». اهـ\n(^٢) انظر في مذهب المالكية: منح الجليل (١/ ١٠٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٣)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٧)، القوانين الفقهية (ص: ٢٩).\nوفي مذهب الشافعية، قال في المهذب (١/ ٢٨): «أما غير الماء من المائعات فلا يجوز الاستنجاء به؛ لأنه ينجس بملاقاة النجاسة فيزيد في النجاسة». اهـ\nوانظر المجموع (٢/ ١٣٢)، تحفة المحتاج (١/ ١٧٦)، دقائق المنهاج (ص: ٣٣)، المنهج القويم (ص: ٨١). وقال في حلية العلماء (١/ ١٤٦): «ويجوز الاستنجاء بالحجر وما يقوم مقامه: وهو كل جامد طاهر منق. الخ فنص على اشتراط الجامد».\nوانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٦٩)، الإنصاف (١/ ١١١)، المبدع (١/ ٩٢)، المحرر (١/ ١٠)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٥٣).","vol":"7","page":346},{"text":"وعلى هذا فرعوا طهارة الثدي إذا قاء عليه الولد ثم رضعه حتى أزال أثر القيء (^١)، وكذا إذا لحس أصبعه من نجاسة بها حتى ذهب الأثر، أو شرب خمرًا ثم تردد ريقه في فيه مرارًا طهر (^٢) حتى لو صلى صحت صلاته (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3462> دليل الجمهور على اشتراط الماء أو الجامد:</span>\nقالوا: جاءت أحاديث كثيرة في الاستنجاء بالماء (^٤)، كما جاءت أحاديث كثيرة بجواز الاستجمار بالحجارة (^٥)، قالوا: والأصل في النجاسات كلها أنها لا تزال إلا بالماء، جاء الاستجمار بالأحجار على خلاف الأصل فقبلناه في محله، ولا نتعداه لغيره، فلا نزيل النجاسة بالأحجار إذا كانت النجاسة على غير المخرج، ولا نزيلها بمائع غير الماء لعدم الدليل، بل إن المائع غير الماء قد ينشر النجاسة أكثر؛ لأنه سوف يتنجس المائع بمجرد الملاقاة، فيكون ما يصيب البدن منه يكون نجسًا، والنجس لا يطهر.\n• والدليل على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء أدلة كثيرة منها:\nقوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) [الأنفال: ١١].\nوجه الاستدلال:\nقال النووي: ذكر الله سبحانه امتنانًا، فلو حصل -يعني التطهير- بغيره لم يحصل الامتنان (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3463>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٨٠ - ٢٢٢) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، قال:\n_________\n(^١) هذا بناء على القول بنجاسة القيء، والصحيح طهارته، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى في أحكام النجاسات بلغنا الله إياه بلطفه ورحمته.\n(^٢) وهذا بناء على أن الخمر نجسة، والصحيح أن نجاستها معنوية، وأن عينها طاهرة.\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٣٣) مع تصرف يسير.\n(^٤) ذكرت ما وقفت عليه منها في باب الاستنجاء بالماء.\n(^٥) ذكرت ما وقفت عليه منها في باب الاستجمار بالحجارة.\n(^٦) المجموع (١/ ١٤٣).","vol":"7","page":347},{"text":"سمعت أنس بن مالك: قال جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء، فأهريق عليه. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ حين أراد تطهير المسجد من بول الأعرابي أمر بالماء لقوله في الحديث: (أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء) فهذا الأمر دال على اختصاص الماء بالتطهير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3464>الدليل الثالث:</span>\n(١٤٨١ - ٢٢٣) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة،\nعن أسماء قالت: جاءت امرأة النبي ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه وتصلي فيه، ورواه مسلم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ أرشد في تطهير الثوب من دم الحيض إلى الماء، ولم يرشد إلى غيره، فتعين الماء لإزالة النجاسة من دم الحيض، لكونه منصوصًا عليه، وباقي النجاسات مقيسة عليه.\n• وأجيب عن هذه الأدلة:\nبأن هذه الأدلة تدل على أن الماء يزيل النجاسة، وهذا لا إشكال فيه، وهو محل إجماع، لكن ليس فيها دلالة على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء .. وفرق بين المسألتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3465>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إذا كانت طهارة الحدث لا تكون إلا بالماء مع وجوده، فكذلك إزالة النجاسة لا تكون إلا بالماء.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٩)، ومسلم (٢٨٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٢٧)، مسلم (٢٩١).","vol":"7","page":348},{"text":"وأجيب: بأن القياس على طهارة الحدث قياس مع الفارق.\nأولًا: طهارة الحدث من باب فعل المأمور، وأما طهارة الخبث فمن باب ترك المحضور.\nثانيًا: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح خلافًا للحنفية، بخلاف طهارة الخبث فهي من باب التروك لا تشترط لها النية كترك الزنا والخمر ونحوها.\nثالثًا: طهارة الحدث طهارة تعبدية محضة غير معقولة المعنى، فبدن المحدث وعرقه وريقه طاهر، وأما طهارة الخبث فإنها طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.\nرابعًا: طهارة الحدث الصغرى تختص بأعضاء مخصوصة، ربما ليس لها علاقة بالحدث، فالحدث: الذي هو البول والغائط موجب لغسل الأعضاء الأربعة الطاهرة، بينما طهارة الخبث تتعلق بعين النجاسة أينما وجدت.\nخامسًا: طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان على الصحيح بخلاف طهارة الخبث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3466> دليل من قال: تزال النجاسة بأي مزيل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3467>الدليل الأول:</span>\nالاستجمار ليس رخصة على خلاف القياس فلا نتعداه إلى غيره، بل يقال: إذا صح الاستجمار بالحجارة صح إزالة النجاسة بأي مزيل قياسًا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3468>الدليل الثاني:</span>\nصح تطهير النعلين بالتراب، وهو غير الماء، وليس في محل الاستجمار،\n(١٤٨٢ - ٢٢٤) فقد روى أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن\nأبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،\nأن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال:","vol":"7","page":349},{"text":"لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوصح تطهير ذيل المرأة بغير الماء، وفي غير محل الاستجمار أيضًا.\n(١٤٨٣ - ٢٢٥) روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير -يعني ابن معاوية- ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت:\nيا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة، فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى. قال: فهذه بهذه (^٣).\n[إسناده صحيح] (^٤).\nفسقط دعوى أن إزالة النجاسة في الاستجمار بالحجارة على خلاف القياس، وأنه لا يتعدى فيها محلها، بل تزال النجاسة بأي مزيل كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3469>الدليل الرابع:</span>\nمن النظر، قالوا: إن النجاسة عين خبيثة لها طعم أو لون أو رائحة، والمطلوب إزالة كل ذلك فإذا ذهب طعمها ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها وأصبح المحل طاهرًا. وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٢٠، ٩٢).\n(^٢) انظر تخريجه ح: (١٤٩٩).\n(^٣) المسند (٦/ ٤٣٥).\n(^٤) انظر تخريجه (ص: ٣٨٩) ح: ١٤٩٨.","vol":"7","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3470>الشرط السابع\nألا يكون المستجمر به حُمَمَة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في العادات الإباحة إلا بدليل.\n• الاستجمار عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل.\n• الاستجمار عين خبيثة متى زالت زال حكمها.\n[م-٦٤٩] وقع خلاف بين الفقهاء في حكم الاستنجاء بالحمم، ومثله الرماد (^١).\nفقيل: يكره الاستنجاء به، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: لا يجزئ مطلقًا، اختاره العراقيون من الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ١٣٥): «الحممة: بضم الحاء، وفتح الميمين مخففتين: وهي الفحم، وكذا قاله أصحابنا في كتب الفقه، وكذا قاله أهل اللغة وغريب الحديث».\nوقال الخطابي: الحمم الفحم، وما أحرق من الخشب والعظام ونحوها.\nوقال البغوي: «المراد به: الفحم الرخو الذي يتناثر إذا غمز، فلا يقلع النجاسة». اهـ\n(^٢) انظر في مذهب الحنفية: نور الإيضاح (ص: ١٦)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٣)، مراقي الفلاح (ص: ٢٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤١).\nوفي مذهب المالكية، قال ابن عبد البر في الكافي (ص: ١٧): «ويكره الاستنجاء بالحممة». وانظر مواهب الجليل (١/ ٢٨٨).\n(^٣) قال النووي في المجموع (٢/ ١٣٤): «وأما الفحم فقطع العراقيون بأنه لا يجزئ». وانظر المهذب (١/ ٢٨).","vol":"7","page":351},{"text":"وقيل: إن كان صلبًا لا يتفتت أجزأ الاستنجاء به، وإن كان رخوًا يتفتت لم يجزئ، اختاره الخرسانيون من الشافعية (^١).\nوقيل: يجزئ الاستنجاء بالحممة، وهو قول في مذهب المالكية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3471> دليل من قال: بالكراهة أو المنع:</span>\n(١٤٨٤ - ٢٢٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا حيوة بن شريح الحمصي، ثنا\nابن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله بن الديلمي،\nعن عبد الله بن مسعود، قال: قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة؛ فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقًا. قال: فنهى النبي ﷺ عن ذلك (^٣).\n[ذكر الحممة شاذة، فحديث ابن مسعود في مسلم وليس فيه إلا العظم\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ١٣٤): «وقال الخرسانيون: اختلف نص الشافعي فيه -أي في الاستنجاء بالفحم- قالوا: وفيه طريقان: الصحيح منهما أنه على حالتين: فإن كان صلبًا لا يتفتت أجزأ الاستنجاء به، وإن كان رخوًا يتفتت لم يجزئ. وقيل: فيه قولان مطلقًا». اهـ وانظر روضة الطالبين (١/ ٦٨)، مغني المحتاج (١/ ٤٣).\n(^٢) قال في مواهب الجليل (١/ ٢٨٨): «لم يذكر المصنف حممة، وتقدم ذكرها في كلام ابن الحاجب. وقال في التوضيح: الحمم: الفحم، ثم قال: وأما الحممة فقال المصنف: الأصح فيها عدم الجواز. وقال التلمساني: إن ظاهر المذهب الجواز، والنقل يؤيده، قال أشهب في العتبية: سئل مالك عن الاستنجاء بالعظم والحممة؟ قال: ما سمعت فيها نهيًا، ولا أرى بها بأسًا في علمي. انتهى، ثم قال في التوضيح: قيل: وإنما منعت الحممة؛ لأنها تسود المحل، ولا تزيل النجاسة انتهى. قلت (القائل الحطاب): ما ذكره عن التلمساني هو في شرح الجلاب له، وأصله لصاحب الطراز، ونصه: «أما الفحم فظاهر المذهب جوازه، وقد تردد فيه قول مالك. قال ابن حبيب: استخف مالك ما سوى الروث والعظم، وقد كرهه جماعة لما فيه من التسخيم انتهى. وقال في الإكمال: المشهور عن مالك النهي عن الاستنجاء بالحممة. قال في كتاب الطهارة: فقد رجح كل واحد من القولين، فينبغي أن يكون في ذلك خلاف، وقد جزم في الشامل بالجواز، والله تعالى أعلم». انتهى نقلًا من مواهب الجليل.\n(^٣) سنن أبي داود (٣٩).","vol":"7","page":352},{"text":"والروثة] (^١).\n_________\n(^١) في إسناده إسماعيل بن عياش، وهو وإن كانت روايته عن أهل بلده لا بأس بها، إلا أن حديث ابن مسعود في صحيح مسلم ولم يذكر الحممة، مما يدل على أن ذكرها ليس محفوظًا، وجاء ذكر النهي عن طعام الجن وطعام دوابهم في حديث أبي هريرة، فلم يذكر إلا العظم والروثة، لهذا أرى أن ذكر الحممة ليس محفوظًا.\nوقد توبع فيه إسماعيل بن عياش، تابعه فيه بقية بن الوليد، إلا أنه مدلس، وقد عنعن، فقد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٣٧) رقم ٨٧٢ من طريق بقية، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني به. فخرج إسماعيل بن عياش من عهدته. ومع ذلك يبقى الخوف من الشذوذ واردًا.\nقال الدارقطني في سننه (١/ ٥٦): إسناد شامي ليس بثابت. والذي يظهر أنه لحظ فيه الشذوذ، وإلا فإسناد أبي داود رجاله كلهم ثقات إلا إسماعيل بن عياش، وهو صدوق في ما روى عن أهل الشام، وقد توبع، والله أعلم.\n[تخريج الحديث].\nالحديث رواه أبو داود كما في إسناد الباب، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن (١/ ١٠٩)، والبغوي (١٨٠) من طريق حيوة بن شريح.\nورواه الدارقطني (١/ ٥٦) من طريق هشام بن عمار، كلاهما عن إسماعيل بن عياش به.\nورواه الطبراني في مسند الشاميين من طريق بقية، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني به. وسبق الإشارة إليها.\nكما جاء حديث ابن مسعود من طريق آخر، فقد أخرجه أحمد (١/ ٤٥٧) عن عتاب وعلي بن إسحاق، عن عبد الله، أخبرنا موسى بن علي بن رباح، قال: سمعت أبي يقول: عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ أتاه ليلة الجن، ومعه عظم حائل، وبعرة، وفحمة، فقال: لا تسنجين بشيء من هذا إذا خرجت إلى الخلاء.\nورواه الدارقطني (١/ ٥٦)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٩) من طريق ابن وهب، حدثني موسى بن علي بن رباح به. والله أعلم.\nووهم ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٣٤٦) فاعتقد أن عبد الله: هو ابن لهيعة، وإنما هو ابن المبارك، وموسى بن علي بن رباح وإن كان قد روى عنه ابن لهيعة، لكن عتاب وعلي ابن إسحاق إنما رويا عن عبد الله بن المبارك، كما في تهذيب المزي، والله أعلم.\nورجال إسناد أحمد كلهم ثقات إلا أن عُلي بن رباح قال فيه الدارقطني: لا يثبت سماعه من ابن مسعود، ولا يصح. ...\nوحاول ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ١٠٩) أن يدفع كلام الدارقطني، فقال: «إن مسلمًا أنكر في ثبوت الاتصال اشتراط السماع، وادعى اتفاق أهل العلم على أنه يكفي إمكان اللقاء والسماع، وعلي هذا ولد سنة خمس عشرة كذا ذكره أبو سعيد بن يونس، فسماعه من ابن مسعود ممكن بلا شك؛ لأن ابن مسعود توفي سنة ٣٢، وقيل: سنة ٣٣ من الهجرة». اهـ\nقلت: كلام الدارقطني الجزم بعدم السماع، حيث قال: لا يثبت سماعه ولا يصح، فقوله: ولا يصح دليل على أنه علم أنه لم يسمع منه، ولا كل من أمكن لقيه جزم بسماعه، فإذا علمنا بأن الراوي لم يسمع، فالعلم بعدم السماع، كالعلم بالسماع، لكن عدم العلم هو الذي فيه نقاش.","vol":"7","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3472>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٨٥ - ٢٢٧) ما رواه البزار، من طريق أبي الأسود، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن ابن المغيرة -يعني عبيد الله- عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nعن عبد الله بن الحارث بن جزء ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يستنجي أحد بعظم أو روثة أو حممة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3473>الدليل الثالث:</span>\nمن النظر: قالوا: إن الحممة إن كانت صلبة فقد تسود الجسم، وإن كانت تتفتت فلا يحصل منها الإنقاء المطلوب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3474> دليل من قال يجزئ الاستنجاء بالحممة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3475>الدليل الأول:</span>\nلم يثبت نهي عن الاستنجاء بالحممة، والأصل الجواز، فقد نقل عن مالك أنه قال: ما سمعت فيها نهيًا (^٣).\n_________\n(^١) مسند البزار المسمى بالبحر الزخار (٣٧٨٣).\n(^٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٠٩): رواه الطبراني في الكبير والبزار، وهذا لفظه، وفيه\nابن لهيعة، وهو ضعيف.\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٢٨٨).","vol":"7","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3476>الدليل الثاني:</span>\nكونها قد تتفتت هذا لا يكفي دليلًا في المنع، فقد ذهب كثير من الفقهاء إلى الاستنجاء بالرمل، وهو أكثر نعومة من الفحم إذا تتفتت، ومع ذلك فالرمل ينقي، وكونها قد تسود الجسم، فإنها عين طاهرة لا تنجس البدن حتى يتقى هذا، وقد يحتاج إلى الاستنجاء بها، ويكفي أن الكلام هذا لا يصح أن يكون دليلًا شرعيًا في المنع من الاستنجاء بها.\n• الراجح:\nإن ثبت النهي عن الاستنجاء بالحممة قلت به، وإن كان النهي غير محفوظ، وهو الظاهر، فالأصل الجواز، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3477>الشرط الثامن أن يكون المستجمر به غير محترم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3478>المبحث الأول الاستنجاء بالكتب الشرعية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما يؤدي إلى إضاعة المال سوى الماء والحجارة في الاستنجاء فالمسلم منهي عنه.\n• كل محترم غير الماء سواء كان لشرفه، أو لكونه مطعومًا أو لتعلق حق الغير به لا يجوز الاستنجاء به.\n[م-٦٥٠] لا يستنجي بالكتب الشرعية، وهل هو على التحريم أو الكراهة خلاف؟\nفقيل: يكره، ويجزئ، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يحرم ويجزئ، وهو مذهب المالكية (^٢).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٠)، نور الإيضاح (ص: ١٦).\n(^٢) قال العدوي في حاشيته على الخرشي (١/ ١٥١): «أما المحترم من مطعوم، ومكتوب، وذهب، وفضة يحرم عليه -يعني الاستنجاء بها- سواء أراد الاقتصار عليه أم لا؟ ولكن إذا أنقى يجزئ». اهـ وانظر مواهب الجليل (١/ ٢٨٦)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، مختصر خليل (ص: ١٥)، التمهيد (١/ ٣٤٧).","vol":"7","page":356},{"text":"وقيل: يحرم ولا يجزئ، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية، والحنابلة (^١).\n• تعليل الكراهة أو المنع:\nقالوا: إن الكتب الشرعية يجب احترامها، لما فيه من علم محترم، والاستنجاء بها إهانة، وهذا منهي عنه.\nولأن الكتب الشرعية تعتبر من المال، فهي لها قيمة شرعًا، والاستنجاء بها إفساد لهذا المال، وإفساد الأموال منهي عنه.\nولأن الكتب الشرعية لا تخلو من أسماء الله ﷾ ومن أحاديث شريفة يجب توقيرها، ولا يجوز إهانتها.\nوقياسًا على النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام إخواننا من الجن وطعام دوابهم، فإذا كان زاد الأبدان منهيًا عنه، فكذلك زاد الأرواح من العلوم الشرعية.\nوالكراهة التي عند الحنفية لا يبعد أن تكون كراهة تحريم، لا كراهة تنزيه.\n• تعليل من قال: إن استنجى بها، فأنقى أجزأ:\nقالوا: إن النجاسة قد زالت، فلا يمكن أن نحكم للمحل بالنجاسة وقد زالت عين النجاسة، والتحريم والصحة غير متلازمين، خاصة أن النهي عن الاستنجاء بها لمعنى آخر وهو احترام ما فيها، فكما نصحح الصلاة في الأرض المغصوبة، والصلاة في الثوب المسروق؛ لأن النهي ليس عائدًا للصلاة، وإنما لوصف الغصب والسرقة،\n_________\n(^١) في مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (٢/ ١٣٧): من الأشياء المحترمة التي يحرم الاستنجاء بها الكتب التي فيها شيء من علوم الشرع، فإن استنجى بشيء عالمًا أثم. وفي سقوط الفرض الوجهان: الصحيح لا يجزئه. وانظر الوسيط (١/ ٣٠٦)، المنهج القويم (ص: ٧٩، ٨٠)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٥)، روضة الطالبين (١/ ٦٨).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٠٥)، الإنصاف (١/ ١١٠، ١١١)، المبدع (١/ ٩٣)، المحرر (١/ ١٠).","vol":"7","page":357},{"text":"وهذا لا يختص بالصلاة، فكذلك الاستنجاء بالكتب الشرعية، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3479> تعليل من قال: لا يجزئ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3480>الدليل الأول:</span>\nأن الاستجمار بغير الماء رخصة؛ لأن الأصل أن الاستنجاء يكون بالماء وحده، والرخصة لا تستباح بمعصية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3481>الدليل الثاني:</span>\nأن هذا مخالف لأمر الله ورسوله، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، فإذا صححنا الفعل المحرم نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثرًا صحيحًا، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ، ولأن تصحيح الفعل المحرم فيه تشجيع على فعله، بخلاف ما إذا جعل لغوًا، فهذا يحمله على تركه.\n(١٤٨٦ - ٢٢٨) وقد روى مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال\nأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^١).\nوقد سبق أن نقلنا كلام ابن القيم في شرحه لقوله: فهو رد. وأن الرد: فَعْل بمعنى المفعول، أي فهو مردود، ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه ردًا أبلغ من كونه باطلًا، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه أو منفعته قليلة جدًا، وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه، وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئًا ولم يترتب عليه مقصوده أصلًا (^٢).\n• الراجح من الخلاف:\nأرى أن القول بتحريم الاستجمار بالكتب الشرعية هو القول الراجح، وإذا\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧١٨).\n(^٢) تهذيب السنن (٣/ ٩٩).","vol":"7","page":358},{"text":"خالف فعليه التوبة وعدم العود إلى هذا الفعل، مع الإجزاء، وقولهم: إن الاستنجاء بغير الماء رخصة، والرخصة لا تستباح بالمعصية غير مسلم لا في مقدمتها ولا في نتيجتها، أما المقدمة: وهو قولهم: إن الاستجمار رخصة، فنقول: الصحيح أن الاستجمار ليس برخصة، وأن النجاسة إذا زالت بأي مزيل زال حكمها، وقد ناقشنا هذا في مسألة مستقلة، وقدمت أدلة كثيرة على إزالة النجاسة بغير الماء، فإذا لم تصح المقدمة لم تسلم النتيجة، وعلى فرض أن تكون المقدمة صحيحة فلا نسلم النتيجة، وأن الرخصة لا تستباح بمعصية، بل الرخصة إذا حصل سببها أبيحت، ففي المسح على الخفين يمسح المسافر مطلقًا سواء كان المسافر في سفر طاعة أم معصية، وكذلك يقصر الصلاة ويفطر في رمضان؛ لأن النصوص مطلقة غير مقيدة، ولا يقيد النص الشرعي إلا نص مثله، وقد ناقشت هذه المسألة بشيء من التفصيل في كتابي المسح على الحائل، فليراجعه من شاء، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3482>المبحث الثاني ألا يكون المستنجى به مطعومًا</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل محترم غير الماء سواء كان لشرفه، أو لكونه مطعومًا، أو لتعلق حق الغير به، لا يجوز الاستنجاء به.\n• النهي عن الاستنجاء بما هو طعام للجن ودوابهم تنبيه على ما هو أعلى منه من النهي عن الاستنجاء بطعام الآدمي ودوابه.\n[م-٦٥١] ذهب الأئمة الأربعة إلى تحريم الاستنجاء بالطعام.\nوإذا خالف واستنجى أجزأه إذا حصل الإنقاء عند الحنفية والمالكية.\nوقيل: لا يجزئ، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) أطلق الكراهة في مراقي الفلاح (ص: ٢٠) قال: «ويكره الاستنجاء بعظم وطعام لآدمي ... الخ. ولعلها كراهة تحريم كالجمهور، فإن الموجود في الدر المختار (١/ ٣٣٩) «وكره تحريمًا بعظم وطعام وروث ..» إلخ. وقال في البحر الرائق (١/ ٢٥٥): «والظاهر أنها كراهة تحريم».\nوقال ابن عبد البر من المالكية في كتابه الكافي (ص: ١٧): «وما يجوز أكله لا يجوز الاستنجاء به». اهـ وانظر حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٥١)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٦)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، مختصر خليل (ص: ١٥).\nوفي مذهب الشافعية: قال في المجموع (٢/ ١٣٥): «لا يجوز الاستنجاء بعظم ولا خبز ولا غيرهما من المطعوم، فإن خالف واستنجى به عصى، ولا يجزئه هكذا نص عليه الشافعي، وقطع به الجمهور ..... وإذا لم يجزئه المعطوم كفاه بعده الحجر إن لم ينشر النجاسة». اهـ وانظر إعانة الطالبين (١/ ١٠٨)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٤)، شرح زبد بن رسلان (ص: ٥٥).\nوفي مذهب الحنابلة انظر: كشاف القناع (١/ ٦٧، ٦٩)، المغني (١/ ١٠٤)، الإنصاف (١/ ١١٠، ١١١)، المبدع (١/ ٩٣)، المحرر (١/ ١٠).","vol":"7","page":360},{"text":"ومثل طعام الآدمي طعام البهيمة فلا يستنجي به (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3483> دليل المنع من الاستنجاء بالطعام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3484>الدليل الأول:</span>\n(١٤٨٧ - ٢٢٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال:\nسألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ: فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nإذا نهى الشارع عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام الجن وطعام دوابهم، فالنهي عن طعام الإنس وطعام دوابهم من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3485>الدليل الثاني:</span>\nأن الاستنجاء بالطعام مناف لشكر النعمة وتعظيمها، وعدم امتهانها، وقد ينتفع\n_________\n(^١) نص على طعام البهيمة الحنفية في نور الإيضاح (ص: ١٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٩).\nومن الحنابلة دليل الطالب (ص: ٦)، ومنار السبيل (١/ ٢٤)، المبدع (١/ ٩٣)، الإنصاف (١/ ١١٠)، كشاف القناع (١/ ٦٩).\n(^٢) مسلم (٤٥٠).","vol":"7","page":361},{"text":"بها حيوان أو طير أو غيرهما من دواب الأرض، وعلى هذا ما يفعله بعض الناس من وضع بقايا الطعام مع حفائظ الأطفال المتنجسة، ودفعها على عمال النظافة واختلاطها بها من المنكر الذي يجب الابتعاد عنه شكرًا لنعمة الله، وحرصًا على المحافظ عليها.\nوأما أدلة الخلاف هل يجزئ فيما لو خالف واستنجى بطعام وأنقى المحل فانظره في المسألة التي قبل هذه، وهي الاستنجاء بالكتب الشرعية؛ فإن الأدلة فيها واحدة، بجامع أن كلا منهما محترم شرعًا.\nوالراجح في هذه المسألة هو ما رجحته في المسألة التي قبل هذه، من صحته مع الإثم، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3486>المبحث الثالث أن يكون المستنجى به مباحًا</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل محترم غير الماء سواء كان لشرفه، أو لكونه مطعومًا أو لتعلق حق الغير به لا يجوز الاستنجاء به.\n• هل المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا؟\n• هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟\n• النهي عن الشيء لمعنى في غيره هل يقتضي فساده.\n• تحريم الغصب خطاب تكليفي، هل يكون له أثر على صحة الطهارة، وهي خطاب وضعي.\n[م-٦٥٢] تارة يطلق المباح في مقابلة المحرم، وتارة يطلق المباح ويراد به غير المملوك، وهو المقصود به هنا.\nفالجمهور على صحة الاستنجاء بالمغصوب (^١).\n_________\n(^١) البناية شرح الهداية (١/ ٧٥٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤١)، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص: ٢٩٤)، حاشية الرملي على أسنى المطالب (١/ ٤٩)، حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٨٤).","vol":"7","page":363},{"text":"واختار الحنابلة بأنه لا يصح الاستجمار بشيء مغصوب كورق وحجر ونحوها، قال المرداوي: وهو من المفرادت (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3487> دليل اشتراط الإباحة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3488>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن الاستجمار رخصة، والرخص لا تسباح بمحرم.\nوالشيء المغصوب كسبه محرم بالاتفاق،\n(١٤٨٨ - ٢٣٠) فقد روى البخاري من طريق أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة،\nعن أبي بكرة ذكر النبي ﷺ قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3489>الدليل الثاني:</span>\nإذا صححنا الاستجماء بالمغصوب فقد رتبنا على الفعل المحرم أثرًا صحيحًا، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ.\n(١٤٨٩ - ٢٣١) وقد روى مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد قال:\nأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^٣).\n_________\n(^١) قال في الإنصاف (١/ ١٠٩) «ظاهر كلام المصنف جواز الاستجمار بالمغصوب ونحوه، وهو قول في الرعاية، ورواية مخرجة.\nواختار الشيخ تقي الدين في قواعده على الصحيح من المذهب - وعليه الأصحاب- اشتراط إباحة المستجمر به، وهو من المفردات». اهـ وانظر شرح العمدة (١/ ١٦٠)، كشاف القناع (١/ ٦٩).\n(^٢) البخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩).\n(^٣) صحيح مسلم (١٧١٨).","vol":"7","page":364},{"text":"ومعنى رد: أي مردود عليه، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله ﷺ.\nقال ابن حزم ﵀: «من توضأ بماء مغصوب، أو أخذ بغير حق، أو اغتسل به، أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أن استعماله ذلك الماء وذلك الإناء في غسله ووضوئه حرام، وبضرورة يدري كل ذي حس سليم أن الحرام المنهي عنه هو غير الواجب المفترض عمله، فإذ لا شك في هذا فلم يتوضأ الوضوء الذي أمره الله تعالى به، والذي لا تجزئ الصلاة إلا به، بل هو وضوء محرم، هو فيه عاص لله تعالى، وكذلك الغسل، والصلاة بغير الوضوء الذي أمر الله تعالى به وبغير الغسل الذي أمر الله تعالى به لا تجزئ، وهذا أمر لا إشكال فيه. ونسأل المخالفين لنا عمن عليه كفارة إطعام مساكين، فأطعمهم مال غيره، أو من عليه صيام أيام، فصام أيام الفطر والنحر والتشريق، ومن عليه عتق رقبة فأعتق أمة غيره، أيجزيه ذلك مما افترض الله تعالى عليه؟ فمن قولهم: لا. فيقال لهم: فمن أين منعتم هذا وأجزتم الوضوء والغسل بماء مغصوب وإناء مغصوب؟ وكل هؤلاء مفترض عليه عمل موصوف في مال نفسه، محرم عليه ذلك من مال غيره بإقراركم سواء بسواء. وهذا لا سبيل لهم إلى الانفكاك منه. وليس هذا قياسًا، بل هو حكم واحد داخل تحت تحريم الأموال، وتحت العمل بخلاف أمر الله تعالى وقد قال رسول الله ﷺ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. وكل هؤلاء عمل عملا ليس عليه أمر الله تعالى وأمر رسول الله ﷺ فهو مردود بحكم النبي ﷺ» (^١).\n• ويجاب عن كلام ابن حزم:\nأن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحًا، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع؛ ولأن النهي ليس بسبب الطهارة، وإنما عائد إلى أمر خارج، وهو الغصب.\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٢٠٧، ٢٠٨).","vol":"7","page":365},{"text":"وأما القياس على صيام أيام الفطر فلا يصح، ذلك أن النهي عائد في الصيام إلى ذات العبادة، فلا يصح صومه فيها، بخلاف الاستجمار بالمغصوب، فالنهي ليس عائدًا إلى الطهارة، وإنما هو إلى أمر خارج، وهو الغصب.\nوأما القياس على ما إذا وجب عليه طعام فأطعم المساكين طعام غيره، فإن كان الطعام قد تصرف فيه المساكين فيصح إطعامه لهم، ويستقر عليه الضمان، ولا فائدة من القول بأنه لا يصح إطعامه إياهم مع القول بجوب ضمانه؛ لأنه بضمانه ما دفع قد ملك هذا الطعام، فصح إخراجه إياه، وأما الإعتاق فلا يملكه، ولا يكون العبد حرًا، فعتقه إياه كعدمه؛ لأنه لم يصادف ملكًا، فالعبد باق على ملك صاحبه، وتبقى ذمته مطالبة بالإعتاق، والله أعلم.\nوانظر بقية الأقوال وأدلتها ومناقشتها في باب المياه، في الوضوء بالماء المحرم.\n* * *","vol":"7","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3490>المبحث الرابع ألا يكون المستنجى به حيوانًا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3491>الفرع الأول الاستنجاء بشيء من الحيوان متصلً به</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• حرمة الحيوان بمنع إيلامه، لا بمنع ابتذاله بخلاف المطعوم.\n• تنجس بدن الحيوان في مقابلة منفعة الآدمي لا يوجد ما يمنع منها مع الحاجة.\nوقيل:\n• النهي عن الأدنى يتضمن النهي عن الأعلى.\n• النهي عن الاستنجاء بطعام دواب الجن تنبيه على النهي عن الاستنجاء بحيوان الآدمي من باب أولى؛ لأنه أشد حرمة.\n[م-٦٥٣] اختلف الفقهاء في الاستنجاء بشيء متصل بالحيوان كالذنب والصوف والأذن ونحوها:\nفقيل: يكره الاستجمار بشيء متصل بحيوان، وهو مذهب المالكية (^١).\n_________\n(^١) الشرح الكبير (١/ ١١٣)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٠).","vol":"7","page":367},{"text":"وقيل: لا يجوز الاستنجاء بها، وعليه أكثر الشافعية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يصح الاستجمار بما اتصل بالحيوان، واختاره الماوردي والشاشي من الشافعية (^٣)، والأزجي من الحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3492> دليل من حرم الاستنجاء بما هو متصل بحيوان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3493><span data-type=\"title\" id=toc-3496>الدليل الأول:</span></span>\nقالوا: إن الحيوان محترم فأشبه الاستنجاء بالطعام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3494>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على النهي عن الاستنجاء بعلف الدواب، فإذا كان قد نهي عن الاستنجاء بعلف الدواب، فالاستنجاء بها أولى بالنهي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3495> دليل من قال: بالجواز:</span>\nالدليل الأول:\nقالوا: الأصل الجواز، ومن منع كلف الدليل، وقد نهي عن الاستنجاء بالروث والعظام، ولم يأت نهي عن الاستنجاء بالحيوان.\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ١٣٨): الصحيح عند الأصحاب تحريم الاستنجاء بأجزاء الحيوان في حال اتصاله، كالذنب والأذن، والعقب والصوف والوبر والشعر وغيرها. إلخ كلامه. وانظر أسنى المطالب (١/ ٥١)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٤٨)، ومغني المحتاج (١/ ٤٣)، المنهج القويم (ص: ٨٠)، وأما الحنفية فلم أجد أحدًا نص على هذه المسألة، وقد نقلها ابن عابدين عن الشافعية وأقرها، انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٠).\n(^٢) شرح العمدة (١/ ١٦٠)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٥٣)، المغني (١/ ١٠٥)، مطالب أولي النهي (١/ ٧٦)، الإنصاف (١/ ١١١).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٣٨).\n(^٤) الإنصاف (١/ ١١١).","vol":"7","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3497>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن حرمة الحيوان بمنع إيلامه، لا منع ابتذاله بخلاف المطعوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3498>الدليل الثالث:</span>\nإذا صححنا الاستنجاء بالشعر والصوف إذا جز من الحيوان، صح الاستنجاء بهما وهما على الحيوان، غاية ما هنالك أن الحيوان قد تنجس، وتنجس بدن الحيوان في مقابلة منفعة الآدمي لا يمنع منها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3499> دليل من قال: يكره الاستنجاء بالحيوان:</span>\nقال: إن في الاستنجاء به تنجيسًا لبدن الحيوان الطاهر، وتنجيسه بلا حاجة مكروه.\n• الراجح:\nجواز الاستنجاء به إذا احتاج إليه الإنسان كما لو لم يجد بقربه إلا ذيل حيوان طاهر، لكن مع الحاجة قد يتجه القول بأنه خلاف الأولى، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3500>الفرع الثاني الاستنجاء بجلد الحيوان المنفصل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة، لا بالمزيل.\n• النجاسة عين خبيثة، متى زالت بأي مزيل زال حكمها.\nالكلام في الاستنجاء بالجلد يرجع إلى مسألتين سبق بحثهما:\nالأولى: اشتراط طهارة المستنجى به، وقوله في الروث إنها ركس.\nوعليه جاء التفريق بين المدبوغ وغيره على القول بأن الدباغ يطهر.\nوأما على القول بأن الدباغ لا يطهر نجس العين، فهل منع الاستجمار بالنجس مطلقًا، أو أن المنع خاص بالنجاسة التي تتعدى؟\nالمسألة الثانية: هل تشترط الحجارة في الاستجمار، أو يجوز الاستجمار بكل مطهر منق، ولو كان من غير الحجارة؟\n[م-٦٥٤] إذا علم ذلك أقول: اختلف الفقهاء في الاستنجاء بالجلد.\nفقيل: يجوز بالجلد المدبوغ دون غيره، وهو المشهور من مذهب الشافعية (^١).\n_________\n(^١) قال في الأم (١/ ٢٢): «فأما الجلد المدبوغ فنظيف طاهر فلا بأس أن يستنجي به».اهـ وقال في المجموع (٢/ ١٣٩): أصحها عند الأصحاب يجوز بالمدبوغ دون غيره، وهو نصه في الأم. اهـ وانظر أسنى المطالب (١/ ٥٠)، شرح البهجة (١/ ١٢٥)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٤٩)، مغني المحتاج (١/ ٤٤).","vol":"7","page":370},{"text":"وقيل: يجوز بالجلد مطلقًا مدبوغًا كان أو غير مدبوغ، وهو قول في مذهب الشافعية (^١)، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو قول في مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: لا يجوز إن كان مذكى، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: لا يجوز إن كان مدبوغًا (^٥).\n• وجه من قال: يجوز بالجلد إن كان مدبوغًا:\nقال: بالدباغ خرج الجلد من كونه من اللحوم إلى كونه من الثياب، والاستنجاء بالثياب جائز.\nثم إن الدباغ مطهر له على الراجح، فيكون الاستنجاء بجلد طاهر منق أشبه الاستنجاء بالخزف.\n• وجه من قال: لا يستنجى به إن كان غير مدبوغ:\nإن كان من ميتة فمانع الاستنجاء به هو النجاسة، والاستنجاء بالنجس عنده لا يجوز، وقد ناقشت هذه المسألة في مبحث مستقل، وهو اشتراط طهارة ما يستنجى به، فليراجع.\nوإن كان من حيوان مذكى فإنه رطب، فينشر النجاسة، ولا يزيلها، وقد ذكرنا في مبحث مستقل هل يشترط أن يكون جامدًا، والجمهور على اشتراطه، والصحيح خلافه.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٣٩).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١١٢).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٣٩).\n(^٤) الفروع (١/ ١٢٣)، الإنصاف (١/ ١١٢).\n(^٥) انظر المراجع السابقة.","vol":"7","page":371},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3501> دليل من قال: يشترط أن يكون مذكى:</span>\nمن اشترط أن يكون مذكى حتى يخرج من كون الجلد نجسًا؛ لأن النجس عنده لا يطهر، والصحيح أن النجس إن كان منقيًا جاز الاستجمار به، إلا العظم والروث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3502> دليل من قال بالجواز مطلقًا:</span>\nقال: إن المقصود هو الإنقاء، فإذا أنقى الجلد وطهر المحل حكمنا بطهارة المحل، سواء كان الجلد مدبوغًا أم غير مدبوغ.\n• والراجح:\nجواز الاستنجاء به مطلقًا، ولا يوجد دليل يمنع من الاستنجاء به. وعلى فرض أن يكون الاستنجاء به ينجسه، فإن تنظيفه ممكن، كما لو وقع على الثوب نجاسة، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3503>الفرع الثالث ما منع الاستنجاء به لحرمته لا يجوز البول عليه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• منع الأدنى تنبيه على منع الأعلى.\n[م-٦٥٥] لا يبول على ما منع الاستنجاء به لحرمته: كالروث والعظم والطعام (^١).\n• وجه القول بالمنع:\nإذا نهي عن الاستنجاء به، فالبول عليه من باب أولى، وهذا ما يسميه الفقهاء بالقياس الجلي.\n* * *\n_________\n(^١) انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٣)، المجموع (٢/ ١٠٩)، أسنى المطالب (١/ ٤٨)، تحفة المحتاج (١/ ١٧١، ١٧٢).\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ١٠٨): «ولا يبول على ما نهي عن الاستجمار به؛ لأن هذا أبلغ من الاستجمار به، فالنهي ثم تنبيه على تحريم البول عليه». اهـ وانظر الإنصاف (١/ ٩٩، ١٠٠)، كشاف القناع (١/ ٦٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٧١).","vol":"7","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3504>الباب الخامس في ما يستنجى منه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3505>الفصل الأول في الاستنجاء من البول والغائط</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الحكم بنجاسة شيء، وما يوجبه متلقى من الشارع، لا من النظر.\n• المني طاهر على الصحيح ويوجب الغسل والبول نجس بالإجماع ويوجب الوضوء.\n• كل شيء يجب الاستنجاء منه فهو نجس كالبول والمذي.\n[م-٦٥٦] أجمع العلماء على مشروعية الاستنجاء من البول والغائط، بالماء أو بالأحجار على خلاف بينهم هل هو واجب أو مستحب -على التفصيل المذكور في حكم الاستنجاء- وذلك للإجماع على نجاسة البول والغائط، وقد نقل الإجماع على نجاستهما خلق كثير من العلماء:\nمنهم الطحاوي والسرخسي والعيني وعلي القارئ، وابن عبد البر وابن جزي وابن رشد، وابن المنذر والنووي والخطابي وابن تيمية وغيرهم، وإليك النقول عنهم:","vol":"7","page":374},{"text":"قال الطحاوي: لحوم بني آدم قد أجمع أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسة (^١).\nوقال العيني: «بول الآدمي الكبير فحكمه أنه نجس مغلظ بإجماع المسلمين من أهل الحل والعقد» (^٢).\nوقال علي القاري: «قال أبو حنيفة: لو قلت بالرأي لأوجبت الغسل بالبول؛ أي لأنه نجس متفق عليه، والوضوء بالمني؛ لأنه نجس مختلف فيه» (^٣).\nوقال ابن عبد البر: «أجمع المسلمون على أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس» (^٤).\nوقال ابن رشد: «وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربع ... وذكر منها: بول ابن آدم ورجيعه» (^٥).\nوقال ابن جزي: «وأما الأبوال والرجيع فذلك من ابن آدم نجس إجماعًا».\nوقال أيضًا: «النجاسات المجمع عليها في المذاهب اثنتا عشرة: بول ابن آدم الكبير ورجيعه» (^٦).\nوقال ابن المنذر: «وأجمعوا على إثبات نجاسة البول» (^٧).\nوقال النووي: «فأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم، ودليله الأحاديث السابقة مع الإجماع» (^٨).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ١٠٩)، وانظر المبسوط للسرخسي (١/ ٦٠).\n(^٢) البناية (١/ ٧٣٨).\n(^٣) شرح مشكاة المصابيح (١/ ٣٦٥).\n(^٤) التمهيد (٩/ ١٠٩).\n(^٥) بداية المجتهد (٢/ ١٧٥، ١٩٢).\n(^٦) القوانين الفقهية (ص: ٣٥، ٣٦).\n(^٧) الإجماع (٣٤).\n(^٨)","vol":"7","page":375},{"text":"وقال أبو الخطاب: «البول مجمع على نجاسته» (^١).\nوحكى الإجماع الزركشي في شرحه (^٢).\nوقال ابن تيمية: «قد أجمع المسلمون على جواز الاستجمار» (^٣).\nوجاءت أحاديث كثيرة تدل على نجاسة البول، منها:\n(١٤٩٠ - ٢٣٢) ما رواه البخاري من طريق جرير، عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ: يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (^٤).\nفظاهر الحديث أن ترك الاستنجاء كبيرة من كبائر الذنوب، كيف والطهارة تتعلق بأعظم أركان الإسلام العملية، ألا وهي الصلاة.\n(١٤٩١ - ٢٣٣) وروى البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود،\nأن أبا هريرة قال: قام أعرابي، فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ: دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين (^٥).\nوجاء قصة بول الأعرابي من مسند أنس في الصحيحين (^٦).\n_________\n(^١) الإنتصار (١/ ٤٨٥).\n(^٢) شرح الزركشي (١/ ١٤٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٦٧).\n(^٤) صحيح البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).\n(^٥) صحيح البخاري (٢٢٠).\n(^٦) البخاري (٦٠٢٥)، ومسلم (٢٨٤).","vol":"7","page":376},{"text":"(١٤٩٢ - ٢٣٤) وروى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه، ورواه مسلم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٢)، وصحيح مسلم (٢٨٦).","vol":"7","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3506>الفصل الثاني\nفي الاستنجاء من المذي</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الحكم بنجاسة شيء وما يوجبه متلقى من الشارع، لا دخل للنظر فيه.\n• كل شيء يجب الاستنجاء منه فهو نجس، كالبول، والمذي.\n• الأمر بالغسل دليل على الإجزاء به، لا على حصر الإجزاء به.\n[م-٦٥٧] ذهب الأئمة الأربعة إلى مشروعية الاستنجاء من المذي على خلاف بينهم هل يجب الماء، أو تكفي الحجارة؟\nفقيل: يجب غسل موضع الحشفة فقط، وهو مذهب الحنفية (^١) والشافعية (^٢)، ونسبه النووي للجمهور (^٣)، ورجحه ابن عبد البر (^٤).\nوقيل: يجب غسل الذكر كله، ولا يجزئ الأحجار في المذي، وعليه أكثر أصحاب مالك (^٥).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٤٨)، شرح فتح القدير (١/ ٧٢)، المبسوط (١/ ٦٧).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٦٤)، روضة الطالبين (١/ ٦٧)، مغني المحتاج (١/ ٧٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٦٤).\n(^٤) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٣٢٣).\n(^٥) مواهب الجليل (١/ ٢٨٥)، الخرشي (١/ ١٤٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٣٢٣).","vol":"7","page":378},{"text":"وقيل: يجب غسل الذكر كله مع الأنثيين، وهو مذهب الحنابلة، وذكروه من المفردات (^١)، وهو مذهب ابن حزم (^٢).\nوقيل: يجزئ الاستجمار، وهو قول في مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: المذي طاهر، وهو رواية عن أحمد (^٤).\n• أما الدليل على مشروعية الاستنجاء من المذي:\nحكي الإجماع على نجاسته، وعلى وجوب الوضوء.\nقال ابن عبد البر: «وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، أو لطول عزبة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته» (^٥).\nوقال النووي: «أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي» (^٦).\nوسبق لنا أن الإمام أحمد في رواية عنه يرى أن المذي طاهر، فالخلاف محفوظ، لكنه خلاف شاذ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3507> دليل من قال: يغسل موضع الحشفة:</span>\n(١٤٩٣ - ٢٣٥) ما رواه مسلم من طريق وكيع وأبي معاوية وهشيم، عن\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٢١٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١)، الإنصاف (١/ ٣٣٠)، المبدع (١/ ٢٤٩)، الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني (١/ ٨٧)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٥٦)، المغني (١/ ١١٢).\n(^٢) المحلى (١/ ١١٨).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٦٤).\n(^٤) في المبدع شرح المقنع (١/ ١٤٩): «وعن أحمد أن المذي طاهر كالمني، اختاره أبو الخطاب في خلافه؛ لأنه خارج بسبب الشهوة». اهـ وانظر المغني (١/ ٤١٣)، والإنصاف (١/ ٣٤١).\n(^٥) الاستذكار (١/ ١٩٩).\n(^٦) المجموع (٢/ ٥٧١).","vol":"7","page":379},{"text":"الأعمش، عن منذر بن يعلى -ويكنى أبا يعلى- عن ابن الحنفية،\nعن علي قال كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ، ورواه البخاري بنحوه (^١).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: إن من غسل مخرج المذي من الذكر يصدق عليه أنه غسل ذكره، وليس المقصود غسل الذكر كله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3508>الدليل الثاني:</span>\nأن ابن عباس تارة يقول: (يغسل ذكره) وتارة يقول: (يغسل حشفته) فدل على أن مراده بقوله: (يغسل ذكره) أي الحشفة، وفهم الصحابي أولى من فهم غيره؛ لأنه عربي قح لم تدخل لسانه العجمة، وهو ممن روى عن علي حديث غسل الذكر من المذي، فلو كان يقتضي ذلك غسل الذكر كله لكان ابن عباس أولى بفهم ذلك من غيره، كما أن ابن عباس لم يذكر غسل الأنثيين، فلو كان غسل الأنثيين محفوظًا من حديث علي لقال به، خاصة أنه كما قلنا: ممن روى عن علي حديثه في طهارة المذي، وإليك تخريج الروايات التي جاءت عن ابن عباس.\n(١٤٩٤ - ٢٣٦) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس .. من المني الغسل، ومن المذي والودي الوضوء، يغسل حشفته ويتوضأ (^٢).\n[إسناده صحيح].\nوهذا يفسر ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٠٣)، وصحيح البخاري (٢٦٩).\n(^٢) المصنف (٦٠٨).","vol":"7","page":380},{"text":"عن ابن عباس، قال: ... فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره (^١).\n[إسناده صحيح] (^٢).\nفصار مقصود ابن عباس بقوله: يغسل ذكره، أي: يغسل حشفته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3509>الدليل الثالث:</span>\nمن النظر، قال الطحاوي في شرح معاني الآثار: رأينا خروج المذي حدثًا، فأردنا أن ننظر في خروج الأحداث ما الذي يجب به؟ فكان خروج الغائط يجب به غسل ما أصاب البدن منه، ولا يجب غسل ما سوى ذلك إلا التطهر للصلاة، وكذلك خروج الدم في أي موضع خرج -في قول من جعل ذلك حدثًا- فالنظر على ذلك أن يكون كذلك خروج المذي، الذي هو حدث، ولا يجب غسل غير الموضع الذي أصاب\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٨٩) رقم ٩٨٤.\n(^٢) ورواه عبد الرزاق في المصنف (٦١٠) عن الثوري، عن منصور به.\nواختلف على الثوري فيه، فرواه وكيع وعبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس.\nورواه الطحاوي (١/ ٤٧) من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن مؤرق العجلي، عن ابن عباس، فزاد مؤرقًا في الإسناد.\nومؤمل سيء الحفظ، وتابع مؤمل بن إسماعيل كل من:\nالأول: عبد الله بن الوليد العدني كما في الأوسط لابن المنذر (١/ ١٣٥) والعدني هذا قال عنه في التقريب: صدوق ربما أخطأ.\nالثاني: الحسين بن حفص، كما في سنن البيهقي (١/ ١١٥)، وهو صدوق.\nورواه الطحاوي (١/ ٤٧) من طريق هلال بن يحيى بن مسلم، قال: حدثنا أبو عوانة، عن منصور به. بزيادة مؤرق العجلي. وهلال له ترجمة في لسان الميزان، قال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. فالمحفوظ رواية وكيع وعبد الرزاق، وكل من خالف وكيعًا في هذا الإسناد فهو دونه في الحفظ، وعلى فرض أن يكون ذكر مؤرق العجلي محفوظًا، فإنه ثقة، وثقه النسائي وابن سعد، وزاد: عابد. ووثقه الذهبي في الكاشف، والعجلي، وفي التقريب: ثقة عابد.","vol":"7","page":381},{"text":"من البدن غير التطهر للصلاة، فثبت ذلك أيضًا بما ذكرنا من طريق النظر، وهذا قول\nأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3510> دليل من قال: يجب غسل ذكره كله ولا يكفي الاستجمار:</span>\n(١٤٩٥ - ٢٣٧) ما رواه البخاري من طريق زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن،\nعن علي قال كنت رجلًا مذاءً فأمرت رجلًا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فسأل فقال توضأ واغسل ذكرك (^٢).\nفقوله ﷺ: اغسل ذكرك، حقيقة في جميع الذكر، فهو مفرد مضاف، فيعم جميع الذكر.\nفيغسل مخرج الذكر من أجل النجاسة، أما بقية الذكر فهل غسله تعبدي غير معقول المعنى، بحيث يحتاج الأمر إلى نية؟ أو غسله من أجل قطع مادة المذي، فهو كغسل النجاسات، لا يفتقر إلى نية، قولان في مذهب مالك (^٣).\nوقوله في الحديث: (يغسل ذكره) دليل على أن الاستجمار لا يكفي، قال ابن\nعبد البر: «وليس في أحاديث المذي على كثرتها ذكر الاستجمار» (^٤).\nوقال ابن دقيق العيد: «الحديث دليل على تعين الماء فيه دون الأحجار؛ لأن ظاهره يعين الغسل، والمعين لا يقع الامتثال إلا به» (^٥).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٤٨).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣).\n(^٣) قال في حاشية الدسوقي (١/ ١١٢): «واعلم أن غسل الذكر من المذي وقع فيه خلاف، قيل: إنه معلل بقطع المادة، وإزالة النجاسة.\nوقيل: إنه تعبد، والمعتمد الثاني. ثم قال: ويتفرع أيضًا، هل تجب النية في غسله أو لا تجب، فعلى القول بالتعبد تجب، وعلى القول بأنه معلل لا تجب، والمعتمد وجوبها». اهـ\n(^٤) شرح الزرقاني (١/ ١٢٥)، التمهيد (٢١/ ٢٠٥).\n(^٥) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٧٧).","vol":"7","page":382},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3511> دليل من قال: يغسل ذكره وأنثييه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3512>الدليل الأول:</span>\n(١٤٩٦ - ٢٣٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة،\nعن أبيه: قال: قال علي كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله، فقال: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ (^١).\n[إسناده منقطع، وذكر غسل الأنثيين ليس محفوظًا] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (١/ ١٢٤).\n(^٢) جاء الأمر بغسل الأنثيين من حديث علي، ومن حديث رافع بن خديج.\nأما حديث علي فورد من ثلاثة طرق، الأول: عن عروة بن الزبير عن علي، وهو منقطع كما سأبين ذلك إن شاء الله تعالى.\nومن طريق شريك، عن الركين بن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي، وهو منكر، تفرد به شريك، وخالفه من هو أوثق منه في ركين بن الربيع.\nومن طريق سليمان بن حيان، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبيدة السليماني، عن علي بن أبي طالب، وهو طريق شاذ.\nوجاء الأمر بغسل الأنثيين من حديث رافع بن خديج، وهو ضعيف، وفي إسناده اختلاف، وإليك بيان هذه الطرق.\nالطريق الأول: طريق عروة، عن علي.\nفقد نص العلماء على أن عروة لم يسمع من علي بن أبي طالب، وممن صرح بعدم السماع أبو حاتم وأبو زرعة وابن حجر وغيرهم، انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ١٤٩)، والعلل لابن أبي حاتم (١/ ٥٤)، وتلخيص الحبير (١/ ١١٧).\nوالحديث أخرجه عبد الرزاق (٦٠٢، ٦٠٣) عن معمر وابن جريج.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٢٦) حدثنا يحيى بن سعيد.\nوأخرجه أبو داود (٢٠٨) من طريق زهير.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (١٤٨)، وفي المجتبى (١٥٣) من طريق جرير، كلهم عن هشام به. وفي لفظ جرير، قال: (يغسل مذاكيره) بدلًا من قوله: (يغسل أنثييه).\nوقال أبو داود بعد حديث (٢٠٨): ورواه ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المقداد، عن النبي ﷺ ولم يذكر أنثييه. =","vol":"7","page":383},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قلت: وإن كان عدم ذكر الأنثيين هو الراجح في الحديث، إلا أن ذكر المقداد وهم من ابن إسحاق، وذلك لأن يحيى بن سعيد القطان، ووكيعًا، وزهيرًا، ومعمرًا، وابن جريج رووه بدون ذكر المقداد كما سبق في التخريج، وذكر أبو داود أيضًا أن الثوري وابن عيينة والمفضل بن فضالة رووه عن هشام، ولم يذكروا المقداد.\nأما طريق عبيدة السليماني، عن علي.\nفقد رواه أبو عوانة (١/ ٢٧٣) من طريق سليمان بن حيان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السليماني،\nعن علي بن أبي طالب، قال: كنت رجلًا مذاءً، فاستحييت أن أسأل النبي ﷺ فأرسلت المقداد، فسأل النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: يغسل أنثييه وذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة.\nوسليمان بن حيان الأحمر روى له البخاري متابعة، ووثقه ابن سعد والعجلي وابن المديني.\nوقال ابن معين: صدوق، وليس بحجة.\nوقال ابن عدي: إنما أتي من سوء حفظه، فيغلط، ويخطئ.\nوقال أبو بكر البزار: اتفق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه روى عن الأعمش وغيره أحاديث لم يتابع عليها.\nوقال النسائي: ليس به بأس.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ.\nوباقي رجال الإسناد ثقات، فهذا أحسن إسنادًا جاء الأمر فيه بغسل الأنثيين، إلا أن أبا خالد الأحمر لا تحتمل مخالفته للجمع الكثير ممن روى الحديث بدون ذكرها كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nوأما طريق شريك.\nفأخرجه أحمد (١/ ١٤٥)، قال: حدثنا يزيد، أنبأنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن حصين بن قبيصة،\nعن علي قال: كنت رجلًا مذاءً، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ من أجل ابنته، فأمرت المقداد، فسأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد المذي فقال: ذلك ماء الفحل، ولكل فحل ماء، فليغسل ذكره وأنثييه، وليتوضأ وضوءه للصلاة.\nوزيادة غسل الأنثيين منكر في هذا الطريق، تفرد بها شريك، عن الركين، وهو سيء الحفظ، وقد رواه من هو أوثق منه عن الركين، ولم يذكروا فيه غسل الأنثيين، منهم:\nالأول: زائدة بن قدامة، كما في صحيح البخاري (٢٦٩)، ومسند أبي داود الطيالسي (١٤٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٩)، وأحمد (١/ ١٢٥)، والنسائي (١/ ١١١، ١١٢)، والطحاوي (١/ ٤٦)، وابن خزيمة (١٨). =","vol":"7","page":384},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثاني: عبيدة بن حميد التيمي، كما في المسند (١/ ١٠٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٩)، وأبي داود (٢٠٦)، والنسائي (١٩٣)، وابن خزيمة (٢٠).\nفلو انفرد شريك بغسل الأنثيين لم يقبل تفرده، فكيف وقد خالف من هو أوثق منه.\nوأما حديث رافع بن خديج: .\nفأخرجه النسائي (١٥٥) أخبرنا عثمان بن عبد الله، قال: أنبأنا أمية، قال: حدثنا يزيد بن زريع، أن روح بن القاسم حدثه، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج أن عليًا أمر عمارًا أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي، فقال: يغسل مذاكيره، ويتوضأ.\nوقوله: مذاكيره: المراد به الذكر وما يتصل به، وإلا فليس في الجسم إلا ذكر واحد، انظر فتح الباري (١/ ٣٦٩)، شرح معاني الآثار (١/ ٤٦).\nوهذا إسناد ضعيف، فيه إياس بن خليفة لم يوثقه إلا ابن حبان، ولم يرو عنه أحد غير عطاء.\nوقال الذهبي في الميزان: لا يكاد يعرف.\nوأما قول الحافظ فيه: صدوق، ففيه تساهل لا يخفى.\nوقد اختلف فيه على عطاء:\nفقيل: عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج، كما سبق.\nوقيل: عن ابن جريج وعمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش بن أنس البكري، عن علي. وليس فيه غسل الأنثيين.\nوقيل: عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وليس فيه أيضًا غسل الأنثيين. وهاك بيانها:\nأما طريق عائش بن أنس، عن علي.\nفأخرجه أحمد (٤/ ٣٢٠، ٣٢١) حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائش بن أنس سمعه عن علي -يعني على منبر الكوفة- كنت أجد المذي، فاستحييت أن أسأله أن ابنته عندي، فقلت لعمار: سله، فسأله، فقال: يكفي منه الوضوء.\nومن طريق سفيان أخرجه الحميدي (٣٩)، وأبو يعلى في مسنده (٤٥٦)، والنسائي في الكبرى (١٥٠) وفي المجتبى (١٥٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٢٠٣).\nوأخرجه عبد الرزاق (٦٠١)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٣٨) من طريق معمر، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش بن أنس، قال: قال علي للمقداد، فجعله من مسند المقداد، وزاد: ليغسل ذكره، ثم ليتوضأ، ثم لينضح فرجه.\nوأخرجه عبد الرزاق (٥٩٧).\nوأحمد (٦/ ٥) حدثنا يحيى بن سعيد، كلاهما عن ابن جريج، ثنا عطاء، عن عائش بن أنس البكري، قال: تذاكر علي وعمار والمقداد المذي، فقال علي: إني رجل مذاء، وإني استحيي أن =","vol":"7","page":385},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أسأله من أجل أن ابنته تحتي، فذكر نحوه، وفيه: غسل الذكر ونضح الفرج.\nوعائش بن أنس لم يرو عنه أحد غير عطاء، ولم يوثقه أحد إلا ابن حبان، وجهله الذهبي في الميزان.\nواختلف فيه على ابن جريج، فرواه عنه يحيى بن سعيد القطان وعبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائش بن أنس، عن علي كما تقدم.\nوخالفهما مخلد بن يزيد، فرواه ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن علي كما في سنن النسائي (٤٣٥)، وليس فيه غسل الأنثيين.\nورواه سعيد بن منصور كما في التمهيد (٢١/ ٢٠٣) عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، عن علي.\nهذا ما وقفت عليه من الروايات في ذكر غسل الأنثيين، فمن حديث علي إما شاذة أو منكرة، فجاء ذكرها من حديث عروة، عن علي، وهو منقطع.\nومن طريق شريك، وهو سيئ الحفظ، وقد خالفه زائدة وعبيدة بن حميد، فروياه عن شيخ شريك، وليس فيه ذكر غسل الأنثيين.\nوجاءت من مسند رافع بن خديج، تفرد بها إياس بن خليفة، وهو في حكم المجهول، لم يرو عنه إلا عطاء، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقد اختلف في إسناده.\nومن طريق عائش بن أنس، عن علي، والمعروف أنه ليس فيه غسل الأنثيين على أنه قد اختلف على عائش، وعائش لم يرو عنه إلا عطاء، ولم يوثقه إلا ابن حبان.\nوأحسن إسناد جاء فيه غسل الأنثيين هو طريق سليمان بن حيان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السليماني، عن علي.\nولا يحتمل مخالفة سليمان بن حيان لجمع من الرواة رووه عن علي، لم يذكروا ما ذكره، وأخشى أن يكون هذا من أخطائه، فقد قال ابن عدي: إنما أتي من سوء حفظه، فيغلط ويخطئ، وفي التقريب: صدوق يخطئ، وهاك ما وقفت عليه من الرواة الذين رووا الحدث عن علي، وليس فيه غسل الأنثيين:\nالأول: محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب ﵁.\nكما في صحيح البخاري (١٣٢، ١٧٨)، ومسلم (٣٠٣)، وعبد الرزاق (٦٠٤)، ابن أبي شيبة (١/ ٨٧) رقم ٩٦٨، وأحمد (١/ ٨٢)، والنسائي في الكبرى (١٤٩)، والطحاوي (١/ ٤٦).\nالثاني: ابن عباس، عن علي.\nوهو في صحيح مسلم (٣٠٣)، وأخرجه أحمد (١/ ١٠٤)، والنسائي (٤٣٨، ٤٣٦)،\nوابن خزيمة (٢٢، ٢٣)، والطحاوي (١/ ٤٦). =","vol":"7","page":386},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثالث: أبو عبد الرحمن السلمي، عن علي.\nوهو في صحيح البخاري (٢٩٦)، وأخرجه الطيالسي (١٤٤)، وأحمد (١/ ١٢٩)، والنسائي (١/ ١٥٢)، وابن الجارود في المنتقى (٦)، وابن خزيمة (١٨).\nالرابع: حصين بن قبيصة، عن علي.\nكما في مسند الطيالسي (١٤٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٩)، وأحمد (١/ ١٠٩، ١٢٥)، وأبي داود (٢٠٦)، والنسائي (١٩٣، ١٩٤)، وإسناده صحيح.\nالخامس: عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي.\nكما في مسند أحمد (١/ ٨٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٧)، والترمذي (١١٤)، وابن ماجه (٥٠٤)، والبزار (٦٣٠)، وأبي يعلى (٣١٤، ٤٥٧)، والطحاوي (١/ ٤٦) أخرجوه من طرق عن يزيد ابن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي. وفي الإسناد ضعف من أجل يزيد بن\nأبي زياد، جاء في التقريب: ضعيف، كبر، فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعيًا. اهـ لكنه سند صالح في المتابعات إن شاء الله تعالى.\nالسادس: هانئ بن هانئ، عن علي.\nكما في مسند أحمد (١/ ١٠٨)، والطحاوي (١/ ٤٦) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي.\nالسابع: عائش بن أنس، عن علي.\nكما في مسند أحمد (٦/ ٥)، و(٤/ ٣٢٠، ٣٢١)، والحميدي (٣٩)، والنسائي (١٥٤)، والطحاوي (١/ ٤٧) وغيرهم وقد سبق الكلام على هذا الطريق.\nالثامن: سليمان بن يسار، عن المقداد.\nكما في الموطأ (١/ ٤٠)، وعبد الرزاق (٦٠٠)، وأحمد (٦/ ٥)، وابن ماجه (٥٠٥)، وابن الجارود (٥)، والبيهقي في السنن (١/ ١١٥)، وابن خزيمة (٢١)، وابن حبان (١١٠١)، كلهم رووه من طريق سالم أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود، أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله، فخرج منه المذي، فذكر نحو ما تقدم، وفيه: إذا وجد ذلك أحدكم، فلينضح فرجه بالماء، وليتوضأ وضوءه للصلاة.\nهذا لفظ مالك في الموطأ، قال ابن عبد البر: «هذا إسناد ليس بمتصل؛ لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد، ولا من علي بن أبي طالب ﵄». اهـ\nقلت: موضع الشاهد منه أنه لم يذكر غسل الأنثيين، وقد رواه بكير بن عبد الله الأشج، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن علي، كما في صحيح مسلم (١٩ - ٣٠٣)، وهذا سند متصل، وقد خرجت هذه الرواية في ما سبق، وليس فيها ذكر الأنثيين. =","vol":"7","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3513>الدليل الثاني:</span>\n(١٤٩٧ - ٢٣٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حزام ابن حكيم،\nعن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت النبي ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: ذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وإنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3514> دليل من قال: يجزئ الاستجمار بالحجارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3515>الدليل الأول:</span>\nالقياس على البول، بجامع أن كلًا منهما سائل نجس، خرج من مخرج واحد، فإذا ثبتت الطهارة من البول بالحجارة ثبتت الطهارة بالحجارة من المذي، ولا فرق، ولا يجمع الشارع بين متفرقين، ولا يفرق بين متماثلين.\n_________\n= فهؤلاء ثمانية رواة رووه عن علي، ليس في روايتهم ذكر الأنثيين، وبعض الطرق جاءت في الصحيحين كطريق محمد بن الحنفية، وبعضها في البخاري وحده كطريق أبي عبد الرحمن السلمي، وبعضها في مسلم وحده كطريق ابن عباس، عن علي، والقصة واحدة لا تحتمل التعدد، ورواية الأكثر السالمة من الضعف أولى من غيرها. والله أعلم.\n(^١) سنن أبي داود (٢١١).\n(^٢) في إسناده العلاء بن الحارث، قد اختلط، ولم يتميز لي ما سمع منه قبل الاختلاط ممن سمع منه بعد، كما أن معاوية بن صالح صدوق له أوهام، وقد تفرد به عن العلاء، وقد ضعفه الحافظ في التلخيص (١/ ١١٧).\nوالحديث أخرجه ابن الجارود (٧)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ١١١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١١)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (٩/ ٤١٢) من طريق معاوية بن صالح به. وانظر ح: (١٤٢٧)","vol":"7","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3516>الدليل الثاني:</span>\nأن الماء لا يتعين في إزالة النجاسات، فالنجاسة تزال بأي مزيل كان سواء كانت النجاسة مذيًا أم بولًا أم غائطًا أم غيرها من النجاسات، وقد دلت أحاديث كثيرة على اعتبار التطهير بغير الماء، أسوق منها:\nتطهير ذيل المرأة، وتطهير النعل، وتطهير دم الحيض، وغيرها من النجاسات.\n(١٤٩٨ - ٢٤٠) فقد روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير -يعني ابن معاوية- ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت:\nيا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة، فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى. قال: فهذه بهذه (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٤٣٥).\n(^٢) رجاله ثقات، والجهالة بالصحابية لا تضر.\nوقد رواه أبو داود (٣٨٤)، وابن الجارود في المنتقى (١٤٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣٤) من طريق زهير بن معاوية.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦١٦) وعنه ابن ماجه (٥٣٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٠٦)، وابن الجارود في المنتقى (١٤٣)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ١٨٤) ح ٤٥٢، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٨٠٧٨) من طريق شريك بن عبد الله، كلاهما (زهير وشريك) عن عبد الله بن عيسى به.\nوخالفهم قيس بن الربيع، كما في مصنف عبد الرزاق (١٠٥)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٢٥/ ١٨٤) ح ٤٥٣ وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٨٠٧٩) فرواه عن عبد الله بن عيسى، فقال: عن سالم بن عبد الله، عن امرأة من بني عبد الأشهل. ولعل الوهم من قيس بن الربيع، ولا أعتقد أنه تحريف، فقد أشار إلى الاختلاف أبو نعيم في معرفة الصحابة.\nوله شاهد من حديث أم سلمة أخرجه مالك (١/ ٢٤)، والشافعي في المسند (ص ٥٠)، وأحمد (٦/ ٢٩٠)، وأبو يعلى (٦٩٢٥، ٦٩٨١)، وأبو داود (٣٨٣)، والترمذي (١٤٣)، وابن ماجه. =","vol":"7","page":389},{"text":"(١٤٩٩ - ٢٤١) ومنها ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،\nأن رسول الله ﷺ صلّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n= (٥٣١)، والدارمي (٧٤٢)، والمنتقى لابن الجارود (١٤٢)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٥٩) من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة، فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ: يطهره ما بعده.\nوفي السند جهالة أم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. لم يرو عنها إلا محمد بن إبراهيم التيمي. فهي مجهولة عينًا.\nوقال ابن حجر في التقريب: مقبولة. يعني: حيث توبعت، وإلا فحديثها فيه لين. وذكر أن اسمها حميدة، ولم يجزم بذلك. وكأن ابن حجر اعتبر جهالتها جهالة حال، ولعل السبب في ذلك أنها من التابعين وأن مالكًا قد أخرج الحديث في كتابه الموطأ، وقال الفسوي في المعرفة (١/ ٣٤٩): «ومن كان من أهل العلم، ونصح نفسه علم أن كل من ذكره مالك في موطئه، وأظهر اسمه ثقة تقوم به الحجة». انتهى\nوهذا الكلام قد يكون مقبولًا في الجملة، على أن الحديث له شاهد صحيح قد سقته أولًا. والله أعلم.\n(^١) المسند (٣/ ٢٠، ٩٢).\n(^٢) أبو نعامة، ثقة. روى له مسلم.\nوثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: لا بأس به. انظر الجرح والتعديل (٦/ ٤١).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ١٥٥).\nوأبو نضرة العبدي. روى له مسلم.\nوقال أحمد: ما علمت إلا خيرًا. ووثقه يحيى بن معين، وأبو زرعة. انظر الجرح والتعديل: (١٠/ ٢٦٨). =","vol":"7","page":390},{"text":"(١٥٠٠ - ٢٤٢) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:\nقالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها، فقصعته بظفرها (^١).\n_________\n= ووثقه النسائي كما في لسان الميزان (٧/ ٣٩٨).\nوقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، كثير الحديث، وليس كل أحد يحتج به. انظر الطبقات الكبرى (٧/ ٢٠٨).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٢٠) وقال: كان من فصحاء الناس، فلج في آخر عمره، وكان ممن يخطي.\nواعتمد الذهبي كلام ابن حبان، فقال في الكاشف (٦٥٣٢): «فصيح بليغ مفوه ثقة يخطي». وفي التقريب ثقة. وباقي رجاله مشهورون.\n[تخريج الحديث]\nالحديث أخرجه الدارمي (١٣٧٨)، وأبو يعلى (١١٩٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٠٢) من طرق عن حماد بن سلمة به. وصححه الحاكم (١/ ٢٦٠) ووافقه الذهبي. وأخرجه أبو داود (٦٥٠) من طريق حماد بن زيد، عن أبي نعامة به. ولعله خطأ؛ فإني لم أقف على أبي نعامة من شيوخ حماد بن زيد. والله أعلم.\nأما حديث أبي هريرة عند أبي داود (٣٨٥): إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور. فإنه حديث ضعيف قد اضطرب إسناده على الأوزاعي، وعلى سعيد بن أبي سعيد. فالأوزاعي تارة يرويه عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري.\nوتارة يرويه منقطعًا، فيقول: نبئت أن سعيد بن أبي سعيد كما عند أبي داود (٣٨٦).\nوتارة يرويه متصلًا دون واسطة عن سعيد بن أبي سعيد كما عند ابن حبان (١٤٠٣). وتارة يرويه عن محمد بن الوليد، عن سعيد بن أبي سعيد. ويجعله من مسند عائشة. كما عند أبي داود (١٤٠٣).\nواختلف فيه أيضًا على سعيد بن أبي سعيد، فتارة يرويه عن أبيه، عن أبي هريرة. وتارة يرويه عن القعقاع بن حكيم، عن عائشة. كما في سنن أبي داود (٣٨٦، ٣٨٧).\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٠٣): «حديث مضطرب الإسناد، لا يثبت، اختلف في إسناده على الأوزاعي، وعلى سعيد بن أبي سعيد اختلافًا يسقط الاحتجاج به». اهـ فيكفي الاحتجاج بحديث أبي سعيد.\n(^١) صحيح البخاري (٣١٢).","vol":"7","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3517>الدليل الثالث:</span>\nمن النظر: أن النجاسة عين خبيثة لها طعم، أو لون، أو رائحة. والمطلوب هو إزالة كل ذلك، فإذا ذهب طعمها، ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها، وأصبح المحل طاهرًا، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.\nهذا ما وقفت عليه من أدلة كل قول، والحق أن غسل الأنثيين لا يثبت الأمر فيه، وأحاديث الصحيحين ليس فيها غسل الأنثيين، وأما هل تكفي الحجارة أم لا؟ فالحديث نص على الماء، فمن عمل به، فهو أسعد بالدليل، ومن طهره بغيره، فالقياس جوازه، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3518>الفصل الثالث\nفي الاستنجاء من الودي</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل شيء يوجب الاستنجاء منه فهو نجس كالبول والمذي.\n• الأمر بالغسل دليل على الاجتزاء به، لا على حصر الإجزاء به.\n[م-٦٥٨] الودي نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\nوقيل: طاهر، وهو رواية عن أحمد (^٢).\nوعلى القول بنجاسته، فهل يجب الماء في الاستنجاء منه، أم يكفي فيه الحجارة؟ اختلف الفقهاء،\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (١/ ٦٠)، وحكى الحطاب من المالكية في مواهب الجليل (١/ ١٠٤) «أن شاسًا نقل الإجماع على نجاسة الودي». اهـ وانظر الخرشي (١/ ٩٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٦).\nوقال الشافعي في الأم (١/ ٧٢): «كل ما خرج من ذكر من رطوبة بول، أو مذي، أو ودي، أو ما لا يعرف، أو يعرف، فهو نجس كله ما خلا المني». اهـ\nبل قال النووي في المجموع (٢/ ٥٧١): «أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي». اهـ\nوانظر الفروع (١/ ٢٤٨)، الإنصاف (١/ ٣٤١)، كشاف القناع (١/ ١٩٣).\n(^٢) المبدع (١/ ٢٤٩)، الإنصاف (١/ ٣٤١).","vol":"7","page":393},{"text":"فقيل: يجب منه ما يجب من البول، وهو قول الجمهور (^١).\nوقيل: لا بد من الماء في إزالته، وهو قول في مذهب المالكية (^٢)، وقول في مذهب\n_________\n(^١) وجاء في المدونة (١/ ١٢١): «قال مالك: المذي عندنا أشد من الودي؛ لأن الفرج يغسل عندنا من المذي، والودي عندنا بمنزلة البول». اهـ\nواختلف أصحاب مالك في فهم عبارة إمامهم:\nفقيل: يحتمل قول مالك المذي أشد من الودي، أنه يجب غسل الذكر كله، بخلاف الودي، فيغسل رأس الحشفة منه.\nوقال بعضهم: معنى المذي أشد من الودي؛ لأن الودي يستنجى منه بالأحجار، والمذي لا بد من غسله. انظر التمهيد لابن عبد البر (٢١/ ٢٠٥)، الخرشي (١/ ١٤٩)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ١٣٣).\nقال في الفواكه الدواني (١/ ١١٢): «وأما الودي فهو ماء أبيض خاثر يخرج بأثر البول يجب منه ما يجب من البول». قال النفرواي في شرح هذه العبارة: «يجب منه ما يجب من البول: أي إنما يغسل منه محل الأذى فقط، ويجزي فيه الاستجمار بالحجر كالبول».\nوفي مذهب الشافعية، قال في المهذب (١/ ٤٧): «وأما الودي فهو نجس، لما ذكرت من العلة، ولأنه يخرج مع البول فكان حكمه حكمه». اهـ وانظر المجموع (٢/ ٥٧١)، والإقناع للشربيني (١/ ٥٥)، تحفة المحتاج (١/ ١٨١)، حاشية الجمل (١/ ٩٧).\nوقال في مغني المحتاج (١/ ١٦٠): «ويجب الاستنجاء: إزالة للنجاسة من كل خارج ملوث، ولو نادرًا كدم ومذي وودي، لا على الفور بل عند الحاجة إليه، (بماء) على الأصل في إزالة النجاسة (أو حجر)». اهـ\nوانظر في مذهب الحنابلة: قال ابن تيمية في شرح العمدة (١/ ١٥٦): «إذا لم تتعد النجاسة موضع الحاجة فإنه يجزئه الاستجمار اذا أنقى وأكمل العدد، سواء في ذلك جميع ما يستنجى منه من البول والمذي والودي والدم وغير ذلك». اهـ\nوقال ابن قدامة في الكافي (١/ ٨٦): «والودي: ماء أبيض يخرج عقيب البول، حكمه حكم البول؛ لأنه في معناه». اهـ\nوقال في المغني (١/ ٤١٣): «أما الودي: فهو ماء أبيض يخرج عقيب البول خاثر، فحكمه حكم البول سواء؛ لأنه خارج من مخرج البول، وجار مجراه». اهـ\n(^٢) سبق في القول الأول مذهب المالكية، وأن أصحاب مالك اختلفوا في تفسير عبارة إمامهم: المذي أشد من الودي على قولين:\nالأول: المذي يجب منه غسل الذكر كله، والودي يجب غسل رأس الحشفة، وعلى هذا التفسير\nيجب غسل رأس الحشفة بالماء من الودي.\nوالثاني: قالوا: إن الودي يستنجى منه بالأحجار، والمذي يجب فيه الماء. انظر الخرشي (١/ ١٤٩)، والتمهيد لابن عبد البر (٢١/ ٢٠٥).","vol":"7","page":394},{"text":"الشافعية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3519> دليل من قال: يتعين الماء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3520>الدليل الأول:</span>\n(١٥٠١ - ٢٤٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن حصين بن قبيصة الفزاري،\nعن علي قال: كنت رجلا مذاء، وكانت تحتي بنت رسول الله ﷺ، فكنت أستحي أن أسأله، فأمرت رجلًا فسأله فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيت الودي فضخ الماء فاغتسل (^٢).\n[رجاله ثقات إلا أن ذكر الودي فيه غير محفوظ] (^٣).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ١٤٤): إذا كان الخارج نادرًا كالدم والقيح والودي والمذي وشبهها فهل يجزئه الحجر؟ فيه طريقان:\nالصحيح منهما - وبه قطع العراقيون أنه على قولين: أصحهما يجزئه الحجر، نص عليه في المختصر وحرملة؛ لأن الحاجة تدعو إليه، والاستنجاء رخصة، والرخص تأتي لمعنى ثم لا يلزم وجود ذلك المعنى في جميع صورها كالقصر وأشباهه. وانظر المهذب (١/ ٢٩).\nالقول الثاني: يتعين الماء.\n(^٢) المصنف (١/ ٨٩).\n(^٣) وأخشى أن تكون لفظة الودي تحرفت عن المني، فتكون العبارة وإذا رأيت المني فضخ الماء فاغتسل، خاصة أن الودي مجمع على أنه لا يوجب الغسل، ولا يوجب الغسل شيء سوى المني، وقد وقفت على رواية أبي بكر بن أبي شيبة من رواية ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٢/ ٥١٣) فقد روى الحديث من طريق ابن أبي شيبة، وقال: وإذا رأيت نضح الماء فاغتسل. وهذا أرجح.\nوقد اختلف فيه على زائدة بن قدامة:\nفرواه عنه حسين بن علي بزيادة ذكر الودي أو المني على الخلاف السابق. ...\nورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١٤٤).\nورواه البخاري (٢٦٩) وابن حزم في المحلى (١/ ١٠٦) من طريق أبي الوليد الطيالسي.\nورواه أحمد (١/ ١٢٥) وأبو يعلى الموصلي (٣٥٢) عن عبد الرحمن بن مهدي.\nورواه الطحاوي (١/ ٤٦) من طريق عبد الله بن رجاء كلهم رووه عن زائدة به، بذكر الوضوء. وغسل الذكر، ولم يتعرضوا للودي ولا للمني.\nوتابع أبو بكر بن عياش زائدة كما في صحيح ابن خزيمة (١٨) ولم يذكر إلا الوضوء","vol":"7","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3521>الدليل الثاني:</span>\n(١٥٠٢ - ٢٤٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد،\nعن ابن عباس، قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3522> دليل من قال: يكفي فيه الاستجمار:</span>\nذكرنا أدلتهم في باب الخلاف في الاستنجاء من المذي، فارجع إليها إن شئت، فلا داعي لإعادتها هنا، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3523> دليل من قال: إن الودي طاهر:</span>\nقالوا: لا نعلم في الكتاب، ولا في السنة المرفوعة نصًا بأن الودي نجس، وإذا كان كذلك فالأصل طهارته، ولا يكفي في كونه يخرج من مخرج البول حتى يعطى حكمه، فهذا المني يخرج من نفس المخرج، ومع ذلك فهو طاهر، وإذا كان يخرج عقب البول، كان الاستنجاء منه بسبب البول، لا بسببه.\nقلت: لا شك أن أكثر الأقوال على أن الودي يخرج عقب البول، لكن قال بعض\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٨٩) رقم ٩٨٤.\n(^٢) وسبق تخريجه، انظر ح: (١٤٩٤).","vol":"7","page":396},{"text":"الفقهاء أن خروج الودي بعد البول غالب لا دائم، فقد يخرج بعد حمل شيء ثقيل، وقد يخرج وحده بلا سبب (^١).\n* * *\n_________\n(^١) قال في حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٥): الودي ماء ثخين أبيض كدر، يخرج عقب البول.\nوقال في الفتاوى الهندية (١/ ١٠): «الودي بول غليظ. وقيل: ماء يخرج بعد الاغتسال من الجماع وبعد البول. كذا في التبيين». اهـ\nوقال في شرح خليل (١/ ١٥٢): «واعلم أن ودي المرأة يخرج أيضا بأثر البول إلا أنه حينئذ لا حكم له نعم يكون ناقضًا فيما إذا خرج بأثر سلس بول، أو خرج عند حمل شيء ثقيل». اهـ\nوقال في المهذب (١/ ٢٩): الودي يخرج مع البول، فتعقبه النووي في المجموع (٢/ ٥٧١)، وقال: الأجود أن يقال: عقبه. أي عقب البول.\nوقال نحوه في مطالب أولي النهى (١/ ٢٣٤).","vol":"7","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3524>الفصل الرابع\nفي الاستنجاء من المني</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل في الأشياء الطهارة.\n• كل شيء لم نؤمر بغسله، لا يجب الاستنجاء منه.\n• غسل المني مجرد فعل لا يدل على الوجوب، ولم يصح في الأحاديث الأمر بغسله.\n• المني أصل الآدمي فكان طاهرًا كالتراب.\nوقيل:\n• لا يعتبر الشيء بفرعه فالمني كالعلقة أصل الحيوان الطاهر، وهما نجسان.\n• وسبب الخلاف:\nتردد المني بين أن يشبه بالأحداث الخارجة من البدن، وبين أن يشبه بخروج الفضلات الطاهرة كالعرق ونحوه:\nفمن حمل الغسل، وهو مجرد فعل على النظافة، واستدل من الفرك على الطهارة وعلى أصله في أن الفرك لا يطهر المتنجس ألحقه بالعرق فلم يره نجسا.\nومن رجح حديث الغسل على الفرك، وفهم منه النجاسة، أو كان من أصله أن النجاسة تزول بالفرك قال: الفرك يدل على نجاسته كما يدل الغسل.","vol":"7","page":398},{"text":"[م-٦٥٩] إذا علم ذلك نأتي إلى تحرير الأقوال بأدلتها:\nاختلف العلماء في الاستنجاء من المني لاختلافهم في طهارته.\nفقيل: يستنجي منه إن كان رطبًا بكل مائع مزيل (^١)، ولا يكفي الاستجمار بالحجارة، وإن كان يابسًا ففيه قولان في مذهب الحنفية:\nفقيل: يكفي فركه، اختاره الكرخي من الحنفية.\nوقيل: لا يكفي بل لا بد من غسله، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (^٢).\n_________\n(^١) وإنما قلت المائع، ولم أقل الماء؛ لأن الحنفية يرون أن النجاسة تزال بكل مائع، بخلاف الحدث فيشترط الماء، قال الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٧٠): «وأما الثاني: وهو ما يطهر به النجس، فبكل مائع يمكن إزالته كالخل ونحوه». اهـ\nوقال الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٨٣): «وأما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة، فلا خلاف في أنه لا تحصل به الطهارة الحكمية: وهي زوال الحدث. وهل تحصل به الطهارة الحقيقية، وهي إزالة النجاسة عن الثوب والبدن، اختلف فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف تحصل. وقال محمد وزفر والشافعي: لا تحصل ...». إلخ كلامه.\n(^٢) قال في بدائع الصنائع (١/ ٨٤): وإن جف -يعني: المني- فهل يطهر بالحت؟ روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يطهر. وذكر الكرخي أنه يطهر. وجه رواية الحسن أن القياس أن لا يطهر في الثوب إلا بالغسل، وإنما عرفناه بالحديث. وأنه ورد في الثوب بالفرك، فبقي البدن مع أنه لا يحتمل الفرك على أصل القياس.\nوجه قول الكرخي: أن النص الوارد في الثوب يكون واردًا في البدن من طريق الأولى؛ لأن البدن أقل تشربًا من الثوب، والحت في البدن يعمل عمل الفرك في الثوب في إزالة العين. انظر المبسوط (١/ ٨١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٢)، شرح معاني الآثار (١/ ٥٣)، البحر الرائق (١/ ٢٣٥، ٢٣٦).\nوقال في الدر المختار (١/ ٣١٢): «ويطهر مني يابس بفرك إن طهر رأس حشفة كأن كان مستنجيًا بماء». اهـ\nقال ابن عابدين في حاشيته شرحًا لهذا النص: «قوله: إن طهر رأس حشفة. قيل: هو مقيد أيضًا بما إذا لم يسبقه مذي، فإن سبقه فلا يطهر إلا بالغسل. وعن هذا قال شمس الأئمة الحلواني: مسألة المني مشكلة؛ لأن كل فحل يمذي ثم يمني إلا أن يقال: إنه مغلوب بالمني، مستهلك فيه، فيجعل تبعًا. وهذا ظاهر، فإنه إذا كان كل فحل كذلك، وقد طهره الشرع بالفرك يابسًا يلزم أنه اعتبر مستهلكًا للضرورة، بخلاف ما إذا بال فلم يستنج حتى أمنى لعدم الملجئ.\nثم قال: وقوله: كأن كان مستنجيًا بماء: أي بعد البول، واحترز عن الاستنجاء بالحجر؛ لأنه مقلل للنجاسة لا قالع لها». اهـ\nوعليه فمذهب الحنفية يكفي فرك المني من رأس الحشفة بشرط أن يكون قد استنجى بماء، فإن كان استنجاؤه بحجر، فيجب غسل المني. والله أعلم.","vol":"7","page":399},{"text":"وقيل: يتعين الماء وحده، ولا يجزئ الفرك، اختاره أبو يوسف من الحنفية (^١)،\nوهو مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: لا يستنجي منه بناء على أن المني طاهر، وهو مذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)،\n_________\n(^١) قال في تبيين الحقائق (١/ ٧٠): «وعن أبي يوسف أنه لا يجوز تطهير البدن إلا بالماء؛ لأنها نجاسة يجب إزالتها فلا يجوز بغير الماء كالحدث». اهـ\nوقال في بدائع الصنائع (١/ ٨٣): «وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين الثوب والبدن، فقال في الثوب تحصل -يعني: الطهارة بكل مائع مزيل- وقال في البدن: لا تحصل إلا بالماء». اهـ\nوفيه قول ثان عن أبي يوسف كقول أبي حنيفة، والله أعلم.\n(^٢) قال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١١٣): «ولا يجزئ عند مالك وأصحابه في المني ولا في سائر النجاسات إلا الغسل بالماء، ولا يجزئ فيه عنده الفرك، وأنكره، ولم يعرفه». اهـ\nوقال في القوانين الفقهية (ص: ٤١): «لا يجوز الاستجمار -يعني: بالحجارة- من المني ولا من المذي، ولا إن تعدت النجاسة المخرجين أو ما قرب منهما». اهـ وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١١١)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٤)، مختصر خليل (ص: ١٥)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٤، ٢٨٥)، المفهم للقرطبي (١/ ٥٤٨)، والمدونة (١/ ١٢٨)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٠٣).\n(^٣) قال النووي في المجموع (١/ ١٤٦): «والمني طاهر لا يجب الاستنجاء منه، وهو محمول على من خرج منه مني، ولم يخرج غيره، وصلى بالتيمم لمرض، أو فقد الماء فإنه تصح صلاته ولا إعادة، كما ذكرنا في دم الحيض، أما إذا اغتسل من الجنابة فلا بد من غسل رأس الذكر، والله أعلم». اهـ\n(^٤) انظر مسائل أحمد رواية أبي داود (١/ ٣٢) رقم ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠. وقال أحمد في مسائله رواية صالح (٣/ ٤٦): «قلت لأبي الفراش يصيبه المني، يبسط عليه؟ فقال: المني شيء آخر، وسهل في المني جدًا، وقال: أين المني من البول، البول شديد، والمني يفرك، وقد جاء أنه بمنزلة المخاط، يقوله ابن عباس». اهـ وانظر مسائل أحمد رواية ابن هانئ (١/ ٢٥)، ورواية عبد الله (١/ ٤٩) رقم ٥٢. ومسائل أحمد وإسحاق (١/ ١٥٧، ١٩٢، ٢٤٧).\nوعن أحمد ثلاث روايات في المني:\nالأولى: أنه طاهر، قال في المغني: وهو المشهور. ...\nالثانية: أنه نجس كالدم، ويعفئ عن يسيره.\nالثالثة: أنه لا يعفى عن يسيره، ويجزئ فرك يابسه من الرجل والمرأة. وقيل: من الرجل دون المرأة. انظر المغني (١/ ٤١٦)، الإنصاف (١/ ٣٤٠، ٣٤١).","vol":"7","page":400},{"text":"ورجحه ابن حزم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3525> دليل من قال يستنجى من المني وأنه نجس:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3526>الدليل الأول:</span>\n(١٥٠٣ - ٢٤٥) ما رواه البخاري من طريق سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،\nأن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري ومسلم واللفظ للأول (^٢).\nقال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (^٣).\n_________\n(^١) قال في المحلى (١/ ١٣٤) مسألة: ١٣١: «المني طاهر في الماء كان أو في الجسد أو الثوب لا تجب إزالته، والبصاق مثله ولا فرق». اهـ\n(^٢) صحيح البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣١٧).\n(^٣) شرح العمدة (١/ ١٦٢)، وقال أيضًا في مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٩٤): «الاستنجاء منه مستحب كما يستحب إماطته من الثوب والبدن، وقد قيل: هو واجب، كما قد قيل: يجب غسل الأنثيين من المذي، وكما يجب غسل أعضاء الوضوء إذا خرج الخارج من الفرج، فهذا كله طهارة وجبت لخارج، وإن لم يكن المقصود بها إماطته وتنجيسه بل سبب آخر، كما يغسل منه سائر البدن، فالحاصل أن سبب الاستنجاء منه ليس هو النجاسة بل سبب آخر، فقولهم: يوجب طهارة الخبث وصف ممنوع في الفرع، فليس غسله من الفرج للخبث، وليست الطهارات منحصرة في ذلك كغسل اليد عن القيام من نوم الليل، وغسل الميت والأغسال المستحبة، وغسل الأنثيين، وغير ذلك فهذه الطهارة إن قيل بوجوبها، فهي من القسم الثالث، فيبطل قياسه على البول؛ لفساد الوصف الجامع». اهـ","vol":"7","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3527>الدليل الثاني:</span>\nالأدلة الدالة على نجاسة المني، وإذا كان نجسًا كان الاستنجاء منه مشروعًا، ومن هذه الأدلة.\n(١٥٠٤ - ٢٤٦) ما رواه أبو يعلى من طريق ثابت بن حماد أبي زيد، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب،\nعن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ: يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (^١).\n[ضعيف جدًا] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (١٦١١).\n(^٢) في إسناده ثابت بن حماد،\nقال الدارقطني: ثابت بن حماد ضعيف جدًا. سنن الدارقطني (١/ ١٢٧).\nوقال ابن عدي بعد أن ساق له جملة من أحاديثه التي يخالف فيها: وثابت بن حماد له غير هذه الأحاديث أحاديث يخالف فيها وفي أسانيدها الثقات، وأحاديثه مناكير ومقلوبات. الكامل (٢/ ٩٨).\nوقال العقيلي: حديثه غير محفوظ، مجهول بالنقل. الضعفاء الكبير (١/ ١٧٦).\nوقال البيهقي: هذا باطل لا أصل له، وإنما رواه ثابت بن حماد، عن علي بن زيد، عن ابن المسيب، عن عمار، وعلي بن زيد غير محتج به، وثابت بن حماد متهم بالوضع. سنن البيهقي (١/ ١٤).\nوقال ابن تيمية: «هذا الحديث كذب عند أهل المعرفة بالحديث»، نقله عنه ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٣١٤).\nوقال أيضًا في مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٩٤): «أما حديث عمار بن ياسر، فلا أصل له». اهـ\nتخريج الحديث:\nالحديث أخرجه أبو يعلى كما في إسناد الباب والطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٥١٣)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ١٧٦)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٩٨) من طريق محمد بن أبي بكر.\nوأخرجه ابن عدي أيضًا (٢/ ٩٨) من طريق إبراهيم بن عرعرة، كلاهما عن ثابت بن حماد أبي زيد به. =","vol":"7","page":402},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه إبراهيم بن زكريا، واختلف عليه:\nفرواه الدارقطني (١/ ١٢٧) من طريق محمد بن شوكر بن رافع الطوسي.\nوالبزار كما في كشف الأستار (٢٤٨): حدثنا يوسف بن موسى، كلاهما عن إبراهيم بن زكريا، عن ثابت بن حماد به، كرواية محمد بن أبي بكر وإبراهيم بن عرعرة.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير كما في نصب الراية (١/ ٢١١) ومسند عمار لعله في المفقود من المعجم الكبير رواه من طريق علي بن بحر، ثنا إبراهيم بن زكريا، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد به سندًا ومتنًا.\nوهذا الاختلاف من إبراهيم بن زكريا، وهو ضعيف، وزيادة حماد بن سلمة وهم منه، على أن رواية البزار ليس فيها ذكر المني.\nوقد حاول الزيلعي في نصب الراية أن يقوي حديث ثابت بن حماد بمتابعة إبراهيم بن زكريا، فقال (١/ ٢١٠): «وجدت له متابعًا عند الطبراني رواه في معجمه الكبير من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد به سندًا ومتنًا، وبقية الإسناد حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا علي بن بحر، ثنا إبراهيم بن زكريا العجلي، ثنا حماد بن سلمة به. واعلم أني وجدت الحديث في نسختين صحيحتين من مسند البزار من رواية ثابت بن حماد، وليس فيه المني، وإنما قال: إنما يغسل الثوب من الغائط والبول والقيء والدم. انتهى. قال البزار: وثابت بن حماد كان ثقة، ولا يعرف أنه روى غير هذا الحديث. انتهى نقل البزار ذلك عن شيخ شيخه إبراهيم بن زكريا. وقال البيهقي في سننه الكبرى في باب التطهير بالماء دون المائعات: وأما حديث عمار بن ياسر أن النبي ﷺ قال له: يا عمار ما نخامتك إلى آخره فهو باطل لا أصل له، إنما رواه ثابت بن حماد، عن علي بن زيد، عن ابن المسيب، عن عمار، وعلي بن زيد غير محتج به، وثابت بن حماد متهم بالوضع. انتهى ثم قال: وقال شيخنا علاء الدين -يعني: ابن التركماني- ما رأيت أحدًا بعد الكشف التام جعله متهمًا بالوضع غير البيهقي، وقد ذكره في كتاب المعرفة في الحديث، ولم ينسبه إلى الوضع، وإنما حكى فيه قول الدارقطني وقول ابن عدي المتقدمين، والله أعلم».\nوالحق أن الحديث لو لم يختلف فيه على إبراهيم بن زكريا، لكان الحديث ضعيفًا، ولا تنفعه متابعة حماد بن سلمة؛ لأن علته حينئذٍ تكون من إبراهيم نفسه، ومن علي بن زيد، فكيف وقد اختلف فيه على إبراهيم بن زكريا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد ذكر الدارقطني والبيهقي وابن عدي وكلهم من الحفاظ ذوي الاستقراء، نصوا على أن ثابت بن حماد تفرد به، فهذا دليل على أن طريق حماد بن سلمة وهم، والله أعلم.\nقال الحافظ في التلخيص (١/ ٤٤): «رواه البزار والطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، ولكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه، إنما يرويه ثابت بن حماد». اهـ","vol":"7","page":403},{"text":"(١٥٠٥ - ٢٤٧) ومنها أيضًا ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن الخطاب عرس ببعض الطريق قريبًا من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك يغسل. فقال عمر بن الخطاب: واعجبًا لك يا عمرو ابن العاص، لئن كنت تجد ثيابًا أفكل الناس يجد ثيابًا؟ والله لو فعلتها لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أر (^١).\n[إسناده منقطع] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقال الباجي: قوله (فجعل يغسل ما رأى من الاحتلام حتى أسفر) يريد أنه تتبع ما كان في ثوبه من المني حتى أسفر الصبح، رأى أن تطهير ثوبه الذي هو فرض، أولى من مبادرة أول الوقت الذي هو أفضل، وهذا يدل على نجاسة المني؛ لأن اشتغاله به وتتبعه له حتى ذهب أكثر الوقت وخيف عليه من ضيقه، وأنكر عليه عمرو بن العاص التأخير، وأمره باستبدال ثوب دليل على نجاسة الثوب عندهم، ولو لم يكن نجسًا عندهم لما اشتغل عمر بغسله، ولو اشتغل به لقيل له: تشتغل عن الصلاة بإزالة ما لم تلزم إزالته (^٣).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٥٠).\n(^٢) قال النووي في المجموع (١/ ٢٢٦): يحيى وإن كان ثقة فلم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هذا هو الصواب، قال يحيى بن معين: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عمر باطل، وكذا قاله غير ابن معين. إلخ كلامه ﵀، وانظر المجلد الأول، ح: (٧٧).\n(^٣) المنتقى (١/ ١٠٣).","vol":"7","page":404},{"text":"• ويجاب:\nربما كان مصحوبًا بمذي، فغسله من أجل ذلك، وقد كان يفرك من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه.\n(١٥٠٦ - ٢٤٨) ومنها ما استدل به فقهاء الحنفية مما يروى عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة: إذا وجدت المني رطبًا فاغسليه، وإذا وجدته يابسًا فحتيه.\n[لا أصل له] (^١).\n(١٥٠٧ - ٢٤٩) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا\nعبد الله، قال: أخبرنا عمرو بن ميمون الجزري، عن سليمان بن يسار،\nعن عائشة قالت: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه. ورواه مسلم بنحوه (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: إن غسل المني دليل على نجاسته؛ لأن الطاهر لا يطهر، ولا يقال: إن غسله للنظافة؛ لأن الأصل في الغسل أنه للنجاسة، إذ هي المأمور بغسلها.\n• وتعقب هذا:\nبأن عائشة ﵂ كانت تفركه يابسًا، ولا تغسله، فلو كان نجسًا لما اكتفت بفركه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا مجرد فعل من عائشة، وفعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب، فكيف بفعل غيره، ثم إن الثوب قد يغسل من المخاط والبصاق وكل ما يستقذر، ولا يكون هذا كافيًا في الدلالة على نجاسته.\n_________\n(^١) لم أقف عليه مسندًا في كتب السنة، وقد قال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٠٧): هذا الحديث لا يعرف، وإنما المنقول أنها هي كانت تفعل ذلك من غير أن يكون أمرها.\nوقال الحافظ في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٩١): «لم أجده بهذه السياقة». اهـ\nوقال في التلخيص (١/ ٣٣): «وأما الأمر بغسله فلا أصله له».\n(^٢) البخاري (٢٢٩)، ورواه مسلم بنحوه (٢٨٩).","vol":"7","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3528>الدليل الخامس:</span>\n(١٥٠٨ - ٢٥٠) ما رواه مسلم من طريق أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود،\nأن رجلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه.\nوجه الاستدلال:\nقال القرطبي: وهذا من عائشة يدل على أن المني نجس، وأنه لا يجزئ فيه إلا غسله، فإنها قالت: إنما: وهي من حروف الحصر، ويؤيد هذا ويوضحه قولها: فإن لم تر نضحت حوله، فإن النضح إنما مشروعيته حيث تحققت النجاسة، وشك في الإصابة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁، حيث أصبح يغسل جنابة من ثوبه، فقال: أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر (^١).\nفإن قيل: ألم تقل: ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا، فيصلي فيه، ألا يدل هذا على طهارته؟\nقيل: لا يدل؛ لأن النجاسة تزال بأي مزيل، والفرك في حق النجاسة اليابسة كاف في تطهيرها، كما كانت طهارة النعل بدلكه في الأرض، وسنذكره إن شاء الله مخرجًا في أدلة القول الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3529>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن المني فضلة مستحيلة عن الغذاء، يخرج من مخرج البول، فكانت نجسة كالبول، ولا يرد علينا البصاق والمخاط والدمع والعرق؛ لأنها لا تخرج من مخرج البول (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٥٤٨).\n(^٢) بدائع الفوائد (٣/ ٦٤٠).","vol":"7","page":406},{"text":"• وأجيب:\nبأن حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء، أو للخروج من مخرج البول، أو لمجموع الأمرين:\nفالأول باطل؛ إذ مجرد استحالة الفضله عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها، كالدمع والمخاط والبصاق.\nوإن كان لخروجه من مخرج البول، فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه، لا أنه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه، وهو فاسد؛ فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة، وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال، ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه ومقره، وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين، والذي يوضح هذا أنا رأينا الفضلات المستحيلة عن الغذاء تنقسم إلى:\nطاهر: كالبصاق والعرق والمخاط.\nونجس: كالبول والغائط، فدل على أن جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة، ورأينا أن النجاسة دارت مع الخبث وجودا وعدمًا فالبول والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمى بزيادة الخبث والنتن والاستقذار، تنفر منهما النفوس، وتنأى عنهما وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن، فلا يلحق المني بالبول والغائط بل يلحق بالمخاط والبصاق (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3530>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة كالبول والغائط والمذي. والمني من الأحداث الموجبة للطهارة، فيكون نجسًا.\n_________\n(^١) المرجع السابق.","vol":"7","page":407},{"text":"• وأجيب:\nلا نسلم أن الأحداث الموجبة للطهارة كلها نجسة، فأكل لحم الإبل حدث على الصحيح يوجب الطهارة، وليس بنجس.\nومس الفرج على الصحيح حدث، ولم يكن ثمة نجاسة، بل لو مس بولًا أو غائطًا لم ينتقض وضوؤه، بخلاف ما لو مس ذكره.\nوالريح طاهرة، ومع ذلك هي حدث إجماعًا، ولم يوجب كونها حدثًا أن يستنجى منها، ولا أن تغسل الثياب والأبدان بسببها.\nوهذا الجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه، ولم يدل على حصول نجاسة.\nقال الشافعي ﵀: «أرأيت الرجل إذا غيب ذكره في الفرج الحلال، ولم يأت منه ماء، فأوجبت عليه الغسل، وليست في الفرج نجاسة، وإن غيب ذكره في دم خنزير أو خمر أو عذرة، وذلك كله نجس، أيجب عليه الغسل؟ فإن قال: لا.\nقيل: فالغسل، إن كان إنما يجب من نجاسة كان هذا أولى أن يجب عليه الغسل مرات ومرات من الذي غيبه في حلال نظيف، ولو كان يكون لقذر ما يخرج منه كان الخلاء والبول أقذر منه، ثم ليس يجب عليه غسل موضعهما الذي خرجا منه، ويكفيه من ذلك المسح بالحجارة، إلخ كلامه ﵀» (^١).\nفدل على إن إيجاب الغسل ليس معناه نجاسة المني، وإلا لوجب الغسل من البول والغائط، للإجماع على نجاستهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3531>الدليل الخامس:</span>\nقالوا: إن المني خارج من أحد السبيلين، فكان نجسًا كسائر النجاسات من البول والغائط والمذي والودي.\n_________\n(^١) الأم (١/ ٥٦).","vol":"7","page":408},{"text":"ألا ترى أن الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة، وفي أسافله تكون نجسة.\n• وأجيب:\nبأن قياسه على جميع الخارجات بجامع اشتراكهن في المخرج ليس دليلًا شرعيًّا، وهو منقوض بالدبر، فإنه مخرج الريح الطاهر، ومخرج الغائط النجس، وبالفم فإنه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين، ومخرج القيء النجس على قول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3532>الدليل السادس:</span>\nقياس المني على المذي، فالمني من جنس المذي؛ وذلك أن المذي يخرج عند مقدمات الشهوة، والمني يخرج عند استكمالها.\nقال الباجي: «دليلنا من جهة القياس أنه مائع تثيره الشهوة، فوجب أن يكون نجسًا كالمذي» (^١).\n• وأجيب:\nبأن المني غير المذي، فالأول يتكون منه الولد الذي هو أصل الإنسان، والمذي بخلافه، ألا ترى أن عدم الإمناء عيب، وكثرة الإمذاء ربما كانت مرضًا، وكون الجامع بين المني والمذي هو الشهوة قياس لا يصح؛ وذلك لأن الشهوة ليست هي مناط التنجيس حتى تكون علة في إلحاق الفرع بالأصل.\nقال ابن القيم: المني والمذي هما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة فدعوى أن المذي مبدأ المني، وأنه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة (^٢).\n_________\n(^١) المنتقى (١/ ١٠٣).\n(^٢) بدائع الفوائد (٣/ ٦٣٩).","vol":"7","page":409},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3533> دليل من قال بطهارة المني:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3534>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأعيان الطهارة، ولا يقال بنجاسة شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح سالم من المعارضة، ولا دليل على نجاسة المني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3535>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: لو كان المني نجسًا لجاء الأمر من الرسول ﷺ بغسله، خاصة أن البلوى فيه شديدة في الأبدان والثياب والفرش وغيرها، فلما لم يأمرهم ﷺ بغسل ما أصابهم علم أن المني طاهر، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد أمر النبي ﷺ الحائض أن تغسل ما أصاب ثوبها من دم الحيض، مع أن البلوى في المني أكثر وأشد، وأمر بغسل المذي أيضًا، ولم يأمر بغسل المني، فعلم أن غسله ليس واجبًا، وأن عينه ليست نجسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3536>الدليل الثالث:</span>\n(١٥٠٩ - ٢٥١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أحمد بن جواس الحنفي أبو عاصم، حدثنا أبو الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، عن عبد الله بن شهاب الخولاني، قال: كنت نازلًا على عائشة، فاحتلمت في ثوبي، فغمستهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها، فبعثت إلي عائشة، فقالت:\nما حملك على ما صنعت بثوبيك. قال: قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه. قالت: هل رأيت فيهما شيئًا. قلت: لا. قالت: فلو رأيت شيئًا غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن عائشة كانت تفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا، وهذا دليل على طهارته؛ إذ\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٠٩ - ٢٩٠).","vol":"7","page":410},{"text":"لو كان نجسًا لوجب غسله كسائر النجاسات.\n• وأجيب بأجوبة منها:\nأولًا: ثبت في طهارة النعل الدلك بالتراب، وكان ذلك طهارة له.\n(١٥١٠ - ٢٥٢) فقد روى أحمد، قال: يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،\nأن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (^١).\n[صحيح] (^٢).\nفإذا كان الدلك في النعل لم يدل على طهارة الأذى الذي في النعل، لم يكن ذلك المني دليلًا على طهارة المني. نعم يصح الاستدلال على طهارة المني لو أن عائشة تركت المني على ثوب رسول الله ﷺ فلم تغسله رطبًا، ولم تفركه يابسًا، أو اكتفت بفركه، وهو رطب، أما ما دامت تغسله رطبًا، وتفركه يابسًا فليس فيه دليل على طهارته، والله أعلم.\nثانيًا: ذكر بعض الحنفية: أن هذه الآثار إنما جاءت في ذكر ثياب ينام فيها، ولم تأت في ثياب يصلي فيها، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها، وأما الثياب الذي يصلي فيها فإن عائشة كانت تغسله من الثوب، فقد قالت ﵂: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه (^٣).\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٢٠، ٩٢).\n(^٢) انظر تخريجه ح: (١٤٩٩).\n(^٣) البخاري (٢٢٩)، ورواه مسلم بنحوه (٢٨٩).","vol":"7","page":411},{"text":"(١٥١١ - ٢٥٣) وقد روى أحمد، قال: ثنا حجاج وشعيب بن حرب قالا: ثنا ليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج،\nعن معاوية بن أبي سفيان، أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الواحد الذي يجامعها فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذى (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٤٢٦).\n(^٢) الحديث رواه أحمد كما في إسناد الباب عن حجاج وشعيب بن حرب.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٨) رقم ٨٤١١ وأبو بكر الشيباني في الآحاد والمثاني (٣٠٧٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٤٠٧) عن شبابة.\nوأخرجه أبو داود (٣٦٦) والنسائي في السنن الكبرى (٢٨٧) وفي المجتبى (٢٩٥) والبغوي في شرح السنة (٥٢٢) من طريق عيسى بن حماد.\nوأخرجه ابن ماجه (٥٤٠) من طريق محمد بن رمح.\nوأخرجه الدارمي (١٣٧٦) وابن خزيمة (٧٧٦) وابن حبان (٢٣٣١) من طريق أبي الوليد الطيالسي.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٧١٢٦) من طريق هاشم بن القاسم.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٥٠) والبيهقي (٢/ ٤١٠) من طريق ابن وهب،\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٢٠) رقم ٤٠٥، من طريق عبد الله بن عبد الحكم، كلهم عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب به.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٣٢٥) من طريق محمد بن إسحاق.\nوالدرامي (١٣٧٥) من طريق عبد الحميد بن جعفر.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٥٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٢٠) رقم ٤٠٦، ٤٠٨، من طريق عمرو بن الحارث،\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٥٠) من طريق ابن لهيعة وجعفر بن ربيعة، كهلم عن يزيد بن أبي حبيب به. وهؤلاء تابعوا الليث بن سعد في روايته عن يزيد بن أبي حبيب.\nوقال البخاري في الصلاة (١/ ٤٦٥): باب وجوب الصلاة في الثياب ... ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه ما لم ير فيه أذى.\nقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٦٦): «يشير إلى ما رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق معاوية بن أبي سفيان، أنه سأل أخته أم حبيبة، هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه. قالت: نعم إذا لم ير فيه أذى، وهذا من الأحاديث التي تضمنتها تراجم هذا الكتاب بغير صيغة رواية حتى ولا التعليق». اهـ","vol":"7","page":412},{"text":"وقد روي عن عائشة ما يوافق ذلك،\n(١٥١٢ - ٢٥٤) فقد روى أبو داود، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا الأشعث، عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق،\nعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شعرنا أو لحفنا.\nقال عبيد الله: شك أبي (^١).\n] أنكره الإمام أحمد أشد الإنكار، والمعروف فيه ذكر اللحاف فقط] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٦٧).\n(^٢) الحديث مداره على أشعث،\nيرويه خالد بن الحارث كما في سنن الترمذي (٦٠٠)، والمنتقى لابن الجارود (١٣٤)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٥٠).\nوسفيان بن حبيب كما في سنن النسائي (٥٣٦٦).\nومعتمر بن سليمان كما في سنن النسائي (٥٣٦٦).\nومحمد بن جعفر كما في سنن البيهقي (٢/ ٤٠٩) أربعتهم رووه عن أشعث، عن محمد بن سيرين به بذكر اللحاف فقط دون ذكر الشعار.\nويرويه معاذ بن معاذ واختلف عليه:\nفرواه ابن حبان في صحيحه (٢٣٣٠) أخبرنا أبو خليفة، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي معاذ بن معاذ، قال: حدثنا أشعث بن سوار به، بلفظ: (كان النبي ﷺ يصلي في لحفنا). وهذه رواية منقلبة دون شك.\nفقد رواه أبو داود في السنن (٣٦٧) حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا الأشعث به، بلفظ: (لا يصلي في شعرنا أو لحفنا) بزيادة شعرنا. قال عبيد الله: شك أبي. يعني هل قال: شعرنا أو قال: لحفنا.\nورواه أحمد في العلل (٥٩٨٢) وابن حبان في صحيحه (٢٣٣٦) عن القواريري،\nوالحاكم (١/ ٢٥٢) والبيهقي في السنن (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠) من طريق يحيى بن محمد البختري، كلاهما عن معاذ بن معاذ به: (كان لا يصلي في شعرنا ولا لحفنا) بالجمع بدون شك.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يتعقبه الذهبي بشيء، والصحيح أنه ليس على شرط واحد منهما، فإن أشعث بن عبد الملك لم يخرج له مسلم، وخرج له البخاري تعليقًا. فتبين أن معاذ بن معاذ انفرد بزيادة ذكر الشعار، وهو الثوب الذي يلبس على الجسد. ...\nقال أحمد في العلل: ما سمعت عن أشعث حديثًا أنكر من هذا، وأنكره أشد الإنكار.\nوقال ابن رجب في فتح الباري (٢/ ٨٧): «وقد أنكره الإمام أحمد إنكارًا شديدًا، وفي إسناده اختلاف على ابن سيرين، وقد روي عنه أنه قال: سمعته منذ زمان، ولا أدري ممن سمعته، ولا أدري أسمعه من ثبت أولا؟ فاسألوا عنه .....». اهـ","vol":"7","page":413},{"text":"فثبت بما ذكرنا أن رسول الله ﷺ لم يكن يصلي في الثوب الذي ينام فيه إذا أصابه شيء من الجنابة، وثبت أن ما ذكرته عائشة، من فرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إنما هو في ثوب النوم، لا في ثوب الصلاة (^١).\nوأن أم حبيبة زوج النبي ﷺ أطلقت على المني اسم الأذى، والأذى هو النجس، كما قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].\n• ورد هذا بعدة أجوبة:\nالجواب الأول:\nأن حديث عائشة كان لا يصلي في لحاف نسائه، قد أنكره الإمام أحمد أشد الإنكار، ونقلنا عنه ذلك في تخريج الحديث.\nولو صح لم يكن هذا دليلًا على نجاسة المني، فإن لحاف المرأة قد يصيبه من دم حيضها، وهي لا تشعر.\nالجواب الثاني:\nأن ترك الصلاة في لحاف المرأة ليس بواجب، فقد ورد أنه كان يصلي وعليه ثوب، وبعضه على بعض نسائه، وهي حائض (^٢).\n_________\n(^١) انظر شرح معاني الآثار بتصرف يسير (١/ ٥٠).\n(^٢) اختار الشوكاني أن ترك لحاف النساء مستحب، وليس بواجب، ونقله عنه أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي (١/ ٤٩٧) فقال: «كل ذلك يدل على عدم وجوب تجنب ثياب النساء، وإنما هو مندوب فقط، عملًا بالاحتياط. وبهذا يجمع بين الأحاديث».\nوقيل: إن ذلك مباح، وهو ما اختاره أحمد شاكر، فقال متعقبًا لكلام الشوكاني: «لا دليل على الندب؛ لأنه لم يطلب ذلك في حديث نعلمه، وإنما كان تارة يفعل، وتارة يترك، وهو الجمع الصحيح بين الروايات، فهو أمر مباح».","vol":"7","page":414},{"text":"الجواب الثالث:\nأن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض، وإنما الخلاف في الرجال، وهذا دليل على أن الحامل على الكراهة ليس النجاسة.\nجاء في فتح الباري لابن رجب: «قال أبو بكر الأثرم: أحاديث الرخصة أكثر وأشهر. قال: ولو فسد على الرجال الصلاة في شعر النساء لفسدت الصلاة فيها على النساء.\nوهذا الكلام يدل على أن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض بغير خلاف، إنما الخلاف في الرجال.\nوالأحاديث التي أشار إليها في الرخصة متعددة:\nففي صحيح مسلم، عن عائشة، قالت: كان النبي يصلي من الليل وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، على مرط، وعليه بعضه إلى جنبه (^١).\nوخرج النسائي، عن عائشة، قالت: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد، وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسلت ما أصابه، لم يعده إلى غيره، ثم صلى فيه (^٢).\nوخرج أبو داود وابن ماجه، عن ميمونة، قالت: إن النبي ﷺ صلى وعليه مرط، وعلى بعض أزواجه منه، وهي حائض، وهو يصلي، وهو عليه (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥١٤). قال النووي في شرحه لمسلم: «وفيه جواز الصلاة بحضرة الحائض، وجواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلي وبعضه على حائض أو غيرها».\n(^٢) رواه أبو يعلى (٤٨٠٢)، وأبو داود (٢٦٩)، والنسائي (٢٨٤) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن جابر بن صبح، قال: سمعت خلاسًا يحدث عن عائشة، وسنده صحيح.\n(^٣) رواه أحمد (٦/ ٣٣٠)، والحميدي (٣١٥)، وأبو يعلى (٧٠٩٥)، وأبو داود (٣٦٩)، وابن ماجه (٦٥٣)، وابن الجارود في المنتقى (١٣٣)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٨) ح ٩، وابن خزيمة (٧٦٨)، وأبو عوانة (١٤٢٦)، وابن حبان (٢٣٢٩)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٠٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة، وإسناده صحيح.","vol":"7","page":415},{"text":"وخرج الإمام أحمد من حديث حذيفة، قال: قام النبي ﷺ يصلي، وعليه طرف اللحاف، وعلى عائشة طرفه، وهي حائض لا تصلي (^١).\nقال أبو عبيد في غريبه: الناس على هذا، يعني على عدم كراهيته». اهـ نقلًا من فتح الباري لابن رجب (^٢).\nالوجه الرابع:\nأن قول أم حبيبة: (إذا لم يكن فيه أذى) لا يدل على أن مرادها بالأذى المني لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، فإنها إنما أخبرت بأنه يصلي في الثوب الذي يضاجعها فيه ما لم يكن فيه أذى، فلو قال قائل: بأن المراد بالأذى: دم الحيض كان أقرب. وعلى التنزل أن مرادها المني، فالأذى ليس نصًا في النجاسة، فقد قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) [البقرة: ١٩٦]، والأذى في الآية ليس النجس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3537>الدليل الرابع:</span>\nبأنه ورد أن النبي كان يسلت المني من ثوبه، وهو رطب، من غير غسل، وهذا يدل على طهارته؛ لأن سلت الرطب لا يزيل العين بالكلية، بخلاف ما قد يقال في فرك اليابس.\n(١٥١٣ - ١٥٥) فقد روى أحمد، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، قال: حدثنا عكرمة ابن عمار، عن عبد الله بن عبيد بن عمير،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم\n_________\n(^١) رواه يونس بن أبي إسحاق، واختلف عليه فيه، فرواه (٦/ ٣٢) حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا يونس بن عمرو، عن العيزار بن حريث، عن عائشة.\nورواه أحمد (٥/ ٤٠١) حدثنا وكيع، عن يونس، عن العيزار بن حريث، عن حذيفة.\nورواه أحمد (٥/ ٤٠٠) حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس، عن الوليد بن العيزار، قال: قال حذيفة. فاضطرب فيه يونس بن أبي إسحاق.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (٢/ ٨٧).","vol":"7","page":416},{"text":"يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه.\n[حسن] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3538>الدليل الخامس:</span>\nورد أن النبي ﷺ ربما صلى، وهو في ثوبه، فتحته عائشة من ثوبه، وهو في الصلاة، وهذا فيه إشارة إلى أن إزالته من باب الاستقذار؛ لأنه لم يكن يتفقد ثوبه قبل صلاته.\n(١٥١٤ - ١٥٦) فقد روى ابن خزيمة، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا إسحاق، يعني: الأزرق، قال: حدثنا محمد بن قيس، عن محارب بن دثار،\nعن عائشة، أنها كانت تحت المني من ثوب رسول الله ﷺ، وهو يصلي (^٢).\n[صحيح].\n_________\n(^١) الحديث أخرجه أحمد كما في حديث الباب، وابن خزيمة (٢٩٤) وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٠٦) من طريق معاذ بن معاذ العنبري.\nوأخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده (١١٨٥) أخبرنا النضر بن شميل.\nوأخرجه ابن خزيمة (٢٩٤) من طريق أبي الوليد وأبي قتيبة سلم بن قتيبة،\nوأخرجه البيهقي (٢/ ٤١٨) من طريق يزيد بن عبد الله بن يزيد بن ميمون بن مهران، كلهم عن عكرمة بن عمار بهوفي إسناده عكرمة بن عمار، تكلم في روايته عن يحيى بن أبي كثير، ووثقه ابن معين، وابن المديني، وأبو داود السجستاني، ووكيع، والدارقطني.\nوقال ابن معين: كان ابن عمار أميًا، وكان حافظًا. الجرح والتعديل (٧/ ١٠)، تهذيب الكمال (٢٠/ ٢٦٠).\nوقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقًا، وربما وهم في حديثه، وربما دلس، وفى حديثه عن يحيى بن أبى كثير بعض الاغاليط. المرجع السابق.\nوقال أحمد بن حنبل: عكرمة بن عمار مضطرب الحديث عن غير إياس بن سلمة، وكان حديثه عن إياس بن سلمة صالحًا، وحديثه عن يحيى بن أبى كثير مضطربًا. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، وباقي رجال الإسناد ثقات، وقد صحح إسناده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٨٩).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة (٢٩٠).","vol":"7","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3539>الدليل السادس:</span>\nقالوا: كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه، ومعلوم أن المني يصيب أبدان الناس وثيابهم وفرشهم بغير اختيارهم أكثر مما يلغ الهر في آنيتهم، فهو طواف الفضلات، بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق والمخاط حتى لا يصيب ثيابه، ولا يقدر على الاحتراز من مني الاحتلام والجماع، وهذه المشقة الظاهرة توجب طهارته لو كان المقتضي للتنجيس قائمًا، ألا ترى أن الشارع خفف في النجاسة المعتادة فاجتزأ فيها بالجامد مع أن إيجاب الاستنجاء عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب من المني لا سيما في الشتاء في حق الفقير، ومن ليس له إلا ثوب واحد (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3540>الدليل السابع:</span>\n(١٥١٥ - ٢٥٧) ما رواه الشافعي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار وابن جريج، كلاهما يخبر عن عطاء،\nعن ابن عباس أنه قال في المني يصيب الثوب: أمطه عنك. قال أحدهما: بعود أو إذخرة، وإنما هو بمنزلة البصاق أو المخاط (^٢).\n[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا ولم يصح] (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٩٢).\n(^٢) الأم (١/ ٥٦).\n(^٣) رواه الشافعي في الأم (١/ ٥٦) من طريق عمرو بن دينار.\nوأخرجه الشافعي في الأم (١/ ٥٦) ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٥٩) من طريق ابن جريج، كلاهما عن عطاء، عن ابن عباس موقوفًا عليه.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٤٨) رقم ١١٣٢١، والدارقطني (١/ ٢٤) من طريق إسحاق الأزرق، أخبرنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ مرفوعًا.\nوابن جريج وعمرو بن دينار أثبت من طريق ابن أبي ليلى، فإنه من رواية شريك عن ابن أبي ليلى، وكلاهما في حفظه شيء. ...\nقال البيهقي (٢/ ٤١٨): «هذا صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد روي مرفوعًا ولا يصح رفعه».\nوقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٩٠): «وأما رفعه إلى النبي ﷺ فمنكر باطل لا أصل له».\nوقال أيضًا (٢١/ ٥٩١): «أهل نقد الحديث والمعرفة به ليسوا يشكون في أن هذه الرواية وهم».","vol":"7","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3541>الدليل الثامن:</span>\nقال الشافعي في الأم: بدأ الله جل وعز خلق آدم من ماء وطين، وجعلهما معًا طهارة، وبدأ خلق ولده من ماء دافق، فكان في ابتدائه خلق آدم من الطهارتين اللتين هما الطهارة دلالة أن لا يبدأ خلق غيره إلا من طاهر لا من نجس.\n• وأجيب:\nبأن قولكم إن المنى مبدأ خلق بشر، فكان طاهرًا كالتراب غريب، فالتراب وضع طهورًا ومساعدًا للطهور في الولوغ، ويرفع الحدث أو حكمه، فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه؟ على أن الاستحالات تعمل عملها، فأين الثواني من المبادئ، وهل الخمر إلا ابنة العنب، والمني إلا المتولد من الأغذية في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة، ثم إلى الدم، ثم إلى المني (^١).\n• ورد هذا الجواب:\nأما كون المني يتطهر منه، فقد أجبنا على هذا، وأن هذا لا يقتضي تنجيسه.\nوأما اعتبار الإحالة، فهذا صحيح، وهو حجة عليكم، فالاستحالة تقلب الطيب إلى خبيث، كالغذاء ينقلب إلى عذرة، وتقلب الخبيث إلى طيب، كاللبن من دم الحيض، فلو اعتبرنا الإحالة لحكمنا بطهارة المني، فإن كان المني قد استحال من الدم، فالدم على الصحيح طاهر، وسوف نذكر الخلاف فيه إن شاء الله في باب النجاسات.\nوإن كان قد استحال من البول والغائط، فأين الغائط النتن من المني ذي الرائحة\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ٦٣٩).","vol":"7","page":419},{"text":"الطيبة، فلو أعطينا الاستحالة حكمها لحكمنا بطهارة المني، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3542>الدليل التاسع:</span>\nقالوا: إن المني مبتدأ خلق الأنبياء والرسل وبني آدم الذين كرمهم الله، فلا يليق أن يكون أصل هؤلاء نجسًا.\nقال ابن القيم: الله تعالى أحكم من أن يجعل محال وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسة، فهو أكرم من ذلك، وأيضا فإن الله تعالى أخبر عن هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن، ووصفه مرة بعد مرة، وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصلب والترائب، وأنه استودعه في قرار مكين، ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعذرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين، ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره، ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السوي، فالمهين ههنا الضعيف، وليس هو النجس الخبيث، وأيضا فلو كان المني نجسًا، وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عباده والطيبات، ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب، فلقد أبعد النجعة من جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة والناس إذا سبوا الرجل قالوا: أصله خبيث، وهو خبيث الأصل (^١).\nوتعقب هذا الاستدلال:\nبأنه ليس عيبًا أن يكون أصل خلق الإنسان نجسًا، ولا يلحقهم عيب من ذلك، كما أن الله يجعل خواص عباده ظروفًا وأوعيةً للنجاسة كالبول والغائط والدم والمذي ولا يكون ذلك عائدًا عليهم بالعيب والذم.\nورد هذا الجواب:\nبأن الإنسان ليس ظرفًا للنجاسة البتة، وإنما تصير الفضلة بولًا وغائطًا إذا فارقت\n_________\n(^١) المرجع السابق (٣/ ٦٤٠).","vol":"7","page":420},{"text":"محلها فحينئذ يحكم عليها بالنجاسة، وإلا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث، فالمؤمن لا ينجس كما أخبر المصطفى ﷺ، ولا يكون وعاء للنجاسة (^١).\nالراجح من الخلاف.\nالقول بطهارة المني قول قوي جدًا، والاستنجاء منه ليس بواجب، ويكفي حجة لهذا القول أن الشارع لم يأت منه أمر بغسله، ولو كان نجسًا لجاء الأمر بغسله والتوقي منه كما جاء الأمر بالاستتار من البول، وغسل دم الحيض، وغسل المذي، وغيرها من سائر النجاسات، ولا مع من قال بنجاسته إلا مجرد أن عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ، وتفركه إذا كان يابسًا، ولو كان الفاعل هو النبي ﷺ لم يكن ذلك حجة على نجاسة المني؛ لأن أفعال النبي ﷺ المجردة لا تقتضي الوجوب، فكيف بفعل عائشة ﵂، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ٦٣٩).","vol":"7","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3543>الفصل الخامس في الاستنجاء من الحدث الدائم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3544>المبحث الأول هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة حدثًا أم يعفى عنه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الوقت سبب في وجوب الصلاة، وليس حدثًا يوجب خروجه الوضوء.\n• الوضوء إذا لم يكن رافعًا للحدث لم يكن واجبًا.\n• كل خارج لا ينقض الحدث في الصلاة، لا ينقض خارج الصلاة.\n• لا فرق بين الدم الذي يخرج من المستحاضة قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء في الحدث.\n[م-٦٦٠] اختلف العلماء هل يعتبر خروج دم الاستحاضة، وكذا من به حدث دائم هل يعتبر حدثًا يوجب الوضوء، وبالتالي يكون الاستنجاء منه مشروعًا أم لا؟\nفقيل: يعتبر حدثًا، على خلاف بينهم هل يجب الوضوء منه لوقت كل صلاة كما هو مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢)، أو لكل فريضة مؤداة أو مقضية بخلاف النافلة،\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٥٠٨) حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤) البحر الرائق (١/ ٢٢٦) مراقي الفلاح (ص ٦٠) شرح فتح القدير (١/ ١٨١) تبيين الحقائق (١/ ٦٤) بدائع الصنائع (١/ ٢٨).\n(^٢) المغني (١/ ٤٢١) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٠) كشاف القناع (١/ ٢١٥) الإنصاف (١/ ٣٧٧) الفروع (١/ ٢٧٩) شرح الزركشي (١/ ٤٣٧).","vol":"7","page":422},{"text":"كما هو مذهب الشافعية (^١)، أو يجب الوضوء لكل صلاة مطلقًا فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج، وهو اختيار ابن حزم (^٢).\nوقيل: لا يعتبر خروج دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء، بل يستحب منه الوضوء ولا يجب، وبالتالي لا يستنجي منه. وهو مذهب المالكية، وهو الراجح (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3545> دليل من اعتبر الخروج الدائم للبول ونحوه حدثًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3546>الدليل الأول:</span>\n(١٥١٦ - ٢٥٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد، قال: ثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:\nجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٦٣، ٥٤٣)، مغني المحتاج (١/ ١١١)، روضة الطالبين (١/ ١٢٥، ١٤٧).\n(^٢) المحلى (مسألة: ١٦٨).\n(^٣) قال صاحب مواهب الجليل (١/ ٢٩١): «طريقة العراقيين من أصحابنا، أن ما خرج على وجه السلس لا ينقض الوضوء مطلقًا وإنما يستحب منه الوضوء ..... والمشهور من المذهب طريقة المغاربة أن السلس على أربعة أقسام:\nالأول: أن يلازم، ولا يفارق، فلايجب الوضوء، ولا يستحب؛ إذ لا فائدة فيه فلا ينتقض وضوء صاحبه بالبول المعتاد.\nالثاني: أن تكون ملازمته أكثر من مفارقته، فيستحب الوضوء إلا أن يشق ذلك عليه لبرد أو ضرورة فلا يستحب.\nالثالث: أن يتساوى إتيانه ومفارقته، ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان ....\nوالرابع: أن تكون مفارقته أكثر، فالمشهور وجوب الوضوء خلافًا للعراقيين فإنه عندهم مستحب». اهـ\nوانظر حاشية الدسوقي (١/ ١١٦) وانظر بهامش الصفحة التاج والإكليل.\nوانظر الخرشي (١/ ١٥٢)، فتح البر في ترتيب التمهيد (٣/ ٥٠٨)، الاستذكار (٣/ ٢٢٥، ٢٢٦) القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٢٩).","vol":"7","page":423},{"text":"قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (^١).\n[زيادة قال هشام: قال أبي، الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٨).\n(^٢) سبب اختلاف العلماء في دم الاستحاضة، هل هو حدث أم لا؟ اختلافهم في قول هشام: (وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) هل هذه الزيادة موقوفة أو مرفوعة؟ وهل هي متصلة أو معلقة؟ وعلى تقدير كونها مرفوعة، هل هي محفوظة أو شاذة؟\nفالحديث مداره على هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\nورواه عن هشام جمع كثير على اختلاف يسير في متنه، وبعضهم يذكر هذه الزيادة وبعضهم لا يذكرها.\nوقد جاءت الزيادة بالوضوء من طريق أبي معاوية عن هشام به.\nواختلف على أبي معاوية فيه، فروى بعضهم الحديث عن أبي معاوية دون ذكر الزيادة، وبعضم رواه عن أبي معاوية مصرحًا برفعها، وبعضهم روى الزيادة عن أبي معاوية موقوفة على عروة.\nوممن روى الزيادة أبو حمزة السكري، واختلف عليه أيضًا:\nفروي عنه مرفوعًا، وروى عنه مرسلًا.\nوروى الزيادة أيضًا حماد بن زيد، وحماد بن سلمة عن هشام، إلا أنهما ذكرا الوضوء ولم ينصا على التكرار لكل صلاة بل قال: (فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي) فكما أن الاغتسال يكفي فيه الامتثال مرة واحدة، ولا يطلب تكراره عند كل وقت صلاة، فكذلك الوضوء بحسب لفظ الحمادين، على أن حماد بن سلمة قد روى عنه عفان، وهو من أثبت أصحابه ولم يذكر عنه الوضوء.\nوممن روى الزيادة أيضًا أبو عوانة (الوضاح بن عبد الله اليشكري) وأبو حنيفة واختلف عليهما فيه كما سيأتي.\nهؤلاء هم الذين انفردوا بذكر الزيادة على الخلاف السابق، وخالفهم جمع كثير، وفيهم من هو أحفظ منهم، فقد روى الحديث عن هشام ستة عشر حافظًا ولم يذكروها، منهم مالك، ووكيع، ويحيى بن سعيد القطان، وزهير، وسفيان بن عيينة، وأبو أسامة، والليث ابن سعد، وعمرو بن الحارث، وعبدة، ومحمد بن كناسة، ومعمر، وجعفر بن عون، والداروردي، وعبدالله بن نمير، وسعيد بن عبد الرحمن. هذا بعض من وقفت عليه ممن رواه عن هشام ولم يذكر الزيادة، فلو كان من ذكر هذه الزيادة لم يضطرب فيها لكانت شاذة؛ لأن الحكم عند أهل الحديث للأحفظ، وللأكثر عددًا على من دونهم، كما فصلت ذلك في بحث زيادة الثقة. =","vol":"7","page":424},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد حكم بضعف هذه الزيادة الإمام مسلم، والنسائي، والبيهقي، وأبو داود كما سيأتي، وضعفه ابن رجب في شرحه لصحيح البخاري قال (٢/ ٧٢): «والصواب أن لفظة الوضوء مدرجة في الحديث من قول عروة: فقد روى مالك، عن هشام، عن أبيه أنه قال: ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلًا واحدًا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة». اهـ كلام ابن رجب.\nفهنا فصل مالك الحديث المرفوع من الموقوف في روايته عن هشام، فحين روى المرفوع لم يورد قال هشام: قال أبي ثم توضئي لكل صلاة، وحين روى الموقوف لم يذكر المرفوع، والله أعلم. هذا الكلام المجمل حول الحديث، وأما تفصيله فإليك بيانه:\nفالحديث كما ذكرت سابقًا مداره على هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وله طرق كثيرة إلى هشام.\nالأول: أبو معاوية عن هشام، واختلف على أبي معاوية.\nفرواه يحيى بن يحيى كما في صحيح مسلم (٣٣٣).\nوإسحاق بن إبراهيم كما في سنن النسائي (٣٥٩).\nويعقوب بن إبراهيم كما في سنن الدارقطني (١/ ٢٠٦) ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن هشام به، بدون ذكر الوضوء لكل صلاة.\nورواه هناد كما في سنن الترمذي (١٢٥) عن أبي معاوية به، بذكر الوضوء، وروايته صريحة بالرفع.\nورواه البخاري (٢٢٨) عن محمد بن سلام، عن أبي معاوية بذكر الزيادة وقد سقت لفظه في الباب موقوفة على عروة بسند ظاهره التعليق؛ لأنه قال بعد ذكر الحديث، وقال هشام قال أبي، ويحتمل أنه موصول بالإسناد نفسه.\nوكذلك رواه إسماعيل بن قتيبة، عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية عند البيهقي (١/ ٣٤٤)، قال هشام: قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة.\nوإسماعيل بن قتيبة ثقة له ترجمة في السير (١٣/ ٣٤٤).\nواختلف العلماء في هذه الزيادة، هل هي معلقة أم لا؟ وهل هي موقوفة أو مرفوعة؟\nقال البيهقي في السنن (١/ ٣٢٧): «وفيه زيادة الوضوء لكل صلاة، وليست بمحفوظة».\nوقال أيضًا (١/ ٣٤٤): «والصحيح أن هذه الكلمة من قول عروة بن الزبير».\nوقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٠١): «وهذه اللفظة -أعني: توضئي لكل صلاة- هي معلقة عند البخاري، عن عروة في صحيحه .... وقد جعل ابن القطان في كتابه مثل هذا تعليقًا». اهـ\nقلت: ذكر مسلم أنه ترك تخريجها في كتابه من طريق حماد، عن هشام، وكذلك أشار النسائي إلى أنها غير محفوظة، وسوف يأتي نقل كلامهما عند الحديث على زيادة حماد. =","vol":"7","page":425},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال بعضهم: إنها مرفوعة.\nقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٤١) ح ٢٢٨ «وادعى بعضهم أن هذا معلق، وليس بصواب، بل هو بالإسناد المذكور، عن محمد، عن أبي معاوية، عن هشام، وقد بين ذلك الترمذي، وادعى آخر أن قوله: (ثم توضئي) من كلام عروة موقوفًا عليه، وفيه نظر؛ لأنه لو كان من كلام عروة لقال: (ثم تتوضأ) بصيغة الإخبار، فلما أتى بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع وهو قوله: (فاغسلي). اهـ.\nقلت: ظاهر نقل البخاري أنها موقوفة عليه، خاصة أن هشامًا لايروي الحديث إلا عن أبيه، ولا يشاركه شيخ آخر، فلماذا إذًا قال، قال هشام: قال أبي، ولو أن هشامًا يروي الحديث عن أكثر من شيخ لأمكن أن يقال: إن هشامًا أراد أن يفصل زيادة أبيه عن لفظ مشايخه الآخرين، فلما لم يكن له شيخ إلا أبوه، علمنا أن هشامًا أضاف إلى أبيه هذا الكلام، ولم يقصد رفعها، وكون هذه الكلمة جاءت صريحة في رواية الترمذي فهذا من الاختلاف على أبي معاوية، ويرجح كونها موقوفة أيضًا أن الإمام مالكًا ﵀ روى الحديث عن هشام فذكر المرفوع، ولم يذكر الزيادة، وروى الزيادة عن هشام موقوفًا على عروة دون ذكر المرفوع، ففصل المرفوع عن الموقوف كما روى الحديث ابن أبي شيبة (١/ ١١٩) عن أبي معاوية عن هشام عن عروة قال: (المستحاضة تغتسل وتتوضأ لكل صلاة) موقوفًا عليه.\nكما رواه ابن أبي شيبة (١/ ١١٩) عن حفص عن هشام به قرنه بأبي معاوية موقوفًا على عروة\nفصار الحديث عن أبي معاوية، تارة يروى بدون زيادة الوضوء.\nوتارة تروى عنه صريحة بالرفع.\nوتارة تروى عنه موقوفة على عروة.\nوهل السند معلق أو موصول ظاهره التعليق؟ وإن كنت أميل إلى أنه موصول بالإسناد نفسه، إلا أن الأمر بالوضوء لكل صلاة موقوف على عروة.\nوأبو معاوية قد قال فيه أحمد: في غير حديث الأعمش مضطرب لا يحفظها جيدًا.\nوقال أبو داود: قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ.\nوفي التقريب: ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره.\nوقد جاءت الزيادة في غير طريق أبي معاوية كما في الطريق الآتي:\nالطريق الثاني:\nأبو حمزة، محمد بن ميمون السكري، عن هشام به.\nفقد تابع أبو حمزة أبا معاوية بذكر الزيادة بالأمر بالوضوء لكل صلاة، لكن قد اختلف عليه فيه.\nفرواه ابن حبان (١٣٥٤) من طريق علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا أبو حمزة عن هشام بن =","vol":"7","page":426},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عروة به، وفيه: (فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيها، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة).\nلكن رواه البيهقي (١/ ٥٤٤) من طريق عبدالله بن عثمان، ثنا أبو حمزة، قال: سمعت هشامًا يحدث عن أبيه، أن فاطمة بنت أبي حبيش، قالت: يا رسول الله: إني أستحاض فلا أطهر ... الحديث، وقال فيه: (فاغتسلي عند طهرك وتوضئي لكل صلاة). فصار الحديث يروى عن\nأبي حمزة تارة مرسلًا، وتارة موصولًا.\nوجاءت الزيادة من طريق الحمادين كما في الطريق التالي.\nالطريق الثالث والرابع:\nحماد بن سلمة، وحماد بن زيد عن هشام به.\nفقد جاء ذكر الزيادة أيضًا من طريق حماد بن سلمة عن هشام، إلا أنه لم يأمرها بالوضوء لكل صلاة، بل أمرها بالوضوء عقب غسل الدم، فكما ذكرت سابقًا: أن غسل الدم يكفي في الامتثال مرة واحدة عند إدبار الحيضة، ولا يطلب تكراره عند كل وقت صلاة، فكذلك الوضوء بحسب لفظ حماد بن سلمة.\nفقد أخرج الحديث الدارمي (٧٧٩): أخبرنا حجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأترك الصلاة؟ قال: لا؛ إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي.\nقال هشام: فكان أبي يقوله: تغتسل غسل الأول، ثم ما يكون بعد ذلك فإنها تطهر وتصلي.\nقلت: في هذا الحديث دليل ظاهر على أن هشامًا يُتْبِع الحديث المرفوع بكلام لأبيه موقوفًا عليه، فلا يبعد أن يكون بعض الرواة أدرج الموقوف في المرفوع، كما ذكر ابن رجب ونقلت كلامه سابقًا.\nوقد اختلف على حماد بن سلمة:\nفرواه حجاج بن منهال، عن حماد، عن هشام به، كما سبق بذكر الزيادة.\nورواه ابن عبدالبر في التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٥١٢) من طريق عفان، عن حماد بن سلمة به، وليس فيه (وتوضئي) وعفان من أثبت أصحاب حماد بن سلمة، فهو مقدم على غيره.\nولم ينفرد حماد بن سلمة بلفظ: (وتوضئي) دون قوله: (عند كل صلاة) بل تابعه على هذا حماد بن زيد، فقد أخرجه النسائي (٣٦٤) أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، عن هشام به، وفيه (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وتوضئي وصلي؛ فإنما ذلك عرق، وليست بالحيضة. قيل له: فالغسل؟ قال: وذلك لايشك فيه). =","vol":"7","page":427},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أبو عبدالرحمن (النسائي): وقد روى هذا الحديث غير واحد عن هشام بن عروة ولم يذكر فيه (وتوضئي) غير حماد، والله تعالى أعلم.\nوأخرجه مسلم (٢٣٣): حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة به ثم قال مسلم: وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذكره. اهـ.\nيشير إلى زيادة الأمر بالوضوء، ولعله تركها للخلاف فيها. قال البيهقي في السنن (١/ ٣٤٤): «وكأنه - يعني مسلمًا - ضعفه لمخالفته سائر الرواة عن هشام». اهـ.\nفهذا حماد بن سلمة، وحماد بن زيد روياه بلفظ: (فاغسلي عنك الدم، وتوضئي وصلي)، ولم يقل: (عند كل صلاة). وهذا وجه من المخالفة.\nالطريق الخامس:\nأبو عوانة عن هشام به.\nأخرجه ابن حبان (١٣٥٥) بلفظ: (سئل رسول الله ﷺ عن المستحاضة فقال: تدع الصلاة أيامها، ثم تغتسل غسلًا واحدًا، ثم تتوضأ عند كل صلاة)، فيظهر أنه روى الحديث بالمعنى فاختصره.\nالطريق السادس:\nعن أبي حنيفة عن هشام به.\nرواه أبو نعيم الفضل بن دكين، عن أبي حنيفة، واختلف على أبي نعيم به.\nفرواه الطحاوي (١/ ١٠٢) عن فهد بن سليمان، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبوحنيفة ﵀، عن هشام به، بذكر الوضوء لكل صلاة.\nوأخرجه ابن عبدالبر في التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٥١٠، ٥١١) من طريق محمد بن الحسين بن سماعه، قال: حدثنا أبو نعيم به، ولم يذكر زيادة الوضوء لكل صلاة.\nالطريق السابع: يحيى بن سليم، عن هشام.\nأخرجها السراج كما في فتح الباري (٣٠٦)، والدارقطني معلقًا في العلل (٥ - ورقة ٣٢).\nالطريق السابع: الحجاج بن أرطاة، عن هشام. أخرجها الطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٦١) ح ٣٦١، ٨٩٧.\nالطريق الثامن: محمد بن عجلان عن هاشم به. كما في سنن البيهقي (١/ ٣٤٤). وعلقه الدارقطني في العلل (٥ ـورقة ٣٢).\nهذا ما وقفت عليه ممن ذكر الزيادة، ولا يخلو أحد من الرواة ممن ذكر هذه الزيادة إلا وقد خالف واختلف عليه فيها، فأبو معاوية تارة يذكرها، وتارة لايذكرها، وتارة مرفوعة، وتارة موقوفة.\nوأبو حمزة السكري، تارة يروي الحديث مرسلًا، وتارة موصولًا.\nوأما الحمادان فقد خالفا غيرهما بذكر الأمر بالوضوء، ولم يذكرا بأنه عند كل صلاة، على أن =","vol":"7","page":428},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حماد بن سلمة قد روى عنه عفان وهو من أثبت أصحابه ولم يذكر عنه هذه الزيادة، وكذا أبوحنيفة تارة يذكرها، وتارة لايذكرها، والذي لم يختلف عليه هو أبو عوانة فقد ذكرها، وقد روى الحديث بالمعنى، وهو ثقة إلا أن مخالفته لاتحتمل، فقد روى الحديث عن هشام أئمة ثقات أعلى قدرًا، وأكثر عددًا فلم يذكروا هذه الزيادة وإليك بيانهم:\nالأول: إمام دار الهجرة مالك بن أنس.\nأخرجه في الموطأ (١/ ٦١)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٣٠٦)، والنسائي (٣٦٦)،\nوأبو عوانة (١/ ٣١٩)، والدارقطني (١/ ٢٠٦)، وابن حبان (١٣٥٠)، والبيهقي (١/ ٣٢٩، ٣٢١)، والبغوي (٣٢٤).\nالثاني: وكيع.\nأخرجه أحمد (٦/ ١٩٤)، ومسلم (٣٣٢)، والترمذي (١٢٥)، والنسائي (٣٥٩)، وابن ماجه (٦٢١).\nالثالث: زهير.\nأخرجه البخاري (٣٣١)، وأبو داود (٢٨٢).\nالرابع: يحيى بن سعيد القطان.\nعند أحمد (٦/ ١٩٤)، والدارقطني (١/ ٢٠٦).\nالخامس: جعفر بن عون، عند الدارمي (٧٧٤)، وأبي عوانة في مسنده (١/ ٣١٩)، وابن الجارود في المنتقى (١١٢).\nالسادس: معمر عند عبدالرزاق في المصنف (١١٦٥).\nالسابع: عبدالعزيز بن محمد عند مسلم (٣٣٣).\nالثامن والتاسع: جرير، وابن نمير عند مسلم (٣٣٣).\nالعاشر: عبدة عند الترمذي (١٢٥)، والنسائي (٣٥٩).\nالحادي عشر: سفيان بن عيينة.\nعند البخاري (٣٢٠)، والحميدي (١٩٣)، والبيهقي (١/ ٣٢٧).\nالثاني عشر: أبو أسامة عند البخاري (٣٢٥)، والبيهقي (١/ ٣٢٤).\nالثالث عشر: محمد بن كناسة كما عند البيهقي (١/ ٣٢٤).\nالرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر: سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، والليث ابن سعد، وعمرو بن الحارث كما عند أبي عوانة (١/ ٣١٩)، والطحاوي (١/ ١٠٢، ١٠٣)، فهؤلاء ستة عشر حافظًا رووا الحديث عن هشام ولم يذكروا زيادة الوضوء لكل صلاة، وهو المحفوظ فيما أرى. والله أعلم.\nوأما تحرير بعض ألفاظ الحديث والاختلاف بينهم: =","vol":"7","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3547>الدليل الثاني:</span>\n(١٥١٧ - ٢٥٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة،\nجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، ثم صلي وإن قطر الدم على الحصير (^١).\n[الحديث ضعيف، وفيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وعروة مختلف فيه، قيل: عروة المزني، وهو مجهول، وقيل: عروة بن الزبير] (^٢).\n_________\n= فبعضهم يقول: (وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي).\nوبعضهم يقول: (وإذا أدبرت).\nوبعضهم يقول: (فاغتسلي وصلي)، فقد خرجت هذه الألفاظ في كتابي الحيض والنفاس، وبينت الراجح منها، ولا تعلق له في هذا البحث، فارجع إليه إن شئت.\n(^١) المسند (٦/ ٢٠٤).\n(^٢) الحديث ذكر له ثلاث علل:\nالأول: عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلس مكثر، ذكره في المدلسين الذهبي، والعلائي، والمقدسي، والحلبي، وابن حجر.\nوفي التقريب: ثقة فقيه جليل، كان كثير الإرسال والتدليس.\nالعلة الثانية: اختلافهم في عروة، من هو؟ هل هو عروة المزني فيكون مجهولًا أو هو ابن الزبير فيكون منقطعًا؛ لأن حبيبًا لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا.\nقال أحمد، ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم الرازي والثوري: لم يسمع حبيب بن أبي ثابت من عروة شيئًا. المراسيل لابن أبي حاتم (ص ٢٨)، سنن الترمذي، الجرح والتعديل (٣/ ١٠٧)، والمراسيل (ص ٢٨)، سنن البيهقي (١/ ١٢٦).\nوقال يحيى بن معين كما في تهذيب الكمال (٥/ ٣٦٢) قال أحمد بن سعيد بن أبي مريم قيل ليحيى: حبيب ثبت؟ قال: نعم، إنما روى حديثين. قال: أظن يحيى يريد منكرين: حديث تصلي المستحاضة وإن قطر الدم على الحصير، وحديث القبلة للصائم.\nوروى الدارقطني (١/ ١٣٩): عن علي بن المديني، قال: سمعت يحيى -يعني: ابن القطان- وذكر عنده حديث الأعمش، عن حبيب عن عروة، عن عائشة: تصلي وإن قطر الدم على =","vol":"7","page":430},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحصير، وفي القبلة. قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء.\nونقله أبو داود (١٨٠)، والنسائي في السنن (١/ ١٠٤، ١٠٥) عن ابن القطان.\nوهناك من أثبت سماع حبيب من عروة بن الزبير.\nقال أبو داود في السنن (١٨٠): «قد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثًا صحيحًا». اهـ\nيقصد حديثًا ثابتًا ذلك أن حديث حمزة الزيات، ليس من قبيل الصحيح، فإنه في التقريب: صدوق زاهد ربما وهم. اهـ وقد تكلم فيه بعضهم.\nوقال ابن عبدالبر في الاستذكار (٣/ ٥٢): وحبيب بن أبي ثابت لاينكر لقاؤه عروة، لروايته عمن هو أكبر من عروة، وأجل وأقدم موتًا، وهو إمام من أئمة العلماء الأجلة.\nقلت: قد جزم الأئمة بعدم سماع حبيب بن أبي ثابت من عروة: كسفيان، وأحمد، وابن القطان، والبخاري، ويحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي وغيرهم، وليس عند ابن عبد البر إلا مجرد إمكان اللقي، وكم من راو عاصر رواة ولم يسمع منهم، فلا يكفي هذا الاحتمال لرد ما جزم به الأئمة، وأبو داود حكى عن حمزة الزيات عن حبيب عن عروة حديثًا صحيحًا، ولم يذكر الحديث حتى ينظر فيه، فإن صح فإن الانقطاع يكون للعنعنة حيث لم يصرح في التحديث في جميع طرقه وهو مدلس مكثر.\nوممن صرح في أن عروة هو ابن الزبير، ابن ماجه في سننه (٦٢٤)، والدراقطني (١/ ٢١٢).\nوقد رواه أحمد (٦/ ٢٠٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١١٨) ولم ينسبا عروة.\nكما رواه جمع كثير كما سيأتي في تخريج الحديث ولم ينسبوا عروة.\nقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٠٠): «واعلم أن أبا داود لم ينسب عروة في هذا الحديث، كما نسبه ابن ماجه، وأصحاب الأطراف لم يذكروه في ترجمة عروة بن الزبير، وإنما ذكروه في ترجمة عروة المزني، معتمدين في ذلك على قول ابن المديني: إن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة ابن الزبير، ورواه أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة، والبزار في مسانيدهم، ولم ينسبوا عروة. ولكن ابن راهويه، والبزار أخرجاه في ترجمة عروة بن الزبير، عن عائشة». اهـ\nالعلة الثالثة: الاختلاف في وقفه ورفعه.\nقال الدارقطني في السنن (١/ ٢١١) بعد أن ساق رواية علي بن هاشم، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة عن عائشة مرفوعًا.\nقال الدارقطني: تابعه وكيع، والحربي، وقرة بن عيسى، ومحمد بن ربيعة، وسعيد بن محمد الوراق، وابن نمير عن الأعمش فرفعوه.\nووقفه حفص بن غياث، وأبو أسامة، وأسباط بن محمد، وهم أثبات. =","vol":"7","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تخريج الحديث:\nبعد استعراض علل الحديث نأتي إلى تخريجه، فالحديث مداره على الأعمش، عن حبيب\nابن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش وذكرت القصة مرفوعة إلى النبي ﷺ.\nوله طرق كثيرة إلى الأعمش.\nفقد رواه أحمد كما قدمت في الباب (٦/ ٢٠٤)، وإسحاق بن راهويه كما في مسنده (٥٦٤)\nوابن أبي شيبة كما في المصنف (١٣٤٥)، وأبو داود كما في السنن (٢٩٨) عن وكيع، عن الأعمش به، ولم ينسب عروة، ولم يذكر أبو داود (وإن قطر الدم على الحصير).\nورواه الدارقطني (١/ ٢١٢) من طريق محمد بن إسماعيل الحساني، ومن طريق يوسف بن موسى، فرقهما، عن وكيع به، ولم ينسبا عروة.\nوأخرجه ابن ماجه (٦٢٤): حدثنا علي بن محمد، وأبو بكر بن أبي شيبة،\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٢١٢) من طريق محمد بن سعيد العطار، ثلاثتهم (علي بن محمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، والعطار) رووه عن وكيع به، ونسبوا عروة إلى بن الزبير. هذا بالنسبة للاختلاف على وكيع، وأعتقد أن رواية ابن ماجه والتي نسب فيها عروة إلى ابن الزبير أنها لفظ علي بن محمد، وأن ابن أبي شيبة لم ينسب عروة؛ لأنه رواه في المصنف غير منسوب، ولكن حين قرن ابن ماجه رواية ابن أبي شيبة بعلي بن محمد، ولم يبين اللفظ لمن احتمل أن يكون اللفظ لهما، وكان الرجوع للمصنف هو الحكم في ذلك، والله أعلم. هذا بالنسبة للاختلاف على وكيع.\nورواه أبو يعلى (٤٧٩٩)، والدارقطني (١/ ٢١٢) من طريق عبد الله بن داود.\nورواه أبو يعلى (٤٧٩٩) من طريق عتام بن علي، وعبيد الله بن موسى.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٤٢) والدارقطني (١/ ٢١١) عن علي بن هاشم،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٦٠٢)، وفي مشكل الآثار (٢٧٣١) من طريق يحيى بن عيسى.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٢١١، ٢١٢، ٢١٣، ٢١٤) من طريق قره بن عيسى، وسعيد بن محمد الوراق الثقفي، ومحمد بن ربيعة، وعبدالله بن نمير فرقهم، ثمانيتهم رووه عن الأعمش، عن عروة غير منسوب به.\nواختلف على الأعمش:\nفرواه وكيع، وعبدالله بن داود، وعلي بن هاشم، ويحيى بن عيسى، وقرة بن عيسى، وسعيد بن محمد الوراق، ومحمد بن ربيعة، وابن نمير كلهم رووه عن الأعمش به مرفوعًا كما سبق.\nورواه الدارقطني (١/ ٢١٣) من طريق حفص بن غياث، وأبو أسامة فرقهما، عن الأعمش به موقوفًا على عائشة.\nقال الدارقطني بعده: وتابعهما أسباط بن محمد.","vol":"7","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3548>الدليل الثالث:</span>\n(١٥١٨ - ٢٦٠) ما رواه الدرامي، قال: أخبرنا محمد بن عيسى، ثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال:\nالمستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها في كل شهر، فإذا كان عند انقضائها اغتسلت وصلت، وصامت، وتوضأت عند كل صلاة (^١).\n[ضعيف جدًا] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارمي (٧٩٣).\n(^٢) فيه شريك بن عبد الله النخعي، سيء الحفظ. انظر الجرح والتعديل (٤/ ٣٦٥)، تاريخ بغداد (٩/ ٢٧٩)، تهذيب التهذيب (٤/ ٢٩٣)، الكامل (٤/ ٦).\nوقال أبو زرعة: كان كثير الحديث، صاحب وهم، يغلط أحيانًا، فقيل له: إن شريكًا حدث بواسط بأحاديث بواطيل، فقال أبو زرعة: لا تقل بواطيل. المرجع السابق.\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٢/ ١٩٣).\nوقال ابن حبان: كان في آخر عمره يخطئ فيما يروي، تغير حفظه، فسماع المتقدمين عنه الذين سمعوا منه بواسط ليس فيه تخليط، مثل يزيد بن هارون، وإسحاق الأزرق، وسماع المتأخرين عنه بالكوفة، فيه أوهام كثيرة. الثقات (٦/ ٤٤٤).\nوفي التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. اهـ\nوحدد ابن حبان تاريخ توليه القضاء عام خمسين ومائة.\nوفي الإسناد: أبو اليقظان: اسمه عثمان بن عمير.\nقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. الجرح والتعديل (٦/ ١٦١)، الضعفاء الكبير (٣/ ٢١١).\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، كان شعبة لا يرضاه. وذكر أنه حضره، فروى عن شيخ. فقال له شعبة: كم سنك؟ فقال كذا. فقال شعبة: فإذًا قد مات الشيخ وهو ابن سنتين. الجرح والتعديل (٦/ ١٦١).\nوضعه أحمد، وقال عنه البخاري: منكر الحديث. تهذيب الهذيب (٧/ ١٣٢).\nوقال في الكبير: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. التاريخ الكبير (٦/ ٢٤٥).\nوقال الدارقطني: متروك، كما في سؤالات البرقاني (٣٥٦).\nوقال أيضًا: زائغ لم يحتج به. كما في سؤالات الحاكم (٤٠٧).\nوقال ابن حبان: كان ممن اختلط، حتى لا يدري ما يحدث، لا يجوز الاحتجاج بخبره الذي =","vol":"7","page":433},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وافق الثقات، ولا الذي انفرد به عن الأثبات، لا ختلاط البعض بالبعض. المجروحين (٢/ ٩٥).\nوفي الإسناد أيضًا: جد عدي بن ثابت الأنصاري.\nقال الترمذي: سألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث، فقلت: عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، جدُّ عدي، ما اسمه؟، فلم يعرف محمد اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين: أن اسمه دينار، فلم يعبأ به. سنن الترمذي (١٢٦).\nوقال الحربي في العلل: ليس لجد عدي بن ثابت صحبة.\nوقال أبو علي الطوسي: جد عدي مجهول، لا يعرف، ويقال: اسمه دينار، ولا يصح. تهذيب التهذيب (٢/ ١٧).\nوقال البرقي: لم نجد من يعرف جده معرفة صحيحة. تهذيب التهذيب (٢/ ١٧).\nوساق الحافظ ابن حجر الاختلاف في اسمه على خمسة أقوال، ثم قال: ولم يترجح في اسم جده إلى الآن شيئ من هذه الأقوال، وأقربها للصواب أن جده، هو جد أمه: عبد الله بن يزيد الخطمي. والله أعلم. تهذيب التهذيب (٢/ ١٧).\nكما أن والده ثابتًا الأنصاري، قال فيه أبو حاتم: مجهول الحال. الجرح والتعديل (٢/ ٤٦٠).\nوقال الذهبي: والد عدي بن ثابت مجهول الحال؛ لأنه ما روى عنه إلا ولده. الميزان (١/ ٣٦٩). وفي التقريب: مجهول الحال.\nتخريج الحديث:\nالحديث مداره على شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣٧٣)، وفي مسنده (٧٩٨)، وعنه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١٧٦).\nوأبو داود (٢٩٧) من طريق عثمان بن أبي شيبة.\nوأخرجه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٩٩).\nوالدارمي (٧٩٣) أخبرنا محمد بن عيسى.\nوأخرجه الترمذي (١٢٦) حدثنا قتيبة.\nوأخرجه أيضًا (١٢٧) حدثنا علي ابن حجر.\nوأخرجه ابن ماجه (٦٢٥) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسماعيل بن موسى.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٨٦) ح ٩٦٢ من طريق أبي نعيم (الفضل بن دكين) وأبي الوليد الطيالسي، وزكريا ين يحيى زحمويه.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ١٠٢) والبيهقي (١/ ١١٦، ٣٤٧) من طريق يحيى بن يحيى.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ١٠٢) من طريق محمد بن سعيد الأصبهاني، كلهم عن شريك، عن أبي اليقظان به.\nورواه الطحاوي بالإسناد نفسه، إلا أنه جعله من مسند علي. وأظن الاختلاط فيه من شريك، فإنه قد تغير، وقد وقع لي تخريجه في المجلد الثامن، ح: ١٥٩٨.","vol":"7","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3549>الدليل الرابع:</span>\n(١٥١٩ - ١٦١) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق بشر بن الوليد الكندي، ثنا أبو يوسف القاضي، عن عبد الله بن علي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل،\nعن جابر: عن رسول الله ﷺ أنه أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي أيوب الأفريقي، وهو عبدالله بن علي، إلا أبو يوسف (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (١٦٢٠).\n(^٢) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٤٧) من طريق بشر بن الوليد به.\nقال البيهقي في معرفة السنن (٢/ ١٦٦): «أبو يوسف ثقة إذا كان يروي عن ثقة إلا أن الإفريقي لم يحتج به صاحبا الصحيح، وابن عقيل مختلف في جواز الاحتجاج به».\nوضعفه ابن حجر في التلخيص طـ العلمية (١/ ٤٣٥).\nقلت: في إسناده: بشر بن الوليد الكندي: صاحب أبي يوسف. ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه، فلم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٢/ ٣٦٩).\nووثقه الدارقطني ومسلمة، وكان أحمد يثني عليه. تاريخ بغداد (٧/ ٨٠)، لسان الميزان (٢/ ٣٥). وذكره ابن حبان في الثقات. (٨/ ١٤٣).\nوقال ابن سعد: تكلم بالوقف، فأمسك أصحاب الحديث، وتركوه. الطبقات الكبرى (٧/ ٣٥٥).\nوقال الآجري: سألت أبا داود: بشر بن الوليد ثقة؟ قال: لا. تاريخ بغداد (٧/ ٨٠) لسان الميزان (٢/ ٣٥).\nوقال صالح جزرة: هو صدوق، لكنه لا يعقل، قد كان خرف. المرجعين السابقين.\nوقال البرقاني: ليس هو من شرط الصحيح. المرجع السابق.\nأبو يوسف القاضي: هو يعقوب بن إبراهيم، صاحب أبي يوسف، صدوق.\nقال ابن كامل: لم يختلف يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني في ثقته في النقل.\nوقال ابن معين في رواية الدوري: أبو يوسف أنبل من أن يكذب. الجرح والتعديل (٩/ ٢٠١).\nوقال أيضًا: ثقة إلا أنه ربما غلط، كما في رواية محمد بن سعد العوفي. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٢).\nوقال البيهقي في السنن (١/ ٣٤٧): «أبو يوسف ثقة. إذا كان يروي عن ثقة. =","vol":"7","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3550>الدليل الخامس:</span>\n(١٥٢٠ - ٢٦٢) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا مورع بن عبدالله، ثنا الحسن بن عيسى، ثنا حفص بن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن الحكم بن عتيبة عن جعفر، عن سودة بنت زمعة قالت: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n= وقال عمرو بن علي: أبو يوسف صدوق كثير الغلط. تذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٢)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٩٢).\nوكان ابن المبارك سيء الرأي فيه جدًا، وقد تركت نقل كلامه عمدًا. انظر الكامل (٧/ ١٤٤)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٢).\nوقال الإمام البخاري: تركوه. التاريخ الكبير (٨/ ٣٩٧).\nوقال أحمد: صدوق، ولكنه من أصحاب أبي حنيفة لا ينبغي أن يروى عنه شيء. الجرح والتعديل (٩/ ٢٠١).\nوقال ابن حبان: كان شيخًا متقنًا، لم يكن يسلك مسلك صاحبيه إلا في الفروع، وكان يباينهما في الإيمان والقرآن ..... لسنا من يوهم الرعاع ما لا يستحله، ولا ممن يحيف بالقدح في إنسان وإن كان لنا مخالفًا، بل نعطي كل شيخ حقه مما كان فيه، ونقول في كل إنسان ما يستحقه من العدالة والجرح. أدخلنا زفرًا وأبا يوسف في الثقات لما تبين لنا من عدالتهما في الأخبار. إلخ كلامه رحمه الله تعالى. الثقات (٧/ ٦٤٥).\nوالذي ترجح لي في أبي يوسف ما قاله الإمام أحمد وأنه صدوق، ولكن كون الإمام أحمد ترك الرواية عنه لكونه صاحب أبي حنيفة هذا لا يقدح في صدقه، والعدالة في الرواية مبنية على الصدق. والله أعلم.\nعبدالله بن علي، أبو أيوب الإفريقي.\nقال أبو زرعة: ليس بالمتين، في حديثه إنكار. وذكره ابن حبان في الثقات.\nعبدالله بن محمد بن عقيل.\nسبق تحرير الكلام فيه، وأكثر الأئمة على ضعفه.\nوفي التقريب: صدوق، وفي حديثه لين، ويقال: تغير بآخره.\nفالإسناد صالح في الشواهد.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٨١) فيه عبدالله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به.","vol":"7","page":436},{"text":"المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها، ثم تغتسل غسلًا واحدًا ثم تتوضأ لكل صلاة (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\nفتبين أن الأمر بالوضوء لكل صلاة من حديث عائشة، المحفوظ أنه موقوف على عروة، ورفعه شاذ، والشاذ غير صالح للاعتبار.\nومن حديث غيرها ضعيف، ومن يحسن بالشواهد مطلقًا، فإن الحديث عنده قد يرقى إلى الحسن.\nفحمل الحنفية والحنابلة على أن المراد: توضئي لكل صلاة: أي لوقت كل صلاة.\nوحمل الشافعية على أن المراد: توضئي لكل صلاة فريضة، بخلاف النافلة، فاعتبروه خروجه حدثًا في صلاة الفرض، ولم يعتبروه حدثًا في صلاة النفل.\nوحمله ابن حزم على ظاهره، فقال بوجوب الوضوء لكل صلاة، وقد ذكرنا دليل كل قول في كتابي الحيض والنفاس، فليراجعه من شاء؛ لأن البحث هنا هو في اعتبار الخارج حدثًا، وليس في ما يترتب على ذلك من حيث الصلاة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3551> دليل المالكية على أن الخارج الدائم لا يجب منه الوضوء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3552>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن من كان به حدث دائم لو تطهر فلن يرتفع حدثه، وإذا كان كذلك، كانت طهارته مستحبة لا واجبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3553>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان دم الاستحاضة لايبطل الطهارة بعد الوضوء، وقبل الصلاة، لم يكن\n_________\n(^١) الأوسط (١٩٨٤).\n(^٢) تفرد به الطبراني، وهو محل للغرائب والمنكرات، وشيخ الطبراني لم أقف عليه، وجعفر لم ينسب حتى يتبين لي من هو؟ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٨١)، وفيه جعفر عن سودة لم أعرفه. وسماه في نصب الراية (١/ ٢٠٢) أبو جعفر.","vol":"7","page":437},{"text":"حدثًا يوجب الوضوء عند تجدد الصلاة أو خروج الوقت، ولذا حملنا الأمر على الاستحباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3554>الدليل الثالث:</span>\nدم العرق لاينقض الوضوء، فلو خرج دم من عرق اليد، أو الرجل لم ينتقض وضوؤه على الصحيح، فكذلك دم الاستحاضة، فإنه دم عرق كما في أحاديث الصحيحين، ولا يقال: إن خروجه من الفرج جعل حكمه يختلف؛ لأن المني يخرج من الفرج، ومع ذلك هو طاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3555>الدليل الرابع:</span>\nمن النظر، قال ابن المنذر في الأوسط: «والنظر دال على ما قال ربيعة -يعني: في عدم وجوب الوضوء- إلا أنه قول لا أعلم أحدًا سبقه إليه. وإنما قلت: النظر يدل عليه؛ لأنه لا فرق بين الدم الذي يخرج من المستحاضة قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء؛ لأن دم الاستحاضة إن كان يوجب الوضوء فقليل ذلك وكثيره في أي وقت كان يوجب الوضوء، فإذا كان هكذا، وابتدأت المستحاضة في الوضوء، فخرج منها دم بعد غسلها بعض أعضاء الوضوء، وجب أن ينتقض ما غسلت من أعضاء الوضوء؛ لأن الدم الذي يوجب الطهارة في قول من أوجب على المستحاضة الطهارة قائم.\nوإن كان ما يخرج منها بين أضعاف الوضوء، وما خرج منها قبل أن تدخل الصلاة، وما حدث في الصلاة منه لاينقض طهارة، وجب كذلك أن ما خرج منها بعد فراغها من الصلاة لا تنقض طهارة إلا بحدث غير دم الاستحاضة هذا الذي يدل عليه النظر». اهـ (^١).\nفالراجح ما ذهب إليه مالك ﵀، ولا ينهض عندي تحسين الأحاديث\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ١٦٤).","vol":"7","page":438},{"text":"الضعيفة بالشواهد؛ لأن اللفظ في حديث عائشة بالأمر بالوضوء لكل صلاة شاذ، والشاذ لا يصلح للشواهد، وما عداه لا يكفي للتحسين بمثل هذه المسألة التي يحتاج إليها، وقد وقعت في عهد النبي ﷺ، وتكرر وقوعه مرات، فلو كان الأمر بها محفوظًا لجاءت الأحاديث الصحيحة التي تبين وجوب الوضوء بصورة تقوم بمثلها الحجة. والله أعلم.\nولو قلنا: بموجب حديث: توضئي لكل صلاة، لكان الوضوء واجبًا لكل صلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج، وهذا رأي ابن حزم، للأمر بالوضوء لكل صلاة.\nوأما حمل الأمر بالوضوء لكل صلاة: أي لوقت كل صلاة، كما هو مذهب الحنفية فيحتاج الأمر إلى دليل على أن المراد الوقت، وليس خروج الوقت حدثًا، ويكفي أن حملهم خلاف ظاهر اللفظ بلا مسوغ.\nوالجواب عما قاله الحنفية ﵏: أن إطلاق الصلاة قد يطلق ويراد بذلك الوقت إذا صح إنما يصح لقرينة تمنع من إرادة الصلاة نفسها، وإلا فالأصل في الكلام عدم الحذف وعدم التقدير، ولا قرينة هنا تمنع من إرادة الصلاة، أي فعلها، فوجب حمل اللفظ على ظاهره، لو قلنا بصحة الحديث.\nوأما حمل الشافعية الصلاة بأن المراد بها الفريضة دون النافلة، فهذا من أضعف الأقوال.\n* * *","vol":"7","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3556>المبحث الثاني الكلام في غسل فرج من به حدث دائم عند الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأمر المطلق هل يقتضي التكرار؟\n[م-٦٦١] لم يذكر ذلك الحنفية، ولعل ذلك لأن الاستنجاء ليس بواجب عندهم (^١) وغسله إنما هو من قبيل الاستنجاء (^٢).\nوأوجب غسل الفرج الشافعية، والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) قال في الاختيار (١/ ٣٦): «والاستنجاء سنة من كل ما يخرج من السبيلين إلا الريح».اهـ\nولا شك أن دم الاستحاضة خارج من أحد السبيلين، فالاستنجاء منه ليس بواجب عندهم، وانظر بدائع الصنائع (١/ ١٨). وهو رأي مرجوح، تمت مناقشته في حكم الاستنجاء.\n(^٢) الحنفية لم يوجبوا غسله حتى ولو أصاب ثوبها.\nقال في البحر الرائق (١/ ٢٢٧): «وينبغي لصاحب الجرح أن يربطه تقليلًا للنجاسة، ولو سال على ثوبه فعليه أن يغسله إذا كان مفيدًا بأن لايصيبه مرة أخرى، وإن كان يصيبه المرة بعد الأخرى أجزأه، ولايجب غسله ما دام العذر باقيًا، وقيل: لا يجب غسله أصلًا، واختار الأول السرخسي، والمختار ما في النوازل: إن كان لو غسله تنجس ثانيًا قبل الفراغ من الصلاة جاز ألا يغسله، وإلا فلا». اهـ وهذا مقيس عليه. ولم أتعرض لمذهب مالك؛ لأننا عرفنا مذهبه أنه لا يوجب الوضوء من الخارج، فإذا كان لا يوجب الوضوء منه، لم يوجب غسل الفرج أيضًا.\n(^٣) انظر في مذهب الشافعية: مغني المحتاج (١/ ١١١)، روضة الطالبين (١/ ١٣٧)، حاشية البيجوري (١/ ٢١٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٣٧٧)، كشاف القناع (١/ ٢١٤)، المحرر (١/ ٢٧)، المغني (١/ ٤٢١).","vol":"7","page":440},{"text":"وهل يكفي غسله مرة واحدة، أو تغسله لكل صلاة؟\nالمشهور من مذهب الشافعية ما قاله النووي: «وأما تجديد غسل الفرج وحشوه، وشده لكل فريضة، فينظر فيه: فإن زالت العصابة عن موضعها زوالًا له تأثير، أو ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد، وإن لم تزل العصابة عن موضعها ولا ظهر الدم، ففيه وجهان لأصحابنا، أصحهما: وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء».اهـ (^١).\nوأما المشهور من المذهب الحنبلي، أنه لا يلزمها غسل الفرج لكل صلاة إذا لم تفرط (^٢). وفي مذهب الحنابلة قولان آخران:\nقيل: يلزمها ذلك.\nوقيل: يلزمها إن خرج شيء، وإلا فلا (^٣).\n• أدلة الشافعية والحنابلة على وجوب غسل الفرج:\nاستدلوا بأدلة عامة، وخاصة.\nأما الدليل الخاص.\n(١٥٢١ - ٢٦٣) فاستدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:\nجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا؛ إنما ذلك عرق، وليس\n_________\n(^١) شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ٢٥).\n(^٢) قال في الإنصاف (٣/ ٣٧٧): «وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، وقدمه في الفروع وغيره، وجزم به المصنف والشارح، وصححه المجد في شرحه ...» إلخ كلامه ﵀.\nوقال في كشاف القناع (١/ ٢١٤): «ولا يلزمها إذن إعادة شده، ولا إعادة غسله لكل صلاة إن لم تفرط في الشد للحرج، فإن فرطت في الشد وخرج الدم بعد الوضوء أعادته؛ لأنه حدث أمكن التحرز منه». اهـ\n(^٣) الفروع (١/ ٢٧٩) الإنصاف (١/ ٣٧٧، ٣٧٨).","vol":"7","page":441},{"text":"بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ في الحديث: (فاغسلي عنك الدم وصلي).\nقال ابن رجب في شرحه للبخاري: واختلفوا هل يجب عليها غسل الدم، والتحفظ والتلجم عند كل صلاة؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد.\nوربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور في أن الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أم لا؟ وفيه خلاف مشهور، لكن الأصح هنا أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة، فإن الأمر بالاغتسال وغسل الدم إنما هو معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها فإذا قيل: إنه يقتضي التكرار، فالجواب أنه لم يقتضه إلا عند إدبار كل حيضة فقط». اهـ (^٢).\nوأما الأدلة العامة:\nفهي من قبيل القياس، فيقاس غسل الفرج من دم الاستحاضة بأحاديث الاستنجاء والاستجمار، بجامع أن كلًا منها قطع للنجاسة من السبيلين. وأحاديث الاستنجاء كثيرة، ويكفي منها:\n(١٥٢٢ - ٢٦٤) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال:\nقيل له: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة. قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. رواه مسلم (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٦٨).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٦٢).","vol":"7","page":442},{"text":"ولا يسلم القياس إلا بتحقق أمرين:\nأولهما: أن يكون غسل الفرج قاطعًا للخارج، كما أن الاستنجاء يقطع الخارج. وهذا لا يتحقق هنا؛ لأن الاستنجاء هنا لن يقطع دم الاستحاضة.\nوثانيهما: أن يكون دم الاستحاضة نجسًا، كالحال في الاستنجاء من البول والغائط، وأما من رأى أن دم الاستحاضة طاهر؛ لأنه دم عرق، مثله مثل دم سائر العروق من البدن، فلا يسلم القياس، ولا يوجب غسل الفرج؛ لأنه كالمني لا يجب الاستنجاء منه، ولو كان دم الاستحاضة نجسًا لمنع الزوج من جماع امرأته كالحيض، فكل دم لا يمنع الصلاة لا يمنع الجماع، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3557> دليل الحنفية على أن الاستنجاء لا يجب:</span>\nسقت أدلتهم في مسألة مستقلة في حكم الاستنجاء، وأجيب عنها، فانظرها غير مأمور.\n* * *","vol":"7","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3558>المبحث الثالث شد عصابة الفرج عند الوضوء</span>\n[م-٦٦٢] ذهب الحنفية (^١) والشافعية (^٢)\nوالحنابلة (^٣) إلى أنه يجب على المستحاضة\n_________\n(^١) قال في البحر الرائق (١/ ٢٢٧): «ومتى قدر المعذور على رد السيلان برباط أو حشو، أو كان لو جلس لايسيل، ولو قام سال وجب رده».\nوقال ابن الهمام في فتح القدير (١/ ١٨٥): «ومتى قدر المعذور على رد السيلان برباط أو حشو، أو كان لو جلس لا يسيل، ولو قام سال وجب رده، فإنه يخرج برده عن أن يكون صاحب عذر». اهـ وانظر مراقي الفلاح (ص ٦٠).\n(^٢) قال النووي في الروضة (١/ ١٣٧): «فتغسل المستحاضة فرجها قبل الوضوء أو التيمم، وتحشوه بقطنة أو خرقة دفعًا للنجاسة وتقليلًا، فإن اندفع به الدم، وإلا شدت مع ذلك خرقة في وسطها، وتلجمت بأخرى مشقوقة الطرفين، فكل هذا واجب إلا أن تتأذى بالشد أو تكون صائمة، فتترك الحشو وتقتصر على الشد».\nوقال في مغني المحتاج (١/ ١١١): «تشده - يعني فرجها - بعد غسله بخرقة مشقوقة الطرفين، تخرج أحدهما من أمامها والآخر من خلفها، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة، فإن احتاجت في رفع الدم أو تقليله إلى حشو بنحو قطن، وهي مفطرة، ولم تتأذ به وجب عليها أن تحشو قبل الشد والتلجم، وتكتفي به إن لم تحتج إليهما، أما إذا كانت صائمة أو تأذت باجتماعه فلا يجب عليها الحشو».\nوقال أيضًا (١/ ١١٢): «ويجب تجديد العصابة، وما يتعلق بها من غسل وحشو في الأصح، قياسًا على تجديد الوضوء.\nوالثاني: لا يجب تجديدها؛ لأنه لا معنى للأمر بإزالة النجاسة مع استمرارها، ومحل الخلاف إذا لم يظهر الدم على جوانب العصابة، ولم تزل العصابة عن موضعها زوالًا له وقع، وإلا وجب التجديد بلا خلاف؛ لأن النجاسة قد كثرت مع إمكان تقليلها».\nوانظر كلام النووي في شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٥).\n(^٣). قال: ابن قدامة في المغني (١/ ٤٢١): «والمستحاضة تغسل المحل، ثم تحشوه بقطن أو ما أشبهه\nليرد الدم، لقول النبي ﷺ لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: (أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم)، فإن لم يرتد الدم بالقطن استثفرت بخرقة مشقوقة الطرفين تشدها على جنبيها ووسطها على الفرج».\nثم قال: «فإذا فعلت ذلك، ثم خرج الدم، فإن كان لرخاوة الشد فعليها إعادة الشد والطهارة، وإن كان لغلبة الخارج وقوته، وكونه لايمكن شده أكثر من ذلك لم تبطل الطهارة؛ لأنه لايمكن التحرز منه، فتصلي ولو قطر الدم».","vol":"7","page":444},{"text":"أن تشد فرجها وتعصبها.\nوهل يجب عليها ذلك في كل صلاة؟ على الخلاف السابق في غسل الفرج.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3559> الأدلة على وجوب التلجم والتحفظ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3560>الدليل الأول:</span>\n(١٥٢٣ - ٢٦٥) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ، فقال:\nلتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصلي (^١).\n[والحديث رجاله ثقات، إلا أنه أعل بالانقطاع، وفي إسناده اختلاف] (^٢).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٦٢).\n(^٢) الحديث فيه اختلاف في إسناده، رواه أيوب ونافع، عن سليمان بن يسار، واختلف عليهما.\nأما رواية أيوب عن سليمان: فقد اختلف فيه على أيوب:\nفرواه وهيب، كما في مسند أحمد (٦/ ٣٢١، ٣٢٢) وسنن أبي داود (٢٧٨) وسنن الدارقطني (١/ ٢٠٨)، وسنن البيهقي (١/ ٣٣٤).\nوسفيان كما في مسند الحميدي (٣٠٤)، وسنن الدارقطني (١/ ٢٠٧).\nوعبد الوارث كما في سنن الدارقطني (١/ ٢٠٨) ثلاثتهم (وهيب، وسفيان، وعبد الوارث) رووه عن أيوب عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة بلفظ: أن فاطمة استحيضت، وكانت =","vol":"7","page":445},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تغتسل في مركن لها، فتخرج، وهي عالية الصفرة والكدرة، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ، فقال: تنظر أيام قرئها، أو أيام حيضها، فتدع الصلاة، وتغتسل فيما سوى ذلك، وتستثفر بثوب، وتصلي. هذا لفظ أحمد.\nوخالفهم كل من إسماعيل بن علية في مصنف هـ ابن أبي شيبة (١/ ١١٨) وسنن الدارقطني.\nوحماد بن زيد في سنن الدارقطني (١/ ٢٠٨) فروياه عن أيوب، عن سليمان، أن فاطمة بنت حبيش استحيضت، فأمرت أم سلمة أن تسأل لها النبي ﷺ .... الحديث.\nفصار وهيب، وسفيان وعبد الوارث يرويانه عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة.\nوحماد وإسماعيل بن علية يرويانه عن أيوب، عن سليمان أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت مرسلًا. هذا فيما يتعلق برواية أيوب، عن سليمان.\nوأما رواية نافع عن سليمان:\nفاختلف على نافع فيه:\nفرواه موسى بن عقبة، واختلف عليه:\nفرواه الطبراني كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٢٩٣) ح ٦٤٩، وسنن البيهقي (١/ ٣٣٤) من طريق خالد بن نزار، عن إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان، عن مرجانة، عن أم سلمة.\nوخالفه ابن أبي حازم كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٨٥) ح ٩٢٠ فرواه عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة. وهذا هو المحفوظ، وذكر مرجانة لا يعرف إلا في هذا الطريق.\nورواه الليث كما في سنن أبي داود (٢٧٥)، وسنن الدارمي (٨٠٧)، وسنن البيهقي (١/ ٣٣٣).\nوصخر بن جويرية كما في سنن أبي داود (٢٧٧)، ومنتقى ابن الجارود (١١٣)، وسنن الدارقطني (١/ ٢١٧)، وسنن البيهقي (١/ ٣٣٣).\nوجويرية بن أسماء كما في مسند أبي يعلى (٦٨٩٤)، وسنن البيهقي (١/ ٣٣٣).\nوإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة كما في سنن البيهقي (١/ ٣٣٣)، أربعتهم رووه عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل، عن أم سلمة. فزادوا ذكر واسطة بين سليمان وبين أم سلمة.\nوخالفهم كل من مالك كما في الموطأ (١/) ومسند أحمد (٦/ ٣٢٠)، ومسند إسحاق (١٨٤٤)، وسنن أبي داود (٢٧٤)، وسنن النسائي (٢٠٨، ٣٥٥)، وفي الكبرى (٢١٤)، ومشكل الآثار (٢٧٢٠).\nوجرير بن حازم كما في مشكل الآثار (٢٧٢٤) رواياه (مالك وجرير) عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، كرواية أيوب عن سليمان من رواية وهيب وسفيان وعبد الوارث عنه.\nورواه عبيد الله بن عمر. واختلف على عبيد الله فيه:\nفرواه أبو أسامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٣٤٦)، وسنن النسائي (٣٥٤)، وابن ماجه =","vol":"7","page":446},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٦٢٣)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٨٥) ح ٩١٧، وسنن الدارقطني (١/ ٢١٧).\nوابن نمير كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٣٤٦)، ومسند أحمد (٦/ ٢٩٣)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٨٥) ح ٩١٧.\nومعتمر بن سليمان كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٨٥) ح ٩١٧.\nوعبدة بن سليمان كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٢٧١) ح ٥٧٨، أربعتهم، عن عبيدالله، عن نافع، عن سليمان، عن أم سلمة، ولم يذكرا واسطة بين سليمان، وبين أم سلمة.\nوخالفهما أنس بن عياض كما في سنن أبي داود (٢٧٦)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٣٣٣)، فرواه عن عبيد الله، عن نافع، عن سليمان، عن رجل، عن أم سلمة، بزيادة الواسطة.\nوقد يقال: إن ابن نمير وأبا أسامة أرجح من أنس بن عياض، وهذا صحيح لكن يقال لم ينفرد أنس بن عياض بذكر الواسطة بين سليمان وأم سلمة، فقد رواه الليث، وصخر بن جويرية، وجويرية بن أسماء، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، أربعتهم رووه عن نافع، عن سليمان، عن رجل عن أم سلمة. بزيادة الواسطة.\nفإن قيل: إن مالكًا رواه عن نافع، عن سليمان عن أم سلمة دون واسطة بين سليمان وأم سلمة، ومالك مقدم على غيره. قلت هذا الكلام صحيح لولا رواية عبيد الله بن عمر العمري، حيث اختلف عليه أيضًا في ذكر الواسطة بين سليمان وأم سلمة لهذا لا أجد مرجحًا بين الروايتين، وعبيد الله بن عمر مقدم على مالك في نافع عند أكثرهم.\nلهذا رجح بعض العلماء أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة.\nقال البيهقي (١/ ٣٣٣): «هذا حديث مشهور، أودعه مالك بن أنس الموطأ، وأخرجه أبو داود في كتاب السنن، إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة».\nوكذا قال المنذري. وخالفهما ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٣٣٣)، فقال: «أخرجه أبو داود في سننه من حديث أيوب السختياني، عن سليمان، عن أم سلمة، كرواية مالك، عن نافع، وقد ذكره البيهقي فيما بعد. قال صاحب الإمام: وكذلك رواه أسيد، عن الليث. وراه أسيد أيضًا عن أبي خالد الأحمر: سليمان بن حيان، عن الحجاج بن أرطاة، كلاهما عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة. وذكر صاحب الكمال أن سليمان سمع من أم سلمة، فيحتمل أنه سمع هذا الحديث منها، ومن رجل عنها». اهـ\nقلت: هذا احتمال، والاحتياط للرواية ألا يقبل فيها ما كان من باب الاحتمالات، فالاحتمال غالبًا يسقط الدليل لا يقويه، والله أعلم.\nوقال النووي: إسناده على شرطهما. اهـ والنووي ﵀ على طريقة الفقهاء يحكم دائمًا للزيادة سواء كانت في الإسناد أو في المتن، فإذا أرسله جماعة، ووصله ثقة، أو أوقفه بعضهم ورفعه آخر، أو زاد لفظة لا يذكرها غيره ممن روى هذا الحديث، اعتبر النووي الاتصال، والرفع، والزيادة مقبولة، وهذا لا يتأتى على منهج جمهور أهل الحديث.","vol":"7","page":447},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (ثم لتستثفر بثوب).\nقال ابن منظور في اللسان: «وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة أو قطنة تحتشي بها، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع سيلان الدم وهو مأخوذ من: ثَفَر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها.\nوفي نسخة: وتوثق طرفيها، ثم تربط فوق ذلك رباطًا، تشد طرفيه إلى حقب تشده كما تشد الثفر تحت ذنب الدابة» (^١).\nوقال في تاج العروس: «والاستثفار أن يدخل الإنسان إزاره بين فخذيه ملويًا ثم يخرجه، والرجل يستثفر بإزاره عند الصراع، إذا هو لواه على فخذيه فشد طرفيه في حجزته وزاد ابن ظفر في شرح المقامات: حتى يكون كالتُّبان، وقد تقدم أن التبان هو السراويل الصغير، لا ساقين له ....» إلخ كلامه (^٢).\nوورد كذلك التلجم والتحفظ في حديث حمنة بنت جحش،\n(١٥٢٤ - ٢٦٦) فقد رواه أحمد، وفيه: فقلت: يا رسول الله، إني استحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام، قال: أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فتلجمي. قالت: إنما اثج ثجًا ... الحديث (^٣).\n_________\n(^١) اللسان (٤/ ١٠٥).\n(^٢) تاج العروس (٦/ ١٤٨).\n(^٣) المسند (٦/ ٤٣٩)، وبقية الحديث: قال: سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما، فأنت أعلم. فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت، واستنقأت فصلي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين ليلة، وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، وكذلك فافعلي، وصلي وصومي، إن قدرت على ذلك. قال رسول الله ﷺ: وهذا أعجب الأمرين إلي.","vol":"7","page":448},{"text":"[والحديث ضعيف] (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش.\nرواه أحمد (٦/ ٤٣٩)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٢١٩٠)، وأبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨) والطحاوي في مشكل الآثار (٢٧١٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢١٨) ح ٥٥٣، والدارقطني (١/ ٢١٤)، والحاكم (١/ ١٧٢، ١٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٣٨، ٣٣٩) من طريق زهير بن محمد الخرساني ورواه أحمد (٦/ ٣٨١)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٣٦٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٩٠)، وابن ماجه (٦٢٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٧١٨)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢١٨) ح ٥٥٢، والدارقطني (١/ ٢١٤) من طريق شريك.\nورواه وعبد الرزاق في المصنف (١١٧٤)، وابن ماجه (٦٢٢)، وابن أبي عاصم (٣١٨٩)،\nوابن المنذر في الأوسط (٨١٠)، والطبراني (٢٤/ ٢١٧) ح ٥٥١، من طريق ابن جريج، ورواه الدارقطني (١/ ٢١٥)، والحاكم (١/ ١٧٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٥٦٧)، والبيهقي (١/ ٢٣٨) من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي.\nورواه الشافعي في الأم (١/ ٦٠) ومن طريقه الدارقطني (١/ ٢١٥) عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى.\nورواه الدارقطني (١/ ٢١٥) من طريق عمرو بن ثابت، كلهم (زهير بن محمد، وشريك، وابن جريج، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وإبراهيم بن محمد، وعمرو بن ثابت) رووه عن ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش.\nوالحديث ضعيف لما يلي:\nأولًا: انفرد فيه ابن عقيل، والأكثر على ضعفه.\nقال ابن عيينة: أربعة من قريش يترك حديثهم، فذكر ابن عقيل منهم. وسبق أن حررت القول فيه. ومن أخطائه ما رواه أحمد (١/ ١٠٢): من طريق حماد بن سلمة، عن ابن عقيل، عن محمد بن علي بن الحنفية عن أبيه أن النبي ﷺ كفن في سبعة أثواب. فإن هذا مخالف لما في الصحيحين من أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب.\nثانيًا: أن أحاديث الصحيحين ترد المستحاضة إلى عادتها، وحديث ابن عقيل يردها إلى غالب النساء لا إلى عادتها ولا إلى التمييز، ولا أعلم له متابعًا، فانفراده بمثل هذا الحكم لا يجعل =","vol":"7","page":449},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مقدمًا على حديث الصحيحين.\nفهذه قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش صريحة بردها إلى عادتها، فقد روى البخاري (٣٠٦): من طريق مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي. فقوله: فإذا ذهب قدرها صريح بردها إلى العادة.\nورواه البخاري (٣٢٥) من طريق أبي أسامة عن هشام به بلفظ: ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها.\nورواه ابن حبان (١٣٥٥) بسند صحيح من طريق أبي عوانة عن هشام به بلفظ: (تدع الصلاة أيامها).\nورواه البخاري (٣٢٠): من طريق ابن عيينة عن هشام به: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي).\nورواه مسلم (٣٣٣) من طريق وكيع عن هشام به بنفس اللفظ، إلا أنه قال: (فاغسلي عنك الدم وصلي)، والمقصود بالإقبال والإدبار: إقبال وقت الحيض وإدبار وقته جمعًا بينه وبين ما سبق. كما أن أم حبيبة قد ردها الرسول ﷺ إلى عادتها.\nفقد روى مسلم (٦٥ - ٤٣٤) عن عائشة ﵂ قال: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي).\nفهذه أحاديث الصحيحين ظاهرها ترد المستحاضة إلى عادتها.\nوهنا حديث ابن عقيل ﵀ ردها إلى غالب الحيض، فقال: (تحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام)، فلم يردها إلى عادتها، وقد تكون عادتها أكثر أو أقل، ولم يردها إلى التمييز.\nوقد قال الخطابي في معالم السنن (١/ ١٨٣): «إنما هي امراة مبتدأة لم يتقدم لها أيام، ولا هي مميزة لدمها، وقد استمر بها الدم حتى غلبها، فرد الرسول ﷺ أمرها إلى العرف الظاهر، والأمر الغالب من أحوال النساء، كما حمل أمرها في تحيضها كل شهر مرة واحدة على الغالب من عادتهن ... إلخ».\nقلت: أين الدليل من الحديث على أنها مبتدأة، هذا أولًا.\nوثانيًا: أنها لاتستطيع أن تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة.\nفهذا لاسبيل إليه من الحديث، والرسول ﷺ لم يسألها هل أنت مبتدأة؟ وهل لك عادة مستقرة من قبل؟ وهل تميزين بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة؟\nفلو وقع ذلك لكان له وجه في حمل الحديث على المبتدأة غير المميزة، ولما كانت هناك مخالفة =","vol":"7","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لأحاديث الصحيحين، ولكن لما ترك الرسول ﷺ الاستفصال في مقام الاحتمال نزل منزلة العموم في المقال.\nفالحديث ظاهره رد المستحاضة مطلقًا إلى عادة النساء.\nثالثًا: أن الحديث أمرها في الجمع بين الصلوات، وأحاديث المستحاضة في الصحيحين من أحاديث عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش وأم حبيبة لم يرشدها إلى الجمع. كما أن الحديث دليل على من يقول بالجمع الصوري. وقد يستدل بهذا الحديث لو ثبت على من ينكر الجمع في الإقامة والسفر إلا في عرفة، ويحمل الأحاديث على الجمع الصوري، وهو تأخير أولى الصلاتين وتعجيل الثانية، فالأولى في آخر الوقت، والثانية في أول الوقت، وإنما قصد من الجمع لأهل الأعذار التخفيف عليهم، والجمع في هذه الصورة فيه حرج ومشقة، ومن يعلم الوقت ودقته، والناس في ذلك الوقت لم يكن لديهم ساعات كما هي الحال في هذا العصر، حتى يوقع أولى الصلاتين في آخر الوقت، بينما تقع الصلاة الثانية في أول الوقت\nكلام أهل العلم في الحديث:\nضعفه أبو حاتم في العلل (١/ ٥١) ح ١٢٣، قال ابنه: سألت أبي عن حديث رواه ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد، عن عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش في الحيض، فوهنه، ولم يقو إسناده.\nوضعفه الدارقطني كما في شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٦٤)، ولم أجده في السنن له، لكن قال محققو شرح ابن رجب إنه موجود في كتاب العلل الدارقطني، وأحالوا على (٥ ب / ق ١٠١ - أ)، وبعد الرجوع إلى المطبوع لم أجد أنه ضعفه، وإنما صحح أنه من مسند حمنة، وضعفه من مسند جابر، وهذا لا يقتضي الصحة المطلقة انظر العلل (١٥/ ٣٦٣).\nوفي تلخيص الحبير (١/ ٢٨٨): «وقال ابن منده: لايصح بوجه من الوجوه؛ لأنهم أجمعوا على ترك حديث ابن عقيل».\nوحمل الحافظ قول ابن منده بكونهم أجمعوا على ترك حديثه يعني مَنْ خرج الصحيح، فليس له في الصحيحين رواية.\nوقال البيهقي: تفرد به ابن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به.\nوأما الإمام أحمد .. فاختلف النقل عنه، والراجح عنه تضعيفه.\nقال الترمذي (١/ ٢٢٦): «سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن صحيح، وقال: يعني الترمذي: وهكذا قال أحمد: هو حديث حسن صحيح».\nفهذا النقل من الترمذي عن أحمد، لايقدم على نقل أبي داود، فإن أبا داود من تلاميذ أحمد الملازمين له، وله عنه مسائل مشهورة. فقد قال أبو داود بعد روايته لهذا الحديث في السنن (٢٨٧) قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء». =","vol":"7","page":451},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ٦٤): «والمعروف عن الإمام أحمد أنه ضعفه ولم يأخذ به، وقال: ليس بشيء.\nوقال مرة: ليس عندي بذلك، وحديث فاطمة أصح منه وأقوى إسنادًا، يعني: أنه لم يردها إلى غالب النساء بل ردها إلى العادة.\nوقال أحمد أيضًا: في نفسي منه شيء.\nولكن ذكر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة، والأخذ به! ! . اهـ كلام\nابن رجب ﵀».\nقلت: والقول بالحديث، والأخذ به لا يعني صحته في نفسه ما لم يصرح المحدث بأنه صحيح، وكم من حديث ضعيف في الترمذي ويصرح الترمذي بأن العمل عليه، ولا يعني كون العمل عليه أن يكون صحيحًا في نفسه، وأقربها عندي حديث: (الماء طهور لاينجسه شيء إلا ما غلب على طعمه ولونه وريحه)، فالاستثناء لا يثبت من جهة الحديث، والعمل عليه.\nفقول أبي بكر الخلال بأن أحمد يقول بحديث حمنة ويأخذ به ليس صريحًا في كونه صحيحًا عنده.\nوفي التمهيد لابن عبدالبر (١٦/ ٦١): «قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في الحيض حديثان، والآخر في نفسي منه شيء، قال أبو داود: يعني أنه في الحيض ثلاثة أحاديث، هي أصول هذا الباب:\nأحدها: حديث مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار.\nوالآخر: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\nوالثالث: والذي في قلبه منه شيء، وهو حديث حمنة بنت جحش الذي يرويه ابن عقيل».\nوقال الخطابي في معالم السنن (١/ ١٨٣): «وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك».\nوصححه البخاري، قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن صحيح.\nلكن البيهقي نقل عبارة البخاري بأتم مما نقل الترمذي إلا أنه ساقها بلاغًا.\nقال البيهقي (١/ ٣٣٩): بلغني عن أبي عيسى الترمذي، أنه سمع محمد بن إسماعيل البخاري يقول: حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، لا أدري سمع منه عبدالله بن محمد بن عقيل أم لا؟ وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح».\nوالبلاغ ضعيف للجهل بالواسطة بين البيهقي والترمذي.\nوقد أجاب الشوكاني بجواب واضح فقال في النيل (١/ ٣٣٨):\nإبراهيم بن طلحة مات سنة ١١٠ هـ عشر ومائة فيما قاله أبو عبيد القاسم بن سلام، وعلي بن المديني، وخليفة بن خياط، وهو تابعي سمع عبدالله بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة، وعائشة =","vol":"7","page":452},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (تلجمي)، قال ابن منظور في اللسان: تلجمت المرأة، إذا استثفرت لمحيضها. واللجام: ما تشده الحائض، وفي حديث المستحاضة: (تلجمي) أي شدي لجامًا، وهو شبيه بقوله: (استثفري) أي: ألجمي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم الدابة. (^١)\nوقال: نحوه في تاج العروس (^٢).\nوكانت النساء تستثفر ولو لم تجب عليها الصلاة حرصًا على عدم تلوثها في الدم.\n(١٥٢٥ - ٢٦٧) فجاء في حديث جابر عند مسلم في صفة حج النبي ﷺ وفيه:\nإن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن\nرسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري، وأحرمي (^٣)، والله أعلم.\n* * *\n_________\n= وابن عقيل سمع عبدالله بن عمر، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، والربيع بنت معوذ، فكيف ينكر سماعه من محمد بن إبراهيم بن طلحة لقدمه، وأين ابن طلحة من هؤلاء في القدم، وهم نظراء شيوخه في الصحبة، وقريب منهم في الطبقة، فينظر في صحة هذا عن البخاري» اهـ.\n(^١) اللسان (١٢/ ٥٣٤).\n(^٢) تاج العروس (١٧/ ٦٣٩).\n(^٣) صحيح مسلم (١٤٧ - ١٢١٨).","vol":"7","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3561>الفصل السادس في الاستنجاء من البعر الناشف والحصاة والدود</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الاستنجاء من النجاسة عبادة معقولة المعنى، مطلوب إزالتها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.\n[م-٦٦٣] إذا خرج البعر ناشفًا وكذلك الحصاة والدود، فاختلف الفقهاء هل يستنجي منها أم لا؟\nفقيل: لا يستنجي، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والأظهر عند الشافعية، وأحد القولين في مذهب الحنابلة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٥٢) وقال: إنه صرح به في السراج الوهاج، وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٥).\nوانظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ١١٣)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٤)، التاج والإكليل (١/ ٢٩١)، المنتقى (١/ ٤٥).\nوفي مذهب الشافعية، جاء في روضة الطالبين (١/ ٦٧): فإن لم يكن ملوثًا، كدود وحصاة بلا رطوبة، لم يجب الاستنجاء على الأظهر. قال النووي: والبعرة اليابسة كالحصاة، وصرح به صاحب الشامل وآخرون. اهـ وانظر شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٦)، أسنى المطالب (١/ ٤٩)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٠).\nكشاف القناع (١/ ٧٠)، منار السبيل (١/ ٢٥)، وانظر المغني (١/ ١٠٠)، والإنصاف (١/ ١١٣)، تحفة المحتاج (١/ ١٨٥).","vol":"7","page":454},{"text":"وقيل: يشرع الاستنجاء، وهو قول في مذهب الشافعية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3562> دليل من قال: لا يستنجي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3563>الدليل الأول:</span>\nالاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا. فالاستنجاء والمحل نظيف شبيه بالعبث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3564>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: الحصاة طاهرة خاصة إذا خرجت، وهي ناشفة، فهي تشبه الريح، بل هي\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٤٦)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٠).\n(^٢) عبارة الحنابلة: ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح، والاستثناء معيار العموم، فلما لم يستثن إلا الريح دل على وجوبه فيما عداه، ومنها الحصى والدود والبعر الناشف.\nوقال في الإنصاف (١/ ١١٣): قوله: (ويجب الاستنجاء من كل خارج إلا الريح) شمل كلامه الملوث وغيره، والطاهر والنجس، أما النجس الملوث فلا نزاع في وجوب الاستنجاء منه.\nوأما النجس غير الملوث والطاهر: فالصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب: وجوب الاستنجاء منه، وهو ظاهر كلام الخرقي، والهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والمستوعب، والتلخيص، والبلغة. قال الزركشي وابن عبيدان وغيرهما: بل هو ظاهر قول أكثر أصحابنا، وقدمه في المغني، والشرح، والفروع، والرعايتين، والحاويين، والزركشي، وغيرهم. قال المرداوي: وهو ضعيف. وانظر المبدع (١/ ٩٥).\nوقيل: لا يجب الاستنجاء للخارج الطاهر وهو ظاهر المحرر، والمنور، والمنتخب. فإنهم قالوا: وهو واجب لكل نجاسة من السبيل [وكذا قيده المجد في شرح الهداية. قال ابن عبدوس في تذكرته: ويجزئ أحدهما لسبيل] نجس بخارجه. قال في التسهيل: وموجبه خارج من سبيل سوى طاهر، وقيل: لا يجب للخارج الطاهر، ولا للنجس غير الملوث. قال المصنف وتبعه الشارح والقياس لا يجب الاستنجاء من ناشف لا ينجس المحل. وكذلك إذا كان الخارج طاهرًا، كالمني إذا حكمنا بطهارته؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة. ولا نجاسة هنا. قال في الفروع: وهو أظهر، قال في الرعاية الكبرى: وهو أصح قياسًا. قلت: وهو الصواب. وكيف يستنجي أو يستجمر من طاهر؟ أم كيف يحصل الإنقاء بالأحجار في الخارج غير الملوث؟ وهل هذا إلا شبيه بالعبث؟ وهذا من أشكل ما يكون. فعلى المذهب يعايى بها. وأطلق الوجوب وعدمه ابن تميم، والفائق. وانظر المغني (١/ ١٠٠).","vol":"7","page":455},{"text":"أولى من الريح بعدم الاستنجاء؛ لأن الريح لها رائحة منتنة بخلاف الحصاة. وكيف يستنجي أو يستجمر من طاهر؟\nفإن قيل: قد يتصور وجود بلة يسيرة.\nقيل: إن كان يسيرًا فهو معفو عنه، كما يعفى عن أثر الاستجمار، وإن كانت البلة كثيرة خرج البحث عن مسألتنا؛ لأن البحث فيما لو خرجت الحصاة ناشفة، أو البعرة جافة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3565> دليل من قال: يستنجي منها:</span>\nلا أعلم له دليلًا من كتاب أو سنة إلا القياس على البول والغائط، وهو قياس مع الفارق، لأن البول الغائط نجسان ملوثان، فيحتاج المحل إلى الإنقاء منهما، وأما الحصاة والدودة وحتى البعرة الناشفة فهي أشياء غير ملوثة، فالمحل يعتبر طاهرًا فلم يحتج إلى تطهير.\nوهذا القول هو الراجح، وهو المتعين؛ لأن مشروعية الاستنجاء معلل بوجود النجاسة، فإذا لم توجد انتفى الحكم؛ لأن الحكم يدور مع علته، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3566>الفصل السابع\nفي الاستنجاء من الريح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل فعل من العبادات توفر سببه على عهد النبي ﷺ، ولم يفعله، ولم يكن هناك مانع من فعله، فالمشروع تركه.\n• الحكم على شيء بأنه نجس وكذا ما يوجبه متلقى من الشرع، ولا مدخل للعقل فيه.\n[م-٦٦٤] لا يشرع الاستنجاء من الريح، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) في مذهب الحنفية: قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٣٣٥): «الاستنجاء على خمسة أوجه: ثم قال: والخامس: بدعة، وهو الاستنجاء من الريح». اهـ\nوانظر مراقي الفلاح (ص: ١٨)، بدائع الصنائع (١/ ١٩)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٥٦)، البحر الرائق (١/ ٢٥٢)، الفتاوى النهدية (١/ ٤٧).\nوانظر في مذهب المالكية: المدونة (١/ ١١٧)، المنتقى للباجي (١/ ٤٤)، مواهب الجليل (١/ ١٠٥، ٢٨٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، التاج والإكليل (١/ ٢٨٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٢)، مختصر خليل (ص: ١٥)، رسالة القيرواني (ص: ١٤).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١١٣)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٤٨)، المهذب (١/ ٢٧)، المنهج القويم (ص: ٧٩)، شرح زبد بن رسلان (ص: ٥٢)، إعانة الطالبين (١/ ١٠٧)، تحفة المحتاج (١/ ١٨٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ١٠٠)، الإنصاف (١/ ١١٣، ١١٤)، الفروع (١/ ١١٩).","vol":"7","page":457},{"text":"وقيل: يستنجي، اختاره حنابلة الشام (^١)، وهو خلاف شاذ.\nوهل الاستنجاء منها على الكراهة أو التحريم فيه خلاف:\nفقيل: للتحريم، وهو ظاهر مذهب الحنفية حيث أطلقوا على الاستنجاء من الريح بأنه بدعة (^٢)، واختاره بعض الشافعية (^٣).\nوقيل: يكره الاستنجاء من الريح، وهو مذهب المالكية (^٤)، والشافعية (^٥).\nوقيل: لا يكره الاستنجاء من الريح إن خرجت والمحل رطب، قاله بعض الشافعية (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3567> دليل من قال: لا يستنجي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3568>الدليل الأول:</span>\nالإجماع على أن الاستنجاء لا يجب من الريح، حكى الإجماع جماعة منهم النووي في المجموع (^٧)، وابن قدامة في المغني (^٨) وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3569>الدليل الثاني:</span>\nالأصل عدم الوجوب حتى يوجد دليل من كتاب أو سنة أو إجماع على مشروعية\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١١٣، ١١٤)، الفروع (١/ ١١٩).\n(^٢) انظر العزو إلى كتبهم في ما تقدم، وخاصة الفتاوى النهدية (١/ ٥٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٥)، ومراقي الفلاح (ص: ١٨).\n(^٣) تحفة المحتاج (١/ ١٨٥).\n(^٤) حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٢).\n(^٥) إعانة الطالبين (١/ ١٠٧).\n(^٦) تحفة المحتاج (١/ ١٨٥).\n(^٧) قال النووي في المجموع (٢/ ١١٣): «أجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر، وحكي عن قوم من الشيعة أنه يجب، والشيعة لا يعتد بخلافهم». اهـ\n(^٨) قال ابن قدامة في المغني (١/ ١٠٠): «ليس على من نام، أو خرجت منه ريح استنجاء، ولا نعلم في هذا خلافا». اهـ","vol":"7","page":458},{"text":"الاستنجاء، ولم ينقل أن الرسول ﷺ استنجى من الريح، ولا صحابته الكرام، ولا أنه أمر بالاستنجاء منها، وهذا كاف في عدم المشروعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3570>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن الريح ليس بنجس، ولو وجب منه الاستنجاء لوجب غسل الثوب؛ لأنه يلقاه. فإن قيل: تصحبه أجزاء نجسة، قيل: هذا لا سبيل إلى علمه، ولو ثبت فقدر ذلك وأكثر منه يبقى بعد مسح الأحجار، ومع ذلك يحكم بطهارة المحل بعده (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3571>الدليل الرابع:</span>\nمن النظر قالوا: إن الاستنجاء مأخوذ من النجو فإذا لم يكن نجو لم يشرع الاستنجاء، فإذا خرجت الريح لم يكن على السبيل منها شيء من الغائط، فيكون الاستنجاء عبثًا؛ لأن المحل نظيف.\nوبعضهم يعلل بقوله: إن الريح عرض بإجماع الأصوليين (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3572>الدليل الخامس:</span>\n(١٥٢٦ - ٢٦٨) ما رواه ابن عدي (^٣)، ومن طريقه أبو القاسم الجرجاني في تاريخ جرجان (^٤)، من طريق محمد بن زياد بن زبار، حدثنا شرقي بن قطامي، عن أبي الزبير،\nعن جابر أن النبي ﷺ قال: من استنجى من الريح فليس منا.\n[ضعيف جدًا] (^٥).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٨٦).\n(^٢) الفروع (١/ ١١٩).\n(^٣) الكامل (٤/ ٣٥).\n(^٤) تاريخ جرجان (ص: ٣١٣) رقم ٥٤٧.\n(^٥) قال محمد بن زياد بن زبار: رأيت شرقي بن قطامي ولم أسمع منه، نقله عنه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ٢٥٨).\nوقال يحيى بن معين: لا شيء. تاريخ بغداد (٥/ ٢٨١)، وميزان الاعتدال (٣/ ٥٥٢) وتحرفت في الجرح والتعديل إلى قوله: لا أحد. ...\nوقال الذهبي: كان شاعرًا مشهورًا قل ما روى من الحديث. المرجع السابق.\nوفي إسناده أيضًا: شرقي بن قطامي، جاء في ترجمته:\nقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي الحديث، ليس عنده كثير حديث. الجرح والتعديل (٤/ ٣٧٦).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٤٤٩).\nوضعفه الساجي. المغني في الضعفاء (٢٧٥٧).\nوقال شعبة: حماري وردائي للمساكين إن لم يكن شرقي كذب على عمر. لسان الميزان (٣/ ١٤٢).\nوقال اليوسفي: كان كذابًا، ويكنى أبا المثنى. المرجع السابق.","vol":"7","page":459},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3573> دليل من قال: يشرع الاستنجاء منها:</span>\nذهب إلى أن الريح نجسة، وأنها خرجت وقد لا مست النجاسات.\nقالوا: ولأن الفرج ترمص كما ترمص العين!!\nوالصحيح الأول، وأنها طاهرة، وكون رائحتها خبيثة لا يكفي دليلًا على نجاستها، ولو كانت نجسة لوجب غسل الثياب إذا خرجت الريح ولاقت ثيابًا رطبة، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3574>الباب السادس في الاستنجاء بالماء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3575>الفصل الأول خلاف العلماء في الاستنجاء بالماء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• بذل المال في مقابل المنفعة لا يعد إتلافًا.\n• إذا صح بذل الماء لتطهير الثوب صح بذله لتطهير البدن بل هو أولى.\n• الماء أنزله الله طاهرًا مطهرًا، وبذله في ذلك موافق لمقصد الشارع قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) وقال: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا).\n[م-٦٦٥] يجوز الاستنجاء بالماء، ويجوز تركه إلى الحجارة ولو كان قادرًا على الماء، وهو مذهب الجمهور (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: فتح القدير (١/ ٢١٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١٢)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٤٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٥).\nوانظر في مذهب المالكية: جامع الأمهات (ص: ٥٢)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢٠٨)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٣٧)، الحاوي الكبير (١/ ١٦٠)، البيان للعمراني (١/ ٢١٨)، روضة الطالبين (١/ ٧١)، فتح العزيز (١/ ٤٨٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة: انظر الإنصاف (١/ ١٠٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٨).","vol":"7","page":461},{"text":"وقيل: لا يجوز الاستنجاء بالماء، حكي هذا القول عن بعض السلف، وهو مرجوح (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3576> دليل من قال: يجوز الاستنجاء بالماء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3577>الدليل الأول:</span>\n(١٥٢٧ - ٢٦٩) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة،\nسمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء (^٢).\n_________\n(^١) جاء في المنتقى للباجي (١/ ٤٦): «كان سعيد بن المسيب وغيره من السلف يكرهون ذلك، ويقول ابن المسيب: إنما ذلك وضوء النساء». اهـ\nوقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٤٢): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة، قال: سئل عن الاستنجاء بالماء؟ فقال: إذًا لا تزال في يدي نتن.\nوسنده صحيح، وقد صحح إسناده الحافظ بالفتح.\nوروى ابن أبي شيبة (١/ ١٤٣) حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن نافع، قال: كان ابن عمر لا يستنجي بالماء.\nوهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى.\nوروى ابن أبي شيبة (١/ ١٤٢)، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان الأسود وعبد الرحمن بن يزيد يدخلان الخلاء، فيستنجيان بأحجار، ولا يزيدان عليها، ولا يمسان ماء. وإسناده صحيح.\nوروى ابن أبي شيبة أيضًا (١/ ١٤٢): حدثنا وكيع، عن مسعر، عن عبيد الله ببن القطبية، عن ابن الزبير أنه رأى رجلًا يغسل عنه أثر الغائط، فقال: ما كنا نفعله. وهذا إسناد صحيح.\nوقال ابن حجر في الفتح (ح ١٥٠) تعليقًا على ترجمة البخاري (باب الاستنجاء بالماء): «روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: إذا لا يزال في يدي نتن. وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء، وعن ابن الزبير: ما كنا نفعله. ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء. وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم». اهـ\nوابن حبيب له في المسألة قولان، أحدهما ما ذكره ابن حجر، والثاني: لا يستجمر مع وجود الماء. انظر مواهب الجليل (١/ ٢٨٣).\n(^٢) صحيح البخاري (١٥٢)، ومسلم (٢٧١). =","vol":"7","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3578>الدليل الثاني:</span>\n(١٥٢٨ - ٢٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: أخبرنا شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة،\nعن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء دعا بماء، فاستنجى، ثم مسح بيده على الأرض ثم توضأ (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= قال الأصيلي في الفتح (ح ١٥٠) متعقبًا على البخاري استدلاله بهذا الحديث بأن قوله: «فيستنجي به» من قول أنس، وإنما من قول أبي الوليد، أحد الرواة عن شعبة، فقد رواه البخاري عن أبي الوليد، عن شعبة، عن أبي معاذ، واسمه عطاء بن أبي ميمونة، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته، أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء، يعني: يستنجي به.\nوالدليل على أنها من قول أبي الوليد بأن الحديث قد رواه البخاري عن سليمان بن حرب، عن شعبة به، كما في رقم (١٥١) بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام معنا إداوة من ماء. فلم يذكر فيستجي به، فتعقبه الحافظ في الفتح، فقال: لكن رواه عقبة من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به، فقال: يستنجي بالماء.\nوالإسماعيلي، من طريق ابن مرزوق، عن شعبة به، بلفظ: فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة من ماء يستنجي منها النبي ﷺ.\nوللبخاري من طريق روح بن القاسم، عن عطاء بن أبي ميمونة: «إذا تبرز لحاجته أتيته بماء، فيغتسل به.\nقلت: فهذه الطريق غير طريق شعبة. قال الحافظ: ولمسلم من طريق خالد الحذاء، عن عطاء، عن أنس، فخرج علينا، وقد استنجى بالماء. وهذه متابعة ثانية لشعبة.\nقال الحافظ: وقد بان بهذه الروايات أن حكاية الاستنجاء من قول أنس ﵁ راوي الحديث، وكذا فيه الرد على من زعم أن قوله: يستنجي بالماء مدرج من قول عطاء، الرواي عن أنس، فيكون مرسلًا، فلا حجة فيه كما حكاه ابن التين عن أبي عبد الملك البوني، فإن رواية خالد الحذاء التي في مسلم، وقد ذكرناها تدل على أنه قول أنس، حيث قال: (وقد خرج علينا، وقد استنجى بالماء)».\n(^١) المسند (٢/ ٤٥٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر (ح ١٣١٨).","vol":"7","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3579>الدليل الثالث:</span>\n(١٥٢٩ - ١٧١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، عن معاذة،\nعن عائشة قالت: مرن أزواجكن يغسلوا عنهم أثر الخلاء والبول، فإنا نستحيي أن ننهاهم عن ذلك، وإن رسول الله ﷺ كان يفعله (^١).\n[صحيح مرفوعًا من طريق قتادة، وموقوفًا من طريق يزيد الرشك] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٩٥، ١٢٠).\n(^٢) رجاله كلهم ثقات، وقد توبع فيه قتادة، كما سيأتي في تخريجه.\nوالحديث يرويه ابن سيرين، ومعاذة وأبو عمار البصري، عن عائشة على خلاف بينهم في رفعه ووقفه على النحو التالي:\nأما طريق معاذة بنت عبد الله، عن عائشة مرفوعًا.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٠) عن عبد الرحيم بن سليمان.\nوأحمد (٦/ ٢٣٦) عن يزيد بن هارون.\nوأخرجه أيضًا (٦/ ١٧١) عن محمد بن جعفر.\nوأخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده (١٣٧٩) عن عبدة بن سليمان.\nوأبو يعلى (٤٥١٤) من طريق محمد بن بكر.\nوأخرجه البيهقي (١/ ١٠٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، كلهم (عبد الرحيم، ويزيد بن هارون، ومحمد بن جعفر، وعبدة، ومحمد بن بكر، وعبد الوهاب بن عطاء) رووه عن سعيد بن أبي عروبة.\nوعبدة بن سليمان وعبد الوهاب بن عطاء ممن سمع من سعيد قبل الاختلاط، وكذلك محمد بن جعفر على الصحيح.\nوأخرجه أحمد كما في حديث الباب، وأبو يعلى في مسنده (٤٨٥٩) وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٥٦) من طريق همام.\nوأخرجه الترمذي (١٩)، وابن حبان (١٤٤٣) والنسائي في المجتبى (٤٦)، وفي الكبرى (٤٦)، والبيهقي (١/ ١٠٦) من طريق أبي عوانة، ثلاثتهم (سعيد بن أبي عروبة، وهمام، وأبو عوانة) رووه عن قتادة، عن معاذة، عن عائشة مرفوعًا.\nوأخرجه أحمد (٦/ ١١٣، ١١٤) حدثنا يونس، ثنا أبان، عن قتادة ويزيد الرشك، عن معاذة به. =","vol":"7","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهنا أبان يروي الحديث من طريق يزيد الرشك مرفوعًا.\nوكذا رواه ابن الأعرابي في معجمه (٢٠٦٩)، والطبراني في مسند الشاميين (١٢٨٣) من طريق ابن شوذب، عن يزيد الرشك مرفوعًا، وفي إسناده الطبراني شيخه بكر بن سهل فيه ضعف، وفي إسناد ابن الأعرابي شيخه (ابن أبي أسامة) متهم.\nوالمحفوظ أن قتادة وحده يرفعه، ويزيد الرشك يرويه عن معاذة، عن عائشة موقوفًا عليها.\nفقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٣٣) حدثنا ابن علية، عن يزيد الرشك، عن معاذة، عن عائشة موقوفًا عليها.\nوأشار البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٠٠) أن أبا قلابة ويزيد الرشك روياه عن معاذة، عن عائشة موقوفًا عليها.\nوذكر ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٤٢) أن شعبة يرويه عن يزيد الرشك، عن معاذة موقوفًا عليها أيضًا.\nوكذلك روى البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٠٠) من طريق الحسن، عن معاذة (أم الصهباء) عن عائشة موقوفًا عليها.\nورجح أبو رزعة كما في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٢) رواية قتادة المرفوعة.\nوقال البيهقي (١/ ١٠٦) «ورواه أبو قلابة وغيره، عن معاذة العدوية، فلم يسنده إلى فعل النبي ﷺ، وقتادة أحفظ».\nورواه الطبراني في الأوسط (٨٩٤٨) من طريق عبد الله بن المغيرة، حدثنا هشام بن حسان، عن عائشة بنت عرار، عن معاذة به، مرفوعًا.\nوعبد الله بن المغيرة ضعيف الحديث، وشيخ الطبراني مقدام بن داود الرعيني، ضعيف الحديث أيضًا.\nوأما طريق ابن سيرين عن عائشة موقوفًا عليها:\nفرواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٠) حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، عن عائشة موقوفًا عليها.\nورجاله ثقات، وقد صرح هشيم بالتحديث إلا أن ابن سيرين لم يسمع من عائشة، كما أخبر بذلك أبو حاتم وابن معين وغيرهما.\nوأما طريق أبي عمار، عن عائشة مرفوعًا.\nفوراه أحمد (٦/ ٩٣) وإسحاق في مسنده (١٧٢٦) والبيهقي في السنن (١/ ١٠٦) من طريق الأوزاعي، حدثني أبو عمار، عن عائشة مرفوعًا.\nقال البيهقي: «قال أحمد: هذا مرسل، أبو عمار لا أراه أدرك عائشة».\nورواه أبو سليمان عن عائشة مرفوعًا، رواه الطبراني في الأوسط (٥٤٣٥) من طريق أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سليمان به. وأيوب ضعيف الحديث. =","vol":"7","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3580>الدليل الرابع:</span>\n(١٥٣٠ - ٢٧٢) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هناد بن السري، ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود،\nعن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ خرج من غائط قط إلا مس ماء (^١).\n[المحفوظ أنه عن إبراهيم، عن رسول الله مرسل] (^٢).\n_________\n= وقال الدارقطني في العلل (١٤/ ٤٢٨): «اختلف في رفعه على معاذة:\nفرواه، قتادة، عن معاذة مرفوعًا.\nورواه أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، واختلف عنه في رفعه:\nفرفعه معمر، وحماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، عن عائشة.\nووقفه إبراهيم بن طهمان، عن أيوب.\nورواه يزيد الرشك واختلف عنه:\nفرفعه أبان العطار، وعبد الله بن شوذب، عن يزيد الرشك.\nووقفه شعبة، وحماد بن زيد، عنه.\nورواه عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة، موقوفًا أيضًا.\nورواه ابن حسان، واختلف عنه؛\nفرواه عمر بن المغيرة، عن هشام بن حسان، عن عائشة بنت عرار، عن معاذة، عن عائشة، ورفعه إلى النبي ﷺ.\nوتابعه زائدة، عن هشام بن حسان، على إسناده، إلا أنه وقفه على عائشة.\nورواه عبد الله بن رجاء المكي، عن هشام، عن معاذة، عن عائشة، مرفوعًا، وأسقط منه عائشة بنت عرار.\nووقفه إسحاق بن سويد، عن معاذة، ورفعه صحيح.\nورواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، مرفوعًا.\nوكذلك قال الأوزاعي: عن أبي عمار، عن عائشة». اهـ نقلًا من علل الدارقطني.\n(^١) سنن ابن ماجه (٣٥٤).\n(^٢) رواه منصور، واختلف عليه:\nفرواه أبو الأحوص كما في سنن ابن ماجه (٣٥٤)، وابن حبان في صحيحه (١٤٤١)، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.\nوخالفه جرير كما في مسند إسحاق بن راهويه (١٥٠٦) فرواه عن منصور، عن إبراهيم، قال: لم ير رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط، ولا خرج من الخلاء إلا مس ماء.","vol":"7","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3581>الدليل الخامس:</span>\n(١٥٣١ - ٢٧٣) ما رواه إسحاق بن راهوية في مسنده، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، نا شريك، عن جابر، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي،\nعن عائشة، أن رسول الله ﷺ غسل مقعدته ثلاثًا. وقال ابن عمر: قد فعلناه فوجدناه دواءً وطهورًا (^١).\n[ضعيف جدًا] (^٢).\nولا أعلم دليلًا في مشروعية العدد في الاستنجاء بالماء، إنما جاء العدد في الاستجمار بالحجارة في أحاديث صحيحة سوف نعرض لها إن شاء الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3582> دليل من قال: لا يستنجي بالماء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3583>الدليل الأول:</span>\nأن الماء مطعوم، فيجب تكريمه، والاستنجاء به إهانة له.\n• ويناقش:\nبأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون نظرًا فاسدًا، فقد ثبت تطهير دم الحيض بالماء، وتطهير بول الأعرابي بالماء، وأحاديثهما في الصحيحين، فدل على أن ذلك لا يعتبر امتهانًا للماء، وقد أنزل الله الماء مطهرًا قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)\n_________\n(^١) مسند إسحاق (١٦٠٤).\n(^٢) فيه جابر الجعفي رافضي، وفيه شريك سيء الحفظ، وزيد العمي ضعيف أيضًا، فهو مسلسل بالضعفاء.\nورواه ابن ماجه (٣٥٦) من طريق وكيع، عن شريك به.\nوقال في مصباح الزجاجة (١/ ٥٤): «هذا إسناد فيه زيد العمي، وهو ضعيف، وجابر هو الجعفي، وإن وثقه شعبة وسفيان الثوري فقد كذبه أيوب السختياني وزاده، بل قال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي وكذبه غيرهم. انتهى.\nورواه محمد بن يحيى ابن عمر العدني في مسنده عن وكيع بإسناده ومتنه». اهـ","vol":"7","page":467},{"text":"[الفرقان: ٤٨]، فامتن الله علينا بكونه مطهرًا لنا من النجاسات والأحداث، فترك التطهر بالماء مخالف للمقصد الشرعي من إنزاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3584>الدليل الثاني:</span>\nأن في الاستنجاء بالماء تلفًا للماء.\n• ويناقش:\nبأن إتلاف الماء في مقابل منفعة، وأي منفعة تحصيل الطهارة الواجبة لأعظم أركان الإسلام العملية وهي الصلاة، فلا يعتبر ذلك منهيًا عنه، وإنما المنهي عنه إتلاف المال بلا منفعة، ولذلك الوضوء والغسل فيه استهلاك للماء، ولا يعتبر ذلك إتلافًا منهيًا عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3585>الدليل الثالث:</span>\nأنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء.\nوأجيب:\nبأن هذا التعليل لا يرجع إلى استعمال الماء، وإنما لمباشرة اليد بالنجاسة، ويمكن علاج ذلك بتنظيف اليد بعده بالصابون ونحوه، وغاية ما فيه تفضيل الحجارة على الماء، مع أن الماء أبلغ في التطهير، ويمكن إرسال الماء على المحل بدون مباشرة النجاسة، فلا يبقى باليد نتن، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3586>الفصل الثاني\nأيهما أفضل الاستنجاء أم الاستجمار</span>؟\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الغاية من الاستنجاء التطهير، والماء أبلغ في ذلك؛ لأنه قالع للنجاسة، والحجر مخفف لها.\n[م-٦٦٦] الاستنجاء بالماء أفضل، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\nوقيل: الاستجمار أفضل، وهو رواية عن أحمد (^٢)، ومنقول عن بعض السلف (^٣).\n_________\n(^١) انظر مذهب الحنفية: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٠٦)، تبيين الحقائق (١/ ٧٧)، البحر الرائق (١/ ٢٥٤)، الفتاوى الهندية (١/ ٤٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٨).\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٨٤)، شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٧٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١١١)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٣).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١١٥)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٥)، التنبيه (ص: ١٨)، روضة الطالبين (١/ ٧١)، شرح زبد الرسلان (ص: ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٣).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ١٠٥)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٦١٠)، المغني (١/ ١٠١)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٤).\n(^٢) ذكرها صاحب الفروع (١/ ١١٩).\n(^٣) قدمت أقوالهم مسندة في مسألة: خلاف العلماء في الاستنجاء بالماء، وفي المغني (١/ ١٠١): وحكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء. وقال سعيد بن المسيب: وهل يفعل ذلك إلا النساء؟ وقال عطاء: غسل الدبر محدث، وكان الحسن لا يستنجي بالماء، وروي عن حذيفة القولان جميعًا، وكان ابن عمر لا يستنجي بالماء ثم فعله.","vol":"7","page":469},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3587> دليل من قال: الماء أفضل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3588>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن الماء قالع للنجاسة، والحجر مخفف لها، وما كان قالعًا للنجاسة فهو أفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3589>الدليل الثاني:</span>\n(١٥٣٢ - ٢٧٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا، معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3590>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن الماء هو الأصل في تطهير النجاسات، وقد نص عليه في تطهير بول الأعرابي، وفي تطهير الثوب من دم الحيض، وفي تطهير المذي وفي غيرها، بينما يرى كثير من الفقهاء أن الاستجمار على خلاف الأصل، وأنه رخصة تخفيفًا عن الأمة؛ لأن الماء قد لا يكون موجودًا في كل مكان، والبول والغائط قد يأتي فجأة.\n• تعليل من قال: الحجر أفضل:\nالتعليل الأول:\nأنه هو المعروف عند أكثر الصحابة.\nويجاب:\nبأن الحجر في بلاد الحجاز متوفر أكثر من الماء والذي يجلب من الآبار.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤٤).\n(^٢) انظر تخريجه وافيًا في المسألة التي بعد هذه.","vol":"7","page":470},{"text":"التعليل الثاني:\nأن الماء مطعوم، فيجب تكريمه، والاستنجاء به إهانة له.\nالتعليل الثالث:\nأن في الاستنجاء بالماء تلفًا للماء.\nالتعليل الرابع:\nأنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء.\nوقد أجبت عن هذه الأدلة في ما سبق. والقول الأول هو الراجح.\n* * *","vol":"7","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3591>الفصل الثالث\nفي الجمع بين الحجارة والماء</span>\nمباشرة النجاسة إن كان الأصل فيها المنع وإنما جازت من أجل التخلص منها، فاستعمال الحجارة قبل الاستنجاء يخفف أثر النجاسة قبل مباشرتها، وهذا مطلوب في الجملة.\nوإن كانت مباشرة النجاسة ليست ممنوعة في الشرع إلا في وقت تكون الطهارة من النجاسة مطلوبة للصلاة لم تكن هذه المصلحة ظاهرة.\n[م-٦٦٧] إذا علم ذلك نأتي إلى أقوال أهل العلم في الجمع بين الحجارة والماء.\nذهب الجمهور إلى استحباب الجمع بين الحجارة والماء، فيقدم الحجارة لتخفيف النجاسة، ثم يتبعها الماء (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (١/ ٢١)، تبيين الحقائق (١/ ٧٧)، البحر الرائق (١/ ٢٥٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٠)، شرح فتح القدير (١/ ٢١٤).\nوانظر في مذهب المالكية: الفواكه الدواني (١/ ١٣٣)، شرح الزرقاني (١/ ٧٥)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٤)، القوانين الفقهية (ص: ٢٩)، وقال العدوي في حاشيته (١/ ٢٢٤): «حاصل ما في ذلك المقام أن الجمع بين الماء الحجر هو الأفضل على الإطلاق، ثم يلي ذلك الجمع بين الماء وغير الحجر من كل طاهر منق، ثم الماء وحده، ثم الحجر وحده، ثم غير الحجر وحده من كل طاهر منق. فالمراتب خمسة لا ثلاثة كما ذكره بعض الشراح». اهـ\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٣٧)، روضة الطالبين (١/ ٧١)، الإقناع للشربيني (١/ ٥٣)، شرح زبد بن رسلان (ص: ٥٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفروع (١/ ١٢٢)، المبدع (١/ ٨٨)، الإنصاف (١/ ١٠٤)، حاشية الروض (١/ ١٣٨)، شرح العمدة (١/ ١٥٣)، الكافي (١/ ٥٢).","vol":"7","page":472},{"text":"وقيل: لا تجزئ الحجارة مع القدرة على الماء، اختاره ابن حبيب من المالكية (^١).\nوقيل: لا يجوز الاستنجاء بالماء، وهو مذهب قديم مهجور لبعض السلف، وسبق ذكر دليله والجواب عنه.\nومنع بعض العلماء المعاصرين الجمع بينهما، واعتبر الجمع بين الحجارة والماء من البدع، حيث لم يثبت في السنة الجمع بينهما (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3592> دليل من قال باستحباب الجمع بين الحجارة والماء:</span>\nذكروا دليلين، صريح ضعيف، وصحيح غير صريح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3593>الدليل الأول:</span>\n(١٥٣٣ - ٢٧٥) ما رواه البزار، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد ابن محمد بن عبد العزيز، وجدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله،\nعن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية في أهل قباء (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) فسألهم رسول الله ﷺ، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء.\nقال البزار: «لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه». اهـ\n[ضعيف جدًا، والمعروف من حديث أهل قباء ذكر الاستنجاء بالماء دون ذكر الحجارة] (^٣).\n_________\n(^١) البيان والتحصيل (١٧/ ٤٨٥)، المفهم للقرطبي (١/ ٥٢٠)، ونقل خلافه عن ابن حبيب، فقد قال الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٢٨٣): «وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم. ثم قال: والمنقول عن ابن حبيب أنه منع الاستجمار مع وجود الماء». اهـ وعليه فيكون هناك قولان متقابلان عن ابن حبيب: الأول: المنع من الاستنجاء بالماء، والمنع من الاستنجاء بالحجارة.\n(^٢) تمام المنة في التعليق على فقه السنة (ص: ٦٥).\n(^٣) لم يروه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، انفرد به عنه ابنه أحمد بن محمد، وأحمد وأبوه لا يحتج بهما. =","vol":"7","page":473},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في إسناده محمد بن عبد العزيز بن عمر.\nقال ابن أبي حاتم: سألت أبى عنه فقال هم ثلاثة إخوة محمد بن عبد العزيز، وعبد الله بن\nعبد العزيز، وعمران عبد العزيز، وهم ضعفاء الحديث ليس لهم حديث مستقيم، وليس لمحمد عن أبى الزناد والزهري وهشام بن عروة حديث صحيح. الجرح والتعديل (٨/ ٧).\nوقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (١/ ١٦٧).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٥٢٨).\nوقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات، وإذا انفرد أتى بالطامات عن أقوام أثبات حتى سقط الاحتجاج به، وهو الذي جلد بمشورته مالك بن أنس. المجروحين (٢/ ٢٦٣).\nوقال الدارقطني: ضعيف. لسان الميزان (٥/ ٢٥٩).\nوفي إسناده أيضًا: ابنه أحمد بن محمد بن عبد العزيز مجهول الحال، لم يوثقه أحد.\nكما أن في إسناده أيضًا: عبد الله بن شبيب، ذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل بأنه رفيق أبيه بمدينة الرسول ﷺ وقد سمع منه والده، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٥/ ٨٣).\nوقال ابن حبان: أخبرنا عن شيوخنا يقلب الأخبار ويسرقها لا يجوز الاحتجاج به لكثرة ما خالف أقرانه في الروايات عن الأثبات. المجروحين (٢/ ٤٧).\nوقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث. لسان الميزان (٣/ ٢٩٩).\nوقال فضلك الرازي: يحل ضرب عنقه. تاريخ بغداد (٩/ ٤٧٤).\nومع ضعف إسناده فقد انفرد هؤلاء الضعفاء بذكر الجمع بين الحجارة والماء، والمعروف من حديث أهل قباء الاستنجاء بالماء وحده، جاء من عدة أحاديث منها:\nالحديث الأول:\nما رواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٦٧) ح ١١٠٦٥، والحاكم (١/ ١٨٧) وعنه البيهقي (١/ ١٠٥) من طريق ابن إسحاق، عن الأعمش، عن مجاهد،\nعن ابن عباس: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا) قال: لما نزلت هذه الآية بعث رسول الله ﷺ إلى عويم بن ساعدة، فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ فقالوا: يا نبي الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل دبره. -أو قال مقعدته- فقال النبي ﷺ: ففي هذا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقد حدث به سلمة بن الفضل هكذا عن محمد ابن إسحاق. وأقره الذهبي.\nقلت: قال أبو حاتم في العلل (٢/ ٢١٠): «الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس».\nومع ضعف إسناده إلا أنه أقوى من طريق البزار، وله شواهد كما سيأتي. =","vol":"7","page":474},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحديث الثاني:\nما رواه أحمد (٣/ ٤٢٢) والطبري في التفسير (١١/ ٦٩٠)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٤٠) رقم ٣٤٨ عن حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، ثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة الأنصاري، أنه حدثه أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء، فقال: إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء والطهور في قصة مسجدكم، فماذا هذا الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٠) والطبراني في الأوسط (٥٨٨٥) وفي الصغير (٨٢٨) من طريق إسماعيل بن صبيح اليشكري.\nوأخرجه ابن خزيمة (٨٣) والحاكم (١/ ١٥٥) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، كلاهما عن أبي أويس به.\nوفي إسناده أبو أويس عبد الله بن عبد الله المدني، جاء في ترجمته:\nقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٦٧٤).\nقال الدارقطني: في حفظه شيء. من تكلم فيه (٣٩٧).\nوفي إسناده أيضًا شرحبيل بن سعد، جاء في ترجمته:\nقال ابن أبى ذئب: حدثنا شرحبيل بن سعد، وكان متهمًا. الجرح والتعديل (٤/ ٣٣٨).\nوقال الدوري، عن يحيى بن معين، قال: شرحبيل بن سعد ليس بشيء، هو ضعيف. المرجع السابق.\nوقال ابن أبي حاتم: سألت أبى عن شرحبيل بن سعد، وقيل له: في حديثه لين؟ قال: نعم ضعيف الحديث.\nوقال أبو زرعة: مديني، فيه لين. المرجع السابق.\nكما أن فيه علة أخرى، وهو سماع شرحبيل من عويم، قال ابن حجر: وفي سماعه من عويم فيه نظر؛ لأن عويمًا مات في حياة الرسول ﷺ ويقال: في خلافة عمر ﵁. تهذيب التهذيب (٢/ ١٥٨).\nوقد صححه الحاكم.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١٢): «رواه أحمد والطبراني في الثلاثة، وفيه شرحبيل بن سعد، ضعفه مالك وابن معين وأبو زرعة، ووثقه ابن حبان». اهـ\nوجاءت متابعة لشرحبيل بن سعد، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٤١) حدثنا هشيم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن مجمع بن يعقوب بن مجمع، أن رسول الله ﷺ قال لعويم ابن ساعدة: ما هذا الطهور الذي أثنى الله به عليكم؟ قالوا: نغسل الأدبار. =","vol":"7","page":475},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومجمع لم يدرك عويمًا؛ لأن عويمًا مات في خلافة عمر ﵁، ومجمع مات سنة ستين ومائة، وقيل: بعدها.\nالحديث الثالث:\nما رواه أبو داود (٤٤) والترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧) قالوا: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا، معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية.\nومن طريق أبي داود رواه البيهقي (١/ ١٠٥).\nوإسناده ضعيف، في إسناده يونس بن الحارث:\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ذكر أبى يونس بن الحارث، فقال: أحاديثه مضطربة. قال: وسألته مرة أخرى، فضعفه. الجرح والتعديل (٩/ ٢٣٧).\nوقال يحيى بن معين: ضعيف لا شيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٦٢٠).\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٦١).\nوفي إسناده أيضًا إبراهيم بن أبي ميمونة، لم يرو عنه إلا يونس بن الحارث، ولم يوثقه إلا ابن حبان حيث ذكره في الثقات (٦/ ١٩)، وفي التقريب: مجهول الحال.\nالحديث الرابع:\nما رواه ابن ماجه (٣٥٥) قال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عتبة بن\nأبي حكيم، حدثني طلحة بن نافع أبو سفيان قال:\nحدثني أبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك، أن هذه الآية نزلت (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قال رسول الله ﷺ: يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل، من الجنابة ونستنجي بالماء، قال: فهو ذاك فعليكموه.\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٥٥) وعنه البيهقي (١/ ١٠٥) من طريق محمد بن شعيب بن شابور، حدثني عتبة بن أبي حكيم به.\nوفي إسناده عتبة بن أبي حكيم:\nقال الجوزجاني: يروي عن أبي سفيان طلحة بن نافع حديثًا يجمع فيه جماعة من أصحاب النبي ﷺ لم نجد منها ثم الأعمش ولا ثم غيره مجموعة. يعني: حديثنا هذا. أحوال الرجال (٣٠٩).\nوكان أحمد يلينه. بحر الدم (٦٦٩). =","vol":"7","page":476},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. الكامل (٥/ ٣٥٧).\nوقال عباس الدوري والمفضل بن غسان الغلابي، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو بكر بن\nأبي خيثمة عن يحيى بن معين: ضعيف الحديث. تهذيب الكمال (١٩/ ٣٠٢).\nوقال الآجري، عن أبي داود: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنه لمنكر الحديث.\nوقال أبو حاتم الرازي: كان أحمد بن حنبل يوهنه قليلًا. الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٠).\nوقال عثمان بن سعيد الدارمي، عن دحيم: روى عنه الشيوخ، لا أعلمه إلا مستقيم الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: صالح لا بأس به. الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٠).\nوقال النسائي: ضعيف، وقال في موضع آخر: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال الدارقطني: ليس بالقوي.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا.\nكما أن في إسناده هشام بن عمار، قال الحافظ في التقريب: صدوق كبر، فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح.\nوقال أبو داود كما في التهذيب: قد حدث هشام بأرجح من أربعمائة حديث ليس لها أصل.\nوقال أبو حاتم: هشام صدوق، ولما كبر تغير حفظه، وكل ما دفع إليه قرأه، وكل ما لقن تلقن، وكان قديمًا أصح.\nولم يخرج له البخاري في صحيحه سوى حديثين قد توبع عليهما.\nكما أن أبا سفيان طلحة بن نافع مختلف فيه، وقال ابن عيينة: أحاديثه عن جابر صحيفة، وقال شعبة: لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث. اهـ\nوليس له في البخاري إلا أربعة أحاديث مقرونًا فيها بغيره، فالحديث إسناده ضعيف.\nوقد ضعفه الحافظ في التلخيص (١/ ٢٠٠)، وابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ١٠٥)، وحسن إسناده الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢١٩).\nالحديث الخامس:\nما رواه أحمد (٦/ ٦) قال: ثنا يحيى بن آدم، ثنا مالك -يعني: ابن مغول- قال: سمعت يسارًا\nأبا الحكم غير مرة يحدث عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله ﷺ علينا في قباء، قال: إن الله ﷿ قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا، أفلا تخبروني قال: يعني: قوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قال: فقالوا يا رسول الله: إنا نجده مكتوبًا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤١) حدثنا يحيى بن آدم به. =","vol":"7","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3594>الدليل الثاني:</span>\nوأما الدليل الصحيح في الجمع بين الحجارة والماء، إلا أنه ليس صريحًا.\n(١٥٣٤ - ٢٧٦) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،\nعن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة، فقال: أبغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت. فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا (^١).\n_________\n= ورواه الطبري في تفسيره (١١/ ٣١) من طريق ابن المبارك، عن مالك بن مغول به.\nوفي إسناده شهر بن حوشب، مختلف فيه، والأكثر على ضعفه. وفي التقريب: صدوق كثير الإرسال والأوهام.\nوقد اختلف على شهر بن حوشب، فرواه الطبراني في الكبير (٨/ ١٢١) رقم ٧٥٥٥، وفي الأوسط (٣/ ٢٣١) رقم (٣٠٠٧) من طريق يحيى بن العلاء، عن ليث، عن شهر، عن أبي إمامة.\nوهذا إسناد ضعيف جدًا، أو موضوع.\nيحيى بن العلاء، جاء في ترجمته:\nقال أحمد: كذاب يضع الحديث. تهذيب التهذيب (١١/ ٢٢٩)، الكشف الحثيث (٨٤٠).\nوقال وكيع: كان يكذب، حدث في خلع النعلين عشرين حديثًا. تهذيب الكمال (٣١/ ٤٨٤).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٦٢٧).\nوقال يحيى بن معين: ليس بثقة. ضعفاء العقيلي (٤/ ٤٣٧).\nوليث بن أبي سليم ضعيف هو الآخر.\nورواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٣٥٨) من طريق سلام الطويل، عن زيد العمي، عن أبي عثمان الأنصاري، عن ابن عمر، عن عبد الله بن سلام نحوه.\nوسلام الطويل متروك، وزيد العمي ضعيف، فالإسناد ضعيف جدًا.\n(^١) صحيح البخاري (٣٨٦٠).","vol":"7","page":478},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته) فالماء كان للوضوء والحاجة، أي لطهارة الحدث والخبث، قال: فقال: (أبغني أحجارًا استنفض بها) وقد طلب الرسول ﷺ الحجارة، فيبعد أن يسعى أبو هريرة بحمل الماء لحاجة النبي ﷺ، ثم لا يستعمله، وهو أولى من الحجارة، وأشد أنقاء، فربما طلب الحجارة ليخفف أثر النجاسة، ثم يزيل عينها بالماء، وهو ليس صريحًا بأنه استعملهما معًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3595>الدليل الثالث:</span>\nأن الرسول ﷺ ربما جمع بين التراب والماء في طهارة غير الاستنجاء، والاستنجاء مقيس عليها.\n(١٥٣٥ - ٢٧٧) قال البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،\nعن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري اللفظ له ومسلم (^١). صحيح البخاري: (٣٨٦٠)\nولفظ مسلم: ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة. الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3596>الدليل الرابع:</span>\n(١٥٣٦ - ٢٧٨) من الآثار، ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، قال: قال علي: إن من كان قبلكم كانوا يبعرون بعرًا، وإنكم تثلطون ثلطًا، فأتبعوا الحجارة بالماء (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣١٧).\n(^٢) المصنف (١/ ١٤٢).","vol":"7","page":479},{"text":"[إسناده ضعيف] (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3597> دليل من قال: لا يجمع بين الحجارة والماء:</span>\nقال بعض العلماء المعاصرين: «الجمع بين الحجارة والماء في الاستنجاء لم يصح عنه ﷺ، فأخشى أن يكون من الغلو في الدين؛ لأن هديه ﷺ الاكتفاء بأحدهما، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها» (^٢).\nوأخشى أن يكون المنع منه فيه غلو أيضًا، وإزالة النجاسة ليست كالعبادات\n_________\n(^١) عبد الملك بن عمير لم يسمع من علي، وقد ذكر المزي أنه رأى عليًا، ولم يذكر أنه روى عنه، وإذا كان تاريخ وفاته سنة ١٣٦ هـ، ومات وله ثلاث ومائة سنة، فيكون مولده على هذا سنة ٣٣ هـ، وقد مات علي ﵁ سنة أربعين، فيكون عمره على ذلك سبع سنوات، فلا أرى أنه يصح له سماع، وإن كان أحد قال: إنه سمع منه، فيحتمل على أنه قيل: إن وفاته سنة ١٠٢ هـ، على ما ذكره خليفة بن خياط في طبقاته (١٦٣).\nوعبد الملك بن عمير مدلس، ولم يصرح بالسماع، وانظر حاشية محقق تهذيب الكمال للمزي للأستاذ بشار عواد، والله أعلم.\nوقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢١٩): إسناده جيد.\nوقد رواه الدارقطني في العلل (١/ ٥٥) عن الثوري، عن عبد الملك بن عمير به.\nوأخرجه البيهقي في السنن (١/ ١٠٦) من طريق زائدة ومعمر، عن عبد الملك به. وليس في رواية معمر: (فأتبعوا الحجارة بالماء)، قال: أليس هذا من قديم حديث عبد الملك، فإن عبد الملك يروي عن الشباب.\nوقال الدارقطني في العلل (٤/ ٥٤): رواه الجماعة عن عبد الملك بن عمير، منهم سفيان الثوري وعلي بن صالح ومسعر وحبان بن علي وزائدة، واختلف عنه: فقال معاوية، عن زائدة والباقون معه عن عبد الملك بن عمير، قال: قال علي.\nوخالفهم عمرو بن مرزوق، عن زائدة فقال: عن عبد الملك بن عمير، عن كردوس الثعلبي، عن علي، قاله سعيد، عن عثمان الأهوازي، عنه.\nوقال جرير بن عبد الحميد: عن عبد الملك بن عمير، عن رجل، عن علي، ولم يسمعه وكذلك رواه السدي، عن رجل لم يسمه، عن علي.\nوقيل: عن السدي، عن عبد خير. ولا يثبت في هذا عبد خير، والله أعلم.\n(^٢) تمام المنة (ص: ٦٥).","vol":"7","page":480},{"text":"التوقيفة التي يطلب منها موافقة الشارع في الجنس والصفة والمقدار، والوقت؛ فمناديل الورق ليست موجودة في ذلك العهد، ولو أزال بها الإنسان ابتداء، ثم أتبع الماء لكان ذلك من النظافة، وباب التروك أخف من باب فعل المأمورات، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3598>الفصل الرابع متى يتعين الاستنجاء بالماء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3599>المبحث الأول إذا تجاوز الخارج موضع العادة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل.\n• ما قارب الشيء هل يعطى حكمه؟\n• الاستجمار هل هو رخصة، أو عزيمة؟\nوعلى التسليم بأنه رخصة:\nهل النجاسة القريبة من محل الاستنجاء، يكفي فيها الاستجمار بالحجارة؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه.\nأو لا بد من غسلها بالماء؛ لأن الرخصة في الاستجمار بالحجارة قاصرة على محل الاستنجاء، دون ما قرب منه.\n[م-٦٦٨] سبق أن ذكرنا الأدلة الكثيرة على جواز الاستجمار، وهو مذهب السواد الأعظم من الناس، واختلف الفقهاء في بعض الصور، هل يجزئ الاستجمار أو يتعين الماء، فمن هذه الصور التي يتعين فيها الماء عند بعض الفقهاء إذا تجاوز الخارج الموضع المعتاد.","vol":"7","page":482},{"text":"فقيل: لا تجزئ الحجارة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١)،\nإلا أن الحنفية قالوا: يكفي أي مائع طاهر مزيل (^٢).\nوقال الباقي: يتعين الماء الطهور.\nواختلفوا في مقدار التجاوز:\nفقيل: أن يكون انتشار النجاسة أكثر من قدر الدرهم مع سقوط موضع الاستنجاء، وهو مذهب الحنفية (^٣).\nوقيل: إذا انتشر انتشارًا كثيرًا: وهو ما زاد على ما جرت العادة بتلويثه كأن ينتهي إلى الألية. وهو مذهب المالكية، والشافعية (^٤).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٥٤)، مراقي الفلاح (ص: ١٨)، الفتاوى الهندية (١/ ٤٨)، مجمع الأنهر (١/ ٦٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٩).\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٨٥)، الخرشي (١/ ١٤٨، ١٤٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، منح الجليل (١/ ١٠٥).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢٢)، المجموع (٢/ ١٤٢)، روضة الطالبين (١/ ٦٨)، حلية العلماء (١/ ٦٦)، المهذب (١/ ٢٨)، شرح زبد ابن رسلان (ص: ٥٣)، مغني المحتاج (١/ ٤٥).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المبدع (١/ ٨٩)، شرح العمدة (١/ ١٥٧)، الإنصاف (١/ ١٠٥)، كشاف القناع (١/ ٦٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٤)، الفروع (١/ ١١٩، ١٢٠).\n(^٢) انظر البحر الرائق (١/ ٢٥٤).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٥٤)، وهذا رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، فلو كان المجاوز للمخرج لا يجاوز قدر الدرهم في نفسه، وإنما بضم ما على المخرج إليه، فإنه لا يتعين الماء، ويكفي الحجارة؛ لأن ما على المخرج ساقط شرعًا، ولهذا لا تكره الصلاة معه فبقي المجاوز غير مانع، خلافًا لمحمد بناء على أن ما على المخرج في حكم الباطن عندهما، وفي حكم الظاهر عنده.\nوقال البحر الرائق (١/ ٢٥٥) نقلًا من السراج الوهاج: «هذا حكم الغائط إذا تجاوز، وأما البول إذا تجاوز عن رأس الإحليل أكثر من قدر الدرهم، فالظاهر أنه يجزئ فيه الحجر عند\nأبي حنيفة، وعند محمد لا يجزئ فيه الحجر إلا إذا كان أقل من قدر الدرهم». اهـ\n(^٤) قال النووي في المجموع (٢/ ١٤٢): قال أصحابنا: إذا خرج الغائط فله أربعة أحوال:\nأحدها: أن لا يجاوز نفس المخرج فيجزئه الأحجار بلا خلاف.\nالثاني: أن يجاوزه، ولا يجاوز القدر المعتاد من أكثر الناس، فيجزئه الحجر أيضا؛ لأنه يتعذر =","vol":"7","page":483},{"text":"وقيل: إلى نصف الألية اختاره بعض الحنابلة.\nوقيل: المخرج فقط، وهو قول في مذهب الحنابلة أيضًا (^١).\nوقيل: يجزئ الاستجمار مطلقًا، تجاوز الخارج أو لم يتجازو، وهو اختيار ابن تيمية (^٢).\n_________\n= الاحتراز من هذا القدر.\nالحال الثالث: أن ينتشر ويخرج عن المعتاد، ولا يجاوز باطن الألية، فهل يتعين الماء أم يجزئه الحجر؟ فيه قولان (أصحهما) يجزئه الحجر، وهو نصه في الأم (والثاني) يتعين الماء نص عليه في المختصر والقديم.\nالرابع: أن ينتشر إلى ظاهر الأليتين، فيتعين الماء قولًا واحدًا في المذهب. اهـ بتصرف يسير.\nوهل يتعين الماء في الجميع، أو يقتصر بالماء على الموضع الذي تعدى به الخارج عن موضعه؟\nقال العدوي في حاشيته على الخرشي (١/ ١٤٨): يغسل الكل، ولا يقتصر على غسل ما جاوز المعتاد؛ لأنهم قد يغتفرون اليسير منفردًا، دونه مجتمعًا.\nوقال النووي في المجموع (٢/ ١٤٣): «إن كان متصلًا تعين الماء في جميعه كسائر النجاسات لندوره، وتعذر فصل بعضه عن بعض، وإن انفصل بعضه عن بعض تعين الماء في الذي على ظاهر الألية، وأما الذي لم يظهر ولم يتصل فهو على الخلاف والتفصيل السابق إن لم يجاوز العادة أجزأ الحجر، وإن جاوزه فقولان أصحهما: يجزئه أيضا». اهـ\nوالمشهور من مذهب الحنابلة: أنه إذا تجاوز الخارج موضع العادة وجب الماء.\nوقيل: يستجمر بالصفحتين والحشفة، ولا يجب الماء لغير المتعدي.\nقال ابن رجب في قواعده (ص: ٣٩): «لو تعدى الخارج من السبيل موضع العادة فهل يجب غسل الجميع أو القدر المجاوز المطيم العادة ويجزئ الحجر في موضع العادة؟ على وجهين. أشهرهما: أن الواجب غسل المتعدى خاصة، وهو قول القاضي (الكبير) وربما نسبه إلى نص أحمد؛ لأن هذا لا ينسب فيه إلى تفريط وتعد بخلاف الوكيل والمضحي.\nوالثاني: يلزمه غسل الجميع وبه جزم القاضي أبو يعلى الصغير ولم يحك فيه خلافًا». اهـ وانظر الفروع (١/ ١١٩، ١٢٠)، وكشاف القناع (١/ ٦٦)، المحرر (١/ ١٠)، المبدع (١/ ٨٩)، الإنصاف (١/ ١٠٥).\n(^١) اختلف الحنابلة، فحده ابن تيمية كما في المستدرك على مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣): بأن ينتشر الخارج إلى نصف باطن الألية فأكثر، والبول إلى نصف الحشفة فأكثر، وقال ابن عقيل: وحد المخرج نفس الثقب، وقال الخرقي: وما عدا المخرج فلا يجزئ فيه إلا الماء.\n(^٢) قال في الاختيارات (ص: ٩٠): «ويجزئ الاستجمار ولو تعدى الخارج إلى الصفحتين والحشفة وغير ذلك لعموم الأدلة بجواز الاستجمار، ولم ينقل عنه ﷺ في ذلك تقدير». اهـ","vol":"7","page":484},{"text":"• سبب الاختلاف:\nاختلاف الفقهاء في الاستجمار هل هو رخصة، فلا يستعمل إلا فيما جرت فيه العادة، أو ليس برخصة، فيستعمل مطلقًا سواء تجاوز الحدث الموضع المعتاد أم لا؟\nوعلى القول بأنه رخصة، فلا يستعمل إلا في الموضع المعتاد، فإذا تجاوز الخارج الموضع المعتاد، فهل النجاسة لا تزال إلا بالماء فيتعين كمذهب الجمهور، أو تزال بكل مائع مزيل طاهر كمذهب الحنفية، أو تزال بكل مزيل مائعًا كان أو غير مائع، كما هو اختيار ابن تيمية؟\nوهذه مسألة بحثناها في مسألة مستقلة، وذكرنا أدلة كل قول، فلا داعي لإعادتها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3600> دليل من قال: يتعين الماء إذا انتشر الخارج:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3601><span data-type=\"title\" id=toc-3604>الدليل الأول:</span></span>\nقالوا: الرخصة في استعمال الحجارة ورد في المحل المعتاد؛ للمشقة في غسله، لتكرار النجاسة فيه، فما لا يتكرر لا يجزئ فيه إلا الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3602><span data-type=\"title\" id=toc-3605>الدليل الثاني:</span></span>\nلو كانت النجاسة على سائر البدن تعين الماء، كما لو كان البول أو الغائط على يد الإنسان أو ثوبه، فإذا كانت النجاسة على غير المخرج المعتاد، تعين الماء قياسًا عليها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3603> دليل من قال: يجزئ الاستجمار مطلقًا تجاوز أم لا:</span>\nالدليل الأول:\nقال: استعمال الحجارة في الاستجمار جاء في النصوص مطلقًا، غير مقيد بأن تكون النجاسة على المخرج المعتاد، وما كان مطلقًا من النصوص لا يجوز تقييده إلا بنص مثله.\nالدليل الثاني:\nأين الدليل على أن استعمال الحجارة في الاستجمار رخصة، حتى يقال:","vol":"7","page":485},{"text":"لا تستعمل الرخصة إلا بمقدار ما ورد، بل إن القول في تعين الماء في إزالة النجاسة قول تخالفه النصوص الكثيرة، منها طهارة النعل بدلكه بالتراب (^١)، ومنها طهارة ذيل المرأة (^٢)، فليس الاستجمار على خلاف القياس، بل إنه دليل على جواز إزالة النجاسة بكل مزيل.\nفإن قيل: إن الاستجمار قد يبقى بعده أثر يسير، قلنا: إن اليسير من النجاسات معفو عنه مطلقًا في مكان الاستجمار وفي غيره.\n• الراجح:\nأن النجاسات كل النجاسات تزال بأي مزيل كان، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فمتى زالت النجاسة زال حكمها، فالتعبد في الطهارة من النجاسة بالإزالة لا بالمزيل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سبق أن ذكرت حديث أبي سعيد في الباب وخرجته.\n(^٢) سبق أن ذكرنا الأحاديث في الباب وخرجناها.","vol":"7","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3606>المبحث الثاني إذا استجمر بمنهي عنه ثم استجمر بعده بمباح فهل يتعين الماء</span>؟\n[م-٦٦٩] إذا استجمر بمنهي عنه، ثم استجمر بمباح، فاختلف الفقهاء هل يتعين الماء في مثل هذه الصورة، أم يكفي الأحجار؟\nفقيل: إن أنقى المنهي عنه أجزأ مع الإثم. وهو مذهب الحنفية والمالكية.\nوقيل: لا يجزئ، ولو أنقى، لكن إن انتشرت النجاسة تعين الماء، ويكفيه الحجر إن لم تنتشر. وهو مذهب الشافعية.\nوقيل: يتعين الماء، ولو أنقى المنهي عنه، ولا يكفيه الحجارة، وهو المشهور عند متأخري الحنابلة.\nوسبق بحث هذه المسألة والإحالة على المراجع في أكثر من مسألة منها لو استنجى بمطعوم وأنقى، أو استنجى بروث أو عظم كذلك، ومنها لو استنجى بزجاج، فارجع إليها غير مأمور.\n* * *","vol":"7","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3607>المبحث الثالث يتعين الماء في الاستنجاء من المذي</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ما صح في البول صح في المذي.\n• الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه.\n[م-٦٧٠] اختلف الفقهاء في الطهارة من المذي، هل يتعين الماء، أو تكفي الحجارة؟\nفقيل: يتعين الماء وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١)،\nعلى خلاف بينهم هل يجب غسل موضع الحشفة فقط كما هو مذهب الحنفية\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: شرح معاني الآثار (١/ ٤٨)، شرح فتح القدير (١/ ٧٢)، المبسوط (١/ ٦٧).\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٨٥)، الخرشي (١/ ١٤٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١١٢)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٣٢٣).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ١٦٤)، روضة الطالبين (١/ ٦٧)، مغني المحتاج (١/ ٧٩).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفروع (١/ ٢١٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١)، الإنصاف (١/ ٣٣٠)، المبدع (١/ ٢٤٩)، الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني (١/ ٨٧)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٥٦)، المغني (١/ ١١٢).","vol":"7","page":488},{"text":"والشافعية، ونسبه النووي للجمهور (^١)، ورجحه ابن عبد البر (^٢).\nأو يجب غسل الذكر كله، وعليه أكثر أصحاب مالك (^٣)، وهو رواية عن أحمد (^٤).\nأو يجب غسل الذكر كله مع الأنثيين، كما هو مذهب الحنابلة، وذكروه من المفردات، وهو مذهب ابن حزم (^٥).\nوقيل: يجزئ الاستجمار، وهو قول في مذهب الشافعية (^٦).\nوقيل: المذي طاهر، وهو رواية عن أحمد (^٧).\nوقد سبق لنا عند ذكر ما يستنجى منه بحث الاستنجاء من المذي، وذكر أدلة كل قول، والراجح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٦٤).\n(^٢) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٣٢٣).\n(^٣) انظر ما سبق من العزو إلى كتب المذهب.\n(^٤) الكافي في فقه أحمد (١/ ٥٦)، الإنصاف (١/ ٣٣٠).\n(^٥) المحلى (١/ ١١٨).\n(^٦) المجموع (٢/ ١٦٤).\n(^٧) في المبدع شرح المقنع (١/ ١٤٩): «وعن أحمد أن المذي طاهر كالمني، اختاره أبو الخطاب في خلافه؛ لأنه خارج بسبب الشهوة». اهـ وانظر المغني (١/ ٤١٣)، والإنصاف (١/ ٣٤١).","vol":"7","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3608>المبحث الثالث يتعين الماء في الاستنجاء من الدم والقيح</span>\n[م-٦٧١] إذا خرج من مقعد الرجل دم أو قيح وصديد بسبب بواسير أو خرج من فرج المرأة دم لمرض أو حيض (^١)، فهل يجزئ الاستجمار أو يتعين الماء؟\nفيه خلاف.\nفقيل: يتعين المائع، ولا تكفي الحجارة، وهو مذهب الحنفية (^٢)، ومذهب المالكية (^٣)، وقول في مذهب الشافعية (^٤).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ١٤٥): «فإن قيل: لا يمكن الاستنجاء بالحجر من دم الحيض في حق المغتسلة؛ لأنه يلزمها غسل محل الاستنجاء في غسل الحيض، فيقال: صورته فيما إذا انقطع دم الحائض ولم تجد ما تغتسل به. أو كان بها مرض ونحوه مما يبيح لها التيمم؛ فإنها تستنجي بالحجر عن الدم، ثم تتيمم للصلاة بدلا عن غسل الحيض وتصلي، ولا إعادة». اهـ\n(^٢) قال في نور الإيضاح (ص: ١٤): «ويفترض غسل ما في المخرج عند الاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس وإن كان ما في المخرج قليلًا». اهـ\nوقال في تبيين الحقائق (١/ ٧٨): «يجب الاستنجاء بالماء إذا جاوزت النجاسة المخرج؛ لأن ما على المخرج من النجاسة إنما اكتفى فيه بغير الماء للضرورة، ولا ضرورة في المجاوز فيجب غسله، وكذا إذا لم يجاوز وكان جنبا يجب الاستنجاء بالماء لوجوب غسل المقعدة لأجل الجنابة، وكذا الحائض والنفساء لما ذكرنا». اهـ فقوله: وكذا الحائض والنفساء أي يجب الماء، ولا يكفي الحجارة.\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ١١١)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٣)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٤).\n(^٤) قال الشافعي في الأم (١/ ٢٢): «وإن كانت برجل بواسير وقروح قرب المقعدة أو في جوفها، فسالت دمًا أو قيحًا أو صديدًا لم يجزه فيه إلا الاستنجاء بالماء، ولا يجزيه الحجارة، والماء ...\nطهارة الأنجاس كلها، والرخصة في الاستنجاء بالحجارة في موضعها لا يعدى بها موضعها، وكذلك الخلاء والبول إذا عدوا موضعهما فأصابوا غيره من الجسد لم يطهرهما إلا الماء». اهـ\nوقال في البحر الرائق (١/ ٢٥٤): «وأراد بالماء هنا كل مائع طاهر مزيل بقرينة تصريحه أول الباب وهو أولى من حمله على رواية محمد المعينة للماء». اهـ","vol":"7","page":490},{"text":"وقيل: يجزئ الحجر، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (^١)، وهو الراجح.\nوأدلة هذه المسألة هي أدلة المسائل السابقة، والخلاف فيها يرجع إلى مسألة: هل الاستجمار رخصة فيقتصر فيه على ما ورد من بول أو غائط في الموضع المعتاد، أو على وفق القياس فيقاس على البول والغائط كل خارج نجس، وقد أجبت على هذا، وأن الاستجمار على وفق القياس.\nإلا أن الطهارة من دم الحيض والنفاس هي طهارة من الحدث، وليست من الخبث فقط، فلا يجزئ فيها الاستجمار، اللهم إلا أن تكون المرأة عادمة للماء، ويكون التيمم هو المشروع في حقها فإنها تستجمر، ثم تتيمم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ١٤٤): «إذا كان الخارج نادرًا كالدم والقيح والودي والمذي وشبهها فهل يجزئه الحجر؟ فيه طريقان:\nالصحيح منهما -وبه قطع العراقيون أنه على قولين، (أصحهما) يجزئه الحجر، نص عليه في المختصر وحرملة؛ لأن الحاجة تدعو إليه، والاستنجاء رخصة، والرخص تأتي لمعنى، ثم لا يلزم وجود ذلك المعنى في جميع صورها كالقصر وأشباهه.\n(والقول الثاني) يتعين الماء، قاله في الأم، ويحتج له مع ما ذكره المصنف بالحديث الصحيح أن النبي ﷺ: «أمر بغسل الذكر من المذي». اهـ","vol":"7","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3609>المبحث الرابع هل يتعين الماء في بول المرأة</span>؟\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل.\n• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل.\n[م-٦٧٢] يجزئ المرأة الاستجمار من الغائط بالاتفاق، واختلفوا في البول.\nفقيل: لا يجزئ الاستجمار مطلقًا بكرًا كانت أو ثيابًا، بل يتعين الماء، وهو مذهب المالكية (^١).\nوقيل: يجزئ البكر، وهو مذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، واختلفوا في الثيب.\nفقيل: لا يجزئ الاستجمار بحقها مطلقًا، وهو وجه شاذ في مذهب الشافعية (^٤)، وقول في مذهب الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (١/ ١٣٣)، مواهب الجليل (١/ ٢٨٤)، مختصر خليل (ص: ١٥).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٢٨)، حاشية البجيرمي (١/ ٦٢)، روضة الطالبين (١/ ٧١).\n(^٣) المبدع (١/ ٩٠)، الإنصاف (١/ ١٠٦)، المغني (١/ ١٠٥).\n(^٤) قال النووي في المجموع (٢/ ١٢٨): قطع الماوردي بأن الثيب لا يجزئها الحجر، حكاه المتولي والشاشي وصاحب «البيان» وجهًا، وهو شاذ.\n(^٥) المغني (١/ ١٠٥).","vol":"7","page":492},{"text":"وقيل: يجزئ الاستجمار بحقها مطلقًا، وهو قول في مذهبهما (^١).\nوقيل: إن نزل البول إلى ظاهر المهبل، كما هو الغالب لم يكف الا الماء، وإلا كفى، وهو الراجح عند الشافعية (^٢) والحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3610> دليل من قال يتعين الماء في بول المرأة مطلقًا:</span>\nهذا القول يرى أن المرأة لا يجزيها المسح بالحجر من البول لتعديه مخرجه إلى جهة المقعدة، وحملوا كلام ابن المسيب قوله عن الاستنجاء بالماء: هذا وضوء النساء، قالوا: يريد أن ذلك إنما يكون في حق النساء، فإن المرأة لا يجزيها المسح بالحجر من البول؛ لأنه يتعدى مخرجه ويجري إلى مقاعدهن وكذلك الخصي (^٤).\nفرجع الدليل إلى مسألة إذا تجاوز الخارج موضع العادة، وقد ذكرنا بحثه في مسألة مستقلة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3611> دليل من قال: يتعين الماء إذا نزل إلى ظاهر المهبل:</span>\nدليله ما ذكرناه في مسألة مستقلة من أن الخارج إذا تعدى الموضع المعتاد وجب الماء، وأن حقيقة الاستنجاء إنما هو في إزالة الخارج على مخرج البول والغائط، فإذا كانت النجاسة ليست عليهما فلا يسمى استنجاء، وإذا لم يكن استنجاء تعين الماء؛ لأن الاستجمار إنما ورد رخصة في مكانه المعتاد. وقد أجبت عنه هناك، وأنه لا يوجد قيد في الاستجمار أن يكون على الموضع المعتاد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3612> دليل من قال: يجزئ الاستجمار مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3613>الدليل الأول:</span>\nقال: إن الأحاديث في الاستجمار وردت مطلقة، في حق الرجل والمرأة، ولو قدر\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٠٥).\n(^٢) حاشية البجيرمي (١/ ٦٢)، روضة الطالبين (١/ ٧١)، المجموع (٢/ ١٢٨).\n(^٣) المغني (١/ ١٠٥)، الإنصاف (١/ ١٠٦).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٢٨٤) بتصرف يسير.","vol":"7","page":493},{"text":"أنها وردت في الرجال فما ثبت للرجل ثبت للمرأة إلا بدليل، ولا يوجد دليل يخص المرأة من الاستجمار بالأحجار، فمن ادعى خروج المرأة فعليه الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3614>الدليل الثاني:</span>\nأن نزول البول إلى ظاهر المهبل معتاد من المرأة، فلم يخرج عن قاعدتكم إن الخارج تجاوز الموضع المعتاد، وما كان معتادًا لم يستثن من الاستجمار، وهذا على وفق ما قعدتموه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3615>الدليل الثالث:</span>\nقدمنا أن الصحيح في إزالة النجاسة إزالتها بأي مزيل، فإذا زالت فقد زال حكمها، واشتراط أن تكون النجاسة على المخرج شرط غير معتبر على الصحيح، بدليل مسألتنا، فالمرأة معتاد أن البول قد ينزل على ظاهر المهبل، ومع ذلك لم تأت نصوص من الشرع تمنع المرأة من الاستجمار، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3616>المبحث الخامس هل يتعين الماء إذا عرق فسال أثر الاستجمار</span>؟\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• المشقة تجلب التيسير.\n• المتولد من المأذون فيه لا أثر له، بخلاف المتولد من المنهي عنه.\nوعليه فلو عرق محل الاستجمار وسال إلى غيره من البدن عفي عنه في الأصح.\n[م-٦٧٣] إذا عرق فسأل أثر الاستجمار على بدنه أو سراويله، فهل ينجس أم لا؟\nفيه خلاف.\nفقيل: إنه نجس.\nوقيل: طاهر، ولا تتنجس الملابس بذلك.\nوهذه المسألة ترجع إلى مسألة سابقة قد تم بحثها، بعد الاتفاق على أن أثر الاستجمار معفو عنه، فهل هو طاهر أم نجس؟\nفمن قال: إنه نجس فإنه ينجس الثياب والماء والأبدان إذا سال أثر الاستجمار.","vol":"7","page":495},{"text":"ومن قال: إن الاستجمار مطهر، فإنه لا ينجس الثياب ولا الأبدان ولا المياه فيما لو جلس في ماء قليل فسال أثر الاستجمار، فإن أردت الوقوف على أدلة كل فريق فارجع إليه في مسألة أثر الاستجمار هل هو طاهر أم نجس؟\n* * *","vol":"7","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3617>المبحث السادس هل يتعين الماء إذا خرج الحدث من غير السبيلين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل.\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.\n[م-٦٧٤] قد يفتح للإنسان فتحة في بدنه يخرج منها البول والغائط تكون بديلة عن السبيلين، فإذا خرج منها الحدث هل يكفي الاستجمار أم يتعين الماء؟\nفقيل: إذا انسد المخرج المعتاد، وكانت الفتحة تحت المعدة أجزأ الاستجمار قولًا واحدًا في مذهب المالكية (^١)، واختاره بعض الحنابلة (^٢).\nوإن كانت الفتحة فوق المعدة، أو لم ينسد المخرجان فقولان في مذهب المالكية أرجحهما وجوب الماء؛ لأنه غير ناقض.\nوقيل: يجزئ الاستجمار مطلقًا إذا انسد المخرج سواء كانت الفتحة فوق أو تحت المعدة، وهو وجه في مذهب الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٨٥، ٢٩٣)، الخرشي (١/ ١٤٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١١١).\n(^٢) اختاره ابن عقيل والمجد وجماعة من الحنابلة انظر الإنصاف (١/ ١٠٨)، المبدع (١/ ٩٠).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٠٧)، المغني (١/ ١٠٦).","vol":"7","page":497},{"text":"وقيل: لا يجزئ فيه الاستجمار مطلقًا، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3618> دليل من قال: يجزئ فيه الاستجمار مطلقًا:</span>\nقدمنا في مسألة مستقلة أن النجاسة أي نجاسة لا يتعين في إزالتها الماء، بل إذا زالت بأي مزيل زال حكمها، وسقنا الأدلة على ذلك من تطهير النعل بالتراب وكذلك ذيل المرأة وغيرها وقد خرجناها في مكانها، ومثله الاستجمار بالأحجار عزيمة وليس رخصة حتى يقيد ذلك بالسبيلين، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3619> دليل من قال: يتعين الماء:</span>\nرأوا أن الاستجمار رخصة ورد في نجاسة معينة وهي البول والغائط على مخرج معين هما السبيلان، أما إذا خرج من غير السبيلين فإنه مخرج نادر بالنسبة إلى سائر الناس فلم يثبت فيه أحكام الفرج؛ ولأن لمسه لا ينقض الوضوء، ولا يتعلق بالإيلاج فيه شيء من أحكام الوطء أشبه سائر البدن.\nوالصحيح أن هذه التعاليل لا علاقة لها في إباحة الاستجمار على المخرجين فما أبيح الاستجمار على السبيلين لكون مسه ناقضًا، ولا لكون الفرج محلًّا للوطء، فهذه أوصاف لا علاقة لها بالاستجمار، وبالتالي لا يستدل بها على رد الاستجمار على غير السبيلين، وإنما أبيح الاستجمار نظرًا إلى أنه محل تنجس، وأمكن إزالته بحجر أو ورق ونحوها، وهذا لايمنع من إزالته من سائر البدن إما بالقياس الجلي، أو بعموم النص.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3620> دليل من فرق بين ما تحت المعدة وما فوق المعدة:</span>\nرأى أن ما تحت المعدة يلحق بالبول والغائط؛ لأن الجسم يكون قد انتهى من الانتفاع منه وحوله إلى فضلات، وأما ما فوق المعدة فيلحق بالقيء، وهذا له وجه من النظر من حيث الحكم في إلحاقه بالطاهرات أو بالنجاسات، لكننا لا نقصر إزالة\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٦٦)، المبدع (١/ ٩٠)، الإنصاف (١/ ١٠٧)، المغني (١/ ١٠٦)، تصحيح الفروع (١/ ١٧٧، ١٧٨).","vol":"7","page":498},{"text":"النجاسة بالاستجمار على البول والغائط، بل إن سائر النجاسات تزال بأي مزيل طاهر، نعم نقول ما كان فوق المعدة ممكن أن نحكم له بالطهارة، فإن الصحيح أن القيء طاهر، وليس بنجس، وبالتالي لا يحتاج إلى استنجاء أو استجمار، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3621> دليل من اشترط أن ينسد المخرج المعتاد:</span>\nلأنه لا يعطى حكمه حتى يقوم مقامه، ولا يقوم مقامه حتى ينسد المخرج الأصلي.\nوالراجح كما قلنا أن الاستجمار يجزئ مطلقًا، وأن النجاسة تزال بأي مزيل، وأن الاستجمار عزيمة وليس رخصة، وأنه على وفق القياس، والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3622>الباب السابع حكم الترتيب بين الاستنجاء والوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل براءة الذمة وعدم التكليف.\n• إذا صح وضوء الرجل مع وجود نجاسة على بدنه صح وضوؤه مع وجود نجاسة على المخرج؛ إذ لا فرق.\n[م-٦٧٥] اختلف الفقهاء في الاستنجاء هل يشترط أن يكون قبل الوضوء، أم يجوز تقديم الوضوء عليه؟\nفقيل: يصح الوضوء قبل الاستنجاء، ويستحب أن يكون الوضوء بعده، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\n_________\n(^١) نص الحنفية على أن الاستنجاء من سنن الوضوء، وإذا كان كذلك كان تقديمه على الوضوء سنة عندهم، قال في حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٣): عد في المنية الاستنجاء من سنن الوضوء، وفي النهاية: أنه من سنن الوضوء بل أقواها؛ لأنه مشروع لإزالة النجاسة الحقيقية، وسائر السنن لإزالة الحكمية، وجعل في البدائع سنن الوضوء على أنواع: نوعٍ يكون قبله، ونوعٍ في ابتدائه ونوعٍ في أثنائه، وعد من الأول الاستنجاء بالحجر، ومن الثاني الاستنجاء بالماء. وانظر بدائع الصنائع (١/ ١٨).\n(^٢) انظر الفواكه الدواني (١/ ١٣١)، كفاية الطالب (١/ ٢١٨)، الثمر الداني (١/ ٤١)، رسالة القيرواني (ص: ١٤)، الخرشي (١/ ١٤١).\n(^٣) قال الشيرازي في المهذب (١/ ٢٧): «ويستنجي قبل أن يتوضأ فإن توضأ ثم ستنجى صح ...\nالوضوء». اهـ وأشار النووي في المجموع (٢/ ١١٣، ١١٤) «أنه لا خلاف بين الأصحاب على صحة الوضوء قبل الاستنجاء، وأن من حكى فيه خلافًا منهم فقد غلط».\nوقال النووي في الكتاب نفسه (٢/ ١٢٧): «السنة أن يستنجي قبل الوضوء ليخرج من الخلاف، وليأمن انتقاض طهره». اهـ\nوقال في التنبيه (ص: ١٨): «والاستنجاء واجب من البول والغائط، والأفضل أن يكون قبل الوضوء فإن أخره الى ما بعده أجزأه». اهـ وانظر الإقناع للشربيني (١/ ٥٣)، روضة الطالبين (١/ ٧١).","vol":"7","page":500},{"text":"ورواية في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: لا يصح الوضوء قبل الاستنجاء، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3623> دليل الجمهور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3624>الدليل الأول:</span>\nلا يوجد دليل يقضي بوجوب تقدم الاستنجاء على الوضوء، وإذا لم يوجد دليل فالأصل عدم التكليف، فمن توضأ قبل أن يستنجي، وكان قد لف على يده خرقة حتى لا يمس فرجه، فإن طهارته صحيحة، ومن حكم ببطلانها فعليه الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3625>الدليل الثاني:</span>\nقياس النجاسة التي على السبيلين بالنجاسة على غير السبيلين، فإذا كان يصح وضوء الرجل مع وجود نجاسة على البدن، فكذلك ينبغي أن نصحح الوضوء مع وجود نجاسة على المخرج؛ إذ لا فرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3626>الدليل الثالث:</span>\nحقيقة الوضوء هو مرور الماء على أعضاء الوضوء، وقد فعل، فيجب أن يرتفع حدثه.\n_________\n(^١) شرح العمدة (١/ ١٦٣)، المحرر (١/ ١٠)، الإنصاف (١/ ١١٥)، الفروع (١/ ١٢٤).\n(^٢) شرح العمدة (١/ ١٦٣)، المحرر (١/ ١٠)، الإنصاف (١/ ١١٤)، كشاف القناع (١/ ٧٠)، الفروع (١/ ١٢٤).","vol":"7","page":501},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3627> دليل من قال: يجب تقدم الاستنجاء على الوضوء:</span>\n(١٥٣٧ - ٢٧٩) استدلوا بما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع وأبو معاوية وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى ويكنى أبا يعلى، عن\nابن الحنفية،\nعن علي قال كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود، فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ. ورواه البخاري بنحوه (^١).\n• وأجيب:\nأولًا: أن رواية البخاري: توضأ واغسل ذكرك، فقدم ذكر الوضوء.\n(١٥٣٨ - ٢٨٠) قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن،\nعن علي قال كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فسأل فقال توضأ واغسل ذكرك (^٢).\nثانيًا: أن الواو لا تقتضي ترتيبًا، بل هي لمطلق الجمع قال تعالى: (يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران: ٤٣]. فعطف الركوع على السجود، فإذا قلت: جاء محمد وصالح، فقد يكون قدوم محمد سابقًا لقدوم صالح، وقد يكون متراخيًا عنه، وقد يكون قدومهما معًا.\n• الراجح:\nجواز تقدم الاستنجاء على الوضوء؛ لأن الاستنجاء طهارة خبث لا علاقة لها بطهارة الحدث، إنما يكون الإنسان مطلوبًا أن يتخلى عن النجاسة إذا كان يريد أن\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٠٣)، وصحيح البخاري (٢٦٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٦٩).","vol":"7","page":502},{"text":"يؤدي عبادة من شرطها الطهارة من الخبث كالصلاة على قول، وبالتالي فيستطيع أن يمس المصحف قبل الاستنجاء؛ ويستطيع أن يلبس خفيه قبله؛ لأن الطهارة من الخبث ليست شرطًا في مس المصحف، ولا شرطًا في لبس الخف، قال ابن حجر ﵀: يجوز تقديم غسله -أي الذكر- على الوضوء، وهو أولى، ويجوز تقديم الوضوء على غسله، لكن من يقول بمسه، يشترط أن يكون ذلك بحائل (^١).\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (ح ٢٦٩).","vol":"7","page":503},{"text":"موسوعة\nأحكام الطهارة\nأدلة ومسائل وقواعد وضوابط\n\nالقسم الثاني\nطهارة الخبث\n\nالمجلد الثامن\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3628>الطهارة من الدماء الطبيعية</span>\nتأليف\nدبيان بن محمد الدبيان","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3629>تمهيد</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد، فهذا هو المجلد الثامن في سلسلة كتاب أحكام الطهارة، والكتاب الثالث والرابع في الطهارة من الخبث، وهو خاص في الطهارة من الحيض والنفاس، ولئن جمع الحيض والنفاس بين طهارة الحدث والخبث إلا أنه فيه طهارة الخبث ألصق منه في الحدث لقوله تعالى:\n(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].\nوقد قيل في معنى الأذى: النجس.\nولأن موجب طهارة الحدث هو نزول الخبث أو انقطاعه، فكان متقدمًا عليه.\nولأن طهارة الحدث فيه لا تصح قبل طهارة الخبث، لهذا جعلته في قسم الطهارة من الخبث، وأخرته عن الاستنجاء؛ لأن طهارة الاستنجاء عامة، وهذا خاص بالنساء.\nقال الدارمي ﵀: «الحيض كتاب ضائع لم يصنف فيه تصنيف يقوم بحقه» (^١).\nوقال النووي: «اعلم بأن باب الحيض من عويص الأبواب، ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله، واعتنى به المحققون، وأفردوه بالتصنيف في كتب مستقلة».\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٨٠).","vol":"8","page":5},{"text":"وقال أيضًا: «وقد رأيت ما لا يحصى من المرات، من يسأل من الرجال والنساء عن مسائل دقيقة وقعت فيه، لا يهتدي إلى الجواب الصحيح فيها إلا أفراد من الحذاق المعتنين بباب الحيض» (^١).\nوقال ابن نجيم: «معرفة مسائل الحيض من أعظم المهمات، لما يترتب عليها ما لا يحصى من الأحكام، كالطهارة، والصلاة، وقراءة القرآن، والصوم، والاعتكاف، والحج، والبلوغ، والوطء، والطلاق، والعدة، والاستبراء وغير ذلك من الأحكام. وكان من أعظم الواجبات؛ لأن عظم منزلة العلم بالشيء، بحسب منزلة ضرر الجهل به: وضرر الجهل بمسائل الحيض أشد من ضرر الجهل بغيرها» (^٢).\n* وترجع صعوبة الحيض لأمور منها:\nالأول: كون الحيض مما يختص به النساء. ويتعذر على الفقيه الوقوف على طبيعة الحيض بالحس والمشاهدة.\nالثاني: تكلف الفقهاء في تقعيد قواعد مرجوحة لا دليل عليها، ثم رد مسائل الحيض المختلفة إلى تلك القواعد المرجوحة، مما زاد الموضوع تشعبًا وتعقيدًا.\nوقد أحسن الشوكاني حين قال: «وقد أطال المصنفون في الفقه الكلام في المستحاضة، واضطربت أقوالهم اضطرابًا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة، فما ظنك بالنساء الموصوفات بالعي في البيان، والنقص في الأديان، وبالغوا في التعسير حتى جاءوا بمسألة المتحيرة فتحيروا، والأحاديث الصحيحة قد قضت بعدم وجودها» (^٣).\nوالملاحظ أن أحاديث الحيض أحاديث معدودة كلها تدل على يسره وسهولته، ولو كانت أحكام الحيض متشعبة كما يراه الفقهاء لكثرت الأحاديث التي تبين\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٨٠).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ١٩٩)، ولعله يقصد بالنسبة للأحكام الفقهية، وإلا فضرر الجهل بمسائل الاعتقاد أشد من غيرها. والله أعلم.\n(^٣) النيل (١/ ٣٣٥) ح ٣٦٨.","vol":"8","page":6},{"text":"أحكامه بيانًا تقوم به الحجة، وتفهمه عامة النساء.\nولذلك قال أحمد: «الحيض يدور على ثلاثة أحاديث، حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة، وفي رواية عنه حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة» (^١).\nالثالث: تناول المرأة حبوبًا في منع الدورة والحمل مما قد يسبب اضطرابًا في عادتها يصعب أحيانًا ردها إلى كلام أهل العلم. ويتحير في أمرها طالب العلم.\nالرابع: عدم تحكيم السنن الواردة في الحيض، ومعارضتها بأقوال الرجال والتكلف في صرفها عن ظاهرها.\nالخامس: قلة الكتب الطبية المتخصصة من الأطباء الموثوق بهم والتي يستعين بها الفقيه على فهم طبيعة الحيض، وتنزيل الأحكام الشرعية بناء على فهمها.\nوقد حاولت قدر الإمكان أن أقر بعض الكتب الطبية في الحيض والنفاس، خاصة في تلك المسائل التي هي محل خلاف بين الفقهاء، ومردها إلى الأطباء، وذلك مثل نحو حيض الحامل، وتخلق الجنين، وتكرار الحيض في الشهر أكثر من مرة ونحوها، وقد حملني ذلك على مراجعة بعض الاختيارات، ومن أهم الكتب الطبية التي رجعت إليها مجموعة من مؤلفات الدكتور: محمد علي البار، خاصة كتابيه: خلق الأنسان بين الطب والقرآن، والجنين المشوه، والأمراض الوراثية.\nومنها كتاب الإنسان هذا الكائن العجيب، للدكتور تاج الدين الجاعوني، في ثلاثة أجزاء.\nومنها كتاب الآيات العجاب في رحلة الإنجاب، د. حامد أحمد حامد.\nومنها كتاب روعة الخلق، ترجمة ماجد طيفور.\nومنها كتاب ١٠٠ سؤال وجواب في النساء والولادة للدكتورة سلوى بهكلي.\nومنها كتاب: أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة، د. محمد نعيم ياسين.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣١٤).","vol":"8","page":7},{"text":"ومنها كتب فقهية اعتنت بنقل كلام الأطباء، مثل كتاب الحيض والنفاس بين الفقه والطب. د. عمر الأشقر، والمرأة الحامل في الشريعة الإسلامية ليحيى بن\nعبد الرحمن الخطيب.\nخطة البحث:\nيشتمل الكتاب على مقدمة، وخاتمة، وعلى ثمانية أبواب، ويشتمل كل باب منها على فصول، والفصول على مباحث وفروع ومسائل، على النحو التالي:\nالمقدمة: وتشتمل على مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الحيض.\nالمبحث الثاني: في أسماء الحيض.\nالمبحث الثالث: في تاريخ الحيض.\nالمبحث الرابع: الحيض دليل على بلوغ المرأة.\nالباب الأول: في أحكام الحيض من حيث وقته ومقداره.\nويشتمل على تسعة فصول:\nالفصل الأول: في السن الذي تحيض فيه المرأة.\nالمبحث الأول: التحديد بالسن تقريب لا تحديد.\nالمبحث الثاني: المعتبر بالتحديد السنون القمرية.\nالمبحث الثالث: في دم الصغيرة التي لا يمكن أن تحيض.\nالفصل الثاني: منتهى سن الحيض عند النساء.\nمبحث: إذا انقطع الدم عن الكبيرة ثم عاد.\nالفصل الثالث: في إمكان الحيض من الحامل.\nالفصل الرابع: في أقل الحيض.","vol":"8","page":8},{"text":"المبحث الأول: أثر اختلاف العلماء في أقل الحيض على عدة المطلقة.\nالمبحث الثاني: في الدم إذا نقص عن أقل الحيض.\nالفصل الخامس: في أكثر الحيض.\nالفصل السادس: في غالب الحيض.\nالفصل السابع: في أقل الطهر.\nالفصل الثامن: في أكثر الطهر.\nالفصل التاسع: في غالب الطهر.\nالباب الثاني: في المبتدأة.\nويشمل على فصلين:\nالفصل الأول: في حكم المبتدأة.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: في المبتدأة إذا لم يتجاوز دمها أكثر الحيض.\nالمبحث الثاني: أن يتجاوز دم المبتدأة أكثر الحيض.\nالمبحث الثالث: أن ينقطع دم المبتدأة لأدنى من أقل الحيض.\nالفصل الثاني: في ثبوت العادة للمبتدأة.\nالباب الثالث: في الطوارئ على الحيض.\nويشتمل على ستة فصول:\nالفصل الأول: إذا زاد الدم على عادة المرأة.\nالفصل الثاني: في طهارة المرأة قبل تمام عادتها.\nالفصل الثالث: في النقاء المتخلل بين الدمين.","vol":"8","page":9},{"text":"الفصل الرابع: إذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت.\nالفصل الخامس: في تعاطي دواء يقطع الحيض أو يعجل نزوله.\nالفصل السادس: في الصفرة والكدرة.\nالمبحث الأول: ألوان الدم الخارج من المرأة.\nالمبحث الثاني: حكم الصفرة والكدرة.\nالفرع الأول: في رؤية الكدرة قبل التحقق من نزول العادة.\nالفرع الثاني: في الاحتجاج بقول الصحابي كنا نفعل.\nالباب الرابع: في طهارة الحائض.\nويشتمل على ثلاثة فصول، وسبعة مباحث، وتسعة فروع، وستة مسائل.\nالفصل الأول: في مخالطة الحائض وطهارة عرقها، وسؤرها، وثيابها.\nالفصل الثاني: في طهارة الحائض من الحدث.\nويشتمل على مباحث:\nالمبحث الأول: في حكم غسل المرأة من الحيض.\nالمبحث الثاني: خلاف العلماء في الموجب للغسل.\nالمبحث الثالث: في صفة الغسل من المحيض. وفيه فروع:\nالفرع الأول: في اشتراط النية للطهارة.\nالفرع الثاني: في استحباب التسمية في غسل الحيض.\nالفرع الثالث: في وضوء الغسل. وفيه مسائل:\nالمسالة الأولى: حكم الوضوء في الغسل الواجب.\nالمسألة الثانية: في موضع الوضوء من الاغتسال.\nالمسألة الثالثة: في غسل أعضاء الوضوء مرة ثانية في الاغتسال.","vol":"8","page":10},{"text":"المسألة الرابعة: حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل إذا لم تتوضأ.\nالمسألة الخامسة: في غسل الرأس في وضوء الغسل.\nالمسألة السادسة: في تثليث الوضوء في الغسل.\nالفرع الرابع: في نقض المرأة رأسها في غسل المحيض.\nالفرع الخامس: في غسل المسترسل من الشعر.\nمسألة: في استحباب التيامن في الاغتسال.\nالفرع السادس: في التثليث في غسل البدن.\nالفرع السابع: في صفة غسل الرجلين.\nالفرع الثامن: الفرق بين غسل الجنابة، وغسل الحيض.\nالفرع التاسع: صفة الغسل الكامل والمجزئ.\nالفصل الثالث: في طهارة الحائض من دم الحيض.\nالمبحث الأول: في نجاسة دم الحيض.\nالمبحث الثاني: في تعين الماء في إزالة دم الحيض.\nالمبحث الثالث: في وجوب تكرار الغسل من دم الحيض.\nالمبحث الرابع: علامة الطهر عند الحائض.\nالباب الخامس: فيما يتعلق بالحائض من أحكام العبادات.\nويشتمل على خمسة فصول.\nالفصل الأول: في الحائض، وتعبدها بكتاب الله.\nويشتمل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: في قراءة القرآن للحائض.\nالمبحث الثاني: في مس الحائض والمحدث المصحف.","vol":"8","page":11},{"text":"المبحث الثالث: في سجود التلاوة والشكر من الحائض.\nالفصل الثاني: في أحكام الحائض من حيث الصلاة.\nويشتمل على سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: تحرم الصلاة من الحائض ولا يستحب لها القضاء.\nالمبحث الثاني: في جلوس الحائض في مصلاها تذكر الله بمقدار الصلاة.\nالمبحث الثالث: في احتساب أجر الصلاة للحائض.\nالمبحث الرابع: في استحباب قضاء الصلاة للحائض.\nالفرع الأول: في قضاء ركعتي الطواف للحائض.\nالمبحث الخامس: في قضاء الصلاة إذا طرأ الحيض في الوقت.\nالمبحث السادس: في وجوب الصلاة على الحائض إذا طهرت في الوقت.\nالمبحث السابع: في اشتراط إدراك وقت يسع للطهارة.\nالفصل الثالث: أحكام الحيض من حيث الصوم.\nويشتمل على أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: يحرم الصوم، ويجب القضاء إذا طهرت\nالمبحث الثاني: في إمساك الحائض عن الأكل إذا طهرت في أثناء النهار.\nالمبحث الثالث: في المرأة تطهر قبل الفجر، ولا تغتسل إلا بعد طلوع الصبح.\nالمبحث الرابع: في سقوط الكفارة إذا أفطرت بالجماع ثم نزل الحيض.\nالمبحث الخامس: في أحكام الحيض من حيث المسجد.\nويشتمل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: في مكث الحائض بالمسجد.\nالمبحث الثاني: في مرور الحائض في المسجد بلا مكث.","vol":"8","page":12},{"text":"المبحث الثالث: في اعتكاف الحائض.\nفرع: إذا حاضت المرأة وهي معتكفة.\nالفصل الخامس: في أحكام الحيض من حيث المناسك.\nويشتمل على ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: في إحرام الحائض والنفساء.\nالمبحث الثاني: في اشتراط الطهارة للطواف.\nالمبحث الثالث: في الحائض إذا اضطرت للطواف.\nالمبحث الرابع: في سعي الحائض بين الصفا والمروة.\nالمبحث الخامس: في المرأة تحيض قبل طواف العمرة وتخشى فوات الحج.\nالمبحث السادس: في سقوط طواف الوداع عن الحائض.\nالمبحث السابع: إذا نفرت الحائض قبل طواف الوداع، وطهرت قبل مفارقة البنيان.\nالمبحث الثامن: لا يستحب للحائض والنفساء الدعاء عند باب المسجد الحرام.\nالمبحث التاسع: في طواف الوداع للمستحاضة.\nالباب السادس: في أحكام الحائض من حيث العلاقات الزوجية.\nويشتمل على فصول:\nالفصل الأول: في وطء الحائض.\nالمبحث الأول: في تحريم وطء الحائض في فرجها.\nالمبحث الثاني: في مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة.\nالمبحث الثالث: في الاستمتاع بما تحت الإزار بالنظر واللمس.\nالمبحث الرابع: في كفارة من جامع امرأته وهي حائض.","vol":"8","page":13},{"text":"المبحث الخامس: في تصديق الرجل زوجه إذا أخبرته بأنها حائض.\nالمبحث السادس: في كفر من استحل جماع الحائض في فرجها.\nالمبحث السابع: جماع الحائض من اللمم وليس من الكبائر.\nالمبحث الثامن: في وجوب الكفارة على من جامع الحائض جاهلًا أو ناسيًا.\nالمبحث التاسع: في إخراج القيمة في كفارة جماع الحائض.\nالمبحث العاشر: في لزوم المرأة كفارة جماع الحائض.\nالفصل الثاني: في طلاق الحائض.\nالفصل الثالث: في الخلع وقت الحيض.\nالمبحث الأول: تعريف الخلع.\nالمبحث الثاني: في حكم الخلع.\nالمبحث الثالث: في صحة خلع الحائض.\nالباب السابع: في أحكام الاستحاضة.\nويشتمل على سبعة فصول، وعشرة مباحث، وأربعة فروع.\nتمهيد: ويشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: في تعريف الاستحاضة\nالمبحث الثاني: في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة\nالفصل الأول: في حكم المستحاضة المبتدأة.\nويشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: تعريف المبتدأة، ومتى تكون مستحاضة؟\nالمبحث الثاني: في حكم المستحاضة المبتدأة، وفيه فرعان:","vol":"8","page":14},{"text":"الفرع الأول: في المستحاضة المبتدأة إذا كانت مميزة.\nالفرع الثاني: في المستحاضة المبتدأة إذا كانت غير مميزة.\nالفصل الثاني: في تقدير طهر المستحاضة المبتدأة.\nالفصل الثالث: في المستحاضة المعتادة.\nويشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: في المستحاضة المعتادة المميزة.\nالمبحث الثاني: في المستحاضة المعتادة غير المميزة.\nالفصل الرابع: في المرأة المستحاضة المتحيرة.\nويشتمل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: في المستحاضة المتحيرة بالعدد.\nالمبحث الثاني: في المستحاضة المتحيرة بالوقت.\nالمبحث الثالث: في المتحيرة بالعدد والوقت.\nالفصل الخامس: في طهارة المستحاضة.\nويشتمل على\nالمبحث الأول: في وجوب الوضوء من دم الاستحاضة.\nالفرع الأول: في غسل فرج المستحاضة عند الوضوء.\nالفرع الثاني: في شد عصابة الفرج عند الوضوء.\nالفصل السادس: في وجوب الغسل على المستحاضة.\nالفصل السابع: في وطء المستحاضة.\nالباب الثامن: في أحكام النفاس.\nويشتمل على تمهيد، وإحدى عشر فصلًا، وثلاثة مباحث، وثلاثة فروع.","vol":"8","page":15},{"text":"التمهيد: في تعريف النفاس لغة واصطلاحًا.\nالفصل الأول: بأي شيء يثبت حكم النفاس.\nالفصل الثاني: في أحكام السقط. ويشتمل على:\nالمبحث الأول: في أسباب السقط.\nالمبحث الثاني: في الحكم التكليفي للإجهاض، وفيه:\nالفرع الأول: في الإجهاض بعد نفخ الروح.\nالفرع الثاني: في الإجهاض قبل نفخ الروح\nالفرع الثالث: في الإجهاض للضرورة بعد نفخ الروح.\nالمبحث الثالث: في وقت تخلق الجنين.\nالفصل الثالث: في حكم الدم النازل مع الولادة.\nالفصل الرابع: في الدم الذي تراه الحامل قبل الولادة.\nالفصل الخامس: في النقاء المتخلل بين الدمين.\nالفصل السادس: في المرأة تلد ولا ترى دمًا.\nالفصل السابع: في جماع النفساء إذا طهرت قبل الأربعين.\nالفصل الثامن: في أقل النفاس.\nالفصل التاسع: في أكثر النفاس.\nالفصل العاشر: في ابتداء مدة النفاس إذا وضعت توأمين.\nالفصل الحادي عشر: في الأحكام المترتبة على النفاس.\nالخاتمة: وتشتمل على نتائج البحث.\nهذا وأسأل الله العظيم أن يجعل العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكتب له القبول.\nكتبه\nأبو عمر الدبيان","vol":"8","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3630>المقدمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3631>المبحث الأول تعريف الحيض</span>\nتعريف الحيض اصطلاحًا (^١):\nلا يمكن أن نقدم تعريفًا للحيض يكون محل اتفاق بين الفقهاء، لاختلافهم في اشتراط بعض الأوصاف، حيث يختلفون في الدم من الحامل، والدم من البنت قبل تسع سنين هل يلحق بالحيض، أو يكون دم فساد.\n_________\n(^١) حَاضَت الْمَرْأَة تَحِيضُ حَيْضًا ومَحِيضًا، فالمحيضُ يكون اسْما وَيكون مَصْدرًا. وَامْرَأَة حائِضُ، والجمع: نسَاء حوائض وحُيَّضٌ على فُعَّل.\nوقال الليث: الحَيْضُ مَعْرُوف، والحَيْضَةُ: المرة الْوَاحِدَة، الحِيضَةُ بالكسر الاسم، وتطلق على الخِرقةُ التي تستَثْفِرُ بها المرأة. قالت عائشة ﵂: ليتني كنت حِيضَةً مُلقاةً.\nوالمستحاضةُ الْمَرْأَة الَّتِي يسيل مِنْهَا الدَّمُ فَلَا يرقأُ، وَلَا يَسِيلُ من المحِيضِ، وَلكنه دم عِرْقٍ.\nويقال: حائض. وهل يقال: حائضة؟\nقال ابن منظور: الأصل أن الهاء إنما تلحق للفرق بين المذكر والمؤنث. وأما ما لا يكون للمذكر فقد استغنى فيه عن علامة التأنيث فإذا قيل: امرأة حامل: فهذا نعت لا يكون إلا للمؤنث، وأما إذا حملت المرأة شيئًا على ظهرها فهي حاملة لا غير، لأنه يشترك فيه المذكر والمؤنث.\nهذا قول أهل الكوفة، وأما أهل البصرة، فإنهم يقولون: هذا غير مستمر؛ لأن العرب قالت: رجل أيم، وامرأة أيم، ورجل عانس وامرأة عانس. انظر اللسان (٧/ ١٤٢)، وتاج العروس (١٠/ ٤٤)، تهذيب اللغة (٥/ ١٠٣).","vol":"8","page":17},{"text":"لذا سأختار من التعريفات أشملها ما أمكن.\nقيل في تعريفه: «هو الدم الخارج من فرج المرأة، التي يمكن حملها عادة، من غير ولادة ولا مرض، ولا زيادة على الأمد» (^١).\nفقوله: (الخارج من فرج المرأة): خرج به الدم الخارج من الدبر.\nوقوله: (التي يمكن حملها): خرج بذلك الصغيرة جدًّا التي لا يمكن أن تحيض.\nوقوله: (من غير ولادة): خرج بذلك دم النفاس.\nوقوله: (ولا مرض): أخرج دم النزيف وشبهه.\nوقوله: (ولا زيادة على الأمد): خرج بذلك دم الاستحاضة (^٢).\nتعريف آخر: قيل هو «دم طبيعة وجبلة، يرخيه الرحم، يعتاد أنثى إذا بلغت، في أوقات معلومة» (^٣).\nفقوله: (دم جبلة وطبيعة): أي خلقة كتبه الله على بنات آدم. فخرج بذلك دم الاستحاضة، والنزيف؛ فإنه دم مرض.\nوقوله: (يرخيه الرحم): قال الفقهاء المراد به قعر الرحم، فخرج بذلك ما يخرج من أدنى الرحم كالاستحاضة.\nوقوله: (يعتاد أنثى): إشارة إلى أنه ليس بدم فساد، بل خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته.\nوقوله: (إذا بلغت): إشارة إلى أن دم الحيض علامة من علامات البلوغ، كما جاء\n_________\n(^١) القوانين الفقهية (ص: ٣١).\n(^٢) انظر: تعريفات أخرى للمالكية، مواهب الجليل (١/ ٣٦٧)، منح الجليل (١/ ١٦٥)، الشرح الصغير (١/ ٢٠٧)، الشرح الكبير (١/ ١٦٧)، أسهل المدارك (١/ ٦٥)، المقدمات (١/ ١٢٤).\n(^٣) شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٠).","vol":"8","page":18},{"text":"في حديث عائشة مرفوعًا (لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار) وسيأتي تخريجه، إن شاء الله تعالى (^١).\nوقوله: (في أيام معلومة): إشارة إلى أن دم الحيض لا يكون مستمرًا بخلاف الاستحاضة فقد يستمر مع المرأة سنوات (^٢).\nهذا ما اخترته في تعريف الحيض، والتوسع في التعريف غير محمود.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: رقم (١٥٤٨).\n(^٢) انظر: المبدع شرح المقنع (١/ ٢٥٨)، كشاف القناع (١/ ١٩٦).","vol":"8","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3632>المبحث الثاني في أسماء الحيض</span>\n[م-٦٧٦] للدم المعتاد الذي يخرج من المرأة أسماء كثيرة منها:\nالأول: الحيض، وهو أشهرها.\nالثاني: الطمث، والمرأة طامث.\nقال الفراء: الطمث الدم.\nوكذلك قيل: إذا افتض الرجل البكر، قد طمثها، أي أدماها (^١).\nقال تعالى: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَان) [الرحمن: ٥٦].\nالثالث: العراك.\n(١٥٣٩ - ١) جاء في حديث جابر عند مسلم من طريق أبي الزبير،\nعن جابر، أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد، وأقبلت عائشة ﵂ بعمرة، حتى إذا كنا بسرف عركت ... الحديث (^٢).\n_________\n(^١) ظاهر الكلام أن الطمث من أسماء الدم، لا من أسماء الحيض، كما هو ظاهر الآية الكريمة، لكن جاء في اللسان (٧/ ١٤٢)، وتاج العروس (١٠/ ٤٤): «قال ابن خالوية حاضت، ونَفِست، ونُفِست، ودرست، وطمثت، وضحكت، وكادت، وأكبرت، وصامت»، فذكر الطمث من أسماء الحيض.\n(^٢) صحيح مسلم (١٢١٣).","vol":"8","page":20},{"text":"وفي اللسان: العراك: الحيض. ونساء عوارك: أي حيض (^١).\nالرابع: الضحك، والمرأة ضاحك.\nواستدل على هذا بقول الله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ) [هود: ٧١]، فقد حكى ابن جرير الطبري للآية عدة تفسيرات، منها: أن ضحكت: أي حاضت (^٢).\nوقال صاحب اللسان: ضحكت المرأة: حاضت.\nوروى الأزهري عن الفراء أنه قال عن هذا التفسير: لم أسمعه من ثقة (^٣).\nالخامس: الإكبار، واستدلوا على ذلك.\n(١٥٤٠ - ٢) بما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، من طريق علي بن عبد الله ابن عباس، عن أبيه،\nعن جده في قوله: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) [يوسف: ٣١]، قال: حضن.\n[ضعيف] (^٤).\nومن اللغة، قال ابن جرير في تفسيره: «زعم بعض الرواة: أن بعض الناس أنشده في: أكبرن بمعنى حضن بيتًا، لا أحسب أن له أصلًا؛ لأنه ليس بمعروف عند\n_________\n(^١) اللسان (١٠/ ٤٦٧).\n(^٢) تفسير الطبري (٧/ ٧٠).\n(^٣) اللسان (١٠/ ٤٦٠).\n(^٤) هذا الأثر أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١١٥٥١) من طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله ابن عباس، عن أبيه، عن جده، وعبد الصمد، ذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به. الضعفاء الكبير (٣/ ٨٤).\nوذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر شيئًا. الجرح والتعديل (٦/ ٥٠).\nوقال الذهبي: حدث عن أبيه، بحديث: «أكرموا الشهود»، وهذا منكر، وما عبد الصمد بحجة. الميزان (٢/ ٦٢٠).\nوترجم له الخطيب، وأطال في سيرته. تاريخ بغداد (١١/ ٣٧).","vol":"8","page":21},{"text":"الرواة وذلك قوله:\nنأتي النساء على أطهارهن ولا ... نأتي النساء إذا أكْبَرْن إكبارًا\nوزعم أن معناه: إذا حضن» (^١).\nوجاء في اللسان: «وأما قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) [يوسف: ٣١].\nفأكثر المفسرين يقولون: أعظمنه.\nوروي عن مجاهد أنه قال: أكبرنه: حضن، وليس ذلك بالمعروف في اللغة.\nقال أبو منصور: إن صحت هذه اللفظة في اللغة بمعنى الحيض، فلها مخرج حسن، وذلك أن المرأة أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغر إلى حد الكبر، فقيل لها: أكبرت: أي حاضت، فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي.\nوروي عن أبي الهيثم أنه قال: سألت رجلًا من طيء، فقلت له: يا أخا طيء ألك زوجة؟ قال: لا والله ما تزوجت، وقد وعدت في ابنة عم لي. قال: وما سنها؟ قال: قد أكبرت، أو كَبِرت. قال: وما أكبرت؟ قال: حاضت.\nقال أبو منصور: فلغة طيء تصحح أن إكبار المرأة أول حيضها، إلا أن هاء الكناية في قوله تعالى: (أَكْبَرْنَهُ) تنفي هذا المعنى، فالصحيح أنهن لما رأين يوسف راعهن جماله، فأعظمنه.\nوروى الأزهري بسنده عن ابن عباس، في قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) [يوسف: ٣١]، قال: حضن.\nفإن صحت الرواية عن ابن عباس سلمنا له (^٢)، وجعلنا الهاء في قوله: (أَكْبَرْنَهُ) هاء وقفة لا هاء الكناية. والله أعلم بما أراد (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٢/ ٢٠٥).\n(^٢) وسبق أنه لا يصح انظر: رقم (١٥٤٠).\n(^٣) اللسان (٥/ ١٢٦).","vol":"8","page":22},{"text":"السادس: الإعصار.\nقال في اللسان: «المعصر: التي بلغت عصر شبابها وقيل: أول ما أدركت وحاضت.\nوقال منصور بن مرثد الأسدي.\nجارية بسفوان دارها تمشي الهوينا ساقطًا خمارها\nقد أعصرت أو قد دنا إعصارها» (^١).\nالسابع: النفاس.\n(١٥٤١ - ٣) روى البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن زينب بنت أم سلمة حدثته،\nأن أم سلمة حدثتها، قالت: بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، قال: أنفست؟ قلت: نعم. فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. ورواه مسلم (^٢).\nقال في الفتح: قال الخطابي: أصل هذه الكلمة من النفس وهو الدم (^٣).\nقال ابن عبد البر: قوله: «(نفست) لعلك أصبت بالدم، يعني الحيضة، والنفس: الدم. ألا ترى إلى قول إبراهيم النخعي، وهو عربي فصيح: كل ما لا نفس له سائلة يموت في الماء لا يفسده. يعني: دمًا سائلًا» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) اللسان (٤/ ٥٧٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٩٨) ومسلم (٢٩٦).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٥٣٦).\n(^٤) انظر: التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٤٥٦) وانظر في أسماء الحيض اللسان (٤/ ١٤٢) (٥/ ١٢٦)، وتاج العروس (١٠/ ٤٤)، والحاوي الكبير (١/ ٣٧٨) والمجموع (٢/ ٣٧٨)، وعارضة الأحوذي لابن العربي (١/ ٢٠٣، ٢٠٤).","vol":"8","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3633>المبحث الثالث في تاريخ ابتداء الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\nالحيض لازم للنساء منذ خلقهن الله.\nالحيض شيء كتبه الله على بنات آدم.\n[م-٦٧٧] اختلف العلماء في ابتداء الحيض على قولين:\nالأول: أن ابتداء الحيض لم يزل في النساء منذ خلقهن الله.\nالقول الثاني: أن ابتداء الحيض كان أول ما أرسل على نساء بني إسرائيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3634>أدلة القول الأول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3635>الدليل الأول:</span>\n(١٥٤٢ - ٤) روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت القاسم يقول:\nسمعت عائشة تقول: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخلت على رسول الله ﷺ، وأنا أبكي، قال: مالك، أنفست؟ قلت: نعم: قال: إن هذا أمر","vol":"8","page":24},{"text":"كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله في الحديث: «كتبه الله على بنات آدم» فهذا دليل على أن الحيض لازم للنساء منذ خلقهن الله.\nوقوله: (كتبه الله) تدل على اللزوم والثبوت، والكتابة نوعان:\nشرعية، كما في قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) [البقرة: ١٨٣].\nوقدرية. كما في قوله تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: ٢١].\nقال ابن رجب: «وقد استدل البخاري لذلك بعموم قول النبي ﷺ: إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم. وهو استدلال ظاهر حسن. ونظيره استدلال الحسن على إبطال قول من قال: أول من رأى الشيب إبراهيم ﵇ بعموم قول الله ﷿: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) [الروم: ٥٤] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3636>الدليل الثاني:</span>\n(١٥٤٣ - ٥) وقوله ﷺ: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، جاء من حديث جابر عند مسلم (^٣).\nالدليل الثاني:\n(١٥٤٤ - ٦) روى ابن المنذر في الأوسط، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أبو الربيع، ثنا عباد بن العوام، ثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، قال: لما أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها، قال آدم: رب زينته\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١١٩ - ١٢١١).\n(^٢) شرح البخاري (٢/ ١٢).\n(^٣) صحيح مسلم (١٣٦ - ١٢١٣).","vol":"8","page":25},{"text":"لي حواء، قال: فإني قد أعقبتها ألا تحمل إلا كرهًا، ولا تضع إلا كرهًا، وأدميتها في الشهر مرتين (^١)، فرنت (^٢) حواء عند ذلك. فقيل لها: الرنة عليك وعلى بناتك (^٣).\n[صحيح] (^٤). ومثله لا يقال بالرأي.\n(١٥٤٥ - ٧) وروى ابن جرير الطبري في تفسيره قال: حدثني يونس، قال أخبرنا\nابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ) [البقرة: ٢٥]. قال: المطهرة التي لا تحيض ... قال ابن زيد: وكذلك خلقت حواء حتى عصت، فلما عصت، قال الله: إني خلقتك مطهرة، وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة (^٥).\n[صحيح إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم] (^٦).\n_________\n(^١) وهذا والله أعلم لا يعارض أن غالب النساء تحيض، وتطهر في كل شهر مرة؛ لأن المرأة تحيض في أول الشهر، ثم تحيض في آخره، فتكون كما لو أنها حاضت في الشهر مرتين، وقد وجدت في الطب ما يؤكد أن المرأة لا تحيض إلا في الشهر مرة واحدة فقط، وسوف أنقل كلام الأطباء في هذه المسألة أثناء البحث إن شاء الله.\n(^٢) رنت: من رن يرن، والرنة، والرنين: أي الصياح عند البكاء، والصوت الحزين عند البكاء أو الغناء. قال الشاعر:\nعمدًا فعلت ذاك بَيْد أني ... خشيت إن هلكت لم ترني\n(^٣) الأوسط (٢/ ٢٠١).\n(^٤) وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٨١) من طريق عمرو بن محمد الناقد، ثنا عباد بن العوام به.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوقال الحافظ في الفتح (١/ ٥٣٢): «وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن ابتداء الحيض كان على حواء، بعد أن هبطت من الجنة، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها.\n(^٥) تفسير الطبري (٥٥٠).\n(^٦) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ضعفه علي بن المديني جدًّا. التاريخ الكبير (٥/ ٢٨٤)، الضعفاء الصغير (٢٠٨).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين له (٣٦٠).\nوقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ضعيفًا جدًّا. الطبقات الكبرى (٥/ ٤١٣).\nوقال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء، ضعيف. تهذيب الكمال (١٧/ ١١٤)، وضعفه هنا لا يؤثر؛ لأن المتن من كلامه، وقد صح عنه، ولم يروه هو عن غيره، وفرق بين الاستشهاد بكلامه، وبين الاحتجاج بروايته، وقد ترجمت له للفائدة.","vol":"8","page":26},{"text":"أدلة القول الثاني:\n(١٥٤٦ - ٨) روى عبد الرزاق عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال:\nكان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا فكانت المرأة لها الخليل، تلبس القالبين تطول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: أخروهن حيث أخرهن الله. فقلنا لأبي بكر: ما القالبين؟ (^١) قال: رقيصان من خشب.\n[صحيح] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3637>الدليل الثاني:</span>\n(١٥٤٧ - ٩) روى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه:\nعن عائشة، قالت: كان نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلًا من خشب، يتشرفن للرجال في المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسلطت عليهن الحيضة.\n[رجاله ثقات، إلا أن رواية معمر عن هشام فيها كلام. وهو شاهد لأثر ابن عباس] (^٣).\nالجمع بين القولين:\nليس في الأثرين ما يدل على أن ابتداء وجود الحيض كان في بنات بني إسرائيل فأثر ابن مسعود فيه: (فألقى عليهن الحيضة).\nوأثر عائشة فيه: (وسلطت عليهن الحيضة).\n_________\n(^١) جاء في اللسان (١/ ٦٨٩) القوالب: جمع قالب، وهو نعل من خشب كالقبقاب، وتكسر لامه وتفتح، وقيل: إنه معرب.\n(^٢) المصنف (٥١١٥)، واعتبر الحافظ تدليس الأعمش من المرتبة الثانية كما في مراتب المدلسين، وأبو معمر: اسمه عبد الله بن سخبرة الكوفي، وقد صححه الحافظ في الفتح (١/ ٥٢٧).\n(^٣) المصنف (٥١١٤).","vol":"8","page":27},{"text":"قال ابن حجر في الفتح: ويمكن أن يجمع بينهما، مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل، طول مكثه، عقوبة لهن لا ابتداء وجوده (^١).\nهذا جمع من رجح أن الحيض كان لازمًا للنساء منذ خلقهن الله.\nوأما جمع من رجح أن أول وجوده كان في بني إسرائيل، فقال كما في الفتح: «وليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فيكون قوله: (بنات آدم) عام أريد به الخصوص» (^٢).\nقلت: يمنع منه ما صح عن ابن عباس، وأن الحيض كان في حواء (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٥٣٢).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٥٣٢).\n(^٣) شرح ابن رجب لصحيح البخاري (٢/ ١٢) فتح الباري (١/ ٥٣٢) الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٠١).","vol":"8","page":28},{"text":"وصول صغير وجارية وقت التكليف بعلامة من علامات البلوغ (^١).\nوبه ينتهي حد الصغر في الإنسان.\nوللبلوغ علامات طبيعية، منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف ومنها ما هو مشترك بين الذكر والأنثى، ومنها ما هو خاص بأحدهما.\nومن هذه العلامات:\n[م-٦٧٨] العلامة الأولى:\nالحيض، وتختص الأنثى به، قال ابن حجر في الفتح: «أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ في حق النساء» (^٢).\n(١٥٤٨ - ١٠) ومن السنة ما رواه أحمد من طريق حماد، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث،\nعن عائشة، عن النبي ﷺ قال: لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار (^٣).\n[اضطرب فيه قتادة، والراجح فيه ابن سيرين عن عائشة، وليس بالمتصل، وله شاهد من حديث أبي قتادة إلا أنه ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) انظر المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٥٨)، جامع العلوم في اصطلاحات الفنون (١/ ١٧٢).\n(^٢) فتح الباري (٥/ ٦١٠).\n(^٣) المسند (٦/ ٢٥٩).\n(^٤) اختلف في الحديث على قتادة:\nفقيل: عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة مرفوعًا.\nرواه ابن أبي شيبه (٦٢٢٢) وإسحاق بن راهوية (١٢٨٤)، حدثنا يحيى بن آدم.\nوأحمد (٦/ ١٥٠) حدثنا أبو كامل وعفان،\nورواه أيضًا (٦/ ٢١٨) ثنا بهز ويونس،\nورواه أبو داود (٦٤١) ابن خزيمة (٧٧٥) والحاكم (١/ ٢٥١) والبيهقي (٢/ ٢٣٣) من طريق حجاج بن منهال.\nوأخرجه الترمذي (٣٧٧) من طريق قبيصة.\nوأخرجه ابن ماجه (٦٥٥) وابن الجارود (١٧٣)، وابن خزيمة (٧٧٥) والبيهقي (٢/ ٢٣٣) من طريق أبي الوليد (هشام بن عبد الملك). كلهم عن حماد بن سلمة به. =","vol":"8","page":30},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وتابع حماد بن زيد حماد بن سلمة كما في المحلى لابن حزم (مسألة: ١١٩).\nفرواه من طريق محمد بن الجارود بن القطان، عن عفان، عن حماد بن زيد، عن قتادة به.\nوإسناد ابن حزم بقوله: (حماد بن زيد) خطأ قطعًا، لما يلي:\nأولًا: أن الإمام أحمد رواه في مسنده (٦/ ١٥٠) عن أبي كامل وعفان كلاهما، عن حماد، عن قتادة.\nوالمقصود به حماد بن سلمة؛ لأنه قرنه بأبي كامل، وأبو كامل ليست له رواية عن حماد بن زيد، ولا يروى إلا عن حماد بن سلمة، وهذا من أوضح الأدلة أن عفان في رواية أحمد يروي عن حماد ابن سلمة.\nثانيًا: أن المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٢٦٩) قال: «قد اشترك في الرواية عن الحمادين جماعة، وانفرد بالرواية عن كل واحد منهما جماعة، إلا أن عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه في روايته عنه، وقد يروي عن حماد بن سلمة فلا ينسبه ....». إلخ كلامه ﵀.\nفهنا المزي ﵀، وقد عرف بالتتبع، يقول: إن عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، فلما لم ينسبه في رواية أحمد عن عفان عن حماد، علمنا أنه حماد بن سلمة.\nوجه ثالث: أن عفان لو رواه عن حماد بن زيد لذكره أصحابه، وأشار إليها العلماء المتقدمون، فكونها لا تأتي إلا في هذا الإسناد النازل، دليل على عدم ثبوتها.\nرابعًا: أن حماد بن زيد قد روى الحديث، وروايته مشهورة من غير هذا الطريق، فقد رواه\nأبو داود (٦٤٢) قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، أن عائشة ﵂ نزلت على صفية أم طلحة الطلحات، فرأت بنات لها فقالت: إن رسول الله ﷺ دخل، وفي حجرتي جارية، فألقى إليها حقوه، وقال لي: شقيه بشقتين، فأعطي هذه نصفًا، والفتاة التي عند أم سلمة نصفًا، فإني لا أراهما إلا وقد حاضتا.\nوهذا إسناد منقطع؛ ابن سيرين لم يسمع من عائشة.\nوجاءت لهذا الطريق متابعة من هشام بن حسان:\nفرواه ابن أبي شيبة (٦٢١٤)، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، أن عائشة قالت: وذكر القدر المرفوع من الحديث.\nفهنا أيوب، وهشام بن حسان يخالفان قتادة، فيرويانه عن ابن سيرين، عن عائشة منقطعًا.\nبينما حماد بن سلمة، رواه عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة متصلًا، ولا أراه إلا من حماد بن سلمة، ورواية هشام وأيوب عن ابن سيرين أرجح، لما يلي:\nأولًا: أن هشام بن حسان من أثبت الناس في ابن سيرين، وقد تابعه ثقة (أيوب).\nثانيًا: أن حماد بن سلمة قد تغير حفظه، ولذلك قال البيهقي كما في التهذيب: «هو من أئمة المسلمين، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري -يعني: في الاحتجاج- وأما مسلم فاجتهد، فأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا =","vol":"8","page":31},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يبلغ اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد».اهـ\nوحاول المعلمي -﵀- أن يدفع عنه تهمة التغير، فقال في التنكيل (١/ ٢٤٢): «هذا -يعني: ما كان من تغيره- لم يذكره إلا البيهقي، والبيهقي أرعبته شقائق أستاذه ابن فورك المتجهم، الذي حذى ابن الثلجي في كتابه الذي صنفه في تحريف أحاديث الصفات، والطعن فيها». ثم ساق كلام البيهقي الذي نقلناه آنفًا، وقال: «وأما التغير فلا مستند له».\nقلت: اعتقاد أن البيهقي قال ذلك تقليدًا لشيخه الخلفي ظن لا يعتمد على دليل، ولم ينفرد البيهقي بذلك، بل قاله أبو حاتم في الجرح والتعديل، ولم ينقله ابن حجر ولا المزي في ترجمة حماد بن سلمة، بل ذكرا ذلك في ترجمة أبي الوليد الطيالسي.\nقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٦٦): «سئل أبي عن أبي الوليد، وحجاج بن المنهال، فقال: أبو الوليد عند الناس أكثر، كان يقال سماعه من حماد بن سلمة فيه شيء، كأنه سمع منه بآخرة، وكان حماد ساء حفظه في آخر عمره». اهـ\nإلا أنه يشكل على هذا الوجه الأخير أنه قد رواه عنه عفان، وعفان من أثبت أصحاب حماد.\nوممن رجح رواية هشام وأيوب على رواية حماد الإمام الدارقطني، انظر العلل له (٤/ ٤٣١).\nوقيل: عن قتادة عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا.\nأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٥١) ومن طريقه البيهقي (٢/ ٢٣٣) عن يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب ابن عطاء، حدثنا سعيد -يعني: ابن أبي عروبة- عن قتادة، عن الحسن، أن رسول الله ﷺ قال: لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار.\nوفي هذا الإسناد يحيى بن أبي طالب.\nوثقه الدارقطني، وضعفه بعضهم، وانظر ترجمته في حديث رقم (٤٩) وعبد الوهاب ابن عطاء من أصحاب سعيد القدماء، وممن سمع منه قبل تغيره، وهو من المكثرين عنه. وهذا الإسناد وإن كان فيه لين إلا أنه قد توبع.\nفقد أخرج عبد الرزاق (٥٠٣٨) عن معمر، عن عمرو (يعني: ابن دينار)\nورواه ابن أبي شيبة (٦٢١٢) قال: حدثنا عيسى بن يونس، كلاهما عن الحسن رفعه.\nوقيل: عن الحسن موقوفًا عليه.\nرواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٠) من طريق ربيع، وهشام فرقهما، عن الحسن، قال: إذا حاضت الجارية لم تقبل لها صلاة إلا بخمار. وهذا موقوف عليه.\nفعلى هذا روى الحديث عن الحسن مرسلًا وموقوفًا عليه. ومرسلات الحسن كما قال الإمام أحمد وغيره: شبه الريح، وهي من أضعف المرسلات.\nوأشار أبو داود بالرواية المرسلة إلى إعلال الحديث بها، فقال بعد أن ذكر رواية حماد عن قتادة، عن صفية، عن عائشة مرفوعًا. قال أبو داود: ورواه سعيد -يعني: ابن عروبة- عن قتادة، عن الحسن عن النبي ﷺ. =","vol":"8","page":32},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الذهبي في تلخيص المستدرك المطبوع معه (١/ ٢٥١): «وعلته ابن أبي عروبة - عنى بها روايته عن قتادة عن الحسن مرسلًا».\nوقيل: عن قتادة موقوفًا.\nرواه شعبة، وسعيد بن بشير، عن قتادة موقوفًا، ذكره الدارقطني في العلل (١٤/ ٤٣١)، فقال عن حديث (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) قال الدارقطني: يرويه محمد بن سيرين، واختلف عنه؛\nفرواه، قتادة، عن ابن سيرين.\nواختلف عن قتادة، فأسنده حماد بن سلمة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن ﷺ.\nوخالفه شعبة، وسعيد بن بشير، فروياه عن قتادة، موقوفًا ...».\nوشعبة من أثبت الناس في قتادة وقد توبع.\nفتلخص من هذا أن الاختلاف على قتادة على هذا النحو.\nيرويه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث عن عائشة مرفوعًا.\nويرويه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا، وقد توبع ابن أبي عروبة.\nويرويه شعبة، وسعيد بن بشير، عن قتادة موقوفًا.\nفالحديث فيه اضطراب من رواية قتادة، فالراجح رواية ابن سيرين عن عائشة، ولم يسمع منها وقد رجح الدارقطني رواية ابن سيرين المنقطعة، ولعل سبب الترجيح، ما يلي:\nأولًا: الاضطراب في رواية قتادة.\nثانيًا: أن رواية ابن سيرين عن عائشة جاءت من طريق هشام بن حسان، وأيوب، وهشام من أثبت الناس في ابن سيرين، وإذا ضعفنا رواية ابن سيرين عن عائشة؛ فإن لها شاهدًا ضعيفًا من حديث أبي قتادة.\nأخرجه الطبراني في الصغير (ص ٥٤٢): «حدثنا محمد بن أبي حرملة الكلابي، بمدينة قلزم، حدثنا إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي، حدثنا عمرو بن هشام البيروتي، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر.\nوالحديث ضعيف، فيه عمرو بن هشام البيروتي، قال عنه العقيلي: عمرو بن هشام، عن ابن عجلان مجهول بالنقل، لا يتابع على حديثه. =","vol":"8","page":33},{"text":"والمقصود بالحائض من بلغت سن المحيض، ولا يراد بها المرأة في أيام الحيض؛ لأن الحائض ممنوعة من الصلاة.\n[م-٦٧٩] العلامة الثانية من علامات البلوغ: الاحتلام.\nوالمقصود به خروج المني من الرجل أو المرأة بلا علة، يقظة، أو منامًا.\nلقوله تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) الآية [النور: ٥٩].\nفحين بلغ الأطفال الحلم كلفوا بوجوب الاستئذان، بينما قبل البلوغ كان الخطاب موجهًا إلى أوليائهم.\nقال سبحانه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ) الآية [النور: ٥٨].\nوقال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٦].\nفجعل الله ﷾ بلوغ النكاح موجبًا لارتفاع الولاية عن اليتيم، بشرط كونه راشدًا.\n(١٥٤٩ - ١١) ولما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،\nعن أبيه ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه، رواه البخاري، ومسلم واللفظ له (^١).\n_________\n= وقال ابن أبي حاتم: كتبت عنه، وكان قليل الحديث، ليس بذاك، كان صغيرًا حين كتب عن الأوزاعي. وفيه إسحاق بن إسماعيل، له ترجمة في التهذيب، وسكت عليه الحافظ ولم يذكر أن أحدًا وثقه.\nوفي الباب آثار عن أم سلمة، وعن ابن عمر، وعن أبي هريرة، وعن غيرهم وفيها الصحيح، وفيها الضعيف المنجبر، والله أعلم.\n(^١) صحيح البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧/ ٨٤٦).","vol":"8","page":34},{"text":"فجعل الاحتلام محلًا للتكليف.\nوقال الحافظ في الفتح: «أجمع العلماء على إن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات، والحدود وسائر الأحكام» (^١).\nالعلامة الثالثة: الإنبات.\n[م-٦٨٠] وقد اختلف الفقهاء في اعتبار الإنبات علامة من علامات البلوغ إلى أقوال منها:\nالقول الأول:\nليس الإنبات بعلامة مطلقًا، لا في الحقوق الواجبة للخالق، ولا في حقوق الآدميين. وهو مذهب الحنفية (^٢).\nالقول الثاني:\nالإنبات علامة مطلقًا في حق المسلم والكافر، وفي حق الله وحق المخلوق. وهو المشهور من مذهب المالكية، ومذهب الحنابلة، ورواية عن أبي يوسف من الحنفية (^٣).\nالقول الثالث:\nقال بعض المالكية: الإنبات علامة على البلوغ في حق الآدميين من قذف، وقطع،\n_________\n(^١) فتح الباري (٥/ ٦١٠).\n(^٢) رد المحتار (٥/ ٩٧). وقال: «لا اعتبار لنبات العانة، خلافًا للشافعي ورواية عن أبي يوسف». وانظر: البحر الرائق (٣/ ٩٦) فتح القدير كتاب الحجر، فصل في حد البلوغ (٩/ ٢٧٦).\n(^٣) انظر رواية أبي يوسف في: حاشية ابن عابدين (٥/ ٩٧).\nوانظر في مذهب المالكية، الشرح الكبير للدردير (٣/ ٢٩٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (٣/ ٤٠٣)، وقال في أسهل المدارك (٢/ ١٥٩): «ومتى نبت شعر العانة الخشن، كان ذلك علامة على التكليف بالنسبة لحقوق الله تعالى، من صلاة وصوم ونحوهما، وحقوق عباد الله على التحقيق».\nوانظر في مذهب الحنابلة: المحرر (١/ ٣٤٧) الفروع (٤/ ٣١٢) الإنصاف (٥/ ٣٢٠) المبدع (٤/ ٣٣٢) معونة أولى النهي شرح المنتهى (٤/ ٥٦٠).","vol":"8","page":35},{"text":"وقتل، وأما في حقوق الله فليس بعلامة (^١).\nالقول الرابع:\nقالت الشافعية: الإنبات علامة على البلوغ في حق صبيان الكفار.\nوأما في حق المسلمين فاختلفوا فيها على وجهين، أصحهما أنه ليس علامة على البلوغ في حقهم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3638>الدليل على اعتبار الإنبات من علامات البلوغ:</span>\n(١٥٥٠ - ١٢) ما رواه أحمد من طريق سفيان، عن عبد الملك بن عمير، قال:\nسمعت عطية القرظي، يقول: عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي (^٣).\n[صحيح لغيره] (^٤).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (٥/ ٥٩) وانظر: بهامشه التاج والإكليل (٥/ ٥٩) وقال عن ابن رشد: «بأنه لا خلاف عنده أنه لايعتبر البلوغ بالإنبات فيما بينه وبين الله تعالى. واختلف في قول مالك فيمن وجب عليه حد وقد أنبت، ولم يبلغ أقصى سن من لا يحتلم، وادعى أنه لم يحتلم والأصح عندي من القولين أن يصدق، ولا يقام عليه حد للشك في احتلامه».\n(^٢) مغني المحتاج (٢/ ١٦٧) روضة الطالبين (٤/ ١٧٨) المهذب (١/ ٣٣٧، ٣٣٨) الوجيز (١/ ١٧٦).\n(^٣) المسند (٤/ ٣١٠).\n(^٤) هذا الإسناد مداره على عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي.\nوعبد الملك قد روى له الجماعة، وتكلم فيه أحمد، فقال: ضعيف جدًّا. الجرح والتعديل (٥/ ٣٦٠).\nوقال أيضًا: مضطرب الحديث جدًّا مع قلة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث. تهذيب الكمال (١٨/ ٣٧٠).\nوقال ابن معين: مخلط. كما في رواية إسحاق بن منصور عنه، يشير إلى أنه اختلط في آخر عمره، وإلا فقد قال: ثقة، إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين. كما في رواية ابن البرقي عنه. تهذيب التهذيب (٦/ ٣٦٤). =","vol":"8","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو حاتم: ليس بحافظ، وهو صالح الحديث. تغير حفظه قبل موته. الجرح والتعديل (٥/ ٣٦٠).\nوقال مرة: لم يوصف بالحفظ. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ليس به بأس. تهذيب الكمال (١٨/ ٣٧٠).\nوقال ابن نمير: كان ثقة ثبتًا. التهذيب (٦/ ٣٦٤).\nوفي التقريب: ثقة فصيح، عالم تغير حفظه، وربما دلس.\nقلت: أما التدليس فقد صرح بالتحديث في بعض طرقه، وأما الاختلاط فقد روى عنه هذا الثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وقد خرج الشيخان حديث عبد الملك بن عمير من رواية هؤلاء عنه. ولعل من ضعفه إنما ضعفه بسبب تغيره، ولذلك قال الحافظ في هدي الساري (ص ٥٩٢): «أخرج له الشيخان من رواية القدماء عنه في الاحتجاج، ومن رواية بعض المتأخرين عنه في المتابعات، وإنما عيب عليه أنه تغير حفظه لكبر سنه؛ لأنه عاش ١٠٣ سنين، ولم يذكره ابن عدي في الكامل، ولا ابن حبان». اهـ\nقلت: لم أجعله ثقة، بل هو أدنى مرتبة، إعمالًا لجرح الإمام أحمد، وقول أبي حاتم: ليس بالحافظ». هـ لكنه ليس ضعيفًا، وقد احتجا به في الصحيح، فتوسطت وجعلته في مرتبة الحسن. والله أعلم.\nتخريج الحديث:\nالحديث رواه الثوري، كما في مسند مصنف عبد الرزاق (١٨٧٤٣)، ومسند أحمد (٤/ ٣١٠)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٣١١٤، ٣٣٦٨٨)، وسنن أبي داود (٤٤٠٤)، وسنن الترمذي (١٥٨٤) وسنن ابن ماجه (٢٥٤١)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٢١٨٩)، الطبراني (١٧/ ١٦٣) ح ٤٢٨.\nوسفيان بن عيينة، كما في مسند أحمد (٥/ ٣١٢)، ومسند الحميدي (٨٨٨)، وسنن النسائي (٣٤٣٠)، وسنن ابن ماجه (٢٥٤٢)، وسنن الدارمي (٢٤٦٤)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (٣/ ٢١٦)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ١٦٤) ح ٤٣٢.\nوشعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٢٨٤) وسنن النسائي (٤٩٨١)، ومنتقى ابن الجارود (١٠٤٥)، ومستخرج أبي عوانة (٦٤٧٨، ٦٤٨٠)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ١٦٣) ٤٢٩، ٤٣٠، ومستدرك الحاكم (٢/ ١٢٣)، وسنن البيهقي (٦/ ٥٧).\nوأبو عوانة كما في سنن أبي داود (٤٤٠٥)، وسنن النسائي الكبرى (٨٦٢٠)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ١٦٤) ح ٤٣٣، وسنن البيهقي الكبرى (٩/ ٦٢).\nوهشيم، كما في مسند أحمد (٤/ ٣٨٣) وسنن سعيد بن منصور (٢٩٦٥)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ١٦٥)، وصحيح ابن حبان (٤٧٨٠). =","vol":"8","page":37},{"text":"وأما الآثار عن الصحابة ﵃.\n(١٥٥١ - ١٣) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: حدثنا\nعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال:\nكتب عمر إلى أمراء الأجناد أن لا تقتلوا امرأة، ولا صبيًا، وأن تقتلوا من جرت عليه المواسي.\n[صحيح] (^١).\n_________\n= ومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (١٨٧٤٢)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ١٦٤) ح ٤٣١.\nوجرير بن عبد الحميد كما في صحيح ابن حبان (٤٧٨١).\nوحماد بن سلمة كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ١٦٤) ح ٤٣٥، والمستدرك (٣/ ٣٢)، وسنن البيهقي الكبرى (٦/ ٥٧).\nوأبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن كما مستخرج أبي عوانة (٦٤٨٣).\nوزهير كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ١٦٤) ح ٤٣٤.\nويزيد بن عطاء كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ١٦٥) ح ٤٣٤.\n٤٣٦ كلهم عن رووه عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرضي به.\nوأما المتابعة لعبد الملك بن عمير.\nفقد أخرجه النسائي في الكبرى، في السير (٨٦١٩) والحاكم في المستدرك (٢/ ١٢٣)، من طريق ابن جريج.\nوأخرجه الحميدي (٨٨٩) وأبو عوانة في مستخرجه (٦٤٧٦)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٦٥) ح ٤٣٩ والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٢١٦) والحاكم في المستدرك (٢/ ١٢٣) من طريق سفيان بن عيينة، كلاهما عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\nقال النسائي والحاكم: عن عطية (رجل من بني قريظة).\nوقال الحميدي، والطبراني، عن مجاهد، سمعت رجلًا في مسجد الكوفة يقول: كنت يوم حكم سعد في بني قريظة غلامًا ... وذكر الحديث بنحوه.\nوالحديث فيه عنعنة ابن أبي نجيح، وهو مدلس، وقد قال ابن حبان كما في التهذيب: لم يسمع التفسير من مجاهد وجعله الحافظ في المرتبة الثالثة (٧٧).\nفهذه متابعة صالحة لعبد الملك بن عمير، كما يشهد لذلك أيضًا ما ذكرته من الآثار. والله أعلم.\n(^١) المصنف (٦/ ٤٨٧) ح ٣٣١٠٩.","vol":"8","page":38},{"text":"(١٥٥٢ - ١٤) وروى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن\nعبيد الله، عن نافع، عن أسلم مولى عمر أن عمر كتب إلى عماله، فذكر نحوه (^١).\n[صحيح].\nفالمالكية في المشهور، وكذا الحنابلة حملوه علامة على البلوغ مطلقًا في حق المسلم والكافر، وهو الراجح.\nوأما الشافعية فحملوا الحديث على الكفار، باعتبار أن ذلك كان مع بني قريظة.\nولأن المسلم يمكن الرجوع إلى أقاربه لمعرفة سنه، وقد يستعجل الإنبات بدواء دفعًا للحجر عن نفسه وتشوفًا للولايات، بخلاف الكافر.\nوهذا التفريق ضعيف، فما صح أن يكون علامة حسية على بلوغ صبيان الكفار صح أن يكون علامة في حق المسلمين.\nوأما بعض المالكية فخصوه فيما بين الآدميين من الحقوق. وهذا ضعيف أيضًا؛ لأن النهي عن قتل النساء في الجهاد، وكذلك النهي عن قتل الصبيان هو حق لله ﷾، والله أعلم.\n[م-٦٨١] العلامة الرابعة: البلوغ بالسن، اختلف الفقهاء فيه:\nفقيل: تمام خمس عشرة سنة، للذكر والأنثى.\nوهو مذهب الشافعية، والحنابلة، واختاره ابن وهب من المالكية، وهو رواية عن أبي حنيفة اختارها أبو يوسف ومحمد من الحنيفة (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٣٣١١٩).\n(^٢) انظر رواية أبي حنفية في البحر الرائق (٣/ ٩٦) وفتح القدير (٩/ ٢٧٦).\nوانظر في مذهب الشافعية: مغني المحتاج (٢/ ١٦٥) روضة الطالين (٤/ ١٧٨) المهذب (١/ ٣٣٧، ٣٣٨).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المحرر (١/ ٣٤٧) الفروع (٤/ ٣١٢) الإنصاف (٥/ ٣٢٠) المبدع (٤/ ٣٣٢)، معونة أولى النهى شرح المنتهى (٤/ ٥٦٠).\nوانظر قول ابن وهب في أسهل المدارك (٢/ ١٥٩) مواهب الجليل (٥/ ٥٩).","vol":"8","page":39},{"text":"وقيل: للغلام أن يتم له ثماني عشرة سنة. وللجارية أن يتم لها سبع عشرة سنة (^١).\nوفي المذهب المالكي أقوال، أشهرها بلوغ ثماني عشرة سنة (^٢).\nوقيل: تسع عشرة.\nوقيل: سبع عشرة.\nوقيل: ست عشرة (^٣).\nواختار ابن حزم: تمام تسع عشرة؛ لكونه أكثر ما قيل (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3639>دليل من قال: يحصل البلوغ بتمام خمس عشرة سنة:</span>\n(١٥٥٣ - ١٥) استدلوا بما رواه مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع،\nعن ابن عمر قال: عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني.\nقال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ خليفة، فحدثته هذا الحديث، فقال: إن هذا لحد بين الصغير والكبير، فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال.\nوأخرجه البخاري من طريق عبيد الله بن عمر به. وليس فيه قوله: فاجعلوه في العيال (^٥).\nاعتراض:\nاعترض ابن حزم على الاستدلال بهذا الحديث، بأن الرسول ﷺ لم يقل: إني\n_________\n(^١) البحر الرائق (٣/ ٩٦)، فتح القدير (٩/ ٢٧٦).\n(^٢) لم يذكر الصاوي غيره في حاشيته على الشرح الصغير (٣/ ٤٠٤). وقال في أسهل المدارك (٣/ ١٥٩): «ومنها بلوغ ثماني عشرة سنة على المشهور».\n(^٣) مواهب الجليل (٥/ ٥٩). حاشية الدسوقي (٣/ ٢٩٣).\n(^٤) المسألة (١١٩) من المحلى.\n(^٥) صحيح البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨).","vol":"8","page":40},{"text":"أجزتهما من أجل أنهما ابنا خمس عشرة سنة، فيحتمل أنه أجازهما يوم الخندق؛ لأنه لم يكن قتال، وإنما كان فيه حصار للمدينة فينتفع بالصبيان، ولم يجزه يوم أحد؛ لأنه كان يوم قتال وقد بعدوا فيه عن المدينة، فلا يحضره إلا أهل القوة والجلد (^١).\nفيجاب: بأن هذا خلاف ما فهمه نافع وعمر بن عبد العزيز رحمهما الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3640>دليل من قال: إن البلوغ بالسن يكون بثماني عشرة:</span>\nجاء في الهداية، شرح بداية المبتدي: قوله تعالى: (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) أشد الصبي ثماني عشرة سنة. هكذا قاله ابن عباس (^٢).\n[لم أقف على إسناده] (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المحلى (مسألة: ١١٩).\n(^٢) الهداية (٩/ ٢٧٧).\n(^٣) لم يذكر إسناده، ورجعت إلى تخريجه في نصب الراية للزيلعي (٤/ ١٦٦) فاكتفى بقوله: غريب، ولم يذكر إسناده. وقال الحافظ في الدراية: لم أجده، وإذا قال الزيلعي: غريب فإنه يقصد أنه لم يقف له على أصل أو إسناد، وليس مقصوده الغريب الاصطلاحي.\nووجدت في تفسير ابن أبي حاتم ما يخالفه فقد روى في تفسيره (٥/ ١٤١٩) من طريق عبد الله ابن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس (أشده) قال: ثلاث وثلاثون. قال: وروي عن مجاهد وقتادة نحو ذلك.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا عبد الله بن عثمان بن خثيم، مختلف فيه، وفي التقريب صدوق، وقد سبقت ترجمته، انظر تخريج (ح ١٤).\nوقد اختلف في إسناده على عبد الله بن خثيم:\nفرواه ابن إدريس عنه، عن مجاهد، عن ابن عباس كما سبق.\nورواه الطبراني في الأوسط (٦٨٢٩) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا صدقة بن يزيد، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: في قوله تعالى: (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) قال: ثلاث وثلاثون، وهو الذي رفع عليه عيسى بن مريم.\nفجعل بدلًا من مجاهد سعيد بن جبير.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن خيثم إلا صدقة بن يزيد، تفرد به الوليد بن مسلم.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه الوليد بن مسلم، وهو إن صرح بالتحديث من شيخه إلا أنه متهم بتدليس التسوية، وقيل: إنه متهم بتسوية أحاديث الأوزاعي خاصة، فالله أعلم.\nوفي الإسناد: صدقة بن يزيد، تجنبه أصحاب الكتب الستة.\nقال أحمد: حديثه ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٤/ ٢٩٥)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٣١)، الكامل لابن عدي (٤/ ٧٧)، الضعفاء الكبير (٢/ ٢٠٦).\nوذكره ابن الجارود، والعقيلي، والساجي في الضعفاء. اللسان (٣/ ١٨٧).\nوقال ابن عدي: هو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، وحديثه بعضها مما يتابع عليها، وبعضها مما لا يتابعه أحد عليها. الكامل (٤/ ٧٩).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: ثقة. اللسان (٣/ ١٨٧).\nوقال أبو حاتم: صالح. الجرح والتعديل (٤/ ٤٣١).\nوقال يعقوب بن سفيان: حسن الحديث. اللسان (٣/ ١٨٧).\nوتجنبه أصحاب الكتب الستة.","vol":"8","page":41},{"text":"(١٥٥٤ - ١٦) وروى ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق عبد الله بن لهيعة حدثني عطاء ابن دينار، عن سعيد بن جبير: قوله: (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) قال: ثماني عشرة سنة (^١).\n[ضعيف من أجل ابن لهيعة، وعطاء بن دينار روايته عن سعيد بن جبير صحيفة].\nوقيل في تفسير الأشد غير ذلك.\nومن الأدلة النظرية:\nقالوا: إن أقصى سن لا يحتلم فيها الإنسان ثمانية عشر عامًا (^٢) يعني فإذا بلغها فلابد من الاحتلام إلا لعلة، ولذلك حدوه بثمانية عشرة عامًا.\nوهذا الكلام لا يصلح أن يكون دليلًا يعتمد عليه في التحديد بالسن؛ لأنه قد يقال: ما الدليل على أن الثمانية عشر عامًا هي أقصى سن من لا يحتلم.\nوجه قول من فرق بين الذكر والأنثى:\nقالوا: بأن الأنثى أسرع نموًا من الغلام، فزادوا سنة في حق الغلام لاشتمالها على الفصول الأربع التي منها ما يوافق المزاج لا محالة (^٣).\n_________\n(^١) تفسير أبي حاتم (٨٠٨٩).\n(^٢) مواهب الجليل (٥/ ٥٩).\n(^٣) البحر الرائق (٨/ ٩٦).","vol":"8","page":42},{"text":"وكون الأنثى أسرع نموًا هذا أمر محسوس، لكن تحديده بالسنة يحتاج إلى توقيف. ولا دليل هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3641>دليل ابن حزم على أن البلوغ بالسن لا يكون إلا بتمام تسع عشرة</span>.\nقال ابن حزم: «وأما استكمال التسعة عشر عامًا، فإجماع متيقن، وأصله أن رسول الله ﷺ ورد المدينة، وفيها صبيان، وشبان، وكهول، فألزم الأحكام من خرج عن الصبا إلى الرجولة، ولم يلزمها الصبيان، ولم يكشف أحدًا من كل من حواليه من الرجال: هل احتلمت يا فلان؟ وهل أشعرت؟ وهل أنزلت؟ وهل حضت يا فلانة؟ هذا أمر متيقن لا شك فيه، فصح يقينًا أن هناك سنًا إذا بلغها الرجل أو المرأة فهما ممن ينزل، أو ينبت، أو يحيض إلا أن يكون فيهما آفة تمنع من ذلك، كما بالأطلس آفة منعته من اللحية لولاها لكان من أهل اللحى بلا شك. هذا أمر يعرف بما ذكرنا من التوقف وبضرورة الطبيعة الجارية في جميع أهل الأرض، ولا شك في أن من أكمل تسع عشرة سنة، ودخل في عشرين سنة، فقد فارق الصبا ولحق بالرجال - لا يختلف اثنان من أهل كل ملة وبلدة في ذلك (^١).\nويجاب عن قول ابن حزم:\nالاستدلال بالإجماع لا يصح إلا لو كان الإجماع منهم على أن من نقص عن تسع عشرة عامًا لم يصل إلى مرحلة البلوغ، أما كونهم اتفقوا على أن من أتم تسع عشرة سنة فقد بلغ، فلا يصح هذا دليلًا لرد ما دونها من مسائل الخلاف، وهذا بين.\nأرأيت لو أنهم اتفقوا على استحباب شيء واختلفوا في وجوبه، فكونهم اتفقوا على استحبابه لا يكون دليلًا لرد خلافهم في الوجوب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ١١٩).","vol":"8","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3642>الباب الأول في أحكام الحيض من حيث مقداره ووقته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3643>الفصل الأول في السن الذي تحيض فيه المرأة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n* كل سن لا يمكن أن تحمل معه الأنثى لا يمكن أن تحيض معه.\n* المني والحيض علامتان على بلوغ النكاح، الأول يخلق منه الوالد، والثاني علامة على صلاحية حمله وتغذيته، وكلاهما لا يوجد من الصغير.\n* كل أمر وجب تحديده، ولم يرد في تحديده نص، فالواجب الرجوع في حده إلى ما وجد من العادات الجارية، ولم يوجد في جاري العادة حدوث الحيض لأقل من تسع سنوات.\n* العادة محكمة في كل شيء لا تحديد فيه من الشرع، قال ﷺ: كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرن.\n* كل ما يقطع النساء أن مثلها لا يمكن أن تحيض فهو دم فساد.\n* الآيسة والصغيرة لا تحيضان.","vol":"8","page":44},{"text":"[م-٦٨٢] اختلف العلماء في الزمن الذي تحيض فيه المرأة.\nفقيل: لا حيض قبل تسع سنين.\nوهو المعتمد عند الحنفية، واختاره بعض المالكية، والمشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: يمكن أن تحيض البنت وعمرها ست سنوات! !، وهو قول أبي النصر محمد بن سلام من الحنفية (^٢).\nوقيل: أدنى سن تحيض به المرأة سبع سنين اختاره بعض الحنفية (^٣).\nوقيل: اثنتا عشرة سنة، وهو قول بعض الحنفية (^٤) ورواية عن الإمام أحمد اختارها أبو يعلى من الحنابلة (^٥).\nوقيل: لا حد لأدنى سن تحيض فيه المرأة، اختاره ابن رشد من المالكية (^٦)\nوابن تيمية من الحنابلة (^٧).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط للسرخسي (٣/ ١٤٩)، البحر الرائق (١/ ٢٠٠)، تبيين الحقائق (١/ ٥٤)، بدائع الصنائع (١/ ٤١) مراقي الفلاح (ص ٥٧)، وانظر قول بعض المالكية: الخرشي (١/ ٢٠٤)، منح الجليل (١/ ١٦٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٨)، الشرح الصغير (١/ ٢٠٨)، أسهل المدارك (١/ ٨٧)، وانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٤٠٠)، روضة الطالبين (١/ ١٣٤)، مغني المحتاج (١/ ١٠٨)، نهاية المحتاج (١/ ٣٢٤)، الحاوي الكبير ١/ ٣٨٨)، وانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٢٠٢) شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٣) المغني (١/ ٤٤٧) المحرر (١/ ٢٦) الكافي (١/ ٧٤) الروض المربع (١/ ٤٢٤) الإنصاف (١/ ٣٥٥) الفروع (١/ ٢٦٥) المبدع شرح المقنع (١/ ٢٦٧) شرح العمدة (١/ ٤٨٠).\n(^٢) المبسوط - السرخسي (٣/ ١٤٩).\n(^٣) انظر: المرجع السابق.\n(^٤) انظر: فتح القدير (١/ ١٦٠). وانظر: ما أحلتك عليه من المراجع في المذهب الحنفي.\n(^٥) انظر: الإنصاف (١/ ٣٥٥)، والفروع (١/ ٢٦٥).\n(^٦) مقدمات ابن رشد (١/ ١٣٠).\n(^٧) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٧).","vol":"8","page":45},{"text":"دليل من قال: لا حيض قبل تسع سنين\nالدليل الأول:\n(١٥٥٥ - ١٧) روى الترمذي (^١)، والبيهقي (^٢)، كلاهما تعليقًا:\nقال البيهقي: وروينا عن عائشة ﵂ قالت:\nإذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة.\nقال البيهقي: تعني -والله أعلم- فحاضت فهي امرأة.\n[ضعيف لتعليقه، ومع كونه معلقًا فهو موقوف على عائشة] (^٣).\nولا دلالة فيه على المسألة؛ لأننا نسأل: هل إذا بلغت الجارية تسع سنين صارت امرأة مطلقًا، أو بشرط الحيض؟\nفإن قيل: إنها امرأة مطلقًا حتى ولو لم تر الحيض، فهذا لا أعلم أحدًا قال به.\nوإن قيل: بشرط الحيض، فهو لا يعارض القول الراجح القائل بعدم التحديد؛ لأنهم يقولون أيضًا: إذا رأت الجارية الحيض، وهي ابنة تسع سنين فهي امرأة، والله أعلم.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٣/ ٤١٨).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ٣٢٠).\n(^٣) وروي مرفوعًا: أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٧٣) من طريق عبيد بن شريك، حدثني سليمان بن شرحبيل، حدثنا عبد الملك بن مهران، ثنا سهل بن أسلم العدوي، عن معاوية بن قرة، قال: سمعت ابن عمر فذكره مرفوعًا.\nوفيه عبد الملك بن مهران.\nقال أبو حاتم وابن عدي: مجهول. الكامل (٥/ ٣٠٧)، الجرح والتعديل (٥/ ٣٧٠).\nوقال العقيلي: صاحب مناكير، غلب عليه الوهم، لا يقيم شيئًا من الحديث. الضعفاء الكبير (٣/ ٣٤).\nوقال أبو حاتم: مجهول. الجرح والتعديل (٥/ ٣٧٠).\nوقال أبو علي بن السكن: منكر الحديث. اللسان (٤/ ٦٩).\nومن دونه لا يعرفون. انظر: إرواء الغليل (١٨٥).","vol":"8","page":46},{"text":"وربما قالت عائشة هذا بما عرفت من نفسها.\n(١٥٥٦ - ١٨) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂:\nأن النبي ﷺ تزوجها، وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه، وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعًا. وهو في مسلم (^١).\nولا يفهم من الحديث التحديد.\nالدليل الثاني:\nمن النظر. قال ابن قدامة: «دم الحيض إنما خلقه الله لحكمة تربية الحمل به، فمن لا تصلح للحمل لا توجد فيها حكمته، فينتفي لانتفاء حكمته، كالمني فإنهما متقاربان في المعنى، فإن أحدهما يخلق منه الولد، والآخر يربيه ويغذيه، وكل واحد منهما لا يوجد من صغير. ووجودهما علم على البلوغ. وأقل سن تبلغ له الجارية تسع سنين فكان ذلك أقل سن تحيض له الجارية» (^٢).\nالدليل الثالث:\nقالوا: إن المرجع في هذه المسألة إلى الوجود؛ لأنه لم يأت تحديد ذلك من الشرع، ولم يوجد من النساء من يحضن عادة فيما دون هذا السن (^٣).\nقال الشافعي: «أعجل من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة، يحضن لتسع سنين، وقد رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة» (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥١٣٣)، ومسلم (١٤٢٢).\n(^٢) المغني (١/ ٤٤٧).\n(^٣) المغني (١/ ٤٤٧) وما ذكره ابن قدامة، هو دليل عليهم لا لهم؛ لأن الحيض إذا كان مرجعه إلى الوجود، فلماذا التحديد بالسن، لماذا لا يكون المرجع إلى وجود الدم الذي يصلح بأن يكون حيضًا بسبب لونه أورائحته أو ثخونته؟\n(^٤) الحاوي (١/ ٣٨٨)، هاتان روايتان عن الشافعي: أما الأولى فهي قوله: «أعجل من سمعت\nمن النساء ...» فهي ثابتة عنه، ذكرها في الأم (١/ ٦٤). وأما الرواية الثانية، وهي قوله: «وقد رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة ...» فهذه لم تثبت عنه، فقد رواها البيهقي (١/ ٣١٩) من طريق أحمد بن طاهر ابن حرملة، قال: حدثني جدي، عن الشافعي قال: رأيت بصنعاء جدة لها إحدى وعشرين سنة.\nوأحمد بن طاهر هذا كذبه الدارقطني، وقال ابن عدي: حدث عن جده، عن الشافعي حكايات بواطيل، يطول ذكرها. انظر الميزان (١/ ١٠٥).","vol":"8","page":47},{"text":"والشافعي أخبر بما وجد، وإلا يمكن على مذهبه أن يكون لها تسعة عشر عامًا وشيء.\nوقد جاء في المبسوط للسرخسي: «ابنة أبي مطيع البلخي، صارت جدة ولها من العمر تسعة عشر عامًا» (^١).\nوحساب ذلك أن يكون أبو مطيع زوج ابنته، وهي بنت تسع سنين فوضعت لأقل الحمل: أي بعد ستة أشهر، وكانت أنثى، وزوجها هي الأخرى، وعمرها تسع سنين، فوضعت لأقل الحمل هي الأخرى، فأصبحت الأم جدة، وعمرها تسعة عشر عامًا.\nدليل من قال: يمكن أن تحيض الجارية وعمرها ست سنوات:\nلا أعلم له دليلًا، لا من الأثر، ولا من النظر. وإنما قال ذلك أبو نصر محمد بن سلام، وقد سئل كما في المبسوط: عن ابنة ست سنين إذا رأت الدم، فهل يكون هذا دم حيض؟\nفأجاب: إن تمادى بها مدة الحيض، ولم يكن نزوله لآفة، فهو حيض (^٢).\nفهذا جواب على سؤال افتراضي لا دليل عليه، لا من الأثر، ولا من النظر ولم يكن سؤالًا عن أمر واقع حتى يبنى عليه حكم. والله أعلم.\nدليل من حدد سن الحيض بسبع سنين:\n(١٥٥٧ - ١٩) استدلوا بما رواه أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن\n_________\n(^١) المبسوط (٣/ ١٤٩).\n(^٢) المبسوط (٣/ ١٤٩).","vol":"8","page":48},{"text":"شعيب عن أبيه: عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (^١).\n[منكر، تفرد به سوار، على خلاف فيه في لفظه، وله شواهد ضعيفة جدًّا، وأمثل حديث في الباب حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: إن الأصل في الأمر الوجوب، ولا يؤمرون إلا إذا كانوا بالغين؛ لأن غير البالغ قد رفع عنه القلم.\nوهذا الاستدلال فيه ضعف؛ لأن الأمر لم يوجه للصبيان، وإنما خوطب به الأولياء، من باب التربية، وتعويدهم على الصلاة وتدريبهم عليها، حتى إذا بلغوا كان قيامهم بالأمر سهلًا، ولو كان الخطاب موجهًا إليهم لكان ممكنًا أن يصح الاستدلال.\nولذلك في سورة النور. قال ﷾: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ) [النور: ٥٨].\nوحين بلغوا وجه الخطاب إليهم مباشرة فقال سبحانه: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا) [النور: ٥٩].\nدليل من قال: أدنى سن تحيض به المرأة اثنا عشر سنة:\n(١٥٥٨ - ٢٠) استدلوا بما روي مرفوعًا عن أبي أمامة ﵁: ذراري المسلمين يوم القيامة تحت العرش، شافع ومشفع، من لم يبلغ اثنتي عشرة سنة، ومن بلغ ثلاث عشرة سنة فعليه وله.\n_________\n(^١) المسند (٢/ ١٨٧).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد العاشر، ح: (٢٣٨٧).","vol":"8","page":49},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\nظاهره أن التكليف منوط ببلوغ هذا السن؛ ولأن لفظ الذراري يشمل الذكر والأنثى.\nدليل من قال بعدم التحديد:\nالدليل الأول:\nالتحديد يحتاج إلى توقيف ولا يوجد دليل من الكتاب، ولا من السنة على القول بالتحديد، فمتى وجد الدم الذي يمكن أن يحكم له بأنه حيض في لونه، ورائحته، وثخونته، فهو حيض، ولو كان هناك تحديد بحيث لا يعتبر الدم قبله، ولا بعده حيضًا لوجب على الرسول ﷺ أن يبينه للأمة، ولو بينه لنقلوه، ولحفظه الله ﷾ لنا؛ حيث تعهد ﷾ بحفظ الشريعة.\nالدليل الثاني:\nقال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].\nوجه الاستدلال:\nعلق الله ﷾ الحكم بوجود الدم، الذي هو أذى، فإذا وجد الأذى وجد الحيض.\n_________\n(^١) الحديث رواه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٥): وعنه الديلمي في مسنده من طريق ركن أبي عبد الله، عن مكحول، عن أبي أمامة مرفوعًا.\nونسبه السيوطي في الجامع الصغير كما في فيض القدير (١/ ٥٦٠) إلى أبي بكر في الغيلانيات.\nوفيه علتان: أحدهما: مكحول لم يسمع من أبي أمامة. انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٢١٢).\nالعلة الثانية: فيه ركن بن عبد الله، قال فيه النسائي والدارقطني: متروك، انظر اللسان (٣٤٢٥).\nوقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٣/ ٣٤٣).\nوقال ابن معين: ليس بثقة. الكامل (٣/ ١٦٠).","vol":"8","page":50},{"text":"قال شيخ الإسلام في الفتاوى: «لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، ولا لأكثره، فمتى رأت الأنثى الحيض فهي حائض، وإن كانت دون تسع سنين، أو فوق خمسين؛ وذلك لأن أحكام الحيض علقها الله ﷾ على وجوده، ولم يحدد الله ﷾، ولا رسوله سنًا معينًا، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علق عليه الأحكام، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، ولا دليل في ذلك» (^١).\nوقال ابن رشد في المقدمات الممهدات: «فأما الطفلة الصغيرة فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الصغر، وليس له حد من السن، إلا ما يقطع النساء أن مثلها لا تحيض، وأما اليفعة التي تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه حيض، وكان ذلك دلالة على البلوغ» (^٢).\nوقال في مواهب الجليل: «وسن النساء قد يختلف في البلوغ، فالواجب أن يرجع في ذلك إلى ما يعرفه النساء، فهن على الفروج مؤتمنات، فإن شككن أخذ في ذلك بالأحوط» (^٣).\nوقال السعدي: «الحيض هو دم طبيعة وجبلة، وذلك يختلف باختلاف النساء والأحوال والفصول، والقوة والضعف، وغيرها، فكونه يربط بسن معين، ومقدار معين، ويلغى ما سواه مع مماثلته له، فمع كونه مخالفًا لظاهر النصوص الشرعية، فإنه مناف للأحوال الطبيعية.\nيوضح هذا القول الصحيح، أن القول الذي تقولونه، مع أنه لا يدل عليه كتاب ولا سنة، فإنه لا يمكن أن يبنى على قاعدة من القواعد، ولا أصل من الأصول ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٧).\n(^٢) المقدمات (١/ ١٣٠).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٣٦٧).\n(^٤) فقه الشيخ السعدي (١/ ٣٤٧).","vol":"8","page":51},{"text":"وهذا القول هو الراجح، إلا أنني أقطع أن سن السابعة لا يمكن أن يكون زمن حيض؛ لأن الرسول ﷺ جعل الخطاب فيه للأولياء، فقال: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، وسبق تخريجه، ولم يؤمر الولي بعقاب الولد في تلك السن؛ لأنها ليست سنًا صالحة للتكليف.\n* * *","vol":"8","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3644>المبحث الأول التحديد بالسن تقريب لا تحديد</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\nالسن الذي تحيض فيه المرأة تقريب لا تحديد؛ لتفاوت النساء.\n[م-٦٨٣] علمنا في المسألة السابقة خلاف العلماء في أقل سن تحيض فيه المرأة، فكان العلماء على قولين: أحدهما يذهب إلى تقديره بالسن، والآخر يذهب إلى عدم التحديد.\nفأما القائلون بالتحديد بالسن فقد اختلفوا هل هذا تحديد أم تقريب؟ على قولين:\nالقول الأول:\nأنه تحديد، فلو نقص عن التسع ما نقص فليس بحيض، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nقال في الإنصاف: «وحيث قلنا: أقل سن تحيض له كذا فهو تحديد، فلا بد من\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٠)، الحاوي الكبير (١/ ٣٨٩)، فتح العزيز (٢/ ٤١١)، المجموع (٢/ ٤٠١).","vol":"8","page":53},{"text":"تمام تسع سنين» (^١).\nالقول الثاني:\nأنه تقريب. وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية، وصححه الروياني، والرافعي، وغيرهما.\nفعلى هذا قال صاحب الحاوي: لا يؤثر نقص اليوم، واليومين.\nقال الدارمي: لا يؤثر الشهر، والشهران (^٢).\nوقال النووي في الروضة: «وهذا الضبط للتقريب على الأصح، فلو كان بين رؤية الدم، واستكمال التسع على الصحيح، ما لا يسع حيضًا وطهرًا، كان ذلك الدم حيضًا، وإلا فلا» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٣٥٥).\n(^٢) المجموع (٢/ ٤٠١).\n(^٣) الروضة (١/ ١٣٤).","vol":"8","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3645>المبحث الثاني المعتبر بالتحديد السنون القمرية</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\nلا عبرة في الأمور الشرعية بتوقيت غير التوقيت القمري، قال ﷾ عن الأهلة: (قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩].\n[م-٦٨٤] لم يختلف القائلون بتحديد السن الذي تحيض فيه المرأة أن المراد بالسنين: هي السنون القمرية.\nقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩].\nفقوله سبحانه: (مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) إشارة إلى أنها مواقيت عالمية، لعموم الناس مسلمهم وكافرهم. ولا عبرة بتوقيت غير التوقيت القمري. وقد أشار سبحانه بأنه توقيت منذ خلق السموات والأرض.\n(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) الآية [التوبة: ٣٦].\n(١٥٥٩ - ٢١) ومن السنة ما رواه مسلم من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن","vol":"8","page":55},{"text":"المسيب،\nعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا. ورواه البخاري (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧ - ١٠٨١)، ورواه البخاري بنحوه (١٩٠٩).","vol":"8","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3646>المبحث الثالث في دم الصغيرة التي لا يمكن أن تحيض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل دم لا يكون حيضًا، ولا نفاسًا فهو دم استحاضة وفساد.\n- الدم الخارج من الفرج ثلاثة: دم حيض، ودم نفاس، ودم فساد، ويقال له دم استحاضة.\n- كل امرأة لا يمكن أن تحمل إما لصغرها، وإما لهرمها، فما تراه من الدم لا يمكن أن يكون حيضًا.\n- إذا وجد الحيض كان علامة على إمكان الحمل من المرأة إلا لعلة.\n- الآيسة والصغيرة التي لا يمكن حملها لا يحيضان.\n[م-٦٨٥] إذا قلنا بالتحديد، وأن أدنى سن تحيض فيه المرأة تسع سنين، أو اثنتا عشرة سنة، فرأت الدم قبل ذلك، فماذا يكون؟\nفقيل: دم علة وفساد.\nوقيل: دم استحاضة،","vol":"8","page":57},{"text":"وقيل: لا فرق بين دم العلة والفساد، وبين دم الاستحاضة، فكل واحد منهما يطلق على الآخر؛ لأن دم الاستحاضة دم علة ومرض.\nوإذا كان الفساد يقابله الصحيح، أو الصحة؛ فإن دم الاستحاضة ليس عن صحة، بل هو عن علة ومرض فيكون فسادًا.\nوهل الخلاف لفظي، لا يتجاوز المصطلح؟ أم بينهما فرق في الأحكام؟ قد يقال: إن الخلاف لفظي؛ لأن دم الفساد، ودم الاستحاضة كل منهما لا يمنع الصلاة والصيام ونحوهما.\nوقد يقال: إن الخلاف ليس لفظيًا؛ فإن دم الاستحاضة له أحكام من العمل بالعادة إذا أقبلت، أو العمل بالتمييز، بينما دم الفساد هو كالجرح، وكمن به سلس بول؛ لأنه قد يحصل من الصغيرة التي لا تحيض فلا يمكن أن ينزل عليه أحكام الحيض، كما لا يمكن أن ينزل عليه أحكام الاستحاضة.\nإذا عرفت ذلك، فإليك النقول عن أهل العلم.\nقال ابن نجيم في البحر الرائق: «قال بعضهم إن ما تراه المرأة قبل استكمال تسع سنين فهو دم فساد، ولا يقال له استحاضة؛ لأن الاستحاضة لا تكون إلا على صفة لاتكون حيضًا؛ ولهذا قال الأزهري: الاستحاضة سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة» (^١).\nقلت: التعليل ليس بجيد؛ لأن الدم الذي تراه قبل تسع سنين على القول بالتحديد يصدق عليه أنه على صفة لا تكون حيضًا.\nوقال الشافعي كما في المجموع: «لو رأت الدم قبل استكمال تسع سنين، فهو دم فساد. ولا يقال له استحاضة؛ لأن الاستحاضة لا تكون إلا على إثر حيض -ثم قال في فصل المميزة-: «ولو رأت الدم خمسة عشر يومًا دمًا أسود، ثم رأت أحمر، فالأسود\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٠).","vol":"8","page":58},{"text":"حيض وفي الأحمر وجهان:\nقال أبو إسحاق: هو استحاضة.\nوقال ابن جريج: هو دم فساد لا استحاضة؛ لأن الاستحاضة ما دخل على إثر حيض في زمانه، ثم جاوز خمسة عشر» (^١).\nوقال الماوردي في الحاوي الكبير: «النساء على أربعة أضرب: طاهر، وحائض، ومستحاضة، وذات فساد.\nفأما الطاهر: فهي التي ترى النقاء. ومعناه: أن تستدخل القطن فيخرج نقيًا.\nوأما الحائض فهي التي ترى الدم في زمان يكون حيضًا.\nوأما المستحاضة: فهي التي ترى الدم في إثر الحيض على صفة لا تكون حيضًا.\nوأما ذات الفساد فهي التي تبتدئ بدم لايكون حيضًا» (^٢).\nقال النووي بعد نقله لكلام الحاوي: «وحاصله أن الاستحاضة لا تطلق إلا على دم متصل بالحيض، وليس بحيض، وأما ما لا يتصل بالحيض فدم فساد، ولا يسمى استحاضة، وقد وافقه عليه جماعة.\nوقال الأكثرون: يسمى الجميع استحاضة. قالوا: والاستحاضة نوعان: نوع يتصل بدم الحيض. وقد سبق بيانه.\nونوع لا يتصل به، كصغيرة لم تبلغ تسع سنين رأت الدم، وكبيرة رأته وانقطع لدون يوم وليلة. فحكمه حكم الحدث.\nقال النووي: وهو الأصح الموافق لما سبق عن الأزهري وغيره من أهل اللغة، أن الاستحاضة دم يجري في غير أوانه» (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٣٨١).\n(^٢) الحاوي الكبير (١/ ٣٩٠).\n(^٣) المجموع (٢/ ٣٨١).","vol":"8","page":59},{"text":"وقال ابن رشد في المقدمات: «والدم الذي تراه المرأة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: دم حيض، ودم استحاضة ويسمونه دم علة وفساد، ودم نفاس» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المقدمات (١/ ١٢٤).","vol":"8","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3647>الفصل الثاني\nمنتهى سن الحيض عند النساء</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل امرأة لا يمكن حملها لهرمها فما تراه من الدم بعد انقطاعه لا يكون حيضًا.\n- استمرار الحيض مع المرأة علامة على إمكان حملها.\n- إذا استمر الحيض مع المرأة لم تكن آيسة إذا أمكن أن يأتي منها الولد.\n- ما تراه العجوز من الدم بعد اليأس منه لا يكون حيضًا؛ لتعذر الحمل.\n- كل من انقطع حيضها فهي آيسة حتى يرجع، ولو كانت شابة.\nوقيل:\n- لا حد لمنتهى سن الحيض عند النساء، والمرجع فيه إلى قنوط المرأة من عودة الدم.\n- علق الله نهاية الحيض باليأس منه، واليأس، هو القنوط، وهو ضد الرجاء، ولم يعلقه ببلوغ سن معينة.\n- كل دم لا يكون عن نفاس، ولا علة فهو دم حيض بشرط أن يسبقه طهر صحيح.\n- وصف الله الحيض بأنه أذى، فمتى وجد وجد حكمه.","vol":"8","page":61},{"text":"[م-٦٨٦] اختلف العلماء في منتهى سن الحيض إلى أقوال:\nفقيل: لا حيض بعد خمسين سنة، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، واختاره ابن شعبان من المالكية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال إسحاق (^١).\nوقيل: منتهى الحيض خمس وخمسون سنة، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية (^٢).\nوقيل: لاحيض بعد ستين سنة. حكاه ابن نجيم عن أكثر المشايخ (^٣)، وهو رواية عن أحمد (^٤)، واختاره المحاملي من الشافعية (^٥).\nوقيل: لا حيض بعد سبعين سنة، وقبلها يسأل عنها النساء، وهو المشهور المعتمد في مذهب المالكية (^٦).\n_________\n(^١) انظر قول الحنفية في البحر الرائق (١/ ٢٠٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠٤).\nوانظر قول ابن شعبان من المالكية في مواهب الجليل (١/ ٣٦٧)، المنتقى للباجي (١/ ١٢٥)، وانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٢٠٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٣، ١١٤)، المحرر (١/ ٢٦)، المغني (١/ ٤٤٥)، الكافي (١/ ٧٥)، شرح الزركشي (١/ ٤٥٣)، مسائل أحمد رواية ابنه عبدالله (ص ٤٦)، الروض المربع (١/ ٤٢٥)، الإنصاف (١/ ٣٥٦)، الفروع (١/ ٢٦٥)، شرح العمدة (١/ ٤٨١)، وانظر قول إسحاق في المغني لابن قدامة (١/ ٤٤٥).\n(^٢) الفتاوى الهندية (١/ ٣٦)، البناية للعيني (١/ ٦١٤)، البحر الرائق (١/ ٢٠١)، فتح القدير (١/ ١٦٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠٣)، مراقي الفلاح (ص ٥٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤١).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٠١).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٥٦)، الفروع (١/ ٢٥٦)، المغني (١/ ٤٤٥).\n(^٥) نهاية المحتاج (١/ ٣٢٥).\n(^٦) مواهب الجليل (١/ ٣٢٥)، منح الجليل (١/ ١٦٧)، الخرشي (١/ ٢٠٤)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٧٠)، الذخيرة للقرافي (١/ ٣٨٤).\nفمذهب المالكية أن من تجاوزت السبعين فهي آيسة مطلقًا وقبل بلوغها الخمسين فهو تحيض، وما بين الخمسين إلى السبعين يسأل النساء عن دمها، فإن جزمن بأنه حيض أو شككن فهو حيض، وإلا فلا.","vol":"8","page":62},{"text":"وقيل: إن رأت الدم بعد الخمسين إلى الستين فمشكوك فيه، تصوم، وتصلي، وتقضي الصوم احتياطًا. وهو اختيار الخرقي من الحنابلة (^١).\nوقيل: نساء العجم إلى خمسين، ونساء العرب إلى الستين؛ لأنهن أقوى جبلة. وهو رواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: لا تحديد لمنتهى سن الحيض عند النساء، وهو رواية عن أبي حنيفة (^٣)، واختاره ابن رشد من المالكية (^٤)، والماوردي من الشافعية (^٥) وكذلك ابن تيمية من الحنابلة (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3648>دليل من قال: لا حيض بعد الخمسين:</span>\n(١٥٦٠ - ٢٢) قال ابن قدامة: روي عن عائشة أنها قالت: إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض (^٧).\nقال الزركشي: ذكره أحمد في رواية حنبل عنه (^٨).\nوروي عنها أنها قالت: لن ترى المرأة في بطنها ولدًا بعد الخمسين.\nقال الزركشي: رواه الدارقطني (^٩). ولم أقف عليه (^١٠).\n_________\n(^١) شرح الزركشي (١/ ٤٥٣)، المغني (١/ ٤٤٥).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٣٥٦)، المغني (١/ ٤٤٦).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠٣، ٣٠٤).\n(^٤) مقدمات ابن رشد (١/ ١٣٠).\n(^٥) الحاوي (١/ ٣٨٨)، قال: «فأما زمان الحيض، فأقل زمان تحيض فيه النساء تسع سنين، وأكثره غير محدود؛ لأن ما كان الحد فيه معتبرًا، ولم يكن في الشرع محدودًا، كان الرجوع في حده وتبيانه إلى الوجود، وهو يختلف باختلاف البلاد لحرها وبردها».\n(^٦) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤٠)، الاختيارات الفقهية (ص: ٢٨).\n(^٧) المغني (١/ ٤٣٦).\n(^٨) شرح الزركشي لمختصر الخرقي (١/ ٤٣٥).\n(^٩) انظر المرجع السابق.\n(^١٠) لم أقف عليهما في الكتب المؤلفة عن أحمد، ولا في سنن الدارقطني، وقد سبقني من بحث\nعنهما فلم يجدهما. انظر إرواء الغليل (١/ ٢٠٠)، شرح الزركشي (١/ ٤٥٣)، والروض المربع (١/ ٤٢٥).\nبل الوارد عن أحمد ما يخالف هذين الأثرين، ففي مسائل عبد الله بن أحمد لا بنه (ص: ٤٦) «سألت أبي عن امرأة قد أتى عليها نيف وخمسون سنة، ولم تحض منذ سنة، وقد رأت منذ يومين دمًا ليس بالكثير، ولكنها إذا استنجت رأت دمًا قليلًا، ولم تفطر ولم تترك الصلاة. ما ترى لها؟ فقال أبي: لا تلتفت إليه، تصوم وتصلي، فإن عاودها بعد ذلك مرتين أو ثلاثًا فهذا حيض، وقد رجع، تقضي الصوم. قلت: فالصلاة؟ قال: لا تقضي». اهـ\nوفي الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٥٦): «قال أحمد بن حنبل في المرأة التي قعدت بعد خمسين سنة من الحيض، ثم رأت الدم بعد ذلك في أيام معلومة، قال يشبه أن يكون هذا حيضا»، فعلى هذه الرواية يرى الإمام أحمد أن المرأة قد يحكم لها بالحيض ولو بعد الخمسين.","vol":"8","page":63},{"text":"ولا يعلم ثبوت ذلك عن عائشة، وعلى فرض ثبوت ذلك عنها؛ فإنها قد تكون قالت ذلك بناء على غالب النساء، أو بناء على من التقت بهن من النساء، وليس عامًا في كل النساء.\nقال ابن قدامة: «وما ذكر عن عائشة لا حجة فيه؛ لأن وجود الحيض أمر حقيقي، المرجع فيه إلى الوجود، والوجود لا علم لها به، ثم قد وجد بخلاف ما قالته؛ فإن موسى بن عبد الله بن حسن قد ولدته أمه بعد الخمسين، ووجد الحيض بعد الخمسين فلا يمكن إنكاره.\nفإن قيل: هذا الدم ليس بحيض مع كونه على صفته وفي وقته وعادته بغير نص، فهذا تحكم لا يقبل».اهـ\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-3649> دليل من حد سن اليأس بالستين أو السبعين أو نحوهما:</span>\nقال في شرح العمدة: «لا يختلف المذهب أن لانقطاع الحيض غاية إذا بلغتها المرأة لم تحض بعدها، بل يكون الدم حينئذٍ دم فساد؛ لأن الله تعالى قال: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) [الطلاق: ٤]، ولو أمكن أن الحيض لا ينقطع أبدًا، لم ييئسن أبدًا؛ ولأنه لم يوجد حيض معتاد في بنت المائة ونحوها فإن وجود شيء من ذلك فهو دم فساد","vol":"8","page":64},{"text":"كالصغيرة. وهذه الغاية ستون سنة في إحدى الروايات؛ لأن ما قبل ذلك قد وجد حيض معتاد بنقل نساء ثقات». اهـ\nوإذا رأيت هذا الاختلاف بينهم، فبعضهم يقول: خمس وخمسون سنة، وبعضهم ستون، وبعضهم سبعون. رأيت أن كل واحد منهم قال بحسب ما كان غالبًا في بيئته، ومشهورًا بين نسائه، وكلها تدل على أنه ليس في المسألة نص وإلا لما كان هذا الاختلاف، واليأس ليس سنًا محددًا متى ما بلغته أصبحت يائسة، بل هو وصف يلحق المرأة، كما أن الحيض ليس سنًا بمجرد بلوغه تكون حائضًا حتى تتصف به. فاليأس من المحيض كما تقتضيه معنى الكلمة لغة: هو القنوط من رجوعه، وانقطاع الرجاء بنزوله، ولهذا سوى الله في العدة بين المرأة التي لا تحيض، وبين المرأة اليائسة من المحيض بجامع أن كلًا منهما لا تحيض.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-3650> دليل من قال: الدم من الخمسين إلى الستين مشكوك فيه:</span>\nقال الخرقي: «وإذا رأت الدم ولها خمسون سنة، فلا تدع الصوم ولا الصلاة، وتقضي الصوم احتياطًا. فإن رأته بعد الستين فقد زال الإشكال، وتيقن أنه ليس بحيض، فتصوم وتصلي ولا تقضي» (^١).\nولعل الخرقي حين رأى أن في مذهب أحمد قولين:\nالأول: أنه لا حيض بعد خمسين سنة.\nالثاني: أن الغاية في الحيض ستون سنة.\nتعارض عنده هذان القولان، فأعرض عنهما، وقال: إن ما بينهما مشكوك فيه، لا تترك له الصلاة ولا الصوم؛ لأن وجوبهما متيقن فلا يسقط بالشك، وتقضي الصوم المفروض احتياطًا؛ لأن وجوبه كان متيقنًا، وما صامته في زمن الدم مشكوك في\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤٤٥).","vol":"8","page":65},{"text":"صحته، فلا يسقط به ما تيقن وجوبه (^١).\nوقال الزركشي: «كأن الخرقي ﵀ تعارضت عنده هذه الأقوال فأعرض عنها وقال: إن ما بينهما مشكوك فيه، فتصوم وتصلي؛ لاحتمال كونه دم حيض، وأداء الصلاة لا يلزمها، والصوم الواجب تقضيه لعدم صحته منها على هذا التقدير» (^٢).\nقلت: هذا القول في غاية الضعف؛ لأن الله ﷾ لم يوجب على العبد صيام يوم واحد مرتين؛ ولأن الشك ليس في أحكام الله، وإنما هو وصف عارض يطرأ على الشخص إما لقصور في البحث، أو لتردد في أدلة ظاهرها التعارض، وما يكون عند فلان من شك وتردد لا يكون عند الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3651>دليل من قال: لا حد بالسن لمنتهى الحيض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3652>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن الكريم قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].\nفأخبر الله ﷾ عن المحيض بأنه هو الأذى الخارج من الفرج، فإذا وجد هذا الأذى وجد حكمه، فكيف نحكم لهذا الدم قبل تمام الخمسين بشهر بأنه حيض وبعد تمام الخمسين نحكم بأنه دم فساد، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة، ومثله يقال لمن حد سن اليأس بالستين أو بالسبعين أو بغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3653>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ) [الطلاق: ٤].\nفعلق الله سبحانه نهاية الحيض باليأس، ولم يعلقه ببلوغ سن معينة، والمرأة التي ما زال حيضها مطردًا مستمرًا على صفته ولونه كيف يقال عنها بأنها آيسة من المحيض\n_________\n(^١) انظر المرجع السابق.\n(^٢) الزركشي في شرح الخرقي (١/ ٤٥٣).","vol":"8","page":66},{"text":"لمجرد بلوغها خمسين سنة أو ستين سنة ولو كان لليأس سن معين لقال: واللائي بلغن خمسين سنة.\nقال ابن تيمية: «واليأس المذكور في قوله تعالى: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) [الطلاق: ٤] ليس هو في الوصول إلى سن معين، ولو كان ذلك في بلوغ سن لبينه النبي ﷺ، وإنما هو أن تيئس المرأة نفسها من أن تحيض، فإذا انقطع دمها ويئست من أن يعود فقد يئست من المحيض، ولو كانت بنت أربعين، ثم إذا تربصت وعاد الدم تبين أنها لم تكن آيسة ... ومن لم يجعل هذا هو اليأس فقوله مضطرب» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3654>الدليل الثالث:</span>\nاليأس في اللغة هو القنوط، وهو نقيض الرجاء (^٢). فكيف يقال للمرأة وهي ترجو الحيض في أوقاته، ويأتيها على صفته المعهودة بأنها يائسة.\nقال تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) [يوسف: ٨٠]: أي لما يئسوا من استخلاصه.\nوقال تعالى: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون) [يوسف: ٨٧]: أي لا يقنط من رحمته وفرجه (^٣)، فإذا انقطع رجاء المرأة من نزول الحيض فقد بلغت سن اليأس منه، أما تفسير اليأس بالآية في قوله تعالى: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ» [الطلاق: ٤] ببلوغ سن معينة فهو غير معروفة باللغة، والمرجع إنما هو إلى اللغة حيث لم ترد له حقيقة شرعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3655>الدليل الرابع:</span>\nلم يأت في الكتاب ولا في السنة تحديد لمنتهى سن الحيض بغير اليأس، فأحكام\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر اللسان (٦/ ٢٥٩).\n(^٣) انظر تفسير القرطبي (٧/ ٢٨٤).","vol":"8","page":67},{"text":"الحيض علقها الله ورسوله على وجوده، وأحكام الطهارة علقت على إدباره، ولم يحدد الله ورسوله لذلك سنًا معينًا، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علقت الأحكام عليه، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من السنة، ولا دليل على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3656>الدليل الخامس:</span>\n(١٥٦١ - ٢٣) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\nقال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت.\nورواه مسلم إلا قوله: قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة ... إلخ (^١).\nوجه الاستدلال:\nعلق الرسول ﷺ أحكام الحيض على إقباله، كما علق أحكام الطهارة على إدباره، ولم يعلقها على بلوغ سن معين، فإذا أقبل الحيض في أي زمن حتى ولو بعد الخمسين تركت الصلاة، وإذا أدبر الحيض حكم بطهارتِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3657>الدليل السادس:</span>\n(١٥٦٢ - ٢٤) ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن محمد، -يعنى: ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، قالت: إنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ:\nإذا كان دم الحيض، فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي.\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣، ٣٣٤).","vol":"8","page":68},{"text":"[الحديث فيه انقطاع واضطراب بالإسناد، ومخالف لما في الصحيحين من قصة فاطمة].\nوانظر تخريجه في أحكام الاستحاضة، ح (١٩٦٩).\nوجه الاستدلال:\nفي الحديث أَمر المرأة إذا رأت الدم الأسود المعروف بأنه دم حيض بأن تترك الصلاة، وإطلاق الحديث يشمل المسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3658>الدليل السابع:</span>\nاضطراب أقوال القائلين بالتحديد دليل على ضعفها، فبعضهم حدد ذلك بخمسين، وبعضهم بالستين، وبعضهم بالسبعين، كل هذا يدل على أنه ليس في المسألة نص قاطع، وسنة واضحة، وهي أقوال مبنية على الرأي المحض وأحسن أحوالها أن يكون كل واحد منهم حكم بحسب أهل بلده، وهذا يختلف باختلاف حرارة البلاد وبرودتِها، وقوة طبيعة النساء وضعفها في تلك البلاد (^١).\nورغم قوة أدلة هذا الفريق إلا أنه مبني على الافتراض فلم توجد امرأة في السبعين تحيض، ويأتي منها الولد، ووجد بعد الخمسين بشكل نادر جدًّا، والحيض والحمل متلازمان، فلا يوجد حمل من امرأة لا تحيض ولو كانت شابة، وإنما يظهر استعداد المرأة للحمل والنكاح بظهور الحيض وانتظامه، لهذا إذا انقطع الرجاء من حمل المرأة كان علامة على دخولها سن اليأس ولو كان ذلك مبكرًا من عمرها. والله أعلم.\n_________\n(^١) نقل الشيخ جاسم مهلهل في كتابه (الطهارة عند المرأة ص: ١٤) عن الدكتور عبد الله ابن محمد العجمان، دكتور قسم النساء في مستشفى بالكويت قال: «أقل سن تحيض له المرأة تسع سنوات عندنا في الكويت، وسبع سنوات في الهند، وهذا الفارق في السنوات نتاج أولًا: طبيعة الطقس. وثانيًا: طبيعة الأكل والمستوى الاقتصادي للشعوب. وثالثًا: طبيعة الحياة الاجتماعية». اهـ","vol":"8","page":69},{"text":"قال ابن رشد: «وأما العجوز التي لا تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر كما ينتفي مع الصغر، وليس لذلك حد من السنين إلا ما يقطع النساء على أن مثلها لا تحيض» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المقدمات (١/ ١٣٠).","vol":"8","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3659>فرع\nإذا انقطع الدم عن الكبيرة ثم عاد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل امرأة لا يمكن حملها لهرمها فما تراه من الدم بعد انقطاعه لا يكون حيضًا.\n- الآيسة والصغيرة التي لا يمكن حملها لا يحيضان.\n- كل امرأة لا يمكن أن تحمل إما لصغرها، وإما لهرمها، فما تراه من الدم لا يمكن أن يكون حيضًا.\n[م-٦٨٧] إذا انقطع الدم عن المرأة الكبيرة لكونها كبيرة، ودام انقطاعه سنوات ثم عاودها الدم فما الحكم؟\nالجواب: إذا كانت صفرة أو كدرة فلا تلتفت إليه؛ لأن الصفرة والكدرة في سلطان الحيض وزمانه، ووقت نزول العادة حيض، أما هذه فقد يئست، كما أن الدم إن كان مجرد قطعة من الدم لم يكن متصلًا فكذلك لا تلتفت إليه؛ لأن ذلك ربما كان ناتجًا عن حمل المرأة شيئًا ثقيلًا نزل على أثره قطعة من الدم. فإن كان الدم جاريًا، ولا تعلم له سبب، فقد اختلف العلماء هل يكون دم فساد مثله مثل من به سلس بول، أو يكون حيضًا؟ والأقوال لا تخرج عن ثلاثة أقوال:","vol":"8","page":71},{"text":"القول الأول: أنه دم فساد، يكون حكمه حكم من به حدث دائم، فلا تترك الصلاة والصيام، وهذا أحد القولين في مذهب المالكية، وبه قال أحمد وإسحاق.\nقال أحمد في المرأة الكبيرة ترى الدم: لا يكون حيضًا، هو بمنزلة الجرح، وإن اغتسلت فحسن (^١)، فلم يجعل حكمها كحكم الاستحاضة، وذلك بالعمل بالتمييز، أو العادة؛ لأنه لا يرى أن يتأتى منها الحيض، وهي بهذا السن.\nوقال ابن رشد: «وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض، فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر، كما ينتفي مع الصغر» (^٢).\n- وجه القول بأنه دم فساد:\nأنه دم امرأة لا يمكن أن تحمل، فلم يمنع الصلاة والصيام.\nقال إسحاق: حكمها حكم المستحاضة إذا جاوزت الخمسين؛ لأنها لا تلد بعد الخمسين أبدًا (^٣).\nوهذا التعليل لا يبعد من جهة الطب، ذلك أن الحيض هو جدار يبطن به الرحم استعدادًا لتخصيب البويضة، حتى تعلق به، ومن ثم ينمو الجنين وتتكون المشيمة، كما سيأتي بيانه عند الكلام كيف تحيض المرأة، وما دام أن المرأة لا يمكن أن تحمل، فلا يمكن أن تحيض.\nالقول الثاني:\nإن كان الدم على صفة دم الحيض، فإنه حيض، اختاره بعض المالكية، ورجحه ابن حزم، وابن تيمية (^٤).\n_________\n(^١) يتفق المالكية بأن الدم إذا عاد على الكبيرة فإنه لا عبرة به في العدة، واختلفوا به في العبادة على قولين، هذا أحدها. انظر المنتقى للباجي (١/ ١٢٥)، المقدمات الممهدات (١/ ٣٠)، المغني (١/ ٤٤٧)، وانظر مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٧٥٦).\n(^٢) المقدمات (١/ ٣٠).\n(^٣) مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٧٥٦).\n(^٤) المنتقى للباجي (١/ ١٢٥)، المحلى لابن حزم، مسألة (٢٦٥)، مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤).","vol":"8","page":72},{"text":"وجه هذا القول:\nبأن كل دم يحمل صفات دم الحيض فهو حيض.\nولأن الطهر لا حد له، فقد يطول بالمرأة حتى تظن أنها آيسة، وبعود الدم تبين أنها لم تكن كذلك.\nولأن الله أخبر عن الحيض بأنه أذى، فإذا وجد الأذى فقد وجد الحيض.\nقال في المحلى: «وإن رأت العجوز المسنة دمًا أسود فهو حيض مانع من الصلاة والصوم والطواف والوطء، برهان ذلك قوله ﷺالذي ذكرناه قبل بإسناده-: (إن دم الحيض أسود يعرف).\nوأمر رسول الله ﷺ إذا رأته بترك الصلاة، وقوله ﵇ في الحديث: (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) فهذا دم أسود، وهي من بنات آدم، ولم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس حيضًا، كما جاء به النص في الحامل، فإن ذكروا قول الله ﷿ (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) [الطلاق: ٤]. قلنا: إنما أخبر الله تعالى عنهن بيأسهن، ولم يخبر تعالى أن يأسهن حق قاطع لحيضهن، ولم ننكر يأسهن من الحيض لكن قلنا: إن يأسهن من الحيض ليس مانعًا من أن يحدث الله تعالى لهن حيضًا، ولا أخبر تعالى بأن ذلك لا يكون ولا رسوله ﷺ، وقد قال تعالى (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَاّتِي لا يَرْجُونَ) [النور: ٦٠]. فأخبر تعالى أنهن يائسات من النكاح، ولم يكن ذلك مانعًا من أن ينكحن بلا خلاف من أحد، ولا فرق بين ورود الكلامين من الله تعالى من اللائي يئسن من المحيض، واللائي لا يرجون نكاحًا، فكلاهما حكم وارد في اللواتي يظنن هذين الظنين، وكلاهما لا يمنع مما يئسن منه من المحيض والنكاح» (^١).\nوقال ابن تيمية: «إذا انقطع دمها ويئست من أن يعود، فقد يئست من المحيض،\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ٢٦٥).","vol":"8","page":73},{"text":"ولو كانت بنت أربعين، فإذا تربصت وعاد الدم، تبين أنها لم تكن آيسة» (^١).\nودليل آخر أن الله ﷾ علق أحكام الحيض على وجوده، فقال ﷾: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]. فإذا وجد الأذى وجد حكمه، ولا فرق بين كونه يتقدمه طهر طويل، أو طهر قصير، ما دام أن هذا الدم له لون دم الحيض، ورائحته النتنة التي تعرفها المرأة من عادتها.\nالقول الثالث:\nلا نحكم له بأنه حيض حتى يتكرر ثلاث مرات، وقد جاء في مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله «سألت أبي عن امرأة قد أتى عليها نيف وخمسون سنة، ولم تحض منذ سنة، وقد رأت منذ يومين دمًا ليس بالكثير، ولكنها إذا استنجت رأته، ولم تفطر، ولم تترك الصلاة. ما ترى لها؟\nفقال أبي: لا تلتفت إليه، تصوم وتصلي، فإن عاودها بعد ذلك مرتين أو ثلاثًا فهذا حيض، وقد رجع تقضي الصوم. قلت: فالصلاة؟ قال: لا» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤)\n(^٢) مسائل الامام أحمد، رواية ابنه عبد الله (ص: ٤٦).","vol":"8","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3660>الفصل الثالث\nفي إمكان الحيض من الحمل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n-الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل.\n- الحيض والحمل لا يجتمعان.\n[م-٦٨٨] اختلف العلماء في الحامل هل تحيض أم لا؟\nفقيل: لا تحيض، وهو المشهور من مذهب الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢) والقديم من قول الشافعي (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١٨٦)، تبيين الحقائق (١/ ٦٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤٢)، البحر الرائق (١/ ٢٢٩)، مراقي الفلاح (ص: ٥٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٨٥)، البناية (١/ ٦٩١).\n(^٢) انظر مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٧٥٥)، الإنصاف (١/ ٣٥٧)، المحرر (١/ ٢٦)، المغني (١/ ٤٤٣)، شرح الزركشي (١/ ٤٥٠)، كشاف القناع (١/ ٢٠٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٤)، زاد المعاد (٤/ ٢٣٥)، تنقيح التحقيق (١/ ٦١٦).\n(^٣) قال النووي في الروضة (١/ ٧٤): «ما تراه الحامل من الدم فيه قولان: القديم: أنه دم فساد. والجديد: الأظهر أنه حيض».","vol":"8","page":75},{"text":"وقيل: بل تحيض، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية في الجديد (^٢)، ورواية عن أحمد، بل حكي أنه رجع إليه (^٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-3661> أدلة من قال: الحامل لا تحيض:</span>\n(١٥٦٣ - ٢٥) روى الدارقطني، قال: أخبرنا أبو محمد بن صاعد، أخبرنا عبد الله بن عمران العائذي بمكة، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مسلم الجندي، عن عكرمة عن ابن عباس قال:\nنهى ﷺ أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض.\nقال لنا ابن صاعد: وما قال لنا في هذا الإسناد أحد عن ابن عباس إلا العائذي (^٤) اهـ يعني أنه انفرد بوصله وغيره يرسله.\n[صحيح بمجموع طرقه] (^٥).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٦٠)، المدونة (١/ ١٥٥)، التمهيد (فتح البر) (٣/ ٤٩٧)، الاستذكار (٣/ ١٩٧)، القوانين الفقهية (ص: ٣١)، الخرشي (١/ ٢٠٥)، مختصر خليل (ص: ١٩)، المنتقى للباجي (١/ ١٢٠)، الشرح الصغير (١/ ٢١١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٩)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٩)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ١٣٤)، منح الجليل (١/ ١٦٨).\n(^٢) المجموع (٢/ ٤١١)، روضة الطالبين (١/ ١٧٤)، مغني المحتاج (١/ ١١٨، ١١٩)، نهاية المحتاج (١/ ٣٥٥)، المبسوط لابن المنذر (٢/ ٢٣٨)، حاشية القليوبي وعميرة (١/ ١٠٨).\n(^٣) قال ابن تيمية في الاختيارات (ص: ٣٠): «الحامل قد تحيض، وهو مذهب الشافعي، وحكاه البيهقي رواية عن أحمد، بل حكي أنه رجع إليه».\n(^٤) سنن الدارقطني (٣/ ٢٥٧).\n(^٥) في هذا الحديث عمرو بن مسلم، ضعفه أحمد، وابن القطان، وقال النسائي: ليس بالقوي. واختلف فيه قول يحيى بن معين، فقال مرة: ليس بالقوي كما في رواية عباس الدوري. تهذيب الكمال (٢٢/ ٢٤٣).\nوقال أخرى: لا بأس به كما في رواية إبراهيم الجندي عنه. تهذيب التهذيب (٥/ ١١٩).\nوفي التقريب: صدوق له أوهام.\nوقد اختلف عليه في هذا:\nفرواه الدارقطني: كما في هذا الإسناد من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. =","vol":"8","page":76},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه معمر كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٧٤٦٠) عن عمرو بن مسلم، عن طاووس أن رسول الله ﷺ أمر مناديًا ... فذكر نحوه مرسلًا، والذي يظهر أن الوصل ليس من ابن عيينة، ولكنه من الراوي عنه، عبد الله بن عمران العائذي، ولذا نقل الدارقطني عن شيخه ابن صاعد: «قال لنا ابن صاعد: وما قال في هذا الإسناد أحد: عن ابن عباس، إلا العائذي». يشير إلى تفرده بوصله، وأن الراجح فيه المرسل. ولم يتعقب الدارقطني شيخه كالموافق له. والعائذي له ترجمة في الجرح والتعديل (٥/ ١٣٠)، قال أبو حاتم: صدوق.\nفعلى هذا علة هذا الحديث هي الإرسال علة إلا أن له شواهد، منها.\nالشاهد الأول: حديث أبي سعيد الخدري ﵁:\nرواه أحمد (٣/ ٦٢) حدثنا يحيى بن إسحاق، وأسود بن عامر، قالا: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق وقيس بن وهب، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في سبي أوطاس: لا توطأ حامل -قال أسود حتى تضع- ولا غير حامل حتى تحيض حيضة -قال يحيى: أو تستبري بحيضة.\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا من أجل شريك؛ فإنه سيء الحفظ.\nوأخرجه أبو داود (٢١٥٧)، والدارمي (٢٢٩٥)، والدارقطني (٤/ ١١٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٤٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٥) من طريق شريك، عن قيس بن وهب وحده به. قال الحاكم: هذا حديث على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nقلت: لا ينبغي أن يكون على شرط مسلم، فإن مسلمًا إنما أخرج لشريك مقرونًا.\nوقال ابن عبد الهادي (١/ ٦١٧)، والحافظ في التلخيص (١/ ٣٠٤): إسناده حسن. اهـ ولو قالا: حديث حسن لحمل على المجموع، أما أن يكون إسناده حسنًا فإن شريكًا لا يبلغ حديثه حديث الحسن لذاته.\nالشاهد الثاني: رواه ابن أبي شيبة (١٧٤٥١) حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود، عن الشعبي، قال: قلت له: إن أبا موسى نهى حين فتح تستر: لا توطأ الحبالى، ولا نشارك المشركين في أولادهم، فإن الماء يزيد في الولد. أشيء قاله برأيه؟ أو شيء رواه عن النبي ﷺ؟ فقال: نهى رسول الله ﷺ يوم أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع أو غير حامل حتى تستبرأ.\nإسناده حسن إلا أنه مرسل، ورجاله ثقات، إلا أبا خالد الأحمر، وثقه ابن المديني وابن سعد، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن معين: صدوق، وليس بحجة، وتكلم فيه البزار، وقال الذهبي: غيره أثبت منه، وفي التقريب: صدوق يخطئ.\nانظر الضعفاء للعقيلي (٢/ ١٢٤)، الطبقات الكبرى (٦/ ٣٩١)، الجرح والتعديل (٤/ ١٠٦)، (الكامل (٣/ ٢٨١)، تهذيب الكمال (١١/ ٣٩٤)، وتهذيب التهذيب (٤/ ١٥٩). =","vol":"8","page":77},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الشاهد الثالث: روى أحمد (٤/ ١٠٨) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٧٠١) عن يحيى بن إسحاق وقتيبة بن سعيد.\nورواه أحمد (٤/ ١٠٩) حدثنا حسن بن موسى، ورواه الطبراني في الكبير (٤/ ٤٠٢) ح ٤٣٦٠ من طريق سعيد بن أبي مريم، وعبد الله بن محمد الفهمي. خمستهم عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ لا يحل لأحد -وقال قتيبة: لرجل- أن يسقي ماءه ولد غيره، ولا يقع على أمة حتى تحيض، أو يبين حملها.\nوهذا الإسناد فيه ابن لهيعة إلا أن قتيبة بن سعيد ويحيى بن إسحاق ممن روى عنه قبل احتراق كتبه، فتكون روايتهما عنه أعدل من غيرها، وإن كان ابن لهيعة في نفسه لا يخلو من ضعف، انظر سير أعلام النبلاء (٨/ ١٧)، وقد توبع ابن لهيعة.\nفقد رواه محمد بن إسحاق واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٧٤٩) عن عبد الرحيم بن سليمان.\nورواه أحمد (٤/ ١٠٨) حدثنا يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة، كلاهما (عبد الرحيم ويحيى) عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تجيب، عن رويفع بن ثابت الأنصاري.\nوفي هذا الإسناد انقطاع بين أبي مرزوق وبين رويفع بن ثابت.\nوخالفهما كل من:\nأبو معاوية كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٧٧٥٠) وسنن سعيد بن منصور (٢٧٢٢)، وسنن أبي داود (٢١٥٩)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٧٠٠).\nوإبراهيم بن سعد كما في مسند أحمد (٤/ ١٠٨)، والكبير للطبراني (٥/ ٢٧) ح ٤٤٨٥، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٧٠٠).\nوأحمد بن خالد كما في سنن الدارمي (٢٤٧٧)، والمعجم الكبير للطبراني (٥/ ٢٦) ح ٤٤٨٢، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٧٠٠).\nومحمد بن سلمة كما في سنن أبي داود (٢١٥٨).\nوابن المبارك كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٧٠٠).\nوزهير بن معاوية كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٧٠٠)، كلهم رووه عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تجيب، عن حنش الصنعاني، عن رويفع ابن ثابت الأنصاري.\nفجعلوا بين أبي مرزوق وبين رويفع حنش الصنعاني. =","vol":"8","page":78},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا أرجح، فقد توبع فيه ابن إسحاق في هذا الطريق، فقد رواه ابن الجارود في المنتقى (٧١٢) والطبراني في الأوسط (٣٢٠٤)، والكبير (٥/ ٢٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٦٩٩)، والخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٩١) من طريق عبد الله بن يوسف، حدثنا بكر بن مضر،\nورواه الطبراني في الكبير (٥/ ٢٦) من طريق ابن لهيعة، كلاهما عن جعفر بن ربيعة، عن أبي مرزوق، عن حنش الصنعاني، عن رويفع. وإسناد ابن الجارود رجاله كلهم ثقات.\nوفيه اختلاف ثالث على ابن إسحاق:\nفرواه أحمد (٤/ ١٠٩) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٦٩٨)، من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني عبيد الله بن أبي جعفر المصري، قال: حدثني من سمع حنشًا الصنعاني يقول: سمعت رويفع بن ثابت الأنصاري، يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبتاعن ذهبًا بذهب إلا وزنًا بوزن، ولا ينكح ثيبًا من السبي حتى تحيض.\nوهذا الإسناد ضعيف لإبهام في إسناده. وفيه اختلاف رابع على ابن إسحاق.\nفقد روى البزار في مسنده (٢٣١٤) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الحسن، عن رويفع.\nفأسقط من الحديث أبا مرزوق، وأبدله بأبي الحسن. وأبو الحسن هذا مجهول.\nوقد رواه الترمذي (١١٣١) وابن حبان (٤٨٥٠) من طريق ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم، عن بسر بن عبيد الله، عن رويفع. وهذا إسناد رجاله ثقات إلا يحيى بن أيوب فإنه صدوق يخطئ، وقد تفرد بهذا الطريق.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن. اهـ والحسن عند الترمذي هو الضعيف إذا روي من غيره وجه.\nوربيعة بن سليم قيل هو أبو مرزوق، وقيل: أبو مرزوق اسمه حبيب بن الشهيد، فإن كانا واحدًا فهذا اختلاف على أبي مرزوق، فتارة يحدث به عن حنش الصنعاني، عن رويفع، وتارة يحدث به عن رويفع مباشرة بلا واسطة، وكلا الطريقين رواهما ابن إسحاق.\nوتارة يحدث به عن بسر بن عبيد الله، عن رويفع، وهذا الطريق انفرد به يحيى بن أيوب، وهو صدوق يخطئ.\nلهذا أجد أرجح الطرق عن ابن إسحاق ما تابع فيه الحارث بن يزيد، وجعفر بن ربيعة، حيث رواه الحارث ولم يختلف عليه فيه عن حنش الصنعاني، عن رويفع، وكذا رواه جعفر بن ربيعة، عن أبي مرزوق، عن حنش الصنعاني به.\nوهي رواية الجماعة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، عن حنش الصنعاني به، فيكون المحفوظ من حديث رويفع ما رواه الحارث وأبو مرزوق، عن حنش =","vol":"8","page":79},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ جعل وجود الحيض علمًا على براءة الرحم، ولو كانت الحامل تحيض ما جاز وطؤها بمجرد الحيض.\nوأجيب:\nقال ابن عبد البر: «ليس في قوله ﵇: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض) ما ينفي أن يكون حيض على حمل؛ لأن الحديث إنما ورد في سبي أوطاس، حين أرادوا وطأهن، فأخبر أن الحامل لا براءة لرحمها بغير الوضع، والحائل لا براءة لرحمها بغير الحيض، لا أن الحامل لا تحيض» (^١).\nوقال ابن القيم: «النبي ﷺ قسم النساء إلى قسمين:\nحامل، فعدتها وضع الحمل، وحائل، فعدتها بالحيض.\nونحن قائلون بموجب هذا، غير منازعين فيه، ولكن أين فيه ما يدل على أن ما تراه الحامل من الدم على عادتها تصوم وتصلي، هذا أمر آخر لا تعرض للحديث به. ولهذا يقول القائل بأن دمها دم حيض هذه العبارة بعينها، ولا يعد هذا تناقضًا ولا خللًا في العبارة.\nوقال أيضًا: قولكم إنه جعله دليلًا على براءة الرحم من الحمل في العدة والاستبراء. جعله دليلًا ظاهرًا أو قطعيًّا؟\nالأول: صحيح. والثاني: باطل؛ فإنه لو كان دليلًا قطعيًا لما تخلف عن مدلوله،\n_________\n= الصنعاني، عن رويفع، وما عدا ذلك يكون شاذًّا، والله أعلم.\nوطريق جعفر بن ربيعة إسناد رجاله كلهم ثقات، فيكون صحيحًا، وطريق الحارث فيه ابن لهيعة كما قد علمت، فيكون الحديث قد صح من رواية حنش الصنعاني، وبه يتقوى حديث ابن عباس، وحديث أبي سعيد، ومرسل الشعبي، وقد ذكر الحافظ في التلخيص شواهد أخرى ضعيفة ارجع إليها (١/ ٣٠٤). والله أعلم.\n(^١) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٩٨، ٤٩٩).","vol":"8","page":80},{"text":"ولكانت أول مدة الحمل من حين انقطاع الحيض، وهذا لم يقله أحد، بل أول مدة الحمل من حين الوطء، ولو حاضت بعده عدة حيض، فلو وطئها، ثم جاءت لولد لأكثر من ستة أشهر من حين الوطء، ولأقل منها من حين انقطاع الحيض لحقه نسبه اتفاقًا، فعلم أنه أمارة ظاهرة، وقد يتخلف عنها مدلولها تخلف المطر عن الغيم الرطب.\nوبهذا يخرج الجواب عما استدللتم به من السنة، فإنّا بها قائلون، وإلى حكمها صائرون، وهي الحكم بين المتنازعين (^١).\nولا أرى أن جواب ابن عبد البر وابن القيم قد أجاب عن الإشكال، فإن الرسول ﷺ منع من إتيان الحامل، وأذن في إتيان الأمة بعد الحيض، ولو كان مما يصح أن تكون حاملًا لمنع من إتيانها كما منع من إتيان الحامل، فلما أذن في إتيانها بعد الحيض كان هذا دليلًا على عدم وجود الحمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3662>الدليل الثاني:</span>\n(١٥٦٤ - ٢٦) ما رواه مسلم ﵀ من طريق سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سالم، عن ابن عمر:\nأنه طلق امرأته وهى حائض فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ، فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا (^٢).\nجاء في التنقيح: «قال أبو بكر الأثرم لأبي عبد الله ما ترى في الحامل ترى الدم تمسك عن الصلاة؟\nقال: لا. قلت: أي شيء أثبت في هذا الباب؟\nفقال: أنا أذهب في هذا إلى حديث محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سالم،\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ٢٣٥، ٢٣٦).\n(^٢) مسلم (٥/ ١٤٧١).","vol":"8","page":81},{"text":"عن أبيه، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ، فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا.\nفأقام الطهر مقام الحمل. فقلت: فإنك ذهبت بهذا الحديث إلى أن الحامل لا تكون إلا طاهرًا؟ قال: نعم» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3663>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: طلاق الحامل ليس ببدعة في زمن الدم وغيره إجماعًا، ولو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم وفي طهرها بعد المسيس بدعة عملًا بعموم الخبر (^٢).\nوأجيب بما يلي:\nقال ابن القيم: في حديث ابن عمر إباحة الطلاق إذا كانت حائلًا بشرطين: الطهر، وعدم المسيس. فأين هذا التعرض لحكم الدم الذي تراه على حملها.\nوقولكم: إن الحامل لو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم بدعة، وقد اتفق الناس على أن طلاق الحامل ليس ببدعة، وإن رأت الدم.\nقلنا: إن النبي ﷺ قسم أحوال النساء التي يراد طلاقها إلى:\n- حال حمل.\n- حال خلو منه.\nوجواز طلاق الحامل مطلقًا من غير استثناء، وأما غير ذات الحمل فإنما أباح طلاقها بالشرطين المذكورين، وليس في هذا ما يدل على أن دم الحامل دم فساد، بل على أن الحامل تخالف غيرها في الطلاق، وأن غيرها إنما تطلق طاهرًا غير مصابة، ولا يشترط في الحمل شيء من هذا، بل تطلق عقيب الإصابة، وتطلق وإن رأت الدم فكما لا يحرم طلاقها عقيب إصابتها، لا يحرم حال حيضها، وهذا الذي تقتضية حكمة\n_________\n(^١) التنقيح - ابن عبد الهادي (١/ ٦١٦)\n(^٢) زاد المعاد (٤/ ٢٣٦).","vol":"8","page":82},{"text":"الشرع في وقت الطلاق إذنًا ومنعًا، فإن المرأة متى استبان حملها كان المطلق على بصيرة من أمره، ولم يعرض له من الندم ما يعرض له بعد الجماع ولا يشعر بحملها، فليس ما مُنِع منه نظير ما أذن فيه لا شرعًا ولا واقعًا ولا اعتبارًا، ولا سيما من علل المنع من الطلاق في الحيض بتطويل العدة، فهذا لا أثر له في الحمل (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3664>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إن الله ﷾ أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنًا وغذاء للحمل، فالخارج وقت الحمل يكون غيره، فهو دم فساد.\nوأجيب:\nقال ابن القيم: «وهذا من أكبر حجتنا عليكم؛ فإن هذا الانقلاب والتغذية باللبن إنما يستحكم عند الوضع، وهو زمن سلطان الرضاع، وارتضاع المولود، وقد أجرى الله العادة بأن المرضع لا تحيض، ومع هذا لو رأت دمًا في وقت عادتها لحكم له بحكم الحيض بالاتفاق، فلأن يحكم له بحكم الحيض في الحال التي لم يستحكم فيها انقلابه ولا تغذى الطفل به أولى وأحرى. وهب أن هذا كما تقولون، فهذا إنما يكون عند احتياج الطفل إلى التغذية باللبن، وهذا بعد أن ينفخ فيه الروح، فأما قبل ذلك فإنه لا ينقلب لبنًا لعدم حاجة الحمل إليه. وأيضًا فإنه لا يستحيل كله لبنًا، بل يستحيل بعضه، ويخرج الباقي (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3665>الدليل الخامس:</span>\nقال تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوَءٍ) [البقرة: ٢٢٨].\nوقال سبحانه: (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤].\nقالوا: فلو كانت الحامل تحيض لكانت عدتها ثلاث حيض، فلما كان الدم الذي قد تراه الحامل لا ينقضي به العدة لم يكن حيضًا بل استحاضة.\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ٢٣٦).\n(^٢) انظر المرجع السابق، والصفحة نفسها.","vol":"8","page":83},{"text":"ورد هذا الاستدلال:\nبأن الله ﷾ جعل عدة الحامل بوضع الحمل، وعدة الحائل بالأقراء، ولو أمكن انقضاء عدة الحامل بالأقراء لأفضى ذلك بأن يملكها الثاني أو يتزوجها وهي حامل من غيره، فيسقي ماؤه زرع غيره (^١).\nوالحمل يسيطر على ما عداه من العدد، فهو يلغي بأن يكون عدة ويلغي غيره كما لو مات رجل عن امرأته، وهي حامل، ووضعت بعد موته بلحظة فإن عدتها تنقضي، بينما المتوفى عنها زوجها بلا حمل، عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، ولهذا لو حاضت الحامل ثلاث حيض مطردة كعادتها تمامًا فإن عدتها لا تنقضي.\nتبين من هذا أن إلغاء الاعتداد بالحيض زمن الحمل، ليس لأنه ليس حيضًا، وإنما لأن الحيض لا يصلح أن يكون عدة مع الحمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3666>الدليل السادس:</span>\n(١٥٦٥ - ٢٧) روى الدارمي من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن مطر، عن عطاء،\nعن عائشة في الحامل ترى الدم، قالت: تغتسل وتصلي.\n[حسن لغيره] (^٢).\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ٢٣٦).\n(^٢) أخرجه الدارمي في سننه كما في إسناد الباب (٩٣٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة.\nوأخرجه أيضًا (٩٣٤) من طريق همام، وأخرجه الدارقطني (١/ ٢١٩) من طريق يعقوب بن القعقاع ثلاثتهم (سعيد وهمام ويعقوب) عن مطر، عن عطاء، عن عائشة في الحامل ترى الدم. قالت: تغتسل وتصلي.\nفي إسناده مطر بن طهمان الوراق سيء الحفظ، خاصة فيما يرويه عن عطاء.\nوقال أحمد: مطر في عطاء ضعيف الحديث. انظر الجرح والتعديل (٨/ ٢٨٧)، الطبقات الكبرى (٧/ ٢٥٤)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٥٦٧).\nقلت: وهذا الأثر هو من حديثه عن عطاء.\nوأخرجه عبد الرزاق (١٢١٤) ومن طريقه أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٣٩) قال:\nأخبرنا محمد بن راشد، قال: حدثنا سليمان بن موسى، عن عطاء به. بلفظ: إذا رأت الحامل الصفرة توضأت وصلت، وإذا رأت الدم اغتسلت وصلت، ولا تدع الصلاة على كل حال.\nوفي إسناده سليمان بن موسى، في حفظه شيء، وهو صدوق.\nوفي الإسناد: محمد بن راشد. اختلف فيه.\nوثقه أحمد ودحيم، وابن المديني، وقال يعقوب بن شيبة وابن المبارك: صدوق.\nوقال الدارقطني: ضعيف عند أهل الحديث. السنن (٣/ ١٧٦).\nوهذا من الدارقطني ليس مجرد حكم على الرجل، بل حكم منه، ونقل عن رجال أهل الحديث.\nواختلف قول النسائي فيه، فقال مرة: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. تهذيب التهذيب (٩/ ١٤٠)، وقال أيضًا: ثقة. الضعفاء والمتروكين (٥٤٨)، اللسان (٧/ ٥١٩)، تهذيب التهذيب (٩/ ١٤٠).\nوقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إنك تحدث عن كل أحد. قال: عمن؟ فذكر له محمد بن راشد، فقال: أحفظ عن الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه أحد. وآخر يهم، والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، وآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه. ضعفاء العقيلي (٤/ ٦٥).\nوفي التقريب: صدوق يهم، ورمي بالقدر.\nفالأثر بمجموع الطريقين يكون ثابتًا عن عائشة قولها: إن الحامل لا تحيض، ومع كونه موقوفًا على عائشة إلا أنه ثبت عنها أن الحامل تحيض، بل رجحه أحمد على هذا الأثر.\nففي زاد المعاد (٤/ ٢٣٤):\n«قال إسحاق بن راهوية: قال لي أحمد بن حنبل: ما تقول في الحامل ترى الدم؟ فقلت: تصلي، واحتججت بخبر عطاء عن عائشة ﵂. قال: فقال لي: أين أنت من خبر المدنيين، خبر أم علقمة مولاة عائشة ﵂ فإنه أصح.\nقال إسحاق: فرجعت إلى قول أحمد ﵀».\nوهذا كالصريح من أحمد ﵀ بأن دم الحامل دم حيض، وسوف نأتي على أثر أم علقمة عن عائشة في أدلة القول الثاني.\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ٤٤٣): «وروي عن عائشة -يعني القول بأن الحائض تصلي إذا رأت الدم- ثم قال: «والصحيح عنها إذا رأت الدم لا تصلي».","vol":"8","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3667>الدليل السابع:</span>\n(١٥٦٦ - ٢٨) قال الزركشي: «روي عن ابن شاهين،","vol":"8","page":85},{"text":"عن ابن عباس أنه قال: إن الله رفع الحيض عن الحبلى، وجعل الدم رزقًا للولد (^١).\n[لم أقف على إسناده لأنظر في ثبوته عن ابن عباس] (^٢).\nوقد ناقش ابن القيم كون الحامل لا تحيض من أجل تغذية الجنين من وجهين:\nأولًا: أن هذا يتصور بعد نفخ الروح فيه.\nوقد يجاب عنه بأن التغذية لا يقصد بها اللبن فقط، فجدار الرحم ينمو عليه الجنين من حين علوقه إلى حين ولادته، وتتكون منه المشيمة.\nوثانيًا: أنه منتقض بالمرضع، فالمرضع لا تحيض غالبًا من أجل إرضاع الولد، وإذا رأت الدم فهو حيض بالاتفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3668>الدليل الثامن:</span>\nالحس والواقع يشهد بأن الحامل لا تحيض.\nقال أحمد: إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3669>الدليل التاسع:</span>\nقياس الحامل على الآيسة. فما تراه الآيسة من الدم لا يحكم له بأنه حيض؛ لأنه زمن لا يعتادها الحيض غالبًا، فكذلك الحامل إذا رأت الدم لا يحكم له بأنه حيض؛ لأنه زمن لا يعتادها غالبًا.\nوفي الآيسة إذا عاد لها دم الحيض بعد انقطاعه هل تترك العبادة خلاف بين أهل العلم، فبعضهم رأى أنه دم فساد؛ لأن دم الحيض ينزل مع إمكان الحمل، وانقطاعه\n_________\n(^١) شرح الزركشي (١/ ٤٥١)، ونسبه لابن شاهين أيضًا العيني في عمدة القارئ (٣/ ٢٩٢)، وابن التركماني في الجوهر النقي (٧/ ٤٤٢).\n(^٢) قال محقق شرح الزركشي وفقه الله (١/ ٤٥١) «ولم أجد هذا الأثر في كتب الحديث المطبوعة مسندًا، ولم أقف على شيء من مؤلفات ابن شاهين».اهـ\n(^٣) المغني (١/ ٤٤٤).","vol":"8","page":86},{"text":"دليل على وجود الحمل، فإذا لم يمكن أن تحمل المرأة لم يمكن أن تحيض، وبعضهم جعله حيضًا، ولم يربطه بالحمل.\nهذا ما تيسر لي جمعه من أدلة القائلين بأن الحامل لا تحيض. ونسبه ابن قدامة بأنه قول جمهور التابعين، منهم عطاء (^١)، والحسن (^٢)، وجابر بن زيد، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، والشعبي (^٣) ومكحول، وحماد، والثوري، والأوزاعي (^٤)، وأبو حنيفة،\nوابن المنذر، وأبو عبيد، وأبو ثور، واختلف فيه على عائشة (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3670>أدلة القائلين بأن الحامل تحيض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3671>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]، فإذا وجد الأذى وجد حكمه، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3672>الدليل الثاني:</span>\n(١٥٦٧ - ٢٩) روى الشيخان، من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال في الحيض: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم .. الحديث قطعة من حديث طويل (^٦).\nوجه الاستدلال:\nخرجت الصغيرة جدًّا التي لم تبلغ؛ لأن الحيض علامة على البلوغ كما بينا،\n_________\n(^١) سنن الدارمي (٩٣٨) بإسناد صحيح عنه وانظر (٩٤٣، ٩٣٧، ٩٤٤) فقد ساقه من طرق كثيرة عن عطاء، وبعضها عن عطاء والحكم بن عتيبة.\n(^٢) انظر سنن الدارمي (٩٣٩) بإسناد صحيح عنه (٩٣٥، ٩٤١) ورواه الدارمي (٩٣٢) من طريق هشام عن الحسن، قال: إن كانت تريه كما كانت تريه قبل ذلك في أقرائها تركت الصلاة، وإن كان إنما هو في اليوم أو في اليومين لم تدع الصلاة.\n(^٣) سنن الدارمي (٩٣٠) وإسناده صحيح.\n(^٤) سنن الدارمي (٩٣١).\n(^٥) المغني (١/ ٤٤٣).\n(^٦) البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١).","vol":"8","page":87},{"text":"وخرجت الآيسة كما في قوله تعالى: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) [الطلاق: ٤]، وبقي ما عداهما. ومن أراد إخراج الحامل، وأنها لا تحيض فعليه الدليل من الكتاب، أو من السنة، ولا دليل.\nونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nلو كان دم الذي تراه الحامل هو دم جبلة وطبيعة لم ينقطع عن غالب النساء إذا حملن، فالشيء إذا خالف المعتاد لم يكن له حكم المعتاد، فقد كانت المرأة تحيض كل شهر مرة حتى إذا حملت انقطع ذلك عن أغلب النساء فإذا وجد منهم من خالف ذلك كان ذلك الدم دم علة ومرض، وليس دم جبلة وطبيعة.\nالوجه الثاني:\nالقول بأنه لا يوجد دليل على أن الحامل لا تحيض فقد أوردت الحديث الصحيح في النهي عن نكاح الأمة الحائل حتى تحيض، فجعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3673>الدليل الثالث:</span>\nقال ابن القيم: «لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها، ولا سيما في أول حملها، وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده، وقد كان حيضًا قبل الحمل بالاتفاق، فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي دليل من الشرع يرفع حكمه، والحكم إذا ثبت في محل فالأصل بقاؤه حتى يأتي ما يرفعه، فكيف نحكم له بأنه حيض قبل الحمل، وبعده لا نثبت له نفس الحكم، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة، هذا تفريق بين متماثلين» (^١).\n_________\n(^١) انظر بتصرف يسير زاد المعاد (٤/ ٢٣٥).","vol":"8","page":88},{"text":"ويجاب:\nبأن القول بأنه لا نزاع بأن الحامل قد ترى الدم: إن كان المقصود كل امرأة حامل أو أكثرهن، أو الكثير منهن فهذا الواقع لا يؤيده، وإن كان المقصود أن آحادًا النساء قد ترى الدم، وهي حامل فهذا صحيح، ولكن لا يعني أنه حيض، كما أن آحادًا من النساء ينزل معها الدم، وهي ليست حاملًا، ولا يكون حيضًا، بل يكون استحاضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3674>الدليل الرابع:</span>\nالدم الخارج من الفرج الذي رتب الشارع عليه الأحكام قسمان: حيض، واستحاضة. ولم يجعل لهما ثالثًا. وهذا ليس باستحاضة؛ فإن الاستحاضة الدم المطلق، والزائد على أكثر الحيض، أو الخارج عن العادة، وهذا ليس واحدًا منها فبطل أن يكون استحاضة فهو حيض، ولا يمكنهم إثبات قسم ثالث في هذا المحل، وجعله دم فساد؛ فإن هذا لا يثبت إلا بنص أو إجماع، أو دليل يجب المصير إليه، وهو منتف (^١).\nويناقش:\nبأن الدم التي تراه الحامل هو دم خارج عن العادة، فيكون استحاضة، ولا يشترط في دم الاستحاضة أن يزيد على أكثر الحيض، كما لو رأت بنت صغيرة لها خمس سنوات الدم فلا يمكن أن يعتبر حيضًا، وليس لمثلها عادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3675>الدليل الخامس:</span>\nحيض المرأة: خروج دمها في أوقات معلومة لغة وشرعًا، وهذا كذلك، وقد رد النبي ﷺ المستحاضة إلى قدر عادتها، قال رسول الله ﷺ: (اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها)، فدل على أن عادة النساء معتبرة في وصف الدم وحكمه، فإذا جرى دم الحامل على عادتها المعتادة ووقتها من غير زيادة ولا نقصان، ولا انتقال دلت عادتها\n_________\n(^١) انظر المرجع السابق.","vol":"8","page":89},{"text":"على أنه حيض، ووجب تحكيم عادتها وتقديمها على الفساد الخارج عن العادة (^١).\nويجاب:\nبأن المستحاضة ترد إلى قدر عادتها لكونها امرأة اختلط حيضها باستحاضتها، والحامل لا تحيض فلم يختلط دم الاستحاضة في دم الحيض حتى نحكم العادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3676>الدليل السادس:</span>\n(١٥٦٨ - ٣٠) روى الدارمي، قال: أخبرنا حجاج، ثنا حماد، عن يحيى بن سعيد، عن عائشة، أنها قالت: إذا رأت الحبلى الدم فلتمسك عن الصلاة فإنه حيض (^٢).\n[صحيح لغيره] (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ٢٣٥).\n(^٢) سنن الدارمي (٩٢٨).\n(^٣) ورواه الدارمي أيضًا (٢٩٤): أخبرنا أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال: أمر لا يختلف فيه عندنا عن عائشة: المرأة الحبلى إذا رأت الدم أنها لا تصلي حتى تطهر، وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا أن فيه انقطاعًا؛ فإن يحيى بن سعيد لم يدرك عائشة.\nقال علي بن المديني: لا أعلمه سمع من صحابي غير أنس. قلت: لم يذكر المزي من شيوخه عائشة، بل ولا ذكر من شيوخه امرأة غير عمرة بنت عبد الرحمن، وهي تابعية. وليحيى متابع فقد روته أم علقمة عن عائشة. أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٣٩) من طريق ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة والليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن أم علقمة، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها سئلت عن الحامل ترى الدم. أتصلي؟ قالت: لا تصلي، حتى يذهب الدم.\nوابن لهيعة هنا الراوي عنه عبدالله بن وهب، وهو ممن أمسك عن الرواية عنه بعد احتراق كتبه، وقد تابعة ثقة الليث بن سعد.\nوفي الإسناد: أم علقمة واسمها مرجانة.\nروى لها البخاري تعليقًا، في كتاب الحيض، باب (١٩): إقبال المحيض وإدباره، روى عنها ابنها علقمة كما في الموطأ (١/ ٥٩)، وبكير بن عبد الله الأشج، كما في سنن البيهقي (١/ ٦١، ٢٨١، ٤٢٣).\nوذكرها ابن حبان في الثقات. الثقات (٥/ ٤٦٦).\nوذكرها الذهبي في الميزان (٤/ ٦١٠) من المجهولات. =","vol":"8","page":90},{"text":"أجاب أصحاب القول الأول عن أثر عائشة:\nبأن كلامها محمول على ما تراه قريبًا من الولادة بيوم أو يومين، وأنه نفاس جمعًا بين قوليها.\nقلت: هذا الجواب من الممكن أن يقبل لو قالت: لا تصلي، وأما مع التصريح بأنه حيض كما في رواية يحيى بن سعيد، عنها فلا يصح هذا الاحتمال.\n_________\n= وفي التقريب: مقبولة، يعني حيث توبعت.\nوالذي أراه أن حديثها في مرتبة الحسن لذاته.\nأولًا: لأنها من التابعين، والكلام في التابعين قليل، واشتراط أن يوجد فيه نص على توثيقها متعسر؛ لقلة الكلام في الرواة، ولكون الكذب في عهدهم لم يتفش.\nثانيًا: البخاري قد علق في كتاب الحيض، في باب (١٩) إقبال الحيض وإدباره أثرًا عن عائشة بصيغة الجزم، وهذا يقتضي صحته إلى من علقه عنها، وهو لا يعرف إلا من رواية أم علقمة، عن عائشة، فلو كان فيها ما يقدح في روايتها لعلقه البخاري عنها، عن عائشة.\nثالثًا: أن مالكًا أخرج لها في الموطأ (١/ ٥٩)، ومعلوم شدة الإمام مالك، وتنقيته للرجال، وهي مدنية، ومالك من أعلم الناس في أهل المدينة. والله أعلم.\nوقد نقلت في أدلة القول الأول ترجيح الإمام أحمد لرواية أم علقمة عن عائشة، على رواية عطاء عنها. وبالتالي فالأثر عن عائشة إذا انضم إلى الطريق الأول يكون صحيحًا لغيره.\nوروى مالك في الموطأ (١/ ٦٠) أنه سأل ابن شهاب عن المرأة الحامل ترى الدم قال تكف عن الصلاة قال يحيى: قال مالك وذلك الأمر عندنا.\nوقد رواه الدارمي (٩٢١) حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا مالك به. وهذا إسناد صحيح.\nوروى الدارمي (٩٢٧) أخبرنا حجاج، ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: امرأتي تحيض، وهي حبلى. [صحيح].\nقال أبو محمد الدارمي: سمعت سليمان بن حرب يقول: امرأتي تحيض، وهي حبلى.\nوروى الدارمي أيضًا (٩٢٦) أخبرنا أبو النعمان، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد (وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ) [الرعد: ٨]، قال: إذا حاضت المرأة، وهي حامل، قال: يكون ذلك نقصانًا من الولد، فإذا زادت على تسعة أشهر كان تمامًا لما نقص من ولدها.\nوهذا سند صحيح عن مجاهد. وثبت مثله عن عكرمة.\nوممن قال إن الحامل تحيض: قتادة وربيعة، ومالك والليث بن سعد، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهوية، وجماعة. انظر التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٤٩٩)، وزاد المعاد (٤/ ٢٣٤).","vol":"8","page":91},{"text":"والراجح:\nبالرجوع إلى كلام الأطباء، وهم أهل الاختصاص، وبعد مراجعة المراجع الطبية تبين لي أن الحامل لا يمكن أن تحيض بحال، وأن ما تراه المرأة من الدم لا ينطبق عليه أنه حيض، وإليك كلامهم:\nلا بد من التصور أولًا كيف يحدث الحيض؟ ثم بعد ذلك إذا عرف مصدر دم الحيض كان من السهولة معرفة هل الحامل تحيض أم لا؟\nيقرر الأطباء أن الدورة تبدأ مباشرة بعد الحيض؛ حيث يكون الغشاء المبطن للرحم رقيقًا وبسيطًا، ولا تزيد ثخونته عن نصف ميليمتر، ثم تأتي مرحلة النمو بواسطة تأثير هرمون الأنوثة (الاوستروجين) الذي تفرزه حويصلة جراف من المبيض، فينمو الرحم وأوعيته الدموية، وكذلك تنمو غدد الرحم، وتبدو كالأنابيب ... ويبلغ ثخونة غشاء الرحم في هذه المرحلة خمسة ميليمترات ... ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الافراز بواسطة تأثير هرمون الحمل (البروجسترون) الذي تفرزه حويصلة جراف بالمبيض بعد خروج البويضة منها، وتدعى الحويصلة عندئذٍ الجسم الأصفر .. وينمو غشاء الرحم نموًا عظيمًا، ويبطن الغشاء بطبقات وثيرة من الدماء والغذاء، وتنمو غدد الرحم نموًا هائلًا استعدادًا لعلوق البويضة الملقحة (النطفة الأمشاج) .. وتبلغ ثخونة غشاء الرحم في هذه المرحلة ثمانية ميليمترات (أي ١٦ ضعف ما كان عليه عند بدء الدورة) (^١).\n_________\n(^١) يقول الدكتور البار في كتابه خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٧٥): «ينمو الرحم نموًا هائلًا، وينمو حجمه من شق صغير لا يتسع لأكثر من ميليمترين ونصف إلى عضو ضخم تبلغ سعته سبعة آلاف ميليمتر».\nويقول أيضًا: باختصار إن نمو الرحم أثناء الحيض هو أعظم وأسرع نمو في جسم الإنسان، حتى أخطر السرطانات، وأسرعها نموًا لا تنمو مثل نموه. إن الرحم الذي يبلغ طوله ثلاث بوصات، وعرضه بوصتين، وسمكه بوصة، قبيل الحمل ينقلب كيانه انقلابًا تامًا أثناء الحمل ... ويتضاعف وزنه بما يحمله مئات المرات». اهـ","vol":"8","page":92},{"text":"فإذ حصل الحمل بإذن الله، وعلقت البويضة استمر الرحم في النمو، ويصبح الجسم الأصفر هو جسم الحمل المُنَمِّي له بواسطة إفراز هرمون الحمل، إما إذا قدر الله ولم يحصل الحمل فإن الرحم تنقبض أوعيته الدموية انقباضًا شديدًا تمنع فيه تغذية الغشاء حتى يتفتت ويسقط الغشاء المبطن بالدماء والغدد على شكل دم الحيض، وينهار البناء بكامله، ويبكي الرحم دمًا هو دم الحيض (^١).\nهكذا يحصل حيض المرأة، فإذا كان كذلك ففي ضوء هذه المعطيات الطبية لا يمكن أن يكون الدم الخارج من المرأة، وهي حامل أن يعتبر حيضًا:\nويقول الدكتور محي الدين كحالة اختصاصي أمراض وجراحة النساء والتوليد، يؤكد أن الدورة الشهرية للمرأة (الطمث) هي القاعدة التي تهيء الرحم للحمل، وبالتالي فلا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار ما ينزل من دم على المرأة الحامل هو الحيض الطبيعي للمرأة، بل هو دم مرضي، يسمى في الفقه استحاضة.\nوذكر أن ما تتوهمه الحامل حيضًا: هو في حقيقته دم خلاف طبيعة الحيض، وله أسباب كثيرة منها:\n١ - نزول الدم الناتج عن انفجار حويصلة البويضة، يظهر بعد أسبوعين من حمل المرأة.\n٢ - نزول دم ناتج عن انغماد البويضة في الرحم بشكل يؤثر على جدار الرحم، ويسبب نزيفًا، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من الحمل.\n٣ - نزول دم قد يستمر من ثلاثة أسابيع إلى تسعة: الأولى من الحمل بسبب عدم امتلاء تجويف الرحم بالجنين.\n٤ - نزيف ناتج عن التهاب في عنق الرحم في أي وقت من الحمل.\n٥ - نزيف ناتج عن لحمية في عنق الرحم في أي وقت من الحمل.\n_________\n(^١) انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٧٧).","vol":"8","page":93},{"text":"٦ - جرح في المشيمة يؤدي إلى نزيف.\n٧ - مرضي سرطاني.\n٨ - نزف في حالة حمل هاجر في الأنبوب، حيث يكون الرحم خاليًا، وينمو الجنين في أنبوب الرحم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) نقله صاحب كتاب أحكام المرأة الحامل (ص: ٢٧) من بحث في أقل مدة الحيض والنفاس والحمل وأكثرها وقائع الندوة الثالثة الطبية للفقه الطبي. نبيه الجيار. الكويت ١٨/ ٤/١٩٨٧ م.","vol":"8","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3677>الفصل الرابع\nفي أقل الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- الدفعة من الدم حيض.\n- الإجماع على أنه لا حد لأقل النفاس، والحيض مثله.\n- المقادير سبيلها التوقيف، وإذا لم يوجد امتنع التحديد، ولا يصح في أقل الحيض حديث.\n- الحيض في النصوص مطلق، فيصدق على القليل والكثير.\n[م-٦٨٩] اختلف العلماء في أقل الحيض.\nفقيل: أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها. وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة (^١).\nوقيل: أقل مدة الحيض ثلاثة أيام بليلتيها المتخللتين، وهذه رواية الحسن عن\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٨٤)، فتح القدير (١/ ١٦٠) تبيين الحقائق (١/ ٥٥) البحر الرائق (١/ ٢٠١)، البناية (١/ ٦١٤) مراقي الفلاح (ص: ٥٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤٠)، المبسوط (٣/ ١٤٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٦).","vol":"8","page":95},{"text":"أبي حنيفة (^١).\nوقيل: لا حد لأقله ولو دفعة، وهذا مذهب مالك (^٢).\nوقيل: أقل الحيض يوم وليلة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣)، وعليه جماهير الشافعية (^٤).\nوقيل: أقل الحيض يوم بدون ليلة، وهو رواية عن الشافعي، وأحمد (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3678>أدلة القائلين بأن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3679>الدليل الأول:</span>\n(١٥٦٩ - ٣١) روى الطبراني من طريق الفضل بن غانم، حدثنا حسان بن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء بن الحارث (^٦)، عن مكحول،\n_________\n(^١) المبسوط (٣/ ١٤٧)، البحر الرائق (١/ ٢٠١)، تبيين الحقائق (١/ ٥٥).\n(^٢) المدونة (١/ ١٥٢)، مقدمات ابن رشد (١/ ١٢٨)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٣١)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٩٣)، الخرشي (١/ ٢٠٤)، الشرح الصغير (١/ ٢٠٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٨)، أسهل المدارك (١/ ٨٧ ت)، القوانين الفقهية (ص: ٣١)، بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ٣٧)، منح الجليل (١/ ١٦٧).\n(^٣) المغني (١/ ٣٨٨)، الكافي (١/ ٧٤)، المحرر (١/ ٢٤)، الإنصاف (١/ ٣٥٨)، الإقناع (١/ ٦٥)، كشاف القناع (١/ ٢٠٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٤)، شرح الزركشي (١/ ٤٠٦)، الروض المربع (١/ ٤٢٦)، الفروع (١/ ٢٦٥)، شرح العمدة (١/ ٤٧٤).\n(^٤) المجموع (٢/ ٤٠٢)، روضة الطالبين (١/ ١٣٤)، مغني المحتاج (١/ ١٠٩)، نهاية المحتاج (١/ ٣٢٥)، الأم (١/ ٦٤)، الحاوي الكبير (١/ ٤٣٢)، متن أبي شجاع (ص: ٧)، حاشية القليوبي وعميرة (١/ ٩٩).\n(^٥) انظر في مذهب الشافعية: المراجع السابقة، وانظر في رواية أحمد في الإنصاف (١/ ٣٥٨)، الفروع (١/ ٢٦٥).\n(^٦) قوله العلاء بن الحارث خطأ، فقد أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٠٣) فسماه العلاء بن كثير، وقال ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٨٢) «ومن أصحابنا من زعم أنه العلاء بن الحارث، وليس كذلك؛ فإن العلاء بن الحارث حضرمي، وهذا من موالي بني أمية، وذاك صدوق، وهذا ليس بشيء». اهـ وممن قال: أنه العلاء بن كثير الدارقطني.","vol":"8","page":96},{"text":"عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ، قال: «أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر».\n[ضعيف جدًّا، عبد الملك مجهول، وشيخه العلاء متروك، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3680>الدليل الثاني:</span>\n(١٥٧٠ - ٣٢) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن أحمد بن أنس الشامي، حدثنا حماد ابن المنهال البصري، عن محمد بن راشد، عن مكحول،\nعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ: أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام.\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٧٥٨٦)، وفي مسند الشاميين (١٥١٥) من طريق الفضل بن غانم.\nورواه الدارقطني (١/ ٢١٨) من طريق عمرو بن عون، ومن طريق إبراهيم بن مهدي المصيصي، ثلاثتهم عن حسان بن إبراهيم به.\nقال الدارقطني: «وعبد الملك هذا رجل مجهول، والعلاء هو ابن كثير، وهو ضعيف الحديث. ومكحول لم يسمع من أبي أمامة شيئًا».\nقلت: قول الدارقطني عن العلاء ضعيف، هو يستحق أكثر من ذلك.\nقال أحمد: ليس بشيء.\nوقال ابن المديني: ضعيف الحديث جدًّا. الكامل (٥/ ٢١٩).\nوقال النسائي عنه: متروك الحديث، وقال أبو زرعة: واهي الحديث.\nوقال البخاري وأبو حاتم الرازي: منكر الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ٣٦٠)، التاريخ الكبير (٦/ ٥٢٠)، الكامل (٥/ ٢١٩)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٣٤٧).\nورواه ابن حبان في المجروحين (١/ ١٨٢) من طريق سليمان بن عمر أبي داود النخعي، عن يزيد ابن جابر، عن مكحول به. ولا يفرح بهذه المتابعة؛ فإنها أشد ضعفًا، ففيها سليمان ابن عمر.\nقال أحمد: كذاب.\nوقال البخاري: هو معروف بالكذب. انظر الميزان (٢/ ٢١٦)، واللسان (٣/ ٩٧).\n(^٢) سنن الدارقطني (١/ ٢١٩)، وقال: ابن منهال مجهول، ومحمد بن أحمد بن أنس ضعيف.\nقلت: ومكحول لم يسمع من واثلة كما أفاده أبو حاتم. المراسيل لابنه (ص: ٢١٣)، كما أن في الإسناد محمد بن راشد مختلف فيه، وقد سبقت ترجمته في الكلام على حديث (٢٧).","vol":"8","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3681>الدليل الثالث:</span>\n(١٥٧١ - ٣٣) ما رواه ابن عدي (^١) من طريق الحسن بن دينار، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:\nالحيض ثلاثة أيام، وأربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية وتسعة وعشرة، فإذا جاوزت العشرة فمستحاضة.\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١) الكامل (٢/ ٣٠١).\n(^٢) في الإسناد الحسن بن دينار. قال البخاري: تركه يحيى وعبد الرحمن (ابن مهدي) وابن المبارك، ووكيع. التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٢).\nوقال ابن سعد وأبو داود: ليس بشيء. الطبقات الكبرى (٧/ ٢٧٩).\nوقال أبو خيثمة كذاب. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (٢/ ٢٤٠).\nوقال أبو حاتم: متروك الحديث، كذاب. وتركه أبو زرعة، وقال: اضربوا عليه. الجرح والتعديل (٣/ ١١).\nوروى ابن عدي في الكامل (٢/ ١٧٦) من طريق حماد بن زيد، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية ابن قرة، عن أنس مرفوعًا.\nقال حماد بن زيد وذُكِر الجلد بن أيوب، فقال: عمدوا إلى شيخ لا يميز بين قرء وحيض، فحملوه على أمر عظيم، فكان في أوله يقول: عن غير أنس، فحملوه إلى أن قاله عن أنس. الجرح والتعديل (٢/ ٥٤٨)، تعجيل المنفعة (١٤٥).\nوقال الدارقطني: متروك. اللسان (٢/ ١٣٣)، تعجيل المنفعة (١٤٥).\nقال ابن علية: الجلد أعرابي لا يعرف الحديث. اللسان (٢/ ١٣٣).\nوكان ابن علية يرميه بالكذب. المجروحين (١/ ٢١٠).\nوقال ابن حبان: هو صاحب حديث الحيض، يرويه عن معاوية بن قرة، عن أنس، وهذا موضوع عليه، ما أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ أفتى بهذا. المجروحين (١/ ٢١٠).\nوساق الدارقطني (١/ ٢١٠) بسنده عن حماد بن زيد، قال: ذهبت أنا وجرير بن حازم إلى الجلد ابن أيوب، فحدثنا بهذا الحديث في المستحاضة تنظر، ثلاثًا، خمسًا، سبعًا، عشرًا، فذهبنا نوقفه، فإذا هو لا يفصل بين الحيض والاستحاضة. ...\nوروى الدارقطني (١/ ٢١٠) من طريق عبد الله بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن إسماعيل بن داود، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس قال: هي حائض فيما بينها وبين عشرة، فإذا زادت، فهي مستحاضة.\nوهذا له ثلاث علل:\nأحدها: عبد الله بن شبيب، ذاهب الحديث، وقال الدارقطني: غيره أثبت منه. انظر ميزان الاعتدال (٢/ ٤٣٨)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٦١٣)، اللسان (٣/ ٢٩٩).\nالعلة الثانية: في الإسناد: إسماعيل بن داود بن مخراق، قال فيه البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (١/ ٣٧٤)، الضعفاء للعقيلي (١/ ٩٣).\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدًّا. الجرح والتعديل (٢/ ١٦٧، ١٦٨).\nوقال أبو داود: لا يساوي شيئًا. اللسان (١/ ٤٠٣).\nوقال ابن حبان: يسرق الحديث، ويسويه. المجروحين (١/ ١٢٩).\nالعلة الثالثة: أنه من رواية الدراوردي قد ذكر الأئمة بأن روايته عن عبيد الله بن عمر منكرة، قلب أحاديث عبد الله العمري الضعيف، فجعلها عن عبيد الله الثقة.","vol":"8","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3682>الدليل الرابع:</span>\n(١٥٧٢ - ٣٤) روى ابن عدي (^١)، من طريق محمد بن سعيد الشامي، حدثني عبدالرحمن ابن غنم، قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة، فما زاد تتوضأ لكل صلاة إلى أيام أقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين، فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت وصلت، ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين.\n[موضوع، والإجماع على أنه لاحد لأقل النفاس] (^٢).\n_________\n(^١) الكامل (٦/ ١٤١).\n(^٢) فيه محمد بن سعيد المصلوب، قال أحمد: قتله أبو جعفر في الزندقة. حديثه حديث موضوع. الجرح والتعديل (٧/ ٢٦٢).\nوقال أيضًا: عمدًا كان يضع الحديث كما في رواية أبي داود عنه. ضعفاء العقيلي (٤/ ٧)، الكشف الحثيث (٦٦٨).\nوقال أيضًا: كان كذابًا. المجروحين (٢/ ٢٤٧).\nوقال النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: وذكره منهم. الكشف الحثيث (٦٦٨).\nورواه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٥١) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل (١/ ٣٨٣) مختصرًا من طريق محمد بن الحسن الصدفي، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: لا حيض أقل من ثلاث، ولا فوق عشر. وأعله العقيلي بمحمد بن الحسن الصدفي، وقال: ليس بمشهور بالنقل، وحديثه غير محفوظ.\nوقال الذهبي في الميزان (٣/ ٥١٣): محمد بن الحسن، عن عبادة بن نسي في الحيض لا يصح حديثه.\nوقال الذهبي في تنقيح التحقيق (١/ ٩٠): محمد بن حسن الصدفي واهٍ.","vol":"8","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3683>الدليل الخامس:</span>\n(١٥٧٣ - ٣٥) روى ابن الجوزي في العلل المتناهية، من طريق أبي داود النخعي، حدثني أبو طوالة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ، قال: أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يومًا (^١).\n[موضوع فيه أبو داود النخغي معروف بالكذب] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3684>الدليل السادس:</span>\n(١٥٧٤ - ٣٦) ذكر ابن حبان في الثقات، ولم يصل سنده، وابن الجوزي في التحقيق (^٣)، والعلل المتناهية (^٤)، معلقًا قالا: روى حسين بن علوان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: أكثر الحيض عشر، وأقله ثلاث.\n_________\n(^١) العلل المتناهية (٦٤٠).\n(^٢) تقدمت ترجمته، انظر حديث (٣١).\n(^٣) التحقيق (١/ ٢٦١).\n(^٤) العلل المتناهية (١/ ٣٨٦).","vol":"8","page":100},{"text":"[موضوع] (^١).\nفكل هذه الأحاديث ضعفها من النوع الشديد الذي لا ينجبر، وفيها الموضوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3685>الدليل السابع:</span>\nأصح حديث استدلوا به إلا أنهم أخطؤوا الاستدلال به:\n(١٥٧٥ - ٣٧) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ: قالت إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال: لا؛ إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (قدر الأيام) فالأيام جمع، وأقل الجمع ثلاثة.\nوأجيب:\nبأن الحديث قد يكون جرى مجرى الأغلب، فلا يراد به التحديد، أو يكون ذلك في امرأة عرف أن حيضها كان أيامًا، وعلى كل فالحديث ما قيل في أقل الحيض حتى يكون دليلًا على الحصر، ولذا جاء في الأحاديث الأخرى: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، وبعضها حده في الإقبال والإدبار بدون تحديد، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل لم يصح الاستدلال.\nقال ابن عبد البر: «وليس هذا عندي حجة تمنع من أن يكون الحيض أقل من ثلاث؛ لأنه كلام خرج في امرأة علم أن حيضها أيام، فخرج جوابها على ذلك، وجائز\n_________\n(^١) في إسناده الحسين بن علوان، كذابه أحمد ويحيى بن معين، وقال أبو حاتم: واه، ضعيف، متروك الحديث. الجرح والتعديل (٣/ ٦١)، والمجروحين (١/ ٢٤٤، ٢٤٥).\nوقال النسائي: متروك الحديث الكامل لابن عدي (٢/ ٣٥٩). وانظر تاريخ بغداد (٨/ ٦٢).\n(^٢) البخاري (٣٢٥).","vol":"8","page":101},{"text":"أن يكون الحيض أقل من ثلاث؛ لأن ذلك موجود في النساء غير مدفوع» (^١).\nوقال ابن رجب: «وأجاب من خالفهم بجوابين:\nأحدها: أن المراد بالأيام الأوقات؛ لأن اليوم قد يعبر به عن الوقت، قلَّ أو كثر. قال تعالى: (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) [هود: ٨].\nوالمراد: وقت يجيء العذاب. وقد يكون ليلًا، وقد يكون نهارًا، وقد يستمر، وقد لا يستمر. ويقال: يوم الجمل، ويقال: يوم صفين. وكل منهما كان عدة أيام.\nوالثاني: أن النبي ﷺ رد امرأة واحدة إلى عادتها، والظاهر أن عادتها كانت أيامًا متعددة من الشهر، إما ستة أيام، أو سبعة. فليس فيه دليل على أن حيض كل امرأة يكون كذلك» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3686>الدليل الثامن:</span>\nما رواه مسلم من طريق ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لذي لب منكن. فقالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي، ما تصلي وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين (^٣).\nوأجيب:\nبأن البخاري ومسلم روياه من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: أليس إذا\n_________\n(^١) التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٤٩٣).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٥٤).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٥٠).","vol":"8","page":102},{"text":"حاضت لم تصل ولم تصم. ولم يقل: الليالي، وقد يكون قال ذلك في حديث ابن عمر بناء على غالب النساء، والحديث لم يذكر في بيان تحديد أقل الحيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3687>الدليل التاسع:</span>\nحكى بعض الحنفية الإجماع من الصحابة على أن أقل الحيض ثلاثة أيام.\nقال الكاساني: «روي هذا عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم\nعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعثمان بن أبي العاص الثقفي ﵃ أنهم قالوا: الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، عشر، ولم يرد عن غيرهم خلافه فيكون إجماعًا» (^١).\nقلت: قد علمت بأنه لا يصح في هذا الباب شيء، وهي تدور على وضاع أو متهم، ولو كان هناك إجماع ما صح خلافه عن عطاء، ومالك، وأحمد، والشافعي، وجمهور العلماء.\nالدليل التاسع:\nمن القياس، ولولا أنهم ذكروه ما ذكرته؛ لأنه من الضعف بحيث لا يحتاج إلى جواب عنه، وكلامهم هذا يقدح في القياس، وهو من أدلة الشرع المعتبرة على الراجح إذا أحسن الاستدلال به.\nقال السرخسي ﵀ في المبسوط: «إن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام اعتبارًا بأقل مدة السفر، فإن كل واحد منهما يؤثر في الصوم والصلاة، وقد ثبت أن أقل مدة السفر ثلاثة أيام ولياليها فكذلك» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3688>دليل من قال: أقل الحيض ثلاثة أيام بليلتيها المتخللتين:</span>\nاستدلوا بالأدلة السابقة من أقل الحيض ثلاثة أيام، كما روي من حديث أبي أمامة،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤٠).\n(^٢) المبسوط (٣/ ١٤٧).","vol":"8","page":103},{"text":"ومعاذ، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم.\nوجه الاستدلال:\nأن الأحاديث ذكرت ثلاثة أيام، واليوم غير الليلة، فالأصل هي الأيام، وما يتخللها من الليالي، فإنه يتبعها ضرورة، والضرورة ترتفع بالليلتين المتخللتين، واليوم الثالث لا ضرورة في إدخال ليلته، والدليل على أن الليلة لا تدخل في اليوم، قوله تعالى (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) [الحاقة: ٧]. فاليوم الثامن لم تدخل ليلته.\nوهذا مسلم لو سلم لهم كون الحيض أقله ثلاثة أيام أما إذا علمنا أن أدلتهم ضعيفة جدًّا كان وجه الاستدلال ضعيفًا تبعًا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3689>دليل من قال: أقل الحيض يوم وليلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3690>الدليل الأول:</span>\nقال ابن قدامة: «الحيض ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد، ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة كما في القبض والإحراز والتفرق وأشباهها، وقد وجد حيض معتاد يومًا.\nقال عطاء: رأيت من النساء من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا\nوقال ابن المنذر: قال الأوزاعي: عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشيًا يرون أنه حيض تدع له الصلاة.\nوقال الشافعي: رأيت امرأة أثبت لي أنها لم تزل تحيض يومًا» (^٢).\n_________\n(^١) وهناك قول ثالث في مذهب الحنفية أعرضت عن ذكره ضمن الأقوال في المسألة، ولا مانع من الإشارة إليه. فقد قال أبو يوسف: أقل مدة الحيض يومان، والأكثر من الثالث.\nوجهه: أن أكثر الشيء يقام مقام الكل، وقد رده الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٤٠)، فقال: «وهذا على الإطلاق غير سديد، فإنه لو جاز إقامة يومين وأكثر اليوم الثالث مقام الثلاثة لجاز إقامة يومين مقام الثلاثة لوجود الأكثر». اهـ\n(^٢) المغني (١/ ٣٨٩).","vol":"8","page":104},{"text":"ويناقش:\nبأن الحيض إذا لم يوجد له تحديد في اللغة ولا في الشرع، علق الحكم بوجوده، فإذا الأذى وجد الحيض، وإذا لم يوجد فهي طاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3691>الدليل الثاني:</span>\nالتتبع والاستقراء، حيث لم يوجد حيض أقل من ذلك عادة مستمرة في عصر من الأعصار، فلا يكون حيضًا.\nقال الشافعي: «قد رأيت امرأة أُثبت لي أنها لم تزل تحيض يومًا، ولا تزيد عليه» (^١).\nوأجيب بما يلي:\nقال الشيخ إبراهيم البيجوري: «الاستقراء كان من الإمام الشافعي ﵀ لنساء العرب، ومعلوم أنه لم يتتبع نساء العالمين حتى يكون استقراء تامًا، بل ولا نساء زمانه كلهن، بل تتبع بعضهن حتى غلب على ظنه عموم الحكم، فهو استقراء ناقص، وهو إنما يفيد الظن، فهو دليل ظني» (^٢).\nقلت: حتى كلمة الشافعي لا تدل على أنه كان عن بحث واستقراء، بل إنه أفاد أنه وجد امرأة تحيض يومًا، ولا يعني أن هذا كان نتيجة بحث، واستقراء، ولذا وجد غيره من تحيض أقل من يوم،\nفقد روى الدارقطني (^٣)، والبيهقي (^٤) من طريق العباس بن محمد، حدثنا محمد بن مصعب، قال: سمعت الأوزاعي يقول: عندنا امرأة تحيض غدوة، وتطهر عشية (^٥).\n_________\n(^١) الأم (١/ ٦٤).\n(^٢) حاشية البيجوري (١/ ١٤١).\n(^٣) سنن الدارقطني (١/ ٢٠٩).\n(^٤) السنن الكبرى (١/ ٣٢٠).\n(^٥) فيه محمد بن مصعب، تكلموا في سوء حفظه.\nقال النسائي: ضعيف. تهذيب التهذيب (٩/ ٤٠٤).\nوقال يحيى بن معين: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٨/ ١٠٢).\nوقال أيضًا: لم يكن محمد بن مصعب من أصحاب الحديث، كان مغفلًا. كما في رواية عبد الله بن أحمد الضعفاء الكبير (٤/ ١٣٨).\nوقال الخطيب البغدادي: كان كثير الغلط لتحديثه من حفظه، ويذكر عنه الخير والصلاح. تاريخ بغداد (٣/ ٢٧٦).\nقال أحمد: حديثه عن الأوزاعي مقارب، وأما عن حماد بن سلمة ففيه تخليط، فقيل: تحدث عنه؟ قال: نعم. تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٦٠).\nوقال صالح بن محمد: عامة أحاديثه عن الأوزاعي مقلوبة، وقد روى عن الأوزاعي غير حديث، وكلها مناكير ليس لها أصول. تهذيب التهذيب (٩/ ٤٠٤).\nوفي التقريب: صدوق كثير الغلط.\nوقد يقال: إن كثرة الغلط تتوجه لما يتوقف على الحفظ من الأحاديث المرفوعة، وأما شيء وقع للأوزاعي وأخبر عنه، فيبعد وقوع الخطأ فيه، وليس بمتهم حتى يتعمد الكذب، فالظاهر صحته، خصوصًا وأن الإمام أحمد ذكر أن حديثه عن الأوزاعي مقارب، والله أعلم.","vol":"8","page":105},{"text":"وقول الشافعي: تحيض يومًا، الظاهر أنه يعني مع ليلته، فإنه إذا أطلق اليوم دخلت الليلة، وإذا أطلقت الليلة دخل اليوم.\nقال تعالى: (قَالَ آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَاّ رَمْزًا) [آل عمران: ٤١]، مع قوله سبحانه: (قَالَ آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) [مريم: ١٠].\nفأطلق اليوم وأريد به مع ليلته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3692>الدليل الثالث:</span>\n(١٥٧٦ - ٣٨) ما رواه الدارمي (^١)، أخبرنا يعلى، ثنا إسماعيل، عن عامر -يعني الشعبي- قال: جاءت امرأة إلى عليّ، تخاصم زوجها طلقها. فقالت: قد حضت في شهر ثلاث حيض. فقال علي لشريح: اقض بينهما.\nقال: يا أمير المؤمنين، وأنت ها هنا. قال: اقض بينهما. قال: إن جاءت من بطانة\n_________\n(^١) سنن الدارمي (٨٥٥).","vol":"8","page":106},{"text":"أهلها ممن يرضى دينه وأمانته، تزعم أنها حاضت ثلاث حيض، تطهر عند كل قرء وتصلي، جاز لها، وإلا فلا. قال علي: قالون. وقالون بلسان الروم أحسنت.\n[رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، فالشعبي لم يسمعه من علي] (^١).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: قد اتفق شريح وعلي ﵄، والإمام علي له سنة متبعة على أن أقل الحيض يوم وليلة، ولا يمكن أن تحيض في شهر ثلاث مرات إلا في هذه الصورة؛ وذلك بأن تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة، وتطهر ثلاثة عشر يومًا، فالمجموع ثمانية وعشرون يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة فتخرج من العدة بعد تسعة وعشرين يومًا.\n_________\n(^١) رواه الدارمي كما في إسناد الباب (٨٥٥) أخبرنا يعلى يعني ابن عبيد.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٩٢٩٦) أخبرنا وكيع.\nورواه سعيد بن منصور في سننه (١٣١٠) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤١٨) عن أبي شهاب، ثلاثتهم حدثنا إسماعيل بن أبي خالد به.\nوذكره البخاري تعليقًا بصيغة التمريض، في كتاب الحيض (٦)، باب (٢٤) إذا حاضت في شهر ثلاث حيض. قال: ويذكر عن علي وشريح. قال الحافظ في الفتح: «وإنما لم يجزم به للتردد في سماع الشعبي من علي، ولم يقل: إنه سمعه من شريح فيكون موصولًا».\nوقال الدارقطني في العلل (٤/ ٩٧) سمع منه حرفًا -يعني عامرًا من علي- ما سمع غير هذا، يعني: حديث «جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ».\nوقال ابن أبي حاتم: «سئل أبي عن الفرائض التي رواها الشعبي عن علي. قال: عندي ما قاسه الشعبي على قول علي، وما أرى عليًا كان يتفرغ لهذا».\nالتحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل (ص: ٥٢)\nوأخرجه البيهقي: (٧/ ٤١٩) من طريق حميد بن مسعدة أخبرنا خالد بن الحارث عن سعيد، عن قتادة، عن عزرة، عن الحسن العرني، أن شريحًا رفعت إليه امرأة طلقها زوجها ... فذكر نحو حديث الشعبي.\nقال ابن رجب في الفتح (١/ ٥١١): «وهذا الإسناد فيه انقطاع؛ فإن الحسن العرني لم يدرك عليًا قاله أبو حاتم الرازي».","vol":"8","page":107},{"text":"ويجاب عن هذا:\nأولًا: أن الأثر إسناده منقطع، والمنقطع ضعيف.\nثانيًا: ليس في القصة ما يدل على أنها حاضت يومًا وليلة، وطهرت ثلاثة عشر يومًا، ولذلك جاء في شرح ابن رجب لصحيح البخاري (^١): «قال حرب الكرماني، حدثنا إسحاق، أخبرنا أبي، قال: سألت ابن المبارك، فقال: أرأيت قول سفيان: تصدق المرأة في انقضاء عدتها في شهر، كيف هذا؟ وما معناه؟\nقال: قل ثلاثًا حيضًا، وعشرًا طهرًا، وثلاثًا حيضًا. كذا قال». اهـ\nوبناءً على هذا التفسير على أن أقل الحيض ثلاث، فيكون مجموع الحيض ثلاث مرات، كل واحد منها ثلاثة أيام، فمجموعها تسعة أيام، ويكون مجموع الطهر عشرين يومًا، كل طهر عشرة أيام، فالمجموع تسعة وعشرون يومًا. وهذا أيضًا تفسير إسحاق بن راهويه، كما ذكره ابن رجب عنه في شرحه.\nوثالثًا: الأثر لا يدل على التحديد، فلو ادعت المرأة انقضاء عدتها بأقل من شهر، فأين الدليل من الأثر على أنه لن يسمع بينتها، فقد يقع من امرأة أقل من شهر. والأثر لا يمنع منه.\nوممن قال بأن أقل الحيض يوم وليلة عطاء بن أبي رباح.\n(١٥٧٧ - ٣٩) فقد روى الدارمي، أخبرنا الحكم بن المبارك، نا مخلد بن يزيد، عن معقل بن عبيد الله، عن عطاء، قال: أدنى الحيض يوم (^٢).\n[حسن] (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (٢/ ١٤٨).\n(^٢) سنن الدارمي (٨٤٥).\n(^٣) قال الحافظ في الفتح (١/ ٥٦٥): «إسناده صحيح»، والحق أنه حسن، الحكم، ومخلد كل واحد منهما صدوق له أوهام، ومعقل صدوق يخطئ.","vol":"8","page":108},{"text":"والقول بتحديد أقل الحيض قول ضعيف.\nقال ابن رجب: «لم يصح عند أكثر الأئمة في هذا الباب توقيت مرفوع، ولا موقوف، وإنما رجعوا فيه إلى ما حكي من عادات النساء خاصة، وعلى مثل ذلك اعتمد الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم» (^١).\nقلت: تحكيم عادة النساء إنما تعطي حكمًا أغلبيًا، وهي لا تدل على التحديد في كل النساء، فأين الدليل على أن هذا الحكم الأغلبي حدًا، فما نقص عنه فلا يمنع من الصلاة ولا من الصيام، حتى ولو كان في لون دم الحيض، وطبيعته، ورائحته، فلا شك في ضعف هذا القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3693>دليل من قال: أقل الحيض يوم بدون ليلة:</span>\nقال الماوردي: «كان الشافعي يرى أن أقله يوم وليلة، إلى أن أخبره عبد الرحمن ابن مهدي أن عندهم امرأة تحيض غدوة، وتطهر عشية» (^٢).\nوقد قال الشافعي: «قد رأيت امرأة أثبت لي أنها لم تزل تحيض يومًا، ولا تزيد عليه» (^٣).\nوقد اختلف أصحاب الشافعي في تفسير عبارة إمامهم: «لم تزل تحيض يومًا» مع قوله أقل الحيض يوم وليلة، هل هما قول واحد، أم قولان؟\nقال في المهذب: «وأقل الحيض يوم وليلة. وقال في موضع آخر: يوم. فمن أصحابنا من قال: هما قولان. ومنهم من قال: هو يوم وليلة قولًا واحدًا، وقوله: يوم، أراد بليلته.\nومنهم من قال: يوم قولًا واحدًا، وإنما قال: يوم وليلة قبل أن يثبت عنده اليوم،\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٥١).\n(^٢) الحاوي الكبير (١/ ٤٣٣).\n(^٣) الأم (١/ ٦٤).","vol":"8","page":109},{"text":"فلما ثبت عنده رجع إليه. والدليل عليه أن المرجع في ذلك إلى الوجود، وقد ثبت الوجود في هذا القدر.\nوقال الأوزاعي: ﵀: عندنا امرأة تحيض غدوة، وتطهر عشية.\nوقال عطاء ﵀: رأيت من النساء من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا.\nوقال أبو عبد الله الزبيري ﵀: كان في نسائنا من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا» (^١).\nوهذه الأقوال فيها رد على من أدعى أن أقل الحيض ثلاثة أيام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3694>دليل من قال: لا حد لأقله:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3695>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]، فإذا وجد الأذى وجد الحيض، سواء كان أكثر من يوم وليلة، أو أقل، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وقد أمر الله باعتزال النساء في المحيض، ولم يحده بحد، بل علق الحكم على وجوده، فيجب اعتزالها ولو كان الدم أقل من يوم وليلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3696>الدليل الثاني:</span>\nقال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢].\nوجه الاستدلال:\nنهى الله ﷾ عن إتيان الحائض حتى تطهر، ولو كان الحيض له حد معين إذا نقص أو زاد بحيث يتحول إلى استحاضة، لجعل غاية النهي إلى مضي أيام معينة: عشرة أيام، أو خمسة عشر يومًا، ولم يعلقه على الطهارة.\n_________\n(^١) المهذب (١/ ٣٨).","vol":"8","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3697>الدليل الثالث:</span>\nالقول بالتحديد يحتاج إلى دليل، وما دام لم يثبت في هذا دليل فلا يجوز القول به.\nقال ابن القيم: «ولم يأت عن الله ولا عن رسوله، ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض بحد أبدًا، ولا في القياس ما يقتضية» (^١).\nوالذين قالوا: بأن أقله يوم وليلة معترفون بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ، ولا عن الصحابة في هذا شيء، وإنما حكموا العادة.\nوأين الدليل على تحكيم العادة في مثل هذا حتى يصير حدًّا إن نقص عنه لم يمنعها الصلاة والصيام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3698>الدليل الرابع:</span>\n(١٥٧٨ - ٤٠) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ: يا رسول الله إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي، ورواه مسلم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ علق أحكام الحيض على إقبال الحيض وإدباره، ولم يعلقه بمضي مدة معينة، فعلم أن لا تحديد لأقل الحيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3699>الدليل الخامس:</span>\nلو كان تحديد الفقهاء معتبرًا لوجب على الرسول ﷺ أن يبينه، لحاجة الأمة إليه،\n_________\n(^١) أعلام الموقعين (١/ ٢٩٧).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٠٦)، ورواه مسلم (٣٣٣).","vol":"8","page":111},{"text":"ولعموم البلوى فيه، فلما لم يبينه، علم أنه ليس من الشرع.\nقال ابن تيمية: «علق الله باسم الحيض أحكامًا متعددة، في الكتاب وفي السنة، ولم يقدر لأقله، ولا لأكثره، ولا الطهر بين الحيضتين. مع عموم بلوى الأمة في ذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك حدًا فقد خالف الكتاب والسنة» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3700>الدليل السادس:</span>\nالحيض نوع من الحدث، فلا يتقدر أقله بشيء كسائر الأحداث (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3701>الدليل السابع:</span>\nالقياس على النفاس، فكما أن النفاس لا حد لأقله، فكذلك الحيض. والحيض والنفاس أحكامهما متشابهة.\nالراجح:\nأرى -والله أعلم- أن القول الراجح هو القول بعدم التحديد؛ لأنه لم يثبت فيه شيء، وكل شيء ورد في الشرع مطلقًا فهو على إطلاقه، وكذا النصوص العامة هي على عمومها حتى يأتي ما يخصصها، وتقييد المطلق، وتخصيص العام لا يجوز إلا بنص مثله أو إجماع؛ لأنه إخراج لبعض أفراده، وتحكيم عادة النساء في أقل الحيض وأكثره ضعيف، لتفاوت النساء في مثل هذا، وصعوبة استقراء مثل ذلك والاطلاع عليه، وبناء الأحكام عليه. وكيف يكون للرجال أن يقفوا على حقيقة أقل الحيض عند النساء، والأمر يتعلق بالنساء والرجال لا يشبهونهن في ذلك؟!\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٧).\n(^٢) المبسوط (٣/ ١٤٧).","vol":"8","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3702>المبحث الأول أثر الاختلاف في أقل الحيض على عدة المطلقة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- لا فرق بين العبادة والعدة في أقل الحيض.\n- كل حيض منع من الصلاة والصوم فهو معتبر في العدة.\n- إذا كان للمرأة عادة معلومة فادعت خلاف ما عرف من عادتها طلبت منها البينة؛ لدعوها خلاف الظاهر.\n- حقوق الخلق يحتاط لها أكثر من حقوق الخالق.\n[م-٦٩٠] القائلون بتحديد أقل الحيض، وهم الجمهور اعترضوا على من قال: بأنه لا حد لأقل الحيض، بأن المرأة المطلقة قد تدعي خروجها من العدة خلال ثلاثة أيام، بل ربما أقل، وبالتالي فلا بد من القول بتحديد أقل الحيض، وأقل الطهر.\nوللجواب على هذا الإشكال، أن يقال:\nالقائلون بأنه لا حد لأقل الحيض قد اختلفوا في هذه المسألة على قولين أو ثلاثة:\nمنهم من فرق بين العدة والاستبراء، وبين العبادة كالمالكية.","vol":"8","page":113},{"text":"ومنهم من لم يفرق بينهما مطلقًا كابن حزم.\nوآخر وقف موقفًا متوسطًا، قال: إذا ادعت خلاف الظاهر كلفت البينة، وهذا رأي ابن تيمية.\nوهذا الرأي وإن كان يبدو قويًا إلا أن البينة في مثل هذا تكاد تتعذر، ثم إن المرأة مؤتمنة على عدتها، والمؤتمن على شيء يقبل قوله.\nهذا ملخص الأقوال، وإليك النقول عنهم جميعًا، سواء من ادعى بأن أقل الحيض له حد معين، أو من قال: بأنه لا حد لأقل الحيض.\nكلام القائلين بأنه لا حد لأقل الحيض:\nقال الكشناوي من المالكية: «وأقله -يعني الحيض- في العبادة دفعة واحدة، فيجب عليها الغسل بالدفعة، ويبطل صومها، وتقضي ذلك اليوم، وأما في العدة والاستبراء فلا يعد حيضًا إلا ما استمر يومًا، أو بعض يوم له بال» (^١).\nفإذا كان أقل الطهر عند المالكية خمسة عشر يومًا، فلا يمكن أن تنقضي عدتها إلا بأكثر من شهر، سواء قلنا: (القرء) هو الحيض، أو قلنا: المراد به الطهر.\nوقال ابن تيمية: «قال في المحرر: وإذا ادعت انقضاء عدتها بالأقراء، أو الولادة قبل قولها إذا كان ممكنًا، إلا أن تدعيه بالحيض في شهر فلا يقبل قولها إلا ببينة.\nقال أبو العباس: قياس المذهب المنصوص: أنها إذا ادعت ما يخالف الظاهر كلفت البينة، لا سيما إذا أوجبنا عليها البينة فيما إذا علق طلاقها بحيضها، فقالت: حضت، فإن التهمة في الخلاص من العدة كالتهمة في الخلاص من النكاح، فيتوجه أنها إذا ادعت الانقضاء في أقل من ثلاثة أشهر كلفت البينة» (^٢).\nويشكل على قول ابن تيمية ﵀ أن الله ﷾ جعل النساء مؤتمنات\n_________\n(^١) أسهل المدارك (١/ ٨٧).\n(^٢) الاختيارات (ص: ٥٨٧)","vol":"8","page":114},{"text":"على عددهن. قال تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة: ٢٢٨].\nوذكر ابن رجب قال: روى الأعمش، عن مسروق، عن أبي بن كعب، قال: إن من الأمانة أن ائتمنت المرأة على رحمها (^١).\nوكل من كان مؤتمنًا فإنه يقبل قوله مع يمينه.\nووافق ابن القيم شيخه ابن تيمية، فقال ﵀: «فإن قيل: ينبغي إن كان ليس لأقله حد لو ادعت انقضاء عدتها في أربعة أيام تباح للأزواج.\nقيل: إن العدة ليس من هذا؛ لأن قوله: (ثَلاثَةَ قُرُوَءٍ) يريد الأقراء الكاملة، وأقل الكاملة أن تكون في شهر، لحديث علي مع شريح» (^٢).\nقلت: لا أعلم أن هناك قرءًا كاملًا، وآخر ناقصًا، فالقرء هو القرء، قد يطول وقد يقصر، لكن لا يوصف بالكمال والنقص.\nوخالفهم ابن حزم، فلم يفرق بين العبادة، وبين العدة والاستبراء، فقال ﵀: وأما من فرق بين الصلاة والصوم وتحريم الوطء، وبين العدة، فقول ظاهر الخطأ، ولا نعلم له حجة أصلًا، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا إجماع، ولا من قول صاحب، ولا من قياس، ولا من احتياط، ولا من رأي له وجه! ! فوجب تركه.\nوأشار ابن حزم إلى أن القول بعدم التفريق بين العبادة وبين العدة هو قول الأوزاعي، وداود الظاهري، وأحد قولي الشافعي (^٣).\nكلام القائلين بتحديد أقل الحيض.\nاختلف الجمهور القائلون بتحديد أقل مدة الحيض، متى تصدق المرأة في دعوى\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ١٤٣).\n(^٢) سبق تخريجه في رقم (٣٨)، وبينت أن في إسناده انقطاعًا.\n(^٣) المحلى (مسألة ٢٦٦).","vol":"8","page":115},{"text":"انقضاء عدتها، وذلك لاختلافهم في أقل الحيض، وفي أقل الطهر. وإليك النقول عنهم.\nقال ابن رجب: «ومذهب أبي حنيفة لا تصدق في دعوى انقضاء العدة في أقل من ستين يومًا. واختلف عنه في تعليل ذلك، فنقل عنه أبو يوسف أنها تبدأ بطهر كامل خمسة عشر يومًا، ويجعل كل حيضة خمسة أيام، والأقراء عندهم حيض.\nونَقَلَ عنه -أي عن أبي حنيفة- الحسن بن زياد أنه اعتبر أكثر الحيض، وهو عندهم عشرة أيام، وأقل الطهر، وهو خمسة عشر يومًا، وبدأ بالحيض.\nوقال صاحباه: أبو يوسف ومحمد: لا تصدق إلا في كمال تسعة وثلاثين يومًا؛ بناءً على أقل الحيض، وهو عندهم ثلاثة، وأقل الطهر وهو خمسة عشر.\nوقال سفيان الثوري: لا تصدق في أقل من أربعين يومًا، وهو أقل ما تحيض النساء فيه وتطهر، وهذا كقول أبي يوسف ومحمد ... ومنهم من قال: إنما يقبل ذلك بغير بينة في حق من ليس لها عادة مستقرة، وأما من لها عادة منتظمة فلا تصدق إلا ببينة عل الأصح. كذا قال صاحب الترغيب.\nوقال ابن عقيل في فنونه: لا يقبل مع فساد النساء، وكثرة كذبهن دعوى انقضاء العدة في أربعين ولا خمسين يومًا إلا ببينة تشهد أن هذه عادتها، أو أنها رأت الحيض على هذا المقدار، وتكرر ثلاثًا.\nوقال إسحاق وأبو عبيد: لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر، إلا أن تكون لها عادة معلومة قد عرفها بطانة أهلها المرتضى دينهن وأمانتهن فيعمل بها حينئذٍ، ومتى لم يكن كذلك فقد وقعت الريبة فتحتاط، ويعدل الأقراء بالشهور، كما في حق الآيسة والصغيرة». انتهى كلامه ﵀ (^١).\nوأما المذهب الحنبلي فيقسمون الوقت إلى ثلاثة أقسام:\n_________\n(^١) شرح ابن رجب لصحيح البخاري (٢/ ١٤٧).","vol":"8","page":116},{"text":"وقت لا تسمع دعواها مطلقًا، ولا ينظر فيها، حتى ولو ادعت بينة، كما لو ادعت انقضاء عدتها بثمانية وعشرين يومًا؛ لأنهم بنوا على قواعدهم بأن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر ثلاثة عشر يومًا، فلا يمكن بناءً عليه أن تنقضي عدتها بهذه المدة فأقل.\nوالثاني: تقبل عادتها بلا بينة، كما لو ادعتها بزمن معتاد، كشهرين ونصف مثلًا؛ لأن المرأة مؤتمنة على عادتها.\nوالثالث من الأوقات: لو ادعت انقضاء عادتها بشهر مثلًا تسمع دعواها، وينظر فيها، ولا يقبل قولها إلا ببينة، اعتمادًا على قصة شريح مع علي، وسندها منقطع. كما مر معنا (^١).\nوالذي يترجح لي أن التفريق بين العبادة والعدة قول لا دليل عليه، فما دام يحكم له بأنه حيض مانع من الصلاة والصيام فهو معتبر في العدة إلا أن قبول قول المرأة في الصورة النادرة ينبغي الاحتياط فيه، لا تفريقًا بين العبادة والعدة، وإنما حفظًا للحقوق.\nفإن كانت عادتها مطردة مستمرة لا تحيض إلا يومًا، أو أقل أو أكثر، كان قبولها في العادة جاريًا على أن هذه عادتها.\nوإن ادعت خلاف عادتها المعلومة المستمرة فالظاهر لا يؤيد دعواها، فكونها تدعي خلاف عادتها، وأنها جاءتها بهذه الصورة النادرة المستمرة، ثم تكررت ثلاث مرات متتالية، وهي على هذه الصورة النادرة على خلاف ما يعلم من عادتها، فهذا يحدث في النفس شيئًا من قبول دعواها، فتكلف البينة، إن لم يصدقها زوجها. والله أعلم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الروض المربع مع حاشية العنقري (٣/ ١٨٦)، الكافي (٣/ ٣٠٥)، المبدع (٧/ ٣٩٩).\n(^٢) وانظر زيادة بحث في مسألة أقل الطهر.","vol":"8","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3703>المبحث الثاني في الدم إذا نقص عن أقل الحيض</span>\n[م-٦٩١] إذا قيل: إن أقل الحيض يوم وليلة على المذهب المرجوح، ثم وجدنا امرأة يأتيها الدم مستمرًا ومطردًا أقل من ذلك بلون دم الحيض ورائحته المعهودة.\nفهل يجعلونه دم حيض، وقد خالف قواعدهم؟ أم يجعلونه دم فساد؟\nاختلفوا في هذه المسألة، وذكرها النووي، وذكر فيها أوجهًا:\nأحدها: لا يعتبر حال هذه، بل الحكم على ما عهد؛ لأن بحث الأولين أوفى.\nقال إمام الحرمين: والذي أختار، ولا أرى العدول عنه الاكتفاء بما استقرت عليه مذاهب الماضين من أئمتنا في الأقل والأكثر، ولو فتحنا باب اتباع الوجود في كل ما يحدث، وأخذنا في تغيير ما يعهد تقليلًا وتكثيرًا، لاختلطت الأبواب، وظهر الاضطراب، والوجه اتباع ما تقرر للعلماء الباحثين قبلنا.\nقلت: هذا القول إما دليل على ضعف اعتبار الوجود دليلًا في أقل الحيض؛ لأنه ثبت أنه يوجد أقل من ذلك، وأن اعتبار الوجود يؤدي إلى اضطراب الأقوال، وإما أن يكون هذا القول دعوة إلى التقليد المحض، وعدم الأخذ بالدليل، وأن بحث الأولين مقدم مطلقًا؛ لكونه صدر منهم فقط. والتقليد بدعة، وقد بدأت الأمة تتخلص من","vol":"8","page":118},{"text":"مستنقعه، معظمة للدليل الصحيح، والقول المبني عليه.\nقال النووي: الوجه الثاني: أنه يعتبر حال هذه المرأة ليكون هذا حيضها وطهرها؛ لأن الاعتماد على الوجود، وقد حصل، وهذا القول يتمشي مع القول الراجح، بأنه لا حد لأقل الحيض، بل العبرة بالوجود، فمتى وجد الأذى وجد الحيض (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع - النووي (٢/ ٤٠٧).","vol":"8","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3704>الفصل الخامس\nفي أكثر الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- جعل الله ﷾ عدة المطلقة ثلاثة قروء، وجعل مقابل ذلك في اليائسة ثلاثة أشهر، ليكون في كل شهر منها حيض وطهر.\n- لا بد من المصير إلى تحديد أكثر الحيض، كما قيل في تحديد أكثر النفاس؛ لتتميز الحائض من المستحاضة.\n- إذا كان الحيض لا يمكن أن يكون شهرًا كاملًا فهذا مصير إلى القول بنوع من التحديد.\n- إذا كان أقل الطهر في الطب خمسة عشر يومًا وهو قول الجمهور، صار أكثر الحيض خمسة عشر يومًا؛ لأن الأصل في المرأة أن تحيض وتطهر في الشهر مرة.\n- القول بأنه وجد امرأة تحيض سبعة عشر يومًا، وهو أكثر ما وجد، كالقول بأنه وجد امرأة حامل تحيض، مع قول الطب بأنه يستحيل الحيض مع الحمل.\n[م-٦٩٢] اختلف العلماء في أكثر الحيض إلى أقوال.\nفقيل: أكثر الحيض خمسة عشر يومًا.","vol":"8","page":120},{"text":"وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: أكثر الحيض عشرة أيام، وهو مذهب الحنفية (^٢).\nوقيل: أكثر الحيض سبعة عشرة يومًا، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٣). وابن حزم من الظاهرية (^٤).\nوقيل: لا حد لأكثر الحيض، وهو اختيار ابن تيمية (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3705>أدلة الجمهور على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3706>الدليل الأول:</span>\n(١٥٧٩ - ٤١) قال السخاوي: روي عن ابن عمر مرفوعًا:\nالنساء ناقصات عقل ودين. قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: المدونة (١/ ١٥١)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٩٣)، مقدمات ابن رشد (١/ ١٢٧)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٣١). الخرشي (١/ ٢٠٤)، الشرح الصغير (١/ ٢٠٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٨)، أسهل المدارك (١/ ٨٧)، بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ٣٧)، القوانين الفقهية (ص: ٣١)، منح الجليل (١/ ١٦٧)، وانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٤٠٣)، روضة الطالبين (١/ ١٣٤)، مغني المحتاج (١/ ١٠٩)، نهاية المحتاج (١/ ٣٢٦)، المبسوط لابن المنذر (١/ ٢٢٧)، الحاوي الكبير (١/ ٤٣٤)، متن أبي شجاع (ص: ٧)، وانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٣٥٨)، المحرر (١/ ٢٤)، الكافي (١/ ٧٥)، الشرح الكبير (١/ ١٦١)، المبدع (١/ ٢٧٠) كشاف القناع (١/ ٢٠٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٤)، شرح الزركشي (١/ ٤٠٩)، حاشية ابن قاسم (١/ ٣٧٤)، الفروع (١/ ٢٦٥)، تنقيح التحقيق (١/ ٦١٥).\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٦١)، المبسوط - السرخسي (٣/ ١٤٨)، البناية (١/ ٦٢٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٨٤)، تبيين الحقائق (١/ ٥٥)، البحر الرائق (١/ ٢٠١)، مراقي الفلاح (ص: ٥٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤٠) المبسوط (٣/ ١٤٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٦).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٦٥)، الإنصاف (١/ ٣٥٨)، المبدع (١/ ٢٧٠).\n(^٤) المحلى (مسألة: ٢٦٧).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٧)، الاختيارات الفقهية (ص: ٢٨).","vol":"8","page":121},{"text":"دهرها لا تصلي. وقال بعضهم: شطر عمرها.\n[لا أصل له] (^١).\nوجه الاستدلال عندهم:\nقالوا: الشطر النصف، ومعلوم أن المرأة تحيض غالبًا في كل شهر مرة، ولهذا جعل الله عدتها ثلاث حيض، والآيسة والتي لا تحيض لصغر ثلاثة أشهر، ومن جلست في حيضها من كل شهر خمسة عشر يومًا لا تصلي، فقد جلست شطر عمرها عن الصلاة.\n_________\n(^١) قال البيهقي في معرفة السنن (٢/ ١٤٥): طلبته كثيرًا فلم أجده في كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسنادًا بحال.\nوقال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٦٣): «هذا لفظ لا أعرفه».\nوقال الحافظ في التخليص (١/ ٢٧٨): لا أصل له بهذا اللفظ، وقال الحافظ أبو عبد الله ابن منده فيما حكاه ابن دقيق العيد في الإلمام عنه: ذكر بعضهم هذا الحديث، ولم يثبت بوجه من الوجوه، ثم نقل كلام البيهقي وابن الجوزي. ثم قال: الحافظ: وقال الشيخ أبو إسحاق في المهذب: لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقهاء.\nوقال النووي: في شرحه: باطل لا يعرف.\nوقال في الخلاصة: باطل لا أصل له.\nوقال المنذري: لا يوجد له إسناد بحال. اهـ\nقلت: حديث ابن عمر في مسلم، وليس فيه موضع الشاهد، وهو قوله: (شطر دهرها) فقد روى مسلم عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لذي لب منكن. فقالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل. وتمكث الليالي، وما تصلي وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين.\nوفي البخاري (٣٠٤) ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري نحوه. وفيه: قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها.\nوهذه الأحاديث لا دلالة فيها على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا.","vol":"8","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3707>الدليل الثاني:</span>\nقال ابن قدامة: «الحيض ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد، ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة كما في القبض والإحراز والتفرق وأشباهها، وقد وجد حيض معتاد يومًا.\nقال عطاء: رأيت من النساء من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا\nوقال أحمد: حدثني يحيى بن آدم، قال: سمعت شريكًا يقول: عندنا امرأة تحيض كل شهر خمسة عشر يومًا حيضًا مستقيمًا» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3708>الدليل الثالث:</span>\nلا يمكن أن يزيد الحيض عن خمسة عشر يومًا لأمرين:\nالأول: لو زاد الحيض عن خمسة عشر يومًا كان حيض المرأة في الشهر الواحد أكثر من طهرها، وهذا محال!!\nوتعقبه ابن حزم، فقال: «من أين لكم أنه محال؟ وما المانع إن وجدنا ذلك ألا يوقف عنده؟ فما نعلم منع من هذا قرآن ولا سنة أصلًا، ولا إجماع، ولا قياس، ولا قول صاحب» (^٢).\nالأمر الثاني: أن الحيض لو كان أكثر الشهر؛ فإن الأكثر يثبت له حكم الكل، وإذا ثبت له حكم الكل صارت مستحاضة؛ لأن من أطبق عليها الشهر كاملًا صارت مستحاضة.\nوتعقب:\nبأن هذا فيه تكلف إذ كيف يلحق من زاد يومًا واحدًا على خمسة عشر مثلًا، فيكون حكمها حكم من أطبق عليها الدم كل الشهر.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٨٩).\n(^٢) المحلى (مسألة ٢٦٧).","vol":"8","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3709>الدليل الرابع:</span>\nالتتبع والاستقراء، فقد تتبع السلف أكثر الحيض فوجدوه لا يزيد على خمسة عشر يومًا.\nقال النووي: «ثبت مستفيضًا عن السلف من التابعين فمن بعدهم أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وأنهم وجدوه كذلك عيانًا، وقد جمع البيهقي أكثر ذلك في كتابه الخلافيات، وفي السنن الكبير، منهم عطاء، والحسن، وعبيد الله بن عمر، ويحيى ابن سعيد، وربيعة، وشريك، والحسن بن صالح، وعبد الرحمن بن مهدي ﵏» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3710>أدلة القائلين بأن أكثر الحيض عشرة أيام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3711>الدليل الأول:</span>\n(١٥٨٠ - ٤٢) روى ابن عدي في الكامل (^٢)، عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: الحيض ثلاثة أيام، وأربعة، وخمسة، وستة، وسبعة، ثمانية، وتسعة، وعشرة، فإذا جاوز العشرة فهي مستحاضة.\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3712>الدليل الثاني:</span>\n(١٥٨١ - ٤٣) روى الطبراني (^٤)، من حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٤١١).\n(^٢) الكامل في الضعفاء (٢/ ٣٠١).\n(^٣) انظر تخريجه في حديث رقم (١٥٧١).\n(^٤) المعجم الكبير (٧٥٨٦).","vol":"8","page":124},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3713>الدليل الثالث:</span>\n(١٥٨٢ - ٤٤) روى الدارقطني، من حديث واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ: أقل الحيض ثلاث أيام، وأكثره عشرة أيام.\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3714>الدليل الرابع:</span>\n(١٥٨٣ - ٤٥) روى ابن عدي، عن معاذ بن جبل ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة.\n[موضوع] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3715>الدليل الخامس:</span>\n(١٥٨٤ - ٤٦) حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال:\nأقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يومًا.\n[موضوع] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3716>الدليل السادس:</span>\n(١٥٨٥ - ٤٧) حديث عائشة ﵂، رواه ابن حبان معلقًا بلفظ: أكثر الحيض عشر، وأقله ثلاث (^٥).\nوهذه الأحاديث ضعفها شديد لا ينجبر، وبعضها موضوع.\n_________\n(^١) انظر تخريجه في حديث رقم (١٥٦٩).\n(^٢) انظر تخريجه في حديث (١٥٧٠).\n(^٣) انظر تخريجه في رقم (١٥٧٢).\n(^٤) انظر تخريجه في حديث رقم (١٥٧٣).\n(^٥) انظر الكلام عليه في حديث رقم (١٥٧٤).","vol":"8","page":125},{"text":"قال ابن المنذر: «ذكر الميموني أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيصح عن رسول الله ﷺ شيء في أقل الحيض وأكثره. قال: لا. قلت: أفيصح عن أحد من أصحاب\nرسول الله ﷺ؟ قال: لا. قلت: فحديث أنس؟ قال: ليس بشيء، أو قال: ليس يصح. قلت: فأعلى شيء في هذا الباب؟ فذكر حديث معقل، عن عطاء: الحيض يوم وليلة» (^١).\nوقال ابن رجب: «هذه الأحاديث المرفوع منها باطل، لا يصح، وكذلك الموقوف طرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة الحفاظ» (^٢).\nقلت: الطرق الموقوفة سأذكر تخريجها في الأدلة الآتية، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3717>الدليل السابع:</span>\n(١٥٨٦ - ٤٨) ما رواه الطبراني من طريق عمرو بن الحصين، ثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، ثنا عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، قال: رسول الله ﷺ: للحائض ما بينها وبين عشر، فإذا رأت الطهر فهي طاهر، وإن جاوزت العشر فهي مستحاضة، تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم احتشت واستثفرت، وتوضأت لكل صلاة، وتنتظر النفساء ما بينها وبين الأربعين، فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم احتشت واستثفرت وتوضأت لكل صلاة».\nقال الطبراني: لم يروه عن عبدة إلا ابن علاثة، تفرد به عمرو (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٢٢٩).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٥٠).\n(^٣) في الأوسط، كما في مجمع البحرين (٥٠٣).\n(^٤) فيه عمرو بن الحصين العقيلي، ذاهب الحديث، وقال الدارقطني: متروك. انظر الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٩)، الكامل (٥/ ١٥٠)، تهذيب التهذيب (٨/ ١٩)، وقال الخطيب في ترجمة ابن علاثة: قد أفرط أبو الفتح في الميل على ابن علاثة، وأحسبه وقعت إليه روايات لعمرو بن الحصين، عن ابن علاثة، فنسبه إلى الكذب لأجلها، والعلة في تلك من جهة عمرو بن الحصين؛ فإنه كان كذابًا. تاريخ بغداد (٥/ ٣٨٨)، وفي التقريب: متروك.","vol":"8","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3718>الدليل الثامن:</span>\n(١٥٨٧ - ٤٩) روى الدارقطني من طريق خلاد بن أسلم، أخبرنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن الحسن،\nعن عثمان بن أبي العاص، قال: لا تكون المرأة مستحاضة في يوم ولا يومين، ولا ثلاثة أيام، حتى تبلغ عشرة أيام، فإذا بلغت عشرة أيام كانت مستحاضة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٢١٠).\n(^٢) الإسناد فيه أشعث بن سوار الكندي، ضعيف، رواه عنه محمد بن فضيل، واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٩٢٩٨) أخبرنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن قيس، عن عثمان بن أبي العاص.\nورواه الدارقطني (١/ ٢١٠) من طريق خلاد بن أسلم، أخبرنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص.\nوهذا الطريق تابعه عليه هشام بن حسان، فقد رواه الدارقطني (١/ ٢١٠)، قال: حدثنا عثمان ابن أحمد الدقاق، حدثنا يحيى بن أبي طالب، أخبرنا عبد الوهاب، أخبرنا هشام بن حسان، عن الحسن أن عثمان ابن أبي العاص الثقفي، قال ... . فذكر نحوه.\nفهذه متابعة من هشام بن حسان لأشعث، إلا أن رواية هشام عن الحسن فيها كلام.\nوفي الإسناد: يحيى بن أبي طالب، مختلف فيه.\nقال الدارقطني: لا بأس به عندي، لم يطعن فيه أحد بحجة. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠).\nوقال الحافظ: وثقه الدارقطني، وهو من أخبر الناس به. لسان الميزان (٦/ ٢٦٢).\nوقال أبو حاتم: محله الصدق. الجرح والتعديل (٩/ ١٣٤).\nوقال موسى بن هارون: أشهد أنه يكذب. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠)، قال ابن حجر: عنى في كلامه، ولم يعن في الحديث. قلت: هو جرح، ومن كذب في كلامه فقد اتهم.\nوقال أبو عبيد الآجري: خط أبو داود على حديث يحيى بن أبي طالب. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠).\nوقال أبو أحمد محمد بن إسحاق الحافظ: ليس بالمتين. المرجع السابق.\nوقال مسلمة بن قاسم: ليس به باس، تكلم الناس به. انظر اللسان (٩٢٢٩).","vol":"8","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3719>الدليل التاسع:</span>\n(١٥٨٨ - ٥٠) ما رواه الدارقطني من طريق هارون بن زياد القشيري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة،\nعن عبد الله، قال: الحيض ثلاث، وأربع، وخمس، وست، وسبع، وثمان، وتسع، وعشر، فإن زاد فهي مستحاضة.\nقال الدارقطني: لم يروه عن الأعمش بهذا الإسناد غير هارون بن زياد القشيري، وهو ضعيف الحديث. وليس لهذا الحديث عند الكوفيين أصل عن الأعمش. والله أعلم (^١).\nهذا ما وقفت عليه من أدلة الحنفية، وعلى كثرتها إلا أن المرفوع منها ضعيف لا ينجبر، والموقوف ضعيف لا حجة فيه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3720>دليل من قال: أكثر الحيض سبعة عشر يومًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3721>الدليل الأول:</span>\nيرى ابن حزم أن ما زاد على سبعة عشر يومًا فإنه ليس بحيض إجماعًا!!\nقال ﵀: «قد صح عن رسول الله ﷺ أن دم الحيض أسود، فإذا رأته المرأة لم تصل، ووجب الانقياد لذلك، وصح أنها ما دامت تراه فهي حائض، لها حكم الحيض ما لم يأت نص أو إجماع في دم أسود أنه ليس حيضًا، فقد صح النص بأنه قد يكون دم أسود، وليس حيضًا، ولم يوقت لنا في أكثر عدة الحيض من شيء، فوجب أن نراعي أكثر ما قيل، فلم نجد إلا سبعة عشر يومًا، وقلنا بذلك، وأوجبنا ترك الصلاة برؤية الدم الأسود هذه المدة لا مزيد فأقل، وكان ما زاد على ذلك إجماعًا متيقنًا أنه ليس حيضًا» (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٢٠٩).\n(^٢) المحلى (مسألة: ٢٦٧).","vol":"8","page":128},{"text":"قلت: لا تثبت دعوى الإجماع مع وجود الخلاف؛ لأن هناك من قال: لا حد لأكثر الحيض ما لم يطبق عليها الدم كل الشهر، ثم إن قوله: إن دم الحيض دم أسود يعرف، إن كان مبنيًا على حديث: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) كما هو معلوم من تصحيح ابن حزم له، فالراجح أنه حديث ضعيف، مضطرب الإسناد، ومنكر المتن، كما سيأتي بيانه إن شاء الله في باب الاستحاضة. وقد ضعفه أبو حاتم والنسائي. وإن كان مبنيًا على الرأي المحض؛ فإنه مخالف لما جاء من أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، ولهذه المسألة بحث مستقل إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3722><span data-type=\"title\" id=toc-3725>الدليل الثاني:</span></span>\nقال ابن حزم: «قد روي من طريق عبد الرحمن بن مهدي أن الثقة أخبره أن امرأة كانت تحيض سبعة عشر يومًا. ورويناه عن أحمد بن حنبل، قال: أكثر ما سمعناه سبعة عشر يومًا. وعن نساء الماجشون: أنهن كن يحضن سبعة عشر يومًا (^١).\nقلت: ليس في هذا ما يدل على التحديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3723>دليل من قال: لا حد لأكثر الحيض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3724>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].\nفعلق الله أحكام الحيض على وجود هذا الأذى، فمتى وجد الأذى فالحيض موجود، ولم يعلقه على مضي خمسة عشر يومًا، أو على سبعة عشر يومًا، أو أقل أو أكثر.\nالدليل الثاني:\nالقول بالتحديد يحتاج إلى دليل، وما دام لم يثبت في هذا شيء فلا يجوز القول به. والقائلون بالتحديد معترفون بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء عدا\n_________\n(^١) انظر المرجع السابق، نفس الصفحة.","vol":"8","page":129},{"text":"الحنفية وأدلتهم شديدة الضعف، وإنما حكّموا العادة والوجود في زمانهم، ولا دليل من القرآن ولا من السنة على الرجوع إلى العادة حتى تصير حدًا بحيث يُجْعل الدم الذي قبل تمام خمسة عشر يومًا بساعة يُجْعَل حيضًا مانعًا من الصلاة والصوم، والدم الذي بعد تمام خمسة عشر يومًا يُجْعَل استحاضة. والدم هو الدم، واللون هو اللون، والرائحة هي الرائحة. فهذا تفريق في الحكم بين متماثلين، بلا دليل واضح من الشرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3726>الدليل الثالث:</span>\n(١٥٨٩ - ٥١) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ علق أحكام الحيض على إقباله، وعلق أحكام الطهارة على إدباره، ولو كان له حد لا يتجاوزه لقال: فإذا مضى خمسة عشر يومًا، أو سبعة عشر يومًا فاغتسلي وصلي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3727>الدليل الرابع:</span>\nلو كان التحديد معتبرًا لوجب على الرسول ﷺ أن يبينه للأمة، لكونه يتعلق به أعظم العبادات وهي الصلاة، بل يتعلق به ركنان من أركان الإسلام: الصلاة والصيام، ويتعلق به ما يتعلق من استحلال الفروج، وخروج المرأة من عدتها، والحكم لها ببراءة رحمها إلى غير ذلك من الأحكام، فلو كان التحديد معتبرًا لبينه\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣، ٣٣٤).","vol":"8","page":130},{"text":"الرسول ﷺ لعموم البلوى به، فلما لم يبينه علم أن هذا التحديد غير معتبر شرعًا.\nقال ابن تيمية: «اسم الحيض علق الله به أحكامًا متعددة من الكتاب والسنة، ولم يقدر لأكثره ولا لأقله، ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك، واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك قدرًا، فقد خالف الكتاب والسنة» (^١).\nوهذا القول هو القول الراجح، ومع ذلك إذا أطبق على المرأة الحيض، واستمر شهرًا كاملًا فهي مستحاضة؛ لأن الله ﵎ جعل عدة المرأة ذات الأقراء في الطلاق ثلاثة قروء.\nفقال سبحانه: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]، وجعل عدة اليائسة من المحيض والصغيرة التي لا تحيض ثلاثة أشهر، فقال سبحانة: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَاّئِي لَمْ يَحِضْنَ) [الطلاق: ٤] فجعل بإزاء كل شهر طهرًا وحيضًا، فكونه يطبق عليها الدم الشهر كاملًا نعلم أن هذا الدم منه ما هو حيض، ومنه ما هو استحاضة وليس بحيض».\nوالطب يؤكد حقيقة أن الحيض لا يمكن أن يأتي في الشهر مرتين:\nففي سؤال وجه لإحدى أخصائيات النساء والولادة، يقول السؤال:\nدورتي الشهرية منتظمة، ولكنها تأتي في الشهر مرتين: أي في بدايته ونهايته، فهل يمكن أن يتم التبويض مرتين في الشهر؟\nوكان جواب الدكتورة: لا يمكن أن تتم عملية التبويض مرتين في الشهر الواحد، حتى وإن جاءت الدورة الشهرية مرتين أو ثلاث مرات في الشهر الواحد، كما في بعض الحالات المرضية. إلخ كلامها (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٧).\n(^٢) مائة سؤال وجواب في النساء والولادة - الدكتورة سلوى محمد بهكلي (ص: ١٣٦) السؤال ٥٣.","vol":"8","page":131},{"text":"وأرى والله أعلم أن السائلة لم تأتها الدورة في الشهر مرتين؛ لأنها ذكرت أنها تأتيها في بداية الشهر ونهايته، فالحيضة النازلة في نهاية الشهر هي للشهر المستقبل، وليس للشهر الماضي، فتكون دورة واحدة كل شهر.\n* * *","vol":"8","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3728>الفصل السادس\nفي غالب الحيض</span>\n[م-٦٩٣] ذهبت الشافعية، والحنابلة إلى أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة (^١). وحكاه النووي اتفاقا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3729>الأدلة على أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3730>الدليل الأول:</span>\n(١٥٩٠ - ٥٢) ما رواه أحمد من طريق عبد الله بن محمد يعنى ابن عقيل بن أبي طالب، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة،\n_________\n(^١) انظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٤٠٣)، روضة الطالبين (١/ ١٣٤)، نهاية المحتاج (١/ ٣٢٧)، متن أبي شجاع (ص: ٧)، مغني المحتاج (١/ ١٠٩)، وانظر في مذهب الحنابلة: المحرر (١/ ٢٧)، المبدع (١/ ٢٧١)، المغني (١/ ٤٠٢)، كشاف القناع (١/ ٢٠٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٤)، الكافي (١/ ٧٥)، حاشية ابن قاسم (١/ ٣٧٥)، الفروع (١/ ٢٦٧)، وقال في الإنصاف (١/ ٣٦٤): «غالب الحيض ست أو سبع، لكن لا تجلس أحدهما إلا بالتحري على الصحيح من المذهب».\n(^٢) المجموع (٢/ ٤٠٤). ولم أقف على نص في المسألة في كتب الفقه لدى الحنفية ولا المالكية من خلال المراجع المتوفرة لدي والتي أحيل عليها في مسائل الخلاف. وقد رمز لها ابن مفلح في الفروع بحرف الواو (و) أي وفاقًا للأئمة، وهذا يعني أن المسألة ليست إجماعًا، وإلا لرمز لها بحرف العين (ع). والله أعلم.","vol":"8","page":133},{"text":"عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، قالت: فقلت: يا رسول الله إن لي حاجة، فقال: وما هي؟ فقلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام؟ قال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فتلجمي قالت: إنما أثج ثجا. فقال لها: سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر، فان قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت انك قد طهرت، واستيقنت واستنقأت، فصلي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فان ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر، وتصلين وكذلك فافعلي، وصلي، وصومي إن قدرت على ذلك وقال رسول الله: وهذا أعجب الأمرين إلى (^١).\n[ضعيف، وله أكثر من علة].\nقوله في الحديث: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام)، ثم قال: (كما تحيض النساء وكما يطهرن). والمقصود به: غالب النساء؛ لاستحالة إرادة كلهن لاختلافهن.\nقال النووي: «واختلفوا في (أو) في قوله (ستة أيام أو سبعة أيام).\nفقيل: شك من الراوي، هل قال: هذا، أو قال: هذا.\nوقيل: (أو) للتخيير، واختلفوا في معناه.\nفقيل: تخيير تشهي، إن شاءت جلست ستة أيام، وإن شاءت جلست سبعة.\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٤٣٩)، وانظر تخريجه، ح: ١٩٧٦ و١٥٢٤.","vol":"8","page":134},{"text":"وقيل: تخيير بما يليق بالمرأة، وذلك بأن ترجع إلى عادة أختها، وأمها، ولداتها من أقاربها، فإذا كان أكثر أقاربها ستة أيام قدمتها، أو سبعة فكذلك.\nوقيل: يحتمل أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها عادة فيما تقدم ستة أيام أو سبعة أيام إلا أنها قد نسيتها، فلا تدري أيهما كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد، وتبني أمرها على ما تيقنته، أو غلب على ظنها من أحد العددين، لقوله: (في علم الله) أي فيما علم الله من أمرك.\nوقيل: إن هذه المرأة عادتها تارة تكون ستة أيام، وتارة تكون سبعة أيام.\nوالقولان الأخيران فيهما ضعف؛ لأنهما على افتراض أمر، والظاهر خلافه.\nوالراجح: أنها ترجع إلى عادة لداتها من أقاربها، والله أعلم».\n* * *","vol":"8","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3731>الفصل السابع\nفي أقل الطهر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- لا بد من طهر يفصل بين الحيضتين.\n- إذا كان الحيض انهدام بطانة الرحم، فأقل الطهر ما يتمكن فيه الجسم من بناء بطانة جديدة للرحم، وأقله عند الأطباء وجمهور الفقهاء خمسة عشر يومًا.\n[م-٦٩٤] اختلف العلماء في أقل الطهر\nفقيل: أقل الطهر خمسة عشر يومًا.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عن أحمد (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤٠)، المبسوط (٣/ ١٤٨)، شرح فتح القدير (١/ ١٧٢)، تبيين الحقائق (١/ ٦٢)، رد المحتار (١/ ٢٨٥)، البحر الرائق (١/ ٢١٦)، مراقي الفلاح (ص: ٥٧، ٥٨)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٩).\n(^٢) المدونة (١/ ١٥٢)، المقدمات لابن رشد (١/ ١٢٦) الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٣١)، الشرح الصغير (١/ ٢٠٩)، أسهل المدارك (١/ ٨٧)، القوانين الفقهية (ص: ٣٢)، وقال الخرشي (١/ ٢٠٤): «أقل الطهر خمسة عشر يومًا على المشهور. وقيل: عشرة أيام، وقيل: خمسة أيام، وتظهر فائدة التحديد لأقل الطهر فيما لو حاضت مبتدأة، وانقطع عنها دون خمسة عشر يومًا، ثم عاودها قبل تمام طهر تام فتضم هذا الثاني للأول، لتتم منه خمسة عشر يومًا، بمثابة ما إذا لم ينقطع، ثم هو دم علة، وإن عاودها بعد تمام الطهر فهو حيض مؤتنف». وانظر الشرح الكبير (١/ ١٦٨).\n(^٣) المجموع (٢/ ٤٠٤)، روضة الطالبين (١/ ١٣٤)، مغني المحتاج (١/ ١٠٩)، نهاية المحتاج (١/ ٣٢٦)، متن أبي شجاع (ص: ٧)، الحاوي الكبير (١/ ٤٣٥).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٥٨)، الفروع (١/ ٢٦٧).","vol":"8","page":136},{"text":"وقيل: أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: أقل الطهر بين الحيضتين تسعة عشر يومًا، اختاره من الحنفية أبو حازم القاضي، وأبو عبد الله البلخي (^٢).\nوقيل: أقله خمسة أيام، وهذا القول هو رواية ابن الماجشون عن مالك (^٣).\nوقيل: أقله ثمانية أيام. وهي رواية سحنون عن مالك (^٤).\nوقيل: أقله عشرة أيام، وهي رواية ابن القاسم عن مالك (^٥).\nوقيل: لا حد لأقل الطهر، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية عن أحمد، وأحد القولين عن إسحاق، ورجحه ابن حزم وابن تيمية (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3732>دليل من قال: أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3733>الدليل الأول:</span>\n(١٥٩١ - ٥٣) ما يروى عن ابن عمر مرفوعًا: تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي.\n[لا أصل له] (^٧).\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٣٥٨)، الفروع (١/ ٢٦٧)، الكافي (١/ ٥٧)، المحرر (١/ ٢٤)، الإقناع (١/ ٦٥)، المغني (١/ ٣٩٠)، كشاف القناع (١/ ٢٠٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٤)، حاشية ابن قاسم (١/ ٣٧٥)، شرح العمدة (١/ ٤٧٨)، شرح الزركشي (١/ ٤١١).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٤٠).\n(^٣) انظر المقدمات لابن رشد (١/ ١٢٦)، الكافي - ابن عبد البر (ص: ٣١)، الشرح الصغير (١/ ٢٠٩)، القوانين الفقهية (ص: ٣٢).\n(^٤) انظر المرجع السابق.\n(^٥) انظر المرجع السابق.\n(^٦) انظر قول المالكية في الإشراف (١/ ١٩٠)، القوانين الفقهية (ص: ١٣٠)، المعونة (١/ ١٨٩).\nوانظر رواية أحمد في فتح الباري لابن رجب (١/ ٥١٣)، الفروع (١/ ٢٦٧)، شرح الزركشي (١/ ٤١١)، الإنصاف (١/ ٣٥٩)، المحلى (٢/ ٢٠٠)، مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٧).\n(^٧) انظر تخريجه في حديث رقم (١٥٧٩).","vol":"8","page":137},{"text":"فإذا كانت المرأة تمكث شطر (نصف) عمرها لا تصلي، والحيض مرة واحدة في الشهر، معنى ذلك أنها تحيض خمسة عشر يومًا من كل شهر، وإذا كان كذلك كان الطهر خمسة عشر يومًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3734>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: الشهر لا يخلو غالبًا من حيض وطهر، وقد أثبتنا أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وإذا كان كذلك لزم أن يكون أقل الطهر ما تبقى من الشهر، وهو خمسة عشر يومًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3735>الدليل الثالث:</span>\nقال النووي: لأنه - يعني كون الطهر خمسة عشر يومًا - أقل ما ثبت وجوده (^١).\nوهذه الأدلة ضعيفة؛ لأنها مبنية على أمر ضعيف، فليس مسلمًا أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، كما أنه غير مسلم أنه أقل ما ثبت وجوده، بل هذا الكلام دعوى لا دليل عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3736>دليل من قال: أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3737>الدليل الأول:</span>\n(١٥٩٢ - ٥٤) روى الدارمي، قال: أخبرنا يعلى، ثنا إسماعيل، عن عامر قال:\nجاءت امرأة إلى علي تخاصم زوجها طلقها، فقالت: قد حضت في شهر ثلاث حيض فقال علي لشريح: اقض بينهما. قال يا أمير المؤمنين، وأنت ههنا. قال: اقض بينهما. قال: يا أمير المؤمنين، وأنت ههنا. قال: اقض بينهما، فقال: إن جاءت من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته تزعم أنها حاضت ثلاث حيض تطهر عند كل قرء وتصلي جاز لها وإلا فلا، فقال علي: قالون، وقالون بلسان الروم أحسنت (^٢).\n_________\n(^١) انظر المجموع (٢/ ٤٠٤).\n(^٢) سنن الدارمي (٨٥٥).","vol":"8","page":138},{"text":"[منقطع] (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن هذه المرأة حاضت أقل الحيض يومًا وليلة، وطهرت ثلاثة عشر يومًا، ثم حاضت أقل الحيض يومًا وليلة، ثم طهرت ثلاثة عشر يومًا، فالمجموع ثمانية وعشرون يومًا، ثم حاضت يومًا وليلة، فخرجت من العدة بشهر.\nوأجيب بما يلي:\nأولًا: أن هذا الأثر ضعيف لانقطاع إسناده.\nثانيًا: قدمنا في بحث أقل الحيض أنه على فرض صحة الأثر فإن هذا التفسير لا يتعين، ولذا فسره ابن المبارك كما في شرح صحيح البخاري لابن رجب أنها حاضت ثلاثًا وطهرت عشرًا، وذكر هذا التفسير عن إسحاق أيضًا (^٢).\nثالثًا: من أين لكم من الأثر أنها لو ادعت أقل من شهر أنه لن يسمع دعواها، ولن يطلب منها بينة، فهذا لا سبيل إليه من الأثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3738>الدليل الثاني:</span>\nلقد ثبت أن أكثر الحيض سبعة عشر يومًا.\nقال الإمام أحمد: أكثر ما سمعناه سبعة عشر يومًا. وقد خرجته في بحث أكثر الحيض، وإذا كان أكثر الحيض كذلك، والمرأة تحيض وتطهر في الشهر، فعليه يكون الباقي من الشهر ثلاثة عشر يومًا، وهو أقل الطهر.\nوقد ضعفت القول بأن أكثر الحيض سبعة عشر يومًا في بحث أكثر الحيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3739>دليل من قال: أقل الطهر تسعة عشر يومًا:</span>\nاستدل له بما ذكره النووي: «أكثر الحيض عندهم عشرة، والشهر يشتمل على\n_________\n(^١) انظر تخريجه في حديث رقم (١٥٧٦).\n(^٢) شرح ابن رجب لصحيح البخاري (٢/ ١٤٨).","vol":"8","page":139},{"text":"طهر وحيض، وقد يكون الشهر تسعة وعشرين يومًا، منها عشرة للحيض، فيكون الباقي للطهر» (^١).\nوأجيب:\nبأن هذا القول مبني على أن أكثر الحيض عشرة أيام، وقد استدلوا لذلك بأحاديث باطلة، وآثار موقوفة ضعيفة، وإذا كان لا يثبت في أكثر الحيض شيء كما قدمنا، يكون ما بني عليه ضعيفًا أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3740>دليل من قال: أقل الطهر عشرة أو ثمانية أو خسمة:</span>\nهذه الأقوال ساقها ابن رشد في المقدمات (^٢)، وضعفها، ورجح عليها ما روى عن مالك موافقًا لقول الجمهور، ثم تلمس دليلًا لهذه الأقوال، فقال:\n«وأما سائر الأقاويل -يعني بأن أقل الطهر عشرة أو ثمانية، أو خمسة- لا ملحظ عليها في القياس وإنما أخذت من عادة النساء؛ لأن كل ما وجب تحديده في الشرع، ولم يرد به نص لزم الرجوع فيه إلى العادة كنفقة الزوجات، وشبه ذلك، وقد حكى ابن المعدل عن ابن الماجشون أنه وجد من النساء من يكون طهرها خمسة أيام وعرف ذلك بالتجربة من جماعة النساء». اهـ\nقلت: كونه يوجد من النساء من يكون طهرها خمسة أيام دليل على أنه لا يوجد حد لأقل الطهر، فهو شاهد على ضعف القائلين بالتحديد، ولا يصح دليلًا على أن أقله خمسة أيام؛ لأنه قد يوجد من يكون طهرها أقل من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3741>دليل من قال: لا حد لأقل الطهر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3742>الدليل الأول:</span>\nالقول بالتحديد لا يجوز إلا بدليل، ولا دليل على التحديد.\n_________\n(^١) النووي (٢/ ٤١١).\n(^٢) المقدمات الممهدات (١/ ١٢٦).","vol":"8","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3743>الدليل الثاني:</span>\nالحيض هو إقبال دم الحيض، والطهر هو انقطاعه، إما بالجفاف أو برؤية القصة البيضاء. هذه حقيقة الطهر، سواء طال أم قصر، إلا أن انقطاع دم الحيض الساعة والساعتين لا يسمى طهرًا.\n(١٥٩٣ - ٥٥) روى البخاري (^١) ومسلم (^٢)، من حديث عائشة ﵂ في قصة فاطمة بنت أبي حبيش. قال ﷺ:\nفإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي.\nإلا أن أصحاب هذا القول قد اختلفوا فيما لو ادعت انقضاء عدتها في شهر فأقل هل تكلف البينة أم لا؟ على قولين:\nالأول: رأي ابن حزم، بأنه لا فرق في أقل الطهر بين العبادة والعدة.\nالثاني: رأي ابن تيمية ﵀ أنها إن ادعت خلاف الظاهر كلفت البينة.\nقال ابن تيمية كما في الاختيارات: «ويتوجه أنها إذا ادعت الانقضاء في أقل من ثلاثة أشهر كلفت البينة».\nوقد فصلت الخلاف في هذه المسألة في بحث مستقل. ورجحت أن المرأة مصدقة مؤتمنة على ما في رحمها.\nقال ﷾: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) [البقرة: ٢٢٨]، والأصل أن من كان مؤتمنًا يقبل قوله مع يمينه، لكن إن كان لها عادة مستقرة، وادعت خلافها كلفت البينة؛ لأن الأصل بقاء عادتها على ما هي عليه، فكونها تدعي خلاف عادتها، ويتكرر ذلك ثلاث مرات منها فهذا بعيد جدًّا لا يؤيده الظاهر.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٣٣).","vol":"8","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3744>الفصل الثامن\nفي أكثر الطهر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- لا حد لأكثر الطهر؛ لأن من النساء من لا تحيض.\n- الطهارة هي الأصل، والحيض عارض، فإذا لم يظهر العارض يجب بناء الحكم على الأصل وإن طال.\n[م-٦٩٥] أجمعوا على أن أكثر الطهر لا حد له، وإليك النقول من كتب الفقهاء.\nقال في بدائع الصنائع، وهو من الحنفية: «وأما أكثر الطهر فلا غاية له، حتى إن المرأة إذا طهرت سنين كثيرة فإنها تعمل ما يعمل الطاهرات بلا خلاف بين الأئمة؛ لأن الطهارة في بنات آدم أصل، والحيض عارض، فإذا لم يظهر العارض يجب بناء الحكم على الأصل، وإن طال» (^١).\nوقال ابن رشد، وهو من المالكية، في المقدمات: «وأما أكثر الطهر فلا حد له؛ لأن المرأة ما دامت طاهرة تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، طال زمان ذلك أو قصر» (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤٠).\n(^٢) المقدمات (١/ ١٢٦).","vol":"8","page":142},{"text":"وقال النووي من الشافعية في المجموع: «أكثر الطهر لا حد له، ودليلها في الإجماع، ومن الاستقراء أن ذلك موجود ومشاهد، ومن أظرفة ما نقله القاضي\nأبو الطيب في تعليقه، قال: أخبرتني امرأة عن أختها أنها تحيض في كل سنة يومًا وليلة، وهي صحيحة تحبل وتلد» (^١).\nوقال ابن تيمية الحنبلي ﵀: «وأما أكثر الطهر فلا حد له؛ لأن من النساء من تطهر الشهر والسنة، كما أن منهن من لا تحيض أبدًا» (^٢).\nفصارت مسألة لا حد لأ كثر الطهر محل إجماع لا خلاف فيه.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٤٠٩).\n(^٢) شرح العمدة (١/ ٤٧٨).","vol":"8","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3745>الفصل التاسع\nفي غالب الطهر</span>\n[م-٦٩٦] نص الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، على أن غالب الطهر ثلاثة وعشرون، أو أربعة وعشرون يومًا؛ لأنه سبق أن دللنا أن في كل شهر حيضًا وطهرًا، وإذا كان غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام، فالباقي من الشهر يكون طهرًا.\n(١٥٩٤ - ٥٦) لما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم ابن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت:\nكنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ١٣٤)، المجموع (٢/ ٤٠٤) قال النووي: «غالب الحيض ست أو سبع بالاتفاق».\nنهاية المحتاج (١/ ٣٢٧)، قال: «وغالب الحيض ست أو سبع، وباقي الشهر غالب الطهر، لقوله ﷺ لحمنة بنت جحش: (تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام كما تيحض النساء ويطهرن ميقات حيضهن وطهرهن) أي التزمي الحيض وأحكامه فيما علمك الله من عادة النساء من ستة أيام أو سبعة. والمراد غالبهن لاستحالة اتفاق الكل عادة». اهـ وانظر مغني المحتاج (١/ ١٠٩).\n(^٢) الفروع (١/ ٢٦٧)، المبدع (١/ ٢٧١)، كشاف القناع (٢/ ٢٠٣).","vol":"8","page":144},{"text":"حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم، فقال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فاتخذي ثوبًا. فقالت: هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجًّا. قال رسول الله ﷺ سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك، قال رسول الله ﷺ وهذا أعجب الأمرين إلي.\n[ضعيف] (^١).\n* * *\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٨٧)، وانظر تخريجه ح: ١٩٧٦ و١٥٢٤.","vol":"8","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3746>الباب الثاني في المبتدأة</span>\nتمهيد في تعريف المبتدأة وبيان أقسامها\nتعريف المبتدأة:\nهي من رأت الدم أول مرة في سن من يصلح أن يأتيها الحيض.\nأقسام المبتدأة:\nتنقسم المبتدأة إلى ثلاثة أقسام:\nالأولى: أن يأتيها الدم ويتجاوز أقل الحيض، ولا يتجاوز أكثره.\nالثانية: أن يأتيها الدم ويتجاوز أكثر الحيض.\nالثالثة: أن يأتيها الدم، وينقطع قبل أن يبلغ أقل الحيض (^١).\n* * *\n_________\n(^١) القول بأقل وأكثر الحيض مبني على القول بذلك، وقد بينت فيما سبق أن الراجح عدم التحديد.","vol":"8","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3747>الفصل الأول في حكم المبتدأة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3748>المبحث الأول في المبتدأة إذا لم يتجاوز دمها أكثر الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل دم تراه المرأة فهو حيض حتى يتيقن أنه استحاضة.\n- كل دم أطبق على المرأة شهرًا كاملًا فهو استحاضة.\n- إذا كان لا بد من تحديد أكثر الحيض كالنفاس، فما جاوز أكثر الحيض فهو استحاضة؛ لأن للأكثر حكم الكل.\n[م-٦٩٧] اختلف العلماء في حكم المبتدأة التي انقطع دمها لأكثر الحيض فما دون:\nفقيل: حيض تترك له الصلاة والصيام، ما دام أنه لم يتجاوز أكثر الحيض، على خلاف بينهم في أكثر الحيض.","vol":"8","page":147},{"text":"وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\nوقيل: تترك الصلاة والصيام يومًا وليلة، ثم تغتسل وتصلي، وتتوضأ لوقت كل صلاة، ولا توطأ، فإذا انقطع دمها لأكثر الحيض فما دونه اغتسلت مرة ثانية عند انقطاعه، ثم تفعل ذلك في الشهر الثاني والثالث، فما تكرر ثلاثًا فهو عادتها، ووجب عليها إعادة ما صامته فيه من صيام واجب؛ لأنه تبين أنها صامته في زمن الحيض. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: لا تترك الصلاة ولا الصيام حتى يستمر بها الدم أقل مدة الحيض، وهذا القول رواية عن محمد بن الحنفية، ووجه لابن سريج من الشافعية (^٣).\nوقيل: تترك الصلاة والصوم ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي وتصوم وإن استمر بها الدم، وهو رواية عن أحمد (^٤).\nوقيل: تجلس عادة نسائها كأمها، وعمتها، وخالتها، وهذا القول رواية عن\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٢٥)، تبيين الحقائق (١/ ٦٤)، المبسوط (٣/ ١٥٣)، البناية (١/ ٦٦٩)، شرح فتح القدير (١/ ١٧٨)، وانظر العناية مطبوعًا في حاشيته. بدائع الصنائع (١/ ٤١).\nوانظر في مذهب المالكية: وانظر في مذهب المالكية: بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ٣٨)، مقدمات ابن رشد (١/ ١٣١)، المدونة (١/ ١٥١). مواهب الجليل (١/ ٣٦٧)، وانظر بهامشه التاج والإكليل (١/ ٣٦٧)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ١٦٨، ١٦٩)، منح الجليل (١/ ١٦٧)، أسهل المدارك (١/ ٨٧) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٩١)، الكافي لابن عبد البر (ص: ٣٢)، وانظر في مذهب الشافعية: الحاوي (١/ ٤٠٦)، المجموع (٢/ ٤١٥)، مغني المحتاج (١/ ١١٣)، روضة الطالبين (١/ ١٤٢)، الوجيز (١/ ٢٦)، حلية العلماء (١/ ٢٨٤)، وانظر رواية أحمد: المبدع (١/ ٢٧٦، ٢٧٧)، الفروع (١/ ٢٦٩، ٢٧٠)، الإنصاف (١/ ٣٦٠).\n(^٢) المحرر (١/ ٢٤)، كشاف القناع (١/ ٢٠٤)، معونة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٧٧)، المغني (١/ ٤٠٨)، شرح الزركشي (١/ ٣٢٥)، الإقناع (١/ ٦٥)، المبدع (١/ ٢٧٦، ٢٧٧).\n(^٣) الحاوي (١/ ٤٠٦)، المجموع (٢/ ٤١٧).\n(^٤) انظر الإنصاف (١/ ٣٦٠)، الفروع (١/ ٢٩٦، ٢٧٠)، المغني (١/ ٤٠٨).","vol":"8","page":148},{"text":"أحمد (^١).\nوقيل: دم المبتدأة حيض، سواء كان أقل من يوم وليلة، أو أكثر من خمسة عشر يومًا، ما لم تكن مستحاضة وذلك أن يطبق عليها الدم شهرًا كاملًا، وهو اختيار ابن تيمية (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3749>دليل من قال: لا تصلي ولا تصوم حتى يتجاوز أكثر الحيض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3750>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].\nفالأصل في الدم الذي تراه المرأة أنه أذى، وأنه حيض حتى نتيقن أنه استحاضة.\nقال ابن رشد: «ما تراه المرأة من الدم محمول على أنه دم حيض، ومحكوم له بحكمه حتى يعلم أنه ليس دم حيض» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3751>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: لأننا حكمنا بأن ابتداء الدم حيض، مع جواز أن يكون استحاضة، فكذلك الحكم في أثنائه ما دام لم يتجاوز أكثر الحيض، فكل دم في أيام الحيض يمكن أن يجعل حيضًا فإنه حيض (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3752>الدليل الثالث:</span>\nدم الحيض دم جبلة وطبيعة، ودم الاستحاضة دم عارض لمرض عارض، والأصل الصحة والسلامة من المرض (^٥).\n_________\n(^١) انظر الفروع (١/ ٢٦٩، ٢٧٠)، المغني (١/ ٤٠٨، ٤٠٩)، الإنصاف (١/ ٣٦٠)، المبدع (١/ ٢٧٦، ٢٧٧).\n(^٢) الاختيارات (ص: ٢٨).\n(^٣) في المقدمات (١/ ١٢٩).\n(^٤) انظر المغني (١/ ٤٠٩)، الممتع في شرح المقنع - التنوخي (١/ ٢٦٨).\n(^٥) المغني (١/ ٤٠٩).","vol":"8","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3753>الدليل الرابع:</span>\nاحتمال كونه دم استحاضة، وأنه قد يستمر معها، هذا احتمال وشك، والاحتمال والشك لا يقدم على الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3754>دليل الحنابلة على التكرار ثلاثًا:</span>\nالحنابلة يقولون: تجلس أقل الحيض يومًا وليلة، ثم تغتسل وتصلي ولو كان الدم جاريًا، ودليلهم على جلوسها أقل الحيض؛ لأن الصلاة واجبة في ذمتها بيقين، وقد شكت في الزائد، فقد يكون حيضًا، وقد يكون استحاضة، فلا تترك اليقين بالشك.\nوأما كونها تغتسل بعد مضي يوم وليلة؛ فلأنه آخر حيضها حكمًا، أشبه آخر حيضها حسًا.\nوأما كون زوجها لا يطأها؛ لاحتمال أن تكون حائضًا، وإنما أوجبنا العبادات احتياطًا.\nوأما كونها تغتسل وتصلي عند انقطاع دمها إذا انقطع لأكثر الحيض فما دون؛ فلأنه يحتمل أن ذلك آخر حيضها، فلا تكون طاهرًا بيقين إلا بالغسل حينئذ.\nوأما كونها تفعل ذلك ثلاثًا، فالتعليل فيه أن التكرار اعتبر فيه الثلاث كالمعتدة لا يحكم ببراءة ذمتها من العدة بأول حيضة، وكالمعتدة في الشهور، وخيار المصراة، ونحوها.\nفعلى هذا إن تكرر في الثلاث على قدر واحد، صار ذلك عادة لتكراره ثلاثًا، وإلا فلا لما ذكرنا.\nوإن تكرر مختلفًا، مثل أن يكون في الشهر عشرة، وفي الثاني اثني عشر، وفي الثالث ثلاثة عشر، فالعشرة متكررة ثلاثًا، فهي عادة، وما عدا ذلك ليس بعادة إلا أن يتكرر بعد ذلك.","vol":"8","page":150},{"text":"ولو فرضنا أن عادتها أصبحت عشرة أيام، وكانت تصلي وتصوم فيما بين اليوم واليلة وبين العشرة، وتبين لنا بالتكرار أنها أيام حيض، فيجب عليها أن تقضي كل صوم واجب صامت فيه؛ لأنها تبين أنها صامت وهي حائض، فلا يصح الصوم منها، وعلى هذا يلزمها إعادة الصيام مرة أخرى، أما الصلاة فلكونها لا تقضى، لا يجب عليها إعادتها.\nهذا ملخص مذهب الحنابلة، وهو من أضعف الأقوال، وفيه حرج ومشقة، وأظن أن هذا المذهب مهجور عمليًّا، وإن كان هو المشهور من المذهب، ولولا أن هذا الكتاب يعنى بذكر مذهب الأئمة ما عرجت عليه.\nقال ابن تيمية: «وهذا القول باطل لوجوه:\nأحدها: أن الله تعالى يقول:\n(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) [التوبة: ١٥٠]، فالله تعالى بين للمسلمين في المستحاضة وغيرها ما تتقيه من الصلاة والصيام، في زمن الحيض، فكيف يقال: إن في الشريعة شكًّا مستمرًا يحكم به الرسول ﷺ وأمته، نعم قد يكون شك خاص ببعض الناس، فأما أن يكون شك في نفس الشريعة فهذا باطل.\nالثاني: أن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين، ولا الصيام مرتين إلا بتفريط من العبد، فالصواب الذي عليه جمهور المسلمين أن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه، فلا إعادة عليه» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3755>دليل من قال: لا تصلي حتى يستمر بها الدم أقل مدة الحيض:</span>\nقالوا: لأن رؤية الدم قد يجوز أن تكون حيضًا تدع فيه الصلاة، ويجوز أن يكون دم فساد، تلزم فيه الصلاة، فلم يجز إسقاط فرض الصلاة بالشك والتجويز (^٢).\n_________\n(^١) في مجموع الفتاوى (٢١/ ٦٣٢).\n(^٢) الحاوي (١/ ٤٠٦).","vol":"8","page":151},{"text":"ورده الماوردي، فقال: هذا التعليل فاسد من وجهين:\nأحدهما: غير المبتدأة إذا بدأت برؤية الدم تدع الصلاة، وإن كان هذا التجويز موجودًا.\nوالثاني: المعتادة إذا تجاوز دمها قدر العادة تدع الصلاة، وإن كان هذا التجويز موجودًا. وإذا بطل بهذين ما علل به من هذا التجويز، وجب أن يعتبر الغالب من حالها، وهو أن ما ابتدأت برؤيته حيض (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3756>دليل من قال: تترك الصلاة والصيام ستة أيام أو سبعة أيام فقط:</span>\nهذا القول رواية عن أحمد كما تقدم، وظاهره أنها تجلس ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي، ولو كان الدم جاريًا، ثم تغتسل عند انقطاعه حتى يتكرر ذلك ثلاثًا، ويتبين لها عادة ووقت، على قاعدة الحنابلة في معرفة العادة.\nقال ابن قدامة: «روى حرب، قال: سألت أبا عبد الله، قلت: امرأة أول ما حاضت استمر بها الدم. كم يومًا تجلس؟\nقال: إن كان مثلها من النساء من يحضن فإن شاءت جلست ستًا أو سبعًا حتى يتبين لها حيض ووقت، وإن أرادت الاحتياط جلست يومًا واحدًا أول مرة حتى يتبين وقتها» (^٢).\nودليلهم على اعتبار ستة أيام أو سبعة أيام:\n(١٥٩٥ - ٥٧) حديث حمنة بنت جحش عند أحمد، وفيه:\nفتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي (^٣).\n_________\n(^١) انظر المرجع السابق.\n(^٢) المغني (١/ ٤٠٩).\n(^٣) المسند (٦/ ٤٣٩)، وانظر تخريجه، ح: ١٩٧٦ و١٥٢٤.","vol":"8","page":152},{"text":"والحديث ضعيف. وسيأتي تخريجه في باب الاستحاضة، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي وغيره (^١).\nوفي التمهيد لابن عبد البر: «قال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل يقول في الحيض: حديثان، والآخر في نفسي منه شيء.\nقال أبو داود: يعني أن في الحيض ثلاثة أحاديث، هي أصول هذا الباب.\nأحدها: مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار.\nوالآخر: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\nوالثالث: الذي في قلبه منه شيء، هو حديث حمنة بنت جحش، الذي يرويه ابن عقيل» (^٢).\nوجه من قال: تجلس المبتدأة عادة أمها، وأختها وعمتها وخالتها:\nقالوا في تعليل ذلك: إن شبه المرأة بقريباتها أقرب من شبهها بغالب النساء.\nقال ابن قدامة: «روى الخلال بإسناده عن عطاء: في البكر تستحاض، ولا تعلم لها قرءًا، قال: لتنظر قرء أمها، أو أختها، أو عمتها، أو خالتها، فلتترك الصلاة عدة تلك الأيام، ولتغتسل وتصل.\n_________\n(^١) ضعفه أبو حاتم الرازي في العلل لابنه (١/ ٥١)، كما ضعفه الدارقطني، وابن منده، ونقل الاتفاق على تضعيفه من جهة عبد الله بن محمد بن عقيل، فإنه تفرد بروايته، والمعروف عن الإمام أحمد أنه ضعفه، ولم يأخذ به، وقال: ليس بشيء. وقال مرة: ليس عندي بذلك وحديث فاطمة أصح منه، وأقوى إسنادًا، وقال مرة: في نفسي منه شيء لكن ذكر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة، والأخذ به. انظر شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٦٤)، والأخذ بالشيء لا يعني تصحيح إسناده، فلا يلزم من كون الإمام أحمد قال به فقهًا أن يكون عنده صحيحًا، أو حسنًا؛ لأن المجتهد قد يضعف الحديث من حيث السند، ويعمل به من حيث النظر، أو من حيث عمومات أخرى. والله أعلم.\n(^٢) التمهيد (١٦/ ٦١).","vol":"8","page":153},{"text":"قال حنبل: قال أبو عبدالله: هذا حسن. واستحسنه جدًّا» (^١).\nوالراجح قول الجمهور، أنها تترك الصلاة إذا رأت الدم؛ لأن الأصل في الدم الذي تراه المرأة قد خرج من رحمها أنه دم حيض، ولا تترك هذا الأصل حتى تتيقن أنه استحاضة؛ ولأن ما خرج من فرج المرأة الأصل فيه أنه أذى، وقد قال سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].\nوالأصل السلامة، وأنه دم طبيعة لا دم علة ومرض، لكن إن أطبق الدم على المرأة جميع الشهر، أو تجاوز أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا علم أنه استحاضة؛ لأن الأكثر له حكم الكل، وباب الاستحاضة سوف يأتي إن شاء الله في باب مستقل.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤٠٩).","vol":"8","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3757>المبحث الثاني أن يتجاوز دم المبتدأة أكثر الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- إذا تجاوز دم المرأة المبتدأة أكثر الحيض فهي مستحاضة.\n[م-٦٩٨] إذا تجاوز الدم مع المبتدأة أكثر الحيض، على القول بأن لأكثره حدًّا، فكم تجلس المرأة وهي ليست لها عادة معلومة.\nفقيل: تجلس عشرة أيام. والباقي من الشهر طهر، وهو مذهب الحنفية (^١)؛ لأنه أكثر الحيض عندهم.\nوقيل: تجلس خمسة عشر يومًا، وهو مذهب المالكية (^٢)؛ لأنه أكثر الحيض عندهم.\nوتعليلهم:\nأن الدم إذا زاد على أكثر الحيض، لا يمكن جعله حيضًا، فجعلناه استحاضة.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤١)، البحر الرائق (١/ ٢٢٥)، مراقي الفلاح (ص: ٥٨)، تبيين الحقائق (١/ ٦٢)، المبسوط (٣/ ١٥٣)، البناية (١/ ٦٦٩).\n(^٢) الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٣٢)، أسهل المدارك (١/ ٨٧)، بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ٣٨)، المدونة (١/ ١٥١).","vol":"8","page":155},{"text":"وقيل: لا تخلو المبتدأة إما أن تكون مميزة. أو لا.\nفإن كانت غير مميزة، وهي التي بدأ بها الدم على صفة واحدة، ففيها قولان:\nالأول: تجلس أقل الحيض؛ لأنه متيقن، وما زاد مشكوك فيه، فلا يحكم بكونه حيضًا، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وصححه جمهورهم (^١).\nوقيل: ترد إلى غالب عادة النساء، وهو ست أو سبع، أو غالب عادة نسائها. وهذا مذهب الحنابلة (^٢)، ووجه في مذهب الشافعية (^٣).\n(١٥٩٦ - ٥٨) لحديث حمنة بنت جحش، وفيه:\nتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي (^٤).\nوإن كانت المبتدأة مميزة، بحيث يكون بعض دمها أسود، وبعضه أحمر، ولم يعبر الأسود أكثر الحيض، ولم ينقص عن أقله، فالأسود حيضها، والأحمر استحاضة. هذا هو مذهب الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nواستدلوا بأحاديث سوف يأتي بسطها ومناقشتها في باب الاستحاضة، إن شاء الله تعالى.\nالراجح:\nأن الحيض لا بد من تحديد أكثره كالقول في النفاس، وقد قدره جمهور الفقهاء\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٤٢٢)، روضة الطالبين (١/ ١٤٠، ١٤٣)، مغني المحتاج (١/ ١١٣، ١١٤)، نهاية المحتاج (١/ ٣٤١، ٣٤٣).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢٠٦)، الإنصاف (١/ ٣٦٢، ٣٦٣)، المبدع (١/ ٢٧٤، ٢٧٧)، الفروع (١/ ٢٧٠). شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٦)، المغني (١/ ٤١١).\n(^٣) انظر المجموع (٢/ ٤٢٨) روضة الطالبين (١/ ١٤٠، ١٤٣).\n(^٤) المسند (٦/ ٤٣٩)، وانظر تخريجه، رقم ١٩٧٦ و١٥٢٤.\n(^٥) المجموع (٢/ ٤٢٨)، روضة الطالبين (١/ ١٤٠)، مغني المحتاج (١/ ١١٣).\n(^٦) كشاف القناع (١/ ٢٠٦)، وشرح منتهى الإرادات (١/ ١١٦)، المغني (١/ ٤١١).","vol":"8","page":156},{"text":"والطب بخمسة عشر يومًا، كما قدر الطب وجمهور الفقهاء أقل الطهر بخمسة عشر يومًا، والأصل في المرأة أنها تحيض وتطهر في الشهر مرة واحدة، فإذا جاوز المبتدأة دمها أكثر الحيض كانت مستحاضة، وإذا حكمنا باستحاضتها، فماذا تعمل؟ وهي ليس لها عادة. سوف يأتي بسط ذلك في كتاب الاستحاضة.\n* * *","vol":"8","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3758>المبحث الثالث أن ينقطع دم المبتدأة لأدنى من أقل الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- لا حد لأقل الحيض كالنفاس.\n[م-٦٩٩] إذا انقطع دم المبتدأة قبل أن يبلغ أقل الحيض فليس بحيض عند الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: يعتبر حيضًا، وهو مذهب المالكية (^٤).\nوسبب الخلاف: خلافهم في أقل الحيض. فمن حد أقل الحيض بزمن معين، وهم الجمهور، قالوا: إذا نقص عن أقله فلا يعتبر حيضًا.\nأما الذين قالوا: لا حد لأقله، بل تعتبر الدفعة من الدم حيضًا، فلا تأتي هذه المسألة على قواعدهم.\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٠٢)، البناية (١/ ٦١٤)، مراقي الفلاح (ص: ٥٧)، شرح فتح القدير (١/ ١٦٠).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ١٠٩)، روضة الطالبين (١/ ١٣٤)، المجموع (١/ ٤٠٢).\n(^٣) المغني (١/ ٣٨٨)، الإنصاف (١/ ٣٥٨)، المحرر (١/ ٢٤)، كشاف القناع (١/ ٢٠٣).\n(^٤) المدونة (١/ ١٥٢)، مقدمات ابن رشد (١/ ٢٠١)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٣١).","vol":"8","page":158},{"text":"وقد فصلنا هذه المسألة، وأدلة كل فريق في الباب الأول: في الخلاف في أقل الحيض، فارجع إليها إن شئت غير مأمور.\n* * *","vol":"8","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3759>الفصل الثاني\nفي ثبوت العادة للمبتدأة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- إذا سبق للمبتدأة حيضة صحيحة ثم استحاضت ردت إليها، وهو أقرب من ردها إلى عادة النساء.\n[م-٧٠٠] اختلف العلماء في ثبوت العادة للمبتدأة:\nفقيل: تثبت العادة بمرة للمبتدأة. وهو مذهب المالكية (^١)، وقول أبي يوسف من الحنفية (^٢)، وقيل الفتوى عليه عندهم (^٣). والمشهور من مذهب الشافعية (^٤).\nوقيل: تثبت العادة بمرتين، وهو قول أبي حنيفة ومحمد (^٥)، ووجه للشافعية (^٦)، ورواية في مذهب الحنابلة (^٧).\n_________\n(^١) شرح الزرقاني لمختصر خليل (١/ ١٣٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٩)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٨).\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ٦٤)، بدائع الصنائع (١/ ٤٢)، البحر الرائق (١/ ٢٢٤).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٢٤).\n(^٤) المجموع (٢/ ٤٤٣)، روضة الطالبين (١/ ١٤٥).\n(^٥) تبيين الحقائق (١/ ٦٤)، بدائع الصنائع (١/ ٤٢)، البحر الرائق (١/ ٢٢٤).\n(^٦) المجموع (٢/ ٤٢٢).\n(^٧) الفروع (١/ ٢٦٩)، الإنصاف (١/ ٣٦١).","vol":"8","page":160},{"text":"وقيل: لا تثبت العادة حتى تتكرر ثلاث مرات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nأدلة من قال: تثبت العادة بمرة:\nمن القرآن قوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف: ٢٩].\nفسمى الثاني عودًا، وهو لم يسبق إلا مرة واحدة.\n(١٥٩٧ - ٥٩) من السنة: ما رواه مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ: أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ، فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل (^٢).\n[رجاله ثقات، إلا أن سليمان لم يسمعه من أم سلمة] (^٣).\n_________\n(^١) الممتع شرح المقنع - التنوخي (١/ ٢٨٧)، الإنصاف (١/ ٣٧١).\n(^٢) الموطأ (١/ ٦٢).\n(^٣) الحديث اختلف في إسناده.\nفقيل: عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة.\nوقيل: عن سليمان، عن رجل، عن أم سلمة.\nوقيل عن سليمان، أن فاطمة بنت حبيش استحيضت، فأمرت أم سلمة.\nوقيل: عن سليمان، عن مرجانة، عن أم سلمة.\nأما رواية سليمان بن يسار، عن أم سلمة مرفوعًا.\nفرواها أيوب، واختلف عليه فيه:\nفرواه وهيب كما في مسند أحمد (٦/ ٣٢١، ٣٢٢)، وسنن أبي داود (٢٧٨) وسنن الدارقطني.\nوسفيان كما في مسند الحميدي (٣٠٤)، والطبراني في الكبير (٢٣/) ح ٩١٩، ومشكل الآثار للطحاوي (٢٧٢٣)، وسنن الدارقطني (١/ ٢٠٧).\nوعبد الوارث، كما في سنن الدارقطني أيضًا (١/ ٢٠٨) ثلاثتهم عن وهيب قال: حدثنا أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة بلفظ: أن فاطمة استحيضت، وكانت تغتسل في مركن لها، =","vol":"8","page":161},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فتخرج، وهي عالية الصفرة والكدرة، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ، فقال: تنظر أيام قرئها، أو أيام حيضها، فتدع الصلاة، وتغتسل فيما سوى ذلك، وتستثفر بثوب، وتصلي.\nهذا لفظ أحمد. وليس في هذا موضع شاهد للباب، وهو قوله (قبل أن يصيبها الذي أصابها). ولم يرد هذا اللفظ إلا في رواية مالك عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة.\nورواه حماد بن زيد كما في سنن الدارقطني (١/ ٢٠٨)، والتمهيد لابن عبد البر (١٦/ ٥٦)، عن سليمان بن يسار، أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، حتى كان المركن ينقل من تحتها، وأعلاه الدم. قال: فأمرت أم سلمة أن تسأل لها النبي ﷺ.\nورواه ابن علية كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١١٨) وسنن الدارقطني (١/ ٢٠٨) عن أيوب، عن سليمان بن يسار أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فسألت رسول الله ﷺ، أو قال سئل لها النبي ﷺ، ولم تذكر أم سلمة.\nفواضح أن طريق أيوب قد اختلف في وصله وإرساله.\nورواه نافع عن سليمان، واختلف على نافع:\nفرواه مالك عن نافع، عن سليمان، عن أم سلمة، كرواية أيوب عن سليمان.\nرواه مالك في الموطأ (١/ ٦٢) ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٨٢)، والشافعي في مسنده (ص: ٢٧٤)، وأحمد في المسند (٦/ ٣٢٠) وإسحاق بن راهويه (١٨٤٤)، وأبو داود (٢٧٤) والنسائي (٢٠٨، ٣٥٥)، وفي الكبرى (٢١٤)، ومشكل الآثار للطحاوي (٢٧٢٠)، والبغوي (٣٢٥).\nورواه جرير بن حازم كما في مشكل الآثار للطحاوي (٢٧٢٤) عن نافع، عن سليمان بن يسار أن أم سلمة سألت النبي ﷺ عن فاطمة ابنة أبي حبيش وكانت تهراق دمًا ... فذكر نحوه، فقال: أن أم سلمة، ولم يقل عن أم سلمة، وهذا ظاهره الإرسال.\nورواه جماعة عن نافع، وخالفوا مالكًا في إسناده، منهم:\nصخر بن جويرية كما في سنن أبي داود (٢٧٧)، ومنتقى ابن الجارود (١١٣)، وسنن الدارقطني (١/ ٢١٧)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٣٣).\nوجويرية بن أسماء، كما في مسند أبي يعلى (٦٨٩٤)، والمنتقى لابن الجارود (١١٣)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٣٣).\nويحيى بن سعيد كما عند الطحاوي في مشكل الآثار (٢٧٢٥).\nوإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٣٣)، كل هؤلاء رووه عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل، عن أم سلمة، فجعلوا بين سليمان، وبين أم سلمة رجلًا مبهمًا.\nورواه الليث بن سعد، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد بن عبد الله بن يونس كما في سنن الدارمي (٧٨٠). =","vol":"8","page":162},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقتيبة بن سعيد، ويزيد بن عبد الله بن موهب كما في سنن أبي داود (٢٧٥).\nويحيى بن بكير كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٣٣)، أربعتهم رووه عن الليث، عن نافع، عن سليمان، عن رجل، عن أم سلمة، كرواية صخر بن جويرية ومن معه بذكر واسطة بين سليمان وأم سلمة ﵂.\nوخالفهم عبد الله بن صالح، فرواه كما عند الطحاوي في مشكل الآثار (٢٧٢٦) عن الليث، عن الزهري، عن سليمان بن يسار أن رجلًا من الأنصار أخبره، عن أم سلمة ... فذكر نحوه. وهذا وهم من عبد الله بن صالح، حيث انفرد بذكر الزهري في إسناده، وخالف رواية الجماعة عن الليث، وعبد الله بن صالح كثير الغلط.\nورواه عبيد الله بن عمر عن نافع بالوجهين:\nفرواه أبو أسامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٣٤٦)، وسنن النسائي (٣٥٤)، وسنن ابن ماجه (٦٢٣)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٨٥) ح ٩١٧، وسنن الدارقطني (١/ ٢١٧).\nوعبد الله بن نمير كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٣٤٦)، ومسند أحمد (٦/ ٢٩٣)، ومشكل الاثار للطحاوي (٢٧٢٢)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٨٥) ح ٩١٧.\nومعتمر بن سليمان كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٨٥) ح ٩١٧.\nوعبدة بن سليمان كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٢٧١) ح ٥٧٨، أربعتهم عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سليمان، عن أم سلمة، ولم يذكر واسطة بين سليمان وبين أم سلمة، كرواية مالك، عن نافع.\nوخالفهما أنس بن عياض كما في سنن أبي داود (٢٧٦)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٣٣٣) فرواه عن عبيد الله بن عمر بزيادة الرجل المبهم بين سليمان وأم سلمة.\nولا شك أن رواية ابن نمير وأبو أسامة ومن معهما أرجح من رواية أنس بن عياض، خاصة أن رواية الجماعة قد وافقت رواية مالك، فاجتمع مرجحان: أحدهما في العدد، فهم أربعة، وأنس ابن عياض واحد، ومرجح خارجي، وهو موافق رواية الجماعة لرواية مالك عن نافع.\nوأما رواية سليمان عن مرجانة، عن أم سلمة.\nفرواه موسى بن عقبة، واختلف علي فيه:\nفرواها البيهقي (١/ ٣٣٤) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن مرجانه، عن أم سلمة، فأدخل مرجانة بين سليمان وبين أم سلمة.\nوخالفه ابن أبي حازم كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٨٥) ح ٩٢٠ فرواه عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان، عن أم سلمة، كرواية مالك.\nفرجح بعض العلماء أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة. =","vol":"8","page":163},{"text":"وجه الاستدلال من هذا الحديث:\nقوله: (قبل أن يصيبها الذي أصابها)، فأحالها على ما سبق، ولو كان مرة واحدة.\nوأجيب من وجوه:\nأحدها: أن الحديث منقطع كما قال الإمام النسائي والبيهقي وابن رجب.\nالثاني: أن الحديث في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، كما جاء مصرحًا به في بعض طرقه، وذكرت ذلك في التخريج، وقصة استحاضتها روتها عائشة ﵂ في الصحيحين، بلفظ: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)، وليس فيه قبل أن يصيبها ما أصابها.\n_________\n= قال النسائي في السنن الكبرى على إثر ح (٢٢٤) حديث سليمان، عن أم سلمة لم يسمعه من أم سلمة، بينهما رجل. اهـ\nوقال البيهقي (١/ ٣٣٣): هذا حديث مشهور، أودعه مالك بن أنس الموطأ، وأخرجه أبو داود في كتاب السنن، إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة.\nوكذا قال المنذري. وقال ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ٥٩): «فتبين بهذا أن سليمان لم يسمعه من أم سلمة».\nوخالفهم ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٣٣٣)، فقال: «أخرجه أبو داود في سننه من حديث أيوب السختياني، عن سليمان، عن أم سلمة، كرواية مالك، عن نافع، . وقد ذكره البيهقي فيما بعد. قال صاحب الإمام: وكذلك رواه أسيد، عن الليث. وراه أسيد أيضًا عن أبي خالد الأحمر: سليمان بن حيان، عن الحجاج بن أرطاة، كلاهما عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة. وذكر صاحب الكمال أن سليمان سمع من أم سلمة، فيحتمل أنه سمع هذا الحديث منها، ومن رجل عنها». اهـ\nقلت: هذا احتمال، والاحتياط للرواية ألا يقبل فيها ما كان من باب الاحتمالات، فالاحتمال غالبًا يسقط الدليل لا يقويه.\nوقال النووي: إسناده على شرطهما. اهـ والنووي ﵀ على طريقة الفقهاء يحكم دائمًا للزيادة سواء كانت في الاسناد أو في المتن، فإذا أرسله جماعة، ووصله ثقة، أو أوقفه بعضهم ورفعه آخر، أو زاد لفظة لا يذكرها غيره ممن روى هذا الحديث، اعتبر النووي الاتصال، والرفع، والزيادة مقبولة، وهذا لا يتأتى على منهج جمهور أهل الحديث، والله أعلم","vol":"8","page":164},{"text":"الثالث: أن قوله قبل أن يصيبها ما أصابها، يعني قبل أن تصاب بهذا المرض، وليس صريحًا أنه ردها إلى آخر عادة مرت عليها، حتى ولو خالف ذلك عادتها المستقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3760>دليل من قال: إن العادة تثبت بمرتين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3761><span data-type=\"title\" id=toc-3763>الدليل الأول:</span></span>\nقال الشوكاني: «قد تقرر في كتب اللغة أن العادة مأخوذة من عاد إليه يعود: إذا رجع، فدل ذلك على أنه لا يقال عادة إلا لما تكرر، وأقل التكرار يحصل بمرتين» (^١).\nوقال ابن قدامة: «والعادة مأخوذة من المعاودة، ولا تحصل المعاودة بمرة واحدة» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3762>دليل من قال: العادة تثبت بثلاث مرات:</span>\nالدليل الأول:\n(١٥٩٨ - ٦٠) ما رواه أبو داود: حدثنا، محمد بن جعفر بن زياد، حدثنا عثمان ابن\nأبي شيبة، قال، ثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه،\nعن جده، عن النبي ﷺ في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n_________\n(^١) السيل الجرار (١/ ١٤٥).\n(^٢) المغني (١/ ٣٩٧).\n(^٣) السنن (٢٩٧).\n(^٤) هذا الإسناد فيه علل منها:\nأحدها: ما قاله الترمذي: تفرد به شريك، عن أبي اليقظان، وشريك كثير الخطأ.\nالعلة الثانية: شيخ شريك أبو اليقظان: اسمه عثمان بن عمير، متروك، قال ابن معين: ليس حديثه بشيء.\nوقال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ١٦١). الضعفاء الكبير (٣/ ٢١١).\nوقال أيضًا: زائغ لم يحتج به. كما في سؤالات الحاكم (٤٠٧).\nالعلة الثالثة: في إسناده والد عدي ثابت الأنصاري لم يرو عنه غير ابنه، ولم يوثقه أحد، فهو مجهول.\nقال أبو حاتم: مجهول الحال. الجرح والتعديل (٢/ ٤٦٠).\nوقال الذهبي: والد عدي بن ثابت مجهول الحال؛ لأنه ما روى عنه إلا ولده. الميزان (١/ ٣٦٩). وفي التقريب: مجهول الحال.\nالعلة الرابعة: في الإسناد أيضًا: جد عدي بن ثابت الأنصاري.\nقال الترمذي: سألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث، فقلت: عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، جدُّ عدي، ما اسمه؟، فلم يعرف محمد اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين: أن اسمه دينار، فلم يعبأ به. سنن الترمذي (١/ ٢٢١).\nوقال الحربي في العلل: ليس لجد عدي بن ثابت صحبة.\nوقال أبو علي الطوسي: جد عدي مجهول، لا يعرف، ويقال: اسمه دينار، ولا يصح. تهذيب التهذيب (٢/ ١٧).\nوقال البرقي: لم نجد من يعرف جده معرفة صحيحة. تهذيب التهذيب (٢/ ١٧).\nوساق الحافظ ابن حجر الاختلاف في اسمه على خمسة أقوال، ثم قال: ولم يترجح في اسم جده إلى الآن شيء من هذه الأقوال، وأقربها للصواب أن جده، هو جد أمه: عبد الله بن يزيد الخطمي. والله أعلم. تهذيب التهذيب (٢/ ١٧).\nإذا علم ذلك فالحديث مداره على شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (٧٩٨).\nوالدارمي (٧٩٣) أخبرنا محمد بن عيسى.\nوالترمذي (١٢٦) حدثنا قتيبة.\nوأخرجه أيضًا (١٢٧) حدثنا علي بن حجر.\nوابن ماجه (٦٢٥) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسماعيل بن موسى.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ١٠٢) من طريق محمد بن سعيد الأصبهاني،\nوالحارث في مسنده كما في بغية الباحث (١٠٤) حدثنا إسحاق.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٨٦) ح ٩٦٢ من طريق أبي نعيم، وأبي الوليد الطيالسي، وزكريا بن يحيى زحمويه،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١١٦، ٣٤٧) من طريق يحيى بن يحيى. كلهم عن شريك بن عبد الله به.\nورواه الطحاوي بالإسناد نفسه، إلا أنه جعله من مسند علي. وأظن الاختلاط فيه من شريك، فإنه قد تغير، وقد وقع لي تخريجه فيما سبق في المجلد السابع، ح: ١٥١٨.","vol":"8","page":165},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (أيام أقرائها) الإقراء: جمع، وأقل الجمع ثلاثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3764>الدليل الثاني:</span>\nكل شيء اعتبر فيه التكرار، اعتبر فيه الثلاث، فالأقراء في عدة الحرة لا بد فيها من ثلاثة قروء، والشهور في عدة الآيسة، والتي لا تحيض لا بد فيها من ثلاثة شهور، وخيار المصراة جعل له الخيار ثلاثة أيام، ومهلة المرتد، وتعليم الكلب في الوجه الصحيح (^١).\nوالراجح:\nأرى والله أعلم أن المرأة المبتدأة التي جاءتها العادة مرة واحدة، ثم استحاضت فكونها ترد إلى عادتها أقرب من كونها ترد إلى عادة غالب النساء أو إلى أقل الحيض. وأما المرأة إذا كان لها عادة مستقرة كخمسة أيام من كل شهر ثم زادت يومين في آخر حيضة حاضتها قبل استحاضتها فإنها ترد إلى عادتها المستقرة، ولا ترد إلى آخر عادتها؛ لأن ما كان متكررًا مدة طويلة لا يقدم عليه ما كان معها مرة واحدة، خاصة أن لفظ العادة اسم لما يعتاد، ولا يعتاد إلا إذا عاود مرة، ومرتين، وثلاثًا. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر الممتع شرح المقنع - التنوخي (١/ ٢٨٧).","vol":"8","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3765>الباب الثالث في الطوارئ على الحيض</span>\nيقصد بالطوارئ على الحيض ما يطرأ على عادة المرأة من زيادة، أو نقص، أو تقدم أو تأخر، أو تغير للون الدم من الصفرة والكدرة ونحوهما، أو ما يحدث بفعل المرأة من استعجال للدم قبل أوانه، أو رفع له قبل نزوله، إلى غير ذلك، وسوف أذكر كلام الفقهاء في هذه المسائل إن شاء الله، مبينًا الراجح منها حسب ما ظهر لي. والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3766>الفصل الأول\nإذا زاد الدم على عادة المرأة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- كل زيادة في عادة المرأة فلها حكم العادة، ما لم يصل إلى حد الاستحاضة.\n- إذا كانت عادة المرأة تقبل النقص فهي تقبل الزيادة، إلا أن يطبق الدم على المرأة شهرًا كاملًا، أو يزيد عن أكثر الحيض.\n[م-٧٠١] إذا كان للمرأة عادة مستقرة، خمسة أيام من كل شهر، فاستمر معها الدم ثمانية أيام، فماذا تصنع؟\nاختلف فيها العلماء إلى أقوال منها:\nالقول الأول: مذهب الحنفية (^١).\nقالوا: إذا زادت عادة المرأة، فإن كانت عادتها عشرة أيام -وهي عندهم أكثر الحيض- فما زاد فهو استحاضة؛ لأن الحيض عندهم لا يمكن أن يكون أكثر من عشرة أيام. وستأتي إن شاء الله أحكام المستحاضة.\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٢٤)، شرح فتح القدير (١/ ١٧٦، ١٧٧)، تبيين الحقائق (١/ ٦٤)، البناية - للعيني (١/ ٦٦٥)، بدائع الصنائع (١/ ٤١).","vol":"8","page":169},{"text":"وإن كانت عادتها أقل من عشرة أيام، فاستمر معها الدم وزاد على عادتها وانقطع لعشرة أيام فما دون.\nقال ابن الهمام: «فالكل حيض بالاتفاق، وإنما الخلاف هل يصير عادة لها، أم لا؟» (^١).\nقلت: من اشترط في انتقال العادة التكرار، كأبي حنيفة، ومحمد لم يعتبرا الزيادة عادة، وإن اعتبراها حيضًا، حتى تتكرر الزيادة مرتين.\nومن لم يشترط في انتقال العادة التكرار، اعتبر الزيادة عادة، وألغى العادة السابقة كأبي يوسف. وقد فصلت أدلتهم في مسألة مستقلة.\nوإذا زاد الدم على عادتها، فهل تستمر على ترك الصلاة والصيام؟\nوجهان في مذهب الحنفية:\nالأول: أنها تصلي وتصوم؛ لاحتمال أن يجاوز الدم عشرة أيام، فتكون مستحاضة، فما دام أن الزيادة مترددة بين الحيض والاستحاضة، فلا تترك من أجلها الواجبات حتى يعلم أن الزيادة حيض، وذلك بانقطاعها لعشرة أيام فما دون، وهذا اختيار أئمة بلخ (^٢).\nوقيل: تترك الصلاة والصيام استصحابًا للحال؛ ولأن دم الحيض دم صحة، ودم الاستحاضة دم علة، والأصل هو الصحة والسلامة من المرض.\nوصححه ابن الهمام في شرح فتح القدير والزيلعي في تبيين الحقائق وصححه في المجتبى.\nواشترط ابن نجيم أن يكون بعده طهر صحيح، وهو خمسة عشر يومًا فأكثر، قال في البحر الرائق: «لو زاد عن العادة -يعني الدم- ولم يزد على الأكثر، فالكل\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٧٧).\n(^٢) البناية (١/ ٦٦٥).","vol":"8","page":170},{"text":"حيض اتفاقًا بشرط أن يكون بعده طهر صحيح، وإنما قيدناه به؛ لأنها لو كانت عادتها خمسة أيام مثلًا من أول كل شهر، فرأت ستة أيام، فإن السادس حيض أيضًا، فإن طهرت بعد ذلك أربعة عشر يومًا، ثم رأت الدم؛ فإنها ترد إلى عادتها خمسة أيام، واليوم السادس استحاضة (^١).\nأما إذا زاد الدم على عشرة أيام؛ فإنها مستحاضة. فهل ترد إلى عادتها، أو إلى أكثر الحيض؟\nالجواب: ترد إلى عادتها.\n(١٥٩٩ - ٦١) لقول النبي ﷺ: المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها.\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nولأن ما رأته من الدم في أيام عادتها حيض بيقين، وما زاد على العشرة فهو استحاضة بيقين. وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بما قبله فيكون حيضًا فلا تصلي، وبين أن يلحق بما بعده فيكون استحاضة، والصلاة والصيام واجبان بيقين، فلا يتركان بمجرد الشك.\nهذا مذهب الحنفية فيما إذا زادت عادة المرأة وكانت الزيادة متأخرة عن العادة.\nأما إذا زادت عادة المرأة، وكانت الزيادة متقدمة عن العادة فإن الحكم عندهم يختلف. وإليك تفصيله.\nفقد ساق السرخسي في المبسوط مذهب الحنفية، وأسوقه ببعض التصرف.\nقال السرخسي: صاحبة العادة إذا رأت قبل عادتها دمًا، فهو على ثلاثة أوجه:\nأحدها: حيض بالاتفاق. وفي وجه: اختلفوا فيه، وفي وجه: روايتان عن أبي حنيفة.\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٢٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر (ح: ١٥٢٠).","vol":"8","page":171},{"text":"الوجه الأول:\nرأت قبل عادتها مالا يمكن أن يجعل حيضًا بانفراده، مثل أن ترى قبل عادتها يومًا أو يومين -لأن أقل الحيض عندهم ثلاثة أيام- ورأت في عادتها ما يمكن أن يجعل حيضًا بانفراده ثلاثة أيام فأكثر، ولم يجاوز الكل عشرة أيام، فالكل حيض بالاتفاق؛ لأن ما رأته قبل أيامها غير مستقل بنفسه، فيجعل تبعًا لما رأته في أيامه.\nالوجه الثاني:\nأن ترى قبل عادتها يومًا أو يومين، وترى في عادتها يومًا أو يومين، بحيث لا يمكن جعل كل واحد منهما حيضًا بانفراده، ما لم يجتمعا، أو ترى قبل عادتها ثلاثة أيام، ولا ترى في عادتها شيئًا، فعند أبي يوسف ومحمد الكل حيض، وعند أبي حنيفة لا يكون شيء من ذلك حيضًا.\nوجه قولهما:\nإن الحيض مبني على الإمكان، والمتقدم قياس المتأخر، فكما جعل المتأخر عند الإمكان حيضًا، فكذلك المتقدم.\nوجه قول أبي حنيفة:\nأن المتقدم دم مستنكر، مرئي قبل وقته، فلا يكون حيضًا، كالصغيرة جدًّا إذا رأت الدم؛ ولأن العادة لا تثبت إلا بالتكرار، ولا يقاس المتقدم على المتأخر؛ لأن المتأخر استبقاء، والمتقدم ابتداء، والاستبقاء أقوى من الابتداء.\nالوجه الثالث:\nإذا رأت قبل عادتها ما يكون حيضًا بانفراده، ورأت عادتها، فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا إشكال فالجميع حيض بشرط ألا يجاوز الدم أكثر الحيض عندهم -ومقداره عشرة أيام- واعتبروه حيضًا قياسًا على ما إذا كانت الزيادة متأخرة عن العادة.\nوعن أبي حنيفة روايتان:","vol":"8","page":172},{"text":"فرواية محمد عن أبي حنيفة أن أيام عادتها حيض، وأما المتقدم فلا يثبت حتى يتكرر.\nورواية أبي يوسف عن أبي حنيفة: الجميع حيض، والمتقدم تبع للأصل (^١).\nقلت: هذا القول ضعيف:\nأولًا: لأنه مبني على أن أكثر الحيض عشرة أيام، وما عداه فهو استحاضة، وقد بينت في مسألة مستقلة بأنه لا حد لأكثر الحيض.\nثانيًا: اشتراط أن يكون ما بعد الدم الزائد طهرًا صحيحًا، وهو خمسة عشر يومًا فأكثر، لا دليل عليه. وقد سبق أن بينت في مسألة مستقلة بأنه لا حد لأقل الطهر.\nالقول الثاني: مذهب المالكية (^٢).\nمذهب المالكية فيه عدة أقوال سنذكرها إن شاء الله، وهي كالتالي:\nالقول الأول:\nأنها تجلس عادتها، وتستظهر ثلاثة أيام، ومحل الاستظهار بالثلاثة، ما لم تجاوز نصف الشهر، فمن اعتادت نصف الشهر فلا استظهار عليها، ومن عادتها أربعة عشر يومًا استظهرت بيوم فقط، ومن كانت عادتها ستة أيام استظهرت بثلاثة أيام، ثم اغتسلت، وصامت، وصلت.\nهذا قول مالك، وأصل مذهبه، والمذكور في المدونة، ولم يبين مالك ﵀ إن كان يطؤها زوجها فيما بينها وبين الخمسة عشر يومًا أم لا، ومن ثم اختلف أصحابه على قولين:\nالأول: أنها بعد الاستظهار تكون مستحاضة، فتغتسل وجوبًا، وتصلي، وتصوم، وتطوف إن كانت حاجة، ويأتيها زوجها، وهو ظاهر رواية ابن القاسم، عن مالك في\n_________\n(^١) المبسوط مع بعض التصرف (٣/ ١٨٠).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٣٦٨) المنتقى للباجي (١/ ١٢٤)، المدونة (١/ ١٥١).","vol":"8","page":173},{"text":"المدونة. وعلى هذه الرواية، تغتسل عند تمام خمسة عشر يومًا استحبابًا لا إيجابًا.\nالثاني: أنها تجلس أيامها المعتادة والاستظهار، ثم تغتسل استحبابًا وتصلي احتياطًا، وتصوم، وتقضي الصيام، ولا يطؤها زوجها، ولا تطوف طواف الإفاضة، إلا بعد تمام الخمسة عشر يومًا، فإذا بلغت الخمسة عشر يومًا اغتسلت إيجابًا، وكانت مستحاضة، وهذا دليل رواية ابن وهب عن مالك في كتاب الوضوء من المدونة.\nوالقول الأول هو الراجح من مذهب مالك، اختاره صاحب الشرح الصغير (^١)، ومختصر خليل (^٢).\nوقال في حاشية الدسوقي: «هذا مذهب المدونة» (^٣).\nوجه اعتبار الاستظهار بثلاثة أيام:\nقال الباجي في المنتقي: «وجه رواية الاستظهار أن هذا خارج من الجسد أريد التمييز بينه وبين غيره، فجاز أن يعتبر فيه بثلاثة أيام. أصل ذلك لبن المصراة» (^٤).\nويقصدون بلبن المصراة ما رواه مسلم، قال:\n(١٦٠٠ - ٦٢) ما رواه مسلم من طريق سهيل، عن أبيه،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر (^٥).\nوهذا من أعجب الاستدلالات، ولا أدري ما وجه الشبه بين المصراة، وبين من زادت عادتها، ويحق لي العجب، ويطول عجبي على من فتح باب القياس، ولو لم يكن\n_________\n(^١) الشرح الصغير (١/ ٢١٠).\n(^٢) مختصر خليل (ص: ١٩).\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ١٦٩).\n(^٤) المنتقى شرح الموطأ - للباجي (١/ ١٢٤).\n(^٥) رواه مسلم (١٥٢٤).","vol":"8","page":174},{"text":"هناك أصل جامع. وهذا الغلو في القياس هو الذي فتح الباب للجمود على ظاهر النصوص، وعدم قبول القياس الصحيح.\nوبقي في مذهب مالك ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها تقعد إلى تمام الخمسة عشر يومًا، ثم تغتسل، وتصلي، وتكون مستحاضة، وهذا القول مبني على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا فما زاد فهو استحاضة، وقد أوضحت خلاف العلماء في أكثر الحيض، وأدلتهم في مسألة مستقلة، فارجع إليها إن شئت.\nالثاني: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي، وتكون مستحاضة من غير استظهار، وهذا قول محمد بن مسلمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3767>دليل هذا القول:</span>\nقوله في الحديث الصحيح: (اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك).\nوبناء عليه فالعادة عنده لا تقبل الزيادة، والمرأة مأمورة إذا زادت عادتها أن تجلس قدر عادتها، وما زاد فهو استحاضة.\nويجاب:\nبأن هذا الحديث في امرأة ثبت أنها استحاضت، لا في امرأة زادت عادتها فقط، فالعادة كما أنها عرضة للنقص، فهي عرضة للزيادة.\nالثالث: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل، وتصلي، وتصوم، ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع عنها الدم ما بينها وبين خمسة عشر يومًا، علم أنها حيضة، وانتقلت إليها، ولم يضرها ما صامت، ولا ما صلت. يريد: وتغتسل عند انقطاعه.\nوإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يومًا علم أنها كانت مستحاضة، وأن ما مضى من الصلاة والصيام كان في موضعه.","vol":"8","page":175},{"text":"وجه هذا القول:\nأن هذه الزيادة لا يعلم هل هي حيض أو استحاضة؟ فتجلس قدر عادتها، ثم تصلي، فإن انقطع لأقل من خمسة عشر يومًا، أعادت الصيام الواجب الذي صامته؛ لأنه تبين أن الدم حين انقطع لأقل الحيض أنها صامت وهي حائض، وإن تجاوز الدم خمسة عشر يومًا، حكمنا بأن ما زاد على عادتها كانت مستحاضة.\nوهذا قول ضعيف؛ لأنه يوجب على المرأة الصيام مرتين، فمن صام وامتثل الأمر الشرعي بحسب طاقته فلا يلزم بالإعادة، ولم يوجب الله ﷾ صيام يوم مرتين.\nهذه ملخص الأقوال في مذهب المالكية، وقد ساقها ابن رشد في المقدمات (^١).\nالقول الثالث: مذهب الشافعية (^٢).\nإذا كانت للمرأة عادة، دون خمسة عشر يومًا، فرأت الدم وجب عليها الإمساك، كما تمسك عنه الحائض لاحتمال الانقطاع قبل مجاوزة خمسة عشر يومًا، ويكون الجميع حيضًا.\nقال النووي في المجموع: «ولا خلاف -يعني في المذهب- في وجوب هذا الإمساك، ثم إن انقطع من خمسة عشر يومًا، فما دونها، فالجميع حيض، وإن جاوز خمسة عشر يومًا، علمنا أنها مستحاضة، فترد إلى عادتها، فتغتسل بعد الخمسة عشر يومًا، فتقضي صلاة ما زاد على عادتها، وإن استمر بها الدم في الشهر الثاني، وجاوز العادة اغتسلت عند مجاوزة العادة، لأننا علمنا في الشهر الأول أنها مستحاضة (^٣).\nوهذا القول جيد، إلا أن تحديده بخمسة عشر يومًا ضعيف؛ لأنه مبني على أن\n_________\n(^١) المقدمات (١/ ١٣٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٤٤٠، ٤٤٢).\n(^٣) المجموع (٢/ ٤٤٠، ٤٤٢).","vol":"8","page":176},{"text":"أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وفيه خلاف سبق تحريره.\nالقول الرابع: مذهب الحنابلة (^١).\nأن من زادت عادتها مثل أن يكون حيضها خمسة أيام من كل شهر فيصير ثمانية، فلا تلتفت إلى الزيادة الخارجة عن العادة، فإذا مضت عادتها اغتسلت وصلت، وصامت ما وجب فيه، ثم تغتسل في المرة الثانية وجوبًا عند انقطاعه، فإذا تكررت الزيادة ثلاث مرات، صارت الزيادة عادة، وتعيد ما صامته أو طافته من طواف فرض.\nفالخلاصة: أن الزيادة في مذهب الحنابلة، لا تعتبر حتى تتكرر ثلاثًا، وهذا المذهب ضعيف أيضًا، وهو مذهب مهجور.\nالراجح:\nأن الزيادة حيض، ما دام أن الدم لم يستمر معها الشهر كاملًا، ولم يتجاوز أكثر ما قيل في أكثر الحيض، وهو سبعة عشر يومًا، فإن استمر معها الشهر كاملًا، أو تجاوز أكثر ما قيل في أكثر الحيض صارت مستحاضة. وسيأتي إن شاء الله تعالى أحكام المستحاضة.\nالأدلة على ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3768>الدليل الأول:</span>\n(١٦٠١ - ٦٣) ما رواه مالك في الموطأ، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين،\nأنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن، حتى ترين القصة البيضاء (^٢).\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٣٦٨) المبدع (١/ ٢٨٥)، المغني (١/ ٤٣٢)، المحرر (١/ ٢٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٩)، كشاف القناع (١/ ٢١٢).\n(^٢) الموطأ (١/ ٥٩).","vol":"8","page":177},{"text":"[حسن، وسيأتي الكلام عليه عند الكلام على الصفرة والكدرة].\nوجه الاستدلال:\nقال ابن قدامة في المغني: «لو لم تعد الزيادة حيضًا للزمها الغسل عند انقضاء العادة، وإن كان الدم جاريًا» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3769>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٥]، فما دام الدم موجودًا، فالأذى موجود. وكيف يقال بأن الدم قبل تمام العادة بدقائق حيض، وبعد تمامها ليس بحيض، والرائحة هي الرائحة، واللون هو اللون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3770>الدليل الثالث:</span>\nلو كان ما زاد على خمسة عشر، أو ما زاد على عشرة أيام استحاضة، أو لا يعتبر حيضًا حتى يتكرر ثلاثًا، لو كان ذلك معتبرًا لبينه الرسول ﷺ لأمته ولما وسعه تأخير بيانه؛ إذ لا يجوز تأخيره عن وقته، كيف وأزواجه وغيرهن من النساء يحتجن إلى بيان ذلك في كل وقت فلم يكن ليغفل بيانه، وما جاء عنه ﵊ ذكر العادة ولا بيانها إلا في حق المستحاضة لا غير (^٢). وهذا هو الذي اختاره ابن تيمية، قال ﵀: «وكذلك المنتقلة إذا تغيرت عادتها بزيادة، أو نقص، أو انتقال فذلك حيض حتى تعلم أنها استحاضة باستمرار الدم ...» (^٣).\nوقال السعدي ﵀: «وأما ما ذكره الحنابلة أنها لا تنتقل إليه حتى يتكرر ثلاثًا، فهو قول ليس العمل عليه، ولم يزل عمل الناس جاريًا على القول الصحيح الذي قاله في الإنصاف: لا يسع الناس إلا العمل به، وهو أن المرأة إذا رأت الدم\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤٣٤).\n(^٢) المغني (١/ ٤٣٤ - ٤٣٦).\n(^٣) في الاختيارات (ص ٢٨).","vol":"8","page":178},{"text":"جلست فلم تصل ولم تصم وإذا رأت الطهر البين تطهرت واغتسلت وصلت سواء تقدمت عادتها أو تأخرت، وسواء زادت مثل أن تكون عادتها خمسة أيام، وترى الدم سبعة، فإنها تنتقل إليها من غير تكرار، وهذا هو الذي عليه عمل نساء الصحابة ﵅ والتابعين من بعدهم، حتى الذي أدركنا من مشايخنا لا يفتون إلا به، لأن القول الذي ذكروا لا تنتقل إلا بتكراره ثلاثًا قول لا دليل عليه، وهو مخالف للدليل» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) فقه السعدي (١/ ٣٣٨).","vol":"8","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3771>الفصل الثاني\nفي طهارة المرأة قبل تمام عادتها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- وجود الأذى دليل على وجود الحيض، وانقطاعه دليل على طهارة المرأة.\n- الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.\n[م-٧٠٢] اتفق الفقهاء على أن المرأة المعتادة إذا انقطع دمها دون عادتها فإنها تطهر بذلك، ولا يجب عليها إتمام عادتها بشرط ألا يكون انقطاع الدم دون أقل الحيض عندهم (^١)، إلا أن الحنفية كرهوا للزوج وطأها حينئذ حتى تمضي عادتها وإن اغتسلت.\n- التعليل عندهم:\nلأن عود الدم في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب (^٢).\n_________\n(^١) والصحيح أن هذا الشرط لا حاجة له مع الترجيح أنه لا حد لأقل الحيض.\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٧٠، ١٧١) البناية للعيني (١/ ٦٥١، ٦٥٣) قال في شرح فتح القدير (١/ ١٧٠): «إذا انقطع دم المرأة دون عادتها المعروفة في حيض أو نفاس، اغتسلت حين تخاف فوت الصلاة وصلت، واجتنب زوجها قربانها احتياطًا، حتى تأتي على عادتها، لكن تصوم احتياطًا، ولو كانت هذه هي الحيضة الثالثة انقطعت الرجعة احتياطًا، ولا تتزوج بزوج آخر احتياطًا، فإن تزوجها رجل إن لم يعاودها الدم جاز ...، وإن عاودها إن كان في العشرة ولم يزد على العشرة فسد نكاح الثاني ... إلخ ما ذكره ﵀، وانظر الأصل (١/ ٣٣٧).","vol":"8","page":180},{"text":"وذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، إلى أنه لا يكره وطؤها وحكمها حكم الطاهرة بعد انقطاع الدم عنها.\nولا وجه لمنع الحنفية، لأننا من لم تمنع من الصلاة والصيام لم تمنع من الجماع.\nولأننا حكمنا لها أنها حائض ومنعنا زوجها من إتيانها حين كان الأذى موجودًا فحين ارتفع الأذى ارتفع المنع. قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].\nفالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، بل إذا كان يؤذن للزوج أن يجامعها، وهي مستحاضة على الصحيح، ودم الاستحاضة ينزل، فكونه يؤذن لها والمحل طاهر لا أذى فيه من باب أولى.\nوكون الدم قد يعود في العادة لا يكفي هذا لمنع زوجها؛ لأن الأصل استصحاب الحال، وإذا تحققنا من رجوع الدم منع الزوج من الجماع.\n* * *\n_________\n(^١) الكافي في فقه أهل المدينة (ص ٣٢) وانظر المقدمات (١/ ١٢٨) واشترط أن يكون قبله وبعده طهر فاصل.\n(^٢) المجموع (٢/ ٤٤٧) الحاوي (١/ ٤٢٩).\n(^٣) حاشية ابن قاسم (١/ ٣٩٥) كشاف القناع (١/ ٢٠٤، ٢٠٥)، الممتع شرح المقنع - التنوخي (١/ ٢٩٦)، كشاف القناع (١/ ٢٠٨) وقال: «ونقص العادة لا يحتاج إلى تكرار؛ لأنه رجوع إلى الأصل، وهو العدم». وانظر الفروع (١/ ٢٦١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٤)، وقال: «ولا يكره وطؤها: أي من انقطع دمها أثناء عادتها، واغتسلت زمنه إلى زمن طهرها في أثناء حيضها؛ لأنه تعالى وصف الحيض بكونه أذى، فإذا انقطع الدم، واغتسلت فقد زال الأذى». اهـ وانظر المبدع (١/ ٢٨٦)، المحرر (١/ ٢٤).","vol":"8","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3772>الفصل الثالث\nفي النقاء المتخلل بين الدمين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- عود الدم بعد الطهارة من الحيض لا يعتبر حيضًا حتى يسبقه طهر صحيح.\n- توقف نزول الدم لا يعتبر جفافًا حتى يجف المحل، ويخرج القطن كما دخل.\nالفترة حيض، والنقاء طهر، والفرق بينهما: أن الفترة: يتوقف فيها نزول الدم، ويبقى في المحل أثر بحيث لو أدخلت فيه قطنة لخرج عليها أثر من حمرة، أو صفرة، أو كدرة، فهي في هذه الحالة حائض طال ذلك أم قصر، وأما النقاء: أن يصير المحل نقيًا بحيث لو حشت فيه قطنة لخرجت بيضاء.\n- استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع.\n[م-٧٠٣] إذا كانت المرأة أحيانًا ترى دمًا، وأحيانًا ترى نقاء. فهل هذا النقاء يعتبر له حكم الحيض، أم تعتبر فيه المرأة طاهرة؟\nفي هذا خلاف كبير بين الفقهاء .. وأحيانًا في المذهب الواحد عدة أقوال.\nوالمهم أولًا أن أحرر الأقوال في كل مذهب دون أن أتعرض لها بالنقاش حتى يمكن أن يستوعبها القارئ، ثم أختم هذه الأقوال بالقول الراجح الذي أراه. وإليك أقوال المذاهب.","vol":"8","page":182},{"text":"القول الأول: مذهب الحنفية (^١).\nفي مذهب الحنفية خمسة أقوال، رواها خمسة من أصحاب أبي حنيفة.\nالقول الأول:\nإذا كان الطهر الفاصل بين الدمين أقل من خمسة عشر يومًا، لا يكون فاصلًا بين الدمين بل يجعل كالدم المتوالي، وهذا رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة.\nمثاله: مبتدأة رأت يومًا دمًا، وثلاثة عشر طهرًا، ويومًا دمًا. فالفاصل أقل من خمسة عشر يومًا. فعلى رواية أبي يوسف أن عشرة الأيام الأولى منذ رأت الدم يعتبر حيضًا (^٢)، ويحكم ببلوغها.\nوجه هذا القول:\nأن الطهر بين الدمين يعتبر طهرًا فاسدًا؛ لأن أقل الطهر الصحيح خمسة عشر يومًا.\nولأن الطهر إذا كان لا يصلح للفصل بين الحيضتين، فلا يصلح للفصل بين الدمين.\nقال في الهداية: «والأخذ بهذا القول أيسر» (^٣).\nالقول الثاني: عند الحنفية:\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٧٢) البناية - العيني (١/ ٦٥٥) البحر الرائق (١/ ٢١٦) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٧) تبيين الحقائق (١/ ٦٠) المبسوط (٣/ ١٥٧) الأصل (١/ ٤٠٧) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٩٠) بدائع الصنائع (١/ ٤٣ - ٤٤).\n(^٢) فإن قيل: لماذا لم يعتبروا إلا بعشرة أيام، مع أنهم اشترطوا أن يكون الفاصل أقل من خمسة عشر يومًا، فالجواب: أن الحيض عندهم لا يزيد عن عشرة أيام، وإنما اشترطوا أقل من خمسة عشر يومًا؛ لأن أقل الطهر عندهم خمسة عشر يومًا، فاشترطوا أن يكون أقل منه، حتى لا يبلغ أقل الطهر. والله أعلم\n(^٣) الهداية (١/ ١٧٣).","vol":"8","page":183},{"text":"رواية محمد عن أبي حنيفة، ولمحمد روايتان (^١):\nالأولى: أن الطهر إذا تخلل بين الدمين في المدة الصالحة للحيض: عشرة فأقل، فهو كالدم المتوالي، وإلا فلا.\nمثاله: رأت امرأة مبتدأة يومًا دمًا، وثمانية أيام طهرًا، ويومًا دمًا فالعشرة حيض.\nمثال آخر: امرأة مبتدأة رأت الدم يومًا، وتسعة أيام طهرًا، ثم رأت يومًا دمًا، فالجميع إحدى عشرة، فلا يصلح أن يكون حيضًا؛ لأن أكثر الحيض عندهم عشرة أيام.\nوجه هذا القول:\nأن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع، فيعتبر أوله وآخره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3773>دليل آخر: قالوا: قياسًا على اشتراط النصاب في الزكاة، فكمال النصاب وحده شرط لوجوب الزكاة، ونقصانه في أثناء الحول لا يؤثر</span>.\nورده ابن نجيم، فقال: «قياسها على النصاب غير صحيح؛ لأن الدم منقطع في أثناء المدة بالكلية، وفي المقيس عليه يشترط بقاء جزء من النصاب في أثناء الحول، وإنما الذي اشترط وجوده في الابتداء والانتهاء تمامه» (^٢).\nالرواية الثانية لمحمد بن الحسن، وهو القول الثالث للحنفية:\nقال: إذا كان الطهر المتخلل أقل من ثلاثة أيام، فإنه لا يعتبر فاصلًا مطلقًا حتى ولو كان الطهر أكثر من مجموع الدم الأول والثاني، ويكون الطهر بمنزلة الدم المتوالي.\nوإن كان الطهر ثلاثة أيام فصاعدًا فينظر: فإن كان مقدار الطهر مساويًا لمجموع الدم الأول والثاني، أو كان الطهر أقل منهما في العشرة أيام، فإن الطهر في هذه الحال لا يكون فاصلًا، ويعتبر حيضًا.\n_________\n(^١) الأصل (١/ ٤٠٧) والبحر الرائق (١/ ٢١٦) وذكر أن لمحمد روايتين. والمبسوط (٣/ ١٥٧).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢١٧).","vol":"8","page":184},{"text":"وجه هذا القول:\nاجتمع مبيح وحرام فغلب جانب الحرام، فالدم يوجب حرمتها، والطهر يوجب حلها، فغلب جانب التحريم.\nوإن كان الطهر أكثر من مجموع الدم الأول والثاني، فإن الطهر حينئذ يعتبر فاصلًا. ويبقى النظر: إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضًا بنفسه جعل حيضًا، والآخر استحاضة، وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضًا بنفسه جعل أسرعهما حيضًا، والثاني استحاضة.\nوإن لم يمكن أن يجعل أحدهما حيضًا بنفسه، إلا أن يجمع الدم الأول مع الثاني، كان الجميع استحاضة، ولم يجعل شيء من ذلك حيضًا.\nأمثلة لما سبق:\nرأت امرأة مبتدأة يومين دمًا، وسبعة أيام طهرًا، ويومًا دمًا فلا يعتبر شيء من هذا حيضًا؛ لأن الطهر أكثر من مجموع الدم الأول والثاني، فلا يضم الثاني إلى الأول؛ لأن الطهر في هذه الحال فاصل بين الدمين، والدم الأول بنفسه لا يعتبر حيضًا، وكذلك الدم الثاني بنفسه لا يعتبر حيضًا؛ لأن أقل واحد منهما لم يبلغ أقل الحيض ثلاثة أيام.\nمثال آخر: رأت امرأة مبتدأة الدم ثلاثة أيام، ثم طهرت خمسة أيام، ثم رأت يومًا دمًا، فالطهر خمسة أيام، فهو أكثر من مجموع الدمين، فيعتبر فاصلًا، فلا يضم الأول للثاني، والدم الأول يصلح لأن يكون حيضًا؛ لأنه ثلاثة أيام، فهو حيضها والثاني استحاضة.\nمثال ثالث: رأت ثلاثة أيام حيضًا، وثلاثة أيام طهرًا، ثم رأت يومًا دمًا، فالجميع حيض؛ لأن مجموع الدم الأول والثاني أكثر من الطهر.\nمثال رابع: رأت يومين دمًا، وثلاثة أيام طهرًا، ويومًا دمًا. فالجميع حيض؛ لأن مجموع الدم مساو للطهر، فغلب جانب الدم.","vol":"8","page":185},{"text":"هذان قولان لمحمد بن الحسن.\nولا أدري كيف تعقل المرأة الأمية هذا التفصيل! ومتى كانت مسائل الحيض بهذا التعقيد.\nالقول الرابع: رواية ابن المبارك وزفر عن أبي حنيفة.\nقالوا: إذا بلغ مجموع الدم في أيام الحيض العشرة أقل الحيض، وهو ثلاثة أيام، فهو حيض، ولا عبرة بالطهر في العشرة.\nفلو رأت يومًا دمًا في أول العشرة، ثم سبعة أيام طهرًا، ثم رأت يومين دمًا، كان الجميع حيضًا؛ لأن الدم بلغ أقل الحيض وهو ثلاثة أيام.\nأما لو رأت يومًا دمًا في أول العشر ثم رأت ثمانية أيام طهرًا ثم رأت يومًا دمًا فلا يعتبر الدم حيضًا؛ لأنه لم يبلغ أقل الحيض.\nولو رأت يومًا دمًا في أول العشر، ويومًا في وسطها، ويومًا في آخر العشر كان الجميع حيضًا.\nوجه هذه الرواية:\nأقل الحيض عندهم ثلاثة أيام، فإذا رأت دمًا أقل من ثلاثة أيام، لم يكن الدم صالحًا لأن يكون حيضًا، فكذلك الطهر لا يصلح أن يكون حيضًا من باب أولى.\nوإذا كان الدم صالحًا لأن يكون في نفسه حيضًا اعتبر الدم حيضًا، فإن كان الطهر صالحًا أن يكون حيضًا اعتبر تبعًا لذلك، وإلا بقي الدم وحده حيضًا ولم يتبع الدم.\nالقول الخامس: رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة.\nقال: إذا كان الطهر المتخلل بين الدمين، دون ثلاثة أيام، لا يصير فاصلًا، فكان كله كالدم المتوالي ... وإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام بلياليها كان فاصلًا مطلقًا، سواء كان الدم أكثر من الطهر، أو مساويًا له، أو أقل منه.","vol":"8","page":186},{"text":"أمثلة:\nلو رأت ساعة دمًا، وثلاثة أيام إلا ساعة طهرًا، وساعة دمًا، فالكل حيض؛ لأن الطهر لم يبلغ ثلاثة أيام فلم يعتبر فاصلًا، واعتبر الجميع حيضًا.\nمثال آخر: لو رأت يومين دمًا، وثلاثة أيام طهرًا ويومين دمًا، لم يكن شيء منه حيضًا؛ لأن الطهر حين بلغ ثلاثة أيام كان فاصلًا، فلم يضم الأول للثاني، والأول بنفسه لا يصلح أن يكون حيضًا. وكذا الثاني لا يصلح بنفسه أن يكون حيضًا، فلم يعتبر الجميع حيضًا علمًا أن مجموع الدم الأول والثاني أكثر من الطهر.\nمثال ثالث: رأت ثلاثة أيام دمًا، وثلاثة أيام طهرًا، ثم ثلاثة أيام دمًا، فالطهر فاصل بين الدمين؛ لأنه بلغ ثلاثة أيام، ولما كان الدم الأول والدم الثاني يصلح كل واحد منهما أن يكون حيضًا بنفسه، اعتبر الأول لأنه أسرعهما إمكانًا، والثاني استحاضة.\nهذه هي الروايات في مذهب الحنفية، وقد أكثرت من الأمثلة ليتضح القول للقارئ، وكلها مبنية إما على مجرد الرأي المحض، أو بناء على أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، وقد بينت أنه لا حد لأقل الحيض وأن حد أكثر الحيض بعشرة أيام قول ضعيف في مسألة مستقلة فارجع إليها إن شئت.\nوالمتأخرون من الحنفية يرجحون رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة. على رواية محمد بن الحسن، قال ابن نجيم: «الأخذ بقول أبي يوسف أيسر، وكثير من المتأخرين أفتوا به؛ لأنه أسهل على المفتي، والمستفتي، ولأن في قول محمد وغيره، تفاصيل يحرج الناس في ضبطها، وقد ثبت أن الرسول ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما» (^١)، وقال الزيلعي والعيني: نحوه (^٢).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢١٦).\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ٦٠)، والبناية (١/ ٦٥٦).","vol":"8","page":187},{"text":"القول الثاني: مذهب المالكية في الحيضة المتقطعة (^١).\nقالوا: المرأة إذا أتاها دم، ثم انقطع، ثم نزل دم آخر، فإن كان بين الدمين طهر صحيح خمسة عشر يومًا فالدم الثاني حيض مستأنف، وإن كان الطهر لا يبلغ نصف شهر كأن يأتيها الدم يومًا ثم تطهر يومين ثم يأتيها يومًا آخر وهكذا، فإنها تلفق أيام الدم بعضها على بعض .. فإن كانت مبتدأة فإنها تلفق أيام الدم فقط خمسة عشر يومًا، ولا تلفق الطهر.\nوإن كانت معتادة تلفق مقدار عادتها وأيام الاستظهار ثلاثة أيام، فما نزل عليها بعد ذلك فاستحاضة لا حيض.\nوحكم الملفقة أنها تغتسل وجوبًا كلما انقطع دمها وتصوم، وتوطأ.\nهذا ملخص مذهب المالكية.\nالقول الثالث: مذهب الشافعية إذا رأت يومًا دمًا ويومًا نقاء (^٢).\nوقبل التفصيل في المذهب نبين أن القول في المسألة كما قال النووي: فيما إذا كان النقاء زائدًا على الفترات المعتادة بين دفعات الحيض، فأما الفترات فحيض بلا خلاف. والفرق بين الفترة والنقاء، هو ما نص عليه الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد الاسفرائيني، وصاحبه القاضي أبو الطيب الطبري على أن الفترة: هي الحالة التي ينقطع فيها جريان الدم، ويبقى لوث وأثر بحيث لو أدخلت في فرجها قطنة يخرج عليها أثر الدم من حمرة أو صفرة أو كدرة، فهي في هذه الحالة حائض قولًا واحدًا طال ذلك أم قصر.\nوأما النقاء: هو أن يصير فرجها بحيث لو جعلت القطنة فيه لخرجت بيضاء (^٣).\n_________\n(^١) الشرح الصغير (١/ ٢١٢) أسهل المدارك (١/ ٨٩) مقدمات ابن رشد (١/ ١٣٢) مواهب الجليل (١/ ٣٦٩، ٣٧٠) منح الجليل (١/ ١٦٩، ١٧٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥١٧) مغني المحتاج (١/ ١١٩) الحاوي (١/ ٤٢٤).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٢٢).","vol":"8","page":188},{"text":"وذكر النووي أيضًا: أن الخلاف إنما هو في الصلاة والصوم والطواف والقراءة والغسل، والاعتكاف والوطء ونحوها، وأما في العدة فلا خلاف أن النقاء ليس بطهر في انقضاء العدة، وكون الطلاق سنيًا (^١)، وحكاه إجماعًا صاحب مغني المحتاج (^٢).\nهذا إذا لم يعتبر خلاف ابن حزم، فإن ابن حزم لا يمانع أن تنقضي العدة بثلاثة أو أربعة أيام كما قدمنا في الخلاف في أقل الطهر. إذا تصور هذا، نأتي إلى المسألة في مذهب الشافعية فنقول:\nالمرأة إذا رأت يومًا دمًا ويومًا نقاء، فلها حالان:\nالأولى: أن ينقطع دمها، ولا يتجاوز خمسة عشر يومًا.\nالثانية: أن يتجاوز دمها خمسة عشر يومًا.\nالحالة الأولى: إذا لم يتجاوز ففيه قولان مشهوران.\nأحدها: أن أيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر.\nالتعليل: لأن الدم إذا دل على الحيض، وجب أن يدل النقاء على الطهر. وهذا يسمى قول اللفظ أو التلفيق.\nالثاني: أن أيام الدم وأيام النقاء كلها حيض. ويسمى قول السحب واختلف الشافعية في الأصح منهما.\nقال النووي: «صحح الأكثرون قول السحب» (^٣).\nوقال الماوردي: «الذي صرح به الشافعي في سائر كتبه أن كل ذلك حيض أيام الدم وأيام النقاء» (^٤).\n_________\n(^١) المجموع أيضًا (٢/ ٥١٨).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ١١٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥١٨).\n(^٤) الحاوي (١/ ٤٢٤).","vol":"8","page":189},{"text":"ووجهه: أن عادة النساء في الحيض مستمرة بأن يجري الدم زمانًا، ويرقأ زمانًا، وليس من عادته أن يستديم جريانه إلى انقضاء مدته، فلما كان زمان إمساكه حيضًا، لكونه بين دمين، كان زمان النقاء حيضًا لحصوله بين دمين. فعلى هذا تكون الخمسة عشر كلها حيضًا. يحرم عليها في أيام النقاء ما يحرم عليها في أيام الحيض.\nوسواءً قلنا بالتلفيق أو بالسحب إذا رأت النقاء في اليوم الثاني عملت عمل الطاهرات بلا خلاف؛ لأنا لا نعلم أنها ذات تلفيق لاحتمال دوام الانقطاع، قالوا: فيجب عليها أن تغتسل وتصوم، وتصلي، ولها قراءة القرآن، ومس المصحف والطواف، والاعتكاف، وللزوج وطؤها. فإذا عاودها الدم في اليوم الثالث تبينا أنها ملفقة فإن قلنا بالتلفيق، تبين لنا صحة الصوم والصلاة، ونحوها، وإن قلنا بالسحب تبين لنا بطلان العبادات التي فعلتها في اليوم الثاني فيجب عليها قضاء الصوم والاعتكاف والطواف، والمفعولات عن واجب.\nهذا حكم الشهر الأول، فإذا جاء الشهر الثاني فرأت اليوم الأول وليلته دمًا، والثاني وليلته نقاء.\nفقيل: تعمل كالشهر الأول، وهكذا لو جاءها في الشهر الثالث والرابع.\nوقيل: البناء فيها على القول بثبوت العادة بمرة أو مرتين، فإن أثبتنا العادة بمرة، وقلنا بالسحب، فلا تغتسل ولا تصلي ولا تصوم في فترة النقاء.\nالحالة الثاني: أن ترى يومًا دمًا ويومًا نقاء ويتجاوز خمسة عشر يومًا، فهذه مستحاضة اختلط حيضها باستحاضتها. قال النووي: «هذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي في كتاب الحيض، وقطع به جماهير الأصحاب المتقدمين والمتأخرين» (^١). وسيأتي أحكام المستحاضة في باب مستقل إن شاء الله تعالى.\nالمذهب الحنبلي فيما إذا رأت المرأة يومًا دمًا ويوم نقاء (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٢٣).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢١٤)، المحرر (١/ ٢٤)، المبدع (١/ ٢٨٨، ٢٨٩).","vol":"8","page":190},{"text":"المشهور من مذهب الحنابلة أن الدم حيض والنقاء طهر إلا أن يتجاوز مجموعهما أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا، فيكون الدم المتجاوز استحاضة، ويكره وطؤها في أيام النقاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3774>دليل الحنابلة على كون النقاء طهرًا: نصٌ، ونظرٌ</span>.\nأما النص فقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ...) [البقرة: ٢٢٢].\nفإذا ارتفع الأذى زال حكمه.\n(١٦٠٢ - ٦٤) ومن الأثر ما رواه الأثرم عن أحمد كما في شرح ابن رجب للبخاري (^١)، قال أحمد: حدثنا ابن علية، ثنا خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين، قال: استحيضت امرأة من آل آنس فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل ولتصل.\n[صحيح] (^٢).\nقال ابن رجب: البحراني قيل: هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد.\nوأما النظر؛ فإننا إنما حكمنا على المرأة بكونها حائضًا لوجود الدم، فكذلك نحكم على المرأة بالطهارة لانقطاعه، فإذا كان الدم دليلًا على وجود الحيض، فكذلك انقطاعه دليل على الطهارة.\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٧٦).\n(^٢) ورواه ابن أبي شيبة (١٣٧٦) الدارمي (٧٩١) عن ابن علية به.\nورواه الدارمي (٧٩٢) وأبو زرعة في تاريخ دمشق (٢٠٩٣) من طريق يزيد بن زريع، حدثنا خالد الحذاء به.\nوذكره أبو داود معلقًا على إثر ح (٢٨٦) قال: روى أنس بن سيرين، قال: استحيضت امرأة من آل أنس ... فذكر نحوه.","vol":"8","page":191},{"text":"وقيل: إذا كان انقطاع الدم أقل من يوم فليس بطهر، وإن بلغ يومًا فأكثر فهو معتبر. وهو رواية عن أحمد (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3775>دليلهم:</span>\nقالوا: لأن الدم يجري مرة، وينقطع أخرى، وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعة حرج، ينتفي بقوله ﷾: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].\nولأننا لو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهرًا، ولا تلتفت إلى ما بعده من الدم أفضى إلى أن لا يستقر لها حيض، فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقل من يوم طهرًا إلا أن ترى ما يدل عليه، مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها، أو ترى القصة البيضاء (^٢).\nوإذا قلنا بانقطاع الدم لا نعني مجرد وقوف جريان الدم فقط، بل المقصود أنها لو احتشت بقطنة في فرجها رجعت القطنة بيضاء، لا أثر فيها من صفرة أو كدرة، أما إذا عادت القطنة وفيها أثر صفرة أو كدرة أو نحوهما فلا يعتبر الحيض منقطعًا كما أسلفنا في الكلام على مذهب الشافعية، وكما سوف نبين أن الصفرة والكدرة حيض، ولأن محل الإيلاج في الحيض لا يعتبر من باطن البدن، بل يعتبر من خارج البدن، فوجود الأذى في هذا المحل يدل على وجود الحيض، ولذلك منع الرجل من الجماع ما دام الأذى موجودًا في موضع الإيلاج. وهذا القول أقربها للصواب. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٧٧)، المغني (١/ ٤٣٧).\n(^٢) المغني (١/ ٤٣٧).","vol":"8","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3776>الفصل الرابع\nإذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- إذا وجد الأذى وجد الحيض، سواء تقدم أو تأخر.\n- علقت أحكام الحيض على وجوده بشرط أن يسبقه طهر صحيح، وأحكام الطهر على انقطاعه تقدم الحيض أو تأخر.\n- كل دم وجد من الفرج فهو حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة.\n[م-٧٠٤] إذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت، وهو ما يسمى بانتقال العادة عن موضعها، وقد سبق لنا بحث بما تثبت به عادة المبتدأة؟\nهل تثبت بمرة، أو بمرتين، أو بثلاث؟\nوهذه المسألة مفرعة عليها؛ لأن من يرى أن العادة تثبت بمرة يقول: إذا تقدمت العادة، أو تأخرت، وصلح الدم أن يكون حيضًا لها فهو عادتها، وكذا إذا تأخرت.\nوأما من يرى التكرار فلا يراه عادة حتى تتكرر.\nوالحنفية يفرقون بين تقدم العادة بالموضع، وبين تقدمها بالعدد ... فإذا رأت قبل عادتها دمًا أو بعد عادتها متصلة بها، فهذا عندهم يبحث في زيادة العادة ونقصها،","vol":"8","page":193},{"text":"وقد بحثناه في مسألة مستقلة، لكن الكلام على الانتقال في الموضع لا على زيادة العادة والأقوال في المسألة كالتالي:\nقيل: إذا تقدمت العادة أو تأخرت فهي عادتها بشرط أن يتقدمها طهر صحيح، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وأبي يوسف من الحنفية (^١).\nوقيل: لا يكون عادة حتى يتكرر مرتين، وهو مذهب أبي حنيفة، وصاحبه محمد (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: لا يكون حيضًا حتى يتكرر ثلاث مرات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3777>دليل القائلين بأن العادة إذا تقدمت أو تأخرت فهي حيض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3778>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن، قوله تعال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]. فإذا وجد الأذى وجد الحيض، سواء تقدم أو تأخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3779>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٠٣ - ٦٥) روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد،\nعن عائشة قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل علي النبي ﷺ، وأنا أبكي، فقال ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نفست؟ قلت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: الشرح الصغير (١/ ٢١٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٨)، وانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٤٤٣)، روضة الطالبين (١/ ١٤٥)، وانظر قول أبي يوسف في: تبيين الحقائق (١/ ٦٤)، بدائع الصنائع (١/ ٤٢).\n(^٢) انظر الراجع السابقة، وانظر أيضًا البحر الرائق (١/ ٢٢٤).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٦٩)، الإنصاف (١/ ٣٦١).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٧١)، الممتع شرح المقنع - التنوخي (١/ ٢٨٧).","vol":"8","page":194},{"text":"آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. والحديث رواه أيضًا مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن قدامة: «والظاهر أنه لم يأت في العادة؛ لأن عائشة استكرهته، واشتد عليها، وبكت حين رأته، وقالت: وددت أني لم أكن حججت العام، ولو كانت لها عادة تعلم مجيئه فيها، وقد جاء فيها ما أنكرته، ولا صعب عليها» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3780>الدليل الثالث:</span>\nلو كانت العادة إذا تقدمت أو تأخرت لا تعتبر عادة ولا حيضًا حتى يتكرر مرتين أو ثلاثًا، لبينه الرسول ﷺ لأمته، ولو بينه لنقل إلينا، وما دام أنه لم يبينه فليس التكرار بشرط، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3781>دليل من قال يشترط التكرار مرتين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3782>الدليل الأول:</span>\nقال السرخسي: «العادة مشتقة من العود، ولن يحصل العود بدون تكرار» (^٣).\nقلت: تسميتها عادة تسمية عرفية، ولم أقف على هذه التسمية من الشارع وقد راجعت في الحاسب الآلي الموسوعة الحديثية لأربعمائة كتاب، كما راجعت المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي فلم أجد فيه تسمية الحيض عادة مرفوعًا، أو موقوفًا، ولم أجد إلا قولًا لعطاء في سنن الدارمي: قال: إن كان للنفساء عادة، وإلا جلست أربعين ليلة (^٤).\nومثل هذا التعليل المشتق من تسمية عرفيه لا يصلح أن يلغي الدم الذي تراه\n_________\n(^١) البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١١٩ - ١٢١١).\n(^٢) المغني (١/ ٤٣٥).\n(^٣) المبسوط (٣/ ١٧٥).\n(^٤) سنن الدارمي (٩٥١).","vol":"8","page":195},{"text":"المرأة مطابقًا لدم الحيض في اللون والصفة والرائحة ثم لا تعتبره حيضًا لمجرد تقدمه أو تأخره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3783>الدليل الثاني:</span>\nقال السرخسي: «الشيء لا ينسخه إلا ما هو مثله أو فوقه.\nقال تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: ١٠٦].\nوالأول متأكد بالتكرار فلا ينسخه إلا ما هو مثله في التأكد» (^١).\nوالاستدلال هذا عجيب، والقياس على الآية أعجب؛ لأن المذكور في النسخ هو في الآيات، لا في الدماء، وعلى التنزل فإن عادة تكررت سنوات. يلغيها عندهم عادة جديدة تكررت مرتين، فلا هي مثلها ولا هي خير منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3784>دليل الحنابلة على اشتراط التكرار:</span>\nانظر أدلة الحنابلة على اشتراط التكرار ثلاث مرات في مبحث، متى تكون المبتدأة معتادة.\nوالعجيب أن الحنابلة لا يعتبرون التكرار في نقص العادة ويشترطونه في زيادتها وتقدمها وتأخرها، مع أن النقص نوع من تغير العادة فإذا نقصت عادة المرأة ولو مرة واحدة انتقلت إليها وأصبحت هي عادتها، وألغت عادتها السابقة فلو استحيضت بعده جلست عادتها الناقصة، ولم تجلس عادتها المتكررة.\n* والراجح: القول الأول بأن العادة إذا تقدمت أو تأخرت فهي حيض، وأن الحكم يدور مع علته، فإذا انقطع الدم فهي طاهرة، وإذا جاءها الدم فهي حائض، هذا هو الأصل. ولا نجعله دم استحاضة إلا إذا تبين أنه دم علة ومرض كما لو استمر عليها الشهر كاملًا، أو تجاوز أكثر ما قيل في أكثر الحيض، أو لم يسبقه طهر صحيح. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المبسوط (٣/ ١٧٥).","vol":"8","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3785>الفصل الخامس\nفي تعاطي دواء يقطع الحيض أو يعجل نزوله</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل نزوله يتوقف على الباعث على ذلك، فإن كان الباعث مباحًا جاز، وإلا منع.\nأولًا: تعاطي المرأة ما يقطع حيضها.\nأما تعاطي المرأة ما يقطع حيضها، فإن الحكم يختلف تبعًا للحامل على ذلك.\nفقد يكون الحامل على ذلك المحافظة على صحة الأم، أو على مصلحة الولد.\nوقد يكون الحامل على ذلك تنظيم الحمل.\nوقد يكون الحامل عليه الحرص على إتمام المناسك.\nوقد تتعاطاه من أجل قطع النسل إما لعدم رغبة في الولد مطلقًا، أو اكتفاء بعدد معين، أو لغير ذلك من الدوافع، وسوف أناقش هذه الأمور حالة حالة.\nالحالة الأولى:\n[م-٧٠٥] إذا تعاطت المرأة ما يقطع الحيض عنها خوفًا على صحتها بأن أخبرها طبيب ثقة أن الحمل فيه خطورة على حياتها، سواء كان ذلك أثناء الحمل أو عند","vol":"8","page":197},{"text":"الولادة، فإنه يجوز للمرأة بل قد يتعين منع الحمل؛ لأن تعاطي ما يضر بحياتها لا يجوز، وكذلك لو أخبرها طبيب ثقة أنها إذا حملت فسوف يولد الولد متشوهًا تشوهًا غير محتمل يصعب معه الحياة. ولكن يجب التأكد من خبر الطبيب؛ فإن كثيرًا ما يقرر الطبيب شيئًا ولا يتحقق، وكم من امرأة أخبرها طبيب بأنه سوف يكون لها كذا وكذا وكتب الله لها الحمل، ولم يعرض لها شيء مما قالوا، فمن المهم أن يكون الطبيب قويًا أمينًا غير متهم، ولا يشترط أن يكون مسلمًا.\nجاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، جاء فيه: «أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية لضرر محقق، ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية لإخراج الجنين، فإنه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخر شرعية أو صحية يقررها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمه إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير من يوثق به من الأطباء المسلمين» (^١).\nالحال الثانية:\n[م-٧٠٦] إذا كان الحامل على ذلك تنظيم الحمل، لكون المرأة يتتابع حملها، وتريد أن تباعد بين فترات الحمل لتتمكن من القيام بحق الحضانة والرعاية لطفلها، وكان ذلك برضا الزوج، وكان الدواء المتعاطي لا ضرر فيه على صحة المرأة، ولا يتسبب في منع الحمل مستقبلًا، وكان ذلك مبنيًا على خبر طبيب ثقة، والمقصود بالثقة أن يكون قويًا بعمله أمينًا فيه غير متهم. ولا يكون في هذا الدواء عدوان على حمل قائم فلا بأس.\n[م-٧٠٧] والخلاف في هذه المسألة مبني على حكم جواز العزل عن المرأة. وهي مسألة اختلف فيها أهل العلم.\n_________\n(^١) نيل المآرب (٤/ ٤١٤).","vol":"8","page":198},{"text":"فقيل: لا يجوز العزل مطلقًا. اختاره ابن حزم (^١).\nوقيل: بالجواز مطلقًا، إلا أن تركه أفضل. وهو أصح القولين في مذهب الشافعي (^٢).\nوقيل: يجوز إن أذنت الزوجة الحرة، وهو قول الجمهور (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3786>دليل من قال بمنع العزل:</span>\n(١٦٠٤ - ٦٦) ما رواه مسلم من طريق أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة،\nعن جدامة بنت وهب أخت عكاشة، قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس، وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا، ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ ذلك الوأد الخفي. زاد عبيد الله في حديثه عن المقرئ وهي (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ) [التكوير: ٨] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3787>دليل جواز العزل:</span>\n(١٦٠٥ - ٦٧) ما رواه البخاري من طريق سفيان، قال: عمرو: أخبرني عطاء سمع جابرًا رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل.\nورواه مسلم (^٥)، وزاد: قال سفيان: لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن.\n_________\n(^١) المحلى (مسألة ١٩٠٧).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٥٢).\n(^٣) انظر في مذهب الحنفية: فتح القدير (٣/ ٤٠٠، ٤٠١)، البناية (٤/ ٧٥٨).\nوانظر في مذهب مالك البيان والتحصيل (١٨/ ١٥١) قال ابن رشد: «والذي عليه جمهور العلماء بالأمصار مالك وأصحابه والشافعي وأبو حنيفة إباحة العزل». وقال قبل: «والذي عليه جمهور الصحابة إباحة العزل».\nوانظر في مذهب الحنابلة الإنصاف (٨/ ٣٤٨)، المبدع (٧/ ١٩٤).\n(^٤) صحيح مسلم (١٤٤٢).\n(^٥) صحيح البخاري (٥٢٠٨)، ومسلم (١٤٤٠).","vol":"8","page":199},{"text":"وقد بينت فيما سبق: أن قول سفيان: قاله من عند نفسه استنباطًا (^١).\n(١٦٠٦ - ٦٨) وفي رواية لمسلم، قال: حدثني أبو غسان المسمعي، حدثنا معاذ يعني ابن هشام، حدثني أبي، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3788>دليل من علقه بإذن الزوجة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3789>الدليل الأول:</span>\nقال ابن عبد البر: «لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها؛ لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل، ووافقه في نقل الإجماع ابن هبيرة» (^٣).\nوسبق لك أن الشافعية يرون جواز العزل مطلقًا في أصح القولين في مذهبهم، فلا يصح الإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3790>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٠٧ - ٦٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن محرر بن أبي هريرة، عن أبيه،\nعن عمر بن الخطاب: أن النبي ﷺ نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها.\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) انظر بيانه في فائدة: قول الصحابي كنا نفعل، هل له حكم الرفع أم لا؟، وقد ذكرت الخلاف فيه، بعد بحث مسألة الصفرة والكدرة، فانظره هناك.\n(^٢) صحيح مسلم (١٣٨/ ١٤٤٠).\n(^٣) نقله ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٣٨٥).\n(^٤) إسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة.\nومحرر بن أبي هريرة ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٨/ ٤٠٨).\nوذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه غيره. الثقات (٥/ ٤٦٠).\nوذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان قليل الحديث. الطبقات الكبرى (٥/ ٢٥٤).\nوقال الذهبي: وثق. الكاشف (٥٣٠٨) وهذه طريقة غالبًا فيمن وثقهم ابن حبان وحده.\nوفي التقريب: مقبول.\nوالحديث أخرجه ابن ماجه (١٩٢٨) حدثنا الحسن بن علي الخلال، ثنا إسحاق بن عيسى به، وضعفه البوصيري في الزوائد. وانظر علل الدارقطني (٢/ ٩٣).","vol":"8","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3791>الدليل الثالث: من الآثار</span>.\n(١٦٠٨ - ٧٠) أخرج ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن مهدي، ويزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير عن سوار الكوفي، عن عبد الله قال: يستأمر الحرة، ويعزل عن الأمة.\n[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3792>الدليل الرابع:</span>\n(١٦٠٩ - ٧١) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء،\nعن ابن عباس، قال: تستأمر الحرة في العزل، ولا تستأمر الأمة.\n_________\n(^١) المصنف (٣/ ٥٠٤) رقم ١٦٦٠٨.\nوفيه سوار الكوفي، قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن سوار الكوفي الذي روى عن ابن مسعود في العزل، وروى عنه يحيى بن أبي كثير، فقال يحيى: هو شبه لا شيء. الجرح والتعديل (٤/ ٢٧٠)، والضعفاء للعقيلي (٢/ ١٦٩)، وقال ابن عدي تعليقًا على هذه القصة: «ولا أعلم لسوار الكوفي إلا ما ذكر في هذه الحكاية -يعني في العزل- من رواية يحيى بن أبي كثير عنه». الكامل (٣/ ٤٥١)، وذكره ابن حبان في الثقات. (٤/ ٣٣).\nوقال ابن حجر: لا يعرف. اللسان الميزان (٤٠٧٠).\nوأخرج الحديث العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٦٩) من طريق مسلم -يعني بن إبراهيم- قال: حدثنا هشام الدستوائي به.","vol":"8","page":201},{"text":"[رجاله ثقات، وتكلم ابن معين في حديث عبد الكريم عن عطاء] (^١).\nولا تعارض بين حديث جابر، وبين حديث جدامة بنت وهب؛ لأن الرجل إنما يعزل هربًا من الحمل، فأجرى قصده ذلك مجرى الوأد، لا أنه وأد شرعًا. وأن حقيقة الوأد أن يجتمع فيه القصد والفعل، والعزل ليس فيه إلا مجرد القصد، ولهذا وصفه بكونه خفيًا، فجعله وأدًا من جهة اشتراكهما في قطع الولادة. وإذا لم يكن وأدًا ظاهرًا لم يكن له حكم الوأد. نعم يدل على كراهية العزل؛ لأن تكثير النسل مقصود من جهة الشرع، مرغب فيه، وإذا كان هناك حاجة للعزل لم يكن هناك كراهية؛ لأن من القواعد أن لا كراهة مع الحاجة ولا تحريم مع الضرورة.\nالحالة الثالثة: إذا كان الحامل على منع الحيض منع الولد خوف الفقر.\nإذا كان الحامل على منع الدورة خوف الفقر، سواء كان الفقر متحققًا أو مخوفًا، فإن هذا لا يجوز؛ وهو من سوء الظن بالله ﷾ فإن الله ﷾ هو الرزاق ذو القوة المتين.\nقال سبحانه: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود: ٦].\n_________\n(^١) المصنف (١٤٥٦٢). قال ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديء. فظاهره أن عبدالكريم ضعيف في شيخه عطاء. انظر تهذيب الكمال (١٨/ ٢٥٢)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٣٣)، وحمله ابن عدي على حديث معين لا مطلقًا، كحديث عائشة: كان النبي ﷺ يقبلها ولا يحدث وضوءًا. وقال: إنما أراد ابن معين هذا الحديث؛ لأنه ليس بمحفوظ. الكامل (٣٤١)، وقد صحح إسناده الحافظ في الفتح، وله شاهد ضعيف من قول ابن عمر، أخرجه البيهقي (٧/ ٢٣١) من طريق أبي معاوية، عن أبي عرفجة، عن عطية العوفي، عن ابن عمر قال: يعزل عن الأمة وتستأمر الحرة. وإسناده ضعيف. فيه عطية العوفي، ضعفه العلماء. انظر الجرح والتعديل (٦/ ٣٨٢)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٤٨١)، ثقات العجلي (٢/ ١٤٠)، (٥/ ٣٦٩)، وقال ابن حجر: تابعي، معروف، ضعيف الحفظ، مشهور بالتدليس القبيح. مراتب المدلسين (١٢٢).","vol":"8","page":202},{"text":"وأنكر الله ﷾ على أهل الجاهلية قتل أولادهم دفعًا للفقر أو خوفًا منه. فقال سبحانه: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) [الأنعام: ١٥١]. وقال: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم) [الإسراء: ٣١].\nالحالة الرابعة: إذا كان منع الحيض من أجل إتمام النسك.\n[م-٧٠٨] إذا كان الحامل على المرأة في تعاطيها ما يمنع عادتها من أجل حرصها على إتمامها مناسكها وتخشى أن تعيق رفقة. أو تخشى عدم تمكنها من إتمام مناسكها فلا حرج عليها إن شاء الله تعالى.\n(١٦١٠ - ٧٢) روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج،\nقال: سئل عطاء عن امرأة تحيض يجعل لها دواء فترتفع حيضتها، وهي في قرئها كما هي، تطوف؟ قال: نعم، إذا رأت الطهر، فإذا هي رأت خفوقًا ولم تر الطهر الأبيض فلا.\n[صحيح إلى عطاء، وابن جريج مكثر عن عطاء فلا يشترط تصريحه بالسماع] (^١).\n(١٦١١ - ٧٣) وروى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرنا واصل، مولى\nابن عيينة، عن رجل سأل ابن عمر، عن امرأة تطاول بها دم الحيضة فأرادت أن تشرب دواء يقطع الدم عنها فلم ير ابن عمر بأسًا، ونعت ابن عمر ماء الأراك.\nقال معمر: وسمعت ابن أبي نجيح يسأل عن ذلك فلم ير به بأسًا (^٢).\n[ضعيف عن ابن عمر للرجل المبهم، صحيح إلى ابن أبي نجيح].\nمع أن الدم إذا تطاول بالمرأة حتى صارت مستحاضة، فإنها تكون مريضة، وتعاطي ما يقطع الدم عنها يكون من قبيل التداوي المباح.\n_________\n(^١) المصنف (١٢١٩).\n(^٢) المصنف (١٢٢٠).","vol":"8","page":203},{"text":"الحالة الخامسة:\n[م-٧٠٩] إذا كان منع الحيض من أجل الصيام في شهر رمضان مع المسلمين، فإني أكره لها هذا لأن الحيض أمر كتبه الله عليها.\n(١٦١٢ - ٧٤) روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول: سمعت عائشة تقول:\nخرجنا لا نرى إلا الحج فلما كنا بسرف حضت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: ما لك أنفست؟ قلت: نعم، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ... والحديث رواه مسلم (^١).\nوجه الشاهد من الحديث:\nقوله ﷺ: (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم). وقلنا فيما سبق: أن الكتابة هذه قدرية، فلترضَ المرأة بما قدر الله لها، وقد تضطرب عادة المرأة بعد تركها لهذه الأدوية، ولا تنتظم لها عادة، وقد تقلق في عباداتها من صلاة وغيره بحيث لا يستقيم لها طهر فالأولى اجتنابها في مثل هذه الحالة.\nالحالة السادسة: إذا كان منع الحيض لقطع النسل مطلقًا.\n[م-٧١٠] إذا كان الحامل على تعاطيها ما يمنع حيضها منع الحمل منعًا مستمرًا فإن هذا لا يجوز، حتى ولو رضي الزوج.\nوقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي (^٢)، وفيه: أن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس في الكويت من: ١ إلى ٦ جمادي الأولى ١٤٠٩ هـ بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع تنظيم النسل واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبناء على أن من مقاصد الزواج في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٨٥)، ومسلم (١٢١١).\n(^٢) رقم (١/د. ٥/ ٠٩/٠٨٨).","vol":"8","page":204},{"text":"الشريعة الإسلامية الإنجاب، والحفاظ على النوع الإنساني، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد؛ لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل، والحفاظ عليه، والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها.\nقرر ما يلي:\nأولًا: لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب.\nثانيًا: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يعرف بـ (الإعقام) أو (التعقيم) ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية.\nثالثًا: يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعًا، بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة. ولا يكون فيها عدوان على حمل قائم. والله أعلم (^١).\nالحالة السابعة:\n[م-٧١١] إذا كان منع الحيض بنية الإضرار بالآخرين فلا يجوز كما لو تناولت المانع، وكانت معتدة لرجل يجب عليه نفقتها فأرادت إطالة المدة لتزداد النفقة فهذا الفعل محرم. هذا فيما يتعلق بمنع نزول الحيض.\nثانيًا: الكلام فيما إذا تناولت المرأة دواء يعجل بنزول دم الحيض.\nإذا تناولت المرأة دواء يعجل بنزول دم الحيض، جاز لها إذا كان لها غرض صحيح، والغرض الصحيح لا يكون إلا بشرطين:\nالأول: ألا يكون ذلك حيلة لإسقاط حق عليها، سواء كان هذا الحق لله أو لآدمي.\n_________\n(^١) نيل المآرب (٤/ ٤١٢).","vol":"8","page":205},{"text":"فمثال حق الله: أن تتناول ما يعجل بعادتها، أو يطيلها هربًا من صيام رمضان في أيام الحر، وتريد أن يكون قضاؤها في أيام البرد فهذا لا يجوز؛ لأن التحايل على إسقاط الواجبات لا يسقطها، والتحايل على فعل المحرمات لا يبيحها.\nومثال حق الآدمي: أن تكون مطلقة طلاقًا رجعيًا. وتحاول أن تعجل بحيضها لتسقط حق الزوج في الرجعة فهذا أيضًا لا يجوز.\nوقد ذهب الحطاب في مواهب الجليل: أن الدم يكون ملغيًا في باب العدة، وإن كان مانعًا من أداء الصلاة والصيام (^١).\nالشرط الثاني: أن يكون ذلك بموافقة الزوج؛ لأن الحيض يمنعه من كمال الاستمتاع، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٦٥).","vol":"8","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3793>الفصل السادس في الصفرة والكدرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3794>المبحث الأول ألوان الدم الخارج من المرأة</span>\n[م-٧١٢] قبل أن نبحث عن حكم الصفرة والكدرة ينبغي أن نعرف ألوان الدم في كل مذهب\nالأول: مذهب الحنفية: قسموا ألوان الدم إلى ستة أقسام:\nالأول: السواد، الثاني: الحمرة، الثالث: الصفرة، الرابع: الكدرة، الخامس: التربية، السادس: الخضرة.\nوالدم الأسود، والأحمر معروفان، وهما الأصل في لون الدم، بل الأصل في الدم أن يكون لونه أحمر، إلا أنه قد يغلب عليه السواد فيصير دم الحيض أسود.\nوأما الصفرة والكدرة، فقال النووي: نقلًا عن الشيخ أبي حامد، هما ماء أصفر وماء كدر، وليسا بدم.\nوقال إمام الحرمين: هما شيء كالصديد يعلوه صفرة وكدرة، وليس على لون شيء من الدماء القوية ولا الضعيفة.","vol":"8","page":207},{"text":"وأما التربية: وهو ما يكون لونه كلون التراب، وهو نوع من الكدرة (^١).\nوأما الخضرة فلم يثبت هذا اللون إلا الحنفية، وهم مختلفون فيه، فأنكره بعضهم، وقال مستبعدًا وجوده: كأنها أكلت فصيلًا؛ لأن الدم في الأصل لا يكون أخضر، وقيل: هو نوع من الكدرة (^٢).\nهذه ألوان الدماء عند الحنفية.\nالقول الثاني: ألوان الدماء عند المالكية أربعة أنواع (^٣).\nالأول: الأسود، الثاني: الصفرة، الثالث: الكدرة، الرابع: الترية.\nوقد تم تفسير الثلاثة الأول، أما الترية فقيل: الترية: فعيلة من لفظ الوراء؛ لأنها ترى بعد الصفرة والكدرة، فعلى هذا هي دون الصفرة.\nوقيل: دم فيه غبرة يشبه لون التراب، فيكون على هذا مساويًا للتربية عند الحنفية.\nوقال أحمد بن المعدل: الترية، هي الدفعة من دم الحيض لا يتصل بها من دم الحيض ما يكون حيضة كاملة (^٤).\nوقال ابن عبد البر (^٥): أول الحيض دم، ثم صفرة، ثم ترية، ثم كدرة، ثم يكون ريقًا كالفضة، ثم ينقطع (^٦).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٤١٦)، وانظر المبسوط للسرخسي (٣/ ١٥٠).\n(^٢) المبسوط (٣/ ١٥٠).\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ١٩٧)، الخرشي (١/ ٢٠٣)، المنتقى للباجي (١/ ١١٩).\n(^٤) انظر المراجع السابقة.\n(^٥) شرح البخاري لابن رجب (٢/ ١٢٤).\n(^٦) وقد وجدت هذا النص في الاستذكار، وليس فيه ذكر الترية، انظر الاستذكار (٣/ ١٩٥). والخلاصة: أن الترية ترجع إلى الصفرة والكدرة، وقد دمج المالكية بين الدم الأسود والأحمر فلم يذكروا اللون الأحمر من ألوان الدماء.","vol":"8","page":208},{"text":"والذي يظهر أن الترية ترجع إلى الصفرة والكدرة،\nفقد روى الدارقطني، قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، أخبرنا يحيى بن\nأبي طالب، ثنا عبد الوهاب، أنا هشام بن حسان عن حفصة،\nعن أم عطية أنها قالت: كنا لا نرى الترية بعد الطهر شيئًا، وهي الصفرة والكدرة (^١).\n[والإسناد فيه ضعف] وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.\nالقول الثالث: مذهب الشافعية في ألوان الدم.\nقسم بعض الشافعية الدماء إلى خمسة: الأول الأسود، الثاني الأحمر، الثالث الأشقر، الرابع الأصفر، الخامس الأكدر (^٢).\nالقول الرابع:\nقسم الحنابلة الدماء إلى أربعة أقسام:\nالأول: الأسود، الثاني: الحمرة، الثالث: الصفرة، الرابع: الكدرة (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٢١٩).\n(^٢) قال في مغني المحتاج (١/ ١١٣) عن المميزة: «فإن ترى في بعض الأيام دمًا قويًا، وفي بعضها دمًا ضعيفًا، يعني بأن ترى ذلك في أول الحيضة كالأسود والأحمر، فهو ضعيف بالنسبة للأسود، قوي بالنسبة للأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر، وهو أقوى من الأكدر».\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٢١٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٠).","vol":"8","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3795>المبحث الثاني حكم الصفرة والكدرة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- من ألغى الكدرة في أيام العادة فقد عمل بالتمييز في امرأة صحيحة، وليست مستحاضة، وفي وقت عادة المرأة، وهذا خلاف النصوص الصحيحة.\n- إذا كان التمييز لم يقدم على العادة في المستحاضة، وقد اختلط حيضها باستحاضتها فكونه لا يقدم التمييز على الصحيحة في وقت العادة من باب أولى.\n- حديث (إن دم الحيض دم أسود يعرف) حديث منكر، لا يمكن أن يبنى عليه أصل، وهو مخالف سندًا ومتنًا لأحاديث الصحيحين.\n[م-٧١٣] اختلف العلماء في الصفرة والكدرة:\nفقيل: الصفرة والكدرة حيض مطلقًا في أيام العادة وغيرها، وهو مذهب المدونة (^١)، والأصح عند الشافعية (^٢).\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١٥٢)، وقال في حاشية الدسوقي (١/ ١٦٧): وهو المشهور، مقدمات ابن رشد (١/ ١٣٣)، المنتقى للباجي (١/ ١١٨)، الاستذكار (٣/ ١٩٣)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٤)، منح الجليل (١/ ١٦٥)، شرح الزرقاني (١/ ١٣٢).\n(^٢) قال النووي في روضة الطالبين عن الصفرة والكدرة (١/ ١٥٢): «والصحيح أن لها حكم السواد».\nوانظر المهذب (١/ ٣٩)، البيان (١/ ٣٥٠)، المجموع (٢/ ٤٢١)، الحاوي (١/ ٣٩٩)، مغني المحتاج (١/ ١١٣)، نهاية المحتاج (١/ ٣٤٠)، وانظر المبسوط لابن المنذر (٢/ ٢٣٣)، معالم السنن (١/ ٩٤).","vol":"8","page":210},{"text":"وقيل: الصفرة والكدرة ليست بحيض مطلقا، وهو اختيار الظاهرية (^١).\nوقيل بالتفصيل: الصفرة والكدرة في أيام العادة حيض، وبعد الطهر ليست بحيض، وهو مذهب الحنفية (^٢)، والحنابلة (^٣)، واختاره ابن الماجشون من المالكية (^٤)، وجعله المازري والباجي هو المذهب عند المالكية، واختاره أبو سعيد الاصطخري من الشافعية (^٥).\nونسب ابن بطال وابن رجب القول به إلى جمهور العلماء، وقال ابن رجب: حتى إن منهم من نقله إجماعًا كعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه (^٦).\nواختلفوا في الصفرة والكدرة إذا زادت على أيام العادة متصلة بها ولم تكن في أيام العادة، ولم تتجاوز أكثر الحيض، على ثلاثة أقوال:\nفقيل: حيض، وهو قول أبي حنيفة، وبه يقول كل من رأى أن الصفرة والكدرة حيض مطلقًا، كمالك والشافعي.\n_________\n(^١) انظر المحلى لابن حزم (مسألة: ٢٦٦، ٢٦٩)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ١٢٦).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٨٩)، المبسوط - السرخسي (٣/ ١٥٠)، تبيين الحقائق (١/ ٥٥)، البناية للعيني (١/ ٦٢٣)، فتح القدير (١/ ١٦٢)، البحر الرائق (١/ ٢٠٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٧).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٢١٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٠)، المحرر (١/ ٢٤)، المبدع (١/ ٢٨٨)، المغني (١/ ٤١٣)، شرح الزركشي (١/ ٤٣٠)، الفروع (١/ ٢٧٢)، حاشية ابن قاسم (١/ ٣٩٦)، الإنصاف (١/ ٣٧٦)، الإقناع (١/ ٦٩).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٣٦٤)، مقدمات ابن رشد (١/ ١٣٣)، الخرشي (١/ ٢٠٣)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٣١)، الشرح الصغير (١/ ٢٠٧).\n(^٥) المنتقى للباجي (١/ ١١٨)، المهذب (١/ ٣٩)، الوسيط (١/ ٤٣٨).\n(^٦) شرح البخاري لابن بطال (١/ ٤٥٧)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ١٢٦).","vol":"8","page":211},{"text":"وقيل: ليس بحيض، وهو قول أبي سعيد الاصطخري من الشافعية، وبه يقول كل من يرى أن الصفرة والكدرة ليست حيضًا مطلقًا كالظاهرية.\nوثالثها لا يلتفت إليه حتى يتكرر مرتين أو ثلاثًا، وهو قول الإمام أحمد (^١).\nوقيل: الصفرة حيض، وأما الكدرة فليست بحيض إلا أن يتقدمها دم، وهذا هو اختيار أبي يوسف من الحنفية (^٢).\nهذا ملخص الأقوال في المسألة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3796>دليل من قال: الصفرة والكدرة حيض مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3797>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢].\nوالمرأة التي ينزل منها الكدرة والصفرة لم تطهر بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3798>الدليل الثاني:</span>\n(١٦١٣ - ٧٥) استدلوا بما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنا في حجرها مع بنات ابنتها، فكانت إحدانا تطهر، ثم تصلي، ثم تنكس بالصفرة اليسيرة، فتسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك، حتى لا ترين إلا البياض خالصًا.\n[حسن] (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب (٢/ ١٢٧).\n(^٢) المبسوط السرخسي (٣/ ١٥٠)، بدائع الصنائع (١/ ٣٩)، تبيين الحقائق (١/ ٥٥).\n(^٣) المصنف (١/ ٩٠) رقم ١٠٠٨ سنده حسن، رجاله كلهم ثقات إلا ابن إسحاق فإنه صدوق، وقد صرح بالتحديث عند الدارمي (٨٦١) وعند ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٣٤).\nوقد رواه ابن أبي شيبة (١٠٠٨) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٣٦) عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى. =","vol":"8","page":212},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن أسماء ﵂ أمرتهن باعتزال الصلاة من الصفرة، ولو كانت بعد الطهر والاغتسال حتى ولو كانت الصفرة يسيرة.\nوأجيب:\nبأن هذا مخالف لما روي عن عائشة، وعلي بن أبي طالب، وأم عطية، بل ظاهر كلام أم عطية أن له حكم الرفع كما سيأتي تقريره. وقد يفسر قولها: (كانت إحدانا تطهر) أي تطهر بالجفاف لا برؤية البياض، فكانت الواحدة منهن إذا طهرت بالجفاف اغتسلت\n_________\n= والدارمي (٨٦١): من طريق يزيد بن زريع، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٣٤) من طريق زهير، ثلاثتهم عن محمد بن إسحاق، قال: حدثتني فاطمة بنت المنذر به، وقد أنكر هشام بن عروة زوج فاطمة بنت المنذر أن يكون ابن إسحاق سمع من زوجته شيئًا. وقال هشام: أهو كان يدخل على امرأتي.\nوجاء في الميزان (٣/ ٤٧١) من أبي بشر الدولابي، ومحمد بن جعفر بن يزيد، حدثني أبو داود سليمان بن داود، قال: قال يحيى القطان: أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب، قلت: وما يدريك؟ قال: قال لي وهيب، فقلت لوهيب: وما يدريك؟ قال: قال لي مالك بن أنس. فقلت لمالك: وما يدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة. قال: قلت لهشام بن عروة: وما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأدخلت علي وهي بنت تسع، وما رآها رجل حتى لقيت الله تعالى.\nقال الذهبي في الميزان (٣/ ٤٧١): «وهذا غلط بين، ما أدري ممن وقع من رواة الحكاية، فإنها أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، ولعلها ما زفت إليه إلا وقد قاربت بضعًا وعشرين سنة، وأخذ عنها ابن إسحاق وهي بنت بضع وخمسين سنة أو أكثر». اهـ\nقلت: اتهامه بالكذب من أجل هذه القصة فيه جناية، وقد صرح بالتحديث، وقد عرف بالتدليس، وقد قال عنه شعبة: ابن إسحاق إمام من أئمة المسلمين.\nقال الذهبي: وما يدري هشام بن عروة، فلعله سمع منها في المسجد، أو سمع منها وهو صبي، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا، وقد كانت امرأة قد كبرت وأسنت.\nوقال أيضًا: «أفبمثل هذا يعتمد على تكذيب رجل من أهل العلم». اهـ. ثم إنه ليس الرجل الوحيد الذي روى عنها، فقد ذكر المزي في تهذيبه ممن روى عنها محمد بن سوقة.\nفإسناده حسن، ولا يلتفت لما قيل.","vol":"8","page":213},{"text":"وصلت ثم يرين بعد ذلك الصفرة اليسيرة فتنهاهن عن الاستعجال، وأن يعتزلن الصلاة حتى يرين البياض خالصًا، والمقصود بها القصة البيضة، ليكون مطابقًا لما روي عن عائشة، ولو كان المقصود بقولها: (إحدانا تطهر) بالقصة البيضاء ما تشوفت لرؤيته مرة ثانية؛ لأن المرأة ترى القصة مرة واحدة عقب الحيضة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3799>الدليل الثاني:</span>\nإذا كانت الصفرة والكدرة في زمن الحيض حيضًا، فكذلك إذا كانت بعد الطهر؛ لأنكم إما أن تقولوا: بأنها حيض مطلقًا، في العادة وبعدها، أو تقولوا: ليست بحيض مطلقًا، فأما أن تعتبروها في زمن مانعة من الصلاة والصيام، وفي زمن ليست مانعة، فهذا خطأ يخالف القواعد.\nوأجيب:\nبأن التفريق بين زمن العادة وغيرها إنما قلناه تبعًا للنصوص، لا أن ذلك وفقًا للقياس، والنص مقدم على القياس.\nوقد يقال: إن الصفرة والكدرة على وفق القياس، وذلك أنهما إذا كانا في زمن العادة والحيض، كان هذا وقت سلطان الدم، فهما أثر من آثاره؛ لأن العادة تبدأ ضعيفة، ثم تشتد ثم تتدرج بالضعف حتى تطهر المرأة، وما دامت في وقت الدم فقد أعطيت حكمه؛ لأن الكدرة أثر من آثاره، بخلاف ما إذا كان بعد الطهر فإنها ليست من أثر الحيض.\nولأن الرسول ﷺ في المستحاضة لم يردها إلى التمييز، بل ردها إلى عادتها، بصرف النظر عن لون الدم، هل كان أسود أو أحمر، هل له رائحة، أو ليس له رائحة، فقدم الشرع العادة على اللون، ومن ألغى الكدرة في أيام العادة فقد عمل بالتمييز في وقت عادة المرأة، وهذا خلاف النصوص، كما سيأتي بيانه في المستحاضة، والله أعلم.","vol":"8","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3800>دليل من قال: بأن الصفرة والكدرة ليست حيضًا مطلقًا:</span>\n(١٦١٤ - ٧٦) استدلوا بما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد ابن أبي عدي، عن محمد -يعني: ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة ابن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، قال: إنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ: إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (^١).\n[حديث منكر] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ لم يأمرها بالإمساك عن الصلاة إلا إذا رأت الدم الأسود، وأما\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٨٦).\n(^٢) الحديث ضعيف، وله أكثر من علة:\nأحدها: تفرد محمد بن عمرو بهذا الأصل عن ابن شهاب، ولا يحتمل تفرده بمثل ذلك، فحديث عروة عن عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، رواه هشام بن عروة، عن أبيه عروة، عن عائشة في الصحيحين وغيرهما، ورواه عن هشام عدد لا يحصون كثرة.\nوتابع حبيب بن أبي ثابت هشامًا، ولم يقل أحد منهما: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) إلا محمد ابن عمرو، فتفرد محمد بن عمرو بهذا الإسناد عن الزهري، عن عروة، ومخالفته لهشام وحبيب ابن أبي ثابت، لا يحتمل، وأين أصحاب الزهري عن هذا الحديث لو كان مما رواه الزهري عن عروة، ومحمد بن عمرو خفيف الضبط.\nالعلة الثانية: الاضطراب في السند، فمرة حدث به محمد بن أبي عدي فجعله من مسند فاطمة، ومرة جعله من مسند عائشة، والأول من كتابه، والثاني من حفظه، فإن رجحنا ما كان في كتابه فهو منقطع، وإن رجحنا ما ذكره من حفظه، فهو متصل الإسناد، ولا شك أن الكتاب مقدم على الحفظ، عند علماء المصطلح، فيكون على هذا منقطعًا؛ لأن عروة لم يسمعه من فاطمة.\nلهذه العلل ضعف الحديث أبو حاتم والنسائي، وسوف أتكلم عليه بشيء من التفصيل إن شاء الله في باب الاستحاضة، وأذكر من خرجه مع أبي داود إن شاء الله، وأقارنه بحديث عائشة في الصحيحين، انظر ح: ١٩٦٩.","vol":"8","page":215},{"text":"إذا رأت غيره فإنها تصلي، والصفرة والكدرة ليست دمًا أسود، وبالتالي فهي مأمورة بالصلاة إذا رأته.\nوأجيب:\nأولًا: الحديث منكر، منقطع الإسناد، مخالف لما في الصحيحين في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، حيث ردها النبي إلى العادة، وأمرها أن تجلس قدر عادتها، ولم يردها إلى العمل بالتمييز، فكيف نردها إلى الدم الأسود، ونلغي العادة، فظاهر من الشرع أنه يقدم سلطان العادة على التمييز، ومن ألغى الكدرة في أيام العادة فقد قدم سلطان اللون على سلطان العادة، وهذا مخالف لما في الصحيحين.\nثانيًا: أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، وهي التي اختلط دم حيضها بدم استحاضتها وكان التمييز بين الدمين لا يمكن إلا باللون، لا أن هذا حكم مطلق لكل امرأة، ولو لم تكن غير مستحاضة، فضلًا أن يدعى أن هذا في امرأة ليس لها عادة، أو نسيت عادتها، فردها النبي ﷺ إلى التمييز، مع أن الحديث واحد في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، ومع أنه لم يجر ذكر للعادة مطلقًا في حديث محمد ابن عمرو، ولم يسألها النبي ﷺ هل أنت مبتدأة ليس لك عادة؟ فضلًا أن يفترض أن لها عادة ونسيتها، فالمستحاضة إذا عملت بحديث فاطمة بنت أبي حبيش إما أن تأخذ بالعادة كما في الصحيحين، وهو حديث مجمع على صحته، أو تأخذ بالتمييز مطلقًا كما في هذا الحديث المخالف لما في الصحيحين، ولا خيار ثالث.\nثالثًا: أنه مقيد بحديث أم عطية: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا) وسيأتي تخريجه. ومقيد بأثر عائشة: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) وسيأتي إن شاء الله تخريجه، وعليه فيكون ما عدا الدم الأسود ليس حيضًا، إلا في زمن العادة فإنه حيض حتى ولو كان صفرة وكدرة جمعًا بين هذا الحديث وما روي عن أم عطية وعائشة. والله أعلم.","vol":"8","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3801>الدليل الثاني:</span>\n(١٦١٥ - ٧٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن محمد -يعني ابن سيرين-.\nعن أم عطية قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا (^١).\nفكلمة (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم، فلا تعد الصفرة شيئًا لا قبل الطهر ولا بعد الطهر.\nقلت: قد روته حفصة بنت سيرين عن أم عطية بزيادة: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا). وهي زيادة وإن لم يخرجها البخاري، إلا أنه اعتمدها في فقه ترجمته، فقال: باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض.\nوإذا اختلف على أم عطية بين حفصة وأخيها، وكل منهما ثقة، فإما أن يكون هذا الاختلاف سببًا في رد الأثر والحكم عليه بالاضطراب، وإما نسلك مسلك الترجيح بينهما، وإذا كان هناك نظر للترجيح فأثر حفصة أولى للأسباب التالية:\nأولًا: أن حفصة امرأة، وتروي هذا الأثر عن امرأة مثلها، وفيما يخص النساء فقط، ولا شك أن اهتمام المرأة في نقل ما يخصها، ودخول المرأة على مثلها، وسماعها منها أيسر من دخول الرجل على المرأة وسماعه منها.\nثانيًا: أن أثر حفصة يتفق مع أثر عائشة، لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، كما يتفق مع أثر أسماء، اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك، حتى لا ترين إلا البياض خالصًا، وكل هؤلاء نساء، وهن أعلم في نقل ما يخصهن، فإذا رأيت مجموعة هذه الآثار رأيتها مرجحًا آخر لأثر حفصة، عن أم عطية، بينما ابن سيرين لم يشهد له أي أثر من آثار الصحابة.\nثالثًا: أن الطب يشهد لأثر حفصة؛ لأن الحيض ليس دمًا خالصًا كدم العرق،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٦).","vol":"8","page":217},{"text":"وإنما الدم مكون منه، فجدار الرحم يبطن من أوعية دموية، وغدد، ونحوها، لهذا فيه اللون الأسود، واللون الكدر، والأحمر، والأصفر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3802>الدليل الثالث:</span>\nقال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]. فالأذى: هو النجس، ولا نجس إلا الدم.\nوأجيب:\nعلى التسليم بأن الصفرة والكدرة ليست بنجسة، فإن الأذى يطلق على غير النجاسة، قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ) [البقرة: ١٩٦]، فالأذى يطلق على ما يتأذى منه، سواء كان طاهرًا أو نجسًا على أننا لا نسلم بطهارة الصفرة والكدرة، وهي من بقايا دم الحيض، فإذا كنا عرفنا كيف يحدث الحيض للمرأة، وأن الحيض عبارة عن انهدام الغشاء المبطن للرحم، وهو متكون من أوعية دموية وغدد، ونحوها فلم يكن الحيض هو الدم الخالص بل كل ما نزل من جدار الرحم يعتبر حيضًا، وهو يتفاوت في أول الحيض وفورته، وآخره.\nهذه أدلة من رأى أن الصفرة والكدرة ليست حيضًا، وعمدتهم حديث (إن دم الحيض دم أسود يعرف) وهو حديث منكر كما تقدم.\nقال ابن حزم: «إذا رأت المرأة الدم الأسود من فرجها أمسكت عن الصلاة والصوم، وحرم وطؤها على بعلها وسيدها، فإن رأت أثر الدم الأحمر، أو كغسالة اللحم، أو الصفرة، أو الكدرة أو البياض، أو الجفوف التام فقد طهرت» (^١).\nوقال أيضا: «وجدنا النص قد ثبت وصح أنه لا حيض إلا الدم الأسود، وما عداه ليس حيضًا، لقوله ﵇: (إن دم الحيض أسود يعرف) فصح أن المتلونة الدم طاهرة تامة الطهارة، لا مدخل لها في حكم الاستحاضة، وأنه لا فرق بين الدم\n_________\n(^١) المحلى مسألة (٢٦٦).","vol":"8","page":218},{"text":"الأحمر، والقصة البيضاء» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3803>دليل من فرق بين الكدرة في أول الحيض وفي آخر الحيض:</span>\nقال أبو يوسف: إن الكدرة لا تكون حيضًا إلا إذا كانت في آخر أيام الحيض.\nوجه ذلك ما ذكره الكاساني، قال: «إن الحيض، هو الدم الخارج من الرحم، لا من العرق، ودم الرحم يجتمع فيه زمان الطهر، ثم يخرج الصافي منه، ثم الكدر، ودم العرق يخرج الكدر منه أولًا ثم الصافي، فينظر: إن خرج الصافي أولًا علم أنه من الرحم فيكون حيضًا، وإن خرج الكدر أولًا علم أنه من العرق فلا يكون حيضًا» (^٢).\nوهذا التعليل مبني على الرأي المحض، لا على قول الأطباء، ولا على نص شرعي، والنصوص لم تفرق إلا بين الكدرة في زمن العادة، وبين الكدرة بعد الطهر، بل إن دم المرأة ينزل أول ما ينزل ضعيفًا في غزارته ولونه، ثم يشتد، ثم يضعف حتى ينقطع، والضعف كما يكون في سيلانه، يكون في لونه ورائحته. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3804>دليل من قال: الصفرة والكدرة حيض إن كانت في زمن الحيض:</span>\n(١٦١٦ - ٧٨) استدلوا بما رواه مالك، قال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت:\nكان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (^٣).\n[حسن] (^٤).\n_________\n(^١) المحلى مسألة (٢٦٩).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٩).\n(^٣) الموطأ (١/ ٥٩).\n(^٤) صححه النووي في المجموع (٢/ ٤١٦)، وسكت عليه الحافظ في الفتح (١/ ٥٨٨) وفي التلخيص (١/ ٣٠١)، وعلقه البخاري عن عائشة جازمًا به في كتاب الحيض باب (١٩) إقبال الحيض وإدباره، وقد علم أن البخاري إذا علق شيئًا بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علقه عنه، فإذا علقه عن عائشة كان صحيحًا إلى عائشة.\nوالأثر فيه أم علقمة، ذكرها ابن حبان في ثقاته (٥/ ٤٦٦).\nوفي التقريب: مقبولة، يعني بالمتابعة، وإلا فلينة الحديث.\nوذكرها الذهبي في الميزان من المجهولات (٤/الترجمة ٩٤٤). والراجح أنها حسنة الحديث.\nوالذي أراه أن حديثها في مرتبة الحسن لذاته.\nأولًا: لأنها من التابعين، والكلام في التابعين قليل، واشتراط أن يوجد فيه نص على توثيقها متعسر؛ لقلة الكلام في الرواة، ولكون الكذب في عهدهم لم يتفش.\nثانيًا: البخاري قد علق في كتاب الحيض، في باب (١٩) إقبال الحيض وإدباره أثرًا عن عائشة بصيغة الجزم، وهذا يقتضي صحته إلى من علقه عنها، وهو لا يعرف إلا من رواية أم علقمة، عن عائشة، فلو كان فيها ما يقدح في روايتها لعلقه البخاري عنها، عن عائشة.\nثالثًا: أن مالكًا أخرج لها في الموطأ (١/ ٥٩)، ومعلوم شدة الإمام مالك، وتنقيته للرجال، وهي مدنية، ومالك من أعلم الناس في أهل المدينة. والله أعلم.\nأن الإمام أحمد قد أومأ إلى صحة ما روته عن عائشة.\nففي زاد المعاد (٤/ ٢٣٤): «قال إسحاق بن راهوية: قال لي أحمد بن حنبل: ما تقول في الحامل ترى الدم؟ فقلت: تصلي، واحتججت بخبر عطاء عن عائشة ﵂. قال: فقال لي: أين أنت من خبر المدنيين، خبر أم علقمة مولاة عائشة ﵂ فإنه أصح، قال إسحاق: فرجعت إلى قول أحمد ﵀».\nوهذا صريح من أحمد وإسحاق إلى الاحتجاج بأم علقمة.","vol":"8","page":219},{"text":"وجه الاستدلال:\nأنها اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضًا، حتى ترى علامة الطهر.\nوأما الدليل على أن الصفرة والكدرة ليست حيضًا بعد الطهر:\n(١٦١٧ - ٧٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد، عن قتادة عن أم الهذيل (حفصة بنت سيرين).\nعن أم عطية -وكانت بايعت النبي ﷺ- قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا (^١).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٠٧).","vol":"8","page":220},{"text":"[صحيح] (^١).\n_________\n(^١) الأثر رواه قتادة، عن حفصة، عن أم عطية.\nورواه عن قتادة جماعة منهم:\nحماد بن سلمة واختلف عليه فيه:\nفرواه موسى بن إسماعيل كما في سنن أبي داود (٣٠٧)، وسنن البيهقي (١/ ٣٣٧).\nوحجاج بن منهال كما سنن الدارمي (٨٧١) ومستدرك الحاكم (١/ ١٧٤) كلاهما عن قتادة، عن أم الهذيل (حفصة بنت سيرين) عن أم عطية.\nإلا أن حجاجًا قال (بعد الغسل) بدلًا من قوله (بعد الطهر) والمعنى قريب.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوالصحيح أنه ليس على شرط البخاري، ولكن هل يكون على شرط مسلم، فمسلم خرج لحماد ابن سلمة، لكن قال الحاكم: لم يخرج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول، إلا ما كان من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة، وانظر مزيد بحث لهذه النقطة في تخريجي للحديث السابع، وقد اختلف فيه على حماد بن سلمة:\nوخالفهما عبد الرحمن بن مهدي، فرواه عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أم الهذيل، عن عائشة.\nأخرجه أحمد في العلل، كما في رواية ابنه عنه (١٩٦٧) حدثني أبي، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي به.\nقال: قال أبي: إنما هو قتادة عن حفصة عن أم عطية». اهـ\nولعل هذا بسبب تغير حماد بن سلمة في آخر عمره.\nوقد توبع حماد بن سلمة، تابعه جماعة، منهم:\nشعبة، عن قتادة، رواه حرب في مسائلة عن الإمام أحمد، عن غندر، عن شعبة، عن قتادة به، نقل ذلك ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ١٥٧).\nكما رواه أيضًا أبان كما سنن البيهقي (١/ ٣٧٣).\nورواه يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة كما في المعجم الكبير (٢٥/ ٦٤) ح ١٥٢، كلاهما أبان وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به، ويزيد ممن روى عن سعيد قبل اختلاطه.\nفصار مجموع من يرويه عن قتادة: شعبة، وحماد بن سلمة، وأبان، وسعيد بن أبي عروبة.\nورواه أيوب، عن ابن سيرين، واختلف على أيوب:\nفرواه معمر كما في مصنف عبد الرزاق (١٢١٦)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن ماجه (٦٤٧). =","vol":"8","page":221},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وإسماعيل بن علية كما في صحيح البخاري (٣٢٦)، وسنن أبي داود (٣٠٨)، وسنن النسائي (٣٦٨)، والحاكم (١/ ١٧٤)، والبيهقي (١/ ٣٣٧)، كلاهما عن أيوب، عن ابن سيرين، عن\nأم عطية بلفظ: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا) ولم يقل: (بعد الطهر)، إلا أن البخاري ترجم له بقوله: (باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض).\nوهذا ذهاب من البخاري ﵀ إلى تصحيح زيادة: (بعد الطهر).\nوخالفهما وهيب، كما في رواية ابن ماجه (٦٤٧) قال: حدثنا محمد بن يحيى - يعني: الذهلي - ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، ثنا وهيب، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية قالت: كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا.\nقال محمد بن يحيى: وهيب أولاهما عندنا بهذا. فهذا ترجيح من محمد بن يحيى الذهلي لرواية وهيب، عن أيوب عن حفصة، على رواية معمر، وابن علية عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية.\nقال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ١٥٥): وفيه نظر، يعني: ترجيح الذهلي.\nوقال الحافظ في الفتح في شرحه لحديث (٣٢٦): «وما ذهب إليه البخاري من تصحيح رواية إسماعيل أرجح لموافقة معمر له؛ ولأن إسماعيل أحفظ لحديث أيوب من غيره، ويمكن أن أيوب سمعه منهما». اهـ\nقلت: وهناك ترجيح من جهة المتن لم يشر إليها الحافظان، وهو أن لفظ ابن سيرين ليس فيه (بعد الطهر) ولفظ حفصة كما رواه عنها قتادة، بزيادة (بعد الطهر) فلما رواه أيوب، واختلف عليه. فقيل: عن: ابن سيرين، وقيل: عن حفصة.\nرجعنا إلى المتن، فوجدنا رواية أيوب عن حفصة عن أم عطية ليس فيها لفظة (بعد الطهر) والمحفوظ من رواية حفصة زيادة هذه اللفظة، فتقوى عندنا أن ذكر حفصة في رواية أيوب وهم. وأن المتن هو لفظ ابن سيرين عن أم عطية. والله أعلم.\nورواه يحيى بن أبي طالب، واختلف عليه فيه:\nفرواه الحاكم (١/ ١٧٤) حدثنا الحسن بن يعقوب العدل، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا عبد الوهاب بن عطاء حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية.\nورواه الدارقطني (١/ ٢١٩) حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، ثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا هشام بن حسان، عن حفصة عن أم عطية أنها قالت: كنا لا نرى الترية بعد العشاء شيئًا، وهي الصفرة والكدرة.\nفهنا جعل رواية هشام عن حفصة، بينما سند الحاكم جعل رواية هشام عن ابن سيرين.\nومدار هذا الاختلاف على يحيى بن أبي طالب وهو مختلف فيه، وقد تقدمت ترجمته في خلاف العلماء في أكثر الحيض، في حاشية الدليل الثامن من القول الثاني. =","vol":"8","page":222},{"text":"وعلى فرض أن تكون أم عطية قد اختلف عليها، فإن هذا قد يوجب طرح ما روي عنها، ويبقى أثر عائشة صحيحًا للاحتجاج.\nهذه هي أهم الأقوال في المسألة، مع بيان أدلتها، وهناك أقوال أخرى مبنية على الرأي المحض، أسوقها في ختام هذا البحث استكمالًا للفائدة، وقد ساقها النووي أوجُهًا في الروضة فقال:\nأحدها: إن سبق الصفرة والكدرة دم قوي من سواد أو حمرة فالصفرة والكدرة بعد حيض، وإلا فلا.\nوقيل: إن سبقها دم قوي، وتعقبها دم قوي، فهما حيض، وإلا فلا. ويكفي في تقديم القوي وتأخره أي قدر كان، ولو لحظة على الأصح.\nوقيل: لا بد من يوم وليلة (^١).\nهذا أهم ما ورد في المسألة من أقوال. الراجح كما أشرت أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، فكل أذى يخرج من الرحم في وقت العادة فهو حيض، سواء كان الدم أسود، أو أحمر، أو كان كدرة أو صفرة.\nلأنه لا عبرة في اللون زمن العادة، ولو كان الاعتماد على اللون لكان ذلك عملًا بالتمييز، وليس عملًا بالعادة، وإذا لم يعمل بالتمييز زمن اختلاط الحيض بالاستحاضة، فتجلس وقت عادتها مطلقًا، لم يعمل بالتمييز وقت العادة زمن الصحة، وعدم اختلاطه بغيره.\nثانيًا: أن ما يخرج من الرحم ليس الدم وحده؛ لأنه ليس الحيض هو سيلان عرق حتى يكون الخارج هو الدم الخالص، وإنما الحيض هو انهدام بطانة الرحم\n_________\n= والأثر ثابت عن حفصة وابن سيرين، وقد رواه الطبراني (٢٥/ ٦٤) من طريق زائدة عن هشام ابن حسان عن حفصة به.\nوهذا الطريق يرجح أن رواية هشام عن حفصة، وليست عن ابن سيرين. والله أعلم.\n(^١) روضة الطالبين (١/ ١٥٢).","vol":"8","page":223},{"text":"والتي تكونت استعدادًا لتلقي الجنين، فإذا لم يحصل التخصيب انهدم هذا الجدار، وهو يتكون من أوعية دموية وغدد، ونحوها فلم يكن الحيض دمًا خالصًا بل كل ما نزل من جدار الرحم يعتبر حيضًا، وعلى هذا أعطى الشرع حكم الكدرة والصفرة حكم الدم من المستحاضة، ففي وقت العادة تجلس وتدع الصلاة والصيام، وفي غير وقت العادة لا عبرة به، كما لا عبرة في دم المستحاضة في غير وقت العادة، ويكفي أن القائلين بأن الحيض هو الدم الأسود لا يعرف هذا القول حسب اطلاعي إلا عن الظاهرية، وأما أكثر العلماء فهم يرون أن الكدرة والصفرة إما حيض مطلقًا كالمالكية والشافعية، وإما حيض وقت سلطان العادة وزمانها، كما هو مذهب جماهير أهل العلم حتى حكاه بعضهم إجماعًا، والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3805>الفرع الأول في رؤية الكدرة قبل التحقق من نزول العادة</span>\n[م-٧١٤] إذا رأت المرأة الصفرة والكدرة، وقد تحققت أنها حائض بنزول دم الحيض المعروف فلا إشكال فيه على القول الراجح.\nأما لو رأت صفرة وكدرة قبل التحقق من نزول دم الحيض، فهل يحكم له بأنه دم حيض؟ وللجواب على هذا نقول:\nأولًا: إن كانت في وقت العادة فلا إشكال؛ لأن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض كما رجحنا.\nوإن كانت في غير وقت العادة، فقد نقول: بأنها ليست حيضًا، اعتبارًا بأنها رأتها بعد الطهر، وقد ثبت لنا حديث: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا».\nوقد يقول قائل: بأن العادة قد تتقدم، وقد تتأخر، وقد تزيد، وقد تنقص، فلماذا لا تعتبر حيضًا؟\nوللجواب على هذا أن نقول: إن كانت الصفرة والكدرة مصحوبة بأوجاع العادة المعروفة لدى غالب النساء، وكانت الصفرة والكدرة متصلة بالعادة المعروفة، بحيث رأت الصفرة أو الكدرة في اليوم الأول، والثاني، وفي اليوم الثالث نزل معها","vol":"8","page":225},{"text":"دم الحيض، فإنها تعتبرها حيضًا، وإن تقدمت عن زمن العادة المعروف.\nأما إذا لم تكن مصحوبة بآلام العادة، أو لم يتصل بها دم الحيض، بحيث رأت صفرة أو كدرة ثم انقطعت فلا تعتبر حيضًا.\nوإن شكت المرأة، فالأصل أنها طاهرة؛ لأن هذه الصفرة قد جاءت بعد الطهر ومن غير زمن العادة فلا تعتبر حيضًا. والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3806>الفرع الثاني في الاحتجاج بقول الصحابي كنا نفعل</span>\n[م-٧١٥] قول الصحابي: (كنا نفعل) أو (كانوا يفعلون)، كقول أم عطية ﵂: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا). هل يكون له حكم الرفع؟ أو يكون موقوفًا؟ وهل يكون حكاية لإجماع؟ أو حكاية لأكثرهم؟\nهذه مسألة اختلف فيها أهل الأصول وبُحثت في مصطلح الحديث، وسوف أشير إلى مقاصد كلامهم بإيجاز .. والأقوال فيها كالآتي:\nقيل: إنه مرفوع مطلقًا -يعني له حكم الرفع- قال الحافظ: «وهو الذي اعتمده الشيخان في صحيحيهما، وأكثر منه البخاري» (^١).\nوقيل: موقوف مطلقًا.\nوقيل: التفصيل بين أن يضيفه إلى زمن النبي ﷺ فيكون مرفوعًا، أولا يضيفه فلا يكون له حكم الرفع، ونسبه الحافظ إلى الجمهور (^٢).\nوقيل في التفصيل: الفرق بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبًا فيكون\n_________\n(^١) النكت (٢/ ٥١٥).\n(^٢) المرجع السابق.","vol":"8","page":227},{"text":"مرفوعًا، أو يخفى فيكون موقوفًا.\nوعلى تقدير كونه موقوفًا فهل هو من قبيل نقل الإجماع أو لا؟\nفجزم بعضهم بأنه إن كان في اللفظ ما يشعر به مثل: كان الناس يفعلون كذا فمن قبيل الإجماع وإلا فلا.\nهذه عمدة الأقوال في المسألة. وأرجحها قول الجمهور بأنه: إن أضيف إلى عهد النبي ﷺ فهو على الصحيح له حكم الرفع، وأقوى دليل في ذلك:\n(١٦١٨ - ٨٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال عمرو: أخبرني عطاء سمع جابرًا رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل.\nورواه مسلم (^١). وزاد: قال سفيان: «لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن».\nقال الحافظ في الفتح: «استدلال جابر بالتقرير من الله غريب، ويمكن أن يكون استدل بتقرير الرسول ﷺ، لكنه مشروط بعلمه بذلك. ويكفي في علمه به قول الصحابي إنه فعله في عهده. والمسألة مشهورة في الأصول، وفي علم الحديث، وهي: أن الصحابي إذا أضافه إلى زمن النبي ﷺ كان له حكم الرفع عند الأكثر؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وأقره، لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، وإذا لم يضفه فله حكم الرفع عند قوم. وهذا من الأول، فإن جابرًا صرح بوقوعه في عهده ﷺ. وقد وردت عدة طرق تصرح باطلاعه على ذلك، والذي يظهر لي أن الذي استنبط ذلك سواء كان هو جابرًا أو سفيان أراد بنزول القرآن ما يقرأ، أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره، مما يوحى إلى النبي ﷺ، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حرامًا لم نقر عليه ..» إلخ كلامه ﵀ (^٢).\nقلت: الظاهر من حال الصحابة ﵃، وحرصهم على إصابة الحق،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٢٠٨)، ومسلم (١٤٤٠).\n(^٢) الفتح (١٠/ ٣٨٢).","vol":"8","page":228},{"text":"والسؤال عنه أنهم لا يقدمون على أمر من أمور الدين والنبي ﷺ بين أظهرهم إلا إذا كان عالمًا به، فيكون من السنة التقريرية.\nوالذين ردوه إنما حجتهم أن يكون النبي ﷺ لم يطلع على ذلك حتى يكون إقرارًا. وعلى التسليم أنه لم يطلع، فقد اطلع الله ﷾، والزمن زمن تشريع، فسكوت الوحي عن ذلك إقرار من الله سبحانه لهذا الفعل.\nوأقوى دليل للمانعين من الاحتجاج:\n(١٦١٩ - ٨١) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن رفاعة بن رافع، وكان عقبيًا بدريًا قال:\nكنت عند عمر، فقيل له: إن زيد بن ثابت يفتي الناس برأيه في المسجد، في الذي يجامع ولا ينزل. فقال: أعجل به، فأتى به، فقال: يا عدو نفسه أوقد بلغت أن تفتي في مسجد رسول الله ﷺ برأيك؟ ! قال: ما فعلت، ولكن حدثني عمومتي عن رسول الله ﷺ، قال: أي عمومتك؟\nقال: أبي بن كعب، وأبو أيوب، ورفاعة بن رافع. فالتفت إلي: ما يقول هذا الغلام؟\nفقلت: كنا نفعله في عهد رسول الله ﷺ، قال: فسألتم عنه رسول الله ﷺ؟ قال: كنا نفعله في عهده فلم نغتسل، قال: فجمع الناس، واتفق الناس على أن الماء لا يكون إلا من الماء إلا رجلين، علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، قالا: إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل. فقال علي: يا أمير المؤمنين، إن أعلم الناس بهذا أزواج رسول الله ﷺ، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم لي. فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. قال: فتحطم عمر -يعني: تغيظ- ثم قال:","vol":"8","page":229},{"text":"لا يبلغني أن أحدًا فعله ولا يغتسل إلا أنهكته عقوبة (^١).\n[في إسناده عبيد بن رفاعة لم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي] (^٢).\nوجه الشاهد من القصة:\nأن الصحابة أو كثيرًا منهم، وهم من أهل بدر، كانوا يرون أن الماء من الماء وكان بعضهم يفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ، ومع ذلك لم يأت الوحي بإنكار فعلهم، وما خالفهم من الصحابة إلا رجلان وعائشة، وكان الصواب مع هذا العدد القليل. ثم إن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين حين قال له رفاعة: كنا نفعله في عهد رسول الله ﷺ لم يعتبر ذلك حجة، واكتفى به، بل قال: هل سألتم عنه رسول الله ﷺ؟ فلم ير عمر فعل الشيء في عهده ﷺ زمن التشريع حجة إلا إذا علم بأن الرسول ﷺ قد اطلع عليه.\nوالذي أرى أن هذه القصة ليس فيها حجة؛ لأن قوله: (كنا نفعله على عهد\n_________\n(^١) المسند (٥/ ١١٥).\n(^٢) والحديث أخرجه أحمد (٥/ ١١٥) من طريق ابن إدريس وزهير.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٨٥)، وعبد الله بن أحمد في زوائده (٥/ ١١٥)، والطحاوي (١/ ٥٨) عن عبد الأعلى، ثلاثتهم عن ابن إسحاق به.\nوفي إسناده عبيد بن رفاعة لم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي.\nوتابع ابن لهيعة محمد بن إسحاق، فأخرجه الطحاوي (١/ ٥٨) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب به.\nوالراوي عن ابن لهيعة عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ممن أمسك عن الرواية عن ابن لهيعة لما ظهر لهم اختلاطه، ولذا عُدَّ مع العبادلة ممن جعلت روايتهم عن ابن لهيعة أعدل من غيرها.\nكما تابعهما الليث بن سعد، واختلف على الليث، فرواه الطبراني (٤٥٣٦) من طريق عبدالله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب به.\nوخالفه يحيى ين عبد الله بن بكير، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٥٩) فرواه عن الليث، قال: حدثني معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد الله بن عدي عن خيار قال: تذاكر أصحاب رسول الله ﷺ عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة، فقال بعضهم: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. وقال بعضهم: إنما الماء من الماء. وذكر نحو الحديث السابق، إلا أنه ليس في القصة ذكر زيد بن ثابت ولا أبي بن كعب، أو رفاعة بن رافع.","vol":"8","page":230},{"text":"رسول الله)، من الجماع وعدم الاغتسال كان من الممكن أن يكون حجة لو أن\nالرسول ﷺ لم يبلغ أحدًا من الأمة بخلافه، أما وقد بلغ فلا يلزم أن يبلغ كل فرد بعينه، فهؤلاء الذين لم يغتسلوا استصحبوا حكمًا سابقًا قد ثبت نسخه، وقد قام الرسول ﷺ بتبليغ بعض أفراد الأمة بنسخه، فكأنه بلغ الأمة كلها.\nومثل هذه القصة ما رواه البخاري:\n(١٦٢٠ - ٨٢) قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد عن أيوب، عن نافع\nأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يكري مزارعه على عهد النبي ﷺ\nوأبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من إمارة معاوية، ثم حدث عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن كراء المزارع، فذهب ابن عمر إلى رافع، فذهبت معه، فسأله، فقال: نهى النبي ﷺ عن كراء المزارع، فقال ابن عمر: قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله ﷺ بما على الأربعاء وبشيء من التبن (^١).\n(١٦٢١ - ٨٣) وفي رواية له، قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل عن\nابن شهاب، أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:\nكنت أعلم في عهد رسول الله ﷺ أن الأرض تكرى، ثم خشي عبد الله أن يكون النبي ﷺ قد أحدث في ذلك شيئا لم يكن يعلمه فترك كراء الأرض (^٢). والحديث في مسلم (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن ابن عمر حكى عن بعض الصحابة بأنهم كانوا يكرون الأرض، ولم يكن هناك نهي من النبي ﷺ مع أنه أضاف الفعل إلى زمن التشريع، واستصحب ابن عمر هذا الحكم فكان يفعله في عهد النبي ﷺ، واستمر على فعله زمن الخلفاء الراشدين\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٣٤٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٣٤٥).\n(^٣) صحيح مسلم (١٥٤٧).","vol":"8","page":231},{"text":"من غير نكير، ثم علم فيما بعد من رافع بن خديج أن النبي ﷺ قد نهى عن ذلك، وكون ابن عمر حين بلغه النهي ترك ذلك إنما فعله من باب: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ولذلك كان ابن عمر إذا سئل عن ذلك قال: زعم ابن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عنها، ولم ينسب ذلك إلى الرسول ﷺ مباشرة، وكما أن هذا يفهم من قوله: «زعم» ولم يقل أخبرنا، أو قال لنا. والله أعلم.\nولكن الجواب عن هذا هو ما ذكرناه عن الحديث الأول، وهو أن الرسول ﷺ لا يلزمه أن يبلغ كل فرد بالأمة، فإذا بلغ من تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة كفى.\nوالذي تلخص لي أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون، غير مضاف إلى عهد الرسول ﷺ فإنه لا يكون مرفوعًا؛ لأن الإقرار منه ﷺ منتف في غير عهده ﷺ، وهل يكون حجة؟\nالجواب: إن خالف مرفوعًا لم يلتفت إليه أبدًا. وإن خالف موقوفًا على صحابي آخر نظر في أدلة كل قول. وإن لم يخالف فإنه حجة لا لاعتبار كونه مرفوعًا ولكن باعتبار أنه قول لبعض الصحابة لا يعلم له مخالف، وقول الصحابة مقدم على قول غيرهم، فهم أقرب من غيرهم لفهم الشرع، وقد عاصروا الوحي، وهم أهل اللسان.\nوقد اختلف العلماء في عده إجماعًا.\nفحكى الآمدي في الإحكام أن جمهور العلماء يعدونه إجماعًا؛ لأن الصحابي إذا قال: (كانوا يفعلون كذا) فإن هذا يفيد إضافة الفعل المحكي إلى جميع أهل الإجماع من ذلك العصر، فيكون الصحابي بتلك الصيغة قد نقل لنا الإجماع، وقد ذهب إلى ذلك أبو الخطاب في التمهيد، وشيخه أبو يعلى في العدة.\nواختار بعض الأصوليين بأنه لا يفيد الإجماع ما لم يصرح الصحابي بنقل الإجماع عن أهله، وهم أهل الحل والعقد.\n* * *","vol":"8","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3807>الباب الرابع\nفي طهارة الحائض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3808>الفصل الأول\nفي مخالطة الحائض وطهارة عرقها وسؤرها وثيابها</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- كل محدث فبدنه طاهر، وكل متنجس فحكمه لا يتعدى محل النجاسة ولا يتنشر إلى بقية البدن الطاهر، والحائض محدثة ومتنجسة.\n[م-٧١٦] لا خلاف بين العلماء في طهارة جسد الحائض، وعرقها، وسؤرها، وجواز النوم معها، وأكل طبخها، وعجنها، وما مسته من المائعات، ومساكنتها من غير كراهة، إلا خلافًا لا يثبت عن ابن عباس (^١)، وقولًا شاذًا لعبيدة السلماني (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3809>والأدلة على هذه المسألة كثيرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3810>الدليل الأول:</span>\n(١٦٢٢ - ٨٤) ما رواه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت،\n_________\n(^١) انظر المصنف لعبد الرزاق (١٢٣٤)، ومسند أحمد (٦/ ٣٣٢)، وسأخرج ما روى عنه إن شاء الله في القول الثاني.\n(^٢) انظر قوله منسوبًا ومخرجًا في أدلة القول الثاني.","vol":"8","page":233},{"text":"عن أنس ﵁ قال: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فقال ﷺ: اصنعوا كل شيء إلا النكاح فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أنه لم يجد عليهما (^١).\nوفي رواية للنسائي: وأن يصنعوا بهن كل شيء ما خلا الجماع (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3811>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٢٣ - ٨٥) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة أن زينب بنت أم سلمة حدثته،\nأن أم سلمة حدثتها قالت: بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي. قال: أنفست؟ قلت: نعم فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. والحديث رواه مسلم (^٣).\nقال النووي: «فيه جواز النوم مع الحائض، والاضطجاع معها في لحاف واحد إذا كان هناك حائل يمنع من ملاقاة البشرة فيما بين السرة والركبة، أو يمنع الفرج وحده عند من لا يحرم إلا الفرج.\nقال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٠٢).\n(^٢) سنن النسائي (٢٨٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٩٨)، مسلم (٢٩٦).","vol":"8","page":234},{"text":"السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها، غير ذلك من الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران. وكل هذا متفق عليه، وقد نقل الإمام\nأبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه، في مذاهب العلماء إجماع المسلمين على هذا كله، ودلائله من السنة ظاهرة مشهورة.\nوأما قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فالمراد: اعتزال وطئهن، ولا تقربوا وطأهن» (^١)، والله أعلم.\nوقال ابن قدامة في المغني: «كره النخعي الوضوء بسؤر الحائض، وقال جابر بن زيد: لا يتوضأ به للصلاة» (^٢).\nقلت: السؤر هو البقية من الشيء، فلعلهما قالا ذلك من أجل حديث: «نهى رسول الله ﷺ عن الوضوء بفضل المرأة» وفضل المرأة وسؤرها بمعنى واحد، لكن لا ينبغي أن يخص هذا بالحائض، بل هو حكم معلق بالمرأة سواء كانت طاهرةً أو جنبًا أو حائضًا وليس هذا موضع بحث هذه المسألة، والراجح أن النهي ليس للتحريم، وعليه فيكون تخصيص هذا بالحائض ليس سديدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3812>الدليل الثالث:</span>\n(١٦٢٤ - ٨٦) روى مسلم، من طريق مسعر وسفيان، عن المقدام بن شريح عن أبيه، عن عائشة، قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ. ولم يذكر زهير فيشرب (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٦٧).\n(^٢) المغني (١/ ٢٨٢).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٠٠).","vol":"8","page":235},{"text":"قال القرطبي: قولها: «(أتعرق العرْق): أي العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم، وهذه الأحاديث متفقة الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يجتنب إلا موضع الأذى فحسب (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3813>الدليل الرابع:</span>\n(١٦٢٥ - ٨٧) ما رواه مسلم من طريق ابن شهاب، عن عمرة،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج إلي رأسه من المسجد، وهو مجاور، فأغسله وأنا حائض. ورواه البخاري (^٢).\nقال الحافظ: «وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3814>الدليل الخامس:</span>\n(١٦٢٦ - ٨٨) ما رواه مسلم من طريق القاسم بن محمد،\nعن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ: ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (^٤).\nففي هذا الحديث دلالة على أنه لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى، فكما أن حيضتها ليست في يدها، فهي ليست في شيء من جسمها إلا موضع خروج الأذى. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3815>الدليل السادس:</span>\n(١٦٢٧ - ٨٩) ما رواه مسلم من طريق طلحة بن يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: سمعته،\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٥٥٩).\n(^٢) البخاري (٢٩٩)، ومسلم (٢٩٧).\n(^٣) الفتح في شرحه لحديث (٢٩٩).\n(^٤) صحيح مسلم (٢٩٨).","vol":"8","page":236},{"text":"عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض وعلي مرط وعليه بعضه إلى جنبه (^١).\nقال النووي في شرحه لمسلم:\n«وفيه جواز الصلاة بحضرة الحائض، وجواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلي وبعضه على حائض أو غيرها».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3816>الدليل السابع:</span>\n(١٦٢٨ - ٩٠) ما رواه أحمد (^٢) قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن جابر بن الصبح، قال: سمعت خلاسًا الهجري يقول:\nسمعت عائشة قالت: كنت أبيت أنا ورسول الله ﷺ في الشعار الواحد، وأنا طامث حائض، فإن أصابه مني شيء غسله، لم يعدُ مكانه وصلى فيه.\n[صحيح] (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥١٤).\n(^٢) المسند (٦/ ٤٤).\n(^٣) رجاله ثقات. وقال الأزدي عن جابر بن الصبح: لا تقوم به حجة. اهـ. تهذيب التهذيب (٢/ ٣٦).\nوالأزدي نفسه غير مرضي، ولم يتابع على ذلك.\nقال ابن معين: ثقة. كما في رواية إسحاق بن منصور عنه. الجرح والتعديل (٢/ ٥٠٠).\nوقال البخاري: سمع منه يحيى بن سعيد القطان، وقال: هو أحب إلى من المهلب بن أبي حبيبة. التاريخ الكبير (٢/ ٢٠٧).\nووثقه النسائي. تهذيب التهذيب (٢/ ٣٦). فالراجح أن إسناده صحيح.\nالحديث أخرجه أبو داود (٢٦٩، ٢١٦٦) ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (١/ ٣١٣) قال: حدثنا مسدد.\nوأخرجه النسائي (٢٨٤، ٣٧٢) أخبرنا محمد بن المثنى.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٨٠٢) حدثنا أبو موسى.\nوأخرجه الدارمي (١٠١٣) أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، ومن طريق أبي الوليد أخرجه النسائي (٧٧٣)، والدولابي في الكنى (١٣)، كلهم عن يحيى بن سعيد القطان به.","vol":"8","page":237},{"text":"قال ابن منظور في اللسان: «الشعار: ما ولي شعر جسد الإنسان، والجمع: أشعره، وشعر» (^١).\nوفي المثل: هم الشعار دون الدثار، يصفهم بالمودة والقرب.\nوفي حديث الأنصار: أنتم الشعار، والناس الدثار (^٢). أي أنتم الخاصة والبطانة كما سماهم عيبته، وكرشه، والدثار: الثوب الذي فوق الشعار».اهـ\nقلت: جاء في البخاري ومسلم، في قصة غسل ابنته زينب، وفي آخره: فألقى إلينا حقوه، فقال: (أشعرنها إياه) (^٣).\nفإذا كان الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد، وكانت تبيت هي ورسول الله ﷺ في شعار واحد، وهي حائض، فإما أن يقال: هذا بالنسبة لغالب الجسم؛ لأن عائشة لا بد أن تكون قد لبست الإزار، لأنه ثبت عن الرسول ﷺ أنه كان لا يباشر الحائض حتى تلبس الإزار. وقد يقال: إن هذا لمن أراد أن يباشر، وهو أخص من حالة النوم. والظاهر من حال النساء إذا حضن أن يلبسن على فروجهن ما يمنع انتشار النجاسة على سائر ثيابهن.\nفإن قيل: هذه الأدلة يعارضها حديث عائشة،\n(١٦٢٩ - ٩١) وهو ما رواه أبو داود (^٤)، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا الأشعث، عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شعرنا أو لحفنا.\nقال عبيد الله: شك أبي.\n_________\n(^١) اللسان (٤/ ٤١٢).\n(^٢) قوله: «أنتم شعار، والناس دثار». رواه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.\n(^٣) صحيح البخاري (١٢٥٤) ومسلم (٩٣٩).\n(^٤) سنن أبي داود (٣٦٧).","vol":"8","page":238},{"text":"[أنكره الإمام أحمد، والمعروف فيه ذكر اللحاف فقط] (^١).\nويجاب عن هذا الحديث:\nالجواب الأول:\nأن حديث عائشة كان لا يصلي في لحاف نسائه، قد أنكره الإمام أحمد أشد الإنكار.\nالجواب الثاني:\nأن ترك الصلاة في لحاف المرأة ليس بواجب، فقد ورد أنه كان يصلي وعليه ثوب، وبعضه على بعض نسائه، وهي حائض (^٢).\nالجواب الثالث:\nأن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض، وإنما الخلاف في الرجال، وهذا دليل على أن الحامل على الكراهة ليس النجاسة.\nجاء في فتح الباري لابن رجب: «قال أبو بكر الأثرم: أحاديث الرخصة أكثر وأشهر. قال: ولو فسد على الرجال الصلاة في شعر النساء لفسدت الصلاة فيها على النساء.\nوهذا الكلام يدل على أن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض بغير خلاف، إنما الخلاف في الرجال.\n_________\n(^١) انظر تخريجه ح: (١٥١٢).\n(^٢) اختار الشوكاني أن ترك لحاف النساء مستحب، وليس بواجب، ونقله عنه أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي (١/ ٤٩٧) فقال: «كل ذلك يدل على عدم وجوب تجنب ثياب النساء، وإنما هو مندوب فقط، عملًا بالاحتياط. وبهذا يجمع بين الأحاديث».\nوقيل: إن ذلك مباح، وهو ما اختاره أحمد شاكر، فقال متعقبًا لكلام الشوكاني: «لا دليل على الندب؛ لأنه لم يطلب ذلك في حديث نعلمه، وإنما كان تارة يفعل، وتارة يترك، وهو الجمع الصحيح بين الروايات، فهو أمر مباح».","vol":"8","page":239},{"text":"والأحاديث التي أشار إليها في الرخصة متعددة (^١).\nوخرج أبو داود وابن ماجه، عن ميمونة، قالت: إن النبي ﷺ صلى وعليه مرط، وعلى بعض أزواجه منه، وهي حائض، وهو يصلي، وهو عليه (^٢).\nوخرج الإمام أحمد من حديث حذيفة، قال: قام النبي ﷺ يصلي، وعليه طرف اللحاف، وعلى عائشة طرفه، وهي حائض لا تصلي (^٣).\nقال أبو عبيد في غريبه: الناس على هذا، يعني على عدم كراهيته». اهـ نقلًا من فتح الباري لابن رجب (^٤).\nالقول الثاني:\nقول ابن عباس وعبيدة السلماني بوجوب اعتزال الحائض (^٥).\n\nروي هذا عن ابن عباس، ولا يثبت عنه، وروي عن عبيدة السلماني وهو شاذ،<span data-type=\"title\" id=toc-3817> واستدلوا بما يلي:</span>\n_________\n(^١) رواه أبو يعلى (٤٨٠٢)، وأبو داود (٢٦٩)، والنسائي (٢٨٤) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن جابر بن صبح، قال: سمعت خلاسًا يحدث عن عائشة، وسنده صحيح.\n(^٢) رواه أحمد (٦/ ٣٣٠)، والحميدي (٣١٥)، وأبو يعلى (٧٠٩٥)، وأبو داود (٣٦٩)، وابن ماجه (٦٥٣)، وابن الجارود في المنتقى (١٣٣)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٨) ح ٩، وابن خزيمة (٧٦٨)، وأبو عوانة (١٤٢٦)، وابن حبان (٢٣٢٩)،، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٠٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة، وإسناده صحيح.\n(^٣) رواه يونس بن أبي إسحاق، واختلف عليه فيه، فرواه (٦/ ٣٢) حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا يونس بن عمرو، عن العيزار بن حريث، عن عائشة.\nورواه أحمد (٥/ ٤٠١) حدثنا وكيع، عن يونس، عن العيزار بن حريث، عن حذيفة.\nورواه أحمد (٥/ ٤٠٠) حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس، عن الوليد بن العيزار، قال: قال حذيفة. فاضطرب فيه يونس بن أبي إسحاق.\n(^٤) فتح الباري لابن رجب (٢/ ٨٧).\n(^٥) تفسير الطبري (٤٢٤٢، ٤٢٤٤).","vol":"8","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3818>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].\nواعتزال النساء: هو اعتزال لجميع بدنها، ومن باشرها لا يصدق عليه أنه اعتزلها.\nوأجيب:\nبأن الذي يوضح القرآن هو الرسول ﷺ، وقد بعثه الله ﷾ ليبين للناس ما نزل إليهم، وقد قال ﷺ في حديث أنس عند مسلم (^١): (اصنعوا كل شيء إلا النكاح). وسيأتي في بحث ما يحل للرجل من امرأته استقصاء الأدلة في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3819>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٣٠ - ٩٢) أخرج عبد الرزاق (^٢)، وأحمد (^٣)، وأبو داود (^٤)، والنسائي (^٥)، وابن جرير الطبري (^٦)، والبيهقي (^٧)، واللفظ للبيهقي، رووه كلهم من طريق الزهري، عن حبيب مولى عروة بن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ أخبرته\nأنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس في رسالة، فدخلت عليه فإذا فراشه معزول عن فراش امرأته، فرجعت إلى ميمونة فبلغتها رسالتها، ثم ذكرت ذلك. فقالت لها ميمونة: ارجعي إلى امرأته فسليها عن ذلك، فرجعت إليها فسألتها عن ذلك، فأخبرتها أنها إذا طمثت عزل فراشه عبد الله عنها، فأرسلت ميمونة إلى عبد الله ابن عباس فتغيظت عليه. وقالت: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ، فو الله إن كانت\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٠٢).\n(^٢) المصنف (١٢٣٤).\n(^٣) المسند (٦/ ٣٣٢، ٣٣٦).\n(^٤) السنن (٢٦٧).\n(^٥) سنن النسائي (١/ ١٨٩).\n(^٦) في التفسير (٤٢٤٣).\n(^٧) السنن الكبرى (١/ ٣١٣).","vol":"8","page":241},{"text":"المرأة من أزواجه لتأتزر بالثوب ما يبلغ أنصاف فخذيها، ثم يباشرها بسائر جسده.\n[ضعيف] (^١).\nوعلى فرض صحته فإنه لا يتوقع من ابن عباس ﵄ أن تبلغه سنة المصطفى ثم يبقى على رأيه المخالف لفعل الرسول ﷺ، بل والمخالف لقوله، فكونه لم يعترض على ميمونة دليل منه على التسليم والقبول لما أخبرته، وإذا رجحنا رجوعه عنه لم يبق قولًا له. والله أعلم.\nوقد ثبت عن ابن عباس خلافه بدليل أصح منه.\n(١٦٣١ - ٩٣) فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريق محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال: قال ابن عباس: إذا جعلت الحائضُ ثوبًا، أو ما يكف الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدها زوجها (^٢).\n[حسن] (^٣).\n_________\n(^١) في الإسناد حبيب مولى عروة، روى له مسلم حديثًا واحدًا، ولم يوثق، وفي التقريب: مقبول. يعني: إن توبع.\nقلت: إخراج مسلم حديثه يرفعه درجة، لكن في الإسناد ندبة مولاة ميمونة أيضًا، لم يرو عنها إلا حبيب وذكرها ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٨٧)، وفي التقريب مقبولة، يعني: في المتابعات.\nوذكرها الذهبي في المجهولات كما في الميزان (٤/ ٦١٠).\nفالإسناد ضعيف إلى ابن عباس.\n(^٢) تفسير الطبري (٤٢٥٢).\n(^٣) وهذا إسناد حسن، لولا أن أبا حاتم قال في الجرح والتعديل (٧/ت ١٠٤٢) رواية محمد بن إبراهيم بن الحارث عن ابن عباس مرسلة، لكنه قد توبع.\nفقد روى ابن أبي شيبة (١٦٨١٣) وابن جرير الطبري (٤٢٥٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٠٧): عن ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه. ويزيد ضعيف فهذه متابعة صالحة للطريق الأول.\nورواه ابن جرير الطبري (٤٢٥٤) من طريق الحكم بن فضيل، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوالحكم بن فضيل، وثقه يحيى بن معين في رواية، قال في أخرى: لا بأس به، كما وثقه أبو داود، وقال أبو زرعة: شيخ ليس بذاك. الجرح والتعديل (٣/ ١٢٦)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٢١)، لسان الميزان (٢/ ٣٣٧).\nوقال ابن عدي: هو قليل الرواية، وما تفرد به لا يتابعه عليه الثقات. الكامل (٢/ ٢١٥).\nفإذا أعملنا التعديل والجرح، قلنا: صدوق يخطئ كما يعمل ابن حجر في التقريب.","vol":"8","page":242},{"text":"وممن رأى هذا الرأي عبيدة السلماني:\n(١٦٣٢ - ٩٤) فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريقين، عن محمد ابن سيرين، قال: قلت لعبيدة السلماني:\nما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضًا، قال: الفراش واحد، واللحاف شتى (^١).\n[صحيح].\nوهذا موقوف عليه، ولا حجة في قول أحد مع قول الرسول ﷺ وفعله، وقول عبيدة لا يخرق الإجماع المؤيد بالسنة الصحيحة الصريحة ما دام أن الأمر لم يثبت عن ابن عباس.\nقال النووي: «وأما ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره، من أنه لا يباشر شيئًا منها بشيء منه فشاذ منكر غير معروف، ولا مقبول، ولو صح عنه لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة المشهورة، المذكورة في الصحيحين وغيرها من مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار، وإذنه في ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده» (^٢).\nوقال الشوكاني: «وأما ما يروى عن ابن عباس، وعبيدة السلماني، أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش امرأته إذا حاضت فليس بشيء» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٤٢٤٢، ٤٢٤٤).\n(^٢) شرح مسلم (٣/ ٢٠٤).\n(^٣) تفسير فتح القدير (١/ ٢٢٦).","vol":"8","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3820>الفصل الثاني في طهارة الحائض من الحدث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3821>المبحث الأول في حكم غسل المرأة من الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- قال تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فأضاف الفعل إليهن، وليس انقطاع الحيض من فعلهن، فدل على وجوب الاغتسال بعد الحيض.\n[م-٧١٧] اتفق العلماء على أن الغسل يجب من الحيض.\nلقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: ٢٢٢].\nوجه الاستدلال:\nأن المرأة يلزمها تمكين زوجها من الوطء، ولا يجوز ذلك إلا بالغسل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nفإن قيل: أين الدلالة من الآية على أنه لا يجوز الوطء إلا بعد الاغتسال؟","vol":"8","page":244},{"text":"فالجواب:\nأن الله ﷾ علق الحكم بجواز إتيان الزوجة بشرطين:\nالأول: انقطاع الدم لقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢].\nفقوله: (يَطْهُرْنَ) أي بانقطاع دم الحيض.\nالشرط الثاني: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) بالتشديد: أي اغتسلن؛ لأن كلمة (تطهر) تستعمل فيما يكتسبه الإنسان بفعله، وهو الاغتسال من الماء.\nوسيأتي تحرير الخلاف في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.\n(١٦٣٣ - ٩٥) وروى البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن عائشة ﵂، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إن ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي (^١).\nفقوله ﷺ: (ثم اغتسلي وصلي) أمر بالاغتسال، والأصل في الأمر الوجوب.\nوقال النووي: «أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض، وبسبب النفاس، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر، وابن جرير الطبري وآخرون» (^٢).\nنقل الإجماع جماعة، منهم الكاساني من الحنفية (^٣)، وابن مفلح من الحنابلة (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٥). وقد رواه الشيخان أيضًا بلفظ: (فاغسلي عنك الدم ثم صلي).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٦٨).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ١٣٨).\n(^٤) المبدع (١/ ١٨٥).","vol":"8","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3822>المبحث الثاني خلاف العلماء في الموجب للغسل</span>\n[م-٧١٨] اختلف العلماء في الموجب للغسل:\nهل الموجب خروج الدم؟ أم انقطاعه؟ أم إرادة الصلاة؟ أم الموجب الجميع (خروج الدم وانقطاعه وإرادة الصلاة)؟ إلى أقوال:\nفقيل: الموجب للغسل خروج الدم.\nاختاره بعض الحنفية (^١)، وقول العراقيين من الشافعية (^٢).\nوقيل: الموجب انقطاع دم الحيض.\nاختاره بعض الحنفية (^٣)، وأبو حامد من الشافعية (^٤)، وهو مفهوم كلام الخرقي (^٥).\nوقيل: الموجب للغسل خروج الدم، لكن الانقطاع شرط لصحته، وهو مذهب\n_________\n(^١) تبيين الحقائق للزيلعي (١/ ١٧)، البحر الرائق (١/ ٦٣)، العناية شرح الهداية مطبوع بهامش فتح القدير (١/ ٦٥)، البناية للعيني (١/ ٢٧٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٥).\n(^٢) انظر روضة الطالبين (١/ ٨١)، المجموع (٢/ ١٦٨)، مغني المحتاج (١/ ٦٩).\n(^٣) انظر البحر الرائق (١/ ٦٣)، وانظر المراجع السابقة للأحناف.\n(^٤) انظر المجموع (٢/ ١٦٨).\n(^٥) انظر المغني (١/ ٢٧٦)، والإنصاف (١/ ٢٣٨)، الفروع (١/ ٢٠٠).","vol":"8","page":246},{"text":"المالكية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقيل: الموجب للغسل إرادة القيام إلى الصلاة.\nاختاره بعض الحنفية (^٣)، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٤).\nوقيل: الغسل يجب بمجموع خروج الدم وانقطاعه والقيام إلى الصلاة. وهو وجه في مذهب الشافعية (^٥).\nتعليل من قال: الموجب للغسل خروج الدم:\nالتعليل الأول:\nقالوا: إذا خرج الدم فقد نقض الطهارة الكبرى، وإن لم يجب الغسل مع سيلان الدم؛ لأنه ينافيه، فإذا انقطع أمكن الغسل. فوجوبه من أجل الحدث السابق.\nالتعليل الثاني: أن الحيض أوجب الغسل من وجهين:\nالأول: من حيث كونه سببًا في منع الصلاة والصيام ونحوهما.\nالثاني: أننا لا يمكن أن نعتبر انقطاع الدم، وهو نوع من الطهارة موجبًا للطهارة، فمحال أن الطهارة توجب الطهارة، وإنما الموجب للطهارة هو النجاسة، إنما أجِّل الاغتسال إلى حين انقطاع الحيض، لأنه لا فائدة من الاغتسال حينئذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3823>دليل من قال: الموجب للغسل انقطاع الدم:</span>\nقالوا: لأن الدم ما دام باقيًا لا يمكن الغسل، وما لا يمكن لا يكون واجبًا.\n_________\n(^١) الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٣٠)، منح الجليل (١/ ١٢٣)، مواهب الجليل (١/ ٣٧٤)، الشرح الصغير (١/ ١٦٦)، أسهل المدارك (١/ ٦٥).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٤٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨١)، الفروع (١/ ٢٠٠)، الإنصاف (١/ ٢٣٨).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ٦٤).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٦٨)، الروضة (١/ ٨١).\n(^٥) انظر المراجع السابقة.","vol":"8","page":247},{"text":"ورد عليهم:\nبأن الحائض لا يمكنه الصيام بخروج الدم، وهو واجب عليها.\nولأن النجاسة حصلت بخروج الدم، فوجب التطهير عنده، إذ التنجس ووجوب التطهير متلازمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3824>دليل من قال: يجب بإرادة القيام إلى الصلاة:</span>\nولعل ملحظ هذا القول هو أن الإنسان لا تجب عليه الطهارة الصغرى والكبرى إلا إذا وجب عليه فعل عبادة تشترط لها الطهارة، فإذا طهرت المرأة بعد طلوع الشمس لم يجب عليها الاغتسال إلا عند إرادة فعل صلاة الظهر في وقتها، ولعلهم ذكروا الصلاة وأرادوا بها المثال. أي ومثل الصلاة سائر العبادات التي تشترط لها الطهارة، ولأن الحدث الأصغر والأكبر إنما أمرنا بالطهارة منهما عند القيام إلى الصلاة، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...) إلى قوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nوأدلة هذه القول مجموع أدلة جميع الأقوال السابقة، وهي أن خروج الدم موجب للحدث الأكبر، وانقطاعه وإرادة الصلاة موجبان للطهارة كذلك.\nوالراجح من هذه الأقوال:\nأن خروج الدم موجب للغسل، لكن انقطاعه شرط للصحة، وهذا الوجوب على التراخي، وليس على الفور، فإذا وجبت عبادة تشترط لها الصلاة وضاق وقتها ولم يبق من وقتها إلا ما يكفي للغسل والصلاة وجب الغسل حينئذ. والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3825>المبحث الثالث في صفة الغسل من المحيض</span>\nصفة الغسل من الحيض، كصفة الغسل من الجنابة إلا في أشياء يسيرة اختلف الفقهاء فيها وسوف نأتي على أحكام الغسل من الجنابة حكمًا حكمًا مبينًا ما هو فرض مما هو سنة؟ وخلاف العلماء في ذلك.\n* * *","vol":"8","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3826>الفرع الأول في اشتراط النية للطهارة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- العبادة المعقولة المعنى لا تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالطهارة من النجاسة، والعبادة المحضة غير المعللة تشترط لها النية قولًا واحدًا كالصلاة، والوضوء فيه شبه من العبادتين، والصحيح اشتراط النية له.\n- الأعمال كلها إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله قصدًا، فلا معنى للنية فيه، والمطلوب إما نواه أو أوامر، والنواهي كلها يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم يشعر بها، والنية فيها شرط للثواب لا في الخروج من العهدة.\nوالأوامر على قسمين: الأول منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، والودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فإن هذه الأفعال يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها.\nوالقسم الثاني من الأوامر ما تكون صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات، والطهارات، والصيام، والنسك، فإن المقصود منها تعظيمه تعالى بفعلها والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله ﷾، فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال (^١).\n_________\n(^١) انظر الذخيرة للقرافي (١/ ٢٤٥).","vol":"8","page":250},{"text":"[م-٧١٩] اختلف العلماء هل النية شرط في الطهارة من الحيض أم لا؟\nفقيل: النية شرط لطهارة الحدث الأصغر والأكبر، بالماء والتيمم.\nوهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في التيمم، وهو مذهب الحنفية (^٢).\nوقيل: يجزئ الوضوء، والغسل، والتيمم بلا نية، وهو قول الأوزاعي (^٣).\nوسبب اختلافهم بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة، أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط، كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى نية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3827>أدلة الجمهور على أن النية شرط:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3828>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)\n_________\n(^١) انظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ٩٣)، الخرشي (١/ ١٢٩)، الشرح الصغير (١/ ١١٤، ١١٥)، القوانين الفقهية (ص: ١٩)، منح الجليل (١/ ٨٤)، مواهب الجليل (١/ ٢٣٠)، الكافي (١/ ١٩)، وانظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٣٥٥)، الروضة (١/ ٤٧)، مغني المحتاج (١/ ٤٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٦)، الحاوي الكبير (١٨٧)، متن أبي شجاع (ص: ٥)، معونة أولي النهى شرح المنتهى (١٢٧٧)، الممتع شرح المقنع (١/ ١٧٦)، المحرر (١/ ١١)، كشاف القناع (١/ ٨٥)، المغني (١/ ١٥٦)، الكافي (١/ ٢٣)، المبدع (١/ ١١٦).\n(^٢) فتح القدير (١/ ٣٢)، البناية في شرح الهداية (١/ ١٧٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ٢٤)، بدائع الصنائع (١/ ١٩)، مراقي الفلاح (ص: ٢٩).\n(^٣) الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٧٠).\n(^٤) انظر بداية المجتهد (١/ ١٠٣).","vol":"8","page":251},{"text":"إلى أن قال: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ قد شرط في صفة فعل الطهارة الصغرى والكبرى إرادة الصلاة، والشرطية مأخوذة من لفظ: (إِذَا) في قوله: (إِذَا قُمْتُمْ) فإذا كان قد شرط إرادة الصلاة في فعل الطهارة كان من فعله مريدًا للتبرد، أو النظافة لم يفعله على الشرط الذي شرطه الله، وذلك يوجب أن لا يجزئه.\nوقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: ٦]، أي أردتم القيام إلى الصلاة، كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [النحل: ٩٨]، أي إذا أردت قراءته.\nقال ابن قدامة: «قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) أي للصلاة، كما يقال: إذا لقيت الأمير فترجل: أي له. وإذا رأيت الأسد فاحذر: أي منه» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3829>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٣٤ - ٩٦) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد ابن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:\nسمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. ورواه مسلم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقال النووي: «لفظة: (إنما) للحصر، وليس المراد صورة العمل، فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية، ودليل آخر، وهو قوله ﷺ: (وإنما\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٥٧).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٦٨٩)، ومسلم (١٩٠٧).","vol":"8","page":252},{"text":"لكل امرئ ما نوى) هذا لم ينو الوضوء، فلا يكون له» (^١).\nوقال ابن قدامة: «نفى أن يكون له عمل شرعي بدون نية» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3830>الدليل الثالث:</span>\nقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ) إلى قوله تعالى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي) [الزمر: ١١، ١٤].\nوالإخلاص: إنما هو النية، والوضوء من الدين، فوجب أن لا يجزئ بغير نية، والدليل على أن الوضوء من الدين:\n(١٦٣٥ - ٩٧) ما رواه مسلم من طريق أبي سلام،\nعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها (^٣).\nفإذا كان المقصود بالإيمان هو الصلاة كما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣]. والصلاة عبادة، فشطرها كذلك.\nوالوضوء مع كونه وسيلة لبعض العبادات، فهو عبادة مستقلة بنفسه أيضًا رتب الشارع عليها ثوابًا عظيمًا.\n(١٦٣٦ - ٩٨) فقد روى مسلم من طريق مالك بن أنس، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٥٦).\n(^٢) المغني (١/ ١٥٦).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٢٣).","vol":"8","page":253},{"text":"وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب (^١).\nفدل الحديث على أن الوضوء عبادة، والعبادات المحضة لا تصح إلا بنية، لأنها قربة إلى الله تعالى، وطاعة له، وامتثال لأمره، ولا يحصل ذلك بغير نية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3831>الدليل الرابع:</span>\nالقياس على طهارة التيمم، بجامع أن كلًا منها طهارة عن حدث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3832>الدليل الخامس:</span>\nالشريعة كلها إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله تعالى، فلا معنى للنية فيه، والمطلوب نواه وأوامر، فالنواهي يخرج الإنسان من عهدته وإن لم يشعر بها، فضلًا عن القصد إليها. فزيد المجهول حرم الله علينا دمه وعرضه، وقد خرجنا عن العهدة وإن لم نشعر به. نعم إن شعرنا بالمحرم ونوينا تركه حصل لنا الثواب مع الخروج من العهدة.\nوالأوامر منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كأداء الديون، والودائع، ونفقة الزوجات والأقارب، فإن المقصود من هذه الأمور انتفاع أربابه، وذلك لا يتوقف على قصد الفاعل، فيخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها.\nومنها ما لا يكون صورة فعله كافية في حصول المقصود كالصلوات، والصيام، والنسك، فإن المقصود منها تعظيم الله تعالى والخضوع له، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله، وهذا هو الذي أمر الشرع فيه بالنيات، والطهارة من هذا الباب (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٤٤).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ١٣٢).","vol":"8","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3833>أدلة من قال: إن النية ليست شرطًا في الوضوء وفي التيمم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3834>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) إلى قوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ أمر بالوضوء والغسل أمرًا مطلقًا دون قيد النية، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل، فمن غسل أعضاءه، ومسح رأسه فقد امتثل الأمر وصح وضوؤه، وكذلك من غسل بدنه (^١).\nونوقش:\nبأن القيام إلى الصلاة يعني القيام بقصد الصلاة، وهذه هي النية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3835>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].\nوجه الاستدلال:\nنهى الجنب عن قربان الصلاة إذا لم يكن عابر سبيل إلى غاية الاغتسال، وأطلق ولم يشترط النية، فيقتضي انتهاء حكم النهي عند الاغتسال، ولو لم يكن معه نية (^٢).\nويناقش:\nبأن اغتسال الجنب إذا قصد به الصلاة فقد نوى ما تشترط له الطهارة، وهذا كاف في تحصيل النية.\n_________\n(^١) انظر بدائع الصنائع (١/ ١٩).\n(^٢) انظر المرجع السابق، ونفس الصفحة.","vol":"8","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3836>الدليل الثالث:</span>\nقال تعالى بعد أن ذكر طهارة الوضوء والغسل:\n(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].\nوحصول الطهارة لا يقف على النية، بل على استعمال المطهر في محل قابل للطهارة (^١).\nيوضح ذلك أيضًا أن النية إن اعتبرت بجريان الماء على الأعضاء فهو حاصل نوى أو لم ينو. وإن اعتبر لإزالة الحدث المتعلق بالأعضاء فإن الخبث المتعلق بها أقوى من الحدث، وزوال هذا الأقوى لا يتوقف على النية، فكيف للأضعف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3837>الدليل الرابع:</span>\n(١٦٣٧ - ٩٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: \"إن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه، وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم. أو «ظلم وأساء» (^٢).\n[حسن] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nفهذا الرجل وهو أعرابي كما في بعض الروايات، كان يجهل الطهور، وقد سأل\n_________\n(^١) انظر بدائع الصنائع (١/ ١٩).\n(^٢) سنن أبي داود (١٣٥).\n(^٣) سبق تخريجه في المجلد الثالث، انظر ح: (٥٨٨).","vol":"8","page":256},{"text":"عن الوضوء فلو كانت النية من شرائطه التي يتوقف عليها صحة الوضوء لذكر النبي ﷺ النية له. فلما لم يذكرها علم أنها ليست بشرط.\nوأجيب:\nبأن النبي ﷺ قد علم المسيء صلاته كيفية الصلاة، ولم يذكر له النية، وقد قلتم بوجوبها للصلاة فما الفرق؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3838>الدليل الخامس:</span>\n(١٦٣٨ - ١٠٠) ما رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،\nعن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (إنما يكفيك) ساقه مساق الحصر، ولم يذكر النية.\nقلت: السؤال عن الكيفية، ولذا قال ﷺ لعمار،\n(١٦٣٩ - ١٠١) كما في البخاري، ومسلم (^٢) في صفة التيمم: (إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا) وذكر صفة التيمم، ولم يذكر له النية، وأنتم تقولون باشتراط النية في التيمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3839>الدليل السادس:</span>\nالقياس على إزالة النجاسة، فإذا كانت طهارة الخبث لا تتوقف على نية فعدم توقف طهارة الحدث على النية أولى؛ وإنما قلنا إن طهارة الخبث أولى؛ لأن سببها\n_________\n(^١) مسلم (٣٣٠).\n(^٢) البخاري (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨).","vol":"8","page":257},{"text":"وموجبها أمر حسي، وخبث مشاهد؛ ولأنه لا بدل لها من التراب، فقد ظهرت قوتها حسًّا وشرعًا.\nوأجيب:\nهناك فرق بين طهارة الحدث، وطهارة الخبث، فالأولى عبادة غير معقولة المعنى لاختصاصها بالأعضاء الأربعة، بخلاف طهارة الخبث؛ فهي معللة، وفي مكان الخبث.\nوطهارة الحديث من باب فعل المأمور، وطهارة الخبث من باب ترك المحظور، فالمطلوب التخلي منها، فهي من باب التروك، ولهذا لو صلى ناسيًا حدثه أعاد، بخلاف طهارة الخبث، فما كان من باب فعل المأمور وجبت له النية كالصلاة، وما كان من باب التروك لم تجب كالنجاسة وترك الزنا ونحوهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3840>الدليل السابع:</span>\nقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨]، فإذا كان الماء خلق طهورًا، فهذه صفته وطبيعته، كما خلق الماء مرويًا، وخلق مبردًا سائلًا، كل ذلك طبعه ووصفه الذي جعل عليه، فكما أنه لا يحتاج إلى النية في حصول الري والتبريد، فكذلك في حصول التطهير، فإذا كان الماء خلق طاهرًا، وطاهريته لا تتوقف على نية، فكذلك طهوريته (^١).\nويجاب:\nلا نقاش بأن الماء الأصل فيه أنه طهور، ولكن الطهارة منها ما هي عبادة غير معقولة المعنى يشترط لتحصيلها النية، وعبادة غير معقولة المعنى لا تشترط لها النية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3841>الدليل الثامن:</span>\nالمراد من الوضوء النظافة، والوضاءة، وقيام العبد بين يدي الرب ﵎\n_________\n(^١) بدائع الفوائد - ابن القيم (٣/ ١٨٦).","vol":"8","page":258},{"text":"على أكمل أحواله، مستور العورة، متجنبًا للنجاسة، نظيف الأعضاء وضيئها، وهذا حاصل بإتيانه بهذه الأفعال، نواها أو لم ينوها، يوضحه أن الوضوء غير مراد لنفسه، بل مراد لغيره، والمراد لغيره لا يجب أن ينوى؛ لأنه وسيلة. وإنما تعتبر النية في المراد لنفسه إذ هو المقصود المراد (^١).\nونوقش:\nكون الطهارة من الحدث وسيلة للعبادة لا يكفي في عدم اشتراط النية، ذلك أن الوسائل قسمان: وسيلة لغيره، وهي مقصودة بنفسها كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة لذاتها كإمرار الموسى على رأس الأقرع عند التحلل، فما كان من الأول وجبت له النية بخلاف الثاني فإنه غير مشروع على الصحيح.\nوقياس طهارة الحدث على طهارة الخبث لا يصح، كما تقدم، ولهذا تجد سبب الحدث ليس مرتبطًا في محل طهارة الحدث، فالبول والغائط سبب للحدث، ومحلهما الفرج قبلًا كان أو دبرًا، والطهارة من الحدث متعلقة بأربعة أعضاء، ليس منها ما هو سبب للحدث.\nوأما طهارة الخبث فهي معقولة المعنى، ومحل التطهير متعلق بمحل الخبث، لهذا كانت النية ليست شرطًا فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3842>دليل من قال: النية شرط في طهارة التيمم دون طهارة الماء:</span>\nأما أدلتهم في أن النية ليست شرطًا في طهارة الماء فذكرتها فيما سبق.\nوأما وجه التفريق بين التراب وطهارة الماء، فذكروا وجوهًا منها:\nالأول: أن التيمم في اللغة: القصد، وذلك يدل على اشتراط النية فيه، بخلاف الوضوء والغسل، فإن النية قدر زائد على مرور الماء على الأعضاء المغسولة، فإذا جرى الماء على أعضاء الوضوء، أو عم الماء جميع البدن فيصدق عليه أنه امتثل الأمر الشرعي\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ١٧٨).","vol":"8","page":259},{"text":"بقوله: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].\nوقوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [المائدة: ٦].\nفهذا الأمر تحصيله لا يتوقف على النية.\nالثاني: الماء مطهر بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجدت النظافة به على أي وجه كان فقد حصل المقصود، بخلاف التراب فإنه ملوث، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية.\nويجاب عن هذا بجوابين:\nالأول: أن يقال: وكذلك التراب ملوث بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد، فإذا وجد التلوث به على أي وجه كان فقد حصل المقصود.\nالوجه الثاني: لا نسلم أن التراب غير مطهر، فإنه قد ثبت أنه مطهر للحدث والخبث معًا،\nفالدليل على أنه مطهر من الأحداث قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].\nفنص على أن الغاية من مشروعية التيمم إرادة التطهير مع نفي الحرج عن هذه الأمة.\nومن السنة، قال رسول الله ﷺ كما في حديث جابر (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ...) الحديثَ، والحديث رواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥).","vol":"8","page":260},{"text":"فحكم الرسول ﷺ على أن الأرض جعلت طهورًا للمسلم.\nفهذا دليل على أن التراب مطهر للحدث، وأما طهارة الخبث بالتراب فذلك مثل الاستجمار، ومثل طهارة النعل بالتراب، وطهارة ذيل المرأة بمروره على تراب طاهر، فالقول بأن التراب غير مطهر مخالف لنصوص الكتاب والسنة، والتفريق بين الوضوء والتيمم، فلا تجب النية في طهارة الوضوء، وتجب النية في طهارة التيمم تفريق بين ما جمع الله ﷾، فقد جمع بينهما في آية المائدة، ذاكرًا ﷾ الوضوء بقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) إشارة إلى النية، وقال في التيمم (فَتَيَمَّمُوا) إشارة إلى قصد الصعيد، فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله، وقوله في غاية الضعف.\nالراجح:\nأن النية شرط في طهارة الحدث مطلقًا، سواء كان بالماء أو بالتراب، وليست شرطًا في طهارة الخبث، فإذا زال الخبث ولو بنفسه فقد طهر المحل، والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3843>الفرع الثاني في استحباب التسمية في غسل الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n- لا تشرع التسمية للدخول في الصلاة، وهي المقصودة من الطهارة، فوسيلتها (الوضوء والغسل) من باب أولى.\n- لم يرد ذكر للتسمية في الغسل من الجنابة، ولا في الغسل من الحيض، لا في حديث صحيح، ولا ضعيف.\n[م-٧٢٠] إذا توضأت قبل الغسل، فإن حكم التسمية في هذا الوضوء حكم التسمية في الوضوء، وقد فصلت الخلاف فيه في كتاب الوضوء، فانظره هناك، ورجحت قول مالك في رواية أن التسمية لا تشرع في الوضوء.\nوأما إذا لم تتوضأ المرأة في غسلها من الحيض، فهل تسمي الحيض؟ في هذا خلاف بين أهل العلم:\nفقيل: تستحب لها التسمية، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: مراقي الفلاح (ص: ٤٣) حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦) وقال في بدائع الصنائع: «وأما آدابه -يعني الغسل- فما ذكرنا في الوضوء» فجعل آداب الوضوء آدابًا للغسل، ومعلوم أن من آداب الوضوء عندهم التسمية. انظر البدائع (١/ ٣٥).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٢١٠)، مغني المحتاج (١/ ٧٣).","vol":"8","page":262},{"text":"وقيل: التسمية من الفضائل، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (^١).\nوقيل: تجب التسمية: وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nوالراجح أنها لا تشرع، وهي مخرجة على قول عند المالكية بعدم استحبابها في الوضوء (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3844>دليل الجمهور على استحباب التسمية:</span>\n(١٦٤٠ - ١٠٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله، فهو أبتر أو قال: أقطع (^٤).\n[إسناده ضعيف ومتنه مضطرب] (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3845>الدليل الثاني من القياس:</span>\nقالوا: إذا كانت التسمية مشروعة في الطهارة الصغرى كانت مشروعة في\n_________\n(^١) الشرح الصغير (١/ ١٧١)، القوانين الفقهية (ص: ٢٢)، المدخل لابن الحاج (٢/ ١٧٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٤٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٣).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٥٧)، معونة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٠٤)، كشاف القناع (١/ ١٥٤)، الروض المربع (١/ ٣٤٢).\nوفرق بعض المالكية بين الوضوء والغسل، فأوجبوا النية في الغسل دون الوضوء، ووجه التفريق عندهم: أن الوضوء فيه معنى النظافة؛ لكونه يتعلق بالأعضاء التي يتعلق بها الوسخ غالبًا، بخلاف الغسل. انظر التوضيح لخليل شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ١٧٥).\n(^٣) انظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١٢٢)، وقال في جامع الأمهات (ص: ٥٠): «الفضائل التسمية، وروي الإباحة، والإنكار». قال خليل في التوضيح (١/ ١٢٤): «رواية الإنكار: أهو يذبح؟ ما علمت أحدًا يفعل ذلك». اهـ وهذا وإن كان في الوضوء، فالقول في الغسل مخرجه عليه.\n(^٤) المسند (٢/ ٣٥٩).\n(^٥) سبق تخريجه، انظر المجلد السابع (ح ١٤٠٣).","vol":"8","page":263},{"text":"الطهارة الكبرى من باب أولى، لأنها صغرى وزيادة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3846>دليل الحنابلة على وجوب التسمية:</span>\nلما كان الحنابلة يوجبون التسمية في الطهارة الصغرى أوجبوها في الطهارة الكبرى من باب القياس (^٢).\nوالراجح أنها لا تشرع:\nأولًا: الأصل في العبادات الحظر، حتى يرد دليل صحيح على المشروعية، وأحاديث الاغتسال من الجنابة ومن الحيض ليس فيها ذكر التسمية (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤].\nواستحباب التسمية في كل شيء ليس على إطلاقه، فهناك أمور تكون التسمية فيها من البدع: كالتسمية للأذان، والتسمية للصلاة، والتسمية لرمي الجمرات، فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يسمي لهذه العبادات، فإذا لم ترد التسمية في غسل الجنابة لم تستحب في غسل الحيض؛ لأن صفة الغسل الواجبة فيهما واحدة، وقد ينفرد الحيض باستحباب بعض الأفعال الخاصة كما سيأتي إن شاء الله.\nوإليك بعض أحاديث الاغتسال من الحيض والجنابة، لترى أن التسمية لم ترد فيهما.\nالحديث الأول:\n(١٦٤١ - ١٠٣) ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث، عن عائشة، أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فَتَطَهَّر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه\n_________\n(^١) المبدع (١/ ١٩٤).\n(^٢) المرجع السابق.","vol":"8","page":264},{"text":"دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فَتَطَهَّرُ بها. فقالت أسماء وكيف تَطَهَّرُ بها؟ فقال: سبحان الله تطهرين بها. فقالت عائشة، وكأنها تخفي ذلك: تتبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تأخذ ماءً فتطهر فتحسن الطهور، أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليه الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (^١).\nورواه البخاري بأخصر من هذا (^٢).\nووجه الدلالة ظاهر، وهو أنه قد وقع هذا الحديث جوابًا عن كيفية الغسل من المحيض، وقد ذكر أمورًا مستحبة كالسدر، فلو كانت التسمية مشروعة لأرشد عليها النبي ﷺ.\nالحديث الثاني:\n(١٦٤٢ - ١٠٤) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده. ورواه مسلم (^٣).\nفهذه صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة وليس فيها ذكر البسملة.\nالحديث الثالث:\n(١٦٤٣ - ١٠٥) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال:\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٣٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٣١٤)، وسيأتي تخريجه في حكم الوضوء لغسل الجنابة: ح: (١٦٤٧).\n(^٣) البخاري (٢٧٢) ومسلم (٣١٦).","vol":"8","page":265},{"text":"حدثتني خالتي ميمونة، قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ بها على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بمنديل فرده. ورواه البخاري (^١).\nوهذا الحديث كغيره ليس فيه التسمية، فيبعد أن تكون التسمية مشروعة ثم لا تنقل من قوله ﷺ ولا من فعله.\nالحديث الرابع:\n(١٦٤٤ - ١٠٦) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجناية؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأس ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^٢).\nوهذا الحديث كغيره ليس فيه ذكر للتسمية.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٧) ومسلم (٣١٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٣٠).","vol":"8","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3847>الفرع الثالث في وضوء الغسل</span>\nالمسألة الأولى حكم الوضوء في الغسل الواجب\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- الأصغر يندرج في الأكبر.\n[م-٧٢١] اختلف العلماء في حكم الوضوء في الحدث الأكبر كالحيض والجنابة.\nفقيل: الوضوء سنة.\nوهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: فتح القدير (١/ ٥٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦)، البناية (١/ ٢٥٨)، البحر الرائق (١/ ٥٢)، وانظر في مذهب المالكية: مختصر خليل (ص: ١٥)، منح الجليل (١/ ١٢٨)، الكافي (ص: ٢٤)، الشرح الصغير (١/ ١٧٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٦)، القوانين الفقهية (ص: ٢٣)، ونظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٢١٥)، روضة الطالبين (١/ ٨٩)، مغني المحتاج (١/ ٧٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٥)، وانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ١٥٢) الإنصاف (١/ ٢٥٢)، معونة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٠٣)، الممتع شرح المقنع (١/ ٢٣٣)، المغني (١/ ٢٨٧)، الفروع (١/ ٢٠٤).","vol":"8","page":267},{"text":"وقيل: الوضوء شرط في صحة الغسل، وهو رأي داود الظاهري (^١).\nوقيل: سنة في غسل الجنابة، وليس مشروعًا في غسل الحيض، وهو اختيار ابن حزم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3848>أدلة الجمهور على أن الوضوء في الغسل سنة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3849>الدليل الأول:</span>\nلم يذكر الوضوء في القرآن، بل قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، ولو كان الوضوء واجبًا لذكره الله ﷾ في كتابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3850>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٤٥ - ١٠٧) ما رواه البخاري من حديث طويل، في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، فقال له الرسول ﷺ: خذ هذا فأفرغه عليك (^٣).\nولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي ﷺ له، ولم يطلب منه الرسول ﷺ إلا مجرد إفراغه عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3851>الدليل الثالث:</span>\n(١٦٤٦ - ١٠٨) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله ابن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^٤).\n_________\n(^١) انظر المجموع (٢/ ٢١٥) الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي (ص: ٤٩٦).\n(^٢) المحلى (المسألة ١٨٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٣٧).\n(^٤) صحيح مسلم (٣٣٠).","vol":"8","page":268},{"text":"وجه الدلالة:\nعبر بـ (إنما) الدالة على الحصر، واكتفى بالإفاضة ولم يذكر الوضوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3852>الدليل الرابع:</span>\nحكى بعضهم الإجماع على عدم وجوب الوضوء.\nقال الحافظ في الفتح: «قام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب» (^١).\nوقال ابن عبد البر: الله ﷿ إنما فرض على الجنب الغسل دون الوضوء، بقوله ﷿: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]، وقوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦] (^٢).\nولا تصح دعوى الإجماع مع خلاف داود الظاهري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3853>دليل من قال: الوضوء شرط في صحة الغسل:</span>\nلعل داود الظاهري رأى أن قوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nفقوله سبحانه: (فَاطَّهَّرُوا) أمر، والأصل في الأمر الوجوب، وهو مجمل، وكل فعل يقع بيانًا لهذا المجمل يكون له حكم المجمل، فيكون واجبًا مثله.\nوهذا الاستدلال ممكن أن يسلم لو أنه لم يأت عن النبي ﷺ ما يدل على صحة الغسل بلا وضوء، كحديث الأعرابي، وحديث أم سلمة، وقد سقناهما في أدلة الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3854>دليل ابن حزم على أن الوضوء لا يشرع في غسل الحيض:</span>\nرأى ابن حزم أن الدليل الذي جاء فيه ذكر الوضوء في غسل الحيض كان عن طريق إبراهيم بن المهاجر وهو ضعيف. ولا يرى ابن حزم قياس الحيض على الجنابة (^٣).\n_________\n(^١) في شرحه لحديث (٢٥٩).\n(^٢) التمهيد (٣/ ٤١٥) كما في فتح البر.\n(^٣) انظر المحلى المسألة (١٨٩).","vol":"8","page":269},{"text":"والحديث الذي ضعفه ابن حزم رواه ابن أبي شيبة، قال:\n(١٦٤٧ - ١٠٩) حدثنا أبو الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية ابنة شيبة، عن عائشة قالت: دخلت أسماء بنت شكل على رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟\nقال: تأخذ سدرتها وماءها فتوضأ، وتغسل رأسها وتدلكه حتى تبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض الماء على جسدها، ثم تأخذ فرصتها فتطهر بها. فقالت: يا رسول الله كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها. قالت: عائشة: فعرفت الذي يكني عنه فقلت لها تتبعي أثر الدم (^١). [صحيح، وذكر الوضوء فيه حسن] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٨٦٤).\n(^٢) الحديث مداره على صفية بنت شيبة، عن عائشة.\nويرويه عنها اثنان:\nالأول: ابنها منصور، وروايته مخرجة في الصحيحين، وفي غيرهما، وليس في روايته ذكر الوضوء.\nالثاني: إبراهيم بن مهاجر، وقد زاد فيه ذكر الوضوء، وتارة يذكر الوضوء بلفظ مجمل، يحتمل أنه أراد الوضوء، ويحتمل أنه أراد به إزالة النجاسة. وتارة يصرح بذكر الوضوء كما في رواية أبي الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر عند أبي داود (٣١٤) وابن شيبة (١/ ٧٨) ح ٨٦٤.\nفرواية مسلم (٦١ - ٣٣٢) قال: (تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا ..) الحديث.\nفقوله: (فتطهر فتحسن الطهور) جاء في شرح النووي (٤/ ٢١):\n(التطهر الأول تطهر من النجاسة، وما مسها من دم الحيض، هكذا قال القاضي عياض قال: والأظهر والله أعلم أن المراد بالتطهر الأول الوضوء).\nقلت: حمله على الوضوء أولى كما جاء مفصلًا في رواية أبي الأحوص التي قدمناها في الباب ولفظها: (تأخذ سدرتها وماءها، فتوضأ، وتغسل رأسها).\nوإذا كان الراجح ذلك، ولم يأت ذكر الوضوء إلا في رواية إبراهيم بن مهاجر مخالفًا من هو أوثق منه أعني منصورًا فهل تعتبر زيادته محفوظة؟ أو تعتبر شاذة لمخالفتها لمن هو أوثق؟ خاصة أن إبراهيم بن مهاجر أيضًا قد زاد فيه صفة الغسل أيضًا، ولم يذكر في رواية منصور. =","vol":"8","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا شك أن منصورًا مقدم على إبراهيم بن مهاجر في الحفظ والإتقان، فمنصور أخرج له الشيخان، أما إبراهيم بن مهاجر فقد تجنبه البخاري، وتكلم فيه جماعة، وإليك أهم ما قيل فيه:\nقال أحمد: ليس به بأس. وكذا قال الثوري. الجرح والتعديل (٢/ ١٣٢).\nوقال النسائي في موضع آخر: لا بأس به. تهذيب الكمال (٢/ ٢١١).\nوقال النسائي ويحيى القطان: ليس بالقوي. الجرح والتعديل (٢/ ١٣٢)، الضعفاء والمتروكين (٧).\nوضعفه يحيى بن معين، وقال ابن عدي: ... حديثه يكتب في الضعفاء. الكامل (١/ ٢١٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي، هو وحصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، فمحلهم عندنا محل الصدق، يكتب حديثهم، ولا يحتج بحديثهم. قلت لأبي: ما معنى لا يحتج بحديثهم؟\nقال: كانوا أقوامًا لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيغلطون. ترى في حديثهم اضطرابًا ما شئت. الجرح والتعديل (٢/ ١٣٢).\nوقال الدارقطني: حدث بأحاديث لا بتابع عليها. تهذيب التهذيب (١/ ١٤٦).\nوفي التقريب: صدوق، لين الحفظ.\nهذا ما قيل في إبراهيم بن مهاجر، فهل ترى زيادته الوضوء في حديث صفية شاذة. لمخالفته منصورًا وهو أوثق منه؟ فإن حكمنا بشذوذ الزيادة فإن مشروعية الوضوء لغسل الحيض ثابت في قياسه على غسل الجنابة. وإن حكمنا بحفظها فالأمر ظاهر.\nونفسي تميل إلى كون الوضوء محفوظًا في رواية إبراهيم، لأن رواية منصور فيها اختصار.\nفلفظ البخاري من حديث منصور عن أمه عن عائشة (٣١٥): أن امرأة من الأنصار قالت للنبي ﷺ: كيف أغتسل من المحيض؟ قال: خذي فرصة ممسكة فتوضئي ثلاثًا، ثم إن النبي ﷺ استحيى وأعرض بوجهه، أو قال: توضئي بها، فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النبي ﷺ، فهنا الصحابية ﵂ سألت النبي ﷺ عن كيفية الاغتسال من المحيض، واقتصر منصور في روايته عن أمه بذكر تطهير الفرج، وهو لا يكفي في الغسل من المحيض.\nويبعد أن تسأل المرأة عن صفة الغسل من المحيض ولا يجيبها إلا على تطهير الفرج من أثر الدم، فالباحث هنا يجزم بوقوع اختصار في رواية منصور، وترجمة البخاري تشير إلى قبول ما ورد من الحديث ممن ليس على شرطه، ولهذا ترجم البخاري للحديث بثلاثة أشياء، دلك المرأة نفسها عند غسل الحيض، والثاني كيف تغتسل والثالث أخذها فرصة ممسكة، قال ابن رجب ﵀ في شرح البخاري (٢/ ٩٤) وليس في حديث منصور سوى الفرصة الممسكة، ولكنه أشار إلى أن الحكمين الآخرين قد رويا في حديث صفية عن عائشة من وجه آخر لكن ليس هو على شرطه، فخرج الحديث بالإسناد الذي على شرطه، ونبه بذلك على الباقي. =","vol":"8","page":271},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قلت: فاعتماد البخاري صفة الغسل في فقه ترجمته ذهاب منه إلى تصحيح ما ورد في طريق إبراهيم بن مهاجر.\nبل جاء في مسلم (٦٠ - ٣٣٢) من طريق سفيان عن منصور الإشارة إلى تعمد الاختصار ولفظه: عن عائشة قالت: سألت امرأة النبي ﷺ كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: فذكرت أنه علمها كيف تغتسل، ثم تأخذ فرصة من مسك فتطهر بها.\nفقولها: (علمها كيف تغتسل ثم تأخذ فرصة من مسك) إشارة إلى أن رواية منصور لم تقتصر على ذكر تطهير الفرج بفرصة من مسك. وأنه طوى صفة الغسل للعلم به، ولفظ النسائي (٢٥١): فأخبرها كيف تغتسل ثم قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها.\nتخريج الحديث:\nالحديث مداره على صفية بنت شيبان، عن عائشة، ورواه عن صفية اثنان: الأول: منصور، عن صفية بنت شيبان.\nرواه سفيان كما في مسند الحميدي (١٦٧) وصحيح البخاري (٣١٤)، وصحيح مسلم (٣٣٢)، وسنن النسائي (٢٥١) ومستخرج أبي عوانة (١/ ٣١٧)، وصحيح ابن حبان (١١٩٩)، وسنن البيهقي (١/ ١٨٣)، ووهيب، كما في مسند أحمد (٦/ ١٢٢)، وصحيح البخاري (٣١٥)، وصحيح مسلم (٣٣٢)، وسنن النسائي (٤٢٧)، والفضل بن سليمان، كما في صحيح البخاري (٧٣٥٧)، وصحيح ابن حبان (١٢٠٠)، كلهم عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن أمه صفية بنت شيبة، عن عائشة.\nالطريق الثاني: إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة به فيرويه جماعة عنه منهم أبو عوانة، وأبو الأحوص، وشعبة، وإسرائيل، وقيس بن الربيع. يزيد بعضهم على رواية بعض. وإليك تخريج رواياتهم:\nفرواه قيس بن الربيع كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٥٦٣).\nوأبو عوانة كما في مسند أحمد (٦/ ١٨٨)، وسنن أبي داود (٣١٥).\nوأبو الأحوص كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨٦٤)، وسنن أبي داود (٣١٤)، وساق مسلم سند أبي الأحوص (٢٣٢) ولم يذكر لفظه.\nوشعبة كما في مسند أحمد (٦/ ١٤٧)، وصحيح مسلم (٦١ - ٢٣٢)، وسنن أبي داود (٣١٦)، وسنن ابن ماجة (٦٤٢)، وسنن البيهقي (١/ ١٨٠).\nوإسرائيل كما في سنن الدارمي (٧٧٣) وسنن ابن الجارود في المنتقى (١١٧)، كلهم عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة به.","vol":"8","page":272},{"text":"المسألة الثانية في موضع الوضوء من الاغتسال\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n- الوضوء في الجنابة قبل الاغتسال، وغسل الحيض مقيس عليه.\n[م-٧٢٢] أما في الجنابة فالأحاديث صريحة في أن الوضوء قبل الاغتسال.\nوأما في الحيض فهل يكون الوضوء قبل الاغتسال أم بعده؟\nفالأصل أن الحيض مقيس على الجنابة، لكن قال ابن رجب: «وقال يعقوب ابن بختان: سألت أحمد عن الحائض متى تتوضأ؟ قال: إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت، وإن شاءت اغتسلت ثم توضأت.\nوظاهر هذا أنها مخيرة بين تقديم الوضوء وتأخيره، فإنه لم يرد في السنة تقديمه كما في غسل الجنابة، وإنما ورد في حديث أبي الأحوص عن إبراهيم بن المهاجر: (توضأ وتغسل رأسها وتدلكه) بالواو، وهي لا تقتضي ترتيبًا، فيحصل من هذا أن غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة من وجوه.\nأحدها: أن الوضوء في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره، وغسل الجنابة","vol":"8","page":273},{"text":"السنة تقديم الوضوء فيه على الغسل» (^١).\nقلت: حديث أبي الأحوص جاء بالترتيب أيضًا في رواية أبي داود، قال:\n(١٦٤٨ - ١١٠) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا سلام بن سليم، عن إبراهيم ابن مهاجر، عن صفية بنت شيبة،\nعن عائشة، قالت: دخلت أسماء على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ فقال: تأخذ سدرتها وماءها فتوضأ، ثم تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها .. وذكر الحديث (^٢).\nفقوله: (توضأ ثم تغسل رأسها) دليل على تقديم الوضوء على الغسل، إلا أن الحديث قد رواه البغوي من طريق أبي داود نفسه (^٣)، ورواه ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص به (^٤) بلفظ: (توضأ وتغسل رأسها) ورواية (الواو) لا تعارض رواية (ثم) خاصة أنه قد قدم الوضوء بالذكر، وعلى فرض أن الترتيب بين الوضوء والاغتسال لم يرد في الحيض، فإنه مقيس على الجنابة.\nولا أرى لها أن تتوضأ بعد الاغتسال إذا لم تتوضأ قبله؛ لأنه لم يرد عن الرسول ﷺ أنه توضأ بعد غسله من الجنابة، والغسل وحده كاف في رفع الحدث إلا إن مست فرجها فقد انتقضت الطهارة الصغرى ومس الفرج على الراجح ناقض للوضوء مطلقًا سواء كان بشهوة أم بغير شهوة.\n* * *\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٩٨).\n(^٢) سنن أبي داود (٣١٤)، وانظر ح: (١٦٤٧).\n(^٣) شرح السنة (٢٥٣).\n(^٤) المصنف (١/ ٧٨).","vol":"8","page":274},{"text":"المسألة الثالثة\nفي غسل أعضاء الوضوء مرة ثانية في الغسل\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لم يحفظ في وضوء الغسل من الجنابة تكرار لغسل أعضائه.\n• التكرار في الغسل لا فضيلة فيه إلا في غسل الكفين وفاقًا، وغسل الرأس على قول.\n• إذا توضأ الجنب والحائض قبل الغسل نوى بوضوئه الجنابة، ولا يلزمه إعادة غسل أعضاء الوضوء عند الاغتسال.\n[م-٧٢٣] إذا توضأت المرأة لغسل الحيض، فهل تغسل بقية بدنها دون أعضاء الوضوء؟ أو يلزمها غسل بدنها مع أعضاء الوضوء؟ فتكون غسلت أعضاء الوضوء مرتين، مرة في الوضوء، ومرة في الغسل. هاتان مسألتان:\nالأولى: هل تكرر غسل أعضاء الوضوء مرة في الوضوء، ومرة في الغسل.\nوالثانية: هل يشرع التثليث في غسل البدن، بحيث يغسل بدنه ثلاثًا عند الغسل.\nوسوف أناقش المسألة الأولى أعني: هل تكرر غسل أعضاء الوضوء مرة في الوضوء، ومرة في الغسل، وأما المسألة الثانية فسوف يأتي الحديث عنها في مبحث خاص.","vol":"8","page":275},{"text":"(١٦٤٩ - ١١١) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بين شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ورواه مسلم (^١).\nفقولها: (ثم غسل سائر جسده) أي بقية جسده، وقد ذكر الزبيدي: أن كلمة سائر الناس: أي الباقي من الناس (^٢).\nوله شاهد من حديث ميمونة من رواية مسلم له، في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة.\n(١٦٥٠ - ١١٢) وفيه: (ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده) (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٢)، ومسلم (٣١٦).\n(^٢) انظر تاج العروس (٦/ ٤٨٩). وفي حديث أبي موسى في البخاري (٣٤١١) ومسلم (٢٤٣١)، قال: قال رسول الله ﷺ: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. فمعنى (سائر الطعام) أي على بقيته.\nوقال ابن الأثير في النهاية (٢/ ٣٢٧): «والسائر: الباقي، والناس يستعملونه بمعنى الجميع، وليس بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء». اهـ\nوذكر الزبيدي في تاج العروس (٦/ ٤٨٩) إلى أن في السائر قولين:\nالأول: وهو قول الجمهور من أئمة اللغة وأرباب الاشتقاق أنه بمعنى الباقي، ولا نزاع فيه بينهم، واشتقاقه من السُّوْر، وهو البقية.\nوالثاني: أنه بمعنى الجميع، وقد أثبته جماعة وصوبوه، وإليه ذهب الجوهري، والجواليقي، وحققه ابن بري في حواشي الدرة، وأنشد عليه شواهد كثيرة، وأدلة ظاهرة، وانتصر لهم الشيخ النووي في مواضع من مصنفاته، وسبقهم إمام العربية أبو علي الفارسي، ونقله بعضٌ عن تلميذه ابن جني ... إلخ كلامه ﵀. ولا مانع أن يكون معنى كلمة (سائر) مشتركًا بين المعنيين، والأصل فيها أن تكون بمعنى الباقي إلا إن دلت قرينة على أن المراد بمعنى سائر: الكل فيقبل.\n(^٣) مسلم له (٣١٧).","vol":"8","page":276},{"text":"وقال ابن رجب: الجنب له حالتان:\nإحداهما: أنه لا يلزمه سوى الغسل، وهو من أجنب من غير أن يوجد منه حدث أصغر، فهذا لا يلزمه أكثر من الغسل، فإن بدأ بأعضاء الوضوء فغسلها لم يلزمه سوى غسل بقية بدنه بغير تردد، وينوي بوضوئه الغسل لا رفع الحدث الأصغر، وهو ظاهر.\nالثاني: أن يجتمع عليه حدث أصغر وجنابة، كأن يحدث، ثم يجنب، فهل يتداخل الوضوء مع الغسل أم لا؟ في ذلك خلاف بين العلماء». اهـ بتصرف (^١).\nقلت: وملخص الأقوال في المسألة كالآتي:\nقيل: إذا نوى الطهارة الكبرى، أجزأه عن نية الطهارة الصغرى، وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\nوقيل: يجزئ ولو لم ينو أحدهما، باعتبار أن النية ليست بشرط، وهو مذهب الحنفية (^٤).\nوقيل: لا تتداخل الطهارتان الكبرى والصغرى إلا بنية، فعلى هذا إما أن يتوضأ قبل الغسل أو ينوي بغسله الطهارة من الحدثين، وهو مذهب الحنابلة (^٥)، ووجه في مذهب الشافعية (^٦).\nوقيل: يجب الوضوء، إما قبل الغسل وإما بعده، ولا تتداخل النيتان، وسواء\n_________\n(^١) في شرحه للبخاري (١٣٥٢).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ١٤٠)، فتح البر بترتيب تمهيد ابن عبد البر (٣/ ٤١٥) القوانين الفقهية (ص: ٢٣)، شرح الزرقاني لمختصر خليل (١/ ١٠٥)، مختصر خليل (ص: ١٥)، منح الجليل (١/ ١٣٢)، التاج والإكليل المطبوع بهامش مواهب الجليل (١/ ٣١٨).\n(^٣) الأم (١/ ٤٠)، المجموع (٢/ ٢٢٣)، الحاوي الكبير (١/ ٢٢١)، روضة الطالبين (١/ ٥٤، ٨٩).\n(^٤) البناية (١/ ١٧٣)، تبيين الحقائق (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ٢٤)، بدائع الصنائع (١/ ١٩).\n(^٥) كشاف القناع (١/ ١٣١)، المحرر (١/ ٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٨)، الإنصاف (١/ ٢٥٩)، المبدع (١/ ٢٠٠، ٢٠١)، الفروع (١/ ٢٠٥)، المغني (١/ ٢٨٩).\n(^٦) المجموع (٢/ ٢٢٣)، روضة الطالبين (١/ ٥٤، ٨٩).","vol":"8","page":277},{"text":"وجد منه الحدث الأصغر أو لم يوجد، وهو رواية في مذهب أحمد (^١)، ووجه في مذهب الشافعية (^٢).\nوعلى هذه الرواية تغسل أعضاء الوضوء مرتين، مرة في الوضوء، ومرة في الغسل.\nوقيل: يجب الوضوء وغسل بقية البدن، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣).\nوفرق ابن حزم بين غسل الجنابة وبين غيره كغسل الجمعة ونحوها فقال في غسل الجنابة: إذا نوى الوضوء أجزأه، وإن لم ينوه لم يجزه، وقال في غيره من الاغتسالات: لا بد أن يأتي بالوضوء مفردًا بنية الوضوء (^٤).\nهذا ملخص الأقوال في المسألة، وإليك الأدلة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3855> دليل القائلين بأن نية الطهارة الكبرى تجزئ عن نية الصغرى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3856>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].\nوجه الاستدلال:\nجعل الله ﷾ الغسل غاية المنع من الصلاة، فإذا اغتسل يجب ألا يمنع منها، ولو كانت نية الحدث الأصغر شرطًا لذكرها سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3857>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٥١ - ١١٣) ما رواه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه:\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٢٠٥)، الإنصاف (١/ ٢٥٩).\n(^٢) الروضة (/٥٤)، المجموع (٢/ ٢٢٣).\n(^٣) انظر المصدر السابق.\n(^٤) المحلى المسألة (١٩٥).","vol":"8","page":278},{"text":"قال النبي ﷺ للرجل الذي أصابته جنابة: خذ هذا فأفرغه عليك (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن هذا الرجل كان يجهل التيمم حتى أخبره ﷺ، فلو كانت نية الحدث الأصغر شرطًا لأخبره النبي ﷺ؛ لأن جهله بذلك قد يكون أولى من جهله مشروعية التيمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3858>الدليل الثالث:</span>\n(١٦٥٢ - ١١٤) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،\nعن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (إنما يكفيك) فهذا دليل على الحصر، وقوله: (فتطهرين) الطهارة هنا مطلقة، فتشمل جميع أنواعها، الصغرى والكبرى، فدل على أن فعلها هذا يجزئ في حصول الطهارة ولو كانت نية الحدث الأصغر شرطًا لبينه لها النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3859>الدليل الرابع:</span>\n(١٦٥٣ - ١١٥) ما رواه أحمد من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد،\nعن جبير بن مطعم قال: تذاكر غسل الجنابة عند النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: أما أنا فآخذ ملء كفي ثلاثًا، فأصب على رأسي، ثم أفيضه بعد على سائر جسدي (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٣٤٤).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٣٠).\n(^٣) المسند (٤/ ٨١).","vol":"8","page":279},{"text":"وقد صرح أبو إسحاق بالتحديث عند البخاري (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3860>الدليل الخامس:</span>\n(١٦٥٤ - ١١٦) ما رواه عبد الرزاق (^٢)، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر\nأنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير.\n[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (^٣).\nوجه الاستدلال من الحديث:\nقوله ﷺ: فليمسه بشرته ولم يذكر اشتراط نية الحدث الأصغر، فإذا مسه بشرته فقد تطهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3861>الدليل السادس:</span>\nحكى بعض العلماء الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، قال ابن عبد البر: «الله ﷿ إنما فرض على الجنب الغسل دون الوضوء ... وهذا إجماع لا خلاف فيه بين العلماء» (^٤).\n_________\n(^١) الحديث في البخاري (٢٥٤)، ومسلم (٣٢٧) دون قوله: (ثم أفيض بعد على سائر جسدي).\nولفظ مسلم عن جبير بن مطعم قال: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ، فقال بعض القوم: أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف. اهـ ولفظ الصحيحين لا دلالة فيه على مسألتنا، لكن لفظ أحمد ظاهر الدلالة، ولو كان هو الدليل الوحيد في المسألة لحققت هل زيادة أحمد محفوظة أو شاذة؟ ولكن الأدلة في هذه المسألة كما قرأت كثيرة مستفيضة.\n(^٢) المصنف (٩١٣).\n(^٣) سبق تخريجه في المجلد الأول، انظر (ح: ٣١).\n(^٤) التمهيد، كما في فتح البر (٣/ ٤١٥).","vol":"8","page":280},{"text":"وقال في الفتح: «نقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل. قال الحافظ: «وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور، وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للحدث» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3862>الدليل السابع:</span>\nمن حيث التعليل، قالوا: بأنهما عبادتان من جنس واحد، فتدخل الصغرى في الكبرى كما لو حج قارنًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3863> دليل الحنفية بأن نية الحدث الأصغر والأكبر ليست واجبة:</span>\nذكرت أدلة الحنفية في خلاف العلماء عن حكم النية في الاغتسال من الحيض، وأجبت عنها، فارجع إليها، فلا داعي لإعادتها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3864> دليل الحنابلة على وجوب الوضوء أو نيته في غسل الحيض:</span>\n(١٦٥٥ - ١١٧) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على المنبر، قال سمعت رسول الله ﷺ، يقول:\nإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأنه إذا لم ينو الحدث الأصغر لم يصح منه؛ لأن الحديث صريح بأن صحة الأعمال متوقفة على النية، وأن لكل امرئ ما نوى، وما دام أنه لم ينوه فكيف يحسب له عمل.\nواستثنوا الموت، فإنه يجب غسل الميت، والوضوء في غسله سنة فقط.\n_________\n(^١) في شرحه لحديث (٢٤٨).\n(^٢) رواه البخاري (١)، واللفظ له، ورواه مسلم (١٩٠٧).","vol":"8","page":281},{"text":"• وعللوا هذا الاستثناء:\nبأن غسل الميت تعبد، وليس عن حدث، لأنه لو كان حدثًا لم يرتفع مع بقاء سببه كالحائض لا تغتسل مع جريان الدم، وليس غسل الميت عن نجاسة، لأنه لو كان عنه لم يطهر مع بقاء سبب التنجيس، وهو الموت، وكون الوضوء مستحبًا في حق الميت.\n(١٦٥٦ - ١١٨) لما رواه البخاري من طريق خالد، عن حفصة بنت سيرين، عن\nأم عطية، قالت: قال النبي ﷺ لهن في غسل ابنته:\nابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها. ورواه مسلم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3865> دليل من قال لا يجب غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى:</span>\nاستدلوا بدليلين: أثري ونظري.\n(١٦٥٧ - ١١٩) أما الأثر ففيما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده (^٢).\nوقد قدمت أن كلمة: (سائر جسده) تعني: بقية جسده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3866>الدليل الثاني:</span>\nقد يستدل له بأنه لا يمكن رفع الحدث الأصغر والأكبر باق، وعليه فتكون نيته في الوضوء، هي نية الغسل، وإنما بدأ بمواضع الوضوء لشرفها، وإذا كانت نيته هي الغسل لم يحسن تكرار غسل مواضع الوضوء؛ لأن الحدث قد ارتفع عنها، ولا يشرع التكرار إلا في حق الرأس. والفرق بين أن يتوضأ بنية رفع الحدث الأصغر، وبين أن يغسل أعضاء الوضوء بنية الغسل أنه لو أحدث أثناء الوضوء فمن قال: يتوضأ بنية\n_________\n(^١) البخاري (١٦٧) ومسلم (٩٣٩).\n(^٢) رواه البخاري (٢٧٢) واللفظ له، ومسلم (٣١٦).","vol":"8","page":282},{"text":"رفع الحدث عليه أن يعيد الوضوء إذا أراد أن يأتي بسنة الوضوء، أما من قال: أنه مجرد تقديم أعضاء الوضوء لشرفها، والنية هي نية الغسل فإنه لو أحدث في أثنائه بنى.\nقال النووي: «لم يذكر الجمهور ماذا ينوي بهذا الوضوء، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: لم أجد في مختصر ولا مبسوط تعرضًا لكيفية نية هذا الوضوء إلا لمحمد بن عقيل الشهرزوري فقال: يتوضأ بنية الغسل، قال: إن كان جنبًا من غير حدث أصغر فهو كما قال (^١)، وإن كان جنبًا محدثًا كما هو الغالب، فينبغي أن ينوي هذا بوضوئه هذا رفع الحدث الأصغر، لأنا إن أوجبنا الجمع بين الوضوء والغسل فظاهر، لأنه لا يشرع وضوءان، فيكون هذا هو الواجب، وإن قلنا بالتداخل كان فيه خروج من الخلاف» (^٢).\nوقال ابن الحاجب المالكي في جامع الأمهات: «ويجزئ الغسل عن الوضوء، والوضوء عن غسل محله».\nقال خليل في التوضيح شارحًا هذه العبارة: «ويجزئ ... الوضوء عن غسل محله، ما لو توضأ، ثم ذكر أنه جنب، أنه لا يلزمه أن يأتي في غسله على أعضاء الوضوء، وقد نص اللخمي على ذلك أيضًا» (^٣).\nوقال اللخمي في التبصرة: «ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، وينوي الجنابة، وإن نوى الوضوء أجزأه» (^٤).\n_________\n(^١) قد ضرب النووي للجنب من غير حدث صورًا أشهرها:\nأن ينزل المتطهر المني من غير مباشرة تنقض الوضوء، بنظر أو استمناء، أو مباشرة فوق حائل، أو في النوم قاعدًا، فهذا جنب لا خلاف، وليس محدثًا على المذهب الصحيح المشهور، الذي قطع به الجمهور.\n(^٢) المجموع (٢/ ٢١١).\n(^٣) التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ١٧٩)، وقال اللخمي في التبصرة (١/ ١٤٠): «ولو توضأ ثم تذكر أنه جنب أجزأه أن يبني على المغسول من وضوئه».\n(^٤) التبصرة (١/ ١٢١).","vol":"8","page":283},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3867> دليل ابن حزم في التفريق بين غسل الجنابة وبين غيره:</span>\nقال ابن حزم: «وأما غسل الجنابة والوضوء فإنه أجزأ فيهما عمل واحد بنية واحدة لهما جميعًا، للنص الوارد في ذلك، ثم ذكر حديث ميمونة من رواية مسلم له وفيه: ثم غسل سائر جسده، فقال: فهذا رسول الله ﷺ لم يعد غسل أعضاء الوضوء في غسله للجنابة، ونحن نشهد أن رسول الله ﷺ ما ضيع نية كل عمل افترضه الله عليه، فوجب ذلك في غسل الجنابة خاصة، وبقيت سائر الأغسال على حكمها» (^١).\nيعني: فلا يجزئ عمل واحد عن عملين أو عن أكثر.\nويناقش ابن حزم في كون نية الحدث الأصغر فرضًا من حديث ميمونة، فلا يستطيع أن يثبت أن الرسول ﷺ قد نوى الحدث الأصغر، وإذا لم يثبت ذلك فليس في الحديث حجة له. والله أعلم.\n• الراجح:\nبعد استعراض الأقوال والأدلة أجد أن القول بأن نية الحدث الأكبر تكفي عن نية الحدث الأصغر أقوى من حيث الدليل، والله أعلم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ٩٥).\n(^٢) في شرح الزركشي (٣١٢ - ٣١٤) حكى قولًا آخر لم أذكره ضمن الأقوال في المسألة، حيث قال (١/ ٣١٤): «وتوسط أبو بكر الشيرازي، فقال: يتداخلان فيما يتفقان فيه، ولا يسقط ما ينفرد به الوضوء عن الغسل من الترتيب، والموالاة، والمسح، وإن لم يقل بإجزاء الغسل عن المسح، كما لا يسقط ما ينفرد به الغسل من تعميم البدن ونحوه». اهـ","vol":"8","page":284},{"text":"المسألة الرابعة:\nحكم المضمضة والاستنشاق في الغسل إذا لم تتوضأ\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا كان الوضوء ليس واجبًا في الطهارة الكبرى، فكذلك المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما جزء منه.\n[م-٧٢٤] إذا رجحنا بأن الوضوء ليس بواجب في غسل الجنابة والحيض، فهل المضمضة والاستنشاق واجبان فيهما، أو حكمهما حكم الوضوء باعتبار أنهما جزء من الوضوء.\nهذه مسألة اختلف فيها العلماء:\nفقيل: المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل مسنونان في الوضوء وهو مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٢٥، ٥٦)، البناية (١/ ٢٥٠)، تبيين الحقائق (١/ ٤، ١٣)، البحر الرائق (١/ ٤٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦)، مراقي الفلاح (ص: ٤٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، رؤوس المسائل (ص: ١٠١).","vol":"8","page":285},{"text":"وقيل: مسنونان فيهما، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\nوقيل: واجبان في الطهارتين الصغرى والكبرى، وهو مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل (^٤).\nوقيل: الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة سنة (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3868> دليل من أوجب المضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3869>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\nوجه الاستدلال:\nفأوجب الله تطهير جميع البدن من المكلف، فدخل فيه كل ما يمكن إيصال إليه، إلا ما كان فيه حرج ومشقة كداخل العينين، والقلفة، لنفي الحرج عن هذه الملة، ولا حرج في داخل الفم والأنف، فشملهما نص الكتاب من غير معارض، ولهذا افترض غسلهما عن النجاسة لكونهما في حكم الخارج من البدن، وليس الباطن، فيفترض أيضًا غسلهما في غسل الجنابة والحيض (^٦).\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٣٣ - ١٧٠)، منح الجليل (١/ ١٢٨)، مواهب الجليل (١/ ٣١٣)، القوانين الفقهية (ص: ٢٢)، مقدمات ابن رشد (١/ ٨٢)، بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ١٢)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٣، ٢٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٦)، الشرح الصغير (١/ ١١٨ - ١٧٠).\n(^٢) الأم (١/ ٤١)، المجموع (١/ ٣٩٦)، روضة الطالبين (١/ ٥٨، ٨٨)، مغني المحتاج (١/ ٧٣ - ٥٧).\n(^٣) الفروع (١/ ١٤٤)، الإنصاف (١/ ١٥٢، ١٥٣)، المحرر (١/ ١١، ٢٠)، كشاف القناع (١/ ١٥٤)، معرفة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٠٣)، المبدع (١/ ١٢٢)، الكافي (١/ ٢٦)، الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني (١/ ٥٩).\n(^٤) انظر الفروع (١/ ١٤٤، ١٤٥)، المبدع (١/ ١٢٢)، الإنصاف (١/ ١٥٢، ١٥٣).\n(^٥) انظر المصدر السابق.\n(^٦) الهداية مع شرح فتح القدير (١/ ٦٥)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤).","vol":"8","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3870>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٥٨ - ١٢٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا نصر بن علي، أخبرنا الحارث بن وجيه، حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٤٨).\n(^٢) في إسناده: الحارث بن وجيه، ضعفه الدارقطني وأبو حاتم، وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال البخاري وأبو حاتم: في حديثه بعض المناكير.\nوقال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء. الجرح والتعديل (٣/ ٩٢)، الضعفاء الكبير (١/ ٢١٦)، الضعفاء الصغير (٤٤)، العلل للدارقطني (٨/ ١٠٣).\nوالحديث أخرجه أبو داود (١٢٣)، والترمذي (١٠٦) وابن ماجه (٥٩٧) والبزار (٩٩٣٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٥) عن نصر بن علي.\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٥) من طريق محمد بن أبي بكر.\nوأخرجه تمام في فوائده (٨٦٧)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٩٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٣٨٧) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٩) من طريق أبي عمر الحوضي، ثلاثتهم عن الحارث بن وجيه به.\nقال أبو داود: هذا حديث منكر.\nوقال الترمذي: حديث الحارث بن وجيه، حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك. وقد روى عنه غير واحد من الأئمة، وقد تفرد بهذا الحديث عن مالك بن دينار.\nورواه العقيلي في الضعفاء (١/ ٢١٦) وقال: لا يتابع عليه، وله غير حديث منكر.\nوفي العلل لابن أبي حاتم (٥٣) قال أبو حاتم: «حديث منكر، والحارث ضعيف الحديث».\nوقال الدارقطني في العلل (٨/ ١٠٣): هذا الحديث «يرويه الحارث بن وجيه، عن مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوغيره يرويه عن مالك بن دينار عن الحسن مرسلًا.\nورواه أبان العطار، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة.\nولا يصح مسندًا. والحارث بن وجيه من أهل البصرة ضعيف».","vol":"8","page":287},{"text":"وجه الاستدلال عندهم:\nأن الأنف لا يخلو من شعر، فيجب إيصال الماء إلى أصول هذا الشعر؛ لأن تحت كل شعرة جنابة، وقوله: (وأنقوا البشرة) ففي الفم بشرة، وعليه فيجب إيصال الماء إلى داخل الفم، وهذا يعني: وجوب المضمضة والاستنشاق.\n• وأجيب:\nبأن الحديث ضعيف، ولو صح لحمل على الشعر النابت على البشرة الظاهرة. وقوله: «وأنقوا البشرة» أي البشرة الظاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3871>الدليل الثالث:</span>\n(١٦٥٩ - ١٢١) ما رواه الدارقطني (^١)، من طريق بركة بن محمد، أخبرنا يوسف ابن أسباط، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، (عن ابن سيرين) (^٢)،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثًا فريضة.\n[الحديث موضوع] (^٣).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١١٥).\n(^٢) سقطت كلمة (ابن سيرين) من المطبوع في السنن، والتصحيح من العلل (٣/ ١٠٨)،\nوابن عدي في الكامل (٢/ ٤٧).\n(^٣) ومن طريق بركة بن محمد رواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٧).\nقال الدارقطني (١/ ١١٥): «هذا باطل لم يحدث به إلا بركة، وبركة هذا يضع الحديث، ثم صوب الدارقطني ما رواه من طريقين عن وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين، قال: سن رسول الله ﷺ الاستنشاق في الجنابة ثلاثًا.\nوتابع وكيعًا عبيد الله بن موسى، فرواه الدارقطني (١/ ١١٥) من طريقه، عن سفيان به بلفظ: قال: أمر رسول الله ﷺ بالاستنشاق من الجنابة ثلاثًا.\nوقال الدارقطني في العلل (١/ ١٠٤) يرويه بركة بن محمد بن زيد الحلبي، وقيل الأنصاري عن يوسف بن أسباط، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوتابعه سليمان بن الربيع النهدي، عن همام بن مسلم، عن الثوري. وكلاهما متروك. وهو وهم.\nوالصواب ما رواه وكيع وغيره، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين مرسلًا أن\nالنبي ﷺ سن الاستنشاق في الجنابة ثلاثًا. وبركة الحلبي متروك». اهـ\nوقال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٦٨): «وهو حديث موضوع، لم يروه غير بركة ابن محمد، وكان كذابًا، وقد ذكرته في الموضوعات».","vol":"8","page":288},{"text":"ومتنه يدل عليه، فإنه جعل المضمضة والاستنشاق ثلاثًا فريضة، ومعلوم أن الواجب على صحة القول به مرة إجماعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3872>الدليل الرابع:</span>\n(١٦٦٠ - ١٢٢) ما رواه أحمد (^١)، قال: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقوله:\nمن ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها ماء، فعل الله به كذا وكذا من النار. قال علي: ومن ثم عاديت شعري.\n[المرفوع ضعيف، وصُحح وقفه] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (١/ ٩٤).\n(^٢) فيه عطاء بن السائب.\nوقد اتفقوا على أن شعبة، وسفيان ممن سمع منه قديمًا.\nقال يحيى بن سعيد القطان: ما حدث سفيان وشعبة عن عطاء بن السائب صحيح إلا حديثين، كان شعبة يقول: سمعتهما منه بآخرة عن زاذان. الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٢)، الضعفاء الصغير (٢٧٦)، والتاريخ الكبير (٦/ ٤٦٥).\nواستثنى بعض العلماء حماد بن زيد، وقال: إنه سمع منه قديمًا، منهم يحيى بن سعيد القطان، والنسائي، وأبو حاتم. الضعفاء الكبير (٣/ ٣٩٨)، الكاشف - الذهبي (٣٧٩٨)، الكواكب النيرات (ص: ٦١).\nواختلفوا في سماع حماد بن سلمة:\nفقال ابن معين، وأبو داود، والطحاوي، وحمزة الكتاني، وابن الجارود، ويعقوب ابن سفيان وغيرهم: حماد بن سلمة قديم السماع عن عطاء. الكامل (٥/ ٣٦١)، الكواكب النيرات (ص: ٦١). =","vol":"8","page":289},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخالفهم عبد الحق في الأحكام، فقال: سمع منه بعد الاختلاط، واعتمد كلام العقيلي.\nورجح الحافظ في التهذيب (٧/ ١٨٣) أن حمادًا سمع من عطاء قبل الاختلاط وبعده، إلا أنه في التلخيص (١/ ٢٤٨) ح ١٩٠ رجح أن سماع حماد بن سلمة كان قبل الاختلاط.\nوسواء رجحنا أن سماع حماد بن سلمة كان قبل الاختلاط، أو بعده، فقد تابعه شعبة، وحتى إن رجحنا أن حديث شعبة هذا هو أحد الحديثين الذين سمعهما شعبة من عطاء بعد اختلاطه، فإن متابعة حماد بن سلمة تقوي رواية شعبة.\nإلا أنه يعكر عليه أن رواية شعبة لهذا الحديث قد قال عنها الدارقطني في العلل أنها تصحيف، قال في العلل (٣/ ٢٠٨): «والمحفوظ عن عفان عن حماد قال: سمعته يذكر عن عطاء بن السائب فصحفه الراوي فقال: شعبة».\nوقد رواه حماد بن زيد عن عطاء بن السائب به موقوفًا على عليّ.\nوابن زيد أرجح من ابن سلمة، فمخالفة حماد بن سلمة لحماد بن زيد تجعل رواية حماد ابن سلمة شاذة لمخالفته من هو أوثق. وإعلال رواية حماد بن سلمة بالمخالفة عندي أقوى من إعلالها بأنه سمع من عطاء بعد الاختلاط، خاصة أن أكثر العلماء على أن سماعه من عطاء كان قبل الاختلاط.\nفإن قيل: أليس شعبة وحماد بن سلمة مجتمعين أرجح من حماد بن زيد؟\nفالجواب: أن حماد بن زيد أرجح من حماد بن سلمة في الحفظ، فحماد بن سلمة تجنب البخاري الاحتجاج به، بخلاف حماد بن زيد فحديثه في الصحيحين، وأما متابعة شعبه فقد كان من الممكن أن يجعل الحديث محفوظًا بها لولا أمرين:\nأحدهما: أن الدارقطني يذكر أن رواية شعبة تصحيف، ولم تثبت عنده رواية شعبة لهذا الحديث.\nوالثاني: على فرض أن يكون شعبة قد روى هذا الحديث فقد قيل: إن هذا الحديث واحد من حديثين رواهما شعبة عن عطاء بعد الاختلاط فبقيت رواية حماد بن زيد أرجح، ويكون الحديث موقوفا على عليّ.\nورواية شعبة التي ذكرتها، قال يحيى القطان: لم أسمع أحدًا يقول في حديثه القديم شيئًا -يعني: عن عطاء بن السائب- وحديث سفيان وشعبة عنه صحيح، إلا حديثين من حديث شعبة سمعهما بآخره عن زاذان.\nقال ابن الكيال: والعجب منه أنه لم يذكرهما. قال عبد القيوم محقق الكواكب النيرات: وقد بذلت مجهودي أن أقف على الحديثين الذين سمعهما شعبة عن عطاء، عن زاذان، فوجدت في غرائب شعبة لابن المظفر حديثًا واحدًا بهذا السند، وهو حديث علي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ترك موضع شعرة من جسده من جنابة لم يصبها الماء فعل به كذا وكذا من النار. =","vol":"8","page":290},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال عليّ: فمن ثم عاديت رأسي. غرائب شعبة [ل ٢٦ - أ]. ولم أجد الحديث الثاني». اهـ\nالحديث أخرجه الطيالسي (١٧٥):\nوأخرجه أحمد (١/ ١٠١) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٥) عن عفان.\nوأخرجه أحمد (١/ ٩٤) حدثنا حسن بن موسى.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٩٦)، ومن طريقه أخرجه ابن ماجه (٥٩٩) حدثنا أسود بن عامر.\nوأخرجه عبد الله بن أحمد (١/ ١٣٣) في زوائد المسند حدثنا إبراهيم بن الحجاج الناجي، ومحمد ابن أبان بن عمران الواسطي.\nوأخرجه البزار في مسنده (٨١٣) من طريق أبي الوليد.\nوأخرجه الدارمي (٧٥١) أخبرنا محمد بن الفضل.\nوأخرجه أبو داود (٢٤٩) حدثنا موسى بن إسماعيل.\nوأخرجه الطبري في تهذيب الآثار (٣/ ٢٧٦)، والبيهقي (١/ ١٧٥) من طريق حجاج بن منهال، (عشرتهم) رووه عن حماد بن سلمة به.\nورواه ابن المظفر في حديث شعبة (٢٤) قال: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا علي بن سهل بن المغيرة، وعيسى بن جعفر الوراق، قال: حدثنا عفان، قال حدثنا حماد بن سلمة وشعبة، قالا: أنبأ عطاء بن السائب، عن زاذان به.\nولم أقف على طريق آخر يروي عن شعبة هذا الحديث إلا هذا الطريق، وقد قال الدارقطني في العلل أن ذكر شعبة تصحيف،، وسأنقل كلامه تامًا من العلل إن شاء الله تعالى، وقد رواه أحمد ابن حنبل عن عفان، فلم يذكر شيخًا له غير حماد بن سلمة.\nوفي العلل للدارقطني (٣/ ٢٠٨) قال:\n«يرويه عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي. حدث به عنه حماد بن سلمة، وشعبة وحفص بن عمر.\nورواه عبد الله بن رشيد، عن حفص بن غياث، عن الأعمش وليث، عن زاذان عن علي.\nوروي عن حماد بن زيد، عن عطاء، عن زاذان عن علي موقوفًا.\nوكذلك قال الأسود بن عامر، عن حماد بن سلمة.\nورفعه عفان عن حماد بن سلمة، وشعبة عن عطاء، وعطاء تغير حفظه، والمحفوظ عن عفان عن حماد قال: سمعته يذكر عن عطاء بن السائب فصحفه الراوي فقال: شعبة».\nوقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٤٩) ح ١٩٠: وإسناده صحيح، فإنه من رواية عطاء بن السائب. وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط، لكن قيل إن الصواب وقفه على علي. =","vol":"8","page":291},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (من ترك موضع شعرة ..)، فكلمة (شعرة) نكرة في سياق الشرط، فيعم كل شعرة، حتى شعر الأنف.\n• وأجيب:\nبأن الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته فإنه محمول على الشعر الظاهر، ولذلك قال علي بن أبي طالب: ومن ثم عاديت شعر رأسي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3873>الدليل الخامس:</span>\nقالوا: الفم والأنف عضوان يجب غسلهما من النجاسة، فكذا من الجنابة كما في الأعضاء.\n• وأجيب بما يلي:\nقال النووي: «هذا منتقض بداخل العين، أما قولهم: داخل الفم والأنف في حكم ظاهر البدن، بدليل عدم الفطر، ووجوب غسل نجاستهما. فجوابه: أنه لا يلزم من كونهما في حكم الظاهر في هذين الأمرين أنه يجب غسلهما، فإن داخل العين كذلك بالاتفاق، فإنه لا يفطر بوضع طعام فيها، ولا يجب غسلها في الطهارة، ويحكم بنجاستها بوقوع نجاسة فيها.\nوأما قول: لا تنجس العين عند أبي حنيفة، فإنه لا يوجب غسلها.\nقال الشيخ أبو حامد: قلنا هذا غلط، فإن العين عنده تنجس، وإنما لا يجب غسلها\n_________\n= وقال الصنعاني في سبل السلام (١/ ٩٣): «وسبب اختلاف الأئمة في تصحيحه وتضعيفه أن عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره، فمن روى عنه قبل اختلاطه فروايته عنه صحيحة، ومن روى عنه بعد اختلاطه فروايته عنه ضعيفة، وحديث عليّ هذا اختلفوا هل رواه قبل الاختلاط أو بعده؟. فلذا اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه حتى يتبين الحال فيه، وقيل: الصواب وقفه على عليّ ﵁».","vol":"8","page":292},{"text":"عنده لكون النجاسة الواقعة فيها لا تبلغ قدر درهم ...» إلخ كلامه ﵀ (^١).\n• أدلة القائلين بأن المضمضة والاستنشاق سنة في الغسل مطلقًا:\nاستدلوا بأدلة كثيرة سقناها في مسألة: هل تكفي نية الطهارة الكبرى، عن نية الطهارة الصغرى، وذكرنا تلك الأدلة للاحتجاج للمالكية والشافعية على أن نية الطهارة الكبرى كافية في رفع الحدثين: الأصغر والأكبر.\nومن تلك الأدلة:\nقوله تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]، ولم يذكر مضمضة ولا استنشاقًا.\n(١٦٦١ - ١٢٣) ومنها قوله ﷺ في حديث عمران بن حصين الطويل للرجل الذي أصابه جنابة ولا ماء: فناوله الرسول ﷺ ماءً، وقال له: «اذهب فأفرغه عليك». رواه البخاري (^٢).\n(١٦٦٢ - ١٢٤) ومنها ما رواه مسلم، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^٣).\nوإذا كان الوضوء ليس واجبًا في الطهارة الكبرى، فكذلك المضمضة والاستنشاق لأنهما جزء منه.\nولا يقال: إذا وجبت المضمضة والاستنشاق في الطهارة الصغرى وجبت في الطهارة الكبرى من باب أولى؛ لأن هناك فروضًا في الطهارة الصغرى لا تجب في الكبرى كالترتيب، والموالاة، وهذا القول هو الراجح. والله أعلم.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٠٣).\n(^٢) البخاري (٣٤٤)، والحديث في مسلم (٦٨٢) باختلاف يسير.\n(^٣) صحيح مسلم (٣٣٠).","vol":"8","page":293},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3874> دليل من قال: بوجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل:</span>\nهذا القول هو مذهب الحنابلة، ولما كان دليل الحنابلة في وجوب المضمضة والاستنشاق في الطهارة الكبرى اعتمادًا على وجوبهما في الطهارة الصغرى أصبحت مضطرًا لذكر أدلتهم على وجوب المضمضة الاستنشاق في الطهارة الصغرى لينظر أولًا هل يصح القول بوجوبهما في الطهارة الصغرى؟ وإذا صح هل يسلم لهم قياس الكبرى على الصغرى؟ وإليك أدلتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3875>الدليل الأول:</span>\n(١٦٦٣ - ١٢٥) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين، قالوا: حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة،\nعن أبيه لقيط بن صبرة قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا (^١).\nوالحديث قطعة من حديث طويل، والشاهد من هذا الحديث، قوله: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا).\nوفي رواية لأبي داود، وزاد فيه: (إذا توضأت فمضمض) (^٢).\n[الحديث صحيح وزيادة الأمر بالمضمضة شاذة] (^٣).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١٤٢).\n(^٢) السنن (١٤٤).\n(^٣) الحديث مداره على إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه.\nورجاله ثقات، ويرويه عن إسماعيل جماعة منهم يحيى بن سليم، وسفيان الثوري، وابن جريج، وداود بن عبد الرحمن العطار، والحسن بن علي.\nويرويه ابن جريج ويحيى بن سليم مطولًا ومختصرًا.\nويرويه الثوري مختصرًا، إلا أن رواية الثوري عند عبد الرزاق (٧٩) والبيهقي (١/ ٥٠) فيها إشارة إلى تعمد اختصارها، فإن لفظه قال: عن لقيط بن صبرة أنه أتى النبي ﷺ فذكر أشياء، فقال له النبي ﷺ: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع .. الحديث. =","vol":"8","page":294},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقوله: (فذكر أشياء) هذه الأشياء المبهمة هي ما جاء مفصلًا في رواية ابن جريج ويحيى بن سليم المطولة.\nثم إن في رواية داود بن عبدالرحمن العطار، عند الحاكم (١/ ١٤٨). ورواية الحسن بن علي عند الطيالسي (١٣٤١) النهي عن ضرب الضعينة كما يضرب الأمة، وهي جزء من الرواية المطولة مما يشهد أن الحديث لم يكن مقتصرًا على إسباغ الوضوء، بل إن البخاري في الأدب المفرد قد أخرج الرواية المطولة من طريق داود بن عبد الرحمن العطار، فهذه متابعة ثانية على ذكر الرواية مطولة، ويكفي متابعة ابن جريج ليحيى بن سليم على الرواية المطولة لنعلم أن الرواية بقصتها الطويلة محفوظة في الحديث.\nإلا أن الحديث فيه زيادتان انفرد فيهما بعض الرواة، ولم يُتابع عليهما، فأجدني أرجح كونهما شاذتين.\nالأولى: رواية أبي داود: (إذا توضأت فمضمض).\nالثانية: زيادة: (إذا توضأت فأبلغ المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) فزاد فيه المبالغة في المضمضة.\nوسوف أبين وجه كونهما شاذتين عند تخريج الحديث.\nفالحديث كما سبق مداره على إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه مرفوعًا، وله طرق كثيرة إلى إسماعيل.\nرواه يحيى بن سليم كما في مصنف ابن أبي شيبة مختصرًا (١/ ١٩، ٣٣) ومن طريق ابن\nأبي شيبة أخرجه ابن ماجه (٤٠٧) وابن حبان (١٠٨٧)، ورواه أبو داود في سننه مطولًا (١٤٢)، والنسائي مطولًا (٨٧)، ومختصرًا (١١٤)، وسنن الترمذي مختصرًا (٧٨٨)، وصحيح\nابن خزيمة مختصرًا (١٥٠) وصحيح ابن حبان مطولًا (١٠٥٤)، ورواه الحاكم (١/ ١٤٨) ومن طريقه البيهقي مختصرًا (١/ ٧٦).\nوداود بن عبد الرحمن العطار كما في الأدب المفرد للبخاري (١٦٦)، ومستدرك الحاكم (١/ ١٤٨).\nوالحسن بن علي بن أبي جعفر كما في سنن أبي داود الطيالسي (١٣٤١) بزيادة: (ولا تضرب ضعينتك كما تضرب أمتك)، كلهم رووه عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه.\nورواه سفيان الثوري واختلف عليه:\nفرواه عبد الرزاق (٧٩) عن الثوري به، بلفظ: (أنه أتى النبي ﷺ فذكر أشياء، فقال النبي ﷺ: أسبغ الوضوء، وخلل الأصابع، وإذا استنثرت فأبلغ إلا أن تكون صائمًا). =","vol":"8","page":295},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقوله: (إذا استنثرت) المقصود به الاستنشاق، لأن المبالغة في الاستنثار لا تؤثر في الصائم، فالذي يؤثر هو الاستنشاق، وهو جذب الماء بقوة إلى داخل الأنف، وليس فيه ذكر للمضمضة.\nورواه وكيع كما في مسند أحمد (٤/ ٣٣)، وسنن الترمذي (٣٨)، وسنن النسائي (٨٧)، وليس فيه ذكر للمضمضة، ورواية النسائي: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا).\nوتابع وكيعًا يحيى بن آدم كما في سنن النسائي (١١٤).\nومحمد بن كثير كما في سنن البيهقي (١/ ٥٠) فروياه عن سفيان بدون ذكر المضمضة.\nوخالف ابن مهدي وكيعًا ويحيى بن آدم ومحمد بن كثير، وعبد الرزاق، فرواه أبو بشر الدولابي كما في كتاب (الوهم والإيهام) (٥/ ٥٩٣) قال حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن مهدي، عن سفيان عن إسماعيل به بلفظ: (إذا توضأت فأبلغ المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائمًا) فزاد الأمر بالمبالغة بالمضمضة.\nوذكره الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٦).\nوصححه ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام (٥/ ١٩٣) وقال: ابن مهدي أحفظ من وكيع وأجل قدرًا.\nوهذا الكلام من ابن القطان فيه نظر كبير.\nأولًا: لأن وكيعًا تابعه يحيى بن آدم، ومحمد بن كثير، وعبد الرزاق ولم يتابع ابن مهدي.\nثانيًا: أن رواية وكيع، ويحيى بن آدم، ومحمد بن كثير وعبد الرزاق عن سفيان موافقة لرواية يحيى ابن سليم، وابن جريج، وداود بن عبد الرحمن العطار، والحسن بن علي في روايتهم عن إسماعيل ابن كثير.\nثالثًا: أن المخالفة قد لا تكون من ابن المهدي، حتى تكون المقارنة بينه وبين غيره.\nوالذي أميل إليه أن المخالفة من أبي بشر الدولابي، فقد قال الدارقطني: تكلموا فيه.\nوقال أبو سعيد بن يونس: إنه من أهل الصنعة، وكان يضعف. وقال ابن عدي: متهم.\nانظر شذرات الذهب (٢/ ٢٦٠).\nورواه ابن جريج، واختلف عليه فيه:\nفرواه عنه جماعة: منهم يحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (٤/ ٢١١)، ومستدرك الحاكم (١/ ١٤٨)، وسنن البيهقي (١/ ٥١).\nالثاني: عبد الرزاق كما في المصنف (٨٠).\nالثالث: حجاج بن محمد كما عند الحاكم (١/ ١٤٨)، كلهم رووه عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه، وفيه: المبالغة بالاستنشاق إلا للصائم، ولم يذكروا المضمضة.\nوخالفهم أبو عاصم (الضحاك بن مخلد)، فرواه عن ابن جريج، واختلف على أبي عاصم فيه.\nفرواه الدارمي (٧٠٥) عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن إسماعيل به بلفظ: (إذا توضأت =","vol":"8","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3876>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٦٤ - ١٢٦) ما رواه الدارقطني من طريق عصام بن يوسف، أخبرنا عبد الله ابن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة،\nعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه (^١).\n[ضعيف، والمعروف أنه سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلًا] (^٢).\n_________\n= فأسبغ وضوءك، وخلل بين أصابعك) ولم يذكر المضمضة كرواية الجماعة.\nورواه أبو داود (١٤٤) حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، قال حدثنا أبو عاصم به.\nوزاد: (إذا توضأت فمضمض) فخالف فيه جميع من رواه عن ابن جريج، كمثل يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرزاق، وحجاج بن محمد، بل خالف جميع من رواه عن إسماعيل ابن كثير، كسفيان الثوري، ويحيى بن سليم، وداود بن عبد الرحمن العطار، والحسن بن علي فكلهم لم يذكروا قوله: (إذا توضأت فمضمض).\nولهذا حكمت بشذوذها. والله أعلم. وإذا كانت شاذة لم يكن فيه دليل على وجوب المضمضة.\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٨٤).\n(^٢) في إسناده عصام بن يوسف البلخي.\nقال ابن عدي: روى عصام عن الثوري، وغيره أحاديث لا يتابع عليها. الكامل (٥/ ٣٧١).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان صاحب حديث، ثبتًا في الرواية. ربما أخطأ الثقات (٨/ ٥٢١).\nوقال ابن سعد: كان عندهم ضعيفًا في الحديث. لسان الميزان (٤/ ١٦٨).\nوفي إسناده سليمان بن موسى.\nاختلف فيه، وقد حررت الكلام فيه فيما سبق انظر الحديث رقم (٢٧).\nوفي التقريب: صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل.\nوبقية الإسناد: رجاله كلهم ثقات.\nوالحديث اختلف في وصله وإرساله،\nفيرويه عصام بن يوسف، عن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعًا.\nورواه الدارقطني (١/ ٨٤) من طريق وكيع، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن النبي ﷺ مرسلًا. =","vol":"8","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3877>الدليل الثالث:</span>\n(١٦٦٥ - ١٢٧) ما رواه الدارقطني من طريق علي بن يونس عن إبراهيم بن طهمان، عن جابر، عن عطاء،\nعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا يتم الوضوء إلا بهما، والأذنان من الرأس (^١).\n[الحديث ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3878>الدليل الرابع:</span>\n(١٦٦٦ - ١٢٨) ما رواه الدارقطني، من طريق هدبة بن خالد، وداود بن المحبر، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة قال:\n_________\n= فصار الحديث يرويه عصام بن يوسف عن ابن المبارك.\nويرويه وكيع كما في سنن الدارقطني (١/ ٨٤) كلاهما، عن ابن جريج عن سليمان بن موسى، وعصام يوصله إلى عائشة، ووكيع يرسله عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ.\nقال الدارقطني (١/ ٤٨): تفرد به عصام، عن ابن المبارك، ووهم فيه، والصواب عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى مرسلًا عن النبي ﷺ، وأحسب عصامًا حدث به من حفظه فاختلط عليه، فاشتبه عليه بإسناد حديث: ابن جريج عن سليمان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل). والله أعلم.\nوقال البيهقي (١/ ٥٢): «وهكذا -يعني رواه مرسلًا- سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وغيرهما عن ابن جريج».\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٠٠).\n(^٢) في إسناده جابر بن يزيد الجعفي متهم بالكذب.\nومع شدة ضعف جابر فقد اختلف في إسناده:\nفرواه علي بن يونس، عن إبراهيم بن طهمان، عن جابر الجعفي، عن عطاء، عن ابن عباس كما في إسناد الباب.\nورواه أبو مطيع الحكم بن عبد الله كما في سنن الدارقطني (١/ ١٠١)، عن إبراهيم بن طهمان، عن جابر، عن عطاء عن النبي ﷺ مرسلًا. قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب.\nولا يعني الصواب الصحة؛ لأن في كلا الإسنادين جابر الجعفي، وهو متهم.","vol":"8","page":298},{"text":"أمرنا رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3879>الدليل الخامس:</span>\nأحاديث الأمر بالاستنشاق، هي دليل على وجوب الاستنشاق صراحة والمضمضة ضمنًا؛ لأنهما كالعضو الواحد، فإيجاب أحدهما إيجاب للآخر.\nألا ترى أنه لا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، ومن عادة الأعضاء المستقلة في الوضوء ألا ينتقل إلى عضو حتى يفرغ من العضو الذي قبله، بخلاف المضمضة\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١١٦).\n(^٢) قال الدارقطني (١/ ١١٦): لم يسنده عن حماد غير هذين، وغيرهما يرويه عنه، عن عمار، عن النبي ﷺ ولا يذكر أبا هريرة.\nوقال البيهقي (١/ ٥٢) بأن هدبة يرسله مرة، ويوصله أخرى، وقد رواه غير هدبة مرسلًا لم يختلف عليه. اهـ.\nوأما متابعة داود بن المحبر فلا يفرح بها، لأنه ضعيف جدًّا. تقدمت ترجمته في حاشية حديث رقم (١٩) فارجع إليه غير مأمور.\nفإذا كان هدبة قد اختلف عليه في وصله وإرساله، ومتابعة داود وجودها كعدمها، فلا شك أن رواية الإرسال عن هدبة أرجح من رواية الوصل لموافقتها رواية غيره عن حماد. والله أعلم.\nورجح ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٣٦٦) رواية الإرسال، وقال: «إذا روى بعض الثقات حديثًا فأرسله، ورواه بعضهم فأسنده، فقد اختلف أهل الحديث في ذلك، فحكى الخطيب أن أكثر أصحاب الحديث يرون أن الحكم في هذا للمرسل.\nوعن بعضهم أن الحكم للأكثر.\nوعن بعضهم أن الحكم للأحفظ.\nوصحح الخطيب أن الحكم لمن أسنده إذا كان عدلًا ضابطًا، وسواء كان المخالف واحدًا أو جماعة.\nوالصحيح أن ذلك يختلف، فتارة يكون الحكم للمرسل، وتارة يكون للمسند، وتارة للأحفظ، ورواية من أرسل هذا أشبه بالصواب، وقد صحح الدارقطني وغيره إرساله، والله أعلم».","vol":"8","page":299},{"text":"والاستنشاق فإنه يمضمض ثم يستنشق ثم يرجع إلى المضمضة فالاستنشاق وهكذا.\nفهذا يدل على أنهما في حكم العضو الواحد، فالأمر بأحدهما أمر بالآخر.\nومن الأحاديث الآمرة بالاستنشاق والاستنثار:\n(١٦٦٧ - ١٢٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده.\nوفي رواية لمسلم من طريق معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ: إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر (^١).\nوحاول النووي أن يحمل الأمر على الاستحباب، مع أنه خلاف الأصل، فقال: «من لم يوجبه حمل الأمر على الندب، بدليل أن المأمور به حقيقة وهو الانتثار ليس بواجب بالاتفاق، فإن قالوا: ففي الرواية الأخرى: إذا توضأ فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر، فهذا فيه دلالة ظاهرة للوجوب، لأن حمله على الندب محتم ليجمع بينه وبين الأدلة الدالة على الاستحباب».\nوتعقب الشوكاني في النيل (^٢)، دعوى النووي حكاية الإجماع على أن الانتثار ليس بواجب فقال: «ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد وأبو ثور، وابن المنذر، ومن أهل البيت الهادي، والقاسم، والمؤيد بالله إلى وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وبه قال ابن أبي ليلى، وحماد بن سليمان».\n_________\n(^١) البخاري (١٦٢) ومسلم (٢٣٧).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ١٧٧).","vol":"8","page":300},{"text":"ثم قال الشوكاني: «وما نقل من الإجماع على عدم وجوب الاستنثار متعقب بهذا» (^١).\nقلت: قد يسلم بوجوب الاستنشاق للأمر به، لكن لا يسلم قياس المضمضة على الاستنشاق، فإن الأنف يحتاج إلى التنظيف أكثر من الفم، وهو موضع أذى، وهو بمثابة منق للهواء، مما يحمله من أتربة وغبار، فيحتاج إلى تعاهده بالتنظيف، ولذلك أمر المسلم إذا استيقظ من نوم الليل كما في الصحيحين أن يستنثر ثلاثًا، بينما الفم هو نظيف أبدًا بما فيه من اللعاب، ولذا لم أقف على حديث صحيح يأمر بالمضمضة بخلاف الاستنشاق.\nهذه أدلة الحنابلة على وجوب المضمضة والاستنشاق، ورأينا أن الأدلة على وجوب المضمضة ضعيفة، فإذا كانت كذلك فلا يصح قياس الحدث الأكبر على الحدث الأصغر، على أنها لو كانت الأدلة صحيحة وسالمة من القدح لم يسلم لهم قياس الحدث الأكبر على الأصغر، فإن هناك فروضًا في الحدث الأصغر لا تجب في الحدث الأكبر، والعكس، وجميع أحاديث الغسل ليس فيها الأمر في المضمضة والاستنشاق، ولو كانا واجبين لبينه الرسول ﷺ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3880> دليل من قال بوجوب الاستنشاق دون المضمضة:</span>\n(١٦٦٨ - ١٣٠) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:\nإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم لينثر. ورواه مسلم (^٢).\n_________\n(^١) لم أقف على قول لأحمد يقول بوجوب الاستنثار في كتب الحنابلة كالمغني، والفروع، والإنصاف، وغيرها. وأما أبو عبيد فالموجود في كتابه (الطهور ص: ٣٣٧) وجوب المضمضة والاستنشاق، والاستنشاق آكد.\nوكذلك الثابت عن ابن المنذر كما في كتابه الأوسط (١/ ٣٧٩) وجوب الاستنشاق دون المضمضة، كما سوف أعرض رأيه عند ذكر هذا القول.\n(^٢) البخاري (١٦٢) ومسلم (٢٣٧).","vol":"8","page":301},{"text":"قال ابن المنذر: «والذي به نقول: إيجاب الاستنشاق خاصة دون المضمضة، لثبوت الأخبار عن النبي ﷺ أنه أمر بالاستنشاق، ولا نعلم في شيء من الأخبار أنه أمر بالمضمضة» (^١).\nوقال ابن عبد البر: «وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق أن النبي ﷺ فعل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله مندوب إليها، ليست بواجبة إلا بدليل، وفعل الاستنثار وأمر به، وأمره على الوجوب أبدًا، إلا أن يتبين غير ذلك من مراده» (^٢).\nوهذا القول أقرب من القول بوجوب المضمضة والاستنشاق، وإن كان قد يقال: إذا لم يصح في المضمضة دليل، فالاستنشاق جزء منه، فيكون الأمر به للاستحباب، وليس للوجوب، وعلى القول بوجوب الاستنشاق في الوضوء فإنه لا يصح دليلًا على وجوبه في الغسل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3881> دليل من قال: المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء دون الغسل:</span>\nأدلة هذا القول مركبة من أدلة قولين قد سبقا.\nفأدلتهم على وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء هي أدلة الحنابلة، وأدلتهم على كونها سنة في الغسل هي أدلة المالكية والشافعية.\nوالراجح عندي أن المضمضة سنة في الوضوء والغسل، وأما الاستنشاق فقد يقال بوجوبه في الوضوء دون الغسل، كما هو ظاهر النصوص، وقد يقال بأن المضمضة إذا لم تثبت في الوضوء فالاستنشاق جزء منها، فيكون الأمر بالاستنشاق للاستحباب، وأما قياس الغسل على الوضوء فلا يصح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ٣٧٩).\n(^٢) التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٢٠٨).","vol":"8","page":302},{"text":"المسألة الخامسة\nفي غسل الرأس في وضوء الغسل\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه؛ لمخالفته السنة، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه؛ لأن غسل الرأس فرض، والمسح يندرج في الغسل.\n• لم أقف على حديث واحد يصرح بمسح الرأس في غسل الجنابة.\n• كل الأحاديث التي فصلت وضوء غسل الجنابة تذكر صراحة غسل الرأس، وليس في حديث منها ذكر للمسح.\n[م-٧٢٥] وهذه المسألة هي مقيسة على غسل الجنابة.\nفإذا توضأ المجنب وبلغ في الوضوء رأسه فهل يمسحه؟ أو يقال: لا داعي لمسحه ما دام أنه سوف يغسله؟\nأما الوضوء بدون اغتسال فالمشروع فيه المسح، واختلفوا: هل يجزئ الغسل؟ على ثلاثة أقوال:","vol":"8","page":303},{"text":"الجواز مع الكراهة، والمنع مطلقًا، والجواز إن مر بيده على رأسه وليس هذا موضع بحثها.\nأما في الاغتسال للجنابة والحيض.\nفالحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، يرون مسح الرأس؛ لأنهم يرون إتمام الوضوء قبل غسل الرأس وإفاضة الماء.\nوذكر ابن رجب: عن ابن عمر أنه لم يكن يمسح رأسه، بل يصب عليه الماء صبًا ويكتفي بذلك، ونص عليه إسحاق (^٥)، ونقله أبو داود عن أحمد كما في المسائل (^٦).\nوهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (^٧)، ورواية ابن وهب عن مالك (^٨).\nولم يأت دليل صريح بمسح الرأس في الوضوء، وإنما الأدلة إما أن تذكر بأنه توضأ وضوءه للصلاة، وهذا مجمل، أو تذكر بأنه توضأ غير رجليه، وهذا الاستثناء قد يكون فيه دلالة على مسح الرأس، وقد يكون الراوي لم يستثن الرأس لأنه قد غسل وهو مسح وزيادة، وأما الأحاديث التي تأتي صريحة بذكر الوضوء مفصلًا فإنها\n_________\n(^١) العناية المطبوع مع شرح فتح القدير (١/ ٥٨)، مراقي الفلاح (ص: ٤٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣٥)، البحر الرائق (١/ ٥٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٤)، شرح فتح القدير (١/ ٥٧، ٥٨).\n(^٢) الشرح الكبير مطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٣٧)، المتقى للباجي (١/ ٩٣)، مواهب الجليل (١/ ٣١٤)، ورجح في تنوير المقالة في شح الرسالة (١/ ٥٤٠) أنه لا يمسح رأسه إذ لا فائدة في المسح مع الغسل، منح الجليل (١/ ١٢٨).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ٧٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٥)، روضة الطالبين (١/ ٨٩)، الحاوي (١/ ٢١٩).\n(^٤) كشاف القناع (١/ ١٥٢)، الفروع (١/ ٢٠٤)، الإنصاف (١/ ٢٥٢)، معونة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٠٣)، المغني (١/ ٢٨٧).\n(^٥) في شرحه للبخاري (١/ ٢٣٩).\n(^٦) مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ١٩).\n(^٧) بدائع الصنائع (١/ ٣٥)، البحر الرائق (١/ ٥٢)، العناية (١/ ٥٨)، شرح فتح القدير (١/ ٥٧، ٥٨).\n(^٨) المنتقى (١/ ٩٣)، تنوير المقالة (١/ ٥٤٠).","vol":"8","page":304},{"text":"تذكر غسل الرأس بدل مسحه، فهل يقال إن في الرأس صفتين: له أن يمسحه ثم يغسله، وله أن يكتفي بغسله.\nأو يقال يجب رد الأحاديث المجملة بذكر الوضوء إلى الأحاديث التي فصلت الوضوء وذكرت غسل الرأس ولم تذكر مسحه، المسألة محتملة، وإن كنت أميل إلى الاقتصار على غسل الرأس، لأنه لا معنى لمسحه وهو سوف يغسل فرضًا.\n(١٦٦٩ - ١٣١) وهذا نص حديث ميمونة كما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال:\nقالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه (^١).\nوهو في مسلم (^٢) بغير هذا اللفظ.\nوأما حديث عائشة ففيه: (توضأ وضوءه للصلاة) فحملها بعضهم على أن المراد الوضوء الكامل بما في ذلك مسح الرأس.\n(١٦٧٠ - ١٣٢) لما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليها الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده رواه البخاري واللفظ له ومسلم (^٣).\nفقولها: (توضأ وضوءه للصلاة). قد يراد به الوضوء الكامل، وقد يقال باعتبار\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٣١٧).\n(^٣) البخاري (٢٧٢) ومسلم (٣١٦).","vol":"8","page":305},{"text":"الأغلب، فهذه ميمونة ﵂ تقول: (توضأ وضوءه للصلاة). والمراد غير رجليه. فإذا صح إطلاق الوضوء على غسل جميع أعضاء الوضوء غير الرجلين، صح إطلاق الوضوء على الوضوء الكامل غير الرجلين والرأس، خاصة أن الرأس لم يترك بل غسل غسلًا وهو مسح وزيادة، وكوننا نحمل حديث عائشة على حديث ميمونة في صفة غسل الرأس أولى من حمله على صفتين، خاصة أننا لم نقف على حديث واحد عن رسول الله ﷺ يصرح بالمسح للرأس. والله أعلم.\nوحديث ميمونة الذي فيه بأن النبي ﷺ توضأ وضوءه للصلاة وتبين أنه لم يغسل رجليه إلا في آخر غسله.\n(١٦٧١ - ١٣٣) رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،\nأن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري، واللفظ له ومسلم (^١).\nفإذا صح أن تقول ميمونة: توضأ وضوءه للصلاة والمراد غير رجليه صح أن قول عائشة: (توضأ وضوءه للصلاة) أي وغسل رأسه بدل مسحه، وحمل ما أجمل م (^٢) ن حديث عائشة على ما فسر من حديث ميمونة. بل جاء الوضوء مفصلًا عند أحمد (^٣)، بسند حسن من حديث عائشة، وصرحت بغسل الرأس بدل مسحه.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣١٧).\n(^٢)\n(^٣) المسند (٦/ ٩٦). ولفظه: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من جنابة يغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ بيمينه ليصب على شماله، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يغسل يده غسلًا حسنًا، ثم يمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ثم يصب الماء على رأسه ثلاثًا، ثم يغتسل، فإذا خرج غسل قدميه. انظر تخريجه في أدلة الجمهور في المسألة التالية.","vol":"8","page":306},{"text":"المسألة السادسة\nفي تثليث الوضوء في الغسل\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي: (^١)\n• استحباب التثليث يرجع إلى الخلاف في حقيقة الوضوء، هل هذا الوضوء هو جزء من غسل البدن، وإنما صورته صورة الوضوء، وقدم في هذا الغسل أعضاء الوضوء لشرفها، وإذا كان الوضوء غسلًا لم يكن التثليث فيه مشروعًا، أو أن هذا الوضوء قبل الغسل هو وضوء بنية رفع الحدث قبل ارتفاع الحدث الأكبر، فيأخذ حكم الوضوء، ومنها التثليث؟\n[م-٧٢٦] اختلف العلماء في مشروعية تكرار غسل الأعضاء في وضوء الغسل:\nفقيل: يسن في وضوء الغسل أن يكون ثلاثًا ثلاثًا.\n_________\n(^١) سبب الخلاف الفرق بين الوضوء من الحدث الأصغر، والوضوء في الغسل، فالأول يرفع الحدث، والثاني مجرد البداءة بمواضع الوضوء لشرفها، وإلا فالحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الحدث الأكبر.","vol":"8","page":307},{"text":"وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، وبه قال سفيان الثوري (^٤)، وإسحاق بن راهويه (^٥)، ووجه في مذهب المالكية (^٦).\nوقيل: يتوضأ مرة مرة، وهو وجه في مذهب المالكية (^٧).\nورجحه القاضي عياض، قال في الإكمال: «لم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، وقال بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه» (^٨).\nقال خليل تعليقًا: «لا فضيلة في تكراره، يريد؛ لأنه -أي وضوء الجنب- من الغسل، ولا فضيلة في تكراره» (^٩).\nوقال ابن رجب: لم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثًا وعلى تثليث صب الماء على الرأس (^١٠).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3882> دليل الجمهور على استحباب التثليث في وضوء الغسل</span>.\n(١٦٧٢ - ١٣٤) ما رواه أحمد (^١١)، قال: حدثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة،\n_________\n(^١) مراقي الفلاح (ص: ٤٣، ٤٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦، ١٥٧). شرح فتح القدير (١/ ٥٨).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٧٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٥)، روضة الطالبين (١/ ٨٩)، الحاوي (١/ ٢١٩).\n(^٣) الكشاف (١/ ١٥٢)، الفروع (١/ ٢٠٤)، الإنصاف (١/ ٢٥٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٥)، الكافي (١/ ٥٩)، المحرر (١/ ٢٠).\n(^٤) شرح ابن رجب لصحيح البخاري (١/ ٢٣٨).\n(^٥) شرح ابن رجب لصحيح البخاري (١/ ٢٣٨).\n(^٦) الشرح الصغير (١/ ١٧٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٦)، منح الجليل (١/ ١٢٨).\n(^٧) تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة (١/ ٥٤٠)، مختصر خليل (ص ١٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٦)، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل (١/ ٣١٤).\n(^٨) إكمال المعلم (٢/ ٨٤).\n(^٩) التوضيح لخليل شرح جامع الأمهات لابن الحاجب تحقيق أحمد نجيب (١/ ١٧٨).\n(^١٠) شرح ابن رجب لصحيح البخاري (١/ ٢٣٨).\n(^١١) المسند (٦/ ٩٦).","vol":"8","page":308},{"text":"عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nأن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من جنابة يغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ بيمينه ليصب على شماله، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يغسل يده غسلًا حسنًا، ثم يمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ثم يصب الماء على رأسه ثلاثًا، ثم يغتسل، فإذا خرج غسل قدميه.\n[انفرد بذكر التثليث في الوضوء عطاء بن السائب على اختلاف عليه، وليس ذلك بمحفوظ] (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على أبي سلمة عن عائشة، ويرويه عن أبي سلمة عطاء بن السائب، وبكير بن عبد الله الأشج، ورواية بكير في مسلم، وليس فيها التثليث، بل لم يذكر الوضوء.\nوأما عطاء بن السائب فقد رواه عنه زائدة، وحماد بن سلمة، وعمر بن عبيد الطناني، وذكروا فيه تثليث الوضوء، ورواه شعبة عن عطاء، ولم يذكر التثليث، بل ذكر المضمضة والاستنشاق، وظاهره أنه مرة واحدة، وشعبة عندي أرجح، وعلى فرض أن عطاء بن السائب لم يختلف عليه، فقد انفرد بذكر التثليث.\nوقد قال فيه ابن مهدي: ليث بن أبي سليم وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ليث أحسنهم حالًا عندي، وقرنه ابن مهدي برجال ضعفاء، وفضل عليه ليثًا. وقال نحوه جرير. وقال ابن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء بن السائب، وجميع من روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان. وقال شعبة: حدثنا عطاء بن السائب وكان نسيًا. وأثنى عليه بعضهم.\nقال أحمد: من سمع منه قديمًا كان صحيحًا، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا شعبة وسفيان وقال نحوه يحيى بن معين، وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم إلا أنه تغير. وقد سبقت ترجمته. وليس المقصود هنا تضعيف عطاء مطلقًا، لكن انفراده بمثل هذه السنة عن أحاديث الصحيحين، والاختلاف عليه في ذكر التثليث يجعلني لا أقبل روايته في هذا خاصة.\nوفي التقريب: صدوق اختلط. اهـ\nوانظر تحرير من سمع منه قبل الاختلاط في أدلة القول الأول في بحث: حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل. ولهذا لم ير الإمام أحمد في المنصوص عنه التثليث في الوضوء. قال ابن رجب في شرحه للبخاري (١/ ٢٣٨): «لم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثًا، وعلى تثليث صب الماء على الرأس». ولو كان أحمد يراه ثابتًا لقال به، وإن كان أصحابه يرون التثليث حتى في البدن. وحديث ميمونة أرجح من حديث عطاء بكل حال، وإليك تخريج الحديث: =","vol":"8","page":309},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحديث كما قلنا مداره على أبي سلمة عن عائشة، يرويه عن أبي سلمة عطاء وبكير الأشج.\nأما رواية بكير فهي عند مسلم، وليس فيها التثليث. رواه مسلم (٣٢١)، وأبو عوانة في مستخرجه (٨٥٨) وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٢٥) من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي سلمة،\nعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل بدأ بيمينه فصب عليها من الماء فغسلها ثم صب الماء على الأذى الذي به بيمينه، وغسل عنه بشماله حتى إذا فرغ من ذلك صب على رأسه. قالت عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ونحن جنبان. ورواه أبو عوانة (١/ ٢٩٧) من طريق ابن وهب به.\nوأما رواية عطاء: فرواها عنه حماد بن سلمة، وزائدة، وعمر بن عبيد الطناني وشعبة، وجرير ... وإليك تخريجها:\nالأول: حماد بن سلمة عن عطاء به. وقد سقنا لفظها، وأكثر العلماء على أن سماع حماد كان قبل الاختلاط، وقيل إنه سمع منه قبل وبعد.\nأخرجه الطيالسي (١٤٧٤) ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (١/ ١٧٤).\nوأخرجه أحمد (٦/ ٩٦) حدثنا عفان،\nوأخرجه أبو يعلى الموصلي (٤٤٨١) حدثنا إبراهيم بن الحجاج.\nكلاهما عن حماد بن سلمة به.\nالثاني: زائدة عن عطاء بن السائب به. وزائدة ممن روى عنه قبل الاختلاط.\nأخرجه أحمد (٦/ ١١٥) عن معاوية بن عمرو.\nوأخرجه أحمد (٦/ ١٦١)، وابن أبي شيبة (٦٨٦)، والنسائي (٢٤٣) حدثنا حسين بن علي، كلاهما عن زائدة به إلا أنه لم يذكر غسل الوجه واليدين، وذكر المضمضة والاستنشاق ولفظ معاوية بن عمرو عند أحمد لم يذكر التثليث، ولفظ الحسين بن علي ذكر التثليث.\nالثالث: عمر بن عبيد الطناني عن عطاء به، وعمر سمع من عطاء بعد الاختلاط.\nرواه إسحاق بن راهويه في مسنده (١٠٤٣)، ومن طريق إسحاق بن راهوية أخرجه النسائي (٢٤٦)، وابن حبان (١١٩١) عن عمر بن عبيد به، بذكر الوضوء ثلاثًا.\nالطريق الرابع: شعبة عن عطاء به، وخالف من سبق فلم يذكر تثليث المضمضة والاستنشاق.\nأخرجه أحمد (١/ ١٧٣، ١٧٤) حدثنا محمد بن جعفر،\nوأخرجه أحمد (٦/ ١٤٣) والنسائي (٢٤٤) عن يزيد،\nورواه النسائي (٢٤٥) من طريق النضر، ثلاثتهم عن شعبة عن عطاء بن السائب به، بلفظ: قالت: كان يؤتى بإناء فيغسل يديه ثلاثًا، ثم يصب من الإناء على فرجه، فيغسله، ثم يفرغ بيده اليمنى على اليسرى فيغسلها، ثم يمضمض ويستنشق، ثم يفرغ على رأسه ثلاثًا، ثم يغسل سائر جسده. =","vol":"8","page":310},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3883> دليل من قال: الوضوء في الغسل مرة مرة إلا الكفين والرأس:</span>\nأما دليل من استحب تثليث الكفين والرأس فقط دون أعضاء الوضوء.\nفقد استدلوا بحديث ميمونة.\n(١٦٧٣ - ١٣٥) روى البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال:\nقالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه. رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري (^١).\nفصار عندنا الآن:\nأولًا: غسل الكفين قبل البداءة بالوضوء.\nوثانيًا: أعضاء الوضوء ما عدا الرأس.\nثالثًا: الرأس.\nأولًا: السنة في غسل الكفين.\nأما الكفان فالمشروع في حقهما غسلهما ثلاثًا كما في حديث عائشة عند مسلم، من طريق وكيع حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا .. الحديث (^٢).\nوفي حديث ميمونة السابق: «فغسلهما مرتين أو ثلاثًا».\n_________\n= الطريق الخامس: جرير، عن عطاء بن السائب.\nرواه إسحاق في مسنده (١٠٤٢)، فذكر المضمضة والاستنشاق ثلاثًا، والإفراغ على رأسه ثلاثًا.\n(^١) البخاري (٢٦٥) ومسلم (٣١٧).\n(^٢) مسلم (٣٦ - ٣١٦).","vol":"8","page":311},{"text":"وهذه السنة ثابتة في كل وضوء وغسل، ومنه إذا قام من الليل، وأراد غمس يده في الإناء للوضوء.\nثانيًا: السنة في أعضاء الوضوء ما عدا الرأس.\nأما أعضاء الوضوء ما عدا الرأس فيغسلان مرة واحدة كما قدمنا من حديث ميمونة .. حيث لم تذكر التثليث إلا في الكفين والرأس. ومعنى ذلك أن ما عداهما كان يغسل مرة واحدة.\nوالذي يجعلنا نرجح أنه لا يثلث في وضوء الغسل، لأننا نقول لا يشرع في غسل البدن من الجنابة التثليث إلا في الرأس على الراجح من أقوال أهل العلم.\nوسبق لنا قول القاضي عياض في الإكمال: «لم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، وقال بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه» (^١).\nوقال خليل تعليقًا «لا فضيلة في تكراره، يريد؛ لأنه -أي وضوء الجنب- من الغسل، ولا فضيلة في تكراره» (^٢).\nوقال ابن رجب: لم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثًا وعلى تثليث صب الماء على الرأس (^٣).\nوإذا سلم هذا، فإن الوضوء كذلك لا يشرع فيه التثليث؛ لأن الوضوء يكون بنية رفع الحدث الأكبر، لا بنية رفع الحدث الأصغر؛ لأن الحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الأكبر، وإذا كان كذلك فإن أعضاء الوضوء سوف يكتفى بغسلها في الوضوء، ولن تغسل مرة ثانية في غسل الجنابة بل يغسل بقية البدن، والوضوء في الحقيقة غسل للبدن من الجنابة، إلا أنه قدم أعضاء الوضوء في الغسل لشرفها كما قال ﷺ في تغسيل ابنته في حديث أم عطية:\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ٨٤).\n(^٢) التوضيح لخليل شرح جامع الأمهات لابن الحاجب تحقيق أحمد نجيب (١/ ١٧٨).\n(^٣) شرح ابن رجب لصحيح البخاري (١/ ٢٣٨).","vol":"8","page":312},{"text":"اغسلنها وابدأن بمواضع الوضوء منها. متفق عليه (^١).\nوإذا كان لا يشرع التثليث في البدن على الصحيح، فلا يشرع التثليث في الوضوء.\nوالبخاري ﵀ لا يرى غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل يتوضأ ثم يغسل بقية بدنه، قال ﵀ في صحيحه: (باب: من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده، ولم يعد غسل مواضع الوضوء فيه مرة أخرى) (^٢).\nوقال الحافظ: «واستدل به البخاري على أن الواجب في غسل الجنابة مرة واحدة، وعلى أن من توضأ بنية الغسل، ثم أكمل باقي أعضاء بدنه لا يشرع له تجديد الوضوء من غير حدث» (^٣).\n(١٦٧٤ - ١٣٦) وقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم (^٤).\nفقولها: (ثم غسل سائر جسده) أي بقية جسده.\nفتبين من هذا الكلام: أن الوضوء قبل الغسل نيته رفع الحدث الأكبر، وإن غسل أعضاء الوضوء لا يعاد غسلها مرة أخرى عند غسل البدن، وأن البدن كما أنه لا يشرع فيه التثليث، لا يشرع أيضًا في وضوء الغسل كما هو ظاهر حديث ميمونة، وأن التثليث في الوضوء لم يُرو في شيء من الأحاديث المرفوعة إلا ما كان من رواية عطاء بن السائب، عن أبي سلمة عن عائشة، وقد خالف بكير الأشج عطاء بن\n_________\n(^١) البخاري (١٦٧)، ومسلم (٩٣٩).\n(^٢) كتاب الغسل باب (١٦).\n(^٣) الفتح في شرحه لحديث (٢٤٩).\n(^٤) البخاري (٢٧٢) واللفظ له ومسلم (٣١٦).","vol":"8","page":313},{"text":"السائب فلم يذكر التثليث، وأن أصحاب عطاء قد اختلفوا عليه، فأحفظهم شعبة لم يرو عنه التثليث. والله أعلم.\nثالثًا: السنة في غسل الرأس.\nأما السنة في الرأس: فالذي تدل عليه الأحاديث أنه يخلل أولًا شعره بالماء حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته صب الماء على شعر رأسه ثلاثًا، فكان التخليل أولًا لغسل بشرة الرأس، وصب الماء بعده ثلاثًا لغسل الشعر (^١). وهذه الصفة مستحبة أحيانًا وليست واجبة.\nوهي مما ذكر في حديث عائشة دون ميمونة.\n(١٦٧٥ - ١٣٧) فقد رواه البخاري من طريق هشام، عن أبيه،\nعن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله (^٢).\nورواه مسلم، من طريق أبي معاوية عن هشام به، وفيه:\n(ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه) (^٣).\nقال ابن رجب في شرحه للبخاري: «وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة ثابتة عن النبي ﷺ لم يتنبه لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وآدابه، ولم أر من صرح به منهم إلا صاحب المغني من أصحابنا، وأخذه من عموم قول أحمد:\n_________\n(^١) انظر شرح ابن رجب لصحيح البخاري (١/ ٣١١).\n(^٢) البخاري (٢٤٨).\n(^٣) صحيح مسلم (٣١٦).","vol":"8","page":314},{"text":"الغسل على حديث عائشة وكذلك ذكره صاحب المهذب من الشافعية» (^١).\nوصفة غسل الرأس في الثلاث غرفات، هل يعم رأسه في كل غرفة؟ أو يفرغ واحدة على شقه الأيمن وأخرى على شقه الأيسر؟ وثالثة على وسطه؟ من غير تعميم للرأس بكل واحدة.\n(١٦٧٦ - ١٣٨) فقد رواه الشيخان من طريق القاسم،\nعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. هذا لفظ مسلم (^٢).\nولفظ البخاري: «فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر فقال بهما على وسط رأسه». ورواه مسلم.\nقال القرطبي كما في المفهم: «ولا يفهم من هذه الثلاث حفنات أنه غسل رأسه ثلاث مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع، لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه كما في حديث عائشة» (^٣).\nوتعقب ابن رجب كلام القرطبي في شرحه للبخاري: فقال عن كلامه «وهو خلاف الظاهر» قال: «والظاهر والله أعلم أنه يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأولى بجهة اليمين، وفي الثانية بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى» (^٤).\nوالثلاث غرفات قد جاءت من حديث عائشة بدون تفصيل.\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ٣١١).\n(^٢) البخاري (٢٥٨) ومسلم (٣١٨).\n(^٣) المفهم (١/ ٥٧٦).\n(^٤) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ٢٥٩).","vol":"8","page":315},{"text":"(١٦٧٧ - ١٣٩) فرواه البخاري: «ثم صب على رأسه ثلاث غرف بيديه» (^١).\nولفظ مسلم: «حفن على رأسه ثلاث حفنات» (^٢).\n(١٦٧٨ - ١٤٠) وروى مسلم من طريق جبير بن مطعم قال:\n«تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ، فقال بعض القوم أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف» رواه مسلم.\nولفظ البخاري: «فأفيض على رأسي ثلاثًا» وأشار بيديه كلتيهما (^٣).\nوهل هناك فرق بين المرأة والرجل؟\n(١٦٧٩ - ١٤١) روى البخاري، قال: حدثنا خلاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة ﵂ قالت: كنا إذا أصاب إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن وبيدها الأخرى على شقها الأيسر (^٤).\nقال ابن رجب: «وظاهر هذا أن المرأة يستحب لها بعد أن تصب على رأسها ثلاثًا، أن تأخذ حفنة بيدها فتصب على شق رأسها الأيمن، ثم تأخذ حفنة أخرى، فتصبها على شقه الأيسر، فيصير على رأسها خمس حفنات» (^٥).\nوهذا الاستدلال لا يسلم إلا بعد التسليم أن قول الصحابي: (كنا نفعل) ولم يضفه إلى زمن النبي ﷺ أن له حكم الرفع.\nقال في الفتح: «وللحديث حكم الرفع؛ لأن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٤٨).\n(^٢) صحيح مسلم (٣١٦).\n(^٣) البخاري (٢٥٤)، ومسلم (٣٢٧).\n(^٤) صحيح البخاري (٢٧٧).\n(^٥) شرح البخاري لابن رجب (١/ ٢٦٠).","vol":"8","page":316},{"text":"وهو مصير من البخاري إلى القول بأن لقول الصحابي: (كنا نفعل كذا) حكم الرفع سواء صرح بإضافته إلى زمنه ﷺ أم لا. وبه جزم الحاكم» (^١).\nوقد عرضت أقوال الأصوليين في قول الصحابي: (كنا نفعل) عند الكلام على الصفرة والكدرة، فارجع إليه.\nفإن سلمت دعوى أن لها حكم الرفع كان في غسل رأس المرأة صفتان: تارة بثلاث غرفات، وتارة بخمس حفنات، وإن كان قول الصحابي: (كنا نفعل) موقوفًا عليه فإن الثلاث مقدمة على الخمس؛ لأن الثلاث صريحة بالرفع.\n(١٦٨٠ - ١٤٢) فقد روى مسلم من طريق عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة،\nعن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^٢).\n(١٦٨١ - ١٤٣) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير عبيد ابن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت:\nيا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (^٣).\nفهذان الحديثان صريحان بالرفع، وأن المقدار للرأس ثلاث غرفات كالرجل.\n(١٦٨٢ - ١٤٤) وأما ما رواه أحمد (^٤)، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا\n_________\n(^١) في شرحه لحديث (٢٧٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٣٠).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٣١).\n(^٤) المسند (٦/ ١٨٨).","vol":"8","page":317},{"text":"زائدة، عن صدقة (رجل من أهل الكوفة)، حدثنا جميع بن عمير (^١)، حدثني عبد الله بن ثعلبة، قال: دخلت مع أمي وخالتي على عائشة فسألت إحداهما: كيف كنتن تصنعن عند الغسل؟ فقالت عائشة:\nكان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه ثلاث مرات، ونحن نفيض على رؤوسنا خمسًا من أجل الضفر.\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) في المطبوع: جميع بن نمير، وهو خطأ.\n(^٢) في إسناده صدقة وشيخه جميع بن عمير، ضعفيان.\nأما جميع بن عمير فلم يوثقه إلا العجلي، وقال أبو حاتم: محله الصدق، صالح الحديث، هذا أحسن ما قيل فيه،\nوقد قال البخاري: فيه نظر. التاريخ الكبير (٢/ ٢٤٢)، وهذا منه جرح.\nوقال ابن عدي: وما قاله البخاري كما قاله، في أحاديثه نظر، ثم قال: وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، على أنه قد روى عنه جماعة. الكامل (٢/ ١٦٦).\nوذكره ابن حبان في المجروحين (١/ ٢١٨) قال: «وكان رافضيًا، يضع الحديث، وساق بسنده إلى ابن نمير قوله: جميع بن عمير من أكذب الناس، وكان يقول الكراخي تفرخ في السماء ولا تقع فراخها». ثم عاد ابن حبان وذكره في الثقات (٤/ ١١٥)! !\nقال الذهبي: واهٍ. الكاشف (٨١٠)، وقال في المغني: وأحسبه صادقًا، وقد رماه بعضهم بالكذب. المغني (١/الترجمة ١١٧٨).\nوفي التقريب: صدوق يخطئ ويتشيع. وانظر معرفة الثقات للعجلي (١/ ٢٧٢)، والكامل\nلابن عدي (٢/ ١٦٦).\nوأما صدقة بن سعيد الحنفي فلن يوثقه إلا ابن حبان. الثقات (٦/ ٤٦٦).\nوقد قال فيه البخاري: عنده عجائب. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٦٤).\nوقال الساجي: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم: شيخ. الجرح والتعديل (٤/ ٤٣٠).\nوفي التقريب مقبول، يعني في المتابعات.\nوقال الذهبي: صدوق. الكاشف (٢٣٨٣).\nوالحديث أيضًا رواه أحمد كما في إسناد الباب، وأبو داود (٢٤١) عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا زائدة.\nوأخرجه ابن ماجه (٥٧٤) من طريق عبد الواحد بن زياد، كلاهما عن صدقة بن سعيد الحنفي به.","vol":"8","page":318},{"text":"فهذا الحديث مع ضعفه، وكونه ليس صريحًا في الرفع، وصيغته مختلف فيها هل تكون مرفوعة أو موقوفة، إلا أنه يشهد له ما رواه البخاري عن عائشة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٧٧).","vol":"8","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3884>الفرع الرابع في نقض المرأة رأسها في غسل الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لا يجب على المرأة نقض رأسها في حيض أو جنابة.\n[م-٧٢٧] اختلف الفقهاء في هذه المسألة:\nفقيل: لا تنقض رأسها في غسل الجنابة والحيض.\nوهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة، وهو مذهب الحنفية (^٤).\n_________\n(^١) مختصر خليل (ص: ١٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٤)، الشرح الصغير (١/ ١٦٩)، أسهل المدارك (١/ ٦٨)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ١٠١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٤)، منح الجليل (١/ ١٢٦، ١٢٧)، مواهب الجليل (١/ ٣١٢، ٣١٣)، المدونة (١/ ١٣٤).\n(^٢) الأم (١/ ٤٠) وقال: «إذا كانت المرأة ذات شعر تشد ظفرها، فليس عليها أن تنفضه في غسل الجنابة، وغسلها من الحيض كغسلها من الجنابة لا يختلفان»، مغني المحتاج (١/ ٧٣)، المجموع (١/ ٢١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٤)، روضة الطالبين (١/ ٨٨)، الحاوي (١/ ٢٢٤، ٢٢٥).\n(^٣) المغني (١/ ٢٩٨)، المبدع (١/ ١٩٧)، الكافي (١/ ٦٠)، الفروع (١/ ٢٠٥)، الإنصاف (١/ ٢٥٦).\n(^٤) مراقي الفلاح (ص: ٤٢، ٤٣)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، البحر الرائق (١/ ٥٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٣)، شرح فتح القدير (١/ ٥٨) وانظر العناية مطبوعة معه (١/ ٥٩).","vol":"8","page":320},{"text":"وقيل: لا يجب نقضه في الجنابة ويجب في غسل الحيض، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١)، واختاره الباجي من المالكية (^٢)، وابن حزم من الظاهرية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3885> دليل من قال: لا تنقض رأسها مطلقًا في الحيض والجنابة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3886>الدليل الأول:</span>\n(١٦٨٣ - ١٤٥) ما رواه مسلم: حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، عن أيوب ابن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن\nأم سلمة قالت: قلت:\nيا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^٤).\n[زيادة والحيضة شاذة] (^٥).\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١٥٤)، الفروع (١/ ٢٠٥)، الإنصاف (١/ ٢٥٦)، المغني (١/ ٢٩٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٦)، الكافي (١/ ٦٠)، المحرر (١/ ٢١)، المبدع (١/ ١٩٧).\n(^٢) المنتقى (١/ ٩٦).\n(^٣) المحلى (مسألة ١٩٢).\n(^٤) صحيح مسلم (٣٣٠).\n(^٥) الحديث مداره على أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة.\nويرويه عن أيوب كل من:\nسفيان بن عيينة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٧٩٢)، ومسند أحمد (٦/ ٢٨٩)، ومسند إسحاق (١٨٥١)، ومسند أبي يعلى (٦٩٥٧)، وصحيح مسلم (٥٨ - ٣٣٠)، وسنن أبي داود (٢٥١)، وسنن الترمذي (١٠٥)، وسنن النسائي (٢٤١)، وسنن ابن ماجه (٦٠٣)، ومنتقى ابن الجارود (٩٨)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٢٩٦) ح ٦٥٨، وصحيح ابن حبان (١١٩٨)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ١٧٨).\nوقد أخرج الحديث الحميدي (٢٩٤) قال: حدثنا أيوب بن موسى، وسقط من إسناده سفيان ابن عيينة، وقد رواه أبو عوانة في مستخرجه (٨٦٨) من طريق الحميدي، قال: حدثنا سفيان.\nوروح بن القاسم، كما في صحيح مسلم (٣٣٠) ومستخرج أبي عوانة (٨٦٩)، كلاهما (سفيان ابن عيينة، وروح) عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، وليس في حديثهما ذكر للحيضة.\nورواه الثوري عن أيوب بن موسى، واختلف عليه،\nفرواه يزيد بن هارون كما في مسند أحمد (٦/ ٣١٤)، عن الثوري، وليس فيه ذكر الحيضة، وهي موافقة لرواية روح بن القاسم، وابن عيينة.\nورواه عبد الرزاق عن الثوري واختلف عليه،\nفرواه إسحاق بن إبراهيم الدبري كما مصنف عبد الرزاق (١٠٤٦)، والمعجم الكبير الطبراني (٢٣/ ٢٩٦) رقم ٦٥٧، ومستخرج أبي عوانة (٨٦٧) دون ذكر الحيضة.\nوخالفه ابن عبد حميد كما عند مسلم (٣٣٠)، وأحمد بن منصور الرمادي كما في سنن البيهقي (١/ ١٨١)، فروياه عن عبد الرزاق بذكر زيادة: (والحيضة).\nورواية عبد الرزاق الموافقة لرواية يزيد بن هارون عن الثوري والموافقة لرواية ابن عيينة وروح ابن القاسم أرجح، وقد تغير حفظ عبد الرزاق بآخرة بعد ما عمي، فزيادة الحيضة شاذة. والله أعلم.\nوقد ذهب إلى شذوذها ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ٢٩٥) قال: «اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم عن أيوب، فاقتصرا على الجنابة، واختلف فيه على الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه ما قال ابن عيينة وروح، وقال عبد الرزاق عنه: (أفأنقضه للحيضة والجنابة؟)، ورواية الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوري لم يختلف عليه لرجحت رواية ابن عيينة وروح، فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة، ومن أعطى النظر حقه علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة».اهـ\nقلت: كيف لو وقف ابن القيم على أن عبد الرزاق أيضًا قد اختلف عليه.","vol":"8","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3887>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٨٤ - ١٤٦) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال:\nبلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء -إذا اغتسلن- أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد،","vol":"8","page":322},{"text":"ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (^١).\nوالحديث لم يتعرض لغسل الجنابة، بل للغسل، فهو مطلق يشمل كل غسل، فهي أنكرت عليه كونه يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، لو كان هناك فرق بين غسل وغسل لبينته ﵂.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3888>الدليل الثالث:</span>\n(١٦٨٥ - ١٤٧) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة،\nأن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها، فقالت أسماء: وكيف تطهر بها، فقال: سبحان الله تطهرين بها، فقالت عائشة -كأنها تخفي ذلك-: تتبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة، فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (^٢).\nوجه الإستدلال:\nفي الحديث أمر الرسول ﷺ أسماء أن تدلك رأسها دلكًا شديدًا، ولو كان النقض واجبًا لبينه النبي ﷺ لها. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3889>الدليل الرابع:</span>\nما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله -يعني العمري- عن نافع:\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٣١).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٣٢). وقد سبق تخريجه، والكلام عليه، انظر (ح: ١٦٤٧).","vol":"8","page":323},{"text":"أن نساء ابن عمر وأمهات أولاده كن يغتسلن من الجنابة والحيض، فلا ينقضن رؤوسهن، ولكن يبالغن في بلها.\n[صحيح] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3890>الدليل الخامس:</span>\n(١٦٨٦ - ١٤٨) ما رواه أبو داود: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عبد الله بن داود، عن عمر بن سويد، عن عائشة بنت طلحة\nعن عائشة ﵂ قالت: كنا نغتسل وعلينا الضماد، ونحن مع رسول الله ﷺ محلات ومحرمات.\n[صحيح] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3891> دليل من قال: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة:</span>\n(١٦٨٧ - ١٤٩) استدلوا بما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عوف، قال: قرأت في أصل إسماعيل (ابن عياش)، قال ابن عوف: وحدثنا محمد بن إسماعيل، عن أبيه، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، قال: أفتاني جبير بن نفير عن الغسل من الجنابة أن ثوبان حدثهم أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك فقال:\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٧٤) رقم ٨٠٥.\n(^٢) سنن أبي داود (٢٥٤)، ورجاله كلهم ثقات.\nوالحديث أخرجه أبو داود (٢٥٤) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٨١) من طريق عبد الله ابن داود.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٧٩) حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير.\nوأخرجه إسحاق (١٠٢٢) أخبرنا عبيد الله بن موسى.\nوأخرجه أيضًا (١٠٢١) أخبرنا الملائي، أربعتهم عن عمر بن سويد به.\nوالضماد: ما يلطخ به الشعر، مما يلبده ويسكنه، فالمعنى أنها تغسل رأسها وقد ضمدته لعدم نقض الضفائر.","vol":"8","page":324},{"text":"أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها.\n[إسناده حسن لغيره، وكون المرأة لا تنقض شعرها صحيح من غير هذا الحديث] (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3892> دليل من فرق بين الجنابة والحيض:</span>\n(١٦٨٨ - ١٥٠) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذي الحجة. وفي الحديث «فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى النبي ﷺ فقال: دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بحج». الحديث، والحديث رواه مسلم أيضًا (^٢).\nوترجم له البخاري: (باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض).\nوانتقد ابن رجب هذا الاستدلال فقال: «وهذا الحديث لا دلالة فيه، فإن غسل عائشة الذي أمرها النبي ﷺ به لم يكن من الحيض، بل كانت حائضًا، وحيضها حينئذٍ موجود، فإنه لو كان قد انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج إلى هذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها، وتهل بالحج فهو غسل الإحرام في حال\n_________\n(^١) محمد بن عوف ثقة لكن يرويه عن إسماعيل بن عياش صحيفة من غير سماع أو إجازة فهي على الانقطاع، ثم رواه عن محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه، ولم يسمع من أبيه فهي ضعيفة أيضًا فلعل أحد الطريقين يقوي الآخر، وأما إسماعيل بن عياش فإنه صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذا منها. وانظر ترجمته في ح ٢٢٣.\nفإن ضمضم بن زرعة حمصي، وهو صدوق يهم، وبقية رجال الإسناد ثقات.\n(^٢) البخاري (٣١٧) ومسلم (١١٥ - ١٢١١).","vol":"8","page":325},{"text":"الحيض، كما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل» (^١).\nثم قال: «وقد يحمل مراد البخاري -﵀- على وجه صحيح، وهو أن النبي ﷺ إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام؛ لأن غسل الإحرام لا يتكرر، ولا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة فإنه يتكرر فيشق النقض فيه، فكذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر» (^٢).\nقلت: كونه أمر عائشة في غسل الإحرام بنقضه لا يقال بأن نقضه واجب في غسل الحيض؛ لأنه لم يثبت إلا في غسل الإحرام، وغسل الإحرام سنة، وكونه في حديث عائشة في قصة أسماء بنت شكل لم يأمرها بنقضه دليل على أنه ليس بواجب في غسل الحيض، وكذلك لا يقال إن الحائض مأمورة بالامتشاط عند غسل المحيض. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3893>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٨٩ - ١٥١) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق سلمة بن صبيح اليحمدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت،\nعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا اغتسلت المرأة من حيضها، نقضت شعرها وغسلته بخطمي وأشنان، وإذا اغتسلت من جنابة صبت على رأسها الماء وعصرته (^٣).\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٠٤). وقال ابن رجب في شرح علل الترمذي (ص: ١٠٩) في اختصار الحديث: «قد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه فغيروا المعنى، مثل ما اختصر بعضهم من حديث عائشة في حيضها في الحج أن النبي ﷺ قال لها، وكانت حائضًا: «انقضي شعرك، وامتشطي»، وأدخله في أبواب غسل الحيض، وقد أنكر أحمد على من فعله لأنه يخل بالمعنى، فإن هذا لم تؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه، بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام، وهي حائض». اهـ\n(^٢) المرجع السابق (٢/ ١٠٥).\n(^٣) معجم الطبراني الكبير (١/ ٢٦٠).","vol":"8","page":326},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3894>الدليل الثالث:</span>\nالأصل وجوب نقض الشعر ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله فعفي عنه في غسل الجنابة، لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، والحيض بخلافه فبقي على مقتضى الأصل في الوجوب (^٢).\n• ويجاب عنه:\nبأن الواجب هو غسل الشعر على خلاف في هذا، فإذا تحققنا من وصول الماء إلى باطن الشعر فقد فعل الواجب، سواء كان الشعر مظفورًا، أو غير مظفور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3895>الدليل الرابع:</span>\nمن القياس، وقد سبق الإشارة إليه، وهو أن الرسول ﷺ أمر عائشة عند الاغتسال للإحرام أن تنقض شعر رأسها، فإذا أمرت بنقض شعرها في غسل الإحرام وهو سنة، فكونها تؤمر بنقضه في غسل الحيض وهو واجب من باب أولى (^٣).\n_________\n(^١) كذا في إسناد الطبراني (سلمة بن صبيح) ولم أجد من ذكره، وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٧٣)، وأظن أن أحمد بن داود المكي أخطأ في اسمه، فقد أخرجه الدارقطني في الأفراد كما في نصب الراية (١/ ٨٠) ومن طريقه أخرجه الخطيب في تلخيص المتشابه (٢/ ٣٤). وأخرجه البيهقي (١/ ١٨٢) من طريق مسلم بن صبيح، حدثنا حماد بن سلمة به، فقال: (مسلم بن صبيح بدلًا من سلمة بن صبيح)، والذي يرجح: أن هناك خطأ وأن الدارقطني والخطيب جزموا بأن مسلم بن صبيح قد تفرد به عن حماد، وقال الخطيب: مسلم بن صبيح بصري يكنى أبا عثمان. ومسلم بن صبيح له ذكر في الإكمال لابن ماكولا ولم أقف على من ذكره بجرح أو تعديل. انظر الإكمال (٥/ ١٧٠، ١٧١).\nوسواء كان الراوي سلمة أو مسلمًا فالحديث ضعيف بهذا الإسناد.\nوقال ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ١٠٩) ليس بالمشهور.\n(^٢) انظر المغني (١/ ٣٠٠).\n(^٣) عمدة القارئ (٣/ ٢٨٨).","vol":"8","page":327},{"text":"• وأجيب:\nبأن القول باستحبابه لا بأس به، أما القول بوجوبه فليس بظاهر، وقد أمرها أن تمتشط فهل تقولون بوجوبه أيضًا؟.\nفالقول الراجح أنها لا تنقض رأسها لا في الحيض ولا في الجنابة.\n* * *","vol":"8","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3896>الفرع الخامس في غسل المسترسل من الشعر</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الواجب غسل الرأس، ولم يرد في النصوص غسل الشعر إلا أن يراد بالرأس الشعر.\nإذا رجحنا أن المرأة لا يجب عليها نقض ضفائرها، فهل يجب غسل ظاهر الشعر وباطنه؟ أم هل يجب غسل ظاهره فقط؟ أم يجب غسل أصول الشعر (بشرة الشعر) دون المسترسل؟\n[م-٧٢٨] هذه مسألة اختلف فيها العلماء:\nفقيل: يجب غسل ما استرسل من الشعر.\nوهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) الشرح الصغير (١/ ١٦٩)، مختصر خليل (ص: ١٥)، أسهل المدارك (١/ ٦٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٤)، منح الجليل (١/ ١٢٦، ١٢٧)، مواهب الجليل (١/ ٣١٢)، المدونة (١/ ١٣٤).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٧٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٤)، روضة الطالبين (١/ ٨٨) المجموع (١/ ٢١٥).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٥٤)، الفروع (١/ ٢٠٥)، الإنصاف (١/ ٢٥٦)، شرح الزركشي (١/ ٣٢٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٥)، الكافي (١/ ٦٠)، المبدع (١/ ١٩٧).","vol":"8","page":329},{"text":"وقيل: لا يجب، وهو مذهب الحنفية (^١)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3897> أدلة الجمهور على وجوب غسل المسترسل:</span>\n(١٦٩٠ - ١٥٢) ما رواه أبو داود من طريق الحارث بن وجيه، حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة (^٣).\n[ضعيف، وسبق تخريجه] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3898>الدليل الثاني:</span>\n(١٦٩١ - ١٥٣) ما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان،\nعن علي ابن أبي طالب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها ماء، فعل الله به كذا وكذا من النار، قال علي: ومن ثم عاديت شعري (^٥).\n[المرفوع ضعيف، وصحح وقفه] (^٦).\nقلت: ولا دلالة فيه؛ لأن التوعد على ترك موضع الشعرة، لا ترك الشعر نفسه، وموضع الشعر هو بشرة الرأس، وهذه يجب غسلها اتفاقًا.\n_________\n(^١) مراقي الفلاح (ص: ٤٣)، البحر الرائق (١/ ٥٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٣)، وصحح الكاساني في بدائع الصنائع القول بعدم وجوب إيصال الماء إلى أثناء الشعر إن كان مضفورًا (١/ ٣٤).\n(^٢) المغني (١/ ٣٠١، ٣٠٢).\n(^٣) سنن أبي داود (٢٤٨)\n(^٤) انظر ح: (١٦٥٨).\n(^٥) المسند (١/ ٩٤).\n(^٦) سبق تخريجه، انظر ح (١٦٦٠).","vol":"8","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3899>الدليل الثالث:</span>\n(١٦٩٢ - ١٥٤) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني عتبة بن أبي حكيم، حدثني طلحة بن نافع، حدثني أبو أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال:\nالصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة، كفارة لما بينها قلت: وما أداء الأمانة؟ قال: غسل الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nولا دلالة فيه، فإن قوله: (تحت كل شعرة) دليل على وجوب غسل البشرة من الرأس وليس هذا محل نزاع.\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٥٩٨).\n(^٢) ضعفه الحافظ في التلخيص (١/ ٢٤٩) وقال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف؛ لأن طلحة ابن نافع لم يسمع من أبي أيوب، وانظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ١٠٠) والجرح والتعديل (٤/ت ٢٠٨٦). قلت: قطع أبو حاتم أن نافعًا لم يسمع من أبي أيوب فيكون قوله في الإسناد حدثني أبو أيوب تصرف في الصيغة.\nوفيه: عتبة بن أبي حكيم فيه لين، ضعفه النسائي، وقال أيضًا ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (٧/ ٨٧)، الضعفاء والمتروكين (٤٣٦).\nوقال يحيى بن معين: ضعيف، كما في رواية ابن أبي خيثمة. الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٠).\nوقال أيضًا: ثقة. كما في رواية عباس الدوري والغلابي. تهذيب التهذيب (٧/ ٨٧).\nوقال أبو داود: والله الذي لا إله إلا هو إنه لمنكر الحديث. كما في رواية الآجري. المرجع السابق.\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كان أحمد يوهنه قليلًا، ثم قال: وسئل أبي عنه، فقال: صالح، لا بأس به. الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٠).\nوقال دحيم: لا أعلمه إلا مستقيم الحديث. تهذيب التهذيب (٧/ ٨٧).\nوالحديث أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٥١١)، والسراج في مسنده (١٨٤٠)، والطبراني في الكبير (٣٩٨٩)، وفي مسند الشاميين (٧٣٢)، والبيهقي في الشعب (٢٧٤٨) من طريق يحيى بن حمزة به.","vol":"8","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3900>الدليل الرابع:</span>\nثبت أن الرسول ﷺ كان يخلل شعره في غسل الجنابة، وتخليل الشعر إيصال الماء إلى باطنه، وفعله ﷺ بيان للمجمل في قوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].\n(١٦٩٣ - ١٥٥) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليها الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم (^١).\n• وأجيب:\nأن التخليل ليس للشعر حتى يقال: إنه من أجل إيصال الماء إلى باطنه، بل التخليل كان لغسل بشرة الرأس، وقول عائشة صريح في هذا: (حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء). ولو سلم فإنه فعل لا يدل على الوجوب، وليس له حكم المجمل حتى يكون بيانًا للمجمل، لأنكم لا تقولون بوجوب التخليل، وليس النزاع في الاستحباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3901>الدليل الخامس:</span>\n(١٦٩٤ - ١٥٦) ما رواه مسلم من طريق جعفر، عن أبيه،\nعن جابر بن عبدالله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من جنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. فقال له الحسن بن محمد: إن شعري كثير، قال جابر: فقلت له: يا ابن أخي كان شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيب. وهو في البخاري، بنحوه (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٢) واللفظ له ومسلم (٣١٦)\n(^٢) صحيح مسلم (٣٢٩). انظر البخاري (٢٥٦).","vol":"8","page":332},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن جابرًا ﵁، حين اعترض عليه بأن الشعر كثير فلا تكفي ثلاث حفنات لم يقل: لا يجب غسل الشعر، بل قال: إن شعر الرسول ﷺ أكثر، مما يدل على أنه مستقر غسل الشعر.\n• وأجيب:\nبأن المرفوع من حديث جابر: (صب على رأسه ثلاث حفنات) ولم يقل: (صب على شعره) فالواجب غسل الرأس، وحين اعترض الحسن بن محمد بأن شعره كثير، كان يحتمل أمرين:\nالأول: بأن شعري كثير فيمنع وصول الماء إلى بشرة الرأس.\nوالثاني: يحتمل قوله: (إن شعري كثير) فيتطلب ماءً أكثر من أجل غسله، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، فرجعنا إلى القدر المرفوع من الحديث وهو: كون الصب على الرأس فقط، ثم إننا نقول بوجوب غسل الشعر، ولكن نشترط أن يكون على بشرة تجب غسلها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3902>الدليل السادس:</span>\nقالوا: شعر الرأس شعر نابت في محل الغسل، فوجب غسله كشعر الحاجبين وأهداب العينين.\nورده ابن قدامة: «وأما الحاجبان فيجب غسلهما؛ لأن من ضرورة غسل بشرتهما غسلهما، وكذا كل شعر، من ضرورة غسل بشرته غسله، فيجب غسله ضرورة لأن الواجب لا يتم إلا به» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3903>الدليل السابع:</span>\n(١٦٩٥ - ١٥٧) ما رواه أحمد من طريق زائدة، عن صدقة (رجل من أهل\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٠٢).","vol":"8","page":333},{"text":"الكوفة)، ثنا جميع بن عمير، حدثني عبد الله بن ثعلبة، قال: دخلت مع أمي وخالتي على عائشة، فسألت إحداهما: كيف كنت تصنعين عند الغسل؟ فقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه ثلاث مرات، ونحن نفيض على رؤسنا خمسًا من أجل الضفر (^١).\nوجه الاستدلال:\nأنها زادت في غسل رأسها من أجل الضفر، وهذا يدل على وجوب غسله.\n• وأجيب:\nبأن الحديث ضعيف، وقد سبق تخريجه (^٢). وفي الصحيحين عن عائشة وصف الغسل للرأس، ولم تذكر الضفر.\n(١٦٩٦ - ١٥٨) فقد روى البخاري من طريق صفية بنت شيبة،\nعن عائشة ﵂، قالت: كنا إذا أصاب إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر (^٣).\nوفي هذا الحديث ذكرت عائشة أن ثلاثًا فوق رأسها، وواحدة لشق رأسها الأيمن، وأخرى لشقه الأيسر.\n(١٦٩٧ - ١٥٩) وروى البخاري من طريق القاسم،\nعن عائشة: قالت: كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بها على وسط رأسه. ورواه مسلم أيضًا (^٤).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ١٨٨).\n(^٢) انظر رقم (١٦٨٢).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٧٧).\n(^٤) البخاري (٢٥٨)، ومسلم (٣١٨).","vol":"8","page":334},{"text":"فصار الغسل لفوق الرأس، ولشقه الأيمن، ولشقه الأيسر، وليس به تعرض للضفائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3904>الدليل الثامن:</span>\n(١٦٩٨ - ١٦٠) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام،\nعن حذيفة، قال، قال لامرأته: خللي رأسك بالماء، لا تخلله النار، قليل بقاياه عليه (^١).\n[صحيح] (^٢).\n• والجواب عن الأثر:\nأولًا: أنه موقوف على صحابي.\nثانيًا: أنه طلب تخليل الرأس، لا تخليل الشعر، وبينهما فرق، فتخليل الرأس من أجل إيصال الماء إلى بشرة الرأس، وهو مشروع كما كان الرسول ﷺ يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه أروى بشرته، أفاض الماء ثلاث مرات، ثم أفاض الماء على سائر جسده.\nفتبين من هذه الأدلة أن الصحيح منها ليس بصريح، وأن الصريح منها ليس بصحيح.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٧٤).\n(^٢) ورواه عبد الرزاق (١٠٥٣) عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، أن حذيفة بن اليمان ... إلخ وإبراهيم لم يدرك حذيفة. وسند ابن أبي شيبة أضبط؛ فإن أبا معاوية من أثبت أصحاب الأعمش، وقد رواه عن إبراهيم، عن همام عن حذيفة.\nوكذا رواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٣٣) من طريق ابن نمير، عن الأعمش عن إبراهيم، عن همام به. وكذا رواه البيهقي (١/ ١٨٠) من طريق منصور، عن إبراهيم، عن همام به.\nفرواية أبي معاوية، وابن نمير، ومنصور، مقدمة على رواية معمر، والله أعلم.","vol":"8","page":335},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3905> أدلة من قال: لا يجب غسل باطن الضفائر ولا المسترسل من الشعر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3906>الدليل الأول:</span>\nأن الأحاديث كلها في غسل الجنابة تنص على غسل الرأس، وفرق بين غسل الرأس وغسل الشعر، فلو كان الواجب غسل الشعر لذكر. (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤].\nوهي أحاديث كثيرة أسوق بعضها:\n(١٦٩٩ - ١٦١) حديث جبير بن مطعم في البخاري، ومسلم:\nولفظ البخاري قال رسول الله ﷺ: أما أنا فأفيض. وقال مسلم: فأفرغ على رأسي ثلاثًا، وأشار بيديه كلتيهما.\nوفي رواية لمسلم: فيه أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف (^١).\n(١٧٠٠ - ١٦٢) ومنها حديث جابر في البخاري، ومسلم، وفيه:\nكان النبي ﷺ يأخذ ثلاث أكف فيفيضها على رأسه .. وذكر بقية الحديث. هذا لفظ البخاري.\nولفظ مسلم: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء (^٢).\n(١٧٠١ - ١٦٣) وحديث جابر في مسلم،\nأن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل؟ فقال ﷺ: أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا (^٣).\n(١٧٠٢ - ١٦٤) وفي حديث عائشة في صفة غسل الرسول ﷺ من الجنابة كما في\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٤) ومسلم (٣٢٧).\n(^٢) البخاري (٢٥٦) ومسلم (٣٢٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٢٨).","vol":"8","page":336},{"text":"البخاري: ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات (^١).\nولفظ مسلم: حفن على رأسه ثلاث حفنات (^٢).\n(١٧٠٣ - ١٦٥) وفي حديث ميمونة في البخاري: ثم أفاض على رأسه الماء (^٣).\nولفظ مسلم: «ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات» (^٤).\n(١٧٠٤ - ١٦٦) وحديث أم سلمة في مسلم: إنما يكفي أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات .. الحديث (^٥). وسوف أسوقه بتمامه في الدليل الثاني.\n(١٧٠٥ - ١٦٧) وحديث عائشة في مسلم: لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (^٦).\nوإذا كان لا يجب مسح المسترسل من الشعر في الطهارة الصغرى، لأن الله ﷾ قال: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦]. ولم يقل: بشعوركم.\nفكذلك لا يجب غسل المسترسل منه في الطهارة الكبرى؛ لأن الأحاديث لا تذكر إلا غسل الرأس، ولا تذكر غسل الشعر، وليس الاحتياط في إيجاب غسل المسترسل منه، بل الاحتياط عدم الجزم بالوجوب، وتأثيم الناس حتى يثبت دليل صحيح صريح خال من النزاع.\nفإن قيل: أليس قوله تعالى: (فَاطَّهَّرُوا) يشمل جميع البدن؟\nقيل: بلى، ولكن المسترسل من الشعر ليس من البدن، فنحن نوجب غسل ما كان ساترًا للبدن متصلًا به من أصول الشعر وليس المسترسل منه\n_________\n(^١) البخاري (٢٤٨).\n(^٢) صحيح مسلم مسلم (٣١٦).\n(^٣) البخاري (٢٧٤).\n(^٤) صحيح مسلم (٣١٧).\n(^٥) صحيح مسلم (٣٣٠).\n(^٦) صحيح مسلم (٣٣١).","vol":"8","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3907>الدليل الثاني:</span>\n(١٧٠٦ - ١٦٨) ما رواه مسلم، من طريق سفيان - عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت:\nيا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفي أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن أم سلمة ﵂ أخبرت رسول الله ﷺ أنها تشد ضفر رأسها، فلم يأمرها بنقض ضفرها، ولو وجب غسل باطن الشعر، لوجب نقضه ليعلم أن الماء قد وصل إليه، ولما كفاه ثلاث حثيات.\nقال ابن قدامة: «ومثل هذا لا يبل الشعر المشدود ضفره في العادة» (^٢). ولو كان واجبًا لقال: «أن تحثي على شعرك» بدلًا من قوله: «على رأسك».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3908>الدليل الثالث:</span>\n(١٧٠٧ - ١٦٩) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت:\nيا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٣٠).\n(^٢) المغني (١/ ٣٠٢).\n(^٣) رواه مسلم (٣٣١).","vol":"8","page":338},{"text":"وجه الاستدلال منه كوجه الاستدلال من حديث أم سلمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3909>الدليل الرابع:</span>\nقال ابن قدامة: «ولأن الشعر ليس من أجزاء الحيوان -يعني المتصل بل هو في حكم المنفصل- بدليل أنه لا ينجس بموته، ولا حياة فيه -يعني حياة حيوانية بل حياته كحياة الزرع- ولا ينقض الوضوء مسه من المرأة، ولا تطلق بطلاقة، فلم يجب غسله للجنابة كثيابها» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3910>الدليل الخامس:</span>\n(١٧٠٨ - ١٧٠) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية بنت شيبة، تحدث عن عائشة\nأن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها، فقالت أسماء: وكيف أتطهر بها؟ فقال: سبحان الله تطهرين بها فقالت عائشة -كأنها تخفي ذلك-: تتبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تأخذ ماءً فتطهر فتحسن الطهور، أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها من الماء، فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ثم تصب على رأسها فتدلكه) أي تدلك رأسها، فلم يأمرها إلا بدلك الشعر الذي على رأسها، بدليل قوله: (حتى تبلغ شؤون رأسها) والشؤون كما قال\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٠٢).\n(^٢) رواه مسلم (٦١ - ٣٣٢).","vol":"8","page":339},{"text":"ابن الأثير: هي عظامه، وطرائقه ومواصل قبائله (^١)، وكذا هو في اللسان (^٢).\nوالمقصود من ذلك أصول شعر رأسها حتى يبلغ بشرة الرأس، ولم يذكر غسل ضفائرها.\nوهذا القول هو الراجح. والله أعلم. والقول الأول أحوط.\n* * *\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٣٧).\n(^٢) (١٣/ ٢٣١).","vol":"8","page":340},{"text":"مسألة\nفي استحباب التيامن في الاغتسال\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لا يشرع التثليث في الغسل إلا في موضعين: في غسل الكفين، وهذا صريح، وفي غسل الرأس على احتمال، هل قصد بذلك التكرار، أو الاستيعاب؟\n[م-٧٢٩] أما التيامن في غسل الرأس ففيه دليل خاص:\n(١٧٠٩ - ١٧١) فقد روى مسلم من طريق القاسم،\nعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. ورواه البخاري بنحوه (^١).\nوأما التيامن في البدن فليس فيه حديث صريح في غسل الجنابة والحيض، ولكن فيه حديث أم عطية ﵂:\n(١٧١٠ - ١٧٢) قال البخاري: حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا خالد، عن حفصة بنت سيرين،\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٨) ومسلم (٣١٨).","vol":"8","page":341},{"text":"عن أم عطية، قالت: قال النبي ﷺ لهن في غسل ابنته: ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها. رواه البخاري ومسلم (^١).\n(١٧١١ - ١٧٣) وفيه حديث عائشة ﵂ عند البخاري، ومسلم (^٢) من طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، سمعت أبي يحدث عن مسروق\nعن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (١٦٧) ومسلم (٤٢ - ٩٣٩).\n(^٢) البخاري (١٦٨) (٤٢٦) ومسلم (٢٦٨).\n(^٣) انظر تخريجه في المجلد السابع (ح ١٢٨٥).","vol":"8","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3911>الفرع السادس في التثليث في غسل البدن</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لا يشرع التثليث في غسل الجنابة إلا في موضعين: في غسل الكفين قبل الاستنجاء، وهذا صريح، وفي غسل الرأس على احتمال، هل قصد بذلك التكرار، أو الاستيعاب؟\n[م-٧٣٠] اختلف العلماء في تثليث البدن في الغسل:\nفقيل: يستحب، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: لا يستحب، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٤). واختاره ابن تيمية من\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤)، شرح فتح القدير (١/ ٥٨).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٩٠)، مغني المحتاج (١/ ٧٤)، المجموع (٢/ ٢١٣) قال النووي: «المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور أنه يستحب إفاضة الماء على جميع البدن ثلاث مرات».\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٥٣)، الفروع (١/ ٢٠٤)، كشاف القناع (١/ ١٥٢)، المحرر (١/ ٢٠).\n(^٤) نصت كتب المالكية على أن من سنن الغسل تثليث الرأس، ومعناه أنه لا يشرع التثليث لما عداه، وصرح بعضهم بأنه لا يشرع تثليث البدن. بل كره كثير منهم التثليث في أعضاء الوضوء فضلًا عن الغسل. انظر المسألة في الكتب التالية. ...\nالشرح الصغير (١/ ١٧٢)، بمختصر خليل (ص: ١٥)، وشروحه الخرشي (١/ ١٧١)، وقال في حاشية العدوي المطبوع بهامش شرح الخرشي: «ليس شيء في الغسل يندب فيه التكرار غير الرأس» شرح الزرقاني (١/ ١٠٤). منح الجليل (١/ ١٢٩، ١٣٠)، وذكر فيه كراهة تثليث أعضاء الوضوء، ونص على استحباب التثليث في الرأس.\nوقال في الشرح الكبير (١/ ١٣٦، ١٣٧): «يندب بدؤه بأعضاء وضوئه كاملة مرة بنية رفع الجنابة، فلا يندب التثليث بل يكره».","vol":"8","page":343},{"text":"الحنابلة (^١)، وهو الراجح.\nوقيل: يستحب التكرار في غسل الحيض دون الجنابة، وهو رواية عن أحمد (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3912> أدلة الجمهور في استحباب غسل البدن ثلاثًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3913>الدليل الأول:</span>\n(١٧١٢ - ١٧٤) روى مسلم من طريق هشام، عن أبيه\nعن عائشة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا (^٣).\nوالوضوء جزء من غسل الجنابة، فإذا ثلث فيه غسل الكفين كان التثليث في سائره مشروعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3914>الدليل الثاني:</span>\n(١٧١٣ - ١٧٥) ما رواه أحمد، قال: من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء ابن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن\nأن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من جنابة يغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ بيمينه ليصب على شماله، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يغسل يده غسلًا حسنًا، ثم يمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ثم\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٥٣)، الفروع (١/ ٢٠٤).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٩٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٦ - ٣١٦).","vol":"8","page":344},{"text":"يصب الماء على رأسه ثلاثًا، ثم يغتسل، فإذا خرج غسل قدميه (^١).\nوجه الاستدلال:\nإذا ثبت التثليث في الوضوء، وهو جزء من غسل الجنابة، كان التثليث في سائر البدن مقيسًا عليه.\n• وأجيب:\nأما التثليث في الوضوء من الحدث الأصغر فهذا ثابت في السنة الصحيحة، ولكن لا يسلم القياس لاختلاف الموجب. وما يجب في هذا قد لا يجب في ذاك، كالترتيب والموالاة، وإذا اختلفا فيما يجب اختلفا فيما يستحب.\nوأما التثليث في وضوء الغسل من الجنابة فالصحيح أنه لا يشرع، وقد بينا في مسألة مستقلة شذوذ حديث عطاء بن السائب عن أبي سلمة فقد رواه بكير الأشج عن أبي سلمة به وليس فيه ذكر التثليث كما في مسلم، كما اختلف أصحاب عطاء في ذكر التثليث، فرواه شعبة عن عطاء، وهو من أثبت من روى عنه ولم يذكر التثليث، وحديث ميمونة في غسل الجنابة فيه تفصيل الوضوء ولم تذكر تثليثًا.\nانظر مسألة الخلاف بين العلماء: هل يسن تثليث أعضاء الوضوء؟ وما هو الراجح منها؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3915>الدليل الثالث:</span>\n(١٧١٤ - ١٧٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا سليمان بن حرب الواشحي، ومسدد قالا: حدثنا حماد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:\nكان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة -قال سليمان- يبدأ فيفرغ بيمينه على شماله، وقال مسدد: غسل يديه يصب الإناء على يده اليمنى، ثم اتفقا: فيغسل فرجه. وقال مسدد: يفرغ الإناء على شماله -وربما كنّت عن الفرج- ثم يتوضأ وضوءه\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٩٦). والتثليث فيه ليس بمحفوظ، وقد سبق تخريج الحديث، انظر ح: (١٦٧٢).","vol":"8","page":345},{"text":"للصلاة، ثم يدخل يديه في الإناء، فيخلل شعره، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة أو أنقى البشرة أفرغ على رأسه ثلاثًا، فإذا فضل فضلة صبها عليه (^١).\n[الحديث صحيح، إلا زيادة: (فإذا فضل فضلة صبها عليه) فليست محفوظة] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٤٢).\n(^٢) الحديث مداره على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعًا.\nرواه حماد بن زيد كما في إسناد أبي داود هذا، بزيادة: (فإذا فضل فضلة صبها عليه).\nولم ينفرد حماد بن زيد بهذه الزيادة، بل تابعه عليها غيره، قال ابن رجب في شرحه للبخاري (١/ ٢٦٦): وروى وهب هذا الحديث عن هشام، وقال فيه: (ثم أفاض الماء على جسده فإن بقي من الإناء شيء أفرغه عليه). ورواه أيضًا مبارك بن فضالة عن هشام بنحوه. خرجها ابن جرير الطبري. اهـ\nوقد رجعت إلى تفسير الطبري ولم أجد هذه المتابعات في مظانها، فلعلها في كتب أخرى للطبري. ولم ينسب وهبًا هذا فلم أعرفه، ولم أجد من تلاميذ هشام في تهذيب المزي أحدًا اسمه وهب، وقد رجعت إلى أطراف المزي في رواية هشام عن أبيه عن عائشة، ولم أجد من الرواة أحدًا اسمه وهب فلعله: (وهيب). وعلى كل فهذه الزيادة شاذة لأنه قد رواه جمع عن هشام ولم يذكروها، وإليك ما وقفت عليه منهم.\nالأول: مالك، كما في الموطأ (١/ ٤٤)، والبخاري (٢٤٨) والنسائي (١/ ١٣٤، ٢٠٠)، والبيهقي (١/ ١٧٥، ١٩٤).\nالثاني: سفيان بن عيينة. كما في مسند الحميدي (١٦٣)، والترمذي (١٠٤)، والنسائي (١/ ١٣٥).\nالثالث: وكيع بن الجراح، كما في المصنف لابن أبي شيبة (١/ ٦٤) ومسلم (٣١٦).\nالرابع: حماد بن سلمة. كما في مسند أحمد (٦/ ١٠١).\nالخامس: ابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (٩٩٩) وقد صرح بالتحديث.\nالسادس: عبد الله بن المبارك كما في البخاري (٢٧٢).\nالسابع: جعفر بن عون، كما في الدارمي (٧٤٨) والبيهقي (١/ ٧٣).\nالثامن: أبو معاوية، في صحيح مسلم (٣١٦)، البيهقي (١/ ١٧٤).\nالتاسع، والعاشر، والحادي عشر: جرير، وعلي بن مسهر، وابن نمير، كما في مسلم (٣١٦).\nالثاني عشر: زائدة، كما في مسلم (٣١٦) والبيهقي (١/ ١٧٢).\nفهؤلاء اثنا عشر حافظًا رووه عن هشام بدون ذكر زيادة حماد، فلو كانت محفوظة لذكروها أو بعضهم.","vol":"8","page":346},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (فإذا فضل فضلة صبها عليه). لا تسمى فضلة إلا بعد الفراغ من الاغتسال، وكونه صبها على بدنه بعد الفراغ من الاغتسال فيه تكرار الغسل للموضع الذي أصابه الماء، وإذا جاز تكراره أكثر من مرة جاز ثلاثًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3916>الدليل الرابع:</span>\n(١٧١٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثني فضيل بن مرزوق، عن عطية،\nعن أبي سعيد الخدري قال: سأله رجل عن الغسل من الجنابة، فقال: ثلاثًا، فقال: إني كثير الشعر، قال أبو سعيد: كان رسول الله ﷺ أكثر شعرًا منك وأطيب (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوقال ابن رجب في شرح البخاري: «عطية هو العوفي، فيه ضعف مشهور، ولعله أراد الثلاث في غسل الرأس ولهذا قال له السائل: إن شعري كثير».\nوقد خرجه أبو نعيم: الفضل بن دكين في كتاب الصلاة له، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية قال: سأل رجل أبا سعيد الخدري، كم يكفي لغسل رأسه؟ قال: ثلاث حفنات، وجمع يديه، وذكر بقية الحديث» (^٣).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٥٤).\n(^٢) رواه أبو نعيم الفضل بن دكين كما الصلاة (٧٢)، ومن طريق أبي نعيم أخرجه ابن الجعد في مسنده (٢٠٤٢).\nورواه أحمد (٣/ ٥٤) حدثنا يحيى بن آدم.\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٦٦) رقم ٧٠٥: وابن ماجه (٥٧٦) من طريق وكيع،\nورواه ابن ماجه (٥٧٦) من طريق ابن فضيل (محمد بن فضيل بن غزوان) أربعتهم (أبو نعيم ويحيى بن آدم، ووكيع وابن فضيل) عن فضيل بن مرزوق به.\nوفي إسناده عطية العوفي كثير الخطأ، وضعفه أحمد والنسائي والثوري، وأبو حاتم، وغيرهم.\n(^٣) شرح ابن رجب (١/ ٢٦٦).","vol":"8","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3917>الدليل الخامس:</span>\n(١٧١٦ - ١٧٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا الحسين بن عيسى الخراساني، حدثنا\nابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة -يعني مولى لابن عباس- قال:\nإن ابن عباس كان إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار، ثم يغسل فرجه، فنسي مرة كم أفرغ، فسألني كم أفرغت؟ فقلت: لا أدري، فقال: لا أم لك وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ثم يقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يتطهر (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوكأن الإمام أحمد ﵀ فهم من الحديث التسبيع في غسل البدن.\nقال ابن رجب: «وحكى الإمام أحمد أن ابن عباس كان يغتسل من الجنابة بسبع مرار وقال: هو من حديث شعبة يعني: مولى ابن عباس مشهور عنه» (^٣).\nوهكذا فهم أبو الطيب محمد شمس الحق أبادي، قال: «الظاهر من هذا الحديث\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٤٦).\n(^٢) فيه شعبة بن دينار القرشي مولى ابن عباس، سيء الحفظ.\nقال مالك: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٣).\nوقال النسائي: ليس بقوي. الكاشف (٢٢٧٩)، تهذيب الكمال (١٢/ ٤٩٧).\nوقال مثله الجوزجاني. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٣).\nوقال أحمد: ما أرى به بأسًا. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين في رواية الدوري: ليس به بأس.\nوقال في رواية ابن أبي خيثمة: لا يكتب حديثه. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٣).\nوقال ابن عدي: ولم أر له حديثًا منكرًا جدًّا، فأحكم له بالضعف، وأرجو أنه لا بأس به. الكامل (٤/ ٢٣).\nوفي التقريب: صدوق سيئ الحفظ.\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ٢٦٧).","vol":"8","page":348},{"text":"أن النبي ﷺ كان يغسل أعضاءه في الغسل سبع مرار» (^١).\nوالظاهر أن التسبيع كان في غسل الفرج، لأنه لم يذكر التسبيع إلا في غسل اليد اليسرى، واليد اليسرى هي التي يغسل بها المرء فرجه قبل الاغتسال.\nقال ابن رجب: «وليس في هذه الرواية التسبيع سوى في غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء، ويحتمل أن المراد به التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر» (^٢).\nوذكر ابن عبد البر في التمهيد، قال: عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعًا وفرجه سبعًا».\nفنص على غسل الفرج، وإن كان هذا الاحتمال يضعفه أن شعبة كان يفرغ على ابن عباس، ولا يمكن أن يكشف ابن عباس عورته لشعبة وعلى كل فالحديث ضعيف فلا حجة فيه (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3918> دليل من قال: لا يستحب التثليث في غسل البدن من الحدث الأكبر:</span>\nقالوا: الأحاديث الصحيحة في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة لم يرد فيها أنه غسل بدنه ثلاثًا، وإذا لم يرد، لم يكن مشروعًا، فحديث عائشة، وحديث ميمونة في الصحيحين وحديث أم سلمة في مسلم وغيرها من الأحاديث لا تذكر التثليث.\nقال ابن رجب: «حكت ميمونة غسل النبي ﷺ، ولم تذكر في غسل شيء من أعضائه عددًا إلا في غسل يديه في ابتداء الغسل، مع شك الراوي هل كان غسلهما مرتين أو ثلاثًا؟ وهذا الشك هو من الأعمش»، ثم قال: «وأطلقت الغسل في الباقي، فظاهره أنه لم يكرر غسل شيء من جسده بعد ذلك، لا في الوضوء ولا في الغسل بعد» (^٤).\n_________\n(^١) عون المعبود (١/ ٢٨٨).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ٢٦٧).\n(^٣) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤١٧).\n(^٤) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ٢٦٤).","vol":"8","page":349},{"text":"وقال البخاري: باب الغسل مرة، ثم ذكر حديث ميمونة وفيه: (ثم أفاض على جسده) (^١). قال الحافظ: «قال ابن بطال، لم يقيده بعدد، فيحمل على أقل ما يسمى وهو المرة الواحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها».\nوهو اختيار ابن تيمية ﵀ (^٢).\nوقال السعدي ﵀: «والصحيح أن التثليث لا يشرع في الغسل إلا في غسل الرأس؛ لأن ذلك هو الوارد في صفة غسله، فلم يثبت عنه سوى هذا، وقياس الوضوء على الغسل غير مسلم لوجود الفارق من وجوه كثيرة» انتهى كلامه ﵀ (^٣).\nقلت: يضاف إلى الرأس غسل الكفين ثلاثًا في ابتداء الغسل، فإنه قد ثبت فيه التثليث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3919> دليل التفريق بين غسل الحيض وبين غسل الجنابة:</span>\nوفرق بعضهم بين غسل الحيض وبين غسل الجنابة، فقال في التكرار في غسل الحيض ولم يستحبه في غسل الجنابة.\nفقد نقل ابن رجب عن يعقوب بن بهتان: سألت أحمد عن النفساء والحائض كم مرة يغتسلان؟ قال: كما تغسل الميتة (^٤).\nوقال ابن رجب أيضًا: «غسل الحيض يستحب تكراره كغسل الميتة، بخلاف غسل الجنابة. هذا ظاهر كلام أحمد» (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3920> والدليل على استحبابه التثليث في غسل الميتة:</span>\n(١٧١٧ - ١٧٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل بن عبدالله، قال:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٥٧).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٥٣).\n(^٣) المختارات الجلية (ص ٢٤).\n(^٤) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٩٨).\n(^٥) المرجع السابق (٢/ ٩٩).","vol":"8","page":350},{"text":"حدثني مالك، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية: ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه. ورواه مسلم (^١).\nولعل من ألحق الحيض بغسل الميت رأى أنهما غسلان يستحب فيهما استعمال السدر، ولا يستحب في غسل الجنابة، والراجح مذهب المالكية، وأنه لا يشرع التثليث في غسل الحيض ولا في غسل الجنابة، ولا حاجة إلى استعمال القياس مع ورود صفة الغسل من الجنابة والحيض من الشارع. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (١٢٥٣) ومسلم (٩٣٩).","vol":"8","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3921>الفرع السابع في صفة غسل الرجلين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إن غسل رجليه في الوضوء لم يعد غسلهما في الغسل، وإن لم يغسل رجليه في الوضوء غسلهما في الغسل.\n• غسل الرجلين سواء قدمهما أو أخرهما هما يغسلان بنية رفع الحدث الأكبر، لا بنية رفع الحدث الأصغر.\n[م-٧٣١] إذا اغتسلت المرأة للحيض، وبدأت بالوضوء، فهل تغسل رجليها مع الوضوء، أم تؤخر غسلهما إلى تمام الغسل؟\nاختلف الفقهاء في ذلك.\nفقيل: لا تغسلهما مع الوضوء، بل تؤخر غسلهما إلى تمام الغسل.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب المالكية (^٢)، وقول في مذهب الشافعية (^٣)،\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٥٨).\n(^٢) قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ١٧٢): «لهم -يعني أهل المذهب- طريقتان في الوضوء: التثليث، وعدمه، وتقديم الرجلين قبل غسل الرأس، وتأخيرهما بعد تمام الغسل». ورجح تأخير غسل الرجلين محمد عليش في منح الجليل (١/ ١٢٨).\n(^٣) قال النووي في روضة الطالبين (١/ ٨٩): «تحصل سنة الوضوء سواء أخر غسل القدمين إلى الفراغ، أو فعله بعد مسح الرأس والأذن. وأيهما أفضل؟ قولان، المشهور أنه لا يؤخر».","vol":"8","page":352},{"text":"ورواية عن أحمد (^١).\nوقيل: تغسلهما مع الوضوء، وهو مذهب المالكية (^٢)، والمشهور عند الشافعية (^٣).\nوقيل: يغسلهما مع الوضوء، ويعيد غسلهما بعد تمام الغسل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم (^٥).\nوقيل: التقديم في غسل الرجلين والتأخير سواء. وهو رواية عن أحمد (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3922> دليل من قال يؤخر غسل رجليه:</span>\n(١٧١٨ - ١٧٩) استدلوا بما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،\nعن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه. ورواه مسلم أيضًا بنحوه (^٧).\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٢٠٤)، المستوعب (١/ ٢٤٠)، المغني (١/ ٢٨٨).\n(^٢) التفريع - ابن الجلاب (١/ ١٩٤)، أسهل المدارك (١/ ٦٧)، الشرح الصغير (٢/ ١٧٢)، المعونة (١/ ١٣٢)، وقال في جواهر الإكليل (١/ ٢٣): «ثم أعضاء وضوئه كاملة -أي يغسلهما- فلا يؤخر غسل رجليه إلى آخر غسله». اهـ\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ٨٩).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٢٥٣).\n(^٥) الفروع (١/ ٢٠٤).\n(^٦) المغني - ابن قدامة (١/ ٢٨٩)، الفروع (١/ ٢٠٤).\n(^٧) صحيح البخاري (٢٨١)، مسلم (٣١٧).","vol":"8","page":353},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3923> دليل من قال: لا يؤخر غسل القدمين:</span>\n(١٧١٩ - ١٨٠) استدلوا بما رواه البخاري ﵀ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة زوج النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. ورواه مسلم بنحوه (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3924> دليل من قال: التقديم والتأخير سواء:</span>\nلعل من خير بينهما رأى أن حديث عائشة وحديث ميمونة صفتان في الغسل، فأيهما فعل فقد فعل السنة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3925> دليل من قال: إن التقديم والتأخير يتعلق بالمكان:</span>\nقال: الظاهر أنه غسل قدميه في حديث ميمونة عند الحاجة كما لو كانت الأرض طينًا، ولو لم يغسلهما لتلوثت رجلاه بالطين، ويدل لهذا أن النبي ﷺ لم يغسل قدميه في حديث عائشة بعد الغسل.\nقال النووي: كان النبي ﷺ يعيد غسل القدمين بعد الفراغ لإزالة الطين، لا لأجل الجنابة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3926> دليل من قال يغسل القدمين مرتين مع الوضوء وفي نهاية الغسل:</span>\n(١٧٢٠ - ١٨١) استدلوا بحديث عائشة عند مسلم من طريق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:\nكان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦).\n(^٢) شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٩٦).","vol":"8","page":354},{"text":"شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه (^١).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣١٦)، وقد انفرد أبو معاوية بقوله: (ثم غسل رجليه)، وجميع من رواه عن هشام لم يذكروا هذه الزيادة، ورواية أبو معاوية عن هشام بن عروة متكلم فيها، كما ذكرت ذلك في باب الاستحاضة في زيادة الوضوء لكل صلاة، فارجع إليها إن شئت.\nوقد رواه البخاري (٢٤٨) من طريق مالك،\nورواه (٢٧٢) من طريق ابن المبارك،\nورواه (٢٦٢) من طريق حماد.\nورواه مسلم (٣١٦) من طريق جرير، وعلي بن مسهر، وابن نمير، ووكيع، وزائدة، ثمانيتهم، رووه عن هشام به فلم يذكروا ما ذكره أبو معاوية. وهذه المقارنة فقط في الصحيحين، ولو تتبعت المسانيد والسنن والمعاجم لتحصل لي أكثر من هذا العدد.\nقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٧٧) ح ٢٤٨: «استدل بهذا الحديث -يعني حديث عائشة- على استحباب إكمال الوضوء قبل الغسل، ولا يؤخر غسل رجليه إلى فراغه، وهو ظاهر من قوله: (كما يتوضأ للصلاة) وهذا هو المحفوظ في حديث عائشة من هذا الوجه، لكن رواه مسلم من رواية أبي معاوية، عن هشام، فقال في آخره: (ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه) وهذه الزيادة تفرد بها أبومعاوية دون أصحاب هشام، قال البيهقي: وهي غريبة صحيحة، قلت -القائل الحافظ-: لكن في رواية أبي معاوية عن هشام مقال. نعم له شاهد من رواية أبي سلمة، عن عائشة، أخرجه أبوداود الطيالسي، فذكر حديث الغسل كما تقدم عند النسائي، وزاد في آخره، فإذا فرغ غسل رجليه. فإما أن تحمل الروايات عن عائشة على أن المراد بقولها: وضوءه للصلاة: أي أكثره، وهو ما سوى الرجلين، أو يحمل على ظاهره، ويستدل برواية أبي معاوية على جواز تفريق الوضوء. ويحتمل أن يكون قوله في رواية أبي معاوية: (ثم غسل رجليه) أي أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن كان غسلهما في الوضوء». اهـ\nقلت: الشاهد الذي أشار إليه الحافظ من رواية أبي سلمة، عن عائشة، أخرجها أبو داود الطيالسي في مسنده (١٤٧٤) حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم أخذ بيمينه، فصب على شماله فغسل فرجه، حتى ينقيه، ثم مضمض ثلاثاُ، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم صب على رأسه وجسده بالماء، فإذا فرغ غسل قدميه». اهـ\nورواه أحمد في المسند (٦/ ٩٦) ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة به. وقد انفرد حماد بن سلمة بهذا عن جميع من رواه عن عطاء بن السائب، وقد تكلمت على هذا الطريق في مسألة مستقلة، انظر ح: (١٦٧٢) فارجع إليه إن شئت.","vol":"8","page":355},{"text":"الشاهد قوله ﷺ: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)، ثم قال: (ثم غسل رجليه) فالحديث ظاهره أنه غسل رجليه مرتين، مرة مع الوضوء، ومرة بعد تمام الغسل. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3927> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nالقولان: بتقديم الرجلين أو تأخيرهما هما اللذان لهما حظ من النظر، أما بقية الأقوال في المسألة كتعليقه بالحاجة كالطين ونحوه فلا يظهر لي رجحانه.\nوحديث عائشة وقوله: (ثم توضأ وضوءه للصلاة) ظاهره الوضوء كاملًا، لكن لا يمنع من إطلاق الوضوء ويراد به أكثره، كما جاء في حديث ميمونة، فإنهم لا يختلفون أنه توضأ إلا رجليه، ومع ذلك جاء في حديث ميمونة أنه توضأ للصلاة.\n(١٧٢١ - ١٨٢) فقد روى البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،\nأن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه.\nفهنا في الحديث ذكر أنه توضأ وضوءه للصلاة، ثم ذكر بعد تمام الغسل غسل الرجلين، فالمراد توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، فأطلق الوضوء والمراد غير رجليه، فلا يمنع أن يكون الوضوء في حديث عائشة المراد به غير رجليه.\nخاصة إذا قلنا إن رواية أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في صحيح مسلم تؤيد ما ذكر، تؤيدها أيضًا رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة، عن عائشة.\nقال الحافظ في الفتح متعقبًا النووي في قوله: «أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه، قال: لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك». اهـ كلام النووي.","vol":"8","page":356},{"text":"قال ابن حجر معقبًا: «كذا قال، وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي إما محتملة كرواية: (توضأ وضوءه للصلاة) أو ظاهرة في تأخيرهما كرواية أبي معاوية المتقدمة، وشاهدها من طريق أبي سلمة، ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة، أو صريحة في تأخيرهما كحديث الباب -يعني رواية التصريح في رواية ميمونة: وفيه: (توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه) - وراويها مقدم في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش، وقول من قال: إنما فعل ذلك مرة لبيان الجواز، متعقب، فإن رواية أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش ما يدل على المواظبة: ولفظه: كان رسول إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، فذكر الحديث، وفي آخره: (ثم يتنحى فيغسل رجليه)» (^١)\nوأبو معاوية من أثبت الناس في الأعمش، وحديثه عنه في الصحيحين.\nوقول الحنفية: إن الحامل على غسل الرجلين؛ لأن المكان كان قد اجتمع فيه ماء مستعمل، فيغسل القدمان من الغسالة (^٢)، قول ضعيف؛ لأن الماء المستعمل طهور على الصحيح. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الفتح (١/ ٤٧٧) ح ٢٤٩. والرواية التي أشار إليها الحافظ هي في المسند (٦/ ٣٢٩، ٣٣٠) ولفظها بتمامها: عن ميمونة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يضرب يده على الأرض، فيمسحها، ثم يغسلها، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفرغ على رأسه وعلى سائر جسده، ثم يتنحى فيغسل رجليه.\nوهذه الرواية فيها أيضًا قوله: (يتوضأ وضوءه للصلاة) ومع ذلك فالمراد غير رجليه، فإذا صح أن يطلق على من غسل أعضاءه غير رجليه أنه توضأ وضوءه للصلاة، لم يكن حديث عائشة صريحًا أنه أكمل الوضوء، وكان المجمل في حديث عائشة محمولًا على المبين. والله أعلم.\n(^٢) مراقي الفلاح (ص: ٤٤).","vol":"8","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3928>الفرع الثامن\nالفرق بين غسل الحيض وغسل الجنابة</span>\n[م-٧٣٢] قال ابن رجب: «غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة من وجوه:\nأحدهما: أن الوضوء في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره، وغسل الجنابة السنة تقديم الوضوء فيه على الغسل».\nوأخذه ابن رجب من سؤال يعقوب بن بختان لأحمد: وسألت أحمد عن الحائض متى توضأ؟\nقال: إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت، وإن شاءت اغتسلت ثم توضأت».\nوعلق على هذا ابن رجب فقال: «وظاهر هذا أنها مخيرة بين تقديم الوضوء وتأخيره، فإنه لم يرد في السنة تقديمه -كما في غسل الجنابة- وإنما ورد في حديث أبي الأحوص، عن إبراهيم بن المهاجر: «توضأ وتغسل رأسها وتدلكه» بالواو، وهي لا تقتضي ترتيبًا» (^١).\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٩٨).","vol":"8","page":358},{"text":"قلت: قد قدمت بأن تقديم الوضوء على غسل الحيض ثابت، وناقشت هذه المسألة في فصل مستقل، وهذا الذي ذكره لا يصح ذكره من الفروق بين الغسلين.\nوالثاني: قال ابن رجب موصولًا بما تقدم: «أن غسل الحيض يستحب أن يكون بماء وسدر، ويتأكد استعمال السدر فيه، بخلاف غسل الجنابة».\nقلت: الدليل على استعمال السدر مع الماء في غسل الحيض.\n(١٧٢٢ - ١٨٣) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة، أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء» وذكر بقية الحديث. وقد خرجته فيما سبق.\nوقد فهم القرطبي ﵀ في المفهم أن السدر يستعمل لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، لا أنها تستعمله في غسل بدنها.\nقال ﵀: «قوله: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها» السدر: هنا هو الغسول المعروف، وهو المتخذ من ورق شجر النبق، وهو السدر، وهذا التطهر الذي أمر باستعمال السدر فيه، هو لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، والغسل الثاني للحيض» (^١).\nفجعل القرطبي أن قوله ﷺ: (فتطهر فتحسن الطهور) هو إزالة ما عليها من نجاسة دم الحيض بالماء والسدر. وقوله: (ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليها الماء) هذا وهو غسل الحيض وهو بالماء وحده.\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٥٨٨).","vol":"8","page":359},{"text":"والذي يظهر لي أن قوله: (تأخذ ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور) المقصود به الوضوء خاصة بدليل الرواية المفصلة عند أبي داود: (تأخذ سدرها وماءها فتوضأ ثم تغسل رأسها» الحديث ... (^١).\nفالصحيح أن السدر تستعمله في غسل بدنها كما يستعمل في غسل الميت، فتغسل به بدنها.\nففي شرح البخاري لابن رجب «قال الميموني: قرأت على ابن حنبل: أيجزئ الحائض الغسل بالماء؟ فأملى علي:\nإذا لم تجد إلا هو وحده اغتسلت به، قال النبي ﷺ: (ماءك وسدرتك)، وهو أكثر من غسل الجنابة. قلت: وإن كانت قد اغتسلت بالماء ثم وجدته؟ قال: أحب إلي أن تعود لما قال» (^٢).\nفهذا فارق صحيح بين غسل الحيض وغسل الجنابة، وإذا لم تجد السدر يكفي ما ينوب منابه من الصابون ونحوه من المطهرات.\nالفارق الثالث:\nيستحب للحائض أن تأخذ شيئًا من مسك فتجعله في قطنة أو خرقة أو نحوها وتدخلها في فرجها بعد اغتسالها ومثلها النفساء.\n(١٧٢٣ - ١٨٤) لما روى البخاري من طريق منصور بن صفية، عن أمه،\nعن عائشة ﵂ أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض فأمرها أن تغتسل، قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها. قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهري بها، فاجتبذتها، فقلت:\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣١٤).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٩٩).","vol":"8","page":360},{"text":"تتبعي بها أثر الدم. ورواه مسلم أيضًا (^١).\nقال ابن رجب: «وعلل أحمد ذلك بأنه يقطع زفورة الدم، وهذا هو المأخذ الصحيح عند أصحاب الشافعي أيضًا».\nوشذ الماوردي فحكى في ذلك وجهين:\nأحدهما: أن المقصود بالطيب تطييب المحل ليكمل استمتاع الزوج بإثارة الشهوة وكمال اللذة.\nوالثاني: لكونه أسرع إلى علوق الولد.\nقال: فإن فقدت المسك، وقلنا بالأول أتت بما يقوم مقامه في دفع الرائحة.\nوإن قلنا بالثاني فما يسرع إلى العلوق كالقسط والأظفار ونحوهما قال: واختلف الأصحاب في وقت استعماله، فمن قال بالأول: قال: بعد الغسل. ومن قال بالثاني: فقبله، ثم قال:\n«والصواب أن المقصود به تطييب المحل، وأنها تستعمل بعد الغسل، ثم ذكر حديث عائشة أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: (تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها) (^٢).\nقال: وقد اتفقوا على استحبابه للزوجة وغيرها، والبكر والثيب. والله أعلم.\n_________\n(^١) البخاري (٣١٤) ومسلم (٣٣١). قال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٩٦): «والمسك هو الطيب المعروف، هذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور، وزعم ابن قتيبة والخطابي: أن الرواية مَسك بفتح الميم، والمراد به الجلد الذي عليه صوف، وأنه أمرها أن تدلك به مواضع الدم».\nورد ابن رجب كلام الخطابي وابن قتيبة، وقال: إن أحمد والشافعي أعلم بالسنة واللغة وبألفاظ الحديث ورواياته من مثل ابن قتيبة والخطابي ومن حذا حذوهما ممن يفسر اللفظ بمحتملات اللغة البعيدة. اهـ بتصرف يسير.\n(^٢) رواه مسلم (٢٣٢).","vol":"8","page":361},{"text":"قال: واستعمال الطيب سنة متأكدة يكره تركه بلا عذر (^١).\nوقول النبي ﷺ: (خذي فرصة ممسكة فتطهري بها)، وفي رواية: (توضئي بها) يدل على أن المراد به التنظيف والتطيب والتطهير.\nولذلك سماه تطهيرًا وتوضئًا، والمراد الوضوء اللغوي الذي هو النظافة.\nوقد ترجم البخاري ﵀ فقال: باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض.\n(١٧٢٤ - ١٨٥) وساق البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية عن النبي ﷺ.\nقالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيض في نبذة من كست أظفار، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز (^٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «المراد بالترجمة أن تطيب المرأة عند الغسل من المحيض متأكد بحيث أنه رخص للحادة التي حرم عليها استعمال الطيب في شيء منه مخصوص»، ثم نقل عن النووي: «ليس القسط والظفر من مقصود الطيب، وإنما رخص فيه للحادة إذا اغتسلت من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة.\nوقال المهلب: رخص لها في التبخر لدفع رائحة الدم عنها لما تستقبله من صلاة» (^٣).\nوقال ابن رجب: «كذلك قول عائشة: «تتبعي به مجاري الدم» إشارة إلى إدخاله الفرج.\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٩٩، ١٠٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٣١٣).\n(^٣) فتح الباري في شرحه لحديث (٣١٣).","vol":"8","page":362},{"text":"واستحب بعض الشافعية استعمال الطيب في كل ما أصابه دم الحيض من الجسد أيضًا، لأن المقصود قطع رائحة الدم حيث كان.\nونص أحمد على أنه لا يجب غسل باطن الفرج من حيض ولا جنابة ولا استنجاء.\nقال جعفر بن محمد: قلت لأحمد: إذا اغتسلت من المحيض تدخل يدها؟\nقال: لا إلا ما ظهر ولم ير أن تدخل أصابعها ولا يدها في فرجها في غسل ولا وضوء» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٠٠).","vol":"8","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3929>الفرع التاسع صفة الغسل الكامل والمجزئ</span>\n[م-٧٣٣] ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا فرق بين غسل الجنابة وغسل الحيض، فقد روى ابن أبي شيبة، قال رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله -يعني: ابن عمر- عن عطاء والزهري قالا: الغسل من الجنابة والحيض واحد (^١).\nوسنده صحيح.\nورواه الدارمي من طريق الأوزاعي، عن عطاء، والزهري به (^٢).\nوقال ابن عبد البر في التمهيد كما في فتح البر: قال مالك: اغتسال المرأة من المحيض كاغتسالها من الجنابة (^٣).\nوقال الشافعي في الأم: وغسلها من الحيض كغسلها من الجنابة لا يختلفان (^٤).\nولعل قولهم: «غسل الجنابة والحيض واحد» يعني فيما يجب لا فيما يستحب، فالسدر، والمسك يستحبان في غسل الحيض والنفاس، ولا يستحبان في غسل الجنابة كما قد أوضحت.\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٧٤) رقم ٨٠٤.\n(^٢) سنن الدارمي (١١٤٧).\n(^٣) فتح البر (٣/ ٤٢١).\n(^٤) الأم (١/ ٤٠).","vol":"8","page":364},{"text":"وإذا كان غسل الجنابة والحيض واحدًا، فسوف نفصل الاغتسال من الجنابة ما لم يرد ذكره مفصلًا في غسل الحيض، وسنعتمد إن شاء الله على مشروعيته والاستدلال عليه من وروده في غسل الجنابة.\nفأقول وبالله التوفيق:\nالغسل نوعان: كامل - ومجزئ، أما صفة الكامل.\nفأولًا: أن تنوي، وقد ذكرنا موقف العلماء من حكم النية، فالجمهور على أن النية شرط، والأحناف على أن النية مستحبة، والحق مع الجمهور.\nثانيًا: لا يشرع لها التسمية.\nثالثًا: غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالها في الإناء.\n(١٧٢٥ - ١٨٦) لما رواه البخاري ومسلم: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ... الحديث (^١). وهذا مستحب، إلا إن كانت قائمة من نوم الليل فالحنابلة يوجبونه (^٢).\nوالجمهور على استحبابه (^٣).\n(١٧٢٦ - ١٨٧) وفي حديث ميمونة في البخاري، ومسلم:\nفغسل يديه مرتين أو ثلاثًا (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٢)، ومسلم (٣١٦).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٣٠)، الكافي (١/ ٢٥، ٢٦)، الفروع (١/ ١٤٤)، كشاف القناع (١/ ٩٢).\n(^٣) تبيين الحقائق (١/ ٣، ٤)، البحر الرائق (١/ ١٨، ١٩)، شرح فتح القدير (١/ ٢٠)، البناية (١/ ١٢٤)، بداية المجتهد مع الهداية (١/ ١٠٥)، الشرح الصغير (١/ ١١٨)، الخرشي (١/ ١٣٢، ١٣٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٩٦)، الأم (١/ ٢٤)، مغني المحتاج (١/ ٥٧)، نهاية المحتاج (١/ ١٨٥).\n(^٤) صحيح البخاري (٢٧٢)، ومسلم (٣١٧).","vol":"8","page":365},{"text":"(١٧٢٧ - ١٨٨) وفي حديث عائشة عند مسلم: أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا (^١).\nرابعًا: غسل الأذى الذي على البدن.\n(١٧٢٨ - ١٨٩) لما رواه مسلم، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل بدأ بيمينه فصب عليها من الماء فغسلها ثم صب الماء على الأذى الذي به بيمينه، وغسل عنه بشماله حتى إذا فرغ من ذلك صب على رأسه (^٢).\nقلت: وهذا الأذى إن كان يمنع وصول الماء كانت إزالته واجبة وإلا فمستحبة.\nخامسًا: تنظيف اليد بعد غسل الأذى.\n(١٧٢٩ - ١٩٠) لما روى البخاري، ومسلم، واللفظ له:\nعن ميمونة ﵂ قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا ... الحديث (^٣).\nفيستحب بعد غسل الأذى على البدن، أن تدلك يدها لتطهرها، إما بالأرض، أو بالحائط، أو ما يقوم مقامهما من الصابون ونحوه.\nسادسًا: البداءة بالغسل بأعضاء الوضوء.\nوهو سنة، ومحله قبل الاغتسال، وتتوضأ إلا في رأسها فإنها تغسله بدل مسحه، ولا يشرع في هذا الوضوء غسل الأعضاء ثلاثًا بل تكتفي بغسلها مرة واحدة بنية رفع الحدث الأكبر، ثم تغسل بقية بدنها ولا تعيد غسل أعضاء الوضوء مرة ثانية، ولا تنقض شعرها لغسل الجنابة والحيض ولا لغيرهما، ويستحب لها غسل ما استرسل\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣١٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٢١).\n(^٣) البخاري (٢٥٧)، ومسلم (٣١٧).","vol":"8","page":366},{"text":"من الشعر، وسواء دخل الماء إلى باطن الضفائر أم لا.\nوالسنة في غسل الرأس أن تخلل شعرها بالماء حتى إذا ظنت أنها قد أروت بشرة رأسها أفاضت عليه الماء ثلاثًا، مبتدأة بجانب رأسها الأيمن، ثم الأيسر ثم الأوسط، تعم رأسها في كل حفنة، ولها أن تغسل رجليها مع الوضوء، ولها أن تؤخر غسل رجليها إلا بعد الفراغ من الغسل.\nسابعًا: ثم تفيض الماء على ما تبقى من بدنها مرة واحدة.\nثامنًا: يستحب لها أن يكون مع الماء سدر أو ما يقوم مقامه من صابون وغيره، وهذه للحائض والنفساء خاصة.\nتاسعًا: فإذا فرغت من غسلها أخذت قطعة من القطن، ووضعت فيها شيئًا من المسك ونحوه وتتبعت بها أثر الدم.\nوالغسل المجزي: أن تنوي وتعم بدنها بالغسل مرة.\n* * *","vol":"8","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3930>الفصل الثالث في طهارة الحائض من دم الحيض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3931>المبحث الأول في نجاسة دم الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لا خلاف في نجاسة دم الحيض.\n[م-٧٣٤] نقل الإجماع على نجاسة دم الحيض كثير من الفقهاء، وإليك النقول عن بعضهم.\nقال القرافي: «وهو نجس إجماعًا» (^١). يعني دم الحيض.\nوقال الشوكاني: «واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين» (^٢).\nوحكى النووي الإجماع على نجاسة الدم، وإطلاقه يشمل الحيض.\nقال النووي: «والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر،\n_________\n(^١) الذخيرة (٧/ ١/١٨٥).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ٥٨).","vol":"8","page":368},{"text":"ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول من أصحابنا وغيرهم، لا سيما في المسائل الفقهيات» (^١).\n• الأدلة على نجاسة دم الحيض:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3932>الدليل الأول:</span>\n(١٧٣٠ - ١٩١) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة\nعن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (^٢).\nقال الحافظ ﵀: (تحته): أي تحكه. كذا رواه ابن خزيمة، والمراد بذلك إزالة عينه.\n(ثم تقرصه): أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها، ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه.\n(وتنضحه) قال الخطابي: أي تغسله. وقال القرطبي: المراد به الرش؛ لأن غسل الدم استفيد من قوله: «تقرصه بالماء». وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب. قال الحافظ: فعلى هذا فالضمير في قوله: تنضحه يعود على الثوب، بخلاف تحته. فإنه يعود على الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل. ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا لم يطهر بذلك. فالأحسن ما قاله الخطابي (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٧٦)، وقول النووي عن نجاسة الدم بأنه إجماع غير مسلم، بل الراجح طهارة الدم إلا دم الحيض.\n(^٢) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).\n(^٣) الفتح بتصرف يسير (١/ ٤٣٩).","vol":"8","page":369},{"text":"قلت: النضح يأتي في اللغة بمعنى الغسل، كما يأتي بمعنى الرش، قال ابن الأثير: قد يرد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (^١).\n(١٧٣١ - ١٩٢) قلت: الحديث قد رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع ومحمد بن بشر، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه، فهو ينضح الدم عن جبينه (^٢).\nقال السيوطي في شرحه للحديث ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (^٣).\nوقال الطحاوي: «فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح الغسل؛ لأن النضح قد يسمى غسلًا قال رسول الله ﷺ: إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها يعني يضرب البحر بجانبها» (^٤).\nوهذا الحديث الذي ذكره الطحاوي.\n(١٧٣٢ - ١٩٣) قد رواه أحمد من طريق جرير، عن ابن الخريت، عن أبي لبيد قال:\nخرج رجل من طاحية مهاجرًا يقال له بيرح بن أسد، فقدم المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بأيام، فرآه عمر رضي الله تعالى عنه، فعلم أنه غريب، فقال له: من أنت؟ قال من أهل عمان. قال: نعم. قال: فأخذ بيده فأدخله على أبي بكر رضي الله تعالى عنه. فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنى لأعلم أرضًا يقال لها عمان، ينضح بناحيتها البحر، بها حي من العرب، لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم، ولا حجر (^٥).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث (٥/ ٧٠).\n(^٢) رواه مسلم (١٩٧٢)، وهو في الصحيحين إلا أنه بلفظ: (وهو يمسح الدم عن وجهه).\n(^٣) الديباج (٤/ ٤٠٢).\n(^٤) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٥٣).\n(^٥) المسند (١/ ٤٤).","vol":"8","page":370},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3933>الدليل الثاني:</span>\n(١٧٣٣ - ١٩٤) ما رواه البخاري من طريق معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:\nجاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\nقال وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (^٢).\n_________\n(^١) أبو لبيد لم يدرك عمر فضلًا عن أبي بكر.\nقال ابن المديني: لم يلق أبا بكر. انظر تهذيب التهذيب (٨/ ٤٥٧).\nوقال المفضل بن غسان الغلابي: لم يلق أبو لبيد عمر، ولكنه لقي علي بن أبي طالب. انظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٢٥٠).\nوقال ابن كثير: هذا إسناد منقطع من ناحية أبي لبيد، فإنه لم يلق أبا بكر وعمر، وإنما له رؤية لعلي، وإنما يحدث عن كعب بن سور وضربه من الرجال، وهو من الثقات. انظر الجامع الكبير للسيوطي (١٠٦٧).\nوقال أحمد بن حنبل: كان أبو لبيد صالح الحديث، وأثنى عليه ثناء حسنًا. انظر الجرح والتعديل (٧/ ١٨٢).\nوالحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٠٦)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٨) والحارث في مسنده كما في بغية الحارث (١٠٣٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢٩٤)، من طريق جرير بن حازم، عن الزبير بن الخريت به.\nويشهد للمرفوع ما رواه مسلم (٢٥٤٤)، قال: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مهدي بن ميمون عن أبي الوازع جابر بن عمرو الراسبي، سمعت أبا برزة يقول: بعث رسول الله ﷺ رجلًا إلى حي من أحياء العرب، فسبوه وضربوه، فجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك.\n(^٢) رواه البخاري (٢٢٨)، ورواه مسلم (٣٣٣) دون قوله وقال أبي ... إلخ وسيأتي الكلام عليه في الاستحاضة إن شاء الله تعالى.","vol":"8","page":371},{"text":"وجه الاستدلال من الحديث:\nقوله: (فاغسلي عنك الدم) أمرها بغسل الدم، وهذا يدل على أنه نجس، فإن قيل: الغسل لا يدل على النجاسة، فعائشة كانت تغسل المني من ثوبه، والمني طاهر، فالجواب عنه: أن النبي ﷺ لم يأمر عائشة بغسل المني، فهي حكاية فعل من عائشة، بخلاف الأمر بغسل الدم، فهو أمر، والأصل في الأمر الوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3934>الدليل الثالث:</span>\n(١٧٣٤ - ١٩٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار، قال:\nسمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع (^١)، واغسليه بماء وسدر.\n[رجاله ثقات] (^٢).\n_________\n(^١) قال ابن حجر في التلخيص (١/ ٥٦): قوله بصلع ضبطه بن دقيق العيد بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام ثم عين مهملة: وهو الحجر، ووقع في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام، ولعله تصحيف؛ لأنه لا معنى يقضي تخصيص الضلع بذلك. كذا قال، لكن قال: الصغاني في العباب في مادة ضلع بالمعجمة وفي الحديث حتيه بضلع. قال ابن الأعرابي: الضلع ههنا العود الذي فيه اعوجاج، وكذا ذكره الأزهري في المادة المذكورة وزاد عن الليث، قال: الأصل فيه ضلع الحيوان فسمي به العود الذي يشبهه. قوله ثم اقرصيه وقع في حديث عائشة في الصحيحين فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء وقوله فلتقرصه بفتح التاء وضم الراء ويجوز كسرها وروي بفتح القاف وتشديد الراء أي فلتقطعه بالماء ومنه تقريص العجين قاله أبو عبيد، وسئل الأخفش عنه فضم بإصبعيه الإبهام والسبابة وأخذ شيئا من ثوبه بهما وقال هكذا يفعل بالماء في موضع الدم.\n(^٢) المسند (٦/ ٣٥٥). وأعله العقيلي بتفرد أبو المقدام به، واسمه: ثابت بن هرمز، قال العقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٢٨): «لم يتابع عليه ثابت بن هرمز». اهـ\nقلت: قد وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين كما في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٩٦)، والجرح والتعديل (٢/ ٤٥٩)، وتهذيب الكمال (٤/ ٣٨٠).\nووثقه أبو داود، ويعقوب بن سفيان وابن المديني وأحمد بن صالح كما في تهذيب التهذيب (٢/ ١٥).\nووثقه الذهبي انظر الكاشف (٧٠٠). وليس له إلا هذا الحديث، وقد صححه ابن حبان، وابن خزيمة.\nوفي التهذيب: صححه ابن القطان، وقال عقبه لا أعلم له علة، وثابت ثقة، ولا أعلم أحدًا ضعفه غير الدارقطني. انظر بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٨١).\nوعدي بن دينار. وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر تهذيب التهذيب (٧/ ١٥١). وباقي رجاله ثقات مشهورون.\nوالحديث رواه الثوري كما في مصنف عبد الرزاق (١٢٢٦)، ومسند أحمد (٦/ ٣٥٥)، والتاريخ الكبير للبخاري (٧/ ٤٤)، وسنن أبي داود (٣٦٣)، والدارمي (١٠٢٤)، وسنن النسائي (٢٩٢، ٣٩٥)، وسنن ابن ماجه (٦٢٨)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٥/ ١٨٢) ح ٤٤٧، وصحيح\nابن خزيمة (٢٧٧)، وصحيح ابن حبان (١٣٩٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٠٧).\nوإسرائيل كما في مسند إسحاق بن راهويه (٢١٧٧)، ومسند أحمد (٦/ ٣٥٦).\nوقيس بن الربيع كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٥٦) ح ١٤٣،\nوشريك كما ذكر ذلك العقيلي في الضعفاء (١/ ٢٨)، أربعتهم عن أبي المقدام ثابت بن هرمز، عن عدي بن دينار، عن أم قيس.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠١٠) حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن ثابت، عن عدي بن دينار، أن أم حصين سألت النبي ﷺ عن دم الحيض .... وذكره.\nولم يقل أحد: (أم حصين) إلا حجاج بن أرطأة، وهو وهم، وصوابه أم قيس بنت محصن. وحجاج ضعيف.\nوحسنه الحافظ في الفتح في شرحه لحديث (٢٢٩)، وصححه ابن القطان كما نقلنا كلامه آنفًا.","vol":"8","page":372},{"text":"قال السندي: حكيه بضلع بكسر معجمة وفتح لام: أي بعود وفي الأصل واحد أضلاع الحيوان أريد به العود لشبهه به، وقد تسكن اللام تخفيفًا. قال الخطابي: وإنما أمر بحكه لينقلع المتجسد منه اللاصق بالثوب، ثم يتبعه الماء ليزيل الأثر وزيادة السدر للمبالغة وإلا فالماء يكفي، وذكر الماء لأنه المعتاد، ولا يلزم منه أن غيره من المائعات لا يجزئ، كيف ولو كان لبيان اللازم لوجب السدر أيضًا، ولا قائل به (^١).\n_________\n(^١) حاشية السندي على النسائي (١/ ١٥٥).","vol":"8","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3935>الدليل الخامس:</span>\n(١٧٣٥ - ١٩٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا حيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها طرقتها الحيضة من الليل ورسول الله ﷺ يصلي فأشارت إلى رسول الله ﷺ بثوب، وفيه دم، فأشار إليها رسول الله ﷺ وهو في الصلاة اغسليه فغسلت موضع الدم، ثم أخذ رسول الله ﷺ ذلك الثوب فصلى فيه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٦٦).\n(^٢) الإسناد فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، إلا أنه صالح في الشواهد.\nوفيه حيي بن عبد الله، مختلف فيه.\nفقال أحمد: حيي أحاديثه مناكير. تهذيب الكمال (٦/ ٤٨٨).\nوقال البخاري: فيه نظر. التاريخ الكبير (٣/ ٧٦).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. انظر الضعفاء والمتروكين له (١٦٢).\nوقال أبو أحمد ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة. انظر الكامل في الضعفاء (٢/ ٤٤٩) وتهذيب الكمال (٦/ ٤٨٨).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٣٥). وفي التقريب: صدوق يهم.\nوشيخ أحمد هو الحسن بن موسى الأشيب، ثقة. انظر ترجمته في الجرح والتعديل (٣/ ٣٧)، والثقات (٨/ ١٧٠)، والتهذيب (٢/ ٣٢٣).","vol":"8","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3936>المبحث الثاني في تعين الماء في إزالة دم الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إزالة النجاسة عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل.\n• النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها.\n[م-٧٣٥] اختلف العلماء في هذه المسألة.\nفقيل: لا تزال النجاسة إلا بالماء، ومنها دم الحيض.\nوهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، ومحمد وزفر من الحنفية (^٤).\nوقيل: النجاسة تزال بأي مائع مزيل طاهر، ولا يتعين الماء، وهذا هو المشهور\n_________\n(^١) المقدمات ابن رشد (١/ ٨٦)، القوانين الفقهية - ابن جزي (ص: ٢٥)، منح الجليل (١/ ٣٠)، الشرح الصغير (١/ ٣١).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ١٧، ١٨)، المجموع (١/ ١/١٤٢)، روضة الطالبين (١/ ٧)، نهاية المحتاج (١/ ٦١).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٣٠٩)، كشاف القناع (١/ ١٨١)، الفروع (١/ ٢٥٩).\n(^٤) انظر بدائع الصنائع (١/ ٨٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠٩)، البناية (١/ ٧١١).","vol":"8","page":375},{"text":"من مذهب الحنفية (^١)، وبه قال ابن تيمية إلا أنه لم يشترط أن يكون المزيل مائعًا (^٢).\nوقيل: إن نص الشارع على تطهيره بالماء كنجاسة دم الحيض لم يجز العدول إلى غيره.\nوإن نص الشارع على غير الماء كطهارة النعلين، فيجوز الاقتصار عليه.\nويجوز العدول إلى الماء؛ لأن الماء أقوى من غيره بالتطهير.\nوإن كان الشارع لم ينص على مادة التطهير، وجب الاقتصار على الماء فقط. وهذا القول اختيار الشوكاني ﵀ (^٣).\n• أدلة الجمهور على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء:\nذكرت أدلتهم في الطهارة من حاجة الإنسان الطبيعية، في شروط الاستجمار، الشرط السادس، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.\n• أدلة الحنفية وابن تيمية بأنه لا يشترط الماء لإزالة النجاسة:\nذكرت أدلتهم في الطهارة من حاجة الإنسان الطبيعية، في شروط الاستجمار، الشرط السادس، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.\n• أدلة الحنفية على أنه يشترط أن يكون المزيل مائعًا ولو لم يكن ماء:\nقالوا: إن كل مائع مزيل فإنه يطهر النجاسة، قياسًا على إزالة النجاسة بالماء بناء على أن الطهارة بالماء معلولة بعلة كونه قالعًا لتلك النجاسة، والمائع قالع فهو محصل ذلك المقصود فتحصل به الطهارة.\nوقيدوا المائع بكونه مزيلًا ليخرج الدهن والسمن واللبن وما أشبه ذلك؛ لأن الإزالة إنما تكون بأن يخرج أجزاء النجاسة مع المزيل شيئا فشيئًا، وذلك إنما يتحقق\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٨٣)، البحر الرائق (١/ ٢٣٣)، مراقي الفلاح (ص ٦٤، ٦٥)، رؤوس المسائل (ص: ٩٣)، البناية (١/ ٧٠٩).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٣٠٩)، الفروع (١/ ٢٥٩)، مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٢٢)، (٢١/ ٦١٠، ٦١١).\n(^٣) انظر نيل الأوطار (١/ ٧٠)، والسيل الجرار (١/ ٤٩).","vol":"8","page":376},{"text":"فيما ينعصر بالعصر بخلاف الخل وماء الباقلاء الذي لم يثخن فإنه مزيل، وكذا الريق، وعلى هذا فرعوا طهارة الثدي إذا قاء عليه الولد ثم رضعه حتى أزال أثر القيء (^١)، وكذا إذا لحس أصبعه من نجاسة بها حتى ذهب الأثر، أو شرب خمرًا ثم تردد ريقه في فيه مرارًا طهر (^٢) حتى لو صلى صحت صلاته (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3937> دليل الشوكاني على تقسيمه النجاسة إلى ثلاثة أقسام:</span>\nاحتج الشوكاني: أن ما نص الشارع على تطهيره بالماء، كنجاسة دم الحيض، وبول الأعرابي إذا كان على الأرض، وبول الجارية، ونحوها. لا يجوز العدول إلى غير الماء.\nوالتعليل: لأن الشارع لما نص على الماء تعين، ولأن الماء لا يساويه غيره في قوة التطهير.\nأما النوع الذي نص على تطهيره بغير الماء كطهارة النعلين، وذيل المرأة بالتراب، وكالاستنجاء بالحجارة، فهذا النوع يجوز الاقتصار على التراب والأحجار لورود النص به، ويجوز العدول إلى الماء؛ لأن الماء أقوى من غيره في التطهير.\nوأما النجاسة التي لم ينص الشارع على مادة تطهيرها، فيجب الاقتصار على الماء؛ لأن تطهيره بالماء متيقن، وطهارته بغير الماء مشكوك فيها، فلا نترك اليقين إلى الشك (^٤).\nوظاهر هذا القول القوة، ولكن عند التأمل تراه ظاهرية واضحة، إذ لا فرق بين أن تكون النجاسة على ذيل المرأة فتزال بالأحجار، أو تكون على وسط الثوب فيتعين الماء كطهارة بول الجارية، فإن بول الجارية أرشد الرسول ﷺ إلى تطهيره بالماء.\n* * *\n_________\n(^١) هذا بناء على القول بنجاسة القيء، والصحيح طهارته، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى في أحكام النجاسات بلغنا الله إياه بلطفه ورحمته.\n(^٢) وهذا بناء على أن الخمر نجسة، والصحيح أن نجاستها معنوية، وأن عينها طاهرة.\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٣٣) مع تصرف يسير.\n(^٤) انظر بتصرف السيل الجرار (١/ ٤٩)، ونيل الأوطار (١/ ٧٠).","vol":"8","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3938>المبحث الثالث في وجوب تكرار الغسل من دم الحيض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• النجاسة عين خبيثة، متى زالت بأي مزيل زال حكمها.\n• لم يرد التكرار في إزالة الخبث إلا في طهارة الإناء من ولوغ الكلب، وهو غير مقيس، وفي طهارة الاستجمار، إذا أنقى دون الثلاث؛ لضعف المطهر.\n[م-٧٣٦] اختلف العلماء في وجوب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض،\nفقيل: إن كانت النجاسة مرئية، كالدم يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها، وإن كانت غير مرئية، وجب غسلها ثلاثًا، وذلك مثل نجاسة ولوغ الكلب، ونحوها، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: لا يجب العدد في غسل النجاسات مطلقًا ما عدا الكلب، وهو مذهب مالك (^٢)، والشافعية إلا أنهم ألحقوا الخنزير بالكلب (^٣).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٧٥)، بدائع الصنائع (١/ ٨٨)، مراقي الفلاح (ص: ٦٤). الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٥، ٣٦)، فتح القدير (١/ ٢٠٩).\n(^٢) المدونة (٠١/ ٦٩)، بداية المجتهد (٢/ ٢٢٣)، مختصر خليل (ص: ٩)، الخرشي (١/ ١١٤).\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ٣١، ٣٢)، المجموع (٢/ ٦١١)، الأم (١/ ٦)، مغني المحتاج (١/ ٨٣)، حاشية القليوبي وعميرة (١/ ٧٣).","vol":"8","page":378},{"text":"وقيل: يجب غسل جميع النجاسات سبعًا، إلا نجاسة بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، والنجاسة التي على الأرض. وهو مذهب الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3939> دليل من قال: لا يشترط التكرار في غسل النجاسات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3940>الدليل الأول:</span>\n(١٧٣٦ - ١٩٧) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ، فقالت:\nأرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nفهنا الرسول ﷺ لم يذكر عددًا في غسل نجاسة دم الحيض، والمقام مقام بيان، وجواب عن سؤال كيف يطهر الثوب، وقد أرشد الرسول ﷺ إلى حته، وقرصه، وغسله، مع أن الحت ليس بواجب مع الغسل، فدل على أن التكرار ليس بواجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3941>الدليل الثاني:</span>\n(١٧٣٧ - ١٩٨) روى البخاري من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\nقال: وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (^٣).\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١٨٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٢).\n(^٢) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).\n(^٣) رواه البخاري (٢٢٨)، ورواه مسلم (٣٣٣) دون قوله وقال أبي ... الخ وسيأتي الكلام عليه في الاستحاضة إن شاء الله تعالى.","vol":"8","page":379},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمرها بغسل الدم، بقوله ﷺ: (واغسلي عنك الدم، ثم صلي). ولو كان العدد معتبرًا لبينه النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3942>الدليل الثالث:</span>\n(١٧٣٨ - ١٩٩) ما رواه أحمد من طريق الثوري، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار، قال:\nسمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع، واغسليه بالماء والسدر.\n[رجاله ثقات] (^١).\nوجه الاستدلال:\nالاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالذي قبله، وقد ذكر السدر مع كونه ليس واجبًا، فكيف يترك ذكر العدد مع وجوبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3943>الدليل الرابع:</span>\nمن النظر، قالوا: النجاسة عين محسوسة، ووجوب غسلها معلل ببقائها، فإذا زالت من الغسلة الأولى ارتفع حكمها. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3944> دليل الحنابلة على وجوب غسل النجاسات سبعًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3945>الدليل الأول:</span>\n(١٧٣٩ - ٢٠٠) قال ابن قدامة: روي عن ابن عمر أنه قال: أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٣٥٥). وقد سبق تخريجه انظر (ح ١٧٣٤).\n(^٢) المغني (١/ ٧٥).","vol":"8","page":380},{"text":"• والجواب على هذا من وجهين:\nالأول: أن هذا الأثر لا يعرف مسندًا في كتب الحديث، إنما ذكره الحنابلة في كتبهم الفقهية، فلا حجة فيه.\nالثاني: على فرض صحته فقد روي ما يدل على أنه منسوخ.\n(١٧٤٠ - ٢٠١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أيوب بن جابر، عن عبد الله، يعنى ابن عصمة،\nعن ابن عمر قال: كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار، والغسل من البول سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة مرة، والغسل من البول مرة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ١٠٩).\n(^٢) فيه أيوب بن جابر.\nضعفه أبو حاتم الرازي، وابن المديني، ويحيى بن معين، والنسائي وقال أبو زرعة: واهي الحديث ضعيف. انظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٤٢)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (ص: ٥).\nوضعفه الذهبي انظر الكاشف (٥١٢).\nوقال معاوية بن صالح: ليس بشيء. انظر تهذيب التهذيب (١/ ٣٤٩).\nوذكره ابن حبان في المجروحين (١/ ١٦٧)، وقال: يخطئ. حتى خرج عن حد الاحتجاج به لكثرة وهمه.\nوفي الإسناد: عبد الله بن عصم. وقيل: عصمة. مختلف فيه.\nقال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ. كما في الجرح والتعديل (٥/ ١٢٦). وقال: مثله الذهبي في الكاشف.\nواضطرب قول ابن حبان فيه، فذكره في المجروحين (٢/ ٥)، وقال: منكر الحديث جدًّا على قلة روايته، يروي عن الأثبات ما لا يشبه أحاديثهم حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة. ثم رجع ابن حبان وذكره في الثقات (٥/ ٥٧)، وقال: يخطئ كثيرًا.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ، أفرط ابن حبان فيه وتناقض. ...\nوالحديث أخرجه أحمد (٢/ ١٠٩) ومن طريقه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٤٥) من طريق حسين بن محمد.\nوأخرجه أبو داود (٢٤٧) والمعجم الصغير للطبراني (١/ ١٢٣) ح ١٨٢، والبيهقي في السنن (١/ ١٧٩، ٢٤٤)، عن قتبية بن سعيد، كلاهما عن أيوب بن جابر به.","vol":"8","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3946>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: ثبت الأمر بغسل نجاسة الكلب سبعًا، وغيرها من النجاسات مقيس عليها.\n• والدليل على وجوب غسل نجاسة الكلب سبعًا:\n(١٧٤١ - ٢٠٢) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، قال: إن رسول الله ﷺ، قال: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا. ورواه مسلم (^١).\n• وأجيب:\nبأن نجاسة الكلب مغلظة، ولا تقاس النجاسة المعتادة على النجاسة المغلظة. أرأيت دم الحيض مع أنه مجمع على نجاسته كما قدمنا إلا أنه لم يرد فيه تكرار الغسل، ولم يرد ذكر التراب في تطهير شيء من النجاسات إلا نجاسة الكلب، والرواية التي فيها ذكر التراب.\n(١٧٤٢ - ٢٠٣) رواها مسلم من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3947> دليل الحنفية على التفريق بين النجاسة المرئية وغير المرئية:</span>\nقالوا: بأن النجاسة إذا كانت مرئية كالدم ونحوه فطهارتها زوال عينها،\n_________\n(^١) البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٧٩).","vol":"8","page":382},{"text":"ولا عبرة فيها بالعدد؛ لأن النجاسة في العين، فإذا زالت العين زالت النجاسة، وإن بقيت بقيت.\nوأما إن كانت النجاسة غير مرئية فإنه يجب غسلها ثلاث مرات، والدليل على ذلك.\n(١٧٤٣ - ٢٠٤) ما رواه الطحاوي من طريق عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء،\nعن أبي هريرة في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهر قال يغسل ثلاث مرار (^١).\n[المحفوظ من حديث أبي هريرة الأمر بغسله سبعًا] (^٢).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٢٣).\n(^٢) في إسناده عبد السلام بن حرب. مختلف فيه.\nسئل عنه ابن المبارك، فقال: قد عرفته. وكان إذا قال: قد عرفته فقد أهلكه. انظر ضعفاء العقيلي (٣/ ٦٩)، وقيل لابن المبارك في عبد السلام، فقال: ما تحملني رجلي إليه. تهذيب الكمال (١٨/ ٦٦).\nوقال ابن سعد: كان فيه ضعف في الحديث، وكان عسرًا. الطبقات (٦/ ٣٨٦).\nوقال يعقوب بن شيبة: ثقة، في حديث لين.\nوقال الترمذي: ثقة حافظ، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال يحيى بن معين: ثقة، والكوفيون يوثقونه، وقال مرة: صدوق. وقال الدارقطني: ثقة حجة، تذكرة الحفاظ (١/ ٢٧١)، الجرح والتعديل (٦/ ٤٧)، تهذيب التهذيب (٦/ ٢٨٢).\nوقال النسائي في التمييز: ليس به بأس.\nوفي إسناده أيضًا عبد الملك بن أبي سليمان.\nقال الترمذي: ثقة مأمون لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة.\nوقال الثوري: حفاظ الحديث أربعة، فذكره منهم. وسماه هو وابن المبارك: الميزان. انظر تهذيب التهذيب (٦/ ٣٥٢).\nوفي التقريب: صدوق له أوهام. والحق أنه ثقة، فقد وثقه أحمد، ويحيى بن معين، والنسائي،\nوابن سعد، والترمذي، وابن عمار الموصلي، والثوري وابن المبارك والدارقطني. وأخذ عليه وهمه في حديث الشفعة، ثم ماذا؟ ومن الذي لا يهم؟ ولذلك لم يمنع هذا الوهم من أن يوثقه الأئمة. قال يحيى بن معين عندما سئل عن حديث الشفعة، قال: هو حديث لم يحدث به إلا عبد الملك، وقد أنكره الناس عليه، ولكن عبد الملك ثقة صدوق لم يرد على مثله. =","vol":"8","page":383},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أحمد: هذا حديث منكر، وعبد الملك ثقة. انظر تهذيب التهذيب (٦/ ٣٥٢).\nوالحديث مداره على عبد الملك بن أبي سليمان. وقد اختلف عليه فيه. فمنهم من يرويه عنه موقوفًا من قوله، ومنهم من يرويه من فعل أبي هريرة. ومنهم من يرويه مرفوعًا، مع أن الحديث فيه مخالفة لجميع من روى الحديث عن أبي هريرة، ورواياتهم في الصحيحين وغيرها مرفوعة، وفيه الأمر بغسلها سبعًا. فلو صح عن أبي هريرة موقوفًا عليه لم يكن فيه حجة؛ لأن الموقوف لا حجة فيه مع معارضته للمرفوع. والله أعلم.\nوإليك تخريج الحديث.\nرواه الطحاوي كما في إسناد الباب من طريق عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة موقوفًا عليه من قوله.\nورواه الدارقطني (١/ ٦٦) من طريق ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان به. بلفظ: كان إذا ولغ الكلب في الإناء أهرقه وغسله ثلاث مرات. وهذا موقوف على أبي هريرة إلا أنه من فعله.\nورواه إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان واختلف عليه فيه.\nفرواه الدارقطني (١/ ٦٦) من طريق سعدان بن نصر، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة موقوفًا عليه من قوله.\nورواه حسين الكرابيسي كما في الكامل لابن عدي (٢/ ٣٦٦) عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن سليمان، عن عطاء، عن الزهري مرفوعًا. وهذا مرسل، وقد خالف الكرابيسي في إسناده حيث أبدل أبا هريرة بالزهري، وأرسله عن الزهري مرفوعًا.\nورواه عمر بن شبة كما في الكامل لابن عدي (٢/ ٣٦٦)، حدثنا إسحاق الأزرق، حدثنا عبد الملك بن سليمان، عن عطاء، عن الزهري نحوه موقوفًا على الزهري.\nقلت: لم يرفعه إلا الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي، ولم يقل أحد: عن عطاء عن الزهري إلا هو، وهو خطأ.\nورواية سعدان بن نصر عن إسحاق الأزرق الموقوفة أرجح، وهي موافقة لرواية عبد السلام بن حرب، ورواية ابن فضيل كلاهما عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة موقوفًا عليه، وليس فيها ذكر للزهري، والله علم.\nقال ابن عدي: وهذا لا يرويه غير الكرابيسي مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وعلى ما ذكر في متنه من الإهراق والغسل ثلاث مرات. والحسين الكرابيسي له كتب مصنفة ذكر فيها اختلاف الناس من المسائل، وكان حافظًا لها ولم أجد منكرًا غير ما ذكرت من الحديث، والذي حمل أحمد بن حنبل عليه من أجل اللفظ في القرآن. فأما في الحديث فلم أر به بأسًا. =","vol":"8","page":384},{"text":"قال الطحاوي: «فلما كان أبو هريرة قد رأى أن الثلاثة يطهر الإناء من ولوغ الكلب فيه، وقد روي عن النبي ﷺ ما ذكرنا ثبت بذلك نسخ السبع لأنا نحسن الظن به فلا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي ﷺ إلا إلى مثله، وإلا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته».\n_________\n= وقال الخطيب: كان فاهمًا عالمًا وله تصانيف كثيرة في الفقه وفي الأصول تدل على حسن فهمه وغزارة علمه. وقال أيضًا: تكلم فيه أحمد بسبب مسألة اللفظ في القرآن، وكان هو أيضًا يتكلم في أحمد، فتجنب الناس الأخذ عنه لهذا السبب. تاريخ بغداد (٨/ ٦٤).\nوقد ثبت عن أبي هريرة أنه قال: يغسل سبع مرات موقوفًا عليه، وهذا أصح. فقد روى أبو داود في السنن (٧٢)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٠٥)، والدارقطني (١/ ٦٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٤٨) من طريق حماد بن زيد.\nوأخرجه أبو عبيد في كتاب الطهور (٢٠٤) من طريق إسماعيل بن إبراهيم،\nورواه أبو داود (٧٢) من طريق المعتمر بن سليمان، ثلاثتهم عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: إذا ولغ الكلب فاغسلوه سبع مرات، أولاهن بالتراب.\nقال الحافظ في الفتح في شرحه لحديث (١٧٢): «وثبت أنه أفتى -يعني أبا هريرة- بالغسل سبعًا. ورواية من روى عنه موافقة فتياه أرجح ممن روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر. أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين عنه. وهذا من أصح الأسانيد. وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه. وهو دون الأولى في القوة بكثير ... إلخ».\nوقال البيهقي في المعرفة (٢/ ٥٩): «لم يروه غير عبد الملك، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات». ثم قال أيضًا (٢/ ٦١): «ولمخالفته -يعني عبد الملك- ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض رواياته تركه شعبة بن الحجاج، ولم يحتج به محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح. وحديثه هذا مختلف عليه، فروي عنه من قول أبي هريرة. وروي عنه من فعله. فكيف يجوز ترك رواية الحفاظ الثقات الأثبات من أوجه كثيرة لا يكون مثلها غلطًا، برواية واحد قد عرف بمخالفته الحفاظ في بعض الأحاديث». اهـ\nوقال الدارقطني في العلل (٨/ ١٠١) «ورواه جماعة من التابعين عن أبي هريرة، منهم عبيد ابن حنين، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وعبد الرحمن الأعرج، وعقبة بن أبي الحسناء اليمامي،\nوأبو صالح السمان، عن أبي هريرة فاتفقوا على أن يغسل من ولوغ الكلب سبع مرات، وخالفهم عطاء بن أبي رباح فرواه عن أبي هريرة أنه يغسل ثلاثًا. ولم يرفعه. قاله عبد الملك بن أبي سليمان».","vol":"8","page":385},{"text":"قلت: الصحابي لا يتعمد مخالفة ما روى، ولكن قد يخالف ما يروي وليس بمعصوم، فقد ينسى ما روى، وقد يظن من عام أنه خاص، أو من مطلق أنه مقيد، أو العكس.\nوقال البيهقي منتقدًا الطحاوي فيما قال: «استدل به -يعني الطحاوي- على نسخ السبع على حسن الظن بأبي هريرة بأنه لا يخالف النبي ﷺ فيما يرويه عنه. وهل أخذ بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في السبع، وبما روينا من فتيا أبي هريرة بالسبع، وبما روينا عن عبد الله بن المغفل عن النبي ﷺ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3948>الدليل الثاني للحنفية:</span>\n(١٧٤٤ - ٢٠٥) ما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر البكراوي قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق،\nعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال الطحاوي: «كانوا يتغوطون أي: يقضون حاجتهم، ويبولون، ولا يستنجون بالماء، فأمرهم بذلك إذا قاموا من نومهم؛ لأنهم لا يدرون أين باتت أيديهم من أبدانهم، وقد يجوز أن يكون كانت في موضع قد مسحوه من البول أو الغائط فيعرقون فتنجس بذلك أيديهم فأمرهم النبي ﷺ بغسلها ثلاثًا، وكان ذلك طهارتها من الغائط أو البول إن كان أصابها، فلما كان ذلك يطهر من البول والغائط وهما أغلظ النجاسات كان أحرى أن يطهر بما دون ذلك من النجاسات» (^٢).\nقلت: قد بينت في كتاب المياه أن الأمر بغسل اليدين ثلاثًا ليس واجبًا، كما\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧٨). ورواه البخاري ولم يقل: ثلاثًا.\n(^٢) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٢).","vol":"8","page":386},{"text":"أن الحنفية يقولون إذا غمس يده في الإناء لم يتنجس الماء، ولو كان غسل اليد من نجاسة لتنجس الماء بغمس اليد فيه قبل غسلها، ولكن غسل اليدين ثلاثًا هو من سنن الوضوء، والغسل، وكان النبي ﷺ يواظب على المداومة على غسلهما قبل التطهر، ويتأكد هذا الاستحباب إذا كان قائمًا من النوم، ولو كان غسلهما عن نجاسة لكان حكم اليدين حكم نجاسة دم الحيض، وأنتم لا تشترطون عددًا في نجاسة دم الحيض، بل يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة.\nقال البيهقي في المعرفة: «زعم الطحاوي أنه تتبع الآثار، ثم روى الأحاديث الصحيحة في ولوغ الكلب، وترك القول بالعدد في تطهير الإناء منه، واستعمال التراب فيه. وجعل نظير ذلك الأحاديث التي وردت في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وهو يوجب غسل الإناء من الولوغ، ولا يوجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، فكيف يشتبهان؟» (^١).\n• الراجح:\nأن النجاسة تزال بأي مزيل، والمطلوب إزالتها، وإذا زالت عين النجاسة ولو بغسلة واحدة زال حكمها، وطهر المحل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المعرفة (٢/ ٦٠).","vol":"8","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3949>المبحث الرابع علامة الطهر عند الحائض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• للطهر عند النساء علامتان: إما الجفوف: وهو خروج الخرقة جافة، وإما القصة البيضاء: وهو ماء أبيض كالجير، وتعتمد المرأة ما اعتادت عليه من علامة طهرها.\n[م-٧٣٧] اختلف العلماء في علامة الطهر عند النساء:\nفقيل: إذا انقطع الحيض طهرت مطلقًا، سواء خرجت بعده رطوبة بيضاء أم لا، وهذا مذهب الحنفية (^١) والشافعية (^٢) والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) قال في فتح القدير تعليقًا على أثر عائشة (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) قال: «مقتضى هذا المروي أن مجرد الانقطاع دون رؤية القصة البيضاء لا تجب معه أحكام الطاهرات، وكلام الأصحاب فيما يأتي كله بلفظ الانقطاع، حيث يقولون: وإذا انقطع دمها فكذا، وإذا انقطع فكذا» انتهى كلامه، والذي يعنينا أن ابن الهمام صرح أن كلام الأصحاب يعلقون الطهر بالانقطاع: أي دون رؤية القصة البيضاء. والله أعلم.\n(^٢) قال النووي في المجموع (٢/ ٥٦٢): «علامة انقطاع الحيض ووجود الطهر أن ينقطع خروج الدم، وخروج الصفرة والكدرة، فإذا انقطع طهرت سواء خرجت بعده رطوبة بيضاء أم لا».\n(^٣) قال في نيل المآرب (١/ ١٠٨): «وإن طهرت أثناء عادتها طهرًا خالصًا لا تتغير معه القطنة إذا احتشتها، ولو أقل مدة فهي طاهرة، تغتسل وتصلي، وتفعل ما تفعله الطاهرات».\nذكر ابن مفلح في الفروع أنه ظاهر المذهب، قال (١/ ٢٦٧): «أن يكون النقاء خالصًا لا تتغير معه القطنة إذا احتشت بها في ظاهر المذهب، ذكره صاحب المحرر، وجزم به القاضي وغيره».","vol":"8","page":388},{"text":"وقيل: إن كانت ممن يرى القصة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا يراها فطهرها الجفوف. وهو المنصوص عليه في المدونة عن الإمام مالك ﵀ (^١).\nوقيل: من كان طهرها القصة البيضاء ورأت الجفوف فقد طهرت، ولا تطهر التي طهرها الجفوف برؤية القصة البيضاء حتى ترى الجفوف (^٢).\nوقيل: للطهر علامتان: الجفوف، والقصة البيضاء، فأيهما رأته المرأة كان علامة على طهرها. وسواء كانت المرأة ممن عادتها أن تطهر بالقصة البيضاء أو بالجفوف. وبه قال ابن حبيب من أصحاب مالك ﵀ (^٣).\nوقيل: متى رأت أثر الدم الأحمر، أو كغسالة اللحم، أو الصفرة أو الكدرة، أو البياض، أو الجفوف التام فقد طهرت، وهذا مذهب ابن حزم (^٤).\nفتبين من هذا أن الأقوال كالآتي:\nالأول: أن العبرة بالجفوف مطلقًا.\nالثاني: أن القصة البيضاء مقدمة على الجفوف إن كانت تراها.\nالثالث: أن الجفوف مقدم على القصة البيضاء فيما لو كانت تراهما.\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٥٠، ٥١). قال: «إذا علمت أنها قد طهرت اغتسلت إن كانت ممن ترى القصة البيضاء، فحين ترى القصة البيضاء، وإن كانت ممن لا ترى القصة البيضاء فحين ترى الجفوف».\n(^٢) نسبه ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ١٩٥) إلى ابن حبيب، ونسبه خليل في التوضيح إلى\nابن حبيب وابن عبد الحكم، انظر التوضيح (١/ ٣٥٠).\nوالذي نقله ابن رشد عن ابن حبيب أنه لا فرق بين الجفوف والقصة البيضاء فأيهما رأت فقد طهرت، وقد ذكرت هذا القول بعده فتأمل.\n(^٣) بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ٥٤). وقال عبد الوهاب البغدادي في المعونة (١/ ١٩٤): «وللطهر علامتان: الجفوف والقصة البيضاء، وكل واحد منهما يكون علامة لطهر من جرت عادتها به. وإن رأته غير من جرت عادتها به كان طهرًا لها أيضًا لإمكان انتقال العادة على اختلاف بين أصحابنا في ذلك».\n(^٤) المحلى (مسألة: ٢٢٦).","vol":"8","page":389},{"text":"الرابع: أن الجفوف والقصة البيضاء كلاهما علامة على الطهر.\nالخامس: متى رأت أثر الدم الأحمر، أو كغسالة اللحم، أو الصفرة أو الكدرة، أو البياض، أو الجفوف التام فقد طهرت.\n• أدلة من قال: العبرة بالجفوف:\nقال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) الآية [البقرة: ٢٢٢].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ وصف الحيض بكونه أذى، فإذا ذهب الأذى ارتفع الحيض (^١). قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة: ٢٢٢].\nفقوله ﷾ (حَتَّى يَطْهُرْنَ) فمن انقطع عنها دم الحيض حتى عاد المحل إلى ما كان قبل الحيض فقد طهرت منه. ولم يجعل النهي ممتدًا حتى ترى السائل الأبيض.\n• أدلة من قال: العبرة برؤية القصة البيضاء:\n(١٧٤٥ - ٢٠٦) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين، أنها قالت:\nكان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة فتقول لهن لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. تريد بذلك الطهر من الحيضة (^٢).\n[حسن] (^٣).\n_________\n(^١) نيل المآرب (١/ ١٠٨).\n(^٢) الموطأ (١/ ٥٩).\n(^٣) انظر تخريجه والكلام عليه في بحث الصفرة والكدرة، ح (١٦١٦).","vol":"8","page":390},{"text":"قال الحافظ: «القصة: هي ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض. قال مالك: سألت النساء عنه فإذا هو أمر معلوم عندهن يعرفنه عند الطهر» (^١).\nوقد اختلف الناس في معنى القصة البيضاء إلى قولين:\nالأول: أن القصة البيضاء عبارة عن سائل أبيض يخرج عقب الدم من النساء في آخر الحيض، يكون علامة على طهرها، ولا تطهر بدونه، وقيل: إنه يشبه الخيط الأبيض. وهذا قول مالك وغيره.\nوقيل: معنى القصة البيضاء أن تخرج القطنة بيضاء ليس فيها شيء من الصفرة ولا الكدرة، فيكون ذلك علامة نقائها وطهرها (^٢).\nحكى الخطابي عن ابن وهب أنه قال في تفسير القصة البيضاء: رأت القطن الأبيض كأنه هو (^٣).\nقال ابن رجب: «واختلف قول أحمد في تفسير القصة البيضاء، فنقل الأكثرون عنه أنه شيء أبيض يتبع الحيضة ليس بصفرة ولا كدرة، فهو علامة الطهر، وحكاه أحمد عن الشافعي» (^٤).\nونقل حنبل عن أحمد أن القصة البيضاء هو الطهر وانقطاع الدم. وكذلك فسر سفيان الثوري القصة البيضاء بالطهر من الحيض». اهـ كلامه ﵀ (^٥).\nقلت: القصة البيضاء معلومة لا تخفى على النساء، لكنه عند غالب النساء، وليس كلهن، فكنت إذا سُئلت من قبل بعض النساء وسألتهن عن علامة الطهر\n_________\n(^١) فتح الباري، قاله الحافظ في شرحه لحديث (٣٢٠).\n(^٢) انظر شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٢٣).\n(^٣) انظر أعلام الحديث (١/ ٣٢٥)، ونقله ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ١٢٣).\n(^٤) انظر الأم (١/ ٦٦).\n(^٥) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٢٥).","vol":"8","page":391},{"text":"فكان الغالب منهن يرىن هذا السائل الأبيض، وبعضهن: تقول: إنها لا تراه، ولكنها تشعر بالطهارة إذا جفت.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3950> دليل من قال إن كانت ترى القصة البيضاء فلا عبرة بالجفوف:</span>\nقال عيسى بن دينار: القصة البيضاء أبلغ في براءة الرحم من الجفوف (^١).\nوقال الحافظ: «إن القطنة قد تخرج جافة في أثناء الأمر -يعني في أثناء الحيض- فلا يدل ذلك على انقطاع الحيض، بخلاف القصة البيضاء» (^٢).\nويرى ابن القاسم من المالكية أن القصة أبلغ من الجفوف، قال خليل في التوضيح: «وجه قول ابن القاسم: أن القصة لا يوجد بعدها دم، والجفوف قد يوجد بعده دم» (^٣).\n• وجه قول من قال: يقدم الجفوف على القصة البيضاء:\nجاء في الاستذكار: «أن أول الحيض دم، ثم صفرة، ثم كدرة، ثم يكون نقاء كالفضة (^٤)، ثم ينقطع، فإذا انقطع قبل هذه المنازل فقد برئت الرحم من الحيض» (^٥).\nوقال خليل في التوضيح: «القصة من بقايا ما يرخيه الرحم، والجفوف بعده» (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3951> دليل من قال إذا رأت أحدهما القصة والجفوف فقد طهرت:</span>\nلعله لا حظ أن كل واحد منهما علامة على خلو الرحم من الحيض، وإذا كانت عادة المرأة قد تنتقل، وتزيد وتنقص، فلا مانع أن تتغير علامة الطهر كغيرها،\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٢٤).\n(^٢) فتح الباري، قاله في شرحه لحديث (٣٢٠).\n(^٣) التوضيح (١/ ٣٥٠).\n(^٤) نقله ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ١٢٤) وقال: «كالفضة» والمطبوع من الاستذكار «كالقصة» بالقاف بدلًا من الفاء.\n(^٥) الاستذكار (٣/ ١٩٥).\n(^٦) التوضيح (١/ ٣٥٠).","vol":"8","page":392},{"text":"والمطلوب هو التأكد من خلو الرحم من الحيض سواء كان دمًا أو صفرة أو كدرة، فأي أمارة على دلت على هذا يكون قد حصل المقصود.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3952> دليل من قال: تطهر بانقطاع الدم الأسود:</span>\nقد ذكرت أدلة هذا القول في باب الصفرة والكدرة، وأجبت عن أدلته، وعمدتهم حديث: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) وهو حديث منكر، انظر (ح: ١٩٦٩).\nوأثر أم عطية: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا، ويفسرون الطهر بانقطاع الدم. وقوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) ويفسرون ذلك أي حتى تنقطع النجاسة التي هي الدم خاصة.\n• والراجح:\nأن المرأة حسب عادتها إن كان طهرها رؤية السائل الأبيض تنتظر حتى تراه، وإن كان طهرها بالجفوف طهرت برؤيته، وكلا العلامتين يصلح أن يكون علامة على طهر المرأة. والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3953>الباب الخامس فيما يتعلق بالحائض من أحكام العبادات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3954>الفصل الأول في تعبد الحائض بكتاب الله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3955>المبحث الأول في قراءة القرآن للحائض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لم يصح حديث في منع الحائض من قراءة القرآن.\n• الحيض حدث وخبث، وكلاهما لا يمنعان من قراءة القرآن، أما الحدث فقد قال الرسول ﷺ فيه: إن المؤمن لا ينجس. أي بالحدث، وأما الخبث فمن تنجس بدنه بنجاسة لم يمنع من قراءة القرآن بالاتفاق.\n[م-٧٣٨] اختلف العلماء في هذه المسألة:\nفقيل: لا تقرأ الحائض شيئًا من القرآن.","vol":"8","page":394},{"text":"وهو مذهب الحنفية (^١)،\nوالشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: لا تمنع الحائض حال نزول الدم، وأما إذا انقطع الدم وقبل الاغتسال، فاختلف المالكية إلى قولين:\nالأول: وهو المعتمد، أنها تمنع، سواء كانت متلبسة بجنابة قبل الحيض أم لا.\nوالثاني: لا تمنع إذا انقطع الحيض إلا إذا كانت متلبسة بجنابة قبله (^٤).\nوقيل: لا تمنع الحائض مطلقًا من قراءة القرآن، وهو قول للشافعي في القديم، واختيار ابن حزم، وابن تيمية (^٥).\n_________\n(^١) المبسوط (٣/ ١٥٢)، العناية على الهداية (١/ ١٦٧ - ١٦٨)، البناية - العيني (١/ ٦٤٣) وذهب إلى منع الحائض حتى من قراءة التوراة والزبور؛ لأن الكل كلام الله إلا ما بدل منها وحُرِّفَ! !\nوانظر: فتح القدير (١/ ١٦٧ - ١٦٨)، تبيين الحقائق (١/ ٥٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤٤) مراقي الفلاح (ص: ٦٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٣٨٧)، روضة الطالبين (١/ ٨٥، ٨٦)، مغني المحتاج (١/ ٧٢)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٠) الحاوي الكبير (١/ ٣٨٤)، متن أبي شجاع (ص: ٧).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٩٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١١)، الإنصاف (١/ ٣٤٧)، المبدع (١/ ٢٦٠)، المغني (١/ ٣٨٧)، الممتع شرح المقنع - التنوخي (١/ ٢٧٨)، معونة أولي النهى (١/ ٤٦٥)، الكافي (١/ ٥٨).\n(^٤) الخرشي (١/ ٢٠٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١٧٥)، الشرح الصغير (١/ ٢١٦)، المنتقى للباجي (١/ ٣٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٣٧٥)، شرح الزرقاني لمختصر خليل (١/ ١٣٨)، أسهل المدارك (١/ ٧٠، ٧١)\n(^٥) انظر قول الشافعي في القديم روضة الطالبين (١/ ٨٦)، وقال في المجموع (٢/ ٣٨٧): «حكى الخراسانيون قولًا قديمًا للشافعي أنه يجوز لها قراءة القرآن، وأصل هذا القول أن أبا ثور ﵀، قال: قال أبو عبد الله يجوز للحائض قراءة القرآن، فاختلفوا في أبي عبد الله، فقال بعض الأصحاب: أراد به مالكًا، وليس للشافعي قول بالجواز. اختاره إمام الحرمين، والغزالي في البسيط.\nوقال جمهور الخراسانيين: أراد به الشافعي، وجعلوه قولًا قديمًا. قال الشيخ أبو محمد وجدت\nأبا ثور جمعهما في موضع، فقال: قال أبو عبد الله ومالك.\nوانظر قول ابن حزم في المحلى (مسألة: ١١٦).\nوقال ابن تيمية في الاختيارات (ص: ٣٤): «يجوز للحائض قراءة القرآن بخلاف الجنب، وهو مذهب مالك، ورواية عن أحمد، وإن خشيت نسيانه وجب».","vol":"8","page":395},{"text":"وقيل: تمنع إلا من قراءة الآية والآيتين. وهو قول ابن عقيل من الحنابلة (^١).\nوقيل: تمنع إلا من قراءة ما دون الآية، وهو رواية عن أبي حنيفة، اختارها بعض أصحابه، ومنهم الطحاوي (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3956> أدلة الجمهور على منع الحائض من قراءة القرآن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3957>استدل الحنفية والشافعية والحنابلة على منع الحائض بأدلة منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3958>الدليل الأول:</span>\n(١٧٤٦ - ٢٠٧) حدثنا علي بن حجر والحسن بن عرفة، قالا: حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال:\nلا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٤٣).\n(^٢) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٩٠)، بدائع الصنائع (١/ ٣٨)، مختصر الطحاوي (ص: ١٨)، فتح القدير (١/ ١٦٧)، المبسوط (٣/ ١٥٢).\n(^٣) سنن الترمذي (١٣١).\n(^٤) مدار الإسناد على موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر.\nوله طرق إلى موسى.\nالطريق الأول: إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة.\nوهذا الطريق ضعيف؛ لأن إسماعيل صدوق في روايته عن أهل بلده (الشام)، مخلط في غيرهم، وهذا من رواية إسماعيل عن الحجازيين، وهي ضعيفة، وقد اختلف على إسماعيل بن عياش:\nفرواه علي حجر كما في سنن الترمذي (١٣١)،\nوالحسن بن عرفة كما في سنن الترمذي (١٣١)، وسنن الدارقطني (١/ ١١٧) وسنن البيهقي (١/ ٨٩)، وتاريخ بغداد (١/ ١٤٥).\nوهشام بن عمار كما في سنن ابن ماجه (٥٩٥)،\nوعبد الله بن يوسف كما في شرح معاني الآثار (٥٦٨)،\nوداود بن رشيد كما في سنن الدارقطني (١/ ١١٧)، =","vol":"8","page":396},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والفضل بن زياد، كما في الضعفاء الكبير للعقيلي (١/ ٩٠)، كلهم رووه عن إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا.\nورواه سعيد بن يعقوب الطالقاني، وإبراهيم بن العلاء الزبيدي كما في سنن الدارقطني (١/ ١١٧) فرقهما، عن إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر، عن نافع به. فزاد في الإسناد عبيد الله بن عمر، وأظن هذا من تخليط ابن عياش ﵀، فإن الطالقاني ثقة، والزبيدي مستقيم الحديث.\nقال ابن عدي في الكامل (١/ ٢٩٨): «زاد في هذا الإسناد إبراهيم بن العلاء وسعيد بن يعقوب الطالقاني، فقالا: عبيد الله وموسى بن عقبة، وليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله». اهـ\nقال عبد الله بن أحمد كما في الضعفاء للعقيلي (١/ ٩٠): «عرضت على أبي حديثًا حدثناه الفضل ابن زياد الطستي، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش ... فذكر إسناده ومتنه.\nقال أبي: هذا باطل. أنكر على إسماعيل بن عياش. قال العقيلي: يعني: أنه وهم من إسماعيل بن عياش».\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٩) رقم ١١٦: «سمعت أبي، وذكر حديث إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة ... وذكر الحديث، فقال أبي: هذا خطأ، إنما هو عن ابن عمر قوله».\nوقال البيهقي في معرفة السنن والآثار (١/ ٣٢٦): «وهذا حديث ينفرد به إسماعيل بن عياش، ورواية إسماعيل، عن أهل الحجاز، ضعيفة لا يحتج بها أهل العلم بالحديث. قاله: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما من الحفاظ، وقد روي هذا عن غيره، وهو ضعيف».\nوضعف الحديث الحافظ في التلخيص (١/ ٢٤٠) رقم ١٨٣.\nالطريق الثاني:\nعبد الملك بن مسلمة، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة به.\nأخرجه الدارقطني (١/ ١١٧) حدثنا محمد بن حمدوية المروزي، حدثنا ابن حماد الآملي، حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن به.\nوفي الإسناد: عبد الملك بن مسلمة.\nقال أبو حاتم الرازي: مضطرب الحديث، ليس بالقوي، حدثني بحديث في الكرم عن النبي ﷺ عن جبرائيل ﵇ بحديث موضوع.\nوقال أبو زرعة: ليس بالقوي، هو منكر الحديث. الجرح والتعديل (٥/ ٣٧١).\nوقال ابن حبان: شيخ يروي المناكير الكثيرة التي لا تخفى على من عُنِي بعلم السنن. المجروحين (٢/ ١٣٤).\nوقال ابن يونس: منكر الحديث. لسان الميزان (٤/ ٦٨). =","vol":"8","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3959>الدليل الثاني:</span>\n(١٧٤٧ - ٢٠٨) ما رواه الدارقطني من طريق إبراهيم بن أحمد بن مروان، ثنا عمر بن عثمان بن عاصم، ثنا محمد بن الفضل عن أبيه، عن طاوس،\nعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: لا تقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئًا (^١).\n[ضعيف جدًّا، وروي موقوفًا، وفيه ابن لهيعة] (^٢).\n_________\n= وقال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٤٠): «صحح ابن سيد الناس طريق المغيرة وأخطأ في ذلك؛ فإن فيها عبد الملك بن مسلمة، وهو ضعيف، فلو سلم منه لصح إسناده، وإن كان ابن الجوزي ضعفه بمغيرة بن عبد الرحمن فلم يصب في ذلك؛ فإن مغيرة ثقة، وكأن ابن سيد الناس تبع في ذلك ابن عساكر في قوله في الأطراف: إن عبد الملك بن مسلمة هذا هو القعنبي، وليس كذلك، بل هو آخر».\nالطريق الثالث:\nرواه الدارقطني (١/ ١١٨) من طريق محمد بن إسماعيل الحساني، عن رجل، عن أبي معشر، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: الحائض والجنب لا يقرآن القرآن.\nوهذا إسناد بين الضعف، فيه رجل مبهم. وفيه أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، ضعفه النسائي وابن سعد، وابن عدي، وقال فيه البخاري: منكر الحديث. انظر الطبقات الكبرى (٥/ ٤١٨)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٥٩٠)، الضعفاء الصغير (٣٨٠).\nقال ابن مهدي: كان أبو معشر تعرف وتنكر. الجرح والتعديل (٨/ ٤٩٣)، الضعفاء للعقيلي (٤/ ٣٠٨).\nوقال أحمد: كان صدوقًا، لكنه لا يقيم الإسناد، وليس بذاك.\nوقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث.\nوقال أبو زرعة: هو صدوق في الحديث، وليس بالقوي. الجرح والتعديل (٨/ ٤٩٣).\n(^١) رواه الدارقطني (٢/ ٨٧).\n(^٢) في الإسناد محمد بن فضل.\nكذبه يحيى بن معين. وقال مرة: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٨/ ٥٦)، الضعفاء للعقيلي (٤/ ١٢٠). الكامل (٦/ ١٦١).\nوسئل عنه أحمد، فقال: ذاك عجب، يجيئك بالطامات، ولم يرضه. =","vol":"8","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3960>الدليل الثالث:</span>\nالقياس على الجنب؛ لأنه إذا منع الجنب منعت الحائض؛ لأن حدث الحيض أغلظ، حيث يمنع من الصيام، وقضاء الصلاة. وأحاديث منع الجنب من قراءة القرآن منها:\n(١٧٤٨ - ٢٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن عبدالله بن سَلِمة، عن علي، قال:\nكان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا (^١).\n[ضعيف، والمعروف أنه موقوف على عليّ] (^٢).\n_________\n= وقال أيضًا: ليس بشيء. وقال مرة: حديثه حديث أهل الكذب. الجرح والتعديل (٨/ ٥٦)، الكامل (٦/ ١٦١).\nوفي الإسناد: إبراهيم بن أحمد بن مروان.\nقال الدارقطني: ليس بالقوي. لسان الميزان (١/ ٢٧). تاريخ بغداد (٦/ ٥).\nورواه الدارقطني (١/ ١٢١) من طريق يحيى -يعني ابن أبي أنيسة- عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا عليه. قال الدارقطني بعده: يحيى: هو ابن أبي أنيسة ضعيف، وضعفه الحافظ في التقريب. قلت: بل هو أشد من ذلك. قال عنه أخوه زيد بن أبي أنيسة: لا تكتبوا عن أخي، فإنه يكذب. وقال أحمد: ليس ممن يكتب حديثه. ضعفاء العقيلي (٤/ ٣٩٢)، الجرح والتعديل (٩/ ١٢٩).\nوقال أحمد أيضًا والنسائي والدارقطني: متروك الحديث. الجرح والتعديل (٩/ ١٢٩)، تهذيب التهذيب (١١/ ١٦١)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٦٣٩).\nوقال عمرو بن علي: اجتمع أصحاب الحديث على ترك حديثه إلا من لا يعلم.\nوقد روي عن جابر بسند أمثل من هذا لكنه موقوف عليه، فقد روى ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٧) من طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير أنه سأل جابرًا عن المرأة الحائض والنفساء هل تقرأ شيئًا من القرآن؟ فقال جابر: لا.\nوهذا الأثر وإن كان من رواية ابن وهب، عن ابن لهيعة، وقد أمسك عن الرواية عنه بعد احتراق كتبه، إلا أن الراجح في ابن لهيعة الضعف مطلقًا.\n(^١) المسند (١/ ٨٣).\n(^٢) في الإسناد عبد الله بن سَلِمة، لم يرو عنه غير عمرو بن مرة على الصحيح. =","vol":"8","page":399},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال شعبة: سمعت عبدالله بن سلمة يحدثنا، وكان قد كبر، فكنا نعرف وننكر. تهذيب الكمال (١٥/ ٥٠).\nوقال البخاري: لا يتابع في حديثه. التاريخ الكبير (٥/ ٩٩).\nوقال النسائي: يعرف وينكر. الضعفاء والمتروكين له (٣٤٧)، لسان الميزان (٢/ ٤٣١).\nوقال الدارقطني: ضعيف. السنن (٢/ ١٢١).\nوقال ابن حبان: يخطئ. الثقات (٥/ ١٢).\nوقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. الكامل (٤/ ١٦٩).\nوقال: يعقوب بن شيبة: ثقة. تهذيب التهذيب (٢/ ٢١٢).\nوقال أبو حاتم: تعرف وتنكر. الجرح والتعديل (٥/ ٧٣).\nفالأكثر على ضعفه، وعلى التنزل بأنه ثقة، فقد تغير، وحدث بهذا الحديث بعد أن كبر قال عمرو ابن مرة: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا فيعرف، وينكر، كان قد كبر وبالرغم من أن شعبة كان يقول: هذا الحديث ثلث رأس مالي، فإنه كان يقول أيضًا: روى عبد الله بن سلمة هذا الحديث بعد ما كبر. وإذا كان قد رواه زمن تغيره لم يقبل منه.\nوقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث.\nفذكر الشافعي ﵀ أن أهل الحديث لا يثبتونه. قال البيهقي ﵀ في معرفة السنن والآثار (١/ ٣٢٣): «ذكره الشافعي -يعني حديث علي- في كتاب جامع الطهور، ثم قال: وأحب للجنب والحائض أن يدعا القرآن حتى يطهرا احتياطًا لما روي فيه، وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه.\nقال البيهقي: وإنما توقف الشافعي ﵀ في ثبوت الحديث؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي، وكان قد كبر، وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنما روى الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة». اهـ\nوقال الخطابي في معالم السنن (١/ ١٥٦): «كان أحمد يوهن حديث علي هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة». اهـ\nوقال النووي في المجموع (٢/ ١٨٣): «قال الترمذي: حسن صحيح، وقال غيره من المحققين: هو حديث ضعيف».\nوقال النووي في الخلاصة (١/ ٢٠٧): «قال الترمذي: هو حسن صحيح، وخالفه الأكثرون، فضعفوه».\nواقتصار النووي على الترمذي فيمن صحح الحديث ليس بدقيق، فقد صححه جماعة غير الترمذي، قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٤٢): «صححه الترمذي، وابن السكن، وعبد الحق، والبغوي في شرح السنة، وروى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة قوله: هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه. =","vol":"8","page":400},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وعبد الله بن سلمة لا مطعن فيه». اهـ\nوقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٠٨): «والحق أنه من قبيل الحسن، يصلح للحجة».اهـ\nلكن قال الحافظ في التقريب: صدوق، تغير حفظه، فإذا كان قد تغير حفظه، وصرح شعبة بأنه حدث به في حال الكبر، بعد ما تغير فكيف يكون حسنًا.\n[تخريج الحديث]\nالإسناد كما ذكرنا مداره على عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي مرفوعًا. ويرويه عن عمرو بن مرة جماعة، وهم شعبة، والأعمش، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومسعر، وإليك تخريج رواياتهم:\nالطريق الأول: شعبة، عن عمرو بن مرة.\nرواه الطيالسي (١٠١).\nوأبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (١٦٦).\nوأحمد (١/ ٨٤) حدثنا يحيى -القطان-، ومن طريق يحيى أخرجه ابن الجارود في المنتقى (٩٤).\nوأخرجه أحمد (١/ ١٠٧) وأبو يعلى (٤٠٦، ٤٠٨)، والبزار (٧٠٨)، وابن ماجه (٥٩٤)،\nوابن خزيمة (٢٠٨)، والحاكم (٤/ ١٠٧) عن محمد بن جعفر،\nورواه أحمد (١/ ١٢٤) حدثنا وكيع.\nورواه أحمد (١/ ٨٣) حدثنا أبو معاوية.\nوأخرجه الحميدي (٥٧) عن سفيان بن عيينة، ومن طريق سفيان أخرجه ابن حبان (٧٩٩) (٨٠٠) والدارقطني (١/ ١١٩).\nوأخرجه أبو يعلى (٢٨٧) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، .\nوأخرجه النسائي (٢٦٥) من طريق إسماعيل بن إبراهيم،\nوأخرجه أبو يعلى (٤٠٧) حدثنا علي بن الجعد، ومن طريق علي بن الجعد أخرجه البغوي في شرح السنة (٢٧٣).\nوأخرجه أبو داود (٢٢٩) حدثنا حفص بن عمر،\nوأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٩) من طريق يحيى بن أبي بكير.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٧) من طريق وهب بن جرير، وأبي الوليد الطيالسي، وعبد الرحمن بن زياد، وحجاج، كلهم عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي مرفوعًا.\nالطريق الثاني: الأعمش، عن عمرو بن مرة.\nأخرجه ابن أبي شيبة، (١٠٧٨، ١١٠٧) والترمذي (١٤٦) والبزار (٧٠٦)، والطحاوي (١/ ٨٧) عن حفص بن غياث. =","vol":"8","page":401},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه والترمذي (١٤٦) والبزار (٧٠٦) من طريق عقبة بن خالد.\nوأخرجه النسائي (١/ ١٤٤) من طريق عيسى بن يونس.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٦٦٩٧) من طريق جعفر بن الحارث، كلهم عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي مرفوعًا.\nوذكره الدارقطني في العلل (٣/ ٢٤٨)، فقال: هو حديث يرويه عمرو بن مرة، عنه\n-أي عن عبد الله بن سلمة- حدث به أصحاب عمرو بن مرة عنه كذلك.\nورواه الأعمش عن عمرو بن مرة، واختلف عنه:\nفرواه عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة -على الصواب- عن عبد الله بن سلمة، عن علي.\nوتابعه حفص بن غياث، عن الأعمش بذلك مثله.\nوخالفهما أبو جعفر الرازي، وجنادة بن مسلم، ومحمد بن فضيل، فرووه عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي. إلا أن ابن فضيل وقفه، والآخرينِ رفعاه.\nوخالفهم أبو الأحوص، فقال: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن علي موقوفًا مرسلًا ... إلخ كلامه ﵀\nالطريق الثالث: عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة.\nأخرجه أحمد (١/ ١٣٤) والبزار (٧٠٧)، عن أبي معاوية،\nوأخرجه الحميدي (٥٧)، وأبو يعلى (٣٤٨، ٥٢٤، ٥٧٩) عن سفيان بن عيينة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠٧٩) الترمذي (١٤٦) عن حفص بن غياث، وأخرجه الترمذي (١٤٦) من طريق عقبة بن خالد.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١٠٧٩)، وأبو يعلى (٦٢٣) عن وكيع.\nوأخرجه النسائي (٢٦٦) من طريق عيسى بن يونس.\nوأخرجه البزار (٧٠٧) من طريق حفص.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٨٧) من طريق يحيى بن عيسى، خمستهم رووه عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة به.\nوابن أبي ليلى، وإن كان فيه ضعف من قبل حفظه إلا أنه قد توبع.\nقال الدارقطني في العلل موصولًا بكلامه السابق (٣/ ٢٥١): ورواه ابن أبي ليلى، عن عمرو ابن مرة -على الصواب- عن عبد الله بن سلمة، عن علي، رواه جماعة من الرواة عن ابن أبي ليلى كذلك. وخالفهم يحيى بن عيسى الرملي من رواية إسماعيل بن مسلمة بن قعنب، فرواه عن ابن أبي ليلى، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الله بن سلمة، ووهم فيه، والصواب: عن عمرو بن مرة، والقول قول من قال: عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي». =","vol":"8","page":402},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الرابع: مسعر، عن عمرو بن مرة.\nأخرجه الحميدي (٥٧) وابن حبان (٧٩٩)، والدارقطني (١/ ١١٩) عن سفيان، عن مسعر به.\nهذا الكلام فيما يتعلق برواية عبد الله بن سلمة. وقد تفرد بروايته عن علي مرفوعًا.\nفإن قيل: قد أخرجه أحمد (٦/ ١١٠) أبو يعلى (٣٦٥) عن عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السمط،\nعن أبي الغريف، قال: أتي علي بوضوء، فمضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية.\nفهذه متابعة من أبي الغريف لعبد الله بن سلمة في روايته عن علي مرفوعًا.\nفالجواب على هذا الكلام من وجهين:\nالأول: درجة أبي الغريف. فقد ضعفه بعضهم بأبي الغريف بحجة أنه لم يوثقه إلا ابن حبان، والحق أنه قد وثقه يعقوب بن شيبة كما في المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٠٠)، وذكره البرقي فيمن احتملت روايته، وقد تكلم فيه، وقال الحافظ في التقريب: صدوق رمي بالتشيع.\nوأما أبو حاتم الرازي فقد خسفه، وهو من المتشددين في الجرح غالبًا، فقال: كان على شرطة علي، وليس بالمشهور، قيل: هو أحب إليك أو الحارث الأعور؟ قال: الحارث أشهر، وهذا شيخ قد تكلموا فيه، من نظراء أصبغ بن نباتة. الجرح والتعديل (٥/ ٣١٣). وأصبغ، قد قال فيه الحافظ: متروك. اهـ وباقي رجاله ثقات إلا شيخ أحمد فإنه صدوق.\nالأمر الثاني: وهو المهم، أن الحديث ظاهره أن لفظه كله مرفوع، ويحتمل أن المرفوع ينتهي عند قوله: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ). وأما قوله: (ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، وأما الجنب فلا ولا آية) فيحتمل أنه من فعل علي وقوله موقوفًا عليه، ويحتمل أن يكون موصولًا بالقدر المرفوع، ومع الاحتمال يطلب مرجح لأحد الأمرين، فوجدت الدارقطني في سننه (١/ ١١٨) قد أخرجه من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا عامر بن السمط، حدثنا أبو الغريف الهمداني، قال: كنا مع علي في الرحبة، فخرج إلى أقصى الرحبة، فوالله ما أدري أبولًا أحدث أم غائطًا؟ ثم جاء فدعا بكوز من ماء، فغسل كفيه، ثم قبضهما إليه، ثم قرأ صدرًا من القرآن، ثم قال: اقرؤا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن أصابته جنابة، فلا ولا حرفًا واحدًا.\nوقال الدارقطني: هو صحيح عن علي.\nفرواية يزيد بن هارون عن عامر بن السمط صريحة بالوقف.\nوأخرجه عبد الرزاق (١٣٠٦) عن الثوري، عن عامر الشعبي، قال سمعت أبا الغريف الهمداني، يقول: ... وذكر الأثر موقوفًا على علي. =","vol":"8","page":403},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن تبليغ القرآن من الرسول ﷺ واجب، وكونه يترك هذا الواجب يدل على أنه إنما يتركه لما هو أوجب منه، وإذا منع الجنب منعت الحائض؛ لأن الحيض أغلظ، حيث يمنع الصوم، وقضاء الصلاة، وانظر أدلة منع الجنب من قراءة القرآن في أدلة من يفرق بين الحيض والجنابة.\n• ونوزع هذا الاستدلال بما يلي:\nأولًا: قراءة الرسول ﷺ منها ما هو واجب، ومنها ما هو على سبيل الاستحباب، كالتعبد بتلاوته، وتبليغ الرسول ﷺ واحدًا من أمته تبليغ للأمة، فأكثر ما تكون قراءته له ﷺ على وجه الذكر والتعبد، فإذا كان كذلك، كان حديث عليّ لو صح مجرد فعل من الرسول ﷺ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.\n_________\n= وأظن قوله (عامر الشعبي) خطأ، بل هو عامر بن السمط. وقد راجعت ترجمة أبي الغريف في تهذيب المزي ولم أجد من تلاميذه عامر الشعبي.\nورواه شريك، عن عامر بن السمط به، موقوفًا على علي، كما في المصنف لابن أبي شيبة (١٠٨٦).\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٦، ٩٧) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي (الطحان)، ومن طريق إسحاق بن راهوية، فرقهما، عن عامر بن السمط به، موقوفًا على عليّ.\nفيكون على هذا رواه الثوري، ويزيد بن هارون، وإسحاق بن راهوية، وخالد بن عبد الله الطحان، وشريك، خمستهم رووه عن عامر بن السمط عن أبي الغريف، عن عليّ موقوفًا عليه.\nوخالفهم عائذ بن حبيب، فرواه عن عامر بن السمط، عن علي بلفظ محتمل للرفع والوقف، ورواية الجماعة مقدمة على رواية عائذ على القول بالتعارض؛ لأن الواحد من هؤلاء مقدم على عائذ بن حبيب ولا مقارنة. فتكون رواية عائذ بالرفع شاذة لمخالفتها من هو أوثق. وإن كنت أرجح أن الروايتين موقوفتان على علي، لأن الرواية المحتملة ترد إلى الرواية الصريحة. والله أعلم.\nفإن قيل: هذا الموقوف ألا يقوي رواية عبد الله بن سلمة المرفوعة.\nفالجواب أن الموقوف غالبًا علة برد المرفوع، فكون عبد الله بن سلمة هو الذي تفرد برفعه، مع كونه قد تغير، وحدث به في زمن الكبر، كل هذا دليل على خطئه ووهمه. وإن كانت طريقة جمهور الفقهاء لا يعللون المرفوع بالموقوف، ولكن طريقة جمهور المحدثين أدق وأحوط.","vol":"8","page":404},{"text":"قال ابن خزيمة: «لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة؛ لأنه ليس فيه نهي، وإنما هو حكاية فعل» (^١).\nوقال ابن حزم: «فأما منع الجنب من قراءة القرآن فاحتجوا بما رواه عبد الله بن سلمة، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أن رسول الله ﷺ لم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ليس فيه نهي عن أن يقرأ الجنب القرآن، وإنما هو فعل منه ﵇ لا يلزم، ولا بين ﵇ أنه إنما يمتنع من قراءة القرآن من أجل الجنابة، وهو ﵇ لم يصم قط شهرًا كاملًا غير رمضان، ولم يزد قط في قيامه على ثلاث عشرة ركعة، ولا أكل قط على خوان، ولا أكل متكئًا، أفيحرم أن يصام شهر كامل غير رمضان، أو أن يتهجد المرء بأكثر من ثلاث عشرة ركعة، أو أن يأكل على خوان، أو أن يأكل متكئًا؟ هذا لا يقولونه، ومثل هذا كثير جدًّا، وقد جاءت آثار في نهي الجنب، ومن ليس على طهر عن أن يقرأ شيئًا من القرآن، ولا يصح منها شيء» (^٢).\n(١٧٤٩ - ٢١٠) ومنها ما رواه الدارقطني، من طريق أبي نعيم النخعي (عبد الرحمن ابن هانئ)، أخبرنا أبو مالك النخعي، عن عبد الملك بن حسين، حدثني أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي.\nقال أبو مالك: وأخبرني عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن أبي موسى كلاهما قال: قال رسول الله ﷺ\nيا علي إني أرضى لك ما أرضى لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا أنت راكع، ولا أنت ساجد، ولا تصل، وأنت عاقص شعرك، ولا تدبح تدبيح الحمار.\n_________\n(^١) تلخيص الحبير (١/ ٢٤٢) رقم ١٨٤.\n(^٢) المحلى (مسألة ١١٦).","vol":"8","page":405},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\n(١٧٥٠ - ٢١١) ومنها ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن مالك بن عبادة الغافقي، قال:\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١١٨). مدار هذه الأسانيد على أبي نعيم النخعي.\nقال أحمد: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٥/ ٢٩٨)، الضعفاء للعقيلي (٢/ ٣٤٩).\nوقال ابن عدي: عامة ما له لا يتابعه عليه الثقات. الكامل (٤/ ٣١٥).\nوقال ابن معين: بالكوفة كذابان: أبو نعيم الكوفي، وأبو نعيم ضرار بن صرد. الجرح والتعديل (٥/ ٢٩٨).\nوقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٥/ ٢٩٨).\nوقال ابن حبان: ربما أخطأ. الثقات (٨/ ٣٧٧).\nوقال الذهبي: مختلف في توثيقه. الكاشف (٣٣٣٤).\nوفي الإسناد: أبو مالك النخعي.\nضعفه أبو حاتم وأبو زرعة. وقال ابن معين: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٥/ ٣٤٧)، الضعفاء للعقيلي (٣/ ٢٢).\nوقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال أيضًا: متروك الحديث. تهذيب التهذيب (١٢/ ٢٤٠).\nوقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. التاريخ الكبير (٥/ ٤١١)، الكامل في الضعفاء (٥/ ٣٠٣).\nوقد اختلف على أبي إسحاق، فرواه عنه النخعي كما في حديث الباب.\nورواه سفيان كما في مصنف عبد الرازق (١٣٢١).\nوابن أبي شيبة (١١١٣)، قال: حدثنا وكيع، كلاهما (عبد الرزاق ووكيع) عن الثوري عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: اقرأ القرآن على كل حال ما لم تكن جنبًا، فقد رواه سفيان عن أبي إسحاق، وخالفه النخعي في أمرين:\nالأول: في الرفع، حيث رفعه، ووقفه سفيان.\nالثاني: في الزيادة في المتن.\nورواه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (١٦٩) حدثنا سفيان،\nورواه أيضًا (١٣٦) حدثنا زهير، كلاهما عن أبي إسحاق، عن من سمع عليًّا به. وقد أبهم الحارث لشدة ضعفه.","vol":"8","page":406},{"text":"أكل رسول الله ﷺ وهو جنب، فأخبرت عمر بن الخطاب، فجرني إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إن هذا أخبرني أنك أكلت، وأنت جنب. قال: نعم إذا توضأت أكلت وشربت، ولكني لا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل (^١).\n[ضعيف، ولو صح لكان حكاية فعل في الجنب خاصة] (^٢).\n(١٧٥١ - ٢١٢) ومن أدلة منع الجنب من قراءة القرآن ما رواه عبد الرزاق، قال: عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبيدة السلماني، قال:\nكان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن، وهو جنب.\n[رجاله ثقات، والكراهة عند السلف تأتي بمعنى التحريم، وعمر له سنة متبعة؛\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (١/ ٨٨).\n(^٢) في إسناده عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف.\nوفي إسناده أيضًا: ثعلبة بن أبي الكنود. وقيل: ثعلبة أبو الكنود.\nذكره البخاري وابن أبي حاتم وسكتا عليه. التاريخ الكبير (٢/ ١٧٥)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٦٣).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٩٩).\nوأما عبد الله بن سليمان فلم ينسبه، لكن قال صاحب كشف الأستار عن رجال معاني الآثار (ص: ٥٥): «أظنه عبد الله بن سليمان بن زرعة». اهـ\nوقد وقفت على رواية عند البيهقي في الخلافيات (٢/ ٢٠) فوجدته منسوبًا، وإذا هو ليس بأبي زرعة، وإنما هو عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة. قال أبو حاتم الرازي: لا بأس به. الجرح والتعديل (٥/ ٧٤).\nوقال يحيى بن معين: ثقة. المرجع السابق.\nوقال أبو عامر العقدي: حدثنا عبد الله بن سليمان، شيخ من أهل المدينة لا بأس به. تهذيب الكمال (١٥/ ٦١)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢١٦).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. الثقات (٧/ ١٨).\nوالحديث أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١١٩) والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٩٥) ح ٦٥٦، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٩) من طريق ابن لهيعة به.\nوتابع الواقدي ابن لهيعة، ولا يفرح بها؛ لأن الواقدي متروك، فقد أخرجه البيهقي في الخلافيات (٢/ ٢٠) من طريقه، عن عبد الله بن سليمان ابن أبي سلمة، عن ثعلبة به.","vol":"8","page":407},{"text":"لأنه من الخلفاء الراشدين المأمورين باتباع سنتهم] (^١).\nوالجواب: أن الصحابة مختلفون، والكراهة مشتركة بين التحريم وغيره.\n(١٧٥٢ - ٢١٣) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، أن ابن مسعود كان يمشي نحو الفرات، وهو يقرئ رجلًا القرآن، فبال ابن مسعود، فكف الرجل عنه، فقال ابن مسعود: مالك؟ فقال: إنك بلت. فقال ابن مسعود: إني لست بجنب.\n_________\n(^١) رواه الثوري واختلف عليه:\nفرواه عبد الرزاق (١٣٠٧)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (١٣٥) عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبيدة السلماني، عن عمر.\nوخالفهما أيوب بن سويد، وهو ضعيف، فرواه البيهقي (١/ ٨٩) من طريقه، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمر بإسقاط عبيدة.\nقال البيهقي: «ورواه غيره عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبيدة، عن عمر، وهو الصحيح».\nقلت: قد رواه جماعة عن الأعمش بذكر عبيدة، فقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ٩٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٠) عن حفص بن غياث\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ٩٧) عن أبي معاوية.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٠) من طريق زائدة.\nوأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٦) من طريق محمد بن داسه، أربعتهم عن الأعمش، عن شقيق (أبي وائل) به. بلفظ: قال عمر: لا يقرأ الجنب القرآن.\nوقد صحح إسناده في التلخيص (١/ ١٣٨).\nورواه الدارمي (٩٩٢) أخبرنا أبو الوليد، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٩) وفي الخلافيات (٢/ ٣٩) من طريق سليمان بن حرب، كلاهما عن شعبة، حدثنا الحكم، عن إبراهيم، قال: كان عمر يكره أن يقرأ -أو ينهى- أن يقرأ الجنب والحائض. قال شعبة: وجدت في الكتاب والحائض. وهذا منقطع، إبراهيم لم يدرك عمر.\nقال الذهبي في الميزان (١/ ٧٥): «استقر الأمر على أن إبراهيم حجة، وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس ذلك بحجة». اهـ","vol":"8","page":408},{"text":"[منقطع، إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، وباقي رجاله ثقات إلا حماد بن\nأبي سليمان فإنه صدوق له أوهام] (^١).\n(١٧٥٣ - ٢١٤) ومنها ما رواه الدارقطني من طريق أبي نعيم، أخبرنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، قال:\nكان ابن رواحة مضطجعًا إلى جنب امرأته، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة، فوقع عليها، وفزعت امرأته، فلم تجده في مضجعه، فقامت وخرجت، فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت، فأخذت الشفرة، فقال: مهيم؟ فقالت: مهيم! لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة. قال: وأين رأيتيني؟ فقالت: رأيتك على الجارية. فقال: ما رأيتيني، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن، وهو جنب، قالت: فاقرأ، فقال:\nأتانا رسول الله يتلو كتابه ... كما لاح مشهور من الفجر ساطع\nأتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٩٧) ورواه أيضًا (١/ ٩٩) حدثنا وكيع، عن شعبة به. إلا أن وكيعًا خالف غندرًا في لفظه، فلم يذكر الجنابة. ولفظه: عن عبد الله أنه كان معه رجل، فبال، ثم جاء، فقال له ابن مسعود: اقره.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٠) والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٤٥) ح ٨٧٢٤، من طريق حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حماد الكوفي به. ولم يذكر أيضًا الجنابة، ولفظه: أن ابن مسعود كان يقرئ رجلًا، فلما انتهى إلى شاطئ الفرات كف عنه الرجل، فقال: مالك؟ قال: أحدثت، قال: اقرأ، فجعل يقرأ، وجعل يفتح عليه. وهذا الأثر فيه أن المحدث هو الرجل، وليس ابن مسعود، بخلاف الأول.\nوأخرجه عبد الرزاق (١٣١٩) عن معمر، عن عطاء الخرساني، قال: كان ابن مسعود يفتح على الرجل، وهو يقرأ، ثم قام، فبال فأمسك الرجل عن القراءة، فقال له ابن مسعود ... .. وتركه محقق الكتاب فراغًا. وعطاء الخرساني لم يسمع من ابن مسعود. والأكثر على عدم ذكر الجنابة، وإنما هو في قراءة القرآن للمحدث حدثًا أصغر. والله أعلم.","vol":"8","page":409},{"text":"فقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر. ثم غدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ.\n[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٢٠).\nوهذا الإسناد له أكثر من علة:\nالعلة الأولى: في إسناده زمعة بن صالح، ضعفه أحمد، وابن معين. وذكره العقيلي في الضعفاء. انظر تاريخ ابن معين (٢/ ١٧٤)، الجرح والتعديل (٣/ ٦٢٤)، الضعفاء الكبير (٢/ ٩٤).\nوقال البخاري: يخالف في حديثه، تركه ابن مهدي أخيرًا. التاريخ الكبير (٣/ ٤٥١).\nوقال النسائي: ليس بالقوي، مكي، كثير الغلط عن الزهري. الضعفاء والمتروكين (٢٢٠).\nوفي التقريب: ضعيف، وحديثه عند مسلم مقرون.\nومع ضعفه فإن روايته عن سلمة أشد ضعفًا، قال عبد الله بن أحمد سألته -يعني أباه- عن سلمة ابن وهرام، فقال: روى عنه زمعة أحاديث مناكير، أخشى أن يكون حديثه حديثًا ضعيفًا. العلل رواية عبد الله بن أحمد (٢/ ٥٢٧) رقم ٣٤٧٩. وانظر الجرح والتعديل (٤/ ١٧٥)، ضعفاء العقيلي (٢/ ١٤٦).\nوقال ابن حبان: يعتبر بحديثه -يعني سلمة بن وهرام- من غير رواية زمعة بن صالح عنه. الثقات (٦/ ٣٩٩).\nوقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس بروايات الأحاديث التي يرويها عنه غير زمعة. الكامل (٣/ ٣٣٨)، تهذيب الكمال (١١/ ٣٢٨)، تهذيب التهذيب (٤/ ١٤١).\nالعلة الثانية في الحديث: الانقطاع. حيث لم يسمع عكرمة من ابن رواحة.\nقال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٤٢٦): «رواه الدارقطني هكذا مرسلًا». وقال مثله السبكي في طبقاته (٢/ ٢٦٥).\nوقال النووي في المجموع (٢/ ١٥٩): «ولكن إسناد هذه القصة ضعيف، ومنقطع».\nهذا ضعفها من قبل الإسناد، وقد أنكر متنها الشيخ محمد رشيد رضا في فتاويه: (٣/ ٩٧٠): «أما وجه حكمي بوضعها؛ فهو ما فيه من نسبة تعمد الكذب من صحابي من الأنصار الأولين الصادقين الصالحين، وتسميته الشعر قرآنًا: أي نسبته إلى الله ﷿ القائل فيه: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) وإقرار النبي ﷺ له على ذلك بالضحك الدال على الاستحسان، كما صرح به في بعض الروايات، وقد صرح العلماء بأن من نسب إلى القرآن ما ليس منه كان مرتدًا». اهـ\nوالحديث أخرجه الدارقطني كما في حديث الباب، ومن طريقه البيقهي في الخلافيات =","vol":"8","page":410},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٢/ ٣٠).\nوأخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٥٩) ومن طريقه البيهقي في الخلافيات\n(٢/ ٣٠) حدثنا أبو نعيم به بلفظ: نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا منها القرآن وهو جنب.\nواختلف على زمعة فيه، فرواه عنه أبو نعيم كما سبق عن زمعة، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن رواحة منقطعًا.\nوخالفه عمر بن زريق كما في سنن الدارقطني (١/ ١٢١) ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٢).\nوسعيد بن زكريا كما عند ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١١٦) فروياه عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، فوصلاه.\nولعل هذا التخليط من زمعة بن صالح، فإنه كما عرفت من ترجمته.\nورواه إسماعيل بن عياش كما في سنن الدارقطني (١/ ١٢٠)، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عبد الله بن رواحة. وهذا اختلاف ثالث في إسناده، ولو كان مثل ذلك ثابتًا لم يثبت خلافه عن ابن عباس، فإن ابن عباس لا يرى بأسًا بقراءة الجنب للقرآن، والله أعلم.\nوالقصة ذكرت من روايات مرسلة مختلفة، منها:\nالرواية الأولى:\nما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٠١٥)، ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (٥٣) حدثنا أبو أسامة، عن أسامة، عن نافع، قال: كان لعبد الله جارية، فكان يكتم امرأته غشيانها، قال: فوقع عليها ذات يوم، فجاء إلى امرأته فاتهمته أن يكون وقع عليها، فأنكر ذلك. فقالت: اقرأ إذًا، فقال:\nشهدت بإذن الله أن محمدًا ... رسول الذي فوق السموات من عل\nوأن أبا يحيى ويحيى كليهما ... له عمل في دينه متقبل\nفقالت: أولا ذلك. اهـ\nوأخرجه ابن عساكر (٢٨/ ١١٣) من طريق أبي أسامة،\nورواه ابن عساكر في تاريخه (٢٨/ ١١٣) والذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٢٣٨) من طريق ابن وهب. كلاهما عن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع به. وهذه القصة ضعيفة أيضًا:\nأولًا: إسنادها منقطع، نافع لم يدرك ابن رواحة.\nثانيًا: ليس فيها أن ابن رواحة ذكر ذلك للرسول ﷺ وأقره على فعله.\nثالثًا: الأبيات الشعرية مختلفة عن رواية زمعة بن صالح. والله أعلم.\nالرواية الثانية:\nأخرج الدارمي في الرد على الجهمية (٨٢) من طريق قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، أنه حدثه أن عبد الله بن رواحة ﵁ وقع بجارية له، ... فذكرها. =","vol":"8","page":411},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقدامة لم يوثقه أحد غير ابن حبان حيث ذكره في الثقات (٧/ ٣٤٠)، وفي التقريب مقبول: أي في المتابعات، كما أن فيه علة أخرى قدامة لم يدرك ابن رواحة ولا امرأته. قال الذهبي في العلو (ص: ٤٢): روى من وجوه مرسلة. والله أعلم.\nالرواية الثالثة:\nأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١١٢)، والذهبي في السير (١/ ٢٣٨) من طريق محمد بن حرب، أخبرنا محمد بن عباد، أخبرنا عبد العزيز ابن أخي الماجشون، قال: بلغنا أنه كانت لعبد الله بن رواحة جارية يستسرها سرًا عن أهله، فبصرت به امرأته يومًا قد خلا بها، فقالت: لقد اخترت أمتك على حرتك، فجاحدها ذاك. قالت: إن كنت صادقًا فاقرأ آية من القرآن، فقال:\nشهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرين\nقالت: فزدني آية أخرى، فقال:\nوأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين\nفقالت: زدني أخرى، فقال:\nوتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا\nفقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر، فأتى ابن رواحة رسول الله ﷺ فحدثه، فضحك رسول الله ﷺ ولم يغير عليه.\nوهذا الإسناد ساقها بلاغًا، فهو منقطع، والأبيات التي فيه تختلف عن الروايتن السابقتين، فتكون الأبيات ذكرت على ثلاث روايات.\nالرواية الرابعة:\nأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١١٤) من طريق الوليد بن شجاع بن السكوني، حدثني عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن سلمان بن الهاد أن امرأة ابن رواحة رأته على جارية، فذكر نحوه ... وهذا إسناد منقطع، ابن الهاد لم يدرك ابن رواحة، ولم يذكر أن رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وأقره، كما أن فيه اختلافًا على عبد الله بن وهب في إسناده، فقيل هذا، وقيل: عنه، عن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن عبد الله بن رواحة، وقد توبع على هذا الإسناد، تابعه أبو أسامة، وسبق الكلام عليه.\nالرواية الخامسة:\nأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١١٥) من طريق أبي بكر محمد بن يحيى بن العباس الصولي، أخبرنا عون -يعني ابن محمد- عن أبيه، عن الهيثم -وهو ابن عدي- قال: ذكروا أن عبد الله بن رواحة ابتاع جارية وذكره، إلا أنه ذكر أن امرأته وجدته مرتين، وسألته فقرأ عليه مرة: قوله =","vol":"8","page":412},{"text":"هذه أدلة منع الجنب من قراءة القرآن، وإذا كان الجنب ممنوعًا كانت الحائض أولى بالمنع؛ لأن حدثها أغلظ، وقد عرفت أن هذه الأدلة ليست قوية، فلا تكفي في التحريم.\nوقد قال بالمنع جماعة من التابعين، منهم عطاء بن أبي رباح (^١)، ومجاهد (^٢)،\nوأبو وائل شقيق بن سلمة (^٣)، والزهري (^٤)، وإبراهيم النخعي (^٥)، والشعبي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3961> أدلة القائلين بجواز قراءة الحائض القرآن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3962>الدليل الأول:</span>\nأمر الله بتلاوة القرآن، وتدبره قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص: ٢٩]، وقال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ\n_________\n= شهدت بأن وعد الله حق ... إلخ الأبيات، وفي المرة الثانية، قرأ عليها: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إلخ الأبيات. وأن الرسول ﷺ قال له: هذا لعمري من معاريض الكلام، إن خياركم خيركم لنسائه.\nوهذا الإسناد فيه ضعف، ومنقطع أيضًا. وعون بن محمد لم يرو عنه أحد إلا محمد بن يحيى الصولي، ولم يوثقه أحد. انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٢/ ٢٩٤).\nوقال الحافظ: أخباري، ما حدث عنه سوى الصولي. لسان الميزان (٤/ ٣٨٨).\nفالقصة كل شواهده معضلة، وفيها اختلاف في متنها، وقد ضعفها جماعة منهم النووي كما في المجموع (٢/ ١٥٩) وابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٤٢٦)، والذهبي في العلو (ص: ٤٢).\nوصحح إسنادها ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٢٩٦) وقال في الاستيعاب (٣/ ٩٠٠):\n«رويناها من وجوه صحاح».\nوقال محمد بن عثمان الحافظ: رويت هذه القصة من وجوه صحاح. انظر اجتماع الجيوش الإسلامية (١٤٥). ولم يتعقبه ابن القيم في شيء. والحق مع من ضعف هذه القصة. والله أعلم.\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٢٠٣) وسنده صحيح.\n(^٢) ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٩٧) رقم ١٠٨٣ وسنده صحيح، إلا أنه في منع الجنب.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٩٧) رقم: ١٠٨٥ وسنده صحيح.\n(^٤) ورواه عبد الرزاق (١٣٠٢) وسنده صحيح.\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٩٩) ١١١٥ وسنده صحيح.","vol":"8","page":413},{"text":"أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤]، وهذا الأمر بالتدبر مطلق، فمن ادعى المنع في بعض الأحوال كلف أن يأتي بالبرهان (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3963>الدليل الثاني:</span>\nلو كانت الحائض ممنوعة من قراءة القرآن لجاءت الأحاديث الصحيحة الصريحة بمنعها، كما جاءت في منعها من الصلاة والصيام، فلما كانت الأحاديث الواردة لا تقوم بها حجة علم أن الشرع لم يمنعها من ذلك، وكل شيء يحتاج إليه في الشرع، ويتكرر، وتكون حاجته عامة ليست مقصورة على فرد معين، لا بد وأن تأتي النصوص فيه صحيحة صريحة واضحة تقوم بمثلها الحجة. قال ﷾: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التوبة: ١١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3964>الدليل الثالث:</span>\n(١٧٥٤ - ٢١٥) استدلوا بما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد،\nعن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نفست؟ قلت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. ورواه مسلم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nاحتج به البخاري في صحيحه على أن الحائض لا تمنع من قراءة القرآن؛ لأنها لم تنه إلا عن الطواف، فلما أبيح لها جميع أفعال المناسك، وهي مشتملة على ذكر وتلبية\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ١١٦).\n(^٢) رواه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١).","vol":"8","page":414},{"text":"ودعاء إلا الطواف، دخل في ذلك قراءة القرآن، ومنع الحائض من قراءة القرآن إن كان لكونه ذكرًا فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان المنع تعبدًا، فيحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل (^١).\nوالذي يظهر لي أن الحديث ليس فيه دليل؛ لأن الطواف استثني من أفعال المناسك، فحين قال لها ﷺ: (افعلي ما يفعل الحاج) دخل فيه جميع أفعال المناسك من الرمي، والوقوف، والسعي، والمبيت. وقوله ﷺ (غير ألا تطوفي في البيت) فأخرج من أفعال المناسك الطواف، وبقي ما عداه. وليست قراءة القرآن من أفعال المناسك الخاصة، حتى تدخل في عموم: (افعلي ما يفعل الحاج)، ويؤكد هذا أن من أفعال الحج الصلاة، فهل يقال بجواز الصلاة للحائض؛ لأنه لم يستثن إلا الطوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3965>الدليل الرابع:</span>\nإذا كان الجنب على الصحيح لا يمنع من قراءة القرآن، وهو حدث أكبر لم تمنع الحائض من باب أولى؛ لأن الجنابة من كسب العبد، ويملك رفعها، والحيض ليس من كسب المرأة، ولا تملك رفعه، وقد يطول بها، وقد تتعرض لنسيان ما حفظت، وإليك الأحاديث الدالة على جواز قراءة القرآن للجنب\n(١٧٥٥ - ٢١٦) ما رواه مسلم من طريق البهي، عن عروة،\nعن عائشة، ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقولها ﵂: (يذكر الله على كل أحيانه).\nقال ابن حجر: «والذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف» (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري، بتصرف يسير (١/ ٥٤٢).\n(^٢) صحيح مسلم (١١٧).\n(^٣) الفتح، في شرحه لحديث (٣٠٥).","vol":"8","page":415},{"text":"فإذا كان لفظ الذكر يشمل قراءة القرآن، وكان لفظ الذكر مطلقًا في الحديث، فمن قيد الذكر بما عدا القرآن فعليه الدليل.\nوحاول أن يرده ابن رجب، فقال: «ليس فيه دليل على جواز قراءة القرآن للجنب؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد به القرآن» (^١).\nوهذا غير صحيح؛ لأن قوله: «الذكر إذا أطلق لا يراد به القرآن» هل يريد لا يراد به القرآن شرعًا أم عرفًا؟\nفإن كان يقصد العرف فمسلم والعرف يختلف من قوم إلى قوم، ومن زمان إلى آخر، وأما في الشرع فإن القرآن كله يسمى الذكر، قال ﷾: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩] وقال سبحانه: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، والحقيقة الشرعية في النصوص الشرعية مقدمة على الحقيقة العرفية.\n(١٧٥٦ - ٢١٧) ومنها ما روى ابن المنذر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا زياد بن أيوب، حدثنا أبو عبيد، حدثنا عبيد بن عبيدة من بني عباب الناجي، قال:\nقرأ ابن عباس شيئًا من القرآن، وهو جنب، فقيل له في ذلك، فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك.\n[حسن] (^٢).\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٤٥).\n(^٢) الأوسط (٢/ ٩٨). وإسناده حسن لولا عبيد بن عبيدة لم أقف على ترجمته، لكنه لم ينفرد به، فقد أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٨) من ثلاثة طرق عن ابن عباس، غير هذا الطريق، وذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم عن ابن عباس. قال البخاري في كتاب الحيض، باب (٨) تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، قال: ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا.\nوما دام أن البخاري علقه عن ابن عباس بصيغة الجزم فإنه صحيح أو حسن إلى من علقه عنه كما ذكر هـ العلماء في الحكم على تعليقات البخاري.","vol":"8","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3966>الدليل الخامس:</span>\n(١٧٥٧ - ٢١٨) ما رواه مسلم من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث،\nأنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام فأكل ولم يمس ماء.\nقال وزادني عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم تتوضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ قال: (ما أردت صلاة فأتوضأ) فمعناه أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، ولا يجب الوضوء لغير الصلاة من قراءة القرآن للجنب والحائض وغيرهما. وانظر مزيد شرح للاستدلال بهذا الحديث في مسألة جواز مس المصحف، وسأذكرها إن شاء الله تعالى بعد هذه المسألة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3967> دليل من فرق بين الحيض والجنابة:</span>\nقالوا: التفريق قائم من جهة الأثر والنظر.\nأما الآثار، فيرون أن أحاديث منع الحائض شديدة الضعف، وأحاديث منع الجنب صالحة للاحتجاج، إما بنفسها، أو بجمع طرقها .. كحديث علي، وحديث مالك بن عبادة الغافقي، ومن الآثار أثر عمر ﵁، وأثر ابن مسعود، وأثر ابن رواحة. وسبق ذكر هذه النصوص وتخريجها في أدلة القول الأول.\nوأما من جهة النظر:\nقالوا: إن مدة الحيض قد تطول، فيخشى عليها النسيان، وهي غير قادرة على رفع المانع بخلاف الجنب فهو قادر على رفعه.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢١، ٣٧٤).","vol":"8","page":417},{"text":"• وأجيب:\nبأن أحاديث نهي الجنب ليست قوية أيضًا، وعلى التسليم بصحتها فهي مجرد فعل من النبي ﷺ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، والرسول ﷺ قد كره ذكر الله إلا على طهارة عندما تيمم لرد السلام، فهل يقال: باشتراط الطهارة لرد السلام. ثم إن قولكم: إن الحيض قد يطول، ولا يملك الإنسان رفعه، فهذا ليس دليلًا؛ لأن القراءة إن كانت حرامًا عليها فلا يبيحها لها طول أمدها، وإن كانت حلالًا فلا معنى للاحتجاج بطول المدة، وقد يندفع هذا المحذور بتذكر القرآن بالقلب، وهو غير ممنوع، وإذا أبحتم القراءة للحائض، وهي أشد حدثًا من الجنب؛ لأن الحائض تمنع مما يمنع منه الجنب وزيادة، كالوطء والصوم، إذا جاز مع ذلك القراءة للحائض، جاز للجنب من باب أولى، وأما ما نقل عن الصحابة، فلا حجة فيه مع اختلافهم، فابن عباس لا يرى مانعًا من قراءة الجنب للقرآن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3968> دليل من أذن في قراءة الآية والآيتين:</span>\n(١٧٥٨ - ٢١٩) استدلوا بما جاء في حديث أبي سفيان الطويل في كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل الروم، رواه البخاري من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره،\nأن أبا سفيان بن حرب أخبره، أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، وفي آخر الحديث: قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و(قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا","vol":"8","page":418},{"text":"إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ٦٤]، الحديث. ورواه مسلم (^١).\nورواه ابن حزم، وقال: «بعض الآية، والآية قرآن بلا شك، ولا فرق بين أن يباح له آية، أو أن يباح له أخرى، أو بين أن يمنع من آية أو يمنع من أخرى» (^٢).\nوقال ابن رجب: «وأما الاستدلال بحديث الكتاب إلى هرقل فلا دلالة فيه؛ لأنه إنما كتب ما تدعو الضرورة إليه للتبليغ» (^٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: «وأما الجنب فيحتمل أن يقال: إذا لم يقصد التلاوة جاز، على أن في الاستدلال بذلك من هذه القصة نظرًا، فإنها واقعة عين لا عموم لها، فقيد الجواز على ما إذا وقع احتياج إلى ذلك كالإبلاغ والإنذار كما في هذه القصة، وأما الجواز مطلقًا حيث لا ضرورة، فلا يتجه» (^٤).\nوقد يقال: إن ذكر الآية يحتمل أن يكون من باب الاقتباس، فهل أراد الرسول ﷺ الاقتباس؛ لأنه معلوم أن الإنسان إذا نطق لفظًا ولم ينو به قرآنًا لم يكن له حكم القرآن، كما لو قال: بسم الله الرحمن الرحيم، أو قال: الحمد لله، أو قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. إلخ أو أن الرسول ﷺ قال ذلك قبل نزول الآية، فوافق لفظه لفظها لما نزلت. أو أنه قال ذلك امتثالًا لأمر الله، والذي يؤيد أن الرسول ﷺ أراد أن ذلك من كلامه زيادة الواو في الآية فإنها ليست من القرآن، وقد يكون للواو توجيه آخر لو أن الرسول ﷺ أراد بذلك القرآن، وليس هذا محل ذكرها.\nوقد اختلف العلماء في تمكين الكافر من تلاوة القرآن.\n_________\n(^١) البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣).\n(^٢) المحلى (مسألة: ١١٦).\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٤٩).\n(^٤) فتح الباري (١/ ٥٨).","vol":"8","page":419},{"text":"قال ابن رجب: «اختلف أصحابنا في ذلك، فمنهم من منعه مطلقًا، ومنهم من رخص فيه مطلقًا، ومنهم من جوزه إذا رجي من حال الكافر الاستهداء والاستبصار، ومنعه إذا لم يرج ذلك، والمنقول عن أحمد أنه كرهه. وقال أصحاب الشافعي: إن لم يرج له الاستهداء بالقراءة منع منها، وإن رجي له ذلك لم يمنع على أصح الوجهين» (^١).\nهذه أدلة الأقوال، والراجح -والله أعلم- القول بجواز القراءة مطلقًا للحائض والجنب، وهو مذهب البخاري كما أسلفنا، واختاره ابن المنذر، وقال تعليقًا على حديث عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، قال: «الذكر قد يكون بقراءة القرآن، وقد يكون بغيره، فكل ما وقع عليه اسم ذكر الله فغير جائز أن يمنع منه أحد إذا كان النبي ﷺ لا يمتنع من ذكر الله على كل أحيانه، وحديث علي لا يثبت إسناده؛ لأن عبد الله بن سلمة تفرد به، وقد تكلم فيه عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة، وإنا لنعرف وننكر، فإذا كان هو الناقل لخبره، فجَرَحَه، بطل الاحتجاج به، ولو ثبت خبر علي لم يجب الامتناع من القراءة من أجله؛ لأنه لم ينه عن القراءة، فيكون الجنب ممنوعًا منه» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٤٩).\n(^٢) الأوسط (٢/ ١٠٠).","vol":"8","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3969>المبحث الثاني في مس الحائض والمحدث المصحف</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• مس المصحف وسيلة، والغاية منه القراءة، وإذا لم تجب الطهارة للغاية لم تجب في وسيلته، خاصة إذا كانت الوسيلة غير مقصودة لذاتها.\n• الوسائل نوعان: وسيلة لغيره، وهي مقصودة بنفسها كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة بذاتها كإمرار الموس على رأس الأقرع عند التحلل، ومس المصحف من الثاني.\n[م-٧٣٩] اختلف العلماء في وجوب الطهارة لمس المصحف.\nفقيل: يحرم على المحدث مس المصحف. وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١٦٨)، تبيين الحقائق (١/ ٥٧، ٥٨)، البحر الرائق (١/ ٢١١)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣، ٣٤)، مراقي الفلاح (ص: ٦٠). وانظر في مذهب المالكية مختصر خليل (ص: ١٤)، الخرشي (١/ ١٦٠)، حاشية الدسوقي (١/ ١٢٥)، الكافي (ص: ٢٤)، مواهب الجليل (١/ ٣٠٣)، منح الجليل (١/ ١١٧، ١١٨)، القوانين الفقهية (ص: ٢٥)، الشرح الصغير (١/ ١٤٩)، وانظر في مذهب الشافعية: مغني المحتاج (١/ ٣٦)، روضة الطالبين (١/ ٧٩)، المجموع (٢/ ٧٧)، الحاوي الكبير (١/ ١٤٣، ١٤٥). وانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ١٣٤)، المحرر (١/ ١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٧٧)، الإنصاف (١/ ٢٢٢)، المغني (١/ ٢٠٢) الفروع (١/ ١٨٨) الكافي (١/ ٤٨).","vol":"8","page":421},{"text":"واختيار ابن تيمية (^١).\nوقيل: تستحب له الطهارة، ولا تجب. قال البيهقي: اختارها العراقيون (^٢)، وهو مذهب الظاهرية (^٣)، واختيار ابن المنذر (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3970> أدلة الجمهور على اشتراط الطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3971>الدليل الأول:</span>\nمن الكتاب قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، فالآية خبر بمعنى النهي، أي لا يمس المصحف إلا المطهر: والمطهر هو المتطهر من الحدث الأصغر والأكبر، ومنه الحيض.\n• وأجيب:\nبأن المراد بالمطهرون الملائكة. والضمير في قوله: (لَاّ يَمَسُّهُ) يعود إلى أقرب مذكور، وهو الكتاب المكنون.\nوهذا قول ابن عباس (^٥)، وقال مالك: «أحسن ما سمعت في هذه الآية (لَا\n_________\n(^١) قال في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٦): «قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي ﷺ كتبه له، وهو أيضًا قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف».\n(^٢) الخلافيات للبييهقي (١/ ٤٩٧).\n(^٣) المحلى (مسألة ١١٦).\n(^٤) الأوسط (٢/ ١٠٣).\n(^٥) انظر تفسير الطبري (١١/ ٦٥٩)، وأحكام القرآن - الجصاص (٥/ ٣٠٠)، تفسير ابن كثير (٤/ ٢٩٩)، وتفسير السيوطي (٨/ ٢٦)، وفي معنى المطهرون أقوال:\nفقيل: المراد بهم الملائكة، فيكون المقصود بالمطهرين: أي المطهرين من الذنوب.\nوقيل: المطهرون من الأحداث والأنجاس.\nوقيل: المطهرون من الشرك.\nوقيل: معنى: لا يمسه: أي لا يقرؤه إلا المطهرون: أي إلا الموحدون.\nوقيل: المراد: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون: أي المؤمنون بالقرآن، قاله ابن العربي، وهو اختيار البخاري، قال النبي ﷺ: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا.\nوقيل: لا يعرف تفسيره إلا من طهره الله من الشرك، والنفاق.\nوقيل: لا يوفق للعمل به إلا السعداء.\nوقيل: لا يمس ثوابه إلا المؤمنون. انظر تفسير القرطبي (١٧/ ٢٢٦)، وزاد المسير (٨/ ١٥٢)، فتح القدير (٥/ ١٦٠)، تفسير أبي السعود (٨/ ٢٢).","vol":"8","page":422},{"text":"يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) إنما هي بمنزله هذه الآية التي في عبس: قول الله ﵎: (كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: ١١ - ١٦] (^١).\nقال ابن المنذر: «قال أنس (^٢)، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية: المراد بالآية: الملائكة» (^٣).\nوجواب ثان عن الآية:\nقالوا: إن ما ورد في الآية ليس أمرًا، وإنما هو خبر، والله ﷾ لا يقول إلا حقًا، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي، أو إجماع متيقن، ولما كان المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه ﷿ لم يعن المصحف، وإنما عنى كتابًا آخر، وهو الكتاب المكنون.\nوالجواب الأول أقوى، لأن الخبر قد يأتي بمعنى الأمر، قال تعالى: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) [النور: ٣]. وقال ﷾: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]، بل إن النهي إذا\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ١٩٩).\n(^٢) أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن أنس ﵁: لا يمسه إلا المطهرون قال: الملائكة ﵈، وانظر تفسير القرطبي (١٧/ ٢٢٥).\n(^٣) الأوسط (١/ ١٠٣)، وذكرهم ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٩٩) وزاد عليهم: عكرمة، وأبوالشعثاء جابر بن يزيد، وأبو نهيك، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقتادة. اهـ\nوقال السيوطي في تفسيره (٨/ ٢٦): أخرج آدم بن أبي إياس، وعبد بن حميد، وابن جرير،\nوابن المنذر، والبيهقي في المعرفة، عن مجاهد ﵁، قال: القرآن في كتابه المكنون: الذي لا يمسه شيء من تراب ولا غبار، لا يمسه إلا المطهرون، قال: الملائكة ﵈. اهـ","vol":"8","page":423},{"text":"جاء بصيغة الخبر فالمراد منه توكيد النهي، وكأنه أمر لا يمكن تخلفه، وتوكيد النهي لا يعني إلا التحريم.\nوقالوا أيضًا: في قوله: (يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ) المطهرون: اسم مفعول، ولو كان يريد المتطهر لعبر باسم الفاعل، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: ٢٢٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3972>الدليل الثاني:</span>\n(١٧٥٩ - ٢٢٠) ما رواه الدارقطني من طريق سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا\nأبو عاصم، حدثنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى قال: سمعت سالما يحدث\nعن أبيه قال قال النبي ﷺ: لا يمس القرآن إلا طاهر (^١).\n[ضعيف، والمعروف أنه من فعل ابن عمر] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٢٢).\n(^٢) الحديث رواه البيهقي (١/ ٨٨) من طريق الدارقطني.\nورواه الطبراني في الكبير (١٣٢١٧) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥٧٣) من طريق سعيد بن محمد بن ثواب الحصري، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى به.\nورواه في الصغير (٢/ ١٣٩) بالإسناد نفسه، وقال: لم يروه عن سليمان بن موسى إلا ابن جريج، ولا عنه إلا أبو عاصم، تفرد به سعيد بن محمد.\nوحسن إسناده ابن حجر. قال في التلخيص (١/ ٢٢٨) «إسناده لا بأس به». وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٧٦) «رواه الطبراني في الكبير والصغير، ورجاله موثوقون».\nوالحق أنه ضعيف.\nأولًا: فيه سليمان بن موسى الأشدق. مختلف فيه.\nوثقه دحيم، وابن سعد، وأثنى عليه الزهري. تهذيب الكمال (١٢/ ٩٢)، الجرح والتعديل (٤/ ١٤١)، الطبقات الكبرى (٧/ ٤٥٧).\nوقال الدارقطني في العلل: من الثقات. أثنى عليه عطاء والزهري. تهذيب التهذيب (٤/ ١٩٧)\nوقال البخاري: عنده مناكير. الضعفاء الصغير. (ص: ٥٣) رقم ١٤٦. ضعفاء العقيلي (٢/ ١٤٠).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٢/ ١٤٠).\nوقال ابن المديني: مطعون عليه. ضعفاء العقيلي (٢/ ١٤٠). ...\nوقال أيضًا: من كبار أصحاب مكحول، وخولط قبل موته بيسير. تهذيب التهذيب (٤/ ١٩٧).\nوقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه، ولا أثبت منه. الجرح والتعديل (٤/ ١٤١).\nوقال النسائي: أحد الفقهاء، وليس بالقوي. وقال في موضع آخر: في حديثه شيء. تهذيب التهذيب (٤/ ١٩٧).\nوفي التقريب: صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل. فالراجح أن سليمان ابن موسى صدوق له أوهام، لا يقبل ما تفرد به، وقد خولف كما سيأتي.\nثانيًا: فيه سعيد بن محمد بن ثواب.\nقال فيه ابن حبان: مستقيم الحديث. الثقات (٨/ ٢٧٢).\nوترجم له الخطبيب البغدادي في تاريخه، وسكت عليه، ولم يذكر فيه شيئًا. تاريخ بغداد (٩/ ٩٤).\nالثالث: المخالفة، فرواه عبد الرزاق في المصنف (١٣١٤): عن مالك، عن نافع، قال: كان\nابن عمر لا يقرأ القرآن إلا طاهر.\nفهذا إسناد صحيح، وهي حكاية فعل لا تدل على اشتراط الطهارة لمس المصحف، وهو المعروف عن ابن عمر، واستحباب الطهارة لمس المصحف لا ينازع فيه أحد، بل استحبت الطهارة لما هو أقل من ذلك كرد السلام.","vol":"8","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3973>الدليل الثالث:</span>\n(١٧٦٠ - ٢٢١) ما رواه الدارقطني من طريق إسماعيل بن إبراهيم المنقري، قال: سمعت أبي، أخبرنا سويد أبو حاتم، أخبرنا مطر الوراق، عن حسان بن بلال، عن حكيم بن حزام\nأن النبي ﷺ قال له: لا تمس القرآن إلا وأنت على طهر (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ١٢٢).\n(^٢) تفرد به مطر الوراق، وهو كثير الخطأ، والراوي عنه سويد أبو حاتم سيء الحفظ، والرواي عن سويد إبراهيم والد إسماعيل بن إبراهيم مجهول الحال، والراوي عنه ابنه إسماعيل بن إبراهيم ضعيف، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في كتمان العلم. قال العقيلي عن هذا الحديث: ليس لحديثه أصل مسند، إنما هو موقوف، من حديث ابن عون. الضعفاء للعقيلي (١/ ٧٤). ...\nوقال الذهبي في الميزان: الصواب موقوف. الميزان (١/ ٢١٤).\nوفي التقريب: لين الحديث. فالحديث مسلسل بالضعفاء.\nوقد ضعفه الحافظ في التلخيص (١/ ٢٢٧). وقال النووي: «المعروف في كتب الحديث والفقه أنه عن عمرو بن حزم».\nوقال ابن حجر في التلخيص، ثم إن محيي الدين في الخلاصة ضعف حديث حكيم بن حزام، وعمرو بن حزم، جميعًا، فهذا يدل على أنه وقف على حديث حكيم بعد ذلك. والله أعلم». اهـ\nقلت: كلام النووي لا يدل على أنه لم يقف عليه، والله أعلم؛ لأن قوله: «والمعروف في كتب الحديث أنه عن عمرو بن حزم» يقابل المعروف المنكر، فهو يرى أن جعله من مسند حكيم ابن حزام قد يكون وهمًا من الراوي؛ لأنه تفرد به مطر الوراق، وهو كثير الخطأ، والراوي عنه سويد بن إبراهيم الجحدري، وهو سيء الحفظ. ولا يعرف عن حكيم بن حزام إلا بهذا الإسناد، وحزام، وحزم متقاربان، فقد يكون جَعْله من مسند حكيم بن حزام من قبيل الوهم، وهو لا ينافي قول النووي: حديث حكيم بن حزام ضعيف؛ لأن الحديث المنكر من أنواعه.\nويحتمل أن يكون كلام الحافظ له وجه؛ لأن النووي ذكر كتب الفقه، فقال: «والمعروف في كتب الحديث والفقه» ومعلوم أن كتب الفقه ليست تعتمد في غالبها على الأسانيد، حتى يكون المعروف في مقابل المنكر. بل لا تعزو الأحاديث إلى مصادرها، ورب حديث في الصحيحين تجد بعض الكتب الفقهية تعزوه إلى الأثرم أو إلى الخلال من المصادر النكرة غير المشهورة. والله المستعان.\nوالحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٣١٣٥) والأوسط (٣٣٠٥)، ومجمع البحرين (٤٣٢) والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٨٥) وعنه البيهقي في الخلافيات (١/ ٥١٠) من طريق إسماعيل بن إبراهيم صاحب القوهي، قال: سمعت أبي يقول: حدثنا سويد أبو حاتم به.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوقال الحازمي: حسن غريب. خلاصة البدر المنير (١/ ٥٧) رقم ١٧٠.\nقال ابن عبد الهادي: رواه أبو القاسم اللالكائي بإسناده، وفيه نظر. تنقيح التحيقيق (١/ ٤١٥).\nوقال ابن حجر: في إسناده أبو حاتم، وهو ضعيف، وذكر الطبراني في الأوسط أنه تفرد به. تلخيص الحبير (١/ ٢٢٧) رقم ١٧٥.","vol":"8","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3974>الدليل الرابع:</span>\n(١٧٦١ - ٢٢٢) ما رواه الطبراني في الكبير حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي، حدثنا يعقوب بن حميد، حدثنا هشام بن سليمان، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن","vol":"8","page":426},{"text":"سعيد بن عبد الملك، عن المغيرة بن شعبة، قال:\nقال عثمان بن أبي العاص -وكان شابًّا (^١) - وفدنا على النبي ﷺ فوجدني أفضلهم أخذًا للقرآن، وقد فضلتهم بسورة البقرة فقال النبي ﷺ: قد أمرتك على أصحابك، وأنت أصغرهم، فإذا أممت قومًا فأمهم بأضعفهم؛ فإن وراءك الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة، وإذا كنت مصدقا فلا تأخذ الشافع: وهي الماخض، ولا الربى، ولا فحل الغنم، وحزرة الرجل هو أحق بها منك، ولا تمس القرآن إلا وأنت طاهر. واعلم أن العمرة هي الحج الأصغر، وأن عمرة خير من الدنيا وما فيها وحجة خير من عمرة (^٢).\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\n_________\n(^١) في المطبوع (سابًا)، ولعلها شابًا.\n(^٢) الطبراني في الكبير (٨٣٣٦).\n(^٣) شيخ الطبراني أحمد بن عمرو الخلال المكي فيه جهالة.\nوفيه هشام بن سليمان المكي.\nقال أبو حاتم فيه: مضطرب الحديث، ومحله الصدق، ما أرى به بأسًا. الجرح والتعديل (٩/ ٦٢).\nوقال العقيلي: في حديثه عن غير ابن جريج وهم. ضعفاء العقيلي (٤/ ٣٣٨)، تهذيب التهذيب (١١/ ٣٨).\nوفي التقريب: مقبول، يعني: إن توبع، وإلا فلين الحديث.\nوفي الإسناد: إسماعيل بن رافع، متروك الحديث.\nقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٣٢).\nوقال النسائي أيضًا، والدارقطني، وعلي بن الجنيد، والبزار: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (٢/ ٢٥٨).\nوقال أبو داود: ليس بشيء، سمع من الزهري، فذهبت كتبه، فكان إذا رأى كتابًا، قال: هذا قد سمعته. تهذيب التهذيب (١/ ٢٥٨).\nوفي الإسناد أيضًا: محمد بن سعيد بن عبد الملك.\nقال الذهبي: تابعي، صغير، أرسل لا يدرى من هو. الميزان (٣/ ٥٦٤). ...\nوقال ابن حبان: يروي المقاطيع عن أهل المدينة. الثقات (٦/ ٤٢٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: لا أعرفه. الجرح والتعديل (٧/ ٢٦٤).\nواختلف فيه على إسماعيل بن رافع.\nفرواه الطبراني، من طريق هشام بن سليمان، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن سعيد بن عبد الملك، عن المغيرة، عن عثمان بن أبي العاص.\nورواه ابن أبي داود في المصاحف (ص: ١٨٥) عن إسماعيل بن رافع، عن القاسم ابن أبي أبزه، عن عثمان بن أبي العاص.\nقال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٢٨): «وفي إسناد ابن أبي داود انقطاع، وفي رواية الطبراني: من لا يعرف». اهـ\nقلت: مداره على إسماعيل بن رافع، وهو رجل متروك، وقد تفرد بزيادة لا تمس القرآن إلا وأنت على طهر، وقد روى مسلم (٤٦٨) وغيره حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي، بأمره بإمامة الصلاة، والتخفيف فيها، لأن فيهم الكبير والمريض وذا الحاجة، ولم يذكر زيادة إسماعيل بن رافع.","vol":"8","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3975>الدليل الخامس:</span>\n(١٧٦٢ - ٢٢٣) ما رواه علي بن عبد العزيز في منتخبه، قال ﵀: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا مسعدة البصري، عن خصيب بن جحدر، عن النضر بن شفي، عن أبي أسماء الرحبي،\nعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يمس القرآن إلا طاهر، العمرة الحج الأصغر، وعمرة خير من الدنيا وما فيها، وحجة أفضل من عمرة.\n[ضعيف جدًّا] (^١).\nقال ابن القطان: «وهو إسناد في غاية الضعف، ولم أجد للنضر بن شفي ذكرًا في شيء من مظان وجوده. وهو مجهول جدًّا (^٢). وأما الخصيب بن جحدر، فقد رماه ابن معين بالكذب، واتقى أحمد بن حنبل حديثه، وإنما كان يروي ثلاثة عشر أو أربعة عشر حديثًا.\n_________\n(^١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٤٦٥).\n(^٢) في المطبوع: فهو جد مجهول، والتصويب إن كان صحيحًا، فهو من نصب الراية للزيلعي (١/ ١٩٩).","vol":"8","page":428},{"text":"وقال أبو حاتم: له أحاديث مناكير.\nوأما مسعدة البصري: فهو ابن اليسع، خرق أحمد بن حنبل أحاديثه، وتركه. وقال أبو حاتم: إنه يكذب على جعفر بن محمد» (^١). فهو إسناد مظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3976>الدليل السادس:</span>\nحديث عمرو بن حزم، وهو حديث طويل، من كتاب كتبه رسول الله ﷺ لأهل اليمن، وسنذكره بطوله لنرى ما توبع فيه مما انفرد به.\n(١٧٦٣ - ٢٢٤) فقد روى ابن حبان من طريق الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، عن أبيه،\nعن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها:\nمن محمد النبي ﷺ إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قَيْلِ (^٢) ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد.\nفقد رجع رسولكم، وأعطيتم الغنائم خمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار، وما سقت السماء أو كان سيحًا أو بعلًا ففيه العشر إذ بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق. وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين فإذا زادت واحدةً على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض، فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإذا زادت على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسًا وأربعين، فإذا زادت على خمس وأربعين ففيها حقة طروقة إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين\n_________\n(^١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٤٦٦).\n(^٢) لقب الملك من ملوك حمير.","vol":"8","page":429},{"text":"واحدة ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت على خمس وسبعين واحدة ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين فإن زادت على تسعين واحدة ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومئة، فما زاد ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل. وفي كل ثلاثين باقورة بقر وفي كل أربعين شاة سائمة إلى أن تبلغ عشرين ومئة فإن زادت على عشرين ومئة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مئتين فإن زادت واحدة فثلاثة شياه إلى أن تبلغ ثلاثة مائة فما زاد ففي كل مائة شاة شاة، ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا عجفاء ولا ذات عوار ولا تيس الغنم، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، فما زاد ففي كل أربعين درهم، وليس فيها دون خمس أواق شيء.\nوفي كل أربعين دينارًا دينار، وإن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لأهل بيته وإنما هي الزكاة تزكى بها أنفسهم في فقراء المؤمنين، أو في سبيل الله، وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر وليس في عبد المسلم ولا فرسه شيء، وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم وإن العمرة الحج الأصغر. ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتق حتى يبتاع، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على منكبه منه شيء، ولا يحتبين في ثوب واحد ليس بينه وبين السماء شيء، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد وشقه باد، ولا يصلين أحدكم عاقصًا شعره، وإن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فهو قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة","vol":"8","page":430},{"text":"ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار لفظ الخبر لحامد بن محمد بن شعيب.\nقال أبو حاتم: سليمان بن داود هذا هو سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون وسليمان بن داود اليمامي لا شيء وجميعهما يرويان عن الزهري.\n[ضعيف جدًّا، والصحيح أنه مرسل] (^١).\n_________\n(^١) اختلف فيه على الحكم بن موسى:\nفرواه عمرو بن منصور كما في سنن النسائي مختصرًا (٤٨٥٣).\nوأبو داود كما في المراسيل مختصرًا (٢٥٩)،\nوالدارمي (١٦٢١) وذكر منه ما يتعلق بالزكاة خاصة.\nمحمد بن يحيى وإبراهيم بن هانئ كما في سنن الدارقطني (١/ ١٢٢).\nصالح بن عبد الله بن محمد بن حبيب الحافظ، كما في مستدرك الحاكم (١/ ٣٩٥، ٣٩٧) وعنه البيهقي (١/ ٨٧).\nوأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي كما في مستدرك الحاكم (١/ ٣٩٥) وعنه البيهقي (٨/ ٧٣).\nوأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ٨٩) وفي الخلافيات (١/ ٥٠١).\nالحسن بن سفيان، وأحمد بن الحسن الصوفي، وأبي يعلى، وحامد بن محمد بن شعيب، ومحمد ابن عبد الله بن عبد العزيز كما في الكامل لابن عدي (٣/ ٢٧٥) كلهم (عمرو بن منصور، وأبو داود، والدارمي، ومحمد بن يحيى، وإبراهيم بن هانئ، وصالح بن عبد الله، ومحمد العبدي، وأحمد الصوفي، والحسن بن سفيان، وأبي يعلى، وابن شعيب، ومحمد بن عبد الله بن عبد العزيز) رووه عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.\nورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل كما في سنن الدارقطني (٣/ ٢٠٩) عن الحكم بن موسى، أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ كتب كتابًا له إذ وجهه إلى اليمن، فذكر بعض أحكام الديات.\nوهذا الخطأ من قبل إسماعيل بن عياش، فإن روايته عن غير أهل بلده فيها ضعف.\nوكما اختلف فيه على الحكم بن موسى، اختلف فيه على يحيى بن حمزة: =","vol":"8","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه الحكم بن موسى، عنه، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، عن أبيه، عن جده.\nوخالفه محمد بن بكار بن بلال، فرواه عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم به.\nفالحكم يقول: سليمان بن داود.\nومحمد بن بكار يقول: سليمان بن أرقم.\nوسليمان بن داود: صدوق وسليمان بن أرقم: متروك. فأيهما أرجح؟\nفبعضهم صحح أن يكون الحديث عنهما جميعًا، إلا أنهم اختلفوا في سليمان بن داود، فبعضهم يقول: خولاني، وبعضهم يقول: سليمان بن أبي داود، وبعضهم يوثقه، وبعضهم يضعفه.\nوممن ضعفه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل.\nقال ابن معين في رواية ابن طهمان عنه برقم (٤١، ٤٢، ٤٣) وسليمان بن داود الشامي، روى عن الزهري حديث عمرو بن حزم، ليس هو بشيء، وسليمان بن داود اليمامي، ليس هو بشيء، ولم يتابع سليمان بن داود في حديث عمرو بن حزم أحد، وليس في الصدقات حديث له إسناد».\nوقال أيضًا: سليمان بن داود ليس يعرف، ولا يصح هذا الحديث. الكامل (٣/ ٢٧٤).\nوقال يحيى أيضًا كما في رواية عثمان بن سعيد: سليمان بن داود ليس بشيء. الجرح والتعديل (٤/ ١١٠)، الكامل (٣/ ٢٧٤).\nوقال البخاري عن سليمان بن داود: فيه نظر. وهذا جرح شديد عنده التاريخ الكبير (٤/ ١٠).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: عرضت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث يحيى بن حمزة في الديات، فقال: هذا رجل من أهل الجزيرة، يقال له: سليمان بن أبي داود، ليس بشيء. الكامل - ابن عدي (٣/ ٢٧٥).\nوقال ابن عدي: رجل مجهول. المرجع السابق.\nوقال محمد بن يحيى: رواه سليمان بن داود بطوله -يعني حديث الصدقات- وهو مجهول. الضعفاء للعقيلي (٢/ ١٢٧).\nوقال ابن خزيمة: لا يحتج به. تهذيب التهذيب (٤/ ١٦٥).\nوضعفه الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٣٤٢).\nوبعضهم حسن حديث سليمان بن داود.\nقال عثمان بن سعيد: «أرجو أنه ليس كما قال يحيى بن معين، وقد روى عنه يحيى بن حمزة أحاديث حسانًا كلها مستقيمة، وهو دمشقي خولاني». التاريخ (ص: ١٢٣، ١٢٤)، الكامل (٣/ ٢٧٥). وقال ابن حبان: ثقة. الثقات (٦/ ٣٨٧).\nوقال أبو حاتم: لا بأس به، يقال: إنه سليمان بن أرقم. والله أعلم. =","vol":"8","page":432},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الدارقطني: لا باس به. وقال مرة ضعيف. تهذيب التهذيب (٤/ ١٦٥).\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق.\nوبعضهم رجح أن سليمان بن داود، وسليمان بن أرقم واحد.\nقال أبو حاتم: «قد كان يحيى بن حمزة قدم العراق فيرون أن الأرقم نعت، وأن الاسم داود، ومنهم من يقول: سليمان بن داود الدمشقي، شيخ ليحيى بن حمزة، وما أظن أنه\nهو». الميزان (٢/ ٢٠٢).\nوالذي يترجح لي أن الحديث حديث سليمان بن أرقم، وأن الحكم بن موسى أخطأ عندما قال: سليمان بن داود. وإليك الأدلة.\nقال الحافظ ابن منده: رأيت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه عن سليمان بن أرقم عن الزهري، هو الصواب.\nوقال صالح جزرة: «حدثنا دحيم، قال: نظرت في أصل كتاب يحيى حديث عمرو بن حزم في الصدقات فإذا هو عن سليمان بن أرقم فكتب عني مسلم». الميزان (٢/ ٢٠١) وفيه فكتبت هذا الكلام عن مسلم، وهو خطأ. انظر تلخيص الحبير (٤/ ٣٥).\nوقال أبو زرعة الدمشقي في تاريخ دمشق (١/ ٤٥٥): «حدثت أنه وجد في كتاب يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، ولكن الحكم بن موسى لم يضبطه». اهـ\nوفي تحفة الأشراف (٨/ ١٤٧): «نسبه إلى أبي داود في المراسيل، فقال: وعن هارون ابن محمد بن بكار بن بلال، عن أبيه، وعمه، كلاهما، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.\nوعن ابن هبيرة، قال: قرأت في أصل يحيى بن حمزة، حدثني سليمان بن أرقم بإسناده نحوه. وعن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري نحوه. قال أبو داود: هذا وَهْم من الحكم: يعني قوله: ابن داود». اهـ وانظر تهذيب التهذيب (٤/ ١٦٥).\nوقال أبو داود أيضًا: «لا أحدث به، وقد وهم الحكم بن موسى في قوله: سليمان بن داود وقد حدثني محمد بن الوليد الدمشقي أنه قرأه في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم». تلخيص الحبير (٤/ ٣٥).\nوقال أبو داود أيضًا: والذي قال: سليمان بن داود وهم فيه. المراسيل (ص: ٢١٣).\nوقال النسائي بعد أن خرج في المجتبى رواية الحكم بن موسى، قال: خالفه -يعني الحكم بن موسى- خالفه محمد بن بكار بن بلال، أخبرنا الهيثم بن مروان بن الهيثم بن عمران العنسي، ثنا محمد بن بكار بن بلال، ثنا يحيى، ثنا سليمان بن أرقم، حدثني الزهري به، وساق الحديث، ثم قال: وهذا أشبه بالصواب. =","vol":"8","page":433},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو الحسن الهروي: الحديث في أصل يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم غلط عليه الحكم. الميزان (٢/ ٢٠١).\nوقال الذهبي: ترجح أن الحكم بن موسى وَهِمَ، ولابد.\nفهذا أبو الحسن الهروي، وصالح جزرة، ودحيم، والحافظ ابن مندة، وأبو الحسن الهروي،\nوأبو زرعة الدمشقي، وأبو داود، والذهبي، وابن حجر، كما في التهذيب (٤/ ١٦٥). كلهم يرون أن الحكم بن موسى أخطأ بذكر سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم كما هو في كتاب يحيى بن حمزة.\nقال الحافظ ابن حجر: أما سليمان بن داود الخولاني فلا ريب في أنه صدوق، لكن الشبهة دخلت على حديث الصدقات من جهة أن الحكم بن موسى غلط في اسم والد سليمان، فقال: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم.\nوقال الزيلعي: «وقال بعض الحفاظ من المتأخرين ونسخة كتاب عمرو بن حزم تلقاها الأئمة الأربعة بالقبول، وهي متوارثة كنسخة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهي دائرة على سليمان بن أرقم، وسليمان بن داود الخولاني، عن الزهري، عن أبي بكر، عن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، وكلاهما ضعيف. بل المرجح في روايتهما سليمان بن أرقم، وهو متروك». نصب الراية (٣/ ٣٤٢).\nفهذه النقول تقطع الشك باليقين أن الحكم أخطأ بقوله: ابن داود. وإذا كان الحديث عن سليمان ابن أرقم فهو ضعيف جدًّا، وعلى التسليم بأن ذكر سليمان بن داود محفوظ في الحديث، فقد خولف في الزهري، خالفه من هو أحفظ منه.\nفقد رواه يونس بن يزيد كما في سنن النسائي (٤٨٥٥)\nوسعيد بن عبد العزيز كما في سنن النسائي (٤٨٥٦)، كلاهما عن ابن شهاب، قال: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فكتب رسول الله ﷺ هذا بيان من الله ورسوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وكتب الآيات منها حتى بلغ: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ). ثم كتب هذا كتاب الجراح في النفس مائة من الإبل نحوه.\nولفظ سعيد بن عبد العزيز: عن الزهري، قال: جاءني أبو بكر بن حزم بكتاب في رقعة من أدم عن رسول الله ﷺ هذا بيان من الله ورسوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فتلا منها آيات، ثم قال: في النفس مائة من الإبل، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة فريضة، وفي الأصابع عشر عشر، وفي الأسنان خمس خمس وفي الموضحة خمس. =","vol":"8","page":434},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويونس بن يزيد من رجال الجماعة، ومن أصحاب الزهري، وقد تابعه سعيد بن عبد العزيز، فتبين من هذا أن المعروف في كتاب ابن حزم أنه مرسل، والمسند إنما هو من طريق سليمان بن أرقم، وهو متروك.\nوالمرسل، تارة عن الزهري. كما تقدم.\nوتارة: عن أبي بكر بن محمد، بن عمرو بن حزم.\nوتارة: عن محمد بن عمرو بن حزم.\nوتارة: عن عبد الله بن أبي بكر. وكلهم من التابعين.\nوأما ما كان من مرسل عبد الله بن أبي بكر، فهو في الموطأ (١/ ١٩٩) ومصنف عبد الرزاق (٦٧٩٣)، ومسند الشافعي (٣٤٧)، عن عبد لله بن أبي بكر بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: أن لا يمس القرآن إلا طاهر.\nوأما مرسل أبي بكر والد عبد الله، فأخرجه مالك (١/ ٨٤٩) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، عن أبيه، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول .. وذكر ما يتعلق بالديات. ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في مسنده (ص: ٣٤٧)، والنسائي (٤٨٥٧) والبيهقي (٨/ ٧٣، ٨٢).\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٢١) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، قال: كان في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم ألا تمس القرآن إلا على طهر.\nقال الدارقطني: مرسل، رواته ثقات.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٢١) من طريق ابن إدريس، أخبرنا محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، قال: كان في كتاب رسول الله ﷺ حين بعثه إلى نجران مثله سواء.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٢١) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن حزم، عن أبيهما أن النبي ﷺ كتب كتابًا فيه: (لا يمس القرآن إلا طاهر).\nوأما مرسل محمد بن عمرو بن حزم:\nفأخرجه عبد الرزاق، مختصرًا (١٧٣٥٨) عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن محمد ابن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.\nقال ابن حجر: وجده، هو محمد بن عمرو ولد في عهد النبي ﷺ ولكنه لم يسمع منه.\nومن طريق عبدالرزاق أخرجه الدارمي (١٦٢٢) وابن الجارود في المنتقى (٧٨٤) وابن خزيمة (٤/ ١٩)، والدارقطني (٣/ ٢١٠).\nوأخرجه البيهقي في الخلافيات (١/ ٥٠٠) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي، =","vol":"8","page":435},{"text":"وما ورد مسندًا لا تقوم به حجة؛ لأنه إما من رواية متروك، وأما المرسل فإسناده صحيح، ولكن المرسل من قسم الضعيف.\nوبعضهم احتج به لا من جهة الإسناد، ولكن من جهة تلقي العلماء له بالقبول، قال ابن حجر: «صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة.\nفقال الشافعي في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ.\nوقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة.\nوقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع ممن فوق الزهري.\nوقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم.\n_________\n= عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر، يخبرانه، عن أبيهما (أبي بكر)، عن جدهما (محمد بن عمرو بن حزم)، عن رسول الله ﷺ أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن: هذا كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لعمرو ابن حزم حين أمره على اليمن؛ كتب لرسول الله ﷺ منها: أن لا يمس القرآن إلا طاهر.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٩٥) من طريق إسماعيل بن أبي أويس به، مختصرًا، بلفظ: فإذا بلغ قيمة الذهب مائتي درهم، ففي كل أربعين درهمًا درهم. اهـ ولم يذكر لفظ البيهقي.\nوكونه يرسل تارة عن عبد الله بن أبي بكر، وتارة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وتارة عن محمد بن عمرو بن حزم فهذا والله أعلم لا يضر؛ لأن الكتاب كان عندهم، وكل منهم قد حكى ما فيه.\nفالراجح من حديث عمرو بن حزم أنه مرسل. وأما المسند منه فإنه من طريق سليمان بن أرقم، وهو متروك.","vol":"8","page":436},{"text":"قال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما» (^١).\nوقال ابن تيمية: «قال أحمد لا شك أن النبي ﷺ كتبه له» (^٢).\n• مناقشة هذا الكلام:\nأولًا: مناقشة دعوى تلقي الناس له بالقبول، كما نقله الحافظ عن ابن عبد البر. المقصود بالناس: هم العلماء، فهي حكاية عن الإجماع.\nوهل هي حكاية للإجماع بما ورد فيه من أحكام، أو الإجماع على صحة الكتاب وثبوته، ولا يلزم منه الإجماع على دلالته؛ لأنه قد يصح الدليل، وينازع في الاستدلال، كلاهما محتمل، وإن كان الراجح أن المقصود الإجماع على صحة الكتاب، ودعوى أن الكتاب متلقى بالقبول يدخلها ما يدخلها.\nثانيًا: إثبات هذا التلقي؛ فإن كثيرًا من الفقهاء قد يدّعون في أحاديث أنها متلقاة في القبول، وعند التمحيص لا تثبت هذه الدعوى، ولم أر البخاري ومسلمًا قد خرجا في صحيحيهما أحاديث اعتمادًا على تلقي الناس لها بالقبول، وإنما المعتمد هو الإسناد، وقد ضعف هذا المرسل داود الظاهري، وابن حزم، وابن المنذر، وخلافهم معتبر، وهو يبطل دعوى الإجماع؛ لأنهم من جملة المؤمنين الداخلين في قوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ١١٥]، هذا إن كانت دعوى الإجماع على صحة الكتاب، وإن كانت دعوى الإجماع على ما ورد فيه من أحكام؛ فإن الخلاف في مس المصحف محفوظ من لدن التابعين إن لم يكن من لدن الصحابة.\nثالثًا: عبارة ابن عبد البر في التمهيد تختلف عن العبارة التي نقلها الحافظ، فقد\n_________\n(^١) تلخيص الحبير (٤/ ٣٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٦).","vol":"8","page":437},{"text":"قال ابن عبد البر: «والدليل على صحة كتاب عمرو بن حزم تلقي جمهور العلماء له بالقبول ... .» إلخ (^١) وفرق بين قوله: «تلقي الناس له بالقبول»، وبين قوله: «تلقي جمهور العلماء ..» فإن اللفظ الثاني يثبت أن التلقي ليس من كافة العلماء، وإنما هو من جمهورهم.\nرابعًا: على فرض أن دعوى التلقي بالقبول مسلم؛ فإن مسألة مس المصحف مستثناة، أرأيت الصحيحين قد قال بعض أهل العلم: إن أهل العلم قد تلقاهما الناس بالقبول، ومع ذلك لا يدخل في هذا التلقي ما تكلم فيه الأئمة كالدارقطني وغيره.\nفإذا كنا نستثني الأحاديث التي تكلم فيها العلماء من هذا التلقي، استثنينا أيضًا مس المصحف من ثبوت التلقي لثبوت النزاع فيها؛ إذا لا يمكن إثبات الإجماع وضده في آن واحد، فإن قال قائل: لا يمكن أن نحتج بهذا المرسل في الدماء والأموال، ثم لا يحتج به في هذه المسألة، التي هي أهون بكثير من انتهاك مال المسلم أو دمه، بل قد انعقد الإجماع على استحباب الطهارة لمس المصحف.\n• فالجواب:\nأن ما يتعلق بالأموال والدماء ليس الاعتماد على هذا المرسل، بل الاعتماد على أحاديث أخرى ثابتة عن رسول الله ﷺ (^٢).\n_________\n(^١) التمهيد، كما في فتح البر (٣/ ٥٥٧).\n(^٢) ففي الصدقات كل ما ورد في رسالة عمرو بن حزم، قد جاء مسندًا من حديث أبي بكر عند البخاري (١٤٥٤) وأحمد (١/ ١١ - ١٢) وأبو داود (١٥٦٧) والنسائي (٥/ ١٨) ومسند أبي يعلى (١٢٧).\nومن مسند عمر في مسند أبي يعلى (١٢٥) إلا أنه عن نافع، أنه قرأ كتاب عمر، فهو وجادة، ورجاله ثقات.\nوحديث ابن عمر عند أبي داود (١٥٦٨) والترمذي (٦٢١) الدارمي (١٦٢٠)، والحاكم (١/ ٣٩٢) والبيهقي (٤/ ٨٨) من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، ابن عمر. وهو صالح في الشواهد.\nوحديث ابن مسعود، عند أحمد (١/ ٤١١) والترمذي (٦٢٢) وابن ماجة (١٨٠٤). =","vol":"8","page":438},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وحديث معاذ بن جبل، عند أحمد (٥/ ٢٣٠، ٢٣٣، ٢٤٠) وعبد الرزاق (٦٨٤١)\nوأبي داود (١٥٧٦، ١٥٧٧، ١٥٧٨) والترمذي (٦٢٣) والنسائي (٥/ ٢٦) وابن ماجه (١٨٠٣) والدارمي (١٦٢٤)، والبيهقي (٤/ ٩٨)، والحاكم (١/ ٣٩٨)، وابن خزيمة (٤/ ١٩). هذا فيما يتعلق بالصدقات.\nوأما نفي الزكاة في العبد والفرس، فهو في البخاري (١٤٦٣)، ومسلم (٩٨٢) من حديث أبي هريرة. وكون الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة (١٠٧٢) من حديث طويل.\nويشهد للسبع الموبقات، وأكبر الكبائر حديث أبي هريرة عند البخاري (٢٧٦٦) ومسلم (٨٩). وأما قوله: لا طلاق قبل إملاك، ولا عتق حتى يبتاع، فقد جاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده. عند أبي داود، في الطلاق (٢١٩٠) والترمذي (١١٨١) وابن ماجه (٢٠٤٧) وأما قوله: (لا يصلين أحدكم في ثوب واحد، وشقه باد) فقد جاء من حديث أبي هريرة عند البخاري (٣٥٩) ومسلم (١٨٧٦).\nويشهد للعقص في الصلاة حديث ابن عباس في مسلم (٤٩٢) وحديث أبي رافع، عند عبد الرزاق (٢/ ١٨٣، ١٨٤) ح ٢٩٩٠، ٢٩٩١. وأبي داود (٦٤٦) والترمذي (٣٨٤) وابن ماجه (١٠٤٢) والبيهقي (٢/ ١٠٩) وابن خزيمة (٩١١).\nوبالنسبة للدماء، فيشهد له حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد (١٦٤، ١٦٦)، وأبي داود (٤٥٤٧، ٤٥٤٨) والنسائي (٨/ ٤٠) والدارقطني (٣/ ١٠٤) والبيهقي (٨/ ٦٨) وابن ماجه (٢٦٢٧).\nوحديث ابن عمر عند عبد الرزاق (٩/ ٢٨١) ١٧٢١٢، وأحمد (٢/ ٣٦) وأبي داود (٤٥٤٩) والدارقطني (٣/ ١٠٥)، والبيهقي (٨/ ٦٨) والحديثان في دية قتل شبه العمد. وحديث أبي موسى الأشعري في دية الأصابع عند أحمد (٤/ ٣١٤، ٤٠٣، ٤٠٤) وأبي داود (٤٥٥٦، ٤٥٥٧) والنسائي (٨/ ٥٦) والدارمي (٢٣٦٩)، وابن حبان كما في الموارد (١٥٢٧)،\nوأبي يعلى (٧٣٣٤، ٧٣٣٥) وفيهما حديث عمر عند البزار (٢٦١) عن عمر رفعه: في الأنف إذا استوعب جدعه الدية، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي الجائفة ثلث، وفي المنقله خمس عشرة، وفي الموضحة خمس، وفي السن خمس، وفي كل إصبع مما هناك عشر عشر، وإسناده فيه ضعف.\nومنها حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ وفيه تقويم الدية على أهل الدنانير والدراهم، والبقر والشاة. وفيه ذكر عقل الأنف والعين والرجل واليد، والمأمومة والجائفة، والمنقلة، والواضحة، والأسنان. والحديث عند أحمد (٢/ ١٨٢، ١٨٣، ١٨٥، ١٨٦، ٢٢٤، ٣١٧)، وأبي داود (٤٥٦٤)، والنسائي (٤٨٠١) وابن ماجه (٢٦٣٠) وتبين أن =","vol":"8","page":439},{"text":"• واستشكل الاستدلال به من حيث المعنى:\nقالوا: إن اطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أوالحيض أو الحدث الأصغر لا يصح حقيقة ولا مجازًا، فالمؤمن طاهر دائمًا، سواء كان جنبًا، أو حائضًا، أو على بدنه نجاسة، أم لا.\nفقوله: (لا يمس القرآن إلا طاهر) يحتمل أن المعنى: لا يمس القرآن إلا مؤمن. يؤيده كون الرسول ﷺ قد بعثه إلى نجران، وفيها مشركون، وقد قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨].\n(١٧٦٤ - ٢٢٥) وروى البخاري، من طريق أبي رافع،\nعن أبي هريرة، قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم جئت، وهو قاعد، فقال: أين كنت يا أبا هر. فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم (^١).\n(١٧٦٥ - ٢٢٦) وروى مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال قرأت على مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.\nويحتمل أنه طاهر من الحدث الأكبر. ويحتمل أنه طاهر من الحدث الأصغر. ويحتمل أنه طاهر من النجاسة الحسية، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل الاستدلال.\n_________\n= المسلمين لم يحكموا في دمائهم مرسل عمرو بن حزم، وليست هذه كل الأحاديث، وبعضها يشهد لبعض، لكن يبقى النظر: هل مجموع هذه الأحاديث التي وردت في مس المصحف يرقى مجموعها إلى الاحتجاج، مع أن عامتها ضعيفة جدًّا، أو أنها لا تصلح للحجة، هذه مسألة فيها خلاف بعد القطع بأن آحادها لا تقوم بها حجة، ولعله يترجح للقارئ أحد القولين بعد الاطلاع على أدلة القول الثاني.\n(^١) رواه البخاري (٢٨٥) ومسلم (٣٧١).","vol":"8","page":440},{"text":"• ويجاب على هذا:\nبأن القرآن والسنة كانت تخاطب جماعة الصحابة بوصف الإيمان والإسلام (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ...) (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ ...) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه ...) (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...) ولم يخاطب القرآن جماعة الصحابة بصفة الطاهرين، فلم يقل: يا أيها الطاهرون ..\nفيبقى الطاهر، هل هو من الحدث أو من النجاسة؟\nأما من تطهر من الحدث، وعلى بدنه نجاسة فإنه لا يمنع من مس المصحف، إذا كانت النجاسة لا تتعدى. لا أعلم في المسألة خلافًا، فخرجت طهارة الخبث، وبقيت طهارة الحدث، ونحن نقول بشمولها للحدثين الأصغر والأكبر، فلا يمنع من حمل المشترك على جميع أفراده، وعدم إخراج واحد منها إلا بدليل. والله أعلم.\n(١٧٦٦ - ٢٢٧) وقد روى البخاري من طريق عروة بن المغيرة،\nعن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. ورواه مسلم (^١).\nفوصف الرسول ﷺ قدميه بعد الوضوء بأنها طاهرة: أي من الحدث.\nوقال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ...) إلى قوله: (َا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].\nفسمى الله الاغتسال من الجنابة طهارة، مع أنه ﷺ هو القائل: إن المؤمن لا ينجس.\n(١٧٦٧ - ٢٢٨) روى مسلم من طريق مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال:\n_________\n(^١) البخاري (٢٠٦) ومسلم (٢٧٤).","vol":"8","page":441},{"text":"ألا تدعو الله لي يا ابن عمر، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول وكنت على البصرة (^١).\nوالطهور: اسم لما يتطهر به. وهذا الكلام صحيح لو أن حديث: لا يمسك القرآن إلا طاهر متصل وصحيح الإسناد، فالمتصل ضعيف جدًّا، وصحيح الإسناد مرسل، وكلاهما ليسا بحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3977>الدليل السادس:</span>\n(١٧٦٨ - ٢٢٩) ما رواه الدارقطني من طريق إسحاق الأزرق، أخبرنا القاسم ابن عثمان البصري، عن أنس بن مالك، قال:\nخرج عمر متقلدًا السيف، فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا، فأتاهما عمر، وعندهما رجل من المهاجرين، يقال له خباب، وكانوا يقرؤون طه، فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم أقرأه، وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت له أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر فتوضأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ طه.\nقال الدارقطني: القاسم بن عثمان ليس بقوي (^٢).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٢٤).\n(^٢) أخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة (٢/ ٦٥٧)، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق به.\nومن طريق إسحاق الأزرق أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ٢٦٧)، وأبو يعلى الموصلي كما في التنقيح (١/ ٤١٦)، والطبراني في الأوسط (١٨٦٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦٥) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٨) وفي إسناده القاسم بن عثمان. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. الثقات (٥/ ٣٠٧).\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٧/ ١١٤).\nقال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها. لسان الميزان (٤/ ٤٦٣)، تنقيح التحقيق (١/ ٤١٧).\nوذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: حدث عنه إسحاق الأزرق أحاديث لا يتابع منها على شيء. ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٨٠).\nقال الدارقطني: ليس بقوي، كما في متن الباب. =","vol":"8","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ونقل كلامه ابن عبد الهاد، وأقره، ولم يتعقبه. التنقيح (١/ ٤١٦، ٤١٧).\nوله شواهد ضعيفة، منها:\nالشاهد الأول: ما رواه البزار في مسنده (١/ ٤٠٠) ح ٢٧٩ حدثنا الحسن بن الصباح، ومحمد ابن رزق الله، قالا: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن جده، قال:\nقال عمر بن الخطاب ﵁ أتحبون أن أعلمكم أول إسلامي، قال: قلنا: نعم. فذكر قصة إسلامه بطولها، وفيه: فقلت: ما هذه الصحيفة ها هنا؟ فقالت لي: دعنا عنك يا ابن الخطاب فإنك لا تغتسل من الجنابة، ولا تتطهر، وهذا لا يمسه إلا المطهرون، فما زلت بها حتى أعطتني إياها ... وذكر بقية القصة.\nوأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٢٨٥) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٤١) والحاكم في المستدرك (٤/ ٦٦) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢١٦) من طرق عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني، ثنا إسامة بن زيد به.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه إبرهيم الحنيني:\nقال البخاري: في حديثه نظر. التاريخ الكبير (١/ ٣٧٩).\nوقال النسائي: ليس بثقة. الضعفاء والمتروكين (٤٤).\nوقال ابن عدي: الحنيني مع ضعفه يكتب حديثه. الكامل (١/ ٣٤١).\nوقال أبو زرعة: صالح. الجرح والتعديل (٢/ ٢٠٨).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (١/ ٩٧).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطئ. الثقات (١١٥).\nكما أن في الإسناد: أسامة بن زيد بن أسلم، ضعيف الحديث.\nوقال أحمد: منكر الحديث، ضعيف. الجرح والتعديل (٢/ ٢٨٥).\nوقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، كما في رواية الدوري. المرجع السابق.\nوقال أيضًا: ضعيف، كما في رواية ابن أبي خيثمة. المرجع السابق.\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (١/ ٢١).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٥٢).\nوقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس بحجة. الطبقات الكبرى (٥/ ٤١٣).\nالشاهد الثاني:\nرواه الطبراني (٢/ ٩٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن ربيعة، ثنا أبو الأشعث،\nعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، وقد ضرب أخته في أول الليل وهي تقرأ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) حتى أظن أنه قتلها، ثم قام من السحر فسمع صوتها تقرأ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) فقال: والله ما هذا بشعر، ولا همهمة، ثم ذكر ذهابه إلى =","vol":"8","page":443},{"text":"وهذا الأثر مع كونه موقوفًا، يشكل عليه أن الكافر لا تصح منه العبادة، ولو توضأ وقت كفره أو اغتسل لم تصح منه الطهارة حال كفره، وقولها: إنك رجس: أي نجس، ومعلوم أن الكافر نجاسته معنوية، وليست حسية، وهو رجس بكفره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3978>الدليل السابع:</span>\n(١٧٦٩ - ٢٣٠) ما رواه الدارقطني من طريق شجاع بن الوليد.\nومن طريق أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن\n_________\n= رسول الله ﷺ وإسلامه.\nوهذا القصة فيها اختلاف في متنها وإسنادها ضعيف جدًّافيها: يزيد بن ربيعة:\nقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث، واهي الحديث، وفي روايته عن\nأبي الأشعث، عن ثوبان تخليط كثير. الجرح والتعديل (٩/ ٢٦١).\nوقال البخاري: حديثه مناكير. التاريخ الكبير (٨/ ٣٣٢).\nوقال النسائي: متروك الحديث شامي. الضعفاء والمتروكين (٦٤٣).\nوقال في التمييز: ليس بثقة. لسان الميزان (٦/ ٢٨٦).\nوقال الدارقطني: دمشقي متروك. المرجع السابق.\nقال أبو مسهر: كان قديمًا غير متهم ما ينكر عليه أنه أدرك أبا الأشعث، ولكني أخشى عليه سوء الحفظ والوهم. الكامل (٧/ ٢٥٩).\nالشاهد الثالث:\nما أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٤٠) من طريق إسحاق بن عبد الله، عن أبان بن صالح عن مجاهد، عن ابن عباس بنحو الروايات السابقة.\nوهذا الإسناد ضعيف جدًّا، فيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة.\nقال البخاري: تركوه. التاريخ الكبير (١/ ٣٩٦)، الضعفاء الصغير (٢٠).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء المتروكين (٥٠).\nقال له الزهري لما سمعه يرسل الأحاديث: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأك على الله، ألا تسند أحاديثك، بأحاديث ليس لها خطم، ولا أزمة. تهذيب التهذيب (١/ ٢١٠).\nالشاهد الرابع:\nذكر قصة إسلام عمر بن الخطاب ابن إسحاق صاحب السيرة انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٧٠) ورواها البيهقي في الخلافيات من طريق ابن إسحاق (١/ ٥١٧).","vol":"8","page":444},{"text":"ابن يزيد، عن سلمان قال:\nكنا معه في سفر، فانطلق فقضى حاجته، ثم جاء، فقلت: أي أبا عبد الله توضأ لعلنا نسألك عن آي من القرآن، فقال: سلوني فإني لا أمسه؛ إنه لا يمسه إلا المطهرون، فسألناه فقرأ علينا قبل أن يتوضأ.\n[صحيح، وصححه الدارقطني] (^١).\n_________\n(^١) اختلف فيه على الأعمش:\nفرواه أبو معاوية كما في سنن الدارقطني (١/ ١٢٤). والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٩٠).\nووكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٩٨) وسنن الدارقطني (١/ ١٢٤).\nوشجاع بن الوليد كما في سنن الدارقطني (١/ ١٢٤).\nوابن فضيل كما في سنن الدارقطني (١/ ١٢٤) من طريق عبد الله بن عمر عنه،\nكلهم (أبو معاوية، ووكيع، وشجاع، وابن فضيل) عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن ابن يزيد، عن سلمان.\nوخالفهم أبو الأحوص فرواه الدارقطني (١٢٣) من طريقه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن سلمان.\nوتابع أبا الأحوص يحيى بن العلاء كما في مصنف عبد الرزاق (١٣٢٥) عنه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة به، قال: أتينا سلمان الفارسي، فخرج علينا من كنيف له. فقال: لو توضأت يا أبا عبد الله، ثم قرأت علينا سورة كذا وكذا. فقال: إنما قال الله: (فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ) وهو الذكر الذي في السماء الذي لا يمسه إلا الملائكة، ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا.\nوالراجح رواية وكيع وأبي معاوية، ومن وافقهما عن الأعمش؛ لأن أبا معاوية من أوثق الناس في الأعمش، وقد تابعه وكيع. ولم يذكر أحد علقمة في الإسناد إلا أبا الأحوص، ولم يتابعه إلا يحيى بن العلاء، وهو متهم بالوضع.\nقال أحمد: كذاب يضع الحديث. تهذيب التهذيب (١١/ ٢٢٩)، الكشف الحثيث (٨٤٠).\nوقال وكيع: كان يكذب، حدث في خلع النعلين عشرين حديثًا. تهذيب الكمال (٣١/ ٤٨٤).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٦٢٧).\nوقال يحيى بن معين: ليس بثقة. ضعفاء العقيلي (٤/ ٤٣٧).\nثم إن يحيى بن العلاء زيادة توهم أن سلمان لا يرى بأسًا بمس المصحف؛ حيث قال: إنما قال الله: لا يمسه إلا المطهرون، وهو الذكر الذي في السماء، فمفهومه أنه لا مانع من مسه، وهي تخالف رواية الجماعة. والله أعلم.","vol":"8","page":445},{"text":"• ويجاب:\nبأن استدلال سلمان ﵁ على وجوب الطهارة من الآية فيها نزاع، وقد خالفه في ذلك ابن عباس، وهو أفقه وأعلم بكتاب الله، ووافقه على ذلك أنس ﵁، وقد فسرا ﵄ (المطهرون) بالملائكة، والضمير في قوله: (لا يمسه) يعود إلى أقرب مذكور، وهو الكتاب المكنون (^١)، وقال مالك: «أحسن ما سمعت في هذه الآية (لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ) إنما هي بمنزله هذه الآية التي في عبس: قول الله ﵎: (كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: ١١ - ١٦] (^٢).\nقال ابن المنذر: «قال أنس (^٣)، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية: المراد بالآية: الملائكة (^٤).\nولو أراد به الطهارة لمس المصحف، لقال: المتطهرون، كما قال تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) فأضاف الطهارة إلى فعلهم بقوله: (تَطَهَّرْنَ)، وقوله: (الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: ٢٢٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3979>الدليل الثامن:</span>\n(١٧٧٠ - ٢٣١) روى مالك في الموطأ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري (١١/ ٦٥٩)، وأحكام القرآن - الجصاص (٥/ ٣٠٠)، تفسير ابن كثير (٤/ ٢٩٩)، وتفسير السيوطي (٨/ ٢٦).\n(^٢) الموطأ (١/ ١٩٩).\n(^٣) أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن أنس ﵁: لا يمسه إلا المطهرون قال: الملائكة ﵈، وانظر تفسير القرطبي (١٧/ ٢٢٥).\n(^٤) الأوسط (١/ ١٠٣)، وذكرهم ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٩٩) وزاد عليهم: عكرمة، وأبوالشعثاء جابر بن يزيد، وأبو نهيك، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقتادة. اهـ\nوقال السيوطي في تفسيره (٨/ ٢٦): أخرج آدم بن أبي إياس، وعبد بن حميد، وابن جرير،\nوابن المنذر، والبيهقي في المعرفة، عن مجاهد ﵁، قال: القرآن في كتابه المكنون: الذي لا يمسه شيء من تراب ولا غبار، لا يمسه إلا المطهرون، قال: الملائكة ﵈. اهـ","vol":"8","page":446},{"text":"وقاص، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال:\nكنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت. فقال: لعلك مسست ذكرك. قال: فقلت: نعم. فقال: قم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت (^١).\n[صحيح].\n• وأجيب عن هذا لأثر بجوابين:\nأحدهما: مع صحة إسناده، إلا أنه ليس صريحًا في وجوب الوضوء؛ لأن الوضوء لا نزاع في كونه مشروعًا لمس المصحف، ولكن النزاع هل يجب أو لا يجب. والصحابة من أحرص الناس على الخير، وأكملهم في طلبه، ولا غرابة أن يطلب من ابنه الطهارة لقراءة القرآن ومسه.\nثانيًا: أن هذا الأثر قد وقع فيه خلاف على سعد من جهة وجوب الوضوء لمس الذكر (^٢).\n_________\n(^١) الموطأ (٢/ ٤٢).\n(^٢) فقد اختلف على إسماعيل بن محمد، فرواه مالك، عن إسماعيل بن محمد، بالوضوء من مس الذكر، من أجل مس المصحف.\nورواه الطحاوي (١/ ٧٧) من طريق عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد به. بلفظ: كنت آخذ عن أبي المصحف، فاحتككت، فأصبت فرجي، فقال: أصبت فرجك؟ قلت: نعم. قلت: احتككت. فقال: اغمس يدك في التراب، ولم يأمرني أن أتوضأ.\nورواه إسماعيل بن أبي خالد، واختلف عليه فيه:\nفورواه الطحاوي (١/ ٧٧) من طريق عبد الله بن رجاء، حدثنا زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد. مثله، غير أنه قال: قم، فاغسل يدك.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٥٠) عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. وفيه: فقال له توضأ.\nورواية مالك أرجح.\nأولًا: لإمامته وحفظه.\nوثانيًا: لأنه قد تابعه على ذلك الحكم، فقد أخرجه الطحاوي (١/ ٧٦) من طريق شعبة، قال: أنبأني الحكم، قال: سمعت مصعب بن سعد، وذكر نحو حديثه.\nوثالثًا: أن عبد الله بن جعفر، لا يقارن بمالك، وعبد لله بن رجاء، لا يقارن بوكيع، أما عبد الله بن جعفر. فالأكثر على أنه صدوق، فمثل هذا لا يمكن أن يقدم على مالك.\nكما أن عبد الله بن رجاء، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يهم. فأين هذا من وكيع.\nوأما الاختلاف على سعد في الوضوء من مس الذكر، فإنه محفوظ.\nفقد رواه عبد الرزاق (٤٣٤) عن ابن عيينة.\nورواه الطحاوي (١/ ٧٧) من طريق زائدة،\nورواه أيضًا من طريق هشيم، كلهم ثلاثتهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد بعدم الوضوء من مس الذكر. وقد صرح هشيم بالتحديث.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد، كما في فتح البر (٣/ ٣٣٨، ٣٤٠) اختلف فيه على سعد بن أبي وقاص، فروى عنه أن لا وضوء على من مس ذكره. هذه رواية أهل الكوفة عنه. ذكره عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عنه. وروى عنه أهل المدينة إيجاب الوضوء منه، من رواية مالك، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن مصعب ابن سعد، عنه. وذكرت لفظها في معرض الاحتجاج بالطهارة من مس المصحف.","vol":"8","page":447},{"text":"هذا ما أمكنني جمعه من أدلة القول الأول. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3980> أدلة القائلين بجواز مس المصحف بدون طهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3981>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل المقتضي لوجوب الطهارة، والأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليل صحيح على وجوب الطهارة لمس المصحف. والأدلة التي احتج بها من منع لا يصح منها شيء، لأنها إما حديث مرسل، وقد ناقشت الاستدلال به، والجواب عن دعوى أنه متلقى بالإجماع.\nوإما حديث ضعيف جدًّا، أو ضعيف فقط.\nوإما موقوف على صحابي قد يكون خالفه غيره كاستدلال سلمان ﵁ على وجوب الطهارة بمس المصحف بقوله تعالى: (لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ) وقد خالفه ابن عباس وأنس في وجه الاستدلال.\nوأما آثار غاية ما يدل عليه بعضها على مشروعية الطهارة لمس المصحف، وهي","vol":"8","page":448},{"text":"ليست محل خلاف، كأثر سعد بن أبي وقاص وابن عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3982>الدليل الثاني:</span>\nالأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بيانًا عامًا، ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا علم أنه ليس من دينه، فلو كانت الطهارة واجبة لمس المصحف لجاءت الأدلة الصحيحة على بيانه؛ لأن هذا الأمر يحتاجه غالب المسلمين، ولا يستغني عنه أحد منهم؛ لأن حاجة المسلمين إلى قراءة كتاب الله، وتدبره، والعمل به، كحاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس، فإن في قراءة القرآن حياة أرواحهم، كما أن في الطعام قوام أبدانهم، فلماذا لم يأت دليل صحيح يقطع النزاع في هذه المسألة المهمة. أتكون أذكار دخول المنزل، والخروج منه، وركوب الدابة، وأذكار السفر، وغيرها من الأذكار المستحبة تأتي فيها الأدلة صحيحة صريحة، وتكون الأدلة في مس المصحف لقراءة القرآن أشرف الكلام: كلام الله ﷾، وحجته على خلقه، والهادي إلى سبيل السلام، والأمة مضطرة لمسه وتعلمه، مع كل هذه الحاجة تأتي الأدلة على وجوب الطهارة له إما مرسل، أو حديث ضعيف، فهذا يدل على أن المسألة لا يثبت فيها نهي أصلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3983>الدليل الثالث:</span>\n(١٧٧١ - ٢٣٢) ما رواه مسلم من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث،\nأنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام فأكل ولم يمس ماء.\nقال وزادني عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث (^١).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٧٤).","vol":"8","page":449},{"text":"ورواه عبد بن حميد كما في المنتخب من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن\nأبي مليكة، وعن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وفيه: إنما أمرتم بالوضوء للصلاة (^١).\nوسنده صحيح، وفيه التعبير بالحصر بـ (إنما).\nوقد استدل به ابن تيمية على عدم وجوب الطهارة للطواف، وغفل أن يستدل به أيضًا على عدم وجوب الطهارة لمس المصحف، وقد ذكرت كلامه في بحث اشتراط الطهارة للطواف، فانظره غير مأمور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3984>الدليل الرابع:</span>\nالقياس على قراءة القرآن، فإذا كانت قراءة القرآن من دون مس جائزة بالإجماع، فكذلك مسه من باب أولى؛ لأننا قد تُعِبدنا بقراءة القرآن، ولم نتعبد بمجرد مسه بدون قراءة، والأدلة على جواز قراءة القرآن من غير طهارة كثيرة.\nأولًا: الإجماع. قال النووي في المجموع: «أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث، والأفضل أن يتطهر لها».\n_________\n(^١) رواه أحمد (١/ ٢٨٢) حدثنا وهيب.\nوعبد بن حميد كما في المنتخب (٦٩٠) من طريق معمر،\nوأحمد (١/ ٣٥٩)، وأبو داود (٣٧٦٠) والترمذي (١٨٤٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ١٢٢) ح ١١٢٤١، وابن خزيمة (٣٥) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، ثلاثتهم عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس.\nورواه أبو داود الطيالسي طـ دار هجر (٢٨٨٨) وأحمد (١/ ٢٢١، ٢٨٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٩٤٩)، والحميدي في مسنده (٤٨٤)، ومسلم (٣٧٤)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٦٩٠) وعلي بن الجعد في مسنده (١٦٣٧)، وأبو عوانة في مستخرجه (٧٦٨)، والدارمي (٧٦٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٠) من طرق عن عمرو بن دينار،\nورواه الدارمي بإثر حديث (٢٠٧٦)، وأبو عوانة في مستخرجه (٧٦٩، ٧٧٠، ٧٧١) من ثلاثة طرق فرقهم، عن ابن جريج، كلاهما (عمرو بن دينار، وابن جريج) عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وقد صرح ابن جريج بالتحديث.","vol":"8","page":450},{"text":"قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط: ولا نقول: قراءة المحدث مكروهة، فقد صح أن النبي ﷺ كان يقرأ مع الحدث (^١).\n(١٧٧٢ - ٢٣٣) وروى مسلم من طريق البهي، عن عروة،\nعن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (^٢).\nفقولها: (يذكر الله) مطلق يشمل قراءة القرآن، ويشمل غيره من الأذكار، وتسمية (ذكر الله بقراءة القرآن) تلاوة اصطلاح حادث، وإلا فالذكر يشمل هذا وهذا، بل إن أولى الذكر وأشرفه ما كان قراءة لكتابه.\nفإذا كانت الغاية من مس المصحف هو القراءة، ولا تجب لها الطهارة بالإجماع، فمس المصحف التي هي وسيلة له لا تجب كذلك. فإذا لم تجب الطهارة في الغاية لم تجب في وسيلته، خاصة إذا كانت الوسيلة غير مقصودة لذاتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3985>الدليل الخامس:</span>\nإذا كان مس المصحف بالعصا جائزًا، أو من وراء حائل، فمسه باليد مثله أو أولى؛ لأن يد المسلم طاهرة.\n(١٧٧٣ - ٢٣٤) لما رواه مسلم، قال رحمه الله تعالى: حدثني زهير بن حرب وأبو كامل ومحمد بن حاتم، كلهم عن يحيى بن سعيد، قال زهير: حدثنا يحيى، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم،\nعن أبي هريرة، قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: يا عائشة ناوليني الثوب، فقالت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك، فناولته (^٣).\nفإذا كانت الحيضة ليست في اليد، كانت اليد طاهرة.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٨٢).\n(^٢) رواه مسلم (٣٧٣).\n(^٣) رواه مسلم (٢٩٩).","vol":"8","page":451},{"text":"وإذا لبس المرء قفازًا جاز له مسه، فكيف يكون القفاز أطهر من يد المسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3986>الدليل السادس:</span>\n(١٧٧٤ - ٢٣٥) استدلوا بما جاء في حديث أبي سفيان الطويل في كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل الروم،\nفقد روى البخاري من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره،\nأن أبا سفيان بن حرب أخبره، أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، وفي آخر الحديث: قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و(قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ٦٤]، الحديث قطعة من حديث طويل. ورواه مسلم (^١).\nقال ابن حزم: «فإن قالوا: إنما بعث رسول الله ﷺ إلى هرقل آية واحدة، ولم يمنع ﷺ من غيرها، وأنتم أهل قياس، فإن لم تقيسوا على هذه الآية ما هو أكثر منها، فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها» (^٢).\nوكون الرسول ﷺ بعث بهذه الآية القرآنية الكاملة إلى الكفار، وهم يجمعون\n_________\n(^١) البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣).\n(^٢) المحلى (مسألة: ١١٦).","vol":"8","page":452},{"text":"بين نجاستي الشرك والنجاسة الحسية، والحدث دليل على عدم اشتراط الطهارة لمس المصحف.\nوعندي أن هذا الاستدلال لا يسلم من النزاع.\nقال الحافظ في الفتح: «وقد أجيب ممن منع ذلك -وهم الجمهور- بأن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتب الفقه أو التفسير، فإنه لا يقصد منه التلاوة، ونص أحمد أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة في مصلحة التبليغ، وقال به كثير من الشافعية، ومنهم من خص الجواز في القليل، كآية وآيتين. قال النووي: لا بأس أن يعلم النصراني الحرف من القرآن عسى الله أن يهدي به» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3987>الدليل السابع:</span>\nإذا كان يجوز عند أكثر المانعين، إن لم يكن كلهم جواز مس الصبي اللوح المكتوب فيه القرآن، فالبالغ أولى؛ لأن الصبي قد لا يحافظ على طهارة يده كما يحافظ عليها البالغ المكلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3988>الدليل الثامن:</span>\nذكر ابن الجوزي في تفسيره، والشوكاني في النيل، وفي فتح القدير (^٢)، والقرطبي في تفسيره (^٣)، عن ابن عباس أنه يرى جواز مس المصحف للمحدث حدثًا أصغر، وذكر معه جماعة من التابعين كالشعبي وغيره، فإذا ثبت هذا عن ابن عباس، لم يصح دعوى إجماع الصحابة على ذلك، والله أعلم (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3989>الدليل التاسع:</span>\nأكثر المسلمين لا يحفظون القرآن، وإذا منعناهم من مس المصحف إلا على طهارة\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٥٣٧) ح ٣٠٥.\n(^٢) فتح القدير (٥/ ١٦٠).\n(^٣) تفسير القرطبي (١٧/ ٢٢٦).\n(^٤) ولم أقف على إسناده عن ابن عباس لأنظر فيه. والله أعلم.","vol":"8","page":453},{"text":"فإن طائفة كبيرة قد تحجم عن قراءته إما عجزًا في تحصيل الطهارة أو قد لا يكون الماء في المتناول، وإن لم يكن معدومًا، وما دامت الأدلة ليست بالقوية، وهي معارضة لأدلة أخرى، وحرصًا على تيسير قراءة القرآن لعموم المسلمين في كل الأوقات، فإن النفس قد يكون فيها حرج في إيجاب مثل هذا، نعم الطهارة عبادة عظيمة، وهي تكفر السيئات، وهي عبادة مقصودة لذاتها، كما أنها مشروعة بالإجماع لذكر الله، بل حرص الرسول ﷺ ألا يرد السلام إلا على طهارة، ولكن مع ذلك، فإن الجزم بالإيجاب أمر ليس بالسهل، ويخشى الإنسان أن يكون قد ضيق أمرًا فيه سعة، ولا نقول إلا اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، ويا معلم داود علمنا، اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه.\nوبعد تحرير هذا البحث، كانت هناك مذاكرة مع بعض المشايخ، بين لي فيها طريقًا آخر لمرسل عمرو بن حزم يرى أنه يتقوى به مرسل عمرو بن حزم.\n(١٧٧٥ - ٢٣٦) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، عن ابن المسيب، قال:\nقضى عمر بن الخطاب في الأصابع بقضاء، ثم أخبر بكتاب كتبه النبي ﷺ لآل حزم في كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل، فأخذ به وترك أمره الأول (^١).\n[رجاله ثقات إن ثبت سماع ابن المسيب له من عمر، وعلى تقدير أنه منقطع، فمرسلات ابن المسيب من أصح المراسيل، والله أعلم] (^٢).\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق (١٧٧٠٦).\n(^٢) اختلف في سماع سعيد من عمر،\nقال عبد الله بن وهب: سمعت مالكًا، وسئل عن سعيد بن المسيب، قيل: أدرك عمر؟ قال: لا، ولكنه ولد في زمان عمر، فلما كبر أكب على المسألة عن شأنه وأمره حتى كأنه رآه. قال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره. تهذيب الكمال (١١/ ٧٤).\nوقال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: سعيد بن المسيب قد رأى عمر، وكان صغيرًا. قلت ليحيى: يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر؟ قال يحيى: ابن ثمان سنين يحفظ شيئًا. المرجع السابق.\nوقال إسحاق بن منصور: قلت ليحيى بن معين: يصح لسعيد بن المسيب سماع من عمر؟ قال: لا. المراسيل - ابن أبي حاتم (ص: ٧١).\nوقال أبو حاتم الرزاي: سعيد بن المسيب عن عمر مرسل، يدخل في المسند على المجاز.\nوقال أيضًا: لا يصح سماع لسعيد بن المسيب عن عمر إلا رؤيته على المنبر ينعي النعمان بن مقرن. المرجع السابق.","vol":"8","page":454},{"text":"إلا أن هذا الحديث لم يحل المشكلة، فهو يثبت صحة كتاب عمرو بن حزم بالجملة، ولا يثبت ما ورد فيه من ألفاظ، ولو جاءت من طرق شديدة الضعف، خاصة أن هذا الأثر لم يعرج على مسألتنا، وهو ألا يمس القرآن إلا طاهر، والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3990>المبحث الثالث في سجود التلاوة والشكر من الحائض</span>\n[م-٧٤٠] اختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة لسجود التلاوة:\nفقيل: إن سجود الصلاة يشترط له ما يشترط للصلاة، من طهارة الحدث والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة.\nوهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: فتح القدير (٢/ ٦٠)، البناية (٧٣٨)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠٨) بدائع الصنائع (١/ ١٨٦)، تحفة الفقهاء (١/ ٢٣٦). وقال السرخسي في المبسوط (٢/ ٥): «وليس على الحائض سجدة قرأت أو سمعت؛ لأن السجدة ركن من الصلاة، والحائض لا تلزمها الصلاة». اهـ\nوانظر في مذهب المالكية: الشرح الصغير (١/ ٥٦٧)، المعونة (١/ ٢٨٥)، التفريع (١/ ٢٧٠)، التاج والإكليل لمختصر خليل - المواق (٢/ ٦٠)، الثمر الداني (ص: ٢٢١)، الفواكه الدواني (١/ ٢٥٠، ٢٥١). وجاء في القوانين الفقهية (ص: ٦٢) «يمنع الحيض والنفاس اثني عشر شيئًا منها السبعة التي تمنعها الجنابة: وهي الصلوات كلها، وسجود التلاوة ومس المصحف ودخول المسجد ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\nوانظر في مذهب الشافعية: المهذب (٢/ ٩١)، مغني المحتاج (١/ ٢١٧)، الحاوي (٢/ ٢٠١)، المجموع (٤/ ٦٣).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (٢/ ٣٥٨)، الإنصاف (٢/ ١٩٣)، المبدع (٢/ ٢٧)، المستوعب (٢/ ٢٦٢).","vol":"8","page":456},{"text":"وقيل: لا تشترط الطهارة لسجود التلاوة، وهو مذهب ابن عمر (^١)، وابن المسيب، والشعبي (^٢)، واختيار ابن حزم (^٣)، وابن تيمية (^٤)، وابن القيم (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3991> دليل الجمهور على اشتراط الطهارة:</span>\nقالوا: إن السجود صلاة، وقد جاء في الشرع إطلاق السجود على الصلاة، فهذا دليل على أن له حكم الصلاة،\n(١٧٧٦ - ٢٣٧) فقد روى البخاري من طريق عبيد الله، قال: أخبرني نافع،\nعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صليت مع رسول الله ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء - زاد مسلم والجمعة - ففي بيته (^٦).\n(١٧٧٧ - ٢٣٥) وروى البخاري من حديث حفصة أن النبي ﷺ كان يصلي سجديتن خفيفتين بعد ما يطلع الفجر (^٧).\n_________\n(^١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، في كتاب سجود سجود القرآن، باب (٥) سجود المسلمين مع المشركين، وسيأتي نصه قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^٢) قال ابن قدامة في المغني (٢/ ٣٥٨): «يشترط لسجود التلاوة ما يشترط من الطهارتين من الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة والنية، لا نعلم خلافًا إلا ما روي عن عثمان بن عفان ﵁ في الحائض تسمع السجدة تومئ برأسها، وبه قال سعيد ابن المسيب، قال: ويقول: اللهم لك سجدت، وعن الشعبي فيمن سمع السجدة على غير وضوء يسجد حيث كان وجهه». اهـ\n(^٣) قال ابن حزم في المحلى (٥/ ١٦٥) «وأما سجودها على غير وضوء، وإلى غير القبلة كيف ما يمكن فلأنها ليست صلاة، وقد قال ﵇: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فما كان أقل من ركعتين فليس صلاة إلا أن يأتي نص بأنه صلاة كركعة الخوف والوتر وصلاة الجنازة، ولا نص في أن سجدة التلاوة صلاة». اهـ\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٦٥).\n(^٥) تهذيب السنن (١/ ٥٥).\n(^٦) صحيح البخاري (١١٧٢)، ومسلم (٧٢٩).\n(^٧) صحيح البخاري (١١٧٣)، وهو في مسلم (٧٢٣) بغير هذا اللفظ.","vol":"8","page":457},{"text":"فلو لم يكن السجود صلاة ما أطلق السجود على الصلاة، وإذا كان السجود صلاة.\n(١٧٧٨ - ٢٣٨) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال:\nدخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول وكنت على البصرة (^١).\n• وأجيب عن ذلك:\nقال ابن حزم في المحلى: «لا يكون بعض الصلاة صلاة إلا إذا تمت كما أمر بها المصلي، ولو أن امرأ كبر وركع، ثم قطع عمدًا لما قال أحد من أهل الإسلام إنه صلى شيئًا، بل يقولون كلهم إنه لم يصل، فلو أتمها ركعة في الوتر، أو ركعتين في الجمعة والصبح والسفر والتطوع لكان قد صلى بلا خلاف، ثم نقول لهم: إن القيام بعض الصلاة، والتكبير بعض الصلاة وقراءة أم القرآن بعض الصلاة فيلزمكم على هذا أن لا تجيزوا لأحد أن يقوم، ولا أن يكبر، ولا أن يقرأ أم القرآن، ولا يجلس، ولا يسلم إلا على وضوء، فهذا ما لا يقولونه، فبطل احتجاجهم. وبالله تعالى التوفيق» (^٢).\nوقال ابن القيم: «قياسه على الصلاة ممتنع لوجهين:\nأحدهما: أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع؛ إذ لا قراءة فيه، ولا ركوع، ولا فرضًا ولا سنة ثابتة بالتسليم، ويجوز أن يكون القارئ خلف الإمام فيه، ولا مصافة فيه، وليس إلحاق محل النزاع بصورة الاتفاق أولى من إلحاقه بصورة الافتراق.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٢٤).\n(^٢) المحلى (١/ ١٠٦).","vol":"8","page":458},{"text":"الثاني: أن هذا القياس إنما يمتنع لو كان صحيحًا إذا لم يكن المقيس قد فعل في عهد النبي ﷺ، ثم تقع الحادثة، فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده ﷺ من الحوادث أو شملها نصه، وأما مع سجوده وسجود أصحابه، وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقييد بوضوء، فيمتنع التقييد به» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3992><span data-type=\"title\" id=toc-3995>الدليل الثاني:</span></span>\nقال القرطبي: «لا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حدث ونجس إلا ما ذكره البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يسجد على غير طهارة، وذكره ابن المنذر عن الشعبي» (^٢).\n• ويجاب عن ذلك:\nأولًا: أن الصواب لا يعرف بالكثرة، ومع ذلك فهو معارض بما قاله ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن بأن القول بعدم اشتراط الطهارة هو قول كثير من السلف حكاه عنهم ابن بطال في شرح البخاري (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3993> دليل من قال: لا تشترط الطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3994>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل الموجب للطهارة. والأصل براءة الذمة حتى يرد دليل عليها.\nالدليل الثاني:\n(١٧٧٩ - ٢٣٩) ما رواه البخاري، من طريق أيوب، عن عكرمة،\nعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب السنن (١/ ٥٥).\n(^٢) تفسير القرطبي (٧/ ٣٥٨).\n(^٣) تهذيب السنن (١/ ٥٥).\n(^٤) صحيح البخاري (١٠٧١).","vol":"8","page":459},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال الحافظ ابن حجر: «بأنه يبعد في العادة أن يكون جميع من حضر من المسلمين كانوا عند قراءة الآية على وضوء؛ لأنهم لم يتأهبوا لذلك، وإذا كان كذلك فمن بادر منهم إلى السجود خوف الفوت بلا وضوء، وأقره النبي ﷺ على ذلك استدل بذلك على جواز السجود بلا وضوء عند وجود المشقة بالوضوء، ويؤيده أن لفظ المتن: (وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) فسوى ابن عباس في نسبة السجود بين الجميع، وفيهم من لا يصح منه الوضوء، فيلزم أن يصح السجود ممن كان بوضوء وممن لم يكن بوضوء. والله أعلم» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3996>الدليل الثالث:</span>\n(١٧٨٠ - ٢٤٠) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يقرأ السجدة، ونحن عنده، فيسجد، ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعًا يسجد عليه. ورواه مسلم (^٢).\nقال ابن القيم: «المسلمون الذين سجدوا معه ﷺ لم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالطهارة، ولا سألهم هل كنتم متطهرين أم لا؟ ولو كانت الطهارة شرطًا فيه للزم أحد الأمرين:\nإما أن يتقدم أمره لهم بالطهارة.\nوإما أن يسألهم بعد السجود؛ ليبين لهم الاشتراط، ولم ينقل مسلمٌ واحدًا منهما ... ولقد كان النبي ﷺ يقرأ عليهم القرآن في المجامع كلها، ومن البعيد جدًا أن يكون كلهم إذ ذاك على وضوء، وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضهم مكانًا لجبهته، ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضئ وغيره.\n_________\n(^١) فتح الباري (٢/ ٧٠٥) ح ١٠٧١.\n(^٢) صحيح البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥).","vol":"8","page":460},{"text":"فإن قيل: لعل الوضوء تأخرت مشروعيته عن ذلك، وهذا جواب بعض الموجبين.\nقيل: الطهارة شرعت للصلاة من حين البعث، ولم يصل قط إلا بطهارة، أتاه جبريل فعلمه الطهارة والصلاة» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3997>الدليل الرابع:</span>\n(١٧٨١ - ٢٤١) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية،\nعن علي، عن النبي ﷺ: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم (^٢).\n[حسن] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3998>الدليل الخامس:</span>\n(١٧٨٢ - ٢٤٢) قال البخاري ﵀ في صحيحه: وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يسجد على غير وضوء (^٤).\nقال ابن تيمية: «كان ابن عمر يسجد على غير وضوء، ومن المعلوم أنه لو كان النبي ﷺ بين لأصحابه أن السجود لا يكون إلا على وضوء لكان هذا مما يعلمه عامتهم؛ لأنهم كانوا يسجدون معه، وكان هذا شائعًا في الصحابة، فإذًا لم يعرف عن أحد منهم أنه أوجب الطهارة لسجود التلاوة، وكان ابن عمر من أعلمهم وأفقههم وأتبعهم للسنة، وقد بقي إلى آخر الأمر، ويسجد للتلاوة على غير طهارة، كان هذا مما يبين أنه لم يكن معروفًا بينهم أن الطهارة واجبة لها، ولو كان هذا مما أوجبه النبي ﷺ\n_________\n(^١) تهذيب السنن (١/ ٥٤).\n(^٢) سنن الترمذي (٣).\n(^٣) انظر تخريجه في المجلد التاسع، رقم (١٨٥٩).\n(^٤) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، في كتاب سجود سجود القرآن، باب (٥) سجود المسلمين مع المشركين.","vol":"8","page":461},{"text":"لكان ذلك شائعًا بينهم كشياع وجوب الطهارة للصلاة وصلاة الجنازة. وابن عمر لم يعرف أن غيره من الصحابة أوجب الطهارة فيها، ولكن سجودها على طهارة أفضل باتفاق المسلمين». إلخ كلامه ﵀ (^١).\nهذا فيما يتعلق الكلام بسجود التلاوة، والراجح فيه أن الطهارة ليست بشرط كما تبين لنا من خلال الأدلة.\nأما سجود الشكر: وهو السجود الذي سببه شكر الله ﷾ عند تجدد النعم أو اندفاع النقم، فالخلاف في اشتراط الطهارة له كالخلاف في سجود التلاوة، بل هو أضعف؛ لأن سجود الشكر مختلف في مشروعيته بين الفقهاء كما سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى في بحث صلاة التطوع، بخلاف سجود التلاوة فإنه مشروع بالإجماع.\nفالمشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢)، أن سجود الشكر يشترط له ما يشترط للصلاة من الطهارة واستقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة.\nواختار بعض المالكية بأنه لا تشترط له الطهارة، مع أن المالكية مختلفون في حكمه، فأكثرهم على أن سجود الشكر مكروه. واختار بعضهم أنه جائز (مباح) (^٣).\nوكونه لا تشترط له الطهارة، هو اختيار ابن تيمية (^٤).\n• أدلة من قال بوجوب الطهارة:\nأدلتهم في اشتراط الطهارة لسجود الشكر هو عين أدلتهم في سجود التلاوة من كونه يطلق السجود ويراد به الصلاة؛ ولأنه ركن في الصلاة، وبعض الصلاة صلاة،\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢١/ ٢٧٨).\n(^٢) انظر في مذهب الشافعية: المجموع (٢/ ٧٩)، (٤/ ٥٨ - ٦٢)، روضة الطالبين (١/ ٣٢١، ٣٢٥)، مغني المحتاج (١/ ٢١٤)، نهاية المحتاج (٢/ ٩٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٤٤٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٥٢، ٢٥٤)، الكافي (١/ ١٥٨، ١٦٠).\n(^٣) الشرح الصغير (١/ ٤٢٢)، مواهب الجليل (٢/ ٦٠)، منح الجليل (١/ ٣٣٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٧٧).","vol":"8","page":462},{"text":"وقياسًا على سجود السهو .. إلخ أدلتهم التي ذكرنها هناك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3999> دليل من لم يشترط الطهارة:</span>\nعللوا ذلك مع كونه لم يرد الأمر بالطهارة له، ولم يأمر النبي ﷺ أصحابه بالطهارة له فإن الأخبار السارة قد تأتي بغتة للعبد، وهو على غير طهارة، فلو تراخى حتى يتطهر لفاتت المناسبة، وهذا هو الراجح، والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4000>الفصل الثاني في أحكام الحائض من حيث الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4001>المبحث الأول تحرم الصلاة من الحائض ولا يستحب لها القضاء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• سقوط الواجبات عن المكلف، ووجوب قضائها متلقى من جهة الشارع، لا دخل للقياس فيه.\n[م-٧٤١] يحرم على الحائض فعل الصلاة ولا يستحب لها أن تقضي، هذا قول العلماء من السلف والخلف (^١).\nوخالف في ذلك بعض الخوارج، فقالوا بوجوب القضاء على الحائض (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٢)، تبيين الحقائق (١/ ٥٦). مقدمات ابن رشد (١/ ٩٦)، بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ٥٩)، وقال: «اتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء: أحدها: فعل الصلاة ووجوبها ... وذكر الباقي. وانظر الوسيط - الغزالي (١/ ٤٢٠)، المجموع (٢/ ٣٦٧)، الإقناع (١/ ١/٦٣)، الكافي - ابن قدامة (١/ ٧٢).\n(^٢) بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ٦٠)، البحر الرائق (١/ ٢٠٤).","vol":"8","page":464},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4002> أدلة من قال: لا تصلي الحائض ولا تقضي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4003>أما الأدلة على كونها لا تصلي فكثيرة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4004>الدليل الأول:</span>\n(١٧٨٣ - ٢٤٣) روى البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله،\nعن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى -أو فطر- إلى المصلى فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن، فإني أريتكم أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها، وأخرجه مسلم (^١).\n(١٧٨٤ - ٢٤٤) وأخرج مسلم نحوه من حديث عبد الله بن عمر (^٢).\n(١٧٨٥ - ٢٤٥) وروى البخاري من طريق أبي معاوية، قال: حدثنا هشام ابن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\nقال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٧٩).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٢٥).","vol":"8","page":465},{"text":"وأخرجه مسلم، دون قوله، قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة .. إلخ (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة)، فإنه نص صريح لوجوب ترك الصلاة زمن الحيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4005>الدليل الثاني:</span>\nالإجماع .. حكاه كثير من أهل العلم.\nقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على إسقاط فرض الصلاة عن الحائض في أيام حيضها» (^٢).\nوقال ابن عبد البر تعليقًا على حديث: فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة .. قال: «وهذا نص صحيح في أن الحائض تترك الصلاة ليس عن النبي ﷺ في هذا الباب أثبت من جهة نقل الآحاد العدول والأمة مجمعة على ذلك» ثم قال: «وما أجمع المسلمون عليه فهو الحق، والخير القاطع للعذر.\nوقال الله ﷿: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ١١٥]، والمؤمنون هنا: الإجماع؛ لأن الخلاف لا يكون معه اتباع غير سبيل المؤمنين، لأن بعض المؤمنين مؤمنون، وقد اتبع المتبع سبيلهم، وهذا واضح يغني عن القول فيه» (^٣).\nوقال النووي: «أجمعت الأمة على أنه يحرم عليها الصلاة فرضها ونفلها، وأجمعوا على أنه يسقط عنها فرض الصلاة، فلا تقضي إذا طهرت.\nقال أبو جعفر ابن جرير في كتابه اختلاف الفقهاء: «أجمعوا على أن عليها اجتناب\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٣٣).\n(^٢) الأوسط (٢/ ٢٠٢).\n(^٣) التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٥١٤، ٥١٥).","vol":"8","page":466},{"text":"كل الصلوات وأنها إن صلت أو صامت، أو طافت لم يجزها ذلك عن فرض أو نفل كان عليها» (^١).\nوقال النووي في شرح مسلم: «أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا تجب عليها الصلاة ولا الصوم في الحال» (^٢).\nونقل الإجماع القرطبي في المفهم شرح مسلم (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4006> وأما الأدلة على كون الحائض لا تقضي الصلاة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4007>الدليل الأول:</span>\n(١٧٨٦ - ٢٤٦) ما أخرجه البخاري من طريق قتادة، قال: حدثتني معاذة،\nأن امرأة قالت لعائشة: أتجزئ إحدانا صلاتها إذا طهرت. فقالت: أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله (^٤).\nقولها: فلا يأمرنا به. قال ابن حجر في الفتح: «عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال على عدم الوجوب لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء، والله أعلم» (^٥).\nلكن قال ابن رجب: «نساء النبي ﷺ إذا كن يحضن في زمانه فلا يقضين الصلاة إذا طهرن فإنما يكون ذلك بإقرار النبي ﷺ على ذلك، وأمره به. فإن مثل هذا لا يخفى عليه، ولو كان القضاء واجبًا عليهن لم يهمل ذلك، وهو لا يغفل عن مثله لشدة اهتمامه بأمر الصلاة» (^٦).\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٢/ ٣٨٣، ٣٨٤).\n(^٢) شرح مسلم (١/ ٦٣٧).\n(^٣) المفهم (١/ ٢٧٠)\n(^٤) صحيح البخاري (٣٢١).\n(^٥) فتح الباري (١/ ٥٦١) ح ٣٢١.\n(^٦) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٣٣).","vol":"8","page":467},{"text":"(١٧٨٧ - ٢٤٧) قلت: قد رواه مسلم من طريق معمر عن عاصم\nعن معاذة، قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4008>الدليل الثاني:</span>\nالإجماع، قال ابن رجب: «وقد حكى غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة، وأنهم لم يختلفوا في ذلك، منهم الزهري، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وغيرهم» (^٢).\nوقال الترمذي في السنن: وقد روي عن عائشة من غير وجه، أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء، لا اختلاف بينهم، في أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة (^٣).\nوقال ابن حزم: ولا تقضي الحائض إذا طهرت شيئًا من الصلاة التي مرت في أيام حيضها، وتقضي صوم الأيام التي مرت بها في أيام حيضها، وهذا نص مجمع لا يختلف فيه أحد (^٤).\n(١٧٨٨ - ٢٤٨) وروى عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: قلت له: أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا، ذلك بدعة.\n[صحيح] (^٥).\n(١٧٨٩ - ٢٤٩) وروى عبد الرزاق، قال: عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٦٩ - ٣٣٥)\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٣١)\n(^٣) سنن الترمذي (١/ ٢٣٥).\n(^٤) المحلى، مسألة (٢٥٧).\n(^٥) المصنف (١٢٧٥).","vol":"8","page":468},{"text":"عكرمة قال: سئل أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا، ذلك بدعة.\n[رجاله ثقات] (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4009> دليل من ذهب إلى وجوب قضاء الصلاة من الخوارج:</span>\nوبالرغم من أن هذا الخلاف شاذ، ولا يعتد به، إلا أني ما سقت دليلهم إلا لبيان باطلهم، من ردهم السنة الصحيحة، وتحكيم العقل في أمور الشرع.\nقال ابن حجر: «من أصولهم المتفق عليها بينهم -يعني الخوارج- الأخذ بما دل عليه القرآن، ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقًا» (^٢).\nوخاب وخسر من رد السنة بالقرآن، وقد نزل القرآن باتباع السنة:\nقال سبحانه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: ٧].\nوقال سبحانه: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨٠].\nوكيف يصلي الإنسان؟ وكيف يؤدي زكاته؟ لولا أن بيان ذلك جاء في السنة. فليس في كتاب الله إلا الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.\n(١٧٩٠ - ٢٥٠) وأما ما روى أبو داود، قال ﵀: حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا محمد بن حاتم -يعني حِبِّي- حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن نافع، عن كثير بن زياد، قال: حدثتني الأزدية -يعني: مُسَّة- قالت: حججت فدخلت على\nأم سلمة، فقلت: يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة المحيض.\nفقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ لقضاء صلاة النفاس (^٣).\n_________\n(^١) المصنف (١٢٧٦)\n(^٢) فتح الباري (١/ ٥٦٠) ح ٣٢١.\n(^٣) سنن أبي داود (٣١٢).","vol":"8","page":469},{"text":"[ضعيف] (^١).\nقال ابن رجب في شرحه للبخاري: في سنن أبي داود بإسناد فيه لين أن سمرة بن جندب كان يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض (^٢).\nوإذا كان الإسناد ضعيفًا فلا يثبت هذا إن شاء الله عن سمرة، ولو ثبت فليس لأحد حجة بعد كلام رسول الله ﷺ.\nقال ابن حجر تعليقًا على قول البخاري (^٣): لا تقضي الحائض الصلاة.\nقال الحافظ: «نقل ابن المنذر، وغيره إجماع العلماء على ذلك، وروى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهري عنه، فقال: اجتمع الناس عليه، وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبونه، وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة، لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب، كما قاله الزهري، وغيره» (^٤).\nوربما استدل بعض الخوارج بالقياس على وجوب قضاء الصوم، فإذا كانت تؤمر بقضاء الصوم فكذلك الصلاة فإنها من أهل التكليف.\nوهذا قياس في مقابلة النص، فيكون فاسدًا.\nفقد أخرج البخاري تعليقًا في صيغة الجزم، قال البخاري: «وقال أبو الزناد: إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي فما يجد المسلمون بدًا من اتباعها، من ذلك أن الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة» (^٥).\n_________\n(^١) وهذا إسناده فيه ضعف. من أجل مسة الأزدية، روى عنها كثير بن زياد، قال ابن حجر في التهذيب: ذكر الخطابي وابن حبان أن الحكم بن عتيبة روى عنها أيضًا. وذكرها الذهبي في المجهولات في الميزان، ونقل عن الدارقطني قوله فيها: لا يحتج بها. انظر الكلام على هذا الحديث بالتفصيل، في النفاس، في بحث: أكثر النفاس.\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٣٤).\n(^٣) في كتاب الحيض باب (٢٠).\n(^٤) فتح الباري (١/ ٥٥٩).\n(^٥) في كتاب الصوم باب (٤١).","vol":"8","page":470},{"text":"وقوله: على خلاف الرأي، يقصد به في بادي الرأي، وإلا فالشرع\nلا يخالف العقل إذا كان النظر صحيحًا، لكن العقل عاجز عن إدراك الحكمة في كل أوامر الله، وإلا فالله لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة وهو الحكيم العليم.\nوقال العلامة أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على سنن الترمذي: «وأمر الحائض بقضاء الصوم وترك أمرها بقضاء الصلاة، إنما هو تعبد صرف لا يتوقف على معرفة حكمته، فإن أدركناها فذاك، وإلا فالأمر على العين والرأس، وكذلك الشأن في جميع أمور الشريعة، لا كما يفعل الخوارج، ولا كما يفعل كثير من أهل هذا العصر، يريدون أن يحكموا عقولهم في كل شأن من شؤون الدين، فما قبلته قبلوه، وما عجزت عن فهمه وإدراكه أنكروه وأعرضوا عنه، وشاعت هذه الآراء المنكرة بين الناس، وخاصة المتعلمين منهم، حتى ليكاد أكثرهم يعرض عن كثير من العبادات، وينكر أكثر أحكام الشريعة في المعاملات اتباعًا للهوى، ويزعمون أن هذا هو ما يسمونه روح التشريع، أو حكمة التشريع، وإنه ليخشى على من يذهب هذا المذهب الرديء أن يخرج من ساحة الإسلام المنيرة إلى ظلام الكفر والردة، والعياذ بالله من ذلك، ونسأل الله ﷾ أن يعصمنا باتباع الكتاب والسنة، والاهتداء بهديهما» (^١).\nوقد تلمس بعض العلماء الحكمة من التفريق بين الصلاة والصيام،\nقال ابن رجب: «وقد فرق كثير من الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي بين قضاء الصوم والصلاة بأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات، والحيض لا تخلو منه كل شهر غالبًا، فلو أمرت الحائض بقضاء الصلاة مع أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذلك عليها، بخلاف الصيام فإنه إنما يجيء مرة واحدة في السنة فلا يشق قضاؤه.\n_________\n(^١) شرح سنن الترمذي (١/ ٢٣٥).","vol":"8","page":471},{"text":"ومنهم من قال: جنس الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام الطهر، فيغني ذلك عن قضاء ما تركته منها في الحيض بخلاف صيام رمضان فإنه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها، فإذا طهرت الحائض أمرت بقضاء ما تركته أيام حيضها لتأتي بتمام عدته المفروضة في السنة كما يمر بذلك من أفطر لسفر أو مرض (^١).\nهذا فيما يتعلق بالصلاة وحكم قضائها.\n* * *\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٣٤).","vol":"8","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4010>المبحث الثاني في جلوس الحائض في مصلاها تذكر الله بقدر الصلاة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• العبادات مبناها على التوقيف، وليس على الاستحسان المصادم للنص.\n• تسقط الصلاة عن الحائض إلى غير بدل، ومن شرع لها عبادة بدلًا عن الصلاة فقد ابتدع.\n• العبادات مبناها على التوقيف وليس على الرأي المحض.\n[م-٧٤٢] قال النووي: مذهبنا ومذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح، ولا ذكر في أوقات الصلوات، ولا في غيرها، وممن قال بهذا الأوزاعي ومالك، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور، حكاه عنهم ابن جرير (^١).\nوقيل: يستحب لها ذلك، وهذا مذهب الحنفية، واختاره جماعة من السلف (^٢).\n_________\n(^١) في المجموع (٢/ ٣٨٠).\n(^٢) جاء في البحر الرائق (١/ ٢٠٣): «وأما أئمتنا فقالوا: إنه يستحب لها أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وتقعد على مصلاها تسبح، وتهلل، وتكبر».\nوقال أيضًا: وصحح في الظهيرية أنها تجلس مقدار أداء فرض الصلاة كيلا تنسى العبادة. ...\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٧٣٥٠)، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، قال: سمعته يقول في الحائض: تتوضأ عند كل صلاة وتذكر الله. وإسناده صحيح.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف -تحقيق عوامة- (٧٣٤٣) من طريق عبد الملك، عن عطاء، أنه كان يقول في الحائض: تنظف، وتتخذ مكانًا في مواقيت الصلاة، وتذكر الله فيه.\nوإسناده صحيح، وعبد الملك هو ابن أبي سليمان العرزمي. اهـ\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ١٣٠): «وقد استحب طائفة من السلف أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفروضة، وتستقبل القبلة، وتذكر الله ﷿ بمقدار تلك الصلاة، منهم الحسن، وعطاء، وأبو جعفر محمد بن علي، وهو قول إسحاق، وروي عن عقبة بن عامر أنه كان يأمر الحائض بذلك وأن تجلس بفناء مسجدها، خرجه الجوزجاني. وقال مكحول: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن».\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف -تحقيق عوامة- (٧٣٤٩) من طريق جابر، عن أبي جعفر، قال: إنا لنأمر نساءنا في الحيض أن يتوضأن في وقت كل صلاة، ثم يجلسن، ويسبحن، ويذكرن الله. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه جابر الجعفي متروك الحديث.","vol":"8","page":473},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4011> دليل من استحب لها الذكر وقت الصلاة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4012>الدليل الأول:</span>\n(١٧٩١ - ٢٥١) روى ابن خزيمة في صحيحه من طريق أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم، عن أبي سفيان طلحة بن نافع،\nعن عبد الله بن عباس، قال: كان النبي ﷺ وعد العباس ذودًا من الإبل، فبعثني إليه بعد العشاء وكان في بيت ميمونة بنت الحارث، فنام رسول الله ﷺ فتوسدت الوسادة التي توسدها رسول الله ﷺ، فبت عنده، وكانت ليلة ميمونة بنت الحارث، فنام النبي ﷺ غير كثير، فتوسدت التي توسدها رسول الله ﷺ، فنام النبي ﷺ غير كبير أو كثير، ثم قام ﵇ فتوضأ، فأسبغ الوضوء، وأقل هراقة الماء، ثم افتتح الصلاة الصلاة، فقمت فتوضأت، فقمت عن يساره، وأخلف بيده فأخذ بأذني فأقامني عن يمينه، فجعل يسلم من كل ركعتين، وكانت ميمونة حائضًا، فقامت فتوضأت، ثم قعدت خلفه تذكر الله (^١).\n_________\n(^١) مسند الشاميين (٧٣٤، ٧٣٧).","vol":"8","page":474},{"text":"[منكر تفرد به أيوب بن سويد الرملي، وقد رواه جماعة في الصحيحين، وليس فيه ما فعلته ميمونة ﵂] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4013>الدليل الثاني:</span>\n(١٧٩٢ - ٢٥٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني خالد ابن يزيد الصدفي، عن أبيه،\nعن عقبة بن عامر أنه كان يأمر المرأة الحائض في وقت الصلاة أن تتوضأ وتجلس\n_________\n(^١) الحديث أخرجه ابن خزيمة (١٠٩٣) وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٩٥) حدثنا إبراهيم بن منقذ بن عبد الله الخولاني.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ١٣٥) وفي مسند الشاميين (٧٣٤) من طريق محمد بن سماعة الرملي،\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٣٥) في الأوسط (٧٢٢٩) من طريق محمد بن أبان البلخي، ثلاثتهم عن أيوب بن سويد الرملي به.\nوفي إسناده: أيوب بن سويد الرملي.\nضعفه أحمد، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث. الكامل (١/ ٣٥٩)، الضعفاء للعقيلي (١/ ١١٣)، تهذيب التهذيب (١/ ٣٥٤).\nوفيه أيضًا: عتبة بن أبي حكيم.\nوثقه يحيى بن معين، كما في رواية الدوري. تهذيب التهذيب (٦/ ٨٧). الكامل (٥/ ٣٥٧).\nوقال مرة: ضعيف الحديث. كما في رواية ابن أبي خيثمة. الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٠).\nوقال أيضًا: والله الذي لا إله إلا هو إنه لمنكر الحديث. كما في رواية أبي داود عنه تهذيب الكمال (١٩/ ٣٠٠).\nوضعفه النسائي. وقال مرة: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (٦/ ٨٧).\nوقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. الكامل (٥/ ٣٥٧).\nوقال أبو حاتم: كان أحمد يوهنه قليلًا.\nوقال أبو حاتم أيضًا: صالح، لا بأس به.\nوقال ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ١٣٢): «وهذا غريب جدًّا، وأيوب بن سويد الرملي ضعيف».\nوالحديث في البخاري (١٣٨) وفي صحيح مسلم (٧٦٣) من حديث ابن عباس، وقصة أنه بات عند خالته ميمونة، وصلاته مع رسول الله ﷺ في صلاة الليل، وقيامه عن يسار النبي ﷺ وأخذ النبي ﷺ بإذن ابن عباس حتى جعله عن يمينه، وليس فيه قيام ميمونة خلف النبي ﷺ.","vol":"8","page":475},{"text":"بفناء المسجد، وتذكر الله وتهلل وتسبح (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوالحق أن استحباب ذلك بدعة.\nقال ابن رجب: «وأنكر ذلك أكثر العلماء، وقال أبو قلابة: قد سألنا عن هذا فما وجدنا له أصلًا.\nوقال سعيد بن عبد العزيز: ما نعرف هذا ولكننا نكرهه.\nوقال ابن عبد البر: على هذا القول جماعة الفقهاء، وعامة العلماء في الأمصار» (^٣).\nوقول أبي قلابة الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب. قد رواه ابن أبي شيبة، قال ﵀:\n(١٧٩٣ - ٢٥٣) حدثنا معتمر، عن أبيه، قال: قيل لأبي قلابة: الحائض تسمع الأذان فتوضأ، وتكبر، وتسبح؟ قال: قد سألنا عن ذلك فما وجدنا له أصلًا.\n[صحيح] (^٤).\n(١٧٩٤ - ٢٥٤) وروى ابن أبي شيبة، قال ﵀: حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، قال: سألت الحكم وحمادًا فكرهاه (^٥).\nولسنا نمنع الحائض من ذكر الله تعالى، فإن ذكر الله مستحب في كل حين، لكن استحبابه على هذه الصفة بدعة.\nفأولًا: أين الدليل على مشروعية الوضوء للحائض؟\n_________\n(^١) المصنف (٧٣٤٨)، وأخرجه الدارمي (٩٧٣) من طريق سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني خالد بن يزيد الصدفي به.\n(^٢) في إسناده خالد بن يزيد، وأبوه لم أقف لهما على ترجمة.\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٣٠).\n(^٤) المصنف - ابن أبي شيبة (١/ ١٢٨) رقم ٧٢٦٦.\n(^٥) المصنف (١/ ١٢٨) رقم ٧٢٦٨.","vol":"8","page":476},{"text":"قال النووي: «إذا قصدت الطهارة تعبدًا مع علمها بأنها لا تصح فتأثم بهذا، لأنها متلاعبة بالعبادة، فأما إمرار الماء عليها بغير قصد العبادة فلا تأثم به بلا خلاف. وهذا كما أن الحائض إذا أمسكت عن الطعام بقصد الصوم أثمت، وإن أمسكت بلا قصد لم تأثم» (^١).\nثانيًا: لا يكفي أن يكون أصل العبادة مشروعًا، حتى يكون فعلها مشروعًا في وقت مخصوص. فكل من تحرى وقتًا معينًا في أداء عبادة معينة، فإن كان هناك دليل على تحريه هذا الوقت وإلا كان تحريه لها بدعة، ولا يشفع له أن أصلها مشروع. فنقول في مسألتنا هذه:\nأين الدليل على تحريها للذكر أوقات الصلاة؟\nبل تذكر الله في غير أوقات الصلوات من الذكر المطلق والمقيد، ولا يكون ذلك بسبب الحيض، بل لأن ذكر الله مشروع في كل وقت.\n(١٧٩٥ - ٢٥٥) قال رسول الله ﷺ لعائشة حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري (^٢).\nوقوله: (افعلي ما يفعل الحاج) دخل فيه جميع ما يفعله الحجاج من ذكر الله، فإنها تقف بعرفة وتدعو هناك وتذكر الله، وتقف في المشعر الحرام، وتذكر الله هناك، وترمي الجمرات، وتذكر الله بعد رمي الجمرة الأولى والوسطى، فهي ليست ممنوعة من ذكر الله، لكن استحبابه على صفة مخصوصة يحتاج إلى دليل.\nنعم جاء لها ذكر معين من الممكن أن يكون من الذكر المقيد.\n(١٧٩٦ - ٢٥٦) فقد روى البخاري من طريق عاصم، عن حفصة،\nعن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها،\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٣٨٢).\n(^٢) رواه البخاري (٣٠٥) ومسلم أيضًا.","vol":"8","page":477},{"text":"حتى تخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. وهو في مسلم، دون قوله: ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٩٧١)، مسلم (٨٩٠).","vol":"8","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4014>المبحث الثالث في احتساب أجر الصلاة للحائض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الحائض ليست مكلفة في الصلاة، وتأثم بالتعبد بها، وإذا أثيبت فإنما تثاب على الامتثال بترك الصلاة، لا على اعتبارها في حكم المصلي.\n[م-٧٤٣] قال الحافظ في الفتح: الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض، لكنها ناقصة عن المصلي، وهل تثاب على هذا الترك لكونها مكلفة به كما يثاب المريض على النوافل التي كان يعملها في صحته وشغل بالمرض عنها؟\nقال النووي: الظاهر أنها لا تثاب. والفرق بينها وبين المريض أنه كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهلية، والحائض ليست كذلك وعندي (أي عند الحافظ ابن حجر) في كون هذا الفرق مستلزمًا لكونها لا تثاب - وقفة» (^١).\nوقيل: تثاب الحائض على ترك ما حرم عليها من العبادات إذا نوت الامتثال بالترك لا على العزم على الفعل لولا الحيض (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري في شرح حديث (٣٠٤).\n(^٢) انظر حاشية القليوبي (١/ ٩٩).","vol":"8","page":479},{"text":"والذي يظهر -والله أعلم- أنها لا تعطى ثواب المصلي؛ وفرق بينها وبين المريض؛ لأن المريض مكلف بالأداء لولا العجز، ولذلك لو تحامل على نفسه وصلى، قبلت صلاته، ولم يفعل محرمًا، بينما الحائض ليست مكلفة في أداء الصلاة، أرأيت الإنسان حين لا يصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها، لا يقال: يعطى ثواب المصلي؛ لأنه إنما منع من قبل الشرع. نعم تثاب على كونها التزمت ذلك النهي من الشارع ثواب امتثال، لا ثواب أداء للصلاة، والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4015>المبحث الرابع في استحباب قضاء الصلاة للحائض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• هل سقوط القضاء عن الحائض سببه التخفيف عنها؛ لكثرة دوران الصلاة، ولهذا تقضي الصوم، فيكون سقوط الصلاة رخصة وليس عزيمة، والأخذ بالرخص ليس بواجب، أو أن سقوط القضاء عزيمة، وليس برخصة، ووجوب الصيام خارج عن القياس، فيحرم قضاء الصلاة عليها؟ الراجح الثاني.\n• السنة التركية كالسنة الفعلية، وقضاء الحائض للصلاة بدعة.\n• الأصل في العبادات المنع إلا بدليل.\n• الأصل أن من أمر بترك شيء لم يؤمر بقضائه إلا الصوم في حق الحائض والنفساء فإنه خارج عن الأصل.\n[م-٧٤٤] سبق أن ذكرنا أن العلماء مجمعون على أن القضاء لا يجب على الحائض، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الخوارج، وكون القضاء لا يجب عليها فهل تمنع من القضاء، لأن نفي الوجوب قد لا يستلزم نفي الاستحباب؟","vol":"8","page":481},{"text":"وقد وجدت قولين لأهل العلم ممن يقولون بان القضاء لا يجب:\nالقول الأول:\nأنه يحرم القضاء، ولا يجوز لها أن تفعله.\nجاء في الفروع لابن مفلح: «قيل لأحمد في رواية الأثرم: فإن أحبت أن تقضيها؟ قال: لا. هذا خلاف -يعني السنة- فظاهر النهي التحريم» (^١).\nثم إن السنة التركية كالسنة الفعلية، ولذلك حكم عطاء، وعكرمة بأن ذلك بدعة.\n(١٧٩٧ - ٢٥٧) فقد روى عبد الرزاق في المصنف: أخبرنا ابن جريج،\nعن عطاء، قال: قلت له: أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا ذلك بدعة.\n[صحيح] (^٢).\n(١٧٩٨ - ٢٥٨) وروى عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير،\nعن عكرمة قال: سئل أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا ذلك بدعة.\n[ورجاله ثقات] (^٣).\n(١٧٩٩ - ٢٥٩) وروى البخاري من طريق قتادة، قال حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت فقالت أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به. أو قالت فلا نفعله (^٤).\nفكون أمهات المؤمنين لا يفعلن القضاء، دليل على أنه غير مطلوب، والعبادة إذا كانت غير مطلوبة فهي محرمة.\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٢٦٠).\n(^٢) المصنف (١٢٧٥).\n(^٣) المصنف (١٢٧٦).\n(^٤) صحيح البخاري (٣٢١).","vol":"8","page":482},{"text":"وفي رواية لمسلم: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (^١).\nفقوله: (ولا نؤمر) نفي للأمر مطلقًا، سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب. والله أعلم.\nالقول الثاني:\nأن القضاء ليس بحرام ولكنه مكروه فقط. وهو وجه في مذهب الشافعي (^٢).\nوقال ابن مفلح في الفروع: «ويتوجه احتمال يكره» (^٣).\nقال في مغني المحتاج: «وهل يحرم قضاؤها أو يكره؟ -يعني قضاء الصلاة للحائض-: فيه خلاف ذكره في المهمات، فنقل فيها عن ابن الصلاح، والمصنف عن البيضاوي أنه يحرم؛ لأن عائشة ﵂ نهت السائل عن ذلك؛ ولأن القضاء محله فيما أمر بفعله، وعن ابن الصلاح، والروياني، والعجلي، أنه مكروه، بخلاف المجنون والمغمى عليه. فيسن لهما القضاء» (^٤).\nقال البيضاوي: والأوجه كما قال شيخنا عدم التحريم (^٥).\n• وسبب الخلاف والله أعلم الخلاف في تعليل الأمر بسقوط القضاء:\nفمن نظر إلى أن سقوط القضاء عنها كان السبب فيه التخفيف عنها، نظرًا لكثرة الصلوات ودورانها، لم يمنعها من قضاء الصلوات؛ لأن سقوط الصلاة كان رخصة وليس عزيمة والأخذ بالرخص ليس بواجب، وأقوى دليل لهم على أنه رخصة كون الصيام يجب قضاؤه على الحائض.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٣٥).\n(^٢) مغني المحتاج (٠١/ ١٠٩، ١١٠) (١/ ١٣١) ٢٧١، نهاية المحتاج - الرملي (١/ ٣٢٩، ٣٣٠) وكذلك (١/ ٣٩٣).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٦٠).\n(^٤) مغني المحتاج (١/ ١٠٩، ١١٠).\n(^٥) انظر نهاية المحتاج (١/ ٣٢٩، ٣٣٠) وكذلك (١/ ٣٩٣).","vol":"8","page":483},{"text":"وقال بعضهم: بل سقوط القضاء عزيمة، وليس برخصة، ووجوب الصيام خارج عن القياس، وهؤلاء يحرمون قضاء الصلاة عليها.\nوقد نقل النووي في المجموع (^١) عن الغزالي في التفريق بين وجوب قضاء الصوم دون الصلاة على الحائض، قال: ونحن نقرر الفرق فنقول: العزيمة الحكم الثابت على وفق الدليل، والرخصة الحكم الثابت على خلاف الدليل لمعارض راجح، وإنما كان سقوط قضاء الصلاة عن الحائض عزيمة؛ لأنها مكلفة بترك الصلاة، فإذا تركتها فقد امتثلت ما أمرت به من الترك، فلم تكلف مع ذلك بالقضاء، ولا نقول الفرق بين الصوم والصلاة كثرتها، وندوره، فيكون إسقاط قضائها تخفيفًا ورخصة، بل سبب إسقاط قضائها ما ذكرناه، وهذا يقتضي إسقاط قضاء الصوم أيضًا، لكن للشرع زيادة اعتناء بصوم رمضان، فأوجب قضاءه بأمر محدود في وقت ثان، وتسميته قضاء مجاز. وهو في الحقيقة فرض مبتدأ، فمخالفة الدليل إن حصلت فهي وجوب قضاء الصوم لا في عدم قضاء الصلاة، فثبت أن عدم قضاء الصلاة ليس رخصة (^٢).\nقلت: الشافعية يرون أن وجوب قضاء الصوم لم يكن بالأمر السابق وإنما بأمر جديد. قال في مغني المحتاج: «وهل تنعقد صلاتها أو لا؟ فيه نظر والأوجه عدم الانعقاد، لأن الأصل في الصلاة إذا لم تكن مطلوبة عدم الانعقاد، ووجوب القضاء عليها في الصوم بأمر جديد من النبي ﷺ فلم يكن واجبًا حال الحيض والنفاس؛ لأنها ممنوعة منه، والمنع والوجوب لا يجتمعان» (^٣).\nقلت: قد يقال: عدم القضاء هو الذي على خلاف الأصل، فالأصل أن من أمر\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ١٠).\n(^٢) المجموع (١/ ١٠٩، ١١٠).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ١١٠): وكتب لي ناصر الفهد معلقًا على نسبة هذا القول للشافعية، فقال: ليس هذا للشافعية فقط، بل هو مذهب كثير من العلماء في مختلف المذاهب، وهو اختيار ابن تيمية لذلك يرى أن تارك الصلاة والصوم عمدًا لا يقضي، لعدم وجود الأمر له بالقضاء، وأما كون القضاء بالأمر السابق فقد ذكر أنه للحنفية فقط، أما الجمهور فعلى أنه لابد من أمر جديد للقضاء. اهـ","vol":"8","page":484},{"text":"بشيء ثم تركه لعذر قضاه بزوال ذلك العذر كالنائم والناسي عن الصلاة، وكذلك قضاء الصيام على وفق القياس لكن الصلاة هي التي جاء النص بأنها لا تقضى ولولا هذا النص لقضيت، فلا يحتاج الصوم إلى أمر جديد بالقضاء لأن القضاء على وفق الأصل.\nقال النووي في المجموع: «قال الرافعي: فالحاصل أن من لم يؤمر بالترك لا يستحيل أن يؤمر بالقضاء، فإذا لم يؤمر كان تخفيفًا، ومن أمر بالترك فامتثل الأمر لا يؤمر بالقضاء إلا الحائض والنفساء في الصوم فإنهما يؤمران بتركه وبقضائه، وهو خارج عن القياس للنص، والله أعلم» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ١١).","vol":"8","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4016>الفرع الأول في قضاء ركعتي الطواف للحائض</span>\n[م-٧٤٥] استثنى بعض العلماء ركعتي الطواف، فقال النووي في المجموع: «قال أبو العباس ابن القاص في التلخيص، والجرجاني في المعاياة: كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضى إلا صلاة واحدة، وهي ركعتا الطواف فإنها لا تتكرر» (^١).\nوقال المرداوي: «ولا تقضي الصلاة، ولعل المراد إلا ركعتي الطواف؛ لأنها نسك لا آخر لوقتها، فيعايابها. رد شيخنا وابن نصر الله على المصنف كونها تقضى، والذي يظهر لي أن محل ذلك إذا قلنا تطوف الحائض، فإذا طافت فإنها لا تصلي حتى تطهر. وقد أومأ إليه شيخنا أيضًا» (^٢).\nوقال النووي في المجموع: «أنكر الشيخ أبو علي السنجي هذا، وقال: هذا لا يسمى قضاء؛ لأن الوجوب لم يكن في زمن الحيض، ولو جاز أن يسمى هذا قضاء\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٣٨٤).\n(^٢) تصحيح الفروع، المطبوع مع الفروع (١/ ٢٦٠)، وقال: «وللشافعية فيما إذا طافت ثم حاضت قبل صلاة الركعتين وجهان في قضائهما، اختار الشيخ أبو علي: عدم القضاء، واختاره النووي في شرح المهذب، واختاره ابن القاص والجرجاني والنووي في شرح مسلم، وحكى عن الأصحاب القضاء».","vol":"8","page":486},{"text":"لجاز أن يسمى قضاء فائتة كانت قبل الحيض، وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب، لأن ركعتي الطواف لا يدخل وقتها إلا بالفراغ من الطواف، فإن قدر أنها طافت ثم حاضت عقيب الفراغ من الطواف صح ما قاله أبو العباس -يعني من قضاء ركعتي الطواف- إن سلم لهما ثبوت ركعتي الطواف في هذه الصورة. والله أعلم» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٣٨٤).","vol":"8","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4017>المبحث الخامس في قضاء الصلاة إذا طرأ الحيض في الوقت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• العبادة المؤقتة بوقت يمكن إيقاعها في بعضه كالصلاة، بماذا يتعلق الوجوب من الوقت؟ هل يتعلق بأوله، أو بآخره، أو بجزء من الوقت غير معين؟\n• وجوب الصلاة متعلق بوقتها لكنه غير معين، وإنما يتعين الوقت إذا أوقع المكلف العبادة فيه، أو بقي منه مقدار ما يؤدي به الصلاة.\n• إذا وجد العذر المسقط للصلاة قبل تعين الوقت سقطت الصلاة، ولا عبرة بما وجد من الوقت في أوله، أو وسطه سالمًا من العذر، وكذلك إذا ارتفع المانع آخر الوقت فطهرت الحائض وجبت الصلاة، ولا عبرة بوجود العذر أول الوقت، أو وسطه.\n• الصلاة واجب موسع، والواجب يتعلق بجميع الوقت، فمن صلاها في آخر الوقت كمن صلاها في أوله أداء لا قضاء، فمن أخرها عن أول وقتها لم يأثم؛ لأنه لم يتعين؛ ولأنه فَعَلَ ما يجوز له فعله، فإذا طرأ مانع قبل تعين الوقت سقطت الصلاة.","vol":"8","page":488},{"text":"[م-٧٤٦] هذه المسألة يسميها بعض الفقهاء إذا طرأ المانع بعد دخول وقت الصلاة وقبل أن يصلي .. كما لو طرأ جنون، أو إغماء، أو حيض أو نفاس بعد دخول وقت الصلاة، فهل يجب قضاء تلك الصلاة بعد ارتفاع المانع أي بعد أن يفيق المجنون والمغمى عليه، وتطهر الحائض والنفساء ... والذي يعنينا في هذا الباب إذا طرأ الحيض أو النفاس بعد دخول وقت الصلاة، هل يجب على المرأة القضاء أم لا؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة إلى ستة أقوال:\nفقيل: لا يجب عليها مطلقًا. سواء حاضت في أول الوقت أو آخره، وهو مذهب الحنفية (^١)، ورواية في مذهب المالكية (^٢)، وهو مذهب ابن حزم (^٣)، وخرجه ابن سريج قولًا في مذهب الشافعية (^٤).\nوقيل: إذا حاضت المرأة، وقد بقي من صلاة الصبح ما يسع ركعة كاملة بسجدتيها سقطت صلاة الصبح، وإن كان الباقي من الوقت حين حاضت أدنى من ركعة وجب عليها القضاء؛ لأنها استقرت عليها في ذمتها.\nوأما الصلاة التي تجمع مع غيرها كما لو نسيت صلاة الظهر حتى دخل وقت العصر ثم حاضت المرأة، أو كانت مسافرة فأخرت صلاة الظهر لتجمعها مع العصر، فلما دخل وقت صلاة العصر حاضت، فإن كان بقي من الوقت ما يسع عدد ركعات الصلاة الأولى وركعة واحدة من الصلاة الثانية سقطت الصلاتان، وإن بقي من\n_________\n(^١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٤، ١٥)، الأصل (١/ ٣٠٠) بدائع الصنائع (١/ ٩٥).\nقال ابن الهمام في فتح القدير (١/ ١٧١): «ومتى طرأ الحيض في أثناء الوقت سقطت تلك الصلاة، ولو بعد ما افتتحت الفرض».\nوقال السرخسي في المبسوط (٢/ ١٥): «ما بقي شيء من الوقت فالصلاة لم تصر دينًا في ذمتها».\n(^٢) فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٤/ ١١٠).\n(^٣) المحلى (٢/ ١٧٥).\n(^٤) المجموع (١/ ٧١).","vol":"8","page":489},{"text":"الوقت أدنى من هذا إلى ركعة كاملة سقطت الثانية ووجب قضاء الأولى، وإن كان الباقي من الوقت أقل من ركعة كاملة وجب قضاء الأولى والثانية، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (^١).\nوقيل: إن أدركت من أول الوقت قدرًا يسع تلك الصلاة، وجب القضاء وإن كان الذي أدركته من الوقت لا يسع تلك الصلاة فلا يجب عليها القضاء (^٢)، وهو مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: إن أدركت من الوقت مقدار ركعة كاملة، وجب القضاء وإلا فلا، اختاره بعض الشافعية، ومنهم أبو يحيى البلخي (^٤).\nوقيل: إن أدركت من الوقت قدر تكبيرة الإحرام، ثم حاضت، وجب عليها القضاء، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: إن كان الباقي من الوقت حين حاضت مقدار ما يمكنها أن تصلي فيه، فليس عليها قضاء تلك الصلاة، وإن كان دون ذلك فعليها القضاء وهو اختيار زفر\n_________\n(^١) الشرح الكبير للدردير (١/ ١٨٢)، مواهب الجليل (١/ ٤٠٩)، الفواكه الدواني (١/ ٢٣٦)، النوادر والزيادات (١/ ٢٧٤)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٦٢)، المدونة (ص: ٦٣)، حاشية الخرشي (١/ ٢٢١)، شرح الزرقاني لمختصر خليل (١/ ١٤٩)، الشرح الصغير (١/ ٢٣٧)، فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٤/ ١١٠).\n(^٢) لا يعتبر مع إمكان فعلها إمكان الطهارة؛ لأنه يمكن تقديم الطهارة قبل الوقت، إلا إذا كانت الطهارة لا يمكن تقديمها كالمستحاضة، فيعتبر إمكان فعلها.\n(^٣) المجموع (٣/ ٧١)، فتح العزيز (٣/ ٨٨، ٨٩)، مغني المحتاج (١/ ١٣٢)، نهاية المحتاج (١/ ٣٩٧)، روضة الطالبين (١/ ١٨٨، ١٨٩).\n(^٤) انظر المجموع (٢/ ٧١)، ومغني المحتاج (١/ ١٣٢)، وروضة الطالبين (١/ ١٨٨، ١٨٩).\n(^٥) الكافي (١/ ٩٨)، الفروع (١/ ٣٠٦)، المحرر (١/ ٢٩)، الإنصاف (١٤٤١)، المبدع (١/ ٣٥٣)، الإقناع (١/ ٨٥).","vol":"8","page":490},{"text":"من الحنفية (^١)، ورجحه ابن تيمية من الحنابلة (^٢).\n• وسبب الخلاف في هذه المسألة:\nاختلافهم في مسألة أصولية، هل الصلاة تجب في أول الوقت أو في آخره؟\nوهل إذا دخل الوقت ومضى معه مقدار ما يسع الأداء أصبحت الصلاة دينًا في ذمة المكلف، فلو سافر من بلده لم يقصر تلك الصلاة؛ لأنها وجبت عليه في وقت الحضر، أو أن الصلاة لا تجب في أول الوقت على التعيين، وإنما تجب في جزء من الوقت غير معين، فإذا شرع في أول الوقت وجبت في ذلك الوقت، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره، ومتى لم يعين بالفعل حتى بقي من الوقت مقدار ما يسع الصلاة وجب عليه تعيين ذلك الوقت ويأثم بترك التعيين.\nأو أن الصلاة في أول الوقت سنة وفي آخره واجب، ويلزم منه أن يكون فعل المندوب أفضل من فعل الفرض؟\nهذا سبب الخلاف، وأدلته تبحث في أصول الفقه ... وفي أقسام الواجب في كونه ينقسم إلى قسمين: واجب موسع، وواجب مضيق، إذا عرفنا ذلك نأتي إلى ذكر المسألة.\nوإليك أدلة كل قول من الأقوال التي ذكرناها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4018> دليل الحنفية على أنها إذا حاضت في الوقت لا يجب عليها القضاء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4019>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إذا بقي شيء من وقت الصلاة لم تصبح الصلاة دينًا في ذمة المرأة بل هي\n_________\n(^١) الأصل (١/ ٣٣٠)، المبسوط للسرخسي (٢/ ١٤، ١٥)، فتح القدير (١/ ١٧١)، الأصل (١/ ٣٠٠)، بدائع الصنائع (١/ ٩٥).\n(^٢) قال في الاختيارات (ص: ٥٣): «ومن دخل عليه الوقت، ثم طرأ عليه مانع من جنون أو حيض، فلا قضاء عليه، إلا أن يتضايق الوقت عن فعلها، ثم يوجد المانع، وهو قول مالك وزفر، ورواه زفر عن أبي حنيفة». اهـ","vol":"8","page":491},{"text":"في الوقت، فإذا حاضت فقد تعذر عليها الأداء بسبب الحيض، وذلك غير موجب للقضاء، فأما إذا حاضت بعد خروج الوقت فإن الصلاة تصبح دينًا في ذمتها، قبل وجود الحيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4020>الدليل الثاني:</span>\nأن تأخير الصلاة إلى آخر وقتها ليس معصية، فإذا حاضت فقد وجد المانع قبل أن تتعين الصلاة عليها.\nقال ابن حزم في المحلى: «برهان قولنا هو أن الله تعالى جعل للصلاة وقتًا محدودًا، أوله وآخره، وصح أن الرسول ﷺ صلى الصلاة في أول وقتها، وفي أخر وقتها، فصح أن المؤخر لها إلى آخر وقتها ليس عاصيًا؛ لأنه ﵇ لا يفعل المعصية، فإذ هي ليست عاصية فلم تتعين الصلاة عليها بعد، ولها تأخيرها، فإذا لم تتعين عليها حتى حاضت فقد سقطت عنها، ولو كانت الصلاة تجب بأول الوقت لكان من صلاها بعد مضي مقدار تأديتها من أول وقتها قاضيًا لها لا مصليًا، وفاسقًا بتأخيرها عن وقتها، ومؤخرًا لها عن وقتها وهذا باطل لا اختلاف فيه من أحد» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4021>الدليل الثالث:</span>\nأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزم بالقضاء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4022> دليل المالكية على وجوب القضاء إذا بقي من الوقت أقل من ركعة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4023>الدليل الأول:</span>\n(١٨٠٠ - ٢٦٠) استدلوا بما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثونه.\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ٢٥٨).","vol":"8","page":492},{"text":"أدرك العصر، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: إن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك وقتها، فإذا حصل الحيض وقد بقي من الوقت مقدار ركعة كاملة، فقد حصل العذر في وقتها، فسقطت. أما إذا حصل الحيض وقد بقي أقل من ركعة، فقد خرج وقت الصلاة، واستقرت في ذمته، كما لو حاضت بعد خروج الوقت، فإذا طرأ الحيض بعد ذلك فقد حصل العذر خارج وقتها فيجب عليه القضاء (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4024>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على إدراك الجمعة، فإن من أدرك من الجمعة ركعة مع الإمام فقد أدرك الجمعة، ومن أدرك أقل من ركعة صلى ظهرًا.\n• وأجيب:\nبأن الركعة اعتبرت في الجمعة للمسبوق؛ لأن الجماعة شرط لصحتها، فاعتبر إدراك الركعة في الجمعة لئلا يفوته الشرط في أكثرها، وقياسًا على إدراك الجماعة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4025> دليل الشافعية على أن القضاء يجب بإدراك وقت يسع فعل الصلاة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4026>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء: ٧٨].\nفدلوك الشمس أول وقتها، فدل على أن الوجوب يتعلق بأول الوقت، فإذا أدركت من الوقت ما يسع تلك الصلاة فقد وجبت عليها لتمكنها من الفعل في الوقت فلا يسقط بما يطرأ بعده، فإن أدركت أقل من ذلك لم يلزمها القضاء، وكونه يجوز للمرأة تأخيرها إلى آخر وقتها لا يسقط عنها ما وجب عليها من الصلاة بأوله.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٧٩)، صحيح مسلم (١٦٣ - ١٦٨).\n(^٢) انظر الشرح الصغير (١/ ٢٣٧) مع تصرف يسير.","vol":"8","page":493},{"text":"• وأجيب:\nبأن الوجوب يتعلق بأوله ووسطه وآخره لقوله تعالى: (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) [الإسراء: ٧٨]. فلو كان الوجوب يتعين في أول الوقت كان من صلى في وسطه أو في آخره قضاء لا أداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4027>الدليل الثاني:</span>\nالقياس على الزكاة، فلو ملك نصابًا وتم عليه الحول وتمكن من أدائه، فلم يخرج حتى هلك المال استقرت في ذمته (^١).\n• ويناقش:\nبأن تأخيره عن إخراج الزكاة بعد تمام الحول، وتمكنه من الأداء تفريط منه، فلم تسقط عنه، بخلاف الصلاة، فإن الصلاة في آخر الوقت أداء كالصلاة في أول الوقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4028>الدليل الثالث:</span>\n(١٨٠١ - ٢٦١) واستدل بعضهم بما رواه الترمذي، قال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر، عن نافع\nعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله (^٢).\n[ضعيف جدًّا أو موضوع] (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٧١) ومغني المحتاج (١/ ١٣٢).\n(^٢) سنن الترمذي (١٧٢).\n(^٣) في الإسناد يعقوب بن الوليد.\nقال أحمد: خرقنا حديثه منذ دهر كان من الكذابين الكبار، وكان يضع الحديث، تهذيب التهذيب (١/ ٣٩٨).\nوقال الدوري عن ابن معين: لم يكن بشيء.\nوقال في موضع آخر: ليس بثقة. =","vol":"8","page":494},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والحديث أخرجه الترمذي (١٧٢) والدارقطني أيضًا (١/ ٢٤٩)، والبيهقي (١/ ٤٣٥) عن أحمد بن منيع.\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٨٩) من طريق علي بن معبد، كلاهما عن يعقوب بن الوليد به.\nوفي سنن البيهقي (١/ ٤٣٥) قال عبيد الله بن عمر بدلًا من عبد الله بن عمر. قال ابن عدي: هذا الحديث بهذا الإسناد باطل إن قيل فيه عبيد الله أو عبد الله.\nوقال الخلال كما في الإمام في معرفة أحاديث الأحكام (٤/ ٧٥، ٧٦): «أخبرنا الميموني، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لا أعرف شيئًا يثبت في أوقات الصلوات، أولها كذا، وأوسطها كذا، وآخرها كذا. يعني: مغفرة ورضوانًا ..... ليس هذا يثبت».\nوله شواهد كلها هالكة لا تزيده إلا ضعفًا. منها:\nالشاهد الأول:\nما رواه الدارقطني (١/ ٢٤٩) من طريق الحسن بن حميد بن الربيع، حدثني فرح بن عبيد المهلبي، حدثنا عبيد بن القاسم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم،\nعن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله ﷿.\nوفي إسناده: الحسن بن حميد.\nقال ابن الجوزي كما في تنقيح التحقيق (١/ ٦٤٩): هو كذاب ابن كذاب.\nوفي نصب الراية للزيلعي (١/ ٢٤٣) «قال أحمد بن عبدة الحافظ: سمعت مطينًا يقول: وقد مر عليه الحسين بن حميد بن الربيع هذا كذاب، ابن كذاب، ابن كذاب». اهـ\nوفيه: عبيد بن القاسم، قال الحافظ في التقريب: متروك كذبه ابن معين، واتهمه أبو داود بالوضع.\nالشاهد الثاني:\nأخرج الدارقطني (١/ ٢٤٩)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٥٦)، والبيهقي في السنن (١/ ٤٣٥) من طريق إبراهيم بن زكريا من أهل عبدسي، أخبرنا إبراهيم يعني: ابن عبد الملك بن أبي محذورة من أهل مكة، حدثني أبي،\nعن جدي قال: قال رسول الله ﷺ أول الوقت رضوان الله، ووسط الوقت رحمة الله، وآخر الوقت عفو الله.\nوقال ابن عدي: حدث عن الثقات بالأباطيل. الكامل (١/ ٢٥٦).\nوقال ابن الجوزي كما في تنقيح التحقيق (١/ ٦٤٩): هو مجهول، والحديث الذي رواه منكر.\nالشاهد الثالث:\nروى ابن عدي في الكامل (٢/ ٧٧) من طريق بقية، عن عبد الله مولى عثمان بن عثمان، حدثني عبد العزيز، حدثني محمد بن سيرين. =","vol":"8","page":495},{"text":"وجه الاستدلال:\nقالوا: إن الرضوان من الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين، فدل على أن الوجوب متعلق في أول الوقت.\nويشكل عليه أن التأخير لا إثم فيه، فكيف يكون فاعله مقصرًا؟\n• وأجابوا بوجهين:\nأحدهما: أنه مقصر بالنسبة إلى أول الوقت، وإن كان لا إثم عليه.\nوالثاني: أنه مقصر بتفويت الأفضل، كما يقال: من ترك صلاة الضحى فهو مقصر، وإن لم يأثم (^١).\n_________\n= عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: أول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله.\nقال ابن عدي: وهذا بهذا الإسناد لا يرويه غير بقية، وهو من الأحاديث التي يحدث بها بقية عن المجهولين، لأن عبد الله مولى عثمان بن عفان، وعبد العزيز الذي ذكرا في هذا الإسناد لا يعرفان.\nالشاهد الرابع:\nرواه البيهقي في المعرفة (٢/ ٢٨٩) من طريق أبي محمد عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سهل الدباس بمكة قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن إسحاق الكاتب المديني، قال: حدثنا إبراهيم ابن المنذر الحزامي، قال: حدثنا موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله.\nفابن الدباس وشيخه مجهولان. كما أن المعروف أنه عن جعفر بن محمد، عن أبيه، موقوفًا.\nقال البيهقي كما في تلخيص الحبير (١/ ٣٢٢) ح ٢٦٠: «إسناده فيما أظن أصح ما روي في هذا الباب، قال الحافظ - يعني: على علاته مع أنه معلول، فإن المحفوظ روايته عن جعفر بن محمد، عن أبيه موقوفًا.\nقال الحاكم: لا أحفظه عن النبي ﷺ من وجه يصح، ولا عن أحد من أصحابه، وإنما الرواية فيه عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر».\nقلت: الأثر المقطوع رواه البيهقي (١/ ٤٣٦) من طريق أبي أويس، عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله.\n(^١) المجموع (٣/ ٦٦).","vol":"8","page":496},{"text":"لكن يغني عن هذا الجواب أن الحديث لا تقوم به حجة، فلا يلزم الإجابة عليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4029> دليل من قال: يجب القضاء إذا أدركت من أول الوقت مقدار ركعة:</span>\n(١٨٠٢ - ٢٦٢) استدلوا بما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة بن\nعبد الرحمن،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة. وأخرجه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن من أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة فقد أدرك وقت الصلاة، فأصبحت في ذمته، فيجب عليه قضاؤها (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٥٨٠)، صحيح مسلم (٦٠٧).\n(^٢) اختلف العلماء في المقصود بحديث: (من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة).\nفقيل: المراد: فقد أدرك وقت الصلاة، وعليه فمن أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة كاملة فقد أدرك وقتها وكأنها وقعت أداء. وحملوا حديث: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة على حديث أبي هريرة من رواية عطاء بن يسار وبسر بن سعيد والأعرج عن أبي هريرة: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» متفق عليه وسبق تخريجه قبل قليل.\nوقيل: المراد إدراك الجماعة، ويشهد له ما خرجه مسلم من رواية يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة.\nوكل من خرج الحديث عن ابن شهاب لم يقل: (مع الإمام) إلا يونس، واختلف عليه فيها. وسيأتي الكلام قريبًا على ألفاظ حديث ابن شهاب.\nوقيل: المراد بالصلاة الجمعة.\nوالجمعة داخلة في عموم الصلاة، ولذلك قال ابن خزيمة على رواية من أدرك من الجمعة ركعة قال هذا الخبر روي بالمعنى لا باللفظ؛ لأن النبي ﷺ إذا قال: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة» كانت الصلوات كلها داخلة في هذا الخبر، الجمعة وغيرها من الصلوات. انظر بتصرف يسير (صحيح ابن خزيمة (٣/ ١٧٣).\nوانظر شرح ابن رجب للبخاري (٥/ ١٥، ١٦) وفتح الباري لابن حجر حديث (٥٨٠). =","vol":"8","page":497},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وحديث أبي هريرة: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) مداره على ابن شهاب، عن أبي سلمة عن أبي هريرة.\nوقد رواه مالك، وابن عيينة، والأوزاعي، وعبيد الله بن عمر، وشعيب، وإبراهيم بن أبي عبلة، وابن الهاد، كلهم رووه عن الزهري بلفظ: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ..) زاد عبيد الله بن عمر: (فقد أدرك الصلاة كلها) فزاد كلمة: (كلها). والمعنى واحد.\nورواه يونس عن ابن شهاب واختلف على يونس فيه:\nفرواه ابن وهب عن يونس كما في مسلم (١٦٢ - ٦٠٧) وزاد كلمة: (مع الإمام) بلفظ: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة).\nورواه ابن المبارك عن يونس كما في مسلم (٦٠٧) وأبي عوانة (٢/ ٨٠) والدارقطني في العلل (٩/ ٢٢٣) من طريق عثمان بن عمر كلاهما عن يونس به كلفظ الجماعة بدون زيادة: (مع الإمام). فإن كان أحد من المتقدمين تكلم في زيادة يونس فإني أوافقه على أنها غير محفوظة وإلا أمسكت هيبة للصحيح.\nورواه معمر عن الزهري. ولم يضبطه، فتارة يرويه كرواية الجماعة وهي المحفوظة. وتارة بلفظ حديث عطاء بن يسار، وبسر بن سعيد والأعرج عن أبي هريرة قال: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، وهذا اللفظ شاذ من رواية ابن شهاب، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وثابت من رواية حديث عطاء بن يسار والأعرج، وبسر بن سعيد عن أبي هريرة.\nوممن حكم بشذوذه الدارقطني في العلل (٩/ ٢٢٢).\nفذكر أن المحفوظ عن معمر ما يوافق رواية الجماعة، وإليك تخريج مروياتهم بألفاظها.\nكما سبق أن ذكرت أن الحديث مداره على ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ويرويه عن ابن شهاب جماعة.\nالأول: مالك عنه أخرجه الموطأ (١/ ١٠) والبخاري (٥٨٠) ومسلم (١٦١/ ٦٠٧) والنسائي (٥٥٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٥١) وفي مشكل الآثار (٢٣٢٠) وابن حبان (١٤٨٣)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٠) ولفظه: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.\nالثاني: سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب به.\nأخرجه الحميدي (٩٤٦) وأحمد (٢/ ٢٤١) ومسلم (٦٠٧) والترمذي (٥٢٤) وابن ماجه (١١٢٢) والدارمي (١٢٢١) والطحاوي في مشكل الآثار (٢٣٢١) والبغوي في شرح السنة (٤٠١) بمثل حديث مالك.\nالثالث: الأوزاعي عن الزهري به. =","vol":"8","page":498},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرجه مسلم (٦٠٧) والنسائي (٥٥٥) والدارمي (١٢٢٠) وأبو عوانة (٢/ ٨٠، ٨١)\nوابن خزيمة (١٨٤٩) والبيهقي (٣/ ٢٠٢) بلفظ: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة».\nالرابع: عبيد الله بن عمر عن الزهري.\nعند أحمد (٢/ ٣٧٥) ومسلم (٦٠٧) والبيهقي (١/ ٣٧٨) وزاد عبيد الله (فقد أدركها كلها).\nالخامس: شعيب عن الزهري. أخرجه أبو عوانة (٢/ ٨٠) بلفظ (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها) ولا فرق بينه وبين رواية مالك إلا بتقديم «من الصلاة» فلفظ مالك: (من أدرك ركعة من الصلاة ...)، ولفظ شعيب والأوزاعي (من أدرك من الصلاة ركعة) وقد ترجم البخاري بلفظ (من أدرك من الصلاة ركعة) وساق حديث مالك: (باب من أدرك ركعة من الصلاة) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٢٥١) وقد وضح لنا بالاستقراء أن جميع ما يقع في تراجم البخاري مما يترجم بلفظ الحديث، لا يقع فيه شيء مغاير للفظ الحديث الذي يورده إلا قد ورد من وجه آخر، بذلك اللفظ المغاير فلله دره ما أكثر اطلاعه.\nالسادس: إبراهيم بن أبي عبلة عن الزهري به رواه أبو عوانة بلفظ مالك (٢/ ٨١).\nالسابع: معمر عن ابن شهاب به.\nرواه عبد الرزاق عن معمر بلفظين، تارة يوافق رواية الجماعة كما في المصنف (٣٣٦٩) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٢/ ٢٧٠/١٧١) بلفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».\nوبهذا اللفظ أخرجه أبو عوانة (١/ ١٧٢/١٧٣) من طريق محمد بن مهمل، ثنا عبد الرزاق به، وتارة يرويه عبد الرزاق عن معمر بلفظ: (من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها).\nكما في مصنف عبد الرزاق (٢٢٢٤) وعنه أحمد (٢/ ٢٥٤) وبهذا اللفظ أخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٥٢) حديثًا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق به.\nوالعهدة ليست على عبد الرزاق، بل على شيخه، لأنه قد أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٠) عن عبد الأعلى عن معمر به بذكر العصر والفجر وكذا أخرجه ابن خزيمة (٩٨٥) من طريق معتمر عن معمر به. وقد نقلنا قريبًا عن الدارقطني أنه قال: «بأن المحفوظ عن معمر حديثه من أدرك ركعة من الصلاة»، وقد أخرجه مسلم (٦٠٧) عن ابن المبارك عن معمر وغيره عن الزهري بمثل حديث مالك.\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٥/ ١٥): «والمحفوظ عن الزهري في حديثه «من أدرك ركعة من الصلاة».\nالثامن: يونس عن الزهري.\nخرجتها في أول الكلام وذكرت أنه زاد فيها عند مسلم (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة).","vol":"8","page":499},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4030> دليل الحنابلة على أنها إذا أدركت قدر تكبيرة الإحرام وجب القضاء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4031>الدليل الأول:</span>\n(١٨٠٣ - ٢٦٣) استدلوا بما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (^١).\nوجه الاستدلال:\nقول الرسول ﷺ: (إذا أدرك أحدكم سجدة) أي مقدار سجدة، وذكر السجدة تنبيهًا على أن الإدراك يحصل بجزء حتى يكون مدركًا بتكبيرة الإحرام.\nوالصحيح أن المراد بالسجدة هي الركعة لما يلي:\nأولًا: أن الزهري قد رواه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ، (من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة) وسبق تخريجه.\nورواه جماعة عن أبي هريرة بلفظ: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ... الحديث في الصحيحين وسبق تخريجه قبل قليل.\nثانيًا: أن عائشة ﵂ قد روت مثل هذا الحديث، ثم قالت في آخره: والسجدة إنما هي الركعة.\n(١٨٠٤ - ٢٦٤) فقد روى مسلم من طريق الزهري، قال: حدثنا عروة عن\nعائشة قالت: قال: رسول الله ﷺ: من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، ومن الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها، والسجدة إنما هي الركعة (^٢). ويحتمل أن يكون الإدراج ممن دون عائشة، وحينئذ لا يكون فيه حجة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٥٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٦٠٩).","vol":"8","page":500},{"text":"ثالثًا: قد ورد في السنة الصريحة إطلاق السجدة على الركعة.\n(١٨٠٥ - ٢٦٥) فقد روى البخاري، قال ﵀: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع،\nعن ابن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وأخرجه مسلم (^١).\n(١٨٠٦ - ٢٦٦) وروى مسلم من طريق سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل، حدثه،\nأن أم هانئ حدثته عن رسول الله ﷺ في قصة اغتسال النبي ﷺ عام الفتح وفيه: ثم قام فصلى ثمان سجدات وذلك ضحى (^٢).\nوالمراد: ثمان ركعات ... والأمثلة في هذا كثيرة.\nقال القرطبي: «أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4032>الدليل الثاني:</span>\nأن الحكم إذا علق بالإدراك، فإن الإدراك يستوي فيه القليل والكثير، كما يجب على المسافر الإتمام باقتدائه بمقيم في جزء من الصلاة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4033> دليل من قال: إذا حاضت وقد بقي من الوقت ما لا يسع لفعل الصلاة وجب القضاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4034>الدليل الأول:</span>\nقالوا: بأن الصلاة: لا يجب فعلها في أول الوقت وإذا حاضت المرأة ولم يجب عليها بعد فعل الصلاة، لم يجب عليها القضاء؛ لأنه إذا كان قد أذن لها في التأخير، فما\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١١٧٢)، صحيح مسلم (١٠٤ - ٧٢٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٧٢ - ٣٣٧).\n(^٣) المفهم (٢/ ٢٢٧).","vol":"8","page":501},{"text":"ترتب على المأذون غير مضمون، ولكن إذا بقي من الوقت ما يتسع لفعل الصلاة فقط فقد وجب عليها فعل الصلاة. فإذا كان الباقي من الوقت لا يتسع لفعل الصلاة فقد استقرت في ذمتها فوجب عليها القضاء إذا حاضت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4035>الدليل الثاني:</span>\nأن هذا يقع كثيرًا في نساء الصحابة، ولو كان يجب على المرأة القضاء، لأمرها الرسول ﷺ ولو أمرها لنقل، فلما لم ينقل علم أن القضاء ليس بواجب.\n(١٨٠٧ - ٢٦٧) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم بأطول من هذا (^١).\nاستدل به البيهقي ﵀ (^٢) على مسألتنا هذه وهذا ذهاب منه إلى أنه لا يرى وجوب القضاء على الحائض إذا حاضت في وقت الصلاة وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧).\n(^٢) في السنن الكبرى (١/ ٣٨٨)","vol":"8","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4036>المبحث السادس في وجوب الصلاة على الحائض إذا طهرت في الوقت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل صلاة يخرج وقتها على المرأة وهي حائض فلا يجب عليها قضاؤها مطلقًا، سواء كانت تجمع إلى غيرها أو لا.\n• من أدرك من الوقت أقل من ركعة فلم يدرك الوقت.\n[م-٧٤٧] يطلق الفقهاء على هذه المسألة (زوال المانع) بينما يسمون التي قبلها (حدوث المانع) وزوال المانع يشمل الحائض والنفساء إذا طهرتا، ويشمل المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، والصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم وأمثالهم.\nوقد اختلف الفقهاء في الحائض والنفساء إذا طهرتا.\nفقيل: إذا طهرت المرأة من الحيض، وكانت عادتها أقل من عشرة أيام وأدركت من الصلاة قدرًا يسع الغسل وتكبيرة الإحرام وجبت عليها تلك الصلاة وحدها ولا تقضي معها ما يجمع إليها. فإن أدركت من الصلاة مقدارًا لا تستطيع فيه الغسل فليس عليها قضاء تلك الصلاة وإن كانت عادتها عشرة أيام (أكثر الحيض عندهم) فإنها إذا أدركت من الوقت شيئًا قليلًا أو كثيرًا، وجبت عليها تلك الصلاة، سواء","vol":"8","page":503},{"text":"تمكنت فيه من الاغتسال أو لم تتمكن وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: إذا طهرت قبل الغروب بمقدار يسع خمس ركعات في الحضر، أو ثلاثًا في السفر، وجبت عليها الظهر والعصر.\nوإن بقي أقل من ذلك إلى ركعة وجبت العصر وحدها، وإن بقي أقل من ركعة سقطت الظهر والعصر.\nوإن طهرت قبل الفجر بمقدار أربع ركعات، وجب عليها المغرب والعشاء، وإن بقي أقل من ذلك إلى ركعة وجبت العشاء وحدها، وإن بقي أقل من ركعة سقطت المغرب والعشاء.\nوإن طهرت قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة وجبت عليها الصبح وإلا سقطت. وهذا مذهب المالكية، ومذهب الشافعي في القديم (^٢).\nوقيل يجب عليها فعل الصلاة إذا أدركت من وقت الصلاة مقدار ركعة كاملة، وهو قول للشافعية، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: إذا أدركت من الوقت قدر تكبيرة الإحرام وجبت عليها تلك الصلاة، فإن كانت الصلاة هي العصر أو العشاء وجبت مع العصر الظهر، ومع المغرب العشاء وهذا القول هو الصحيح من مذهب الشافعية. قال النووي: باتفاق الأصحاب (^٤)،\n_________\n(^١) المبسوط (٢/ ١٥) فتح القدير (١/ ١٧١)، الأصل - محمد بن الحسن الشيباني (١/ ٣٠١).\n(^٢) انظر في مذهب المالكية: منح الجليل (١/ ١٨٦، ١٨٧)، الشرح الصغير (١/ ٢٣٤، ٢٣٥)، أسهل المدارك (١/ ١٥٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٨٢، ١٨٣)، مواهب الجليل، حاشية الخرشي (١/ ٢١٩، ٢٢٠).\nوانظر قول الشافعي في القديم في كتاب المجموع شرح المهذب (٣/ ٦٨).\n(^٣) المهذب (١/ ٥٣)، المجموع (٣/ ٦٨)، الإنصاف (١/ ٤٣٩)، الفروع (١/ ٣٠٦)، المبدع (١/ ٣٥٠).\n(^٤) انظر المجموع (٣/ ٦٩)، روضة الطالبين (١/ ١٨٦، ١٨٧)، مغني المحتاج (١/ ١٣٠)، نهاية المحتاج (١/ ٣٩٤، ٣٩٥).","vol":"8","page":504},{"text":"والمشهور من مذهب الحنابلة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4037> دليل من قال: إذا أدركت مقدار تكبيرة الإحرام وجبت الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4038><span data-type=\"title\" id=toc-4041>الدليل الأول:</span></span>\n(١٨٠٨ - ٢٦٨) استدلوا بما رواه البخاري من طريق يحي، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (^٢).\nورواه مسلم من حديث عائشة ﵂ (^٣).\nوقد أجبت عن هذا الحديث في المسألة السابقة وبينت أن المراد بالسجدة هي الركعة، ودللت على ذلك من السنة فارجع إليه إن شئت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4039>الدليل الثاني:</span>\nأن الصلاة تجب بإدراك جزء من الوقت كما يجب على المسافر الإتمام إذا اقتدى بمقيم في جزء من صلاته.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4040> دليل من قال: تجب الصلاة إذا أدركت مقدار ركعة:</span>\nالدليل الأول:\n(١٨٠٩ - ٢٦٩) استدلوا بما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثونه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع\n_________\n(^١) المحرر (١/ ٢٨)، الإنصاف (١/ ٤٣٩)، الفروع (١/ ٣٠٦)، المبدع (١/ ٣٥٠)، الكافي (١/ ٩٤)، كشاف القناع (١/ ٢٥٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٥٦).\n(^٣) صحيح مسلم (٦٠٩).","vol":"8","page":505},{"text":"الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﵇: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس) يقتضي أن الحائض إذا لم تدرك من الوقت مقدار ركعة فقد فاتها الوقت، ومن فاته الوقت فقد سقطت عنه الصلاة، كما يقتضي فساد قول من قال: من أدرك تكبيرة وجبت عليه الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4042>الدليل الثاني:</span>\nلم يختلف في الجمعة أنه من لم يدرك ركعة منها لم يدركها، فالإدراك لا يكون إلا بإدراك ركعة كاملة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4043> دليل من قال: تجب الظهر بإدراك وقت العصر، والمغرب بإدراك العشاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4044>الدليل الأول:</span>\n(١٨١٠ - ٢٧٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد ابن عثمان المخزومي، قال: أخبرتني جدتي، عن مولى لعبد الرحمن بن عوف، قال:\nسمعته يقول: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٧٩)، وصحيح مسلم (١٦٣، ١٦٨).\n(^٢) انظر الاستذكار ط دار الكتب العلمية (١/ ٤٤).\n(^٣) المصنف (٢/ ١٢٣) رقم ٧٢٠٤.\n(^٤) قال الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ٣٤٤) ح ٢٨٢: مولى عبد الرحمن بن عوف لم يعرف حاله.\nواختلف على محمد بن عثمان المخزومي، فرواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٣). ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٤٣) عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عثمان المخزومي، قال: أخبرتني جدتي، عن مولى لعبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف.\nورواه البيهقي في المعرفة (٢/ ٢١٧) من طريق الدراوردي، عن محمد بن عثمان بن عبد الرحمن ابن سعيد بن يربوع، عن جده عبد الرحمن، عن مولى لعبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عوف، فذكر بدلًا من جدته جده، والإسناد على كل ضعيف؛ لأن مداره على مولى عبد الرحمن بن عوف، وهو لا يعرف.","vol":"8","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4045>الدليل الثاني:</span>\n(١٨١١ - ٢٧١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن يزيد، عن مقسم،\nعن ابن عباس قال: إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (^١).\nورواه ابن المنذر من طريق أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد به، واللفظ لابن المنذر.\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4046>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: بأن الصلاتين المجموعتين وقت إحداهما وقت للأخرى في حق المعذور كالمسافر ونحوه، فهؤلاء مثلهم من أهل الأعذار، فإذا أدرك العصر فقد أدرك الظهر، وإذا أدرك العشاء فقد أدرك المغرب.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٣) رقم ٧٢٠٦.\n(^٢) ورواه الدارمي (٨٨٩) من طريق أبي بكر بن عياش.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٤٣) من طريق أبي عوانة كلاهما عن يزيد بن أبي زياد به.\nويزيد بن أبي زياد قال فيه في التقريب ضعيف، كبر، فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعيًّا،\nواختلف على يزيد بن أبي زياد، فرواه هشيم وأبو عوانة وأبو بكر بن عياش، عنه، عن مقسم، عن ابن عباس كما تقدم.\nورواه البيهقي (١/ ٣٨٧) من طريق زائدة، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن طاوس، عن ابن عباس.\nورواه البيهقي في السنن (١/ ٣٨٧) من طريق ليث بن أبي سليم، عن طاوس وعطاء عن ابن عباس، وليث ضعيف، وقد تغير.","vol":"8","page":507},{"text":"وقد قال بهذا القول جماعة من التابعين منهم عطاء (^١)، وطاووس (^٢)، ومجاهد (^٣)، وإبراهيم النخعي (^٤)، والحكم (^٥).\nوهذا القول ضعيف.\nأولًا: لعدم الدليل الموجب لقضاء الصلاتين، فلو كانت تدرك الظهر بطهارة الحائض في وقت العصر لبينه النبي ﷺ ولو بينه لنقل إلينا. فلما لم ينقل علم أن ذلك لا يجب. وما ورد عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس لا يثبت عنهما كما قرأت.\nثانيًا: أن هذا القول مخالف للسنة الصريحة من حديث أبي هريرة: (من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) وهو متفق عليه وسبق تخريجه ولو كانت تدرك الظهر لقال: فقد أدرك العصر والظهر.\nوثالثًا: أنه مخالف للقياس. فلو أنه وجبت عليه صلاة الظهر، ثم طرأ مانع لم يلزمه إلا قضاء الظهر فقط، مع أن وقت الظهر وقت لها وللعصر عند العذر والجمع، فما الفرق بين المسألتين؟\nرابعًا: قد بينا الإجماع على أن الحائض لا تقضي الصلاة التي مرت عليها وهي حائض لحديث عائشة في مسلم. وكنا نؤمر بقضاء الصيام ولا نؤمر بقضاء الصلاة (^٦).\nولو أنها صلت صلاة الظهر وقد خرج وقتها وهي حائض لكانت مأمورة\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٦٨) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٣) ٧٢٠٧، ٧٢١٠، وعبد الرزاق (١٢٨١) من طرق عنه بسند صحيح.\n(^٢) رواه عبدالرزاق (١٢٨١)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٢٣) ٧٢٠٧ بأسانيد صحيحة عنه.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٣) رقم ٧٢٠٧ بسند صحيح عنه.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٣) حدثنا هشيم عن مغيرة وعبيدة أخبراه عن إبراهيم، فهذا سند صحيح، ورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٤) رقم ٧٢٠٩ حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن أبي معشر عن إبراهيم.\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١٢٨٢)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٤) ٧٢١١ بسند صحيح.\n(^٦) صحيح مسلم (٦٩ - ٣٣٥).","vol":"8","page":508},{"text":"بقضاء بعض الصلاة وهي حائض.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4047> دليل من قال: إذا أدركت من العصر ما يسع الظهر وركعة وجبتا:</span>\nفالظهر تشارك العصر في الوقت؛ لأنها تجمع إليها، وحقيقة الجمع أن تقع الصلاتان في وقت العصر، ولا يمكن أن تقع الصلاتان في وقت العصر إلا إذا فرغت من الأولى، وأدركت ركعة من الثانية قبل خروج وقتها (^١).\nوإنما اشترطنا إدراك ركعة من الأخرى لقوله ﷺ: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، وسبق تخريجه.\nفقوله: (فقد أدرك العصر) دليل على أن الظهر تفوت في حق الحائض إذا لم تدرك من وقت العصر إلا مقدار ركعة منها، فإن أدركت زيادة على الركعة وقتًا يسع صلاة الظهر فقد أدركت الظهر مع العصر، فإن أدركت أدنى من ذلك إلى ركعة كاملة فقد أدركت العصر وحدها، وإن أدركت أدنى من الركعة فلم تدرك الصلاتين معًا.\nوكذا إذا طهرت قبل الفجر فلا بد من إدراك أربع ركعات، ثلاث للمغرب وركعة للعشاء ولا فرق في المسألة هذه بين المقيم والمسافر، لأن المغرب لا تقصر.\nوهذا القول مبني على أن وقت العصر وقت لها وللظهر في حال العذر، وكذا وقت العشاء والمغرب، وقد بينت ضعف هذا القول في القول الذي قبل هذا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4048> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nأن الصلاة إذا خرج وقتها، والمرأة حائض أنه لا يجب عليها القضاء مطلقًا، سواء كانت تجمع مع غيرها، أو لا، وأنها إذا أدركت من الوقت مقدار ركعة، فقد أدركت الصلاة، والسنة صريحة في هذا، والمقصود بالركعة ليس مجرد ركوع، بل ركعة كاملة بقيامها وسجودها، وأنها إذا طهرت بعد منتصف الليل لم تجب عليها صلاة\n_________\n(^١) الإشراف للقاضي أبي محمد (١/ ٢٠٧)، المجموع (٣/ ٦٨).","vol":"8","page":509},{"text":"العشاء، ولا صلاة المغرب؛ لأن وقت العشاء يخرج بمنتصف الليل، ولم يأت في السنة ما يدل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4049>المبحث السابع في اشتراط إدراك وقت يسع للطهارة</span>\n[م-٧٤٨] بينا في المسألة السابقة بماذا تدرك الحائض الوقت، على خلاف بين العلماء، هل تدرك الوقت بإدراك ركعة، أو بإدراك مقدار تكبيرة الإحرام، فهل يشترط أن تدرك مع ذلك وقتًا يسع للطهارة باعتبار أن تحصيل الطهارة شرط في إدراك الوقت؟\nاختلف الفقهاء في هذه المسألة.\nفقيل: يشترط في الوجوب إدراك زمن يسع للغسل، وهذا مذهب المالكية (^١)، وقول في مذهب الشافعية (^٢)، واختاره ابن حزم (^٣).\nوقيل: لا يشترط ذلك، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) منح الجليل (١/ ١٨٦، ١٨٧) الشرح الصغير (١/ ٢٣٤، ٢٣٥)، أسهل المدارك (١/ ١٥٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٨٢، ١٨٣)، حاشية الخرشي (١/ ٢١٩، ٢٢٠).\n(^٢) المجموع (٣/ ٦٧). المهذب (١/ ٦٠)، روضة الطالبين (١/ ١٨٦، ١٨٧)، مغني المحتاج (١/ ١٣٠)، نهاية المحتاج (١/ ٣٩٤، ٣٩٥).\n(^٣) المحلى (مسألة: ٢٥٩).\n(^٤) المجموع (٣/ ٦٧)، المهذب (١/ ٦٠)، روضة الطالبين (١/ ١٨٦، ١٨٧)، مغني المحتاج (١/ ١٣٠)، نهاية المحتاج (١/ ٣٩٤، ٣٩٥)، الإنصاف (١/ ٤٤٢) المبدع (١/ ٣٥٤)، المغني (٢/ ٤٦).","vol":"8","page":511},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4050> دليل من اشترط للوجوب زمن الطهارة:</span>\nقال ابن حزم: «إن الله ﷿ لم يبح الصلاة إلا بطهور، وقد حد الله للصلاة أوقاتها، فإذا لم يمكنها الطهور، وفي الوقت بقية، فنحن على يقين من أنها لم تكلف تلك الصلاة التي لم يحل لها أن تؤديها في وقتها» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4051> دليل من لم يشترط إدراك زمن يسع للطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4052>الدليل الأول:</span>\n(١٨١٢ - ٢٧٢) روى البخاري من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث لم يتعرض لاشتراط الطهارة، وما ورد مطلقًا يجب العمل به على إطلاقه، وتخصيص العام، وتقييد المطلق لا يجوز إلا بدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4053>الدليل الثاني:</span>\nأن الحائض سقطت عنها الصلاة بالحيض، ووجبت عليها بانقطاعه، وفوات الوقت بالاشتغال بالطهارة لا يسقط ما وجب عليها قبل ذلك. وإنما تسقط الصلاة عن الحائض ما دامت حائضًا، فإذا طهرت صارت كالجنب، يلزمها صلاة وقتها التي طهرت فيه (^٢).\n• الراجح:\nأن إدراك الوقت لا يشترط له إدراك زمن الطهارة، كما قالوا إذا طهرت الحائض قبل الصبح، ثم صامت واغتسلت بعد طلوع الصبح صح صومها، وهذه المسألة مثلها، وسيأتي مزيد إيضاح لمسألة الصوم إن شاء الله تعالى في فصل مستقل.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (مسألة ٢٥٩).\n(^٢) انظر فتح البر ترتيب التمهيد (٤/ ١١٧).","vol":"8","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4054>الفصل الثالث أحكام الحائض من حيث الصوم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4055>المبحث الأول يحرم الصوم ويجب القضاء إذا طهرت</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• وجوب العبادة وتحريمها، ووجوب القضاء متوقف على النص.\n[م-٧٤٩] روى عبد الرزاق، قال: عن معمر،\nعن الزهري قال: الحائض تقضي الصوم. قلت: عمن؟ قال: هذا ما اجتمع الناس عليه، وليس في كل شيء نجد الإسناد.\n• أما تحريم الصوم:\n(١٨١٣ - ٢٧٣) فروى البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله،\nعن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: يا معشر النساء تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله.","vol":"8","page":513},{"text":"قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها. ورواه مسلم (^١).\n(١٨١٤ - ٢٧٤) وحديث ابن عمر في مسلم، وفيه: وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين (^٢).\n• وأما وجوب القضاء:\n(١٨١٥ - ٢٧٥) فقد روى مسلم من طريق عاصم، عن معاذة قالت:\nسألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (^٣).\nورواه البخاري من طريق قتادة عن معاذة به بنحوه (^٤).\nونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب قضاء الصوم (^٥).\nوقال الترمذي في السنن: «قول عامة الفقهاء، لا اختلاف بينهم، في أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة» (^٦).\nوقال ابن حزم: «وتقضي صوم الأيام التي مرت بها في أيام حيضها، وهذا نص مجمع لا يختلف فيه أحد» (^٧).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٧٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٦٩ - ٣٣٥).\n(^٤) صحيح البخاري (٣٢١).\n(^٥) في الأوسط (٢/ ٢٠٣).\n(^٦) سنن الترمذي (١/ ٢٣٥).\n(^٧) المحلى، مسألة (٢٥٧).","vol":"8","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4056>المبحث الثاني في إمساك الحائض عن الأكل إذا طهرت في أثناء النهار</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• من أذن له في الأكل أول النهار أذن له في الأكل آخره.\n[م-٧٥٠] اختلف العلماء في الحائض تطهر أثناء النهار، هل يجب عليها الإمساك بقية النهار؟\nفقيل: يجب عليها الإمساك بقية النهار، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: لا يجب عليها الإمساك بقية يومها وهو مذهب المالكية (^٣)، والشافعية (^٤)،\n_________\n(^١) المبسوط (٣/ ٥٧) مراقي الفلاح (ص: ٢٤٨)، حاشية رد المحتار (٢/ ٤٠٨)، فتح القدير (١/ ٣٧١)، البناية العيني (٣/ ٧١٤).\n(^٢) الكافي (١/ ٣٤٦)، المبدع (٣/ ١٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٧٢)، المقنع (ص: ٦٣)، المحرر (١/ ٢٢٧).\n(^٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٥١٤)، الشرح الصغير (١/ ٦٨٩)، وقال: ولا يندب لها الإمساك. التفريع (١/ ٣٠٥)، أسهل المدارك (١/ ٢٦٥).\n(^٤) المهذب (١٨٤)، المجموع (٦/ ٢٥٦).","vol":"8","page":515},{"text":"ورواية في مذهب الحنابلة (^١).\nواستحب لها بعض الشافعية إخفاء الإفطار، لئلا تتعرض إلى التهمة والعقوبة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4057> أدلة القائلين بوجوب الإمساك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4058>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك، كقيام البينة بالرؤية، فمن صار في بعض النهار على صفة لو كان عليها في أول النهار يلزمه الصوم فعليه الإمساك في بقية النهار والقضاء (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4059>الدليل الثاني:</span>\nأنها أبيح لها الفطر، عندما كان السبب موجودًا، فإذا زال السبب المبيح وجب عليها الإمساك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4060>الدليل الثالث:</span>\nأن الإمساك حق للوقت؛ لأنه وقت معظم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4061>الدليل الرابع:</span>\nكل من أدرك جزءًا من وقت العبادة لزمته تلك العبادة، فمن أدرك جزءًا من وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة، وكذلك من أدرك جزءًا من وقت الصيام لزمه الإمساك (^٤).\n• ويناقش:\nبأن من أدرك جزءًا من وقت الصيام لزمه قضاء ذلك اليوم، وليس الإمساك\n_________\n(^١) المغني (٤/ ٣٨٨)، المبدع (٣/ ١٣).\n(^٢) المهذب (١/ ١٨٤)، شرح روض الطالب (١/ ٤٢٤).\n(^٣) المغني (١/ ٣٨٨) بتصرف يسير، ومنار السبيل (١/ ٢٢٣). المبسوط (٣/ ٥٨).\n(^٤) المبسوط (٣/ ٥٨).","vol":"8","page":516},{"text":"فيه؛ لأن لا فائدة من إمساك بعض يوم إذا لم يكن مسقطًا للقضاء، وكيف يجب عليه أكثر مما يجب على غيره، حيث يجمع له بين القضاء والإمساك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4062>الدليل الخامس:</span>\nقالوا: لو أكلت ولا عذر لها اتهمها الناس، والتحرز من مواضع التهم واجب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4063> دليل من قال: لا يجب عليها الإمساك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4064>الدليل الأول:</span>\n(١٨١٦ - ٢٧٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال ﵀: حدثنا وكيع، عن بن عون، عن ابن سيرين، قال:\nقال عبد الله: من أكل أول النهار فليأكل في آخره.\n[منقطع] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4065>الدليل الثاني:</span>\nقال ابن حزم: لا يختلف المخالفون لنا في أن التي طهرت من المحيض والنفاس والقادم من السفر، والمفيق من المرض لا يجزئهم صيام ذلك اليوم، وعليهم قضاؤه، فصح أنهم في هذا اليوم غير صائمين أصلًا، وإذا كانوا غير صائمين فلا معنى لصيامهم، ولا أن يؤمروا بصوم ليس صومًا، ولا هم مؤدون به فرضًا لله تعالى، ولا هم عاصون له بتركه (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٢/ ٢٨٧) رقم ٩٠٤٤، واختلف على ابن عون:\nفرواه وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الله بن مسعود، كما في أثر الباب.\nورواه سعيد بن منصور في سننه (٢٧٩) أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا خالد، ومنصور، عن\nابن سيرين، عن يحيى الجزار، قال: سئل ابن مسعود عن رجل تسحر، وهو يرى أن عليه ليلًا، وقد طلع الفجر، قال: من أكل أول النهار فليأكل آخره.\nفيكون المحفوظ أنه من رواية ابن سيرين، عن يحيى الجزار، عن ابن مسعود، ولم أقف على سماع الجزار من ابن مسعود، فيكون منقطعًا، والله أعلم.\n(^٢) المحلى (مسألة ٧٦٠).","vol":"8","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4066>الدليل الثالث:</span>\nإذا كان يجوز لها الأكل في أول النهار ظاهرًا وباطنًا بغير شبهة، جاز لها الأكل في آخره كسائر الأيام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4067>الدليل الرابع:</span>\nالصوم: هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية العبادة، فإذا كان كذلك لم ينطبق على الحائض التي طهرت في أثناء اليوم، ولم يعتبر فعلها صومًا شرعًا، فلا معنى لإمساكها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4068>الدليل الخامس:</span>\nقالوا: إن صوم اليوم الواحد عبادة واحدة، بدليل أن أوله يفسد بفساد آخره، فلا يجوز أن يكون آخر العبادة واجبًا، وأولها غير واجب، كالصلاة الواحدة (^١).\nوالراجح أننا لا نجمع عليها وجوب الإمساك ووجوب القضاء.\n* * *\n_________\n(^١) الاشراف (١/ ٢٠٧).","vol":"8","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4069>المبحث الثالث في المرأة تطهر قبل الفجر ولا تغتسل إلا بعد طلوع الصبح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا انقطع الحيض ارتفع حكمه إلا فيما تشترط له الطهارة من الحدث.\n• النقاء من الحيض شرط في صحة الصوم، والاغتسال منه بعد انقطاعه ليس بشرط.\n• كل ما يصح من الجنب يصح من الحائض إذا انقطع حيضها ولم تغتسل.\n• وجوب الغسل لا ينافي صحة الصوم كالغسل من الجنابة.\n[م-٧٥١] إذا طهرت المرأة من الحيض ليلًا، ونوت الصيام، وأخرت الغسل إلى طلوع الصبح، فهل يصح صومها ذلك اليوم؟\nاختلف العلماء في ذلك.\nفقيل: إن طهرت قبل الفجر بوقت يتسع فيه للغسل فلم تغتسل حتى طلع","vol":"8","page":519},{"text":"الفجر أجزأها، وإن كان الوقت ضيقًا لا يتسع للغسل لم يصح صومها (^١).\nوهذا مذهب الحنفية، واختاره من المالكية عبد الملك، ومحمد بن مسلمة (^٢).\nوقيل: صيامها صحيح. وهو مذهب الجمهور (^٣).\nوقيل: لا يباح الصيام مطلقًا حتى تغتسل، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٤)، وحكي قولًا للأوزاعي (^٥).\n_________\n(^١) إلا أن الحنفية يستثنون ما لو كان حيضها أكثر الحيض عندهم (عشرة أيام) أو كان نفاسها أكثر النفاس عندهم (أربعين يومًا) ففي هذه الحالة إذا طهرت قبل الفجر صح صومها إذا أمكنها أن تنوي، ولو لم تدرك من الوقت ما يتسع للغسل. ووجهه: أن المرأة إذا طهرت لأكثر الحيض أو النفاس فإنها تخرج من الحيض والنفاس بمجرد انقطاع الدم، أما إذا انقطع الحيض لدون عشرة أيام، أو انقطع النفاس لدون أربعين يومًا، فإن مدة الاغتسال محسوبة من الحيض والنفاس، فلا بد أن تدرك من الليل ما يتسع فيه للاغتسال. انظر بدائع الصنائع (٢/ ٨٩) وقال في فتح القدير (١/ ١٧١): «واعلم أن مدة الاغتسال معتبرة من الحيض في الانقطاع لأقل من العشرة، وإن كان تمام عادتها، بخلاف الانقطاع للعشرة». اهـ\n(^٢) انظر المعونة على مذهب مالك (١/ ٤٨١)، التفريع (١/ ٣٠٨، ٣٠٩). الجامع لأحكام القرآن - القرطبي (٢/ ٣٢٦). والموجود في تفسير القرطبي منسوبًا لعبد الملك هو أنه إذا طهرت قبل الفجر، ولم تغتسل فإن يومها يوم فطر مطلقًا. بينما الموجود في التفريع التفصيل: إن طهرت قبل الفجر في وقت يمكنها فيه الاغتسال ففرطت، فلم تغتسل، ولم تغتسل حتى أصبحت لم يضرها كالجنب، وإن كان الوقت ضيقًا لا تدرك فيه الغسل لم يجز صومها. وقد أشار إلى مثل ذلك القرطبي ﵀.\n(^٣) المدونة (١/ ٢٠٧) وفيه: «وسألت مالكًا عن المرأة ترى الطهر في آخر ليلتها من رمضان، قال: إن رأته قبل الفجر اغتسلت بعد الفجر، وصيامها مجزئ عنها».\nالخرشي (٢/ ٢٤٧)، مختصر خليل (ص: ٧١)، والمعونة على مذهب مالك (١/ ٤٨١)، التفريع (١/ ٣٠٨، ٣٠٩). الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٣٢٦) ونسبه قولًا للجمهور، الإقناع لابن المنذر (١/ ١٩٤)، البيان للعمراني (٣/ ٥٠٠)، روضة الطالبين (٢/ ٣٦٨)، الإنصاف (١/ ٣٤٩)، المبدع (١/ ٢٦٢).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٤٩) المبدع (١/ ٢٦٢).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٢٦). ونسبه ابن قدامة في المغني (٤/ ٣٩٣) قولًا للأوزاعي، والحسن بن حيّ، وعبد الملك بن الماجشون، والعنبري.","vol":"8","page":520},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4070> دليل الجمهور على صحة صومها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4071>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن الكريم، قوله تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ لما أباح المباشرة إلى تبين الفجر، علم أن الغسل إنما يكون بعده (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4072>الدليل الثاني:</span>\n(١٨١٧ - ١٧٧) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن كعب الحميري، أن أبا بكر حدثه، أن مروان أرسله إلى أم سلمة رضي الله تعالى عنها يسأل عن الرجل يصبح جنبًا، أيصوم؟ فقالت:\nكان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من جماع، لا من حلم، ثم لا يفطر، ولا يقضي.\nوفي رواية: يصبح جنبًا من غير احتلام، ثم يصوم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4073>الدليل الثالث:</span>\n(١٨١٨ - ٢٧٨) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقص، يقول في قصصه:\nمن أدركه الفجر جنبًا فلا يصم، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث لأبيه، فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان\n_________\n(^١) المغني (٤/ ٣٩٣).\n(^٢) رواه مسلم (١١٠٩).","vol":"8","page":521},{"text":"النبي ﷺ يصبح جنبًا من غير حلم، ثم يصوم. قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله - قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك. قال: نعم قال: هما أعلم، ثم رد\nأبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي ﷺ. قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان. قال: كذلك كان يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم. رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم (^١).\nوجه الاستدلال من الحديثين:\nإذا كان طلوع الفجر على الصائم وهو جنب لا يفسد صومه، لم يفسد من الحائض إذا طهرت من الدم؛ لأن كلًا منهما يملك أن يرفع حدثه متى شاء. فالحائض عندما انقطع دمها قد طهرت من الخبث، وبقيت طهارتها من الحدث، فأصبح حدثها بعد انقطاع دمها لا يوجب إلا الغسل كالجنب تمامًا، وصفة الغسل فيهما واحدة في الجملة كما بينا في صفة الغسل. فيكون حكمهما واحدًا. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4074> دليل من قال: لا يصح صومها مطلقًا حتى تغتسل قبل الفجر:</span>\nقالوا: حدث الحيض يمنع الصوم، وإذا أصبحت وهي لم تغتسل فيومها يوم فطر؛ لأنها في بعضه غير طاهرة، وليست كالجنب؛ لأن الاحتلام لا ينقض الصوم، والحيضة تنقضه.\n• وأجيب:\nقال ابن قدامة: «ما ذكروه لا يصح، فإن من طهرت من الحيض ليست حائضًا، وإنما عليها حدث موجب للغسل، فهي كالجنب فإن الجماع الموجب للغسل لو وجد\n_________\n(^١) مسلم (١١٠٩)، والبخاري (١٩٢٥، ١٩٢٦).","vol":"8","page":522},{"text":"في الصوم أفسده كالحيض» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4075> دليل من اشترط أن تطهر من الحيض في وقت يسعها فيه الاغتسال</span>.\nالخلاف في الحائض إذا طهرت قبل الصبح، كالخلاف في من طهرت قبل خروج وقت الصلاة، هل يشترط لوجوب الصلاة أن تدرك من الوقت زمنًا يتسع للغسل، أو أن إدراك الوقت لا يشترط له إدراك زمن الطهارة، وقد سقنا الخلاف في هذه المسألة فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.\n• وأجيب:\nبأن القياس مع الفارق، فالطهارة شرط لصحة الصلاة على القول بأن وجوب الصلاة يشترط له إدراك زمن يسع فعل الطهارة بخلاف الصيام فالطهارة ليست شرطًا في صحة الصوم، والله أعلم.\n• الراجح:\nأن الحائض لها طهارتان: طهارة من الخبث، وهذا شرط في صحة الصوم، وهذا يتحقق بانقطاع دم الحيض، ورؤية علامة الطهر، وهو ليس من كسبها.\nوطهارة من الحدث: وهذا يكون بالاغتسال، وهو شرط للصلاة، وإتيان الزوج، وليس شرطًا لصحة الصوم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (٤/ ٣٩٣).","vol":"8","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4076>المبحث الرابع في سقوط الكفارة إذا أفطرت بالجماع ثم نزل الحيض</span>\n[م-٧٥٢] إذا جامع الرجل امرأته في رمضان، وهي طاهرة، وكان ذلك برضاها، ثم نزل عليها دم الحيض في نفس اليوم، فهل تجب عليها الكفارة أو تسقط.\nفي ذلك خلاف بين العلماء.\nفقيل: لا كفارة عليها، وهو مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: تجب عليها الكفارة. وهو مذهب المالكية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وقول في\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٣١)، فتح القدير (١/ ٣٣٧)، المبسوط (٣/ ٧٥).\n(^٢) قال النووي في روضة الطالبين (١/ ٣٧٩): «ولو طرأ جنون أو موت أو حيض، فقولان: أظهرهما السقوط، والمسألة في الحيض مفرعة على أن المرأة إذا أفطرت بالجماع لزمتها الكفارة». وانظر المجموع (٦/ ٣٤٠).\n(^٣) قال في الخرشي (٢/ ٢٥٧): «ومنها من عادته أن تأتيه الحمى في كل ثلاثة أيام، أو في كل أربعة أيام مثلًا، فأصبح في اليوم الذي تأتيه فيه مفطرًا، ثم أن الحمى أتته في ذلك اليوم الذي أفطر فيه فالمشهور أن عليه الكفارة، ولا يعذر في ذلك، ومثله من عادتها الحيض في يوم معين، فأصبحت في ذلك اليوم طاهرة، فأفطرته، ثم جاءها الحيض في بقية ذلك اليوم، أي فعليها الكفارة ...». إلخ كلامه.\nوالمالكية يوجبون الكفارة على من أفطر عامدًا من غير جماع، فإذا كانت الكفارة تجب على امرأة غلب على ظنها أنها تحيض في ذلك اليوم، فأفطرت قبل نزوله، وجبت عليها الكفارة، فوجوبه على امرأة جامعت زوجها وهي صائمة، ولا تتحرى الحيض، ثم حاضت، وجوبه في هذه الصورة أولى. والله أعلم وانظر حاشية الدسوقي (١/ ٥٣٢) ويستثنون في وجوب الكفارة امرأة أفطرت في الجماع، ثم تبين أنه يوم عيد، أو أفطرت، ثم تبين لها أن الحيض أتاها قبل فطرها، فهنا لا يوجبون الكفارة في هذه الصورة. وانظر أسهل المدارك (١/ ٢٦١).\n(^٤) كشاف القناع (٢/ ٣٢٦) قال: «ولو جامع -وهو صحيح- ثم جن أو مرض أو حاضت المرأة أو نفست المرأة بعد وطئها لم تسقط الكفارة».","vol":"8","page":524},{"text":"مذهب الشافعية (^١)، واختاره زفر من الحنفية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4077> دليل الحنفية على سقوط الكفارة:</span>\nقالوا: الحيض ينافي الصوم، وصوم واحد لا يتجزأ، فتقرر المنافي في آخره يمكن شبهة المنافاة في أوله (^٣).\nفلما خرج هذا اليوم عن كونه مستحقًا، فلم يجب بالوطء فيه كفارة، كصوم المسافر، أو كما لو قامت البينة على أنه من شوال (^٤).\nونوقش هذا:\n«والوطء من المسافر الصيام وطء مباح؛ لأن الفطر قد أبيح له، فكيف أفطر سواء كان بالجماع أو بالأكل فهو لم ينتهك محرمًا بخلاف مسألتنا، وكذا إذا تبين أنه من شوال، فإن الوطء غير موجب؛ لأننا قد تبينا أن الوطء لم يصادف رمضان، والموجب إنما هو الوطء المفسد لصوم رمضان» (^٥).\n• تعليل الجمهور على وجوب الكفارة:\nالتعليل الأول:\nالحيض طرأ بعد وجوب الكفارة فلم يسقطها كالسفر.\nالتعليل الثاني:\nأن هذا أفسد صومًا واجبًا في رمضان بجماع تام، فاستقرت الكفارة عليه، كما لو لم يطرأ عذر (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٣٧٩).\n(^٢) المبسوط (٣/ ٧٥).\n(^٣) الأوسط (٣/ ٧٦).\n(^٤) المغني (٤/ ٣٧٨).\n(^٥) المرجع السابق، ونفس الصفحة.\n(^٦) انظر المغني (٤/ ٣٧٨).","vol":"8","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4078>الفصل الرابع في أحكام الحائض من حيث المسجد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4079>المبحث الأول في مكث الحائض بالمسجد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• قال النبي ﷺ للحائض: لا تطوفي حتى تطهري، فقوله: (حتى تطهري) رتب الحكم على سببه، فالظاهر أن المنع من الطواف لعدم الطهارة، لا لعدم دخول المسجد.\n• الدم إذا كان لا يمنع المرأة المستحاضة من الاعتكاف والمكث في المسجد، لم يمنع الحائض.\n• المشرك أخبث من الجنب، وإذا لم يمنع المشرك من دخول المسجد لم يمنع الجنب.\n• إذا كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد رسول الله، لم تمنع الحائض ولا الجنب من باب أولى.\n[م-٧٥٣] اختلف العلماء في مكث الحائض في المسجد:","vol":"8","page":526},{"text":"فقيل: لا يجوز للحائض المكث فيه.\nوهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد (^١).\nوقيل: يجوز للحائض المكث فيه، وهو مذهب داود وابن حزم (^٢)، واختيار المزني (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4080> أدلة الجمهور القائلين بالمنع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4081>الدليل الأول:</span>\n(١٨١٩ - ٢٧٩) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين،\nعن أم عطية، قالت: أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين، وذوات الخدور فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها (^٤).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمر الحيض، أن يعتزلن المصلى والمراد به مكان الصلاة، فهذا نص في منع الحائض من الدخول في المسجد.\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٢٠٥)، فتح القدير (١/ ١٦٥)، البناية (١/ ٦٣٦)، تبيين الحقائق (١/ ٥٦).\nوانظر في مذهب المالكية: التفريع لابن الجلاب (١/ ٢٠٦)، المعونة (١/ ١٨٦)، منح الجليل (١/ ١٧٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٧٣، ١٧٤)، مواهب الجليل (١/ ٣٤٧)، الشرح الصغير (١/ ٣١٢).\nوانظر في مذهب الشافعية: المهذب (١/ ٤٥)، المجموع (٢/ ١٥٦)، الوسيط الغزالي (١/ ٤١٣)، مغني المحتاج (١/ ١٠٩)، الحاوي الكبير (١/ ٣٨٤).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ٢٠٠)، كشاف القناع (١/ ١٩٧)، المبدع ١/ ٢٦٠).\n(^٢) المحلى (مسألة ٢٦٢).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٦٠).\n(^٤) صحيح البخاري (٣٥١)، رواه مسلم (٨٩٠).","vol":"8","page":527},{"text":"• ورد عليهم بأقوال منها:\nقيل: إن الأمر باعتزال الحيض المصلى للندب؛ لأن المصلى ليس بمسجد فيمتنع الحيَّض من دخوله، ونسب ابن حجر هذا القول للجمهور (^١).\nوالأصل أن أمر الرسول ﷺ باعتزال الحائض المصلى للوجوب، ولا يصرف للندب إلا لقرينة، وأما قولهم إن مصلى العيد ليس بمسجد فهذه مسألة محل نزاع (^٢) ولا يكفي هذا صارفًا للأمر من الوجوب إلى الندب.\nوقيل: إن اعتزال الحيَّض المصلى إنما هو حال الصلاة ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن ثم يختلطن بهن، ورجحه ابن رجب (^٣).\nوهذا الافتراض لا دليل عليه من اللفظ، فإن الأمر باعتزال المصلى مطلق وليس مقيدًا بحال الصلاة، وتقييد ما أطلقه الرسول ﷺ لا يجوز إلا بدليل.\nوقيل: المراد بالمصلى هنا الصلاة نفسها لدليلين:\n(١٨٢٠ - ٢٨٠) الأول: أن مسلمًا أخرجه من طريق هشام، عن حفصة بنت سيرين:\nعن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق، والحيَّض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين. قالت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: لتلبسها أختها من جلبابها (^٤).\n_________\n(^١) الفتح (٣٢٤).\n(^٢) قال ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ١٤١): «قد قيل: بأن مصلى العيدين مسجد، فلا يجوز للحائض المكث فيه، وهو ظاهر كلام بعض أصحابنا، منهم ابن أبي موسى في شرح الخرقي، وهو أيضًا أحد الوجهين للشافعية».\nثم قال أيضًا: «وقيل: إن المصلى يكون له حكم المساجد في يوم العيدين خاصة، في حال اجتماع الناس فيه دون غيره من الأوقات ...» إلخ كلامه ﵀.\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٤٢).\n(^٤) صحيح مسلم (١٢/ ٨٩٠) الحديث رواه محمد بن سيرين وحفصة بنت سيرين عن أم عطية:\nفقد رواه أيوب كما في البخاري (٣٢٤، ٩٧٤) ومسلم (١٠/ ٨٩٠)، ويزيد بن إبراهيم كما عند البخاري (٣٥١)، وابن عون كما في البخاري (٩٨١) ثلاثتهم عن محمد بن سيرين عن أم عطية بالأمر باعتزال المصلى. لم يختلف على محمد في ذكر المصلى.\nوروته حفصة عن أم عطية، واختلف على حفصة في لفظه .. فرواه عنها أيوب كما في البخاري (٩٨٠) بالأمر باعتزال المصلى كما هي رواية محمد بن سيرين.\nورواه عاصم الأحول عنها، كما في البخاري (٩٧)، ومسلم (٨٩٠) وفيه: (أن يكن خلف الناس).\nورواه هشام، عن حفصة بالأمر باعتزال الصلاة كما في رواية مسلم (٨٩٠) والله أعلم.","vol":"8","page":528},{"text":"فقال: (يعتزلن الصلاة)، فعلم أن المراد باعتزال المصلى، الصلاة نفسها.\nالثاني: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بالفضاء، وليس بالمسجد، فإذا طلب منهن اعتزال المصلى علم أن المراد الصلاة.\nوحتى لا يقطع الحيَّض صفوف الطاهرات، طلب منهن أن يكن خلف الصفوف.\n(١٨٢١ - ٢٨١) فقد رواه البخاري، من طريق عاصم الأحول عن حفصة،\nعن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيض فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته.\nهذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم عدا قوله: (يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) فقد انفرد بها البخاري (^١).\nوكون الحيض خلف الناس لا يلزم منه أن يكن خارج المصلى.\nوالحقيقة أن هذا الحديث محتمل، فيحتمل أن الأمر باعتزال المصلى المقصود به الصلاة ... كما ورد عند مسلم، وهذا يرجحه أن المصلى على عهد النبي ﷺ لم يكن مسجدًّا، بل كان في الصحراء، فلا يكون له حكم المسجد.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٩٧١) ومسلم (١١/ ٨٩٠).","vol":"8","page":529},{"text":"ويحتمل أن النهي عن الصلاة المراد به المصلى، وهذا أضعف من الاحتمال السابق، ومع الاحتمال لا يصلح هذا الدليل حجة في المسألة، فيطلب المنع من دليل آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4082>الدليل الثاني:</span>\n(١٨٢٢ - ٢٨٢) ما رواه أبو داود قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد ابن زياد قال: حدثنا أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت:\nسمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي ﷺ ولم يضع القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا البيوت عن المسجد فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبو داود (٢٣٢).\n(^٢) ضعيف، ضعفه بعضهم بأفلت بن خليفة، كابن حزم، وابن المنذر، والخطابي في معالم السنن. قال ابن حزم في المحلى (٢/ ١٨٦): «أفلت غير مشهور، ولا معروف بالثقة، وحديثه هذا باطل».\nوقال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١١٠): «حديث عائشة ... غير ثابت؛ لأن أفلت مجهول، لا يجوز الاحتجاج بحديثه».\nوقال الخطابي في معالم السنن (١/ ١٥٩): «ضعفوا هذا الحديث، وقالوا: أفلت راويه مجهول، لا يصح الاحتجاج بحديثه».\nوالحق أن أفلت صدوق قد قال فيه أحمد: ما أرى به بأسًا. كما في الجرح والتعديل (٢/ ٣٤٦).\nوقال الدارقطني: صالح. تهذيب الكمال (٣/ ٣٢٠)، تهذيب التهذيب (١/ ٣٢٠).\nوقال أبو حاتم: شيخ. الجرح والتعديل (٢/ ٣٤٦).\nوذكره ابن حبان في الثقات. الثقات لابن حبان (٦/ ٨٨).\nوقال الذهبي: صدوق. الكاشف رقم (٤٦١). وكذا قال ابن حجر في التقريب.\nلكن في إسناده جسرة بنت دجاجة، لم يوثقها إلا ابن حبان والعجلي، والحمل عليها فيه. ثقات العجلي (٢/ ٤٥٠)، الثقات (٤/ ١٢١). =","vol":"8","page":530},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وحسن حديثها ابن القطان الفاسي كما في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٣٢).\nوقال البخاري: عند جسرة عجائب. التاريخ الكبير (٢/ ٧٦).\nوقال الدارقطني: يعتبر بحديثها إلا أن يحدث عنها من يترك. سؤالات البرقاني للدارقطني.\nوالاعتبار بحديثها لا يعني الاحتجاج بها.\nوقال عبد الحق الإشبيلي كما في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٣٢) «جسرة ليست بمشهورة».\nوفي التقريب: مقبولة. يشير إلى أن حديثها فيه لين عند التفرد. ولا أعلم أحدًا تابع جسرة. بل إنه قد اختلف عليها في هذا الحديث كما سيأتي بيانه إن شاء الله.\nوقوى الحديث بعضهم.\nفقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١٣٢٧) وهذا ذهاب منه لتصحيح الحديث؛ لأنه قد رسم كتابه بالصحيح، وحسن إسناده ابن القطان كما في كتاب الوهم والإيهام (٥/ ٣٣٢)، وتابعه الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٩٤)، وحسنه ابن سيد الناس كما في الهداية في تخريج أحاديث البداية (٢/ ٣١).\nوالحديث اختلف فيه على جسرة:\nفرواه موسى بن إسماعيل كما في التاريخ الكبير للبخاري (١٧١٠).\nومسدد كما في سنن أبي داود (٢٣٢) وسنن البيهقي الكبرى (٢/ ٤٤٢).\nومعلى بن أسد كما في صحيح ابن خزيمة (١٣٢٧) ثلاثتهم عن عبد الواحد بن زياد، حدثنا أفلت بن خليفة، حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد ... وذكرت الحديث.\nوخالف محدوج أفلت بن خليفة، فرواه عن جسرة، عن أم سلمة.\nأخرجه ابن ماجه (٦٤٥) والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٣٧٣) ح ٨٨٣، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٩٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٦٥) من طريق أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن جسرة، قالت: أخبرتني أم سلمة، قالت: دخل رسول الله ﷺ فنادى بأعلى صوته: إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض.\nزاد الطبراني وابن أبي حاتم في العلل: إلا للنبي وأزواجه وفاطمة بنت محمد وعلي.\nقال أبو زرعة: يقولون: عن جسرة، عن أم سلمة، والصحيح عن عائشة.\nوقال ابن حزم: «أما محدوج فساقط يروي المعضلات عن جسرة، وأبو الخطاب الهجري مجهول». المحلى (مسألة ٢٦٢).\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٨/ ٤٣٤).\nوقال البخاري: فيه نظر. الكامل لابن عدي (٦/ ٤٤٤)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤٤٣).\nوفي التقريب: مجهول. =","vol":"8","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4083>الدليل الثالث:</span>\n(١٨٢٣ - ٢٨٣) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن\nعائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات\n_________\n= وقوله: «إلا للنبي، ولأزواجه، وعلي، وفاطمة» قد قال البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة أفلت (١٧١٠): «جسرة عندها عجائب. قال: وقال عروة، وعباد بن عبد الله، عن عائشة عن النبي ﷺ: سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر، وهذا أصح».قلت: قد أخرج البخاري (٤٦٦) ومسلم (٢٣٨٢) من حديث أبي سعيد وفيه: «لا يَبْقَينّ في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر».\nورواه البخاري (٤٦٧) من حديث ابن عباس: سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد إلا خوخة أبي بكر.\nإلا أن يقال: إن النبي ﷺ مستثنى باعتباره إمام المسلمين، وآله تبع له في حياته، فلما انقضت مدته من الدنيا، وخرج مودعًا للناس أمر بسد الأبواب كلها إلى المسجد غير باب أبي بكر، وهذا الجمع يقال لو صح الحديث لكن حديث جسرة لا يثبت.\nوقال ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ١٥٨) عن استثناء علي وفاطمة وأزواج محمد قال: «هذا الاستثناء باطل موضوع من زيادة بعض غلاة الشيعة، ولم يخرجه ابن ماجه في الحديث».\nقلت: استثناء علي ورد من حديث سعد بن مالك عند أحمد (١/ ١٧٥) والترمذي (٣٧٢٧) ومن حديث ابن عباس عند الترمذي (٣٧٣٢) وفيهما ضعف.\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (١/ ٣٢١): «روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» أخرجه أبو داود من حديث عائشة، وابن ماجه من حديث أم سلمة، وفي إسناديهما ضعف. وعلى تقدير صحة ذلك فهو محمول على اللبث في المسجد.\nوقال عبد الحق الإشبيلي كما في بيان الوهم والإيهام لابن القطان (٥/ ٣٢٧): «لا يثبت من قبل إسناده».\nوقال ابن رشد كما في بداية المجتهد المطبوع مع الهداية (٢/ ٣١): «وهو حديث غير ثابت عند أهل الحديث».","vol":"8","page":532},{"text":"آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري، ورواه مسلم (^١).\nفحملوا منعها من الطواف من خوف المكث في المسجد فإنها ممنوعة منه عندهم لما قد يترتب على ذلك من تلويث المسجد.\nوهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن النهي صريح في المنع من الطواف، وهو أخص من المكث، فلو منعها من المكث لدخل في ذلك الطواف وليس العكس، ثم إن حمل النهي على المكث صرف للنهي عن ظاهره، وحمله على أمر لم يذكره الرسول ﷺ في الحديث، ويؤدي إلى تعطيل ما نص عليه رسول الله ﷺ ولو كانت علة النهي للحائض من الطواف خوف التلوث لأرشدها الرسول ﷺ إلى الاستثفار كما أرشد إلى ذلك أسماء بنت عميس حيث ولدت في الميقات.\n(١٨٢٤ - ٢٨٤) فقد روى مسلم من حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ وفيه: خرجنا معه -يعني النبي ﷺ- حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي (^٢).\nولو كانت العلة خوف التلويث لما كان النهي عن الطواف حتى تغتسل الحائض، ولكان النهي يمتد إلى حين انقطاع دم الحيض.\n(١٨٢٥ - ٢٨٥) فقد رواه مسلم بلفظ: «افعلي مايفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي» (^٣).\nولو كانت العلة خوف التلويث لمنعت المستحاضة من دخول المسجد.\n(٢٨٢٦ - ٢٨٦) فقد روى البخاري من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن عائشة:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٥). رواه مسلم (١٢٠/ ١٢١١).\n(^٢) صحيح مسلم (١٤٧/ ١٢١٨).\n(^٣) صحيح مسلم (١١٩/ ١٢١١).","vol":"8","page":533},{"text":"أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم (^١).\nوقد يستدل بحديث عائشة على عكس قولهم، فيستدل به على جواز المكث في المسجد لأن قوله: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت). فيقال: إن الاستثناء معيار العموم، فلم يستثن الرسول ﷺ إلا الطواف، ومعلوم أن الحاج يمكث في المسجد، ولو كان لا يحل لها لنهاه النبي ﷺ عنه، وبهذا الاستدلال قال ابن حزم، فقد قال: «لو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵇ عائشة إذ حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف في البيت، ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵇ عن ذلك، ويقتصر على منعها من الطواف» (^٢).\nوهذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن الطواف استثني من أعمال المناسك:\nفكأنه قال: افعلي جميع المناسك ما عدا الطواف، والمكث في المسجد ليس من الأعمال الخاصة بالمناسك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4084>الدليل الرابع:</span>\nالقياس على الجنب. فإذا كان الجنب ممنوعًا من المكث في المسجد كانت الحائض أولى؛ لأن حدث الحيض أغلظ؛ حيث تمنع من الصيام ولا يمنع الجنب من ذلك ولا تقضي الحائض الصلاة، والجنب مأمور بفعلها إذا تطهر.\nوالدليل على منع الجنب قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].\n(١٨٢٧ - ٢٨٧) فقد روى عبد الرزاق، قال: عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن عبد الله،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٩).\n(^٢) المحلى مسألة (٢٦٢).","vol":"8","page":534},{"text":"عن ابن مسعود أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازًا ولا أعلمه إلا قال: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣] (^١).\n[أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ورأى بعضهم أن حديث أبي عبيدة في حكم المتصل] (^٢).\n(١٨٢٨ - ٢٨٨) وروى ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا\n_________\n(^١) المصنف (١٦١٣).\n(^٢) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن جرير الطبري (٩٥٥٤) وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٠٧) والبيهقي (٢/ ٤٤٣).\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٥) رقم ١٥٥٢: حدثنا شريك بن عبد الله، عن عبد الكريم عن أبي عبيدة من قوله ... ولم يذكر عن ابن مسعود، وهذا من سوء حفظ شريك.\nوقال الترمذي كما في السنن (١/ ٢٨، ٣٣٧)، والنسائي كما في السنن (١٤٠٤)، وابن حبان كما في الثقات (٥/ ٥٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٧٥)، وفي المعرفة (٣/ ١٤) و(٤/ ٣٧٠) وابن عبد الهادي كما في تنقيح التحقيق (٣/ ٣٩): أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا. وانظر التمهيد (٥/ ٣٧)، (٢٠/ ٢٣٢).\nوقال الحافظ في التقريب: والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه.\nوروى شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة، هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: ما أذكر منه شيئًا. المراسيل لابن أبي حاتم (٩٥٢، ٩٥٥)، الطبقات الكبرى (٦/ ٢١٠)، جامع التحصيل (٣٢٤).\nإلا أن هذا لا يمنع من تصحيح هذا الأثر عند بعض العلماء، فقد صحيح الدارقطني إسناد أبي عبيدة عن أبيه في السنن (٣/ ١٧٣) وقال: أبو عبيدة أعلم بحديث أبيه، وبمذهبه وفتياه ....\nوقال في العلل (٥/ ٣٠٨): «قيل سماع أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه صحيح؟ قال: مختلف فيه، والصحيح عندي أنه لم يسمع منه، ولكنه كان صغيرًا بين يديه ...». وانظر البدر المنير (٦/ ٥٩٤).\nوقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠٤): «يقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن هو عالم بحال أبيه، متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه ..... ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه، وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه».\nوقال ابن القيم في تهذيب السنن (٦/ ٣٥٠): «أبو عبيدة شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده من العلم ما ليس عند غيره». وانظر شرح معاني الآثار (١/ ٩٥).","vol":"8","page":535},{"text":"أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن ابن عباس قال: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) قال: إلا وأنت مار فيه (^١).\n• وأجيب بجوابين:\nأحدهما: أن الأثر ضعيف (^٢).\nالثاني: أنه قد صح عن ابن عباس خلاف:\n(١٨٢٩ - ٢٨٩) فقد روى ابن جرير من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن قتادة، عن أبي مجلز،\nعن ابن عباس في قوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) قال: المسافر. وقال ابن المثنى: السفر (^٣).\nفهذا سند في غاية الصحة، ولا تضر عنعنة قتادة وقد جاء حديثه من طريق شعبة (^٤).\n(١٨٣٠ - ٢٩٠) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ١٠٦) ورواه الطبري في تفسيره (٩٥٥٥) من طريق عبد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي به.\n(^٢) فيه أبو جعفر، وثقه بعضهم وتكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، وقال فيه أحمد: ليس بقوي في الحديث وقال مرة: صالح الحديث.\nوقال ابن معين: يكتب حديثه، ولكنه يخطئ. وقال مرة: صالح. وقال أخرى: ثقة، وهو يغلط فيما يروي عن مغيرة.\nوقال عمرو بن علي: فيه ضعف، وهو من أهل الصدق سيء الحفظ.\nوقال أبو زرعة: شيخ يهم كثيرًا. وفي التقريب: صدوق سيء الحفظ خصوصًا عن مغيرة.\nوأخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (١/ ٥٠٢) حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، أخبرنا أبو جعفر به.\n(^٣) تفسير الطبري (٩٥٣٧).\n(^٤) والأثر رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩٥٤١) من طريق هشام عن قتادة به. ورواه ابن\nأبي شيبة (١/ ١٤٤) رقم ١٦٦٥، حدثنا وكيع، عن ابن أبي عروبة عن قتادة به. ومن طريق ابن أبي عروبة أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٠٨). وقال السيوطي في تفسيره (٢/ ٥٤٧): «وأخرج عبدالرزاق وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس به».","vol":"8","page":536},{"text":"ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، وزر، عن علي (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]، قال: المار الذي لا يجد الماء يتيمم، ويصلي (^١).\nورواه ابن جرير الطبري (^٢)، وابن المنذر (^٣)، من طريق ابن أبي ليلى إلا أن\nابن المنذر لم يذكر عباد بن عبد الله، وابن جرير رواه عن عباد أو عن زر.\n[وهذا الإسناد فيه ضعف منجبر] (^٤).\nوقد فسر قوله تعالى: (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافرين جماعة من التابعين، منهم مجاهد (^٥)، وعمرو بن دينار (^٦)، وسعيد بن جبير (^٧)، وسليمان بن موسى (^٨)، والحكم ابن عتيبة (^٩)، والحسن بن مسلم (^١٠).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٤٤) رقم ١٦٦٣.\n(^٢) تفسير الطبري (٩٥٣٩).\n(^٣) الأوسط (٢/ ١٠٨).\n(^٤) لأن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى فيه ضعف من قبل حفظه، لكنه توبع، فقد أخرجه البيهقي (١/ ٢١٦) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله، وليس هو المسعودي، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، عن علي قال: أنزلت هذه الآية في المسافر (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) قال: إذا أجنب فلم يجد الماء تيمم وصلى حتى يدرك الماء، فإذا أدرك الماء اغتسل.\nوقال السيوطي في تفسيره (٢/ ٥٤٦): «أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن علي في قوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) قال: نزلت هذه الآية في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي.\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١٦١٥)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٩٥٤٣)، (٩٥٤٤)، (٩٥٤٥)، (٩٥٤٦) من طرق عن مجاهد.\n(^٦) رواه عبد الرزاق (١٦١٤) بسند صحيح عنه.\n(^٧) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩٥٤٠) بسند صحيح عنه.\n(^٨) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٥) رقم ١٦٦٦ بسند صحيح عنه.\n(^٩) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩٥٥١) بسند صحيح عنه.\n(^١٠) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٤) رقم ١٦٦٤ بسند صحيح، ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩٥٤٧) من طريق شيخ ابن أبي شيبة.","vol":"8","page":537},{"text":"وذهب عطاء (^١)، والحسن (^٢)، وإبراهيم النخعي (^٣)، إلى أن معنى قوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) الجنب يمر في المسجد.\nوقد حكي عن ابن مسعود، وخالفه ابن عباس، وسبق الكلام عليهما فتحصل في معنى الآية قولان:\nالأول: أن معنى قوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي لا يقرب الصلاة الجنب إلا أن يكون مسافرًا فيتيمم ويصلي وهذا التفسير هو الثابت عن ابن عباس وعلي وجماعة من التابعين.\nالثاني: أن معنى قوله: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي: لا تقرب موضع الصلاة وأنت جنب إلا أن تكون مارًا في المسجد غير ماكث فيه.\nوعليه فيكون معنى قوله: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) أي لا تقربوا مواضع الصلاة (^٤). ولكل قول عندي مرجح.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٥) بسند رجاله ثقات وفيه عنعنة ابن جريج عن عطاء لكنه مكثر عن عطاء فلعلها تغتفر.\n(^٢) رواه ابن جرير الطبري (٩٥٥٩) بسند رجاله ثقات وفيه عنعنة قتادة، وهو مدلس مكثر.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٥) رقم ١٥٥٤ بسند صحيح.\n(^٤) انظر تفسير القرطبي (٥/ ١٠٠)، تفسير مجاهد (١/ ١٥٨)، زاد المسير (٢/ ٩٠)، فتح القدير (١/ ٤٦٩)، مشكل إعراب القرآن (١/ ١٩٨)، تفسير ابن كثير (١/ ٥٠٣) ورجح أن المراد بقوله: «إلا عابري سبيل» أي المجتاز مرًا. قال ابن كثير: «لو كان معنيًا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) معنى مفهوم». وانظر أحكام الجصاص (٣/ ١٦٩) ورجح أن المراد به المسافر، قال: «وما روي عن علي وابن عباس في تأويله أن المراد المسافر الذي لا يجد الماء فيتيمم أولى من تأويل من تأوله على الاجتياز في المسجد؛ وذلك لأن قوله تعالى (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) نهي عن فعل الصلاة في هذه الحال، لا عن المسجد؛ لأن ذلك حقيقة اللفظ، ومفهوم الخطاب، وحمله على المسجد عدول بالكلام عن حقيقته إلى المجاز بأن تجعل الصلاة عبارة عن موضعها، كما يسمى الشيء باسم غيره للمجاورة أو لأنه تسبب منه كقوله تعالى (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ) يعني به مواضع الصلاة ومتى أمكننا استعمال اللفظ على حقيقته لم يجز صرف ذلك عن الحقيقة، وفي نسق التلاوة ما يدل على أن المراد حقيقة الصلاة وهو قوله تعالى (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)».","vol":"8","page":538},{"text":"فأما ترجيح أن المراد به المجتاز، وليس المسافر، فيرجحه أن الله ﷾ قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ...) الآية [المائدة: ٦]، فلو كان يقصد بقوله: إلا عابري سبيل هو المسافر، لم يكن لإعادة ذكره معنى.\nوأما ترجيح تفسير (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافر، فيكفي أنه تفسير اثنين من الصحابة ﵄، ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، ولأنه لا يحتاج إلى تقدير في الآية، فمعنى (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) على حقيقته وليس مواضع الصلاة كما فسرها أصحاب القول الأول ... وتفسير الصحابة أحب إلى نفسي وإن كان قد يبدو لفهمي القاصر خلاف المعنى. والله أعلم.\nوعلى القول بأن الجنب منهي عن المكث في المسجد، فقياس الحائض عليه ليس دليلًا مسلمًا من كل وجه ...\nأولًا: لضعف القياس في مثل هذه الأمور.\nوثانيًا: الجنب بيده أن يتطهر، ففي الآية حث له على الإسراع على التطهر أما الحائض فلا تملك أمرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4085>الدليل الخامس:</span>\n(١٨٣١ - ٢٩١) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة،\nعن عائشة ﵂ أنها كانت ترجل النبي ﷺ، وهي حائض وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه. ورواه مسلم بنحوه (^١).\nوجه الاستدلال:\nقالوا لو كانت الحائض تدخل المسجد لما أحوجت عائشة النبي ﷺ إلى هذا الفعل، ولبادرت إليه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٠٤٦)، ومسلم (٢٩٧).","vol":"8","page":539},{"text":"• وأجيب:\nبأن مثل هذا لا يلزم منه تحريم دخول الحائض، وقد يكون هذا الفعل من حسن معاملة الرسول ﷺ لأهله، فلم يرغب في تكليفهم بالخروج من البيت.\nوقد تكون عائشة تعتقد أن المسجد ليس محلًا لغسل الرأس، وكان الترجيل معه غسل.\n(١٨٣٢ - ٢٩٢) كما روى البخاري من طريق منصور، عن إبراهيم، عن الأسود،\nعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﷺ يباشرني، وأنا حائض، وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض.\nولفظ مسلم: وهو مجاور - فأغسله وأنا حائض (^١).\nوقد يكون في المسجد رجال أجانب، ولم يحب الرسول ﷺ أن يطلعوا على ذلك، وغايته أنه فعل لا يرقى إلى تحريم دخول الحائض المسجد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4086> أدلة القائلين بجواز مكث الحائض في المسجد:</span>\nفي الحقيقة أن أصحاب هذا القول ليسوا بحاجة إلى دليل؛ لأن المطالب بالدليل من منع ذلك، أما هؤلاء فيكفي أن يجيبوا عن أدلة القول الأول إجابة مقنعة، فإن فعلوا كفاهم دليلًا .. ومع ذلك فسوف نسوق بعض الأدلة التي ذكروها، وإن كان بعضها فيه نزاع كما سنرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4087>الدليل الأول:</span>\nالأصل الحل، وبراءة الذمة، ولم يرد دليل صحيح صريح في منع الحائض من المكث في المسجد، ولا يجوز منع الحائض إلا بدليل صحيح سالم من المعارضة ولم يصح في هذا الباب شيء.\n_________\n(^١) البخاري (٢٠٣١) ومسلم (٨/ ٢٩٧).","vol":"8","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4088>الدليل الثاني:</span>\n(١٨٣٣ - ٢٩٣) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع\nعن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هريرة إن المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم (^١).\nوجه الشاهد منه، قوله: (إن المؤمن لا ينجس).\nفإذا كان المؤمن لا ينجس فالحائض والجنب ونحوهما أجسامهم طاهرة؛ لأنهم من جملة المؤمنين، والطاهر لا يمنع من دخول المسجد.\nوالحقيقة أن قوله: (إن المؤمن لا ينجس) يحتمل أن المؤمن لا ينجس بالجنابة، لأنه معلوم أن المؤمن كغيره تلحقه النجاسة الحسية كما لو وقع عليه بول أو غائط، ودم الحيض مجمع على نجاسته.\nويحتمل أن معنى قوله: (إن المؤمن لا ينجس) بمعنى أنه طاهر بإيمانه فهي طهارة معنوية، كما أن المشرك نجس بالشرك نجاسة معنوية، وإن كان بدنه طاهرًا حسًا، وعلى كلا المعنيين لا يصلح دليلًا لمسألتنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4089>الدليل الثالث:</span>\n(١٨٣٤ - ٢٩٤) ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم\nعن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا وضوء الصلاة (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١) واللفظ للبخاري.\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣١٣).","vol":"8","page":541},{"text":"[اختلف فيه على هشام بن سعد، والمحفوظ أنه عن زيد بن أسلم عن رجال من أصحاب النبي ﷺ، وليس فيه (إذا توضؤوا) الدالة على الشرطية] (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الوضوء لا يرفع الجنابة، فإذا جاز جلوس الجنب بالوضوء دل على جواز دخول المسجد للجنب، والمحفوظ من لفظه ليس فيه ما يدل على الشرطية، وإنما لفظه: (كان الرجل منهم يجنب، ثم يتوضأ، ثم يدخل المسجد) فتكون دلالته حكاية فعل لا يدل على وجوب الوضوء، حتى ولو صح لفظ: (إذا توضؤوا) فاشتراط الوضوء للمكث في المسجد دليل على جواز دخول الجنب مع بقاء حكم الجنابة ..\n_________\n(^١) اختلف في على هشام بن سعد:\nفرواه الدراوردي كما في سنن سعيد بن منصور (٦٤٧)، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب النبي ﷺ يجلسون في المسجد، وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة.\nبلفظ يشعر بالشرطية: (إذا توضؤوا).\nورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة تحقيق عوامة (١٥٦٧) عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: كان الرجل منهم يجنب، ثم يتوضأ، ثم يدخل المسجد فيجلس فيه. اهـ\nفهنا سقط من الإسناد عطاء بن يسار.\nووكيع أثبت من الداروردي ولا مقارنة، وقد ذكره عن زيد ولم يذكر عطاء بن يسار، وقد توبع وكيع، ولم يتابع الدراوردي،\nقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣١٣) روى حنبل بن إسحاق صاحب أحمد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبًا فيتوضأ، ثم يدخل المسجد فيتحدث.\nوهنا تابع أبو نعيم وكيعًا في عدم ذكر عطاء. وذكره أن إسناده على شرط مسلم. وزيد بن أسلم لم يرو عن صحابي إلا ابن عمر، وسمع منه حديثين.\nولفظ وكيع وأبي نعيم ليس فيه لفظ (إذا توضؤوا) الدال على الشرطية، فتكون الدلالة فيه حكاية فعل لا تدل على الوجوب.","vol":"8","page":542},{"text":"وأجيب عن هذا الأثر بأكثر من جواب:\nالجواب الأول: أن الأثر ضعيف.\nالجواب الثاني: على تفسير: (وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣] بأن المقصود به المجتاز فإنه يعارض هذا الأثر، فإن الآية تضمنت نهي الجنب عن المكث في المسجد وجعلت غاية النهي هي الاغتسال، بينما الأثر جعل غاية النهي الوضوء.\nالجواب الثالث: أن الأثر لم يحك عنهم أن هذا الفعل منهم كان زمن التشريع، بل صريح في أن زيد بن أسلم رآهم، وهذا يدل على أنه كان ذلك بعد وفاة النبي ﷺ ولم يحك عن عموم الصحابة حتى يكون حكاية للإجماع، فلا يصلح للاحتجاج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4090>الدليل الرابع:</span>\n(١٨٣٥ - ٢٩٥) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر ابن أبي شيبة،\nوأبو كريب، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن ثابت ابن عبيد، عن القاسم بن محمد،\nعن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: ناوليني الخمرة من المسجد، قالت: فقلت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك (^١).\nوهذا الحديث لا دلالة فيه على المكث بكل حال، وإنما النزاع هل يدل على جواز المرور فيه لتناول حاجة في المسجد أم لا؟ فمن منع المكث له أن يقول: ليس فيه إلا جواز المرور، ومع ذلك دلالته على جواز المرور فيها نزاع؛ لأن العلماء قد اختلفوا في معناه على قولين أو ثلاثة ولكل وجهة.\nوالحديث محتمل، ومع الاحتمال لا يصح الاستدلال.\nوإليك الأقوال في معنى الحديث.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١١/ ٢٩٨).","vol":"8","page":543},{"text":"فقيل: إن الخمرة هي التي كانت في المسجد وأخذوا الحديث بظاهره.\n(١٨٣٦ - ٢٩٦) واستدلوا لقولهم بما أخرجه أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منبوذ، عن أمه، قالت:\nكنت عند ميمونة فأتاها ابن عباس، فقالت: يا بني، مالك شعثًا رأسك؟ قال: أم عمار مرجلتي حائض. قالت: أي بني وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض، فيضع رأسه في حجرها، فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض. أي بني وأين الحيضة من اليد؟ (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوعلى هذا القول يكون معنى: (إن حيضتك ليست في يدك) تحتمل معنين:\nالأول: أن حيضتك في تقدير الله ﷾، كقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: (إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم).\nالمعنى الثاني: أن يدك هي التي سوف تباشر الخمرة، ويدك طاهرة، فليست الحيضة في اليد.\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٣٣١).\n(^٢) رواه أحمد (٦/ ٣٣١)، والحميدي (٣١٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢١١٥)، والنسائي في المجتبى (٢٧٣، ٣٨٥)، وأبو يعلى (٧٠٨١)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٤) ح ٢٣ من طريق سفيان.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (١٢٤٩)، وإسحاق بن راهويه (٢٠٢٦)، وأحمد (. . .)، والطبراني في الكبير (٢٤/) ح ٢٢ من طريق ابن جريج، كلاهما عن منبوذ به.\nومنبوذ، قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول، فلم يصب.\nفقد قال فيه ابن معين: ثقة. الجرح والتعديل (٨/ ٤١٨)، وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢١٣).\nوذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٧/ ٥٢٤).\nوقال الذهبي: ثقة. الكاشف (٥٦٢٤).\nومثل هذا لا يقال له مقبول: أي لين الحديث إذا انفرد، لكن علة الإسناد أم منبوذ، حيث لم يرو عنها إلا ابنها منبوذ، ولم يوثقها أحد فهي مجهولة.","vol":"8","page":544},{"text":"القول الثاني في معنى الحديث: أن الرسول ﷺ طلب أن تناوله الخمرة وهو في المسجد، وعائشة حائض، فيكون معنى ناوليني الخمرة من المسجد أي من قبل المسجد كما تقول: أعطني الثوب من النافذة أي من جهة النافذة.\nفقد نقل النووي عن عياض، قال: «معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد: أي وهو في المسجد، لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد؛ لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا، وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض، لقوله ﷺ: (إن حيضتك ليست في يدك) فإنها خافت من إدخال يدها في المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى» (^١).\nفعلى هذا يكون الحديث فيه إشارة لمنع الحائض من دخول المسجد إذا حملناه على هذا المعنى، بل يدل على منع المرور فيه فضلًا عن المكث.\n(١٨٣٧ - ٢٩٧) ويشهد لهذا التأويل ما رواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم،\nعن أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: يا عائشة ناوليني الثوب. فقالت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك، فناولته.\nالمعنى الثالث:\nقالوا: يحتمل الحديث (ناوليني الخمرة من المسجد) أي من المصلى، ولا يلزم أن يكون المصلى في المسجد، حتى الموضع الذي يصلي فيه من البيت يسمى مصلى، وهو مسجد، لأنه موضع للسجود.\n(١٨٣٨ - ٢٩٨) ويشهد لهذا ما رواه أحمد من طريق ابن جريج، قال: أخبرني منبوذ أن أمه أخبرته أنها بينا هي جالسة عند ميمونة زوج النبي ﷺ إذ دخل عليها ابن عباس، فقالت: مالك شعثًا؟ قال: أم عمار مرجلتي حائض. فقالت: أي بني،\n_________\n(^١) شرح النووي لصحيح مسلم (١/ ٥٩٦).","vol":"8","page":545},{"text":"وأين الحيضة من اليد؟ لقد كان النبي ﷺ يدخل على إحدانا وهي متكئة حائض، قد علم أنها حائض، فيتكئ عليها، فيتلوا القرآن وهو متكئ عليها، أو يدخل عليها قاعدة وهي حائض فيتكئ في حجرها، ويتلو القرآن في حجرها وتقوم وهي حائض فتبسط له الخمرة في مصلاه. وقال ابن بكر: خمرته فيصلي عليها في بيتي، أي بني وأين الحيضة من اليد؟ (^١).\n[ضعيف أم منبوذ مجهولة] (^٢).\nوإذا احتمل الحديث هذه الاحتمالات لم يصلح دليلًا، لا للمانعين، ولا للمجيزين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4091>الدليل الخامس:</span>\n(١٨٣٩ - ٢٩٩) ما رواه البخاري من طريق هشام، عن أبيه،\nعن عائشة أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها وكانت معهم، وفيه قصة، وفي آخر الحديث: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت. قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش ... الحديث (^٣).\nوجه الدلالة:\nأن الرسول ﷺ لم يأمرها وقت حيضتها أن تعتزل المسجد وليس في الحديث أنها كانت عجوزًا، حتى يمكن أن تكون يائسة من المحيض.\nقال ابن رجب: «استدل بحديث عائشة طائفة من أهل الظاهر، على جواز مكث الحائض في المسجد؛ لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالبًا. وفي ذلك نظر؛ لأنها قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزًا قد يئست من الحيض» (^٤).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٣٣٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (١٨٣٦).\n(^٣) صحيح البخاري (٤٣٩).\n(^٤) شرح ابن رجب للبخاري (٣/ ٢٥٤).","vol":"8","page":546},{"text":"وقول ابن رجب: «قضية عين لا عموم لها»، يصح لو أنه كان هناك دليل صريح في منع الحائض من المكث في المسجد فيقال: إن هذه قضية عين لا يمكن أن تعارض ما صح في منع الحائض، أما إذا لم يرد دليل صريح فالدليل هذا متوجه على جواز مكث الحائض في المسجد. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4092>الدليل السادس:</span>\nإذا كان المشرك يدخل المسجد، ويمكث فيه، ولا يبعد أن يكون جنبًا، فالحائض أولى من المشرك.\n(١٨٤٠ - ٣٠٠) فقد روى البخاري من طريق الليث، قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد،\nأنه سمع أبا هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وقد اختصره البخاري (^١).\nوأجاب النووي على هذا الدليل بقوله: «القياس على المشرك جوابه من وجهين:\nالأول: أن الشرع فرق بينهما!! فقام دليل تحريم مكث الجنب، وثبت أن النبي ﷺ حبس بعض المشركين في المسجد، فإذا فرق الشرع لم يجز التسوية.\nالثاني: أن الكافر لا يعتقد حرمة المسجد، فلا يكلف بها، بخلاف المسلم، وهذا كما أن الحربي لو أتلف على المسلم شيئًا لم يلزمه ضمانه، لأنه لم يلتزم الضمان بخلاف المسلم والذمي إذا أتلفا» (^٢).\nهذه أدلة كل فريق، والقائلون بجواز مكث الحائض في المسجد يكفيهم دليلًا أن معهم الأصل، وهو الحل، وبراءة الذمة، والقول بالتحريم فيه احتياط إلا أن أدلته\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٦٢)، وقد رواه البخاري (٣٤٧٢) ومسلم (١٧٦٤) بأطول من هذا.\n(^٢) المجموع (٢/ ١٨٥).","vol":"8","page":547},{"text":"محتملة، ولا يستطيع الباحث أن يجزم بتحريم المكث، فمن أراد الاحتياط فالاحتياط بابه واسع، والاحتياط في الاختيار للنفس غير الاحتياط في تحرير الأقوال، وبيان الأرجح والأقوى. فسلوك الاحتياط عند التحريم والتحليل للغير ألا يتجرأ طالب العلم على تحريم شيء حتى يتبين له وجهه بما يستطيع به الجزم أو غلبة الظن بأن هذا حرام. قال سبحانه: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) [النحل: ١١٦]، ولا يكفي أن يكون هذا القول قد ذهب إليه الجمهور، فإن الحق لا يعرف بالكثرة.\n* * *","vol":"8","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4093>المبحث الثاني في مرور الحائض في المسجد بلا مكث</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الدم إذا كان لا يمنع المرأة المستحاضة من الاعتكاف والمكث في المسجد، لم يمنع الحائض.\n• المشرك أخبث من الجنب، وإذا لم يمنع المشرك من دخول المسجد لم يمنع الجنب.\n• إذا كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد رسول الله، لم تمنع الحائض من باب أولى.\n[م-٧٥٤] اختلف العلماء فيما لو احتاجت المرأة إلى العبور في المسجد من دون أن تمكث فيه.\nفقيل: لا يجوز لها المرور مطلقًا سواء أمنت التلويث أم لا.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، ووجه في مذهب الشافعية اختاره إمام الحرمين (^٣).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٥٦)، المبسوط (٣/ ١٥٣)، البحر الرائق (١/ ٢٠٥)، فتح القدير (١/ ١٦٥)، البناية (١/ ٦٣٦)، مراقي الفلاح (ص ٥٨).\n(^٢) القوانين الفقهية (ص ٣١)، الشرح الصغير (١/ ٢١٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٧٣، ١٧٤) الخرشي (١/ ٢٠٩)، منح الجليل (١/ ١٧٤).\n(^٣) المجموع (٢/ ٣٨٨).","vol":"8","page":549},{"text":"وقيل: يكره العبور، فإن كان لعذر لم يكره، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره منهم ابن إسحاق المروزي والبندنيجي (^١).\nوقيل: يجوز العبور إذا أمنت التلويث، فإن خافت التلويث منعت، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.\nوهذه الأقوال قبل أن ينقطع دم الحيض، أما إذا انقطع دم الحيض وقبل الاغتسال.\nفالشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، يجيزون عبورها.\nوأجاز الحنابلة لبثها في المسجد إذا توضأت كالجنب عندهم، لأن الوضوء يخفف الحدث فيزول بعض ما يمنعه، ومسألة اللبث في المسجد سبق مناقشتها، فحصل من هذه الأقوال أن المسألة كالتالي:\nالمنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، والجواز بشرط انقطاع الدم، والكراهة من العبور لغير حاجة، وجواز لبثها في المسجد إذا انقطع دم الحيض بشرط الوضوء.\n• أدلة القائلين بتحريم مرور الحائض في المسجد:\nاستدلوا بأدلة تحريم مكث الحائض في المسجد، وقد سبق ذكرها في المسألة السابقة، فإذا حرم المكث عندهم حرم المرور فيه، لأن المرور نوع من المكث، ولأنهم لحظوا في تحريم المكث تحريم دخول الحائض المسجد، فإذا كان دخول المسجد محرمًا على الحائض كان المكث والمرور ممنوعين على الحائض ..\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4094> أدلة القائلين بجواز مرور الحائض في المسجد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4095>الدليل الأول:</span>\n(١٨٤١ - ٣٠١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر ابن أبي\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ١٠٩)، نهاية المحتاج (١/ ٣٢٧، ٣٢٨)، المجموع (٢/ ٣٨٩).\n(^٢) انظر المراجع السابقة.\n(^٣) تقدم أن المشهور من مذهب الحنابلة أنه يجوز العبور ولو لم ينقطع الدم بشرط أن تأمن التلويث.","vol":"8","page":550},{"text":"شيبة، وأبو كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت:\nقال لي رسول الله ﷺ: ناوليني الخمرة من المسجد. قالت، فقلت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك (^١).\nوقد ناقشت اختلاف العلماء في دلالة الحديث، وأن الحديث يحتمل المرور في المسجد، ويحتمل أن المراد بالمسجد المصلى الذي في المنزل، ويحتمل أن الرسول ﷺ هو الذي في المسجد، وأن عائشة كانت في البيت ومع الاحتمال لا يمكن الجزم بدلالة الحديث على المراد. انظر أدلة كل احتمال في أدلة المسألة السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4096>الدليل الثاني:</span>\nاستدلوا بقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا). فإذا صح للجنب أن يعبر المسجد جاز ذلك للحائض، وقد ناقشت دلالة الآية على المراد، واختلاف العلماء في تفسيرها.\nوقد ثبت عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب بأن المراد بعابري السبيل المسافرون إذا لم يجدوا الماء يتيممون، وهو قول جماعة من التابعين انظر المسألة التي قبل هذه.\nوعلى تسليم إباحة العبور للجنب يبقى هل يسلم لهم قياس الحائض عليه فإن حدث الحيض أغلظ من حدث الجنابة، فإن الحائض متلبسة بالحدث وبالنجاسة، أما الجنب فهو محدث فقط، ولذا يصح صيام الجنب ولا يصح صيام الحائض.\nومع ضعف الدليلين إلا أن هذا القول هو الصحيح؛ لأنه لم يرد دليل صحيح صريح في منع الحائض من المكث فضلًا عن العبور.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١١/ ٢٩٨).","vol":"8","page":551},{"text":"• أدلة القائلين بالجواز إذا انقطع الدم وقبل الاغتسال:\nلعل هؤلاء فهموا أن العلة في المنع هو خوف تلويث المسجد، فإذا انقطع الدم أصبحت الحائض عندهم بمنزلة الجنب فطهرت من النجاسة الحسية، وبقي الطهارة من الحدث، وإذا كان الجنب له أن يعبر المسجد، فالمرأة بعد انقطاع الدم لها ذلك قياسًا عليه.\n• أدلة القائلين بكراهة العبور:\nلعل سبب الكراهة عندهم.\nأولًا: اتخاذ المسجد طريقًا، والمساجد لم تبن لهذا.\n(١٨٤٢ - ٣٠٢) ولذا روى مسلم، قال ﵀: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق ابن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك، وهو عم إسحاق، قال:\nبينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مه مه. قال: قال رسول الله ﷺ: لا تزرموه دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه (^١).\nفقوله ﷺ: (إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القرآن)، إشارة إلى أنها لم تبن لاتخاذها طرقًا.\nثانيًا: الاحتياط والخروج من خلاف العلماء، وإذا كان هناك حاجة للعبور ارتفعت الكراهة؛ لأنه معلوم أن الضرورة ترفع التحريم، والحاجة ترفع الكراهة.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٠٠/ ٢٨٥).","vol":"8","page":552},{"text":"• أدلة القائلين بجواز اللبث إذا انقطع دمها بشرط الوضوء:\n(١٨٤٣ - ٣٠٣) استدلوا بما رواه سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا للصلاة (^١).\nوسبق تخريجه (^٢)، وقد ناقشت الاستدلال بهذا الحديث في أدلة المسألة التي قبل هذه فارجع إليه.\nوالراجح كما قلت سابقًا: جواز مكث الحائض وعبورها المسجد بشرط أن تأمن التلويث؛ لأن المساجد يجب صيانتها حتى من البصاق الطاهر فضلًا عن الدم النجس. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٣١٣).\n(^٢) انظر حديث رقم ١٨٣٤.","vol":"8","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4097>المبحث الثالث في اعتكاف الحائض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• اعتكاف الحائض مبني على مسألة حكم لبثها في المسجد.\n• الدم إذا كان لا يمنع المرأة المستحاضة من الاعتكاف والمكث في المسجد، لم يمنع الحائض.\n• المشرك أخبث من الجنب، وإذا لم يمنع المشرك من دخول المسجد لم يمنع الجنب.\n• إذا كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد رسول الله، لم تمنع الحائض ولا الجنب من باب أولى.\n[م-٧٥٥] اختلف العلماء في هذه المسألة:\nفقيل: لا يصح. وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (٢/ ١٠٨)، فتح القدير (٢/ ٤٠٠)، بداية المجتهد مع الهداية (٥/ ٢٦٤) الشرح الصغير (١/ ٧٢٨، ٧٣٨)، المقدمات - ابن رشد (١/ ٢٥٧) واشترط لصحة الاعتكاف الصوم، ومعلوم أن الحائض لا تصوم، فلا يصح اعتكافها عندهم. ...\nوقال ابن عبد البر في الكافي (ص: ١٣٢): «والمرض والحيض إذا طرأ على المعتكف بنى على اعتكافه ساعة يصح المريض، وتطهر الحائض، ويرجع كل واحد منهما إلى مسجده ساعتئذ في ليل أو نهار». اهـ وانظر روضة الطالبين - النووي (٢/ ٣٩٦)، المهذب (١/ ٢٠٠)، المجموع (٦/ ٥١٩، ٥٢٠)، كشاف القناع (٢/ ٣٥٨) المغني (٤/ ٤٨٧).","vol":"8","page":554},{"text":"وقيل: يصح الاعتكاف مع الحيض. وهو اختيار ابن حزم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4098> دليل من قال: لا يصح اعتكاف الحائض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4099>الدليل الأول:</span>\nالإجماع قال ابن قدامة: «وإذا حاضت المرأة خرجت من المسجد ... وأما خروجها من المسجد فلا خلاف فيه؛ لأن الحيض حدث يمنع اللبث في المسجد، فهو كالجنابة، وآكد منه» (^٢).\nوقال ابن رشد: «ولا خلاف فيما أحسب عندهم أن الحائض تبني» (^٣).\nوالإجماع لا يثبت مع خلاف ابن حزم، ومن قبله داود الظاهري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4100>الدليل الثاني:</span>\nأن الاعتكاف عبادة من شرطها أن تكون في مسجد، والحائض ممنوعة من اللبث في المسجد. وقد بينت في مسألة مستقلة الخلاف في هذه المسألة، وبينت أن الراجح أن الحائض يجوز لها المكث فيه. والله أعلم.\nثم إن مسألة أن يكون الاعتكاف من المرأة في مسجد ليست محل إجماع (^٤).\n_________\n(^١) المحلى (مسألة ٦٣٤).\n(^٢) المغني (٤/ ٤٨٧). وانظر موسوعة الإجماع (١/ ١٢٠).\n(^٣) بداية المجتهد مع الهداية (٥/ ٢٦٤): ومعنى قوله «تبني» أن الحيض قطع الاعتكاف، ولكن بعد طهارتها ترجع وتبني علي ما مضى من اعتكافها، ولو كان الحيض لا يقطع اعتكافها لما كان هناك حاجة إلى القول بالبناء. ولكن عبارته ليست صريحة بالإجماع، لأن قوله «عندهم» قد يقصد به عند الأئمة الأربعة. والله أعلم.\n(^٤) أما اعتكاف الرجل، فقد قال ابن قدامة في المغني (٤/ ٤٦١) «ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد، إذا كان المعتكف رجلًا، لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافًا». اهـ =","vol":"8","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4101>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن من شرط الاعتكاف أن تكون المرأة صائمة، والحائض ليس عليها صيام (^١).\n(١٨٤٤ - ٣٠٤) فقد روى أبو داود من طريق عبد الرحمن يعني -ابن إسحاق- عن الزهري، عن عروة،\nعن عائشة أنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع.\nقال أبو داود غير عبد الرحمن لا يقول فيه: قالت: السنة. قال أبو داود جعله قول عائشة.\n_________\n= وقد ذكر ابن رشد في البداية (٥/ ٢٥٢) أن ابن لبابة ذهب إلى صحة الاعتكاف في غير المسجد مطلقًا للرجال والنساء. لأن قوله تعالى (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ليس دليل خطاب، وإنما نهي عن المباشرة إذا كان الاعتكاف في المسجد، فأما إذا كان الاعتكاف في غير المسجد فله حكم آخر.\nوأما المرأة فقد اختلفوا في اشتراط اعتكافها أن يكون في مسجد، فذهب الحنفية إلى جواز اعتكافها في غير مسجد، بل قالوا: إن مسجد بيتها أفضل لها، قال في بدائع الصنائع (٢/ ١١٣): «وأما المرأة فذكر في الأصل أنها لا تعتكف إلا في مسجد بيتها، ولا تعتكف في مسجد جماعة، وروى الحسن، عن أبي حنيفة أن للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة، وإن شاءت اعتكفت في مسجد بيتها، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيها». اهـ\nوهذه مسألة تخص باب الاعتكاف، لكن أحببت أن أشير إلى أنها ليست محل وفاق، وإن كان الراجح عندي وجوب كون الاعتكاف في مسجد.\n(^١) وهو مذهب الحنفية والمالكية يشترطون الصوم للاعتكاف. انظر بدائع الصنائع (٢/ ١٠٩) مختصر الطحاوي (ص ٥٧)، المبسوط (٣/ ١١٥)، الهداية (١/ ١٣٢). بخلاف الشافعية والحنابلة فإنهم يصححون الاعتكاف ولو بدون صوم. انظر مغني المحتاج (١/ ٤٤٩)، الوجيز (١/ ١٠٦)، مختصر المزني (ص: ٦٠).","vol":"8","page":556},{"text":"[ضعيف مرفوعًا، ورجح البيهقي أن يكون من كلام الزهري أو عروة] (^١).\n_________\n(^١) رواه أبو داود في السنن (٢٤٧٣)، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (٤/ ٣٢١)، وقال: قد ذهب كثير من الحفاظ إلى أن هذا الكلام من قول من دون عائشة، وأن من أدرجه في الحديث وهم فيه، فقد رواه سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن عروة: قال المعتكف لا يشهد جنازة، ولا يعود مريضًا، ولا يجيب دعوة، ولا اعتكاف إلا بصيام، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة.\nوعن ابن جريج، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنه قال: المعتكف لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة.\nقلت: رواية ابن جريج عن الزهري، رواها الدارقطني (٢/ ٢٠١) من طريق القاسم بن معن، ومن طريق حجاج، كلاهما، عن عبد الملك بن جريج، عن محمد بن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها أخبرتاهما أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكفن أزواجه من بعده، وأن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضًا، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، ويأمر من اعتكف أن يصوم.\nقال الدارقطني: يقال: إن قوله وإن السنة للمعتكف إلى آخره ليس من قول النبي ﷺ، وأنه من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم. اهـ وقد صرح ابن جريج بالتحديث في طريق حجاج.\nوقال البيهقي في المعرفة (٦/ ٣٩٥): وقد أخرج البخاري ومسلم صدر هذا الحديث -يعني حديث أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ... الحديث. إلى قوله والسنة في المعتكف أن لا يخرج، ولم يخرجا الباقي لاختلاف الحفاظ فيه: فمنهم من زعم أنه من قول عائشة ومنهم: من زعم أنه من قول الزهري، ويشبه أن يكون من قول من دون عائشة؛ فقد رواه سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن عروة، قال: المعتكف لا يشهد جنازة، ولا يعود مريضًا، ولا يجيب دعوة، ولا اعتكاف إلا بصيام، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع. اهـ.\nوقال البيهقي: (٤/ ٣١٩): «روى أبو بكر الحميدي، عن عبد العزيز بن محمد، عن أبي سهيل ابن مالك: قال اجتمعت أنا ومحمد بن شهاب عند عمر بن عبد العزيز، وكان على امرأتي اعتكاف ثلاث في المسجد الحرام، فقال ابن شهاب: لا يكون اعتكاف إلا بصوم، فقال عمر بن عبد العزيز: أمن رسول الله ﷺ؟ قال: لا. قال: فمن أبي بكر؟ قال: لا. قال: فمن عمر؟ قال: لا. قال: فمن عثمان؟ قال: لا. قال أبو سهيل: فانصرفت، فوجدت طاوسا وعطاء فسألتهما عن ذلك فقال طاوس: كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صيامًا إلا أن يجعله على نفسه وقال عطاء ذلك رأي. هذا هو الصحيح موقوف، ورفعه وهم، وكذلك رواه عمرو بن زرارة، عن عبد العزيز موقوفًا، وهو فيما أنبأني أبو عبد الله إجازة، أن أبا الوليد أخبرهم، ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، حدثنا عمرو بن زرارة، حدثنا عبد العزيز، فذكره موقوفًا مختصرًا، قال: فقال: كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صومًا. وقال عطاء: ذلك رأي. اهـ\nقد ساقه البيهقي بإسناده مرفوعًا، وحكم بوهمه. وصحح الموقوف عن ابن عباس.","vol":"8","page":557},{"text":"الشاهد من الحديث: قوله «ولا اعتكاف إلا بصوم»، والحديث لا حجة فيه مع ضعفه، وقد جاء في الصحيح ما يشهد لصحة الاعتكاف بدون صوم.\n(١٨٤٥ - ٣٠٥) فقد روى البخاري من طريق عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:\nأن عمر سأل النبي ﷺ، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك. ورواه مسلم (^١).\nقال ابن قدامة: «لو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكاف الليل؛ لأنه لا صيام فيه» (^٢).\nوالراجح أن الليلة تطلق، ويراد بها اليوم، ويطلق اليوم وتدخل الليلة، ولذلك رواه مسلم، بلفظ اليوم.\n(١٨٤٦ - ٣٠٦)، فقد رواه مسلم من طريق أيوب، أن نافعًا حدثه، أن عبد الله ابن عمر حدثه،\nأن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام، فكيف ترى. قال: اذهب فاعتكف يومًا ... الحديث (^٣). وقال تعالى في سورة آل عمران: (قَالَ آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَاّ رَمْزًا) [آل عمران: ٤١].\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦).\n(^٢) المغني (٤/ ٤٥٩، ٤٦٠).\n(^٣) صحيح مسلم (١٦٥٦).","vol":"8","page":558},{"text":"وقال سبحانه في مريم: (قَالَ آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) [مريم: ١٠]، لكن الدلالة من الحديث على عدم اشتراط الصوم، ليس في ذكر الليلة، ولكن كونه ﷺ لم يذكره لعمر، ولو كان الصوم شرطًا لبينه النبي ﷺ له، وتأخير البيان عن وقته لا يجوز. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4102> دليل القائلين بصحة الاعتكاف مع الحيض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4103>الدليل الأول:</span>\nلم يأت نهي من الشرع ينهى الحائض من الاعتكاف، أو ينهاها عن الدخول في المسجد، وإذا لم يأت نهي، وكان الاعتكاف مطلوبًا شرعًا، كان الاعتكاف مشروعًا للحائض كغيرها، ومن منع الحائض فعليه الدليل. ولا دليل.\nقال ابن حزم: «وجائز للحائض والنفساء أن يتزوجا، وأن يدخلا المسجد، وكذلك الجنب؛ لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وقد قال الرسول ﷺ: المؤمن لا ينجس (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4104>الدليل الثاني:</span>\n(١٨٤٧ - ٣٠٧) ما رواه البخاري من طريق خالد، عن عكرمة،\nعن عائشة، قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الدم إذا كان لا يمنع المرأة المستحاضة من الاعتكاف، لم يمنع الحائض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4105>الدليل الثالث:</span>\nكل الأدلة التي ذكرتها في جواز دخول الحائض المسجد، هي دليل على صحة\n_________\n(^١) المحلى (مسألة ٢٦٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٣١٠).","vol":"8","page":559},{"text":"اعتكاف الحائض؛ لأن من منع عمدته إما المنع من دخول المسجد، وهو مرجوح، أو اشتراط الصيام لصحة الاعتكاف، وهو ضعيف.\nوالراجح أن المرأة لا تمنع من الاعتكاف، وهي حائض، فإن حقيقة الاعتكاف مكث في مقام مخصوص، فلا يشترط فيه الطهارة من الحيض، كما لا يشترط فيه الصيام كما لو وقفت بعرفة، فإنه يصح وقوفها مع كونها حائضًا مفطرة غير صائمة. والله أعلم.\n* * *","vol":"8","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4106>فرع\nإذا حاضت المرأة وهي معتكفة</span>\n[م-٧٥٦] أما الذين لا يشترطون الطهارة للاعتكاف، فهذا واضح أنها تمضي في اعتكافها، وأما على قول الجمهور الذين يشترطون الطهارة من الحيض، فقد اختلفوا في الواجب على المرأة في هذه الحالة.\nفقيل: ترجع إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت وبنت على ما مضى\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\nوقيل: إن كان للمسجد رحبة استحب لها أن تخرج إليها، وتضرب خباءها فيها، وإن لم يكن فيه رحبة رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت، فأتمت اعتكافها. وهذا مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير (٢/ ٤٠٠).\n(^٢) قال ابن عبد البر في الكافي (ص: ١٣٢): «والمرض والحيض إذا طرأ على المعتكف بنى على اعتكافه ساعة يصح المريض، وتطهر الحائض، ويرجع كل واحد منهما إلى مسجده ساعتئذ في ليل أو نهار». اهـ\n(^٣) قال في روضة الطالبين (٢/ ٤٠٧): «إذا حاضت المرأة المعتكفة لزمها الخروج، وهل ينقطع تتابعها؟ إن كانت المدة طويلة لا تنفك عن الحيض غالبًا، لم ينقطع، بل تبني إذا طهرت كالحيض في صوم الشهرين المتتابعين، وإن كانت تنفك، فقولان، وقيل: وجهان، أظهرهما: ينقطع».\n(^٤) المغني (٤/ ٤٨٧)، الإقناع (١/ ٣٢٥، ٣٢٦).","vol":"8","page":561},{"text":"وقال إبراهيم النخعي: تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الأيام، وإن دخلت بيتًا أو سقفًا استأنفت (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4107> دليل الجمهور على جواز خروجها إلى منزلها إذا حاضت:</span>\nقالوا: لما وجب عليها الخروج من المسجد، لم يلزمها الإقامة في رحبته، كالخارجة لعدة، أو خوف الفتنة.\nوناقش ذلك ابن قدامة، فقال: «وفارق المعتدة؛ فإن خروجها لتقيم في بيتها، وتعتد فيه، ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة، وكذلك الخائفة من الفتنة، فلا تقيم في موضع لا تحصل السلامة بالإقامة فيه» (^٢).\nويمكن أن يستدل لهم، بأنها حين منعت من المسجد، وعبادة الاعتكاف متعلقة بالمسجد، تساوى ما عداه من الأمكنة، فلا فضل للرحبة على غيرها. ولذلك لو نذرت اعتكافها في مكان له فضل على غيره تعين، كما لو نذرت الاعتكاف في المسجد الحرام، لم يجز اعتكافها في غيره. فإذا كان المكان لا فضل له على غيره لم يتعين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4108> دليل من استحب أن تمكث في رحبة المسجد:</span>\n(١٨٤٨ - ٣٠٨) قال ابن قدامة: روى أبو حفص بإسناده، عن المقدام بن شريح،\nعن عائشة، قالت: كن المعتكفات إذا حضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن.\n[لم أقف على إسناده] (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) المغني (٤/ ٤٨٧).\n(^٢) المغني (٤/ ٤٨٧).\n(^٣) المغني (٤/ ٤٨٧)، ولم أقف على إسناده بعد البحث عنه.","vol":"8","page":562},{"text":"موسوعة\nأحكام الطهارة\nأدلة ومسائل وقواعد وضوابط\n\nالقسم الثاني\nطهارة الخبث\n\nالمجلد التاسع\nالطهارة من الدماء الطبيعية\n\nتأليف\nدبيان بن محمد الدبيان","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4109>الفصل الخامس في أحكام الحائض من حيث المناسك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4110>المبحث الأول في إحرام الحائض والنفساء في الحج والعمرة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لا تشترط لصحة الإحرام الطهارة من الحدث والخبث.\n• كل من صحت منه النية صح إحرامه لنفسه ولغيره، ولو كان محدثًا؛ لأن الإحرام بالنسك نية الدخول فيه.\n• إذا صح من الحائض والنفساء إدخال الحج على العمرة إذا خشيت فوات الحج صح منها عقد الإحرام ابتداء.\n[م- ٧٥٧] يصح الإحرام من الحائض والنفساء، والأدلة على صحة إحرامهما كثيرة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4111>الدليل الأول:</span>\nالإجماع. حكاه ابن عبد البر (^١)، والنووي (^٢)، وغيرهما أن الحيض والنفاس لا يمنعان من صحة الإحرام.\n_________\n(^١) التمهيد (١٩/ ٣١٥).\n(^٢) شرح النووي لصحيح مسلم (٨/ ١٨٧)، في باب إحرام النفساء، واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا الحائض.","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4112>الدليل الثاني:</span>\n(١٨٤٩ - ٣٠٩) روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،\nعن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، فقدمت مكة، وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني النبي ﷺ مع عبد الرحمن ابن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا واحدًا بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا (^١).\nورواه مسلم من حديث جابر ﵁ (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (وأهلي بالحج) مع كونها حائضًا، فهذا دليل على صحة إحرام الحائض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4113>الدليل الثالث:</span>\n(١٨٥٠ - ٣١٠) ما رواه مسلم من طريق عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،\nعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر يأمرها أن تغتسل وتهل (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١)، وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: باب: كيف تهل الحائض، والنفساء. قال الحافظ: أي كيف تحرم.\n(^٢) صحيح مسلم (١٢١٣).\n(^٣) صحيح مسلم (١٢٠٩).","vol":"9","page":6},{"text":"(١٨٥١ - ٣١١) ورواه مسلم من حديث جابر ﵁ (^١).\nوهذا دليل على صحة الإحرام من النفساء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (١٢١٨).","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4114>المبحث الثاني في اشتراط الطهارة للطواف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يلزم من اشتراط الطهارة من الحيض للطواف اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر.\n• ليس كل عبادة يشترط فيها الطهر من الحيض يكون من شرطها الطهر من الحدث، أصله الصوم، تمنع منه الحائض ولا تشترط له الطهارة.\n[م-٧٥٨] اختلف العلماء في اشتراط الطهارة للطواف:\nفقيل: الطهارة من الحيض، بل ومن الحدث الأصغر شرط لصحة الطواف. وهو المشهور من مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: الطهارة من الحيض ومن الحدث الأصغر واجبة، ويصح الطواف بدونها،\n_________\n(^١) المنتقى - الباجي (٢/ ٢٩٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٧٤) القوانين الفقهية - ابن جزي (ص ٥٥)، الخرشي (٢/ ٣١٤).\n(^٢) المجموع - النووي (٨/ ١٧)، حاشية البيجوري (١/ ٦٠٠).\n(^٣) انظر الإنصاف (٤/ ١٦)، الفروع (١/ ٢٦٠، ٢٦١)، المبدع (٣/ ٢٢١).","vol":"9","page":8},{"text":"وتجبر بدم، وهو الراجح عند الحنفية (^١)، ورواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: الطهارة واجبة من الحيض، سنة من الحدث الأصغر. وهو اختيار ابن تيمية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4115> الأدلة على اشتراط الطهارة من الحيض والحدث الأصغر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4116>الدليل الأول:</span>\n(١٨٥٢ - ٣١٢) روى البخاري، قال: حدثنا أصبغ، عن ابن وهب، أخبرني عمرو، عن محمد بن عبد الرحمن، ذكرت لعروة، قال:\nفأخبرتني عائشة رضي الله تعالى عنها: أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة. الحديث (^٤).\nوجه الاستدلال:\nأولًا: أن هذا الفعل امتثال لقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩].\nثانيًا: قد روى مسلم في صحيحه،\n(١٨٥٣ - ٣١٣) من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير\nأنه سمع جابرًا يقول: رأيت النبي ﷺ يرمى على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (^٥).\nقال الشنقيطي: وضوء النبي ﷺ لطوافه، قد دل دليلان على أن الوضوء لازم لابد منه.\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٠٣)، فتح القدير (١/ ١٦٦)، بدائع الصنائع (٢/ ١٢٩)، المبسوط (٤/ ٣٨).\n(^٢) المبدع (١/ ٢٦١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٩٨)، وانظر أعلام الموقعين (٣/ ٣٤).\n(^٤) رواه البخاري (١٦١٤)، ومسلم (١٢٣٥) وفي مسلم: قصة.\n(^٥) صحيح مسلم (١٢٩٧).","vol":"9","page":9},{"text":"أحدهما: أنه ﷺ قال في حجة الوداع: خذوا عني مناسككم.\nوهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالًا لأمره، في قوله ﷺ خذوا عني مناسككم.\nالثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتي به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم، ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي ﷺ للسارق من الكوع، بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)؛ لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب (^١).\nوقال النووي في شرحه لهذا الحديث: «(لتأخذوا عني مناسككم) فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا عني مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج، وصفته، وهي مناسككم فخذوها عني، واقبلوها واعملوا بها، وعلموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج» (^٢).\n• وأجيب عن هذا الدليل:\nأما كونه لما طاف توضأ، فهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه كان ﷺ يتوضأ لكل صلاة حتى ولو كان طاهرًا، وتيمم لرد السلام، وقال: إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر.\n• وأما الجواب عن قوله: لتأخذوا عني مناسككم.\nقال ابن القيم: «أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا\n_________\n(^١) أضواء البيان (٥/ ٢٠٣).\n(^٢) شرح النووي لصحيح مسلم (٩/ ٦٥) ح ١٢٩٧.","vol":"9","page":10},{"text":"على وجه الاستحباب، فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه ﷺ فعل في حجته أشياء كثيرة جدًّا لم يوجبها أحد من الفقهاء» (^١).\nوعلى كل حال لا أرى الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا أرى أن يستدل على وجوبها بهذا العموم. فقوله ﷺ: (خذوا عني مناسككم) يدل على كونه مشروعًا، وأنه من أفعال المناسك، أما دلالته على الوجوب فيحتاج إلى دليل خاص، كما أن دلالته على الشرطية أو الركنية يحتاج إلى دليل خاص كذلك. فإذا كان ورود الأمر الخاص فيه نزاع في دلالته على الوجوب كما هو معلوم في أصول الفقه، فما بالك في حديث: (خذوا عني مناسككم) والذي يشمل جميع أفعال المناسك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4117>الدليل الثاني:</span>\n(١٨٥٤ - ٣١٤) ما رواه البخاري ﵀ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول:\nسمعت عائشة تقول: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قال: ما لك أنفست؟ قلت: نعم. قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت. قالت: وضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر. ورواه مسلم (^٢).\nوفي رواية لهما: فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري.\nوفي رواية لمسلم (حتى تغتسلي).\n• وأجيب عن هذا الدليل:\nبأن الحائض إنما منعت من الطواف من أجل المكث في المسجد.\n_________\n(^١) تهذيب السنن (١/ ٥٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١١٩/ ١٢١١).","vol":"9","page":11},{"text":"(١٨٥٥ - ٣١٥) لما رواه مسلم من طريق أيوب، عن محمد،\nعن أم عطية قالت: أمرنا تعني النبي ﷺ أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور وأمر الحيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين. ورواه البخاري (^١).\n• ورد هذا الجواب:\nتعليل النهي بأنه من أجل المكث في المسجد ليس ظاهرًا من الحديث، وصرف للفظ عن ظاهره، وكان من الممكن أن يقول ﷺ: غير ألا تمكثي في المسجد، ولأن النهي عن المكث أعم من النهي عن الطواف، فلو نهى عن المكث لدخل فيه الطواف، بخلاف العكس، فحين نهى عن الطواف، وهو أخص من المكث لم يدخل المكث فيه، وهو ظاهر.\nولو كان النهي من أجل صيانة المسجد خوفًا من التلوث لم يجعل النهي ممتدًا حتى الاغتسال، كما في رواية مسلم: (حتى تغتسلي)؛ لأن الحائض لا تغتسل إلا وقد انقطع دم الحيض، فلما جعل غاية النهي الاغتسال فلا يكفي حتى ولو طهرت من الدم، ما دام أنها لم تتطهر.\nولو كانت العلة صيانة المسجد لما أذن الشارع للمستحاضة في دخول المسجد والاعتكاف فيه مع خروج الدم، فعلم بهذا أن العلة ليست صيانة المسجد من التلوث.\nنعم الحديث لا يصلح دليلًا على اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر؛ لأن الحديث في الطهارة من الحيض، وهو من جنس الحدث الأكبر، وبالتالي فالحديث نص على اشتراط الطهارة من الحيض فقط، وليس كل شيء اشترط له رفع الحدث الأكبر يلزم منه رفع الحدث الأصغر، فقراءة القرآن على مذهب الجمهور تجوز للمحدث حدثًا أصغر، ويمنع الجنب من القراءة عندهم، فليس بينهما تلازم.\n_________\n(^١) مسلم (٨٩٠)، والبخاري (٩٧٤).","vol":"9","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4118>الدليل الثالث:</span>\n(١٨٥٦ - ٣١٦) ما رواه البخاري من طريق الزهري، حدثني عروة بن الزبير وأبو سلمة ابن عبد الرحمن،\nأن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرتهما، أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع فقال النبي ﷺ: أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله، وطافت بالبيت، فقال النبي ﷺ: فلتنفر. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال من الحديث:\nوجه الاستدلال منه كالاستدلال بالحديث الذي قبله، والجواب عن ذلك هو الجواب عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4119>الدليل الرابع:</span>\n(١٨٥٧ - ٣١٧) ما رواه الترمذي من طريق جرير، عن عطاء بن السائب، عن طاوس،\nعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير.\nقال أبو عيسى وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب.\n• وأجيب عن الحديث بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nأن الحديث ضعيف، وقد رجح جمع من الأئمة وقفه على ابن عباس (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٤٠١)، ومسلم (٣٨٢/ ١٢١١).\n(^٢) هذا الحديث مداره على طاوس، عن ابن عباس، واختلف على طاوس في رفعه ووقفه:\nفرواه عطاء بن السائب وليث بن أبي سليم والحسن بن مسلم عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعًا. =","vol":"9","page":13},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه عبد الله بن طاوس، وإبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس موقوفًا، ورجح جمع من العلماء الرواية الموقوفة، قلت: إذا لم تعل الرواية المرفوعة بالرواية الموقوفة فالحكم باضطراب رواية طاوس، عن ابن عباس هو المتحتم، وقد اختلف على طاوس:\nفرواه جمع عنه، عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا.\nورواه حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن ابن عمر موقوفًا عليه ومرفوعًا، قال الدارقطني في العلل (١٣/ ١٦٣) «وقول من قال عن ابن عمر أشبه».اهـ\nهذا من حيث الإجمال، وأما التفصيل، فقد رواه عن طاوس جماعة، وإليك ما وقفت عليه منهم:\nالطريق الأول: عطاء بن السائب، فرواه عنه جماعة، واختلف على عطاء بن السائب:\nفرواه جرير كما في مسند أبي يعلى (٢٥٩٩)، وسنن الترمذي (٩٦٠)، وصحيح ابن خزيمة (٢٧٣٩) والسنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٨٧).\nوموسى بن أعين، كما في سنن الدارمي (١٨٤٨)، ومنتقى ابن الجارود (٤٦١)، والكامل لابن عدي (٥/ ٣٦٤).\nوابن عيينة كما في مستدرك الحاكم (١/ ٤٥٩)، ثلاثتهم رووه عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعًا.\nورواه الفضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب: واختلف على الفضيل بن عياض:\nفرواه عنه أسد بن موسى، كما في شرح معاني الآثار (٢/ ١٧٨)، ومشكل الآثار للطحاوي (٥٩٧٢).\nوسعيد بن منصور كما في المنتقى لابن الجارود (٤٦١)، وشرح معاني الآثار (٢/ ١٧٨)، مشكل الآثار للطحاوي (٥٩٧٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٨٥).\nومحمد بن المتوكل بن أبي السري، كما في صحيح ابن حبان (٣٨٣٦)، ثلاثتهم عن فضيل بن عياض، عن عطاء، عن طاوس به مرفوعًا، كما هي رواية الجماعة.\nوخالفهم ابن أبي شيبة فرواه في مصنفه (١٢٨٠٨) عن فضيل بن عياض، عن عطاء، عن طاوس به، إلا أنه جعله موقوفًا على ابن عباس ولم يرفعه.\nورواه الحميدي عن فضيل بن عياض، واختلف على الحميدي:\nفرواه الدارمي (١٨٤٧)،\nوأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ١٢٨) من طريق بشر بن موسى، ومن طريق إسماعيل بن عبد الله، ثلاثتهم عن الحميدي، عن فضيل بن عياض، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعًا كرواية الجماعة.\nوخالفهم عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة فرواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٣) من طريقه، عن الحميدي، عن فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس =","vol":"9","page":14},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مرفوعًا، فاستبدل طاوس بسعيد بن جبير، وأخشى أن يكون هذا خطأ، فإن البيهقي قد رواه في المعرفة عن طريق الحاكم (٧/ ٢٣١) كرواية الجماعة بذكر طاوس، عن ابن عباس.\nوقد يكون عطاء بن السائب سمعه من طاوس ومن سعيد بن جبير.\nفقد روى الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٧) من طريق الحسن بن موسى الأشيب، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ﵄، قال: قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة: ١٢٥] فالطواف قبل الصلاة. وهذا موقوف، مع أن حماد قصر في لفظه فلم يشبه الطواف بالصلاة، وحماد ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط.\nوقد رواه غير عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير تامًا بإسناد صحيح إلا أنه جعله مرفوعًا، وفيه تشبيه الطواف بالصلاة.\nفقد رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٦، ٢٦٧) من طريق مكرم البزاز، حدثنا يزيد بن هارون أنبأ القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى لنبيه (طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول الله ﷺ: الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وإنما يعرف هذا الحديث عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير.\nوقال الذهبي في التلخيص: على شرط مسلم، وإنما المشهور لحماد بن سلمة، عن عطاء.\nقلت: رواية حماد عن عطاء، عن سعيد قد اقتصرت على أن الطواف قبل الصلاة، ولم تذكر تشبيه الطواف بالصلاة. ولهذ رجح الحافظ أن يكون القدر المرفوع مدرجًا، فقال في التلخيص (١/ ٢٧٧): «فأوضح الطرق وأشملها رواية القاسم، عن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فإنها سالمة من الاضطراب، إلا أني أظن أن الرواية فيها إدارجًا».\nفتبين بهذا أن ذكر سعيد بن جبير محفوظ، وليس وهمًا، والله أعلم.\nورواه جعفر بن سليمان عن عطاء بن السائب موقوفًا إلا أنه خالف في إسناده:\nفأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٧٩١) عنه، عن عطاء بن السائب، عن طاوس أو عكرمة، أو كليهما أن ابن عباس، قال: الطواف صلاة، ولكن قد أذن لكم بالكلام، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير.\nوزيادة عكرمة تفرد بها جعفر بن سليمان، إلا أنه ذكره بالشك (عن طاوس أو عكرمة) والأثر محفوظ عن طاوس، فيطرح شك جعفر، ويبقى المحفوظ من روايته عن عطاء بن السائب موقوفًا على ابن عباس. =","vol":"9","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الثوري، عن عطاء، واختلف على الثوري فيه.\nفرواه الحارث بن منصور كما في سنن البيهقي (٥/ ٨٧) عن سفيان، عن عطاء به موقوفًا، وهذا سند حسن.\nورواه عبد الصمد بن حسان رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٩) من طريق محمد بن صالح الهمداني، حدثنا عبد الصمد، حدثنا سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب به، مرفوعًا.\nوالهمداني فيه لين، كما أن مما يرجح رواية الحارث، أن الحديث روي من غير طريق عطاء موقوفًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\nورواه أبو حذيفة موسى بن مسعود واختلف عليه:\nفرواه المقدسي في الأحاديث المختارة (٥٥) من طريق إسماعيل بن عبد الله (سمويه)، حدثنا أبو حذيفة، عن سفيان الثوري، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لا أعلم إلا رفعه.\nورواه الطبراني في الأوسط (٧٣٧٠) من طريق أحمد بن ثابت، أخبرنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، حدثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر، لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ، قال: الطواف صلاة فأقلوا فيه الكلام.\nواستبدل أبو حذيفة عطاء بن السائب بحنظلة، وابن عباس بابن عمر، وقد جعل الحديث مرفوعًا، وقد خالفه غيره فرواه عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر موقوفًا، وأبو حذيفة سيء الحفظ.\nقال الدارقطني في العلل (١٣/ ١٦٢): «اختلف فيه على طاوس:\nفرواه حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، واختلف عنه؛\nفرواه الثوري، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر.\nرفعه أبو حذيفة، عن الثوري، ووقفه مؤمل.\nوكذلك رواه ابن وهب، وأبو عاصم، وإسحاق بن سليمان الرازي، عن حنظلة، موقوفا.\nورواه الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن رجل أدرك النبي ﷺ، لم يسمه، عن النبي ﷺ.\nورواه عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس، واختلف عنه في رفعه.\nرفعه فضيل بن عياض، وجرير، وموسى بن أعين بن أبي جعفر.\nورواه إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس.\nوقول من قال: عن ابن عمر، أشبه».\nفرواية الثوري عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس أقواها عندي رواية الحارث عن سفيان، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس موقوفة.\nوقد رجح ابن حجر رواية الثوري الموقوفة، قال في التلخيص: «فإن اعتل عليه بأن عطاء بن السائب اختلط، ولا يقبل إلا رواية من رواه عنه قبل الاختلاط، أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية =","vol":"9","page":16},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سفيان الثوري، عنه، والثوري ممن سمع منه قبل اختلاطه بالاتفاق، وإن كان الثوري قد اختلف عليه في رفعه ووقفه، فعلى طريقتهم تقدم رواية الرفع أيضًا، والحق أنه من رواية سفيان موقوف، ووهم من رفعه».اهـ\nورواية طاوس، عن ابن عمر الراجح فيها الوقف أيضًا، كما ذكر ذلك الإمام الدارقطني ولعل ما جعل الدارقطني يرجح رواية ابن عمر الموقوفة لكثرة الاضطراب في رواية طاوس، عن ابن عباس، والله أعلم.\nهذا ما يخص رواية عطاء بن السائب، عن طاوس، وفيها اختلاف كثير عليه كما رأيت.\nالطريق الثاني: ليث بن أبي سليم، عن طاوس به مرفوعًا.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٠٩٥٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٨٧) وهذا سند ضعيف من أجل ليث بن أبي سليم.\nالطريق الثالث: الحسن بن مسلم، عن طاوس به مرفوعًا.\nأخرجه أحمد (٣/ ٤١٤) و(٤/ ٦٤) عن عبد الرزاق وروح.\nوأخرجه النسائي في المجتبى (٢٩٢٢)، وفي الكبرى (٢/ ٤٠٦) من طريق حجاج بن محمد وابن وهب، أربعتهم (عبد الرزاق، وروح، وحجاج، وابن وهب) عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن رجل أدرك النبي ﷺ، قال: قال النبي ﷺ ... وذكره مرفوعًا. ولعل الصحابي المبهم: هو ابن عباس.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، وهو من غير طريق عطاء، قال الإمام أحمد بعد روايته للحديث: لم يرفعه محمد بن أبي بكر.\nفهذه الثلاثة طرق هي الطرق التي جاء فيها الأثر مرفوعًا. وأقواها طريق الحسن بن مسلم عن طاوس، إلا أنه لم يصرح باسم ابن عباس، وأما عطاء بن السائب فالرواية عنه مضطربة، فروي عنه موقوفًا ومرفوعًا، وقد تغير حفظه في آخرة، وليث بن أبي سليم، مشهور بالضعف.\nالطريق الرابع: عبد الله بن طاوس، عن طاوس:\nأخرجها عبد الرزاق في المصنف (٩٧٨٩)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٥/ ٨٥، ٨٧)، عن معمر،\nورواه سفيان بن عينة كما في المصنف لابن أبي شيبة (١٢٨١١)، وأخبار مكة للفاكهي (٣٠٧) كلاهما عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس موقوفًا. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، ولم يختلف على عبد الله بن طاوس، وهو أقوى من روى هذا الأثر عن أبيه.\nالطريق الخامس: إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، واختلف على إبراهيم بن ميسرة:\nفرواه ابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (٩٧٩٠).\nوأبو عوانة كما في سنن النسائي الكبرى (٢/ ٤٠٦). =","vol":"9","page":17},{"text":"الجواب الثاني:\nأن متنه شاهد على أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ، فالحديث يعتبر الطواف كالصلاة إلا في الكلام، وقد قال علماء الأصول: الاستثناء معيار العموم، بمعنى أنها تثبت للطواف جميع أحكام الصلاة إلا ما استثني، وعند التأمل نرى أنه يجوز بالطواف الأكل والشرب، وليس فيه تسليم، ولا دعاء استفتاح، ولا استقبال القبلة، ولا تجب له قراءة الفاتحة، وله أن يقطع طوافه لشهود صلاة الجنازة، أو لحضور الجماعة، ثم يبني على طوافه بخلاف الصلاة، ولا يحتاج فيه إلى تسوية صفوف، ولا تقديم الرجال على النساء، وله أن يطوف وهو عاري الكتفين، وبالتالي فهذه المخالفات تدل على\n_________\n= وابن عيينة كما في السنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٨٧)، كلهم رووه عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس موقوفًا.\nوخالفهم محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، فرواه الطبراني (١١/ ٤٠، ٣٤١) من طريقه، عن إبراهيم بن ميسرة به مرفوعًا، ورفعه منكر؛ قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٢٦): «رفعه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، وهو ضعيف».\nوقال البيهقي (٥/ ٨٧): «ورواه الباغندي، عن عبد الله بن عمران، مرفوعًا، ولم يصنع شيئًا، فقد رواه ابن جريج وأبو عوانة عن إبراهيم بن ميسرة موقوفًا». اهـ كلام البيهقي ﵀.\nفتلخص لنا أن طاوسًا قد اختلف عليه في رفعه ووقفه، فرواه عنه ابنه عبد الله، وإبراهيم بن ميسرة، عن طاوس موقوفًا.\nورواه عطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم مرفوعًا.\nورواه الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن رجل أدرك النبي ﷺ، ولم يسم الصحابي.\nوالسبيل إما أن تعل الرواية عن ابن عباس المرفوعة بالرواية الموقوفة، ويكون المحفوظ فيها الوقف، وأما أن يحكم على رواية ابن عباس بالاضطراب، وتكون رواية ابن عمر الموقوفة هي الأشبه كما قال الدارقطني.\nوقد رجح كونه موقوفًا على ابن عباس جمع من الأئمة. قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٢٥): «رجح الموقوف النسائي، والبيهقي، وابن الصلاح، والمنذري، والنووي».اهـ\nوقال الترمذي ﵀ (٣/ ٩٣): «روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره، عن طاوس، عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب».اهـ\nورجح وقفه أيضًا ابن تيمية رحمه الله تعالى. مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٧٤) (٢٦/ ١٢٦).\nوصحح وقفه ابن عبد الهادي كما في فيض القدير (٤/ ٢٩٣).","vol":"9","page":18},{"text":"أن الكلام ليس من الرسول ﷺ (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢].\n• وقد رد بعضهم هذا الجواب:\nبأن هذا الحديث على فرض صحته يشبه حديث أبي هريرة في الصحيح\n(١٨٥٨ - ٣١٨) فقد روى البخاري، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا\nعبد الواحد، قال: حدثنا الأعمش، قال: سمعت أبا صالح يقول:\nسمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة (^١).\nوالذي ينتظر الصلاة لا يلزمه ما يلزم المصلي، فله أن يأكل ويلتفت عن القبلة، وغيرها، فقد يكون الطواف صلاة من أجل أن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله، قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤]، والطواف إنما شرع لإقامة ذكر الله، وإن كانت الصلاة في اللغة: الدعاء، والطواف يدعو به الطائف ما شاء من أمور الدنيا والآخرة.\nقال الكاساني: «يحمل على التشبيه كما في قوله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) أي كأمهاتهم، ومعناه أن الطواف كالصلاة إما في الثواب، أو في أصل الفرضية في طواف الزيارة؛ لأن كلام التشبيه لا عموم له فيحمل على المشابهة في بعض الوجوه، عملًا بالكتاب والسنة» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤٧)، وهو في مسلم بغير هذا اللفظ (٢٧٦ - ٦٤٩).\n(^٢) بدائع الصنائع (٢/ ١٢٩)، وانظر المبسوط (٤/ ٣٨).","vol":"9","page":19},{"text":"وهذا الكلام ليس دقيقًا؛ لأن هناك فرقًا بين أن أقول الطواف كالصلاة في الأجر والمثوبة، وبين أن أقول: الطواف صلاة إلا في الكلام، فهذا واضح أن الحديث لم يتعرض للثواب، وإنما تعرض فيما يجب ويلزم ويمنع.\nالجواب الثالث:\nنفسي تميل إلى أن المحفوظ في لفظه: الطواف صلاة فأقلوا فيه الكلام، فيكون المقصود بأن الطواف دعاء، فأقلوا فيه الكلام، ولا يقصد بالصلاة الحقيقة الشرعية.\nفإن قيل: أليس بعد الطواف صلاة ركعتين؟ والصلاة تشترط فيها الطهارة، من أجل هذا يلزمه أن يطوف متطهرًا.\nفالجواب:\nقال ابن تيمية: «وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قدر وجوبهما لم تجب فيها الموالاة، وليس اتصالهما بالطواف بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة، ومعلوم أنه لو خطب محدثًا ثم توضأ وصلى الجمعة جاز، فلأن يجوز أن يطوف محدثًا، ثم يتوضأ، ويصلي الركعتين بطريق الأولى.\nوهذا كثيرًا ما يبتلى به الإنسان إذا نسي الطهارة في الخطبة والطواف، فإنه يجوز له أن يتطهر ويصلي. وقد نص على أنه إذا خطب، وهو محدث جاز» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4120>الدليل الخامس على اشتراط الطهارة</span>.\nاستدل بعضهم بقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَاّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: ٢٦].\nوجه الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن الطواف ذكر مع الصلاة، فإذا كانت الصلاة تشترط لها الطهارة، فكذلك الطواف، بل إن تقديم الطواف على الصلاة يدل على أن الطهارة فيه أولى.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢١٣).","vol":"9","page":20},{"text":"الوجه الثاني:\nإذا وجب تطهير مكان الطائف، فبدنه من باب أولى.\n• وأجيب:\nبأن هذه الدلالة دلالة اقتران، وهي من أضعف الدلالات، ولا يلزم من اقترانهما اشتراكهما في الحكم.\nقال تعالى: (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١].\nوالأكل مباح، فهل إتيان حقه يوم حصاده تقولون: إنه مباح؟ ثم إنه قال في الآية الأخرى: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة: ١٢٥].\nهل تقولون: إن المعتكف لا يصح اعتكافه إلا على طهارة؛ لأنه قرن بالصلاة، فإذا سقطت الدلالة من هذه الآية، سقطت من تلك.\nوكونه قدم الطواف على الصلاة ليس دليلًا على كونه أولى بالطهارة من الصلاة، فقد يكون قدم باعتبار أن الطواف أخص بالبيت من الصلاة، فالصلاة يصليها الإنسان في كل المساجد، بل في الأرض كلها. وأما الطواف فلا يطوف الإنسان إلا في هذا البيت، والله أعلم.\nوأما الأمر بتطهير المكان، فالمراد من الشرك، وهو نجاسة معنوية، ومن الخبث وهو نجاسة حسية، وأما المؤمن فإنه ليس بنجس، ولا ينجس بالحدث، ولا يمنع المحدث من دخول البيت، فليس مقصودًا في الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4121>الدليل السادس:</span>\nأن الطواف عبادة متعلقة بالبيت، فكانت الطهارة شرطًا فيها كالصلاة.\nقال ابن تيمية: وهذا القياس فاسد، فإنه يقال: لا نسلم أن العلة في الأصل كونها متعلقة بالبيت، ولم يذكروا دليلًا على ذلك، والقياس الصحيح ما بين فيه أن المشترك","vol":"9","page":21},{"text":"بين الأصل والفرع هو علة الحكم أو دليل العلة.\nوأيضًا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلقت بالبيت أولم تتعلق، ألا ترى أنهم لما كانوا يصلون إلى الصخرة كانت الطهارة أيضًا شرطًا فيها، ولم تكن متعلقة بالبيت. وكذلك أيضًا إذا صلى إلى غير القبلة كما يصلي المتطوع في السفر، وكصلاة الخوف راكبًا؛ فإن الطهارة شرط، وليست متعلقة بالبيت، حتى قال: ثم هناك عبادة من شرطها المسجد، ولم تكن الطهارة شرطًا فيها كالاعتكاف (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4122> دليل من قال الطهارة واجبة ويصح الطواف بدونها وتجبر بدم:</span>\nاستدلوا: على أن الطهارة واجبة بقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ أمر بالآية بالطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة في الطواف يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الشرطية لا تثبت إلا بدليل قاطع، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، والشرطية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين فلم تصر الطهارة شرطًا، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في الحج (^٢).\nوهذا القول منهم ضعيف؛ لأن التفريق بين ما هو قطعي الدلالة، وما هو ظني الدلالة، والأول يصلح أن يكون دليلًا على الفرض، والثاني يكون دليلًا على الواجبات دون الشروط والأركان، والتفريق بين الواجب والفرض كل هذه الأمور مرجوحة لا تقوم على دليل صحيح، ولا يوافقهم فيها الجمهور. ثم الراجح من خبر\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢١٢).\n(^٢) انظر المبسوط - السرخسي (٤/ ٣٨).","vol":"9","page":22},{"text":"الآحاد أنه يفيد العلم ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وتجويز الخطأ في خبر الآحاد تجويز عقلي، والأصل عدمه، ولو فتح الباب للتجويز العقلي لهدم الشرع، وهي لا تخرج عن أوهام ووساوس، لا تبنى على أسس، إنما بنيت على شفا جرف هار، وقد كان البلاغ في الرسالة يقوم على خبر الواحد، وهو أصل الشرع، فقد كان الرسول ﷺ يرسل الآحاد من الصحابة لتبليغ رسالته، وتقوم الحجة به، فغيره من باب أولى. وليس هذا مقام بسط الكلام بالاحتجاج بخبر الواحد.\n• أدلة القائلين بأن الطهارة من الحيض شرط ومن الحدث الأصغر سنة:\nأما الدليل على كون الطهارة من الحيض شرطًا.\nفالإجماع. قال ابن عبد البر: الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجتمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا (^١).\nوقال ابن رشد: «اتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء، وذكر منها، قال: والثالث: فيما أحسب الطواف» (^٢).\nقال النووي: «وقد أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض والنفساء. وأجمعوا على أنه لا يصح منهما طواف مفروض ولا تطوع، وأجمعوا على أن الحائض والنفساء لا تمنع من شيء من مناسك الحج إلا الطواف وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره» (^٣).\nوقال ابن تيمية: «وأما الذي لا أعلم فيه نزاعًا أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض، إذا كانت قادرة على الطواف مع الطهر، فما أعلم منازعًا أن ذلك يحرم عليها، وتأثم به» (^٤).\n_________\n(^١) التمهيد (١٧/ ٢٦٥).\n(^٢) بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ٥٩، ٦٠).\n(^٣) المجموع (٢/ ٣٨٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢٠٦).","vol":"9","page":23},{"text":"وقال ابن حزم: أما امتناع الصلاة والصوم والطواف والوطء في الفرج حال الحيض فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه (^١).\n• وأما الدليل على كون الطهارة من الحدث الأصغر سنة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4123>الدليل الأول:</span>\nعدم الموجب للطهارة، والأصل براءة الذمة حتى يثبت الدليل الصحيح الصريح.\nقال ابن تيمية: «لم ينقل أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف مع العلم أنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمرًا متعددة، والناس معتمرون معه، فلو كان الوضوء فرضًا في الطواف لبينه النبي ﷺ بيانًا عامًا، ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه، ولم يهملوه» (^٢).\nوقال ابن القيم: «لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة، لا في عمرته، ولا في حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا ولا يبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع» (^٣).\nقلت: وقد طاف مع الرسول ﷺ في حجته خلق كثير، وكثير منهم حديث عهد بالإسلام، ومع ذلك لم يأمرهم بالطهارة، وقد ينتقض وضوء كثير منهم أثناء الطواف، ومع هذا الاحتمال القوي، لم يبين الرسول ﷺ أنه يلزمهم الطهارة في الطواف، مع أن الرسول ﷺ قد أخبر أنه يعلن أفعاله ليأخذ الناس مناسكهم فقد كان الرسول ﷺ يشعر بأنه قد لا يحج العام القابل، وكان كما تنبأ النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4124>الدليل الثاني:</span>\n(١٨٥٩ - ٣١٩) ما رواه أحمد من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية،\n_________\n(^١) المحلى (مسألة ٢٥٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٧٣).\n(^٣) تهذيب السنن (١/ ٥٢، ٥٣).","vol":"9","page":24},{"text":"عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (^١).\n[حسن، وابن عقيل مختلف فيه، والأكثر على ضعفه، وهذا الحديث من أحاديثه المقبولة، حيث يشهد له عمومات أخر، كحديث لا تقبل صلاة بغير طهور ونحوها، ويتقى من حديثه ما ينفرد به مما لا يوجد ما يعضده] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (١/ ١٢٣).\n(^٢) في الإسناد: ابن عقيل، أكثر العلماء على تضعيفه، كابن عيينة، ويحيى بن معين، والنسائي وابن خزيمة، وابن حبان، ويعقوب بن شيبة، وأبو حاتم الرازي، وابن المديني، والخطيب، كل هؤلاء تكلموا في حفظ ابن عقيل، ومن رفعه لم يرفعه إلى درجة الضبط، بل قال: مقارب الحديث.\nوقال: أحمد منكر الحديث. كما في رواية حنبل عنه. المرجع السابق.\nومن رفعه من العلماء لم يرفعه إلى درجة الضبط، بل قال: مقارب الحديث.\nوقال أبو أحمد الحاكم: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يحتجان بحديثه، وليس بذاك المتين المعتمد. تهذيب الكمال (١٦/ ٧٨)، تهذيب التهذيب (٦/ ١٣).\nوقال الترمذي: صدوق وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد ابن إسماعيل يقول: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قال: محمد ابن إسماعيل: وهو مقارب الحديث. سنن الترمذي (١/ ٩).\nأخرجه أحمد، عن وكيع كما في متن الباب، ومن طريق وكيع أخرجه كل من أبي يعلى في مسنده (٦١٦) وأبي داود (٦١، ٦١٨)، والترمذي (٣) والبزار (٦٣٣) والدارقطني (١/ ٣٦٠).\nوأخرجه عبد الرزاق (٢٥٣٩)، عن الثوري.\nوأحمد (١/ ١٢٩) عن عبد الرحمن بن مهدي.\nوالدارمي (٦٨٧)، والطحاوي (١/ ٢٧٣) من طريق محمد بن يوسف الفريابي،\nوالدارقطني (١/ ٣٦٠) من طريق زيد بن الحباب، ويزيد بن أبي حكيم،\nوالبيهقي (٢/ ١٥) من طريق أبي نعيم، وأخرجه أيضًا (١/ ١٧٣) من طريق محمد بن كثير، كلهم عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل به.\nوللحديث شواهد منها:\nالشاهد الأول: حديث أبي سعيد.\nأخرجه الترمذي (٢٣٨)، قال ﵀: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا محمد بن الفضيل،\nوأخرجه ابن ماجه (٢٧٦) من طريق علي بن مسهر، =","vol":"9","page":25},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والبيهقي (٢/ ٨٥) من طريق أبي معاوية،\nرواه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٢٩) من طريق مندل، كلهم عن أبي سفيان طريف السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، الحسن عند الترمذي هو الضعيف إذا روي من أكثر من وجه.\nوفي إسناده طريف السعدي، متفق على تضعيفه.\nقال أحمد: ليس بشيء، ولا يكتب عنه. الجرح والتعديل (٤/ ٤٩٢)، الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٢٩).\nوقال أبو داود: ليس بشيء، وقال مرة: واهي الحديث. تهذيب التهذيب (٥/ ١١).\nوقال النسائي: متروك. الضعفاء والمتروكين له (٣١٨).\nوقال مرة: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (٥/ ١١)، تهذيب الكمال (١٣/ ٣٧٧).\nووهم حسان بن إبراهيم الكرماني، حيث ظن أن أبا سفيان: هو أبو سفيان الثوري، فرواه عنه عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فأصبح الإسناد وكأنه صحيح.\nفقد رواه الحاكم (١/ ١٣٢) والبيهقي (٢/ ٣٨٠) من طريق حسان بن إبراهيم، عن أبي سفيان سعيد بن مسروق الثوري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقد نبه على وهم حسان بن إبراهيم بن حبان في المجروحين (١/ ٣٨٠)، فقال: «وقد وهم حسان بن إبراهيم الكرماني في هذا الخبر، فتوهم حسان لما رأى أبا سفيان أنه والد الثوري، فحدث عن سعيد بن مسروق، ولم يضبطه. وليس لهذا الخبر إلا طريقان:\nأبو سفيان، عن نضرة، عن أبي سعيد.\nوابن عقيل، عن ابن الحنفية، عن علي. وابن عقيل قد تبرأنا من عهدته فيما بعد». اهـ.\nونقل ابن حجر في التلخيص (١/ ٣٩٠) نحوه عن ابن حبان، وأقره، ولم يتعقبه.\nالشاهد الثاني: حديث جابر ﵁.\nرواه أبو داود الطيالسي (١٧٩٠)، قال ﵀: حدثنا سليمان بن معاذ الضبي، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: مفتاح الصلاة الوضوء، ومفتاح الجنة الصلاة.\nورواه أحمد (٣/ ٣٤٠) والترمذي (٤)، والطبراني في الأوسط (٤٣٦٤)، الصغير (٥٩٦) عن الحسين بن محمد.\nوالمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٧٥) من طريق يحيى بن حسان. =","vol":"9","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٥٥) من طريق عبد الصمد بن النعمان، كلهم عن سليمان بن قرم ابن معاذ به.\nوفي الإسناد سليمان بن قرم الضبي، ونسبه أبو داود الطيالسي إلى جده.\nقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٢٥١).\nوقال ابن معين: ليس بشيء. الكامل (٣/ ٢٥٥).\nوقال ابن حبان: كان رافضيًا، غاليًا في الرفض، ويقلب الأخبار مع ذلك. المجروحين (١/ ٣٣٢).\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس بالمتين.\nوقال أبو زرعة: ليس بذاك. الجرح والتعديل (٤/ ١٣٦).\nوذكره الحاكم في باب من عيب على مسلم إخراج حديثهم، وقال: غمزوه بالغلو في التشيع، وسوء الحفظ جميعًا. تهذيب التهذيب (١٢/ ٣٠٣).\nوذكر العقيلي حديث علي، وحديث أبي سعيد المتقدمين، وقال: إسنادان لينان، وهما أصلح من حديث سليمان بن قرم. ضعفاء العقيلي (٢/ ١٣٦).\nوقال أحمد: لا أدري به بأسًا، ولكن كان يفرط في التشيع. ضعفاء العقيلي (٢/ ١٣٦).\nوفي الإسناد أيضًا: أبو يحيى القتات.\nقال أحمد: روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرة مناكير جدًّا، وكان شريك يضعف يحيى القتات. تهذيب التهذيب (١٢/ ٣٠٣).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: في حديثه بعض ما فيه، إلا أنه يكتب حديثه. الكامل - ابن عدي (٣/ ٢٣٧).\nوقال ابن معين: في حديثه ضعف. كما في رواية الدوري عنه.\nوقال أيضًا: ثقة، كما في رواية عثمان الدارمي، تهذيب الكمال (٣٤/ ٤٠١).\nوفي التقريب: لين الحديث.\nالشاهد الثالث: حديث ابن عباس.\nرواه الطبراني في الأوسط (٩٢٦٧) من طريق سعدان بن يحيى، حدثنا نافع مولى يوسف السلمي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ، قال: مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٤٨) من طريق سعدان بن يحيى، عن نافع به.\nوهذا ضعيف جدًّا، فيه نافع مولى السلمي، أبو هرمز.\nقال يحيى بن معين: ليس بثقة، كذاب. كما في رواية ابن أبي مريم عنه. =","vol":"9","page":27},{"text":"وجه الدلالة:\nقال ابن تيمية: «في هذا الحديث دلالتان:\n_________\n= وقال أيضًا: ليس بشيء، كما في رواية أبي يعلى، والدوري عنه. الكامل (٧/ ٤٨)، والجرح والتعديل (٨/ ٤٥٥).\nوقال أيضًا: كان ضعيفًا، لا يكتب حديثه. كما في رواية محمد بن عثمان عنه. الضعفاء للعقيلي (٤/ ٢٨٦).\nوقال النسائي: ليس بثقة. الكامل (٧/ ٤٨)، لسان الميزان (٦/ ١٤٦).\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على روايته بين. الكامل (٧/ ٤٨).\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ٣٩١): متروك.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٣) أخبرنا أبو خالد الأحمر، عن ابن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس موقوفًا عليه.\nوفي إسناده محمد بن كريب مولى ابن عباس ضعيف، وقال الدارقطني: متروك.\nالشاهد الرابع: حديث عبد الله بن زيد.\nرواه الحارث في مسنده، كما في بغية الباحث (١٦٩)، قال: حدثنا محمد بن عمر، ثنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، عن أيوب بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة، عن عباد بن تميم،\nعن عمه عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ، قال: افتتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.\nومن طريق محمد بن عمر رواه الروياني في مسنده (١٠١١)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٦١).\nوهذا أيضًا ضعيف جدًّا، في سنده: محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك.\nالشاهد الخامس:\nويشهد له أثر موقوف عن ابن مسعود، جاء عنه بسند صحيح، قال أبو نعيم في كتاب الصلاة، كما في تلخيص الحبير (١/ ٣٩١) حدثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، فذكره بلفظ: مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم.\nوهو في معجم الطبراني في الكبير (٩٢٧١)، قال: حدثنا محمد بن النضر الأزدي، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص،\nعن عبد الله، قال: تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم، وإذا سلمت فجعلت بك حاجة فانطلق قبل أن يقبل بوجهه.\nوعنعنة أبي إسحاق على القول بأنها علة زالت برواية البيهقي للأثر (١/ ١٧٣) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق؛ لأنه لا يحمل عنه إلا ما سمعه، لا ما دلسه. وقد صححه البيهقي، كما صححه الحافظ ابن حجر في التلخيص (١/ ٣٩١).","vol":"9","page":28},{"text":"إحداهما: أن الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فما لم يكن تحريمه التكبير وتحليله التسليم لم يكن من الصلاة.\nالثانية: أن هذه هي الصلاة التي مفتاحها الطهور، وكل صلاة مفتاحها الطهور، فتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فما لم يكن تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فليس مفتاحه الطهور».\nوقال: «الطواف ليس له تحريم ولا تحليل، وإن كبر في أوله فكما يكبر على الصفا والمروة وعند رمي الجمار من غير أن يكون ذلك تحريمًا، ولهذا يكبر كلما حاذى الركن، والصلاة لها تحريم؛ لأنه بتكبيرها يحرم على المصلي ما كان حلالًا له من الكلام والأكل والضحك والشرب وغير ذلك، فالطواف لا يحرم شيئًا، بل كل ما كان مباحًا قبل الطواف في المسجد، فهو مباح في الطواف، وإن كان قد يكره ذلك؛ لأنه يشغل عن مقصود الطواف».\nحتى قال: «ولا يعرف نزاع بين العلماء أن الطواف لا يبطل بالأكل والشرب والقهقهة، كما لا يبطل غيره من مناسك الحج بذلك، وكما لا يبطل الاعتكاف بذلك» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4125>الدليل الثالث:</span>\nقال ابن تيمية: «يثبت أيضًا أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة،\n(١٨٦٠ - ٣٢٠) لما ثبت في صحيح مسلم، من حديث ابن جريج، حدثنا سعيد ابن الحارث، عن ابن عباس،\nأن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب له طعام، فأكل، ولم يمس ماء. قال ابن جريج: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحارث أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم تتوضأ؟ قال: ما أردت صلاة فأتوضأ.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٧٥).","vol":"9","page":29},{"text":"قال عمرو: سمعته من سعيد بن الحارث (^١).\nثم قال: «ما أردت صلاة، فأتوضأ، يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا إذا أراد صلاة، وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب، وليس بواجب».اهـ\nوهذا الاستدلال من ابن تيمية ظاهر، إلا أنه لم يستدل به على عدم الوضوء لمس المصحف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4126>الدليل الرابع:</span>\nوإن لم يكن هذا بمنزلة الدليل، ولكنه من باب الاستئناس بأقوال بعض السلف المتقدمين، حيث يكون للإنسان أسوة بمن تقدم ﵏ رحمة واسعة.\n(١٨٦١ - ٣٢١) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، قال: سألت حمادًا ومنصورًا وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأسًا.\n[وهذا إسناد في غاية الصحة] (^٢).\n(١٨٦٢ - ٣٢٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قال في المرأة تطوف ثلاثة أشواط، ثم تحيض، قال: يعتد به.\n[وهذا إسناد حسن، إن سلم من تدليس مغيرة] (^٣).\n(١٨٦٣ - ٣٢٣) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها (^٤).\n(١٨٦٤ - ٣٢٤) وروى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا أبو خالد، عن حجاج،\n_________\n(^١) انظر الكلام على الحديث، من حيث الاختلاف في لفظه رقم (١٧٧١).\n(^٢) المصنف (٣/ ٢٨٣) رقم ١٤٣٤٩. وغندر من أثبت الناس في شعبة. ونقله ابن تيمية في الفتاوى (٢٦/ ١٨٢) قال: «قال عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا سهل بن يوسف، أنبأ شعبة، عن حماد ومنصور، قالا: سألتهما عن الرجل يطوف بالبيت، وهو غير متوضئ، فلم يريا به بأسًا».\n(^٣) المصنف (٣/ ١٩٣) رقم ١٣٤٢٦.\n(^٤) المصنف (٣/ ١٩٣) رقم ١٣٤٢٥، وفي إسناده ليث بن أبي سليم.","vol":"9","page":30},{"text":"عن عطاء، قال: تستقبل الطواف أحب إلي، وإن فعلت فلا بأس به.\n[حسن عن عطاء بمجموع الطريقين] (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4127> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nأن الطهارة من الحيض شرط في صحة الطواف، وأما الطهارة من الحدث الأصغر فليست شرطًا فيه، لكن لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في هذه السنة خروجًا من الخلاف، خاصة أن الطهارة لا نزاع في مشروعيتها. والطواف ركن الحج والعمرة مقصود لذاته، وغيره من الأعمال تبع له.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٣/ ١٩٣) رقم ١٣٤٢٨. قال الحافظ في الفتح (٣/ ٦٤٤) ح ١٦٥٠ وذهب جمع من الكوفيين إلى عدم الاشتراط -يعني الطهارة في الطواف- قال ابن أبي شيبة حدثنا غندر حدثنا شعبة سألت الحكم وحمادًا ومنصورًا وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة فلم يروا به بأسا، وروي عن عطاء: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدًا ثم حاضت أجزأ عنها، وفي هذا تعقب على النووي حيث قال في شرح المهذب: انفرد أبو حنيفة بأن الطهارة ليست بشرط في الطواف واختلف أصحابه في وجوبها وجبرانه بالدم إن فعله. اهـ قال الحافظ: ولم ينفردوا بذلك كما ترى فلعله أراد انفرادهم عن الأئمة الثلاثة لكن عند أحمد رواية أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم وعند المالكية قول يوافق هذا الحديث. اهـ كلام الحافظ ﵀.","vol":"9","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4128>المبحث الثالث في الحائض إذا اضطرت للطواف</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل الشروط والواجبات في الشرع معلق وجوبها بالقدرة، وتسقط بالعجز.\n[م-٧٥٩] خلصنا من البحث السابق أن الطهارة من الحيض شرط لصحة الطواف كما أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وبقي أن نبحث فيما لو عجزت المرأة عن تحقيق هذا الشرط، بأن كانت لا تستطيع البقاء في مكة حتى تطهر، فهل يصح طوافها في مثل هذه الحال؟ أم لا يجوز لها الطواف؟ في هذه المسألة وقع خلاف بين العلماء:\nفقيل: لا يصح طوافها بحال.\nوهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: الطهارة من الحيض ليست بشرط، ولكنها واجبة تجبر بدم.\n_________\n(^١) مواهب الجليل (٣/ ٦٧)، المنتقى للباجي (٢/ ٢٩٠)، القوانين الفقهية (ص: ٨٩). الخرشي (٢/ ٣١٤)، المعونة (١/ ١٨٦)، حاشية الدسوقي (٢/ ٣١).\n(^٢) الحاوي (١/ ٣٨٤)، المهذب (١/ ٢٢٨)، المجموع (٨/ ١٧).\n(^٣) المغني (٥/ ٢٢٣)، كشاف القناع (٢/ ٤٨٥)، الفروع (٣/ ٥٠٢)، المبدع (٣/ ٢٢١)، الإنصاف (٤/ ١٦)، شرح الزركشي (٣/ ١٩٥).","vol":"9","page":32},{"text":"وهو مذهب الحنفية (^١)، ورواية عن أحمد (^٢)، واختلفوا في الدم هل هو شاة أم بدنة. فقيل بدنة، وهو مذهب الحنفية. وقيل شاة.\nوقيل: إذا عجزت عن الطهارة صح طوافها ولا يحتاج إلى جبران، وهو اختيار ابن تيمية (^٣)، وابن القيم (^٤)، وهو الصواب.\n• أدلة الجمهور على أنه لا يصح طوافها بحال:\nسبق أن ذكرنا أدلتهم في مسألة اشتراط الطهارة للطواف، والجواب عليها، فارجع إليها إن شئت.\n• أدلة الحنفية على أن الطهارة واجبة وليست بشرط وتجبر بدم:\nاستدلوا بقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩].\nأن الله ﷾ أمر بالآية بالطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة في الطواف يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الشرطية لا تثبت إلا بدليل قاطع، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، والشرطية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين فلم تصر الطهارة شرطًا، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في الحج (^٥).\n• وهذا الكلام مدخول من أكثر من وجه:\nأولًا: قوله: إن خبر الواحد يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، فإن كان\n_________\n(^١) المبسوط - السرخسي (٤/ ٣٨)، بدائع الصنائع (٢/ ١٢٩)، فتح القدير (٣/ ٥١) البحر الرائق (١/ ٢٠٣).\n(^٢) الفروع (٣/ ٥٠٢)، المبدع (٣/ ٢٢١) الإنصاف (٤/ ١٦).\n(^٣) الاختيارات (ص: ٣٧)، مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢١٣)، الإنصاف (٤/ ١٦).\n(^٤) أعلام الموقعين (٣/ ١٤ - ٢١).\n(^٥) انظر المبسوط - السرخسي (٤/ ٣٨).","vol":"9","page":33},{"text":"مقصوده أن خبر الآحاد لا يوجب العلم بل يوجب مجرد الظن فغير مسلم؛ لأن قوله: «لا يوجب علم اليقين» فاليقين يقابله الشك والظن، والصحيح أن خبر الآحاد يوجب العلم، وإن كان قد يتفاوت فالحديث المشهور ليس كالغريب، والمتفق عليه ليس كالحديث الذي انفرد به أحد الصحيحين، لكن دلالته على العلم ثابتة وكون التصور العقلي لا يمنع خطأ الثقة، لو فتحنا هذا التجويز العقلي لهدمت أدلة الشرع، وأصبح الدليل الشرعي إذا لم يوافق هوى المبتدع أدخل فيه احتمال الخطأ من الثقة، فالأصل عدم الخطأ، ولا يحكم بخطأ الثقة إلا بدليل واضح بين.\nثانيًا: الأدلة من الشرع على قبول خبر الآحاد في أمور الاعتقاد، وفي الأمور العملية أكثر من أن تحصى وليس هذا موضع بحثها، بل إن الرسول ﷺ اكتفى بتبليغ الشرع وقيام الحجة بخبر الآحاد، فأرسل رسله إلى الملوك ليبلغوا عنه رسالته. وقامت الحجة على هؤلاء بهؤلاء الرسل وهم آحاد.\nوإن كان مقصوده بأن خبر الآحاد لا يوجب العلم اليقيني، بل يوجب العلم النظري، المتوقف على النظر والاستدلال والبحث عن أحوال الرجال فلا نزاع في هذا، لكنه بعد البحث والاستدلال يفيد العلم القطعي إذا خلص الباحث إلى صحة الحديث (^١)، فإذا دل خبر الآحاد على اشتراط شيء قلنا: إنه شرط ولو كان صادرًا من خبر الآحاد. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4129> أدلة من قال: تسقط الطهارة بالعجز ويصح طوافها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4130>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن جميع الشروط والواجبات في العبادة معلقة بالقدرة، فمن عجز عن تحقيق شرط، أو ركن أو واجب سقط عنه.\n_________\n(^١) وهذا اليقين لا يحصل إلا عند طالب الحديث، وهو ما يتميز به عن غيره من طلبة العلم، ومن لم يشتغل بالحديث فليس له إلا التقليد، والتقليد لا يعطي القلب هذا اليقين الجازم وإذا ما تعارض عند المقلد تصحيح وتضعيف في حديث واحد عن الأئمة فلا تسأل عن حاله.","vol":"9","page":34},{"text":"والدليل على هذه القاعدة نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].\n(١٨٦٥ - ٣٢٥) ومنها ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم بأطول من هذا (^١).\nوجه الاستدلال:\n(وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، فالقيام بالأوامر حسب الاستطاعة.\n(١٨٦٦ - ٣٢٦) ومنها ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،\nعن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4131>الدليل الثاني:</span>\nاشتراط الطهارة في الصلاة آكد من الطواف، وإذا كانت شروط الصلاة تسقط بالعجز، فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى.\nوهذا الكلام مبني على مقدمتين ونتيجة:\nالمقدمة الأولى: أن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد منه في الطواف.\nالمقدمة الثانية: أن الطهارة في الصلاة تسقط في العجز.\nالنتيجة: أن الطهارة في الطواف تسقط بالعجز كالصلاة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).\n(^٢) صحيح البخاري (١١١٧).","vol":"9","page":35},{"text":"أما المقدمة الأولى: وهي أن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد منه في الطواف فالدليل على صحة هذه المقدمة.\nأولًا: أن اشتراط الطهارة في الصلاة مع المقدرة عليها مجمع عليه، بخلاف الطهارة في الطواف فإنهم مختلفون في اشتراطها، فقد قال بعض العلماء بأن الطهارة سنة في الطواف كما قررته في مسألة مستقلة.\nوقيل: بل واجب يجبر بدم.\nوقيل: شرط.\nقال ابن القيم: «ولا ريب أن وجوب الطهارة، وستر العورة في الصلاة آكد من وجوبها في الطواف، فإن الصلاة بلا طهارة مع القدرة باطلة بالاتفاق، وكذلك صلاة العريان، وأما طواف الجنب والحائض والمحدث والعريان بغير عذر ففي صحته قولان مشهوران، وإن حصل الاتفاق بأنه منهي عنه في هذه الحال» (^١).\nقلت: أما المحدث حدثًا أصغر فلم يثبت لي أن الشارع قد نهى عنه. فتأمل، وكذا الجنب إلا لمن قاسه على الحائض.\nثم قال ابن القيم موصولًا بالكلام السابق: «وكذلك أركان الصلاة وواجباتها آكد من أركان الحج وواجباته، فإن واجبات الحج إذا تركها عمدًا لم يبطل حجه، وواجبات الصلاة إذا تركها عمدًا بطلت صلاته» (^٢).\nفمن هذا الكلام يتبين لنا أن المقدمة الأولى صحيحة، وأن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد منه في الطواف.\nأما المقدمة الثانية: أن الطهارة في الصلاة تسقط بالعجز، فقد اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال:\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٣/ ٢١).\n(^٢) المرجع السابق (٣/ ٢١).","vol":"9","page":36},{"text":"فقيل: لا يصلي حتى يقدر على الوضوء أو التيمم، فإذا قدر على ذلك قضى ما وجب عليه. وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة (^١).\n(١٨٦٧ - ٣٢٧) وحجتهم ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال:\nدخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول (^٢).\nوقيل: لا يصلي ولا قضاء عليه، وهو المشهور من مذهب مالك (^٣)،\nوهذا أضعف الأقوال، وقد قاسوه على المغمى عليه والمجنون والحائض (^٤)، بجامع عدم الاستطاعة.\nوقيل: يصلي ويعيد. وهو المشهور من مذهب الشافعي (^٥)، ورواية في مذهب مالك (^٦).\n_________\n(^١) انظر مذهب الثوري: الأوسط لابن المنذر (٢/ ٤٥)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٢٧، ٣٢٨)، شرح البخاري لابن رجب (٢/ ٢٢٢).\nوانظر مذهب الأوزاعي: المغني لابن قدامة (١/ ٣٢٨)، الأوسط لابن المنذر (٢/ ٤٥)، شرح البخاري لابن رجب (٢/ ٢٢٢).\nوانظر قول أبي حنيفة في: حاشية رد المحتار (١/ ٢٥٢)، بدائع الصنائع (١/ ٥٠)، البحر الرائق (١/ ١٥١) نصب الراية (١/ ١٥٩، ١٦٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٢٤).\n(^٣) منح الجليل (١/ ١٦١) الشرح الصغير (١/ ٢٠٠، ٢٠١)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٠) الخرشي (١/ ٢٠٠).\n(^٤) انظر الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه (١/ ٢٠١).\n(^٥) المجموع (٢/ ٣٢١)، مغني المحتاج (١/ ١٠٥، ١٠٦)، الأوسط (٢/ ٤٥).\n(^٦) انظر: الخرشي (١/ ٢٠٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٠).","vol":"9","page":37},{"text":"وقيل: يصلي وتستحب له الإعادة، وهو منسوب للشافعي في القديم (^١).\nوقيل: يصلي ولا يعيد، ويسقط عنه فرض الطهارة وهو الصحيح، وهو المشهور من مذهب أحمد (^٢)، ورجحه ابن المنذر (^٣)، وعليه بوب البخاري (^٤).\n• واستدلوا لهذا القول بدليل عام، وخاص:\nأما العام: فقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦].\nوقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].\nوأما الدليل الخاص: فمنها ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه،\nعن عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا. ورواه مسلم (^٥).\nوجه الاستدلال:\nأن هؤلاء كان فرضهم قبل نزول آية التيمم الوضوء بالماء فقط فحين عدموا الماء صلوا في تلك الحال بغير طهور ولم ينتظر حتى يجدوا الماء، ولم يؤمروا بالإعادة، فكان الحكم واحدًا فيمن فقد الماء والتراب يصلي ولا إعادة عليه، ولا ينتظر حتى يجد ماء أو ترابًا، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: باب إذا لم يجد ماء ولا ترابًا.\nوهذا القول هو الصواب، وبترجيح هذا القول، أصبحت المقدمة الثانية صحيحة على الراجح من أقوال أهل العلم. فإذا سلمت المقدمتان، صحت النتيجة.\n_________\n(^١) انظر المجموع (٢/ ٣٢٢)، مغني المحتاج (١/ ١٠٦).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ١٧١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٩٦).\n(^٣) الأوسط (٢/ ٤٦).\n(^٤) كتاب التيمم، الباب الثاني، قال: باب إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا.\n(^٥) صحيح البخاري (٣٣٦). ورواه مسلم (١٠٩/ ٣٦٧).","vol":"9","page":38},{"text":"ونعيد ذكر المقدمتين لطول الفصل:\nالأولى: أن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد من اشتراط الطهارة في الطواف.\nالمقدمة الثانية: أن الطهارة في الصلاة إذا عجز عن تحقيقها سقطت.\nالنتيجة أن الطهارة في الطواف إذا عجزت المرأة عن تحقيقها سقطت عنها قياسًا على الطهارة في الصلاة.\nوقد نافح ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم عن هذا القول، ونصراه في كلام طويل لهما أورده مختصرًا قدر الإمكان.\nساق ابن القيم في أعلام الموقعين الأقوال في المسألة: فقال: «ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري».\nفظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن إمكان الاحتباس لها حتى تطهر وتطوف، وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك وتمسك بظاهر النص.\nونازعهم في ذلك فريقان:\nالفريق الأول: صحح الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعًا من صحته بل جعلوا الطهارة واجبة تجبر بدم، كما يقول أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وهي أنصهما عنه.\nوهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباط الشرط بالمشروط، بل جعلوها واجبة من واجباته، وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به، يصح فعله مع الإخلال بها ويجبرها الدم.\nالفريق الثاني: جعل وجوب الطهارة للطواف واشتراطها بمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع العجز.\nقالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له بأعظم من اشتراطها","vol":"9","page":39},{"text":"للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها، فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى.\nقالوا: وقد كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين تحتبس أمراء الحج للحيض، حتى يطهرن ويطفن، ولهذا قال النبي ﷺ في شأن صفية وقد حاضت: (أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلتنفر إذًا)، وحينئذ كانت الطهارة مقدورة لها يمكنها الطواف بها، فأما في هذه الأزمان التي يتعذر إقامة الركب لأجل الحيض فلا تخلو من أقسام:\nأحدها: أن يقال لها: أقيمي بمكة، وإن رحل الركب حتى تطهري وتطوفي، وقد يكون لا نفقة لها، ولا مكان تأوي إليه بمكة، وقد يعرض لها من يستكرهها على الفاحشة.\nالقسم الثاني: أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه، وهذا مع أنه لا قائل به، فلا يمكن القول به، فإنه ركن الحج الأعظم، وهو الركن المقصود لذاته والوقوف بعرفة وتوابعه مقدمات له.\nالقسم الثالث: أن يقال: إذا علمت أو خشيت مجئ الحيض في وقته جاز لها تقديمه على وقته.\nوهذا كالذي قبله، لا يعلم به قائل.\nالقسم الرابع: أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج، وأنها إذا حجت أصابها الحيض هناك، سقط عنها فرضه حتى تصير آيسة، وينقطع حيضها بالكلية.\nوهذا القول وإن كان أفقه من الذي قبله، فإن الحج يسقط لما هو دون هذا من الضرر، ومع هذا ممتنع لأكثر من وجه.\nالوجه الأول: لازمه سقوط الحج عن كثير من النساء، أو أكثرهن.\nالوجه الثاني: القول بسقوط الحج بالعجز عن بعض الشروط قول باطل، فإن العبادات لا تسقط بالعجز عن شرائطها وواجباتها، ولا عن بعض أركانها لقوله","vol":"9","page":40},{"text":"تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، ولهذا وجبت الصلاة بحسب الإمكان.\nالوجه الثالث: القول بعدم وجوب الحج على من تخاف الحيض لا يعلم به قائل.\nالقسم الخامس: أن يقال: إذا لم يمكنها الطواف، ولا المقام بمكة أن ترجع وتبقى محرمة تمتنع من النكاح ووطء الزوج إلى أن يمكنها الرجوع، فإن لم يمكنها بقيت محرمة إلى أن تموت.\n• وهذا ممتنع من وجوه:\nأولًا: أن الله لم يأمر أحدًا أن يبقى محرمًا إلى أن يموت، حتى المحصر بعدو له أن يتحلل باتفاق العلماء، والمحصر بمرض أو فقر له أن يتحلل على الأرجح من أقوال أهل العلم.\nثانيًا: أن في هذا إيجاب سفرين كاملين على الإنسان للحج من غير تفريط منه ولا عدوان، وهذا خلاف الأصول. فإن الله لم يوجب الحج على الناس إلا مرة واحدة، وإذا أوجب القضاء على المفسد فذلك بسبب جنايته على إحرامه، وإذا أوجبه على من فاته الوقوف بعرفة فذلك بسبب تفريطه.\nثالثًا: أن هذه المرأة إذا أمكنها العودة فلا يؤمن أن يصيبها الحيض كما أصابها في المرة الأولى، وهو أمر ممكن جدًّا، ولا يستحيل حدوثه، فيقال لها: إذا لم يمكنك البقاء اذهبي إلى بلدك وارجعي مرة أخرى، والله ﷾ لم يجعل على الأمة مثل هذا الحرج، ولا ما هو قريب منه.\nالقسم السادس: أن يقال لها: تحللي كما يتحلل المحصر، مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزمها، ثم إذا أصابها ذلك تحللت، وهكذا أبدًا حتى يمكنها الطواف طاهرًا.\nفهذا التقدير وإن كان أفقه من التقدير الذي قبله؛ فإن هذه منعها خوف المقام من إتمام النسك، فهي كمن منعها عدو من الطواف في البيت، ومع هذا فالتقدير","vol":"9","page":41},{"text":"ضعيف، فإن الإحصار حقيقته أمر عارض للحاج يمنعه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، وهذه متمكنة من البيت، ومن الحج من غير عدو ولا مرض ولا ذهاب نفقة، وإذا جعلنا هذه كالمحصر أوجبنا عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها، والعذر للتحلل بالإحصار، وإذا كان الحيض لا يسقط فرض الحج عليها ابتداء،، فلا يكون موجبًا للتحلل والإحصار.\nالقسم السابع: أن تستنيب من يحج عنها، وتكون كالمعضوب العاجز عن الحج بنفسه.\nوهذا القول أولًا: لا يوجد أحد قال به.\nوثانيًا: أن المعضوب الذي يجب عليه الاستنابة هو الذي لا يرجو زوال عذره، أما من كان يرجو زوال عذره فليس له أن يستنيب، والحائض لا تيأس من زوال عذرها لجواز أن تبقى إلى زمن اليأس وانقطاع الدم، وقد ينقطع دمها قبل سن اليأس لعارض من فعلها أو من غير فعلها، فليست كالمعضوب لا حقيقة ولا حكمًا.\nفإذا لم يمكن فعل جميع هذه الحالات لم يبق لها إلا أن يقال: تطوف الحائض بالبيت والحالة هذه، وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه، وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافقها كما تقدم إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عجز ولا حرام مع ضرورة.\nفإن قيل: في ذلك محذوران:\nأحدهما: دخول الحائض المسجد.\nوالثاني: طوافها في حال الحيض.\n• أما الجواب عن الأول فمن وجوه:\nأحدها: أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الحائض لا تمنع من دخول المسجد،","vol":"9","page":42},{"text":"فلم يأت دليل صحيح صريح في منعها وقد بينت هذه المسألة في مسألة مستقلة.\nالثاني: على فرض أنها ممنوعة، فالضرورة تبيح دخول المسجد للحائض والجنب، فإنها لو خافت من عدو، أو من يستكرهها على الفاحشة، أو أخذ مالها، ولم تجد ملجأ إلا دخول المسجد جاز لها دخوله مع الحيض. وهذه الحائض تخاف من بقائها في مكة أن يتعرض لها أحد باعتداء على عرض أو مال.\nالثالث: أن طوافها بمنزلة المرور في المسجد، ويجوز للحائض المرور فيه إذا أمنت التلويث، وقد ناقشت هذه المسألة في مسألة مستقلة.\nالرابع: أن دم الحيض في تلويثه المسجد كدم الاستحاضة، والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجمت اتفاقًا وذلك لأجل الحاجة، وحاجة هذه أولى.\nأما الجواب عن المحذور الثاني: وهو كونها تطوف مع الحيض، فقد ذكرت الأدلة الإيجابية لجوازه وهو مبني على دليلين:\nالأول: أن جميع الشروط في العبادة تسقط مع العجز.\nالثاني: القياس على سقوط الطهارة في الصلاة عند العجز عنها فكذلك الطواف (^١).\nفالراجح من هذا الخلاف أن الطهارة من الحيض شرط في صحة الطواف، وأن الحائض إذا كانت لا تتمكن من البقاء لحين طهارتها إما خوفًا على نفسها، أو على مالها، أو تعذر بقاء الرفقة، أو لم يرض محرمها في الانحباس من أجلها، ولم تكن من أهل هذه البلاد بأن كانت من مصر آخر لا تتمكن من العودة إلى البيت مرة أخرى فالقول بصحة طوافها متوجه، أما إن كانت من أهل هذه البلاد، والطريق آمنة، والمحرم يتطوع في الرجوع معها متى شاءت، وتستطيع تحمل النفقة فإنها ترجع إن شاءت إلى بلدها وإذا طهرت رجعت وطافت. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) أعلام الموقعين (٣/ ١٤ - ٢١)، مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢١٤ - ٢٣٠).","vol":"9","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4132>المبحث الرابع في سعي الحائض بين الصفا والمروة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الحائض مأمورة بأن تفعل ما يفعل الحاج إلا الطواف، والاستثناء معيار العموم.\n[م-٧٦٠] لا يوجد دليل يمنع الحائض من السعي بين الصفا والمروة، بل هناك دليل إيجابي على أن للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة.\n(١٨٦٨ - ٣٢٨) فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد،\nعن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخلت علي النبي ﷺ وأنا أبكي. فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفست؟ قلت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري، ورواه مسلم (^١).\nفالحديث لم يستثن من أفعال المناسك شيئًا إلا الطواف، ولا يقال: إن السعي بين الصفا والمروة طواف بينهما، لأن الطواف إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى الطواف بالبيت،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٥)، وصحيح مسلم (١٢٠/ ١٢١١).","vol":"9","page":44},{"text":"وكما يقال: الاستثناء معيار العموم، فلما استثنى الطواف بقى ما عداه جائزًا.\nقال ابن حزم: «ولها -يعني الحائض- أن تطوف بين الصفا والمروة، لأنها لم تنه إلا عن الطواف بالبيت فقط» (^١).\n(١٨٦٩ - ٣٢٩) ويشكل على هذا ما رواه مالك: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،\nعن عائشة أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري» (^٢).\n[زيادة: (ولا بين الصفا والمروة) زيادة شاذة].\nقال ابن عبد البر: «هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث غير ألا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري، وقال غيره من رواة الموطأ: غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري لم يذكروا (ولا بين الصفا والمروة) ولا ذكر أحد من رواة الموطأ في هذا الحديث (ولا بين الصفا والمروة) غير يحيى فيما علمت، وهو عندي وهم منه، والله أعلم «(^٣).\n_________\n(^١) المحلى (٧/ ١٨٠).\n(^٢) الموطأ (١/ ٤١١) ح ٢٢٤.\n(^٣) التمهيد كما في فتح البر (٨/ ٤٨٨). قلت: خالف يحيى بن يحيى جماعة رووه عن مالك بدونها، وإليك بعض من وقفت عليه منهم:\nالأول: عبد الله بن يوسف، عند البخاري (١٦٥٠).\nالثاني: عبد الله بن مسلم القعنبي كما عند أبي يعلى (٤٥٤٣).\nالثالث: خالد بن مخلد عند الدارمي (١٨٤٦).\nالرابع: الشافعي كما في مسنده (١/ ٣٦٩).\nالخامس: أحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهري. الموطأ بروايته (١٣٢٥) وابن حبان (٣٨٢٤)، والبغوي في شرح السنة (١٩١٤).\nالسادس: محمد بن الحسن الشيباني. الموطأ بروايته (٤٦٥).\nالسابع: عبد الله بن وهب، كما مستخرج أبي عوانة (٣١٧٨). ...\nفهؤلاء سبعة رواة رووا الحديث عن مالك بدون هذه الزيادة، كما روى الحديث جماعة عن شيخ مالك بدون هذه الزيادة، مما يجعل الباحث يجزم بوهم يحيى بن يحيى، وإليك بعضهم:\nالأول: عبد العزيز بن أبي سلمة عند البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢٠ - ١٢١١) وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nالثاني: سفيان بن عيينة كما عند البخاري (٢٩٤، ٥٥٤٨، ٥٥٤٩، ٥٥٥٩)، ومسلم (١١٩ - ١٢١١). وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nالثالث: حماد بن سلمة، كما عند الطيالسي (١٤١٣)، وأحمد (٦ - ٢١٩)، وصحيح مسلم (١٢١ - ١٢١١)، وسنن أبي داود (١٧٨٢).\nالرابع: عمرو بن الحارث كما في موطأ عبد الله بن وهب (١٥٠).\nالخامس: محمد بن إسحاق، كما في مسند أحمد (٦/ ٢٧٣).\nفهؤلاء رووه عن عبد الرحمن بن القاسم شيخ مالك، عن القاسم، عن عائشة بدون زيادة: (ولا بين الصفا والمروة).\nكما رواه جماعة عن القاسم، ولم يذكروا فيه هذه الزيادة، ورواه عروة، عن عائشة كذلك، وقد تركت تخريج هذه الطرق اقتصارًا، والله أعلم.","vol":"9","page":45},{"text":"(١٨٧٠ - ٣٣٠) وأما ما جاء عن ابن عمر عند ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر قال: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة (^١).\n[صحيح] (^٢).\nفهذا مع كونه موقوفًا على ابن عمر إلا أنه محمول على الرأي الذي يقول: إن السعي لابد أن يتقدمه طواف، فلا يصح السعي من الحائض إذا لم تكن قد طافت بالبيت، والذي يجعلني أحمله على هذا المحمل.\n(١٨٧١ - ٣٣١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،\n_________\n(^١) المصنف (٣/ ٢٨٤) ١٤٣٦١.\n(^٢) وصحح إسناده الحافظ في الفتح في شرحه لحديث (١٦٥٠).","vol":"9","page":46},{"text":"عن ابن عمر، قال: إذا طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فلتسع بين الصفا والمروة.\n[صحيح] (^١).\nوتقدم السعي على الطواف فيه تفصيل، أما في العمرة فهو إجماع لا يصح أن يتقدم السعي على الطواف.\nقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن المعتمر لا يسعى بين الصفا والمروة حتى يطوف بالبيت، وعليه يحمل فعل عائشة ﵂ لما حاضت، فإنها لم تسع بين الصفا والمروة، لأنها كانت قد أحرمت بالعمرة» (^٢).\nوأما تقديم سعي الحج على طواف الحج ففيه خلاف بين العلماء، ليس هذا موضع بحثه؛ لأنه من مباحث الحج الخاصة، لا تعلق له بالحيض، وعمدة من جوز ذلك.\n(١٨٧٢ - ٣٣٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طليحة،\nعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع وجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر حلقت قبل أن أذبح قال: اذبح ولا حرج، وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج فما سئل النبي ﷺ يومًا إذْ عن شيء قدم ولا أخر، إلا قال: افعل ولا حرج. ورواه مسلم (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله: فما سئل النبي ﷺ يومئذ -يعني يوم النحر- عن شيء قدم ولا أخر إلا\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٢٨٧) ١٤٣٩٤.\n(^٢) التمهيد، كما في فتح البر (٨/ ٢٨٢).\n(^٣) صحيح البخاري (١٧٣٦)، ومسلم (٣٢٧/ ١٣٠٦).","vol":"9","page":47},{"text":"قال: (افعل ولا حرج)، ويدخل في ذلك الطواف والسعي؛ لأنهما من الأعمال التي تعمل يوم النحر، والله أعلم.\nوقد رأى جماعة من التابعين جواز السعي بدون طهارة.\n(١٨٧٣ - ٣٣٣) فقد روى ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن حجاج، قال:\nسألت عطاء عن امرأة طافت بالبيت ثم حاضت. قال: تسعى بين الصفا والمروة (^١).\n[حسن لغيره، فيه حجاج بن أرطاة، ولكن له متابع].\n(١٨٧٤ - ٣٣٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن وعطاء، قالا: تسعى بين الصفا والمروة (^٢).\n[وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات وهشام بن حسان وإن كان في روايته عن الحسن وعطاء مقال إلا أن هذا ينقل فتوى سمعها منهما، ومثل هذا يبعد فيه الوهم]\nوهو مذهب إبراهيم النخعي، والحكم، وحماد (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٣/ ٢٨٧) ١٤٣٩٥.\n(^٢) المصنف (٣/ ٢٨٧) ١٤٣٩٦.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عنهم. انظر المصنف (٣/ ٢٨٧).","vol":"9","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4133>المبحث الخامس في المرأة تحيض قبل طواف العمرة وتخشى فوات الحج</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إدخال الحج على العمرة قبل الشروع في طواف العمرة جائز بالإجماع من غير خشية فوات الحج، فمع خشيته من باب أولى.\n[م-٧٦١] اختلف العلماء في ذلك.\nفقيل: ترفض العمرة، وتهل بالحج. وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: تدخل الحج على العمرة، فتصير قارنة، وهذا مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، واختاره ابن حزم (^٥).\n_________\n(^١) فتح القدير (٣/ ٢٣)، المبسوط (٤/ ٣٥، ٣٦).\n(^٢) انظر الموطأ (١/ ٤١١، ٤١٢)، التفريع (١/ ٣٣٦)، المعونة (١/ ٥٥٩)، المنتقى للباجي (٣/ ٦٠)، أسهل المدارك (١/ ٣٢٠)، المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٣/ ٣٠٠).\n(^٣) الأم (٢/ ١٤٣)، المجموع (٧/ ١٤٩، ١٥٠)، مغني المحتاج (١/ ٥١٤).\n(^٤) الإقناع (١/ ٣٢٥)، المستوعب (١/ ٢٦٣)، المحرر (١/ ٢٣٦)، المغني (٥/ ٣٦٧).\n(^٥) المحلى (٧/ ٢٣٨، ٢٣٩).","vol":"9","page":49},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4134> دليل الحنفية على رفض العمرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4135>الدليل الأول:</span>\n(١٨٧٥ - ٣٣٥) روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،\nعن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت مكة، وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني النبي ﷺ مع عبد الرحمن ابن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا واحدًا بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا (^١).\n(١٨٧٦ - ٣٣٦) وروى البخاري من طريق هشام، عن أبيه به، وفيه:\nأظلني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت إلى النبي ﷺ، فقال: ارفضي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج، فلما كان ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأهللت بعمرة مكان عمرتي (^٢).\n• وجه الاستدلال من الحديثين:\nأولًا: قوله ﷺ: (ارفضي عمرتك) وقوله: (دعي عمرتك) صريح بأن الحائض إذا خشيت فوات الحج بأنها ترفض عمرتها.\nثانيًا: قوله ﷺ (هذه مكان عمرتك) ولو كانت العمرة الأولى باقية لم تكن هذه مكانها، فلا تحل الثانية مكان الأولى إلا إذا كانت الأولى قد بطلت.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٧٨٣).","vol":"9","page":50},{"text":"ثالثًا: قالت عائشة ﵂ كما في رواية لمسلم: أيرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة.\nثالثًا: (١٨٧٧ - ٣٣٧) روى مسلم من طريق عبد العزيز ابن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،\nعن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف، فطمثت .... وفيه: قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟ قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني على جمله. قالت: فإني لأذكر، وأنا جارية حديثة السن، أنعس فيصيب وجهي مؤخرة الرحل حتى جئنا إلى التنعيم، فأهللت منها بعمرة جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا (^١).\nفقولها ﵂: (يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة) صريح أنها لم تكن قارنة، وإلا لما قالت ذلك؛ لأن القارن قد رجع بحج وعمرة.\nرابعًا: قوله: (انقضي رأسك وامتشطي) دليل على أنها لم تكن محرمة؛ لأن الامتشاط لا يجوز للمحرم. هذه أوجه الاستدلال من الحديث.\nوقد ناقش الجمهور هذه الاستدلالات، وأجابوا عنها، وإليك بيانها:\n• الجواب عن قوله ﷺ (دعي عمرتك) أو (ارفضي عمرتك).\nأجابوا عنهما بعدة إجابات.\nالجواب الأول:\nإعلال هذه اللفظة، فقد ذهب بعضهم إلى شذوذها، وأنها غير محفوظة.\nقال ابن قدامة: «فأما حديث عروة، فإن قوله: (انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة) انفرد به عروة، وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢٠/ ١٢١١).","vol":"9","page":51},{"text":"وقد روى ذلك طاوس (^١)، والقاسم (^٢)، والأسود (^٣)\nوعمرة (^٤)\nعن عائشة، فلم يذكروا\n_________\n(^١) رواية طاوس، عن عائشة رواها أحمد (٦/ ١٢٤) ومسلم (١٣٢ - ١٢١١) من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك، فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج.\n(^٢) رواية القاسم، عن عائشة.\nرواه عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة. كما في البخاري (٢٩٤، ٣٠٥، ١٦٥٠، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩)، ومسلم (١٢١١/ ١١٩، ١٢٠، ١٢١، ١٢٢)، والحميدي (٢٠٦)، وأحمد (٦/ ٦/٣٩، ١٨١، ١٨٦)، وابن ماجه (٢٩٦٣)، والدارمي (١٩٠٤)، وابن خزيمة (٢٩٣٦)، وابن حبان (٣٨٣٤، ٣٨٣٥)، والبيهقي (١/ ٣٠٨)، و(٥/ ٣، ٨٦)، والبغوي (١٩١٣).\nورواه ابن عون، عن القاسم. كما عند البخاري (١٧٨٧)، ومسلم (١٢١١/ ١٢٦، ١٢٧). ورواه يحيى بن سعيد، عن القاسم به. رواه البخاري (٢٩٥٢) ملحقًا سنده بعد ذكره لحديث يحيى بن سعيد، عن عمرة.\nورواه أفلح بن حميد، عن القاسم. رواه البخاري (١٥٦٠، ١٧٨٨)، ومسلم (١٢١١/ (١٢٣، ٣٨٤)، وابن خزيمة (٣٩٠٧)، وابن حبان (٣٧٩٥).\nورواه أيمن بن نابل، عن القاسم، كما في رواية البخاري (١٥١٨).\nورواه عبيد الله بن عمر، عن القاسم. رواه أحمد (٦/ ٩٩، ١٩٢، ١٩٣)، ومسلم (١٢٤ - ١٢١١). وابن حبان (٣٩٠٠، ٣٩٠٤)، والبيهقي (٥/ ٢).\n(^٣) رواية الأسود عن عائشة.\nرواها إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة به. كما في مسند أحمد (٦/ ١٢٢، ١٧٥، ٢١٣، ٢٢٤، ٢٥٣)، والبخاري (١٧٨٧، ١٧٦٢، ١٥٦١) ومسلم (١٢١١/ ١٢٦، ١٢٨، ١٢٩، ٣٨٧)، والنسائي (٢٨٠٣)، وابن ماجه (٣٠٧٣)، والطحاوي (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، والبيهقي (٥/ ١٦٢، ١٦٣).\n(^٤) رواية عمرة عن عائشة. رواها عن عمرة يحيى بن سعيد، كما في رواية الموطأ (١/ ٣٩٣)، الشافعي (١/ ٣٦٩)، البخاري (١٧٠٩، ١٧٢٠، ٢٩٥٢) ورواه مسلم (١٢٥/ ١٢١١)، والنسائي (٥/ ١٧٨)، وابن ماجه (٢٩٨١)، والبيهقي (٥/ ٥).\nورواه عن عمرة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، كما في رواية مالك (١/ ٤١٢)، والبخاري (٣٢٨)، ومسلم (٣٨٥ - ١٢١١)، والنسائي (١/ ١٩٤)، والطحاوي (٢/ ٢٣٤)، والبيهقي (٥/ ١٦٣). ...\nوهناك رواة آخرون رووه عن عائشة لم يذكرهم ابن قدامة ﵀، منهم:\nمجاهد، وصفية بنت شيبة، وعبد الله بن عبيد الله بن مليكة، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وذكوان، وأبو سلمة.\nأما رواية مجاهد عن عائشة، فقد رواها مسلم (١٣٣/ ١٢١١).\nوأما رواية صفية بنت شيبة، فقد رواها مسلم أيضًا (١٣٤/ ١٢١١).\nوأما رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، فقد رواها أحمد (٦/ ٢٤٥)، والبخاري (٢٩٨٤).\nوأما رواية عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فقد رواها البخاري (١٧٨٤، ٢٩٥٨)، ومسلم (١٣٥/ ١٢١١)، وأبو داود (١٩٩٥)، والترمذي (٩٣٤)، وابن ماجه (٢٩٩٩).\nوأما رواية ذكوان، عن عائشة. فقد رواها الطيالسي (١٥٤٠)، ومسلم (١٢١١/ ١٣٠، ١٣١)، وابن خزيمة (٢٦٠٦)، وابن حبان (٣٩٤١)، والبيهقي (٥/ ١٩).\nوأما رواية أبي سلمة، عن عائشة. فيرويها عن أبي سلمة محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي كما في رواية أحمد (٦/ ٨٥، ٨٦) ومسلم (٣٨٦/ ١٢١١).\nوالزهري، عن أبي سلمة، كما عند أحمد (٦/ ٨٢) والبخاري (٤٤٠١)، ومسلم (١٢١١/ ٣٨٢، ٣٨٣).","vol":"9","page":52},{"text":"ذلك، وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة، وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة حديث حيضها، فقال فيه: حدثني غير واحد أن رسول الله ﷺ قال لها: دعي العمرة، وانقضي رأسك، وامتشطي، وذكر تمام الحديث. وهذا يدل أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة (^١)،\nوهو مع ما ذكرنا من مخالفته بقية\n_________\n(^١) قد اختلف على حماد بن زيد، فرواه جماعة عنه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة على الاتصال، فقد أخرجه أبو داود (١٧٧٨) من طريق سليمان بن حرب مطولًا مقرونًا برواية غيره.\nوالنسائي (٢٧١٧) من طريق يحيى بن حبيب بن عربي.\nورواه ابن خزيمة (٢٦٠٤) مختصرًا، وابن حبان (٣٧٩٢) مطولًا. من طريق أحمد بن المقدام العجلي، كلهم رووه عن حماد بن زيد، عن هشام، عن عروة، عن عائشة متصلة.\nوأما الرواية المنقطعة التي أشار إليها ابن قدامة فرواها ابن عبد البر في التمهيد، كما في فتح البر (٨/ ٢٨٩) من طريق محمد بن عبيد، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين هلال ذي الحجة، فقال النبي ﷺ: من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل، فمنا من أهل بحج، ومن من أهل بعمرة\nحتى إذا كنت بسرف حضت، فدخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما شأنك؟ فقلت: وددت أني لم أخرج العام، وذكرت له محيضها، قال عروة: فحدثني غير واحد أن رسول الله ﷺ قال لها: دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وافعلي ما يفعل الحاج المسلمون في حجهم، قالت: فأطعت الله ورسوله، فلما كانت ليلة الصدر أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر، فأخرجها إلى التنعيم، فأهلت منه بعمرة.\nورجح ابن عبد البر: رواية حماد، وأن الكلام لم يسمعه عروة من عائشة.\nوعندي والله أعلم أن خطأ حماد بن زيد أقرب من خطأ الجماعة، هذا على الجزم بأن الخطأ من حماد، ولا يمكن الجزم به، وقد اختلف على حماد، والأكثر على أنه متصل مرفوع، وإذا لم يكن محمد بن عبيد له متابع فالجزم بخطئه متعين. والله أعلم.","vol":"9","page":53},{"text":"الرواة، يدل على الوهم مع مخالفتها الكتاب والأصول؛ إذ ليس لنا موضع آخر يجوز فيه رفض العمرة مع إمكان إتمامها» (^١).\nوقال ابن القيم: «تعليل هذه اللفظة وردها -يعني دعي عمرتك- بأن عروة انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس، والقاسم، والأسود، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة» (^٢).\nقلت: قد ورد أن القاسم بن محمد تابع عروة بن الزبير في الموطأ،\n(١٨٧٨ - ٣٣٨) قال مالك: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،\nعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ: من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، قالت: فقدمت مكة، وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال: انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة. قالت: ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذا مكان عمرتك،\n_________\n(^١) المغني (٥/ ٣٦٩، ٣٧٠) وذكر نحوه ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ١٦٩)، ولعلي أسوق كلامه بتمامه بعد قليل إن شاء الله.\n(^٢) زاد المعاد (٢/ ١٦٩).","vol":"9","page":54},{"text":"فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا منها، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا.\nوحدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة بمثل ذلك (^١).\nففي هذه الرواية تابع فيها القاسم بن محمد عروة بن الزبير بقوله: (دعي عمرتك).\n[هذه المتابعة خطأ قطعًا، التبس على يحيى الراوي عن مالك حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، بحديثه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة، وكل من رواه عن عبد الرحمن بن القاسم على كثرتهم لم يذكروا هذا عنه] (^٢).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٤١٠).\n(^٢) قال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٦٣): «روى يحيى عن مالك بهذا الإسناد، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، ولم يتابعه عليه أحد فيما علمت من رواة الموطأ، وإنما هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة -هكذا بهذا الإسناد، وهو عند يحيى بهذا الإسناد كذلك أيضًا، وبإسناد آخر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فانفرد يحيى لهذا الحديث بهذا الإسناد، وحمل عنه هذا الحديث بهذين الإسنادين، عن مالك في الموطأ، وليس ذلك عند غيره في الموطأ- والله أعلم.\nثم قال: «وأما قوله: (انقضي رأسك وامتشطي ...) فهذا لم يقله أحد عن عائشة غير عروة، لا القاسم، ولا غيره».\nوقال أيضًا في التمهيد (٨/ ١٩٩): «وهذا شيء لم يتابع يحيى عليه أحد من رواة الموطأ فيما علمت، ولا غيرهم عن مالك، أعني إسناد عبد الرحمن بن القاسم في هذا المتن، وإنما رواه أصحاب مالك كلهم كما ذكرنا عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة».\nوقال أيضًا (٨/ ١٠٠): «فحصل ليحيى حديث هذا الباب بإسنادين، ولم يفعل ذلك أحد غيره، وإنما هو عند جميعهم، عن مالك بإسناد واحد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وهو المحفوظ المعروف عن مالك، وسائر رواة ابن شهاب».\nوقال أيضًا (٨/ ٢٠٢): «كل من رواه عن مالك بتمامه أو مختصرًا لم يروه عنه إلا بإسناد واحد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، إلا يحيى صاحبنا، فإنه رواه بإسنادين، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، وعن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة فأعضل».اهـ ...\nوانظر الموطأ برواية أبي مصعب الزهري ح (١٣٢٤، ١٣٢٥) والموطأ برواية الشيباني ح (٤٥٦، ٤٦٦) تجد صحة ما ذكره ابن عبد البر في التمهيد.\nفرجع اللفظ إلى عروة، وصحت دعوى تفرد عروة بقوله: (دعي عمرتك) عن سائر الرواة. والله أعلم.","vol":"9","page":55},{"text":"الجواب الثاني:\nقال ابن عبد البر: «جماعة من أصحابنا تأولوا قوله: (ودعي العمرة) دعي عمل العمرة، يعني الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وكذلك تأولوا من روى: (واسكتي عن العمرة) ورواية من روى: (وأمسكي عن العمرة): أي أمسكي عن عمل العمرة، لا أنه أمر برفضها، وابتداء الحج وإنشائه كما زعم العراقيون» (^١).\nوقال ابن القيم: قوله «(دعي العمرة) أي دعيها بحالها، لا تخرجي منها، وليس المراد تركها، قالوا: ويدل عليه وجهان:\nأحدهما: قوله: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك).\nالثاني: قوله: (كوني في عمرتك) قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض» (^٢).\nالجواب الثالث:\nقالوا: كانت عائشة يومئذ مهلة بالحج، ولم تكن مهلة بعمرة، وإذا كانت مهلة بالحج سقط القول عنا في رفض العمرة؛ لأنها لم تكن مهلة بعمرة (^٣).\n(١٨٧٩ - ٣٣٩) فقد روى البخاري من طريق عمرة، قالت: سمعت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول:\nخرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا الحج، حتى\n_________\n(^١) التمهيد (٨/ ٢١٥، ٢١٦).\n(^٢) زاد المعاد (٢/ ١٦٩).\n(^٣) التمهيد (٨/ ٢١٧).","vol":"9","page":56},{"text":"إذا دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت أن يحل. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي ﷺ عن أزواجه. قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم، فقال: أتتك بالحديث على وجهه. ورواه مسلم (^١).\n(١٨٨٠ - ٣٤٠) وتابع الأسود بن يزيد النخعي عمرة، فقد روى البخاري من طريق إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرجنا مع النبي ﷺ ولا نرى إلا الحج، فقدم النبي ﷺ، فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يحل، وكان معه الهدي فطاف من كان معه من نسائه وأصحابه، وحل منهم من لم يكن معه الهدي، فحاضت هي فنسكنا مناسكنا من حجنا، فلما كان ليلة الحصبة ليلة النفر، قالت: يا رسول الله كل أصحابك يرجع بحج وعمرة غيري. قال: ما كنت تطوفين بالبيت ليالي قدمنا؟ قلت: لا. قال: فاخرجي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلي بعمرة، وموعدك مكان كذا وكذا، فخرجت مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فأهللت بعمرة وحاضت صفية بنت حيي فقال النبي ﷺ: عقرى حلقى إنك لحابستنا أما كنت طفت يوم النحر. قالت: بلى. قال: فلا بأس انفري، فلقيته مصعدًا على أهل مكة، وأنا منهبطة، أو أنا مصعدة وهو منهبط (^٢).\nكما تابعهما القاسم بن محمد، عن عائشة.\n(١٨٨١ - ٣٤١) كما تابعهما القاسم بن محمد، عن عائشة، فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول:\nسمعت عائشة تقول: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: ما لك أنفست؟ قلت: نعم. قال: إن هذا أمر كتبه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٧٢٠)، ومسلم (١٢٥ - ١٢١١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٧٦٢)، ومسلم (١٢٨ - ١٢١١).","vol":"9","page":57},{"text":"الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. قالت: وضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر. ورواه مسلم (^١).\n(١٨٨٢ - ٣٤٢) وروى مسلم من طريق حماد، عن عبد الرحمن، عن، أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت:\nلبينا بالحج، حتى إذا كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي وساق الحديث بنحو حديث الماجشون ... (^٢).\nفهذه عمرة، والأسود، والقاسم يتابع بعضهم بعضًا أن عائشة قالت: خرجنا لا نرى إلا الحج، وقالت: لبينا بالحج. وإذا كانت عائشة حاجة سقط القول برفض العمرة كما يقول الحنفية.\nوهذا القول مع أنه قد قيل به (^٣) إلا أنه ضعيف عندي، ومن تأمل الأحاديث تبين أن عائشة أحرمت بالعمرة، وأنها لم ترفض العمرة بل أدخلت الحج على العمرة.\nفقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة ... الحديث من حديث طويل لهما (^٤).\nوقولها: (فأهللنا بعمرة) تقصد نفسها ﵂.\nولهما من طريق عقيل، عن ابن شهاب به، وفيه: خرجنا مع رسول الله ﷺ، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج .... ولم أهلل إلا بعمرة (^٥).\n_________\n(^١) البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١١٩ - ١٢١١).\n(^٢) رواه مسلم (١٢١ - ١٢١١).\n(^٣) ساقه ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢١٧) وضعفه.\n(^٤) صحيح البخاري (٤٣٩٥)، ومسلم (١١١ - ١٢١١).\n(^٥) صحيح البخاري (٣١٩)، ومسلم (١١٢ - ١٢١١).","vol":"9","page":58},{"text":"وتابع هشام بن عروة ابن شهاب. فرواه البخاري من طريق أبي معاوية (^١)، ومن طريق أبي أسامة (^٢)، ومن طريق يحيى بن سعيد (^٣).\nورواه مسلم، من طريق عبدة بن سليمان (^٤)، ومن طريق ابن نمير (^٥)، ومن طريق وكيع (^٦)، كلهم، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، وفيه: فأهل بعضهم بعمرة، وبعضهم بحج، وكنت أنا ممن أهل بعمرة.\nوجاء أيضًا من غير حديث عائشة أنها كانت ممن أحرم بعمرة.\n(١٨٨٣ - ٣٤٣) فقد روى مسلم من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير،\nعن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة رضي الله تعالى عنها بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت ... الحديث، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا. فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٧٨٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٣١٧).\n(^٣) صحيح البخاري (١٧٨٦).\n(^٤) صحيح مسلم (١١٥/ ١٢١١).\n(^٥) صحيح مسلم (١١٦/ ١٢١١).\n(^٦) صحيح مسلم (١١٧/ ١٢١١).","vol":"9","page":59},{"text":"بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة (^١).\nوجابر من أكثر الناس عناية بحجة النبي ﷺ، وقد صرح ﵁ أن عائشة كانت ممن أهل بالعمرة، وأنها حاضت، وأنها قالت للرسول ﷺ: حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن: أي لم تحلل من عمرتها، وأن الرسول ﷺ قال لها: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا، وأن طوافها للعمرة بعد نسكها لم يكن إلا من باب تطييب خاطرها، حيث قالت للرسول ﷺ: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. فهذا الحديث يوضح ما أجمل من الروايات الأخرى.\nبقي الجواب على الروايات التي سقناها، والتي فيها: (خرجنا لا نرى إلا الحج).\n• الجواب على ذلك من وجوه:\nأحدها: قول عائشة ﵂: خرجنا لا نرى إلا الحج، أو قالت: لبينا بالحج. فهذا والله أعلم أنه كان منهم نية قبل أن يدخلوا في النسك خاصة أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، وعليه فيكون معنى خرجنا لا نرى: أي لا نعتقد. كما تقول: أرى كذا: أي أعتقده وأظنه، وحين قال لهم رسول الله ﷺ: من أحب أن يهل بالحج فليهلل، ومن أحب أن يهل بالعمرة فليهلل، فأحرمت عائشة بالعمرة، خاصة أنها روت عن رسول الله ﷺ قوله: (لولا أن أهديت لأهللت بعمرة). والذي يؤيد ذلك ما سقناه من الروايات أن عائشة أحرمت بالعمرة، ولأن قولها خرجنا لا نرى إلا الحج، كونها ربطت ذلك بالخروج دليل على أن ذلك كان نية لها عند خروجها.\nوقال ابن القيم: غاية من زعم أنها كانت مفردة قولها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحج. فيا لله العجب!! أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج، بل خرج\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢١٣).","vol":"9","page":60},{"text":"للحج متمتعًا، كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن يقول: خرجت لغسل الجنابة، وصدقت أم المؤمنين ﵂ إذ كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت بعمرة بأمره ﷺ، وكلامها يصدق بعضه بعضًا (^١).\nوجه آخر: ذكره ابن عبد البر، قال: «ليس في رواية من روى عن عائشة: كنا مهلين بالحج، وخرجنا لا نرى إلا الحج، بيان أنها كانت مهلة بالحج، وإنما هو استدلال؛ لأنه يحتمل أن تكون أرادت بقولها: خرجنا، تعني خرج رسول الله ﷺ وأصحابه مهلين بالحج، تريد بعض أصحابه، أو أكثر أصحابه، والله أعلم، وليس الاستدلال المحتمل للتأويل كالصريح، وقد صرح جابر بأنها كانت مهلة يومئذ بعمرة، كما قال عروة عنها، قالوا: والوهم الذي دخل على عروة، والله أعلم، إنما كان في قوله: (انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج)» (^٢).\nوالذي ذكرته أرجح، ولا يحتمل الحذف والتقدير.\nوجه ثالث: أن عائشة أحرمت أولًا بالحج، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة. ثم لما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها وأدركت الإحرام بالحج أمرها النبي ﷺ بالإحرام بالحج فأحرمت به فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة.\nوهذا ضعيف؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر الصحابة أن يحلوا بعد طوافهم وسعيهم، ولو كانت عائشة قد طافت لم تحتج إلى إدخال العمرة على الحج. والله أعلم.\n• الجواب عن قوله ﷺ هذه مكان عمرتك:\nأجابوا بعدة أقوال:\nالقول الأول: قال ابن القيم: قوله: (هذه مكان عمرتك) فعائشة أحبت أن تأتي\n_________\n(^١) زاد المعاد (٢/ ١٧٠).\n(^٢) التمهيد (٨/ ٢٢١).","vol":"9","page":61},{"text":"بعمرة مفردة، فأخبرها النبي ﷺ أن طوافها وقع عن حجتها وعمرتها، وأن عمرتها قد دخلت في حجها، فصارت قارنة، فأبت إلا عمرة مفردة كما قصدت أولًا، فلما حصل لها ذلك، قال: هذه مكان عمرتك» (^١).\nفهذه عمرة مفردة مكان عمرتك المفردة التي لم تتم لك منفردة، كما تمت لسائر أمهات المؤمنين، وكما تمت للناس الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية فحصلت لهم عمرة منفردة.\nالقول الثاني: أحرمت أولًا بالحج كما صح عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصح من فعل النبي ﷺ وأكثر أصحابه، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة. ثم لما حاضت، وتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها، وأدركت الإحرام بالحج، أمرها النبي ﷺ بالإحرام بالحج، فأحرمت به، فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة (^٢).\nوهذا ضعيف؛ لأنه مبنى على أن عائشة ﵂ كانت محرمة بالحج أولًا وقد بينت بالأحاديث الصحيحة أن عائشة أهلت بالعمرة، ولم تهل بالحج.\nالقول الثالث: بضعف رواية: (هذه مكان عمرتك).\nقال مالك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديمًا ولا حديثًا (^٣).\nفقيل تفرد عروة، عن عائشة بقوله: (هذه مكان عمرتك)، وهي غير محفوظة، فكما قيل: بشذوذ (دعي عمرتك) يقال: هنا. وقد جاء عن النبي ﷺ قوله: يسعك طوافك لحجك وعمرتك.\n_________\n(^١) زاد المعاد (٢/ ١٦٩، ١٧٠).\n(^٢) الديباج على صحيح مسلم (٣/ ٣٠٩).\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٣/ ٣٠١)، الديباج على صحيح مسلم (٣/ ٣٠٩).","vol":"9","page":62},{"text":"(١٨٨٤ - ٣٤٤) فقد روى مسلم من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أهلت بعمرة، فقدمت، ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك، فأبت. فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج (^١).\nوفي رواية جابر عند مسلم، وفيه: «حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال رسول الله: قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا. فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا\nعبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم» (^٢).\n• الجواب عن قوله ﷺ انقضي رأسك وامتشطي.\nأجابوا عدة إجابات، منها.\nالجواب الأول: شذوذ هذه اللفظة، كما قدمنا النقل عن ابن قدامة، وابن\nعبد البر، وابن القيم، وغيرهم.\nالجواب الثاني: على فرض أن اللفظ محفوظ، فهو دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منع المحرم من تمشيط رأسه، وهذا قول ابن حزم (^٣).\nالجواب الثالث: أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها كما رخص لكعب بن عجرة (^٤).\nوهذا ضعيف؛ لأنها لو كانت مضطرة لجاء ذكر ذلك في الحديث، وقوله ﷺ لها:\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٣٢ - ١٢١١). وهو في مسند أحمد (٦/ ١٢٤).\n(^٢) صحيح مسلم (١٢١٣).\n(^٣) زاد المعاد (٢/ ١٦٩).\n(^٤) المفهم (٣/ ٣٠٠).","vol":"9","page":63},{"text":"«انقضي رأسك» لم يكن بناء على طلب منها في نقض رأسها أو بسبب ألم برأسها. ولو كان محرمًا تمشيط شعرها، وكانت مضطرة لنقضه لوجب عليها فدية كما وجب على كعب بن عجرة. والله أعلم\nالجواب الرابع: أن ذلك خاص بها. ولذلك قال مالك: حديث عروة، عن عائشة ليس عليه العمل عندنا قديمًا ولا حديثًا (^١).\nودعوى الخصوصية تحتاج إلى توقيف، ودعوى ترك العمل ليس دليلًا على الخصوصية، ولم يترك العمل به كلية بدليل أن ابن حزم يرى أنه لا حرج عليها كما قدمنا.\nالجواب الخامس: أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبدت رأسها، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفرة، وتسريح الشعر، ويتأيد بما في حديث جابر، أنه ﷺ قال لها: (فاغتسلي، ثم أهلي بالحج) (^٢).\nودعوى أنها كانت ملبدة رأسها مجرد توهم، وأين الإشارة إليه من الحديث. فأقوى الإجابات عندي أنه يجوز للمحرم أن يمشط شعره، وأن يسرحه خاصة المرأة إذا اغتسلت اشتدت حاجتها إلى تسريحه، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4137> دليل الجمهور على أن الحائض تحرم بالحج وتصير قارنة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4136><span data-type=\"title\" id=toc-4138>الدليل الأول:</span></span>\nالإجماع، قال ابن عبد البر: «لا خلاف بين العلماء في أن للمحرم بالعمرة إدخال الحج على العمرة، ما لم يبتدئ الطواف بالبيت لعمرته، هذا إذا كان في أشهر الحج» (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ٣٠١).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) التمهيد (١٥/ ٢١٥).","vol":"9","page":64},{"text":"قال ابن قدامة: «إدخال العمرة على الحج جائز بالإجماع من غير خشية الفوات، فمع خشيته أولى. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أن لمن أهل بعمرة أن يدخل عليها الحج، ما لم يفتتح الطواف بالبيت» (^١).\nونقل الإجماع أيضًا ابن رشد (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4139>الدليل الثاني:</span>\nأن النبي ﷺ أمر من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4140>الدليل الثالث:</span>\nقال الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة: ١٩٦]. فالحج والعمرة لا يتأتى الخروج منهما إلا بإتمامهما (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4141>الدليل الرابع:</span>\nالأحاديث الصحيحة التي تصرح أنها كانت قارنة. منها\n(١٨٨٥ - ٣٤٥) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها،\nأنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك، فأبت. فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج (^٥).\n(١٨٨٦ - ٣٤٦) ومنها أيضًا حديث جابر رواه مسلم من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير،\n_________\n(^١) المغني (٥/ ٣٦٩).\n(^٢) انظر البيان والتحصيل (١٧/ ٣٢٧).\n(^٣) المغني (٥/ ٣٦٩).\n(^٤) المفهم (٣/ ٣٠٠).\n(^٥) صحيح مسلم (١٣٢ - ١٢١١). وهو في مسند أحمد (٦/ ١٢٤).","vol":"9","page":65},{"text":"عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة رضي الله تعالى عنها بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت ... ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا .... الحديث (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢١٣).","vol":"9","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4142>المبحث السادس طواف الوداع يسقط عن الحائض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل طواف لا يعتبر نسكًا في حق المقيم بمكة، فإنه يسقط عن المعذور، كطواف الوداع للحائض.\n[م-٧٦٢] إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت فإن طواف الوداع يسقط عنها. وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وهو قول عامة الصحابة والفقهاء (^٥).\nوذهب عمر وابن عمر وزيد بن ثابت بأنه يلزمها طواف الوداع، ويجب عليه المقام حتى تطوف.\nوقد رجع ابن عمر وزيد بن ثابت عن هذا القول وقالا: بسقوط طواف الوداع، وبقي هذا القول مذهبًا لعمر (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير (٢/ ٥٠٤) بدائع الصنائع (٢/ ١٤٢).\n(^٢) الموطأ (١/ ٤١٤).\n(^٣) الأم (٢/ ١٥٤) الوسيط - الغزالي (٢/ ٦٧٣) روضة الطالبين (٣/ ١١٩).\n(^٤) المستوعب (٤/ ٢٦٨) شرح الزركشي (٣/ ٢٨٨) كشاف القناع (٢/ ٥١٣).\n(^٥) انظر: المصنف لابن أبي شيبة في الآثار عن المرأة تحيض قبل أن تنفر، خاصة الأثر عن القاسم بن محمد (١٣١٧٤) وقد ذكرت لفظه في الأدلة.\n(^٦) انظر: الفتح (١/ ٤١٨) وانظر: ما سقته من أدلة في البخاري ومسلم على رجوع ابن عمر وزيد ابن ثابت.","vol":"9","page":67},{"text":"• أدلة الجمهور على سقوط طواف الوداع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4144>الدليل الأول:</span>\n(١٨٨٧ - ٣٤٧) روى الإمام البخاري من طريق الأعمش، حدثني إبراهيم، عن الأسود،\nعن عائشة ﵂، قالت: حاضت صفية ليلة النفر، فقالت: ما أراني إلا حابستكم، قال النبي ﷺ: عقرى حلقى: أطافت يوم النحر؟ قالت: نعم. قال: فانفري، ورواه مسلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4145>الدليل الثاني:</span>\n(١٨٨٨ - ٣٤٨) روى الإمام البخاري من طريق ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال:\nأمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض. ورواه مسلم (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4143> الدليل على رجوع زيد وابن عمر عن قولهما:</span>\n(١٨٨٩ - ٣٤٩) روى مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، قال:\nكنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال ابن عباس: إما لا. فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٧٧١)، ومسلم (١٢١١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٧٥٥) ومسلم (١٣٢٨).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٨١ - ١٣٢٨).","vol":"9","page":68},{"text":"(١٨٩٠ - ٣٥٠) وأما رجوع ابن عمر، فقد روى البخاري من طريق وهيب، حدثنا\nابن طاوس، عن أبيه،\nعن ابن عباس ﵄ قال: رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت، قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعد: إن النبي ﷺ رخص لهن (^١).\nجاء في فتح الباري: «قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار، ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت، أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت، فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس، حتى تطهر وتطوف بالبيت، وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقى عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة (^٢).\nوينبغي أن يضاف إليهم جابر بن عبد الله فإنه كان ممن يرى أن على الحائض طواف الوداع.\n(١٨٩١ - ٣٥١) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن معمر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، قال:\nما رأيت ابن عباس خالفه أحد في شيء فتركه حتى يقرره، فخالفه جابر بن\nعبد الله في المرأة تطوف، ثم تحيض، فقال ابن عباس: تنفر، فأرسلوا إلى امرأة كان أصابها ذلك فوافقت ابن عباس (^٣).\n[صحيح].\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٧٦٠).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٤١٨) ح ١٧٦٢.\n(^٣) المصنف (١٣١٧٥).","vol":"9","page":69},{"text":"وفيه إشارة إلى رجوع جابر؛ لأنه أشار أن ابن عباس لم يتركه، حتى يقرره، وأنهم أرسلوا إلى امرأة كان أصابها ذلك، فوافقت ابن عباس، ولا يسع جابرًا إلا الرجوع لقول الرسول ﷺ.\n• القول بسقوط طواف الوداع هو قول عامة الصحابة:\n(١٨٩٢ - ٣٥٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن أبي فروة، قال:\nسألت القاسم بن محمد عن امرأة زارت البيت يوم النحر، ثم حاضت يوم النحر، فقال: يرحم الله عمر. قال أصحاب محمد: قد فرغت إلا عمر، فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت (^١).\n[صحيح].\nوأبو فروة هذا هو عروة بن الحارث من رجال الشيخين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4146> دليل عمر على وجوب طواف الوداع على الحائض:</span>\n(١٨٩٣ - ٣٥٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي، قال:\nسألت عمر بن الخطاب عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض، فقال: آخر عهدها بالبيت. فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ، فقال عمر: أُرِبْت عن يديك، سألتني عن شيء، سألت عنه رسول الله ﷺ كيما أخالفه (^٢).\n[الحديث إسناد رجاله ثقات] (^٣).\n_________\n(^١) المصنف (١٣١٧٤).\n(^٢) المصنف (١٣١٧٩).\n(^٣) الحديث أخرجه أحمد (٣/ ٤١٦) حدثنا بهز وعفان قالا: ثنا أبو عوانة به بلفظ: سألت عمر بن الخطاب عن المرأة تطوف بالبيت، ثم تحيض. قال: ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣٣٣٠) وفي المسند (٥٧٥) والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٦٢) ح ٣٣٥٣، عن عفان وحده به. ...\nوأخرجه أبو داود (٢٠٠٤) حدثنا عمرو بن عون،\nوالنسائي في الكبرى (٤١٨٥) أنبأ قتيبة بن سعيد،\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٦٢) ح ٣٣٥٣، من طريق سهل بن بكار.\nوالطحاوي (٢٢٣٢) من طريق أبي داود (الطيالسي)، كلهم عن أبي عوانة به.","vol":"9","page":70},{"text":"والجواب: عن هذا القدر المرفوع يحتمل عدة إجابات:\nالأول: أن نسلك مسلك الترجيح، فيقال: الأحاديث التي ترخص للحائض بأن تترك طواف الوداع أقوى وأكثر. لحديث عائشة في الصحيحين، وحديث\nابن عباس فيهما أيضًا، وحديث أم سليم وابن عمر وغيرهم من الأحاديث، ومعلوم أن كثرة الأحاديث، وكون بعضها في الصحيحين قرينة قوية على ترجيحها على غيرها، بل لم يعارضها إلا هذا الحديث عن الحارث بن عبد الله الثقفي.\nالجواب الثاني:\nأن نقول بالنسخ، فالأحاديث التي ترخص للحائض بتركها للطواف كانت في حجة الوداع فتكون ناسخة وهذا ما رجحه الطحاوي (^١).\nالجواب الثالث:\nأن يحمل حديث الحارث إذا كان في الزمان نفس، وفي الوقت مهلة، أما إذا أعجلها السير كان لها أن تنفر من غير وداع وهو اختيار الخطابي (^٢).\nالجواب الرابع:\nقال بعضهم: إن الحارث بن عبد الله بن أسامة مختلف في صحبته، وعليه يكون حديثه مرسلًا. وهذا القول ليس بشيء.\nالجواب الخامس:\nأن عمر حين سئل عن الحائض قال: وليكن آخر عهدها الطواف بالبيت، كما\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (٢/ ٢٣٥).\n(^٢) معالم السنن للخطابي (٢/ ٤٢٩).","vol":"9","page":71},{"text":"في رواية أحمد، فوافق كلام عمر ﵁ الحديث المرفوع: (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف) وحين سمع منه الحارث قوله: (ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت) قال الحارث كذلك أفتاني رسول الله ﷺ: أي لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف، وكان قصد الحارث حين سأل عمر يريد دليلًا خاصًا لا دليلًا عامًا، فأجابه عمر بالحديث العام، والذي هو عند الحارث، ويبعد أن يكون عند الحارث حديث خاص عن رسول الله ﷺ، ثم يطلب العلم من غيره. وعلى هذا يكون باقي الصحابة الذين قالوا: تنفر، قد وقفوا على المخصص المخرج للحائض، وبهذا يزول الإشكال، ولأن من قال: تنفر، قوله هذا خلاف القياس، فلا يقولونه إلا بتوقيف، بخلاف من قال: لا تنفر، فقد يكون أخذ بالعموم. والله أعلم وهذا الوجه إن قال به أحد فهو قوي.\nفالراجح أن طواف الوداع يسقط عن الحائض، وهو قول عامة الصحابة كما سبق.\n* * *","vol":"9","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4147>المبحث السابع إذا نفرت الحائض قبل طواف الوداع</span>\nوطهرت قبل مفارقة البنيان\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• من لم يفارق بنيان مكة لم يفارق مكة، أصله المقيم، لا يترخص أحكام السفر حتى يفارق البنيان.\n[م-٧٦٣] إذا نفرت الحائض قبل طواف الوداع، ثم طهرت، فهل يلزمها الرجوع إلى مكة للطواف؟\nاختلف العلماء في ذلك.\nفقيل: يلزمها طواف الوداع ما لم تبلغ مسافة قصر\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية في أحد القولين (^٢).\nوقيل: يلزمها العود ما لم تفارق الحرم. وهو أحد الوجهين عند الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) قال في الفتاوى الهندية (١/ ٢٣٥): «حائض طهرت قبل أن تخرج من مكة، يلزمها طواف الصدر، وإن جاوزت بيوت مكة مسيرة سفر، وطهرت فليس عليها أن تعود».\n(^٢) المجموع (٨/ ٢٥٥)، روضة الطالبين (٢/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر المرجع السابق.","vol":"9","page":73},{"text":"وقيل: يلزمها العود ما لم تفارق بنيان مكة، وهو مذهب الحنابلة (^١)، والصحيح من الوجهين عند الشافعية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4148> دليل من قال لا يلزمها الرجوع إذا بلغت مسافة القصر:</span>\nقال النووي: «ولو طهرت الحائض أو النفساء، فإن كان قبل مفارقة بناء مكة لزمها طواف الوداع لزوال عذرها، وإن كان بعد مسافة قصر لم يلزمها العود بلا خلاف» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4149> دليل من علق الرجوع ما لم تفارق البنيان:</span>\nقالوا إذا لم تفارق البنيان فهي في حكم المقيمة، وليست في حكم المسافرة، بدليل أنها لا يمكن أن تستبيح رخص السفر. وإذا كانت مقيمة وجب عليها الطواف؛ لأنها مخاطبة به، مثلها مثل من لم يشرع في السفر.\nقال ابن قدامة: «إذا نفرت الحائض بغير وداع، فطهرت قبل مفارقة البنيان، رجعت فاغتسلت، وودعت؛ لأنها في حكم الإقامة بدليل أنها لا تستبيح الرخص، فإن لم يمكنها الإقامة فمضت، أو مضت لغير عذر، فعليها دم، وإن فارقت البنيان لم يجب الرجوع؛ لأنها قد خرجت عن حكم الحاضر» (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4150> دليل من علق الرجوع ما لم تفارق الحرم:</span>\nلعلهم يرون الحرم بمثابة البلد الواحد، فإن كان كذلك فهذا ليس بجيد، بدليل أن أهل مكة مع رسول الله ﷺ صلوا معه بمكة صلاة المقيم، ثم صلوا معه في منى صلاة المسافر، مع أنهم لم يفارقوا الحرم، فليس الحرم بمثابة البلد الواحد. والله أعلم.\n_________\n(^١) الإنصاف (٤/ ٥٢) كشاف القناع (٢/ ٥٩٦) والمبدع (٣/ ٥٥٧) المغني (٥/ ٣٤١).\n(^٢) المجموع (٨/ ٢٥٥)، مغني المحتاج (١/ ٥١٠).\n(^٣) النووي في المجموع (٨/ ٢٥٥).\n(^٤) المغني (٥/ ٣٤١).","vol":"9","page":74},{"text":"والراجح والله أعلم أن حكم المرأة في هذا معلق بالترخص في أحكام السفر، فإذا بدأت تترخص في أحكام السفر لم يجب عليها الرجوع، ومعلوم أن المسافر يحق له الترخص في أحكام السفر متى فارق البينان. والله أعلم.\n* * *","vol":"9","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4151>المبحث الثامن لا يستحب للحائض والنفساء الدعاء عند باب المسجد الحرام</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على المشروعية.\n[م-٧٦٤] بينت فيما سبق أن طواف الوداع يسقط عن الحائض والنفساء، وقد استحب بعض الفقهاء من الشافعية (^١) والحنابلة (^٢) الوقوف عند باب المسجد الحرام قبل الانصراف إلى بلدها للدعاء.\nولا أعلم لهم دليلًا على الاستحباب، بل الدليل على خلافه.\n_________\n(^١) قال النووي في المناسك (ص: ٤٤٥): «ولا يجب طواف الوداع على الحائض والنفساء، ولا دم عليها لتركه؛ لأنها ليست مخاطبة به، لكن يستحب لها أن تقف على باب المسجد الحرام وتدعو». اهـ وقال في مغني المحتاج بعد أن ذكر ما يقوله الحاج بعد طواف الوداع من دعاء الملتزم، قال (١/ ٥١١): «فإن كانت حائضًا أو نفساء استحب أن تأتي بجميع ذلك -يعني من دعاء الملتزم- على باب المسجد وتمضي».\n(^٢) كشاف القناع (٢/ ٥٩٨)، الفروع (٣/ ٥٢٢). وقال في المحرر (١/ ٣٤٩): «ولا وداع عليها مع حيض ونفاس، ولا دم بسبب ذلك، لكن يسن لها أن تقف عند باب المسجد، فتدعو».","vol":"9","page":76},{"text":"(١٨٩٤ - ٣٥٤) فقد روى البخاري من طريق الزهري، حدثني عروة بن الزبير\nوأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرتهما\nأن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع، فقال النبي ﷺ: أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله وطافت بالبيت، فقال النبي ﷺ: فلتنفر. ورواه مسلم (^١).\nفلم يأمرها ﷺ أن تذهب إلى باب المسجد، وتدعو، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٤٠١)، ومسلم (٣٨٢/ ١٢١١).","vol":"9","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4152>المبحث التاسع طواف الوداع للمستحاضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا تمنع المستحاضة من دخول المسجد في الأيام التي تصلي فيها.\n• من صح منه الاعتكاف في المسجد صح منه طواف الوداع.\n• المستحاضة إن نفرت في أيام عادتها فلا وداع عليها، وإن نفرت بعد إدبار عادتها لزمها الطواف؛ لكونها في حكم الطاهرات.\n[م-٧٦٥] معلوم أن المرأة المستحاضة إذا أقبلت حيضتها تركت الصلاة، وكانت في حكم الحائض، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت، وأصبحت في حكم الطاهرات.\n(١٨٩٥ - ٣٥٥) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم","vol":"9","page":78},{"text":"ثم صلي.\nقال وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت. ورواه مسلم إلا قوله: قال أبي ثم توضئي لكل صلاة ... إلخ (^١).\nفقوله: (فإذا أقبلت فدعي الصلاة) أي: فأنت حائض، وإذا كانت حائضًا لم يصح منها طواف، وسقط عنها طواف الوداع، وكان لها أن تنفر.\nوقوله: (وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي) أي: فأنت طاهرة، وإذا كانت طاهرة كان عليها ما على الطاهرات من وجوب طواف الوداع.\nقال النووي: «وأما المستحاضة إذا نفرت في يوم حيضها فلا وداع عليها، وإن نفرت في يوم طهرها لزمها الوداع» (^٢).\nوإذا كانت المستحاضة تصلي، كان عليها الطواف، لاسيما إذا علمنا أن المستحاضة لا تمنع من دخول المسجد، حتى على قول من يمنع الحائض من ذلك.\n(١٨٩٦ - ٣٥٦) فقد روى البخاري من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة،\nعن عائشة، قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي (^٣).\nوإذا كانت المستحاضة تعتكف، مع كون الاعتكاف ليس واجبًا عليها، فكونها تطوف الطواف الواجب من باب أولى.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٦٢ - ٣٣٣).\n(^٢) المجموع (٨/ ٢٥٥).\n(^٣) صحيح البخاري (٣١٠).","vol":"9","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4153>الباب السادس في أحكام الحائض من حيث العلاقات الزوجية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4154>الفصل الأول في وطء الحائض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4155>المبحث الأول في تحريم وطء الحائض في فرجها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ليس من جسم الحائض شيء نجس إلا موضع الدم لحديث: إن حيضتك ليست في يدك.\n• منع وطء الحائض من أجل الأذى فاختص بمحله كالدبر.\n[م-٧٦٦] أجمع العلماء على أنه يحرم على الزوج أن يجامع زوجته في فرجها حال الحيض، وممن نقل الإجماع ابن المنذر في الأوسط (^١)، وابن حزم في مراتب الإجماع، وابن قدامة (^٢)، والنووي (^٣)، ونقل الإجماع أيضًا خلق كثير من المفسرين، والمحدثين،\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٢٠٨).\n(^٢) المغني (١/ ٤١٤).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٨٩)، وفي شرح مسلم (١/ ٥٩٢).","vol":"9","page":80},{"text":"والفقهاء منهم الطبري ﵀ في تفسيره (^١)، والقرطبي في التفسير (^٢)، وابن كثير في تفسيره (^٣)، وابن تيمية (^٤).\nواستثنى الحنابلة للرجل الذي به شبق أن يطأ امرأته وهي حائض، بشرط ألا تندفع شهوته إلا بالوطء في الفرج، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، وليس عنده غير زوجته الحائض، بحيث لا يقدر على مهر حرة ولا ثمن أمه.\nوهذا الاستثناء من الحنابلة داخل في تحليل الحرام للضرورة لقوله تعالى: (إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ) [الأنعام: ١١٩]، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ) [الحج: ٧٨]، وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥] (^٥).\nوأما الاستمتاع فيما فوق السرة وتحت الركبة، فقد حكى بعضهم الإجماع على جوازه، منهم ابن قدامة (^٦).\nوقال النووي بعد أن ساق خلاف العلماء في الاستمتاع فيما بين السرة والركبة، قال: «وأما ما سواه -يعني سوى ما بين السرة والركبة- فمباشرتها فيه حلال بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد والمحاملي، وابن الصباغ، والعبدري وآخرون» (^٧).\n(١٨٩٧ - ٣٥٧) وأما ما يروى عن ابن عباس من طريق حبيب مولى عروة ابن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ أخبرته\nأنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس في رسالة، فدخلت عليه، فإذا فراشه معزول عن فراش امرأته، فرجعت إلى ميمونة فبلغتها رسالتها ثم ذكرت ذلك،\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٤/ ٣٨١).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٨٧).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (١/ ٤٦٠)، تحقيق الشيخ مقبل الوادعي وفقه الله.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٦٢٤).\n(^٥) انظر: معونة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٦٦)، المبدع (١/ ٢٢١)، كشاف القناع (١/ ١٩٨).\n(^٦) المغني (١/ ٤١٤).\n(^٧) المجموع (٢/ ٣٩٣).","vol":"9","page":81},{"text":"فقالت لها ميمونة: ارجعي إلى امرأته فسليها عن ذلك، فرجعت إليه فسألتها عن ذلك،، فأخبرتها أنها إذا طمثت عزل عبد الله فراشه عنها، فأرسلت ميمونة إلى عبد الله ابن عباس، فتغيظت عليه، وقالت: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ؟ فوالله إن كانت المرأة من أزواجه لتأتزر بالثوب ما يبلغ أنصاف فخذيها ثم يباشرها بسائر جسده.\n[ضعيف] (^١).\n(١٨٩٨ - ٣٥٨) وأما مارواه ابن جرير الطبري بسند صحيح، عن محمد بن سيرين، قال: قلت لعبيدة:\nما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد واللحاف شتى (^٢).\nفهذا لا حجة فيه؛ لأنه موقوف على تابعي، مخالف لما جاء عن النبي ﷺ، ومع هذا فله تأويل مقبول، قال ابن رجب: «الصحيح عن عبيدة ما رواه وكيع في كتابه، عن ابن عون، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى، فإن لم يجد بدًا رد عليها من طرف ثوبه.\nوهذا إنما يدل على أن الأولى أن لا ينام معها متجردة في لحاف واحد، حتى يسترها بشيء من ثيابه. وهذا مما لا خلاف فيه» (^٣).\n(١٨٩٩ - ٣٥٩) وأما ما رواه أحمد، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن ابن قريظة الصدفي (^٤)، قال:\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر ح (١٦٣٠).\n(^٢) سبق تخريجه انظر ح (١٦٣٢).\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٣٥).\n(^٤) هكذا في المطبوع، وفي تعجيل المنفعة (١٤٦٣): ابن قريظ بدون التاء المربوطة.\nوفي الإكمال للحسيني (قريط) بالطاء. الإكمال للحسيني (١٢٤٢)، وكذا هو في شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٣٦).\nوذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤٤٤) فقال: ابن قُرط، أو ابن قَرط. اهـ\nوذكره في الجرح والتعديل (٩/ ٣٢٤) فيمن عرف بابن عامر بن قرط أو قريط.","vol":"9","page":82},{"text":"قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يضاجعك وأنت حائض؟ قالت: نعم، إذا شددت على إزاري، ولم يكن لنا ذاك إلا فراش واحد، فلما رزقني الله فراشًا آخر اعتزلت رسول الله ﷺ (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n(١٩٠٠ - ٣٦٠) وروى أبو داود، قال: حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن أبي اليمان، عن أم ذرة، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير، فلم نقرب رسول الله ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٩١).\n(^٢) الحديث فيه: ابن لهيعة، وهو ضعيف، إلا أن الراوي عنه قتيبة بن سعيد، وروايته عنه قبل احتراق كتبه. وهي كرواية العبادلة أعدل من غيرها وإن كان ابن لهيعة ضعيفًا مطلقًا، وفيه عنعنة ابن لهيعة أيضًا، وهو مدلس إلا أنه قد توبع، تابعه عمرو بن الحارث عن ابن أبي حبيب كما في التاريخ الكبير (٨/ ٤٤٤) إلا أنه قال: يزيد بن قيس بدلًا من سويد بن قيس به.\nوقد عد أبو حاتم سويد بن قيس ويزيد بن قيس واحدًا كما في الجرح والتعديل لابنه (٩/ ٢٨٤).\nوقد نقل الحافظ ابن رجب في شرح للبخاري (٢/ ٣٦)، رواية عمرو بن الحارث، من مسند بقي بن مخلد، فقال: عن ابن حبيب، عن سويد بن قيس، عن ابن قرظ أو قرط الصدفي، فذكر سويد بن قيس كرواية ابن لهيعة، وهذا يرجح أنه لا اختلاف في إسناده.\nفتبقى علة الحديث ابن قرط الصدفي. فإنه مجهول لم يرو عنه إلا سويد بن قيس ولم يوثقه أحد.\nقال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٣٦): «ابن قرظ - أو قرط - الصدفي، ليس بالمشهور، فلا تعارض روايته عن عاشة رواية الأسود بن يزيد النخعي.\nوقد تابع الأسود على روايته كذلك عن عائشة: عمرو بن شرحبيل - أو عمرو بن ميمون - على اختلاف فيه -، وأبو سلمة وعبد الله بن أبي قيس، وشريح بن المقدام، وجميع بن عمير، وخلاس وغيرهم، وروايات هؤلاء عن عائشة أولى من روايات ابن قريط».\n(^٣) سنن أبي داود (٢٧١).\n(^٤) في الإسناد: أبو اليمان، واسمه كثير بن يمان، وقيل: كثير بن جريج، روى عنه اثنان.\nذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٥١)، ولم يوثقه أحد غيره. ...\nوذكره البخاري في التاريخ الكبير، ولم يذكر فيه شيئًا. التاريخ الكبير (٧/ ٢١٢).\nوذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٧/ ١٨٥).\nوفي التقريب مستور.\nكما أن في إسناده أم ذرة، روى عنها ثلاثة، ولم يوثقها أحد، وفي التقريب: مقبولة. يعني: حيث توبعت وإلا ففيها لين.\nقال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٣٧) «أبو اليمان وأم ذرة ليسا بمشهورين، فلا يقبل تفردهما بما يخالف رواية الثقات الحفاظ الأثبات.\nوخرجه بقي بن مخلد، عن الحماني، حدثنا عبد العزيز، عن أبي الرجال، عن أم ذرة عن عائشة قالت: كنت إذا حضت لم أدن من فراش رسول الله ﷺ حتى أطهر، والحماني متكلم فيه».اهـ كلام ابن رجب.","vol":"9","page":83},{"text":"(١٩٠١ - ٣٦١) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن أبي هلال، عن شيبة بن هشام الراسبي، قال:\nسألت سالمًا عن الرجل يضاجع امرأته وهي حائض. فقال: نحن آل عمر فنعزلهن (^١).\n[محتمل للتحسين] (^٢).\nوضعف إسناده ابن رجب (^٣).\nوخرج القاضي إسماعيل، من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة،\nقال: قال عمر: كنا نضاجع النساء في المحيض، وفي الفرش واللحف قلة، فأما إذا وسع الله الفرش واللحف فاعتزلوهن كما أمر الله ﷿ (^٤).\n_________\n(^١) المصنف (٣/ ٥٢٤) ١٦٨٢٣.\n(^٢) في الإسناد شيبة بن هشام الراسبي، روى عنه شعبة، وحماد بن زيد، وأبو هلال الراسبي. ذكر ذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٣٣٦) وسكت عليه فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوذكره البخاري في التاريخ الكبير، وسكت عليه. التاريخ الكبير (٤/ ٢٤٢).\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٤/ ٤٤٥).\nوقد يقال: إن الرجل من التابعين، وروى عنه أكثر من واحد، خاصة شعبة، وقد قال الذهبي عامة شيوخ شعبة مقبولون، ولم يضعفه أحد من الأئمة، فمثل هذا يقبل حديثه. والله أعلم.\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٣٨).\n(^٤) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٣٧).","vol":"9","page":84},{"text":"[قال ابن رجب: هذا لا يثبت، وجعفر بن الزبير متروك الحديث] (^١).\n* * *\n_________\n(^١) قال يحيى بن معين: ليس بثقة، كما في رواية الدوري عنه. الكامل (٢/ ١٣٤)، ضعفاء العقيلي (٢/ ١٨٢)، تهذيب الكمال (٥/ ٣٢).\nوقال غندر: رأيت شعبة راكبًا على حمار، فقيل له: أين تريد يا أبا بسطام؟ قال: أذهب فأستعدي على جعفر بن الزبير، وضع على رسول الله ﷺ أربعمائة حديث كذب. الكشف الحثيث (١٩٤)، وتهذيب الكمال (٥/ ٣٢). وضرب أحمد على حديث جعفر بن الزبير. تهذيب الكمال (٥/ ٣٢). وقال عمرو بن علي: متروك الحديث، كثير الوهم. الجرح والتعديل (٢/ ٤٧٩).","vol":"9","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4156>المبحث الثاني في مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ليس من جسم الحائض شيء نجس إلا موضع الدم لحديث: إن حيضتك ليست في يدك.\n• وطء الحائض منع للأذى فاختص بمحله كالدبر.\n• قال تعالى عن الحيض: (هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا) فذكر الحُكْم بعد الوصف بالفاء، فدل على أن الوصف هو العلة، لاسيما وهو مناسب للحكم، كآية السرقة.\n• الأمر بالاعتزال في الدم للضرر والتنجيس، وهو مخصوص بالفرج، فيختص الحكم بمحل سببه.\n[م-٧٦٧] تبين لنا من خلال الفصل السابق، تحريم الوطء في الفرج، وهو إجماع.\nوتبين لنا جواز الاستمتاع فيما فوق السرة ودون الركبة، وأن القول به كالإجماع، وإن كان فيه خلاف فلعله لا يصح. وهو شاذ مخالف للأدلة الكثيرة وسوف نأتي على ذكرها إن شاء الله.","vol":"9","page":86},{"text":"وأما مباشرة المرأة الحائض فيما بين السرة والركبة عدا الفرج ففيه خلاف بين العلماء.\nفقيل: يحرم عليه الاستمتاع بما تحت الإزار، وهو ما بين السرة والركبة، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\nوقيل: لا يحرم عليه إلا الإيلاج في الفرج خاصة. وهو مذهب الحنابلة (^٤)، واختاره محمد بن الحسن من الحنفية (^٥)، وأصبغ وابن حبيب من المالكية (^٦)، وقواه النووي من الشافعية (^٧)، وابن حزم من الظاهرية (^٨).\nوقيل: يستحب في المباشرة أن تكون من فوق الإزار ولا يجب (^٩).\nوقيل: إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه جاز وإلا فلا، وهو وجه في مذهب الشافعية (^١٠).\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١٦٦)، تبيين الحقائق (١/ ٥٧) البحر الرائق (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) البناية للعيني (١/ ٦٤٠)، حاشية رد المحتار (١/ ٢٩٢).\n(^٢) الخرشي (١/ ٢٠٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٧٣)، الشرح الصغير (١/ ٢١٥ - ٢١٦)، الكافي (ص ٣١)، القوانين الفقهية (ص ٣١)، مواهب الجليل (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، منح الجليل (١/ ١٧٤)، أسهل المدارك (١/ ٩٠).\n(^٣) الأم (١/ ٥٩)، المجموع (٢/ ٣٩٢)، الروضة (١/ ١٣٦)، مغني المحتاج (١/ ١١٠)، نهاية المحتاج (١/ ٣٣٠).\n(^٤) المغني (١/ ٤١٤)، الكافي (١/ ٧٣)، المحرر (١/ ٢٥ - ٢٦)، الإنصاف (١/ ٣٥٠) الكشاف (١/ ١٩٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١١)، معونة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٦٦).\n(^٥) البحر الرائق (١/ ٢٠٨)، فتح القدير (١/ ١٦٦)، فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبدالبر (٣/ ٤٦٠).\n(^٦) التاج والإكليل مطبوع بهامش مواهب الجليل (١/ ٣٧٣)، القوانين الفقهية (ص ٣١)، المقدمات الممهدات (١/ ١٣٦)، البحر الرائق (١/ ٢٠٨).\n(^٧) المجموع (٢/ ٣٩٣) قال: وهو الأقوى من حيث الدليل.\n(^٨) المحلى المسألة (٢٦٠).\n(^٩) المجموع (٢/ ٣٩٣).\n(^١٠) المجموع (٢/ ٣٩٣)، الحاوي (١/ ٣٨٥).","vol":"9","page":87},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4157> أدلة الجمهور على تحريم المباشرة من تحت الإزار</span>.\nمن القرآن: قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].\nوجه الاستدلال:\nظاهر الآية تقتضي اعتزال الحائض حال الحيض، فلما دلت الأحاديث على جواز الاستمتاع منها بما فوق الإزار دل ذلك على أن ما عداه باق على المنع.\n• وأجيب: بأن المحيض يحتمل معنيين:\nالأول: أن يكون مصدرًا من حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا، وعلى هذا التأويل يتوجه استدلالكم.\nوالثاني: يحتمل أن المراد بالمحيض في الآية اسم لمكان الحيض، كالمقيل، والمبيت (^١)، وعلى هذا المعنى يكون تخصيص موضع الدم بالاعتزال دليلًا على إباحته فيما عداه، وهذا التأويل أرجح من الأول لأمرين:\nأحدهما: لو أراد بالمحيض الحيض، لكان أمرًا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع على خلافه.\nالثاني: أن هذا التفسير موافق لسبب نزول الآية.\n(١٩٠٢ - ٣٦٢) فقد روى مسلم من طريق حماد بن سلمة، حدثنا ثابت،\nعن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ...) الآية [البقرة: ٢٢٢]. فقال رسول الله: اصنعوا كل شيء إلا النكاح، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، فقال\n_________\n(^١) انظر: تاج العروس (١٠/ ٤٤)، والمغني لابن قدامة (١/ ٤١٥).","vol":"9","page":88},{"text":"يا رسول الله: إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في أثرهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما.\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) دليل على أن المحرم هو الوطء في الفرج، وأن المراد بالمحيض هو مكان الحيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4158>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٠٣ - ٣٦٣) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود،\nعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، كلانا جنب، وكان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض، وكان يخرج رأسه إليَّ وهو معتكف وأنا حائض.\nوأخرجه مسلم، من طريق جرير، عن منصور به بلفظ: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرها رسول الله ﷺ فتأتزر بإزار ثم يباشرها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4159>الدليل الثالث:</span>\n(١٩٠٤ - ٣٦٤) ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد، قال: حدثنا الشيباني، قال: حدثنا عبد الله بن شداد، قال\nسمعت ميمونة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض.\nورواه مسلم، من طريق خالد بن عبد الله، عن الشيباني به بلفظ: كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٩٩)، مسلم (٢٩٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٠٣)، ومسلم (٢٩٤).","vol":"9","page":89},{"text":"• وأجيب عن هذين الحديثين:\nالجواب الأول:\nأن هذين الحديثين هما حكاية فعل للرسول ﷺ، ليس فيها النهي عن المباشرة فيما تحت الإزار، والفعل لا يقدم على القول، وحديث: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) سنة قولية، وهو صريح بالجواز.\nالجواب الثاني:\nأن هذا الفعل من النبي ﷺ في فور الحيضة واشتدادها.\n(١٩٠٥ - ٣٦٥) فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه،\nعن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها، أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها. وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه. وأخرجه مسلم (^١).\n(١٩٠٦ - ٣٦٦) وروى ابن ماجه، قال: حدثنا الخليل بن عمرو، ثنا ابن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج، عن معاوية بن أبي سفيان،\nعن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قال: سألتها كيف تصنعين مع رسول الله ﷺ في الحيضة؟ قالت: كانت إحدانا في فورها أول ما تحيض، تشد عليها إزارًا إلى أنصاف فخذيها، ثم تضطجع مع رسول الله ﷺ (^٢).\n[حسن إن سلم من عنعنة ابن إسحاق، ويشهد له حديث عائشة الصحيح].\nقال ابن رجب في شرح البخاري: وفي هذا الحديث مع حديث عائشة الثاني الذي خرجه البخاري هاهنا دلالة على أن النبي ﷺ إنما كان يأمر الحائض بالاتزار في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٢)، ومسلم (٢٩٣).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٦٣٨).","vol":"9","page":90},{"text":"أول حيضها -وهو فور الحيضة وفوجها- فإن الدم حينئذ يفور لكثرته، فكلما طالت مدته قل الدم - وهذا مما يستدل به على أن الأمر بشد الإزار لم يكن لتحريم الاستمتاع بما تحت الإزار، بل خشية من إصابة الدم والتلوث به، ومبالغة في التحرز من إصابته. وقد روى محمد بن بكار بن بلال، أخبرنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتقي سورة الدم ثلاثًا، ثم يباشر بعد ذلك، وهذا الإسناد وإن كان فيه لين، إلا أن الأحاديث الصحيحة تعضده وتشهد له. اهـ (^١) كلام ابن رجب وحديث أم سلمة سبق أن مر معنا.\nفملخص الجواب عن حديث عائشة وحديث ميمونة، في كون الرسول ﷺ يباشر من نسائه وهي حائض إذا اتزرت إما أن يقال: هذا فعل، والفعل لايدل على الوجوب، بل غاية ما يدل عليه استحباب ذلك الفعل، والأحاديث القولية صريحة بجواز مباشرة الحائض لجميع بدنها ما عدا الفرج.\nوإما أن يقال: إن الرسول ﷺ كان يفعل ذلك في فور الحيضة ووقت شدتها حرصًا واتقاء للدم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4160>الدليل الرابع:</span>\n(١٩٠٧ - ٣٦٧) ما رواه أبو داود من طريق الهيثم بن حميد، قال: حدثنا العلاء ابن الحارث، عن حرام بن حكيم،\nعن عمه أنه سأل رسول الله ﷺ: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار. وذكر مؤاكلة الحائض أيضًا وساق الحديث (^٢).\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٣١)، وأخرجه الطبراني كما في مجمع البحرين (٥٠٤): حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن بكار به. وفي الإسناد: سعيد بن بشير، وهو ضعيف.\n(^٢) سنن أبي داود (٢١٢).","vol":"9","page":91},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4161>الدليل الخامس:</span>\n(١٩٠٨ - ٣٦٨) ما رواه الطبراني من طريق عبد الله بن عمرو -يعني الرقي- عن زيد -يعني ابن أبي أنيسة- عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن عمير مولى عمر، قال:\nجاء نفر من العراق إلى عمر، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئناك لنسألك عن ثلاث. قال: ما هي؟ قالوا: صلاة الرجل في بيته تطوعًا، ما هي؟ وما يحل للرجل من امرأته حائضًا؟ وعن الغسل من الجنابة؟ فقال: أسحرة أنتم؟ قالوا: لا والله يا أمير المؤمنين، ما نحن بسحرة، قال: أفكهنة أنتم؟ قالوا: لا، فقال: لقد سألتموني عن ثلاث ما سألني عنهن أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنهن قبلكم، فقال: أما صلاة الرجل\n_________\n(^١) فيه العلاء بن الحارث قد اختلط ولم أجد أحدًا نص على من سمع منه قبل الاختلاط ممن سمع منه بعد، فلم يتميز لي الرواة عنه ولذا ضعفته، وقد يقال: إن الهيثم بن حميد كونه يروي عن مكحول، ومكحول شيخ للعلاء بن الحارث، فهذا يدل على أنه من قدماء أصحاب العلاء بن الحارث، فلعله ممن لم يدرك تغيره. إن كان قال به أحد فهو مقبول.\nكما أن الهيثم بن حميد تفرد بذكر مباشرة الحائض، ورواه معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، ولم يذكر مباشرة الحائض.\nوالحديث رواه الدارمي (١٠٧٥)، وأبو داود (٢١٢) والبيهقي في الكبرى (١/ ٣١٢) عن الهيثم بن حميد.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٤٢) و(٥/ ٢٩٣)، والدرامي (١٠٧٣)، والترمذي (١٣٣)، وابن ماجه (٦٥١، ١٣٧٨)، وابن خزيمة (١٢٠٢) عن عبد الرحمن بن مهدي.\nوأخرجه أبو داود (٢١١) وابن الجارود في المنتقى (٧) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٣٩) من طريق عبد الله بن وهب،\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١١) من طريق عبد الله بن صالح ثلاثتهم (ابن مهدي وابن وهب وعبد الله بن صالح) عن معاوية بن صالح.\nكلاهما (معاوية بن صالح، والهيثم بن حميد) روياه عن العلاء بن الحارث به، ولفظ معاوية بن صالح ليس فيه مباشرة الحائض.","vol":"9","page":92},{"text":"في بيته تطوعًا فنور، فنوّر بيتك ما استطعت، وأما الحائض فلك ما فوق الإزار، وليس لك ما تحته، وأما الغسل من الجنابة فتفرغ بيمينك على شمالك، ثم تدخل يدك في الإناء، فتغسل فرجك وما أصابك، ثم توضأ وضوءك للصلاة، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات وتدلك رأسك كل مرة (^١).\n[ضعيف، وفيه اختلاف كثير على عاصم بن عمرو] (^٢).\n_________\n(^١) مجمع البحرين (٤٩١).\n(^٢) اختلف فيه على عاصم بن عمرو، ومدار هذا الإسناد عليه.\nفرواه أبو إسحاق، عن عاصم بن عمرو، واختلف على أبي إسحاق:\nفقيل: عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن عمير مولى عمر، عن عمر.\nرواه زيد بن أبي أنيسة كما في سنن ابن ماجه بإثر ح (١٣٧٥)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (٣/ ٣٦)، والبيهقي في السنن (١/ ٣١٢) عن أبي إسحاق به.\nوتابع زيدًا رقبة بن مصقلة، وأبو حمزة السكري فروياه عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن عمير أو ابن عمير، كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٢/ ١٩٦).\nوعلة هذا الطريق عمير مولى عمر، ذكره ابن حبان في الثقات، (٥/ ٢٥٧)، ولا أعلم أحدًا وثقه غيره، فهو مجهول، وفي التقريب: مقبول، يقصد إن توبع وإلا فلين.\nوقيل: عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو، أن نفرًا أتوا عمر.\nرواه معمر كما في مصنف عبد الرزاق (٩٨٧) وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٠٧).\nوإسرائيل كما في مصنف عبد الرزاق (٩٨٨)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (٣/ ٣٦)،\nويونس بن أبي إسحاق وأبو بكر بن عياش ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٢/ ١٩٦)، أربعتهم رووه عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو البجلي أن نفرًا أتوا عمر فسألوه. وهذا عن عاصم مرسل، لم يذكروا واسطة بين عاصم وعمر.\nوتابع أبا إسحاق من هذا الطريق كل من:\nطارق بن عبد الرحمن البجلي، كما في سنن سعيد بن منصور (٢١٤٣)، ومصنف ابن أبي شيبة (٦٥١٨)، وسنن ابن ماجه (١٣٧٥).\nومالك بن مغول كما في مختصر قيام الليل للمروزي (١/ ٨١)،\nوحجاج بن أرطأة كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٢/ ١٩٦) أربعتهم رووه عن عاصم بن عمرو أن نفرًا من أهل العراق قدموا على عمر فسألوه، لم يذكروا بين عاصم وعمر أحدًا، وهذا مرسل، عاصم لم يدرك عمر ﵁. =","vol":"9","page":93},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أبو زرعة: كما في المراسيل لابن أبي حاتم (ص ١٥٣): عاصم بن عمرو البجلي عن عمر مرسل، وكذا قال المزي في تهذيب الكمال (١٣/ ٥٣٣).\nوقيل: عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن أحد النفر الذين أتوا عمر بن الخطاب.\nرواه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن أحد النفر الذي أتوا عمر كما في مسند علي بن الجعد (٢٥٦٨). وشرح معاني الآثار للطحاوي (٣/ ٣٦)، وتابع أبا إسحاق على هذا الطريق:\nشعبة كما في مسند أحمد (١/ ١٤).\nوالمسعودي كما في سنن أبي داود الطيالسي ط هجر (٤٩)، ومن طريق أبي داود أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٣٦) كلاهما عن عاصم، عن رجل من الذين سألوا عمر ﵁.\nإلا أن أبا داود الطيالسي في المسند رواه عن المسعودي، عن عاصم بن عمرو، عن أحد الذين أتوا عمر بن الخطاب.\nوفي شرح معاني الآثار رواه أبو داود الطيالسي عن المسعودي، عن عاصم بن عمرو، أن قومًا أتوا عمر، ولعل ما في المسند أرجح، وهو موافق لما ذكره الداقطني في العلل (٢/ ١٩٦).\nوهذا ضعيف أيضًا لأن الواسطة بين عاصم وبين عمر مبهم.\nهذه وجوه الاختلاف على عاصم بن عمرو البجلي، وقد رجح الدارقطني من هذه الطرق حديث عاصم بن عمرو، عن عمير مولى عمر، كما في العلل (٢/ ١٩٦)، وإن كان التريجح لا يعني الصحة بل يعني بالنسبة للاختلاف في إسناده، وقد علمت ما في عمير.\nقال الدارقطني في العلل (٢/ ١٩٦) س ٢١٦: «رواه زيد بن أبي أنيسة، ورقبة بن مصقلة،\nوأبو حمزة السكري، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن عمير أو ابن عمير.\nورواه زهير، ويونس بن أبي إسحاق، ويوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس ابن أبي إسحاق، وأبو بكر بن عياش، وعبد الكريم بن دينار، وغيرهم، فرووه عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن نفر لم يسمهم، عن عمر، إلا أن يونس بن أبي إسحاق، وأبا بكر بن عياش لم يذكرا بين عاصم وعمر أحدًا.\nورواه ابن عجلان عن أبي إسحاق، فأرسله عن عمر.\nورواه طارق بن عبد الرحمن، وحجاج بن أرطأة، ومالك بن مغول عن عاصم مرسلًا عن عمر.\nوقال المسعودي وشعبة: عن عاصم بن عمرو، عمن لم يسمه، عن عمر. وقد أدرك عبد الله بن نمير عاصم بن عمرو هذا، والحديث حديث زيد بن أبي أنيسة ومن تابعه.\nوروى هذا الحديث معاوية بن قرة، قال: حدثني أحد الرهط الثلاثة الذين سألوا عمر» اهـ. كلام الدارقطني رحمه الله تعالى.","vol":"9","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4162>الدليل السادس:</span>\n(١٩٠٩ - ٣٦٩) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن زيد بن أسلم،\nأن رجلًا سأل الرسول فقال: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض. فقال رسول الله: لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها.\n[ضعيف لكونه مرسلًا] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4163>الدليل السابع:</span>\n(١٩١٠ - ٣٧٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا هشام بن عبد الملك اليزني، حدثنا بقية بن الوليد، عن سعد الأغطش -وهو ابن عبد الله- عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي -قال هشام: هو ابن قرط أمير حمص- عن معاذ بن جبل قال:\nسألت رسول الله ﷺ عما يحل للرجل من امرأته، وهي حائض، قال: فقال: ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٧٥) رقم ٩٣ وقد رواه الدارمي (١٠٣٢) أخبرنا خالد بن مخلد، ثنا مالك بن أنس به. ومن طريق مالك أخرجه البيهقي (٧/ ١٩١).\nقال ابن عبد البر في التمهيد، كما في فتح البر (٣/ ٤٦٨): «لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث مسندًا بهذا اللفظ: (أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ هكذا) ومعناه صحيح ثابت». اهـ.\nوجاء مرسلًا من طريق آخر، فقد روى ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٥١) رقم ٢٩٥ بسنده عن عطاء بن يسار، قال رجل: يا رسول الله ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «تشد إزارها ثم شأنك بأعلاها».\n(^٢) سنن أبي داود (٢١٣).\n(^٣) الحديث رواه أبو داود (٢١٣) عن هشام بن عبد الملك اليزني.\nورواه الشاشي في مسنده (١٣٩٣) حدثنا العسقلاني يعني: عيسى بن أحمد بن وردان،\nورواه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٢٢) حدثني الوليد بن عتبة، ثلاثتهم عن بقية بن الوليد به.\nوهذا حديث ضعيف، في إسناده: بقية متهم بتدليس التسوية، وقد عنعن، وشيخه سعد الأغطش، لم يوثقه إلا ابن حبان حيث ذكره في الثقات، وقال أبو داود: ليس بالقوي، وقال عبد الحق الإشبيلي: في إسناده بقية، عن سعد الأغطش، وهما ضعيفان. الأحكام الوسطى (١/ ٢٠٨)، ونقله الحافظ في التهذيب (٣/ ٤١٣).\nوفي إسناده أيضًا: عبد الرحمن بن عائذ الأزدي لم يسمع من معاذ.\nقال أبو حاتم: لم يدرك معاذًا. المراسيل لابن أبي حاتم (ص ١٢٥).\nوقال أبو داود عقب روايته للحديث. وليس هو - يعني الحديث - بالقوي. السنن (٢١٣).\nوقد روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٧/ ٦١): من طريق داود بن الزبرقان، عن\nأبي عبد الله القسام، عن عطاء، عن معاذ بن جبل بمثله. وابن الزبرقان متروك.","vol":"9","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4164>الدليل الثامن:</span>\n(١٩١١ - ٣٧١) ما رواه الطبراني من طريق أبي نعيم ضرار بن صرد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم، وزيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن ابن عباس ﵄، أن رجلًا قال: يا رسول الله، مالي من امرأتي وهي حائض؟ قال: تشد إزارها ثم شأنك بها (^١).\n[منكر، والمعروف أنه عن عطاء عن النبي ﷺ مرسلًا] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الكبير (١٠٧٦٥).\n(^٢) رواه عبد العزيز بن محمد واختلف عليه فيه:\nفرواه سعيد بن منصور كما في التحقيق لابن الجوزي (٢٩٥) عن عبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار، قال: قال رجل، يا رسول الله: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: تشد إزارها ثم شأنك بأعلاها. وهذا رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وهو المعروف.\nورواه ضرار بن صرد كما في المعجم الكبير (١٠٧٦٥)، عن عبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار وزيد بن أسلم، عن ابن عباس.\nوهذا منكر، ضرار بن صرد، قال فيه البخاري: متروك الحديث. ضعفاء العقيلي (٢/ ٢٢٢).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٣١٠).\nوقال أيضًا في موضع آخر: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (٤/ ٤٠٠).\nوذكره سبط ابن العجمي في الكشف الحثيث فيمن رمي بوضع الحديث. (٣٥٠).\nوذكره الدارقطني في الضعفاء. (٣٠١).\nوقال أبو حاتم: صاحب قرآن، وفرائض، صدوق، يكتب حديثه ولا يحتج به. الجرح والتعديل (٤/ ٤٦٥).","vol":"9","page":96},{"text":"فهذه الأحاديث التي تصرح بأن للزوج ما فوق الإزار، كلها ضعيفه، لا تخلو من مقال، فلا تعارض ما صح عن رسول الله ﷺ بقوله: اصنعوا كل شيء إلا النكاح.\nوقد يقال: إن قوله: (لك ما فوق الإزار) لا تحرم ما تحت الإزار إلا بالمفهوم، وحديث: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) منطوقه أنه لا يحرم من الحائض شيء إلا الفرج خاصة، والمنطوق مقدم على المفهوم. والله أعلم.\nقال ابن رجب: «وأما الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ أنه سئل عما يحل من الحائض؟ فقال: (فوق الإزار) فقد رويت من وجوه متعددة لا تخلوا أسانيدها من لين، وليس رواتها من المبرزين في الحفظ، ولعل بعضهم روى ذلك بالمعنى الذي فهمه من مباشرة النبي ﷺ للحائض من فوق الإزار.\nوقد قيل: إن الإزار كناية عن الفرج، ونقل ذلك عن اللغة، وأنشدوا فيه شعرًا.\nقال وكيع: الإزار عندنا: الخرقة التي على الفرج». اهـ كلام الحافظ ابن رجب ﵀ (^١).\nوروى القول بأن للزوج ما فوق الإزار عن علي بن أبي طالب، وعائشة وابن عباس ﵃.\n(١٩١٢ - ٣٧٢) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن برد، عن مكحول، عن علي، قال: لك ما فوق الإزار (^٢).\n[لم يسمع مكحول من علي] (^٣).\n(١٩١٣ - ٣٧٣) وأما ما جاء عن عائشة فقد روى مالك، قال: عن نافع، أن\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٣٢).\n(^٢) المصنف (٣/ ٥٢٤) رقم ١٦٨١٢\n(^٣) مكحول معروف بالتدليس، وقد عنعن، كما أنه لم يسمع من علي، قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: سألت أبا مسهر، هل سمع مكحول من أصحاب النبي ﷺ؟ قال: ما صح عندنا إلا أنس بن مالك. قلت: واثلة؟ فأنكره. المراسيل (٣/ ٢١١).","vol":"9","page":97},{"text":"عبيد الله بن عبد الله بن عمر أرسل إلى عائشة يسألها:\nهل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: لتشد إزارها على أسفلها، ثم يباشرها إن شاء (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوقد روى مسروق عن عائشة أنه يحل للزوج كل شيء إلا فرجها وسوف يأتي ذكره في أدلة القول الثاني، فيكون لعائشة في المسألة قولان:\nوأما ما يروى عن ابن عباس.\n(١٩١٤ - ٣٧٤) فقد أخرجه ابن جرير الطبري، قال: حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، قالا: حدثنا ابن إدريس، عن يزيد،\nعن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن الحائض، ما لزوجها منها؟ فقال: ما فوق الإزار (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٥٨) رقم ٩٥.\n(^٢) وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢٤): حدثنا وكيع، عن الأوزاعي، عن ميمون بن مهران، عن عائشة أنها سئلت: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت: ما فوق الإزار.\nوأخرجه الدارمي (١٠٣٨): أخبرنا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي به.\n(^٣) تفسير الطبري (٤٢٦٢).\n(^٤) رواه يزيد بن أبي زياد، واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن إدريس كما في مصنف ابن أبي شيبة تحقيق عوامة (١٧٠٨٧)، وتفسير الطبري (٤٢٦٢)، والأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٠٧) عن يزيد بن أبي زياد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، موقوفًا عليه.\nورواه جرير كما في مصنف بن أبي شيبة (١٧٠٨٨).\nوخالد بن عبد الله كما في سنن الدارمي (١٠٤٩)، فروياه عن يزيد بن أبي زياد، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: لك ما فوق الإزار، ولا تطلع على ما تحته. هذا لفظ ابن أبي شيبة، ولم يذكر خالد النهي عن الاطلاع على ما تحته.\nوهذا من تخليط يزيد بن أبي زياد، جاء في التقريب: ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًا.","vol":"9","page":98},{"text":"وقد روى عن ابن عباس ما يخالف هذا، كما في أدلة القول الثاني.\nوممن قال بهذا القول -أعني أن للزوج أن يستمتع بما فوق الإزار- شريح (^١)، وطاووس (^٢)، وعبيدة (^٣)، وقتادة (^٤)، وغيرهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4165> أدلة القائلين لا يحرم من الحائض إلا الفرج خاصة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4166>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن: قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فالمراد باعتزال النساء في المحيض اعتزال فروجهن.\n(١٩١٥ - ٣٧٥) أولًا: لما روى ابن جرير الطبري، قال: حدثني علي بن داود، قال: حدثني أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) اعتزلوا نكاح فروجهن (^٥).\n[ضعيف] (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبدالرزاق (١٢٣٩)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٤٢٦١) وإسنادهما صحيح.\n(^٢) أخرجه عبدالرزاق (١٢٤٤) بسند صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢٤) رقم ١٦٨٢٥ بسند ضعيف فيه أشعث بن سوار.\n(^٤) أخرجه عبدالرزاق (١٢٣٩) ورجاله ثقات، وإن كان سماع معمر من قتادة فيه كلام، لأنه سمع من قتادة وهو صغير، وقتادة بصري وسماع معمر من أهل البصرة فيه كلام. انظر: شرح\nابن رجب للبخاري (١/ ٢٩٩).\n(^٥) تفسير الطبري (٤٢٤١).\n(^٦) فيه علي وهو ابن أبي طلحة، لم يسمع من ابن عباس، قاله ابن معين كما في سؤالات ابن طهمان عنه، انظر الترجمة (٢٦٠)، وذكر المزي عليًّا هذا، وذكر في شيوخه ابن عباس ولم يعلق، فهل هذا يدل على أنه يرى سماعه منه؟ عندي شك بذلك.\nوفي الإسناد أيضًا أبو صالح المصري، كاتب الليث، لخص الحافظ حاله في التقريب، فقال: صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة.","vol":"9","page":99},{"text":"وثانيًا: أن المحيض في الآية اسم لمكان الحيض كالمقيل والمبيت. قاله ابن عقيل: وهو ظاهر كلام أحمد (^١).\nوثالثًا: قال ابن تيمية، قوله تعالى: (هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) فذكر الحُكْم بعد الوصف بالفاء، فدل على أن الوصف هو العلة، لاسيما وهو مناسب للحكم، كآية السرقة، والأمر بالاعتزال في الدم للضرر والتنجيس، وهو مخصوص بالفرج، فيختص الحكم بمحل سببه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4167>الدليل الثاني:</span>\n(١٩١٦ - ٣٧٦) ما رواه مسلم، قال: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت،\nعن أنس، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ، فأنزل الله تعال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فقال رسول الله ﷺ: اصنعوا كل شيء إلا النكاح ... الحديث (^٣). وقد سقت الحديث بتمامه في أدلة أصحاب القول الأول.\nورواه أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي به، وفيه: اصنعوا كل شيء إلا الجماع (^٤).\nفلم يستثن الرسول ﷺ إلا الجماع، وما عداه فهو مأمور به أمر إرشاد وإباحة، وهذا الحديث تضمن تفسير قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢] وأن المقصود اعتزال الوطء في الفرج، فلم يبق مجال للاجتهاد في تفسير الاعتزال ولا في تفسير كلمة «المحيض»، وقد جاءت مفسرة من النبي ﷺ.\n_________\n(^١) انظر: المبدع شرح المقنع (١/ ٢٦٤).\n(^٢) انظر: المرجع السابق، نفس الصفحة.\n(^٣) صحيح مسلم (٣٠٢).\n(^٤) المسند (٣/ ١٣٢ - ١٣٣).","vol":"9","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4168>الدليل الثالث:</span>\n(١٩١٧ - ٣٧٧) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو كريب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد،\nعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: ناوليني الخمرة من المسجد قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (^١).\nوجه الاستدلال:\nدل ما في هذا الحديث على أن كل عضو منها ليس فيه الحيضة فهو على الطهارة ... ودل على أن الحيض ليس يغير شيئًا من المرأة مما كان عليه قبل الحيض غير موضع الحيض وحده (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4169>الدليل الرابع:</span>\n(١٩١٨ - ٣٧٨) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة،\nعن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: إن النبي ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا (^٣).\n[اختلف في رفعه ووقفه، ولم يثبت سماع عكرمة من أزواج ﷺ] (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٩٨).\n(^٢) انظر التمهيد (٣/ ١٧٣).\n(^٣) سنن أبي داود (٢٧٢).\n(^٤) اختلف على أيوب فيه.\nفرواه حماد بن سلمة عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ مرفوعًا، كما في إسناد أبي داود المتقدم. ...\nورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٤٢٥٥) من طريق ابن علية، عن أيوب عن عكرمة، عن أم سلمة قالت في مضاجعة الحائض: لا بأس بذلك إذا كان على فرجها خرقة.\nورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢٣) رقم ١٦٨١١ عن ابن علية، عن خالد -يعني الحذاء- عن عكرمة، عن أم سلمة موقوفًا.\nفالموقوف فيه التصريح باسم زوج النبي ﷺ، وأنها أم سلمة ﵂، فإن كان الحديث واحدًا كما يدل عليه اتحاد مخرجه، واتحاد موضوعه، ففيه علتان:\nالأولى: لم أجد أحدًا صرح بسماع عكرمة من أم سلمة، وتهذيب المزي لم يذكر أم سلمة من شيوخ عكرمة، كما أني راجعت ترجمة أم سلمة فلم أجد من الرواة عنها عكرمة مولى ابن عباس، ولم أجد من شيوخ عكرمة من أزواج النبي ﷺ إلا عائشة، وقد اختلف كلام أبي حاتم في سماع عكرمة منها فقال في الجرح والتعديل (٧/ ٧): بأن عكرمة سمع من عائشة، بينما في المراسيل لابنه (ص ١٥٨) قال: سمعت أبي يقول: عكرمة لم يسمع من عائشة، ثم وقفت بعد ذلك على كلام لعلي بن المديني وفيه التصريح بأنه لم يسمع من أزواج النبي ﷺ شيئًا.\nجاء في جامع التحصيل (٥٣٢) «قال ابن المديني: لا أعلمه سمع من أحد من أزواج النبي ﷺ شيئًا».\nالعلة الثانية: الاختلاف في وقفه ورفعه كما تبين.","vol":"9","page":101},{"text":"وقد صحح إسناده ابن عبدالهادي (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4170>الدليل الخامس:</span>\n(١٩١٩ - ٣٧٩) ما رواه ابن جرير الطبري، قال: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا\nعبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة:\nأن مسروقًا ركب إلى عائشة، فقال: السلام على النبي ﷺ وعلى أهل بيته، فقالت عائشة: أبو عائشة، مرحبًا، فأذنوا له فدخل، فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحيي!! فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني. فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت: كل شيء إلا فرجها (^٢).\n_________\n(^١) في تنقيح التحقيق (١/ ٥٨٩).\n(^٢) تفسير الطبري (٤٢٤٨).","vol":"9","page":102},{"text":"[صحيح] (^١).\nقال ابن رجب، قال: «احتج أحمد بأن عائشة أفتت بإباحة ما دون الفرج من الحائض، وهي أعلم الناس بهذه المسألة، فيتعين الرجوع فيها إلى قولها، كما رجع إليها في الغسل من التقاء الختانين، وكذا في المباشرة للصائم» (^٢).\nوممن قال بهذا القول من التابعين إبراهيم النخعي (^٣)، والحسن (^٤)، وعطاء (^٥)،\n_________\n(^١) رواه أيوب، واختلف عليه فيه:\nفرواه عبد الوهاب كما في تفسير الطبري (٤٢٤٨)، عن كتاب أبي قلابة أن مسروقًا ركب إلى عائشة، فجعل الصيغة (أن مسروقًا) ولم يقل: عن مسروق.\nورواه معمر كما في مصنف عبد الرزاق (١٢٦٠)، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مسروق، قال: دخلت على عائشة.\nولم يذكر المزي من شيوخ أبي قلابة مسروقًا، كما لم يذكر في تلاميذ مسروق أبا قلابة، مع القطع بأن أبا قلابة قد أدرك مسروقًا، فليتأمل.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٣٨) من طريق عبيد الله الرقي، عن أيوب، عن أبي قلابة أن رجلًا سأل عائشة ما يحل للرجل من امرأته ... وذكره ولم يسم الرجل.\nوأعاده الطحاوي (٣/ ٣٨) بالإسناد نفسه إلى عبيد الله الرقي، فقال: عن أيوب، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عائشة.\nفأسقط أبا قلابة، وجعل بين أيوب ومسروق رجلين، لهذا أرى أن طريق أيوب، عن أبي قلابة فيه اضطراب، ولكن فيه طريقان محفوظان، وسالمان من الاختلاف عن مسروق.\nفقد رواه الدارمي (١٠٣٩) بسند حسن من طريق مروان الأصغر، عن مسروق به.\nورواه الطبري في التفسير (٤٢٤٧) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن\nأبي الجعد، عن مسروق به. وسنده صحيح، وما يخشى من عنعنة قتادة فقد زال أثرها بالمتابعة.\nورواه الطحاوي (٣/ ٣٨) من طريق حكيم بن عقال، عن عائشة، وسنده صالح في المتابعات.\n(^٢) شرح ابن رجب لصحيح البخاري (٢/ ٣٣).\n(^٣) رواه الدرامي (١٠٣٤) بسند حسن.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢٥) رقم ١٦٨٢٧ بسند فيه لين، فيه الربيع بن صبيح، لكن رواه الطبري في تفسيره (٤٢٥٦) بسند صحيح عنه.\n(^٥) رواه الدارمي (١٠٣٦) بسند صحيح عنه.","vol":"9","page":103},{"text":"ومجاهد (^١)، والحكم (^٢)، والشعبي (^٣)، وبه قال سفيان الثوري (^٤)، والأوزاعي (^٥)، وإسحاق (^٦)، وأبو ثور (^٧)، وابن المنذر (^٨)،\nوداود الظاهري، ووافقه ابن حزم (^٩).\nقال ابن حزم: «وللرجل أن يتلذذ من امرأته الحائض، في كل شيء حاشا الإيلاج في الفرج، وله أن يشفر ولا يولج».\nثم أجاب عن أدلة المانعين واحتج عليهم بحديث أنس، حين سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال رسول الله ﷺ: اصنعوا كل شيء إلا النكاح.\nوعلق ابن حزم على هذا الحديث قائلًا: «هذا الخبر بصحته، وبيان أنه كان إثر نزول الآية هو البيان عن حكم الله تعالى في الآية، وهو الذي لا يجوز تعديه، وأيضًا؛ فقد يكون المحيض في اللغة موضع الحيض وهو الفرج، وهذا فصيح معروف، وتكون الآية حينئذ موافقةً للخبر المذكور، ويكون معناها: فاعتزلوا النساء في موضع الحيض ... .» إلخ كلامه ﵀ (^١٠).\n_________\n(^١) رواه الدارمي (١٠٤٢، ١٠٤٣)، والطبري في تفسيره (٤٢٥٨) من طريقين عن ليث عن مجاهد وأحد الطريقين صحيح لذاته، والآخر صحيح لغيره.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢٤) بسند صحيح، قال الحكم: لا بأس أن تضعه على الفرج ولا تدخله.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢٤) من طريقين بإسناد صحيح عنه.\n(^٤) انظر: فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (٣/ ٤٦٠) وشرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٣٣) الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٠٨) والمغني (١/ ٤١٥) والمجموع (٢/ ٢٩٤).\n(^٥) نقل ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٣٣) أن الأوزاعي لا يحرم من الحائض سوى الإيلاج في فرجها، بينما نقل ابن عبد البر في التمهيد، كما فتح البر (٣/ ٤٦٠) بأن له منها ما فوق المئزر.\n(^٦) حكاه الكوسج في مسائل أحمد، وإسحاق (١/ ١٤) وانظر: الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٠٨) والنووي في المجموع (٢/ ٢٩٤) وشرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٣٣) والمغني (١/ ٤١٥).\n(^٧) انظر: شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٣٣).\n(^٨) الأوسط (٢/ ٢٠٨) ..\n(^٩) فتح البر ترتيب التمهيد (٣/ ٣٦٠) والنووي في المجموع (٢/ ٢٩٤) المحلى (مسألة: ٢٦٠).\n(^١٠) المحلى (مسألة ٢٦٠).","vol":"9","page":104},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4171> دليل من قال يستحب أن يباشرها من فوق الإزار ولا يجب:</span>\nهذا القول عمدته الجمع بين حديث أنس في قوله ﷺ: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) رواه مسلم وسبق ذكره بتمامه.\nوبين حديث عائشة وميمونة وكون الرسول ﷺ إذا أراد أن يباشر أحدًا من نسائه أمرها فاتزرت، مع كونه ﷺ أملكنا لإربه، فأخذوا من أمره السابق بأنه أمر إرشاد وإباحة، وأخذوا من فعله ﷺ استحباب أن تكون المباشرة من فوق الإزار.\nقال ابن المنذر: الأعلى، والأفضل اتباع السنة واستعمالها، ثبت أن النبي ﷺ أمر عائشة رحمها الله أن تترز، ثم يباشرها، وهي حائض. ولا يحرم عندي أن يأتيها دون الفرج إذا اتقى موضع الأذى.\nوالفرج بالكتاب، وباتفاق أهل العلم محرم في حال الحيض.\nوسائر البدن إذا اختلفوا فيه على الإباحة التي كانت قبل أن تحيض، وغير جائز تحريم غير الفرج إلا بحجة، ولا حجة مع من منع ذلك ... إلخ كلامه ﵀ (^١).\nوقال النووي: «وأما مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار فمحمولة على الاستحباب، جمعًا بين قوله ﷺ وفعله» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4172> دليل من قال: يجوز مباشرة ما تحت الإزار إن وثق بضبط نفسه:</span>\nلا ينبغي أن يكون هذا القول قولًا مستقلًا، بل يرجع هذا القول إلى القول الأول، وهو جواز المباشرة لما تحت الإزار؛ لأن هذا الشرط معتبر عندهم، ومثله المباشرة للصائم، والقبلة له، فإذا ترتب على ارتكاب المباح أمرًا محظورًا حرم المباح.\nقال النووي في المجموع: «إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه عن الفرج، لضعف شهوة، أو شدة ورع جاز وإلا فلا، حكاه صاحب الحاوي ومتابعوه عن\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٢٠٨).\n(^٢) المجموع (٢/ ٣٩٣).","vol":"9","page":105},{"text":"أبي الفياض البصري وهو حسن» (^١).\nواستحسنه ابن رجب، وقال: «في كلام عائشة ما يشهد له، فإنها قالت: وأيكم يملك إربه، كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه؟ ويشهد لهذا مباشرة المرأة في حال الصيام، فإنه يفرق فيها بين من يخاف على نفسه ومن يأمن.\nوقالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه». اهـ كلام الحافظ ابن رجب (^٢).\nقلت: كان رسول الله ﷺ أملك الأمة لإربه، ومع ذلك كان يباشر من فوق الإزار، فليست المباشرة فوق الإزار خاصة لمن خشي الوقوع في المحرم، فالقول باستحباب أن يكون ذلك من فوق الإزار مطلقًا هو الأقرب، إلا أن يقال: إن الرسول ﷺ كان يفعل ذلك تشريعًا لغيره ممن ليس بمعصوم، لكن من الممكن أن يبين بالقول ولا يترك المباشرة لما تحت الإزار.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٣٩٣).\n(^٢) في شرح البخاري (٢/ ٣٧).","vol":"9","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4173>المبحث الثالث في الاستمتاع بما تحت الإزار بالنظر واللمس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ليس شيء من الزوجة حرامًا على الزوج إلا الدبر مطلقًا، والقبل في حال الحيض.\n[م-٦٦٨] اختلف جمهور العلماء القائلون بتحريم المباشرة بالوطء بما تحت الإزار في حكم الاستمتاع بما تحت الإزار بالنظر واللمس ونحوهما إلى قولين:\nفقيل: يجوز الاستمتاع بالنظر ونحوه لما تحت الإزار؛ لأن النظر ليس أعظم من التقبيل ومع ذلك يجوز.\nاختاره ابن نجيم من الحنفية (^١)، وبعض المالكية (^٢)، وبعض الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٠٨، ٢٠٩).\n(^٢) انظر: حاشية العدوي المطبوع مع الخرشي (١/ ٢٠٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٧٣)، حاشية البناني على شرح الزرقاني (١/ ١٣٧).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ١١٠).","vol":"9","page":107},{"text":"وقال بعضهم: لا يجوز (^١)؛ لأنه مدعاة لجماعها، فيحرم لخبر من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ ولأنه استمتاع بما لا يحل مباشرته.\nوفرق المالكية بين اللمس والنظر، فاللمس فيه قولان أشهرهما المنع، وأما النظر فيجوز ولو التذ به (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: منحة الخالق على البحر الرائق، مطبوع بهامش البحر الرائق لابن عابدين (١/ ٢٠٧)، حاشية الطحطاوي (١/ ١٥٠)، الشرح الصغير (١/ ٢١٦)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٧٣)، المنتقى للباجي (١/ ١١٧)، مغني المحتاج (١/ ١١٠)، روضة الطالبين (١/ ١٣٦).\n(^٢) انظر حاشية الدسوقي (١/ ١٧٣).","vol":"9","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4174>المبحث الرابع في كفارة من جامع امرأته وهي حائض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لم يصح حديث مرفوع في جوب الكفارة على من جامع امرأته، وهي حائض.\n• الكفارات بمنزلة الحدود؛ لأنها عقوبات فلا تثبت إلا بتوقيف من الشارع على الصحيح.\n• جميع المقادير بالشرع لا تعرف بالقياس.\n• النصوص في عصمة مال المسلم قطعية، فلا تنتهك إلا بنص متيقن.\n[م-٧٦٩] اختلف الفقهاء في هذه المسألة:\nفقيل: عليه التوبة والاستغفار، وتستحب له الكفارة.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والقول الجديد في مذهب الشافعي (^٢).\n_________\n(^١) البناية للعيني (١/ ٦٤١) عمدة القارئ (٣/ ٢٦٦) البحر الرائق (١/ ٢٠٧) فتح القدير (١/ ١٦٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ٣٥٩) مغني المحتاج (١/ ١١٠) نهاية المحتاج (١/ ٣٣٢).","vol":"9","page":109},{"text":"وقيل: ما عليه إلا التوبة والاستغفار، وهو مذهب المالكية (^١)، ورواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: تجب عليه الكفارة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nواختلفوا في تقدير الكفارة.\nفقيل: هي على التخيير، دينار أو نصفه، وهو المشهور عند الحنابلة (^٤).\nوقيل: إن كان الدم أسود فدينار، وإن كان أصفر فنصف دينار (^٥)\nوقيل: إن كان في إقبال الدم وفي زمن قوته وشدته فدينار، وإن كان في إدبار الدم بأن كان زمن ضعفه وقربه من الانقطاع فنصف دينار (^٦).\nوقيل: إن جامعها في زمن الحيض فدينار، وإن جامعها بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال فنصف دينار. وهو قول قتادة والأوزاعي (^٧).\nوقيل: عليه خمسة دنانير وينسب هذا القول لعمر (^٨).\nوقيل: عليه عتق رقبة، وهو قول سعيد بن جبير (^٩).\nوقيل: عليه كفارة من جامع في نهار رمضان، وهو قول الحسن (^١٠).\n_________\n(^١) أسهل المدارك (١/ ٩٠) القوانين الفقهية (ص ٥٥) بداية المجتهد مع الهداية (٢/ ٧٢).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٣٥١) الإقناع (١/ ٦٤) المستوعب (١/ ٤٠٣) الكافي (١/ ٧٤).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٢٠٠، ٢٠١) الفروع (١/ ٢٦٢) الإقناع (١/ ٦٤).\n(^٤) انظر: الإنصاف (١/ ٣٥١) الفروع (١/ ٢٦٢) المستوعب (١/ ٤٠٢).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٣٥١، ٣٥٢).\n(^٦) انظر: الإنصاف (١/ ٣٥١)، الفروع (١/ ٢٦٢).\n(^٧) انظر: الأوسط (٢/ ٢١٠)، فقه الأوزاعي (١/ ١١٢).\n(^٨) انظر: الدارمي (١١١٠).\n(^٩) الأوسط (٢/ ٢١٠).\n(^١٠) رواه عبد الرزاق (١٢٦٧) من طريق هشام عن الحسن، وروى معمر عن الحسن: ليس عليه شيء، يستغفر الله.","vol":"9","page":110},{"text":"• أدلة القائلين بوجوب الكفارة:\n(١٩٢٠ - ٣٨٠) ما رواه أحمد من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم،\nعن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار، أو نصف دينار.\n[الصحيح وقفه على ابن عباس، وفي متنه اختلاف كثير] (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على مقسم وعكرمة كلاهما، عن ابن عباس، وهو عن الأول أشهر، وكان مقسم تارة يرفعه، وتارة يوقفه ... على اختلاف كثير في متنه كما سنبين.\nومقسم جاء في ترجمته:\nقال مهنا: قلت لأحمد: من أثبت أصحاب ابن عباس فقال: ستة نذكرهم. قلت له: فمقسم؟ قال: دون هؤلاء. هدى الساري (ص ٦٢٢).\nوقال أبو حاتم الرزاي: صالح الحديث، لا بأس به.\nوضعفه ابن سعد، وقال ابن حزم: ليس بالقوي، وذكره البخاري في كتاب الضعفاء، وقال الساجي: تكلم الناس في بعض روايته. انظر الجرح والتعديل (٨/ ٤١٤)، الطبقات الكبرى (٥/ ٤٧١)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٥٦).\nوقال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٩٢) ح ٢٢٨: «ما أخرج له البخاري إلا حديثًا واحدًا في تفسير النساء قد توبع علي».اهـ\nووثقه يعقوب بن سفيان، والدارقطني. تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٥٦).\nوقال الذهبي: صدوق من مشاهير التابعين، ضعفه ابن حزم، وقد وثقه غير واحد، والعجب أن البخاري أخرج له في صحيحه وذكره في كتاب الضعفاء. انظر الميزان (٤/ ١٧٦)، وإذا كان قد أخرج له في المتابعات لم يكن في صنيع البخاري ما يتعجب منه.\nوفي التقريب: صدوق وكان يرسل. وما له في البخاري سوى حديث واحد.\nوقد روى الحديث عن مقسم جماعة، وما رواه أحد منهم مرفوعًا إلا وقد رواه موقوفًا، وعندي -والله أعلم- أن التردد في وقفه ورفعه من مقسم، وممن دونه ... وإليك بيان هذه الطرق عن مقسم:\nالطريق الأول: عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس.\nرواه شعبة، عن الحكم، واختلف على شعبة: =","vol":"9","page":111},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه يحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (١/ ٢٣٠)، وسنن أبي داود (٢٦٤، ٢١٦٨)، وسنن وابن ماجه (٦٤٠) وسنن النسائي (٢٨٩) والمعجم الكبير للطبراني (١٢٠٦٦) ومستدرك الحاكم (١/ ١٧١، ١٧٢).\nومحمد بن جعفر كما في مسند أحمد (١/ ٢٣٠)،\nوابن أبي عدي كما في سنن ابن ماجه (٦٤٠)،\nووهب بن جرير كما في منتقى ابن الجارود (١٠٨).\nوالنضر بن شميل كما في سنن البيهقي (١/ ٣١٤)، كلهم رووه عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا.\nورواه سعيد بن عامر، عن شعبة مرفوعًا وموقوفًا ...\nفأما الرواية المرفوعة فهي عند ابن الجارود (١١٠٩)، وجاء في آخره: قال شعبة: أما حفظي فهو مرفوع، وأما فلان وفلان فقالا: غير مرفوع، فقال بعض القوم: حدثنا بحفظك، ودع ما قال فلان وفلان. فقال: والله ما أحب أني عمرت في الدنيا عمر نوح، وإني حدثت بهذا أو سكت عن هذا.\nوأخرجه الدارمي (١١٠٧)، والنسائي في الكبرى (٩٠٩٩) من طريق سعيد بن عامر عن شعبة موقوفًا.\nورواه جماعة عن شعبة موقوفًا، منهم:\n١ - عبد الرحمن بن مهدي كما في منتقى ابن الجارود (١١٠)، والبيهقي (١/ ٣١٥).\n٢ - أبو الوليد كما في سنن الدارمي (١١٠٦).\n٣ - عفان كما في سنن البيهقي (١/ ٣١٤، ٣١٥).\n٤ - وسليمان بن حرب كما في سنن البيهقي (١/ ٣١٤، ٣١٥).\nقال البيهقي: وكذلك رواه مسلم بن إبراهيم، وحفص بن عمر الحوضي، وحجاج بن منهال ... قلت: وأشار أحمد إلى أن بهز رواه أيضًا موقوفًا كما في متن الباب.\nهذا فيما يتعلق في الاختلاف على إسناد شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، وخلاصته أمران:\nأحدهما: أن الحديث يرويه يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر، وابن أبي عدي، ووهب ابن جرير، والنضر بن شميل، عن شعبه، عن الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا.\nويرويه عبد الرحمن بن مهدي، وأبو الوليد، وعفان، وسليمان بن حرب، وبهز بن أسد، ومسلم ابن إبراهيم، وحفص بن عمر الحوضي، وحجاج بن منهال، عن شعبة به موقوفًا. =","vol":"9","page":112},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويرويه سعيد بن عامر عن شعبة مرفوعًا وموقوفًا.\nالثاني: أن شعبة يرويه عن الحكم عن عبد الحميد، عن مقسم بذكر عبد الحميد بين الحكم بن عتيبة، وبين مقسم.\nولم ينفرد شعبة بذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن في الإسناد، بل جاء أيضًا من طريق قتادة.\nفرواه روح بن عبادة كما في سنن النسائي الكبرى (٩١٠٤).\nوعبد الله بن بكر كما في سنن النسائي الكبرى (٩١٠٤)\nوسعيد بن عروبة كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٣١٥).\nوحماد بن الجعد، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٢٠٦٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٣١٥، ٣١٦).\nكلهم رووه عن عن قتادة، قال، قال: حدثني الحكم بن عتيبة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم، عن ابن عباس، فهنا في الإسناد ذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن من غير طريق شعبة، عن الحكم، وسوف يأتي الكلام على طريق قتادة بمفرده إن شاء الله.\nوقيل: الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس بإسقاط عبد الحميد بن عبد الرحمن، على اختلاف على الحكم في رفعه:\nفرواه سفيان بن حسين كما عند الطبراني في الكبير (١٢١٣٠) ورجاله ثقات.\nورقبة بن مصقلة كما عند الطبراني في الكبير أيضًا (١٢١٣١) بسند حسن.\nوليث بن أبي سليم كما عند الطبراني أيضًا (١٢١٣٣) وسنده ضعيف.\nومطر الوراق كما عند الطبراني (١٢١٣٢)، والبيهقي (١/ ١٣٥) وسنده ضعيف.\nكلهم رووه عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا وفيه: يتصدق بدينار أو نصف دينار.\nوخالفهم الأعمش، وعمرو بن قيس الملائي، فروياه عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس موقوفًا.\nرواه الدارمي (١١١٢) من طريق حفص بن غياث عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس موقوفًا وفيه: (يتصدق بدينار أو بنصف دينار) ورجاله ثقات.\nورواه النسائي في الكبرى (٩١٠٠) والطبراني في الكبير (١٢١٢٩) من طريق إسماعيل بن زكريا، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم، عن مقسم به موقوفًا إلا أنه قال: (يتصدق بنصف دينار) ورجاله ثقات إلا إسماعيل بن زكريا فإنه صدوق.\nفتبين لنا من تخريج طريق الحكم، أن فيه أربع علل:\nالعلة الأولى: أن الحكم تارة يوقفه وتارة يرفعه.\nفقد أخرجت طريق شعبة عن الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم عن ابن عباس، وبينت =","vol":"9","page":113},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الاختلاف على شعبة في وقفه ورفعه، فقد رواه خمسة حفاظ عن شعبة مرفوعًا على رأسهم يحيى ابن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر.\nورواه ثمانية حفاظ عن شعبة موقوفًا، وعلى رأسهم عبد الرحمن بن مهدي، وعفان وسليمان بن حرب.\nوقد مال العلامة أحمد شاكر إلى كونه مرفوعًا، وحجته أن شعبة كان يقول بعد روايته للحديث: «أما حفظي فمرفوع، وأما فلان وفلان فقالا: غير مرفوع».\nفقال أحمد شاكر ﵀ في تحقيقه للسنن (١/ ٢٥٠): «هذه الروايات عن شعبة، يفهم منها أنه كان واثقًا، وموقنًا برفعه، ثم تردد واضطرب حين رأى غيره يخالفه فيرويه موقوفًا، ثم جعل هو يرويه موقوفًا أيضًا، وهذا عندنا لا يؤثر في يقينه الأول برفعه، وقد تابعه فيه غيره ...» إلخ كلامه ﵀.\nوعمدة هذا الترجيح بأن الحفظ القديم مقدم على الشك الطارئ، وهذا الكلام جيد، لو كان الاختلاف فيه فقط على شعبة، وكان حفظه الأول مرفوعًا ثم طرأ الشك، لكن الاختلاف في الحقيقة على شيخ شعبة، الحكم بن عتيبة نفسه، فكان يرويه تارة موقوفًا وتارة مرفوعًا.\nوكان شعبة سمعه من الحكم مرفوعًا ... ثم سمعه منه موقوفًا، فترك رفعه له، لا أن شعبة إنما ترك رفعه لأن غيره خالفه في الحكم.\nقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ٥٠ - ٥١) رقم ١٢١: «اختلفت الرواية، فمنهم من يروي عن مقسم عن ابن عباس موقوفًا، ومنهم من يروي عن مقسم عن النبي ﷺ مرسلًا. وأما من حديث شعبة، فإن يحيى بن سعيد أسنده. وحكي أن شعبة أسنده، وقال: أسنده الحكم لي مرة ووقفه مرة».\nففي هذا الكلام فائدتان:\nالأولى: أن الشك في وقفه ورفعه من شيخ شعبة.\nالثانية: أن شعبة سمعه من الحكم مرفوعًا وموقوفًا. لقوله: «أسنده الحكم لي مرة، ووقفه مرة».\nفلما رأى شعبة أن شيخه لم يضبط حديثه تارة يرفعه وتارة يوقفه رجع عن رفعه له، وصرح بأن رفعه له من قبل جنون منه، فلا سبيل إلى الاحتجاج برواية الراوي وقد صرح بخطئه فيها.\nفقد أخرج ابن الجارود في المنتقى (١١٠): حدثنا محمد بن زكريا الجوهري قال: ثنا بندار، قال: ثنا شعبة بهذا الحديث ولم يرفعه.\nفقال رجل لشعبة: إنك كنت ترفعه. قال: كنت مجنونًا فصححت».\nالعلة الثانية: أن الحكم بن عتيبة تارة يرويه عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم، عن ابن عباس. =","vol":"9","page":114},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وتارة يرويه عن مقسم مباشرة، عن ابن عباس.\nوتارة يرويه عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوقد اختلف العلماء هل سمع الحكم من مقسم هذا الحديث أم لا؟ مع أن الحكم مشهور بأنه كثير الإرسال.\nفقال أبو حاتم في العلل (١/ ٥١) «الحكم لم يسمع من مقسم هذا الحديث».\nوقال البيهقي (١/ ٣١٥): «هكذا رواه جماعة عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم.\nوفي رواية شعبة عن الحكم دلالة على أن الحكم لم يسمعه من مقسم، إنما سمعه من عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مقسم».اهـ\nوذكر ابن حجر في التهذيب، في ترجمة الحكم بن عتيبة (٢/ ٤٣٤): «قال أحمد وغيره: لم يسمع الحكم حديث مقسم، كتاب إلا خمسة أحاديث». اهـ\nولم يذكر الإمام أحمد الأحاديث الخمسة لكن عدها يحيى بن سعيد القطان كما في التهذيب: حديث الوتر، والقنوت، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته وهي حائض.\nوفي العلل رواية عبدالله بن أحمد (١/ ١٩٢): «قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه الذي يُصَحَّح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث»، فذكرها، ولم يذكر منها حديث الحائض إذا أتاها زوجها.\nوالحكم ذكر عنه التدليس والإرسال، ولم أقف على رواية أنه قال: حدثني مقسم.\nقال شعبة: الحكم عن مجاهد كتاب إلا ما قال: سمعت» اهـ، وهذا هو التدليس.\nوقال ابن حبان في الثقات: كان يدلس.\nوممن ذكره بالتدليس النسائي، والذهبي، والمقدسي، والحلبي، والعلائي.\nوعلى كل حال سواء سمع منه أو لم يسمع، فقد عرفنا الواسطة بينهما، وهو ثقة، فلا يكون هذا الأمر علةً مؤثرة في الحديث بخلاف العلة الأولى.\nوأما رواية الحكم عن عكرمة عن ابن عباس.\nفقد أخرجها النسائي في السنن الكبرى (٩١٠٢): أخبرنا واصل بن عبد الأعلى قال: أنا أسباط ابن محمد، عن أشعث، عن الحكم، عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يقع على امرأته، قال: يتصدق بدينار أو نصف دينار.\nوهذا سند ضعيف، فيه أشعث بن سوار الكندي، وقد توبع، فقد أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٩١١٤) من طريق محمد بن عيسى، والطبراني (١٢٠٢٥) من طريق عبد الرحمن بن شيبة الجدي، كلاهما عن شريك، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا وقع على امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بنصف دينار.\nوهذا سند ضعيف أيضًا فيه شريك وخصيف، وكلاهما في حفظه شيء. =","vol":"9","page":115},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد اختلف على خصيف كما سيأتي، فروى عنه مرفوعًا، وموقوفًا على ابن عباس، ومرسلًا عن مقسم، عن النبي ﷺ، وسيأتي الكلام على رواية خصيف إن شاء الله.\nالعلة الثالثة: الاختلاف في كلمة (أو) بقوله (دينار أو نصف دينار) هل هي للشك أو للتخيير أو للتنويع.\nفالقول الأول: اختار ابن عباس ﵀ أن (أو) للتنويع، ولا شك أن الصحابي أدرى بما روى، وإذا رجحنا أن الأثر أصله موقوف عليه، فتفسيره لقوله أولى من تفسير غيره له.\nفقد روى البيهقي (١/ ٣١٩) من طريقين عن أبي العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، ثنا أبو الجواب، حدثنا سفيان الثوري، عن ابن جريج عن عطاء،\nعن ابن عباس في الرجل يأتي امرأته وهي حائض قال: إن أتاها في الدم تصدق بدينار، وإن أتاها في غير الدم تصدق بنصف دينار.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا أبا الجواب فإنه صدوق، وأبو الجواب هو أحوص.\nقال ابن معين: ثقة.\nوقال مرة: ليس بذاك القوي. الجرح والتعديل (٢/ ٣٢٨) تهذيب الكمال (٢/ ٢٨٨).\nوقال أبو حاتم الرازي: صدوق. الجرح والتعديل (٢/ ٣٢٨).\nوقال ابن حبان: كان متقنًا، وربما وهم. الثقات (٦/ ٨٩).\nوفي التقريب: صدوق ربما وهم.\nوأما عنعنة ابن جريج فإنها لا تضر وشيخه عطاء؛ فإنه مكثر عنه جدًّا، ويكفي قوله فيما رواه عبد الرزاق عنه اختلفت إلى عطاء ثماني عشرة سنة. وقد توبع ابن جريج.\nفقد رواه أبو داود (٢٦٥)، والحاكم (١/ ١٧٢)، والبيهقي (١/ ٣١٨) من طريق علي ابن الحكم البناني، عن أبي الحسن الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس قال: إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار.\nوأبو الحسن الجزري لم يرو عنه إلا علي بن الحكم البناني.\nقال فيه ابن المديني: مجهول. تهذيب التهذيب (١٢/ ٧٧).\nوقال الحاكم في المستدرك (١/ ١٧٢)، أبو الحسن عبد الحميد بن عبد الرحمن الجزري ثقة مأمون.\nقال أحمد شاكر: «لم يتعقبه الذهبي في مختصره» اهـ. يريد أن يشير إلى موافقة الذهبي للحاكم، لكن قال الذهبي في الميزان (٤/ ٥١٥) تفرد عنه علي بن الحكم البناني اهـ، ولم ينقل الذهبي عن أحد توثيقه مما يدل على أنه مجهول.\nوفي التقريب مجهول. =","vol":"9","page":116},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومع ذلك هو سند صالح في المتابعات يقوي طريق ابن جريج، فهذا هو القول الأول: أن (أو) للتنويع.\nالقول الثاني: قالوا إن (أو) في قوله (يتصدق بدينار أو نصف دينار) للشك. فقد أخرج الدارمي (١١٠٦): حدثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو نصف دينار.\nقال شعبة: شك الحكم.\nورجح العلامة أحمد شاكر أن شعبة فهم من كلمة (أو) أنها للشك، ورجح أن (أو) للتخيير.\nوالحقيقة أن الحكم قد صرح بالشك، وليس قول شعبة: شك الحكم فهمًا منه، فقد أخرجه عبد الرزاق (١٢٦٢) عن ابن جريج قال: كان الحكم بن عتيبة عن مقسم يقول: لا أدري قال مقسم دينارًا أو قال: نصف دينار، وكما وقع الشك من الحكم وقع الشك من مقسم أيضًا كما سيأتي.\nالقول الثالث: ذهب الإمام أحمد أن (أو) للتخيير، فقد نقل الخطابي في معالم السنن (١/ ١٧٣): «أن أحمد بن حنبل كان يقول: هو مخير بين الدينار ونصف الدينار. وهذا من أضعفها، ولا أعرف له شبهًا في الكفارات، أن يكون الإنسان مخيرًا في جنس واحد، بمعنى أن نصف الدينار واجب والنصف الآخر مستحب، فالصدقة المستحبة مفتوحة ليس لها حد، والمعروف في الكفارات التي تأتي على التخيير أن يكون كل واحد منها واجبًا لا بعينه، وذلك مثل كفارة اليمين، فالتخيير بين الإطعام، والكسوة، وتحرير الرقبة كل واحد منها واجب لا بعينه، ومثله المحرم في كفارة حلق الرأس من الأذى، بخلاف قوله: (يتصدق بدينار أو نصف دينار)، فإن الدينار ليس واجبًا، والنصف منه واجب على القول بالتخيير.\nالعلة الرابعة: الاختلاف على الحكم في متنه.\nفتارة يقول: (دينار أو نصف دينار) على الخلاف السابق في (أو).\nوتارة يجزم بأن الواجب نصف دينار بدون (أو).\nوتارة يجزم بأن الواجب دينار فإن لم يجد فنصف دينار.\nلاشك أن أكثر الروايات عن الحكم لفظها: (يتصدق بدينار أو نصف دينار) على الخلاف في معنى (أو) كما سبق وقد عزوت طرق الحكم فيما سبق من رواية شعبة وغيره فارجع إليها في أول البحث.\nوقد أخرجه النسائي في الكبرى (٩١٠٠) والطبراني في الكبير (١٢١٢٩) من طريق إسماعيل ابن زكريا، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس موقوفًا: يتصدق بنصف دينار.\nورجاله ثقات إلا إسماعيل بن زكريا فإنه صدوق. =","vol":"9","page":117},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد تابعه خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس.\nكما في سنن الدارمي (١١٠٩) من طريق سفيان الثوري عن خصيف به، وكذا رواه ابن جريج عن خصيف كما في سنن النسائي الكبرى (٩١٠٩).\nوخصيف سيئ الحفظ، وتغير بآخره، إلا أن سوء حفظه قد زال بمتابعة عمرو بن قيس الملائي.\nوتغيره فإن الذي ذكر ذلك يحيى بن سعيد القطان، قال: «كنا تلك الأيام نتجنب حديث خصيف، وما كتبت عن خصيف بالكوفة شيئًا، إنما كتبت عن خصيف بآخرة، وكان يحيى يضعف خصيفًا.\nفهذا النص من يحيى فيه فوائد:\nأولًا: أن خصيفًا حديثه حين كان بالكوفة لم يتغير، وسفيان الثوري كوفي، وهو ممن رواه عن خصيف.\nثانيًا: أن يحيى بن سعيد القطان من صغار أصحاب خصيف، فابن جريج والثوري أكبر من القطان سنًا وهما ممن روياه عن خصيف، فهذه قرينة أن روايتهما عنه كانت قبل تغيره.\nومع ذلك فقد اختلف على خصيف وسيأتي الكلام على طريقه بطريق مستقل.\nهذان نوعان من الاختلاف على الحكم في متنه.\nأحدهما: يتصدق بدينار أو نصف دينار.\nوالثاني: يتصدق بنصف دينار».\nوأما اللفظ الثالث عن الحكم فقد رواه الطبراني في الكبير (١٢٠٦٥)، والبيهقي (١/ ٣١٥ - ٣١٦) من طريق هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن الجعد، ثنا قتادة، حدثني الحكم ابن عتيبة، عن عبد الحميد بن عبدالرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فزعم أنه وقع على امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ أن يتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار.\nفهذا اللفظ أوجب الدينار مطلقًا إلا عند العجز عنه فنصف دينار.\nوفي الإسناد حماد بن الجعد ضعفه جماعة منهم ابن معين والنسائي.\nوقال ابن حبان: منكر الحديث.\nوقال أحمد شاكر في تحقيقه للسنن (١/ ٢٥١): «وأنا أرجح أنه ثقة؛ لأن أبا داود الطيالسي تلميذه قال: كان إمامنا أربعين سنة ما رأينا إلا خيرًا. قال شاكر: والنفس تطمئن إلى شهادة من عرفه أربعين سنة، وروى عنه».\nقلت: حتى ولو كان ثقة، فقد رواه شعبة عن الحكم بنفس الإسناد، وخالفه في المتن، فهذا اللفظ إما شاذ أو منكر.\nورواه بلفظ حماد بن الجعد أيضًا سعيد بن أبي عروبة، عن عبد الكريم أبي أمية، عن عكرمة عن ابن عباس كما في سنن البيهقي (١/ ٣١٧). =","vol":"9","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذه المتابعة لحماد من الجعد لايفرح بها؛ لأن عبدالكريم أبي أمية متروك، ومختلف عليه في الحديث اختلافًا كثيرًا سيأتي بسطه إن شاء الله تعالى.\nولعل قوله: (فإن لم يجد فنصف دينار)، أدرجها حماد بن الجعد، وكانت من تفسير قتادة.\nفقد أخرجه البيهقي (١/ ٣١٥) من طريق يحيى بن أبي طالب، أنبأ عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ أمره أن يتصدق بدينار أو نصف دينار، ففسره قتادة، قال: إن كان واجدًّا فدينار، وإن لم يجد فنصف دينار.\nويحيى بن أبي طالب مختلف فيه، وسيأتي الكلام عليه، وقتادة قد عنعن وهو مدلس، وقد اختلف على قتادة، وسيأتي الكلام على طريقه بحديث مستقل.\nإلى هنا انتهى الكلام على طريق الحكم بن عتيبة، ومع كون طريقه من أحسن طرق هذا الحديث إلا أنه تبين لنا أن فيه اختلافًا كثيرًا.\nوفي بيان هذا الاختلاف يتبين لنا خطأ العلامة أحمد شاكر حين احتج لتصحيح رواية:\n(دينار أو نصف دينار) بقوله: «وهذه الرواية -يعني بدينار أو نصف دينار- هي اللفظ في جميع الروايات التي ذكرناها على الحكم بن عتيبة ... ثم ذكر من تابعه عليها».\nفقد تبين أن الحكم تارة يقول: (دينار أو نصف دينار) وكلمة (أو) تحتمل التنويع، وتحتمل الشك، وتحتمل التخيير.\nوتارة يقول: (نصف دينار) بالجزم.\nوتارة بالتفصيل عن ابن عباس: إن أصابها في الدم فدينار، وإن أصابها بانقطاع الدم فنصف دينار.\nوتارة يقول: (دينار فإن لم يجد فنصف دينار).\nوتارة يرفعه، وتارة يوقفه، إلا أن هذا الاختلاف لا يوجب الاضطراب لإمكان الترجيح، فالراجح أنه موقوف على ابن عباس، وأن اللفظ: (دينار أو نصف دينار) والله أعلم.\nالطريق الثاني: طريق خصيف، عن مقسم.\nوخصيف وثقه أبو زرعة: وابن سعد، والعجلي. الجرح والتعديل (٣/ ٤٠٣)، الطبقات الكبرى (٧/ ٤٧٢)، ثقات العجلي (١/ ٣٣٥).\nوقال أبو حاتم: صالح يخلط، وتكلم في سوء حفظه. الجرح والتعديل (٣/ ٤٠٣).\nوقال أحمد بن حنبل: ليس بقوي في الحديث. وقال أيضًا: مضطرب الحديث. ضعفاء العقيلي (٢/ ٣١)، الكامل (٣/ ٦٩)، تهذيب التهذيب (٣/ ١٢٣).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٧٧).\nوقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه. =","vol":"9","page":119},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الذهبي في الكاشف وابن حجر في التقريب: صدوق سيء الحفظ، زاد ابن حجر: خلط بآخره، وزاد الذهبي: ضعفه أحمد. الكاشف (١٣٨٩).\nومع سوء حفظ خصيف فقد اختلف عليه فيه ...\nفروي عنه، عن مقسم، عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا ومرسلًا.\nوروي عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس.\nواختلف عليه في متنه أيضًا فروي: (يتصدق بنصف دينار).\nوروي: (يتصدق بدينار).\nوإليك بيان هذا الاختلاف، فرواه شريك، واختلف عليه فيه:\nفرواه حسين بن محمد بن بهرام عند أحمد (١/ ٢٧٢).\nوأبو الوليد (هشام بن عبد الملك) كما في سنن الدارمي (١١٠٥).\nومحمد بن الصباح البزاز عند أبي داود (٢٦٦)، والبيهقي (١/ ٣١٦).\nوعلي بن حجر عند الترمذي (١٣٦)، والنسائي في الكبرى (٩١١٣).\nكلهم رووه عن شريك، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا في الرجل يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بنصف دينار.\nوخالفهم محمد بن عيسى الطباع كما في سنن النسائي الكبرى (٩١١٤).\nوعبد الرحمن بن شيبة الجدي كما في المعجم الكبير للطبراني (١٢٠٢٥)، كلاهما عن شريك، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي أهله وهي حائض؟ قال: يتصدق بنصف دينار.\nولا أدري هل هذا التخليط من شريك أو من شيخه خصيف، فإن كلا منهما سيء الحفظ، ولا يبعد أن يكون هذا من شريك، فقد تفرد بذكر عكرمة، وقد رواه غير شريك عن خصيف، فلم يذكر عكرمة في إسناده.\nفرواه سفيان الثوري، عن خصيف، واختلف على سفيان به:\nفرواه عبد الرزاق (١٢٦٣) عن الثوري، عن خصيف، عن مقسم، أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا أتى امرأته حائضًا أن يتصدق بنصف دينار. وهذا مرسل.\nورواه الفريابي محمد بن يوسف، واختلف عليه فيه.\nفرواه النسائي في السنن الكبرى (٩١١١)، أخبرنا محمد بن ميمون، قال: أخبرنا الفريابي، قال: أنا سفيان به مرسلًا، كرواية عبد الرزاق.\nوأخرجه الدارمي (١١٠٩)، أخبرنا محمد بن يوسف -يعني الفريابي- حدثنا سفيان، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ في الذي يقع على امرأته وهي حائض يتصدق بنصف دينار، فوصله. =","vol":"9","page":120},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والفريابي ثقة. وفيه كلام يسير جدًّا في روايته عن الثوري خاصة.\nورواه الدارقطني (٣/ ٢٨٧) من طريق عبد الله بن يزيد بن الصلت، عن سفيان عن خصيف، وقرن به غيره عن مقسم عن ابن عباس مرفوعًا.\nوهذا الطريق ضعيف لضعف ابن الصلت.\nورواه ابن جريج عن خصيف واختلف على ابن جريج فيه.\nفرواه عبد الرزاق (١٢٦٢) عن ابن جريج، عن خصيف، عن مقسم مرسلًا.\nورواه النسائي في الكبرى (٩١٠٩) من طريق حجاج - يعني المصيصي الثقة - عن ابن جريج، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا وفيه: فأمره بنصف دينار فصار ابن جريج تارة يرويه مرسلًا وتارة يرويه موصولًا.\nورواه النسائي في الكبرى (٩١١٠): أخبرنا هلال بن العلاء، قال: أخبرنا حسين قال: أخبرنا أبو خيثمة قال: أخبرنا خصيف، عن مقسم مرسلًا وفيه: فأمره بنصف دينار يتصدق به. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا شيخ النسائي، وهو صدوق.\nورواه معمر كما في مصنف عبد الرزاق (١٢٦١) عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: إذا أصابها حائضًا تصدق بدينار. وخالف فيه من ناحيتين:\nالأولى: أنه رواه موقوفًا ... والأكثر عن خصيف إما على رفعه أو على إرساله.\nالثانية: أنه قال: (يتصدق بدينار) مع أن أكثر من رواه عن خصيف قال: يتصدق بنصف دينار.\nورواه الدارقطني (٣/ ٢٨٧) من طريق عبد الله بن محرر، عن خصيف به مرفوعًا. وعبد الله بن محرر متروك.\nهذا هو الاختلاف على خصيف، وعلى ضعفه فإن في الرواية عنه اضطرابًا كثيرًا فلا يمكن أن يفرح به كمتابعة لطريق الحكم؛ لأنه خالف الحكم في لفظه من جهة، فإن أكثر الروايات عنه يتصدق بنصف دينار، ثم الاختلاف عليه في وصله وإرساله.\nالطريق الثالث: طريق قتادة بن دعامة. وقد اختلف عليه في الإسناد.\nفقيل: قتادة، عن مقسم.\nوقيل: قتادة، عن عبد الحميد، عن مقسم.\nوقيل: قتادة حدثني الحكم بن عتيبة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم.\nوروى عنه مرفوعًا وروى عنه موقوفًا.\nوإليك تخريج هذه الطرق:\nفرواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، واختلف على سعيد بن أبي عروبة:\nفرواه يزيد بن هارون كما في مسند أحمد (١/ ٢٣٧). =","vol":"9","page":121},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعبد الوهاب بن عطاء كما في مسند أحمد (١/ ٢٣٧)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣١٥).\nوعبدة بن سليمان كما في سنن النسائي الكبرى (٩١٠٥) ثلاثتهم (يزيد، وعبد الوهاب، وعبدة) رووه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه: (أن يتصدق بدينار أو نصف دينار) وكل هؤلاء رووا عن سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه.\nوخالفهما روح بن عبادة كما في سنن النسائي الكبرى (٩١٠٤).\nوعبد الله بن كبر كما في سنن النسائي الكبرى (٩١٠٤)، وسنن البيهقي (١/ ٣١٥)، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن عبد الحميد، عن مقسم به. مرفوعًا، فزادوا في الإسناد:\nعبد الحميد بين قتادة ومقسم.\nوروح بن عبادة، وعبد الله بن بكر سمعا من سعيد بن أبي عروبة قبل تغيره على الراجح من أقوال أهل العلم. انظر: حاشية الكواكب النيرات تحقيق عبد القيوم عبد رب النبي (ص ٢٠٩، ٢١٢).\nوكل من تقدم رووه مرفوعًا.\nورواه عاصم بن هلال كما في سنن النسائي الكبرى (٩١٠٦) عن قتادة، عن مقسم، عن ابن عباس موقوفًا.\nوهذا سند ضعيف فيه عاصم بن هلال.\nوجميع هذه الطرق على اختلافها عن قتادة، قد عنعن فيها قتادة، وهو مدلس مكثر.\nورواه حماد بن الجعد كما في المعجم الكبير للطبراني (١٢٠٦٠)، وسنن البيهقي (١/ ٣١٥ - ٣١٦) حدثنا قتادة، حدثني الحكم بن عتيبة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فزعم أنه وقع على امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ أن يتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار.\nوهنا صرح قتادة بالتحديث، والإسناد وإن كان فيه ضعف يسير من قبل حماد بن الجعد، وهو أضعف إسنادًا من الطريقين السابقين المرفوعين، إلا أن شعبة قد تابعه فرواه عن الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس.\nفهذا الإسناد كإسناد حماد بن الجعد سواء بسواء.\nقال البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣١٥): «لم يسمعه قتادة من مقسم» وقال أيضًا: «ولم يسمعه أيضًا من عبد الحميد»، ثم ساق حديث قتادة عن الحكم عن عبد الحميد، عن مقسم.\nفرجع طريق قتادة إلى طريق الحكم بن عتيبة، وقد أشبعنا طريق الحكم بن عتيبة بحثًا مبينًا الاختلاف على الحكم في إسناده، فارجع إليه إن شئت.\nالطريق الثالث: عن عبد الكريم بن أبي المخارق أبي أمية البصري، عن مقسم. =","vol":"9","page":122},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعبد الكريم ضعيف جدًّا، قال فيه أيوب: كان غير ثقة. لقد سألني عن حديث لعكرمة، ثم قال: سمعت عكرمة. ضعفاء العقيلي (٣/ ٦٢)، الكامل (٥/ ٣٣٨).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٤٠١).\nواعتذر ابن عبد البر عن مالك في روايته عنه بقوله: «كان مجمع على ضعفه. ومن أَجَلِّ من جرَحَه أبو العالية، وأيوب مع ورعه، غَرَّ مالكًا سمته، ولم يكن من أهل بلده».اهـ تهذيب التهذيب (٦/ ٣٣٥).\nوهذه الطريق -على شدة ضعفها- فيها علل أخرى، منها:\nالاختلاف في وقفه ورفعه، أو هو من قول مقسم، الراوي عن ابن عباس.\nومنها: الاختلاف هل قال: (دينار أو نصف دينار)، أو جزم بـ (نصف دينار)، وفي بعضها التفصيل: (إن كان الدم كذا فدينار، أو كذا فنصف دينار).\nومنها: الاختلاف في إسناده.\nفقيل: عن عبد الكريم، عن مقسم عن ابن عباس.\nوقيل: عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nومنها: الاختلاف في عبد الكريم هل هو ابن أبي المخارق المتروك، أو هو ابن مالك الثقة.\nوإليك بيان هذا الاختلاف بالتفصيل.\nأما الاختلاف في وقفه ورفعه، فقد أخرجه البيهقي (١/ ٣١٧) من طريق هشام الدستوائي، حدثنا عبد الكريم أبو أمية، عن مقسم، عن ابن عباس، في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بدينار أو نصف دينار. وهذا موقوف.\nوإسناده إلى عبد الكريم كلهم ثقات ولكن ما ينفع وعبد الكريم ضعيف جدًّا؟\nوفي هذا الإسناد فائدة أخرى، وهي التصريح أن عبد الكريم هو أبو أمية المتروك. ولنا في هذا وقفة.\nوتابع سفيان بن عيينة هشامًا، إلا أنه اختلف على سفيان.\nفرواه أحمد بن حنبل في العلل (١/ ١٧٨) عن سفيان، حدثنا عبد الكريم، عن مقسم به موقوفًا، كرواية هشام الدستوائي.\nقيل لسفيان: يا أبا محمد، هذا مرفوع، فأبى أن يرفعه، وقال: أنا أعلم به، يعني أبا أمية.\nورواه إسحاق بن راهوية كما في سنن النسائي الكبرى (٩١٠٧) أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، إن كان الدم عبيطًا فدينار، وإن كان فيه صفرة فنصف دينار.\nفصار الحديث عن سفيان بن عيينة يرويه أحمد موقوفًا، ويرويه إسحاق بن راهويه مرفوعًا، والبلاء فيه من عبد الكريم. =","vol":"9","page":123},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه جماعة عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا:\nفرواه ابن جريج ومحمد بن راشد كما في مصنف عبد الرزاق (١٢٦٤، ١٢٦٥، ١٢٦٦)، والمعجم الكبير للطبراني (١٢١٣٤)، وسنن البيهقي (١/ ٣١٦) بلفظ: (من أتى امرأته في حيضتها فليتصدق بدينار، ومن أتاها وقد أدبر الدم عنها فلم تغتسل فنصف دينار).\nورواه أبو حمزة السكري كما في سنن الترمذي (١٣٧).\nوأبو جعفر الرازي كما في مسند أبي يعلى (٢٤٣٢)، وسنن الدارمي (١١١١)، والمعجم الكبير للطبراني (١٢١٣٥)، وسنن الدراقطني (٣/ ٢٨٧) وسنن البيهقي (١/ ٣١٧).\nوعبد الله بن محرر مقرونًا معه غيره كما في سنن الدراقطني (١/ ٢٨٧)، ثلاثتهم (السكري،\nوأبو جعفر، وعبد الله بن محرر) عن عبد الكريم به، بلفظ: (إن كان دمًا أحمر فدينار، وإذا كان دمًا أصفر فنصف دينار).\nورواه الحجاج بن أرطأة كما في سنن النسائي الكبرى (٩١٠٨).\nوأبو الأحوص كما في سنن النسائي كلاهما (حجاج وأبو الأحوص) عن عبد الكريم به بلفظ: (يتصدق بنصف دينار). فخالفا في لفظه.\nورواه سعيد بن أبي عروبة، واختلف عليه فيه:\nفرويناه فيما سبق، عن سعيد عن قتادة عن مقسم، وسبق الكلام عليها في طريق الحكم.\nورواه عبد الله بن بكر كما في المنتقى لابن الجارود (١١١) عن سعيد بن أبي عروبة، عن عبد الكريم به بلفظ: (يتصدق بدينار أو نصف دينار).\nوالسند إلى عبدالكريم سند صحيح.\nورواه البيهقي (١/ ٣١٧) من طريق يحيى بن أبي طالب، أنبأ عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن عبد الكريم به بلفظ: أن النبي ﷺ أمره أن يتصدق بدينار أو نصف دينار.\nوفسر ذلك مقسم، فقال: إن غشيها في الدم فدينار، وإن غشيها بعد انقطاع الدم قبل أن تغتسل فنصف دينار. فجعل التنويع هذا من قول مقسم، وليس من قول ابن عباس.\nوخالف روح بن عبادة عبد الوهاب بن عطاء، وعبد الله بن بكر، فأخرجه البيهقي (١/ ٣١٧) من طريق أبي قلابة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عبد الكريم أبي أمية، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا فذكر عكرمة بدلًا من مقسم، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار، وفسره مقسم فقال: إذا كان في إقبال الدم فدينار، وإذا كان في انقطاع الدم فنصف دينار ..\nوأبو قلابة: صدوق يخطئ، وتغير حفظه بآخره، وقوله: (يتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار) مع أن المشهور في الحديث: (يتصدق بدينار أو نصف دينار)، وتفسير مقسم غير مناسب للفظ الحديث؛ لأن تفسير مقسم يصلح لو أن اللفظ جاء بقوله: (يتصدق بدينار أو نصف =","vol":"9","page":124},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= دينار) فهذا يمكن أن يقال: إن تفسير مقسم يرجح أن (أو) ليست للشك ولا للتخيير، وإنما هي للتنويع، وما دام أن اللفظ دينار فإن لم يجد فنصف دينار، لم يبق للتفسير مجال ..\nفتبين من هذه الطرق: أنه روي الحديث عن عبد الكريم موقوفًا، وروي مرفوعًا.\nوروي عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، وقيل: عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nولم يسلم لفظ الحديث من الاختلاف.\nفروي بلفظ: (إن كان الدم عبيطًا -وفي رواية أحمر- فدينار، وإن كان في الصفرة فنصف دينار).\nوجعل هذا التفصيل مرفوعًا إلى النبي ﷺ، هكذا رواه أبو جعفر الرازي وسفيان، وأبو حمزة السكري، عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعًا.\nوروي بلفظ: (من أتاها في حيضتها فليتصدق بدينار، ومن أتاها وقد أدبر الدم عنها فلم تغتسل فنصف دينار).\nوهذا اللفظ يختلف عن اللفظ الأول لأنه جعل النصف دينار بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، وجعل الدينار وقت نزول الدم مطلقًا سواء كان أحمر أو أصفر.\nوممن روى هذا اللفظ عن عبد الكريم ابن جريج، ومحمد بن راشد.\nومنهم من جعل التفصيل من قول مقسم، ولم يجعله مرفوعًا، ولا موقوفًا، كرواية عبد الوهاب ابن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة، عن عبد الكريم.\nوقد رجح العلامة أحمد شاكر أن التفصيل من قول مقسم.\nوفي الحقيقة لا يمكن لنا أن نركن إلى هذه الرواية، والتي مدارها على رجل متروك، ونترك ما ثبت عن ابن عباس من قوله بسند حسن، فقد روى البيهقي (١/ ٣١٩) من طريق أبي الجواب، حدثنا سفيان الثوري عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس في الرجل يأتي امرأته وهي حائض، قال: إن أتاها في الدم تصدق بدينار، وإن أتاها في غير الدم تصدق بنصف دينار.\nوله متابع عند أبي داود (٢٦٥)، والحاكم (١/ ١٧٢)، والبيهقي (١/ ٣١٨) من طريق أبي الحسن الجزري عن مقسم عن ابن عباس وسنده ضعيف إلا أنه صالح في المتابعات.\nكما أن الرواية التي جعلت التفصيل من كلام مقسم فيها أكثر من علة، فلا يمكن أن تعارض ما ثبت عن ابن عباس.\nالعلة الأولى: أن مدار الإسناد على عبد الكريم بن أبي المخارق وهو متروك.\nالعلة الثانية: أن من رواه عن سعيد بن أبي عروبة، وجعله من قول مقسم: هما روح بن عبادة، وعبد الوهاب بن عطاء على اختلاف عليهما في إسناده. =","vol":"9","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فالراوي عن روح هو أبو قلابة، وهو صدوق يخطئ، وتغير حفظه بآخرة، وقد استبدل مقسمًا بعكرمة، ولم يتابع على ذكر عكرمة.\nوالراوي عن عبد الوهاب يحيى بن أبي طالب، وهو مختلف فيه.\nفقال الآجري: خط أبو داود سليمان بن الأشعث على حديث يحيى بن أبي طالب. لسان الميزان (٦/ ٢٦٢).\nوقال موسى بن هارون قوله: «أشهد على يحيى بن أبي طالب أنه يكذب». قال الحافظ ابن حجر: عنى في كلامه، ولم يعن في الحديث. قلت: الكذب جرح على كل حال. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠)، لسان الميزان (٦/ ٢٦٢).\nوقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠).\nوقال أبو حاتم الرازي: محله الصدق. الجرح والتعديل (٩/ ١٣٤).\nوقال الدارقطني: لا باس به عندي، ولم يطعن فيه أحد بحجة.\nانظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٦١٩)، وشذرات الذهب (٢/ ٦٨).\nالعلة الثالثة: أن عبد الله بن بكر قد رواه عن سعيد بن أبي عروبة، وخالف فيه عبد الوهاب بن عطاء، وروح بن عبادة، فرواه عن سعيد بلفظ: (فليتصدق بدينار أو نصف دينار)، من غير تفصيل.\nالعلة الرابعة: أن سعيد بن أبي عروبة قد كثر الاختلاف عليه مما يضعف روايته:\nفقيل: عن سعيد عن قتادة عن مقسم، عن ابن عباس.\nوقيل: عن سعيد عن عبد الكريم عن مقسم مرفوعًا.\nوقيل: سعيد بن أبي عروبة، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا فجعل بدلًا من مقسم عكرمة.\nالعلة الخامسة: أن سفيان بن عيينة، وأبو حمزة السكري، وابن جريج وهما ثقات، وأبا جعفر الرازي، ومحمد بن راشد كل هؤلاء الخمسة رووه عن عبد الكريم وجعلوا التفصيل مرفوعًا.\nفالذي أميل إليه أن اللفظ المشهور عن عبد الكريم، هو ما رواه البيهقي (١/ ٣١٧) من طريق هشام الدستوائي، ثنا عبد الكريم أبو أمية عن مقسم، عن ابن عباس موقوفًا عليه (يتصدق بدينار أو نصف دينار) على خلاف في تفسير (أو) كما سبق.\nقال البيهقي: وهذا أشبه بالصواب.\nكما اختلفوا في عبد الكريم، هل هو ابن أبي المخارق البصري، أبو أمية المتروك، أو هو عبد الكريم ابن مالك الثقة. =","vol":"9","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأكثر الطرق عن عبد الكريم غير منسوب.\nوجاء عند الدارقطني (٣/ ٢٨٧) من طريق عبد الله بن محرر، عن عبد الكريم بن مالك،\nوعبد الله بن محرر متروك.\nفرواه البيهقي (١/ ٣١٧) بسند صحيح إلى هشام الدستوائي، قال: حدثنا عبد الكريم أبو أمية.\nوتابعه أبو جعفر الرازي كما في مسند أبي يعلى (٢٤٣٢)، والمعجم الكبير للطبراني (١٢١٣٥)، وسنن البيهقي (١/ ٣١٧)، والبغوي في شرح السنة (٣١٥)\nوأبو جعفر وإن كان سيء الحفظ، فقد تابعه ثقة هشام الدستوائي، فتبين من هذا أن المعروف في طرق عبد الكريم أنه ابن أبي المخارق، وقد أخطأ العلامة أحمد شاكر حين جزم أنه ابن مالك الثقة. هذا ما يخص طريق عبد الكريم ابن أبي المخارق.\nالطريق الرابع: طريق يعقوب بن عطاء، عن مقسم.\nأخرجه الدارقطني (٣/ ٢٨٦، ٢٨٧)، والبيهقي (١/ ٣١٨) من طريق أبي بكر بن عياش، عن يعقوب بن عطاء، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ في الذي يقع على امرأته وهي حائض قال: يتصدق بدينار أو نصف دينار.\nقال البيهقي: ويعقوب بن عطاء لا يحتج بحديثه.\nالطريق الخامس: علي بن بذيمة، عن مقسم.\nأخرجه الدارقطني (٣/ ١٨٧) من طريق عبد الله بن محرر، عن علي بن بذيمة، وقرن به غيره، عن مقسم به مرفوعًا ... وعبد الله بن محرر متروك وقد سبق.\nوأخرجه الدارقطني (٣/ ٢٨٧) من طريق عبد الله بن يزيد بن الصلت، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، وقرن معه غيره، عن مقسم به مرفوعًا: من أتى امرأته في الدم فعليه دينار، وفي الصفرة نصف دينار.\nوعبد الله بن يزيد بن الصلت ضعيف جدًّا، وسبقت ترجمته.\nالطريق السادس: ابن أبي ليلى، عن مقسم.\nأخرجه الدارمي (١١١٥): أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلي، عن مقسم، عن ابن عباس موقوفًا قال: يتصدق بدينار أو نصف دينار.\nوأخرجه الدارمي أيضًا (١١١٨) أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس في الذي يقع على امرأته وهي حائض قال: يتصدق بدينار. وابن أبي ليلى ضعيف من قبل حفظه.\nهذا فيما يتعلق بطريق مقسم عن ابن عباس.\nوقد رواه عكرمة عن ابن عباس. =","vol":"9","page":127},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرجه أحمد (١/ ٢٤٥) حدثنا يونس،\nوأخرجه أحمد أيضًا (١/ ٣٠٦) حدثنا شريح،\nوأخرجه أحمد أيضًا (١/ ٣٦٣) حدثنا أبو كامل.\nوأخرجه الطبراني (١١٩٢١) من طريق حجاج بن المنهال، كلهم عن حماد بن سلمة، عن عطاء العطار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: يتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٣١٨) من طريق يزيد بن زريع، عن عطاء العطار به.\nوفي إسناده: عطاء بن عجلان العطار، قال يحيى بن معين: عطاء العطار، ليس بثقة. تهذيب التهذيب (٧/ ١٨٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٥).\nوقال في موضع آخر: كذاب. ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٠٢).\nوقال عمر بن علي: كان كذابًا. الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٥).\nوقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٦/ ٤٧٦)، والضعفاء الصغير (٢٧٩).\nوقال أبو داود: ليس بشيء. تهذيب الكمال (٢٠/ ٩٤).\nبقي قبل أن نطوي البحث في هذا الحديث أن ننقل لك خلاف العلماء المتقدمين وما قالوه فيه.\nذهب فريق من العلماء إلى تصحيحه مرفوعًا. على رأسهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، والحاكم، وابن القطان الفاسي، وابن دقيق العيد، وابن حجر.\nجاء في تلخيص الحبير (١/ ٢٩٣): قال الخلال عن أبي داود، عن أحمد: ما أحسن حديث عبد الحميد؟ فقيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم.\nوقال ابن حجر أيضًا في التلخيص: «والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جدًّا ... وقد أمعن ابن القطان القول في تصحيح هذا الحديث، والجواب عن طرق الطعن فيه بما يراجع منه -وسوف أنقل لك كلام القطان بطوله- ثم قال: «وأقر ابن دقيق العيد تصحيح ابن القطان وقواه في الإمام، وهو الصواب، فكم من حديث قد احتجوا به فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا، كحديث بئر بضاعة، وحديث القلتين ونحوهما.\nوقال الحاكم في المستدرك (١/ ١٧٢): «هذا حديث صحيح، فقد احتجا جميعًا بمقسم ابن بجرة».\nقلت: لم يحتج مسلم بمقسم، وما خرج له البخاري إلا حديثًا واحدًا قد توبع فيه.\nوأطال الكلام ابن القطان الفاسي في تصحيحه للحديث في كتابه بيان الوهم والإيهام وأورد لك خلاصة منه: =","vol":"9","page":128},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال ﵀ (٥/ ٢٧٦): بعد أن بين بعض الاختلاف على بعض الرواة: «والصواب أن ننظر رواية كل راو بحسبها، ويعلم ما خرج عنه فيها، فإن صح من طريق قبل، ولو كانت له طرق أخرى ضعيفة. وهم إذا قالوا: هذا روي فيه (بدينار). وروي فيه: (بنصف دينار) وروي باعتبار صفات الدم، وروي دون اعتبارها، وروي باعتبار أول الحيض وآخره، وروي دون ذلك، وروي بخمس دينار، وروي بعتق نسمة قامت من هذا في الذهن صورة سواء، وهو عند التبيين والتحقيق لا يضره، ونحن نذكر الآن كيف هو صحيح بعد أن نقدم أن نقول:\nيحتمل قوله: (دينار أو نصف دينار) ثلاثة أمور.\nأحدها: أن يكون تخييرًا.\nويبطل هذا بأن يقال: التخيير لا يكون إلا بعد طلب، وهذا وقع بعد الخبر، إذ حكم التخيير الاستغناء بأحد الشيئين؛ لأنه إذا خير بين الشيء وبعضه، كان بعض أحدهما متروكًا بغير بدل.\nالأمر الثاني: أن يكون شكًّا من الراوي.\nالثالث: أن يكون باعتبار حالين. وهذا هو الذي يتعين منها، ونبينه الآن فنقول: قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بدينار أو نصف دينار.\nقال أبو داود: «كذا الرواية الصحيحة: (بدينار أو بنصف دينار) وربما لم يرفعه شعبة. وهذا ليس فيه توهين له، لاحتمال أن يكون عنده فيه المرفوع، والموقوف، ويكون ابن عباس ﵁ قد رواه، ورآه فحمله، وأفتى به.\nقلت: فرق بين أن يرويه موقوفًا، أو أن يسأل فيفتي به، والمحدثون يفرقون بين هذا وهذا، وإن كان الفقهاء لا يفرقون بين الرواية والفتوى، فيحملون الموقوف على المرفوع ظنًا منهم أن هذا منه من قبيل الفتوى، ولا يتمشى هذا على طريقة المحدثين، بل إن المحدثين يذهبون إلى أبعد من هذا فيفرقون بين ما سمعوه في المذاكرة، وإن كان على سبيل الرواية، وبين غيره؛ لأن المذاكرة قد يتساهل الشيخ في النص المروي .. فلله درهم، وأين هذا من طريقة الفقهاء والأصوليين فيما إذا تعارض الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، فإنهم يحكمون لمن وصله أو رفعه مطلقًا ما دام أن الراوي مقبول الرواية! !\nنعود إلى كلام ابن القطان ... قال: «فأما طريق أبي داود فصحيح، فإن عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب اعتمده أهل الصحيح، منهم البخاري، ومسلم، ووثقه النسائي والكوفي.\nويحق له، فقد كان محمود السيرة في إمارته على الكوفة لعمر بن عبد العزيز ﵁ ضابطًا لما يرويه، ومن دونه في الإسناد لا يسأل عنهم. =","vol":"9","page":129},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويتكرر على سمعك من بعض المحدثين أن هذا الحديث في كفارة من أتى حائضًا لا يصح، فلتعلم أنه لا عيب له عندهم إلا الاضطراب زعموا.\nثم قال: «فنقوله: الرجال الذين رووه مرفوعًا ثقات، وشعبة إمام أهل الحديث كان يقول: أما حفظي فمرفوع، وقال فلان وفلان إنه كان لا يرفعه، فقال له بعض القوم: يا أبا بسطام، حدثنا بحفظك ودعنا من فلان وفلان، فقال: والله ما أحب أني حدثت بهذا أو سكت أو أني عمرت في الدنيا عمر نوح في قومه فهذا غاية التثبت منه.\nوهبك أن أوثق أهل الأرض خالفه فيه فوقفه على ابن عباس، كان ماذا؟ أليس إذا روى الصحابي حديثًا عن النبي ﷺ يجوز له، بل يجب عليه أن يقلد مقتضاه فيفتي، هذا قوة للخبر لا توهين له.\nفإن قلت: فكيف بما ذكر ابن السكن، قال: حدثنا يحيى وعبد الله بن سليمان وإبراهيم، قالوا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة بالإسناد المتقدم مثله موقوفًا، فقال له رجل: إنك ترفعه، فقال: إني كنت مجنونًا فصححت.\nقلنا -القائل ابن القطان- نظن أنه ﵁، لما أكثر عليه في رفعه إياه توقى رفعه، لا لأنه موقوف، لكن إبعادًا للظنة عن نفسه.\nوأبعد من هذا الاحتمال أن يكون شك في رفعه في ثاني حال فوقفه، فكان ماذا فلا نبالي ذلك أيضًا، بل لو نسى الحديث بعد أن حدث به لم يضره، فإن أبيت إلا أن يكون شعبة رجع عن رفعه، فاعلم أن غيره من أهل الثقة والأمانة أيضًا قد رواه عن الحكم مرفوعًا، كما رواه شعبة فيما تقدم - وهو عمرو بن قيس الملائي، وهو ثقة، قال فيه عن الحكم ما قاله شعبة من رفعه إياه، إلا أن لفظه: (فأمره أن يتصدق بنصف دينار)، وذلك لا يضره، فإنه إنما حكى قضية معينة، وهو مؤكد لما قلناه: من أن دينارًا أو نصف دينار، إنما هو باعتبار حالين، لاتخيير ولا شك.\nورواه أيضًا مرفوعًا هكذا عن عبد الحميد بن عبد الرحمن المذكور قتادة، وهو من هو، ثم ساق إسناد النسائي للحديث من طريق روح بن عبادة، وعبد الله بن بكر، قالا: حدثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس أن رجلًا غشى امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ أن يتصدق بدينار أو نصف دينار.\nثم قال القطان: فهذا شأن حديث مقسم، ولن نعدم فيه وقفًا وإرسالًا، وألفاظًا أخر لا يصح منها شيء غير ما ذكرناه».\nقلت: هذا الكلام مدخول من وجوه:\nأولًا: أن العلة ليست شك شعبة الطارئ، بل شك شيخه الحكم بن عتيبة، وقد سمعه شعبة من الحكم تارة مرفوعًا وتارة موقوفًا فترك رفعه، وقد نقلنا صريح عبارة شعبة قال: أسنده لي الحكم مرة، وأوقفه أخرى، وكون الحكم يشك في رفعه تارة يرويه مرفوعًا وتارة موقوفًا هذا دليل على عدم ضبطه ... وقد أشبعنا هذه المسألة بحثًا في أول البحث فلا نرجع إليه. =","vol":"9","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثانيًا: قوله: إن عمرو بن قيس الملائي قد رواه عن الحكم مرفوعًا، فالذي وقفنا عليه من رواية عمرو بن قيس أنه رواه موقوفًا ولم أقف عليه مرفوعًا من طريقه، ولم يذكر لنا ابن القطان من الذي رواها. انظر رواية عمرو بن قيس الملائي الموقوفة في سنن النسائي الكبير (٩١٠٠)، والطبراني في الكبير (١٢١٢٩) وإسنادهما حسن.\nوقد رواه الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس موقوفًا أيضًا. انظر سنن الدارمي (١١١٢) وسنده صحيح.\nثالثًا: رواية قتادة التي أشار إليها ابن القطان قد بينا الاختلاف على قتادة، فروي عن قتادة عن مقسم، وروي عن قتادة عن عبد الحميد، وقد بينت أن طريق قتادة المحفوظ فيه قتادة عن الحكم عن عبد الحميد، عن مقسم عن ابن عباس. فرجع طريق قتادة إلى طريق الحكم فما أضاف شيئًا.\nوما عداه من الطرق كطريق خصيف، أو عبد الكريم بن أبي المخارق، فالأول مضطرب، والثاني ضعيف جدًّا.\nالقول الثاني: ممن ضعف الحديث مرفوعًا.\nضعفه الإمام الشافعي ﵀، جاء في تلخيص الحبير (١/ ٢٩٣): قال البيهقي: قال الشافعي في أحكام القرآن، لو كان هذا الحديث ثابتًا لأخذنا به.\nوضعفه ابن عبدالبر، وسوف أنقل كلامه في أدلة القول الثاني.\nوقال النووي في المجموع (٢/ ٣٩١): «اتفق المحدثون على ضعف حديث ابن عباس واضطرابه.\nوروي موقوفًا، وروي مرسلًا، وألوانًا كثيرة، وقد رواه أبو داود، والترمذي والنسائي وغيرهم، ولا يجعله ذلك صحيحًا، وذكره الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال: هو صحيح، وهذا الذي قاله الحاكم خلاف قول أئمة الحديث، والحاكم معروف عندهم بالتساهل في التصحيح، وقد قال الشافعي في أحكام القرآن: هذا حديث لا يثبت مثله، وقد جمع البيهقي طرقه، وبين ضعفها بيانًا شافيًا، وهو إمام حافظ متفق على إتقانه وتحقيقه، فالصواب أنه لا يلزمه شيء والله أعلم». اهـ كلام النووي.\nوحكاية الاتفاق عند النووي كثيرة، ولا يوافق على كثير منها، بل إن ابن المنذر على تساهله في حكاية الإجماع أقرب منه، ويستطيع الباحث أن يجمع مؤلفًا فيما قال فيه النووي: ضعيفًا أو صحيحًا باتفاق المحدثين والتحقيق خلافه.\nوممن قال لا يلزمه شيء من السلف جماعة، منهم:\n- ابن سيرين، رواه عبدالرزاق (١٢٦٧، ١٢٦٨) عنه بسند صحيح، وكذلك الدارمي (١١٠٣). =","vol":"9","page":131},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4175> دليل القائلين بأ نه لا يجب عليه إلا التوبة والاستغفار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4176>الدليل الأول:</span>\nعدم الدليل الموجب للكفارة.\nقال ابن عبدالبر: «وحجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة، اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس وأن مثله لا تقوم به حجة، وأن الذمة على البراءة، ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه، ولا مطعن عليه، وذلك معدوم في هذه المسألة» (^١).\nوقال ابن المنذر: «الكفارة لا يجوز إيجابها إلا أن يوجبها الله ﷿، أو يثبت عن النبي ﷺ أنه أوجبها، ولا نعلم إلى هذا الوقت حجة توجب ذلك والله أعلم» (^٢).\n_________\n= - عطاء رواه عبدالرزاق (١٢٦٩) بسند صحيح قال: لم أسمع فيه بكفارة معلومة فليستغفر الله. ورواه الدارمي (١٠٩٧، ١١٠٠).\n- ومنهم إبراهيم النخعي، رواه عبدالرزاق بسند صحيح عنه (١٢٦٨).\n- ومنهم ابن أبي مليكة رواه الدارمي (١١٠١).\n- ومنهم القاسم بن محمد، رواه الدارمي عنه (١٠٩٩) بسند صحيح.\nوروى عبد الرزاق (١٢٧٠) والدارمي (١١٠٢) من طريقين عن أيوب عن أبي قلابة، أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في المنام أبول دمًا، قال: أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض، فاستغفر الله ولا تعد.\nولم يدرك أبو قلابة أبا بكر.\nوقال ابن حزم في المحلى (مسألة ٢٦٣): «ومن وطئ حائضًا فقد عصى الله ﷾، وفرض عليه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه في ذلك».\nوقال أيضًا: «إذا لم يصح في إيجاب شيء على واطئ الحائض فماله حرام، فلا يجوز أن يلزم حكمًا أكثر مما ألزمه من التوبة من المعصية التي عمل والاستغفار والتعزير، لقول الرسول ﷺ: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، وقد ذكرناه بإسناده».\n(^١) التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٤٦٦).\n(^٢) الأوسط (٢/ ٢١٢).","vol":"9","page":132},{"text":"وذكر ابن المنذر: بأن القول بأن لا غرم عليه في ماله، ولكن يستغفر الله، هو قول عطاء، وإبراهيم النخعي، ومكحول، وابن أبي مليكة، والشعبي، والزهري، وربيعة، وابن أبي الزناد، وحماد بن أبي سليمان الكوفي، وأيوب السختياني، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوري والشافعي، والنعمان، ويعقوب (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4177>الدليل الثاني:</span>\nدليل نظري، قالوا: إن الجماع في الفرج حال الحيض حرم لعلة الأذى، فلا يوجب ذلك كفارة، كالوطء في الدبر، ومن عصى الله فإن فرضه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه في ذلك.\nوقال ابن حزم: «إذا لم يصح في إيجاب شيء على واطئ الحائض فماله حرام فلا يجوز أن يلزم حكمًا أكثر مما ألزمه الله من التوبة من المعصية التي عمل والاستغفار والتعزير لقول الرسول ﷺ: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده وقد ذكرناه بإسناده» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4178> دليل القائلين باستحباب الكفارة:</span>\nلعل القائلين بالاستحباب ذهبوا إلى ذلك من باب الاحتياط، فإنهم حين رأوا الاختلاف في الحديث والاضطراب في إسناده ومتنه لم يجزموا بالوجوب، وحين رأوا ثبوت ذلك عن ابن عباس من قوله قوي عندهم القول بالاستحباب. واستدل بعضهم على أن الأثر للاستحباب من وجه آخر.\nقال أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي: «إذا ثبت أن أصل الحديث الأمر بالتخيير بين الدينار وبين نصف الدينار، فأرى أن الأمر فيه ليس للوجوب، وإنما هو للندب؛ لأن الأصل في الأمر أن يكون للوجوب على الحقيقة، ولا يكون للندب إلا مجازًا، والمجاز لابد له من قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي، والقرينة هنا في نفس\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٢١٠ - ٢١١).\n(^٢) المحلى (مسألة ٢٦٣).","vol":"9","page":133},{"text":"اللفظ؛ لأن التخيير في المأمور به بين أن يكون قليلًا أو كثيرًا من نوع واحد، يدل على أن الزائد على القليل ليس واجبًا، لأن الدينار الواحد له نصفان، وقد أمر مخيرًا بين أدائه كله، وبين أداء نصف من نصفيه، فإذا أدى النصف كان آتيًا بالمأمور به في أحد شقي الأمر، ولم يأت إلا ببعضه في الشق الآخر وبرئت ذمته بما أتاه من المأمور به، فكان الذي لم يأت به غير واجب عليه، بنفس دلالة اللفظ، فدل لفظ الأمر، على أن بعض مدلوله ليس مرادًا به الوجوب فخرج بذلك عن الحقيقة إلى المجاز، وإذا خرج في بعض مدلوله عن الحقيقة لهذه القرينة القاطعة، خرج في كل مدلوله، لامتناع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معًا، وتحقيق ذلك في موضعه من علم الأصول».اهـ كلام شاكر (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4179> دليل القائلين إن كان الدم كذا فدينار أو كذا فنصف دينار:</span>\nعمدة القائلين في ذلك بأن ذلك قد ورد عن ابن عباس من قوله، وهو صحابي عربي اللسان، ترجمان القرآن وحبر الأمة، وهو أدرى بما روى، وتفسيره مقدم على تفسير غيره.\nوالذي يرجح ذلك أن احتمال كون (أو) في قوله «يتصدق بدينار أو نصف دينار» للشك بعيد، وإن كان قد حصل الشك لبعض الرواة؛ لأن الشريعة في نفسها لا يمكن أن يكون فيها حكم مشكوك فيه، وهي من لدن حكيم خبير، والشك وصف عارض قد يطرأ على الإنسان لضعفه وعجزه، وأما حقيقة الأمر فالشريعة ليس فيها شك.\nوتحتمل أن (أو) للتخيير، فلما احتملت هذا وهذا رأينا أن تفسير ابن عباس في كون (أو) للتنويع هو الفيصل.\n(١٩٢١ - ٣٨١) فقد روى البيهقي، من طريق أبي الجواب، حدثنا سفيان الثوري، عن ابن جريج عن عطاء،\n_________\n(^١) سنن الترمذي (١/ ٢٥٣).","vol":"9","page":134},{"text":"عن ابن عباس، في الرجل يأتي امرأته وهي حائض، قال:\nإن أتاها في الدم تصدق بدينار، وإن أتاها في غير الدم تصدق بنصف دينار (^١).\n[وإسناده حسن، وسبق الكلام عليه عند الكلام على حديث ابن عباس]. وقد توبع ابن جريج ... فقد رواه أبو داود (^٢)، والحاكم (^٣)، والبيهقي (^٤) من طريق علي بن الحكم البناني، عن أبي الحسن الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس موقوفًا عليه.\n[وهذا سند ضعيف، لكنه صالح في المتابعات وسبق الكلام عليه].\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4180> دليل من قال: هو مخير بين دينار ونصف دينار:</span>\nدليلهم أن التفصيل الوارد إن كان الدم كذا فدينار أو كذا فنصف دينار لم يثبت منه شيء مرفوع، وأن القدر المرفوع منه هو\n(١٩٢٢ - ٣٨٢) ما رواه أحمد من طريق شعبة، عن عبد الحكم عن عبد الحميد بن\nعبد الرحمن، عن مقسم،\nعن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو نصف دينار (^٥).\nوليس في الحديث ما يدل على أن (أو) للشك فبقي أنه مخير بين الدينار أو نصف دينار.\nفإن قيل: إن التخيير في الجنس الواحد ينافي الوجوب، فإذا كان مخيرًا بين نصف دينار، وبين إخراج دينار ... لم يكن إخراج الدينار واجبًا.\nوإذا كان الأمر كذلك خرج الأمر من كونه يراد به الوجوب، إذ لا يمكن أن\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ٣١٩)، وانظر تخريج ح: (١٩٢٠).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٦٥).\n(^٣) المستدرك (١/ ١٧٢).\n(^٤) سنن البيهقي (١/ ٣١٨).\n(^٥) المسند (١/ ٢٢٩، ٢٣٠)، وسبق تخريجه، انظر ح: (١٩٢٠).","vol":"9","page":135},{"text":"يكون الأمر في شيء واحد مشتركًا بين الوجوب والاستحباب، فبعضه واجب، وبعضه مستحب.\nأجاب ابن قدامة، بقوله: «فإن قيل: فكيف يخير بين شيء ونصفه؟ قلنا: كما يخير المسافر بين قصر الصلاة وإتمامها، فأيهما فعل كان واجبًا، كذا ها هنا» (^١). وهذا الجواب فيه ما فيه؛ لأن العقوبات لا تقاس على الرخص.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4181> دليل من قال: عليه خمسا دينار:</span>\n(١٩٢٣ - ٣٨٣) ما رواه الدارمي، قال: أخبرنا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي، عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب، قال:\nكان لعمر بن الخطاب امرأة تكره الجماع، وكان إذا أراد أن يأتيها اعتلت عليه بالحيض، فوقع عليها فإذا هي صادقة، فأتى النبي ﷺ فأمره أن يتصدق بخمسي دينار (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4182> دليل من قال: يعتق نسمه أو قال: عليه كفارة من جامع في نهار رمضان:</span>\nلا أعلم لهذين القولين دليلًا، من الكتاب ولا من السنة، ولا من قول صاحب، وإنما نسب القول بإعتاق رقبة لسعيد بن جبير، حكاه ابن المنذر عنه في الأوسط (^٤) ولم أقف على إسناده.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤١٨).\n(^٢) سنن الدارمي (١١١٠).\n(^٣) للانقطاع بين عبد الحميد، وعمر، كما أن فيه اختلافًا في إسناده، فقد قال أبو داود في السنن بعد حديث (٢٦٦) وروى الأوزاعي، عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ قال: أمره أن يتصدق بخمسي دينار. قال أبو داود: وهذا معضل، فهنا أسقط عمر.\nوقال البيهقي في السنن (١/ ٣١٦) رواه إسحاق الحنظلي عن بقية بن الوليد، عن الأوزاعي بهذا الإسناد عن عمر بن الخطاب أنه كانت له امرأة تكره الرجال، فكان كلما أرادها اعتلت بالحيضة.\n(^٤) الأوسط (٢/ ٢١٠).","vol":"9","page":136},{"text":"وحكى القول بكفارة من جامع أهله في نهار رمضان للحسن.\n(١٩٢٤ - ٣٨٤) رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام،\nعن الحسن أنه كان يقيسه بالذي يقع على أهله في رمضان (^١).\n[وهشام في روايته عن الحسن فيها كلام، قيل: إنه كان يرسل عنه].\nورواه الدارمي: وفيه رجل مبهم (^٢).\nوالراجح لي أن من جامع امرأته في فرجها حال الحيض أنه لا يجب عليه شيء، وعليه التوبة والاستغفار، وإن أخرج دينارًا أو نصفه فإنه مستحب لقول ابن عباس، ولا يثبت عندي مرفوعًا عن النبي ﷺ، والله أعلم بالصواب.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (١٢٦٧).\n(^٢) سنن الدارمي (١١٧).","vol":"9","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4183>المبحث الخامس في تصديق الرجل زوجه إذا أخبرته بأنها حائض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل مؤتمن فإنه مصدق فيما يخبر به، ومنه المرأة تخبر بنزول عادتها، أو انقضاء عدتها في مدة يمكن تصديقها.\n[م-٧٧٠] قال ابن نجيم، نقلًا عن السراج الوهاج قال: «إذا أخبرته بالحيض، إن كانت فاسقة لا يقبل قولها، وإن كانت عفيفة يقبل قولها، ويترك وطؤها.\nوقال بعضهم: إن كان صدقها ممكنًا، بأن كانت في أوان حيضها قبلت، ولو كانت فاسقة كما في العدة وهذا القول أحوط وأقرب إلى الورع.\nقال ابن نجيم: فعلم من هذا أنها إذا كانت فاسقة ولم يغلب على ظنه صدقها، بأن كانت في غير أوان حيضها لا يقبل قولها اتفاقًا» (^١).\nقلت: قد يتمكن الزوج من الوقوف على صدقها من كذبها قبل الجماع، والوسائل كثيرة، لأن الحيض أمر محسوس، معلوم بالمشاهدة والرائحة.\n* * *\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٠٧).","vol":"9","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4184>المبحث السادس في كفر من استحل جماع الحائض في فرجها</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل من استباح محرمًا مقطوعًا بحرمته مجمعًا عليه فإنه يكفر إذا كان مثله لا يجهل حكمه.\n[م-٧٧١] قال النووي في المجموع: «أجمع المسلمون على تحريم وطء الحائض، للآية الكريمة، والأحاديث الصحيحة» ثم قال: «قال أصحابنا وغيرهم: من استحل وطء الحائض حكم بكفره، ومن فعله جاهلًا وجود الحيض، أو تحريمه، أو ناسيًا، أو مكرهًا، فلا إثم عليه ولا كفارة» (^١).\nوجزم بكفره من الحنفية السرخسي (^٢)، وابن الهمام (^٣).\nوالدليل على كفره أنه مكذب للقرآن في قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٣٨٩).\n(^٢) المبسوط (٣/ ١٥٢).\n(^٣) فتح القدير (١/ ١٦٦).","vol":"9","page":139},{"text":"وقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» رواه مسلم وسبق تخريجه.\nوجاء في البحر الرائق لابن نجيم، قال: «صحح أنه لا يكفر صاحب الخلاصة، ويوافقه ما نقله أيضًا من الفصل الثاني في ألفاظ الكفر من اعتقد الحرام حلالًا، أو على القلب، يكفر إذا كان حرامًا لعينه، وثبتت حرمته بدليل مقطوع به، أما إذا كان حرامًا لغيره بدليل مقطوع به، أو حرامًا لعينه بأخبار الآحاد لا يكفر إذا اعتقده حلالًا. فعلى هذا لا يفتى بتكفير مستحله لما في الخلاصة أن المسألة إذا كان فيها وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنع، فعلى المفتي أن يميل إلى ذلك الوجه» (^١).\nوالراجح الأول: فكل ما كان مجمعًا على تحريمه، فإن من استحله، ومثله لا يجهل الدليل على التحريم فإنه يُعَلَّم، فإن أصر حكم بكفره.\nوسواء كان الدليل من القرآن أو من السنة المتواترة، أو من أخبار الآحاد ما دام أن التحريم لا خلاف فيه بين العلماء. أما إذا اختلف في تحريمه. فاستحله أحد فلا يكفر، بناء على أن التحريم منازع فيه.\n* * *\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٠٧).","vol":"9","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4185>المبحث السابع جماع الحائض من اللمم وليس من الكبائر</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الكبائر محدودة، وليست معدودة، ولم يصح في الأدلة ما يدخل جماع الحائض في حد الكبيرة.\nفي الشريعة ذنوب مجمع عليها أنها من الكبائر، وهناك ما يسمى اللمم والتي لا يسلم منها أحد.\nوقال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَاّ اللَّمَمَ) [النجم: ٣٢].\nوقال تعالى: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) [النساء: ٣١].\nوقال ﷾: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى: ٣٧].\n[م-٧٧٢] وقد اختلف العلماء في جماع الرجل لزوجته حال الحيض، هل هو ملحق بالكبائر؟\nفقيل: من أتى امرأته وهي حائض عالمًا بالحرمة عامدًا مختارًا فقد ارتكب كبيرة","vol":"9","page":141},{"text":"من كبائر الذنوب، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢).\nوقيل: يأثم ولا يكون مرتكبًا لكبيرة لعدم انطباق تعريف الكبيرة عليه وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4186> دليل الحنفية والشافعية على أن جماع الحائض كبيرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4187>الدليل الأول:</span>\n(١٩٢٥ - ٣٨٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا فصدقه، فقد برئ مما أنزل على محمد.\nوفي رواية: فقد كفر بما أنزل على محمد (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٠٧)، مراقي الفلاح (٥٩).\n(^٢) المجموع (٢/ ٣٨٩).\n(^٣) المبدع (١/ ٢٦٦)، كشاف القناع (١/ ٢٠٠).\n(^٤) المسند (٢/ ٤٠٨).\n(^٥) الحديث أخرجه أبو نعيم في كتاب الصلاة (١٥) ومن طريق أبي نعيم أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢٣) رقم ١٦٨٠٣ والدارمي (١٣٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٤٤)، وفي مشكل الآثار (٦١٣٠).\nوأخرجه الترمذي (١٣٥)، والنسائي في الكبرى (٩٠١٧) من طريق عبد الرحمن بن مهدي وبهز بن أسد،\nورواه أحمد (٢/ ٤٧٦)، وابن ماجه (٦٣٩)، والخلال في السنة (١٤٠١)، والنسائي في السنن الكبرى (٨٩٦٧) عن وكيع، أربعتهم (أبو نعيم، وعبد الرحمن، وبهز، ووكيع) عن حماد بن سلمة به، بلفظ: (فقد كفر بما أنزل على محمد).\nورواه يحيى بن سعيد القطان، واختلف عليه:\nفأخرجه الترمذي (١٣٥)، والنسائي في الكبرى (٩٠١٧) عن بندار، حدثنا يحيى بن سعيد مقرونًا برواية عبد الرحمن بن مهدي وبهز، عن حماد به، بلفظ: (فقد كفر بما أنزل على محمد). =","vol":"9","page":142},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أبو داود (٣٩٠٤) عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن حماد بلفظ: (فقد برئ بما أنزل على محمد).\nوتابعه على هذا اللفظ موسى بن إسماعيل كما في سنن أبي داود (٣٩٠٤)،\nويزيد بن هارون، كما في المنتقى لابن الجارود في المنتقى (١٠٧).\nوعفان كما في مسند أحمد (٢/ ٤٠٨).\nوالنضر بن شميل كما في مسند إسحاق بن راهويه (٤٨٢)\nوروح كما في السنة لأبي بكر الخلال (١٢٥٢)،\nوأبو كامل كما في السنة للخلال (١٤٢٧) ستتهم رووه عن حماد بن سلمة، بلفظ: (فقد برئ بما أنزل على محمد).\nقال البخاري: «لا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة، انظر التاريخ الكبير (٣/ ١٦ - ١٧) وانظر مراسيل العلائي (ص ٢٠١) رقم (٣٠٩).\nوحكيم الأثرم. قال فيه البخاري: حكيم الأثرم عن أبي تميمه الهجيمي، عن أبي هريرة: «من أتى كاهنًا ...» هذا حديث لا يتابع عليه. التاريخ الكبير (٣/ ١٦).\nوقال ابن عدي: يعرف بهذا الحديث وليس له غيره إلا اليسير. الكامل (٢/ ٢١٩).\nوقال النسائي: ليس به بأس. تهذيب الكمال (٧/ ٢٠٧).\nوقال ابن المديني: ثقة عندنا. تهذيب التهذيب (٢/ ٣٨٨).\nوساق ابن أبي حاتم بإسناده، عن محمد بن يحيى النيسابوري، قال: قلت لعلي بن المديني: حكيم الأثرم من هو؟ قال: أعيانا هذا.\nوفي رواية: لا أدري من أين هو؟\nولعله يريد بقوله: (من أين هو) جهالة في بلده، أو في اسم أبيه، لأنه ورد عنه لا أدري بن من هو، وهو ثقة. اهـ انظر: حاشية تهذيب الكمال (٧/ ٢٠٧، ٢٠٨).\nوفي التقريب فيه لين. قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ، وقد روي عن النبي ﷺ قال: (من أتى حائضًا فليتصدق بدينار)، فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة. وضعف محمد -يعني البخاري- هذا الحديث من قبل إسناده».اهـ، وقد ضعف الحديث البخاري كما نقل الترمذي في سننه (١/ ٢٤٣).\nوقال البزار كما في تلخيص الحبير (١/ ٣٧٠) هذا حديث منكر، وحكيم لا يحتج به.\nوقال المناوي في فيض القدير (٦/ ٢٤): «قال البغوي: سنده ضعيف. قال المناوي: وهو كما قال. وقال ابن سيد الناس: فيه أربع علل: التفرد عن غير ثقة، وهو موجب للضعف، وضعف رواته، والانقطاع، ونكارة متنه، وأطال في بيانه. وقال الذهبي في الكبائر: ليس إسناده بالقائم».اهـ","vol":"9","page":143},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (فقد كفر) لا شك أن هذا اللفظ لو صح لفهم منه أنه كبيرة من كبائر الذنوب ...\nوالكفر هنا لا يراد به الكفر المخرج من الملة.\nفقال السرخسي في المبسوط: «(فقد كفر بما أنزل على محمد) مراده: إذا استحل ذلك الفعل» (^١). ولا يظهر لي هذا القيد، لأن الحديث خلا منه.\nوقال المناوي: «ومن لم يستحلها -يعني هذه الأفعال- فهو كافر بالنعمة، على ما مر غير مرة، وليس المراد حقيقة الكفر، وإلا لما أمر في وطء الحائض بالكفارة كما بينه الترمذي (^٢). وعلى هذا فالمراد فقد كفر: أي بالنعمة.\nوقال الترمذي: معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ» (^٣).\nوقيل في معنى الحديث أقوال ساقها النووي في شرحه لصحيح مسلم.\nقال: «أحدها: إن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق.\nالثاني: المراد به كفر النعمة وحق الإسلام.\nالثالث: أنه يقرِّب من الكفر ويؤدي إليه.\nالرابع: أنه فعل كفعل الكفار.\nالخامس: المراد حقيقة الكفر، ومعناه: لا تكفروا بل دوموا مسلمين.\nالسادس: حكاه الخطابي وغيره، أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه.\nقال الأزهري في كتابه «تهذيب اللغة»: يقال للابس السلاح كافر.\n_________\n(^١) المبسوط (٣/ ١٥٢).\n(^٢) فيض القدير (٦/ ٢٤).\n(^٣) سنن الترمذي (١/ ٢٤٣).","vol":"9","page":144},{"text":"والسابع: قاله الخطابي: معناه لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا فقال بعضكم بعضًا. اهـ\nوإطلاق الكفر وإرادة الكفر الأصغر كثير في الشرع.\n(١٩٢٦ - ٣٨٦) فقد روى البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت أبا وائل يحدث،\nعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. وأخرجه مسلم (^١).\n(١٩٢٧ - ٣٨٧) كما أخرج البخاري من طريق أبي زرعة،\nعن جرير، أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: استنصت الناس، فقال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. وأخرجه مسلم (^٢).\nوقتال المسلم ولو كان عدوانًا لا يخرج به المسلم عن الإسلام، ولا يكفر به كفرًا يخرج عن الملة .. قال ﷾: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ...) إلى قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ١٧٨] فلم تنتف الإخوة مع القتل ...\nوقوله سبحانه: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ...) [الحجرات: ٩].\nإلى قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: ١٠].\n(١٩٢٨ - ٣٨٨) ومنها حديث أبي ذر في البخاري من طريق الحسين، عن عبد الله بن بريدة، قال: حدثني يحيى بن يعمر أن أبا الأسود الديلي، حدثه\nعن أبي ذر، أنه سمع النبي ﷺ، يقول: ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه، وهو يعلمه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤).\n(^٢) صحيح البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥).","vol":"9","page":145},{"text":"إلا كفر، ومن ادَّعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار. ورواه مسلم (^١).\n(١٩٢٩ - ٣٨٩) ومنها ما رواه مسلم من طريق الشعبي،\nعن جرير أنه سمعه يقول: أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم. قال منصور: قد والله روي عن النبي ﷺ ولكني أكره أن يروى عني ههنا\nبالبصرة (^٢).\nفالمراد أن الكفر قد يطلق ويراد به كفر لا يخرج عن الملة .. لكن يعد من كبائر الذنوب ... أو من أكبرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4188>الدليل الثاني:</span>\nالدليل الثاني على أن إتيان الحائض كبيرة من كبائر الذنوب.\n(١٩٣٠ - ٣٩٠) ما رواه أحمد: من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم،\nعن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الرجل الذي يأتي امرأته، وهي حائض يتصدق بدينار، أو نصف دينار (^٣).\n[المحفوظ أنه موقوف على ابن عباس].\nوجه الاستدلال:\nأن الفعل لما رتبت عليه عقوبة (كفارة) ... دل على أنه ليس من الصغائر، فكل فعل رتبت عليه عقوبة دنيوية أو أخروية، أو رتب عليه وعيد بغضب أو لعن، أو نحوها فإن هذا دليل على أن الفعل كبيرة، لأن الراجح من أقوال أهل العلم أن الكبائر محدودة وليست معدودة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (٦١).\n(^٢) صحيح مسلم (٦٨).\n(^٣) المسند (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، وسبق تخريجه، انظر ح: (١٩٢٠).","vol":"9","page":146},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4189> دليل الحنابلة بأن وطء الحائض ليس كبيرة:</span>\nقال البهوتي في كشاف القناع: «ووطؤها -أي الحائض- في الفرج ليس بكبيرة، لعدم انطباق تعريفها عليه» (^١).\nفلما لم تصح أدلة القول الأول: (من أتى حائضًا فقد كفر بما أنزل على محمد) لم يكن هذا الفعل داخلًا في حد الكبيرة، والله أعلم.\nوالعجيب أن الحنابلة يرون وجوب الكفارة، وهي عقوبة، ومع ذلك لا يقولون بأنها كبيرة.\nويجيبون عن هذا، بما قاله ابن مفلح الصغير: «إنما شرعت الكفارة زجرًا عن معاودته، ولهذا أغنى وجوبها عن التعزير» (^٢).\nقلت: لو وجبت الكفارة لكانت نوعًا من التعزير؛ لأن التعزير قد يقع على البدن، وقد يقع على المال.\nوالراجح كما اسلفنا أن الكفارة ليست واجبة، وأن جماع الحائض لا يدخل في حد الكبيرة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٢٠٠).\n(^٢) المبدع (١/ ٢٦٦).","vol":"9","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4190>المبحث الثامن في وجوب الكفارة على من جامع الحائض جاهلً أو ناسيًا</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الجاهل في الشريعة يجري مجرى الناسي على الصحيح؛ لعدم تعمد المخالفة، فلا كفارة ولا إثم للعفو عن الخطأ والنسيان ما لم يقصر، وإلا أثم.\n• الجاهل أولى بالمعذرة من الناسي ما لم يقصر في معرفة الحكم.\n• الجهل والنسيان يعذر بهما في حق الله تعالى في المنهيات دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة، ولم يؤمر بالإعادة.\n• كل من علم تحريم شيء، وجهل ما يترتب عليه لم يفده ذلك.\n• إعذار الجاهل من باب التخفيف، لا من حيث جهله؛ إذ لو عذر من أجل جهله لكان الجهل خيرًا من العلم؛ لأنه يحط عن العبد أعباء التكليف.\n[م-٧٧٣] قال ابن قدامة: «على وجهين:\nأحدهما: تجب لعموم الخبر؛ ولأنها كفارة تجب بالوطء أشبهت كفارة -الوطء في الصوم والإحرام- قلت: وهذا هو المشهور عند الحنابلة ثم قال: والثاني: لا تجب؛","vol":"9","page":148},{"text":"لقوله ﵇: «عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان» ولأنها تجب لمحو المأثم، فلا تجب مع النسيان ككفارة اليمين، فعلى هذا لو وطئ طاهرًا فحاضت في أثناء وطئه لا كفارة عليه، وعلى الرواية الأولى عليه الكفارة ..» (^١).\nقلت: الصحيح أن الوطء في الصوم والإحرام كغيره لا يجب على الناسي والجاهل به شيء، فالصحيح لو قلنا بوجوب الكفارة أن الجاهل والناسي لا شيء عليهما بدلالة الكتاب قال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: ٥].\n(١٩٣١ - ٣٩١) وأخرج مسلم من طريق وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث\nعن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: (إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) [البقرة: ٢٨٤]، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ: قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة: ٢٨٦] قال: قد فعلت: (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) قال: قد فعلت. (وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا) [البقرة: ٢٨٦] قال: قد فعلت (^٢).\n(١٩٣٢ - ٣٩٢) وأخرج البخاري من طريق هشام، حدثنا ابن سيرين،\nعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه. وأخرجه مسلم (^٣).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤١٨).\n(^٢) صحيح مسلم (١٢٦).\n(^٣) صحيح البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥).","vol":"9","page":149},{"text":"والاستدلال بهذه الأحاديث أولى من الاستدلال بحديث: عفي لأمتي الخطأ والنسيان؛ للاختلاف في صحته.\nفالناسي والجاهل إذا كان مثله يجهل لا شيء عليهما على القول بوجوب الكفارة.\nوالمقصود بالجاهل من يجهل التحريم، أما إذا كان يعلم بالتحريم، ويجهل الكفارة، فإن ذلك لا يسقط الكفارة عنه. لأنه فعل فعله وهو يعلم أنه محرم.\n* * *","vol":"9","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4191>المبحث التاسع إخراج القيمة في كفارة جماع الحائض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إخراج القيمة في الزكوات والكفارات، هل هو من باب إخراج الواجب، أو بدل الواجب.\n• الأصل إخراج الواجب، ويجوز إخراج القيمة في غير العتق إذا تعذر الواجب، وكذا إذا أخرجت الفضة عن الذهب أو العكس؛ لأن الأثمان مقصودهما واحد، أو كان الباعث على ذلك مصلحة الفقير، والأصل فيه حديث: (ففي خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم يكن فابن لبون ذكر).\n[م-٧٧٤] قال ابن قدامة: «يجزئ نصف دينار من أي ذهب إذا كان صافيًا من الغش، ويستوي تبره ومضروبه لوقوع الاسم عليه، وهل يجوز إخراج قيمته؟\nفيه وجهان:\nأحدهما: يجوز؛ لأن المقصود يحصل بإخراج هذا القدر من المال، على أي صفة كان من المال، فجاز بأي مال كان، كالخراج والجزية.\nوالثاني: لا يجوز؛ لأنه كفارة، فاختص ببعض أنواع المال، كسائر الكفارات،","vol":"9","page":151},{"text":"فعلى هذا الوجه، هل يجوز إخراج الدراهم مكان الدينار؟\nفيه وجهان: بناء على إخراجها عنه في الزكاة، والصحيح جوازه، لما ذكرنا؛ ولأنه حق يجزئ فيه أحد الثمنين، فأجزأ فيه الآخر كسائر الحقوق» (^١).\nواعتبر ابن تيمية في الدينار أن يكون مضروبًا (^٢).\nقال ابن مفلح في الفروع: «وهو أظهر» (^٣).\nوهذا التفريع هو على القول المرجوح الموجب للكفارة.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤١٩).\n(^٢) الاختيارات (ص ٣٤).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٦٢).","vol":"9","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4192>المبحث العاشر في لزوم المرأة كفارة جماع الحائض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• المرأة كالرجل في التكليف إلا بدليل.\n[م-٧٧٥] قال ابن قدامة: «المنصوص أن عليها الكفارة، قال أحمد في امرأة غرت زوجها: إن عليه الكفارة وعليها؛ وذلك لأنه وطء يوجب الكفارة فأوجبها على المرأة المطاوعة ككفارة الوطء في الإحرام.\nوقال القاضي في وجه وجوبها على المرأة وجهان:\nأحدهما: لا يجب؛ لأن الشرع لم يرد بإيجابها عليها، وإنما يتلقى الوجوب من الشرع، وإن كانت مكرهة أو غير عالمه فلا كفارة عليها، لقوله ﵇: عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^١).\nقلت: الأولى في الاستدلال بأن المكره لا شيء عليه بقوله تعالى: (إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) [النحل: ١٠٦] فإذا كان يعذر بالإكراه حتى بالكفر فما دونه من باب أولى.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤١٨).","vol":"9","page":153},{"text":"ولو قلنا بوجوب الكفارة، فالرجل مثل المرأة سواء إن طاوعته وكانت عالمة بالتحريم وجبت عليها الكفارة وإن كانت ناسية أو جاهلة فلا شيء عليها.\n* * *","vol":"9","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4193>الفصل الثاني\nفي طلاق الحائض</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الصحة والبطلان من أحكام الوضع، والإباحة والتحريم من أحكام التكليف، والتحريم لا ينافي الصحة.\n• الأصل في الطلاق أنه يوجب الفرقة من حيث حكمه الوضعي، بصرف النظر عن إباحته أو تحريمه كطلاق الحائض على الصحيح.\n• التحريم دليل على التأثيم، وأما الصحة والبطلان فتطلب من دليل آخر.\n• الربا محرم بالإجماع ووجوب رد الزيادة دليل على صحة العقد، وإلا لوجب الفسخ.\n• النهي عن طلاق الحائض ليس عائدًا لذات الطلاق، وإنما هو معلل بتطويل العدة؛ لأن أيام الحيض لن تحسب من العدة، وهي في الغالب ستة أيام، ومثل هذا لا يمنع الصحة.\n• زيادة عدة المطلقة بالحيض عن غيرها ستة أيام ليست بأطول من طلاق الحامل في أول حملها؛ إذ قد تبلغ عدتها تسعة أشهر، ومع ذلك لم يمنع ذلك من وقوع طلاقها.","vol":"9","page":155},{"text":"[م-٧٧٦] أجمع العلماء على أن طلاق الحائض محرم بدعي مخالف للسنة.\nوإذا طلقها فهل يقع أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك.\nفقيل: يقع مع التحريم. وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: لا يقع، وهو مذهب الظاهرية (^٢)، واختاره ابن تيمية (^٣)، وابن القيم (^٤)، والشوكاني (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4194> أدلة الجمهور على وقوع الطلاق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4195>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن: قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ٢٢٩].\nوقوله تعالى: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠].\nوقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨].\nوجه الاستدلال:\nأن هذه الآيات تدل على وقوع الطلاق مطلقًا في حال الحيض أو الطهر أو\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (٣/ ٩٣)، المبسوط للسرخسي (٦/ ٧، ١٦، ٥٧)، فتح القدير (٣/ ٤٧٣)، تبيين الحقائق (٢/ ١٩٣)، العناية (٣/ ٤٨٠).\nوانظر في مذهب المالكية: مختصر خليل (ص: ١٥٠)، التلقين (١/ ٣١٣)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٢٦٧)، القوانين الفقهية (ص: ١٥٠).\nوانظر في مذهب الشافعية: مغني المحتاج (٣/ ٣٠٧)، المهذب (٢/ ١٠١).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الكافي (٣/ ١٦)، المحرر (٢/ ٥١).\n(^٢) المحلى، (مسألة: ١٩٤٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣٣/ ٦٦).\n(^٤) زاد المعاد (٤/ ٤٣).\n(^٥) الروضة الندية (٢/ ٤٥)، نيل الأوطار (٦/ ٢٦٣).","vol":"9","page":156},{"text":"غيرهما، ولم اخص حالًا دون حال، فوجب أن تحمل الآيات على إطلاقها، ولا يجوز تقييدها إلا بكتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا يوجد ما يخصصها (^١).\n• وأجيب:\nبأن الطلاق إذا أطلق لا يراد به إلا الطلاق الشرعي.\nقال ابن القيم في زاد المعاد: «دعواكم دخول الطلاق المحرم تحت نصوص الطلاق، وشمولها للنوعين إلى آخر كلامكم فنسألكم ما تقولون فيمن ادعى دخول أنواع البيع المحرم والنكاح المحرم تحت نصوص البيع والنكاح، وقال: شمول الاسم الصحيح من ذلك والفاسد سواء، بل وكذلك سائر العقود المحرمة إذا ادعى دخولها تحت ألفاظ العقود الشرعية، وكذلك العبادات المحرمة المنهي عنها إذا ادعي دخولها تحت الألفاظ الشرعية، وحكم لها بالصحة لشمول الاسم لها، هل تكون دعواه صحيحه أو باطلة؟\nفإن قلتم: صحيحة، ولا سبيل لكم إلى ذلك كان قولًا معلوم الفساد بالضرورة من الدين.\nوإن قلتم: دعواه باطلة، تركتم قولكم، ورجعتم إلى ما قلناه.\nوإن قلتم تقبل في موضع وترد في موضع. قيل لكم: فرقوا لنا تفريقًا صحيحًا، مطردًا، ومنعكسًا، معكم به برهان من الله بَيْنَ ما يدخل من العقود المحرمة تحت ألفاظ النصوص، فيثبت له حكم الصحة، وبين ما لا يدخل تحتها فيثبت له حكم البطلان، وإن عجزتم عن ذلك فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يحسن كل أحد مقالتها ومقابلتها بمثلها، أو الاعتماد على من يحتج لقوله لا بقوله، وإذا كشف الغطاء عما قررتموه في هذه الطريق، وجد غير محل النزاع جعلتموه مقدمة في الدليل وذلك عين المصادرة على المطلوب، فهل وقع النزاع إلا في دخول الطلاق المحرم المنهي عليه\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (٤/ ٩٨).","vol":"9","page":157},{"text":"تحت قوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ) [البقرة: ٢٤١].\n(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] وأمثال ذلك. وهل سلم لكم منازعكم ذلك حتى تجعلوه مقدمة لدليلكم» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4196>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٣٣ - ٣٩٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،\nعن عبد الله بن عمر ﵄، أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. وأخرجه مسلم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nفقوله ﷺ: (مره فليراجعها) هذا اللفظ لا نزاع في ثبوته، وثبوت المراجعة دليل على أن الطلاق واقع، وأنه معتد به، والمراجعة بدون وقوع الطلاق محال. وهذا من أقوى الأدلة لهذا القول.\n• وأجيب:\nعن قوله: (فليراجعها) بعدة إقوال:\nمنها: أن المقصود: فليراجعها: أي فليردها إلى بيته، وكان من عادة المطلقة أن تخرج من بيت الزوج، فأمر بإرجاعها.\nوقيل: المقصود: فليراجعها، أي فليراجع بدنها، قال ابن تيمية: «جرت العادة من الرجل إذا طلق امرأته اعتزلها ببدنه، واعتزلته ببدنها، فقال لعمر: مره فليراجعها،\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ٤٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١).","vol":"9","page":158},{"text":"ولم يقل: فليرتجعها، والمراجعة مفاعلة من الجانبين: أي ترجع إليه ببدنها فيجتمعان كما كانا؛ لأن الطلاق لم يلزمه» (^١).\nوقال لي بعض الإخوة في المذاكرة: أن ابن عمر حين توهم وقوع الطلاق خاطبه الرسول ﷺ حسب ظنه وفهمه الخاطئ، فأمره الرسول ﷺ بالمراجعة مع أن الطلاق لم يقع.\nقال ابن القيم: «المراجعة وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاث معان:\nأحدها: ابتداء النكاح، لقوله تعالى: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: ٢٣٠] ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلق ها هنا الزوج الثاني وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول، وذلك نكاح مبتدأ.\nوثالثها: الرد الحسي الذي كان عليها أولًا كقوله لأبي النعمان بن بشير، لما نحل ابنه غلامًا خصه به دون ولده، قال له: رده. فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائرة التي سماها الرسول ﷺ جورًا، وأخبر أنها لا تصلح، وأنها خلاف العدل ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك ورد البيع، وليس هذا الرد مستلزمًا لصحة البيع، فإنه بيع باطل، بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعها كما كانا، وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ورد إلى حالة الاجتماع كما كان قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتة» (^٢).\nولم يذكر المعنى الثاني للمراجعة، لأنها هي الأصل، وهي إرجاع المرأة المطلقة الرجعية إلى عقد الزوجية.\nوقد بين ابن القيم في تهذيب السنن المعنى الثالث للإرجاع .. فقال: «وأما قول النبي ﷺ مره فليراجعها، فهو حجة على عدم الوقوع، لأنه لما طلقها، والرجل من\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٢/ ٣٣).\n(^٢) زاد المعاد (٤/ ٦٤).","vol":"9","page":159},{"text":"عادته إذا طلق امرأته أن يخرجها عنه أمره بأن يراجعها، ويمسكها، فإن هذا الطلاق الذي أوقعه ليس بمعتبر شرعًا، ولا تخرج المرأة عن الزوجية بسببه، فهو كقوله ﷺ لبشير بن سعد في قصة نحله ابنه، وذكر نحوًا مما نقلناه عنه من الزاد. ثم قال: فكذلك أمره برد المرأة ورجعتها لا يدل على أنه لا يكون إلا بعد نفوذ الطلاق، بل لما ظن\nابن عمر جواز هذا الطلاق فأقدم عليه قاصدًا لوقوعه، فرد إليه النبي ﷺ امرأته، وأمره أن يردها، ورد الشيء إلى ملك من أخرجه لا يستلزم خروجه من ملكه شرعًا كما ترد العين المغصوبة إلى مالكها ويقال للغاصب ردها إليه ولا يدل ذلك على زوال ملك صاحبها عنها ..» إلخ كلامه (^١).\nوالحقيقة هذا الجواب من ابن القيم ليس بالذي يشفي الصدر، فلا يزال في النفس شيء، فقوله: إن إطلاق المراجعة على ابتداء النكاح فهي ليست في مسألتنا، والتعبير (أن يتراجعا) يختلف عن قوله: (فليراجعها) فإن الأول مفاعلة من الطرفين؛ لأن ابتداء النكاح لابد فيه من الرضا منهما، والمراجعة حق للزوج ولو لم ترض الزوجة، وأما قوله: إن الرجل من عادته إذا طلق زوجته أن يخرجها عنه، فأمره أن يراجعها، ويمسكها فهذا لا يظن من ابن عمر، وقد كان الطلاق منه بعد سورة الطلاق لقوله ﷺ في الحديث: (فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء)، وقد قال سبحانه في سورة الطلاق: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ) [الطلاق: ١]، وحرص ابن عمر على السنة معلوم، وليس في الحديث ذكر أن ابن عمر قد أخرجها من بيته حتى يقال المراد (فليراجعها) الرد الحسي، وجميع طرق الحديث لم تتعرض لهذا، فاعتقاد أن ابن عمر قد أخرجها من بيته فأمره أن يردها إلى بيته دعوى لا دليل عليها، ولو أخرجها لأنكر الرسول ﷺ إخراجها من بيته، ولم يسأل الرسول ﷺ عمر، هل أخرجها من بيته؟ وسؤال عمر لم يتعرض لهذا، فمن أين أخذ ذلك ابن القيم ﵀ من الحديث؟\n_________\n(^١) تهذيب السنن (٣/ ١٠٠).","vol":"9","page":160},{"text":"وأما قوله في هبة الولد (رده) فهذا على حقيقته، لأنه قد أعطاه إياه فخرج من يده، فاحتاج الأمر إلى رده، وهو استعمال للفظ في حقيقته، فلا دليل فيه على مسألتنا.\nولو أراد الرسول ﷺ بقوله: (فليراجعها) صورة اللفظ ولم يرد الحقيقة الشرعية بمعنى أن يبقيها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق أو أمسك فلماذا يأمر بإمساكها بعد مراجعتها فقد قال له ﷺ: (مره فليراجعها ثم ليمسكها) فالمراجعة رد للمرأة لعصمته، وإمساكها إبقاء لها على عقد الزوجية، والله أعلم.\nأما قول ابن تيمية: بأن المراد فليراجعها: أي لا يعتزل بدنها؛ لأن العادة جرت أن المطلق يعتزل بدن المطلقة، فهو وإن كان من أحسن ما قيل إلا أنه يشكل عليه أنه قال في الحديث: مره فليراجعها، ثم ليمسكها. فالإمساك بعد المراجعة لا يقصد إمساك بدنها، وإنما الإبقاء على عقد الزوجية، وهذا الأمر بالإمساك جاء بعد الأمر بالمراجعة، فلو كانت زوجته لأمكنه إمساكها من غير مراجعة. والله أعلم.\nوأما القول: بأن الرسول ﷺ قال ذلك لابن عمر بناء على ظنه بأن الزوجة قد طلقت فإنه بعيد جدًّا؛ لأن الرسول لا يمكن أن يعطي لفظًا شرعيًا بناءً على فهمٍ باطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4197>الدليل الثالث:</span>\n(١٩٣٤ - ٣٩٤) ما رواه البخاري معلقًا وفي بعض النسخ مسندًا: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: حسبت علي بتطليقة (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٢٥٣). وفي النسخة التي شرحها الحافظ ابن حجر: (حدثنا أبو معمر) قال الحافظ في الفتح كذا في رواية أبي ذر، وهو ظاهر كلام أبي نعيم في المستخرج، وللباقين: (قال\nأبو معمر) وبه جزم الإسماعيلي، ثم قال الحافظ: «وقد أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه مثل ما أخرجه البخاري مختصرًا، وزاد: حين طلق امرأته، سأل عمر النبي ﷺ عن ذلك». وسيأتي استكمال تخريجه عند الكلام على رواية أبي الزبير عن ابن عمر إن شاء الله تعالى.","vol":"9","page":161},{"text":"وجه الاستدلال:\nقول الصحابي ﵁: (حسبت) على البناء للمجهول. وفي عهد النبوة لابد أن يكون الحاسب لذلك هو النبي ﷺ، كقول الصحابي: (أمرت أو نهيت عن كذا)، في عصر الوحي فإن الآمر والناهي هو الرسول ﷺ وأنه مرفوع حكمًا، وعلى أقل أحواله أن يكون ذلك موقوفًا على ابن عمر. وهو صاحب القصة، وهو راوي الحديث فإذا قال: إنها حسبت عليَّ تطليقة كان ذلك مقدمًا على قول غيره، كما أنه حين اختلف ابن عباس وميمونة، هل تزوجها رسول الله ﷺ وهو محرم أو وهو حلال قدم قول ميمونة لكونها صاحبة القصة. فكذلك هنا.\nبل قال الحافظ في الفتح: «لاينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابي: (أمرنا بكذا) فإن ذلك محله حيث يكون اطلاع النبي ﷺ على ذلك ليس صريحًا، وليس كذلك في قصة ابن عمر، فإن النبي ﷺ هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد\nلابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي ﷺ بعيدًا جدًّا مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك، وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئًا برأيه وهو ينقل أن النبي ﷺ تغيظ من صنيعه، كيف لم يشاوره فيما يفعل» (^١).\nوحاول ابن القيم أن يرد الحديث باحتمال فيه غرابة، فقال ﵀ في تهذيب السنن: «لم يذكر فاعل الحساب، فلعل أباه حسبها بعد موت النبي ﷺ في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، وحسبه عليهم اجتهادًا منه ومصلحة رآها للأمة، لئلا يتتابعوا في الطلاق المحرم، فإذا علموا أنه يلزمهم وينفذ عليهم أمسكوا عنه» (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري (٩/ ٤٤٢) ح ٥٢٥٣.\n(^٢) تهذيب السنن (٣/ ١٠٢).","vol":"9","page":162},{"text":"وتعقبه الحافظ ابن حجر في الفتح، فقال: «غفل ﵀ عما ثبت في صحيح مسلم من رواية أنس بن سيرين، على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبي ﷺ ولفظه: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق، فقال: طلقتها وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ، فقال: مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها. قال: فراجعتها، ثم طلقتها لطهرها. قلت: فاعتددت بتلك التطليقة. فقال: ما لي لا أعتد بها، وإن كنت عجزت واستحمقت.\nوعند مسلم أيضًا من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سالم في حديث الباب: وكان عبدالله بن عمر طلقها تطليقة. فحسبت من طلاقها، فراجعها كما أمره رسول الله ﷺ ...» إلخ ما ذكره في الفتح ﵀ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4198>الدليل الرابع:</span>\nأن مذهب ابن عمر الاعتداد بالطلاق في الحيض، وهو صاحب القصة، وأعلم الناس بها، ومن أشدهم اتباعًا للسنن، وتحرجًا من مخالفتها.\nوإليك الأدلة على كون ابن عمر يرى أنها حسبت عليه بتطليقة. وأنه يرى وقوع طلاق الحائض.\n(١٩٣٥ - ٣٩٥) منها ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت يونس بن جبير، قال:\nسمعت ابن عمر يقول: طلقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له. فقال ﷺ: ليراجعها، فإذا طهرت، فإن شاء فليطلقها. قال: فقلت لابن عمر، احتسبْتَ بها؟ قال: ما يمنعه، أرأيت إن عجز واستحمق. وهو في البخاري وليس فيه قوله: (ما يمنعه) وإنما فيه: (أرأيت إن عجز واستحمق) (^٢).\n_________\n(^١) الفتح (٩/ ٤٤٤) ح ٥٢٥٣.\n(^٢) صحيح مسلم (١٠ - ١٤٧١) البخاري (٥٢٥٨)، ومسلم (٥٣٣٣).","vol":"9","page":163},{"text":"ورواه أحمد، من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.\nوفيه: (فقلت لابن عمر: أيحسب طلاقه ذلك طلاقًا؟ قال: نعم. أرأيت إن عجز واستحمق) (^١).\n[وسنده صحيح].\n(١٩٣٦ - ٣٩٦) وفي رواية لمسلم، من طريق عبد الملك، عن أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق؟ فقال: طلقتها وهي حائض، فذكر ذلك لعمر، فذكره للنبي ﷺ فقال: مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها. قال: فراجعتها، ثم طلقتها لطهرها، قلت: فاعتددت بتلك التطليقة التي طلقت وهي حائض. قال: ما لي لا أعتد بها، وإن كنت عجزت واستحمقت (^٢).\nورواه البخاري، ومسلم، من طريق شعبة، عن أنس بن سيرين به. وفيه: قلت تحتسب قال: فمه؟ .\nوفي لفظ مسلم: أفاحتسبت بتلك التطليقة؟ قال: فمه (^٣).\nقال البغوي: «(أرأيت إن عجز واستحمق) معناه: أرأيت إن عجز واستحمق أيسقط عنه الطلاق حمقه، أو يبطله عجزه؟ فهذا من باب المحذوف المدلول عليه بالفحوى» (^٤).\nقلت: قوله (عجز) أي عن الصبر عن الطلاق حتى تطهر فيوقع الطلاق في زمن الطهر، ودفعه عجزه عن الصبر إلى وقوع الطلاق في زمن الحيض.\nوقوله: (واستحمق) أي فعل فعل الأحمق بمخالفة المشروع فعجزه واستحماقه لا يمنع وقوع طلاقه.\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٤٣).\n(^٢) صحيح مسلم (١١ - ١٤٧١).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٢٥٢) ومسلم (١٢ - ١٤٧١).\n(^٤) شرح السنة (٩/ ٢٠٤).","vol":"9","page":164},{"text":"وقال ابن حجر: «قوله: فمه؟ أصله: فما، وهو استفهام فيه اكتفاء: أي فما يكون إن لم تحتسب، ويحتمل أن تكون الهاء أصلية، وهي كلمة تقال للزجر: أي كف عن هذا الكلام فإنه لابد من وقوع الطلاق بذلك.\nقال ابن عبد البر: قول ابن عمر (فمه) معناه فأي شيء يكون إذا لم يعتد بها؟ إنكارًا لقول السائل: أيعتد بها، فكأنه قال: وهل من ذلك بد (^١).\nوقوله: (أرأيت إن عجز واستحمق) أي إن عجز عن فرض فلم يقمه، أو استحمق فلم يأت به أيكون ذلك عذرًا له؟\nوقال الخطابي: في الكلام حذف: أي أرأيت إن عجز واستحمق أيسقط عنه الطلاق حمقه أو يبطله عجزه؟ وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه».اهـ\nوقد روى مسلم، من طريق الزبيدي، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله،\nعن عبد الله بن عمر، وفيه: قال ابن عمر: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها (^٢).\nوقد كان نافع وسالم وهما أحفظ من روى عن ابن عمر وأثبت من روى عنه، كانا إذا سئلا عن التطليقة التي فعلها ابن عمر هل اعتد بها قالا: نعم.\nفقد روى مسلم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال: طلقت امرأتي على عهد رسول الله وهي حائض فذكر الحديث وفي آخره: قال عبيد الله قلت لنافع: ما صنعت تلك التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها (^٣).\nورواه مسلم من طريق محمد (وهو ابن أخي الزهري)، عن عمه (ابن شهاب)، عن سالم بن عبد الله،\nأن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض. فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ\n_________\n(^١) الفتح (٥٢٥٣).\n(^٢) صحيح مسلم (١٤٧١).\n(^٣) صحيح مسلم (٢ - ١٤٧١).","vol":"9","page":165},{"text":"فتغيظ رسول الله ﷺ .. وذكر الحديث وفي آخره: وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله كما أمره رسول الله ﷺ (^١).\nومن الأدلة على أن ابن عمر يرى وقوع طلاق الحائض، أنه كان يفتي أنه من طلق امرأته ثلاثًا في الحيض لم تحل له، ولو جاز أن تكون الطلقة الواحدة في الحيض لا يعتد بها لكانت الثلاث أيضًا لا يعتد بها قاله ابن عبد البر في التمهيد، وقال: «وهذا مما لا إشكال فيه عند كل ذي فهم».اهـ (^٢).\nقلت: والدليل على ما قاله ابن عبد البر\n(١٩٣٧ - ٣٩٧) ما رواه مسلم، قال: حدثني زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع،\nأن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ فأمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض يقول: أما أنت طلقتها واحدة أو اثنتين إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها، وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت ربك في أمرك به من طلاق امرأتك وبانت منك. وهو في البخاري من طريق الليث عن نافع (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4199>الدليل الخامس:</span>\n(١٩٣٨ - ٣٩٨) ما رواه الدارقطني، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، أخبرنا الحسن بن سلام، أخبرنا محمد بن سابق، أخبرنا شيبان، عن فراس، عن الشعبي، قال:\nطلق ابن عمر امرأته واحدة، وهي حائض، فانطلق عمر إلى رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤ - ١٤٧١).\n(^٢) التمهيد كما في فتح البر (١٠/ ٤٧٢).\n(^٣) صحيح مسلم (٣ - ١٤٧١)، البخاري (٥٣٣٢).","vol":"9","page":166},{"text":"فأخبره، فأمره أن يراجعها ثم يستقبل الطلاق في عدتها، وتحتسب بهذه التطليقة والتي طلق أول مرة (^١).\n[حسن] (^٢).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (٤/ ١١).\n(^٢) وقد أخرجه البيهقي (٧/ ٣٢٦) من طريق أحمد بن زهير بن حرب، عن محمد بن سابق به.\nوشيخ الدارقطني عثمان بن أحمد الدقاق ثقة مأمون، انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٣٠٢، ٣٠٣)، وشيخه الحسن بن سلام قال الدارقطني عنه كما في تاريخ بغداد (٧/ ٣٢٦): ثقة صدوق، وانظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٩٢).\nومحمد بن سابق روى له البخاري حديثًا واحدً في الوصايا وقد تابعه عليه عنده عبيد الله بن موسى، عن شيبان، وروى له مسلم الباقون إلا ابن ماجه.\nوقال فيه النسائي: ليس به بأس. تهذيب الكمال (٢٥/ ٢٣٣)، وتهذيب التهذيب (٩/ ١٥٤).\nوقال يعقوب بن شيبة: كان شيخًا صدوقًا ثقة، وليس ممن يوصف بالضبط للحديث. تهذيب التهذيب (٩/ ١٥٤)، تاريخ بغداد (٥/ ٣٣٨).\nوقال ابن العباس بن عقدة: سمعت محمد بن صالح يعني كيلجه، وذكر محمد بن سابق فقال: كان خيارًا لا بأس به. تهذيب الكمال (٢٥/ ٢٣٣)، وتهذيب التهذيب (٩/ ١٥٤)، تاريخ بغداد (٥/ ٣٣٨).\nوقواه أحمد: هدي الساري (ص ٦١٣).\nوقال ابن معين: ضعيف، كما في رواية ابن خيثمة. الجرح والتعديل (٧/ ٢٨٣).\nوفي التقريب: صدوق، وقال الذهبي: هو ثقة عندي. الميزان (٣/ ٥٥٥).\nوفراس: قال الحافظ ابن حجر: «صاحب الشعبي مشهور، وثقه أحمد، ويحيى بن معين، والنسائي، والعجلي وابن عمار وآخرون.\nوقال يعقوب بن شيبة: ثقة في حديثه لين. وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان: ما أنكرت من حديثه إلا حديث الاستبراء. قلت: كفى بها شهادة من مثل ابن القطان، وقد احتج به الجماعة، وحديثه في الاستبراء لم يخرجه الشيخان».اهـ كلام الحافظ. هدي الساري (ص ٦٠٨).\nفالحديث إسناده حسن، وقول الشعبي طلق ابن عمر امرأته هل هي على الاتصال بحيث يقال: إن التابعي إذا كان قد أدرك الصحابي، وروى قصة حدثت لهذا الصحابي مع رسول الله ﷺ فهي على الاتصال، كما لو حدث نافع بقصة حدثت لابن عمر مع رسول الله ﷺ فلا يقال: إن هذا مرسل، أو يقال: إن الشعبي لم يذكر أنه سمعه من ابن عمر، بل ذكر قصة وقعت في وقت الرسول ﷺ وهو لم يدركها، ولم يذكر الواسطة، فهي من صور الإرسال، فيها خلاف، إلا أن الشعبي لم ينفرد بذكر مثل هذه القصة، فقد روى مثلها نافع، وسالم عن ابن عمر، والله أعلم.","vol":"9","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4200>الدليل السادس:</span>\n(١٩٣٩ - ٣٩٩) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر، أن رجلًا أتى عمر، فقال: إني طلقت امرأتي البتة، وهي حائضة، فقال عمر: عصيت ربك، وفارقت امرأتك، فقال الرجل: فإن رسول الله ﷺ أمر\nابن عمر حين فارق امرأته أن يراجعها، فقال عمر إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجع بطلاق بقي له، وإنه لم يبق لك ما ترتجع به امرأتك.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث بهذا اللفظ عن عبيد الله بن عمر إلا سعيد بن عبد الرحمن تفرد به الترجماني (^١).\n[حسن، وله شاهد من قول ابن عمر] (^٢).\n_________\n(^١) الأوسط (٨٠٢٩).\n(^٢) موسى بن هارون الحمال.\nقال عبد الغني بن سعيد الحافظ: أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة: علي ابن المديني في وقته، وموسى بن هارون الحمال في وقته، والدارقطني في وقته. تاريخ بغداد (١٣/ ٥٠)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٦٩).\nوقال الخطيب: كان ثقة عالمًا حافظًا. انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٥٠).\nوقال الذهبي: الحافظ، الإمام الحجة، محدث العراق. تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٦٩).\nوذكره الحافظ تمييزًا، وقال: ثقة حافظ كبير. كما في التقريب.\n-إسماعيل بن إبراهيم الترجماني.\nقال يحيى بن معين: ليس به بأس، كما في رواية أحمد بن حنبل عنه. وقال أبو حاتم: شيخ. الجرح والتعديل (٢/ ١٥٧).\nوقال أبو داود والنسائي: ليس به بأس. تهذيب الكمال (٣/ ١٣) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٣٧).\nوقال ابن سعد: كان صاحب سنة، وفضل وخير. الطبقات الكبرى (٧/ ٣٨٥).\nووثقه ابن قانع، وابن حبان تهذيب التهذيب (١/ ٢٣٧)، ثقات ابن حبان (٨/ ١٠١). =","vol":"9","page":168},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الذهبي: صدوق. الكاشف. (٣٤٦).\nوفي التقريب: لا بأس به.\n- سعيد بن عبدالرحمن الجمحي، من رجال مسلم.\nقال ابن معين: ثقة. الجرح والتعديل (٤/ ٤١)، الكامل (٣/ ٣٩٩).\nقال فيه أحمد: ليس فيه بأس. كان قاضي عسكر المهدي. الجرح والتعديل (٤/ ٤١).\nوفي رواية أبي داود عنه: ليس به بأس، حديثه مقارب. تهذيب الكمال (١٠/ ٥٢٨).\nوقال النسائي: لا بأس به. تهذيب الكمال (١٠/ ٥٢٨)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٠).\nوقال أبو حاتم الرزاي: صالح. الجرح والتعديل (٤/ ٤١).\nوقال العجلي: ثقة. ثقات العجلي (٤/ ٤٠٢).\nووثقه ابن نمير، وموسى بن هارون، والعجلي، والحاكم أبو عبدالله. تهذيب التهذيب (٤/ ٥٠).\nوقال يعقوب بن سفيان: لين الحديث. المرجع السابق.\nوقال ابن حبان: يروي عن عبيد الله بن عمر، وغيره من الثقات أشياء موضوعة، يتخايل إلى من سمعها أنه كان المعتمد لها. المجروحين (١/ ٣٢٣).\nوعلق الذهبي متعقبًا: «وأما ابن حبان، فإنه خساف قصاب».\nوفي التقريب: صدوق، له أوهام وأفرط ابن حبان في تضعيفه. اهـ.\nوالحديث رواه الدراقطني (٤/ ٨٠٧)، والبيهقي (٧/ ٣٣٤) من طريق إسماعيل بن إبراهيم به.\nوقال الهيثمي (٤/ ٣٣٥) رجاله رجال الصحيح، خلا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، وهو ثقة.\nويشهد لكلام عمر ما صح عن ابنه، فقد روى أحمد (٢/ ٦) والنسائي (٣٥٥٧)، والدارقطني (٤/ ٢٨)، والبيهقي (٧/ ٣٦٧) عن إسماعيل بن علية،\nورواه أحمد أيضًا (٢/ ٦٤) حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، كلاهما عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر طلق امرأته تطليقة وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ فأمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها، قال: وتلك العدة التي أمر الله ﷿ أن يطلق لها النساء، فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض، فيقول: أما أنا فطلقتها واحدة، أو اثنتين، ثم إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها، وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت الله ما أمرك من طلاق امرأتك وبانت منك.\nومن طريق أيوب أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٥٤) ومسلم (٨ - ١٤٧١) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٣) إلا أنهم اقتصروا على القدر المرفوع منه.\nوأخرجه أحمد (٢/ ١٢٤)، والبخاري (٥٣٣٢)، ومسلم (١/ ١٤٧١)، وأبو داود (٢١٨٠)، والبيهقي (٧/ ٣٢٤) من طرق عن الليث، عن نافع به.","vol":"9","page":169},{"text":"قال الدارقطني: قال لنا أبو القاسم: روى هذا الحديث غير واحد ولم يذكر فيه كلام عمر، ولا أعلمه روى هذا الكلام غير سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (^١).\nقلت: الرواة الذين رووا الحديث عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر في قصة طلاقه امرأته وهي حائض، هذا حديث، وحديثنا هذا حديث آخر ليس فيه ذكر قصة طلاق ابن عمر، وإنما هو في قصة رجل طلق امرأته وأبانها وهي حائض، فاستفتى عمر وأفتى له بأنه قد أبان امرأته، وحين ذكر له قصة ابن عمر معترضًا بها على فتوى عمر، أخبره عمر بأن ابن عمر قد حسبت طلقته، ولكنه قد بقي له من طلاقها فالحديث في قصتين مختلفتين عندي، فلا يقال الرواة الذين رووا هذا الحديث عن عبيد الله لم يذكروا فيه كلام عمر، نعم لو كانت القصة واحدة في الحديثين، ثم زاد فيها سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، لكانت زيادته قد يحكم لها بالشذوذ إذا خالفت من هو أوثق منه، والله أعلم، إلا أن يقال: تفرد سعيد بن عبد الرحمن الجمحي بهذه القصة عن بقية تلاميذ أصحاب عبيد الله يجعلها شاذة، فإن عبيد الله بن عمر لو كانت هذه القصة من حديثه لرواها أكابر أصحابه، ولَمَا غفلوا عن ذكرها، والمتقدمون من أئمة الحديث ربما أعلوا الحديث بمثل هذا إذا كان المتن مما يستنكر، وأما إن كان المتن مستقيمًا قبلوه، بخلاف المتأخرين فلا يعتبرون التفرد من الثقة علة في الحديث مطلقًا. على أن عناية المحدثين بالآثار المرفوعة أكثر من عنايتهم بالآثار الموقوفة، والتفرد بالآثار كثير، بخلاف المرفوع؛ وما وقع للرجل من طلاق امرأته ملحق بالآثار، وليس بالسنة المرفوعة، وقصة ابن عمر لم تكن مقصودة في هذا الأثر إلا على سبيل الاستفهام من الفتوى، والله أعلم.\nوفي القصة دليل من وجه آخر: وهو أن عمر بن الخطاب ﵁، وهو من الخلفاء الراشدين يرى وقوع طلاق الحائض، وهو الذي راجع رسول الله ﷺ في\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (٤/ ٨).","vol":"9","page":170},{"text":"طلاق ابن عمر، وكان الرسول ﷺ قد كلفه أن يبلغ ابنه بمراجعة زوجته، فيبعد أن يفهم عمر وابنه فهمًا غير مراد لرسول الله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4201>الدليل السابع:</span>\n(١٩٤٠ - ٤٠٠) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له فجعلها واحدة (^١).\n[جميع رجاله ثقات، إلا أني أخشى أن يكون الحديث لما اختصر روي بالمعنى، فقد رواه جماعة عن نافع، ولم يذكروا ما ذكره ابن أبي ذئب إلا أنه قد توبع، فقد تابعه ابن جريج عن نافع] (^٢).\n_________\n(^١) مسند الطيالسي (٦٨).\n(^٢) والحديث رواه البيهقي (٧/ ٣٢٦) من طريق أبي داود الطيالسي،\nورواه الدارقطني (٤/ ٩) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق وابن أبي ذئب عن نافع به.\nوفي الفتح (٥٢٥٣) قال الحافظ بعد ذكره لهذه الرواية، وقد أخرج ابن وهب في مسنده عن ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبره أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي ﷺ وهي واحدة. قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه عن النبي ﷺ بذلك.\nفهؤلاء الثلاثة رووه عن ابن أبي ذئب: أبو داود الطيالسي، ويزيد بن هارون وابن وهب.\nوقد رواه جماعة عن نافع به، بغير لفظ ابن أبي ذئب إلا أن يكون حديث ابن أبي ذئب حديثًا آخر ولا إخاله فقد رواه مالك، وعبيد الله بن عمر، والليث، وأيوب، وغيرهم، عن نافع عن ابن عمر مطولًا، ولم يذكروا فيه ما ذكره ابن أبي ذئب عن نافع (فجعله واحدة) إلا أن متابعة ابن جريج عن نافع به ... ورواية الشعبي عن ابن عمر مرفوعًا، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عمر تبعد احتمال شذوذ ابن أبي ذئب، وإليك ألفاظهم.\nالأول: مالك عن نافع: =","vol":"9","page":171},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٥٧٦) عن نافع أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ: مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.\nومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٥٢) والبخاري (٥٢٥١) ومسلم (١٤٧١) وأبو داود (٢١٧٩) والنسائي (٣٣٩٠) والدارمي (٢٢٦٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٣) والبيهقي في السنن (٧/ ٣٢٣) والبغوي في شرح السنة (٢٣٥١).\nالطريق الثاني: عبيد الله بن عمر عن نافع:\nأخرجه أحمد (٢/ ٥٤): حدثنا يحيى، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ فاستفتاه فقال: مر عبد الله فليراجعها حتى تطهر من حيضتها هذه، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليفارقها قبل أن يجامعها أو ليمسكها، فإنها العدة التي أمر أن تطلق لها النساء.\nوقد أخرجه النسائي (٣٣٨٩) وابن حبان (٤٢٦٣) من طريق يحيى بن سعيد به.\nوقد أخرجه الطيالسي (١٨٥٣) وابن أبي شيبة (١٧٧٢٤) ومسلم (٢ - ١٤٧١) والنسائي (٣٣٩٦) وابن ماجه (٢٠١٩) وابن الجارود في المنتقى (٧٣٤) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٤) وابن حبان (٤٢٦٣) والدارقطني (٤/ ٧، ٨، ١١) من طرق عن عبيد الله بن عمر به.\nالطر يق الثالث: أيوب عن نافع:\nرواه أحمد (٢/ ٦) والنسائي (٣٥٥٧)، والدارقطني (٤/ ٢٨)، والبيهقي (٧/ ٣٦٧) عن إسماعيل بن علية،\nورواه أحمد أيضًا (٢/ ٦٤) حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، كلاهما عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر طلق امرأته تطليقة وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ فأمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها، قال: وتلك العدة التي أمر الله ﷿ أن يطلق لها النساء، فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض، فيقول: أما أنا فطلقتها واحدة، أو اثنتين، ثم إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها، وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت الله ما أمرك من طلاق امرأتك وبانت منك.\nومن طريق أيوب أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٥٤) ومسلم (٨ - ١٤٧١) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٣) إلا أنهم اقتصروا على المرفوع منه.\nالطريق الرابع: الليث عن نافع. =","vol":"9","page":172},{"text":"(١٩٤١ - ٤٠١) فقد أخرجه الدارقطني، قال: أخبرنا أبو بكر، يعني النيسابوري أخبرنا عياش بن محمد، نا أبو عاصم، عن ابن جريج عن نافع\nعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: هي واحدة (^١).\n[رجاله ثقات] (^٢).\n_________\n= أخرجه أحمد (٢/ ١٢٤) حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن نافع أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض تطليقه واحدة، على عهد رسول الله ﷺ، فقال عمر: يا رسول الله إن عبد الله طلق امرأته تطليقه واحدة وهي حائض، فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها، ويمسكها حتى تطهر، ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء، وكان عبد الله إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين، فإن رسول الله ﷺ أمرني بها، فإن كنت طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت الله تعالى فيما أمرك من طلاق امرأتك.\nوأخرجه أحمد (٢/ ١٢٤)، والبخاري (٥٣٣٢)، ومسلم (١/ ١٤٧١)، وأبو داود (٢١٨٠)، والبيهقي (٧/ ٣٢٤) من طرق عن الليث به.\n(^١) سنن الدارقطني (٤/ ١٠).\n(^٢) وعكس العلامة أحمد شاكر فاستدل بالحديث على عدم وقوع الطلاق، فقال في كتابه (نظام الطلاق في الإسلام) (ص: ٣٠): «ومن الغريب أن هذه الروايات ذكرت في معرض الاستدلال على وقوع الطلقة التي كانت في الحيض! وفهموا من قوله: (وهي واحدة) أن الضمير يعود إلى تلك الطلقة! ! حتى إن ابن حزم وابن القيم لم يجدا لهما مخلصًا من هذه الحجة إلا أن يزعما أن الكلمة في السياق محتملة أن لا تكون من كلام النبي ﷺ: أي كأنها مدرجة من الراوي، أو يتأولاها بتأول غير جيد، مع أن سياق الكلام صريح في أنها من الحديث المرفوع، وخاصة رواية الدارقطني من طريق يزيد بن هارون. والصحيح الواضح أن قوله: هي واحدة إنما يراد به الطلقة التي ستكون في الطهر الثاني في قبل العدة؛ لأنه أقرب مذكور إلى الضمير، بل إنه لم يذكر غيرها في اللفظ النبوي الكريم، وطلقة الحيض أشير إليها فيه فقط، وفهمت من سياق الكلام، فلا يمكن أن يعود الضمير إليها، ويكون معنى قوله: (هي واحدة) إن طلق كما أمر كانت طلقة واحدة، ولا تكون طلقة ثانية، لعدم الاعتداد بالأولى التي كانت لغير العدة، فتكون هذه الرواية مؤيدة لرواية أبي الزبير، ودليل على بطلان الطلاق في الحيض».اهـ\nوهذا الذي ذكره أحمد شاكر لا يؤيد عليه؛ لأن الطلقة الثانية لم تقع، وقد أشار الرسول إلى أنها =","vol":"9","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4202>الدليل الثامن:</span>\n(١٩٤٢ - ٤٠٢) ما رواه الدارقطني، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، أخبرنا\nعبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا بشر بن عمر، أخبرنا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر، وذكر الحديث.\nوفيه: فقال عمر: يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم (^١).\n[حسن] (^٢).\nفتبين من هذه الأدلة أن الاستدلال على وقوع الطلاق كالآتي:\n١ - قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «مره فليراجعها» وحمله على الرد الحسي أي إرجاعها إلى بيته لا يقبل.\nأولًا: أن اللفظ إذا جاء عن الشارع وكان له حقيقة شرعية، فإنها مقدمة على الحقيقة اللغوية والعرفية.\nثانيًا: لم يسأل رسول الله ﷺ هل أخرجها ابن عمر من بيته حتى يطلب منه إرجاعها إلى البيت.\nثالثًا: أن وقوع الطلاق من ابن عمر بعد نزول سورة الطلاق، وبعد النهي\n_________\n= غير لازمة بقوله: إن شاء أمسك وإن شاء طلق، فكون الرسول يعتبرها واحدة لطلقة لم يعلم وقوعها بعد، ويترك طلقة قد وقعت في الحيض بعيد جدًّا، بل إن اللفظ عند أبي داود الطيالسي لم يتعرض للطلقة الثانية، ولفظه: عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له، فجعلها واحدة. اهـ فلم يشر في الحديث إلى الطلقة الثانية.\n(^١) سنن البيهقي (٤/ ٥).\n(^٢) والدقاق وإن كان قد روى عن عبد الملك بعد تغيره، إلا أنه قد توبع، تابعه أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه عند البيهقي في السنن (٧/ ٣٢٦).\nوقد رواه البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن ابن عمر سأل النبي ﷺ فذكر نحوه، واستشهد به الدارقطني على صحة الأثر السابق.","vol":"9","page":174},{"text":"الصريح عن إخراج المطلقة من بيت الزوجية: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ) [الطلاق: ١]، ولا نظن بابن عمر مخالفة السنة، ولو ثبت أن ابن عمر أخرجها من بيتها منعنا هذا الاحتمال لأن ابن عمر غير معصوم، ولكنه لم يثبت، فكيف يحمل اللفظ على أمر لم يتعرض له في الحديث البتة وعلى التنزل أن يقال: إن لفظ: (مره فليراجعها) يحتمل المراجعة الشرعية ويحتمل المراجعة الحسية، فإذا حملنا هذا اللفظ المتشابه، على بقية الألفاظ، وهو كون ابن عمر روى عنه مرفوعًا وموقوفًا، أنها حسبت عليه طلقة، تَعَيْن أن قولها: (مره فليراجعها) المراد به المراجعة الشرعية لا غير، مع أنه من المسلم أنه إذا ورد لفظ له حقيقتان: شرعية ولغوية، قدمت الحقيقة الشرعية؛ لأن الكلام ورد على لسان الشارع، ومثله الصلاة والصيام وغيرهما مما له حقيقتان.\n٢ - ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: حسبت على بتطليقة، وهو في البخاري في بعض النسخ معلقًا، وفي بعضها مسندًا (^١)، والمعلق بالنظر إلى من أسنده فهو صحيح.\nوأما قولهم: لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ. فقد أجبت عليه فيما سبق، وأن قوله: (حسبت علي بتطليقة) أبلغ من قوله: (أمرنا، ونهينا).\n٣ - ثبت عن ابن عمر مرفوعًا أن النبي ﷺ عدها واحدة منها رواية الشعبي عن ابن عمر بسند حسن وقد تقدم ذكرها.\nومنها رواية أبي داود الطيالسي بسند رجاله رجال الشيخين، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا ... وتابع أبا داود الطيالسي يزيد بن هارون وابن وهب.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٢٥٣).","vol":"9","page":175},{"text":"ومنها رواية ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، عند الدارقطني.\n٤ - ما ثبت عن ابن عمر موقوفًا عليه من طرق أنه عدها طلقة، وراوي القصة قوله مقدم على قول غيره، وقد أنكر على من سأله هل احتسبت عليه طلقة كيف لا تحتسب.\nومنها: رواية يونس بن جبير، عن ابن عمر في الصحيحين.\nومنها: رواية أنس بن سيرين في الصحيحين.\nومنها: رواية سالم عن أبيه عند مسلم، قال ابن عمر: «فراجعتها وحُسِبَت لها التطليقة التي طلقتها.\nوكان نافع وسالم يرون أن الطلقة التي وقعت من ابن عمر حسبت عليه، وهما من أجل من روى عن ابن عمر، وقولهما ثابت في صحيح مسلم.\n٥ - ذكرت أن عمر يرى وقوع طلاق الحائض، وقد كان هو الذي راجع رسول الله ﷺ بطلاق ابن عمر لزوجته، وعلم إنكار الرسول ﷺ على ابن عمر فعله، ونقل كلام الرسول ﷺ لابنه عبد الله، فهل يظن من عمر وابنه أن يفهما خلاف ما يريد الرسول ﷺ؟\n٦ - لا يعلم لعمر ولا لابن عمر ﵄ مخالف من الصحابة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4203> أدلة القائلين بأن طلاق الحائض لا يقع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4204>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن الكريم: قال تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ٢٢٩].\nوجه الاستدلال من الآية من وجهين:\nالأول: قال الشوكاني في نيل الأوطار: لم يرد -يعني الطلاق- إلا المأذون فيه،","vol":"9","page":176},{"text":"فدل على أن ما عداه ليس بطلاق لما في هذا التركيب الصيغة الصالحة للحصر، أعني تعريف المسند إليه باللام الجنسية (^١).\nالوجه الثاني: قال ابن القيم في زاد المعاد: أن الله ﷾ إنما أمر بالتسريح بإحسان، والتسريح المحرم أمر ثالث غيرهما فلا عبرة به البتة (^٢).\n• وأجيب:\nبأن الآية ليست في موضع النزاع، وليست الآية مسوقة هنا لبيان الوقت الذي يجوز فيه الطلاق، والوقت الذي لا يجوز ذلك فيه.\nوالمقصود من الإمساك بمعروف، أو التسريح بإحسان، النهي عن إمساك المرأة بقصد إضرارها.\n(١٩٤٣ - ٤٠٣) فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره، من طريقين بسند صحيح، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال:\nكان الرجل يطلق ما شاء، ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت امرأته، فغضب رجل من الأنصار على امرأته، فقال لها: لا أقربك ولا تحلين مني، قالت له: كيف؟ قال: أطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك ثم أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك. قالت: فشكت ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله تعالى ذكره: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) اهـ.\nفأمر أن يكون إمساك المرأة مصحوبًا بالمعروف وأن يكون تسريحها مصحوبًا بالإحسان لا لقصد الإضرار بها (^٣).\nوروى ابن جرير الطبري مثله عن قتادة.\n_________\n(^١) نيل الأوطار (٦/ ٢٦٨).\n(^٢) الزاد (٤/ ٤٥).\n(^٣) تفسير الطبري (٤٧٨٣) (٤٧٨٤).","vol":"9","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4205>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٤٤ - ٤٠٤) ما رواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم، قال:\nأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^١).\nورواه البخاري معلقًا (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن القيم في تهذيب السنن: «إن المطلق في الحيض، قد طلق طلاقًا ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردودًا فلو صح ولزم لكان مقبولًا منه، وهو خلاف النص.\nوقوله: (فهو رد) الرد: فَعْل بمعنى المفعول، أي فهو مردود، وعبر عن المفعول بالمصدر مبالغة، حتى كأنه نفس الرد، وهذا تصريح بإبطال كل عمل على خلاف أمره ورده، وعدم اعتباره في حكم المقبول، ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه ردًا أبلغ من كونه باطلًا، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه أو منفعته قليلة جدًّا، وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه، وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئًا ولم يترتب عليه مقصوده أصلًا» (^٣).\nأما الاستدلال بحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» فالعمل به تقديم للعام على الخاص، والذي قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» هو الذي حكم بإيقاع طلاق الحائض، وعدها طلقة، كما سقناه في أدلة القول الأول ... ثم ليس كل شيء محرم لا يصح. فالتحريم والصحة ليسا متلازمين، فقد يحرم الشيء ويصح، وقد يحرم ولا يصح. فالنهي لا يقتضي الفساد في كل الصور، إلا إذا كان\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧١٨).\n(^٢) باب (٣٤) البيوع: باب النجش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع.\n(^٣) تهذيب السنن (٣/ ٩٩).","vol":"9","page":178},{"text":"عائدًا لذات المنهي عنه، بخلاف ما إذا كان النهي عائدًا لشرطه، أو عائدًا لأمر خارج عنه، ومن الأمثلة التي تقرب هذا: تلقي الركبان منهي عنه، فإذا حصل التلقي جعل للبائع الخيار إذا أتى السوق، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع.\nوهذا الظهار قد حكم الله ﷾ بأنه منكر من القول وزور، ومع ذلك إذا قاله الرجل ترتب على ذلك أثره، وهو تحريمه الزوجة إلى أن يُكَفِّر، فكذلك الطلاق البدعي محرم ويترتب عليه أثره إلى أن يراجع ولا فرق بينهما.\nوقد أجاب ابن حجر على استدلال ابن القيم المتقدم بقوله: «القياس في معارضة النص فاسد الاعتبار وقد عورض بقياس أحسن من قياسه، فقال ابن عبد البر: «ليس الطلاق من أعمال البر التي يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي، فكيفما وقع أوقعه سواء أجر في ذلك أو أثم، ولو لزم المطيع ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخف حالًا من المطيع».اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4206>الدليل الثالث:</span>\n(١٩٤٥ - ٤٠٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر، وأبو الزبير يسمع، فقال:\nكيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: إن ابن عمر طلق امرأته على عهد رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: ليراجعها عليَّ ولم يرها شيئًا. وقال: فردَّها، إذا طهرت فليطلق أو يمسك. قال ابن عمر. وقرأ النبي ﷺ (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ) [الطلاق: ١] في قبل عدتهن. قال ابن جريج: وسمعت مجاهدًا يقرؤها كذلك (^١).\n[صحيح، وزيادة لم يرها شيئًا زيادة شاذة] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٨٠).\n(^٢) قوله: (ليراجعها علي ولم يرها شيئًا وقال فردها ...) فيه تقديم وتأخير.\nوالصواب كما في لفظ أبي داود: (فردها على ولم يرها شيئًا، وقال: إذا طهرت ..) الخ. =","vol":"9","page":179},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وزيادة (فلم يرها شيئًا ...) قد أعلت بما يلي:\nالأول: مخالفة أبي الزبير لجميع من رواه عن ابن عمر حيث لم يقل أحد منهم (ولم يرها شيئًا)، واتفاق هؤلاء الحفاظ على خلاف ما انفرد به أبو الزبير، وكثير منهم مقدم على أبي الزبير يجعلها غير محفوظة.\nالثانية: أن أبا الزبير مختلف عليه فيها، فقد رواه بعضهم عن ابن جريج ولم يذكروا قولهم، ولم يرها شيئًا.\nفأما العلة الأولى: وهي مخالفة أبي الزبير لجميع من رواه عن ابن عمر.\nفقد روى الحديث نافع، وسالم، وعبد الله بن دينار، ويونس بن جبير، وسعيد بن جبير، ومحمد ابن سيرين، وأنس بن سيرين، وطاووس، وأبو وائل، وبشر بن حرب، والشعبي، وميمون بن مهران، كل هؤلاء رووه ولم يذكروا ما ذكره أبو الزبير، ولو خالف أبو الزبير نافعًا وحده، أو سالمًا وحده، لم يقبل منه فكيف بكل هؤلاء فقد رووه كلهم ولم يذكروا: قوله: (ولم يرها شيئًا).\nوفي قراءة سريعة لترجمة أبي الزبير ندرك الفرق بينه وبين نافع وسالم ومن ذكر معهما.\nقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن أبي الزبير. فقال: روى عنه الناس.\nقلت: يحتج بحديثه؟ قال: إنما يحتج بحديث الثقات. الجرح والتعديل (٨/ ٧٤)، تهذيب التهذيب (٩/ ٣٩٠).\nوقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وهو أحب إلي من أبي سفيان. الجرح والتعديل (٨/ ٧٤)، تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٠٢).\nوقال الشافعي: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة. الجرح والتعديل (٨/ ٧٤).\nوقال ابن عيينة: أبو الزبير عندنا بمنزلة خبز الشعير، إذا لم نجد عمرو بن دينار ذهبنا إليه. تهذيب التهذيب (٩/ ٣٩٠).\nوقال أحمد: كان أيوب السختياني يقول: حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير. قلت: لأبي كأنه يضعفه؟ قال: نعم. الجرح والتعديل (٨/ ٧٤)، تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٠٢).\nوقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وإلى الضعف ما هو. تهذيب التهذيب (٩/ ٣٩٠).\nوقال النسائي: ثقة. المرجع السابق.\nوقال ابن معين: ثقة، كما في رواية أبي بكر بن أبي خيثمة عنه.\nوقال مرة: صالح، كما في رواية إسحاق بن منصور. الجرح والتعديل (٨/ ٧٤)، تهذيب التهذيب (٩/ ٣٩٠).\nوقال أحمد: قد احتمله الناس، وأبو الزبير أحب إلي من أبي سفيان؛ لأن أبا الزبير أعلم بالحديث منه، وأبو الزبير لا بأس به. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق. =","vol":"9","page":180},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فمثل أبي الزبير لا يقارن بنافع، ولا بسالم، ولا بسعيد بن جبير، ولا بالشعبي، ولا بغيرهم.\nقال أبو داود بعد أن ساق حديث أبي الزبير (٢١٨٥): قال: روى هذا الحديث عن ابن عمر: يونس بن جبير، وأنس بن سيرين، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبو الزبير، ومنصور عن أبي وائل معناه كلهم: أن النبي ﷺ أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك.\nقال أبو داود: وكذلك رواه محمد بن عبد الرحمن، عن سالم، عن ابن عمر .... والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير».\nوقال ابن عبد البر في التمهيد كما في فتح البر (١٠/ ٤٧٤): «قوله في هذا الحديث (ولم يرها شيئًا) منكر عن ابن عمر، لما ذكرنا عنه أنه اعتد بها، ولم يقله أحد عنه غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعة جله، فلم يقل ذلك واحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟ .... وكل من روى هذا الخبر من الحفاظ لم يذكروا ذلك، وليس من خالف الجماعة الحفاظ بشيء فيما جاء به».\nوقال الخطابي في معالم السنن (٣/ ٩٦) حديث يونس بن جبير أثبت من هذا، ثم قال: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا.\nونقل البيهقي في المعرفة عن الشافعي أنه ذكر رواية أبي الزبير فقال: نافع أثبت من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعًا غيره من أهل الثبت».\nوإليك مرويات من روى الحديث عن ابن عمر.\nالأول: نافع عن ابن عمر.\nسبق لي تخريج رواية نافع، في القول الأول عند تخريج رواية أبي داود الطيالسي، فارجع إليها.\nالثاني: سالم عن ابن عمر.\nأخرجه البخاري (٤٩٠٨) من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم،\nأن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أن طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ فيه رسول الله ﷺ ثم قال: ليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا، قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمر الله.\nومن طريق عقيل أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٣) والدارقطني (٤/ ٦) والبيهقي (٧/ ٣٢٤).\nوأخرجه أحمد (٢/ ٦١) من طريق محمد بن أبي حفصة، حدثنا ابن شهاب به.\nوأخرجه البخاري (٧١٦٠) وأبو داود (٢١٨٢) والدارقطني (٤/ ٦) من طريق يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب به. =","vol":"9","page":181},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه النسائي (٣٣٩١) والبيهقي (٧/ ٣٢٤) من طريق محمد بن الوليد الزبيدي عن ابن شهاب به.\nوأخرجه الدارقطني (٤/ ٦) من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري به.\nوأخرجه أحمد (٢/ ١٣٠) ومسلم (٤ - ١٤٧١)، والدارقطني (٤/ ٦)، والبيهقي (٧/ ٣٢٤) من طريق يعقوب بن إبراهيم، أخبرني ابن أخي ابن شهاب، عن عمه (الزهري) به.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٢٦)، أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٧٢٦) ومسلم (٥ - ١٤٧١)، وأبو داود (٢١٨١)، والترمذي (١١٦٧)، والنسائي (٣٣٩٧)، وابن ماجه (٢٠٣٣)، وأبو يعلى (٥٥٤٠)، وابن الجارود (٧٣٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥١)، والدارقطني (٤/ ٦)، والبيهقي (٧/ ٣٢٥) عن وكيع، حدثنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة، عن سالم، عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي ﷺ فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا.\nولم يقل أحد من الرواة: (أو حاملًا) إلا محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ...\nوأخرجه أحمد (٢/ ٦١)، والنسائي (٣٥٥٨)، وأبو يعلى (٥٥٦١)، من طرق عن حنظلة عن سالم به مختصرًا.\nالطريق الثالث: يونس بن جبير عن ابن عمر.\nأخرجه البخاري (٥٢٥٨) حدثنا حجاج بن منهال. حدثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي غلاب يونس بن جبير، قال: قلت لابن عمر: رجل طلق امرأته وهي حائض، فقال: أتعرف ابن عمر؟ إن ابن عمر طلق، وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأمره أن يراجعها فإذا طهرت فأراد أن يطلقها فليطلقها. فهل عد ذلك طلاقًا؟ قال: أرأيت إن عجز واستحمق.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٤٣) من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة.\nوأخرجه البخاري (٥٢٥٢) ومسلم (١٠/ ١٤٧١) من طريق شعبة كلاهما عن قتادة به.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٥١) والبخاري (٥٣٣٣) ومسلم (٧ - ٩ - ١٤٧١) وأبو داود (٢١٨٤) والترمذي (١١٧٥) والنسائي (٣٣٩٩، ٣٤٠٠) وابن ماجه (٢٠٢٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٢) والدارقطني (٤/ ٨) والبيهقي في السنن (٧/ ٣٢٥) من طريق محمد بن سيرين، عن يونس به.\nالطريق الرابع: سعيد بن جبير عن ابن عمر.\nأخرجه البخاري (٥٢٥٣) حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: حسبت علي بتطليقة.\nهكذا في النسخة التي شرحها الحافظ ابن حجر في الفتح حيث ذكر الحديث مسندًا، قال الحافظ: قوله: «حدثنا أبو معمر» كذا في رواية أبي ذر وهو ظاهر كلام أبي نعيم في المستخرج وللباقين، =","vol":"9","page":182},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو معمر، وبه جزم الإسماعيلي».اهـ يعني معلقًا.\nثم قال الحافظ: «وقد أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، مثل ما أخرجه البخاري مختصرًا».\nوقد أخرجه الطيالسي (١/ ١٨٧) حدثنا هشام، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض فرد النبي ﷺ ذلك علي حتى طلقتها، وهي طاهر. وأخرجه النسائي (٣٣٩٨) والطحاوي (٣/ ٥٢) من طريق هشيم قال: أخبرنا أبو بشر به. وانظر\nعبد الرزاق (١٠٩٥٥).\nولقد فهم بعض العلماء المعاصرين، أن في هذه الرواية متابعة لأبي الزبير في عدم احتساب الطلقة. ولم يتبين لي ذلك، لأنه لم يصرح أن الطلقة لم تحسب، غاية ما فيه أنه سكت عن ذلك في رواية أبي بشر عن سعيد بن جبير، وصرح في رواية أيوب عن سعيد، فتحمل الرواية التي سكت فيها عن احتساب الطلقة، بالرواية المصرحة بذلك وهكذا طريق الراسخين في العلم يحملون المتشابه على المحكم والمجمل على المبين، والله أعلم.\nالطريق الخامس: أنس بن سيرين عن ابن عمر.\nأخرجه البخاري (٥٢٥٢) حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أنس بن سيرين، قال: سمعت ابن عمر قال: طلق ابن عمر امرأته، وهي حائض، فذكر عمر للنبي ﷺ فقال: ليراجعها. قلت: تحتسب. قال: فمه؟\nوأخرجه أحمد (٢/ ٦١، ٧٤، ٧٨) ومسلم (١٢ - ١٤٧١) وابن الجارود في المنتقى (٧٣٥) والطحاوي (٣/ ٥٢) والدارقطني (٤/ ٥ - ٦) من طرق عن شعبة به.\nالسادس: طاوس عن ابن عمر.\nأخرجه أحمد (٢/ ١٤٥) حدثنا عبد الرزاق وروح، عن ابن جريج، أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه سمع ابن عمر يسأل عن رجل طلق امرأته حائضًا، فقال: أتعرف عبد الله بن عمر؟ قال: نعم. قال: فإنه طلق امرأته حائضًا، فذهب عمر إلى النبي ﷺ فأخبره الخبر، فأمره أن يراجعها. قال: ولم أسمعه يزيد على ذلك، قال روح: أن يَرْجعها.\nوهو عند عبد الرزاق في المصنف (١٠٩٦١) ومن طريقه أخرجه مسلم (١٣ - ١٤٧١) والبيهقي (٧/ ٣٢٦).\nالسابع: أبو وائل عن ابن عمر.\nأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٥٧) رقم ١٧٧٢٥ قال: أخبرنا أبو الأحوص، عن منصور عن أبي وائل، قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ: مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا في غير جماع.\nوأخرجه البيهقي (٧/ ٣٢٦) من طريق سفيان، عن منصور به. =","vol":"9","page":183},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثامن والتاسع: بشر بن حرب، وابن سيرين، عن ابن عمر.\nرواه أبو داود الطيالسي (١٨٦٢): حدثنا حماد بن سلمة، عن بشر بن حرب، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: طلقت امرأتي، وهي حائض، فقال لي رسول الله ﷺ راجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شئت فطلق وإن شئت فأمسك. فقال ابن عمر. فطلقتها، ولو شئت لأمسكتها.\nوقال أبو داود: وحدثنا حماد بن سلمة، عن ابن سيرين سمع ابن عمر يذكر مثله.\nوبشر بن حرب: صدوق فيه لين، والإسناد الآخر إسناد صحيح.\nالعاشر: الشعبي عن ابن عمر.\nرواه الدارقطني (٤/ ١١) أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، أخبرنا الحسن بن سلام، أخبرنا محمد ابن سابق، أخبرنا شيبان، أخبرنا فراس، عن الشعبي، قال: طلق ابن عمر امرأته واحدة، وهي حائض، فانطلق عمر إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فأمره أن يراجعها، ثم يستقبل الطلاق في عدتها، وتحتسب بهذه التطليقة التي طلق أول مرة.\nوسبق تخريجه في أدلة القول الأول الدليل الخامس.\nالحادي عشر: ميمون بن مهران عن ابن عمر.\nرواه البيهقي (٧/ ٣٢٦) من طريقين عن أبي العباس الأصم، أخبرنا محمد بن إسحاق، أخبرنا علي بن معبد، أخبرنا أبو المليح، عن ميمون بن مهران\nعن ابن عمر، أنه طلق امرأته في حيضتها قال: فأمره رسول الله ﷺ أن يرتجعها حتى تطهر، فإذا طهرت، فإن شاء طلق وإن شاء أمسك قبل أن يجامع.\nالثاني عشر: عبد الله بن دينار عن ابن عمر.\nأخرجه مسلم (٦ - ١٤٧١)، والبيهقي (٧/ ٣٢٥) من طريق خالد بن مخلد، حدثني سليمان -وهو ابن بلال- حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنه طلق امرأته، وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﷺ، وقال: مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر، ثم يطلق بعد أو يمسك.\nفهؤلاء الرواة رووا الحديث عن ابن عمر، ولم يذكروا أن النبي ﷺ لم يرها شيئًا.\nومن هذه الروايات يؤخذ ما يلي:\nالأول: روى الحديث جماعة بلفظ: (حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر فإن شاء طلق قبل أن يجامع وإن شاء أمسك).\nوممن روى هذا الحديث بهذا اللفظ نافع .. وكذلك رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر مثل رواية نافع. وتابعهما عبد الله بن دينار، وبشر بن حرب ومحمد بن سيرين عن ابن عمر وتقدم تخريج مروياتهم. =","vol":"9","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه جماعة عن ابن عمر: (بأن النبي ﷺ أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق، وإن شاء أمسك)، منهم يونس بن جبير، وسعيد بن جبير، وأنس بن سيرين، وأبو وائل، فلعل هؤلاء اختصروا الحديث؛ لأن القصة واحدة.\nثانيًا: رواية الزهري عن سالم، عن ابن عمر كرواية نافع (حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر).\nوانفرد محمد بن عبد الرحمن مولى طلحة، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعًا (مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا)، رواه مسلم، ولا أعرف أحدًا تابع محمد بن عبد الرحمن بذكر الحمل من حديث ابن عمر، ولذلك لا أراه محفوظًا.\nثالثًا: رواه ابن أبي ذئب، وابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي ﷺ فجعلها واحدة.\nوتابعهما الشعبي عن ابن عمر مرفوعًا ورواه سعيد بن جبير عن ابن عمر: حسبت عليَّ بتطليقة.\nوقد رواه مالك وعبيد الله بن عمر، والليث، وأيوب، وغيرهم عن نافع ولم يذكروا ما ذكره ابن أبي ذئب، وابن جريج عن نافع، إلا أن قولهم (فليراجعها) مؤيد بالمعنى لما ذكراه، كما أن متابعة ابن جريج والشعبي وسعيد بن جبير تبعد احتمال الشذوذ في رواية ابن أبي ذئب.\nرابعًا: انفرد أبو الزبير عن ابن عمر بقوله: (ولم يرها شيئًا) فخالف اثني عشر حافظًا رووا الحديث عن ابن عمر ولم يذكروا ما ذكره.\nالعلة الثانية:\nأن حديث: (فردها علي ولم يرها شيئًا) مداره على ابن جريج عن أبي الزبير عن ابن عمر.\nوقد اختلف على ابن جريج في ذكرها.\nفرواه عبد الرزاق في المصنف (١٠٩٦٠).\nوروح كما في رواية أحمد (٢/ ٨٠ - ٨١) كلاهما عن ابن جريج به. بذكر قوله: ولم يرها شيئًا.\nورواه حجاج بن محمد المصيصي كما في رواية مسلم (١٤ - ١٤٧١) والنسائي (٣٣٩٢) والمنتقى لابن الجارود (٧٣٣).\nوأبو عاصم كما في رواية مسلم (١٤٧١)، والطحاوي (٣/ ٥١) كلاهما عن ابن جريج به ولم يذكرا قوله: (ولم يرها شيئًا).\nولا شك أن رواية ابن جريج الموافقة لرواية الجماعة أولى أن تكون محفوظة من الرواية الأخرى.\nوذكر الحافظ في الفتح متابعًا لأبي الزبير في شرحه لحديث (٥٢٥٣) قال: «روى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك، عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ ليس ذلك بشيء».\nوسنده ضعيف، فيه عبد الله بن مالك روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه معتبر، فحاله مجهولة وفي التقريب مقبول يعني في المتابعات.","vol":"9","page":185},{"text":"• والجواب عن هذا الحديث:\nأولًا: ضعف قوله: (ولم يرها شيئًا) فقد حكم بضعفها الشافعي وأبو داود وابن عبد البر والخطابي وغيرهم.\nثانيًا: على فرض ثبوتها ... فإنه لابد إما من الترجيح، أو الجمع بين هذا الحديث والأحاديث التي تدل على وقوع الطلاق.\nفأما الترجيح فلا شك أن الأحاديث التي تثبت وقوع الطلاق أقوى إسنادًا وأكثر عددًا، وقد سقتها في أدلة القول الأول.\nقال الحافظ في الفتح: «وأما قول ابن عمر: إنها حسبت عليه بتطليقه، فإنه وإن لم يصرح برفع ذلك إلى النبي ﷺ فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال: إنها حسبت عليه، فكيف يجتمع مع هذا قوله: إنه لم يعتد بها، أو لم يرها شيئًا على المعنى الذي ذهب إليه المخالف؛ لأنه إن جعل الضمير للنبي ﷺ لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبي ﷺ في هذه القصة بخصوصها؛ لأنه قال: إنها حسبت عليه بتطليقه، فيكون من حسبها عليه خالف كونه لم يرها شيئًا.\nوكيف يظن به ذلك مع اهتمامه، واهتمام أبيه بسؤال النبي ﷺ عن ذلك ليفعل ما يأمره به؟ وإن جعل الضمير في قوله: (لم يعتد بها أو لم يرها) لابن عمر لزم منه التناقض في القصة الواحدة، فيفتقر إلى الترجيح، ولا شك أن الأخذ بما رواه الأكثر والأحفظ أولى من مقابله عند تعذر الجمع عند الجمهور، والله أعلم (^١).\nهذا جواب من رام الترجيح بين الأحاديث.\nوأما من رام الجمع بينهما، فإن الأحاديث التي تدل على وقوع الطلاق مع صحتها صريحة لا تحتمل التأويل.\nوأما حديث أبي الزبير (فردها علي ولم يرها شيئًا) فمحتمل للتأويل.\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٤٤٦).","vol":"9","page":186},{"text":"قال ابن عبد البر: قوله: (ولم يرها شيئًا) لو صح فمعناه عندي، والله أعلم ولم يرها شيئًا مستقيمًا، لكونها لم تقع على السنة.\nوقال الخطابي بعد أن ضعف رواية أبي الزبير: وقد يحتمل أن يكون معناه ولم يرها شيئًا تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئًا جائزًا في السنة ماضيًا في الاختيار وإن كان لازمًا له مع الكراهة.\nوحمله الشافعي قوله: (لم يرها شيئًا) أي لم يعدها شيئًا صوابًا غير خطأ بل يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه، لأنه أمره بالمراجعة، ولو كان طلقها طاهرًا لم يؤمر بذلك، فهذا كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله، أو أخطأ في جوابه لم يصنع شيئًا، أي: لم يصنع شيئًا صوابًا.\nهذا سبيل من رام الجمع، وفي كلا الأمرين في حال الترجيح، أو الجمع يبقى القول بوقوع الطلاق قولًا لا يمكن دفعه لكثرة رواياته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4207>الدليل الرابع:</span>\nاحتج القائلون بأن طلاق الحائض لا يقع\n(١٩٤٦ - ٤٠٦) بما رواه ابن حزم، بإسناده من طريق محمد بن بشار، أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر،\nعن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتد لذلك (^١).\nوصحح إسناده الحافظ في الفتح في كتاب الطلاق: باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق، وهو كما قال.\nكما صحح إسناده ابن القيم في تهذيب السنن (^٢).\n_________\n(^١) المحلى (مسألة ١٩٤٥).\n(^٢) تهذيب السنن (٣/ ١٠١).","vol":"9","page":187},{"text":"وجه الاستدلال:\nقالوا: إن قول ابن عمر: (لا يعتد لذلك) أي لا يعتد بتلك الطلقة وإذا كان لا يعتد بها فكأنها لا شيء فلم تحتسب.\n• وأجيب:\nبأن اللفظ فيه اختصار موهم،\n(١٩٤٧ - ٤٠٧) فقد رواه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر في الذي يطلق امرأته وهي حائض قال: لا تعتد بتلك الحيضة (^١).\nوأخرجه البيهقي، من طريق يحيى بن معين، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي به، قال يحيى: وهذا غريب ليس يحدث به إلا عبد الوهاب الثقفي (^٢).\nفتبين أن حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي هو في نفي الاعتداد بتلك الحيضة، وليس في نفي الطلاق في الحيض.\nونفي الاعتداد بتلك الحيضة معناه الاعتداد في غيرها، فهو يومئ إلى وقوع الطلاق في الحيض، فلو كان لا يقع لم يحتج إلى التأكيد إلى نفي الاعتداد بتلك الحيضة؛ لأنها لن تعتد بتلك الحيضة ولا بغيرها. لكن لما كان الطلاق معتبرًا أشار إلى عدم الاعتداد بتلك الحيضة التي وقع فيها الطلاق.\nوقد أوقع الاختصار الذي في رواية ابن حزم، أوقع ابن حزم وابن القيم إلى الجزم بأن ابن عمر قد اختلف عليه في احتساب ذلك الطلاق منه وإلى تقوية رواية\nأبي الزبير بهذه الرواية الموقوفة، فتبين ولله الحمد أنه لا دليل فيها، وأن ابن عمر لم يختلف عليه في وقوع الطلاق.\nولو فرضنا ان قوله: (لا يعتد بها ..) أي لا يعتد بتلك الطلقة لكان معناه أنه قد\n_________\n(^١) المصنف (٤/ ٥٨) رقم ١٧٧٤٦.\n(^٢) سنن البيهقي (٧/ ٤١٨).","vol":"9","page":188},{"text":"اختلف على عبد الوهاب الثقفي فرواه محمد بن بشار بلفظ: (لا يعتد بها ...).\nورواه ابن أبي شيبة، ويحيى بن معين عنه: (لا يعتد بتلك الحيضة) وهما أرجح وأقوى منه حفظًا، بل كل واحد منهما بانفراده مقدم عليه مع أن حمل الرواية المجملة على الرواية المبينة هو المتعين.\nبل إن عبيد الله بن عمر الذي روى عنه عبد الوهاب الثقفي قوله: (لا يعتد لذلك) كان يروى عنه من قوله ومن روايته عن نافع أنها حسبت على ابن عمر.\n(١٩٤٨ - ٤٠٨) فقد أخرج الدارقطني، من طريقين عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، أخبرنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عبيد الله، عن نافع، عن عبدالله أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة، فانطلق عمر فأخبر النبي ﷺ بذلك وذكر الحديث.\nوفيه: قال عبيد الله: وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة، غير أنه خالف السنة (^١).\n[وسنده صحيح] فهذا من قوله يدل على أنها وقعت عليه واحدة.\nوأما ما كان من روايته عن نافع. فقد أخرجه مسلم: من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر وذكر الحديث، قال عبيدالله: قلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4208>الدليل الخامس:</span>\nقال ابن القيم في تهذيب السنن: من النظر قالوا: إن مفسدة الطلاق الواقع في الحيض لو كان واقعًا لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها، بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرة التي تلم شعث النكاح وترقع خرقه، فأما رجعة يعقبها طلاق فلا تزيل مفسدة الطلاق لو كان واقعًا (^٣).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (٤/ ٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٢ - ١٤٧١).\n(^٣) تهذيب السنن (٣/ ٩٧).","vol":"9","page":189},{"text":"وقال ابن تيمية: «لو كان الطلاق قد لزم لم يكن في الأمر بالرجعة ليطلقها طلقة ثانية فائدة، بل فيه مضرة عليهما، فإن له أن يطلقها بعد الرجعة بالنص والإجماع، وحينئذ يكون في الطلاق مع الأول تكثير الطلاق، وتطويل العدة وتعذيب الزوجين جميعًا» (^١).\nوقال أيضًا: «ولو كان الطلاق المحرم قد لزم لكان حصل الفساد الذي كرهه الله ورسوله، وذلك الفساد لا يرتفع برجعة يباح له الطلاق بعدها، والأمر برجعة لا فائدة فيها مما تنزه عنه الله ورسوله؛ فإنه إن كان راغبًا في المرأة فله أن يرتجعها، وإن كان راغبًا عنها فليس له أن يرتجعها فليس في أمره برجعتها مع لزوم الطلاق له مصلحة شرعية بل زيادة مفسدة، ويجب تنزيه الرسول ﷺ عن الأمر بما يستلزم زيادة الفساد» (^٢).\nوالجواب عن هذا بأن يقال: هذا النظر ممكن أن يكون جيدًا، لولا أنه في مقابل النص، والمفسدة والمصلحة ليست عقلية محضة، والشرع مقدم على النظر القاصر، وكل نظر في مقابل النص فهو فاسد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا نقول لمن طلق امرأته: راجعها، وسيكون لزامًا عليك طلاقها بعد طهرها، وإنما نقول: إذا لم يراجعها، فقد وقع الطلاق مع الإثم إن كان عالمًا، وإذا راجعها ورأى أن يمسكها فله ذلك إلا أنه تعد عليه طلقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4209>الدليل السادس:</span>\nاستدل ابن القيم في تهذيب السنن: على أن قول ابن عمر: (أرأيت إن عجز واستحمق) أن ابن عمر ليس عنده سنة عن رسول الله ﷺ بوقوع الطلاق في الحيض؛ لأن قوله: (أرأيت) رأي محض، وكيف يظن بابن عمر أنه يكتم نصًّا عن رسول الله\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٣/ ٢٢).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٣/ ٢٤).","vol":"9","page":190},{"text":"ﷺ في الاعتداد بتلك الطلقة ثم يحتج بقوله: (أرأيت إن عجز واستحمق) وقد سأله مرة رجل عن شيء فأجابه بالنص فقال السائل: أرأيت إن كان كذا وكذا؟ قال: اجعل أرأيت باليمن (^١).\nوالجواب عن هذا أن ابن عمر لم يكتم النص عن رسول الله ﷺ، ويعتذر لابن القيم أنه لم يقف على كثير من الروايات عن ابن عمر في التصريح بوقوع الطلاق من ذلك رواية الشعبي عن ابن عمر ..\nومن ذلك ظنه تفرد ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، حتى شك ابن القيم في لفظ الحديث هل هو من كلام ابن وهب أم من كلام ابن أبي ذئب أم من كلام نافع، أم من كلام ابن عمر ... مع أن اللفظ صريح في الرفع، ولا يحتمل الشك وكذلك ظن تفرد ابن وهب، ولم يقف على المتابعات لابن وهب كمتابعة أبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب به.\nوكذلك متابعة ابن جريج لابن أبي ذئب، وقد سقتها كلها.\nوأما الاستدلال بالرأي مع الدليل الشرعي، فإنه معروف في أقوال الصحابة، ولا يقدح هذا، بل إن اتفاق النظر العقلي للدليل النقلي يشرح الصدر، كما في قول إبراهيم: (وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: ٢٦٠] وكما قيل صحيح العقل لا يخالف صريح النقل.\nوكما قال أحد الصحابة للرسول ﷺ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيه أجر قال: (أرأيت لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال).\n(١٩٤٩ - ٤٠٩) وروى البخاري، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية سمعت رسول الله ﷺ يقول: تخرج العواتق وذوات الخدور، أو العواتق ذوات الخدور، والحيض، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحيض المصلى. قالت\n_________\n(^١) تهذيب السنن (٣/ ١٠٢).","vol":"9","page":191},{"text":"حفصة آلحيض؟ فقالت: أليس تشهد عرفة، وكذا وكذا. والحديث رواه مسلم بنحوه دون قول حفصة (^١).\nفهنا أم عطية مع احتجاجها بقول الرسول ﷺ، وكفى به حجة، احتجت بالقياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4210>الدليل السابع:</span>\nقال ابن القيم في زاد المعاد، قال: «لا يزال النكاح المتيقن إلا بيقين مثله من كتاب أو سنة أو إجماع متيقن، فإذا أوجدتمونا واحدًا من هذه الثلاثة رفعنا حكم النكاح به ولا سبيل إلى رفعه بغير ذلك» (^٢).\n• والجواب:\nأننا نوافقكم على هذا الدليل، وقد أثبتنا الأدلة المتكاثرة، عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا عليه بوقوع الطلاق، والمعارض لا ينهض على رد هذه الأحاديث إما لشذوذه، أو لكونه غير صريح، ويعارض هذا الدليل بمعارض آخر، أن الطلاق الأصل فيه أنه يخرج المرأة من عصمة الرجل فمن ادعى أن هناك طلاقًا لاغيًا لا تأثير له فعليه الدليل. والقول بتحريمه غير كافٍ، لأن التحريم تعلقه بالإثم لا بالصحة، فالتحريم والصحة غير متلازمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4211>الدليل الثامن:</span>\nقالوا: «إن الحكمة في منع الطلاق في الحيض أو في طهر مسها فيه أن ذلك يطيل على المرأة العدة، فإنها إن كانت حائضًا لم تحتسب الحيضة من عدتها، فستنتظر حتى تطهر من حيضها، وتتم مدة طهرها، ثم تبدأ العدة من الحيضة التالية، وإن كانت طاهرًا، ومسها في الطهر فإنها لا تدري بما تعتد: أبالحيض أم بوضع الحمل إذا كانت حملت من ذلك المسيس؟\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٤)، ومسلم (١٠ - ٨٩٠).\n(^٢) زاد المعاد (٤/ ٤٤).","vol":"9","page":192},{"text":"فلو كانت الروايات التي يحتج بها القائلون بوقوع طلقة ابن عمر في الحيض صحيحة لكان الأمر بمراجعتها ثم التربص بها إلى أن تطهر، ثم يطلقها إن شاء في الطهر الثاني قبل أن يمس ـ: أمرًا بإطالة عدتها زمنًا أكثر مما أريد من الرفق بها» (^١).\n• والجواب عن ذلك:\nأن يقال: قد اختلف العلماء في الحكمة من منع الطلاق في الحيض إلى ثلاثة أقوال:\nقال ابن تيمية: «وتنازعوا في علة منع طلاق الحائض، هل هو تطويل العدة كما يقول أصحاب مالك والشافعي وأكثر أصحاب أحمد؟\nأو لكونه حال الزهد في وطئها فلا تطلق إلا في حال رغبة في الوطء لكون الطلاق ممنوعًا لا يباح إلا لحاجة، كما يقول أصحاب أبي حنيفة، وأبو الخطاب من أصحاب أحمد؟\nأو هو تعبد كما يقول بعض المالكية؟ على ثلاثة أقوال» (^٢).\nفإذا كانت العلة غير منصوص عليها، لا يجوز أن نترك النصوص المرفوعة والموقوفة عن ابن عمر في الاعتداد بتلك الطلقة لعلة مستنبطة، قد تكون هي العلة، وقد تكون العلة غيرها.\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا راجعها، ثم طلقها بعد حيضتها التالية، فما دامت في عقد الزوجية لا يقال: إنها في عدة، وأن عدتها طالت، وأن الضرر قد لحقها في ذلك؛ لأنها ما زالت زوجة، لها حقوق الزوجة من النفقة والميراث، ونحوهما حتى تحيض الحيضة التالية، فيقع الطلاق، وهو غير ملزم للزوج، بل إن شاء طلق وإن شاء أمسك. والله أعلم.\n_________\n(^١) نظام الطلاق في الإسلام - أحمد شاكر (ص: ٢٩).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٣/ ٩٧، ٩٩).","vol":"9","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4212>الدليل التاسع:</span>\nأننا إذا أوقعنا الطلاق، ثم أمرناه بالمراجعة وجوبًا، ثم طلق مرة ثانية، يكون وقع منه طلقتان، وهو لم يرد إلا طلقة واحدة، وتضررت المرأة بوقوع الطلقتين، وهي لا ذنب لها.\n• وأجيب:\nبأن كلًا من الطلقتين قد وقعت باختيار الرجل وإرادته، فالأول طلق في زمن الحيض، وهو محرم، فكان عقوبته أن أمر بالمراجعة، والطلاق الثاني وقع أيضًا باختياره دون إكراه، وأما المرأة فالطلاق حق للرجل، وليس للمرأة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4213>الدليل العاشر:</span>\nمعلوم أن الرجل إذا طلق زوجته، ثم أراد أن يراجعها كان مأمورًا بالإشهاد والنبي ﷺ لم يأمر ابن عمر بالإشهاد، فهذا دليل على أنه لم يحسب ما وقع طلاقًا (^١).\nروى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال:\nإن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال الله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (^٢) عند الطلاق وعند المراجعة.\nقال ابن جرير في تفسير الآية: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) أشهدوا على الإمساك إن أمسكتموهن، وذلك هو الرجعة. ذوي عدل منكم: وهما اللذان يرضى دينهما وأمانتهما (^٣).\n_________\n(^١) بتصرف مجموع الفتاوى (٣٣/ ٩٩).\n(^٢) تفسير الطبري (٣٤٢٧٦).\n(^٣) المراجع السابق (١٢/ ٣٠١) سورة الطلاق.","vol":"9","page":194},{"text":"قلت: عدم النقل هنا ليس نقلًا للعدم، وما المانع أن يكون ابن عمر قد أشهد عدلين، خاصة أن عمر قد علم ذلك. ويبقى أن هذا لا يقوى أن يكون دليلًا بنفسه، فضلًا عن معارضته للأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا أن فعله حسب عليه طلقة. والله أعلم.\nفالقول الراجح أن طلاق الحائض يقع مع الإثم.\nوالقائلون بأنه لا يقع ليس عندهم من الأدلة المرفوعة إلا حديث أبي الزبير عن ابن عمر .. ولا يجوز الأخذ به ... مع وجود ثلاثة من الحفاظ يروونه عن ابن عمر مرفوعًا بوقوع الطلاق منهم الشعبي، وسعيد بن جبير، عن ابن عمر، وابن أبي ذئب وابن جريج كلاهما عن نافع عن ابن عمر .. فكيف ترجح رواية أبي الزبير على روايات هؤلاء.\nفإذا أضفت إلى هؤلاء الثلاثة، ثلاثة آخرين رووه عن ابن عمر موقوفًا بما يوافق الرواية المرفوعة أصبحوا ستة من الحفاظ منهم سالم، ونافع، وأنس بن سيرين.\nمع أن رواية أبي الزبير قد قدمت لها تأويلًا صحيحًا يوافق رواية الجماعة وأن قوله: (لم يرها شيئًا) أي لم يرها صوابًا، أو لم يرها شيئًا جائزًا وقد أثبتنا أيضًا الخلاف على أبي الزبير في ذكرها، فقد روى الحديث حجاج بن محمد المصيصي وأبو عاصم وهما ثقتان وروايتهما في مسلم روياه عن ابن جريج عن أبي الزبير عن ابن عمر وليس فيه: (ولم يرها شيئًا) فروايتهما الموافقة لرواية الجماعة أولى بالقبول، والله أعلم.\nوإذا طلق الرجل في الحيض أمر بالمراجعة كما أمر الرسول ﷺ ابن عمر، إلا أن تكون الطلقة هي الطلقة الثالثة.\nوقد أطلت الكلام في هذه المسألة، وربما أعدت الكلام الواحد أكثر من مرة،","vol":"9","page":195},{"text":"لأن الفتوى عند بعض مشايخنا تخالف ما رجحت، فأردت أن أكرر الكلام ليتضح أكثر فأكثر. والله أسأل أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.\n* * *","vol":"9","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4214>الفصل الثالث في الخلع وقت الحيض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4215>المبحث الأول<span data-type=\"title\" id=toc-4216> تعريف الخلع</span></span>\nتعريف الخلع (^١):\nاختلف الفقهاء في تعريفه تبعًا لاختلاف مذاهبهم في كونه طلاقًا أو فسخًا، ولذا سوف أذكر من التعاريف ما يكون صالحًا لكلا القولين.\nقال البهوتي الحنبلي في تعريفه: «هو فراق الزوجة بعوض بألفاظ مخصوصة» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) جاء في لسان العرب (٨/ ٧٦): خلع امرأته خُلعًا بالضم، وخِلاعًا، فاختلعت، وخالعته: أزالها عن نفسه، وطلقها على بَذْل منها. فهي خالع. والاسم: الخُلْعة، وقد تخالعا، واختلعت منه اختلاعًا فهي مختلعة.\nثم قال: وسمي ذلك الفراق خلعًا، لأن الله تعالى جعل النساء لباسًا للرجال والرجال لباسًا للنساء،\nفقال سبحانه: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) [البقرة: ١٧٨] وهي ضجيعه وضجيعته، فإذا افتدت المرأة بمال تعطيه لزوجها ليبينها منه فأجابها إلى ذلك فقد بانت منه، وخلع كل واحد منهما لباس صاحبه ... ثم نقل عن ابن الأثير قوله: وفائدة الخلع إبطال الرجعة إلا بعقد جديد. وانظر تاج العروس (١١/ ١٠٠).\n(^٢) الروض المربع (ص ٥٥٢).","vol":"9","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4217>المبحث الثاني في حكم الخلع</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل فراق بين الرجل وزوجته لم يكن ناشئًا عن طلاق فهو فسخ على الصحيح.\n[م-٧٧٧] اختلف العلماء في جواز الخلع على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول:\nلا يجوز الخلع، وبه قال بكر بن عبد الله المزني (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4218> دليل القول بأنه لا يجوز:</span>\nاستدل أبو بكر بأن قوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: ٢٢٩] منسوخ بقوله: (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) [النساء: ٢٠].\n_________\n(^١) ذكر ذلك ابن عبد البر في الاستذكار (١٧/ ١٧٥) ونقله الحافظ ابن حجر في الفتح في شرحه للبخاري كتاب الطلاق: باب الخلع وكيف الطلاق فيه (١٠/ ٤٩٧). قال: أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه ولم أجده في المصنف.\nونقل كلام ابن عبد البر صاحب المغني (١٠/ ٢٦٨).","vol":"9","page":198},{"text":"• وأجيب:\nقال ابن عبد البر: «وهذا خلاف السنة، الثابتة في أمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس أن يأخذ من زوجته ما أعطاها ويخلي سبيلها. ولا ينبغي لعالم أن يجعل شيئًا من القرآن منسوخًا إلا بتدافع يمنع من استعماله وتخصيصه ثم بين ابن عبد البر أن قوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: ٢٢٩] أي بالتراضي منهما، وحمل قوله ﷿: (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) أي: بغير رضاها، وعلى كره منها، وإضرار بها. وبهذا صح استعمال الآيتين» (^١).\nوقال ابن حجر في الفتح، عن قول بكر بن عبد الله المزني: «تعقب مع شذوذه، بقوله تعالى في النساء أيضًا: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) [النساء: ٤].\nوبقوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) [النساء: ١٢٨] وبالحديث -يعني حديث ابن عباس- في قصة امرأة ثابت بن قيس -وسيأتي تخريجه- وكأنه لم يثبت عنده أو لم يبلغه، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الآخريين (^٢).\nالقول الثاني:\nلا يحل الخلع حتى يجد على بطنها رجلًا، وبهذا قال ابن سيرين وأبو قلابة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4219> دليل من قال: لا يحل الخلع إلا في حالة الزنا:</span>\n(١٩٥٠ - ٤١٠) رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا معتمر بن سليمان، عن أبيه،\nعن أبي قلابة وابن سيرين قالا: لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها؛ لأن الله يقول: (إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) [النساء: ١٩].\n[صحيح] (^٣).\n_________\n(^١) الاستذكار (١/ ١٧٤).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٤٩٧).\n(^٣) المصنف (٤/ ١٢٠) رقم ١٨٤٠٧.","vol":"9","page":199},{"text":"• وأجيب:\nقال ابن عبد البر: «وهذا عندي ليس بشيء؛ لأن الفاحشة قد تكون في البذاء والجفاء، ومنه قيل للبذي فاحش ومتفاحش وعلى أنه لو اطلع منها على الفاحشة كان له لعانها، وإن شاء طلقها، وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بمالها فليس ذلك له. وما أعلم أحدًا قال له أن يضارها ويسيء إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير\nأبي قلابة، والله أعلم» (^١).\nوقال الله ﷿: (إِلَاّ أَن يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: ٢٢٩] يعني: في حق العشرة، والقيام في حق الزوج، والقيام بحقها، فلا جناح عليهما فيما افتدت به.\nالقول الثالث:\nوهو قول العلماء قاطبة -إلا من تقدم ذكره في القولين السابقين- أن الخلع جائز إذا خاف كل من الزوجين، أو أحدهما ألا يقيما حدود الله، قال تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: ٢٢٩].\n• واستدل هذا القول:\n(١٩٥١ - ٤١١) بما رواه البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة،\nعن ابن عباس ﵄، قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر. فقال رسول الله ﷺ: فتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم. فرددت عليه، فأمره ففارقها (^٢).\nوهذا هو القول الراجح.\n* * *\n_________\n(^١) الاستذكار (١٧/ ١٨١).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٢٧٦).","vol":"9","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4220>المبحث الثالث في صحة خلع الحائض</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.\n• أذن الشارع لثابت بن قيس بالخلع من غير استفصال، هل كانت حائضًا أو طاهرًا طهرًا جامعها فيه، فدل ذلك على صحة وقوعه مطلقًا.\n[م-٧٧٨] الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى الخلاف في مسألة: هل الخلع طلاق أم فسخ؟\nفمن رأى أنه طلاق، صار الخلاف فيه كالخلاف في طلاق الحائض، وقد حررت مسألة طلاق الحائض في مسألة مستقلة.\nومن رأى أنه فسخ، وليس بطلاق لم يمانع من الخلع في زمن الحيض ولم يحرمه (^١).\nولهذا يجب أن نحرر هل خلع الحائض طلاق أم فسخ؟\n_________\n(^١) الأشباه والنظائر للسبكي (٢/ ١٤٠).","vol":"9","page":201},{"text":"فذهب الحنفية، والمالكية، والشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد (^١)، إلى أن الخلع طلاق يقع به طلقة بائنة.\nوقيل: هو فسخ إلا إن نوى به الطلاق، فيقع طلاقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢)، والقول القديم للشافعي (^٣).\nوقيل: هو فسخ مطلقًا نوى به الطلاق أو لم ينو، وهو اختيار ابن تيمية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4221> دليل من قال: الخلع طلاق مطلقًا نوى أو لم ينو</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4222>الدليل الأول:</span>\n(١٩٥٢ - ٤١٢) ما رواه البخاري من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة،\nعن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (٦/ ١٧١)، البناية (٤/ ٦٥٨)، تبيين الحقائق (٢/ ٢٦٨)، شرح فتح القدير (٤/ ٢١١). وانظر في مذهب الحنابلة: الكافي (٣/ ١٤٥)، الإنصاف (٨/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\nانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (٤/ ١٩)، الخرشي (٤/ ١٢)، المنتقى للباجي (٤/ ٦٧)، مختصر خليل (ص ١٤٧)، القوانين الفقهية (ص: ١٥٤)، الكافي، ابن عبد البر (ص: ٢٧٦)، الشرح الصغير (١/ ٤٤١).\nوانظر قول الشافعي في الجديدفي: الأم (٥/ ١٩٨)، روضة الطالين (٧/ ٣٧٥)، نهاية المحتاج (٦/ ٣٩٧).\nوانظر رواية أحمد في: الكافي لابن قدامة (٣/ ١٤٥)، الإنصاف (٨/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\n(^٢) كشاف القناع (٥/ ٢١٦) الفروع (٥/ ٣٤٦).\n(^٣) مغني المحتاج (٣/ ٢٦٨) روضة الطالبين (٧/ ٣٧٥) منهاج الطالبين مطبوع بهامش مغني المحتاج (٣/ ٢٦٨).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٢/ ٣٠٦)، الاختيارات الفقهية (ص: ٢١١)، الجامع للاختيارات (٢/ ٦٦٣).","vol":"9","page":202},{"text":"رسول الله ﷺ: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٢٧٣).\nواختلف فيه خالد الحذاء:\nفرواه عبد الوهاب الثقفي كما في صحيح البخاري (٥٢٧٣)، وسنن النسائي (٣٤٦٣)، والمعجم الكبير للطبراني (١١/ ٣٤٧) ح ١١٩٦٩، وسنن البيهقي (٧/ ٣١٣) عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس، موصولًا.\nورواه خالد بن عبد الله الطحان كما في صحيح البخاري (٥٢٧٤)، وسنن البيهقي الكبرى (٧/ ٣١٣) عن خالد الحذاء، عن عكرمة أن أخت عبد الله بن أبي ... وذكر نحو حديث الثقفي، وفيه: (وقال: تردين حديقته؟ قالت نعم: فردتها، وأمره يطلقها).\nقال البخاري: وقال إبراهيم بن طهمان عن خالد عن عكرمة عن النبي ﷺ وطلقها، فهذا خالد الطحان، وإبراهيم بن طهمان روياه عن خالد الحذاء عن عكرمة مرسلًا.\nورواه سعيد بن أبي عروبة، كما في سنن ابن ماجه (٢٠٥٦)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣١٠) ح ١١٨٣٤ و(٢٤/ ٢١١) ح ٥٤١، والسنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٣١٣)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٧٥٥٢).\nوهمام كما في السنن الكبرى (٧/ ٣١٣) كلاهما عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولة.\nكما رواه أيوب بن أبي تميمة، عن عكرمة، موصولًا ومرسلًا.\nأما الرواية الموصولة فأخرجها البخاري (٥٢٧٦) وابن الجاورد في المنتقى (٧٥٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣١٣)، من طريق جرير بن حازم،\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢١١) ح ٥٤٢ من طريق حماد بن سلمة،\nوأخرجه ابن الجارود في المنتقى (٧٥٠) من طريق إبراهيم بن طهمان، ثلاثتهم عن أيوب، عن عكرمة،\nعن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر. فقال رسول الله ﷺ: فتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فرددت عليه، وأمره ففارقها.\nويحمل قوله: (ففارقها) أي طلقها بحسب رواية خالد الحذاء، ولو كان مجرد رد الحديقة تحصل به الفرقة لما احتاج إلى قوله: (وأمره ففارقها)، والله أعلم.\nولم يذكر إبراهيم بن طهمان في آخره وفرق بينهما.\nورواه حماد بن زيد كما في صحيح البخاري (٥٢٧٧)، ووهيب كما في سنن البيهقي (٧/ ٣١٣)، عن أيوب، عن عكرمة أن حبيبة ... فذكره مرسلًا، .","vol":"9","page":203},{"text":"وجه الاستدلال:\nلو كان مجرد قبول العوض تحصل به الفرقة ويكون فسخًا، لما أمره بطلاقها بعد قبوله الحديقة.\n• والجواب:\nأن هذا الحديث يصلح ردًا لمن قال: إن الخلع فسخ ولو نوى به الطلاق ما دام قد دخله المال، أما من قال: إن الخلع فسخ بشرط ألا ينوي به الطلاق فلا يكون الحديث حجة عليه؛ لأن هذا قد ذكر به صريح الطلاق. قال الحافظ في الفتح: «قوله: (طلقها) يحتمل أن يراد طلقها على ذلك، فيكون طلاقًا صريحًا على عوض، وليس البحث فيه، إنما الاختلاف فيما إذا وقع لفظ الخلع أو ما كان في حكمه من غير تعرض لطلاق بصراحة ولا كناية، هل يكون الخلع طلاقًا أو فسخًا؟ (^١).\nوأجاب الشوكاني على هذا الحديث في النيل: «وأجيب بأنه ثبت من حديث المرأة صاحبة القصة عند أبي داود والنسائي ومالك في الموطأ بلفظ: (وخل سبيلها). وصاحب القصة أعرف بها.\nوأيضًا ثبت بلفظ الأمر بتخلية السبيل من حديث الرُّبيِّع وأبي الزبير كما ذكره المصنف» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4223>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٥٣ - ٤١٣) روى الدارقطني من طريق محمد بن أبي السري، أخبرنا رواد، أخبرنا عباد بن كثير، عن أيوب، عن عكرمة،\nعن ابن عباس أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة.\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٥٠٣).\n(^٢) نيل الأوطار (٦/ ٢٦٥).","vol":"9","page":204},{"text":"[ضعيف جدًّا، والثابت عن ابن عباس خلافه كما سيأتي] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4224>الدليل الثالث:</span>\n(١٩٥٤ - ٤١٤) روى مالك في الموطأ، عن نافع،\nأن ربيع بنت معوذ بن عفراء جاءت هي وعمها إلى عبد الله بن عمر، فأخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان بن عفان، فبلغ ذلك عثمان بن عفان فلم ينكره، وقال عبد الله بن عمر: عدتها عدة المطلقة (^٢).\n[صحيح، ولا حجة فيه؛ لاختلاف الصحابة].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4225>الدليل الرابع:</span>\n(١٩٥٥ - ٤١٥) روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جمهان - مولى الأسلميين- عن أم بكرة الأسلمية، أنها اختلعت من زوجها عبدالله بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا، فهو ما سميت (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (٤/ ٤٥، ٤٦).\nورواه أبو يعلى في معجمه (٢٣٠)، والبيهقي في السنن (٧/ ٣١٦) من طريق عبدالله بن عبد الصمد بن أبي خداش.\nورواه تمام في فوائده (٧٢٨) من طريق الحسن بن قتيبة، كلاهما عن أبي عصام رواد بن الجراح به.\nوفي إسناده: رواد ضعيف الحديث، وشيخه عباد بن كثير، ضعيف جدًّا، وكانت صالحًا، ولكن فيه غفلة. قال فيه أحمد: روى أحاديث كذب، وكان صالحًا. وقال فيه النسائي: متروك.\nقال البيهقي: «تفرد به عباد بن كثير البصري، وقد ضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، وتكلم فيه شعبة بن الحجاج، وكيف يصح ذلك ومذهب ابن عباس وعكرمة بخلافه، على أنه يحتمل أن يكون المراد به إذا نوى به طلاقًا، أو ذكره.\n(^٢) الموطأ (٢/ ٥٦٦).\n(^٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٦٣)، والموطأ برواية أبي مصعب الزهري (١٦١٣).\n(^٤) ورواه الشافعي في مسنده (٢٧٦) عن مالك. ...\nورواه ابن أبي شيبة (١٨٤٢٣) من طريق وكيع،\nورواه وأيضًا (١٨٤٢٥) من طريق حفص بن غياث،\nورواه الدارقطني (٣/ ٣٢١) من طريق سفيان، كلهم عن هشام به.\nوفي إسناده: جمهان مولى الأسلاميين. ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ١١٨).\nوذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة. تهذيب التهذيب (٢/ ٩٥).\nوذكره ابن أبي حاتم: ولم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٢/ ٥٤٦).\nقال علي بن المديني: أمي من ولد عباس بن جمهان. ثقات ابن حبان (٤/ ١١٨).\nوقال أبو حاتم: هو جد جدة علي بن المديني ابنة عباس بن جمهان. الجرح والتعديل (٢/ ٥٤٦).\nوقال ابن القيم: جمهان الرواي لهذه القصة، عن عثمان، لا نعرفه بأكثر من أنه مولى الأسلميين.\nوقال ايضًا: طعن فيه أحمد، والبيهقي وغيرهما. قال شيخنا - يعني ابن تيمية - وكيف يصح عن عثمان، وهو لا يرى فيه عدة، وإنما يرى فيه الاستبراء بحيضة، فلو كان عنده طلاقًا لأوجب فيه العدة. زاد المعاد (٥/ ١٩٩).","vol":"9","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4226>الدليل الخامس:</span>\n(١٩٥٦ - ٤١٦) روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا ابن ادريس، عن موسى بن مسلم، عن مجاهد، قال:\nقال علي: إذا خلع الرجل أمر أمراته من عنقه، فهي واحدة، وإن اختارته.\n[إسناده منقطع، مجاهد لم يسمع من علي] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4227>الدليل السادس:</span>\n(١٩٥٧ - ٤١٧) روى ابن ابي شيبة، قال: أخبرنا وكيع وابن عيينة، عن ابن أبي ليلى، عن طلحة، عن إبراهيم،\nعن عبد الله، قال: لا تكون تطليقة بائنة إلا في فدية أو إيلاء.\n_________\n(^١) المصنف (١٨٤٣٣)، وموسى بن مسلم، هو الطحان الصغير، فات المزي أن يذكر من شيوخه مجاهدًا، وقد نص البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢٩٦)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ١٥٨) على سماعه من مجاهد، لكن قد نص يحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي وأبو زرعة على أن مجاهدًا لم يسمع من علي. انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٢٠٤، ٢٠٦). والله أعلم.","vol":"9","page":206},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4228>الدليل السابع:</span>\nقال ابن حجر: حجة الجمهور أنه لفظ لا يملكه إلا الزوج فكان طلاقًا ولو كان فسخًا لما جاز على غير الصداق كالإقالة (^٢).\nويقابل هذا النظر بنظر آخر. ولو كان الخلع طلاقًا لما كان على عوض، ولو كان الخلع طلاقًا لحق له أن يراجعها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4229> أدلة القائلين بأن الخلع فسخ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4230>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن: قال الله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ)، [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠] فهذه ثلاث تطليقات.\nوقال بينهما: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) فذكر الله الخلع بين الطلاق، ولو كان الخلع طلاقًا، لكان الطلاق أربعًا. وهذا من أقوى الأدلة.\n(١٩٥٨ - ٤١٨) روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو يعني ابن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس قال: إنما فرقة وفسخ، وليس بطلاق، وذكر الله الطلاق في أول الآية، وفي آخرها، والخلع بين ذلك، فليس بطلاق: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ\n_________\n(^١) المصنف (١٨٤٢٩) وفيه ابن أبي ليلى، وسيء الحفظ، كما أن إبرهيم لم يسمع من عبد الله بن مسعود. واختلف على ابن أبي ليلي:\nفرواه وكيع وابن عيينة كما سبق في متن الباب.\nورواه علي بن هاشم، كما في المصنف (٤/ ١٢٢) عن ابن أبي ليلي، عن علقمة، عن عبد الله، فوصله، والمحفوظ رواية وكيع وابن عيينة، وأخشى أن يكون الخطأ من ابن أبي ليلى، فإنه سيء الحفظ. والله أعلم.\n(^٢) انظر: فتح الباري شرح حديث (٥٢٧٧).","vol":"9","page":207},{"text":"أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ٢٢٩] (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4231>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٥٩ - ٤١٩) ما رواه عبدالرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة -أحسبه- عن ابن عباس، قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق، يعني الخلع (^٣).\n[صحيح].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4232>الدليل الرابع:</span>\n(١٩٦٠ - ٤٢٠) ما رواه الترمذي من طريق الفضل بن موسى، عن سفيان، أنبأنا محمد بن عبدالرحمن، وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار،\nعن الربيع بنت معوذ بن عفراء، أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النبي ﷺ، أو أمرت أن تعتد بحيضة.\nقال أبو عيسى: حديث الربيع، الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة (^٤).\n[صحيح، إلا أن المحفوظ أن الآمر لها عثمان بن عفان ﵁] (^٥).\n_________\n(^١) المصنف (٤/ ١٢٣) رقم ١٨٤٤٥.\n(^٢) ورواه عبدالرزاق في المصنف (١١٧٧١)، والبيهقي (٧/ ٣١٦).\n(^٣) مصنف عبد الرزاق (١١٧٧٠).\n(^٤) سنن الترمذي (١١٨٥).\n(^٥) أخرجه الترمذي (١١٨٥)، وابن الجارود في المنتقى (٧٦٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٥٠) من طريق الفضل بن موسى، عن سفيان به، بلفظ: (فأمرها النبي ﷺ أو أمرت أن تعتد بحيضة) على الشك.\nوأخرجه البيهقي أيضًا (٧/ ٤٥٠) من طريق وكيع، عن سفيان به، بلفظ: (فأمرت أن تعتد بحيضة).\nفقول الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة، ومعناه أن الترمذي يرجح لفظ البناء للمجهول على لفظ: فأمرها النبي ﷺ.\nوكذلك رجح البيهقي، فإنه قال عقب رواية وكيع: «وهذا أصح، وليس فيه من أمرها، ولا على عهد النبي ﷺ، وقد روينا في كتاب الخلع، أنها اختلعت من زوجها زمن عثمان بن عفان ﵁.\nقلت: قد أخرج النسائي (٦/ ١٨٦ - ١٨٧)، وابن ماجه (٢٠٨٥) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٦٥) ح ٦٧٢، من طريق إبراهيم بن سعد،\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢٥/ ٤٢) ح ٨٠ من طريق يونس بن بكير، كلاهما عن ابن إسحاق، قال إبراهيم بن سعد: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الربيع بن معوذ به، وفيه التصريح بأن زمن خلعها كان على عهد عثمان. وسنده حسن.\nكما أخرجه ابن أبي شيبة (١٨٤٥٦)، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن الربيع اختلعت من زوجها، فأتى عمها عثمان، فقال: تعتد بحيضة. وهذا سند على شرط الشيخين.","vol":"9","page":208},{"text":"وله شاهد من حديث ابن عباس.\n(١٩٦١ - ٤٢١) رواه أبو داود من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس، اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة (^١).\n[عمرو بن مسلم فيه لين، وقد اختلف على معمر في وصله وإرساله] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٢٢٩).\n(^٢) اختلف فيه على معمر ..\nفرواه هشام بن يوسف كما في سنن الترمذي (١١٨٥)، ومستدرك الحاكم (٢/ ٢٠٦)، والمعجم الكبير للطبراني (١١/ ٢٠٧)، وسنن الدارقطني (٣/ ٢٥٦)، وسنن البيهقي (٦/ ٤٥٠)، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.\nوخالفه عبدالرزاق كما في المصنف (١١٨٥٨)، ومستدرك الحاكم (٢/ ٢٠٦)، وسنن البيهقي (٧/ ٤٥٠)، وسنن الدارقطني (٣/ ٢٥٦) عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا.\nقال أبو زرعة عن هشام بن يوسف، وعبدالرزاق. ومحمد بن ثور: كان هشام أكبرهم، وأحفظهم، وأتقنهم. اهـ\nوقد يكون هذا الاختلاف من عمرو بن مسلم، قال فيه أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال مرة: ليس بذاك.\nوقال النسائي: ليس بالقوي. وضعفه يحيى بن سعيد القطان، وابن معين.","vol":"9","page":209},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال الخطابي في معالم السنن: «وهذا - يعني كون عدتها حيضة - أدل شيء، على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق، وذلك أن الله تعالى قال: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ١٢٨]. فلو كانت مطلقة لم يقتصر على قرء واحد» (^١).\nوقال ابن القيم في تهذيب السنن عن كون عدتها حيضة قال: «وهذا مقتضى القياس، فإنه استبراء لمجرد العلم ببراءة الرحم، فكفت فيه حيضة كالمسبية، والأمة المستبرأة، والحرة، والمهاجرة، والزانية إذا أرادت أن تنكح».اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4233>الدليل الرابع:</span>\nمن النظر: لو كان الخلع طلاقًا لكان فيه الرجعة (^٢).\nورد: بأنه لما أخذ من المطلقة عوضًا، وكان من ملك عوض شيء خرج من ملكه، لم تكن له رجعة فيما ملك عليه، فكذلك المختلعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4234>الدليل الخامس:</span>\nقال ابن القيم في زاد المعاد: «الذي يدل على أنه ليس بطلاق، أن الله ﷾ رتب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام:\nأحدها: أن الزوج أحق بالرجعة فيه.\nالثاني: أنه محسوب من الثلاث.\nالثالث: أن العدة فيه ثلاثة قروء. وقد ثبت بالنص والإجماع، أنه لارجعة في الخلع، وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة.\nثم قال: وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق دل على أنها من غير جنسه، فهذا مقتضى النص والقياس، وأقوال الصحابة، ثم من نظر إلى حقائق العقود\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ١٤٤).\n(^٢) الاستذكار (١٧/ ١٨٦).","vol":"9","page":210},{"text":"ومقاصدها دون ألفاظها يعد الخلع فسخًا بأي لفظ كان، حتى بلفظ الطلاق، ومن اعتبر الألفاظ ووقف معها واعتبرها في أحكام العقود، جعله بلفظ الطلاق طلاقًا، وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها، لا صورها وألفاظها، وبالله التوفيق، ومما يدل على هذا أن النبي ﷺ أمر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة، ومع هذا أمرها أن تعتد بحيضة، وهذا صريح في أنه فسخ، ولو وقع بلفظ الطلاق (^١).\nولا يظهر لي أن العدة لما كانت حيضة دل ذلك على أنه فسخ، بل لما كانت المرأة في عدتها بائنة لم تحتج أن تعتد بثلاثة قروء، فيكفى في ذلك حيضة واحدة دليلًا على براءة رحمها. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4235> دليل من قال الخلع فسخ إلا إن نوى به الطلاق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4236>الدليل الأول: الإجماع</span>.\nنقل ابن حجر في الفتح، عن الطحاوي الإجماع على أنه إذا نوى بالخلع الطلاق وقع الطلاق، وأن محل الخلاف فيما إذا لم يصرح بالطلاق ولم ينوه (^٢).\nوذكر مثله ابن قدامة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4237>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٦٢ - ٤٢٢) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:\nسمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على المنبر قال سمعت رسول الله يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ٣٦).\n(^٢) الفتح (٥٢٧٧).\n(^٣) المغني (١٠/ ٢٧٥).","vol":"9","page":211},{"text":"أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4238>الدليل الثالث: من النظر:</span>\nقال ابن قدامة: إذا نوى بالخلع الطلاق، فقد أتى بكناية الطلاق، فكان طلاقًا (^٢).\n• الراجح:\nأرى أن الخلع لا يكون طلاقًا بأي لفظ وقع الخلع، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، وقال: بالنية.\n(^٢) المغني (١٠/ ٢٧٥).","vol":"9","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4239>الباب السابع في أحكام المستحاضة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4240>تمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4241>المبحث الأول في تعريف الاستحاضة</span>\nتعريف الاستحاضة اصطلاحًا (^١):\nعرفها العيني من الحنفية، فقال: «اسم لما نقص عن أقل الحيض، أو زاد على أكثره» (^٢).\nوهذا التعريف مبني على التسليم في أن الحيض له أقل وأكثر .. وهي مسألة فيها نزاع، سبق وأن حررته في مسائل الكتاب.\nوقال في الاختيار لتعليل المختار: «الاستحاضة: الدم الخارج من الفرج دون الرحم» (^٣).\n_________\n(^١) الاستحاضة: يقال للمرأة: استحيضت، فهي مستحاضة، وهو استفعال من الحيض،\nويقال حاضت المرأة وتحيضت تحيض حيضًا ومحاضًا ومحيضًا: إذا سال الدم منها في أوقات معلومة، فإذا استمر الدم بالمرأة بعد أيام حيضها المعتاد قيل: استحيضت فهي مستحاضة. انظر اللسان (٧/ ١٤٢)، المصباح (ص: ٨٥).\n(^٢) البناية (١/ ٦١٤).\n(^٣) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٦).","vol":"9","page":213},{"text":"وهذا تعريف: لا أراه وافيًا بالمقصود، ولا مطابقًا لما جاء عن الأطباء فإن الاستحاضة دم عرق، وقد يكون من الفرج، وقد يكون من أدنى الرحم، وقد يكون أعلاه (^١)،\nالمهم أن دم الاستحاضة دم مرض وعلة، فمن أين كان مصدره، فهو غير دم الجبلة والطبيعة.\n_________\n(^١) انظر أحكام المراة الحامل - الخطيب (ص: ١٤).\nوقد ذكر الدكتور عبد الله بن عبدالمحسن الطريقي في كتابه أحكام مباشرة النساء، نقلًا من:  principles Gynecology Fourth Edition\nقال: «الاستحاضة تعني نزول دم من خلال فرج المرأة في وقت غير الحيض المألوف، وذلك من مصادر مختلفة، وهي مايلي:\n١ - وجود أورام بجسم الرحم، مثل ورم ليفي خاصة إذا تكون وانبعج من خلال جدار الرحم، مما يؤدي إلى تقلص الرحم في محاولة جادة منه -بمشيئة الله- إلى إخراج هذا الورم من جوف الرحم. وفي هذه الحالة تحدث استحاضة في غير موعد العادة.\n٢ - وجود ورم خبيث بجسم الرحم يؤدي إلى خروج الدم بغير انتظام في أوقات غير أوقات الحيض المألوفة.\nويحدث هذا في الغالب لدى النساء المسنات في عمر الستين فما فوق.\n٣ - وجود قرحة بعنق الرحم، وهي توجد لدى كثيرمن النساء خاصة المرضعات والحوامل، أو اللائي يستعملن حبوب منع الحمل لمدة طويلة.\n٤ - وجود ورم خبيث في عنق الرحم يؤدي إلى نزول الدم في غير أوقات العادة بدون سبب ظاهر، يصاحبه قيح ورائحة متعفنة، وقد يخرج أثناء الجماع، أو عقبه.\n٥ - وجود التهابات أو أورام أو أجسام غريبة في الفرج، وهذا يحدث غالبًا عند النساء المسنات، أو الفتيات قبل البلوغ، ومرات قليلة لدى النساء فيما بين ٩ - ٥٥ سنة، لاستعمالهن ما يسمى بالمطهرات لحماية الفرج من الإفرازات اعتقادًا منهن بأن هذه الإفرازات ضارة. والعكس صحيح؛ إذ أن المطهرات تعيق الإفرازات الحمضية عن أداء دورها الطبيعي، وتحدث نزيفًا إلى خارج الفرج.\n٦ - وجود التهابات، أو أورام بفتحة الفرج، تحدث نزيفًا لدى المرأة.\n٧ - يحدث كثيرًا خروج دم يسير جدًّا من عنق الرحم عند الكشف، أو عند أخذ عينة أو مسحة من عنق الرحم. ومثل هذا لا ضرر منه. اهـ\nوهناك سبب آخر، وهو العامل الوراثي، ولذا نجد بنات جحش كلهن أو غالبهن استحيضت، وتكراره في بيت واحد يؤكد أن العامل الوراثي له دور في هذا بإذن الله. والله أعلم».","vol":"9","page":214},{"text":"تعريف المالكية:\nعرفها ابن رشد في المقدمات: «ما زاد على دم الحيض والنفاس. وهو دم علة وفساد» (^١).\nتعريف الشافعية:\nقال في مغني المحتاج: «الاستحاضة دم علة يسيل من عرق من أدنى الرحم يقال له العاذل، وسواء خرج إثر حيض أو لا» (^٢).\nسبق أن بينت أن دم الاستحاضة أسبابه كثيرة، فقد يكون المرض من الرحم، وقد يكون المرض من الفرج، وقد يكون من أدنى الرحم أو من أقصاه، فلا يصح التحديد بأنه من أدنى الرحم.\nتعريف الحنابلة:\nقال في كشاف القناع «سيلان الدم في غير أوقاته، من مرض وفساد من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل» (^٣).\nالعلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي:\nقول ابن رشد فيما تقدم عن دم الاستحاضة: ما زاد على دم الحيض والنفاس فيه نظر؛ لأن العادة قد تزيد كما بيناه في باب الطوارئ على الحيض. لكن المعنى اللغوي واضح أن الاستحاضة ليست مجرد زيادة الدم على العادة. فقد جاء في اللسان: «المستحاضة التي لا يرقأ دم حيضها» (^٤).\nوقوله أيضًا: أن يستمر بالمرأة خروج الدم. فالاستحاضة في الحقيقة هي استمرار الدم على المرأة بحيث لا ينقطع عنها أبدًا، أو يكون انقطاعه عنها مدة يسيرة.\n_________\n(^١) المقدمات (١/ ١٢٤).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ١٠٨).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ١٩٦).\n(^٤) اللسان (٧/ ١٤٢).","vol":"9","page":215},{"text":"وهذا المعنى اللغوي هو الذي تؤيده الأحاديث الشرعية ومنها حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش.\n(١٩٦٣ - ٤٢٣) فقد رواه البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت:\nيا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفادع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي. وأخرجه مسلم (^١).\nالشاهد قولها: إني أستحاض فلا أطهر.\nوقول أهل اللسان والفقه يخرج من عرق، جاء مرفوعًا، من حديث عائشة المتقدم، ومن حديثها في قصة استحاضة أم حبيبة وهو في الصحيحين رواه البخاري، ومسلم (^٢).\n(١٩٦٤ - ٤٢٤) وأما تسمية أهل اللسان والفقه للعرق بالعاذل، فقد روى أبو عبيد في غريبه (^٣)، أخبرنا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار،\nعن ابن عباس: أنه سئل عن المستحاضة، فقال: ذلك العاذل يغذو.\n[حسن] (^٤).\nقال أبو عبيد: العاذل: اسم العرق الذي يخرج منه دم الاستحاضة (^٥).\nوقوله: يغذو. أي يسيل. ويقال له: عرق عاند.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٦٢ - ٣٣٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٢٧)، ومسلم (٣٣٤).\n(^٣) غريب الحديث (٤/ ٢٣٤).\n(^٤) رجاله ثقات إلا عمار بن أبي عمار صدوق ربما أخطأ.\n(^٥) تهذيب اللغة (٢/ ١٩١).","vol":"9","page":216},{"text":"(١٩٦٥ - ٤٢٥) فقد روى النسائي، قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله ﷺ، قيل لها: إنه عرق عاند، فأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا واحدًا (^١).\n[رجاله ثقات إلا أنه معلول بالإرسال، وسيأتي تخريجه في أحكام الاستحاضة].\n(١٩٦٦ - ٤٢٦) وأخرج أبو عبيد، قال: أخبرنا أبو النضر، عن شعبة، عن مجاهد،\nعن ابن عباس قال: إنه عرق عاند، أو ركضة من الشيطان (^٢).\nقال: وقوله: «عاند» قال أبو عبيد: العرق العاند الذي عَنَد وبغى كالإنسان يعاند عن القصد، فهذا العرق في كثرة ما يخرج من الدم بمنزلته، شبه به لكثرة ما يخرج منه على خلاف عادته.\nوعَنَد العرق وعَنُد: سال فلم يكد يرقأ. وأعند أنفه كثر سيلان الدم منه. ودم عاند يسيل جانبًا. اهـ بتصرف (^٣).\nوكونه دم علة وفساد، فمعناه: أنه ليس كدم الحيض، فدم الحيض دم جبلة وطبيعة يرخيه الرحم بعد البلوغ في أوقات معتادة بينما دم الاستحاضة دم عارض لمرض فكون العرق ينفجر وينزف منه الدم ذلك دليل على علة في المرأة.\nتعريف الاستحاضة في الطب:\nجاء في توصيات الندوة الثالثة للفقه الطبي المنعقدة في الكويت: أن كل دم\n_________\n(^١) سنن النسائي (٢١٣)، انظر تخريجه ح: (٢٠١١).\n(^٢) غريب الحديث (٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(^٣) تاج العروس (٥/ ١٢٩).","vol":"9","page":217},{"text":"مرضي غير سوي استحاضة.\nوأسبابها المرضية شتى (^١).\nهذا ما تيسر في شرح تعريف الاستحاضة.\n* * *\n_________\n(^١) أحكام المرأة الحامل - الخطيب (ص: ١٤).","vol":"9","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4242>المبحث الثاني في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الدم الخارج من الفرج ثلاثة: دم حيض، ودم نفاس، ودم فساد، ويقال له دم استحاضة.\n• كل دم لم يتقدمه طهر صحيح، أو زاد على أكثر الحيض فهو استحاضة.\n• كل دم تراه المرأة فهو حيض إذا تقدمه طهر صحيح حتى نتيقن أنه استحاضة؛ لأن الاستحاضة مرض والأصل الصحة.\n• ما جاوز أكثر الحيض فهو استحاضة؛ لأن للأكثر حكم الكل.\n• كل ما يقطع النساء أن مثلها لا يمكن أن تحيض فهو دم فساد واستحاضة.\n• كل امرأة لا يمكن أن تحمل إما لصغرها، وإما لهرمها فما تراه من الدم لا يمكن أن يكون حيضًا.\n• كل دم لا يكون حيضًا، ولا نفاسًا فهو دم استحاضة وفساد.\n• ما تراه العجوز من الدم بعد اليأس منه لا يكون حيضًا لتعذر الحمل، وهو دم فساد على الصحيح.\n• كل دم لا يكون عن نفاس، ولا عن علة فهو دم حيض بشرط أن يسبقه طهر صحيح.","vol":"9","page":219},{"text":"[م-٧٧٩] لا شك أن هناك فرقًا بين دم الحيض ودم الاستحاضة؛ لأن الشارع فرق بينهما في الأحكام، ولو كانا متماثلين لما فرق بينهما وسوف أسوق في هذا الفصل الفرق بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة سواء من خلال الأحاديث المرفوعة إن أمكن، أو من كلام أهل الفقه.\nفالشرع صرح بأن الاستحاضة دم عرق .. إشارة إلى أن ذلك كالنزيف من هذا العرق الذي انفجر.\nأما الحيض فهو دم جبلة وطبيعة، والحيض في نظر الأطباء وأهل الاختصاص ينزل من الغشاء المبطن لجدار الرحم في حالة عدم حدوث إخصاب للبويضة فبعد خروج البويضة من المبيض، يتأهب الغشاء المبطن لجدار الرحم، ويستعد لاستقبال وغرس البويضة الملقحة، فإذا لم يحدث جماع يؤدي إلى إخصاب البويضة، ينهدم هذا الغشاء، وينزل على شكل دم، ولهذا أطلق على دم الحيض، بأنه دموع الغشاء المبطن لجدار الرحم حزنًا لما أصابه من خيبة أمل (^١).\n• ومن الفروق المحسوسة بين دم الحيض ودم الاستحاضة:\nالأول: اللون.\nفدم الحيض دم يميل إلى السواد، ودم الاستحاضة أحمر يميل إلى الصفرة.\n(١٩٦٧ - ٤٢٧) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا يزيد بن زريع، عن خالد، عن عكرمة\nعن عائشة ﵂ قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة من أزواجه فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي (^٢).\n_________\n(^١) منقول من كتاب الحيض لإبراهيم الجمل (ص ١٣) نقله من مذكرات طبية للدكتور أحمد إسماعيل الجراح بمستشفى أحمد ماهر بالقاهرة.\n(^٢) صحيح البخاري (٢٠٣٧).","vol":"9","page":220},{"text":"قال ابن رجب في شرحه للبخاري: وفي حديث عائشة ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عن دم الحيض بلونه وصفرته (^١).\n(١٩٦٨ - ٤٢٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن خالد -يعني الحذاء- عن أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني، فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار فلتغتسل ولتصل (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nقال ابن الأثير: «دم بحراني: شديد الحمرة، كأنه نسب إلى البحر، وهو اسم قعر الرحم».\nوفي تاج العروس: «دم بحراني: أي أسود، نسب إلى بحر الرحم، وهو عمقه. وقال قبل: البحر: عمق الرحم وقعرها، ومنه قيل للدم الخالص الحمرة بحراني» (^٤).\nوقال ابن رجب: البحراني: هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد (^٥).\n(١٩٦٩ - ٤٢٧) وروى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد -يعني: ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ: إذا كان\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٨٢).\n(^٢) المصنف (١٣٦٧).\n(^٣) ورواه الأثرم عن أحمد كما في شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٧٦). والدارمي (٨٠٠) عن ابن علية.\nورواه الدرامي (٨٠١) حدثنا يزيد بن زريع، كلاهما عن خالد الحذاء به.\nوقال البيهقي في السنن (١/ ٣٤٠): «وقرأته في كتاب ابن خزيمة، عن زياد بن أيوب، عن\nابن علية ...» وذكر إسناده. وانظر ح: (١٦٠٢)\n(^٤) تاج العروس (٦/ ٥٢، ٣٥).\n(^٥) شرح ابن رجب (٢/ ١٧٦).","vol":"9","page":221},{"text":"دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (^١).\n[الحديث إسناده منقطع، ومتنه منكر] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٠٤).\n(^٢) الحديث فيه اختلاف في إسناده ومتنه، وله أكثر من علة:\nالعلة الأولى: التفرد حيث تفرد به محمد بن عمرو بهذا الأصل عن ابن شهاب، ولا يحتمل تفرده بمثل ذلك.\nقال الدارقطني في العلل (١٤/ ١٤٢): «أما الزهري فتفرد بهذا الحديث عنه محمد بن عمرو بن علقمة».\nوإذا اطلعت على ترجمة محمد بن عمرو لم تجده بالمتين الذي يعتمد على تفرده بمثل هذا الأصل.\nقال ابن معين عنه: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له: وما علة ذلك؟\nقال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. الجرح والتعديل (٨/ ٣٠).\nوقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه، هو شيخ. الجرح والتعديل (٨/ ٣٠).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطيء. الثقات (٧/ ٣٧٧).\nوقال ابن سعد: كان كثير الحديث، يستضعف. الطبقات الكبرى (٥/ ٤٣٣).\nوقال يعقوب بن شيبة: هو وسط، وإلى الضعف ما هو. تهذيب التهذيب (٩/ ٣٣٣).\nوقال علي: قلت ليحيى - يعني ابن القطان -: محمد بن عمرو كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا: بل أشدد. قال: ليس هو ممن تريد، كان يقول حدثنا أشياخنا أبو سلمة ويحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب. قال يحيى: وسألت مالكًا عنه، فقال فيه نحو مما قلت لك. الكامل (٦/ ٢٢٤)، تهذيب الكمال (٢٦/ ٢١٢).\nوقال النسائي: ليس به بأس. تهذيب التهذيب (٩/ ٣٣٣) وقال في موضع آخر: ثقة. المرجع السابق. وفي التقريب: صدوق له أوهام.\nالعلة الثانية: أن هذا الحديث مخالف في لفظه لأحاديث الصحيحين في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش.\nذلك أن قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش في دوواين السنة محفوظة، فرواها محمد بن عمرو وذكر فيها أن النبي ﷺ قال لها: إن دم الحيض دم أسود يعرف.\nفهو صريح أولًا بردها إلى التمييز. =","vol":"9","page":222},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وثانيًا: أن ما عدا الدم الأسود ليس بحيض.\nوكل من روى قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش في الصحيحين وفي غيرهما لم يذكر أحد منهم قوله: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) إلا محمد بن عمرو، وهو ممن لا تحتمل مخالفته، وقد رد الرسول ﷺ فاطمة إلى عادتها، وليس إلى التمييز بين الأسود وغيره.\nفروى البخاري (٣٠٦) من طريق مالك عن هشام عن عروة عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش يا رسول الله إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة. فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي.\nفقوله (فإذا ذهب قدرها) صريح باعتبار العادة ...\nقال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ٥٨): «والأظهر -والله أعلم- أن النبي ﷺ إنما ردها إلى العادة لا إلى التمييز، لقوله: (فإذا ذهب قدرها)».اهـ\nورواه البخاري (٣٢٥): من طريق أبي أسامة عن هشام به بلفظ: (ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها).\nورواه أبو عوانة عن هشام به عند ابن حبان (١٣٥٥): (تدع الصلاة أيامها).\nورواه البخاري (٣٢٠) من طريق ابن عيينة عن هشام به بلفظ: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي).\nورواه البخاري (٣٣١) من طريق زهير.\nومسلم (٣٣٣) من طريق وكيع، كلاهما عن هشام به بنفس لفظ ابن عيينة، إلا أنه قال: (وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم).\nوهذه الرواية علقت الحكم بإقبال الحيض وإدباره، فظاهر الحديث أنه يردها إلى التمييز، وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٥٣٩) ح ٣٠٦ حيث قال: «والحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة، تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث فتتوضأ لكل صلاة» إلخ كلامه ﵀.\nوالصحيح أنه محمول على ردها إلى العادة ولا تعارض بينه وبين ما سبق من الروايات وقوله: (فإذا أقبلت) يعني: وقت الحيضة وزمنها، وقوله: (وإذا أدبرت): أي أدبر وقتها جمعًا بينها وبين الروايات السابقة؛ لأن في رواية أبي حمزة عن هشام به عند ابن حبان (١٣٥٤): (فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين).\nففي هذه الرواية جمع بين قوله: (فإذا أقبل الحيض) وبين قوله: (فدعي الصلاة عدد أيامك) فلو كان يقصد من إقبال المحيض وإدباره التمييز، ما قال: (فدعي الصلاة عدد أيامك). =","vol":"9","page":223},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا واضح بين، فتبين من هذا التحرير أن حديث عروة عن عائشة في قصه استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش كما في الصحيحين ردها إلى العادة، بينما حديث محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة ردها إلى التمييز.\nوقد روى أحمد في المسند (٦/ ٣٢١، ٣٢٢)، وأبو داود (٢٧٨) عن عفان.\nورواه الحميدي (٣٠٤)، والطبراني في الكبير (٢٣/) ح ٩١٩، ومشكل الآثار للطحاوي (٢٧٢٣)، وسنن الدارقطني (١/ ٢٠٧) عن سفيان.\nورواه الدارقطني أيضًا (١/ ٢٠٨) من طريق عبد الوارث ثلاثتهم عن وهيب قال: حدثنا أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة بلفظ: أن فاطمة استحيضت، وكانت تغتسل في مركن لها، فتخرج، وهي عالية الصفرة والكدرة، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ، فقال: تنظر أيام قرئها، أو أيام حيضها، فتدع الصلاة، وتغتسل فيما سوى ذلك، وتستثفر بثوب، وتصلي. وهذا لفظ أحمد. ورجاله ثقات إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة، وقد سبق تخريج هذا الحديث، انظر ح (٥٩).\nوهذه قصة استحاضة فاطمة من طريق آخر غير طريق عروة، وفيه ردها إلى العادة، وليس إلى التمييز.\nوإذا تلمسنا حكم المستحاضة من غير قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، فقد روى مسلم (٦٥ - ٣٣٤) من طريق عروة، عن عائشة في قصة استحاضة أم حبيبة، وقد قال لها النبي ﷺ: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك.\nفردها إلى العادة، ولم يردها إلى التمييز بين الدم الأسود وغيره.\nفتبين أن الحكم الشرعي في المستحاضة المعتادة أنها ترد إلى عادتها، لا إلى التمييز، وتبين بهذا نكارة ما رواه محمد بن عمرو في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش.\nقال النسائي في السنن (١/ ١٢٣)، قد روى هذا الحديث غير واحد، ولم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي. اهـ يشير إلى إعلاله.\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (١١٧): «سألت أبي .. وذكر الحديث فقال أبي: لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر».\nوقال الدارقطني في العلل (١٤/ ١٠٣): «وروى محمد بن عمرو بن علقمة هذا الحديث، عن الزهري، عن عروة، عن فاطمة بنت أبي حبيش.\nوقال مرة: عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش، وأتى فيه بلفظ أغرب به، وهو قوله: إن دم الحيض دم أسود يعرف».\nالعلة الثالثة: الاضطراب في السند، فمرة حدث به محمد بن أبي عدي من كتابه فجعله عن عروة، عن فاطمة بنت أبي حبيش، وعروة لم يسمع من فاطمة. =","vol":"9","page":224},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وحدث به أخرى من حفظه فجعله عن عروة عن عائشة فوصله، والكتاب مقدم على الحفظ فيكون على هذا منقطعًا؛ لأن عروة لم يسمعه من فاطمة، وهو إسناد واحد مداره على محمد بن أبي عدي، عن محمد بن عمرو عن ابن شهاب.\nوقيل: عن ابن شهاب عن عروة عن أسماء بنت عميس، انفرد به سهيل بن أبي صالح.\nهذا الاختلاف في الإسناد.\nقال ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام (٤٥٧): «وهو فيما أرى منقطع، وذلك أنه حديث انفرد بلفظه محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن فاطمة أنها كانت تستحاض.\nفهو على ذلك منقطع؛ لأنه قد حدث به مرة أخرى من حفظه، فزادهم فيه: عن عائشة فيما بين عروة وفاطمة فاتصل، فلو كان بعكس هذا كان أبعد من الريبة -أعني أنه يحدث به من حفظه مرسلًا، ومن كتابه متصلًا- فأما هكذا فهو موضع نظر».\nتخريج الحديث:\nالحديث رواه محمد بن أبي عدي من كتابه، عن محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، عن فاطمة.\nأخرجها أبو داود (٢٨٦، ٣٠٤)، ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٣٢٥).\nوأخرجه النساني في المجتبى (٢١٥، ٣٦٢) وفي الكبرى (٢١٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٨٣)، وأبو أحمد الحاكم في فوائده (٦٦) والدارقطني (١/ ٣٢٥)، والحاكم (١/ ١٧٤)، وأبو نعيم الأصفهاني في الطب النبوي (٤٣١) عن محمد بن المثنى،\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٢٥) من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل.\nوابن المنذر في الأوسط (٣/ ٦٤) من طريق محمد بن يحيى، كلاهما (عبد الله بن أحمد، ومحمد بن يحيى) عن أحمد بن حنبل،\nوكلاهما (محمد بن المثنى وأحمد بن حنبل) روياه عن محمد بن أبي عدي عن محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة.\nقال أبو داود: قال ابن المثنى: حدثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا، ثم حدثنا به بعد حفظًا، فقال: حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة كانت تستحاض ... فذكر معناه.\nوقال نحوه النسائي (٣٦٢)، وأبو أحمد الحاكم (٦٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٨٣) والدارقطني في السنن (١/ ٣٢٥)، وأبو نعيم الأصفهاني في الطب النبوي (٤٣١).\nوقال أحمد بن حنبل كما في السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٣٢٥): «كان ابن أبي عدي حدثنا به عن عائشة، ثم تركه».اهـ\nوالذي يظهر أن ابن عدي تركه لما تردد فيه هل هو من مسند عائشة، أو من مسند فاطمة. =","vol":"9","page":225},{"text":"(١٩٧٠ - ٤٣٠) وروى الدارقطني، من طريق إبراهيم بن مهدي المصيصي، عن حسان ابن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء، عن مكحول،\nعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: أقل ما يكون المحيض عن الجارية البكر\n_________\n= ويترجح الكتاب على الحفظ من وجهين:\nالأول: أن الكتاب أضبط، لأن الوهم يتطرق إلى الحفظ بخلاف الكتاب.\nالوجه الثاني: أن رواية الكتاب هي الرواية المتقدمة، ورواية الحفظ كانت متأخرة؛ لأن محمد بن المثنى رواه عن ابن أبي عدي من كتابه، وقال: ثم حدثنا به حفظًا، والمتقدم مقدم على المتأخر. وإذا كان هذا هو المعروف فهي رواية منقطعة؛ لأن عروة لم يسمع من فاطمة بنت أبي حبيش.\nوذكر الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٧/ ١٥٤) أن أحمد بن حنبل رواه عن محمد بن أبي عدي، فأوقفه على عروة.\nقال الطحاوي: «ذكر لنا أحمد بن شعيب أنه أنكر عليه -يعني محمد بن المثنى- لما حدث به كذلك -يعني عن عائشة- وقيل له: إن أحمد بن حنبل قد كان حدث به عن محمد بن أبي عدي فأوقفه على عروة، ولم يتجاوز به إلى عائشة، فقال: إنما سمعته من ابن أبي عدي من حفظه».\nوقد سبق لنا أن البيهقي وابن المنذر في الأوسط قد روى رواية أحمد بن حنبل عن ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو، عن عروة، عن فاطمة، فالله أعلم بالصواب.\nوأما الرواية الموصولة، فهو ما حدث به ابن أبي عدي من حفظه، عن محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.\nأخرجها أبو داود (٢٨٦)، والنسائي (٢١٦، ٣٦٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٨٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٧٢٩)، وأبو أحمد الحاكم في فوائده (٦٧)، والدارقطني (١/ ٢٠٧)، وابن حبان (١٣٤٨)، والبيهقي (١/ ٣٢٦) عن محمد بن المثنى، حدثنا ابن أبي عدي - أي من حفظه - عن محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش، فوصله.\nفحين رواه ابن أبي عدي من حفظه ذكره على الجادة؛ لأن عروة مكثر من عائشة.\nورواه إبراهيم بن نافع، وجعفر بن برقان، عن الزهري مرسلًا عن النبي ﷺ، ذكر ذلك الدارقطني في العلل (١٤/ ١٠٣)، ولم أقف على لفظها. وهذه مخالفة أخرى لمحمد بن عمرو في شيخه الزهري.\nوأما رواية سهل بن أبي صالح عن ابن شهاب عن عروة عن أسماء فسوف يأتي بيان الاختلاف فيها إن شاء الله في اغتسال المستحاضة.","vol":"9","page":226},{"text":"ثلاث، وأكثر ما يكون من المحيض عشرة أيام، فإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة، تقضي ما زاد على أيام أقرائها، ودم الحيض لا يكون إلا دمًا أسود عبيطًا تعلوه حمرة، ودم الاستحاضة رقيق تعلوه صفرة، فإن أكثر عليها في الصلاة فلتحتشي كرسفًا ... الحديث (^١).\n[وفيه العلاء بن كثير وهو متروك] (^٢).\nوقال أبو داود: وقال مكحول: «إن النساء لايخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك، وصارت صفرة رقيقة، فإنها استحاضة، فلتغتسل ولتصل» (^٣).\nوساقه البيهقي مسندًا إلى أبي داود، ولم أقف على سنده إلى مكحول (^٤).\n(١٩٧١ - ٤٣١) وأخرج الدارمي، قال: حدثنا حجاج بن نصير، ثنا قرة، عن الضحاك أن امرأة سألته فقالت:\nإني امرأة أستحاض؟ فقال: إذا رأيت دمًا عبيطًا فأمسكي أيام أقرائك (^٥).\n[ضعيف من أجل حجاج].\nالفارق الثاني: أن دم الحيض ثخين، ودم الاستحاضة رقيق.\nقال الشافعي في الأم: «إذا كان الدم ينفصل، فيكون في أيام أحمر قانئًا ثخينًا محتدمًا، وأيامٍ رقيقًا إلى الصفرة، أو رقيقًا إلى القلة، فأيام الدم الأحمر القاني المحتدم الثخين أيام الحيض، وأيام الدم الرقيق أيام استحاضة (^٦).\n_________\n(^١) سنن الدارقطني (١/ ٢١٨).\n(^٢) سبق تخريجه. انظر رقم (١٥٦٩).\n(^٣) رواه أبو داود بعد حديث (٢٨٦) معلقًا.\n(^٤) سنن البيهقي (١/ ٣٢٦)، وذكره معلقًا ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٧٤).\n(^٥) سنن الدارمي (٨٠٢).\n(^٦) الأم (١/ ٦١).","vol":"9","page":227},{"text":"قال الماوردي في الحاوي: «المحتدم هو الحار المحترق، مأخوذ من قولهم: يوم محتدم، إذا كان شديد الحر، ساكن الريح» (^١).\nقلت: جاء في تاج العروس: «احتدم فلان عليه غيظًا إذا تحرق، وكذا احتدم صدره: أي تغيظ وتحرق. وفي التهذيب: كل شيء التهب فقد احتدم. واحتدم الدم: اشتدت حمرته حتى يسود» (^٢). وهذا موضع الشاهد.\nفإذًا المقصود بالدم المحتدم إذا كان حارًا، وقد اشتدت حمرته حتى مال إلى السواد.\nوقال الخرقي في مختصره كما في المغني: «فمن طبق بها الدم، فكانت ممن تميز، فتعلم إقباله، بأنه أسود ثخين منتن، وإدباره رقيق أحمر، تركت الصلاة في إقباله، فإذا أدبر اغتسلت وتوضأت لكل صلاة وصلت» (^٣).\nولا أعلم دليلًا على اعتبار كونه ثخينًا إلا أن يكون الاستدلال من حيث الواقع، أما شيء مرفوع فلا أعلم.\nنعم جاء في كتب الأطباء ما يبين سبب ثخونة دم الحيض، وذلك أن دم الحيض ليس مجرد دم فقط، بل إن الدم ينزل ومعه قطع من الغشاء المبطن للرحم مفتتة (^٤).\nالفارق الثالث: الرائحة.\nفدم الحيض منتن، كريه الرائحة، ودم الاستحاضة لا رائحة له.\nوممن ذكر الرائحة فرقًا الشافعي كما في مختصر المزني (^٥)، والخرقي كما سقنا كلامه\n_________\n(^١) الحاوي (١/ ٣٨٩).\n(^٢) تاج العروس (١٦/ ١٣١).\n(^٣) المغني (١/ ٣٩١).\n(^٤) يقول الدكتور البار في كتابه خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٩٠): «وعند فحص دم الحيض بالمجهر فإننا نرى كرات الدم الحمراء والبيضاء وقطعًا من الغشاء المبطن للرحم». ويقول أيضًا (ص: ٩٣): «وينزل دم الحيض محتويًا على قطع من الغشاء المبطن للرحم مفتتة».\n(^٥) مختصر المزني (١/ ١١).","vol":"9","page":228},{"text":"قبل قليل، وذكره ابن قدامة في المقنع (^١).\nالفرق الرابع: التجمد.\nفدم الحيض لايتجمد إذا ظهر، لأنه تجمد في الرحم ثم انفجر وسال فلا يعود ثانية للتجمد، وأما دم الاستحاضة فإنه دم عرق إذا ظهر تجمد (^٢).\nفهذه أربعة فروق ...\nاللون، الرقة، الرائحة، التجمد ... ولم يأت مرفوعًا إلا التفريق باللون، ولم أقف على حديث مرفوع أو أثر موقوف على اعتبار ما عداه.\nوحتى اللون لايعتبر التمييز فيه فقط بالدم الأسود، بل ذكر صاحب مغني المحتاج: أن التمييز هو بين الدم القوي والضعيف، فقال: «إن الأحمر ضعيف بالنسبة للأسود، وقوي بالنسبة للأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر، والأصفر أقوى من الأكدر، وما له رائحة كريهة أقوى مما لا رائحة له، والثخين أقوى من الرقيق، فالقوي هو الحيض وما عداه استحاضة» (^٣).\nوهذا الكلام جيد؛ لأن دم الحيض ليس مقصورًا على الأسود فقط.\n_________\n(^١) انظر: المبدع (١/ ٢٧٤). يقول الدكتور محمد البار في كتابه خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٩١): «ولم أجد فيما لدي من كتب أمراض النساء شيئًا يذكر هذه الرائحة الخاصة .. فسألت بعض النسوة اللاتي يترددن على عيادتي: هل تجدن رائحة خاصة لدم الحيض فأجبن أن نعم». اهـ\n(^٢) يقول الدكتور البار نقلًا عن الدكتور دوجالد بيرد في كتابه (المرجع في أمراض النساء والولادة)، يقول: «ودم الحيض لا يتجلط (يتجمد) ويمكن بقاؤه سنين طويلة على تلك الحالة دون أن يتجلط، فإذا ظهر دم متجلط (متجمد) أثناء الحيض فإن الحائض سرعان ماتعرف ذلك ويعتبر ذلك غير طبيعي». ويقول أيضًا: «وينزل لذلك دم الحيض لا يتجلط، ولو بقي سنينًا طوالًا، وذلك لأنه قد سبق تجلطه في الرحم، ثم أذيبت الجلطة بفعل خميرة (انزيم)». انظر خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٨٩ - ٩٣).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ١١٣)، وانظر روضة الطالبين (١/ ١٤٠).","vol":"9","page":229},{"text":"(١٩٧٢ - ٤٣٢) فقد روى مالك في الموطأ، قال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت:\nكان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين، بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.\n[وإسناده حسن] (^١).\nفإن كان هناك دليل على اعتبار التمييز في غير اللون، سواء كان مرفوعًا أو موقوفًا قبلته وإلا فيقتصر على التمييز باللون فقط، وهو رأي أبي المعالي، ذكره ابن مفلح في الفروع (^٢)، وابن مفلح الصغير في المبدع (^٣).\nقال النووي: والوجه الثاني: أن المعتبر في القوة اللون وحده، وادعى إمام الحرمين اتفاق الأصحاب على هذا الوجه. واقتصر عليه الغزالي. والصحيح عند الأصحاب الوجه الأول (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٥٩)، وسبق تخريجه، انظر ح: (١٦١٦).\n(^٢) الفروع (١/ ٢٧٤).\n(^٣) المبدع (١/ ٢٧٥).\n(^٤) روضة الطالبين (١/ ١٤١).","vol":"9","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4243>الفصل الأول في المستحاضة المبتدأة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4244>المبحث الأول في تعريف المبتدأة ومتى تكون مستحاضة</span>؟\nالمبتدأة: المرأة التي جاءها الحيض، ولم يتقدم لها حيض قبل ذلك (^١).\nقال البهوتي من الحنابلة في كشاف القناع: «المبتدأة، التي رأت دمًا، ولم تكن حاضت في سن تحيض لمثله كبنت تسع سنين فأكثر ...» (^٢).\nوهي في مقابلة المعتادة ...\n[م-٧٨٠] وقد اختلف الفقهاء في المبتدأة إذا استمر بها الدم متى نحكم بأنها مستحاضة؟ وذلك لاختلافهم في أكثر الحيض.\nفقيل: إذا استمر مع المرأة الدم إلى أن جاوز عشرة أيام فهي مستحاضة وكذا إن نقص عن ثلاثة أيام، وهو مذهب الحنفية (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الخرشي (١/ ٢٠٤)، وحاشية ابن عابدين (١/ ١٩٠).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢٠٤).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٤١)، شرح فتح القدير (١/ ١٦١)، البحر الرائق (١/ ٢٠٢)، حاشية\nابن عابدين (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، مراقي الفلاح (ص ٥٧)، تبيين الحقائق (١/ ٥٥).","vol":"9","page":231},{"text":"لأن أكثر الحيض عندهم عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام، وسبق مناقشة هذا القول.\nوقيل: إذا جاوز الدم خمسة عشر يومًا فهي مستحاضة، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، وهذا مبني أيضًا على أن أكثر الحيض عندهم خمسة عشر يومًا.\nوقيل: المبتدأة تجلس ما تراه من الدم حتى يطبق عليها الدم، فإذا استمر معها الدم شهرًا كاملًا صارت مستحاضة، وهو اختيار ابن تيمية.\nقال في الاختيارات: «المستحاضة تجلس ما تراه من الدم ما لم تصر مستحاضة» (^٤). وهذا مبني على أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره ..\nوالأصل أن الحيضة تكون في الشهر لا تكون شهرًا ولذا جعل الله ﷾ عدة الحائض ثلاث حيض، وعدة المرأة التي لا تحيض ثلاثة أشهر، فكان في مقابل كل حيضة وطهر شهرًا، فثلاث حيض بثلاثة أشهر، فلا يصح أن يكون الحيض مستغرقًا للشهر كاملًا، فإذا استمر معها الدم شهرًا كاملًا علمنا أنها مستحاضة.\nوقد استعرضت في مسائل متقدمة حجة من حدد أقل الحيض، وبينت أنه لا حد لأقله قياسًا على النفاس.\nواستعرضت كلام أهل العلم في أكثر الحيض، ولا بد من القول بأن الحيض لأكثره حد ينتهي إليه يكون حدًا بين الحيض والاستحاضة حتى عند الذين يختارون بأن الحيض لا حد لأكثره، فإذا سألتهم: هل يكون الحيض شهرًا كاملًا؟ أجاب: بـ لا. فإذا أعدت السؤال: هل يكون الحيض شهرًا إلا يومين أو ثلاثة، أجاب بـ لا؛\n_________\n(^١) الشرح الصغير (١/ ٢١٠)، منح الجليل (١/ ٦٨)، حاشية الدسوقي (١/ ١٦٧)، الخرشي (١/ ٢٠٤، ٢٠٥)، أسهل المدارك (١/ ٨٧)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٨).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ١٤٢)، المجموع (٢/ ٤٢٢، ٤٢٣)، نهاية المحتاج (١/ ٣٤٠، ٣٤١).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٢٠٥)، المحرر (١/ ٢٤)، المغني (١/ ٤١١).\n(^٤) الاختيارات (ص ٢٨).","vol":"9","page":232},{"text":"لأن للأكثر حكم الكل، وهذا مصير منهم ولابد لأن يكون لأكثر الحيض حد ينتهى إليه، فإذا قلنا: أقل الطهر خمسة عشر يومًا كما قرر ذلك الأطباء، والمرأة تحيض وتطهر بالشهر مرة، صار أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وهو قول الجمهور، فإذا قالوا لنا: وجدنا امرأة تحيض سبعة عشر يومًا، وهي أكثر امرأة وجدت حسب أقوال الفقهاء، ولم توجد امرأة تجاوز حيضها هذا العدد، فالجواب: أن هذا ليس بحيض، كما قالوا: وجدنا امرأة حامل تحيض، وليس هذا بالحيض، وإنما هو دم استحاضة، وتكراره لا يعني أنه حيض، فكذلك هنا، وعلى التنزل فهذه المرأة نادرة، والنادر لا يؤخذ قاعدة، والله أعلم.\n* * *","vol":"9","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4245>المبحث الثاني في حكم المستحاضة المبتدأة</span>\nعرفنا فيما سبق متى تكون المبتدأة مستحاضة؟ فإذا حكمنا عليها بأنها مستحاضة فما الحكم؟\nوالجواب أن نقول: المستحاضة المبتدأة قسمان:\nالأولى: مبتدأة مميزة: ويقصد بها أن لون دمها يتميز بعضه من بعض، فبعضه يكون أسود، وبعضه أحمر، أو بعضه يكون أحمر، وبعضه أصفر، أو بعضه يكون له رائحة كريهة وبعضه لا رائحة له على القول بالتمييز بالرائحة، فهذه تسمى مستحاضة مميزة.\nالثانية: مبتدأة غير مميزة: وهي التي يكون دمها على صفة واحدة لا تتغير.\n* * *","vol":"9","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4246>الفرع الأول في المستحاضة المبتدأة إذا كانت مميزة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ما جاوز أكثر الحيض فهو استحاضة؛ لأن للأكثر حكم الكل.\n• كل دم أطبق على المرأة شهرًا كاملًا فهو استحاضة.\n• المستحاضة المبتدأة إذا أمكنها التمييز عملت به؛ لأن العمل بالتمييز اجتهاد، واعتماد عادة أقاربها أو لداتها تقليد، والاجتهاد خير من التقليد.\n• كل ما خرج من مخرج واحد إذا التبس، فالسبيل في التفريق هو التمييز أصله التفريق بين المني والمذي.\n• الدلالة على الشيء بصفاته أولى من الدلالة على الشيء بأمر خارج عنه.\n[م-٧٨١] اختلف العلماء في المستحاضة المبتدأة إذا كانت مميزة:\nفقيل: حيضها عشرة أيام من أول ما رأت الدم، وطهرها عشرون يومًا، ولا عبرة بالتمييز وهو مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) واختار أبو يونس أنها تأخذ بالاحتياط، فتغتسل بعد ثلاثة أيام (أقل الحيض عنده) ثم تصوم وتصلي سبعة أيام بالشك، ولا يقربها زوجها حتى تغتسل بعدم تمام العشرة، وتقضي صيام الأيام السبعة لأن الاحتياط في باب العبادات واجب، ومن الجائز أن حيضها أقل الحيض فتحتاط لهذا، وهذا القول ضعيف؛ لأن فيه مشقة وحرجًا وإيجاب صوم اليوم الواحد مرتين لا مثيل له في الشرع، ومن امتثل الأمر الشرعي بقدر طاقته لم يكلف الإعادة.","vol":"9","page":235},{"text":"وقيل: تعمل بالتمييز بشرط أن يكون التمييز صالحًا لأن يكون حيضًا.\nوهو مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، واختاره ابن القاسم (^٣)، وابن العربي من المالكية (^٤).\nوكيف يكون التميز صالحًا لأن يكون حيضًا؟\nيكون التمييز صالحًا بأن يكون حيضًا بأن يكون الدم الأسود لايتجاوز أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا، عند المالكية والشافعية والحنابلة.\nولا ينقص الأسود عند الشافعية والحنابلة عن أقل الحيض فإن نقص الأسود عن يوم وليلة فليس بحيض.\nواختار أبو يوسف: أنها تأخذ بالاحتياط.\nفتغتسل بعد ثلاثة أيام - أقل الحيض عنده - ثم تصوم، وتصلي بالشك، ولا يقربها زوجها حتى تغتسل بعد تمام العشرة، وتقضي صيام الأيام السبعة (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4247> دليل الحنفية: بأنها تجلس عشرة أيام فقط:</span>\nقالوا: عشرة الأيام حيض، بدليل لو أن الدم انقطع لعشرة أيام فأقل كان حيضًا،\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ١٤٢)، المجموع (٢/ ٤٢٢، ٤٢٣)، نهاية المحتاج (١/ ٣٤٠، ٣٤١).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢٠٥)، المحرر (١/ ٢٤)، المغني (١/ ٤١١)\n(^٣) قال ابن عبدالبر في التمهيد، كما في فتح البر (٣/ ٤٨٩): «قال ابن القاسم: ما رأت المرأة بعد بلوغها من الدم فهو حيض، تترك له الصلاة، فإن تمادى بها قعدت عن الصلاة خمسة عشر يومًا، ثم اغتسلت وكانت مستحاضة، تصلي وتصوم، وتوطأ، إلا أن ترى دمًا لاتشك فيه أنه دم حيض فتدع له الصلاة»، ثم قال: «والنساء يعرفن ذلك بريحه ولونه، وقال: إذا عرفت المستحاضة إقبال الحيض وإدبارها وميزت دمها اعتدت به من الطلاق» إلخ كلامه.\n(^٤) قال ابن العربي من المالكية في تحفة الأحوذي (١/ ٢٠٩، ٢١٠): «المستحاضة على قسمين: مبتدأة ومعتادة، وهما على قسمين: مميزة وغير مميزة، فهي إذًا على أربعة أقسام: الأول: مبتدأة مميزة .... فحيضها مدة تميزها بشرط أن لا يزيد على أكثر الحيض، فإن زاد على أكثره لم يكن حيضًا».\n(^٥) المبسوط (٣/ ١٥٤).","vol":"9","page":236},{"text":"فحين زاد الدم على عشرة أيام وقع الشك في كون الدم الزائد على أقل الحيض (^١) هل يكون حيضًا أم لا، ومجرد الشك لايخرجه عن كونه حيضا (^٢).\nقال السرخسي في المبسوط: «فإن جاوز - يعني الدم - العشرة، واستمر بها الدم، فحيضها عشرة أيام من أول ما رأت الدم، وطهرها عشرون يومًا؛ لأن أمر الحيض مبني على الإمكان، لتأييده بسبب ظاهر، وهو رؤية الدم، وإلى العشرة الإمكان موجود، فجعلناها حيضًا، وإذا انقطع بتمام العشرة كان الكل حيضًا، فزيادة السيلان لا ينتقص الحيض، وإذا كانت العشرة حيضًا فبقية الشهر وذلك عشرون يومًا طهرها؛ لأن الشهر يشتمل على الحيض والطهر عادة» (^٣).\nفالأحناف لايرون العمل بالتمييز مطلقًا، لا في المرأة المبتدأة ولا في غيرها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4248> دليل الجمهور على العمل بالتمييز:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4249>الدليل الأول:</span>\n(١٩٧٣ - ٤٣٣) ما رواه أبو داود من طريق ابن أبي عدي، عن محمد - يعني ابن عمرو بن علقمة - قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة ابن الزبير،\nعن فاطمة بن أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ: إذا كان دم الحيض، فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (^٤).\n_________\n(^١) يقدر الحنفية أقل الحيض بثلاثة أيام، ومعنى كلامه: أن هذه المرأة المبتدأة التي لا عادة لها، حين زاد دمها عن ثلاثة أيام، وهي أقل الحيض، وقع لهم شك، هل هذا الزائد حيض أم استحاضة، وما دام أن الدم لم يتجاوز أكثر الحيض عندهم، وهو عشرة أيام، فهذا الشك لا يخرجه عن اعتباره حيضًا في العشرة.\n(^٢) العناية (١/ ١٧٨).\n(^٣) المبسوط (٣/ ١٥٣).\n(^٤) سنن أبي داود (٣٠٤).","vol":"9","page":237},{"text":"[الحديث ضعيف، إسناده منقطع، ومتنه منكر] (^١).\nوالمعروف من قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش أنه ردها إلى العادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4250>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٧٤ - ٤٣٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن خالد -يعني الحذاء.\nعن أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأة من آل أنس فأمروني، فسألت\nابن عباس فقال: أما ما رأت الدم البحراني، فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهارفلتغتسل وتصل (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nوفي اللسان (^٤)، وتاج العروس (^٥): دم بحراني: شديد الحمرة. اهـ والنسبة هنا ليست إلى البحر المعروف، ولكن إلى الرحم، فإنه يطلق البحر على قعر الرحم، ومنه قيل للدم الخالص الحمرة بحراني.\nوفي تاج العروس: ومن المجاز: دم بحراني: أي أسود، نسب إلى بحر الرحم وهو عمقه (^٦).\nوقال ابن رجب في شرح البخاري: البحراني، هو الأسود الذي يضرب إلى سواد (^٧).\n_________\n(^١) سبق تخريجه. انظر حديث ١٩٦٩.\n(^٢) المصنف (١/ ١٢٠) رقم ١٣٦٧.\n(^٣) سبق تخريجه، انظر رقم (١٦٠٢).\n(^٤) اللسان (٤/ ٤٦).\n(^٥) تاج العروس (٦/ ٥٣).\n(^٦) تاج العروس (٦/ ٥٣).\n(^٧) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٧٦).","vol":"9","page":238},{"text":"وهذا الأثر عندي هو الحجة بالعمل بالتمييز، لا حديث محمد بن عمرو، وقول الصحابي حجة على الصحيح بشرطين:\nالشرط الأول ألا يخالف نصًا. الثاني: ألا يعارضه قول صحابي مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4251>الدليل الثالث:</span>\nمن النظر، أن التمييز علامة قوية على التفريق بين دم العرق، وبين دم الجبلة والطبيعة، ولأن أحكام الحيض معقولة المعنى،\nقال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) فإذا ميزت المرأة بين الأذى، وبين دم العرق عملت به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4252>الدليل الرابع:</span>\nلما فرق الشارع بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة في الأحكام، فالأول مانع من الصلاة ومن الصيام ومن الوطء بخلاف الثاني، كان لابد أن الدم هذا لايشبه هذا، ولو كانا متماثلين ما فرق بينهما الشارع؛ لأن الشارع حكيم لا يفرق بين متماثلين ولا يجمع بين متفرقين ... وافتراقهما في الأحكام راجع إلى اختلافهما في الصفة، فهذا له صفة من لون ورقة ورائحة تختلف عن هذا فوجب العمل بالتمييز بينهما بالرجوع إلى صفتهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4253> دليل أبي يوسف على وجوب الاغتسال بعد ثلاثة أيام والصيام والقضاء:</span>\nأوجب أبو يوسف الاغتسال بعد ثلاثة أيام، لأنه يرى أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وهذه المبتدأة من الجائز أن حيضها أقل الحيض، لأنها ليست لها عادة ممكن أن تعمل بها، فنأخذ بالاحتياط، فتغتسل بعد ثلاثة أيام -أقل الحيض عنده- ثم تصوم، وتصلي بالشك، ولا يقربها زوجها حتى تغتسل بعد تمام العشرة، وتقضي صيام الأيام السبعة احتياطًا.\nوهذا القول ضعيف جدًّا؛ لأنه مبني على أن الحيض لأقله حد، وقد بينت في","vol":"9","page":239},{"text":"فصل مستقل ضعف هذا القول، ثم هو ضعيف من وجه آخر، إذ كيف تكلف المرأة بصيام يوم واحد مرتين من غير تفريط منها، فالله لم يوجب على العباد صيام يوم واحد مرتين، ولا صيام شهر رمضان مرتين في العام.\n• الراجح:\nأن المستحاضة المبتدأة إذا أمكن أن تميز بين دم الحيض والاستحاضة عملت بالتمييز بشرط ألا يزيد عن أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا، فإن زاد كانت بحكم من لا تمييز لها، وسيأتي بحثها إن شاء الله تعالى في المبحث التالي.\n* * *","vol":"9","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4254>الفرع الثاني في المستحاضة المبتدأة إذا كانت غير مميزة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• المستحاضة المبتدأة إذا لم يكن لها تمييز ردت إلى عادة أختها وأمها؛ لأن شبه المرأة بأخواتها أقرب من شبه المرأة بأترابها من غير أقاربها.\nوقيل:\n• المستحاضة المبتدأة ترد إلى عادة غالب النساء؛ لأن الأقل يتبع الأكثر، ولأن الحكم للأغلب. ولأن الأحكام لا تبنى على القليل والنادر.\n[م-٧٨٢] إذا كان دم المبتدأ المستحاضة على صفة واحدة، فقد اختلف العلماء:\nفقيل: تجلس عشرة أيام -أكثر الحيض عندهم- وطهرها عشرون يومًا. وهو مذهب الحنفية، ولا فرق بين كونها مميزة أو غير مميزة (^١).\nوقيل: تقعد خمسة عشر يومًا ثم تكون مستحاضة (^٢). وهي رواية ابن القاسم\n_________\n(^١) البناية - العيني (١/ ٦٦٩)، بدائع الصنائع (١/ ٤١)، تبيين الحقائق (١/ ٦٤).\n(^٢) وإذا كانت مستحاضة، فإنها طاهرة يغشاها زوجها، وتصلي وتصوم، ولا تزال بمنزلة الطاهر حتى ترى دمًا قد أقبل غير الدم الذي كان بها، والذي كانت تصلي فيه. ...\nوقد ذكر ابن عبدالبر في التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٤٩٠): «عن محمد بن مسلمة قال: أقصى ما تحيض النساء عند علماء أهل المدينة مالك وغيره خمسة عشر يومًا، ثم قال: «فإن تمادى بها الدم أكثر من خمسة عشر يومًا اغتسلت عند انقضاء الخمسة عشر، وعلمنا أنها مستحاضة، فأمرناها بالغسل لأنها طاهر، وتصلي من يومها ذلك، ولا تصلي ما كان قبل ذلك، لأنها تركت الصلاة باجتهاد في أمر يختلف فيه وقد ذهب وقت تلك الصلاة، وقلنا: أقيمي طاهرة حتى تقبل الحيضة كما قال رسول الله ﷺ؛ وذلك أن تأتيها دفعة من الدم تنكره بعد خمسة عشر يومًا من يوم غسلها، لأنه أقل الطهر عندنا، فإذا رأت الدفعة بعد خمس عشرة من الطهر، كفت عن الصلاة ما دامت ترى الدم إلى خمسة عشر، ثم اغتسلت وصلت فيما تستقبل كما ذكرنا. فإن لم يكن بين الدفعة وبين الطهر قدر خمسة عشر يومًا فهي امرأة حاضت أكثر مما تحيض النساء فلا تعتد به ولا تترك الصلاة لتلك الدفعة، ولا تزال تصلي حتى يأتيها ولو دفعة بعد خمسة عشر أو أكثر من الطهر» اهـ.","vol":"9","page":241},{"text":"وأكثر المدنيين عن مالك (^١).\nوقيل: تقعد ما تقعد النساء من أسنانها وأترابها ولداتها (^٢)، ثم هي مستحاضة بعد ذلك، تصلي وتصوم ويأتيها زوجها إلا أن ترى دمًا لا تشك فيه أنه دم حيضة. وهو رواية علي بن زياد عن مالك (^٣).\nوقيل: تقعد أيام لداتها ثم تستظهر بثلاثة أيام. وهي رواية ابن وهب عن مالك (^٤).\nوقيل: تجلس يومًا وليلة. وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وصححه جمهورهم (^٥).\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٤٩)، المنتقى - الباجي (١/ ١٢٤).\n(^٢) هذه ألفاظ مترادفة الأسنان، واللدات والأتراب معناهما واحد. قال في اللسان (١/ ٢٣١): الترب، واللدة، والسن، يقال: هذه تِرْب هذه أي لدتها. وقيل: ترب الرجل الذي ولد معه وأكثر ما يكون ذلك في المؤنث. وفي تاج العروس (١/ ٣٢٣): الأتراب: الأسنان، لا يقال: إلا للإناث وقيل للذكور الأسنان والأقران، وأما اللدات فإنه يكون للذكور والإناث. وفي اللسان، قال: عربًا أترابًا فسره ثعلب فقال: الأتراب هنا الأمثال. قال: وهو حسن إذ ليست هناك ولادة.\n(^٣) المدونة (١/ ٤٩)، المنتقى (١/ ١٢٤)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٨٥).\n(^٤) المنتقى - الباجي (١/ ١٢٤)، عارضة الأحوذي (١/ ٢٠٩)، وضعفه، حيث قال: «الاستظهار في الحديث إنما جاء في المعتادة وليست المبتدأة في معناه».\n(^٥) قال الرملي في نهاية المحتاج (١/ ٣٤٣): «الأظهر أن حيضها يوم وليلة». ...\nوفي روضة الطالبين (١/ ١٤٣): «أظهرهما: تحيض يومًا وليلة.\nوالثاني: ستًا وسبعًا. وعلى هذا في الست والسبع وجهان:\nأحدهما: للتخيير، فتحيض إن شاءت ستًا، وإن شاءت سبعًا.\nوأصحهما ليست للتخيير، بل إن كانت عادة النساء ستًا، تحيضت ستًا، وإن كانت سبعًا تحيضت سبعًا. وفي النساء المعتبرات أوجه أصحها: نساء عشيرتها من الأبوين، فإن لم يكن عشيرة فنساء بلدها. والثاني: نساء العصبات خاصة. والثالث: نساء بلدها وناحيتها».","vol":"9","page":242},{"text":"وقيل: ترد إلى غالب عادة النساء، وهو ست أو سبع بالتحري. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١)، ووجه في مذهب الشافعية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4255> دليل من قال تجلس عشرة أيام:</span>\nذكرنا دليلهم في المبتدأة المميزة، لأنه لافرق عندهم بين المبتدأة المميزة وغير المميزة لأنهم لايقولون بالعمل بالتمييز مطلقًا. وهذا القول مبني على أن أكثر الحيض عشرة أيام وهو قول ضعيف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4256> دليل من قال: تجلس خمسة عشر يومًا:</span>\nوهذا القول مبني على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا،. فإذا كانت مدة الحيض خمسة عشر يومًا، ورأت الدم فيه وجب أن يكون حيضًا؛ لأنه في زمن الإمكان، فتجلس المستحاضة أقصى مدة يمكن أن تحيض فيها (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4257> دليل من قال: تقعد أيام لداتها:</span>\nقال الباجي في المنتقى: وجهه: أنها لما لم تكن لها عادة ترجع إليها، وجهل أمرها، وجب اعتبارها بأحوال لداتها؛ إذ لا طريق لها إلى معرفة حالها بأكثر من ذلك، ولو\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٢٠٦، ٢٠٧)، الإنصاف (١/ ٣٦٥)، المبدع (١/ ٢٢٧)، الكافي (١/ ٧٩).\n(^٢) نهاية المحتاج (١/ ٣٤٣)، روضة الطالبين (١/ ١٤٣).\n(^٣) بتصرف. انظر: المنتقى (١/ ١٢٤)، وهذا القول مبني على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا وهو قول ضعيف بينت ضعفه في مسألة أكثر الحيض.","vol":"9","page":243},{"text":"كانت لها عادة لردت إليها، فإذا لم يكن لها عادة ولا تمييز فالظاهر أن حيضها كحيض لداتها (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4258> دليل من قال: تقعد أيام لداتها ثم تستظهر بثلاثة أيام:</span>\nقال الباجي في المنتقى: «وجه رواية الاستظهار، أن هذا خارج من الجسد، أريد التمييز بينه وبين غيره فجاز أن يعتبر فيه بثلاثة أيام، أصل ذلك لبن المصراة» (^٢).\nوقال ابن عبد البر: «احتجوا فيه من جهة النظر بالقياس على المصراة في اختلاط اللبنين، فجعلوا كذلك اختلاط الدمين، دم الاستحاضة ودم الحيض. وفي السنة من حديث ابن سيرين وغيره عن أبي هريرة أن المصراة تستبرأ ثلاثة أيام ليعلم بذلك مقدار لبن التصرية من لبن العادة، فجعلوا كذلك الذي يزيد دمها على عادتها ليعلم بذلك أحيض هو أم استحاضة؟ استبراء واستظهارًا» (^٣).\n(١٩٧٥ - ٤٣٥) ويقصدون بلبن المصراة ما رواه مسلم من طريق يعقوب -يعني:\nابن عبد الرحمن القاري- عن سهيل، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع شاة مصراة، فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر (^٤).\nوهذا من عجيب القول، وغريب القياس، فالخيار في المصراة جعل له ثلاثة أيام؛ لأنه زمن يظهر فيه أثر التصرية غالبًا، ويتأكد المشتري من عيب التدليس، فأين هذا مما نحن فيه، وهل كان دم المرض كبلبن احتبس فلم يحلب؟\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4259> دليل من قال: تجلس يومًا وليلة:</span>\nقالوا: لأنه أقل الحيض، فهو المتيقن، وما زاد فمشكوك فيه، ومن الجائز أن\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (١/ ١٢٤).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٩٤، ٤٩٥).\n(^٤) صحيح مسلم (٢٤ - ١٥٢٤).","vol":"9","page":244},{"text":"يكون حيضها أقل الحيض، فنكون قد احتطنا للعبادات الواجبة، ووجوب العبادات متيقن، وكونه حيضًا مشكوك فيه، والشك لا يرفع اليقين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4260> دليل من قال تجلس ستة أيام أو سبعة أيام غالب عادة النساء:</span>\n(١٩٧٦ - ٤٣٦) ما رواه أحمد من طريق عبدالله بن محمد (يعني ابن عقيل) ابن أبي طالب، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة،\nعن أمه حمنة بنت جحش، قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، قالت: فقلت يا رسول الله: إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام، قال: أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فتلجمي، قالت: إنما أثج ثجًا، قال: سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما، فأنت أعلم. فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت، واستنقأت فصلي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين ليلة، وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، وكذلك فافعلي، وصلي وصومي، إن قدرت على ذلك. قال رسول الله ﷺ: وهذا أعجب الأمرين إلي (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٤٣٩).\n(^٢) والحديث ضعيف لأن فيه:\nأولًا: انفرد فيه ابن عقيل، والأكثر على ضعفه. =","vol":"9","page":245},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال ابن عيينة: أربعة من قريش يترك حديثهم، فذكر ابن عقيل منهم. وسبق أن نقلت كلام أهل العلم فيه، انظر المجلد الثاني (ح ١٨٧). ومن أخطائه ما رواه أحمد (١/ ١٠٢): من طريق حماد بن سلمة، عن ابن عقيل، عن محمد بن علي بن الحنفية عن أبيه أن النبي ﷺ كفن في سبعة أثواب. فإن هذا مخالف لما في الصحيحين من أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب.\nثانيًا: أن أحاديث الصحيحين ترد المستحاضة إلى عادتها، وحديث ابن عقيل يردها إلى غالب النساء لا إلى عادتها ولا إلى التمييز، ولا أعلم له متابعًا، فانفراده بهذا الأصل، ومخالفته لأحاديث الصحيحين تجعله غير مقبول.\nفهذه قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش صريحة بردها إلى عادتها، فقد روى البخاري (٣٠٦): من طريق مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، وفيه: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي).\nفقوله: (فإذا ذهب قدرها) صريح بردها إلى العادة.\nورواه البخاري (٣٢٥) من طريق أبي أسامة عن هشام به بلفظ: (ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها).\nورواه ابن حبان (١٣٥٥) بسند صحيح من طريق أبي عوانة عن هشام به بلفظ: (تدع الصلاة أيامها).\nكما أن أم حبيبة قد ردها الرسول ﷺ إلى عادتها.\nوروى مسلم (٦٥ - ٤٣٤) عن عائشة في قصة استحاضة أم حبيبة وفيه: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي).\nفهذه أحاديث الصحيحين ظاهرة برد المستحاضة إلى عادتها.\nوهنا حديث ابن عقيل ﵀ ردها إلى غالب الحيض، فقال: (تحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام)، فلم يردها إلى عادتها، وقد تكون عادتها أكثر أو أقل، ولم يردها إلى التمييز.\nوقد قال الخطابي في معالم السنن (١/ ١٨٣): «إنما هي امرأة مبتدأة لم يتقدم لها أيام، ولا هي مميزة لدمها، وقد استمر بها الدم حتى غلبها، فرد الرسول ﷺ أمرها إلى العرف الظاهر، والأمر الغالب من أحوال النساء، كما حمل أمرها في تحيضها كل شهر مرة واحدة على الغالب من عادتهن ...» إلخ.\nقلت: أين الدليل من الحديث على أنها مبتدأة، هذا أولًا.\nوثانيًا: أنها لاتستطيع أن تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة. =","vol":"9","page":246},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهذا لاسبيل إليه من الحديث، والرسول ﷺ لم يسألها هل أنت مبتدأة؟ وهل لك عادة مستقرة من قبل؟ وهل تميزين بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة؟\nفلو وقع ذلك لكان له وجه في حمل الحديث على المبتدأة غير المميزة، ولما كانت هناك مخالفة لأحاديث الصحيحين، ولكن لما ترك الرسول ﷺ الاستفصال في مقام الاحتمال نزل منزلة العموم في المقال.\nفالحديث ظاهره رد المستحاضة مطلقًا إلى عادة النساء.\nثالثًا: أن الحديث أمرها بالجمع بين الصلوات، وأحاديث المستحاضة في الصحيحين من أحاديث عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش وأم حبيبة لم يرشدها إلى الجمع. كما أن الحديث دليل لو صح لمن يقول بالجمع الصوري وينكر الجمع في الإقامة والسفر إلا في عرفة، وهو تأخير أولى الصلاتين وتعجيل الثانية، فالأولى في آخر الوقت، والثانية في أول الوقت، وإنما قصد من الجمع لأهل الاعذار التخفيف عليهم، والجمع في هذه الصورة فيه حرج ومشقة، ومن يعلم الوقت ودقته، والناس في ذلك الوقت لم يكن لديهم ساعات كما هي الحال في هذا العصر، حتى يوقع أولى الصلاتين في آخر الوقت، بينما تقع الصلاة الثانية في أول الوقت.\nكلام أهل العلم في الحديث:\nضعفه أبو حاتم في العلل (١/ ٥١) ح ١٢٣، قال ابنه: سألت أبي عن حديث رواه ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد، عن عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش في الحيض، فوهنه، ولم يقو إسناده.\nوضعفه الدارقطني كما في شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٦٤)، ولم أجده في السنن له، لكن قال محققو شرح ابن رجب إنه موجود في كتاب العلل الدارقطني، وأحالوا على (٥ ب / ق ١٠١ - أ)، وبعد طبع كتاب العلل، وجدت أن الدارقطني قد نص على تضعيفه من حديث ابن عقيل عن جابر، والله أعلم.\nوفي تلخيص الحبير (١/ ٢٨٨): «وقال ابن منده: لايصح بوجه من الوجوه؛ لأنهم أجمعوا على ترك حديث ابن عقيل».\nوحمل الحافظ قول ابن منده بكونهم أجمعوا على ترك حديثه يعني مَنْ خرج الصحيح، فليس له في الصحيحين رواية.\nوقال البيهقي: تفرد به ابن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به.\nوأما الإمام أحمد .. فاختلف النقل عنه، والراجح عنه تضعيفه.\nقال الترمذي (١/ ٢٢٦): «سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن صحيح، وقال: يعني الترمذي: وهكذا قال أحمد: هو حديث حسن صحيح. =","vol":"9","page":247},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهذا النقل من الترمذي عن أحمد، لايقدم على نقل أبي داود، فإن أبا داود من تلاميذ أحمد الملازمين له، وله عنه مسائل مشهورة. فقد قال أبو داود بعد روايته لهذا الحديث في السنن (٢٨٧) قال: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء».\nوقال ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ٦٤): والمعروف عن الإمام أحمد، أنه ضعفه، ولم يأخذ به، وقال: ليس بشيء.\nوقال مرة: ليس عندي بذلك، وحديث فاطمة أصح منه وأقوى إسنادًا، يعني: أنه لم يردها إلى غالب النساء بل ردها إلى العادة.\nوقال أحمد أيضًا: في نفسي منه شيء.\nولكن ذكر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة، والأخذ به».اهـ كلام ابن رجب ﵀.\nقلت: والقول بالحديث، والأخذ به لا يعني صحته في نفسه ما لم يصرح المحدث بأنه صحيح، وكم من حديث ضعيف في الترمذي ويصرح الترمذي بأن العمل عليه، ولايعني كون العمل عليه أن يكون صحيحًا في نفسه، وأقربها عندي حديث: الماء طهور لاينجسه شيء إلا ما غلب على طعمه ولونه وريحه، فالاستثناء لايثبت من جهة الحديث، والعمل عليه.\nفقول أبي بكر الخلال بأن أحمد يقول بحديث حمنة ويأخذ به ليس صريحًا في كونه صحيحًا عنده.\nوفي التمهيد لابن عبدالبر (١٦/ ٦١): «قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في الحيض حديثان، والآخر في نفسي منه شيء، قال أبو داود: يعني أنه في الحيض ثلاثة أحاديث، هي أصول هذا الباب:\nأحدها: حديث مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار.\nوالآخر: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\nوالثالث: والذي في قلبه منه شيء، وهو حديث حمنة بنت جحش الذي يرويه ابن عقيل».\nوقال الخطابي في معالم السنن (١/ ١٨٣): «وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك».\nوصححه البخاري، قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن صحيح.\nلكن البيهقي نقل عبارة البخاري بأتم مما نقل الترمذي إلا أنه ساقها بلاغًا.\nقال البيهقي (١/ ٣٣٩): «بلغني عن أبي عيسى الترمذي، أنه سمع محمد بن إسماعيل البخاري يقول: حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، لا أدري سمع منه عبدالله بن محمد بن عقيل أم لا؟ وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح». =","vol":"9","page":248},{"text":"• القول الراجح:\nهذه المرأة المستحاضة المبتداة لا يمكن ردها إلى العادة كما هي أحاديث الصحيحين في المستحاضة المعتادة؛ لأنه لا عادة لها، ولا يمكن ردها إلى التمييز استدلالًا بقول\n_________\n= والبلاغ ضعيف للجهل بالواسطة بين البيهقي والترمذي.\nوقد أجاب الشوكاني بجواب واضح فقال في النيل (١/ ٣٣٨): إبراهيم بن طلحة مات سنة ١١٠ هـ عشر ومائة فيما قاله أبو عبيد القاسم بن سلام، وعلي بن المديني، وخليفة بن خياط، وهو تابعي سمع عبدالله بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة، وعائشة. وابن عقيل سمع عبد الله بن عمر، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، والربيع بنت معوذ، فكيف ينكر سماعه من محمد بن إبراهيم بن طلحة لقدمه، وأين ابن طلحة من هؤلاء في القدم، وهم نظراء شيوخه في الصحبة، وقريب منهم في الطبقة، فينظر في صحة هذا عن البخاري».اهـ\nتخريج الحديث:\nالحديث أخرجه عبد الرزاق (١١٧٤) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٨٩)، وابن ماجه (٦٢٢)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢١٧) ح ٥٥١، عن ابن جريج.\nورواه أحمد (٦/ ٤٣٩) وإسحاق بن راهويه (٢١٩٠)، وأبو داود (٢٨٧) والترمذي (١٢٨)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢١٨) ح ٥٥٣، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٧١٧)، والدارقطني (١/ ٢١٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٨) من طريق زهير بن محمد.\nورواه أحمد (٦/ ٣٨١): وابن أبي شيبة (١٣٦٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٩٧)،\nوابن ماجه (٦٢٧)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٥٥٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٧١٨)، والدارقطني (١/ ٢١٤) من طريق شريك بن عبدالله.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٢٢)، والدارقطني (١/ ٢١٥)، والحاكم (١/ ١٧٢)، والبيهقي (١/ ٢٣٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٥٦٧)، من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي.\nورواه الشافعي في الأم (١/ ٦٠) ومن طريقه الدارقطني (١/ ٢١٥) عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى.\nورواه الدارقطني (١/ ٢١٥) من طريق عمرو بن ثابت، كلهم عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن حمنة به.\nوخالف ابن جريج، فقال كما في رواية عبد الرزاق (١١٧٤).\nوقال في رواية ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: (٣١٨٩).\nوقال ابن جريج في رواية ابن ماجه (٦٢٢) عن أم حبيبة بنت جحش.","vol":"9","page":249},{"text":"ابن عباس المتقدم؛ لأنه لا تمييز لها، لكن إذا كان لايمكن ردها إلى عادتها أمكن ردها إلى عادة أختها، وأمها، وخالتها، وعمتها ... فإن شبه المرأة بأمها وأخواتها أقرب من شبه المرأة بالنساء الأجنبيات، وهذا معلوم لمن التمسه، حتى إن المرأة إذا كانت تعاني من عادتها أوجاعًا شديدة رأيت ذلك عند كثير من بناتها، والله أعلم.\n* * *","vol":"9","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4261>الفصل الثاني\nفي تقدير طهر المستحاضة المبتدأة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا كانت المستحاضة المبتدأة غير المميزة ترد في تقدير الحيض إلى عادة أهل بيتها من أم، أو أخت، أو عمة على الصحيح، فكذلك ترد في تقدير الطهر إلى مقدار طهرهن.\n[م-٧٨٣] علمنا في المسألة الماضية خلاف العلماء في تقدير مدة الحيض للمستحاضة المبتدأة، وفي هذا الفصل سوف نناقش كيف نقدر طهر المستحاضة.\nأما إذا كانت مميزة، فقد سبق البحث فيها، ومتى يعتبر الدم الأحمر طهرًا.\nوأما إذا كانت غير مميزة، بحيث يكون الدم صفته واحدة، فهذه تحتاج إلى أن نقدر طهرها كما قدرنا حيضها.\nفقيل: يقدر حيضها وطهرها في كل شهر .. على ما تقدم.\nفالحنفية عشرة أيام حيض، وعشرون يومًا طهرًا (^١).\n_________\n(^١) المبسوط (٣/ ١٥٣)، بدائع الصنائع (١/ ٤١).","vol":"9","page":251},{"text":"وقيل: يقدر حيضها بست أو سبع، والباقي من الشهر طهر. ويكون دورها أبدًا ثلاثين يومًا، وهو قول في مذهب الشافعية (^١) والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يقدر حيضها يومًا وليلةً ففي طهرها ثلاثة أوجه:\nأصحها: أنه تسعة وعشرون يومًا.\nوالثاني: يقدر بأقل الطهر، فعلى هذا دورها ستة عشر يومًا (^٣).\nوالثالث: ترد إلى غالب الطهر، ثلاثة وعشرون يومًا أو أربعة وعشرون يومًا، وهو قول في مذهب الشافعية (^٤).\nأما المالكية: فلم يقدروا الطهر بالشهر، بل اعتبروا أن ترى دمًا قد أقبل غير الدم الذي كان بها، فإذا لم يأتها دم غير الدم الذي كان بها فإنها تعتبر مستحاضة أبدًا: أي في حكم الطاهرة يطؤها زوجها وتصوم وتصلي ولو مكثت طول عمرها (^٥).\nفصارت الأقوال ترجع إلى ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ١٤٤)، نهاية المحتاج (١/ ٣٤٣).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢٠٦)، الإنصاف (١/ ٣٦٣) إلا أن الحنابلة يختلفون عن الشافعية في هذه المسألة باشتراط تكرار الاستحاضة.\nقال في الإنصاف (١/ ٣٦٣): «يعتبر في جلوس من لم يكن دمها متميزًا تكرار الاستحاضة، على الصحيح من المذهب. نص عليه، واختاره القاضي. وقدمه في المغني، والشرح، وشرح\nابن رزين، وصححه في الفروع». قال في الرعاية الكبرى: «هذا أشهر، فتجلس قبل تكراره أقله، ولا ترد إلى غالب الحيض أو غيره إلا في الشهر الرابع».\nوعنه: لا يعتبر التكرار. اختاره المجد في شرحه. قال في الشرح: وهو أصح إن شاء الله تعالى. قال في مجمع البحرين: تثبت بدون تكرار في أصح الوجهين. قال في الفروع: اختاره جماعة. وقدمه في الرعاية الصغرى. فعليها تجلس في الشهر الثاني.\n(^٣) قال النووي في الروضة (١/ ١٤٤): «وهو نص غريب للشافعي ﵀، ثم قال: وهو شاذ ضعيف».\n(^٤) روضة الطالبين (١/ ١٤٤)، نهاية المحتاج (١/ ٣٤٣).\n(^٥) المدونة (١/ ٤٩)، المنتقى - الباجي (١/ ١٢٤)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٩١)، الخرشي (١/ ٢٠٦).","vol":"9","page":252},{"text":"الأول: في كل شهر مرة، سواء اعتبرنا أكثر الحيض كما عند الحنفية أو أقله، وهو أصح الوجهين عند الشافعية، أو أغلبه كما عند الحنابلة، ووجه عند الشافعية.\nوقيل: دورتها ستة عشر يومًا. يوم وليلة حيض، وخمسة عشر يومًا استحاضة. وهو رواية عند الشافعية.\nوقيل: الأمر يقدر بأن يقبل دم جديد غير الدم الذي كان عليها، ولا يقدرون بالشهر. وهو مذهب المالكية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4262> دليل من قدر الحيض والطهر في الشهر مرة واحدة:</span>\nقالوا: الغالب أن المرأة تحيض في الشهر مرة واحدة، ولذلك جعلت عدة المطلقة ثلاث حيض، وللمرأة التي لا تحيض لكبر أو صغر أو غيرهما ثلاثة أشهر، فجعل في مقابل كل حيضة وطهر شهر واحد.\nوقد سبق أن نقلت كلام الأطباء في الموضوع نفسه في موضع سابق.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4263> دليل من قدر طهر المستحاضة بستة عشر يومًا:</span>\nقال: إذا رددنا المرأة إلى أقل الحيض، وهو يوم وليلة، رددناها إلى أقل الطهر، وهو خمسة عشر يومًا، فيكون دورها ستة عشر يومًا.\n• ورده هذا:\nقال النووي: «هذا في غاية الضعف، قال إمام الحرمين: هذا الوجه اتباع لفظ، وإعراض عن المعنى، لأن الرد إلى أقل الحيض إنما كان لتكثر صلاتها، فإذا ردت إلى أقل الطهر عاجلها الحيض فقلت صلاتها» (^١).\nوقال أيضًا في الروضة: «وهو نص غريب للشافعي ﵀، ثم قال: وهو شاذ ضعيف» (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٤٢٤).\n(^٢) الروضة (١/ ١٤٤).","vol":"9","page":253},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4264> دليل من قدر طهر المستحاضة بثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين يومًا:</span>\n(١٩٧٧ - ٤٣٧) مارواه أحمد، عن حمنة بنت جحش ﵂ مرفوعًا، وفيه:\n«إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، واستيقنت واستنقأت، فصلي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة، وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزئك ....» الحديث (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4265> دليل المالكية على أن الطهر يستمر إلى إقبال دم جديد:</span>\n(١٩٧٨ - ٤٣٨) ما رواه البخاري من طريق زهير، قال: حدثنا هشام، عن عروة،\nعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (^٣).\nويفسرون الإقبال والإدبار بأن ترى دمًا قد أقبل غير الدم الذي كان عليها، فإذا أقبل بعد طهر تام فهو حيض، وكذا الإدبار.\nجاء في التمهيد لابن عبدالبر: «أما قول مالك في المرأة التي لم تحض قط، ثم حاضت فاستمر بها الدم، فإنها تترك الصلاة إلى أن تتم خمسة عشر يومًا، فإن انقطع عنها قبل ذلك علمنا أنه حيض واغتسلت، وإن انقطع عنها لخمس عشرة فكذلك أيضًا، وهي حيضة قائمة تصير قرءًا لها.\nوإن زاد الدم على خمسة عشر، اغتسلت عند انقضاء الخمس عشرة، وتوضأت لكل صلاة وصلت، وكان ما بعد خمسة عشر من دمها استحاضة، يغشاها فيه زوجها وتصلي\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٤٣٩).\n(^٢) وقد سبق تخريجه. انظر حديث (١٩٧٦ و١٥٢٤).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٣١)، ورواه مسلم بأطول من هذا (٣٣٣)","vol":"9","page":254},{"text":"فيه وتصوم، ولا تزال بمنزلة الطاهر حتى ترى دمًا قد أقبل غير الدم الذي كان بها» (^١).\nقوله: «ولا تزال بمنزلة الطاهر حتى ترى دمًا قد أقبل غير الدم الذي كان بها دليل على أنهم لايحدون طهر المستحاضة وحيضتها في كل شهر مرة».\nوقال أيضًا: «قال محمد بن مسلمة: أقصى ما تحيض النساء عند علماء أهل المدينة مالك وغيره خمسة عشر يومًا، فإذا رأت المرأة الدم أمسكت خمسة عشر يومًا ... ثم قال: فإن تمادى بها الدم أكثر من خمسة عشر يومًا، اغتسلت عند انقضاء الخمسة عشر، وعلمنا أنها مستحاضة، فأمرناها بالغسل لأنها طاهر، وتصلي من يومها ذلك، ولا تصلي ما كان قبل ذلك، لأنها تركت الصلاة باجتهاد في أمر يختلف فيه، وقد ذهب وقت تلك الصلاة، وقلنا: أقيمي طاهرة حتى تقبل الحيضة، كما قال رسول الله ﷺ وذلك أن تأتيها دفعة من دم تنكره بعد خمسة عشر يومًا من يوم غسلها، لأنه أقل الطهر عندنا، فإذا رأت الدفعة بعد خمسة عشر يومًا من الطهر كفت عن الصلاة ما دامت ترى الدم إلى خمسة عشر ثم اغتسلت وصلت فيما تستقبل كما ذكرنا» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4266> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nإذا كنا قد رجحنا في المستحاضة المبتدأة غير المميزة أن تجلس قدر عادة أهل بيتها من أم أو أخت أو عمة وخالة، فإنها تجلس في الطهر كذلك مقدار طهرهن قل أو كثر، سواء كان ذلك يقدر في كل شهر مرة، أو في كل شهرين بحسب طهر قريباتها. والله أعلم (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) فتح البر (٣/ ٤٩١).\n(^٢) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٩٠).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٤١)، البحرالرائق (١/ ٢٢٥)، مراقي الفلاح (ص ٥٨)، تبيين الحقائق (١/ ٦٤)، المبسوط (٣/ ١٥٣)، البناية (١/ ٦٦٩)، المجموع (١/ ٤٢٣)، روضة الطالبين (١/ ١٤٤)، مغني المحتاج (١/ ١١٤)، نهاية المحتاج (١/ ٣٤٣)، الروض المربع (١/ ٤٣٧)، كشاف القناع (١/ ٢٠٦)، معونة أولي النهى شرح المنتهى (١/ ٤٨٠)، الإنصاف (١/ ٣٦٣)، الفروع (١/ ٢٧٤).","vol":"9","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4267>الفصل الثالث\nفي المستحاضة المعتادة</span>\nتنقسم المستحاضة المعتادة إلى قسمين:\n- معتادة مميزة.\n- ومعتادة غير مميزة.\nوالمقصود بالمعتادة: هي التي تعرف شهرها ووقت حيضها ووقت طهرها، هكذا عرفه البهوتي من الحنابلة في الروض المربع (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الروض المربع (١/ ٤٣٨).","vol":"9","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4268>المبحث الأول في المستحاضة المعتادة المميزة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• سلطان العادة أقوى من سلطان التمييز: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ولم يلتفت للتمييز.\n• اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته على الحيض بخلاف العادة، فما لا تبطل دلالته أقوى وأولى.\n• العادة محكمة.\n• العادة إنما كانت عادة للمرأة لثبوتها واستقرارها بخلاف التمييز، فهو ليس له صفة التكرار، وما كان متكررًا فهو أقوى بالاعتبار.\n• لا يمكن التمييز بين دم الحيض والاستحاضة إلا إذا غلب دم الحيض على دم الاستحاضة.\n• إذا كثر دم الاستحاضة غلب على دم الحيض فاستتر به دم الحيض، لهذا قدمت العادة على التمييز.\nوقيل:","vol":"9","page":257},{"text":"• التمييز علامة في موضع النزاع والعادة علامة في نظيره، والدلالة على الشيء بصفته أولى من الدلالة عليه بنظيره.\n• التمييز دلالة حاضرة، والعادة دلالة ماضية، والدلالة الحاضرة أولى اعتبارا من الدلالة الماضية.\n[م-٧٨٤] اختلف العلماء في المستحاضة المعتادة المميزة:\nفقيل: إذا زاد الدم على عشرة أيام ردت إلى عادتها، وما زاد فهي مستحاضة، فتجلس مقدار عادتها، ولاتعمل بالتمييز. وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: المستحاضة المعتادة التي تميز دمها فترى منه دمًا أسود محتدمًا منتنًا، وبعضه أصفر رقيقًا، فإن الدم الأسود حيض، ولكن هل تجلس مقدار الدم الأسود، أو تجلس مقدار عادتها؟ (^٢).\nفقيل: تجلس من الأسود مقدار عادتها المعلومة قبل الاستحاضة، ثم تغتسل وتصلي وتبقى مستحاضة، ورجحه ابن عبدالبر في الكافي (^٣).\n_________\n(^١) إذا زاد الدم على عادتها، فهل تستمر على ترك الصلاة والصيام؟\nفي مذهب الحنفية قولان:\nالأول: أنها تصلي وتصوم، لاحتمال أن يجاوز الدم عشرة أيام فتكون مستحاضة، فما دام أن الزيادة مترددة بين الحيض والاستحاضة فلا تترك لها الصلاة والصيام حتى يعلم أن الزيادة حيض، وذلك بانقطاعها لعشرة أيام فما دون، وهذا اختيار أئمة بلخ كما في البناية (١/ ٦٦٥).\nالثاني: قالوا: تترك الصلاة والصيام استصحابًا للحال، ولأن دم الحيض دم صحة، ودم الاستحاضة دم علة، والأصل الصحة والسلامة من المرض.\nوصححه ابن الهمام في شرح فتح القدير (١/ ١٧٧)، والزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٦٤)، وصححه في المجتبى كما في البناية (١/ ٦٦٠).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢٢٤)، شرح فتح القدير (١/ ١٧٦ - ١٧٧)، تبيين الحقائق (١/ ٦٤)، البناية للعيني (١/ ٦٦٥)، بدائع الصنائع (١/ ٤١).\n(^٣) الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٣٢ - ٣٣).","vol":"9","page":258},{"text":"وقيل: إن استمر بها الدم الأسود جلست مقدار عادتها واستظهرت بثلاثة أيام ثم اغتسلت وصلت، وإن لم يستمر بها الدم الأسود جلست مقدار عادتها فقط ثم هي مستحاضة، ورجحه الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (^١).\nوقيل: إن استمر بها الدم الأسود جلست إلى تمام خمسة عشر يومًا ثم هي مستحاضة، ثم بعد ذلك إن استمر بها الدم على صفة واحدة لم يتميز فهي مستحاضة في حكم الطاهرة، ولو مكثت عمرها كله هكذا، وإن تميز دمها فإن كان بعد طهر تام فالمميز حيض تجلسه على التفصيل السابق (^٢).\nهذا تفصيل الأقوال في مذهب مالك (^٣).\n_________\n(^١) الشرح الصغير (١/ ٢١٣).\n(^٢) مثاله: امرأة لها عادة معلومة ستة أيام، جاءها الدم فجلست عادتها، ثم تمادى بها الدم حتى جاوز خمسة عشر يومًا، فهي الآن مستحاضة .. فما حكمها؟\nتنظر إلى الدم، فإن كان على صفة واحدة لم يتميز، فإننا نحكم لها بأنها طاهرة أبدًا تصلي وتصوم ويطؤها زوجها، ولو مكثت عمرها كله هكذا، وإن كان دمها يتميز بعضه أسود وبعضه أحمر، فإن رأت الدم الأسود بعد خمسة عشر يومًا من اغتسالها، فإن الدم الأسود حيض لأنه جاء بعد طهر صحيح، ولكن هل تجلس مقدار الدم الأسود فقط أو تجلس مقدار عادتها؟\nفقيل: تجلس مقدار عادتها فقط، وهو الذي رجحه ابن عبدالبر.\nوقيل: إن استمر الدم الأسود جلست عادتها وأضافت ثلاثة أيام استظهارًا على عادتها.\nوقيل: إن استمر جلست خمسة عشر يومًا ثم اغتسلت، وهكذا تستمر تصلي حتى ترى دمًا مميزًا بعد طهر صحيح خمسة عشر يومًا، فإذا رأته جلست.\n(^٣) قال الخرشي (١/ ٢٠٦): «المستحاضة إن لم تميز بين الدمين، فلا إشكال أنها على حكم الطاهر، ولو أقامت طول عمرها، وتعتد عدة المرتابة، وإن كانت تميزه فالمميز من الدم إما أن يكون قبل طهر تام -التام: ما بلغ خمسة عشر يومًا فأكثر- فلا حكم له، وإما أن يكون بعد طهر تام من يوم حكم لها بالاستحاضة فالمميز حيض بالعبادة اتفاقًا، وفي العدة على المشهور، ثم قال: والدم المميز برائحة أو لون، أو رقة أو ثخن لا بكثرة أو قلة، لأنها تابعات للأكل والشرب، والحرارة والبرودة، ومفهوم قوله: «مميز» لو لم يميز فهو استحاضة ومفهوم «بعد الطهر» أن المميز قبل طهر تام استحاضة». اهـ\nوقال الصاوي في الشرح الصغير (١/ ٢١٣): ومفهوم قول المصنف «(فإن ميزت بعد طهر تم) أنها إذا لم تميز فهي مستحاضة أبدًا، ويحكم عليها بأنها طاهر، ولو مكثت طول عمرها».","vol":"9","page":259},{"text":"والمقصود بالطهرالتام، أن يبلغ أقل الطهر عندهم، وقد ذكرنا الأقوال في مذهب المالكية في أقل الطهر في مسألة مستقلة، أشهرها أنه خمسة عشر يومًا.\nوقيل: تعمل بالتمييز، ولا تعمل بالعادة إلا إن وافقت العادة التمييز، وهو مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: تعمل بالعادة ولاتعمل بالتمييز، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢). وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣).\nفصارت الأقوال في المستحاضة المعتادة المميزة على قولين:\nالأول: العمل بالعادة وحدها دون التمييز.\nوهو مذهب الحنفية، والحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية.\nوقيل: العمل بالتمييز.\nوهو المشهور من مذهب المالكية والشافعية على خلاف بينهم هل تمكث التمييز فقط، أو تمكث من الأسود مقدار عادتها فقط.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4269> دليل من قال: تعمل المستحاضة بالعادة دون التمييز:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4270>الدليل الأول:</span>\n(١٩٧٩ - ٤٣٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبوأسامة، قال: سمعت هشام بن عروة قال: أخبرني أبي\nعن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا. إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي\n_________\n(^١) الأم (١/ ٦٠، ٦١)، الحاوي الكبير (١/ ٤٠٤)، روضة الطالبين (١/ ١٥٠)، وقال الرملي في نهاية المحتاج (١/ ٣٤٥): «ويحكم للمعتادة المميزة بالتمييز، لا العادة المخالفة له في الأصح».\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢٠٨)، المبدع (١/ ٢٧٧، ٢٧٨)، الإقناع (١/ ٦٦).\n(^٣) الحاوي الكبير (١/ ٤٠٤)، روضة الطالبين (١/ ١٥٠)، نهاية المحتاج - الرملي (١/ ٣٤٥).","vol":"9","page":260},{"text":"كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي (^١).\nورواه البخاري، من طريق مالك عن هشام به.\nوفيه: فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي (^٢).\nورواه ابن حبان في صحيحه بسند صحيح من طريق أبي عوانة عن هشام به، وفيه: (تدع الصلاة أيامها) (^٣).\nورواه ابن حبان أيضًا، من طريق أبي حمزة عن هشام به، وفيه: (ليس ذاك بحيض ولكنه عرق فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه ..) (^٤) الحديث.\nفهذا الحديث في قصة فاطمة بنت أبي حبيش صريح في ردها إلى العادة، ولو كان التمييز مؤثرًا لسألها الرسول ﷺ: هل أنت تميزين دم حيضتك من دم استحاضتك؟ فعلم أن التمييز لا أثر له مع كون المرأة لها عادة معلومة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4271>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٨٠ - ٤٤٠) ما رواه مسلم من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، عن عراك، عن عروة\nعن عائشة ﵂ قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ: امكثي قدر ماكانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٠٦).\n(^٣) صحيح ابن حبان (١٣٥٥).\n(^٤) صحيح ابن حبان (١٣٥٤)، انظر ألفاظ الحديث، والراجح منها، ح (٤٦٦).\n(^٥) صحيح مسلم (٦٥ - ٣٣٤).","vol":"9","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4272>الدليل الثالث:</span>\n(١٩٨١ - ٤٤١) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع، عن سليمان بن يسار،\nعن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل (^١).\n[رجاله ثقات، إلا أنه أعل بالانقطاع، وفي إسناده اضطراب] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4273>الدليل الرابع:</span>\n(١٩٨٢ - ٤٤٢) ما رواه الطبراني في الصغيرمن طريق العباس بن محمد الدوري، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أيوب أبو العلاء، عن عبدالله بن شبرمة القاضي عن قمير امرأة مسروق،\nعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل مرة، ثم تتوضأ إلى مثل أيام أقرائها، فإن رأت صفرة انتضحت، وتوضأت، وصلت.\nقال الطبراني: لم يروه عن ابن شبرمة إلا أيوب أبو العلاء تفرد به يزيد بن هارون (^٣).\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٦٢).\n(^٢) فقيل عن سليمان بن يسار عن أم سلمة.\nوقيل: عن سليمان، عن رجل، عن أم سلمة.\nوقيل: عن سليمان، أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت.\nوقيل: عن سليمان، عن مرجانة، عن أم سلمة، وممن أعله بالانقطاع البيهقي، والمنذري.\nوقد سبق الكلام عليه. انظر: حديث رقم (١٥٩٧).\n(^٣) المعجم الصغير (١١٨٧).","vol":"9","page":262},{"text":"[منكر، والمعروف وقفه على عائشة] (^١).\n_________\n(^١) الحديث مداره على قمير امرأة مسروق، عن عائشة، واختلف على قمير ...\nفرواه أبو داود في السنن (٣٠٠)، والطبراني في الصغير (١١٨٧) من طريق أيوب بن مسكين\nأبو العلاء، عن عبدالله بن شبرمة القاضي، عن قمير، عن عائشة به مرفوعًا.\nوأيوب بن مسكين ليس بالحافظ، وقد ضعف الحديث أبي داود في السنن.\nورواه الشعبي، واختلف عليه:\nفقيل: الشعبي، عن قمير، عن عائشة موقوفًا.\nوقيل: الشعبي، عن قمير، عن عائشة مرفوعًا.\nوقيل: الشعبي، عن امرأته، عن قمير، عن عائشة.\nوإليك بيان هذه الطرق:\nفرواه إسماعيل بن أبي خالد، واختلف عليه:\nرواه الدارمي (٧٩٢) عن جعفر بن عون،\nورواه أيضًا (٣٠٠) أخبرنا أبو جعفر، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة موقوفًا.\nوقيل: عن إسماعيل، عن مجالد، عن الشعبي.\nرواه الدارمي في سننه (٧٩٠) أخبرنا موسى بن خالد، حدثنا معتمر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن مجالد، عن عامر (الشعبي) عن قمير، عن عائشة موقوفا.\nومجالد بن سعيد ليس بالقوي، وتغير بآخرة.\nورواه ابن أبي شيبة (١٣٥١)، عن أبي خالد الأحمر، عن المجالد وقرن معه غيره، عن الشعبي، قال: أرسلت امرأتي إلى امرأة مسروق، فسألتها عن المستحاضة، فذكرت عن عائشة أنها قالت ..\nفهنا أبو خالد الأحمر رواه عن المجالد بن سعيد بذكر واسطة بين الشعبي، وبين قمير امرأة مسروق.\nورواه عمار بن مطر كما في سنن الدارقطني (١/ ٢١٠ - ٢١١)، والبيهقي (١/ ٣٤٦) عن\nأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن قمير امرأة مسروق، عن عائشة مرفوعًا.\nقال الدارقطني: تفرد به عمار بن مطر، وهو ضعيف، عن أبي يوسف، والذي عند الناس عن إسماعيل بهذا الإسناد موقوفا.\nفأرى الراجح عن إسماعيل بن أبي خالد ما يرويه ابن عون وأبو جعفر؛ لأن من ذكر مجالدًا بين إسماعيل بن أبي خالد وبين الشعبي في إسناده موسى بن خالد؛ وموسى فيه لين، ذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب: مقبول، هذا فيما يتعلق بالاختلاف على إسماعيل بن أبي خالد. =","vol":"9","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4274>الدليل الخامس:</span>\n(١٩٨٣ - ٤٤٣) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا مورع بن عبد الله، حدثنا الحسن بن عيسى، حدثنا حفص بن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن الحكم ابن عتيبة، عن جعفر،\nعن سودة بنت زمعة، قالت: قال رسول الله ﷺ: المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها، ثم تغتسل غسلًا واحدًا، ثم تتوضأ لكل صلاة (^١).\n_________\n= ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٠٥) من طريق آدم، عن شعبة، عن مجالد، عن عامر الشعبي، عن قمير امرأة مسروق، عن عائشة موقوفًا عليها.\nكما رواه الطحاوي (١/ ١٠٥) من طريق آدم.\nوالبيهقي (١/ ٣٢٩) من طريق معاذ بن معاذ، كلاهما عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن الشعبي، عن قمير به موقوفًا. وفي سند البيهقي مخلد بن جعفر فيه لين.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٠٥) من طريق شعبة، ومن طريق سفيان، كلاهما عن بيان -يعني ابن بشر- عن الشعبي، عن قمير به، موقوفًا.\nوقيل: عن الشعبي، عن امرأته، عن امرأة مسروق (قمير) عن عائشة موقوفًا.\nرواه ابن أبي شيبة تحقيق عوامة (١٣٦٠) حدثنا أبو خالد الأحمر، عن المجالد، وداود، عن الشعبي، قال: أرسلت امرأتي إلى امرأة مسروق فسألتها عن المستحاضة، فذكرت عن عائشة أنها قالت: تجلس أيام أقرائها، ثم تغتسل وتوضأ لكل صلاة.\nفإن كان هذا محفوظًا عن داود بن أبي هند فإنه قد أفسد طريق الشعبي؛ لأنه يبين أن الشعبي لم يسمعه من قمير، وإنما سمعه من امرأته عنها، ولم أعرف امرأة الشعبي، والذي يجعلني أشك أن يكون هذا محفوظًا أن ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٦١) رواه من طريق وهب بن جرير، عن شعبة، عن داود، وعاصم، عن الشعبي، عن قمير به موقوفًا على عائشة، وليس هناك ذكر لامرأة الشعبي، والله أعلم.\nولعل أفضل طريق روي فيه هذا الأثر، هو طريق عاصم الأحول.\nرواه عبدالرزاق (١١٧٠) عن معمر،\nورواه ابن المنذر في الأوسط كما تقدم (١/ ١٦١) من طريق شعبة، كلاهما عن عاصم بن سليمان، عن قمير، عن عائشة موقوفًا. ولم يختلف على عاصم، فلعل هذا هو المحفوظ، والله أعلم.\n(^١) الأوسط (٩١٨٤).","vol":"9","page":264},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4275>الدليل السادس:</span>\n(١٩٨٤ - ٤٤٤) روى الطبراني في الأوسط، من طريق جعفر بن سليمان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر،\nأن فاطمة بنت قيس قالت: سألت رسول الله ﷺ عن المستحاضة، قال: تعتد أيام أقرائها ثم تغتسل كل طهر، ثم تحتشي وتصلي.\nقال الطبراني: لم يروه عن ابن جريج إلا جعفر (^٢).\n[تفرد فيه جعفر بن سليمان، عن ابن جريج، ووهم فيه، قال أحمد: ليس له أصل] (^٣).\n_________\n(^١) شيخ الطبراني لم أقف عليه، ففيه جهالة، وجعفر لم ينسب حتى يتبين لي من هو؟ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٨١)، وفيه جعفر عن سودة لم أعرفه، وانظر المجلد السابع، ح: (١٥٢٠).\n(^٢) الأوسط (٢٩٨٤).\n(^٣) ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده كما في إتحاف الخيرة (٧٣٩)، والمطالب العالية (٢٠٣)، وابن عدي في الكامل (١/ ١٤٨) عن الحسن بن عمر بن شقيق، عن جعفر بن سليمان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: سألت فاطمة بنت قيس.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٢٣٥)، وفي الأوسط (٢٩٨٤) من طريق وهب بن بقية.\nوالدارقطني (١/ ٢١٩) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٥٥) من طريق قطن بن نسير، كلاهما عن جعفر بن سليمان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن فاطمة بنت قيس سألت النبي ﷺ.\nوأخرجه الحاكم (٤/ ٥٥ - ٥٦) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٣٥)، من طريق وهب بن بقية، عن جعفر بن سليمان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن فاطمة بنت قيس قالت: سألت رسول الله ﷺ.\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل كما في العلل ومعرفة الرجال لأحمد (٤١٢٢): «سئل أبي عن حديث أبي الزبير، عن جابر، عن فاطمة بنت قيس في المستحاضة، قال: ليس بصحيح، أو ليس له أصل يعني: حديث جعفر بن سليمان، عن ابن جريج».\nوقال الدارقطني: تفرد به جعفر بن سليمان، ولا يصح عن ابن جريج، عن أبي الزبير، وهم فيه، وإنما هي فاطمة بنت أبي حبيش». ...\nوقال ابن عدي: وهذا الحديث لم يحدث به عن ابن جريج بهذا الإسناد غير جعفر بن سليمان، ويقال: إنه أخطأ فيه، أراد به إسنادًا آخر، عن ابن جريج ....».\nوقال أبو حاتم في العلل (١/ ٥٠): «ليس هذا بشيء».\nوقال البيهقي (١/ ٣٣٥): «لا يعرف إلا من جهة جعفر بن سليمان».\nوقال البيهقي أيضًا (١/ ٣٥٦): «قال أبو بكر بن إسحاق: جعفر بن سليمان فيه نظر، ولا يعرف هذا الحديث لابن جريج، ولا لأبي الزبير من وجه غير هذا، وبمثله لا تقوم حجة، واختلف عليه فيه».","vol":"9","page":265},{"text":"وفاطمة بنت قيس هذه، هي فاطمة بنت أبي حبيش، فإن أبا حبيش اسمه قيس ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، ذكر هذا النسب صاحب تهذيب الكمال (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4276>الدليل السابع:</span>\n(١٩٨٥ - ٤٤٥) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن زياد، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا شريك عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت عن أبيه،\nعن جده، عن النبي ﷺ في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي والوضوء عند كل صلاة (^٢).\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\n\nهذه الأدلة كلها تحيل الاستحاضة إلى العادة، و<span data-type=\"title\" id=toc-4278>الدليل الأول </span>وحده كافٍ، فإنه في الصحيحين، وكذا الدليل الثاني في مسلم.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4277> دليل من قال: تعمل بالتمييز ولا عبرة بالعادة:</span>\nالدليل الأول:\n(١٩٨٦ - ٤٤٦) ما رواه البخاري من طريق زهير قال: حدثنا هشام، عن عروة،\n_________\n(^١) انظر تهذيب الكمال، رقم الترجمة (٧٩٠٠).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٩٧).\n(^٣) سبق تخريجه. انظر المجلد السابع ح (١٥١٨).","vol":"9","page":266},{"text":"عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (^١).\n[أكثر الرواة عن هشام رووه بلفظ: إذا أقبلت الحيضة دعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي] (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣١).\n(^٢) الحديث مداره على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ... وورد بعدة ألفاظ:\nاللفظ الأول: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي).\nأخرجه مالك في الموطأ (١/ ٦١) عن هشام به، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٣٠٦)، وأبو داود (٢٨٣)، والنسائي (٢١٨، ٣٦٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٧٣٥)،\nوأبو عوانة في مستخرجه (٩٢٨)، والدراقطني (١/ ٢٠٦) وابن حبان (١٣٥٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٢١، ٣٢٩).\nوهل انفرد مالك بقوله: (فإذا ذهب قدرها)؟\nالجواب: لا، فقد رواه أبو عوانة في مسنده (٩٢٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٠٢، ١٠٣) وفي مشكل الاثار (٢٧٣٥)، قالا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثني ابن وهب، قال: حدثني سعيد بن عبدالرحمن الجمحي، ومالك بن أنس، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، أن هشام بن عروة أخبرهم عن أبيه عن عائشة، فذكر مثل لفظ مالك.\nقال ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٣٢٥): «وظاهر هذا موافقة من ذكر مع مالك في قوله: (فإذا ذهب قدرها ... إلخ) ويحتمل أن يكون ابن وهب جعل اللفظ لمالك واتبع بالباقين، ولم يعتبر اللفظ. قال: وفي هذ الاحتمال بعد». اهـ\nبل هو احتمال قريب جدًّا، إن لم يكن متعينًا.\nقلت: وتابع مالكًا أيضًا حماد بن سلمة، إلا أنه زاد ذكر الوضوء.\nفقد رواه الدارمي (٧٧٩): أخبرنا حجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام به، بلفظ: (أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني امراة استحاض، أفأترك الصلاة؟ قال: لا. إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي ...).\nومن طريق حجاج بن منهال أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٢٧٣٤)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ١٠٢).\nوكذلك رواه الليث بن سعد عن هشام، كما في معجم ابن عساكر (١٥٧٩).\nوكذلك رواه مكحول عن عروة كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (١٤/ ١٤٠). =","vol":"9","page":267},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وسيأتي الحديث عن حكم الوضوء لكل صلاة في باب طهارة المستحاضة.\nوزيادة الوضوء بين الغسل والصلاة غير محفوظ، وسأنقاشه بلفظ مستقل إن شاء الله تعالى.\nاللفظ الثاني: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي).\nوليس هناك فرق بينها وبين رواية مالك إلا في قوله: (وإذا أدبرت)، فإن لفظ مالك: (فإذا ذهب قدرها) وهو لفظ حماد بن سلمة.\nوهذا لفظ أكثر الرواة عن هشام رووه عنه بلفظ: (وإذا أدبرت) منهم:\nالأول: وكيع كما في مسند أحمد (٦/ ١٩٤)، وصحيح مسلم (٣٣٣)، وسنن الترمذي (١٢٥)، وسنن النسائي (٣٥٩)، وسنن ابن ماجه (٦٢١)، ومستخرج أبو عوانة (٩٢٧).\nالثاني: زهير بن معاوية كما في صحيح البخاري (٣٣١)، وسنن أبي داود (٢٨٢)، ومسند ابن الجعد (٢٦٧٦)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٣٦٠) ح ٨٩٤، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٢٣).\nالثالث: أبو معاوية، كما في صحيح البخاري (٢٢٨)، وصحيح مسلم (٣٣٣)، وسنن الترمذي (١٢٥)، وسنن النسائي (٣٥٩)، وسنن الدارقطني (١/ ٢٠٦).\nالرابع: معمر، كما في مصنف عبد الرزاق (١١٦٥)،\nالخامس: عبد العزيز بن أبي حازم، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٣٦١) ح ٨٩٨،\nالسادس: أيوب السختياني، كما في المعجم الأوسط (٤٢٨١)، والمعجم الكبير (٢٤/ ٣٦١) ح ٨٩٩، .\nالسابع: ابن جريج، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٣٥٧) ح ٨٨٨،\nالثامن: زائدة بن قدامة، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٣٦٠) ح ٨٩٣،\nالتاسع: محمد بن عبد الله بن كناسة، كما في الطب النبوي لأبي نعيم (٤٢٧)،\nالعاشر: عبدالعزيز بن محمد الدراوردي، كما في وصحيح مسلم (٣٣٣)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٢٩).\nالحادي عشر والثاني عشر: جرير، وعبدالله بن نمير، كما في صحيح مسلم (٣٣٣).\nالثالث عشر: عبدة بن سليمان، كما في مسند إسحاق بن راهويه (٥٦٣)، وسنن الترمذي (١٢٥)، وحديث السراج (٢/ ١٠).\nالرابع عشر: يحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (٦/ ١٩٤)، ومسند البزار (١٨/ ٩٦) ح ١٨، وسنن الدارقطني (١/ ٢٠٦)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٣٦٢) ح ٩٠٠، وفي آخره قال يحيى: قلت لهشام: أغسل واحد تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم.\nالخامس عشر: جعفر بن عون، كما في مستخرج أبي عوانة (٧١٤)، وسنن الدارمي (٧٧٤)، ومنتقى ابن الجارود (١١٢)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٢٣). =","vol":"9","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السادس عشر: أبو حنيفة، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٠٢).\nالسابع عشر: أبو يوسف القاضي، كما الآثار له (١٩٥).\nالثامن عشر: محاضر بن المروع، كما في السنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٢٩)،\nفهؤلاء ثمانية عشر حافظًا رووه بلفظ: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي).\nاللفظ الثالث: بمثل رواية الجماعة إلا أنه قال: (فاغتسلي وصلي)، بدلًا من قول الجماعة (فاغسلي عنك الدم وصلي). انفرد بهذا ابن عيينة، عن هشام.\nرواه الحميدي في مسنده، عن ابن عيينة، وشك فيه ابن عيينة.\nقال الحميدي في مسنده (١٩٣): حدثنا سفيان، قال: حدثنا هشام بن عروة به، وفيه: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) أو قال: (اغسلي عنك الدم وصلي).\nوأخرجه البيهقي في السنن (١/ ٣٢٧) من طريق الحميدي على الشك.\nوقد رواه جماعة عن ابن عيينة بدون شك.\nمنهم: عبد الله بن محمد كما في صحيح البخاري (٣٢٠).\nوابن أبي عمر كما في سنن البيهقي (١/ ٣٢٧).\nوذكر صاحب الجوهر النقي (١/ ٣٢٤) أن الإسماعيلي أخرجه من طريق محمد بن الصباح، عن ابن عيينة بدون شك، وكذا أخرجه أبو العباس السراج في مسنده، قال: وأورد ابن منده رواية الحميدي عن ابن عيينة بدون شك.\nوجاء لفظ فاغتسلي وصلي من غير طريق ابن عيينة، رواه البخاري من طريق أبي أسامة، عن هشام إلا أن أبا اسامة لم يحفظ الحديث، وسنتكلم عنه بطريقة مستقلة.\nكما رواه الثوري، عن هشام بلفظ (فاغتسلي وصلي)، رواه البزار في مسنده (١٨/ ١١٩) ح ٧١، حدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة به، وفيه: (وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي).\nوقد انفرد البزار بذكر سفيان الثوري في روايته عن هشام، ولم أقف على غيره يذكر أن الثوري روى هذا الحديث عن هشام، ولا أدري هل الخطأ من البزار نفسه، فإن فيه لين، أو من شيخه، والله أعلم.\nقال الحافظ في الفتح (٣٠٦): «الاختلاف واقع بين أصحاب هشام، منهم من ذكر غسل الدم ولم يذكر الاغتسال، ومنهم من ذكر الاغتسال، ولم يذكر غسل الدم، وكلهم ثقات وأحاديثهم في الصحيحين». اهـ\nقلت: لم يخرج مسلم لفظ: (فاغتسلي وصلي) من طريق هشام والذي ورد في مسلم إنما هو: (فاغسلي عنك الدم وصلي). =","vol":"9","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= اللفظ الرابع:\n(إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وتوضئي، وصلي).\nفزاد ذكر الوضوء، بينما رواه ثمانية عشر حافظًا بلفظ: (فاغسلي عنك الدم وصلي)، وذكر الوضوء شاذ في الحديث.\nأخرج الحديث الدارمي (٧٧٩): أخبرنا حجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأترك الصلاة؟ قال: لا؛ إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي.\nوقد اختلف على حماد بن سلمة:\nفرواه حجاج بن منهال، عن حماد، عن هشام به، كما سبق بذكر الزيادة.\nورواه ابن عبدالبر في التمهيد كما في فتح البر (٣/ ٥١٢) من طريق عفان، عن حماد بن سلمة به، وليس فيه (وتوضئي) وعفان من أثبت أصحاب حماد بن سلمة، فهو مقدم على غيره.\nولم ينفرد حماد بن سلمة بلفظ: (وتوضئي) بل تابعه على هذا حماد بن زيد، عن هشام كما في مسند أبي يعلى (٤٤٨٦)، وسنن النسائي (٣٦٤)، ومشكل الآثار (٢٧٣٣)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٣٥٩)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ١١٦، ٣٤٣).\nقال أبو عبدالرحمن (النسائي): وقد روى هذا الحديث غير واحد عن هشام بن عروة ولم يذكر فيه (وتوضئي) غير حماد، والله تعالى أعلم.\nوأخرجه مسلم (٢٣٣): حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة به ثم قال مسلم: وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذكره. اهـ.\nيشير إلى زيادة الأمر بالوضوء، ولعله تركها للخلاف فيها. قال البيهقي في السنن (١/ ٣٤٤): «وكأنه -يعني مسلمًا- ضعفه لمخالفته سائر الرواة عن هشام». اهـ\nاللفظ الخامس: لفظ أبي أسامة عن هشام به.\n(ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) رواه البخاري (٣٢٥)، حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة، به.\nولم ينفرد أبو أسامة بل تابعه غيره، فقد أخرج البيهقي (١/ ٣٢٤) من طريق هارون بن عبدالله، ثنا أبو أسامة ومحمد بن كناسة، وجعفر بن عون عن هشام عن أبيه عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله ﷺ: إنما ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي، أو كما قال. =","vol":"9","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورجح البيهقي أن اللفظ لفظ أبي أسامة، باعتبار أن هارون بن عبدالله جعل اللفظ لأول مذكور، وهو أبو أسامة، وأتبع بالباقين ولم يعتبر ألفاظهم.\nومما يؤيد كلام البيهقي أن رواية جعفر بن عون قد خرجها أبو عوانة في مسنده (١/ ٣١٩)، وهي موافقة للفظ الجماعة وليست موافقة لرواية أبي أسامة.\nفلا شك عندي أن انفراد أبي أسامة بهذا اللفظ عن كل من رواه عن هشام بن عروة، وهم عدد كثير يتجاوزن العشرين حافظًا وعلى رأسهم الإمام مالك، ويحيى بن سعيد القطان يجعل لفظ أبي أسامة غير محفوظ، والله أعلم. قال البيهقي في السنن (١/ ٣٢٤): «رواه البخاري عن أحمد بن أبي رجاء، عن أبي أسامة، عن هشام، فخالفهم في متنه، فقال في الحديث: ....» ثم ساق لفظه.\nكما أن أبا أسامة قد اختلف عليه فجاء عنه الحديث كما سبق.\nأخرجه البيهقي (١/ ٣٢٥) من طريق ابن كرامة، ثنا أبو أسامة عن هشام به فذكر الحديث، وفيه: (أفأدع الصلاة؟ قال: لا. وإنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي). قال البيهقي: وهذا أولى أن يكون محفوظًا لموافقته رواية الجماعة إلا أنه قال: (فاغتسلي)، وقد قاله أيضًا ابن عيينة بالشك». اهـ\nفهذا الطريق ربما يجعل الوهم السابق في رواية البخاري من الراوي عن أبي أسامة، أحمد بن أبي رجاء، وليس من أبي أسامة نفسه.\nاللفظ السادس:\nطريق أبي عوانة عن هشام به، بلفظ: (تدع الصلاة أيامها، ثم تغتسل غسلًا واحدًا ثم تتوضأ عند كل صلاة).\nأخرجها ابن حبان (١٣٥٥) بسند صحيح، ولعل أبا عوانة اختصرها ورواها بالمعنى.\nاللفظ السابع:\nطريق أبي حمزة محمد بن ميمون السكري عن هشام.\nوفيه: (فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيها، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة).\nانفرد بهذا اللفظ أبو حمزة السكري واختلف عليه فيه.\nفرواه ابن حبان (١٣٥٤) من طريق علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا أبو حمزة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا.\nوخالفه عبدالله بن عثمان، فرواه البيهقي (١/ ٥٤٤) من طريق عبدالله بن عثمان، حدثنا أبوحمزة قال: سمعت هشامًا يحدث عن أبيه أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول ... فأرسله.\nفهذه سبعة ألفاظ لحديث عائشة في قصة استحاضة فاطمة، والذي أميل إليه أن رواية الجماعة هي المحفوظة، وما عداها فإما أن تكون قد رويت بالمعنى، أو تكون شاذة. والله أعلم.","vol":"9","page":271},{"text":"قال الحافظ في الفتح: في الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة، تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه، ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث (^١).\nوقال ابن رجب في شرح البخاري: وأما قول النبي ﷺ: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة)، فقد اختلف العلماء في تأويله، فتأوله الأكثرون، منهم مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، على أن المراد به اعتبار التمييز، وأن هذه المستحاضة كان دمها متميزًا، بعضه أسود وبعضه غير ذلك، فردها إلى زمن دم الحيض، وهو الأسود الثخين، فإذا أقبل ذلك الدم تركت الصلاة، فإذا أدبر وجاء دم غيره، فإنها تغتسل وتصلي اهـ (^٢).\nفإذًا الجمهور يفسر أن قوله في الحديث: (فإذا أقبلت الحيضة، وإذا أدبرت) أن المقصود بإقباله عن طريق التمييز، أي فإذا أقبل الدم الأسود فاتركي الصلاة، وإذا أدبر الدم الأسود فاغتسلي وصلي.\nوالصحيح أن المقصود بالإقبال ليس إقبال الدم الأسود، بل إقبال العادة والإدبار إدبارها، فيكون معنى الحديث، فإذا أقبل وقت العادة حملًا على الروايات الأخرى ... فإن الحديث هو حديث عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش ومداره على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.\nفرواه مالك عن هشام وفيه: (فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي) (^٣). وهذا ظاهره اعتبار العادة.\n_________\n(^١) فتح الباري، في شرحه لحديث (٣٠٦).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٥٦).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٠٦).","vol":"9","page":272},{"text":"ورواه أبو أسامة عن هشام في البخاري: (ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها) (^١).\nورواه ابن حبان، من طريق أبي عوانة عن هشام به، وفيه: (تدع الصلاة أيامها) (^٢).\nوقوله: (فإذا أقبلت وإذا أدبرت) لا يلزم منه العمل بالتمييز، فقد روى\nابن حبان أيضًا حديث فاطمة بنت أبي حبيش، من طريق أبي حمزة السكري عن هشام به، وفيه: (فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيها، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضي لكل صلاة) (^٣).\nفهنا أمرها إذا أقبل الحيض أن تجلس مقدار عادتها، وعليه فيفهم من قوله: (فإذا أقبلت، وإذا أدبرت) أنه لا يعارض العمل بالعادة المستقرة، وكوننا نجمع بين الروايات المختلفة أولى من كوننا نعتبر بعض الروايات تردها إلى العادة وبعضها تردها إلى التمييز، مع أن القصة واحدة، واحتمال التعدد بعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4279>الدليل الثاني:</span>\nمما يستدل به على تقديم التمييز على العادة،\n(١٩٨٧ - ٤٤٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد -يعني ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،\nعن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ: إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٥).\n(^٢) صحيح ابن حبان (١٣٥٥).\n(^٣) صحيح ابن حبان (١٣٥٤).\n(^٤) سنن أبي داود (٣٠٤).","vol":"9","page":273},{"text":"[والحديث إسناده منقطع، ومتنه منكر] (^١).\nوسبق تخريجه في المستحاضة المبتدأة. والمعروف في قصة فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي ﷺ ردها إلى العادة.\nوقد ضعفه النسائي، وأبو حاتم، وابن القطان، والباجي في المنتقى شرح الموطأ، ومن حسنه ظن أن حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش بلفظ: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) ظن أنه يشهد له من العمل بالتمييز، وقد بينا أن المراد فإذا أقبلت أي العادة، وإذا أدبرت: أي العادة أيضًا، وليس المراد إذا أقبل وأدبر الدم الأسود، جمعًا بينه وبين الألفاظ الأخرى في الحديث. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4280>الدليل الثالث:</span>\n(١٩٨٨ - ٤٤٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن خالد -يعني الحذاء- عن أنس بن سيرين، قال:\nاستحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار - فلتغتسل وتصلي (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n• ويجاب عن هذا بوجهين:\nالوجه الأول:\nأن كلام ابن عباس موقوف عليه، ولا يمكن أن يعارض به المرفوع.\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر ح (١٩٦٩).\n(^٢) المصنف (١/ ١٢٠) رقم ١٣٦٧.\n(^٣) سبق تخريجه، انظر ح (١٦٠٢).","vol":"9","page":274},{"text":"الجواب الثاني:\nأن كلام ابن عباس إنما يقبل في المرأة المبتدأة المميزة التي لا عادة لها، وكذا من نسيت عادتها، وأما المرأة المعتادة فلا يمكن أن نقدم قول ابن عباس على قول الرسول ﷺ، وقد رد فاطمة بنت أبي حبيش إلى عادتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4281>الدليل الرابع:</span>\nقالوا إن العمل بالتمييز أولى من العمل بالعادة؛ لأن العادة قد تختلف، والتمييز لايختلف؛ ولأن النظر إلى اللون اجتهاد، والنظر إلى العادة تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد (^١).\nوهذا النظر هو في مقابلة النص فيكون نظرًا فاسدًا، وكل نظر في مقابلة النص الشرعي فهو مطروح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4282>الدليل الخامس:</span>\nقالوا: إن دم الحيض موصوف بأنه أذى، وهو يختلف عن دم العرق الذي هو دم الاستحاضة بصفته، ولو كانت صفتهما واحدة لما فرق الشارع بينهما في الأحكام، فإذا رأت الدم الموصوف بالأذى رأت لونه ورائحتة، وثخونته، وجب أن تعمل به، خاصة وأن الحيض من الأحكام المعقولة المعنى؛ لأن الله وصفه بكونه أذى، فوجب ترك الصلاة إذا رأت ما تعرفه المرأة من دم الحيض ولو خالف عادتها.\n• وأجيب:\nبأن هذا النظر ممكن أن يكون جيدًا لولا أنه في مقابلة النص، وكل نظر يصادم النص فهو نظر قاصر وإن كان قد يبدو في الظاهر خلاف ذلك، وممكن أن يقال: إن هذه المرأة المستحاضة اختلط دم حيضها بدم استحاضتها، فتركت العمل بالدم وحكمت العادة بصرف النظر عن لون الدم ورائحته ... والله أعلم.\n_________\n(^١) عارضة الأحوذي لابن العربي (١/ ٢١٠).","vol":"9","page":275},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4283> دليل المالكية على أن المميزة تجلس منه قدر عادتها وغير المميزة طاهر أبدًا:</span>\nاستدلوا بما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، وفيه: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي).\nفإذا أقبلت الحيضة: إقبالها يكون بالتمييز.\nفإذا ذهب قدرها: أي تجلس مقدار عادتها، ثم تغتسل عنها الدم، وتصلي.\nفإذا تميز دم الحيض من دم الاستحاضة فهي حائض، وتجلس من هذا الدم الأسود مقدار عادتها فقط.\n(١٩٨٩) وروى ابن حبان (^١)، من طريق أبي حمزة، عن هشام بن عروة، عن أبيه.\nعن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني أستحاض الشهر والشهرين؟ قال: ليس ذاك بحيض، ولكنه عرق، فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيها، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة (^٢).\nفقوله: (فإذا أقبل الحيض) أي أقبل الحيض بلونه، ورائحته وثخونته وهذا عمل بالتمييز، ومعناه إذا لم يقبل ولم يتميز فأنت طاهر أبدًا.\nوقوله: (فدعي الصلاة عدد أيامك) أي فإذا تميز دم الحيض من دم الاستحاضة فاجلسي من الدم الأسود المنتن مقدار عادتك السابقة فقط لامقدار الدم الأسود.\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (١٣٥٤).\n(^٢) انفرد بهذا اللفظ أبو حمزة السكري عن هشام، وجميع من رواه عن هشام لم يذكر الحديث بهذا اللفظ، ثم إن أبا حمزة السكري قد اختلف عليه، فروى عنه مرسلًا، وروي عنه موصولًا، انظر: تخريج الحديث في القول الذي قبل هذا، وقد سقت جميع ألفاظه.","vol":"9","page":276},{"text":"• ويجاب:\nبأن المستحاضة إما أن تعمل بالتمييز، أو تعمل بالعادة، أما أن تعمل بالتمييز في أول العادة، ثم تعتبر العادة في المدة بصرف النظر عن التمييز بعد ذلك فهذا ضعيف؛ لأن المستحاضة إما أن تجلس مقدار عادتها، وإما أن تعمل بالتمييز، ولا ثالث لهما، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4284> القول الراجح:</span>\nالراجح من هذه الأقوال والله أعلم القول الأول، وأن المستحاضة المعتادة تعمل بعادتها ولا تعمل بالتمييز، وذلك أن العادة معلومة، بينما التمييز يتوقف على أن يكون دم الحيض أكثر من دم المرض حتى يغلب عليه، ويتميز عنه، وقد لا يتيسر ذلك لاختلاف قوة النزيف الحاصل للمستحاضة من مرض لآخر؛ لهذا كان العمل بالعادة أضبط وهو مقتضى النصوص، وهو ما رجحه ابن تيمية (^١)، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٦٢٨)، شرح عمدة الفقه لابن تيمية (١/ ٤٩٩).","vol":"9","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4285>المبحث الثاني في المستحاضة المعتادة غير المميزة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل أن دم الاستحاضة (النزيف) لا يمنع نزول الدورة.\n• الأصل أن المرأة يأتيها الحيض في وقت الاستحاضة كما كان يأتيها قبل المرض، فيستصحب ذلك.\n• سلطان العادة أقوى من سلطان التمييز: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ولم يلتفت للتمييز.\n• قد يكون دم الاستحاضة قويًا فيغلب على دم الحيض فيستتر دم الحيض بدم الاستحاضة.\n[م-٧٨٥] إذا كانت المستحاضة المعتادة غير مميزة، وغير المميزة إما حسًا، وهو الصحيح: بأن يكون دمهاعلى صفة واحدة، لا يتميز بعضه من بعض.\nأو تكون غير مميزة حكمًا على قول كما لو كان الدم الذي يصلح للحيض ينقص عن أقل الحيض، أو يزيد على أكثره عندهم، أو لم يتقدمه طهر صحيح (^١).\n_________\n(^١) وهو مبني على أن الحيض له حد لأقله وأكثره. وقد بينت الخلاف في هذه المسألة.","vol":"9","page":278},{"text":"إذا عرفنا المستحاضة المعتادة غير المميزة، فقد اختلف العلماء في القول فيها:\nفقيل: تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي، وهو المشهور من مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوفي مذهب مالك فيمن استمر معها الدم وكان لها عادة معلومة ثلاث روايات، وسبب اختلاف الروايات: أن المرأة إذا زاد الدم على عادتها، لا تدري في أول أمرها هل هذا انتقال للعادة، أو استحاضة، فإذا تيقن أنه استحاضة، فإنهم يتفقون على أنها إذا لم تميز فهي مستحاضة تصلي وتصوم أبدًا ولو مكثت طول عمرها حتى يتميز الدم، وكذا لو ميزت قبل تمام الطهر فهي مستحاضة، فإذا ميزت أو انقطع الدم، ثم جاء بعد انقطاعه دفعة من الدم تنكره، وقد سبقه طهر فهو حيضها، إذا علم ذلك نأتي على ذكر الرويات.\nالراوية الأولى: أنها تجلس عادتها، وتستظهر بثلاثة أيام، ومحل الاستظهار بالثلاثة ما لم تجاوز نصف الشهر، فمن كانت عادتها خمسة عشر يومًا فلا استظهار عليها، ومن عادتها أربعة عشر يومًا استظهرت بيوم واحد فقط، ومن كانت عادتها سبعة أيام استظهرت بثلاثة فقط، ثم اغتسلت وصامت وصلت، فإن استمر الدم لا يتميز فهي مستحاضة أبدًا تصلي وتصوم حتى يتميز دمها، فإن تميز بعد مضي مدة أقل الطهر صارت حائضًا من وقت تغيره وكذا لو انقطع الدم، ثم أتاها دفعة من الدم تنكره بعد مضي مدة أقل الطهر، وبهذا تصبح مستحاضة معتادة مميزة وقد عرفت حكمها في\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع (١/ ٤١)، البناية - العيني (١/ ٦٦٥)، المبسوط (٣/ ١٧٨).\nوانظر في مذهب الشافعية: الوسيط (١/ ٤٣٠)، روضة الطالبين (١/ ١٤٥)، حاشية الشيخ إبراهيم البيجوري على متن أبي شجاع (١/ ٢١٤)، نهاية المحتاج (١/ ٣٤٤).\nوفي مذهب الحنابلة، قال في الإنصاف (١/ ٣٦٥): «اعلم أنه إذا كانت المستحاضة لها عادة تعرفها، ولم يكن لها تمييز، فإنها تجلس العادة بلا نزاع». اهـ. وانظر الإقناع (١/ ٦٦)، المحرر (١/ ٢٦، ٢٧)، الفروع (١/ ٢٧٤).","vol":"9","page":279},{"text":"الفصل السابق. هذا قول مالك، وأصل مذهبه، والمذكور في المدونة (^١).\nوبقي في مذهب مالك عدة روايات.\nقيل: تقعد إلى تمام خمسة عشر يومًا ثم هي مستحاضة تصوم وتصلي حتى يتميز دمها (^٢).\nوقيل: تقعد عادتها بدون استظهار ثم تغتسل وتصلي وتبقى في حكم الطاهرات حتى يتميز. وهذا قول محمد بن مسلمة (^٣).\nوقيل: تقعد أيامها المعتادة ثم تغتسل وتصلي وتصوم، ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع الدم ما بينها وبين خمسة عشر يومًا علم أنها حيضة، وانتقلت إليها، ولا يضرها ما صامت وصلت فيه، وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يومًا علم أنها\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٥٠)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٩٠)، المقدمات الممهدات (١/ ١٣٠)، الشرح الصغير (١/ ٢١٠)، المعونة (١/ ١٩٢)، التفريع لابن الجلاب (١/ ٢٠٨)، الكافي (ص: ٣٣)، الشرح الكبير (١/ ١٧١).\nولم يبين مالك -﵀- إن كان يطؤها زوجها فيما بينها وبين الخمسة عشر يومًا ومن ثم اختلف أصحابه على قولين.\nالأول: أنها بعد الاستظهار، تغتسل وجوبًا، وتصلي، وتصوم، وتطوف إن كانت حاجة، ويأتيها زوجها.\nوهو ظاهر رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة. وعلى هذه الرواية يكون غسلها بعد تمام خمسة عشر يومًا استحبابًا لا وجوبًا.\nالثاني: أنها بعد الاستظهار، تغتسل استحبابًا، وتصوم وتقضي الصيام ولا يطؤها زوجها، ولا تطوف طواف الإفاضة إلى تمام خمسة عشر يومًا ثم تغتسل وجوبًا وتكون مستحاضة. وهذا ظاهر رواية ابن وهب عن مالك في كتاب الوضوء من المدونة.\nوالأول: هو الراجح في مذهب مالك، اختاره صاحب الشرح الصغير (١/ ٢١٠) ومختصر خليل (ص ١٩) وقال في حاشية الدسوقي (١/ ١٦٩): وهذا مذهب المدونة.\n(^٢) المقدمات الممهدات (١/ ١٣١)، فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٩٠)،\n(^٣) المقدمات (١/ ١٣١)، وهذا القول من محمد بن مسلمة موافق لما ذهب إليه الجمهور في القول الأول.","vol":"9","page":280},{"text":"كانت مستحاضة، وأن ما مضى من الصلاة والصيام كان في موضعه، وإذا حكمنا أنها مستحاضة، فإن استمر الدم لا يتميز بعد أن جلست ما جلست فهي مستحاضة أبدًا تصلي وتصوم حتى يتميز دمها، فإن تميز أصبحت مستحاضة معتادة مميزة وقد نقلنا الأقوال فيها في مسألة مستقلة (^١).\nهذا ملخص أقوال مالك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4286> دليل الجمهور على اعتبار العادة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4287>الدليل الأول:</span>\n(١٩٩٠ - ٤٥٠) ما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، قال: سمعت هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،\nعن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ، قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا. إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي صلي (^٢).\n[انفرد أبو أسامة عن هشام بهذا اللفظ، وقد رواه جمع عن هشام بلفظ: فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4288>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٩١ - ٤٥١) ما رواه مسلم من طريق الليث - يعني ابن سعد - عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، عن عراك، عن عروة،\nعن عائشة ﵂ قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ: امكثي قدر ما كانت\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) صحيح البخاري (٣٢٥).\n(^٣) سبق تخريج جميع ألفاظ الحديث، انظر ح: (١٩٨٦).","vol":"9","page":281},{"text":"تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي (^١).\nوفي الباب حديث أم سلمة، وسودة، وجابر، وثابت الأنصاري عن أبيه، سقناه في المسألة التي قبل هذه وتكلمت عليها صحة وضعفًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4289> دليل من قال: تجلس عادتها وتستظهر بثلاثة أيام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4290>الدليل الأول:</span>\n(١٩٩٢ - ٤٥٢) ما رواه البيهقي من طريق أبي بكر بن عياش، عن حرام بن عثمان، عن ابن جابر،\nعن أبيه، أن ابنة مرشد الأنصارية، أتت النبي ﷺ فقالت: تنكرت حيضتي. قال: كيف؟ قالت: تأخذني، فإذا تطهرت منها عاودتني، قال: فإذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثًا (^٢).\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٦٥ - ٣٣٤).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ٣٣٠).\n(^٣) قال البيهقي بعده: قال أبو بكر بن إسحاق: الخبر واهٍ.\nوقال البيهقي: حرام بن عثمان ضعيف لا تقوم بمثله حجة.\nوقال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٢٢٤): احتجوا بحديث رواه حرام بن عثمان، عن ابني جابر، عن جابر، أن أسماء بنت مرشد الحارثية، كانت تستحاض، فسألت النبي ﷺ عن ذلك، فقال لها: النبي ﷺ: اقعدي أيامك التي كنت تقعدين، ثم استظهري بثلاث، ثم اغتسلي وصلي.\nورواه إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الداروردي، عن حرام بن عثمان، عن محمد وعبد الرحمن ابني جابر بن عبد الله، عن أبيهما، عن أسماء بنت مرشد كانت تستحاض، فذكر معنى ما ذكرناه.\nقال ابن عبد البر: «وهذا حديث لا يوجد إلا بهذا الإسناد، وحرام بن عثمان المدني متروك الحديث، مجتمع على طرحه لضعفه ونكارة حديثه، حتى لقد قال الشافعي: الحديث عن حرام ابن عثمان حرام.\nوقال بشر بن عمر: سألت مالك بن أنس عن حرام بن عثمان، فقال: ليس بثقة».اهـ","vol":"9","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4291>الدليل الثاني من القياس:</span>\nقال ابن عبد البر في الاستذكار (^١): جعل الاستظهار بثلاثة أيام ليستبين منها انفصال دم الحيض من دم الاستحاضة استدلالًا بحديث المصراة؛ إذ حَدَّ فيها الرسول ﷺ ثلاثة أيام في انفصال اللبن: لبن التصرية من اللبن الطارئ. والقول بالاستظهار قول ضعيف، ولا يعرف قائل به من الأئمة غير مالك. اهـ (^٢)\nوقد استدل ابن عبد البر بحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي). على تضعيف القول بالاستظهار.\nقال في الاستذكار: «الحديث فيه رد على من قال بالاستظهار؛ لأنه أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت، وذهبت أن تغتسل وتصلي ولم يأمرها أن تترك الصلاة\n_________\n(^١) الاستذكار (٣/ ٢٢٣، ٢٢٤).\n(^٢) الاستظهار، قال الأزهري في تاج العروس (٧/ ١٦٩): الاستظهار: الاحتياط، وأصله اتخاذ الظِّهْريْ من الدواب عُدَّةً للحاجة إليه احتياطًا؛ لأنه زيادة على قدر حاجة صاحبه إليه، وإنما الظِّهْرِي: الرجل يكون معه حاجته من الركاب لحمولته، فيحتاط لسفره، ويَعُدُّ بعيرًا أو بعيرين أو أكثر تكون فرَّغًا تكون معدة لاحتمال ما انقطع من ركابه ثم أقيم الاستظهار مقام الاحتياط في كل شيء.\nوإذا كان الاستظهار هو الاحتياط فبين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي تقارب، وعليه فالاستظهار بثلاثة أيام عند المالكية، هو الاحتياط بحيث تجلس زيادة على حيضتها ثلاثة أيام لا تصلي ولا تصوم ولا يطؤها زوجها.\nوالاستظهار عند مالك قال ابن عبد البر في حق امرأتين فقط.\nالأولى: في المعتادة التي تمادى بها الدم تجلس ثم تستظهر بثلاثة أيام فقط.\nالثانية: في المبتدأة تجلس أيام لداتها ثم تستظهر بثلاثة أيام، قال ابن عبد البر: ولا استظهار عند مالك إلا لهاتين المرأتين في هذين الموضعين. انظر: الاستذكار (٣/ ٢٢٣).\nقلت: المبتدأة فيها خلاف هل تستظهر أم لا.\nوكذا في الشرح الصغير (١/ ٢١٧) قال: أربعة لا تستظهر واحدة منهن وهي المبتدأة، والحامل، والمستحاضة، والنفساء. اهـ.","vol":"9","page":283},{"text":"ثلاثة أيام لاستظهار حيض يجيء أو لا يجيء، والاحتياط إنما يجب في عمل الصلاة، لا في تركها ثلاثة أيام.\nولا يخلو قوله ﵇ في الحيضة (فإذا ذهب قدرها) أن يكون أراد انقضاء أيام حيضها لمن تعرف الحيضة وأيامها، أو يكون أراد انفصال دم الحيض من دم الاستحاضة لمن تميزه، فأي ذلك كان فقد أمرها عند ذهاب حيضتها أن تغتسل وتصلي، ولم يأمرها باستظهار» (^١).\nوقال أيضًا: «السنة نفي الاستظهار، لأن أيام دمها جائز أن تكون استحاضة وجائز أن تكون حيضًا، والصلاة فرض بيقين، فلا يجوز أن تدعها حتى تستيقن أنها حائض، وذكروا أن مالكًا وغيره من العلماء قالوا: لأن تصلي المستحاضة وليس عليها ذلك، خير من أن تدع الصلاة، وهي واجبة عليها؛ لأن الواجب الاحتياط للصلاة فلا تترك إلا بيقين لا بالشك فيه» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4292> دليل من قال: تقعد المستحاضة المعتادة خمسة عشر يومًا:</span>\nهذا القول مبني على مسألة خلافية، وهو الخلاف في أكثر الحيض، والجمهور على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وقد ذكرت أدلتهم في هذه المسألة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.\n• الراجح:\nالذي تميل له نفسي هو قول الجمهور، وهو أن المرأة تجلس مقدار عادتها. والأحاديث في هذا صريحة؛ وذلك قائم على أصلين:\nالأول: الأصل أن المرأة تأتيها عادتها كما كانت قبل المرض، ذلك أن المرض لا يمنع نزول الدورة، فدم الحيض له مصدر مختلف عن مصدر دم النزيف، فيستصحب هذا الأصل.\n_________\n(^١) الاستذكار (٣/ ٢٢٢).\n(^٢) المرجع السابق.","vol":"9","page":284},{"text":"الثاني: أن دم النزيف قد يكون قويًا فيغلب دم الحيض فيستتر دم الحيض بدم الاستحاضة، لهذا جاءت النصوص بأن تجلس المستحاضة عادتها، ولا تلتفت إلى التمييز، والله أعلم.\n* * *","vol":"9","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4293>الفصل الرابع\nفي المرأة المستحاضة المتحيرة</span>\nالمرأة المستحاضة المتحيرة لها ثلاثة أحوال:\nالأول: المتحيرة في العدد.\nوهي التي نسيت عدد أيامها في الحيض، مع علمها بمكان العادة من كل شهر.\nالثاني: المتحيرة في المكان.\nوهي التي علمت عدد حيضها ونسيت مكانها.\nالثالث: المتحيرة بهما، وهي التي نسيت عدد عادتها، ونسيت مكانها.\nوالمتحيرة وتوصف بالمحيرة بصيغة اسم الفاعل، لأنها تحير المفتي، وبصيغة اسم المفعول، لأنها تحيرت بسبب نسيانها.\nومسائل المحيرة من أصعب مسائل الحيض وأدقها، ولها صور كثيرة، وتفريعات دقيقة، كلها أو جلها بنيت على الآراء المحضة حتى قال النووي: بأن الدارمي صنف فيها مجلدًا ضخمًا ليس فيه غير مسألة المتحيرة، وتقريرها (^١). ولو أتينا على هذه التفريعات المرجوحة لكان هذا عيبًا في الكتاب، وصارفًا لطلبة العلم من الاستفادة\n_________\n(^١) وقد طبع الكتاب بعد تحرير هذا الباب.","vol":"9","page":286},{"text":"منه. ويكفينا من هذه الأقوال المرجوحة أن نأتي على ذكرها بأشد ما يكون الاختصار؛ لأن إهمالها قد ينتقد والتفصيل فيها كذلك ولقد أحسن الشوكاني عندما قال في النيل: «وقد أطال المصنفون في الفقه الكلام في المستحاضة، واضطربت أقوالهم اضطرابًا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة فما ظنك بالنساء الموصوفات بالعي في البيان، والنقص في الأديان، وبالغوا في التعسير حتى جاؤوا بمسألة المتحيرة فتحيروا، والأحاديث الصحيحة قد قضت بعدم وجودها، وذلك لأن بعضها ظاهر في معرفتها إقبال الحيضة وإدبارها، وبعضها صريح في أن دم الحيض يعرف ويتميز عن دم الاستحاضة فطاحت مسألة المتحيرة، ولله الحمد» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ٣٣٤) ح ٣٦٨.","vol":"9","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4294>المبحث الأول في المستحاضة المتحيرة بالعدد</span>\n[م-٧٨٦] المتحيرة بالعدد،: هي التي نسيت عدد أيامها في الحيض، مع علمها بمكان العادة من كل شهر.\nالقول الأول: مذهب الحنفية.\nقسموا المستحاضة المتحيرة في العدد فقط إلى قسمين:\nالأول: إذا نسيت عدد أيامها، وعلمت أن الحيض يأتيها في كل شهر مرة فهذه يجب عليها أن تجلس أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها من أول الاستمرار لتيقنها بالحيض فيها، وتغتسل سبعة أيام لكل صلاة لتردد حالها فيها بين الحيض، والطهر، والخروج وإنما قالوا سبعة أيام؛ لأنه مع الثلاثة أيام تكون قد بلغت أكثر الحيض عندهم، وهو عشرة أيام، ثم تتوضأ عشرين يومًا لوقت كل صلاة لتيقنها فيها بالطهر ويأتيها زوجها.\nالثاني: أن تنسى عدد أيامها، ولا تعلم أن الحيض يأتيها في كل شهر مرة فلا تدري كم دورتها.\nففيها وجهان:\nالوجه الأول: لا تعلم عدد حيضها، ولا عدد طهرها. فهذه تعمل ما يلي:","vol":"9","page":288},{"text":"تدع الصلاة أقل الحيض ثلاثة أيام؛ لأنه حيض بيقين.\nثم تصلي سبعة أيام بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر، والخروج من الحيض .. ولا يأتيها زوجها في هذه العشرة أيام، ثم تصلي ثمانية أيام بالوضوء لوقت كل صلاة، ويأتيها زوجها فيها، لأنها بيقين الطهر في هذه الثمانية، فإنه إن كان حيضها ثلاثة أيام، فهذا آخر طهرها، وإن كان حيضها عشرة فهذا أول طهرها.\nثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ولا يأتيها زوجها، فبلغ الحساب واحدًا وعشرين يومًا.\nثم تصلي بعد ذلك بالاغتسال لكل صلاة بالشك، لأنه لم يبق لها يقين بالطهر ولا بالحيض بعد هذا، فما من ساعة بعد هذا إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض إما بالزيادة في حيضها على الثلاثة، أو في طهرها على خمسة عشر.\nالوجه الثاني: لا تعلم عدد حيضها، وتعلم عدد طهرها.\nمثاله: امرأة تعلم أن عدد طهرها خمسة عشر، ولا تدري كم حيضها، فيلزمها ما يلي:\n- تترك الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة أيام لكونها أقل الحيض؛ لأنه حيض بيقين.\n- ثم تصلي سبعة أيام بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، ولا يأتيها زوجها في هذه العشرة أيام.\n- ثم تصلي ثمانية أيام بالوضوء لوقت كل صلاة ويأتيها زوجها؛ لأنها بيقين الطهر في هذه الثمانية أيام. فإنه إن كان حيضها ثلاثة أيام فهذا آخر طهرها، وإن كان عشرة فهذا أول طهرها.\n- ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك.\nفبلغ ذلك واحدًا وعشرين يومًا، ولو كان حيضها ثلاثة فابتداء طهرها الثاني","vol":"9","page":289},{"text":"بعد واحد وعشرين يومًا (^١)، وإن كان حيضها عشرة فابتداء طهرها الثاني بعد خمسة وثلاثين (^٢)، ففي هذه الأربعة عشر تصلي بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، ثم تصلي يومًا واحدًا بالوضوء لوقت كل صلاة، بيقين الطهر وذلك بعدما تغتسل عند تمام خمسة وثلاثين يومًا؛ لأن في هذا اليوم يقين الطهر، ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر، ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة أبدًا؛ لأنه لم يبق لها يقين في شيء بعدها فما من ساعة إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض (^٣).\nالقول الثاني: المذهب الشافعي:\nالمذهب الشافعي في المرأة المستحاضة الناسية لعددها الذاكرة لمكانها كالتالي: إذا تيقنت الحيض أو الطهر، فاليقين له حكمه.\nوإذا كان الزمن يحتمل الحيض والطهر، فإنها تصلي بالوضوء لكل صلاة. ويسمى حيضًا مشكوكًا فيه.\nوإذا كان الزمن يحتمل الحيض، والطهر، والانقطاع، فإنها تصلي بالغسل لكل صلاة، ويسمى طهرًا مشكوكًا فيه (^٤).\n_________\n(^١) لأن حيضها ثلاثة أيام، مضافًا إليه مقدار طهرها خمسة عشر يومًا، مضافًا إليه مقدار حيضها الثاني ثلاثة أيام، فيبدأ طهرها الثاني بعد واحد وعشرين يومًا.\n(^٢) لأن حيضها عشرة أيام، مضافًا إليه مقدار طهرها خمسة عشر يومًا، مضافًا إليه مقدار حيضها الثاني، فيكون الجميع خمسة وثلاثين يومًا.\n(^٣) المبسوط (٣/ ٢٠٤، ٢٠٥) البحر الرائق (١/ ٢١٩) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(^٤) قال البيجوري في حاشيته (١/ ٢١٥): «الذاكرة لعادتها قدرًا، لا وقتًا، كأن تقول: كان حيضي خمسة في العشر الأول من الشهر، لا أعلم ابتداءها، وأعلم أني في اليوم الأول طاهر بيقين، فالسادس حيض بيقين، والأول طهر بيقين، كالعشرين الأخيرين، والثاني إلى آخر الخامس محتمل للحيض والطهر دون الانقطاع، والسابع إلى آخر العاشر محتمل للحيض والطهر والانقطاع، فلليقين من حيض وطهر حكمه، وهي في المحتملة كناسية لهما - فيما مر - ومعلوم أنه لا يلزمها الغسل إلا عند احتمال الانقطاع، ويسمى ما يحتمل الانقطاع طهرًا مشكوكًا فيه، وما لا يحتمله حيضًا مشكوكًا فيه».اهـ","vol":"9","page":290},{"text":"فمثلًا: لو جاءت امرأة، وقالت: إني ذاكرة للوقت ناسية للعدد، فينظر: إن كانت ذاكرة لوقت ابتدائه، بأن قالت: كان ابتداء حيضي من أول يوم من الشهر، حيضناها يومًا وليلة من أول الشهر؛ لأنه حيض بيقين، ثم تغتسل بعده فتصير في طهر مشكوك فيه إلى آخر الخامس عشر، فتغتسل لكل صلاة؛ لجواز انقطاع الدم، وما بعده طهر بيقين إلى آخر الشهر، فتتوضأ لكل صلاة.\nوإن كانت ذاكرة لوقت انقطاعه بأن قالت: كان حيضي ينقطع في آخر الشهر حيضناها قبل ذلك يومًا وليلة، وكانت طاهرًا من أول الشهر إلى آخر الخامس عشر، تتوضأ لكل صلاة فريضة، لأنه لا يحتمل انقطاع الحيض، ولا يجب الغسل إلا في آخر الشهر، في الوقت الذي تيقنا انقطاع الحيض فيه (^١).\nالقول الثالث: المذهب الحنبلي:\nقالوا في المرأة إذا نسيت عدد أيامها وهي تعلم موضعها.\nمثاله: امرأة تقول: عادتي تأتي في أول يوم من الشهر، لكني لا أدري هل هي خمسة، أو ستة، أو أكثر، أو أقل.\nفتجلس غالب الحيض من كل شهر، إن اتسع شهرها لها بأن كان عشرين يومًا فأكثر (^٢)، وإن لم يتسع شهرها لغالب الحيض، جلست الفاضل من شهرها بعد أقل الطهر. فلو فرض أن شهرها خمسة عشر يومًا، جلست الزائد عن أقل الطهر بين\n_________\n(^١) نهاية المحتاج (١/ ٣٥٣) المجموع (٢/ ٥١٠) مغني المحتاج (١/ ١١٨).\n(^٢) شهر المرأة عند الحنابلة عرفه البهوتي في كشاف القناع (١/ ٢٠٩) فقال: هو الزمن الذي يجتمع للمرأة فيه حيض وطهر صحيحان. وإنما قدره بعشرين يومًا؛ لأن أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا عندهم، وسبعة أو ستة أيام لغالب الحيض، فيكون المجموع عشرين.","vol":"9","page":291},{"text":"الحيضتين، ومقداره هنا يومان (^١)، وهذا هو المشهور من المذهب (^٢) لحديث حمنة (^٣).\nوقيل: تجلس أقل الحيض، وهي رواية عند أحمد.\nولم نذكر مذهب المالكية، لأن المرأة عندهم إذا لم تميز دمها فهي مستحاضة أبدًا في حكم الطاهر تصلي وتصوم وتوطأ أبدًا حتى يتميز دمها، أو ينقطع فيأتي دفعة من الدم تنكره وإذا تميز لم تكن متحيرة.\n• الراجح من الأقوال:\nوالراجح في هذه المرأة التي نسيت عدد حيضها وهي تعلم موضعها أنها تجلس موضعه من الشهر وتعتبر حيضها عدد قريباتها من أم وأخت وعمة وخالة؛ لأن شبه المرأة بقريباتها أكثر من شبهها بالأجنبيات.\n* * *\n_________\n(^١) لأن أقل الطهر عندهم ثلاثة عشر يومًا، فيكون الزائد يومين فقط.\n(^٢) معونة أولى النهى شرح المنتهى (١/ ٤٨٤) كشاف القناع (١/ ٢٠٨) الكافي (١/ ٨٠) الإنصاف (١/ ٣٧١)، الممتع شرح المقنع - التنوخي (١/ ٢٩٤).\n(^٣) ما رواه أحمد (٦/ ٤٣٩): عن حمنة بنت جحش ﵂ مرفوعًا، وفيه:\n(إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، واستيقنت واستنقأت، فصل أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة، وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزئك ....) الحديث. وإسناده ضعيف وسبق تخريجه. انظر: حديث رقم (١٩٧٦ و١٥٢٤).","vol":"9","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4295>المبحث الثاني في المستحاضة المتحيرة بالوقت فقط</span>\n[م-٧٨٧] المتحيرة بالوقت: هي المرأة التي علمت عدد حيضها، ونسيت وقت عادتها.\nوقد اختلف العلماء فيها.\nالقول الأول:\nقالوا: إذا كانت ناسية لوقت الحيض، ذاكرة لعدده، فالقاعدة فيه:\nأن كل زمان تيقنا فيه حيضها ثبت فيه جميع أحكام الحيض.\nوكل زمان تيقنا فيه طهرها، ثبت فيه جميع أحكام الطاهرة المستحاضة،\nوكل زمان أوجبنا فيه الاحتياط، فيجب عليها ما يجب على الطاهر من العبادات، وحكمها في الاستمتاع حكم الحائض.\nثم إن كان هذا الزمن المحتمل للطهر والحيض لا يحتمل انقطاع الحيض لزمها الوضوء لكل فريضة، ولا يجب الغسل.\nوإن كان يحتمل انقطاع الحيض وجب الغسل لكل فريضة، لاحتمال انقطاع الدم قبلها، فإن علمت أنه كان ينقطع في وقت بعينه من ليل أو نهار اغتسلت كل يوم في ذلك","vol":"9","page":293},{"text":"الوقت، ولا غسل عليها إلى مثل ذلك الوقت من اليوم الثاني. وهذا هو مذهب الحنفية (^١)،\n_________\n(^١) المبسوط (٣/ ٢٠١) البحر الرائق (١/ ٢٢٠) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\nقال السرخسي في المبسوط (٣/ ٢٠١) فيمن هذه حالها:\n«الأصل فيه أن كل زمان يتيقن فيه بالحيض تترك الصلاة، والصوم، ولا يأتيها زوجها بيقين، وكل زمان تيقنت فيه بالطهر، تصلي فيه بالوضوء لوقت كل صلاة باليقين، ولا يأتيها زوجها فيه، وكل زمان تردد بين الحيض والطهر تصلي فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك، ولا يأتيها زوجها فيه، وكل زمان تردد بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، تصلي فيه بالاغتسال لكل صلاة بالشك، ولا يأتيها زوجها فيه».\nوأصل آخر:\nأنها متى أضلت أيامها في ضعفها من العدد أو أكثر من الضعف فلا يتيقن بالحيض في شيء منه، نحو ما إذا كانت أيامها ثلاثًا، فضلت ذلك في ستة أو ثمانية، لأنها لا تتيقن بالحيض في شيء من أوله وآخره، ومتى ضلت أيامها فيما دون ضعفه، يتيقن بالحيض في بعضه. نحو ما إذا كانت أيامها ثلاثًا فضلت ذلك في خمسة فإنها تتيقن بالحيض في اليوم الثالث، فإنه أول الحيض أو آخره، أو الثاني منه بيقين فتترك الصلاة فيه لهذا، إذا عرفنا هذا جئنا إلى بيان المسائل فنقول:\nإن كانت تعلم أن أيامها كانت ثلاثة في العشر الآخر من الشهر، ولا تدري في أي موضع من العشر كانت، ولا رأي لها في ذلك، فهذه أضلت أيامها في أكثر من ضعفها، فتصلي ثلاثة أيام من أول العشر بالوضوء لوقت كل صلاة؛ لأنه تردد حالها في هذه المسألة بين الحيض والطهر، ثم بعد ذلك تغتسل لكل صلاة إلى آخر العشر؛ لأنه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، إلا أنها إن كانت تذكر أن خروجها من الحيض في أي وقت من اليوم كان عليها أن تغتسل في كل يوم في ذلك الوقت مرة، وإن كانت لا تعرف ذلك تغتسل لكل صلاة.\nفإن كانت أيامها أربعة فأضلت ذلك في العشرة، فإنها تتوضأ أربعة أيام من أول العشرة لوقت كل صلاة، لأنه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر، ثم بعد ذلك تغتسل لكل صلاة إلى آخر العشرة، لأنه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض.\nوإن كانت أيامها خمسة فأضلت ذلك فى عشرة، فإنها تصلي خمسة أيام من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة؛ لأنه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر، ثم تصلي إلى آخر العشرة بالاغتسال لكل صلاة؛ لأنه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر، والخروج من الحيض.\nفإن كانت أيامها ستة، فأضلت ذلك في عشرة، فإنها تصلي من أول العشرة أربعة أيام بالوضوء لوقت كل صلاة، ثم تدع يومين، ثم تصلي في أربعة أيام بالاغتسال لكل صلاة؛ لأن الأربعة الأولى ترددت بين الحيض والطهر، فأما اليوم الخامس والسادس فهو حيض بيقين، لأنه إن =","vol":"9","page":294},{"text":"والشافعية (^١).\n_________\n= كانت أيامها من أول العشر فهذا آخر حيضها، وإن كانت من آخر العشر فهذا أول حيضها فلهذا تركت الصلاة فيهما بيقين، ثم في الأربعة الآواخر تردد حالها بين الحيض، والطهر والخروج من الحيض فتصلي فيه بالاغتسال لكل صلاة.\nوإن كانت أيامها سبعة فأضلت ذلك في عشرة، فإنها تصلي ثلاثة من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة؛ لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر. ثم تدع أربعة بيقين؛ لأن هذه الأربعة فيها يقين الحيض، فإنها آخر الحيض إن كانت البداية من أول العشرة، وأول الحيض إن كانت أيامها في آخر العشرة. ثم تصلي ثلاثة أيام بالاغتسال لكل صلاة؛ لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض.\nوإن كانت أيامها ثمانية، فأضلت ذلك في عشرة.\nفإنها تصلي في يومين من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة؛ لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر.\nثم تدع الصلاة ستة؛ لأن فيها يقين الحيض.\nثم تصلي في اليومين الآخرين بالاغتسال لكل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض، والطهر والخروج من الحيض.\nفإن كان أيامها تسعة فأضلتها في عشرة.\nفإنها تصلي في يوم من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر.\nثم تدع الصلاة ثمانية أيام؛ لأن فيها يقين الحيض.\nثم تصلي في اليوم الآخر بالاغتسال لكل صلاة لتردد حالها بين الحيض والطهر.\nفإن كانت أيامها عشرة، فهي واحدة؛ لأن إضلال العشرة في العشرة لا يتحقق».\n(^١) المجموع (٢/ ٥٠٠) مغني المحتاج (١/ ١١٨) نهاية المحتاج (١/ ٣٥٣).\nقال النووي في المجموع (٢/ ٥٠٠):\n«فالقاعدة فيه: أن كل زمان تيقنا فيه حيضها ثبت فيه جميع أحكام الحيض. وكل زمان تيقن فيه طهرها، ثبت فيه جميع أحكام الطاهر المستحاضة، وكل زمان احتمل الحيض والطهر أوجبنا فيه الاحتياط فيجب عليها ما يجب على الطاهر من العبادات، وحكمها في الاستمتاع حكم الحائض، ثم إن كان هذا الزمان المحتمل للطهر والحيض لا يحتمل انقطاع الحيض لزمها الوضوء لكل فريضة، ولا يجب الغسل، وإن كان يحتمل انقطاع الحيض وجب الغسل لكل فريضة لاحتمال انقطاع الدم قبلها، فإن علمت أنه كان ينقطع في وقت بعينه من ليل أو نهار اغتسلت لكل يوم في ذلك الوقت ولا غسل عليها إلى مثل ذلك الوقت من اليوم الثاني.\nثم أخذ النووي بعد ذلك يضرب أمثلة لما قال: =","vol":"9","page":295},{"text":"وأما مذهب الحنابلة (^١)، فالمشهور من المذهب الحنبلي أن المرأة المستحاضة إذا كانت عالمة بالعدد ناسية للموضع جلست أيام حيضها من أول شهر هلالي.\nوقيل: تجلسها بالتحري.\nوكونهم اعتبروا الشهر الهلالي؛ لأن المواقيت الشرعية بالأهلة ولحديث حمنة (^٢).\nوالقول بأنها تجلس أول الشهر الهلالي قول ضعيف، بل تجلس أول ما رأت الدم وتحسب شهرًا منذ رؤيته قياسًا على الزكاة، والعدد والديات، والكفارات وغيرها، إنما تبتدئ من حين الشروع سواء وافقت الهلال أو خالفته.\n_________\n= مثاله:\nلو قالت: كانت حيضتي ستة أيام من العشرة الأولى من الشهر فيجعل شهرها أربعة أقسام.\nالأربعة الأولى زمن مشكوك فيه تحتمل الحيض والطهر، فتتوضأ لكل فريضة وتصلي.\nوأما الخامس والسادس فهو حيض بيقين؛ لأنه إن بدأ الحيض في أول العشرة انتهى إلى آخر السادس، وإن انقطع على العاشر بدأ من الخامس فالخامس والسادس حيض لدخولهما في التقديرين.\nوأما السابع، والثامن والتاسع والعاشر مشكوك فيه يحتمل الحيض والطهر، والانقطاع فيجب أن تغتسل لكل فريضة إلا أن تعلم أن الدم كان ينقطع في وقت من اليوم فيكفيها كل يوم غسل واحد في ذلك، وتتوضأ لباقي فرائض ذلك اليوم، وما بعد العشرة إلى آخر الشهر طهر بيقين».اهـ بتصرف وقال نحوه في الروضة (١/ ١٦١، ١٦٢)، وقال في آخره: «ومتى كان القدر الذي أضلته زائدًا على نصف المضل فيه حصل حيض بيقين من وسطه، وهو الزائد على النصف مع مثله». اهـ وهذا معنى ما ذكره السرخسي في المبسوط، وقد نقلته قبل قليل.\n(^١) كشاف القناع (١/ ٢١٠) الفروع (١/ ٢٧٥) الممتع شرح المقنع التنوخي (١/ ٢٩٤) الإنصاف (١/ ٣٦٨).\n(^٢) ما رواه أحمد (٦/ ٤٣٩): عن حمنة بنت جحش ﵂ مرفوعًا، وفيه:\nإنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، واستيقنت واستنقأت، فصلي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة، وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزئك .... الحديث. وإسناده ضعيف وسبق تخريجه. انظر: حديث رقم (١٩٧٦، ١٥٢٤).","vol":"9","page":296},{"text":"وأما كونه يقدم دم الحيض على دم الاستحاضة؛ لأن دم الحيض جبلة ودم الاستحاضة عارض، فإذا رأت الدم وجب تقديم دم الحيض ولحديث حمنة.\nوهذا هو القول الراجح: أنها تجلس أيام حيضها من أول ما رأت الدم ثم الباقي استحاضة.\n* * *","vol":"9","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4296>المبحث الثالث في المتحيرة في العدد والوقت</span>\n[م-٧٨٨] اختلف العلماء في المستحاضة المتحيرة الناسية لعددها ووقتها على أقوال:\nالقول الأول: المذهب الحنفي:\nقالوا: إذا استحيضت ونسيت عدد أيامها ومكانها فإنها أولًا: تتحرى، فإن وقع تحريها على طهر تعطى حكم الطاهرات، وإن كان على حيض تعطى حكمه؛ لأن غلبة الظن من الأدلة الشرعية عند تعذر اليقين.\nثانيًا: إذا لم يمكنها التحري اغتسلت لكل صلاة على الصحيح.\nوقيل: لوقت كل صلاة.\nوتصلي المكتوبات، والواجبات، والسنن المؤكدة، ولا تصلي ولا تصوم تطوعًا (^١)، ولا تقرأ شيئًا من القرآن خارج الصلاة، ولا تمس المصحف، ولا تدخل المسجد، وأما\n_________\n(^١) فرق الحنفية بين الصلاة إذا كانت من السنن المؤكدة فتصليها المستحاضة، وبين غيرها من السنن فلا تصليها، قالوا إن السنن المؤكدة شرعت جبرًا لنقصان يمكن في الفرض، فيكون حكمها حكم الفرائض. انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٢٨٨).","vol":"9","page":298},{"text":"الصوم فإنها تصوم كل شهر رمضان؛ لاحتمال طهارتها كل يوم، وتعيد بعد رمضان عشرين يومًا، ووجه كون القضاء عشرين يومًا، أننا نعلم أن أكثر ما أفسد من صيامها عشرة أيام، وهو أكثر الحيض، وإنما لم يجزها صيام عشرة أيام، ولابد من عشرين حتى تخرج من العهدة بيقين، لأننا نخشى أن يوافق ابتداء حيضها ابتداء القضاء فلا يجزيها صومها في عشرة أيام فإذا صامت عشرين يومًا خرجت مما عليها من القضاء بيقين (^١).\nالقول الثاني: المذهب الشافعي:\nمذهب الشافعية في المرأة المستحاضة الناسية لعدد الحيض ووقتها لهم فيها قولان:\nالأول: حكمها حكم المبتدأة. وقد مر علينا مذهبهم في المبتدأة، وأن لهم فيها قولين:\nقيل: تجلس يومًا وليلة.\nوقيل: تجلس غالب الحيض ستًا أو سبعًا.\nالقول الثاني: وهو المشهور من مذهبهم: وجوب الاحتياط، والاحتياط أن لا يعتبر لها حيض ولا طهر بيقين.\nفيحرم الوطء، ومس المصحف، والقراءة في غير الصلاة، وتصلي الفرائض أبدًا، وكذا النفل في الأصح، وتغتسل لكل فرض.\nوأما كيف تصوم المتحيرة بالعدد والوقت:\nفقالوا: يجب أن تصوم شهر رمضان، وشهرًا آخر كاملًا معه، فيحصل لها من كل شهر أربعة عشر يومًا .. فيكون مجموع ما صامته من الشهرين ثمانية وعشرين يومًا .. لأن غاية ما يفسده الحيض من كل شهر ستة عشر يومًا، وذلك أن الحيض لايمكن أن يزيد على خمسة عشر يومًا، وقد يطرأ الحيض في أثناء يوم، وينقطع في أثناء\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٢٠، ٢٢١)، المبسوط (٣/ ١٩٣)، شرح ابن عابدين (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧).","vol":"9","page":299},{"text":"يوم فيكون مجموع ما فسد عليها ستة عشر يومًا ... ويبقى عليها يومان حتى تصوم شهرًا كاملًا بيقين.\nوحتى تصومهما بيقين، يجب أن تضاعفهما، وتضم إليهما يومين فيصير مجموع ما تصوم ستة أيام .. وكيفية صيام هذه الستة، قالوا: حتى يحصل لها يومان بيقين، يجب أن تصوم ثلاثة أيام،، ثم تفطر اثني عشر يومًا، فالمجموع خمسة عشر يومًا، ثم تصوم السادس عشر والسابع عشر، والثامن عشر، فيحصل لها اليومان يقينًا؛ لأن الحيض إن طرأ في أثناء اليوم الأول من صومها، انقطع في أثناء السادس عشر، فيحصل لها صيام اليومين بعده، أو طرأ في اليوم الثاني انقطع في السابع عشر، فيحصل لها صيام اليوم الأول والأخير، أو طرأ في اليوم الثالث فيحصل اليومان الأولان، أو طرأ في اليوم السادس عشر انقطع في اليوم الأول، فيحصل لها الثاني والثالث، وهكذا لابد أن يحصل لها يومان بيقين، هذا فيما يتعلق بالصيام.\nوأما الصلاة فإنها تلزمها الصلوات الخمس أبدًا، هذا لا خلاف فيه عند الشافعية؛ لأن كل وقت يحتمل طهرها، فمقتضى الاحتياط وجوب الصلاة.\nقال النووي: ظاهر نص الشافعي أنه لا يجب؛ لأنه نص على وجوب قضاء الصوم، ولم يذكر قضاء الصلاة.\nوالتعليل لعدم وجوب القضاء أن المستحاضة المتحيرة إن كانت حائضًا فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهرًا فقد صلت.\nواختار بعض الشافعية وجوب قضاء الصلاة كالصيام، لجواز انقطاع الحيض في أثناء الصلاة، أو بعدها في الوقت، وعللوا ذلك بأنه مقتضى الاحتياط. والشافعي كما لم يذكر القضاء لم ينفه، ومقتضى مذهبه الوجوب.\nوأجاب القائلون بعدم القضاء: بأنه لا يلزم المتحيرة كل ممكن؛ لأنه يؤدي إلى حرج شديد، والشريعة تحط عن المكلف أمورًا بدون هذا الضرر والدليل على أنه","vol":"9","page":300},{"text":"لا يلزمها كل ممكن أن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر، ولا تقعد إلى اليأس.\nوأما الغسل.\nقال النووي: إن علمت وقت انقطاع الحيض، بأن قالت: أعلم أن حيضتي كانت تنقطع مع غروب الشمس، لزمها الغسل كل يوم مع غروب الشمس، وليس عليها في اليوم والليل غسل سواه وتصلي بذلك الغسل المغرب، وتتوضأ لما سواه من الصلوات؛ لأن الانقطاع عند كل مغرب محتمل، ولا يحتمل فيما سواه، وإن لم تعلم وقت انقطاعه لزمها أن تغتسل لكل فريضة لاحتمال الانقطاع قبلها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4297> الدليل على هذا العنت والتشديد</span>.\nقال النووي: قال أصحابنا: وإنما أمرت بالاحتياط، لأنه اختلط حيضها بغيره وتعذر التمييز بصفة، أو عادة، أو مرد كمرد المبتدأة، ولا يمكن جعلها طاهرًا أبدًا في كل شيء، ولا حائضًا أبدًا في كل شيء، فتعين الاحتياط، ومن الاحتياط تحريم وطئها أبدًا، ووجوب العبادات كالصوم، والصلاة، والطواف، والغسل لكل فريضة وغير ذلك (^١).\nقلت: ينبغي أن تكون المستحاضة أولى بالتخفيف من غيرها؛ لأن المريض أولى بالعذر من الصحيح، ولا أعلم حرجًا في الشرع كإيجاب صيام شهرين وإيجاب الصلاة ثم إيجاب قضائها، وتحريم الوطء أبدًا، وتحريم قراءة القرآن في غير الصلاة، إلى غيرها من الأمور التي تؤدي إلى تبغيض عبادة الله إلى عباد الله، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ).\nالقول الثالث: المذهب الحنبلي:\nفي المرأة إذا نسيت عددها ووقتها تجلس غالب الحيض ستًا أو سبعًا.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٤٥٨) وما بعدها، مغني المحتاج (١/ ١١٦ - ١١٧)، نهاية المحتاج (١/ ٣٤٦) وما بعدها.","vol":"9","page":301},{"text":"فإن عرفت ابتداء الدم، بأن علمت أن الدم كان يأتيها في أول النصف الأخير من الشهر، فهو أول دورها، فتجلس منه، وإن جهلت كون موضعها في شيء من ذلك فإنها تجلس غالب الحيض من أول كل شهر هلالي كمبتدأة.\nواستدلوا بحديث حمنة بنت جحش فإن النبي ﷺ قال لها:\n(تحيضي ستة أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وصلي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة، وأيامها وصومي) فقدم حيضها على الطهر، ثم أمرها بالصلاة، والصوم إلى بقية الشهر.\nوقيل: تتحرى وهوو جه في المذهب، فأي وقت أداها الجلوس فيه جلسته سواء كان ذلك الوقت من أول الشهر أو وسطه أو آخره (^١).\nالراجح في المستحاضة عمومًا.\nأن يقال إذا تيقنا أن المرأة مستحاضة بأن أطبق الدم على المرأة شهرًا كاملًا، وكذلك لو أطبق أكثر الشهر؛ لأن للأكثر حكم الكل، أو تجاوز أكثر الحيض، وأكثره على الراجح: خمسة عشر يومًا صارت مستحاضة، فإذا صارت مستحاضة نظر.\nفإن كانت مبتدأة .. عملت بالتمييز إن كانت تميز دم الحيض من دم الاستحاضة، بأن ترى بعضه أسود وبعضه أحمر؛ لأن التمييز علامة ظاهرة واضحة، وعملًا بأثر ابن عباس.\nوإن كان الدم على صفة واحدة فإن لم يمكن التحري رجعت إلى عادة النساء من أقاربها: من أم، وأخت، وعمة، وخالة. فإن اختلفت عادتهن فالاعتبار بالغالب منهن، فإن لم يوجد غالب في النساء القريبات فغالب النساء في بلدتها.\nوإن كانت المرأة معتادة قدمنا العادة على التمييز فجلست عادتها.\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٢١٠) الفروع (١/ ٢٧٥) شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٧ - ١١٨) الممتع شرح المقنع - التنوخي (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤) الإنصاف (١/ ٣٦٧).","vol":"9","page":302},{"text":"وإن كانت المرأة لا عادة لها، فإن كان لها تمييز عملت به.\nوإن كانت لا تمييز لها رجعت إلى عادة النساء القريبات، فإن اختلفت تحرت، فإن لم تستطع فالاعتبار بغالب النساء عمومًا.\n* * *","vol":"9","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4298>الفصل الخامس في طهارة المستحاضة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4299>المبحث الأول في وجوب الوضوء من دم الاستحاضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الوقت سبب في وجوب الصلاة، وليس حدثًا يوجب خروجه الوضوء.\n• الوضوء إذا لم يكن رافعًا للحدث لم يكن واجبًا.\n• كل خارج لا ينقض الحدث في الصلاة لا ينقض خارج الصلاة.\n• لا فرق بين الدم الذي يخرج من المستحاضة قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء في الحدث.\n[م-٧٨٩] اختلف العلماء هل يعتبر خروج دم الاستحاضة، وكذا من به حدث دائم هل يعتبر حدثًا يوجب الوضوء أم لا؟\nفقيل: يجب أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وهو مذهب الحنفية (^١) والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٥٠٨) حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤) البحر الرائق (١/ ٢٢٦) مراقي الفلاح (ص ٦٠) شرح فتح القدير (١/ ١٨١) تبيين الحقائق (١/ ٦٤) بدائع الصنائع (١/ ٢٨).\n(^٢) المغني (١/ ٤٢١) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٠) كشاف القناع (١/ ٢١٥) الإنصاف (١/ ٣٧٧) الفروع (١/ ٢٧٩) شرح الزركشي (١/ ٤٣٧).","vol":"9","page":304},{"text":"وقيل: يجب أن تتوضأ لكل فريضة، مؤداة أو مقضية، وأما النوافل فتصلي بطهارتها ما شاءت، وهو مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: يستحب الوضوء من دم الاستحاضة، ولا يجب. وهو مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: الوضوء واجب لكل صلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج، وهذا اختيار ابن حزم (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4300> دليل القائلين بوجوب الوضوء لكل صلاة:</span>\n(١٩٩٣ - ٤٥٣) استدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام ابن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يارسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٦٣، ٥٤٣)، مغني المحتاج (١/ ١١١)، روضة الطالبين (١/ ١٢٥، ١٤٧).\n(^٢) قال صاحب مواهب الجليل (١/ ٢٩١): «طريقة العراقيين من أصحابنا، أن ما خرج على وجه السلس لا ينقض الوضوء مطلقًا وإنما يستحب منه الوضوء». ثم قال:\n«والمشهور من المذهب طريقة المغاربة أن السلس على أربعة أقسام:\nالأول: أن يلازم، ولا يفارق، فلايجب الوضوء، ولا يستحب؛ إذ لا فائدة فيه فلا ينتقض وضوء صاحبه بالبول المعتاد.\nالثاني: أن تكون ملازمته أكثر من مفارقته، فيستحب الوضوء إلا أن يشق ذلك عليه لبرد أو ضرورة فلا يستحب.\nالثالث: أن يتساوى إتيانه ومفارقته، ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان ....\nوالرابع: أن تكون مفارقته أكثر، فالمشهور وجوب الوضوء خلافًا للعراقيين فإنه عندهم مستحب».اهـ وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١١٦) الخرشي (١/ ١٥٢)، فتح البر في ترتيب التمهيد (٣/ ٥٠٨)، الاستذكار (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦) القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٢٩).\n(^٣) المحلى (مسألة: ١٦٨).","vol":"9","page":305},{"text":"قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (^١).\n[زيادة، قال هشام: قال أبي .. الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4301>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٩٤ - ٤٥٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة،\nعن عائشة، جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، ثم صلي وإن قطر الدم على الحصير (^٣).\n[الحديث ضعيف، وفيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وعروة مختلف فيه، قيل: عروة المزني، وهو مجهول، وقيل: عروة بن الزبير] (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٨).\n(^٢) سبب اختلاف العلماء في دم الاستحاضة، هل هو حدث أم لا؟ اختلافهم في قول هشام: قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت.\nهل هذه الزيادة موقوفة أو مرفوعة؟ وهل هي متصلة أو معلقة؟ وعلى تقدير كونها مرفوعة، هل هي محفوظة أو شاذة؟، والراجح لي أنها موقوفة على عروة، ولا حجة فيها لوجوب الوضوء لوقت كل صلاة.\nقال البيهقي في السنن (١/ ٣٢٧): «وفيه زيادة الوضوء لكل صلاة، وليست بمحفوظة».\nوقال أيضًا (١/ ٣٤٤): «والصحيح أن هذه الكلمة من قول عروة بن الزبير».\nوقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٠١): «وهذه اللفظة -أعني: توضئي لكل صلاة- هي معلقة عند البخاري، عن عروة في صحيحه .... وقد جعل ابن القطان في كتابه مثل هذا تعليقًا». اهـ\nقلت: ذكر مسلم أنه ترك تخريجها في كتابه من طريق حماد، عن هشام، وكذلك أشار النسائي إلى أنها غير محفوظة. وقد سبق تخريج الحديث في المجلد السابع، انظر ح (١٥١٦).\n(^٣) المسند (٦/ ٢٠٤).\n(^٤) سبق تخريجه انظر المجلد السابع، ح: (١٥١٧).","vol":"9","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4302>الدليل الثالث:</span>\n(١٩٩٥ - ٤٥٥) ما رواه الدرامي، قال: أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه،\nعن جده، عن النبي ﷺ قال: المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها في كل شهر، فإذا كان عند انقضائها اغتسلت وصلت، وصامت، وتوضأت عند كل صلاة (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4303>الدليل الرابع:</span>\n(١٩٩٦ - ٤٥٦) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق بشر بن الوليد الكندي، حدثنا أبو يوسف القاضي، عن عبد الله بن علي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل،\nعن جابر: عن رسول الله ﷺ أنه أمرالمستحاضة بالوضوء لكل صلاة.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي أيوب الأفريقي، وهو عبدالله بن علي، إلا أبو يوسف (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4304>الدليل الخامس:</span>\n(١٩٩٧ - ٤٥٧) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا مورع بن عبدالله، ثنا الحسن بن عيسى، ثنا حفص بن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن الحكم بن عتيبة عن جعفر،\nعن سودة بنت زمعة قالت: قال رسول الله ﷺ: المستحاضة تدع الصلاة أيام\n_________\n(^١) سنن الدارمي (٧٩٣).\n(^٢) سبق تخريجه. انظر: حديث رقم (١٥١٨).\n(^٣) المعجم الأوسط (١٦٢٠).\n(^٤) انظر تخريجه في المجلد السابع، ح: (١٥١٩).","vol":"9","page":307},{"text":"أقرائها التي كانت تجلس فيها، ثم تغتسل غسلًا واحدًا ثم تتوضأ لكل صلاة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nفتبين أن الأمر بالوضوء لكل صلاة من حديث عائشة، المحفوظ أنه موقوف على عروة، ورفعه شاذ، والشاذ غير صالح للاعتبار.\nومن حديث غيرها ضعيف، ومن يحسن بالشواهد مطلقًا، فإن الحديث عنده قد يرقى إلى الحسن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4305> دليل القائلين بوجوب الوضوء لوقت كل صلاة:</span>\nحمل الحنفية والحنابلة الأحاديث الواردة بالوضوء لكل صلاة، بأن المراد بكل صلاة، بوقت كل صلاة، قالوا: وإطلاق الصلاة على الوقت جاء الدليل على صحته من القرآن والسنة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4306>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) [الإسراء: ٧٨].\nفقوله: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي: لوقت دلوكها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4307>الدليل الثاني:</span>\n(١٩٩٨ - ٤٥٨) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال أخبرنا سيار، قال حدثنا يزيد - هو ابن صهيب الفقير - قال:\nأخبرنا جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًّا وطهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة،\n_________\n(^١) الأوسط (١٩٨٤)، وسبق الكلام عليه. انظر المجلد السابع، ح: (١٥٢٠).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر المجلد السابع، ح: (١٥٢٠).","vol":"9","page":308},{"text":"وكان النبي ﷺ يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (أدركته الصلاة) أي أدركه وقت الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4308>الدليل الثالث:</span>\n(١٩٩٩ - ٤٥٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: «إن للصلاة أولًا وآخرًا». أي إن لوقت الصلاة، فأطلقت الصلاة وأريد بها الوقت.\n[والمحفوظ أنه مرسل ووصله شاذ] (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).\n(^٢) المسند (٦/ ٣٣٢).\n(^٣) ومن طريق أحمد أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٧٨).\nرواه الأعمش، واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٨١)، والترمذي (١٥١)، والدارقطني (١/ ٢٦٢)، والبيهقي (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦) من طرق عن محمد بن فضيل به.\nوخالفه أبو إسحاق الفزاري كما عند الترمذي (١/ ٢٨٤)، ...\nوزائدة، وعبثر أبو زبيد كما عند الدارقطني (١/ ٢٦٢) ثلاثتهم رووه عن الأعمش عن مجاهد، قال: كان يقال: إن للصلاة أولًا وآخرًا وقوله: كان يقال لم يضفه إلى النبي ﷺ بل ولا إلى الصحابة.\nقال الدارقطني (١/ ٢٦٢): وهم في إسناده محمد بن فضيل.\nوقال البخاري فيما نقل عنه الترمذي في سننه (١/ ٢٨٤): سمعت محمدًا يقول: حديث الأعمش، عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش، وحديث محمد ابن فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فضيل.\nوقال عباس الدوري في تاريخه عن يحيى بن معين، نص رقم (١٩٠٩): سمعت يحيى يضعف حديث محمد بن فضيل عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أحسب يحيى يريد: (إن للصلاة أولًا وآخرًا)، وقال: إنما يروى عن الأعمش، عن مجاهد.\nوقال أبو حاتم في العلل (١/ ١٠١): «هذا خطأ، وهم فيه محمد بن فضيل، يرويه أصحاب الأعمش، عن الأعمش، عن مجاهد».","vol":"9","page":309},{"text":"وقد رد ابن حزم هذا القول، فقال ﵀: «وأما قول أبي حنيفة ففاسد أيضًا؛ لأنه مخالف للخبر الذي تعلق به، ومخالف للمعقول والقياس، وما وجدنا طهارة قط تنتقض بخروج وقت، وتصح بكون الوقت قائمًا، وموه بعضهم في هذا بأن قالوا: قد وجدنا الماسح في السفر والحضر تنتقض طهارته بخروج الوقت المحدد لها، فنقيس عليها المستحاضة. قال ابن حزم: القياس كله باطل، ثم لو كان حقًا لكان هذا منه عين الباطل؛ لأنه قياس خطأ وعلى خطأ، وما انتقضت طهارة الماسح بانقضاء الأمد المذكور، بل هو طاهر كما كان، ويصلي ما لم ينتقض وضوؤه بحدث من الأحداث ...». إلخ كلامه (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4309> دليل الشافعية على وجوب الوضوء لكل فريضة دون النافلة:</span>\nحمل الشافعية أحاديث الأمر بالوضوء لكل صلاة -والتي مرت معنا في أدلة القول الأول- حملوها على الفريضة دون النافلة، فأوجبوا الصلاة لكل فريضة مؤداة أو مقضية، بخلاف النافلة، فإنهم يجيزون لها أن تصلي ما شاءت من النوافل.\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ١٦٨).","vol":"9","page":310},{"text":"وهذا التفريق بين الفريضة والنافلة، لا أعلم له دليلًا مسوغًا، وكلمة «كل» في قوله: (وتوضئي لكل صلاة) من ألفاظ العموم، فأين الدليل على إخراج النوافل.\nقال ابن حزم في المحلى: «ومن المحال الممتنع في الدين، الذي لم يأت به قط نص، ولا دليل، أن يكون إنسان طاهرًا إن أراد أن يصلي تطوعًا، ومحدثًا غير طاهر في ذلك الوقت بعينه إن أراد أن يصلي فريضة، هذا ما لاخفاء به، وليس إلا طاهر أو محدث» (^١).\nقلت: وحديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) كلمة (صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة، نفلًا كانت أو فرضًا، فلما صحت النافلة بكونها طاهرة، فلماذا لا تقبل الفريضة.\nأو يقال: لما لم تصح الفريضة علمنا أنها محدثة فلا تصح النافلة؛ لأن الله لايقبل صلاة بغير طهور.\n• أدلة المالكية على استحباب الوضوء للمستحاضة وأنه غير واجب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4310>الدليل الأول:</span>\nقالوا: إن من كان به حدث دائم لو تطهر فلن يرتفع حدثه، وإذا كان كذلك، كان طهارته استحبابًا لا وجوبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4311>الدليل الثاني:</span>\nإذا كان دم الاستحاضة لا يبطل الطهارة بعد الوضوء، وقبل الصلاة، لم يكن حدثًا يوجب الوضوء عند تجدد الصلاة أو خروج الوقت، ولذا حملنا الأمر على الاستحباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4312>الدليل الثالث:</span>\nدم العرق لا ينقض الوضوء، فلو خرج دم من عرق اليد، أو الرجل لم ينتقض\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ١٦٨).","vol":"9","page":311},{"text":"وضوءه على الصحيح، فكذلك دم الاستحاضة، فإنه دم عرق كما في أحاديث الصحيحين، ولا يقال: إن خروجه من الفرج جعل حكمه يختلف؛ لأن المني يخرج من الفرج، ومع ذلك هو طاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4313>الدليل الرابع:</span>\nمن النظر، قال ابن المنذر في الأوسط: «والنظر دال على ما قال ربيعة -يعني: في عدم وجوب الوضوء- إلا أنه قول لا أعلم أحدًا سبقه إليه. وإنما قلت: النظر يدل عليه؛ لأنه لا فرق بين الدم الذي يخرج من المستحاضة قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء؛ لأن دم الاستحاضة إن كان يوجب الوضوء فقليل ذلك وكثيره في أي وقت كان يوجب الوضوء، فإذا كان هكذا، وابتدأت المستحاضة في الوضوء، فخرج منها دم بعد غسلها بعض أعضاء الوضوء، وجب أن ينتقض ما غسلت من أعضاء الوضوء؛ لأن الدم الذي يوجب الطهارة في قول من أوجب على المستحاضة الطهارة قائم.\nوإن كان ما يخرج منها بين أضعاف الوضوء، وما خرج منها قبل أن تدخل الصلاة، وما حدث في الصلاة منه لاينقض طهارة، وجب كذلك أن ما خرج منها بعد فراغها من الصلاة لا تنقض طهارة إلا بحدث غير دم الاستحاضة هذا الذي يدل عليه النظر» (^١).\nفالراجح ما ذهب إليه مالك ﵀، ولا ينهض عندي تحسين الأحاديث الضعيفة بالشواهد؛ لأن اللفظ في حديث عائشة بالأمر بالوضوء لكل صلاة شاذ، والشاذ لا يصلح للشواهد، وما عداه لا يكفي للتحسين بمثل هذه المسألة التي يحتاج إليها، وقد وقعت في عهد النبي ﷺ، وتكرر وقوعه مرات، فلو كان الأمر بها محفوظًا لجاءت الأحاديث الصحيحة التي تبين وجوب الوضوء بصورة تقوم بمثلها الحجة. والله أعلم.\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ١٦٤).","vol":"9","page":312},{"text":"ولو قلنا: بموجب حديث: توضئي لكل صلاة، لكان الوضوء واجبًا لكل صلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج، وهذا رأي ابن حزم، للأمر بالوضوء لكل صلاة.\nوأما حمل الأمر بالوضوء لكل صلاة: أي لوقت كل صلاة، كما هو مذهب الحنفية فيحتاج الأمر إلى دليل على أن المراد الوقت، وليس خروج الوقت حدثًا، ويكفي أن حملهم خلاف ظاهر اللفظ بلا مسوغ.\nوالجواب عما قاله الحنفية ﵏: أن إطلاق الصلاة قد يطلق ويراد بذلك الوقت إذا صح إنما يصح لقرينة تمنع من إرادة الصلاة نفسها، وإلا فالأصل في الكلام عدم الحذف وعدم التقدير، ولا قرينة هنا تمنع من إرادة الصلاة، أي فعلها، فوجب حمل اللفظ على ظاهره، لو قلنا بصحة الحديث.\nوأما حمل الشافعية للصلاة بأن المراد بها الفريضة دون النافلة، فهذا من أضعف الأقوال.\n* * *","vol":"9","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4314>الفرع الأول في غسل فرج المستحاضة عند الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل دم لا يمنع الصلاة والصيام والجماع والاعتكاف فهو دم طاهر، والاستنجاء منه مستحب.\n[م-٧٩٠] لم يذكر ذلك الحنفية، ولعل ذلك لأن الاستنجاء ليس بواجب عندهم (^١)\nوغسله إنما هو من قبيل الاستنجاء.\nوفي استحباب غسل فرج المستحاضة عند المالكية قولان مبنيان على استحباب\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ١٨)، وقال في الاختيار (١/ ٣٦): «والاستنجاء سنة من كل ما يخرج من السبيلين إلا الريح».اهـ\nولا شك أن دم الاستحاضة خارج من أحد السبيلين، فالاستنجاء منه ليس بواجب عندهم. والحنفية لم يوجبوا غسله حتى ولو أصاب ثوبها.\nقال في البحر الرائق (١/ ٢٢٧): «وينبغي لصاحب الجرح أن يربطه تقليلًا للنجاسة، ولو سال على ثوبه فعليه أن يغسله إذا كان مفيدًا بأن لايصيبه مرة أخرى، وإن كان يصيبه المرة بعد الأخرى أجزأه، ولايجب غسله ما دام العذر باقيًا، وقيل: لايجب غسله أصلًا، واختار الأول السرخسي، والمختار ما في النوازل: إن كان لو غسله تنجس ثانيًا قبل الفراغ من الصلاة جاز أن لايغسله، وإلا فلا». اهـ وهذا مقيس عليه.","vol":"9","page":314},{"text":"الوضوء من الحدث الدائم (^١)، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوأوجب غسل الفرج الشافعية، والحنابلة (^٣).\nوهل يكفي غسله مرة واحدة؟ أو تغسله لكل صلاة؟\nالمشهور من مذهب الشافعية ما قاله النووي: في شرح صحيح مسلم:\nقال: «وأما تجديد غسل الفرج وحشوه، وشده لكل فريضة، فينظر فيه: فإن زالت العصابة عن موضعها زوالًا له تأثير، أو ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد، وإن لم تزل العصابة عن موضعها ولا ظهر الدم، ففيه وجهان لأصحابنا، أصحهما: وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء» (^٤).\nوأما المشهور من المذهب الحنبلي أنه لا يلزمها غسل الفرج لكل صلاة إذا لم تفرط (^٥). وفي مذهب الحنابلة قولان آخران:\nقيل: يلزمها ذلك. وقيل يلزمها إن خرج شيء، وإلا فلا (^٦).\n_________\n(^١) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ١٣٦)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢١٥)، النوادر والزيادات (١/ ٢٧، ٥٨).\n(^٢) قال ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ٦٨): «واختلفوا، هل يجب عليها غسل الدم، والتحفظ والتلجم عند كل صلاة؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد».\n(^٣) انظر في مذهب الشافعية: مغني المحتاج (١/ ١١١)، روضة الطالبين (١/ ١٣٧)، حاشية البيجوري (١/ ٢١٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ٣٧٧)، كشاف القناع (١/ ٢١٤)، المحرر (١/ ٢٧)، المغني (١/ ٤٢١).\n(^٤) شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ٢٥).\n(^٥) قال في الإنصاف (٣/ ٣٧٧): «وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، وقدمه في الفروع وغيره، وجزم به المصنف والشارح، وصححه المجد في شرحه ... إلخ كلامه ﵀. وقال في كشاف القناع (١/ ٢١٤): «ولا يلزمها إذن إعادة شده، ولا إعادة غسله لكل صلاة إن لم تفرط في الشد للحرج، فإن فرطت في الشد وخرج الدم بعد الوضوء أعادته؛ لأنه حدث أمكن التحرز منه» اهـ.\n(^٦) الفروع (١/ ٢٧٩) الإنصاف (١/ ٣٧٧، ٣٧٨).","vol":"9","page":315},{"text":"• أدلة الشافعية والحنابلة على وجوب غسل الفرج:\nاستدلوا بأدلة عامة، وخاصة، أما الدليل الخاص.\n(٢٠٠٠ - ٤٦٠) فقد استدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ في الحديث: (فاغسلي عنك الدم وصلي).\nفالأمر يقتضي التكرار كلما وجد سببه.\n• ويجاب:\nبأن صيغة الأمر هل تقتضي التكرار فيها خلاف مشهور، والصحيح أنه في الحديث لا يقتضي التكرار. قال ابن رجب في شرحه للبخاري: «وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور في أن الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أم لا؟ وفيه خلاف مشهور، لكن الأصح هنا أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة، فإن الأمر بالاغتسال وغسل الدم إنما هو معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها فإذا قيل: إنه يقتضي التكرار لم يقتضه إلا عند إدبار كل حيضة فقط» (^٢).\nوأما الأدلة العامة:\nفهي من قبيل القياس، فيقاس غسل الفرج من دم الاستحاضة بأحاديث\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٦٨).","vol":"9","page":316},{"text":"الاستنجاء والاستجمار، من البول والمذي ونحو ذلك بجامع أن كلًا منها قطع للنجاسة من السبيلين. وأحاديث الاستنجاء كثيرة، ويكفي منها:\n(٢٠٠١ - ٤٦١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع والأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال:\nقيل له: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة. قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (^١).\nولا يسلم القياس إلا بتحقق أمرين:\nأولهما: أن يكون غسل الفرج قاطعًا للخارج، كما أن الاستنجاء يقطع الخارج. وهذا لا يتحقق هنا؛ لأن الاستنجاء هنا لن يقطع دم الاستحاضة.\nوثانيهما: أن يكون دم الاستحاضة نجسًا، كالحال في الاستنجاء من البول والغائط، وأما من رأى أن دم الاستحاضة طاهر؛ لأنه دم عرق، مثله مثل دم سائر العروق من البدن، فلا يسلم القياس، ولا يوجب غسل الفرج؛ لأنه كالمني لا يجب الاستنجاء منه. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4315> أدلة الحنفية على وجوب الاستنجاء وغسل الفرج من دم الاستحاضة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4316>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٠٢ - ٤٦٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا عيسى ابن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٢).","vol":"9","page":317},{"text":"ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (^١).\n[ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقال الكاساني: «الاستدلال به من وجهين:\nأحدهما: أنه نفى الحرج في تركه، ولو كان فرضًا لكان في تركه حرج.\nالثاني: أنه قال: (من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج)، ومثل هذا لا يقال في المفروض، وإنما يقال في المندوب إليه، والمستحب» (^٣).\n• والجواب على هذا الحديث من وجهين:\nالأول: أن نفي الحرج لا يرجع إلى الاستنجاء، وإنما يرجع إلى الإيتار؛ لأنه أقرب مذكور، وهو صفة في الاستنجاء، وليس في أصله.\nالثاني: أن الحديث ضعيف، وما بني على الضعيف فهو ضعيف.\n• الراجح:\nيرجع وجوب الاستنجاء من دم الاستحاضة إلى حكم دم الاستحاضة، هل هو نجس، أو طاهر؟ وهل الحكم للمخرج أو للخارج.\nفالمجزوم فيه أن دم الاستحاضة ليس كدم الحيض، فلا يمنع من الصلاة والصيام، وصح اعتكاف المستحاضة، رغم أن دمها ينزف، فمن رأى ما خرج من السبيل يجب الاستنجاء منه طاهرًا كان أو نجسًا أوجب الاستنجاء من دم الاستحاضة، ومن رأى أن الحكم للخارج وليس للمخرج، فالمخرج يخرج منه المني والريح، وهما طاهران،\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣٧١).\n(^٢) انظر تخريجه في المجلد السابع، ح: (١٢٦٢).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ١٨).","vol":"9","page":318},{"text":"ويخرج البول والمذي وهما نجسان، جعل دم الاستحاضة دم عرق، وهو دم طاهر، ولو كان نجسًا لمنع الزوج من الجماع، كما منع في الدبر، وما كان طاهرًا فإنه لا يوجب استنجاء، والله أعلم.\n* * *","vol":"9","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4317>الفرع الثاني في شد عصابة الفرج عند الوضوء</span>\n[م-٧٩١] ذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)،\nوالحنابلة (^٣)، إلى أنه يجب على\n_________\n(^١) قال في البحر الرائق (١/ ٢٢٧): «ومتى قدر المعذور على رد السيلان برباط أو حشو، أو كان لو جلس لايسيل، ولو قام سال وجب رده».\nوقال ابن الهمام في شرح فتح القدير (١/ ١٨٥): «ومتى قدر المعذور على رد السيلان برباط أو حشو، أو كان لو جلس لا يسيل، ولو قام سال وجب رده، فإنه يخرج برده عن أن يكون صاحب عذر». اهـ وانظر مراقي الفلاح (ص ٦٠).\n(^٢) قال النووي في الروضة (١/ ١٣٧): «فتغسل المستحاضة فرجها قبل الوضوء أو التيمم، وتحشوه بقطنة أو خرقة دفعًا للنجاسة وتقليلًا، فإن اندفع به الدم، وإلا شدت مع ذلك خرقة في وسطها، وتلجمت بأخرى مشقوقة الطرفين، فكل هذا واجب إلا أن تتأذى بالشد أو تكون صائمة، فتترك الحشو وتقتصر على الشد».\nوقال في مغني المحتاج (١/ ١١١): «تشده -يعني فرجها- بعد غسله بخرقة مشقوقة الطرفين، تخرج أحدهما من أمامها والآخر من خلفها، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة، فإن احتاجت في رفع الدم أو تقليله إلى حشو بنحو قطن، وهي مفطرة، ولم تتأذ به وجب عليها أن تحشو قبل الشد والتلجم، وتكتفي به إن لم تحتج إليهما، أما إذا كانت صائمة أو تأذت باجتماعه فلا يجب عليها الحشو».\nوقال أيضًا (١/ ١١٢): «ويجب تجديد العصابة، وما يتعلق بها من غسل وحشو في الأصح، قياسًا على تجديد الوضوء.\nوالثاني: لايجب تجديدها، لأنه لا معنى للأمر بإزالة النجاسة مع استمرارها، ومحل الخلاف إذا لم يظهر الدم على جوانب العصابة، ولم تزل العصابة عن موضعها زوالًا له وقع، وإلا وجب التجديد بلا خلاف؛ لأن النجاسة قد كثرت مع إمكان تقليلها».\nوانظر كلام النووي في شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٥).\n(^٣) قال: ابن قدامة في المغني (١/ ٤٢١): «والمستحاضة تغسل المحل، ثم تحشوه بقطن أو ما أشبهه ليرد الدم، لقول النبي ﷺ لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: «أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم»، فإن لم يرتد الدم بالقطن استثفرت بخرقة مشقوقة الطرفين تشدها على جنبيها ووسطها على الفرج».\nثم قال: «فإذا فعلت ذلك، ثم خرج الدم، فإن كان لرخاوة الشد فعليها إعادة الشد والطهارة، وإن كان لغلبة الخارج وقوته، وكونه لايمكن شده أكثر من ذلك لم تبطل الطهارة؛ لأنه لايمكن التحرز منه، فتصلي ولو قطر الدم».","vol":"9","page":320},{"text":"المستحاضة أن تشد فرجها وتعصبها،\nوهل يجب عليها ذلك في كل صلاة، على الخلاف السابق في غسل الفرج.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4318> الأدلة على وجوب التلجم والتحفظ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4319>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٠٣ - ٤٦٣) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن نافع، عن سليمان بن يسار،\nعن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ، فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصل (^١).\n[رجاله ثقات وأعل بالإنقطاع، وفي إسناده اضطراب] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ثم لتستثفر بثوب). قال ابن منظور في اللسان: «وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة أو قطنة تحتشي بها، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع سيلان الدم، وهو مأخوذ من: ثَفَر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها».\nوفي نسخة: «وتوثق طرفيها، ثم تربط فوق ذلك رباطًا، تشد طرفيه إلى حقب\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٦٢).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (١٥٩٧).","vol":"9","page":321},{"text":"تشده كما تشد الثفر تحت ذنب الدابة» (^١).\nوقال في تاج العروس: «والاستثفار أن يدخل الإنسان إزاره بين فخذيه ملويًا ثم يخرجه، والرجل يستثفر بإزاره عند الصراع، إذا هو لواه على فخذيه فشد طرفيه في حجزته وزاد ابن ظفر في شرح المقامات: حتى يكون كالتُّبان، وقد تقدم أن التبان هو السراويل الصغير، لا ساقين له .. إلخ كلامه» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4320>الدليل الثالث:</span>\nورد كذلك التلجم والتحفظ في حديث حمنة بنت جحش،\nفقد رواه أحمد، وفيه: فقلت: يا رسول الله، إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام، قال: أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فتلجمي. قالت: إنما أثج ثجًّا ... الحديث.\n[ضعيف] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (تلجمي)، قال ابن منظور في اللسان: «تلجمت المرأة، إذا استثفرت لمحيضها. واللجام: ما تشده الحائض، وفي حديث المستحاضة: (تلجمي) أي شدي لجامًا، وهو شبيه بقوله: (استثفري) أي: ألجمي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم الدابة (^٤).\nوقال: نحوه صاحب تاج العروس (^٥).\n_________\n(^١) اللسان (٤/ ١٠٥).\n(^٢) تاج العروس (٦/ ١٤٨).\n(^٣) المسند (٦/ ٤٣٩)، وسبق الكلام عليه في حديث رقم (١٩٧٦ و١٥٢٤).\n(^٤) اللسان (١٢/ ٥٣٤).\n(^٥) تاج العروس (١٧/ ٦٣٩).","vol":"9","page":322},{"text":"وكانت النساء تستثفر ولو لم تجب عليها الصلاة حرصًا على عدم تلوثها في الدم.\n(٢٠٠٤ - ٤٦٤) فجاء في حديث جابر عند مسلم في صفة حج النبي ﷺ وفيه:\nإن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن\nرسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري، وأحرمي (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٤٧ - ١٢١٨).","vol":"9","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4321>الفصل السادس\nفي وجوب الغسل على المستحاضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• دم الاستحاضة لا يمنع نزول دم الحيض.\n• إذا حكم للمستحاضة بأنها حائض، ثم حكم بانتقالها عنه، وجب عليها الغسل كالحائض، وإن كان الدم نازفًا.\n[م-٧٩٢] اختلف العلماء هل يجب على المستحاضة الغسل إلى أقوال:\nفقيل: يجب عليها الغسل لكل صلاة.\nوهو مروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وهو رواية أيضًا عن علي وابن عباس (^١).\nوقيل: يجب عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، تصلي به الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، وتغتسل للمغرب والعشاء كذلك تؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا.\n_________\n(^١) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٥٠١)، شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ١٩)، المجموع للنووي (٢/ ٥٥٣)، البناية (١/ ٦٧٣).","vol":"9","page":324},{"text":"وهوقول علي، وابن عباس، وإبراهيم النخعي، وعبدالله بن شداد وفرقة (^١).\nوقيل: تغتسل كل يوم غسلًا واحدًا، وهو مروي عن عائشة (^٢).\nوقيل: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر.\nوهو قول ابن المسيب، والحسن، وعطاء، وروى مثل ذلك عن ابن عمر، وأنس، وهو رواية عن عائشة (^٣).\nوقيل: لايجب عليها الغسل لشيء من الصلوات إلا مرة واحدة عند إدبار حيضها. وهو مذهب الحنفية (^٤)، والمالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).\nإلا أن الحنفية والشافعية والحنابلة يرون أنه يجب عليها الوضوء إما لوقت كل صلاة أو لكل فريضة بخلاف مالك فإنه يستحب لها الوضوء، ولا يوجبه، وسبق بيانه.\nقال النووي: «وبهذا قال جمهور السلف والخلف، وهو مروى عن علي وابن مسعود وعائشة ﵃، وبه قال عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبدالرحمن» (^٨).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4322> أدلة من قال يجب عليها الغسل لكل صلاة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4323>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٠٥ - ٤٦٥) ما رواه أحمد من طريق عبدالعزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن\n_________\n(^١) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٥٠٤)، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ٢٧)، والمجموع (٢/ ٥٥٣).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٥٣)، فتح البر (٣/ ٥٠٤)، وانظر سنن أبي داود (٣٠١).\n(^٣) فتح البر (٣/ ٥٠٤)، المجموع (٢/ ٥٥٣)، صحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ٢٧).\n(^٤) البناية (١/ ٦٧٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠٥)، شرح فتح القدير (١/ ١٧٩).\n(^٥) فتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٥٠٩)، الاستذكار (٣/ ٢٢٦)، مقدمات ابن رشد (١/ ١٣٠، ١٣١).\n(^٦) المجموع (٢/ ٥٥٣)، شرح صحيح مسلم - النووي (٤/ ٢٧) ح ٣٣٣.\n(^٧) الإنصاف (١/ ٣٧٧)، المحرر (١/ ٢٧)، كشاف القناع (١/ ٢١٤).\n(^٨) المجموع (٢/ ٥٥٣).","vol":"9","page":325},{"text":"عبدالله بن الهاد، عن أبي بكر، عن عمرة،\nعن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبدالرحمن بن عوف، وأنها استحيضت فلا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله ﷺ، فقال: ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، فلتنظر له قدر قرئها التي كانت تحيض، فلتنظرله، فلتترك الصلاة، ثم لتنظر ما بعد ذلك، فلتغتسل عند كل صلاة ولتصل (^١).\n[المحفوظ أن الرسول ﷺ لم يأمرها بالغسل لكل صلاة، وإنما شيء فعلته هي من تلقاء نفسها] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4324>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٠٦ - ٤٦٦) مارواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا محمد- يعن: ابن إسحاق - عن الزهري، عن عروة،\nعن عائشة، أن زينب بنت جحش استحيضت على عهد رسول الله ﷺ فأمرها رسول الله ﷺ بالغسل لكل صلاة، فإن كانت لتدخل المركن مملوءًا ماء، فتنغمس فيه، ثم تخرج منه، وإن الدم لغالبه فتخرج فتصلي (^٣).\n[وهم فيه ابن إسحاق، وقد رواه جماعة عن الزهري، وليس فيه الأمر بالغسل لكل صلاة] (^٤).\n_________\n(^١) المسند (٦/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٢) الحديث أخرجه الطحاوي (١/ ٩٨) من طريق الحميدي،\nوأخرجه البيهقي (١/ ٣٤٩) من طريق ابن كاسب، كلاهما عن ابن أبي حازم به.\nوالحديث إسناد رجاله كلهم ثقات، إلا عبدالعزيز بن أبي حازم فإنه صدوق،\nوقد توبع فيه ابن أبي حازم فخرج من عهدته، فقد رواه أبو عوانة (١/ ٣٢٣) من طريق الدراوردي، عن يزيد بن الهاد به، إلا أن رفع الأمر بالغسل شاذ كما سيتبين من خلال تخريج حديث عائشة من طريق الزهري في الحديث الذي بعد هذا فانظره.\n(^٣) المسند (٦/ ٢٣٧).\n(^٤) الإسناد مداره على الزهري،\nأخرجه أحمدكما قدمت في الباب (٦/ ٢٣٧)، والدارمي (٧٧٥) عن يزيد بن هارون، =","vol":"9","page":326},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه أبو داود (٢٩٢)، والبيهقي (١/ ٣٥٠) من طريق عبدة،\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٩٨) من طريق الوهبي،\nوأخرجه الدرامي (٧٨٣) عن أحمد بن خالد، كلهم عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في قصة استحاضة زينب بنت جحش، وفيه أن رسول الله ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة، وزينب هي أم حبيبة، وقد جاء في الموطأ (١/ ٦٢) تسمية أم حبيبة بزينب.\nوتابع سليمان بن كثير ابن إسحاق،\nفرواه أبو الوليد الطيالسي، عن سليمان بن كثير به، بذكر الأمر بالاغتسال لكل صلاة، ذكره أبو داود في السنن، قال بعد حديث (٢٩٢)، ورواه أبو الوليد الطيالسي ولم أسمعه منه، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: استحيضت زينب بنت جحش، فقال لها النبي ﷺ: اغتسلي لكل صلاة، وساق الحديث.\nوسليمان بن كثير قد ضعف في الزهري، وقد اختلف عليه أيضًا.\nقال أبو داود في السنن: «ورواه عبد الصمد، عن سليمان بن كثير، وقال: توضئي لكل صلاة. وهذا وهم من عبد الصمد، والقول فيه قول أبي الوليد». اهـ\nوتعقب البيهقي أبا داود في السنن الكبرى (١/ ١٣٥)، فقال: «ورواية أبي الوليد أيضًا غير محفوظة، فقد رواه مسلم بن إبراهيم، عن سليمان بن كثير كما رواه سائر الناس، عن الزهري، ثم ساقه بإسناده (١/ ٣٥) من طريق مسلم بن إبراهيم، حدثنا سليمان -يعني: ابن كثير- عن الزهري به، وفيه: فاغتسلي وصلي. وليس فيه الأمر بالاغتسال لكل صلاة، ولا الوضوء لكل صلاة.\nقال البيهقي: وهذا أولى لموافقته سائر الروايات عن الزهري. اهـ.\nورواه جمع من الرواة، عن الزهري، ولم يجعلوا الغسل لكل صلاة من أمر الرسول ﷺ منهم:\nالأول: ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، وعمرة، عن عائشة:\nرواه أبو داود الطيالسي (١٤٣٩):\nوأحمد (٦/ ١٤١) والبيهقي في السنن (١/ ١٧٠) حدثنا يزيد بن هارون.\nوالبخاري (٣٢٧) من طريق معن، وأبو عوانة في مستخرجه (٩٣٣) من طريق حسين المروروذي، وأبو داود (٢٩١)، من طريق إسحاق بن محمد، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٧٤١)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ٩٩) من طريق أسد بن موسى. كلهم عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، ولفظ أحمد: أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، وكانت امرأة عبدالرحمن بن عوف، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله: إنما ذلك عرق، وليس بحيضة فاغتسلي وصلي، وفكانت تغتسل عند كل صلاة. =","vol":"9","page":327},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخالف هؤلاء عبيد الله بن عبد المجيد، فأخرجه الدارمي (٧٨١): عنه، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن أم حبيبة، قالت: يا رسول الله غلبني، قال: اغتسلي وصلي.\nفجعله عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي من مسند أم حبيبة، وخالف جميع من رواه عن\nابن أبي ذئب، كيزيد بن هارون، وأبي داود الطيالسي، ومعن، ومحمد بن إسحاق، وأسد بن موسى وغيرهم، فإنهم جعلوا قصة أم حبيبة من مسند عائشة.\nوعبيد الله بن عبدالمجيد، صدوق، فلا تحتمل مخالفته لهؤلاء الأئمة، ولغيرهم ممن من أصحاب الزهري، كالليث، والأوزاعي، وإبراهيم بن سعد، وعمرو بن الحارث، ومعمر وغيرهم ممن سنأتي على تخريج رواياتهم إن شاء الله تعالى.\nالثاني: الليث، عن الزهري.\nرواه الليث عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة، تارة يجمعها الزهري وتارة يرويه عن عروة وحده، عن عائشة.\nفرواه عن الليث، عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة:\nإسحاق بن عيسى كما في مسند أحمد (٦/ ٨٢)،\nوالوليد بن مسلم كما في صحيح ابن حبان (١٣٥٣) كلاهما عن الليث، قال: حدثني\nابن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبدالرحمن،\nعن عائشة أنها قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ فقالت: إني أستحاض قال: إنما ذلك عرق، فاغتسلي، ثم صلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة،\nوفي مسند أحمد قال في آخره: قال ابن شهاب: لم يأمرها النبي ﷺ أن تغتسل عند كل صلاة إنما فعلته هي.\nفهذا صريح في وهم ابن إسحاق عن الزهري، أن النبي ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة، إذ لو كان هذا في رواية الزهري لما قال الزهري ما قال، فإذا أضفت إلى ذلك مخالفة ابن إسحاق للجماعة الحفاظ الذين رووه عن الزهري، ولم يذكروا أن الرسول ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة، قطع الباحث بوهم ابن إسحاق، والواحد من هؤلاء مقدم على ابن إسحاق، فكيف وقد اجتمعوا.\nورواه عن الليث، عن الزهري، عن عروة وحده، عن عائشة.\nقتيبة بن سعيد كما في صحيح مسلم (٣٣٤)، والترمذي (١٢٩)، والنسائي (٢٠٦)، وسنن البيهقي (١/ ٣٢١).\nويزيد بن خالد بن عبد الله الهمداني كما في سنن أبي داود (٢٩٠).\nومحمد بن رمح كما في صحيح مسلم (٣٣٤).\nويحيى بن عبد الله بن بكير كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٩٩)، وسنن البيهقي (١/ ٣٤٩)، أربعتهم رووه عن الليث بن سعد، عن الزهري، عن عروة وحده. =","vol":"9","page":328},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وجاء في مسلم والترمذي والطحاوي: قال قتيبة: قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي.\nالثالث: رواية الأوزاعي، عن الزهري.\nرواه الأوزاعي عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة، تارة يجمعها الزهري وتارة يرويه عن عروة وحده، عن عائشة.\nفأما رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة وعمرة عن عائشة.\nفرواها أبو يعلى الموصلي (٤٤٠٥) من طريق هقل، عن الأوزاعي به، بلفظ: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي ثم صلي)، قالت عائشة: فكانت تغتسل عند كل صلاة، وكانت تقعد في مركن لأختها زينب بنت جحش حتى إن حمرة الدم لتعلو الماء.\nورواها النسائي (٢٠٣) عن إسماعيل بن عبد الله، عن الأوزاعي بلفظ: (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي ثم صلي).\nوأخرجه النسائي (٢٠٤)، وأبو عوانة في مستخرجه، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٩) وفي مشكل الآثار (٢٧٣٩)، والطبراني في مسند الشاميين (١٥٦٠)، من طريق الهيثم ابن حميد، عن الأوزاعي وقرن مع الأوزاعي غيره بنحو لفظ هقل، عن الأوزاعي.\nورواه أبو عوانة في مستخرجه (٩٣١) والطحاوي في مشكل الآثار (٢٧٤٠) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٢٨)، من طريق بشر بن بكر،\nورواه أبو عوانة في مستخرجه (٩٣١)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٢١٧٦)، من طريق عمرو بن أبي سلمة.\nورواه ابن حبان (١٣٥٣) من طريق الوليد بن مسلم،\nالبيهقي (١/ ٣٢٧) من طريق الوليد بن يزيد، ثلاثتهم عن الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة به.\nوأما رواية الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن عروة وحده، عن عائشة.\nفأخرجها الدارمي (٧٧٨): حدثنا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي به بنحو رواية الهيثم بن حميد عن الأوزاعي، وزاد في آخره، قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة.\nوقول الأوزاعي: (إذا أقبلت .. وإذا أدبرت) انفرد بهذا الأوزاعي، عن الزهري، قال أبو داود في السنن على إثر ح (٢٨٥): «ولم يذكر هذا الكلام أحد من أصحاب الزهري غير الأوزاعي ورواه عن الزهري عمرو بن الحارث، والليث، ويونس وابن أبي ذئب، ومعمر، وإبراهيم بن سعد وسليمان بن كثير، وابن إسحاق وسفيان بن عيينة ولم يذكروا هذا الكلام، قال أبو داود: وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة». يعني في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش. =","vol":"9","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أبو المغيرة، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد (٦/ ٨٣) عن أبي المغيرة، قال: حدثني الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة.\nففي هذا الإسناد يرويه عروة، عن عمرة، عن عائشة.\nوقد خشيت أن يكون سند أحمد خطأ من النساخ، فراجعت أطراف المسند لابن حجر (٩/ ٣٢١) فوافق المطبوع، فاستبعد الخطأ من النساخ، ومع ذلك فقد رواه الحاكم في المستدرك من طريق أحمد بن حنبل (١/ ٢٨١) فقال: عن عروة، وعمرة عن عائشة، وهو الصواب.\nكما رواه الدارمي (٧٦٨).\nوابن ماجه (٦٢٦) حدثنا محمد بن يحيى، كلاهما عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة.\nفإن كان مسند أحمد محفوظًا فيكون بهذا قد اختلف فيه على أبي المغيرة، والوهم منه، وهو خفيف الضبط.\nالرابع: إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة.\nاخرجه أحمد (٦/ ١٨٧) ثنا عبدالرحمن بن مهدي، وأبو كامل،\nوالدارمي (٧٨٢) وأبو عوانة في مستخرجه (٩٣٠)، عن سليمان بن داود الهاشمي،\nومسلم (٣٣٤) من طريق محمد بن جعفر بن زياد،\nوأبو عوانة (٩٣٠) من طريق داود بن منصور،\nوالطحاوي (١/ ٩٩) من طريق محمد بن إدريس،\nوابن حبان (١٣٥١) من طريق محمد بن خالد بن عبدالله، كلهم عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة .... وفيه: (ليس هذا بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي. فكانت تغتسل لكل صلاة وتصلي، وكانت تجلس في مركن فتعلو حمرة الدم الماء، ثم تصلى). هذا لفظ أحمد.\nوطريق إبراهيم بن سعد لا يذكر في إسناده عروة.\nالخامس: عمرو بن الحارث، عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة.\nأخرجه مسلم (٣٣٤) وأبو داود (٢٨٥ - ٢٨٨)، النسائي (٢٠٥)، وأبو عوانة (٩٣٥)،\nوابن حبان (١٣٥٢)، والحاكم (١/ ١٧٣)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٤٨) من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، عن عروة، وعمرة، عن عائشة ... وفيه: (هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي) قالت عائشة: «فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء».\nوليس فيه: أن الرسول ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة. =","vol":"9","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السادس: سفيان بن عيينة، عن الزهري.\nأخرجها الحميدي (١٦٠) ثنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ... ولفظه: (إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، وأمرها أن تغتسل وتصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة وتجلس في المركن فيعلو الدم).\nوأخرجه إسحاق بن راهويه (٥٦٧، ٢٠٦٢) أخبرنا سفيان به، بلفظ:\nأن ابنة جحش كان تستحاض، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فأمرها أن تقعد أقراءها، أو حيضها، أو ما شاء الله من ذلك، وكانت تجلس في المركن فيه الماء حتى يعلو الدم، وتغتسل عند كل صلاة، ولم تقل: إن رسول الله ﷺ أمرها بذلك.\nوأخرجه مسلم (٣٣٤) والنسائي (١/ ٢١٠) حدثنا محمد بن المثنى،\nوأبو عوانة في مستخرجه (٩٣٦) من طريق محمد بن الصباح،\nوأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٢٧٣٨) من طريق الشافعي، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة به، ولفظه: (فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها، وتغتسل وتصلي، وكانت تغتسل لكل صلاة).\nولم يذكر مسلم لفظه، وإنما قال: بنحو حديثهم، يعني: حديث الليث، وعمرو بن الحارث، وإبراهيم بن سعد، عن الزهري، واختصر لفظه الطحاوي.\nقال أبو داود في السنن على إثر ح (٢٨٥): «وزاد ابن عيينة فيه أيضا: (أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، وهو وهم من ابن عيينة».\nالسابع: النعمان وحفص بن غيلان، عن الزهري، عن عروة، وعمرة، عن عائشة.\nأخرجه النسائي (٢٠٤)، والطحاوي في شرح معاني الأثار (١/ ٩٩)، وفي مشكل الآثار (٢٧٣٩)، وفي مسند الشاميين للطبراني (١٥٦٠)، من طريق الهيثم بن حميد، قال: حدثني النعمان، والأوزاعي، وأبو معبد حفص بن غيلان، عن الزهري، قال: حدثتني عروة وعمرة، عن عائشة. وقد سقت لفظها في طريق الأوزاعي حيث جمعا معه في سند واحد فارجع إليه.\nالثامن: معمر، عن الزهري.\nرواها عبد الرزاق في المصنف (١١٦٤) عنه، عن الزهري، عن عمرة وحدها، عن عائشة.\nفتلخص من هذا البحث ما يأتي:\nأولًا: أن الأمر بالغسل لكل صلاة جاء مرفوعًا إلى النبي ﷺ من طريق ابن الهاد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، ولم يختلف الرواة في هذا الحديث، وإن كان الأمر بالغسل لكل صلاة شاذًا في هذا الحديث.\nوأما رواية الزهري عن عمرة وعروة، فكل من رواه عن الزهري، كالليث، وابن سعد، وابن عيينة، وعمرو بن الحارث، والأوزاعي، ومعمر، والنعمان، وابن المنذر، وحفص بن غيلان =","vol":"9","page":331},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وغيرهم رووه بأن الرسول ﷺ أمرها أن تغتسل فقط، والمقصود به الغسل من الحيض، اللازم لكل امرأة حاضت وطهرت، سواء كانت مستحاضة أو غيرها، وفهمت أم حبيبة أنها تغتسل عند كل صلاة.\nوخالف ابن إسحاق الجماعة فرواه عن الزهري، وفيه أن الرسول ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة، وهذا وهم من ابن إسحاق، لأن الزهري نفسه كان يقول كما في مسند أحمد (٦/ ٨٢) وغيره: لم يأمرها الرسول ﷺ أن تغتسل عند كل صلاة، وإنما فعلته هي.\nثانيًا: اختلف على الزهري في إسناده.\nفقيل: عن ابن شهاب عن عروة، عن عائشة.\nوقيل: عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة.\nوقيل: عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة.\nوقيل: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة عن عائشة، فجعل بين عروة وعائشة واسطة وهي عمرة، تفرد بذلك أبو المغيرة، عن الزهري، على اختلاف عليه، وأكثر الرواة عنه بما يوافق الجماعة.\nوقيل: عن عروة وعمرة عن عائشة، عن أم حبيبة.\nوحاول بعضهم تضعيف الحديث لهذاالاختلاف، كالحافظ ابن عبدالبر، فقد قال في التمهيد، كما في فتح البر (٣/ ٤٨٢): «لهذا الاختلاف ومثله عن عروة، والله أعلم، ضعف أهل العلم بالحديث ما عدا حديث هشام بن عروة، وسليمان بن يسار من أحاديث الحيض والاستحاضة».\nوقال أيضًا (٣/ ٤٨١): «وحديث ابن شهاب في هذا الباب مضطرب».\nوالصحيح أن الأمر ممكن فيه الترجيح، فلا يصار إلى الاضطراب إلا عند تعذر الترجيح، ولا يمنع أن يكون الزهري سمعه من عروة وعمرة عن عائشة، فكان تارة يجمعهما، وتارة يفرقهما، خاصة أن الرواية عن عروة وعمرة مجتمعين جاءت عند البخاري (٣٢٧) من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري عن عروة وعمرة، وجاءت عند مسلم (٣٣٤) من طريق عمرو بن الحارث، عن الزهري عن عروة وعمرة.\nوجاءت في بعض طريق الليث، عن الزهري.\nوأما جعله من مسند أم حبيبة فقد انفرد فيه عبيد بن عبد المجيد الحنفي، وخالف أصحاب ابن أبي ذئب، فهي رواية شاذة.\nوأما رواية الزهري، عن عروة، عن فاطمة بنت أبي حبيش أو عن أسماء، فقد أخرجها أبو داود (٢٨١) من طريق جرير، عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن الزبير قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش، أنها أمرت أسماء، أو حدثتني أسماء أنها أمرت فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل رسول الله ﷺ، فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل. =","vol":"9","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4325>الدليل الثالث:</span>\n(٢٠٠٧ - ٤٦٧) مارواه أبو داود من طريق الحسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة،\nأن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبدالرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي (^١).\n[رجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال] (^٢).\n_________\n= وأخرجه البيهقي (١/ ٣٣) من طريق أبي داود، وضعفه.\nوقد خالف سهيل بن أبي صالح جميع من رواه عن الزهري، خالفهم في الإسناد وخالفهم في المتن، كما أنه اختلف عليه في لفظ الحديث كما سأبين.\nوتارة يجزم بأنه عن أسماء، ويسميها أحيانًا بأنها بنت عميس، وأحيانًا يسميها بنت أبي بكر، وتارة يشك في الحديث هل هو عن أسماء أنها أمرت فاطمة أو بالعكس.\nوكل من رواه عن الزهري كالليث، وابن عيينة، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث، وابن أبي ذئب، ومعمر كلهم رووه عن الزهري عن عروة، أو عمرة، وتارة يجمعهما عن عائشة، ولم يذكروا أسماء وجعلوه في قصة أم حبيبة، ولم يجعلوا الحديث في قصة فاطمة، وحديث عروة عن عائشة في قصة فاطمة رواه هشام، عن عروة، وقد سبق تخريجه.\nقال البيهقي ﵀ في السنن (١/ ٣٥٤): «هكذا رواه سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة، واختلف فيه عليه، والمشهور رواية الجمهور عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في شأن أم حبيبة بنت جحش». اهـ وسوف أخرج رواية سهيل في أدلة القول الثاني.\nهكذا فيما يتعلق في الكلام على الاختلاف في إسناده، وسبق الكلام على مسألة الغسل لكل صلاة.\nوالراجح في لفظه ما رواه ابن أبي ذئب والليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وإبراهيم ابن سعد، ومعمر، وما وافقها من رواية الأوزاعي وابن عيينة.\nوأن الحديث ثابت عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة. والله أعلم.\n(^١) سنن أبي داود (٢٩٣).\n(^٢) اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير.\nفرواه حسين المعلم كما في سنن أبي داود (٢٩٣)، ومنتقى بن الجارود (١١٥)، وسنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٥١)، رواه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة فوصله، أن امرأة كانت تهراق الدم ... وذكرت الحديث كما سبق. =","vol":"9","page":333},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4326> أدلة من قال تغتسل لكل صلاتين مجموعتين وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4327>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٠٨ - ٤٦٨) ما رواه أبو داود من طريق سهيل -يعني: ابن أبي صالح- عن الزهري، عن عروة بن الزبير،\n_________\n= وخالفه هشام الدستوائي كما في مسنده إسحاق بن رواهويه (٢٠٥)، وسنن الدارمي (٩٠١).\nومعمر كما في مسند إسحاق أيضًا (٢٠٦) كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن أم حبيبة بنت جحش كانت تهراق الدم فسألست رسول الله ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي، وهذا مرسل.\nورواه الأوزاعي كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٥١) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة مرسلًا، وجعل المستحاضة هي زينب بنت أبي سلمة.\nوقد جاء في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٥٠): «سألت أبي عن حديث رواه هشام ومعمر وغيرهما، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم حبيبة أنها استحيضت فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل لكل صلاة، فلم يثبته، وقال: الصحيح عن هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي سلمة أن أم حبيبة سألت النبي ﷺ، وهو مرسل، وكذا يرويه حرب بن شداد وقال الحسين المعلم، عن يحيى عن أبي سلمة، قال: أخبرتني زينب أن امرأة كانت تهراق الدم. وهو مرسل».اهـ\nواعتبر أبو حاتم رواية أبي داود مرسلة، أعني رواية حسين المعلم، وكذا اعتبرها ابن القطان الفاسي في كتابه بيان الوهم والإيهام، فإنه قال (٥٤٩) بعد أن ذكر رواية أبي داود: «وهو حديث مرسل فيما أرى، وزينب ربيبة النبي ﷺ معدودة في التابعيات، وإن كانت إنما ولدت بأرض الحبشة، فهي إنما تروي عن عائشة، وأمها أم سلمة».\nوعدها العجلي كذلك في التابعيات. انظر: معرفة الثقات (٢/ ٤٥٣).\nوالراجح أن روايتها في حكم المرسلة لأن زينب وإن كانت صحابية، إلا أنها صغيرة في باب الرواية، وروايتها في صحيح البخاري (٣٤٩٢) من طريق كليب، حدثتني ربيبة النبي ﷺوأظنها زينب- قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والحنتم والمقير والمزفت، في حكم مرسل الصحابي.\nلكن ينبغي أن تعل هذه الرواية الموصولة بالرواية المرسلة من طريق هشام والأوزاعي، ومعمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال هشام: إن أم حبيبة بنت جحش سألت النبي ﷺ، وقال الأوزاعي: إن زينب بنت أبي سلمة كانت تعتكف مع رسول الله ﷺ وهي تهريق الدم فجعلها هي المستحاضة، فهذه صريحة بالإرسال. والله أعلم.","vol":"9","page":334},{"text":"عن أسماء بنت عميس، قالت: قلت: يا رسول الله، إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، منذ كذا وكذا فلم تصل. فقال رسول الله ﷺ: سبحان الله، إن هذا من الشيطان، لتجلس في مركن، فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتتوضأ فيما بين ذلك (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٩٦).\n(^٢) اختلف في إسناده على الزهري.\nفرواه الليث، وإبراهيم بن سعد، وابن عيينة، ومعمر، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث،\nوابن إسحاق، وابن أبي ذئب، وغيرهم كلهم رووه عن الزهري، عن عروة، وتارة عن عمرة، وتارة يجمعهما، عن عائشة بقصة استحاضة أم حبيبة. وسبق الكلام عليها، انظر (ح).\nوخالفهم سهيل بن أبي صالح فرواه عن الزهري، عن عروة، عن أسماء.\nفإن قيل: ألا يحتمل أنهما حديثان، فالجواب: أن هذا خلاف الظاهر، فتفرد سهيل بن أبي صالح دون أصحاب الزهري بهذا الإسناد يجعله شاذًا، وعلى التنزل بأنهما حديثان، فإن المخالفة لن تنفك عن سهيل بن أبي صالح، لأن حديث عروة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش في الصحيحين وفي غيرهما، وليس فيه أمرها بالاغتسال للصلوات المجموعة، وإنما رواية الأكثر: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي).\nورواه بعضهم: (وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي).\nولاشك أن أحاديث الصحيحين مقدمة على حديث سهيل بن أبي صالح.\nوهذا وجه واحد من الاختلاف على سهيل، وهو وحده كاف في إعلال الحديث.\nالوجه الثاني: الاختلاف على سهيل في لفظ الحديث.\nفقد رواه خالد بن عبدالله الطحان، كما في سنن داود (٢٩٦)، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (١/ ٣٥٣).\nوعلي بن عاصم كما في سنن الدارقطني (١/ ٢١٦)، كلاهما عن سهيل، عن الزهري عن عروة، عن أسماء بنت أبي عميس، وفيه: الاغتسال لكل صلاتين مجموعتين، وكذا الاغتسال لصلاة الفجر.\nورواه جرير كما في سنن أبي داود (٢٨١) عن سهيل، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أنها أمرت أسماء، أو أسماء حدثتني أنها أمرتها فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل رسول الله ﷺ، فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، ثم تغتسل. وليس فيه =","vol":"9","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4328>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٠٩ - ٤٦٩) ما رواه أحمد، قال: عن حمنة بنت جحش من حديث طويل وفيه:\nإنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة في علم\n_________\n= الاغتسال لكل صلاة مجموعة، ولا الاغتسال لصلاتين، وهذا اللفظ قريب من لفظ البخاري من طريق أبي أسامة عن هشام، عن عروة، عن عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، وفيه: (ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)، فهذا وإن كان لفظه أقوى من اللفظ الأول إلا أن الإسناد الأول خال من الشك، وقد رواه اثنان، عن سهيل، وأظن البلاء من سهيل.\nالمخالفة الثالثة:\nأن الحديث رواه علي بن عاصم عن سهيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عميس. وسبق العزو إليها.\nورواه جرير، عن سهيل به على الشك، قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أنها أمرت أسماء، أو أسماء حدثتني أنها أمرت فاطمة. وسبق العزو إليها أيضًا.\nورواه خالد بن عبدالله الواسطي عن سهيل، واختلف على خالد.\nفرواه الحماني، وهو حافظ مجروح، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٠٠)\nووهب بن بقية، كما في سنن أبي داود (٢٩٦) وسنن البيهقي (١/ ٣٥٣).\nوأبو بشر، كما في سنن الدارقطني (١/ ٢١٥) ثلاثتهم رووه عن خالد، عن سهيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عميس.\nوخالفهم عبد الحميد بن بيان كما في سنن البيهقي (١/ ٣٥٣)، فرواه عن خالد به، إلا أنه قال: عن أسماء بنت أبي بكر.\nفمن أجل الاختلاف في إسناده، والاختلاف في متنه، ومخالفته لفظ الصحيحين في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش يجزم الباحث بخطأ سهيل بن أبي صالح، وسهيل لا تحتمل مخالفته خاصة أنه تغير في آخر عمره، قال الذهبي -فيمن تكلم فيه وهو موثوق-: سهيل: صدوق مشهور ساء حفظه، وذكر البخاري في تاريخه قال: قال: كان لسهيل أخ، فمات فوجد عليه، فنسي كثيرًا من الحديث.\nقال البيهقي في السنن (١/ ٣٥٣): «هكذا رواه سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة، واختلف فيه عليه والمشهور رواية الجمهور، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في شأن أم حبيبة بنت جحش». اهـ","vol":"9","page":336},{"text":"الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، واستيقنت، واستنقأت فصلي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة، وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء، وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، وكذلك فافعلي، وصلي، وصومي إن قدرت على ذلك». وقال رسول الله ﷺ: وهذا أعجب الأمرين إليَّ (^١).\n[الحديث ضعيف، وسبق تخريجه] (^٢).\nوليس فيه دليل على وجوب الغسل لكل صلاة مجموعة، بل الحديث صريح في تخيير الرسول ﷺ لها بين أن تصلي الصلوات بطهر واحد، وبين أن تغتسل في اليوم والليلة ثلاث مرات.\nوقوله ﷺ: (وهذا أعجب الأمرين إلي) أي أحسن الأمرين أي فكلا الأمرين حسن، وهذا أحسن، يعني الغسل مع الجمع.\nوفي تاج العروس: شيء معجب: إذا كان حسنًا جدًّا (^٣).\nوفي اللسان: أعجبه الأمر: سره وأعجب به (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4329>الدليل الثالث:</span>\n(٢٠١٠ - ٤٧٠) مارواه عبدالرزاق في المصنف، قال: عن معمر، عن أيوب\nعن سعيد بن جبير، أن امرأة من أهل الكوفة كتبت إلى ابن عباس بكتاب، فدفعه إلى ابنه ليقرأه، فتعتع فيه، فدفعه إلي، فقرأته، فقال ابن عباس: أمَّا لو هذرمته كما\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٤٣٩).\n(^٢) وقد سبق تخريجه. انظر حديث ١٩٧٦ و١٥٢٤.\n(^٣) تاج العروس (٢/ ٢٠٩).\n(^٤) اللسان (١/ ٥٨١).","vol":"9","page":337},{"text":"هذرمه الغلام المصري، فإذا في الكتاب:\nإني امرأة مستحاضة، أصابني بلاء وضر، وإني أدع الصلاة الزمان الطويل، وإن علي بن أبي طالب سئل عن ذلك فأفتاني أن اغتسل عند كل صلاة، فقال ابن عباس: اللهم لا أجد لها إلا ما قال علي، غير أنها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للفجر، قال: فقيل له: إن الكوفة أرض باردة، وإنه يشق عليها. قال: لو شاء لابتلاها بأشد من ذلك (^١).\n[صحيح موقوف على ابن عباس].\nوالخلاف في المسألة بين الصحابة محفوظ، فمنهم من يرى عليها الاغتسال لكل صلاة، ومنهم من يرى عليها الاغتسال لكل صلاتين مجموعتين، والاغتسال لصلاة الفجر، ومنهم من يرى الاغتسال مرة واحدة في اليوم، ومنهم من يرى أن عليها الاغتسال مرة واحدة عند إدبار حيضها، وعند الاختلاف فليس قول بعضهم حجة على البعض.\nكما أن ابن عباس قد اختلف قوله في المسألة (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (١١٧٣).\n(^٢) اختلف فيه على سعيد بن جبير، فتارة يرويه عن ابن عباس بالغسل لكل صلاة، وتارة يرويه بالغسل ثلاث مرات في اليوم والليلة.\nفرواه المنهال في مصنف ابن أبي شيبة - تحقيق عوامة (١٣٧٠)،\nوأبو الزبير، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٠٠)، والتمهيد لابن عبد البر (١٦/ ٩١).\nوحماد بن أبي سليمان كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٠٠)، كلهم، عن سعيد، عن ابن عباس بالاغتسال لكل صلاة.\nورواه الطحاوي (١/ ٩٩) من طريق الخصيب بن ناصح، حدثنا همام، عن قتادة، عن أبي حسان، عن سعيد بن جبير أن امرأة أتت ابن عباس ﵁ بكتاب فدفعه إلى ابنه فترتر فيه، فدفعه إليَّ فقرأته، فقال لابنه: ألا هذرمته كما هذرمه الغلام المصري، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من امرأة من المسلمين أنها استحيضت، فاستفتت عليًا ﵁ فأمرها أن تغتسل وتصلي، فقال: اللهم لا أعلم القول إلا ما قال علي ﵁ ثلاث مرات. =","vol":"9","page":338},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال قتادة: وأخبرني عزرة عن سعيد، أنه قيل له: إن الكوفة أرض باردة، وأنه يشق عليها الغسل لكل صلاة، فقال: لو شاء لابتلاها بما هو أشد.\nفقتادة رواه عن أبي حسان عن سعيد بن جبير أن تغتسل وتصلي، ولم يذكر تكرارًا.\nورواه قتادة، عن عزرة، عن سعيد بالغسل لكل صلاة.\nورجاله ثقات إلا الخصيب بن ناصح فإنه صدوق يخطيء وأبو حسان الأعرج صدوق رمي برأي الخوارج.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣٦٨) من طريق أبي العلاء، عن قتادة، أن عليًا وابن عباس قال في المستحاضة تغتسل لكل صلاة. وأبو العلاء صدوق، وقتادة لم يسمع من صحابي إلا أنس.\nورواه أيوب، كما في مصنف عبد الرزاق (١١٧٣)، والأوسط لابن المنذر (١/ ١٦٣).\nوإسماعيل بن رجاء كما في التمهيد (١٦/ ٩٣)، كلاهما، عن سعيد، عن ابن عباس بالاغتسال ثلاث مرات في اليوم.\nوكذلك رواه مجاهد، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٠١).\nوعطاء بن أبي رباح كما في مصنف ابن أبي شيبة تحقيق عوامة (١٣٦٤)، وسنن الدارمي (٨٠٤)، كلاهما عن ابن عباس: وفيه الاغتسال ثلاث مرات بدلًا من الاغتسال لكل صلاة، وأسانيدهما صحيحة.\nوقد رواه ابن أبي شيبة (١٣٧١) حدثنا حفص بن غياث، عن الليث، عن الحكم،\nعن علي، في المستحاضة، تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتؤخر من المغرب وتعجل العشاء، قال: وأظنه قال: تغتسل للفجر، فذكرت ذلك لابن الزبير وابن عباس فقالا: ما نجد لها إلا ما قال علي.\n[وهذا الإسناد ضعيف فيه لين من أجل الليث بن أبي سليم].\nورواه ابن الجعد في مسنده (١١٥) من طريق إبراهيم النخعي، عن ابن عباس بالغسل ثلاث مرات، وهذا منقطع.\nوقد روى أنس بن سيرين، قال: استحيضت امرأة من آل أنس، فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار، فلتغتسل وتصلي. وإسناده صحيح، وسبق تخريجه، انظر ح (١٦٠٢). وليس فيه الغسل لكل صلاة، وهذا موافق للمرفوع، فقد روى البخاري ومسلم من مسند عائشة قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش.\nوروى مسلم من مسند عائشة قصة استحاضة زينب، وليس فيه الأمر بالغسل لكل صلاة، والله أعلم.","vol":"9","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4330>الدليل الرابع:</span>\n(٢٠١١ - ٤٧١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبيدالله بن معاذ، حدثني أبي، عن شعبة، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت:\nاستحيضت امرأة على عهد رسول الله ﷺ، فأمرت أن تعجل العصر، وتؤخر الظهر، وتغتسل لهما غسلًا، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلًا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا (^١).\n[ضعيف، وقد أعل بالإرسال، وفي إسناده اختلاف] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٩٤).\n(^٢) مداره على عبدالرحمن بن القاسم. واختلف عليه فيه.\nفرواه شعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي ط هجر (١٥٢٢)، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (١/ ٣٥٢) عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: استحيضت امرأة على عهد النبي ﷺ، فأمرت - قلت: من أمرها؟ النبي ﷺ؟ قالت: لست أحدثك عن النبي ﷺ شيئًا - قالت: فأمرت أن تؤخر الظهر، وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلًا واحدًا.\nورواه إسحاق بن راهوية (٩٦٤) أخبرنا النضر ووهب بن جرير، ورواه أبو داود (٢٩٤) من طريق معاذ بن معاذ العنبري،\nوالدارمي (٧٧٧) أخبرنا هاشم بن القاسم، أربعتهم عن شعبة به، إلا أنه السائل فيها عن رفعه شعبة، وليس القاسم بن محمد، قال شعبة: فقلت لعبد الرحمن: عن النبي ﷺ؟ فقال: لا أحدث عن النبي ﷺ شيئًا، وفي بعض النسخ لا أحدثك إلا عن النبي ﷺ بشيء، ولعل زيادة إلا خطأ.\nوأخرجه النسائي (٢١٣، ٣٦٠) من طريق محمد - يعني غندر - قال: حدثنا شعبة به. وفيه: فقيل لها: إنه عرق عاند، وأمرت أن تؤخر الظهر .... إلخ الحديث، وليس فيه قول شعبة لعبد الرحمن، وسؤاله عن رفعه.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٣٥٢) من طريق عاصم بن علي، عن شعبة به.\nورواه الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، وخالف فيه، فجعل الحديث من مسند زينب.\nأخرجه النسائي (٣٦١) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٠٠)، والبيهقي (١/ ٣٥٣) من طريق عبد الله - يعني ابن المبارك - عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم،\nعن زينب بن جحش، قالت: قلت للنبي ﷺ: إنها مستحاضة، فقال: تجلس أيام أقرائها، وتؤخر الظهر، وتعجل العصر، وتغتسل، وتصلي، وتؤخر المغرب، وتعجل العشاء، وتغتسل، =","vol":"9","page":340},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وتصليهما جميعًا، وتغتسل للفجر.\nورواه ابن عيينة، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه أن امرأة من المسلمين استحيضت فأرسله.\nأخرجها عبد الرزاق (١١٧٦)، والبيهقي (١/ ٣٥٣) من طريق إسحاق.\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٠٠) حدثنا يونس -هو ابن عبد الأعلى- ثلاثتهم عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن امرأة من المسلمين استحيضت، فسألت النبي ﷺ، أو سئل عنها، فقال:\nإنما هو عرق، تترك الصلاة قدر حيضتها، ثم تجمع الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للصبح غسلًا.\nوذكره أبو داود معلقًا، قال على إثر حديث (٢٩٥): ورواه ابن عيينة، عن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: إن امرأة استحيضت، فسألت النبي ﷺ، فأمرها بمعناه. اهـ\nورواه محمد بن إسحاق عن عبدالرحمن بن القاسم به، ووافق شعبة في جعله من مسند عائشة إلا أنه انفرد به بأمرين:\nالأول: أنه ﷺ أمرها في ابتداء الأمر بالغسل لكل صلاة، فلما جهدها أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر في غسل واحد ... إلخ الحديث. ولم يذكر هذا شعبة والثوري وابن عيينة.\nالثاني: أنه جعل المرأة سهلة بنت سهيل، بينما الثوري جعلها زينب بنت جحش.\nأخرجها أحمد (٦/ ١٣٩) والدارمي (٧٧٦)، أخبرنا يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا، وسمى المستحاضة سهيلة بنت سهل.\nقال الدرامي: الناس يقولون سهلة بنت سهيل، وقال يزيد بن هارون: سهيلة بنت سهل.\nورواه أحمد (٦/ ١١٩) وأبو داود (٢٩٥) والبيهقي (١/ ٣٥١، ٣٥٢) من طريق محمد -يعني: ابن سلمة-.\nوالدارمي (٧٨٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٠١) من طريق أحمد بن خالد الوهبي،\nوالبيهقي (١/ ٣٥٢) من طريق عبدة بن سليمان، كلهم عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد، عن أبيه، عن عائشة به وسموا المستحاضة سهلة بنت سهيل، وأن رسول الله ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة، فلما شق ذلك عليها، أمرها أن تجمع الظهر والعصر بغسل واحد، وبين المغرب والعشاء بغسل واحد، وأن تغتسل للصبح.\nلهذا الاختلاف في المتن، مع ما فيه من اختلاف في الاسناد، فروي موصولًا، وروي مرسلًا، وتارة عن عائشة، وتارة عن زينب بن جحش، وتارة المستحاضة زينب، وتارة سهلة، أرى أن هذا اضطراب في الحديث يوجب رده. =","vol":"9","page":341},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4331> دليل من قال: تغتسل في كل يوم غسلًا واحدًا:</span>\n(٢٠١٢ - ٤٧٢) استدلوا بما رواه الحاكم، من طريق أبي عاصم النبيل، ثنا عثمان ابن سعد القرشي، ثنا ابن أبي مليكة، قال:\nجاءت خالتي فاطمة بنت أبي جحش إلى عائشة فقالت: إني أخاف أن أقع في النار، إني أدع الصلاة السنة والسنتين لا أصلي فقالت انتظري حتى يجيء النبي ﷺ، فجاء، فقالت عائشة: هذه فاطمة تقول كذا وكذا، فقال لها النبي ﷺ: قولي لها فلتدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها، ثم لتغتسل في كل يوم غسلًا واحدًا، ثم الطهور عند كل صلاة، ولتتنظف، ولتحتش فإنما هو داء عرض، أو ركضة من الشيطان، أو عرق انقطع (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد، كما في فتح البر (٣/ ٥٠٩): «وأما الأحاديث المرفوعة في إيجاب الغسل لكل صلاة، وفي الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، والوضوء لكل صلاة على المستحاضة فكلها مضطربة، لا تجب بمثلها حجة».اهـ\n(^١) المستدرك (١/ ١٧٥).\n(^٢) الحديث مداره على عثمان بن سعد الكاتب، ضعفه النسائي، والقطان، وابن معين، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٤٢١)، الجرح والتعديل (٦/ ١٥٣). وكما في رواية الدورقي عنه. الكامل (٥/ ١٦٨).\nوقال أبو زرعة: لين. الجرح والتعديل (٦/ ١٥٣).\nوقال أبو حاتم: شيخ. المرجع السابق.\nوفي التقريب: ضعيف.\nوحديث عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش في الصحيحين، وليس فيه الاغتسال لكل يوم.\nوقد اختلف على عثمان بن سعد في إسناده وفي صفة الاغتسال.\nفرواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد كما في سنن الدارقطني (١/ ٢١٧)، ومستدرك الحاكم (١/ ١٧٥ - ١٧٦)، وسنن البيهقي (١/ ٣٥٤).\nومحمد بن بكر البرساني كما في سنن الدارقطني (١/ ٢١٦)، وسنن البيهقي (١/ ٣٥٥)، =","vol":"9","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4332>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠١٣ - ٤٧٣) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، عن عبدالله بن نمير، عن محمد بن أبي إسماعيل -وهو محمد بن راشد- عن معقل الخثعمي،\nعن علي قال: المستحاضة إذا انقضى حيضها اغتسلت كل يوم واتخذت صوفة فيها سمن وزيت (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nوالذي جاء عن علي إما الاغتسال لكل صلاة، وإما الاغتسال لكل صلاتين\n_________\n= وأبو الأشعث أحمد بن المقدام، كما في سنن البيهقي (١/ ٣٥٥) ثلاثتهم عن عثمان بن سعد، عن ابن أبي مليكة، أن فاطمة بنت حبيش جاءت إلى عائشة، فقالت ... وذكر الحديث. ومع الاتفاق بين أبي عاصم ومحمد بن بكر في إسناده إلا أن أبا عاصم ذكر الاغتسال في اليوم مرة، وذكر محمد ابن بكر الاغتسال مرة واحدة بعد انتهاء أيام أقرائها.\nورواه إسرائيل، كما في مسند أحمد (٦/ ٤٦٤).\nوأبو عبيدة الحداد كما في سنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٥٤) كلاهما عن عثمان بن سعد، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن فاطمة بنت أبي حبيش بدلًا من قوله: أن فاطمة ولفظه: قالت: أتيت عائشة ... وفيه قال رسول الله ﷺ: مري فاطمة بنت أبي حبيش فلتمسك كل شهر عدد أيام أقرائها، ثم تغتسل وتحتشي، وتستثفر وتنظف، ثم تطهر عند كل صلاة وتصلي، وهذا صريح بأنها تغتسل غسلًا واحدًا عند انتهاء أيام أقرائها، ثم الوضوء عند كل صلاة.\nومع الاتفاق بين إسرائيل وبين أبي عبيدة الحداد في إسناده إلا أنهما اختلفا في لفظه، فلفظ إسرائيل لم يطلب منها تكرار الغسل كل يوم مرة.\nولفظ أبي عبيدة الحداد ذكر فيه الغسل غسلة واحدة، ثم الطهر عند كل صلاة.\n(^١) سنن أبي داود (٣٠٢).\n(^٢) فيه معقل الخثعمي، لم يرو عنه إلا محمد بن أبي إسماعيل،\nوذكره ابن حبان في الثقات. ثقات ابن حبان (٥/ ٤٣٢).\nوذكره البخاري، ولم يذكر فيه شيئًا. التاريخ الكبير (٧/ ٣٩٣).\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٨/ ٢٨٥).\nولا أعلم أن أحدًا وثقه غير ابن حبان، ولذا قال الذهبي: لا يعرف. الميزان (٤/الترجمة ٨٦٦٦).\nوفي التقريب: مجهول.","vol":"9","page":343},{"text":"مجموعتين، والاغتسال لصلاة الصبح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4333> دليل من قال: تغتسل من الظهر إلى الظهر:</span>\n(٢٠١٤ - ٤٧٤) روى الدارمي في سننه، قال: أخبرنا مروان عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان يقول: المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر (^١).\n[حسن].\nوقال أبو داود في السنن: وروى عن ابن عمر وأنس بن مالك: «تغتسل من ظهر إلى ظهر» (^٢)، وكذا قال ابن عبدالبر في التمهيد (^٣)، والاستذكار (^٤)، ولم أقف على أثر أنس مسندًا (^٥).\nوأما التابعون فقد جاء ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن.\n(٢٠١٥ - ٤٧٥) فقد رواه مالك في الموطأ، عن سمي مولى أبي بكر، أن القعقاع وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله كيف تغتسل المستحاضة؟ فقال: تغتسل من ظهر إلى ظهر، وتتوضأ لكل صلاة، فإن غلبها الدم استثفرت بثوب (^٦).\n[صحيح] (^٧).\n_________\n(^١) سنن الدارمي (٨١٥).\n(^٢) سنن أبي داود، ذكره بعد حديث (٣٠١).\n(^٣) فتح البر (٣/ ٥٠٤).\n(^٤) الاستذكار (٣/ ٢٣٣).\n(^٥) بحثت عنه في الكتب التالية في مصنف عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، وفي شرح معاني الآثار للطحاوي، وفي سنن البيهقي، وفي الأوسط لابن المنذر، وفي التمهيد لابن عبدالبر، وفي الاستذكار له.\n(^٦) الموطأ (١/ ٦٣).\n(^٧) ورواه من طريق مالك أبو داود (٣٠١).\nورواه عبدالرزاق (١١٦٩) عن الثوري، عن سمي به، وزاد: ويجامعها زوجها. =","vol":"9","page":344},{"text":"(٢٠١٦ - ٤٧٦) وكذلك روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، قال: تغتسل من صلاة الظهر إلى مثلها من الغد.\n[وسنده صحيح] (^١).\n• أدلة الجمهور على أن المستحاضة تغتسل غسلًا واحدًا عند إدبار الحيض:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4334>الدليل الأول:</span>\n(٢٠١٧ - ٤٧٧) ما رواه مسلم من طريق عراك، عن عروة،\n_________\n= ورواه ابن أبي شيبة (١/ ١١٩) ١٣٥٨ حدثنا وكيع، عن سفيان به.\nورواه أيضًا (١/ ١١٩) ١٣٥٧: حدثنا وكيع، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد ابن المسيب.\nوفي المطبوع في الموطأ «من طهر إلى طهر» بالطاء وهو خطأ.\nوفي الاستذكار (٣/ ٢٣٢): «كان مالك يقول: ما أرى الذي حدثني به من ظهر إلى ظهر إلا أنه قد وهم.\nوقال أبو داود: قال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب من ظهر إلى ظهر قال فيه: «إنما هو من طهر إلى طهر، ولكن الوهم دخل فيه، فقلبها الناس، فقالوا: من ظهر إلى ظهر».\nورواه مسور بن عبدالملك بن سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، قال فيه: (من طهر إلى طهر) فقلبها الناس: (من ظهر إلى ظهر)».\nوقال الخطابي في معالم السنن: «ما أحسن ما قال مالك، وما أشبهه بما ظنه من ذلك؛ لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى مثلها من الغد ولا أعلمه قولًا لأحد من الفقهاء وإنما هو من طهر إلى طهر وهو وقت انقطاع دم الحيض».\nورواه ابن عبدالبر في الاستذكار (٣/ ٢٣٢) فقال: «ليس ذلك بوهم؛ لأنه صحيح عن سعيد معروف عنه، من مذهبه في المستحاضة، تغتسل كل يوم مرة، من ظهر إلى ظهر».اهـ\nقلت: كلام مالك محتمل، خاصة أنه جاء عن سعيد بن المسيب في المستحاضة ما يوافق قول الجمهور، فقد روى ابن أبي شيبة (١/ ١١٩) حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن القعقاع ابن حكيم، قال: سألت سعيد بن المسيب عن المستحاضة، فقال:\nما أحد أعلم بهذا مني إذا أقبلت الحيضة فلتدع الصلاة، وإذا أدبرت فلتغتسل، ولتغسل عنها الدم، ولتتوضأ لكل صلاة. وسنده صحيح.\n(^١) المصنف (١/ ١٢٠) رقم ١٣٦٩.","vol":"9","page":345},{"text":"عن عائشة، أنها قالت: إن أم حبيبة، سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4335>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠١٨ - ٤٧٨) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن هشام، عن أبيه،\nعن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش، كانت تستحاض، فسألت النبي ﷺ فقال: ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4336>الدليل الثالث:</span>\nالمستحاضة تارة يحكم لها بأنها حائض، فلا تصلي ولا تصوم، وتارة يحكم لها بالطهارة، فتجب عليها الصلاة والصوم، فإذا حكم عليها بالحيض، فإذا أدبرت حيضتها وجب عليها الغسل كما يجب على كل حائض.\nوأما الأدلة على وجوب الوضوء لكل صلاة فقد تعرضت له بالبحث في فصل مستقل فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.\nوهذا القول هو الراجح، وأنه لا يجب على المستحاضة إلا غسل واحد عند إدبار حيضها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٦٥ - ٣٣٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٢٠)، وقد سبق تخريج حديث عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت\nأبي حبيش، وتكلمت عن ألفاظه، ومن رواها، انظر (ح ١٥١٦).","vol":"9","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4337>الفصل السابع\nفي وطء المستحاضة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل دم لا يمنع من الصلاة والصيام والاعتكاصف لا يمنع من الجماع على الصحيح.\n• بين الشارع أحكام المستحاضة، وسكت عن جماعها، وما سكت الشارع عنه فهو عفو، بل هو على أصل الإباحة.\n[م-٧٩٣] يحرم وطء المستحاضة أثناء نزول الدم الذي تعتبره حياضًا، لأنها حائض حقيقة وحكمًا، وقد بينا في أدلة سابقة تحريم وطء الحائض.\nأما وطء المستحاضة في أثناء نزول الدم المحكوم عليها بأنه دم استحاضة، فقد اختلف العلماء فيه:","vol":"9","page":347},{"text":"فقيل: يجوز وطؤها، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عن أحمد (^٤)، واختيار ابن حزم (^٥).\nوقيل: يحرم، إلا مع خوف العنت من الزوج أو الزوجة، وهو المشهور من مذهب أحمد (^٦).\nوقيل: يكره، وهو رواية عن أحمد (^٧).\nوقيل: إن تيقنت استحاضتها بتميزها من حيضها جاز وطؤها فيه وإن اختلط دم حيضها، بدم استحاضتها، فلم تميز لم توطأ. وهو مذهب إسحاق ابن راهوية (^٨)، وهو مذهب الشافعية في المرأة المتحيرة (^٩).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٧٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٩٨)، مراقي الفلاح (ص: ٦٠)، البناية (١/ ٦٦٤، ٦٦٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٧).\n(^٢) المدونة (١/ ٥٠)، الشرح الصغير (١/ ٢١٠)، الخرشي (١/ ٢٠٦)، الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٨٦)، أسهل المدارك (١/ ٧٨).\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ١٣٧)، وقال في المجموع (٢/ ٥٦١): «يجوز وطء المستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر، ولا كراهة في ذلك، وإن كان الدم جاريًا، هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، ولها قراءة القرآن، وإذا توضأت استباحت مس المصحف وحمله وسجود التلاوة والشكر، وعليها الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات التي على الطاهر، ولا خلاف في شيء من هذا عندنا، وجامع القول في المستحاضة أنه لا يثبت لها شيء من أحكام الحيض بلاخلاف، ونقل ابن جرير الإجماع على أنها تقرأ القرآن، وأن عليها جميع الفرائض التي على الطاهر».اهـ\nقلت: هذا الحكم في غير المستحاضة المتحيرة، وأما المستحاضة المتحيرة فلها حكم سيأتي إن شاء الله تعالى.\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٨٢)، الفروع (١/ ٢٨١).\n(^٥) المحلى (١/ ٢١٨).\n(^٦) الإنصاف (١/ ٣٨٢)، الفروع (١/ ٢٨١)، المبدع (١/ ٢٩٢، ٢٩٣)، المغني (١/ ٤٢٠)، كشاف القناع (١/ ٢١٧).\n(^٧) الفروع (١/ ٢٨١)، المبدع (١/ ٢٩٣).\n(^٨) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٨٢، ١٨٣).\n(^٩) قال النووي في المتحيرة (٢/ ٤٦١): «قال أصحابنا: يحرم على زوجها وسيدها وطؤها في كل\nحال، وكل وقت؛ لاحتمال الحيض في كل وقت، والتفريع على قول الاحتياط، وحكى صاحب الحاوي وغيره: وجهًا أنه يحل له؛ لأنه يستحق الاستمتاع، ولا نحرمه بالشك، ولأن في منعها دائمًا مشقة عظيمة، والمذهب التحريم، وبه قطع الأصحاب في الطرق كلها، ونقل المتولي وغيره اتفاقهم عليه».","vol":"9","page":348},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4338> أدلة الجمهور على جواز وطء المستحاضة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4339>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].\nفالآية دليل على أنه لايجب اعتزال النساء فيما سواه، والاستحاضة غير الحيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4340>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠١٩ - ٤٧٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن خالد، ثنا معلى بن منصور، عن علي بن مسهر، عن الشيباني،\nعن عكرمة قال: كانت أم حبيبة تستحاض، فكان زوجها يغشاها.\nقال أبو داود: قال يحيى بن معين: معلى ثقة، وكان أحمد بن حنبل لا يروى عنه؛ لأنه كان ينظر في الرأي (^١).\n[رجاله ثقات إلا أن عكرمة لم يسمعه من أم حبيبة] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٠٩).\n(^٢) الشيباني: هو أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان.\nوقد أخرجه البيهقي (١/ ٣٢٩) من طريق أبي داود، قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (١/ ١٩٥): «وفي سماع عكرمة من أم حبيبة وحمنة نظر، وليس فيه مايدل على سماعه منهما».والله أعلم. اهـ\nوقال ابن المديني: «لا أعلمه سمع من أحد من أزواج النبي ﷺ شيئًا». جامع التحصيل (٥٣٢).\nوقال الحافظ في الفتح (١/ ٥٦٥) في كتاب الحيض، باب: إذا رأت المستحاضة الطهر، قال: عن عكرمة، قال: (كانت أم حبيبة تستحاض، وكان زوجها يغشاها) وهو حديث صحيح إن كان عكرمة سمع منها.","vol":"9","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4341>الدليل الثالث:</span>\n(٢٠٢٠ - ٤٨٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي، أخبرنا عبد الله ابن الجهم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن عكرمة،\nعن حمنة بنت جحش، أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها (^١).\n[لم يسمع عكرمة من حمنة] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣١٠).\n(^٢) ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في السنن (١/ ٣٢٩).\nوعاصم في الإسناد لم ينسب، فيحتمل أنه ابن بهدله، ويحتمل أنه الأحول؛ لأن عمرو بن\nأبي قيس يروي عنهما كليهما، كما أنهما يرويان عن عكرمة، وجزم الألباني بأنه ابن بهدلة في صحيح سنن أبي داود (٢/ ١١٧)، والأحول ثقة، وابن بهدلة حسن الحديث، فأيهما كان لم يضعف الحديث بسببه.\nوعبد الله بن الجهم: قال فيه أبو زرعة: رأيته، ولم أكتب عنه، وكان صدوقًا. الجرح والتعديل (٥/ ٢٧).\nوفي التقريب: صدوق فيه تشيع.\nوعمرو بن أبي قيس.\nقال الدوري، عن يحيى بن معين: ثقة. كما في تاريخه (٢/ ٤٥١).\nوقال أبو عبيد الآجري، عن أبي داود: في حديثه خطأ. وقال في موضع آخر: لابأس به. تهذيب الكمال (٢٢/ ٢٠٥).\nوقال الذهبي والحافظ في التقريب: صدوق له أوهام. الميزان (٣/ ٢٨٥).\nفالإسناد حسن إن ثبت سماع عكرمة من حمنة.\nأما المنذري، فقال: في مختصر سنن أبي داود (١/ ١٩٥): «وفي سماع عكرمة من أم حبيبة وحمنة نظر، وليس فيه ما يدل على سماعه منهما». والله أعلم.\nوأما المزي، والحافظ ففي تهذيبهما ذكرا من شيوخ عكرمة حمنة. وأما البخاري فنص في التاريخ الكبير (٧/ ٤٩) على سماعه من عائشة. ولم أجد أحدًا غير المنذري تكلم في سماعه من حمنة. فالله أعلم، فإن ثبت سماعه منها فالإسناد حسن، كما قدمنا.","vol":"9","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4342>الدليل الرابع:</span>\nأن أم حبيبة قد استحيضت، وكانت تحت عبدالرحمن بن عوف (^١)، وكذلك استحيضت حمنة (^٢)، وكانت تحت طلحة، وقد سألتا النبي ﷺ عن حكم الاستحاضة، فلم يذكر لهما تحريم الجماع، ولو كان حرامًا لبينه النبي ﷺ لهما (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4343>الدليل الخامس:</span>\n(٢٠٢١ - ٤٨١) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال: قال ابن عباس:\nتغتسل وتصلي، ولو ساعة، ويأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم (^٤).\n_________\n(^١) حديث استحاضة أم حبيبة في البخاري (٣٢٧) من حديث عائشة، أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسل، فقال: هذا عرق، فكانت تغتسل لكل صلاة. وفي رواية لمسلم (٦٤ - ٣٣٤) عن عائشة زوج النبي ﷺ أن أم حبيبة بنت جحش، ختنة رسول الله ﷺ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك، فقال رسول الله ﷺ: (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي).\n(^٢) حديث حمنة، سبق تخريجه في غسل المستحاضة.\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٨٠).\n(^٤) كتاب الحيض، باب: إذا رأت المستحاضة الطهر ولو ساعة.\nوقد أشار الحافظ في الفتح أن الأثر الذي ساقه البخاري مركب من أثرين: الأول قوله تغتسل وتصلي، ولو ساعة. قلت: وهذا الأثر سنده صحيح، وسبق أن خرجته في مسألة: الفرق بين دم الاستحاضة، ودم الحيض.\nقال الحافظ: قوله: (ويأتيها زوجها) هذا أثر آخر، عن ابن عباس أيضًا وصله عبد الرزاق، وغيره، من طريق عكرمة.\nقلت: قد أخرجه عبد الرزاق (١١٨٩) عن ابن المبارك، عن الأجلح، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا بأس أن يجامعها زوجها.\nوأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢١٦) من طريق عبدالرزاق. وهذا إسناد فيه لين؛ لأن الأجلح الأكثر على ضعفه لكن تابعه خصيف عند الدارمي،\nفأخرجه الدارمي (٨١٧) أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا عتاب -وهو ابن بشير الجزري- عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، في المستحاضة لم ير بأسًا أن يأتيها زوجها.","vol":"9","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4344>الدليل السادس:</span>\nمن النظر: قال ابن المنذر: غير جائز يشبه دم الحيض بدم الاستحاضة، وقد فرق النبي ﷺ بينهما، فقال في الحيض: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) وقال في الاستحاضة: (إنما ذلك عرق، وليس بالحيض) والمسوي بينهما بعد تفريق النبي ﷺ غير منصف في تشبيه أحدهما بالآخر، وقد أجمع أهل العلم على التفريق بينهما، قالوا: دم الحيض مانع من الصلاة، ودم الاستحاضة ليس كذلك، ودم الحيض يمنع الصيام، والمستحاضة تصوم وتصلي، وأحكامها أحكام الطاهرة، وإذا كان كذلك جاز وطؤها؛ لأن الصلاة والصوم لا يجبان إلا على الطاهر من الحيض. والله أعلم (^١).\nوقال ابن حزم في الرد على من أوجب الصلاة والصيام وحرم الوطء، قال: «هذا خطأ؛ لأنها - أي المستحاضة - إما حائض، وإما طاهر غير حائض، ولا سبيل إلى قسم ثالث في غير النفساء، فإن كانت حائضًا فلا تحل لها الصلاة، ولا الصوم، وإن كانت غير نفساء ولا حائض فوطء زوجها لها حلال، ما لم يكن أحدهما صائمًا، أو محرمًا، أو معتكفًا، أو كان مظاهرًا منها، فبطل هذا القول. وبالله تعالى التوفيق» (^٢).\nوممن قال بجواز وطء المستحاضة عكرمة (^٣)، وعطاء (^٤)، وسعيد بن جبير (^٥)،\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٢١٨).\n(^٢) المحلى (٢/ ٢١٨).\n(^٣) مصنف عبد الرزاق (١١٨٨)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٥٣٧) ١٦٩٥٩، وسند ابن أبي شيبة سند صحيح.\n(^٤) رواه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح (١١٩٤)، ورواه ابن أبي شيبة (١٦٩٦٢) من طريق أشعث عنه، وهو سند صالح في المتابعات، ورواه الدارمي (٨٢٤) من طريق خالد بن عبدالله، عن عطاء بن السائب، عن عطاء، وسنده حسن.\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١١٨٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٣٨) ١٦٩٦٥، والدارمي (٨١٨) بسند صحيح عنه.","vol":"9","page":352},{"text":"وسعيد بن المسيب (^١)، والحسن (^٢)، والزهري (^٣).\nوينبغي لمن قال بجواز وطء المستحاضة أن يقول بطهارة الدم؛ لأن الدم لو كان نجسًا لم يصح جماعها؛ إذ كيف يجامعها والنجاسة في القبل، وهل حرم وطء الحائض والدبر إلا من أجل النجاسة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4345> دليل من منع وطء المستحاضة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4346>الدليل الأول:</span>\nمن القرآن قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ حرم نكاح الحائض لوجود الأذى، ودم الاستحاضة أذى، ولهذا حرم الوطء في الدبر؛ لأنه محل الأذى (^٤). وكل دم هو أذى يجب غسله من الثوب والبدن، فلا فرق في المباشرة بين دم الحيض ودم الاستحاضة؛ لأنه كله رجس، وأما الصلاة فرخصة وردت بها السنة كما يصلي بسلس البول (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4347>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٢٢ - ٤٨٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن غيلان بن جامع، عن عبد الملك، عن الشعبي، عن قمير،\nعن عائشة، قالت: المستحاضة لا يأتيها زوجها.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١١٨٦) وابن أبي شيبة (٣/ ٥٣٨) ١٦٩٦٦ والدارمي (٨١٩) بسند صحيح.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١١٨٥، ١١٨٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٣٨) ١٦٩٦٦، والدارمي (٨٢٠) بسند صحيح.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٣٧) ١٦٩٦٣ بسند صحيح.\n(^٤) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٨٣).\n(^٥) جامع الأحكام الفقهية (١/ ٩٩).","vol":"9","page":353},{"text":"[اختلف فيه، فروي موقوفًا على عائشة، ورواه بعضهم موقوفًا على الشعبي] (^١).\nولو صح، فهو موقوف على عائشة، معارض بمثله من قول ابن عباس ﵁.\nوالقول بالمنع، هو قول ابن سيرين (^٢)، وإبراهيم النخعي (^٣)، والشعبي (^٤)،\n_________\n(^١) الأثر مداره على عبد الملك بن ميسرة، عن الشعبي، واختلف على عبد الملك.\nفرواه سفيان كما في مصنف بن أبي شيبة (١٦٩٦٠)، والعلل للإمام أحمد رواية عبد الله (٥٣٥١)، وسنن البيهقي (١/ ٣٢٩)، عن غيلان، عنه، عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة موقوفًا عليها.\nورواه شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة: واختلف على شعبة فيه.\nفرواه حجاج الأعور كما في سنن الدرامي (٨٣٠)، عن شعبة، وأسنده إلى عائشة كرواية سفيان، عن غيلان.\nورواه محمد بن جعفر (غندر) كما في العلل للإمام أحمد رواية عبد الله (٥٣٥١)، عن شعبة، فأوقفه على الشعبي، بلفظ: المستحاضة لا يغشاها زوجها.\nورواه معاذ بن معاذ كما في سنن البيهقي (١/ ٣٢٩)، عن شعبة، قال البيهقي: ففصل قول الشعبي، من قول عائشة، فرواه البيهقي، من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن الشعبي، عن قمير امرأة مسروق، عن عائشة، قالت: المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة، قال وقال الشعبي: لا تصوم، ولا يغشاها زوجها. قال البيهقي: فعاد الغشيان إلى قول الشعبي.\nأخرجه الإمام أحمد في العلل (٥٣٥١) لابنه عبد الله، قال: رواه وكيع، عن سفيان، عن غيلان به، كرواية ابن أبي شيبة.\nقال: ورأيته في كتاب الأشجعي، عن سفيان، عن غيلان.\nورواه غندر، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن الشعبي هذا الحديث، وقال الشعبي من رأيه: المستحاضة لا يغشاها زوجها. وقال حجاج، عن شعبة كما قال وكيع، عن سفيان، رفعه إلى عائشة - خالف حجاج غندرًا. قال أبي: بلغني، عن ابن مهدي، قال: وجدته في كتاب حسين بن عربي، كما قال حجاج، عن شعبة، وكما قال وكيع، عن سفيان. اهـ من العلل.\nورواه الدارمي (٨٣٠) أخبرنا الحكم بن المبارك، ثنا حجاج الأعور، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة، قالت: المستحاضة لا يأتيها زوجها».\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٣٧) بسند صحيح.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٩٣)، والدارمي (٨٢٩) بسند صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٣٧) ١٦٩٥٧ بسند صحيح.","vol":"9","page":354},{"text":"والحكم (^١)، وسليمان بن يسار (^٢)، وغيرهم.\nوالراجح من القولين هو القول الأول لقوة أدلته. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4348> دليل من قال بالكراهة:</span>\nربما استدل من قال بالكراهة؛ لأنه يرى جماع المستحاضة مباشرة للنجاسة، على القول بنجاسة دم الاستحاضة، وملابسة النجاسة عنده مكروهة.\nفإن كان هذا دليله، فأولًا: لا يسلم نجاسة دم الاستحاضة، والنجس من الدماء، الدم المسفوح، ودم الحيض، ودم الحيوان النجس، وهذا ليس منه، وليس هذا موضع تحرير نجاسة الدم، وليس الحكم للمر، فإذا خرج من القبل قيل نجس، وإذا خرج من سائر البدن قيل إنه طاهر؛ لأن الممر لا حكم له، يخرج منه المذي، وهو طاهر على الصحيح، ويخرج منه البول وهو نجس بالإجماع، وتخرج الريح من الدبر، وهي طاهرة، ويخرج الغائط، وهو نجس.\nثانيًا: على القول بالنجاسة، فأين الدليل على كراهة مباشرة النجاسة في غير الصلاة، فهذا الاستنجاء يباشر الإنسان النجاسة بيده، ولم يمنع من ذلك.\nثالثًا: على التسليم بالكراهة، فإن الجماع حاجة، ولا مكروه معها. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٣٧) ١٦٩٥٦ بسند صحيح.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١) بسند صحيح، بلفظ: سئل سليمان بن يسار: أيصيب المستحاضة زوجها؟ قال: إنما سمعنا بالرخصة في الصلاة.","vol":"9","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4349>الباب الثامن في أحكام النفاس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4350>التمهيد في تعريف النفاس</span>\nتعريف النفاس اصطلاحًا (^١):\nاختلفت تعريفات الفقهاء لاختلافهم في حكم الدم الخارج مع الولادة، أو قبلها متصلًا بها، فمن اعتبره نفاسًا أدخله في الحد، ومن لم يعتبره لم يدخله.\nتعريف الحنفية:\nقالوا: هو الدم الخارج عقب الولادة (^٢).\nوزاد ابن الهمام في فتح القدير: «من الفرج». ليخرج ما لو ولدت ولدها من بطنها، فإنها تكون عندهم صاحبة جرح سائل، لا نفساء» (^٣).\n_________\n(^١) النفاس لغة «مأخوذ من النَّفس، وهو الدم، ومنه قولهم: (لا نفس له سائلة): أي: لادم له يجري، وسمي الدم نفسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان، قوامها بالدم. والنفساء من هذا». انظر المصباح المنير (ص: ٣١٧).\nويقال: نُفِسَت، ونَفِست: كـ عُني، وسَمِع. نفسًا، ونفاسة، ونِفاسًا: أي ولدت، وأما الحيض فلا يقال فيه إلا نَفِست، قاله الأزهري، انظر تاج العروس (٩/ ١٨).\n(^٢) فتح القدير (١/ ١٨٦)، بدائع الصنائع (١/ ٤١)، المبسوط (٣/ ٢١٠).\n(^٣) فتح القدير (١/ ١٨٦).","vol":"9","page":356},{"text":"وهي كثيرة في عصرنا هذا، وتسمى ولادة قيصرية.\nوتعريف الحنفية صريح بأنه لا يعتبر الدم الخارج أثناء الولادة نفاسًا؛ لأنهم قصروه على الدم الخارج عقب الولادة.\nتعريف المالكية:\nعرفه خليل في مختصره: بأنه دم خرج للولادة.\nقال في الشرح الكبير: «النفاس دم صفرة أو كدرة خرج من القبل للولادة، معها أو بعدها لا قبلها على الأرجح» (^١).\nوقال في الشرح الصغير: «النفاس للولادة، معها أو بعدها، ولو بين توأمين» (^٢).\nثم قال: «أما ما خرج قبلها فالراجح أنه حيض».\nتعريف الشافعية:\nقال في مغني المحتاج: «النفاس: هو الدم الخارج بعد فراغ الرحم من الحمل».\nفخرج بما ذكر: «دم الطلق، والخارج مع الولد، فليسا بحيض؛ لأن ذلك من آثار الولادة، ولا نفاس لتقدمه على خروج الولد، بل ذلك دم فساد» (^٣).\nتعريف الحنابلة:\nقال في كشاف القناع: النفاس «دم ترخيه الرحم مع ولادة، وقبلها بيومين أو ثلاثة مع أمارة، وبعدها إلى تمام أربعين يومًا» (^٤).\nوقال ابن مفلح الصغير: «دم يرخيه الرحم للولادة، وبعدها إلى مدة معلومة» (^٥).\n_________\n(^١) الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٧٤).\n(^٢) الشرح الصغير (١/ ٢١٦).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ١٠٨).\n(^٤) كشاف القناع (١/ ١٠٨).\n(^٥) المبدع (١/ ٢٩٣).","vol":"9","page":357},{"text":"تعريف النفاس عند الأطباء:\nالأصل فيه تمزق جدار الرحم الوظيفي، ونزول الدم منه بعد أن تحول أثناء فترة الحمل إلى ما يسمى  Decidua،  وهو مماثل تمامًا لجدار الرحم في النصف الثاني من الحمل، ولكن بكثافة أكثر، وكذلك خروج أنسجة أخرى خصوصًا من مكان المشيمة - التي تقع أعلى الرحم - أثناء التئام ذلك المكان.\nوفي نفس الوقت يتكون جدار وظيفي جديد من جدار الرحم الأساسي ليحل مكان جداره السابق ذكره.\nومكونات دم النفاس هي خلايا جدار الرحم، وكرويات دم بيضاء، ومكونات الدم الأخرى، ويكون أحمر في الأيام الأولى من النفاس، ثم يبهت لونه تدريجيًا حتى يصبح سائلًا أبيض مائلًا للاصفرار في الأسبوع الثالث أو الرابع، ومكوناته كرويات الدم البيضاء على الأكثر.\nبعد هذا التمزق لجدار الرحم الوظيفي، ونزول الدم منه يستبدل جدار جديد به بعد أربعة أسابيع من الولادة غير أنه لا يكتمل رجوع جميع الأعضاء التناسلية إلى حجمها الطبيعي، ونزول العادة الشهرية -لدى المرأة غير المرضعة ورجوع الجسم إلى حالته- إلا بعد ستة أسابيع من نزول الولد في الغالب (^١).\nجاء في وقائع الندوة الثالثة للفقه الطبي، المنعقدة في الكويت «وقد عرف الأطباء النفاس: بأنه الفترة التي تعقب الولادة، وتحدث أثناءها بعض التغييرات لعودة الجهاز التناسلي إلى وضعه الطبيعي قبل الحمل.\nوسائل النفاس: هو عبارة عن الإفرازات التي تخرج من الرحم بعد الولادة، ويكون عبارة عن دم في أول أربعة أيام، ثم يفتح لونه، وتقل كمية الدم حتى يصبح\n_________\n(^١) نقله الدكتور عبد الله بن عبد المحسن الطريقي في كتابه أحكام مباشرة النساء (ص: ٧٧) نقلًا من كتاب  Current Obstetrics And Gynecology rd edition.","vol":"9","page":358},{"text":"عبارة عن مخاط، لا لون له بعد عشرة أيام» (^١).\nويقول بعض الأطباء: «يعرف دم النفاس وما يتبعه من إفرازات في الطب: بأنه الدم والإفرازات التي تخرج من الرحم بعد الولادة، وتستمر لمدة ثلاثة أو أربعة أسابيع. وقد تطول إلى ستة أسابيع (أربعين يومًا).\nوفي الأيام الثلاثة أو الأربعة يكون الدم قانيًا، وغليظًا ومحتويًا على جلطات (دم متجمد) ثم يخف تدريجيًا بعد ذلك، ثم يصير بني اللون، مختلطًا بمادة مخاطية .. وأخيرًا تظهر القصة البيضاء.\nويكون دم النفاس وإفرازاته قلوي التفاعل في الرحم، وليس له رائحة عفنة، وإذا حدثت عفونة فإن ذلك دليل على وجود التهابات ميكروبية بالرحم أو المهبل، وتحتاج إلى علاج سريع قبل تحولها إلى حمى النفاس الخطيرة.\nوقد تتوقف الإفرازات الدموية لفترة، ثم يعود الدم إلى الظهور، ويعتبر ذلك نتيجة لوجود بقايا ولو بسيطة من المشيمة في الرحم، أو أن الرحم انقلب إلى الخلف بدلًا من وضعه الطبيعي إلى الأمام» (^٢).\nفبناء على هذا التعريف الطبي يكون النفاس هو الدم النازل بعد فراغ الرحم من الولد، فعند فراغ الرحم ينهدم الجدار الوظيفي للرحم، فينزل على شكل دم في الأيام الأولى من النفاس، ثم يبهت لونه تدريجيًا حتى ينقطع. والله أعلم.\nوذكر الأطباء أيضًا: «أن رحم المرأة بعد الولادة ينزل إلى مستوى السرة بعد أن كان يملأ تجويف البطن .. من القص إلى العانة ... وقبيل الولادة كان الرحم (بدون محتوياته) يزن كيلو جرام، وبعد أسبوع فقط يكون وزنه نصف كيلو جرام، وبعد\n_________\n(^١) نقله يحيى بن عبد الرحمن الخطيب، في كتابه المرأة الحامل من نبيهة الجبار، بحث في أقل مدة الحيض والنفاس والحمل وأكثرها، وقائع الندوة الثالثة للفقه الطبي - الكويت ١٨/ ٤/١٩٨٧.\n(^٢) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٤٥٦).","vol":"9","page":359},{"text":"أسبوعين من الولادة يصبح وزنه ربع كيلو اجرام، ثم ينخفض تدريجيًا حتى يعود في نهاية فترة النفاس إلى وزنه الطبيعي وهو خمسين جرامًا فقط وتعود ثخانة جدار الرحم من خمسة سنتيمترات إلى أقل من سنتيمتر .. وأما الفراغ الذي كان بداخل الرحم حيث كان الجنين وأغشيته .. والذي كان يتسع لسبعة آلاف ميليلتر؛ فإنه يعود بعد انتهاء فترة النفاس إلى شق صغير لا يتسع لأكثر من ميليلترين فقط .... وتستمر التغيرات في جدار الرحم .... وفي غشائه الداخلي حتى يعود أدراجه إلى سالف عهده قبل الحمل» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٤٥٦).","vol":"9","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4351>الفصل الأول\nبأي شيء يثبت حكم النفاس</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• السقط إذا استبان خلقه كان بمنزلة الولد، وتكون المرأة فيه بمنزلة النفساء.\n• لا يحصل العلم بكون السقط ولدًا إلا إذا استبان خلقه، وقبله محتمل، والنفاس لا يثبت بالشك.\n• يجب استصحاب وجوب الصلاة والصيام على المرأة، ولا تسقط عنها بمجرد وضع مضغة، لا يدرى كنهها.\n[م-٧٩٤] إذا ألقت المرأة نطفة في طورها الأول، فهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم أنه لا يترتب على ذلك الإسقاط حكم من أحكام إسقاط الحمل (^١).\n[م-٧٩٥] وكذلك إذا أسقطت الجنين بعد أربعة أشهر فلا أعلم خلافًا أنها تكون نفساء (^٢).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٥/ ٣٢).\n(^٢) نفس المرجع السابق (٥/ ٣٥).","vol":"9","page":361},{"text":"[م-٧٩٦] واختلف العلماء في العلقة والمضغة.\nفقيل: يثبت حكم النفاس إذا استبان من السقط بعض خلقه كالإصبع، والشعر، والظفر، فهي نفساء. وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يثبت حكم النفاس بوضع ما يتبين فيه خلق الإنسان، فلو وضعت علقة، أو مضغة لا تخطيط فيها لم يثبت لها حكم النفاس، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: إذا ألقت علقة ثبت لها حكم النفساء، وهو مذهب المالكية (^٣).\nوقيل: إذا ألقت مضغة، أو علقة، وقال القوابل: إنه مبتدأ خلق آدمي، فالدم بعده نفاس، وهو مذهب الشافعية (^٤).\nوقيل: إذا وضعت مضغة مطلقًا ثبت حكم النفاس. وهي رواية في مذهب الإمام أحمد (^٥)\nوقيل: إذا وضعت لأربعة أشهر (^٦).\n• تعليل من قال: يثبت النفاس إذا تبين فيه خلق إنسان:\nقال تعالى: (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤] ولم يقل أن يضعن أولادهن.\nتعليل آخر:\nإذا سقط الحمل وهو علقة، أو مضغة لم تتخلق، يحتمل أن يكون دمًا متجمدًا،\n_________\n(^١) البناية - للعيني (١/ ٦٩٣)، فتح القدير (١/ ١٨٧).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢١٩)، المبدع (١/ ٢٩٤)، الفروع (١/ ٢٨٢).\n(^٣) الشرح الكبير (٢/ ٤٧٤) المطبوع بهامش حاشية الدسوقي. وانظر الشرح الصغير (٢/ ٦٧٢)، وقال: وعلامة أنه علقة أنه لو صب عليه ماء حار لا يذوب.\n(^٤) روضة الطالبين (١/ ١٧٤).\n(^٥) الفروع (١/ ٢٨٢).\n(^٦) قال في الفروع (١/ ٢٨٢): «ويتوجه أنها رواية مخرجة من العدة وغيرها».","vol":"9","page":362},{"text":"أو قطعة لحم ليس أصلها الإنسان، ومع الاحتمال لا يمكن أن تترك الصلاة والصيام.\nوسبب ثالث:\nأن كثيرًا من النساء لا ينتبهن إلى أنهن قد أجهضن إذا كان الحمل في دور العلقة أو المضغة، بخلاف ما إذا ألقت الجنين وقد تخلق. والله أعلم.\n• تعليل من قال: إذا وضعت علقة:\nقالوا: لما تحولت إلى علقة انقلب من حاله إلى أصل الإنسان، فيكون نفاسًا.\n• تعليل من قال: إذا وضعت مضغة:\nقالوا: إن المضغة هي بداية خلق الآدمي، فيكون نفاسًا (^١).\n• تعليل من قال: إذا وضعت لأربعة أشهر فهو نفاس وإلا فلا:\n(٢٠٢٣ - ٤٨٣) ربما استدلوا بما رواه البخاري من طريق الأعمش عن زيد بن وهب: قال عبد الله: حدثنا رسول الله -وهو الصادق المصدوق- قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة (^٢).\nوجه الإستدلال:\nأن الجنين لا ينفخ به الروح إلا بعد تمام أربعة أشهر، وقبل نفخ الروح لا يعتبر إنسانًا بدليل لو سقط لم يبعث. والله أعلم.\nوالراجح والله أعلم القول بأنها إذا وضعت ما فيه خلق إنسان فإنها تكون\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤٣١).\n(^٢) البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣).","vol":"9","page":363},{"text":"نفساء لقوة أدلته. والله أعلم.\nوإذا رجحنا أن السقط متى ما تبين فيه خلق إنسان فإن المرأة تكون نفساء، فالسؤال الذي يطرح نفسه:\nكم يحتاج الجنين من يوم ليبدأ في التخلق؟\nللجواب على هذا السؤال، وعلى غيره رأيت أن أفرد فصلًا مستقلًا عن السقط، وأحكامه في الفصل التالي. والله المستعان.\n* * *","vol":"9","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4352>الفصل الثاني\nفي أحكام السقط</span>\nتعريف الإسقاط اصطلاحًا (^١):\nتبين لنا من تعريف الإسقاط لغة أنه يطلق على إلقاء الحمل ناقصًا سواء كان النقص في المدة، أو كان النقص في الخلق. وتعريف الفقهاء لا يخرج عن هذا المعنى.\nعرف ابن عابدين الإجهاض في رسائله: «هو إنزال الجنين قبل أن يستكمل مدة الحمل» (^٢).\n_________\n(^١) جاء في المصباح المنير (ص: ١٤٦): «يقال: سقط الولد من بطن أمه سقوطًا، فهو سقط بالكسر. والتثليث لغة. ولا يقال: وقع، وأسقطت الحامل: ألقت سقطًا».\nوفي تاج العروس (١٠/ ٢٨٤): السقط مثلثة، والكسر أكثر.\nوفي معنى الإسقاط: الإجهاض.\nجاء في المصباح المنير (ص ١٤٦): «أجهضت المرأة ولدها إجهاضًا: أسقطته ناقص الخلق».\nملاحظة: الإطلاق اللغوي للإسقاط لا يفرق بين كون السقط سقط من تلقاء نفسه، أو كان السقط حدث بفعل فاعل من جناية أو دواء.\nوجاء في المعجم الوسيط: أن مجمع اللغة العربية أقر إطلاق كلمة إجهاض على خروج الجنين قبل الشهر الرابع، وكلمة إسقاط على إلقائه ما بين الشهر الرابع والسابع، وهذا التعريف اصطلاح حادث.\n(^٢) (٢/ ٤١١) وانظر البحر الرائق (٨/ ٣٨٩)، رد المحتار (٥/ ٢٧٦)، نهاية المحتاج (٨/ ٤٤٢)، مغني المحتاج (٤/ ١٠٣)، الفروع (٦/ ١٣).","vol":"9","page":365},{"text":"وللفقهاء ألفاظ مرادفة لمعنى الإسقاط والإجهاض، وهي تؤدي نفس المعنى منها: الإلقاء، الإملاص، الإنزال، الإخراج، الطرح.\n* * *","vol":"9","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4353>المبحث الأول في أسباب الإسقاط</span>\nالإسقاط تارة يكون تلقائيًا، ويكون سببه والله أعلم إما تشوهات في الجنين، أو يكون رحم المرأة يعاني من أمراض معينة، أو يعاني من اتساع في عنق الرحم، أو غيرها من الأسباب التي يعرفها أهل الاختصاص (^١).\nوتارة تكون أسبابه اجتماعية، كأن يقصد من الإسقاط التستر على الفاحشة (الزنا) أو الرغبة في تحديد النسل.\nوتارة تكون أسبابه صحية، كأن يكون الحامل على الإجهاض المحافظة على صحة الأم، أو إراحة الجنين بحيث لو ترك ينمو ولد مشوهًا تشويهًا غير محتمل.\nوسوف نتناول حكم الإجهاض إذا كان اختياريًا، ومتى تكون المرأة المسقطة نفساء، ومتى لا تكون. أما الإجهاض التلقائي فلا يلحق به تكليف؛ لأنه خارج عن إرادة المرأة.\n* * *\n_________\n(^١) انظر مسألة تحديد النسل. د محمد البوطي (ص: ٦٧).\nالطبيب أدبه وفقهه. د. محمد البار.\nالإجهاض من منظور إسلامي، د عبد الفتاح محمد إدريس. مجلة الحكمة. العدد التاسع (ص: ١١٩ - ١٢٣).","vol":"9","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4354>المبحث الثاني في الحكم التكليفي للإجهاض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4355>الفرع الأول في الإجهاض بعد نفخ الروح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• قال ابن تيمية: إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين، وهو من الوأد، الذي قال الله فيه: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) [التكوير: ٨، ٩].\n• وجوب الدية في قتل الجنين دليل على تحريم إسقاطه.\n[م-٧٩٧] ذهب الحنفية (^١) والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، إلى تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4356> الأدلة على تحريم الإسقاط بعد نفخ الروح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4357>الدليل الأول:</span>\nالإجماع. فقد حكى الإجماع غير واحد.\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (٢/ ١٦٦)، حاشية ابن عابدين (٣/ ١٧٦)، البحر الرائق (٨/ ٢٣٣).\n(^٢) حاشية الدسوقي (٢/ ٢٦٧)، أسهل المدارك (١/ ٤٠٥)، حاشية العدوي، مطبوع مع الخرشي (٣/ ٢٢٥)، منح الجليل (٣/ ٣٦٠).\n(^٣) نهاية المحتاج - الرملي (٨/ ٤٤٢)، إحياء علوم الدين (٢/ ٥١)، حاشية الجمل (٥/ ٤٩٠).\n(^٤) الفروع (١/ ٢٨١)، الإنصاف (١/ ٣٨٦)، كشاف القناع (١/ ٢٢٠).","vol":"9","page":368},{"text":"جاء في الشرح الكبير: «لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل الأربعين يومًا، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعًا» (^١).\nوقال ابن جزي: «وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له، وأشد من ذلك إذا تخلق، وأشد من ذلك إذا نفخ فيه الروح؛ فإنه قتل نفس إجماعا» (^٢).\nونقله صاحب أسهل المدارك، وأقره (^٣).\nوقال ابن تيمية: إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين، وهو من الوأد، الذي قال الله فيه: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) [التكوير: ٨، ٩].\nوقد قال الله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاقٍ) [الإسراء: ٣١] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4358>الدليل الثاني:</span>\nوجوب الدية في قتله دليل على تحريم إسقاطه؛ إذ لو كان جائزًا لما وجبت به عقوبة.\n(٢٠٢٤ - ٤٨٤) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن ابن المسيب،\nعن أبي هريرة، أنه قال: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى لها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها (^٥).\nوقد ذهب ابن حزم إلى وجوب القود، فيمن تعمد قتل الجنين بعد نفخ الروح، فقال ﵀: «فإن قال قائل: فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها، وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين، فقتلته، أو تعمد أجنبي قتله في بطنها، فقتله، فمن قولنا:\n_________\n(^١) الشرح الكبير المطبوع مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٦٦، ٢٦٧).\n(^٢) القوانين الفقهية (ص: ٢٣٥).\n(^٣) أسهل المدارك (١/ ٤٠٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٤/ ١٦٠).\n(^٥) صحيح البخاري (٦٧٤٠)، ومسلم (٣٥ - ١٦٨١).","vol":"9","page":369},{"text":"إن القود واجب في ذلك، ولا بد، ولا غرة في ذلك حينئذ إلا أن يعفى عنه، فتجب الغرة فقط؛ لأنها دية، ولا كفارة في ذلك؛ لأنه عمد، وإنما وجب القود؛ لأنه قاتل نفس مؤمنة عمدًا، فهو نفس بنفس، وأهله مخيرون: إما القود، وإما الدية، أو المفادات كما حكم رسول الله ﷺ فيمن قتل مؤمنًا، وبالله تعالى التوفيق» (^١).\nوشرط الفقهاء في وجوب القود أن ينفصل حيًا، ثم يموت.\nقال الحافظ: «وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتًا بسبب الجناية، فلو انفصل حيًا، ثم مات، وجب فيه القود أو الدية كاملة» (^٢).\nوليس هذا موضع تحرير هذه المسألة، والذي يهمنا وجوب العقوبة على من أسقط الجنين، وهو ظاهر في تحريم الإسقاط. والله أعلم.\nبقي سؤال: متى نحكم بأن الجنين قد نفخت فيه الروح؟\nذهب الفقهاء إلى أن نفخ الروح يكون بعد أن يتم للحمل أربعة أشهر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4359> الدليل على أن نفخ الروح يكون بعد تمام أربعة أشهر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4360>الدليل الأول:</span>\nالإجماع، فقد نقل الإجماع غير واحد على أن مرحلة نفخ الروح بعد تمام الحمل أربعة أشهر.\nقال القرطبي: «لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس» (^٣).\nوقال النووي: «اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر» (^٤).\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ٢١٢٤).\n(^٢) الفتح (١٢/ ٣١١) ح ٦٩٠٨.\n(^٣) الجامع لأحكام القرطبي (١٢/ ٨).\n(^٤) صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ١٩١).","vol":"9","page":370},{"text":"وقال ابن حجر: «اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4361>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٢٥ - ٤٨٥) روى البخاري من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب،\nقال عبد الله: حدثنا رسول الله -وهو الصادق المصدوق- قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة (^٢).\nفقوله ﷺ: (ثم ينفخ فيه الروح) جعل هذا بعد أطوار النطفة، والعلقة، والمضغة، وقد كان لكل طور أربعون يومًا، فمجموع ذلك مائة وعشرون يومًا.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٥٨٨) ح ٦٥٩٤\n(^٢) البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣).","vol":"9","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4362>الفرع الثاني في الإجهاض قبل نفخ الروح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إلقاء النطفة إذا كان خلوًا من المصلحة كان منافيًا لمقصود الشارع في تكثير النسل.\n• العزل منع للحياة قبل انعقادها؛ لهذا جاز، بخلاف الإجهاض، فهو تعد عليها بعد انعقادها.\n• لا يخلق الجنين من ماء الرجل وحده؛ لهذا جاز العزل، بخلاف النطفة، والتي اجتمع فيها ماء الرجل بماء المرأة، فأصبحت مهيأة للتخلق ووجود الولد.\n[م-٧٩٨] اختلف في هذه المسألة على أقوال:\nفقيل يحرم الإسقاط مطلقًا، ولو كان نطفة.\nذهب إلى هذا بعض الحنفية (^١)، وهو المعتمد عند المالكية (^٢)، وقول الغزالي، وابن\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٣/ ١٧٦).\n(^٢) حاشية الدسوقي (٢/ ٢٦٧)، أسهل المدارك (١/ ٤٠٥)، حاشية العدوي، مطبوع مع الخرشي (٣/ ٢٢٥)، منح الجليل (٣/ ٣٦٠).\nوجاء في الشرح الكبير (٢/ ٢٦٧): «لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل الأربعين يومًا» قال الدسوقي تعليقًا عليه (٢/ ٢٦٧): «وهو المعتمد».\nوقال ابن جزي في القوانين الفقهية (ص ٢٣٥): «وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له».","vol":"9","page":372},{"text":"العماد من الشافعية (^١)، واختيار ابن الجوزي من الحنابلة (^٢).\nوقيل: يجوز التسبب لإسقاط الجنين مطلقًا، ما لم يتخلق، والمراد بالتخلق عندهم نفخ الروح، وهو الراجح عند الحنفية (^٣).\nفهذان قولان متقابلان: التحريم مطلقًا، والإباحة مطلقًا ما لم ينفخ فيه الروح.\nوبقي في المسألة أقوال: منها:\nيباح الإسقاط ما دام نطفة مطلقًا لعذر أو لغير عذر، أما العلقة والمضغة فلا يجوز إسقاطها. انفرد به اللخمي من المالكية (^٤)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) قال الغزالي في إحياء علوم الدين (٢/ ٥١): «وليس هذا - يقصد العزل - كالإجهاض والوأد؛ لأن ذلك جناية على موجود حاصل، وله أيضًا مراتب، وأول الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح، واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفحشًا، ومنتهى التفحش في الجناية بعد الانفصال حيًا».\nجاء في تحفة المحتاج (٨/ ٢٤١): «اختلفوا في التسبب لإسقاط ما لم يصل لحد نفخ الروح فيه، وهو مائة وعشرون يومًا، والذي يتجه وفاقًا لابن العماد وغيره الحرمة».\n(^٢) أحكام النساء - ابن الجوزي (ص: ٣٧٤).\n(^٣) يقول ابن عابدين في حاشيته المشهورة (٣/ ١٧٦): «قال في النهر: بقي هل يباح الإسقاط بعد الحمل؟ نعم يباح، ما لم يتخلق منه شيء، ولن يكون ذلك إلا بعد مضي مائة وعشرين يومًا. علق ابن عابدين: «وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح، وإلا فهو غلط؛ لأن التخلق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة». وهذا مذكور بحروفه في فتح القدير (٣/ ٤٠١).\nوجاء في تبيين الحقائق (٢/ ١٦٦): «المرأة يسعها أن تعالج لإسقاط الحبل ما لم يستبن شيء من خلقه، وذلك ما لم يتم له مائة وعشرون يومًا». وانظر البناية (٤/ ٧٥٩)، الاختيار لتعليل المختار (٥/ ١٦٨).\n(^٤) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني (٣/ ٢٦٤).\n(^٥) الفروع (١/ ٢٨١)، الإنصاف (١/ ٣٨٦)، كشاف القناع (١/ ٢٢٠).","vol":"9","page":373},{"text":"وقيل: يباح إلقاء النطفة إذا كان لعذر، أما من غير عذر فلا يجوز، اختاره بعض الحنفية (^١).\nوقيل: يجوز التسبب لإسقاط النطفة والعلقة دون المضغة. حكاه الكرابيسي عن أبي بكر الفراتي من الشافعية (^٢).\nوقيل: يكره إلقاء النطفة، اختاره علي بن موسى من الحنفية (^٣)، وهو رأي عند بعض المالكية فيما قبل الأربعين يومًا (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4363> أدلة القائلين بتحريم إسقاط النطفة:</span>\nقالوا: النطفة بعد الاستقراء آيلة إلى التخلق، مهيأة لنفخ الروح فلا يجوز إسقاطها، وهي أول مراحل الوجود؛ إذ الولد لا يخلق من مني الرجل وحده، بل من الزوجين جميعًا، فإذا امتزج ماء الرجل بماء المرأة، واستقر في الرحم فإن النطفة حينئذٍ تكون مهيأة للتخلق ووجود الولد.\n_________\n(^١) جاء في حاشية ابن عابدين (٣/ ١٧٦): «وفي كراهة الخانية: ولا أقول بالحل؛ إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه؛ لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤخذ بالجزاء فلا أقل من أن يلحقها إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر».اهـ قال ابن وهبان: ومن الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر، ويخاف هلاكه، ثم قال: قال ابن وهبان: فإباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر، أو أنها لا تأثم إثم القتل. اهـ من حاشية ابن عابدين.\nوإسقاط الجنين إذا انقطع اللبن قول ضعيف جدًّا، لأن الرزاق هو الله ﷾، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) وإذا هلك لقلة اللبن لم يكن من كسبها، ولا تأثم بذلك.\n(^٢) جاء في نهاية المحتاج - الرملي (٨/ ٤٤٢): «قال الزركشي: وفي تعاليق بعض الفضلاء، قال الكرابيسي: سألت أبا بكر بن أبي سعيد الفراتي عن رجل سقى جارية شرابًا لتسقط ولدها؟ فقال: ما دامت نطفة أو علقة فواسع له ذلك إن شاء الله تعالى».اهـ\n(^٣) قال في حاشية ابن عابدين (٣/ ١٧٦): «لو أرادت الإلقاء قبل مضي زمن ينفخ فيه الروح، هل يباح لها ذلك أم لا؟ اختلفوا فيه، وكان الفقيه علي بن موسى يقول: إنه يكره؛ فإن الماء بعدما وقع في الرحم مآله إلى الحياة، فيكون له حكم الحياة كما في بيضة الحرم، ونحوه في الظهيرية. اهـ وربما قصد بالكراهة كراهة التحريم، فيرجع القول إلى القول بالتحريم، وهو غير بعيد. والله أعلم».\n(^٤) حاشية الدسوقي (٢/ ٢٦٦، ٢٦٧).","vol":"9","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4364>الدليل الثاني:</span>\nحرم الله تعالى قتل الصيد حال الإحرام، قال تعالى: (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ) الآية [المائدة: ٩٥].\nوجاء في السنة تحريم أكل بيض الصيد؛ لأنه أصل الصيد، فكذلك لا يجوز إلقاء النطفة؛ لأنها أصل الإنسان.\nوالحديث الذي فيه تحريم أكل بيض الصيد قد جاء في المسند:\n(٢٠٢٦ - ٤٨٦) قال أحمد: حدثني أبي ثنا هاشم بن سليمان يعنى بن المغيرة عن على بن زيد ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي قال:\nكان أبي الحارث على أمر من أمر مكة في زمن عثمان، فأقبل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى مكة، فقال عبد الله بن الحارث، فاستقبلت عثمان بالنزل بقديد، فاصطاد أهل الماء حجلا، فطبخناه بماء وملح، فجعلناه عراقا للثريد، فقدمناه إلى عثمان وأصحابه، فامسكوا، فقال عثمان: صيد لم أصطده ولم نأمر بصيده اصطاده قوم حل فأطعموناه، فما بأس؟ فقال عثمان: من يقول في هذا؟ فقالوا: على. فبعث إلى علي رضي الله تعالى عنه، فجاء. قال عبد الله بن الحارث: فكأني أنظر إلى علي حين جاء، وهو يحت الخبط عن كفيه، فقال له عثمان: صيدًا لم نصطده، ولم نأمر بصيده اصطاده قوم حل، فأطعموناه فما بأس؟ قال: فغضب على، وقال: أنشد الله رجلا شهد رسول الله ﷺ حين أتي بقائمة حمار وحش فقال رسول الله ﷺ: إنا قوم حرم فأطعموا أهل الحل. قال: فشهد اثنا عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ، ثم قال على: أشهد الله رجلا شهد رسول الله ﷺ حين أتي ببيض النعام فقال رسول الله ﷺ: إنا قوم حرم أطعموه أهل الحل، قال: فشهد دونهم من العدة من الاثني عشر. قال: فثنى عثمان وركه عن الطعام، فدخل رحله وأكل ذلك الطعام أهل الماء.","vol":"9","page":375},{"text":"[حسن إلا أن زيادة بيض النعام تفرد بها ابن جدعان، وهي زيادة منكرة] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4365>الدليل الثالث:</span>\nأول الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية.\nووجهه قال: ماء المرأة ركن في الانعقاد، فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول، فمن أوجب، ثم رجع قبل القبول - يعني العزل - لم يكن جانيًا على العقد بالنقض والفسخ، ومهما اجتمع الإيجاب والقبول - يعني ماء الرجل والمرأة - كان الرجوع بعده رفعًا، وفسخًا وقطعًا، وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد، فكذا بعد الخروج من الإحليل، ما لم يمتزج بماء المرأة أو دمها، فهذا هو القياس الجلي (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4366> دليل من أباح إسقاط النطفة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4367>الدليل الأول:</span>\nالقياس على جواز العزل، فإذا كان العزل جائزًا، وهو إلقاء الماء خارج الفرج، فكذلك إنزال المني بعد وجوده في الرحم؛ إذ لا فرق، فإخراج النطفة من رحم المرأة لا\n_________\n(^١) الحديث أخرجه أحمد كما سبق (١/ ١٠٠)، والبزار (٩١٤) من طريق سليمان بن المغيرة،\nوأخرجه أبو يعلى (٣٥٦) من طريق حماد بن زيد،\nوأخرجه أحمد (١/ ١٠٠)، وأبو يعلى في مسنده (٤٣٢) من طريق همام بن يحيى.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٠٤)، والطحاوي (٢/ ١٦٨) من طريق حماد بن سلمة، ثلاثتهم عن زيد ابن علي بن جدعان.\nوأخرجه أبو داود (١٨٤٩)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ١٩٤) من طريق إسحاق بن عبد الله بن الحارث، كلاهما (ابن جدعان وإسحاق) روياه عن عبد الله بن الحارث، عن عثمان، عن علي.\nواقتصر إسحاق بن عبد الله بن الحارث على قصة حمار الوحش، ولم يذكر بيض النعام، وإسناد إسحاق إسناد حسن. وزاد زيد بن علي بن جدعان ذكر بيض النعام، وهو رجل ضعيف، فتكون زيادته منكرة.\n(^٢) بتصرف يسير جدًّا إحياء علوم الدين (٢/ ٥١).","vol":"9","page":376},{"text":"يثبت لها حكم السقط أو الوأد؛ لأنه لا يصدق عليها ذلك، فلا حرمة في إخراجها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4368>الدليل الثاني:</span>\nالمني حال نزوله جماد محض، لا يتهيأ للحياة بوجه، بخلافه بعد استقراره في الرحم، وأخذه في مبادئ التخلق. وبداية التخلق كما أرشد إليها حديث حذيفة الغفاري يكون بعد اثنتين وأربعين ليلة (^٢).\n(٢٠٢٦ - ٤٨٦) فقد روى مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه،\nأنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ: يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص (^٣).\nفهذا الحديث نص أن المني قبل الأربعين لا يكون قد تهيأ للحياة، وإنما هو نطفة، هو والعزل سواء، بخلاف بعد الأربعين فقد بدأ بالتخلق، وهو مرحلة كونه علقة. والله أعلم.\n_________\n(^١) نهاية المحتاج (٨/ ٤٤٢).\n(^٢) تحفة المحتاج (٨/ ٢٤١)، حاشية الجمل (٤/ ٤٤٧)، الإجهاض من منظور إسلامي\n(^٣) مسلم (٢٦٤٥).","vol":"9","page":377},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4369> دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل التخلق:</span>\nقالوا: إذا لم يتخلق بظهور الأعضاء الدالة على كونه آدميًا، فلا يثبت له حكم الآدمي من وجوب صيانته وحرمة الاعتداء عليه، وعليه فلا إثم في إسقاطه (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4370> دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح:</span>\nقال ابن عقيل: «ما لم تحله الروح يجوز إسقاطه؛ لأنه ليس وأدًا؛ لأن الوأد لا يكون إلا بعد التارات السبع (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ) إلى قوله (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. قال ابن مفلح: وهذا منه فقه عظيم، وتدقيق حسن، حيث سمع (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) [التكوير: ١٩]، وهذا لما حلته الروح؛ لأن ما لم تحله الروح لا يبعث، فيؤخذ منه أنه لا يحرم إسقاطه، وله وجه» (^٢).\n• الراجح جواز إلقاء النطفة بشروط:\nأولًا: ألا يكون في ذلك ضرر على الأم، لا حالًا، ولا مالًا.\nثانيًا: أن يكون ذلك برضا الزوج؛ لأن له حقًا في طلب الولد.\nثالثًا: أن يكون في ذلك تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة. وإن قَلَّت؛ لأن إلقاء النطفة إذا كان خلوًا من المصلحة كان منافيًا لمقصود الشارع من تكثير النسل.\nرابعًا: ألا يكون الحامل على ذلك سوء ظن بالله، وذلك خوفًا من العالة والفقر.\nثم اطلعت على مراحل تكوين الجنين من جهة الطب، فرأيت أن تحريم إلقاء النطفة أقرب من الإباحة، وأن النطفة لا تستوي هي والعزل من كل وجه.\nيذكر الأطباء أن ماء الرجل يحتوي على عدة مئات من الملايين من الحيوانات المنوية (^٣)، ويجب عليهم أن يعبروا المهبل، ومختنق عنق الرحم، وبعد ذلك يتوجهوا إلى\n_________\n(^١) رد المحتار (٥/ ٢٧٦).\n(^٢) الفروع (١/ ٢٨١).\n(^٣) يقول الدكتور محمد علي البار في كتابه (خلق الإنسان بين الطب والقرآن) (ص: ١٥٩): «في كل دفقة مني ما بين مائتين إلى ثلاثمائة مليون حيوان منوي».","vol":"9","page":378},{"text":"قناة فالوب، وهي مسافة تبلغ (١٥ - ١٨) سم، ثم يستعدوا لاقتحام غشاء البويضة، ثم النزول إلى الرحم لتعلق في جداره، وتأخذ في النمو. وإليك رحلة الحيوان المنوي:\nومن المعلوم أن كل ألف حركة يبذلها ذيل الحيوان المنوي يقطع خلالها الحيوان المنوي مسافة قدرها سنتيمترًا واحدًا، وفي حالة عدم وجود عوائق فإنه يستطيع قطع مسافة (١٠) سم في نصف ساعة، ومن يستهين بهذه المسافة فليعلم أنها تفوق طول الحيوان المنوي أربعة آلاف ضعف (^١).\nوتسير تلك الحيوانات المنوية باحثة عن البويضة (نطفة المرأة) لا تدري أين هي، عن يمين أو يسار، فتخترق مجموعة منها القناة الرحمية، وتسير مجموعة منها عبر القناة الرحمية اليسرى، تدعى أيضًا قناة فالوب، فيهلك من يهلك، ويشاء الله ﷾ بقدرته أن يقترب من البويضة مئات الحيوانات المنوية، بينما تحتوي الدفقة الواحدة من المني مئات الملايين تهلك معظمها قبل الوصول إلى البويضة، ويختار الله ﷾ بحكمته واحدًا من مئات الحيوانات، فيصل سالمًا إلى البويضة، فتفتح له البويضة كوة في جدارها، حتى يلج، فإذا ما دخل أغلق الثقب حالًا، ولن يسمح لحيوان منوي آخر بالدخول في البويضة، وإذا ما دخل الحيوان المنوي هشت له نواتها، كما أن نواة الحيوان المنوي المتجمعة في رأسه تفعل الشيء ذاته.\nورأس الحيوان المنوي لا يزيد عن خمسة ميكرونات (والميكرون: واحد على المليون من المتر، ويحتوي هذا الرأس على أسرار الوراثة كاملة ينقلها من الأب إلى الابن أو البنت على هيئة ٢٣ جسيمًا ملونًا (كروموسومًا).\nوتحتوي البويضة على ٢٣ جسيمًا ملونًا مثلما يحتوي الحيوان المنوي على نفس العدد، فإذا اجتمعا معًا صارت البويضة الملقحة تحتوي على ٤٦ جسيمًا ملونًا، مثل بقية الخلايا، فيكون كل من الحيوان المنوي والبويضة خلية كاملة من ناحية عدد الكروموسومات، وعند تكون النطفة الأمشاج يكتمل عدد الكروموسومات\n_________\n(^١) انظر الآيات العجاب في رحلة الإنجاب (ص: ٥٤).","vol":"9","page":379},{"text":"الحاملة للصفات الوراثية من الأب والأم، وعبر هذه الكروموسومات تنتقل الصفات الوراثية، وحالما يتم التخصيب، وتتكون النطفة الأمشاج من الحيوان المنوي والبويضة يخلق الله ﷾ جدارًا سميكًا مصمتًا لا يمكن لأي حيوان منوي آخر اختراقه، ومنذ تلك اللحظة تبدأ العمل الجاد، وتبدأ بالانشطار: الخلية تصبح خليتان، الخليتان أربع، وهكذا دواليك حتى تتكون مئات الخلايا على هيئة ثمرة التوت، وعندئذ تسمى التوتة  MORULLA  كبرت الكرة قليلًا، صار ما بداخلها مجوفًا، وبه سائل رقيق .. وعندئذ تدعى بالتكور الجرثومي أو البلاستولا  BLASTULA  وفي هذه الأثناء لا تكف البويضة الملقحة أو النطفة الأمشاج عن الحركة بواسطة شعيرات قناة الرحم، وتقلصات جداره، وإن كانت حركة بطيئة فهي تنتقل من الثلث الوحشي لقناة الرحم (قناة فالوب) حيث يتم التلقيح وتتجه عبر القناة الرحمية حيث تقترب من الرحم، وفي خلال خمسة أيام أو أسبوع على الأكثر تكون قد وصلت إلى الرحم، وتنظر أين تتوسد وتنغرز.\nوتوجهها عناية الله بها إلى أن خير مكان لها هو النصف العلوي من الرحم، وخاصة جداره الخلفي، وهناك تنشب، وتَعْلَق في جدار الرحم الذي قد أعد لاستقبالها بفرش الطنف والوسائد .. وجعل جداره مليئًا بالأوعية الدموية حتى يغذيها وينميها ..\nوعندما تنغرز الكرة الجرثومية تكون قد تحولت من نطفة الأمشاج إلى علقة، وتبدأ عندئذ مرحلة جديدة في حياة الجنين .. وهي مرحلة العلقة (^١).\nكل هذه الأمور تحدث للنطفة في العشرة الأيام الأولى على أكثر تقدير، فكيف يقال: إن هذا والعزل سواء.\n* * *\n_________\n(^١) انظر بتصرف يسير خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ١٩٧)، الآيات العجاب في رحلة الإنجاب (ص: ٥٤).","vol":"9","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4371>الفرع الثالث في الإجهاض للضرورة بعد نفخ الروح</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إسقاط الجنين إبقاء لحياة أمه من باب دفع أعظم الضررين، بارتكاب أخفهما، وجلب أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما.\n[م-٧٩٩] إذا قرر طبيبان أو أكثر أن في بقاء الجنين خطرًا على حياة أمه، ولا سبيل إلى إنقاذهما معًا، فإما الجنين وموت أمه، وإما إنقاذ أمه بهلاكه، فما هو العمل حينئذٍ؟\nفقيل: لا يجوز، ولو كان في ذلك خطر على حياة الأم (^١).\nوقيل: يجوز ذلك بشرط أن يقرر جمع من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء\n_________\n(^١) وهو ظاهر إطلاق كلام الفقهاء المتقدم، في تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح.\nيقول صاحب البحر الرائق (٨/ ٢٣٣): «وفي النوادر امرأة حامل اعترض الولد في بطنها، ولا يمكن إلا بقطعه أرباعًا، ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت، فإن كان الولد ميتًا فلا بأس به، وإن كان حيًّا، فلا يجوز؛ لأن إحياء نفس بقتل أخرى لم يرد في الشرع».اهـ ووافقه\nابن عابدين في حاشيته. انظر (٢/ ٢٣٨)، وبهذا أفتى شيخنا محمد بن عثيمين كما في فتاوى نور على الدرب.","vol":"9","page":381},{"text":"الجنين في بطن أمه فيه خطر مؤكد على حياة الأم (^١).\n• أدلة القائلين: لا يجوز إسقاط الجنين:\nعللوا ذلك: بأنه لا يجوز إحياء نفس بقتل أخرى، حيث لم يرد في الشرع (^٢).\nولأننا إذا أسقطناه فقد تعمدنا قتل نفس مؤمنة، وإذا تركناه وماتت الأم لم يكن هذا من فعلنا، بل هو من تقدير الله ﷾.\nوقد يقدر الأطباء شيئًا، ويجزمون به، ولا يقع، وإذا كان كذلك، فلا يجوز دفع مفسدة متوقعة بارتكاب مفسدة محققة. وقد نسقط الجنين ولا تسلم الأم، فقد تعطب في نفاسها.\nقال ابن عابدين في حاشيته: «لو كان الجنين حيًا ويخشى على حياة الأم من بقائه؛ فإنه لا يجوز تقطيعه؛ لأن موت الأم به موهوم، فلا يجوز قتل الآدمي لأمر موهوم» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4372> دليل القائلين بجواز إسقاط الجنين إنقاذًا لآمه:</span>\nإن هذه المسألة قد تعارض فيها واجب ومحرم، كل واحد منهما على درجة واحدة من الأهمية، بحيث لو أننا قمنا بالواجب، وقعنا في المحرم، ولو اتقينا المحرم أهدرنا\n_________\n(^١) جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة: «إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا، لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة، إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه، سواء كان مشوهًا، أو لا، دفعًا لأعظم الضررين». اهـ\nوجاء في قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٤٠)، تاريخ ٢٠/ ٦/١٤٠٧ هـ:\n«بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر للحمل، لا يحل إسقاطه إلا أن يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين أن بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته، وإنما رخص الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعًا لأعظم الضررين، وجلبًا لعظمى المصلحتين».اهـ\n(^٢) البحر الرائق (٨/ ٢٣٣).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (٢/ ٢٣٨).","vol":"9","page":382},{"text":"الواجب، ولا سبيل للقيام بالواجب، وفي نفس الوقت اتقاء المحرم.\nوإنما رخصنا الإقدام على إسقاط الجنين دفعًا لأعظم الضررين، وجلبًا لعظمى المصلحتين.\nيقول الشيخ السعدي ﵀ في تفسيره تعليقًا على آية قتل الخضر للغلام من أجل سلامة والديه: «ومنها القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنه يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويراعى أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما أعظم شرًّا منه» (^١).\nويقول ابن القيم: «إذا تترس الكفار بأسرى من المسلمين بعدد المقاتلة، فإنه لا يجوز رميهم إلا أن يخشى على جيش المسلمين، وتكون مصلحة حفظ الجيش أعظم من مصلحة حفظ الأسرى، فحينئذٍ يكون رمي الأسرى، ويكون من باب دفع المفسدتين باحتمال أدناهما، فلو انعكس الأمر، وكانت مصلحة الأسرى أعظم من رميهم لم يجز رميهم. فهذا الباب مبني على دفع أعظم المفسدتين بأدناهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، فإن فرض الشك، وتساوى الأمران لم يجز رمي الأسرى» (^٢).\nويقول العز بن عبد السلام: «وإذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير، للتنازع بين المتساويين، ولذلك أمثلة:\nأحدهما: إذا رأينا صائلًا يصول على نفسين من المسلمين متساويين، وعجز عن دفعه عنهما، فإنا نتخير.\nوالمثال الثاني: لو رأينا من يصول على بضعين متساويين، وعجزنا عن الدفع عنهما، فإنا نتخير (^٣).\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن (٥/ ٧٠، ٧١).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠٣).\n(^٣) قواعد الأحكام (١/ ٨٨).","vol":"9","page":383},{"text":"فإذا كان لنا شرعًا أن نرتكب أدنى المفسدتين دفعًا لأعظمهما، ونحصل أعظم المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن إنقاذ الأم أعظم مصلحة من إنقاذ الجنين للأسباب التالية:\nالأول: الأم هي أصل الجنين، متكون منها، فإنقاذها أولى.\nالثاني: أن الأم غالبًا ما يكون لها أطفال، ومن الممكن أن يتعرضوا لمتاعب كثيرة بعد وفاة أمهم، والأسرة كثيرًا ما تتمزق إذا فقدت أحد أعضائها البارزين، فكم من طفل تشرد، وساءت تربيته بسبب فقدانه لأمه، وأهمية الأم في الأسرة عظيمة؛ إذ إنها أصل المجتمع، بخلاف الجنين فلا تعلق به لأحد.\nثالثًا: حياة الأم قطعية، وحياة الجنين محتملة، والظني أو الاحتمالي لا يعارض القطعي المعلوم، فإنقاذ الأم أولى.\nرابعًا: الأم أقل خطرًا، وتعرضًا للهلاك من الجنين في مثل هذه الظروف، مما يجعل إنقاذها أكثر نجاحًا من إنقاذ جنينها، لذا تعطى الأولوية في الإنقاذ ففي إحصائية لمستشفى الولادة والاطفال بالرياض في عام ١٤٠٠ هـ، بلغ عدد الوفيات للنساء سبع وفيات، بينما بلغت وفيات الأطفال ٨٦٥ حالة (^١)، كل ذلك يؤكد أهمية إنقاذ الأم دون الجنين عند تساوي الأمر في إنقاذهما (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) صحيفة الرياض عدد ٤٤٣١ في ٢٦/ ٢/١٤٠٠ صفحة المجتمع.\n(^٢) نقلت أدلة هذا القول ببعض التصرف من كتاب تنظيم النسل (ص: ٢٢٨).","vol":"9","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4373>المبحث الثالث في وقت تخلق الجنين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• تخلق الجنين منها ما هو خفي دل عليه حديث حذيفة ويكون بعد الأربعين، ومنه ما هو ظاهر دل عليه حديث ابن مسعود، ويكون في طور المضغة، والله أعلم.\n[م-٨٠٠] متى يبدأ الجنين بالتخلق.\nورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله المراحل التي يمر بها الجنين.\nأما الكتاب، فقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: ١٢، ١٣، ١٤].\nوقال سبحانه: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ","vol":"9","page":385},{"text":"وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج: ٥].\nوقال سبحانه: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) [الزمر: ٦].\nفقوله سبحانه: خلقًا من بعد خلق إشارة إلى الأطوار التي يمر بها الجنين.\nوقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [غافر: ٦٧].\nوقال ﷾: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) [الإنسان: ٢].\nوقال: (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) [العلق: ٢].\n(أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى) [القيامة: ٣٧، ٣٨].\n(٢٠٢٧ - ٤٨٧) ومن السنة ما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب،\nقال عبد الله: حدثنا رسول الله -وهو الصادق المصدوق- قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة (^١).\n(٢٠٢٨ - ٤٨٨) وروى مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن\n_________\n(^١) البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣).","vol":"9","page":386},{"text":"أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه،\nأنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، فأتى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ: يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص (^١).\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٤٥). قال القاضي عياض وغيره: ليس هو على ظاهره، ولا يصح حمله على ظاهره، بل المراد بتصويرها ... . إلخ أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة اهـ. كما في الديباج على صحيح مسلم (٦/ ٨). يقصد حديث ابن مسعود إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا ... إلخ.\nوحجة القاضي عياض أن الحديث فيه: (ويكتب الملك)، إلا أن الكتابة التي احتج بها القاضي عياض إنما هي للأمور المستقبلية كالأجل، والرزق، وأما التخليق فقد عبر عنه بصيغة الماضي، بعث الله إليها ملكًا، فصورها، وخلق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظمها ...\nوقد اطلعت على كتاب يصور مراحل الجنين، وكان يكبر العلقة، والمضغة عشرات المرات فكان يظهر فيها تخطيط، وحدود للجمجة والأعضاء إلا أنه لا يتبين أنه خلق آدمي، وإنما هو خلق بدائي، فربما التخلق الذي في حديث حذيفة هو التخلق الخفي الذي لا يظهر بالعين المجردة وإنما عن طريق التكبير عشرات المرات، والمقصود في حديث ابن مسعود هو التخلق الجلي الذي يظهر لكل الناس. والله أعلم. ثم وجدت من كلام أهل العلم ما يؤيد هذا، قال ابن القيم كما في فتح الباري: قوله «ثم تكون علقة مثل ذلك» فإن العلقة وإن كانت قطعة دم لكنها في هذه الأربعين الثانية تنتقل عن صورة المني، ويظهر التخطيط فيها ظهورًا خفيًا على التدريج، ثم يتصلب في الأربعين يومًا بتزايد ذلك التخلق شيئًا فشيئًا حتى يصير مضغة مخلقة ويظهر للحس ظهورًا لا خفاء به، وعند تمام الأربعين الثالثة والطعن في الأربعين الرابعة ينفخ فيه الروح.","vol":"9","page":387},{"text":"وسوف يكون كلامنا في تناول هذه الآيات، والحديثين.\nفقد ذكر الله ﷾ أطوار خلق الإنسان، فبين أن ابتداء خلقه من تراب، فالتراب هو الطور الأول.\nوالطور الثاني: هو النطفة.\nوالنطفة في اللغة: هو الماء القليل. ومنه قول الشاعر\nوما عليك إذا أخبرتني دنفًا ... وغاب بعلك يومًا أن تعوديني\nوتجعلي نطفة في القعب باردة ... وتغمسي فاك فيها ثم تسقيني\nفقوله: وتجعلي نطفة: أي ماء قليلًا في القعب، والمراد بالنطفة في هذه الآية الكريمة: نطفة المني المختلطة من ماء الرجل، وماء المرأة خلافًا لمن زعم أنها من ماء الرجل وحده.\nقال الزبيدي في تاج العروس: في التنزيل: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) قال الفراء: الأمشاج: هي الأخلاط: ماء الرجل، وماء المرأة، والدم والعلقة (^١).\nوقال ابن السكيت: الأمشاج: الأخلاط. يريد النطفة؛ لأنها ممتزجة من أنواع، ولذلك يولد الإنسان ذا طبائع مختلفة (^٢).\n_________\n(^١) ونقل البخاري هذا الكلام في صحيحه في تفسير سورة الإنسان (٨/ ٨٨٤) غير منسوب، وأوضح ابن حجر أن هذا الكلام للفراء. والله أعلم\n(^٢) تاج العروس (٣/ ٤٨٧). وذكر ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٥٤ - ٣٥٦): أربعة معان للنطفة الأمشاج، ورجح أن تكون الأمشاج بمعنى الأخلاط.\nقال ابن جرير الطبري في تفسيره\nوقوله: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا ذرية آدم من نطفة، يعني: من ماء الرجل وماء المرأة. والنطفة: كل ماء قليل في وعاء كان ذلك ركية أو قربة أو غير ذلك كما قال عبد الله بن رواحة:\n.................... ... هل أنت إلا نطفة في شنه\nوقوله (أمشاج) يعني أخلاط، واحدها: مشج، ومشيج، مثل خدن وخدين =","vol":"9","page":388},{"text":"وقال الشنقيطي: قوله تعالى: (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ) [النحل: ٤]، ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه خلق الإنسان من نطفة، وهي مني الرجل ومني المرأة؛ بدليل قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) [الإنسان: ٢]، أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة (^١).\n_________\n= ومنه قول رؤبة بن العجاج:\nيطرحن كل معجل نشاج ... لم يكس جلدا في دم أمشاج\nيقال منه: مشجت هذا بهذا إذا خلطته به، وهو ممشوج به ومشيج أي مخلوط به، كما قال أبو ذؤيب:\nكأن الريش والفوقين منه ... خلال النصل سيط به مشيج\nواختلف أهل التأويل في معنى الأمشاج الذي عنى بها في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، ونسب الطبري هذا القول إلى ابن عباس وعكرمة، والربيع، والحسن، ومجاهد.\nالقول الثاني: قال آخرون: إنما عنى بذلك إنا خلقنا الإنسان من نطفة ألوان ينتقل إليها، يكون نطفة، ثم يصير علقة، ثم مضغة ثم عظما ثم كسي لحما، ونسب هذا القول لابن عباس، وعكرمة.\nالقول الثالث: وقال آخرون عني بذلك اختلاف ألوان النطفة.\nونسب هذا القول لابن عباس، ومجاهد.\nالقول الرابع: قال آخرون بل هي العروق التي تكون في النطفة، ونسب هذا القول لابن مسعود، وزيد بن ثابت.\nقال الطبري: وأشبه هذه الأقوال بالصواب قول من قال معنى ذلك من نطفة أمشاج نطفة الرجل ونطفة المرأة لأن الله وصف النطفة بأنها أمشاج وهي إذا انتقلت فصارت علقة فقد استحالت عن معنى النطفة فكيف تكون نطفة أمشاجا، وهي علقة، وأما الذين قالوا: إن نطفة الرجل بيضاء، وحمراء، فإن المعروف من نطفة الرجل أنها سحراء على لون واحد وهي بيضاء تضرب إلى الحمرة وإذا كانت لونا واحدا لم تكن ألوانا مختلفة وأحسب أن الذين قالوا هي العروق التي في النطفة قصدوا هذا المعنى». وانظر هذه الأقوال أيضًا في تفسير أبي السعود (٩/ ٧٠)، وتفسير السيوطي (٨/ ٣٦٨)، وتفسير القرطبي (١٩/ ١٢٠)، وزاد المسير (٨/ ٤٢٨).\n(^١) أضواء البيان (٢/ ٣٣٠). ويقول د. محمد علي البار في كتابه: خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ١٨٥ - ١٩٢): «لم تكن البشرية تعرف شيئًا عن النطفة الأمشاج - يقصد عن طريق علومها التجريبية - (وهي الأخلاط من الذكر والأنثى) فقد كان الاعتقاد السائد لدى الفلاسفة، والأطباء أن الجنين الإنساني إنما يتكون من ماء الرجل، وإن رحم المرأة ليس إلا محضنًا لذلك الجنين، وشبهوا ذلك بالبذرة ترمى في الأرض فتأخذ منها غذاءها، وتخرج شجرة يافعة وارفة الظلال يانعة الثمار، وليس للمرأة دور في إيجاد الجنين سوى رعايته وتغذيته ..\nثم ذكر نظريات الناس حول إيجاد الجنين من وقت أرسطو إلى القرن التاسع عشر، وقال بعد عرضه لها:\nوهكذا يبدو بوضوح أن الإنسانية لم تعرف بواسطة علومها التجريبية أن الجنين الإنساني أو الحيواني يتكون من امتشاج واختلاط نطفة الذكر ونطفة الأنثى إلا في القرن التاسع عشر، ولم يتأكد لها ذلك إلا في القرن العشرين، والإعجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أنهما قد أكدا بما لا يدع مجالًا للشك أن الإنسان إنما خلق من نطفة مختلطة سماها النطفة الأمشاج (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: ٢].","vol":"9","page":389},{"text":"وقال صاحب الدر المنثور بعد ذكر بعض الروايات في تفسير الأمشاج بالأخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وأخرج الطستي عن ابن عباس: أن نافع ابن الأزرق (^١)، قال: أخبرني عن قوله: (مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) قال: أخلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في الرحم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول:\nكأن الريش والفوقين منه ... * * * ... خلال النصل خالطه مشيج\nونسب في اللسان هذا البيت لزهير بن حرام الهذلي، وأنشده هكذا:\nكأن النصل والفوقين منها * * * ... خلال الريش سيط به مشيج\nحتى قال: إذا عرفت معنى ذلك، فاعلم أنه تعالى بين أن ذلك الماء هو النطفة، منه ما هو خارج من الصلب: وهو ماء الرجل. ومنه ماهو خارج من الترائب، وهو\n_________\n(^١) نافع بن الأزرق الحروري، له ترجمة في لسان الميران (٦/ ١٤٤)، وقال: ذكره الجوزجاني في كتاب الضعفاء. وكان نافع من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب الطائفة الأزارقة، وكان قد خرج في أوائل دولة يزيد بن معاوية، وكان قتله في جمادى الآخرة، سنة خمس وستين، وكان يطلب العلم وله أسئلة عن ابن عباس، في جزء من روايته عن نافع المذكور، وأخرج الطبراني بعضها في مسند ابن عباس من المعجم الكبير.","vol":"9","page":390},{"text":"ماء المرأة (^١)،\nوذلك في قوله جل وعلا:\n(فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) [الطارق: ٥ - ٧]، لأن المراد بالصلب: صلب الرجل، وهو ظهره، والمراد: بالترائب: ترائب المرأة، وهي موضع القلادة منها (^٢).\n_________\n(^١) يقول د. محمد علي البار في كتابه: خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ١٢٠ - ١٢٢): الماء الذي يخرج من فرج المرأة لا علاقة له بتكوين الجنين؛ لأن الجنين إنما يتكون من الحيوان المنوي للرجل، وبويضة المرأة، ولكن العلم الحديث يكشف شيئًا مذهلًا: أن الحيوان المنوي يحمله ماء دافق: هو ماء المني.\nكذلك البويضة في المبيض تكون في حويصلة جراف، محاطة بالماء، فإذا انفجرت الحويصلة تدفق الماء على أقتاب البطن، وتلقفت أهداب البوق (قناة فالوب) البويضة لتدخلها إلى قناة الرحم، حيث تلتقي بالحيوان المنوي لتكون النطفة الأمشاج.\nمما تقدم، أن للمرأة نوعين من الماء:\nأولهما: ماء لزج، يسيل ولا يتدفق، وهو ماء المهبل، وليس له علاقة في تكوين الجنين سوى مساعدته في الإيلاج، وفي ترطيب المهبل، وتنظيفه من الجراثيم والميكروبات.\nوثانيهما: ماء يتدفق، وهو يخرج مرة واحدة في الشهر من حويصلة جراف بالمبيض عندما تقترب هذه الحويصلة المليئة بالماء الأصفر - وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان: أن ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر - من حافة المبيض، فتنفجر عند تمام نموها وكماله، فتندلق المياه على أقتاب البطن، ويتلقف البوق، البويضة، فيدفعها دفعًا رقيقًا حتى تلتقي بالحيوان المنوي الذي يلقحها في الثلث الوحشي من قناة الرحم.\nهذا الماء يحمل البويضة تمامًا كما يحمل ماء الرجل الحيوانات المنوية. كلاهما يتدفق، وكلاهما يخرج من بين الصلب والترائب: ماء دافق يحمل الحيوانات المنوية.\nوماء دافق من حويصلة إجراف بالمبيض يحمل البويضة. وصدق الله العظيم حيث يقول: (فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ).\n(^٢) اختلف في الترائب: هل المراد بها ترائب المرأة، أم المراد بها ترائب الرجل، والعلم الطبي يؤكد أن المراد بها ترائب الرجل والمرأة.\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ١٥٨): «ولا خلاف أن المراد بالصلب: صلب الرجل. واختلف في الترائب:\nفقيل: المراد بها ترائبه أيضًا. وهي عظام الصدر: ما بين الترقوة إلى الثندوة. =","vol":"9","page":391},{"text":"ومنه قول امرئ القيس:\nمهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل\nواستشهد ابن عباس لنافع الأزرق على أن الترائب موضع القلادة بقول المخبل أو ابن أبي ربيعة:\nوالزعفران على ترائبها ... شرقًا به اللبات والبحر\nفقوله هنا من بين الصلب والترائب يدل على أن الأمشاج هي الأخلاط المذكورة (^١).\n_________\n= وقيل: المراد بها ترائب المرأة. قال ابن القيم: والأول: أظهر؛ لأنه ﷾ قال (مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) ولم يقل: يخرج من الصلب والترائب، فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجًا من بين هذين الملتقين، كما قال في اللبن: (مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ). وذكر نحو هذا في التبيان في أقسام القرآن (ص: ١٠٢ - ١٠٣).\nوذكر القرطبي في تفسيره، والثعالبي في تفسيره (٤/ ٤٠٢): عن الحسن البصري بأنه يخرج من صلب الرجل وترائبه، وصلب المرأة وترائبها.\nيقول د. محمد البار: الخصية والمبيض إنما يتكونان من الحدبة التناسلية بين صلب الجنين وترائبه، والصلب: هو العمود الفقري. والترائب: هي الأضلاع. وتتكون الخصية والمبيض في هذه المنطقة بالضبط: أي بين الصلب والترائب، ثم تنزل الخصية تدريجيًا حتى تصل إلى كيس الصفن (خارج الجسم) في أواخر الشهر السابع من الحمل، وبينما ينزل المبيض إلى حوض المرأة، ولا ينزل أسفل من ذلك».\nثم يقول الدكتور وفقه الله: والآية الكريمة إعجاز علمي كامل حيث تقول: من بين الصلب والترائب، ولم تقل من الصلب والترائب، فكلمة (بين) ليست بلاغة فحسب، وإنما تعطي الدقة العلمية المتناهية، وقد أخطأ كثير من المفسرين القدامى حيث لم يهتموا بهذه اللفظة، وقالوا: إن المني يخرج من صلب الرجل، وماء المرأة يكون في ترائبها، وهذا خطأ علمي، وخطأ منهجي؛ حيث لم يعطوا الآية حقها فحذفوا كلمة (بين) ولذا وقعوا في الخطأ، والذي أوجب لهم هذا الخطأ أنهم رأوا أهل اللغة قالوا: الترائب: موضع القلادة من الصدر. قال الزجاج: أهل اللغة مجمعون على ذلك، وهذا لا يدل على اختصاص الترائب بالمرأة، بل يطلق على الرجل والمرأة. قال الجوهري: الترائب عظام الصدر، ما بين الترقوة إلى الثندوة ... إلخ كلامه وفقه الله. انظر كتابه الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ١١٣ - ١١٩).\n(^١) أضواء البيان (٣/ ٢١٣).","vol":"9","page":392},{"text":"أما رأي الطب: في النطفة الأمشاج:\nيذكر الأطباء أنه فور دخول الحيوان المنوي البويضة، يأخذ الحيوان المنوي طريقه إلى الطبقة الشفافة، فيفرز إنزيم الأكروزين (ACROSIN)  الذي يساعد على اختراق هذه الطبقة (١٥ - ٢٥) دقيقة، بعدها يخترق الغشاء البلازيمي للبويضة في دقيقة واحدة، وينطلق رأس الحيوان المنوي صوب نواة البويضة، وينتفخ رأس الحيوان المنوي، وتصبح المادة الوراثية لكل من الأب والأم واضحة في النواة بعد (٢ - ٤) ساعات من الاقتحام، ولا يمكن التمييز بينهما حينئذ. وتسمى هذه النطفة التي تنشأ عن اختلاط نواتي البويضة والحيوان المنوي بالأمشاج، وذلك لأن الأمشاج يعني: الاختلاط (^١).\nالطور الثالث: العلقة.\nوهي القطعة من العلق، وهو الدم الجامد. فقوله سبحانه: (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ أي قطعة دم جامدة (^٢).\nوقال الزبيدي: العلق: الدم عامة ما كان. أو هو الشديد الحمرة، أو الغليظ. أو الجامد قبل أن ييبس. قال تعالى: (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) [العلق: ٢]. وفي حديث سرية بني سليم: فإذا الطير ترميهم بالعلق. أي بقطع الدم.\nوفي التنزيل (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) [المؤمنون: ١٤]، وفي حديث ابن أبي أوفى:\n_________\n(^١) بتصرف، الإيات العجاب في رحلة الإنجاب (ص: ٨٤). وانظر بتوسع كتاب الإنسان هذا الكائن العجيب (١/ ١٠١)، ويذكر المؤلف أن البويضة قلما تعيش أكثر من ٣٦ ساعة بعد خروجها من المبيض، ونطفة الرجل تحتاج من ٧ - ٣٠ ساعة للوصول إلى البويضة لتلقيحها. وانظر روعة الخلق (ص: ٥٠).\n(^٢) انظر تفسير أبي السعود (٦/ ٩٣، ١٢٦)، وتفسير القرطبي (١٢/ ٦)، (٢٠/ ١١٩)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٢٤١)، وأضواء البيان (٥/ ٢١)، وانظر مختار الصحاح (ص: ١٨٩).","vol":"9","page":393},{"text":"(أنه بزق علقة، ثم مضى في صلاته) (^١).\n(٢٠٢٩ - ٤٨٩) وروى مسلم من طريق حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني،\nعن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره، فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون.\nقال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره (^٢).\nقال القرطبي: «فاستخرج منه علقة» أي قطعة دم. والعلقة: الدم.\n• رأي الطب في العلقة:\n«اتفق الأطباء على أن العلقة هي المرحلة التي تعلق فيها النطفة الأمشاج (التوتة) بجدار الرحم، وتنشب فيه» (^٣).\nفيكون على هذا تسميتها علقة لكونها عالقة بجدار الرحم، وهذا التفسير له وجه في اللغة، جاء في تاج العروس:\nالعلوق: ما يعلق بالإنسان.\nالعَلَق: كل ما عُلِّق.\nوأيضًا الطين الذي يعلق باليد.\nوالعلق: دويبة: وهي دويدة حمراء تكون في الماء تعلق في البدن\n_________\n(^١) تاج العروس (١٣/ ٣٤٤) وحديث سرية بني سليم، وابن أبي أوفى لم أقف عليهما مسندين، وقد ذكرهما ابن الأثير في النهاية (٣/ ٢٨٨). والله أعلم.\n(^٢) رواه مسلم (٢٦١ - ١٦٢).\n(^٣) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٢٠٤).","vol":"9","page":394},{"text":"فقوله: تعلق في البدن إشارة إلى المناسبة من تسميتها علقة.\nوعلقت الدابة: شربت الماء فعلقت بها العلقة. كما في الصحاح: أي لزمتها، وقيل: تعلقت بها.\nوعُلِقَ: نشب العلق في حلقه عند الشراب.\nالعلائق من الصيد: ما علق الحبل برجلها (^١).\nيقول الدكتور محمد البار: فلفظ العلقة يطلق على كل ما ينشب ويعلق .. وكذلك تفعل العلقة إذ تنشب في جدار الرحم، وتنغرز فيه .. وتكون العلقة محاطة بالدم من كل جهاتها، وإذا عرفنا أن حجم العلقة عند انغرازها لا يزيد على مليمتر أدركنا على الفور لماذا أصر المفسرون القدامى على أن العلقة هي الدم الغليظ ... فالعلقة لا تكاد ترى بالعين المجردة، وهي مع ذلك محاطة بالدم من كل جهاتها، فتفسير العلقة بالدم الغليظ ناتج عن الملاحظة بالعين المجردة (^٢)، ولم يبعد بذلك المفسرون القدامى عن الحقيقة كثيرًا، فالعالقة بجدار الرحم، والتي لا تكاد ترى بالعين المجردة محاطة بدم غليظ يراه كل ذي عينين.\nوينتهي الدكتور إلى أن العلقة تنشب في الرحم وتعلق فيه في اليوم السابع من التلقيح بعد أن تكون انقسمت الخلايا فيها، وصارت مثل الكرة تمامًا أو مثل ثمرة التوتة، وقد فصلت القول فيها فيما سبق (^٣).\n_________\n(^١) انظر تاج العروس (١٣/ ٣٤٤ - ٣٥٤)، مختار الصحاح (ص: ١٨٩).\n(^٢) لا يظهر لي أن تفسير العلماء ناتج عن الملاحظة بالعين المجردة، بل ناتج عن استعمال أحد معاني الكلمة، فالعلقة باللغة تطلق على الدم، وتطلق على مايعلق، فالمفسرون اختاروا أحد معاني الكلمة، ولم يطبق المفسرون على هذا التفسير، فقد ذكر ابن الجوزي في زاد المسير المسمى علم التفسير: وقيل: سميت علقة لرطوبتها، وتعلقها بما تمر به» وقد نقله الدكتور البار في كتابه فيما سبق.\n(^٣) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٢٠٥ - ٢٠٦).","vol":"9","page":395},{"text":"الطور الرابع: المضغة.\nاختلفوا في معنى المضغة:\nفقيل: هي القطعة الصغيرة من اللحم، على قدر ما يمضغه الآكل،\nومنه قوله ﷺ: ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله. الحديث (^١).\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) [الحج: ٥].\nقال ابن كثير: «إذا استقرت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يومًا كذلك، يضاف إليها ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يومًا، ثم تستحيل فتصير مضغة قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط، فيصور منها رأس، ويدان، وصدر وبطن، وفخذان، ورجلان، وسائر الأعضاء. فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) [الحج: ٥]، أي كما تشاهدونها، (لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) [الحج: ٥]، أي وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة، ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) قال: هو السقط مخلوق، وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يومًا وهي مضغة أرسل الله تعالى ملكًا فنفخ فيها الروح، وسواها كما يشاء الله ﷿ من حسن، وقبح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد كما ثبت في الصحيحين. وذكر حديث ابن مسعود السابق (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٢)، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقي الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب. رواه مسلم (١٥٩٩).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٥/ ٣٩٥).","vol":"9","page":396},{"text":"فنأخذ من هذا ما يلي:\nأولًا: أن النطفة حتى تكون مضغة تحتاج إلى ثمانين يومًا.\nوثانيًا: أن المضغة منها ما هو مخلق أي قد ظهر فيه تخطيط، وتصوير، ومنها ما هو غير مخلق. أي ليس فيه تصوير. فمعنى ذلك أن الأربعين الأولى وهي مرحلة النطفة، والأربعين الثانية، وهي مرحلة العلقة لا تخطيط فيها، إنما التخطيط في مرحلة المضغة، وهي من بعد الثمانين. ولذلك قال ﷾: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) [المؤمنون: ١٤] فجعل خلق العظام وكسوها باللحم يعقب المضغة، وعبر بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، أي ليس هناك تراخ طويل. وهو مقتضى حديث ابن مسعود في الصحيحين، حيث قال: (ثم يكون مضغة مثل ذلك): أربعين يومًا، ثم قال: (ثم ينفخ فيه الروح) وواضح أنه لا ينفخ فيه الروح إلا وقد أصبح بشرًا سويًا، كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) إذًا في الأربعين الثالثة هي مرحلة التخليق والتصوير الذي يسبق نفخ الروح، والله أعلم (^١)\nالقول الثاني: في معنى المخلقة.\nذهب بعض العلماء إلى أن قوله: (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) هي من صفة النطفة، قال: ومعنى ذلك: فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة مخلقة وغير مخلقة، فقالوا: فأما المخلقة فما كان من خلق سويٍ، وأما غير المخلقة فما دفعته الأرحام من النطف، وألقته قبل أن يكون خلقًا.\n(٢٠٣٠ - ٤٩٠) روى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة،\n_________\n(^١) وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٩) في معنى «مخلقة»: إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإن النطفة والعلقة والمضغة مخلقة؛ لأن الكل خلق الله تعالى، وإن رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) فذلك ما قال ابن زيد وقد ساق قوله قبل: وهو المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، وغير المخلقة التي لم يخلق فيها شيء».","vol":"9","page":397},{"text":"عن عبد الله، قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكًا، فقال: يا رب مخلقة، أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجتها الأرحام دمًا، وإن قال: مخلقة، قال: يا رب فما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟، ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ قال: فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.\n[رجاله ثقات، ومثله لا يقال بالرأي، إلا أنه مخالف لما في الصحيحين من حديث ابن مسعود المرفوع] (^١).\nالقول الثالث:\nومنها أن المخلقة: هي ما ولد حيًا. وغير المخلقة: هي ما كان من سقط: يعني سواء كان مخلقًا أو غير مخلق ..\nوممن روي عنه هذا القول ابن عباس ﵄، وقال صاحب الدر المنثور: أخرجه عنه ابن أبي حاتم، وصححه ونقله عنه القرطبي. وأنشد لذلك قول الشاعر.\nأفي غير المخلقة البكاء * * * فأين الحزم ويحك والحياء (^٢).\nالقول الرابع: معنى مخلقة: أي تامة، وغير مخلقة غير تامة.\nحكاه ابن جرير الطبري بإسناده من طريقين عن قتادة.\nقال الشنقيطي في تفسير معنى: تامة وغير تامة، قال والمراد بهذا القول عند قائله أن الله جل وعلا يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة سالم من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك. فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم، وطولهم، وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم. اهـ فيكون معنى غير مخلقة: ليس السقط،\n_________\n(^١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤٩٢٢)، وهذا الأثر على خلاف ما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود، وما جاء في حديث مسلم من حديث حذيفة بأن الله يأمر الملك أن يكتب، ولا يحيله إلى أم الكتاب. والله أعلم.\n(^٢) أضواء البيان (٥/ ٢١).","vol":"9","page":398},{"text":"ولكن معناه: أي غير سالم من العيوب: الخَلْقِية وغير الخلقية.\nوممن روي عنه هذا القول قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك (^١).\nالقول الخامس: في معنى مخلقة وغير مخلقة.\nمعنى ذلك المضغة مصورة إنسانًا، وغير مصورة، فإذا صورت فهي مخلقة، وإذا لم تصور فهي غير مخلقة: وهو السقط.\nذكر ذلك ابن جرير الطبري في تفسيره من ثلاثة طرق، عن مجاهد، وحكاه عن عامر الشعبي، وعن أبي العالية (^٢).\nوالفرق بينه وبين القول الأول: يتفقان أن كلا منهما كان سقطًا، إلا أن القول الأول حده بالنطفة إذا سقطت، وهذا لم يقيده، فهذا القول أعم منه. والله أعلم.\nرجح ابن جرير هذا القول، فقال: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: المخلقة: المصورة خلقًا تامًا، وغير المخلقة: السقط قبل تمام خلقه؛ لأن المخلقة وغير المخلقة من نعت المضغة، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقًا سويًا إلا التصوير، وذلك هو المراد من قوله: (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) [الحج: ٥]، خلقًا سويًا، وغير مخلقة بأن تلقيه الأم مضغة، ولا تصوير، ولا ينفخ فيها الروح (^٣).\nورد هذا الشنقيطي ﵀، فقال: «هذا القول الذي اختاره الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، لا يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك، وهي قوله جل وعلا في أول الآية: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ) ولأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى: ثم خلقناكم من مضغة مخلقة وخلقناكم\n_________\n(^١) أضواء البيان (٥/ ٢١).\n(^٢) تفسير الطبري (٩/ ١١٠، ١١١).\n(^٣) المرجع السابق.","vol":"9","page":399},{"text":"من مضغة غير مخلقة، وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة فيه من التناقض كما ترى فافهم.\nفإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة: السقط؛ لأن قوله: (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) [الحج: ٥] يفهم منه أن هناك قسمًا آخر لا يقره الله في الأرحام إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط، فالجواب: أنه لا يتعين فهم السقط من الآية؛ لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة، وقد يقره أكثر من ذلك كيف يشاء. أما السقط فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم) الآية لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتًا ولو بعد التشكيل والتخطيط لم يخلق الله منه إنسانًا واحدًا من المخاطبين بقوله: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ) الآية. فظاهر القرآن يقتضي أن كلًا من المخلقة وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين، بقوله: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ) الآية [الحج: ٥]، وبذلك تعلم أن أولى الأقوال بالآية هو القول الذي لا تناقض فيه؛ لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضًا، لا ليتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره، وهو أن المخلقة هي التامة وغير المخلقة هي غير التامة» (^١).\nولا يترجح لي ما رجحه الشيخ ﵀، فالذي يظهر لي أن المخلقة هي المصورة، التي ظهر فيها التخطيط، وغير المخلقة التي لا تخطيط فيها، وهي مرحلة يمر بها الجنين، ولا يلزم منه أن يكون سقطًا حتى نعترض على هذا التفسير بما ذكره الشنقيطي. فقد لا يسقط ويكون الله ﷾ خلقنا من المضغة قبل تخليقها، كما خلقنا من النطفة والعلقة التي لا تخليق فيها. والله أعلم.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٥/ ٢١).","vol":"9","page":400},{"text":"• رأي الطب في معنى مخلقة وغير مخلقة:\nمر معنا مرحلة النطفة الأمشاج، ثم العلقة: والتي فسرناها طبيًا: بما يعلق في جدار الرحم فيما بين اليوم السادس والسابع منذ التلقيح. وفي اليوم العشرين أو الحادي والعشرين تبدأ بالظهور كتلة بدنية على جانبي المحور، ثم يتولى ظهورها تباعًا فيما يعرف بالكتل البدنية وتتولى هذه الكتل بالظهور حتى ليبلغ عددها عند اكتمالها ٤٢ إلى ٤٥ كتلة على كل جانب من القمة إلى المؤخرة، ولا يكاد ظهورها يكتمل حتى تبدأ الكتل التي في القمة تتمايز بحيث لا تكون جميع الكتل في مستوى واحد.\nويتضح أمامنا أن المضغة  somites  أو الجنين ذا الكتل البدنية من اليوم العشرين أو الحادي والعشرين، وتستمر في الظهور إلى اليوم الثلاثين حيث يكون هناك ٢٨ كتلة بدنية على كل جانب، ولا تكاد تظهر كتل جديدة حتى تكون الكتل القديمة قد تمايزت إلى قطاع عظمي، وقطاع عضلي، وقطاع جلدي.\nوهكذا نرى الأسبوع الرابع (٢١ - ٣٠) مخصص لظهور الكتل البدنية، والأسبوع الخامس والسادس، لتحول الكتل البدنية إلى قطاع عظمي وعضلي، والأسبوع السادس والسابع: لتكسي العظام بالعضلات.\nفتكون مرحلة التخلق قد ظهرت عند تمام أربعين أو اثنين وأربعين يومًا، وهذا التقدير يتفق مع حديث حذيفة بن اليمان ﵁ في مسلم، وسوف نذكره إن شاء الله تعالى.\nيقول الدكتور البار: وقد كان المفسرون القدامى يصفون المضغة بأنها مقدار ما يمضغ من اللحم، وقد ذهبت إلى ذلك في الطبعة الأولى .. ولكني بعد إعادة النظر والمناقشة أرى الآن أن وصف المضغة ينطبق تمام الانطباق على مرحلة الكتل البدنية، إذ يبدو الجنين فيها وكأن أسنانًا انغرزت فيه ولاكته، ثم قذفته (^١).\n_________\n(^١) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٢٥٢) هذا وقد ذكر الدكتور البار تفسيرات أخرى في حاشيته (٢٠٨)، فقال في معنى مخلقة وغير مخلقة: =","vol":"9","page":401},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إن العلقة وهي تنغرز في جدار الرحم، وتنشب فيه في اليوم السابع من التلقيح تبدأ بالتمايز إلى طبقتين:\nخارجية: ووظيفتها قضم خلايا الرحم، والاتصال المباشر بالبرك الدموية الرحمية لامتصاص الغذاء منها.\nوداخلية: ووظيفتها تكوين الجنين وأغشيته.\nباختصار أن هناك طبقتين: مخلقة، وغير مخلقة، فالطبقة الخارجية غير مخلقة قطعًا، والداخلية مخلقة؛ لأنه يخلق منها الجنين، وأغشيته.\nقال البار: وهناك وجه قوي أشار إليه الدكتور عزيز عبد العليم رئيس قسم وأستاذ جراحة الأطفال في جامعة طنطا، قال: الآية مخلقة وغير مخلقة تتحدث عن خلايا غير متميزة  undiferrentiated cells  وهي خلايا عميمة وجميمة، ولها قدرة بأمر بارئها وخالقها على التشكل والتحول، وهي موجودة في الجنين في مرحلة المضغة وما بعدها، وتعرف بالخلايا الميزانيكيمية  mesenchymal cells  ومصدرها الطبقة المتوسطة (الميزودرم)، وهذه الخلايا تتحول إلى خلايا متميزة عند تكون العظام، أو خلايا الدم الحمراء، أو البيضاء أو عندما تلتئم الجروح والكسور، ولها دور هام في الجنين والطفل، بل وفي البالغ والكبير.\nهذه الخلايا غير المتميزة هي الخلايا غير المخلقة، وأما الخلايا المتميزة فهي مخلقة، وعلى ذلك فإن مخلقة وغير مخلقة هي صفة للمضغة، وما بعد المضغة حتى نهاية العمر. قال البار تعقيبًا: وهو وجه مستساغ، ودليله من علم الطب قائم، ولا يمنعه مفهوم الآية، بل يؤيده.\nيقول الدكتور ليزلي في كتابه  DEVEVOPMENTAL ANATOMY  الطبعة السابعة (ص: ٢٦): «وفي الجنين تتمايز الخلايا على حسب برامج زمنية مختلفة، فمنها ما يتمايز (يتخلق) بسرعة، ويسير في طريقه حثيثًا إلى نهايته المحددة المرسومة له (المقدرة) .. ومنها ما يسير ببطء في هذا التمايز .. ومنها ما يتوقف بعد المسير، ثم يواصل سير التمايز، وتبقى مجموعة من هذه الخلايا غير متمايزة إلى آخر العمر .. وتشكل بذلك الاحتياطي الذي يمكن أن يطلب في أي لحضة.\nوفي كتاب مع الطب في القرآن للدكاترة عبد الحميد دياب، وأحمد قرقوز: «فطور المضغة يمر إذًا بمرحلتين: .. المرحلة الأولى: حيث لم يتشكل أي عضو أو أي جهاز وأسميها مرحلة المضغة غير المخلقة.\nوالمرحلة الثانية: حيث تم فيها تمييز الأجهزة المختلفة، وأسميناها: مرحلة المضغة المخلقة. وهكذا يتضح جليًا إعجاز القرآن الكريم في وصفه لطور المضغة بقوله: (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)، وقد اعتبر المؤلفان أن مرحلة المضغة تبدأ من الأسبوع الثالث، وتكون في هذه المرحلة غير مميزة حتى نهاية الأسبوع الرابع .. ويبدأ التمايز في بداية الأسبوع الخامس، وهو ما يؤدي إلى ظهور الأعضاء، والأجهزة، وبذلك يكون قبل مرحلة التمايز  DIFFERENTIATION =","vol":"9","page":402},{"text":"هذا فيما يتعلق بالآيات، بقي أن نستعرض الأحاديث التي ذكرناها.\n(٢٠٣١ - ٤٩١) منها حديث ابن مسعود رواه البخاري من طريق الأعمش عن زيد بن وهب،\nقال عبد الله: حدثنا رسول الله -وهو الصادق المصدوق- قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة (^١).\nقال الحافظ في الفتح: «حديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، كل طور منها في أربعين، ثم بعد تكملتها ينفخ فيه الروح» (^٢).\n_________\n= هو المضغة غير المخلقة، وما بعد التمايز، يعتبر المضغة المخلقة. قال الدكتور البار تعليقًا: وهو قريب من المفهوم السابق الذي ذكرناه عن الدكتور عزيز عبد العليم، والذي وسع مفهومه باعتبار التمايز يستمر منذ مرحلة المضغة إلى أن يولد، ثم يستمر بعد ذلك أثناء الحياة متفاوتة حتى نهاية العمر. اهـ نقلًا من كتاب الدكتور محمد البار.\n(^١) البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣).\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٥٩١)، وإليك بقية كلام الحافظ، قال ﵀: «وقد ذكر الله ﷾ هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد بمدة في عدة سور. منها في الحج، ودلت الآية على أن التخليق يكون للمضغة، وبين الحديث أن ذلك يكون فيها إذا تكاملت الأربعين، وهي المدة التي إذا انتهت سميت مضغة، وذكر الله النطفة ثم العلقة، ثم المضغة في سورة أخرى وزاد في سورة قد أفلح بعد المضغة (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا)، ثم قال: وقد رتب الأطوار في الآية بالفاء؛ لأن المراد أنه لا يتخلل بين الطورين طور آخر، ورتبها في الحديث بـ «ثم» إشارة إلى المدة التي تتخلل بين الطورين ليتكامل فيها الطور، وإنما أتى بـ ثم بين النطفة والعلقة؛ لأن النطفة قد لا تكون إنسانًا، وأتى بـ ثم في آخر الآية عند قوله: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا) ليدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه ..","vol":"9","page":403},{"text":"بينما حديث حذيفة في مسلم ظاهره يعارض حديث ابن مسعود. فبداية التخلق كما أرشد إليها حديث حذيفة الغفاري يكون بعد اثنتين وأربعين ليلة،\n(٢٠٣٢ - ٤٩٢) فقد روى مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه،\nأنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ: يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص (^١).\nومر معنا رأي الأطباء بما يوافق حديث حذيفة. فقد ذكرنا عن الأطباء أن النطفة الأمشاج تبقى إلى اليوم السادس، ففي اليوم السادس أو السابع تتحول إلى علقة، بحيث تعلق في جدار الرحم.\nوفي الاسبوع الرابع (٢١ - ٣٠) مخصص لظهور الكتل البدنية، والأسبوع الخامس والسادس، لتحول الكتل البدنية إلى قطاع عظمي وعضلي، والأسبوع السادس والسابع: لتكسى العظام بالعضلات. وهكذا يبقى في الرحم جنينًا مخلقًا في الأسبوع السابع (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٤٥).\n(^٢) وهذا التقدير موافق تقريبًا ما ذكره ابن القيم قال في التبيان (ص: ٣٣٦)، ونقله الحافظ في الفتح ببعض التصرف كعادته (١١/ ٥٨٨) ح ٦٥٩٤، قال ابن القيم: «اقتضت حكمة الخلاق العليم ﷾ أن جعل داخل الرحم خشنًا كالإسفنج .. وجعل فيه طلبًا للمني وقبولًا له كطلب الأرض الشديدة العطش للماء، وقبولها له، فجعله طالبًا حافظًا، مشتاقًا إليه بالعطش،\nفلذلك إذا ظفر به، ضمه، ولم يضيعه، بل يشتمل عليه أتم الاشتمال، وينضم أعظم انضمام، لئلا يفسده الهواء، فيتولى القوة والحرارة التي هناك بإذن الله ملك الرحم، فإذا اشتمل على المني، ولم يقذف به إلى خارج، استدار على نفسه وصار كالكرة في الشدة إلى تمام ستة أيام (وقد ذكرت فيما سبق عن الأطباء أن نطفة الأمشاج تبقى ستة أيام قبل أن تتحول إلى علقة) فإذا اشتد نقط نقطة في الوسط، وهو موضع القلب، ونقطة في أعلاه وهي نقطة الدماغ، وفي اليمين: وهي نقطة الكبد. ثم تتباعد تلك النقط، ويظهر بينها خطوط حمر، إلى تمام ثلاثة أيام أخر، ثم تنفذ الدموية في الجميع بعد ستة أيام أخر، فيصير ذلك خمسة عشر يومًا، ويصير المجموع سبعة وعشرين يومًا، ثم ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الضلوع، والبطن عن الجنبين، وذلك في تسعة أيام، فتصير ستة وثلاثين يومًا، ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس ظهورًا بينًا في تمام أربعة أيام، فيصير المجموع أربعين يومًا تجمع خلقه، وهذا مطابق لقوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا)، واكتفى النبي ﷺ بهذا الإجمال عن التفصيل، وهذا يقتضي أن الله قد جمع فيها خلقًا جمعًا خفيًا، وذلك الخلق في ظهور خفي على التدريج» اهـ.","vol":"9","page":404},{"text":"يقول الدكتور محمد البار: في نهاية الأسبوع السادس (٤٢) يومًا تكون النطفة قد بلغت أوج نشاطها في تكوين الأعضاء، وهي قمة المرحلة الحرجة الممتدة من الأسبوع الرابع حتى الثامن، فيكون دخول الملك في هذه الفترة تنويهًا بأهميتها، وإلا فللملك ملازمة ومراعاة بالنطفة الإنسانية في كافة مراحلها ... نطفة وعلقة ومضغة، ودخوله هنا لتصويرها، وشق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم بعد ذلك يحدد جنس الجنين ذكرًا أم أنثى بحسب ما يؤمر به، فيحول الغدة إلى خصية أو إلى مبيض ... والدليل على ذلك ما يشاهد في السقط حيث لا يمكن تمييز الغدة التناسلية قبل انتهاء الأسبوع السابع، وبداية الثامن: أي أنه لا يمكن تمييزها قبل دخول الملك لتحديد جنس الجنين ذكرًا أم أنثى كما يؤمر به من خالقها (^١).\n_________\n(^١) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٣٨٩).\nيقول الطبيب سيف الدين السباعي في كتابه: الإجهاض بين الفقه والطب والقانون (ص: ٣٧): «المضغة: هي المرحلة الثالثة من تكون الجنين، فبعد أن زودت المضغة بمصادر التغذية المناسبة وانفصلت خلاياها إلى وريقات ثلاث، تبدأ تلك الوريقات بالتمايز، وتصوير الأعضاء، والأجهزة، ويكون ذلك في بدء الشهر الثاني، وبينما كانت العلقة تقيس ٥ مم، تصبح المضغة في نهاية الشهر الثاني ٣٠ مم طولًا، و١١ غرامًا وزنًا. ...\nفي هذه الفترة يتشكل الجهاز العصبي والحويصلان السمعي والبصري، وتظهر مولدات الغضروف والعضلات، والأدمة ووحدات الجهاز البولي والتناسلي، والأغشية المصلية، والقلب، وجهاز الهضم، وبراعم الأطراف العلوية والسفلية، وتمر المضغة بطورين: أولهما المضغة غير المخلقة، حيث تتصور الأعضاء دون أن تظهر أي تتمايز مجموعات خلوية مختلفة، ومن ثم تتطور وتتخلق معطية الأجهزة والأعضاء، وتلك المضغة المخلقة (الطور الثاني).\nوفي منتصف هذا الشهر: أي في يوم (٤٠ - ٤٥) تحدث تبدلات خاصة تنتقل بالجنين نقلة واسعة نحو تكونه الإنساني، فالقلب الذي كان بشكل أنبوب مغلق ابتدائي يدق دقات خفيفة، يصبح في اليوم ٣٨ قلبًا رباعي الأجواف، يضرب ضربات عادية، ويتصل بالدوران المشيمي، إلا أن سماع دقات القلب بوسائلنا العادية لا يكون قبل الأسبوع ٢٢ من الحمل، وكذا تتشكل العينان، والأذنان والأنف، والشفتان، وبراعم الأسنان، وبعض العضلات، وتكون اليدان قصيرتين، والساقان أقصر، إلا أنها واضحة المعالم، وهكذا تصورت وتخلقت المضغة، وهذا ما أثبته الحديث الشريف الصحيح، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم يقول: أي رب ذكر أم أنثى؟ اهـ.","vol":"9","page":405},{"text":"• موقف العلماء من حديث حذيفة وحديث ابن مسعود:\nإما الترجيح وإما الجمع:\nقال القاضي عياض وغيره: ليس هو على ظاهره، يعني حديث حذيفة، ولا يصح حمله على ظاهره، بل المراد بتصويرها ... إلخ أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة. اهـ (^١).\nقال ابن الصلاح: «أعرض البخاري عن حديث حذيفة بن أسيد، إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئمًا مع حديث ابن مسعود، وحديث ابن مسعود لا شك في صحته، وأما مسلم فأخرجهما معًا، فاحتجنا إلى وجه الجمع بينهما بأن يحمل إرسال الملك على التعدد، فمرة في ابتداء الأربعين الثانية، وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح، وأما قوله في حديث حذيفة في ابتداء الأربعين\n_________\n(^١) نقلًا من الديباج على صحيح مسلم (٦/ ٨).","vol":"9","page":406},{"text":"الثانية، فصورها، فإن ظاهر حديث ابن مسعود أن التصوير إنما يقع بعد أن تصير مضغة، فيحمل الأول على أن المراد أنه يصورها لفظًا وكتابة، لا فعلًا، أي يذكر كيفية تصويرها، ويكتبها، بدليل أن جعلها ذكرًا أو أنثى إنما يكون عند المضغة.\nوقال ابن حجر متعقبًا: «وقد نوزع في أن التصوير حقيقة إنما يقع في الأربعين الثالثة بأنه شوهد في كثير من الأجنة التصوير في الأربعين الثانية، وتمييز الذكر من الأنثى، فعلى هذا فيحتمل أن يقال: أول ما يبتدئ به الملك تصوير ذلك لفظًا وكتبًا، ثم يشرع فيه فعلًا عند استكمال العلقة، ففي بعض الأجنة يتقدم ذلك، وفي بعضها يتأخر، ويكون بقي في حديث حذيفة أنه ذكر العظم واللحم، وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقة (^١)، فيقوي ما قاله عياض ومن تبعه» (^٢).\nقال ابن القيم في التبيان: فإن قيل: قد ذكرتم أن تعلق الروح بالجنين إنما يكون بعد الأربعين الثالثة، وإن خلق الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، وبينتم أن كلام الأطباء لا يناقض ما أخبر به الوحي من ذلك. فما تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ، قال:\nيدخل الملك في النطفة بعد أن تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، أي رب، ذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم يطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها، ولا ينقص.\nقيل: نتلقاه بالقبول والتصديق، وترك التحريف، ولا ينافي ما ذكرناه إذ غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الثالثة، وكلاهما حق، قاله الصادق ﷺ، وهذا تقدير بعد تقدير.\n_________\n(^١) الثابت طبيًا خلافه كما شرحت من قبل.\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٥٩٢) ح ٦٥٩٤.","vol":"9","page":407},{"text":"فالأول: تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق، التي هي أول مراتب الإنسان. وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق.\nوالتقدير الثاني: تقدير عند كمال خلقه ونفخ الروح، فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره، وهذا تقدير عند تمام خلقه وتصويره، وهذا أحسن من جواب من قال: إن المراد بهذه الأربعين التي في حديث حذيفة الأربعين الثالثة، وهذا بعيد جدًّا من لفظ الحديث، ولفظه يأباه كل الإباء، فتأمله.\nفإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في صحيح مسلم،\n(٢٠٣٣ - ٤٩٣) فقد روى مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي، أن عامر بن واثلة حدثه،\nأنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيرهـ فأتى رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ: يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص (^١).\nوفي لفظ آخر في الصحيح أيضًا: سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين، يقول: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ أسوي أم غير سوي؟ ثم يقول: يا رب ما رزقه؟ وما أجله؟ وما خلقه؟\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٤٥).","vol":"9","page":408},{"text":"ثم يجعله الله ﷿ شقيًا أم سعيدًا.\nوفي لفظ آخر في الصحيح أيضًا: «أن ملكًا موكلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة» ثم ذكر نحوه.\nقيل: نتلقاه أيضًا بالتصديق والقبول، وترك التحريف وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطباء من أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين (^١).\nفإن قيل: فكيف توفقون بين هذا، وبين حديث ابن مسعود، وهو صريح في أن النطفة: أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة .. ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيها، ولا جلد، ولا لحم، ولا عظم ... وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطباء؛ فإن قول النبي ﷺ معصوم، وقولهم عرضة للخطأ، ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم ..\nقيل: لا تنافي بين الحديثين بحمد الله، وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة، وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة. وخطأ هذا ابن القيم، ثم قال: وظنت طائفة أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم، والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجي. والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية، ولكن هناك تصويران:\nأحدهما: تصوير خفي، لا يظهر، وهو تصوير تقديري، كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب: مواضع القطع، والفصل، فيعلم عليها، ويضع مواضع الفصل والوصل، وكذلك كل من يضع صورة في مادة لاسيما مثل هذه الصورة .. ينشئ فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئًا بعد شيء، لا وهلة واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر في البيضة.\n_________\n(^١) في كلام ابن القيم ما يشير إلى أنه في عهده كان إجماعًا من الأطباء على أن التصوير بعد الأربعين، وهذا ما فصله الطب الحديث بعد وصوله لعلم التصوير والتكبير. والله أعلم.","vol":"9","page":409},{"text":"أحدهما تصوير وتخليق علمي، لم يخرج إلى الخارج.\nالثانية: مبدأ تصوير خفي، يعجز الحس عن إدراكه.\nالثالثة: تصوير يناله الحس، ولكنه لم يتم بعد.\nالرابعة: تمام التصوير الذي ليس بعده إلا نفخ الروح.\nفالمرتبة الأولى علمية .. والثلاث الأخر عينية.\nوهذا التصوير بعد التصوير، نظير التقدير بعد التقدير .. فالرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديرًا عامًا قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. وهنا كتب الشقاوة والسعادة والأعمال والأرزاق والآجال.\nوالثاني تقدير بعد هذا، وهو أخص منه. وهو التقدير الواقع عند القبضتين حين قبض ﵎ أهل السعادة بيمينه، وقال: هؤلاء إلى الجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى، وقال: هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون.\nوالثالث: تقدير بعد هذا، وهو أخص منه عندما يمنى به، كما في حديث حذيفة ابن أسيد المذكور.\nوالرابع: تقدير آخر بعد هذا .. وهو عندما يتم خلقه وينفخ فيه الروح، كما صرح به الحديث الذي قبله يعني: حديث ابن مسعود (^١).\nوفي الفتح: «وقال بعضهم يحتمل أن يكون الملك عند انتهاء الأربعين الأولى يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء بحسب الأعضاء، أو يقسم بعضها إلى جلد، وبعضها إلى لحم، وبعضها إلى عظم، فيقدر ذلك كله قبل وجوده، ثم يتهيأ ذلك في آخر الأربعين الثانية، ويتكامل في الأربعين الثالثة.\n_________\n(^١) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٣٤٥).","vol":"9","page":410},{"text":"وقال بعضهم: معنى حديث ابن مسعود أن النطفة يغلب عليها وصف المني في الأربعين الأولى، ووصف العلقة في الأربعين الثانية، ووصف المضغة في الأربعين الثالثة، ولا ينافي ذلك أن يتقدم تصويره» (^١).\nوذهب بعضهم إلى أن قوله: مخلقة وغير مخلقة صفة للنطفة، وليست للمضغة، روي ذلك عن ابن مسعود بسند صحيح.\n(٢٠٣٤ - ٤٩٤) فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة،\nعن عبد الله، قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكًا، فقال: يا رب مخلقة، أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجتها الأرحام دمًا، وإن قال: مخلقة، قال: يا رب فما صفتها ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟، قال: فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها (^٢).\nهذا ما تيسر لي جمعه من أقوال أهل العلم في الجمع بين حديث ابن مسعود، وحديث حذيفة. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٥٩٢)، ٦٥٩٤.\n(^٢) والحديث وإن كان رجاله ثقات إلا أنه شاذ لمخالفته ما في الصحيحين، انظر ح: (٢٠٣٠).","vol":"9","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4374>الفصل الثالث\nفي حكم الدم النازل مع الولادة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل دم خرج بسبب الولادة، معها، أو قبلها بيسير، متصل بها، فهو نفاس.\n[م-٨٠١] اختلف العلماء في الدم الخارج مع الولادة.\nفقيل: لا يعتبر نفاسًا مطلقًا. وهو قول محمد وزفر من الحنفية (^١)، والمشهور من مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: يعتبر نفاسًا مطلقًا. وهو مذهب المالكية (^٣)، والحنابلة (^٤)، ووجه في مذهب الشافعية (^٥).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٢٩)، تبيين الحقائق (١/ ٦٧)، البناية (١/ ٦٩١).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ١٧٥)، وقال النووي في المجموع (٢/ ٥٣٧): «الصحيح عند جمهور المصنفين، وبه قطع جمهور أصحابنا المتقدمين أنه ليس بنفاس».اهـ\n(^٣) الشرح الصغير (١/ ٢١٦)، منح الجليل (١/ ١٧٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٧٤)، حاشية الخرشي (١/ ٢٠٩).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٨٧)، المبدع (١/ ٢٩٣)، كشاف القناع (١/ ٢١٨)، الفروع (١/ ٢٨٢)، المحرر (١/ ٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٢)، الإقناع (١/ ٧٢).\n(^٥) الحاوي الكبير (١/ ٤٣٨)، روضة الطالبين (١/ ١٧٥)، المجموع (٢/ ٥٣٧).","vol":"9","page":412},{"text":"وقيل: إن خرج أكثر الولد اعتبر نفاسًا، وإلا فلا، وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنفية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4375> دليل من لم يعتبره نفاسًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4376>الدليل الأول:</span>\nقالوا: لم نجعله نفاسًا؛ لأنه ما لم ينفصل جميع الولد فهي في حكم الحامل، ولهذا يجوز للزوج رجعتها، فصار كالدم الذي تراه في حال الحمل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4377>الدليل الثاني:</span>\nأن دم النفاس دم رحم، ودم الرحم لا يوجد من الحامل؛ لأن الحبل يسد فم الرحم؛ لأن الله تعالى أجرى عادته بذلك لئلا ينزل ما فيه، لكون الثقب من أسفل (^٣).\n• تعليل من قال بأنه دم نفاس:\nالتعليل الأول:\nقالوا: بأنه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسًا كالخارج بعده، وإنما يعلم خروجه إذا كان قريبًا منها، ويعلم ذلك برؤية أماراتها من المخاض ونحوه في وقته (^٤).\nالتعليل الثاني:\nقالوا: إن النفاس مأخوذ من تنفس الرحم بخروج النفس الذي هو الدم، وفي المصباح المنير، قال عن النفاس: «مأخوذ من النَّفس، وهو الدم، ومنه قولهم: لا نفس له سائلة: أي: لا دم له يجري، وسمي الدم نفسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة\n_________\n(^١) مراقي الفلاح (ص: ٥٧)، البحر الرائق (١/ ٢٢٩)، تبيين الحقائق (١/ ٦٧)، البناية (١/ ٦٩١) فتح القدير (١/ ١٨٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٩٩).\n(^٢) المهذب المطبوع من المجموع (٢/ ٥٣٥).\n(^٣) شرح العناية على الهداية، المطبوع مع فتح القدير (١/ ١٨٧).\n(^٤) المغني (١/ ٤٤٥).","vol":"9","page":413},{"text":"الحيوان، قوامها بالدم. والنفساء من هذا» (^١).\nومنه قول الرسول ﷺ أنفست؟ لدم الحيض. وسبق الكلام على ذلك.\nواعترض على ذلك بأن النفاس مأخوذ من خروج النَّفْس، الذي هو الولد\n(٢٠٣٥ - ٤٩٥) فقد روى البخاري من طريق منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن،\nعن علي رضي الله تعالى عنه، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي ﷺ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتب شقية أو سعيدة. فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل الشقاوة ثم قرأ: (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى) الآية. وأخرجه مسلم (^٢).\nوعندي لا مانع أن يكون النفاس مأخوذًا من الاثنين معًا.\n• تعليل من اشترط خروج أكثر الولد:\nالتعليل الأول: أن الأكثر له حكم الكل، فكان خروج أكثر الولد في حكم خروجه كله.\nالتعليل الثاني: أن بقاء الأقل لا يمنع خروج الدم من الرحم (^٣).\n• القول الراجح:\nالذي يظهر لي والله أعلم أن الدم يعتبر نفاسًا إذا خرج مع الولد بسبب الولادة،\n_________\n(^١) المصباح المنير (ص: ٣١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧).\n(^٣) العناية، شرح الهداية (١/ ١٨٧).","vol":"9","page":414},{"text":"فإذا نزل المخاض بالمرأة فإن الرحم ينفتح شيئًا فشيئًا، فيخرج الدم من المرأة ويستمر، ويتصل بالدم الخارج بعد الولادة، فهما دم واحد، وكلاهما خرج من الرحم، إلا أن الذي يعكر على هذا الترجيح ما قرره الطب، فإن كان ما قرره الطب حقيقة مسلمة بينهم سلمنا لهم، وإن كان بينهم خلاف في هذا فإني على ما ترجح لدي والله أعلم\nجاء في وقائع الندوة الثالثة للفقه الطبي، المنعقدة في الكويت وقد عرف الأطباء النفاس: «بأنه الفترة التي تعقب الولادة، وتحدث أثناءها بعض التغييرات لعودة الجهاز التناسلي إلى وضعه الطبيعي قبل الحمل.\nوسائل النفاس: هو عبارة عن الإفرازات التي تخرج من الرحم بعد الولادة، ويكون عبارة عن دم في أول أربعة أيام، ثم يفتح لونه، وتقل كمية الدم حتى يصبح عبارة عن مخاط، لا لون له بعد عشرة أيام» (^١).\nوالأصل في النفاس تمزق جدار الرحم الوظيفي، ونزول الدم منه بعد أن تحول أثناء فترة الحمل إلى ما يسمى  Decidua،  وهو مماثل تمامًا لجدار الرحم في النصف الثاني من الحمل، ولكن بكثافة أكثر، وكذلك خروج أنسجة أخرى خصوصًا من مكان المشيمة - التي تقع أعلى الرحم أثناء التئام ذلك المكان.\nوفي نفس الوقت يتكون جدار وظيفي جديد من جدار الرحم الأساسي ليحل مكان جداره السابق ذكره.\nومكونات دم النفاس هي خلايا جدار الرحم، وكرويات دم بيضاء، ومكونات الدم الأخرى، ويكون أحمر في الأيام الأولى من النفاس، ثم يبهت لونه تدريجيًا حتى يصبح سائلًا أبيض مائلًا للاصفرار في الأسبوع الثالث أو الرابع، ومكوناته كرويات الدم البيضاء على الأكثر.\n_________\n(^١) نقله يحيى عبد الرحمن الخطيب، في كتابه المرأة الحامل من نبيهة الجيار، بحث في أقل مدة الحيض والنفاس والحمل وأكثرها، وقائع الندوة الثالثة للفقه الطبي - الكويت ١٨/ ٤/١٩٨٧.","vol":"9","page":415},{"text":"بعد هذا التمزق لجدار الرحم الوظيفي، ونزول الدم منه يستبدل جدار جديد به بعد أربعة أسابيع من الولادة غير أنه لا يكتمل رجوع جميع الأعضاء التناسلية إلى حجمها الطبيعي، ونزول العادة الشهرية -لدى المرأة غير المرضعة ورجوع الجسم إلى حالته- إلا بعد ستة أسابيع من نزول الولد في الغالب (^١).\nويقول بعض الأطباء: «يعرف دم النفاس وما يتبعه من إفرازات في الطب: بأنه الدم والإفرازات التي تخرج من الرحم بعد الولادة، وتستمر لمدة ثلاثة أو أربعة أسابيع. وقد تطول إلى ستة أسابيع (أربعين يومًا).\nوفي الأيام الثلاثة أو الأربعة يكون الدم قانيًا، وغليظًا ومحتويًا على جلطات (دم متجمد) ثم يخف تدريجيًا بعد ذلك، ثم يصير بني اللون، مختلطًا بمادة مخاطية .. وأخيرًا تظهر القصة البيضاء» (^٢).\nفبناء على هذا التقرير الطبي يكون النفاس هو الدم النازل بعد فراغ الرحم من الولد، فعند فراغ الرحم ينهدم الجدار الوظيفي للرحم، فينزل على شكل دم في الأيام الأولى من النفاس، ثم يبهت لونه تدريجيًا حتى ينقطع. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) نقله الدكتور عبد الله بن عبد المحسن الطريقي في كتابه أحكام مباشرة النساء (ص: ٧٧) نقلًا من كتاب:\nCurrent Obstetrics And Gynecology ٣ rd edition\n(^٢)  خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٤٥٦).","vol":"9","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4378>الفصل الرابع\nفي الدم الذي تراه الحامل قبل الولادة</span>\n[م-٨٠٢] اختلف العلماء في الدم الخارج قبل الولادة:\nفقيل: لا يعتبر نفاسًا، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\nوقيل: إن خرج الدم قبل الولادة بيوم أو يومين ومعه طلق (^٤)، كان نفاسًا، وإلا فلا.\n_________\n(^١) مراقي الفلاح (ص: ٥٧)، البحر الرائق (١/ ٢٢٩)، تبيين الحقائق (١/ ٦٧)، البناية (١/ ٦٩١) فتح القدير (١/ ١٨٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٩٩).\n(^٢) الشرح الصغير (١/ ٢١٦)، منح الجليل (١/ ١٧٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٧٤)، حاشية الخرشي (١/ ٢٠٩).\n(^٣) الحاوي الكبير (١/ ٤٣٨)، روضة الطالبين (١/ ١٧٥)، المجموع (٢/ ٥٣٧).\n(^٤) ظاهر كلام ابن تيمة أنه لا يقيده بيوم أو يومين، ولذلك قال في مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤٠): «وما تراه من حين أن تشرع في الطلق فهو نفاس».اهـ\nوقال السعدي في الفتاوى السعدية (١٥١): «صريح كلام الفقهاء أن ما رأته النفساء قبل الولادة بأكثر من ثلاثة أيام دم فساد، وليس بنفاس، ولو مع وجود الأمارة، وفي هذا نظر ... وليس تحديد الثلاثة منصوصًا عليه»، ثم رجح أن الدم الخارج بسبب الولادة أنه نفاس ولو زاد على ثلاثة أيام.","vol":"9","page":417},{"text":"وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\n• أدلة الجمهور على أن الدم قبل الولادة لا يعتبر نفاسًا:\nأدلتهم في هذه المسألة هي أدلتهم في استدلالهم في أن الدم الذي يخرج مع الولادة لا يعتبر نفاسًا، وقد سقت أدلتهم في المسألة التي قبل هذه. فإذا كان الدم الذي مع الولادة لا يعتبر نفاسًا، فما بالك بالدم الذي قبل الولادة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4379> دليل الحنابلة على أن الدم قبل الولادة بيوم أو يومين نفاس:</span>\nاستدلوا بقولهم: إنه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسًا كالخارج بعده، وإنما يعلم خروجه بسبب الولادة إذا كان قريبًا منها، ويعلم ذلك برؤية أماراتها من المخاض ونحوه في وقته، وأما إن رأت الدم من غير علامة على قرب الوضع لم تترك له العبادة؛ لأن الظاهر أنه دم فساد. فإن تبين كونه قريبًا من الوضع كوضعها بعده بيوم أو يومين أعادت الصوم المفروض إن صامته فيه (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٣٨٧)، المبدع (١/ ٢٩٣)، كشاف القناع (١/ ٢١٨)، الفروع (١/ ٢٨٢)، المحرر (١/ ٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٢)، الإقناع (١/ ٧٢).\n(^٢) المغني (١/ ٤٤٥).","vol":"9","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4380>الفصل الخامس\nفي النقاء المتخلل بين الدمين</span>\n[م-٨٠٣] اختلف العلماء في النفساء تطهر، ثم يعود الدم قبل انتهاء مدة النفاس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4381>القول الأول: في مذهب الحنفية قولان:</span>\nأحدهما: أن الطهر والدم نفاس (^١).\nوجهه: أن الطهر المتخلل في الأربعين لا يعتبر فاصلًا، فلو رأت ساعة دمًا، وأربعين إلا ساعتين طهرًا، ثم ساعة دمًا كان الأربعون كله نفاسًا.\nالثاني: إن كان الطهر أقل من خمسة عشر يومًا كان الجميع نفاسًا وإن كان الطهر خمسة عشر يومًا فصاعدًا، يكون الأول نفاسًا، والثاني حيضًا إن أمكن وإلا كان استحاضة، وهو رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة (^٢)، واختيار أبي يوسف ومحمد من الحنفية (^٣).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٦٨)، البناية (١/ ٦٩٦)، فتح القدير (١/ ١٨٩) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠١).\n(^٢) البناية (١/ ٦٩٦).\n(^٣) انظر تبيين الحقائق (١/ ٦٨)، البناية (١/ ٦٩٦). وانظر بقية الروايات في مذهب الحنفية في مسألة النقاء المتخلل بين دم الحيض.","vol":"9","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4382>القول الثاني:\nمذهب المالكية في النفاس المتقطع</span>، نحو مذهبهم في الحيضة المتقطعة (^١).\nقالوا: المرأة إذا أتاها دم، ثم انقطع، ثم نزل دم آخر، فإن كان بين الدمين طهر صحيح خمسة عشر يومًا فالدم الثاني حيض مستأنف، والأول نفاس.\nوإن كان الطهر لا يبلغ نصف شهر كأن يأتيها الدم يومًا ثم تطهر يومين ثم يأتيها يومًا آخر وهكذا، فإنها تلفق من أيام الدم ستين يومًا، وتلغي أيام الانقطاع، وتغتسل كلما انقطع، وتصوم وتصلي وتوطأ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4383>القول الثالث:\nذهب الشافعية </span>إلى أن المرأة إذا رأت يومًا دمًا ويومًا نقاء فلها حالان:\nالأولى: أن ينقطع دمها، ولا يتجاوز ستين يومًا:\nالثاني: أن يجاوز التقطع ستين يومًا.\nالحال الأولى: إذا لم يجاوز ستين يومًا (^٣)، نظر: فإن لم يبلغ مدة النقاء بين الدمين أقل الطهر: وهو خمسة عشر يومًا: ففيه قولان مشهوران.\nأحدها: أن أيام الدم نفاس، وأيام النقاء طهر.\nالتعليل: لأن الدم إذا دل على النفاس، وجب أن يدل النقاء على الطهر. وهذا يسمى قول اللفظ أو التلفيق.\nالثاني: أن أيام الدم وأيام النقاء كلها نفاس. ويسمى قول السحب واختلف\n_________\n(^١) الشرح الصغير (١/ ٢١٢) أسهل المدارك (١/ ٨٩) مقدمات ابن رشد (١/ ١٣٢) مواهب الجليل (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠) منح الجليل (١/ ١٦٩ - ١٧٠).\n(^٢) الشرح الصغير (١/ ٢١٧)، الخرشي (١/ ٢١٠)، أسهل المدارك (١/ ٩٢)، مقدمات ابن رشد (١/ ١٣٢) حاشية الدسوقي (١/ ١٧٥) قال: ومحل التلفيق مالم لم يأت الدم بعد طهر تام، وإلا كان حيضًا مؤتنفًا.\n(^٣) قيدوه بالستين؛ لأن النفاس أكثره عندهم ستون يومًا.","vol":"9","page":420},{"text":"الشافعية في الأصح منهما.\nقال النووي: «صحح الأكثرون قول السحب» (^١).\nوقال الماوردي: «الذي صرح به الشافعي في سائر كتبه أن كل ذلك حيض أيام الدم وأيام النقاء» (^٢).\nقلت: وحكم النفاس عندهم حكم الحيض في هذه المسألة.\nووجهه: أن عادة النساء في الحيض مستمرة بأن يجري الدم زمانًا، ويرقأ زمانًا، وليس من عادته أن يستديم جريانه إلى انقضاء مدته، فلما كان زمان إمساكه نفاسًا، لكونه بين دمين، كان زمان النقاء نفاسًا لحصوله بين دمين. فعلى هذا تكون المدة كلها نفاسًا، يحرم عليها في أيام النقاء ما يحرم عليها في أيام الدم.\nأما إذا بلغت مدة النقاء أقل الطهر خمسة عشر يومًا فصاعدًا، ثم عاد الدم.\nفالأصح أن العائد دم حيض، والأول نفاس، وما بينهما طهر؛ لأنهما دمان تخللهما طهر كامل، فلا يضم أحدهما إلى الآخر كدمي الحيض.\nوالوجه الثاني: أنه نفاس، لوقوعه في زمن الإمكان، كما لو تخللهما دون خمسة عشر يومًا، وأما النقاء المتخلل ففيه قولان: أحدهما أنه طهر. والثاني: أنه نفاس.\nالحال الثاني: أن ترى يومًا دمًا ويومًا نقاء ويتجاوز ستين يومًا، فهذه مستحاضة اختلط حيضها باستحاضتها. قال النووي: «هذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي في كتاب الحيض، وقطع به جماهير الأصحاب المتقدمين والمتأخرين» (^٣). وقد تكلمنا عن أحكام المستحاضة في باب مستقل، فارجع إليه إن شئت (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥١٨).\n(^٢) الحاوي (١/ ٤٢٤).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥٢٣).\n(^٤) المجموع (٢/ ٥٤٤، ٥٤٥)، روضة الطالبين (١/ ١٧٨)، مغني المحتاج (١/ ١١٩).","vol":"9","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4384>القول الرابع:\nفي المذهب الحنبلي روايتان:</span>\nالأولى: وهي المشهورة من المذهب الحنبلي أنه مشكوك فيه، تصوم وتصلي، وتقضي الواجب (^١).\n• وجه كونه مشكوكًا فيه:\nأنه تعارض فيه أمارتان، دم نفاس ودم فساد.\nالرواية الثانية: أنه دم نفاس (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4385>القول الخامس:\nقال أبو ثور:</span> إذا رأت النفساء الطهر والنقاء، فهو طهرها، فإن عاودها الدم بعد أيام، فهو دم فساد، ليس بحيض ولا نفاس، فإن رأت بعد خمسة عشر يومًا دمًا يومًا وليلة، فهو حيض (^٣).\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4386> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nما رجحناه في باب الحيض نرجحه هنا، وأن الانقطاع اليسير لا يلتفت إليه؛ لأن عادة النساء في الحيض مستمرة بأن يجري الدم زمانًا، ويرقأ زمانًا، وليس من عادته أن يستديم جريانه إلى انقضاء مدته، أما إذا كان انقطاع الدم طويلًا كاليوم واليومين والثلاثة فإننا نحكم بطهارتها، فإذا عاد الدم في زمن الأربعين فإن وافق زمن عادتها فهو حيض، وإن لم يوافق فإنه نفاس. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) قال في الإنصاف (١/ ٣٨٥): «وهو المذهب نص عليه».\n(^٢) قال في الإنصاف (١/ ٣٨٤): «اختارها المصنف - يعني ابن قدامة - والمجد وابن عبدوس في تذكرته، وقال في الفائق: فهو نفاس في أصح الروايتين، وجزم به في الوجيز، والمنور، والمنتخب، والإفادات، وقدمه في المذهب الأحمد، والمحرر، وابن تميم، والرعايتين، والحاويين، وابن رزين في شرحه، والكافي، والهادي».اهـ\n(^٣) ذكره ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٥٤).","vol":"9","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4387>الفصل السادس\nفي المرأة تلد ولم تر دمًا</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• موجب الغسل في النفاس نزول الدم لا خروج الولد، فلو ولدت بلا دم لم يجب عليها الغسل.\n[م-٨٠٤] اختلف العلماء فيما يجب على المرأة إذا ولدت ولم تر دمًا.\nفقيل: يجب عليها الغسل، ويبطل صومها إن كانت صائمة.\nوهو قول أبي حنفية، وزفر (^١)، والراجح في مذهب مالك (^٢)،\nوأصح الوجهين في\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١٨٦)، تبيين الحقائق (١/ ٦٨)، البحر الرائق (١/ ٢٩٩)، وقال في البناية (١/ ٦٩٦): «وأكثر المشايخ أخذوا بقول أبي حنيفة، وبه كان يفتي الصدر الشهيد».\n(^٢) الشرح الصغير (١/ ١٦٦)، قال الصاوي: «هذا هو المستحسن عند ابن عبد السلام وخليل، من روايتين عن مالك، وهو الأقوى ذكره شيخنا في مجموعه».اهـ\nوفي حاشية العدوي المطبوعة مع الخرشي (١/ ١٦٥)، يجب الغسل، وضعف الرواية الثانية عن مالك في عدم الوجوب.\nوقال الدسوقي في حاشيته (١/ ١٣٠): «وهو المعتمد - يعني وجوب الغسل - وإن كانت الولادة عارية عن الدم».","vol":"9","page":423},{"text":"مذهب الشافعية (^١)، ووجه في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: لا يجب عليها غسل. وهو اختيار أبي يوسف ﵀ (^٣)، وقول للمالكية (^٤)، ووجه في مذهب الشافعية (^٥)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٦).\nوقيل: يستحب لها الغسل. اختاره اللخمي من المالكية (^٧).\n• تعليل من قال بجوب الغسل أو استحبابه:\nالتعليل الأول:\nقالوا: إن الولادة بلا دم مظنة خروج الدم الموجب، فتعلق الحكم بها، كما جعل النوم ناقضًا للوضوء لأنه مظنة خروج الحدث، وكالتقاء الختانين.\nالتعليل الثاني:\nإذا وجب الغسل بخروج المني، الذي هو أصل الولد، فوجوبه بنفس الولد أولى (^٨).\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٦٩)، نهاية المحتاج (١/ ٢١١) وفيه: «يجوز جماعها بعد الولادة بلا بلل؛ لأنها جنابة، وهي لا تمنع الجماع. قال الرملي: وتفطر به إذا كانت صائمة يشكل على جواز وطئها. والحاصل أنه علل وجوب الغسل بالولادة تارة بأنها مظنة النفاس، وتارة بأن الولد مني مجتمع، فالثاني من التعليلين يقتضي جواز الوطء، وعدم المفطر؛ لأن الجنابة بمجردها لا تبطل الصوم، فلعلهم بنوا جواز الوطء على أن الولادة جنابة، والفطر على أنه مظنة للنفاس احتياطًا للعبادة بالنسبة للفطر تخفيفًا على الزوج للشك في المحرم».\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٤١)، المبدع (١/ ١/١٨٦).\n(^٣) البناية (١/ ٦٩٦)، فتح القدير (١/ ١٨٦).\n(^٤) الخرشي (١/ ١٦٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٠).\n(^٥) مغني المحتاج (١/ ٦٩)، نهاية المحتاج (١/ ٢١١).\n(^٦) الإقناع (١/ ٤٥)، الإنصاف (١/ ٢٤١)، المبدع (١/ ١٨٦).\n(^٧) حاشية الدسوقي (١/ ١٣٠).\n(^٨) الوسيط الغزالي (١/ ٣٣٧).","vol":"9","page":424},{"text":"التعليل الثالث:\nيجب الغسل بناء على إعطاء الصورة النادرة حكم غالبها (^١).\nالتعليل الرابع:\nأن النفاس، هو تنفس الرحم، وقد وجد (^٢).\nالتعليل الخامس:\nلا تخلو الولادة من رطوبة، ودم قليل، وإن خفي (^٣).\nالتعليل السادس:\nقال ابن قدامة: ولأن الولادة يستبرأ بها الرحم، أشبهت الحيض، يعني فيجب الغسل (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4388> دليل من قال: لا يجب الغسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4389>الدليل الأول:</span>\nأن الوجوب بالشرع، ولم يرد الغسل هنا، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فإنه ليس بدم، ولا مني، وإنما ورد الشرع بالإيجاب بهذين الشيئين (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4390>الدليل الثاني:</span>\nأن الغسل في النفاس إنما هو للدم لا لخروج الولد (^٦)، ولا يحكم بطهارتها ما زال الدم باقيًا، فإذا انقطع وجب الغسل، وهنا لم يوجد دم، فلم يوجد الموجب.\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٦٥).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) فتح القدير بتصرف (١/ ١٨٦).\n(^٤) المغني (١/ ٢٧٨).\n(^٥) المرجع السابق.\n(^٦) الخرشي (١/ ١٦٥)","vol":"9","page":425},{"text":"قال ابن قدامة: وقولهم: إنه مظنة. قلنا: المظان إنما يعلم جعلها مظنة بنص أو إجماع، ولا نص في هذا ولا إجماع (^١).\nالراجح القول الثاني، لأن الأصل في العبادات الحضر، حتى يرد دليل صريح على المشروعية. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ٢٧٨).","vol":"9","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4391>الفصل السابع\nفي جماع النفساء إذا طهرت قبل الأربعين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إيجاب الصلاة على المرأة إذا طهرت قبل الأربعين دليل على طهارتها، وطهارتها دليل على حل جماعها.\n[م-٨٠٥] إذا طهرت المرأة قبل تمام الأربعين:\nفقيل: يباح وطؤها، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عن أحمد (^٤).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٦٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤١)، البحر الرائق (١/ ٢٣٠)، المبسوط (٣/ ٢١٠)، البناية (١/ ٦٩٥)، مراقي الفلاح (ص: ٥٧)، حاشية رد المحتار (١/ ٢٩٩)، فتح القدير (١/ ١٨٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٠)، فتح القدير (١/ ١٨٧).\n(^٢) حاشية الخرشي (١/ ٢١٠)، الكافي (ص: ٣١)، مواهب الجليل (١/ ٣٧٦)، أسهل المدارك (١/ ٩٢).\n(^٣) قال النووي في المجموع (٢/ ٥٥٠): «إذا انقطع دم النفاس، واغتسلت جاز وطؤها، كما تجوز الصلاة وغيرها، ولا كراهة في وطئها، هذا مذهبنا، وبه قال الجمهور. قال العبدري: هو قول أكثر الفقهاء». اهـ\nوقال في روضة الطالبين (١/ ١٧٩): «وإذا انقطع دم النفاس، واغتسلت، أو تيممت حيث يجوز، فللزوج وطؤها في الحال بلا كراهة. حتى قال صاحب الشامل والبحر: لو رأت الدم بعد الولادة ساعة وانقطع لزمها الغسل وحل الوطء. فإن خافت عود الدم استحب له التوقف احتياطًا. والله أعلم».اهـ\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٨٤)، المستوعب (١/ ٤١١، ٤١٢).","vol":"9","page":427},{"text":"وقيل: يكره وطؤها. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: يحرم، وهي رواية عن أحمد (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4392> دليل الجمهور على إباحة الوطء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4393><span data-type=\"title\" id=toc-4398>الدليل الأول:</span></span>\nحرم الوطء؛ لوجود الأذى، فإذا ارتفع الأذى ارتفع حكمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4394>الدليل الثاني:</span>\nإذا أوجبنا عليها الصلاة والصوم جاز الجماع، لأن إيجاب الصلاة دليل على الطهارة؛ إذ لو كانت نفساء لم تجب عليها الصلاة، فإذا حكم بطهارتها جاز وطؤها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4395>الدليل الثالث:</span>\nلا يجوز تحريم الجماع إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولا دليل على التحريم، واحتمال عود الدم وحده لا يكفي للتحريم، وإذا عاد الدم رجع تحريم الجماع، كما أن المرأة الطاهرة لا يحرم نكاحها، ولو كانت تنتظر نزول عادتها حتى تنزل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4396>الدليل الرابع:</span>\nإذا انقطع عنها الأذى، فقد رأت النقاء الخالص، فأشبه ما إذا رأته بعد الأربعين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4397> دليل الحنابلة على كراهة الوطء:</span>\nالدليل الأول:\n(٢٠٣٦ - ٤٩٦) ما رواه الدارمي من طريق جلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة،\nعن امرأة لعائذ بن عمرو نفست، فجاءت بعدما مضت عشرون ليلة، فدخلت في لحافه، فقال: من هذه؟ قالت: أنا فلانة، إني قد طهرت. فركضها برجله، فقال:\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٣٨٤)، المستوعب (١/ ٤١١)، الإقناع (١/ ٧٢)، الزاد مع الروض (١/ ١١٥)، كشاف القناع (١/ ٢٢٠) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٢٢).\n(^٢) الفروع (١/ ٢٨٢).","vol":"9","page":428},{"text":"لا تغريني عن ديني حتى تمضي أربعون ليلة (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4399>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٣٧ - ٤٩٧) ما رواه ابن عدي من طريق محمد بن سعيد الشامي، حدثني عبد الرحمن بن غنم، قال:\nسمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله يقول: لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا حيض فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة، فما زاد تتوضأ لكل صلاة إلى أيام أقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت وصلت ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين.\n[موضوع] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4400>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: لأن زمان النفاس باق، فلا تأمن من معاودة الدم في حال وطئها، فيكون قد صادف وطؤها نفاسًا، فكره له ذلك (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4401>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: لأن هذا الطهر مشكوك فيه؛ لأنها إن رأت الدم فقد يكون نفاسًا، وقد يكون دم فساد، وإذا كان معرضًا لذلك كره الوطء فيه (^٥).\n_________\n(^١) سنن الدارمي (٩٥٦).\n(^٢) فيه الجلد بن أيوب، متروك الحديث، سبقت ترجمته في مسألة أكثر الحيض، من كتاب الحيض والنفاس.\n(^٣) أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ١٤١) وقد سبق تخريج هذا الحديث، رقم: (١٥٧٢) فارجع إليه إن شئت.\n(^٤) الانتصار في المسائل الكبار- (١/ ٦٠٢).\n(^٥) المرجع السابق بتصرف.","vol":"9","page":429},{"text":"وهذه التعليلات واهية، فلا تكفي لتحريم الوطء. والله أعلم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4402> دليل من قال: يحرم الوطء:</span>\nلا أعلم لهم دليلًا إلا إن كانوا يرون أنه برجوع الدم أثناء الأربعين يكون الجفاف له حكم النفاس، فتكون أيام الدم وأيام النقاء كلها نفاسًا. ويسمى عند الفقهاء حكم السحب، وإذا كان يمكن أن يكون جفافها لا يدل على طهارتها حرم جماعها فيه. إذا كان هذا وجه القول بالتحريم فهو قول ضعيف؛ لأنها تجب عليها الصلاة حال جفافها، فجاز نكاحها.\n* * *","vol":"9","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4403>الفصل الثامن\nفي أقل النفاس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• دم النفاس دم أذى كالحيض، فإذا وجد الأذى وجد النفاس، وإذا ارتفع ارتفع حكمه.\n• تحديد أقل النفاس لا يصح إلا بتوقيف.\n• إذا لم يرد دليل على تحديد أقل النفاس من الشرع فالمرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلًا وكثيرًا.\n[م-٨٠٦] اختلف العلماء في أقل النفاس، والخلاف فيه كالخلاف في أقل الحيض، ويرجع الخلاف هل اطلاق الاسم معلق على ظهور الدم، ولو كان مجة أو لا يحكم له بأنه حيض ونفاس حتى يتمادى إلى الحد الذي حدوه مما اعتاده النساء، إذا علم ذلك، نقول:","vol":"9","page":431},{"text":"قال بعضهم: لا حد لأقله، وهو مذهب الحنفية (^١)،\nوالمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)،\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ٦٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤١)، البحر الرائق (١/ ٢٣٠)، المبسوط (٣/ ٢١٠)، البناية (١/ ٦٩٥)، مراقي الفلاح (ص: ٥٧)، حاشية رد المحتار (١/ ٢٩٩)، فتح القدير (١/ ١٨٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٠).\nقال ابن الهمام في فتح القدير (١/ ١٨٧): «قال شيخ الإسلام في مبسوطه: اتفق أصحابنا على أن أقل النفاس ما يوجد، فإنها إذا رأت الدم ساعة ثم انقطع عنها الدم فإنها تصوم وتصلي، وكان ما رأت نفاسًا لا خلاف في هذا بين أصحابنا».اهـ\nوفي البناية للعيني (١/ ٦٩٥): «وأما إطلاق جماعة من أصحابنا أن أقله ساعة، ليس معناه أن الساعة التي هي جزء من اثني عشر جزءًا من النهار، بل المراد اللحظة فيما ذكر الجمهور. هذا هو الصحيح».اهـ وهذا النص ذكره النووي في المجموع (٢/ ٥٣٩).\nوإنما اختلف علماء الحنفية في تحديد أقل النفاس إذا احتيج إليه في انقضاء العدة، كما لو قال لها: إذا ولدت فأنت طالق. فقالت: انقضت عدتي. فأي مقدار يعتبر لأقل النفاس مع ثلاث حيض.\nفذهب أبو حنيفة إلى أن أقل النفاس خمسة وعشرون يومًا.\nوقيل: أقله أحد عشر يومًا، وهو قول أبي يوسف.\nوقيل: أقله ساعة. وهو قول محمد. انظر المراجع السابقة.\n(^٢) قال ابن رشد في المقدمات (١/ ١٢٩): «وأما النفاس فلا حد لأقله عندنا، وعند أكثر الفقهاء».\nوانظر الكافي (ص: ٣١)، حاشية الخرشي (١/ ٢١٠)، مواهب الجليل (١/ ٣٧٦).\nوقال الدردير في الشرح الكبير (١/ ١٧٤): «وأقله -يعني النفاس- دفعة». وانظر أسهل المدارك (١/ ٩٢)، وفي الاستذكار (٣/ ٢٥٠): «إذا ولدت المرأة ولم تر دمًا اغتسلت وصلت».\n(^٣) المجموع (٣/ ٥٣٩)، روضة الطالبين (١/ ١٧٤)، مغني المحتاج (١/ ١١٩)، الوسيط في المذهب - الغزالي (١/ ٤٧٧)، نهاية المحتاج (١/ ٣٥٦).\nوقال الماوردي في الحاوي (١/ ٤٣٦): «فأما أقل النفاس فليس للشافعي في كتبه نص عليه، وإنما روى أبو ثور عنه أنه قال: أقل النفاس ساعة.\nفاختلف أصحابنا هل الساعة حد لأقله أو لا؟ على وجهين:\nأحدهما: وهو قول أبي العباس وجميع البغدادين أنه محدود الأقل بساعة، وبه قال محمد بن الحسن وأبو ثور.\nالثاني: وهو قول البصريين: أن لا حد لأقله، وإنما ذكر الساعة تقليلًا وتفريقًا. لا أنه جعله حدًا. وأقله مجة».","vol":"9","page":432},{"text":"والمشهور من مذهب الحنابلة (^١)، واختاره ابن حزم (^٢)، وابن تيمية (^٣).\nوقيل: أقله يوم، وهو رواية عن أحمد (^٤).\nوقيل: أقله ثلاثة أيام، وهو قول منسوب للثوري (^٥)، ورواية عن أحمد (^٦).\nوقيل: أقله أربعة أيام. وهو قول المزني (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4404> أدلة الجمهور على أن النفاس لا حد لأقله:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4405>الدليل الأول:</span>\nدم النفاس دم أذى كالحيض، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]، فإذا وجد الأذى وجد حكمه. وإذا ارتفع الأذى ارتفع حكمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4406>الدليل الثاني:</span>\nتحديد أقل النفاس لا يصح إلا بتوقيف. ولم يأت دليل على التحديد. وإذا لم يرد دليل تحديده من الشرع فالمرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلًا وكثيرًا (^٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4407>الدليل الثالث:</span>\nوجود دم النفاس هو الموجب لترك الصلاة، فإذا انقطع الدم عاد الفرض بحاله\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٢١٩)، الممتع في شرح المقنع - التنوخي (١/ ٣٠١)، الكافي - ابن قدامة (١/ ٨٥) المبدع (١/ ٢٩٤)، شرح العمدة - ابن تيمية (١/ ٥١٩). الفروع (١/ ٢٨٢)، المحرر (١/ ٢٧).\n(^٢) المحلى (مسألة ٢٦٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٣٣٩)، الجامع للاختيارات (١/ ٢٠٤).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣٨٤). المبدع (١/ ٢٩٤).\n(^٥) نسب هذا القول للثوري الماوردي في الحاوي (١/ ٤٣٦)، والعيني في البناية (١/ ٦٩٥) والمقنع في شرح كتاب مختصر الخرقي (١/ ٢٨٩). ونقل ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٢٥٠) خلاف ما نقلوه. قال: «ولم يحد الثوري، وأحمد وإسحاق في أقل النفاس حدًا».\n(^٦) الإنصاف (١/ ٣٨٤).\n(^٧) حكاه الغزالي في الوسيط عن المزني (١/ ٤٧٧)، والنووي في المجموع (٢/ ٥٤٢).\n(^٨) بتصرف الاستذكار (٣/ ٢٥٠)، المغني - ابن قدامة (١/ ٤٢٨).","vol":"9","page":433},{"text":"كما كان قبل وجود دم النفاس. وهذا يشبه الدليل الأول (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4408>الدليل الرابع:</span>\n(٢٠٣٨ - ٤٩٨) روى البخاري في التاريخ الكبير (^٢)، قال لنا موسى بن إسماعيل،\nعن سهم مولى بني سليم، أن مولاته أم يوسف ولدت بمكة فلم تر دما فلقيت عائشة فقالت أنت امرأة طهرك الله فلما نفرت رأت.\n[إسناده ضعيف] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4409>الدليل الخامس:</span>\n(٢٠٣٩ - ٤٩٩) ما رواه الدارقطني من طريق عمر بن يعلى الثقفي، عن عرفجة السلمي، عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي.\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n_________\n(^١) الأوسط - ابن المنذر (٢/ ٢٥٣).\n(^٢) التاريخ الكبير (٤/ ١٩٤).\n(^٣) وأخرجه البيهقي (١/ ٣٤٣) من طريق البخاري.\nوفيه سهم مولى بني سليم. له ترجمة في الجرح والتعديل، روى عنه اثنان، وسكت عنه فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. (٤/ ٢٩١)، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٤٣١).\nومولاته أم يوسف لم أقف عليها.\n(^٤) ومن طريق الدارقطني أخرجه البيهقي (٢/ ٣٤٢).\nوفي إسناده عمر بن يعلى الثقفي متروك، وكان يشرب الخمر، وقد ضعفه النسائي، وقال أحمد وابن معين، والنسائي: منكر الحديث. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. قيل: فما حاله؟ قال: اسأل الله السلامة. وقال الدارقطني: متروك. انظر كتاب الضعفاء والمتروكين - النسائي (٤٥٧)، الجرح والتعديل (٦/ ١١٨)، التاريخ الكبير (٦/ ١٧٠)، الكامل في الضعفاء (٥/ ٣٤) وتهذيب الكمال (٢١/ ٤١٧) تهذيب التهذيب (٧/ ٤١٣). وفي التقريب: ضعيف.\nوفيه عرفجة السلمي. روى عنه جماعة. وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ١١٨)، وسكت عنه. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات (٥/ ٢٧٣). وقال ابن القطان: مجهول، كما في تهذيب التهذيب (٧/ ١٦٠).","vol":"9","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4410>الدليل الخامس:</span>\nما يحكى من دعوى الإجماع من أن النفساء إذا رأت الطهر وجب عليها أن تغتسل وتصلي.\nقال الترمذي في سننه: «أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي ... .» إلخ كلامه ﵀ (^١).\n• أدلة القائلين بأن أقل النفاس ثلاثة أيام:\nلا أعلم للثوري ﵀ دليلًا على كون النفاس ثلاثة أيام إلا أن يكون قاسه على الحيض، فإنه يرى أن الحيض أقله ثلاثة أيام كمذهب الحنفية، ويستدلون بأدلة كثيرة مرفوعة وموقوفة، سقتها في الخلاف في أقل الحيض فارجع إليها إن شئت.\nوهذا القياس باطل.\nأولًا: لأننا لانسلم الحكم في الأصل حتى نسلم الحكم في الفرع. فلا يثبت أن الحيض أقله ثلاثة أيام.\nوثانيًا: وعلى فرض ثبوت أن الحيض أقله ثلاثة أيام، لا يصح القياس، فإن النفاس أكثره عند الجمهور أربعون يومًا، وقيل: أكثر من ذلك كما سيأتي. فإذا اختلف أكثر النفاس عن أكثر الحيض اختلف أقل النفاس عن أقل الحيض.\n• أدلة القائلين بأن أقله يوم:\nهذا القول مروي عن أحمد كما سبق، ولا أعلم له دليلًا إلا أن يكون قاسه على أقل الحيض؛ لأن الجمهور على أن أقل الحيض يوم وليلة - وما قيل في الجواب عن القائلين بأن أقل النفاس ثلاثة أيام يقال هنا. فالقياس ضعيف من وجهين بينتهما في القول السابق.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (١/ ٢٥٨).","vol":"9","page":435},{"text":"• أدلة القائلين بأن أقله أربعة أيام:\nذكر الغزالي في الوسيط تعليلًا لحكم المزني بأن أقله أربعة أيام، فقال: «لأن أكثره مثل أكثر الحيض أربع مرات» (^١).\nويقصد ﵀ أن أكثر النفاس عنده ستون يومًا، وأكثر الحيض عندهم خمسة عشر يومًا، فكان أكثر النفاس حاصل ضرب أكثر الحيض في أربعة، فجعل الأربعة هي أقل النفاس.\nوهذا القول ضعيف جدًّا، والاستدلال له أضعف منه. وقد نقل صاحب المهذب عن المزني أنه قال: أكثر النفاس أربعون يومًا، وإذا ثبت هذا عنه لم يصح تخريج قوله على ما ذكرنا. والله أعلم.\nوالقول الراجح أنه لا حد لأقل النفاس. لقوة أدلتهم، وضعف أدلة القائلين بالتحديد. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الوسيط - الغزالي (١/ ٤٧٧).","vol":"9","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4411>الفصل التاسع\nفي أكثر مدة النفاس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لابد من تحديد أكثر النفاس للتفريق بين دم النفاس والاستحاضة.\n• إذا كان لابد من القول بتحديد أكثر النفاس فالاتباع يكون لقول الصحابة دون غيرهم، وقد أجمعوا على أن أكثر النفاس أربعون يومًا.\n[م-٨٠٧] اختلف العلماء في أكثر النفاس إلى أقوال.\nفقيل: أكثر النفاس أربعون يومًا.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤١)، المبسوط (٣/ ٢١٠)، تبيين الحقائق (١/ ٦٨)، الأصل (١/ ٢٣٨، ٥١٤ - ٥١٧)، البناية (١/ ٦٩٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠٠). فإن زاد على الأربعين فإن كانت مبتدأة فما زاد فهو استحاضة. وإن كانت لها عادة، بأن كانت عادتها ثلاثين مثلًا، فإن لم يجاوز الدم أربعين يومًا، فالجميع نفاس. وإن جاوزت الأربعين بأن رأت خمسين مثلًا، فنفاسها عادتها (الثلاثين)، والباقي استحاضة. والله أعلم.\n(^٢) شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٦)، الكافي (١/ ٨٥) الإنصاف (١/ ٣٨٣)، المبدع (١/ ٢٩٣)، الفروع (١/ ٢٨٢)، كشاف القناع (١/ ٢١٨)، المغني (١/ ٤٢٧، ٤٢٨) ومسائل عبدالله (ص ٤٩)، المحرر (١/ ٢٧)، المقنع (١/ ٩٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٦٩). وإن جاوز الدم ...\nالأربعين عندهم فهو استحاضة إلا أن يصادف عادة حيضها، ولم يزد عليه، فالمجاوز حيض؛ لأنه في عادتها أشبه، وإن زاد الدم المجاوز للأربعين عن العادة، وتكرر ثلاث مرات، ولم يجاوز أكثر الحيض فهو حيض؛ لأنه دم متكرر صالح للحيض أشبه ما لو لم يكن قبله نفاس.\nوإن زاد الدم المجاوز للأربعين عن العادة، ولم يتكرر، أو جاوز أكثر الحيض مطلقًا، سواء تكرر أم لم يتكرر، أو لم يصادف عادة الحيض، فهو استحاضة؛ لأنه لا يصلح حيضًا ولا نفاسًا. انظر المراجع السابقة.","vol":"9","page":437},{"text":"وقيل: أكثره ستون يومًا، وهو المشهور من مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، وهو رواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: أكثره سبعون يومًا (^٤).\nوقيل: أكثره خمسون يومًا، وهو قول الحسن البصري (^٥).\nوقيل: تسأل النساء وأهل المعرفة، فتجلس أبعد ذلك. وقيل إن مالكًا رجع إليه (^٦).\n_________\n(^١) انظر المدونة (١/ ٥٣)، مقدمات ابن رشد (١/ ٥٣، ٥٤)، الاستذكار (٣/ ٢٤٠)، التفريع (١/ ٢٠٦)، الشرح الصغير (١/ ٢١٧)، منح الجليل (/١٧٥)، الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي (١/ ١٧٤)، قال الخرشي (١/ ٢١٠): «وأما أكثر زمنه -يعني النفاس- إذا تمادى متصلًا أو منقطعًا ستون يومًا على المشهور، ثم هي مستحاضة».\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ١٧٤)، المهذب (١/ ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ١١٩)، نهاية المحتاج (١/ ٣٥٧)، مختصر المزني (ص: ١١)، الحاوي الكبير (١/ ٥٣٤)، حاشية قليوبي وعميرة (١/ ١٠٩)، الوجيز (١/ ٣١)، وقال في المجموع (٢/ ٥٣٩): «مذهبنا الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي ﵀، وقطع به الأصحاب أن أكثر النفاس ستون».\n(^٣) الإنصاف (١/ ٣٨٣)، المبدع (١/ ١/٢٩٣)، الفروع (١/ ٢٨٢).\n(^٤) قال في المجموع (٢/ ٥٤١): «وقال القاضي أبو الطيب: قال الطحاوي: قال الليث: قال بعض الناس إنه سبعون يومًا».\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١٢٠١)، عن الثوري، عن يونس، عن الحسن قال: أربعين أو خمسين -يعني أنها تجلس- أربعين إلى خمسين، فإن زاد فهي مستحاضة. وإسناده صحيح وأخرجه الدارمي (٩٤٩)، من طريق هشيم، ثنا يونس به. ورواه البيهقي (١/ ٣٤٢) من طريق أشعث عن الحسن. وذكره مذهبًا للحسن كل من الترمذي (١٣٩)، الأوسط - ابن المنذر (٢/ ٢٥٠)، المجموع (٢/ ٥٤١).\n(^٦) المدونة (١/ ٥٣)، وقال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٤٣): «وأما أكثره -يعني النفاس- ...\nفقال مالك مرة: هو ستون يومًا ثم رجع عن ذلك فقال: يسأل عن ذلك النساء، وأصحابه ثابتون على القول الأول».","vol":"9","page":438},{"text":"وقيل: أكثره في الغلام خمسة وثلاثون، وفي الجارية أربعون. وهو قول الأوزاعي (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4412> أدلة من قال: أكثر النفاس أربعون:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4413>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٤٠ - ٥٠٠) ما رواه أحمد، حدثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو خثيمة - يعنى زهير ابن معاوية - عن على بن عبد الأعلى، عن أبى سهل من أهل البصرة، عن مسة،\nعن أم سلمة، قالت: كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا، أو أربعين ليلة -شك أبو خثيمة- وكنا نطلي على وجوهنا الورس من الكلف (^٢).\n[إسناده ضعيف، وهو صالح في الشواهد] (^٣).\n_________\n(^١) انظر المجموع (٢/ ٥٣٩)، والأوسط (٢/ ٢٥١).\n(^٢) المسند (٦/ ٣٠٠).\n(^٣) أعل الحديث بعلل بعضها لا يصح. منها.\nأولًا: جاء في رواية لأبي داود (٣١٢)، من طريق يونس بن نافع، عن كثير بن زياد، قال:\nحدثتني الأزدية -يعني مسة- قالت: حججت فدخلت على أم سلمة، فقلت: يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة المحيض، فقالت: لا يقضين كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس.\nقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٩): «فخبر هذا ضعيف الإسناد، منكر المتن، فإن أزواج النبي ﷺ ما منهن من كانت نفساء أيام كونها معه إلا خديجة، وزوجيتها كانت قبل الهجرة؛ فإذًا لا معنى لقولها: (كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين يومًا).\nويجاب عن ذلك:\nبأن هذا الكلام قد انفرد به يونس بن نافع، عن أبي سهل، وقد رواه علي بن عبد الأعلى، وهو مشهور عنه هذا الحديث، رواه عنه خلق، وليس فيه إشارة إلى نساء النبي ﷺ ولفظه: كانت النفساء على عهد رسول الله تقعد أربعين يومًا، وليس فيه إشارة إلى فتوى سمرة بن جندب. =","vol":"9","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وبالمقارنة بين ترجمة يونس بن نافع، وبين علي بن عبد الأعلى، نجد عبد الأعلى أحفظ منه، وإليك تراجمهما ليتبين الراجح منهما.\nفأما علي بن عبد الأعلى. فقد وثقه البخاري، والترمذي، وقال فيه أحمد، والنسائي: ليس به بأس. تهذيب الكمال (٢١/ ٤٤)، سنن الترمذي (١٣٩)، سنن الترمذي (٢٦٣٣)، تهذيب التهذيب (٧/ ٣١٣).\nوقال الذهبي في الكاشف: صدوق.\nوقال أبو حاتم: ليس بقوي. انظر الجرح والتعديل (٦/ ١٩٥).\nوقال الدارقطني في العلل: ليس بالقوي. انظر تهذيب التهذيب (٧/ ٣١٣). وأبو حاتم معروف بتشدده، وأما ما نقل عن الدارقطني فهذا الجرح المبهم لا يعارض التوثيق الصريح عن البخاري وأحمد والنسائي والترمذي والذهبي.\nوأما ترجمة يونس بن نافع. فقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٢٤٧) وسكت عنه. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات (٧/ ٦٥٠)، وقال: يخطي.\nفأين هذا من علي بن عبد الأعلى الذي وثقه أئمة الجرح والتعديل كالبخاري، وأحمد والنسائي، والترمذي. فالذي يظهر لي شذوذ رواية يونس بن نافع، وأن العلة هذه غير مؤثرة. والله أعلم.\nالعلة الثانية: قال ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٢٤) عن أبي سهل: «يروي عن الحسن وأهل العراق الأشياء المقلوبة، استحب مجانبة ما انفرد به من الرويات».\nقلت: ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٥٣). وقال: كان ممن يخطئ.\nوقد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: ثقة من أكابر أصحاب الحسن، لا بأس به بصري. الجرح والتعديل (٧/ ١٥١) ﷺ وقال البخاري ثقة: انظر سنن الترمذي (١٣٩)، ووثقه النسائي. انظر تهذيب التهذيب (٨/ ٣٧٠). وبهذا نتبين أن ابن حبان لم يصب عند ما ضعف الحديث بأبي سهل.\nالعلة الثالثة: جهالة مسة.\nقال ابن حزم في المحلى (٢/ ٢٠٤) «مجهولة».\nوقال ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٩): «لا تعرف حالها ولا عينها، ولا تعرف في غير هذا الحديث. قاله الترمذي في علله».\nوقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٣٠٣) ح ٢٣٩ «مسة مجهولة الحال، قال الدارقطني: لا تقوم بها حجة».اهـ كلام الحافظ.\nوقول الدارقطني لم أجده في السنن، وقد نقله عنه ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٦٢٠).\nوذكرها الذهبي في الميزان من المجهولات (٤/ ٦١٠). وقال ابن حجر في التقريب: مقبولة. يعني حيث توبعت، وإلا ففيها لين. =","vol":"9","page":440},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وحاول بعضهم أن يدفع الجهالة عن مسة، فقال ابن الملقن كما في عون المعبود (١/ ٥٠١) «لا نسلم جهالة عينها، وجهالة حالها مرتفعة؛ فإنه روى عنها جماعة كثير بن زياد، والحكم بن عتيبة، وزيد ابن علي بن الحسين، ورواه محمد بن عبيد الله العرزمي، عن الحسن، عن مسة أيضًا. فهؤلاء رووا عنها، وقد أثنى على حديثها البخاري، وصحح الحاكم إسناده، فأقل أحواله أن يكون حسنًا».\nقلت: رواية الحكم بن عتيبة عن مسة وقفت عليها في سنن الدارقطني (١/ ٢٢٣)، فإن لم يكن طريق غيرها فلا تثبت؛ لأنها من طريق عبد الرحمن بن محمد العرزمي، عن أبيه، عن الحكم.\nجاء في اللسان (٥/ ٢٥٥) في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن محمد العرزمي قال الدارقطني متروك الحديث هو وأبوه وجده.\nوكذلك رواية الحسن فقد صرح ابن المقن أنها من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي. وهو متروك.\nويبقى زيد بن علي بن الحسين لم أقف على إسناده في روايته عن مسة لينظر فيه.\nوبالتالي لم يبق إلا أبو سهل كثير بن زياد، وهذا روايته ثابتة عن مسة.\nوقال النووي في المجموع (٢/ ٤٧٩): «حديث حسن».\nوقال الخطابي في معالم السنن (١/ ١٦٩): «وحديث مسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل» وقال\nابن الملقن: مثله. انظر تحفة المحتاج (١/ ٢٤٢).\nقلت: الذي وقفت عليه من كلام البخاري في سنن الترمذي وعلله لم يتعرض لمسة. قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل: علي بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل ثقة، ولم يعرف محمد هذا الحديث إلا من حديث أبي سهل».\nوقال في العلل الكبير (١/ ١٩٣ - ١٩٤): «وسألت محمدًا عنه، فقال: علي بن عبد الأعلى ثقة، روى له شعبة. وأبو سهل كثير بن زياد ثقة. ولا أعرف لمسة غير هذا الحديث».\nوصححه الحاكم في المستدرك (١/ ١٧٥)، وأقره الذهبي! ! !\nإذا علمت هذا نأتي إلى تخريج الحديث:\nفالحديث رواه أحمد (٦/ ٣٠٠، ٣٠٤، ٣٠٩، ٣١٠)، وأبو داود (٣١١)، والدارمي (٩٥٥) والدارقطني (١/ ٢٢٢)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٧٠، ٣٧١)، والبيهقي في السنن في الكبرى (١/ ٣٤١)، من طرق عن زهير بن معاوية،\nورواه أحمد (٦/ ٣٠٢، ٣٠٣)، والترمذي في السنن (١٣٩)، وابن ماجه (٦٤٨)، وأبو يعلى في مسنده (٧٠٢٣)، والدارقطني (١/ ٢٢١، ٢٢٢) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٤١) من طرق عن شجاع بن الوليد، كلاهما عن علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل، عن مسة، عن أم سلمة به.\nوأخرجه أبو داود (٣١٢)، والحاكم (١/ ١٧٥)، والبيهقي (١/ ٣٤١) من طريق يونس بن نافع، عن أبي سهل به، وفيه: (كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس).","vol":"9","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4414>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٤١ - ٥٠١) ما رواه الدارمي، قال: أخبرنا أبو نعيم، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك،\nعن ابن عباس قال: النفساء تنتظر نحوًا من أربعين يومًا.\n[صحيح والموقوف شاهد للمرفوع، ولو لم يوجد إلا هذا الأثر لكفى] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4415>الدليل الثالث:</span>\n(٢٠٤٢ - ٥٠٢) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن يونس، عن الحسن،\nعن عثمان بن أبي العاص، أنه كان لا يقرب نساءه إذا تنفست إحداهن أربعين ليلة.\n[رجاله ثقات، إلا أن الحسن لم يسمع من ابن أبي العاص، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (^٢).\n_________\n(^١) الأثر أخرجه ابن الجارود في المنتقى (١١٩) حدثنا زياد بن أيوب، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر به، قال ابن عباس: تمسك النفساء عن الصلاة أربعين يومًا.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٣٤١)، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا هارون بن سليمان، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثني أبو عوانة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس، قال: النفساء تنتظر أربعين يومًا أو نحوه. وبإسناده قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن بشر بن منصور عن ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس: تنتظر يعني النفساء سبعًا فإن طهرت وإلا فأربعة عشر فإن طهرت وإلا فواحدة وعشرين فإن طهرت وإلا فأربعين ثم تصلى.\n(^٢) المصنف (١٢٠١)، وقد اختلف في رفعه ووقفه.\nفرواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٧٦)، من طريق أبي بلال الأشعري، حدثنا أبو شهاب، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وقت للنفساء في نفاسهن أربعون يومًا.\nقال الدارقطني: أبو بلال الأشعري ضعيف كما في السنن (١/ ٢٢٠).\nوجاء في اللسان: قال ابن القطان: لا يعرف البتة. وتعقبه الحافظ فقال: هو مشهور بكنيته. =","vol":"9","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4416>الدليل الرابع:</span>\n(٢٠٣٤ - ٥٠٣) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن إسماعيل، ثنا وكيع نا\n_________\n= أبو بلال من أهل الكوفة. قال ابن حبان في الثقات: يغرب ويتفرد. ولينه الحاكم أيضًا. وقول ابن القطان: لا يعرف البتة وهم في ذلك؛ فإنه معروف.\nوممن رواه مرفوعًا أيضًا أبو بكر الهذلي، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص. واختلف على أبي بكر، فرواه عنه عمر بن هارون البلخي مرفوعًا كما في سنن الدارقطني (١/ ٢٢٠)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٣/ ٤١٣). وعمر بن هارون متروك.\nكما رواه مرفوعًا القاسم بن الحكم الهمذاني، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص.\nوأبو بكر الهذلي متروك أيضًا، وقد خالفهما وكيع، فرواه عن أبي بكر الهذلي عن الحسن عن عثمان موقوفًا. وهو المعروف.\nقال الحافظ في التلخيص (١/ ٣٠٣): «الحسن عن عثمان بن أبي العاص منقطع، والمشهور عن عثمان موقوف عليه».\nوقد رواه جماعة عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص موقوفًا. وإليك بيانهم.\nالأول: يونس بن عبيد كما في مصنف عبد الرزاق (١٢٠١)، وسنن الدارمي (٩٥٠).\nالثاني: أشعث بن سوار الكندي. كما في المعجم الكبير للطبراني (٨٣٨٤)، وأشعث: ضعيف. لكنه صالح في المتابعات.\nالثالث ممن رواه موقوفًا: هشام بن حسان.\nرواه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٤٩) من طريق زائدة، عنه، ورواية هشام عن الحسن فيها كلام.\nالرابع: إسماعيل بن مسلم، كما في سنن الدرامي (٩٥١)، وإسماعيل متفق على ضعفه.\nالخامس: أبو حرة.\nأخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٨٧) ومن طريقه البيهقي (١/ ٣٤١).\nوأبو حرة. اسمه واصل بن عبد الرحمن. قال البخاري: تكلموا في روايته عن الحسن. الضعفاء للعقيلي (٤/ ٣٢٦).\nووثقه أحمد. وقال شعبة: هو أصدق الناس. الجرح والتعديل (٩/ ٣١). لسان الميزان (٧/ ٤٢٣). وأثبت سماعه من الحسن البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٧). نعم كان يدلس عن الحسن، ذكره سبط بن العجمي وغيره. أسماء المدلسين (٩٤).\nوفي التقريب: صدوق عابد، وكان يدلس عن الحسن.\nفهؤلاء خمسة رواة رووه عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص موقوفًا، وليس له علة مع كثرة هذه المتابعات إلا كون الحسن لم يسمعه من عثمان، فيبقى هذا الموقوف صالحًا للاعتبار.","vol":"9","page":443},{"text":"إسرائيل، عن جابر، عن عبد الله بن يسار، عن سعيد بن المسيب، عن عمر قال: تجلس النفساء أربعين يومًا.\n[ضعيف جدًّا فيه جابر الجعفي وهو متروك] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4417>الدليل الخامس:</span>\n(٢٠٤٤ - ٥٠٤) ما رواه البيهقي في الخلافيات من طريق إسماعيل بن عمرو، حدثنا الحسن بن صالح، عن عاصم الأحول،\nعن أنس بن مالك، قال: وقت للنفساء أربعون يومًا.\n[إسناده ضعيف، وهذا أمثل طريق روي به الحديث عن أنس] (^٢).\n_________\n(^١) رواه الدارقطني (١/ ٢٢١).\nعلة الإسناد جابر الجعفي، الأكثر على ضعفه، وكذبه بعضهم، وقد اختلف في إسناده:\nفرواه وكيع، واختلف عليه:\nفرواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٤٥١)،\nوابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٤٩) من طريق يحيى،\nوالدارقطني (١/ ٢٢١) من طريق محمد بن إسماعيل الحساني، ثلاثتهم عن وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عبد الله بن يسار، عن ابن المسيب، عن عمر.\nوخالفهم سعدان، فرواه البيهقي في الخلافيات (٣/ ٤٣٧) من طريقه، عن وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن ابن المسيب، عن عمر، فجعل بدلًا من عبد الله بن يسار جعل عامرًا الشعبي.\nوالصواب الأول، فقد رواه وأبو نعيم في الصلاة (١٢٦)، عن إسرائيل.\nورواه عبد الرزاق (١١٩٧) عن معمر، كلاهما عن جابر به بذكر عبد الله بن يسار في إسناده.\n(^٢) الخلافيات - للبيهقي (٣/ ٤٣٣، ٤٣٤)، وفيه إسماعيل بن عمرو بن نجيح.\nقال أبو حاتم: ضعيف. الجرح والتعديل (٢/ ١٩٠)، اللسان (١/ ٤٢٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب.\nوقال الخطيب: إسماعيل صاحب غرائب ومناكير.\nوقال ابن عقدة: ضعيف، ذاهب الحديث. اللسان (١/ ٤٢٥).\nوأخرجه أبو يعلى (٣٧٩١)، وابن ماجه (٦٤٩)، والدارقطني (١/ ٢٢٠) والبيهقي في الخلافيات (٣/ ٤٢٨، ٤٢٩) من طريق سلام بن سليم، عن حميد، عن أنس. =","vol":"9","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4418>الدليل السادس:</span>\n(٢٠٤٥ - ٥٠٥) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا محمد بن منير، قال: حدثنا إبراهيم الجشاش، قال: حدثنا غسان بن مالك، قال: حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشي، حدثنا العلاء بن كثير الدمشقي، عن مكحول،\nعن أبي الدرداء وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ: تنتظر النفساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإن بلغت أربعين يومًا ولم تر الطهر فلتغتسل وهي بمنزلة المستحاضة.\n[ضعيف جدًّا] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4419>الدليل السابع:</span>\n(٢٠٤٦ - ٥٠٦) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا عمر بن سنان، ثنا موسى ابن\n_________\n= وسلام بن سليم: هو الطويل، وهو متروك الحديث.\nوقد ضعف الحديث جمع من أهل العلم منهم الدارقطني (١/ ٢٢٠)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٨٦)، والزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٠٥)، وابن حزم في المحلى (٢/ ٢٠٦) وغيرهم. والله أعلم.\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٤٣) وفي الخلافيات بسنده، ومتنه (٣/ ٤٣٣). من طريق زيد العمي، عن أبي إياس، عن أنس. وهذا سند ضعيف، لضعف زيد العمي.\nورواه عبد الرزاق (١١٩٨)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٥٠) أخبرنا معمر، عن جابر، عن خيثمة، عن أنس بن مالك، قال: تنتظر البكر إذا ولدت وتطاول بها الدم أربعين ليلة، ثم تغتسل.\nوجابر هو ابن الجعفي متروك.\n(^١) الكامل في الضعفاء (٥/ ٢١٩). وأخرجه البيهقي في الخلافيات (٣/ ٤١٧) من طريق سليمان ابن الحكم، عن العلاء بن كثير به.\nوفيه العلاء بن كثير، قال فيه ابن عدي: «وللعلاء بن كثير، عن مكحول، عن الصحابة، عن النبي ﷺ نسخ كلها غير محفوظة، وهو منكر الحديث. الكامل (٥/ ٢١٩).\nوفي التقريب: متروك. رماه ابن حبان في الوضع. وسبقت ترجمته في حديث رقم: ١٣٦.","vol":"9","page":445},{"text":"سليمان، ثنا بقية عن إسماعيل بن عياش، عن عطاء، عن ابن أبي مليكة،\nعن عائشة أن رسول الله ﷺ سئل عن النفساء فوقت لها أربعين يومًا.\n[ضعيف جدًّا] (^١).\n_________\n(^١) رواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٦٥).\nورواه الدارقطني في السنن (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (٣/ ٤٢٦) عن سعد بن الصلت.\nورواه البيقهي (٣/ ٤٢٧) من طريق نوح بن أبي مريم، كلاهما عن عطاء بن عجلان به.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٢٢٠) من طريق أبي بلال الأشعري، حدثنا حبان، عن عطاء به. وفي هذه الأسانيد عطاء بن عجلان.\nقال عمرو بن علي: كان كذابًا.\nوقال يحيى بن معين: كوفي ليس حديثه بشيء، كذاب. الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٥). والضعفاء للعقيلي (٣/ ٤٠٢).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين له (٤٨٠).\nوفي التقريب: متروك، بل أطلق عليه ابن معين والفلاس الكذب.\nوأخرجه البيهقي في الخلافيات (٣/ ٤٢٤) من طريق يحيى بن العلاء، حدثني عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ وقت للنفساء أربعين يومًا.\nوهذا الإسناد أيضًا ضعيف جدًّا. فيه يحيى بن العلاء.\nقال ابن معين: ليس بثقة. تاريخ ابن معين (٢/ ٦٥١).\nوقال وكيع: كان يكذب. تهذيب التهذيب (١١/ ٢٦١).\nوقال النسائي: متروك الحديث (٦٥٨).\nورماه بالكذب مكي، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوهري: شيخ واه. الضعفاء للعقيلي (٤/ ٤٣٧).\nوقال أحمد: كذاب يضع الحديث. الضعفاء لابن الجوزي (٣/ ٢٠٠).\nورواه البيهقي في الخلافيات أيضًا (٣/ ٤٢٢) من طريق عبد العزيز بن أبان، حدثنا الحسن ابن صالح، عن عطاء بن السائب، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ في النفساء إذا تطاول بها الدم، قال: تمسك أربعين يومًا، ثم تغتسل وتتطهر وتتوضأ لكل صلاة. =","vol":"9","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4420>الدليل الثامن:</span>\n(٢٠٤٧ - ٥٠٧) ما رواه الحاكم من طريق عمرو بن الحصين، حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن باباه،\nعن عبد الله بن عمرو، قال قال رسول الله ﷺ: تنتظر النفساء أربعين ليلة، فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة.\nقال الحاكم: عمرو بن الحصين ومحمد بن علاثة ليسا من شرط الشيخين وإنما ذكرت هذا الحديث شاهدًا متعجبًا.\n[ضعيف جدًّا] (^١).\n_________\n= وحال هذا الإسناد كالذي قبله أو أشد. فيه عبد العزيز بن أبان.\nقال يحيى بن معين: كذاب خبيث يضع الحديث. سؤالات ابن الجنيد (٨٢).\nوقال أيضًا: ليس بشيء. تاريخ ابن معين (٣/ ٢٧٧).\nوقال أيضًا: ليس بثقة. قال الدارمي: من أين جاء ضعفه؟ فقال: كان يأخذ أحاديث الناس فيرويها. تاريخ الدارمي (٥٦٩).\nوفي التقريب: متروك، وكذبه ابن معين وغيره.\n(^١) في الإسناد عمرو بن الحصين العقيلي، قال الدارقطني: متروك.\nوقال أبو رزعة: ليس هو في موضع يحدث عنه، هو واهي الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٩).\nوقال الدارقطني: متروك. الضعفاء له (٣٩٠).\nوقال الخطيب: كذاب. تاريخ بغداد (٥/ ٣٩٠).\nوفيه أيضًا: محمد بن عبد الله بن علاثة. اختلف فيه.\nوثقه ابن سعد وابن معين وقال ابن عديك هو حسن الحديث، وأرجو أنه لا بأس به. وقال أبو زرعة: صالح. الطبقات الكبرى (٧/ ٤٨٣)، تاريخ ابن معين (٢/ ٥٢٤)، الكامل (٦/ ٢٢٣)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٠٢).\nوقال فيه أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به.\nوقال البخاري: في حفظه نظر. التاريخ الكبير (٢/ ١٣٢).\nوقال الدارقطني: عمرو بن حصين، وابن علاثة ضعيفان، متروكان. السنن (١/ ٢٢١). ...\nوفي التقريب: صدوق يخطئ.\nوالحديث أخرجه البيهقي في الخلافيات (٣/ ٤١٦) من طريق الحاكم به. وأخرجه الدارقطني في السنن (١/ ٢٢١) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٨٦).","vol":"9","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4421>الدليل التاسع:</span>\n(٢٠٤٨ - ٥٠٨) ما رواه ابن عدي من طريق محمد بن سعيد الشامي، حدثني عبد الرحمن بن غنم، قال:\nسمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا حيض فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة فما زاد تتوضأ لكل صلاة إلى أيام إقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت وصلت ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين.\n[موضوع] (^١).\nهذه الأحاديث التي وقفت عليها مما جاء فيها التحديد، والصالح للاستدلال منها حديث أم سلمة، وأثر ابن عباس، وعثمان بن أبي العاص، فأثر ابن عباس صحيح الإسناد، ووحده كاف في الاحتجاج، لأن قول الصحابي أراه حجة فيما لم يخالف فيه، وأثر أم سلمة قد حسنه بعضهم كالخطابي، وابن الملقن، والنووي، ويبقى حتى على القول بضعفه يتقوى بأثر ابن عباس، وحديث عثمان بن أبي العاص، فيه انقطاع لا يخرجه عن الاعتبار. والله أعلم.\nولقد أحسن ابن عبد البر ﵀ حين قال: «وليس في مسألة أكثر النفاس موضع للإتباع والتقليد إلا من قال: بالأربعين؛ فإنهم أصحاب رسول الله ﷺ، ولا مخالف لهم منهم، وسائر الأقوال جاءت عن غيرهم، ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم؛ لأن إجماع الصحابة حجة على من بعدهم، والنفس تسكن إليهم. فأين\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ١٤١)، وسبق تخريجه، انظر ح: (١٥٧٢).","vol":"9","page":448},{"text":"المهرب عنهم دون سنة ولا أصل؟ وبالله التوفيق» (^١).\nوقال الترمذي في السنن: «أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي. فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك والشافعي (^٢)، وأحمد، وإسحاق».اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4422>الدليل الثاني:</span>\nأن القول بالتحديد لا بد منه؛ لأنه لا يمكن أن يقال إنه دم نفاس، ولو مكث ما مكث، فلا بد من القول إذا أطبق الدم صارت مستحاضة، فمتى تحكمون له بأنه دم استحاضة؟\nفإن قيل: بعد السبعين أو الثمانين قيل: هذا رجوع إلى القول بالتحديد، وإذا كان لا بد من القول بالتحديد فالأخذ بقول ابن عباس أولى من الأخذ بقول غيره.\nوقد ذكر ابن المنذر في الأوسط بأنه مذهب لعمر، وابن عباس، وعثمان بن\nأبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأنس بن مالك، وأم سلمة (^٣).\nونقلت عن الترمذي قرييًا أنه قال: إنه مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4423> أدلة القائلين بأن أكثر النفاس ستون</span>.\nقال النووي: «الاعتماد في هذا الباب على الوجود في الستين بما ذكره المصنف ـ\n_________\n(^١) الاستذكار (٣/ ٢٥٠).\n(^٢) المشهور عن الشافعي أنه يقول: أكثر النفاس ستون يومًا. ولقد استغرب النووي في المجموع ما نقله الترمذي عن الشافعي. وقال ابن رجب في شرح البخاري (٢/ ١٨٨):\n«وحكاه الترمذي عن الشافعي وهو غريب عنه».\n(^٣) الأوسط (٢/ ٢٤٨).","vol":"9","page":449},{"text":"يعني صاحب المهذب - حيث قال: والدليل على ما قلناه ما روى عن الأوزاعي أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين.\nوعن عطاء والشعبي وعبيد الله بن الحسن العنبري والحجاج بن أرطاة: أن النفاس ستون يومًا» (^١).\nوقال المرداوي: «حد الحيض والنفاس مأخوذ من وجود العادة المستمرة فيه، وقد وجد الشافعي الستين في عادة مستمرة، وتحرر هذا قياسًا، فيقال: لأنه دم أرخاه الرحم جرت به عادة مستقرة، فجاز أن يكون نفاسًا كالأربعين، ولأن أكثر الدم يزيد على عادته في الغالب كالحيض غالبه السبع، وأكثره يزيد على السبع، فلما كان غالب النفاس أربعين، وجب أن يزيد أكثره على الأربعين ولأن النفاس هو ما كان محتبسًا من الحيض في مدة الحمل، فلما كان غالب الحمل تسعة أشهر، وغالب الحيض ست أو سبع، فإن اعتبرنا السبع كان النفاس ثلاثة وستين يومًا، وإن اعتبرنا الست كان النفاس أربعة وخمسين يومًا، وإن اعتبرناهما معًا كان النفاس ستين يومًا (^٢)، وهو أن يجعل حيضها في ستة أشهر سبعًا، وفي ثلاثة أشهر ستًا. فصح أن ما ذهبنا إليه أصح» (^٣).\n• والنقاش من وجهين:\nالأول: أين الدليل على أنه لا يوجد نفاس أكثر من ستين، ما دمتم تحكمون لكل دم جاوز الستين بأنه ليس دم نفاس، وإنما هو استحاضة. فقد يلزمكم خصمكم بأنه وجد أكثر من الستين، ما دام أن التعويل على الوجود. ويعسر دعوى الاستقراء والأمر يتعلق بالنساء، وكما أن الحامل قد ترى الدم، وقد أثبت الطب أن الحامل لا يمكن أن تحيض، ومع ذلك فإن وجود الدم مع الحامل لا يكفي للحكم له بأنه حيض.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٣٩ - ٥٤١).\n(^٢) حاصل ضرب ستة في تسعة أو ضرب سبعة في تسعة. والستة السبعة غالب الحيض، والتسعة المراد بها تسعة أشهر غالب الحمل.\n(^٣) الحاوي الكبير (١/ ٤٣٧).","vol":"9","page":450},{"text":"الثاني: نحن لا نناقش وجود دم أكثر من أربعين، بل قد يوجد أكثر من ستين، وسبعين، وربما أكثر من ذلك. ولكن النقاش هل هذا يعتبر دم نفاس أو استحاضة.\nفالحيض عندنا لا يمكن أن يستمر شهرًا كاملًا؛ لأن الشهر يتخلله حيض وطهر كما دللنا على ذلك في باب الحيض وكما هو مقرر طبيًا. وأما النفاس فإن لم نأخذ بقول ابن عباس، فلا بد أن نحدد أجلًا إذا جاوزه الدم أصبح دم فساد واستحاضة. فيرجع القول إلى التحديد، وقول ابن عباس أحب إلى، خاصة أنه مذهب جملة من الصحابة. وأكثر التابعين. كما حكاه الترمذي، الله أعلم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4424>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: كيف نحكم للدم في الساعة الأخيرة قبل تمام لأربعين بأنه نفاس، وبعده بلحظة نحكم له بأنه استحاضة، والدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة، فكيف يفرق الشارع بين متماثلين.\nوالجواب على هذا أن يقال: هذا يرد أيضًا على الستين، فكيف يكون قبل تمام الستين بساعة واحدة نفاسًا، وبعد تمام الستين دم استحاضة، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة.\nفإن قالوا: هذا أكثر ما قيل في المسألة.\nفالجواب، قد وجدنا من يقول بأكثر من الستين. قال ابن تيمية: «ولا حد لأقل النفاس، ولا لأكثره، ولو زاد على الأربعين، أو الستين أو السبعين وانقطع، فهو نفاس» (^١).\nولا أعلم أن القول بأكثر ما قيل يكون من أدلة الشرع المتفق عليها أو المختلف فيها، فهذه كتب الأصول تذكر الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، والقياس\n_________\n(^١) الاختيارات (ص: ٣٠). وقال في المجموع (٢/ ٥٤١): «وقال القاضي أبو الطيب: قال الطحاوي: قال الليث: قال بعض الناس إنه سبعون يومًا».","vol":"9","page":451},{"text":"وغيرها من الأدلة المتفق عليها أو المختلف فيها، ولم نجد من بين أدلتهم: القول بأكثر ما قيل. والله المستعان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4425> دليل من قال لا حد لأكثر النفاس:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4426>الدليل الأول:</span>\nالقول بالتحديد يحتاج إلى دليل، وما ورد فيه لا يصح.\nقال ابن رشد: «ليس هناك سنة يعمل عليها، كالحال في اختلافهم في أيام الحيض، والطهر» (^١).\nوالجواب قد بينت في الأدلة السابقة أنه قد صح عن ابن عباس ﵁، وعن أم سلمة وله حكم الرفع وقد حسنه الخطابي، والنووي وابن الملقن. وعن عثمان ابن أبي العاص بسند منقطع، وعن عمر بسند ضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4427>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٤٩ - ٥٠٩) سمى رسول الله ﷺ الحيض نفاسًا، بما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة أن زينب بنت أم سلمة حدثته،\nأن أم سلمة حدثتها، قالت: بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، قال أنفست؟ قلت: نعم فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة (^٢).\nوإذا كان الحيض نفاسًا فقد أمر الله ﷾ باعتزال الحيض، وأخبر أنه أذى، فما دام الأذى موجودًا، فحكمه موجود من وجوب اعتزال الصلاة والوطء ونحوهما، ولذلك تجد أحكام الحيض والنفاس متشابهة.\n_________\n(^١) بداية المجتهد (٢/ ٤٤).\n(^٢) رواه البخاري (٢٩٨)، ورواه مسلم (٢٩٦).","vol":"9","page":452},{"text":"وهذا من أقوى أدلة القائلين بعدم التحديد. إلا أننا نسألهم، إذا استمر الدم واتصل مع المرأة هل تقولون بأنه دم نفاس.\nالجواب: لا يمكن أن يقولوا بأنه دم نفاس حتى ولو مكث ما مكث. فإذا لا بد أن يقولوا في يوم من الأيام إن الدم دم فساد، وحينئذ نسألهم. متى تقطعون بأنه دم فساد، فإن قالوا بعد السبعين أو الثمانين. قلنا: هذا هو القول بالتحديد. وإن قالوا: ممكن أن نحكم بأنه دم فساد مع امرأة بعد السبعين، وأخرى بعد الثمانين، متى ما تيقنا أن الدم يعتبر متصلًا، فالجواب أن هذا تناقض واضطراب، إذ كيف تجعلونه مع امرأة إلى السبعين ومع أخرى إلى الثمانين. والله أعلم.\nرأي الطب في أكثر النفاس.\nيقول بعض الأطباء: «يعرف الفقهاء النفاس تعريفًا يختلف إلى حد ما عن تعريف الأطباء .. فالأطباء يركزون على حالة الرحم وعودته إلى حالته الطبيعية بينما يحرص الفقهاء على ربط النفاس بدم النفاس وإفرازاته .. وكلاهما مرتبط بالآخر إلى حد ما، ولكنهما ليسا شيئًا واحدًا.\nوسبب الخلاف أن الطب ينظر إلى الناحية الصحية والفسيولوجية لجهاز المرأة التناسلي، وللرحم على وجه الخصوص؛ إذ إن ذلك متعلق بصحة المرأة وجهازها التناسلي بصورة خاصة .. وعودة الرحم إلى حالته الطبيعية هي العلامة الهامة والمؤشر الوحيد على عودة النفساء إلى حالتها المعتادة .. وأنها قد تجاوزت تمامًا مرحلة الخطر، ومرحلة إصابتها بحمى النفاس أو النزيف الذي يعقب الولادة أحيانًا .. أو سقوط الرحم، أو غيرها من الأمراض التي تعتري النفساء .. بينما اهتمام الفقيه بالدم والإفرازات التي تمنع الصلاة والصيام ومس المصحف، والمباشرة، فلا بد إذن من نوع اختلاف بين الطب والفقه في هذه النقطة.","vol":"9","page":453},{"text":"ويقول أيضًا: ويتفق قول القائلين بأن أكثر الدم أربعون يومًا مع رأي الأطباء .. ويتفق قول القائلين بأن أكثر النفاس ستون يومًا مع التعريف الطبي للنفاس، وهو عودة الرحم إلى حالته الطبيعية. إذ إن أكثر ذلك في رأي الأطباء هو ثمانية أسابيع أو ستون يومًا.\nولكن الاختلاف بينهم في التعريف، فالأطباء حين يتحدثون عن النفاس يريدون به حالة الرحم حتى يعود إلى وضعه الطبيعي، ويسمى  PEURPURIM  أما الدم والإفرازات التي تصحبه فتسمى  LOCHIA  أي دم النفاس، ومدته عند الأطباء لا تزيد على ستة أسابيع» (^١).\nفإذا كان دم النفاس لا يزيد عند الأطباء على ستة أسابيع (٤٢)، فهو النفاس الذي يتعلق به حكم شرعي، أما عودة الرحم إلى وضعه الطبيعي فلا يتعلق به حكم أرأيت لو أنها ولدت بدون أن ترى دمًا أليس يحكم لها بالطهارة، ولو كانت أرحامها تشكو من آلام ونحوها، فالأمر يتعلق بالدم، وهو لا يزيد عند الأطباء على ستة أسابيع، واليومان الزائدان إنما هو منهم لجبر الكسر، وإلا فهو لا يزيد على أربعين يومًا. والله أعلم.\n«وانتهت المقولات الطبية في الندوة الثالثة للفقه الطبي المنعقدة في الكويت إلى الاتفاق مع بعض الآراء الفقهية القائلة بأن النفاس: هو ما ينزل من المرأة بعد الولادة أو الإسقاط ريثما يندمل موقع المشيمة المنفصلة من تجويف الرحم، ويبدأ دمًا، ثم سائلًا مصفرًا حتى يتوقف، ولا حد لأقله. وأقصاه السوي ستة أسابيع (٤٠ يومًا) فإن زاد عليها اعتبر غير سوى، ويلحق بالاستحاضة، وقد يكون من جراء بقايا المشيمة داخل الرحم، أو نتيجة وهن الرحم عن الانقباض الكافي لحبس الدم أو غير ذلك مما يلتمس له التشخيص والعلاج. والنفاس إذا انتهى قد يفضي إلى حيض، وقد\n_________\n(^١) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: ٤٥٨ - ٤٦١).","vol":"9","page":454},{"text":"يفضي إلى طهر تمتد فترة تطول أو تقصر» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب (ص: ٦٣ - ٦٤).","vol":"9","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4428>الفصل العاشر\nفي ابتداء مدة النفاس إذا وضعت توأمين</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• التوأمان كالولد الواحد، والنفاس يبدأ من نزول الدم بسبب المخاض.\n[م-٨٠٨] اختلف العلماء في المرأة تلد توأمين بينهما فاصل، من أين تحسب مدة النفاس على القول بأن النفاس لأكثره حد.\nفقيل: ابتداء النفاس من الأول.\nوهذا مذهب أبي حنيفة، واختيار أبي يوسف (^١)، والمعتمد عند المالكية (^٢)،\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ١٨٩)، البناية (١/ ٧٠١)، تبيين الحقائق (١/ ٦٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠١، ٣٠٢)، البحر الرائق (١/ ٢٣١).\n(^٢) اشترط المالكية لاعتبار النفاس من الأول شرطين:\nالأول: أن ألا يكون بينهما شهران، فإن كان يبنهما شهران، فلا خلاف أنها تستأنف؛ لأن أكثر النفاس عندهم ستون يومًا.\nالثاني: ألا يأتي بعد الدم الأول طهر تام: -خمسة عشر يومًا عندهم-، فإن تخللهما طهر تام استأنفت للثاني. انظر حاشية العدوي المطبوع من الخرشي (١/ ٢٠٩)، الشرح الصغير (١/ ٢١٧)،","vol":"9","page":456},{"text":"ووجه في مذهب الشافعية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: ابتداء النفاس من الثاني.\nوهو المشهور من مذهب الشافعية (^٣)، وقول زفر ومحمد من الحنفية (^٤).\nوقيل: ابتداؤه من الأول، ثم تستأنف المدة من الثاني. وهو وجه في مذهب الشافعية (^٥)، ورواية عن أحمد (^٦).\nوعلى القول بأن الدم بين التوأمين ليس بنفاس:\nفقيل: إنه دم حيض، بناء على أن الحامل تحيض.\nوقيل: يعتبر دم فساد. وهما وجهان في مذهب الشافعية (^٧).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4429> دليل من قال: ابتداء النفاس من الأول:</span>\nقالوا: لأنه دم خرج عقيب الولادة، فكان نفاسًا، كالخارج عقيب الولد الواحد (^٨).\nتعليل آخر:\nقالوا: إن الولد الثاني تبع للأول، فلم يعتبر في آخر النفاس كأوله (^٩).\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ١٧٦)، المجموع (٢/ ٥٤٣).\n(^٢) قال في كشاف القناع (١/ ٢٢٠): «وإن وضعت توأمين فأكثر، فأول النفاس وآخره من ابتداء خروج بعض الأول. وانظر المغني (١/ ٤٣١)، شرح العمدة (١/ ٥١٨).\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ١٧٦).\n(^٤) فتح القدير (١/ ١٨٩) البناية (١/ ٧٠١)، تبيين الحقائق (١/ ٦٨)، بدائع الصنائع (١/ ٤٣).\n(^٥) المجموع (٢/ ٥٤٢).\n(^٦) المستوعب (١/ ٤١٢).\n(^٧) المجموع (٢/ ٥٤٣)، روضة الطالبين (١/ ١٧٦).\n(^٨) تبيين الحقائق (١/ ٦٨)، المبدع (١/ ٢٩٦).\n(^٩) المرجع السابق.","vol":"9","page":457},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4430> دليل من قال: ابتداء النفاس من الولد الثاني:</span>\nقالوا: لأن الدم قبل وضع الثاني لو اعتبرناه نفاسًا يلزم منه أن تكون المرأة نفساء، وهي ما زالت حاملًا.\nوتعليل آخر:\nقالوا: إن النفاس يتعلق بوضع ما في البطن، كانقضاء العدة، فإذا كان انقضاء العدة بالولد الثاني بالإجماع، كان النفاس من وضع الولد الثاني، فكما لا يتصور انقضاء عدة الحامل بدون وضع الولد الثاني، لا يتصور وجود النفاس من الحبلى (^١).\nتعليل آخر:\nقالوا: إن النفاس مأخوذ من تنفس الرحم، ولا يتحقق ذلك على الكمال إلا بوضع الولد الثاني.\nتعليل آخر:\nإذا ولدت ولدًا واحدًا، وخرج بعضه دون البعض، لا يعتبر نفاسًا، حتى تضعه، فكذلك إذا خرج ولد، وبقي آخر، فكان الدم الموجود قبل وضع الولد الثاني نفاسًا من وجه دون وجه، فلا تسقط الصلاة عنها بالشك (^٢).\nتعليل آخر:\nقالوا: إن النفاس بمنزلة الحيض، فكما أن الحامل لا تحيض، فكذلك لا يتصور وجود النفاس من الحامل (^٣).\n• وتعقب هذا:\nبأن النفاس إن كان دمًا يخرج عقب النفس، فقد وجد بولادة الأول، وإن كان\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤٣).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) بتصرف المرجع السابق.","vol":"9","page":458},{"text":"دمًا يخرج بعد تنفس الرحم، فقد وجد أيضًا، بخلاف انقضاء العدة؛ لأن ذلك يتعلق بفراغ الرحم، ولم يوجد، والنفاس يتعلق بتنفس الرحم أو بخروج النفس، وقد وجد (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4431> دليل من قال: ابتداؤه من الأول وتستأنف المدة من الثاني:</span>\nقالوا: قلنا تجلس ما تراه من الأول، ما لم تجاوز أكثر النفاس، فإذا وضعت الثاني استأنفت له مدة أخرى، ودخلت بقية مدة الأولى في مدته إن كانت باقية؛ لأنه ولد فاعتبرت له المدة كالأول، وكالمنفرد؛ ولأن الرحم تنفس به كما تنفس بالأول، فكثر الدم بسبب ذلك، فيجب اعتبار المدة له (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4432> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nسبق أن عرضنا رأي الطب في مدة النفاس، وهل تعتبر من الطلق، أو حين خروج الولد، أو بعد الوضع، وذكرنا أن الأطباء يرون أن دم النفاس يبدأ من وضع الولد، فإن كان المقصود من وضع الولد فراغ الرحم من الولد، فالمعتبر من وضع الولد الثاني، وإن كان المقصود من وضع الولد، ولو كان الرحم مشغولا، فاعتبار المدة من الأول. فإن كان للطب رأي فذاك، وإلا اعتبرنا نفاسها من الأول، لأنها بوضعها الولد أصبحت والدًا لغة.\n* * *\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤٣).\n(^٢) شرح العمدة - ابن تيمية (١/ ٥١٨).","vol":"9","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4433>الفصل الحادي عشر\nفي الأحكام المترتبة على النفاس</span>\n[م-٨٠٩] قال ابن قدامة: وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، لا نعلم في هذا خلافًا، وكذلك تحريم وطئها، وحل مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها، والخلاف في الكفارة بوطئها (^١).\nوقال في المهذب: «ودم النفاس يحرم ما يحرمه الحيض، ويسقط ما يسقطه الحيض؛ لأنه حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل، فكان حكمه حكم الحيض» (^٢).\nوقال في المعونة: وجميع ما ذكرناه من الظواهر - يعني من أحكام الحيض - وإن كان النص فيها متناولًا للحيض وحده، فإن النفاس ملحق به بالإجماع؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما في هذه الأحكام، أو بالقياس، وهو أنه دم خارج من الفرج، لا يكون إلا مع البلوغ (^٣).\nوقال ابن رجب: ودم النفاس حكمه حكم دم الحيض، فيما يحرمه ويسقطه، وقد\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤٣٢).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٣٥).\n(^٣) المعونة (١/ ١٨٧).","vol":"9","page":460},{"text":"حكى الإجماع غير واحد من العلماء، منهم ابن جرير وغيره (^١).\nوقال صاحب المجموع، وصاحب نيل المآرب يزيد بعضهم على بعض، قالا: والنفاس كحيض، فيما يحرم: كصلاة وصوم ووطء في فرج، وطلاق.\nوفيما يجب: كغسل،، وقضاء صوم، وكفارة بوطء فيه.\nوفيما يسقط: كقضاء الصلاة، وطواف الوداع.\nوفيما يحل: كاستمتاع بما دون فرج.\nوفيما يمنع: صحة الصلاة، والصوم، والطواف، والاعتكاف، والغسل (^٢).\nوقال ابن حزم: «ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض، هذا لا خلاف فيه من أحد، حاشا الطواف بالبيت، فإن النفساء تطوف به؛ لأن النهي ورد في الحائض، ولم يرد في النفساء، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤]، ثم استدركنا فرأينا أن النفاس حيض صحيح، وحكمه حكم الحيض في كل شيء لقول الرسول ﷺ لعائشة: أنفست؟ قالت: نعم. فسمى الحيض نفاسًا، وكذلك الغسل منه واجب بإجماع» (^٣).\n• فيجب على النفساء الاغتسال إذا طهرت.\nقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن على النفاس الاغتسال عند خروجها من النفاس» (^٤).\n• ومنها سقوط الصلاة عن النفساء.\nلا تجب الصلاة على النفساء، ولا قضاء عليها، قال ابن حزم: «وأما الحائض والنفساء وإسقاط القضاء عنهما، فإجماع متيقن» (^٥).\n_________\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٨٧).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٣٦)، ونيل المآرب (١/ ١١٢).\n(^٣) المحلى (مسألة: ٢٦١).\n(^٤) الأوسط (٢/ ٢٤٨).\n(^٥) المحلى (مسألة: ٢٧٧).","vol":"9","page":461},{"text":"وقال النووي: «حكى البغوي والمتولي وجهًا أنها لو شربت دواء ليسقط الجنين ميتًا، فأسقطته ميتًا وجب عليها قضاء صلوات أيام النفاس؛ لأنها عاصية. والأصح الأشهر أنه لا يجب» (^١).\n• ومنه سقوط الصيام عن النفساء، ووجوب القضاء عليها.\n• ومنها صحة إحرام النفساء:\n(٢٠٤٩ - ٥٠٩) فقد روى مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه،\nعن جابر بن عبد الله ﵄ في قصة أسماء بنت عميس حين نفست بذي الحليفة أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر ﵁ فأمرها أن تغتسل، وتهل (^٢).\nقال ابن رجب: فيه دليل أن حكم النفاس حكم الحيض في الإهلال بالحج.\nويرى ابن حزم: وجوب الغسل للإحرام على النفساء.\nقال ﵀: «والنفساء والحائض شيء واحد، فأيتهما أرادت الحج أو العمرة ففرض عليها أن تغتسل، ثم تهل» (^٣).\nوقال أيضًا: «الغسل عند الإحرام نستحبه للرجال والنساء، وليس فرضًا إلا على النفساء» (^٤).\nوالصحيح أنه مستحب منها كغيرها.\n• ومنها صحة دخول النفساء المسجد:\nقال ابن حزم: جائز للحائض والنفساء أن يدخلا المسجد، وكذلك الجنب؛ لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وقد قال الرسول ﷺ: المؤمن لا ينجس. وقد كان أهل\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٥٣٧).\n(^٢) صحيح مسلم (١٢١٠).\n(^٣) المحلى (مسألة: ١٨٤).\n(^٤) المحلى (مسالة: ٨٢٤).","vol":"9","page":462},{"text":"الصفة يبيتون في المسجد بحضرة الرسول ﷺ، وهم جماعة كثيرة، ولا شك في أن فيهم من يحتلم، فما نهوا قط عن ذلك (^١).\nقلت: حكم النفساء حكم الحائض، وقد فصلت الخلاف في الحائض في باب عبادات الحائض، فارجع إليه إن شئت.\n• ومنه طهارة بدن النفساء\nقال النووي بعد أن دلل على طهارة الآدمي، قال: «فإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهران، سواء كان محدثا، أو جنبا، أو حائضا، أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين» (^٢).\n• صحة عقد النكاح على النفساء كالحائض.\nقال ابن حزم: جائز للحائض والنفساء أن يتزوجا (^٣).\n• القول في كفارة وطء النفساء، كالحائض\nقال ابن قدامة: النفساء كالحائض في كفارة الوطء في الحيض؛ لأنها تساويها في سائر أحكامها (^٤).\n• ومنها تحريم طلاق النفساء،\nقال النووي في المجموع: يحرم على الزوج طلاقها - يعني النفساء (^٥).\nوقال ابن حزم: «الطلاق في النفساء كالطلاق في الحيض» (^٦).\nوخالف في ذلك الحنفية.\n_________\n(^١) المحلى (مسألة ٢٦٢).\n(^٢) شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ٨٩) ح ٣٧٢.\n(^٣) المحلى (مسألة: ٢٦٢).\n(^٤) المغني، بتصرف يسير (١/ ٤١٩).\n(^٥) المجموع (٢/ ٥٣٦).\n(^٦) المحلى (مسألة: ١٩٥٣).","vol":"9","page":463},{"text":"قال ابن عابدين في حاشيته في الفروق بين الحيض والاستحاضة، فذكر منها: «وأنه لا يحصل به الفصل بين طلاق السنة والبدعة» (^١).\nوالراجح أن الطلاق حال النفاس لا يجوز، لأنه لا فرق بينهما وقد سمى الرسول ﷺ الحيض نفاسًا كما مر معنا.\n• ومنها حكم الصفرة والكدرة في النفاس حكمه في الحيض\nقال النووي: والصفرة والكدرة في النفاس كهي في الحيض، وفاقًا وخلافًا، ثم قال: وقطع الماوردي: بأنها نفاس قطعًا؛ لأن الولادة شاهد للنفاس، بخلاف الحيض (^٢).\n• وتفترق النفساء عن الحائض في الأحكام الآتية:\nالأول: الحيض دليل على بلوغ المرأة، والنفاس لا يكون دليلًا عليه؛ لأن المرأة لا تحمل إلا وقد حاضت.\nالثاني: الاعتداد، وذلك أن انقضاء العدة بالقروء، والنفاس ليس بقرء. فإن كان الطلاق قبل وضع الحمل انقضت العدة بوضعه، لا بالنفاس، وإن كان الطلاق بعد الوضع فإنها تحتاج إلى ثلاث حيض ما خلا النفاس (^٣).\nالثالث: لا يحتسب النفاس في مدة الإيلاء. وهو المشهور من مذهب الشافعية (^٤)، والمشهور عند الحنابلة (^٥).\nوالإيلاء: أن يحلف الرجل على ترك جماع امرأته مدة تزيد على أربعة أشهر، فإذا\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٩٩).\n(^٢) الروضة (١/ ١٧٩).\n(^٣) انظر البناية (١/ ٦٣٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٩٩)، حاشية الدسوقي (١/ ١٧٥)، مغني المحتاج (١/ ١٢٠)، المجموع (٢/ ٥٣٦)، كشاف القناع (١/ ١٩٩)، المبدع (٢/ ٢٦٢).\n(^٤) المجموع (٢/ ٥٣٦)، مغني المحتاج (١/ ١٢٠).\n(^٥) كشاف القناع (١/ ١٩٩)، نيل المآرب (١/ ١١٢)، المغني (١/ ٤٣٢)، المبدع (٨/ ٢٢)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٣/ ٢٤٧).","vol":"9","page":464},{"text":"حلف وطالبت الزوجة بحقها في الجماع ضرب له مدة أربعة أشهر، فإذا انتهت خير بين الجماع أو الفراق بطلب الزوجة، فإذا مر بالمرأة نفاس لم يحسب على الزوج من الأربعة أشهر. وعللوا ذلك بأنه ليس بمعتاد، بخلاف الحيض فإنه يحسب من المدة باعتباره معتادًا؛ ولأن الحيض في الغالب لا يخلو منه شهر، فيؤدي عدم احتسابه إلى إسقاط حكم الإيلاء (^١).\nوقيل: يحتسب النفاس في مدة الإيلاء كالحيض، وعللوا ذلك بأن النفاس مثل الحيض في سائر الأحكام فكذلك في هذه المسألة. وهو وجه في مذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nالرابع: قيل: النفاس يقطع التتابع في صوم الكفارة، بخلاف الحيض فإنه لا يقطعها. وهو مذهب الحنفية (^٤)، ووجه في مذهب الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\nووجهه: قالوا: إنه فطرٌ أمكن التحرز منه، ولا يتكرر في العام، أشبه الفطر لغير عذر، ولا يصح قياسه على الحيض؛ لأنه أندر منه.\nوقيل: النفاس كالحيض لا يقطع التتابع. وهو أصح الوجهين عند الشافعية (^٧)، والحنابلة (^٨).\nقال ابن مفلح الصغير: «أجمع أهل العلم، ونص عليه أحمد على أن الصائمة متتابعًا إذا حاضت قبل إتمامه، تقضي إذا طهرت وتبني؛ لأن الحيض لا يمكن التحرز\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١٩٩)، المبدع (٨/ ٢٢).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٣٦)، روضة الطالبين (٨/ ٢٥٣).\n(^٣) المبدع (٨/ ٢٢)، الكافي (٣/ ٢٤٧).\n(^٤) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٩٩).\n(^٥) المجموع (٢/ ٥٣٦)، روضة الطالبين (٨/ ٣٠٢).\n(^٦) المبدع (٨/ ٦١).\n(^٧) روضة الطالبين (٨/ ٣٠٢)، المجموع (٢/ ٥٣٦).\n(^٨) الكافي (٣/ ٢٦٩)، المبدع (٨/ ٦١).","vol":"9","page":465},{"text":"منه في الشهرين إلا بتأخيره إلى الإياس، والنفاس كالحيض لأن أحكامهما واحدة» (^١).\nالخامس: أن أقل الحيض محدود عند الجمهور. ولا حد لأقل النفاس عندهم. والراجح أنه لا فرق بين الحيض والنفاس في هذه المسألة، كما بيناها في ثنايا البحث.\nالسادس: في المشهور عند الحنابلة إذا طهرت قبل تمام عادتها جاز لزوجها جماعها من غير كراهة، وأما في النفاس إذا طهرت قبل أربعين يومًا فإنه يكره لزوجها جماعها، وهو من مفردات مذهب أحمد، والجمهور على جوازه بلا كراهة، وهو الراجح، وقد فصلت القول في أدلة هذه المسألة فيما سبق.\nوذكر ابن عابدين في حاشيته سبعة فروق بعضها قد ذكرناه، وبعضها مرجوح.\nفقال: وحكمه - يعني النفاس - كحيض إلا في سبعة: البلوغ، والاستبراء والعدة، وأنه لا حد لأقله، وأن أكثره أربعون يومًا، وأنه يقطع التتابع في صوم الكفارة، وأنه لا يحصل به الفصل بين طلاق السنة والبدعة. اهـ\nويقصد في الاستبراء ما قاله ابن عابدين: وصورته في الاستبراء إذا اشترى جارية حاملًا، فقبضها، ووضعت عنده ولدًا، وبقي ولد آخر في بطنها، فالدم الذي بين الولدين نفاس، ولا يحصل الاستبراء إلا بوضع الولد الثاني. اهـ.\n* * *\n_________\n(^١) المبدع (٨/ ٦١).","vol":"9","page":466},{"text":"موسوعة\nأحكام الطهارة\nأدلة ومسائل وقواعد وضوابط\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4434>القسم الثالث\nطهارة التفث</span>\nالمجلد العاشر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4435>سنن الفطرة</span>\nتأليف\nدبيان بن محمد الدبيان","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4436>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد فقد فرغت في البحوث السابقة من قسمين من أقسام الطهارة:\nأحدهما: الطهارة التعبدية، وهي الطهارة من الحدث.\nوالثانية: الطهارة من الخبث.\nوبقي القسم الثالث من الطهارة، وهي الطهارة من التفث، وهو ما أطلق عليه الشارع: سنن الفطرة، والقسمان الآخيران يدخلان في الطهارة الحسية، في مقابل الطهارة التعبدية.\nوسوف أعرض إن شاء الله تعالى أحكام سنن الفطرة بحسب ما ورد في حديث عائشة عند مسلم، وهو أكثر حديث اشتمل على سنن الفطرة.\n(٢٠٥٠ - ١) فقد روى مسلم من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،\nعن عائشة قالت: قال ﷺ: عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.","vol":"10","page":5},{"text":"زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء (^١).\nوألحقت بها ما كان شبهًا بها، وإن كان لم ينص عليه أنه من سنن الفطرة، لكن جريًا على عادة الفقهاء في ذكر هذه المسائل.\nفكان ما اشتمل عليه حديث عائشة:\n١ - السواك.\n٢ - قص الشارب.\n٣ - وإعفاء اللحية.\n٤ - وقص الأظفار.\n٥ - وحلق العانة.\n٦ - ونتف الإبط.\n٧ - وغسل البراجم.\n٨، ٩ - المضمضة والاستنشاق.\n١٠ - انتقاص الماء (الاستنجاء).\nوسنأتي على شرح أحكامها مسألة مسألة وقد جعلت الطهارة من الاستنجاء في كتاب مستقل؛ نظرًا لكثرة أحكامه، وجريًا على عادة الفقهاء بذكره مفردًا عن سنن الفطرة. وتكلمت على المضمضة والاستنشاق من خلال طهارة الحدث عند الكلام على سنن الوضوء، وما بقي منها سوف أتكلم عليه إن شاء الله تعالى وفق الخطة التالية:\nخطة البحث.\nقد انتظم سنن الفطرة في ثمانية أبواب، مقسمة إلى فصول، ويتفرع منها مباحث،\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.","vol":"10","page":6},{"text":"وبعض المباحث تشتمل على فروع، على النحو التالي:\nالتمهيد: تعريف الفطرة وذكر خصالها.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: في تعريف الفطرة.\nالمبحث الثاني: في ذكر خصال الفطرة.\nالباب الأول: في الختان.\nوفيه فصول ومباحث.\nالفصل الأول: في تعريف الختان.\nالفصل الثاني: كيفية الختان.\nالفصل الثالث: في ذكر أول من اختتن.\nالفصل الرابع: في وقت الختان.\nالفصل الخامس: في حكم الختان.\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: في حكم الختان للذكر.\nالمبحث الثاني: في حكم الختان للأنثى.\nفرع: في أنواع الخفاض.\nالمبحث الثالث: في حكم الختان للخنثى.\nفرع: حكم ما لو كان للرجل ذكران.\nالمبحث الرابع: في حكم ختان الميت.\nالفصل السادس: في من يولد، وهو مختون.\nالفصل السابع: في موانع الختان.","vol":"10","page":7},{"text":"الفصل الثامن: في عبادات الأقلف.\nالمبحث الأول: في طهارة الأقلف.\nالمبحث الثاني: في إمامة الأقلف.\nالمبحث الثالث: في ذبيحة الأقلف.\nالمبحث الرابع: في حج الأقلف.\nالمبحث الخامس: في شهادة الأقلف.\nالفصل التاسع: في إجابة الدعوة في وليمة الختان.\nالفصل العاشر: في ضمان ما أتلف بالختان.\nفرع: في أجرة الخاتن.\nالفصل الحادي عشر: في فوائد الختان.\nالباب الثاني: في الاستحداد.\nويشتمل على تمهيد وفصول.\nالتمهيد: في تعريفه.\nالفصل الأول: حكم الاستحداد.\nفرع: إجبار الزوج زوجه على الاستحداد.\nالفصل الثاني: وقت الاستحداد.\nالفصل الثالث: في كيفية الاستحداد.\nالفصل الرابع: في حلق شعر الدبر.\nالفصل الخامس: في حلق شعر عانة الميت.\nالفرع الأول: صفة حلق عانة الميت على القول بالجواز.\nالفرع الثاني: في دفن ما أخذ من البشرة.","vol":"10","page":8},{"text":"الفرع الثالث: لا يلي حلق العانة أجنبي.\nالفرع الرابع: في استخدام النورة.\nالباب الثالث: في تقليم الأظفار.\nتمهيد: وفيه مبحثان.\nالأول: تعريف التقليم لغة.\nالثاني: الأدلة على أن تقليم الأظفار من السنة.\nالفصل الأول: في حكم تقليم الأظفار.\nالمبحث الأول: في إجبار أحد الزوجين الآخر على تقليم أظفاره.\nالمبحث الثاني: توفير الأظفار في الحرب.\nالفصل الثاني: في استحباب تقليم الأظفار في يوم معين.\nالفصل الثالث: في كيفية تقليم الأظفار.\nالفصل الرابع: في إزالة الوسخ الذي تحت الظفر.\nالفصل الخامس: في دفن الظفر والشعر.\nالفصل السادس: في إعادة الوضوء بعد تقليم الأظفار.\nمبحث: غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظفار.\nالباب الرابع: في نتف الإبط.\nتعريف الإبط.\nالفصل الأول: حكم نتف الإبط والتوقيت فيه.\nالفصل الثاني: في كيفية نتف الإبط.\nالفصل الثالث: الوضوء من نتف الإبط.","vol":"10","page":9},{"text":"الباب الخامس: في الشارب.\nتمهيد:\nالفصل الأول: حكم قص الشارب.\nالفصل الثاني: هل يقص الشارب أو يحلق؟\nمبحث: كلام أهل العلم في السبالين.\nالفصل الثالث: التوقيت في قص الشارب.\nالباب السادس: في اللحية.\nتعريف اللحية.\nالفصل الأول: ما جاء في أن إعفاء اللحية من الفطرة.\nالفصل الثاني: في حكم إعفاء اللحية.\nالفصل الثالث: حلق ما تحت الذقن.\nالفصل الرابع: في نتف الشيب.\nالفصل الخامس: في تغيير الشيب.\nالمبحث الأول: تغيير الشيب بغير السواد.\nالمبحث الثاني: تغيير الشيب بالسواد.\nالباب السابع: في شعر الرأس.\nالفصل الأول: في حلق شعر الرأس.\nالفصل الثاني: في النهي عن القزع.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: في تعريف القزع.","vol":"10","page":10},{"text":"المبحث الثاني: في حكم القزع.\nالفصل الثالث: في الترجل وصفته.\nالباب الثامن: في غسل البراجم.\nكتاب السواك.\nويشتمل على مقدمة وتهميد، وخمسة أبواب، وستة عشرة فائدة فقهية وسلوكية متفرقة، وخاتمة. على النحو التالي.\nالتمهيد:\nويشتمل على خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: في تعريف السواك.\nالمبحث الثاني: في فضل السواك.\nالمبحث الثالث: بيان أن السواك من سنن الفطرة.\nالمبحث الرابع: ما ورد في كون الصلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك.\nالمبحث الخامس: في وجود السواك في الشرائع السابقة.\nالباب الأول: في ذكر جنس ما يتسوك به.\nويشتمل على خمسة فصول:\nالفصل الأول: في التسوك بالعود وبيان الأفضل منه.\nالفصل الثاني: لا يتسوك بعود يضر اللثة.\nالفصل الثالث: التسوك بما له رائحة ذكية.\nالفصل الرابع: التسوك بالأصبع والخرقة.\nالفصل الخامس: إصابة السنة باستعمال المعجون.","vol":"10","page":11},{"text":"الباب الثاني: صفة السواك.\nويشتمل على ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: في التفضيل بين الرطب واليابس من السواك.\nالفصل الثاني: الكلام في طول السواك وعرضه.\nالفصل الثالث: التسوك بعود لا يعرفه.\nالباب الثالث: في أحكام التسوك.\nويشتمل على سبعة أبواب، ومبحث واحد.\nالفصل الأول: حكم السواك، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حكم السواك للصائم.\nالمبحث الثاني: عموم طيب الخلوف للدنيا والآخرة.\nالفصل الثالث: التسوك في المسجد.\nالفصل الرابع: التسوك بحضرة الناس.\nالفصل الخامس: التسوك في الخلاء.\nالفصل السادس: إمكانية ترتيب الأجر على التسوك بما يضر.\nالفصل السابع: في التسمية للسواك.\nالباب الرابع: في ذكر المواضع التي يتأكد فيها السواك.\nويشتمل على عشرة فصول، ومبحثين:\nالفصل الأول: السواك عند الصلاة.\nالفصل الثاني: السواك عند الوضوء.\nالفصل الثالث: في مشروعية السواك للغسل والتيمم.","vol":"10","page":12},{"text":"الفصل الرابع: في استحباب السواك عند الانتباه من النوم.\nالفصل الخامس: يستحب السواك عند تغير الفم.\nالفصل السادس: استحباب السواك عند دخول البيت.\nالفصل السابع: التسوك عند دخول المسجد.\nالفصل الثامن: التسوك عند قراءة القرآن.\nالمبحث الأول: في استحباب السواك لسجود التلاوة والشكر.\nالمبحث الثاني: الاستياك للقراءة بعد السجود.\nالفصل التاسع: التسوك للجمعة.\nالفصل العاشر: في استحباب التسوك عند الاحتضار.\nالباب الخامس: في صفة التسوك.\nويشتمل على تسعة فصول:\nالفصل الأول: كيفية التسوك.\nالفصل الثاني: في البداءة بجانب فمه الأيمن عند التسوك.\nالفصل الثالث: هل يستاك بيده اليمنى أم اليسرى؟\nالفصل الرابع: في كيفية أخذ السواك.\nالفصل الخامس: الكلام في قبض السواك.\nالفصل السادس: في موضع السواك من الرجل.\nالفصل السابع: في الاستياك حال الاضطجاع.\nالفصل الثامن: أقل ما تحصل به السنة من الاستياك.\nالفصل التاسع: في احتياج التسوك إلى نية.\nفوائد متفرقة: متممة لبحوث السواك.","vol":"10","page":13},{"text":"وتشتمل على ستة عشرة فائدة:\nالفائدة الأولى: استحباب غسل السواك.\nالفائدة الثانية: إباحة التسوك بسواك الغير.\nالفائدة الثالثة: إذا دفع السواك للغير يبدأ بالأكبر، وليس بالأيمن.\nالفائدة الرابعة: في بلع الريق عند ابتداء السواك.\nالفائدة الخامسة: في الدعاء عند السواك.\nالفائدة السادسة: في منافع السواك.\nالفائدة السابعة: ذكر بعض فقهاء الحنفية أن العلك يقوم مقام السواك بالنسبة للمرأة.\nالفائدة الثامنة: التسوك والإمام يصلي.\nالفائدة التاسعة: في الوضوء من فضل السواك.\nالفائدة العاشرة: في استحباب السواك من شجر مر.\nالفائدة الحادية عشرة: التسوك بطرف السواك.\nالفائدة الثانية عشرة: في التسوك بالقصب.\nالفائدة الثالثة عشرة: في تعويد الصبي على السواك.\nالفائدة الرابعة عشرة: في لقطة السواك.\nالفائدة الخامسة عشرة: يتسوك المحرم، كما يتسوك الحلال.\nالفائدة السادسة عشرة: فائدة طبية في السواك.\nالخاتمة.\nهذا هو آخر مجلد في أحكام الطهارة، وببلوغه أكون قد وصلت ولله الحمد إلى نهاية هذا العمل في هذا القسم، أسأل الله ﷾ كما سهله بمنه وكرمه أن","vol":"10","page":14},{"text":"يجعل العمل خالصًا لوجهه، وأن يتقبله مني بقبول حسن، وأن يعظم به الأجر ويكفر به السيئات لي ولوالدي، ولجميع مشايخي، وأهل بيتي، وأن يوفقني لإتمام مشروع الفقه إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.\n* * *","vol":"10","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4437>تمهيد في تعريف الفطرة وذكر خصالها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4438>المبحث الأول في تعريف الفطرة</span>\n- الإسلام دين الفطرة وكل مولود يولد عليها: أي على أهلية يدرك بها الحق.\nتعريف الفطرة (^١).\n[م-٨١٠] اختلف العلماء في تعريف الفطرة.\nفقال بعضهم: الفطرة: الخلقة، والفاطر الخالق.\nوقيل: معنى الفطرة هي الابتداء، وفطر الله الخلق: أي بدأهم. ويقال: أنا فطرت الشيء: أي أول من ابتدأه.\nفيكون المراد: البداءة التي ابتدأهم عليها: أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة، والموت، والشقاء، والسعادة، وإلى ما يصيرون عليه عند البلوغ من\n_________\n(^١) فَطَرَ من باب قَتَل، والاسم: الفِطْرة، وفَطَرَهُ يَفْطِرُهُ ويَفْطُرُهُ: شَقَّهُ فانْفَطَرَ.\nوالفَطْر: الشق. وجَمْعُه: فُطُورٌ. وفي التَّنْزِيلِ: (هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ) [الملك: ٣] وفَطَرَ الشَيءَ يَفْطُرُه فَطْرًا، وفَطَّرَه: شَقَّه.\nوالفَطْر: الخلق: وفَطَرَ اللهُ الخَلْقَ يَفْطُرُهم: خَلَقَهم وبَدَأَهم. وفي التَّنْزيِلِ: (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) وقال تعالى: (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي).\nو(الْفُطْرُ) بِالضَّمِّ. وَ(الْفِطْرَةُ) بِالْكَسْرِ الْخِلْقَةُ، وفي التنزيل (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).\nانظر: المصباح المنير (٢/ ٤٧٦)، اللسان (٥/ ٥٥)، العين (٧/ ٤١٧، ٤١٨).","vol":"10","page":16},{"text":"ميولهم عن آبائهم واعتقادهم. وذلك ما فطرهم الله عليه مما لا بد من مصيرهم إليه، فقد يفطر على الكفر وقد يفطر على الإيمان (^١).\nوقيل: الفطرة هي السنة (^٢).\nوقيل: الفطرة، هي الإسلام.\nقال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل قد أجمعوا في قول الله ﷿: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: ٣٠]، على أن قالوا فطرة الله دين الله الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة: اقرءوا إن شئتم: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا). وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قوله ﷿: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) قالوا: دين الله الإسلام. (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) قالوا: لدين الله (^٣).\nوقيل: الفطرة، الميثاق والعهد المأخوذ على ذرية آدم قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم من ظهره، فخاطبهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢]، فأقروا له جميعًا بالربوبية عن معرفة منهم، ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة، وذلك الإقرار. قالوا: وليست تلك المعرفة بإيمان، ولا ذلك الإقرار بإيمان، ولكنه إقرار منهم للرب، فطرة ألزمها قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل، فدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية، فمنهم من أنكر بعد المعرفة؛ لأنه لم يكن الله ﷿ ليدعو خلقه إلى الإيمان به، وهو لم يعرفهم نفسه (^٤).\nفتلخص من هذا أن الخلاف في الفطرة على النحو التالي:\nقيل: الفطرة: الخلقة، والسلامة، والتهيؤ للقبول.\n_________\n(^١) المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٣٣)، فتاوى السبكي (٢/ ٣٦١)، طرح التثريب (٧/ ٢٢٦).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٣٨)، نيل الأوطار (٢/ ٣١٠).\n(^٣) انظر التمهيد (١٨/ ٧٢).\n(^٤) طرح التثريب (٧/ ٢٢٧، ٢٢٨).","vol":"10","page":17},{"text":"وقيل: الفطرة: البداءة.\nوقيل: الفطرة الإسلام.\nوقيل: الفطرة: السنة.\nوقيل: الفطرة، الميثاق والعهد المأخوذ على ذرية آدم.\nوإليك أدلة كل قول، وما يمكن أن يناقش به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4439> دليل من قال الفطرة: الخلقة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4440>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الأنعام: ١٤]. أي خالقهما.\nوقوله تعالى: (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) [يس: ٢٢] أي خلقني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4441>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٥١ - ٢) ما رواه مسلم من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير،\nعن عياض بن حمار المجاشعي، عن رسول الله ﷺ قال ... وفيه: خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا. الحديث قطعة من حديث طويل (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (خلقت عبادي حنفاء ... فاجتالتهم الشياطين).\nقال ابن عبد البر: «خلقت عبادي حنفاء. يعني: على استقامة وسلامة. والحنيف في كلام العرب: المستقيم السالم، وإنما قيل للأعرج: أحنف على جهة الفأل. كما قيل\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٨٦٥).","vol":"10","page":18},{"text":"للقفر: مفازة» (^١). وكما يقال للملدوغ سليم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4442>الدليل الثالث:</span>\n(٢٠٥٢ - ٣) ما رواه البخاري من طريق الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن،\nأن أبا هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء ... ثم يقول أبو هريرة ﵁: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [الروم: ٣٠] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله في الحديث (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء) يعني: سالمة مستقيمة، هل تحسون فيها من جدعاء - يعني: مقطوعة الأذن، فشبه قلوب بني آدم بالبهائم؛ لأنها تولد كاملة الخلق سالمة لا نقص فيها، ثم تقطع آذانها بعد، وأنوفها، فيقال: هذه بحائر، وهذه سوائب. فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر حينئذٍ ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، كالبهائم السالمة فلما بلغوا استهوتهم الشياطين، فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم (^٣).\nفيكون على هذا معنى: (كل مولود يولد على الفطرة): أي على خلقة سالمة مستقيمة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، مهيأ لقبول الدين، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام.\nوالذي يظهر أن الفطرة المذكورة في الحديث غير الفطرة المذكورة في الآية والتي استشهد بها أبو هريرة، ذلك أن الفطرة المذكورة في الحديث ذكر أنها تبدل وتغير،\n_________\n(^١) التمهيد (١٨/ ٧٠ - ٧١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٩٥)، ورواه مسلم (٢٦٥٨).\n(^٣) انظر التمهيد (١٨/ ٦٩).","vol":"10","page":19},{"text":"والفطرة المذكورة في الآية القرآنية والتي استشهد بها أبو هريرة قد ذكر الله سبحانه أنه لا تبديل لخلق الله.\nقال القرطبي: قال شيخنا أبو العباس: من قال: هي سابقة السعادة والشقاوة، فهو إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن؛ لأن الله تعالى قال: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: ٣٠]، وأما في الحديث فلا؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4443>الدليل الثالث:</span>\nمحال أن يعقل الطفل حال ولادته كفرًا أو إيمانًا. والله ﷾ يقول:\n(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل: ٧٨]، فمن لا يعلم شيئًا استحال منه كفر وإيمان، أو معرفة أو إنكار.\nقال ابن عبد البر: هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها، والله أعلم؛ وذلك أن الفطرة السلامة والاستقامة، ثم استشهد بحديث حديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ حاكيًا عن ربه ﷿: «إني خلقت عبادي حنفاء». يعني: على استقامة وسلامة ... (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4444> دليل من قال: الفطرة: البداءة، والفاطر البادئ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4445>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٥٣ - ٤) استدلوا بما روى الطبري في تفسيره، قال: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض أتاني أعرابيان يختصمان في بئر. فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها. يقول: أنا ابتدأتها (^٣).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٤/ ٢٧).\n(^٢) التمهيد (١٨/ ٧٠).\n(^٣) تفسير الطبري (٧/ ١٥٨).","vol":"10","page":20},{"text":"[في إسناده إبراهيم بن مهاجر إلى الضعف أقرب] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4446>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٥٤ - ٥) واحتجوا بما رواه مسلم في صحيحه من طريق أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير،\n_________\n(^١) ابن وكيع وإن كان ضعيفًا فقد توبع، فقد رواه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٧٨) من طريق محمد بن بشار.\nوأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٢٥٨) من طريق أبي عبيدة، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان به.\nفبقي في إسناده إبراهيم بن مهاجر، وهو إلى الضعف أقرب، وإليك أهم ما قيل في إبراهيم بن مهاجر:\nقال أحمد: ليس به بأس. وكذا قال الثوري. الجرح والتعديل (٢/ ١٣٢).\nوقال مرة: فيه ضعف.\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٧).\nوقال في موضع آخر: لا بأس به. تهذيب الكمال (٢/ ٢١١).\nوقال ابن عدي: أحاديثه صالحة، ويحمل بعضها بعضًا، وهو عندي أصلح من إبراهيم الهجري، وحديثه يكتب في الضعفاء. الكامل (١/ ٢١٣).\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سمعت أبي يقول: إبراهيم بن مهاجر ليس بقوي، هو وحصين ابن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، فمحلهم عندنا محل الصدق، يكتب حديثهم، ولا يحتج بحديثهم. قلت لأبي: ما معنى لا يحتج بحديثهم؟.\nقال: كانوا أقوامًا لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيغلطون. ترى في حديثهم اضطرابًا ما شئت. الجرح والتعديل (٢/ ١٣٢).\nوسأل الحاكم الدارقطني قلت: فإبراهيم بن مهاجر؟ قال: ضعفوه، تكلم فيه يحيى بن سعيد وغيره. قلت: بحجة؟. قال: بلى، حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وقد غمزه شعبة أيضًا. تهذيب التهذيب (١/ ١٤٦).\nوقال يحيى القطان: لم يكن بالقوي. الجرح والتعديل (٢/ ١٣٢).\nوقال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، كما في رواية عباس الدوري عنه. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق، لين الحفظ.","vol":"10","page":21},{"text":"عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا (^١).\nوفي صحيح البخاري: عن ابن عباس أنه كان يقرأ: أما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين (^٢).\nفهنا أطلق على الغلام أنه كافر، وهذا باعتبار أنه فطر أول ما فطر على الكفر، فكان ابتداء خلقه أن يكون كافرًا، فهو صائر إليه لا محالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4447>الدليل الثالث:</span>\n(٢٠٥٥ - ٦) ما رواه مسلم من طريق طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة،\nعن عائشة أم المؤمنين قالت: دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. قال: أو غير ذلك يا عائشة؛ إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم (^٣).\nقال ابن عبد البر: «وهذا المذهب - يعني هذا القول - شبيه بما حكاه أبو عبيد، عن عبد الله بن المبارك، أنه سئل عن قول النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة) فقال: «يفسره الحديث الآخر حين سئل عن أطفال المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا يعملون» (^٤).\nورد هذا:\nقال ابن عبد البر: «إن أراد هؤلاء أن الله خلق الأطفال، وأخرجهم من بطون\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٦١).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٤٠١).\n(^٣) صحيح مسلم (٣١ - ٢٦٦٢)\n(^٤) التمهيد (١٨/ ٧٩)، ونقله العراقي في طرح التثريب (٧/ ٢٢٦، ٢٢٧).","vol":"10","page":22},{"text":"أمهاتهم ليعرف منهم العارف، ويعترف فيؤمن، وينكر منهم المنكر، فيكفر، كما سبق له القضاء، وذلك حين يصح منهم الإيمان والكفر، فذلك ما قلنا.\nوإن أرادوا أن الطفل يولد عارفًا مقرًا، مؤمنًا، وعارفًا جاحدًا كافرًا في حين ولادته، فهذا يكذبه العيان والعقل (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4448>الدليل الرابع:</span>\n(٢٠٥٦ - ٧) ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق أبي يحيى إسحاق بن سليمان الرازي عن موسى بن عبيدة،\nعن محمد بن كعب: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف: ٢٩] كما بدأكم تعودون قال: من ابتدأ الله خلقه على الهدى والسعادة صيره إلى ما ابتدأ عليه خلقه كما فعل بالسحرة ابتدأ خلقهم على الهدى والسعادة حتى توفاهم مسلمين، وكما فعل بإبليس، ابتدأ خلقه على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة فصيره الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الكفر، قال الله تعالى: وكان من الكافرين (^٢).\n[ضعيف، فيه موسى بن عبيدة] (^٣).\nورد هذا من وجوه:\nالوجه الأول:\nأن الأثر ضعيف.\n_________\n(^١) انظر التمهيد (١٨/ ٨٨).\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في التفسير (٥/ ١٤٦٣).\n(^٣) انظر ترجمته في ميزان الاعتدال (٤/ ٢١٣)، ورواه الطبري في تفسيره طـ هجر (١٠/ ١٤٣) من طريق أبي همام الأهوازي،\nورواه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٨٠) من طريق روح بن عبادة، كلاهما عن موسى بن عبيدة به.","vol":"10","page":23},{"text":"الوجه الثاني:\nقال ابن عبد البر: «ليس في قوله: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف: ٢٩]، دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنًا أو كافرًا لما شهدت به العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيمانًا ولا كفرًا» (^١).\nالوجه الثالث:\nمن الحجة أيضًا قوله تعالى: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور: ١٦].\nوقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: ٣٨].\nومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء.\nالوجه الرابع:\nقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥].\nولما أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4449> دليل من قال: الفطرة السنة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4450>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٥٧ - ٨) ما رواه البيهقي، من طريق حامد بن أبي حامد المقري، حدثنا إسحاق بن سليمان، ثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: من السنة قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار.\nقال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح، عن أحمد بن أبي رجاء، عن إسحاق ابن سليمان اهـ (^٢).\n_________\n(^١) التمهيد (١٨/ ٨٢).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ١٤٩).","vol":"10","page":24},{"text":"أراد البيهقي أصل الحديث وإلا فلفظ البخاري: (من الفطرة) (^١)، وهو المحفوظ (^٢).\n_________\n(^١) قال البخاري (٥٨٩٠): حدثنا أحمد ابن أبي رجاء، حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: سمعت حنظلة، عن نافع،\nعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب. اهـ هذا لفظ البخاري.\nوتبع النووي البيهقي، فقال في المجموع (١/ ٣٣٨): «في صحيح البخاري عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: من السنة قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار». اهـ\nهكذا نسب النووي هذا اللفظ إلى البخاري كما نسبه البيهقي، ولم أجده فيه بهذا اللفظ. قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٣٩): «وقد تبعه شيخنا ابن الملقن على هذا -أي على نسبة هذا اللفظ للبخاري- قال الحافظ: ولم أر الذي قاله في شيء من نسخ البخاري، بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ الفطرة. وكذا من حديث أبي هريرة، نعم وقع التعبير بالسنة موضع الفطرة في حديث عائشة عند أبي عوانة في رواية أخرى، وفي رواية أخرى بلفظ الفطرة كما في رواية مسلم والنسائي وغيرهما». اهـ ولم يقف الحافظ على لفظ البيهقي.\n(^٢) انفرد بهذه اللفظة حامد بن أبي حامد المقري، فرواه عن إسحاق بن سليمان، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر.\nوقد رواه أحمد في مسنده (٢/ ١١٨).\nوالبخاري في صحيحه (٥٨٨٨) ثنا أحمد بن أبي رجاء، كلاهما (الإمام أحمد وابن أبي رجاء) روياه، عن إسحاق بن سليمان به، بلفظ: (من الفطرة) وروايتهما أرجح بدون شك.\nأولًا: لأن أحمد بن حنبل، لا يعدله من خالفه، ولا يقاربه في الحفظ.\nوثانيًا: ولكون لفظ: (من الفطرة) هو لفظ البخاري، أعلى الكتب صحة، متنًا وإسنادًا بلا منازع.\nوثالثًا: وجود المتابعات، لأحمد والبخاري، ولم يتابع حامد بن أبي حامد المقري على لفظه، فقد رواه جماعة عن حنظلة بن أبي سفيان، موافقين لرواية أحمد والبخاري، وإليك إياهم:\nالأول: أحمد بن أبي رجاء، كما في صحيح البخاري (٥٨٩٠).\nالثاني: عبد الله بن وهب، كما في المجتبى من سنن النسائي (١٢)، والكبرى أيضًا (١٢)، وشرح مشكل الآثار (٦٨٢).\nالثالث: مكي بن إبراهيم. كما في صحيح البخاري (٥٨٨٨)، ومسند عبد الله بن عمر للطرسوسي (ص: ٤٤) رقم ٨٠. وسنن البيهقي (٣/ ٢٤٣)، وشعب الإيمان للبيهقي (٦٤٤١).\nالرابع: الوليد بن مسلم، كما في صحيح ابن حبان (٥٤٧٨).\nالخامس: حامد بن أبي حامد المقرئ كما في السنن الكبرى للبيهقي (١/ ١٤٩).\nالسادس: عبد الوهاب، كما في الترجل من مسائل أحمد (١٧٤)، والطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢١٦).","vol":"10","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4451>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٥٨ - ٩) ما رواه أبو عوانة في مسنده، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي رجاء المصيصي، قال: ثنا وكيع بن الجراح، قال: ثنا زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب ابن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير،\nعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ عشر من السنة: قص الشارب، وإعفاء اللحى، والسواك، والاستنثار بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء - يعني الاستنجاء بالماء.\nقال زكريا: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة (^١).\n[المحفوظ أنه من قول طلق، ورفعه شاذ، كما أن المعروف أن الأثر بلفظ: (عشر من الفطرة) وليس عشر من السنة] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أبي عوانة (١/ ١٩٠، ١٩١).\n(^٢) المحفوظ فيه أنه من قول طلق كما أن لفظة: (عشر من السنة) انفرد بها أحمد بن محمد بن أبي رجاء المصيصي عن وكيع.\nوكذلك رواه أبو بشر، عن طلق بن حبيب، قال: عشرة من السنة السواك وقص الشارب وذكر الحديث. كما عند النسائي في المجتبى (٥٠٤٢)، وفي الكبرى (٩٢٨٨).\nوقد رواه جماعة عن وكيع، ولم يذكروا ما ذكره ابن أبي رجاء، وإليك بعض من وقفت عليه منهم:\nالأول: أحمد بن حنبل كما في المسند (٦/ ١٣٧).\nالثاني: إسحاق بن راهوية كما في مسنده (٥٤٧)، ومسند أبي يعلى (٤٥١٧). والنسائي في المجتبى (٥٠٤٠)، والكبرى (٩٢٨٦).\nالثالث: أبو بكر بن أبي شيبة كما في المصنف (٢٠٤٦)، وصحيح مسلم (٥٦ - ٢٦١)، وابن ماجه (٢٩٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٦).\nالرابع: قتيبة، كما في مسلم (٥٦ - ٢٦١) والترمذي (٢٧٥٧).\nالخامس: زهير بن حرب، كما في مسلم (٥٦ - ٢٦١).\nالسادس: يحيى بن معين، كما في سنن أبي داود (٥٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٢).\nالسابع: هناد، كما في سنن الترمذي (٢٧٥٧). ...\nالثامن: يوسف بن موسى كما في صحيح ابن خزيمة (٨٨).\nالتاسع: محمد بن إسماعيل الحساني، كما في سنن الدارقطني (١/ ٩٤).\nالعاشر: يحيى بن عبد الحميد، كما في مشكل الآثار (٦٨٥). فهؤلاء عشرة من الرواة رووه عن وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة، وليس فيه ما ذكره أحمد بن محمد بن أبي رجاء المصيصي عن وكيع.\nوكذلك رواه غير وكيع بهذا اللفظ، رواه مسلم (٢٦١)، من طريق يحيى بن زكريا، وابن خزيمة (٨٨) من طريق عبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر، ثلاثتهم عن زكريا بن أبي زائدة به.","vol":"10","page":26},{"text":"قال أبو عمرو بن الصلاح: «هذا فيه إشكال لبعد معنى السنة عن معنى الفطرة في اللغة (^١)، قال: فلعل وجهه أن أصله سنة الفطرة، أو أدب الفطرة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه».اهـ\nوإذا قلنا إن المراد بالفطرة: السنة. فإن السنة معناها الطريقة: أي أن معنى ذلك من سنن الأنبياء والمرسلين وطريقتهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4452> دليل من قال الفطرة هي الإسلام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4453>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [الروم: ٣٠].\nفقوله تعالى (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) أي دين لله، (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ): أي دين الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4454>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٥٩ - ١٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أوينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل\n_________\n(^١) سبق أن ذكرنا المعنى اللغوي للفطرة، في أول الباب.","vol":"10","page":27},{"text":"تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة ﵁: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (^١).\nولما كان الإسلام هو دين الفطرة، لم يحتج أن يقول: فأبواه يسلمانه.\n• وتعقب هذا:\nقال ابن عبد البر، فقال: يستحيل أن تكون الفطرة المذكورة في قول النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة) الإسلام؛ لأن الإسلام والإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح. وهذا معدوم من الطفل، لا يجهل بذلك ذو عقل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4455>الدليل الثالث:</span>\n(٢٠٦٠ - ١١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان قال: سمعت زيد بن وهب قال:\nرأى حذيفة رجلًا لا يتم الركوع والسجود، قال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ عليها (^٣).\nمت على غير الفطرة: أي على غير الدين والملة والإسلام.\nقال ابن حجر: «قال الخطابي: الفطرة الملة أو الدين. قال: ويحتمل أن يكون المراد بها هنا السنة، كما جاء (خمس من الفطرة) الحديث، ويكون حذيفة قد أراد توبيخ الرجل ليرتدع في المستقبل، ويرجحه وروده من وجه آخر بلفظ: (سنة محمد) (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٥٩)، ورواه مسلم بنحوه (٢٦٥٨).\n(^٢) التمهيد (١٨/ ٧٧).\n(^٣) صحيح البخاري (٧٩١).\n(^٤) فتح الباري (٢/ ٢٧٥). وقد أخرجه البخاري بلفظ السنة كما قال الحافظ، في صحيحه (٣٨٩)، قال: أخبرنا الصلت بن محمد، أخبرنا مهدي، عن واصل، عن أبي وائل، عن حذيفة رأى رجلًا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته قال له حذيفة: ما صليت. قال: وأحسبه قال: لو مت مت على غير سنة محمد ﷺ.","vol":"10","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4456>الدليل الرابع:</span>\n(٢٠٦١ - ١٢) ما رواه مسلم، قال: حدثني أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار بن عثمان - واللفظ لأبي غسان وابن المثنى - قالا: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير،\nعن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا. الحديث قطعة من حديث طويل (^١).\nفقوله: (حنفاء) أي مسلمين.\n«ومما يدل على أن الحنفية الإسلام قوله الله ﷿: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: ٦٧].\nوقوله سبحانه: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ) [الحج: ٧٨] (^٢).\nوإنما سمي إبراهيم حنيفًا؛ لأنه كان حنف عما كان يعبد أبوه وقومه من الآلهة، إلى عبادة الله وحده: أي عدل عن ذلك ومال، وأصل الحنف ميل من إبهامي القدمين، كل واحدة منهما على صاحبتها.\nقال الأوزاعي: سألت الزهري عن رجل عليه رقبة، أيجزئ عنه الصبي أن يعتقه، وهو رضيع؟\nقال: نعم؛ لأنه ولد على الفطرة، يعني: الإسلام.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٨٦٥).\n(^٢) التمهيد (١٨/ ٧٥).","vol":"10","page":29},{"text":"ورده ابن عبد البر، وقال: إنما أجزأ عتقه في الرقاب الواجبة عند من أجازه؛ لأن حكمه حكم أبويه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4457>الدليل الخامس:</span>\n(٢٠٦٢ - ١٣) ما رواه أحمد من طريق أبان، عن قتادة، عن الحسن،\nعن الأسود بن سريع، أن رسول الله ﷺ بعث سرية يوم حنين، فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا قال رسول الله ﷺ: ما حملكم على قتل الذرية؟ قالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين. قال: أو هل خياركم إلا أولاد المشركين، والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها (^٢).\n[رجاله ثقات، وإسناده منقطع، لم يسمع الحسن من الأسود، وقتادة مدلس] (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد (١٨/ ٧٧).\n(^٢) مسند أحمد (٣/ ٤٣٥).\n(^٣) إسناده منقطع، الحسن لم يسمع من الأسود، قال ذلك علي بن المديني، كما في العلل له (٦٣)، والمراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٣٩).\nوابن منده كما في تهذيب الكمال (٣/ ٢٢٢).\nوالبزار كما في نصب الراية (١/ ٩٠).\nورجحه الحافظ في التهذيب (١/ ٢٩٥).\nقلت: رواه المبارك بن فضالة كما في العلل لابن المديني (٦٣).\nويونس بن عبيد كما في سنن النسائي الكبرى (٨٦١٦)، والحاكم (٢/ ١٢٣).\nوالسري بن يحيى، كما في التأريخ الكبير للبخاري (١/ ٤٤٥)، كلهم، عن الحسن، قال: حدثنا الأسود.\nورواه الطحاوي في مشكل الآثار (١٣٩٦) من طريق الأشعث بن عبد الملك، عن الحسن، أن الأسود بن سريع حدثهم، بلفظ الجمع. وذكر نفس الحديث.\nفهنا ظاهره أن الحسن قد حدثه الأسود، وقد ذهب إلى ذلك الطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١٥).\nوقال البزار كما في نصب الراية (١/ ٩٠): «معناه حدث أهل البصرة». اهـ\nتخريج الحديث:\nالحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٨٣٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٢٣)، والبيهقي في السنن (٩/ ١٣٠) من طريق أبان، وأخرجه أحمد (٤/ ٢٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، ...\nوأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٦٢)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٣٩٧)، من طريق شيبان، كلهم (أبان، وسعيد بن أبي عروبة، وشيبان)، عن قتادة.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٣٥) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٦٠)، والنسائي في الكبرى (٨٦١٦) والدارمي (٢٤٦٣)، والطبراني في الكبير (٨٢٩، ٨٣٢)، والحاكم (٢/ ١٢٣)، من طرق عن يونس بن عبيد.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢٤) البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٤٥)، والصغير (١/ ٨٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٣٩٤، ١٣٩٥)، وابن حبان (١٣٢)، من طريق السري بن يحيى.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٣٣١٣١) من طريق إسماعيل بن مسلم.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٩٢٤) والطبراني في الكبير (٨٢٨) من طريق أبي حمزة العطار وإسحاق بن الربيع،\nوأخرجه الطحاوي (١٣٩٦) والطبراني (٨٣٠) من طريق الأشعث بن عبد الملك.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٨٢٦) من طريق المبارك بن فضالة.\nوأخرجه الطبراني (٨٣١) من طريق عمارة بن أبي حفصة.\nوأخرجه الطبراني (٨٣٤) من طريق المعلى بن زياد، كلهم (قتادة، ويونس بن عبيد، والسري ابن يحيى، وإسماعيل بن مسلم وأبو حمزة، وإسحاق بن الربيع، والأشعث، ومبارك، وعمارة بن أبي حفصة) رووه عن الحسن، عن الأسود بن سريع به.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٠٩٠) عن معمر، عمن سمع الحسن، يحدث عن الأسود ابن سريع.","vol":"10","page":30},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4458> دليل من قال الفطرة الميثاق والعهد:</span>\n(٢٠٦٣ - ١٤) دليلهم ما رواه أحمد، قال: ثنا حسين بن محمد، ثنا جرير -يعني ابن حازم- عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعنى عرفة- فاخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] (^١).\n_________\n(^١) مسند أحمد (١/ ٢٧٢).","vol":"10","page":31},{"text":"[قال النسائي: الحديث غير محفوظ (^١)، ورجح ابن كثير وقفه] (^٢).\n_________\n(^١) السنن الكبرى (١١١٩١).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٦٣).\nوالحديث فيه كلثوم بن جبر\nوثقه أحمد ويحيى بن معين. الجرح والتعديل (٧/ ١٦٤).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (٨/ ٣٩٦).\nوقال ابن سعد: كان معروفا، وله أحاديث. الطبقات الكبرى (٧/ ٢٤٤).\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي المراسيل. الثقات (٧/ ٣٥٦).\nوقال العجلي: ثقة. معرفة الثقات (٢/ ٢٢٨). قلت: وقد روى له مسلم.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ. وباقي رجال الإسناد ثقات.\nتخريج الحديث:\nرواه كلثوم بن جبر، واختلف عليه فيه، فروي عنه مرفوعًا وموقوفًا:\nأما الرواية المرفوعة: فرواه حسين بن محمد كما في السنة لابن أبي عاصم (٢٠٢)، والنسائي في التفسير (٢١١)، وفي الكبرى (١١١٩١)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ١١٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٤).\nووهب بن جرير كما في مستدرك الحاكم (٢/ ٢٧، ٢٨) كلاهما عن جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا.\nوخالف جماعة جرير بن حازم، فرووه عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير به موقوفًا، من هؤلاء:\nعبد الوارث كما عند الطبراني (٩/ ١١١)،\nوابن علية كما عند الطبراني (٩/ ١١١)،\nوحماد بن زيد كما في طبقات ابن سعد (١/ ٢٩).\nوربيعة بن كلثوم كما عند الطبراني (٩/ ١١٠، ١١١)، أربعتهم رووه عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير به موقوفًا، فهؤلاء مجتمعون مقدمون على جرير بن حازم، كيف وقد رواه جماعة عن سعيد بن جبير على الرواية الموقوفة، من هؤلاء:\nعطاء بن السائب عند الطبراني (٩/ ١١١).\nوحبيب بن أبي ثابت، عند الطبراني أيضًا (٩/ ١١١).\nوعلي بن بذيمة عند الطبراني أيضًا (٩/ ١١١) كلهم (عطاء، وحبيب، وعلي) رووه عن سعيد ابن جبير به موقوفًا. =","vol":"10","page":32},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال ابن كثير: (٢/ ٢٦٣) «روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من سننه وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حسين بن محمد به، إلا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفًا .... ورواه عبد الوارث، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فوقفه. وكذا رواه إسماعيل بن علية، ووكيع، عن ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه به. وكذا رواه عطاء بن السائب، وحبيب بن أبي ثابت، وعلي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وكذا رواه العوفي، علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. فهذا أكثر وأثبت». اهـ\nيقصد الوقف أكثر وأثبت، وإذا كان الراجح وقفه كما هو ظاهر من البحث، فهل يمكن أن يقال: إن مثله مما لا يقال بالرأي فيكون له حكم الرفع.\nوله شواهد:\nالأول: ما رواه مالك في الموطأ (٢/ ٨٩٨)، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه أخبره، عن مسلم بن يسار الجهني،\nأن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ يُسْأل عنها، فقال رسول الله ﷺ: إن الله ﵎ خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة. وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار.\nرواه زيد بن أبي أنيسة، واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥) وابن أبي عاصم (١٩٦)، والنسائي في الكبرى (١١١٩٠)، وابن حبان (٦١٦٦)، والبغوي في شرح السنة (٧٧)، عن مالك، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجهني، عن عمر.\nوفي هذا الإسناد علتان: مسلم بن يسار متكلم فيه، والانقطاع.\nوإسناده ضعيف، فيه مسلم بن يسار وثقه ابن حبان والعجلي، وجهله ابن عبد البر وابن\nعبد البر، وفي التقريب: مقبول، كما أن فيه انقطاعًا مسلم بن يسار لم يسمع من عمر، قاله أبو حاتم وأبو زرعة والترمذي سنن الترمذي (٣٠٧٥)، وتفسير بن كثير (٢/ ٢٦٣).\nوخالف مالكًا كل من =","vol":"10","page":33},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عمر بن جعثم القرشي، كما في سنن أبي داود (٤٧٠٤)، والطبري في تفسيره (٩/ ١١٣، ١١٤).\nوخالد بن أبي يزيد أبو عبد الرحيم الحراني كما في التمهيد (٦/ ٤، ٥).\nويزيد بن سنان، كما في السنة لابن أبي عاصم (٢٠١)، والنكت الظراف (٨/ ١١٣)، ثلاثتهم رووه عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، عن عمر، فوصلوه بزيادة نعيم بن ربيعة.\nونعيم بن ربيعة لم يرو عنه إلا مسلم بن يسار، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فهو مجهول.\nفأيهما أرجح رواية مالك المنقطعة أم رواية أبي عبد الرحيم، ويزيد بن سنان، وعمر بن جعثم القرشي الموصوله؟\nاختلف في ذلك: فرجح الدارقطني الرواية الموصوله.\nقال في العلل (٢/ ٢٢٢) حين سئل عن هذا الحديث: «يرويه زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، عن عمر حدث عنه كذلك يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، وجود إسناده ووصله. وخالفه مالك بن أنس، فرواه عن زيد بن أبي أنيسة، ولم يذكر في الإسناد نعيم بن ربيعة وأرسله من مسلم بن يسار، عن عمر. وحديث يزيد بن سنان متصل، وهو أولى بالصواب والله أعلم. وقد تابعه عمر بن جعثم، فرواه عن زيد بن أبي أنيسة، كذلك قاله بقية بن الوليد عنه».اهـ\nوقال الحافظ بن كثير (٢/ ٢٦٤): «الظاهر أن الإمام مالك إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدًا لما جهل حال نعيم، ولم يعرفه؛ فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم، ولهذا يرسل كثيرًا من المرفوعات، ويقطع كثيرًا من الموصولات. والله أعلم.\nورجح بعضهم الرواية المنقطعة، رواية مالك».\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٥، ٦): «زيادة من زاد في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ليست حجة؛ لأن الذي لم يذكرها أحفظ، وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقن، وجملة القول في هذا الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مسلم بن يسار، ونعيم بن ربيعة جميعًا غير معروفين بحمل العلم». اهـ.\nوسواء اعتبرنا زيادة نعيم بن ربيعة من المزيد في متصل الأسانيد أم لا، فالحديث بكل أحواله ضعيف، كما قال ابن عبد البر، ومع ضعفه إلا أنه صالح في الشواهد، فيكون شاهدًا لحديث ابن عباس المتقدم.\nالشاهد الثاني: حديث أبي هريرة.\nرواه الترمذي، قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، =","vol":"10","page":34},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى رجلًا منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخطئ آدم، فخطئت ذريته.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.\nوليس في الحديث موضع الشاهد، وهو أخذ العهد والميثاق، المذكور بقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).\nتخريج الحديث:\nالحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٢٧)، والطبري في تاريخه (١/ ١٥٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٨٥، ٥٨٦) من طريق هشام بن سعد به.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nوصححه ابن منده كما في الرد على الجهمية (٤٩).\nوقد اختلف في إسناد هذا الحديث:\nفرواه أبو نعيم، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، كما في إسناد الترمذي السابق.\nوتابعه أبو خالد الأحمر عند الطبري في التاريخ الكبير (١/ ١٥٥) فرواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nورواه ابن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فجعل بدلًا من أبي صالح، عطاء بن يسار. كما في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٨٨).\nجاء في العلل (٢/ ٨٨): «قلت لأبي زرعة: أيهما أصح؟ - يعني: حديث ابن وهب أم حديث أبي نعيم - قال: حديث أبي نعيم أصح. وهم ابن وهب في حديثه».\nورواه أبو خالد الأحمر، واختلف عليه فيه:\nفرواه الحاكم (١/ ٤٦) من طريق مخلد بن مالك، عن أبي خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة. =","vol":"10","page":35},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه آدم بن أبي إياس، عن أبي خالد، فروى عنه أربعة طرق مختلفة، كلها يرويها آدم بن أبي إياس، عن أبي خالد الأحمر:\nأحدها: ما تقدم، عن أبي خالد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة، كما في تاريخ الطبري (١/ ١٥٥)، وهذا الطريق فيه متابعة لمخلد بن مالك.\nورواه آدم بن أبي إياس أيضًا في تاريخ الطبري (١/ ١٥٥) عن أبي خالد الأحمر، حدثني محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nقال أبو خالد (١/ ١٥٥) وحدثني الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nوقال أبو خالد (١/ ١٥٥) وحدثني ابن أبي ذباب الدوسي، عن سعيد المقبري، ويزيد بن هرمز، عن أبي هريرة.\nفهذه أربعة اختلافات في طريق أبي خالد الأحمر، وأكثرها لم ينفرد فيها آدم بن أبي إياس، فطريق الشعبي عن أبي هريرة، تابعه فيه مخلد بن مالك.\nوطريق أبي صالح عن أبي هريرة، سبق تخريجه من طريق زيد بن أسلم.\nوطريق ابن أبي ذباب، عن سعيد المقبري تابعه فيه صفوان بن عيسى، لكن ليس فيه موضع الشاهد، وهو مسح ظهر آدم، وإخراج ذريته من ظهره، وأخذ الميثاق عليهم.\nفقد أخرج الترمذي في سننه (٣٣٦٨) قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لما خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه، فقال له ربه: يرحمك الله يا آدم. اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملإ منهم جلوس، فقل السلام عليكم. قالوا: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه، فقال: إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم، فقال الله له، ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها آدم وذريته. فقال: أي رب ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك، فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين عينيه، فإذا فيهم رجل أضوؤهم أو من أضوئهم. قال: يا رب من هذا؟ قال: هذا ابنك داود قد كتبت له عمر أربعين سنة. قال: يا رب زده في عمره، قال: ذاك الذي كتبت له. قال: أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة. قال: أنت وذاك. قال: ثم أسكن الجنة ما شاء الله، ثم أهبط منها، فكان آدم يعد لنفسه. قال: فأتاه ملك الموت فقال له آدم: قد عجلت قد كتب لي ألف سنة. قال: بلى، ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة، فجحد، فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته. قال: فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود.\nومن طريق الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، أخرجه الطبري في تاريخه (١/ ١٥٥)\nوابن خزيمة في كتاب التوحيد (ص: ٦٧)، وابن حبان (٦١٦٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٤) (٤/ ٢٦٣) وابن أبي عاصم في السنة (٢٠٦). =","vol":"10","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من رواية زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. اهـ\nوفي هذا الحديث أن عمر داود كان أربعين سنة، ووهب له ستون سنة.\nبينما في الحديث السابق، أن عمره كان ستين سنة، ووهب له أربعون.\nوفي إسناده الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، صدوق يهم.\nوالطريق الوحيد من الأربعة الذي تفرد به أبو خالد الأحمر، هو طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nالشاهد الثالث: حديث أنس بن مالك.\nحدثنا قيس بن حفص، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن أبي عمران الجوني،\nعن أنس يرفعه: إن الله يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم. قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك. وهو في صحيح مسلم (٢٨٠٥).\nقال القاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم (٨/ ٣٣٧): «وأنت في صلب آدم، قال: هذا تنبيه على ما جاء في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفى به بعد وجوده في الدنيا فهو مؤمن، ومن لم يف به فهو كافر. ومراد الحديث - والله أعلم ونبيه - قد أردت منك هذا، وأنت في صلب آدم: ألا تشرك بي حين أخذت عليك ذلك الميثاق، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك». اهـ\nالشاهد الرابع: حديث أبي الدرداء.\nفقد روى أحمد، ﵀، قال: حدثنا هيثم، وسمعته أنا منه، قال: حدثنا أبو الربيع، عن يونس، عن أبي إدريس،\nعن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ، قال: خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي. وقال للذي في كفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي.\nورواه البزار في مسنده (٤١٤٣) والطبراني في مسند الشاميين (٢٢١٣) والفريابي في القدر (٣٦) وابن بطة في الإبانة (٧٤٣) من طريق الهيثم بن خارجه.\nورواه الطبراني في مسند الشاميين (٢٢١٣) من طريق هشام بن عمار، كلاهما عن سليمان بن عتبة به. =","vol":"10","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي إسناده: أبو الربيع، سليمان بن عتبة.\nقال أحمد: لا أعرفه. الجرح والتعديل (٤/ ١٣٤).\nوقال يحيى بن معين: لا شيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس به بأس، وهو محمود عند الدمشقيين. المرجع السابق.\nووثقه دحيم، وأبو مسهر، وهما من أعلم الناس بأهل الشام. تهذيب التهذيب (٤/ ١٨٤).\nوقال أبو زرعة، عن أبي مسهر: ثقة. قلت: إنه يسند أحاديث، عن أبي الدرداء. قال: هي يسيرة. لم يكن له عيب إلا لصوقه بالسلطان. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٨/ ٢٧٤)، وقال أيضًا: من خيار الشاميين، وقرائهم. مشاهير علماء الأمصار (١٤٢١).\nوفي التقريب: صدوق، له غرائب. وباقي الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا الهيثم بن خارجه، فإنه صدوق، فالإسناد حسن إن سلم من علة تفرد سليمان بن عتبة بهذا الإسناد، والله أعلم.\nالشاهد الخامس: حديث أبي أمامة، وقد رواه عن أبي أمامة القاسم بن محمد، وأبو عثمان النهدي:\nأما رواية القاسم عن أبي أمامة: فرواه عن القاسم اثنان:\nأحدهما: جعفر بن الزبير، كما في مسند أبي داود الطيالسي، ط هجر (١٢٢٦)، والمعجم الكبير للطبراني (٧٩٤٠)، عن القاسم، عن أبي أمامة، لفظ الطيالسي مختصرًا، ولفظ الطبراني: قال: قال رسول الله ﷺ: لما خلق الله ﷿ الخلق، وقضى القضية، أخذ أهل اليمين بيمينه، وأهل الشمال بشماله، فقال: يا أصحاب اليمين. قالوا: لبيك وسعديك. قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قال: يا أصحاب الشمال. قالوا: لبيك وسعديك. قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. ثم خلط بينهم، فقال: قائل: يا رب لم خلطت بينهم؟ قال: لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، ثم ردهم في صلب آدم.\nإسناده ضعيف جدًا. فيه جعفر بن الزبير الحنفي، وهو متروك، ولولا خشية الإطالة لنقلت ما جاء في ترجمته.\nالثاني: بشر بن نمير، كما في مسند ابن أبي شيبة، من المطالب العالية (٢٩٦٦)، والدارمي في الرد على الجهمية (٤٢، ٢٥٥)، والضعفاء للعقيلي (١/ ١٣٩، ١٤٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٢٣٠). وبشر بن نمير متهم بالكذب.\nوأما رواية أبي عثمان النهدي عن أبي أمامة.\nفرواه الطبراني في الأوسط (٧٦٣٢) وفي مجمع البحرين. (٣٢١٧)، قال: حدثنا محمد بن المرزبان، ثنا أحمد بن إبراهيم النرمقي، ثنا سلم بن سالم، عن عبد الرحمن، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، =","vol":"10","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله ﷺ: خلق الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين، وعرشه على الماء - فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشقاء بيده اليسرى، وكلتا يدي الرحمن يمين، فقال: يا أهل اليمين. قالوا: لبيك وسعديك. قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. ثم خلط بينهم. فقال قائل منهم: رب لم خلطت بيننا؟ فقال: لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون أن تقولوا يوم القيامة إن كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم فخلق الله الخلق وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين، عرشه على الماء، فأهل الجنة أهلها، وأهل النار أهلها ... الحديث.\nوشيخ الطبراني: محمد بن المرزبان مجهول الحال.\nوشيخه أحمد بن إبراهيم النرمقي، ذكره أبو بكر بن نقطة في تكملة الإكمال، وقال: حدث عن سهل بن عبد ربه السندي، وعبد الله بن أبي جعفر الرازي، روى عنه محمد بن شعيب الأصبهاني، ومحمد بن المرزبان الآدمي شيخي الطبراني.\nوذكره السمعاني في الأنساب، ولم يذكر فيه شيئًا.\nكما أن في إسناده سلم بن سلم. قال فيه أحمد: ليس بذاك في الحديث، كأنه ضعفه. الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٦).\nوقال يحيى بن معين: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال ابن أبي حاتم: قال أبي ضعيف الحديث، وترك حديثه ولم يقرأه علينا. المرجع السابق.\nوسئل أبو زرعة، عن سلم بن سالم، فقال: أخبرني بعض الخراسانيين، قال: سمعت بن المبارك يقول: اتق حيات سلم بن سالم لا تلسعك. المرجع السابق.\nوقال أيضًا عبد الرحمن: سمعت أبا زرعة يقول: ما أعلم أنى حدثت عن سلم بن سالم إلا أظنه مرة. قلت: كيف كان في الحديث؟ قال: لا يكتب حديثه، كان مرجئا وكان لا وأومى بيده إلى فيه - يعنى: لا يصدق - المرجع السابق.\nفعلى هذا لا يصح أن يكون شاهدًا لشدة ضعفه، والله أعلم.\nالشاهد السادس: حديث عبد الرحمن بن قتادة السلمي.\nرواه أحمد، قال: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا ليث - يعني ابن سعد - عن معاوية، عن راشد ابن سعد،\nعن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ﷿ خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي. قال: فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر.\nوأخرجه ابن سعد (١/ ٣٠) (٧/ ٤١٧)، وابن حبان (٣٣٨)، والحاكم (١/ ٣١)، وابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٤٨٩) من طريق معاوية بن صالح به. =","vol":"10","page":39},{"text":"قال ابن عبد البر: «قد قال هؤلاء: ليست تلك المعرفة بإيمان، ولا ذلك الإقرار\n_________\n= وإسناد هذا الحديث مضطرب:\nفقيل فيه: عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وذكر الحديث. كما سبق في إسناد أحمد.\nوقيل فيه: عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن أبيه، عن هشام بن حكيم.\nوقيل: عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن هشام بن حكيم، ليس فيه قتادة والد عبد الرحمن.\nوجاء في الإصابة: وأعل البخاري الحديث بأن عبد الرحمن إنما رواه عن هشام بن حكيم، هكذا رواه معاوية بن صالح وغيره، عن راشد.\nوقال معاوية مرة: إن عبد الرحمن قال: سمعت، وهو خطأ.\nورواه الزبيدي، عن راشد، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن أبيه، وهشام بن حكيم.\nوقيل: عن الزبيدي وعبد الرحمن، عن أبيه، عن هشام.\nوقال ابن السكن: الحديث مضطرب. اهـ كلام الحافظ.\nوقال الحافظ: ويكفي في إثبات صحبته الرواية التي شهد له فيها التابعي بأنه من الصحابة، فلا يضر بعد ذلك إن كان سمع الحديث من النبي ﷺ أو بينهما فيه واسطة.\nوليست المسألة في إثبات صحبته، ولكن إسناد هذا الحديث مضطرب، فلا يمكن أن نصحح إسنادًا فيه مثل هذا الاختلاف اعتمادًا على صحة كونه صحابيًا.\nتخريج الحديث:\nأما الإسناد الباب: عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي عن رسول الله ﷺ فقد سبق تخريجه.\nوأما إسناد: راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن أبيه، عن هشام بن حكيم.\nفأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣١٤، ٣٤٢)، (٨/ ١٩١، ١٩٢)، والطبري (٩/ ١١٧)، والبزار (٢١٤٠) كما في كشف الأستار، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٤١)، وفي الشاميين (١٨٥٤).\nوأما إسناد الحديث الذي فيه: عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن هشام بن حكيم، ليس فيه قتادة والد عبد الرحمن.\nفأخرجه الآجري في الشريعة (ص: ١٧٢)، والطبري (٩/ ١١٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٣٤)، وفي الشاميين (١٨٥٥، ٢٠٤٦).\nوفي الباب: حديث أبي بن كعب، موقوفًا عليه، وعبد الله بن عمرو موقوفًا عليه، ولولا خشية الإطالة لتكلمت عليهما.","vol":"10","page":40},{"text":"بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب، فطرة ألزمها قلوبهم، فكفونا بهذه المقالة أنفسهم» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4459> الراجح من هذه الأقوال:</span>\nأن الفطرة في قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) أي على خلقة يعرف بها ربه، إذا بلغ مبلغ المعرفة سالمًا في الأغلب خلقة وطبعًا، مهيأ لقبول الدين. وهذا الذي رجحه ابن عبد البر.\nقال القرطبي: «وإلى ما اختاره أبو عمر، واحتج له غير واحد من المحققين، منهم ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة، وشيخنا أبو العباس.\nقال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنه الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل معدة ومهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تعرضهم العوارض، ومنه قول النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه) فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة، وقال شيخنا في عبارته: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام، وهو الدين الحق، وقد دل على صحة هذا المعنى قوله: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، يعني: أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة، سليمًا من الآفات، فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملًا بريئًا من العيوب، لكن يتصرف فيه فيجدع أذنه، ويوسم وجهه، فتطرأ عليه الآفات والنقائض، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) التمهيد (١٨/ ٩٠، ٩١).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٤/ ٢٩).","vol":"10","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4460>فرع\nمناسبة تسمية هذه الخصال خصال الفطرة</span>\nقال القرطبي في المفهم: «في هذه الخصال مجتمعة في أنها محافظة على حسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخلقة التي خلق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوه الإنسان، ويقبحه بحيث يستقذر، ويجتنب، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى، فسميت هذه الخصال فطرة لهذا المعنى. والله أعلم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المفهم (١/ ٥١١، ٥١٢).","vol":"10","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4461>المبحث الثاني ذكر خصال الفطرة</span>\n[م-٨١١] ورد في ذكر خصال الفطرة أحاديث منها:\nحديث ابن عمر ﵁.\n(٢٠٦٤ - ١٥) فقد روى البخاري من طريق حنظلة، عن نافع،\nعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب (^١).\n(٢٠٦٥ - ١٦) ومنها حديث أبي هريرة ﵁، رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (^٢).\n(٢٠٦٦ - ١٧) ومنها حديث عائشة، في مسلم من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،\nعن عائشة قالت: قال ﷺ: عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٨٩٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧).","vol":"10","page":43},{"text":"زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء.\n[المحفوظ أنه من قول طلق] (^١).\nفأكثر ما ورد فيه من خصال الفطرة حديث عائشة.\nوسنأتي على شرحها واحدة واحدة، أما السواك، فعقدت له كتابًا خاصًا لأهميته، وكثرة مباحثه. وكذلك الاستنجاء.\nوأما المضمضة والاستنشاق، فسوف يأتي التعرض لأحكامها في سنن الوضوء.\nبقي معنا ما ورد في حديث أبي هريرة الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط، فسوف نعرض لها فصلًا فصلًا سائلين المولى ﷾ عونه وتوفيقه.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦١)، وانظر ح: (٢٠٥٨).","vol":"10","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4462>الباب الأول في الختان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4463>الفصل الأول في تعريف الختان</span>\n• تعريف الختان اصطلاحًا (^١):\nلا يخرج المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي؛ لأن المعنى اللغوي: هو القطع.\nوفي الاصطلاح: قال الحافظ: قطع بعض مخصوص، من عضو مخصوص (^٢).\nوقال النووي: الختان: هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى تنكشف جميع الحشفة (^٣).\nوقال في شرحه لصحيح مسلم: والختان في المرأة: قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج (^٤). اهـ وهي فوق مخرج البول، تشبه عرف الديك.\n* * *\n_________\n(^١) خَتَنَ يَخْتِن من باب ضَرَبَ، والاسم: الخِتَان بالكسر، والخِتانَةُ، وهو مَخْتُونٌ.\nوالخِتانُ: موضع الخَتْنِ من الذكرِ وموضع القطع من نَواة الجارِيةِ.\nوأصل الخَتْن: القطع.\nقال أَبو منصور: هو موضع القطع من الذكر والأُنثى، ومنه الحديث المرويُّ: (إِذا الْتَقَى الخِتانانِ فقد وجب الغسلُ) وهما موضعا القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية.\nويقال لقَطْعهما: الإِعْذارُ والخَفْضُ.\nومعنى التقائهما: غُيُوبُ الحشفة في فرج المرأَة حتى يصيرِ خِتانه بحِذاء خِتَانِهاِ؛ وذلك أَن مدخل الذكر من المرأَة سافل عن ختانها؛ لأَن ختانها مستعلٍ، وليس معناه أَن يَماسَّ خِتانُه خِتانها، هكذا قال الشافعي في كتابه. تاج العروس (١٨/ ١٧٢)، المصباح المنير (١/ ١٦٤).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٣٤٠).\n(^٣) روضة الطالبين (١٠/ ١٨٠).\n(^٤) روضة الطالبين (٣/ ١٤٨).","vol":"10","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4464>الفصل الثاني\nفي كيفية الختان</span>\n[م-٨١٢] نقل الحافظ عن الماوردي قوله: «ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة، وأقل ما يجزئ ألا يبقى منها ما يتغشى به شيء من الحشفة.\nوقال إمام الحرمين: المستحق في الرجال قطع القلفة، وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء متدل.\nوقال ابن الصباغ: حتى تنكشف جميع الحشفة.\nوقال ابن كج، فيما نقله الرافعي: يتأدى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة، وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها.\nقال النووي: وهو شاذ، والأول هو المعتمد.\nقال الإمام (^١): والمستحق من ختان المرأة ما ينطلق عليه الاسم.\nقال الماوردي: ختانها قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مدخل الذكر كالنواة، أو كعرف الديك، والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون استئصاله، وقد أخرج أبو داود من حديث أم عطية أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ: لا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة، وقال: إنه ليس بالقوي. قلت (^٢): وله شاهدان\n_________\n(^١) أي الشافعي ﵀.\n(^٢) والقائل: هو الحافظ.","vol":"10","page":46},{"text":"من حديث أنس، ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة، وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي اهـ.\n• وإليك تخريج الأدلة التي أشار إليها الحافظ:\n(٢٠٦٧ - ١٨) أما حديث أم عطية فقد أخرجه أبو داود من طريقين عن مروان، حدثنا محمد بن حسان. قال عبد الوهاب الكوفي: عن عبد الملك ابن عمير،\nعن أم عطية الأنصارية أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ: لا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل.\n[مضطرب الإسناد على ضعفه] (^١).\n(٢٠٦٨ - ١٩) وأما حديث أنس، فقد رواه الطبراني في المعجم الصغير، من طريق زائدة بن أبي الرقاد، عن ثابت البناني،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٢٧١) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٣٢٢) عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، وعبد الوهاب بن عبد الرحيم الأشجعي.\nوأخرجه البيهقي (٨/ ٣٢٢) من طريق هشام بن عمار، ثلاثتهم عن مروان بن معاوية به.\nقال أبو داود: روي عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بمعناه وإسناده.\nقال أبو داود: ليس هو بالقوي، وقد روي مرسلًا. قال أبو داود: ومحمد بن حسان مجهول، وهذا الحديث ضعيف. اهـ كلام أبي داود.\nورواه عبيد الله بن عمرو الرقي، واختلف عليه:\nفرواه علي بن معبد الرقي كما في المعجم الكبير للطبراني (٨/ ٢٩٩) ح ٨١٣٧.\nورواه البيهقي (٨/ ٣٢٢) من طريق عبد الله بن جعفر، كلاهما عن عبيد الله بن عمرو، عن رجل من أهل الكوفة، عن عبد الملك بن عمير، عن الضحاك بن قيس، قال: كانت بالمدينة امرأة تخفض النساء يقال لها: أم عطية، فقال لها رسول الله ﷺ: اخفضي .. وذكر الحديث. فجعله من مسند الضحاك بن قيس، وسئل عنه يحيى بن معين، فقال: الضحاك بن قيس هذا ليس بالفهري. يريد ابن معين أنه ليس الصحابي، فيكون مرسلًا.\nورواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٢٣) من طريق علاء بن هلال الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الملك بن عمير، عن الضحاك. والعلاء بن هلال ضعيف.","vol":"10","page":47},{"text":"عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال لأم عطية خاتنة كانت بالمدينة: إذا خفضت فأشمي، ولا تنهكي؛ فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج.\nقال الطبراني: لم يروه عن ثابت إلا زائدة، تفرد به محمد بن سلام.\nورواه الطبراني في الأوسط بالإسناد نفسه.\n[ضعيف جدًّا] (^١).\n(٢٠٦٩ - ٢٠) وأما حديث علي بن أبي طالب، فرواه الخطيب، من طريق محمد ابن يونس،\nومن طريق صالح بن أحمد بن يونس، حدثنا محمد بن موسى بن عبد الرحمن، كلاهما (محمد بن يونس، ومحمد بن موسى) عن عوف بن محمد أبي غسان، حدثنا أبو تغلب عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري،\nعن علي، قال: كانت خفاضة بالمدينة، فأرسل إليها رسول الله ﷺ: إذا خفضت فأشمي، ولا تنهكي، فإنه أحسن للوجه، وأرضى للزوج.\n[ضعيف جدًّا أو موضوع] (^٢).\n(٢٠٧٠ - ٢١) وأما حديث ابن عمر، فقد رواه البزار في مسنده من طريق علي ابن عبد الحميد، حدثنا مندل بن علي، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: دخل على النبي ﷺ نسوة من الأنصار، فقال: يا نساء الأنصار\n_________\n(^١) في إسناده زائدة بن أبي الرقاد، وهو متروك، ورواه الطبراني في الأوسط (٢٢٥٣) بالإسناد نفسه، ورواه الدولابي في الكنى والأسماء (١٨٢١)، والخطابي في غريب الحديث (٢/ ٣٦٠)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٩٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٢) والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٢٧٧)، كلهم من طريق زائدة بن أبي الرقاد به.\n(^٢) تاريخ بغداد (١٤/ ٢٣٢)، فيه محمد بن يونس الكديمي متهم بالوضع، وصالح بن أحمد بن يونس، متهم بالوضع أيضًا.","vol":"10","page":48},{"text":"اختضبن غمسًا، واخفضن، ولا تنهكن؛ فإنه أحضى عند أزواجكن، وإياكن وكفر المنعمين. قال مندل: يعنى الزوج (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\nقال المنذري: ليس في الختان خبر يرجع إليه (^٣)، ولا سند يتبع (^٤).\nوقال في عون المعبود: وحديث ختان المرأة روي من أوجه كثيرة، وكلها ضعيفة\n_________\n(^١) مختصر مسند البزار (١٢٢٧).\n(^٢) رواه البزار كما في إسناد الباب، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٦٤٦) من طريق علي بن عبد الحميد، عن مندل به.\nوفي إسناده مندل، وهو ضعيف.\nضعفه أحمد، والنسائي. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ. وذكره العقيلي في الضعفاء. وضعفه ابن معين مرة، وقال في أخرى: ليس به بأس. الجرح والتعديل (٨/ ٤٣١)، الضعفاء والمتروكين (٥٧٨)، الضعفاء الكبير (٤/ ٢٦٦).\nوقال ابن سعد: فيه ضعف، ومنهم من يشتهي حديثه ويوثقه، وكان خيرًا فاضلًا من أهل السنة. الطبقات الكبرى (٦/ ٣٨١).\nوقال ابن عدي: لمندل غير ما ذكرت، وله أحاديث أفراد وغرائب، وهو ممن يكتب حديثه. الكامل (٦/ ٤٥٥).\nوفي التقريب: ضعيف.\nورواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٩٠١) من طريق خالد بن عمرو القرشي السعيدي، عن الليث ابن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سالم، عن أبيه.\nوخالد هذا متروك.\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن خالد بن عمرو القرشي، فقال: ليس بثقة، يروي أحاديث بواطيل. الجرح والتعديل (٣/ ٣٤٣).\nقال أبو محمد بن أبي حاتم: سألت أبي عن خالد بن عمرو، فقال: هو متروك الحديث ضعيف. المرجع السابق.\n(^٣) يعني: ختان المرأة.\n(^٤) تلخيص الحبير (٤/ ٨٣).","vol":"10","page":49},{"text":"معلولة مخدوشة، لا يصح الاحتجاج بها (^١).\nوقال ابن عبد البر في التمهيد: والذي أجمع المسلمون عليه الختان في الرجال (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) عون المعبود (١٤/ ١٢٦).\n(^٢) التمهيد (٢١/ ٥٩).","vol":"10","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4465>الفصل الثالث\nذكر أول من اختتن</span>\n[م-٨١٣] ذكر بعض الفقهاء: أن أول من ختن من الرجال إبراهيم ﷺ ومن الإناث هاجر رضي الله تعالى عنها (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4466> دليلهم على ذلك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4467>الدليل الأول: الإجماع</span>.\nقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن (^٢).\nوقال القرطبي: أجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4468>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٧١ - ٢٢) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن يحيى بن سعيد،\nعن سعيد بن المسيب أنه قال: كان إبراهيم ﷺ أول الناس ضيَّف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص الشارب، وأول الناس رأى الشيب فقال: يا رب ما هذا؟ فقال: الله ﵎ وقار يا إبراهيم. فقال: رب زدني وقارًا (^٤).\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (٩/ ١٩٩)، وانظر مغني المحتاج (٥/ ٥٤٠)، حاشية الجمل (٥/ ١٧٤).\n(^٢) التمهيد (٢١/ ٥٩).\n(^٣) تفسير القرطبي (٢/ ٩٨).\n(^٤) الموطأ (٢/ ٩٢٢).","vol":"10","page":51},{"text":"[رجاله ثقات، إلا أنه موقوف على سعيد] (^١).\n_________\n(^١) ومن طريق مالك، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦٣٩٢).\nوأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢٥٠) من طريق حماد بن زيد.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣١٨٣) من طريق ابن نمير.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣١٧) رقم ٢٦٤٦٧ حدثنا عبدة،\nومعمر بن راشد كما في كتابه الجامع (٢٠٢٤٥) خمستهم (مالك، وحماد، وابن نمير، وعبدة، ومعمر) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب موقوفًا على سعيد.\nوخالفهم أبو قتادة عبد الله بن واقد، وإبراهيم بن أبي يحيى، وهما متهمان:\nأما رواية أبي قتادة: فرواها ابن عدي في الكامل (٤/ ١٩٤)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٨٦٤١) عنه، عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم أول من أضاف الضيف، وأول من قص الشارب، وأول من رأى الشيب، وأول من قص الأظافر، وأول من اختتن بقدومه ابن عشرين ومائة سنة.\nقال ابن عدي: وهذا الحديث بهذا الإسناد يرويه أبو قتادة.\nقلت: رفعه منكر، أبو قتادة، متهم. قال فيه البخاري: تركوه. وقال النسائي: متروك. وقال أيضًا: ليس بثقة. الضعفاء الصغير. (ص: ٦٨) رقم ١٩٨. التاريخ الكبير (٥/ ٢١٩) الضعفاء والمتروكين (٣٣٧)، الإكمال - الحسني (٤٨٩).\nوقال عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل: سئل أبى عن أبى قتادة الحراني، فقال: ما به بأس، رجل صالح يشبه أهل النسك والخير إلا أنه كان ربما أخطأ. قيل له: إن قومًا يتكلمون فيه. قال: لم يكن به بأس. قلت: إنهم يقولون لم يفصل بين سفيان ويحيى بن أبى أنيسة. قال: لعله اختلط أما هو فكان ذكيًا. فقلت له: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قتادة الحراني كان يكذب، فعظم ذلك عنده جدًّا، وقال: كان أبو قتادة يتحرى الصدق، وأثنى عليه، وذكره بخير، وقال: قد رأيته يشبه أصحاب الحديث، وأظنه كان يدلس، ولعله كبر واختلط. والله أعلم. اهـ الجرح والتعديل (٥/ ١٩١).\nوقال أبو حاتم الرازي: تكلموا فيه، منكر الحديث، وذهب حديثه. الجرح والتعديل (٥/ ١٩١).\nوأما رواية إبراهيم بن أبي يحيى، فرواها ابن عدي في الكامل (١/ ١٢٢) من طريق ابن جريج عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: أول من اختتن إبراهيم ﵇.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا. فيه إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك.\nهذا ما يتعلق برواية سعيد بن المسيب، والاختلاف عليه، وقد رواه غير سعيد بن المسيب، رواه كل من أبي سلمة والأعرج عن أبي هريرة. =","vol":"10","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أما رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة:\nرواه ابن أبي عاصم في الأوائل (١/ ٦٤): حدثنا يعقوب، حدثنا سلمة بن رجاء، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: أول من اختتن إبراهيم على رأس ثلاثين ومائة سنة.\nومن طريق يعقوب بن حميد رواه الطبراني في الأوائل أيضًا (١/ ٣٦).\nوفيه يعقوب بن حميد بن كاسب، مختلف فيه، قال فيه النسائي: ليس بشيء. وقال أخرى: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (١١/ ٣٣٦)، الضعفاء والمتروكين (٦١٦).\nواختلف قول يحيى بن معين فيه، فقال مرة: ثقة، وقال أخرى: ليس بشيء. تهذيب التهذيب (١١/ ٣٣٦)، الكامل (٧/ ١٥١).\nوضعفه أبو حاتم الرازي، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فحرك رأسه. قلت: كان صدوقًا في الحديث. قال: لهذا شروط. وقال في حديث رواه يعقوب: قلبي لا يسكن على بن كاسب. المرجع السابق.\nوقال البخاري: لم يزل خيِّرًا، وهو في الأصل صدوق. وفي التقريب: صدوق ربما وهم.\nوفي إسناده سلمة بن رجاء.\nقال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٤/ ١٦٠).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٢/ ١٤٩).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٢٤٢).\nوأما أبو حاتم الرازي، فقال: ما بحديثه بأس.\nوقال أبو زرعة: كوفى صدوق.\nوذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٨/ ٢٧٨).\nوأما رواية الأعرج، عن أبي هريرة:\nرواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٨٣)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٩٥) رقم ٨٦٣٩ حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان المروزي، ثنا عاصم، ثنا أبو أويس، حدثني أبو الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: كان إبراهيم أول من اختتن، وهو ابن عشرين ومائة سنة، فاختتن بالقدوم ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة.\nفي إسناده أبو أويس عبد الله بن عبد الله:\nقال فيه يحيى بن معين ليس بثقة. وفي رواية أخرى: صدوق ليس بحجة. المرجع السابق. الجرح والتعديل (٥/ ٩٢). =","vol":"10","page":53},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وليس بالقوي. المرجع السابق. وقال أبو زرعة: صالح صدوق كأنه لين. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين: أبو أويس وأبوه يسرقان الحديث. الكامل (٤/ ١٨٢).\nوقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا. التهذيب (٥/ ٢٤٥).\nوقال عمرو بن علي: فيه ضعف، وهو عندهم من أهل الصدق. المرجع السابق.\nوقال يعقوب بن شيبة: صدوق صالح الحديث، وإلى الضعف ما هو. المرجع السابق.\nوقال ابن حبان: كان ممن يخطئ كثيرًا، لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولا هو ممن سلك سنن الثقات فيسلك مسلكهم، والذي أرى في أمره تنكب ما خالف الثقات من أخباره، والاحتجاج بما وافق الأثبات منها. المجروحين (٢/ ٢٤).\nوفي التقريب: صدوق يهم. وباقي الإسناد رجاله كلهم ثقات. فهذا إسناد فيه لين. لكن ذكر الحافظ في الفتح (١١/ ٩٠) قال: وقع في الموطأ من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة موقوفًا على أبي هريرة، أن إبراهيم أول من اختتن، وهو ابن عشرين ومائة، واختتن بالقدوم وعاش بعد ذلك ثمانين سنة. فإن كان موجودًا في الموطأ فهو حديث إسناده على شرط الصحيح. ولم أقف عليه من رواية يحيى. والله أعلم».\nفالحديث إسناده ضعيف، إن لم يكن ضعيفًا جدًّا. هذا ما وقفت عليه مما ورد مرفوعًا من حديث (أول من اختتن إبراهيم). ولا شك أن مالكًا، وحماد بن زيد، وابن نمير، وعبدة، ومعمر بن راشد روياتهم أرجح من غيرهم في روايتهم عن سعيد بن المسيب من قوله، فيكون المحفوظ أنه من قول سعيد بن المسيب، إلا إن ثبت قول الحافظ بأن مالكًا رواه عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة موقوفًا على أبي هريرة. ولم يثبت عندي حتى هذه اللحظة. والله أعلم.\nولحديث أبي هريرة شاهدان:\nالأول: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\nفقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد تعليقًا (٢١/ ٦٧)، قال: روى ابن وهب، عن حيي بن عبد الله المعافري، عن أبي عبد الرحمان الحبلي،\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن إبراهيم أول رجل اختتن، وأول رجل قص شاربه وقلم أظفاره واستن وحلق عانته.\nوحيي بن عبد الله.\nقال أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير. الجرح والتعديل (٣/ ٢٧١).\nوقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: حيي المصري؟ قال: ليس به بأس. المرجع السابق.\nوقال البخاري: فيه نظر. التاريخ الكبير (٣/ ٧٦). =","vol":"10","page":54},{"text":"إلا أن قوله: (أول من رأى الشيب) مشكل. فقد ذكر الحافظ ابن رجب عن الحسن أنه ضعف هذا القول، واستحسنه الحافظ. قال: «وقد استدل الحسن على إبطال قول من قال: أول من رأى الشيب إبراهيم ﵇، بعموم قوله الله ﷿: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) [الروم: ٥٤]. قال الحافظ: وهو استدلال ظاهر حسن» (^١).\nوقال الباجي عن الآية: يحتمل - والله أعلم - أنه يخاطب بها هذه الأمة، أو من شاب من زمن إبراهيم ﵇ إلى يوم القيامة. ويحتمل أنه خوطب بها جميع الخلق، من شاب ومن لم يشب، إلا أنه جمع مع الضعف الأخير الشيب؛ لأن من الخلق من لم يشب، ولم يرد أن جميعهم يشيب، كما أنه لم يرد أن جميعهم يضعف، بل منهم من\n_________\n= وقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (١٦٢).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٣٥).\nوفي التقريب: صدوق يهم. وباقي الإسناد ثقات. إلا أن الإسناد معلق، ولم أقف عليه موصولًا. والله أعلم.\nوأما الشاهد الثاني:\nفقد روى الحاكم في المستدرك، من طريق أبي عبد الملك، عن القاسم،\nعن أبي أمامة، قال: طلعت كف من السماء بين أصبعين من أصابعها شعرة بيضاء، فجعلت تدنو من رأس إبراهيم، ثم تدنو، فألقتها في رأسه، وقالت: اشتعل وقارًا، ثم أوحى الله إليه أن تطهر، وكان أول من شاب واختتن.\nالحديث قطعة من حديث طويل يراجع متنه من الحاكم.\nوفي إسناده: أبو عبد الملك: هو علي بن يزيد الألهاني.\nقال البخاري: منكر الحديث، عن القاسم بن عبد الرحمن، روى عنه عبيد الله بن زحر، ومطرح. التاريخ الكبير (٦/ ٣٠١)، الضعفاء الصغير (٢٥٥).\nوقال أيضًا: ذاهب الحديث كما في علل الترمذي الكبير. انظر حاشية تهذيب الكمال\nوقال النسائي: ليس بثقة. المرجع السابق. وقال أيضًا: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٤٣٢). انظر ترجمته وافية في كتاب السواك من حديث أبي أمامة، في شواهد: (السواك مطهرة للفم). والله أعلم.\n(^١) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٢).","vol":"10","page":55},{"text":"يموت في الضعف الأول، ومنهم من يموت في حال القوة قبل الضعف الثاني. والله أعلم وأحكم (^١).\nوالأول أقوى، ويؤيده أن الختان من سنن الفطرة التي فطر الله عليها بني آدم، والفطرة ملازمة، وليست مكتسبة، لكن إن صح الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر والقرطبي بأن أول من اختتن إبراهيم، فالحجة الإجماع، ولا كلام مع صحته. وإن لم يصح الإجماع، فالنظر له مجال في عدم ثبوت ذلك. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المنتقى - الباجي (٧/ ٢٣٣).","vol":"10","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4469>الفصل الرابع في وقت الختان</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الأصل عدم التوقيت إلا بتوقيف، ولا يحفظ حد في توقيت الختان يرجع إليه (^١).\nوقيل:\n• الختان له وقتان: وجوب عند البلوغ، واستحباب قبله.\n• ألم الختان فوق ألم الضرب لترك الصلاة، ولا يجب الضرب قبل العشر.\n[م-٨١٤] لم يقدر الإمام أبو حنيفة وقتًا معلومًا لعدم ورود النص به، ولم يرو عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فيه شيء، وقدره المتأخرون واختلفوا:\nفقيل: أول وقته من سبع سنين، وآخره اثنتا عشرة سنة.\nقال في الفتاوى الهندية، وهو المختار كذا في السراجية (^٢).\nوقيل: لا يختن حتى يبلغ.\nوقيل: تسع سنين.\nوقيل: عشر سنين. وهذه كلها أقوال في مذهب الحنفية (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٧٤).\n(^٢) الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٧).\n(^٣) البحر الرائق (٧/ ٩٦)، وتبيين الحقائق (٦/ ٢٢٧)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (٢/ ٧٤٤)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٧٥٢).","vol":"10","page":57},{"text":"وقيل: إذا ثُغِر الصبي: أي ألقى ثغره، وهو مقدم أسنانه، اختاره مالك.\nوفي رواية عن مالك: من سبع إلى عشر (^١)، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: وقت وجوب الختان عند البلوغ، ويستحب ختانه في الصغر هذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).\nإلا أن الشافعية استحبوه في اليوم السابع، إلا أن يكون الصبي ضعيفًا. وهو رواية عن أحمد (^٤).\nوهل يحسب يوم الولادة من السبعة، فيه وجهان في مذهب الشافعية:\nالأول: يحسب. اختاره أبو علي بن أبي هريرة.\nالثاني: لا يحسب، وهو قول الأكثرين.\nفإن أخر عن السابع استحب ختانه في الأربعين، فإن أخر استحب في السنة السابعة (^٥).\n_________\n(^١) المنتقى - الباجي (٧/ ٢٣٣)، مواهب الجليل (٣/ ٢٥٨)، التاج والإكليل (٤/ ٣٩٤)، الخرشي (٣/ ٤٨)، الفواكه الدواني (١/ ٣٩٤)، حاشية العدوي (١/ ٥٩٥)، منح الجليل (٢/ ٤٩٢).\n(^٢) نسبه في الإنصاف إلى الرعايتين والحاويين انظر (١/ ١٢٤).\n(^٣) قال في الإنصاف (١/ ١٢٤): «محل وجوبه عند البلوغ». قال الشيخ تقي الدين: يجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة. وقال في المنور والمنتخب: ويجب ختان بالغ آمن. ثم قال: «ومنها أن الختان زمن الصغر أفضل على الصحيح من المذهب». زاد جماعة كثيرة من الأصحاب: إلى التمييز. وقال الشيخ تقي الدين: هذا المشهور. وقال في الرعايتين والحاويين: يسن ما بين سبع إلى عشر. قال في التلخيص: ويستحب أن يختن قبل مجاوزة عشر سنين، إذا بلغ سنًّا يؤمن فيه ضرره.\n(^٤) قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (١/ ٢٧٤): «وأما الختان في السابع، ففيه قولان، هما روايتان عن أحمد. قيل: لا يكره؛ لأن إبراهيم ختن إسحاق في السابع. وقيل: يكره؛ لأنه عمل اليهود فيكره التشبه بهم.\n(^٥) المجموع (١/ ٣٥٠)، أسنى المطالب (٤/ ١٦٤)، تحفة المحتاج (٩/ ٢٠٠). وقال العراقي في طرح التثريب: (٢/ ٧٦): «محل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا».","vol":"10","page":58},{"text":"وقيل: يكره يوم السابع، وهو مذهب المالكية (^١)، والصحيح من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يجب على الولي أن يختن الصغير قبل البلوغ، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: يحرم الختان قبل استكمال عشر سنين، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4470> أدلة القائلين من سبع إلى عشر:</span>\nقالوا: بأن صاحب السبع سنين، يفهم الأمر، ولذلك يؤمر بالصلاة.\n(٢٠٧١ - ٢٢) فقد روى أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده قال: قال رسول الله: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (^٥).\n[ضعيف] (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4471> أدلة القائلين بالاستحباب في اليوم السابع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4472>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٧٢ - ٢٣) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن القاسم، قال: حدثنا أبي وعمي عيسى بن المساور، قالا: حدثنا رواد بن الجراح، عن عبد الملك بن أبي سليمان،\n_________\n(^١) المنتقى - الباجي (٧/ ٢٣٢)، التاج والإكليل (٤/ ٣٩٤)، حاشية العدوي (١/ ٥٩٥).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٢٥) مطالب أولى النهى (١/ ٩٢).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٧٦)، المجموع (١/ ٣٥٠).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٧٦)، المجموع (١/ ٣٥٠).\n(^٥) المسند (٢/ ١٨٧).\n(^٦) سيأتي تخريجه. انظر ح: (٢٣٨٧).","vol":"10","page":59},{"text":"عن عطاء،\nعن ابن عباس قال: سبعة من السنة في الصبي: يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنه الأذى وتثقب أذنه ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقته ويتصدق بوزن شعره في رأسه ذهبا أو فضة.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا رواد (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4473>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٧٣ - ٢٤) ما رواه الطبراني في الصغير من طريق محمد بن أبي السري\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٥٥٨).\n(^٢) في إسناده القاسم بن المساور. ذكره الخطيب، وسكت عليه، فلم يذكر فيه شيئًا. تاريخ بغداد (١٢/ ٤٢٧)، ولكنه قد توبع، تابعه أخوه عيسى بن المساور.\nوفي إسناده: رواد بن الجراح.\nقال البخاري: اختلط لا يكاد أن يقوم حديثه، ويقال: يزيد. التاريخ الكبير (٣/ ٣٣٦).\nوقال النسائي: ليس بالقوي روى غير حديث منكر وكان قد اختلط. الضعفاء والمتروكين (١٩٤).\nوقال أبو حاتم الرازي: هو مضطرب الحديث، تغير حفظه في آخر عمره، وكان محله الصدق. قال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في كتاب الضعفاء فسمعت أبى يقول: يحول من هناك. الجرح والتعديل (٣/ ٥٢٤).\nوقال فيه يحيى بن معين: ثقة. المرجع السابق.\nوقال أحمد بن حنبل: لا بأس به صاحب سنة إلا أنه حدث عن سفيان بأحاديث مناكير. الضعفاء الكبير (٢/ ٦٨).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق اختلط بآخرة فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعف شديد.\nقلت: له ذكر في الكواكب النيرات، وفي الاغتباط، ولم يميز من روى عنه قبل الاختلاط، ومن روى عنه بعد. اهـ\nوباقي رجال إسناده ثقات. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٥٩): رجاله ثقات!!","vol":"10","page":60},{"text":"العسقلاني، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر،\nعن جابر أن رسول الله ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام.\nقال الطبراني: لم يروه عن محمد بن المنكدر إلا زهير بن محمد، ولم يقل أحد ممن روى هذا الحديث: وختنهما لسبعة أيام إلا الوليد بن مسلم (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الصغير للطبراني (٨٩١)، ورواه في الأوسط (٧/ ١٢) رقم ٦٧٠٨ وفي مجمع البحرين (١٩١٢).\n(^٢) الحديث له أربع علل:\nالأولى: عنعنة الوليد بن مسلم. وهو كثير التدليس والتسوية.\nالثانية: فيه محمد بن أبي السري: وهو محمد بن المتوكل، كثير الغلط، وقد تفرد بهذا الحديث عن الوليد بن مسلم، قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن الوليد غير محمد بن المتوكل، وهو محمد بن أبي السري. انظر ترجمته في تخريج (ح ٦٦٦).\nالعلة الثالثة: أن رواية أهل الشام عن زهير بن محمد ضعيفة.\nقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه، وكان من أهل خرسان، سكن المدينة، وقدم الشام، فما حدث من كتبه فهو صالح، وما حدث من حفظه ففيه أغاليط. الجرح والتعديل (٣/ ٥٨٩).\nوقال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير. وما روى عن أهل البصرة فإنه صحيح. تهذيب الكمال (٩/ ٤١٤).\nالعلة الرابعة: المخالفة. فقد رواه أبو الزبير، عن جابر. وليس فيه زيادة محمد بن أبي السري. كما سيأتي في تخريج الحديث. كما أن الحديث قد رواه ابن عباس، وعائشة، وبريدة، وأنس بن مالك، وليس فيه زيادة ابن المتوكل. فهي زيادة منكرة.\nتخريج الحديث:\nالحديث رواه الطبراني، كما سبق في المعجم الصغير (٨٩١)، والأوسط كما في مجمع البحرين (١٩١٢)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢١٩) ومن طريقه البيهقي في سننه (٨/ ٣٢٤)، من طريق محمد بن المتوكل به.\nقال ابن عدي: لا أعلم رواه عن الوليد غير محمد بن المتوكل، وهو محمد بن أبي السري العسقلاني. اهـ =","vol":"10","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٤٣): «وأخرج أبو الشيخ من طريق الوليد بن مسلم، عن زهير ابن محمد، عن ابن المنكدر أو غيره، عن جابر أن النبي ﷺ ختن حسنًا وحسينًا لسبعة أيام. قال الوليد: فسألت مالكًا عنه، فقال: لا أدري، ولكن الختان طهرة فكلما قدمها كان أحب إلي». اهـ\nوقد رواه ابن الزبير عن عن جابر دون زيادة ذكر الختن.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١١٣) رقم ٢٤٢٣٢، وفي المسند، كما في المطالب العالية (٢٣٠٤)، ومن طريقه رواه أبو يعلى في مسنده (١٩٣٣) قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا مغيرة ابن مسلم، عن أبي الزبير،\nعن جابر، قال: عق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين.\nرجاله ثقات، إلا المغيرة بن مسلم فإنه صدوق، ومن يعتبر أبا الزبير مدلسًا فقد تابعه محمد بن المنكر في الإسناد السابق. والحديث له شواهد كثيرة، كما سأبينه.\nوقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٥٧): «رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات». اهـ\nوروى أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٩١) من طريق محمد بن جعفر بن زكريا الرملي، حدثنا قسيم بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح الوحاضي، ثنا محمد بن عبد الله الكندي، عن بسام الصيرفي، عن أبي جعفر محمد بن علي،\nعن جابر بن عبد الله ﵁، أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا.\nقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث أبي جعفر، عزيز من حديث بسام، وهو أحد من يجمع حديثه من مقلي أهل الكوفة، تفرد به عنه الكندي.\nومحمد بن جعفر بن زكريا الرملي، لم أقف على أحد ترجم له، فهو مجهول.\nومثله يقال في شيخه: قسيم بن منصور.\nومحمد بن عبد الله الكوفي ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكتا عليه، وذكره ابن حبان في الثقات. فالحديث ضعيف.\nوأما شواهد الحديث:\nالشاهد الأول: حديث ابن عباس.\nرواه أيوب، واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو داود (٢٨٤١) وابن الجارود في المنتقى (٩١٢)، والطبراني في الكبير (٢٥٦٧، ١١٨٥٦) من طريق عبد الوارث، ثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا. ورجاله ثقات.\nوخالف معمر والثوري عبد الوارث، كما عند عبد الرزاق (٧٩٦٢) فروياه، عن أيوب، عن عكرمة، أن رسول الله ﷺ عق عن حسن وحسين كبشًا مرسلًا.\nوتابعهما على الإرسال كل من وهيب وابن علية كما في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٤٩). =","vol":"10","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فصار معمر والثوري، ووهيب وابن علية رووه عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا.\nكما رواه يحيى بن سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس واختلف على يحيى بن سعيد.\nفأخرجه الطبراني في الكبير (٢٥٦٩) من طريق محمد بن عبيد المحاربي، ثنا عبد الله بن الأجلح، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، قال: عق عن الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما. وهذا إسناد حسن.\nإلا أنه قد اختلف على يحيى بن سعيد، فقد روي عنه موصولًا كما في هذه الرواية.\nوخالف أبو خالد ويعلى بن عبيد، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٢٣٣) فروياه، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة قال: عق عن الحسن والحسين. وهذا مرسل.\nوهذه الرواية توافق رواية ابن علية، والثوري، ومعمر، ووهيب.\nكما رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس موصولًا.\nأخرجه النسائي في الصغرى (٤٢١٩) وفي الكبرى (٤٥٤٥) والطبراني في المعجم الكبير (٢٥٦٨، ١١٨٣٨)، وفي الأوسط (٨٠١٨)، من طريق حفص بن عبد الله بن راشد، عن إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن الحجاج، عن قتادة، عن عكرمة،\nعن ابن عباس قال: عق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين ﵄ بكبشين كبشين. وهذا إسناد حسن.\nوقد رجح الراوية الموصولة ابن حزم في المحلى (٧/ ٥٣٠). وقال ابن حجر في التلخيص (٤/ ١٤٧): «وصححه عبد الحق، وابن دقيق العيد». اهـ\nورجح الرواية المرسلة أبو حاتم، كما في العلل (١٦٣١) قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه عبد الوارث، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشين.\nقال أبي: هذا وهم. حدثنا أبو معمر، عن عبد الوارث هكذا.\nورواه وهيب، وابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسل. قال أبي: وهذا المرسل أصح. اهـ\nفيكون الوصل شاذًّا. والمحفوظ كون الأثر مرسلًا.\nالشاهد الثاني: حديث بريدة\nأخرجه أحمد (٥/ ٣٥٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٢٣١) عن زيد بن الحباب،\nوأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٣٦١)، والطبراني في الكبير (٢٥٧٤) عن علي بن الحسن، وهو ابن شقيق.\nوأخرجه النسائي في الصغرى (٤٢١٣)، وفي الكبرى (٤٥٣٩) من طريق الفضل بن موسى، ثلاثتهم عن الحسين بن واقد به. =","vol":"10","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أحمد عن عبد الله بن بريدة: روى عنه حسين بن واقد أحاديث ما أنكرها.\nوقال أيضًا: ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المنيب، عن ابن بريدة. العلل (٤٩٧).\nموسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله (٢/ ٢٣٠).\nوسئل أحمد بن حنبل: سمع عبد الله من أبيه شيئًا؟ قال: ما أدري، عامة ما يروى عن بريدة عنه، وضعف حديثه. تهذيب التهذيب (٥/ ٢٧٠).\nوقد وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم والعجلي. ولعل ذلك محمول في غير ما تفرد به عنه حسين ابن واقد.\nالشاهد الثالث: حديث أنس بن مالك.\nأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢٩٤٥) وفي كتاب المعجم (١٥٢) قال: حدثنا الحارث بن مسكين، حدثنا ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن قتادة،\nعن أنس، أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين بكبشين.\nومن طريق الحارث بن مسكين أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ١٢٦).\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٣٠٩) من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامي،\nوأخرجه البزار في مسنده، كما في كشف الأستار (١٢٣٥) البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٩٩). من طريق أحمد بن صالح.\nوأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١٠٣٨) قال: حدثنا يونس،\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (١٨٩٩) من طريق حرملة، كلهم عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن قتادة عن أنس به.\nوالحديث له ثلاث علل:\nالأولى: عنعنة قتادة عند من يرى الإعلال بمجرد العنعنة، وفيها خلاف.\nالثانية: أن الحديث من رواية جرير، عن قتادة، وجرير ضعيف في حديثه عن قتادة.\nالثالثة: الإرسال.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٤٩): «سألت أبي عن حديث رواه ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس. وذكر الحديث.\nقال أبي: أخطأ جرير في هذا الحديث، إنما هو قتادة، عن عكرمة، قال: عق رسول الله ﷺ مرسل». قلت رواية عكرمة المرسلة سبق ذكرها من طريق معمر والثوري، ووهيب وابن علية رووه عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا.\nالشاهد الرابع: حديث عائشة.\nرواه أبو يعلى في مسنده (٤٥٢١) والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٠٢)، من طريق عبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي رواد، =","vol":"10","page":64},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-4474> دليل القائلين بكراهة اليوم السابع</span>.\nعللوا ذلك بأنه من فعل اليهود. نقله الباجي عن مالك، كما في المنتقى (^١) وغيره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4475> دليل القائلين بأنه يحرم ختانه قبل عشر سنين</span>.\nقالوا: لأن ألم الختان فوق ألم الضرب، ولا يضرب على الصلاة إلا بعد عشر سنين.\n_________\n= وأخرجه ابن حبان (٥٣٠٨) من طريق حجاج بن محمد،\nورواه ابن حبان في صحيحه (٥٣١١) والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣٧)، من طريق محمد بن عمرو - قال أبو حاتم: وهو اليافعي شيخ ثقة مصري -\nثلاثتهم عن ابن جريج أخبرني يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة. قالت عائشة: فعق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين شاتين شاتين يوم السابع، وأمر أن يماط عن رأسه الأذى، وقال: اذبحوا على اسمه، وقولوا: بسم الله، الله أكبر، اللهم منك ولك، هذه عقيقة فلان. قال: وكانوا في الجاهلية تؤخذ قطنة تجعل في دم العقيقة، ثم توضع على رأسه، فأمر رسول الله ﷺ أن يجعلوا مكان الدم خلوقًا.\nهذا لفظ أبي يعلى، ولفظ ابن حبان مختصرًا.\nوالحديث صحيح، وأما عنعنة ابن جريج فقد صرح بالتحديث في رواية ابن حبان.\nوتابع عمرة، عن عائشة كل من حفصة بنت عبد الرحمن وابن أبي مليكة.\nرواه أحمد (٦/ ٣١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٦١٠)، وإسحاق بن راهويه (١٠٣٢)، وأبو يعلى في مسنده (٤٦٤٨)، والترمذي (١٥١٣) وابن ماجه (٣١٦٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٠٤٣)، وابن حبان في صحيحه (٥٣١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٩٩)، من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، بلفظ: أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة.\nوعبد الله بن عثمان بن خثيم فيه لين، لكنه لم ينفرد به.\nفرواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٩٩) من طريق بشر بن أحمد الاسفرائيني، عن داود بن الحسين البيهقي، عن يحيى بن يحيى، عن عبد الجبار بن ورد، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. وهذا إسناد رجاله ثقات إلا بشر بن أحمد، ولا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن إن شاء الله تعالى.\nكل هذه الطرق لم يرد فيها زيادة الختن في اليوم السابع.\n(^١) المنتقى (٧/ ٢٣٢)، وانظر التاج والإكليل (٤/ ٣٩٤)، حاشية العدوي (١/ ٥٩٥).","vol":"10","page":65},{"text":"قال النووي: هذا القول ليس بشيء؛ وهو كالمخالف للإجماع (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4476> دليل من قال: لا يجب الختان إلا بالبلوغ</span>.\n(٢٠٧٤ - ٢٥) ما رواه البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد ابن جبير، قال:\nسئل ابن عباس مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك (^٢).\nفقوله: (حتى يدرك) أي حتى يبلغ.\nقال في تاج العروس: أدرك الشيء إدراكًا بلغ وقته وانتهى (^٣).\nوقال الشوكاني: الإدراك في أصل اللغة بلوغ الشيء وقته. وأراد به ههنا البلوغ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4477>الدليل الثاني من النظر:</span>\nقالوا: إن الختان يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة، وهما لا يجبان إلا بالبلوغ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4478> دليل من قال: يجب على الولي أن يختن الصغير قبل البلوغ:</span>\nقالوا: إن هذا من مصلحة الصبي، فيجب على الولي القيام بما فيه مصلحته.\nقال ابن القيم: وعندي أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ، بحيث يبلغ مختونًا؛ فإن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به. وأما قول ابن عباس: كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك: أي حتى يقارب البلوغ، كقوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٢٩٩).\n(^٣) تاج العروس (١٣/ ٥٥٢).\n(^٤) نيل الأوطار (١/ ١٤٠).\n(^٥) الطلاق: ٢.","vol":"10","page":66},{"text":"وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك. وقد صرح ابن عباس أنه كان يوم يموت النبي ﷺ مختونًا، وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله ﷺ بضعة وثمانين يومًا أنه قد ناهز الاحتلام، وقد أمر النبي ﷺ الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع، وأن يضربوهم على تركها لعشر، فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ (^١).\nوقول ابن القيم كان في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام.\n(٢٠٧٥ - ٢٦) الحديث رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي بن شهاب، عن عمه، أخبرني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود،\nأن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: أقبلت، وقد ناهزت الحلم أسير على أتان لي، ورسول الله ﷺ قائم يصلي بمنى حتى سرت بين يدي بعض الصف الأول، ثم نزلت عنها فرتعت فصففت مع الناس وراء رسول الله ﷺ.\nقال البخاري: وقال يونس عن ابن شهاب: بمنى في حجة الوداع (^٢).\n• الراجح:\nقال ابن المنذر: ليس في باب الختان نهي يثبت، ولا لوقته حد يرجع إليه، ولا سنة تتبع، والأشياء على الإباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة (^٣).\nوقد قال سفيان بن عيينة: قال لي سفيان الثوري: أتحفظ في الختان وقتًا؟ قلت: لا. قلت: وأنت لا تحفظ فيه وقتًا؟ قال: لا (^٤).\n_________\n(^١) تحفة المودود - ابن القيم (ص: ١٨٢).\n(^٢) صحيح البخاري (١٨٥٧).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٥٢).\n(^٤) التمهيد (٢١/ ٦١).","vol":"10","page":67},{"text":"وقد قال أحمد في وقت الختان: لم أسمع فيه شيئًا (^١).\nوقال ابن تيمية: أما الختان فمتى شاء اختتن، لكن إذا راهق البلوغ فينبغي أن يختن كما كانت العرب تفعل، لئلا يبلغ إلا وهو مختون (^٢).\nوقوله: (ينبغي) لا يدل على الوجوب.\n• الراجح من الخلاف:\nالصحيح أن الختان لا يجب إلا بالبلوغ؛ لأنه وقت التكليف. وأما قول ابن القيم ﵀: يجب على الصبي الختان قبل البلوغ؛ لأن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به. فإن كان يقصد وجوب الصلاة فإن صلاة الأقلف صحيحة، وليس الختان شرطًا في صحة الصلاة.\nوأما الاستدلال بحديث: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) فليس فيه دليل على مسألتنا؛ لأن الصلاة نفسها لا تجب قبل البلوغ على الصحيح، وإنما الأمر للتربية والتعليم. وأما تطهير النجاسة المحتقنة في القلفة فإنه يمكنه تطهيرها بالمبالغة في الاستنجاء، وتتبع أماكن احتقان البول في القلفة لتكون طهارته صحيحة، وبالتالي صحة صلاته. فالختان كسائر التكاليف لا تجب على الصبي إلا بالبلوغ. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ١٢٥).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٧٤).","vol":"10","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4479>الفصل الخامس في حكم الختان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4480>المبحث الأول في ختان الذكر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الختان إدخال ألم عظيم على النفس، وهو لا يشرع إلا في إحدى ثلاث خصال: مصلحة، أو عقوبة، أو وجوب.\n• الختان لو لم يجب لكان حرامًا لما فيه من قطع عضو، وكشف العورة، والنظر إليها.\n• شعار الإسلام الختان حتى لو وجد مختونًا بين جماعة قتلى غير مختونين صلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، وكانوا يبادرون إليه بعد الإسلام، كما يبادرون إلى الغسل.\n[م-٨١٥] اختلف الفقهاء في حكم ختان الذكر.\nفقيل: الختان سنة.\nوهو مذهب الحنفية، والمالكية، واختاره بعض الشافعية (^١).\n_________\n(^١) ومع أن الحنفية يرون أنه سنة، إلا أنهم يرون أن الرجل يجبر عليه إذا تركه، بخلاف المرأة. قال في شرح فتح القدير (١/ ٦٣): «الختانان: موضع القطع من الذكر والفرج، وهو سنة للرجل، مكرمة لها، إذ جماع المختونة ألذ، وفي نظم الفقه سنة فيهما، غير أنه لو تركه يجبر عليه إلا من خشية الهلاك، ولو تركته هي لا». وانظر الفتاوى الهندية (٦/ ٤٤٥). ...\nوقال في حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٧١): «الختان سنة للرجال، من جملة الفطرة، لا يمكن تركها، وهي مكرمة في حق النساء أيضًا كما في الكفاية». اهـ\nوقال أيضًا (٦/ ٧٥١): «والأصل أن الختان سنة، كما جاء في الخبر، وهو من شعائر الإسلام وخصائصه، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإمام، فلا يترك إلا لعذر» ثم قال: «وختان المرأة ليس سنة، بل مكرمة للرجال، وقيل: سنة».\nوفي مذهب المالكية، قال الخرشي في شرحه (٣/ ٤٨): «وحكمه السنية في الذكور: وهو قطع الجلدة الساترة. والاستحباب في النساء». اهـ\nوانظر حاشية الدسوقي (٢/ ١٢٦)، الشرح الصغير (٢/ ١٥١).\nوقال في الفواكه الدواني (١/ ٣٩٤): «والختان سنة في الذكور واجبة: أي مؤكدة، من تركها لغير عذر لم تجز إمامته، ولا شهادته، بل قال ابن شهاب: لا يتم الإسلام إلا بالختان».اهـ\nقلت: ومثل هذا الحكم لا يقال في السنة، بل يقال في الواجب، وليس كل واجب، بل ما يعد تركه من الكبائر، لأنه لا يقال في بعض الواجبات لا يتم الإسلام إلا به، على أن العدوي ذكر في حاشيته (١/ ٥٩٦) ضعف قول من قال: لا تصح إمامة الأقلف، وقال: إن المذهب كراهة إمامته. وأما بطلان الشهادة، فقد نقل عن الباجي: بأنه تبطل بترك المروءة.\nوانظر قول بعض الشافعية في طرح التثريب (٢/ ٧٥).","vol":"10","page":69},{"text":"وقيل: بل هو واجب.\nوهو المشهور من مذهب الشافعة، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الشافعية: المجموع (١/ ٣٤٩) وحاشيتي قليوبي وعميرة (٤/ ٢١١)، وتحفة المحتاج (٩/ ١٩٨)، نهاية المحتاج (٨/ ٣٥)، فتوحات الوهاب (٥/ ١٧٣).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المحرر (١/ ١١)، كشاف القناع (١/ ٨٠)، المبدع (١/ ١٠٣) الروض المربع (١/ ٢٣٧).\nوفي مسائل ابن هانئ (٢/ ١٥١): «وسئل عن المرأة تدخل على زوجها، ولم تختتن، أيجب عليها الختان؟\nفقال: الختان سنة حسنة.\nثم قال له السائل: إنه أتى عليها أربعون سنة، أو أقل أو أكثر؟\nفقال: أما الحسن، فكان يقول في الشيخ الكبير: إذا خاف على نفسه؛ فإنه لم ير به بأسًا ألا يختتن. ثم قال أبو عبد الله: ذكر معتمر، عن سلم بن أبي الذيال، أن أميرًا كان بالبصرة، فختن قومًا، فمات بعضهم، فقال الحسن: يا عجباه! ! قد أسلم مع رسول الله ﷺ العجمي، والرومي، والأسود، والأبيض، فلم يفتش عنهم.\nقيل له: فإن هي قويت على ذلك؟ قال: ما أحسنه».اهـ","vol":"10","page":70},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4481> دليل القائلين بأن الختان سنة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4482>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٧٦ - ٢٧) ما رواه أحمد، قال: ثنا سريج، ثنا عباد - يعنى ابن العوام - عن الحجاج، عن أبي المليح بن أسامة،\nعن أبيه، أن النبي ﷺ قال: الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء (^١).\n[ضعيف ومضطرب الإسناد] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٥/ ٧٥).\n(^٢) رواه أحمد (٥/ ٧٥) عن عباد بن العوام. والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٥) من طريق حفص بن غياث، كلاهما عن حجاج بن أرطأة، عن أبي مليح بن أسامة، عن أبيه أسامة بن عمير.\nقال البيهقي: الحجاج بن أرطأة لا يحتج به، وقيل: عنه، عن مكحول، عن أبي أيوب. وهو منقطع.\nفالحديث فيه حجاج بن أرطأة. كثير الخطأ والتدليس، وقد عنعن.\nكما أنه قد اختلف عليه.\nفقيل: عن حجاج، عن أبي المليح، عن أبيه أسامة بن عمير. كما في إسناد أحمد المتقدم، فجعله من مسند أسامة بن عمير.\nوقيل: عن حجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب.\nأخرجها البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٥) من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا الحجاج، عن مكحول،\nعن أبي أيوب، قال: قال النبي ﷺ: الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء.\nوهذا منقطع، مكحول لم يسمع من أبي أيوب.\nوخالفه النعمان بن المنذر، فرواه عن مكحول، عن النبي ﷺ مرسلًا، ذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٤٧).\nوقيل: عن حجاج، عن أبي المليح، عن شداد بن أوس، فجعله من مسند شداد، وهذا الطريق لم يسلم من الاختلاف:\nفقيل: عن حجاج، عن رجل، عن أبي المليح، عن شداد بن أوس.\nرواه ابن أبي شيبة (٢٦٤٦٨) حدثنا عباد بن العوام، عن حجاج، عن رجل، عن أبي المليح،\nعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: الختان سنة للرجال مكرمة للنساء. =","vol":"10","page":71},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهنا بين حجاج وأبي المليح رجل مجهول، وأبو المليح يرويه عن شداد مباشرة دون واسطة بينهما.\nوقيل: عن حجاج، عن أبي المليح، عن أبيه، عن شداد.\nرواه محمد بن فضيل، واختلف عليه:\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٧١١٢) من طريق واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضيل، عن حجاج، عن أبي مليح، عن أبيه، عن شداد بن أوس.\nوتابعه حفص بن غياث عند الطبراني أيضًا (٧١١٣) فرواه عن حجاج به، بذكر والد أبي المليح أسامة بن عمير.\nورواية حفص بن غياث ذكرها ابن أبي حاتم في العلل بدون ذكر والد أبي المليح (٢/ ٢٤٧)، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nورواه الخلال في كتاب الترجل (٢٠٠) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ١٥٦)، عن علي حرب، حدثنا ابن فضيل، عن حجاج بن أرطأة، عن أبي المليح، عن شداد. فأسقط والد أبي المليح.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٤٧): «سألت أبي عن حديث رواه حفص بن غياث، عن حجاج بن أرطأة، عن أبي المليح، عن شداد بن أوس، عن النبي ﷺ قال: الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء».\nورواه عبد الواحد بن زياد، عن حجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب عن النبي ﷺ.\nقال أبي: الذي أتوهم أن حديث مكحول خطأ. وإنما أراد حديث حجاج، ما قد رواه مكحول، عن أبي الشمال، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ، خمس من سنن المرسلين التعطر والحناء والسواك. فترك أبا الشمال. فلا أدري هذا من الحجاج أو من عبد الواحد. وقد رواه النعمان بن المنذر، عن مكحول، قال: قال رسول الله ﷺ: الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء. اهـ\nقلت: سيأتي تخريج حديث خمس من سنن المرسلين في كتاب السواك.\nوقد جاء الحديث من مسند ابن عباس.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١١٥٩٠) وفي مسند الشاميين (١٤٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٤) من طريق الوليد، حدثنا ابن ثوبان، عن محمد بن عجلان، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء.\nوفي إسناده الوليد بن الوليد العنسي، لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة، وقال فيه أبو جعفر العقيلي: أحاديثه بواطيل، لا أصول لها، ليس ممن يقيم الحديث. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال أبو نعيم الأصبهاني: روى عن محمد بن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان موضوعات.\nوقال البيهقي: هذا إسناد ضعيف، والمحفوظ موقوف. =","vol":"10","page":72},{"text":"• وأجيب:\nلو صح الحديث، لم يكن المراد بالسنة خلاف الواجب، بل السنة في اللغة وفي لسان الشارع تطلق على الطريقة، وهي تشمل الواجب والمستحب. بل إن إطلاق السنة على المستحب اصطلاح حادث.\nقال ابن دقيق العيد: كون السنة في مقابلة الواجب وضع اصطلاحي لأهل الفقه، والوضع اللغوي غيره، وهو الطريقة (^١).\nبل إن قوله: (مكرمة) قد يشعر بأن المراد بالسنة الواجب؛ لأن المكرمة: المقصود بها: الكرامة، والكرامة بمعنى المستحب، فتكون في مقابلة الواجب.\n_________\n= قلت الرواية الموقوفة ضعيفة أيضًا، وقد جاءت من طريقين عن ابن عباس،\nأحدها: عكرمة، عن ابن عباس.\nأخرجها الطبراني في المعجم (١١/ ٣٥٩) رقم ١٢٠٠٩ من طريق خلف بن عبد الحميد، ثنا عبد الغفور، عن أبي هاشم، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء.\nوفيه خلف بن عبد الحميد:\nقال أحمد: لا أعرفه. تاريخ بغداد (٨/ ٣٢١).\nوفيه أيضًا: عبد الغفور بن سعيد الواسطي.\nقال يحيى: ما حديثه بشيء. الضعفاء الكبير (٣/ ١١٣).\nوقال أبو زرعة: واهي الحديث.\nوقال البخاري: تركوه، منكر الحديث.، وقال الدارقطني: منكر الحديث.\nأبو هاشم لم ينسب فلم يتبين لي من هو. فالحديث ضعيف جدًّا.\nالطريق الثاني: جابر بن زيد، عن ابن عباس.\nرواه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٨٢) رقم ١٢٨٢٨ والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٥) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء.\nوفيه سعيد بن بشير، ضعفه أحمد والنسائي وأبو داود وغيره،. انظر الجرح والتعديل (٤/ ٦)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٣٤٨).\n(^١) إحكام الإحكام (١/ ١٢٦).","vol":"10","page":73},{"text":"• وتعقب هذا الجواب:\nبأنه لم ينحصر التفرقة في الوجوب، فقد يكون في حق النساء للإباحة، وقد فسر الحنفية في كتبهم بأن معنى مكرمة: أي أطيب وألذ في الجماع (^١).\nفتكون معنى مكرمة للنساء أي محل لكرمهن، أي بسببه يصرن كرائم عند أزواجهن (^٢)، فتكون ذات منزلة وكرامة، لأنه يتسبب عنه رونق الوجه وبريقه ولمعانه، ويطيب الجماع للزوج، وقد جاء في الحديث: (اخفضي ولا تنهكي؛ فإنه أنضر للوجه وأحظى عند الزوج) (^٣). وقد سبق تخريجه.\nولو صح الحديث لكان معنى مكرمة والله أعلم: أي أن الشارع أكرمها بهذا التشريع. وإكرامها: إما لأنه لم يلزمها فجعل الخيار لها؛ لأنه جعله في مقابل السنة في ختان الرجل أي لازم له، وإما أن هذا التشريع قصد به إكرامها، ولم يقصد به إهانتها، وهذا يشترك فيه الرجل والمرأة، ولا معنى لتخصيص المرأة بهذا. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4483>الدليل الثاني:</span>\nأن الرسول ﷺ قرنه في المستحبات دون الواجبات فيأخذ حكمهن.\n(٢٠٧٧ - ٢٨) فقد روى البخاري ﵀ قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار، ونتف الآباط. ورواه مسلم (^٤).\nفإذا كانت هذه الخصال المذكورة مع الختان مستحبة، فكذلك الختان.\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (٦/ ٢٢٧)، البحر الرائق (٧/ ٩٦)، الفتاوى الهندية (٦/ ٤٤٥)، حاشية\nابن عابدين (٦/ ٧٥١).\n(^٢) المغرب (ص: ٤٠٧).\n(^٣) حاشية العدوي (١/ ٥٩٦) مع بعض التصرف اليسير.\n(^٤) صحيح البخاري (٥٨٩١) ومسلم (٢٥٧).","vol":"10","page":74},{"text":"• وأجيب على ذلك:\nأولًا: دلالة الاقتران ضعيفة. وقد قال ﷾: (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١].\nوإتيان الحق واجب والأكل مباح، ومثله قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم) [النور: ٣٣]، والإيتاء واجب، والكتابة سنة، فالأمر المباح أو المندوب حين اقترن بالأمر الواجب لم يعط حكمه. فكذلك الختان (^١).\nثانيًا: لا نسلم أن هذه الأمور الخمسة مستحبة، بل واجبة؛ فالأمور التي من الفطرة، وفطر عليها البشر لا يمكن أن تكون مخالفتها مخالفة لأمور مستحبة فقط.\nقال ابن العربي: «والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة؛ فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين» (^٢).\n(٢٠٧٨ - ٢٩) وقد روى مسلم في صحيحه من طريق جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني،\nعن أنس بن مالك قال: قال أنس: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٣٨).\n(^٢) نقله عنه الصنعاني في العدة شرح العمدة (١/ ٣٥١).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٥٨).\nالحديث مداره على أبي عمران الجوني، عن أنس، ورواه عن أبي عمران جماعة:\nالأول: جعفر بن سليمان، بلفظ: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ... على البناء للمجهول.\nأخرجه الطيالسي ط هجر (٢٢٥٥)، ومن طريقه أبي عوانة (٤٦٩).\nويحيى بن يحيى كما في صحيح مسلم (٢٥٩)، وشعب الإيمان للبيهقي (٢٥١٣).\nوبشر بن هلال الصواف كما في سنن ابن ماجه (٢٩٥). =","vol":"10","page":75},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخلف بن هشام البزاز كما في مسند ابن الجعد (٣٢٩٤).\nوالهيثم بن جميل، كما في الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٠٨) خمستهم رووه عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ... الحديث على البناء للمجهول.\nورواه قتيبة بن سعيد، عن جعفر بن سليمان، واختلف على قتيبة:\nفرواه مسلم (٢٥٨).\nوالبيهقي (١/ ١٥٠) من طريق أبي سعيد محمد بن شاذان، كلاهما عن قتيبة بن سعيد، عن جعفر ابن سليمان به، بلفظ وقت لنا.\nورواه الترمذي (٢٧٥٩) عن قتيبة، حدثنا جعفر بن سليمان، بلفظ: وقت لنا رسول الله ﷺ.\nورواه النسائي عن قتيبة مرة في المجتبى (١٤) بلفظ: وقت لنا رسول الله ﷺ.\nومرة في السنن الكبرى (١٥) بلفظ: وقت لنا على البناء للمجهول.\nفالذي يظهر أن المحفوظ من لفظ قتيبة هو الموافق لرواية الجماعة عن جعفر بن سليمان، بلفظ: وقت لنا. وأن ذكر الرسول ﷺ في لفظ جعفر بن سليمان وهم.\nالثاني: صدقة بن موسى، عن أبي عمران الجوني.\nأخرجه ابن الجعد في مسنده (٣٢٩١).\nوأخرجه أحمد (٣/ ١٢٢، ٢٠٣) وأبو يعلى (٤١٨٥) وابن الجعد في مسنده (٣٢٩٣)، عن يزيد ابن هارون.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٢٥٥) عن محمد بن يزيد.\nوأخرجه ابن الجعد في مسنده (٣٢٩٢) من طريق هشيم،\nوأخرجه أبو داود (٤٢٠٠)، والبيهقي (١/ ١٥٠) من طريق مسلم بن إبراهيم، أربعتهم عن صدقة الدقيقي، عن أبي عمران، عن أنس، قال: وقت لنا رسول الله ﷺ في قص الشارب، وتقليم الأظفار وحلق العانة في كل أربعين يومًا مرة.\nوأخرجه الترمذي (٢٧٥٨) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا صدقة بن موسى به. بلفظ: وقت لهم في كل أربعين ليلة. الحديث\nولعل الحديث انقلب على الترمذي، فجعل صيغة البناء للمجهول (وقت لنا) من لفظ صدقة ابن موسى. ولفظ: (وقت لنا رسول الله ﷺ) من لفظ جعفر بن سليمان. والصواب العكس.\nقال ابن عدي: رواه عن أبي عمران صدقة بن موسى، وجعفر بن سليمان. فقال صدقة: وقت لنا رسول الله ﷺ.\nوقال جعفر: وقت لنا في حلق العانة، فذكره. وما أعلم رواه عن أبي عمران غيرهما».\nفمن العلماء من قال رواية جعفر أصح، من هؤلاء، أبو داود، والترمذي. =","vol":"10","page":76},{"text":"وقول الصحابي: (وقت لنا) على البناء للمجهول له حكم الرفع، كقول\n_________\n= قال أبو داود: «رواه جعفر بن سليمان، عن أبي عمران، عن أنس، لم يذكر النبي ﷺ، قال: وقت لنا. وهذا أصح».\nوقال الترمذي في السنن: «هذا أصح من حديث الأول، وصدقة بن موسى ليس عندهم بالحافظ».\nوكلمة أصح قد لا تعني الصحة المطلقة.\nومن العلماء من ضعف الحديث بطريقيه، من ذلك ابن عبد البر، وقد أعله بعلتين:\nالأولى: أن جعفر بن سليمان ليس بالقوة، وقد تفرد به.\nقال ابن عبد البر (٢١/ ٦٨): «هذا حديث ليس بالقوي من جهة النقل». اهـ\nوقال العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٠٨) في ترجمة صدقة: «والرواية في هذا الباب متقاربة في الضعف، وفي حديث جعفر نظر».\nقال القرطبي في تفسيره (٢/ ١٠٧): «هذا الحديث يرويه جعفر بن سليمان. قال العقيلي: في حديثه نظر».\nوفي الإكمال للقاضي عياض (٢/ ٦٢): «قال أبو عمر: لم يروه إلا جعفر بن سليمان، وليس بحجة لسوء حفظه، وكثرة غلطه».\nوقد نقل كلام القاضي عياض النووي في شرحه لصحيح مسلم، ورده، فقال (٣/ ١٥٠): «قد وثق كثير من الأئمة المتقدمين جعفر بن سليمان، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم، وقد تابعه غيره». اهـ\nوقال الحافظ في الفتح متعقبًا كلام الحافظ ابن عبد البر (١٠/ ٣٤٦): «وتعقب بأن أبا داود والترمذي أخرجاه من رواية صدقة بن موسى، وصدقة بن موسى وإن كان فيه مقال لكن تبين أن جعفر لم ينفرد به، وقد أخرج ابن ماجه نحوه من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أنس، وفي علي ضعيف .. إلخ كلامه ﵀.\nوقال ابن عدي: رواه عن أبي عمران صدقة بن موسى، وجعفر بن سليمان. فقال صدقة: وقت لنا رسول الله ﷺ.\nوقال جعفر: وقت لنا في حلق العانة، فذكره. وما أعلم رواه عن أبي عمران غيرهما.\nالعلة الثانية: المخالفة، أشار إليها ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٣٣٦)، قال: «أكثر الرواة لهذا الحديث إنما يذكرون فيه: (حلق العانة) خاصة دون (تقليم الأظفار وقص الشارب)».\nفكأنه يرى أن تفرد جعفر وصدقة بزيادة قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الأبط يجعل ذلك شاذًّا، هذا ممكن لو أمكن الوقوف على الطرق التي ذكرت حلق العانة فقط لينظر في أيها أرجح. ولم يتيسر ذلك في المطبوع من الكتب، ولم يذكر طرقها ابن عبد البر، والله أعلم.","vol":"10","page":77},{"text":"الصحابي: (أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا).\nقال الشوكاني: المختار أنه يضبط بالأربعين التي ضبط بها رسول الله ﷺ، فلا يجوز تجاوزها (^١).\n(٢٠٧٩ - ٣٠) ومما يدل أيضًا على الوجوب ما رواه أحمد، عن يحيى ووكيع، عن يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار،\nعن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ١٦٩).\n(^٢) مسند أحمد (٤/ ٣٦٦، ٣٦٨).\n(^٣) رجاله كلهم ثقات.\nوالحديث أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٦)، عن وكيع كما في إسناد الباب.\nورواه أحمد كما في إسناد الباب، والترمذي (٢٧٦١) من طريق يحيى بن سعيد، ومن طريق يحيى ابن سعيد أخرجه النسائي في الكبرى (١٤).\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٢٦) رقم ٢٥٤٩٣ حدثنا عبدة بن سليمان.\nوأخرجه الترمذي في الأدب (٢٧٦٢) والنسائي (١٣) من طريق عبيدة بن حميد،\nومن طريق عبيدة أخرجه ابن حبان (٥٤٧٧).\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٩٢٩٣) وفي المجتبى (٥٠٤٧) ومن طريق النسائي أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٣٥٧) من طريق المعتمر.\nوأخرجه عبد بن حميد، كما في المنتخب (٢٦٤) والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٤٥) عن يعلى بن عبيد.\nوأخرجه عبيد بن حميد كما في المنتخب (٢٦٤) عن محمد بن عبيد.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٧) رقم ٧٨٨٦ من طريق حمزة الزيات.\nوأخرجه في المعجم الكبير (٥٠٣٣، ٥٠٣٤، ٥٠٣٦) من طريق أبي نعيم، ومندل بن علي، وحمزة الزيات فرقهم، كلهم (وكيع، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدة، وعبيدة بن حميد، والمعتمر، ويعلى ابن عبيد، ومحمد بن عبيد، وحمزة الزيات، وأبو نعيم ومندل، وحمزة) كلهم رووه عن يوسف بن صهيب به.","vol":"10","page":78},{"text":"فهذا الحديث يدل على أن الأخذ من الشارب واجب، بل لو قيل: إن تاركه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب لم يكن بعيدًا لهذا العقاب.\nفهذا الحديث، والحديث الذي قبله يدلان أن سنن الفطرة ليست مستحبة، وإنما هي واجبة، فيسقط القول بأن الختان قرن بما هو مستحب، فيكون مستحبًا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4484>الدليل الثالث:</span>\n(٢٠٨٠ - ٣١) ما رواه البخاري في الأدب المفرد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا معتمر، قال: حدثني سلم بن أبي الذيال (وكان صاحب حديث) قال:\nسمعت الحسن يقول: أما تعجبون لهذا (يعني مالك بن المنذر) عمد إلى شيوخ من أهل كسكر أسلموا ففتشهم، فأمر بهم فختنوا في هذا الشتاء فبلغني أن بعضهم قد مات، ولقد أسلم مع رسول الله ﷺ الرومي والحبشي فما فتشوا عن شيء (^٢).\n[إسناد حسن، وهو موقوف على الحسن] (^٣).\n• وأجيب:\nقال ابن القيم: «جوابه أنهم استغنوا عن التفتيش بما كانوا عليه من الختان، فإن العرب قاطبة كانوا يختتنون، واليهود قاطبة تختتن، ولم يبق إلا النصارى، وهم فرقتان: فرقة تختتن، وفرقة لا تختتن، وقد علم كل من دخل الإسلام منهم ومن غيرهم أن\n_________\n(^١) وقد ذهب الجمهور إلى استحباب سنن الفطرة. وحملوا قوله ﷺ: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) كقوله ﷺ: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا) فالمراد ليس على سنتنا، وليس على طريقتنا، بل حكي الإجماع على أن الأخذ من الشارب ليس بواجب، حكاه جماعة من أهل العلم كما سيأتي، ولم يوجبه إلا ابن العربي وابن الحزم، ومثل هذا الخلاف لا يخرق الإجماع، والله أعلم.\n(^٢) الأدب المفرد (١٢٨٧).\n(^٣) سلم بن أبي الذيال، قال أحمد: ثقة صالح الحديث، ما سمعت أحدًا حدث عنه غير معتمر، وكان غزا معه في البحر، فسمع منه، زعموا ذاك. العلل (٢٣٢٥).\nوقال أحمد في رواية: حديثه مقارب، وفي سؤالات أبي داود (٤٩٣)، قال أحمد: حسن الحديث.","vol":"10","page":79},{"text":"شعار الإسلام الختان، فكانوا يبادرون إليه بعد الإسلام، كما يبادرون إلى الغسل» (^١).\nقلت: ومما يؤيد كلام ابن القيم، أن قيصر أطلق على الرسول ﷺ ملك الختان كما في البخاري (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4485> دليل القائلين بالوجوب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4486>الدليل الأول:</span>\nاختتن إبراهيم، وكان الختان مما ابتلى الله به إبراهيم، فكان من شريعته، وقد أمرنا باتباع ملته ﵊، كما في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [النحل: ١٢٣].\n(٢٠٨١ - ٣٢) أما الدليل على اختتانه، فقد أخرج البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: اختتن إبراهيم ﵇، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم. ورواه مسلم (^٣).\nوأما الدليل على كون الختان مما ابتلى الله به إبراهيم:\n(٢٠٨٢ - ٣٣) فقد روى البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكريا العنبري، ثنا: محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبدالرزاق، ثنا: معمر\n_________\n(^١) تحفة المودود (ص: ١٩١).\n(^٢) جاء في البخاري (٧) من حديث طويل، وفيه: (كان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمة. قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مداين ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله ﷺ، فلما استخبره هرقل، قال: إذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا، فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر). الحديث قطعة من حديث طويل.\n(^٣) صحيح البخاري (٣٣٥٦)، ومسلم (٢٣٧٠).","vol":"10","page":80},{"text":"عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه،\nعن ابن عباس في قوله ﷿: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) قال: ابتلاه الله ﷿ بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل مكان الغائط والبول بالماء.\n[صحيح] (^١).\nوالابتلاء غالبًا إنما يقع بما يكون واجبًا.\nوأما الدليل على كوننا مأمورين باتباع ملته، فقال ﷾: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [النحل: ١٢٣] (^٢).\n• وتعقب هذا الاستدلال بوجهين:\nالوجه الأول:\nأن فعل الرسول ﷺ لا يدل على الوجوب، فكذلك فعل الخليل ﵊ لا يدل على الوجوب، فمن أين لكن أن إبراهيم فعل ذلك على سبيل الوجوب، فإن من الجائز أن يكون فعله على سبيل الندب، فيحصل امتثال الأمر باتباعه على وفق ما فعل، وقد قال الله ﷾ في حق نبينا محمد ﷺ: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الأعراف: ١٥٨]، ومع هذا الأمر باتباعه فقد تقرر في الأصول أن أفعاله ﷺ بمجردها لا تدل على الوجوب، قد يقال: هناك قرينة تدل على عدم الوجوب حيث إن إبراهيم فعل ذلك، وله ثمانون سنة.\nالوجه الثاني:\nهناك قرينة أخرى من الحديث تدل على أن الختان ليس بواجب؛ لأن من الخصال\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ١٤٩). وسيأتي تخريجه، انظر ح (٢٠٨٢).\n(^٢) ذكر هذا الاستدلال البيهقي في السنن (٨/ ٣٢٥).","vol":"10","page":81},{"text":"العشر التي ابتلي بها إبراهيم وليست واجبة علينا كالسواك وفرق الرأس. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4487>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٨٣ - ٣٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريح قال أخبرت، عن عثيم بن كليب، عن أبيه،\nعن جده، أنه جاء النبي ﷺ، فقال: قد أسلمت. فقال: ألق عنك شعر الكفر. يقول: أحلق. قال: وأخبرني آخر معه أن النبي ﷺ قال لآخر: ألق عنك شعر الكفر واختتن (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٣/ ٤١٥).\n(^٢) الحديث عند عبد الرزاق في المصنف (٩٨٣٥)، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٣٥٦)\nوابن أبي عاصم في الأحاد والمثاني (٢٧٩٥) وابن عدي في الكامل (١/ ٢٢٣) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٢).\nوهذا الحديث له ثلاث علل:\nالأولى: شيخ ابن جريج الذي لم يسم.\nقال ابن عدي في الكامل (١/ ٢٢٢): «وهذا الذي قاله ابن جريج في هذا الإسناد: وأخبرت عن عثيم بن كليب إنما حدثه به إبراهيم بن أبي يحيى، فكنى عن اسمه. ثم أخرجه ابن عدي من طريق الرمادي، عن إيراهيم بن أبي يحيى، عن عثيم به».\nوإبراهيم بن أبي يحيى.\nقال يحيى بن سعيد القطان: سألت مالك بن أنس، عن إبراهيم بن أبى يحيى أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه. الجرح والتعديل (٢/ ١٢٥).\nوقال أحمد بن حنبل: كان قدريًّا معتزليًّا جهميًّا، كل بلاء فيه. تهذيب التهذيب (١/ ١٣٧).\nالعلة الثانية: ضعف عثيم بن كثير بن كليب.\nلم يوثقه أحد إلا ابن حبان. الثقات (٧/ ٣٠٣). وفي التقريب: مجهول.\nالعلة الثالثة: ضعف كثير بن كليب، والد عثيم.\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٧/ ١٥٦).\nوقال الحسيني: مجهول. الإكمال (٧٣٧).\nوقال ابن القطان: مجهول. لسان الميزان (٤/ ٤٨٣). ...\nوقال أيضًا: إسناده في غاية الضعف، مع الانقطاع الذي في قول ابن جريج (أخبرت) وذلك أن عثيم بن كليب، وأباه وجده مجهولون.\nونقل الحافظ كلام ابن القطان في التلخيص (١/ ١٥٣) إلا أنه قال: عثيم وأبوه مجهولان، ولم يقل: وجده. وذلك لأن الحافظ يرى أن جده له صحبه، كما ذكر ذلك في تعجيل المنفعة (٩٠١).\nوللحديث شاهدان من حديث واثلة بن الأسقع وقتادة الرهاوي إلا أنهما في الاغتسال من الكفر، وليس فيهما الاختتان، ولذلك لن أشتغل بتخريجهما هنا، ولعلي أدرس أسانيدهما في كتاب الاغتسال إن شاء الله تعالى.","vol":"10","page":82},{"text":"ولو صح لم يدل على الوجوب؛ لأن حلق شعر الكافر ليس بواجب، فكذلك الختان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4488>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن القلفة تحبس النجاسة، فتتوقف على قطعها صحة الصلاة، كمن أمسك نجاسة في فمه.\n• وأجيب من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الفم في حكم الظاهر، بدليل أن وضع المأكول فيه لا يفطر به الصائم، بخلاف داخل القلفة فإنه في حكم الباطن، وقد صرح أبو الطيب الطبري بأن هذا القدر مغتفر.\nالوجه الثاني:\nأن بإمكانه تطهير القلفة من النجاسة كلما تبول، والأقلف صلاته صحيحة، وليس الختان شرطًا في صحة الطهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4489>الدليل الرابع:</span>\nجواز كشف العورة من المختون، وجواز نظر الخاتن إليها - وقد ذكرنا أنه يشرع الختان لمن بلغ أو قارب البلوغ - وكشف العورة والنظر إليها حرام، فلو لم يجب لما أبيح ترك واجبين، وارتكاب محظورين.","vol":"10","page":83},{"text":"وتعقب: بأن كشف العورة مباح للحاجة، وليس للضرورة، فالحاجة تبيح كشف العورة، ولذلك أبيح النظر إلى العورة بالمداواة، وليس ذلك واجبًا إجماعًا، وإذا جاز في المصلحة الدنيوية، كان في المصلحة الشرعية أولى. وقد قال بعضهم: قد يترك الواجب لغير الواجب كترك الإنصات للخطبة يوم الجمعة بالتشاغل بركعتي تحية المسجد، وكشف العورة للمداواة مثلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4490>الدليل الخامس:</span>\nأن الولي يؤلم فيه الصبي إيلامًا بالغًا، ويخرج من ماله أجرة الخاتن، وثمن الدواء، ولا يضمن سرايته بالتلف، ولو لم يكن واجبًا لما جاز ذلك، فإنه لا يجوز له إضاعة ماله، وإيلامه الألم البالغ، وتعريضه للتلف بفعل مالا يجب فعله.\n• ويناقش:\nبأن تلف المختون بالختان مظنون، والعبرة بالغالب مع التحقق من خبرة الخاتن، وأما الألم البالغ فهو لمصلحة الطفل، لا للإضرار به، وأما أجرة الخاتن فهي مبلغ زهيد لا حرج في إنفاقه في سبيل مصلحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4491>الدليل السادس:</span>\nقالوا: بأن الختان واجب؛ لأنه من شعار الدين، وبه يعرف المسلم من الكافر، حتى ولو وجد مختونًا بين جماعة قتلى غير مختونين صلي عليه، ودفن في مقابر المسلمين.\n• وأجيب:\nبأن شعائر الدين ليست كلها واجبة، فمنها ما هو واجب، كالصلوات الخمس والحج والصيام، ومنها ما هو مستحب كالتلبية وسوق الهدي وتقليده، ومنها ما هو مختلف في وجوبه كالأذان والعيدين والأضحية والختان. وما ذكر في المقتول مردود؛ لأن اليهود وكثيرًا من النصارى يختتنون، فليقيد ما ذكر بالقرائن.","vol":"10","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4492>الدليل السابع:</span>\nالختان قطع عضو سليم من البدن، فلو لم يجب لم يجز كقطع الأصبع، فإن قطعها إذا كانت سليمة لا يجوز إلا إذا وجب بالقصاص.\n• وتعقب:\nبأن قطع العضو إذا كان فيه مصلحة للبدن، يجوز، ولو لم يكن القطع واجبًا، والختان فيه عدة مصالح كمزيد الطهارة والنظافة، فإن القلفة من المستقذارت عند العرب، وقد كثر ذم الأقلف في أشعارهم، وكان للختان عندهم قَدْر، وله وليمة خاصة به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4493>الدليل الثامن:</span>\n(٢٠٨٤ - ٣٥) ذكر ابن حجر في التلخيص، ما رواه حرب بن إسماعيل في مسائله\nعن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ: من أسلم فليختتن (^١).\nوهذا مرسل، ومراسيل الزهري من أضعف المراسيل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4494>الدليل التاسع:</span>\n(٢٠٨٥ - ٣٦) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق أبي علي محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي، حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد\n_________\n(^١) تلخيص الحبير (٤/ ٨٢)، ونقله ابن القيم في تحفة المودود (ص: ١٨٢).\nوقد روى البخاري في الأدب المفرد، ولم يرفعه (١٢٨٨) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني سليمان بن بلال، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: وكان الرجل إذا أسلم أمر بالاختتان، وإن كان كبيرًا.\n(^٢) وقال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، كلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه. جامع التحصيل في أحكام المراسيل. (ص: ٧٩).\nقال أحمد بن سنان، قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح. المرجع السابق.","vol":"10","page":85},{"text":"ابن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، ثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين بن علي، عن أبيه،\nعن أبيه علي رضي الله تعالى عنه قال: وجدنا في قائم سيف رسول الله ﷺ في الصحيفة، إن الأقلف لا يترك في الإسلام حتى يختتن، ولو بلغ ثمانين سنة.\nقال البيهقي: وهذا حديث ينفرد به أهل البيت ﵈ بهذا الإسناد (^١).\n[موضوع] (^٢).\nوهناك أدلة ذكروها في عدم صحة إمامته وذبيحته وحجه، نترك ذكرها لأني أفردتها في بحث مستقل.\nهذه أهم الأدلة التي استدل بها من يرى الوجوب.\n• الراجح:\nأرى أن الخلاف قوي في المسألة، وأميل إلى القول بالوجوب، وإن كانت الأدلة شبه متقابلة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٣٢٤).\n(^٢) فيه محمد بن محمد بن الأشعث متهم.\nسئل عنه الدارقطني، فقال: آية من آيات الله، ذلك الكتاب هو وضعه، أعني العلويات. سؤالات السهمي (٥٢).\nوقال ابن عدي: حَمَلَه شدة ميله إلى التشيع أن أخرج لنا نسخة قريبًا من ألف حديث، عن موسى ابن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده إلى أن ينتهي إلى علي، عن النبي ﷺ كتاب كتاب يخرجه إلينا بخط طري، على كاغد جديد، فيها مقاطيع وعامتها مسندة مناكير، كلها أو عامتها، فذكرنا روايته هذه الأحاديث عن موسى هذا لأبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وكان شيخًا من أهل البيت بمصر، وهو أخ الناصر، وكان أكبر منه، فقال لنا: كان موسى هذا جاري بالمدينة أربعين سنة ما ذكر قط أن عنده شيئًا من الرواية، لا عن أبيه، ولا عن غيره. الكامل (٦/ ٣٠١). وانظر لسان الميزان (٥/ ٣٦٢).","vol":"10","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4495>المبحث الثاني في ختان المرأة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الختان في حق الرجل وسيلة إلى تحقيق واجب، وهو الطهارة من النجاسة، وما كان وسيلة إلى واجب كان واجبًا، وختان المرأة الغاية منه تعديل شهوتها، وهي طلب كمال، فلا يرقى إلى الوجوب.\nوقيل:\n• ما ثبت في حق الرجل ثبت في حق المرأة إلا بدليل.\n[م-٨١٦] اختلف العلماء في ختان المرأة:\nفقيل: الختان سنة في حق الرجل مكرمة في حق المرأة (أي مستحب) ولو تركته لم تجبر عليه. وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢).\n_________\n(^١) قال في شرح فتح القدير (١/ ٦٣): «الختانان: موضع القطع من الذكر والفرج، وهو سنة للرجل، مكرمة لها، إذ جماع المختونة ألذ، وفي نظم الفقه سنة فيهما، غير أنه لو تركه يجبر عليه إلا من خشية الهلاك، ولو تركته هي لا». وانظر المبسوط (١٠/ ١٥٦)، المغرب (ص: ٤٠٦)، الفتاوى الهندية (٦/ ٤٤٥).\nوقال في حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٧١): «الختان سنة للرجال، من جملة الفطرة، لا يمكن تركها، وهي مكرمة في حق النساء أيضًا كما في الكفاية». اهـ\nوقال أيضًا (٦/ ٧٥١): «والأصل أن الختان سنة، كما جاء في الخبر، وهو من شعائر الإسلام وخصائصه، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإمام، فلا يترك إلا لعذر»، ثم قال: «وختان المرأة ليس سنة، بل مكرمة للنساء، وقيل: سنة».\n(^٢) قال في مواهب الجليل (٣/ ٢٥٩): «والخفاض في النساء مكرمة». اهـ ...\nوتفسير المكرمة: أي مستحب وليس بسنة. قال صاحب الفواكة الدواني (١/ ٣٩٤): «والخفاض في النساء مكرمة: أي خصلة مستحبة». اهـ\nوقال في شرح الخرشي (٣/ ٤٨): «وحكمه السنية في الذكور: وهو قطع الجلدة الساترة. والاستحباب في النساء». اهـ\nوانظر حاشية الدسوقي (٢/ ١٢٦)، الشرح الصغير (٢/ ١٥١).\nوحين قال في كفاية الطالب الرباني (١/ ٥٩٦): «والخفاض في النساء مكرمة، يعني: سنة كسنة ختان الذكور، وإنما قال مكرمة تبعًا للحديث. تعقبه العدوي في حاشيته عليه، فقال (١/ ٥٩٦): هذا القول ضعيف، والمعتمد أنه مستحب». اهـ","vol":"10","page":87},{"text":"وقيل: ختان المرأة سنة. اختاره بعض الحنفية (^١)، وبعض المالكية (^٢)، وبعض الشافعية (^٣)، وهو رواية عن أحمد (^٤).\nوهذا بناء على التفريق الاصطلاحي بين السنة والمستحب.\nوقيل: يجب ختان المرأة، كما يجب على الرجل، وهو المشهور من مذهب الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4496> دليل القائلين بأنه سنة:</span>\nاستدل القائلون بأن الختان سنة في حق المرأة بنفس أدلتهم في قولهم بأن الختان سنة في حق الرجل، وأن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل.\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٦٣).\n(^٢) كفاية الطالب الرباني (١/ ٥٩٦).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٧٥).\n(^٤) المحرر (١/ ١١)، المغني (١/ ٦٣).\n(^٥) قال النووي في المجموع (١/ ٣٤٩): «الختان واجب على الرجال والنساء عندنا، وبه قال كثيرون من السلف، كذا حكاه الخطابي .... والمذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي ﵀، وقطع به الجمهور أنه واجب على الرجال والنساء». اهـ وانظر حاشيتي قليوبي وعميرة (٤/ ٢١١)، وتحفة المحتاج (٩/ ١٩٨)، نهاية المحتاج (٨/ ٣٥)، فتوحات الوهاب (٥/ ١٧٣).\n(^٦) المحرر (١/ ١١)، كشاف القناع (١/ ٨٠)، المبدع (١/ ١٠٣).","vol":"10","page":88},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4497> دليل القائلين بأنه واجب في حق المرأة:</span>\nاحتجوا بأدلة وجوبه على المرأة بأدلة وجوب الختان، باعتبار أن هذه الأدلة مطلقة، وهي تشمل الرجل والمرأة، انظر أدلة القائلين بوجوب الختان في المسألة التي قبل هذه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4498> دليل القائلين بأنه مستحب وليس بسنة:</span>\nقالوا: إن الختان في حق الرجل يتعلق بالطهارة من النجاسة المحتقنة في القلفة، والطهارة شرط في صحة الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام، بينما المقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة، وهي طلب كمال لا أكثر فلا ترقى إلى الوجوب.\nوالذي تميل له نفسي بعض الميل أن الختان واجب في حق الرجل، سنة في حق المرأة.\nقال ابن قدامة: «فأما الختان فواجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن. هذا قول كثير من أهل العلم. قال أحمد: الرجل أشد؛ وذلك أن الرجل إذا لم يختتن فتلك الجلدة مدلاة على الكَمَرَة، ولا يُنَقَّى ما ثَمَّ، والمرأة أهون» (^١).\nشبهة وردها:\nفي بعض البلاد الإسلامية صدق قرار وزاري بمنع إجراء ختان الإناث بالمستشفيات أو العيادات العامة والخاصة، وقصر إجرائها على الحالات المرضية. وقامت على إثره هجمة شرسة على ختان المرأة.\nوقد ألغت محكمة القضاء الإداري في تلك البلاد قرار وزير الصحة.\nوجاء في جريدة القبس في تاريخ ١٤/ ١١/١٩٨٩ م بأن نحو مائتي مسلم في\n_________\n(^١) المغني (١/ ٦٣).","vol":"10","page":89},{"text":"بلغاريا قتلوا، وهم يقاومون أوامر صدرت بتحريم الختان، سواء بالنسبة للذكور والإناث.\nوهناك من يصف خفاض الإناث بأنه وحشية، وهي حملة غربية ودخيلة على الأمة الإسلامية، تدعي أن خفاض الإناث ينجم عنه أضرار سيئة تلحق بالفتاة من الناحية الصحية كالنزيف وإصابة مجرى البول إلى آخر ما هنالك من أضرار تنجم عن سوء إجراء عملية الخفاض.\nوأريد أن أثبت أن ختان المرأة مشروع في الإسلام، وليس فيه خلاف في مشروعيته، وإنما الخلاف في وجوبه.\nقال ابن حزم في مراتب الإجماع: «واتفقوا على إباحة الختان للنساء» (^١).\nوقال ابن القيم: لا خلاف في استحبابه للأنثى، واختلف في وجوبه (^٢).\n(٢٠٨٦ - ٣٧) وقد روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، ثنا هشام وشعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع،\nعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل (^٣).\n(٢٠٨٧ - ٣٨) وفي مسلم أيضًا، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن\nعبد الله الأنصاري، حدثنا هشام بن حسان، حدثنا حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري (ح).\nوحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى - وهذا حديثه - حدثنا هشام، عن حميد بن هلال، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي بردة،\n_________\n(^١) مراتب الإجماع (ص: ١٥٧).\n(^٢) تحفة المودود (ص: ٢٠٦).\n(^٣) صحيح مسلم (٢١٦).","vol":"10","page":90},{"text":"عن أبي موسى، قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت، فاستأذنت على عائشة، فأذن لي. فقلت: لها يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك. فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ: إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل (^١).\nفقوله: (وألزق الختان بالختان) دليل على أن المرأة تختن، وأن هذا معروف في زمن الصحابة، وواضح أن من عادتهم ختان الأنثى.\nنعم قد يقوم بالختان من لا يحسن الختان من النساء والرجال، ورأيت كثيرًا في مجتمعنا في السابق من يذهب في ختان الأولاد إلى الحلاقين، والعوام الذين لا يحسنون المهنة، فينجم عن ذلك أضرار بالغة، ولا يعنى هذا أن يترك الختان من أجل سوء التصرف، بل ينبغي أن تكون هناك توعية للناس بأن يذهبوا إلى الأطباء المتخصصين. والله الموفق.\nقال أحد الأطباء: إن ما يتم في مناطق كثيرة من العالم، ومنه بعض بلاد المسلمين مثل الصومال والسودان وأرياف مصر من أخذ البظر بأكمله، أو أخذ البظر والشفرين الصغيرين، أو أخذ ذلك كله مع إزالة الشفرين الكبيرين، فهو مخالف للسنة، ويؤدي إلى مضاعفات كثيرة، وهو الختان المعروف باسم الختان الفرعوني، وهو على صفة لا علاقة له بالختان الذي أمر به المصطفى ﷺ.\nومضار هذا النوع من الختان المخالف للسنة، كما يلي:\nأولًا: المضاعفات الحادة: مثل النزيف والالتهابات الميكروبية نتيجة إجراء\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٤٩).","vol":"10","page":91},{"text":"عملية الختان في مكان غير معقم، وأدوات غير معقمة، وبواسطة خاتنة لا تعرف من الطب والجراحة إلا ما تعلمته من الخاتنات مثلها.\nثانيًا: مضاعفات متأخرة: مثل البرود الجنسي، والرتق، وهو التصاق فتحة الفرج مما يؤدي إلى صعوبة الجماع، وصعوبة الولادة، وتعسرها عند حدوثها.\nوهذا كله ناتج عن مخالفة السنة، واتباع الأهواء، والعادات الفرعونية، ولا بد أن يجري الختان كما أمر المصطفى ﷺ، ثم يجب أن يتم بواسطة طبيبة لديها التدريب الكافي لإجراء الختان، وفي مكان معقم، وبأدوات معقمة، مثل أي عملية جراحية.\nولذا فإن الضجة المفتعلة ضد ختان البنات لا مبرر لها؛ لأن المضاعفات والمشاكل ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما:\nمخالفة السنة، والثاني: إجراء العملية بدون تعقيم، ومن قبل غير الأطباء.\nولو تمت أي عملية بدون تعقيم، وكان الذي يجريها لا علاقة له بالطب فإن مضاعفاتها ستكون مروعة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الختان. د. البار (ص: ٧١، ٧٢).","vol":"10","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4499>فرع\nفي أنواع الخفاض</span>\n[م-٨١٧] جاء في تقرير الدكتور مأمون الحاج إبراهيم: أستاذ أمراض النساء والولادة بكلية الطب بجامعة الكويت بيان أنواع كيفية ممارسة الخفاض:\nالنوع الأول:\nيقصد به إزالة قطعة الجلد التي تكون في أعلى الفرج - كما سبق- وقد يزاد على ذلك.\nالنوع الثاني:\nخياطة الشفرين الصغيرين، من غير إزالة أجزاء منهما، وذلك لتضييق فتحة المهبل.\nوهذا مخالف للشرع.\nالنوع الثالث:\nويعرف باسم الخفاض الفرعوني، وهو أشدها، والذي بدأت ممارسته في مصر القديمة أيام الفراعنة.\nوفي هذا النوع تتم إزالة البظر، والشفرين الصغيرين، ومعضم الشفرين الكبيرين، ثم تتم عملية خياطة الجانبين لقفل فتحة المهبل، وتترك فتحة صغيرة جدًّا في الجزء الأسفل من المهبل لخروج البول، ودم الحيض.","vol":"10","page":93},{"text":"والشفران الصغيران يقعان بين الشفرين الكبيرين، وفيهما الأنسجة الدموية والأعصاب، ويشكلان مع البظر أكثر الأعضاء الجنسية حساسية.\nأما البظر فيقع في مقدمة الأعضاء التناسلية الخارجية، فوق فتحة البول، وهو أكثر الأعضاء حساسية عند المرأة.\nويصاحب هذا النوع كثير من المضاعفات مثل النزيف الحاد، والتهاب مجاري البول، والالتهاب التناسلي، والصدوة أو الموت، خاصة أنه يعمل بواسطة نساء غير مؤهلات طبيًّا، وليس لهن دراية بالعمليات الجراحية (^١).\n* * *\n_________\n(^١) نقلًا من كتاب أحاديث الختان حجيتها وفقهها - د: سعد المرصفي (ص: ٣٨).","vol":"10","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4500>المبحث الثالث في ختان الخنثى</span>\n[م-٨١٨] اختلف العلماء في ختان الخنثى\nفقيل: يختن الخنثى، ولكن لا يختنه أجنبي بعد المراهقة، وهو مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) والذي يقوم بختان الخنثى أمته أو زوجته، وقيل: يزوجه الإمام امرأة تعرف الختان، وهذا في زمن المراهقة وما بعدها، وأما قبل المراهقة فيجوز أن يقوم بختانه الأجنبي رجلًا كان أو امرأة. انظر شرح فتح القدير (١٠/ ٥١٨، ٥١٩)، بدائع الصنائع (٧/ ٣٢٨)، تبيين الحقائق (٦/ ٢١٥)، البحر الرائق (٨/ ٥٤٠)، العناية شرح الهداية (١٠/ ٥١٨، ٥١٩)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٧٢٨).\nوقال في الجوهرة النيرة (١/ ٣٩٥): «هذا إذا كان يشتهي، أما إذا كان لا يشتهي جاز للرجال والنساء أن يختنوه».\nوقال في الفتاوى الهندية (٦/ ٤٣٩): «أرأيت هذا الخنثى هل يختنه رجل أو امرأة؟\nقال: هذا على وجهين: إما أن يكون مراهقًا أو غير مراهق. فإن كان غير مراهق فإنه لا بأس أن يختنه رجل أو امرأة. ثم قال: وإن كان مراهقًا فإنه لا يختنه رجل ولا امرأة، أما كونه لا يختنه رجل فلجواز أن يكون صبية، ولا يباح للرجل أن يختنها، وينظر إلى فرجها؛ لأنها مراهقة، والمراهقة ممن تشتهى، فكانت كالبالغة، ولا تختنه امرأة لجواز أن يكون صبيًّا مراهقًا فلا يحل للمرأة الأجنبية أن تختنه، وتنظر إلى فرجه؛ لأنه كالبالغ. ثم ذكر المخرج من كونه يشترى له من ماله جارية، أو من مال أبيه، أو من بيت المال». اهـ","vol":"10","page":95},{"text":"وقيل: لا يجوز ختانه. وهو وجه في مذهب المالكية (^١)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: يختن نفسه، اختاره بعض المالكية (^٣).\nوقيل: لا يختن في صغره، فإذا بلغ وجب ختان فرجيه، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (^٤)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٥).\nفتلخص من هذه الأقوال أربعة أقوال:\n-لا يختن مطلقًا.\n-أنه لا يختن بعد البلوغ إلا من أمته أو زوجته، ويجوز قبل المراهقة.\n- أنه يجب على الإمام أن يزوجه ختانة.\n-أنه يجب ختان فرجيه بعد البلوغ مطلقًا فإن أمكن أن يختنه من يحل له النظر إلى عورته، وإلا جاز ختانه من أجنبي ضرورة.\n_________\n(^١) حاشية العدوي (١/ ٥٩٦)، وقال في مواهب الجليل (٣/ ٢٥٩): «قال الفاكهاني: هل يختتن الخنثى المشكل أم لا. فإذا قلنا يختتن، ففي أي الفرجين، أو فيهما جميعًا. لم أر في ذلك لأصحابنا نقلًا ... والحق أنه لا يختتن لما علمت من قاعدة تغليب الحظر على الإباحة. ومسأله تدل على ذلك، قال ابن حبيب: لا ينكح، ولا ينكح وفي بعض التعاليق، ولا يحج إلا مع ذي محرم، لا مع جماعة رجال فقط، ولا مع جماعة نساء فقط، إلى غير ذلك من مسائله». اهـ\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٧)، تحفة المحتاج (٩/ ٢٠٠)، مغني المحتاج (٥/ ٥٤٠)، تحفة الحبيب (٤/ ١٥٤).\n(^٣) الفواكه الدواني (١/ ٣٩٤).\n(^٤) مغني المحتاج (٥/ ٥٤٠)، وقال في تحفة المحتاج (٩/ ٢٠٠): «قيل: يُخْتَن فرجاه بعد بلوغه، ورجحه ابن الرفعة، فعليه يتولاه هو إن أحسنه، أو يشتري أمة تحسنه، فإن عجز تولاه رجل أو امرأة للضرورة». اهـ\n(^٥) قال في شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٤): «ويجب ختان قبلي خنثى مشكل احتياطًا عند بلوغ؛ لأنه قبل ذلك ليس مكلفًا». اهـ وانظر كشاف القناع (١/ ٨٠)، مطالب أولى النهى (١/ ٩١).","vol":"10","page":96},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4501> دليل القائلين بأنه يختن ولكن من أمته أو زوجته:</span>\nقالوا: لا يجوز للرجل أن يختنه لاحتمال أنه أنثى، ولا يحل له النظر إلى عورتها، ولا يحل لامرأة أجنبية أن تختنه لاحتمال أنه رجل، فلا يحل لها النظر إلى عورته، فيجب الاحتياط في ذلك، وذلك أن يشترى له من ماله جارية تختنه إن كان له مال؛ لأنه إن كان أنثى فالأنثى تختن الأنثى عند الحاجة. وإن كان ذكرًا فتختنه أمته؛ لأنه يباح لها النظر إلى فرج مولاها، وإن لم يكن له مال يشتري له الإمام من مال بيت المال جارية ختانة، فإذا ختنته باعها، ورد ثمنها إلى بيت المال؛ لأن الختان من سنة الإسلام، وهذا من مصالح المسلمين، فيقام من بيت مالهم عند الحاجة والضرورة، ثم تباع ويرد ثمنها إلى بيت المال لاندفاع الحاجة والضرورة (^١).\nقلت: هذا الحل يمكن في الزمن الأول حين كان بالإمكان الحصول على أمه، أما في هذا الوقت فإنه غير ممكن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4502> دليل القائلين بأن على الإمام أن يزوجه امرأة ختانة:</span>\nقالوا: لأنه إن كان ذكرًا فللمرأة أن تختن زوجها، وإن كان أنثى فالمرأة تختن المرأة عند الحاجة (^٢).\nوتعقب هذا بقولهم: إن زوجناه كان عقد النكاح مشكوكًا فيه، فإن صح كانت المرأة معلقة لا يمكنها الخلاص منه، ولا يتيقن أيضًا وجوب المهر بالعقد، ولا وجوب الميراث إن مات وهو مشكل، ولا يدرى هل تلزمه نفقة أم لا (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4503> دليل القائلين لا يجوز ختانه مطلقًا:</span>\nقال البغوي: لا يختن الخنثى المشكل؛ لأن الجرح على الإشكال لا يجوز. قال\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (٧/ ٣٢٨).\n(^٢) المرجع السابق، وانظر تبيين الحقائق (٦/ ٢١٥).\n(^٣) تبيين الحقائق (٦/ ٢١٥).","vol":"10","page":97},{"text":"النووي: وهذا الذي ذكره البغوي هو الأظهر والمختار. والله أعلم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4504> دليل من قال يجب ختان فرجيه بعد البلوغ:</span>\nقالوا: إن ختن أحد فرجيه واجب، ولا يتوصل للواجب إلا بختنهما جميعًا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (^٢).\n* الراجح:\nيترك الأمر للطبيب الثقة، فلا شك أن الطب تقدم في هذا المجال، وأصبح باستطاعته أن يتحقق من الخنثى، هل هي رجل أو امرأة، وكان بالإمكان إجراء جراحة طبية لتغليب أحد الجنسين، فإذا قال الطبيب: إن هذا الخنثى امرأة، إما لوجود رحم في جوفها، ووجود مبايض، ونحو ذلك من جريان الحيض ونحوه كان الحكم فيها حكم ختان الأنثى.\nوإن قال الطبيب: إنه رجل، إما لوجود خصيتين مختفيتين، ولوجود هرمون الذكورة فيه، فيكون الخلاف فيه كالخلاف في ختان الرجل.\nوإن عجز الطب عن تحديد جنس الرجل، كان ختانه إن كان الأمر يتعلق بالطهارة من النجاسة، فله حكم الرجل، وإلا كان له حكم ختان الأنثى. وكشف العورة للأجنبي تبيحه الحاجة، وهذا منها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٥١)، وعبارة أسنى المطالب (٤/ ١٦٤): «ويحرم ختان الخنثى المشكل مطلقًا: «أي سواء أكان قبل البلوغ أم بعده؛ لأن الجرح لا يجوز بالشك، والفرق بين هذه وبين من له كفان في يده، ولم تتميز الأصلية من الزائدة، ثم سرق نصابًا حيث تقطع إحداهما، أن الحق في مسألة السرقة متعلق بالآدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المشاحة والمضايقة، والحق في الختان يتعلق بالله ﵎، وحقوق الله مبنية على المسامحة والمساهلة».\n(^٢) المجموع (١/ ٣٥٠).","vol":"10","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4505>فرع\nحكم ما لو كان للرجل ذكران</span>\n[م-٨١٩] قال النووي: لو كان لرجل ذكران.\nقال صاحب البيان: إن عرف الأصلي منهما ختن وحده.\nقال صاحب الإبانة: يعرف الأصلي بالبول.\nوقال غيره: بالعمل، فإن كانا عاملين أو يبول منهما، وكانا على منبت الذكر على السواء، وجب ختانهما (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٥٠).","vol":"10","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4506>المبحث الرابع في حكم ختان الميت</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا مات ابن آدم انقطع التكليف.\n[م-٨٢٠] اختلف الفقهاء في المسلم يموت غير مختون هل يختن بعد موته.\nفقيل: لا يختن، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣)، واختيار ابن تيمية (^٤).\nوقيل: يختن مطلقًا الكبير والصغير، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (^٥)،\n_________\n(^١) التاج والإكليل (٣/ ٥٢).\n(^٢) قال النووي في المجموع (١/ ٣٥١): «لو مات غير مختون فثلاثة أوجه: الصحيح الذي قطع به الجمهور لا يختن». اهـ وقال أيضًا في (٥/ ١٤٢): «وأما ختان من مات قبل أن يختن ففيه ثلاثة طرق. المذهب، وبه قطع المصنف والجمهور: لا يختن». اهـ وانظر الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (٢/ ٨٦)، مغني المحتاج (٥/ ٥٤١).\n(^٣) المغني (٢/ ٢١١)، وقال في الإنصاف (٢/ ٤٩٥) «يحرم ختنه - يعني: الميت - بلا نزاع في المذهب». اهـ وانظر كشاف القناع (٢/ ٩٧).\n(^٤) قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (١/ ٤١٧): «لا يختن أحد بعد الموت». اهـ\n(^٥) المجموع (١/ ٣٥١).","vol":"10","page":100},{"text":"واختيار ابن حزم (^١).\nوقيل: يختن الكبير دون الصغير، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4507> دليل من قال لا يختن مطلقًا:</span>\nالتعليل الأول:\nقالوا: إن الختان كان تكليفًا، وقد زال التكليف بالموت.\nالتعليل الثاني:\nقالوا: المقصود من الختان الطهارة من النجاسة، وقد زالت الحاجة بموته.\nالتعليل الثالث:\nقالوا: إن الختان جزء من الميت، فلا يقطع كيده المستحقة في قطع السرقة أو القصاص، وهي لا تقطع من الميت.\n• ويمكن مناقشة هذا التعليل:\nبأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن عدم قطع جزء من الميت في القصاص لحق الآدمي، وقد فات بالموت، وأما في مسألة الختان فهي عبادة وقربة، كتغسيله بعد الموت، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4508> دليل من قال يختن مطلقًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4509>الدليل الأول:</span>\nقال: ثبت أن حلق العانة من الفطرة، فلا يجوز أن يجهز إلى ربه تعالى إلا على الفطرة التي مات عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4510>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٨٨ - ٣٩) روى عبد الرزاق في مصنفه، قال: عن الثوري، عن خالد الحذاء،\n_________\n(^١) المحلى (مسألة ٦٢٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٥١)، مغني المحتاج (٥/ ٥٤١).","vol":"10","page":101},{"text":"عن أبي قلابة، أن سعد بن مالك حلق عانة ميت (^١).\nإسناده صحيح إن كان سمع أبو قلابة من أبي سعيد الخدري ﵁.\nولا يعلم له مخالف من الصحابة، وإذا جاز هذا في العانة جاز في الختان، لأن محلهما العورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4511>الدليل الثالث:</span>\nالقياس على أخذ شاربه، وتقليم أظفاره، ونتف إبطه.\n• وأجيب:\nبأن أخذ الشارب، وتقليم الظفر، ونتف الإبط من تمام طهارته، وإزالة وسخه ودرنه، بخلاف الختان فهو قطع عضو من أعضائه، والمعنى الذي شرع له في الحياة قد زال بالموت، وقد أخبر النبي ﷺ بأنه يبعث يوم القيامة غرًا غير مختون، فما الفائدة في قطع عضو منه، سوف يبعث به يوم القيامة، وهو من تمام خلقه في النشأة الأخرى (^٢).\n(٢٠٨٩ - ٤٠) والدليل على كونه يحشر غير مختون، ما رواه البخاري، قال: حدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد ابن جبير،\nعن ابن عباس، قال: قام فينا النبي ﷺ يخطب، فقال: إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا، كما بدأنا أول خلق نعيده. الآية الحديث قطعة من حديث طويل (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4512> دليل من قال يختن إن كان كبيرًا:</span>\nقالوا: إن الصغير قد مات قبل زمن التكليف، فلا يختن، بخلاف من مات، وهو مكلف، فقد وجب في حقه الختان فيختن.\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق (٣/ ٤٣٧) رقم ٦٢٣٥.\n(^٢) تحفة المودود (ص: ٢١٤).\n(^٣) صحيح البخاري (٦٥٢٦) مسلم (٢٨٦٠).","vol":"10","page":102},{"text":"• الراجح:\nالأقرب أنه لا يختن، لأن الختان كان لمصلحة بدنه، وهو حي، ولا مصلحة من الختان تعود لبدنه بعد موته، وسيبعث يوم القيامة غير مختون، فلا فائدة من ختانه، والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4513>الفصل السادس\nفي من يولد وهو مختون</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل تصرف قاصر عن تحصيل مقصوده لا يشرع.\n• كل ما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار وسيلته؛ لأن الوسائل تبع لمقاصدها، فالختان غاية، وإمرار الموس وسيلة، فإذا ولد مختونًا لم يشرع إمرار الموس على الحشفة (^١).\n• قد تبقى الوسائل شرعًا مع انتفاء مقصدها إذا دل دليل على الحكم ببقائها، وتكون حينئذ مقصودة لنفسها فيجتمع في الوسيلة أن تكون مقصودة بنفسها ومقصودة لغيرها باعتبارين، فالوضوء مثلًا عبادة مقصودة في نفسها، ووسيلة إلى مقصود آخر، كالصلاة ومس المصحف، ونحوها.\n[م-٨٢١] اختلف الفقهاء فيمن ولد مختونًا.\n_________\n(^١) المقصد هو الغاية والهدف من الحكم، والوسيلة: هي الطريق الموصل للهدف والغاية، فمتى سقط، فمتى سقط المقصد سقطت الوسيلة التي شرعت؛ لأنها تصبح عبثًا لا قيمة لها، أو أنها وسيلة لفاسد أو باطل أو منهي عنه، ولذلك كانت قاعدة الوسائل مرتبة بقاعدة المقاصد. انظر القواعد الفقهية وتطبيقاتها (١/ ٦٧٧).","vol":"10","page":104},{"text":"فقيل: يستحب إمرار الموسى على موضع الختان. اختاره بعض المالكية (^١).\nوقيل: من ولد مختونًا بلا قلفة، فلا ختان عليه لا إيجابًا ولا استحبابًا، فإن وجد في القلفة شيء يغطي الحشفة أو بعضها قطع، كما لو ختن ختانًا غير كامل، فإنه يجب تكميله حتى يبين جميع القلفة التي جرت العادة بإزالتها في الختان. رجحه ابن رشد من المالكية (^٢)، وهو مذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4514> دليل من قال يجب إمرار الموسى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4515>الدليل الأول:</span>\nالقياس على إمرار الموسى على رأس الأقرع في حلق رأسه في الحج، ونظيره أيضًا إمرار السواك على فم من ذهبت أسنانه (^٥).\n• وأجيب:\nبأن الصحيح أنه لا يجب إمرار الموسى على رأس الأقرع وإن قال به أكثر أهل العلم، وإذا سقط المقيس عليه، سقط المقيس. وأما إمرار السواك على فم من ذهبت أسنانه فإن السواك لا يختص بالأسنان، فالسواك مشروع للثة واللسان، كما هو مشروع للأسنان، فلا يصح القياس عليه أيضًا.\n_________\n(^١) التاج والإكليل (٤/ ٣٩٥)، مواهب الجليل (٣/ ٢٥٨)، شرح مختصر خليل (٣/ ٤٨)، الفواكه الدواني (١/ ٣٩٤)، حاشية العدوي (١/ ٥٩٦).\n(^٢) التاج والإكليل (٤/ ٣٩٥).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٥١، ٣٥٢)، أسنى المطالب (٤/ ١٦٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (٤/ ٢١١)، مغني المحتاج (٥/ ٥٤٠).\n(^٤) تحفة المودود (ص: ٢١٢). وفي تفسير القرطبي (٢/ ١٠٠): «قال الميموني: قال لي أحمد: إن هاهنا رجلًا ولد له ولد مختون، فاغتم لذلك غمًّا شديدًا. فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المئونة، فما غمك بهذا». اهـ\n(^٥) الأشباه والنظائر (ص: ٤٠٧).","vol":"10","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4516>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٩٠ - ٤١) ما رواه البخاري في صحيحه، قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (^١).\nفقوله ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فكان الواجب أمرين: مباشرة الحديدة والقطع، فإذا سقط القطع فلا أقل من استحباب مباشرة الحديدة.\n• ورد هذا:\nبأن إمرار الحديدة ليس مقصودًا لذاتها، وإنما هي مقصودة لغيرها، فإذا سقط المتبوع سقط التابع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4517> دليل من قال لا يجب:</span>\nقالوا: إن مجرد إمرار الموسى على ذكره عبث، ولا فائدة منه، ولا يتقرب إلى الله تعالى بمثله، وتنزه عنه الشريعة، وإمرار الموسى غير مقصود، بل هو وسيلة إلى فعل المقصود، فإذا سقط المقصود لم يبق للوسيلة معنى (^٢).\n• وهذا القول هو الراجح المتعين.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).\n(^٢) تحفة المودود (ص: ٢١٢).","vol":"10","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4518>المبحث الأول: في قول العرب ختنه القمر</span>\n[م-٨٢٢] ذكر ابن القيم: أن العرب تزعم أن من ولد في القمر تقلصت قلفته، وتجمعت، ولهذا يقولون: ختنه القمر!!\nقال ابن القيم: وهذا غير مطرد، ولا هو أمر مستمر، فلم يزل الناس يولدون في القمر، والذي يولد بلا قلفة نادر جدًّا، ومع هذا فلا يكون زوال القلفة تامًا، بل يظهر رأس الحشفة، بحيث يبين مخرج البول، ولهذا لا بد من ختانه ليظهر تمام الحشفة، وأما الذي يسقط ختانه بإن تكون الحشفة كلها ظاهرة، وأخبرني صاحبنا محمد بن عثمان الخليلي المحدث ببيت المقدس أنه ممن ولد كذلك (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص: ٢١٣).","vol":"10","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4519>المبحث الثاني إذا عالج الحشفة حتى انكشفت بدون ختان</span>\n[م-٨٢٣] سئل ابن الصلاح عن صبي شمر غرلته وربطها بخيط، وتركها مدة، فتشمرت، وانقطع الخيط، وصار كالمختون بحيث لا يمكن ختانه؟\nفأجاب: بأنه إن صار بحيث لا يمكن قطع غرلته، ولا شيء منها إلا بقطع غيرها، سقط وجوبه. وإن أمكن: فإن كانت الحشفة قد انكشفت كلها سقط أيضًا إلا أن يكون تقلص الغرلة واجتماعها بحيث ينقص عن المقطوع في طهارته وجماعه، فالذي يظهر وجوب قطع ما يمكن قطعه منها حتى يلتحق بالمختون في ذلك، وإن لم تنكشف كلها فيجب من الختان ما يكشف جميعها (^١).\n* * *\n_________\n(^١) أسنى المطالب (٤/ ١٦٤).","vol":"10","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4520>الفصل السابع\nفي موانع الختان</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\n• لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة.\n[م-٨٢٤] يسقط وجوب الختان لأمور، منها:\nالأول: أن يولد الرجل ولا قلفة له، وقد ذكرت خلاف العلماء فيه، والراجح أنه لا يجب عليه ختان.\nالثاني: ضعف المولود عن احتماله، بحيث يخاف عليه من التلف، ويستمر به الضعف كذلك، فهذا يعذر في تركه إذ غايته أنه واجب فيسقط بالعجز عنه كسائر الواجبات.\nالثالث: أن يسلم الرجل كبيرًا، ويخاف على نفسه منه، فهذا يسقط عنه عند الجمهور، ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه، وذكر قول الحسن أنه قد أسلم في زمن الرسول ﷺ الرومي والحبشي والفارسي فما فتش عن أحد منهم.\nوخالف سحنون بن سعيد الجمهور فلم يسقطه عن الكبير الخائف على نفسه. وهو قول في مذهب أحمد حكاه ابن تميم وغيره.","vol":"10","page":109},{"text":"الرابع: الموت. قال ابن القيم: فلا يجب ختان الميت باتفاق الأمة، وهل يستحب؟ فجمهور أهل العلم على أنه لا يستحب، وهو قول الأئمة الأربعة، وذكر بعض الأئمة المتأخرين أنه مستحب. وقد ذكرت أدلة كل قول في مسألة مستقلة (^١).\nهذه بعض الموانع التي يذكرها الفقهاء، ويضع بعض الأطباء موانع أخرى نلحقها بهذه الموانع:\nالخامس: إذا كان الطفل مصابًا بتشوهات خلقية في الأعضاء التناسلية.\nالسادس: إذا كان الطفل يعاني من أمراض الدم مثل الهيموفيليا (الناعور)، أو نزف دموي، أو زيادة كبيرة في مادة البيليروبين (Bilirubin) (مادة الصفراء) في الدم، وهذه الأسباب كلها وقتية، وبالتالي يمكن إجراء الختان بعد استقرار حالة الطفل، وحصوله على المواد المانعة للنزف، فمريض الناعور مثلا يمكن إجراء العمليات الجراحية بعد أخذ حقنة من الجلوبيولين المضاد للناعور، وهكذا في سائر أمراض الدم. أما إذا كان مصابًا بسرطان خلايا الدم البيضاء (اللوكيما) أو غيرها من الأمراض الخطيرة فلا داعي آنذاك لإجراء الختان.\nالسابع: أن تكون حالة الوليد غير مستقرة ويحتاج إلى إجراءات إدخاله الحضانة، فيترك حتى تتحسن حالته وتستقر (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) تحفة المودود (ص: ٢١٢ - ٢١٤).\n(^٢) الختان. د. البار (ص: ٦٨).","vol":"10","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4521>الفصل الثامن في عبادة الأقلف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4522>المبحث الأول في طهارة الأقلف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• ما أمكن غسله من بول تحت القلفة، هل هو في حكم الظاهر أو الباطن، وإذا كان في حكم الظاهر، فهل يجب تطهيرها، أو يسقط للحرج، أو أن هذا القدر يسير مغتفر؟ (^١).\n• هل يمكن أن يكون للقلفة حكمان مختلفان: ففي الاستنجاء يكون لها حكم الباطن، وفي الغسل من الجنابة يكون لها حكم الظاهر؟ كما قالوا ذلك في الفم والأنف، حيث لهما حكم الظاهر في الصوم، وحكم الباطن في الغسل، فلا يجب غسلهما؛ لقوله ﷺ: خذ هذا فأفرغه عليك.\n[م-٨٢٥] اتفق الفقهاء على أنه إذا كان هناك حرج في غسل ما تحت القلفة فلا يطلب تطهيرها دفعًا للحرج.\n_________\n(^١) لو نزل البول إلى قصبة الذكر ولم يخرج لم ينقض الوضوء؛ لعدم ظهوره، فإذا نزل إلى القلفة فإنه بنزوله إليها هل ينقض الوضوء هذا مبني على ما تحت القلفة هل هو في حكم الظاهر أو الباطن، وإذا قلنا في حكم الظاهر فهل يجب غسلها أو لا يجب للحرج؛ لا لأنها في حكم الباطن. انظر فتح الباري (١٠/ ٣٤١)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٣٥)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٥٣٨).","vol":"10","page":111},{"text":"أما إذا كان تطهيرها ممكنًا من غير حرج.\nفالشافعية (^١)، والحنابلة (^٢) ومحمد بن الحسن من الحنفية (^٣)، يوجبون تطهير ما تحت القلفة في الاستنجاء.\nلأنها واجبة الإزالة، وما تحتها له حكم الظاهر.\nوذهب الحنفية والمالكية (^٤)، إلى استحباب غسلها في الاستنجاء، لأن الاستنجاء عندهم سنة، وليس بواجب.\nوأما في الغسل الواجب:\nفقال المرداوي من الحنابلة: «لو خرج المني إلى قلفة الأقلف أو فرج المرأة وجب الغسل رواية واحدة. وجزم به في الرعاية، وحكاه ابن تميم عن بعض الأصحاب» (^٥).\nوقال الكاساني أيضًا: «يجب على الأقلف إيصال الماء إلى القلفة.\nوقال بعضهم: لا يجب. وليس بصحيح؛ لإمكان إيصال الماء إليه من غير حرج» (^٦).\nواختلف الحنفية في وجوب غسل القلفة في الغسل الواجب.\n_________\n(^١) أسنى المطالب (١/ ٦٩)، تحفة المحتاج (١/ ٢٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٢٢٤، ٢٢٥).\n(^٢) قال ابن قدامة في المغني (١/ ١٠٦): «والأقلف إن كان مُرْتَتِقًا لا تخرج بشرته من قلفته، فهو كالمختتن، وإن كان يمكنه كشفها كشفها فإذا بال واستجمر أعادها، فإن تنجست بالبول لزمه غسلها كما لو انتشر إلى الحشفة».\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٢٦).\n(^٤) قال الباجي في المنتقى (١/ ٦٩): «ومن نسي الاستجمار وصلى، فقد روى أشهب عن مالك أرجو أن لا تكون عليه إعادة. قال الشيخ أبو محمد: أراه يريد إذا مسح.\nوقال محمد بن مسلمة في المبسوط: من تغوط أو بال، فلم يغسله، ولم يمسح حتى صلى يعيد في الوقت». قلت: ومفهومه: بعد الوقت لا يعيد؛ لأنه ليس بواجب عندهم.\n(^٥) الإنصاف (١/ ٢٣١).\n(^٦) المرجع السابق (١/ ٣٤).","vol":"10","page":112},{"text":"فقال الزيلعي: لا يجب عليه أن يدخل الماء داخل جلدة الأقلف؛ لأن خِلْقَةً كقصبة الذكر. قال: وهذا مشكل؛ لأنه إذا وصل البول إلى القلفة ينتقض الوضوء، فجعلوه كالخارج في هذا الحكم، وفي حق الغسل كالداخل حتى لا يجب إيصال الماء إليه عند بعض المشايخ.\nوقال الكردي: يجب إيصال الماء إليه عند بعض المشايخ، وهو الصحيح، فعلى هذا لا إشكال فيه (^١).\n• الراجح:\nالتفريق بين الاستنجاء وبين الغسل له أصل، فالفم والأنف لهما حكم الظاهر في الصوم، وحكم الباطن في الغسل.\n* * *\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (١/ ١٤). وأجاب عن هذا الإشكال صاحب البحر الرائق، فقال (١/ ٤٨): «لا يجب إدخال الماء داخل جلدة الأقلف في غسله من الجنابة وغيرها للحرج الحاصل. لا لكونه خلقة كقصبة الذكر، وهذا هو الصحيح المعتمد، وبه يندفع ما ذكره الزيلعي من أنه مشكل؛ لأنه إذا وصل البول إلى القلفة انتقض وضوؤه، فجعلوه كالخارج في هذا الحكم، وفي حق الغسل كالداخل حتى لا يجب إيصال الماء إليه. وقال الكردي: يجب إيصال الماء إليه عند بعض المشايخ، وهو الصحيح، فعلى هذا لا إشكال فيه». اهـ فإن هذا الإشكال إنما نشأ من تعليله لعدم الوجوب بأنه خلقة كقصبة الذكر، وأما على ما عللنا به تبعًا لفتح القدير فلا إشكال فيه أصلًا. إلخ كلامه. وانظر الجوهرة النيرة (١/ ١٠).","vol":"10","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4523>المبحث الثاني في إمامة الأقلف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره (^١).\n• كراهة الشيء مراعاة للخلاف يختلف عن مسألة الخروج من الخلاف، فالأول زاد الخلاف بخلاف الثاني.\n[م-٨٢٦] اختلف الفقهاء في إمامة الأقلف.\nفقيل: تصح إمامته بلا كراهة، وهو مذهب الحنفية (^٢).\nوقيل: تكره مع الصحة، وهو مذهب الجمهور من المالكية (^٣)،\nوالشافعية (^٤) والحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) شرح البخاري لابن بطال (٨/ ٥٨٨).\n(^٢) قال في شرح فتح القدير (٧/ ٤٢٢): «وتجوز صلاة الأقلف وإمامته إلا إذا تركه على وجه الرغبة عن السنة، لاخوفًا من الهلاك». اهـ وقيده في الهداية بأن لا يتركه استخفافًا بالدين. انظر البحر الرائق (٧/ ٩٦).\n(^٣) جاء في التاج والإكليل (٤/ ٣٩٤): «قال مالك: لا أرى أن يؤم الأغلف. قال ابن رشد: فإن أم صحت صلاته، وصلاة مأموميه».\nوقال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ٤٤٠): «وكره أغلف: وهو من لم يختتن، فتكره إمامته مطلقًا راتبًا أولًا، خلافًا لما مشى عليه خليل من تخصيصه بالراتب». اهـ وانظر حاشية الدسوقي (١/ ٣٣٠)، ومنح الجليل (١/ ٣٦٤)، والبيان والتحصيل (٤/ ٣٩٤).\n(^٤) تحفة المحتاج (٢/ ٢٨٩)، مغني المحتاج (١/ ٤٨٣، ٤٨٤)، نهاية المحتاج (١/ ١٧٣، ١٧٤).\n(^٥) كشاف القناع (١/ ٤٨٢، ٤٨٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٧٨، ٦٧٩). ...\nقال البهوتي في كشاف القناع: «وخصه بعضهم بالأقلف المرتفق، وهو الذي لا يقدر على فتق قلفته، وغسل ما تحتها، فأما المفتوق القلفة فإن ترك غسل ما تحت القلفة مما يمكنه غسله لم تصح إمامته ولا صلاته؛ لحمله نجاسة لا يعفى عنها مع القدرة على إزالتها، قاله بعض الأصحاب، ولعل هذا مراد من أطلق من الأصحاب الخلاف، وهو ظاهر من تعليلهم».اهـ","vol":"10","page":114},{"text":"وقال بعضهم: هذا إذا كان معذورًا في ترك الختان، فإن أصر على تركه بلا عذر، لم تصح إمامته (^١).\nوقيل: تصح إمامته بمثله، وهو رواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: لا تصح مطلقًا، وهي رواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: لا تكره إمامته، وإنما يكره أن يكون إمامًا راتبًا اختاره بعض المالكية (^٤).\nهذه ملخص الأقوال في المسألة، وإليك دليل كل قول.\n_________\n(^١) قال ابن حبيب من المالكية كما في مواهب الجليل (٣/ ٢٥٨): الختان من الفطرة، فلا تجوز إمامة تاركه اختيارًا.\nوقال في شرح كفاية الطالب الرباني وهو من المالكية (١/ ٥٩٦): «ومن ترك الختان من غير عذر ولا علة لم تجز إمامته، ولا شهادته». اهـ فتعقبه العدوي في حاشيته، فقال: «وهذا القول ضعيف؛ إذ المذهب أن إمامة الأغلف مكروهة». اهـ\nوقال البهوتي مثله في كشاف القناع (١/ ٤٨٢، ٤٨٣) وانظر مطالب أولي النهى (١/ ٦٧٨، ٦٧٩).\n(^٢) الفروع (١/ ١٢)، وقال في الإنصاف (١/ ٢٥٧): «تصح إمامة الأقلف بمثله. قدمه في الرعاية، والحواشي. قال ابن تميم: تصح إمامته بمثله إن لم يجب الختان». اهـ\n(^٣) الإنصاف (٢/ ٢٥٦)، الفروع (٢/ ١٢).\n(^٤) مواهب الجليل (٢/ ١٠٥). وقال في الخرشي: «وكره ترتب أغلف: وهو من لم يختتن لنقص سنة الختان، وسواء تركه لعذر أم لا، وهو كذلك نص عليه ابن هارون».اهـ\nوقال في حاشية العدوي على الخرشي (٢/ ١٠٥): «ويكره أن يكون الأغلف إمامًا راتبًا في الفرض والعيدين، بخلاف السفر وقيام رمضان». اهـ\nوقال الدسوقي في حاشيته (١/ ٣٣٠): «والراحج كراهة إمامته مطلقًا». وقال مثله كل من الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١/ ٤٤٠)، وصاحب منح الجليل (١/ ٣٦٤).","vol":"10","page":115},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4524> دليل من قال: تصح إمامته:</span>\nقالوا: الأصل الصحة، ولا تبطل العبادة، أو تكره إلا بدليل شرعي، ولا دليل هنا.\nولأن العدالة لا تختل بترك الختان، لأن الختان سنة عندنا.\nولأن صلاته لنفسه صحيحة، فكذلك صلاته لغيره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4525> دليل من قال: تكره إمامته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4526>الدليل الأول:</span>\nوجه الكراهة عند الشافعية: احتمال وجود النجاسة تحت القلفة.\nووجه الكراهة عند الحنابلة، قالوا: أما صحة الصلاة؛ فلأنه ذكر مسلم عدل قارئ، فصحت إمامته كالمختون، والنجاسة تحت القلفة بمحل لا تمكنه إزالتها منه معفو عنها لعدم إمكان إزالتها، وكل نجاسة معفو عنها لا تؤثر في بطلان الصلاة.\nوأما الكراهة، فلأنه مختلف في صحة إمامته، فكرهنا إمامته خروجًا من الخلاف (^١).\nوالحقيقة أن الكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي، والخلاف ليس من أدلة الشرع، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4527> دليل من قال لا تصح صلاته:</span>\nاستدل من قال بعدم صحة إمامة الأقلف: بأن الختان واجب عليه، وأن تركه للختان موجب للفسق، ولا يرى صحة إمامة الفاسق إلا إذا كان ذلك الإمام الأعظم.\nقال في مجمع البحرين: إن كان تاركًا للختان من غير خوف ضرر، وهو يعتقد وجوبه، فسق على الأصح. وفيه الروايتان لفسقه، لا لكونه أقلف، وإن تركه تأولًا أو خائفًا على نفسه التلف لكبر ونحوه: صحت إمامته. انتهى (^٢).\n_________\n(^١) انظر كشاف القناع (١/ ٤٨٢، ٤٨٣).\n(^٢) الإنصاف (٢/ ٢٥٧).","vol":"10","page":116},{"text":"قال في الإنصاف: هل المنع من صحة إمامته لترك الختان الواجب، أو لعجزه عن غسل النجاسة؟\nاختلف الأصحاب في مأخذ المنع:\nفقال بعضهم: تركه الختان الواجب، فعلى هذا إن قلنا: بعدم الوجوب، أو سقط القول به لضرر، صحت إمامته.\nوقال جماعة آخرون: هو عجزه عن شرط الصلاة، وهو التطهر من النجاسة فعلى هذا: لا تصح إمامته إلا بمثله (^١).\nوالصحيح أنه حتى على القول بفسقه، فإن إمامة الفاسق صحيحة، ولا دليل على البطلان، وكل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره. ومسألة صحة إمامة الفاسق فيها خلاف بين أهل العلم، وليس هذا مكان بحثها، ولعل الله ﷾ أن يوفقني لإكمال هذا المشروع فأصل إليها إن شاء الله في فقه الصلاة. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n* * *\n_________\n(^١) المرجع السابق، الصفحة نفسها.","vol":"10","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4528>المبحث الثالث في ذبيحة الأقلف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• حل الذبيحة التسمية وأهلية المذكي، والختان ليس من شروط الأهلية.\n• أباح الله ذبائح النصارى، وهم لا يختتنون، فالمسلم أولى.\n• إن كان الختان واجبًا، فإن تركه يوجب فسق صاحبه، والفسق لا أثر له في حل الذبيحة والصيد بالاتفاق، وإن كان الختان سنة فظاهر.\n[م-٨٢٧] اختلف العلماء في ذبيحة الأقلف\nفقيل: يجوز، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: لا يجوز. وهو مذهب ابن عباس (^٤)، ورواية عن أحمد (^٥).\nوقيل: تكره ذبيحته، وهو مذهب المالكية (^٦)، ورواية عن أحمد (^٧).\n_________\n(^١) العناية شرح الهداية (٩/ ٤٨٨)، الجوهرة النيرة (٢/ ١٨١)، شرح فتح القدير (٩/ ٤٨٨)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٢٩٨).\n(^٢) المجموع (٩/ ٨٨)، نهاية المحتاج (٨/ ١١٣)، حاشية الجمل (٥/ ٢٣٧).\n(^٣) المغني (٩/ ٣١١)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٤١٨).\n(^٤) المجموع (٩/ ٨٨)، المغني (٩/ ٣١١).\n(^٥) المغني (٩/ ٣١١)، الفروع (٦/ ٣١١)، والإنصاف (١٠/ ٣٨٩).\n(^٦) التاج والإكليل (٤/ ٣١٩)، شرح خليل (٣/ ٧)، الفواكه الدواني (١/ ٣٨٥)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (٢/ ١٦٠) وذكر قولين: الكراهة، وعدمها، ورجح الكراهة.\n(^٧) الإنصاف (١٠/ ٣٨٩).","vol":"10","page":118},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4529> دليل من قال لا تحل ذبيحته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4530>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٩١ - ٤٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد،\nعن ابن عباس، قال: الأقلف لا تجوز شهادته، ولا تقبل له صلاة، ولا تؤكل له ذبيحة. قال: وكان الحسن لا يرى ذلك (^١).\n[رجال ثقات، ومحمد بن بشر ممن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الاختلاط] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4531>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٩٢ - ٤٣) ما رواه البيهقي من طريق حمزة الجزري، عن عبد الكريم، عن إبراهيم، عن علقمة،\nأن عليًّا رضي الله تعالى عنه كان لا يجيز شهادة الأقلف (^٣).\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ٢١) رقم ٢٣٣٤.\n(^٢) قال ابن حجر في الدراية (٢/ ١٧٣): «أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح». وأخرجه عبد الرزق في مصنفه (٨٥٦٢) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: كان ابن عباس يكره ذبيحة الأغرل، ويقول: لا تجوز شهادته، ولا تقبل صلاته. قال معمر: فسألت عنه حمادًا، فقال: لا بأس بذبيحته، وتجوز شهادته، وتقبل صلاته.\nقال معمر: وكان الحسن يرخص في الرجل إذا أسلم بعد ما يكبر، فخاف على نفسه العنت إن اختتن ألا يختتن، وكان لا يرى بأكل ذبيحته بأسًا.\nومن طريق عبد الرزاق رواه البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٩٦) رقم ٨٦٤٣. إلا أنه قال: عن معمر، عن قتادة، عن رجل، عن ابن عباس.\nوهو كذلك بهذا الإسناد في الجامع، لمعمر بن راشد الأزدي، وسنن البيهقي الكبرى (١١/ ١٧٥). وهذا الرجل المبهم هو جابر بن زيد، كما في المصنف لابن أبي شيبة، وإسقاطه في مصنف عبد الرزاق، وإبهامه في الباقي جاء من معمر، فإن روايته عن قتادة فيها كلام، لأنه سمع منه في الصغر، فلم يحفظ. والله أعلم.\n(^٣) سنن البيهقي (٨/ ٣٢٥).","vol":"10","page":119},{"text":"[ضعيف جدًّا. قال البيهقي: حمزة الجزري تركوه لا يجوز الاحتجاج بخبره].\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4532> دليل من قال يجوز أكل ذبيحته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4533>الدليل الأول:</span>\nعموم قوله ﷾: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه) [الأنعام: ١١٨].\nفلو كان الختان شرطًا لبينه ﷾، ولما أغفل الله ﷾ ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4534>الدليل الثاني:</span>\nأن الله ﷾ قد أباح ذبائح أهل الكتاب، ومنهم الأقلف، فالمسلم أولى.\nقال ابن قدامة: إذا أبيحت ذبيحة القاذف والزاني وشارب الخمر، مع تحقيق فسقه، وذبيحة النصراني، وهو كافر أقلف، فالمسلم أولى (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4535>الدليل الثالث:</span>\nأن الله ﷾ خاطب كل مسلم ومسلمة بقوله سبحانه: (إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ) [المائدة: ٣] ولم يستثن الأقلف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4536> دليل من قال بالكراهة:</span>\nدليلهم على الكراهة قول ابن عباس المتقدم، فلعلهم حين رأوا أن هذا قول صحابي، ولا يعلم له مخالف من الصحابة كرهوا ذلك لقوله.\n• الراجح:\nأن ذبيحته حلال، قال ابن حجر: قال ابن عباس في قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ) [المائدة: ٥] قال: طعامهم ذبائحهم، رواه البخاري معلقًا (^٢)،\n_________\n(^١) المغني (٩/ ٣١١).\n(^٢) رواه البخاري معلقًا في كتاب الأطعمة، باب: ذبائح أهل الكتاب وشحومها من أهل الحرب وغيرهم. قال البخاري: قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم.","vol":"10","page":120},{"text":"وهو موصول عند البيهقي (^١).\nوقائل هذا يلزمه أن يجيز ذبيحة الأقلف؛ لأن كثيرًا من أهل الكتاب لا يختتنون، وقد خاطب النبي ﷺ هرقل وقومه بقوله: (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) [آل عمران: ٦٤] وهرقل وقومه ممن لا يختتن وقد سموا أهل الكتاب (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه البيهقي في سننه (٩/ ٢٨٢) قال: أخبرنا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أنبأ أبو الحسن أحمد بن محمد الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية ابن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: طعامهم ذبائحهم.\nوفي إسناده عبد الله بن صالح، في حفظه شيء.\n(^٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٩/ ٦٣٧).","vol":"10","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4537>المبحث الرابع في حج الأقلف</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الختان ليس شرطًا في صحة حج، أو ذبيحة، أو صلاة أو غيرها، بل ولا شرطًا في صحة الطهارة على الصحيح، إذا كان يمكنه تنظيف القلفة، هذا على القول بأنه ليس معفوًا عنها.\n• إن كان الختان واجبًا، فإن تركه يوجب فسق صاحبه، وهذا لا يمنع من صحة الحج بالاتفاق. وإن كان الختان سنة فظاهر.\n[م-٨٢٨] اختلف الفقهاء في حج الأقلف.\nفقيل: حجه معتبر. وهو مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: لا حج له. وهو رواية عن أحمد، نقلها عنه حنبل، وعلل ذلك بأنها من تمام الإسلام (^٢).\n• الراجح:\nأن حجه صحيح كإمامته، وذبيحته، وشهادته، والختان ليس شرطًا في صحة الحج، أو الصلاة أو غيرها، بل ولا شرطًا في صحة الطهارة على الصحيح إذا كان يمكنه تنظيف القلفة، هذا على القول بأنه ليس معفوًا عنها، ولا يختلف الحكم هنا سواء كان الختان واجبًا أم سنة، وسواء كان ترك الختان لعذر أو لغير عذر.\n* * *\n_________\n(^١) الخلاف فيه كالخلاف في ذبيحته وإمامته راجع النقول عن المذاهب هناك.\n(^٢) الفروع (٦/ ٣١١)، الإنصاف (١٠/ ٣٨٩)، كشاف القناع (٦/ ٢٠٥).","vol":"10","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4538>المبحث الخامس في شهادة الأقلف</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الموقف من شهادة الأقلف يرجع إلى حكم ترك الاختتان، فمن رأى الختان واجبًا رأى أن تركه يوجب فسق صاحبه، والفاسق ترد شهادته، ومن رأى الختان سنة لم يقدح تركه في العدالة.\n[م-٨٢٩] اختلف في قبول شهادة الأقلف.\nفقيل: تقبل شهادته إذا كان عدلًا لم يترك الختان رغبة عن السنة، وهو مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: لا تقبل شهادته، وهو قول في مذهب المالكية (^٣)، والمفهوم من مذهب الشافعية والحنابلة؛ لأنهم يقولون بوجوب الاختتان، وترك الواجب يوجب الفسق،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (٦/ ٢٦٩)، وقيده في تبيين الحقائق (٤/ ٢٢٦) وفي الهداية (٥/ ٩٣) وفي درر الحكام (٢/ ٣٧٧) إن تركه استخفافًا بالدين فلا تقبل. وانظر العناية شرح الهداية (٧/ ٤٢٢). وانظر البحر الرائق (٧/ ٩٥).\n(^٢) قال في بلغة السالك (٤/ ٢٥٧) «والأقلف الذي لا عذر له في ترك الختان لا تجوز شهادته لإخلال ذلك بالمروءة».اهـ. وانظر كفاية الطالب الرباني (١/ ٥٩٦).\nوقال في تبصرة الحكام في ذكر موانع قبول الشهادة (١/ ٢٦٥): «ومنه شهادة الأغلف أي ترد. قاله ابن حبيب. وقال ابن الماجشون: إن ترك ذلك من عذر فشهادته جائزة، وإن كان من غير عذر فلا شهادة له؛ لأنه ترك فطرة من سنة الإسلام، ولا عذر له». اهـ\n(^٣) قال ابن حبيب: لا تقبل شهادة الأغلف. انظر تبصرة الحكام (١/ ٢٦٥).","vol":"10","page":123},{"text":"وشهادة الفاسق مردودة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4539> دليل من قال تقبل شهادته:</span>\nقالوا: إن الختان سنة، وتركه لا يخل بالعدالة، ولا يوجب الفسق، إلا إذا كان تاركًا للختان استخفافًا بالدين، فهنا ترد شهادته؛ لأن عدالته مجروحة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4540> دليل من قال ترد شهادته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4541>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٩٣ - ٤٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد،\nعن ابن عباس، قال: الأقلف لا تجوز شهادته، ولا تقبل له صلاة، ولا تؤكل له ذبيحة. قال: وكان الحسن لا يرى ذلك (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4542>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن ترك الختان يوجب الفسق، لأن الختان واجب، وهو من فطرة الإسلام. والفاسق ترد شهادته، هذا دليل من يوجب الختان، وأما دليل المالكية القائلين بأن الختان سنة، قالوا: إن الشهادة ترد بترك المروءة، وهذا منها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) ولم أقف عليها منصوصة في كتبهم.\n(^٢) المصنف (٢٣٣٤). وقد سبق تخريجه، انظر ح: (٢٠٩١).","vol":"10","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4543>الفصل التاسع\nإجابة الدعوة في وليمة الختان</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• قال رسول الله ﷺ: إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها.\nهل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ وهل لفظ الوليمة عام في كل دعوة، أو خاص بوليمة النكاح؟ (^١).\nوإذا كان خاصًّا بوليمة النكاح، فهل يقاس على النكاح غيره من الدعوات أو يقال: اختصاص وليمة النكاح بالإجابة؛ لأنه مأمور بها (^٢)، ولما فيها من إعلان النكاح بخلاف وليمة الختان فإنها إما مكروهة أو من قبيل الجائز، فلا يصح القياس؟\n• النكاح شرع له وليمة بالنص بغرض الإطعام.\nوالعقيقة والأضحية إنما شرعا لإراقة الدماء ولم يشرع لهما وليمة (^٣).\nوالختان لم يشرع له إراقة دم خاص، ولا وليمة، فهل يقال: الأصل عدم المشروعية، فإن فعل كره، أو يقال: إن الأصل في مثل هذا الإباحة الأصلية؟\n_________\n(^١) قولان لأهل العلم، فالمالكية يرون أن إطلاق الوليمة خاص بالعرس، والشافعي يرى العموم. انظر نهاية المطلب (١٣/ ١٨٧)\n(^٢) أمر الرسول ﷺ بوليمة النكاح، فقال ﷺ: أولم ولو بشاة، فهي مندوب إليها، ومحضوض عليها، ومن أهل العلم من أوجبها بظاهر الأمر. انظر البيان والتحصيل (١٠/ ٣٦٢).\n(^٣) كره المالكية عمل وليمة للعقيقة؛ لمخالفة السلف، وخوف المباهاة والمفاخرة، بل تطبخ ويأكل منها أهل البيت والجيران، والغني والفقير، ولا بأس بالإطعام من لحمها نيئًا، ويطعم الناس في مواضعهم. انظر شرح الخرشي (٣/ ٤٨)، الشرح الكبير (٢/ ١٣٦).","vol":"10","page":125},{"text":"[م-٨٣٠] اختلف العلماء في وليمة الختان وإجابة الدعوة إليها.\nفقيل: وليمة الختان سنة، وإجابة دعوتها كذلك وهو مذهب الحنفية (^١)، وقول في مذهب الشافعية (^٢)،\nوقول في مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: استحباب وليمة الختان محله في الذكور دون الإناث، لأنه يخفى ويستحى من إظهارها، لكن الأوجه استحبابه فيما بينهن خاصة، اختاره الأذرعي من الشافعية (^٤).\nوقيل: عمل الوليمة مباح، وإجابة دعوتها مباحة، وهو مذهب المالكية (^٥)،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (٧/ ١٠).\n(^٢) قال الشافعي في الأم (٦/ ١٥٩): «وكل دعوة كانت على إملاك أو نفاس أو ختان أو حادث سرور دعي إليها رجل فاسم الوليمة يقع عليها، ولا أرخص لأحد في تركها، ولو تركها لم يبن لي أنه عاص في تركها كما يبين لي في وليمة العرس». اهـ\nقال النووي في روضة الطالبين (٧/ ٣٣٣): «وفي وليمة العرس قولان، أو وجهان: أحدهما: أنها واجبة، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: (ولو بشاة). وأصحها أنها مستحبة، كالأضحية، وسائر الولائم، والحديث على الاستحباب، وقطع القفال بالاستحباب.\nوأما سائر الولائم فمستحبة، وليست بواجبة على المذهب، وبه قطع الجمهور، ولا تأكد وليمة النكاح. قال المتولي: وخرج بعضهم في وجوب سائر الولائم قولان، لأن الشافعي قال بعد ذكرها، ولا أرخص في تركها». وانظر حاشيتي قليوبي وعميرة (٣/ ٢٩٦)، وقال في إعانة الطالبين (٣/ ٣٥٧): «الوليمة مستحبة لغير العرس»، وقال أيضًا (٤/ ١٧٥):\n«وظاهر كلامهم في الولائم أن الإظهار سنة فيهما، إلا أن يقال: لا يلزم من ندب وليمة الختان إظهاره في المرأة». اهـ\n(^٣) قال في الإنصاف (٥/ ٣٢٠): «هذا قول أبي حفص العكبري، وقطع به في الكافي، والمغني، والشرح، وشرح ابن منجا، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، قاله في المستوعب». وقال في المغني (٧/ ٢١٨): «حكم دعوة الختان، وسائر الدعوات غير الوليمة أنها مستحبة، لما فيها من إطعام الطعام، والإجابة عليها مستحبة، غير واجبة». اهـ\n(^٤) مغني المحتاج (٤/ ٤٠٣).\n(^٥) قال في مواهب الجليل (٤/ ٣): «فيما يؤتى من الولائم، وهي خمسة أقسام:\nواجبة الإجابة إليها: وهي وليمة النكاح.\nومستحبة الإجابة: وهي المأدبة، وهي الطعام يعمل للجيران للوداد. ...\nومباحة الإجابة: وهي التي تعمل من غير قصد مذموم، كالعقيقة للمولود، والنقيعة للقادم من السفر، والوكيرة لبناء الدار والخرس للنفاس، والإعذار للختان، ونحو ذلك.\nومكروه: وهو ما يقصد به الفخر والمحمدة ...». إلخ كلامه.","vol":"10","page":126},{"text":"والحنابلة (^١).\nوقيل: الوليمة مكروهة، وحضورها مكروه، اختاره بعض المالكية (^٢)، وهو رواية عن أحمد (^٣).\nفتلخص لنا أن الأقوال كالتالي:\nقيل: سنة.\nوقيل: يستحب إظهار وليمة ختان الذكور دون الإناث.\nوقيل: مباحة.\nوقيل: مكروهة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4544> دليل من قال بالسنية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4545>الدليل الأول:</span>\n(٢٠٩٤ - ٤٥) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب،\nأن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: حق المسلم\n_________\n(^١) شرح منتهى الإرادات (٣/ ٣٣)، كشاف القناع (٥/ ١٦٦)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (٥/ ٢٣٤)، قال في الإنصاف (٨/ ٣٢٠): «وهو الصحيح من المذهب».\nواختار ابن قدامة في المقنع استحباب الإجابة في غير العرس. انظر الإنصاف (٨/ ٣٢١). وما في الإقناع والمنتهى الاتفاق على الإباحة. وهو المذهب الاصطلاحي.\n(^٢) جاء في الشامل: «ووجوب إجابة الدعوة إنما هو لوليمة العرس، وأما ما عداها فحضوره مكروه إلا العقيقة فمندوب». اهـ نقله الدسوقي في حاشيته (٢/ ٣٣٧)، وبلغة السالك (٢/ ٤٩٩)، قالا: «والذي في ابن رشد في المقدمات أن حضور الكل مباح إلا وليمة العرس فواجب، وإلا العقيقة فمندوب». اهـ.\n(^٣) الإنصاف (٨/ ٣٢١)، وفي الفروع (٨/ ٣٦٢): «وعنه تكره دعوة الختان».","vol":"10","page":127},{"text":"على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4546>الدليل الثاني:</span>\n(٢٠٩٥ - ٤٦) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن أبي وائل،\nعن أبي موسى، عن النبي ﷺ، قال: فكوا العاني، وأجيبوا الداعي (^٢).\nوهذه الأحاديث في إجابة الداعي، وهي مطلقة، فتشمل كل دعوة، سواء كانت دعوة عرس أم غيرها، أما من حيث مشروعية الوليمة؛ فلما فيها من إطعام الطعام، وهو مشروع في الجملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4547>الدليل الثالث:</span>\n(٢٠٩٦ - ٤٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،\nعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4548>الدليل الرابع:</span>\n(٢٠٩٧ - ٤٨) ما رواه البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، قال:\nسمعت عبد الله بن عمر ﵄، يقول: قال رسول الله ﷺ: أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها. قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس وهو صائم (^٤).\nقال ابن حجر تعليقًا على قوله: (أجيبوا هذه الدعوة): «وهذه اللام يحتمل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢) وفي رواية لمسلم: حق المسلم على المسلم ست، فزاد: وإذا استنصحك فانصح له.\n(^٢) صحيح البخاري (٧١٧٣).\n(^٣) صحيح البخاري (٥١٧٣)، ومسلم (١٤٢٩).\n(^٤) صحيح البخاري (٥١٧٩)، ومسلم (١٤٢٩).","vol":"10","page":128},{"text":"أن تكون للعهد، والمراد وليمة العرس، ويؤيده رواية ابن عمر الأخرى (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها)، وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعين ذلك.\nويحتمل أن تكون اللام للعموم، وهو الذي فهمه راوي الحديث فكان يأتي الدعوة للعرس ولغيره» (^١).\nوروى مسلم من طريق عمر بن محمد، عن نافع به، بلفظ: أن النبي ﷺ، قال: إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا (^٢).\n(٢٠٩٨ - ٤٩) وروى مسلم من طريق حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله ابن نمير، قالا: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير،\nعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا دعي أحدكم إلى طعام، فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك. ولم يذكر ابن مهدي: (إلى طعام) (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4549>الدليل الرابع:</span>\n(٢٠٩٩ - ٥٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن\nابن سيرين، قال: نبئت أن عمر كان إذا سمع صوتًا أنكره، وسأل عنه، فإن قيل: عرس أو ختان أقره (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\n_________\n(^١) فتح الباري (٩/ ٢٤٦).\n(^٢) مسلم (١٤٢٩).\n(^٣) مسلم (١٤٣٠).\n(^٤) المصنف (٣/ ٤٩٥).\n(^٥) فيه انقطاع، ابن سيرين لم يسمع من عمر، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٥) رقم ١٩٧٣٨ عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، أن عمر بن الخطاب .. وذكر الأثر، ولم يقل: نبئت. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٩٠). وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (٥/ ٤١٥) من طريق عاصم بن هلال، حدثنا أيوب به.","vol":"10","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4550>الدليل الخامس:</span>\n(٢١٠٠ - ٥١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن نافع، قال: كان ابن عمر يطعم على ختان الصبيان (^١).\nوإسناده ضعيف من أجل ليث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4551> دليل من قال بالكراهة:</span>\n(٢١٠١ - ٥٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا محمد بن سلمة الحراني، عن ابن إسحاق يعني محمدًا، عن عبيد الله أو عبد الله بن طلحة بن كريز،\nعن الحسن قال: دعي عثمان بن أبي العاص إلى ختان، فأبى أن يجيب، فقيل له، فقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله ﷺ، ولا ندعى له (^٢).\n[الحسن مختلف في سماعه من ابن أبي العاص] (^٣).\n_________\n(^١) المصنف (٣/ ٥٦١) رقم ١٧١٦٦.\n(^٢) مسند أحمد (٤/ ٢١٧).\n(^٣) سماع الحسن البصري من عثمان بن أبي العاص مختلف فيه.\nومن طريق أحمد بن حنبل أخرجه الطحاوي في مشكل الاثار (٣٠٣٣)، والطبراني في الكبير (٨٣٨١)، والروياني في مسنده (١٥١٨) عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه به.\nورواه أبو يعلى كما في المطالب العالية (١٦٥٥) من طريق حيان بن بشر أبو عبد الرحمن، حدثنا محمد بن سلمة به. وهذه متابعة للإمام أحمد.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨٣٨٢) من طريق أبي حمزة العطار، عن الحسن، قال: دعي عثمان بن أبي العاص إلى طعام، فقيل: هل تدري ما هذا؟ هذا ختان جارية، فقال: هذا شيء ما كنا نراه على عهد رسول الله ﷺ، فأبى أن يأكل.\nوهذا إسناد حسن إن كان قد صح سماع الحسن من عثمان بن أبي العاص.\nوقد رواه أبو يعلى في مسنده كما في إتحاف المهرة (٤٤٥٣) والمطالب العالية (١٦٥٦)، قال: حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا علي بن غراب، حدثنا أشعث، عن الحسن، عن عثمان ابن أبي العاص. وجبارة متروك، وعلي بن غراب صدوق، وقد صرح بالتحديث، وأشعث هو ابن عبد الملك ثقة.","vol":"10","page":130},{"text":"وحمله بعضهم على أنه كان دعوة لختان أنثى، والمستحب إخفاؤه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4552> دليل من قال بالإباحة:</span>\nقالوا: قلنا بالإباحة لأن الأصل في الأشياء الإباحة.\n(٢١٠٢ - ٥٠) ولما رواه مسلم، من طريق أيوب، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: ائتوا الدعوة إذا دعيتم (^١).\nولم نقل بالاستحباب، لأثر عثمان المتقدم، حيث قال: كنا لا نأتي الختان، ولا ندعى إليه على عهد رسول الله ﷺ. وقد سبق تخريجه، وبيان أنه ضعيف.\n• الراجح:\nأن إجابة الدعوة مطلقًا واجبة، وهي حق للمسلم على أخيه، ولا دليل في صرفها عن الوجوب، خاصة إذا دعاك بعينك، أما إذا كان أخوك لا يفقدك، وكانت الدعوة عامة للناس، ولم تقصد بالدعوة، ولا يحزن أخوك لفقدك، أو كان يلحقك ضرر بالحضور، إما في دينك، أو في مالك أو في نفسك، فلا بأس بالتخلف. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٤٢٩).","vol":"10","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4553>الفصل العاشر\nفي ضمان ما أتلف بالختان</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون، والعكس بالعكس، فما ترتب على غير المأذون فهو مضمون.\n[م-٨٣١] الخاتن إذا أذن له في الختان، وكان الإذن معتبرًا، وكان هو حاذقًا، ولم تجن يده، ولم يتجاوز ما أذن له فيه، وسرى إليه التلف؛ فإنه لا يضمن لأنه فعل فعلًا مباحًا مأذونًا له فيه، ولم يتعد ولم يفرط.\nقال غانم البغدادي من الحنفية: «والفصاد، والبزاغ، والحجام، والختان لا يضمنون بسراية فعلهم إلى الهلاك إذا لم يجاوز الموضع المعتاد المعهود المأذون فيه، هذا إذا فعلوا فعلًا معتادًا، ولم يقصروا في ذلك العمل «(^١).\nوقال في التبصرة وهو من المالكية: «إذا أذن الرجل لحجام يفصده، أو يختن ولده، أو البيطار في دابة، فتولد من ذلك الفعل ذهاب نفس أو عضو أو تلف الدابة أو العبد، فلا ضمان عليه؛ لأجل الإذن «(^٢).\nوقال ابن قدامة من الحنابلة: «وإذا ختن الولي الصبي في وقت معتدل في الحر\n_________\n(^١) مجمع الضمانات (ص: ٤٨).\n(^٢) تبصرة الحكام (٢/ ٣٤٠).","vol":"10","page":132},{"text":"والبرد، لم يلزمه ضمان إن تلف به؛ لأنه فعل مأمور به في الشرع، فلم يضمن ما تلف به» (^١).\nوقال أيضًا: إذا فعل الحجام والختان والمطبب ما أمروا به، لم يضمنوا بشرطين:\nأحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم، ولهم بها بصارة ومعرفة؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا كله كان فعلًا محرمًا، فيضمن سرايته.\nالثاني: ألا تجني أيديهم، فيتجاوز ما ينبغي أن يقطع، فإن كان حاذقًا، وتجاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو قطع في غير محل القطع، أو في وقت لا يصلح فيه القطع، وأشباه هذا ضمن فيه كله؛ لأنه إتلاف، لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال، ولأن هذا فعل محرم، فيضمن سرايته كالقطع ابتداء (^٢)\nأما إذا تعدى، بأن فعل ما لا يجوز له فعله، أو فرط: ترك ما يجب فعله فمات، فقد اختلفوا في مقدار ما يجب عليه، وإليك النقول عنهم:\nمذهب الحنفية:\nقالوا: لو قطع الختان حشفة الصبي، فمات منه، يجب عليه نصف الدية، وإن برئ منها يجب عليه الدية كاملة؛ لأنه إذا مات حصل موته بفعلين: أحدهما مأذون فيه: وهو قطع الجلدة. والثاني: غير مأذون فيه، وهو قطع الحشفة، فكان ضامنًا نصف الدية.\nوأما إذا برئ جعل قطع الجلدة كأنه لم يكن، وقطع الحشفة غير مأذون فيه، فوجب فيه ضمان الحشفة كاملة، وهو الدية كاملة؛ لأنه عضو مقصود، لا ثاني له في النفس، فيقدر ضمانه بالدية كاملة (^٣).\n_________\n(^١) المغني (٩/ ١٥١).\n(^٢) المغني مع تصرف يسير (٥/ ٣١٣).\n(^٣) شرح العناية على الهداية (٩/ ١٢٠)، الجوهرة النيرة (١/ ٢٦٥)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٦٨، ٦٩).","vol":"10","page":133},{"text":"مذهب المالكية:\nجاء في التبصرة: «إذا كان الخاتن جاهلًا، أو فَعَلَ فعلًا غير ما أذن له فيه خطأ، أو يجاوز الحد فيما أذن له فيه، أو قصر فيه عن المقدار المطلوب ضمن ما تولد عن ذلك.\nقال ابن عبد السلام: وينفرد الجاهل بالأدب، ولا يؤدب المخطئ، وهل يؤدب من لم يؤذن له، فيه نظر» (^١).\nوجاء في التاج والإكليل: «وإذا أخطأ في فعله، مثل أن يسقي الطبيب المريض ما لا يوافق مرضه، أو تزل يد الخاتن أو القاطع فتجاوز في القطع، أو الكاوي فتجاوز في الكي، أو يد الحجام فيقطع غير الضرس التي أمر بها، فإن كان من أهل المعرفة، ولم يَغُرَّ من نفسه فذلك خطأ يكون على العاقلة، إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون في ماله، وإن كان مما لا يحسن، وغَرَّ من نفسه، فعليه العقوبة.\nواختلف على من تكون الدية، فقال ابن القاسم: على العاقلة، وظاهر قول مالك أنها عليه، ورجحه الدسوقي في حاشيته، وقال: لأن فعله عمد، والعاقلة لا تحمل عمدًا (^٢).\nالمذهب الشافعي:\nومن ختنه: أي الصبي من ولي أو غيره في سن لا يحتمله، فمات لزمه القصاص، إن علم أنه لا يحتمله، لتعديه بالجرح المهلك؛ لأنه غير جائز في هذه الحالة قطعًا، فإن ظن احتماله، كأن قال له أهل الخبرة يحتمله، فمات، فلا قصاص، ويجب دية شبه العمد، بحثه الزركشي إلا والدًا وإن علا ختنه في سن لا يحتمله، فلا قصاص عليه\n_________\n(^١) تبصرة الحكام (٢/ ٣٤٠).\n(^٢) التاج والإكليل (٧/ ٥٥٨)، حاشية الدسوقي (٤/ ٢٨)، وقال في بلغة السالك (٤/ ٤٧): إذا كان الخاتن والطبيب من أهل المعرفة، ولم يخطئ في فعله، فلا ضمان، فإن أخطأ فالدية على عاقلته، فإن لم يكن من أهل المعرفة عوقب، وفي كون الدية على عاقلته أو في ماله قولان: الأول: لابن القاسم، والثاني: لمالك، وهو الراجح؛ لأن فعله عمد، والعاقلة لا تحمل عمدًا.","vol":"10","page":134},{"text":"للبعضية، ويجب عليه دية مغلظة في ماله؛ لأنه عمد محض. والسيد في ختان رقيقه لا ضمان عليه، والمسلم في ختان الكافر لا قصاص عليه، فإن احتمله وختنه ولي، فمات، فلا ضمان عليه في الأصح؛ لأنه لابد منه، والتقديم أسهل من التأخير لما فيه من المصلحة. والثاني: يضمن؛ لأنه غير واجب في الحال، فلم يبح إلا بشرط سلامة العاقبة.\nويشمل قوله: (ولي) الأب والجد والحاكم والقيم والوصي: وهو كذلك، واقتضى كلامه أن من ليس بولي يضمن قطعًا. قال الأذرعي: وبه صرح الماوردي وغيره، ونص عليه في الأم لتعديه، فيقتص منه. قال الزركشي: إلا إذا قصد بذلك إقامة الشعار، فلا يتجه القصاص؛ لأن ذلك يضمن شبهة في التعدي (^١).\nالمذهب الحنبلي:\nوقال البهوتي: «وإن أمره بالختان ولي الأمر في حر أو برد أو مرض يخاف من مثله الموت من الختان فتلف بسببه ضمنه؛ لأنه ليس له. أو أمره ولي الأمر به، وزعم الأطباء أنه يتلف، أو ظن تلفه ضمن؛ لأنه ليس له» (^٢).\nوقيل: لا يضمن، وهو رواية عن أحمد (^٣).\nفملخص البحث أنه إن تعدى أو فرط ضمن لأنه جان والحالة هذه، وإن لم يتعد ولم يفرط لم يضمن؛ لأن ما ترتب على المأذون غير مضمون، وهذه قاعدة فقهية. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مغني المحتاج (٥/ ٥٤١).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٨٠). وانظر الفروع، ومع تصحيح الفروع (١/ ١٣٣، ١٣٤)، مطالب أولي النهى، في شرح غاية المنتهى (١/ ٩١).\n(^٣) انظر الفروع، ومع تصحيح الفروع (١/ ١٣٣، ١٣٤).","vol":"10","page":135},{"text":"مبحث\nفي أجرة الخاتن\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• بذل المال في مقابل الحصول على ما له فيه منفعة مباحة مقصودة جائز شرعًا؟\n• يجوز الاستئجار على الختان كما يجوز الاستئجار على قلع الضرس.\n• كل الأمور التي تدعو الحاجة إلى فعلها، ولا تحريم فيها يجوز الإجارة فيها، وأخذ الأجر عليها كسائر المنافع المباحة.\n[م-٨٣٢] الاستئجار على الختان جائز. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه فعل يحتاج إليه، مأذون فيه شرعًا، فجاز الاستئجار عليه، كسائر الأفعال المباحة (^١).\nوأجرة الختان في مال الصبي، فإن لم يكن له مال، فالأجرة تكون على أبيه، أو على من تجب عليه نفقته (^٢).\n_________\n(^١) المغني (٥/ ٣١٣).\n(^٢) قال في العقود الدرية من الحنفية (٢/ ١٤١): «وأجرة الأديب والختان في مال الصبي إن كان له مال، وإلا فعلى أبيه».اهـ\nوقال ابن عابدين في حاشيته (٦/ ٧٥١، ٧٥٢): «وأجرة ختان الصبي على أبيه، إن لم يكن له مال، والعبد على سيده».اهـ وانظر الفتاوى الهندية (٤/ ٥٢٧).\nوقال النووي في المجموع (١/ ٣٥١): «وأجرة ختان الطفل في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى من عليه نفقته. والله أعلم». اهـ","vol":"10","page":136},{"text":"وقال القاضي حسين والبغوي: يجب على السيد أن يختن عبده، أو يخلي بينه وبين كسبه ليختن نفسه. قال القاضي: فإن كان العبد زمنًا فأجرة ختانه في بيت المال. قال النووي: وهذا الذي قاله فيه نظر، وينبغي أن يجب على السيد كالنفقة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٥١).","vol":"10","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4554>الفصل الحادي عشر\nفي فوائد الختان</span>\n[م-٨٣٣] ذكر الطبيب محمد علي البار في كتابه الختان فصلًا مهمًّا في ذكر فوائد الختان، وقد نقل بحثه من مقالات، وبحوث غربية عن أضرار ترك الختان، وسوف أنقل لك هذا الفصل لأهميته.\nنقل الطبيب من مقابلة للدكتور البرفيسور  Te Wiseewell  نشرته المجلة الإمريكية لطبيب الأسرة، وقد استعرض المكاسب الصحية الهامة للختان من أهمها ما يلي:\nالأول: الوقاية من الالتهابات الموضعية، في القضيب الناتجة عن وجود القلفة، ويسمى ضيق القلفة (phimosis)  ويؤدي إلى حقب البول، والتهابات حشفة القضيب (Glans penis)  ويدعى (Balanitis)،  أما التهابات الحشفة والقلفة معًا فيدعى (palani psthitis)  وهذه كلها تستدعي إجراء الختان لعلاجها، أما إذا أزمنت فإنها تعرض الطفل المصاب لأمراض عديدة في المستقبل من أخطرها سرطان القضيب.\nالثاني: التهابات المجاري البولية.\nوقد أثبتت الأبحاث العديدة أن الأطفال غير المختونين يتعرضون لزيادة كبيرة في التهابات المجاري البولية، وفي بعض الدراسات بلغت النسبة ٣٩ ضعف ما هي","vol":"10","page":138},{"text":"عليه عند الأطفال غير المختونين، وفي دراسات أخرى كانت النسبة عشرة أضعاف، وفي دراسة أخرى تبين أن ٩٥% من الأطفال الذين يعانون من التهابات المجاري البولية هم من غير المختونين، بينما كانت نسبة الأطفال المختونين لا تتعدى ٥%.\nوالتهابات المجاري البولية عند الأطفال خطيرة في بعض الأحيان، ففي دراسة ويزويل على ٨٨ طفلًا أصيبوا بالتهابات المجاري البولية كان لدى ٣٦% منهم نفس البكتريا الممرضة في الدم، وعانى ثلاثة من هؤلاء من التهابات السحايا، وأصيب اثنان منهم بالفشل الكلوي، ومات اثنان آخران بسبب انتشار الميكروبات الممرضة في الجسم.\nالثالث: الوقاية من سرطان القضيب.\nفقد أجمعت الدراسات على أن سرطان القضيب يكاد يكون معدومًا لدى المختونين، بينما نسبته لدى غير المختونين ليست قليلة، ففي الولايات المتحدة بلغت نسبة الإصابة بسرطان القضيب لدى المختونين صفرًا، بينما هي ٢.٢ من كل مائة ألف من السكان غير المختونين، وبما أن أغلبية السكان في الولايات المتحدة هم من المختونين فإن حالات السرطان هناك في حدود ٧٥٠ إلى ألف حالة في كل سنة، ولو كان السكان غير مختونين لتضاعف العدد إلى ثلاثة آلاف حالة. وفي البلاد التي لا يختن فيها إلا الأقليات المسلمة مثل الصين ويوغندا فإن سرطان القضيب يشكل ما بين ١٢ إلى ٢٢% من مجموع السرطانات التي تصيب الرجال، وهي نسبة عالية جدًا.\nالرابع: الأمراض الجنسية.\nفقد وجد الباحثون أن الأمراض الجنسية التي تنتقل عبر الاتصال الجنسي (غالبًا بسبب الزنا واللواط) تنتشر بصورة أكبر وأخطر لدى غير المختونين، وخاصة الهربس والقرحة الرخوة (Chancroid)  والزهري، والكانديدا (فطر المبيضة) والسيلان والثآليل الجنسية.","vol":"10","page":139},{"text":"وهناك أبحاث عدة تؤكد أن الختان يقلل من احتمال الإصابة بالإيدز، وأن غير المختونين يصابون بالإيدز بنسبة أعلى من قرنائهم من غير المختونين، ولكن ذلك لا ينفي أن المختون إذا تعرض للعدوى نتيجة اتصال جنسي بشخص مصاب بالإيدز قد يصاب بهذا المرض الخطير، وليس الختان واقيًا منه، وليست هناك وسيلة حقيقية للوقاية من هذه الأمراض الجنسية العديدة سوى الابتعاد عن الزنا والخنا واللواط، وغيرها من القاذورات.\nالخامس: وقاية الزوجة من سرطان عنق الرحم.\nيرتبط سرطان عنق الرحم بعوامل عديدة أهمها: عدد المخاللين لهذه المرأة، وكلما زاد الزنا، وزاد عدد المخللين والمتصلين بها كلما زادت احتمالات الإصابة بهذا المرض الخبيث .. وهذا هو أهم العوامل. وهناك عامل الزمن، فكلما كان التعرض للاتصال الجنسي مبكرًا في حياة المرأة كلما كان احتمال الإصابة بهذا المرض أكثر. وقد لاحظ الباحثون أيضًا أن زوجات المختونين أقل تعرضًا للإصابة بسرطان عنق الرحم من غير المختونين.\nوقد تبين أن سرطان القضيب، وسرطان عنق الرحم كلاهما مرتبط بفيروسات الثآليل الإنساني (Human Papilloma Viruses)  وخاصة المجموعة رقم ١٦، ورقم ١٨.\nوبما أن هذه الثآليل الجنسية معدية، وبما أن غير المختونين أكثر تعرضًا لهذا، فإن احتمال إصابة زوجة غير المختون أكبر بكثير مما هي عليه عند المختون.\nالسادس: إن عملية الختان بسيطة وسهلة، وغير مكلفة إذا تم إجراؤها في الطفل المولود. ففي الولايات المتحدة تتم ولادة ١.٨ مليون طفل ذكر سنويًّا، وتبلغ كلفة العملية مائة دولار لكل طفل مولود. أما إذا ترك هؤلاء الأطفال دون ختان فإن ١٠% إلى ١٥% منهم سيحتاجون للختان في سن متقدمة بسبب ضيق القلفة،","vol":"10","page":140},{"text":"وحقب البول، والتهابات الحشفة، والتهابات الحشفة والقلفة، وذلك يحتاج إلى إدخال المريض المستشفى، وإجراء العملية تحت التخدير العام، وتصل كلفة العملية ما بين ٢٠٠٠ إلى ٥٠٠٠ دولار بالإضافة إلى التغيب عن الدراسة أو العمل. ومعنى ذلك ببساطة أن إجراء عملية الختان لليافعين والمراهقين سيكلف مابين ٣٦٠ و٩٠٠ مليون دولار. هذا إذا لم نحسب الأمراض التي يصاب بها غير المختونين، وكلفتها الباهظة .. ولهذا فإن عملية الختان في أثناء الطفولة الباكرة هو عمل اقتصادي كبير.\nالسابع: إن مضاعفات عملية الختان في الطفولة إذا تم إجراؤها بيد طبيب مجرب ضئيلة جدًا، وهي لا تتعدى اثنين من كل ألف طفل، وأغلبها من النوع البسيط مثل النزف الذي يمكن التحكم فيه بسرعة.\nوقد أظهرت الدراسات التي شملت أكثر من مليوني طفل مختون حدوث وفاة واحدة بسبب الختان، وكان الطفل مصابًا بالناعور (الهيموفيليا) والذي أجرى عملية الختان غير طبيب.\nالثامن: إن عملية تنظيف القلفة لدى غير المختونين التي يدعو لها بعض الأطباء في الغرب غير مجدية كما يقول البرفيسور ويزويل في مقاله الذي نشرته مجلة طبيب الأسرة الأمريكية، وقد أثبتت الأبحاث العديدة التي أجريت على الأطفال غير المختونين في الولايات المتحدة وأوربا صعوبة تنظيف القلفة (الغرلة) وما تحتها بانتظام، ولا يوجد أي دليل على أن عملية التنظيف ستقي من السرطان والمضاعفات الأخرى المرتبطة بعدم الختان، بل إن الأطباء أنفسهم لا يعرفون كيف يتم تنظيف القلفة بالطريقة المثلى، إذ لا توجد هذه الطريقة مما حدا بجمعية الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية أن تنصح بترك قضيب الطفل دون محاولات التنظيف، وشد القلفة التي قد تنتهي بنزف. والحل الصحيح هو إجراء عملية الختان في وقت مبكر (^١).\n_________\n(^١) الختان. د. محمد البار (ص: ٧٥).","vol":"10","page":141},{"text":"هذه بعض الفوائد لعملية الختان، والتي ننهي بها بحث الختان، والذي أرجو أن أكون قد أتيت فيه على جل مباحث الختان. والله الموفق والهادي سواء السبيل.\n* * *","vol":"10","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4555>الباب الثاني في الاستحداد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4556>تمهيد في تعريف الاستحداد</span>\nتعريف<span data-type=\"title\" id=toc-4557> الاستحداد: لغة </span>واصطلاحًا:\n\nالاستحداد لغةً:\nمأخوذ من الحديدة، يقال: استحد إذا حلق عانته قال أبو عبيدة كما في تاج العروس: الاستحداد استفعال من الحديدة يعني الاحتلاق بالحديد، استعمله على طريق الكناية والتورية (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4558>الاستحداد اصطلاحًا:</span>\nلا يفترق المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي، حيث عرفه الفقهاء بقولهم: الاستحداد حلق العانة (^٢).\nوقال النووي: الاستحداد: إزالة شعر العانة: هو الذي حول الفرج، سواء إزالته بنتف أو نورة أو حلق، مأخوذ من الحديدة: وهي الموسى التي يحلق بها (^٣).\nوعرفه النفراوي من المالكية، فقال: «حلق العانة: هي ما فوق العسيب والفرج،\n_________\n(^١) تاج العروس (٤/ ٤١٢).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ١٤١).\n(^٣) تحرير ألفاظ التنبيه (ص: ٢٥٣).","vol":"10","page":143},{"text":"وما بين الدبر والأنثيين» (^١).\n(٢١٠٣ - ٥٤) وقد روى البخاري من طريق شعبة، عن سيار، عن الشعبي،\nعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: إذا دخلت ليلًا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، قال: قال رسول الله ﷺ: فعليك بالكيس الكيس (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٢٤٦) ومسلم (٧١٥).","vol":"10","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4559>الفصل الأول\nحكم الاستحداد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• سنن الفطرة تتعلق بالنظافة، وتركها مناف للفطرة، وللكرامة الآدمية.\n• كل طهارة لم تكن عن حدث، ولا عن خبث فالأصل فيها الاستحباب، والتوقيت في تركها أربعين يومًا مشعر بالوجوب؛ لأنه حد ما بين الجائز والممنوع وقد يقال: الممنوع يشمل المحرم والمكروه.\n• قول الصحابي وقت لنا، كقوله: أمرنا أو نهينا مرفوع حكمًا.\n[م-٨٣٤] ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الاستحداد سنة (^١).\nوقيل: الاستحداد واجب، اختاره ابن العربي والشوكاني (^٢).\n_________\n(^١) انظر في المذهب الحنفي كتاب البحر الرائق (١/ ٥٠)، معالم القربة في طلب الحسبة (ص: ١٩٩)، وفي المذهب المالكي، قال في التمهيد (٢١/ ٦١): «قال مالك: وأحب للنساء من قص الأظفار وحلق العانة مثل ما هو على الرجال». وانظر التمهيد (٢١/ ٦٨)، والثمر الدواني شرح رسالة القيرواني (ص: ٦٨٢)، الفواكه الداوني (٢/ ٣٠٦)، وحاشية العدوي (٢/ ٥٧٧)، كفاية الطالب (٢/ ٥٧٩).\nوفي المذهب الشافعي انظر المجموع (١/ ٣٤٢)، وأسنى المطالب (١/ ٥٥٠)، وإعانة الطالبين (٢/ ٨٥). وفي فقه الحنابلة انظر الكافي (١/ ٢٢)، المغني (١/ ٦٤)، كشاف القناع (١/ ٧٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٥)، مطالب أولي النهى (١/ ٨٥).\n(^٢) نقله عنه الصنعاني في العدة شرح العمدة (١/ ٣٥١)، نيل الأوطار (١/ ١٦٩).","vol":"10","page":145},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4560> دليل الجمهور على الاستحباب:</span>\n(٢١٠٤ - ٥٥) ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (^١).\nقال ابن قدامة: وهو - يعني الاستحداد - مستحب؛ لأنه من الفطرة، ويفحش بتركه (^٢).\nوقال النووي: معظم هذه الخصال ليست بواجبة عند العلماء، وفي بعضها خلاف في وجوبه كالختان، والمضمضة والاستنشاق (^٣)، ولا يمتنع قرن الواجب بغيره، كما قال تعالى: (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]، والإيتاء واجب، والأكل ليس بواجب (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4561> دليل القائلين بالوجوب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4562>الدليل الأول:</span>\nقال ابن العربي: «والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة؛ فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين» (^٥).\n(٢١٠٥ - ٥٦) ومما يدل على الوجوب ما رواه أحمد، عن يحيى ووكيع، عن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧).\n(^٢) المغني (١/ ٦٤).\n(^٣) جاء ذكر المضمضة والاستنشاق في حديث عائشة عند مسلم (عشر من الفطرة). وقد سبق الكلام عليه.\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٤٨).\n(^٥) نقله عنه الصنعاني في العدة شرح العمدة (١/ ٣٥١).","vol":"10","page":146},{"text":"يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار،\nعن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (^١).\n[صحيح] (^٢).\nفهذا الحديث يدل على أن الأخذ من الشارب واجب، بل لو قيل: إن تاركه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب لم يكن بعيدًا لهذا العقاب.\nفهذا الحديث، والحديث الذي قبله يدلان أن سنن الفطرة ليست مستحبة، وإنما هي واجبة. والاستحداد من سنن الفطرة.\n• ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن وجوب الاستحداد لابد له من دليل خاص، أما الاستدلال على اقترانه بالشارب ففي ذلك نظر، والله أعلم.\nالوجه الثاني:\nعلى تقدير صحة القياس على الشارب، فإن ذلك ليس صريحًا في الوجوب، قال العراقي: «المراد على تقدير ثبوته ليس على سنتنا وطريقتنا لقوله ﷺ: ليس منا من لم يتغن بالقرآن، فهذا هو المراد قطعًا» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4563>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٠٦ - ٥٧) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني،\nعن أنس بن مالك، قال: قال أنس: وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار،\n_________\n(^١) مسند أحمد (٤/ ٣٦٦، ٣٦٨).\n(^٢) رجاله كلهم ثقات، وسبق تخريجه، انظر (ح ٢٠٧٩).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٨٢).","vol":"10","page":147},{"text":"ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (^١).\n[ضعفه ابن عبد البر والعقيلي، وسبق تخريجه] (^٢).\nفالتوقيت: حد ما بين الجائز والممنوع، فظاهره يدل على وجوب هذه الأفعال.\nوإذا لم يعرف الوجوب إلا عن ابن العربي والشوكاني فإن الاعتماد على قولهما ضعيف، لأن عصرهما متأخر، ولا يمكن أن يكون الحق لا يعرف قائل به إلى عصر ابن العربي، فأخشى أن يكون قوله محدثًا، وأنه محجوج بالإجماع قبله، وإن قيل بقولهما من السلف فله وجه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٥٨).\n(^٢) انظر تخريجه (٢٠٧٨).","vol":"10","page":148},{"text":"مبحث\nفي إجبار الزوج زوجه على الاستحداد\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما يمنع من أصل الاستمتاع فللزوج أن يجبرها على رفعه، كالغسل من الحيض، والتضمخ بالنجاسة، وأما إذا وجد منها ما لا يمنع من أصل الاستمتاع، ولكن يمنع كماله، كالتنظف والاستحداد، فهل يجبرها على إزالته؟\n• حق الزوج على الزوجة أن تطيعه في كل أمر مباح يأمرها به، فكيف إذا أمرها بما هو مشروع.\nوقيل:\n• الوطء لا يقف على الاستحداد، فلا يملك الزوج إجبار زوجته عليه.\n[م-٨٣٥] إذا قيل: إن الاستحداد واجب فله أن يجبرها قولًا واحدًا؛ لأن الزوج راع في بيته، ومسئول عن رعيته.\nوإذا قلنا: إن الاستحداد سنة، فهل له أن يجبرها؟\nقيل: له أن يجبرها إذا طال، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (^١)، وقولٌ\n_________\n(^١) قال الشافعي في الأم (٥/ ٨): وله - يعني الزوج - أن يجبرها -يعني زوجته الذمية - على النظافة بالاستحداد. اهـ\nوإذا كان هذا في حق الزوجة الذمية التي لم تلتزم بالإسلام، فما بالك بالمرأة المسلمة التي قد التزمت أحكامه.\nوفي المجموع (١/ ٣٤٢) قال النووي: «فيه قولان مشهوران، أصحهما الوجوب، وهذا إذا لم يفحش بحيث ينفر التواق، فإن فحش بحيث نفره وجب قطعًا».","vol":"10","page":149},{"text":"واحدٌ في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: ليس له إجبارها حتى يفحش بحيث ينفر التواق (^٢).\n• الراجح من الخلاف:\nأن لكل واحد من الزوجين أن يجبر الآخر على التنظف له، وهو من العشرة بالمعروف المأمور بها الزوج بقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ١٩].\nوكما أنه يجب للزوج على الزوجة، يجب على الزوج أيضًا، قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ) [البقرة: ٢٢٨].\n* * *\n_________\n(^١) قال ابن قدامة في المغني (٧/ ٢٢٥): «وله إجبارها على إزالة شعر العانة إذا خرج عن العادة، رواية واحدة ذكره القاضي». وانظر الإنصاف (٨/ ٣٥١).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤٢). والمقصود بالتواق: أي الذي يتوق إلى الجماع.","vol":"10","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4564>الفصل الثاني\nفي وقت الاستحداد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• حلق العانة معتبر بطول الشعر، فمتى طال الشعر حلقه، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال.\n• ذكر الأربعين تحديد لأكثر المدة، ولا يمنع تفقد ذلك قبل ذلك، والضابط في هذا وجميع خصال الفطرة الحاجة.\n[م-٨٣٦] اختلف العلماء في وقت الاستحداد:\nفقيل: يستحب أن يحلق عانته كل جمعة، وبعضهم قال في كل أسبوع مرة. وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: لا وقت له، ويقدر بالحاجة، وهو يختلف من شخص إلى آخر، والمعتبر\n_________\n(^١) قال في الفتاوى الهندية (١/ ٣٥٧): «يحلق عانته في كل أسبوع مرة، فإن لم يفعل ففي كل خمسة عشر يومًا، ولا يعذر في تركه وراء الأربعين، فالأسبوع هو الأفضل، والخمسة عشر الأوسط، والأربعون الأبعد، ولا عذر فيما وراء الأربعين، ويستحق الوعيد كذا في القنية».اهـ وقال مثله في مجمع الأنهر (٢/ ٥٥٦)، وفي بريقة محمودية (٤/ ٩٠).\n(^٢) قال القرطبي في المفهم (١/ ٥١٥): «قوله في حديث أنس: «وقت لنا في قص الشارب ... إلخ هذا تحديد أكثر المدة، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وإلا فلا تحديد فيه للعلماء إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل». اهـ.\n(^٣) قال في الفروع (١/ ١٣١): «ويفعله -يعني: حلق العانة- كل أسبوع، ولا يتركه فوق الأربعين». اهـ. وانظر الإنصاف (١/ ١٢٣).","vol":"10","page":151},{"text":"طولها، فمتى طالت حلقها، وهو مذهب الشافعية (^١)،\nوقال ابن عبد البر إنه قول الأكثر (^٢).\nوأما ترك الاستحداد أكثر من أربعين يومًا:\nفقيل: يحرم، وهو مذهب الحنفية (^٣)، ورجحه الشوكاني (^٤).\nوقيل: يكره كراهية شديدة، وهو مذهب الشافعية (^٥)، والمشهور عند الحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) وقال النووي في المجموع (١/ ٣٣٩): «وأما التوقيت في تقليم الأظفار فهو معتبر بطولها، فمتى طالت قلمها، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، وكذا الضابط في قص الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة، وقد ثبت عن أنس ﵁ قال: وقت لنا في قص الشارب ... وذكر الحديث. ثم معنى هذا الحديث أنهم لا يؤخرون فعل هذه الأشياء عن وقتها، فإن أخروها فلا يؤخرونها أكثر من أربعين يومًا، وليس معناه الإذن في التأخير أربعين مطلقًا، وقد نص الشافعي والأصحاب -﵏- على أنه يستحب تقليم الأظفار، والأخذ من هذه الشعور يوم الجمعة»، والله أعلم.\nوقال الدمياطي في إعانة الطالبين (٢/ ٨٥): «والمعتبر في ذلك أنه مؤقت بطولها عادة، ويختلف حينئذ باختلاف الأشخاص والأحوال». اهـ\n(^٢) قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٦٨): «ومن أهل العلم من وقت في حلق العانة أربعين يومًا، وأكثرهم على أن لا توقيت في شيء من ذلك». اهـ\n(^٣) قال ابن عابدين في حاشيته (٦/ ٤٠٧): «وكره تركه تحريمًا لقول المجتبى، ولا عذر فيما وراء الأربعين، ويستحق الوعيد». وانظر الفتاوى الهندية (١/ ٣٥٧).\n(^٤) نيل الأوطار (١/ ١٦٩).\n(^٥) وقال في روضة الطالبين (٣/ ٢٣٤): «ولا يؤخرها عن وقت الحاجة، ويكره كراهة شديدة تأخيرها عن أربعين يومًا». اهـ.\nوقال الهيتمي في المنهج القويم (٢/ ٢٥): «وأن يزيل شعر العانة، والأولى للذكر حلقه، وللمرأة نتفه، ولا يؤخر ما ذكر عن وقت الحاجة، ويكره كراهة شديدة تأخيرها عن أربعين يومًا». اهـ. وقال مثله في روض الطالب (١/ ٥٥١).\n(^٦) قال في كشاف القناع (١/ ٧٧): «ويكره تركه فوق أربعين يومًا». اهـ. وقال في غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (١/ ٤٤٠): «نعم إنما يكره تركه فوق أربعين لحديث أنس عند مسلم، قال: (وقت لنا في قص الشارب ... وذكر الحديث)». وانظر مطالب أولي النهى (١/ ٨٧).","vol":"10","page":152},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4565> دليل من وقت بالأربعين:</span>\n(٢١٠٧ - ٥٨) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني،\nعن أنس بن مالك قال: قال أنس: وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (^١).\nوقول الصحابي: (وقت لنا) على البناء للمجهول له حكم الرفع، كقول الصحابي: (أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا).\nقال الشوكاني: المختار أنه يضبط بالأربعين التي ضبط بها رسول الله ﷺ، فلا يجوز تجاوزها (^٢).\n• وأجاب القائلون بعدم التوقيب عن هذا الحديث:\nقال النووي: معنى هذا الحديث أنهم لا يؤخرون فعل هذه الأشياء عن وقتها، فإن أخروها فلا يؤخرونها أكثر من أربعين يومًا، وليس معناه الإذن في التأخير أربعين مطلقًا، وقد نص الشافعي والأصحاب ﵏ على أنه يستحب تقليم الأظفار، والأخذ من هذه الشعور يوم الجمعة، والله أعلم.\nوقال القرطبي: هذا تحديد أكثر المدة، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وإلا فلا تحديد فيه للعلماء إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل. اهـ\n• الراجح:\nأنه لا يجوز تجاوز ما وقت لنا فيه رسول الله ﷺ، وأن للإنسان أن يدع ذلك أربعين يومًا، ولا يعتبر مخالفًا للسنة، وإن كان قد يستحب قبل ذلك والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٥٨). وقد سبق تخريجه، انظر (٢٠٧٨).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ١٦٩).","vol":"10","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4566>الفصل الثالث\nفي كيفية الاستحداد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الوسائل إذا لم تكن مقصودة لنفسها لا تتعين.\n• مقصود الشارع إزالة الشعر؛ إذ به تحصل النظافة، والحلق وسيلة، وإذا لم تكن الوسيلة مقصودة لنفسها قام غيرها مقامها مما يحصل معه مقصود الشارع.\n[م-٨٣٧] اختلف العلماء في كيفية الاستحداد.\nفقيل: السنة في الرجل حلق العانة، فلو نتفها أو قصها أو أزالها جاز، وكان تاركًا للأفضل وهو الحلق، والسنة في المرأة نتف العانة، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢).\nوقيل: السنة الحلق مطلقًا للجنسين، ويكره إزالة شعر العانة بالنتف للرجال والنساء. وهو مذهب المالكية (^٣).\nوقيل: إن كانت شابة فالنتف في حقها أولى، وإن كانت كهلة فالأفضل في حقها\n_________\n(^١) غمز عيون البصائر (٣/ ٣٨١)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٦).\n(^٢) تحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥)، الأشباه والنظائر (ص: ٢٣٧). قال في مغني المحتاج (٦/ ١٤٤): «والسنة في الرجل حلق العانة، وفي المرأة نتفها، والخنثى مثلها». اهـ. وانظر أسنى المطالب (١/ ٥٥٠)، تحفة الحبيب (١/ ٢٥٦).\n(^٣) الثمر الدواني (ص: ٦٨٢)، كفاية الطالب (٢/ ٥٧٩)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٣)، تفسير القرطبي (٥/ ٣٩٢).","vol":"10","page":154},{"text":"الحلق، اختاره ابن العربي (^١).\nوقيل: بأي شيء أزاله صاحبه فلا بأس، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4567> دليل من قال السنة الحلق ويكره النتف للجنسين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4568>الدليل الأول:</span>\n(٢١٠٨ - ٥٩) أخرجه البخاري من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4569>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٠٩ - ٦٠) وروى البخاري من طريق حنظلة، عن نافع،\nعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4570>الدليل الثالث:</span>\n(٢١١٠ - ٦١) ومنها ما رواه مسلم من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،\nعن عائشة قالت: قال ﷺ: عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.\n_________\n(^١) تحفة الحبيب (١/ ٢٥٦).\n(^٢) المغني (١/ ٦٤)، الإنصاف (١/ ١٢٢)، كشاف القناع (١/ ٧٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٨٥).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧).\n(^٤) صحيح البخاري (٥٨٩٠).","vol":"10","page":155},{"text":"زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء.\n[المحفوظ أنه من قول طلق] (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله في حديث أبي هريرة: (الاستحداد) فالمقصود: استعمال الحديدة في حلق العانة.\nوأما حديث ابن عمر وعائشة فصريحان في حلق العانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4571>الدليل الرابع:</span>\n(٢١١١ - ٦٢) روى البخاري في صحيحه من طريق شعبة، عن سيار، عن الشعبي،\nعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: إذا دخلت ليلًا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، قال: قال رسول الله ﷺ: فعليك بالكيس الكيس (^٢).\nفقوله ﷺ: (تستحد المغيبة) فالاستحداد، هو استعمال الحديدة بالحلق، كما قدمنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4572>الدليل الخامس:</span>\nقال العراقي: الحكمة في تخصيص الإبط بالنتف، والعانة بالحلق على وجه الأفضلية أن الإبط محل الرائحة الكريهة، والنتف يضعف الشعر فتخف الرائحة الكريهة، والحلق يكثف الشعر، فتكثر فيه الرائحة (^٣).\nوقال ابن دقيق العيد: «والأولى في إزالة الشعر هنا الحلق اتباعًا، ويجوز النتف بخلاف الإبط، فإنه بالعكس؛ لأنه تحتبس تحته الأبخرة بخلاف العانة. والشعر من\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦١)، انظر (ح ٢٠٥٨).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٢٤٦) ومسلم (٧١٥).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٨٠).","vol":"10","page":156},{"text":"الإبط بالنتف يضعف، وبالحلق يقوى، فجاء الحكم في كل من الموضعين بالمناسب» (^١).\nوأما التعليل على كراهة النتف، فقالوا: إن النتف يرخي المحل بالنسبة للمرأة، ويؤذي الرجل، كما أخبر بذلك بعض الأطباء (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4573> دليل من قال يزيل الشعر بأي شيء:</span>\nقالوا: إن المقصود هو إزالة الشعر، فبأي شيء زال فقد حصل المقصود (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4574> دليل من قال الحلق للرجل والنتف للمرأة:</span>\nقالوا: الحكمة إن النتف يضعف الشهوة، والحلق يقويها (^٤).\nولو قيل: إن النتف يضعف الشعر، ويؤخر نموه ويسود المكان، والحلق يقويه لكان أوجه.\n• الراجح:\nالأحاديث لم تفرق بين المرأة والرجل، وكلاهما الوارد في حقه الحلق، وإزالتها بأي مزيل مباح إذا كان لا ضرر فيه. لكن السنة الحلق؛ لأنه المنصوص عليه، وغيره لم ينه عنه.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٣٤٤).\n(^٢) حاشية العدوي (٢/ ٤٤٣)، تفسير القرطبي (٥/ ٣٩٢)، انظر الثمر الدواني (ص: ٦٨٢)، كفاية الطالب (٢/ ٥٧٩).\n(^٣) تحفة الحبيب (١/ ٢٥٦).\n(^٤) حاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ٢٠٧، ٢٠٨).","vol":"10","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4575>الفصل الرابع\nفي حلق شعر الدبر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• شعر الدبر: إما أن يدخل في شعر العانة من حيث المعنى؛ لكونه أشد من شعر العانة، حيث يتلوث بالنجاسة، والاستجمار لا ينقيه، ويتعرض للعرق أكثر من العانة، فيكون ذكر الأدنى يتضمن ذكر الأعلى.\nأو لأنه شعر مسكوت عنه، والشعر ثلاثة: شعر نهينا عن حلقه، كاللحية، وشعر أمرنا بحلقه كالعانة، وشعر سكت الله عنه، فهو عفو، إن شئنا أخذناه وإن شئنا تركناه.\n• هذا من جهة المعنى أما من جهة النص فحديث أبي هريرة ذكر الاستحداد، والاستحداد: استعمال الحديد في الحلق، ذكره على طريق الكناية والتورية. اهـ وهو أعم من حلق العانة، فيدخل فيه شعر الدبر.\nوفي حديث ابن عمر ذكر حلق العانة، فهل يكون حديث ابن عمر مبينًا لما كني عنه في حديث أبي هريرة، وعليه لا يكون هناك نص في الدبر إلا من حيث المعنى؟ فيه تأمل.\nإذا علم ذلك نأتي للأقوال في المسألة:\n[م-٨٣٨] اختلف العلماء في حلق شعر الدبر.","vol":"10","page":158},{"text":"فقيل: يستحب حلق شعر الدبر، اختاره بعض الحنفية (^١).\nوقيل: لا يشرع. اختاره ابن العربي، والفاكهي (^٢).\nوقيل: يباح. وهو الصواب، وهو مذهب المالكية (^٣)، واختاره النووي من الشافعية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4576> دليل من قال بالاستحباب:</span>\nقال ابن عابدين: «والعانة: الشعر القريب من فرج الرجل والمرأة، ومثلها شعر الدبر، بل هو أولى بالإزالة، لئلا يتعلق به شيء من الخارج عند الاستنجاء بالحجر» (^٥).\nوقال ابن دقيق العيد: كأن الذي ذهب إلى استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس (^٦).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٨١)، حاشية الطحطاوي (٢/ ٣٤٢).\n(^٢) جاء في فتح الباري (١٠/ ٣٤٣): «قال أبو بكر بن العربي: شعر العانة أولى الشعور بالإزالة؛ لأنه يتكثف ويتلبد فيه الوسخ، بخلاف شعر الإبط، قال: وأما حلق ما حول الدبر فلا يشرع، وكذا قال الفاكهي في شرح العمدة: إنه لا يجوز، كذا قال. قال الحافظ: ولم يذكر للمنع مستندًا». اهـ\n(^٣) قال في الثمر الداني شرح رسالة القيرواني: «ولا بأس بحلاق غير العانة من شعر الجسد، كشعر اليدين والرجلين، وشعر حلقة الدبر». اهـ وقال مثله في الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٦)، وانظر حاشية العدوي (٢/ ٥٧٩).\n(^٤) قال النووي (١/ ٣٤١): «وأما حقيقة العانة التي يستحب حلقها فالمشهور أنها الشعر النابت حوالي ذكر الرجل وقبل المرأة وفوقهما، ورأيت في كتاب الودائع المنسوب إلى أبي العباس بن سريج، وما أظنه يصح عنه، قال: العانة: الشعر المستدير حول حلقة الدبر، وهذا الذي قاله غريب، ولكن لا مانع من حلق شعر الدبر، وأما استحبابه فلم أر فيه شيئًا لمن يعتمد غير هذا، فإن قصد به التنظف وسهولة الاستنجاء فهو حسن مندوب، والله أعلم».\nوقال الخطيب في مغني المحتاج (١/ ٥٦٤): «والعانة الشعر النابت حوالي ذكر الرجل وقبل المرأة. وقيل: ما حول الدبر. قال المصنف: والأولى حلق الجميع». وانظر أسنى المطالب (١/ ٥٥٠)، وحواشي الشرواني على تحفة المنهاج (٢/ ٤٧٦).\n(^٥) حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٨١)، حاشية الطحطاوي (٢/ ٣٤٢).\n(^٦) فتح الباري (١٠/ ٣٤٤)، وعون المعبود (١/ ٥٤).","vol":"10","page":159},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4577> دليل من قال لا يشرع:</span>\nقال: لم نقف في حلق شعر الدبر، لا من قول الرسول ﷺ، ولا من فعله، ولا من فعل أصحابه، وعليه فلا يشرع.\nقال الشوكاني: «الاستحداد إن كان في اللغة حلق العانة كما ذكره النووي، فلا دليل على سنية حلق الشعر النابت حول الدبر، وإن كان المعنى هو الاحتلاق بالحديد كما في القاموس، فلا شك أنه أعم من حلق العانة، ولكنه وقع في مسلم وغيره بدل الاستحداد في حديث: (عشر من الفطرة حلق العانة)، فيكون مبينًا لإطلاق الاستحداد في حديث: (خمس من الفطرة) فلا يتم دعوى سنية حلق شعر الدبر، أو استحبابه إلا بدليل، ولم نقف على حلق شعر الدبر من فعله ﷺ، ولا من فعل أحد من أصحابه» (^١).\nوهذا الكلام وإن سلم للشوكاني ﵀ إلا أن نفي الاستحباب لا يدل على نفي الإباحة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4578> دليل من قال بالإباحة:</span>\nقالوا: إن الشعر ثلاثة أقسام: قسم نهينا عن حلقه، كشعر اللحية، وقسم أمرنا بحلقه، كشعر العانة والإبط، وقسم سكت عنه، فلم نؤمر بحلقه ولم ننه عنه، فهو على العفو والإباحة، كشعر الساق واليدين، وممكن أن ندخل في هذا شعر الدبر.\n• الراجح:\nأن حلق شعر الدبر على الإباحة، على أنه إن كان بقاؤه يؤثر في طهارة الاستنجاء كما لو كان كثيفًا وطويلًا، ولا يمكن تنظيفه إلا بالماء بحيث لا يطهره الاستجمار، فهنا لا شك أن القول باستحبابه قول قوي، أو الاقتصار على الاستنجاء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ١٤١).","vol":"10","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4579>الفصل الخامس\nفي حلق شعر عانة الميت</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• حرمة الميت كحرمة الحي.\n• كشف العورة محرم، ولا ينتهك المحرم لحاجة تكميلية.\n• وقيل: كشف العورة محرم لغيره، والحاجة تبيحه.\n[م-٨٣٩] اختلف الفقهاء في حلق عانة الميت إذا كانت طويلة:\nفقيل: يحرم حلق عانته، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يكره، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٣)، والشافعية (^٤). قال مالك: إن ذلك بدعة (^٥).\n_________\n(^١) قال في بدائع الصنائع (١/ ٣٠١): «والسنة أن يدفن الميت بجميع أجزائه، ولهذا لا تقص أظفاره وشاربه ولحيته، ولا يختن، ولا نتف إبطه، ولا تحلق عانته». اهـ. وانظر فتح القدير (٢/ ١١١)، والمبسوط (٢/ ٥٩)، الفتاوى الهندية (١/ ١٥٨).\n(^٢) قال في كشاف القناع (٢/ ٩٧): «ويحرم حلق شعر عانته - يعني الميت - لما فيه من لمس عورته». اهـ. ورجحه ابن قدامة في المغني (٢/ ٢١٠) وقال في الإنصاف (٢/ ٤٩٤): على الصحيح من المذهب. اهـ وانظر شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٤٩).\n(^٣) المنتقى - الباجي (٢/ ٧)، التاج والإكليل (٢/ ٥٢)، وعبر الخرشي (٢/ ١٣٦)، وعليش في منح الجليل (١/ ٥٠٧) والعدوي في حاشية (١/ ٤١٢) والدسوقي في حاشيته: بالكراهية مع تنصيص بعضهم على أن ذلك بدعة.\n(^٤) المجموع (٥/ ١٤١)، أسنى المطالب (١/ ٣٠٤)، الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (٢/ ٨٦). وقال في تحفة المحتاج (٣/ ١١٣): الأظهر كراهته، وانظر حاشية الجمل (٢/ ١٥٤)، حاشية البجيرمي على المنهج (١/ ٤٦٢).\n(^٥) المدونة (١/ ١٥٦).","vol":"10","page":161},{"text":"وقيل: لا يكره، ولا يستحب، وهو قول عند الشافعية (^١).\nوقيل: إن كانت عانته طويلة استحب حلقها، وهو رأي الشافعي في الجديد (^٢)،\n_________\n(^١) قال الشافعي في الأم (١/ ٣١٩): «فإن كان على يديه - يعني الميت - وفي عانته شعر فمن الناس من كره أخذه عنه، ومنهم من رخص فيه، فمن رخص فيه لم ير بأسًا أن يحلقه بالنورة أو يجزه بالجلم». اهـ. وانظر المجموع (٥/ ١٤١)، المنثور في القواعد (٣/ ١٤٧).\n(^٢) قال النووي في المجموع (٥/ ١٤١): «في قلم أظفار الميت، وأخذ شعر شاربه، وإبطه، وعانته قولان: الجديد أنها تفعل. والقديم أنها لا تفعل، وللأصحاب طريقان:\nأحدهما: أن القولين في الاستحباب والكراهة. أحدهما: يستحب. والثاني: يكره.\nوهذه طريقة المصنف هنا، وشيخه القاضي أبي الطيب في تعليقه، وصاحب الحاوي والغزالي في الوسيط والخلاصة، وصاحب التهذيب، والروياني في الحلية، وآخرين من الأصحاب. قال صاحب الحاوي: القول الجديد أنه مستحب، وتركه مكروه، وقطع المصنف في التنبيه، والجرجاني في التحرير باستحبابه.\nوالطريق الثاني: أن القولين في الكراهة وعدمها. أحدهما: يكره. والثاني: لا يكره ولا يستحب قطعًا، وبهذا الطريق قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي وابن الصباغ والشاشي وآخرون، وهو ظاهر نص الشافعي في الأم، فإنه قال: من الناس من كره أخذه، ومنهم من رخص فيه. وأما قول الرافعي: لا خلاف أن هذه الأمور لا تستحب، وإنما القولان في الكراهة فمردود بما قدمته من إثبات الخلاف في الاستحباب مع جزم من جزم، وعجب قوله هذا مع شهرة هذه الكتب، لا سيما الوسيط والمهذب والتنبيه.\nوأما الأصح من القولين فصحح المحاملي أنه لا يكره، وقطع به في كتابه المقنع، وصحح غيره الكراهة، وهو المختار، ونقله البندنيجي عن نص الشافعي في عامة كتبه، منها الأم، ومختصر الجنائز، والقديم. وقد قال الشافعي في مختصر المزني: من أصحابنا من رأى حلق الشعر وتقليم الأظفار، ومنهم من لم يره. قال الشافعي: وتركه أعجب إلي. هذا نصه، وهو صريح في ترجيح تركه، ولم يصرح الشافعي في شيء من كتبه باستحبابه جزمًا، إنما حكى اختلاف شيوخه في استحبابه وتركه، واختار هو تركه، فمذهبه تركه، وما سواه ليس مذهبًا له، فيتعين ترجيح تركه، ويؤيده أيضًا أن الشافعي قال في المختصر والأم: ويتتبع الغاسل ما تحت أظافير الميت بعود حتى يخرج الوسخ. قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: قال أصحابنا: هذا تفريع من الشافعي على أنه يترك أظافيره، وأما إذا قلنا: تزال، فلا حاجة إلى العود، فحصل أن المذهب أو الصواب ترك هذه الشعور والأظفار؛ لأن أجزاء الميت محترمة، فلا تنتهك بهذا، ولم يصح عن النبي ﷺ والصحابة ﵃ في هذا شيء، فكره فعله، وإذا جمع الطريقان حصل ثلاثة أقوال: المختار: يكره.\nوالثاني: لا يكره، ولا يستحب. والثالث: يستحب». اهـ\nوقال في تحفة المحتاج (٣/ ١١٢): «والجديد أنه لا يكره في غير المحرم أخذ ظفره - يعني الميت - وشعر إبطه وعانته وشاربه، بل يستحب لما فيه من النظافة». اهـ","vol":"10","page":162},{"text":"وقول عند الحنابلة (^١)، واختيار ابن حزم (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4580> دليل من قال بالتحريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4581>الدليل الأول:</span>\nأن ذلك يؤدي إلى كشف العورة ولمسها، وهتك الميت، وذلك محرم، ولا يرتكب المحرم لتحقيق سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4582>الدليل الثاني:</span>\nلم يأت فيه شيء من الشرع، ولذلك اعتبره مالك بدعة.\nوقال النووي: لم يصح عن النبي ﷺ شيء، فكره فعله (^٣)، بل ثبت الأمر بالإسراع بالجنازة المنافي لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4583>الدليل الثالث:</span>\nقالوا بأن العورة مستورة فيستغنى بسترها عن إزالتها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4584>الدليل الرابع:</span>\nقالوا: إذا كان الراجح أنه لا يختن، فكذلك لا تحلق عانته، ولأن شعر العانة جزء من الميت، وأجزاؤه محترمة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4585> دليل من قال بالكراهة:</span>\nاستدل القائلون بالكراهة بأدلة القائلين بالتحريم إلا أنهم حملوها على الكراهة.\n_________\n(^١) قال ابن قدامة في المغني (٢/ ٢١٠): «وروى عن أحمد أن أخذها مسنون».اهـ وانظر الفروع (٢/ ٢٠٧).\n(^٢) المحلى (مسألة: ٦٢٠).\n(^٣) المجموع (٥/ ١٤١).","vol":"10","page":163},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4590> دليل من قال بالجواز أو الاستحباب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4586>الدليل الأول:</span>\nقالوا: بأن حلق العانة من باب التنظيف، فيشرع حلقها كإزالة الوسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4587>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إذا كان حلق العانة من الفطرة، فلا يترك الميت من تحقيقها.\nقال ابن حزم: وإن كانت أظفار الميت وافرة، أو شاربه وافيًا أو عانته أخذ كل ذلك؛ لأن النص قد ورد وصح بأن كل ذلك من الفطرة، فلا يجوز أن يجهز إلى ربه تعالى إلا على الفطرة التي مات عليها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4588>الدليل الثالث:</span>\n(٢١١٢ - ٦٣) روى عبد الرزاق في مصنفه، قال: عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، أن سعد بن مالك حلق عانة ميت (^٢).\n[صحيح إن كان سمع أبو قلابة من أبي سعيد الخدري ﵁].\nوهذا لا يعرف له مخالف من الصحابة، فيكون فعله حجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4589>الدليل الرابع:</span>\nأن كشف العورة يجوز للحاجة، كالتداوي والختان، ونحوهما، فهذا منه، ويقتصر على قدر الحاجة، مع أنه قد يمكنه إزالة عانته بلا نظر إلى العورة، وبدون أن يباشر مسها، كما في النورة. والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nالذي يظهر لي أن كشف العورة من الميت لا يجوز، لكن إن كان الذي يحلق عانته\n_________\n(^١) المحلى (مسألة: ٦٢٠).\n(^٢) مصنف عبد الرزاق (٣/ ٤٣٧) رقم ٦٢٣٥.","vol":"10","page":164},{"text":"ممن يجوز له الاطلاع على عورته جاز له أخذه، وإلا حرم، لأن حرمة الميت كحرمة الحي، والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4591>المبحث الأول صفة حلق عانة الميت على القول بالجواز</span>\n[م-٨٤٠] إذا قلنا تزال هذه الشعور، فللغاسل أن يأخذ شعر الإبط والعانة بالمقص أو الموسى أو النورة، وهو مذهب الشافعية.\nقال النووي: هذا هو المذهب والمنصوص في الأم، وبه قطع الجمهور (^١)، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يتعين إزالتها بالنورة في العانة لئلا ينظر إلى عورته، وهو وجه في مذهب الشافعية، قال النووي: وبهذا قطع البندنيجي والمحاملي في المجموع (^٣)، واختاره بعض الحنابلة (^٤).\nوقيل: يستحب النورة في العانة والإبط جميعًا، وهو وجه في مذهب الشافعية. قال النووي: وبه جزم صاحب الحاوي (^٥).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٥/ ١٤١): «والمذهب التخيير، لكن لا يمس ولا ينظر من العورة إلا قدر الضرورة».اهـ وانظر روضة الطالبين (٢/ ١٠٨).\n(^٢) قال في الإنصاف (٢/ ٤٩٤، ٤٩٥): «وقيل: يؤخذ بحلق أو قص، قدمه ابن رزين في شرحه، وحواشي ابن مفلح، وقال: نص عليه. قال المرداوي: وهو المذهب، فإن أحمد نص عليه في رواية حنبل، وعليه المصنف والشارح». إلخ كلامه ﵀.\n(^٣) المجموع (٥/ ١٤١).\n(^٤) الإنصاف (٢/ ٤٩٤): «فعلى رواية جواز أخذه - يعني حلق شعر العانة للميت - يكون بنورة، لتحريم النظر. قال في الفصول: لأنها أسهل من الحلق بالحديد، واختاره القاضي».\n(^٥) المجموع (٥/ ١٤١).","vol":"10","page":166},{"text":"قال المرداوي: وعلى كل قول، لا يباشر ذلك بيده، بل يكون عليها حائل (^١).\nوعلى كل إذا أمكن إزالتها بدون النظر إلى العورة، وبدون ملامسة البشرة تعين ذلك؛ لأن المقصود هو إزالة شعر الميت، وهذا حاصل فلا يجوز كشف العورة مع عدم الحاجة. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف (٢/ ٤٩٥).","vol":"10","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4592>المبحث الثاني في دفن تفث الميت</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• تفث الميت لا حرمة له كالحي.\n[م-٨٤١] قال النووي: في الشعور المأخوذة من شاربه وإبطه وعانته وأظفاره، وما انْتُتِف من تسريح شعره ولحيته، وجلدة الختان إذا قلنا: يختن، وجهان:\nأحدهما: يستحب أن يصير كل ذلك معه في كفنه، ويدفن، وبهذا قطع القاضي حسين، وصاحبه البغوي، والغزالي في الوسيط والخلاصة، وصاحب العدة، والرافعي، وغيرهم. وأشار إليه المصنف في كتابه في الخلاف.\nوالثاني: يستحب ألا يدفن معه، بل يوارى في الأرض في غير القبر، وهذا اختيار صاحبه، فإنه حكى عن الأوزاعي استحباب دفنها معه، ثم قال: والاختيار عندنا أنها لا تدفن معه؛ لأنه لم يرد فيه خبر، ولا أثر، والله أعلم (^١).\nقلت: والقول بأنها تدفن معه، هو مذهب الحنابلة.\nقال المرداوي: «وكل ما أخذ، فإنه يجعل مع الميت، كما لو كان عضو سقط منه «(^٢).\n_________\n(^١) المجموع (٥/ ١٤٢).\n(^٢) الإنصاف (٢/ ٤٩٥).","vol":"10","page":168},{"text":"والذي يظهر لي أنها لا تدفن معه، وليست كالعضو منه، لأنها في حكم المنفصل، ويكفي أنه لم يأت نص من كتاب أو سنة يأمر بذلك، والأصل عدم المشروعية حتى يرد دليل على ذلك.\n* * *","vol":"10","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4593>المبحث [*] الثالث في تولي الأجنبي حلق العانة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما كان محرمًا لغيره فإن الحاجة تبيحه، وكل ما كان محرمًا لذاته لا تبيحه إلا الضرورة.\n• كشف العورة مباح لمصلحة الجسم كالتداوي، وهو من الحاجات، وإذا جاز في الحاجة الدنيوية المحضة جاز فيما اجتمع فيه حاجة شرعية ودنيوية من باب أولى (^١).\n• قد يترك الواجب من كشف العورة لغير واجب، وهو حلق العانة، كما ترك الإنصات للخطبة وهو واجب بالتشاغل بتحية المسجد (^٢).\n• الفعل الواحد إذا كان في فعله مفسدة، وفي تركه مفسدة يراعى الأخف، ومن ذلك جواز كشف جزء من العورة لحلق العانة.\n_________\n(^١) لو كان التداوي ضرورة لأبيح التداوي بالحرام؛ لأن الضرورة تبيح المحظورات، فلما منع دل على أن التداوي من الحاجات.\n(^٢) والضابط في تعارض النفل والفرض أن يقال: إن لزم من فعل النفل ترك الفرض بالكلية فلا اكتراث بالنفل، والفرض أفضل مطلقًا، وإلا فالنفل مقدم في الحقيقة، وإنما احتمل ترك فرض في زمن يسير لا يحصل به تمام الغرض منه لنفل حصل تمام الغرض منه، ألا ترى إلى جواز نظر الطبيب للعورة، وما ذاك إلا لأن زمن المداوة يسير، فلما كان الفرض لم يترك بالكلية، بل اغتفر منه زمن يسير كأنه اقتطع للمصلحة، ومثله حلق العانة من أجنبي. انظر الأشباه والنظائر للسبكي (١/ ١٩٧).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «الفرع»","vol":"10","page":170},{"text":"وبمعنى آخر:\nمن ابتلي بين أمرين محظورين عليه أن يرتكب أهونهما.\nوقيل:\n• درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.\n• إذا تعارض أمر ونهي يرجح النهي على الأمر، فلا يرتكب المنهي عنه، وهو كشف العورة لأجل المأمور به، وهو حلق العانة.\n[م-٨٤٢] لا يجوز أن يلي حلق العانة أجنبي، فيطلع على العورة، وهذا مما لا خلاف فيه مع القدرة\nقال ابن قدامة في المغني: «وإذا طلى بنورة فلا بأس، إلا أنه لا يدع أحدًا يلي عورته، إلا من يحل له الاطلاع عليها من زوجة أو أمة» (^١).\nوقال ابن حجر عن كشف العورة من أجل حلق العانة:\n«وأما من لا يحسن الحلق، فقد يباح له إن لم تكن له زوجة تحسن الحلق أن يستعين بغيره بقدر الحاجة، لكن محل هذا إذا لم يجد ما يتنور به، فإنه يغني عن الحلق، ويحصل به المقصود، وكذا من لا يقوى على النتف، ولا يتمكن من الحلق إذا استعان بغيره في الحلق لم تهتك المروءة من أجل الضرورة» (^٢).\nقلت: الحاجة تبيح كشف العورة، كالتداوي ونحوه، والقاعدة: أن كل ما كان محرمًا لغيره فإن الحاجة تبيحه، وكل ما كان محرمًا لذاته لا تبيحه إلا الضرورة، ولذلك أبيح كشف العورة للتداوي، مع أن التداوي حاجة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ٦٤).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٣٤٨).","vol":"10","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4594>المبحث الرابع [*] في استخدام النورة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التعبد هو بإزالة الشعر لا بالمزيل، فيحصل المقصود بأي وجه حصلت الإزالة.\n• الوسائل إذا لم تكن مقصودة لنفسها لا تتعين.\n[م-٨٤٣] التنور: الطلاء بالنورة، يقال: تنور: تطلى بالنورة ليزيل الشعر\nولا أعلم خلافًا في جواز إزالة شعر العانة بالنورة (^١).\nويحصل أصل السنة بأي وجه كان من الحلق والقص والنتف واستعمال النورة؛ إذ المقصود حصول النظافة إلا أن الأفضل الحلق؛ لأنه المنصوص عليه.\nوهل ثبت أن رسول الله ﷺ تنور؟\n(٢١١٣ - ٦٤) الجواب، روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا كامل بن العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت،\nعن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يتنور، ويلى عانته بيده (^٢).\n_________\n(^١) انظر البحر الرائق (٣/ ١١)، والفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٨)، وحاشية ابن عابدين (٢/ ٤٨١)، وفي مذهب المالكية انظر حاشية العدوي (٢/ ٤٤٤)، الثمر الدواني (ص: ٦٨٢)، كفاية الطالب (٢/ ٥٧٩)، وفي مذهب الشافعية، قال النووي في المجموع (١/ ٣٤٢): «والسنة في العانة الحلق، ولو نتفها أو قصها، أو أزالها بالنورة جاز». اهـ.، طرح التثريب (٢/ ٧٦). وفي المذهب الحنبلي انظر الفروع (١/ ١٣٠، ١٣١)، الآداب الشرعية (٣/ ٣٣١)،\n(^٢) مسند أبي داود الطيالسي (١٦١٠).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «الفرع»","vol":"10","page":172},{"text":"[إسناده منقطع، ورجح البيهقي إرساله] (^١).\n_________\n(^١) رجاله ثقات، إلا أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة، قاله أبو زرعة كما في المراسيل لابن أبي حاتم (٤٧).\nوالحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٥٢) من طريق أبي داود الطيالسي به. ورواه ابن ماجه في سننه (٣٧٥٢) من طريق إسحاق بن منصور،\nوأبو نعيم في حلية الأوليا (٥/ ٦٧) من طريق عاصم بن علي، كلاهما (إسحاق، وعاصم) عن كامل أبي العلاء، عن حبيب، عن أم سلمة.\nوخالفهم أبو غسان، فرواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٣٢٦) من طريقه، عن كامل أبي العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إنسان، عن أم سلمة به.\nفهنا واضح أن هناك واسطة بين حبيب، وبين أم سلمة ﵂، وهو مبهم لا تعلم درجته.\nواختلف على حبيب بن أبي ثابت:\nفرواه أبو العلاء موصولًا، كما سبق موصولًا.\nورواه منصور، عن حبيب بن أبي ثابت مرسلًا\nرواه عبد الرزاق في المصنف (١١٢٧)،\nوابن سعد في الطبقات (١/ ٣٤١) من طريق محمد بن عبد الله الأسدي.\nوابن سعد أيضًا (١/ ٣٤١) من طريق قبيصة بن عقبة.\nوالبيهقي في السنن (١/ ١٥٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي.\nوالبيهقي أيضًا (١/ ١٥٢) من طريق ابن وهب، خمستهم (عبد الرزاق، وابن مهدي،\nوابن وهب ومحمد الأسدي وقبيصة) عن الثوري، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أطلى ولي عانته بيده.\nقال البيهقي: أسنده كامل أبو العلاء وأرسله من هو أوثق منه.\nورواه أبو هاشم الرماني، واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن ماجه (٣٧٥١) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله، عن حماد بن سلمة عن أبي هاشم الرماني عن حبيب بن أبي ثابت عن أم سلمة به.\nورجاله ثقات إلا عبد الرحمن بن عبد الله أبا سعيد لقبه جردقه، صدوق ربما وهم.\nوخالف حماد بن سلمة من هو أوثق منه، فرواه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٤١) أخبرنا عارم ابن الفضل، وموسى بن داود، قالا: أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا أبو هاشم، عن حبيب بن أبي ثابت، أن رسول الله ﷺ تنور، وهذا مرسل. =","vol":"10","page":173},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وروى ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٤١) أخبرنا قبيصة، أخبرنا سفيان، عن صالح، عن أبي معشر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا طلى بالنورة ولي عانته بيده.\nوهذا مرسل، وقبيصة بن عقبة ثقة إلا أنه تكلم في روايته عن سفيان.\nوراه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٥) حدثنا هشيم وشريك، عن ليث أبي المشرفي، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: كان النبي ﷺ إذا أطلى ولي عانته.\nورواه بحشل في تاريخ واسط (٢/ ١٢٢) من طريق القاسم بن عيسى، ثنا هشيم به.\nوهذا سند ضعيف أيضًا أولًا: لكونه مرسلًا.\nوثانياُ: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٢٧٦) حدثني أبي، قال: حدثنا هشيم، عن ليث أبي المشرفي، عن أبي معشر، أن النبي ﷺ كان إذا أطلى ولي عانته بيده. سمعت أبي يقول: لم يسمع هشيم من ليث أبي المشرفي شيئًا.\nقلت: وهو مدلس مكثر من التدليس.\nورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٤٤٢) أخبرنا الفضل بن دكين وموسى بن داود، قالا: أخبرنا شريك، عن ليث أبي المشرفي.\nقال الفضل: عن إبراهيم.\nوقال موسى: عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسم إذا أطلى بالنورة ولي عانته.\nوأخرج ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٥٩) قال: حدثنا عبد الله بن خالد بن يزيد المؤذن وكان صالحًا، ثنا عمار بن رجاء، ثنا الحسين بن علوان، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أطلى رسول الله ﷺ بالنورة، فلما فرغ منها، قال: يا معشر المسلمين عليكم بالنورة فإنها طيبة وطهور، وإن الله يذهب بها عنكم أوساخكم وأشعاركم.\nوهذا حديث موضوع، فيه الحسين بن علوان. قال فيه ابن عدي: وللحسين بن عدي أحاديث كثيرة، وعامتها موضوعة، وهو في عداد من يضع الحديث. الكامل (٢/ ٣٦٠).\nونقل الشوكاني في النيل عن الحافظ ابن كثير في كتابه الذي ألفه في الحمام كلامًا طويلًا منه: «وأخرج أحمد، عن عائشة، قالت: (أطلى رسول الله ﷺ بالنورة، فلما فرغ منها قال: يا معشر المسلمين عليكم بالنورة فإنه طلية وطهور، وإن الله يذهب بها عنكم أوساخكم وأشعاركم).\nوليس في المسند، ولم أقف عليه إلا في الكامل لابن عدي. والله أعلم.\nوأخرج أبو داود في المراسيل (ص: ٣٢٧): حدثنا أبو كامل الفضيل بن الحسين الجحدري، حدثنا عبد الواحد، حدثنا صالح بن صالح، حدثنا أبو معشر، أن رجلًا نور رسول الله ﷺ، فلما بلغ العانة كف الرجل، ونور رسول الله ﷺ نفسه.\nوهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن بين أبي معشر وبين رسول الله ﷺ مفاوز. =","vol":"10","page":174},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٥٢) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١١/ ١٧٥) حدثني سليمان بن سلمة الحمصي، حدثنا بقية، حدثنا سليمان بن ناشرة الألهاني، قال: سمعت محمد بن زياد الألهاني يقول: كان ثوبان جارًا لنا، وكان يدخل الحمام، فقلت له، فقال: كان النبي ﷺ يدخل الحمام، قال: وكان يتنور.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا.\nفيه سليمان بن سلمة الحمصي الخبائري.\nقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبى ولم يحدث عنه، وسألته عنه، فقال: متروك الحديث، لا يشتغل به، فذكرت ذلك لابن الجنيد، فقال: صدق كان يكذب، ولا أحدث عنه بعد هذا. الجرح والتعديل (٤/ ١٢١) رقم ٥٢٩.\nقال النسائي: ليس بشيء. الضعفاء والمتروكين (٢٥٣).\nوله ترجمة مطولة في لسان الميزان (٣/ ٩٣) فارجع إليها إن شئت.\nوسليمان بن ناشرة.\nقال ابن حبان: يعتبر حديثه من غير رواية سليمان بن سلمة عنه. الثقات (٦/ ٣٨١).\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. قال: سليمان بن ناشرة الألهاني، روى عن محمد بن زياد الشامي، روى عنه سليمان بن سلمة الخبائري الذي هو متروك الحديث سمعت أبى يقول ذلك. الجرح والتعديل (٤/ ١٤٧).\nوأما محمد بن زياد الألهاني، فهو ثقة.\nوأخرج الخطيب البغدادي في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ٣٧٤) أخبرنا هلال بن محمد بن جعفر الحفار، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا محمد بن صالح الأنماطي، أخبرنا العباس بن عثمان المعلم، حدثني الوليد، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يتنور في كل شهر، ويقلم أظفاره في كل خمس عشرة.\nهلال بن محمد بن جعفر الحفار، شيخ الخطيب، قال: كتبنا عنه، وكان صدوقًا. تاريخ بغداد (١٤/ ٧٥).\nوإسماعيل بن محمد الصفار، ثقة. لسان الميزان (١/ ٤٣٢).\nومحمد بن صالح الأنماطي. قال الخطيب: كان حافظا متقنا ثقة. تاريخ بغداد (٥/ ٣٥٨).\nوالعباس بن عثمان المعلم، قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ.\nالوليد هو: الوليد بن مسلم.\nثقة قال فيه ابن المديني: ما رأيت من الشاميين مثله، قال الذهبي: كان مدلسًا فيتقى من حديثه ما قال فيه: عن. وفي التقريب: ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية.\nعبد العزيز بن أبي رواد. =","vol":"10","page":175},{"text":"وقد روى أن النبي ﷺ لم يتنور، وهو ضعيف أيضًا.\n(٢١١٤ - ٦٥) فقد روى أبو داود في المراسيل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق، حدثنا عبد الوهاب - يعني ابن عطاء - عن سعيد، عن قتادة أن النبي ﷺ لم يتنور، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان (^١).\n[إسناده حسن لولا أنه مرسل] (^٢).\n(٢١١٥ - ٦٦) وأخرج ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام،\nعن الحسن، قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر لا يطلون (^٣).\n_________\n= وثقه يحيى بن معين والعجلي. وقال النسائي: لا بأس به. تهذيب الكمال (١٨/ ١٣٦).\nقال ابن عدي: في بعض رواياته ما لا يتابع عليه. الكامل (٥/ ٢٩٠).\nوقال أحمد: رجل صالح الحديث، وكان مرجئًا وليس هو في التثبت مثل غيره. المرجع السابق.\nوتكلم ابن حبان في روايته عن نافع، وقال: روى عن نافع أشياء لا يشك من الحديث صناعته إذا سمعها أنها موضوعة، كان يحدث بها توهمًا لا تعمدًا، ومن حدث على الحسبان وروى على التوهم حتى كثر ذلك منه سقط الاحتجاج به وإن كان فاضلًا في نفسه، وكيف يكون التقي في نفسه من كان شديد الصلابة في الإرجاء، كثير البغض لمن انتحل السنن، ثم قال ابن حبان: روى عبد العزيز، عن نافع، عن ابن عمر نسخة موضوعة، لا يحل ذكرها إلا على سبيل الاعتبار منها. المجروحين (٢/ ١٣٦).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٣/ ٦).\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق عابد ربما وهم، ورمي بالإرجاء.\nفالإسناد ضعيف. والمتن منكر، ولو كان هذا من فعل الرسول ﷺ كل شهر لتوافرت الدواعي على نقله بالأحاديث الصحيحة، فعنعنة الوليد، وانفراد ابن أبي رواد عن نافع بهذه السنة المتكررة كل شهر يدل على نكارة المتن، مع ضعف الإسناد.\n(^١) المراسيل (ص: ٣٢٨). ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٥٢)، ورواه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٤١) أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء به.\n(^٢) رجاله ثقات إلا عبد الوهاب بن عطاء فإنه صدوق، وهو من أصحاب سعيد القدماء، وقد روى عنه قبل الاختلاط على الصحيح.\n(^٣) المصنف (١/ ١٠٥) رقم ١١٨٦.","vol":"10","page":176},{"text":"[رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، ومرسلات الحسن من أضعف المراسيل].\n(٢١١٦ - ٦٧) وروى البيهقي، قال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، ثنا أبو علي الرفاء، ثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله الطائي ببغداد، ثنا أبو عمار الحسن بن حارث المروزي (^١)، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، عن أبي حمزة السكري، عن مسلم الملائي،\nعن أنس قال: كان النبي ﷺ لا يتنور، فإذا كثر شعره حلقه.\nقال البيهقي: مسلم الملائي ضعيف في الحديث، فإن كان حفظه فيحتمل أن يكون قتادة أخذه أيضا عن أنس (^٢).\n_________\n(^١) صوابه الحسين بن حريث المروزي، ذكره صاحب الجرح والتعديل في ترجمة على بن الحسن بن شقيق (٦/ ١٨٠).\n(^٢) سنن البيهقي الكبرى (١/ ١٥٢).\nدراسة الإسناد:\nأبو نصر بن قتادة، ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوأبو علي الرفاء، ثقة. انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٨/ ١٧٢ - ١٧٤)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٦، ١٧)\nأبو العباس أحمد بن عبد الله الطائي، له ترجمة في تاريخ بغداد ٤/ ٢٢٠) وسكت عليه، فلم يذكر فيه شيئًا.\nالحسين بن حريث، علي بن حسن بن شقيق، وأبو حمزة السكري محمد بن ميمون كلهم ثقات.\nأبو مسلم الملائي:\nقال البخاري: يتكلمون فيه. التاريخ الكبير (٧/ ٢٧١)، الضعفاء الصغير (٣٤٣).\nوقال في موضع آخر: ضعيف ذاهب الحديث، لا أروي عنه. تهذيب التهذيب (١٠/ ١٢٢).\nقال عمرو بن على: كان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى لا يحدثان عنه، وشعبة وسفيان يحدثان عنه، وهو منكر الحديث جدًا. الجرح والتعديل (٨/ ١٩٢).\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبى عن مسلم الأعور، فقال: يتكلمون فيه، وهو ضعيف الحديث، وسألت أبا زرعة عنه، فقال: كوفى ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان وكيع لا يسميه. قلت: لم؟ قال: لضعفه.\nوقال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٤٤): «حديث أنس أن النبي ﷺ كان لا يتنور، وكان إذا كثر شعره حلقه، سنده ضعيف جدًّا». اهـ","vol":"10","page":177},{"text":"وأما الصحابة ﵃، فقد ورد عن ابن عمر، ويعلى بن مرة الثقفي، وغيرهما.\n(٢١١٧ - ٦٨) روى البخاري في الأدب المفرد، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا سكين بن عبد العزيز بن قيس،\nعن أبيه، قال: دخلت على عبد الله بن عمر وجارية تحلق الشعر وقال: النورة ترق الجلد (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n(٢١١٨ - ٦٩) وروى البيهقي في السنن الكبرى، قال: أخبرناه يحيى بن إبراهيم ابن محمد بن يحيى، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد الليثي،\nعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يطلي فيأمرني أطليه حتى إذا بلغ سفلته وليها هو.\nوبهذا الإسناد قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الله بن عمر، عن نافع،\nأن ابن عمر كان لا يدخل الحمام، وكان يتنور في البيت، ويلبس إزارًا، ويأمرني أطلي ما ظهر منه، ثم يأمرني أن أؤخر عنه فيلي فرجه (^٣).\n_________\n(^١) الأدب المفرد (١٢٩١).\n(^٢) فيه عبد العزيز بن قيس:\nقال أبو حاتم الرازي: مجهول. الجرح والتعديل (٥/ ٣٩٢).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٢٤). وفي التقريب: مقبول: يعني إن توبع.\nورواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٦٦) رقم ١٣٠٦٩، قال: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، ثنا خالد بن خداش، ثنا سكين بن عبد العزيز، عن أبيه قال: دخلت على عبد الله بن عمر، وجارية تحلق عنه الشعر، فقال: إن النورة يرق الجلد.\n(^٣) السنن الكبرى (١/ ١٥٢).","vol":"10","page":178},{"text":"[حسن لغيره، أسامة وعبد الله بن عمر فيهما ضعف ويقوي أحدهما الآخر] (^١).\n_________\n(^١) دراسة الإسناد:\nيحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى: هو أبو زكريا المزكى. ثقة حافظ. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٩٥)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٥٨).\nوأبو العباس: محمد بن يعقوب، هو الأصم، ثقة حافظ، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٥٢)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٦٠).\nوبحر بن نصر الخلاني المصري، قال ابن أبي حاتم: كتبنا عنه بمصر، وهو صدوق ثقة. الجرح والتعديل (٢/ ٤١٩).\nأسامة بن زيد الليثي:\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبى: روى أسامة بن زيد، عن نافع أحاديث مناكير. قلت له: إن أسامة حسن الحديث. فقال: إن تدبرت حديثه، فستعرف النكرة فيها. الجرح والتعديل (٢/ ٢٨٤).\nوقال الأثرم، عن أحمد: ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به. الجرح والتعديل (٢/ ٢٨٤).\nوقال ابن عدي: أسامة بن زيد كما قال يحيى بن معين: ليس بحديثه، ولا برواياته باس، وهو خير من أسامة بن زيد بن أسلم بكثير. الكامل (١/ ٣٩٤).\nوقال عمرو بن علي: حدثنا يحيى بن سعيد بأحاديث أسامة بن زيد، ثم تركه. الضعفاء الكبير للعقيلي (١/ ١٧).\nوقال العجلي: ثقة. معرفة الثقات (١/ ٢١٧).\nقال يحيى بن معين: ثقة كما في رواية الدوري عنه. الجرح والتعديل (٢/ ٢٨٤).\nوقال عثمان الدارمي عنه: ليس به بأس. تهذيب التهذيب (١/ ١٨٣).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوقال الآجري، عن أبي داود: صالح إلا أن يحيى يعني ابن سعيد أمسك عنه بآخرة. المرجع السابق.\nوذكره ابن المديني في الطبقة الخامسة من أصحاب نافع. المرجع السابق.\nوقال الحاكم في المدخل: روى له مسلم واستدللت بكثرة روايته له على أنه عنده صحيح الكتاب، على أن أكثر تلك الأحاديث مستشهد بها، أو هو مقرون في الإسناد. المرجع السابق.\nوقال ابن القطان الفاسي: لم يحتج به مسلم، إنما أخرج له استشهادًا. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق يهم. ...\nوأما عبد الله بن عمر:\nقال عمرو بن على: كان يحيى لا يحدث عن عبد الله بن عمر وكان عبد الرحمن يحدث عنه. الجرح والتعديل (٥/ ١٠٩).\nقال أحمد بن حنبل: صالح لا بأس به قد روي عنه، ولكن ليس مثل عبيد الله. المرجع السابق.\nوقال يحيى بن معين، صويلح. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به. المرجع السابق.\nوقال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه. التاريخ الكبير (٥/ ١٤٥)، والضعفاء الصغير (١٨٨).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (٣٢٥).\nوفي التقريب: ضعيف.","vol":"10","page":179},{"text":"(٢١١٩ - ٧٠) أما ما ورد عن يعلى بن مرة، فقد روى الطبراني في المعجم الكبير، قال: حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، ثنا محمد بن المنهال - أخو حجاج - ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، حدثني عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي،\nعن أبيه، قال: أطليت يومًا، ثم تخلقت، فأتيت النبي ﷺ، فناولته يدي، فقلت: يا رسول الله صل علي، فقال: ما هذا الذي على يدك؟ فقلت: إني تنورت، ثم تخلقت، فقال: ألك امرأة؟ قلت: لا. قال: ألك سرية؟ قلت: لا. قال: فانطلق فاغسله، ثم اغسله ثلاث مرات (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الكبير (٢٢/ ٢٦٦) رقم ٦٨١.\n(^٢) فيه عبد الرحمن بن إسحاق: أبو شيبة الواسطي.\nقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل، عن أبى شيبة الواسطي عبد الرحمن بن إسحاق؟ فقال: ليس بشيء، منكر الحديث. الجرح والتعديل (٥/ ٢١٣).\nوقال يحيى بن معين: ضعيف، ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به. المرجع السابق.\nوقال أيضًا: سئل أبو زرعة عن عبد الرحمن بن إسحاق الذي يروي عنه ابن أبى زائدة وأبو معاوية، فقال: ليس بقوي. المرجع السابق. ...\nوقال البخاري: فيه نظر. التاريخ الكبير (٥/ ٢٥٩).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٣٥٨).\nوفي التقريب: ضعيف.\nوفيه أيضًا: عبد الله بن يعلى بن مرة:\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٥/ ٢٠٤).\nوقال ابن حبان: لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد لكثرة المناكير في روايته، على أن ابنه واه أيضًا، فلست أدري البلية فيها منه، أو من ابنه. المجروحين (٢/ ٢٥).\nوقال العقيلي: حدثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري، قال: عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفى فيما روى ابنه عمر عنه فيه نظر، وروى عبد الرحمن بن إسحاق عنه فيه نظر. الضعفاء الكبير (٢/ ٣١٨).","vol":"10","page":180},{"text":"فالراجح أنه لم يثبت عن شيء عن الرسول ﷺ أنه تنور، ولكن ابن عمر لا يبعد أن يكون قد تنور بعد وفاة الرسول ﷺ.\nوالنورة وإن كانت جائزة إلا أنها لا تخلو من مواد كيماوية قد تؤثر على الجلد، وبعض الناس يكون لديه حساسية منه، فيتضرر من استعماله، فالأفضل في إزالة شعر العانة ما أرشد الرسول ﷺ إليه وهو الحلق، والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4595>الباب الثالث في تقليم الأظفار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4596>تمهيد: وفيه مبحثان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4597>المبحث الأول تعريف تقليم الأظفار</span>\nتعريف تقليم الأظفار:\nقلم: من باب ضرب. يقال:\nقَلَمَ الظفر والحافر والعود: يَقْلِمه قَلْمًا، وقَلَّمَه تقليمًا.\nوقلمت الظفر: إذا أخذت ما طال منه، فالقلم أخذ الظفر.\nوقلَّم أظفاره: شدد للكثرة.\nوالقُلامة بالضم: ما سقط منها. وقيل: ما قطع منها.\nوالأظفار: جاء في لسان العرب جمع: ومفرده: ظُفْر وظُفُر. ويجمع على أظفار وأُظْفور، وأظافير.\nويكون للإنسان وغيره.\nوأما قراءة من قرأ: كل ذي ظِفْر بالكسر، فشاذ غير مأنوس به، إذ لا يعرف ظِفر بالكسر.\nوقالوا: الظفر لما لا يصيد. والمخلب لما يصيد. وكله مذكر، صرح به اللحياني.\n* * *","vol":"10","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4598>المبحث الثاني تقليم الأظفار من سنن الفطرة</span>\n[م-٨٤٤] جاءت نصوص صحيحة صريحة بأن تقليم الأظفار من سنن الفطرة، من ذلك:\n(٢١٢٠ - ٧١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (^١).\nالحديث الثاني:\n(٢١٢١ - ٧٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد ابن أبي رجاء، حدثنا إسحاق ابن سليمان، قال: سمعت حنظلة، عن نافع،\nعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^٢).\nالدليل الثالث:\n(٢١٢٢ - ٧٣) ما رواه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا وكيع عن زكرياء بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٨٩٠)، ومسلم (٢٥٩).","vol":"10","page":183},{"text":"عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،\nعن عائشة قالت: قال ﷺ: عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.\nزاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء.\n[المحفوظ أنه من قول طلق] (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦١)، وانظر تخريجه، انظر (٢٠٥٨).","vol":"10","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4599>الفصل الأول\nفي حكم تقليم الأظفار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• سنن الفطرة تتعلق بالنظافة، وتركها مناف للفطرة، وللكرامة الآدمية.\n• كل طهارة لم تكن عن حدث، ولا عن خبث فالأصل فيها الاستحباب، والتوقيت في تركها أربعين يومًا مشعر بالوجوب؛ لأنه حد ما بين الجائز والممنوع وقد يقال: الممنوع يشمل المحرم والمكروه.\n• قول الصحابي وقت لنا، كقوله: أمرنا أو نهينا مرفوع حكمًا.\n[م-٨٤٥] الخلاف فيها كالخلاف في الاستحداد، وقد سقنا الخلاف فيها في ما سبق، والأئمة الأربعة يرون استحباب قص الأظفار (^١).\nأما ابن العربي والشوكاني فيريان وجوب إزالتهما (^٢).\nوقد ذكرنا دليل كل قول في مسألة الخلاف في الاستحداد، فارجع إليها غير مأمور.\n_________\n(^١) وانظرفي مذهب الحنفية الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٧)، مجمع الأنهر (٢/ ٥٥٦)، وفي مذهب الشافعية انظر المجموع (١/ ٣٩٣)، طرح التثريب (٢/ ٧٧)، تحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥)، مغني المحتاج (٦/ ١٤٥)، معالم القربة في طلب الحسبة (ص: ١٩٩)، حاشية الجمل (٥/ ٢٦٧)، وفي مذهب الحنابلة انظر المغني (١/ ٦٤)، الآداب الشرعية والمنح المرعية (٣/ ٣٣٠)، كشاف القناع (١/ ٧٥)، غذاء الألباب شرح منظومة الآداب (١/ ٤٣٧)، مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى (١/ ٨٦).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ١٦٩).","vol":"10","page":185},{"text":"قال النووي: «وأما تقليم الأظفار فمجمع على أنه سنة، وسواء فيه الرجل والمرأة، واليدان والرجلان ... إلخ كلامه ﵀ (^١).\nوالصحيح أن الخلاف في وجوب التقليم محفوظ، والقول بأن تقليم الأظفار سنة مطلقًا حتى ولو فحشت، ليس بالقوي، فإن ترك الأظفار حتى تطول فيه من القبح والتوحش وشناعة الصورة، ومخالفة الآدمية ما فيه، كما أنه قد يتعلق بتركها تقصير في تحصيل الطهارة الشرعية.\nقال ابن دقيق العيد:\nوفي ذلك - يعني: تقليم الأظفار - معنيان:\nأحدهما: تحسين الهيئة، والزينة، وإزالة القباحة من طول الأظفار.\nوالثاني: أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه، لما عساه قد يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة، وهذا على قسمين:\nأحدهما: ألا يخرج طولها عن العادة خروجًا بينًا، وهذا الذي أشرنا إلى أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه، فإنه إذا لم يخرج طولها على العادة يعفى عما يتعلق بها من يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد فما يتعلق بها من الأوساخ مانع من حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث الإشارة إلى هذا (^٢). اهـ\n(٢١٢٣ - ٧٤) وأما ما رواه أحمد، قال: ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة، ثنا يزيد بن عمرو المعافري،\nعن رجل من بنى غفار، أن رسول الله ﷺ قال: من لم يحلق عانته، ويقلم أظفاره، ويجز شاربه فليس منا (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٩٣).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ١٢٤، ١٢٥).\n(^٣) مسند أحمد (٥/ ٤١٠).","vol":"10","page":186},{"text":"[إسناده ضعيف] (^١).\nقال العراقي بعد أن ساق هذا الحديث: «رواه أحمد في مسنده، وهذا يدل على وجوب ذلك، والجواب عنه من وجهين:\nأحدهما: أن هذا لا يثبت؛ لأن في إسناده ابن لهيعة، والكلام فيه معروف، وإنما يثبت منه الأخذ من الشارب فقط، كما رواه الترمذي وصححه، والنسائي من حديث زيد بن أرقم (^٢)، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا).\nوالثاني: أن المراد على تقدير ثبوته ليس على سنتنا وطريقتنا، لقوله ﷺ: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) (^٣).\nقد يقال: إذا ثبت في الشارب، ثبت في بقية خصال الفطرة، ولا فرق، وأن قوله: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) مثله كقوله ﷺ لصاحب الصبرة من الطعام: (من غش فليس مني) فكما أن الغش حرام، فكذلك ترك الشارب وباقي سنن الفطرة.\n(٢١٢٤ - ٧٥) والحديث رواه مسلم، قال: حدثني يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر جميعًا، عن إسماعيل بن جعفر - قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل - قال: أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال:\n_________\n(^١) انفرد به الإمام أحمد، وفيه علتان:\nأحدهما: في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.\nالثاني: الغفاري لم يسم، وليس فيه ما يدل على أنه صحابي. وانظر إتحاف المهرة (٢١١٦١)، والمسند الجامع (١٥٦٥١).\n(^٢) سبق الكلام على تخريجه، والكلام على دلالته.\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٨٢).","vol":"10","page":187},{"text":"أفلا جعلته فوق الطعام، كي يراه الناس من غش فليس مني (^١).\nوقد يقال: يختلف الشارب عن العانة والإبط، فإن الشارب ينزل على الشفة، ويتقذر منه الناس، بخلاف غيره.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٠٢).","vol":"10","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4600>المبحث الأول في إجبار أحد الزوجين الآخر على تقليم أظفاره</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كل ما يمنع من كمال استمتاع الزوج بزوجه كترك التنظف فللزوج أن يجبر زوجته على القيام به؛ ولهن مثل الذي عليهن.\n• حق الزوج على الزوجة أن تطيعه في كل أمر مباح يأمرها به، فكيف إذا أمرها بما هو مشروع.\n• للزوج أن يمنع زوجته من التزين بما يتأذى بريحه، كأن يتأذى برائحة الحناء المخضب، فإزالة التفث من باب أولى.\nوقيل:\n• الوطء لا يقف على تقليم الأظفار، فلا يملك الزوج إجبار زوجته عليه.\n• الأظفار إذا لم تطل إلى حد تعافها النفوس لم يجبرها الزوج على أخذها.\n[م-٨٤٦] إذا قيل بأن تقليم الأظفار سنة، فهل لأحد الزوجين إجبار زوجه على تقليم الأظفار إذا طالت:\nفيه قولان، هما وجهان في مذهب الحنابلة.","vol":"10","page":189},{"text":"الأول: للزوج إجبار زوجته على ذلك، وهو رأي الشافعي (^١).\nوالثاني: ليس له إجبارها.\nوالصحيح الأول:\nقال المرداوي في تصحيح الفروع: فيه وجهان:\nأحدهما: له إجبارها، وهو الصحيح في التصحيح، وقطع به في الوجيز والحاوي الصغير، وقدمه في الرعايتين.\nوالوجه الثاني: ليس له إجبارها على أخذ ذلك. وقال في الرعاية الكبرى: وقيل: إن طال الشعر والظفر وجب إزالتهما، وإلا فلا (^٢).\nوالراجح أن تقليم الأظفار من النظافة المأمور بها كل من الزوجين، وكما قلنا في الاستحداد في قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ) [البقرة: ٢٢٨].\n* * *\n_________\n(^١) قال الشافعي في الأم (٥/ ٨): «وله - أي للزوج - عندي أن يجبرها على الغسل من الجنابة، وعلى النظافة والاستحداد وأخذ الأظفار والتنظف بالماء من غير جنابة».اهـ وانظر تحفة المحتاج (٧/ ٣٢٥).\n(^٢) تصحيح الفروع المطبوع من الفروع (٥/ ٣٢٧)، الإنصاف (٨/ ٣٥٢).","vol":"10","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4601>المبحث الثاني في توفير الأظفار في الحرب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الاستحباب حكم شرعي يقوم على دليل شرعي.\n[م-٨٤٧] استحسن الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢)، توفير الأظفار في الحرب والسفر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4602> دليلهم على هذا الاستحسان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4603>الدليل الأول:</span>\n(٢١٢٥ - ٧٦) ما رواه مسدد كما في المطالب العالية، قال: حدثنا عيسى - هو\nابن يونس - عن أبي بكر بن أبي مريم،\nعن أشياخه، قال: إن عمر ﵁ قال: وفروا أظفاركم في أرض العدو؛ فإنها سلاح (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) البحر الرائق (٥/ ٨٢)، وانظر الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٧). حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٥).\n(^٢) انظر الفروع (١/ ١٣٠)، كشاف القناع (١/ ٧٦).\n(^٣) المطالب العالية (٢٠١٢).\n(^٤) فيه علتان:\nالأولى: ضعف أبي بكر بن أبي مريم.\nضعفه يحيى بن معين، وأبو حاتم.\nوقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ليس بالقوي.\nوقال عيسى بن يونس: لو أردت أبا بكر بن أبي مريم أن يجمع لي فلانًا وفلانًا لفعل. ...\nوقال أحمد: ضعيف، وكان عيسى لا يرضاه.\nوالثانية: الإبهام في الإسناد.\nوالأثر رواه ابن أبي شيبة كما في مشاريع الأشواق (١/ ٤٩٩) عن عيسى بن يونس به. ولم أقف عليه في المطبوع.","vol":"10","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4604>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٢٦ - ٧٧) قال أبو بكر الجصاص، حدثنا عبد الباقي، قال: حدثنا جعفر بن أبي القتيل، قال: حدثنا يحيى بن جعفر، قال: حدثنا كثير بن هشام، قال: حدثنا عيسى ابن إبراهيم،\nعن الحكم بن عمير الثمالي، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نحفي الأظفار في الجهاد، وقال: إن القوة في الأظفار (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ١٠٢).\n(^٢) فيه عبد الباقي، قال فيه البرقاني: في حديثه نكرة، وأما البغداديون فيوثقونه، وهو عندنا ضعيف. فتعقبه الخطيب، فقال: لا أدري لأي شيء ضعفه البرقاني، وقد كان عبد الباقي من أهل العلم والدراية والفهم، ورأيت عامة شيوخنا يوثقونه، وقد كان تغير في آخر عمره، حدثني الأزهري، عن أبي الحسن بن الفرات، قال: كان عبد الباقي بن قانع قد حدث به اختلاط قبل أن يموت بمدة نحو سنتين، فتركنا السماع منه، وسمع منه قوم في اختلاطه. تاريخ بغداد (١١/ ٨٨).\nوقال الدارقطني: كان يحفظ، ولكنه يخطئ ويصر. المرجع السابق.\nوقال ابن حزم: اختلط ابن قانع قبل موته بسنة، وهو منكر الحديث تركه أصحاب الحديث جملة. فتعقبه الحافظ ابن حجر، فقال: ما أعلم أحدًا تركه، وإنما صح أنه اختلط فتجنبوه. وقال ابن حزم أيضًا: ابن سفيان في المالكيين نظير ابن قانع في الحنفيين، وجد في حديثهما الكذب البحت، والبلاء المبين، والوضع اللائح، فإما تغييرًا وإما حملًا عمن لا خير فيه من كذاب ومغفل يقبل التلقين، وأما الثالثة وهي أن تكون البلاء من قبلهما وهي ثالثة الأثافي نسأل الله السلامة. لسان الميزان (٣/ ٣٨٣).\nوقال أبو بكر بن عبدان: ابن قانع لا يدخل في الصحيح. المرجع السابق. ...\nوفي إسناده جعفر بن أبي القتيل: لم أقف عليه.\nوفيه أيضًا: عيسى بن إبراهيم. لم أقف على روايته عن الحكم بن عمير مباشرة، بل يروي عنه بواسطة على ضعفه. فقد روى ابن عدي في الكامل جملة من أحاديثه، عن الحكم بن عمير، وبينه وبين الحكم راو. انظر الكامل (٥/ ٢٥٠). وقد جاء في ترجمته ما يلي:\nقال البخاري: عيسى بن إبراهيم الهاشمي، عن جعفر بن برقان، روى عنه كثير بن هشام، منكر الحديث. التاريخ الكبير (٦/ ٤٠٧).\nوقال النسائي: مثله. الضعفاء والمتروكين (٤٢٦).\nعباس بن محمد الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول عيسى بن إبراهيم الذي يروى عنه بقية وكثير بن هشام ليس بشيء. الجرح والتعديل (٦/ ٢٧١).\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبى عن عيسى بن إبراهيم، فقال: متروك الحديث. المرجع السابق.","vol":"10","page":192},{"text":"وقال ابن قدامة في المغني: قال أحمد: قال عمر: وفروا الأظفار في أرض العدو، فإنه سلاح. قال أحمد: يحتاج إليها في أرض العدو، ألا ترى أنه إذا أراد أن يحل الحبل أو الشيء، فإذا لم يكن له أظفار لم يستطع (^١).\nوذكر ابن نجيم علة أخرى، فقال: «ويندب للمجاهد في دار الحرب توفير الأظفار، وإن كان قصها من الفطرة؛ لأنه إذا سقط السلاح من يده، ودنا منه العدو، ربما يتمكن من دفعه بأظافيره» (^٢).\nقال في الآداب الشرعية بعد أن ذكر أنه يسن ألا يحيف على الأظفار في الغزو والسفر، وذكر أثر عمر، وكلام أحمد، قال: وفي معناه السفر. يعني: إذا استحب هذا في الجهاد، فالسفر يستحب له أيضًا، لأنه بمعناه.\nقلت: أما استحسان مثل هذا فلا بأس، بشرطين:\nأحدهما: ألا يتجاوز به المقدار الذي حدده الشرع، وهو أربعين يومًا.\n_________\n(^١) المغني (٩/ ١٦٧).\n(^٢) البحر الرائق (٥/ ٨٢).","vol":"10","page":193},{"text":"الشرط الثاني: ألا يعتقد سنيته، فالتعبير بالسنية ينبغي أن يقتصر فيه على ما ورد فيه دليل شرعي، من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس صحيح، أو قول صحابي لا يعلم له مخالف؛ لأن التعبير بالسنية حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي. والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4605>الفصل الثاني\nفي استحباب تقليم الأظفار في يوم معين</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تقليم الأظفار معتبر بطولها، فمتى طالت قلمها، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال.\n• إذا أمرنا بشيء، ولم نؤمر بصفته، كانت الصفة إلى الفاعل.\n• استحباب صفة في العبادة كاستحباب أصلها يحتاج إلى توقيف.\n• لم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث.\n[م-٨٤٨] اختلف العلماء، هل يستحب في تقليم الأظفار صفة معينة.\nفقيل: يستحب تقليم الأظفار كل جمعة، وهو مذهب الحنفية (^١)، ومذهب المالكية (^٢)، وقول في مذهب الحنابلة، إلا أن الحنفية استحبوا أن يكون ذلك بعد صلاة\n_________\n(^١) درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣٢٢)، الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٨)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (٢/ ٥٥٦)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٦).\n(^٢) قال في الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٦): «قص الأظفار سنة للرجل والمرأة إلا في زمن الإحرام، وأقل زمن قصه الجمعة لطلبه كل يوم جمعة». اهـ\nوقال في حاشية العدوي (٢/ ٥٧٩): «وليس للقص - يعني: قص الأظفار - ولا لغيره من أنواع الفطرة حد إلا بقدر ما يرى، إلا أنه ينبغي أن يكون من الجمعة إلى مثلها، كما يفيده التحقيق، وظاهره كظاهر ت، حيث قال: وينبغي أن يكون من يوم الجمعة إلى مثله، خصوص يوم الجمعة. قال ابن ناجي: وما يعتقده العوام عندنا من التحرج يوم الأربعاء، فلا يعول عليه». اهـ\nوقال في كفاية الطالب (٢/ ٥٧٩): «قص الأظفار للرجال والنساء، وينبغي أن يكون من الجمعة للجمعة، ولا حد في البداءة في قص الأظفار». اهـ","vol":"10","page":195},{"text":"الجمعة (^١)، وأما الحنابلة فاستحبوا أن يكون ذلك قبل الزوال: أي قبل الصلاة (^٢).\nوقيل: كل خميس، وهو قول أيضًا في مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: يخير، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٤).\nقال النووي: إن التوقيب في تقليم الأظفار معتبر بطولها، فمتى طالت قلمها، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال.\nوأخرج عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، أنه كان يقلم أظفاره يوم الخميس، فقيل له غدًا يوم الجمعة، فقال: إن السنة لا تؤخر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4606> دليل من قال يستحب التقليم يوم الجمعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4607>الدليل الأول:</span>\n(٢١٢٧ - ٧٨) روى الطبراني في الأوسط، من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري، قال: حدثنا إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة، قبل أن يروح إلى الصلاة (^٥).\n[ضعيف] (^٦).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٦).\n(^٢) الفروع (١/ ١٣٠)، الإنصاف (١/ ١٢٢)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٨٦، ٨٧)\n(^٣) انظر المصادر السابقة.\n(^٤) الفروع (١/ ١٣٠) الإنصاف (١/ ١٢٢) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٨٦، ٨٧).\n(^٥) المعجم الأوسط (٨٤٦).\n(^٦) الحديث مداره على عتيق بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة.\nوعتيق بن يعقوب: ...\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه، وقال: سمعت أبا زرعة يقول: بلغني أن عتيق بن يعقوب حفظ الموطأ في حياة مالك. الجرح والتعديل (٦/ ٤٦).\nوقال ابن سعد: .... لم يزل عتيق من خيار المسلمين. الطبقات الكبرى (٥/ ٤٣٩)، ووثقه الدارقطني. لسان الميزان (٤/ ١٢٩)، وابن حبان الثقات (٨/ ٥٢٧).\nوإبراهيم بن قدامة.\nذكره ابن حبان في الثقات. (٨/ ٥٩).\nوقال ابن القطان والذهبي: لا يعرف. الميزان (١/ ٥٣)، لسان الميزان (١/ ٩٢).\nوقال البزار: ليس بحجة. كشف الأستار (١/ ٢٩٩).\nومع ضعف إسناده، فقد اختلف على عتيق بن يعقوب.\nفرواه أحمد بن يحيى الحلواني، كما في الأوسط للطبراني، والعباس بن أبي طالب، كما في كشف الأستار (١/ ٢٩٩)، كلاهما عن عتيق بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nورواه بهلول الأنباري، كما في أخلاق النبي ﷺ وآدابه، لأبي الشيخ الأصبهاني (٨٠٩) عن عتيق، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر أن رسول الله ﷺ كان يقص شاربه ويأخذ من أظفاره قبل أن يروح إلى صلاة الجمعة. فأرسله. وأظن أن هذا التخليط من إبراهيم بن قدامة. والله أعلم.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٠): «رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن قدامة. قال البزار: ليس بحجة إذا تفرد، وقد تفرد بهذا. وذكره ابن حبان في الثقات».اهـ\nوضعفه الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٤٦) قال: «وأقرب ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقي من مرسل جعفر الباقر، قال: كان رسول الله ﷺ يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة، وله شاهد موصول من حديث أبي هريرة، لكن سنده ضعيف». اهـ","vol":"10","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4608>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٢٨ - ٧٩) روى أبو الشيخ من طريق محمد بن القاسم الأسدي، أخبرنا محمد بن سليمان المشمولي، أخبرنا عبيد الله بن سلمة بن وهرام، عن أبيه،\nعن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ كان يأخذ شاربه وأظفاره كل جمعة (^١).\n_________\n(^١) أخلاق النبي ﷺ وآدابه (٨١٠).","vol":"10","page":197},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4609>الدليل الثالث:</span>\n(٢١٢٩ - ٨٠) روى أبو الشيخ، قال: حدثنا عبد الرحمن بن داود بن منصور، أخبرنا عثمان بن خرزاذ، أخبرنا العباس بن عثمان الراهبي، أخبرنا الوليد بن مسلم،\n_________\n(^١) فيه ثلاث علل:\nالعلة الأولى: في إسناده محمد بن القاسم.\nقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٥٤٥).\nوقال أحمد بن حنبل: يكذب أحاديثه أحاديث سوء موضوعة، ليس بشيء. الضعفاء الكبير (٤/ ١٢٦).\nوقال الآجري، عن أبي داود: غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة. تهذيب التهذيب (٩/ ٣٦١).\nوقال الدارقطني: كذاب. المرجع السابق.\nالعلة الثانية: محمد بن سليمان بن مشمول وقيل: مسمول.\nقال أبو حاتم الرازي: ليس بالقوي ضعيف الحديث كان الحميدي يتكلم فيه. الجرح والتعديل (٧/ ٢٦٧).\nوقال النسائي: ضعيف مكي. الضعفاء والمتروكين (٥١٧).\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه في إسناده ولا متنه. الكامل (٦/ ٢٠٧).\nوذكره العقيلي والساجي والدولابي وابن الجارود في الضعفاء، وقال ابن حزم: منكر الحديث. لسان الميزان (٥/ ١٨٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٣٩).\nذكره ابن شاهين في الثقات، وزعم أن يحيى بن معين وثقه. المرجع السابق.\nوفيه أيضًا عبيد الله بن سلمة بن وهرام.\nقال الذهبي: روى الكتاني عن أبي حاتم تليينه. ميزان الاعتدال (٣/ ٩).\nوقال ابن المديني لا أعرفه. الجرح والتعديل (٥/ ٣١٨).\nوقال الأزدي: منكر الحديث. لسان الميزان (٤/ ١٠٥).\nالعلة الثالثة: سلمة بن وهرام، مع كونه اختلف فيه. فلم أقف على سماعه من عبد الله بن عمرو. وفي التقريب: صدوق من السادسة، ومعنى ذلك أنه لم يلق أحدًا من الصحابة، فيكون الإسناد فيه انقطاع.","vol":"10","page":198},{"text":"عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يقص أظفاره يوم الجمعة (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4610>الدليل الرابع:</span>\n(٢١٣٠ - ٨١) روى أبو الشيخ، قال: علي بن الحسين الدوري، نا أبو مصعب، حدثني إبراهيم بن قدامة، عن عبد الله بن محمد بن حاطب، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان يأخذ من شاربه، أو ظفره يوم الجمعة (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) أخلاق النبي ﷺ وآدابه (٤/ ١٠٧) رقم ٨١١.\n(^٢) في إسناده الوليد بن مسلم، وهو ثقة، إلا أنه مدلس، وقد عنعن.\nوفيه عبد العزيز بن أبي رواد، مختلف فيه. وقد سبق أن نقلت كلام أهل الجرح والتعديل عنه في مسألة هل ثبت أن النبي ﷺ تنور؟ فارجع إليه غير مأمور.\n(^٣) أخلاق النبي ﷺ وآدابه (٤/ ١٠٩) رقم ٨١٢.\n(^٤) إسناده ضعيف فيه ثلاث علل:\nالأولى: شيخ الطبراني لم أقف له على ترجمة، فهو مجهول.\nالثانية: فيه إبراهيم بن قدامة، وقد سبقت ترجمته قبل قليل.\nالثالثة: الانقطاع، عبد الله بن محمد بن حاطب، من أتباع التابعين، لم يدرك الصحابة.\nوعبد الله هذا هو عبد الله بن الحارث بن محمد بن حاطب، ونسب إلى جده، وهو لم يدرك جده (الصحابي)؛ لأن عبد الله من الطبقة الثامنة، أي من طبقة أتباع التابعين. فيكون الإسناد منقطعًا.\nونسبه في تهذيب الكمال: عبد الله بن الحارث بن محمد بن عمر بن محمد بن حاطب، فيكون بينه وبين محمد بن حاطب مفاوز.\nوالموجود في الجرح والتعديل (٥/ ٣٣) والتاريخ الكبير (٥/ ٦٧) والثقات لابن حبان (٨/ ٣٣٠): عبد الله بن الحارث بن محمد بن حاطب.\nوقد روى الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٢٣٩)، قال: حدثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، ثنا عبد الله بن الحارث بن محمد بن حاطب الجمحي، عن أبيه،\nعن جده محمد بن حاطب، قال: لما قدمت بي أمي من أرض الحبشة حين مات حاطب، فجاءت\nالنبي ﷺ، وقد أصابت إحدى يدي حريق من نار، فقالت: يا رسول الله هذا محمد بن حاطب، وقد أصابه هذا الحرق من النار. قال محمد بن حاطب: فلا أكذب على رسول الله ﷺ فلا أدري أنفث أو مسح على رأسي، ودعا في بالبركة وفي ذريتي.\nقال الهميثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٥): «الحارث بن محمد بن حاطب لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات».اهـ\nوهذا توثيق من الهيثمي لعبد الله بن الحارث، والإسناد صريح أن عبد الله بن الحارث بن محمد ابن حاطب الصحابي. وليس فيه محمد بن عمر. وأيًا كان، فالإسناد منقطع، سواء كان إسناده عبد الله بن الحارث بن محمد بن حاطب. أو عبد الله بن الحارث بن محمد بن عمر بن محمد بن حاطب.\nعلى أن عمر بن محمد بن حاطب له ذكر في الجرج والتعديل (٦/ ١٢٧)، والتاريخ الكبير (٦/ ١٨٣)، والثقات لابن حبان (٥/ ١٥١) فليتأمل.\nوقد قال الحافظ في التهذيب: «لم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم ومن تبعهما في نسبه محمد بن عمر، بل قالوا: عبد الله بن الحارث بن محمد بن حاطب، وفي الطبراني الكبير من طريقه، عن أبيه، عن جده محمد بن حاطب قال: لما قدمت بي أمي ... وذكر الحديث الذي سقته قبل قليل. اهـ تهذيب التهذيب (٥/ ١٥٧).","vol":"10","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4611>الدليل الخامس:</span>\n(٢١٣١ - ٨٢) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق أحمد بن ثابت فرخويه الرازي، قال: حدثنا العلاء بن هلال الرقي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة،\nعن عائشة، قال: قال رسول الله ﷺ: من قلم أظفاره يوم الجمعة وقي من السوء مثلها (^١).\n[موضوع] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٥/ ٨٥) رقم ٤٧٤٦.\n(^٢) فيه أحمد بن ثابت بن عتاب الرازي فرخويه.\nقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا العباس بن أبي عبد الله الطهراني، يقول: كانوا لا يشكون أن فرخويه كذاب. الجرح والتعديل (٢/ ٤٤).\nوفيه العلاء بن هلال بن عمر الباهلي: ...\nقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث، ضعيف الحديث، عنده عن يزيد بن زريع أحاديث موضوعة. الجرح والتعديل (٦/ ٣٦١).\nوقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد، ويغير الأسماء، لا يجوز الاحتجاج به بحال. روى عن يزيد بن زريع، عن أيوب، عن ابن مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: من قلم أظفاره يوم الجمعة عافاه الله من السوء كله إلى يوم الجمعة الأخرى، رواه المنكدر عن هلال بن العلاء عن أبيه. المجروحين (٢/ ١٨٤).\nوقال النسائي: هلال بن العلاء روى عن أبيه غير حديث منكر، فلا أدري منه أتى أو من أبيه. تهذيب التهذيب (٨/ ١٧٢).\nوقال الخطيب: في بعض حديثه نكرة. المرجع السابق.","vol":"10","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4612>الدليل السادس:</span>\n(٢١٣٢ - ٨٣) ما رواه أبو نعيم في أخبار أصبهان، من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء،\nعن ابن عباس مرفوعًا: من قلم أظافيره يوم الجمعة قبل الصلاة أخرج الله منه كل داء، وأدخل مكانه الشفاء والرحمة (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4613>الدليل السابع:</span>\n(٢١٣٣ - ٨٤) وروى البيهقي في السنن الكبرى، قال: أخبرنا أبو بكر بن الحسن وأبو زكريا بن أبي إسحاق، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، هو الأصم، ثنا بحر ابن نصر، قال: قرئ على ابن وهب، أخبرك حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن\n_________\n(^١) أخبار أصبهان (١/ ٢٤٧).\n(^٢) فيه طلحة بن عمرو، وهو متهم.\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن طلحة بن عمرو، فقال: لا شيء، متروك الحديث. الجرح والتعديل (٤/ ٤٧٨).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٣١٦).\nوفي التقريب: متروك.","vol":"10","page":201},{"text":"بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نافع،\nأن عبد الله بن عمر كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه في كل جمعة (^١).\n[صحيح] (^٢).\n(٢١٣٤ - ٨٥) وهو أصح مما رواه البخاري في الأدب المفرد، قال: حدثنا محمد ابن عبد العزيز قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثني ابن أبي رواد قال أخبرني نافع،\nأن ابن عمر كان يقلم أظافيره في كل خمس عشرة ليلة ويستحد في كل شهر (^٣).\n• ويناقش:\nقد لا يكون اختيار ابن عمر ﵄ للجمعة تعبدًا، وإنما لأن الإنسان مأمور يوم الجمعة بالاغتسال والتنظف والتطيب والتسوك لحضور الجمعة، فيحصل منه تقليم الأظافر اتفاقًا، لا بقصد التعبد بذلك يوم الجمعة، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4614> دليل من قال: يستحب تقليم الأظفار يوم الخميس:</span>\nقال الحافظ في الفتح: «لم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث، وقد أخرجه جعفر المستغفري بسند مجهول، ورويناه في مسلسلات التيمي من طريقه».اهـ (^٤).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (٣/ ٢٤٤).\n(^٢) رجاله ثقات. أبو بكر بن الحسن: هو أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ثقة، غزير العلم أكثر عنه البيهقي. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٥٦، ٣٥٨).\nوأبو زكريا بن أبي إسحاق هو المزكي، والأصم، كلاهما ثقة، وبقية رجال الإسناد ثقات.\n(^٣) الأدب المفرد (١٢٥٨).\nففي إسناده شيخ البخاري محمد بن عبد العزيز الرملي الواسطي،\nقال الحافظ في مقدمة فتح الباري (ص: ٤٤١): وثقه العجلي.\nوقال يعقوب بن سفيان: كان حافظًا. وقال أبو حاتم: هو إلى الضعف ما هو.\nوقال ابن حبان: ربما خالف. أخرج له البخاري في صحيحه حديثين في الشواهد، ولم يحتج به. كما أن في إسناده ابن أبي رواد، مختلف فيه، وقد سبقت ترجمته.\n(^٤) فتح الباري (١٠/ ٣٤٦).","vol":"10","page":202},{"text":"(٢١٣٥ - ٨٦) وأخرج الديلمي في مسند الفردوس،\nعن أبي هريرة: من أراد أن يأمن من الفقر، وشكاية العمى، والبرص، والجنون، فليقلم أظفاره يوم الخميس بعد العصر (^١).\nلا أعلم له أصلًا.\n(٢١٣٦ - ٨٧) وروى ابن الجوزي في الموضوعات من من طريق هناد بن إبراهيم، قال: أنبأنا إسماعيل بن محمد بن علي البخاري، قال: حدثنا محمد بن نصر بن خلف، قال: حدثنا سيف بن حفص السمرقندي، قال: حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا الحسن بن شبل، قال: أنبأنا الفضل بن خالد النحوي، عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم، عن عطاء،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: من قلم أظفاره يوم السبت خرج منه الداء، ودخل فيه الشفاء، ومن قلم أظفاره يوم الأحد خرجت منه الفاقة، ودخل فيه الغنى، ومن قلمها يوم الاثنين خرجت منه العلة، ودخلت فيه الصحة، ومن قلمها يوم الثلاثاء خرج منه البرص، ودخل فيه العافية، ومن قلمها يوم الأربعاء خرج منه الوسواس والخوف، ودخل فيه الأمن والصحة، ومن قلمها يوم الخميس خرج منه الجذام، ودخلت فيه العافية، ومن قلمها يوم الجمعة دخلت فيه الرحمة، وخرجت منه الذنوب (^٢).\nوهو حديث موضوع. قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ وهو من أقبح الموضوعات وأبردها، وفيه مجهولون وضعفاء، ففي أوله هناد لا يوثق به، وفي أخره نوح، قال يحيى: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه، وقال السعدي:\n_________\n(^١) الفردوس بمأثور الخطاب (٥٨٦٥).\n(^٢) الموضوعات لابن الجوزي (١٤٥١) ونسبه صاحب كشف الخفاء (٢/ ٥٣٨) للديلمي في مسند الفردوس.","vol":"10","page":203},{"text":"سقط حديثه، وقال الدارقطني: متروك اهـ (^١).\nوما نسب للحافظ ابن حجر من أبيات في تقليم الأظفار مكذوبة عليه. فقد ذكرها العجلوني، وقال السخاوي: وحاشاه من ذلك:\nفي قص أظفارك يوم السبت آكلة ... تبدو وفيما يليه يذهب البركة\nوعالم فاضل يبدو بتلوهما ... إن يكن في الثلاثاء فاحذر الهلكة\nويورث السوء في الأخلاق رابعها ... وفي الخميس الغنى يأتي لمن سلكه\nوالعلم والرزق زيدا في عروبتها ... عن النبي روينا فاقتفوا نسكه\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4615> دليل من قال لا توقيت في تقليم الأظفار والمعتبر طولها:</span>\nقالوا: إن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فبعض الناس يطول ظفره أسرع من بعض، فإذا طال الظفر شرع تقليمه، ولم يأت في الشرع وقت معين في تقليم الأظفار.\n(٢١٣٧ - ٨٨) وأما مارواه مسلم في صحيحه من طريق جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني،\nعن أنس بن مالك قال: قال أنس: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (^٢).\nفمعنى هذا الحديث أنهم لا يؤخرون فعل هذه الأشياء عن وقتها، فإن أخروها فلا يؤخرونها أكثر من أربعين يومًا، وليس معناه الإذن في التأخير أربعين مطلقًا، وقد نص الشافعي والأصحاب - ﵏ - على أنه يستحب تقليم الأظفار، والأخذ من هذه الشعور يوم الجمعة، والله أعلم.\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) صحيح مسلم (٢٥٨). وقد سبق تخريجه، انظر ح: (٢٠٧٨).","vol":"10","page":204},{"text":"وقال القرطبي: هذا تحديد أكثر المدة، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وإلا فلا تحديد فيه للعلماء إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل».اهـ\nوقال العجلوني: قال في المقاصد: لم يثبت عن النبي ﷺ شيء، وما يعزى من النظم في ذلك لعلي ﵁، ثم لشيخنا - يعني الحافظ - فباطل عنهما، وقد أفردت لذلك مع بيان الآثار الواردة فيه جزءا. اهـ\n• الراجح:\nأرى أن الراجح أنه لا يجوز تجاوز ما وقت لنا فيه رسول الله ﷺ، وأما تركها إلى الأربعين فلا يعتبر مخالفًا للسنة، والكلام في هذه المسألة هو عين الكلام في الاستحداد، والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4616>الفصل الثالث\nفي كيفية تقليم الأظفار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا أمرنا بشيء ولم نؤمر بصفته كانت الصفة إلى الفاعل.\n• استحباب صفة في العبادة كاستحباب أصلها، فالعبادة وصفتها مبناها على التوقيف.\n• التزام هيئة أو صفة معينة لم يثبت الأمر بها شرعًا يجعلها بدعة.\n[م-٨٤٩] اختلف العلماء في كيفية تقليم الأظفار:\nفقيل: يبدأ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السباحة، ثم إبهام اليسرى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السباحة، ثم البنصر. وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (^١).\nوقيل: يبدأ فيهما بالوسطى، ثم الخنصر، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السباحة، وهو قول أيضًا في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يبدأ بإبهام اليمنى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السباحة، ثم البنصر، ثم كذلك اليسرى، اختاره الآمدي من الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٧٥)، مطالب أولي النهى (١/ ٨٦).\n(^٢) الأنصاف (١/ ١٢٢).\n(^٣) الآداب الشرعية والمنح المرعية (٣/ ٣٣٠)، الأنصاف (١/ ١٢٢).","vol":"10","page":206},{"text":"وقيل: يبدأ بسبابة يمناه بلا مخالفة إلى خنصرها، ثم بخنصر اليسرى إلى إبهامها، ويختم بإبهام اليمنى، ويبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى، اختاره الغزالي من الشافعية (^١)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: أن يبدأ بمسبحة يمينه إلى خنصرها، ثم إبهامها، ثم بخنصر يسراه إلى إبهامها على التوالي، والرجلان فأن يبدأ بخنصر اليمين إلى خنصر اليسار على التوالي، والفرق بينه وبين القول الذي قبله هو الختم بإبهام اليمنى، وهو مذهب الحنفية (^٣)، والراجح في مذهب الشافعية (^٤)، وقول في مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: لم يثبت عن الشارع كيفية معينة، فيقلمها كيف شاء، وهو مذهب المالكية (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4617> دليل الشافعية على تقديم المسبحة ثم الوسطى:</span>\nقالوا: قلنا يبدأ بالمسبحة من يده اليمنى؛ لأنها أشرف؛ إذ يشار بها إلى التوحيد في التشهد، أما إتباعها بالوسطى، فلأن غالب من يقلم أظفاره يقلمها من قبل ظهر الكف، فتكون الوسطى جهة يمينه، فيستمر إلى أن يختم بالخنصر، ثم يكمل اليد بقص الأبهام، وأما في اليسرى فإذا بدأ بالخنصر لزم أن يستمر على جهة اليمين إلى الإبهام وأما دليلهم في تقديم اليدين على الرجلين، فيمكن أن يؤخذ ذلك في القياس على الوضوء، وأما دليلهم في تقديم اليمنى على اليسرى، فلحديث عائشة، كان يعجبه\n_________\n(^١) انظر طرح التثريب (٢/ ٧٨).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٢٢).\n(^٣) الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٨)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٥).\n(^٤) اختاره النووي في الشافعية، انظر المجموع (١/ ٣٣٩)، وانظر حاشية الجمل (٢/ ٤٨)، وطرح التثريب (٢/ ٧٨)، والغرر البهية شرح البهجةالوردية (٢/ ٢٨) مغني المحتاج (٦/ ١٤٥)، حاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ٢٠٧)، أسنى المطالب (١/ ٥٥٠).\n(^٥) الإنصاف (١/ ١٢٢).\n(^٦) حاشية العدوي (٢/ ٤٤٣).","vol":"10","page":207},{"text":"التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله، وسبق تخريجه (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4618> دليل استحباب المخالفة بتقديم الخنصر ثم الوسطى ثم الإبهام:</span>\n(٢١٣٨ - ٨٩) قال ابن تيمية: وروى عبيد الله بن بطة بإسناده، عن النبي ﷺ أنه قال: من قص أظفاره مخالفًا لم ير في عينيه رمدًا.\nقال ابن تيمية: وفسر أبو عبد الله ابن بطة ذلك بأن يقص الخنصر من اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السباحة، ويقص من اليسرى الإبهام، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السباحة، ثم البنصر، وذكر أن عمر بن رجاء فسره كذلك (^٢).\n[والصحيح أنه لا يثبت عن النبي ﷺ شيء في ذلك] (^٣).\nقال العراقي: «قال الغزالي في إحياء علوم الدين: لم أر في الكتب خبرًا مرويًا في ترتيب قلم الأظفار، ولكن سمعت أنه روي أنه ﷺ بدأ بمسبحة اليمنى، وختم بإبهام اليمنى، وابتداء في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام، وفي اليمنى من المسبحة إلى الخنصر، ويختم بإبهام اليمنى، ثم ذكر لذلك حكمة، وقد تعقبه الإمام أبو عبد الله المازري المالكي في كتاب وقفت عليه له في الرد عليه، وبالغ في هذا المكان في إنكار\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٣٩)، وانظر حاشية الجمل (٢/ ٤٨)، وطرح التثريب (٢/ ٧٨)، والغرر البهية شرح البهجة الوردية (٢/ ٢٨) مغني المحتاج (٦/ ١٤٥)، حاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ٢٠٧)، أسنى المطالب (١/ ٥٥٠).\n(^٢) شرح العمدة (١/ ٢٤٠).\n(^٣) قال في المقاصد الحسنة (١٦٣): «هو من كلام غير واحد من الأئمة منهم: ابن قدامة، والشيخ عبد القادر في الغنية، ولم أجده». اهـ\nوقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٤٥): «وذكر الدمياطي أنه تلقى عن بعض المشايخ، من قص أظفاره مخالفًا لم يصبه رمد، وأنه جرب ذلك مدة طويلة، وقد نص أحمد على استحباب قصها مخالفًا، وبين ذلك أبو عبد الله ابن بطة من أصحابهم، فقال: يبدأ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى، وذكر الصفة». اهـ","vol":"10","page":208},{"text":"هذا عليه، وقال: إنه يريد أن يخلط الشريعة بالفلسفة، هذا حاصل كلامه، وبالغ في تقبيح ذلك» (^١).\nقال العراقي: «لم يثبت في كيفية تقليم الأظفار حديث يعمل به» (^٢).\nوقال ابن حجر: «لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث، ثم قال: وقد أنكر ابن دقيق العيد الهيئة التي ذكرها الغزالي ومن تبعه، وقال: كل ذلك لا أصل له، وإحداث استحباب لا دليل عليه، وهو قبيح عندي بالعالم، ولو تخيل متخيل أن البداءة بمسبحة اليمنى من أجل شرفها فبقية الهيئة لا يتخيل فيه ذلك، نعم البداءة بيمنى اليدين ويمنى الرجلين له أصل، وهو كان يعجبه التيامن» (^٣).\nوالعجب من النووي ﵀، فقد صرح أن الحديث في صفة تقليم الأظفار باطل لا أصل له، ثم يقول مع ذلك عن الصفة التي ذكرها الغزالي بأنه لا بأس بها (^٤)، وهذا من غلبة طريقة الفقهاء على المحدث في استحسان ما لا أصل له، والله المستعان.\nوأما ما يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ في كيفية التقليم فهي موضوعة عليه.\nقال العجلوني: ومن هذا القسم الثاني، ما ذكره بعضهم، ونسبه إلى علي كرم الله وجهه، قال السخاوي: وكذب القائل:\nأبدأ بيمناك بالخنصر في قص أظفارك واستبصر\nوثن بالوسطى وثلث كما قد قيل بالإبهام والبنصر\nواختتم الكف بسبابة في اليد والرجل ولا تمتر\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٧٨).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٧٨).\n(^٣) الفتح (١٠/ ٣٤٥).\n(^٤) المجموع (١/ ٣٣٩).","vol":"10","page":209},{"text":"وفي اليد اليسرى بإبهامها والأصبع الوسطى وبالخنصر\nوبعد سبابتها بنصر فإنها خاتمة الأيسر\nفذاك أمن خذ به يافتى من رمد العين فلا تزدر\nهذا حديث قد روي مسندًا عن الإمام المرتضى حيدر\nونقل السيوطي عن الزركشي في شرح التنبيه أنه قال: «وأصل هذا الأثر المشار إليه عند عبيد الله بن بطة: (من قص أظفاره مخالفًا لم ير في عينيه رمدًا)\nثم قال السيوطي: قد أنكر ابن دقيق هذه الأبيات، وقال: لا يعتبر هيئة مخصوصة، وما اشتهر من قصها على وجه مخصوص لا أصل له في الشريعة، ثم ذكر الأبيات، وقال: هذا لا يجوز اعتقاد استحبابه؛ لأن الاستحباب حكم شرعي، لا بد له من دليل، وليس استسهال ذلك بصواب». اهـ\n• الخلاصة:\nالراجح أنه يقدم في تقليم الأصابع ما يشاء، ولا سنة في ذلك، حيث إن مثل هذا العمل كان يتكرر في حياة الرسول ﷺ ولو قدم اليمنى على اليسرى مستدلًا بعموم حديث عائشة: (كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله) فلا حرج إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4619>الفصل الرابع\nفي إزالة الوسخ من تحت الظفر</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• اليسير معفو عنه ما لم يكن هناك نص بعدم العفو، وهذا في كل شيء (^١).\n[م-٨٥٠] إذا كان تحت الظفر وسخ يمنع وصول الماء، فهل يصح وضوؤه؟\nفقيل: تجب إزالته مطلقًا، ولا يصح الوضوء مع وجوده، اختاره المتولي من الشافعية (^٢)، وابن عقيل من الحنابلة (^٣).\nوقيل: لا تجب إزلته مطلقًا، ويعفى عنه، اختاره الغزالي من الشافعية (^٤)، ومال\n_________\n(^١) فالمشي في الصلاة مفسد للصلاة، والقليل معفو عنه، ويسير النجاسة معفو عنه، كما بينت ذلك في كتاب الاستنجاء، إلا أن يرد نص بعدم العفو، كيسير الربا، قال ﷺ: من زاد أو استزاد فقد أربى. وقال ﷺ: ويل للأعقاب من النار، ونقطة البول تخرج من الذكر ناقضة للوضوء ما لم يكن حدثًا دائمًا.\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤٠).\n(^٣) قال ابن قدامة في المغني (١/ ٨٦): «وإذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته، فقال ابن عقيل: لا تصح طهارته حتى يزيله». اهـ\n(^٤) تحفة المحتاج (١/ ١٨٧)، وقال النووي في المجموع (١/ ٣٤٠): «ولو كان تحت الأظفار وسخ، فإن لم يمنع وصول الماء إلى ما تحته لقلته صح الوضوء.\nوإن منع، فقطع المتولي بأنه لا يجزيه، ولا يرتفع حدثه، كما لو كان الوسخ في موضع آخر من البدن.\nوقطع الغزالي في الإحياء بالإجزاء وصحة الوضوء والغسل، وأنه يعفى عنه للحاجة».اهـ","vol":"10","page":211},{"text":"إليه ابن قدامة من الحنابلة (^١).\nوقيل: إن كان يسيرًا عفي عنه، وإن فحش وجبت إزالته، وهو مذهب المالكية (^٢)، وأومأ إليه ابن دقيق العيد (^٣)، ورجحه ابن تيمية (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4620> دليل من قال تجب إزالته ولا يصح الوضوء معه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4621>الدليل الأول:</span>\nقال ابن عقيل: لأنه محل من اليد استتر بما ليس من خلقة الأصل سترًا منع إيصال الماء إليه، مع إمكان إيصاله، وعدم الضرر به، فأشبه ما لو كان عليه شمع أو غيره (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4622>الدليل الثاني:</span>\nولأن هذا الوسخ لو كان في موضع آخر من البدن لم تصح الطهارة، فكذلك إذا كان تحت الأظفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4623>الدليل الثالث:</span>\nروي عن النبي ﷺ ما يدل على بقاء الجنابة تحت الأظفار،\n_________\n(^١) المغني (١/ ٨٦).\n(^٢) قال في الفواكه الدواني (١/ ١٤٠): «ولا يلزمه إزالة ما تحت أظافره من الأوساخ إلا أن يخرج عن المعتاد، فيجب عليه إزالته، كما يجب عليه قلم ظفره الساتر لمحل الفرض». وانظر حاشية الدسوقي (١/ ٨٨).\n(^٣) قال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (١/ ١٢٥): «إذا لم يخرج طول الأظفار عن العادة يعفى عن يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد، فما يتعلق بها من الأوساخ مانع من حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث الإشارة إلى هذا المعنى. اهـ. وقد يعتبر هذا من ابن دقيق العيد قولًا رابعًا، وهو أن الأظفار إذا خرج طولها عن المعتاد أصبح ما يتعلق بها من الوسخ ما نعًا من حصول الطهارة، وإذا كان طولها معتادًا لم يمنع الوسخ. والله أعلم».\n(^٤) يرى ابن تيمية العفو عن كل يسير يمنع وصول الماء، ولم يخصصه في الأظفار، قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٠٣): «وإن منع يسير وسخ ظفر ونحوه وصول الماء صحت الطهارة، وهو وجه لأصحابنا، ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين الخ كلامه». اهـ\n(^٥) المغني (١/ ٨٦).","vol":"10","page":212},{"text":"(٢١٣٩ - ٩٠) فقد روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا قريش بن حيان، عن واصل بن سليم (^١)، قال: أتيت أبا أيوب الأزدي، فصافحته، فرأى أظفاري طوالًا، فقال: أتى رجل النبي ﷺ يسأله، فقال: يسألني أحدكم عن خبر السماء، ويدع أظافره كأظفار الطير، يجتمع فيها الجنابة والتفث.\nقال المسعودي: عن العقدي، عن قريش، عن سليمان بن فروخ، قال: لقيت\nأبا أيوب الأنصاري، ولم يقل: الأزدي، فذكر نحوه\n[رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، أبو أيوب هو العتكي وليس الأنصاري] (^٢).\n_________\n(^١) الصواب: أبو واصل سليمان بن فروخ. قاله أبو حاتم في العلل (٢/ ٢٨٨)، وسوف أنقل كلامه تامًّا بعد قليل. وانظر ما نقله أبو داود الطيالسي عن المسعودي في آخر الحديث.\n(^٢) مسند أبي داود الطياليس (٥٩٦)، وانظر إتحاف الخيرة المهرة - البوصيري (١/ ٣٧٨)، والمطالب العالية (٦٩).\nقال الإمام أحمد بعد أن روى الحديث (٥/ ٤١٧): «ولم يقل وكيع مرة: الأنصاري. قال غيره: أبو أيوب العتكي. قال أبو عبد الرحمن (عبد الله بن أحمد) قال أبي: يسبقه لسانه -يعني: وكيعًا- فقال: لقيت أبا أيوب الأنصاري، وإنما هو أبو أيوب العتكي».\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٨٨): «سألت أبي عن حديث رواه أبو داود الطيالسي، عن قريش بن حبان، عن واصل بن سليم .. الحديث، فسمعت أبي يقول: هذا خطأ، ليس هو واصل ابن سليم، إنما هو أبو واصل سليمان بن فروخ، عن أبي أيوب، وليس هو من أصحاب النبي ﷺ، هو أبو أيوب: يحيى بن مالك العتكي من التابعين.\nقال ابن أبي حاتم: ولم يفهم يونس بن حبيب أن أبا أيوب الأزدي، هو العتكي، فأدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري». اهـ.\nوقال البخاري: سليمان بن فروخ أبو واصل، قال: لقيني أبو أيوب، هو الأزدي، مرسل.\nوقال البيهقي في السنن (١/ ١٧٦): وهذا مرسل، أبو أيوب الأزدي، غير أبي أيوب الأنصاري. اهـ\nفهذا الإمام أحمد، وأبو حاتم، والبخاري، والبيهقي حكموا عليه بالإرسال.\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه أبو داود الطيالسي كما في إسناد الباب، ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٥)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٥٤٠). ...\nوأخرجه أحمد (٥/ ٤١٧)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٢٨)، عن وكيع.\nوأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٢٨) والشاشي في مسنده (١١٤٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٤٠٨٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٥) من طريق أبي الوليد الطيالسي،\nوأخرجه الشاشي (١١٣٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١١٦٢)، من طريق عبد الرحمن بن المبارك.\nورواه الشاشي (١١٣٨) من طريق سليمان بن حرب. كلهم (أبو داود الطيالسي، ووكيع وأبو الوليد الطيالسي، وعبد الرحمن بن المبارك، وسليمان بن حرب) رووه عن قريش بن حيان، حدثنا أبو واصل سليمان بن فروخ، قال: لقيت أبا أيوب به.","vol":"10","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4624>الدليل الرابع:</span>\n(٢١٤٠ - ٩١) وروى الطبراني في الكبير، قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا إبراهيم بن محمد المقدمي، ثنا عبد الله بن عثمان بن عطاء الخراساني، ثنا طلحة بن زيد، عن راشد بن أبي راشد، قال:\nسمعت وابصة بن معبد يقول: سألت رسول الله ﷺ عن كل شيء، حتى سألته عن الوسخ الذي يكون في الأظفار، فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الكبير (٢٢/ ١٤٧) رقم ٣٩٩.\n(^٢) فيه طلحة بن زيد الرقي قال أبو حاتم الرازي والبخاري والنسائي: منكر الحديث، زاد أبو حاتم: ضعيف الحديث، لا يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٤/ ٤٧٩)، التاريخ الكبير (٤/ ٣٥١)، الضعفاء الصغير (١٧٧).\nوقال أحمد وابن المديني: كان يضع الحديث. تهذيب التهذيب (٥/ ١٥).\nوقال النسائي: ليس بثقة. المرجع السابق.\nوفي التقريب: متروك، قال أحمد وعلي وأبو داود: كان يضع.\nوفيه عبد الله بن عثمان بن عطاء الخرساني:\nقال موسى بن سهل الرملي: هذا أصلح من أبى طاهر موسى بن محمد قليلًا، وكان أبو طاهر يكذب. الجرح والتعديل (٥/ ١١٣).\nفإذا كان أصلح قليلًا من الكذاب، فهو قريب منه.\nوقال أبو حاتم الرازي: صالح. المرجع السابق.\nوقال الذهبي: ليس بذاك. الكاشف (٢٨٥١). ...\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يعتبر حديثه إذا روى عنه غير الضعفاء. (٨/ ٣٤٧). وفي التقريب: لين الحديث.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٣٨): «رواه الطبراني في الكبير، وفيه طلحة بن زيد الرقي، وهو مجمع على ضعفه».","vol":"10","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4625>الدليل الخامس:</span>\nقال ابن حجر: قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بالماء، ولم يمعن غسله فيكون إذا صلى حاملًا للنجاسة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4626> دليل من قال: لا تجب إزالته:</span>\nأولًا: لأنه تشق إزالته، ويشق الاحتراز منه.\nوثانيًا: لو كان غسله واجبًا لبينه النبي ﷺ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nوثالثًا: غالب الأعراب في وقت الوحي كانوا لا يتعاهدون ذلك، ومع ذلك لم يرد في شيء من الآثار أمرهم بإعادة الصلاة من أجله.\nرابعًا: أن الرسول ﷺ لما أنكر عليهم طول الأظفار، لم يأمرهم بإعادة الصلاة.\n(٢١٤١ - ٩١) فقد روى البزار من طريق الضحاك بن زيد، عن إسماعيل، عن قيس،\nعن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: ما لي لا أوهم (^٢)، ورفغ (^٣) أحدكم بين أنملته وظفره.\n_________\n(^١) الفتح (١٠/ ٣٤٥).\n(^٢) قوله ﷺ: (لا أوهم) قال في المغرب (ص: ٤٩٨): أوهمت: أخطأت أو نسيت، وفي حديث علي قال الشاهدان: أوهمنا، إنما السارق هذا، ويروى: (وهمنا) وأوهم من الحساب مائة: أي أسقط، وأوهم من صلاته ركعة، وفي الحديث أنه ﷺ صلى، وأوهم في صلاته، فقيل له: كأنك أوهمت في صلاتك، فقال: وذكر الحديث. أي أخطأ، فأسقط ركعة.\n(^٣) قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٤٤): أراد بالرُّفغ ها هنا وَسَخ الظُّفُر كأنَّه قال: ووسَخُ رُفْغ أحدِكم، والمعنى أنكم لا تُقَلِّمون أظفاركم ثم تَحُكُّون بها أرْفاغَكم فيعْلَق بها ما فيها من الوَسَخ، وفي حديث عمر ﵁: «إذا الْتَقى الرُّفْغان وجَبَ الغُسل. يريد الْتِقاء الخِتانَين، فكَنَى عنه بالْتِقاءِ اُصول الفَخِذين؛ لأنه لا يكون إلَاّ بعد الْتِقاء الخِتانَين».","vol":"10","page":215},{"text":"قال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده إلا الضحاك، وروي عن قيس مسندًا ومرفوعًا (^١).\n[ضعيف، والمعروف أنه عن قيس مرسلًا] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن قدامة: عاب عليهم نتن ريح أظفارهم، لا بطلان طهارتهم، ولو كان مبطلًا للطهارة كان ذلك أهم من نتن الريح، فكان أحق بالبيان (^٣).\n_________\n(^١) مختصر مسند البزار (١٧٠).\n(^٢) في إسناده الضحاك بن زيد الأهوازي\nقال ابن حبان: «كان ممن يرفع المراسيل، ويسند الموقوف، لا يجوز الاحتجاج به لما كثر منها». المجروحين (١/ ٣٧٩).\nوقال العقيلي: يخالف في حديثه. الضعفاء الكبير (٢/ ٢٢١)، لسان الميزان (٣/ ٢٠٠).\nتخريج الحديث:\nالحديث رواه إسماعيل بن أبي خالد، واختلف عليه:\nفأخرجه البزار كما في إسناد الباب، والطبراني في الكبير (١٠٤٠١) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٢١)، من طريق الضحاك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود موصولًا.\nوخالفه سفيان بن عيينة، فرواه العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ٢٢١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٦٦) من طريقين عن سفيان، عن إسماعيل، عن قيس، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة، فلما قضى صلاته، قالوا: يا رسول الله وهمت. قال النبي ﷺ: ومالى لا أيهم، ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته. قال العقيلي: وهذا أولى.\nقال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٤٥): «رجاله ثقات، مع إرساله، وقد وصله الطبراني من وجه آخر. والرفغ بضم الراء وبفتحها وسكون الفاء، بعدها غين معجمة يجمع على أرفاغ، وهي مغابن الجسد، كالإبط، وما بين الأنثيين، وكل شيء يجتمع فيه الوسخ، فهو من تسمية الشيء باسم ما جاوره، والتقدير: وسخ رفغ أحدكم، والمعنى: أنكم لا تقلمون أظفاركم، ثم تحكون بها أرفاغكم، فيتعلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة.\nقال أبو عبيد: أنكر عليهم طول الأظفار وترك قصها، وفيه إشارة إلى الندب إلى تنظيف المغابن كلها، ويستحب الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل منه ضرر على الأصبع». اهـ\n(^٣) المغني (١/ ٨٦).","vol":"10","page":216},{"text":"خامسًا: أن التشدد في ذلك ليس من هدي السلف، وقد يدخل المرء في الوسواس.\nقال البُرْزُلي: سئل السُّيُورِي هل يلزم زوال وسخ الأظفار في الوضوء؟\nفأجاب: لا تُعَلق قلبك بهذا إن أطعتني، واترك الوسواس، واسلك ما عليه جمهور السلف الصالح تسلم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4627> دليل من قال يعفى عن يسير النجاسة في الظفر وغيره:</span>\n(٢١٤١ - ٩٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:\nقالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها فقصعته بظفرها (^٢).\nوهذا دليل على أنه معفو عنه؛ لأن الريق لا يطهره، قال ابن حجر: يحمل حديث الباب على أن المراد: دم يسير يعفى عن مثله. اهـ\nوفعلها: إخبار عن دوام هذا الفعل منها، وهو في زمن التشريع، ومثل هذا لا يخفى على النبي ﷺ، والفعل يتكرر في بيته ﷺ، ولو لم يطلع الرسول ﷺ فقد اطلع الله، ولو لم يكن صوابًا لم يقره الله (^٣).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٠١).\n(^٢) صحيح البخاري (٣١٢).\n(^٣) قال ابن حجر في الفتح (١/ ٤١٣): «ليس فيه أنها صلت فيه، فلا يكون فيه حجة لمن أجاز إزالة النجاسة بغير الماء، وإنما أزالت الدم بريقها، ليذهب أثره، ولم تقصد تطهيره، وقد مضى قبل باب عنها ذكر الغسل بعد القرص، قالت: ثم تصلي فيه - يعني حديث أسماء في الصحيحين فلتقرصه ثم لتنضحه بماء ثم لتصلي فيه - قال الحافظ: فدل على أنها عند إرادة الصلاة فيه كانت تغسله، ثم أورد الحافظ معنى آخر للحديث، فقال: وقد يحمل حديث الباب على أن المراد دم يسير يعفى عن مثله، والتوجيه الأول أقوى فائدة». اهـ","vol":"10","page":217},{"text":"• الراجح:\nأن يسير النجاسة معفو عنه مطلقًا؛ إذ لو كان غسله واجبًا لجاء الأمر بغسله، والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4628>الفصل الخامس\nفي دفن الظفر والشعر</span>\n[م-٨٥١] استحب بعض الفقهاء دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره، وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4629> دليلهم على هذا الاستحباب:</span>\n(٢١٤٢ - ٩٣) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق يونس بن موسى الشامي (^٤)، وسليمان بن داود الشاذكوني، قالا: ثنا محمد بن سليمان بن مسمول، حدثني عبيد الله ابن سلمة بن وهرام،\n_________\n(^١) قال في الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٨): «ينبغي أن يدفن ذلك الظفر والشعر المجزوز، فإن رمى به فلا بأس، وإن ألقاه في الكنيف أو في المغتسل يكره ذلك؛ لأن ذلك يورث داء كذا في فتاوى قاضي خان. يدفن أربعة: الظفر والشعر وخرقة الحيض والدم، كذا في الفتاوى العتابيه». اهـ وفي بريقة محمودية الغياثية (٤/ ٨٤).\nوانظر مجمع الأنهر (٢/ ٥٥٦)، ودرر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣٢٣).\n(^٢) قال النووي في المجموع (١/ ٣٤٢): «يستحب دفن ما أخذ من هذه الشعور والأظفار، ومواراته في الأرض، نقل ذلك عن ابن عمر ﵄، واتفق عليه أصحابنا». وانظر حاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ٢٠٨).\n(^٣) قال ابن قدامة من الحنابلة في المغني (١/ ٦٤): «ويستحب دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره ...» إلخ كلامه ﵀. وانظر كشاف القناع (١/ ٧٦)، ومطالب أولي النهى (١/ ٨٧).\n(^٤) في المطبوع (السامي)، وهو كذلك في معرفة الصحابة لابن نعيم (٦٣٧٦) والتصحيح من الأوسط.","vol":"10","page":219},{"text":"عن ميل بنت مشرح (^١)، قالت: رأيت أبي قلم أظفاره، ثم دفنها، وقال: أي بنية هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) في الطبراني هكذا: (مشرح)، وفي شعب الإيمان للبيهقي (٥/ ٢٣٢) رقم ٦٤٨٧: (مسرج) وفي الإمام لابن دقيق العيد: (مسرِّح) بالحاء. والصواب: (مشرح) وقد ضبطه ابن حجر في الإصابة، قال: (٦/ ١٢٢): مشرح بكسر أوله، وسكون المعجمة، وفتح الراء بعدها مهملة الأشعري. قال البغوي: ذكره البخاري في الصحابة، وأخرج ابن أبي عاصم وابن السكن وغيرهما، من طريق سلمة بن وهرام، حدثتني ميل بنت مشرح به، وذكر الحديث، وقال: وفي سنده محمد بن سليمان بن مسمول، وهو ضعيف جدًّا. الخ كلامه ﵀.\n(^٢) المعجم الكبير (٢٠/ ٣٢٢)، ورواه في الأوسط (٦/ ١٥٠) رقم ٥٩٣٨، ومن طريق الطبراني رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٣٧٦).\n(^٣) في إسناده: سليمان بن داود الشاذكوني، متروك، له ترجمة في الكامل لابن عدي (٤/ ٢٩٩).\nوفيه: يونس بن موسى الشامي: مجهول الحال.\nوفيه محمد بن سليمان بن مسمول. ضعيف، وسبقت ترجمته.\nوفيه أيضًا: عبيد الله بن سلمة بن وهرام، ضعيف، وسبقت ترجمته، فهو مسلسل بالضعفاء.\nكما أن فيه اختلافًا في إسناده، فقيل: عن عبيد الله بن سلمة، عن ميل بنت بن مشرح، كما في إسناد الطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٢٢) والأوسط (٥٩٣٨) من طريق يونس بن موسى الشامي، وسليمان الشاذكوني.\nبينما رواه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٣٢) رقم ٦٤٨٧ من طريق يزيد بن المبارك.\nوالبزار كما في مختصر مسند البزار (١٢٢٦) من طريق عمر بن مالك.\nوأبو بكر الشيباني في الآحاد والمثاني (٤/ ٤٥٩) رقم ٢٥١٣ من طريق محمد بن القاسم، ثلاثتهم، عن محمد بن سليمان بن مسمول، حدثنا عبيد الله بن سلمة بن وهرام، عن أبيه، حدثتني ميل ابنة مشرح به. فزادوا في الإسناد (سلمة بن وهرام).\nكما زاد كلمة أبيه ابن عبد البر في الاستيعاب (٨/ ١٤٧٣) عند ترجمة مشرح الأشعري، قال: لم يرو عنه غير ابنته، من حديثه، قال: رأيت رسول الله ﷺ قص أظفاره، وجمعها، ثم دفنها، حديثه عند محمد بن سليمان بن مسمول المكي، عن عبيد الله بن سلمة ابن وهرام، عن أبيه، عن ميل بنت مسرح، عن أبيها، هكذا ذكره الدارقطني مسرح، وقال غيره: مشرح. ويحتمل أن يكون سقطت كلمة أبيه عند الطبراني.\nوالحديث ضعفه الحافظ في تلخيص الحبير (٢/ ١١٣).","vol":"10","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4630>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٤٣ - ٩٤) روى البيهقي في شعب الإيمان من طريق عمر بن محمد بن الحسن، ثنا أبي، ثنا قيس بن الربيع، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن النبي ﷺ كان يأمر بدفن الشعر والأظفار.\nقال البيهقي: هذا إسناد ضعيف، وروي من أوجه كلها ضعيفة (^١).\n[ضعيف، وفيه انقطاع] (^٢).\n_________\n(^١) شعب الأيمان (٥/ ٢٣٢).\n(^٢) في إسناده: محمد بن الحسن بن التل.\nوثقه البزار والدارقطني. تهذيب التهذيب (٩/ ١٠٢).\nوقال يحيى بن معين ليس بشيء. الجرح والتعديل (٧/ ٢٢٥).\nوقال أبو حاتم: شيخ. المرجع السابق.\nوضعفه يعقوب بن سفيان. المرجع السابق.\nوقال الحاكم في الكنى: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (٩/ ١٠٢).\nوقال ابن عدي: وله غير ما ذكرت إفرادات، وحدث عنه الثقات من الناس، ولم أر بحديثه بأسًا. الكامل (٦/ ١٧٣).\nوقال أبو داود: صالح يكتب حديثه. تهذيب الكمال (٢٥/ ٦٧).\nوقال الساجي: ضعيف. المرجع السابق.\nقلت: استشهد به البخاري في حديثين، ولم يحتج به:\nأحدهما: في الزكاة عن ابنه عمر، عنه، عن إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة. الحديث.\nوهو عنده من طريق شعبة، عن محمد بن زياد.\nالحديث الثاني: في المناقب، عن عمر بن محمد بن حسن، عن أبيه، عن حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة.\nوهو عنده من طريق حميد بن عبد الرحمن والليث وغيرهما، عن هشام.\nوفي إسناده قيس بن الربيع:\nمختلف فيه:\nقال عمرو بن على: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن قيس بن الربيع، وكان عبد الرحمن حدثنا عنه قبل ذلك، ثم تركه. الجرح والتعديل (٧/ ٩٦).\nوقال أحمد: روى أحاديث منكرة، وكان له ابن يأخذ حديث مسعر وسفيان الثوري والمتقدمين، فيدخلها في حديث أبيه، وهو لا يعلم. الكامل (٦/ ٣٩).\nوقال أبو داود: إنما أتي قيس من قبل ابنه، كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في فرج كتاب قيس، ولا يعرف الشيخ ذلك. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق، تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به.\nوفي إسناده أيضًا: عبد الجبار بن وائل: ثقة، لكن روايته عن أبيه مرسلة، فلم يسمع من أبيه شيئًا. الجرح والتعديل (٦/ ٣٠).","vol":"10","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4631>الدليل الثالث:</span>\n(٢١٤٤ - ٩٥) روى ابن عدي، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى من طريق عن محمد بن الحسن السكوني النابلسي بالرملة، قال: حدث أحمد بن سعيد البغدادي وأنا حاضر، ثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد، حدثني أبي، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال رسول الله ﷺ: ادفنوا الأظفار والشعر والدم؛ فإنها ميتة (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١) الكامل (٤/ ٢٠١).\n(^٢) ومن طريق ابن عدي أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣)، وفي إسناده محمد بن الحسن الباهلي متهم.\nوقد أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ٢٧٩) من غير طريقه، حيث أخرجه من طريق نصر بن داود بن طوق، قال: حدثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبى رواد به.\nوفيه عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد.\nقال أبو حاتم: نظرت في بعض حديثه، فرأيت أحاديثه أحاديث منكرة، ولم أكتب عنه، ولم يكن محله عندي الصدق. الجرح والتعديل (٥/ ١٠٤).\nوقال علي بن الحسين بن جنيد: لا يسوى فلسًا، يحدث بأحاديث كذب. المرجع السابق.\nوقال العقيلي: عبد الله بن عبد العزير بن أبي رواد، عن أبيه أحاديثه مناكير غير محفوظة، ليس ممن يقيم الحديث. الضعفاء الكبير (٢/ ٢٧٩).\nوقال العقيلي حديثه هذا: ليس له أصل عن ثقة. اهـ","vol":"10","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4632>الدليل الخامس:</span>\n(٢١٤٥ - ٩٦) قال العراقي في طرح التثريب: روى الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من رواية عمر بن بلال، قال:\nسمعت عبد الله بن بسر يقول: قال رسول الله ﷺ: قصوا أظفاركم ودفنوا قلائمكم، وانقوا براجمكم. الحديث.\nقال العراقي: وعمر بن بلال ليس بالمعروف، قاله ابن عدي (^١).\nقلت: والحكيم الترمذي ليس بالحكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4633>الدليل السادس:</span>\nقال مهنا: سألت أحمد، عن الرجل يأخذ من شعره وظفره، أيدفنه أم يلقيه؟\nقال: يدفنه. قلت: بلغك فيه شيء؟\nقال: كان ابن عمر يدفنه (^٢).\nولم أقف على إسناد ابن عمر، وراجعت مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق وقد ذكر الأول جملة من الآثار عن التابعين، ولم يذكر أثر ابن عمر.\n* * *\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٨٤).\nقلت: عمر بن بلال:\nذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٤٨).\nوذكره البخاري وابن أبي حاتم، وسكتا عليه، فلم يذكرا فيه شيئًا. التاريخ الكبير (٦/ ١٤٤)، والجرح التعديل (٦/ ١٠٠).\nوقال ابن عدي: عمر بن بلال هذا لا يعرف إلا بهذا الحديث - يعني حديث: كيف أنتم إذا جارت عليكم الولاة - عن عبد الله بن بسر، ولم نكتبه بعلو إلا عن أبي عقيل، ومحمد بن جعفر ابن رزين، وهذا حديث غير محفوظ؛ لأن عمر بن بلال هذا ينفرد به، وعمر ليس بالمعروف. الكامل (٥/ ٥٦).\n(^٢) المغني (١/ ٦٤، ٦٥).","vol":"10","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4634>الفصل السادس\nفي إعادة الوضوء بعد تقليم الأظفار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كون الشيء حدثًا يوجب الوضوء متلقى من جهة الشارع، فأكل لحم الإبل حدث، ومس الذكر حدث، وهذه الأشياء غير معقولة المعنى.\n• لم يثت أن إزالة التفث يعتبر حدثًا ناقضًا للوضوء.\n[م-٨٥٢] من توضأ، ثم قلَّم أظفاره بعد الوضوء أو حلق شعر رأسه، فهل يعيد غسل موضع الأظفار؟ فيه خلاف بين العلماء.\nفقيل: لا يعيد.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، واختاره ابن حزم (^٥).\n_________\n(^١) قال السرخسي في المبسوط (١/ ٦٥): «ومن توضأ، ومسح رأسه، ثم جز شعره، أو نتف إبطيه، أو قلم أظفاره، أو أخذ من شاربه، لم يكن عليه أن يمس شيئًا من ذلك الماء، ولا أن يجدد وضوءه». اهـ وانظر حاشية ابن عابدين (١/ ١٠١).\n(^٢) المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٩)، وقاله مالك في المدونة، انظر مواهب الجليل (١/ ٢١٥)، والتاج والإكليل (١/ ٣١٠).\n(^٣) قال الشافعي في الأم (١/ ٣٦): فمن توضأ، ثم أخذ من أظفاره ورأسه ولحيته وشاربه، لم يكن عليه إعادة وضوئه، وهذا زيادة نظافة وطهارة، وكذلك إن استحد، ولو أمر الماء عليه لم يكن بذلك بأس. اهـ\n(^٤) الفروع (١/ ١٨٦، ١٨٧).\n(^٥) المحلى (مسألة ١٦٩).","vol":"10","page":224},{"text":"وقيل: عليه الوضوء، اختاره مجاهد (^١)، وابن جرير (^٢).\nوقيل: يغسلها بالماء، اختاره عطاء (^٣)، وإبراهيم النخعي (^٤)، وحماد (^٥)، وعبد العزيز ابن أبي سلمة (^٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4635> دليل من قال ليس عليه شيء:</span>\n(٢١٤٦ - ٩٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن التيمي،\nعن أبي مجلز، قال: رأيت ابن عمر أخذ من أظفاره. فقلت له: أخذت من أظفارك ولا تتوضأ؟ قال: ما أكيسك، أنت أكيس ممن سماه أهله كيسًا.\n[صحيح] (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4636>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٤٧ - ٩٨) روى مسدد في مسنده، قال: حدثنا ابن داود، عن شيخ يكنى\nأبا عبد الله، عن عمر بن قيس، قال: إن عليًا ﵁، قال: ما زاده إلا طهارة، يعني: الأخذ من الشعر والظفر (^٨).\n[ضعيف] (^٩).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٥٦) بسند صحيح عنه.\n(^٢) المبسوط (١/ ٦٥).\n(^٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (١/ ١٢٦) رقم ٤٦٢ بسند صحيح عنه.\n(^٤) المبسوط (١/ ٦٥).\n(^٥) المصنف لابن أبي شيبة (١/ ٥٦) رقم ٥٨٣ حدثنا غندر، عن شعبة، عن الهيثم، عن حماد في الرجل يقلم أظفاره، ويأخذ من لحيته، قال: يمسحه بالماء.\n(^٦) المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٩).\n(^٧) المصنف (١/ ٥٥) رقم ٥٧٦. وإسناده صحيح، وأبو مجلز اسمه لاحق بن حميد.\n(^٨) المطالب العالية (٧٢)، إتحاف الخيرة المهرة - البوصيري (١/ ٣٧٩).\n(^٩) شيخ عبد الله بن داود، وشيخ شيخه لم أعرفهما.","vol":"10","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4637>الدليل الثالث:</span>\nقالوا: إن من توضأ الوضوء الشرعي فإنه طاهر بالكتاب والسنة، ولا تنتقض طهارته إلا بدليل شرعي، وليس قص الشعر والظفر حدثًا حتى ينتقض وضوؤه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4638> دليل من قال عليه الوضوء أو مسحه بالماء:</span>\nلا أعلم له دليلًا من الكتاب أو السنة، أو من قول الصحابة، وقد يكون من رأى الوضوء أن الشعر والظفر إذا حلق، فقد زال الممسوح الذي تعلق به الفرض، وبالتالي فلا بد من إعادة الوضوء أو المسح. والله أعلم.\n• الراجح:\nأنه لا يشرع الوضوء ولا المسح بعد تقليم الأظفار أو حلق الشعر؛ لأن إيجاب ذلك أو استحبابه يحتاج إلى دليل ولا دليل.\n* * *","vol":"10","page":226},{"text":"مبحث\nفي غسل رؤوس الأصابع بعد القص\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الاستحباب حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي.\n[م-٨٥٣] استحب الشافعية والحنابلة غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظفار.\nقال ابن قدامة: قيل إن الحك قبل غسلها يضر بالجسد (^١).\nوقال في حاشية الجمل: «إن الحك بها قبل الغسل يورث البرص» (^٢).\nولا أعلم دليلًا على هذا الاستحباب، ولا يصح الضرر من جهة الطب.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ٦٤)، غذاء الألباب (١/ ٤٣٨)، الآداب الشرعية (٣/ ٣٣١).\n(^٢) حاشية الجمل (٢/ ٤٧).","vol":"10","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4639>الباب الرابع في نتف الإبط</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4640>تمهيد في<span data-type=\"title\" id=toc-4641> تعريف الإبط</span></span>\nتعريف الإبط.\nالإبط: بالكسر باطن المنكب، وقيل: باطن الجناج.\nوهو مذكر، وقد يؤنث، قاله اللحياني، والتذكير أعلى. وحكى الفراء عن بعض العرب: فرفع السوط حتى برقت إبطه.\nوالجمع: آباط.\nوتأبطه: وضعه تحت إبطه. ومنه تأبط شرًّا (^١).\nونتف الإبط: هو إزالة ما عليه من الشعر عن طريق النتف.\n* * *\n_________\n(^١) تاج العروس (١٠/ ١٨٣، ١٨٤).","vol":"10","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4642>الفصل الأول\nحكم نتف الإبط والتوقيت فيه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• سنن الفطرة تتعلق بالنظافة، وتركها مناف للفطرة، وللكرامة الآدمية.\n• كل طهارة لم تكن عن حدث، ولا عن خبث، فالأصل فيها الاستحباب، والتوقيت في تركها أربعين يومًا مشعر بالوجوب؛ لأنه حد ما بين الجائز والممنوع وقد يقال: الممنوع يشمل المحرم والمكروه.\n• قول الصحابي وقت لنا، كقوله: أمرنا أو نهينا، مرفوع حكمًا.\n• نتف الإبط معتبر بطوله، فمتى طال الشعر نتفه، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال.\n• ذكر الأربعين تحديد لأكثر المدة، ولا يمنع تفقد ذلك قبل ذلك، والضابط في هذا وجميع خصال الفطرة الحاجة.\n[م-٨٥٤] الخلاف في نتف الإبط كالخلاف في الاستحداد، وتقليم الأظفار\nفالجمهور على أنه سنة، حتى قال النووي: متفق على أنه سنة (^١).\nواختار ابن العربي، والشوكاني أنه واجب (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٤١).\n(^٢) نقله عنه الصنعاني في العدة شرح العمدة (١/ ٣٥١)، نيل الأوطار (١/ ١٦٩).","vol":"10","page":229},{"text":"راجع أدلة كل قول في حكم الاستحداد وتقليم الأظفار.\nوأما التوقيت فيه، فالقول فيه كالقول في التوقيت في حلق العانة، وقد فصلنا الأقوال فيه والراجح، فارجع إليه غير مأمور.\n• وملخص الأقوال فيه كالتالي:\nقيل: يستحب أن ينتف إبطه كل جمعة، وبعضهم قال في كل أسبوع مرة. وهو مذهب الحنفية (^١)، وهو قول بعض المالكية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: لا وقت له، ويقدر بالحاجة، وهو يختلف من شخص إلى آخر، والمعتبر طولها، فمتى طال الشعر نتفه، وبه قال مالك (^٤)، وهو مذهب الشافعية (^٥)، وقال\n_________\n(^١) جاء في مجمع النهر نقلًا من القنية (٢/ ٥٥٦): «ويستحب حلق عانته وتنظيف بدنه بالاغتسال في كل أسبوع مرة، فإن لم يفعل ففي خمسة عشر يومًا، ولا عذر في تركه وراء أربعين».\nوقوله: «وتنظيف بدنه ... كل أسبوع» علق ابن عابدين في حاشيته على هذه الجملة، فقال: (٦/ ٤٠٦): «بنحو إزالة الشعر من إبطيه ....».\nوإذا كان حلق العانة يستحب كل أسبوع فالإبط مثله بجامع أن كلًا منهما من باب إزالة شعر غير مرغوب فيه. وانظر فيض القدير (٤/ ٥١٧)، الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٨)، بريقة محمودية (٤/ ٩٠).\n(^٢) قال القرطبي في تفسيره (٢/ ١٠٦): «خرج مسلم عن أنس، قال: (وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة) قال علماؤنا: هذا تحديد في أكثر المدة، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة ...». وانظر المفهم (١/ ٥١٥)، شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٤٤٨)، النوادر والزيادات (١/ ٤٦٤).\n(^٣) قال في الفروع (١/ ١٣١): «ويفعله - يعني: حلق العانة - كل أسبوع، ولا يتركه فوق الأربعين». اهـ وانظر الإنصاف (١/ ١٢٣).\n(^٤) جاء في الكافي (ص: ٦١٢): «وحلق العانة، ولا حد في ذلك عند مالك ...».\n(^٥) وقال النووي في المجموع (١/ ٣٣٩): «وأما التوقيت في تقليم الأظفار فهو معتبر بطولها، فمتى طالت قلمها، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، وكذا الضابط في قص الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة، وقد ثبت عن أنس ﵁ قال: وقت لنا في قص الشارب .. وذكر الحديث. ثم معنى هذا الحديث أنهم لا يؤخرون فعل هذه الأشياء عن وقتها، فإن أخروها فلا يؤخرونها أكثر من أربعين يومًا، وليس معناه الإذن في التأخير أربعين مطلقًا، وقد نص الشافعي والأصحاب -﵏- على أنه يستحب تقليم الأظفار، والأخذ من هذه الشعور يوم الجمعة، والله أعلم.\nوقال الدمياطي في إعانة الطالبين (٢/ ٨٥): «والمعتبر في ذلك أنه مؤقت بطولها عادة، ويختلف حينئذ باختلاف الأشخاص والأحوال». اهـ.","vol":"10","page":230},{"text":"ابن عبد البر: إنه قول الأكثر (^١).\nوأما ترك النتف أكثر من أربعين يومًا.\nفقيل: يحرم. وهو مذهب الحنفية (^٢)، ورجحه الشوكاني (^٣).\nوقيل: يكره كراهية شديدة، وهو مذهب الشافعية (^٤)،\nوالمشهور عند الحنابلة (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٦٨): «ومن أهل العلم من وقت في حلق العانة أربعين يومًا، وأكثرهم على أن لا توقيت في شيء من ذلك». اهـ\n(^٢) قال ابن عابدين في حاشيته (٦/ ٤٠٧): «وكره تركه تحريمًا لقول المجتبى، ولا عذر فيما وراء الأربعين، ويستحق الوعيد». وانظر الفتاوى الهندية (١/ ٣٥٧).\n(^٣) نيل الأوطار (١/ ١٦٩).\n(^٤) وقال في روضة الطالبين (٣/ ٢٣٤): «ولا يؤخرها عن وقت الحاجة، ويكره كراهة شديدة تأخيرها عن أربعين يومًا».اهـ\nوقال الهيتمي في المنهج القويم (٢/ ٢٥): «وأن يزيل شعر العانة، والأولى للذكر حلقه، وللمرأة نتفه، ولا يؤخر ما ذكر عن وقت الحاجة، ويكره كراهة شديدة تأخيرها عن أربعين يومًا».اهـ وقال مثله في روض الطالب (١/ ٥٥١).\n(^٥) قال في كشاف القناع (١/ ٧٧): «ويكره تركه فوق أربعين يومًا».اهـ\nوقال في غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (١/ ٤٤٠): «نعم إنما يكره تركه فوق أربعين لحديث أنس عند مسلم، قال: (وقت لنا في قص الشارب .....)، وذكر الحديث. وانظر مطالب أولي النهى (١/ ٨٧).","vol":"10","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4643>الفصل الثاني\nفي كيفية نتف الإبط</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا أمرنا بشيء، ولم نؤمر بصفته، كانت الصفة إلى الفاعل.\n• استحباب صفة في العبادة، كاستحباب أصلها، يحتاج إلى توقيف.\n• مقصود الشارع إزالة الشعر؛ إذ به تحصل النظافة، والنتف وسيلة، وإذا لم تكن الوسيلة مقصودة لنفسها قام غيرها مقامها مما يحصل معه مقصود الشارع.\n• الوسائل إذا لم تكن مقصودة لنفسها لا تتعين.\n[م-٨٥٥] تكلم الفقهاء في كيفية نتف الإبط:\nفقيل: له إزالة الإبط بما شاء (^١).\nوقيل: لا تحصل السنة إلا بالنتف، وإن كان غيره جائزًا، فالنتف أفضل (^٢).\nتعليل من أجازه بأي شيء، قال: إن المقصود النظافة، وهذا حاصل إذا زال بأي مزيل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4644> دليل من قال بأن السنة النتف:</span>\n(٢١٤٨ - ٩٩) استدل بالخبر، فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن\n_________\n(^١) قال في الإنصاف (١/ ١٢٢): «وينتف إبطه، ويحلق عانته، وله قصه وإزالته بما شاء».اهـ\n(^٢) قال النووي في المجموع (١/ ٣٤١): «ثم السنة النتف، كما صرح به الحديث، فلو حلقه جاز».اهـ وانظر المغني (١/ ٦٤).","vol":"10","page":232},{"text":"سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (^١).\nقال ابن دقيق العيد: نتف الآباط: إزالة ما عليها من الشعر بهذا الوجه: أعني النتف، وقد يقوم مقامه ما يؤدي إلى المقصود، إلا أن استعمال ما دلت عليه السنة أولى، وقد فرق لفظ الحديث بين إزالة شعر العانة، وإزالة شعر الإبط، فذكر في الأول (الاستحداد)، وفي الثاني: (النتف) وذلك مما يدل على رعاية هاتين الهيئتين في محلهما، ولعل السبب فيه أن الشعر بحلقه يقوي أصله، ويغلظ جرمه، ولهذا يصف الأطباء تكرار حلق الشعر في المواضع التي يراد قوته فيها، والإبط إذا قوي فيه الشعر وغلظ جرمه كان أفوح للرائحة الكريهة المؤذية لمن يقاربها، فناسب أن يسن فيه النتف المضعف لأصله، المقلل للرائحة الكريهة، وأما العانة فلا يظهر فيها من الرائحة الكريهة ما يظهر في الإبط، فزال المعنى المقتضي للنتف، فُرِجع إلى الاستحداد؛ لأنه أيسر وأخف على الإنسان من غير معارض (^٢).\nوقال ابن دقيق العيد أيضًا: «من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل، لكن بين أن النتف مقصود من جهة المعنى، فذكر نحو ما تقدم، ثم قال: وهو معنى ظاهر لا يهمل، فإن مورد النص إذا احتمل معنى مناسبًا يحتمل أن يكون مقصودًا في الحكم لا يترك، والذي يقوم مقام النتف في ذلك التنور، لكنه يرق الجلد فقد يتأذى صاحبه به، ولا سيما إن كان جلده رقيقًا» (^٣).\nوقد صرح الشافعي بأن السنة النتف فقط، فقد أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، عن يونس بن عبد الأعلى، قال: دخلت على الشافعي، ورجل يحلق إبطه،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧).\n(^٢) إحكام الإحكام (١/ ١٢٥).\n(^٣) فتح الباري (١٠/ ٣٤٤).","vol":"10","page":233},{"text":"فقال: إني علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع. قال الغزالي: هو في الابتداء موجع، ولكن يسهل على من اعتاده (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المرجع السابق.","vol":"10","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4645>الفصل الثالث\nالوضوء من نتف الإبط</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• كون الشيء حدثًا يوجب الوضوء متلقى من جهة الشرع، لا من جهة العقل، فاعتبار أكل لحم الإبل ومس الذكر حدثًا غير معقول المعنى.\n• لم يثت أن زوال التفث والمغسول والممسوح، يعتبر حدثًا ناقضًا للوضوء.\n[م-٨٥٦] الخلاف في الوضوء من نتف الإبط كالخلاف فيه من تقليم الأظفار وحلق الشعر.\nوقد ذكرنا هناك ثلاثة أقوال:\nالأول: ليس عليه شيء، وهو الراجح.\nالثاني: عليه إعادة الوضوء.\nالثالث: عليه غسل موضعه فقط أو مسحه إن كان ممسوحًا. وقد نسبنا كل قول إلى قائله، وذكرنا أدلة كل قول، فارجع إليه غير مأمور. ونذكر من الآثار ما لم نذكره هناك، منها:\n(٢١٤٩ - ١٠٠) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن علية، عن عبيد الله ابن العيزار،\nعن طلق بن حبيب، قال: رأى عمر بن الخطاب رجلا حك إبطه أو مسه، فقال: قم فاغسل يديك أو تطهر (^١).\n_________\n(^١) المصنف (١/ ٥٤) رقم ٥٦٥.","vol":"10","page":235},{"text":"[رجاله ثقات إلا أنه مرسل، طلق لم يدرك عمر] (^١).\n(٢١٥٠ - ١٠١) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد،\nعن عبد الله بن عمرو أنه كان يغتسل من نتف الإبط (^٢).\n[إسناده صحيح والأعمش عده الحافظ ممن تقبل عنعنته]\nوالاغتسال هنا كالاغتسال للتبرد، فلعله فعله طلبًا للنظافة من أثر الشعر، كما يغتسل الإنسان بعد حلق شعره، وليس هذا كالاغتسال للجنابة أو للجمعة، إذ لو كان واجبًا لبينه الرسول ﷺ.\n(٢١٥١ - ١٠٢) وروى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد،\nعن ابن عباس، قال: ليس عليه وضوء في نتف الإبط (^٣).\n_________\n(^١) قال أبو زرعة: طلق بن حبيب عن عمر مرسل، جامع التحصيل في أحكام المراسيل (٣١٥). ورواه ابن أبي شيبة أيضًا (١/ ١٢٦) رقم ١٤٥١ حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد،\nقال عمر: من نقَّى أنفه أو حك إبطه توضأ.\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا، فيه علتان: ضعف ليث، والانقطاع، فإن مجاهدًا لم يسمع من عمر، ولعله لو ثبت عن عمر، فإنه يقصد بالوضوء غسل اليد، لا أنه حدث ناقض للوضوء، كما في الأثر الأول، فإنه قال: قم فاغسل يديك أو تطهر. والله أعلم.\nورواه الدارقطني (١/ ١٥١) قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا الحسن بن يحيى، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عمر بن الخطاب، قال: إذا مس الرجل إبطه فليتوضأ.\nوهذا إسناد لا بأس به لولا أنه منقطع، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عمر بن الخطاب مرسل. انظر جامع التحصيل (٤٨٦).\nوقد رواه الدارقطني أيضًا (١/ ١٥٠) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار به.\n(^٢) المصنف (١/ ٥٥) رقم ٥٧٠، وقد اختلف في رواية مجاهد عن عبد الله بن عمرو، قال العلائي: أخرج البخاري عنه حديثين.\n(^٣) المصنف (١/ ٥٥) رقم ٥٦٧.","vol":"10","page":236},{"text":"[ضعيف] (^١).\n(٢١٥٢ - ١٠٣) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن هشام،\nعن الحسن أنه سئل عن الرجل يمس إبطه، فلم ير به بأسًا إلا أن يدميه (^٢).\n[صحيح].\n(٢١٥٣ - ١٠٤) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون،\nعن محمد، قال: هؤلاء يقولون: من مس إبطه أعاد الوضوء، وأنا لا أقول ذلك، ولا أدري ما هذا (^٣).\n[صحيح].\nقال ابن حزم: برهان إسقاطنا الوضوء من كل ما ذكرنا، هو أنه لم يأت قرآن، ولا سنة، ولا إجماع بإيجاب وضوء في شيء من ذلك، ولا شرع الله تعالى على أحد من الإنس والجن إلا من أحد هذه الوجوه، وما عداها فباطل، ولا شرع إلا ما أوجبه الله ﵎، وأتانا به رسوله ﷺ (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) خلف بن خليفة\nقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبى قال: رأيت خلف بن خليفة، وهو كبير، فوضعه إنسان من يده، فلما وضعه صاح - يعنى: من الكبر - فقال له انسان: يا أبا أحمد حدثكم محارب بن دثار، وقص الحديث، فتكلم بكلام خفي، وجعلت لا أفهم، فتركته، ولم أكتب عنه شيئًا. الضعفاء الكبير (٢/ ٢٢).\nوقال ابن سعد: كان ثقة، ثم أصابه الفالج قبل أن يموت، حتى ضعف، وتغير لونه واختلط. الطبقات الكبرى (٧/ ٣١٣).\nقلت: روى له مسلم من حديث ابن أبي شيبة عنه، إلا أن الحاكم ذكر في المدخل أن مسلمًا إنما أخرج له في الشواهد، وهو كما قال: فقد أخرج له مسلم ثلاثة أحاديث متابعا عليها.\n(^٢) المصنف (١/ ٥٥) رقم ٥٦٨.\n(^٣) المصنف (١/ ٥٥) ٥٦٩.\n(^٤) المحلى (مسألة: ١٦٩).","vol":"10","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4646>الباب الخامس في الشارب</span>\nمدخل:\n[م-٨٥٧] المسلم مطلوب منه التميز عن غيره من الكفار، ولهذا نهي أن يلبس لباسهم، وأن يوافقهم في الظاهر، لما في ذلك من التشبه فيهم، والتشبه في الظاهر يقود إلى التشبه بالباطن، وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) (^١).\nوفي قص الشارب\n_________\n(^١) الحديث رواه حسان بن عطية، واختلف عليه فيه:\nفأخرجه أحمد (٢/ ٥٠، ٩٢) وابن أبي شيبة (٣٣٠١٦)، وعبد بن حميد (٨٤٨)، وأبو داود (٤٠٣١) والطبراني في مسند الشاميين (٢١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٩٩) من طريق عبد الرحمن بن ثابت، عن حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر.\nأبو منيب لم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي، وقال الحافظ في الفتح (٦/ ٩٨): «أبو منيب لا يعرف اسمه، وعبد الرحمن بن ثابت مختلف في توثيقه». اهـ\nقلت: عبد الرحمن بن ثابت مع كونه مختلفًا فيه، فقد تغير بآخرة، فإسناد حديثه هذا إلى الضعف أقرب.\nورواه الأوزاعي، عن حسان بن عطية، واختلف على الأوزاعي:\nفرواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٣١) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر مرفوعًا.\nوهذه متابعة لعبد الرحمن بن ثابت.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٣٠١٠) عن عيسى بن يونس.\nورواه أيضًا (٣٣٠١١) عن سفيان.\nورواه ابن المبارك في الجهاد (١٠٥)، ومن طريقه الشهاب في مسنده (٣٩٠)، ثلاثتهم (عيسى ابن يونس، وسفيان، وابن المبارك) رووه عن الأوزاعي، عن سعيد بن جبلة، عن طاووس، عن النبي ﷺ. وهذا مرسل.\nوسفيان وعيسى وابن المبارك مقدمون على الوليد بن مسلم؛ لثلاثة أسباب: =","vol":"10","page":238},{"text":"وإحفاؤه تحقيق لجانب من جوانب التميز من جهة، وفيه أيضًا من النظافة ما فيه.\nقال ابن دقيق العيد: «في قص الشارب وإحفائه وجهان:\nأحدهما: مخالفة زي الأعاجم، وقد وردت هذه العلة منصوصة في الصحيح،\n_________\n= السبب الأول: كثرة من رواه عن الأوزاعي مرسلًا، والكثرة من أسباب الترجيح.\nالسبب الثاني: أن الوليد بن مدلس، وقد عنعنه، وهو متهم بتسوية أحاديث الأوزاعي.\nالسبب الثالث: أن شيخ الطحاوي أبا أمية الطرسوسي له أوهام إذا حدث من حفظه.\nورواه البزار كما في نصب الراية للزيلعي (٤/ ٤٣٧) عن صدقة بن عبد الله، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nوصدقة بن عبد الله رجل ضعيف. وهذا اختلاف ثالث على الأوزاعي.\nقال البزار كما في نصب الراية (٤/ ٣٤٧): «لم يتابع صدقة على روايته هذه، وغيره يرويه عن الأوزاعي مرسلا». اهـ\nكما رجح رواية الأوزاعي المرسلة أبو حاتم الرازي، كما في العلل لابنه (١/ ٣١٩).\nورجح مثله دحيم، وقال أبو حاتم في علل الحديث (٣/ ٣٨٨): «قال لي دحيم: هذا الحديث ليس بشيء؛ الحديث حديث الأوزاعي، عن سعيد بن جبلة، عن طاوس، عن النبي ﷺ».اهـ\nورواه معمر بن راشد في كتاب الجامع (٢٠٩٨٦) عن قتادة، أن عمر رأى رجلًا قد حلق قفاه، ولبس حريرًا، فقال: من تشبه بقوم فهو منهم.\nوهذا له علتان، أحدهما: الانقطاع، قتادة لم يدرك عمر.\nوالثانية: أن رواية معمر، عن قتادة فيها كلام.\nكما أن في الباب حديث حذيفة مرفوعًا، رواه البزار في مسنده كما في كشف الأستار (١٤٤) والطبراني في الأوسط (٨/ ١٧٩) رقم ٨٣٢٧ من طريق علي بن غراب، حدثنا هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه مرفوعًا.\nقال البزار: لا نعلمه مسندًا عن حذيفة إلا من هذا الوجه، وقد وقفه بعضهم على حذيفة. اهـ\nوأبو عبيدة روى عنه جماعة، ولم يوثق، ولم يرو له أحد من الكتب الستة إلا ابن ماجه روى له حديثًا واحدًا، وفي التقريب: مبقول.\nورواه الطبراني في مسند الشاميين (١٨٦٢) من طريق عمرو بن الحارث، حدثنا عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، حدثنا نمير بن أوس، أن حذيفة بن اليمان كان يرده إلى رسول الله ﷺ، قال: من تشبه بقوم فإنه منهم.\nوعمرو بن الحارث، قال الذهبي: لا تعرف عدالته. ولم يوثقه إلا ابن حبان.\nونمير بن أوس، روايته عن حذيفة مرسلة.\nفالراجح أن الحديث ضعيف، وإن حسنه بعض أهل العلم.","vol":"10","page":239},{"text":"حيث قال: (خالفوا المجوس).\nوالثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة وأنزه من وضر الطعام (^١).\nوقال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح سنن أبي داود: «الحكمة في قص الشوارب أمر ديني، وهو مخالفة شعار المجوس في إعفائه، كما ثبت التعليل به في الصحيح، وأمر دنيوي: وهو تحسين الهيئة، والتنظف مما يعلق به من الدهن، والأشياء التي تلصق بالمحل كالعسل، والأشربة، ونحوها.\nوقد يرجع تحسين الهيئة إلى الدين؛ لأنه يؤدي إلى قبول قول صاحبه، وامتثال أمره من أرباب الأمر كالسلطان، والمفتي والخطيب، ونحوهم، ولعل في قوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر: ٦٤]، إشارة إليها، فإنه يناسب الأمر بما يزيد في هذا، كأنه قال: قد أحسن صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، وكذا قوله تعالى حكاية عن إبليس: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) [النساء: ١١٩]، فإن إبقاء ما يشوه الخلقة تغيير لها، لكونه تغييرًا لحسنها، ذكر ذلك كله تقي الدين السبكي» (^٢).\nالمقصود بالشارب: الشعر النابت على الشفة العليا، واختلف في جانبيه، وهما السبالان:\nفقيل: هما من الشارب، فيشرع قصهما.\nوقيل: هما من جملة شعر اللحية. ذكر ذلك الحافظ في الفتح، وسيأتي مزيد بحث إن شاء الله عن ذلك.\nوقص الشارب: هو الإطار، وهو طرف الشعر المستدير على الشفة (^٣).\nوقيل: الشارب: اسم لمحل الشعر، كما ذكره في التحقيق.\n* * *\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٢٤).\n(^٢) تنقيح الفتاوى الحامدية (٢/ ٣٣٠).\n(^٣) الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٥).","vol":"10","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4647>الفصل الأول\nحكم قص الشارب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأصل في الأمر الوجوب إلا لقرينة صارفة، والصارف هنا ما نقل من إجماع على أن قص الشارب ليس بواجب.\n[م-٨٥٨] اختلف الفقهاء في قص الشارب.\nفقيل: سنة، وهو عامة الفقهاء (^١).\nوقيل: فرض، وهو اختيار ابن حزم (^٢)، وابن العربي والشوكاني (^٣).\n_________\n(^١) انظر مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر من الحنفية (٢/ ٥٥٦). وحكى الإجماع على أنه سنة ابن عابدين في حاشيته (٦/ ٤٠٧) والقرافي في الذخيرة (١٣/ ٢٧٩)، والباجي في المنتقى (٧/ ٢٣٢)، والنووي في المجموع (١/ ٣٤٠)، والعراقي في طرح التثريب (٢/ ٧٦)، والشوكاني في نيل الأوطار (١/ ١٤٢)، وسيأتي نقل النصوص عنهم في الأدلة إن شاء الله تعالى.\nوقال ابن مفلح الحنبلي في الفروع (١/ ١٣٠): «أطلق أصحابنا وغيرهم الاستحباب». أي في قص الشارب. اهـ وانظر كشاف القناع (١/ ٧٥)، ومطالب أولي النهى (١/ ٨٥).\nوذكر ابن عبد البر أن سنن الفطرة كلها سنة مسنونة مجتمع عليها، مندوب إليها، ولم يستنثن منها إلا الختان، فإن بعضهم جعله فرضًا، انظر الاستذكار (٨/ ٣٣٦)، وانظر تفسير الرازي (٤/ ٣٤)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (٢/ ٤٤٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٨٥).\n(^٢) المحلى (١/ ٤٢٣). وقال ابن مفلح في الفروع (١/ ١٣٠): «وذكر ابن حزم الإجماع أن قص الشارب، وإعفاء اللحية فرض».\n(^٣) نقله عنه الصنعاني في العدة شرح العمدة (١/ ٣٥١).","vol":"10","page":241},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4648> دليل القائلين بالوجوب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4649>الدليل الأول:</span>\nأمر الرسول ﷺ بإحفاء الشوارب، والأصل في الأمر الوجوب، قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣].\n(٢١٥٤ - ١٠٥) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن منهال، حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا عمر بن محمد بن زيد، عن نافع،\nعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب. وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه. وهو في مسلم دون الموقوف على ابن عمر (^١).\nوفي رواية للبخاري: (أنهكوا الشوارب) (^٢).\nوفي رواية لمسلم: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) (^٣).\n(٢١٥٥ - ١٠٦) وروى مسلم، قال: حدثني أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا ابن\nأبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس (^٤).\n(٢١٥٦ - ١٠٧) وروى مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٨٩٣).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٥٩).\n(^٤) مسلم (٢٦٠).","vol":"10","page":242},{"text":"عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية (^١).\nوإذا كان إعفاء اللحية واجبًا على قول، فقص الشارب كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4650>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٥٧ - ١٠٨) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى، عن يوسف بن صهيب (ح) ووكيع، ثنا يوسف، عن حبيب بن يسار،\nعن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (^٢).\n[إسناده صحيح] (^٣).\nفهذا الحديث يدل على أن الأخذ من الشارب واجب، بل لو قيل: إن تاركه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب لم يكن بعيدًا لهذا الوعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4651>الدليل الثالث:</span>\nقوله ﷺ في الحديث: (خالفوا المشركين) وقوله ﷺ: (خالفوا المجوس) هذه الصيغة تقتضي التحريم؛ لأن التشبه بالمشركين لا يجوز، فلما أمر بإحفاء الشارب، وقرن ذلك بمخالفة أهل الشرك والضلال تأكد الوجوب.\n• ونوقش:\nبأن التعليل بمخالفة المشركين قد يكون قرينة صارفة للأمر من الوجوب إلى الكراهة، فالأصل أن ما كانت علته المخالفة فهو محمول على الكراهة إلا لقرينة صارفة، فقد يصل الأمر إلى ما أهو أعلى من التحريم كالشرك، وقد يصل الأمر إلى ما هو أدنى من الكراهة، وهو ما يعبر عنه بخلاف الأولى كترك الصلاة بالنعل، فإن لم\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٥٩).\n(^٢) مسند أحمد (٤/ ٣٦٦، ٣٦٨).\n(^٣) رجاله كلهم ثقات، وسبق الكلام عليه.","vol":"10","page":243},{"text":"يكن هناك قرينة فالكراهة هي الأصل (^١)، خاصة أن عمدة من قال إن الأصل في مخالفة المشركين هو الوجوب حديث من تشبه بقوم فهو منهم، وهو حديث ضعيف (^٢).\nوقال الشيخ عبد الله أبا بطين: «وأما أمره ﷺ بذلك مخالفة للمجوس والمشركين فلا يلزم منه الوجوب؛ لأن مخالفتهم قد تكون واجبة، وقد تكون غير واجبة، كقوله ﷺ: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4652> دليل القائلين بان قص الشارب سنة</span>.\nحكى جماعة من أهل العلم الإجماع على أن الأخذ من الشارب ليس واجبًا منهم القرافي في الذخيرة (^٤).\nوقال الباجي في المنتقى: «استدل القاضي على نفي وجوبه - يعني نفي وجوب الختان - بأنه قرنه النبي ﷺ بقص الشارب، ونتف الإبط، ولا خلاف أن هذه ليست بواجبة» (^٥).\nوقال العراقي: «فيه استحباب قص الشارب، وهو مجمع على استحبابه، وذهب بعض الظاهرية إلى وجوبه لقوله: قصوا الشوارب» (^٦).\nوقال النووي: «وأما قص الشارب فمتفق على أنه سنة» (^٧).\n_________\n(^١) وابن حجر يعلل دائمًا بهذا، ولهذا لما تكلم في العلة في آنية الذهب والفضة، وأن العلة فيها التشبه بالأعاجم، قال في الفتح (١٠/ ٩٨): وفي ذلك نظر؛ لثبوت الوعيد على لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك. اهـ\nوكذلك يذهب حرملة إلى أن التشبه لا يصل إلا التحريم في غير مسألتنا، انظر الفتح (١٠/ ٩٤).\n(^٢) انظر تخريجه (ص: ٢٣٧) من هذا المجلد.\n(^٣) الدرر السنية (٤/ ١٥٠).\n(^٤) الذخيرة للقرافي (١٣/ ٢٧٩).\n(^٥) المنتقى للباجي (٧/ ٢٣٢).\n(^٦) طرح التثريب (٢/ ٧٦).\n(^٧) المجموع (١/ ٣٤٠).","vol":"10","page":244},{"text":"وقال الشوكاني: قص الشارب سنة بالاتفاق» (^١).\nونقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد أنه قال: «لا أعلم أحدًا قال بوجوب قص الشارب» (^٢).\nوالسلف على استحباب قص الشارب ولم يحكوا خلافًا بينهم إلا في صفة الأخذ من الشارب، هل المستحب القص أو الحلق عدا ابن حزم وابن العربي فإنهما قالوا بوجوب القص، فمثلهما يكون الإجماع قبلهما حجة عليهما، ولا يعتبر خلافهما مع تأخرهما خارقًا للإجماع المتقدم، فهذا الإجماع من السلف هو الصارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وابن حزم قد انتقد في حكايته للإجماع، فهو ....\nوحملوا حديث: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) حملوه على حديث: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا) أي ليس على طريقتنا، وسنتنا. وقد أجبت عن ذلك فيما سبق في باب الاستحداد.\n* * *\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ١٤٢).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٣٤٨).","vol":"10","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4653>الفصل الثاني\nفي تقديم القص على الحلق في الشارب</span>\n[م-٨٥٩] اختلف الفقهاء في الشارب هل يقص أو يحلق؟\nفقيل: يقص، ولا يحلق، وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)،\nوقول في مذهب أحمد (^٣).\nقال مالك: أرى أن يؤدب من حلق شاربه، وقال أيضًا: حلقه من البدع، وكان يرى أن حلقه مثلة (^٤).\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٥)، وفي المنتقى للباجي (٧/ ٢٣٢): «قال مالك: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل بنفسه».اهـ وانظر حاشية العدوي (٢/ ٤٤٢).\n(^٢) وانظر طرح التثريب (٢/ ٧٦)، وتحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥)، مغني المحتاج (٦/ ١٤٤)، حاشية الجمل (٢/ ٤٨)، نهاية المحتاج (٨/ ١٤٨).\nقال النووي في المجموع (١/ ٣٤٠): «ثم ضابط قص الشارب أن يقص حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفه من أصله. هذا مذهبنا».اهـ\nوفي فتح الباري (١٠/ ٣٤٧): «قال الطحاوي: لم أر عن الشافعي شيئًا منصوصًا، وأصحابه الذين رأيناهم كالمزني والربيع كانوا يحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلا عنه، وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون الإحفاء أفضل من التقصير، ثم قال الحافظ ابن حجر: وأغرب ابن العربي، فنقل عن الشافعي أنه يستحب حلق الشارب، وليس ذلك معروفًا عند أصحابه».اهـ\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٢١، ١٢٢).\n(^٤) المنتقى (٧/ ٢٦٦).","vol":"10","page":246},{"text":"وقيل: الحف أولى من القص، قال الطحاوي: وهو مذهب أبي حنيفة،\nوأبي يوسف (^١)، وهو رواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: يخير بين القص والإحفاء، وهو مذهب الإمام الطبري (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4654> دليل من قال: السنة قص الشارب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4655>الدليل الأول:</span>\n(٢١٥٨ - ١٠٩) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4656>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٥٩ - ١١٠) روى مسلم في صحيحه من طريق جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني،\nعن أنس بن مالك قال: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4657>الدليل الثالث:</span>\n(٢١٦٠ - ١١١) ما رواه أحمد من طريق يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار،\n_________\n(^١) قال الطحاوي بعد أن ذكر الآثار في الموضوع (٤/ ٢٣٠): «فثبتت الآثار كلها التي رويناها في هذا الباب، ولا تضاد، ويجب بثبوتها أن الإحفاء أفضل من القص، ثم قال: «حكم الشارب، قصه حسن، وإحفاؤه أحسن وأفضل. وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد». وانظر الفتاوى الهندية (٤/ ٢٣٠، ٢٣١)، ودرر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٣٢٣).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٢١، ١٢٢)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٨٥).\n(^٣) فتح الباري (١٠/ ٣٤٧).\n(^٤) صحيح البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧).\n(^٥) صحيح مسلم (٢٥٨). وقد سبق تخريجه، انظر ح: (٢٠٧٨).","vol":"10","page":247},{"text":"عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (^١).\n[صحيح] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4658>الدليل الرابع:</span>\n(٢١٦١ - ١١٢) روى أبو داود الطيالسي، قال: قال حدثنا المسعودي، قال: أخبرني أبو عون الثقفي محمد بن عبد الله (^٣)،\nعن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ رأى رجلًا طويل الشارب، فدعا بسواك وشفرة، فوضع السواك تحت الشارب فقص عليه (^٤).\n[أبو عون لم يسمع من المغيرة، والقصة ثابتة للمغيرة نفسه من طريق أخرى] (^٥).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٤/ ٣٦٦، ٣٦٨).\n(^٢) رجاله كلهم ثقات، وسبق الكلام عليه، انظر ح: (٢٠٧٩).\n(^٣) الصواب: محمد بن عبيد الله أبو عون الثقفي.\n(^٤) مسند أبي داود الطيالسي (٦٩٨)، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٥٠).\n(^٥) الحديث أخرجه أبو داود الطيالسي كما في إسناد الباب.\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٢٩) من طريق عبد الرحمن بن زياد.\nوأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦٠٨٠) من طريق هاشم بن القاسم.\nوأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦٠٨٠) من طريق عمرو بن مرزوق، ثلاثتهم عن المسعودي به.\nوأبو داود الطيالسي ممن سمع منه بعد الاختلاط، وتابعه هاشم بن القاسم، وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط، لكن رواه عنه عمرو بن مرزوق البصري، وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط. انظر الكواكب النيرات رقم: ٣٥.\nلكن له علة أخرى، أبو عون لم يسمع من المغيرة بن شعبة.\nوقد روى المغيرة أن الرسول ﷺ قص شاربه على سواك،\nأخرجه أحمد (٤/ ٢٥٢)، وأبو داود (١٨٨)، والترمذي في الشمائل (١٦٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٥٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٣٥) رقم ١٠٥٩، من طريق وكيع، وأخرجه النسائي في الكبرى مختصرًا (٦٦٢١) من طريق الفضل بن موسى، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٢٩) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٣٥) رقم: ١٠٥٨، من طريق سفيان. ثلاثتهم عن مسعر، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن مغيرة بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة، قال: ضفت بالنبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بجنب، فشوي، قال: فأخذ الشفرة، فجعل يحز لي بها منه، قال: فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى الشفرة، وقال: ما له تربت يداه؟، قال مغيرة: وكان شاربي وفى فقصه لي رسول الله ﷺ على سواك، أو قال: أقصه لك على سواك. وهذا لفظ أحمد. وهذا إسناد أرجو أن يكون حسنًا، رجاله ثقات إلا مغيرة بن عبد الله لم يوثقه إلا ابن حبان، والعجلي، وأخرج له مسلم حديثًا واحدًا.\nوخالف هؤلاء أبو أسامة، فرواه الطبراني (٢٠/ ٤٣٦) رقم: ١٠٦١ عنه، عن مسعر، عن زياد ابن علاقة، عن المغيرة بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة.\nفأسقط جامع بن شداد واستبدله بزياد بن علاقة. ولم يتابع على ذلك.\nوروى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٥١)، والبيهقي في الشعب أيضًا (٦٤٤٧)، من طريق إسحاق بن منصور، حدثنا غالب بن نجيح، عن جامع بن شداد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة، قال: تسحرت مع النبي ﷺ، فكان لحمًا، وكان يقطعه بالعنزة، فقال: لقد وفي شاربك يا مغيرة فَقَصَ لي منه على سواك.\nوالحديث رجاله ثقات إلا غالب بن نجيح، لم يوثقه إلا ابن حبان. الثقات (٧/ ٣٠٩). وفي التقريب: مقبول. يعني إن توبع، وإلا فلين، وقد توبع كما علمت. فالحديث صحيح بمجموع طرقه إن شاء الله تعالى.","vol":"10","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4659>الدليل الخامس:</span>\n(٢١٦٢ - ١١٣) روى أحمد، قال: ثنا هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، يعني: عن النبي ﷺ قصوا الشوارب وأعفوا اللحى (^١).\n[صحيح، وهذا إسناد حسن] (^٢).\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٢٢٩).\n(^٢) فيه عمر بن أبي سلمة، قال الحافظ: صدوق يخطئ.\nوأخرجه أحمد كما في إسناد الباب، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٠)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٤١) من طريق هشيم.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٥٦) والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٤٠)، من طريق أبي عوانة، كلاهما عن عمر بن أبي سلمة به. بلفظ: خذوا من الشوارب، وأعفوا اللحى. ...\nوقد توبع عمر بن أبي سلمة، فزال ما يخشى من خطئه، فقد روى مسلم (٢٦٠)، من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس. وأكتفي بصحيح مسلم عن غيره.\nوأخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ٧٥) من طريق سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى.\nقال الطبراني: لم يروه عن يحيى بن أبي كثير إلا سليمان. اهـ\nقلت: هو إسناد ضعيف جدًّا، فيه سليمان بن داود اليمامي.\nقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٤/ ١١).\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث، ما أعلم له حديثًا صحيحًا. الجرح والتعديل (٤/ ١١٠).","vol":"10","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4660>الدليل السادس:</span>\n(٢١٦٣ - ١١٤) روى الإمام أحمد من طريق حسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يقص شاربه، وكان أبوكم إبراهيم من قبله يقص شاربه.\n[اختلف في رفعه ووقفه، والراجح وقفه على ابن عباس] (^١).\n_________\n(^١) الحديث رواه أحمد كما في إسناد الباب، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١١٧٢٥)، من طريق الحسن بن صالح، عن سماك به.\nوتابعه إسرائيل، فرواه الطبراني في المعجم الكبير (١١٧٢٤) عنه، عن سماك بن حرب، عن عكرمة،\nعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ: أوفوا اللحى وقصوا الشوارب، قال: وكان إبراهيم خليل الرحمن يوفي لحيته ويقص شاربه.\nورواه زائدة وغيره، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا، ورجح الموقوف أبو حاتم الرازي في العلل، كما سيأتي.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٦٣): روى الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يقص شاربه، ويذكر أن إبراهيم كان يقص شاربه. وروته طائفة منهم زائدة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا. ...\nولعل التخليط من سماك، فإن روايته عن عكرمة مضطربة. والله أعلم.\nوروى عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ أخر، فقد قال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٧٢): سألت أبي عن حديث رواه بعض أصحاب زائدة، عن زائدة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: قص الشارب من الدين.\nقال أبي: حدثناه أحمد بن يونس، عن زائدة موقوف بهذا الإسناد، وهو أصح ممن يرفعه.","vol":"10","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4661>الدليل السابع:</span>\n(٢١٦٤ - ١١٥) روى البيهقي، من طريق عبدالرزاق، حدثنا: معمر عن عبد الله ابن طاووس، عن أبيه،\nعن ابن عباس في قوله ﷿: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) [البقرة: ١٢٤]، قال: ابتلاه الله ﷿ بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل مكان الغائط والبول بالماء.\n[صحيح] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4662>الدليل الثامن:</span>\n(٢١٦٥ - ١١٦) روى مسلم في صحيحه، من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق ابن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،\nعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: عشر من الفطرة، قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، زاد قتيبة: قال وكيع انتقاص الماء يعني الاستنجاء.\n[المحفوظ أنه من قول طلق، ورفعه شاذ] (^٢).\n_________\n(^١) سنن البيهقي (١/ ١٤٩). وسبق تخريجه انظر ح ٢٠٨٢.\n(^٢) مسلم (٢٦١) وانظر تخريجه، انظر ح: ٢٠٥٨.","vol":"10","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4663>الدليل التاسع:</span>\n(٢١٦٦ - ١١٧) روى ابن أبي شيبة قال: نا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء،\nعن ابن عباس قال: التفث: الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب والأظفار واللحية.\n[رجاله ثقات] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4664>الدليل العاشر:</span>\n(٢١٦٧ - ١١٨) روى مالك في الموطأ، قال: عن يحيى بن سعيد،\nعن سعيد بن المسيب أنه قال: كان إبراهيم ﷺ أول الناس ضيف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص الشارب، وأول الناس رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟ فقال: الله ﵎: وقارًا يا إبراهيم فقال: رب زدني وقارًا.\nقال يحيى: وسمعت مالكا يقول: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل بنفسه (^٢).\n[رجاله ثقات، إلا أنه موقوف على سعيد] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4665>الدليل الحادي عشر:</span>\n(٢١٦٨ - ١١٩) روى الطبراني في الأوسط من طريق أبي يحيى الحماني، عن يوسف بن ميمون، عن عطاء،\n_________\n(^١) المصنف (٣/ ٤٢٩) رقم ١٥٦٧٣ عن ابن نمير، عن عبد الملك.\nورواه المحاملي في الأمالي (١٣٥) من طريق هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال في قوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: التفث: حلق الرأس وأخذ الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة وقص الأظفار، والأخذ من العارضين ورمي الجمار، والموقف بعرفة ومزدلفة. وعبد الملك: هو ابن أبي سليمان ثقة، وهشيم وإن كان قد عنعن إلا أنه توبع. والله أعلم.\n(^٢) الموطأ (٢/ ٩٢٢).\n(^٣) سبق تخريجه، انظر ح: (٢٠٧١).","vol":"10","page":252},{"text":"عن ابن عباس، قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، قال: إن الله ورسوله حرم عليكم شرب الخمر، وثمنها، وحرم عليكم أكل الميتة، وثمنها، وحرم عليكم الخنازير وأكلها وثمنها، وقال: قصوا الشوارب، وأعفوا اللحى، ولا تمشوا في الأسواق إلا وعليكم الأزر، إنه ليس منا من عمل سنة غيرنا (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4666>الدليل الثاني عشر:</span>\n(٢١٦٩ - ١٢٠) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عائد بن حبيب، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا نؤمر أن نوفي السبال، ونأخذ من الشوارب (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) الأوسط (٩/ ١٦٢)، وهو في المعجم الكبير للطبراني (١١٣٣٥).\n(^٢) فيه يوسف بن ميمون.\nقال البخاري: منكر الحديث جدًّا. التاريخ الكبير (٨/ ٣٨٤).\nوقال أحمد بن حنبل: ضعيف، ليس بشيء. الجرح والتعديل (٩/ ٢٣٠).\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس بالقوي منكر الحديث جدًّا ضعيف. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: واهي الحديث. تهذيب الكمال (٣٢/ ٤٦٨).\nوقال الدارقطني: ضعيف. المرجع السابق. وفي التقريب: ضعيف.\nوفيه أبو يحيى الحماني: مختلف فيه.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ. قال الهميثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٩١) رواه الطبراني في الأوسط بطوله، وفي الكبير باختصار، وفيه يوسف بن ميمون، وثقه ابن حبان، وضعفه الأئمة أحمد وغيره.\n(^٣) المصنف (٥/ ٢٢٧) رقم ٢٥٥٠٤.\n(^٤) فيه أشعب بن سوار الكندي، وهو ضعيف، وقد توبع أشعث، تابعه ابن لهيعة، فأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٩٠٨)، قال: حدثنا مقدام، ثنا أبو الأسود، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ نهى عن جز السبال.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا ابن لهيعة، تفرد به: أبو الأسود.\nوابن لهيعة ضعيف، وشيخ الطبراني مقدام بن داود كذلك.","vol":"10","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4667>الدليل الثالث عشر:</span>\n(٢١٧٠ - ١٢١) روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، قال: حدثنا الحوطي، أخبرنا ابن عياش،\nعن شرحبيل بن مسلمة، رأيت خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ: أبا أمامة الباهلي، وعبد الله بن بسر، وعتبة بن عبد السلمي، والحجاج بن عامر الثمالي، والمقدام بن معدي كرب الكندي ﵃ يقمون شواربهم، ويعفون لحاهم، ويصفرونها، وكانوا يقمون من طرف الشفة (^١).\nورواه البيهقي من طريق الحوطي، بلفظ: رأيت خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ يقصون شواربهم، ويعفون لحاهم، ويصفرونها، ثم ذكر أسماء الصحابة (^٢).\n[حسن، وابن عياش روايته عن أهل بلده حسنة] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4668>الدليل الرابع عشر:</span>\n(٢١٧١ - ١٢٢) روى الطبراني من طريق إسحاق بن عيسى الطباع، قال: رأيت مالك بن أنس وافر الشارب، فسألته عن ذلك، فقال: حدثني زيد بن أسلم،\nعن عامر بن عبد الله بن الزبير، أن عمر بن الخطاب كان إذا غضب فتل شاربه ونفخ (^٤).\n_________\n(^١) الأحاد والمثاني (١٢٣٦).\n(^٢) سنن البيهقي الكبرى (١/ ١٥١).\n(^٣) الحديث رواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٢٥) رقم: ٣٢١٨، وفي مسند الشاميين (٥٤٠)،\nوأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٩٥١)، والبيهقي (١/ ١٥١) من طريق الحوطي به.\nوالحوطي: هو عبد الوهاب بن نجدة، ثقة، وإسماعيل بن عياش، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، وهذا الحديث من روايته عن أهل بلده، فإن شرحبيل بن مسلم شامي. وبناء عليه يكون الإسناد حسنًا إن شاء الله تعالى. والله أعلم.\n(^٤) المعجم الكبير (١/ ٦٦) رقم ٥٤.","vol":"10","page":254},{"text":"[رجاله ثقات إلا إسحاق بن عيسى فإنه صدوق، وقد توبع، ولكن إسناده منقطع، عامر بن عبد الله لم يدرك عمر] (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4669> دليل من قال: السنة الحلق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4670>الدليل الأول:</span>\n(٢١٧٢ - ١٢٣) روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن منهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمر بن محمد بن زيد، عن نافع،\nعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: خالفوا المشركين: وفروا اللحى، واحفوا الشوارب. وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه، وهو في مسلم دون الموقوف (^٢).\nوفي رواية للبخاري: أنهكوا الشوارب (^٣).\nوفي رواية لمسلم: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4671>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٧٣ - ١٢٤) وروى مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه،\nعن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية (^٥).\n_________\n(^١) رواه الطبراني كما في إسناد الباب من طريق إسحاق بن عيسى الطباع.\nورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٧٨) من طريق معن، كلاهما عن مالك به.\nقال الهيثمي (٥/ ١٦٦): «رجاله رجال الصحيح ... إلا أن عامر بن عبد الله بن الزبير لم يدرك عمر». اهـ\n(^٢) صحيح البخاري (٥٨٩٢).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٨٩٣).\n(^٤) صحيح مسلم (٢٥٩).\n(^٥) صحيح مسلم (٢٥٩).","vol":"10","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4672>الدليل الثالث:</span>\n(٢١٧٤ - ١٢٥) روى مسلم، قال: حدثني أبو بكر بن إسحاق أخبرنا\nابن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس (^١).\nقوله: (جزوا) محتمل للحف، وللقص.\nقال الطحاوي: يحتمل أن يكون جزًا معه الإحفاء، ويحتمل أن يكون ما دون ذلك (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4673>الدليل الرابع:</span>\n(٢١٧٥ - ١٢٦) روى ابن حبان في صحيحه من طريق ابن أبي أويس، حدثنا أخي، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إن فطرة الإسلام الغسل يوم الجمعة، والاستنان، وأخذ الشارب وإعفاء اللحى، فإن المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها، فخالفوهم، حدوا شواربكم وأعفوا لحاكم (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٠).\n(^٢) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٠).\n(^٣) صحيح ابن حبان (١٢٢١).\n(^٤) فيه إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، روى عنه الشيخان\nجاء في التهذيب: قال أبو طالب، عن أحمد: لا بأس به، وكذا قال عثمان الدارمي، عن ابن معين.\nوقال ابن أبي خيثمة عنه: صدوق، ضعيف العقل، ليس بذاك، يعني أنه لا يحسن الحديث ولا يعرف أن يؤديه، أو يقرأ من غير كتابه. ...\nوقال معاوية بن صالح عنه: هو وأبوه ضعيفان.\nوقال إبراهيم بن الجنيد، عن يحيى: مخلط يكذب ليس بشيء.\nوقال أبو حاتم: محله الصدق، وكان مغفلًا.\nوقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: غير ثقة.\nوقال اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه، ولعله بان له ما لم يبن لغيره؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف.\nوقال ابن عدي: روى عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد. انظر تهذيب التهذيب (١/ ٢٧١).","vol":"10","page":256},{"text":"وجه الاستدلال منه قوله: (حدوا شواربكم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4674>الدليل الخامس:</span>\n(٢١٧٦ - ١٢٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان،\nعن عثمان الحاطبي، قال: رأيت ابن عمر يحفي شاربه.\n[صحيح عن ابن عمر، وهذا إسناده فيه لين] (^١).\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ٢٢٦) رقم ٢٥٤٩٤. فيه عثمان بن إبرهيم الحاطبي، لم يرو عنه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولم يوثقه إلا ابن حبان. الثقات (٥/ ١٥٤).\nقال ابن أبي حاتم: سألت أبى عنه، فقال: روى ابنه عبد الرحمن أحاديث منكرة. قلت: فما حاله؟ قال: يكتب حديثه، وهو شيخ. الجرح والتعديل (٦/ ١٤٤).\nورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٧٤٣) من طريق ابن أبي شيبة به.\nورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ١٧٥) من طريق عبد الله بن نمير،\nورواه ابن سعد أيضًا (٤/ ١٧٦) من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني،\nورواه أيضًا (٤/ ١٧٦)، قال: أخبرنا محمد بن كناسة الأسدي، ثلاثتهم، عن عثمان بن إبراهيم الحاطبي به.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٨٨٧) حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، قال: رأيت عبد الله يحفي شاربه. وهذا إسناد حسن.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣١) من طريق وهب، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه كان يحفي شاربه. وهذا إسناد صحيح.\nوروى البخاري معلقا بصيغة الجزم، فهو صحيح عنده في باب قص الشارب: قال البخاري: وكان ابن عمر يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد، ويأخذ هذين: يعني: بين الشارب واللحية. ...\nوروي عن ابن عمر مرفوعًا، انظر الدليل الثاني في هذه المسألة.\nورواه البزار في مسنده (٥٣٩٩) من طريق محمد بن سليمان بن أبي داود، أخبرنا أبو بكر بن بدر، قال: سمعت ميمون بن مهران يحدث، قال: سمعت ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يحفي شاربه.\nوهذا ضعيف، أبو بكر بن بدر لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة، ولم يوثق، فهو مجهول.\nورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٤٤٩) حدثنا عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن ابن جريج، أنه قال لابن عمر: رأيتك تحفي شاربك، قال: رأيت النبي ﷺ يحفي شاربه.\nوهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات.","vol":"10","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4675>الدليل السادس:</span>\n(٢١٧٧ - ١٢٨) روى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا كثير بن هشام، عن جعفر ابن برقان، عن حبيب، قال: رأيت ابن عمر قد جز شاربه كأنه قد حلقه (^١).\n[صحيح عن ابن عمر، وهذا منقطع، حبيب لم يدرك ابن عمر].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4676>الدليل السابع:</span>\n(٢١٧٨ - ١٢٩) روى الطبراني في الكبير من طريق إبراهيم بن سويد،\nحدثني عثمان بن عبيد الله بن رافع، أنه رأى أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وسلمة بن الأكوع، وأبا أسيد البدري، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم يأخذون من الشوارب كأخذ الحلق، ويعفون اللحى وينتفون الآباط (^٢).\n[فيه عثمان بن عبيد الله بن رافع لم يذكر فيه جرح ولا تعديل، وبقية رجاله ثقات] (^٣).\n_________\n(^١) المصنف رقم ٢٥٤٩٥، وقوله هنا: رأيت ابن عمر، خطأ؛ لأنه يعد من كبار أتباع التابعين، وليس محسوبًا من التابعين، ولم يذكر المزي في تهذيبه من شيوخه ابن عمر، وإنما ذكر نافعًا فقط، والله أعلم.\n(^٢) المعجم الكبير (١/ ٢٤١) ٦٦٨.\n(^٣) في إسناده: عثمان بن عبيد الله بن رافع: ...\nذكره ابن أبي حاتم، والبخاري: وسكتا عليه. الجرح والتعديل (٦/ ١٥٦)، التاريخ الكبير (٦/ ٢٣٢).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ١٩٠). وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٦٦): «عثمان هذا لم أعرفه، وبقية أحد الإسنادين رجاله رجال الصحيح».\nوقد سماه الطبراني في هذه الرواية عثمان بن عبيد الله.\nورواه عاصم بن عبد العزيز الأشجعي عند الطبراني أيضًا (٦٢١٧) فسماه عثمان بن عبد الله بن رافع (٦٢١٧). والخلاف في هذا قريب.\nوخالفهما محمد بن عجلان، فسماه عبيد الله بن أبي رافع.\nرواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٥١) من طريق سفيان، عن محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: رأيت أبا سعيد الخدري ... وذكر الأثر.\nقال الإمام أحمد: كذا وجدته، وقال غيره: عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، وقيل: ابن رافع.","vol":"10","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4677>الدليل الثامن:</span>\n(٢١٧٩ - ١٣٠) روى الطبراني في الأوسط، من طريق أحمد بن علي بن شوذب، حدثنا أبو المسيب سلام بن مسلم، أخبرنا ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، أظنه مرفوعًا: قال: ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى بالأكف، ولا تقصوا النواصي، وأحفوا الشوارب، ولا تمشوا في المساجد والأسواق وعليكم القمص إلا وتحتها الأزر (^١).\n[منكر، وقد روي مرفوعًا وموقوفًا، بالاقتصار على النهي عن التشبه باليهود والنصارى بالسلام، فزيادة ما عداها زيادة منكرة] (^٢).\n_________\n(^١) الأوسط (٧/ ٢٣٨).\n(^٢) تفرد بذكر النهي عن قص النواصي، والأمر بحف الشوارب سلام بن مسلم والصواب: أن اسمه سلم بن سلام، وفيه لين، وهو من رجال التهذيب، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٨).\nولا أعلم أحدًا وثقه، وفي التقريب: مقبول. فالإسناد ضعيف. ...\nوقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٣٩): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفه.\nوفي إسناده أحمد بن علي بن شوذب الواسطي، مجهول، له ذكر في تاريخ واسط (٢/ ٢٥٠). وذكره المزي من تلاميذ الحارث بن منصور. تهذيب الكمال (٥/ ٢٨٧). ومن تلاميذ يعقوب ابن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي أبو يوسف المدني. تهذيب الكمال (٣٢/ ٣٦٧).\nوقد رواه الترمذي في السنن (٢٦٩٥) والشهاب في مسنده (١١٩١)، حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب به، بالاقتصار على النهي عن التشبه باليهود والنصارى في طريقة السلام.\nقال الترمذي: هذا حديث إسناده ضعيف، وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة، فلم يرفعه.","vol":"10","page":259},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4678> دليل من قال بالتخيير بين الحلق والقص:</span>\nاستدل بأدلة الفريقين، وأعمل أدلة كل قول، فرأى أن الأمر واسع إن شاء قصر، وإن شاء حلق.\n• جواب القائلين بأن السنة القص:\nقال ابن عبد البر: في هذا الباب أصلان:\nأحدهما: أحفوا الشوارب، وهو لفظ مجمل، محتمل للتأويل.\nوالثاني: قص الشارب، وهو مفسر، والمفسر يقضي على المجمل مع ما روي فيه أن إبراهيم أول من قص شاربه، وقال رسول الله ﷺ قص الشارب من الفطرة: يعني: فطرة الإسلام، وهو عمل أهل المدينة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب. والله الموفق للصواب.\nوأجابوا عن الإحفاء الوارد في الحديث:\nبما روى ابن القاسم عن مالك، أن تفسير حديث النبي ﷺ في إحفاء الشوارب إنما هو أن يبدو الإطار، وهو ما احمر من طرف الشفة والإطار جوانب الفم المحدقة به. اهـ\nوقوله ﷺ: (أنهكوا الشوارب) لا حجة فيه؛ لأن إنهاك الشيء لا يقتضي إزالة","vol":"10","page":260},{"text":"جميعه، وإنما يقتضي إزالة بعضه. قال: صاحب الأفعال: نهكته الحمى نهكًا: أثرت فيه، وكذلك العبادة (^١).\n• جواب القائلين بالحلق:\nقال الطحاوي: رأينا الحلق قد أمر به في الإحرام، ورخص في التقصير فكان الحلق أفضل من التقصير، وكان التقصير من شاء فعله ومن شاء زاد عليه، إلا أنه يكون بزيادته عليه أعظم أجرا ممن قص، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك حكم الشارب، قصه حسن وإحفاؤه أحسن وأفضل (^٢).\nوقال أيضًا: وما احتج به مالك أن عمر كان يفتل شاربه إذا غضب أو اهتم، فجائز أن يكون كان يتركه حتى يمكن فتله، ثم يحلقه كما ترى كثيرًا من الناس يفعله (^٣).\nوقال أيضًا: «وأما حديث المغيرة، فليس فيه دليل على شيء؛ لأنه يجوز أن يكون النبي ﷺ فعل ذلك، ولم يكن بحضرته مقراض يقدر على إحفاء الشارب.\nوقال أيضًا: فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قد كانوا يحفون شواربهم، وفيهم أبو هريرة، وهو ممن روينا عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من الفطرة قص الشارب).\nويحتمل أن حديث: (من الفطرة قص الشارب) يحتمل أن تكون الفطرة هي التي لا بد منها، وهي قص الشارب، وما سوى ذلك فضل حسن، وأن مابعد ذلك من الإحفاء هو أفضل، وفيه من إصابة الخير ما ليس في القص (^٤).\n• الراجح:\nالذي أميل إليه والله أعلم أن السنة تتحقق بالحلق أو بالتقصير، وإن كان\n_________\n(^١) المنتقى شرح الموطأ (٧/ ٢٦٤).\n(^٢) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣١).\n(^٣) نقله عنه ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٦٦).\n(^٤) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٣) ببعض التصرف اليسير.","vol":"10","page":261},{"text":"التقصير عندي أولى، لأن أحاديثه أكثر وأصح، ولأنه ﷺ فعله كما في حديث المغيرة، وقد كان رسول الله ﷺ يستطيع أن ينهكه أكثر مما فعل مما يدل على أن التقصير حتى تظهر الشفة أفضل، والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4679>مبحث\nكلام أهل العلم في السبالين</span>\n[م-٨٦٠] اختلف أهل العلم في السبال (^١)،\nفقيل: يكره بقاء السبال، وهو الراجح في مذهب الحنفية، واختاره العراقي من الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة أنه يسن قصهما (^٢).\nوقيل: لا بأس بترك سباليه، اختاره الغزالي وعليه أكثر الشافعية (^٣).\n• سبب الخلاف: اختلافهم، هل السبالان من اللحية أو الشارب؟\nفمن قال: هما من الشارب استحب قصهما أسوة بالشارب.\nومن قال: هما من اللحية: قال بتركهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4680> دليل من قال بقص السبالين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4681>الدليل الأول:</span>\n(٢١٨٠ - ١٣١) روى أبو داود من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، وقرأه\n_________\n(^١) السبالان: تثنية سبال، بكسر السين، بمعنى المسبول: وهما طرفا الشارب، وقيل: السبال: هي اللحية. وقيل: مشترك بينهما، وسيأتي تعريفه مفصلًا في الفصل الخاص بالأخذ من اللحية.\n(^٢) مطالب أولي النهى (١/ ٨٦).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ١٤٤)، تحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥)، حاشية الجمل (٥/ ٢٦٧)، تحفة الحبيب (٤/ ٣٤٥).","vol":"10","page":263},{"text":"عبد الملك على أبي الزبير، ورواه أبو الزبير،\nعن جابر قال كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة (^١).\n[حسن] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4682>الدليل الثاني:</span>\nقالوا من النظر: لا بأس بترك السبال؛ لأن ذلك لا يستر الفم، ولا يبقي فيه غمرة الطعام؛ إذ لا يصل إليه.\nقال العراقي: «اختلفوا في كيفية قص الشارب، هل يقص طرفاه أيضًا، وهما المسميان: بالسبالين، أم يترك السبالان كما يفعله كثير من الناس؟\nفقال الغزالي في إحياء علوم الدين: لا بأس بترك سباليه، وهما طرفا الشارب. فعل ذلك عمر ﵁ وغيره؛ لأن ذلك لا يستر الفم، ولا يبقي فيه غمرة الطعام؛ إذ لا يصل إليه» (^٣).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤٢٠١).\n(^٢) رواه الرمهرمزي في المحدث الفاصل (٤٣٦)، وابن عدي في الكامل والخطيب في الكفاية (٨٢٩)، من طريق عبد الملك به.\nوحسن إسناده الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٥٠).\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٥٠٤)، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن أشعث، عن\nأبي الزبير، عن جابر: قال كنا نؤمر أن نوفي السبال ونأخذ من الشوارب. وهذا إسناد فيه ضعف من أجل أشعث بن سوار، وقد خالف فيه أشعث عبد الملك بن أبي سليمان في متنه، وعبد الملك أرجح منه.\nورواه البيهقي في السنن (٥/ ٣٣) من طريق محمد بن إسماعيل الأحمسي، عن المحاربي، عن أشعث، عن أبي الزبير،\nعن جابر، قال: كنا نؤمر أن نوفر السبال في الحج والعمرة. ولعله سقطت أداة الاستثناء (إلا). والمحاربي مدلس، وقد عنعنه، والله أعلم.\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٧٧).","vol":"10","page":264},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4683> دليل من قال بقص السبالين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4684>الدليل الأول:</span>\n(٢١٨١ - ١٣٢) روى الطبراني، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا النفيلي قال قرأت على معقل بن عبيد الله عن ميمون بن مهران،\nعن ابن عمر قال: ذكر رسول الله المجوس فقال إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم (^١).\n[حسن إن شاء الله تعالى] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٢/ ٨) ١٠٥٥.\n(^٢) رجاله ثقات إلا معقل بن عبد الله الجزري، وهو صدوق، جاء في ترجمته:\nقال أحمد: صالح الحديث، وقال مرة: ثقة.\nوقال يحيى بن معين: ليس به بأس. انظر الجرح والتعديل (٨/ ٢٨٦).\nوقال أيضًا: ثقة. المرجع السابق.\nوقال معاوية: سمعت يحيى، قال: معقل ضعيف. الضعفاء الكبير (٤/ ٢٢١)، الكامل (٦/ ٤٥٢).\nوقال ابن عدي: ومعقل هذا هو حسن الحديث، ولم أجد في أحاديثه حديثًا منكرًا، فأذكره إلا حسب ما وجدت في حديث غيره ممن يصدق في غلط حديث أو حديثين. الكامل (٦/ ٤٥٢).\nوقال ابن حبان: وكان يخطئ، ولم يفحش خطؤه فيستحق الترك، وإنما كان ذلك منه على حسب ما لا ينفك منه البشر، ولو ترك حديث من أخطأ من غير أن يفحش ذلك منه لوجب ترك حديث كل محدث في الدنيا .... الثقات (٧/ ٤٩١).\nوفي التقريب: صدوق يخطئ.\n[تخريج الحديث]\nرواه الطبراني كما في إسناد الباب، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٥٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٥١)، وفي شعب الإيمان (٥/ ٢٢٢).٦٤٤٨ من طريق النفيلي.\nورواه ابن حبان في صحيحه (٥٤٧٦) من طريق الحسن بن محمد بن أعين، كلاهما عن معقل بن عبيد الله به.","vol":"10","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4685>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٨٢ - ١٣٣) روى أحمد في مسنده، قال: ثنا زيد بن يحيى، ثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، حدثني القاسم، قال:\nسمعت أبا أمامة يقول: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون، فقال رسول الله ﷺ: تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب. قال: فقلنا يا رسول الله: إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون، قال: فقال النبي ﷺ: فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفرون سبالهم، قال: فقال النبي ﷺ: قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب.\n[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١) المسند (٥/ ٢٦٤)، الحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٧٩٢٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢١٤) من طريق زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي به.\nوفي الإسناد: القاسم بن عبد الرحمن مولى يزيد بن معاوية، مختلف فيه:\nقال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل ذكر حديثًا عن القاسم الشامي، عن أبى أمامة، عن النبي ﷺ في أن الدباغ طهوره، فأنكره، وحمل على القاسم، وقال: يروى على بن يزيد عنه أعاجيب، وتكلم فيهما، وقال: ما أرى هذا إلا من قبل القاسم. الجرح والتعديل (٧/ ١١٣).\nوقال ابن حبان: كان ممن يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات، ويأتي عن الثقات بالأشياء المقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها. المجروحين (٢/ ٢١١).\nوقال أيضًا: إذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم. المجروحين (٢/ ٦٢).\nوهذا كثير من ابن حبان في حق القاسم، فقد وثقه جماعة:\nقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: القاسم ثقة، والثقات يروون عنه هذه الأحاديث ولا يرفعونها، ثم قال: يجيء من المشائخ الضعفاء ما يدل حديثهم على ضعفه. وقال ابن معين في موضع آخر: إذا روى عنه الثقات أرسلوا ما رفع هؤلاء. تهذيب التهذيب (٨/ ٢٨٩). ...\nوقال يعقوب بن سفيان والترمذي: ثقة. المرجع السابق.\nوقال الجوزجاني: كان خيارًا فاضلًا أدرك أربعين رجلا من المهاجرين والأنصار. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق يغرب كثيرًا. وبقية رجال الإسناد ثقات.\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٣٩) سألت أبي عن حديث رواه زيد بن يحيى بن عبيد، عن عبدالله بن العلاء بن زبر، قال: حدثنا القاسم مولى يزيد، قال: حدثنا أبو أمامة أن النبي ﷺ خرج على شيوخ من الأنصار بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب وذكر الحديث.\nقال أبي: سألت شعيب بن شعيب وكان ختن زيد بن يحيى على ابنته، فسألته أن يخرج إلي كتاب عبد الله بن العلاء، فأخرج إلي الكتاب، فطلبت هذا الحديث وحديثا آخر عن أبي عبيد الله ومسلم بن مشكم، عن أبي ثعلبة، عن النبي ﷺ أنه سأله عن الإثم والبر، فلم أجد لهما أصلًا في كتابه، وليس هما منكرين يحتمل. اهـ","vol":"10","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4686>الدليل الثالث:</span>\nكره بعضهم بقاء السبال لما فيه من التشبه بالعجم، بل بالمجوس وأهل الكتاب، قال العراقي: وهذا أولى بالصواب، لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر، قال: ذكر لرسول الله ﷺ المجوس، فقيل: إنهم يوفرون سبالهم، ويحلقون لحاهم، فخالفوهم، فكان ابن عمر يجز سباله كما تجز الشاة أو البعير». اهـ كلام العراقي (^١)، وحديث ابن عمر سبق تخريجه.\n* * *\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٧٧)، وانظر تخريج حديث ابن عمر في ح (٢١٨١).","vol":"10","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4687>الفصل الثالث\nالتوقيت في قص الشارب</span>\n[م-٨٦١] لا يترك الشارب أكثر من أربعين يومًا، والخلاف في المسألة كالخلاف في تقليم الأظفار، ونتف الإبط وحلق العانة، وقد سبق ذكر الخلاف في تلك المسائل، والأقوال فيها لا تخرج عن ثلاثة أقوال:\nقول: يقول بعدم التوقيت مطلقًا، فمتى طال الشارب عن المعتاد قصه.\nوقول: يقول لا يجوز تركه أكثر من أربعين يومًا.\nوقول: يقول يكره تركه أكثر من أربعين يومًا.\nوارجع إلى أدلة كل قول في مسألة التوقيت في الاستحداد إن شئت.\n* * *","vol":"10","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4688>الباب السادس: في أحكام اللحية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4689>تمهيد<span data-type=\"title\" id=toc-4691> تعريف اللحية</span></span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4690>مقدمة</span>\nتعريف اللحية:\nاللحية: بالكسر هذا هو المشهور المعروف.\nحكى الزمخشري فيه الفتح، وقال: إنه قرئ به قوله تعالى: (لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي) [طه: ٩٤]، قال: وهو غريب.\nوقال الجوهري: اللحية معروف، جمع لِحَي بالكسر، ولُحَى أيضًا بالضم، مثل ذروة، وذرى.\nواللحية: اسم يجمع من الشعر ما نبت على الخدين والذقن (^١).\nوقال في المصباح: الشعر النازل على الذقن (^٢). هذا كلام أهل اللغة، فتبين أن في اللحية عند أهل اللغة قولين:\nالأول: قيل: اللحية ما نبت من الشعر على الخدين والذقن.\nوقيل: هي الشعر النازل على الذقن.\n_________\n(^١) لسان العرب (١٥/ ٢٤٣)، مختار الصحاح (ص: ٢٤٨).\n(^٢) المصباح المنير (٢/ ٥٥١).","vol":"10","page":269},{"text":"والأول عندي أصح؛ لأن اللحية إنما سميت لحية؛ لأنها والله أعلم تنبت على اللحى، واللحى: هو عظم الحنك، وهو الذي عليه الأسنان، وهو منبت اللحية من الإنسان وغيره، والله أعلم.\nهذا فيما يتعلق بتعريف اللحية لغة، وأما تعريفها عند الفقهاء.\nقال ابن نجيم من الحنفية: اللحية الشعر النابت بمجتمع اللحيين والعارض وما بينهما وبين العذار (^١)، وهو القدر المحاذي للأذن يتصل من الأعلى بالصدغ، ومن الأسفل بالعارض (^٢).\nونقله ابن عابدين في حاشيته (^٣).\nوقال الدسوقي من المالكية: لحية بكسر اللام وفتحها: وهي الشعر النابت على اللحيين، تثنية لحى بفتح اللام، وحكي كسرها في المفرد: وهو فك الحنك الأسفل (^٤).\nوقال في الشرح الصغير من المالكية:\nالذقن: بفتح الذال المعجمة والقاف: مجمع اللحيين بفتح اللام: تثنية لحى: وهو فك الحنك الأسفل.\nواللحية: بفتح اللام: هي الشعر النابت على ذلك (^٥).\nوقال الخرشي: اللحية: هي ما ينبت من الشعر على ظاهر اللحى، بفتح اللام، وحكي كسرها في المفرد والتثنية، وهو فك الحنك الأسفل (^٦).\n_________\n(^١) العذار عند أهل اللغة والفقه: هو الشعر النابت المحاذي للأذنين بين الصدغ والعارض، وهو أول ما ينبت للأمرد غالبًا.\n(^٢) البحر الرائق (١/ ١٦).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ١٠٠).\n(^٤) حاشية الدسوقي (١/ ٨٦).\n(^٥) الشرح الصغير (١/ ١٠٥).\n(^٦) شرح مختصر خليل (١/ ١٢١).","vol":"10","page":270},{"text":"وقال في حاشية العدوي: واختار ابن عرفة: جواز إزالة شعر الخد (^١).\nفظاهره أنه لا يرى أن شعر الخد من اللحية.\nوقال النووي: اللحية: هي الشعر النابت على الذقن، قاله المتولي والغزالي في البسيط، وغيرهما، وهو ظاهر معروف لكن يحتاج إلى بيانه بسبب الكلام في العارضين كما سنوضحه إن شاء الله تعالى. ثم وضحه بقوله:\n«وأما شعر العارضين: فهو ما تحت العذار، كذا ضبطه المحاملي، وإمام الحرمين، ابن الصباغ والرافعي وغيرهم، وفيه وجهان:\nالصحيح الذي قطع به الجمهور أن له حكم اللحية، فيفرق بين الخفيف والكثيف، كما سبق الخ كلامه» (^٢).\nفقوله: «له حكم اللحية» لو كان عندهم من اللحية لم يقل فيه: له حكم اللحية، وهذا ظاهر.\nوقال في تحفة المحتاج: «واللحية بكسر اللام أفصح من فتحها: وهي الشعر النابت على الذقن التي هي مجتمع اللحيين، ومثلها العارض» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) حاشية العدوي (٢/ ٤٤٦).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٠٨، ٤١٣).\n(^٣) تحفة المحتاج (١/ ٢٠٤).","vol":"10","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4692>الفصل الأول\nما جاء في أن إعفاء اللحية من الفطرة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لم يصح حديث في أن إعفاء اللحية من سنن الفطرة:\n(٥٦٦ - ١٣٠) روى الإمام أحمد، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا زكريا بن\nأبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ:\nعشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء: يعني الاستنجاء.\nقال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.\n[المحفوظ أنه من قول طلق، ورفعه شاذ] (^١).\nولم أقف على حديث يذكر أن إعفاء اللحية من الفطرة سوى هذا الحديث، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر تخريجه ح: (٢٠٥٨).","vol":"10","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4693>الفصل الثاني في حكم شعر اللحية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4694>المبحث الأول في تحريم حلق اللحية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• أمرنا بإعفاء اللحى، والأصل في الأمر الوجوب إلا لصارف.\nوقيل:\n• أمرنا بالصبغ وإعفاء اللحى، والمحل هو الشعر، والعلة فيهما مخالفة المشركين، والصبغ ليس بواجب فكذا إعفاء اللحى، فوجود أمرين شرعيين في محل واحد، وبعلة واحدة يعني اتفاقهما في الحكم.\n• موافقة المشركين الأصل فيها الكراهة إلا لقرينة، وقد يصل الأمر فيها إلى الكفر، وقد لا يبلغ الشأن فيها الكراهة بما يعبر عنه بعض الفقهاء بخلاف الأولى، والكراهة هي المتيقنة إلا لقرينة، ولا قرينة تدل على الوجوب، بل القرينة تدل على عدم الوجوب، فقص الشارب ذكر مع اللحية بعلة واحدة، وهي المخالفة، وقص الشارب متفق على أنه سنة، فكذا اللحية.\n• موافقة المشركين في شأن اللحية ليس كموافقتهم في أصل العبادة، فأمر اللحية متعلق بالزينة، والشأن فيها أخف، وإذا كنا قد أمرنا بالصلاة بالنعال، وهي صفة في العبادة، والصلاة بدون نعال لا يبلغ به حد الكراهة، فالموافقة في حلق اللحية من باب أولى.","vol":"10","page":273},{"text":"• صيام عاشوراء شرع بعد معرفة سبب صيامه، وشرع صيام التاسع للمخالفة، والاكتفاء بصيام عاشوراء ليس مكروهًا.\n• إذا علم ذلك نأتي إلى ذكر الخلاف:\n[م-٨٦٢] اختلف العلماء في حكم حلق اللحية:\nفقيل: يحرم حلق اللحية، وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، وبه قال ابن تيمية من الحنابلة، وعليه المتأخرون منهم (^١).\nوقيل: يجوز إزالة شعر الخدين دون الذقن، اختاره ابن عرفة من المالكية (^٢).\nوقيل: يكره حلق اللحية، وهو ظاهر عبارة القاضي عياض من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، بل هو المعتمد في المذهب (^٣).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: حاشية ابن عابدين (٢/ ٤١٨)، البحر الرائق (٢/ ٣٠٢)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٣٣٢)، وعبر الكاساني في البدائع (٢/ ١٤١) بالكراهة، ولعلها كراهة التحريم.\nوفي مذهب المالكية، قال الحطاب في مواهب الجليل (١/ ٢١٦): «وحلق اللحية لا يجوز ... وهو مثلة وبدعة، ويؤدب من حلق لحيته أو شاربه». اهـ وانظر حاشية الدسوقي (١/ ٩٠)، المفهم للقرطبي (١/ ٥١٢).\nوجاء في غذاء الألباب (١/ ٤٣٣): «والمعتمد في المذهب حرمة حلق اللحية. قال في الإقناع: ويحرم حلقها، وكذا في شرح المنتهى وغيرهما».\nوقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٠٢): «ويحرم حلق اللحية».\n(^٢) حاشية العدوي (٢/ ٤٤٦)، وهو ظاهر مذهب من يرى أن اللحية: هي شعر الذقن خاصة. قال النووي: اللحية: هي الشعر النابت على الذقن، قاله المتولي، والغزالي في البسيط وغيرهما. المجموع (١/ ٤٠٨، ٤١٣).\n(^٣) قال القاضي عياض في إكمال المعلم (٢/ ٦٣): «وكره قصها وحلقها وتحريقها، وقد جاء الحديث بذم فاعل ذلك، وسنة بعض الأعاجم حلقها وجزها ....».\nفهل قوله: (وقد جاء الحديث بذم فاعل ذلك) ما يدل على أن المراد من الكراهة التحريم، لأن =","vol":"10","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المكروه لا يذم فاعله، قد ذهب إلى هذا بعض طلبة العلم، ممن أستفيد من كتاباتهم.\nوقد يقال: الكراهة على وجهها، والمكروه قد يذم فاعله؛ لأنه فعله وتركه ليس مستوي الطرفين، خاصة أنه عطف القص على الحلق، وقد قال بعد ذلك: «وتكره الشهرة في تعظيمها وتحليتها كما تكره في قصها وجزها ...» فالقص هنا هو القص المذكور مع الحلق، وإذا كانت تعظيم اللحية وتحليتها لا يلحق في المحرمات، لم يلحق بالمحرمات القص، وإذا كان القص مكروهًا كان الحلق مكروهًا لأنه معطوف عليه، خاصة أنه ذكر أن السلف إنما هم مختلفون في مقدار القص ووقته، فقال: منهم من لم يحدد إلا أنه لم يتركها لحد الشهرة، ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدًّا، ومنهم من حدد فما زاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة» فهذا مذهب السلف في القص، وقد عطف عليه الحلق، فالذي يظهر لي أن الكراهة مذهب للقاضي عياض في حلق اللحية، وهي خلاف المشهور من مذهب المالكية، فإنهم قد ذهبوا إلى تحريم الحلق، والله أعلم.\nقال الرملي في حاشيته على أسنى المطالب (١/ ٥٥١): «قول الحليمي في منهاجه لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه ضعيف».\nوقال في تحفة المحتاج: «ذكروا هنا في اللحية ونحوها خصالًا مكروهة، منها نتفها وحلقها، وكذا الحاجبان، ولا ينافيه قول الحليمي لا يحل ذلك لإمكان حمله على أن المراد نفي الحل المستوي الطرفين».\nوقال ابن الملقن في شرحه لعمدة الأحكام: (ص: ٧١٢): «والمعروف في المذهب الكراهة».\nوالمذهب عند الشافعية على ما قرره الرافعي والنووي، وقد اختارا الكراهة، جاء في إعانة الطالبين (٢/ ٣٨٦): «قال الشيخان: يكره حلق اللحية ...».\nوقال أيضًا في نفس الصفحة: «المعتمد عند الغزالي وشيخ الإسلام وابن حجر في التحفة، والرملي، والخطيب، وغيرهم الكراهة».\nوفي حاشية الشرواني (٩/ ٣٧٦): «قال الشيخان: يكره حلق اللحية، واعترضه ابن الرفعة في حاشية الكافية بأن الشافعي ﵁ نص في الأم على التحريم. قال الزركشي: وكذا الحليمي في شعب الإيمان، وأستاذه القفال الشاشي في محاسن الشريعة ...».\nوالحق أن الشافعي ليس له نص في المسألة، ولهذا الشافعية يذكرون أن في المذهب وجهين، المعتمد منهما الكراهة، ولو كان عن الشافعي رواية لم يعبر بالوجه، وقول ابن الرفعة خطأ، فالشافعي في الأم (٦/ ٨٨) إنما أوجب على من صب حميمًا على رأس رجل أو لحيته فلم تنبت حكومة وهذا من باب العقوبة، ولا دخل له في حكم الحلق، وهو مشروط بعدم نبات الشعر، سواء كان في الرأس أو في اللحية، ولذلك قال بعده: «ولو حلقه حلاق، فنبت شعره كما كان أو أجود فليس عليه شيء».","vol":"10","page":275},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4695> دليل تحريم حلق اللحية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4696>الدليل الأول: الإجماع</span>\nفقد نقل ابن حزم الإجماع على أن إعفاء اللحية فرض (^١).\nقال في مراتب الإجماع: اتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز (^٢).\nوقال ابن عابدين: الأخذ من اللحية دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال لم يبحه أحد (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4697>الدليل الثاني: من السنة</span>\nفقد ورد عدة أحاديث تأمر بإعفاء اللحية، والأصل في الأمر الوجوب، قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣].\nومن هذه الأحاديث ما يلي:\nالحديث الأول: حديث ابن عمر.\n(٢١٨٣ - ١٣٤) رواه البخاري من طريق عمر بن محمد بن زيد، عن نافع،\nعن ابن عمر، عن النبي قال: خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب، وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه (^٤).\nالحديث الثاني:\n(٢١٨٤ - ١٣٥) ما رواه مسلم، من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه،\n_________\n(^١) انظر الفروع لابن مفلح (١/ ١٣٠).\n(^٢) مراتب الإجماع (ص: ١٨٢).\n(^٣) تنقيح الفتاوى الحامدية (١/ ٣٢٩)، وابن عابدين لم يقصد أن يقول: إن الذي يأخذ من القبضة هم مخنثة الرجال، وإنما هذا الفعل صدر من صنفين من الناس، بعض المغاربة، وبعض مخنثة الرجال، ولو كان وصفًا لقال: فعله بعض مخنثة الرجال من المغاربة.\n(^٤) صحيح البخاري (٥٨٩٢).","vol":"10","page":276},{"text":"عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس (^١).\nالحديث الثالث:\n(٢١٨٥ - ١٣٦) ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا زيد بن يحيى، ثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، حدثني القاسم، قال:\nسمعت أبا أمامة يقول: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون، فقال رسول الله ﷺ: تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب. قال: فقلنا يا رسول الله: إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون، قال: فقال النبي ﷺ: فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفرون سبالهم، قال: فقال النبي ﷺ: قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب (^٢).\n[إسناده فيه لين، وقال الهيثمي في المجمع (^٣)، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح خلا القاسم، وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر] (^٤).\nالحديث الرابع:\n(٢١٨٦ - ١٣٧) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق أبي يحيى الحماني، عن يوسف بن ميمون، عن عطاء،\nعن ابن عباس قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، قال: إن الله ورسوله حرم\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٠).\n(^٢) مسند أحمد (٥/ ٢٦٤).\n(^٣) مجمع الزوائد (٥/ ١٦٠)، وتعقب بأن زيد بن يحيى إنما هو من رجال أصحاب السنن عدا الترمذي، وليس من رجال الصحيح.\n(^٤) سبق تخريجه عند بحث: كلام أهل العلم في السبالين، انظر ح (٢١٨٢).","vol":"10","page":277},{"text":"عليكم شرب الخمر وثمنها، وحرم عليكم أكل الميتة وثمنها، وحرم عليكم الخنازير وأكلها وثمنها، وقال: قصوا الشوارب وأعفوا اللحى، ولا تمشوا في الأسواق إلا وعليكم الأزر، إنه ليس منا من عمل سنة غيرنا (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4698> دليل من قال بجواز حلق شعر الخدين:</span>\nالظاهر أن قوله يرجع إلى أن شعر الخد ليس داخلًا في حد اللحية لغة، وقد قدمت في تعريف اللحية أن أهل اللغة ومثلهم الفقهاء قد اختلفوا في حد اللحية:\nفقيل: الشعر النابت على الخد والذقن.\nوقيل: شعر الذقن خاصة.\nفمن رأى أن اللحية: شعر الذقن خاصة، لم يمنع من حلق شعر الخد، والله أعلم.\n• ويجاب:\nبأن الراجح والله أعلم أن اللحية هو الشعر النابت على اللحى، ومنه أطلق على اللحية لحية.\nجاء في عمدة القارئ: «واللحى بكسر اللام وضمها بالقصر والمد: جمع لحية بالكسر فقط، وهي اسم لما نبت على الخدين والذقن، قاله بعضهم. قلت: - القائل العيني - على الخدين ليس بشيء، ولو قال: على العارضين لكان صوابًا» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4699> دليل من قال: يكره حلق اللحية:</span>\nهذا القول حمل حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة بالأمر بإعفاء اللحية على الاستحباب، وكره حلق اللحية؛ لأنه ربط ذلك بمخالفة للمشركين.\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٩٤٢٦).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (٢١٦٨).\n(^٣) عمدة القارئ شرح صحيح البخاري (٢٢/ ٤٦).","vol":"10","page":278},{"text":"• ونوقش:\nبأن الأصل في الأمر الوجوب، فأين الصارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب، والأصل في موافقة المشركين التحريم، وليس الكراهة.\n• ويجاب عن هذا بجوابين:\nالجواب الأول:\nأن الأصل في الأمر الشرعي الوجب مسألة خلافية بين أهل الأصول، والخلاف في دلالته قوي، والراجح أن الأمر للوجوب إلا أن السلف يصرفونه لأدنى صارف، ولهذا لما رأى كثير من العلماء أن هناك أوامر على الاستحباب، ولم يظهر له قوة الصارف قالوا: إن المستحب هو القدر المتيقن، فلا نصرفه للوجوب إلا بقرينة، لأن الأصل عدم الوجوب، والحق أن الأصل في الأمر للوجوب، ولا يتشدد في الصارف، فيصرف الأمر للكراهة لأدنى صارف، ومن الصوارف لهذا الحديث:\nالصارف الأول:\nأن التعليل بمخالفة المشركين قد يكون قرينة صارفة للأمر من الوجوب إلى الكراهة، فالأصل أن ما كانت علته المخالفة فهو محمول على الكراهة إلا لقرينة صارفة، فقد يصل الأمر إلى ما أهو أعلى من التحريم كالشرك، وقد يصل الأمر إلى ما هو أدنى من الكراهة، وهو ما يعبر عنه بخلاف الأولى كالأمر بالصلاة بالنعل مخالفة للمشركين، وكقوله ﷺ: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، فإن كان مجردًا من القرائن حمل على الكراهة، وهو قول وسط (^١)، خاصة أن عمدة من قال: إن الأصل في\n_________\n(^١) وابن حجر يعلل دائمًا بهذا، ولهذا لما تكلم في العلة في آنية الذهب والفضة، وأن العلة فيها التشبه بالأعاجم، قال في الفتح (١٠/ ٩٨): «وفي ذلك نظر؛ لثبوت الوعيد لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك». اهـ\nوكذلك يذهب حرملة إلى أن التشبه لا يصل إلا التحريم في غير مسألتنا، انظر الفتح (١٠/ ٩٤).","vol":"10","page":279},{"text":"مخالفة المشركين هو الوجوب حديث من تشبه بقوم فهو منهم، وهو حديث الراجح فيه الإرسال، وظاهره غير مراد (^١).\nقال الشيخ عبد الله أبا بطين عند الكلام على أن الأخذ من الشارب لا يجب: «وأما أمره ﷺ بذلك مخالفة للمجوس والمشركين فلا يلزم منه الوجوب؛ لأن مخالفتهم قد تكون واجبة، وقد تكون غير واجبة، كقوله ﷺ: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (^٢).\nالصارف الثاني:\nأن حديث ابن عمر وأبي هريرة اشتمل على أمرين أعفوا اللحى وأحفوا الشوارب، وعلل ذلك في بعض طرق الحديث خالفوا المشركين.\nوقد حكى جماعة من أهل العلم الإجماع على أن الأخذ من الشارب ليس واجبًا منهم القرافي في الذخيرة (^٣)، والباجي في المنتقى (^٤)، والعراقي في طرح التثريب (^٥)، والنووي في المجموع (^٦)، والشوكاني في نيل الأوطار (^٧).\nوقد نقلت نصوصهم في الكلام على حكم قص الشارب.\nونقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد أنه قال: «لا أعلم أحدًا قال بوجوب قص الشارب» (^٨).\nولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم وابن العربي والإجماع حجة عليهم.\n_________\n(^١) انظر تخريجه (ص: ٢٣٧) من هذا المجلد.\n(^٢) الدرر السنية (٤/ ١٥٠).\n(^٣) الذخيرة للقرافي (١٣/ ٢٧٩).\n(^٤) المنتقى للباجي (٧/ ٢٣٢).\n(^٥) طرح التثريب (٢/ ٧٦).\n(^٦) المجموع (١/ ٣٤٠).\n(^٧) نيل الأوطار (١/ ١٤٢).\n(^٨) فتح الباري (١٠/ ٣٤٨).","vol":"10","page":280},{"text":"• ورد هذا:\nبأنه لو سلم الإجماع فإنه في الشارب، وليس في اللحية، ودلالة الاقتران دلالة ضعيفة.\n• وأجيب على هذا الرد:\nبأن هذا ليس من باب دلالة الاقتران كما فهم بعض الإخوة، وإنما هو من باب أن الاشتراك في العلة يعني الاشتراك في الحكم، فالحديث واحد، والعلة فيه واحدة توجهت لأمرين معًا، وهو الشعر، ومحله الوجه: شعر اللحية وشعر الشارب، فما كان فوق الشفة في حكم ما كان أسفل الشفة، فمن أراد أن يفرق بينهما في الحكم فعليه الدليل، ولا يجوز التفريق للتشهي، فهو يقول: أعفوا اللحى وأحفوا الشوارب خالفوا المشركين، فقوله: خالفوا المشركين إن كانت هذه العلة دالة على التحريم في اللحية فهي تدل على التحريم في الشارب، والعكس صحيح، إذا لم تدل على التحريم في الشارب وحكي فيها الإجماع لم تدل على التحريم في اللحية.\nالصارف الثالث:\nأن مخالفة المشركين إن كانت في أمور الاعتقاد وأصول العبادات فهي على الوجوب، وموافقتهم محرمة وقد تبلغ الشرك، وإن كانت في أمور الهيئة والشعر فهي لا تبلغ الوجوب، ومخالفتهم مستحبة، وموافقتهم دائرة بين الكراهة وخلاف الأولى، فقد قال النبي ﷺ: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم متفق عليه من حديث أبي هريرة، والصبغ ليس بواجب، والأمر يتعلق بالشعر، ومنه شعر اللحية، وقوله: أعفوا اللحى خالفوا المشركين، الأمر يتعلق بالشعر، والعلة المخالفة.\nوكان النبي ﷺ يسدل شعره، ثم فرقه مخالفة لأهل الكتاب كما في حديث ابن عباس في الصحيحين (^١)، وفرق الشعر ليس بواجب، فأنت ترى أن شعر الشارب،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٥٥٨)، ورواه مسلم (٢٣٣٦).","vol":"10","page":281},{"text":"وصبغ الشعر، وفرق الرأس كلها تشريعات في الشعر لمخالفة المشركين، ولم تبلغ الوجوب، فلا يختلف الشأن في اللحية عن الشأن في هذه الأمور، فهي لا تتجاوز الكراهة.\nالصارف الرابع:\nأن الحنابلة استحبوا إعفاء اللحية مع أن الإعفاء هو المعلل بمخالفة المشركين (أعفوا اللحى خالفوا المشركين) ولم يعلل الحلق بهذه العلة، إلا أن يقال بطريق الأولى، وهذا يقال لو أن الحنابلة قالوا بوجوب الإعفاء، فإذا لم تكن علة المخالفة دالة على وجوب إعفاء اللحية عند الحنابلة مع النص عليها لم تكن هذه العلة دالة على تحريم الحلق، فهل يقال: إعفاء اللحية مستحب مع تعليله بمخالفة المشركين وحلق اللحية محرم للعلة نفسها.\nقال ابن مفلح: «ويسن أن يعفي لحيته، وقيل: قدر قبضة» (^١).\nوفي المبدع: «ويعفي لحيته، وذكر ابن حزم أن ذلك فرض كقص الشارب، وأطلق أصحابنا وغيرهم أن ذلك سنة» (^٢).\nوقال في الشرح الكبير: «ويستحب إعفاء اللحية ...» (^٣).\nالجواب الثاني:\nأن ربط الأمر بإعفاء اللحية مخالفة للمشركين جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر، وفي مسلم من حديث أبي هريرة، وهما أصح حديثين في الباب، وفيهما اختلاف في ذكر هذه الزيادة (^٤).\n_________\n(^١) الآداب الشرعية (٣/ ٣٢٩).\n(^٢) المبدع (١/ ١٠٥).\n(^٣) الشرح الكبير (١/ ١٠٥).\n(^٤) فأما حديث ابن عمر، فرواه عن ابن عمر راويان:\nأحدهما: ابن أبي علقمة، عن ابن عمر عند أحمد وأبي يعلى (٥٧٣٨)، والنسائي (٥٠٤٥)، =","vol":"10","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بسند صحيح، وليس فيه لفظ: (خالفوا المشركين).\nالثاني: عروة، عن ابن عمر، رواه ابن جميع الصيداوي في معجم شيوخه (ص: ٣٣٦) بسند حسن، وليس فيه ذكر المخالفة.\nالثالث نافع، عن ابن عمر، واختلف على نافع.\nفرواه عبيد الله بن عمر، عن نافع كما في صحيح البخاري (٥٩٩٣)، ومسلم (٥٢ - ٢٥٩) وليس فيه ذكر مخالفة المشركين، وعبيد الله مقدم في نافع على غيره من الرواة، حتى قدموه على على مالك، وهو من أجل من روى عن نافع، ولم يختلف عليه في عدم ذكر مخالفة المشركين.\nكما رواه مالك، عن أبي بكر بن نافع، عن نافع، كما في صحيح مسلم (٥٣ - ٢٥٩)، وهو في الموطأ (٢/ ٩٤٧)، وسنن أبي داود (٤١٩٩)، والترمذي (٢٧٦٤)، ومسند أبي عوانة (٤٦٧)، وشرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٠)، وليس فيه ذكر (مخالفة المشركين).\nوقد رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر في المسند، وليس فيه ذكر مخالفة المشركين، وأظن المحفوظ عن مالك، أنه رواه عن أبي بكر بن نافع، عن نافع، كما تقدم.\nوخالفهما عمر بن محمد بن زيد، فرواه عن نافع، واختلف على عمر بن محمد:\nفرواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٥٤ - ٢٥٩) عنه، عن نافع، بزيادة (خالفوا المشركين)، وقد ذكر مسلم أولًا رواية عبيد الله، عن نافع، ثم ثنى برواية أبي بكر، عن نافع، وكلاهما ليس فيه ذكر للمخالفة، ثم ثلث برواية عمر بن محمد بن زيد هذه، مما يدل صنيع مسلم أن الروايتين السابقتين مقدمة على رواية عمر بن محمد، والله أعلم.\nورواه يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد، واختلف على يزيد:\nفرواه أبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (٦٠٢) من طريق سهل بن عثمان.\nوالبيهقي في السنن (١/ ١٥٠) من طريق محمد بن المنهال، كلاهما عن يزيد بن زريع، عن عمر ابن محمد، عن نافع به، بلفظ: (خالفوا المشركين) كما هي رواية الصحيحين.\nوخالفهم ابن شبابان، قال أبو أبو عوانة في مستخرجه (٤٦٨) حدثنا ابن شبابان، حدثنا أبو بشر بكر بن خلف، قال: حدثنا يزيد بن زريع به، بلفظ: (خالفوا المجوس) وهذه لفظة شاذة، والله أعلم، وشيخ أبي عوانة مجهول.\nوإذا كان قد انفرد فيها عمر بن محمد، عن نافع، وخالفه عبيد الله بن عمر، وأبو بكر بن نافع، عن نافع، كما رواه عروة، عن ابن عمر، وليس فيه ذكر للمخالفة. فعبيد الله بن عمر وحده مقدم على عمر بن محمد، فكيف وقد توبع عبيد الله، ولم يتابع عمر بن محمد إلا أن صنيع البخاري قد اعتبرها زيادة ثقة، ورواية مسلم بالترتيب الذي ذكرته عنه قد لا يجزم الباحث بأنه يراها محفوظة، فتأمل. =","vol":"10","page":283},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما حديث أبي هريرة، فرواه عن أبي هريرة سعيد المقبري، وأبو سلمة، عن أبي هريرة بدون ذكر المخالفة.\nوخالفهما العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة بذكرها، على اختلاف عليه في فيها. وإليك تخريج ما وقفت عليه من هذه الطرق.\nالأول: سعيد المقبري، عن أبي هريرة رواه أبو يعلى في مسنده (٦٥٨٨) بسند صحيح، وليس فيه ذكر المخالفة.\nالثاني: عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nرواه أحمد (٢/ ٢٢٩) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٠) عن هشيم، عن عمر بن أبي سلمة به، بدون ذكر مخالفة المشركين.\nورواه أبو عوانة وضاح بن عبد الله، واختلف عليه:\nفرواه أحمد (٢/ ٣٨٧) عن عفان، عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة به بدون ذكر المخالفة كرواية هشيم.\nوخالفه يحيى بن إسحاق البجلي، فرواه أحمد (٢/ ٣٥٦) عنه، عن أبي عوانة به، بلفظ: أعفوا اللحى، وخذوا الشوارب، وغيروا شيبكم، ولا تشبهوا باليهود والنصارى.\nوقد رواه أبو يعلى في مسنده (٦٠٢١) عن محمد بن المنال،\nورواه الترمذي (١٧٥٢) حدثنا قتيبة، كلاهما عن أبي عوانة بلفظ: غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود، بدون ذكر اللحية والشارب، وبدون ذكر النصارى. فأخشى أن يكون يحيى بن إسحاق دخل عليه حديث تغيير الشيب بحديث أعفوا اللحى، فجمعهما بذكر مخالفة اليهود والنصارى.\nورواه الطبراني في المعجم الصغير (١٦) والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٢٦٠) من طريق سليمان ابن داود اليامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بدون ذكر المخالفة.\nتفرد به سليمان بن داود، عن يحيى بن أبي كثير، وهو منكر الحديث.\nالثالث: العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، واختلف على العلاء:\nفرواه أحمد (٢/ ٣٦٦) عن أبي سلمة الخزاعي، عن سليمان بن بلال، عن العلاء بن عبد الرحمن، مرة بذكر مخالفة المجوس، وأعاد أحمد الحديث بنفس الإسناد (٢/ ٣٦٥)، ولم يذكر المخالفة.\nورواه أبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (٦٠٣) من طريق حرملة، عن ابن وهب.\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٥٠) من طريق يحيى بن صالح، كلاهما عن سليمان بن بلال به، بذكر مخالفة المجوس.\nورواه ابن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن العلاء، واختلف على ابن أبي مريم: =","vol":"10","page":284},{"text":"• الراجح:\nأن القولين متقابلان، وفي كلٍ قوة، وإن كنت أميل إلى التحريم؛ لأنه عمل الناس من لدن العصر الأول إلى عصرنا هذا، حتى خضعت البلاد لحكم المستعمر، وأخذ المغلوب في تقليد الغالب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n= فرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٠) عن يزيد بن سنان، عن ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن به، وليس فيه ذكر للمخالفة، وسنده صحيح.\nورواه مسلم (٥٥ - ٢٦٠) وابو عوانة في مستخرجه (٤٦٥) عن أبي بكر بن إسحاق، عن ابن\nأبي مريم به، بذكر مخالفة المجوس.\nفإذا رجحنا في طريق العلاء بن عبد الرحمن ذكر المخالفة، فقد خالفه سعيد المقبري، وأبو سلمة، عن أبي هريرة فلم يذكراها.\nهذا ما وقفت عليه في تخريج حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة في ذكر مخالفة المشركين، وفي لفظ: ذكر مخالفة المجوس.\nويتبين أن هناك اختلافًا في ذكرها بين الرواة، فإن كانت محفوظة فقد علمت الجواب عنها، وإن لم تكن محفوظة، كان الخلاف محصورًا في دلالة الأمر على الوجوب، وليس في التعليل بمخالفة المشركين، والله أعلم.","vol":"10","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4700>المبحث الثاني حكم الأخذ من اللحية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تحريم الأخذ من اللحية مطلقًا لم يعرف عن أحد من أهل العلم.\n• فهم الصحابة من الأمر بإعفاء اللحية تحريم الحلق لا تحريم الأخذ، وهم الحجة.\nالإعفاء له معنيان: الترك، والتكثير، وإذا حمل الصحابة والسلف المعنى على أحدهما وأهمل الآخر لم يحل التمسك بالمعنى المهمل بحجة اللغة.\n• الكراهة في الشرع لفظ مشترك بين التحريم والكراهة، لحديث: كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها.\n• اللغة أحد أدوات فهم النص، والاعتماد عليها وحدها بمعزل عن فهم السلف نزعة ظاهرية لفهم النص الشرعي، وهو أحد الأسباب في عدم فهم المسألة.\n• من أراد أن يفهم النص الشرعي فعليه أن يقف على فهم السلف، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم.\n• الأخذ من اللحية في النسك دليل على جوازه مطلقًا، فالنسك لا يبيح الحرام لذاته، وإنما قد يمنع من المباح زمن الإحرام\n[م-٨٦٣] اختلفوا في حكم الأخذ من اللحية من غير حلق،\nفقيل: يكره أن يأخذ منها في غير النسك، وهو مذهب الشافعية (^١).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (١/ ٣٤٤): «والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقًا، بل يتركها على حالها كيف كانت للحديث الصحيح: (وأعفوا اللحى)، وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، =","vol":"10","page":286},{"text":"وقيل: له الأخذ منها، وهو مذهب كثير من أصحاب النبي ﷺ (^١)، والحسن\n_________\n= عن جده، أن النبي ﷺ: كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، فرواه الترمذي بإسناد ضعيف». اهـ\nوقال أيضًا في شرحه لصحيح مسلم (٣/ ١٥١): «والمختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير شيء أصلًا». اهـ والنص الأول يفسر معنى كلمة: والمختار ترك اللحية.\nوقال العراقي في طرح التثريب (٢/ ٨٣): «واستدل الجمهور على أن الأولى ترك اللحية على حالها، وأن لا يقطع منها شيئًا، وهو قول الشافعي وأصحابه». فالنووي عبر بالكراهة، والعراقي عبر بقوله: إنه خلاف الأولى، هذا أشد ما نقل من الأقوال في الأخذ من اللحية، وأما أن يقول أحد: إنه يحرم الأخذ منها في غير النسك، فهذا ينبغي أن يعترف صاحبه بأنه قال به تفقهًا دون أن يدعي أنه أخذه عن إمام واحد من السلف، فضلًا أن يزعم صاحبه أنه قول استقرت عليه الشريعة من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا، ولو لم يكن في هذا القول إلا اتباع السلف لكان خيرًا لي من أن أقلد الخلف في تشدد ليس عليه أثارة من علم، فالله المستعان.\nعلى أن الأخذ منها كونه خلاف الأولى في مذهب الشافعية ينبغي أن يقيد هذا في غير النسك، فإن مذهب الشافعية استحباب الأخذ من اللحية في النسك، وسوف يأتي النقل عن إمامهم ﵀ بعد قليل.\nوقد جاء في المجموع (١/ ٣٤٢) كراهيته عن الحسن وقتادة، والمنقول عنهما خلاف هذا، فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن أبي هلال، قال: سألت الحسن وابن سيرين فقالا: لا بأس أن تأخذ من طول لحيتك.\nوفي إسناده أبو هلال الراسبي صدوق فيه لين إلا أنه هنا يحكي شيئًا وقع له، فالأقرب صحته، ويختلف هذا عن شيء سمعه فرواه لأن هذا قد يدخله الوهم، وقد يعتريه سوء الحفظ، والله أعلم.\nوروى ابن أبي شيبة أيضًا (٥/ ٢٢٥)، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن أشعث، عن الحسن، قال: كانوا يرخصون فيما زاد على القبضة من اللحية أن يؤخذ منها.\nوهذا إسناد ضعيف فيه أشعث بن سوار الكندي، وهذه المتابعة تقوي الطريق الأول. وانظر مذهب قتادة في التمهيد (٢٤/ ١٤٦)، وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٤٦): «وكان قتادة يكره أن يأخذ من لحيته إلا في حج أو عمرة، وكان يأخذ من عارضيه، وكان الحسن يأخذ من طول لحيته، وكان ابن سيرين لا يرى بذلك بأسًا».\n(^١) ذكر ذلك عنهم جابر بن عبد الله بسند حسن، وسيأتي تخريجه، والكلام عليه.","vol":"10","page":287},{"text":"وابن سيرين (^١)، وقتادة (^٢)، وعطاء (^٣)، والشعبي (^٤)، والقاسم بن محمد (^٥)، وطاووس (^٦)، وإبراهيم النخعي (^٧)، ومذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (^٨)، واستحبه الشافعي في النسك (^٩)، واختاره الطبري (^١٠)، ورجحه ابن عبد البر (^١١)،\nوالقاضي عياض (^١٢)، والغزالي من الشافعية (^١٣)، والحافظ ابن حجر (^١٤)، وغيرهم.\n_________\n(^١) مصنف بن أبي شيبة (٥/ ٢٢٥) بسند حسن، وسبق أن نقلت إسناده، وفيه أبو هلال الراسبي، صدوق فيه لين، راجع كلامي على الإسناد، وجاء من طريق أشعث، عن الحسن، وفيه ضعف، وانظر التمهيد (٢٤/ ١٤٦).\n(^٢) التمهيد (٢٤/ ١٤٦).\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ٢٢٥) رقم ٢٥٤٨٢ بسند على شرط الشيخين، وانظر فتح الباري (١٠/ ٣٥٠).\n(^٤) المجموع (١/ ٣٤٢).\n(^٥) روى ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٢٥): حدثنا أبو عامر العقدي، عن أفلح، قال: كان القاسم إذا حلق رأسه أخذ من لحيته وشاربه. وسنده صحيح، وأفلح هو ابن حميد بن نافع، ثقة من رجال الشيخين بل روى له الجماعة سوى الترمذي.\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٢٥) حدثنا أبو خالد، عن ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه أنه كان يأخذ من لحيته ولا يوجبه، ورجاله ثقات.\n(^٧) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٢٥) حدثنا غندر، عن شعبة، عن منصور: كان إبراهيم يأخذ من عارض لحيته. وسنده صحيح.\n(^٨) سيأتي العزو إلى كتبهم قريبًا إن شاء الله تعالى.\n(^٩) قال في الأم (٢/ ٢٣٢): «وأحب إلي لو أخذ من لحيته وشاربه، حتى يضع من شعره شيئًا لله، وإن لم يفعل فلا شيء عليه؛ لأن النسك إنما هو في الرأس لا في اللحية».اهـ\n(^١٠) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٥٠): «واختار - يعني الطبري - قول عطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به».\n(^١١) التمهيد (٢٤/ ١٤٥) ..\n(^١٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٦٤).\n(^١٣) المجموع (١/ ٣٤٤).\n(^١٤) فتح الباري (١٠/ ٣٥٠).","vol":"10","page":288},{"text":"• والقائلون بالأخذ منها اختلفوا في المقدار على قولين:\nالأول: أنه لا حد لمقدار ما يؤخذ منها، إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة، وهو مذهب المالكية (^١).\n_________\n(^١) قال الباجي في المنتقى (٧/ ٢٦٦): «روى ابن القاسم عن مالك لا بأس أن يؤخذ ما تطاير من اللحية. قيل لمالك: فإذا طالت جدًّا. قال: أرى أن يؤخذ منها، وتقص».اهـ\nوقول الإمام مالك: «لا بأس» لا يعني التخيير، فقد جاء في الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧): «وحكم الأخذ الندب، (فلا بأس) هنا هو خير من غيره، والمعروف لا حد للمأخوذ، وينبغي الاقتصار على ما تحسن به الهيئة».\nوقال القرطبي في المفهم (١/ ٥١٢): «لا يجوز حلق اللحية، ولا نتفها، ولا قص الكثير منها، فأما أخذ ما تطاير منها، وما يشوه ويدعو إلى الشهرة طولًا وعرضًا فحسن عند مالك وغيره من السلف».\nوقال القاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم (٢/ ٦٤): «وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، ويكره الشهرة في تعظيمها وتحليتها كما تكره في قصها وجزها، وقد اختلف السلف هل لذلك حد، فمنهم من لم يحدد إلا أنه لم يتركها لحد الشهرة، ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدًّا، ومنهم من حدد، فما زاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة».\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٤٥): «اختلف أهل العلم في الأخذ من اللحية، فكره ذلك قوم، وأجازه آخرون. ثم ساق بسنده عن ابن القاسم، قال: سمعت مالكًا يقول: لا بأس أن يؤخذ ما تطايل من اللحية وشذ. قال: فقيل لمالك: فإذا طالت جدًّا فإن من اللحى ما تطول، قال: أرى أن يؤخذ منها وتقصر. وقد روى سفيان، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة.\nوذكر الساجي: حدثنا بندار وابن المثنى، قالا: حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا قصر من لحيته في حج أو عمرة كان يقبض عليها، ويأخذ من طرفها ما خرج من القبضة.\nقال ابن عبد البر: هذا ابن عمر روى (أعفوا اللحى) وفهم المعنى، فكان يفعل ما وصفنا، وقال به جماعة من العلماء في الحج وغير الحج.\nوروى ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب، في قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: رمي الجمار، وذبح الذبيحة، وحلق الرأس، والأخذ من الشارب واللحية والأظفار، والطواف بالبيت، وبالصفا والمروة.\nوكان قتادة يكره أن يأخذ من لحيته إلا في حج أو عمرة، وكان يأخذ من عارضيه، وكان الحسن\nيأخذ من طول لحيته، وكان ابن سيرين لا يرى بذلك بأسًا، وروى الثوري، عن منصور، عن عطاء أنه كان يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة. قال منصور: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: كانوا يأخذون من جوانب اللحية». اهـ كلام ابن عبد البر نقلته بطوله ليعلم أن من يرى جواز الأخذ من اللحية هم السواد الأعظم من العلماء.","vol":"10","page":289},{"text":"والقول الثاني: أنه يؤخذ منها ما زاد على القبضة، وهو فعل ابن عمر (^١).\nثم اختلفوا في حكم أخذ ما زاد على القبضة على خمسة أقوال:\nفقيل: يجب أخذ ما زاد على القبضة، وهو قول في مذهب الحنفية (^٢)، واختاره الطبري ﵀ (^٣).\nوقيل: إنه سنة، وهو قول في مذهب الحنفية (^٤)، واستحسنه الشعبي وابن سيرين (^٥).\nوقيل: إنه بالخيار، فله أخذ ما زاد على القبضة وله تركه، نص عليه أحمد (^٦)، وظاهر هذا القول أنه يرى أن الأخذ من اللحية وتركها على الإباحة.\nوقيل: الترك أولى، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٧).\nوقيل: يكره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة (^٨).\n_________\n(^١) سيأتي تخريج الأثر المنسوب إليه إن شاء الله في أدلة الأقوال.\n(^٢) الدر المختار (٢/ ٤٤).\n(^٣) عمدة القارئ (٢٢/ ٤٦، ٤٧).\n(^٤) قال في البحر الرائق (٣/ ١٢): «قال أصحابنا: الإعفاء تركها حتى تكث وتكثر، والقص سنة فيها، وهو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد منها على قبضة قطعها، كذلك ذكر محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة، قال: وبه نأخذ».اهـ ونقل نحوه في الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٨). وانظر حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٧).\n(^٥) المجموع (١/ ٣٤٢).\n(^٦) الفروع (٣/ ٣٢٩)، ويعبر بعض الأصحاب بقوله، ولا يكره أخذ ما زاد على القبضه انظر مطالب أولي النهى (١/ ٨٥).\n(^٧) قال في المستوعب (١/ ٢٦٠): «ولا يقص من لحيته إلا ما زاد على القبضة إن أحب، والأولى أن لا يفعله». وانظر الإنصاف (١/ ١٢١).\n(^٨) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٦٤).","vol":"10","page":290},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4701> دليل من كره أن يأخذ من اللحية شيئًا إلا في النسك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4702>الدليل الأول:</span>\n(٢١٨٧ - ١٣٨) روى البخاري، قال: حدثني محمد، أخبرنا عبدة، أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى (^١).\nوفي رواية لمسلم: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) (^٢).\n(٢١٨٨ - ١٣٩) وروى مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه،\nعن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية (^٣).\n(٢١٨٩ - ١٤٠) وروى مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس (^٤).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (أعفوا اللحى)، والإعفاء في اللغة هو الترك.\n• ويجاب بأجوبة منها:\nالأول: ليس الإعفاء في الحديث هو الترك، بل الإعفاء في الحديث هو التكثير،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٨٩٣).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٥٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٥٩).\n(^٤) مسلم (٢٦٠).","vol":"10","page":291},{"text":"كما يفهم من قوله تعالى: (حَتَّى عَفَوا) أي حتى كثروا، فمن أعفى لحيته بمقدار القبضة فقد كثرت لحيته، وصدق على لحيته أنها قد عفت، وأن صاحبها قد أعفاها، هذا هو المنقول لغة، وهو ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، وسائر الفقهاء.\nجاء في المصباح المنير: «عفا الشيء: كثر، وفي التنزيل: (حَتَّى عَفَوا) [الأعراف: ٩٥]، أي حتى كثروا. ومنه عفا بنو فلان إذا كثروا. وعفوت الشعر: أي تركته حتى يكثر ويطول، ومنه: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) (^١).\nوجاء في إكمال المعلم في شرح فوائد مسلم: «قوله: (وأعفوا اللحى) وفي رواية: (أوفوا اللحى)، وهما بمعنى: أي اتركوها حتى تكثر وتطول. ثم قال: وقال أبو عبيد: في إعفاء اللحى: هو أن توفر، وتكثر، يقال: عفا الشيء: إذا كثر وزاد، وأعفيته أنا.\nوعفا: إذا درس، وهو من الأضداد، ومنه الحديث: (فعلى الدنيا العفا) أي الدروس (^٢).\nوجاء في فتح الباري: «ذهب الأكثرون إلى أنه بمعنى وفروا أو كثروا، وهو الصواب» (^٣).\nوقال السندي: «المنهي قصها كصنع الأعاجم، وشعار كثير من الكفرة، فلا ينافيه ما جاء من أخذها طولًا ولا عرضًا للإصلاح» (^٤).\nوقال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدًا فهم من الأمر في قوله: (أعفوا اللحى) تجويز معالجتها بما يغزرها كما يفعله بعض الناس (^٥).\n_________\n(^١) المصباح المنير (ص: ٢١٧).\n(^٢) إكمال المعلم في شرح فوائد مسلم (٢/ ٦٣).\n(^٣) فتح الباري (١٠/ ٣٥١).\n(^٤) حاشية السندي على النسائي (١/ ١٨).\n(^٥) فتح الباري (١٠/ ٣٥١).","vol":"10","page":292},{"text":"الجواب الثاني:\nقال: معنى (أعفوا اللحى): أي أعفوها من الإحفاء.\nقال القاضي أبو الوليد: ويحتمل عندي أنه يريد أن تعفى من الإحفاء؛ لأن كثرتها ليس بمأمور بتركه (^١).\nالجواب الثالث:\nوهذا قوي قال: إن اللفظ المطلق أو العام يقيد ويخصص بعمل الصحابة، أو بعضهم، وهي مسألة خلافية بعد الاتفاق على أن الصحابي إذا وجد من يخالفه فلا يخص به النص العام، ولا يقيد به المطلق (^٢).\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (٧/ ٢٦٦)، وقال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٥٠): «حكى الطبري اختلافًا فيما يؤخذ من اللحية، هل له حد أم لا؟ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف، وعن الحسن البصري أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش. وعن عطاء نحوه. قال: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها. قال: وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة. وأسند عن جماعة، واختار قول عطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به».\n(^٢) فعل الصحابي الموقوف عليه له حالتان:\nالأولى: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه.\nالثانية: أن يكون مما له فيه مجال.\nفإن كان مما لا مجال للرأي فيه، فهو في حكم المرفوع، كما تقرر في علم الحديث، فيقدم على القياس، ويخص به النص إن لم يعرف الصحابي بالأخذ من الإسرائيليات، وإن كان مما للرأي فيه مجال، فإن انتشر في الصحابة، ولم يظهر له مخالف، فهو الإجماع السكوتي، وهو حجة عند الأكثر، وإن علم له مخالف من الصحابة، فلا يجوز العمل بقول أحدهما إلا بترجيح بالنظر في الأدلة.\nوإن لم ينتشر، فقيل: حجة على التابعي ومن بعده؛ لأن الصحابي حضر التنزيل، فعرف التأويل لمشاهدته لقرائن الأحوال.\nوقيل: ليس بحجة على المجتهد التابعي مثلًا؛ لأن كليهما مجتهد، يجوز في حقه أن يخطئ وأن يصيب، والأول أظهر ... إلخ انظر أصول الفقه للشنقيطي (ص: ١٦٥، ١٦٦). ...\nفإذا تبين هذا، فالمسألة التي معنا قد نقل عن الصحابة عموم الصحابة أنهم كانوا يأخذون من اللحية في النسك، وتعليق الأخذ في النسك دليل على جوازه في غيره؛ لأن اللحية لا تعلق لها بالنسك، وحجة النبي ﷺ قد نقلها لنا الصحابة جابر وغيره، ولم يذكروا أن الأخذ من اللحية من المناسك، فيكون قيد النسك قيدًا غير مؤثر، كما لو فعل الرسول ﷺ فعلًا، وصادف أن ذلك الفعل كان في السفر، لا يقال: لا يفعل إلا في السفر، وإذا كان الأخذ منها في النسك لا ينافي أمر الرسول ﷺ بالإعفاء، فكذلك لا ينافيه خارج النسك. ولا يقال: إن الصحابة لا يعفون لحاهم في النسك.","vol":"10","page":293},{"text":"قال بعض العلماء المعاصرين:\nإذا كان عمل الصحابة خلاف العام أو خلاف المطلق، يكون العام والمطلق غير مراد، أو بعبارة أخرى، إذا كان فرد من أفراد العموم أو المطلق لم يجر العمل به، كان هذا الفرد غير مراد، وعليه فالمطلق في قوله ﷺ: (أعفوا اللحى) غير مراد، لعدم جريان العمل به، فقد ثبت عن السلف الأخذ من اللحية، وكان معروفًا عندهم، وفيهم من روى العموم المذكور، كابن عمر، وحديثه في الصحيحين، وأبي هريرة وحديثه في مسلم وغيرهما. اهـ\nوسوف أسوق الآثار عن الصحابة في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.\nولا يقال: إن فعل الصحابة يعارض النص، نعم يعارض النص لو أن ما جاء عن الصحابة يقتضي حلق اللحية، والنص يأمر بإعفاء اللحية، فحينئذ يقال: بينهما تعارض؛ لأنه يلزم من فعل هذا إبطال ذاك، أما الإعفاء فحقيقته لفظ مجمل، يصدق عليه إذا ترك اللحية حتى تكثر، فإذا أخذ ما زاد على القبضة لا يقال: إن هذا لم يعف لحيته، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4703>الدليل الثاني على كراهة الأخذ من اللحية خارج النسك:</span>\nأن فعل الرسول ﷺ مبين لقوله ﷺ: (أعفوا اللحى) حيث لم يثبت عن النبي ﷺ لا قولًا ولا فعلًا أنه أخذ من لحيته، فيكون فعله مبينًا للمجمل في أمره ﷺ بإعفاء اللحية،","vol":"10","page":294},{"text":"وقول الشارع لا يقيده إلا نص منه، فالمطلق باق على إطلاقه، وكذا العام، وفعل الراوي ليس بحجة، لأن الحجة فيما روى، لا فيما رأى، خاصة أن فعله لم ينسبه للشرع، وقد يفهم الراوي خلاف المراد، وإن كان هذا نادرًا، وقد ينسى، ويبقى الشأن ليس للراوي عصمة، وإنما العصمة للنص، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4704> أدلة القائلين بجواز الأخذ من اللحية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4705>الدليل الأول:</span>\n(٢١٩٠ - ١٤١) روى البخاري في صحيحه، قال: قال: حدثنا محمد بن منهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمر بن محمد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب. وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه (^١).\nورد هذا:\nبأن هذا الفعل من ابن عمر خاص بالنسك، ويجاب بأنه ثبت عن ابن عمر أنه كان يأخذ من لحيته خارج النسك كما سيأتي ذكره إن شاء الله بسند في غاية الصحة، ولو كان الأخذ من اللحية محرمًا لذاته لم يكن مباحًا في النسك، فالشعر يمكن أن يكون مباحًا أخذه فيحرم من أجل النسك، كحلق الرأس، أما أن يكون الشعر محرمًا ثم يبيحه النسك فهذا ما لا يعرف نظيره في الشرع، بل يقال: حرم الأخذ من الشعر بسبب النسك، فحين تحلل ابن عمر رجع إلى الأخذ من الشعر كما كان مباحًا له قبل النسك، هذا ما يفهم من النص، وسيتأكد لك ذلك في آخر البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4706>الدليل الثاني:</span>\n(٢١٩١ - ١٤٢) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن عمرو بن أيوب من ولد جرير،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٨٩٢).","vol":"10","page":295},{"text":"عن أبي زرعة، قال: كان أبو هريرة يقبض على لحيته ثم يأخذ ما فضل منها (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4707>الدليل الثالث:</span>\n(٢١٩٢ - ١٤٣) ما رواه ابن أبي شيبة قال: نا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء،\nعن ابن عباس قال: التفث: الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب والأظفار واللحية.\n[صحيح] (^٣).\nوقد فسر الآية بمثل ما فسرها ابن عباس تابعيان جليلان: مجاهد، ومحمد بن كعب القرضي.\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ٢٢٥) رقم ٢٥٤٨١.\n(^٢) فيه عمرو بن أيوب بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي:\nذكره ابن حبان في الثقات. (٧/ ٢٢٤)\nوقال أبو حاتم الرازي: شيخ كوفي. الجرح والتعديل (٦/ ٩٨)، وبقية رجاله ثقات.\nورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٣٢٤)، قال: قال أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا شيخ أظنه من أهل المدينة، قال: رأيت أبا هريرة يحفي عارضيه يأخذ منهما، قال: ورأيته أصفر اللحية.\nوهذا إسناد ضعيف، لإبهام في إسناده، وفيه متابعة لرواية عمرو بن أيوب. فهل يكون الأثر ثابتًا بمجموع الطريقين عن أبي هريرة؟ ويكون ما ثبت عن ابن عباس، وابن عمر وجابر شاهدًا له؟\nأو يقال: إن عمرو بن أيوب هذا بعد البحث ليس له في الكتب إلا هذا الحديث، ولم يذكره غير ابن حبان، فتفرده بمثل هذا عن أبي زرعة لا يقبل مع جهالته، ولا يتقوى الإسناد بمثل الإسناد الثاني، خصوصًا مثل أبي هريرة ﵁ في كثرة الأصحاب، فقد ذكر أنه أخذ عنه أكثر من ثمانمائة راوٍ من الصحابة والتابعين، فأين روايتهم مثل هذا، وهو يشتهر، ويرى بالعين، كما أن في المتابعة علة أخرى، فإن متنها منكر، وهو كون أبي هريرة يحفي عارضيه، والإحفاء في اللغة: المبالغة في القص كما في غريب الحديث لابن الأثير (١/ ٤١٠) فلا يمكن أن يقال: إن أبا هريرة كان يبالغ في قص عارضيه، خاصة أنه لم يرد عنه إلا في هذا الطريق الضعيف.\n(^٣) المصنف (٣/ ٤٢٩) رقم ١٥٦٧٣. وسبق تخريجه، انظر ح: (٢١٦٦).","vol":"10","page":296},{"text":"أما تفسير مجاهد، فقد أخرجه الطبري، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا\nأبو عاصم، قال: ثنا عيسى (ح).\n(٢١٩٣ - ١٤٤) وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح،\nعن مجاهد، ثم ليقضوا تفثهم. قال: حلق الرأس وحلق العانة وقص الأظفار وقص الشارب، ورمي الجمار، وقص اللحية (^١).\n(٢١٩٤ - ١٤٥) وأما تفسير محمد القرظي، فهو عند الطبراني أيضًا: قال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر،\n_________\n(^١) سنده صحيح إن شاء الله تعالى.\nابن أبي نجيح مدلس، ولم يسمع من مجاهد التفسير، لكن قد عرف الواسطة، وهو ثقة، فقد أخذه من كتاب القاسم بن أبي بزة، والقاسم بن أبي بزة قد قال فيه ابن حبان: لم يسمع التفسير أحد من مجاهد غير القاسم بن أبي بزة، وأخذ الحكم وليث بن أبى سليم وابن أبى نجيح وابن جريج وابن عيينة من كتابه، ولم يسمعوا من مجاهد. الثقات (٧/ ٣٣٠).\n- محمد بن عمرو فيه أكثر من راو يروي عنه الطبري اسمه محمد بن عمرو:\nفمنهم: محمد بن عمرو الباهلي، وهو من شيوخ الطبري الثقات، أكثر من الرواية عنه، إلا أنه لم يذكر من شيوخه أبو عاصم الضحاك بن مخلد.\nوفيه محمد بن عمرو بن تمام الكلبي، مترجم له في الجرح والتعديل، ولم أقف على أنه من تلاميذ أبي عاصم، وهذا أبعد من الأول.\nوأغلب ظني أنه محمد بن عمرو بن عباد، فإنه يروي عن أبي عاصم، كما ذكره المزي، وهو في سن شيوخ الطبري إلا أن المزي لم يذكر الطبري من تلاميذه، فأظنه يستدرك عليه فيه، وباقي رجال الإسناد الأول ثقات.\n- وأما الحارث شيخ الطبري في الإسناد الثاني، فهو الحارث بن محمد بن أبي أسامة.\nقال الحافظ الذهبي: وثقه إبراهيم الحربي مع علمه بأنه يأخذ الدراهم، وأبو حاتم ابن حبان.\nوقال الدارقطني: صدوق.\nقال الذهبي: وأما أخذ الدراهم على الرواية فكان فقيرًا كثير البنات.\nوقال أبو الفتح الأزدي وابن حزم: ضعيف! تاريخ بغداد (٨/ ٢١٨) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦١٩).\nوالحسن: هو الحسن بن موسى، ثقة. وبقية رجال الإسناد ثقات.","vol":"10","page":297},{"text":"عن محمد بن كعب القرظي، أنه كان يقول في هذه الآية: ثم ليقضوا تفثهم: رمي الجمار، وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين واللحية، والأظفار، والطواف بالبيت وبالصفا والمروة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4708>الدليل الرابع:</span>\n(٢١٩٥ - ١٤٦) روى أبو داود، قال: حدثنا ابن نفيل، ثنا زهير، قرأت على عبدالملك بن أبي سليمان، وقرأه عبد الملك على أبي الزبير، ورواه أبو الزبير عن جابر قال: كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة (^٢).\n[حسن] (^٣).\nقال الحافظ في الفتح: «قوله: (نعفي) بضم أوله وتشديد الفاء أي نتركه وافرًا، وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر، فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة: جمع سبلة بفتحتين: وهي ما طال من شعر اللحية، فأشار جابر إلى أنهم يقصرون منها في النسك» (^٤).\nوقوله: (كنا نعفي) حكاية عن الصحابة، كلهم أو أكثرهم، وهذا يؤيد أن الأخذ من اللحية لم يكن من فعل ابن عمر وحده، ولكن من فعل غالب الصحابة.\nوالسبال هنا المراد به اللحية، وإن كان قد يطلق على الشارب، لأنه لا يعقل أن الصحابة لا يأخذون من شواربهم إلا في حج أو عمرة، فهذا قرينة أن المراد به شعر اللحية، وعلى هذا التفسير يطابق ما كان يفعله ابن عمر ﵁، وبه يصح أن الصحابة كلهم أو غالبهم كانوا يأخذون من شعر اللحية في النسك، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٧/ ١٤٩)، ورجاله كلهم ثقات إلا أبا صخر حميد بن زياد، وحديثه حسن إن شاء الله.\n(^٢) سنن أبي داود (٤٢٠١).\n(^٣) وحسن إسناده الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٥٠)، والحديث سبق تخريجه، ح (٢١٨٠).\n(^٤) الفتح (١٠/ ٣٥٠).","vol":"10","page":298},{"text":"وإذا ثبت أن الصحابة يأخذون من اللحية في النسك، فإن هناك مقدمتين ونتيجة:\nالمقدمة الأولى: هل كان الصحابة يجهلون الأمر بإعفاء اللحية، هذا الحكم الذي يعرفه آحاد المسلمين في بلادنا؟\nالمقدمة الثانية: إذا كانوا لا يجهلون الأمر بإعفاء اللحية، فإن السؤال، هل كان الصحابة لا يعرفون لغة مدلول كلمة الإعفاء في الأمر النبوي؟ وهذا أيضًا لا يمكن أن يقال: إن الصحابة، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل التشريع، لا يمكن أن يقال: لا يعرفون مدلول كلمة الإعفاء. فبقي أن نقول بعد التسليم بالمقدمتين: وهو كون الأمر بإعفاء اللحية معلومًا لدى الصحابة، ومعنى الإعفاء معلوم أيضًا، فيبقى التسليم لفهم الصحابة أولى من التسليم لفهم من دونهم.\nالسؤال الآخر: هل كان ابن عمر لا يأخذ من لحيته إلا في النسك؟\nوالجواب:\nثبت عن ابن عمر أنه كان يأخذ من لحيته خارج النسك.\n(٢١٩٦ - ١٤٧) روى مالك في الموطأ عن نافع:\nأن ابن عمر كان إذا أفطر من رمضان، وهو يريد الحج لم يأخذ من رأسه، ولا من لحيته شيئًا حتى يحج (^١).\nوهذا الإسناد من أصح الأسانيد، وفيه فائدتان:\nالفائدة الأولى:\nأن ابن عمر ﵄ كان يمتنع من الأخذ من لحيته بقيدين:\nالأول: بعد الإفطار من رمضان، وأما قبل الإفطار فكان يأخذ من رأسه ولحيته مطلقًا، نوى الحج أو لم ينو.\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٣٩٦).","vol":"10","page":299},{"text":"الفائدة الثانية: أن ابن عمر بعد الإفطار من رمضان يأخذ من لحيته ورأسه إلا أن ينوي الحج، فإن كان بنيته الحج كف عن الأخذ من رأسه ولحيته ليأخذ منهما بعد تحلله.\nوالذي يظهر أن ابن عمر لا يرى أن الأخذ من اللحية له علاقة بالنسك، وإنما لما كان ممنوعًا من الأخذ من لحيته ورأسه بعد تلبسه بالإحرام عادت الإباحة بعد تحلله من إحرامه وارتفاع الحظر، فصار حلالًا له الأخذ من لحيته كما كان قبل إحرامه يأخذ من لحيته قبل إفطاره من رمضان.\nقال ابن عبد البر في الاستذكار: «لما كان حرامًا عليه أن يأخذ من لحيته وشاربه، وهو محرم، رأى أن ينسك بذلك عند إحلاله» (^١).\nفتبين أن دعوى أصحابنا أن ابن عمر لم يكن يأخذ من لحيته إلا في النسك دعوى ليست صحيحة.\nقال ابن عبد البر: هذا ابن عمر روى: (أعفوا اللحى) وفهم المعنى، فكان يفعل ما وصفنا، وقال به جماعة من العلماء في الحج وغير الحج.\nالجواب الثاني:\nعلى فرض أن يكون الصحابة لم يأخذوا من لحاهم إلا في النسك، فهل كان الأخذ محرمًا والنسك أباح لهم انتهاك المحرم؟ أو يقال: إن فعلهم في النسك دليل على أن الترك خارج النسك لم يكن واجبًا، فقد يستحبون الإعفاء كما قال عطاء: كانوا يحبون أن يعفوا لحاهم إلا في حج أو عمرة، وقد يكره بعضهم الأخذ منها، أما أن يكون الشيء محرمًا ثم يبيحه النسك فهذا القول لا يقوم على فقه ولا نقل. والدليل على هذا:\nأولًا: أن اللحية لا تعلق لها بالنسك، وإنما النسك في شعر الرأس خاصة، وقد بين الرسول ﷺ النسك من قوله، ومن فعله، وقال: خذوا عني مناسككم، ولم ينقل\n_________\n(^١) الاستذكار (٤/ ٣١٦).","vol":"10","page":300},{"text":"عن الرسول ﷺ في بيان النسك أن اللحية لها تعلق به، فبطل اعتقاد أن الأخذ منها خاص بالنسك.\nوثانيًا: أن السلف فهموا جواز الأخذ منها ملطقًا، ولم يقيدوه في النسك فيما أعلم إلا الشافعية فإنهم كرهوه خارج النسك، ولم يحرموه، وعبر بعضهم بالأولى كما هي عبارة العراقي، وقد سقتها عند عرض الأقوال.\nثالثًا: ولأني لا أعرف أحدًا من السلف حرم الأخذ من اللحية مطلقًا، فمن ادعى تحريم أخذ ما زاد من القبضة من فهم السلف فليأت به، ولا أعلم أحدًا قال به إلا بعض المعاصرين في البلاد النجدية، قاله الشيخ تفقهًا، وقلده طلابه من غير بحث، وهو فهم لم يسبق إليه، ولم يوافق عليه من سائر البلاد الإسلامية، ومن ادعى فهمًا من النص لم يسبق إليه فهو رد عليه، وإني أدعو القوم إلى ترك أقوالهم إلى أقوال السلف، ومن دعانا إلى تقليده تاركين مذهب السلف فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.\nرابعًا: ولأن أحدًا لا يستطيع أن يقول: إن الصحابة الذين أخذوا من اللحية في النسك لم يعفوا لحاهم حينئذ، وقد تشبهوا في المشركين في ترك الإعفاء. أو يقول: إن التشبه بالمشركين في ترك إعفاء اللحية داخل النسك مباح، وإذا كان خارج النسك كان محرمًا، فلابد من القول بأن الصحابة، وإن أخذوا من لحاهم داخل النسك لم يخرجوا عن حد الإعفاء، وإذا كانوا لم يخرجوا عنه داخل النسك، لم يخرجوا عنه خارج النسك، والعجب أن قومًا من الحنابلة ينقمون علينا اتباع الدليل وتعظيم الآثار في مسائل كثيرة يكون فيها المذهب الحنبلي خلاف القول الراجح، ويدعوننا إلى التقليد واتباع الرجال، وترك الاجتهاد، وفي هذه المسألة التي وافقت مذهب أحمد من قوله وفعله لم تعجبهم، فخالفوا منهجهم في اتباع التقليد، فإن كان التقليد لمذهب الحنابلة هو الراجح عندهم فلم الغضب والمسألة لم تخرج عن مذهب الحنابلة؟ وإن","vol":"10","page":301},{"text":"كان التقليد باطلًا والمسألة من باب تعظيم الدليل، فلماذا ينقمون علينا في هذه المسألة وفي غيرها حرصنا على اتباع الدليل ومخالفة المذهب، ولكن كما يقال: لهوى النفوس سريرة لا تعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4709>الدليل الرابع:</span>\n(٢١٩٧ - ١٤٨) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن منصور، قال:\nسمعت عطاء بن أبي رباح قال: كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة (^١).\nوهذا إسناد في غاية الصحة.\nوقد حاول الإخوة القائلون بالتحريم بتحريف معنى هذا النص، فحملوه بأن الصحابة كانوا يوجبون إعفاء اللحية إلا في حج أو عمرة، مع أن معناه ظاهر: كانوا يحبون أن يعفوا اللحية: أي كانوا يستحبون إعفاء اللحية إلا في حج أو عمرة، ودلالته على الاستحباب ظاهرة لأمرين:\nالأول: أن التعبير بالمحبة ليست من عبارات الوجوب لا في اللغة، ولا في الشرع، فلا يصح أن يقال: كانوا يحبون أن يعفوا اللحية كانوا يوجبون إعفاء اللحية.\n(٢١٩٨ - ١٤٩) روى الشيخان من حديث أبي هريرة: إن الله وتر يحب الوتر (^٢).\nفهل كان الوتر واجبًا حين عبر النبي ﷺ بأن الله يحب الوتر.\n(٢١٩٩ - ١٥٠) وروى الشيخان من طريق مسروق، عن عائشة، كان رسول الله ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره، وترجله، وتنعله (^٣).\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ٢٢٥) رقم ٢٥٤٨٢.\n(^٢) البخاري (٦٤١٠)، مسلم (٢٦٧٧)،.\n(^٣) البخاري (٤٢٦)، ومسلم (٢٦٨).","vol":"10","page":302},{"text":"(٢٢٠٠ - ١٥١) وروى مسلم في صحيحه من حديث البراء: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه (^١).\n(٢٢٠١ - ١٥٢) وقال الحسن كما في الطهور للقاسم بن سلام: كانوا يحبون أن يذكروا الله على طهارة (^٢).\nقال ابن رجب في شرحه للبخاري: «قال النخعي: كانوا يحبون أن يصلوا قبل الجمعة أربعًا. خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العيدين بإسناد صحيح» (^٣).\n(٢٢٠٢ - ١٥٣) وروى ابن أبي شيبة من طريق شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كانوا يحبون أن يحلقوا في أول حجة، وأول عمرة، وإسناده صحيح.\nقال ابن حجر في الفتح: «وهذا يدل على أن ذلك للاستحباب لا للزوم» (^٤).\nفالتعبير بالمحبة سواء كانت مضافة لله سبحانه، أو للرسول ﷺ، أو للصحابة، أو للتابعين لم تدل هذه النصوص على الوجوب، فكذلك قولهم: كانوا يحبون أن يعفوا لحاهم إلا في حج أو عمرة ليست دالة على تحريم الإخذ من اللحية ووجوب الإعفاء.\nالفائدة الثانية: أن الأخذ من اللحية لو كان محرمًا لذاته هل كان النسك يبيحه؟ النسك لا يبيح الحرام، وقد قدمت عن ابن عمر أنه كان يأخذ من لحيته وأنه لا يدع الأخذ منها إلا إذا أفطر من رمضان ونوى الحج، رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر في الموطأ، وإسناده أعلى درجات الصحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4710>الدليل الخامس:</span>\n(٢٢٠٣ - ١٥٤) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن أشعث، عن الحسن، قال:\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٧٠٩).\n(^٢) الطهور (٦٢).\n(^٣) فتح الباري (٨/ ٣٢٩).\n(^٤) فتح الباري (٣/ ٥٦٤).","vol":"10","page":303},{"text":"كانوا يرخصون فيما زاد على القبضة من اللحية أن يؤخذ منها (^١).\n[وسنده ضعيف، ولكن يشهد له ما حكاه عطاء بسند صحيح].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4711>الدليل السادس:</span>\n(٢٢٠٤ - ١٥٥) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا هناد، حدثنا عمر بن هارون، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته، من عرضها وطولها.\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ٢٢٥).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٧٦٢) وفي إسناده عمر بن هارون.\nقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثًا ليس له أصل، أو قال: ينفرد به إلا هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر. قال أبو عيسى: وسمعت قتيبة يقول: عمر بن هارون كان صاحب حديث، وكان يقول الإيمان قول وعمل. سنن الترمذي (٢٧٦٢).\nوقال يحيى بن معين: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٦/ ١٤٠).\nوقال ابن معين كما في رواية ابن الجنيد: كذاب قدم مكة، وقد مات جعفر بن محمد، فحدث عنه. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: تكلم ابن المبارك فيه، فذهب حديثه ... وقال: إن عمر بن هارون يروي عن جعفر بن محمد، وقدمت قبل قدومه، وكان قد توفى جعفر بن محمد. المرجع السابق.\nوقال إبراهيم بن موسى: ترك الناس حديثه. المرجع السابق.\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٤٧٥).\nوقال أبو طالب، عن أحمد: لا أروي عنه شيئًا، وقد أكثرت عنه .... وبلغني أنه قال: حدثني بأحاديث فلما قدم مرة أخرى حدث بها عن ابن عباس، عن أولئك فتركت حديثه. تهذيب التهذيب (٧/ ٤٤١).\nوقال أبو داود: غير ثقة. المرجع السابق.\nوقال ابن المديني: ضعيف جدًّا. المرجع السابق. وفي التقريب: متروك، وكان حافظًا. ...\n[تخريج الحديث].\nالحديث أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٦٨٦) من طريق الترمذي به.\nورواه العقيلي في الضعفاء (٣/ ١٩٤) من طريق هناد السري.\nوأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٨٨٥) وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٠) والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٢٠)، من طريق أبي كامل، كلاهما عن عمر بن هارون به.","vol":"10","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4712>الدليل السابع:</span>\n(٢٢٠٥ - ١٥٦) ما رواه البيهقي في شعب الإيمان من طريق يحيى بن أبي طالب، عن شبابة، أخبرنا أبو مالك النخعي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: رأى النبي ﷺ رجلًا مجفل الرأس واللحية، فقال: على ما شوه أحدكم أمس، قال: وأشار النبي ﷺ إلى لحيته ورأسه يقول: خذ من لحيتك ورأسك (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) شعب الإيمان (٥/ ٢٢١) رقم ٦٤٤٠، ومن طريق يحيى بن أبي طالب أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٤٤).\nورواه الطبراني في المعجم الصغير (١١١) وفي الأوسط (٨٢٩٠)، قال: حدثنا موسى بن زكريا التستري أبو عمران بالبصرة، حدثنا نهار بن عثمان، حدثنا مسعدة بن اليسع، عن شبل بن عباد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بنحوه.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه: شيخ الطبراني، قال الدارقطني: متروك، كما في لسان الميزان.\nوفي إسناده مسعدة بن اليسع، متروك أيضًا، قال أحمد: ليس بشيء حرقنا كتبه، أو تركنا حديثه، وكذبه أبو داود.\n(^٢) في إسناده: عبد الملك بن الحسين النخعي:\nقال البيهقي والبخاري وأبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. التاريخ الكبير (٥/ ٤١١).\nوقال يحيى بن معين: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٥/ ٣٤٧).\nوقال أبو حاتم الرازي وأبو زرعة: ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوقال النسائي ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. تهذيب التهذيب (١٢/ ٢٤٠).\nوقال الأزدي والنسائي أيضًا: متروك الحديث. المرجع السابق.\nكما أن في الإسناد يحيى بن أبي طالب مختلف فيه، وقد حررته في كتاب الحيض والنفاس.","vol":"10","page":305},{"text":"وله شاهدان مرسلان صحيحًا الإسناد:\n(٢٢٠٦ - ١٥٧) فقد روى أبو داود في المراسيل، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا مروان - يعني ابن معاوية - عن عثمان بن الأسود، سمع مجاهدًا يقول: رأى النبي ﷺ رجلًا طويل اللحية، فقال: لم يشوه أحدكم نفسه (^١).\nوأما الشاهد الثاني:\n(٢٢٠٧ - ١٥٨) فقد رواه مالك في الموطأ، قال: عن زيد بن أسلم، أن عطاء بن يسار أخبره، قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده أن اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل، ثم رجع، فقال رسول الله ﷺ: أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس، كأنه شيطان (^٢).\n[ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، وليس صريحًا في الأخذ من اللحية] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4713>الدليل الثامن:</span>\n(٢٢٠٨ - ١٥٩) ما رواه الخطيب في تاريخه من طريق أبي غانم محمد بن يوسف الأزرق، حدثنا محمد بن مخلد العطار، حدثنا أحمد بن الوليد وإبراهيم بن الهيثم البلدي، قالا: حدثنا أبو اليمان، حدثنا عفير بن معدان، عن عطاء،\nعن أبي سعيد، قال: قال النبي ﷺ: لا يأخذ أحدكم من طول لحيته، ولكن من الصدغين.\nقال ابن مخلد: أحمد بن الوليد المخرمي لا يسوى فلسًا (^٤).\n_________\n(^١) المراسيل (٤٤٨)، ورجاله ثقات، وما نسب إلى مروان بن معاوية من التدليس وجدته في تدليس الشيوخ، وهذا لا تضر عنعنته، والله أعلم.\n(^٢) الموطأ (٢/ ٩٤٩).\n(^٣) ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٢٢٥) من طريق مالك به.\n(^٤) تاريخ بغداد (٤/ ١٨١).","vol":"10","page":306},{"text":"[ضعيف أو ضعيف جدًّا] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4714>الدليل التاسع:</span>\n(٢٢٠٩ - ١٦٠) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زمعة، عن ابن طاوس،\nعن سماك بن يزيد قال: كان علي يأخذ من لحيته مما يلي وجهه (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4715>الدليل العاشر:</span>\n(٢٢١٠ - ١٦١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، قال: قال جابر: لا نأخذ من طولها إلا في حج أو عمرة (^٤).\n_________\n(^١) في إسناده: أبو غانم محمد بن يوسف الأزرق، فيه جهالة، ترجم له الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٤/ ١٨١)، والذهبي في تاريخ الإسلام (٨/ ٧٣٥)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوفي إسناده أحمد بن الوليد المخرمي، قال أحمد لا يساوي فلسًا، لكن تابعه إبراهيم بن الهيثم.\nوفي إسناده أيضًا: عفير بن معدان:\nقال ابن معين: لا شيء. الجرح والتعديل (٧/ ٣٦).\nوقال يحيى بن معين، والنسائي: ليس بثقة. الضعفاء الكبير (٣/ ٤٣٠)، تهذيب الكمال (٢٠/ ١٧٦).\nوقال دحيم: ليس بشيء ... الجرح والتعديل (٧/ ٣٦).\nوقال أبو حاتم الرازي: هو ضعيف الحديث يكثر الرواية عن سليم بن عامر، عن أبى أمامة، عن النبي ﷺ بالمناكير ما لا أصل له، لا يشتغل بروايته. المرجع السابق.\nوالحديث أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣١٧٩) من طريق إبراهيم بن الهيثم.\nوأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ١٨١)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٩٩) من طريق أحمد ابن الوليد المُخَرِّمي، كلاهما عن أبي اليمان، حدثنا عفير بن معدان به.\nوسماه ابن عدي محمد بن الوليد المخزومي.\n(^٢) المصنف (٥/ ٢٢٥) رقم ٢٥٤٨٠.\n(^٣) سماك بن يزيد، ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٤/ ٢٨٠).\nوفيه زمعة بن صالح، قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف، وحديثه عند مسلم مقرون.\n(^٤) المصنف برقم (٢٥٤٧٨).","vol":"10","page":307},{"text":"[ضعيف] (^١).\nالراجح من الأقوال:\nأرى أن القول بأن الأخذ مما زاد علي القبضة من اللحية جائز، ولا يجب،\n(٢٢١١ - ١٦٢) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد، عن ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه أنه كان يأخذ من لحيته، ولا يوجبه (^٢).\nولم أقل بوجوبه، لأن الأمر لم يثبت فيه قول أو فعل من رسول الله ﷺ، غاية ما فيه النقل عن الصحابة، وأفعال الرسول ﷺ لا تدل على الوجوب، فكذلك أفعال غيره من باب أولى، ولو كان مستحبًا أو واجبًا لجاء الأمر به من الشارع، وما كان ربك نسيًا، ولا يقال: إن هذا الفعل بيان للمجمل في قوله ﷺ: (أعفوا) فيأخذ حكمه؛ لأن فعل بعض الصحابة لا يعطى حكم فعل الرسول ﷺ مع إمكان الفعل من النبي ﷺ، فإما أن يقال: إن الرسول ﷺ وإن كانت له لحية كبيرة إلا أنها لم تبلغ ما يدعو إلى الأخذ منها، فلم تتجاوز القبضة، وهذا هو المنصوص عليه كما سيأتي.\nوإما أن يقال: عدم النقل ليس نقلًا للعدم، وهذا مسلم في ظاهره، لكن يبعد أن يكون الرسول ﷺ يفعله، ولا ينقل بالوقت الذي نقل فيه فعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم.\nوالأدلة على أن الرسول ﷺ كان كثيف اللحية،\n(٢٢١٢ - ١٦٣) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا عبدالواحد، قال: حدثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير،\n_________\n(^١) أبو هلال الراسبي تقدمت ترجمته، وهو حسن الحديث إن شاء الله، لكن قد تكلم في روايته عن قتادة، قال ابن عدي: أحاديثه عن قتادة كلها أو عامتها غير محفوظة. الكامل (٦/ ٢١٢)، لكن قد توبع أبو هلال من رواية أبي الزبير عن جابر، وقد تقدمت.\nكما أن فيه علة أخرى، وهو أن قتادة لم يسمع من جابر ﵁.\n(^٢) المصنف (٥/ ٢٢٥) رقم ٢٥٤٨٣. ورجاله ثقات.","vol":"10","page":308},{"text":"عن أبي معمر، قال: قلنا لخباب: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قلنا: بم كنتم تعرفون ذاك؟ قال: باضطراب لحيته (^١).\n(٢٢١٣ - ١٦٤) وروى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل،\nعن سماك أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا أدهن لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية. الحديث (^٢). والله أعلم.\n(٢٢١٤ - ١٦٥) وروى النسائي، قال: أخبرنا علي بن الحسين، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي إسحاق،\nعن البراء، قال: كان رسول الله ﷺ رجلًا مربوعًا، عريض ما بين المنكبين، كث اللحية، تعلوه حمرة، جمته إلى شحمتي أذنيه، لقد رأيته في حلة حمراء، ما رأيت أحسن منه (^٣).\n[رجاله ثقات، والحديث في الصحيحين وليس فيه كث اللحية] (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٤٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٣٤٤).\n(^٣) سنن النسائي (٥٢٣٢).\n(^٤) الحديث اختلف فيه على شعبة:\nفرواه النسائي (٥٢٣٢) من طريق أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، بذكر لفظ: (كث اللحية). ...\nورواه حفص بن عمر كما في صحيح البخاري (٣٥٥١)، وسنن أبي داود (٤٠٧٢)، وصحيح ابن حبان (٦٢٨٤) ..\nوأبو الوليد الطيالسي كما في صحيح البخاري (٥٨٤٨)، ومشكل الآثار للطحاوي (٣٣٦٤).\nومحمد بن جعفر كما في مسند أحمد (٤/ ٢٨١)، وأبي يعلى (١٧١٥)، وصحيح مسلم (٢٣٣٧)، والترمذي بإثر ح (٢٨١١)، والروياني في مسنده (٣٢٠).\nوهشيم كما في سنن النسائي (٥٣١٤). ...\nومحمد بن كثير كما في صحيح ابن حبان (٦٢٨٤)، خمستهم رووه عن شعبة، بدون ذكر كث اللحية، وهو المحفوظ، فقد رواه غير شعبة عن أبي إسحاق بدون ذكرها، منهم:\nإسرائيل كما في صحيح البخاري (٥٩٠١)، ومسند أحمد (٤/ ٢٩٥)، والنسائي (٥٠٦٠).\nوالثوري كما في صحيح مسلم (٢٣٣٧)، ومسند أحمد (٤/ ٢٩٠)، وسنن أبي داود (٤١٨٣)، والنسائي (٥٢٣٣).\nويونس بن أبي إسحاق كما في سنن النسائي (٥٠٦٢).\nوشريك كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٤١١٨) وابن ماجه (٣٥٩٩)، وغيرهما.\nأربعتهم رووه عن أبي إسحاق، وليس فيه زيادة (كث اللحية).\nفتبين بها أن أمية بن خالد قد تفرد بها دون أصحاب شعبة، وقد خالفه من هو أحفظ منه. ولها شاهد من حديث علي في المسند، سيأتي الاستشهاد به، وبحثه في دليل مستقل إن شاء الله تعالى.","vol":"10","page":309},{"text":"وله شاهد من حديث علي عند أحمد، وفيه ابن عقيل (^١)،\nومن حديث هند بن\n_________\n(^١) رواه أحمد في المسند (١/ ٨٩) من طريق حماد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ ضخم الرأس، عظيم العينين، هدب الأشفار، مشرب العين بحمرة، كث اللحية، أزهر اللون، إذا مشى تكفأ كأنما يمشي في صعد، وإذا التفت التفت جميعًا، شثن الكفين والقدمين.\nوفي الإسناد ابن عقيل، مختلف فيه، والأكثر على ضعفه.\nوالحديث رواه البخاري في الأدب المفرد (١٣١٥)، والبزار (٦٦٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ٢١٠) من طريق حماد بن سلمة به.\nورواه البزار (٦٤٥) وأبو يعلى في مسنده (٣٧٠)، من طريق حجاج بن أرطأة، عن سالم المكي، عن محمد بن الحنفية، عن علي بنحوه، وليس فيه كث اللحية. وهذا إسناد ضعيف.\nكما رواه أبو داود الطيالسي ط - هجر (١٦٦).\nوالترمذي (٣٦٣٧) من طريق أبي نعيم.\nوأحمد (١/ ٩٦) عن وكيع، ثلاثتهم عن المسعودي، عن عثمان بن هرمز، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن علي، وليس فيه لفظ: كث اللحية، فقال أبو داود الطيالسي ووكيع (ضخم الرأس واللحية)، ولم يذكر اللحية أبو نعيم.\nورواه أحمد (١/ ٩٦) عن مسعر، عن عثمان بن عبد الله به، بذكر بعضه، ولم يذكر اللحية، وهذه متابعة للمسعودي.\nوفي إسناده عثمان بن هرمز، لم يرو عنه غير المسعودي، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال النسائي: ليس بذاك.\nوقد توبع، عثمان، تابعه مثله، رواه أحمد (١/ ١١٦) وابن أبي شيبة (٣١٨٠٧)، وأبو يعلى في مسنده (٣٦٩)، وابن حبان (٦٣١١)، من طريق شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن جبير بن مطعم به، وليس فيه لفظ (كث اللحية)، وإنما فيه (عظيم اللحية).\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا من أجل شريك.","vol":"10","page":310},{"text":"أبي هالة وهو ضعيف (^١).\nوكونه ﷺ كث اللحية لا يلزم منه أنها طويلة؛ فقد فسر أهل اللغة من اللغويين والفقهاء أن كلمة كث تعني الشعر الكثير غير الطويل.\nجاء في تاج العروس: «كث اللحية وكثيثها، أراد كثرة أصولها وشعرها، وأنها ليست بدقيقة، ولا طويلة، ولكن فيها كثافة».\nوجاء في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، وهو من أهل اللغة والفقه، قال: كث اللحية: الكثاثة في اللحية: أن تكون غير رقيقة ولا طويلة، ولكن فيها كثافة» (^٢).\nفهذا تفسير أهل اللغة والفقه: أن لحية الرسول ﷺ كثيرة الشعر، ليست بالطويلة، وإذا لم تكن طويلة لم يستدل على كون الرسول ﷺ لم يأخذ من لحيته على تحريم الأخذ من اللحية الطويلة.\n_________\n(^١) رواه الطبراني في المعجم (٢٢/ ١٥٥) من طريق جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، قال: حدثني رجل بمكة، عن ابن لأبي هالة التميمي، عن الحسن بن علي، قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي -وكان وصافًا- عن حلية النبي ﷺ فذكر من صفة الرسول ﷺ وفيه (كث اللحية) وفي إسناده مبهم.\nوفي إسناده أيضًا: جميع بن عمر.\nقال أبو نعيم الفضل بن دكين: كان فاسقًا. تهذيب التهذيب (٢/ ٩٥).\nوقال الآجري، عن أبي داود: جميع بن عمر، راوي حديث هند بن أبي هالة، أخشى أن يكون كذابًا. المرجع السابق.\nوقال العجلي: جميع لا بأس به، يكتب حديثه، وليس بالقوي. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٦٦).\nوالحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٥٤) من طريق جيمع بن عمير به.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث (٤/ ١٥٢).","vol":"10","page":311},{"text":"وكذلك جاء في مسلم: (كان كثير شعر اللحية) ولا يلزم منه أن تكون طويلة إلى حد تتجاوز القبضة، والله أعلم.\nوالأخذ من اللحية ليس واجبًا؛ لكون النصوص عن الصحابة مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وفي دلالته على الاستحباب نظر، فإن كان من أمور العبادات كان مستحبًا، وإن كان من قبيل العادات كان مباحًا.\nوالقول بتحريم الأخذ من اللحية قول شاذ، لا أعلم أحدًا من السلف قال به، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، يحكى عن غالبهم كما في أثر جابر وعطاء بن أبي رباح، ومن فعل ابن عمر، ولم ينقل إنكار الصحابة رضوان الله عليهم.\nأيظن بالصحابة أنهم يجهلون الأمر بإعفاء اللحية الذي يعرفه عوام المسلمين في بلادنا، خاصة وفيهم ممن روى أحاديث الإعفاء.\nأو يظن بهم أنهم لا يعرفون مدلول كلمة (أعفوا) وهم أهل اللسان، وبلسانهم نزل القرآن، أو يظن أننا أشد غيرة من الصحابة، حيث ننكر على من أخذ من لحيته، وقصر في هذا صحابة رسول الله ﷺ، وهم أنصح الناس.\nوهؤلاء أئمة التابعين، عطاء في مكة، والقاسم في المدينة، وقتادة، والحسن وابن سيرين في البصرة (^١)، والشعبي (^٢)، وإبراهيم النخعي في الكوفة (^٣)، وطاوس في اليمن، وغيرهم من أئمة الفقه والدين يرون جواز الأخذ من اللحية، فهذه بلاد المسلمين في زمن التابعين لا تكاد ترى بلدًا إلا وفيه من العلماء من يذهب إلى جواز\n_________\n(^١) سبق لي أن نقلت عنهم نصوصهم فيما سبق.\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤٢).\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ٢٢٥) رقم ٢٥٤٨٢ قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن منصور، قال: كان إبراهيم يأخذ من عارض لحيته. وسنده على شرط الشيخين.\nوروى ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٤٦) قال: وروى الثوري، عن منصور، عن عطاء، أنه كان يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة. قال منصور: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: كانوا يأخذون من جوانب اللحية. وانظر الفتح (١٠/ ٣٥٠).","vol":"10","page":312},{"text":"الأخذ من اللحية، ولا يعلم لهم مخالف، أيظن بهم أنهم قد ظلوا في هذه المسألة؟ قد ضللت إذًا، وما أنا من المهتدين.\nوهؤلاء الأئمة الأربعة يذهبون إلى جواز الأخذ منها وأضيق المذاهب مذهب الشافعي ﵁ فإنه قيد استحباب الأخذ في النسك، وإذا كان الأخذ منها في النسك لا ينافي الإعفاء، فكذلك الأخذ منها في غير النسك (^١).\n_________\n(^١) وقولي: إن الأئمة يرون جواز الأخذ هذا في الجملة، بل منهم من استحبه، ومنهم من أوجبه، ومنهم من أباحه، وإليك النقول:\nفالحنفية لهم قولان: أحدهما: وجوب الأخذ من اللحية، انظر الدر المختار (٢/ ٤٤)،\nوالثاني: أن الأخذ منها من السنة، وهذا أعلى من المستحب عندهم، فليس الأخذ عندهم مباحًا فقط.\nقال في البحر الرائق (٣/ ١٢): «قال أصحابنا: الإعفاء تركها حتى تكث وتكثر، والقص سنة فيها، وهو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد منها على قبضة قطعها، كذلك ذكر محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة، قال: وبه نأخذ». اهـ ونقل نحوه في الفتاوى الهندية. (٥/ ٣٥٨). وانظر حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٧).\nوأما مذهب الإمام مالك، فقد جاء في المدونة (١/ ٤٣٠): «قلت لابن القاسم: هل كان مالك يوجب على المحرم إذا حل من إحرامه أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره؟ قال: لم يكن يوجبه، ولكن كان يستحب إذا حلق أن يقلم، وأن يأخذ من شاربه ولحيته، وذكر مالك أن ابن عمر كان يفعله».\nواستحباب مالك الأخذ منها ليس مقيدًا في النسك، ومع أنه يستحب الأخذ منها، فهو يكره أن تطول جدًّا، وإليك النقول في ذلك:\nقال الباجي في المنتقى (٧/ ٢٦٦): «روى ابن القاسم عن مالك لا بأس أن يؤخذ ما تطاير من اللحية. قيل لمالك: فإذا طالت جدًّا. قال: أرى أن يؤخذ منها، وتقص». اهـ\nوقول الإمام مالك: «لا بأس» لا يعني التخيير، فقد جاء في الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧): «وحكم الأخذ الندب، (فلا بأس) هنا هو خير من غيره، والمعروف لا حد للمأخوذ، وينبغي الاقتصار على ما تحسن به الهيئة».\nوقال القرطبي في المفهم (١/ ٥١٢): «لا يجوز حلق اللحية، ولا نتفها، ولا قص الكثير منها، فأما أخذ ما تطاير منها، وما يشوه ويدعو إلى الشهرة طولًا وعرضًا فحسن عند مالك وغيره من السلف». =","vol":"10","page":313},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال القاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم (٢/ ٦٤): «وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، ويكره الشهرة في تعظيمها وتحليتها كما تكره في قصها وجزها، وقد اختلف السلف هل لذلك حد، فمنهم من لم يحدد إلا أنه لم يتركها لحد الشهرة، ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدًّا، ومنهم من حدد، فما زاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة». فهنا النص عن مالك أنه كان يكره طولها جدًّا.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٤٥): «اختلف أهل العلم في الأخذ من اللحية، فكره ذلك قوم، وأجازه آخرون. ثم ساق بسنده عن ابن القاسم، قال: سمعت مالكًا يقول: لا بأس أن يؤخذ ما تطايل من اللحية وشذ. قال: فقيل لمالك: فإذا طالت جدًّا فإن من اللحى ما تطول، قال: أرى أن يؤخذ منها وتقصر». اهـ\nوأما النقل عن الشافعي ﵀، فقد قال في الأم (٢/ ٢٣٢): «وأحب إلي لو أخذ من لحيته وشاربه، حتى يضع من شعره شيئًا لله، وإن لم يفعل فلا شيء عليه؛ لأن النسك إنما هو في الرأس لا في اللحية».اهـ\nوأما النقول عن الإمام أحمد ﵀، فإليك إياها:\nجاء في كتاب الوقوف والترجل للخلال (ص: ١٢٩): «أخبرني حرب، قال: سئل أحمد عن الأخذ من اللحية؟\nقال: كان ابن عمر يأخذ ما زاد عن القبضة. وكأنه ذهب إليه - قلت له: ما الإعفاء؟ قال: يروى عن النبي ﷺ، قال: كأن هذا عنده الإعفاء.\nقلت: وعليه فالإمام أحمد يرى أن إعفاء اللحية، والأخذ ما زاد على القبضة لا يتنافيان، ثم قال موصولًا بالكلام السابق.\n«أخبرني محمد بن هارون أن إسحاق حدثهم، قال: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة. قلت: فحديث النبي ﷺ أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى؟ قال: يأخذ من طولها، ومن تحت حلقه، ورأيت أبا عبد الله يأخذ من طولها، ومن تحت حلقه». وهذا النص في أحكام أهل الملل للخلال (ص: ١١).\nوجاء في مسائل أحمد رواية ابن هانئ (٢/ ١٥١): «سألت أبا عبد الله عن الرجل يأخذ من عارضيه؟\nقال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة.\nقلت: فحديث النبي ﷺ: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقه، ورأيت أبا عبد الله يأخذ من عارضيه، ومن تحت حلقه».","vol":"10","page":314},{"text":"وهذا ابن عبد البر (^١)، والقاضي عياض (^٢)، وابن جرير الطبري (^٣)، والطيبي (^٤) والغزالي من الشافعية (^٥)، والحافظ ابن حجر (^٦) يرون جواز الأخذ من اللحية.\nوقال ابن تيمية: وأما إعفاء اللحية فإنه يترك، ولو أخذ ما زاد على القبضة لم يكره، نص عليه (^٧). فقل بالله عليك مَنِ العلماء غيرهم؟ أفيكون قول يراه كل هؤلاء من لدن الصحابة حتى عصر الإمام أحمد، أفيكون قولًا شاذًا مخالفًا لسنة النبي ﷺ. وقد اعترض ابن هانئ على أحمد بأحاديث الأعفاء، فأخبر بأن هذا من الإعفاء والله أعلم.\nوقد كتب لي بعض الإخوة كتابًا خاصًا مستنكرًا أني أرى الإجماع على جواز\n_________\n(^١) التمهيد (٢٤/ ١٤٥).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٦٤).\n(^٣) نقل العيني في عمدة القاري (٢٢/ ٤٦، ٤٧): «وقال الطبري: فإن قلت ما وجه قوله: (أعفوا اللحى)، وقد علمت أن الإعفاء الإكثار، وأن من الناس من إذا ترك شعر لحيته اتباعًا منه لظاهر قوله: (أعفوا) فيتفاحش طولًا وعرضًا ويسمج حتى يصير للناس حديثًا ومثلًا؟\nقيل: قد ثبتت الحجة عن رسول الله ﷺ على خصوص هذا الخبر، وأن اللحية محظور إعفاؤها، وواجب قصها على اختلاف من السلف في قدر ذلك وحده.\nفقال بعضهم: حد ذلك أن يزاد على قدر القبضة طولًا، وأن ينتشر عرضًا فيقبح ذلك، وروى عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه رأى رجلًا قد ترك لحيته حتى كبرت، فأخذ يجذبها، ثم قال: ائتوني بجلمتين، ثم أمر رجلًا فجز ما تحت يده، ثم قال: اذهب فأصلح شعرك، أو أفسده، يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من السباع، ثم قال:\nوقال آخرون: يأخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش أخذه، ولم يحدوا في ذلك حدًّا .. إلخ كلامه ﵀، فهذا ابن جرير الطبري يرى وجوب الأخذ من اللحية.\n(^٤) قال الطيبي في شرح المشكاة (٨/ ٢٥٤): عن الأخذ من اللحية: «هذا لا ينافي قوله ﷺ: (أعفوا اللحى)؛ لأن المنهي هو قصها، كفعل الأعاجم، أو جعلها كذنب الحمام، فالمراد بالإعفاء التوفير منه، كما في الرواية الأخرى، والأخذ من الأطراف قليلًا لا يكون من القص في شيء». اهـ\n(^٥) المجموع (١/ ٣٤٤).\n(^٦) فتح الباري (١٠/ ٣٥٠).\n(^٧) شرح العمدة في الفقه (١/ ٢٣٦).","vol":"10","page":315},{"text":"الأخذ من اللحية، ومستشهدًا بأن قتادة كان يكره الأخذ من اللحية، وأن الكراهة في لغة السلف تعني التحريم، لا غير.\nولي وقفة مع هذا الفهم:\nالقول الأول: ننقل النص عن قتادة، ثم نتبين هل يصح حمل الكراهة على التحريم، أو لا يصح.\nقال الغزالي في الإحياء: «وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل: إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة وقالا: تركها عافية أحب» (^١).\nفقول الحسن وقتادة: (تركها عافية أحب)، قد ذكرت قبل أن كلمة (أحب) صيغة لا تعني التحريم لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في لغة السلف، ولا في لغة الفقهاء، وهي قرينة على أن ما حكي عن قتادة من الكراهة فهي على بابها، وليس مقصوده التحريم. فـ (أحب) أفعل تفضيل ومعناه تركها أحب من القص منها، وهو دليل على الكراهة.\nثانيًا: قد نقل ابن عبد البر والطبري عن قتادة أنه كان يكره أن يأخذ من لحيته إلا في حج أو عمرة (^٢)، واستثناء النسك من الكراهة دليل على أن الكراهة على بابها؛ لأن النسك لايبيح ما كان محرمًا لذاته، خاصة أن اللحية لا تعلق لها بالنسك.\nثالثًا: أن من حكى الخلاف من الفقهاء لم ينقل عنه القول بالتحريم، فالشافعية كانوا يكرهون الأخذ منها إلا في النسك، وهو نفس قول قتادة، والكراهة عندهم على بابها؛ لأن المعتمد في المذهب كراهة الحلق، وهو اختيار النووي والرافعي وجماعة.\nرابعًا: على التسليم بأن قتادة روي عنه الكراهة وأن هذا ثابت عنه، فإن الكراهة في لغة الشارع لفظ مشترك بين التحريم والكراهة، قال ﷺ: كان يكره النوم قبلها\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ١٤٣).\n(^٢) التمهيد (٢٤/ ١٤٦)، ونقل ذلك الطبري عن قتادة كما في شرح البخاري لابن بطال (٩/ ١٤٦).","vol":"10","page":316},{"text":"والحديث بعدها، وقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، فحمل المشترك على أحد معانيه تحكم، كيف وقد وجدت أكثر من قرينة على أنه محمول على الكراهة.\nخامسًا: أصحابنا لا تعرف لهم طريقة، فتشوا عن قول بالكراهة يروى عن قتادة مذكور في كتب الفقه، فطاروا به، ثم حملوه على التحريم جزمًا، ثم جاءوك يحلفون بالله إنه هو القول الصحيح، وما عداه بدعة من القول، وماذا سيكون موقفهم لو أنني أخذت بقول قال به قتادة صريحًا وليس محتملًا، ومسندًا وليس معلقًا، ولم ينقل عنه خلافه كهذه المسألة، وخالف في ذلك قولًا يشتهونه، وكان ممن قال بقولهم الأئمة الأربعة، وأئمة التابعين ومن بعدهم كيف سيكون موقفهم مني، وكيف ستكون التهم خارجة منهم لكان أكثرهم ورعًا من يقول عني: إنني أتتبع الأقوال الشاذة، لبعض العلماء، وأن هذا دليل على رقة في ديني، واتباع لهواي، والبحث عن الرخص، كيف يسوغ للدبيان أن يدع أقوال الصحابة، وأقول التابعين، والأئمة الأربعة ثم يتبع قولًا لقتادة، وهل هناك شذوذ أكثر من أن تنقروا عن قول قال به قتادة دون غيره، وصرح بالكراهة، ولم يصرح بالتحريم، ثم حملتوه لهوى في نفوسكم على التحريم، ثم خلطتم معه أقوالًا منكرة لم أتكلم فيها البتة، ثم حشرتوني مع من قال بحل الغناء، وكشف الوجه، والربا وجملة من المخالفات، ثم أشعرتم القارئ بأن هؤلاء فريق واحد هدفهم هدم ثوابت الدين، ألا تستحون من الله، ألا تعرفون عدلًا لإخوانكم ممن ينتسب لنفس المنهج، كيف يطمع منكم بالعدل مخالفكم، بل كيف يطمع أعدائكم بعدلكم، إذا كان هذا حيفكم على إخوانكم، والله الذي لا إله غيره لو وقف ضدي العالم كله على صعيد ما تركت ما أراه حقًا من أجل جلبتكم وصراخكم، ولو انقطع كل ود بيني وبين إخوتي على أن أترك ما راه حقًا ما تركته، ولن أردد ما تريدون طلبًا لكسب مودتكم على حساب ديني، وما أومن به، وافعلوا كيف ما شئتم، فلن يزيدني ذلك إلا قناعة بأنكم أهل حيف وظلم وجور، ولن آسف على قوم يصرمون حبالهم إذا اختلفت معهم في مسألة فقهية ظنية وإن اتفقت معهم في المنهج والاعتقاد، بل وفي آلاف المسائل فلا كنتم ولا\nكان","vol":"10","page":317},{"text":"الأصحاب من أمثالكم.\nموقف آخر يكشف لك مقدار العدل عندهم.\nطار بعض الإخوة بما قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: «والمختار ترك اللحية على حالها، وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلًا» (^١).\nفحملوا عبارة النووي ما لا تحتمل، وأن النووي يرى التحريم جزمًا لقوله: والمختار ترك اللحية على حالها. وهذا النص لا يدل على تحريم الأخذ؛ لأن المجمل من كلام النووي يحمل على المفسر الواضح، وقد قال في المجموع: «والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقًا» (^٢).\nهذا من جهة ومن جهة أخرى، هل أصحابنا هؤلاء أعلم من أصحاب الشافعية وقد نقلوا عن النووي والرافعي كراهة حلق اللحية، وليس تحريم الأخذ منها؟\nجاء في إعانة الطالبين: «قال الشيخان: يكره حلق اللحية .... والمعتمد عند الغزالي وشيخ الإسلام وابن حجر في التحفة، والرملي، والخطيب، وغيرهم الكراهة» (^٣).\nوفي حاشية الشرواني: «قال الشيخان: يكره حلق اللحية» (^٤).\nوإذا كان هذا رأي النووي والرافعي في حلق اللحية، كيف يرى تحريم الأخذ منها، وكيف تدل عبارته: «والمختار تركها على حالها». أنه يقصد بذلك التحريم، هل حملكم على هذا التفسير الجهل، أو الهوى؟ وكلاهما قبيح بالمرء، خاصة إذا أخذ يضلل مخالفيه، ويرميهم بأشنع التهم.\n* * *\n_________\n(^١) شح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٥١).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤٤).\n(^٣) إعانة الطالبين (٢/ ٣٨٦).\n(^٤) حاشية الشرواني (٢/ ٣٧٦).","vol":"10","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4716>الفصل الثالث\nحلق ما تحت الذقن</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• اللحية في الفقه واللغة لا يدخل فيها ما تحت الذقن.\n[م-٨٦٤] اختلف الفقهاء في حلق ما تحت الذقن:\nفقيل: يجوز حلق ما تحت الذقن، وهو مذهب الحنابلة (^١)، واختاره أبو يوسف من الحنفية (^٢).\nوقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية (^٣)، ونقل عن مالك كراهة حلق ما تحت الحنك، حتى قال: إنه من فعل المجوس (^٤)، وهو مذهب الشافعية (^٥).\n_________\n(^١) الفروع (١/ ١٣٠)، الإنصاف (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٤)، كشاف القناع (١/ ٧٥).\n(^٢) الفتاوى الهندية (٤/ ٨٣)، وبريقة محمودية (٤/ ٨٣).\n(^٣) حاشية بن عابدين (٢/ ٤١٨). وجاء في حاشية الطحطاوي (٢/ ٣٤٢): «وفي المحيط لا يحلق شعر حلقه». اهـ\n(^٤) جاء في حاشية العدوي (٢/ ٤٤٦): نقل عن مالك كراهة حلق ما تحت الحنك، حتى قال: إنه من فعل المجوس. وانظر القوانين الفقهية (ص: ٢٩٣).\nونقل عن بعضٍ: أن حلقه من الزينة، فتكون إزالته من الفطرة، قال العدوي: ويجمع كلام الإمام على من لم يلزم على بقائه تضرر الشخص، ولا تشويه خلقته، وكلام غيره على ما يلزم على بقائه واحد من الأمرين، ويحرم. إزالة شعر العنفقة كما يحرم إزالة شعر اللحية.\n(^٥) الفتاوى الفقهية الكبرى - ابن حجر الهيتمي (٤/ ٢٥٦)","vol":"10","page":319},{"text":"فإن كان ما تحت الذقن من الشعر يعتبر من اللحية أخذ حكمه حكم حلق اللحية، وإن لم يكن من اللحية، كان حكمه حكم سائر شعر البدن، كالساق والصدر ونحوهما، فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه حلقه، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه نهى عن حلقه، وما سكت عنه فهو عفو.\nوقد سبق لنا تعريف اللحية في الفقه واللغة:\nفقيل: اللحية: شعر الخدين والذقن.\nوقيل: الشعر النازل على الذقن.\nوعلى كلا القولين ليس داخلًا في مسمى اللحية، وما تحت الذقن من الشعر ليس له حكم شعر الوجه في وجوب غسله في الوضوء، فلا يدخل في المواجهة. فالصحيح أن كل شعر ليس على اللحيين فإنه غير داخل في شعر اللحية، بما في ذلك شعر الخد، والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4717>الفصل الرابع\nفي نتف الشيب</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• النهي عن نتف الشيب يحتمل الكراهة ويحتمل التحريم، وتعليل النهي يؤيد أن النهي للكراهة، وهو قول عامة أهل العلم.\n[م-٨٦٥] فقيل: يكره نتف الشيب، وهو مذهب المالكية (^١)، ومذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، واختاره ابن تيمية (^٤).\nوقيل: لا بأس بنتف الشيب، اختاره بعض الحنفية (^٥).\n_________\n(^١) قال في المنتقى للباجي (٧/ ٢٧٠): «سئل مالك عن نتف الشيب، فقال: ما علمته حرامًا، وتركه أحب إلي». اهـ\nوقال في الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧): «لم يتكلم المصنف على نتف الشيب من اللحية، وقال مالك حين سئل عنه: لا أعلمه حرامًا، وتركه أحب إلى، أي إزالته مكروهة على الصواب، كما يكره تخفيف اللحية والشارب بالموسى». اهـ\nوقال في حاشية العدوي (١/ ٤٤٦): «وإزالة الشيب مكروهة».\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤٤)، أسنى المطالب (١/ ١٧٣)، تحفة المحتاج (٢/ ١٢٨)، روضة الطالبين (٣/ ٢٣٤).\n(^٣) المغني (١/ ٦٦)، الإنصاف (١/ ١٢٣)، كشاف القناع (١/ ٧٧).\n(^٤) الفتاوى الكبرى (١/ ٥٣).\n(^٥) حاشية ابن عابدين (٢/ ٤١٨) وقال أيضًا (٦/ ٤٠٧): «ولا بأس بنتف الشيب، قيده في البزازية بأن لا يكون على وجه التزين». اهـ\nقلت: فإن كان على وجه التزين كره انظر الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٩). وقال في حاشية الطحطاوي (٢/ ٣٤٢): «كان أبو حنيفة لا يكره نتف الشيب إلا على وجه التزين».اهـ","vol":"10","page":321},{"text":"وقيل: يتوجه احتمال أنه يحرم، قاله ابن مفلح (^١)، ولم يستبعده النووي (^٢)، وحكى ابن الرفعة تحريمه عن نص الأم (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4718> دليل من قال بالكراهة:</span>\n(٢٢١٥ - ١٦٦) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، عن النبي ﷺ قال: لا تنتفوا الشيب؛ فإنه ما من عبد يشيب في الإسلام شيبة إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة (^٤).\n[حسن] (^٥).\n_________\n(^١) الفروع (١/ ١٣١).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤٤).\n(^٣) انظر أسنى المطالب (١/ ١٧٣)، مغني المحتاج (١/ ٤٠٧)، وقد راجعت الأم ولم أجد فيه هذا النص، ولا أظنه فيه، خاصة أن النووي قال: ولو قيل بتحريمه لم يبعد، فعلق التحريم على ما إذا وجد أحد قال به، ولو قال به الشافعي في الأم لم يخف على النووي. والله أعلم.\n(^٤) مسند أحمد (٢/ ١٧٩).\n(^٥) الحديث مداره على عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهذا الإسناد الراجح فيه أنه حسن لذاته، وقد حررت الاختلاف فيه في كتاب الحيض والنفاس.\nوقد رواه عن عمرو بن شعيب جماعة:\nالأول: محمد بن عجلان، كما في رواية الباب، وهو حسن الحديث إلا في أحاديثه عن سعيد المقبري، فقد اختلطت عليه، وقد توبع في هذا.\nرواها أحمد كما في إسناد الباب، وأبو داود (٤٢٠٢)، والبيهقي في السنن (٧/ ٣١١)، وفي شعب الإيمان (٦٣٨٦) من طريق يحيى بن سعيد القطان.\nوأخرجه أبو داود (٤٢٠٢)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٣٦٨٦) من طريق سفيان.\nوأخرجه ابن عدي (٣/ ٢٠٤) من طريق زيد بن حبان، كلهم (يحيى وسفيان، وزيد) عن ابن عجلان به.\nالطريق الثاني:\nعبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب.\nأخرجه أحمد (٢/ ٢١٢) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن =","vol":"10","page":322},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عمرو بن شعيب إن شاء الله، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن نتف الشيب، وقال: إنه نور الإسلام.\nورواه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٠٩) ٦٣٨٦ من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن الحارث، به\nوإسماعيل في روايته عن غير أهل بلده فيها كلام، لكنه قد توبع كما سبق،\nأخرجه البيقهي أيضًا في شعب الإيمان (٥/ ٢٠٩) ٦٣٨٧ من طريق الوليد بن كثير، عن عبد الرحمن بن الحارث به.\nوعبد الرحمن بن الحارث فيه كلام يسير، وفي التقريب: صدوق له أوهام. وما يخشى من وهمه قد زال بالمتابعة.\nالطريق الثالث: ليث بن أبي سليم، عن عمرو بن شعيب.\nرواه أحمد (٢/ ١٧٩) حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا ليث، عن عمرو بن شعيب به.\nورواه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٢٩) رقم ٩٣٢٦ من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن ليث به.\nالطريق الرابع: عمارة بن غزية عن عمرو بن شعيب.\nأخرجه النسائي (٥٠٦٨)، قال: أخبرنا قتيبة، عن عبد العزيز، عن عمارة بن غزية، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ نهى عن نتف الشيب.\nوأخرجه النسائي أيضًا بإسناده في سننه الكبرى (٥/ ٤١٤) رقم ٩٣٣٧.\nالطريق الخامس: محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب به.\nرواه أحمد (٢/ ٢٠٧) حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب به، بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشيب، وقال: هو نور المؤمن، وقال: ما شاب رجل في الإسلام شيبة إلا رفعه الله بها درجة، ومحيت عنه بها سيئة، وكتبت له بها حسنة.\nرواه ابن أبي شيبة (٢٥٩٥١) ومن طريقه أخرجه ابن ماجه.\nوأحمد (٢/ ٢٠٦) والترمذي (٢٨٢١)، عن عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشيب. زاد ابن أبي شيبة: وقال: هو نور المؤمن.\nالطريق السادس: عبد الحميد بن جعفر، عن عمرو بن شعيب.\nأخرجه أحمد (٢/ ١١٠)، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور المسلم. من شاب شيبة في الإسلام كتب الله له بها حسنة، وكفر عنه بها خطيئة، ورفعه بها درجة. وسنده حسن.\nوأخرجه البغوي في شرح السنة (٣١٨١) من طريق أبي بكر الحنفي به.\nالطريق السابع: ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب. أخرجه البيهقي في السنن (٧/ ٣١١).\nالطريق الثامن: الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب. أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٥٧).","vol":"10","page":323},{"text":"وله شواهد، منها.\nالشاهد الأول: حديث أبي هريرة\n(٢٢١٦ - ١٦٧) روى ابن حبان في صحيحه من طريق حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور يوم القيامة، ومن شاب شيبة في الإسلام كتب له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة (^١).\n[محمد بن عمرو ضعيف في أبي سلمة] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (٢٩٨٥).\n(^٢) في إسناده محمد بن عمرو، وقد تكلم في روايته عن أبي سلمة، وهو صدوق في غير أبي سلمة.\nقال ابن معين عنه: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له: وما علة ذلك؟\nقال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. الجرح والتعديل (٨/ ٣٠).\nوقال الجوزجاني: ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه. تهذيب الكمال (٢٦/ ٢١٢)، وتهذيب التهذيب (٩/ ٣٣٣).\nوقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه، هو شيخ. الجرح والتعديل (٨/ ٣٠).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطيء. الثقات (٧/ ٣٧٧).\nوقال ابن سعد: كان كثير الحديث، يستضعف. الطبقات الكبرى (٥/ ٤٣٣).\nوقال علي: قلت ليحيى - يعني ابن القطان -: محمد بن عمرو كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا: بل أشدد. قال: ليس هو ممن تريد، كان يقول حدثنا أشياخنا أبو سلمة ويحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب. قال يحيى: وسألت مالكًا عنه، فقال فيه نحوًا مما قلت لك. الكامل (٦/ ٢٢٤)، تهذيب الكمال (٢٦/ ٢١٢).\nوقال النسائي: ليس به بأس. تهذيب التهذيب (٩/ ٣٣٣)\nوقال في موضع آخر: ثقة. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق له أوهام.\nوالحديث أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٤٥٧) من طريق عنبسة الحداد، عن مكحول، عن أبي هريرة.","vol":"10","page":324},{"text":"الشاهد الثاني: حديث فضالة بن عبيد.\n(٢٢١٧ - ١٦٨) رواه أحمد، قال: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن\nأبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة، عن حنش،\nعن فضالة بن عبيد أن النبي ﷺ قال: من شاب شيبة في سبيل الله كانت نورًا له يوم القيامة، فقال رجل عند ذلك: فإن رجالا ينتفون الشيب، فقال رسول الله ﷺ: من شاء فلينتف نوره.\n[فيه ابن لهيعة، لكن الراوي عنه قتيبة بن سعيد، وروايته عنه أعدل من غيرها، وقد توبع] (^١).\nالشاهد الثالث:\n(٢٢١٨ - ١٦٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا هشام، عن قتادة، عن\n_________\n(^١) الحديث مداره على يزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة، عن حنش، عن فضالة.\nورواه عن يزيد اثنان:\nالأول: ابن لهيعة رواه أحمد كما في إسناد الباب، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٠٤) رقم: ٧٨١، والبيقهي في شعب الإيمان (٦٣٨٨) من طريق قتيبة بن سعيد.\nوالبزار في مسنده (٣٧٥٥) من طريق أبي الأسود النضر بن عبد الجبار.\nوابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٢) من طريق محمد بن معاوية، ثلاثتهم عن ابن لهيعة به.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف مطلقًا، وإن كانت رواية من روى عنه قبل احتراق كتبه أقل ضعفًا، ومنهم قتيبة بن سعيد.\nالثاني: يحيى بن أبي أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب.\nرواه ابن أبي عاصم في الجهاد (١٦٨)، قال: حدثنا أبو موسى،\nوالطبراني في الكبير (١٨/ ٣٠٤) رقم ٧٨٢، والأوسط (٥٤٩٣) من طريق يحيى بن معين.\nوالطبراني في الكبير (١٨/ ٣٠٤) رقم ٧٨٢، من طريق علي بن المديني، ثلاثتهم، عن وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن يحي بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب به.\nورواه البيهقي في شعب الإيمان بالإسنادين (٥/ ٢١٠) رقم ٦٣٨٨، من طريق ابن لهيعة، ومن طريق يحيى بن أيوب الغافقي به.\nوفي إسناده يحيى بن أيوب الغافقي، وهو أعلى درجة من ابن لهيعة، وفي حفظه شيء، ولعل متابعة ابن لهيعة تقوي من إسناده، والله أعلم.","vol":"10","page":325},{"text":"سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي نجيح السلمي، قال: حاصرنا مع رسول الله ﷺ حصن الطائف، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: من بلغ بسهم في سبيل الله فهو له عدل محرر، فبلغت يومئذ بستة عشر سهمًا، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: من رمى بسهم في سبيل الله ﷿ فهو له درجة في الجنة، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت به نورًا يوم القيامة، وأيما رجل مسلم أعتق رجلًا مسلمًا فإن الله ﷿ جاعل وفاء كل عظم من عظامها محررًا من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت فإن الله ﷿ جاعل وفاء كل عظم من عظامها محررًا من النار (^١).\n[أرجو أن يكون حسنًا بمجموع طرقه] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أبي داود الطيالسي (١١٥٤).\n(^٢) حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة، رواه عنه جماعة:\nالأول: معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح.\nرواه أبو داود الطيالسي كما في إسناد الباب، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن (١٠/ ٢٧٢)، وفي شعب الإيمان (٣/ ٦٨) رقم ٤٣٤١.\nوأحمد (٤/ ٣٠٤)، قال: ثنا يحيى بن سعيد،\nوأبو داود (٣٩٦٥) والترمذي (١٦٣٨) والحاكم (٣/ ٥٠)، من طريق معاذ بن هشام،\nوالنسائي (٣١٤٣) من طريق خالد بن الحارث،\nوالإمام أحمد (٤/ ١١٣) حدثنا روح، مختصرًا، خمستهم (أبو داود الطيالسي ويحيى ومعاذ وخالد، وروح) رووه عن هشام، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي نجيح.\nولفظ الترمذي مختصر. وقال: هذا حديث صحيح، وأبو نجيح هو عمرو بن عبسة السلمي.\nوأخرجه البيهقي (٦/ ١٦١)، من طريق شيبان، عن قتادة به.\nوهذه متابعة من شيبان لهشام.\nالطريق الثاني: سليم بن عامر، عن أبي نجيح.\nرواه سليم بن عامر، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد (٤/ ١١٣) عن الحكم بن نافع، عن حريز بن عثمان، عن سليم - يعني ابن عامر - أن شرحبيل بن السمط، قال: لعمرو بن عبسة حدثنا حديثًا ليس فيه ترديد ولا نسيان، =","vol":"10","page":326},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال: عمرو سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار عضوًا بعضو، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة، ومن رمى بسهم، فبلغ، فأصاب أو أخطأ كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل.\nورواه عبد بن حميد (٢٩٩) قال: أخبرنا يزيد بن هارون، أنا حريز بن عثمان، ثنا سليم بن عامر، أن عمرو بن عبسة كان عند شرحبيل بن السمط به.\nورواه الطبراني في مسند الشاميين (١٠٦٨) حدثنا إبراهيم بن دحيم، حدثنا أبي، حدثنا الوليد ابن مسلم، عن حريز بن عثمان، عن سليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة.\nوهذا إسناد منقطع، سليم بن عامر لم يدرك عمرو بن عبسة.\nوخالفه صفوان بن عمرو السكسكي، فأخرجه أبو داود (٣٩٦٦)، والنسائي (٣١٤٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٩٥٨) من طريق بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن شرحبيل، عن عمرو بن عبسة. فجعل الرواية عن سليم، عن شرحبيل، عن عمرو إلا أن في الإسناد بقية، وهو يسوي الإسناد ويدلس، وقد عنعن، إلا أنه قد توبع، تابعه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج.\nرواه الطبراني في مسند الشاميين (٩٥٧) حدثنا بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، عن أبي المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن شرحبيل بن السمط، أنه قال لعمرو بن عبسة.\nوهذه متابعة لبقية في روايته عن صفوان بن عمرو، فخرج بقية من التبعة، فصار الحمل على صفوان بن سليم، فصار الترجيح بين رواية حريز ورواية صفوان، وحريز أرجح، والله أعلم.\nوقد رواه النسائي في المجتبى (٣١٤٥) من طريق خالد بن زيد أبي عبد الرحمن الشامي، يحدث عن شرحبيل بن السمط، عن عمرو بن عبسة، وذكر نحوه.\nورواية خالد عن شرحبيل بن السمط مرسلة. انظر تهذيب الكمال (٨/ ٧٦)، تاريخ الإسلام تحقيق بشار (٣/ ٦٣٨).\nورواه عبد الله بن صالح، واختلف عليه فيه:\nفرواه الدولابي (١/ ٩٠) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم.\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٧٢) من طريق الفضل بن محمد الشعراني، كلاهما عن عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، سمعت أسد بن وداعة يقول: قال: شرحبيل بن السمط، عن عمرو بن عبسة.\nوخالفهما بكر بن سهل، فرواه الطبراني في مسند الشاميين (١٩٨٠) عنه، عن عبد الله بن صالح به، فأسقط من إسناده شرحبيل بن السمط، وجعله من رواية أسد، عن عمرو بن عبسة .. وأسد ابن وداعة لم يدرك عمرو بن عبسة. =","vol":"10","page":327},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الثالث: أبو قلابة عن عمرو بن عبسة.\nوأخرجه عبد الرزاق (١٥٤، ٩٥٤٤)، ومن طريقه عبد بن حميد كما في المنتخب (٣٠٢)، أنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن عبسة به بنحوه. وأبو قلابة لم يسمع من عمرو.\nالطريق الرابع: كثير بن مرة، عن عمرو بن عبسة.\nرواه الترمذي (١٦٣٥)، من طريق حيوة بن شريح الحمصي.\nوأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١١٦٢) من طريق يزيد بن عبد ربه الجرجسي، وأحمد ابن عبد الملك بن واقد الحراني، ثلاثتهم، عن بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة،\nعن عمرو بن عبسة أن رسول الله ﷺ قال من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. اهـ\nوفي الإسناد بقية بن الوليد، وسبق الكلام عليه.\nالطريق الخامس: القاسم بن عبد الرحمن، عن عمرو بن عبسة.\nأخرجه ابن ماجه (٢٨١٢)، والحاكم (٢/ ٩٦)، والبيهقي (٩/ ١٦٢) من طريق عمرو بن الحارث، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم بن عبد الرحمن الشامي، عن عمرو بن عبسة. وهذا إسناد منقطع، والقاسم بن عبد الرحمن الشامي لم يسمع من عمرو بن عبسة، انظر جامع التحصيل (ص: ٢٥٣).\nالطريق السادس: شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة.\nرواه شهر واختلف عليه فيه:\nفأخرجه أبو داود الطيالسي (١٢٤٨) حدثنا عبد الجليل بن عطية، عن شهر، عن عمرو بن عبسة.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٨٦)، وعبد بن حميد (٣٠٤) من طريق عبد الحميد بن بهرام، عن شهر، عن أبي ظبية، عن عمرو. وهذا الاختلاف من شهر بن حوشب، فإنه متكلم فيه، ولم يسمع من عمرو بن عبسة.\nوأخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (١٦٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٥٠) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة. وإسماعيل في روايته عن غير أهل بلده فيها كلام، وهذا منها.\nالطريق السابع: مكحول، عن عمرو بن عبسة.\nأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٢٥٨) من طريق النعمان بن المنذر، عن مكحول، عن عمرو بن عبسة، به. ومكحول عن عمرو بن عبسة مرسل.\nفكل هذه الأسانيد لا تخلو من مقال، ولكن مجموعها صالح للاحتجاج، والله أعلم.","vol":"10","page":328},{"text":"الشاهد الرابع: عن أنس موقوفًا.\n(٢٢١٩ - ١٧٠) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبي، حدثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة،\nعن أنس بن مالك، قال: يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته (^١).\nوفيه شواهد أخرى تركتها اقتصارًا واختصارًا، عن عمر بن الخطاب (^٢)، وعن كعب بن مرة (^٣)، وعن غيرهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4719> دليل من قال بالتحريم:</span>\nحمل النهي عن نتف الشيب بأنه للتحريم، وحمله غيره بأنه للكراهة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4720> دليل من قال بالجواز:</span>\nبنى على الأصل، ولعله لم يثبت عنده هذا الحديث، أو لم يبلغه، ولذلك حين سئل الإمام مالك ﵀ عن نتف الشيب، قال: ما علمته حرامًا، وتركه أحب إلي (^٤).\nوقال عمر بن بدر الموصلي: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله ﷺ (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٣٤١).\n(^٢) عند ابن حبان (٢٩٨٣)، والطبراني في الكبير (٥٨).\n(^٣) عند الطيالسي (١١٩٨)، ومصنف بن أبي شيبة (٤/ ٢١١) رقم ١٩٣٨٦، وأحمد (٤/ ٢٣٥)، وأبي داود (٣٩٦٧)، والترمذي (١٦٣٤)، والنسائي في الصغرى (٣١٤٤)، والكبرى (٤٣٥٢)، الطبراني في الكبير (٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٧٢).\n(^٤) المنتقى للباجي (٧/ ٢٧٠).\n(^٥) المغني عن الحفظ والكتاب (ص: ٤٦٩).","vol":"10","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4721>الفصل الخامس في تغيير الشيب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4722>المبحث الأول تغيير الشيب بغير السواد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الصبغ من الأمور التي تتعلق بالهيئة والزينة، فلا يبلغ الأمر فيها إلى الوجوب، ولو كانت العلة مخالفة المشركين.\n• موافقة المشركين الأصل فيها الكراهة إلا لقرينة، وقد يصل الأمر فيها إلى الكفر، وقد يكون الشأن فيها على خلاف الأولى، والكراهة هي المتيقنة إلا لقرينة، ولا قرينة تدل على وجوب الصبغ.\n• موافقة المشركين في ترك الصبغ ليس كموافقتهم في أصل العبادة، فأمر الصبغ متعلق بالهيئة والزينة، والشأن فيها أخف، وإذا كنا قد أمرنا بالصلاة بالنعال، وهي صفة في العبادة، والصلاة بدون نعال لا يبلغ به حد الكراهة، فالموافقة في ترك الصبغ من باب أولى.\n• الاقتصار على صيام عاشوراء ليس مكروهًا مع أن الرسول ﷺ وعد بصيام التاسع معه لقصد المخالفة.","vol":"10","page":330},{"text":"[م-٨٦٦] اختلف العلماء في تغيير الشيب بغير السواد،\nفقيل: يسن خضاب الشيب بغير السواد من حمرة أو صفرة.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوقيل: مباح تغيير الشيب، وهو ظاهر مذهب المالكية (^٤).\nوقيل: لا يسن تغيير الشيب، وهذا القول مروي عن عمر (^٥)، وسعيد بن\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٢٢).\n(^٢) قاله النووي في المجموع (١/ ٣٤٥).\n(^٣) الآداب الشرعية (٣/ ٣٣٦)، الإنصاف (١/ ١٢٣)، قال ابن قدامة في المغني (١/ ٦٦): «قال أحمد: إني لأرى الشيخ المخضوب فأفرح به. وذاكر رجلًا، فقال: لم لا تختضب؟ فقال: أستحي. قال: سبحان الله سنة رسول الله ﷺ.\n(^٤) جاء في الموطأ (٢/ ٩٤٩) قال يحيى: سمعت مالكًا يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي قال: وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، ليس على الناس فيه ضيق.\nفقوله: ترك الصبغ كله واسع، يعني إن شاء صبغ، وإن شاء ترك، وهذا شأن المباح، والله أعلم.\nوعبارة بعض المتون المالكية: «لا بأس به، جائز» ونحوها.\nقال في حاشية العدوي (١/ ٤٤٦): «وأما صبغه بغير السواد فلا بأس به بالحناء والكتم، ثم قال شارحه: وكلامه محتمل للندب والإباحة، وهي أقرب.\nوقال في الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧): «وجوازه - يعني الصبغ - للرجال في شعر الرأس واللحية دون اليدين والرجلين؛ لأن فيهما من زينة النساء .... إلخ فعبر بالجواز الدال على الإباحة.\n(^٥) روى الطبراني في الأوسط (١٨٢٥) قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا الهيثم بن خارجة، قال: حدثنا محمد بن حمير، عن ثابت بن عجلان،\nعن سليم بن عامر، قال: رأيت أبا بكر الصديق يخضب بالحناء والكتم، وكان عمر لا يخضب، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا محمد.\n[إسناده حسن، إلا أنه معلول]\nورواه ابن حبان في صحيحه (٢٩٨٣) من طريق الهيثم بن خارجه به. واقتصر على المرفوع.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٨٥، ١٥٩): «وعن ابن عمر أن عمر كان لايغير شيبه، فقيل له: يا أمير المؤمنين: ألا تغير فقد كان أبو بكر يغير؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول:\nمن شاب شيبة في الاسلام كأنت له نورًا يوم القيامة.\nقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه طريف بن زيد قال العقيلي لا يتابع على هذا الحديث.\nوقد راجعت الأوسط ولم أجده بهذا اللفظ، وإنما وجدت فيه حديث ابن عمر دون قصة عمر، واقتصر على المرفوع، انظر الأوسط (١٠٢٤).\nويعكر على هذين الحديثين: ما رواه مسلم (٢٣٤١) قال: حدثني أبو الربيع العتكي، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، قال: سئل أنس بن مالك عن خضاب النبي ﷺ، فقال: لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه فعلت، وقال: لم يختضب، وقد اختضب أبوبكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بحتًا.\nوهذا أرجح من حديث الطبراني. والله أعلم.","vol":"10","page":331},{"text":"جبير (^١).\nوقيل: يجب تغيير الشيب، وهو رواية عن أحمد (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4723> دليل من قال بالسنية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4724>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٢٠ - ١٧١) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن:\n_________\n(^١) روى ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٨٤) رقم ٢٥٠٣٢ قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: سمعت سعيد بن جبير، وسئل عن الخضاب بالوسمة؟ فكرهه، فقال: يكسو الله العبد في وجهه النور، ثم يطفئه بالسواد.\nوقد يقال: إن هذا بالنسبة للسواد، ولا يكرهه بغير السواد.\n(^٢) وهذا القول مروي عن أحمد، جاء في كتاب الترجل للخلال (ص: ١٣٢): «والخضاب عندي -أي عند أحمد- كأنه فرض، وذلك أن النبي ﷺ قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم».\nوفيه أيضًا: «ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب، ولا يتشبه بأهل الكتاب، بقول النبي ﷺ: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا بأهل الكتاب».\nوفيه أيضًا (ص: ١٣٣) عن إسحاق، قال: سمعت أبا عبد الله يقول لأبي: يا أبا هاشم أخضب، ولو مرة واحدة أحب لك أن تخضب، ولا تشبه باليهود».\nوانظر مسائل ابن هانئ (١٨٣٥).","vol":"10","page":332},{"text":"إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم. ورواه مسلم (^١).\nفأمر بالصبغ مخالفة لليهود والنصارى، كما أمر بإعفاء اللحية مخالفة للمشركين.\nقال أحمد: ما رأيت أحدًا أكثر خضابًا من أهل الشام، ثم قال: الخضاب هو عندي كأنه فرض، وذلك أن النبي ﷺ قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4725>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٢١ - ١٧٢) ما رواه الإمام مسلم من طريق عاصم الأحول، عن ابن سيرين، قال:\nسألت أنس بن مالك هل كان رسول الله ﷺ خضب؟ فقال: لم يبلغ الخضاب كان في لحيته شعرات بيض. قال: قلت له: أكان أبو بكر يخضب؟ قال: فقال: نعم بالحناء والكتم (^٣).\nوأبو بكر له سنة متبعة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4726> دليل من قال يباح تغيير الشيب وليس بسنة:</span>\nقال: إن الرسول ﷺ لم يصبغ كما في حديث أنس في الصحيح، وصبغ جمع من الصحابة، وترك جمع من الصحابة أيضًا، فدل على أن الأمر واسع.\nقال ابن عبد البر: «جاء عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين أنهم خضبوا بالحمرة والصفرة، وجاء عن جماعة كثيرة منهم أنهم لم يخضبوا، وكل ذلك واسع كما قال مالك والحمد لله» (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٤٦٢)، مسلم (٢١٠٣).\n(^٢) مسائل ابن هانئ (١٨٣٥).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٣٤١).\n(^٤) التمهيد (٢١/ ٨٤).","vol":"10","page":333},{"text":"وقال الحافظ: «ترك الخضاب علي وأبي بن كعب وسلمة بن الأكوع وأنس وجماعة» (^١).\n(٢٢٢٢ - ١٧٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن الشعبي،\nقال: رأيت عليًّا أبيض الرأس واللحية، وقد ملأت ما بين منكبيه (^٢).\n[إسناده صحيح].\n(٢٢٢٣ - ١٧٤) روى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن يونس، عن الحسن،\nعن عيسى التيمي، قال: رأيت أبيًا أبيض الرأس واللحية (^٣).\n[صحيح، وعيسى هو ابن طلحة بن عبيد الله].\n(٢٢٢٤ - ١٧٥) ورواه ابن أبي شيبة، من طريق أبي عامر صالح بن رستم، قال: حدثنا حميد بن هلال، قال: حدثني الأحنف بن قيس، قال:\nقدمت المدينة، فدخلت مسجدها، فبينما أنا أصلي إذ دخل رجل طويل آدم، أبيض اللحية، والرأس محلوق يشبه بعضه بعضًا، فخرجت فاتبعته، فقلت: من هذا؟ قال: أبو ذر.\n[رجاله ثقات إلا صالح بن رستم صدوق كثير الخطأ] (^٤).\nوجمع الطبري، فقال: بأن من صبغ منهم كان اللائق به كمن يستشنع شيبه، ومن ترك كان اللائق به كمن لا يستشنع شيبه، وعلى ذلك حمل قوله ﷺ في حديث جابر\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٣٥٥).\n(^٢) المصنف (٥/ ١٨٦) رقم ٢٥٠٥٥، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٩٤) رقم: ١٥٧. ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٩٨) من طريق جرير، عن عبد الملك بن عمير، قال: رأيت علي بن أبي طالب أبيض الرأس واللحية.\n(^٣) المصنف (٥/ ١٨٦) رقم ٢٥٠٥٤.\n(^٤) المصنف (٥/ ١٨٦) رقم ٢٥٠٥٦.","vol":"10","page":334},{"text":"الذي أخرجه مسلم في قصة أبي قحافة حيث قال ﷺ: لما رأى رأسه كأنها الثغامة بياضًا: غيروا هذا وجنبوه السواد، ومثله حديث أنس الذي تقدمت الإشارة إليه ثم قال: فمن كان في مثل حال أبي قحافة استحب له الخضاب؛ لأنه لا يحصل به الغرور لأحد، ومن كان بخلافه فلا يستحب في حقه، ولكن الخضاب مطلقًا أولى؛ لأنه فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب، وفيه صيانة للشعر عن تعلق الغبار وغيره به إلا إن كان من عادة أهل البلد ترك الصبغ، وأن الذي ينفرد بدونهم بذلك يصير في مقام الشهرة فالترك في حقه أولى. إلخ كلامه ﵀ (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4727> دليل من قال لا يسن تغيير الشيب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4728>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٢٥ - ١٧٦) ما رواه مسلم من طريق المثنى بن سعيد، عن قتادة،\nعن أنس بن مالك، قال: يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4729>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٢٦ - ١٧٧) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا هشام، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي نجيح السلمي، قال: حاصرنا مع رسول الله ﷺ حصن الطائف، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: من بلغ بسهم في سبيل الله فهو له عدل محرر، فبلغت يومئذ بستة عشر سهمًا، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: من رمى بسهم في سبيل الله ﷿ فهو له درجة في الجنة، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت به نورًا يوم القيامة، وأيما رجل مسلم أعتق رجلًا مسلمًا فإن الله ﷿ جاعل وفاء كل عظم من عظامها\n_________\n(^١) الفتح (١٠/ ٣٥٥).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٣٤١).","vol":"10","page":335},{"text":"محررًا من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت فان الله ﷿ جاعل وفاء كل عظم من عظامها محررًا من النار (^١).\n[أرجو أن يكون حسنًا] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة) والصبغ يذهب الشيب. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4730>الدليل الثالث:</span>\n(٢٢٢٧ - ١٧٨) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا قيس، عن الركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ يكره عشرة: الصفرة -يعني الخلوق- والتختم بالذهب، والرقى إلا بالمعوذات، وعزل الماء عن محله، والتبرج بالزينة لغير محلها، وعقد التمائم، وجر الإزار، وإفساد الصبي غير محرمه، وتغيير الشيب، والضرب بالكعاب (^٣).\n[انفرد به عبد الرحمن بن حرملة دون سائر أصحاب ابن مسعود، وليس بالقوي، وفسر جرير تغيير الشيب بنتفه عند أحمد] (^٤).\n_________\n(^١) مسند أبي داود الطيالسي (١١٥٤).\n(^٢) سبق تخريجها انظر ح: (٢٢١٨).\n(^٣) مسند أبي داود الطيالسي (٣٩٦).\n(^٤) الحديث رواه أبو داود الطيالسي (٣٩٦)، والطبراني في الأوسط (٩٤٠٨) عن قيس بن الربيع.\nوأحمد (١/ ٣٨٠) وابن أبي شيبة في المصنف (١٨٥)، وأبو يعلى في مسنده (٥١٥١)، والبيهقي في السنن (٧/ ٢٣٢) و(٩/ ٣٥٠) من طريق جرير بن عبد الحميد.\nورواه أحمد (١/ ٣٩٧) والطحاوي في مشكل الآثار (٣٦٦٠)، من طريق سفيان الثوري.\nورواه أحمد أيضًا (١/ ٤٣٩) من طريق شعبة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٨٥)، وأبو يعلى (٥٠٧٤)، وأبو داود (٤٢٢٢)، ...\nوالنسائي في الكبرى (٩٣٦٣) وفي المجتبى (٥٠٨٨)، وابن حبان في صحيحه (٥٦٨٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢١٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٦٥)، من طريق معتمر، كلهم (قيس، وجرير، وشعبة، وسفيان، ومعتمر) خمستهم عن الركين، عن القاسم بن حسان، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود.\nقال جرير كما في رواية أحمد: وتغيير الشيب: إنما يعني بذلك نتفه.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه: عبد الرحمن بن حرملة:\nقال ابن المديني: لا أعلم أحدًا روى عن عبد الرحمن بن حرملة هذا شيئًا إلا من هذا الطريق، ولا نعرفه في أصحاب عبد الله. العلل لابن المديني (١٧٠).\nوقال البخاري: لا يصح حديثه. التاريخ الكبير (٥/ ٢٧٠).\nوقال ابن أبي حاتم: سألت أبى عنه، فقال: ليس بحديثه بأس، وإنما روى حديثًا واحدًا ما يمكن أن يعتبر به، ولم أسمع أحدًا ينكره، ويطعن عليه وأدخله البخاري في كتاب الضعفاء، وقال: أبى يحول منه. الجرح والتعديل (٥/ ٢٢٢).\nوقال ابن أبي حاتم: رجل من أصحاب ابن مسعود، ولا نعلم، سمع من عبد الله بن مسعود أم لا. الجرح والتعديل (٧/ ١٠٨).\nوفي إسناده أيضًا: القاسم بن حسان:\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٧/ ١٠٨).\nقال أحمد بن صالح: ثقة. تهذيب التهذيب (٨/ ٢٧٩).\nوقال البخاري: حديثه منكر. ميزان الاعتدال، ولم أقف عليه في غيره.\nوقال ابن القطان: لا يعرف حاله. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٧/ ٣٣٥).\nوفي التقريب: مقبول.","vol":"10","page":336},{"text":"• وأجيب:\nبأن هناك فرقًا بين تغيير الشيب، وبين نتفه، قال ابن العربي وإنما نهى عن النتف دون الخضب؛ لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه والله أعلم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٣٥٥).","vol":"10","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4731>المبحث الثاني تغيير الشيب بالسواد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• روى الرواي لفظة (وجنبوه السواد) ثم جزم بنفيها، فهل يقدم الإثبات باعتباره القديم، أو يقال: لو كان أبو الزبير يشك في ثبوتها أو يتردد لقيل: من حفظ مقدم على من لم يحفظ، أما إذا كان جازمًا بعدم ورودها في الحديث فلا تقبل، وإذا اختلف على الراوي فتارة يذكرها، وتارة يجزم بنفيها كان هذا سببًا في إضعاف روايته.\n• أمر الشارع بالصبغ أمرًا مطلقًا، وروي النهي عن السواد، فهل يحمل المطلق على المقيد، باعتبار أن المقيد لا يعارض المطلق، كما أن العام لا يعارض الخاص، أو يقال: لو صح الحديثان، فالمقيد مقدم على المطلق، وما دام أن لفظة (وجنبوه السواد) لا تثبت فلا يقيد الحديثَ الصحيحَ حديثُ ضعيفُ، والله أعلم.\n[م-٨٦٧] خضاب الشيب بالسواد اتفقوا على جوازه في الحرب (^١)،\nواختلفوا في غير الحرب:\nفقيل: يحرم.\n_________\n(^١) قال الحافظ في الفتح (٦/ ٤٩٩): «ويستثنى من ذلك -يعني النهي عن الصبغ بالأسود- المجاهد اتفاقًا».","vol":"10","page":338},{"text":"وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره جماعة منهم، ورجحه النووي (^١).\nوقيل: يكره بالسواد لغير حرب،\nوهو قول في مذهب الحنفية (^٢)، ومذهب المالكية (^٣)، وقول في مذهب الشافعية (^٤)، والمشهور في مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: جائز بلا كراهة، وهو قول في مذهب الحنفية (^٦)،\nواختيار\n_________\n(^١) أسنى المطالب (١/ ١٧٣)، وقال النووي في المجموع (١/ ٣٤٥): «اتفقوا على ذم خضاب الرأس واللحية بالسواد، ثم قال الغزالي في الإحياء، والبغوي في التهذيب، وآخرون من الأصحاب: هو مكروه، وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه، والصحيح بل الصواب أنه حرام، وممن صرح بتحريمه صاحب الحاوي في باب الصلاة بالنجاسة، قال: إلا أن يكون في الجهاد، وقال في آخر كتابه (الأحكام السلطانية): يَمْنَع المحتسب الناس من خضاب الشيب بالسواد إلا المجاهد». اهـ\nوانظر معالم القربة في معالم الحسبة (ص: ١٩٧، ١٩٨)، وفتاوى الرملي (٢/ ٢٧).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٢٢)، الجوهرة النيرة (٢/ ٢٨٢).\n(^٣) المنصوص عن مالك في الموطأ (٢/ ٩٤٩): «قال يحيى: سمعت مالكًا يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي. قال: وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، ليس على الناس فيه ضيق». الخ كلامه ﵀.\nوقال محمد بن رشد في البيان والتحصيل (١٧/ ١٦٦ - ١٦٨): «أما صبغ الشعر بالحناء والكتم والصفرة، فلا اختلاف بين أهل العلم في أن ذلك جائز، ثم قال:\nوأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من العلماء ثم ذكر حديث قصة مجيء أبي قحافة، ثم قال: وقد صبغ بالسواد جماعة منهم: الحسن والحسين ومحمد بنو علي بن أبي طالب، وسرد جماعة من التابعين. وانظر الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧).\n(^٤) اختاره الغزالي والبغوي، انظر المجموع (١/ ٣٤٥).\n(^٥) جاء في كتاب الوقوف والترجل (ص: ١٣٨): «أخبرنا أحمد بن محمد بن حازم، أن إسحاق بن منصور حدثهم، أنه قال لأبي عبد الله: يكره الخضاب بالسواد؟\nقال: إي والله مكروه». ونقله ابن قدامة في المغني (١/ ٦٧)، وانظر الإنصاف (١/ ١٢٣)، كشاف القناع (١/ ٧٧).\n(^٦) قال ابن عابدين في حاشيته (٦/ ٧٥٦): «ومذهبنا أن الصبغ بالحناء والوسمة حسن كما في الخانية، وقال أيضًا: والأصح أنه لا بأس به في الحرب وغيره».\nوقال في الفتاوى الهندية: «وعن الإمام - يعني أبا حنيفة - أن الخضاب حسن بالحناء والكتم والوسمة». اهـ والوسمة السواد.","vol":"10","page":339},{"text":"أبي يوسف (^١)، ومحمد بن الحسن (^٢)، ومذهب بعض الصحابة (^٣)، واختاره جماعة من التابعين منهم ابن سيرين (^٤)، وأبو سلمة (^٥)، ونافع بن جبير (^٦)، وموسى بن طلحة (^٧)، وإبراهيم النخعي (^٨) وغيرهم.\nوقيل: يجوز للمرأة، ولا يجوز للرجل، وهو قول إسحاق (^٩)، واختاره الحليمي (^١٠).\n_________\n(^١) قال في حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٢٢): «وبعضهم جوزه بلا كراهة - يعني الصبغ بالأسود - روي عن أبي يوسف أنه قال: كما يعجبني أن تتزين لي، يعجبها أن أتزين لها».\n(^٢) قال محمد بن الحسن: «لا نرى بالخضاب بالوسمة والحناء والصفرة بأسًا، وإن تركه أبيض فلا بأس بذلك، كل ذلك حسن». الموطأ لمالك رواية محمد بن الحسن (ص: ٣٣١).\n(^٣) سيأتي النقول عنهم إن شاء الله تعالى في ثنايا البحث.\n(^٤) روى ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٣)، قال: حدثنا ابن علية، عن ابن عون، كانوا يسألون محمدًا - يعني ابن سيرين - عن الخضاب بالسواد، فقال: لا أعلم له بأسًا.\n[وسنده صحيح].\n(^٥) روى ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٣) حدثنا وكيع وابن مهدي، عن سفيان، عن سعد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة أنه كان يخضب بالسواد.\n(^٦) روى ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٣) قال: حدثنا وكيع، عن عبد الله بن عبدالرحمن بن موهب، قال: رأيت نافع بن جبير يختضب بالسواد.\n(^٧) روى ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٨٣) حدثنا وكيع، عن عمرو بن عثمان، قال: رأيت موسى بن طلحة يختضب بالوسمة.\nوإسناده صحيح، وعمرو بن عثمان هو عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب ثقة.\n(^٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٨٣) حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، قال: لا بأس بالوسمة، إنما هي بقلة.\n(^٩) جاء في كتاب الوقوف والترجل للخلال (ص: ١٣٩): «أخبرنا عبد الله بن العباس، حدثنا إسحاق بن منصور، قال: قلت لإسحاق، قال - يعني ابن راهوية - الخضاب بالسواد للمرأة؟ قال: لا بأس بذلك للزوج أن تتزين له.\n(^١٠) فتح الباري (٦/ ٤٩٩).","vol":"10","page":340},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4732> دليل القائلين بالتحريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4733>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٢٨ - ١٧٩) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثني أبو الطاهر، أخبرنا\nعبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير،\nعن جابر بن عبد الله، قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ: غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد (^١).\n[الحديث صحيح، واختلف في قوله: وجنبوه السواد] (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢١٠٢).\n(^٢) هذا الحديث مداره على أبي الزبير، عن جابر.\nيرويه عن أبي الزبير زهير بن معاوية، وابن جريج، وليث بن أبي سليم، وعزرة بن ثابت، والأجلح، وأيوب السختياني.\nفرواه ثقتان زهير بن معاوية، وعزرة بن ثابت عن أبي الزبير، عن جابر، ولم يقولوا: وجنبوه السواد، ورواية زهير صريحة أن أبا الزبير ينفي أن تكون هذه اللفظة في الحديث.\nورواه الباقون بذكرها، إلا أن الليث والأجلح ضعيفان. وأما ابن جريج فهو ثقة، وأما رواية أيوب فقد رواها عنه عبد الوارث، وهو ينفرد عنه بأشياء لا يروها عنه أصحابه، كما قال الإمام أحمد، ومنه هذا الحديث، وتابعه روح إلا أن الطريق إليه ضعيف. والحديث له شواهد سنأتي على ذكرها أثناء تخريج الحديث إن شاء الله تعالى.\nوالحديث كما سبق مداره على أبي الزبير، عن جابر، ويرويه عنه جماعة كالآتي:\nالطريق الأول: زهير بن معاوية عن أبي الزبير.\nأخرجه الطيالسي (١٧٥٣) حدثنا زهير، عن أبي الزبير، قال: قلت له: أحدثك جابر أن رسول الله ﷺ قال لأبي قحافة: غيروا، وجنبوه السواد؟ قال: لا.\nوهذه الرواية مختصرة، والنفي في الحديث المقصود به أن الرسول ﷺ لم يقل: وجنبوه السواد، وأما الأمر بالتغيير فهو ثابت من طريق زهير فقد أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٨)، قال: ثنا حسن وأحمد بن عبد الملك، قالا: ثنا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر، قال أحمد في حديثه: حدثنا أبو الزبير،\nعن جابر، قال: أتي رسول الله ﷺ بأبي قحافة - أو جاء عام الفتح - ورأسه ولحيته مثل الثغام أو مثل الثغامة. قال حسن: فأمر به إلى نسائه، قال: غيروا هذا الشيب. قال حسن: قال زهير: قلت لأبي الزبير: أقال: جنبوه السواد؟ قال: لا. =","vol":"10","page":341},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه مسلم (٢١٠٢) حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي الزبير،\nعن جابر قال: أتي بأبي قحافة أو جاء عام الفتح أو يوم الفتح، ورأسه ولحيته مثل الثغام، أو الثغامة، فأمر أو فأمر به إلى نسائه قال: غيروا هذا بشيء.\nوأبو خيثمة: هو زهير بن معاوية.\nوأخرجه ابن الجعد في مسنده (٢٦٥٢) من طريق شبابة،\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٤١) رقم ٨٣٢٧ من طريق عمرو بن خالد الحراني، كلاهما عن زهير به.\nواختلف على زهير بن معاوية، فرواه عنه من سبق:\n١ - يحيى بن يحيى عند مسلم، (٢١٠٢).\n٢ - أبو داود الطيالسي في مسنده (١٧٥٣).\n٣ - حسن بن موسى، كما في مسند أحمد (٣/ ٣٣٨).\n٤ - أحمد بن عبد الملك كما في المسند (٣/ ٣٣٨).\n٥ - شبابة كما في مسند ابن الجعد، (٢٦٥٢).\n٦ - عمرو بن خالد كما في معجم الكبير للطبراني، (٨٣٢٧)،\n٧ - الهيثم بن جميل كما في مستخرج أبي عوانة (١٥١٣).\n٨ - مالك بن إسماعيل، كما في مستخرج أبي عوانة (١٥١٣)،\n٩ - أبو جعفر عبد الله بن محمد بن نفيل كما في مستخرج أبي عوانة (٨٧٠٨)،\n١٠ - حسن بن محمد بن أعين، عشرتهم رووه عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير عن جابر، وليس فيه ذكر السواد، بل في بعضها التصريح على أنها ليست في الحديث.\nوخالفهم إبراهيم بن إسحاق بن مهران، فرواه ابن عبد البر في الاستيعاب (١٧٧٣) من طريق إبراهيم بن إسحاق بن مهران، عن شيخ مسلم يحيى بن يحيى، عن زهير بن معاوية به بذكر: (وجنبوه السواد)، ولا شك أن هذا وهم في رواية زهير بن معاوية، فلو خالف إبراهيم مسلمًا وحده لكان ذلك علة، فكيف وقد خالف ستة رواة ممن رووه عن زهير بدونها.\nالطريق الثاني: عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير.\nأخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٤١٦) وفي المجتبى (٥٢٤٢) قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٤٢) من طريق عبيد الله بن معاذ، كلاهما عن خالد بن الحارث، قال: حدثنا عزرة - وهو ابن ثابت - عن أبي الزبير، عن جابر قال: أتي النبي ﷺ بأبي قحافة، ورأسه ولحيته كأنه ثغامة، فقال النبي ﷺ: غيروا - أو اخضبوا. اهـ هذا لفظ الصغرى، ولفظ الكبرى: (غيروا هذا، خضبوا لحيته)، =","vol":"10","page":342},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولم يقل: وجنبوه السواد. ورجاله إلى أبي الزبير كلهم ثقات أثبات. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٣) من طريق خالد بن الحارث، ثنا عزرة بن ثابت به.\nفهنا ثقتان زهير بن معاوية، وعزرة بن ثابت يرويانه عن أبي الزبير، عن جابر بدون وجنبوه السواد. وفي طريق زهير ينقل عن أبي الزبير أنه يصرح أن قوله: (وجنبوه السواد) ليست في الحديث.\nويشهد له ما روه أحمد (٦/ ٣٤٩) وابن حبان (٧٢٠٨) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٨٨) رقم ٢٣٦ من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدته أسماء وفيه: (غيروا هذا من شعره) ولم يقل: وجنبوه السواد، وسوف يأتي الكلام على هذا الطريق إن شاء الله تعالى.\nالطريق الثالث: ابن جريج، عن أبي الزبير.\nأخرجه مسلم (٢١٠٢) قال: حدثني أبو الطاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ: غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد.\nوومن طريق ابن وهب أخرجه أبو داود (٤٢٠٤)، والنسائي (٥٠٧٦)، وأبو عوانة (١٥١٢)، وابن حبان (٥٤٧١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٠٩).\nالطريق الرابع: أيوب السختياني، عن أبي الزبير.\nأخرجه أبو عوانة في مسنده (٥/ ٥١٣) حدثنا أحمد بن إبراهيم أبو علي القهستاني، قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: ثنا عبد الوارث، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أتي بأبي قحافة إلى النبي ﷺ عام الفتح، وكان رأسه ولحيته مثل الثغامة، فقال رسول الله ﷺ ابعثوا به إلى عند نسائه، فليغيرنه، وليجنبنه السواد.\nوهذا الطريق وإن كان رجاله ثقات إلا أن الإمام أحمد قد تكلم في رواية عبد الواث عن أيوب.\nقال الميموني: سمعته (يعني أحمد بن حنبل) وذكر عبد الوارث. فقال: .... قد غلط في غير شيء، ثم قال: روى عن أيوب أحاديث لم يروها أحد من أصحابه، وهو عنده مع هذا ثبت ضابط». «سؤالاته» (٤٢٣).\nقلت: قد تابع عبد الوارث روح بن القاسم عند الطبراني إلا أن إسناده ضعيف، أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٤١) رقم ٨٣٢٦ حدثنا يحيى بن معاذ التستري، حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا عبد الله بن بزيغ، عن روح بن القاسم، عن أيوب السختياني به.\nويحيى بن معاذ شيخ الطبراني مجهول، وعبد الله بن بزيغ ضعيف.\nالطريق الخامس: ليث بن أبي سليم، عن جابر. =","vol":"10","page":343},{"text":"فقيل: إنها ليست من الحديث، لأن أبا الزبير أنكرها من رواية زهير ابن معاوية عنه، ولم يذكرها عزرة بن ثابت عن أبي الزبير، وإذا اختلف في ثبوتها عن أبي الزبير\n_________\n= أخرجه عبد الرزاق (١١/ ١٥٤) قال: أخبرنا معمر، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أتي بأبي قحافة إلى رسول الله ﷺ يوم الفتح كأن رأسه ثغامة بيضاء، فقال: غيروه، وجنبوه السواد.\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٢)، وأبو عوانة (٥/ ٥١٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٤٠) رقم ٨٣٢٤.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٠٠٠)، ومن طريقه أخرجه ابن ماجه (٣٦٢٤) عن إسماعيل بن علية، عن ليث به.\nوليث رجل ضعيف.\nالطريق السادس: الأجلح، عن أبي الزبير.\nأخرجه أبو يعلى في مسنده (١٨١٩) قال: حدثنا أبو بكر، حدثنا شريك، عن الأجلح، عن أبي الزبير،\nعن جابر قال: لما قدم النبي ﷺ مكة أتي بأبي قحافة، ورأسه ولحيته كأنهما ثغامة، فقال: غيروا الشيب، واجتنبوا السواد به. وهذا إسناد فيه ضعف من أجل شريك بن عبد الله.\nومن طريق شريك أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٤) رقم ٥٦٥٨، وفي الصغير (٤٨٣).\nوهذا طريق ضعيف، شريك، وشيخه الأجلح ضعيفان.\nالطريق السابع: مطر بن طهمان الوراق، عن أبي الزبير.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٨٣٢٥) حدثنا الحسن بن علوية القطان، ثنا إسماعيل بن عيسى العطار، ثنا داود بن الزبرقان، عن مطر الوراق وليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير به.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه داود بن الزبرقان، وهو متروك، وفيه مطر بن طهمان الوراق كثير الخطأ.\nوقد اختلف فيه على مطر بن طهمان.\nفرواه داود بن الزبرقان عنه كما سبق.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٤١) رقم ٨٣٢٨ قال: حدثنا خلف بن عمرو العكبري، ثنا الحسن بن الربيع البوراني، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، عن مطر بن طهمان الوراق يكنى بأبي رجاء، عن أبي رجاء العطاري،\nعن جابر بن عبد الله قال: جيء بأبي قحافة إلى رسول الله ﷺ، ورأسه ولحيته كأنها ثغامة، فقال رسول الله ﷺ: اذهبوا إلى بعض نسائه يغيرنه، قال: فذهبوا به فحمروها.","vol":"10","page":344},{"text":"فإن المرجع هو أبو الزبير، وقد صرح أنها ليست في الحديث.\nوثانيًا: أن ابن جريج كان يصبغ بالسواد، وهو ممن روى الحديث عن أبي الزبير.\n• وأجيب:\nأولًا: أنه قد رواه جملة من الرواة غير زهير بن معاوية بإثبات: (وجنبوه السواد) منهم ابن جريج وهو في مسلم، وأيوب السختياني عند أبي عوانة. وليث بن أبي سليم، وأجلح وفي إسناديهما ضعف منجبر، فلا يتصور وقوع إدراج في الحديث؛ لأن الإدراج يحتمل وروده من الواحد، أما من الجماعة فبعيد.\nوعليه فيكون نفي أبي الزبير محمولًا على نسيانه لها، وهذا قد يحدث لبعض الحفاظ الكبار كما هو معروف.\nقلت: ليست العلة في الحديث إدراج لفظة: (وجنبوه السواد) إنما علته تردد\nأبي الزبير، فتارة يثبتها، وتارة ينفيها، ولو كان أبو الزبير يشك في ثبوتها أو يتردد لقيل: من حفظ مقدم على من لم يحفظ، وإذا اختلف على الراوي فتارة يذكرها، وتارة ينفيها كان هذا سببًا في إضعاف روايته، ولا أحمل على أحد من الرواة عن أبي الزبير، وإنما الحمل عليه هو. وأبو الزبير ليس بالمتقن (^١).\n_________\n(^١) قال الخطيب في الكفاية (ص: ١٣٨): «ما قولكم فيمن أنكر شيخه أن يكون حدثه بما رواه عنه؟\nقيل: إن كان إنكاره لذلك إنكار شاك متوقف، وهو لا يدرى هل حدثه به أم لا فهو غير جارح لمن روى عنه، ولا مكذب له، ويجب قبول هذا الحديث والعمل به؛ لأنه قد يحدث الرجل بالحديث وينسى أنه حدث به، وهذا غير قاطع على تكذيب من روى عنه، وإن كان جحوده للرواية عنه جحود مصمم على تكذيب الراوي عنه، وقاطع على أنه لم يحدثه، ويقول: كذب على فذلك جرح منه له، فيجب أن لا يعمل بذلك الحديث وحده من حديث الراوي، ولا يكون هذا الإنكار جرحًا يبطل جميع ما يرويه الراوي؛ لأنه جرح غير ثابت بالواحد، ولأن الراوي العدل أيضًا يجرح شيخه، ويقول: قد كذب في تكذيبه لي، وهو يعلم أنه قد حدثني، ولو قال: لا أدرى حدثته أولا؟ لوقفت في حاله، فأما قوله: أنا أعلم أنى ما حدثته، فقد كذب وليس جرح شيخه له أولى من قبول جرحه لشيخه، فيجب إيقاف العمل بهذا الخبر، ويرجع في الحكم إلى غيره، ويجعل بمثابة ما لم يرو». =","vol":"10","page":345},{"text":"قالوا: وأما كون ابن جريج يصبغ، فليس بحجة في قوله، ولا في فعله، فالحجة في روايته، فكيف تبطلون ما روي عن الرسول ﷺ بفعل تابعي غير معصوم؟ ! !\nثانيًا: أن الإمام أحمد قد جاء عنه ما يدل على تصحيحه لهذه اللفظة.\n(٢٢٢٩ - ١٨٠) جاء في كتاب الترجل والوقوف: أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: وأكره السواد؛ لأن النبي ﷺ يقول: وجنبوه السواد (^١).\nوجَزْمُ إمام أهل السنة بنسبة الحديث إلى الرسول ﷺ يدل على ثبوته عنده، فلو كان الاختلاف على أبي الزبير مؤثرًا لأعله إمام أهل السنة، فإنه في العلل سل به خبيرًا.\nقلت: فأما كراهيته للسواد فهذا ثابت عن أحمد، لا نزاع في ثبوته عنه، ولا يلزم من كراهيته له أن تكون زيادة: (وجنبوه السواد) ثابتة؛ لأن الإمام قد يأخذ به فقهًا لأمور ودواع أخرى مما يوافق أصوله، ولا يراه ثابتًا من ناحية الإسناد، فهذا حديث التسمية في الوضوء يرى الإمام أحمد أنه لا يصح في الباب شيء، ومع ذلك يراه فقهًا، وأمثلة هذا كثيرة.\n_________\n= وقال ابن كثير في مختصر علوم الحديث المطبوع مع الباعث الحثيث (١/ ٣١٠): «مسألة: وإذا حدث ثقة، عن ثقة بحديث، فأنكر الشيخ سماعه بالكلية:\nفاختار ابن الصلاح أنه لا تقبل روايته عنه لجزمه بإنكاره، ولا يقدح ذلك في عدالة الراوي عنه فيما عداه، بخلاف ما إذا قال: لا أعرف هذا الحديث من سماعي، فإنه تقبل روايته عنه، وأما إذا نسيه فإن الجمهور يقبلونه». اهـ\nلكن يعكر عليه قوله في (ص: ٢٨٣): «إن أهل العلم كافة اتفقوا على العمل باللفظ الزائد في الحديث إذا قال راويه: لا أحفظ هذه اللفظة، وأحفظ أني رويت ما عداها ...». إلخ.\nإلا أن يقال: إن قوله: «لا أحفظ ليس بمثابة قوله: أحفظ أني لم أروها، لأن هناك فرقًا بين النفي والإثبات، والله أعلم. وعلى كل حال قد يختلف الحال من راو لأخر، وقد يوجد إنكار لفظة من طريق تثبت من طريق آخر، فكل حالة لها حكم خاص أشبه بزيادة الثقة والشذوذ، ومنه يتبين هل يكون إنكار راويه يبطلها أو لا يبطلها، وقد يعرف من أين أتى الخطأ من الشيخ أو من التلميذ حال تتبع الحكم على الزيادة من جميع الطرق والشواهد، والله أعلم.\n(^١) الوقوف والترجل (ص: ١٣٨).","vol":"10","page":346},{"text":"وأما نسبة الحديث إلى الرسول ﷺ فجاء من طريق عصمة بن عصام، عن حنبل ابن إسحاق، عن أحمد، فلا أظنها تثبت عنه (^١).\nثالثًا: أن الإمام مسلمًا قد أخرجها في صحيحه، وهو أصح كتاب بعد البخاري، وقد تلقته الأمة بالقبول، وإخراجها في كتابه تصحيح لها، وهذا يدل على أن الحديث ثابت عنده، وكفى بذلك تصحيحًا.\n• وأجيب:\nلا يلزم من إيراد مسلم له في صحيحه أن يكون قد صحح هذه الزيادة، فقد قال لي بعض الإخوة في المذاكرة: إذا ساق مسلم الحديث بلفظ، ثم أعقبه بلفظ آخر يخالفه كان ذلك منه تنبيهًا على علته، ولو لم يصرح، وقد أكثر من هذا أبو داود في سننه.\nوهذا يمكن أن يقبل لو نص عليه إمام، أو كان نتيجة للدارسة والسبر، فإن كان\n_________\n(^١) عصمة بن عصام، له ترجمة في تاريخ بغداد وذكر عنه أنه يروى عن حنبل، ولم يذكر راويًا عنه سوى الخلال، ولم يذكر فيه شيئًا من جرح أو تعديل. تاريخ بغداد (١٢/ ٢٨٨).\nوأما حنبل فهو وإن كان ثقة في نفسه، إلا أنه تكلم فيما ينفرد به عن أحمد،\nقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٠٥): «وحنبل ينفرد بروايات يغلطه فيها طائفة كالخلال وصاحبه».\nوقال ابن رجب عن رواية حنبل في شرحه للبخاري (٢/ ٣٦٧): «وهو ثقة، إلا أنه يهم أحيانًا، وقد اختلف متقدمو الأصحاب فيما تفرد به حنبل عن أحمد، هل تثبت به رواية عنه أم لا؟\nوقال أيضًا (٧/ ٢٢٩): «كان أبو بكر الخلال وصاحبه لا يثبتان بما تفرد به حنبل عن أحمد رواية». اهـ\nومن أخطائه ما نسبه إلى أحمد، وهو غير معروف عنه من مذهبه: من تأويل قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) الفجر، آية: ٢٢، قال: وجاء أمر ربك، وهذا خلاف مذهب السلف.\nونسب أيضًا للإمام أحمد أن الإمام يتحمل عن المأموم تكبيرة الإحرام في حال السهو، قال ابن رجب: وهذه رواية غريبة عن أحمد، لم يذكرها الأصحاب، والمذهب عندهم أنها لا تجزئه، كما لا تجزئ عن الإمام والمنفرد، وقد نقله غير واحد عن أحمد. والله أعلم. وانظر زاد المعاد (٥/ ٣٩٢).","vol":"10","page":347},{"text":"هذا مسلمًا فذاك، وإن كان غير مسلم، فإنه قد انتقدت بعض الأحاديث في البخاري ومسلم، وسُلِّم للدارقطني وغيره بعض الإعتراضات على بعض الأحاديث، وما انتقده العلماء ليس داخلًا في تلقي الأمة له بالقبول، وهذا الحديث منها، والله أعلم.\nثم وجدت من نص على هذه الحقيقة، وقد أثبت ذلك من خلال دراسته لصحيح مسلم (^١).\n• جواب آخر ذكره أبو حفص الموصلي:\nقال: والجواب عن حديث وجنبوه السواد من وجهين:\nالأول: أن أحاديث مسلم لا تقاوم أحاديث البخاري.\nيقصد حديث أبي هريرة في الصحيحين: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم، فأمر بالصبغ وأطلق ولم يقيد بشيء.\nوالجواب: أحاديث البخاري أقوى من أحاديث مسلم بالجملة هذا مسلم، ولا نحتاج إلى الترجيح إلا حيث يوجد التعارض بحيث لا يمكن العمل بكلا الدليلين، وحديث البخاري لا يعارض هنا حديث مسلم، لأن مطلق حديث أبي هريرة بالأمر بالصبغ مقيد بحديث جابر في تجنيب السواد، والمطلق لا يعارض المقيد، كما أن العام\n_________\n(^١) وقد أجاد الدكتور حمزة بن عبد الله المليباري في كتابه القيم: عبقرية الإمام مسلم في ذكر هذه الخاصية للإمام مسلم، واستنبطها من مقدمة مسلم، فقد قال مسلم في كتابه:\nإنه قسم الأحاديث إلى ثلاثة أقسام:\nقال مسلم: «فأما القسم الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، ولم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم».\nفتبين أن مسلمًا يقدم الحديث الأنقى، ثم يعقبه بالحديث الذي أقل منه درجة، وقد يكون في الحديث الثاني علة، فيكون ذلك كالتنبيه عليها، فجزى الله الشيخ حمزة خيرًا، وإني أنصح بقراءة كتب الشيخ لاهتمامه بطريقة المتقدمين من المحدثين، والله أعلم.","vol":"10","page":348},{"text":"لا يعارض الخاص، وهذا الجواب قوي لو صح الحديثان، فالمقيد يقدم على المطلق إذا كانا صحيحين، وإلا فلا يقيد الحديثَ الصحيحَ حديثُ ضعيفُ، والله أعلم.\nالوجه الثاني: قال: إن الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص قد صبغوا بالسواد، فلو كان حرامًا لما فعلوه، وكذلك كانوا في زمان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فلو كان حرامًا لأنكروا عليهم (^١).\n• وأجيب:\nبأن العصمة إنما هي للوحي، وكم من حديث صحيح ثابت خالفه أفراد من الصحابة، فنعتذر للصاحب بأنه لا يتعمد الخطأ، لكن لا نبطل النص الشرعي لمخالفة بعض الصحابة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4734>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٣٠ - ١٨١) فقد روى أحمد بن حنبل، قال: ثنا محمد بن سلمة الحراني، عن هشام، عن محمد بن سيرين، قال:\nسئل أنس بن مالك عن خضاب رسول الله ﷺ، فقال: إن رسول الله ﷺ لم يكن شاب إلا يسيرًا، ولكن أبا بكر وعمر بعده خضبا بالحناء والكتم، قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه مكرمة\nلأبي بكر، فأسلم، ولحيته ورأسه كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ: غيروهما، وجنبوه السواد (^٢).\n[لم يذكر قصة أبي قحافة في الحديث إلا محمد بن سلمة عن هشام، وقد رواه غيره عن هشام، ولم يذكرها، كما رواه جمع من الرواة عن أنس بدون ذكرها، والحديث في\n_________\n(^١) جنة المرتاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب (ص: ٤٧٧، ٤٨٧).\n(^٢) مسند أحمد (٣/ ١٦٠).","vol":"10","page":349},{"text":"الصحيحين بدون ذكر قصة أبي قحافة فلا أظنها محفوظة من حديث أنس] (^١).\n_________\n(^١) تخريج حديث الباب:\nالحديث اختلف فيه على هشام بن حسان:\nفرواه محمد بن سلمة كما في مسند أحمد (٣/ ١٦٠)، وأبي يعلى (٢٨٣١)، ومشكل الآثار للطحاوي (٣٦٨٦)، وكشف الأستار للبزار (٢٩٨١)، وصحيح ابن حبان (٥٤٧٢)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٢٤٤)، فرووه عنه، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس بذكر قصة أبي قحافة في حديث الباب.\nوخالفه كل من:\nعبد الله بن إدريس، كما في صحيح مسلم (٢٣٤١)، ومشكل الآثار للطحاوي (٣٦٨٥).\nوروح كما في مسند أحمد (٣/ ٢٠٦).\nووهب بن جرير كما في مشكل الآثار للطحاوي (٣٦٩١)، ثلاثتهم رووه عن هشام بن حسان به، بلفظ: سئل أنس بن مالك هل خضب رسول الله ﷺ، قال: إنه لم يكن رأى من الشيب إلا، قال ابن إدريس: كأنه يقلله، وقد خضب أبو بكر وعمر بالحناء والكتم. هذا لفظ الإمام مسلم.\nوهؤلاء الواحد منهم أحفظ من محمد بن سلمة، ولا مقارنة.\nكما رواه غير هشام عن ابن سيرين، ورواه جمع عن أنس من غير طريق ابن سيرين، ولم يذكروا قصة أبي قحافة، وهذا يجعلني أجزم أن ذكر قصة أبي قحافة في حديث أنس ليست محفوظة. والله أعلم.\nأما من رواه عن ابن سيرين، فقد رواه البخاري (٥٨٩٤) ومسلم (٦١٤٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٠٩)، من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنسًا أخضب النبي ﷺ؟ قال: لم يبلغ الشيب إلا قليلًا.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي (٢١٠٠) قال: حدثنا هارون، قال: حدثنا محمد بن سيرين، قال:\nسألنا أنسًا هل خضب النبي ﷺ؟ فقال: لم يبلغ ذلك - وذكر قلة من شيبة- ولكن أبو بكر ﵀ خضب بالحناء والكتم.\nوأخرجه مسلم (٢٣٤١) وأبو يعلى الموصلي في مسنده (٢٧٢٩)، من طريق عاصم الأحول،\nعن ابن سيرين، قال: سألت أنس بن مالك هل كان رسول الله ﷺ خضب؟ فقال: لم يبلغ الخضاب كان في لحيته شعرات بيض. قال: قلت له: أكان أبو بكر يخضب؟ قال: فقال: نعم بالحناء والكتم. =","vol":"10","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهؤلاء أيوب وعاصم الأحول، وهارون رووه عن ابن سيرين بما يوافق رواية عبد الله بن إدريس، ووهب بن جرير، وروح، عن هشام، عن ابن سيرين، أفيكون محمد بن سلمة مقدمًا على هؤلاء الستة! ! لا شك أن طريقة جمهور المحدثين تأبى قبول زيادة الثقة مطلقًا، وإنما الترجيح للأكثر والأحفظ، وقد اجتمعا في روايتنا هذه.\nوأما من رواه عن أنس من غير طريق ابن سيرين، فإليك تخريج رواياتهم:\nالطريق الأول: قتادة، عن أنس.\nأخرجه أحمد (٣/ ١٩٢) قال: ثنا بهز، ثنا همام، عن قتادة، قال:\nسألت أنس بن مالك أخضب رسول الله ﷺ؟ قال: لم يبلغ ذلك، إنما كان شيء في صدغيه، ولكن أبو بكر رضي الله تعالى عنه خضب بالحناء والكتم.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٢٥١) حدثنا عفان.\nوالبخاري (٣٥٥٠) قال: حدثنا أبو نعيم.\nوالترمذي في الشمائل (٣٦)، والنسائي في المجتبى (٥٠٨٦)، من طريق أبي داود، كلهم (بهز وعفان، وأبو نعيم، وأبو داود) رووه عن همام.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٢١٦)، ومسلم (٢٣٤١) والنسائي (٥٠٨٧) من طريق المثنى بن سعيد، كلاهما (همام والمثنى بن سعيد)، عن قتادة به.\nالطريق الثاني: ثابت، عن أنس.\nأخرجه أحمد (٣/ ٢٢٧) حدثنا يونس، حدثنا حماد - يعني ابن زيد - عن ثابت،\nأن أنسًا سئل: خضب النبي ﷺ؟ قال: لم يبلغ شيب رسول الله ﷺ ما كان يخضب، ولو شئت أن أعد شمطاتٍ كن في لحيته لفعلت، ولكنَّ أبا بكر كان يخضب بالحناء والكتم، وكان عمر يخضب بالحناء.\nومن طريق حماد بن زيد أخرجه البخاري (٥٨٩٥)، ومسلم (٢٣٤١)، وأبو داود (٤٢٠٩)، وأبو يعلى في مسنده (٣٣٦٤).\nوأخرجه عبد الرزاق (٢٠١٧٨) (٢٠١٨٥) من طريق معمر، عن ثابت، عن أنس. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الترمذي في الشمائل (٣٧)، والبغوي (٣٦٥٣).\nالطريق الثالث: حميد، عن أنس.\nأخرجه أحمد (٣/ ١٠٠) من طريق معتمر بسند صحيح. =","vol":"10","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4735>الدليل الثالث:</span>\n(٢٢٣١ - ١٨٢) ما رواه الطحاوي، من طريق أحمد بن حميد ختن عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى ابن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه،\nعن أسماء قالت: لما كان يوم الفتح أتي رسول الله ﷺ بأبي قحافة، وكأنَّ رأسه ولحيته ثغامة، قال: غيروه، وجنبوه السواد (^١).\n[إسناده ضعيف فيه المحاربي وقد عنعن، ورواه غيره لم يقل: وجنبوه السواد] (^٢).\n_________\n= وأخرجه أيضًا (٣/ ١٠٨) وابن ماجه (٣٦٢٩) من طريق ابن أبي عدي بسند صحيح، كلاهما، عن حميد، عن أنس.\nوأخرجه أحمد أيضًا (٣/ ١٧٨) حدثنا سهل بن يوسف، عن حميد به. وسنده صحيح. وأخرجه أحمد (٣/ ١٨٨) حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا حميد به. وسنده صحيح. ...\nوأخرجه أحمد (٣/ ٢٠١) وعبد بن حميد (١٤١٤) عن يزيد بن هارون، عن حميد، وسنده صحيح.\nالطريق الرابع: أبو إياس معاوية بن قرة، عن أنس. أخرجه مسلم (٢٣٤١).\nهذه بعض الطرق إلى أنس، وأعترف أنني لم أتقصاها كلها، ومع ذلك فقد وقفت على عشرة طرق في الحديث، لا يذكرون ما ذكره محمد بن سلمة.\nمنها ثلاثة طرق يروونه عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس.\nومنها ثلاثة طرق يروونه عن ابن سيرين، عن أنس.\nومنها أربعة طرق عن أنس، فالباحث بهذا يستطيع أن يجزم بوهم محمد بن سلمة.\n(^١) شرح مشكل الآثار (٣٦٨٤).\n(^٢) الحديث مداره على محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء.\nواختلف على محمد بن إسحاق:\nفرواه المحاربي، عن ابن إسحاق كما في مشكل الآثار للطحاوي (٣٦٨٤) بذكر وجنبوه السواد.\nوخالفه جماعة منهم:\nالأول: جرير بن حازم كما في مسند إسحاق بن راهوية (٢٢٤٥)، ولم يتعرض لذكر شعر أبي قحافة.\nالثاني: إبراهيم بن سعد، كما في مسند أحمد (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، المعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٨٨) رقم: ٢٣٦، وصحيح ابن حبان (٧٢٠٨)، وفيه: دخل به أبو بكر على رسول الله ﷺ، ورأسه كأنه ثغامة، فقال رسول الله ﷺ: غيروا هذا من شعره. الحديث. وليس فيه ذكر السواد. وهذا إسناد حسن، فهذا اللفظ من الحديث موافق في لفظه لحديث زهير بن معاوية، عن أبي الزبير، =","vol":"10","page":352},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن جابر في مسلم، وهو يقوي أن الحديث ليس فيه: (وجنبوه السواد). وهو طريق مختلف والقصة واحدة.\nالثالث: يونس بن بكير، كما في المستدرك للحاكم (٣/ ٤٦) ودلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٩٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٩/ ١٢١ - ١٢٢)، ولم يذكر شعر أبي قحافة.\nفهؤلاء ثلاثة لم يذكروا ما ذكره المحاربي، والمحاربي مدلس، وقد ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة ممن لا تقبل عنعنته، وقد يقال: إنه من أصحاب المرتبة الرابعة لكونه يدلس عن المجهولين والمتروكين.\nقال أحمد: لم نعلم أن المحاربي سمع من معمر شيئًا، وبلغنا أن المحاربي كان يدلس. الضعفاء الكبير (٢/ ٣٤٧).\nوقال العقيلي أيضًا: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: قيل لأبى إن المحاربي حدث عن عاصم، عن أبى عثمان، عن جرير: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل، فقال: كان المحاربي جليسًا لسيف بن محمد ابن أخت سفيان، وكان سيف كذابًا، وأظن المحاربي سمعه منه. المرجع السابق. فانظر كيف يتهم بالتدليس عن الكذابين.\nوجاء ذكر السواد من طريق آخر، فقد أخرجه أحمد (٣/ ٢٤٧) قال: حدثنا قتيبة، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: غيروا الشيب، ولا تقربوه السواد.\nورواه الطبراني في الأوسط (١٤٢) من طريق يحيى بن بكير، عن ابن لهيعة به، بنحوه.\nوفي هذا الإسناد ابن لهيعة، وقد رأى بعضهم تحسين حديثه إذا كان من طريق من روى عنه قبل أن تحترق كتبه. والراجح أنه ضعيف مطلقًا، لكن رواية العبادلة عنه أعدل من غيرها كما قال الحافظ، وهذه العبارة لا تقتضي تحسين حديثه.\nقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن ابن لهيعة سماع القدماء منه؟ فقال: آخره وأوله سواء إلا أن ابن المبارك وابن وهب كانا يتتبعان أصوله فيكتبان منه، وهؤلاء الباقون كانوا يأخذون من الشيخ، وكان ابن لهيعة لا يضبط، وليس ممن يحتج بحديثه. الجرح والتعديل (٥/ ١٤٥).\nفهذا نص على أنه ضعيف مطلقًا، وإن كان قد يتفاوت الضعف فرواية ابن المبارك أخف ضعفًا.\nوقال عمرو بن علي: عبد الله بن لهيعة احترقت كتبه، فمن كتب عنه قبل ذلك مثل ابن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرى أصح من الذين كتبوا بعد ما احترقت الكتب، وهو ضعيف الحديث. المرجع السابق.\nوهذا النص ليس فيه أن ما يرويه العبادلة صحيح مطلقًا، إنما كلمة أصح لا تعني الصحة كما هو معلوم، ولذلك قال: وهو ضعيف الحديث، هذا حاله قبل احتراق كتبه وبعدها. =","vol":"10","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي إذا كان من يروى عن ابن لهيعة مثل بن المبارك وابن وهب يحتج به؟ قال: لا. الجرح والتعديل (٥/ ١٤٥).\nوقال ابن حبان: قد سبرت أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له من رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار فرأيته كان يدلس عن أقوام ضعفاء، عن أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فالتزقت تلك الموضوعات به. قال عبد الرحمن بن مهدي: لا أحمل عن ابن لهيعة قليلًا ولا كثيرًا كتب إلي ابن لهيعة كتابًا فيه: حدثنا عمرو بن شعيب، قال عبد الرحمن: فقرأته على ابن المبارك، فأخرجه إلي ابن المبارك من كتابه، عن ابن لهيعة قال حدثني: إسحاق بن أبي فروة، عن عمرو بن شعيب.\nثم قال ابن حبان: وأما رواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه ففيها مناكير كثيرة، وذاك أنه كان لا يبالي ما دفع إليه قراءة، سواء كان ذلك من حديثه أو غير حديثه، فوجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من الأخبار المدلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه لما فيه مما ليس من حديثه. المجروحين (٢/ ١١).\nوهذا عين التحرير. أن رواية المتقدمين عنه فيها ما يدلسه عن الضعفاء، ورواية المتأخرين عنه فيها ما ليس من حديثه.\nوجاء في ضعفاء العقيلي (٢/ ٢٩٤): «حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن على، قال سمعت: أبا عبد الله، وذكر ابن لهيعة، وقال: كان كتب عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، وكان بعد يحدث بها عن عمرو بن شعيب نفسه».\nوهذا صريح بأن ابن لهيعة يدلس عن الضعفاء.\nوحديثنا هذا قد عنعنه ابن لهيعة وقد ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الخامسة، والمرتبة الخامسة قال فيها الحافظ:\nالخامسة: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس، فحديثهم مردود، إلا بما صرحوا فيه بالسماع إلا إن توبع من كان ضعفه منهم يسيرًا كابن لهيعة.\nقلت: هذا الطريق بهذا الإسناد لا أعلم أحدًا تابع فيه ابن لهيعة، فهو ضعيف، والله أعلم.\nوأما رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة، فهل تكون بمنزلة رواية العبادلة فتعتبر أعدل من غيرها أم لا؟ فالراجح فيه أن قتيبة بن سعيد سمع من ابن لهيعة بآخرة.\nأولًا: أن قتيبة بن سعيد صغير، فقد ولد كما قال هو سنة ١٥٠ هـ.\nوخرج للرحلة من بغداد سنة ١٧٢ هـ، وكان عمره ثلاثًا وعشرين سنة، وكان احتراق كتب ابن لهيعة سنة ١٦٩ هـ وحضر قتيبة جنارة ابن لهيعة سنة ثلاث وسبعين أو أربع وسبعين ومائة، فمن أين له أن يكون سماعه قديمًا، ولذلك قال أبو بكر الأثرم: وسمعت أباعبد الله أحمد بن حنبل. =","vol":"10","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4736>الدليل الرابع:</span>\n(٢٢٣٢ - ١٨٣) ما رواه الطبراني في الأوسط، من طريق محبوب بن عبد الله النميري أبي غسان، قال: حدثنا أبو سفيان المديني، عن داود بن فراهيج،\nعن أبى هريرة، قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة، وأبو بكر قائم على رأسه، قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن أبا قحافة شيخ كبير، وإنه بناحية مكة فقال رسول الله ﷺ: قم بنا إليه. فقال: يا رسول الله هو أحق أن يأتيك، فجيء بأبي قحافة كأن لحيته ورأسه ثغامة بيضاء، فقال رسول الله ﷺ: غيروه، وجنبوه السواد (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= وذكر قتيبة، فأثنى عليه، وقال: هو من آخر من سمع من ابن لهيعة. انظر الجرح والتعديل (٧/ ١٤٠). وتهذيب الكمال (٢٣/ ٥٢٨).\nوأما ما رواه الذهبي في السير (٨/ ١٧) قال: «قال جعفر الفريابي سمعت بعض أصحابنا يذكر، أنه سمع قتيبة يقول: قال لي أحمد بن حنبل: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح؟ فقلت: لأنا كنا نكتب من كتاب ابن وهب، ثم نسمعه من ابن لهيعة».\nفهذه القصة إن لم يكن لها إلا هذا الإسناد فإنه ضعيف، لأن جعفرًا الفريابي لم يسمعها إنما قال: سمعت بعض أصحابنا يذكر ... وذكرها، فلم يذكر لنا من هم بعض أصحابه؟ هل ممن يعتد به في النقل والجرح أم لا؟ فلا تعارض الحقائق التاريخية التي قدمتها، ولا تعارض ما رواه أبو بكر الأثرم سماعًا عن أحمد من أن قتيبة من آخر من سمع من ابن لهيعة، والله أعلم.\nثم وقفت على إسناد آخر في تهذيب الكمال (١٥/ ٤٨٧): «قال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود يقول: سمعت قتيبة يقول: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن أخيه، أو كتب ابن وهب إلا ما كان من حديث الأعرج».\nوعلى كل حال الذي أراه أن العبادلة روايتهم عن ابن لهيعة ليست صحيحة، إنما هي أعدل من غيرها فحسب، ولا أزيد على هذا. والله أعلم.\n(^١) المعجم الأوسط (٥/ ٢٣) رقم ٤٥٦٨.\n(^٢) في إسناده: داود بن فراهيج.\nضعفه أحمد ويحيى بن سعيد القطان والنسائي. تعجيل المنفعة (ص: ٢٨٢)، الجرح والتعديل (٣/ ٤٢٢)، الضعفاء والمتروكين (١٨٣).\nوقال حنبل بن إسحاق عن أحمد: مديني صالح الحديث. المرجع السابق. =","vol":"10","page":355},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= واختلف قول يحيى بن معين فيه، فقال مرة: لا بأس به، كما في رواية عثمان بن سعيد الدارمي عنه.\nوقال أخرى: ضعيف، كما في رواية العباس بن محمد الدوري. الجرح والتعديل (٣/ ٤٢٢).\nوقال أبو حاتم الرازي: صدوق. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم: تغير حين كبر، وهو ثقة صدوق. انظر الكواكب النيرات (ص: ١٦٢) رقم ٢١.\nوفي إسناده أيضًا: أبو غسان محبوب بن عبد الله النميري، مجهول، لم أقف له على ترجمة، وقد ذكره المزي في تهذيب الكمال من تلاميذ محمد بن زياد اليشكري، انظر تهذيب الكمال (٢٥/ ٢٢٣).\nوفي إسناده أيضًا: أبو سفيان المديني، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، والبخاري في التاريخ الكبير وسكتا عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه أحد غيره.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٦١): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه داود بن فراهيج، وثقه يحيى القطان وغيره، وضعفه جماعة، وفيه من لم أعرفهم.\nكما جاء حديث أبي هريرة من طريق آخر:\nرواه أبو هريرة، واختلف عليه فيه:\nفرواه البخاري (٥٨٩٩)، ومسلم (٢١٠٣) من طريق أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أبي هريرة، قال النبي ﷺ: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفهوهم. فأمر بتغيير الشيب، ولم يذكر اجتناب السواد، وهذا هو المعروف من حديث أبي هريرة.\nورواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٢١٩) والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣١١) من طريق الحسن ابن هارون، ثنا مكي بن إبراهيم، أخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ذكر النبي ﷺ قال: غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود، واجتنبوا السواد.\nوهذا إسناد منكر، فيه الحسن بن هارون، وهو نيسابوري، وليس هو الحسن بن عفان، ولا ابن سليمان.\nقال ابن حبان: الحسن بن هارون من أهل نيسابور، يروى عن مكي بن إبراهيم، حدثنا عنه أبو حامد الشرقى. الثقات (٥/ ٣٤٧).\nقلت: أبو حامد الشرقي: هو الحافظ أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن.\nوعليه فالراوي لم يرو عنه إلا أبو حامد الشرقي، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فهو ضعيف.\nوفيه عبد العزيز بن أبي رواد لا تحتمل مخالفته، وكان غاليًا في الإرجاء:\nوثقه ابن معين، والقطان، وأبو عبد الله الحاكم.\nوقال أحمد: رجل صالح، وكان مرجئًا، وليس هو في التثبت مثل غيره. الجرح والتعديل (٥/ ٣٤٩). =","vol":"10","page":356},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وذكره العقيلي في الضعفاء (٣/ ٦).\nوقال البيهقي: معروف بسوء الحفظ، وكثر الغلط.\nوقال علي بن الجنيد: كان ضعيفًا، وأحاديثه منكرات. تهذيب التهذيب (٦/ ٣٠١).\nوقال الدارقطني: هو متوسط في الحديث، وربما وهم في حديثه. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: ولعبد العزيز بن أبي رواد غير حديث وفي بعض رواياته ما لا يتابع عليه. الكامل (٥/ ٢٩٠).\nوقال ابن حبان: كان ممن غلب عليه التقشف، حتى كان لا يدري ما يحدث به، فروى عن نافع أشياء لا يشك من الحديث صناعته إذا سمعها أنها موضوعة، كان يحدث بها توهمًا لا تعمدًا، ومن حدث على الحسبان، وروى على التوهم حتى كثر ذلك منه سقط الاحتجاج به، وإن كان فاضلًا في نفسه، وكيف يكون التقي في نفسه من كان شديد الصلابة في الإرجاء، كثير البغض لمن انتحل السنن. المجروحين (٢/ ١٣٦).\nقلت: ومن أوهامه ما رواه الخطيب في الجامع (١/ ٣٤٧) من طريق حدثني الوليد، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يتنور في كل شهر، ويقلم أظفاره في كل خمس عشرة.\nإلا أن يكون الحمل فيه على الوليد.\nومنها ما رواه أبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ وآدابه (٤/ ١٠٧) من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع،\nعن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يقص أظفاره يوم الجمعة. والله أعلم.\nشاهد آخر:\nرواه الحارث في مسنده كما في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ١٣٢) رقم ٥٦٢٥ قال: حدثنا أبو الوليد خالد بن الوليد الجوهري - والصواب خلف بن الوليد كما في بغية الباحث - حدثنا عباد بن عباد، عن معمر، عن الزهري أن أبا بكر أتى النبي ﷺ بأبيه يوم فتح مكة، وهو أبيض الرأس واللحية، كأن رأسه ولحيته ثغامة بيضاء، فقال رسول الله ﷺ: ألا تركت الشيخ حتى أكون أنا آتيه، ثم قال: اخضبوه وجنبوه السواد.\nوهو في بغية الباحث رقم (٥٨١). والحديث مرسل، والمرسل ضعيف.\nوانفرد بهذا عباد عن معمر، وعباد وإن كان ثقة إلا أن له أوهامًا، وأين أصحاب معمر عن هذا الحديث لو كان من حديث معمر.\nقال ابن جرير الطبري: وكان عباد بن عباد ثقة غير أنه كان يغلط أحيانا فيما يحدث. تاريخ بغداد (١١/ ١٠١). =","vol":"10","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4737>الدليل الخامس:</span>\n(٢٢٣٣ - ١٨٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا حسين وأحمد بن عبد الملك، قالا: ثنا عبيد الله يعنى ابن عمرو، عن عبد الكريم، عن ابن جبير -قال أحمد: عن سعيد بن جبير-\nعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد. قال حسين: كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة (^١).\n[رجاله ثقات إلا أنه اختلف في وقفه ورفعه] (^٢).\n_________\n= وقال ابن سعد: كان ثقة وربما غلط. الطبقات الكبرى (٧/ ٣٢٧).\nوقال أيضًا: كان معروفا بالطلب، حسن الهيئة، ولم يكن بالقوي في الحديث. المرجع السابق (٧/ ٢٩٠).\nووثقه يعقوب بن شيبة، وأبو داود والنسائي وابن معين وغيرهم. انظر تهذيب التهذيب (٥/ ٨٣).\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبى ﵀ عن عباد بن عباد المهلبي، فقال: صدوق لا بأس به. قيل له: يحتج بحديثه؟ قال: لا. الجرح والتعديل (٦/ ٨٢)، وعلى كل حال، فعباد ثقة قد جاوز القنطرة، ولكن حديثه هذا مرسل، والله أعلم.\n(^١) مسند أحمد (١/ ٢٧٣).\n(^٢) الحديث رواه أحمد (١/ ٢٧٣) عن حسين بن محمد بن بهرام، وأحمد بن عبد الملك.\nورواه ابن سعد في الطبقات (١/) وابن أبي خيثمة في تاريخه (٩٠٩)، وأبو يعلى في مسنده (٢٦٠٣) عن عبد الله بن جعفر الرقي.\nورواه أبو داود (٤٢١٢) عن أبي توبة ربيع بن نافع.\nورواه والنسائي (٥٠٧٥) عن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي.\nوأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٦٩٩) من طريق علي بن معبد،\nوأخرجه أبو عمر الداني في السنن الواردة في الفتن (٣١٩) من طريق أحمد بن زهير،\nوأخرجه وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢٢٥٤)، والبيهقي في السنن (٧/ ٣١١) من طريق عمرو بن خالد، كلهم (حسين وأحمد بن عبد الملك، وعبد الله بن جعفر، وأبو توبة، وعبد الرحمن الحلبي، وعلي بن معبد، وأحمد بن زهير، وعمرو بن خالد) رووه عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٤٩٩): «ولأبي داود، وصححه ابن حبان من حديث =","vol":"10","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن عباس مرفوعًا (يكون قوم في آخر الزمان يخضبون كحواصل الحمام لا يجدون ريح الجنة) وإسناده قوي إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه، فمثله لا يقال بالرأي فحكمه الرفع.\nقلت: لم أقف على هذا الاختلاف في الحديث من مخرج واحد، فليتأمل.\nوهذا الإسناد مداره على عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nواختلف في عبد الكريم. فورد في أكثر الروايات غير منسوب.\nوورد في سنن أبي داود (٤٢١٢) من طريق توبة وعند البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢١٥) رقم ٦٤١٤ من طريق هلال بن العلاء الرقي، عن أبيه وعبد الله بن جعفر، ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم الجزري مصرحًا بأنه الجزري.\nورأى ابن الجوزي أنه ابن أبي المخارق، فذكره في الموضوعات، قال (١٤٥٥): «هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، والمتهم به عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية البصري». اهـ\nفتعقبه الحافظ ابن حجر في القول المسدد (ص: ٤٨) فقال: «أخطأ ابن الجوزي فإن عبد الكريم الذي هو في الإسناد هو ابن مالك الجزري، الثقة المخرج له في الصحيح، ثم ذكر من خرج الحديث». اهـ\nوقال ابن عراق في التنزيه (٢/ ٢٧٥): «وسبق الحافظَ ابن حجر إلى تخطئة ابن الجوزي في هذا الحديث الحافظُ العلائي».\nوالحق مع الحافظ للأسباب التالية.\nأولًا: أنه ذكر منسوبًا عند أبي داود، وسنده صحيح، وعند البيهقي في شعب الإيمان، وسنده حسن.\nثانيًا: أن عبيد الله بن عمرو الرقي لا يروي عن ابن أبي المخارق فلم يذكر المزي في تهذيب الكمال أنه من تلاميذه، بينما معروف أن عبيد الله الرقي يروي عن الجزري، وهذه قرينة في أن عبد الكريم هو الجزري، بل ذكر الحديث في تحفة الأشراف (٤/ ٤٢٤) من مسند عبد الكريم الجزري، عن سعيد، عن ابن عباس.\nوعبيد الله بن عمرو راوية الجزري، لكن تفرد الجزري عن سعيد بن جبير بهذا الحديث، ولم يروه غيره من أصحاب سعيد بن جبير كأيوب والمنهال بن عمرو وغيرهما.\nوقد قال ابن حبان: كان صدوقًا، ولكنه كان ينفرد عن الثقات بالأشياء المناكير، فلا يعجبني الاحتجاج بما انفرد من الأخبار، وإن اعتبر معتبر بما وافق الثقات من حديثه فلا ضير، وهو ممن أستخير الله فيه». المجروحين (٢/ ١٤٦). =","vol":"10","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال يعقوب بن شيبة: «هو إلى الضعف ما هو، وهو صدوق، وقد روى عنه مالك، وكان ممن ينقي الرجال». تهذيب التهذيب (٦/ ٣٣٣).\nوالحق أن عبد الكريم ثقة، متفق على ثقته، وتعميم ابن حبان غير مرضي، ولم ينتقد حديث عبد الكريم إلا في روايته عن عطاء، وابن حبان إذا جرح عمَّم، لكن الأئمة قد يعلون الحديث إذا تفرد به ثقة عن أقرانه، وكان أصلًا في الباب، ولم يصححه معتبر، فكيف وقد اختلف في إسناده ومتنه، وإليك بيانه:\nالحديث رواه عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس كما سبق.\nورواه الحكيم الترمذي في المنهيات (١٩٩) من طريق أبي حمزة السكري، عن عبدالكريم، عن مجاهد، أنه ذكر عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: يكون في آخر الزمان قوم يصبغون بالسواد، لا ينظر الله إليهم يوم القيامة.\nوعبد الكريم هذا هو الجزري، لأن أبا حمزة السكري لا يروي إلا عن الجزري، ومجاهد لم يصرح أنه سمعه من ابن عباس.\nوالأول أقوى إسنادًا، والحكيم الترمذي متكلم فيه، لكنه قد توبع على الأقل في ذكر مجاهد.\nفقد رواه الخلال في كتاب الترجل (ص: ١٣٩) أخبرنا يحيى، قال: أخبرنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا هشام بن عبد الله، عن عبد الكريم بن أبي أمية، عن مجاهد، قال: يكون قوم في آخر الزمان يسودون شعورهم، لا ينظر الله إليهم يوم القيامة.\nوهذا إسناد حسن إلى عبد الكريم بن أبي أمية، رجاله كلهم ثقات إلا عبد الوهاب، فإنه صدوق، وهنا صرح في الإسناد أن عبد الكريم هو ابن أبي أمية المتروك.\nكما أن فيه مخالفة أخرى، وهو أن المتن ليس فيه: (لا يريحون رائحة الجنة).\nكما أن هشامًا توبع في كون الحديث من قول مجاهد، فقد روى عبد الرزاق في المصنف (٢٠١٨٣) قال: أخبرنا معمر، عن خلاد بن عبد الرحمن، عن مجاهد، قال: يكون في آخر الزمان قوم يصبغون بالسواد لا ينظر الله إليهم، أو قال: لا خلاق لهم.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات.\nوأما ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٤٨) رقم ٢٥٠٣١ قال: حدثنا ملازم بن عمرو، عن موسى بن نجدة، عن جده زيد بن عبد الرحمن، قال: سألت أبا هريرة: ما ترى في الخضاب بالوسمة؟ فقال: لا يجد المختضب بها ريح الجنة.\nفهذا إسناد ضعيف، فيه موسى بن نجدة لم يرو عنه غير ملازم بن عمرو، ولم يوثقه أحد، ولذلك قال الحافظ: مجهول.\nورواه الخلال في الوقوف والترجل (ص: ١٣٩): أخبرنا محمد بن علي، حدثنا مهنا، قال: حدثني أبو عصام داود، حدثنا زهير بن محمد العنبري، =","vol":"10","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ يكون قوم يغيرون البياض بالسواد، قال مرة: يغيرون بياض اللحية والرأس بالسواد يسود الله وجهوهم يوم القيامة.\nوهذا مع كون إسناده ضعيفًا، فإنه من مراسيل الحسن، وهي من أضعف المراسيل، والله أعلم.\nوأما قول الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٤٩٩): «ولأبي داود، وصححه ابن حبان من حديث ابن عباس مرفوعًا (يكون قوم في آخر الزمان يخضبون كحواصل الحمام لا يجدون ريح الجنة) وإسناده قوي إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه، فمثله لا يقال بالرأي فحكمه الرفع.\nفإن كان يعني الحافظ أنه موقوف على صحابي فمسلم، ولم أقف عليه موقوفًا على ابن عباس.\nوإن كان يقصد الحافظ أنه موقوف على مجاهد\nفليس بجيد لأن قول التابعي قولًا لا مجال للرأي فيه كأن يكون من الغيبيات، هل يكون له حكم الرفع؟، بحيث يقال: إنه في حكم المرسل.\nأو يقال: إنه موقوف عليه، وفرق بينه وبين الصحابي من وجوه.\nالأول: أن الصحابي الغالب منه أنه يروى عن صحابي مثله، أو عن الرسول ﷺ، وبالتالي الواسطة ثقة، فيكون له حكم الرفع، بينما التابعي قد يروي عن تابعي آخر، والتابعي الآخر قد يكون حافظًا، وقد لا يكون.\nالوجه الثاني: أنه على التسليم بأن له حكم المرسل، فمرسل التابعي ضعيف، بخلاف مرسل الصحابي ﵁.\nالوجه الثالث: إذا كنا نشترط في الصحابي ألا يكون ممن يروى عن الإسرائيليات إذا أخبر بأمور غيبية من قوله، فما بالك بالتابعي. وعلى كل حال فهذا البحث من المباحث الأصولية الحديثية التي ينبغي أن تحرر من أقوال المجتهدين، وعمل المحدثين.\nفالشاهد هل هذا الاختلاف يؤثر في الحديث أم لا؟\nقد يقال: لا يؤثر؛ لأن الاختلاف إذا اختلف مخرج الحديث لا يعل الموقوف المرفوع، بل ربما يقويه. ووجهه:\nعندنا رواية مجاهد فيها اختلاف:\nفقيل: عن مجاهد يذكر عن ابن عباس.\nوقيل: عن مجاهد من قوله. والراجح من رواية مجاهد أنها من قوله؛ لأنها أقوى إسنادًا.\nأما رواية عبد الكريم الجزري عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فهي طريق آخر لم يأت من طريق مجاهد، فيكون الحديث من هذا الطريق محفوظًا. وهذا القول وجيه جدًّا.\nوأما حديث أبي هريرة فضعيف جدًّا؛ لأن في إسناده راويًا مجهولًا عينًا.\nوأما مرسل الحسن، فهو ضعيف أيضًا فيه علتان: =","vol":"10","page":361},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كونه مرسلًا، وفي إسناده من تكلم فيه.\nوقد يقال: إن هذا الاختلاف مؤثر فيه:\nذلك أن طريق مجاهد وطريق سعيد بن جبير، كلاهما قيل فيه عن ابن عباس.\nومع ذلك ثبت عن مجاهد من قوله.\nوعبد الكريم تارة ينسب إلى الجزري الثقة في طريق عبيد الله بن عمرو الرقي.\nوتارة ينسب إلى ابن أبي أمية كما في طريق هشام الدستوائي.\nوتارة عن الحسن مرسلًا، وتارة من مسند أبي هريرة،\nولا يكفي أن يكون طريق عبيد الله بن عمرو مستقلًا حتى يكون مقبولًا، فالعلماء يعلون الحديث للمخالفة، ولو كان الطريق مستقلًا، فإذا كان الأكثر أو الأحفظ على إرساله أو وقفه رجح على الموصول والمرفوع، وأقرب مثال على هذا ما رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٧١) رقم ١٩٧٣، وأحمد وغيرهما ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين.\nفهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، وهو طريق مستقل كما أفصح عنه ابن دقيق العيد، فقال في نصب الراية (١/ ١٨٠): «ومن يصححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة، لم يشارك المشهورات في سندها». اهـ\nوقال ابن التركماني في الجوهر النقي عن رواية هذيل عن أبي قيس (١/ ٢٨٤): «ثم إنهما لم يخالفا مخالفة معارضة، بل رويا أمرًا زائدًا على ما رووه بطريق مستقل غير معارض، فيحمل على أنهما حديثان». اهـ\nومع كونه طريقًا مستقلًا فقد أعله الأئمة بالمخالفة، وإليك النقول عنهم:\nقال أبو داود في السنن (١٥٩): كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين.\nوذكر البيهقي بسنده أن عبد الرحمن بن مهدي، قال لسفيان: لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هذيل ما قبلته منك. فقال سفيان: الحديث ضعيف، أو واه أو كلمة نحوها.\nوساق البيهقي بسنده عن محمد بن يعقوب، قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: حدثت أبي بهذا الحديث، فقال أبي: ليس يروى هذا إلا من حديث أبي قيس، وقال أبي: إن عبد الرحمن بن مهدي أبى أن يحدث به، ويقول: هو منكر.\nوساق البيهقي أيضًا بسنده عن علي بن المديني أنه قال: حديث المغيرة بن شعبة في المسح، رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هذيل بن شرحبيل، عن المغيرة إلا أنه قال: ومسح على الجوربين، وخالف الناس. =","vol":"10","page":362},{"text":"• وأجيب بأجوبة:\nالأول: ضعف الحديث؛ لأن في إسناده اختلافًا، وقد ناقشت هذا في التخريج.\nقال أبو حفص الموصلي: قد ورد: (يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد، لا يريحون رائحة الجنة)، ولا يصح في هذا الباب شيء غير قوله في حق أبي قحافة: (وجنبوه السواد) والجواب عنه من وجهين: ثم ذكرهما (^١).\nالجواب الثاني:\nأن الوعيد الشديد ليس على الصبغ بالسواد، وإنما هو على معصية أخرى لم تذكر، كما قال الحافظ ابن أبي عاصم في كتاب الخضاب له (^٢)، وابن الجوزي كما\n_________\n= وروى البيهقي أيضًا من طريق المفضل بن غسان، قال: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس.\nوقال النسائي في السنن الكبرى (١/ ٨٣) قال أبو عبد الرحمن: ما نعلم أحدًا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين.\nفهذا عبد الرحمن بن مهدي وأحمد وابن معين ومسلم وأبو داود والنسائي رجحوا ضعفه للمخالفة مع اختلاف الطريق، ولم يخرجه البخاري مع أنه على شرطه، فيظهر أنه لعلة المخالفة.\nقال النووي في المجموع بعد أن نقل عن الأئمة المتقدم ذكرهم تضعيفهم للحديث (١/ ٥٠٠): «هؤلاء هم أعلام أئمة الحديث، وإن كان الترمذي قال: حديث حسن فهؤلاء مقدمون عليه، بل كل واحد لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة ...». اهـ\nفلم يمنع من إعلال الحديث مع كونه طريقًا مستقلًا، ونرجع لحديثنا فمع هذا الاختلاف لا يمكن للباحث أن يجزم بصحة إسناده، مع أن القول بالتحريم يفتقر إلى إسناد صحيح خال من النزاع؛ لأن الأصل الحل، ولا ننتقل عنه إلا بدليل صحيح صريح خال من النزاع، وأما الذين يرون في مثل هذه المسائل أن الاحتياط التحريم فلم يحسنوا؛ لأن الاحتياط أن يتورع المجتهد عن الجزم بتحريم شيء على الناس بمجرد الشك ولكن لا بد في ما يختاره المجتهد لغيره من اليقين أو غلبة الظن بأن مثل هذا حرام، وأما ما يختار الإنسان لنفسه من باب الاحتياط فالباب واسع، وقد يلزم الإنسان نفسه ما لا يلزمه أهله وولده فضلًا عن الناس، والله أعلم.\n(^١) جنة المرتاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب (ص: ٤٧٧).\n(^٢) ذكره عنه ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٥٤).","vol":"10","page":363},{"text":"سيأتي عنه، ويدل على ذلك قوله ﷺ يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد، وقد عرفت وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان وبعده من الصحابة والتابعين وغيرهم ﵃، فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضاب بالسواد؛ إذ لو كان الوعيد على الخضب بالسواد لم يكن لذكر قوله في آخر الزمان فائدة، فالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضب بالسواد ليس بصحيح.\nقلت: قد يكون فائدة ذكر آخر الزمان أنه يكثر فيه، وينتشر، بخلاف ما وجد في العصر الأول، فإن الصبغ من آحادهم، وعلى كل حال هذا تأويل للنص والذي ينبغي على طالب العلم أن يترك تأويل النصوص وحملها على خلاف الظاهر، وإذا كنا نعيب على أهل البدع تأويل نصوص الصفات، فكيف نسمح لأنفسنا أن نقبل به هنا، وما الفائدة من ذكر هذا الخبر إذا كان على معصية لم تعلم، ويكون الخبر لغوًا لا فائدة فيه؛ لأننا لا نعلم جرمهم لنتقيه، غاية ما فيه أن في آخر الزمان قومًا لايريحون رائحة الجنة، ثم القاعدة الأصولية: أن الحكم إذا رتب على وصف فإنه يدل على أن الوصف علة في الحكم، فلو قال قائل: إن قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ) [النور: ٢].\nلو قال: إن الجلد ليس على الزنا، وإنما هو على معصية أخرى لم تذكر هل يمكن أن يقبل ذلك منه؟\nالثالث: أن المراد بالخضب بالسواد في هذا الحديث الخضب به لغرض التلبيس والخداع، لا مطلقا جمعًا بين الأحاديث المختلفة، وهو حرام بالاتفاق (^١).\nقال ابن الجوزي: إنما كرهه - يعني الصبغ بالسواد - قوم لما فيه من التدليس، فأما أن يرتقي إلى درجة التحريم إذا لم يدلس، فيجب به هذا الوعيد، فلم يقل بذلك أحد، ثم نقول على تقدير الصحة يحتمل أن يكون المعنى: لا يريحون ريح الجنة لفعل\n_________\n(^١) تحفة الأحوذي (٥/ ٣٥٩، ٣٦٠).","vol":"10","page":364},{"text":"صدر منهم أو اعتقاد، لا لعلة الخضاب، ويكون الخضاب سيماهم، فعرفهم بالسيما، كما قال في الخوارج: سيماهم التحليق، وإن كان تحليق الشعر ليس بحرام (^١).\nالجواب الرابع عن الحديث:\nلقد صبغ جماعة من أصحاب النبي ﷺ بالسواد، أيكون الصبغ متوعدًا عليه بأنه لا يريح رائحة الجنة، ثم هؤلاء يصبغون؟!!، ولا ينقل إنكار من الصحابة رضوان عليهم، وهم أكمل الأمة في النصح والعلم والقيام بالواجب، لا يخافون في الله لومة لائم.\n• وأجيب:\nبأننا إنما نحتاج إلى الرد إلى أقوال الصحابة وأفعالهم فيما لم يرد فيه نص، أما ما ورد فيه نص فلا يحتاج الأمر إلى الرجوع إلى أفعال الصحابة، قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: ٥٩]، فإذا كانت السنة واضحة صريحة فلا ترد إلى غيرها.\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك مسائل كثيرة خالف فيها بعض الصحابة النص المتفق عليه، ومع ذلك لم يقدح هذا في النص، أرأيت إلى لبس خاتم الذهب جاء فيه النص واضحًا بتحريمه، ومع ذلك جاء عن عدد من الصحابة كانوا يلبسون خاتم الذهب، فهل كان ذلك علة في رد النص؟\nوقد يقال: إن الرجوع إلى فهم الصحابة يتعين لفهم النص، وفهمهم أولى من فهم غيرهم، فيحمل على أن النهي للكراهة لمخالفتهم النهي، لكن يشكل عليه قوله في الحديث: (لا يرح رائحة الجنة) لا يقال مثل هذا في المكروه، والله أعلم.\nالجواب الخامس:\nأن العقوبة الواردة في الحديث مبالغ فيها، وقد يكون من أسباب ضعف الحديث\n_________\n(^١) الموضوعات (٣/ ٢٣٠).","vol":"10","page":365},{"text":"أن يرتب على العمل اليسير ثواب عظيم، أو عقاب كبير كما ذكر ذلك العلماء، وهذا يقال هنا لأن الإسناد ليس من القوة (^١)، فالتحريم نحتاج للقول به إلى إسناد صحيح خال من النزاع؛ لأن الأصل الحل، ولا ننتقل عنه إلا بدليل صحيح صريح خال من النزاع.\n• وأجيب:\nبأن الشرع هو الذي يقدر أن الذنب يسير أو عظيم، ولذلك ورد وعيد شديد في المسبل إزاره،\n(٢٢٣٤ - ١٨٥) فقد روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار، قالوا: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن خرشة بن الحر،\nعن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟\n_________\n(^١) قال ابن القيم في المنار المنيف: سئلت هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟\nفأجاب ﵀: هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه، ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه، فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول ﷺ وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به، وما لا يجوز مما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبع مع متبوعه؛ فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم، والله أعلم. المنار المنيف (ص: ٤٣) فلا يقطع بضعف الحديث لمجرد عظم الثواب أوالعقاب إلا من الجهبذ البصير بالعلل من أئمة علل الحديث كأحمد بن حنبل ﵀، ويحيى بن معين، وابن المديني والبخاري ونحوهم.","vol":"10","page":366},{"text":"قال: المسبل، والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب (^١).\nفلا يمكن أن نعل الحديث بأن ذنب الإسبال يسير فكيف يتوعد عليه بمثل هذه العقوبة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4738>الدليل السادس:</span>\n(٢٢٣٥ - ١٨٦) ما رواه ابن عدي في الكامل، قال: حدثنا صدقة بن منصور بحران، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عاصم بن سليمان التميمي، عن إسماعيل بن أمية، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، قال: جيء بأبي قحافة إلى النبي ﷺ يوم الفتح، ورأسه ولحيته كأنها ثغامة، فقال: النبي ﷺ: غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد (^٢).\n[موضوع بهذا الإسناد] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4739>الدليل السابع:</span>\n(٢٢٣٦ - ١٨٧) قال ابن سعد: أخبرنا معن بن عيسى، قال: حدثني عبد الله بن المؤمل،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٠٦).\n(^٢) الكامل (٥/ ٢٣٨).\n(^٣) فيه عاصم بن سليمان التميمي.\nقال عمرو بن على: كان كذابًا يحدث بأحاديث ليس لها أصول كذب عن رسول الله ﷺ وأصحابه. الجرح والتعديل (٦/ ٣٤٤). وذكر في اللسان أحاديث وضعها على رسول الله ﷺ. لسان الميزان (٣/ ٣٣٨).\nوذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: غلب على حديثه الوهم. الضعفاء الكبير (٣/ ٣٣٧).\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبى يقول: ضعيف الحديث متروك الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ٣٤٤).\nقال ابن عدي: كان يعد ممن يضع الحديث. لسان الميزان (٣/ ٢١٨).\nقال النسائي: متروك. المرجع السابق.\nوقال الدارقطني: كذاب. المرجع السابق.","vol":"10","page":367},{"text":"عن عكرمة بن خالد، قال: أتي بأبي قحافة إلى النبي ﷺ وكأن رأسه ثغامة، فبايعه رسول الله ﷺ ثم قال: غيروا رأس الشيخ بحناء.\n[ضعيف وذكر الحناء فيه منكر] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4740>الدليل الثامن:</span>\n(٢٢٣٧ - ١٨٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة،\nعن عبد الملك، قال: سئل عطاء عن الخضاب بالوسمة؟ فقال: هو مما أحدث الناس، وقد رأيت نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فما رأيت أحدًا منهم يختضب بالوسمة، ما كانوا يخضبون إلا بالحناء والكتم وهذه الصفرة (^٢).\n[صحيح].\n• وأجيب:\nأولًا: لا شك أنه ثبت عن بعض الصحابة الصبغ بالأسود، ثبت عن الحسن من طرق كثيرة وبعضها صحيح، وثبت عن عقبة بن عامر بسند صحيح، وسيأتي النقول عنهم إن شاء الله.\n(٢٢٣٨ - ١٨٩) ثانيًا: قد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، عن إسرائيل،\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٥/ ٤٥١) وفيه ثلاث علل:\nالأول: في إسناده عبد الله بن المؤمل.\nقال أبو زرعة وأبو حاتم: ليس بقوي. الجرح والتعديل (٥/ ١٧٥).\nوقال أحمد: ليس هو بذاك. المرجع السابق.\nوقال العقيلي: لا يتابع على كثير من حديثه. الضعفاء الكبير (٢/ ٣٠٢).\nوفي التقريب: ضعيف الحديث.\nالثاني: أن عكرمة تابعي، فهو مرسل.\nالثالث: أن قصة أبي قحافة من الأحاديث الصحيحة ليس فيها أن الرسول ﷺ قال: غيروه بحناء، وإنما الخلاف، هل قال: وجنبوه السواد أم لا.\n(^٢) المصنف (٥/ ١٤٨) رقم ٢٥٠٣٣.","vol":"10","page":368},{"text":"عن عبد الأعلى، قال: سألت ابن الحنفية عن الخضاب بالوسمة؟ فقال: هي خضابنا أهل البيت (^١).\n[حسن].\nثالثًا: أن الصبغ بالأسود على فرض أن جميع الصحابة لم يصبغوا به، لم ينقل عن الصحابة أيضًا أنهم كرهوه أو منعوه، ولو نقل لكان صالحًا للحجة.\nوقال بعضهم: إن الوسمة صبغ ليس بالأسود، قيل: إن كان كذلك لم يكن قول عطاء بأن الصبغ به حدث دليل أن الصحابة لم يصبغوا بالأسود، فإما أن تعتبره أسود فالجواب عنه ما علمت، أو ليس بالأسود فلا تستدل به على أن الصحابة لم يصبغوا بالأسود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4741>الدليل التاسع:</span>\n(٢٢٣٩ - ١٩٠) ما رواه ابن عدي من طريق رشدين بن سعد، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن قسيط،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ إن الله يبغض الشيخ الغربيب.\nقال أحمد: قال رشدين: الذي يخضب بالسواد (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ١٤٨) رقم ٢٥٠٢٣.\n(^٢) الكامل (٣/ ١٥٦).\n(^٣) فيه رشدين بن سعد، ضعفه أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وابن سعد. الجرح والتعديل (٣/ ٥١٣)، الطبقات الكبرى (٧/ ٥١٧).\nوقال يحيى بن معين: رشدين بن سعد لا يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٣/ ٥١٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: رشدين بن سعد منكر الحديث، وفيه غفلة، ويحدث بالمناكير عن الثقات، ضعيف الحديث ما أقربه من داود بن المحبر، وابن لهيعة أستر، ورشدين أضعف. المرجع السابق.\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٢٠٣).\nوفي إسناده أيضًا: أبو حميد صخر بن زياد، مختلف فيه.","vol":"10","page":369},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4742> دليل القائلين بكراهة الخضاب بالسواد:</span>\nجمعوا بين النهي عن الخضاب بالسواد، وبين فعل الصحابة على أن النهي ليس للتحريم، ولو كان للتحريم لما خضب جمع من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.\nقال ابن القيم: «صح عن الحسن والحسين ﵄ أنهما كان يخضبان بالسواد، ذكر ذلك عنهما ابن جرير في كتاب تهذيب الآثار، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وحكاه عن جماعة من التابعين منهم عمرو ابن عثمان، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب، وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار، ويزيد، وابن جريج، وأبي يوسف، وأبي إسحاق، وابن أبي ليلى، وزياد بن علاقة، وغيلان بن جامع، ونافع بن جبير، وعمرو بن علي المقدمي، والقاسم بن سلام» (^١).\nفذكر ابن القيم ثمانية من أصحاب النبي ﷺ يصبغون بالسواد، أيكون الصبغ متوعدًا عليه بأنه لا يريح رائحة الجنة، ثم هؤلاء يصبغون؟! ولا ينقل إنكار من الصحابة رضوان عليهم، وهم أكمل الأمة في النصح والعلم والقيام بالواجب، لا يخافون في الله لومة لائم، فإما أن نقول: إن فعل مثل هؤلاء يقدح في المنقول من النهي، وهذا غير جيد، أو نقول: إن فعل هؤلاء يبين أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة، فيكون من أجازه لم يعارض من كرهه، والجواز لا ينافي الكراهة كما هو\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ٣٦٩)، وذكر نحوًا من ذلك القاضي عياض، فقال في شرحه لصحيح مسلم (٦/ ٦٢٥): «وكان منهم من يخضب بالسواد، وذكر ذلك عن عمر وعثمان والحسن والحسين وعقبة بن عامر، ومحمد بن علي وعلي بن عبد الله بن عباس، وعروة وابن سيرين، وأبي بردة في آخرين». اهـ","vol":"10","page":370},{"text":"معروف، ومن خضب بالسواد فهم أن الأمر على التخيير. والله أعلم.\nقال ابن القيم: وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب (^١).\nوسوف أحاول تخريج بعض الآثار عن الصحابة ﵃، لأن أقوالهم ليست كأقوال غيرهم.\n(٢٢٤٠ - ١٩١) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر، عن الزهري، قال: إن الحسين بن علي يخضب بالسواد. قال معمر: رأيت الزهري يغلف بالسواد وكان قصيرًا (^٢).\n(٢٢٤١ - ١٩٢) وروى عبد الرزاق أيضًا، قال: عن معمر، عن الزهري قال: كان الحسن بن علي يخضب بالسواد (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب السنن (٦/ ١٠٤).\n(^٢) المصنف (٢٠١٨٤).\n(^٣) المصنف (٢٠١٩٠).\nرجاله ثقات إن كان الزهري سمع من الحسين بن علي، وقد جاء في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٣٠٢): «سألت أبي عن حديث رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: رأيت علي ابن الحسين يخضب بالسواد، وأخبرني أن أباه كان يخضب به. قال أبي: هذا الحديث منكر». اهـ فهنا الزهري يروي عن الحسين بن علي بواسطة ابنه علي.\nلكن روى الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٩٨) حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني محمد بن عبدالرحيم أبو يحيى، ثنا حسين بن محمد، ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أنس، أن الحسين بن علي كان يخضب بالوسمة. وسنده صحيح.\nوالوسمة: جاء في المصباح المنير (٢/ ٦٦٠): «الوَسِمة بكسر السين في لغة الحجاز ... نبت يختضب بورقه، ويقال له: العظلم».\nوالعظلم جاء في لسان العرب: «عن الزهري أَنه ذُكِرَ عنده الخِضابُ الأَسْودُ فقال: وما بأْسٌ بهِ؟ هأَنذا أَخْضِبُ بالعِظْلِمِ».\nوالعظلم من تَعَظْلَمَ الليلُ: أظْلَمَ، واسْوَدَّ جِدًّا. والعَظْلَمَةُ: الظُّلْمَةُ. والله أعلم.\nوقال ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٨٤) باب من كره الخضاب بالسواد. =","vol":"10","page":371},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثم ساق بسنده أن عطاء سئل عن الخضاب بالوسمة، فقال: هو مما أحدث الناس، فهذا صريح من ابن أبي شيبة أن الوسمة هي السواد.\nفتبين منه أن الوسمة: هو الخضاب بالأسود.\nويؤيد هذا التفسير ما قاله ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٨٦) قال: وذكر أبو بكر قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: سمعت سعيد بن جبير سئل عن الخضاب بالوسمة، فقال: يكسو الله العبد في وجهه النور فيطفئه بالسواد. ورجاله ثقات. فظهر أن الوسمة هو السواد.\nوروى الطبراني في الكبير (٣/ ٩٩)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا أحمد بن جواس الحنفي ثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث قال رأيت الحسين بن علي يخضب بالسواد.\nورجاله ثقات، وبالنسبة لتغير أبي إسحاق، فالجواب: قد روى الشيخان من رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق في صحيحيهما، والعنعنة قد زالت بالمتابعة، والله أعلم.\nوقد توبع أبو الأحوص، فقد رواه الدولابي في الذرية الطيبة (١٧٤) حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا عبدالله بن داود عن يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن الحسين أنه كان يخضب بالوسمة.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٨٣) رقم ٢٥٠١٧ حدثنا أبو بكر بن عياش عن عبد العزيز بن رفيع عن قيس مولى خباب قال دخلت على الحسن والحسين وهما يخضبان بالسواد. وهذا سند صالح في المتابعات، وأبو بكر بن عياش قد توبع فيه فقد أخرجه الطبراني (٣/ ٩٨) قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن قيس مولى خباب به.\nوقيس مولى خباب، له ترجمة في الجرح والتعديل، قال ابن أبي حاتم: روى عن الحسن والحسين ابنى على وابن عمر، روى عنه عبد العزيز بن رفيع وابن جريج سمعت أبى يقول ذلك. ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٧/ ١٠٦). وقد يقوى قيس باعتباره قد توبع فيه، فإذا روى الراوي ما يتابع عليه، ولم نجد جرحًا كان هذا دليلًا على حفظه، والله أعلم.\nوأخرج ابن الجعد في مسنده (٢١٢٦)، قال: أنا شريك، عن فراس، عن عامر قال: رأيت الحسين بن علي يخضب بالسواد.\nروى الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢١) رقم ٢٥٣١ حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا عبادة بن زياد، ثنا شريك، عن عبد الله بن أبي زهير مولى الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، قال: رأيت الحسن بن علي ﵁ يخضب بالوسمة.\nقال الحضرمي: هكذا قال عبادة مولى الحسن، وإنما هو مولى الحسين. =","vol":"10","page":372},{"text":"الأثر الثاني:\n(٢٢٤٢ - ١٩٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ليث بن سعد، قال: حدثنا أبو عشانة المعافري، قال:\nرأيت عقبة بن عامر يخضب بالسواد ويقول:\nنسود أعلاها وتأبى أصولها ... ........................ (^١).\nالأثر الثالث:\n(٢٢٤٣ - ١٩٤) روى ابن أبي الدنيا في العمر والشيب، قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، عن زاجر بن الصلت، عن الحارث بن عمرو،\n_________\n= وروى الطبراني في الكبير (٢٥٣٥)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أبو كريب، ثنا معاوية بن هشام، عن محمد بن إسماعيل بن رجاء، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه كان يخضب بالسواد.\nقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٦٢) رجاله رجال الصحيح، خلا محمد بن إسماعيل بن رجاء، وهو ثقة.\nروى الطبراني (٣/ ٢٢) رقم ٢٥٣٦ حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، ثنا أبي، ثنا محتسب أبو عائذ، حدثني شجاع بن عبد الرحمن، أنه رأى الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه مخضوبا بالسواد على فرس ذنوب. وسنده ضعيف.\nوروى الطبراني في الكبير (٢٥٣٤)، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي، عن جدي عامر، عن يعقوب القمي، عن عنبسة بن سعيد، عن إبراهيم بن مهاجر، عن الشعبي، أن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه كان يخضب بالسواد.\nوروى الطبراني في الكبير (٣/ ٩٩) قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا كامل ابن طلحة الجحدري، ثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن بزرج قال: رأيت الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما ابني فاطمة رضي الله تعالى عنها يخضبان بالسواد، وكان الحسين يدع العنفقة. وفيه ابن لهيعة.\n(^١) المصنف (٥/ ١٨٤) رقم ٢٥٠٢٥. وسنده صحيح، وقد أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٠٤) من طريق الليث به.","vol":"10","page":373},{"text":"عن البحتري بن عبد الحميد، أن عمر بن الخطاب قال: نعم الخضاب السواد هيبة للعدو ومسكنة للزوجة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالأثر الرابع:\n(٢٢٤٤ - ١٩٥) روى الطبراني في الكبير، قال: حدثنا أحمد بن رشدين المصري، ثنا نعيم بن حماد، ثنا رشدين بن سعد، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن سعد بن أبي وقاص كان يخضب بالسواد.\n[ضعيف] (^٣).\nالأثر الخامس:\n(٢٢٤٥ - ١٩٦) روى الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن منصور الكلبي قال حدثني سليم أبو الهذيل قال:\n_________\n(^١) العمر والشيب (٤).\n(^٢) فيه البحتري بن عبد الحميد لم أقف عليه، والحارث بن عمرو لم ينسب فيتبين لي من هو. وأخرجه ابن قتيبة (٢/ ٥٣) من طريق زكريا بن يحيى بن نا فع الأزدي، عن أبيه، عن عمر. ولم أعرفهم.\n(^٣) المعجم الكبير (١/ ١٣٨) رقم ٢٩٥، وسنده ضعيف، فيه نعيم بن حماد، ورشدين، وكلاهما ضعيف، ورواه الطبراني (١/ ١٣٨) رقم ٢٩٦ حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا سليم بن مسلم، عن معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد أن سعدا كان يخضب بالسواد.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٦٢): «سليم بن مسلم لا أعرفه».\nقلت: سليم بن مسلم هو الخشاب معروف، وترجمته في كتب الرجال مشهورة.\nقال أحمد بن حنبل: قد رأيته بمكة، ليس يسوى حديثه شيئًا. الجرح والتعديل (٤/ ٣١٤).\nوقال يحيى بن معين: ليس بثقة، كما في رواية الدوري عنه. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: ليس بقوي. المرجع السابق.\nوقال النسائي: متروك. الضعفاء والمتروكين (٢٤٤).","vol":"10","page":374},{"text":"رأيت جرير بن عبدالله يخضب رأسه ولحيته بالسواد (^١).\nالأثر السادس:\n(٢٢٤٦ - ١٩٧) ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده،\nأن عمر بن الخطاب ﵁ رأى عمرو بن العاص وقد سود شيبه، فهو مثل جناح الغراب، فقال: ما هذا يا أبا عبد الله؟ فقال: أمير المؤمنين أحب أن ترى في بقية، فلم ينهه عمر ﵁ عن ذلك، ولم يعبه عليه، وتوفي عمرو بن العاص وسنه نحو من مائة سنة.\n[ضعيف] (^٢).\nأما الآثار عن التابعين فهي كثيرة جدًّا، ولكن لما كانت المسألة فيها أحاديث اكتفيت بها؛ لأن الاستدلال بأقوال التابعين إنما يستأنس بها إذا لم يكن في المسألة سنة عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه، فإننا نرجع إلى آثار السلف من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين.\n_________\n(^١) المعجم الكبير (٢/ ٢٩١) رقم ٢٢٠٩، قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٦٢): «سليم والراوي عنه لم أعرفهما».\n(^٢) المستدرك (٣/ ٤٥٤).\nفي إسناده: عبد الرحمن بن الحارث، وثقه ابن حبان والعجلي، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: صالح.\nوضعفه أحمد والنسائي وعلي بن المديني، وقال أحمد مرة: متروك.\nوقال النسائي مرة: ليس بالقوي.\nويظهر أن فيه اختلافًا على ابن أبي مريم، فقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٦٢، ١٦٣): رواه الطبراني، وفيه راو لم يسم، قال سعيد بن أبي مريم: حدثني من أثق به، وعبد الرحمن بن أبي الزناد وبقية رجاله ثقات»، ولم أقف عليه في المعاجم الثلاثة.","vol":"10","page":375},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4743> دليل من قال يجوز تغيير الشيب بالسواد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4744>الدليل الأول:</span>\nالأصل في الأشياء الإباحة، والنهي في المسألة ليس محفوظًا.\nقال يحيى: سمعت مالكًا يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي. قال: وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، ليس على الناس فيه ضيق (^١).\nوإمام بمثل مالك، وهو في المدينة قد رأى فقهاء التابعين وأخذ منهم يرى أنه لم يسمع في الصبغ بالسواد شيئًا دليل على أن أحاديث النهي في الباب لا تصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4745>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٤٧ - ١٩٨) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن،\nإن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم. ورواه مسلم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث يقتضي الأمر بالصبغ، ولم يقيد صبغًا دون صبغ، فبأي شيء صبغ الرجل فقد امتثل الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4746>الدليل الثالث:</span>\n(٢٢٤٨ - ١٩٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد وابن نمير قالا: ثنا محمد بن عمرو\n_________\n(^١) الموطأ (٢/ ٩٤٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٤٦٢)، مسلم (٢١٠٣).","vol":"10","page":376},{"text":"عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى (^١).\n[حسن] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمر بتغيير الشيب، فله أن يغيره بأي شيء؛ لأن الحديث مطلق لم يقيد بشيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4747>الدليل الرابع:</span>\n(٢٢٤٩ - ٢٠٠) ما رواه مسلم، من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أتي بأبي قحافة - أو جاء عام الفتح أو يوم الفتح- ورأسه ولحيته مثل الثغام أو الثغامة، فأمر أو فأمر به إلى نسائه، قال: غيروا هذا بشيء (^٣).\nوجه الاستدلال من الحديث كالاستدلال بالحديثين السابقين.\n• وأجيب عن هذا:\nبأن الأمر المطلق بتغيير الشيب مقيد بالأحاديث الأخرى، وهو النهي عن\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢/ ٢٦١).\n(^٢) محمد بن عمرو وإن تكلم في روايته عن أبي سلمة، فقد تابعه عمرو بن أبي سلمة، فصار الحديث حسنًا بمجموع الطريقين.\nوالحديث أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٩) عن يزيد بن هارون وحده.\nوأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٤٣٩) عن يزيد بن هارون وابن نمير.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٥٩٧٧)، قال: حدثنا وهب أخبرنا خالد.\nوأخرجه ابن حبان (٥٤٧٣) قال: أخبرنا أبو يعلى قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا ابن إدريس، كلهم (يزيد بن هارون، وابن نمير، وخالد، وابن إدريس) رووه عن محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة به.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٥٦) والترمذي (١٧٥٢)، وأبو يعلى (٦٠٢١) من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا سند صالح في المتابعات والشواهد.\n(^٣) مسلم (٢١٠٢).","vol":"10","page":377},{"text":"الأسود، كما في حديث جابر وأنس وغيرهما.\nورد هذا:\nبأنه لم يثبت النهي عن الأسود، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4748>الدليل الخامس:</span>\n(٢٢٥٠ - ٢٠١) ما رواه ابن ماجه قال: حدثنا أبو هريرة الصيرفي: محمد ابن فراس، أخبرنا عمر بن الخطاب بن زكريا الراسبي، حدثنا دفاع بن دغفل السدوسي، عن عبد الحميد بن صيفي، عن أبيه،\nعن جده صهيب الخير قال قال رسول الله ﷺ: إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد؛ أرغب لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوكم.\n[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4749>الدليل السادس:</span>\nأن أبا بكر صبغ بالحناء والكتم، والحناء والكتم يعطي نوعًا من اللون الأسود، وذلك لأن الأسود درجات، منه: الأسود الداكن، ومنه الأسود الفاتح، وبينهما درجات، يسميه بعضهم باللغة المعاصرة البني الغامق، وهي لون من درجات اللون\n_________\n(^١) فيه عمر بن الخطاب بن زكريا روى عنه اثنان منهم يحيى بن حكيم المقوم، وأثنى عليه خيرا. تهذيب الكمال (٢١/ ٣١٥).\nولم أقف له على توثيق، وفي التقريب مقبول: يعني إن توبع.\nدفاع بن دغفل السدوسي:\nقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث. الجرح والتعديل (٣/ ٤٤٥).\nوفي التقريب: مخضرم، ويقال له صحبة ولم يصح، نزل البصرة، غرق بفارس في قتال الخوارج قبل سنة ستين.\nوقال في مصباح الزجاجة (٤/ ٩٣): «هذا إسناد حسن، وقال في الهامش: هذا الحديث معارض لحديث النهي عن السواد، وهو أقوى إسنادًا، وأيضا النهي يقدم عند المعارضة. اهـ والصواب أن الحديث ليس بحسن كما عرفت من رجاله. والله أعلم.","vol":"10","page":378},{"text":"الأسود، فلما أذن في الحناء والكتم دل على إذنه بالأسود، لكن قد يكون الحناء له نفع للبشرة والشعر، فخص بالنص، وهو دليل على جوازه بغير الحناء والكتم مما يعطي لونهما. والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4750> دليل القائلين بأنه يجوز للمرأة دون الرجل:</span>\nقالوا: إن الزينة للمرأة مطلوبة، ولذلك جاز لها خضاب اليدين والرجلين، ولا يجوز ذلك في حق الرجل، وجاز لها لبس الذهب دون الرجل، والأحاديث الواردة إنما ثبتت في حق الرجل، كحديث: (وجنبوه السواد) وحديث يكون قوم آخر الزمان يخضبون بهذا السواد، قد جاء في بعض الفاظه: (يخضبون لحاهم بالسواد). والله أعلم.\nهذا بعض ما وقفت عليه من أدلة الفريقين، والقول بالتحريم قول قوي، والقول بالكراهة أقوى، وهو قول السواد الأعظم من الأمة، بل إن التحريم إنما هو وجه عند بعض أصحاب الشافعي فقط، والوجه الآخر مكروه فحسب. وما عداهم من المذاهب الأربعة بين مجيز وكاره.\nفهذا أبو يوسف ومحمد بن الحسن يريان الجواز، وقال ابن عابدين: ومذهبنا أن الصبغ بالحناء والوسمة حسن كما في الخانية. وهذا مالك يقول: لا أعلم فيه شيئًا.\nوهذا الإمام أحمد يكره الصبغ، ويفسرها أكثر أصحابه بأنها كراهة تنزيه.\nوالصواب أن كل ما قيل: مكروه في كتب المذاهب الفقهية، ولم نعلم أنهم يريدون به كراهة التحريم، فإنه يحمل على كراهة التنزيه:\nأولًا: لأن اصطلاح الكراهة عند الفقهاء يختلف اصطلاحه في نص الشارع، وإنما اشتهر هذا المصطلح أعني إطلاق الكراهة على كراهة التنزيه عند الفقهاء.\nثانيًا: أنهم صرحوا بالمقصود به، فلا نتكلف في صرفه (^١).\n_________\n(^١) قال في الفتاوى الهندية: «وعن الإمام - يعني أبا حنيفة - أن الخضاب حسن بالحناء والكتم =","vol":"10","page":379},{"text":"وقد حاولت قدر الإمكان عرض أدلة الفريقين بكل حياد؛ لأن نصوص المعرفة\n_________\n= والوسمة. وسبق لنا معنى الوسمة أنها الصبغ بالسواد.\nوالخلاف بين أصحاب أبي حنيفة دائر بين الجواز، وبين الكراهة كراهة تنزيه فقط. فأبو يوسف ومحمد بن الحسن على الجواز، وصححه ابن عابدين، وهو ظاهر عبارة الإمام في وصفه الصبغ بالوسمة أنه حسن.\nوقال مالك عن الصبغ بالأسود: لم أسمع فيه شيئًا معلومًا، وغيره ذلك من الصبغ أحب إلي.\nوقال في حاشية العدوي (٢/ ٤٤٥): «ويكره صباغ الشعر الأبيض وما في معناه من الشقرة بالسواد من غير تحريم.\nوقول مالك: وغيره من الصبغ أحب إلي علله الباجي بقوله: لأنه صبغ لم يصبغ به رسول الله ﷺ، وفهم أصحابه من هذه اللفظة كراهة التنزيه، واللفظة لا تقتضيه؛ لأن الكراهة حكم شرعي، وما دام لم يسمع فيه شيئًا فينبغي أن تفسر أن غيره من الصبغ مستحب، وأما هو فلم يصل إلى درجة الاستحباب، وذلك لأنه لم يسمع فيه شيئًا.\nوبدليل أن أشهب روى عنه في العتبية: ما علمت أن فيه النهي، وإذا كان لم يعلم فيه نهيًا كيف يكون مكروهًا في المذهب، والله أعلم.\nوقال في الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧): «ويكره صباغ الشعر بالسواد من غير تحريم».\nوقال في الرسالة: ويكره صبغ الشعر بالسواد من غير تحريم، انظر أسهل المدارك (٣/ ٣٦٤). وإذا نص على أنه من غير تحريم، كيف تحمل الكراهة عند أصحاب مالك على كراهة التحريم.\nوقال ابن مفلح في الفروع (١/ ١٣١): «ويكره بسواد، وفاقًا للأئمة، نص عليه، وفي المستوعب والتلخيص والغنية في غير حرب، ولا يحرم»: أي أن هذه الكتب الثلاثة نصت على أنه لا يحرم، ولذلك قال في الإنصاف: وقال في المستوعب والغنية والتلخيص: يكره بسواد في غير حرب، ولا يحرم». انظر الإنصاف (١/ ١٢٣).\nوقال في الآداب الشرعية (٣/ ٣٣٧): ويكره بالسواد نص عليه، ثم قال: ويحرم بالسواد على الأصح عند الشافعية. فهنا فرق بين المكروه في مذهب الحنابلة وبين الحرام في مذهب الشافعية.\nوقال أيضًا: والكراهة في كلام أحمد هل هي للتحريم أو التنزيه؟ على وجهين.\nيقصد أن لفظ الكراهة إذا جاء عند أحمد فأصحابه مختلفون في تفسيرها على وجهين.\nوقال في مطالب أولي النهى (١/ ٨٩): وكره تغيير الشيب بسواد في غير حرب، وحرم لتدليس. وقال مثله في كشاف القناع (١/ ٧٧).\nفهنا واضح أن الكراهة كراهة تنزيه لاختلاف الحكم بين فعله من غير تدليس فيكره، أو يفعل للتدليس فيحرم.","vol":"10","page":380},{"text":"حق للقارئ، لا يجوز إذا رجحت قولًا أن أغمط أدلة القول الآخر؛ ولأن فهم النص قد أُوافَق عليه وقد أُخَالف، وفرق بين رأي العالم واجتهاده وبين النص؛ لأننا لو جعلنا فهم النص بمنزلة النص ألغينا الاجتهاد، والعصمة إنما هي للنص، وليست لفهم النص، فلا يخلط بينهما، فيبقى على طالب العلم أن يذكر النصوص، والقارئ يرجح ما يراه، ولا ينبغي أن نصادر حق القارئ بالترجيح، فأتحامل فأسوق كل دليل أراه يؤيد رأيي، ولو كان بتأويل سائغ أو غير سائغ، وأغض الطرف عن أدلة القول الآخر بسبب أنه لم يترجح لي، وأتكلف التأويل، ورحم الله ابن القيم فإنك حين تقرأ له مسألة خلافية، يجمع لكل قول ما يمكن أن يكون مؤيدًا له، ويسوق له الأدلة من هنا وهناك حتى تظن أنه يرى هذا القول، ثم في آخر الأمر يتبين لك أنه لا يراه، ولكن فرق بين أن أعطي كل قول حقه من الأدلة، وبين أن أغمط أدلته خشية أن يترجح لغيري خلاف ماترجح لي.\nوأحكام الإسلام منها ما هو واضح بين، ومنها ما هو خفي، وهو ما عناه الرسول ﷺ بقوله: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات) فبعض المسائل من الأمور المتشابهة، والذي ينبغي على طالب العلم أن يستفرغ وسعه في فهم النص ودلالته، وليست كل مسألة يكون الفرق بين القولين فيهما كما بين السماء والأرض، ففي أحيان كثيرة يكون الترجيح هو اطمئنان النفس وميلها إلى أحد القولين، وهذا الميل يكفي في ترجيح أحد القولين؛ ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولكن إذا كانت المسألة كذلك ينبغي أن يتورع الإنسان من الطعن في أي من الأقوال المحتملة، والله أعلم.\nوإني حين أرجح كراهية تغيير الشيب بالسواد، ذلك لأن ما يختاره الإنسان للناس غير ما يختاره الإنسان لنفسه، فإن على الباحث أن لا يوقِّع بتحريم شيء إلا وقد ظهر له ظهورًا جليًا من نص صريح لا خلاف في ثبوته، وذلك لأنه يخبر عن حكم الشرع، لا عن سلوك يرتضيه لنفسه، والاحتياط ليس في جانب المنع، بل الاحتياط","vol":"10","page":381},{"text":"هو أن لا يتجرأ أحد على التحريم إلا بدليل صريح صحيح، فمن ظهر له هذا، فهو وذاك، ومن لم يظهر له، فمن أين يقوله، والله ﷾ يقول:\n(وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) [الأنعام: ١١٦] بل إن التحريم أشد من الإباحة، وذلك أن الإباحة لا تحتاج إلى دليل، لأنها الأصل بخلاف التحريم.\n* * *","vol":"10","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4751>الفصل السادس\nفي غسل البراجم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4752>تعريف البراجم:</span>\nالبراجم لغة: جمع برجمة، وهي المفاصل والعقد التي تكون في ظهور الأصابع، ويجتمع فيها الوسخ (^١).\nوقال بعضهم: ويلحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ.\n[م-٨٦٨] وأما حكم غسل البراجم فقد نص على استحبابه الحنفية، والمالكية، والحنابلة (^٢).\nقال النووي: وهي سنة مستقلة، ليست مختصة في الوضوء (^٣).\n_________\n(^١) قال في المصباح المنير (ص: ٤٢): «والبراجم: رؤوس السلاميات من ظهر الكف إذا قبض الشخص كفه نشزت وارتفعت. وقال في الكفاية: البراجم رؤوس السلاميات، والرواجم: بطونها وظهورها الواحدة برجمة. مثل بندقة».\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٥٠)، حاشية ابن عابدين (٥/ ٢٥٨)، فتح القدير (١/ ٥٧).\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ١٩٦).\nوانظر في مذهب الشافعية شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٥٠)، المجموع (١/ ٣٤١)، طرح التثريب (٢/ ٨٤)، أسنى المطالب (١/ ١٥٥)، البيان للعمراني (١/ ٩٤).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ٦٣)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٠٦).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٤١).","vol":"10","page":383},{"text":"وقيل: المراد تنظيفها بالوضوء (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4753> الدليل على استحباب غسل البراجم:</span>\n(٢٢٥١ - ٢٠٢) ما رواه مسلم من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،\nعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء (^٢).\nالراجح فيه وقفه على طلق (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4754>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٥٢ - ٢٠٣) رواه أحمد، قال: ثنا عفان، حدثنا: حماد، ثنا علي بن زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر،\nعن عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ قال: إن من الفطرة - أو الفطرة - المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وتقليم الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط والاستحداد والاختتان والانتضاح.\n[ضعيف] (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4755>الدليل الثالث:</span>\n(٢٢٥٣ - ٢٠٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، عن\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٨٤)، وقال السندي في حاشيته على النسائي (٨/ ١٢٧): «وغسل البراجم تنظيف المواضع التي يجتمع فيها الوسخ والمراد الاعتناء بها في الاغتسال».اهـ\n(^٢) مسلم (٢٦١).\n(^٣) انظر تخريجه (٢٠٥٨).\n(^٤) المسند (٤/ ٢٦٤)، فيه سلمة بن محمد مجهول، وقد تفرد بالرواية عنه ابن جدعان، وهو ضعيف.","vol":"10","page":384},{"text":"ثعلبة بن مسلم الخثعمي، عن أبي بن كعب مولى بن عباس، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قيل له: يا رسول الله لقد أبطأ عنك جبريل ﵇؟ فقال: ولم لا يبطئ عنى، وأنتم حولي لا تستنون، ولا تقلمون أظافركم ولا تقصون شواربكم ولا تنقون رواجبكم (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أحمد (١/ ٢٤٣)، والراوجب قال الحافظ في الفتح: الرواجب جمع راجبة بجيم موحدة.\nقال أبو عبيد: البراجم والرواجب مفاصل الأصابع كلها.\nوقال ابن سيده: البرجمة المفصل الباطن عند بعضهم، والرواجب بواطن مفاصل أصول الأصابع.\nوقيل: قصب الأصابع.\nوقيل: هي ظهور السلاميات.\nوقيل: ما بين البراجم من السلامات.\nوقال ابن الأعرابي: الراجبة البقعة الملساء التي بين البراجم، والبراجم المسبحات من مفاصل الأصابع، وفي كل إصبع ثلاث برجمات إلا الإبهام فلها برجمتان.\nوقال الجوهري: الرواجب مفاصل الأصابع اللاتي تلي الأنامل، ثم البراجم، ثم الأشاجع اللاتي على الكف، وقال أيضًا: الرواجب رؤوس السلاميات من ظهر الكف إذا قبض القابض كفه نشزت وارتفعت، والأشاجع أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، واحدها أشجع. وقيل: هي عروق ظاهر الكف. اهـ نقلًا من الفتح (١٠/ ٣٣٨).\n(^٢) دراسة الإسناد:\n- أبو اليمان: هو الحكم بن نافع. من رجال الجماعة، ثقة ثبت، وهو كاتب إسماعيل بن عياش، كما كان يسمى عبد الله بن صالح كاتب الليث.\nـ إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، وثعلبة بن مسلم شامي، فرواية إسماعيل عنه حسنة.\n- ثعلبة بن مسلم. ذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٢/ ٤٦٤).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٥٧)، ولم يوثقه أحد غيره.\nوفي التقريب: مستور.\n- أبو كعب مولى ابن عباس:\nقال أبو زرعة: لا يسمى ولا يعرف إلا في هذا الحديث. تعجيل المنفعة (١٣٨٤). ...\nوقال الحافظ: فيه جهالة. المرجع السابق.\nوالحديث أخرجه الطبراني في الشاميين (١٥٢٥) من طريق أبي اليمان.\nوأخرجه أيضًا في المعجم الكبير (١١/ ٤٣١) رقم ١٢٢٢٤ من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، كلاهما عن إسماعيل بن عياش به.\nوقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٦٧) «رواه أحمد والطبراني، وفيه أبو كعب مولى ابن عباس، قال أبو حاتم: لا يعرف إلا في هذا الحديث». اهـ","vol":"10","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4756>الدليل الرابع:</span>\n(٢٢٥٤ - ٢٠٥) قال الحافظ: وللترمذي الحكيم من حديث عبد الله بن بشر رفعه:\nقصوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم.\nوفي سنده راو مجهول (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4757>الدليل الخامس:</span>\nالإجماع على أن غسل البراجم سنة، قال النووي في المجموع: «وأما غسل البراجم فمتفق على استحبابه، وهو سنة مستقلة غير مختصة بالوضوء» (^٢).\n• وأما دليل من استدل على كون غسل البراجم في الوضوء،\n(٢٢٥٥ - ٢٠٦) ما رواه ابن عدي، من طريق أبي خالد إبراهيم بن سالم، حدثنا عبد الله بن عمران، عن أبي عمران الجوني،\nعن أنس بن مالك قال: وقت رسول الله ﷺ أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يومًا، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان، وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة، وأن يتعاهد البراجم إذا توضأ؛ فإن الوسخ إليها سريع، واعلم أن لنفسك عليك حقًا، وأن لرأسك عليك حقًا، وأن لجسدك عليك حقًا، وأن لزوجك عليك حقًا، وأما النساء فليس ينبغي إلا أن يتعاهدن أنفسهن ولأزواجهن، وأن الله ﷿\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٣٣٨).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤١).","vol":"10","page":386},{"text":"جميل يحب الجمال وأن لكم حفظة يحبون الريح الطيب كما تحبونها، ويكرهون الريح المنتنة كما تكرهونها (^١).\n[إسناده ضعيف، ومتنه منكر] (^٢).\nخلصت من البحث أن غسل البراجم ليس فيه حديث صحيح، وأصح ما ورد فيه حديث عائشة عند مسلم، وقد أعله الإمام أحمد والنسائي وغيرهما. ومع ذلك فنحن مأمورن بالنظافة، وديننا دين الطهارة، وإذا كان هناك وسخ في البراجم كان المسلم مأمورًا بالنظافة في أحاديث أخرى، وإذا كان الوسخ يسيرًا لا يمنع وصول الماء صحت الطهارة، وإذا كان مانعًا من وصول الماء، فهل يعفى عنه؟ أو لا يصح الوضوء معه، فإن كان كثيرًا عرفًا لم تصح الطهارة، وإلا صحت. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الكامل (١/ ٢٦١).\n(^٢) فيه إبراهيم بن سالم بن خالد، وعبد الله بن عمران.\nقال ابن عدي: إبراهيم بن سالم بن خالد نيسابوري يروي عن عبد الله بن عمران بأحاديث مسنده عداد مناكير، وعبد الله بن عمران بصري لا أعرف له عند البصريين الا حديثًا واحدًا يحدثه عنه نوح بن قيس. الكامل (١/ ٢٦١).\nوقال الحافظ: هذا حديث منكر، وسئل أبو حاتم عن عبد الله بن عمران، فقال: شيخ. اللسان (١/ ٦٢).","vol":"10","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4758>الباب السابع في شعر الرأس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4759>الفصل الأول في النهي عن القزع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4760>المبحث الأول في تعريف القزع</span>\nتعريف القزع:\nقال في تاج العروس: القزع، محركة قطع من السحاب رقاق، كأنها ظل، إذا مرت من تحت السحابة الكبيرة. الواحدة: قزعة، ومنه حديث الاستسقاء: (وما في السماء قزعة) أي قطعة من الغيم.\nوقيل: القزع، السحاب المتفرق، وما في السماء قزعة: أي لطخة غيم.\nثم قال: ومن المجاز: القزع: أن يحلق رأس الصبي، ويترك مواضع منه غير محلوقة، تشبيهًا بقزع السحاب، ومنه الحديث: (نهى عن القزع) يعني: أخذ بعض الشعر وترك بعضه (^١).\n[م-٨٦٩] واختلف في القزع:\nفقيل: أن يحلق رأس الصبي في مواضع، ويترك الشعر متفرقًا. وهذا يؤيده معنى\n_________\n(^١) تاج العروس (١١/ ٣٧٩، ٣٨٠).","vol":"10","page":388},{"text":"القزع في اللغة، وعليه فلا يشمل ما إذا حلق جميع الرأس وترك موضعًا واحدًا كشعر الناصية (^١).\nوقيل: القزع حلق بعض الرأس مطلقًا، قال الطيبي: وهو الأصح؛ لأنه تفسير الراوي، وهو غير مخالف للظاهر، فوجب العمل به (^٢).\nولعل قوله ﷺ في الحديث: (اتركوه كله أو احلقوه كله) (^٣) يشمل ما إذا حلق موضعًا وترك الباقي، والله أعلم (^٤).\nوقد ورد تفسير القزع من بعض الرواة.\n(٢٢٥٦ - ٢٠٧) فروى البخاري في صحيحه، قال: حدثني محمد، قال: أخبرني مخلد، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عبيد الله بن حفص، أن عمر بن نافع أخبره، عن نافع مولى عبد الله،\nأنه سمع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن القزع. قال عبيد الله: قلت: وما القزع؟ فأشار لنا عبيد الله، قال: إذا حلق الصبي، وترك ها هنا شعرة، وها هنا وها هنا، فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته، وجانبي رأسه.\n_________\n(^١) قال القرطبي في المفهم (٥/ ٤٤١): «لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع، وأبقيت مواضع أنه القزع المنهي عنه، لما عرف من اللغة كما نقلناه، ولتفسير نافع له بذلك، واختلف فيما إذا حلق جميع الرأس، وترك منه مواضع كشعر الناصية، أو فيما إذا حُلِق موضع وحده، وبقي أكثر الرأس، فمنع من ذلك مالك، ورآه من القزع المنهي عنه».\n(^٢) شرح الطيبي (٨/ ٢٤٩).\n(^٣) سوف يأتي الكلام على هذه اللفظة في باب حلق الرأس.\n(^٤) قال القرطبي في المفهم (٥/ ٤٤١): «اختلف في المعنى الذي لأجله كره، فقيل: لأنه من زي أهل الدعارة والفساد، وفي سنن أبي داود أنه زي اليهود.\nوقيل: لأنه تشويه، وكأن هذه العلة أشبه؛ بدليل ما رواه النسائي من حديث ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ رأى صبيًا حلق بعض شعره، وترك بعضه، فنهى عن ذلك، وقال: (اتركوه كله، أو احلقوه كله)». اهـ وسيأتي الكلام على هذه الزيادة إن شاء الله تعالى.","vol":"10","page":389},{"text":"قيل لعبيد الله: فالجارية والغلام؟ قال: لا أدري هكذا قال الصبي. قال عبيد الله: وعاودته، فقال: أما القصة والقفا للغلام فلا بأس بهما، ولكن القزع أن يترك بناصيته شعرًا، وليس في رأسه غيره، وكذلك شق رأسه هذا وهذا (^١).\n(٢٢٥٧ - ٢٠٨) وروى مسلم من طريق عن عبيد الله، أخبرني عمر بن نافع، عن أبيه،\nعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع. قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: يحلق بعض رأس الصبي، ويترك بعض (^٢).\nقال المازري في المعلم: إذا كان ذلك - يعني القزع - في مواضع كثيرة فمنهي عنه بلا خلاف، وإن لم يكن كذلك كالناصية وشبهها فاختلف في جوازه (^٣)، وكذا نقله الطيبي في شرح المشكاة (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٩٢٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٢١٢٠).\n(^٣) المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٨١).\n(^٤) شرح الطيبي (٨/ ٢٤٩، ٢٥٠).","vol":"10","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4761>المبحث الثاني في حكم القزع</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأصل في النهي التحريم إلا لصارف، والإجماع هنا يصرف النهي من التحريم للكراهة.\n[م-٨٧٠] يكره القزع، وهو مذهب الحنفية (^١)،\nوالمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٧)، وقال في الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٧): «يكره القزع: وهو أن يحلق البعض، ويترك البعض قطعًا مقدار ثلاثة أصابع. كذا في الغرائب.\nوعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: «يكره أن يحلق قفاه إلا عند الحجامة، كذا في الينابيع».اهـ\n(^٢) قال الباجي في المنتقى (٧/ ٢٦٧): «ونهي عن القزع، وهو أن يحلق بعض الرأس، ويبقى مواضع، ثم قال: ومن ذلك القصة والقفا، وهو أن يحلق رأس الصبي، فيترك منه مقدمه، وشعر القفا. قال مالك: لا يعجبي ذلك في الجواري ولا الغلمان، ووجه ذلك أنه من ناحية القزع. قال مالك: وليحلقوا جميعه أو يتركوا جميعه». اهـ وانظر المفهم للقرطبي (٥/ ٤٤١)، والفواكه الدواني (٢/ ٣٠٦).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٤٦)، أسنى المطالب (١/ ٥٥١)، الفتاوى الفقهية الكبرى- الهيتمي (٤/ ٣٦٠)، تحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥).\n(^٤) المغني (١/ ٦٦)، الفروع (١/ ١٣٢)، الآداب الشرعية (٣/ ٣٣٤)، الإنصاف، (١/ ١٢٧)، كشاف القناع (١/ ٧٥، ٧٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٨٨)، شرح العمدة - ابن تيمية (١/ ٢٣١)، أحكام أهل الذمة - ابن القيم (١/ ٧٥١)، تحفة المودود (١/ ٦٤)، فتاوى ورسائل ابن إبراهيم (٢/ ٤٢).","vol":"10","page":391},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4762> دليل الكراهة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4763>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٥٨ - ٢٠٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عبد الله ابن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٩٢١). والحديث يرويه عبد الله بن دينار، ونافع.\nأما طريق عبد الله بن دينار، فقد أخرجه أحمد (٢/ ٨٢، ١٥٤) والبخاري (٥٩٢١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٧٩)، من طريق عبد الله بن المثنى، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن القزع.\nوأخرجه أحمد أيضًا (٢/ ٦٧) من طريق ورقاء،\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٥٠١) ومن طريقه ابن ماجه (٣٦٣٨) من طريق شعبة، كلاهما عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به.\nوهذا إسناد صحيح، وورقاء إنما ضعف في منصور، وقد تابعه شعبة.\nورواه مبارك بن فضالة، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد في مسنده (٢/ ١١٨) قال: حدثنا أبو جعفر المدائني، أخبرنا مبارك بن فضالة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر حدثه به.\nوروى عبد الله بن أحمد في المسند (٢/ ١١٨) قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثني حسين، قال: حدثنا المبارك، عن عبيد الله بن عمر، أن عبد الله بن دينار حدثه، أن عبد الله بن عمر حدثه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن القزع.\nفجعل بينه وبين ابن دينار عبيد الله بن عمر، وقد انفرد مبارك بذكر رواية عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار، والمحفوظ أن عبيد الله يرويه عن عمر بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر. كما أن المبارك مدلس، وقد عنعن في الطريقين. والله أعلم.\nوأما رواية نافع، عن ابن عمر، فيرويه عن نافع جماعة منهم:\nالأول: عمر بن نافع، عن نافع.\nأخرجه أحمد (٢/ ٣٩) والنسائي (٨/ ١٨٢) عن محمد بن بشر، عن عبيد الله، عن عمر بن نافع، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن القزع. زاد أحمد: قال عبيد الله: والقزع الترقيع في الرأس. =","vol":"10","page":392},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه البخاري (٥٩٢٠) والنسائي (٥٢٢٩)، وابن حبان في صحيحه (٥٥٠٦)، من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عبيد الله بن حفص، أن عمر بن نافع أخبره، عن نافع مولى عبد الله،\nأنه سمع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن القزع.\nقال عبيد الله: قلت: وما القزع؟ فأشار لنا عبيد الله، قال: إذا حلق الصبي، وترك ها هنا شعرة، وها هنا وها هنا، فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته، وجانبي رأسه. قيل لعبيد الله: فالجارية والغلام؟ قال: لا أدري هكذا قال الصبي. قال عبيد الله: وعاودته، فقال: أما القصة والقفا للغلام فلا بأس بهما، ولكن القزع أن يترك بناصيته شعر، وليس في رأسه غيره، وكذلك شق رأسه هذا وهذا. هذا لفظ البخاري.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٥٥) ومسلم (٢١٢٠) والنسائي (٥٢٣١)، والبيهقي في السنن (٩/ ٣٠٥)، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، قال أخبرني عمر بن نافع، به بلفظ: أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع. قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال يحلق بعض رأس الصبي، ويترك بعض.\nوأخرجه مسلم أيضًا (٢١٢٠) من طريق أبي أسامة وعبد الله بن نمير، قالا: حدثنا عبيد الله بهذا الإسناد، وجعل التفسير في حديث أبي أسامة من قول عبيد الله.\nوأخرجه البيهقي (٩/ ٣٠٥) من طريق شجاع بن الوليد، عن عبيد الله بن عمر به.\nواختلف على عبيد الله:\nفرواه عنه محمد بن بشر، وابن جريج، ويحيى بن سعيد، وأبو أسامة، وعبد الله بن نمير كما سبق، عن عبيد الله بن عمر، عن عمر بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر.\nوخالفهم سفيان، فرواه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فأسقط عمر بن نافع، كما عند النسائي (٥٠٥١) بلفظ: نهى رسول ﷺ عن القزع. قال النسائي ﵀: حديث يحيى بن سعيد ومحمد بن بشر أولى بالصواب.\nوقال الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٦٤): «قد أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم، من طرق متعددة، عن عبيد الله بن عمر بإثبات عمر بن نافع، ورواه سفيان بن عيينة، ومعتمر بن سليمان، ومحمد بن عبيد، عن عبيد الله بن عمر، بإسقاطه، وكأنهم سلكوا الجادة؛ لأن عبيد الله بن عمر معروف بالرواية عن نافع، مكثر عنه، والعمدة على من زاد عمر بن نافع بينهما؛ لأنهم حفاظ، ولاسيما أن فيهم من سمع من نافع نفسه كابن جريج، والله أعلم». اهـ\nقلت: أيضًا مما يرجح زيادة عمر بن نافع أن جماعة غير عبيد الله، ذكروا عمر بن نافع.\nالأول: رواية عثمان بن عثمان، عن عمر بن نافع، أخرجه أحمد (٢/ ٤)، ومن طريق أحمد أخرجه أبو داود (٤١٩٣). وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٣١).\nومسلم (٢١٢٠) حدثنا محمد بن المثنى، كلاهما (أحمد وابن المثنى)، روياه عن عثمان بن عثمان - يعني الغطفاني - أخبرنا عمر بن نافع به. =","vol":"10","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4764>الدليل الثاني على الكراهة:</span>\nالإجماع، فقد نقله أكثر من واحد.\nقال النووي: «أجمع العلماء على كراهية القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه» (^١). وكذا نقله الطيبي في شرح المشكاة (^٢).\n* * *\n_________\n= الثاني: روح بن القاسم. أخرجه مسلم (٢١٢٠) حدثني أمية بن بسطام، حدثنا يزيد - يعني ابن زريع - حدثنا روح، عن عمر بن نافع به.\nومن طريق روح أخرجه ابن حبان (٥٥٠٧).\nالثالث: ابن أبي الرجال، عن عمر بن نافع. أخرجه النسائي في الكبرى (٩٢٩٨) وفي الصغرى (٥٠٥٠) من طريق ابن أبي الرجال، عن عمر بن نافع به، بلفظ: (نهاني الله ﷿ عن القزع) وهذا سند مقبول في المتابعات، إلا أن انفراده بهذا اللفظ يجعله منكرًا.\nالرابع: زهير، عن عمر بن نافع.\nأخرجه أحمد (٢/ ١٣٧) حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير، حدثنا عمر بن نافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر به. وفيه تفسير القزع. وإسناده صحيح.\nهذا فيما يتعلق بطريق عمر بن نافع، عن نافع.\nالطريق الثاني: أيوب، عن نافع.\nوهذا الطريق سيأتي الكلام عليه عند الكلام على قوله ﷺ: (احلقوه كله، أو اتركوه كله) مسألة حلق الرأس.\nالطريق الثالث: عبد الله بن عمر العمري، عن نافع.\nأخرجه أحمد (٢/ ١٥٦) حدثنا حماد، قال: عبد الله: حدثنا نافع به. هذا بعض ما وقفت عليه من طرق حديث نافع، عن ابن عمر، وربما لو تقصيت لوقفت على أكثر من ذلك.\nوروى الحديث من طريق صفية بنت أبي عبيد، عن ابن عمر، وفيه عبد الله بن نافع، وهو ضعيف، أخرجه أحمد (٢/ ١٠٦) حدثنا وكيع، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن صفية ابنة أبي عبيد، قالت: رأى ابن عمر صبيًا في رأسه قنازع، فقال: أما علمت أن رسول الله ﷺ نهى أن تحلق الصبيان القزع.\nوذكر صفية في الحديث منكر، انفرد به عبد الله بن نافع، وليس بالقوي.\n(^١) شرح النووي لصحيح مسلم (١٤/ ١٠٠).\n(^٢) شرح الطيبي (٨/ ٢٤٩، ٢٥٠).","vol":"10","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4765>الفصل الثاني\nفي حلق شعر الرأس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• التعبد بحلق الرأس في غير النسك بدعة.\n• لم يصح أن النبي ﷺ حلق رأسه في غير النسك، والتأسي بتركه كالتأسي بفعله.\n[م-٨٧١] اختلف العلماء في حلق شعر الرأس.\nفقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يكره حلق شعر الرأس لغير نسك ولا حاجة، وهو مذهب المالكية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\n_________\n(^١) قال في حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٧): «السنة في شعر الرأس إما الفرق أو الحلق، وذكر الطحاوي أن الحلق سنة، ونسب ذلك إلى العلماء الثلاثة». اهـ يعني: أبا حنيفة وصاحبيه. وذكر مثله في الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٧).\n(^٢) حاشية العدوي (٢/ ٤٤٤)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٦) وقد نصا على أن حلق الرأس بدعة.\n(^٣) جاء في كتاب الترجل للخلال (ص: ١٢٠): «أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: سألت أبا عبد الله عن حلق الرأس؟ فكرهه كراهية شديدة. قلت: تكرهه؟ قال: أشد الكراهة. وأراه ذهب إلى حديث النبي ﷺ قال: (سيماهم التحليق)، واحتج بحديث عمر بن الخطاب أنه قال لرجل: لو وجدناك محلوقًا - يعني لصبيغ - لَضُرِبَ الذي فيه عيناك. وغلظ به أبو عبد الله.\nوقال: ورأيت رجلًا من أصحابنا قد استأصل شعره، فظن أبو عبد الله أنه محلوق، وكان رآه بالليل، فقال لي: تعرفه؟ =","vol":"10","page":395},{"text":"وقيل: لا يكره حلقه، وتركه أفضل إلا إن شق تعهده فالحلق أفضل، وهو مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: يباح حلقه، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة عند المتأخرين (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4766> دليل من قال: تركه أفضل إذا كان قادرًا على تعهده وتنظيفه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4767>الدليل الأول:</span>\nقال النووي: لم يصح أن النبي ﷺ حلقه إلا في الحج أو العمرة (^٣).\n_________\n= قلت: نعم. قال: قد أردت أن أغلظ له في حلق رأسه». وانظر الفروع (١/ ١٣٢)، والآداب الشرعية (٣/ ٣٣٤).\nوأخرج ابن هانئ في مسائله (ص: ١٤٩، ١٥٠): «قال: سمعت أبا عبد الله يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: كان معمر يكره حلق الرأس، ويقول: هو التسبيت». اهـ\nونقل نحوه أبو داود في مسائله (ص: ٣٥٢) رقم ١٦٩٢.\nوجاء أيضًا في كتاب الترجل للخلال (ص: ١٢٠): أخبرنا محمد بن علي السمسار، قال: حدثنا مهنا، قال: سألت أبا عبد الله عن الحلق: حلق الرأس بالموسى في غير الحج قال: مكروه حلق النواصي إلا في حج أو عمرة، وقال: كان سفيان بن عيينة لا يحلق رأسه في غير الحج والعمرة إلا بالمقراض.\n(^١) قاله الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٣٥٩، ٣٦٠)، وقال النووي في المجموع (١/ ٣٤٧): «أما حلق جميع الرأس، فقال الغزالي: لا بأس به لمن أراد التنظيف، ولا بأس بتركه لمن أراد دهنه وترجيله، هذا كلام الغزالي، ثم قال: والمختار أن لا كراهة فيه، ولكن السنة تركه، فلم يصح أن النبي ﷺ حلقه إلا في الحج والعمرة، ولم يصح تصريح بالنهي عنه». وانظر أسنى المطالب (١/ ٥٥٢).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٢٢)، كشاف القناع (١/ ٧٩)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٨٦)، وجاء في كتاب الترجل للخلال (ص: ١١٩): «أخبرني عبيد الله بن حنبل، قال: حدثني أبي أنه قال لأبي عبد الله: الحلق في غير حج ولا عمرة؟ قال: لا بأس، وقال: كنت أنا وأبي نحلق في حياة أبي عبد الله فيرانا ونحن نحلق، فلا ينهانا عن ذلك، وكان هو يأخذ شعره بالجملين، ولا يحفيه، ويأخذه وسطًا». اهـ.\nورواية الكراهة عنه أقوى وأشهر، وقد تكلمت في رواية حنبل، ومن قدح فيها من أصحاب أحمد ولا يعتبرون ما انفرد به رواية، فارجع إليه إن شئت.\n(^٣) المجموع (١/ ٣٤٧).","vol":"10","page":396},{"text":"قلت: والتأسي بتركه ﷺ كالتأسي بفعله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4768>الدليل الثاني:</span>\nكان الرسول ﷺ والأنبياء ﵈ لهم شعر كثير، وهذا دليل على أن تركه أفضل، وإليك النصوص في صفاتهم:\nما ورد في صفة شعر رسول الله ﷺ:\n(٢٢٥٩ - ٢١٠) روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق،\nعن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي ﷺ مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئًا قط أحسن منه. قال يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه إلى منكبيه، هذا لفظ البخاري، وقد رواه مسلم (^١).\nوفي رواية لمسلم: «عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه» (^٢).\nوالجمة، جاء في القاموس: الجَمُّ: الكثيرُ من كلِ شيءٍ.\nوأما ما ورد في صفة شعر الأنبياء ﵈،\nفقد جاء في الصحيحين، عن النبي ﷺ في حديث الإسراء، قال: (ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، وأنا أشبه ولده به) (^٣). وقد سبق لنا صفة شعر الرسول ﷺ.\nوأما ما جاء في صفة شعر موسى ﵊.\n(٢٢٦٠ - ٢١١) فقد روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٣٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٣٣٧).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٢٥٤)، ومسلم (١٦٨).","vol":"10","page":397},{"text":"عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال النبي ﷺ: رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم، جسيم، سبط كأنه من رجال الزط (^١).\nفقوله: (سبط) قال الحافظ في الفتح: «السبط بفتح المهملة، وكسر الموحدة: أي ليس بجعد، وهذا نعت لشعر رأسه» (^٢).\nوأما ما جاء في صفة شعر عيسى ﵊،\n(٢٢٦١ - ٢١٢) فقد روى البخاري، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا\nأبو ضمرة، حدثنا موسى، عن نافع،\nقال عبد الله: ذكر النبي ﷺ يومًا بين ظهري الناس المسيح الدجال، فقال: إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، وأراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء واضعًا يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا المسيح بن مريم، ثم رأيت رجلًا وراءه جعدًا، قططًا، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن واضعًا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال (^٣).\nالشاهد منه:\nقوله ﷺ عن عيسى: (تضرب لمته بين منكبيه).\nفهذا رسول الله ﷺ والأنبياء ﵈ كان لهم شعر كثير، وهذا يدل على أن تركه أفضل من حلقه، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٥٥).\n(^٢) فتح الباري (٦/ ٤٨٥).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٢٥٦)، مسلم (١٦٩).\n(^٤) الأحزاب: ٢١.","vol":"10","page":398},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4769> دليل من قال حلق الرأس بدعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4770>الدليل الأول:</span>\nكون الرسول ﷺ لم يفعله إلا في النسك، دليل على أنه لا يتعبد بحلقه.\nقال ابن القيم: «لم يحفظ عنه حلقه إلا في نسك» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4771>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٦٢ - ٢١٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا مهدي بن ميمون، سمعت محمد بن سيرين، يحدث عن معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه. قيل: ما سيماهم؟ قال: سيماهم التحليق. أو قال التسبيد (^٢).\nوإذا كان الحلق سيما أهل البدع كالخوارج وغيرهم، كان تركه شعارًا لأهل السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4772>الدليل الثالث:</span>\n(٢٢٦٣ - ٢١٤) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق، حدثني أبي، ثنا محمد بن سليمان بن مسمول، حدثني عمر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه،\nعن جابر، عن النبي ﷺ قال: لا توضع النواصي إلا في حج أو عمرة (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ١٧٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٧١٢٣)، والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٦٤) وأبو يعلى (١١٩٣) والبغوي في شرح السنة (٢٥٥٨) من طريق مهدي بن ميمون به.\n(^٣) الأوسط (٩/ ١٨٠) رقم ٩٤٧٥.","vol":"10","page":399},{"text":"[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4773>الدليل الرابع:</span>\nأن الشرع أمرنا بحلق العانة، ونتف الإبط، وجعل ذلك من الفطرة، كما سبق من حديث أبي هريرة في الصحيحين، وأما شعر الرأس فلم نؤمر بحلقه، فتكون الفطرة في إبقائه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4774> دليل من قال يباح الحلق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4775>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٦٤ - ٢١٥) عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا عبدالرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع،\nعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ رأى غلامًا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: احلقوا كله أو ذروا كله (^٢).\n[تفرد بقوله: (احلقوه كله) معمر، عن أيوب، وقد رواه غيره عن أيوب بدون هذه الزيادة، كما رواه أيضًا غير أيوب عن نافع، وليس فيه هذه الزيادة] (^٣).\n_________\n(^١) فيه محمد بن سليمان بن مسمول، وقيل: مشمول، ضعيف، وقد سبق نقل كلام أهل العلم فيه في باب هل يستحب تقليم الأظفار في يوم معين.\nوضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٦١).\nوقد خالف سفيان محمد بن سليمان، فرواه موقوفًا على ابن المنكدر، فقد رواه ابن الجعد في مسنده (١٦٧٧) قال: حدثنا ابن عباد، أخبرنا سفيان، عن ابن المنكدر، عن أبيه، قال: لا توضع النواصي إلا لله ﷿ في حج أو عمرة، وهذا أرجح.\n(^٢) المصنف (١٩٥٦٤).\n(^٣) الحديث أخرجه عبد الرزاق كما في حديث الباب، ومن طريق عبد الزراق أخرجه أحمد (٢/ ٨٨)، وأبو داود (٤١٩٥)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٠٧)، والصغرى (٥٠٤٨)،\nوابن حبان في صحيحه (٥٥٠٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٨٠).\nوقد رواه حماد بن سلمة، عن أيوب به، ولم يذكر ما ذكره معمر من قوله: (احلقوا كله ...) ...\nكما في مسند أحمد (٢/ ١٠١)، وقد يقال: إن معمر أحفظ من حماد بن سلمة، خاصة أن حماد قد تغير، لكن يقال:\nأولًا: الراوي عن حماد عفان، وهو من أثبت أصحابه.\nثانيًا: الحديث في الصحيحين من رواية عمر بن نافع، عن نافع به، وليس فيه ما ذكره معمر، فيكون حماد قد توبع.\nثالثًا: الحديث في صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب به، وأحال على لفظ سابق، وليس فيه: (احلقوا كله أو اتركوا كله)، وسبق الكلام على بقية طرق الحديث عند تخريج حديث ابن عمر في النهي عن القزع.","vol":"10","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4776>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٦٥ - ٢١٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عقبة بن مكرم وابن المثنى، قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد،\nعن عبد الله بن جعفر، أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم، فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال: ادعوا لي بني أخي، فجيء بنا كأنا أفراخ، فقال: ادعوا لي الحلاق فأمره، فحلق رؤوسنا (^١).\n[صحيح] (^٢).\n• وقد أجيب عن هذا:\nبأن النبي ﷺ إنما حلق رؤوسهم، مع أن إبقاء الشعر أفضل إلا في النسك لما رأى من اشتغال أمهم أسماء بنت عميس عن ترجيل شعورهم بما أصابها من قتل زوجها\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١٩٢).\n(^٢) رجاله كلهم ثقات، والحديث أخرجه أحمد (٢/ ١٠٤) وابن سعد في الطبقات (٤/ ٣٦، ٣٧) والنسائي في الكبرى (٨٦٠٤) بأطول من هذا، وفيه قصة اسشهاد زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، رووها من طريق وهب بن جرير به بهذا الإسناد.\nورواه مختصرًا كرواية أبي داود ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤٣٤)، والنسائي في الكبرى (٨١٦٠، ٩٢٩٥)، وفي الصغرى (٥٢٢٧) من طريق وهب بن جرير به.","vol":"10","page":401},{"text":"في سبيل الله، فأشفق عليهم من الوسخ والقمل (^١).\nوإذا كان هناك حاجة للحلق فلا مانع منه، لكن إذا لم يكن هناك حاجة فلا شك أن الأفضل ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم من إبقاء الشعر، وقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يتخذ شعرًا؟ فقال: سنة حسنة، ثم قال أبو عبد الله: لو أمكنا اتخذناه.\nوفي لفظ آخر عنه: لو كنا نقوى عليه، له كلفة ومؤنة.\nفيؤخذ من هذا أن من يستطيع أن يقوم بغسله وترجيله فالأفضل في حقه أن يتخذه، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4777> دليل من قال السنة حلق الشعر:</span>\nلا أعلم لهذا القول دليلًا من الأثر، ولا من النظر، ولقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «لا نزاع بين علماء المسلمين وأئمة الدين أن ذلك لا يشرع، ولا يستحب، ولا هو من سبيل الله وطريقه، ولا من الزهد المشروع للمسلمين، ولا مما أثنى الله به على أحد من الفقراء، ومع هذا فقد اتخذه طوائف من النساك الفقراء والصوفية دينًا حتى جعلوه شعارًا، وعلامة على أهل الدين والنسك والخير والتوبة والسلوك إلى الله المشير إلى الفقر والصوفية، حتى إن من لم يفعل ذلك يكون منقوصًا عندهم، خارجًا عن الطريقة المفضلة المحمودة عندهم، ومن فعل ذلك دخل في هديهم وطريقتهم، وهذا ضلال عن طريق الله وسبيله باتفاق المسلمين، واتخاذ ذلك دينًا وشعارًا لأهل الدين من أسباب تبديل الدين، بل جعله علامة على المروق من الدين أقرب (^٢).\nوما تكلم عليه ابن تيمية يقرب مما يراه بعض الزهاد والوعاظ وبعض الصالحين عندنا من اعتبار إطالة الشعر يدخل في الشهرة، ولا ينكر على من حلق رأسه دون حاجة أو نسك، بل قد يرى حلق الرأس علامة على الصلاح.\n_________\n(^١) المرقاة (٨/ ٢٤٢).\n(^٢) الاستقامة (١/ ٢٥٦).","vol":"10","page":402},{"text":"• وممكن أن يستدل لمن يرى الحلق بالأدلة التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4778>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٦٦ - ٢١٧) ما رواه أبو داود من طريق معاوية بن هشام وسفيان بن عقبة السوائي، هو أخو قبيصة، وحميد بن خوار، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر، قال: أتيت النبي ﷺ ولي شعر طويل، فلما رآني رسول الله ﷺ قال: ذباب ذباب، قال: فرجعت فجززته، ثم أتيته من الغد، فقال: إني لم أعنك، وهذا أحسن (^١).\n[حسن] (^٢).\nقال الطحاوي: فكان في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ما قد دل على أن جز الشعر أحسن من تربيته، وما جعله رسول الله ﷺ الأحسن، كان لا شيء أحسن منه، ووجب لزوم ذلك الأحسن، وترك ما يخالفه، ومقبول منه ﷺ إذا كان هذا عنه، وإذا كان أولى بالمحاسن كلها من جميع الناس سواه، أنه قد كان صار بعد هذا القول إلى هذا الأحسن، وترك ما كان عليه قبل ذلك مما يخالفه، والله نسأله التوفيق (^٣).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١٩٠).\n(^٢) الحديث مداره على سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، وعاصم وأبوه صدوقان.\n[تخريج الحديث]\nالحديث رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٤٨٣)، وأبو داود كما في إسناد الباب، والنسائي (٥٠٥٢) وابن ماجه عن سفيان أخو قبيصة، ومعاوية بن هشام.\nورواه أبو داود (٤١٩٠) من طريق حميد بن خوار.\nوأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٣٦٧) والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٧٤) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود.\nوأخرجه البيهقي في شعب الإيمان أيضًا (٦٤٧٥) من طريق أبي عقبة الأزرق، كلهم عن سفيان به.\n(^٣) شرح مشكل الآثار (٨/ ٤٣٦، ٤٣٧).","vol":"10","page":403},{"text":"وهذا الكلام مدخول من وجهين:\nالأول: القطع بأن هذه القصة متأخرة عن إعفاء الشعر، وإكرامه، وأن الرسول ﷺ صار إليه بعد أن كان له شعر كثير، وأن الرسول ترك إعفاء الشعر لأجل هذه القصة لا شك أن هذا من الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا، وقد عقدت فصلًا مستقلًا في إكرام الشعر وتسريحه ودهنه، مما يجعل الباحث يقطع أن السنة إعفاء شعر الرأس وإكرامه.\nالثاني: الاعتقاد بأن هذا القصة تعارض الأحاديث الكثيرة في إكرام الشعر غير صحيح، والجواب عن هذا، أن يقال:\nإن هذا الرجل كان شعره طويلًا كثيرًا إلى حد الشهرة، فكان الأحسن تخفيفه عن حد الشهرة، ولذا ليس في الحديث أنه حلقه، وإنما جزه، ولا يصلح دليلًا للحلق إلا لو جاء في الحديث أن الرجل حلق رأسه، وربما حسن له رسول الله ﷺ جز شعره وتخفيفه نظرًا لأنه لم يقم بحقه من تعهده وتنظيفه، وقد سبق أن قلت: إن ترك الشعر سنة لمن كان قادرًا على القيام بمؤنته من تسريحه وتنظيفه، أما من لا يقدر على ذلك فالأفضل في حقه تخفيف الشعر وجزه بدون حلق إلا في نسك، والحامل على هذا التأويل الأحاديث الكثيرة في صفة شعر الرسول ﷺ بل والأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4779>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٦٧ - ٢١٨) روى أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن أبي إسحاق، عن شمر،\nعن خريم رجل من بنى أسد، قال: قال رسول الله ﷺ: لولا أن فيك اثنتين كنت أنت، قال: إن واحدة تكفيني. قال: تسبل إزارك وتوفر شعرك. قال: لا جرم، والله لا أفعل (^١).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٤/ ٣٢١).","vol":"10","page":404},{"text":"[إسناده منقطع شمر لم يدرك خريم، والحديث محتمل للتحسين بالمتابعات] (^١).\n_________\n(^١) رواه عن خريم اثنان: شمر، وأيمن بن خريم.\nأما رواية شمر، فهي منقطعة لم يدرك شمر خريم بن فاتك. كما أنه قد انفرد عنه بذلك أبو إسحاق السبيعي، وهو قد تغير في آخرة، إلا أن جماعة قد رووه عن أبي إسحاق، وكلهم قد روى عنه بعد تغيره، منهم.\nالأول: معمر، رواها عبد الرزاق في المصنف (١٩٩٨٦)، والمسند (٤/ ٣٢١).\nولم أقف على معمر هل روى عن أبي إسحاق بآخرة أم لا، ولكن يغلب على ظني أن معمرًا كان صغيرًا، فإذا كان سماعه من قتادة كان صغيرًا حين ذاك فما بالك بأبي إسحاق، وإن كان لم ينص عليه في الرواة عن أبي إسحاق، ولذا تجنب البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي أحاديث أبي إسحاق من طريق معمر، ولم يرو له النسائي إلا حديثًا واحدًا حديث سعد: (قتال المسلم كفر وسبابه فسوق) وقد توبع عليه.\nالثاني: أبو بكر بن عياش، كما في مسند أحمد (٤/ ٣٢٢).\nوأبو بكر بن عياش، قد صرح أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ٣٥): أن سماع أبي بكر بن عياش من أبي إسحاق ليس بالقوي.\nقلت: لكن لعله يتقوى بالمتابعة.\nالثالث: عمار بن زريق، كما في مستدرك الحاكم (٤/ ١٩٥)، وشعب الإيمان للبيهقي (٥/ ٢٢٨) رقم ٦٤٧٣، والإسناد إلى أبي إسحاق حسن لولا أن عمار بن زريق روى عن أبي إسحاق بآخرة كما أفاده أبو حاتم الرازي في العلل لابنه (٢/ ١٦٦).\nوقد روى مسلم لأبي إسحاق السبيعي من رواية عمار بن زريق ثلاثة أحاديث:\nحديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر.\nوحديث فاطمة بنت قيس في قصة طلاقها، وقد توبع عليه في نفس الصحيح.\nوحديث البراء: إن آخر سورة أنزلت تامة سورة التوبة. وقد توبع فيه داخل الصحيح.\nالرابع: إسرائيل، عن أبي إسحاق.\nأخرجه ابن سعد (٦/ ٣٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٤٤)، والطبراني في الكبير (٤١٥٦).\nوإسناده إلى إسرائيل إسناد صحيح، إلا أن سماع إسرائيل من أبي إسحاق بآخرة، انظر الكواكب النيرات (ص: ٣٥٠).\nالخامس: قيس بن الربيع، كما في المعجم الكبير للطبراني (٤١٥٦).\nالسادس: يونس بن إسحاق، كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٣٨). =","vol":"10","page":405},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فصار ستة يروونه عن أبي إسحاق: معمر، وأبو بكر بن عياش، وعمار بن زريق، وإسرائيل، وقيس بن الربيع، ويونس.\nوقد تابع الأعمش أبا إسحاق. فأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٦٢٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٤١٥٩) من طريق يحيى بن إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة بن معن المسعودي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن شمر بن عطية به.\nقال الذهبي: إسناده مظلم، قلت: في إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة مجهول الحال، والأعمش لم يسمع من شمر.\nالطريق الثاني: أيمن بن خريم، عن خريم.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٤١٦١)، والصغير (١٤٨)، والأوسط (٣٥٠٦)، قال: حدثنا حاجب بن أركين الفرغاني، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن مفضل الحراني، حدثنا يونس بن بكير، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن أيمن بن خريم بن فاتك، عن أبيه قال قال النبي ﷺ: نعم الفتى خريم لو قصر من شعره ورفع من إزاره، قال: فقال خريم: لا يجاوز شعري أذني، ولا إزاري عقبي. والله أعلم.\nفي إسناده عبد الملك بن عمير، وقد روى له الجماعة.\nوعن أحمد: أنه ضعيف جدًّا، وقال أيضًا: مضطرب الحديث جدًّا مع قلة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث. تهذيب الكمال (١٨/ ٣٧٠).\nوقال ابن معين: مخلط. كما في رواية إسحاق بن منصور عنه، يشير إلى أنه اختلط في آخر عمره، وإلا فقد قال: ثقة، إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين. كما في رواية ابن البرقي عنه. تهذيب التهذيب (٦/ ٣٦٤).\nوقال أبو حاتم: ليس بحافظ، وهو صالح الحديث. تغير حفظه قبل موته. الجرح والتعديل (٥/ ٣٦٠).\nوقال النسائي: ليس به بأس. تهذيب الكمال (١٨/ ٣٧٠).\nووثقة ابن نمير والعجلي وابن حبان، زاد ابن نمير: ثبت. التهذيب (٦/ ٣٦٤)، ثقات العجلي (٢/ ١٠٤)، الثقات (٥/ ١١٦).\nوفي التقريب: ثقة فصيح، عالم تغير حفظه، وربما دلس.\nقلت: لعل من ضعفه إنما ضعفه بسبب تغيره، ولذلك قال الحافظ في هدي الساري (ص ٥٩٢) أخرج له الشيخان من رواية القدماء عنه في الاحتجاج، ومن رواية بعض المتأخرين عنه في المتابعات، وإنما عيب عليه أنه تغير حفظه لكبر سنه، لأنه عاش ١٠٣ سنين، ولم يذكره ابن عدي في الكامل، ولا ابن حبان. اهـ. =","vol":"10","page":406},{"text":"والجواب عن هذا الدليل كالجواب عما سبق، إضافة إلى أن هذا الحديث صريح بأنه ليس فيه حلق، حيث ورد في بعض الروايات أن شعره إلى أذنيه.\n• الراجح من الأقوال:\nالأصل أن ترك الشعر أفضل من حلقه، إذا كان قادرًا على القيام بمؤنته، وتعهده\n_________\n= قلت: لم أجعله ثقة، بل هو أدنى مرتبة، إعمالًا لجرح الإمام أحمد، وقول أبي حاتم: ليس بالحافظ. اهـ. لكنه ليس ضعيفًا، وقد احتجا به في الصحيح، فتوسطت وجعلته في مرتبة الصدوق.\nكما أن في إسناده المسعودي قد اختلط قبل موته، ولكن الراوي عنه يونس بن بكير كوفي، فلعله ممن سمع منه قبل اختلاطه، وقد قال الإمام أحمد: ذكر أنه اختلط ببغداد وأن سماع من سمع منه هناك ليس بشيء، قال: ومن سمع منه بالكوفة فسماعه جيد.\nوقال أحمد أيضًا: سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديم، وأبو نعيم أيضًا: قال أنه اختلط ببغداد، وعلى هذا تقبل رواية كل من سمع منه بالكوفة والبصرة قبل أن يقدم بغداد، والله أعلم. انظر الكواكب النيرات (ص: ٢٨٦ وما بعدها)، وعلى كل حال فإنه سند صالح في المتابعات، وهو يقوي طريق شمر، عن خريم.\nوله شاهد ضعيف من مسند سهل بن الحنظلية.\nرواه أبو عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٤٥) حدثنا يعقوب بن حميد، أخبرنا إسماعيل بن داود، عن هشام بن سعد، عن قيس بن بشر، عن أبيه أنه سمع ابن الحنظلية يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره، فبلغ ذلك خريمًا رضي الله تعالى عنه، فأخذ شفرة وقطع بها شعره إلى أذنيه، وإزاره إلى أنصاف ساقيه. قال بشر: رأيت خريمًا عند معاوية رضي الله تعالى عنهما وشعره جمة إلى أذنيه.\nوفيه إسماعيل بن داود بن مخراق.\nقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (١/ ٣٧٤).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (١/ ٩٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: هو ضعيف الحديث جدًّا. الجرح والتعديل (٢/ ١٦٧).\nوقال الخليلي: ينفرد عن مالك بأحاديث، وقد روى عن الأكابر ولا يرضى حفظه. الإرشاد في معرفة علماء الحديث (١/ ٢٣٤).\nوقال الدارقطني في غرائب مالك: ليس بالقوي. لسان الميزان (١/ ٤٠٣).\nوقال الآجري: عن أبي داود لا يساوي شيئًا. المرجع السابق.\nوهشام بن سعد ليس بالقوي.","vol":"10","page":407},{"text":"وتنظيفه، كما بينا من فعل الرسول ﷺ، بل ومن فعل الأنبياء، وقد يختلف حكم حلق الرأس من حال إلى آخر،\nفأما حلقه في النسك فإنه أفضل من التقصير، وهو مشروع في الكتاب والسنة:\nأما الكتاب، فقال تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (^١).\n(٢٢٦٨ - ٢١٩) وأما السنة فقد روى البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع،\nعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين. وقال الليث: حدثني نافع: رحم الله المحلقين مرة أو مرتين. قال: وقال عبيد الله: حدثني نافع، وقال في الرابعة: والمقصرين (^٢).\n(٢٢٦٩ - ٢٢٠) وأما حلقه للتداوي، فهذا أيضًا جائز، فقد روى البخاري من طريق مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،\nعن كعب بن عجرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لعلك آذاك هوامك. قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة (^٣).\nوأما حلقه على وجه التعبد، فقد قال ابن تيمية: وأما حلقه على وجه التعبد، والتدين، والزهد، من غير حج ولا عمرة، مثل ما يأمر بعض الناس التائب إذا تاب يحلق رأسه، ومثل أن يجعل حلق الرأس شعار أهل النسك والدين، أو من تمام الزهد\n_________\n(^١) سورة الفتح آية (٢٧).\n(^٢) صحيح البخاري (١٧٢٧)، ورواه مسلم (١٣٠١).\n(^٣) صحيح البخاري (١٨١٤)، مسلم (١٢٠١).","vol":"10","page":408},{"text":"والعبادة، أو من يجعل من يحلق رأسه أفضل ممن لم يحلقه أو أدين أو أزهد، أو من يقصر من شعر التائب، كما يفعل بعض المنتسبين إلى المشيخة إذا توب أحدًا أن يقص بعض شعره، ويعين الشيخ صاحب مقص وسجادة، فيجعل صلاته على السجادة، وقصه رؤوس الناس من تمام المشيخة التي يصلح بها أن يكون قدوة يتوب التائبين فهذا بدعة لم يأمر الله بها، ولا رسوله، وليست واجبة، ولا مستحبة عند أحد من أئمة الدين، ولا فعلها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا شيوخ المسلمين المشهورين بالزهد والعبادة، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا تابعيهم، ومن يعدهم مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، وأحمد بن أبي الحواري، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثال هؤلاء لم يكن هؤلاء يقصون شعر أحد إذا تاب، ولا يأمرون التائب أن يحلق رأسه (^١).\nوبقي أن يحلق رأسه لا على وجه التعبد، ولا من باب التداوي، وفي غير النسك، فإن كان قادرًا على القيام بمؤنته وتنظيفه، وتعهده بالترجل والدهن ونحوه فإن الأفضل تركه، وإلا كان ممكنًا قصه برقم واحد، وهو قريب جدًّا من الحلق، ويخرج به عن الحلق، فإن أصر إلا الحلق فأرجو أنه لا بأس به، والله أعلم.\nوقد نقل عن بعض الصحابة أن لهم شعرًا كثيرًا،\n(٢٢٧٠ - ٢٢١) فقد أخرج ابن أبي شيبة، قال: حدثنا، وكيع،\nعن هشام قال: رأيت ابن عمر وجابرًا ولكل واحد منهما جمة (^٢).\n(٢٢٧١ - ٢٢٢) وروى أيضًا، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، قال: رأيت لابن عمر جمة مفروقة تضرب منكبيه (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى (٢١/ ١١٨).\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٧) رقم ٢٥٠٦٧ وسنده صحيح.\n(^٣) المصنف (٥/ ١٨٩) رقم ٢٥٠٨٦، وسنده صحيح.","vol":"10","page":409},{"text":"(٢٢٧٢ - ٢٢٣) وروى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة قال: كان لعبد الله شعر يصفه على أذنيه (^١).\n(٢٢٧٣ - ٢٢٤) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل، عن عبد الواحد بن أيمن، قال: رأيت ابن الزبير، وله جمة إلى العنق، وكان يفرق (^٢).\n(٢٢٧٤ - ٢٢٥) وروى أيضًا قال: حدثنا وكيع، عن عبد الواحد بن أيمن قال: رأيت عبيد بن عمير وابن الحنفية لكل واحد منهما جمة (^٣).\nوقال أحمد بن حنبل: أحصيت على ثلاثة عشر من أصحاب النبي ﷺ كان لهم شعر، فذكر أبا عبيدة بن الجرح، وعمار بن ياسر، والحسن والحسين.\nوقال أحمد أيضًا حين سئل عن تطويل الشعر: تدبرت مرة، فإذا هو عن بضعة عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٥/ ١٨٧) رقم ٢٥٠٦٨، وسنده لا بأس به.\n(^٢) المصنف (٥/ ١٨٨)، وسنده لا بأس به.\n(^٣) المرجع السابق، ونفس الصفحة، وسنده حسن.\n(^٤) كتاب الوقوف والترجل من الجامع لمسائل الإمام أحمد - أبو بكر الخلال (ص: ١١٧، ١١٨).","vol":"10","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4780>الفصل الثالث\nفي الترجل وصفته</span>\n[م-٨٧٢] يستحب ترجيل الشعر.\nوأما صفته، فقيل: يستحب أن يكون غبًا.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)\nوقيل: يرجله ما شاء، ولو في اليوم مرتين (^٤).\n• الأدلة على ترجيل الشعر:\nالحديث الأول:\n(٢٢٧٥ - ٢٢٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام ابن يوسف، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة،\nعن عائشة ﵂، أنها كانت ترجل النبي ﷺ، وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه (^٥).\nالحديث الثاني:\n(٢٢٧٦ - ٢٢٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا بن\nأبي ذئب، عن الزهري،\n_________\n(^١) بريقة محمودية (٤/ ٢٠٢).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤٤)، نهاية المحتاج (٨/ ١٤٨).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٧٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٨٦).\n(^٤) مختصر المنذري (٦/ ٨٦) والمنتقى - الباجي (٧/ ٢٦٩).\n(^٥) صحيح البخاري (٢٠٤٦)، وهو في مسلم بنحوه (٣١٦).","vol":"10","page":411},{"text":"عن سهل بن سعد، أن رجلا اطلع من جحر في دار النبي ﷺ والنبي ﷺ يحك رأسه بالمدري، فقال: لو علمت أنك تنظر لطعنت بها في عينك؛ إنما جعل الإذن من قبل الأبصار (^١).\nوفي رواية لمسلم: (ومع رسول الله ﷺ مدرى يرجل به رأسه) (^٢).\nالحديث الثالث:\n(٢٢٧٧ - ٢٢٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق،\nعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، في شأنه كله (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٩٢٤)، ورواه مسلم (٢١٥٦).\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر: المدرى بكسر الميم، وسكون المهملة: عود تدخل المرأة في رأسها، لتضم بعض شعرها إلى بعض، وهو يشبه المسلة، يقال: مدرت المرأة رأسها: سرحت شعرها.\nوقيل: مشط له أسنان يسيرة.\nوقال الأصمعي وأبو عبيد: هو المشط.\nوقال الجوهري: أصل المدرى القرن، وكذلك المدراة، وقيل: هو عود أو حديدة كالخلال لها رأس محدد، وقيل: خشبة على شكل شيء من أسنان المشط، ولها ساعد، جرت عادة الكبير أن يحك بها ما لا تصل إليه يده من جسده، ويسرح بها الشعر الملبد من لا يحضره المشط.\nوقرأت بخط الحافظ اليعمري عن علماء الحجاز: المدري تطلق على نوعين:\nأحدهما صغير يتخذ من آبنوس أو عاج أو حديد يكون طول المسلة يتخذ لفرق الشعر فقط، وهو مستدير الرأس على هيئة نصل السيف بقبضة، وهذه صفته:\nثانيهما: كبير، وهو عود مخروط من أبنوس أو غيره، وفي رأسه قطعة منحوتة في قدر الكف، ولها مثل الأصابع، أولاهن معوجة، مثل حلقة الإبهام المستعمل للتسريح، ويحك بها الرأس والجسد، وهذه صفته، قال الحافظ: اهـ ملخصًا.\n(^٣) صحيح البخاري (١٦٨)، هذا لفظ البخاري، ورواه مسلم بنحوه، وانظر حديث (١٢٨٥) فقد تكلمت على ألفاظه ومعانيه.","vol":"10","page":412},{"text":"فكل هذه الأحاديث تدل أن النبي ﷺ كان يرجل شعره، وأنه كان يحرص على ذلك حتى وهو في معتكفه ﵊.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4781> دليل من قال الترجل غبًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4782>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٧٨ - ٢٢٩) روى الإمام أحمد من طريق أبي عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي،\nعن حميد الحميري، قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبوهريرة أربع سنين قال: نهانا رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في مغتسله، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعًا (^١).\n[رجاله ثقات] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4783>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٧٩ - ٢٣٠) ما رواه أحمد، قال: قال حدثنا يحيى، عن هشام قال: سمعت الحسن،\nعن عبد الله بن مغفل المزني، أن النبي ﷺ نهى عن الترجل إلا غبًا (^٣).\n[ضعيف، فيه هشام بن حسان، وروايته عن الحسن فيها كلام، وانفرد برفعه، وقد روي موقوفًا على الحسن، ومرسلًا] (^٤).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٤/ ١١١).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (٦٥، ١٤٠١).\n(^٣) مسند أحمد (٤/ ٨٦).\n(^٤) الحديث أخرجه أبو داود (٤١٥٩) والترمذي في السنن (١٧٥٦)، وفي الشمائل (٣٤)، والروياني في مسنده (٨٧٠)، وابن حبان (٥٤٨٤) من طريق يحيى بن سعيد،\nوأخرجه الترمذي (١٧٥٦) والنسائي (٥٠٥٥)، من طريق عيسى بن يونس، =","vol":"10","page":413},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الرواياني في مسنده (٨٧٠) من طريق ابن أبي عدي،\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٤٣٦) من طريق محمد - يعني ابن عبد الله الأنصاري - كلهم عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل به.\nوالحديث له ثلاث علل:\nالأولى: تكلم في رواية هشام بن حسان عن الحسن البصري،\nفقال علي بن المديني: أما أحاديث هشام عن محمد - يعني ابن سيرين - فصحاح وحديثه عن الحسن عامتها يدور على حوشب. الجرح والتعديل (٩/ ٥٤).\nوقال ابن عيينة: أتى هشام بن حسان عظيمًا بروايته عن الحسن، قيل لنعيم: لم؟ قال: لأنه كان صغيرًا. المرجع السابق.\nوقال إسماعيل بن علية: كنا لانعد هشام بن حسان في الحسن شيئا. المرجع السابق.\nوقد قال عباد بن منصور وجرير بن حازم وعمرو بن عبيد لم نره عند الحسن قط. الضعفاء الكبير (٤/ ٣٣٤).\nوقال أبو داود: إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء؛ لأنه كان يرسل، وكانوا يرون أنه أخذ كتب حوشب. المرجع السابق.\nقلت: أخرج له البخاري ثلاثة أحاديث قد توبع عليها، فأخرج الشيخان له حديث عبد الرحمن ابن سمرة: (لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها).\nوقد روياه من طريق جرير بن حازم ويونس بن عبيد، عن الحسن.\nوأخرجه البخاري من طريق عبد الله بن عون، ومنصور بن المعتمر، والربيع بن صبيح، وسماك ابن حرب، عن الحسن.\nوأخرجه مسلم من طريق سماك بن عطية ومنصور بن زاذان وحميد بن أبي حميد، وقتادة بن دعامة، وسليمان بن طرخان، عن الحسن.\nالحديث الثاني: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار.\nرواه البخاري ومسلم، من طريق أيوب بن تميمة، عن الحسن.\nورواه مسلم من طريق معلى بن زياد، ويونس بن عبيد، عن الحسن.\nالحديث الثالث: ما من عبد استرعاه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته الحديث.\nرواه الشيخان من طريق جعفر بن حيان، عن الحسن.\nورواه مسلم من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن. وتابع عامر بن أسامة الحسن البصري، عن معقل بن يسار عند مسلم. هذه أحاديثه بالبخاري.\nوأما ما انفرد مسلم من أحاديثه، فروى له حديث: إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون ... الحديث. =","vol":"10","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4784>الدليل الثالث:</span>\n(٢٢٨٠ - ٢٣١) ما أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير، قال: حدثناه إبراهيم بن محمد، حدثنا محمد بن موسى الجريري، حدثنا ابن أسماء، عن نافع،\nعن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الترجل إلا غبًا.\n[ضعيف] (^١).\n_________\n= رواه مسلم أيضًا من طريق قتادة بن دعامة، ومعلى بن زياد، عن الحسن.\nوروى له مسلم أيضًا: حديث لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم. ولم أقف له على متابع، لا في الصحيح، ولا في غيره، ولكن النهي عن الحلف بالآباء له شواهد كثيرة، منها حديث ابن عمر في الصحيحين، ومنها حديث أبي هريرة في غيرهما، وهو حديث صحيح. وعلى هذا لا يمكن أن نحتج بتخريج حديث هشام، عن الحسن في الصحيحين، لأن الشيخين قد حرصا على ألا يخرجا له حديثًا إلا حديثًا له متابع في الصحيح، أو قد صح من حديث آخر، والله أعلم. هذا فيما يتعلق بالعلة الأولى.\nالعلة الثانية: عنعنة الحسن البصري، وهو مدلس، لكني سمعت من يقول: إن عنعنة الحسن البصري من قبيل الإرسال، والعلماء قد يطلقون التدليس على الإرسال، فإن كان ذلك كذلك، لم تعتبر العنعة علة؛ لأن الحسن قد سمع من عبد الله بن مغفل.\nالعلة الثالثة: الاختلاف في وصله وإرساله.\nفقد رواه يونس بن عبيد، موقوفًا على الحسن البصري ومحمد بن سيرين، من قولهما. ويونس بن عبيد في الحسن أرجح من هشام بن حسان، فقد أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٩٣١٧)، والصغرى (٥٠٥٧) قال: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن يونس بن عبيد، عن الحسن ومحمد قالا: الترجل غب\nورواه قتادة بن دعامة وأبو خزيمة، عن الحسن مرسلًا، عن النبي ﷺ.\nفقد رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٣١) حدثنا وكيع، عن أبي خزيمة. ...\nورواه أيضًا (٥/ ٢٣١) حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا سعيد،\nورواه النسائي (٥٠٥٦) من طريق حماد بن سلمة، ثلاثتهم (أبو خزيمة وسعيد وحماد بن سلمة) عن قتادة، عن الحسن أن النبي ﷺ نهى عن الترجل إلا غبًا.\nولهذا الاختلاف حكم الشوكاني عليه بالاضطراب كما في نيل الأوطار (١/ ١٥٢).\n(^١) ضعفاء العقيلي (٤/ ١٣٧)، وقال عن محمد بن موسى: لا يتابع عليه، ثم قال: وقد روى هذا من غير هذا الوجه بإسناد أصلح من هذا.","vol":"10","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4785>الدليل الرابع:</span>\n(٢٢٨١ - ٢٣٢) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا إسمعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن كهمس،\nعن عبد الله بن شقيق، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ عاملًا بمصر، فأتاه رجل من أصحابه، فإذا هو شعث الرأس مشعان، قال: ما لي أراك مشعانا، وأنت أمير؟ قال: كان نبي الله ﷺ ينهانا عن الإرفاه، قلنا: وما الإرفاه؟ قال: الترجل كل يوم (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) سنن النسائي (٥٠٥٨).\n(^٢) رجاله ثقات، والصحابي العامل بمصر هو فضالة بن عبيد، كما عند أحمد (٦/ ٢٢) قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرني الجريري، عن عبد الله بن بريدة، أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد، وهو بمصر، فقدم عليه وهو يمد ناقة له، فقال: إني لم آتك زائرًا، إنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم، فرآه شعثًا، فقال: ما لي أراك شعثًا، وأنت أمير البلد؟ قال: إن رسول الله ﷺ كان ينهانا عن كثير من الإرفاه، ورآه حافيًا، فقال: ما لي أراك حافيًا؟ قال: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نحتفي أحيانًا.\nوهذا إسناد صحيح، والجريري، هو سعيد بن إياس، كان قد تغير قبل موته،\nقال أحمد: سألت ابن عليه عن الجريري كان اختلط؟ قال: لا، كبر الشيخ فرق. الجرح والتعديل (٤/ ١).\nوفي التقريب: ثقة من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين.\nوالراوي عنه يزيد بن هارون، وقد سمع منه بعد تغيره، قال يزيد: سمعت منه سنة ١٤٢، وهي أول سنة دخلت البصرة، ولم ننكر منه شيئًا، وكان قيل لنا: إنه اختلط. تهذيب التهذيب (٤/ ٦).\nوهذا يدل على أن وقت سماع يزيد بن هارون كان اختلاطه يسيرًا، وقد أخرج مسلم حديث سعيد بن إياس، من طريق يزيد بن هارون، لكنه قد توبع، وعلى كل فقد روى هذا الحديث عنه إسماعيل بن عليه، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، انظر الكواكب النيرات (ص: ٤٣)، فيكون الحديث صحيحًا.\nوالحديث رواه أبو داود (٤١٦٠)، والدارمي (٥٧١) عن يزيد بن هارون.\nوأخرجه النسائي في المجتبى (٥٢٣٩)، وفي الكبرى (٩٣١٩) من طريق ابن علية، كلاهما عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة به، وقد وقع لي تخريجه قبل، انظر (ح: ٨٥٧). =","vol":"10","page":416},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4786> دليل من قال له أن يترجل ما شاء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4787>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٨٢ - ٢٣٣) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا عمر ابن علي بن مقدم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر،\nعن أبي قتادة قال: كانت له جمة ضخمة، فسأل النبي ﷺ فأمره أن يحسن إليها، وأن يترجل كل يوم (^١).\n[ضعيف سندًا ومتنًا، والمعروف أنه مرسل] (^٢).\n_________\n= الإرفاه: قال في النهاية: كثرة التدهن والتنعم.\nوقيل: التوسع في المشرب والمطعم، أراد ترك التنعم والدعة ولين العيش؛ لأنه من زي العجم، وأرباب الدنيا.\nقال بعض العلماء الأفاضل: «والحديث يرد ذلك التفسير، ولهذا قال أبو الحسن السندي: في حاشيته على النسائي: وتفسير الصحابي يغني عما ذكروا، فهو أعلم بالمراد».\nوترجيحه هذا حمله عليه تعظيمه لتفسير السلف على الخلف وفقه الله، ولكن عندي أن التفسير من التفسير بالمثال، ولذلك قال عبد الله بن بريدة في رواية النسائي: (منه الترجل) وكلمة (منه) للتبعيض، ولا شك أن دخول ما ذكره السلف في الإرفاه يكون أولى من غيره، لكن مدلول الكلمة أعم من مثال واحد، والله أعلم.\n(^١) سنن النسائي (٥٢٣٧).\n(^٢) ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٩٤٩) عن يحيى بن سعيد، أن أبا قتادة الأنصاري قال لرسول الله ﷺ إن لي جمة أفأرجلها، فقال رسول الله ﷺ: نعم وأكرمها، فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين لما قال له رسول الله ﷺ: وأكرمها.\nالحديث له أكثر من علة، وفيه اختلاف في إسناده ومتنه، ومنها:\nأولًا: الانقطاع، فمحمد بن المنكدر لم يسمع من أبي قتادة، قال الحافظ: قال البخاري، عن هارون بن محمد الفروي: مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقال ابن المديني، عن أبيه، بلغ ستًّا وسبعين سنة، قال الحافظ: فيكون روايته عن عائشة وأبي هريرة وعن أبي أيوب الأنصاري وأبي قتادة وسفينة ونحوهم مرسلة. تهذيب التهذيب (٩/ ٤١٧).\nوبهذا التحقيق من ابن حجر يتبين أن ابن عبد البر رحمه الله تعالى لم يصب حين قال في التمهيد (٢٤/ ٩): لا أعلم بين رواة الموطأ اختلاف في إسناد هذا الحديث، وهو عند جميعهم هكذا =","vol":"10","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4788>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٨٣ - ٢٣٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا\n_________\n= مرسل منقطع، وقد روي عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن أبي قتادة وهذا لا يدفع أن يكون مسندًا، ولا ينكر سماع ابن المنكدر من أبي قتادة والله أعلم.\nالعلة الثانية: أنه اختلف في وصله وإرساله، فرواه عمر بن علي بن مقدم، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المنكدر، عن أبي قتادة، موصولًا.\nوخالفه حماد بن زيد، فرواه مرسلًا، كما عند البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٢٥) من طريق محمد ابن أبي بكر، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، أن أبا قتادة اتخذ شعرًا، فقال له النبي ﷺ: أكرمه أكرمه، أو افعل به، قال: فكان يترجل كل يوم. كذا قال. اهـ\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، إلا أنه مرسل.\nوتابع سفيان حمادًا عند البيهقي في الشعب، فرواه عن محمد بن المنكدر مرسلًا، ورجاله ثقات، وسيأتي ذكره قريبًا عند ذكر الاختلاف في المتن.\nورواه البيهقي أيضًا (٥/ ٢٢٥) من طريق إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المنكدر، عن جابر موصولًا،\nورواه أيضًا عن إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، وهذان الإسنادان ضعيفان، إسماعيل بن عياش روايته عن غير أهل بلده فيها تخليط، وهذان منها.\nقال البيهقي: إرساله أصح، ووصله ضعيف. هذا من ناحية الاختلاف في سنده.\nالعلة الثالثة: الاختلاف في متنه،\nفقد روي كما سبق أنه كان يرجله كل يوم مرة أو مرتين.\nوروى أنه كان يرجله يومًا بعد يوم، فقد رواه البيقهي مرسلًا في شعب الإيمان (٥/ ٢٢٥) من طريق محمد بن كثير، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، قال: كان لأبي قتادة شعر فقال النبي ﷺ: أحسن إليه، فكان يدهنه يومًا ويدعه يومًا. اهـ\nوهذا يوافق حديث النهي عن الترجل إلا غبًا، ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، وهو المعروف في هذا الحديث.\nوقد روى ابن أبي شيبة في المصنف في موضعين منه (٦/ ١٩٨) قال: حدثنا ابن إدريس، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، قال: مازح النبي ﷺ أبا قتادة، فقال: لأجزن جمتك، فقال له: ولك مكانها أسر، فقال له بعد ذلك: أكرمها فكان يتخذ لها السُّد. ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.\nورواه في موضع سابق (٥/ ١٨٧) بنفس الإسناد إلا أنه قال: عن يحيى بن عبد الله، عن أبي قتادة، والأول أصح.","vol":"10","page":418},{"text":"ابن وهب، حدثني ابن أبي الزناد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من كان له شعر فليكرمه (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١٦٣).\n(^٢) الحديث أخرجه أبو داود (٤١٦٣) وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٠)، من طريق ابن وهب.\nوأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٣٦٥) من طريق داود بن عمرو الضبي،\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٤٨٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٥٥) من طريق سعيد ابن منصور وداود بن عمرو، كلهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به.\nوحسن إسناده الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٦٨).\nوالحديث رجاله كلهم ثقات إلا عبد الرحمن بن أبي الزناد،\nقال ابن المديني: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون ورأيت عبد الرحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، وكان يقول في حديثه عن مشيختهم فلان وفلان وفلان، قال: ولقنه البغداديون عن فقهائهم. تهذيب التهذيب (٦/ ١٥٥).\nوقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا. تاريخ بغداد (١٠/ ٢٢٨).\nوقال النسائي: ضعيف. الضعفاء والمتروكين (٣٦٧).\nوقال عمرو بن على: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن عبد الرحمن بن أبى الزناد. الضعفاء الكبير (٢/ ٣٤٠).\nوقال عبد الله بن أحمد: سألت أبى عن ابن أبى الزناد، فقال: كذا وكذا - يعنى ضعيف - المرجع السابق.\nوقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف. تهذيب التهذيب (٦/ ١٥٥).\nولخص حاله الذهبي، فقال: من أوعية العلم، لكنه ليس بالثبت جدًّا مع أنه حجة في هشام بن عروة. تذكرة الحفاظ (١/ ٢٤٧).\nوفي التقريب: صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا من السابعة، ولي خراج المدينة فحمد.\nوإذا كان حديثه عن أهل المدينة صحيحًا فإن شيخه في هذا الحديث مدني، وقد توبع ابن أبي الزناد، فقد رواه أبو نعيم في كتابه تسمية ما انتهى إلينا من الرواة (٢/ ٥٨) رقم ٢٢ من طريق ابن أبي ذئب، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من كان له شعر فليكرمه. وهذا سند صحيح. =","vol":"10","page":419},{"text":"(٢٢٨٤ - ٢٣٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا مسكين بن بكير، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن المنكدر،\nعن جابر قال: أتانا رسول الله ﷺ زائرًا في منزلنا فرأى رجلًا شعثًا فقال: أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه ورأى رجلًا عليه ثياب وسخة فقال: أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n= وللحديث شواهد منها:\nالأول: حديث عائشة.\nرواه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٣٦٠) والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٥٦)، من طريق محمد ابن يزيد الواسطي، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن عمارة بن غزية، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان لأحدكم شعر فليكرمه.\nوسنده حسن في الشواهد، وفيه ابن إسحاق، وقد عنعن، وباقي رجاله ثقات. وحسن الحافظ إسناده في الفتح (١٠/ ٣٦٨).\nالشاهد الثاني: حديث ابن عباس.\nرواه الخطيب في الموضح (٢/ ٦٧) عن سليمان بن أرقم، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.\nوفيه سليمان بن أرقم. وهو متروك.\n(^١) مسند أحمد (٣/ ٣٥٧).\n(^٢) رجاله ثقات إلا مسكين بن بكير، قال ابن معين: لا بأس به. الجرح والتعديل (٨/ ٣٢٩)\nوقال ابن أبي حاتم: سألت أبى عن مسكين بن بكير، فقال: لا بأس به كان صحيح الحديث يحفظ الحديث. المرجع السابق.\nقال الحافظ: قال أبو أحمد الحاكم: له مناكير كثيرة، كذا نقلته من خط الذهبي، والذي في الكنى لأبي أحمد، كان كثير الوهم والخطأ. تهذيب التهذيب (١٠/ ١٠٩).\nقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١٩٤).\nوفي التقريب: صدوق يخطئ، وكان صاحب حديث.\nقلت: وجدت في أطراف المسند بدلًا من مسكين بن بكير، محمد بن كثير، وهو من شيوخ أحمد، وأشار المحقق إلى أن اسمه كتب مقطعًا في نسخة (م) هكذا (ك ث ي ر) خشية التصحيف، وكتب في حاشية (هـ) وفي نسخة من المسند (مسكين بن بكير)، ومحمد بن كثير ثقة. =","vol":"10","page":420},{"text":"جاء في عون المعبود: من كان له شعر فليكرمه: أي فليزينه ولينظفه بالغسل والتدهين والترجيل، ولا يتركه متفرقًا؛ فإن النظافة وحسن المنظر محبوب.\nقال المنذري: يعارضه ظاهر حديث الترجل إلا غبًا، وحديث البذاذة على تقدير صحتهما، فجمع بينهما بأنه يحتمل أن يكون النهي عن الترجل إلا غبًا محمولًا على من يتأذى بإدمان ذلك لمرض، أو شدة برد، فنهاه عن تكلف ما يضره.\nويحتمل أنه نهى عن أن يعتقد أن ما كان يفعله أبو قتادة من دهنه مرتين أنه لازم، فأعلمه أن السنة من ذلك الإغباب به لا سيما لمن يمنعه ذلك من تصرفه وشغله، وأن ما زاد على ذلك ليس بلازم، وإنما يعتقد أنه مباح من شاء فعله ومن شاء تركه، انتهى كلام المنذري\nقال ابن القيم في تهذيب السنن: وهذا لا نحتاج إليه، والصواب أنه لا تعارض بينهما بحال؛ فإن العبد مأمور بإكرام شعره، ومنهى عن المبالغة والزيادة في الرفاهية والتنعم، فيكرم شعره ولا يتخذ الرفاهية والتنعم ديدنه بل يترجل غبًا (^١).\n* * *\n_________\n= فالحديث إن كان في إسناده مسكين بن بكير فهو إسناد حسن إن شاء الله تعالى، وقد توبع، تابعه وكيع وغيره كما سيأتي في تخريجه، فالحديث صحيح.\n[تخريج الحديث].\nالحديث رواه أبو يعلى في مسنده (٢٠٢٦) وأبو داود (٢٠٦٢) من طريق وكيع،\nوأخرجه أبو داود (٢٠٦٢) من طريق مسكين،\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٩٣١٢) وفي الصغرى (٥٢٣٦) من طريق عيسى،\nوأخرجه ابن حبان كما في الموارد (١٤٣٨) من طريق الوليد بن مسلم،\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٠٦) من طريق بشر بن بكر،\nوأخرجه البغوي في شرح السنة (٣١١٩) من طريق عمرو بن أبي سلمة، كلهم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ مرفوعًا.\n(^١) عون المعبود (١١/ ١٤٧).","vol":"10","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4789>كتاب السواك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4790>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد فإن دين الإسلام دين الطهارة والنظافة، والطهور من الإسلام شطر الإيمان،\n(٢٢٨٥ - ٢٣٦) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبان، حدثنا يحيى، أن زيدًا حدثه، أن أبا سلام حدثه،\nعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها (^١).\nوقد قيل في معنى الطهور شطر الإيمان: أي نصف الصلاة، فالصلاة لا تتم إلا بطهور، قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) فأطلق الإيمان، وأراد به الصلاة.\nوالعناية بالسواك، هي عناية بنظافة جزء من البدن، ولقد جاءت الأحاديث\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٢٣).","vol":"10","page":422},{"text":"الكثيرة بالعناية بالبدن، كالعناية بالشعر، والأظفار، والإبط، وشعر العانة، والاغتسال للجمعة، ومن الجنابة، ونحوها، وقد تعرضنا لأكثرها في بحث سنن الفطرة.\nولقد كان اهتمام الرسول ﷺ في السواك اهتمامًا عظيمًا في سائر أحواله من ليل أو نهار، حتى أنه كان يرأى في منامه أنه يتسوك، كما في صحيح البخاري، وسوف يأتي تخريجه في ثنايا البحث، ويكفي أن السواك كان آخر فعل فعله الرسول ﷺ في حياته، فقد رَغِبَ في السواك، وهو في سكرات الموت ﷺ، كما في صحيح البخاري، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله.\nويكفي أن تعرف أن الإسلام جعل تطهير الفم -وهي منفعة دنيوية خالصة- سببًا في مرضاة الله ﷾، فهل بعد هذا الترغيب في النظافة من ترغيب؟ وما اجتهد المجتهدون، وما تقرب الصالحون، بشيء إلا طلبًا لمرضاة الله ﷾، ونيل رضاه.\nوجاء في حديث عائشة عند مسلم ذكر السواك من سنن الفطرة، وهو كذلك من سنن الوضوء، ويتعلق به عبادات مختلفة في أوقات مختلفة، ولكثرة أحكامه أفردته في خطة مستقلة حتى نستوفي أكثر أبوابه، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n* * *","vol":"10","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4791>التمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4792>المبحث الأول تعريف السواك</span>\nتعريف السواك اصطلاحًا (^١):\nالسِّواك ما يُدْلَكُ به الفَمُ من العيدان\nقال النووي: وهو في اصطلاح الفقهاء استعمال عود أو نحوه في الأسنان لإذهاب التغير ونحوه والله أعلم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) ساك الشيء وسُكْت الشيء أسوكه سوكًا: إذا دلكته، ومنه اشتقاق المسواك، من ذلك يقال: ساك فاه يسُوكه سوكًا، فإذا قلت: استاك لم تذكر الفم.\nوفي مقاييس اللغة: سَوُك: السين والواو والكاف أصل واحد يدل على حركة، واضطراب، يقال: تَساوكَت الإِبل: اضطربت أَعناقها من الهُزال، أراد أنها تتمايل من ضعفها.\nقال أَبو منصور: ما سمعت أَن السواك يؤَنث، قال: وهو عندي من غُدَدِ الليث، السواك مذكر، وقوله مَطْهَرة كقولهم: الولدُ مَجْبَنة مَجْهَلَة مَبْخَلة، وقوله الكفر مَخْبَثَة. انظر مجمل اللغة لابن فارس (١/ ٤٧٩)، مقاييس اللغة (٣/ ١١٧)، النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٢٥).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٢٦).","vol":"10","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4793>المبحث الثاني في فضل السواك</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• السواك عمل يسير غير متعد، ومع ذلك فيه مرضاة للرب.\n• قال ابن عبد البر: فضل السواك مجتمع عليه، لا اختلاف فيه.\n• قدر ثواب الأعمال توقيفي، وقد يرتب الفضل الكثير على العمل اليسير.\nورد في فضل السواك أحاديث كثيرة، نذكر منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4794>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٨٦ - ٢٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، ثنا يزيد بن زريع، ثنا عبد الرحمن بن أبي عتيق، عن أبيه،\nأنه سمع عائشة تحدثه عن النبي، قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.\n[صحيح] (^١).\n_________\n(^١) في الإسناد: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق.\nذكره البخاري في التاريخ الكبير، وسكت عليه. (٥/ ٣٠٢).\nوقال أحمد بن حنبل: لا أعلم إلا خيرًا. الجرح والتعديل (٥/ ٢٥٥)، ثقات ابن شاهين (٨٠٩)، تهذيب الكمال (١٧/ ٢٢٧)، تهذيب التهذيب (٦/ ١٩٢).\nوقال ابن حبان: كان ثبتًا إلا أنه ربما وهم في الأحايين. مشاهير علماء الأمصار. (١/ ١٤٤). وذكر ابن حبان أيضًا في الثقات (٧/ ٦٥).\nوقال الذهبي: وثق. الكاشف (٣٤٠٤). =","vol":"10","page":425},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي التقريب: مقبول. وفي هذا تليين لحديثه إذا انفرد، مع أنه أكبر من ذلك فحديثه حسن إن شاء الله مع كلام الإمام أحمد، وتوثيق ابن حبان وابن شاهين له.\nوأما والده عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.\nوثقه النسائي، وابن حبان والعجلي الثقات. (٥/ ٤١)، ثقات العجلي (٢/ ٥٧)، تهذيب التهذيب (٦/ ١٠).\nوذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٥/ ١٥٤).\nوقال مصعب الزبيري: كان امرؤًا صالحًا، وكان فيه دعابة. تهذيب التهذيب (٦/ ١٠).\nوفي التقريب: صدوق فيه مزاح. اهـ روى له البخاري ومسلم وغيرهما. وقد تجنبت عمدًا ما يروى من مزاحه. فالإسناد حسن إن شاء الله.\nوقد اختلف عليه على عبد الرحمن بن أبي عتيق:\nفقيل: عنه، عن أبيه، عن عائشة.\nأخرجه أحمد كما في إسناد الباب عن عفان.\nوالنسائي في المجتبى (٥) وفي الكبرى أخبرنا حميد بن مسعدة ومحمد بن عبد الأعلى.\nوابن حبان (١٦٠٧) من طريق روح بن عبد المؤمن المقرئ،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٤) من طريق محمد بن أبي بكر، كلهم عن يزيد بن زريع، عن عبد الرحمن بن أبي عتيق به.\nوقد توبع يزيد بن زريع:\nفأخرجه أبو يعلى (٤٩١٦) من طريق الدراوردي عبد العزيز بن محمد.\nوالطبراني في الأوسط (٢٧٨) من طريق سعيد بن أبي أيوب، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي عتيق به.\nوفي إسناد الطبراني قال: محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، وهو خطأ، والصواب: عبد الرحمن.\nوكما توبع يزيد بن زريع، توبع عبد الرحمن بن أبي عتيق في روايته عن أبيه، تابعه محمد بن إسحاق.\nفقد رواه الشافعي في مسنده (ص: ١٤) أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي عتيق،\nعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال السواك: مطهرة للفم مرضاة للرب.\nوأخرجه الحميدي (١٦٢) ثنا سفيان.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٤٧) ثنا إسماعيل (ابن علية)\nوأخرجه أحمد أيضًا (٦/ ٢٣٨) ثنا يزيد (ابن هارون).\nوأخرجه أحمد أيضًا (٦/ ٦٢) ثنا عبدة بن سليمان الكلابي. =","vol":"10","page":426},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١١١٦) أخبرنا عيسى بن يونس.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٨/ ٧٣) ح ٤٥٩٨ حدثنا محمد بن صباح،\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ١٥٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٨٢) من طريق شعبة، كلهم (ابن عيينة، وابن علية، وابن هارون، وعبدة، وابن يونس، ومحمد بن صباح، وشعبة) رووه عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي عتيق به.\nوهذا إسناد حسن، وقد صرح ابن إسحاق عند أحمد من رواية ابن علية عنه، وهي متابعة تامة لعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق، فيكون الحديث بهذه المتابعة صحيحًا إن شاء الله تعالى.\nالطريق الثاني: عن عبد الرحمن بن أبي عتيق، عن القاسم بن محمد عن عائشة.\nأخرجها البيهقي (١/ ٣٤) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق، عن القاسم بن محمد،\nعن عائشة زوج النبي ﷺ قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.\nوقد خالف سليمان بن بلال كل من يزيد بن زريع، والدراوردي، حيث روياه عن عبد الرحمن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة.\nوقد رواه محمد بن إسحاق، عن ابن أبي عتيق، عن عائشة متابعًا لعبد الرحمن.\nفهل يكون عبد الرحمن قد سمعه من أبيه، ومن القاسم؛ أو تكون رواية سليمان بن بلال وهمًا منه.\nوقد توبع ابن أبي عتيق في روايته عن القاسم، إلا أنها رواية ضعيفة قد لا تكون صالحة في المتابعات.\nفقد أخرجه أحمد (٦/ ١٤٦) ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك الديلي.\nوإسحاق بن رواهويه (٩٣٦) أخبرنا أبو عامر العقدي.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٥٦) والدارمي (٦٨٤) عن خالد بن مخلد،\nوأبو يعلى في مسنده (٤٥٦٩) من طريق حميد بن عبد الرحمن، كلهم عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي، عن داود بن الحصين، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، وفي الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السّام. قالوا يا رسول الله: وما السام؟ قال: الموت.\nولفظ ابن أبي شيبة ليس فيه ذكر للحبة السوداء. ومن طريق خالد بن مخلد أخرجه الدارمي (٦٨٤).\nوفيه إبراهيم بن إسماعيل:\nقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (١/ ٢٧١)، الضعفاء الصغير (٢).\nوقال النسائي: ضعيف مدني. الضعفاء والمتروكين (٢). =","vol":"10","page":427},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الدارقطني: متروك. تهذيب التهذيب (١/ ٩٠).\nوقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: ثقة. الجرح والتعديل (٢/ ٨٣)، تهذيب الكمال (٢/ ٤٢).\nوقال ابن سعد: كان مصليًا عابدًا صام ستين سنة، وكان قليل الحديث. الطبقات الكبرى (٥/ ٤١٢).\nوقال يحيى بن معين: صالح كما في رواية الدارمي عنه. الجرح والتعديل. زاد في تهذيب الكمال: يكتب حديثه، ولا يحتج به. تهذيب الكمال (٢/ ٤٢).\nوذكره العقيلي في الضعفاء (١/ ٤٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: شيخ، ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث دون إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وأحب إلي من إبراهيم بن الفضل.\nفهذا الإسناد ضعيف، لأن مداره على إبراهيم بن إسماعيل، قال البيهقي في السنن (١/ ٣٤) فكأنه سمعه منهما.\nوقال الدارقطني في العلل (١٤/ ٤٢٢): «والصحيح ابن أبي عتيق سمعه من عائشة، وذكر القاسم غير محفوظ».\nوقيل: عن عبد الرحمن بن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق.\nأخرجه الإمام أحمد (١/ ٣) ثنا أبو كامل، ثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق، أن النبي ﷺ قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.\nورواه أيضًا (١/ ١٠) حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، به.\nوأخرجه أبو يعلى (١٠٤) والمروزي (ص: ١٧٤) حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي.\nورواه أبو يعلى (١٠٥)، والمروزي (ص: ١٧٦) من طريق يونس بن محمد،\nوتمام في فوائده (١/ ٥٩) من طريق محمد بن عبيد الغساني، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله ﷺ وذكره.\nورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٦١) من طريقين عن حماد بن سلمة به.\nوقال ابن عدي: «يقال إن هذا الحديث أخطأ فيه حماد بن سلمة حيث قال: عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق، وإنما رواه غيره عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة».\nوانفرد حماد بن سلمة بجعله من مسند أبي بكر، وكل من رواه عن ابن عتيق جعله من مسند عائشة، ولذلك جزم بخطأ حماد كل من أبي زرعة وأبي حاتم، والدارقطني.\nقال أبو زرعة وأبو حاتم كما في العلل لابن أبي حاتم (١/ ١٢): «وهذا خطأ إنما هو ابن أبي عتيق، عن أبيه عن عائشة. قال أبو زرعة: أخطأ فيه حماد. قال أبي -يعني أبا حاتم- الخطأ من حماد، أو من ابن أبي عتيق». =","vol":"10","page":428},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الدارقطني في العلل (١/ ٢٧٧) عن هذا الحديث: «هو حديث يرويه حماد بن سلمة، عن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر. وخالفه جماعة من أهل الحجاز وغيرهم، فرووه عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ وهو الصواب». اهـ\nورواه ابن حبان (١٠٧٠) من طريق حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، مرفوعًا: عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب.\nوسوف يأتي الكلام عليه وبيان أنه شاذ، فقد رواه ثمانية حفاظ عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بلفظ: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء، وهو المحفوظ.\nوقيل: عروة، عن عائشة.\nرواه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٩٩) من طريق إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.\nوهذا حديث ضعيف، فيه ابن عياش، وروايته عن الحجازيين فيها كلام.\nوقيل: عبيد بن عمير، عن عائشة.\nرواه ابن خزيمة في صحيحه (١٣٥) قال: أخرنا الحسن بن قزعة بن عبيد الهاشمي، أخبرنا سفيان بن حبيب، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عبيد بن عمير، عن عائشة به.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا الحسن بن قزعة فإنه صدوق.\nقال فيه أبو حاتم الرازي ويعقوب بن شيبة: صدوق. الجرح والتعديل (٣/ ٣٤)، تهذيب الكمال (٦/ ٣٠٣).\nوقال النسائي: لا بأس به. تهذيب التهذيب (٢/ ٢٧٣).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٧٦).\nورواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، قال البخاري في صحيحه، في كتاب الصوم، باب: السواك الرطب واليابس للصائم: وقالت عائشة، عن النبي ﷺ: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب. اهـ\nوالحديث له شواهد.\nالشاهد الأول: حديث ابن عمر أخرجه أحمد (٢/ ١٠٨) حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع،\nعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: عليكم بالسواك؛ فإنه مطيبة للفم ومرضاة للرب.\nوهذا الإسناد إسناد صالح في المتابعات. =","vol":"10","page":429},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهناك طريق آخر عن ابن عمر إلا أن ضعفه شديد، فقد روى ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٧٧) من طريق محمد بن معاوية النيسابوري، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر مولى عمر بن الخطاب، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.\nقال ابن عدي: وهذا لا أعرفه إلا من رواية محمد بن معاوية عن الليث. اهـ\nوفيه: محمد بن معاوية متروك.\nقال فيه أحمد بن حنبل: رأيت أحاديثه أحاديث موضوعة. الجرح والتعديل (٨/ ١٠٣).\nوقال مسلم والنسائي: متروك الحديث. تهذيب التهذيب (٩/ ٤٠٩)، الضعفاء والمتروكين (٥٣٩).\nالشاهد الثاني: حديث أنس.\nرواه أبو نعيم كما في البدر المنير (٣/ ٧١) من طريق هشام بن سليمان، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يستاك وهو صائم، ويقول: هو مرضاة للرب، مطهرة للفم. اهـ\nوفيه: يزيد الرقاشي، متفق على ضعفه، ضعفه ابن المديني والدارقطني والترمذي وغيرهم. انظر الضعفاء والمتروكين للنسائي (٦٤٢)، الطبقات الكبرى (٧/ ٢٤٥)، المجروحين (٣/ ٩٨)، الكامل (٧/ ٢٥٧)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٥١).\nالشاهد الثالث: حديث أبي أمامة.\nفقد روى ابن ماجه (٢٨٩) من طريق عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم،\nعن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا وأوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وإني لأستاك حتى خشيت أن أحفي مقادم فمي.\nوفي إسناده عثمان بن أبي العاتكة، تكلم في روايته عن علي بن يزيد، وقيل الأمر من علي بن يزيد، وقد ضعفه النسائي، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي.\nوقال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٦/ ١٦٣).\nوقال دحيم: لا بأس به، كان قاص الجند يعنى البلد، فلم ينكر حديثه من غير على بن يزيد، والأمر من علي بن يزيد. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه بهذا الإسناد عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. الكامل (٥/ ١٦٤).\nوفي التقريب: صدوق، ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني. =","vol":"10","page":430},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بينما قال الحافظ في التلخيص: رواه ابن ماجه، وفيه عثمان بن أبي العاتكة، وهو متروك، ولم يذكر فيه علي بن يزيد الألهاني، وهو أولى بالضعف من عثمان. والله أعلم.\nقال فيه البخاري: منكر الحديث، عن القاسم بن عبد الرحمن، روى عنه عبيد الله بن زحر، ومطرح. التاريخ الكبير (٦/ ٣٠١)، الضعفاء الصغير (٢٥٥).\nوقال أيضًا: ذاهب الحديث كما في علل الترمذي الكبير. انظر حاشية تهذيب الكمال (٢١/ ١٨٢).\nوقال يعقوب: علي بن يزيد واهي الحديث، كثير المنكرات. تهذيب التهذيب (٧/ ٣٤٦).\nوقال النسائي: ليس بثقة. المرجع السابق. وقال أيضًا: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٤٣٢).\nوقال الدارقطني: متروك. تهذيب التهذيب (٧/ ٣٤٦).\nوقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. المرجع السابق.\nوقال الساجي: اتفق أهل العلم على ضعفه. المرجع السابق.\nوأخرجه الطبراني في الكبير أيضًا (٨/ ٢٦٢) ح ٧٨٧٦ من طريق عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد به. وهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه عبيد الله بن زحر.\nقال يحيى بن معين: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٥/ ٣١٥).\nوقال علي بن المديني: منكر الحديث. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث. المرجع السابق.\nوقال العجلي: يكتب حديثه، وليس بالقوي. ثقات العجلي (٢/ ١١٠).\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٣/ ١٢٠).\nوقال النسائي: ليس به بأس. تهذيب الكمال (١٩/ ٣٦).\nوقال أبو زرعة: لا بأس به صدوق. الجرح والتعديل (٥/ ٣١٥).\nوقال الحاكم: لين الحديث. تهذيب التهذيب (٧/ ١٢).\nقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في الإسناد خبر عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم .. إلخ كلامه. المجروحين (٢/ ٦٢).\nوهذا خسف من ابن حبان، وعبيد الله بن زحر وثقه البخاري، وقال مرة مقارب الحديث، وقال النسائي ليس به بأس، وقال نحوه أبو زرعة، فكيف يتهم، وهذا كلام الأئمة فيه من أهل العدل والإنصاف. وقد تعقبه الحافظ، فقال: ليس في الثلاثة من اتهم إلا علي بن يزيد، وأما الآخران فهما في الأصل صدوقان، وإن كانا يخطئان. تهذيب التهذيب (٧/ ١٢).\nوفي إسناده أيضًا القاسم أبو عبد الرحمن مختلف فيه: =","vol":"10","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أحمد بن حنبل: يروى عنه يعلى بن زيد أعاجيب، وتكلم فيها، وقال: ما أرى هذا إلا من القاسم. تهذيب التهذيب (٨/ ٢٨٩).\nوقال الغلابي: منكر الحديث. المرجع السابق.\nوذكره العقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٧٦).\nوقال يحيى بن معين: القاسم ثقة، والثقات يروون عنه هذه الأحاديث ولا يرفعونها، ثم قال: يجيء من المشايخ الضعفاء ما يدل حديثهم على ضعفه. وقال أيضًا: إذا روى عنه الثقات أرسلوا ما رفع هؤلاء. تهذيب التهذيب (٨/ ٢٨٩).\nوقال العجلي: شامي تابعي ثقة، يكتب حديثه، وليس بالقوي. معرفة الثقات (٢/ ٢١٣).\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٧٧٤٤)، وفي مسند الشاميين (٨٨٨) من طريق بقية، عن إسحاق بن مالك الحضرمي، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: السواك مطيبة للفم مرضاة للرب.\nوفي إسناده إسحاق بن مالك الحضرمي، تجنبه أصحاب الكتب الستة.\nقال الأزدي: ضعيف. وذكر حديثه هذا، وقال: لا يصح. قال الحافظ: يعني بهذا الإسناد. لسان الميزان (١/ ٣٧٠).\nوفيه عنعنة بقية، وهو مدلس، بل تدليسه من شر التدليس.\nالشاهد الرابع: حديث ابن عباس.\nأخرجه البخاري في تاريخه الكبير (٨/ ٣٩٦) والطبراني في الكبير (١١/ ٤٢٨) ١٢٢١٥، من طريق يعقوب بن إبراهيم بن حنين، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس سمع النبي ﷺ قال: السواك يطيب الفم، ويرضي الرب.\nفي الإسناد يعقوب بن إبراهيم بن عبد الله بن حنين روى عنه اثنان كما في الجرح والتعديل (٩/ ٢٠١). وسكت عليه، فلم يذكر فيه شيئًا.\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٧/ ٦٤٣).\nوأما أبوه وجده فهما ثقتان. فهذا إسناد صالح في الشواهد.\nورواه الطبراني في الأوسط (٧٤٩٦) من طريق بحر السقاء، عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم،\nعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ومجلاة للبصر.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه بحر السقاء، ضعفه ابن سعد، والحربي، وأبو داود وأبو حاتم الرازي، وقال الدارقطني وأبو داود والنسائي: متروك. انظر الطبقات الكبرى (٧/ ٢٨٤)، المجروحين (١/ ١٩٢) رقم ١٤٠، الكامل (٢/ ٥٠)، الجرح والتعديل (٢/ ٤١٨). =","vol":"10","page":432},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وروى البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٧١) رقم ٢٥٢١ من طريق إسحاق بن إبراهيم الغزي، حدثنا محمد بن السري، حدثنا بقية، عن الخليل بن مرة، عن عطاء بن أبي رباح،\nعن ابن عباس، قال: عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، يزيد الحسنات، وهو من السنة، ويجلو البصر، ويذهب الحفر، ويشد اللثة، ويذهب البلغم، ويطيب الفم.\nقال البيهقي: «ورواه غيره، وزاد فيه: (ويصلح المعدة) وهو مما تفرد به الخليل بن مرة، وليس بالقوي في الحديث».\nورواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٥٨) بالإسناد نفسه.\nوهذا الأثر موقوف، وإسناده ضعيف، فيه الخليل بن مرة.\nضعفه ابن معين، والنسائي، وقال ابن عدي: أحاديثه غرائب، وهو شيخ بصري، وقد حدث عنه الليث، وأهل الفضل، ولم أر في حديثه حديثًا منكرًا قد جاوز الحد، وهو من جملة من يكتب حديثه، وليس هو متروك الحديث. الكامل (٣/ ٥٨).\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي في الحديث. الجرح والتعديل (٣/ ٣٧٩).\nوقال أبو زرعة: شيخ صالح. المرجع السابق.\nكما أن في إسناده بقية بن الوليد، مدلس وقد عنعن.\nكما أن في إسناده محمد بن أبي السري وهو محمد بن المتوكل:\nقال فيه أبو حاتم: لين الحديث. الجرح والتعديل (٨/ ١٠٥).\nوقال يحيى بن معين: ثقة. تهذيب الكمال (٢٦/ ٣٥٥).\nوقال ابن عدي: كثير الغلط. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من الحفاظ. الثقات (٩/ ٨٨).\nوقال مسلمة بن قاسم: كان كثير الوهم، وكان لا بأس به. تهذيب التهذيب (٩/ ٣٧٦).\nوقال ابن وضاح: كان كثير الحفظ، كثير الغلط. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق عارف، له أوهام كثيرة.\nورواه البزار في مسنده، كما في البدر المنير (٣/ ٧٤) من طريق الربيع بن بدر، عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس. وهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه الربيع بن بدر:\nقال ابن معين: ليس بشيء. ضعفاء العقيلي (٢/ ٥٣).\nوقال أيضًا: ضعيف. المرجع السابق.\nوقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: لا يكتب حديثه. تهذيب التهذيب (٣/ ٢٠٧).\nوقال النسائي ويعقوب بن سفيان وابن خراش: متروك. المرجع السابق.","vol":"10","page":433},{"text":"ومعناه، قال: عمر بن محمد النسفي: أي سبب للطهر، وسبب للرضاء، كما روي: (الولد مبخلة مجبنة مجهلة) أي سبب للبخل والجبن والجهل (^١). اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4795>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٨٧ - ٢٣٨) ما رواه البخاري في صحيحه، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا شعيب بن الحبحاب،\nحدثنا أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: أكثرت عليكم في السواك (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4796>الدليل الثالث:</span>\n(٢٢٨٨ - ٢٣٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس عن السواك، فقال:\nما زال النبي يأمرنا به حتى خشينا أن ينزل عليه فيه.\n[حسن بطرقه] (^٣).\n_________\n(^١) طلبة الطلبة (ص: ٢٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٨٨٨).\n(^٣) مسند الطيالسي (٢٧٣٩)، ومن طريقه أخرجه البيهقي (١/ ٣٥).\nوقد رواه شعبة كما في مسند أحمد (١/ ٣٣٩، ٣٤٠)،\nوالثوري كما في مسند أحمد (١/ ٢٨٥) وأبي يعلى (٢٦٩٣).\nوشريك بن عبد الله كما في مسند أحمد (١/ ٢٣٧، ٣٠٧، ٣١٥، ٣٣٧)، ومسند أبي يعلى (٣٢٢٦).\nوإسرائيل كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٨٠٩).\nوأبو الأحوص كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٧٩٣)، كلهم (شعبة، والثوري، وشريك، وإسرائيل، وأبو الأحوص) رووه عن أبي إسحاق السبيعي به.\nوالحديث مداره على أبي إسحاق السبيعي، عن التميمي، عن ابن عباس.\nأما عنعنة أبي إسحاق فقد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث. وأما تغيره، فإن شعبة وسفيان ممن روى عنه قبل تغيره.\nوفي الإسناد: التميمي أربدة، لم يرو عنه إلا أبو إسحاق، ولم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي. وقال ابن البرقي: مجهول. تهذيب التهذيب (١/ ١٧٣).\nوذكره أبو العرب الصقلي القيرواني في الضعفاء. المرجع السابق. =","vol":"10","page":434},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وقال: روى عنه أبو إسحاق السبيعي، ولم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٢/ ٣٤٥). وكذلك ابن حبان لم يذكر راويًا عنه إلا أبا إسحاق كما في الثقات (٤/ ٥٢). وذكر الحافظ في التهذيب راويًا آخر، وهو المنهال بن عمرو،\nقال الحافظ: روى السندي بن عبدويه، عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف بن طريف، عن المنهال بن عمرو، عن التميمي،\nعن ابن عباس، قال: كنا نتحدث أن النبي ﷺ عهد إلى عليِّ سبعين عهدًا لم يعهدها إلى غيره. قال الحافظ رواه الطبراني في معجمه ونقل عن الذهبي أنه قال: هذا حديث منكر. اهـ\nوالحديث رواه ابن أبي عاصم في السنة (١١٨٦)، والطبراني في المعجم الصغير (٩٥٦) عن أحمد ابن الفرات الرازي، حدثنا سهل بن عبدويه السندي، عن عمرو بن أبي قيس به.\nقال الطبراني: لم يروه عن مطرف إلا عمرو بن قيس، ولا عن عمرو إلا سهل، تفرد به أحمد بن الفرات، واسم التميمي أربدة. اهـ\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١١٣): «فيه من لم أعرفهم».\nورجال الإسناد معروفون:\nفشيخ الطبراني محمد بن سهل بن الصباح الصفار الأصبهاني له ترجمة في طبقات المحدثين بأصبهان، قال: كان معدلًا، أروى الناس عن أبي مسعود (أحمد بن الفرات) عنده المسند والمصنفات (٣/ ٦٠٣).\nوأحمد بن الفرات الرازي أبو مسعود، قال الذهبي: الحافظ الحجة، محدث أصبهان وصاحب التصانيف. تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٤٤).\nوقال ابن خراش: أحلف بالله أن أبا مسعود يكذب متعمدًا. قال ابن عدي: هذا تحامل ولا أعرف لأبي مسعود رواية منكرة، وهو من أهل الصدق. الكامل (١/ ١٩٠).\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: أحفظ ما في الدنيا ثلاثة، فذكر أبا مسعود أحمد بن الفرات منهم. ثقات ابن حبان (٨/ ٣٦).\nومطرف بن طريف. قال أحمد: ثقة. الجرح والتعديل (٨/ ٣١٣).\nوقال علي بن المديني: حدثنا سفيان، قال: حدثنا مطرف، وكان ثقة. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: ثقة. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٩٣).\nومع أن رجاله معروفون إلا أن متنه منكر، وأظن أن الذهبي عندما قال: هذا حديث منكر، كما نقلت عنه قبل قليل، قصد نكارة المتن، ولم يقصد نكارة الإسناد. والله أعلم. وقصدت من هذا النقل أن التميمي روى عن اثنان، ولم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي، وتكلم فيه بعضهم، فهذا إسناد فيه لين. =","vol":"10","page":435},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وروى الطبراني في المعجم الأوسط (٧/ ٩٥) ح ٦٩٦٠ وفي الكبير (١١/ ٤٥٣) ح ١٢٢٨٦، قال: حدثنا محمد بن علي المروزي، ثنا الحسين بن سعد بن علي بن الحسين بن واقد، حدثني جدي، عن علي بن الحسين، حدثني أبي، ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن\nابن عباس، عن النبي ﷺ أمرت بالسواك حتى خفت على أسناني.\nوالإسناد ضعيف، له علتان:\nالأولى: الحسين بن سعد، لم أقف له على ترجمة.\nالثاني: اختلاط عطاء بن السائب، ومع ضعفه إلا أنه صالح في المتابعات، فلعل الحديث بمجموع الطريقين يكون حسنًا، والله أعلم.\nوالحديث له شواهد منها:\nالشاهد الأول: سهل بن سعد.\nرواه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٥٢) ح ٦٠١٨ حدثنا عبدان بن أحمد، ثنا محمد بن مرزوق والجراح بن مخلد، قالا: ثنا عبيد بن واقد أبو عباد القيسي، ثنا أبو عبد الله الغفاري، قال:\nسمعت سهل بن سعد يقول: قال رسول الله ﷺ: أمرني جبريل بالسواك حتى ظننت أني سَأدْرَد.\nوهذا سند ضعيف من أجل عبيد بن واقد.\nقال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٦/ ٥).\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. الكامل (٥/ ٣٥٢).\nوفي التقريب: ضعيف.\nوفيه أبو عبد الله الغفاري، ذكره ابن حجر من شيوخ عبيد بن واقد، وقال: صاحب سهل بن سعد. تهذيب التهذيب (٧/ ٧١) رقم ١١٦. ولم أقف على ترجمة له. والله أعلم.\nالشاهد الثاني: حديث أم سلمة.\nرواه البيهقي في السنن (٧/ ٤٩) من طريق أحمد بن عمر القاضي، حد ثنا أبو تميلة، حدثنا خالد ابن عبيد، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ: ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت على أضراسي.\nوفيه: خالد بن عبيد\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٣/ ٣٤٢).\nوقال ابن حبان: يروى عن أنس بن مالك نسخة موضوعة، لا تحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. المجروحين (١/ ٢٧٩).\nقال البخاري: فيه نظر. التاريخ الكبير (٣/ ١٦١) رقم ٥٥٤.\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٢/ ١٠) رقم ٤١٢. =","vol":"10","page":436},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم. تهذيب التهذيب (٣/ ٩١).\nواختلف على أبي تميلة، فرواه البيهقي كما سبق من طريق أحمد بن عمر القاضي، ثنا أبو تميلة، ثنا خالد بن عبيد، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن أم سلمة،\nوخالفه محمد بن حميد، فأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢٥١) ح ٥١٠ من طريقه حدثنا أبو تميلة، حدثنا عبد المؤمن بن خالد، عن ابن بريدة، عن أبيه عن أم سلمة.\nفجعل بدلًا من خالد بن عبيد عبد المؤمن بن خالد، وأحمد بن عمر القاضي أوثق من محمد ابن حميد، فإن محمد بن حميد الرازي، قال عنه البخاري: فيه نظر. التاريخ الكبير (١/ ٦٩) رقم ١٦٧.\nوقال ابن معين: ثقة، ليس به بأس، رازي كيس. الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٢) رقم ١٢٧٥.\nوقال ابن حبان: كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات، ولا سيما إذا حدث عن شيوخ بلده. انظر المجروحين (٢/ ٣٠٣) رقم ١٠٠٩.\nوقال ابن وارة: يا أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - رأيت محمد بن حميد؟ قال: نعم. قال: كيف رأيت حديثه؟ قال: إذا حدث عن العراقيين يأتي بأشياء مستقيمة، وإذا حدث عن أهل بلده مثل إبراهيم بن المختار وغيره أتى بأشياء لا تعرف، لا تدري ما هي. قال أبو زرعة وابن وارة: صح عندنا أنه يكذب. قال: فرأيت أحمد بن حنبل إذا ذكر ابن حميد نفض يده. المرجع السابق.\nفالطريق الأول أصح منه، وقد نقل البيهقي عن البخاري أنه قال عن الطريق الأول: هذا حديث حسن. السنن الكبرى (٧/ ٤٩).\nالشاهد الثالث:\nما رواه أحمد (٥/ ٢٦٣) ثنا هارون بن معروف، ثنا عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن أبي أمامة أن رسول الله قال: ما جاءني جبريل ﵇ قط إلا أمرني بالسواك، لقد خشيت أن أحفي مقدم فمي.\nوالحديث ضعيف جدًّا، وسبق الكلام عليه.\nالشاهد الرابع:\nرواه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٢٣) رقم ٦٥٢٦، قال: حدثنا محمد بن رزيق، ثنا أبو الطاهر، ثنا ابن وهب، نا يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب،\nعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ: لزمت السواك حتى خشيت أن يدردني.\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد تفرد به أبن وهب.\nوالحديث له علتان: جهالة شيخ الطبراني محمد بن رزيق المصري، كما أن عمرو بن أبي عمرو لم يسمع من عائشة، ولم يذكر المزي في تهذيبه أنه روى عنها، والله أعلم. =","vol":"10","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4797>الدليل الرابع: الإجماع</span>.\nأجمعت الأمة على فضل السواك، لمن فعله بنية القربة لغير الصائم.\nقال ابن عبد البر: وفضل السواك مجتمع عليه لا اختلاف فيه (^١).\nوقال ابن حزم: «اتفقوا أن السواك لغير الصائم حسن» (^٢).\n* * *\n_________\n= وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (٢/ ٩٩). وهذا لا ينفي انقطاعه كما هو معلوم. وعلى كل فهو صالح في الشواهد.\nالشاهد الخامس:\nرواه أحمد (٣/ ٤٩٠) ثنا إسماعيل، قال: حدثنا ليث، عن أبي بردة، عن أبي مليح بن أسامة،\nعن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ: أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٧٦) ح ١٨٩، ١٩٠ من طريق إسماعيل بن عليه وجرير، عن ليث به.\nوالحديث مداره على ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.\n(^١) التمهيد (٧/ ٢٠٠).\n(^٢) مراتب الإجماع (٢٦٦).","vol":"10","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4798>المبحث الثالث هل الصلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• تضعيف الثواب توقيفي، لا يثبت إلا بدليل صحيح صريح.\n[م-٨٧٣] وردت أحاديث في فضل الصلاة بالسواك عن الصلاة بغيره، وهي أحاديث كثيرة، وقد اختلف العلماء فيها،\nفقال بعضهم بها، وأن الركعة بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك (^١).\nوقال آخرون: السواك سنة للصلاة، ولكن لا تثبت المضاعفة لضعف الأدلة (^٢).\n• أدلة القائلين بالمضاعفة:\n(٢٢٨٩ - ٢٤٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: وذكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال:\nفضل الصلاة بسواك على الصلاة بغير سواك سبعين ضعفًا.\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٢٥)، البحر الرائق (١/ ٢١)، مغني المحتاج (١/ ١٨٤)، نهاية المحتاج (١/ ١٨١).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٢٦)، وطرح التثريب (٢/ ٦٦).","vol":"10","page":439},{"text":"[إسناده ضعيف] (^١).\n_________\n(^١) الحديث أخرجه البزار (١/ ٢٤٤) رقم ٥٠١ وابن خزيمة في صحيحه (١/ ٧١) والحاكم في المستدرك (١/ ١٤٦) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٨)، وفي شعب الإيمان (٢٥١٨) كلهم من طريق يعقوب بن إبراهيم به. فيه عنعنة محمد بن إسحاق، وهو مدلس.\nوعلته عنعنة ابن إسحاق، خاصة أن إبراهيم بن سعد كان له عناية فيما يرويه ابن إسحاق، ويبين ما سمعه مما لم يسمعه.\nقال أحمد: كان ابن إسحاق يدلس إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد إذا كان سماع قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. قلنا. انظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٢١)، تاريخ بغداد (١/ ٢٤٥)، موسوعة أقوال الإمام أحمد (٣/ ٢٣٩).\nقلت: وهذه لم يصرح فيها بالسماع.\nوقال أبو بكر ابن خزيمة: أنا استثنيت صحة هذا الخبر؛ لأني خائف أن يكون محمد بن إسحاق لم يسمع من محمد بن مسلم، وإنما دلسه عنه.\nوقال الحاكم (١/ ١٤٦): صحيح على شرط مسلم! ! وأقره الذهبي.\nقلت: قوله على شرط مسلم فيه نظر، لأن مسلمًا لم يرو لابن إسحاق شيئًا محتجًا به، وإنما روى له متابعة، هذا مع ما في الإسناد من عنعنة ابن إسحاق.\nوقال الدارقطني في علله (١٤/ ٩٢): «يقال: إن محمد بن إسحاق أخذه من معاوية بن يحيى الصدفي؛ لأنه كان زميله إلى الري في صحابة المهدي، ومعاوية بن يحيى ضعيف». اهـ\nوقال أبو زرعة عن علة هذا الحديث: إن محمد بن إسحاق اصطحب مع معاوية بن يحيى الصدفي من العراق، إلى الري، فسمع منه هذا الحديث في طريقه. الجرح والتعديل (١/ ٣٣٠). وسيأتي الآن الكلام على طريق معاوية بن يحيى الصدفي.\nوقال يحيى بن معين: لا يصح حديث الصلاة بأثر السواك أفضل من الصلاة بغير سواك، وهو باطل. التمهيد - ابن عبد البر (٧/ ٢٠٠).\nوله طرق إلى عائشة:\nالطريق الأول: ما رواه أبو يعلى في مسنده (٨/ ١٨٢) ح ٤٧٣٨ من طريق إسحاق، حدثنا معاوية - يعني ابن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يفضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك سبعين ضعفًا.\nورواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٩٩)، من طريق محمد بن أسد،\nوالبيهقي في شعب الإيمان (٢٥١٩) من طريق إسحاق بن سليمان.\nورواه تمام في فوائده (١/ ١٠٦) رقم ٢٤٨ وابن حبان في المجروحين (٣/ ٣٤) من طريق مسلمة بن علي (متروك). =","vol":"10","page":440},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أسلم بن سهل الواسطي، في تاريخ واسط (٢/ ١٧٩، ١٨٠) من طريق محمد بن الحسن، كلهم عن معاوية بن يحيى الصدفي عن ابن شهاب به.\nوفي الإسناد معاوية بن يحيى الصدفي، ضعيف، ضعفه أبو داود، والدارقطني، وقال يحيى بن معين: لا شيء، وقال النسائي: متروك. الضعفاء والمتروكين (ص: ٩٧) رقم ٥٦١، تهذيب التهذيب (١٠/ ١٩٧) رقم ٤٠٤، المجروحين (٣/ ٣) الرقم ١٠٢٥.\nوقال ابن عدي: له عن الزهري وغيره، وعامة رواياتها فيها نظر. الكامل (٦/ ٣٩٩).\nوفي التقريب: ضعيف، وما حدث بالشام أحسن مما حدث بالري.\nالطريق الثاني:\nما رواه أبو نعيم كما في البدر المنير (٣/ ١٥٣) عن أبي بكر الطلحي، ثنا سهل بن المرزبان، عن محمد التميمي الفارسي، حدثنا الحميدي، عن سفيان، عن منصور، عن الزهري، عن عروة.\nعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بلا سواك.\nقال ابن الملقن: «وهذا الطريق أجود الطرق، فمن الحميدي إلى عائشة أئمة ثقات». اهـ\nوقال في تحفة المحتاج (١/ ١٧٦): «رواه أبو نعيم من حديث الحميدي، عن سفيان، عن منصور، عن الزهري، عن عروة، عنها، وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات».\nوشيخ أبي نعيم أبو بكر الطلحي أكثر عنه أبو نعيم في الحلية وفي غيره، وقد روى عنه في كتابه المستخرج على صحيح البخاري كما في تغليق التعليق (٢/ ٣٨٣)، فهو ثقة عنده. وقال أبو الحسن ابن القطان: لا أعرف حاله، وفي تاريخ الإسلام (٨/ ١٤٩) وثقه الحافظ محمد بن أحمد ابن حماد».\nولم أقف على ترجمة سهل ومحمد الفارسي، وبناء عليه لا يمكن الجزم بأن هذا الطريق أقوى من طريق ابن إسحاق حتى نقف على تراجم هذين الرجلين.\nالطريق الثالث:\nما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب، في كتابه المتفق والمفترق، كما في البدر المنير (٣/ ١٥٤)، وتلخيص الحبير (١/ ١١٢) من طريق سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ: ركعتان على أثر السواك أفضل من سبعين ركعة.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه ابن لهيعة.\nرواه الحارث في مسنده، كما في بغية الباحث (١/ ٢٧٧) حدثنا محمد بن عمر، ثنا عبد الله بن أبي يحيى، عن أبي الأسود به. وهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك.\nالطريق الرابع:\nما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في البدر المنير (٣/ ١٥٥) والبيهقي في سننه (١/ ٣٨) =","vol":"10","page":441},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من طريق الواقدي، ثنا عبد الله بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ: الركعتان بعد السواك أحب إلي من سبعين ركعة قبل السواك.\nقال البيهقي: الواقدي لا يحتج به، وروي عن عائشة من غير هذا الطريق. اهـ فالإسناد ضعيف جدًّا.\nالطريق الخامس:\nما رواه البيهقي (١/ ٣٨)، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أنا أبوالفضل العباسي بن محمد بن وهبان، ثنا محمد بن يزيد السلمي، ثنا حماد بن قيراط، ثنا فرج بن فضالة، عن عروة بن رويم، عن عمرة،\nعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: صلاة سواك خير من سبعين صلاة بغير سواك.\nقال البيهقي: فهذا إسناد غير قوي. اهـ\nوقد اختلف على فرج بن فضالة، فرواه حماد بن قيراط، كما سبق.\nورواه عيسى بن يونس، عن فرج بن فضالة، عن عروة بن رويم، عن عائشة، ولم يذكر بينهما عمرة، وعروة بن رويم لم يسمع من عائشة. وعيسى بن يونس أرجح من حماد بن قيراط. فقد جاء في ترجمة حماد ما يلي:\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. الثقات (٨/ ٢٠٦).\nثم ذكره في المجروحين، وقال: يقلب الأخبار على الثقات، ويجئ عن الأثبات بالطامات، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار. المجروحين (١/ ٢٥٤).\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه فيه نظر. الكامل (٢/ ٢٥٠) رقم ٤٢٦.\nوقال أبو حاتم الرازي: مضطرب الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به. الجرح والتعديل (٣/ ١٤٥).\nوقال أبو زرعة: كان صدوقًا. المرجع السابق.\nوجاء في اللسان: كان أبو زرعة يمرض القول فيه. اللسان (٢/ ٣٥٢) رقم ١٤٢٣.\nهذه الطرق التي وقفت عليها من حديث عائشة، وقد تبين أن أكثر هذه الطرق ضعفها ليس شديدًا، فالذين يحسنون بالمتابعات والشواهد مطلقًا، ينبغي أن يحسنوا مثل هذا الحديث، فطريق ابن إسحاق ضعيف، ولا يمكن أن نجعله ضعيفًا جدًّا؛ لأن غاية ما فيه عنعنة مدلس، وعلى فرض أن يكون سمعه من معاوية بن يحيى الصدفي، فهو ضعيف أيضًا، وطريق ابن لهيعة ضعيف أيضًا، وطريق الحميدي قد حكم ابن الملقن أن رجاله كلهم ثقات، وعلى فرض أنه ضعيف، فضعفه غير شديد، وطريق عمرة عن عائشة ضعيف أيضًا. فمثل هذه الطرق على قواعد من يحسِّن بالمتابعات والشواهد مطلقًا ينبغي أن يكون الحديث حسنًا. وحديث عائشة له شواهد: =","vol":"10","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الشاهد الأول: حديث ابن عباس\nرواه أبو نعيم كما في البدر المنير (٣/ ١٥٨) عن محمد بن حبان، عن أبي بكر بن أبي عاصم، عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن يزيد بن عبد الله، ثنا عبد الله بن أبي الحوراء، أنه سمع سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلي من أن أصلي سبعين ركعة بغير سواك.\nوفي رواية زاد: إن العبد إذا تسوك، ثم قام إلى الصلاة أتاه الملك حتى يضع فاه على فيه.\nوفي الإسناد: عبد الله بن أبي الحوراء. لم أقف على ترجمته، فهو مجهول.\nوفيه أبو خالد البصري، قال ابن عدي: ليس هو بمنكر الحديث. الكامل (٧/ ٢٨٠) رقم ٢١٧٦. وهذا العبارة ليست من عبارات التوثيق.\nقال الذهبي: أورده ابن عدي، ومشاه، وقال: ليس هو بمنكر الحديث. الميزان (٤/ ٤٣٢). ومعنى مشاه: فيه إشعار بتوثيق خفيف يسير، وقد تقال الكلمة في مقابلة تضعيف الغير.\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه، فلم يذكر فيه شيئًا. الجرح والتعديل (٩/ ٢٧٦) رقم ١١٦١.\nوقال ابن حبان: يروى عن سفيان الثوري روى عنه محمد بن أبى بكر المقدمي مستقيم الحديث أصله من السند. الثقات (٩/ ٢٧٤) رقم ١٦٤٠٥.\nوقال في كشف الخفاء (٢/ ٣٤): وعند أبي نعيم بسند جيد! ! عن ابن عباس: لأن أصلى ركعتين أحب إلى من أن أصلي سبعين ركعة بغير سواك.\nقال يحيى بن معين كما في التمهيد (٧/ ٢٠٠): «لا يصح حديث الصلاة بإثر سواك أفضل من الصلاة بغير سواك، وهو باطل».\nالشاهد الثاني: حديث جابر، رواه أبو نعيم أيضًا كما في البدر المنير (٣/ ١٥٩)، عن أحمد بن بندار، عن عبد الله بن محمد بن زكريا، عن جعفر بن أحمد، عن أحمد بن صالح، عن طارق بن عبد الرحمن، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزبير،\nعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك.\nأورده ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة حديثًا من طريق أبي نعيم، عن أحمد بن بندار، وقال: إسناده صحيح. الأحاديث المختارة (٢/ ٢٦٧).\nوفيه جعفر بن أحمد لم ينسب فلم أعرفه. =","vol":"10","page":443},{"text":"قالوا: إن كان ضعفه من قبل الإسناد، فإن الحديث له طرق كثيرة، يرقى بها إلى الحسن، وإن كان ضعفه لأنه رتب عليه أجر عظيم فإن السواك وإن كان عمله يسيرًا فإن فيه مرضاة للرب، والتفضيل والمفاضلة تارة ترجع إلى الزمان كالعمل في عشر ذي الحجة أفضل من الجهاد في سبيل الله، مع أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وقد تكون المضاعفة راجعة إلى المكان، كصلاة في المسجد الحرام عن مائة ألف صلاة فيما سواه. وتارة ترجع المفاضلة إلى الإخلاص والمتابعة، ولذلك قد تصل مضاعفة\n_________\n= وقال المناوى في فيض القدير (٤/ ٣٧): «طارق بن عبد الرحمن أورده الذهبى فى الضعفاء، وقال: قال النسائى ليس بقوى عن محمد بن عجلان، ذكره البخارى فى الضعفاء، وقال الحاكم سيئ الحفظ». ذكر ذلك في حديث ركعتان بعمامة خير من سبعين ركعة بلا عمامة.\nالشاهد الثالث: حديث ابن عمر.\nقال ابن الملقن، كما في البدر المنير (٣/ ١٥٧) رواه أبو نعيم بإسناده، قال: قال رسول الله ﷺ: صلاة بسواك أفضل من خمس وسبعين صلاة بغير سواك.\nوفيه سعيد بن سنان أبو مهدي الحمصي:\nقال أحمد: كان رجلًا صالحًا، ولم يكن يقيم الحديث. الميزان (٢/ ١٤٣).\nوقال صدقة بن خالد: حدثني أبو مهدي سعيد بن سنان مؤذن أهل حمص، وكان ثقة مرضيًا. الجرح والتعديل (٤/ ٢٨) رقم ١١٤\nوقال أبو دحيم ويحي بن معين: ليس بشيء.\nوقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٧) رقم ١٥٩٨.\nوقال ابن المديني: لا أعرفه. تهذيب الكمال (١٠/ ٤٩٥) رقم ٢٢٩٥.\nوقال ابن عدي: كان من صالحي أهل الشام وأفضلهم، إلا أن في بعض رواياته ما فيه. الكامل (٣/ ٣٥٩) رقم ٨٠١.\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٢/ ١٠٧) رقم ٥٧٨.\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٢٦٨).\nوفي التقريب: متروك، ورماه الدارقطني وغيره بالوضع.\nالشاهد الرابع: حديث أم الدرداء.\nجاء في كشف الخفاء ومزيل الإلباس (١/ ٥٢٤): روى الدارقطني في الأفراد، عن أم الدرداء، بلفظ: ركعتان بسواك خير من سبعين ركعة بغير سواك. قال العجلوني: ورجاله موثوقون. اهـ ولم أقف على سنده لأنظر فيه.","vol":"10","page":444},{"text":"الحسنة بدلًا من عشر أمثالها، قد تصل إلى سبعمائة ضعف، وقد تصل إلى أكثر من ذلك.\nفلا يمنع أن تكون المضاعفة من أجل السواك لما في ذلك من تطييب الفم لمناجاة الله ﷾، كما أن الرائحة الكريهة من أكل الكراث والبصل قد تكون عذرًا في إسقاط واجب عن المكلف، كإسقاط حضور صلاة الجماعة في المسجد، مع أن الأدلة الصحيحة على وجوبها.\nأدلة القائلين لا تثبت المضاعفة:\nقالوا: إن السواك سنة للصلاة كما سيأتي في فصل خاص، ولا تثبت المضاعفة، ولا يرون تحسين هذا الحديث الضعيف بشواهده.\nوقد ضعف يحيى بن معين هذا الحديث، وقال: إنه باطل (^١).\nوقال النووي: «وأما حديث عائشة: (صلاة بسواك خير من سبعين بغير سواك) فضعيف، رواه البيهقي من طرق، وضعفها كلها، وكذا ضعفه غيره» (^٢).\nوقد ذكره أكثر من صنف في الأحاديث الضعيفة (^٣).\nوالسواك أمر مندوب لا إشكال فيه، ولكن ترتيب هذا الفضل الكبير على أمر\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ٢٠٠)، طرح التثريب (٢/ ٦٦).\n(^٢) النووي في المجموع (١/ ٣٢٦).\n(^٣) انظر أسنى المطالب - الحوت (١/ ٨١٩)، والأسرار المرفوعة - ملا علي القاري (١/ ٢٦٧)، تمييز الطيب من الخبيث - عبد الرحمن الزبيدي (١/ ٩٧)، التنزيه - الكناني (٢/ ١١٥) الشذرة في الأحاديث المشتهرة - محمد بن علي الدمشقي (١/ ٥٤٤)، الغماز - السمهودي (١/ ١٤١)، الفوائد المجموعة - الشوكاني (١/ ٢٢)، الكشف الإلهي - الطرابلسي (١/ ٦١٣)، المقاصد الحسنة (١/ ٦٢٥)، النوافح العطرة - محمد بن أحمد الصنعاني (١/ ٨٢٠)، تحذير المسلمين (١/ ١٤٥) تذكرة الموضوعات (١/ ٣١)، ذيل اللآلي المصنوعة - السيوطي (١/ ١٠٢)، السلسلة الضعيفة الألباني (١٥٠٣).","vol":"10","page":445},{"text":"مندوب، وليس على أمر واجب أو ركن يجعل في النفس شيئًا من قبوله، إذ كيف يكون المندوب أفضل من الواجب، فأفعال الصلاة الواجبة لا تكون سببًا بالمضاعفة، والسواك المندوب يجعل للصلاة مثل هذا الثواب، فمثل هذا يجعل الباحث لا يجزم بصحة الأحاديث الواردة، خاصة أن أسانيدها ليست قوية. والله أعلم\n* * *","vol":"10","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4799>المبحث الرابع في كون السواك من سنن الفطرة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لا يثبت إدخال السواك في سنن الفطرة.\n[م-٨٧٤] نص بعض الحنفية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة على أن السواك من سنن الطفرة (^١).\n(٢٢٩٠ - ٢٤١) واستدلوا بما رواه الإمام أحمد، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا زكريا بن\nأبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ:\nعشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء: يعني الاستنجاء.\nقال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.\n[المحفوظ أنه من قول طلق، ورفعه شاذ] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) البناية شرح الهداية (١/ ٢٠١)، البحر الرائق (١/ ٤٩)، أسنى المطالب (١/ ٥٥١)، المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤١).\n(^٢) انظر تخريجه، (ح ٢٠٥٨).","vol":"10","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4800>المبحث الخامس استحباب السواك في الشرائع السابقة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• السواك ثابت في الشرائع السابقة، وهو مما أمر به الخليل ﵊.\n[م-٨٧٥] سبق لنا بحث، هل السواك من سنن الفطرة في الكلام على حديث عائشة في مسلم، وذكرت اختلاف العلماء، ولو ثبت الحديث، لكان دليلًا على كونه في جميع الشرائع، ولكن الحديث لا يثبت.\nولكن ثبت أيضًا من قول ابن عباس، بسند صحيح أن السواك كان في شريعة أبينا إبراهيم ﵇.\n(٢٢٩١ - ٢٤٢) روى عبدالرزاق، أخبرنا: معمر عن ابن طاووس، عن أبيه،\nعن ابن عباس في قوله ﷿: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) قال: ابتلاه الله ﷿ بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: في الرأس السواك، والاستنشاق، والمضمضة، وقص الشارب وفرق الرأس. وفي الجسد خمسة: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف، والاستنجاء من الغائط والبول، ونتف الإبط.\n[صحيح] (^١).\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق (١١٦٥)، ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن جرير الطبري (١/ ٥٢٤)، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٦)، وعنه البيهقي في سننه (١/ ١٤٩) من طريق عبد الرزاق، وسقط من المستدرك بعض رجال الإسناد، واستدركته من إتحاف المهرة ...\n(٧/ ٢٩٨)، وسنن البيهقي (١/ ٥٢٤).\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوقال أبو داود بعد أن ساق حديث عائشة (٥٣): عشر من الفطرة، قال: وروي نحوه عن ابن عباس، وقال: خمس كلها في الرأس، وذكر فيها الفرق، ولم يذكر إعفاء اللحية.\nوذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ١٦٦)، وقال: قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وأبي صالح، وأبي الجلد نحو ذلك، وانظر ح: (٢٠٨٢).","vol":"10","page":448},{"text":"وقد قيل في تفسير الآية غير ذلك.\n(٢٢٩٢ - ٢٤٣) وأما ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، ومحمد بن يزيد، أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن مكحول، قال:\nقال أبو أيوب: قال رسول الله ﷺ: أربع من سنن المرسلين التعطر والنكاح والسواك والحياء.\n[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١) وفيه علل:\nالأولى: حجاج بن أرطاة، ضعيف، ومدلس، وقد عنعن، انظر الجرح والتعديل (٣/ ١٥٤) رقم ٦٧٣، ضعفاء العقيلي (١/ ٢٧٧)، الطبقات الكبرى (٦/ ٣٥٩)، المجروحين (١/ ٢٢٥).\nالعلة الثانية: مكحول مدلس، ولم يلق أبا أيوب، قال أبو حاتم: سألت أبا مسهر، هل سمع محكول من أحد من أصحاب النبي ﷺ شيئًا، قال: ما صح عندي إلا أنس بن مالك. انظر جامع التحصيل (٧٩٦).\nالعلة الثالثة: الاختلاف على حجاج.\nفقد رواه يزيد بن هارون، كما عند أحمد (٥/ ٤٢١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٦)، والمنتخب من مسند عبد بن حميد (٢٢٠).\nومحمد بن يزيد كما عند أحمد (٥/ ٤٢١)، كلاهما عن حجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب مرفوعًا ..\nورواه أبو معاوية كما في كتاب الزهد - هناد بن السري (٢/ ٦٢٥) رقم ١٣٤٨،\nعن حجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب مرفوعًا. إلا أن أبا معاوية وقفه على أبي أيوب.\nإسماعيل بن زكريا كما في سنن سعيد بن منصور (٥٠٣) كلاهما عن حجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب موقوفًا. =","vol":"10","page":449},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الترمذي (١٠٨٠) والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ١٨٣) ح ٤٠٨٥، حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حفص بن غياث.\nوأخرجه الترمذي أيضًا، والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٨٣) ح ٤٠٨٥، والمحاملي أيضًا في أماليه (ص: ٣٨٥) رقم ٤٤٤، من طريق عباد بن العوام، كلاهما عن حجاج، عن مكحول، عن أبي الشمال، عن أبي أيوب به مرفوعًا، إلا أن المحاملي قال: الختان بدلًا من الحياء.\nفزادا حفص وعباد بن العوام أبا الشمال، وسفيان بن وكيع فيه مقال لكنه قد توبع، فيكون الحمل إما على مكحول باعتباره مدلسًا، وقد تبينت الواسطة، قال أبو زرعة عن أبي الشمال: لا أعرفه إلا في هذا الحديث، ولا أعرف اسمه. الجرح والتعديل (٩/ ٣٩٠).\nوقال الذهبي: مجهول. الكاشف (٦٦٧٧).\nوقال الحافظ في التقريب: مجهول.\nأو يكون الحمل على حجاج؛ لأنه كثير الخطأ، والله أعلم.\nقال أبو عيسى الترمذي: وروى هذا الحديث هشيم ومحمد بن يزيد الواسطي وأبومعاوية وغير واحد، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب ولم يذكروا فيه عن أبي الشمال. وحديث حفص بن غياث وعباد بن العوام أصح.\nوقال الدارقطني في علله (٦/ ١٢٣) «يرويه حجاج بن أرطاة، عن مكحول، عن أبي الشمال. واختلف عنه:\nفرواه عباد بن العوام، وحفص بن غياث، عن حجاج هكذا.\nوخالفهم عبد الله بن نمير، وأبو معاوية الضرير، ويزيد بن هارون، فرووه عن حجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب، لم يذكروا بينهما أحدًا إلا أن أبا معاوية من بينهم وقفه. والاختلاف فيه من حجاج بن أرطاة؛ لأنه كثير الوهم». اهـ\nوورد بلفظ: (الحياء) وقيل بدلًا منها: (الحناء) وقيل بدلًا منها: (الختان).\nقال ابن القيم في تحفة المودود (ص: ١١١): «واختلف في ضبطه، فقال بعضهم: الحياء بالياء والمد. وقال بعضهم: الحناء بالنون. وسمعت شيخنا أبا الحجاج المزي يقول: وكلاهما غلط، وإنما هو الختان، فوقعت النون في الهامش فذهبت، فاختلف في اللفظة، وكذلك رواه المحاملي عن الشيخ الذي روى عنه الترمذي بعينه، فقال: الختان. قال: وهذا أولى من الحياء والحناء؛ فإن الحياء خلق، والحناء ليست من السنن، ولا ذكره النبي ﷺ من خصال الفطرة، ولا ندب إليه بخلاف الختان».اهـ\nونقل مثله في المنار المنيف (ص: ١٣١)، وفي نقد المنقول (ص: ١٢١).\nوقد رواه الدارقطني في العلل (٦/ ١٢٣) بلفظ: (الحناء). =","vol":"10","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٨٣) رقم ٤٠٨٥ بلفظ الحياء.\nوله شواهد:\nالشاهد الأول: حديث ابن عباس\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ١٨٦) رقم ١١٤٤٥ من طريق زيد بن المبارك، حدثنا قدامة بن محمد، ثنا إسماعيل بن شيبة، عن ابن جريج، عن عطاء،\nعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: خمس من سنن المرسلين، الحياء والحلم، والحجامة والتعطر، والنكاح.\nورواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٥١)، حدثنا أحمد بن علي المدائني، حدثنا سعد بن عبد الله، حدثنا قدامة به.\nقال أبو زرعة: كما في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٣٣٨): منكر.\nوفي إسناده: إسماعيل بن شبيب، وقيل شيبة:\nقال ابن حبان: يتقى حديثه من رواية قدامة عنه. الثقات (٨/ ٩٣) رقم ١٢٣٩٥. قلت: وهذا منها.\nوقال النسائي: منكر الحديث. الضعفاء والمتروكين (٣٨).\nوقال العقيلي: أحاديثه مناكير، ليس منها شيء محفوظ. الضعفاء الكبير (١/ ٨٣) رقم ٩٣.\nوله ترجمة مطولة في لسان الميزان (١/ ٤١٠).\nوقال ابن عدي: ولقدامة بن محمد، عن إسماعيل، عن ابن جريج غير ما ذكرت من الحديث، وكل هذه الأحاديث في هذا الإسناد غير محفوظة.\nالشاهد الثاني: حديث مليح بن عبد الله الخطمي، عن أبيه عن جده:\nأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٠) ١٩٥٥، قال: أخبرنا ابن أبي الفديك، قال: حدثني عمر بن محمد الأسلمي، عن مليح بن عبد الله الخطمي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: خمس من سنن المرسلين الحياء، والحلم والحجامة والسواك، والتعطر.\nومن طريق ابن أبي فديك رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢٠٨)، الطبراني (٢٢/ ٢٩٣) رقم ٧٤٩، البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ١٣٧) رقم ٧٧١٧.\nقال ابن حجر في النكت الظراف (٣/ ١٠٧): «رواه البزار في مسنده، وأبو القاسم البغوي في معجمه، وابن أبي خيثمة في تاريخه، وابن مندة في المعرفة، والبخاري في تاريخه الكبير، من طريق ابن أبي فديك، عن عمرو بن محمد الأسلمي، وذكر إسناده». اهـ\nوفيه عمرو بن محمد الأسلمي.\nجاء في الجرح والتعديل: روى عن مليح بن عبد الله الخطمي، وروى عنه ابن أبي فديك، سمعت أبي يقول ذلك، وسمعته يقول: هو مجهول. الجرح والتعديل (٦/ ١٣٢). =","vol":"10","page":451},{"text":"وقد ذكره جملة ممن صنف في الأحاديث الضعيفة (^١).\nفالدليل على أن السواك في شرع من قبلنا هو ما ثبت عن ابن عباس أن السواك كان مما أمر به إبراهيم الخليل ﵇.\nوأما كون السواك من سنن الفطرة فسبق أن حديث عائشة غير محفوظ.\nوأما حديث السواك من سنن المرسلين فأحسنها حديث أبي أيوب، وهو ضعيف، وشواهده ضعيفة جدًّا لا ترقى إلى الاعتبار. والله أعلم.\n* * *\n_________\n= ومليح بن عبد الله الخطمي، له ترجمة في الجرح والتعديل، ولم يذكر راويًا عنه سوى عمرو بن محمد الأسلمي، وسكت عليه هو والبخاري فلم يذكرا فيه شيئًا.\nعن أبيه: عبد الله الخطمي، لم أقف على من ترجم له. فالإسناد ضعيف جدًّا.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٩٩): «رواه البزار، ومليح، وأبوه، وجده لم أجد من ترجمهم». اهـ\nقلت: أما جده فله ترجمة في الإصابة (١/ ١٧١).\nالشاهد الثالث: حديث جابر، رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٩١) من طريق عبد الله بن إبراهيم، حدثنا المنكدر، عن أبي،\nعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: إن من سنن المرسلين الحياء والتعطر والنكاح.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري.\nقال عنه الحافظ في التقريب: متروك، ونسبه ابن حبان إلى الوضع.\n(^١) الأسرار المرفوعة - ملا علي قاري (١/ ٤٦٤). والمنار المنيف - ابن القيم (١/ ٢٩٥)، النوافح العطرة - الصنعاني (١٩٣٥)، تحذير المسلمين - المدني (١/ ١٤٥).","vol":"10","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4801>الباب الأول في ذكر جنس ما يتسوك به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4802>الفصل الأول في التسوك بالعود وأي السواك به أفضل</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تعبدنا بالتسوك لا بنوع السواك.\n• السواك عبادة معقولة المعنى.\n• الغاية من السواك إزالة تغير الفم وتنظيف الأسنان، والأراك وسيلة، والوسيلة إذا لم تتعين لم تكن مقصودة.\n[م-٨٧٦] لا يختلف الفقهاء بأن المستحب أن يكون السواك عودًا لينًا ينقي الفم، ولا يجرحه، ولا يضره، ولا يتفتت فيه، واختلفوا في أي الأعواد أفضل.\nفقيل: أفضل السواك الأراك. وهو مذهب الجمهور (^١).\n_________\n(^١) جاء في الفتاوى الهندية (١/ ٨): «السواك، ينبغي أن يكون من أشجار مرة؛ لأنه يطيب نكهة الفم، ويشد الأسنان، ويقوي المعدة، وليكن رطبًا في غلظ الخنصر، وطول الشبر». اهـ وانظر بريقة محمودية (٤/ ١٨٨) قال: «وأما نفسه، فأي شجر كان، أراكًا أو غيره، وإن كان الأولى الأراك» اهـ.\nوقال في التاج ولإكليل (١/ ٣٨٠): «قال السواك فضيلة، بقضيب الشجر، وأفضلها الأراك». وانظر الخرشي (١/ ١٣٩)، حاشية العدوي (١/ ٢٣٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٢)، والشرح الصغير (١/ ١٢٤)، التمهيد (٧/ ٢٠١)، (١١/ ٢١٣). =","vol":"10","page":453},{"text":"(٢٢٩٣ - ٢٤٤) واستدلوا بما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الصمد وحسن بن موسى، قالا: ثنا حماد، عن عاصم، عن زر بن حبيش،\nعن ابن مسعود، أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد.\n[إسناده حسن، وهو صحيح] (^١).\n_________\n= وفي المذهب الشافعي، قال النووي في المجموع (١/ ٣٣٦): «قال أصحابنا: يستحب أن يكون السواك بعود، وأن يكون العود من أراك. قال الشيخ نصر المقدسي: الأراك أولى من غيره، ثم بعده النخيل أولى من غيره». اهـ\nوقال الرملي من الشافعية (١/ ١٧٩): «ويحصل السواك بكل خشن مزيل، لكن العود أولى، والأراك منه أولى». حاشية البيجرمي على الخطيب (١/ ١٢٣).\nوقال الشوكاني: ويستحب أن يستاك بعود من أراك. اهـ نيل الأوطار (١/ ١٣٣).\n(^١) فيه عاصم بن أبي النجود، حسن الحديث، إلا أن رواية أحمد كما ذكر الحافظ في التلخيص (١/ ١٢٠): موقوفة على ابن مسعود أنه كان يجتني سواكًا من أراك، ولم يقل: إنه كان يجتنيه للرسول ﷺ، بخلاف رواية غيره، ولكن كان في عهد التشريع.\nوالحديث أخرجه الطيالسي (٣٥٥).\nورواه أبو يعلى الموصلي (٥٣١٠) من طريق روح بن عبادة.\nورواه أبو يعلى (٥٣٦٥)، وابن حبان (٧٠٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٧) من طريق عفان، وعفان من أثبت أصحاب حماد.\nورواه الشاشي في مسنده (٦٦١) من طريق موسى بن إسماعيل،\nوأخرجه البزار في مسنده (١٨٢٧)، والطبراني في الكبير (٩/ ٧٨) ح ٨٤٥٢، أبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٧)، من طريق الحجاج بن منهال، كلهم عن حماد بن سلمة به.\nوقد توبع حماد بن سلمة:\nتابعه زائدة فأخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٨٤) رقم ٣٢٢٢٩ حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني زائدة، عن عاصم به.\nوخالف أبو عتاب الدلال الطيالسي كما في مسند ابن الجعد (١٠٩٢) ومستدرك الحاكم (٣/ ٣١٤)، فرواه عن شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه (قرة بن إياس)، قال: صعد ابن مسعود شجرة ... وذكر نحوه. =","vol":"10","page":454},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وللحديث شواهد:\nالشاهد الأول: حديث قرة بن إياس.\nرواه أبو داود الطيالسي طـ هجر (١١٧٤)،\nوابن الجعد في مسنده (١١٧٤)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨) ح ٥٩، والبزار (٣٣٠٥)، والروياني في مسنده (٩٤٨) من طريق أبي عتاب الدلال، كلاهما (الطيالسي وأبو عتاب)، عن شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، أن ابن مسعود ﵁ ذهب يأتي للنبي ﷺ بالسواك، فجعلوا ينظرون إلى دقة ساقه ... وذكره نحوه.\nوهذا إسناد صحيح، الطيالسي ثقة، وتابعه أبو عتاب وهو صدوق.\nقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٨٩): «رواه البزار والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح».اهـ\nالشاهد الثاني: حديث علي بن أبي طالب ﵁ رواه أحمد في مسنده (١/ ١١٤)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٣٢)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ١٥٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٣٧) وأبو يعلى (٥٣٩) عن محمد بن فضيل، حدثنا مغيرة، عن أم موسى، قالت:\nسمعت عليًا رضي الله تعالى عنه يقول: أمر النبي ﷺ ابن مسعود، فصعد علي شجرة، فأمره أن يأتيه منها بشيء، فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله بن مسعود حين صعد الشجرة فضحكوا من حموشة ساقيه، فقال رسول الله ﷺ: ما تضحكون؟ لَرجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، إلا أم موسى لم يرو عنها إلا مغيرة بن مقسم الضبي، قال: الدارقطني حديثها مستقيم يخرج حديثها اعتبارًا. اهـ وروى لها البخاري في الأدب، وأبو داود والنسائي وابن ماجه. تهذيب الكمال (٣٥/ ٣٨٨).\nوذكرها ابن سعد في الطبقات الكبرى، ولم يذكر فيها شيئًا. الطبقات (٨/ ٤٨٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رجالهم رجال الصحيح، غير أم موسى، وهي ثقة». اهـ مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٨، ٢٨٩).\nورواه أبو يعلى الموصلي (٥٩٥) والطبراني (٩/ ٩٥) رقم ٨٥١٦، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٩)، والطبري في تهذيب الآثار (١٩) من طريق جرير، ورواه يعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٣١٧) من طريق أبي عوانة، كلاهما عن المغيرة به.\nومغيرة مدلس، وأظن أنه لم يسمعه من أم موسى، وإنما سمعه من إبراهيم النخعي،\nفقد أخرج الخطيب البغدادي (٧/ ١٩١) من طريق هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن أم موسى، عن علي. وعلى كل سواء كان سمعه من مغيرة، أو من أم موسى، فالساقط مقبول.","vol":"10","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4803>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٩٤ - ٢٤٥) روى ابن أبي عاصم، قال: حدثنا خليفة بن خياط، حدثنا عون بن كهمس بن الحسن، عن داود بن المساور، ثنا مقاتل بن همام، عن أبي خيرة الصنابحي، قال:\nكنا في الوفد الذين أتينا رسول الله ﷺ، من عبدالقيس، فزودنا الأراك نستاك به. فقلنا يا رسول الله عندنا الجريد، ولكن نقبل كرامتك وعطيتك. فقال رسول الله ﷺ: اللهم غفر لعبد القيس إذ أسلموا طائعين غير خزايا ولا موتورين (^١).\nوفي رواية للطبراني، وفيه: ثم أمر لنا بأراك فقال: استاكوا بهذا.\n[ضعيف، ومتنه منكر، وقصة وفد عبد القيس في الصحيحين، وليس فيها ذكر السواك] (^٢).\n_________\n(^١) الآحاد والمثاني (٣/ ٢٥٨) رقم ١٦٢٥.\n(^٢) ذكره البخاري في الكنى (١/ ٢٨)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ٨٧) عن خليفة بن خياط.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٦٨) رقم ٩٢٤. من طريق شباب العصفري، كلاهما (خليفة وشباب) عن عون بن كهمس، عن داود بن المساور به.\nورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦٨) رقم ٩٢٣، من طريق محمد بن حمران بن عبد العزيز القيسي، عن داود بن المساور به.\nوفي الإسناد عون بن كهمس.\nذكره البخاري وابن أبي حاتم، وسكتا عليه، فلم يذكرا فيه شيئًا. التاريخ الكبير (٧/ ١٨)، والجرح والتعديل (٦/ ٣٨٨).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥١٥).\nوقال الذهبي: ثقة. الكاشف (٢/ ١٠٢)، ولا أعلم أحدًا سبق الذهبي غير ابن حبان، ومذهب ابن حبان معروف.\nوقال الحافظ في التقريب: مقبول: أي في المتابعات، وإلا فلين، ولا أعلم أحدًا تابعه على هذا الحديث، بل متنه مخالف لما في الصحيحين من قصة وفد عبد القيس. والله أعلم.\nوفيه أيضًا داود بن المساور: =","vol":"10","page":456},{"text":"القول الثاني:\nقالوا: لا فرق بين الأراك، والعرجون والزيتون، وهو مذهب الحنابلة.\nقال في الإنصاف: «التساوي بين جميع ما يستاك به، وهو المذهب وعليه الأصحاب» (^١).\nوقال البهوتي: «السواك من أراك أو عرجون أو زيتون أو غيرها، واقتصر كثير من الأصحاب على الثلاثة، وذكر الأزجي لا يعدل عن الأراك والزيتون والعرجون إلا لتعذره» (^٢).\nهذا الاختلاف فيما يتعلق بتقديم الأراك على غيره.\n[م-٨٧٧] وأما غير الأراك كالنخيل والزيتون، ونحوهما، فأيهما أفضل؟\nاختلف في ذلك على قولين:\n_________\n= ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٣٧)، وسكت عليه.\nوذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه شيئًا، ولم يذكر راويًا عنه إلا عون بن كهمس.\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٨/ ٢٣٤)، ولا أعلم أحدًا وثقه غيره، فهو مجهول.\nومقاتل بن همام:\nذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه شيئًا، وما ذكرا راويًا عنه إلا داود بن المساور. التاريخ الكبير (٨/ ١٣)، الجرح والتعديل (٨/ ٣٥٣). ولم يوثقه أحد.\nوقال الهيثمي: إسناده حسن. انظر مجمع الزوائد (٢/ ١٠٠).\nوقال الحافظ في الإصابة (٧/ ١١١) أخرج البخاري في التاريخ مختصرًا، وخليفة الدولابي، والطبراني، وأبو أحمد الحاكم من طريق داود بن المساور، عن مقاتل بن همام، عن أبي خيرة الصنابحي، وذكر الحديث. وسكت عليه الحافظ هنا، كما سكت عليه في التلخيص (١/ ٧١).\n(^١) الإنصاف (١/ ١١٩).\n(^٢) قال في المحرر (١/ ١٠): «ويستاك عرضًا بعود أراك أو زيتون أو عرجون لا يجرح الفم ولا يتفتت». اهـ وانظر كشاف القناع (١/ ٧٣)، والإنصاف (١/ ١١٩)، إلا أن ابن مفلح قال في الفروع (١/ ١٢٦): «ويتوجه احتمال أن الأراك أولى لفعله ﵇». اهـ وانظر الكافي (١/ ٢٢).","vol":"10","page":457},{"text":"القول الأول:\nيأتي بعد الأراك في الأفضلية جريد النخل، ثم الزيتون، وبه قالت المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\n(٢٢٩٥ - ٢٤٦) واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري من طريق أيوب، عن ابن\nأبي مليكة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:\nتوفي النبي ﷺ في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وكانت إحدانا تعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذه فرفع رأسه إلى السماء وقال: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، ومر عبد الرحمن بن أبي بكر، وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليه النبي ﷺ فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها، فمضغت رأسها، ونفضتها، فدفعتها إليه فاستن بها كأحسن ما كان مستنا، ثم ناولنيها، فسقطت يده، أو سقطت من يده فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة (^٣).\nالشاهد من الحديث:\nقولها ﵂، وفي يده جريدة رطبة، ثم قالت: (فاستن بها تعني النبي ﷺ).\nقال في تحفة المحتاج: «ثم بعده -أي بعد الأراك- النخل؛ لأنه آخر سواك استاك به رسول الله ﷺ» (^٤).\n_________\n(^١) قال الخرشي بعد أن ساق مذهب الشافعية (١/ ١٣٩): «والظاهر أن مذهبنا لا يخالف في ذلك». وانظر الشرح الصغير (١/ ١٢٤).\n(^٢) قال النووي في المجموع (١/ ٣٣٦): «قال أصحابنا يستحب أن يكون السواك بعود، وأن يكون بعود أراك، قال الشيخ نصر المقدسي: الأراك أولى من غيره، ثم بعده النخل أولى من غيره».اهـ وقال في أسنى المطالب (١/ ٣٧): «وأولاه -يعني السواك- الأراك اتباعًا، ثم بعده النخل من غير الأراك». اهـ الغرر البهية شرح البهجة الوردية - زكريا الأنصاري (١/ ١٠٨)، تحفة المحتاج - الهيتمي (١/ ٢١٥)، مغني المحتاج (١/ ٥٥).\n(^٣) صحيح البخاري (٤٢٩٦).\n(^٤) تحفة المحتاج (١/ ٢١٥).","vol":"10","page":458},{"text":"القول الثاني:\nقيل: يأتي بعد الأراك الزيتون، وما ذكروا جريد النخل. وهو مذهب الحنفية (^١).\nوأما الحنابلة فتقدم مذهبهم، وأن الأراك والزيتون والعرجون سواء عندهم في المشهور من مذهبهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4804> الدليل على كون السواك من الزيتون:</span>\n(٢٢٩٦ - ٢٤٧) روى الطبراني من طريق محمد بن محصن عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة يطيب الفم ويذهب بالحفر، وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي.\n[موضوع] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ١١٥): «وأفضله الأراك، ثم الزيتون». اهـ\nوأما الحنابلة فقد تقدم أنهم يسوون بين الأراك والنخيل والعرجون. قال في الإنصاف (١/ ١١٩): «التساوي بين جميع ما يستاك به، وهو المذهب وعليه الأصحاب.\nوقال في الفروع: ويتوجه احتمال أن الأراك أولى. انتهى قال المرداوي: ويتوجه أن أراك البر. وذكر الأزجي: أنه لا يعدل عن الأراك والزيتون والعرجون إلا لتعذره. قال في الرعاية الكبرى: من أراك وزيتون أو عرجون. وقيل: أو قتاد، واقتصر كثير من الأصحاب على هذه الثلاثة».\n(^٢) مسند الشاميين (١/ ٥٠) رقم ٤٦، وفي الأوسط بالإسناد نفسه (١/ ٢١٠) رقم ٦٨٢.\nفيه محمد بن محصن: اسمه محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن عكاشة.\nقال ابن معين: كذاب. الضعفاء الكبير (٤/ ٢٩).\nوقال ابن حبان والدارقطني: يضع الحديث. المجروحين (٢/ ٢٧٧)، الكشف الحثيث (٦٢١).\nوقال الذهبي: تالف. سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٧)، وفي الكاشف (٢/ ٢١٤): ساقط.\nوفي التقريب: كذبوه.","vol":"10","page":459},{"text":"مبحث\nهل يتعين السواك بالثلاثة: الأراك والجريد والزيتون؟\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تعبدنا بالتسوك لا بنوع السواك.\n• الأصل في السواك أنه عبادة معقولة المعنى.\n• الغاية من السواك إزالة تغير الفم وتنظيف الأسنان، والأراك وسيلة، والوسيلة إذا لم تتعين لم تكن مقصودة.\n• التسوك تارة يكون للنظافة، وتارة لتحصيل السنة، كما لو كان الفم نظيفًا، وكان التسوك للصلاة.\n[م-٨٧٨] قال النووي: «وبأي شيء استاك مما يزيل التغير والقلح أجزأه. كذا قال أصحابنا واتفقوا عليه.\nقال القاضي أبو الطيب، وآخرون: فيجوز الاستياك بالسُّعْد (^١)،\n_________\n(^١) وصف ابن سينا في القانون نبات السعد، وقال: «إن فيه منفعة عجيبة في القروح التي عسر اندمالها. والسعد: من الطيب نبت له أصل تحت الأرض (وهو الدرنة) أسود طيب الريح، وله ساق طولها ذراع أو أكثر، وعلى طرفه أوراق صغار نابية وبزر، وأصوله كأنها زيتون ... منه طوال، ومنه مرور مشبك بعضه مع بعض .. طيب الرائحة فيه مرارة، وأجوده الكثيف الوزن العطر الذي حشيشته قصيرة، وحرافته شديدة، يدخل في المراهم، يحسن اللون، ويطيب النكهة، وينفع من عفن الفم، والأنف والقلاع، واسترخاء اللثة، ويزيد في الحفظ جدًّا، وينفع من قروح الفم المتآكلة، ويخرج الحصاة، ويدرها، وينفع من تقطير البول، وضعف المثانة جدًّا ... وينفع من البواسير، والاستسقاء ولحميات العتيقة .. وهو نافع من لسعة العقرب، ...\nوالحشرات جدًّا ...». إلخ كلامه. نقله الدكتور محمد البار من كتاب القانون في الطب لابن سينا (الأدوية المفردة والنباتات) شرح جبران جبور، وتعليق أحمد الشطي، مؤسسة المعارف، بيروت ١٩٨٦ (ص: ٢١٧).\nوذكر عبد الرحمن العقيل وزملاؤه في كتاب النباتات السعودية المستعملة في الطب الشعبي: أن موطنه جنوبي الحجاز، وشماليه.","vol":"10","page":460},{"text":"والأشنان (^١)، وشبههما (^٢).\nوقال الرافعي: «أصل السنة تتأدى بكل خشن يصلح لإزالة القلح كالخرقة، والخشبة، ونحوها ..» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) قال أبو القاسم الغساني المعروف بالوزير في كتابه حديقة الأزهار في ماهية العشب والعقار (ص: ٣٢)، قال في وصف الأشنان: «أنواعه كثيرة، وكلها يطلق عليها الحمضي: وهو نبات أشهب اللون أغبر مائل إلى الحمرة، رقيق الساق، دقيق الورق، وزهره أبيض مائل إلى الحمرة، يعلو من الأرض نحو الشبر، وأغصانه كثيرة، وهو مشهور معروف عندنا بالمغرب، كثيرًا ما ينبت بناحية مراكش، ويسمى عندهم بالغاسول، وعندنا بفاس يقولون: الغاسول العشبي، وإنما سمي بالغاسول؛ لأنه يغسل به الثياب، فينقيها من درنها، ويبيضها، وله رغوة كرغوة الصابون، ويسمى بالعربية الفصيحة (الحمض)، ويقال له: أشنان القصارين، لتبييضه الثياب، ويعرف أيضًا بخرد العصافير».اهـ تعليق وتحقيق محمد العربي الخطابي. إصدار دار الغرب الإسلامي.\n(^٢) المجموع (١/ ٣٣٥). وقول النووي: «وشبههما» يدخل فيه أشياء كثيرة، منها شجرة النيم.\nقال الدكتور البار، في كتابه السواك: «تستخدم أعواد النيم في بعض المناطق، مثل باكستان، والهند لتنظيف الأسنان، وتتخذ منها المساويك، وهي شجرة واسعة الانتشار في المناطق الحارة، وشبه الحارة، وأوراقها مرة، وتستخدم لعلاج القروح والالتهابات، ولعلاج اللثة، وقد قام (راثجي  rathje)  في الولايات المتحدة باستخدام النيم لعلاج اللثة الملتهبة، ونشر بحثه في ذلك، في المجلة المعروفة باسم (Quintessence)  الخلاصة الجوهر) عام ١٩٧١.\nوفي الهند قامت شركة في كالكتا باستخراج معجون الأسنان من شجرة النيم، واسمته معجون نيم (neem)  وقد لاقى نجاحًا طبيًا. واسم الشركة المنتجة (M/s Calcutta chemical).  إلخ كلامه وفقه الله.\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٦٨).","vol":"10","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4805>الفصل الثاني\nلا يتسوك بعود يضر اللثة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.\n• الواجبات تسقط بالضرر فالمسنون من باب أولى.\n[م-٨٧٩] اتفقت عبارات الفقهاء في النهي عن التسوك بعود يضر اللثة. كالريحان، والرمان، واختلفوا في النهي.\nفقيل: يكره، وهو المشهور من مذهب الجمهور (^١).\nوقيل: يحرم، وهو قول عند الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) قال في حاشية ابن عابدين (١/ ١١٥): «ويكره بمؤذ. قال في الحلية: وقال غير واحد: من العلماء: كراهته بقضبان الرمان والريحان. وفي شرح الهداية للعيني: روى الحارث في مسنده عن ضمير بن حبيب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن السواك بعود الريحان، وقال: إنه يحرك عرق الجذام، وفي النهر: ويستاك بكل عود إلا الرمان والقصب».اهـ\nوفي المذهب المالكي جاء في مواهب الجليل (١/ ٢٦٥): «ويتجنب من السواك ما فيه أذى للفم، كالقصب؛ فإنه يجرح اللثة ويفسدها، وكالريحان ونحوه مما يقول الأطباء فيه فساد، وقد نص على ذلك جماعة من العلماء». اهـ وانظر التاج والأكليل (١/ ٣٨٠)، والخرشي (١/ ١٣٩)، والفواكة الدواني (١/ ١٣٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٢)، والشرح الصغير (١/ ١٢٥).\nوفي المذهب الشافعي تحفة المحتاج بشرح المنهاج (١/ ٢١٥)، مغني المحتاج (١/ ١٨٣)، حاشية البجيرمي على المنهج (١/ ٧٣).\nوفي المذهب الحنبلي انظر كشاف القناع (١/ ٧٤)، الفروع (١/ ١٢٨)، المغني (١/ ١١٨)، والإنصاف (١/ ١١٩)، مطالب أولى النهى (١/ ٨٠).\n(^٢) الفروع (١٢٨). طرح التثريب (٢/ ٦٦).","vol":"10","page":462},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4806> دليل الكراهة أو التحريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4807>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٩٧ - ٢٤٨) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق أبي بكر الشيباني، عن ضمرة بن حبيب، قال:\nنهى رسول الله ﷺ عن السواك بعود الريحان والرمان، وقال: يحرك عرق الجذام.\n[إسناده ضعيف لإرساله، وضعف أبي بكر] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4808>الدليل الثاني:</span>\nمن النظر: أن تعاطي ما فيه ضرر لا يجوز، بل ولو كان فيه نفع، وكان ضرره أكثر من نفعه، فهو محرم، قال تعالى:\n(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) [البقرة: ٢١٩].\nفما كان ضرره أكثر من نفعه غلب جانب التحريم، وهذه قاعدة شرعية. ومنها نستدل على تحريم الدخان؛ حيث لا نفع فيه البتة، بل لو قال أحد: إنه أولى بالتحريم من الخمر لم يكن بعيدًا؛ لأن الخمر فيه نفع، ولو مطلق النفع، بخلاف الدخان. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٦/ ٢٤٤)، ورواه الحارث في مسنده بإسناد ابن أبي شيبة، كما في المطالب العالية (٦٨).\nوفيه أبو بكر بن أبي مريم.\nقال عباس ومعاوية، عن يحيى يعني ابن معين: قال: أبو بكر بن أبي مريم الغساني شامي، ضعيف الحديث، ليس بشيء، وهذا مثل الأحوص بن حكيم ليس بشيء. الكامل (٢/ ٣٦) رقم ٢٧٧.\nضعفه أحمد، وقال مرة: ليس بشيء. قال أبو داود: سرق له حلى فأنكر عقله. تهذيب التهذيب (١٢/ ٣٣).\nوفي التقريب: ضعيف، وكان قد سرق بيته، فاختلط من السابعة.\nوقد ترجم له الذهبي في السير (٧/ ٦٥).\nكما أن ضمرة بن حبيب، تابعي، وقد رفع الحديث.","vol":"10","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4809>الفصل الثالث\nالتسوك بما له رائحة ذكية</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي.\n• ما ترك من أجل ضرره مما لم ينه عنه في الشريعة بعينه، فالمرجع فيه إلى الطب.\n[م-٨٨٠] اختلف العلماء في التسوك بما له رائحة ذكية.\nفقيل: يستاك بقضبان الأشجار الناعمة التي لا تضر، ولها رائحة طيبة تزيل القلح (^١)،\nكالقتادة، والسعد.\n_________\n(^١) يقول الدكتور البار، في كتابه السواك (ص: ٨٨): «يتكون القلح نتيجة عدم تنظيف السن، مثل اللويحة السنية من ترسب الأملاح في اللعاب فوق حافة اللثة، وفي اللثم اللثوي، وعلى الجذور، وأعناق الأسنان.\nوالقلح (calculus)  عبارة عن رواسب مواد عضوية، وغير عضوية، مثل كربونات، وفوسفات الكالسيوم، وفوسفات الماغنيسيوم والمخاط اللعابي، وفضلات الأكل والبكتريا. وبمرور الزمن تتصلب، وخاصة إذا أهمل الشخص تنظيف أسنانه.\nومن المعلوم أن الأسنان واللثة والميزاب (الثلم) اللثوي تكون مغطاة باللعاب الخفيف اللزج الذي سرعان ما يرسب المواد الكلسية عند تشبعه، وتوضح المعادلة التالية أن كربونات الكالسيوم المذابة تتشبع في الميزاب اللثوي فترسب كربونات الكالسيوم، وغاز ثاني أكسيد الكربون والماء. ثم قال:\nوينقسم القلح إلى نوعين:\nالأول: القلح اللعابي: وهو ماسبق شرحه من القلح، ويترسب على الأسنان الطبيعية، وعلى الأطعمة الصناعية، ويوجد بغزارة مقابل فتحات الغدد اللعابية بالفم، ويترسب القلح بغزارة إذا كانت الأسنان غير منتظمة ومعوجة لصعوبة تنظيفها، ويكون القلح طريًا أول الأمر، تسهل إزالته بالسواك، ولونه ضارب إلى الصفرة. ومع مرور الزمن يصلب، ويغدو بنيًا داكنًا، وخاصة لدى المدخنين.\nالثاني: القلح المصلي. ويتكون في الميزاب اللثوية، وعلى جذور الأسنان، وبخاصة إذا كان الشخص يعاني من التهاب محيط الأسنان (البيوريا، النساع، الرعال) وتصعب رؤيته لأنه يوجد عادة تحت حافة اللثة، ويتكون ببطء، وهو صلب جدًّا، وملتصق بالأسنان، ولونه بني مخضر، وذلك لوجود أصباغ الدم المتغيرة فيه، ولذا يضرب إلى اللون الأخضر الداكن. ويتشرب القلح المواد الصديدية الناتجة عن التهاب اللثة، والتهاب ما حول السن (الحفر، البيوريا، النَّساع، الرعال).\nوأهم العوامل التي تؤدي إلى القلح هي:\n١ - عدم تنظيف الأسنان بانتظام عدة مرات في اليوم والليلة.\n٢ - عدم مضغ الطعام جيدًا.\n٣ - التدخين.\n٤ - خشونة أسطح بعض الأسنان.\n٥ - اعوجاج الأسنان، وعدم انتظامها.\n٦ - زيادة لزوجة اللعاب، وقلة مائيته عند بعض المرضى.\n٧ - ضمور وتراجع اللثة عن أعناق الأسنان.\n٨ - الاستعمال الخاطئ للسواك (فرشاة الأسنان).\n٩ - الطعام الرخو، والسكريات.\nويؤدي القلح إلى (١) نخر الأسنان. (٢) التهاب اللثة. (٣) التهاب ما حول الأسنان المعروف بالحفر (البيوريا، الرعال، النساع).","vol":"10","page":464},{"text":"وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢).\nوقال الحنابلة: يكره بكل ذي رائحة ذكية (^٣).\n_________\n(^١) قال الصاوي في الشرح الصغير (١/ ١٢٤): «الأفضل الأراك، ثم جريد النخل، ثم عود الزيتون، ثم ما له رائحة ذكية» فنص على الرائحة الذكية.\n(^٢) قال في شرح البهجة الدرية (١/ ١٠٨): «وأولى السواك ذو الريح الطيب»، وانظر حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٥٨)، حاشية البجيرمي (١/ ٧٣).\n(^٣) قال في كشاف القناع (١/ ٧٤): «ويكره السواك بريحان، وهو الآس، قيل: إنه يضر بلحم الفم، وبرمان، وبعود ذكي الرائحة ...». إلخ. وانظر الإنصاف (١/ ١١٩)، ومطالب أولى النهى (١/ ٨٠).","vol":"10","page":465},{"text":"وتعليل المالكية والشافعية بأنه أقوى في إزالة القلح.\nوتعليل الحنابلة بأنه يضر باللثة.\nوالمرجع في ذلك إلى الطب فإن ثبت الضرر بها طبيًا، كان منهيًا عنها. وإن لم يثبت فالأصل الإباحة. والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4810>الفصل الرابع\nالتسوك بالأصبع والخرقة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• تعبدنا بالتسوك لا بنوع السواك.\n• الغاية من السواك إزالة تغير الفم وتنظيف الأسنان، والأراك وسيلة، والوسيلة إذا لم تكن مقصودة لذاتها لم تتعين.\n• التسوك معقول المعنى، فالتسوك بالأصبع والخرقة يحصل به من السنة بقدر ما يزيل أو يخفف تغير الفم واصفرار الأسنان.\n• التسوك تارة يكون للنظافة، وتارة لتحصيل السنة كما لو كان الفم نظيفًا، وكان التسوك للصلاة.\n[م-٨٨١] اختلف الفقهاء في الرجل يشوص فاه بأصبعه، هل يصيب السنة في ذلك أم لا؟\nفقيل: لا يصيب السنة مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع (٢/ ٣٣٥): «وأما الأصبع فإن كانت لينة لم يحصل بها السواك بلا خلاف، وإن كانت خشنة ففيها أوجه: الصحيح المشهور لا يحصل؛ لأنها لا تسمى سواكًا». اهـ وانظر حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٨)، تحفة المحتاج (١/ ٢١٦)، مغني المحتاج (١/ ١٨٣)، وطرح التثريب (٢/ ٦٦).\n(^٢) قال في كشاف القناع (١/ ٧٤): «وإن استاك بغير عود، كأصبع وخرقة لم يصب السنة».اهـ","vol":"10","page":467},{"text":"وقيل: يصيب السنة مطلقًا. اختاره بعض المالكية (^١)، ووجه في مذهب الشافعية (^٢)، وقول في مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: إن لم يقدر على عود أصاب السنة، وإلا فلا، وهو مذهب الحنفية (^٤)، وعليه أكثر المالكية (^٥).\nوقيل: يجزئ إن كان خشنًا، وكان الأصبع من يد غيره، وإن كان أصبعه هو لم يحصِّل بها السنة. اختاره النووي (^٦).\n• تعليل من قال: لا يتسوك بالأصبع:\nالتعليل الأول:\nأن الأصبع لا تسمى سواكًا، ولا هي في معناه.\nالتعليل الثاني:\nأن الشرع لم يرد بالتسوك بالأصبع.\n_________\n(^١) قال في أقرب المسالك (١/ ١٢٤): «ويكفي الأصبع عند عدمه. وقيل: يكفي ولو وجد العود».اهـ.\nوقال في الفواكه الدواني (١/ ١٣٦): «وإن استاك بأصبعه فحسن مرغب فيه، أي مستحب، وإنما قلنا مع عدم وجود شيء ... إلخ إشارة إلى أن الأفضل الاستياك بغير الأصبع عند وجود الغير».\n(^٢) المجموع (٢/ ٣٣٥).\n(^٣) كشاف القناع (١/ ٧٤)، المغني (١/ ١١٨).\n(^٤) فتح القدير (١/ ٢٤، ٢٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٧).\n(^٥) قدمه في الشرح الصغير (١/ ١٢٤)، قال الخرشي (١/ ١٣٩): «ومن لم يجد سواكًا فأصبعه تجزئه».\nوعلق علي ذلك العدوي في حاشيته قائلًا: «وظاهر كلام المؤلف سواء كانت أصبعه لينة أو خشنة». اهـ\nوقال في حاشية الدسوقي (١/ ١٠٢): يكفي في الاستياك الأصبع عند عدم غيره. وقال في مواهب الجليل (١/ ٢٦٥): «وأما آلته - يعني السواك - فهي عيدان الأشجار، ثم قال: أو بأصبعه إن لم يجد». اهـ وانظر التاج والإكليل (١/ ٣٨٠).\n(^٦) المجموع (١/ ٣٣٥).","vol":"10","page":468},{"text":"التعليل الثالث:\nأن التسوك تارة يكون للنظافة، وتارة لتحصيل السنة ولو كان الفم نظيفًا، كالتسوك للصلاة، وعند الوضوء، فلا تحصل السنة بأمر لم يرد به الشرع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4811> دليل من قال السواك بأصبع الغير يصيب السنة دون أصبعه:</span>\nقال النووي بعد أن ذكر أوجه الخلاف في السواك بالأصبع، قال: «ثم الخلاف إنما هو في إصبعه، أما أصبع غيره الخشنة فتجزئ قطعًا؛ لأنها ليست جزءًا منه، فهي كالأشنان» (^١).\nقلت: هذه ظاهرية واضحة، ودليل على ضعف منع التسوك بالأصبع.\nقال العراقي في طرح التثريب: «لا أدري ما وجه التفريق بين أصبعه وأصبع غيره، وكونه جزءًا منه لا يظهر منه ما يقتضي منعه، بل كونها أصبعه أبلغ في الإزالة؛ لأنه يتمكن بها أكثر من تمكن غيره أن يسوكه بأصبعه .... والحديث الذي ورد في السواك بالأصبع أعم من أصبعه وأصبع غيره، بل في بعضها التصريح بأصبع المستاك، كما رواه البيهقي في سننه من حديث أنس، أن رجلًا من الأنصار من بني عمرو بن عوف، قال: يا رسول الله إنك رغبتنا في السواك، فهل دون ذلك من شيء؟ قال: إصبعاك سواك عند وضوئك، تمرهما على أسنانك .. الحديث، ورجاله ثقات (^٢)، إلا أن الراوي عن أنس بعض أهله غير مسمى، وقد ورد في بعض طرقه بأنه النضر بن أنس، وهو ثقة، ولفظه: (يجزئ من السواك الأصابع) وفيه عيسى بن شعيب البصري. قال فيه عمرو بن علي الفلاس: إنه صدوق. وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ حتى فحش خطؤه، فاستحق الترك. وبالجملة فلا يظهر معنى التفرقة بين أصبعه وأصبع غيره، فالمختار\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٣٥).\n(^٢) إسناده ضعيف، وفيه اختلاف كثير، وسيأتي بحثه إن شاء الله في أدلة القول التالي لهذا القول. والله أعلم.","vol":"10","page":469},{"text":"كما قال النووي: تؤدى به السنة مطلقًا ما لم تكن ناعمة لا تزيل القلح. والله أعلم (^١).\n• أدلة القائلين بجواز التسوك بأصابع نفسه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4812>الدليل الأول:</span>\n(٢٢٩٨ - ٢٤٩) ما رواه أحمد، قال ثنا محمد بن عبيد، ثنا مختار،\nعن أبي مطر، قال: بينا نحن جلوس مع أمير المؤمنين على في المسجد على باب الرحبة، جاء رجل فقال: أرني وضوء رسول الله ﷺ، وهو عند الزوال فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء فغسل كفيه ووجهه ثلاثًا، وتمضمض ثلاثا فأدخل بعض أصابعه في فيه ..... الحديث (^٢).\n[ضعيف جدًّا، وذكر إدخال الأصبعين في فيه منكر] (^٣).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٦٧، ٦٨).\n(^٢) المسند (١/ ١٥٨).\n(^٣) في الإسناد: مختار بن نافع التيمي.\nقال أبو حاتم الرازي والبخاري والنسائي: منكر الحديث. الجرح والتعديل (٨/ ٣١١)، الضعفاء الصغير (ص: ١١٠) رقم ٣٥٧.\nوقال النسائي أيضًا: ليس بثقة.\nوقال أبو زرعة واهي الحديث. تهذيب الكمال (٢٧/ ٣٢١).\nوفي الإسناد أيضًا أبو مطر، مجهول.\nقال أبو زرعة: ما أعرف اسمه.\nقال أبو حاتم الرازي، وابن حجر في اللسان: مجهول لا يعرف.\nوالحديث أخرجه عبد بن حميد، كما في المنتخب (٩٥) عن محمد بن عبيد به.\nوالحديث قد رواه محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبيد الله الخولاني، عن ابن عباس، عن علي كما في المسند (١/ ٨٢، ٨٣)، وسنن أبي داود (١١٧)، والبزار (٤٦٤، ٤٦٣)، وأبو يعلى (٦٠٠)، وابن خزيمة (١٥٣)، وابن حبان (١٠٨٠)، والبيهقي (١/ ٥٣، ٥٤)، من طرق كثيرة، عن ابن إسحاق، ولم يذكر ما ذكره مختار بن نافع، وسوف يأتي الكلام على حديث ابن عباس عن علي في المسح على الخفين إن شاء الله بمزيد من التفصيل عن متنه. والله أعلم.","vol":"10","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4813>الدليل الثاني:</span>\n(٢٢٩٩ - ٢٥٠) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا الساجي، قال: حدثني محمد بن موسى، ثنا عيسى بن شعيب، عن عبد الحكم، عن أنس عن النبي ﷺ: قال: يجزئ من السواك الأصابع.\n[ضعيف جدًّا] (^١).\n_________\n(^١) الكامل (٥/ ٣٣٤)، ومن طريق ابن عدي رواه البيهقي (١/ ٤٠).\nرواه عيسى بن شعيب، واختلف عليه فيه:\nفرواه محمد بن موسى، عن عيسى بن شعيب، واختلف على محمد بن موسى:\nفرواه الساجي كما في إسناد الباب، عن محمد بن موسى، عن عيسى بن شعيب، عن عبد الحكم، عن أنس.\nوفي الإسناد: عبد الحكم القسملي،\nقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٦/ ١٢٩) رقم ١٩٢٨، الضعفاء الصغير (ص: ٧٩) رقم ٢٤٢.\nوقال أبو حاتم الرازي: هو منكر الحديث ضعيف الحديث. قلت: يكتب حديثه؟ قال: زحفًا. الجرح والتعديل (٦/ ٣٥) رقم ١٨٩.\nوقال أبو نعيم الأصبهاني: روى عن أنس نسخة منكرة لا شيء. ضعفاء الأصبهاني (١٣٤).\nومحمد بن موسى بن نفيع الخرشي، وهاه أبو داود وضعفه. تهذيب الكمال (٢٦/ ٥٢٨).\nوقال أبو حاتم: شيخ. الجرح والتعديل (٨/ ٨٤) رقم ٣٥٤.\nوقال النسائي في مشيخته: صالح، أرجو أن يكون صدوقًا. تهذيب التهذيب (٩/ ٤٢٥).\nوفي التقريب: لين.\nورواه أبو عاصم النبيل، عن محمد بن موسى، عن عيسى بن شعيب، حدثنا عبد الله بن المثنى، عن النضر بن أنس، عن أبيه، كما في سنن البيهقي (١/ ٤٠).\nوهذه مخالفة من أبي عاصم للساجي.\nوقد توبع محمد بن موسى من رواية أبي عاصم النبيل عنه.\nفرواه البيهقي (١/ ٤١) من طريق عبد الرحمن بن صادر.\nوالضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٢٤١٧) من طريق محمد بن المثنى أبي موسى الزمن، كلاهما عن عيسى بن شعيب، عن عبد الله بن المثنى، عن النضر بن أنس، عن أنس.\nقال المقدسي: إسناد حسن. =","vol":"10","page":471},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعيسى بن شعيب النحوي:\nقال ابن حبان: كان ممن يخطئ حتى فحش خطؤه، فلما غلب الأوهام على حديثه استحق الترك. المجروحين (٢/ ١٢٠) رقم ٧٠٧.\nقال في لسان الميزان: لين (٧/ ٣٣١) رقم ٤٣٢٧.\nوقال عمرو بن علي: بصري صدوق. تهذيب التهذيب (٨/ ١٩١) رقم ٣٩٦.\nوذكره ابن الجوزي في الضعفاء.\nوإذا كان محمد بن موسى، وعلى عيسى بن شعيب كلاهما فيه لين، فعبد الله بن المثنى ليس ببعيد عنهما.\nقال أبو حاتم وأبو زرعة: صالح، زاد أبو حاتم: شيخ. الجرح والتعديل (٥/ ١٧٧) رقم ٨٣٠.\nوقال يحيى بن معين كما في رواية إسحاق بن منصور: صالح. المرجع السابق.\nوقال أيضًا في رواية ابن أبي خيثمة: ليس بشيء. تهذيب التهذيب (٥/ ٣٣٨) رقم ٦٥٩.\nوقال النسائي: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. المرجع السابق.\nوقال أبو داود: لا أخرج حديثه. تهذيب التهذيب (٥/ ٣٣٨) رقم ٦٥٩.\nووثقه الترمذي في السنن (٤٦).\nوقال العجلي: ثقه. معرفة الثقات (٢/ ٥٧) رقم ٩٦٠.\nوقال الدارقطني: ثقة، وقال مرة: ضعيف. تهذيب التهذيب (٥/ ٣٣٨) رقم ٦٥٩.\nوفي التقريب: صدوق كثير الغلط.\nومع ضعف عبد الله بن المثنى فقد اختلف عليه فيه:\nفرواه عيسى بن شعيب، عن عبد الله بن المثنى، عن النضر بن أنس، عن أنس كما سبق.\nقال ابن حجر: رواه ابن عدي والبيهقي والدارقطني، من حديث عبد الله بن المثنى، عن النضر ابن أنس، عن أنس، وفي إسناده نظر.\nورواه خالد بن خداش كما في سنن البيهقي (١/ ٤١)، عن عبد الله بن المثنى، فقال: حدثني بعض أهل بيتي، عن أنس بن مالك.\nقال البيهقي: وهذا هو المحفوظ من حديث ابن المثنى.\nقلت: خالد بن خداش أوثق من عيسى بن شعيب.\nوثقه محمد بن سعد، وقال الدارقطني: ثقة ربما وهم. وقال أبو حاتم الرازي، ويحيى بن معين: صدوق. الطبقات الكبرى (٧/ ٣٤٧)، العلل (١١/ ٢٠٤)، الجرح والتعديل (٣/ ٣٢٧).\nوقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة صدوقًا. تهذيب التهذيب (٣/ ٧٤) رقم ١٦٢. =","vol":"10","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4814>الدليل الثالث:</span>\n(٢٣٠٠ - ٢٥١) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق أبي غزية محمد بن موسى، حدثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه،\nعن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: الأصابع تجري مجرى السواك إذا لم يكن سواك.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن كثير بن عبد الله المزني إلا أبو غزية تفرد به هارون الفروي.\n[ضعيف جدًّا] (^١).\n_________\n= وقال سليمان بن حرب: صدوق لا بأس به، وكان يختلف معنا إلى حماد بن زيد، وأثنى عليه خيرًا، وقال: كان كثير الاختلاف إلى حماد بن زيد، أو كثير اللزوم له. الجرح والتعديل (٣/ ٣٢٧) رقم ١٤٦٨.\nوضعفه ابن المديني والساجي. تهذيب التهذيب (٣/ ٧٤) رقم ١٦٢.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ.\nوقيل: عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس.\nرواه البيهقي أيضًا (١/ ٤١) من طريق عبد الله بن عمر الحمال، حدثنا عبد الله بن المثنى، عن ثمامة،\nعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: الإصبع تجزي من السواك.\nقال البيهقي: حديث ضعيف.\nوعبد الله بن عمر الحمال، في تاريخ بغداد (١٠/ ٢٣) عبد الله بن عمرو الحمال، قال الخطيب: أحسبه من أهل المعرفة، قدم بغداد سنة ٢١٣ ... إلخ وسكت عليه فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ففيه جهالة، وشيخ البيهقي إسماعيل بن أبي نصر الصابوني مجهول الحال أيضًا، لم أقف له على ترجمة.\nوأما ثمامة. فقه ثقة وثقه أحمد والنسائي، والعجلي. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.\nفتبين أن هذا الحديث فيه اختلاف كثير، وأكثر طرقه مدارها على عبد الله بن المثنى، وهو كثير الغلط، مع الاختلاف عليه، فكل طرقه لا تخلو من ضعف.\n(^١) معجم الأوسط للطبراني (٦٤٣٧).\nفيه أبو غزية: محمد بن موسى ضعفه أبو حاتم، وغيره، ووثقه الحاكم، واتهمه الدارقطني =","vol":"10","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4815>الدليل الرابع:</span>\nقال ابن الملقن: روى أبو نعيم (^١)، بإسناده عن عائشة أنها سألت النبي ﷺ عن الرجل ينفض فاه، فلا يستطيع أن يمر السواك على أسنانه؟ قال: يجزيه الأصابع.\nقال ابن الملقن: وفيه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4816>الدليل الخامس:</span>\n(٢٣٠١ - ٢٥٢) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن أبي السري، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عيسى بن عبد الله الأنصاري، عن عطاء بن أبي رباح،\nعن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله الرجل يذهب فوه يستاك؟ قال: نعم. قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل إصبعه في فيه.\n_________\n= بالوضع. انظر الميزان (٤/ ٤٩)، واللسان (٥/ ٣٩٨).\nوفيه: كثير بن عبد الله عمرو بن عوف المزني: في التقريب ضعيف أفرط من نسبه إلى الكذب. قلت قال أحمد: لا يساوي شيئا، ليس بشيء. وضرب أبي على أحاديث كثير بن عبد الله بن عمرو ابن عوف فلم يحدثنا بها. ضعفاء العقيلي (٤/ ٤) رقم ١٥٥٥.\nقال أحمد: منكر الحديث، ليس بشيء. الجرح والتعديل (٧/ ١٥٤) رقم ٨٥٨.\nوقال أبو زرعة: واهي الحديث، ليس بقوي. المرجع السابق.\nوقال أبو داود: كان أحد الكذابين. تهذيب التهذيب (٨/ ٣٧٧).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (ص: ٨٩) رقم ٥٠٤\nفاقتصار الحافظ على قوله: ضعيف قول ضعيف، ولو قال: متروك، وتوسط كعادته في أقوال الرجال، لكان أقرب من قوله: ضعيف.\n- وعبد الله بن عمرو بن عوف المزني لم يرو عنه إلا كثير بن عبد الله، ولم يوثقه أحد سوى\nابن حبان، وفي التقريب: مقبول. يعني: إن توبع.\n(^١) لم أقف عليه في الكتب المطبوعة لأبي نعيم.\n(^٢) البدر المنير (٢/ ٥٨). قلت: المثنى بن الصباح، كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن المثنى بن الصباح. الجرح والتعديل (٨/ ٣٢٤) ١٤٩٤.\nقال أحمد بن محمد بن حنبل: لا يساوى حديثه شيئًا، مضطرب الحديث. المرجع السابق.\nوضعفه ابن معين وغيره.","vol":"10","page":474},{"text":"قال الطبراني لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا عيسى بن عبد الله تفرد به الوليد، ولا يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد.\n[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4817>الدليل السادس:</span>\n(٢٣٠٢ - ٢٥٣) ما رواه أبو عبيد في كتاب الطهور، قال: حدثنا حماد بن خالد، عن الزبير بن عبد الله مولى آل عمر،\nعن جدته رهيمة خادم عثمان، قالت: كان عثمان إذا توضأ يسوك فاه بأصبعه.\n[ضعيف] (^٢).\nوأحاديث الوضوء المرفوعة عن رسول الله ﷺ لم يأت في شيء منها التسوك\n_________\n(^١) الأوسط (٦/ ٣٨١) رقم ٦٦٧٨، ومن طريق محمد بن أبي السري رواه ابن عدي في الكمال (٥/ ٢٥٣).\nفي الإسناد: محمد بن أبي السري: وهو محمد بن المتوكل، كثير الغلط، وسبقت ترجمته، انظر (ح ٦٦٦).\nكما أن في الإسناد: عيسى بن عبد الله بن عبد الحكم الأنصاري:\nقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. الكامل (٥/ ٢٥٣) ١٣٩٧. اهـ\nوقال ابن حبان: شيخ يروي عن نافع ما لا يتابع عليه، لا ينبغي أن يحتج بما انفرد لمخالفته الأثبات في الروايات. المجروحين (٢/ ١٢٢) ٧٠٩. وانظر الميزان (٣/ ٣١٦).\n(^٢) كتاب الطهور (٢٩٨)، وفي الإسناد الزبير بن عبد الله.\nقال ابن عدي: أحاديث زبير هذا منكرة المتن والإسناد. الكامل (٣/ ٢٢٧) رقم ٧٢١.\nوقال أبو حاتم الرازي: صالح. الجرح والتعديل (٣/ ٥٨١) رقم ٢٦٤٢.\nوقال ابن معين: يكتب حديثه. الكامل (٣/ ٢٢٧).\nوقال الذهبي: ليس بحجة. المغني (١/ ٢٣٧). وفي التقريب: مقبول: أي إن توبع. ولا أعلم أنه توبع في هذا الإسناد. والله أعلم.\nوذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٦/ ٣٣٢) رقم ٧٩٧٩.\nكما أن رهيمة لم يوثقها أحد سوى ابن حبان، ولم يذكر راويًا عنها إلا ابنها عبد الله. الثقات (٤/ ٢٤٥) رقم ٢٧٣١. فالإسناد ضعيف.","vol":"10","page":475},{"text":"بالأصابع. والذي يظهر لي أن المسألة ليس فيها سنة عن الرسول ﷺ، وهل مثل هذا يدخل التسوك بالأصبع في حد البدعة؟\nالجواب: لا، فالسواك مطهرة للفم مرضاة للرب، فيه جانب تعبدي، وفيه جانب معقول المعنى، وهو كونه شرع لتطهير الفم، وتنظيفه، والذي ينظف فاه بأصبعه خير من الذي لا ينظف فاه أبدًا، ولكن لا يحصل له الثواب المترتب على السواك؛ لأنه دونه في التطهير، لكن يحصل له من الأجر بقدر ما يحصل له من الإنقاء، والتسوك بالأصبع يناسب إذا كان مع المضمضة؛ فإنه لا شك أنه مع الماء يحصل به قدر من نظافة الفم وتطهيره، واعتبره بعض المالكية من الدلك المشروع في الوضوء. والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4818>الفصل الخامس\nإصابة السنة باستعمال المعجون</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الغاية من التسوك إزالة تغير الفم وتنظيف الأسنان، والأراك وسيلة لتحقيق هذه الغاية.\n• التسوك معقول المعنى، فاستعمال المعجون يحصل به من السنة بقدر ما يزيل أو يخفف تغير الفم واصفرار الأسنان.\n• التسوك تارة يكون للنظافة، وتارة لتحصيل السنة كما لو كان الفم نظيفًا، وكان التسوك للصلاة.\n[م-٨٨٢] لا شك أن السواك أفضل من معجون الأسنان بكل حال.\nأولًا: خفيف الحمل.\nوثانيًا: يفعل في كل وقت، وفي كل مكان.\nوثالثًا: المعجون يحتاج إلى الماء، كما يحتاج إلى فرشة خاصة، بخلاف السواك.\nورابعًا: لا يمكن تحقيق السنة بها عند كل صلاة، وفي كل مرة يدخل الرجل بيته بخلاف السواك.\nوخامسًا: بعض الناس يكون عنده حساسية من المعجون، أو من الفرشة، وقد","vol":"10","page":477},{"text":"يكون عنده نفس الشيء من السواك.\nسادسًا: لا بد أن يتعلم الإنسان كيف يستعمل الفرشة، وإلا تسببت له بضرر في اللثة.\nكل هذا وغيره يجعل السواك أفضل من المعجون،\nولكن، هل يصيب السنة لو فعل ذلك بالمعجون؟\nوللجواب على ذلك، سبق أن ذكرت في آخر الفصل السابق أن السواك فيه مرضاة للرب، وفيه مطهرة للفم.\nفالجانب الثاني، وهو جانب تطهير الفم لا شك أن المعجون يقوم بذلك، فتحصل به السنة من هذا الوجه، ولكن فعله تعبدًا عند الصلاة مثلًا ولو كان الفم نظيفًا لا يحصل إلا بالسواك؛ لأنه المنصوص عليه، والله أعلم.\nوقد وقفت على كلام لبعض الأطباء في تفضيل السواك على المعجون من الناحية الطبية، أنقل لك ما جاء فيه.\nقال الطبيب: «إن المسواك يفوق جميع الوسائل والطرق المستعملة لتنظيف الأسنان، فالمسواك منظف آلي يقوم مقام الفرشاة لاحتوائه على ألياف سيليولوزية طبيعية خير من ألياف الفرشاة، ويقوم مقام معجون الأسنان، أو المسحوق المنظف، بل أفضل منه، لما يحتويه من مواد مطهرة مثل: العفص، والسنجرين، وبيكربونات الصوديوم، ومواد تشبه البنسلين، بتأثيرها اكتشفها الدكتور: رودات، وهي مواد مبيدة للجراثيم، مجهولة التركيب، كذلك يوجد بالسواك مواد زالقة منظفة فتدعك وتدلك الأسنان، وتجعلها بيضاء لامعة، ولا تخدش أنسجة السن، وهي خير من المواد الرغوية التجارية التي توجد بالمعاجين، فقد أعلنت مجلة أطباء الأسنان الأمريكية (^١). أن أغلبية المعاجين المستعملة في الولايات المتحدة غير صحية أو طبية، وبالمسواك\n_________\n(^١)  the journal of american dental association ougust ١٩٦٠","vol":"10","page":478},{"text":"كميات من بلورات السيليس الصلبة التي تفيد كمادة منظفة تحك القلح عن الأسنان، وموجودة بالمسواك بنسبة عالية، تبلغ حوالي ٤% وكذلك أملاح أخرى لها فعاليتها في البوتاسيوم، وأكسالات الجير، وبالمسواك مواد عطرية زيتية، وهذه هي عوامل التطيب، والتنكه والشذا؛ لأنها تكسب الفم رائحة طيبة، وبه مادة قابضة كالعفص، التي توقف النزيف، وتقوي اللثة، وتساعد على تقرنها، وجريان الدم فيها، ويساعد العفص على تكوين الليفين من مولد الليفين، الذي له أهمية في عملية تكوين الجلطة، وأما النشاء والصموغ فتساعد على جعل قوام اللعاب لزجًا، فيساعد على التنظيف. ثم قال بعد ذلك:\n«مما تقدم نرى أن المسواك يحتوي على مواد عديدة مفيدة لا توجد بأي معجون أو منظف أسنان. والمواد التي ثبت وجودها بالسواك وهي:\n١ - العفص.\n٢ - السنجرين.\n٣ - مادة مبيدة للجراثيم اكتشفها الدكتور رودات تشبه البنسلين بتأثيرها على الجراثيم.\n٤ - ألياف سيليولوزية.\n٥ - كلوريد الصوديوم.\n٦ - بيكربونات الصوديوم.\n٧ - كلوريد البوتاسيوم.\n٨ - أكسالات الكالسيوم.\n٩ - زيوت عطرية.\n١٠ - أملاح معدنية.\n١١ - بلورات السيليس.\n١٢ - مواد سكرية مختلفة مثل الجالاكتوز، والنشاء، والمواد الصمغية.\n١٣ - مواد غير معروفة.\n١٤ - شاردة الكالسيوم.\n١٥ - شاردة الحديد.\n١٦ - شاردة الفحمات.\n١٩ - شاردة الكلور.\n٢٠ - شاردة الكبريتات.\n٢١ - أملاح نشادرية.\n٢٢ - أعلن الدكتور كينيث كيوديل أن السواك يحتوي على مادة تمنع النخر السني. وقد أعلن ذلك أمام المؤتمر الثاني والخمسين للجمعية الدولية لأبحاث الأسنان في اتلانتا بأمريكا.\nأما ألياف السواك فهي أفضل من شعيرات الفرشاة، وتعتبر مثالية للأسباب التالية:\n١ - إن ألياف المسواك قوية، لينة، متينة، سيليولوزية غير قاسية، كألياف الفرشاة","vol":"10","page":479},{"text":"التي تخدش، وتسحل أنسجة السن بفعالية أكثر من ألياف السواك الطبيعية.\n٢ - ألياف المسواك تحتوي على مواد كيماوية ذات فائدة عظيمة للأسنان تفوق جميع المنظفات السنية، سواء كانت محاليل، أو مساحيق، أو معاجين، وأما ألياف وشعيرات الفرشاة لا تحتوي شيئًا من ذلك. فالمسواك بمفرده يقوم مقام الفرشاة والمعجون معًا\n٣ - ألياف السواك دقيقة، ورقيقة، وطبيعية لا تؤذي أنسجة اللثة، بل تزيد من تقرنها، وذلك بتدليكها تدليكًا لطيفًا، فيزداد وارد الدم لأنسجتها، فترتفع مقاومتها للأمراض، ولقد ثبت بالتجارب التي أجرتها جمعية أطباء أسنان الجيش الأمريكي أن ألياف الأعواد الخشبية لها فائدة للثة أعظم من شعيرات الفرشاة، وأن الإصابات والتغيرات اللثوية عند استعمال النكشات الخشبية - التي مضغ أحد أطرافها فأصبح كالفرشاة بعد أن تفرقت أليافه الخشبية، لتنظيف الأسطح السنية، وظل الطرف الآخر للنكشات الخشبية مدببًا لتنظيف المسافات التي بين الأسنان أثبتت تلك النكشات الخشبية بأنها تنقص نسبة الإصابات اللثوية بينما ازدادت عند الذين يستعملون الفرشاة، والمسواك أفضل بكثير من الأعواد الخشبية، لذلك فإن المسواك بأليافه الطبيعية يزيد من تقرن الأنسجة اللثوية، ويدلكها فيزداد من واردها الدموي، فتزداد حيويتها، ومقاومتها للأمراض، وخصوصًا لاحتوائه على مواد مطهرة، وقابضة ومفيدة للأنسجة والأسنان.\n٤ - وفي نفس التجارب السابقة وجد أن النكشات الخشبية ذات فعالية بتقليل كميات الترسبات القلحية على الأسنان إذا قورنت عندما تستعمل الفرشاة، فالمسواك ذو فعالية أفضل بتقليل الترسبات القلحية على الأسنان.\n٥ - إن ألياف المسواك بتغير مستمر وتقطع عادة بعد أن تصبح طرية، وطعمها الحراق اللاذع يصبح معدومًا، فتظهر ألياف جديدة غير ملوثة بالجراثيم وغبار الجو،","vol":"10","page":480},{"text":"وبإزالة وبتر الجزء المستعمل يزول أي احتمال للتلوث بعكس الفرشاة فشعيراتها لا تتغير، ومعرضة للتلوث، وتكون سببًا في نقل أمراض عدة إن لم نعتن بها جيدًا بعد التنظيف.\n٦ - الألياف الظاهرة بالمسواك غير قابلة للتلوث لوجود مطهرات فيها مثل السنجرين، والعفص، وبيكربونات الصوديوم، والمادة المبيدة للجراثيم، التي اكتشفها الدكتور رودات، أما شعيرات الفرشاة فلا يوجد فيها مطهرات.\n٧ - الألياف الغير مستعملة في المسواك مغطاة بطبقة فلينية، وتحتها طبقة قشرية، وهاتان الطبقتان والمواد المطهرة الموجودة بألياف المسواك تحميها من التلوث بالجراثيم، بعكس الفرشاة التي لا يحميها أي شيء.\n٨ - ألياف المسواك ملأى بالنسيج المتخشب، بينما الفرشاة المصنوعة من الشعر الطبيعي الحيواني تكون مجمعًا للأوساخ والجراثيم؛ لأن شعرة الحيوانات جوفاء من الداخل، فتمتلئ القناة الداخلية للشعرة بالجراثيم والأوساخ، وتكون سببًا لنقل الأمراض.\n٩ - ألياف المسواك نستطيع أن نتحكم في صلابتها وطراوتها، وذلك بتقليل عدد أليافها، أو دقها فتتناثر منها بعض البلورات الصلبة فتقل صلابتها، ولذلك فألياف المسواك تناسب جميع حالات اللثة الطرية والقوية بعكس الفرشاة فإنها ثابتة الصلابة والطراوة.\n١٠ - إن ألياف المسواك لا يستطيع أحد أن يغشها، فهي مواد طبيعية، أما شعيرات الفرشاة ومواد المنظفات السنية فمن السهل أن تغش، وعود المسواك معروف لدى الذين يستعملونه (^١).\n* * *\n_________\n(^١) السواك، والعناية بالأسنان - الدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد - الدار السعودية للنشر والتوزيع - (ص: ٢٠٨ - ٢١٥). ط - اـ ١٤٠٢ هـ","vol":"10","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4819>الباب الثاني صفة السواك</span>\nعلمنا في بحث سابق مادة السواك، وأن الأفضل عند الفقهاء أن يكون من الأراك، ثم النخيل، ثم الزيتون، ثم بكل عود ينظف الفم، ويزيل القلح، ولا يضر باللثة. ونريد أن نبحث في هذا الفصل في صفة السواك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4820>الفصل الأول\nالتفضيل بين الرطب واليابس من السواك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• مشروعية السواك معقولة المعنى، فما جمع بين قوة التطهير وسلامة اللثة فهو الأفضل، لا رطبًا لا ينقي، ولا يابسًا فيجرح.\n[م-٨٨٣] اختلف العلماء في التفضيل بين السواك الرطب واليابس:\nفقيل: يستحب أن يكون السواك رطبًا (^١).\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (٢/ ١١٠)، وقال الخرشي (١/ ١٣٩): «الأخضر الذي يجد له طعمًا أفضل للمفطر».\nوقال: في حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٨): «ورطب كل نوع أولى من يابسه».","vol":"10","page":482},{"text":"وقيل: يستحب أن يكون يابسًا ندي بالماء (^١)؛ لأن اليابس يجرح اللثة، والرطب لا يزيل ما يراد إزالته (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4821> دليل من استحب أن يكون السواك رطبًا:</span>\n(٢٣٠٣ - ٢٥٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد ابن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة،\nعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: توفي النبي ﷺ في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وكانت إحدانا تعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذه فرفع رأسه إلى السماء وقال: في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى. ومر عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليه النبي ﷺ فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها، ونفضتها، فدفعتها إليه، فاستن بها كأحسن ما كان مستنًا، ثم ناولنيها فسقطت يده أو سقطت من يده، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4822> دليل من استحب كون السواك يابسًا قد ندي بالماء:</span>\nقال: إن اليابس المندى بالماء أقوى في طهارة الفم، وإزالة القلح.\nوالراجح أن كل ما كان أقوى في نظافة الفم وتطهيره، كل ما كان مطلوبًا؛ لأن السواك شرع من أجل طهارة الفم، وحتى نجمع بين قوة التطهير، وسلامة الفم واللثة ينبغي أن يكون السواك متوسطًا، لا رطبًا جدًّا فلا ينظف، ولا يابسًا فيضر بالفم. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) وقال العراقي: «والأحب أن يكون يابسًا لين بالماء». طرح التثريب (٢/ ٦٧).\nوقال في تحفة المحتاج: «واليابس المندى أولى من الرطب». تحفة المحتاج (١/ ٢١٦)، وانظر مغني المحتاج، نهاية المحتاج (١/ ١٨١).\n(^٢) قال في حاشية العدوي (١/ ١٨٤): «والمستحب أن يستاك بعود متوسط، لا شديد اليبس فيجرح، ولا رطب لا يزيل».","vol":"10","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4823>الفصل الثاني\nفي طول السواك وعرضه</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الاستحباب حكم شرعي، لابد فيه من دليل شرعي.\n• قال الشوكاني: وللفقهاء في السواك آداب وهيئات، لا ينبغي للفطن الاغترار بشيء منها، إلا أن يكون موافقًا لما ورد عن الشارع.\n[م-٨٨٤] استحب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، وبعض الشافعية (^٣)، أن يكون السواك طوله شبر. واستحب الحنفية أن يكون عرضه بمقدار الأصبع (^٤).\nوهذا الاستحسان من الرأي المحض، والكلام في هذا ليس فيه نص من كتاب، أو سنة، وإنما أمر يستحسنه الفقهاء، ويلتمسون له تعليلات، قد تصيب، وقد تخطئ، والاستحباب حكم شرعي لابد فيه من دليل شرعي، ولا دليل، ولا أظن الأئمة\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤)، فتح القدير (١/ ٢٥)، درر الحكام شرح غرر الأحكام، البحر الرائق (١/ ٢١).\n(^٢) قال في حاشية الدسوقي: ولا ينبغي أن يزيد على شبر (١/ ١٠٢)، وفي الشرح الصغير، ولا ينبغي أن يزيد في طوله على شبر. (١/ ١٢٥)،\n(^٣) حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٩) مغني المحتاج (١/ ١٨٥)، حاشية الجمل (١/ ١١٧)، تحفة الحبيب على شرح الخطيب (١/ ١٢٢).\n(^٤) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤)، فتح القدير (١/ ٢٥)، درر الحكام شرح غرر الأحكام، البحر الرائق (١/ ٢١).","vol":"10","page":484},{"text":"يستحبون ذلك، ولكن أتباعهم قد يستحسنون شيئًا لا أصل له، وكثير ما يقلد بعض الفقهاء بعضًا، ولا يكون هناك نص من إمامهم.\nورحم الله الشوكاني حين قال: وللفقهاء في السواك آداب وهيئات لا ينبغي للفطن الاغترار بشيء منها، إلا أن يكون موافقًا لما ورد عن الشارع، ولقد كرهوه في أوقات وعلى حالات حتى يكاد يفضي ذلك إلى ترك هذه السنة الجليلة وإطراحها، وهي أمر من أمور الشريعة ظهر ظهور النهار، وقبله من سكان البسيطة من أهل الأنجاد والأغوار (^١).\n* * *\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ١٣٤).","vol":"10","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4824>الفصل الثالث\nالتسوك بعود لا يعرفه</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل ما تعذر علينا اليقين انتقلنا إلى غلبة الظن.\n[م-٨٨٥] كره بعض الفقهاء التسوك بعود يجهله، وعللوا ذلك بأنه يخشى أن يكون من الأعواد الضارة باللثة كريحان ورمان ونحوهما (^١).\nوالراجح أن المسألة معلقة بغلبة الظن، فإن غلب على ظنه أنه ضار لم يتسوك به، وإلا فله التسوك به.\nوغلبة الظن طريق شرعي لكل أمر تعذر الوصول إلى اليقين فيه، في جميع أمور الشريعة كالسهو في الصلاة، والإمساك والإفطار بالصيام، ودخول وقت، ونحوها.\n* * *\n_________\n(^١) قال: قال في الفروع (١/ ١٢٨): «ولا يستاك بما يجهله»، وانظر كشاف القناع (١/ ٧٤)، ودقائق أولي النهى (١/ ٤٢).","vol":"10","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4825>الباب الثالث في أحكام التسوك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4826>الفصل الأول حكم السواك</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• قال ﷺ: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ... قال الشافعي: لو كان واجبًا لأمرهم، شق أو لم يشق.\n• الأصل في الأمر الوجوب، ولذلك لو أمرهم بالسواك لوجب، ولشق عليهم ذلك؛ لأن الندب لا مشقة فيه.\n• نفى الأمر بالسواك وجوبًا لا يعني نفي الأمر به على وجه الاستحباب بالإجماع، فصار المنفي هو الوجوب.\n[م-٨٨٦] اختلف العلماء في حكم السواك:\nفقيل: السواك ليس بواجب على خلاف بينهم هل يكون سنة أو مستحبًا عند من يفرق بين اللفظين.","vol":"10","page":487},{"text":"وهو مذهب جمهور الفقهاء والمحدثين (^١).\nوقيل: يجب، ولا تبطل الصلاة بتركه، وهو مذهب داود الظاهري (^٢).\n_________\n(^١) وفي مذهب الحنفية قولان. قال ابن عابدين: قيل: إنه مستحب؛ لأنه ليس من خصائص الوضوء، وصححه الزيلعي وغيره. وقال في فتح القدير: إنه الحق. قال ابن عابدين: لكن في شرح المنية الصغير: وقد عده القدوري والأكثرون من السنن. وهو الأصح. قال ابن عابدين: وعليه المتون. حاشية ابن عابدين (١/ ١١٣)، وانظر البحر الرائق (١/ ١/٢١)، وتبيين الحقائق (١/ ٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٦)، شرح فتح القدير (١/ ٢٤، ٢٥).\nوفي مذهب المالكي أيضًا قولان: المشهور أنه مستحب. واختار ابن عرفة أنه سنة. انظر: التاج والإكليل (١/ ٣٨٠)، وعده فضيلة (أي من المستحبات)، وكذلك اعتبره الخرشي (١/ ١٣٨) من الفضائل. وقال في مواهب الجليل (١/ ٢٦٤): «أما حكمه فالمعروف في المذهب أنه مستحب. قال ابن عرفة: والأظهر أنه سنة لدلالة الأحاديث على مثابرته ﷺ عليه».\nوقال الصاوي في الشرح الصغير (١/ ١٢٥): «استحباب السواك هو المشهور. وقال ابن عرفة: إنه سنة لحثه ﵇ بقوله ... إلى أن قال: وأجاب الجمهور: بأن المراد بالسنة الطريقة المندوبة».\nوقال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٧٩): «السواك مندوب إليه، ومن سنن الوضوء لا من فضائله». وانظر الفواكه الدواني (١/ ٢٦٥). وقال العدوي في حاشيته (١/ ١٨٣): «حكم الاستياك في الأصل الندب ....» إلخ كلامه.\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٣٧)، المجموع (١/ ٣٢٧)، أسنى المطالب (١/ ٣٥)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٧)، تحفة المحتاج (١/ ٢١٣، ٢١٤)، مغني المحتاج (١/ ١٨٢)، نهاية المحتاج (١/ ١٨٧)، حاشية الجمل (١/ ١١٧)، حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٢٠)، التجريد لنفع العبيد (١/ ١/٧٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (١/ ١١٧)، كشاف القناع (١/ ٧١)، مطالب أولى النهى (١/ ٨٠)، المغني - ابن قدامة (١/ ٦٩).\n(^٢) المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٣٠)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٤)، وقال في المغني (١/ ٦٩): «ولا نعلم أحدًا قال بوجوبه إلا إسحاق وداود».\nوقال النووي في المجموع (١/ ٣٢٧): «السواك سنة، وليس بواجب. هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة إلا ما حكى الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا عن داود أنه أوجبه. وحكى صاحب الحاوي أن داود أوجبه، ولم يبطل الصلاة بتركه. قال: وقال إسحاق بن راهوية: هو واجب، فإن تركه عمدًا بطلت صلاته. وهذا النقل عن إسحاق غير معروف، ولا يصح عنه، وقال القاضي أبو الطيب والعبدري: غلط الشيخ أبو حامد في حكايته وجوبه عن داود، بل مذهب داود أنه سنة؛ لأن أصحابنا نصوا أنه سنة، وأنكروا وجوبه، ولا يلزم من هذا الرد على أبي حامد».اهـ","vol":"10","page":488},{"text":"وقيل: يجب، وإن تركه عمدًا بطلت صلاته. وهذا القول منسوب إلى إسحاق ابن راهوية (^١).\nوقيل: إن السواك واجب في حق النبي ﷺ، سنة في حق أمته.\nوأوجب بعض الفقهاء السواك على من اضطر لأكل الميتة، وعلل ذلك بإزالة الدسومة (^٢).\nقال بعضهم: ولو وجب إزالتها لم يتعين السواك في إزالتها حتى يقال بوجوبه في هذه الحال (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4827> الأدلة على استحباب السواك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4828>الدليل الأول:</span>\n(٢٣٠٤ - ٢٥٥) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن أبي الزناد عن الأعرج عن\nأبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال:\nلولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك.\n[صحيح] (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٢٧)، المغني - ابن قدامة (١/ ٦٩).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ١٨٥).\n(^٣) انظر تحفة المحتاج (١/ ٢١٦).\n(^٤) مدار هذا الإسناد على أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nوله طرق كثيرة إلى أبي الزناد.\nالأول: منها طريق مالك، رواه في الموطأ كما في إسناد الباب، بدون زيادة (عند كل صلاة). ورواه البخاري (٨٨٧) عن عبد الله بن يوسف.\nوالنسائي (٧) عن قتيبة بن سعيد.\nوابن حبان (١٠٦٨) من طريق أحمد بن أبي بكر والبيهقي (١/ ٣٧)، كلهم عن مالك، وزادوا: (مع كل صلاة).\nالطريق الثاني: عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد به. =","vol":"10","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٥) ومسلم (٤٢) وأبو داود (٤٦)، والنسائي (٥٣٤)، وابن ماجه (٦٩٠) والدارمي (٦٨٣) والطحاوي (١/ ٤٤)، البيهقي (١/ ٣٥) من طريق سفيان، عن أبي الزناد به، بلفظ: لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وتأخير العشاء. فزاد على رواية مالك (تأخير العشاء).\nواقتصر ابن ماجه على لفظ (لأمرتهم بتأخير العشاء) واقتصر مسلم والدارمي على لفظ: (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).\nوقال مسلم في إحدى روايته: لولا أن أشق على المؤمنين. وهي رواية بالمعنى، وفي الرواية الأخرى على أمتي كما هي رواية الجماعة.\nالطريق الثالث: عن ورقاء، عن أبي الزناد به.\nأخرجه أحمد (٢/ ٥٣٠، ٥٣١) عن علي -هو ابن حفص-.\nوأخرجه الطبراني في الدعاء (٧٤) من طريق شبابة بن سوار، كلاهما عن ورقاء، عن أبي الزناد به، بلفظ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك).\nوورقاء: صدوق، وإنما ضعف حديثه عن منصور.\nوتابع جعر بن ربيعة أبا الزناد، فرواه البخاري (٧٢٤٠) من طريقه، عن عبد الرحمن يعنى الأعرج به، بلفظ الموطأ، قال لولا أن أشق على أمتي -أو على الناس- لأمرتهم بالسواك. ولم يقل: مع كل صلاة.\nورواه عن أبي هريرة غير الأعرج:\nالأول:\nأبو سلمة واختلف عليه:\nفرواه أحمد (٢/ ٢٨٧) الترمذي (٢٢) عن عبدة.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٢٩) عن يحيى بن سعيد القطان، ومن طريق يحيى أخرجه البيهقي (١/ ٣٧).\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٢٩) عن أبي عبيدة الحداد.\nورواه أحمد (٢/ ٣٩٩) من طريق زائدة.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٣٠٣٠) من طريق إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير،\nورواه الطحاوي (١/ ٤٤) من طريق أنس بن عياض، كلهم عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة.\nومحمد بن عمرو صدوق في نفسه إلا أن يحيى بن معين تكلم في روايته عن أبي سلمة، قال يحيى: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث الناس مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. =","vol":"10","page":490},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومن تتبع أحاديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أدرك دقة كلام يحيى بن معين، فمن مخالفاته: حديث النهي عن بيعتين في بيعة، رواه أصحاب أبي سلمة في الصحيح نهى عن بيعتين وعن لبستين.\nورواه محمد بن إسحاق، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد (٤/ ١١٤) حدثنا يعلى، ومحمد ابنا عبيد.\nومن طريق يعلى بن عبيد أخرجه البغوي في شرح السنة (١٩٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٤٤) رقم ٥٢٢٤.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١١٦) والطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٤٤) رقم ٥٢٢٤ عن محمد بن فضيل.\nوأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ١٩٣) عن علي بن ثابت.\nوأبو داود (٤٧) ومن طريقه البيهقي (١/ ٣٧) من طريق عيسى بن يونس.\nوأخرجه الترمذي (٢٣) من طريق عبدة بن سليمان.\nوأخرجه النسائي (٣٠٤١) من طريق محمد بن سلمة.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٤٣) رقم ٥٢٢٣ من طريق أحمد بن خالد الوهبي كلهم (محمد ويعلى ابنا عبيد ومحمد بن فضيل، وعبدة، ومحمد بن سلمة، وأحمد الوهبي)، رووه عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني به. بلفظ: (لولا أن أشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل، ولأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). هذا لفظ أحمد.\nزاد عبدة ويعلى بن عبيد ومحمد بن فضيل وعيسى بن يونس في روايتهم في آخرها، قال: قال\nأبو سلمة: رأيت زيدًا يجلس في المسجد، وإن السواك في أذنه موضع القلم من أذن الكاتب. فكلما قام إلى الصلاة استاك. قال الترمذي: حسن صحيح، فصححها الترمذي، وإن تفرد بها محمد بن إسحاق فليست من الحديث المرفوع، وكثير من الرواة لا ينشط على حفظها حرصًا على ألا يدخل الموقوف في المرفوع، فيكون سكوتها عنها ليس دليلًا على شذوذها، فلا أرى أن يطبق عليها قواعد التفرد والزيادة، والله أعلم.\nوقد توبع محمد بن إسحاق فذهب ما يخشى من عنعنته،\nفقد أخرجه أحمد (٤/ ١١٦) من طريق يحيى بن أبي كثير، حدثنا أبو سلمة به، وهذا إسناد صحيح.\nوإذا تبين الاختلاف على أبي سلمة، فأيهما أرجح رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؟\nأو رواية محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد؟ =","vol":"10","page":491},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال البيضاوي: كلمة (لولا) تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره، والحق أنها\n_________\n= أما النسائي فقد رجح رواية محمد بن عمرو، فقال كما في تحفة الأشراف (٣/ ٢٤٤): «محمد ابن عمرو أصح من رواية ابن إسحاق في الحديث. رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة».\nورجح البخاري حديث محمد بن إسحاق. انظر تحفة الأشراف (١١/ ١٢).\nورجح الترمذي كلا الحديثين (١/ ٣٤)، فقال: «حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ». اهـ\nقلت: إن كان لي رأي في الترجيح بين أقوال الأئمة فأرى أن رواية محمد بن عمرو أرجح عندي؛ وإن كان محمد بن عمرو متكلم في روايته عن أبي سلمة، إلا أن محمد بن إسحاق قد اختلف عليه في الحديث.\nفرواه أحمد (١/ ١٢٠) والطحاوي (١/ ٤٣) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن عمه عبد الرحمن بن يسار، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن علي.\nورواه أحمد (٢/ ٥٠٩) عن ابن أبي عدي،\nوأخرجه الدارمي (١٤٨٤)، والدارقطني (ص: ١٢٦) من طريق أحمد بن خالد الوهبي،\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٣٠٤٠) من طريق محمد بن مسلمة،\nوأخرجه الطحاوي (١/ ٤٣) من طريق إبراهيم بن سعد كلهم، عن ابن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أم صبية، عن أبي هريرة.\nوقد خالف ابن إسحاق جماعة من الحفاظ، منهم: ابن المبارك، ويحيى بن سعيد، والحمادان، وإسامة، وعبد الله بن نمير، وهشام بن حسان، وخالد بن الحارث، كلهم يروونه عن عبيد لله ابن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. لا يذكرون عطاء في الإسناد، ولفظه: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء. وسوف يأتي تخريج هذه الرواية إن شاء الله. فهذه ثلاث اختلافات على محمد بن إسحاق، تجعل روايته ضعيفة.\nفتارة ابن إسحاق يجعل الحديث من رواية زيد بن خالد. وتارة يجعله من حديث أبي هريرة.\nوحديث أبي هريرة تارة يرويه ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وتارة يرويه عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أم صبية، عن أبي هريرة.\nوقد يقول قائل: بأن الاختلاف على ابن إسحاق لا شك أنه يضعف روايته، لكن روايته عن زيد بن خالد لا سبيل إلى تضعيفها، وقد توبع: تابعه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زيد، فيكون رأي الترمذي له وجه. والله أعلم. والرأي الأول أرجح عندي. ورأي النسائي أقوى.","vol":"10","page":492},{"text":"مركبة من (لو) الدالة على انتفاء الشيء، لا انتفاء غيره، ومن (لا) النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر، لثبوت المشقة، وفيه دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين:\nأحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان للندب، لما جاء النفي.\nثانيهما: أنه جعل الأمر مشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب؛ إذ الندب لا مشقة فيه» (^١).\nقال الشافعي: لو كان واجبًا لأمرهم، شق أو لم يشق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4829>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣٠٥ - ٢٥٦) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن ابن شهاب، عن حميد بن\nعبد الرحمن بن عوف،\nعن أبي هريرة أنه قال: لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء.\n[صحيح، ورفعه محفوظ] (^٢).\n_________\n(^١) شرح السيوطي على سنن النسائي (١/ ١٢).\n(^٢) الحديث رواه عن أبي هريرة اثنان:\nالأول: حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٣٠٣٢) عن قتيبة بن سعيد موقوفًا.\nورواه النسائي في الكتاب نفسه (٦) عن قتيبة بن سعيد، عن مالك به مرفوعًا.\nورواه مالك في الموطأ (١/ ٦٦) في كما في إسناد الباب من قول أبي هريرة.\nوالرفع محفوظ، فقد رواه أحمد (٢/ ٤٦٠) عن عبد الرحمن بن مهدي.\nورواه أحمد أيضًا (٢/ ٥١٧) وبن خزيمة (١٤٠) عن روح بن عبادة.\nورواه أحمد كما في أطراف المسند (٧/ ١٦٠) عن إسحاق بن عيسى الطباع.\nورواه النسائي في الكبرى (٣٠٣١) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٣) من طريق بشر بن عمر.\nوأخرجه البيهقي (١/ ٣٥) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، كلهم من طريق مالك به مرفوعًا.\nوأخرجه البخاري تعليقًا في كتاب الصيام، باب السواك الرطب واليابس للصائم (٤/ ١٥٨).\nواختلف على مالك فيه: =","vol":"10","page":493},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه عنه من سبق: عبد الرحمن بن مهدي، وروح بن عبادة، وإسحاق بن عيسى الطباع، وإسماعيل بن أبي أويس، وبشر بن عمر، خمستهم رووه عن مالك مرفوعًا بلفظ: (مع كل وضوء).\nوخالفهم ابن وهب عند الطحاوي (١/ ٤٣) فرواه، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة بلفظ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة).\nفاختلط عليه هذا الحديث بحديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة المتقدم.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٣٠٤٥) من طريق ابن القاسم، عن مالك به بالشك:\nلولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل صلاة، أو كل وضوء.\nورواه النسائي أيضًا في السنن الكبرى (٣٠٣٧) من طريق خالد بن الحارث.\nورواه النسائي أيضًا (٣٠٣٤) من طريق عبد الله بن المبارك.\nورواه (٣٠٣٥) من طريق يحيى بن سعيد.\nورواه النسائي أيضًا (٣٠٣٦) من طريق هشام بن حسان.\nورواه النسائي (٣٠٣٢) من طريق عبد الرحمن السراج. خمستهم، رووه، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بلفظ: (مع كل وضوء).\nورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٥) رقم ١٧٨٧، ومن طريقه ابن ماجه (٢٨٧) عن أبي أسامة\nوعبد الله بن نمير، كلاهما، عن عبيد الله بن عمر به. إلا أنهما خالفا في لفظه الجماعة، فقالا: (عند كل صلاة) بدلًا من قوله: (مع كل وضوء) ورواية الجماعة أولى.\nورواه النسائي في الكبرى (٣٠٣٨) من طريق بقية، عن عبيد الله بن عمر به، عن سعيد بن\nأبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء.\nوتابع أبو معشر بقية بذكر أبي سعيد المقبري إلا أنه جمع بين ذكر السواك مع الوضوء والصلاة، كما في سنن النسائي الكبرى (٣٠٣٩): لولا أن أشق على الناس لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع الوضوء بالسواك.\nفخالف بقية وأبو معشر سبعة حفاظ رووه كلهم، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة، ولم يقولوا: عن أبيه. وكثير منهم لو انفرد لقدم على بقية وأبي معشر، فكيف وقد اتفقوا.\nورواه حجاج بن منهال، واختلف عليه فيه.\nفرواه الطحاوي (١/ ٤٤) حدثنا محمد بن خزيمة، حدثنا حجاج، حدثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بلفظ: (عند كل صلاة).\nوتابع أسد بن موسى حجاجًا، فرواه عن حماد به. =","vol":"10","page":494},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4830> دليل من قال بوجوب السواك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4831>الدليل الأول:</span>\n(٢٣٠٦ - ٢٥٧) ما رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي هلال وبكير بن الأشج حدثاه، عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،\nعن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه.\nقال مسلم: إلا أن بكيرًا لم يذكر عبد الرحمن وقال في الطيب ولو من طيب المرأة (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (على كل محتلم) ظاهرة في الوجوب.\nوأجيب:\nبأن الدليل أخص من المدلول، فأنتم تقولون بوجوبه لكل صلاة، والحديث إن سلم الاستدلال به فهو خاص في يوم الجمعة، إن حملنا اليوم على أن المراد به قبل الصلاة. ثم إذا سلمنا أن الحديث ظاهره الوجوب في الغسل والسواك، فهذا الظاهر ليس صريحًا، فلا يقدم على الحديث الصريح الثابت في الصحيحين: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة).\n_________\n= ورواه عبد القدوس بن محمد بن عبد الكبير، عند ابن حبان (١٠٧٠)، قال: حدثنا حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة به. بلفظ: عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم، مرضاة للرب. وهذه الرواية شاذة، وحكم بشذوذها الحافظ ابن حجر كما في التلخيص (١/ ١٠٠)، ولم يتابع أحد حمادًا بذكر هذا الحديث بهذا الإسناد. والله أعلم.\n(^١) صحيح مسلم (٨٤٦)، وهو في البخاري (٨٨٠) بغير هذا اللفظ.","vol":"10","page":495},{"text":"أما قول الزيلعي ﵀: أن غسل الجمعة ليس بواجب؛ لأنه قرنه بما لا يجب اتفاقًا -يعني السواك والطيب- وكأنه لم يعتمد خلاف داود وإسحاق في وجوب السواك خلافًا معتبرًا؛ لأنه حكى الاتفاق بأنه لا يجب في السواك (^١).\nوقال النووي، كما في نيل الأوطار: «لو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفه في انعقاد الإجماع، على المختار الذي عليه المحققون، والأكثرون، قال: أما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه» (^٢).\nوقال الشوكاني ﵀ متعقبًا كلام النووي في عدم الاعتداد بخلاف داود مع علمه وورعه، وأخذ جماعة من الأئمة الأكابر بمذهبه من التعصبات التي لا مستدل لها إلا مجرد الهوى والعصبية، وقد كثر هذا الجنس في أهل المذاهب، وما أدري ما هو البرهان الذي قام لهؤلاء المحققين حتى أخرجوه من دائرة علماء المسلمين. فإن كان لما وقع منه من المقالات المستبعدة، فهي بالنسبة لمقالات غيره المؤسسة على محض الرأي المضادة لصريح الرواية في حيز القلة المتبادلة؛ فإن التعويل على الرأي، وعدم الاعتناء بعلم الأدلة، قد أفضى بقوم إلى التمذهب بمذاهب لا يوافق الشريعة منها إلا القليل النادر. وأما داود فما في مذهبه من البدع التي أوقعه فيها تمسكه بالظاهر، وجموده عليه في غاية الندرة، ولكن: لهوى النفوس سريرة لا تعلم (^٣).\nقال الذهبي في السير: «للعلماء قولان في الاعتداء بخلاف داود وأتباعه، فمن اعتد بخلافهم، قال: ما اعتدادنا بخلافهم؛ لأن مفرداتهم حجة، بل لتحكى في الجملة. وبعضها سائغ، وبعضها قوي، وبعضها ساقط. ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني، وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي.\nومن أهدرهم، ولم يعتد بهم لم يعدهم في مسائلهم المفردة خارجين بها من الدين،\n_________\n(^١) نصب الراية (١/ ٨٨).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ١٣٤).\n(^٣) المرجع السابق.","vol":"10","page":496},{"text":"ولا كفرهم بها، بل يقول هؤلاء في حيز العوام، أو هم كالشيعة في الفروع، ولا نلتفت إلى أقوالهم، ولا ننصب معهم الخلاف، ولا يعتنى بتحصيل كتبهم، ولا ندل مستفتيًا من العامة عليهم، وإذا تظاهروا بمسالة معلومة البطلان، كمسح الرجلين، أدبناهم وعزرناهم وألزمناهم بالغسل جزمًا.\nقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني: قال الجمهور إنهم - يعني نفاة القياس - لا يبلغون رتبة الاجتهاد ولا يجوز تقليدهم القضاء! !\nونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي، عن أبي علي بن أبي هريرة، وطائفة من الشافعية أنه لا اعتبار بخلاف داود، وسائر نفاة القياس في الفروع دون الأصول.\nوقال إمام الحرمين أبو المعالي: الذي ذهب إليه أهل التحقيق أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة؛ لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضةً وتواترًا؛ لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها، وهؤلاء ملتحقون بالعوام.\nقال الذهبي: هذا القول من أبي المعالي أداه إليه اجتهاده، وهم أداهم اجتهادهم إلى نفي القول بالقياس، فكيف يرد الاجتهاد بمثله. وندري بالضرورة أن داود كان يقرئ مذهبه ويناظر عليه، ويفتي به في مثل بغداد وكثرة الأئمة بها وبغيرها، فلم نرهم قاموا عليه، ولا أنكروا فتاويه، ولا تدريسه ولا سعوا في منعه من بثه، وبالحضرة مثل إسماعيل القاضي، شيخ المالكية، وعثمان بن بشار الأنماطي، شيخ الشافعية، والمروذي شيخ الحنبلية، وابني الإمام أحمد، وأبي العباس أحمد بن محمد البرتي شيخ الحنفية، وأحمد بن أبي عمران القاضي، ومثل عالم بغداد إبراهيم الحربي. بل سكتوا له حتى لقد قال قاسم بن أصبغ: ذاكرت الطبري - يعني ابن جرير - وابن سريج، فقلت لهما: كتاب ابن قتيبة في الفقه أين هو عندكما؟ قالا: ليس بشيء، ولا كتاب أبي عبيد. فإذا أردت الفقه فكتب الشافعي وداود ونظرائهما.","vol":"10","page":497},{"text":"ثم كان بعده ابنه أبو بكر وابن المغلس، وعدة من تلامذة داود، وعلى أكتافهم مثل ابن سريج شيخ الشافعية، وأبي بكر الخلال شيخ الحنبلية، وأبي الحسن الكرخي شيخ الحنفية، وكان أبو جعفر الطحاوي بمصر. بل كانوا يتجالسون ويتناظرون ويبرز كل منهم بحججه، ولا يسعون بالداودية إلى السلطان. بل أبلغ من ذلك ينصبون معهم الخلاف في تصانيفهم قديمًا وحديثًا، وبكل حال فلهم أشياء أحسنوا فيها، ولهم مسائل مستهجنة يشغب عليهم بها، وإلى ذلك يشير الإمام أبو عمرو بن الصلاح، حيث يقول: الذي اختاره الأستاذ أبو منصور، وذكر أنه الصحيح من المذهب أنه يعتبر خلاف داود، ثم قال ابن الصلاح: وهذا الذي استقر عليه الأمر آخرًا، كما هو الأغلب الأعرف من صفو الأئمة المتاخرين الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهورة، كالشيخ أبي حامد الاسفراييني، والماوردي، والقاضي أبي الطيب فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم المشهورة.\nقال: وأرى أن يعتبر قوله إلا فيما خالف فيه القياس الجلي، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه، أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله في التغوط في الماء الراكد وتلك المسائل الشنيعة، وقوله: لا ربا إلا في الستة المنصوص عليها، فخلافه في هذا أو نحوه غير معتد به؛ لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه.\nقلت - القائل الذهبي -: لا ريب أن كل مسالة انفرد بها، وقطع ببطلان قوله فيها، فإنها هدر، وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة له عضدها نص، وسبقه إليها صاحب، أو تابع فهي من مسائل الخلاف فلا تهدر.\nوفي الجملة، فداود بن علي بصير بالفقه، عالم بالقرآن، حافظ للأثر، رأس في معرفة الخلاف من أوعية العلم، له ذكاء خارق، وفيه دين متين، وكذلك في فقهاء الظاهرية جماعة لهم علم باهر، وذكاء قوي، فالكمال عزيز والله الموفق.\nونحن نحكي قول ابن عباس في المتعة، وفي الصرف، وفي إنكار العول، وقول","vol":"10","page":498},{"text":"طائفة من الصحابة في ترك الغسل من الإيلاج، وأشباه ذلك، ولا نجوز لأحد تقليدهم في ذلك». اهـ كلام الذهبي ﵀ (^١).\nوقد نقلت كلامه رغم طوله لفائدته، فينبغي احترام المخالف، إذا كان من أهل الاجتهاد، وقد قال ﷾: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: ١١٥]، وداود وابن حزم وغيرهما من علماء المسلمين من المؤمنين الذي يعتبر إتباعهما بالدليل إتباعًا لسبيل المؤمنين. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4832>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣٠٧ - ٢٥٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان يحدث عن رجل من الأنصار،\nعن رجل من أصحاب النبي ﷺ، عن النبي ﷺ، أنه قال: ثلاث حق على كل مسلم، الغسل يوم الجمعة، والسواك، ويمس من طيب إن كان (^٢).\n[ضعيف؛ لإبهام راويه] (^٣).\n_________\n(^١) السير (١٣/ ١٠٤ - ١٠٨).\n(^٢) المصنف (١/ ٤٣٤) رقم ٤٩٩٧.\n(^٣) رجاله ثقات، لولا أن فيه راويًا مبهمًا. ومداره على سعد بن إبراهيم، واختلف عليه.\nفرواه شعبة، فجعل بين محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وبين الصحابي راويًا مبهمًا. أخرجه ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب، وأحمد (٤/ ٣٤) عن محمد بن جعفر.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (١٣/ ١١٠) رقم ٧١٦٨، من طريق الجدي (عبد الملك بن إبراهيم) كلاهما عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم به.\nوخالف سفيان الثوري شعبة، فرواه أحمد (٤/ ٣٤) عن عبد الرحمن بن مهدي.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣٦٣) عن وكيع.\nوأخرجه الطحاوي (١/ ١١٦) من طريق أبي نعيم، ثلاثتهم عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ، عن النبي ﷺ قال: حق على كل مسلم يغتسل يوم الجمعة، يتسوك ويمس من طيب إن كان لأهله.\nفجعل المبهم فقط هو الصحابي، وصار الإسناد ظاهره رجاله كلهم ثقات. ورواية شعبة عندي هي المحفوظة.","vol":"10","page":499},{"text":"وجه الاستدلال من الحديث كالاستدلال بالحديث السابق، والجواب عنه كالجواب عن الحديث السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4833>الدليل الثالث:</span>\n(٢٣٠٨ - ٢٥٩) ما رواه البيهقي من طريقين عن أبي طاهر محمد بن الحسين المجد أباذي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عمرو بن عون الواسطي، حدثنا خالد ابن عبد الله، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيده، عن أبي عبد الرحمن السلمي،\nعن علي رضي الله تعالى عنه، قال: أمرنا بالسواك، وقال: إن العبد إذا قام يصلي أتاه الملك، فقام خلفه يستمع القرآن، ويدنو فلا يزال يستمع ويدنو، حتى يضع فاه على فيه فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملك.\n[صحيح] (^١).\n_________\n(^١) ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٨١) عن أبي علي الروذباري\nوالمقدسي في الأحاديث المختارة (٢/ ١٩٧) رقم ٥٨٠ من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم المزكي، كلاهما عن أبي طاهر به.\nوأبو طاهر هو محمد بن الحسن بن محمد النيسابوري المحمد أباذي. ثقة، له ترجمة في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٠٤، ٣٢٩).\nعثمان بن سعيد الدارمي إمام حافظ غني عن التعريف.\nوعمرو بن عون الواسطي ثقة حجة. انظر الجرح والتعديل (٦/ ٢٥٢) رقم ١٣٩٣.\nوخالد بن عبد الله الواسطي، وثقه أحمد وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة. الجرح والتعديل (٣/ ٣٤٠) ١٥٣٦.\nوالحسن بن عبيد الله، وفي المطبوع عبد الله، وهو خطأ، ثقة، وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي. الجرح والتعديل (٣/ ٢٣)\nوسعد بن عبيدة السلمي، وثقه يحيى بن معين وابن سعد والنسائي. الجرح والتعديل (٤/ ٨٩)، تهذيب الكمال (١٠/ ٢٩٠).\nوأبو عبد الرحمن السلمي. اختلف في سماعه من علي:\nفقال شعبة: لم يسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان، ولا من عبد الله بن مسعود، ولكنه قد سمع من علي ﵃.\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس تثبت روايته عن علي. المراسيل (ص: ١٠٧) رقم ٣٨٢.\nولم يذكر هذا في الجرح والتعديل، بل قال (٥/ ٣٧): روى عن عثمان وعلى وابن مسعود، وروى عن عمر مرسلًا. ولم ينص على الإرسال إلا عن عمر، ففهم أنه يراه متصلًا عن غير عمر. والله أعلم.\nوقال البخاري ﵀: سمع عليًّا وعثمان وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم. التاريخ الكبير (٥/ ٧٢).\nوأبو عبد الرحمن السلمي من رجال الجماعة، قال الحافظ في التقريب: ثقة، ثبت. فهذه إسناد صحيح، وقد صححه المقدسي في الأحاديث المختارة.","vol":"10","page":500},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله أمرنا بالسواك، والأصل في الأمر الوجوب.\n• ويجاب عن هذا:\nصحيح أن الأصل في الأمر الوجوب ولكن بشرط ألا يوجد قرينة صارفة عن الوجوب للاستحباب، والقرينة الصارفة، قوله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: (لولا أن أشق على آمتي لأمرتهم بالسواك).\nوحديث علي، ظاهره أنه موقوف، لكن مثله لا يمكن أن يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع.\nويحتمل أن يكون مرفوعًا؛ لأن قول علي: (أمرنا بالسواك) وقال: إن العبد ... إلخ كأنه بيان علة الأمر بالسواك؛ فكأنهم أمروا، ثم بين لهم العلة في الأمر.\n(٢٣٠٩ - ٢٦٠) وقد روي مرفوعًا صريحا عند البزار، قال: حدثنا أحمد، قال: سمعت محمد بن زياد يحدث، عن فضيل بن سليمان، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن،\nعن علي ﵁، أنه أمر بالسواك، وقال: قال النبي ﷺ: إن العبد إذا تسوك، ثم قام يصلي قام الملك خلفه، فتسمع لقراءته، فيدنو منه أو كلمة نحوها حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهروا","vol":"10","page":501},{"text":"أفواهكم للقرآن.\n[إسناده ضعيف، وله شاهد من حديث جابر] (^١).\n_________\n(^١) مسند البزار (٢/ ٢١٤) رقم ٦٠٣.\nقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٩٩) رجاله ثقات.\nوقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٦٧): «إسناده جيد لا بأس به».\nوقال العراقي: رجاله رجال الصحيح إلا أن فيه فضيل بن سليمان النمري، وهو وإن أخرج له البخاري، ووثقه ابن حبان، فقد ضعفه الجمهور». اهـ\nقلت: أخرج له البخاري ستة أو سبعة أحاديث كلها قد توبع عليها.\nقال ابن حجر في هدي الساري (ص: ٤٣٥): «فضيل بن سليمان النميري أبو سليمان البصري. قال الساجي: كان صدوقا، وعنده مناكير. وقال عباس الدوري، عن ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: لين الحديث. روى عنه علي بن المديني وكان من المتشددين. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه وليس بالقوي. وقال النسائي ليس بالقوي». اهـ\nوله شاهد من حديث جابر أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢١١٧) من طريق شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان،\nعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك؛ فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك.\nورواه أبو نعيم، كما في البدر المنير (٣/ ١٦٣). قال الشيخ تقي الدين في الإمام: إسناد رواية جابر كلهم موثوقون.\nوفيه شريك سيء الحفظ.\nوأبو سفيان: هو طلحة بن نافع.\nقال سفيان ابن عيينة: حديث أبى سفيان عن جابر إنما هي صحيفة. الجرح والتعديل (٤/ ٤٧٥).\nوقال شعبة: مثله. الضعفاء الكبير (٢/ ٢٢٤).\nوقال أحمد بن حنبل: ليس به بأس. المرجع السابق.\nقال ابن أبى خيثمة: سئل يحيى بن معين عن أبى سفيان فقال لا شيء. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق.\nقلت: قد عنعن، وقد قال شعبة: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث.\nوقال: علي بن المديني: مثله.\nوقال ابن حجر: لم يخرج البخاري له سوى أربعة أحاديث، وأظنها التي عناها شيخه علي بن المديني. وعده ابن حجر في المرتبة الثالثة، أي من المكثرين.\nوعلى كل حال فالحديث شاهد صالح لحديث فضيل بن سليمان، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي مرفوعًا.","vol":"10","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4834>الدليل الرابع:</span>\n(٢٣١٠ - ٢٦١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة عن عبيد الله ابن أبي جعفر، عن نافع،\nعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: عليكم بالسواك فإنه مطيبة للفم، ومرضاة للرب (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (عليكم بالسواك): أي إلزموا، والتعبير بها ظاهر بالوجوب.\nوأجيب:\nبأن زيادة عليكم بالسواك غير محفوظة، تفرد بها ابن لهيعة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4835> دليل من قال السواك واجب على النبي ﷺ خاصة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4836>الدليل الأول:</span>\n(٢٣١١ - ٢٦٢) استدلوا بما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢/ ١٠٨)، وسبق أن خرجت الحديث، من طرق، كثيرة، وكلها لم تذكر ما ذكره ابن لهيعة ﵀.\nورواه ابن حبان (١٠٧٠) من طريق حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: عليكم بالسواك؛ فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب ﷿. وهذا أيضًا شاذ، وقد رواه جمع من الحفاظ، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بلفظ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) وقد تكلمت على طرقه في أدلة القول الأول، فلا داعي لإعادته.\nولو كانت الزيادة محفوظة، لكان الجواب عنها ظاهرًا، وإن الأمر فيها للاستحباب، والصارف عن الوجوب الأحاديث الصحيحة التي خرجناها في أدلة الجمهور على الاستحباب. والله أعلم.","vol":"10","page":503},{"text":"إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازني مازن بنى النجار، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، قال: قلت له: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر عم هو؟ فقال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر ابن الغسيل حدثها\nأن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. قال: فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك فكان يفعله حتى مات (^١).\n[في إسناده اختلاف، وقد تفرد به ابن إسحاق، وحسن إسناده الحافظ] (^٢).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٥/ ٢٢٥)\n(^٢) رواه ابن إسحاق واختلف عليه في إسناده:\nالطريق الأول:\nرواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر.\nرواه أحمد، كما في إسناد الباب، والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٦٨)، والبزار في مسنده (٣٣٨٢)، وابن خزيمة (١٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٥)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (٢٢٨) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه به.\nوهذا إسناد حسن، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وكان إبراهيم بن سعد له عناية فيما سمعه من ابن إسحاق، فيبين ما صرح به بالسماع مما لم يصرح.\nقال أحمد: «كان ابن إسحاق يدلس إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد إذا كان سماع قال: حدثني، وإذا لم يكن، قال: قال، قلنا». انظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٢١)، تاريخ بغداد (١/ ٢٤٥)، موسوعة أقوال الإمام أحمد (٣/ ٢٣٩).\nتنبيه: قد تحرف إسناد البخاري والبزار إلى عبد الله بن عبد الله بن عمر، ورواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق لا يرويه إلا عن عبيد الله بن عبد الله مصغرًا، قال أبو داود على إثر ح (٤٨) إبراهيم بن سعد رواه عن محمد بن إسحاق، قال: عبيد الله بن عبد الله. اهـ\nالطريق الثاني:\nأحمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبدالله بن عمر. =","vol":"10","page":504},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخالف أحمد الوهبي إبراهيم بن سعد، فقال عبد الله بدلًا من عبيد الله.\nرواه أبو داود (٤٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢٤٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٢)، والمقدسي في الآحاديث المختارة (٢٢٧).\nوتابع يونس بن بكير أحمد بن خالد الوهبي كما في التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٦٧)، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ (ص: ٥٣) فرواه عن ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر به، واقتصر على بعضه، أن النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة، طاهرًا أو غير طاهر. فلم يذكر النسخ، ولم يذكر السواك.\nورواه الدارمي (٦٥٨) عن أحمد بن خالد الوهبي، إلا أنه خالف غيره، فقال: عبيد الله بدلًا من عبد الله، والمحفوظ أن عبيد الله لم يُذْكر إلا في طريق إبراهيم بن سعد، أما أحمد بن خالد الوهبي فقال: عبد الله، فإما أن يكون هذا تحريفًا في الإسناد، أو أنه اشتبه عليه رواية إبراهيم بن سعد، برواية أحمد بن خالد.\nفصار الاختلاف بين إبراهيم بن سعد، وبين أحمد بن خالد الوهبي ويونس بن بكير. ومثل هذا الاختلاف لا يضر إن شاء الله؛ لأن مداره على ثقة. لأن عبيد الله وعبد الله ابنا الصحابي الجليل عبد الله بن عمر كلاهما ثقة.\nالطريق الثالث:\nمحمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن يحيى بن حبان.\nذكره الحافظ ابن عساكر في تحفة الأشراف (٤/ ٣١٥)، قال: «رواه علي بن المجاهد، وسلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن يحيى بن حبان».\nبذكر واسطة بين محمد بن إسحاق، ومحمد بن يحيى بن حبان، ولولا أن ابن إسحاق قد صرح في التحديث في رواية إبراهيم بن سعد لقلنا: إنه عنعن، فيحتمل وجود واسطة بين محمد بن إسحاق، وبين محمد بن يحيى بن حبان، هذا يقال لو كان الراوي عن ابن إسحاق ثقة، أما وقد انفرد بهذا علي بن مجاهد وهو متروك، وسلمة بن الفضل وهو كثير الخطأ، فلا يعل هذا الطريق ما تقدم، والله أعلم.\nالطريق الرابع:\nمحمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس.\nرواه الترمذي (٥٨)، قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد،\nعن أنس أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرًا أو غير طاهر. قال: قلت لأنس فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءًا واحدًا. =","vol":"10","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4837>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣١٢ - ٢٦٣) ما رواه الطبراني من طريق موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: ثلاث هن علي فريضة وهو لكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل.\n[ضعيف جدًّا] (^١).\n_________\n= قال أبو عيسى: وحديث حميد عن أنس حديث حسن غريب من هذا الوجه، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر الأنصاري عن أنس.\nوسلمة بن الفضل كما قلت: كثير الخطأ، فهو بهذا الإسناد منكر، ثم لم يتعرض للنسخ، ولا للسواك.\nهذا ملخص الاختلاف فيه على ابن إسحاق.\nقال العلائي: في إسناده اختلاف. جامع التحصيل (ص: ٢٠٩).\nوقال ابن حجر في التخليص (٣/ ١٢٠): إسناده حسن.\nوقال ابن كثير بعد أن ساق الاختلاف في إسناده على عبد الله وعبيد الله، قال (٢/ ٢٣): «وأيًّا ما كان فهو إسناد صحيح، وقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى ابن حبان، فزال محذور التدليس. لكن قال الحافظ ابن عساكر رواه سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن محمد بن يحيى بن حبان به، والله أعلم».اهـ\nوكون مدار هذا الإسناد على محمد بن إسحاق، وقد تفرد بمثل هذا، ولم يسلم من الاختلاف عليه في إسناده، فأخشى ألا يكون محفوظًا.\n(^١). المعجم الأوسط للطبراني (٣٢٦٦).\nومن طريق موسى بن عبد الرحمن الصنعاني رواه البيهقي (٧/ ٣٩).\nقال البيهقي: موسى بن عبد الرحمن هذا ضعيف جدًّا، ولم يثبت في هذا إسناد والله أعلم.\nوقال ابن حبان في موسى بن عبد الرحمن: شيخ دجال، يضع الحديث، روى عنه عبد الغني ابن سعيد الثقفي، وضع على ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس كتابًا في التفسير، جمعه من كلام الكلبي، ومقاتل بن سليمان وألزقه بابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس، ولم يحدث به ابن عباس، ولا عطاء سمعه، ولا ابن جريج سمع من عطاء، وإنما سمع ابن جريج من عطاء =","vol":"10","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4838>الدليل الثالث:</span>\n(٢٣١٣ - ٢٦٤) وروى الطبراني في المعجم الأوسط (^١) وفي الكبير (^٢)، قال: حدثنا محمد بن علي المروزي، ثنا الحسين بن سعد بن علي بن الحسين بن واقد، حدثني جدي، عن علي بن الحسين، حدثني أبي، ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، عن النبيصلى الله عليه وسلم، قال: أمرت بالسواك حتى خفت على أسناني.\n[إسناده ضعيف، وهو حسن بالمجموع] (^٣).\nوالجواب عنه كالجواب عما سبقه من الأحاديث.\n* * *\n_________\n= الخراساني، عن ابن عباس في التفسير أحرفًا شبيهًا بجزء. وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس شيئًا، ولا رآه. لا تحل الرواية عن هذا الشيخ، ولا النظر في كتابه إلا على سبيل الاعتبار. المجروحين (٢/ ٢٤٢) رقم ٩١٨.\nقال ابن عدي: منكر الحديث، ثم ذكر له أحاديث وقال في آخرها: هذه الأحاديث بواطيل. الكامل (٦/ ٣٤٩).\nوقال سبط بن العجمي: معروف، وليس بثقة. الكشف الحثيث (٧٩٤).\n(^١) المعجم الأوسط (٧/ ٩٥) ح ٦٩٦٠.\n(^٢) (١١/ ٤٥٣) ح ١٢٢٨٦.\n(^٣) انظر طرق تخريج (ح ٢٢٨٨).","vol":"10","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4839>الفصل الثاني\nحكم السواك للصائم</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأصل في النصوص العامة أو المطلقة أن تبقى على عمومها وإطلاقها، فلا تخصص إلا بنص، أو إجماع، أو قياس صحيح.\n[م-٨٨٧] اختلف العلماء في هذه المسألة:\nفقيل: لا يكره مطلقًا قبل الزوال، وبعده. وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يكره بعد الزوال، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢).\nوقيل: يكره السواك الرطب مطلقًا، قبل الزوال وبعده، ويجوز باليابس مطلقًا، قبل الزوال، وبعده، وهو مذهب مالك، ورواية عن أحمد (^٣).\n_________\n(^١) الأصل (٢/ ٢٤٤).\n(^٢) انظر في مذهب الشافعية: الأم (٢/ ١٠١)، المجموع (١/ ٣٣٢)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٨)، مغني المحتاج (١/ ١٨٥)، حاشية الجمل (١/ ١١٩)، حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٢١)، مطالب أولي النهى (١/ ٨١).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الفروع (١/ ١٢٥)، أسنى المطالب (١/ ٣٥).\n(^٣) في مذهب المالكية، قال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٥٨): «وأما السواك الرطب فيكرهه مالك وأصحابه، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو قول زياد بن حدير وأبي ميسرة والشعبي والحكم بن عتيبة وقتادة».\nوانظر رواية أحمد في الإنصاف (١/ ١١٧)، الفروع (١/ ١٢٥).","vol":"10","page":508},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4840> دليل القائلين بالكراهة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4841>الدليل الأول:</span>\n(٢٣١٤ - ٢٦٥) ما رواه البزار في مسنده، من طريق عبد الصمد بن النعمان، أخبرنا كيسان أبو عمر، عن يزيد بن بلال،\nعن علي، عن النبي ﷺ قال: إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي فإن الصائم إذا يبست شفتاه كان له نور يوم القيامة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4842>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣١٥ - ٢٦٦) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن ابن المسيب،\nعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. والحديث في مسلم (^٣).\n_________\n(^١) البزار (٢١٣٧).\n(^٢) وقد رواه الدارقطني (٢/ ٢٠٤) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٢٧٤) من طريق عبد الصمد به إلا أنه ذكره موقوفًا.\nوفي إسناده: أبو عمر القصار: كيسان، ضعيف، ذكر العقيلي في الضعفاء، وقال: ضعيف، وضعفه أحمد بن حنبل، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وفي التقريب: ضعيف.\nويزيد بن بلال مثله ضعيف، قال فيه البخاري: فيه نظر، وضعفه العقيلي، وابن حجر.\nورواه الدارقطني (٢/ ٢٠٤) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٧٤) من طريق عبد الصمد، عن كيسان أبي عمر القصار، عن عمرو بن عبد الرحمن، عن خباب، عن النبي ﷺ مثله. قال الدارقطني: كيسان أبو عمر ليس بالقوي، ومن بينه وبين علي غير معروف.\n(^٣) وهذا لفظ البخاري.\nوأخرجه البخاري (١٩٠٤) ومسلم (١١٥١)، من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن أبي صالح الزيات، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: وفيه: ... والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله -زاد مسلم: يوم القيامة- من ريح المسك .... الحديث. =","vol":"10","page":509},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وحديث خلوف فم الصائم جاء من حديث أبي هريرة كما سبق.\nومن حديث أبي سعيد، وابن مسعود، والحارث الأشعري، وعلي بن أبي طالب، وجابر. وإليك بيانها.\nأما حديث أبي سعيد، فأخرجه مسلم (١١٥١ - ١٦٥)، قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي سنان، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ: ... وفيه: والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nوأما حديث ابن مسعود، فقد رواه أحمد (١/ ٤٤٦) من طريق عمرو بن مجمع أبي المنذر الكندي، قال: أخبرنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص،\nعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: ... وفيه: ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nوإسناده ضعيف، فيه: عمرو بن مجمع، ضعفه ابن معين والدارقطني، وأبو حاتم الرازي، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه إما إسنادًا وإما متنًا. تعجيل المنفعة (٨٠٤)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٦٥)، والكامل (٥/ ١٣١).\nوصحح ابن خزيمة حديثه لكن في المتابعات. تعجيل المنفعة (٨٠٤).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. الثقات (٧/ ٢٣٠).\nوفي إسناده أيضًا إبراهيم الهجري.\nضعفه النسائي، وابن عيينة، وابن سعد. ولينه أبو حاتم الرازي. الضعفاء والمتروكين (٦)، الضعفاء الصغير (١٠)، الطبقات الكبرى (٦/ ٣٤١)، الجرح والتعديل (٢/ ١٣١)، المجروحين (١/ ٩٩).\nوقال سفيان بن عيينة: أتيت إبراهيم الهجري فدفع إلي عامة حديثه، فرحمت الشيخ، فأصلحت له كتابه، فقلت: هذا عن عبد الله، وهذا عن النبي ﷺ، وهذا عن عمر. الكامل (١/ ٢١١). وعلى هذا فيكون حديث سفيان بن عيينة، عن إبراهيم الهجري مقبولًا.\nوقال ابن عدي: إبراهيم الهجري هذا حدث عنه شعبة، والثوري، وغيرهما، وأحاديثه عامتها مستقيمة المتن، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص عن عبد الله، وهو عندي ممن يكتب حديثه. المرجع السابق.\nوقال الحميدي: قال سفيان: كان الهجري رفاعًا، وكان يرفع عامة هذه الأحاديث. الضعفاء الكبير (١/ ٦٥). فالحديث ضعيف، ولكنه صالح في الشواهد.\nورواه شعبة عن أبي الأحوص، واختلف عليه فيه. =","vol":"10","page":510},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه الطيالسي، عن شعبة مرفوعًا.\nأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٩٨) رقم: ١٠٠٧٨، من طريق الطيالسي ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود يرفعه قال الله ﷿ الصوم لي وأنا أجزي به وللصائم فرحتان فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ١٧٣) من طريق أبي الوليد الطيالسي ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رفعه، قال: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nوخالف غندر أبا الوليد الطيالسي، فرواه عن شعبة موقوفًا.\nأخرجه النسائي (٢٢١٢) وفي الكبرى (٢٥٢٢) من طريق محمد بن جعفر (غندر) قال حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص،\nقال عبد الله: قال الله ﷿ الصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة حين يلقى ربه، وفرحة عند إفطاره ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nوغندر من أثبت أصحاب شعبة. ولذا قال النسائي في التحفة (٧/ ٣٩٨): «هذا هو الصواب عندنا». اهـ فصوب وقفه.\nورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق به مرفوعًا وموقوفًا.\nأما المرفوع فأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٩٧) رقم ١٠٠٧٧، قال حدثنا إسحاق ابن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود بلغ به النبي ﷺ قال: للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة حين يلقى ربه وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nوأما الموقوف، فأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٣٠٨) رقم ٧٨٩٨ عن معمر به.\nقلت: الموقوف له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، وقد روي مرفوعًا من غير طريق أبي إسحاق، أخرجه الطبراني في الكبير (١٠١٩٨) من طريق عبد الحميد بن الحسن الهلالي، عن الأعمش، عن الأسود، عن ابن مسعود ببعضه.\nوعبد الحميد روى له الترمذي، وفي التقريب: صدوق يخطئ.\nوكما اختلف على شعبة في وقفه ورفعه، اختلف عليه في إسناده.\nفرواه أبو الوليد الطيالسي كما عند الطبراني، وغندر كما عند النسائي، وروح كما في النكت الظراف (٧/ ٣٩٨)، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود. على خلاف بينهم في وقفه ورفعه، كما سبق بيانه.\nوتابع معمر بن راشد شعبة، فرواه عن أبي إسحاق به مرفوعًا، وموقوفًا. =","vol":"10","page":511},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه البزار، كما في كشف الأستار (٩٦٤) من طريق عمر بن عبد المجيد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله رفعه، قال: الصوم جنة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nوعمر بن عبد المجيد لم أقف عليه.\nوأما أبو هبيرة فضعيف جهله يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي.\nوقال أحمد: أحب إلينا من الحارث الأعور ولا أعلم حدث عنه غير أبى إسحاق. الجرح والتعديل (٩/ ١٠٩).\nوقال أيضًا: لا بأس بحديثه، هو أحسن استقامة من غيره، يعنى الذين روى عنهم أبو إسحاق وتفرد بالرواية عنهم. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. الكامل (٧/ ١٣٣) رقم ٢٠٤٩.\nوقال ابن سعد: كان معروفًا، وليس بذاك. الطبقات الكبرى (٦/ ١٧٠).\nورواية الجماعة عن شعبة هي المحفوظة، والله أعلم.\nوأما حديث الحارث الأشعري:\nفقد أخرجه أحمد (٤/ ١٣٠)، ٢٠٢) من طريق أبي خلف موسى بن خلف -كان يعد في البدلاء- حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري أن نبي الله ﷺ، قال إن الله ﷿ أمر يحيى بن زكريا ﵉ بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن .... وذكر فيه: وآمركم بالصيام؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك، في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك ..... الحديث قطعة من حديث طويل.\nوهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات إلا أبا خلف موسى بن خلف، فإنه صدوق، وقد تابعه ثقة، والحديث صحيح.\nواختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلام.\nقال بن معين: لم يلق يحيى بن أبي كثير زيد بن سلام، وقدم معاوية بن سلام عليهم فأخذ كتابه عن أخيه، ولم يسمعه، فدلسه عنه. تاريخ ابن معين (٤/ ٢٠٧).\nوقال أبو حاتم قد سمع منه. المراسيل لابنه (ص: ٢٤١)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢٣٥).\nوقال أبو بكر الأثرم: قلت: لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يحيى بن أبي كثير سمع من زيد بن سلام؟ فقال: ما أشبهه. قلت له: إنهم يقولون سمعها من معاوية بن سلام. فقال: لو سمعها من معاوية لذكر معاوية، هو يبين في أبي سلام، يقول: حدث أبو سلام. ويقول: عن زيد، أما أبو سلام فلم يسمع منه، ثم أثنى أبو عبد الله على يحيى بن أبي كثير. تهذيب الكمال (١٠/ ٧٧). =","vol":"10","page":512},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قلت: رواية أبي يعلى صريحة في أنه حدثه، فلعل الصواب هو ما ذكره أحمد، وقد أخرج مسلم من رواية يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام.\nوالحديث أخرجه من طريق خلف بن موسى كل من الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٨٥) رقم ٣٤٢٧ والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ١٧٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٦٧).\nوأخرجه أبو داود الطيالسي (١١٦١، ١١٦٢) ومن طريق أبي داود أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ١٧٧)، وابن خزيمة (٣/ ١٩٥)، والحاكم (١/ ٤٢١).\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (١٥٦٨) وابن حبان (٦٢٣٣) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٤) عن هدبة بن خالد، ومن طريق هدبة.\nوأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٣٥٩)، والترمذي (٢٨٦٣) والطبراني في الكبير (٣/ ٢٨٥) ح ٣٤٢٨ عن موسى بن إسماعيل، كلهم (أبو داود الطيالسي، وهدبة، وموسى بن إسماعيل) رووه عن أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير به، وهذه متابعة لأبي خلف موسى بن خلف.\nوصححه الترمذي.\nوتابع معاوية بن سلام يحيى بن أبي كثير ببعضه (من دعا بدعوة الجاهلية .. إلخ.\nأخرجه النسائي في الكبرى (٨٨١٥) (٦/ ٤١٢) من طريق محمد بن شعيب قال أخبرني معاوية ابن سلام، أن أخاه زيد بن سلام أخبره عن جده أبي سلام أنه أخبره، قال:\nأخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله ﷺ قال: من دعا بدعوى جاهلية، فإنه من جثي جهنم، فقال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى. قال: نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم الله بها المسلمين المؤمنين عباد الله.\nوأخرجه الطبراني (٣/ ٢٨٧) ح ٣٤٣٠، وابن خزيمة (١/ ٢٤٤) من طريق أبي توبة يعني الربيع ابن نافع.\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٨٢) من طريق مروان بن محمد.\nكلاهما عن معاوية بن سلام به مختصرًا.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣٤٤) من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن جده ممطور، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: أراه أبا مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره مختصرًا.\nوهذه كنية للحارث الأشعري، فقد كناه الأزدي أبا مالك كما في الإصابة (١/ ٦٦١).\nوأما حديث علي بن أبي طالب ﵁، فقد أخرجه النسائي (٢٢١١)، قال: أخبرني هلال بن العلاء، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عبيد الله، عن زيد، عن أبي إسحق، عن عبد الله بن الحارث، =","vol":"10","page":513},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الخلوف، وهو الرائحة الكريهة، التي تكون بالفم عند خلو المعدة من الطعام، والخلوف لايظهر غالبًا إلا في آخر النهار، ولذا حدوه بالزوال، وإذا كان ناشئًا عن طاعة وعبادة، فلا ينبغي إزالته قياسًا على دم الشهيد، فإنه لما كان أثرًا عن طاعة أمر رسول الله ﷺ بأن لا يغسل، وأن يدفن بدمه.\n_________\n= عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ، قال: إن الله ﵎ يقول: الصوم لي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان حين يفطر وحين يلقى ربه، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nفي إسناده العلاء بن هلال بن عمر: والد هلال.\nقال النسائي: العلاء بن هلال يروي عنه ابنه هلال بن العلاء غير حديث منكر، فلا أدري منه أتي، أو من أبيه. الكامل (٥/ ٢٢٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث، ضعيف الحديث، عنده عن يزيد بن زريع أحاديث موضوعة. الجرح والتعديل (٦/ ٣٦١).\nوقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد، ويغير الأسماء، لا يجوز الاحتجاج به بحال، روى عن يزيد بن زريع، عن أيوب، عن ابن مليكة،\nعن عائشة عن النبي ﷺ: قال من قلم أظفاره يوم الجمعة عافاه الله من السوء كله إلى يوم الجمعة الأخرى. رواه المنكدر، عن هلال بن العلاء، عن أبيه. المجروحين (٢/ ١٨٤). وفي التقريب: فيه لين.\nورواه البزار في مسنده (٣/ ١٢٩) رقم ٩١٥ حدثنا هلال بن العلاء، نا أبي به.\nثم قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي، عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه. تفرد به علي.\nوأما حديث جابر، فرواه البيهقي في شعب الإيمان (٣٦٠٣) من طريق الهيثم بن الحواري، عن زيد العمي،\nعن أبي نضرة قال سمعت جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ: أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي، قال: وأما الثانية: فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك. وذكر الباقي.\nوهذا إسناد ضعيف. الهيثم بن الحواري لم أقف على ترجمته، وقد ذكره المزي في تلاميذ زيد العمي. وزيد العمي: ضعيف.","vol":"10","page":514},{"text":"(٢٣١٦ - ٢٦٧) كما في صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال:\nكان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ... وفيه: وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4843> دليل من قال: السواك مشروع مطلقًا قبل الزوال وبعده:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4844>الدليل الأول:</span>\n(٢٣١٧ - ٢٦٨) ما رواه أحمد من طريق سفيان (الثوري)، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة،\nعن أبيه، قال: رأيت رسول الله ما لا أعد وما لا أحصى يستاك وهو صائم.\nوقال عبد الرحمن: ما لا أحصى يتسوك وهو صائم.\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٤٣).\n(^٢) الحديث مداره على عاصم بن عبيد الله، ويرويه عن عاصم اثنان:\nالطريق الأول: سفيان، عن عاصم.\nأخرجه عبد الرزاق كما في المصنف (٧٤٧٩، ٧٤٨٤)، وأبو داود الطيالسي (١١٤٤)، وأحمد كما في إسناد الباب، عبد بن حميد كما في المنتخب (٣١٨)، وأبو يعلى (٧١٣٩)، والحميدي في مسنده (١٤١)، وأبو داود (٢٣٦٤)، والدارقطني (٢/ ٢٠٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٧٢)، عن سفيان الثوري، عن عاصم به.\nورواه البخاري معلقًا بصيغة التمريض، باب الصيام، باب السواك الرطب واليابس للصائم.\nالطريق الثاني: شريك بن عبد الله، عن عاصم بن عبيد الله.\nرواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٤) ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٢)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (٨/ ١٨٣)، قال: حدثنا شريك عن عاصم به. والحديث بالجملة ضعيف، لضعف عاصم. والله أعلم.\nفي الإسناد: عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ضعيف.\nقال أحمد: ليس بذاك. وكان ابن عيينة لا يحمد حفظه، وضعفه أبو حاتم الرازي، وابن معين وابن مهدي وابن حبان. =","vol":"10","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4845>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣١٨ - ٢٦٩) ما رواه ابن ماجه من طريق أبي إسماعيل المؤدب، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق،\nعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: من خير خصال الصائم السواك.\n[ضعيف] (^١).\n_________\n= وقال ابن عدي: روى عنه سفيان الثوري وابن عيينة وشعبة وغيرهم من ثقات الناس وقد احتمله الناس وهو مع ضعفه يكتب حديثه. الكامل (٥/ ٢٢٥).\nوقال ابن خزيمة: كنت لا أخرج حديث عاصم بن عبيد الله في هذا الكتاب، ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه، ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وهما إماما أهل زمانهما قد رويا عن الثوري عنه، وقد روى عنه مالك خبرا في غير الموطأ.\nقلت: رواية شعبة ومالك ليست تعديلًا.\nأما شعبة فقد قال عنه: عاصم بن عبيد الله لو قلت له: من بنى مسجد النبي؟ لقال: حدثني فلان، عن فلان أن النبي ﷺ بناه. الضعفاء الكبير (٣/ ٣٣٣).\nوأما مالك فقد قال علي بن المديني: حدثني شيخ لنا، قال: قال لي مالك: شعبتكم هذا يشدد في الرجال ويروي عن عاصم بن عبيد الله!! الكامل (٥/ ٢٢٥).\n(^١) سنن ابن ماجه (١٦٧٧)، ومن طريق إسماعيل المؤدب رواه الطبراني في الأوسط (٨٦٢٦)، والدارقطني (٢/ ٢٠٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٧٢).\nوفيه مجالد بن سعيد، ضعفه أحمد، والنسائي وابن سعد، ويحيى بن سعيد القطان، والدارقطني.\nوقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه، وهو صدوق. تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٦).\nوقال البخاري صدوق. المرجع السابق. ولم أقف على كلام البخاري، بل ذكره البخاري في الضعفاء الصغير، وذكر في التاريخ الكبير (٨/ ٩) ١٩٥٠ تضعيف ابن مهدي وابن القطان، ولم يتعقبهما.\nوقال ابن أبي حاتم: قال عبد الرحمن بن مهدي: حديث مجالد عند الأحداث يحيى بن سعيد، وأبى أسامة ليس بشيء، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد وهشيم وهؤلاء القدماء. قال أبو محمد: يعنى: إنه تغير حفظه في آخر عمره. الجرح والتعديل (٨/ ٣٦١).\nقلت: روى مسلم من رواية أصحابه القدماء كهشيم بن بشير عنه. ورواية ابن ماجه هذه من رواية أبي إسماعيل المؤدب وهو معدود من صغار أصحابه؛ لأن شعبة وهشيمًا من الطبقة السابعة، بينما إسماعيل من الطبقة التاسعة، وعليه تكون رواية مجالد بعد ما تغير. =","vol":"10","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4846>الدليل الثالث:</span>\n(٢٣١٩ - ٢٧٠) ما رواه الدارقطني، قال حدثني أبو بكر محمد بن عثمان بن ثابت الصيدلاني، ثنا أبو محمد حامد بن الشاذي الكجي، ثنا إبراهيم بن يوسف\n_________\n= وقد ضعف الحديث البيهقي في السنن (٤/ ٢٧٢)، والبوصيري في الزوائد (٢/ ٦٦) والحافظ بن حجر في التلخيص (١/ ١١٤).\nورواه الطبراني في الأوسط (٨/ ٢٠٩) رقم ٨٤٢٠ حدثنا موسى بن عيسى الجزري، قال: أخبرنا صهيب بن محمد بن عباد بن صهيب، قال: أخبرنا عباد بن صهيب، عن السري، عن إسماعيل، عن الشعبي به.\nورواه أبو نعيم كما في البدر المنير (٣/ ١٧٩)، وتلخيص الحبير (١/ ١١٤) من طريق السري بن إسماعيل به.\nوهذا ضعيف جدًّا، فيه السري بن إسماعيل، قال فيه ابن معين ليس بشيء.\nوقال أبو داود: متروك الحديث، يجيء عن الشعبي بأوابد.\nوقال النسائي: متروك، وقال أيضًا: ليس بثقة.\nوقال يحيى بن القطان: استبان له كذبه في مجلس. التاريخ الكبير (٤/ ١٧٦)، الضعفاء الصغير (ص: ٥٦) رقم ١٥٦.\nوقال أبو طالب عن أحمد: ترك الناس حديثه. تهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٩).\nوقال في البدر المنير (٣/ ١٨٠): «وفي رواية لأبي نعيم، عن عائشة، قالت: يا رسول الله إنك تديم السواك. قال: يا عائشة لو استطعت أن أستاك مع كل شفع لفعلت. فإن خير خصال الصائم السواك».\nوسكت عليه ابن الملقن، والحافظ في تلخيص الحبير (١/ ١١٤). ولم أقف على إسناده.\nوقال الحافظ: رواه أبو نعيم من طريقين عنها.\nوصنيع ابن الملقن لا يوهم أنهما طريقان مختلفان عند أبي نعيم، بل قال: «وفي رواية لأبي نعيم». وذكر الحديث.\nثم تبين لي أنه طريق واحد إلا أنه بلفظين فقد أخرجه أبو يعلى (٤٨٨٣) حدثنا سري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق،\nعن عائشة، قالت: كنا نضع سواك رسول الله ﷺ مع طهوره. قالت: قلت يا رسول الله ما تدع السواك؟ قال: أجل لو أن أقدر على أن يكون ذلك مني عند كل شفع من صلاتي لفعلت. ولم يذكر فإن خير خصال الصائم السواك. ومداره على السري بن إسماعيل، وهو متروك.","vol":"10","page":517},{"text":"البلخي أخو عصام بن يوسف، ثنا أبو إسحاق الخوارزمي، قال:\nسألت عاصم الأحول أيستاك الصائم؟ قال نعم: قلت: برطب السواك ويابسه؟ قال: نعم. قلت: أول النهار وآخره. قال: نعم. قلت: عن من؟ قال: عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ.\nقال الدارقطني: أبو إسحاق الخوارزمي ضعيف.\nورواه ابن عدي (^١)، وابن حبان (^٢)، والعقيلي (^٣)، والبيهقي (^٤)، في السنن من طريق إبراهيم بن بيطار الخوارزمي (أبو إسحاق)، عن عاصم الأحول به.\n[ضعيف] (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4847>الدليل الرابع:</span>\n(٢٣٢٠ - ٢٧١) ما رواه الطبراني من طريق بكر بن خنيس، عن أبي عبد الرحمن، عن عبادة بن نسي،\n_________\n(^١) الكامل (١/ ٢٦٠).\n(^٢) المجروحين (١/ ١٠٢، ١٠٣).\n(^٣) الضعفاء الكبير (١/ ٥٦).\n(^٤) السنن الكبرى (٤/ ٢٧٢).\n(^٥) فيه إبراهيم بن عبد الرحمن الخوارزمي.\nقال ابن عدي: ليس بمعروف وأحاديثه عن كل من روى ليست بمستقيمة. وقال أيضًا: وعامة أحاديثه غير محفوظة. الكامل (١/ ٢٦٠) ٩٣.\nوقال البيهقي (٤/ ٢٧٢): هذا ينفرد بها أبو إسحاق إبراهيم بن بيطار، ويقال إبراهيم بن عبد الرحمن، قاضي خوارزم، حدث ببلخ، عن عاصم الأحول بالمناكير. لا يحتج به.\nقال ابن حبان: يروى عن عاصم الأحول المناكير التي لا يجوز الاحتجاج بما يرويها على قلة شهرته بالعدالة وكتابة الحديث. المجروحين (١/ ١٠٢).\nوقد ضعف الحديث ابن حبان، قال: لا أصل له من حديث رسول الله ﷺ ولا من حديث أنس. المجروحين (١/ ١٠٢).\nوقال العقيلي: ليس بمعروف في النقل، والحديث غير محفوظ. الضعفاء الكبير (١/ ٥٦، ٥٧).\nوقال الذهبي: وهذا لا أصل له من حديث رسول الله ﷺ. الميزان (١/ ٢٥).","vol":"10","page":518},{"text":"عن عبد الرحمن بن غنم، قال: سألت معاذ بن جبل، أتتسوك وأنت صائم؟ قال: نعم. قلت: أي النهار أتسوك؟ قال: أي النهار شئت، إن شئت غدوة، وإن شئت عشية. قلت: فإن الناس يكرهونه عشية. قال: ولم؟ قلت: يقولون: إن رسول الله ﷺ قال: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فقال: سبحان الله، لقد أمرهم رسول الله ﷺ بالسواك حين أمرهم وهو يعلم أنه لا بد أن يكون بفم الصائم خلوف، وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمدًا، ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر إلا من ابتلى ببلاء لا يجد منه بدًا. قلت: والغبار في سبيل الله أيضًا كذلك إنما يؤجر فيه من اضطر إليه ولم يجد عنه محيصًا؟ قال: نعم وأما من ألقى نفسه في البلاء عمدًا فما له من ذلك من أجر (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4848>الدليل الرابع:</span>\n(٢٣٢١ - ٢٧٢) ما رواه ابن منيع في مسنده، قال: حدثنا الهيثم بن خارجة، ثنا يحيى بن حمزة، عن النعمان بن المنذر، عن عطاء وطاووس، ومجاهد،\n_________\n(^١) المعجم الكبير (٢٠/ ٧٠) رقم ١٣٣.\n(^٢) فيه بكر بن خنيس:\nقال عمرو بن علي، ويعقوب بن شيبة، والنسائي: ضعيف.\nوقال أبو داود: ليس بشيء.\nوقال أبو زرعة: ذاهب الحديث.\nقال فيه ابن معين: صالح لا بأس به، إلا أنه يروي عن ضعفاء، يكتب من حديثه الرقاق.\nوقال الدارقطني: متروك.\nوقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا غزاء، وليس بقوي في الحديث. قيل: هو متروك الحديث؟ قال: لا يبلغ به الترك.\nوقال أبو زرعة: ذاهب الحديث.\nوقال الذهبي: واهـ. وفي التقريب: صدوق له أغلاط. أفرط فيه ابن حبان.\nقلت: لم يبلغ مرتبة الصدق، ولم يصل مرحلة الترك، فالتوسط فيه: أنه ضعيف.","vol":"10","page":519},{"text":"عن ابن عباس، ﵄، قال: إن النبي ﷺ تسوك، وهو صائم (^١).\n[حسن] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4849>الدليل الخامس والسادس:</span>\nحديثا أبي هريرة مرفوعًا: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة.\nوالحديث الآخر: لأمرته بالسواك مع كل وضوء\n[والحديثان صحيحان، وسبق تخريجهما]\nوجه الاستدلال:\nترجم النسائي في السنن الصغرى للحديث الأول، فقال: (باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم).\nفقال السندي: «وجه الاستدلال: أنه لا مانع من إيجاب السواك عند كل صلاة إلا خوف لزوم المشقة، ويلزم منه كون الصوم غير مانع منه، وهذا استنباط دقيق، وتيقظ عجيب، فلله دره ما أدق وأحد فهمه». اهـ\nقلت: ويمكن أن يستدل به على المسألة من وجه آخر، فإن قوله: (عند كل صلاة) وقوله: (مع كل وضوء) فالصلاة تشرع في كل الأوقات ... بالغدو والعشي، والهجير، والوضوء يشرع للإنسان أن يكون على طهارة دائمًا، ولم يستثن الشرع شيئًا في استحبابه، فهو مطلق للصائم والمفطر، بالحضر والسفر، وبالليل والنهار، وبالغدو والعشي.\n_________\n(^١) المطالب العالية (١٠٨٩).\n(^٢) رجاله ثقات إلا النعمان بن المنذر، قال فيه النسائي: ليس بذاك القوي. اهـ\nوتكلم فيه بعضهم بسبب القدر.\nوقال أبو زرعة: دمشقي ثقة. الجرح والتعديل (٨/ ٤٤٧).\nوقال دحيم: ثقة إلا أنه يرمي بالقدر. كما في تهذيب التهذيب.\nوقال الذهبي والحافظ: صدوق. زاد الحافظ: رمي بالقدر. فهذا إسناد حسن.","vol":"10","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4850>الدليل السادس:</span>\n(٢٣٢٢ - ٢٧٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، ثنا يزيد بن زريع، ثنا عبد الرحمن بن أبي عتيق، عن أبيه، أنه سمع عائشة تحدثه،\nعن النبي قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.\n[إسناده حسن، وسبق تخريجه، انظر ح: ٢٢٨٦]\nوجه الاستدلال:\nإذا كان السواك مرضاة للرب، فمرضاة الله مطلوبة دائمًا، وفي كل وقت دون استثناء، وإذا كان السواك مطهرة للفم، فإنه يتأكد في حق الصائم أكثر من غيره، لحاجته إلى تطهير الفم، وتخفيف أثر الخلوف؛ لأن من أسباب مشروعية السواك تطهير الفم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4851>الدليل السابع: من الآثار</span>\n(٢٣٢٣ - ٢٧٤) روى ابن أبي شيبة حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه لم يكن يرى به باسًا بالسواك للصائم.\n[صحيح] (^١).\n(٢٣٢٤ - ٢٧٥) ومن الآثار ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن مسعر وسفيان، عن أبي نهيك، عن زياد بن حدير، قال:\n_________\n(^١) المصنف (٢/ ٢٩٥). رجاله كلهم ثقات، وقد رواه البخاري تعليقًا جازمًا به، في كتاب الصيام: باب السواك الرطب واليابس للصائم.\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢١٣) من طريق عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر أنه كان يستاك، وهو صائم، وينظر في المرآة، وهو محرم. قال: وقال: يحك المحرم رأسه ما لم يقتل دابة أو جلدة رأسه أن يدميه.\nوهذا سند ضعيف، فيه عبد الله بن نافع، وتابعه عبد الله بن عمر، وهو ضعيف أيضًا.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٤/ ٢٠٢) ٧٤٨٨ عن عبد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان يستاك وهو صائم، إذا راح إلى صلاة الظهر.","vol":"10","page":521},{"text":"ما رأيت أحدا أدوم سواكًا، وهو صائم من عمر بن الخطاب.\n[فيه أبو نهيك، لم يتبين لي اسمه] (^١).\n_________\n(^١) مدار الإسناد على أبي نهيك.\nوثقه ابن حبان. الثقات (٦/ ١٠٧)، وسماه بكير، ورواه أحمد كما في العلل لابنه عبد الله (٢/ ١٧١) رقم ١٩٠٣، حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا شعبة عن أبي بكير، عن زياد بن حدير، قال: ما رأيت أحدًا أكثر يستاك وهو صائم من عمر. قال أبي: وإنما هو أبو نهيك فأخطأ شعبة فيه فقال أبو بكير.\nوقال يحيى بن معين: أبو نهيك الكوفي روى عنه سفيان الثوري، وشريك، ومنصور بن المعتمر، وجرير، وهو ثقة. واسم أبي نهيك القاسم بن محمد. تاريخ بن معين رواية الدوري. (٣/ ٥١٠).\nوفات الحافظ أن يذكر توثيق يحيى بن معين في ترجمة أبي نهيك في التهذيب.\nواختلف في اسم أبي نهيك:\nفقيل: هو القاسم بن محمد، كما ذكر ذلك يحيى بن معين.\nوكذلك ابن حزم في المحلى، فقد روى من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي نهيك قال سألت طاووسًا عن امرأة ماتت وقد بقي عليها من نسكها فقال يقضي عنها وليها. قال ابن حزم: أبو نهيك: هو القاسم بن محمد الأسدي، روى عنه سفيان ومنصور وجرير بن عبد الحميد. المحلى (٧/ ٦٤).\nوكذلك سماه عبد لله بن أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة. (١/ ٢٩٧).\nوذكر ابن حبان اثنين كنيتهما أبو نهيك:\nالأول: وسماه ابن حبان بكير، فقال: بكير أبو نهيك، يروى عن زياد بن حدير، عن ابن عمر، روى عنه منصور بن المعتمر وشعبة بن الحجاج. الثقات (٦/ ١٠٧).\nولعل هذا هو الذي جعل شعبة يخطئ باسمه، يقول: أبو بكير. فجعله كنية بدلًا من قوله بكير.\nوالثاني، وسماه ابن حبان القاسم بن محمد أبو نهيك الأسدي، قال: يروي عن أنس بن مالك روى عنه منصور والثوري. الثقات (٥/ ٣٠٥).\nوكلاهما يروي عن زياد بن حدير. فابن حبان نص على أن بكيرًا يروى عن زياد بن حدير. والحافظ في التهذيب نص على أن القاسم بن محمد أبا نهيك يروى عن زياد بن حدير. فإن كانا شخصين، فإن ابن معين لم يوثق إلا أبا نهيك المسمى القاسم بن محمد.\nويبقى الثاني بكير لم يوثقه إلا ابن حبان، وقد ذكر ابن حبان أن الثوري يروي عن أبي نهيك: القاسم بن محمد، فيكون هو الثقة الذي في إسناد أثر عمر بن الخطاب، إضافة إلى ما سبق ذكره عن الأئمة.\nوإن كانا شخصًا واحدًا، وإنما الاختلاف في اسمه، فهو ثقة.","vol":"10","page":522},{"text":"• الجواب عن أدلة القول الأول:\nأولًا: القياس على دم الشهيد فإن العلة في ترك دم الشهيد ليس لأنه أثر عن عبادة، وإنما لأنه يبعث يوم القيامة، وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.\n(٢٣٢٥ - ٢٧٦) فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه، قال: حدثنا عبد الله ابن يوسف، أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ، قال: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك. هذا لفظ البخاري ورواه مسلم (^١).\nولذلك لا يكره لو قام بتنشيف بلل الوضوء، ولا يكره غسل ما يصيب ثوب العالم من الحبر، وإن كان أثرًا ناشئًا عن عبادة (^٢).\nثانيًا: ربط الحكم بالزوال منتقض؛ لأن هذه الرائحة قد تحصل قبله، وقد تحصل بعده، وقد لا تحصل، فلو أن الإنسان تسحر مبكرًا، أو لم يتسحر، فإن معدته ستخلو مبكرة. ومن الناس من لا تحصل عنده هذه الرائحة، إما لصفاء معدته، أو لأن معدته لا تهضم الطعام بسرعة، وإذا انتقضت العلة انتقض المعلول.\nثالثًا: الأحاديث التي تنهى الصائم عن السواك بعد العشي لا تقوم بها حجة، كحديث خباب، وعلي بن أبي طالب. والكراهة حكم شرعي، مفتقر إلى دليل شرعي.\nرابعًا: لو سلم أن فضيلة الخلوف تزاحمت مع فضيلة السواك، ولا يمكن الجمع بينهما، فلا شك أن فضيلة السواك تربو على فضيلة الخلوف، وكون الخلوف أطيب\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٨٧٦).\n(^٢) حاول النووي في المجموع الجواب عن هذا، فقال: «السوك أثر عبادة مشهود له بالطيب، فكره إزالته فقوله: «مشهود له بالطيب احتراز مما يصيب ثوب العالم من الحبر، فإنه وإن كان أثر عبادة، لكنه مشهود له بالفضل، لا بالطيب. ودم الشهداء مشهود له بالطيب لقوله في الحديث: (اللون لون الدم، والريح ريح المسك)».","vol":"10","page":523},{"text":"عند الله من ريح المسك لا يكفي في تقديم مصلحة الخلوف على مصلحة السواك.\nقال الشوكاني: «السواك نوع من التطهير المشروع لأجل مخاطبة الرب ﷾؛ لأن مخاطبة العظماء مع تطهير الأفواه تعظيم، لا شك فيه، ولأجله شرع السواك، وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف يقال: إن فضيلة الخلوف تربو على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه له» (^١).\nخامسًا: ذكر بعضهم: أن السواك لا يزيل الخلوف؛ لأن الخلوف من المعدة والحلق، لا من محل السواك (^٢)، ولذلك إذا أكل الإنسان ثومًا أو بصلًا لم تذهب الرائحة بتطهير الفم بالسواك؛ لأن مبعث ذلك المعدة.\nفالراجح عندي والله أعلم أن السواك مشروع مطلقًا، وفي كل وقت.\n* * *\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ١٣٩).\n(^٢) طرح التثريب (٤/ ١٠١).","vol":"10","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4852>مبحث\nعموم طيب الخلوف للدنيا والآخرة</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• طيب الأعمال الصالحة شرعي في الدنيا حسي في الآخرة.\n• رب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى، وبالعكس.\n[م-٨٨٨] اختلف العلماء في طيب الخلوف، هل هو في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط؟\nفقال بعضهم: إن ذلك عام في الدنيا والآخرة، وهو اختيار ابن الصلاح، وصنف مصنفًا في الرد على العز بن عبد السلام، ورجحه ابن القيم.\nوقال بعضهم: إن ذلك خاص بالآخرة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4853> دليل من قال: ذلك خاص في الآخرة:</span>\n(٢٣٢٦ - ٢٧٧) استدل بما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء، عن\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع: «وقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، والشيخ أبي محمد بن عبد السلام ﵄ في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة أم في الآخرة؟ فقال أبو محمد: في الآخرة خاصة لقوله ﷺ في رواية مسلم: (والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة). وقال أبو عمرو: هو عام في الدنيا والآخرة، واستدل بأشياء كثيرة». اهـ ثم ذكر أدلته على ذلك. وانظر طرح التثريب (٤/ ٩٧)، مرعاة المفاتيح (٦/ ٤٠٩)، الوابل الصيب (ص: ٣٠).","vol":"10","page":525},{"text":"أبي صالح الزيات، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول:\nقال رسول الله ﷺ: قال الله ﷿: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ، ولا يسخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه (^١).\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة، رواه عنه جماعة، ولم يذكروا: يوم القيامة. منهم:\nالأول: الأعرج، كما في موطأ مالك (١/ ٣١٠)، والبخاري (١٨٩٤)، والبيهقي (٤/ ٣٠٤)، والبغوي (١٧١٢).\nالثاني: سعيد بن المسيب كما عند عبد الرزاق (٧٨٩١)، وأحمد (٢/ ٢٨١)، والبخاري (٥٩٢٧)، ومسلم (١٦١ - ١١٥١)، والترمذي (٧٦٤)، والنسائي في الصغرى (٢٢١٨)، وفي الكبرى (٣٢٦١)، والبيهقي (٤/ ٣٠٤).\nالثالث: همام بن منبه، كما عند عبد الرزاق (٤/ ٣٠٦) رقم ٧٨٩٢، وأحمد (٢/ ٣١٣).\nالرابع: محمد بن زياد، كما في مسند أبي داود الطيالسي (٢٤٨٥)، وأحمد (٢/ ٤٥٧، ٤٦٧، ٥٠٤)، والبخاري في الصحيح (٧٥٣٨) وفي خلق أفعال العباد (١/ ٩٥)، والمعجم الأوسط للطبراني (٩٠٤٠)، وابن الجعد في مسنده (ص: ١٧٤).\nالخامس: محمد بن سيرين، كما عند أحمد (٢/ ٢٣٤، ٣٩٥، ٤١٠، ٥١٦).\nالسادس: أبو سلمة كما عند أحمد (٢/ ٤٧٥، ٥٠١) والدارمي (٢/ ٣٩) ١٧٦٩، ومسند الحارث كما في بغية الباحث (١/ ٤١٠) من طريقين، عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.\nالسابع: جابر بن زيد، كما في مسند الربيع بن حبيب (ص: ١٣٣) رقم ٣٢٧\nالثامن: قيس بن أبي حازم، كما في الفوائد لابن منده (ص: ٦٩) رقم ٤٦، ومسند إسحاق بن راهوية (١/ ٢٦٦).\nالتاسع: موسى بن يسار. كما عند أحمد (٢/ ٢٥٧) من طريق محمد بن إسحاق، وأخرجه أيضًا (٢/ ٤٨٥) ثنا عبد الرحمن، عن داود بن قيس، عن موسى به. واختلف عليه. وسيأتي بيانه إن شاء الله.\nالعاشر: سلمان الأشجعي: أبو حازم. كما عند أحمد (٢/ ٣٤٧). إلا أنه موقوف.\nالحادي عشر: داود بن فراهيج. كما عند أحمد (٢/ ٤٥٨) وسنده صحيح. =","vol":"10","page":526},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثاني عشر: عجلان مولى المشمعل، وقيل: مولى حكيم. وقيل: مولى حماس. كما في مسند أبي داود الطيالسي (٢٣٦٧)، والمسند لأحمد (٢/ ٥٠٥) وسنده حسن. ومسند ابن الجعد (ص: ٤١٠).\nالثالث عشر: مجاهد، كما في معجم الأوسط للطبراني (٤٨٦٩) من طريق ليث، عنه. وفيه ضعف.\nفهؤلاء اثنا عشر راويًا رووه عن أبي هريرة، مرفوعًا، ولم يذكروا: (يوم القيامة).\nورواه أبو صالح الزيات، عن أبي هريرة، واختلف على أبي صالح.\nفرواه الأعمش، وروايته في الصحيحين، وسيأتي بيان من رواه في تحقيق لفظة: (حين يخلف) في أدلة القول الثاني إن شاء الله، فراجعها مشكورًا.\nوأبو سنان، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٢) رقم ٨٨٩٣، ومسند أبي يعلى (١٠٠٥)، ومسند أحمد (٢/ ٢٣٢) (٣/ ٥)، وصحيح مسلم (١١٥١) وسنن النسائي الصغرى (٢٢١٣)، وفي الكبرى (٢/ ٩٠) رقم ٢٥٢٣، والمنتخب من مسند عبد بن حميد (ص: ٢٨٨)، والمعجم الأوسط للطبراني (٤٨٩٢)، وابن خزيمة (١٩٠٠).\nوسهيل بن أبي صالح، كما عند ابن خزيمة (١٨٩٧) مطولًا. ورواه أحمد (٢/ ٤١٩)، والترمذي (٧٦٦)، إلا أنهما اختصراه.\nوالمنذر بن عبيد، كما في سنن النسائي الصغرى (٢٢١٤)، والكبرى (٢٥٢٤) أربعتهم رووه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بدون قوله: (يوم القيامة) موافقين لرواية الجماعة، عن أبي هريرة.\nورواه ابن جريج، عن أبي صالح، واختلف على ابن جريج.\nفرواه هشام بن يوسف، كما في صحيح البخاري (١٩٠٤)، عن ابن جريج، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بدون ذكر: (يوم القيامة).\nورواه عبد الرزاق كما في مسند أحمد (٢/ ٢٧٣)، وصحيح مسلم (١١٥١).\nومحمد بن حجاج المصيصي، كما في سنن النسائي الصغرى (٢٢١٦)، والكبرى (٢٥٢٦).\nوروح بن عبادة، كما عند أحمد (٢/ ٥١٦)، وسنن البيهقي (٤/ ١٧٠).\nومحمد بن بكر البرساني، كما في صحيح ابن خزيمة (١٨٩٦) وابن حبان (٣٤٢٣)، وفي مسند أحمد مقرونًا بعبد الرزاق (٢/ ٢٧٣). أربعتهم رووه عن ابن جريج، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بذكر يوم القيامة.\nورواه عنه ابن المبارك، كما في سنن النسائي الصغرى (٢٢١٧)، والكبرى (٢٥٢٧)، عن ابن جريج ولم يذكر يوم القيامة إلا أنه خالف في إسناده، فقال، عن ابن جريج قراءة عن عطاء الزيات أنه سمع أبا هريرة. فجعل بدلًا من أبي صالح عطاء الزيات.\nورواه سعيد بن ميناء، كما في مسند أحمد بسند صحيح واختلف عليه فيه: =","vol":"10","page":527},{"text":"الشاهد قوله: (أطيب عند الله يوم القيامة) فجعل ذلك يوم القيامة.\nوتعليل آخر:\nأن يوم القيامة هو يوم الجزاء، وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك.\n_________\n= فرواه أحمد (٢/ ٤٦١) قال: ثنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - قال: حدثني سليم بن حيان، عن سعيد، قال: سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وليس فيه يوم القيامة.\nورواه بهز، كما في مسند أحمد (٢/ ٣٠٦) وعفان في المسند أيضًا (٢/ ٤٠٧) كلاهما، عن سليم بن حيان به. بذكر يوم القيامة.\nورواه موسى بن يسار، عن أبي هريرة، واختلف على موسى أيضًا:\nفرواه أحمد (٢/ ٥٣٢)، وإسحاق بن راهوية في مسنده (١/ ٤٥٥) قالا: حدثنا عبد الله بن الحرث حدثنا داود بن قيس عن موسى بن يسار عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال خلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك.\nوخالفه عبد الرحمن بن مهدي فأخرجه أحمد (٢/ ٤٨٥) عنه، عن داود بن قيس به بدون ذكر يوم القيامة.\nوتابعه محمد بن إسحاق، فأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٧) حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن موسى بن يسار به بدون ذكر يوم القيامة.\nورواه بشير بن نهيك، رواه أحمد (٢/ ٣٠٦) قال: ثنا بهز، ثنا، همام، ثنا قتادة، عن بشير بن نهيك، ولا أظنه إلا عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: خلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك.\nهذا ما وقفت عليه ممن ذكر يوم القيامة، وممن لم يذكرها، فتبين لي أن أكثر الرواة على عدم ذكرها، وقد وقفت على اثني عشر راويًا روى الحديث عن أبي هريرة بدون ذكرها. منهم أخص أصحاب أبي هريرة كالأعرج، وسعيد بن المسيب وغيرهما.\nوأما أبو صالح السمان، فاختلف عليه، فرواه أربعة عنه بدون ذكرها، ورغم أنه لم يخالفهم إلا ابن جريج فقد اختلف على ابن جريج، وحديثه في البخاري بدونها.\nوما عداهم، فهناك ثلاثة، موسى بن يسار، واختلف عليه. وسعيد بن ميناء، واختلف عليه أيضًا. وبشير بن نهيك. ولذا أرى أن الراجح أن قوله: (يوم القيامة) ليست محفوظة. والله أعلم.","vol":"10","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4854>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣٢٧ - ٢٧٨) استدلوا بما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ، قال: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك. هذا لفظ البخاري، ورواه مسلم (^١).\nفأخبر ﷺ عن رائحة المكلوم في سبيل الله ﷿ بأنه كريح المسك يوم القيامة، وهو نظير إخباره عن خلوف فم الصائم؛ فإن الحس يدل على أن هذا دم في الدنيا، وهذا خلوف، ولكن يجعل الله رائحة هذا وهذا مسكًا في يوم القيامة (^٢).\nوالذين قالوا بأنه عام في الدنيا والآخرة لا يعارضون هذا الاستدلال، بل يقولون به، ولكنهم لا يخصون هذا في الآخرة، بل يجعلونه عامًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4855> دليل من قال: ذلك عام في الدنيا والآخرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4856>الدليل الأول:</span>\n(٢٣٢٨ - ٢٧٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سليمان، عن ذكوان،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: كل حسنة يعملها بن آدم عشر حسنات إلى سبعمائة حسنة، يقول الله ﷿: إلا الصوم هو لي وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي والشراب من أجلي وشهوته من أجلي، فهو لي، وأنا أجزي به. والصوم جنة. وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم حين\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٨٧٦).\n(^٢) الوابل الصيب (ص: ٥٨).","vol":"10","page":529},{"text":"يخلف من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (حين يخلف) وقد ترجم ابن حبان في صحيحه لهذا الحديث بقوله: ذكر البيان بأن خلوف فم الصائم قد يكون أيضًا أطيب من ريح المسك في الدنيا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4857>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣٢٩ - ٢٨٠) ما رواه البيهقي في شعب الإيمان من طريق الهيثم بن أبي الحواري، عن زيد العمي، عن أبي نضرة،\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢/ ٤٨٠). وقوله: (حين يخلف). انفرد بذلك شعبة، وقد رواه جمع عن الأعمش، ولم يقولوا: (حين يخلف). وإليك بيانهم:\nالأول: أبو معاوية، وهو أثبت أصحاب الأعمش على الإطلاق. وروايته في مسلم رقم (١١٥١)، وابن ماجه (١٦٣٨).\nالثاني: سفيان الثوري، كما في مصنف عبد الرزاق (٤/ ٣٠٦) رقم ٧٨٩٣، ومسند أحمد (٢/ ٢٦٦، ٤٧٧).\nالثالث: وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٣) رقم ٨٨٩٤، ومسند أحمد (٢/ ٤٤٣، ٤٧٧)، وصحيح مسلم (١١٥١)، سنن ابن ماجه (١٦٣٨)، سنن البيهقي (٤/ ٢٧٣، ٣٠٤).\nالرابع: أبو نعيم الفضل بن دكين، كما في مسند أحمد (٢/ ٣٩٣)، وصحيح البخاري (٧٤٩٢)، وسنن البيهقي (٤/ ٢٣٥، ٢٧٣).\nالخامس: جرير كما في صحيح مسلم (١١٥١)، وسنن النسائي الصغرى (٢٢١٥)، والكبرى (٢٥٢٥)، وصحيح ابن حبان (٣٤٢٢).\nالسادس: ابن نمير، كما في مسند أحمد (٢/ ٤٧٧).\nكما أن شعبة خالف جميع من رواه عن أبي هريرة، وهم جمع كثير، كلهم لم يذكروا هذه اللفظة، منهم:\nالأعرج، وسعيد بن المسيب، وهمام بن منبه، ومحمد بن زياد، ومحمد بن سيرين، وأبو سلمة، وأبو صالح السمان، وجابر بن زيد، وقيس بن أبي حازم، وموسى بن يسار. وسلمان الأشجعي: أبو حازم. وداود بن فراهيج. وعجلان مولى المشمعل، ومجاهد. وغيرهم. راجع تخريج هذه الطرق في أدلة القول الأول. فهذا العدد الكثير يجعل الباحث يجزم بشذوذ لفظة: «حين يخلف».\nكما اختلف على شعبة، فرواه أبو داود الطيالسي (٢٤١٣) عن شعبة، عن الأعمش بدون قوله: (حين يخلف). كما هي رواية الجمهور. والله أعلم.\n(^٢) صحيح ابن حبان (٨/ ٢١١).","vol":"10","page":530},{"text":"عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ، قال: أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يعطهن نبي قبلي ... وفيه: وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك ... وذكر الباقي.\n[الحديث ضعيف] (^١).\n• الراجح:\nالمحفوظ أن حديث الخلوف مطلق، (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) وإذا كان مطلقًا فتقييده بالآخرة يحتاج إلى دليل، وما دام أن لفظة: (يوم القيامة) غير محفوظة بموجب القواعد الحديثية، وكذلك لفظة: (حين يخلف) فالذي يترجح عندي أن ذلك عام في الدنيا والآخرة.\nوقد رجح أن ذلك عام ابن القيم في الوابل الصيب، حيث قال: «وفصل النزاع في المسألة أن يقال:\nحيث أخبر النبي ﷺ بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة؛ فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال من الخير والشر، فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر، وتبدو على الوجه، وتصير علانية، ويظهر فيه قبح رائحة الكفار، وسواد وجوههم.\nوحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف، وحين يمسون؛ فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، ويكون حينئذ طيبها على ريح المسك عند الله تعالى وعند ملائكته، وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد، فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى، وبالعكس، فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم، والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره ورضاه ومحبته، فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا، فإذا كان يوم القيامة ظهر هذا الطيب للعباد، وصار علانية.\n_________\n(^١) شعب الإيمان (٣٦٠٣)، وسبق الكلام فيه أثناء تخريج ح: (٢٣١٥).","vol":"10","page":531},{"text":"وهكذا سائر الأعمال من الخير والشر، وإنما يكمل ظهورها علانية في الآخرة، وقد يقوى العمل ويتزايد حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر، كما هو مشاهد بالبصر والبصيرة» اهـ (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الوابل الصيب (ص: ٦١ - ٦٢).","vol":"10","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4858>الفصل الثالث\nالتسوك في المسجد</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• السواك يتأكد استحبابه للصلاة والوضوء، والأول مكانه في المسجد والثاني مباح فيه.\n• السواك تارة لتطهير الفم وتارة لتحصيل السنة، ولو كان الفم نظيفًا، فلم يتعين استعمال السواك لإزالة القذر.\n• إذا جاز الامتخاط والبصق في الثوب في المسجد فالسواك أخف.\n• لم يأت نهي عن السواك في المسجد والأصل الجواز.\n• استياك النبي ﷺ أمام أمته دليل على أن السواك من باب التنظف والتطيب لا من باب إزالة القذورات.\n[م-٨٨٩] اختلف العلماء في استعمال السواك في المسجد:\nفقيل: يكره السواك في المسجد، وهو قول بعض الحنفية (^١)، ومذهب المالكية (^٢).\n_________\n(^١) بريقة محمودية (١/ ١٨٨).\n(^٢) المفهم للقرطبي (١/ ٥٤٤)، التاج والإكليل (١/ ٦١٨)، وفي الفواكة الدواني (١/ ٢٦٥): «ولا يستاك في المسجد، ولا بحضرة الناس».\nوقال في مواهب الجليل (١/ ٢٦٦) تعليقًا على حديث عائشة وأن الرسول ﷺ كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك، قال: «وخص بذلك دخوله بيته؛ لأنه مما لا يفعله ذوو المروءة بحضرة الجماعة، ولا يجب عمله في المسجد، ولا في المجالس الحافلة».\nوقال في منح الجليل (٨/ ٨٩): «يكره السواك في المسجد».","vol":"10","page":533},{"text":"وقيل: لا يكره، وهو مذهب الجمهور (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4859> دليل الكراهة:</span>\n(٢٣٣٠ - ٢٨١) ما رواه مسلم من طريق إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس ابن مالك، وهو عم إسحق، قال:\nبينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مه مه. قال: قال رسول الله ﷺ: لا تزرموه دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ. قال: فأمر رجلًا من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنه عليه.\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول أو القذر).\nقال القرطبي في المفهم: «فيه حجة لمالك في منع إدخال الميت المسجد، وتنزيهها عن الأقذار جملة، فلا يقص فيها شعر، ولا ظفر، ولا يتسوك فيها؛ لأنه من باب إزلة القذر، ولا يتوضأ فيها، ولا يؤكل فيها طعام منتن الرائحة إلى غير ذلك مما في هذا المعنى» (^٢).\nفلما كان السواك عندهم من باب إزالة الأذى، والمساجد يجب صيانتها، وقد\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (١/ ٢١٩)، كشاف القناع (١/ ٧٤، ٣٧٤)، مطالب أولى النهى (٢/ ٢٦٣)، غذاء الألباب (٢/ ٣٢٣).\n(^٢) المفهم (١/ ٥٤٤).","vol":"10","page":534},{"text":"يخرج قذر من أسنانه مع التسوك، فيقع في المسجد، لذلك منعوا التسوك في المسجد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4860> دليل من قال: لا يكره:</span>\n(٢٣٣١ - ٢٨٢) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال:\nلولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة (^١).\nفهذا دليل على استحباب السواك عند كل صلاة، وكل ما كان السواك مقارنًا لفعل الصلاة كانت العندية أكثر تحققًا، وأحاديث السواك عند كل صلاة في الصحيحين، فلا سبيل إلى الطعن فيها.\nوثانيًا: لا نسلم أن السواك من باب إزالة المستقذرات، ولو سلم لم يلزم منه تلويث المسجد حتى يمنع منه، ثم إننا نقول: بمشروعية السواك للصلاة، ولو كان الفم نظيفًا تحقيقًا للسنة، كما نقول: بغسل اليدين ثلاثًا عند الوضوء، ولو تحققنا من نظافة اليد.\nقال ابن تيمية: «السواك في المسجد ما علمت أحدًا من العلماء كرهه، بل الآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون في المسجد، ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في المسجد، ويمتخط في ثيابه باتفاق الأئمة، وبسنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه، بل يجوز التوضؤ في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء، فإذ جاز الوضوء فيه مع أن الوضوء يكون فيه السواك، وتجوز الصلاة فيه، والصلاة يستاك عندها، فكيف يكره السواك؟ وإذا جاز البصاق والامتخاط فيه، فكيف يكره السواك؟» (^٢).\nوقال العراقي في طرح التثريب: «ولو سلم أن السواك من باب إزالة القاذورات،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٨٨٧).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٧٢، ٣٠٢).","vol":"10","page":535},{"text":"فهو لا يلقيه في المسجد، وإنما يزيله في السواك، فإذا كان السواك محفوظًا معه فلا بأس، وقد ندب إلى السواك لكل صلاة، فيؤمر حاضر المسجد أن يخرج حتى يستاك خارج المسجد؟  هذا مما لا يعقل معناه. والله أعلم» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4861>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣٣٢ - ٢٨٣) ما رواه أحمد من طريق محمد بن فضيل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة،\nعن زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله: لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. قال: فكان زيد بن خالد، يضع السواك منه موضع القلم من أذن الكاتب، كلما قام إلى الصلاة استاك.\n[قال الترمذي: حديث حسن صحيح] (^٢).\nولعل الترمذي صححها مع تفرد ابن إسحاق بها باعتبار أن هذه اللفظة ليست من الحديث المرفوع، وكثير من الرواة لا ينشط على حفظها، حرصًا على ألا يدخل الموقوف في المرفوع، ولكون الاحتجاج كافيًا في القدر المرفوع من الحديث، وهو قوله: (عند كل صلاة) فلا يكون سكوت بعض الرواة عنها دليلًا على شذوذها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ١٤١).\n(^٢) انظر تخريجه، ح: (٢٣٧٠).","vol":"10","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4862>الفصل الرابع\nالتسوك بحضرة الناس</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي.\n• استياك النبي ﷺ أمام أمته دليل على أن السواك من باب التنظف والتطيب لا من باب إزالة القذروات.\n[م-٨٩٠] اختلف العلماء في التسوك أمام الناس:\nفقيل: يكره السواك بحضرة الناس، اختاره بعض المالكية (^١).\nوقيل: لا يكره، وهو الصواب (^٢).\n• تعليل من قال بالكراهة.\nقال القرطبي: يتجنب استعمال السواك في المساجد والمحافل، وحضرة الناس، ولم يرو أنه تسوك في المسجد ولا في محفل من الناس لأنه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد، ولا محاضر الناس، ولا يليق بذوي المروءات فعل ذلك في الملأ من الناس (^٣).\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (١/ ٢٦٥)، حاشية العدوي (١/ ١٨٣).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٩)،\n(^٣) المفهم (١/ ٥٠٩).","vol":"10","page":537},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4863> دليل من قال: لا يكره</span>.\n(٢٣٣٣ - ٢٨٤) استدل بما رواه البخاري من طريق غيلان بن جرير، عن أبي بردة،\nعن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده، يقول: أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوع (^١).\nأخذ الحافظ ابن حجر من الحديث أن السواك من باب التنظيف والتطيب، لا من باب إزالة القاذورات، لكونه ﷺ لم يختف به، وبوبوا عليه: استياك الإمام بحضرة رعيته (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٤٤).\n(^٢) فتح الباري، شرح حديث (٢٤٤). وقد ذكر ذلك ابن دقيق العيد، حيث رد القول بأنه لا يتسوك بحضرة الناس مستدلًا بحديث أبي موسى الذي ذكرناه، ثم قال: إن بعضهم ترجم على هذا الحديث: استياك الإمام بحضرة رعيته. انظر مواهب الجليل (١/ ٢٦٦).","vol":"10","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4864>الفصل الخامس\nالتسوك في الخلاء</span>\n[م-٨٩١] كره بعض فقهاء الحنفية السواك في الخلاء (^١).\nوالصحيح عدم الكراهة.\n• تعليل الكراهة:\nلعلهم رأوا أن السواك من باب التطيب، ولم يعتبروه من باب إزالة القاذورات، وأنه عبادة، فيه مرضاة للرب.\nوالصحيح عدم الكراهة، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولا دليل في المسألة. والسواك فيه جانب تطهير للفم، فلا يصح التعليل أنه من باب التطيب فقط.\n* * *\n_________\n(^١) درر الحكام (١/ ١٠)، بريقة محمودية (٤/ ١٨٨)","vol":"10","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4865>الفصل السادس\nإمكانية ترتيب الأجر على التسوك بما يضر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• السواك تارة لتحصيل السنة، وتارة لتطهير الفم، والتسوك بالضار يحصل به الثاني دون الأول.\n• هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا؟\n[م-٨٩٢] إذا تسوك بما يضر، فهل يحصل له أجر السنة؟\nاختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: يحرم التسوك بضار، ويجزئ (^١).\nوقيل: لا يجزئ على قاعدة من يرى أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا.\n• تعليل من قال: يجزئ:\nقال: لأن المقصود قد حصل به، وهو إزالة القلح، وتطهير الفم.\n• تعليل من قال لا يجزئ:\nقالوا: إن هذا العمل محرم، ولا يمكن أن يقع قربة، لأنه مضاد لأمر الله ورسوله،\n_________\n(^١) نهاية المحتاج (١/ ١٧٩)، حاشية الجمل (١/ ١١٧).","vol":"10","page":540},{"text":"من تحريم تعاطي المضر. ولو قلنا: يحصل به إصابة السنة، لكنا رتبنا على فعل محرم أثرًا شرعيًا، وهذا غير جائز.\n(٢٣٣٤ - ٢٨٥) وقد روى مسلم ﵀ من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم ابن محمد، قال:\nأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.\nالرد: هو المردود، وإذا كان مردودًا فكيف تحصل به السنة، ويصيب الأجر؟ والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4866>الفصل السابع\nفي التسمية للسواك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأصل في العبادات الحظر حتى يرد دليل صحيح على المشروعية.\nاستحب بعض المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، التسمية للسواك.\n• والدليل على الاستحباب:\n(٢٣٣٥ - ٢٨٦) ما رواه أحمد من طريق ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن\nعبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله ﷿ فهو أبتر أو قال أقطع (^٣).\n[ضعيف، ومتنه مضطرب] (^٤).\nوالراجح أن التسمية لا تشرع\nأولًا: الأصل في العبادات الحظر حتى يرد دليل صحيح على المشروعية،\n_________\n(^١) الخرشي (١/ ١٤٠).\n(^٢) أسنى المطالب (١/ ٣٦).\n(^٣) المسند (٢/ ٣٥٩).\n(^٤) سبق تخريجه، انظر ح: (١٤٠٣).","vol":"10","page":542},{"text":"وأحاديث السواك لم ينقل فيها عن النبي ﷺ أنه بدأ بالتسمية عند التسوك. واستحباب التسمية في كل شيء ليس على اطلاقه، فهناك أمور تكون التسمية فيها من البدع، كالتسمية للأذان، والتسمية للصلاة، والتسمية لرمي الجمرات، فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يسمي لهذه العبادات.\n* * *","vol":"10","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4867>الباب الرابع في ذكر المواضع التي يتأكد فيها السواك</span>\nلا شك أن السواك مسنون كل وقت؛ لأن حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) مطلق.\nقال الشوكاني: «أطلق فيه السواك، ولم يخصه بوقت معين، ولا بحالة مخصوصة، فأشعر بمطلق شرعيته، وهو من السنن المؤكدة» (^١).\nلكن هناك مواضع يكون استحباب السواك فيها آكد. وسوف نعرض لها مسألة مسألة، ونبين ما فيها من خلاف ووفاق. والله المستعان.\n* * *\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ١٣٣، ١٣٤).","vol":"10","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4868>الفصل الأول\nالسواك عند الصلاة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• تنعقد أسباب كثيرة للتسوك عند الصلاة، منها قراءة القرآن، ومنها مناجاة الرب، ومنها كثرة الملائكة، ومنها حضور أماكن اجتماع الناس، إلى غيرها من الأسباب.\n[م-٨٩٣] اختلف العلماء في حكم السواك للصلاة:\nفقيل: السواك واجب للصلاة. على خلاف هل تصح الصلاة إذا تركه أم لا؟ وهو مذهب داود (^١)، وإسحاق بن راهوية (^٢).\nوقيل: السواك سنة عند الصلاة مطلقًا فرضًا كانت أو نفلًا، وسواء صلى بطهارة ماء أو تيمم، وسواء كان الفم متغيرًا أو نظيفًا. وهو اختيار بعض الحنفية (^٣)، ومذهب\n_________\n(^١) المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٣٠)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٤)، المغني - ابن قدامة (١/ ٦٩) والمجموع (١/ ٣٢٧).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٢٧)، المغني - ابن قدامة (١/ ٦٩).\n(^٣) قال في حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤): «كيف لا يستحب للصلاة التي هي مناجاة الرب تعالى، مع أنه يستحب للاجتماع بالناس».\nوقال في البحر الرائق (١/ ٢١): «يبعد عدم استحبابه في الصلاة التي هي مناجاة للرب تعالى، سيما عند بعد العهد من الوضوء مع ما فيها من قراءة القرآن التي يستحب استعماله عندها، وحضور الملائكة عندها مع أنهم استحبوه عند مجامع الناس، فبالأولى مع حضور الملائكة». اهـ","vol":"10","page":545},{"text":"الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، واختيار ابن حزم (^٣).\nوقيل: إن السواك من سنن الوضوء، لا من سنن الصلاة، اختاره أكثر الحنفية (^٤).\nوقيل: إن صلى في المسجد فلا يستاك، وإن صلى بغير المسجد فيستاك. وهو مذهب المالكية (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٢٨)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٨)، وقال في تحفة المحتاج (١/ ٢١٦): «ويتأكد للصلاة فرضها ونفلها، وإن سَلَّمَ من كل ركعتين، وقرب الفصل». وانظر مغني المحتاج (١/ ١٨٤).\n(^٢) المغني (١/ ١١٦)، الإنصاف (١/ ١١٨)، أسنى المطالب (١/ ٣٦)، كشاف القناع (١/ ٧٢)،\n(^٣) قال في المحلى (١/ ٤٢٣): «والسواك مستحب، ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل».\n(^٤) قال في مراقي الفلاح (ص: ٢٨): «وهو من سنن الوضوء عندنا، لا من سنن الصلاة، فتحصل فضيلته لكل صلاة أداها بوضوء استاك فيه». اهـ\nوقال في الجوهرة النيرة (١/ ٦): «السواك عندنا من سنن الوضوء، وعند الشافعية من سنن الصلاة». اهـ\nوالفرق بينه وبين من استحب السواك للصلاة قال في البحر الرائق (١/ ٢١): «تظهر فيمن صلى بوضوء واحد صلوات، فيكفيه السواك للوضوء عندنا، وعند الشافعي: يستاك لكل صلاة». اهـ\nوقد قال الرملي من الشافعية في فتاويه في سؤال عمن تسوك عند وضوئه، ولم يتسوك عند الصلاة، فأجاب بأنه لا يحصل له الثواب المترتب على الصلاة بالسواك، وإن أثيب على إتيانه عند الوضوء. انظر فتاوى الرملي (١/ ٣٩).\n(^٥) سبق أن بينا في مسألة مستقلة أن القرطبي في المفهم ذكر أن مالكًا لا يرى السواك في المسجد، ولا يعني هذا أنه لا يرى السواك للصلاة، لأنه يمكن أن يتسوك عند قيامه إلى الصلاة. وقد قال صاحب مواهب الجليل (١/ ٢٦٤): «السواك مستحب في جميع الأوقات، ولكنه في خمسة أوقات أشد استحبابًا. أحدها عند الصلاة، سواء كان متطهرًا بماء أو بتراب، أو غير متطهر، كمن لم يجد ماء ولا ترابًا». وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ١٧٢): «فضل السواك مجمع عليه، لا اختلاف فيه، والصلاة عند الجميع بعد السواك أفضل منها قبله». اهـ\nولولا ما جاء في المفهم - للقرطبي (١/ ٥٤٤)، والتاج والإكليل (١/ ٦١٨)، ومنح الجليل (٨/ ٨٩)، ومواهب الجليل (١/ ٢٦٦) من كراهية السواك في المسجد. لولا هذه النقول لقلت: إن مذهب مالك لا يختلف عن مذهب الجمهور.\nوفي الفواكه الدواني (١/ ١٣٦): «وكما يطلب السواك عند الوضوء، يطلب عند الصلاة». اهـ","vol":"10","page":546},{"text":"وقيل: يتأكد السواك عند صلاتي الصبح والظهر حكاه الأوزاعي عن بعض أهل العلم (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4869> دليل من قال: السواك واجب عند الصلاة</span>.\nذكرت دليله في حكم السواك، والجواب عنه فليراجع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4870> دليل الجمهور على استحباب السواك عند الصلاة</span>.\n(٢٣٣٦ - ٢٨٧) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال:\nلولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4871> دليل من قال: يستحب للصلاة عند الوضوء لا عند الصلاة</span>.\nقالوا: إذا استاك للصلاة ربما يخرج منه دم، وهو نجس بالإجماع (^٣)، كما أن خروج الدم ناقض للوضوء عند بعضهم (^٤).\n• وأجيب:\nقال ابن عابدين: «هذا التعليل عليل، فقد رد بأن ذاك أمر متوهم، مع أنه لمن يثابر عليه لا يدمي» (^٥).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٦٥)، وجاء في التمهيد (٣/ ١٧٢): «قال الأوزاعي ﵀: أدركت أهل العلم يحافظون على السواك مع وضوء الصبح والظهر، وكانوا يستحبونه مع كل وضوء، وكانوا أشد محافظة عليه عند هاتين الصلاتين».\n(^٢) صحيح البخاري (٨٨٧)، ورواه مسلم (٢٥٢).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢١)، وحكاية الإجماع غير صحيحة، كما سيأتي بيانه في باب نواقض الوضوء إن شاء الله تعالى.\n(^٤) تحفة الأحوذي (١/ ١٠٢).\n(^٥) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٣).","vol":"10","page":547},{"text":"وقال في تحفة الأحوذي: «نعم، من يخاف ذلك - يعني خروج الدم - فليستعمل بالرفق على نفس الأسنان واللسان دون اللثة، وذلك لا يخفى» (^١).\nقلت: الراجح أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، كما سأبينه إن شاء الله تعالى، في باب نواقض الوضوء. وحتى على القول بأنه ناقض فإن الدم الخارج يسير عرفًا، وهم حدوه بالفاحش.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4872> دليل من كره السواك في المسجد:</span>\nذكرت أدلتهم في مسألة سابقة مستقلة، وأجبت عن أدلتهم، فارجع إليه غير مأمور.\n* * *\n_________\n(^١) تحفة الأحوذي (١/ ١٠٢).","vol":"10","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4873>الفصل الثاني\nالسواك عند الوضوء</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• السواك للوضوء هل يقصد به التسوك للصلاة، أو للوضوء قصدًا، أو هما موضعان يتأكد استعمال السواك فيهما، والفرق يتضح فيما لو توضأ لغير صلاة هل يتأكد استحبابه للوضوء؟\n[م-٨٩٤] اختلف العلماء في تأكد استحباب السواك للوضوء:\nفقيل: السواك مستحب في الوضوء، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (^١) والمشهور من مذهب المالكية (^٢)،\n_________\n(^١) وفي مذهب الحنفية قولان. قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ١١٣): «قيل: إنه مستحب؛ لأنه ليس من خصائص الوضوء، وصححه الزيلعي وغيره. وقال في فتح القدير: إنه الحق». قال ابن عابدين: «لكن في شرح المنية الصغير: وقد عده القدوري والأكثرون من السنن. وهو الأصح». قال ابن عابدين: وعليه المتون. وانظر البحر الرائق (١/ ١/٢١)، وتبيين الحقائق (١/ ٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٦)، شرح فتح القدير (١/ ٢٤، ٢٥)، وانظر بدائع الصنائع (١/ ١٩).\n(^٢) وفي مذهب المالكية أيضًا قولان: المشهور أنه مستحب. واختار ابن عرفة أنه سنة. انظر: التاج والإكليل (١/ ٣٨٠)، وعده فضيلة (أي من المستحبات)، وكذلك اعتبره الخرشي (١/ ١٣٨) من الفضائل. وقال في مواهب الجليل (١/ ٢٦٤): «أما حكمه فالمعروف في المذهب أنه مستحب. قال ابن عرفة: والأظهر أنه سنة لدلالة الأحاديث على مثابرته ﷺ عليه». وانظر المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٣٠).","vol":"10","page":549},{"text":"وقيل: سنة، وهو قول في مذهب الحنفية (^١)، ومذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، واختاره ابن عرفة (^٤)، وابن العربي من المالكية (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4874> دليل من قال: السواك مستحب وليس بسنة:</span>\nفرق بعض الفقهاء بين المستحب والسنة فقالوا:\nالسنة: ما واظب عليه النبي ﷺ.\nوالمستحب: ما فعله مرة أو مرتين. وألحق بعضهم به ما أمر به، ولم ينقل أنه فعله (^٦).\nوهذا التفريق بين السنة والمستحب لا دليل عليه، والصحيح أن لفظ السنة\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ١/٢١)، وتبيين الحقائق (١/ ٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٦)، شرح فتح القدير (١/ ٢٤، ٢٥).\n(^٢) قال النووي في المجموع (١/ ٣٢٨): «الثالث - يعني من الأحوال التي يتأكد فيها استحباب السواك - عند الوضوء، اتفق عليه أصحابنا، ممن صرح به صاحبا الحاوي، والشامل، وإمام الحرمين، والغزالي، والروياني، ولا يخالف هذا اختلاف الأصحاب في أن السواك هل هو من سنن الوضوء أم لا؟ فإن ذلك الخلاف إنما هو في أنه يعد من سنن الوضوء أم سنة مستقلة عند الوضوء لا منه. وكذا اختلفوا في التسمية وغسل الكفين، ولا خلاف أنهما سنة، وإنما الخلاف في كونها من سنن الوضوء». اهـ\nوانظر أسنى المطالب (١/ ٣٦)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٨)، وفتاوى الرملي (١/ ٥١)، تحفة المحتاج (١/ ٢١٣). نهاية المحتاج (١/ ١٧٧).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١١٨)، كشاف القناع (١/ ٩٤). مطالب أولى النهى (١/ ٩٢).\n(^٤) التاج والإكليل (١/ ٣٨٠)، الشرح الصغير (١/ ١٢٥).\n(^٥) قال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٧٩) وقال: «السواك من سنن الوضوء، لا من فضائله».\n(^٦) قال في البحر الرائق (١/ ٢٩): «ما واظب عليه النبي ﷺ مع تركٍ ما، بلا عذر سنة. وما لم يواظب عليه مندوب، ومستحب، وإن لم يفعله بعد ما رغب فيه». ثم قال: والاستحباب لا يلزم المواظبة؛ لأن جميع المستحبات محبوبة له، ومعلوم أنه لم يواظب على كلها، وإلا لم تكن مستحبة، بل مسنونة». اهـ وانظر البحر المحيط (١/ ٣٧٨)، شرح البهجة (١/ ٣٨٨)، نهاية المحتاج (١/ ١٠٥).","vol":"10","page":550},{"text":"والمندوب والمستحب ألفاظ مترادفة، في مقابل الواجب، ولو سلم هذا التفريق فإن السواك سنة أيضًا؛ لأن الرسول ﷺ كان يتعاهده ليلًا ونهارًا، حتى استاك ﷺ، وهو في سكرات الموت.\nقال ابن العربي: «لا زم النبي ﷺ السواك فعلًا، وندب إليه أمرًا، حتى قال في الحديث الصحيح: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» وما غفل عنه قط، بل كان يتعاهده ليلًا ونهارًا، فهو مندوب إليه، ومن سنن الوضوء، لا من فضائله» (^١).\nوقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على مواظبة النبي ﷺ على السواك منها:\n(٢٣٣٧ - ٢٨٨) ما رواه البخاري من طريق أبي وائل،\nعن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ورواه مسلم أيضًا. وسبق تخريجه.\nفقوله: (إذا قام من الليل) دليل على تكرار ذلك منه ﷺ كلما قام من الليل.\n(٢٣٣٨ - ٢٨٩) ومنها حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك، وهو حديث صحيح، وسبق تخريجه (^٢).\nولفظ: (كان) يدل على فعله دائمًا أو غالبًا. فكيف يقال بعد هذه الأحاديث الصحيحة أن الرسول ﷺ لم يواظب عليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4875> دليل من قال: السواك سنة عند الوضوء:</span>\n(٢٣٣٩ - ٢٩٠) ما رواه أحمد من طريق ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،\nعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (^٣).\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٢/ ٧٩).\n(^٢) انظر ح: (٢٣٥٣).\n(^٣) انظر تخريجه رقم ٢٣٠٥.","vol":"10","page":551},{"text":"واختلف القائلون بأنه سنة:\nهل هو من سنن الوضوء؟ أو هو سنة مستقلة عند الوضوء.\nفقيل: إنه سنة مستقلة، يسن عند الوضوء.\n• تعليلهم:\nأن السواك أولًا: ليس مختصًا بالوضوء.\nوثانيًا: أنه ليس من جنس أفعال الوضوء، لأن الوضوء هو استعمال الماء بنية مخصوصة، والسواك ليس فيه استعمال ماء (^١).\nوقيل: بل هو من سنن الوضوء. قال إمام الحرمين: ليس شرط كون الشيء من الشيء أن يكون من خصائصه، فإن السجود ركن في الصلاة، ومشروع في غيرها لتلاوة، وشكر (^٢). وأرى أن الخلاف لفظي.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية الجمل (١/ ١٢٣).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (١/ ٣٨٦).","vol":"10","page":552},{"text":"مبحث\nمحل السواك من الوضوء\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• أمرنا بالسواك عند كل وضوء، وفي رواية مع كل وضوء، والعندية لا تنافي المصاحبة.\n[م-٨٩٥] اختلف العلماء في محل السواك من الوضوء:\nفقيل: عند المضمضة. وهو مذهب الجمهور (^١).\n_________\n(^١) قال في البحر الرائق (١/ ٢١): «واختلف في وقته: في النهاية وفتح القدير أنه عند المضمضة، وفي البدائع والمجتبى قبل الوضوء، والأكثر على الأول، وهو الأولى».\nوقال في العناية شرح الهداية (١/ ٢٤): «ويستاك عرضًا لا طولًا عند المضمضة».\nوانظر الجوهرة النيرة (١/ ٥)، شرح فتح القدير (١/ ٢٤)، بريقة محمودية (١/ ١٦١).\nوفي مذهب المالكية قال في الفواكه الدواني (١/ ١٣٦): «ويسن الاستياك عند المضمضة». (١/ ١٣٦). وقال في مواهب الجليل (١/ ٢٦٥): «ويفعل ذلك مع المضمضة». وانظر شرح الخرشي (١/ ١٣٨، ١٣٩)، الشرح الصغير (١/ ١٢٤).\nوفي مذهب الشافعية قال في حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٩) «ويستاك قبل المضمضة». وانظر تحفة المحتاج (١/ ٢١٤)، نهاية المحتاج (١/ ١٧٨).\nوفي مذهب الحنابلة قال في كشاف القناع (١/ ٩٣): «ويسن تسوكه عند المضمضة». وانظر شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٦).","vol":"10","page":553},{"text":"وقيل: بل قبل الوضوء. وهو قول في مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4876> دليل من قال السواك قبل الوضوء:</span>\n(٢٣٤٠ - ٢٩١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن\nعبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء (^٤).\nفقوله ﷺ: «عند كل وضوء» فالعندية لا تقتضي المصاحبة، كما في السواك عند كل صلاة، فمعلوم قطعًا أنه لم يرد المصاحبة، بل قبل الصلاة، فالوضوء كذلك، والله أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4877> دليل من قال السواك عند المضمضة:</span>\n(٢٣٤١ - ٢٩٢) ما رواه أحمد، قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢١)، حاشية ابن عابدين (١/ ١١٣).\n(^٢) قال في حاشية العدوي (١/ ١٨٣): «في المسألة قولان، فقيل: يستاك عند المضمضة، لا قبل ولا بعد، وهل مع كل مرة أو مع البعض؟ وقيل: إنه يستاك قبل الوضوء، ويتمضمض بعده ليُخْرج الماء ما حصل بالسواك». اهـ\n(^٣) قال الرملي في فتاويه (١/ ٥١): «يبدأ بالسواك قبل التسمية وغيرها كما صرح به جماعة منهم القفال في محاسن الشريعة والماوردي في الإقناع، والغزالي في الوسيط، وصاحب البيان، ومال إليه الأذرعي». اهـ\nوقال في تحفة المحتاج (١/ ٢١٤): «ومحله بين غسل الكفين على ما قاله ابن الصلاح وابن النقيب في عمدته، وكلام الإمام وغيره يميل إليه، وينبغي اعتماده. وقال الغزالي كالماوردي والقفال: محله قبل التسمية مغني، وجرى على ما قاله الغزالي والشهاب الرملي، والنهاية والزيادي».\n(^٤) المصنف (١٧٨٧)، وسبق تخريجه، انظر ح: (٢٣٠٥).","vol":"10","page":554},{"text":"عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (^١).\nفقوله ﷺ: (مع كل وضوء) المعية هنا تقتضي المصاحبة؛ لأن من تسوك بعد غسل الكفين، وقبل المضمضة يصدق عليه أنه تسوك مع الوضوء، وليس قبله.\nوالذي يظهر والله أعلم أن الحديثين حديث واحد، إحدى الروايتين تفسر الأخرى، فالعندية لا تعارض المعية هنا والله أعلم.\nوالتسوك والمضمضة كلاهما متعلق بالفم دون سائر أعضاء الوضوء. والأفضل والله أعلم أن يكون تسوكه قبل المضمضة سواء كان بعد غسل الكفين أو قبل الشروع في الوضوء؛ وذلك لأن السواك إذا نظف الأسنان، ثم جاءت بعده المضمضة، ومج الماء يكون قد سقط كل أذى اقتلعه السواك من الأسنان أو اللثة. والله أعلم.\nوهناك تفسير آخر فيه بعد، ذكره بعض الفقهاء.\nقال الزرقاني: «قوله: (مع كل وضوء) أي مصاحبًا له. كقوله في رواية: (عند كل وضوء). ويحتمل أن معناه لأمرتهم به كما أمرتهم بالوضوء». اهـ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر تخريجه رقم ٢٣٠٥.\n(^٢) شرح الزرقاني لموطأ مالك (١/ ١٩٥).","vol":"10","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4878>الفصل الثالث\nفي مشروعية السواك للغسل والتيمم</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• السواك مشروع في كل وقت، ولكن تقصد التسوك عند عبادة خاصة يحتاج إلى توقيف، كالذكر، منه ما هو مطلق مأذون بفعله في كل وقت، ومنه ما هو مقيد يحتاج إلى توقيف.\n[م-٨٩٦] استحب بعض الفقهاء السواك للغسل والتيمم (^١)، وقال بعضهم: حتى ولو استاك للوضوء قبل الغسل، فيشرع للغسل (^٢).\nوحجتهم والله أعلم أنها إذا كان السواك مشروعًا في الطهارة الصغرى، فالكبرى من باب أولى، وإذا كان السواك مشروعًا في الوضوء، كان مشروعًا في بدله، وهو التيمم.\nوالذي أراه والله أعلم أنه إن توضأ قبل الغسل، شرع له السواك من أجل الوضوء، وإن لم يتوضأ لم يشرع، لعدم الدليل على مشروعيته للغسل لا من قوله ﷺ، ولا من فعله، وما كان ربك نسيًا.\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (١/ ٢١٤)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٢)، نهاية المحتاج (١/ ٣٠٢).\n(^٢) تحفة المحتاج (١/ ٢٧٥).","vol":"10","page":556},{"text":"وكذلك لا يشرع السواك للتيمم؛ لأنه لم ينقل، والعبادات مبناها على الحظر، حتى يرد دليل على المشروعية، وقد نقلت لنا صفة التيمم في السنة، ولم يرد فيها السواك، والقياس على طهارة الماء ضعيف. والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4879>الفصل الرابع\nفي استحباب السواك عند الانتباه من النوم</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• السواك مطهرة للفم فيتأكد استحبابه عند كل ما يغير رائحة الفم، ومنه النوم والاستيقاظ؛ لأنه مظنة تغير الفم؛ لأنه مظنة تغير الفم.\n[م-٨٩٧] يستحب السواك عند الانتباه من النوم.\nوهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4880> الدليل على استحبابه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4881>الدليل الأول:</span>\n(٢٣٤٢ - ٢٩٣) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن أبي وائل،\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٢٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ١١٣)، البحر الرائق (١/ ٢١).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٢٦٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٣)، الشرح الصغير (١/ ١٢٦).\n(^٣) الأم (١/ ٩٤)، المجموع (١/ ٣٢٩)، طرح التثريب (١/ ٦٦)، أسنى المطالب (١/ ٣٦)، تحفة المحتاج (١/ ٢١٩)، حاشية الجمل (١/ ١٢١).\n(^٤) الإنصاف (١/ ١١٨)، مطالب أولى النهى (١/ ٨٢)، الفروع (١/ ١٢٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٢)، كشاف القناع (١/ ٧٢، ٧٣).","vol":"10","page":558},{"text":"عن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ورواه مسلم أيضًا (^١).\n_________\n(^١) مدار هذا الحديث على أبي وائل: شقيق بن سلمة، عن حذيفة مرفوعًا.\nرواه حصين، عن أبي وائل بزيادة: (إذا قام ليتهجد)،\nورواه منصور، والأعمش، عن أبي وائل بدون هذه الزيادة: إذا قام من الليل، واستغرب ابن مندة زيادة: ليتهجد، وذكر مسلم أن كلًا من منصور والأعمش لم يقولا: ليتهجد. وإليك تخريج رواياتهم:\nالطريق الأول: عن منصور وحصين، مجموعين كلاهما، عن أبي وائل به.\nرواه وكيع وابن مهدي ومحمد بن كثير عن سفيان، أما وكيع فذكر في روايته (التهجد) وأما ابن مهدي ومحمد بن كثير فلم يذكرا التهجد في لفظه، وإليك بيان هذه الطرق.\nفأخرجه أحمد (٥/ ٤٠٢) وابن ماجه (٢٨٦)، وابن خزيمة (١٣٦) وابن حبان (١٠٧٢) عن وكيع، عن سفيان (الثوري)، عن منصور وحصين به. بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل للتهجد يشوص فاه بالسواك.\nرووه كلهم إلا ابن حبان بذكر التهجد، وهذا واضح أن وكيعًا قدم لفظ حصين، وذلك أن رواية منصور إذا جاءت وحدها، لم يذكر فيها لفظ: (التهجد) وكذلك إذا قرن منصور برواية الأعمش، عن أبي وائل، وإذا ذكرت رواية حصين منفردة جاء لفظ التهجد، ولم تتخلف رواية حصين عن ذكر هذه اللفظة في كل الروايات التي رويت عنه وحده. وقد صرح مسلم في صحيحه أن رواية منصور والأعمش عن حصين ليس فيها لفظ التهجد.\nوأما رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، فأخرجها أحمد (٥/ ٤٠٢)، ومسلم (٤٧ - ٢٥٥)، والنسائي في المجتبى (١٦٢١)، وفي الكبرى (١٣٢٣) وابن خزيمة (١٣٦)، والبيهقي في السنن (١/ ١٣٨) رووه من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي، أخبرنا سفيان الثوري، عن منصور وحصين به. دون ذكر التهجد. وهذا واضح أيضًا أن ابن مهدي قدم لفظ منصور.\nوأخرجه البخاري (٨٨٩) وأبو داود (٥٥)، وابن حبان (١٠٧٥) عن محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن منصور وحصين به. ولم يذكر لفظة: (التهجد).\nوتابع فضيل بن عياض الثوري، فأخرجه الطبراني في الأوسط (٥٨٥٨) من طريقه، عن منصور وحصين به.\nوأما طريق منصور وحده، عن أبي وائل\nفأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٥) من طريق زائدة.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٤٠٧) عن عبيدة بن حميد. ...\nوأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٣٨٢) والحميدي في مسنده (٤٤١) عن سفيان بن عيينة،\nوأخرجه البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٢٥٥) والنسائي في المجتبى (٢)، والكبرى (٢) وابن حبان (٢٥٩١) من طريق جرير، كلهم عن منصور، عن أبي وائل به، بدون ذكر التهجد.\nوأما طريق حصين بن عبد الرحمن السلمي وحده، عن أبي وائل.\nفأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٥)، ومن طريقه مسلم (٤٦ - ٢٥٥) والبيهقي في السنن (١/ ٣٨) عن هشيم،\nوأخرجه الطيالسي (٤٠٩) وأحمد (٥/ ٣٩٠)، والنسائي في المجتبى (١٦٢٢)، والدارمي (٦٨٥) وأبو عوانة (١/ ١٩٣) عن شعبة.\nوأخرجه أبو عوانة (١/ ١٩٣) من طريق محمد بن فضيل،\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣٩٠) من طريق زائدة.\nوأخرجه البخاري (١١٣٦) من طريق خالد بن عبد الله، كلهم عن حصين، عن أبي وائل به بذكر القيام للتهجد.\nفطريق حصين وحده يذكر فيه: (إذا قام ليتهجد ..).\nوتابع الأعمش منصورًا وحصينًا في أبي وائل،\nفقد أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٥) وأحمد (٥/ ٣٩٧)، ومسلم (٢٥٥)، وابن ماجه (٢٨٦) والطبراني في الأوسط (٢٩٢٧) عن أبي معاوية.\nوأخرجه مسلم (٢٥٥) من طريق سفيان. مقرونًا برواية منصور وحصين.\nوأخرجه ابن الجعد (ص: ٣٨٠) من طريق زهير.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣٩٧) ومسلم (٢٥٥) عن ابن نمير، كلهم عن الأعمش، عن أبي وائل به. وأشار مسلم إلى أنه لم يقل: (ليتهجد).","vol":"10","page":559},{"text":"قال ابن دقيق العيد: «فيه دليل على استحباب السواك في هذه الحالة الأخرى، وهي القيام من النوم، وعلته: أن النوم مقتض لتغير الفم، والسواك هو آلة التنظيف للفم، فيسن عند مقتضى التغير. وقوله: (يشوص) اختلفوا في تفسيره، فقيل: يدلك. وقيل: يغسل. وقيل: ينقي. والأول أقرب. وقوله: (إذا قام من الليل) ظاهره يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام. ويحتمل أن يراد: إذا قام من الليل للصلاة» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4882>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣٤٣ - ٢٩٤) ما رواه مسلم من طريق أبي المتوكل، أن ابن عباس حدثه،\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٠٩).","vol":"10","page":560},{"text":"أنه بات عند النبي ﷺ ذات ليلة فقام نبي الله ﷺ من آخر الليل، فخرج فنظر في السماء، ثم تلا هذه الآية في آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ...) حتى بلغ: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية، ثم رجع فتسوك فتوضأ، ثم قام فصلى (^١).\nيحتمل أنه تسوك من أجل القيام من النوم، أو من أجل الوضوء، أو من أجل الصلاة، ولا يبعد أن يكون تسوك منها كلها، ولا يمنع أن يكون هناك أكثر من سبب للتسوك، ولو لم يثبت في التسوك من القيام من الليل حديث، لكان يكفي فيه حديث عائشة: (السواك مطهرة للفم) فإن النوم مظنة لتغير الفم، فيشرع تطهير الفم منه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4883>الدليل الثالث:</span>\n(٢٣٤٤ - ٢٩٥) ما رواه أحمد، قال ﵀: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا محمد بن مسلم بن مهران مولى لقريش، سمعت جدي يحدث عن ابن عمر،\nأن رسول الله ﷺ كان لا ينام إلا والسواك عنده فإذا استيقظ بدأ بالسواك.\n[حسن إن شاء الله تعالى] (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤٨ - ٢٥٦)، وهو في الصحيحين من طريق كريب عن ابن عباس.\n(^٢) ومن طريق أبي داود الطيالسي رواه أبو يعلى (٥٧٤٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٤)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٣).\nوفي إسناده محمد بن مسلم. هو محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران.\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطئ. الثقات (٧/ ٣٧١) رقم ١٠٤٨٧.\nقال الدارقطني بصري يحدث عن جده ولا بأس بهما. تهذيب التهذيب (٩/ ١٥).\nوقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: ليس به بأس. تهذيب الكمال (٢٤/ ٣٣١).\nوقال ابن عدي: ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ما له من الحديث لا يتبين صدقه من كذبه. الكامل (٦/ ٢٤٣) رقم ١٧٢٠. =","vol":"10","page":561},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما جده مسلم بن مهران، فقد قال فيه أبو زرعة: كوفى ثقة. الجرح والتعديل (٨/ ١٩٥) رقم ٨٥٤.\nذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٥/ ٣٩٢). رقم ٥٣٥٥.\nوفي التقريب: ثقة. فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى.\nوجاء عن ابن عمر من طريق آخر إلا أنه ضعيف.\nفقد أخرج أبو يعلى في مسنده (٥٦٦١)، قال: حدثنا موسى بن محمد بن حيان.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٣٥٩٨) من طريق محمد بن المثنى، كلاهما عن عبيد الله بن عبد المجيد (أبي علي الحنفي)، حدثنا حسام بن مصك، حدثنا عطاء بن أبي رياح،\nعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان لا يتعار من الليل ساعة إلا أجرى السواك على فيه.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه حسام بن مصك.\nقال أحمد: مطروح الحديث.\nوقال ابن المبارك: ارم به. الضعفاء الكبير - العقيلي (١/ ٢٩٩) رقم ٣٧٤.\nوقال ابن معين: ليس بشيء. الكامل (٢/ ٤٣٢)، الجرح والتعديل (٣/ ٣١٧).\nوقال ابن عدي: عامة أحاديثه إفرادات، وهو مع ضعفه حسن الحديث، وهو إلى الضعف أقرب منه الى الصدق. المرجع السابق.\nوقال أبو زرعة: واهي الحديث منكر الحديث. المرجع السابق.\nوفي التقريب: ضعيف، يكاد أن يترك.\nوأخرجه الطبراني في الكبير أيضًا (١٣٥٩٣)، قال: حدثنا محمد بن يوسف التركي، ثنا عيسى ابن إبراهيم البركي، ثنا سعيد بن راشد، عن عطاء عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان لا يقعد ساعة من الليل إلا مر السواك على فيه.\nوفيه سعيد بن راشد:\nقال يحيى بن معين: سعيد بن راشد السماك يروي من أذن فهو يقيم ليس حديثه بشيء. الضعفاء الكبير (٢/ ١٠٥).\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث منكر الحديث. الجرح والتعديل (٤/ ١٩).\nوقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٣/ ٤٧١).\nوقال النسائي: متروك. الضعفاء والمتروكين (٢٨٠).\nقال أبو حاتم: صدوق. الجرح والتعديل (٦/ ٢٧٢) رقم ١٥٠٦.\nوقال النسائي: ليس به بأس. تهذيب الكمال (٢٢/ ٥٨٠).\nوذكره بن حبان في كتاب الثقات. الثقات (٨/ ٤٩٤) رقم ١٤٦٢٤.\nوقال بن معين مرة: ليس برضي. ومرة: لا يساوي شيئًا. المرجع السابق.","vol":"10","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4884>الدليل الرابع:</span>\n(٢٣٤٥ - ٢٩٦) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا موسى بن هارون، ثنا سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، ثنا إبراهيم بن ثابت من بني عبد الأول، حدثني عكرمة بن مصعب من بني عبد الدار، عن محرر بن أبي هريرة،\nعن أبيه، قال: كان النبي ﷺ لا ينام ليلة، ولا ينتبه إلا استن.\n[ضعيف] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4885>الدليل الخامس:</span>\n(٢٣٤٦ - ٢٩٧) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق علي بن زيد بن جدعان، قال: حدثتني أم محمد،\nعن عائشة، أن النبي ﷺ كان لا يرقد ليلًا، ولا نهارًا إلا تسوك قبل أن يتوضأ (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) الأوسط (٨/ ٦٧) رقم ٧٩٨٠. وفيه عكرمة بن مصعب:\nقال ابن أبي حاتم: سألت أبى عنه فقال: هو مجهول. الجرح والتعديل (٧/ ١٠).\nوقال الحافظ أيضًا: مجهول. لسان الميزان (٤/ ١٨٢).\nوفي الإسناد أيضًا محرر بن أبي هريرة.\nذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٨/ ٤٠٨).\nوقال ابن سعد: روى عن أبيه، وكان قليل الحديث. الطبقات الكبرى (٥/ ٢٥٤).\nوذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٥/ ٤٦٠).\nوفي التقريب: مقبول. يعني حيث توبع، وإلا فلين الحديث. ولا أعلم أحدًا تابعه في أبي هريرة.\n(^٢) المصنف (١/ ١٥٥).\n(^٣) الحديث فيه: علي بن زيد بن جدعان، وهو متفق على ضعفه، وهو متفق على ضعفه، انظر ترجمته في تهذيب الكمال (٢٠/ ٤٣٤) وفي الكامل لابن عدي (٥/ ١٩٥ - ٢٠١) وميزان الاعتدال (٣/ ١٢٧).\nوفيه أم محمد امرأة أبيه. لم يرو عنها إلا زيد بن علي بن جدعان، ولم يوثقها أحد فهي في عداد المجهولين. ...\nتخريج الحديث:\nالحديث رواه أحمد (٦/ ١٢١) وأبو داود (٥٧) وابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٤٨٢)، والطبراني في الأوسط (٣٥٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٨) من طريق علي بن زيد به. وضعفه الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ٦٣).","vol":"10","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4886>الدليل السادس:</span>\n(٢٣٤٧ - ٢٩٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا همام، حدثنا هشام بن عروة، قال: حدثني أبي،\nأن عائشة حدثته، أن رسول الله ﷺ كان يرقد، فإذا استيقظ تسوك، ثم توضأ، ثم صلى ثمان ركعات يجلس في كل ركعتين، فيسلم، ثم يوتر بخمس ركعات لا يجلس إلا في الخامسة، ولا يسلم إلا في الخامسة.\n[رجاله ثقات إلا أن ذكر السواك فيه شاذ] (^١).\n_________\n(^١) رواه البيهقي في الكبرى (٣/ ٢٨) من طريق عفان، ثنا همام، ثنا هشام بن عروة به بقوله: (كان يرقد فإذا استيقظ تسوك).\nورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٤٨) من طريق أبي عمر، أنبأ همام به. وليس فيه ذكر التسوك. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوقد رواه سبعة عشر حافظًا، ولم يذكروا فيه السواك وأكثرهم أحفظ من همام، وإليك تخريج رواياتهم:\nالأول: عبدة بن سليمان، كما في مسند إسحاق بن راهويه (٢/ ١٣٢) رقم ٦١٦ ومسلم (٧٣٧)، وسنن النسائي الكبرى (١٤٢٠). وابن حبان (٢٤٣٧) (٢٤٤٠)، والبيهقي (٣/ ٢٧).\nالثاني: يحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (٦/ ٥٠) وصحيح ابن خزيمة (٢/ ١٤٠، ١٤١) رقم ١٠٧٦، ١٠٧٧.\nالثالث: أبو أسامة كما في مسند أحمد (٦/ ١٦١)، وصحيح ابن خزيمة (٢/ ١٤٠) رقم ١٠٧٦.\nالرابع: شعبة. كما في صحيح ابن حبان (٢٤٣٨) وزاد (وأوتر بسبع).\nالخامس والسادس: حماد بن سلمة وحماد بن زيد. صحيح ابن حبان (٢٤٣٩).\nالسابع: وهيب، كما في سنن أبي داود (١٣٣٨).\nالثامن: جعفر بن عون، سنن البيهقي الكبرى (٣/ ٢٧)، سنن الدارمي (١٥٨١) مسند أبي عوانة (٢/ ٣٢٥). ...\nالتاسع: ابن جريج، كما في مسند الشافعي (٢/ ٢١٣) ومسند أبي عوانة (٢/ ٣٢٥).\nالعاشر: معمر، كما في مصنف عبد الرزاق (٤٦٦٧).\nالحادي عشر: سفيان الثوري، كما في سنن النسائي (١٧١٧)\nالثاني عشر: وكيع، كما في مسند أحمد (٦/ ٢٠٥) ومسند أبي عوانة «٢/ ٣٢٥)\nالثالث عشر: عبد الله بن نمير، كما في مسند أحمد (٦/ ٢٣٠) وصحيح مسلم (٧٣٧) وسنن الترمذي (٤٥٩).\nالرابع عشر: سفيان بن عيينة، كما في مسند الحميدي (١٩٥).\nالخامس عشر: حسان بن إبراهيم كما في مسند أبي يعلى (٤٥٢٦).\nالسادس عشر: الليث، كما في مسند أحمد (٦/ ٦٤).\nالسابع عشر: أبو عوانة الوضاح، كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٤٤٩). كلهم رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ولم يذكروا فيه التسوك.\nوتابع هشامًا عمر بن مصعب بن الزبير، عند الطبراني في الأوسط (٧٧١٤).","vol":"10","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4887>الدليل السابع:</span>\n(٢٣٤٨ - ٢٩٩) ما رواه مسلم من طريق قتادة، عن زرارة، أن سعد بن هشام، قال لعائشة: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ فقالت:\nكنا نعد له سواكه، وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يقوم، فيصل التاسعة، ثم يقعد، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم، وهو قاعد، وتلك إحدى عشرة ركعة. الحديث قطعة من حديث طويل (^١).\n(٢٣٤٩ - ٣٠٠) وفي رواية لأبي داود من طريق بهز بن حكيم، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام،\nعن عائشة أن النبي ﷺ كان يوضع له وضوءه وسواكه، فإذا قام من الليل تخلى، ثم استاك.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٣٩ - ٧٤٦).","vol":"10","page":565},{"text":"[سنده حسن] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4888>الدليل الثامن:</span>\n(٢٣٥٠ - ٣٠١) ما رواه ابن أبي عمر، قال: حدثنا وكيع، ثنا المنذر بن ثعلبة العبدي، عن ابن بريدة،\nعن أبيه ﵁، قال: إن النبي ﷺ كان إذا انتبه من الليل دعا جارية -يقال لها بريرة- بالسواك (^٢).\n[إسناده صحيح] (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4889>الدليل التاسع:</span>\n(٢٣٥١ - ٣٠٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا واصل، عن أبي سورة،\nعن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ كان يستاك من الليل مرتين، أو ثلاثًا، وإذا قام يصلي من الليل صلى أربع ركعات لا يتكلم، ولا يأمر بشيء ويسلم بين كل ركعتين (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٥٦) ورجاله كلهم ثقات إلا بهز بن حكيم، وهو صدوق.\n(^٢) المطالب العالية (٦٢).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة، في المصنف (١/ ١٩٧) حدثنا وكيع، عن المنذر بن ثعلبة، عن عبد الله بن بريدة، قال: كان النبي ﷺ وذكر الحديث، فالظاهر أنه سقط من الإسناد بريدة الصحابي ﵁.\n(^٤) المسند (٥/ ٤١٧).\n(^٥) الحديث رواه أحمد (٥/ ٤١٧)، وعبد بن حميد، كما في المنتخب (٢١٩) والطبراني في الكبير (٤٠٦٦) عن محمد بن عبيد.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٩٦) حدثنا أبو خالد الأحمر، كلاهما عن واصل به. إلا أنه سقط من إسناد ابن أبي شيبة أبو أيوب. وقد ذكره الحافظ في المطالب العالية (٦١) عن ابن أبي شيبة، بزيادة أبي أيوب. ...\nوفي إسناده: أبو سورة، ضعيف.\nوذكره ابن حبان في الثقات. (٥/ ٥٧٠).\nوقال البخاري: منكر الحديث، يروي عن أبي أيوب مناكير لا يتابع عليه. تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٩٤).\nوقال الترمذي: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن معين جدًّا، قال: وسمعت البخاري يقول: أبو سورة هذا منكر الحديث، يروي مناكير عن أبي أيوب، لا يتابع عليها. سنن الترمذي (٢٥٤٤).\nوقال الدارقطني: مجهول. المرجع السابق.\nكما أن في الإسناد واصل بن السائب، ضعيف أيضًا. جاء في ترجمته:\nقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٨/ ١٧٣)، الضعفاء الصغير (٣٨٧).\nوقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن واصل بن السائب، فقال: ضعيف الحديث، مثل أشعث ابن سوار، وليث بن أبي سليم وأشباههم. وقال ابن أبي حاتم أيضًا: سألت أبي عن واصل بن السائب، فقال: منكر الحديث. الجرح والتعديل (٩/ ٣٠).\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٦٠٠).","vol":"10","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4890>الفصل الخامس\nيستحب السواك عند تغير الفم</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• السواك مطهرة للفم فيتأكد استحبابه عند كل ما يغير رائحة الفم.\n• الفم يتغير بخمسة أشياء: النوم، والصيام، وكثرة الكلام، وطول السكوت، والأكل.\n[م-٨٩٨] ذهب الأئمة الأربعة إلى أن التسوك عند تغير الفم سنة (^١)،\nولا أعلم فيه خلافًا إلا ما سبق من الخلاف في كراهيته للصائم بعد الزوال، وقد سبق البحث فيه.\nقال العراقي: وتغير الفم: سواء فيه تغير الرائحة، أو تغير اللون كصفرة الأسنان (^٢).\n_________\n(^١) بريقة محمودية (١/ ١٨٨) مواهب الجليل (١/ ٢٦٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٣)، الشرح الصغير (١/ ١٢٦). وقال الشافعي في الأم (١/ ٤٠): «واستحب السواك عند كل حال يتغير فيه الفم».\nوقال النووي في المجموع (١/ ٣٢٨): «وتغيره - يعني الفم - تارة يكون بالنوم، وقد يكون بأكل ما له رائحة كريهة، وقد يكون بترك الأكل والشرب، وبطول السكوت. قال صاحب الحاوي: ويكون أيضًا بكثرة الكلام». انتهى كلام النووي.\nوانظر تحفة المحتاج (١/ ٢١٩)، مغني المحتاج (١/ ١٨٥)، وانظر الإنصاف (١/ ١١٨)، الفروع (١/ ١٢٦)، كشاف القناع (١/ ٧٣).\n(^٢) طرح التثريب (١/ ٦٦).","vol":"10","page":568},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4891> الدليل على استحباب السواك عند تغير الفم:</span>\n(٢٣٥٢ - ٣٠٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، ثنا يزيد بن زريع، ثنا عبدالرحمن ابن أبي عتيق، عن أبيه، أنه سمع عائشة تحدثه،\nعن النبي ﷺ، قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.\n[صحيح، وسبق بحثه] (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (السواك مطهرة للفم) فقوله: (السواك) مبتدأ. ومطهرة خبر. فأسند التطهير إلى السواك، فكأن الغرض من مشروعية السواك تطهير الفم، والذي يحصل به مرضاة الرب إذا طهره امتثالًا لأمر الله، فالسواك سبب لطهارة الفم، وسبب لمرضاة الرب، وكل ما تغير الفم واحتاج إلى التطهير كان مشروعية السواك آكد، وتطهير الفم إنما شرع لمناجاة الله ﷾، ولذلك شرع عند الصلاة، ولتلاوة كتاب الله، ولدنو الملائكة؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر تخريجه (ح ٢٢٨٦).","vol":"10","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4892>الفصل السادس\nاستحباب السواك عند دخول البيت</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• هل التسوك لدخول البيت من أجله، أو من أجل ملاقاة من فيه، بحيث لو كان يدخل بيتًا لا يوجد فيه أحد لم يشرع التسوك؟\n[م-٨٩٩] استحب الأئمة الأربعة التسوك عند دخول البيت (^١)، ولم أقف فيه على خلاف.\n• ومستند الاستحباب:\n(٢٣٥٣ - ٣٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك.\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٢٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤)، البحر الرائق (١/ ٢١)، ومواهب الجليل (١/ ٢٦٦)، المجموع (١/ ٣٢٨)، الأشباه والنظائر (١/ ٤٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٣)، كشاف القناع (١/ ٧٣)، المغني (١/ ٦٩).\n(^٢) المسند (١/ ١٨٨). والحديث مداره على المقدام بن شريح، عن أبيه عن عائشة. وله طرق كثيرة إلى المقدام.\nالطريق الأول: سفيان الثوري، عن المقدام به، ...\nرواه أحمد (١/ ١٨٨) ومسلم (٤٤ - ٢٥٣) وابن خزيمة (١٣٤) وابن حبان (١٠٧٤) عن ابن مهدي.\nورواه أحمد (٦/ ١٩٢) وإسحاق بن راهويه في مسنده (١٥٧٧) وابن خزيمة (١٣٤) عن وكيع.\nوأخرجه أبو عوانة (١/ ١٩٢) من طريق قبيصة، ثلاثتهم عن سفيان الثوري به.\nالطريق الثاني: مسعر، عن المقدام بن شريح به.\nرواه أحمد (٦/ ٤١، ٤٢) حدثنا عبدة.\nومسلم (٤٣ - ٢٥٣) من طريق ابن بشر.\nوأبو داود (٥١) والنسائي في المجتبى (٨)، وفي الكبرى (٧) من طريق عيسى بن يونس.\nوأبو عوانة في مسنده (١/ ١٩٢) وابن خزيمة (١٣٤) من طريق يزيد بن هارون.\nوأبو عوانة في مسنده (١/ ١٩٢) من طريق وكيع، ويعلى، ومحمد بن عبيد، وأبو نعيم. كلهم عن مسعر، عن المقدام بن شريح به.\nومن طريق مسعر أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٤)، والبغوي في شرح السنة (٢٠١).\nالطريق الثالث: شريك، عن المقدام بن شريح به.\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٥)، ومن طريقه ابن ماجه (٢٩٠)، وابن حبان (٢٥١٤).\nوأخرجه أحمد (٦/ ١١٠، ١٨٢، ٢٣٧) ثنا أسود بن عامر، ويزيد فرقهما: كلهم عن شريك به، ولفظ أحمد: (بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته، وبأي شيء كان يختم؟ قالت: كان يبدأ بالسواك، ويختم بركعتي الفجر). هذا لفظ يزيد. ولفظ الأسود نحوه. إلا أنه ليس فيه سؤال. وهذه الزيادة زادها شريك، ولم يذكرها سفيان، ولا مسعر، وهما أحفظ منه.","vol":"10","page":570},{"text":"قال القرطبي: «يحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه كان يبدأ بصلاة النافلة، فقلما كان يتنفل في المسجد، فيكون السواك لأجلها. وقال غيره: الحكمة في ذلك أنه ربما تغير رائحة الفم عند محادثة الناس، فإذا دخل البيت كان من حسن معاشرة الأهل إزالة ذلك» (^١).\nوقال بعضهم: لعله يفعل ذلك إذا انقطع عن الناس استعدادًا لنزول الوحي، وأيًّا كان فإنه يشرع للإنسان إذا دخل بيته في أي وقت من ليل أو نهار أن يبدأ بالسواك تأسيًا بالنبي ﷺ.\n* * *\n_________\n(^١) نقلًا من شرح السيوطي على سنن النسائي (١/ ١٣).","vol":"10","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4893>الفصل السابع\nالتسوك عند دخول المسجد</span>\n[م-٩٠٠] استحب الحنابلة التسوك عند دخول المسجد (^١).\nولا أعلم لهم دليلًا على الاستحباب، وهذه المسألة غير المسألة السابقة، وهي التسوك في المسجد؛ لأن هذه المسألة نعني بها التسوك لدخول المسجد. من أجل الدخول فقط، أما من أجل الصلاة فنعم، فقد ذكرنا أدلته في مسألة مستقلة. ولو كان دخول المسجد يشرع له التسوك لجاء التشريع فيه إما قولًا وإما فعلًا، فعدم النقل في العبادة مع إمكان الفعل دليل على عدم المشروعية.\n(٢٣٥٤ - ٣٠٥) نعم روى الطبراني في الكبير، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصبهاني، ثنا سهل بن عثمان، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثني أبو أيوب، عن صالح،\nعن زيد بن خالد الجهني قال: ما كان رسول الله ﷺ يخرج من شيء لشيء من الصلوات حتى يستاك.\n[ضعيف تفرد بها أبو أيوب، وقد لينه أبو زرعة] (^٢).\n_________\n(^١) شرح منتهى الإرادات (١/ ٤٣)، كشاف القناع (١/ ٧٣)، مطالب أولى النهى (١/ ٨١).\n(^٢) حديث زيد بن خالد الجهني في السواك، روي عنه، بلفظ: (لولا أن أشق على أمتي ولأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد ابن خالد، وقد خرجت هذا الطريق فيما سبق، انظر تخريج (ح ٦٨٤). ...\nورواه صالح بن نبهان، عن زيد بن خالد بلفظ: ما كان رسول الله ﷺ يخرج من شيء لشيء من الصلوات حتى يستاك. تفرد به عن صالح بن نبهان أبو أيوب: عبد الله بن علي الإفريقي، وهو رجل فيه لين.\nقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه فقال ليس بالمتين في حديثه إنكار هو لين. الجرح والتعديل (٥/ ١١٥) رقم ٥٢٦.\nوقال الدوري، عن ابن معين: ليس به بأس. تهذيب التهذيب (٥/ ٢٨٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢١). وفي التقريب: صدوق يخطئ من السادسة.\nوفيه صالح مولى التوأمة:\nقال الحافظ في التقريب: صدوق اختلط. قال ابن عدي لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج. وقد أخطأ من زعم أن البخاري أخرج له. اهـ كلام الحافظ.\nقلت: قد ذكر ابن الكيال في الكواكب النيرات (ص: ٢٦٢) على أن أبا أيوب عبد الله بن علي الأفريقي سمع من صالح بن نبهان قبل الاختلاط.","vol":"10","page":572},{"text":"على أن هذا الحديث في الذهاب إلى المسجد، ومسألتنا في دخول المسجد، وإذا تسوك عند الخروج إلى الصلاة بنية التسواك للصلاة أصاب السنة؛ وكل ما قرب من الصلاة كانت إصابته للسنة أوكد، ولله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4894>الفصل الثامن\nالتسوك عند قراءة القرآن</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• السواك مطهرة للفم فيتأكد استحبابه عند قراءة القرآن لتطييب الفم؛ لأن الأفواه طرق القرآن، ولقرب الملائكة.\n[م-٩٠١] من المواضع التي يستحب لها السواك قراءة القرآن، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n• أدلة الاستحباب:\n(٢٣٥٥ - ٣٠٦) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو الحسن العلوي، وأبو علي الحسين ابن محمد الروذباري، قالا: أنا أبو طاهر محمد بن الحسين المجد أباذي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عمرو بن عون الواسطي، ثنا خالد بن عبد الله، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي،\nعن علي رضي الله تعالى عنه، قال: أمرنا بالسواك، وقال: إن العبد إذا قام يصلي أتاه الملك، فقام خلفه يستمع القرآن، ويدنو فلا يزال يستمع ويدنو، حتى يضع فاه على فيه فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملك.\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢١)، ومواهب الجليل (١/ ٢٦٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٣٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٣)، والمجموع شرح المهذب (٢/ ١٩٠)، طرح التثريب (١/ ٦٦)، الأشباه والنظائر (ص: ٤٢٧) أسنى المطالب (١/ ٣٦)، الإنصاف (١/ ١١٨)،","vol":"10","page":574},{"text":"[صحيح] (^١).\nالدليل الثاني:\n(٢٣٥٦ - ٣٠٧) روى البيهقي، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن الحسين بن محمد لفظا، ثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبي، ثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان،\nعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك؛ فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك (^٢).\n[إسناده ضعيف، وهو شاهد للحديث الذي قبله] (^٣).\nالدليل الثالث:\n(٢٣٥٧ - ٣٠٨) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا مسلم ابن إبراهيم، حدثنا بحر بن كنيز، عن عثمان بن ساج، عن سعيد بن جبير،\nعن علي بن أبي طالب قال: إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه، انظر (ح ٢٣٠٨).\n(^٢) شعب الإيمان (٢/ ٣٨١) رقم ٢١١٧.\n(^٣) سبق تخريجه، انظر شواهد، ح: (٢٣٠٩).\n(^٤) سنن ابن ماجه (٢٩١).\n(^٥) هذا الإسناد له علتان:\nالأولى: الانقطاع بين سعيد بن جبير، وبين علي، حيث لم يدرك سعيد بن جبير عليًا ﵁. المراسيل - ابن أبي حاتم (ص: ٧٤).\nالثانية: ضعف بحر بن كنيز، ضعفه ابن حاتم الرازي.\nقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٨٢).\nوقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: بحر السقاء لا يكتب حديثه. المرجع السابق.","vol":"10","page":575},{"text":"الدليل الرابع:\n(٢٣٥٨ - ٣٠٩) روى البيهقي في شعب الإيمان من طريق الحسن بن الفضل بن السمح، حدثنا غياث بن كلوب الكوفي، حدثنا مطرف بن سمرة - ولقيته سنة خمس وسبعين ومائة - عن أبيه، قال:\nقال رسول الله ﷺ: طيبوا أفواهكم بالسواك؛ فإنها طرق القرآن.\nقال البيهقي: غياث مجهول (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالدليل الخامس:\n(٢٣٥٩ - ٣١٠) قال ابن الملقن في البدر المنير: روى مسلم الكشي في سننه، وأبونعيم، عن أبي رجاء،\nعن وضين، قال: قال رسول الله ﷺ: طيبوا أفواهكم، فإن أفواهكم طرق القرآن (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١) شعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٣٨٢) رقم ٢١١٩.\n(^٢) في الإسناد أيضًا: الحسن بن الفضل\nقال أبو الحسين بن المنادى: أكثر الناس عنه، ثم انكشف، فتركوه وخرقوا حديثه. ميزان الاعتدال (١/ ٥١٧)، لسان الميزان (٢/ ٢٤٤)، تاريخ بغداد (٧/ ٤٠١).\nوقال ابن حزم: مجهول. المحلى (٩/ ٢٩٦).\nوغياث بن كلوب: قال فيه البيهقي ما علمت.\nوضعفه الدارقطني. لسان الميزان (٤/ ٤٢٣).\n(^٣) البدر المنير (٣/ ٢٠٠).\n(^٤) فيه أربع علل:\nالأولى: في إسناده مندل. ضعفه النسائي، وأحمد بن حنبل، وقال أبو زرعة: لين. الجرح والتعديل (٨/ ٤٣٤)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٥٧٨)\nواختلف قول ابن معين فيه، فقال في رواية أبي بكر بن أبى خيثمة عنه: مندل بن على ليس بشيء. المرجع السابق.\nوقال في روية عثمان بن سعيد عن يحيى بن معين: ليس به بأس. المرجع السابق.\nوقال أبو حاتم الرازي: شيخ. المرجع السابق.\nوقال ابن سعد: فيه ضعف، ومنهم من يشتهي حديثه ويوثقه، وكان خيرًا فاضلًا من أهل السنة. الطبقات الكبرى (٦/ ٣٨١).\nوقال ابن عدي: له أحاديث افراد وغرائب، وهو ممن يكتب حديثه. الكامل (٦/ ٤٥٥).\nالعلة الثانية: أبو رجاء لم ينسب فيتبين، فإن كان محرز بن عبد الله فهو مدلس مكثر، وقد عنعن.\nالعلة الثالثة: الإرسال.\nالعلة الرابعة: وضين. قال فيه أبو حاتم الرازي: تعرف وتنكر. الجرح والتعديل (٩/ ٥٠).\nوذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (٤/ ٣٢٩).\nوقال إبراهيم الحربي: غيره أوثق منه. تهذيب التهذيب (١١/ ١٠٦).\nوقال محمد بن سعد: كان ضعيفا في الحديث. تهذيب الكمال (٣٠/ ٤٤٩).\nوقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: واهي الحديث. المرجع السابق.\nوقال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسًا. المرجع السابق.\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبى ثقة ليس به بأس. الجرح والتعديل (٩/ ٥٠).\nووثقه يحيى بن معين ودحيم. تهذيب الكمال (٣٠/ ٤٤٩).\nذكره بن حبان في الثقات. الثقات (٧/ ٥٦٤).\nوفي التقريب: صدوق سيء الحفظ.","vol":"10","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4895>المبحث الأول في استحباب السواك لسجود التلاوة والشكر</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• سجود التلاوة ليس بصلاة، والفارق بينه وبين الصلاة أكثر من الجامع، فلا تشرع فيه القراءة، ولا ركوع فيه، ولامصافة فيه.\n• كل فعل توفر سببه على عهد النبي ﷺ، ولم يفعله، ولم يقم مانع من فعله فالمشروع تركه.\nوقيل:\n• سجود التلاوة والشكر جزء من الصلاة، فيتأكد استحباب السواك عند وجود سببه.\n[م-٩٠٢] استحب بعض الفقهاء السواك لسجود التلاوة والشكر (^١).\n• ومستندهم على الاستحباب:\nثبت في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (^٢).\nوإذا ثبتت مشروعية السواك للصلاة، فإن سجود التلاوة صلاة، لأنه قد جاء في\n_________\n(^١) الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (١/ ١٠٩)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٨).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (٢٣٠٥).","vol":"10","page":578},{"text":"الشرع إطلاق السجود على الصلاة. فهذا دليل على أن له حكم الصلاة.\n(٢٣٦٠ - ٣١١) فقد روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرنا نافع،\nعن ابن عمر ﵄، قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة فأما المغرب والعشاء ففي بيته (^١).\nوالراجح أنه لا يشرع السواك بسبب السجود، لأمرين:\nالأول: لا نسلم أن سجود التلاوة صلاة، والفارق بينه وبين الصلاة أكثر من الجامع. فلا تشرع فيه القراءة، ولا ركوع فيه، ولامصافة فيه.\nالأمر الثاني: لا نحتاج إلى قياس سجود التلاوة والشكر على الصلاة، والسجود قد وقع في عهده ﷺ، ولم ينقل أنه تسوك له.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١١٧٢)، ومسلم (٧٢٩).","vol":"10","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4896>المبحث الثاني الاستياك للقراءة بعد السجود</span>\n[م-٩٠٣] قال في شرح العباب: «الاستياك للقراءة بعد السجود ينبغي بناؤه على الاستعاذة، فإن سنت سن، لأن هذه تلاوة جديدة، وإلا فلا» (^١).\nوهذا التفصيل جيد، والاستعاذة على الراجح لا تسن إلا إذا طال الفصل عرفًا بحيث لا يمكن بناء القراءة السابقة على القراءة اللاحقة.\nوعليه فإذا طال الفصل، وأراد أن يقرأ من جديد شرع السواك، والسجود بمجرده لا يقطع التلاوة، كما لا يقطعها في الصلاة. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) نقلًا من تحفة المحتاج ١/ ٢١٨).","vol":"10","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4897>الفصل التاسع\nالتسوك للجمعة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• هل الأمر بالسواك يوم الجمعة من أجل الجمعة، فيختص بها، أو من أجل اجتماع الناس، فيقاس عليه كل اجتماع كالعيد وعرفة ونحوهما، أو شرع لهما للجمعة وللناس؟\n[م-٩٠٤] من المواضع التي يتأكد فيها السواك يوم الجمعة (^١).\nواستحبه الحنفية عند الاجتماع بالناس مطلقًا في الجمعة وغيرها (^٢).\nوقيل: السواك فرض لازم يوم الجمعة. وهو اختيار ابن حزم (^٣).\n• الأدلة على كون السواك يتأكد في يوم الجمعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4898>الدليل الأول:</span>\n(٢٣٦١ - ٣١٢) ما رواه مسلم من طريق أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن\n_________\n(^١) المنتقى - الباجي (١/ ١٨٦)، الأم (١/ ٢٢٦)، المجموع (٤/ ٤١٠)، وكشاف القناع (٢/ ٤٢)، مطالب أولى النهى (١/ ٧٨٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٢٠).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٨)، واستحبه الشافعي عند الخروج إلى صلاة الاستسقاء كما في الأم (١/ ٢٨٣)، وقد يؤخذ منه أن الشافعي يستحبه في كل تجمع. والله أعلم.\n(^٣) المحلى (مسألة: ١٧٨٠).","vol":"10","page":581},{"text":"سليم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،\nعن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4899>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣٦٢ - ٣١٣) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان يحدث عن رجل من الأنصار، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ،\nعن النبي ﷺ، أنه قال: ثلاث حق على كل مسلم، الغسل يوم الجمعة، والسواك، ويمس من طيب إن كان (^٢).\n[ضعيف؛ لإبهام راويه] (^٣).\nهذا دليل من استدل باستحباب السواك يوم الجمعة.\nوأخذ بظاهره ابن حزم، فقال بوجوب السواك، لأن قوله: «على كل محتلم» وقوله: «حق على كل مسلم» ظاهره الوجوب.\nوأما الحنفية فأخذوا من الأمر بالسواك يوم الجمعة أن الإنسان مأمور بالسواك عند كل اجتماع للناس كالجمعة والعيد ونحوهما، وهو مأخذ حسن.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٤٦)، وهو في البخاري (٨٨٠) بغير هذا اللفظ.\n(^٢) المصنف (١/ ٤٣٤) رقم ٤٩٩٧.\n(^٣) سبق تخريجه، انظر ح: (٢٣٠٧).","vol":"10","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4900>الفصل العاشر\nفي استحباب التسوك عند الاحتضار</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• لم يصح حديث في كون السواك يسهل خروج الروح.\n• استاك النبي ﷺ حال الاحتضار، فهل كان الاحتضار وصفًا طرديًا، أو أنه مقصود استعدادًا للقاء الله، وحضور الملائكة؟\n[م-٩٠٥] عرض السواك على النبي ﷺ قبيل وفاته فأخذه واستاك، وهو يحتضر، فهل يتأكد استحباب السواك من أجل الاحتضار، أو أنه استاك؛ باعتبار السواك مسنون كل وقت، وهذا الوقت فرد من أفراده؟\n[م-٩٠٦] ذكر بعض الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، يقلد بعضهم بعضًا أن السواك يسهل خروج الروح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4901> دليلهم على هذا:</span>\n(٢٣٦٣ - ٣١٤) ما رواه البخاري من طريق صخر بن جويرية، عن عبد الرحمن\n_________\n(^١) بريقة محمودية (١/ ١٨٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ١١٥).\n(^٢) الفواكه الدواني (١/ ٢٦٥).\n(^٣) أسنى المطالب (١/ ٣٥)، مغني المحتاج (١/ ١٨٥). نهاية المحتاج (١/ ١٨٣) وذكر في حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٥٩): «أنه يذكر الشهادة!!». اهـ\n(^٤) مطالب أولى النهى (١/ ٨٣).","vol":"10","page":583},{"text":"ابن القاسم، عن أبيه،\nعن عائشة، قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ، وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به فأبده رسول الله ﷺ بصره، فأخذت السواك، فقصمته ونفضته، وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانًا قط أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو إصبعه، ثم قال: في الرفيق الأعلى ثلاثًا، ثم قضى. وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي (^١).\nفالرسول ﷺ استاك في آخر ساعة من الدنيا، وهو في سكرات الموت، فهل يعتقد أنه مسنون من أجل الاحتضار، متأكد عنده، أو أنه استاك؛ لأنه داخل في كونه مسنونًا كل قت، وهذا الوقت فرد من أفراده. هذا محل تأمل.\nولا يبعد استحباب السواك عند الاحتضار لأمور:\nأولًا: لتطييب فمه عند اقتراب الملائكة منه، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس.\nوثانيًا: استعدادًا للقاء الله ﷾.\nوثالثًا: كون الرسول ﷺ استاك في تلك الساعة، مع كون النبي ﷺ كان فيها مشغولًا بنفسه، حيث كان يعاني من سكرات الموت، وكون عائشة تقول عنه: بأنه استاك فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانًا قط أحسن منه ظاهر أنه كان متقصدًا لذلك في تلك الساعة.\nوأما كونه أسهل في خروج الروح كما ذكره بعض الفقهاء فهذا يحتاج إلى توقيف. فلا تصح الدعوى حتى يثبت ذلك عن رسول الله ﷺ، ولم يثبت فيما أعلم. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٤٣٨).","vol":"10","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4902>الباب الخامس في صفة التسوك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4903>الفصل الأول في كيفية التسوك</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• إذا أمرنا بشيء ولم نؤمر بصفته كانت الصفة إلى الفاعل.\n• استحباب صفة في العبادة كاستحباب أصلها يحتاج إلى توقيف.\n• إذا ثبت طبيًّا أن صفة معينة مضرة بأسنان السائك فإنه ينهى عنها من أجل الضرر.\n• كان النبي ﷺ يشوص فاه بالسوك.\n[م-٩٠٧] ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، إلى أن المستحب أن يستاك عرضًا إلا في اللسان فإنه يستاك طولًا.\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤)\n(^٢) حاشية الخرشي (١/ ١٣٩).\n(^٣) المجموع (١/ ٥٥)، أسنى المطالب (١/ ٣٧)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٧)، حاشية الجمل (١/ ١١٧)، روضة الطالبين (١/ ٥٦).\n(^٤) قال في كشاف القناع (١/ ٧٣): «ويستاك عرضًا بالنسبة إلى الأسنان»، ثم قال: «وفي الشرح إن استاك على لسانه أو حلقه فلا بأس أن يستاك طولًا». إلخ كلامه وانظر المغني - ابن قدامة (١/ ١٣٥).","vol":"10","page":585},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-4904> دليل من قال: المستحب أن يستك عرضًا:</span>\n(٢٣٦٤ - ٣١٥) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق يحيى بن عثمان الحمصي، حدثنا اليمان بن عدي حدثنا ثبيت بن كثير البصري الضبي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب،\nعن بهز قال: كان النبي ﷺ يستاك عرضًا، ويشرب مصًا، ويتنفس ثلاثًا، ويقول: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الكبير (١/ ٤٧) رقم ١٢٤٢.\n(^٢) رواه اليمان بن عدي، واختلف عليه فيه:\nفرواه يحيى بن عثمان كما في إسناد الباب عند الطبراني (١٢٤٢)، وابن قانع في معجم الصحابة (١٨٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٠)، عن اليمان بن عدي، عن ثبيت بن كثير البصري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن بهز. غير منسوب.\nورواه سليمان بن سلمة كما في البدر المنير (٣/ ١٢٨) والإصابة (١/ ٣٣٠)، عن اليمان بن عدي، فقال: عن ثبيت، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن معاوية القشيري.\nومعاوية القشيري صحابي هو جد بهز بن حكيم.\nويحي بن عثمان أرجح من سليمان بن سلمة، فالأول ثقة، والثاني متروك، وقد روياه عن اليمان بن عدي، وهو ضعيف أيضًا، ضعفه أحمد والدارقطني، وقال البخاري: في حديثه نظر، وشيخه ثبيت بن كثير مثله.\nقال الحافظ في إتحاف المهرة (٢/ ٦٣٢): اليمان بن عدي ضعيف، وثبيت بن كثير غير ثبت ضعفه أحمد وابن حبان. اهـ\nوقال ابن عدي: غير معروف. الكامل (٧/ ١٨١).\nوفي الإسناد بهز غير منسوب.\nقال البغوي: لا أعلم روى بهز الا هذا وهو منكر. الإصابة (١/ ٣٣٠).\nوقال البيهقي: إنما يعرف بهز بهذا الحديث. سنن البيهقي (١/ ٤٠).\nوقال ابن عبد البر: لم يرو عن بهز غير سعيد، ولم ينسبه، وإسناد حديثه ليس بالقائم.\nورواه عباد بن يوسف كما في البدر المنير (٣/ ١٢٨) والإصابة (١/ ٣٣٠) عن ثبيت به إلا أنه قال بدلًا من بهز، قال: عن القشيري. =","vol":"10","page":586},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعباد بن يوسف:\nقال ابن عدي: عباد بن يوسف هذا روى عن أهل الشام، وهو شامي حمصي، وروى عن صفوان ابن عمرو وغيره أحاديث ينفرد بها. الكامل (٤/ ٣٤٦).\nوذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٦/ ٨٨).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: عباد بن موسى (٨/ ٤٣٥).\nوقال عثمان بن صالح: حدثنا إبراهيم بن العلاء ثنا عباد بن يوسف صاحب الكرابيس ثقة. تهذيب التهذيب (٥/ ٩٦).\nوفي التقريب: مقبول. يعني إن توبع. وفي الكاشف: صدوق يغرب.\nورواه البيهقي (١/ ٤٠) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٢٩) من طريق علي بن ربيعة القرشي المدني، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن ربيعة بن أكثم به. فجعله من مسند ربيعة بدلًا من مسند بهز.\nوعلي بن ربيعة.\nقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: هو مثل يزيد بن عياض في الضعف. الجرح والتعديل (٦/ ١٨٥).\nقال العقيلي: مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يتابعه إلا من هو دونه. الضعفاء الكبير (٣/ ٢٢٩).\nوقال الحافظ في التلخيص: إسناده ضعيف جدًّا. قلت: مع ضعفه فقد ذكر البيهقي (١/ ٤٠) بأن ربيعة بن أكثم قتل بخيبر، فلم يدركه سعيد.\nفتبين من هذا أن الحديث مع كونه ضعيفًا فيه اختلاف كثير على سعيد فمن دونه.\nفقيل: عن سعيد، عن بهز غير منسوب.\nوقيل: عن سعيد، عن القشيري.\nوقيل: عن سعيد، عن معاوية القشيري.\nوقيل: عن سعيد، عن ربيعة بن أكثم.\nوذكر ابن حجر في التلخيص (١/ ١٠٩): أن أبا نعيم رواه عن سعيد، عن بهز بن حكيم. فيكون معضلًا، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر.\nوروى ابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٢٤٧) وابن مندة كما في تلخيص الحبير (١/ ١٠٩)،\nوابن حجر في الإصابة (١/ ٣٣٠) من مخيس بن تميم، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده. اهـ\nفلو كان رجاله ثقات، وكان فيه هذا الاختلاف لوجب رده، فكيف وهو رواية ضعيف، عن مثله أو أضعف. وقد ذكره كثير ممن ألف في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وإليك بعض من وقفت عليه منهم:\nالمقاصد الحسنة (١/ ٩٨). =","vol":"10","page":587},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كشف الخفاء ومزيل الإلباس (١/ ٣٣٨).\nالدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة (١/ ١٦).\nالغماز على اللماز (١/ ٥).\nالنخبة البهية في الأحاديث المكذوبة على خير البرية (١/ ٢٠).\nالنوافح العطرة في الأحاديث المشتهرة (١/ ١٨٣).\nحسن الأثر، فيما فيه ضعف واختلاف من حديث وخبر (١/ ١١).\nتمييز الطيب من الخبيث (١/ ٢١).\nالشذرة في الأحاديث المشتهرة (١/ ٨٨).\nوله شاهد من حديث عائشة إلا أنه لا يفرح به، فهو ضعيف جدًّا. رواه أبو نعيم كما في البدر المنير (٣/ ١٣٠) من طريق عبد الله بن حكيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قال الحافظ في التلخيص: وفي إسناده عبد الله بن حكيم، وهو متروك.\nقلت: عبد الله بن حكيم، قال فيه ابن معين: ليس بثقة، وقال أحمد وابن المديني: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٥/ ٤١)، تاريخ بغداد (٩/ ٤٤٦)، الميزان (٣/ ٢٧٧).\nوقال الذهبي: واه، متهم بالوضع. المغني (١/ ٣٣٥).\nوله شاهد آخر مرسل، وهو ضعيف أيضًا، فقد روى أبو داود في المراسيل (ص: ٧٤) رقم ٥ ومن طريقه البيهقي (١/ ٤٠) حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا هشيم، عن محمد بن خالد القرشي، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا شربتم فاشربوا مصًا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضًا.\nوهذا سند ضعيف، له ثلاث علل:\nالعلة الأولى: كونه مرسلًا. قال أحمد بن حنبل: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح؛ فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد. وقال نحوه علي بن المديني. تهذيب الكمال (٢٠/ ٨٣).\nالعلة الثانية: عنعنة هشيم بن بشير، فإنه مدلس مكثر.\nالعلة الثالثة: جهالة محمد بن خالد القرشي.\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٧/ ٢٤٢).\nوقال ابن القطان الفاسي: لا يعرف. تهذيب التهذيب (٩/ ١٢٨).\nوقال الذهبي: لا يعرف حاله. الميزان (٣/ ٥٣٤).\nوقال الحافظ في التقريب: مجهول.","vol":"10","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4905>الدليل الثاني:</span>\nمن النظر، قالوا: إن الاستياك طولًا مضر باللثة والأسنان، فهو يدمي اللثة، ويفسد منابت الأسنان.\nقلت: لم يثبت هذا، وإذا كان أحد يضره ذلك اختص النهي به، لا أن يكون نهيًا عامًا، ولذلك لا وجه لكونه مكروهًا - أعني السواك طولًا - كما ذكره النووي والخطيب عن بعض فقهاء الشافعية (^١).\nفلم يثبت في ذلك سنة، وله أن يستاك بحسب ما يراه مناسبًا داعيًا للتطهير، فالمطلوب أن يستاك، فكيفما استاك حصلت السنة.\nوقال محمد نجيب المطيعي: «أطباء الأسنان يقولون: إن الاسيتاك الصحيح يكون طولًا: أي أعلى وأسفل؛ لأن الغشاء العاجي الأملس الذي يكسو الأسنان ينبغي المحافظة عليه، فالاستياك عرضًا يضر بهذا الغشاء، فيسرع إلى الأسنان الفساد». اهـ (^٢).\nفإن ثبت هذا طبيًا، فإن الاستياك عرضًا يكون منهيًا عنه.\nوقد وصف بعض الأطباء طريقة التسوك بما يلي:\n«يجب أن تطبق باتجاه رأسي لمحور السن واللثة مما يساعد على تنشيط الدورة الدموية في اللثة، والتنظيف الفعال للأسنان دون أن يحدث أذى لهما. فيجب - والوجوب ليس في اصطلاح الشرع - أن يكون تسويك الأسنان العلوية على حدة، وكذلك الأسنان السفلية. أما اتجاه حركة التسويك لتنظيف الاسطح الخارجية والداخلية للأسنان العلوية فيجب أن يكون من أعلى إلى أسفل نحو الاسطح الماضغة والقاطعة للأسنان وتكون حركة التنظيف شاملة حواف اللثة لتدليكها، فيزداد تقرنها والوارد الدموي لانسجتها فتزداد مقاومتها للأمراض وحيويتها أيضًا. وأما\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٣٣٤).\n(^٢) حاشية المجموع شرح المهذب (١/ ٣١٣).","vol":"10","page":589},{"text":"اتجاه حركة التنظيف للأسنان السفلية فيجب أن تكون من أسفل إلى أعلى، وشاملة حواف اللثة أيضًا.\nوأما الدليل على مشروعية الاستياك في اللسان، وأنه يستاك طولًا فمنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4906>الدليل الأول:</span>\n(٢٣٦٥ - ٣١٦) ما رواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن غيلان وهو ابن جرير المعولي، عن أبي بردة،\nعن أبي موسى، قال: دخلت على النبي وطرف السواك على لسانه (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (والسواك على طرف لسانه).\nقال الحافظ: والمراد: طرفه الداخل، كما عند أحمد: (يستن إلى فوق) (^٢).\nوفي لفظ البخاري: (كأنه يتهوع). والتهوع: التقيؤ. أي له صوت كصوت المتقيء على سبيل المبالغة.\nوقال في التلخيص: «وأما اللسان فيستاك طولًا، كما في حديث أبي موسى في الصحيحين، ولفظ أحمد: (وطرف السواك على لسانه يستن إلى فوق) قال الراوي: كان يستن طولًا» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4907>الدليل الثاني:</span>\nمن حيث النظر، قال ابن دقيق العيد: «العلة التي تقتضي الاستياك على الأسنان موجودة في اللسان، بل هي أبلغ وأقوى؛ لما يرتقي إليه من أبخرة المعدة» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٤٥ - ٢٥٤)، وهو في البخاري (٢٤٤)، بلفظ: أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده، يقول: أع أع. والسواك في فيه، وكأنه يتهوع.\n(^٢) مسند أحمد (٤/ ٤١٧).\n(^٣) تلخيص الحبير (١/ ١٠٩).\n(^٤) إحكام الأحكام (١/ ١١١).","vol":"10","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4908>الفصل الثاني\nفي البداءة بجانب فمه الأيمن عند التسوك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• السواك تارة يكون لتحصيل السنة، وتطييب الفم، وتارة لتطهير الفم بعد تغيره بأكل أو نوم، فهل يقال: ما كان لتحصيل السنة تأكد البداءة بالجانب الأيمن بخلاف الثاني، أو يقال: الغالب على السواك التطهير، وهو شرع مطهرة للفم، فيغلب البداءة بالأيسر مطلقًا؟\n[م-٩٠٨] استحب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، أن يبدأ المتسوك بجانب فمه الأيمن، ولم أقف فيه على خلاف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4909> الدليل على أن المتسوك يبدأ بالجانب الأيمن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4910>الدليل الأول:</span>\n(٢٣٦٦ - ٣١٧) ما رواه البخاري من طريق مسروق،\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٣)، الجوهرة النيرة (١/ ٦)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١٠)، البحر الرائق (١/ ٢١).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ١٠٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٥).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٣٦)، طرح التثريب (٢/ ٧٠)، تحفة المحتاج (١/ ٢١٥)، مغني المحتاج (١/ ١٨٣).\n(^٤) مطالب أولي النهى (١/ ٨٣)، الفروع (١/ ١٢٨)، الإنصاف (١/ ١٢٨)، أسنى المطالب (١/ ٣٧).","vol":"10","page":591},{"text":"عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4911>الدليل الثاني:</span>\nثبت أن السواك من باب التطهير والتطيب، لا من باب إزالة القاذورات، والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ كان يتسوك عند أصحابه كما في حديث أبي موسى المتقدم في الصحيحين (^٢)، وإذا كان كذلك استحب البداءة بالجانب الأيمن من الفم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4912>الدليل الثالث:</span>\nالقياس على الوضوء، فكما أنه يستحب البداءة بالوضوء باليمين، فكذلك هنا قياسًا عليه، والجامع بينهما علة التطهير، فالوضوء فيه طهارة حسية ومعنوية، والسواك يشاركه في الطهارة الحسية (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4913>الدليل الرابع:</span>\n(٢٣٦٧ - ٣٨١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق،\nعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب التيمن ما استطاع في طهوره وترجله ونعله وسواكه.\n[زيادة (وسواكه) شاذة، والحديث في الصحيحين، وليست فيه زيادة وسواكه] (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٦٨). ورواه مسلم بنحوه (٢٦٨).\n(^٢) سبق ذكره، وقد رواه البخاري (٢٤٤)، قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده يقول أع أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع.\n(^٣) ذكر النووي القياس دليلًا في المجموع (١/ ٣٣٦).\n(^٤) انفرد مسلم بن إبراهيم، عن شعبة بذكر السواك، وقد رواه جماعة من الحفاظ عن شعبة، ولم يذكروا: هذه الزيادة. ...\nالأول: أبو داود الطيالسي، كما في مسنده (١٤١٠)، ومسند أبي عوانة (١/ ٢٢٢).\nالثاني: بهز عند أحمد (٦/ ٩٤).\nالثالث: عفان. كما في مسند أحمد (٦/ ١٣٠)، ومسند أبي عوانة (١/ ٢٢٢).\nالرابع: محمد بن جعفر، كما في المسند (٦/ ١٤٧).\nالخامس: يحيى بن سعيد القطان، كما في المسند (٦/ ٢٠٢).\nالسادس: حفص بن عمر. كما في البخاري (١٦٨)، وسنن أبي داود (٤١٤٠).\nالسابع: سليمان بن حرب. كما في البخاري (٤٢٦)، وشعب الإيمان للبيهقي (٥/ ١٧٩).\nالثامن: عبد الله بن المبارك. كما في صحيح البخاري (٥٣٨٠)، وسنن النسائي (٤٢١).\nالتاسع: حجاج بن منهال. البخاري (٥٨٥٤).\nالعاشر: أبو الوليد. كما في صحيح البخاري (٥٩٢٦)، وسنن البيهقي (١/ ٨٦).\nالحادي عشر: معاذ. كما في صحيح مسلم (٢٦٨).\nالثاني عشر: خالد بن الحارث، كما في سنن النسائي الكبرى (٩٣٢٠)، وصحيح ابن حبان (١٠٩١).\nالثالث عشر: بشر بن عمر، كما في مسند أبي عوانة (١/ ٢٢٢)، وسنن البيهقي (١/ ٢١٦).\nالرابع عشر: أبو عمر الحوضي، كما في سنن البيهقي (١/ ٢١٦).\nالخامس عشر: عبد الرحمن بن مهدي: كما في مسند أحمد (٦/ ١٨٧).\nالسادس عشر: النضر بن شميل، كما في مسند إسحاق بن راهوية (٣/ ٨٢١) رقم ١٤٦٣.\nفهؤلاء ستة عشر حافظًا، رووه عن شعبة، ولم يذكروا ما ذكره مسلم بن إبراهيم من زيادة وسواكه، فيبعد أن تكون محفوظة، ثم لا يرويها هذا العدد الكثير ممن روى الحديث عن شعبة.","vol":"10","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4914>الفصل الثالث\nأفضلية السواك بيده اليمنى أو اليسرى</span>\nمدخل في ذكر الضوابط الفقهية:\n• السواك هل هو من باب التطهير والتطيب، أو من باب إزالة القاذورات.\n• السواك عبادة معقولة المعنى شرعت في الأصل لتطهير الفم وتطييبه.\n• السواك تارة يكون لتحصيل السنة، وتطييب الفم، وتارة لتطهير الفم بعد تغيره بأكل أو نوم، أو جوع، فهل يقال: يتأكد فعل الأول باليمين بخلاف الثاني، أو يقال: الغالب على السواك التطهير، وهو شرع مطهرة للفم، فيغلب البداءة بالأيسر مطلقًا وإن كان لتحصيل السنة؟\n• إذا أمرنا بشيء ولم نؤمر بصفته كانت الصفة إلى الفاعل.\n[م-٩٠٩] اختلف الفقهاء هل المتسحب أن يمسك السواك بيده اليمنى أم اليسرى على أقوال:\nفقيل: يمسكه بيده اليمنى، وهو المشهور من مذهب الحنفية، والمالكية، واختاره جماعة من الشافعية، وجماعة من الحنابلة (^١).\n_________\n(^١) انظر في مذهب الحنفية: درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١٠)، البحر الرائق (١/ ٢١)، الفتاوى الهندية (١/ ٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤).\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (١/ ٢٦٥)، الخرشي (١/ ١٣٨، ١٣٩)، الشرح الصغير (١/ ١٢٤)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٢). ...\nوانظر قول بعض الشافعية في: أسنى المطالب (١/ ٣٧)، مغني المحتاج (١/ ١٨٣).\nوقال في الإنصاف (١/ ١٢٨): «قال المجد في شرحه السنة إرصاد اليمنى للوضوء والسواك والأكل ونحو ذلك، وقدمه في تجريد العناية، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب. قال ابن رجب في شرح البخاري: وهو ظاهر كلام ابن بطة من المتقدمين، وصرح به طائفة من المتأخرين».اهـ","vol":"10","page":594},{"text":"وقيل: التسوك باليد اليسرى أفضل.\nوهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١)، واختاره بعض الحنفية (^٢)، ورجحه العراقي (^٣).\nوقيل: يكره بالشمال (^٤).\nوقيل: إن تسوك لتغير الفم فيكون تسوكه باليسار، وإن تسوك لتحصيل السنة، كما لو كان الفم نظيفًا يكون باليمين (^٥).\nوهذا الخلاف مبني على أن السواك، هل هو من باب التطهير والتطيب، أو من باب إزالة القاذورات؟\nفإن جعلناه من باب التطهير والتطيب، استحب أن يكون باليمين كالمضمضة، وإن جعلناه من باب إزالة الأذى والقاذورات جعلناه باليسرى، كالاستنجاء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4915> دليل من قال يمسك السواك باليد اليمنى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4916>الدليل الأول:</span>\nهذا الدليل مبني على مقدمة، ونتيجة:\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٧٣)، وقال في الفروع (١/ ١٢٨): «ويستاك بيساره. نقله حرب قال شيخنا -يعني ابن تيمية-: ما علمت إمامًا خالف فيه كانتثاره».اهـ وانظر الإنصاف (١/ ١٢٨).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٧١).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٢٦٥).\n(^٥) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤)، ومغني المحتاج (١/ ١٨٣، ١٨٤).","vol":"10","page":595},{"text":"المقدمة: أن السواك من باب التطهير والتطيب.\nوالنتيجة: ما كان كذلك، فإنه تستعمل فيه اليد اليمنى.\nأما دليل المقدمة الأولى، وهو كون السواك من باب التطهير والتطيب، أن الرسول ﷺ، تسوك أمام رعيته، كما في حديث أبي موسى في الصحيحين (^١) ولو كان من باب إزالة القاذورات لم يفعله النبي ﷺ حتى يتوارى عن الناس.\nولأن الفم، وما فيه ليس نجسًا حتى يلحق بالاستنجاء، بل إن مخاط المسلم وعرقه وريقه طاهر بالإجماع، وإذا كان طاهرًا فهو من باب التطهير والتطيب كالوضوء يقدم فيه اليمين، ويباشره باليمين، وكالمضمضة، فيها تطهير للفم، وتباشر باليمين. هذا دليل المقدمة الأولى. وهو كون السواك من باب التطهير.\nوأما الدليل على النتيجة، وهو أن ما كان من باب التطهير فيقدم فيه اليمين.\nففيه دليلان: نص، وقياس.\n(٢٣٦٨ - ٣١٩) أما النص، فقد روى أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة أنها قالت:\nكانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى.\nقال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه\n[منقطع] (^٢).\n_________\n(^١) الحديث رواه البخاري، (٢٤٤) قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا: حماد بن زيد، عن غيلان به. بلفظ: أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده، يقول: أع أع. والسواك في فيه، وكأنه يتهوع. ورواه مسلم بنحوه، (٢٥٤).\n(^٢) سبق تخريجه، انظر ح: (٢٣٦٨).","vol":"10","page":596},{"text":"(٢٣٦٩ - ٣٢٠) ونص آخر، رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق،\nعن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله (^١).\nواعترض على الاستدلال بحديث عائشة، قال العراقي: «ليس فيه دلالة على ما ذهب إليه، فإن المراد منه البداءة بالشق الأيمن في الترجل، والبداءة بلبس النعل، والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهر، والبداءة بالجانب الأيمن من الفم في الاستياك» (^٢).\nوأما القياس: فقاسوه على المضمضة، فإذا كانت المضمضة فيها تطهير للفم، ومع ذلك استعملت في ذلك اليمين، فكذلك السواك (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4917>الدليل الثاني:</span>\nقالوا: إن السواك عبادة مقصودة تشرع عند القيام إلى الصلاة، وإن لم يكن هناك وسخ، وما كان عبادة مقصودة كان باليمين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4918> دليل من قال يتسوك بيده اليسرى:</span>\nقال ابن تيمية: «الاستياك من باب إماطة الأذى، فهو كالاستنثار والامتخاط، ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى، وذلك باليسرى، كما أن إزالة النجاسات كالاستجمار ونحوه باليسرى، وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى. والأفعال نوعان: أحدهما مشترك بين العضوين، والثاني: مختص بأحدهما. وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمين إذا كانت\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٦٨). ورواه مسلم بنحوه (٢٦٨).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٧١). =\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤).","vol":"10","page":597},{"text":"من باب الكرامة: كالوضوء، والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال، والترجل، ودخول المسجد.\nوالذي يختص بأحدهما إن كان من باب الكرامة كان باليمين كالأكل والشرب والمصافحة، ومناولة الكتب وتناولها، ونحو ذلك. وإن كان ضد ذلك كان باليسرى، كالاستجمار، ومس الذكر والاستنثار والامتخاط، ونحو ذلك.\nفإن قيل: السواك عبادة مقصودة تشرع عند القيام إلى الصلاة وإن لم يكن هناك وسخ، وما كان عبادة مقصودة كان باليمين.\nقيل: كل من المقدمتين ممنوع. فإن الاستياك إنما شرع لإزالة ما في داخل الفم، وهذه العلة متفق عليها بين العلماء، ولهذا شرع عند الأسباب المغيرة له، كالنوم والإغماء، وعند العبادة التي يشرع لها تطهير كالصلاة والقراءة، ولما كان الفم في مظنة التغير شرع عند القيام إلى الصلاة، كما شرع غسل اليدين للمتوضيء قبل وضوئه، لأنها آلة لصب الماء. وقد تنازع العلماء فيما إذا تحقق نظافتها، هل يستحب غسلها؟ على قولين مشهورين. ثم قال: وقد يقال مثل ذلك في السواك إذا قيل باستحبابه مع نظافة الفم عند القيام إلى الصلاة، مع أن غسل اليد قبل المضمضة المقصود بها النظافة. فهذا توجيه المنع للمقدمة الأولى.\nوأما المنع للمقدمة الثانية: فإذا قدر أنه عبادة مقصودة، فما الدليل على أن ذلك مستحب باليمنى، وهذه مقدمة لا دليل عليها. بل قد يقال: إن العبادات تفعل بما يناسبها، ويقدم فيها ما يناسبها. ثم قول القائل: إن ذلك عبادة مقصودة، إن أراد به أن السواك تعبد محض، لا تعقل علته، فليس هذا بصواب؛ لاتفاق المسلمين على أن السواك معقول، ليس بمنزلة رمي الجمار. وإن أراد أنها مقصودة، أنه لا بد فيها من النية كالطهارة، وأنها مشروعة مع تيقن النظافة، ونحو ذلك، فهذا الوصف إن سلم لم يكن في ذلك ما يوجب كونها باليمنى؛ إذ لا دليل على ذلك. أرأيت إلى الاستنجاء","vol":"10","page":598},{"text":"بالثلاث عند من يوجبه كأحمد والشافعي، فإنهم يوجبون الحجر الثالث مع حصول الإنقاء بدونه، فالاستجمار بالحجر الثالث يكون باليسرى، وإن كان المحل نظيفًا، والغسلة السابعة من ولوغ الكلب تكون باليسرى وإن حصلت الإزالة بما دونه، ونحو ذلك مما كان المقصود به إزالة الأذى، فكذلك إماطة الأذى من الفم مقصودة بالسواك، وإن شرع مع عدمه، وذلك لا ينافي أن يكون باليسرى» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4919> دليل من فرق بين أن يقصد به العبادة أو يقصد به التنظيف:</span>\nهذا القول جمع بين أدلة القول الأول، وبين أدلة القول الثاني.\nورأى أن السواك تارة يكون من باب التطييب والتطهر، فيستاك باليمنى، وتارة يكون السواك من باب إزالة القاذورات، فيستاك باليسرى. وهذا القول فيه جمع بين أدلة الفريقين.\nوأما من قال: بالكراهة، فلا أعلم له دليلًا، وهو أضعف الأقوال، لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وعلى القول بأن التسوك باليمنى سنة، أو العكس، لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه.\nوالمسألة ليس فيها نص واضح، والرسول ﷺ كان يتسوك، ولم يأمر بأن يكون السواك باليمين أو بالشمال، وكل من قال قولًا في ذلك اجتهد في قياس المسألة على نظائر أخرى. وقول شيخ الإسلام له قوة، إلا أن القول الأول أقوى، والأمر في المسألة واسع. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٨) بتصرف يسير في آخر كلامه.","vol":"10","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4920>الفصل الرابع\nفي كيفية أخذ السواك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إذا أمرنا بشيء، ولم نؤمر بصفته، كانت الصفة إلى الفاعل.\n[م-٩١٠] اختلف الفقهاء في كيفية أخذ السواك.\nوالمشهور عند الحنفية في كيفية أخذ السواك أن يجعل الخنصر أسفله، والإبهام أسفل رأسه، وباقي الأصابع فوقه (^١).\nواختارها من الشافعية البجيرمي (^٢).\nوذكروا أن ذلك مروي عن ابن مسعود ﵁ (^٣).\nوقيل: بل يجعل خنصره وإبهامه تحته، والأصابع الثلاثة الباقية فوقه. اختاره بعض المالكية (^٤)، والشافعية (^٥).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١٠)، البحر الرائق (١/ ٢١)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ١٣).\n(^٢) حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٢٢).\n(^٣) لم أقف عليه في كتب الحديث. والله أعلم، وقد نسبته كتب الحنفية، انظر الإحالة السابقة.\n(^٤) الشرح الصغير (١/ ١٢٤).\n(^٥) تحفة المحتاج (١/ ٢٢١)، حاشية الجمل (١/ ١١٨)، حاشيتا قليبوبي وعميرة (١/ ٥٩).","vol":"10","page":600},{"text":"ولا أعلم في الشرع ثبوت هذه الصفة، ولم يرد شيء فيما أعلم في كيفية أخذه، فكيفما أخذه صح ذلك، والمطلوب، هو التسوك في الأسنان، فأي طريقة حصل فيها التسوك، حصل المقصود. والفقهاء ﵏ يتوسعون في المستحبات والمكروهات، ولو لم يكن هناك دليل من السنة على ذلك. والله المستعان.\n* * *","vol":"10","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4921>الفصل الخامس\nالكلام في قبض السواك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الكراهة حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي.\n[م-٩١١] كره بعض الفقهاء قبض السواك (^١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4922> دليل الكراهة:</span>\nقالوا: إن قبض السواك يورث الباسور.\nولا دليل على الكراهة. ولا يعرف سبب شرعي، أو قدري بأن قبض السواك يمكن أن يورث الباسور، والكراهة كما قدمنا حكم شرعي، لا يقال إلا بناء على دليل شرعي صحيح، مأثور أو معقول. ولا يتوفر هذا هنا، ولو صح أنه يورث الباسور لم يكن حكمه الكراهة فقط، بل يكون حكمه التحريم؛ لأن تعاطي ما يضر بالبدن محرم شرعًا.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤)، ودرر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١٠)، والبحر الرائق (١/ ٢١)، مجمع الأنهر (١/ ١٣)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٢)، وتحفة الحبيب (١/ ١٢٢)، وحاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٢٢).","vol":"10","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4923>الفصل السادس\nفي موضع السواك من الرجل</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• لا تعبد في موضع السواك من الجسم.\n[م-٩١٢] استحب بعض الفقهاء أن يوضع السواك خلف الأذن (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4924> الدليل على استحبابه</span>.\n(٢٣٧٠ - ٣٢١) ما رواه البيهقي من طريق عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر،\nعن جابر بن عبد الله قال: كان السواك من أذن النبي ﷺ موضع القلم من أذن الكاتب.\nقال أبو القاسم رواه عن ابن إسحاق سفيان، ولم يروه عن سفيان إلا يحيى.\n[الحديث معلول] (^٢).\n_________\n(^١) حاشية الجمل (١/ ١١٩)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٩).\n(^٢) سنن البيهقي (١/ ٣٧). ورواه تمام الرازي في الفوائد (٢/ ٢٢٠) ١٥٧٩ من طريق أحمد بن النعمان. ...\nوابن عدي في الكامل (٧/ ٢٣٦) من طريق عمر بن أبي شيبة، كلاهما عن يحيى بن اليمان به.\nوقد اختلف على ابن إسحاق، فرواه يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر، عن جابر بن عبد الله قال: كان السواك من أذن النبي ﷺ موضع القلم من أذن الكاتب.\nورواه أحمد (٤/ ١١٦) حدثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، قال: فكان زيد بن خلد الجهني يضع السواك منه موضع القلم من أذن الكاتب، كلما قام إلى الصلاة استن. اهـ\nتفرد بهذه الزيادة محمد بن إسحاق، وسبق تخريجه ضمن تخريجي لحديث (٢٣٧٠) وربما اختلط الحديث على يحيى بن يمان، فظنه من فعل الرسول ﷺ، وإنما هو من فعل زيد بن خالد الجهني. هذا إن ثبت عنه.\nوقد قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٥٥): «سئل أبو زرعة عن حديث رواه عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن يمان، عن سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر، عن جابر، فذكر الحديث. قال أبو زرعة: وهذا وهم، وهم فيه يحيى بن يمان.\nوقال البيهقي (١/ ٣٧): «يحيى بن يمان ليس بالقوي عندهم، ويشبه أن يكون غلطًا من حديث محمد بن إسحاق الأول - يعني كونه من فعل زيد بن خالد - إلى هذا».اهـ\nويحيى بن يمان:\nقال فيه أبو حاتم الرازي: مضطرب الحديث، في حديثه بعض الصنعة ومحله الصدق. الجرح والتعديل (٩/ ١٩٩).\nوقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. الضعفاء الكبير (٤/ ٤٣٣).\nقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: فيحيى بن يمان في الثوري؟ قال: أرجو أن يكون صدوقًا. قلت كيف هو في حديثه؟ قال: ليس بالقوي. المرجع السابق.\nقال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، عن يحيى بن معين: ليس بثبت، لم يكن يبالي أي شيء حدث، كان يتوهم الحديث. تهذيب الكمال (٣٢/ ٥٥).\nوقال الدوري: سئل يحيى بن معين عن يحيى بن يمان، فقال: لا يشبه حديثه عن الثوري أحاديث غيره عن الثوري. وذكر لوكيع حديثه عن الثوري فقال وكيع كأن هذا ليس سفيان الذي سمعنا نحن منه. الجرح والتعديل (٩/ ١٩٩).\nوقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنه قال: يحيى بن يمان ثقة. المرجع السابق. ...\nوكان محمد بن عبد الله بن نمير يضعف يحيى بن يمان، ويقول: كأن حديثه خيال. المرجع السابق.\nوقال العجلي: يحيى بن يمان العجلي من كبار أصحاب الثوري، وكان ثقة جائز الحديث متعبدًا معروفًا بالحديث صدوقًا إلا أنه فلج بآخره فتغير حفظه، وكان فقيرًا صبورًا. معرفة الثقات (٢/ ٣٦٠).","vol":"10","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4925>الدليل الثاني:</span>\n(٢٣٧١ - ٣٢٢) ما رواه أحمد بن منيع، قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن العلاء ابن كثير، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع ﵁، قال:\nكان أصحاب رسول الله ﷺ يوثقون مساويكهم في ذوائب سيوفهم (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4926>الدليل الثالث:</span>\n(٢٣٧٢ - ٣٢٣) روى ابن أبي شيبة من طريق أسامة بن زيد، عن صالح بن كيسان،\n_________\n(^١) المطالب العالية (٦٥).\n(^٢) فيه يوسف بن عطية، والعلاء بن كثير، وهما متروكان. وإليك ترجمة كل واحد منهما.\nأولًا: ترجمة يوسف بن عطية.\nقال يحيى بن معين وأبو داود: ليس بشيء. الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٦)، تهذيب التهذيب (١١/ ٣٦٧).\nوقال البخاري وأبو حاتم الرازي: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٨/ ٣٨٧)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٦).\nوقال ابن عدي: عامة حديثه مما لا يتابع عليه. الكامل (٧/ ١٥٢).\nوقال النسائي: متروك الحديث الضعفاء والمتروكين (٦١٧). وزاد في التهذيب: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (١١/ ٣٦٧).\nوأما العلاء بن كثير:\nقال أحمد: ليس بشيء، كما في رواية حنبل بن إسحاق. تهذيب الكمال (٢٢/ ٥٣٥).\nوقال علي بن المديني: ضعيف الحديث جدًّا. الكامل (٥/ ٢١٩).\nوقال فيه أبو زرعة: ضعيف الحديث، واهي الحديث. الجرح والتعديل (٦/ ٣٦٠).\nوقال النسائي: متروك. تهذيب التهذيب (٨/ ١٧٠).\nوقال الدارقطني: ضعيف. سنن الدارقطني (٢/ ٢١٨).","vol":"10","page":605},{"text":"أن عبادة بن الصامت، وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا يروحون، والسواك على آذانهم (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (١/ ١٩٦).\n(^٢) فيه إسامة بن زيد الليثي.\nقال الحاكم في المدخل: روى له مسلم واستدللت بكثرة روايته له على أنه عنده صحيح الكتاب، على أن أكثر تلك الأحاديث مستشهد بها، أو هو مقرون في الإسناد. المرجع السابق.\nوقال ابن القطان الفاسي: لم يحتج به مسلم، إنما أخرج له استشهادًا. المرجع السابق.\nوقال أحمد: ليس بشيء. وقال أيضًا: روى أسامة بن زيد، عن نافع أحاديث مناكير. الجرح والتعديل (٢/ ٢٨٤).\nووثقه يحيى بن معين والعجلي.\nوقال أبو حاتم الرازي: أسامة بن زيد الليثي يكتب حديثه، ولا يحتج به. المرجع السابق.\nوقال النسائي: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (١/ ١٨٣).\nوقال بن حبان في الثقات: يخطئ، كان يحيى القطان يسكت عنه. الثقات (٦/ ٧٤).\nوفي التقريب: صدوق يهم.","vol":"10","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4927>الفصل السابع\nفي الاستياك حال الاضطجاع</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي.\n[م-٩١٣] كره بعض الفقهاء: الاستياك مضطجعًا (^١).\nوعللوا ذلك بأنه يورث كبر الطحال.\nوما قلناه في مسألة قبض السواك نقوله هنا.\nولا ينبغي أن يقال: بالاستحباب، أو بالكراهة إلا أن يكون في ذلك دليل من الشرع؛ لأن الكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي. ولو صح من جهة الطب لقلت بالتحريم. ولكن مثل ذلك لا يصح.\n(٢٣٧٣ - ٣٢٤) وقد روى ابن أبي شيبة، في مصنفه، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حرام بن عثمان، عن أبي عتيق،\nعن جابر، قال: كان يستاك إذا أخذ مضجعه، وإذا قام من الليل، وإذا خرج إلى\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١٠)، البحر الرائق (١/ ٢١)، الفتاوى الهندية (١/ ٧).","vol":"10","page":607},{"text":"الصبح، قال: فقلت له: قد شققت على نفسك بهذا السواك، فقال: إن أسامة أخبرني أن رسول الله ﷺ كان يستاك بهذا السواك.\n[الحديث ضعيف جدًّا] (^١).\n* * *\n_________\n(^١) فيه حرام بن عثمان.\nقال البخاري: منكر الحديث. التاريخ الكبير (٣/ ١٠١).\nوقال مالك: ليس بثقة. الجرح والتعديل (٣/ ٢٨٢).\nوقال الشافعي: الحديث عن حرام بن عثمان حرام. المرجع السابق.\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: حرام بن عثمان منكر الحديث متروك الحديث. قال أبو زرعة: حرام بن عثمان ضعيف الحديث وأتى على حديث لحرام بن عثمان فقال اضربوا عليه ولم يقرأه علينا. المرجع السابق.\nوقال الحافظ في التلخيص: فيه حرام بن عثمان، وهو متروك (١/ ١١٥).","vol":"10","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4928>الفصل الثامن\nأقل ما تحصل به السنة من الاستياك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إن كان السواك لتحصيل السنة، والفم نظيف فإنه يكفي فيه مرة واحدة، وإن كان السواك لتغير الفم، واصفرار الأسنان، فإنه يستاك حتى يطمئن قلبه بزوال النكهة، واصفرار الأسنان، أو تخفيفهما.\n[م-٩١٤] اختلف العلماء في أقل ما تحصل به سنة الاستياك:\nفقيل: أقله ثلاث في الأعالي، وثلاث في الأسافل (^١).\nوقيل: أقله مرة إلا إن كان للتغير، فلا بد من إزالته فيما يظهر. ويحتمل الاكتفاء بها فيه؛ لأنها مخففة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4929> دليل من قال: أقله ثلاث:</span>\nقاسوه على الاستنجاء بالأحجار، قالوا فإذا كان الإنسان مأمورًا بالاستنجاء أن يستنجي بثلاثة أحجار فكذلك هنا.\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤).\n(^٢) حاشية البجيرمي على المنهج (١/ ٧٣).","vol":"10","page":609},{"text":"(٢٣٧٤ - ٣٢٥) فقد روى مسلم من طريق إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،\nعن سلمان، قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة، فقال: أجل إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الروث والعظام وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار (^١).\nقال ابن عابدين: «لو حصل بأقل من ثلاث فالمستحب إكمالها كما قالوا في الاستنجاء».\n• ويناقش:\nبأن السواك ليس من باب إزالة القذورات حتى يقاس على الاستجمار، وإنما هو من باب التطهر والتنظف والتطييب، ولذلك استاك النبي ﷺ أمام رعتيه، ولم يتوار به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4930> دليل من قال يحصل بمرة:</span>\nقالوا: إن الإنسان أمر بالسواك، ولم يرد فيه تقدير فالامتثال يحصل بالمرة الواحدة.\nولو قيل: إن كان السواك لتحصيل السنة، والفم نظيف، فيكفي فيه مرة واحدة، وإن كان السواك لتغير الفم، واصفرار الأسنان، فإنه يستاك حتى يطمئن قلبه بزوال النكهة واصفرار الأسنان، وله من الأجر بقدر ما يخفف التغير وإن لم يزله بالمرة. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٢).","vol":"10","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4931>الفصل التاسع\nاحتياج التسوك إلى نية</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• القربات التي لا تلتبس في غيرها كالإيمان بالله، والخوف والرجاء والأذكار؛ لا تفتقر إلى نية؛ لأنها متميزة بصورتها.\n• كل ما كانت صورته كافية في تحصيل مصلحته فإنه لا يفتقر إلى نية كغسل النجاسة.\n• النية في العبادات للتمييز والتقرب، وفي غيرها للتمييز.\n[م-٩١٥] ذهب بعض الفقهاء إلى أن السواك يحتاج إلى نية إن كان مستقلًا، فإن كان في ضمن عبادة كالوضوء فنية الوضوء تشمله (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4932> دليلهم على أن السواك يحتاج إلى نية:</span>\n(٢٣٧٥ - ٣٢٦) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد ابن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:\nسمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما\n_________\n(^١) أسنى المطالب (١/ ٣٦)، تحفة المحتاج (١/ ٢٢١)، مغني المحتاج (١/ ١٨٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة: (١/ ٥٨).","vol":"10","page":611},{"text":"الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (^١).\nوالراجح أن السواك لا يحتاج إلى نية، والخلاف في هذه المسألة ينبني على مسألة: هل السواك من باب النظافة وتطهير الفم فلا يحتاج فيه إلى نية، أو من باب فعل العبادات المحضة، وتحصيل السنة فيحتاج فيه إلى نية، حتى تتميز العبادة عن العادة؟\nوالأقرب أن السواك معقول المعنى فلا يحتاج إلى نية، لأن هذا هو الغالب عليه وإن كان في أحيان قد يتسوك لتحصيل السنة، كالسواك للصلاة، ولو كان الفم نظيفًا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٦٨٩) ومسلم (١٩٠٧).","vol":"10","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4933>الفصل العاشر\nفوائد متممة لمباحث السواك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4934>الفائدة الأولى\nاستحباب غسل السواك</span>\n[م-٩١٦] يستحب غسل السواك إذا احتاج إلى ذلك:\n(٢٣٧٦ - ٣٢٧) لما روى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن\nعبد الله الأنصاري، حدثنا عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب، حدثني كثير، عن عائشة أنها قالت:\nكان نبي الله ﷺ يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه إليه (^١).\n[إسناده فيه لين] (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٥٢)، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (١/ ٣٩).\n(^٢) تفرد به كثير بن عبيد، ولم يوثقه إلا ابن حبان.\nذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (٧/ ١٥٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات. الثقات (٥/ ٣٣٠).\nوفي التقريب: مقبول. أي إن توبع، وإلا فحديثه فيه لين. ولم أقف له على متابع.\nوفيه محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري:\nقال أبو داود: تغير تغيرًا شديدًا. تهذيب التهذيب (٩/ ٢٤٤). ...\nقلت: قد روى عنه البخاري مباشرة، وروى عن محمد بن بشار عنه، فيكون محمد بن بشار من كبار أصحابه، وهذا الحديث من رواية محمد بن بشار. وروى له مسلم أيضًا.\nلكن علة الحديث والله أعلم كثير بن عبيد. وقول ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ١٩٤) رواه\nأبو داود بإسناد جيد. فيه نظر. وسكت عليه الحافظ في التلخيص (١/ ١١٥، ١١٦).\nوقال النووي في المجموع (١/ ٣٣٦): «يستحب إذا أراد أن يستاك ثانيًا أن يغسل سواكه، وهذا يحتج له بحديث عائشة ﵂، وذكر الحديث. ثم قال: حديث حسن رواه أبو داود بإسناد جيد، وقال: هذا محمول على ما إذا حصل عليه شيء من وسخ أو رائحة». قلت: الحديث لو ثبت لكان مطلقًا.","vol":"10","page":613},{"text":"والمعنى يقتضيه، فإن السواك يزيل ما على الفم من طعام وغيره، وربما علق به شيء مما يخرجه من الفم، فإذا كثر ذلك احتاج أن يتعاهده بالتنظيف، حتى لا يكون السواك، وهو آلة النظافة سببًا في زيادة التلوث.\n* * *","vol":"10","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4935>الفائدة الثانية\nإباحة التسوك بسواك الغير</span>\n[م-٩١٧] يستحب التسوك بسواك الغير:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-4936> الدليل على ذلك:</span>\n(٢٣٧٧ - ٣٢٨) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة: أخبرني أبي،\nعن عائشة ﵂ قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر، ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله ﷺ فقلت: له أعطني هذا السواك يا عبدالرحمن، فأعطانيه فقصمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ، فاستن به وهو مستسند إلى صدري (^١).\nوفي رواية للبخاري: (فقصمته، ونفضته، وطيبته) (^٢).\nوفي رواية له أيضًا: (فلينته) (^٣).\nوفي رواية له أيضًا: (فقضمته) بالضاد (^٤).\nفقولها ﵂: (فقصمته) بالصاد: أي كسرته.\nوبالضاد: فقضمته: أي هو الأكل بأطراف الأسنان، ولعلها قصمته، ثم قضمته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٨٩٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٤٤٣٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٤٤٤٩).\n(^٤) صحيح البخاري (٤٤٣٨).","vol":"10","page":615},{"text":"وقد يقال: ليس فيه دليل على التسوك بسواك الغير؛ لأن عائشة حين قصمته: أي كسرته فكأنه سواك جديد، قسم قسمين:\nقسم تسوك به عبد الرحمن.\nوقسم تسوك به النبي ﷺ.\nوكون عائشة مضغته: أي أكلته بأطراف أسنانها، فهي زوج النبي ﷺ، والإنسان لا يستنكف من ريق زوجته، والزوجة ليست كالأجنبي.\n(٢٣٧٨ - ٣٢٩) لكن روى أبو داود في سننه، قال: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا عنبسة بن عبد الواحد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:\nكان رسول الله ﷺ يستن، وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فأوحى الله إليه في فضل السواك أن كبر أعط السواك أكبرهما (^١).\n[إسناده حسن، ورجح أبو حاتم أنه عن عروة، عن النبي ﷺ مرسلًا] (^٢).\nوترجم له أبو داود: باب الرجل يستاك بسواك غيره.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٥٠).\n(^٢) ورواه معمر بن راشد، عن هشام فأرسله، فقد رواه في الجامع (٢/ ٤٣٠)، عن هشام، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يتسوك، وعنده رجلان الحديث.\nوعنبسة مقدم على معمر خاصة في هشام، فإن رواية معمر عن هشام فيها كلام، وكذا روايته عن أهل البصرة. وله شاهد من حديث ابن عمر في الصحيحين، سوف يأتي بحثه في مسألة تالية إن شاء الله. وحسن إسناده الحافظ في الفتح (٢٤٦).\nوجاء في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٣٤٢) «سألت أبي عن حديث رواه دحيم، عن عبدالله بن محمد بن زاذان المديني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يستن، وعنده رجلان، فأوحي إليه أن كبر، وأعطى السواك حين فرغ الرجلين. فقال أبي هذا خطأ، إنما هو عن عروة أن النبي ﷺ مرسل، وعبدالله ضعيف».اهـ\nقلت: عبد الله بن زاذان. قال ابن عدي: لم أر للمتقدمين فيه كلامًا، ولكن له أحاديث غير محفوظة، فأحببت أن أذكره لما شرطت في الكتاب. الكامل (٤/ ٢٠٠).\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. الجرح والتعديل (٥/ ١٥٨).","vol":"10","page":616},{"text":"وقال الخطابي: «وفيه أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، على من يذهب إليه بعض من يتقزز، إلا أن السنة فيه أن يغسله، ثم يستعمله» (^١).\nقلت: وفي هذا نظر من وجهين:\nالأول: أن الرسول ﷺ ليس كغيره، والتبرك بريقه ﷺ، والتداوي به لا يقاس عليه غيره، وكان الصحابة يتبركون بفضل وضوئه، وبنخامته أحيانًا.\nثانيًا: أنه لو ثبت الجواز مطلقًا، فحديث عائشة في غسل السواك فيه لين. كما سبق تخريجه (^٢).\nوإذا كان النبي ﷺ نهى عن النفخ في الطعام والشراب رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث ابن عباس بسند صحيح، فالريق أشد من الهواء الخارج من الفم (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢٧).\n(^٢) انظر ح: (٢٣٧٦).\n(^٣) مسند أحمد (١/ ٣٥٧)، وسنن أبي داود (٣٧٢٨)، والترمذي (١٨٨٨)، وابن ماجه (٣٤٢٩).","vol":"10","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4937>الفائدة الثالثة\nفي دفع السواك للأكبر وليس للأيمن</span>\n[م-٩١٨] إذا دفع السواك للغير بدأ بالأكبر، وليس بالأيمن.\n(٢٣٧٩ - ٣٣٠) لما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، أخبرني أبي، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع،\nأن عبد الله بن عمر حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: أراني في المنام أتسوك بسواك، فجذبني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي كبر فدفعته إلى الأكبر (^١).\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (١٣ - ٢٢٧١، ٣٠٠٣). والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٤٠) من طريق عفان، حدثنا صخر بن جويرية به. وعلقه البخاري (٢٤٦)، قال: وقال عفان: حدثنا صخر بن جويرية به. قال: أراني أتسوك بسواك. ولم يقل: «في المنام «كما هو في رواية مسلم.\nواختلف على نافع. فرواه صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر على أنها رؤيا في المنام.\nورواه أسامة بن زيد الليثي، عن نافع به على أن ذلك كان في اليقظة.\nرواه أحمد (٢/ ١٣٨) قال: حدثنا يعمر بن بشر، حدثنا عبد الله - يعني ابن مبارك - قال قال أسامة بن زيد، حدثني نافع أن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يستن فأعطى أكبر القوم، وقال: إن جبريل ﷺ أمرني أن أكبر.\nولا شك أن صخر بن جويرية أحفظ من أسامة بكثير، فالأول قال فيه الحافظ: ثقة ثبت فقيه مشهور. وقال في أسامة: صدوق يهم.\nوحاول الحافظ أن يجمع بينهما في الفتح (٢٤٦)، فقال: «يجمع بينه وبين رواية صخر بن جويرية أن ذلك لما وقع في اليقظة أخبرهم بما رآه في النوم، تنبيهًا على أنه أمره بذلك بوحي متقدم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ البعض، ويشهد لرواية ابن المبارك ما رواه أبو داود بأسناد حسن عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستن، وعنده رجلان، فأوحي إليه أن أعط السواك الأكبر».اهـ","vol":"10","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4938>الفائدة الرابعة\nفي بلع الريق عند ابتداء السواك</span>\n[م-٩١٩] استحب بعض الفقهاء بلع ما اجتمع في فمه من ريقه عند ابتداء السواك (^١).\nقال الرملي: ولعل حكمته التبرك بما يحصل في أول العبادة (^٢).\nوفي الحلية، قال الحكيم الترمذي: «وابلع ريقك أول ما تستاك، فإنه ينفع الجذام والبرص، وكل داء سوى الموت، ولا تبلع بعده شيئًا؛ فإنه يورث الوسوسة، يرويه زياد بن علاقة» (^٣).\nولا أعلم دليلًا على الاستحباب، بل لا أراه مستحسنًا، أن يبلع المرء ريقه بعد تنظيف فمه، فلو قيل: الأولى أن يبصقه، لكان مستحسنًا حتى لا يبلع ما تخلف في فيه من أوساخ الطعام.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٤، ١١٥)، نهاية المحتاج (١/ ١٧٩).\nوقال في حاشية الجمل (١/ ١١٧): «هل المراد في ابتداء كل استياك؟ أو المراد في ابتداء اليوم مثلًا. والذي في فتاوى شهاب الرملي: أن المراد ما اجتمع في فيه من الريق عند ابتداء السواك. قال شيخنا الشبراملسي، وظاهره أن المراد به في ابتداء كل فعل منه».اهـ وانظر حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٢٢).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٥).","vol":"10","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4939>الفائدة الخامسة\nفي الدعاء عند السواك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• الأذكار والأدعية المقيدة الأصل فيها المنع إلا بدليل.\n[م-٩٢٠] استحب بعض الفقهاء أن يدعي عند التسوك بقوله: اللهم بيض أسناني، وشد به لثتي، وثبت به لهاتي، وبارك لي فيه يا رب العالمين، برحمتك يا أرحم الراحمين (^١).\n«وفي الرعاية: يقول: إذا استاك: اللهم طهر قلبي، ومحص ذنوبي. وقال العيني في شرحه على البخاري: ويقول عند الاستياك: اللهم طهر فمي، ونور قلبي، وطهر بدني، وحرم جسدي على النار، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين» (^٢).\nوهذا الدعاء لا أصل له، والغريب أن النووي قال بعد أن ذكر هذا الدعاء، قال: وإن لم يكن له أصل، فلا بأس به؛ فإنه دعاء حسن (^٣).\nوالصحيح أن الدعاء بهذا بدعة؛ لأن استحباب دعاء معين، في وقت معين، يجعله من الأذكار المقيدة، والأذكار المقيدة لا تجوز إلا إذا صح فيها الدليل، وفرق\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٣٧)، حاشية الجمل (١/ ١١٨)، مغني المحتاج (١/ ١٨٥).\n(^٢) مطالب أولى النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٨١).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٣٧).","vol":"10","page":620},{"text":"بين الدعاء المطلق، وبين الدعاء المقيد؛ لأن الأول أعني الدعاء المطلق جاءت الأدلة من القرآن والسنة بطلبه بينما الدعاء الثاني لا يفعل إلا إذا صح فيه الدليل، وإذا جاء الدليل وجب التقيد به، كمية وكيفية، ووقتًا. فإذا زاد فيه أو نقص أو ذكره في غير وقته كان ذلك بدعة. وحيث لم يرد في ذلك دليل يكون التعبد به بدعة.\n* * *","vol":"10","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4940>الفائدة السادسة\nفي منافع السواك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.\n[م-٩٢١] ذكر بعض الفقهاء في فوائد السواك: أنه يبطئ بالشيب، ويحد البصر، وأحسنها أنه شفاء لما دون الموت، وأنه يسرع في المشي على الصراط، وأنه مطهرة للفم، ومرضاة للرب، ومفرحة للملائكة، ومجلاة للبصر، ويذهب البخر، ويبيض الأسنان، ويشد اللثة، ويهضم الطعام، ويقطع البلغم، ويضاعف الصلاة، ويطهر طريق القرآن، ويزيد في الفصاحة، ويقوي المعدة، ويسخط الشيطان، ويزيد في الحسنات، ويقطع المرة، ويسكن عروق الرأس ووجع الأسنان، ويطيب النكهة، ويسهل خروج الروح.\nقال في النهر: ومنافعه وصلت إلى نيف وثلاثين منفعة، أدناها إماطة الأذى، وأعلاها تذكير الشهادة عند الموت (^١).\nما يذكره الفقهاء في فوائد السواك لا أعلم له أصلًا إلا ما ثبت من حديث عائشة ﵂، قال رسول الله ﷺ: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٥)، حاشية الجمل (١/ ١١٨، ١١٩) مطالب أولى النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٨٣).","vol":"10","page":622},{"text":"وما ورد أيضًا من وضع الملك فاه على في القارئ. وأنه تطهير لطرق القرآن، وكونه يزيد في الحسنات، ويسخط الشيطان ليس خاصًا بالسواك، بل في كل قربة قصد بها وجه الله تعالى، وكان فيها متابعة للمصطفى ﵌.\nوأما ما ورد من مضاعفة أجر الصلاة، فقد بحثت في بحث خاص، وملت إلى أن الحديث الوارد غير ثابت. والله أعلم\nوأما منافع السواك في المعدة والرأس ونحوها، فالمرجع فيها إلى الطب، فإن أثبت هذا أثبتناه، وإلا فالأصل عدم ثبوته.\n(٢٣٨٠ - ٣٣١) وأما ما رواه البيهقي في شعب الإيمان من طريق محمد بن السري، حدثنا بقية، عن الخليل بن مرة، عن عطاء بن أبي رباح،\nعن ابن عباس، قال: عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، يزيد الحسنات، وهو من السنة، ويجلو البصر، ويذهب الحفر، ويشد اللثة، ويذهب البلغم، ويطيب الفم (^١).\nقال البيهقي: ورواه غيره، وزاد فيه: (ويصلح المعدة) وهو مما تفرد به الخليل بن مرة، وليس بالقوي في الحديث. وسبق بحثه (^٢).\n(٢٣٨١ - ٣٣٢) وأما ما روى ابن عدي من طريق معلى بن ميمون، حدثنا عمرو بن داود، عن سنان بن سنان،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن السواك ليزيد الرجل فصاحة.\n[الحديث موضوع] (^٣).\n_________\n(^١) شعب الإيمان (٦/ ٧١) رقم ٢٥٢١.\n(^٢) انظر الشاهد الرابع في تخرج (ح ٢٢٨٦).\n(^٣) الكامل (٦/ ٣٧٠) ومن طريق المعلى بن ميمون أخرجه الخطيب في الجامع (١/ ٣٧٣، ٣٧٤) رقم ٨٥٩، وتلخيص المتشابه (٢/ ٧٠٥ - ٧٠٦)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ١٥٦) والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ١٦٤) رقم ٢٣٢. ...\nقال ابن عدي: ولمعلى بن ميمون غير ما ذكرت من الأحاديث، والذي ذكرت والذي لم أذكره كلها غير محفوظة مناكير، ولعل الذي لم أذكره أنكر من الذي ذكرته، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، إلا أن أحاديثه رأيتها غير محفوظة، فشرطت في أول الكتاب أن أذكر كل من هو بصورته. الكامل (٦/ ٣٧٠).\nوقال العقيلي: عمر بن داود، عن سنان بن أبي سنان كلاهما مجهول، والحديث منكر غير محفوظ، ومعلى بن ميمون ضعيف. الضعفاء الكبير (٣/ ١٥٦).\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا أصل له. العلل المتناهية (١/ ٣٣٦) رقم ٥٤٩.\nوانظر لسان الميزان (٦/ ٦٥)، والأسرار المرفوعة (١/رقم ٢٣٣)، وكشف الخفاء ومزيل الإلباس (١٤٩٤). والكشف الإلهي (١/ ٤٦٠).","vol":"10","page":623},{"text":"(٢٣٨٢ - ٣٣٣) وأما ما رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث عائشة ﵂: «السواك شفاء من كل داء إلا السام» والسام: الموت.\n[فالحديث ضعيف] (^١).\nوأما ما ذكروه بالنسبة لفوائد السواك للثة، وأنه يشد اللثة، فهذا ما يؤكده أحد الأطباء، يقول:\n«نحن أطباء الأسنان في مصر نصف لمرضانا الذين يعانون من الالتهابات اللثوية أو كمقبض للثة هذه الوصفة العلاجية:\nحامض العفص ٢٠% ... ٢٠%  Tannic acid\nجليسرين ٨٠%  Glycerine ... ٨٠%\nوطريقة استعمالها تكون بغمس الإصبع بهذا المحلول، ودلك اللثة بها مع العلم أنه كلما كانت نسبة حمض العفص أعلى كلما كان التأثير أفضل وأجود، ويمنعنا من زيادة نسبته عن ٢٠% طعمه الحريق اللاذع، وغير المقبول، في حين أنه يحتمل وجوده\n_________\n(^١) عزاه للديلمي السيوطي في الجامع الصغير. انظر ضعيف الجامع (٣٣٦٠)، والقارئ في معرفة النساك (١٤). وذكره أبو الفيض في المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير (٣/ ٧٩). وذكره صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس (١٤٩٧).","vol":"10","page":624},{"text":"بالسواك بنسبة أعلى بكثير من ٢٠%، وطعمه مقبول، وله رائحة طيبة ونكهة، وهذه ناحية ينفرد بها السواك كميزة رائعة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) السواك والعناية بالأسنان (ص: ١٩١) الطبيب عبد الله عبد الرزاق السعيد.","vol":"10","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4941>الفائدة السابعة\nالعلك بالنسبة للمرأة</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل.\n[م-٩٢٢] ذكر بعض فقهاء الحنفية أن العلك يقوم مقام السواك بالنسبة للمرأة (^١).\nوعللوا ذلك: بأن سن المرأة أضعف من سن الرجل، ولأنها قد تخشى سقوط أسنانها من السواك. وهذا الاستحباب ضعيف، وأحكام السواك عامة للرجل والمرأة، ولم يأت نهي للنساء عن السواك، وقد ذكر الفقهاء من فوائد السواك أنه يشد اللثة، فكيف يستقيم هذا مع ما يذكرونه.\n(٢٣٨٣ - ٣٣٤) وأما ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن رزيق، حدثنا أبوالطاهر حدثنا ابن وهب أخبرنا يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب،\nعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: لزمت السواك حتى خشيت أن يدردني.\n_________\n(^١) الفتاوى الهندية (١/ ٧)، درر الحكم شرح غرر الأحكام (١/ ١١)، تبيين الحقائق (١/ ٥)، البحر الرائق (١/ ٢١).","vol":"10","page":626},{"text":"قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد تفرد به ابن وهب (^١).\nوالدرد: سقوط الأسنان. وقد سبق بحثه (^٢).\nوإذا كان هناك حالة خاصة تخشى المرأة سقوط أسنانها لم يستحب لها أن تكثر منه، بل تأخذ منه بقدر. لكن لا يمكن أن يقال: إن هذا عام في كل النساء. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٦/ ٣٢٣) رقم ٦٥٢٦.\n(^٢) انظر الشاهد الرابع في تخريج (٢٢٨٨).","vol":"10","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4942>الفائدة الثامنة\nالتسوك والإمام يصلي</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• إدراك فضيلة داخل العبادة أولى من إدراك فضيلة خارجة عنها.\n[م-٩٢٣] لا يشرع للإنسان أن يتسوك بعد دخول الإمام في الصلاة.\nوذلك لأن السواك شرع للعبادة، فلا ينبغي أن يفوت جزءًا من العبادة من أجل فضيلة شرعت لها، وليست فيها. فإدراك هذا الجزء من العبادة خير من تحصيل فضيلة شرعت لها.\nودائما القاعدة الفقهية إنه إذا تزاحمت فضيلتان:\nأحدهما: في العبادة\nوالأخرى: للعبادة، خارجة عنها. فإدراك الفضيلة الخاصة في العبادة أولى من إدراك الفضيلة الخارجة عنها. ويكفي أن فيه مخالفة للإمام.\n(٢٣٨٤ - ٣٣٥) وقد روى البخاريمن طريق أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد، وإذا سجد","vol":"10","page":628},{"text":"فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (^١).\nومن يتسوك والإمام يكبر، فقد خالف أمر الرسول ﷺ، وقد أمره بالتكبير، والفاء في قوله: «وإذا كبر فكبروا» دالة على التعقيب، بلا تراخ. والله أعلم.\nومثله لو تزاحم فضيلتان أحدهما تتعلق بالمكان، كما لو كان في يمين الإمام، أو في يسار الإمام مع إدراك جزء من العبادة يفوت لو طلب يمين الإمام، فإدراك جزء من العبادة أفضل من تحصيل فضيلة خارجة عنها. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٣٤)، ومسلم (٤١٤).","vol":"10","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4943>الفائدة التاسعة\nفي الوضوء من فضل السواك</span>\n[م-٩٢٤] وردت آثار في الوضوء من فضل السواك، منها:\n(٢٣٨٥ - ٣٣٦) روى البزار في مسنده، قال: حدثنا يوسف بن خالد، ثنا أبي، عن الأعمش،\nعن أنس أن النبي ﷺ كان يتوضأ بفضل سواكه (^١).\n[ضعيف جدًّا، والأعمش لم يسمع من أنس] (^٢).\n_________\n(^١) كشف الأستار عن زوائد البزار (١/ ١٤٤) رقم ٢٧٤.\n(^٢) فيه يوسف بن خالد:\nقال يحيى بن معين: كذاب خبيث، عدو الله، رجل سوء، رأيته بالبصرة مالا أحصى لا يحدث عنه أحد فيه خير.\nوقال أيضًا: كذاب زنديق لا يكتب حديثه.\nوقال أبو حاتم: أنكرت قول يحيى بن معين فيه إنه زنديق حتى حمل إلي كتاب قد وضعه في التجهم بابًا بابًا ينكر الميزان في القيامة فعلمت أن يحيى بن معين كان لا يتكلم الا على بصيرة وفهم. قلت: ما حاله؟ قال: ذاهب الحديث.\nوقال أبو زرعة: ذاهب الحديث ضعيف الحديث اضرب على حديثه كان يحيى بن معين يقول: كان يكذب. المرجع السابق.\nوالحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٠٢٠) حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا يوسف بن خالد به.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٤٠) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل، أخبرنا يوسف بن خالد، أخبرنا الأعمش، عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يستاك بفضل وضوئه.\nفخالف في متنه، فجعل الاسيتاك بفضل الوضوء، وليس الوضوء بفضل الاستياك. ...\nقال الحافظ في الفتح (١٨٧): «أخرجه الدارقطني من حديث أنس، أن النبي ﷺ كان يتوضأ بفضل سواكه. وسنده ضعيف».اهـ كلام الحافظ.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١٦): «رواه البزار، والأعمش لم يسمع من أنس».","vol":"10","page":630},{"text":"وقال البزار: رواه سعد بن الصلت، عن الأعمش، عن مسلم (^١).\n(٢٣٨٦ - ٣٣٧) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير أنه كان يستاك، ويأمرهم أن يتوضؤا بفضل سواكه.\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١) هذه الرواية التي أشار إليها البزار، هي في سنن الدارقطني (١/ ٤٠) من طريق سعيد بن الصلت -والصواب: سعد-، عن الأعمش، عن مسلم الأعور، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يستاك بفضل وضوئه.\nوفيه مخالفتان: في الإسناد والمتن.\nأما الإسناد، فإنه جعل بين الأعمش، وأنس واسطة.\nوأما المتن، فإنه قال: كان يستاك بفضل وضوئه. والأولى لفظها: كان يتوضأ بفضل سواكه. وبينهما فرق.\nوراية الدارقطني ضعيفة، فإن فيها مسلم بن كيسان الأعور.\nقال البخاري: ضعيف، ذاهب الحديث، لا أروى عنه. تهذيب التهذيب (١٠/ ١٢٢).\nوقال أحمد: ضعيف لا يكتب حديثه. الضعفاء الكبير (٤/ ١٥٣)\nوقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (٥٦٨).\nوقال يحيى بن معين والنسائي أيضًا: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (١٠/ ١٢٢).\nوضعفه أبو حاتم الرازي وأبو زرعة. الجرح والتعديل (٨/ ١٩٢).\n(^٢) المصنف (١/ ١٩٩)، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد. وقيس: هو ابن أبي حازم. وسنده صحيح.\nورواه الدارقطني (١/ ٤٠) من طريق يحيى بن سعيد، أخبرنا إسماعيل به بلفظ: كان جرير يقول لأهله توضؤوا من هذا الذي أدخل فيه سواكه.\nقال الدارقطني: هذا إسناد صحيح، وعلقه البخاري في الوضوء جازمًا به. (٤٠) باب استعمال فضل وضوء الناس. قال البخاري: وأمر جرير بن عبد الله أهله أن يتوضؤوا بفضل سواكه.\nقال الحافظ في الفتح: «هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة والدارقطني وغيرهما، من طريق قيس بن أبي حازم عنه. وفي بعض طرقه: (كان جرير يستاك، ويغمس رأس سواكه في الماء، ثم يقول لأهله: توضؤا بفضله، لا يرى به بأسًا)».","vol":"10","page":631},{"text":"قال الشافعي: «إذا وضع المرء ماء، فاستن بسواك، وغمس السواك في الماء، ثم أخرجه توضأ بذلك الماء؛ لأن أكثر ما في السواك ريقه، وهو لو بصق أو تنخم أو امتخط في ماء لم ينجسه، والدابة نفسها تشرب في الماء، وقد يختلط به لعابها، فلا ينجسه إلا أن يكون كلبًا أو خنزيرًا» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الأم (١/ ١٨).","vol":"10","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4944>الفائدة العاشرة\nفي استحباب السواك من شجر مر</span>؟\n[م-٩٢٥] استحب فقهاء الحنفية أن يكون من شجر مر.\nوعللوا ذلك بأنه يطيب النكهة، ويشد الأسنان، ويقوي المعدة (^١).\nوليس فيه شيء عن الشارع، فإن كان ما ذكر من التعليل ثابتًا طبيًّا استحب لذلك، وإلا فالأصل عدم الاستحباب.\n* * *\n_________\n(^١) مجمع الأنهر (١/ ١٣).","vol":"10","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4945>الفائدة الحادية عشرة\nالتسوك بطرف السواك</span>\n[م-٩٢٦] نهى بعض الفقهاء أن يتسوك بطرف السواك الآخر (^١).\nوعلل ذلك بأن الأذى يستقر فيه (^٢).\nولا دليل على الكراهة، وليس لما عللوا فيه أصل، ولو كان الأذى يستقر فيه، لجاء الأمر باستبدال السواك بعد استعماله حتى لا يصل إلى الموضع الذي فيه أذى، بل لو قيل: إنه مأمور أن يستاك بطرفه الآخر بعد استياكه بطرفه الأول، لأن السواك مع الاستعمال قد يضعف في التنظيف، لو قيل بهذا في مقابل قولهم لكان مقبولًا. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ١٣)، وحاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٥٩)، تحفة المحتاج (١/ ٢١٥)، حاشية الجمل (١/ ١١٨).\n(^٢) حاشية الجمل (١/ ١١٨).","vol":"10","page":634},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4946>الفائدة الثانية عشرة\nفي التسوك بالقصب</span>\n[م-٩٢٧] نهى بعض الفقهاء عن التسوك بالقصب (^١).\nوعرف القصب: بأنه كل نبات يكون ساقه أنابيب، وكعوبًا. قال صاحب الصحاح: والقصب الفارسي منه صلب غليظ تعمل منه المزامير، وتسقف به البيوت، ومنه ما يتخذ منه الأقلام اهـ ثم قال: إذا تقرر هذا فالظاهر أن مراد الفقهاء بالقصب مطلقه لا خصوص الفارسي.\nوعلل الكراهة بأن القصب يولد الأكلة في الأسنان\nوليس فيه شيء عن الشارع، فإن ثبت طبيًا أنه يسبب الأكلة حرمناه، ولم نكتف بالكراهة، وإلا فالأصل الإباحة.\n* * *\n_________\n(^١) حاشية العدوي (١/ ١٨٤).","vol":"10","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4947>الفائدة الثالثة عشرة تعويد الصبي على السواك</span>\n[م-٩٢٨] قال النووي: يستحب أن يعود الصبي السواك ليألفه كسائر العبادات (^١).\nقلت: كما يؤمر بالصلاة، والصيام، والآداب المستحبة.\n(٢٣٨٧ - ٣٣٨) أما الصلاة، فقد روى أحمد من طريق سوار أبو حمزة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه،\nعن جده قال: قال رسول الله: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (^٢).\n[ضعيف، تفرد به سوار، على خلاف فيه في لفظه، وله شاهد ضعيف من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١) المجوع شرح المهذب (١/ ٣٣٦).\n(^٢) المسند (٢/ ١٨٧).\n(^٣) الإسناد مداره على سوار بن داود المزني أبي حمزة الصيرفي.\nرواه أحمد (٢/ ١٨٧) عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي. =","vol":"10","page":636},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أحمد أيضًا (٢/ ١٨٧) والدارقطني (١/ ٢٣٠) والحاكم (١/ ١٩٧)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٢٩) من طريق عبد الله بن بكر السهمي.\nولم يذكر الحاكم زيادة (إذا أنكح أحدكم عبده ...)، وذكرها غيره.\nورواه أبو داود (٤٩٥) من طريق إسماعيل بن علية. بدون ذكر زيادة (إذا أنكح أحدكم عبده).\nورواه ابن ابي شيبة (٣٤٨٢) وأحمد (٢/ ١٨٠)، وأبو داود (٤٩٦) من طريق وكيع، ثلاثتهم عن سوار بن داود الصيرفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nولم يذكر أحمد وابن أبي شيبة في روايتهما عن وكيع زيادة (إذا أنكح أحدكم عبده)،\nلكن رواه أبو داود عن زهير بن حرب، عن وكيع بذكر هذه الزيادة، وقد انقلب اسمه على وكيع، فقال: عن داود بن سوار.\nفصارت زيادة: (إذا أنكح أحدكم عبده) رواه الطفاوي كما في مسند أحمد.\nوعبد الله بن بكر السهمي كما في مسند أحمد والدارقطني والبيهقي خلافًا للحاكم.\nوذكرها وكيع من رواية زهير بن حرب عنه، ورواه أحمد وابن أبي شيبة عن وكيع، ولم يذكراها.\nوالحديث، له علتان:\nأحدهما: مؤثرة، وهي: تفرد سوار بن داود الصيرفي، عن عمرو بن شعيب بهذا الحكم، ولا يحتمل تفرده بهذا الأصل ولو كان ثقة، كيف وهو إلى الضعف أقرب.\nقال أحمد: شيخ بصري، لا بأس به. روى عنه وكيع فقلب اسمه، وهو شيخ يوثق بالبصرة. لم يرو عنه غير هذا الحديث. يعني: حديثه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. (علموا أولادكم الصلاة). الجرح والتعديل (٤/ ٢٧٢)، تهذيب الكمال (١٢/ ٢٣٦).\nفنص الإمام أحمد على فائدتين:\nالأولى: أنه ليس له من الرواية إلا هذا الحديث، فهذا دليل على أنه لم يعرف بالرواية.\nالفائدة الثانية: تفرده بهذه الزيادة، وهو ليس بذاك.\nقال الدارقطني: لا يتابع على حديثه فيعتبر به. تهذيب الكمال (١٢/ ٢٣٦) تهذيب (٤/ ٢٥٣).\nوضعفه العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ١٦٧)، وقال: «لا يتابع على أحاديثه فيعتبر به».\nبل إن العقيلي ضعف أحاديث الباب جملة، فقال: في الضعفاء الكبير (٤/ ٤٩): «الرواية في هذا الباب فيها لين».\nوأما يحيى بن معين فاختلف النقل عنه، فوثقه في رواية إسحاق بن منصور عنه. الجرح والتعديل (٤/ ٢٧٢)، تهذيب التهذيب (٤/ ٢٥٣).\nبينما نقل ابن طهمان عنه أنه قال: ليس بشيء.\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. الثقات (١/ ٤٢٢).\nوفي التقريب: صدوق له أوهام. =","vol":"10","page":637},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= واختلف على سوار بن داود:\nفرواه الطفاوي والسهمي ووكيع عن سوار بن داود بلفظ: (وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظر إلى شيء من عورته فإن أسفل من سرته إلى ركبتيه من عورته).\nوالمقصود بعبده: أي أمته، فإن العبد لا يصح للسيد أن ينظر إلى عورته مطلقًا تزوج أو لم يتزوج.\nوخالفهم النضر بن شميل، فقد رواه الدارقطني في السنن (١/ ٢٣٠) ومن طريقه البيهقي في السنن (٢/ ٢٢٩) عنه، عن سوار به، بلفظ: (إذا زوج أحدكم عبده: أمته أو أجيره، فلا تنظر الأمة إلى شيء من عورته، فإن ما تحت السرة إلى ركبته من العورة).\nوتابعه الليث بن أبي سليم كما في سنن البيهقي (٢/ ٢٢٩) من طريق الخليل بن مرة، عن الليث، عن عمرو بن شعيب به، وهذا إسناد ضعيف لضعف الليث بن أبي سليم.\nفصار النهي في هذا الحديث متوجهًا إلى الأمة، فلا يجوز أن تنظر إلى عورة سيدها إذا زوجها.\nولا شك أن هذا اختلاف مؤثر في الحديث، فإما أن نقول بالاضطراب، وإما أن نقول بالترجيح.\nوالترجيح أصح؛ لأن الذهاب إلى الاضطراب لا يصار إليه إلا مع تساوي الطرق، والله أعلم، وأرى أن الأصح رواية من قال: إن النهي للسيد، وليس للأمة لأمرين:\nالأول: أنه رواية الأكثر، وكيع، والطفاوي، والسهمي، فإذا قارنت هؤلاء برواية النضر والليث ابن أبي سليم، كانت كفة الترجيح للأولى.\nالثاني: أنه قد رواه أبو داود (٤١١٣) ومن طريقه البيهقي في السنن (٢/ ٢٢٦) من طريق الوليد ابن مسلم، حدثنا الأوزاعي عن عمرو بن شعيب به، بلفظ: إذا زوج أحدكم عبده أمته، أو أجيره، فلا ينظرن إلى عورتها.\nوهذا وإن كان قد أجمل العورة إلا أنه صريح في أن النهي متوجه إلى السيد، وهذا الإسناد وإن كان فيه الوليد بن مسلم، وقد صرح بالتحديث من الأوزاعي، وهو متهم بتدليس التسوية إلا أنه صالح في النظر إلى متن الحديث في المتابعات.\nلكن مع ترجيح أن النهي متوجهًا للسيد فإن المتن منكر إن لم يكن باطلًا وهو التفرد في التفريق بين عورة الأمة والحرة، وكونها أمة أو حرة لا يمكن أن يعود ذلك بالتفريق بين كشف الساق والصدر والظهر، والشريعة جاءت بحماية المجتمع من إثارة الشهوات، فلا فرق بين الأمة والحرة في مثل هذا، وكون هذا التفريق يتفرد به سوار بن داود، ولا يعلم له اشتغال بالحديث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده لا يقبل على قواعد المحدثين.\nولست أنكر أن إسناد عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إسناد حسن بشرط أن يصح الإسناد إليه، وألا يتفرد بأصلٍ لولاه لم يثبت حكم هذا الأصل، والله أعلم.\nقال العقيلي (٢/ ١٦٧): «وأما حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فليس يروى من وجه يثبت». =","vol":"10","page":638},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وللجملة الأولى من الحديث: (مروا أبناءكم بالصلاة) دون قوله (وإذا زوج أحدكم عبده) له ثلاثة شواهد ضعيفه.\nالشاهد الأول: سبرة بن معبد الجهني.\nأخرجه ابن أبي شيبة (١٣٤٨١)، وأحمد (٣/ ٤٠٤)، والدارمي (١٤٣١)، وابن الجارود في المنتقى (١٤٧) وأبو داود (٤٩٤) والترمذي (٤٠٧) وقال: حسن صحيح. والطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ٢٣١) والدارقطني (١/ ٢٣٠) والحاكم (١/ ٢٠١) وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي (٢/ ١٤) (٣/ ٨٣) كلهم من طريق عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا بلغ الغلام سبع سنين أمر بالصلاة، فإذا بلغ عشرًا ضرب عليها.\nهذا لفظ أحمد. والحديث إسناده ضعيف. فيه عبد الملك بن الربيع.\nقال ابن معين: أحاديث عبد الملك، عن أبيه، عن جده ضعاف. الجرح والتعديل (٥/ ٣٥٠).\nوقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا يروي عن أبيه ما لم يتابع عليه. المجروحين (٢/ ١٣٢).\nووثقه العجلي.\nوقال أبو الحسن بن القطان: لم تثبت عدالته، وإن كان مسلم أخرج له، فغير محتج به. تهذيب التهذيب (٦/ ٣٤٩).\nيقصد أن مسلمًا لم يحتج به. وإنما أخرج له حديثًا واحدًا في المتعة متابعة، فليس على شرط مسلم. ولهذا لم يصب الحاكم عندما قال: على شرط مسلم.\nالشاهد الثاني: حديث أنس.\nأخرجه الحارث في مسنده، كما في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (ص ٤٨) قال: حدثنا داود بن المحبر، ثنا عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك عن عمه ثمامة،\nعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لثلاث عشرة.\nومن طريق داود بن المحبر أخرجه الطبراني كما في مجمع البحرين (٥٣٧).\nوالحديث ضعيف جدًّا، داود بن المحبر، قال فيه أبو حاتم: غير ثقة، ذاهب الحديث، منكر الحديث. الجرح والتعديل (٣/ ٤٢٤).\nوقال الدارقطني: متروك. تهذيب التهذيب (٣/ ١٧٣).\nوكذبه أحمد. ضعفاء الأصبهاني (٦١).\nوقال أيضًا: شبه لا شيء، لا يدري ما الحديث. التاريخ الكبير (٣/ ٢٤٢)\nوأورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (٣٤٩) من مسند أنس. وقال: فيه داود بن المحبر، متروك، وقد خالف في هذا الحديث سندًا ومتنًا. =","vol":"10","page":639},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يقصد الحافظ: مخالفته في الإسناد: وذلك بجعله من مسند أنس، وهو غير معروف، والمخالفة في المتن، فإن المعروف في لفظه: (واضربوهم عليها لعشر) وهذا قال: (لثلاث عشرة).\nومع شدة ضعفه فإن داود بن المحبر تارة يحدث به عن عبد الله بن المثنى وتارة يحدث به عن أبيه، والله أعلم.\nالشاهد الثالث:\nما رواه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٩٤) وأبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٦٥) من طريق يحيى بن معين.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في العيال (٣٠١) عن أحمد بن إبراهيم، كلاهما (يحيى بن معين، وأحمد ابن إبراهيم) روياه عن محمد بن ربيعة، حدثنا محمد بن الحسن بن عطية العوفي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن،\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا بلغ أولادكم سبع سنين، فعلموهم الصلاة، فإذا بلغوا عشرًا فاضربوهم عليها، وفرقوا بينهم في المضاجع.\nقلت: اختلف على محمد بن الحسن بن عطية، فرواه محمد بن ربيعة كما سبق موصولًا.\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦٦) والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٩) من طريق عبد الله بن داود.\nوابن أبي الدنيا في العيال (٢٩٥) من طريق حسن بن صالح، كلاهما عن محمد بن الحسن بن عطية العوفي، عن محمد بن بن عبد الرحمن، عن رسول الله ﷺ مرسلًا. وهو الصواب بالنسبة للرواية المرسلة، وإن كان المرسل ضعيفًا.\nورجح العقيلي الرواية المرسلة، فقال: هذا أولى. يعني أولى من الموصول، والرواية في هذا الباب فيها لين. اهـ\nوكذا قال البخاري حيث قال لما ذكر الحديث: لم يصح حديثه.\nفالمرسل ضعيف أيضًا؛ لأن مداره على محمد بن الحسن بن عطية، قال فيه العقيلي: مضطرب الحديث، ومن حديثه ما حدثناه ... ثم ذكر حديثه هذا.\nوقال فيه ابن حبان: منكر الحديث.\nوقد تفرد بهذا الطريق على ضعفه، وشيخه محمد بن عبد الرحمن فيه جهالة، ينظر الميزان (٣/ ٦١٩).\nالخلاصة: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حديث منكر، فلا يعتبر به، تفرد به سوار ابن داود (أبو حمزة) وكان في متنه ما يدعو إلى بطلانه، فلا يصلح للاستشهاد.\nوحديث أنس، ضعيف جدًّا، فلا يصلح للاعتبار. =","vol":"10","page":640},{"text":"(٢٣٨٨ - ٣٣٩) وأما أمرهم بالصيام، فقد روى البخاري من طريق خالد بن ذكوان،\nعن الربيع بنت معوذ، قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار، من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم. قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك، حتى يكون عند الإفطار (^١).\nوأما أمرهم ببعض الآداب:\n(٢٣٨٩ - ٣٤٠) فقد روى البخاري من طريق وهب بن كيسان، أنه سمع عمر ابن أبي سلمة يقول:\nكنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ: ياغلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك، فما زالت تلك طعمتي بعد (^٢).\nولا شك أن الصبي غير مكلف، ولكن يؤمر بذلك تأديبًا وتعليمًا حتى يألف الواجبات، هذا فيما يتعلق في باب المأمورات، وفي باب المنهيات آكد حيث ينهى الصغير عما ينهى عنه الكبير، فينهى عن الكذب، وعن الغيبة، وعن أكل الحرام،\n(٢٣٩٠ - ٣٤١) لما روى البخاري من طريق شعبة، حدثنا محمد بن زياد، قال:\nسمعت أبا هريرة ﵁: قال أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من\n_________\n= وحديث أبي هريرة اختلف في وصله وإرساله، ولم يخرجه أحد في الكتب المعتمدة في السنة، وإنما ذكر في كتب الرجال، وابن أبي الدنيا في العيال، وقد اختلف في وصله وإرساله، وكلاهما من رواية ضعيف، عن مجهول، فلا أرى أنه يعتبر به.\nيبقى أمثل حديث في الباب حديث سبرة، وهو ضعيف، والله أعلم.\n(^١) صحيح البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٣٧٦)، وصحيح مسلم (٢٠٢٢).","vol":"10","page":641},{"text":"تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ: كخ كخ؛ ليطرحها، ثم قال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤٩١)، وصحيح مسلم (١٠٦٩).","vol":"10","page":642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4948>الفائدة الرابعة عشرة\nفي لقطة السواك</span>\nمدخل في ذكر الضابط الفقهي:\n• كل حقير من المال يجوز التقاطه وتملكه والانتفاع به بلا تعريف.\n[م-٩٢٩] إذا وجد الرجل سواكًا في الطريق، فهل يجب عليه تعريفه، أو له أن يتملكه؟\n(٢٣٩١ - ٣٤٢) روى ابن أبي شيبة، قال: نا حفص،\nعن ليث، قال: كان عطاء يرخص في القضيب والسواك والسنا من الحرم.\n[ضعيف] (^١).\n(٢٣٩٢ - ٣٤٣) وقد روى البخاري من طريق منصور، عن طلحة،\nعن أنس ﵁، قال: مر النبي ﷺ بتمرة مسقوطة، فقال: لولا أن تكون من صدقة لأكلتها (^٢).\nفدل الحديث على أنه لا حرج في التقاط اليسير من المال.\n_________\n(^١) المصنف (٤/ ٥٠٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٠٥٥)، ومسلم (١٠٧١).","vol":"10","page":643},{"text":"وقال ابن قدامة: «لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير، والانتفاع به، وقد روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة، وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، وطاووس، والنخعي، ويحيى بن أبي كثير، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المغني (٦/ ٦).","vol":"10","page":644},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4949>الفائدة الخامسة عشرة\nيتسوك المحرم كما يتسوك الحلال</span>\n[م-٩٣٠] الترغيب في السواك يشمل الحلال والمحرم.\n(٢٣٩٣ - ٣٤٤) فقد روى أبن أبي شيبة: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع،\nعن ابن عمر قال: لا بأس بالسواك للمحرم.\n[صحيح] (^١).\nثم إن عموم السواك مطهرة للفم مرضاة للرب يشمل المحرم والحلال، ولم أعلم أن أحدًا كره السواك للمحرم، بل قد يقال: إن الإحرام شرع فيه الاغتسال، والقصد منه النظافة، ولذلك تغتسل الحائض والنفساء، ومن نظافة البدن السواك، لأن الفم جزء من البدن، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصنف (٤/ ٢٠٣).","vol":"10","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4950>الفائدة السادسة عشرة\nفائدة طبية في السواك</span>\n[م-٩٣١] تم في كلية طب الأسنان بجامعة الرياض إجراء بحث علمي على المسواك، قام به الدكتور عبد الرحيم محمد الأستاذ المشارك، والمحاضر في الكلية، وقد اتضح من نتائج هذا البحث بأن السواك ليس له تأثير ضار على الأنسجة المحيطة بالأسنان لمدة أربعة وعشرين ساعة من استخدامه، بل إن له فوائد شتى .. ولكن إذا استخدم رأس المسواك لمدة أكثر من يوم دون تغيير هذا الجزء، فإن بعض المواد، وهي مواد فيتولية يمكن لها أن تؤثر على الأنسجة المحيطة بالأسنان، لذلك يوصي الدكتور صاحب البحث المتسوكين باستخدام المسواك لمدة أربعة وعشرين ساعة، وبعد ذلك يقطع الجزء المستخدم، ويستخدم جزء جديد (^١).\nويقول بعض الأطباء: «إن عدم تنظيف الفم والأسنان، هو أحد أهم العوامل المسببة لنخر الأسنان، وخاصة في العصر الحديث لانتشار استخدام السكريات.\nوقد أجمع أطباء الأسنان والباحثون على أهمية تنظيف الفم بعد الطعام، وغسله بالمضمضة، واستخدام السواك، وبما أن الإنسان في العصر الحديث يأكل\n_________\n(^١) السواك، والعناية بالأسنان (ص: ٢٢٢)، نقلًا من صحيفة الجزيرة السعودية عدد الأحد، ٦ رجب ١٤٠١ هـ","vol":"10","page":646},{"text":"بين الوجبات، ويشرب سوائل محلاة بالسكر، فإنه يحتاج إلى استخدام السواك كل أربع ساعات، وقد ذكر الدكتور عبد الغني السروجي من جامعة دمشق يقول: «مبدأ حفظ صحة الأسنان هو التأكيد على تنظيفها تنظيفًا مستمرًا، وبخاصة الثلم اللثوي كل أربع ساعات، وهو أمر لا يتحقق بالنسبة للإنسان في العصر الحديث إلا إذا اتبع تعاليم المصطفى ﷺ، حيث ندب بقوة إلى السواك عند كل وضوء، وعند كل صلاة، وبما أن الصلاة مفروضة على المسلم خمس مرات في اليوم والليلة، فإن عليه أن يتسوك خمس مرات، ثم يضاف إليها التسوك عند قراءة القرآن، وعند القيام من النوم، وعند تغير الفم ... إلخ فيكون ذلك أكثر من عشر مرات في اليوم والليلة، فأنى يتأتى للويحة السنية أن تتجمع، وتترسب، وهي تزال كل ما تكونت، وكيف تسطيع البكتيريا أن تحول بقايا الطعام، وبقايا الطعام تزال بانتظام.\nوتنفق الولايات المتحدة والدول الأوربية الآف الملايين من الدولارات سنويًا على التثقيف الصحي، وعشرات الآلاف من الملايين من الدولارات سنويًا على مداواة أمراض الأسنان، ورغم كل ذلك فإن الدول الأوربية، والولايات المتحدة لا تزال تتصدر قائمة الدول المصابة بنخر الأسنان، والدول الإسلامية رغم عدم اتباعها لتعاليم نبيها، إلا أنها أفضل حالًا ومآلًا من الدول المتقدمة صناعيًا في موضوع نخر الأسنان رغم أن التثقيف يكاد يكون منعدمًا.\nولو اهتمت الدول الإسلامية بِحَثِّ العلماء وأئمة المساجد على أن يقوموا بدورهم بالتوعية الصحية، وذلك بالحث على السواك وتنظيف الفم، وذكر الأحاديث النبوية الكثيرة في هذا الصدد لختفت أو كادت حالات نخر الأسنان ... كما ينبغي محاربة الرذائل الغربية، والتلفزيون لا يكف عن الإعلان من أنواع الشوكلاتة والحلويات (الكاندي) وتصوير الشباب، وهم يتعاطونها بنهم، مع أن تناول الشوكلاتة مقصورة في البلاد الإسلامية عربًا وعجمًا على الأطفال، وعلى أطفال الطبقة الغنية المترفة بصورة خاصة.","vol":"10","page":647},{"text":"كذلك ينبغي محاربة التدخين الذي له دور كبير وهام في تخريب الصحة بصورة عامة بما في ذلك صحة الفم والأسنان.\nوهكذا نجد أن تعاليم الإسلام، واتباع سنن الهدى، وتوجيهات المصطفى ﵌ تؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة، والفوز برضا الرب، والتمتع بحياة صحية، وعقلية وبدنية، ونفسية سليمة .... فالله ﷾ قد وعد المؤمنين الصادقين بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. قال تعالى:\n(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل: ٩٧]\nوإذا علمت الحكومات مقدار التوفير الذي ستوفره من آلاف الملايين من الدولارات سنويًّا باتباع تعاليم الإسلام لسعت لتنفيذها ونشرها بين الناس، فإن اتباع سنة السواك فقط ستوفر على الأمة الإسلامية مبالغ تنوء بها الجبال الرواسي (^١).\nويقول الطبيب أيضًا: «وفي بحث هام للدكتور الخطيب وزملائه نشرته مجلة صحة المجتمع للأسنان عام ١٩٩١، ذكر فيه أنه تم فحص ٤٨٠ شخصًا بالغًا (سن ٣٥ - ٤٥) ومجموعة أخرى من سن ٦٥ فما فوق من مدينتي جدة ومكة المكرمة، وقد وجد الباحثون أن من يستخدم السواك بانتظام لا يعانون من التهاب محيط السن (periodentitis)  إلا بنسبة ضئيلة. وهم أقل بكثير ممن لا يستعملون المسواك. وبمقارنتهم بالدول الأخرى فإن استعمال السواك يوضح مدى الوقاية في صحة الأسنان وصحة الفم نتيجة استخدام المسواك.\nوفي بحث آخر نشرته مجلة (quintessence)  الطبية لكل من الدكتور عيد الشمري، وسليم عام ١٩٩٠ جاء أن استخدام المسواك يقلل من الإصابة بالتهاب اللثة، والتهاب محيط السن، ووجود جيوب صديدية، وكانت المجموعة التي لا\n_________\n(^١) السواك. د. محمد علي البار (ص: ٩٦).","vol":"10","page":648},{"text":"تستخدم المسواك ولا الفرشاة والمعجون أكثرها تعرضًا للإصابة. ويبدو أن استخدام المسواك ربما كان أفضل من الفرشاة في إزالة اللويحة السنية، والمحافظة على صحة الأسنان والفم» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) السواك. د محمد البار (ص: ١٤٦).","vol":"10","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4951>الفائدة السابعة عشرة\nالأدب والسواك</span>\nورد ذكر السواك في الشعر العربي، فمن ذلك قول بعضهم:\nتالله إن جزت بوادي الأراك ... وقَبَلَت أغصانُه الخضرُ فاك\nفابعث إلى المملوك من بعضها ... فإنني والله ما لي سواك\nوقال آخر:\nطلبت منك سواكًا ... وما طلبت سواك\nوما أردت أراكًا ... لكن أردت أراك\nوكان نساء المسلمين يكثرن من السواك ويمدحن بذلك حتى عيب على نساء النصارى تركهن السواك.\nقال جرير يهجو الأخطل:\nلقي الأخيطل أمه مخمورة ... قبحًا لذلك شاربًا مخمورًا\nلم يجر مذ خلقت على أنيابها ... ماء السواك ولم تمس طهورًا\nوقال أيضًا:\nوما قرأ المفصل تغلبي ... ولا مس الطهور ولا السواكا\nولا عرفوا مواقف يوم جمع ... ولا حوض السقاية والأراكا","vol":"10","page":650},{"text":"وقال ابن زيدون:\nبل ما عليك وقد محضت لك الهوى ... في أن أفوز بحظوة المسواك\nناهيك ظلما أن أضر بي الصدى ... برحا ونال البرء عود أراك\nوقال أيضًا:\nأهدي إلي بقية المسواك ... لا تظهري بخلا بعود أراك\nفلعل نفسي أن ينفس ساعة ... عنها بتقبيل المقبل فاك\nيا كوكبا بارى سناه سناءه ... تزهى القصور به على الأفلاك\nقرت وفازت بالخطير من المنى ... عين تقلب لحظها فتراك\nوقيل أيضًا\nهنيت يا عود الأراك بثغرها ... ما خفت مني يا أراك أراكا\nلو كان غيرك يا سواك قتلته ... ما فاز مني يا سواك سواكا\nوقال آخر:\nيا قرة العين إني لا أسميكِ ... أكني بأخرى، ولكن أنت أعنيكِ\nيا أطيب الناس ثغرًا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويكِ\nقد زرتنا مرة في الدهر واحدة ... ثني ولا تجعليها بيضة الديكِ\nوقال بشار بن برد:\nلما أتتني على المسواك ريقتها ... مثلوجة الطعم مثل الشهد بالراحِ\nقبلت ما مس فاها ثم قلت له ... ياليتني كنت ذا المسواك يا صاحِ\nوقال بشار أيضًا:\nوهبتِ له على المسواك ريقًا ... فطاب له بطيب ثنيتيك\nأقبله على الذكرى كأني ... أقبل فيه فاك ومقلتيك","vol":"10","page":651},{"text":"وقال ابن المعتز:\nأهلًا وسهلًا بمن في النوم ألقاها ... وحبذا طيفها لو كان آتاها\nيا حبذا شعث المسواك من فمها ... إذا سقته عقارًا من ثناياها\nوقال جميل بثينة:\nتسوك بقضبان الأراك مفلجًا ... يشعشع فيه الفارسي المروق\nوقال أبو العتاهية:\nيخبرني عنه السواك بطيبه ... ولست به لولا السواك بذي خبر\nوقال بعض الدعاة:\nيا تائها في الغي من أعماك ... وبحب هذا الداء من أغراك\nياتائها في مَهْمَة الغفلات يا ... متجاهلًا متخبطًا بخطاك\nتستحسن التنباك في فيك الطهور ... وتستحي أن تأخذ المسواك\nوالشرع ثم الطب قد نهياك عن ... هذا الأذى وبفضل ذا أمراك\nلو كنت تعكس في القضية كان أو ... لى منك لكن اللعين أغراك\nأتراك تفعله وجدك حاضر ... لا والذي من نطفة سواك\nما ينبغي لك يابن طه ترتضي ... خلق اللئام وشؤمها يغشاك\nوخلعت جلباب الحياء وقلت ذا ... حرية أخطأ في مرماك\nومن النظم:\nإن السواك من رضى الرحمن ... وهو كذا مبيض الأسنان\nمطهر الثغر ومذكي الفطنة ... يزيد في فصاحة وحسنة\nمشدد اللثة أيضًا مذهب ... لبخر وللعدو مرهب\nكذا يصفي حلقه ويقطع ... رطوبة وللغذا ينفع","vol":"10","page":652},{"text":"ومبطئ للشيب والإهرام ... ومهضم للأكل والطعام\nوقد غدا مذكر الشهادة ... مسهل النزع لدى الشهادة\nومرغم الشيطان والعدو ... والعقل والجسم كذا يقوي\nومورث لسعة مع الغنى ... ومذهب الآلام حتى للعنا\nوللصداع وعروق الرأس ... مسكن لوجع الأضراس\nمبيض للوجه جال للبصر ... ومذهب للبلغم مع الحفر\nميسر موسع للرزق ... مفرح للكاتبين الحق\n* * *","vol":"10","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4952>الفائدة الثامنة عشرة والأخيرة\nصفة شجرة الأراك</span>\n[م-٩٣٢] شجرة الأراك: شجرة تنمو في الأماكن الحارة والاستوائية، وتكثر عادة في أودية الصحاري، وتوجد في المملكة العربية السعودية، وأكثر ما تكون في منطقة عسير وجيزان. وتوجد شجرة الأراك في اليمن والسودان ومصر، وخاصة في الصعيد وسيناء، كما توجد في إيران وشرق الهند، وأماكن أخرى.\nوفروعها شائكة، وأوراقها بيضاوية ملساء، متقابلة، دائمة الخضرة، وإذا أكلت منها الماشية اكتسب لبنها رائحة طيبة.\nوتنتشر أغصان شجرة الأراك على الأرض لمسافة كبيرة، وأزهارها صفراء مخضرة، وثمرتها صغيرة في حجم حبة الحمص، أو أكبر قليلًا، يكون لونها أخضر أول الأمر، ثم تحمر وتسود، وبها بذرة واحدة، وتجتمع الثمار على شكل عنقود، وعند نضج الثمرة تصبح حلوة الطعم، حاذقة، وقد تؤكل (^١).\nالفحص المجهري لمقطع شجرة الأراك:\nقال الدكتور صلاح الدين الحنفي في أبحاثه في رسالته الجامعية، تحت إشراف الدكتور محمد زهير البابا، أستاذ العقاقير في كلية الصيدلة بجامعة دمشق، يقول\n_________\n(^١) السواك والعناية بالأسنان - د. عبد الله عبد الرزاق السعيد (ص: ٣٦)، السواك. د. محمد البار (ص: ١٤٧).","vol":"10","page":654},{"text":"الدكتور صلاح: «نجري مقطعًا عرضيًّا في عود السواك - بعد غليه ونقعه في مزيج الغول والماء والغيليسرين بأقسام متساوية، ونفحصه تحت المجهر، فيبين لنا الطبقات التالية الموضحة بالرسم:\n<img src='data:image/jpeg;base64،/9j/4AAQSkZJRgABAAEAYABgAAD//gAfTEVBRCBUZWNobm9sb2dpZXMgSW5jLiBWMS4wMQD/2wCEAAgFBgcGBQgHBgcJCAgJDBQNDAsLDBgREg4UHRkeHhwZHBsgJC4nICIrIhscKDYoKy8xMzQzHyY4PDgyPC4yMzEBCAkJDAoMFw0NFzEhHCExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMf/EAaIAAAEFAQEBAQEBAAAAAAAAAAABAgMEBQYHCAkKCwEAAwEBAQEBAQEBAQAAAAAAAAECAwQFBgcICQoLEAACAQMDAgQDBQUEBAAAAX0BAgMABBEFEiExQQYTUWEHInEUMoGRoQgjQrHBFVLR8CQzYnKCCQoWFxgZGiUmJygpKjQ1Njc4OTpDREVGR0hJSlNUVVZXWFlaY2RlZmdoaWpzdHV2d3h5eoOEhYaHiImKkpOUlZaXmJmaoqOkpaanqKmqsrO0tba3uLm6wsPExcbHyMnK0tPU1dbX2Nna4eLj5OXm5+jp6vHy8/T19vf4+foRAAIBAgQEAwQHBQQEAAECdwABAgMRBAUhMQYSQVEHYXETIjKBCBRCkaGxwQkjM1LwFWJy0QoWJDThJfEXGBkaJicoKSo1Njc4OTpDREVGR0hJSlNUVVZXWFlaY2RlZmdoaWpzdHV2d3h5eoKDhIWGh4iJipKTlJWWl5iZmqKjpKWmp6ipqrKztLW2t7i5usLDxMXGx8jJytLT1NXW19jZ2uLj5OXm5+jp6vLz9PX29/j5+v/AABEIASEBmwMBIgACEQEDEQH/2gAMAwEAAhEDEQA/ALSmpVx+NVQXG3t2qWPIkbIqCy0vSpAelQx5wQRThkOOcDFAiwDgcDNSo3y+lVfmzgCpBvJHBosBbiPAqVevWqis+BtBFW4+g5OaLAPLYziphwPeoAOpqTf8n3SM0ATK3yg+tTrwOKp73BBUYAGKnWYcDv8ASmBYUmpBUS9BRG5cPkdPagCZW6cdamTOQR0qtGQuN3HFTM2Eyoz+NAEm75wuMnGc+lOX2/nVdJRu+YgYFTo48vdnigB275gO9PzxULHLBl7ClPIGGxQMlz9RRx61BNcwW8TPPKkUaDJZjgAD3yK5G8+JOiJcC305LvVJc8JaxZ/UkcfTNAjtSwPtSdOh4rg4dV8b6xv+x6TZ6RbFvkkvmYuRn+6Oh+oFaMPh/wARvIXvvFk444S3tY4wv55zSA6vPHrSZ59Paub/AOEfvF5/4SjVNxGOfKI/LZVSfQ9R3Ri38Y3kc27L7ljZSOmAvb8SaYzsR0Gab06n9a5f+xPEMbKbbxc5HPE1lG+fywaZex+No4AtnfaNOw/ikhkQn8mIpAdXSmuFOofECByX0rS7sBf+WMhTnv8AeYVYPjiayiU65oGpWRA+eSNBLEPfdkf1pgdiKX+lYuleK9C1XYLLU7Z3J4jZ9r/98nB/nWujZXJzj6YpAPwOmKD/ACpMjtQ7YXPpQAe1GDikUks2fWgt8ucYwcUAPAoOM0g4A+lH3fSiwAQB0ppH4e1LuIycHHbFODYGen1osIjCAdKeOPxoGc54xSjGOKAE2joV60nlKv8ACKcOOB3pTjGB0FADNpJz6HpTmOBjFAIxxwKbIoYg56UwHLwo9uKXPHpTc9ACKXJoAYxIbJA6dqb5meAhqQ9O9IcDOKABQUXk8nrThTQPSpABikM8ywD1qWNccCmLnoKkUetAiVeOKftXIzTFIzgVIowaAJUXA4qZRjFRLUq+lMBVkAPGc1OmQOmKYoAHTFSKB2oAmQYGKeo7nvUaDA4qUHacUAPACjjNO/hPH400fSpU6entQA9RwB7UIhGccD0pVHOKlAwM0AG0Y5p8WQMMvHamxNuGfSpAO1AC+Wp5AGaRdwXb5ecVIemMj8aw9f8AE0GmXCWVpC+o6nKcR2cJG7GP4j0UZ6k9qANiaSG0geWd0hjQbmZzgAe5ritS8Tanq87WfgqxaYKwV9Ql+WIdvlB69evX0Bq/D4auNVnW+8XXCXJQho7GMkW0PcEj+MjnJPqR0AqSXxKJZPsXhewa/dCU84DZbQ/7z+wxwOo+lAGbaeAxPIL7xjq02pyoMlAxjhj4Hb8O2B6ii58Z+H9CX7D4ZsPt84JxBYQ/JkdywHP4A1o/8Ig+quk/iu9k1CQNuFpGTHbIfQKOWOc8nnmt+x06x06PbY2kMAYAHy4wu7HAz64BNAHFaXrXjq/xcLoFpDazA+UJZSjJ6FhnOP8AgIrTGleJ7w/8TDxDHZZHMVlb8f8AfTZOa6vkdOaMDuKBnGTfDiyuF2X+razeA5z5lyCPyxgVTHwf8Pgf8fOoZHQiVf8A4mvQhjGcYzRx2oEedT/Ca1jjf+zNWvbaUj5CSpye2cAGltfBGvWJjOn+MbpCBjy5Yy6/grEgD8K9DPT+lN24+YjFAHIW8Pjuw/1kuj6lGp/iLwyN9CBgGpJfGD6YM+I9IvNMTr5oAmiz7suf1Fdb9KbPDHKhV1DIRgqRkH8KAOOa18H+MFf7PHZTzOMs0a+VMD65xu/OqUui+MvD6BtA1NdVs0Ofst6R5gHoGPX/AL6A9u1XvEPw10PVA0tpEdPuuqyQD5c+6dPyxVG2fxd4SlZbqA67o65KvC2JogDnoxyRyeOeg5FAGz4b8XWWp3BsbtZtP1NR89pcrtbPfaT1H+cCukcHAxgc9K52MeH/ABvYeZiOcLwv8EsB/wDQlP8A9b60zztT8LxAXhm1XS49o+0Y3XEI77wB8wHy8jkcnmgDoiWBYAEc9RSbmxtwTim2F3bahaRXdjOk1vKMo6EEEf54554/CrGPSgBnmAccj8Kjac7wFyBUwQbjk/hR5QXnFICLz+MDrThJlORS+Sh5GFNSLGu3BAximAA++Ka77GHGRQqDOCOPrQYf7px7UgBn6HGBmgPuQnIoMRyMngUpiUH5RigBqZULQ7YOOODUgAwAvah0yPemBGMeYvbAqQ47UwxhVyOtNRwuQ3WgB7HHI4zTExvbuR39aVdzLx0pHRlGVwKAJAcjkYPanqvAqAv8gGeasKflFIDzRDxTjUcbZqXH60WAfHwdxqdTjk8VCflVc1JgEA0wJl7c1Mrc4qGJCucnj0xU0aAScelAEwwBk8CnK3PHp1oC7hjpQEwSAaAJEdivyVKF3YJ6iolUp06VMqfMCKAJfunFSKMcdPaoSDuz6VJ1RscUAWEp4PyioFVtqhW7UBWQnOTQBMp4z6mpxxjFV03ZUbcYrmdS1DUPEeoyaTochtrCE7L3UUOG90iPdvfsf1AJNU1271W7k0rwrIu6M4udQIzFb+oX+8+KmgTRfBFj8zyS3d0c5P7y4u5PTHfn8Bn3qK6vItHjh8OeFbRJL5FHyf8ALO2U/wAcjfrjqcj8bnhvw1FplxLfX0zajqkvEt5MuG+ij+Ef/WHYUAV5NL1HxKyy620lhYBiV0+F8PKOxlcf+gjjnkmuisre3tLZIbSJIYk4WNFACipVOVJxTSzIFwKAJhxSM23I9KVSMDnHpUeSNx3EAHOQcUAPJUDcSABzk1h6l4x8P6fJ5c+pwtLnHlxfvWz6YXNYHxBuGu9d0/QZruW0sb5QA8WVEj7wCpI7bDwOmWyeK6PSNC0rRIkTTNPjt2VdvmFQZCOvLHn/ADxxQMzpvF925xp/hjWJwv8AFLGIkP0zk/pUS+KvEPlb/wDhDbvryBcLnr6YzXWGRFGWZV/GoZdTsIOJr23jP+1Io/nQI5keM7yOUx3fhXW02nJMMIkH5jr+Fa+h+JtK1rcmn3QaVRloZAUkAzjO044B4zzzViPXNJlk2Q6lZyMOoWdf8a4/xstnF4u8NXlqGXUJroReZEww0QwGDe/z8f8AAqAO/wCOtOwFHFYnjHWv+Ef8O3WopF50kQxEhHVyQFJ+h5/CsY6H4wNj5g8VKl5I+fKFqnkp32gkFvxx+BoA7Tr7UgAyOO/rivN18TeLPC7EeJ7BdRsV+9d26gFRnqSOCPqF+vc9n4a8SaZ4is/P0yfcV+/G42uh9wfx6ZHHWgCtrPhGy1C4e/tWew1LaNl3b/K2e2Vzhh2IPY47VRtdd1bQgsPi+FGg+6up2wLRE9vMXqvYZHHPauuPXFNkiSVGjkQOjDBUjORQBzM+hmGY6r4RuY7aWYiR4N2be64HJ67Wxj5lwfY1f0LXk1MvbXED2OowAGa0l6r7qejL7j8fSuf1C2vfBuopd6OVm0OeTbc2TvtFuzfxo38Klv8AgOT1xjbpaha23ia3S4srl7TUbV/3UwXbJC2Puuvoe46Y6ZzQB0+elHPUDFc74f8AEMk98+j61ELTVoVyVB+Sdf78Z7j27fnXQlvfikAufWjNN/iAyMAUozuPTHbimAv1pQO1AFBGBQApH6UAccYFDnC0FsYA54oANpFLjrSqeMd6NwUgetADQgB6Uzyhu/pUrYH4UnAoAaAAMCjGQQelLxt5owcdaAI1jAPXNSjp6UgOKeMYoGjy1AQMcDNTorZ4piYHHeploEOVSTzUse4NgU1BipYxmgB2Dj5alUNnOM0gIGBU0ftQA5N2OBinANnpSgVIoxigBQh7jFTqf0pi1IAAaAEBB4HWpEJBIwaVcc09cDgUAIqEH5RUis2Tgcjp7UoXuegqnrupw6Np0t1MCzA7I41PzSyH7qL7nge1AGb4kvLu5eLQ9IYx3t0pZ5s8W0I4Z8djzhR9TTrlhoFhZ6JoUSveyR7LaMjhAPvSvjoB19zxzmq9k48M6LPq2tESarfOHlSMZZ5DwkKDqQMhQMnoT9NPw7pc9t5uo6lJ5upXYBlOSUhH8MadtoyenU80AT+HtEh0OxMMcjzXErGS4uJDl5nPUk/5xx+OosZ4IJpI1BAOfypZpYreF5Z5EiijUs7u21VAHJJ7D3oAa6gcBuT26VzWv+MY4Lw6Vodu2q6owOIouEj5HLt0A+n0rBuNe1rxzfSWfhYvYaTE22fUGUh5PYDtn0HzdM4zz2Gi6JpHhXTDHbJHBCg3TTuwDOR1Zm/r27DHFAGHpmh+LbiU3GreJTbFv+WFpCpVfYMRj9D9e9TfD3xDqGsQ3kGrJGJbRlUOPkZ+obcuchsoR6dR2rE1Lxpq/iTU30rwNADEuBNeuMbQT94Z4Ax3+8ew4qtp2hah4I16G9nupNQN8jGYqrEyMMs6nOdzYy6k4JKsuOaANz4raZcz6ImoWbESabJ54Cpl9vQ4PsCT+FYmkeHvFnieyS/1LxRJbwSoDGLZ87h3yEKrn3yT1zXpLQ2upWLJlJra6jxnO5XVh698g1zXw0Q2mkXWjy5L6XeSwZbgsuQwYjtncce1AGc/wq0uZVN7qepTsD/FIp7e65/WnR/CXQFYSRz3wcdD5icD6ba7wIO1O6D0oA4GX4UaJLKHlvNRkbpzJGMD/visnSvCmmaV42SOz+0P5FxEgaV87WMMspHGOypXqQQ47fjXH6RsufHd8ASyxTySc9VZYoY1z3x883XvmgCp4qlvdW8Y2fhuxnNvbxxC8upVCMRtcFSA3oyr0B+9yDT5tT8X+HGZtQs4tb06Mk+bbgLOq5wCygDJxnoMe472/A1u15q/iDW5V2m8vTBFgcGOIbAw+pH6V1xBPyrxigDD8PeIdJ8SWpk0y6BYDMkEg2yR8D7y9fx6e9UNT8F6dJJ9p0vdo99Gf3dxZjaB3wyj5W+neqnjXwKl8G1Pw+TYazH86vA3lCU9wcdG5PI71R8E+OrqTydO8TxC1uATCl2wwski8Mj/AN1+Oh/TIyAbuma5c2uox6P4i2w3rqfInX/VXar3Vuzeq/j0NdMCS2P85rH8WaJ/bGgz2sWFuEXzbZwQrRyqMqQf4ecZPpmq3gDXP7c0fc8iyXFs3lSyKu3zOAQ2O2QRn0OR2oA3ZooZFkS4VWR1KsjDIYdxiuN1OwvPDcsd3aTGWCBsJLKxzEpP+qkbvFnIDHJjJB5Ga7hl44qKSMtGysgKOMEeooA5HxFpKeMNGhu9Pke11C3y1tLko8Mg4ZGx7rj14BHTmfwfrV1qtl9l1NDDqln8lymQQW/vDHHPt0+h5rm2ufCGtLcRkyaBdKElUDP2Rv4XPqmAF9gAD0FO8S2E9peRa5pz+W8JH2gAZDJ/eYD04z3xg/wrSA6lQ4IbGSOKmi3Z3cAZ6ZqlpN+uoWiSqjRnJDxt1Q/5x9cgjg5OinTimAoP+cUE7elNYkGg+mCCKAFQkx5PU9KWHBXoQcc8VGR8+5chfSrC9KAGvlFG2mK+Hz1U+1SMwxgHFCrz0AoAa8q7RgA/WmyPtxgAg+lPkXAGaZtIJLHHoKAHD5h3FG4BipwAPWnR4AHNHyZIPOaAIlZRu4AqRThQMU4ovdeKNuOA1AzzAYBJ9KmjYEYFQgZIGOoqRUMbZX6UCJkOSQKmgY7c1EqjbkDFSw/KBQBJGxLnjFWY/Sq5UdVqVHyQACMUATk7R6U9PvYOeKRQD1pyIrZHSgCZMYJHanEqGGe4zUUQKrsIJIqREBPqfrQBOOAcUR9RRGDjnnFKybVBBx9KAJgcEjpxXKWpPinxSbzcDpGkSFYFBBEtx3f0wvQHpnn1qx4wvZ7KwS0tH2X2oyfZbcj+Dd1fjnCjP44o1C2XR9IsdA0Rvs9xdj7PCeN0aYy8nUcgc5/vEUAJpsTeIfFMuqSAHTtMzb2nZZJT/rJO3T7oHI4JrrI2JyDg/T1qlplhBp1lFZ2aiO3gXYiAdB+v4+9Wo0KkAd6AJmdY0y7KqgZJPYV5vqlxe/EbVn07TJXtvD9m/wDpNwpwZ2BztB/l2/iPatfx3d3GqXlv4V0uUx3F+m+5mwT5Fv3P/Aj8uO/T0rVupdM8HeHRI5W3s7SPao7scdPcn9eTQBLc3ei+DtCj3eVZ2cA2xRqPmc+gHUk9T+ZPccG8HiH4jXsDzRy6f4dLZxwNygZ+rngc42jtnqXeH9F1Dx9qa+IvEuU06NiLSzRsDg88+nAye+OMDGfTY4NkYCARqAAFAwB6AD0xQBBoei6fodkLTTbdLeLo2F5f3J7n3/pxUfijSzq+lNbxOkN0rCW3l/55SryrZwcdOfbNaS/dyT+NRXlxDZwPcXMyQQxjLPIwVVHqSeKAOe8FatHMj2LoIGQsywk8wYIEkXX+Bjx22tHisa61qz8LfEjUH1C4EFpqdjHcMzKSfMQ7Qox6qprJ1DXLyfxXBq/h+w/4l07rEZ5gyLcyKG4TkZLL8gyCCQvcCtP4k+TNYaP4mt4ftFrZSo8qEArJA5Q8g+hCj2JzQBND8U7S8mePSdE1XUAo5aKIcD6AnFOm+IGrK2I/BerEHpujcdv93+tdnaSxNChg5jIBQr3GODke1TDd5nAwPQ0AchBr3jC9s5JbXw1b6ftQsj3116c8oAD+dYfhHWZrXwVrfii8WOC4cMseFO133uyt6n55ip9NoHau/wDEd6bDw/qV4hCPb20joT/eCnH6155eQG7m8MeERDNJEyLqGouxb5wSxYMTjjcWznHJTqcigDs/ATWMfhixttPure4EMSiUwyBgJCNzfTJJroAABxXMX3gDw7esZrezNhPj5ZrNjCyH2A49eo96yJtJ8X+F5GudJ1STXbBBlrS7bMuO+G55x9OnSgDv+O2OK5zxZ4SttbguGgZbW6mj2PIYw6yAAhdy8crk7W4I9ccVd8L+ItP8Raat3YyEEAebEwxJE3dSPXj/APX2zvF+v3drLFovh+JbjWrpCVBb5LdOhkYnpyRjP69KAOE0rxF4hs/N8FtumvYJPKS5t23OUH8CkjC/7x+6M8ZAB9A8C+GIPC2jLbIVkuZDvuJh/G3p64GeBx1zxzVfw3oGm+C9Llur66V7gruub2fAJyc7R6DPOM8kn2FZsXiSbxfqMmn6PcPp2nxxB3nKlbi5QsQDEGxheCN3PJoA7vFHHbnFcKkV/wCBpPt0uqT3+gu+2WOYlpLRDwjKSSWAJAI445wcZHaxyrJGGQgq2CuDkdM9fxH50AOliSRCjgEMuCCMg/UdxWBZKdJ1P+x5QXsrnJsXfDKvBLQ/QAZX/Z47VvNgMuRkZ59qzfE+mnUdJZICY7u3YTW0ndZV+6ehyD0I7gmkBy0bx+HfEwkmRlS3AthM5HzWshBRzk4PlyfIeM7SPSu/BAGACP8APt/nkVxHiZB4w8Bf2lpcbx3UaO6IwDMcErJHjBz0OBx8yr6Vp/DnWm1vwzbvctm7twIZ89SwA+bvkEEHOeaYHSUx2YMBj61JkDG7ikYLlcevWgBW9v8A9VKOB6UijrzxmnbeSR0oAbtG4HHNSDHpTeAADQzbfagBwHApVjBHT9KQMMdRjtUgxjigBhjG4cdBTgihcgYoUAnjtT+gx0oAZgDrnHal8sH1oY4zTdxHHHFAzzFEwKkVcHgUwNwPep4+maBEqpgH1pUT8KRMdBUgIAoEOVOvJqWOIKe9MiJz7YqdTQMlQDGBT1Qbjt4qNSQcDtU8ecZxQA5EIH3v0qQIdo2n2pBjHPSnowJIzgUAPRdox6Uu0mnL05qvqt7Fpum3N7LnZbRNIQOCcDOKAOa00trnje7u2Ia10VTbQbennMB5hz6gDbiremq2reM73UNwa30xRZQgEEeaQGlbHY/dFU/BS/2F8Pv7SuEZpJIpL6YltzSEjcCffbgVofDm1kt/C1rPchftN7uupmH8bSHdn67dtAHTIuM59acQxA2ikGTjHapUHvQB534amutF8Y6jN4ptDDcaxIFtbjcrxYBIEQYfdOMcfxYHSofFKXPizx9D4bhdo7OxgMl0y9RuHzEc/MdrBenG9q9FvbG3vLaSC7hSaKRSGRxkH61yyaRqfhGWe40NTqtlNJ5k1rMwE68YLI56jAGVP93rmgDq7a3itLWO2toxHFCgREHG0DgD8unsKRmcKVAIx3rL8OeLNK19SLKYpcLnfbTDZKmOOnf8zWnqN3badZzXl9MI7eFSzuegFAFPXNYtNB0uS7v5PLjj4XHV2PRVHc5rkbbQ9T8YXceo+Lke00xSJLbS1OCD6y+px/M/dHB2NK0q417VIfEGuRFY48tYWLj/AFI/56OBwXPX/Z46np1WB64HPPU89T70AZGtaTBqWiS6aoECmPEPlgr5LDlCuCOhAP4VgeF7xNY0q70jUUKm6ilLxAD90+7ZPGMZ+653D2kT0q9qeo6nreo3GleHZUtYYPlutTwX8pu8aDozgY9hnsa5290k+DfFKai13cXEVzEZGuLpt7l0yZIiQABujOVH96NemBkAh0TxrPoWjR6G1kb7VbCZrMQrIQ0uw4BUBScAdzjoa1Wf4h6oD5I0vRY2I2hyZJVHfsVP5USJFpPxU+0Oi+Tq1iNsx4AkBC8Z9goIHdhXdqgHUfmOfegDy3xXo3iDTtHm+3eJH1I6rLFaLbNDsBYsCNp3cdGzxyMiotG8UR2fiXV/EN1ptzdWF1KLdL+CI7IYlyOh7YCE47k1sfFW8aO90e1jaMeQ0l8wLYIaNP3efQFjj8a6nwnosekeF7DTXjBMUKiQH5gXblvzYtQBNpepWep263emXMd1C/Roz09j6Y9OvNaERUg7uOea47XPBn2Bm1bwYF07UoyWMKcQ3I7qV+6vseP61QPi+61bw9DcfZJtMkuFYABlMk7AHPk/3VHVpGAVRj/eABmeM2i03xnbL4JmMevXr7bu1iG6Eg/xuOx5BP58ZydmbUdP8B2bNdSvq2uXzq0r4IeRzwucD5V4wAB2OAcVzOhT3EbXVn4MtI77WbpiLzVcH7Pb5/hRm+8B6nduOW+bNXrfw+fA3iGw1rWJzqSX2YLq6cf8eszH5ZATzt/hP488gUAaGmeGtW8TXKan41+W3T57fTF+4Ce7DJJxn1zk84HFbni/T3t4rfW9NUJdaZyUTgTQfxxnpn+8M5wVFdOqKV46Hp9P8/pSmNSpVhweDxnigDLt3g1TTg6hJraePKhh8rqR0/IjNYPhmSXRdXm8O3TuyBfOsXf+KPPK59s9Pr7U/wALyHRPEt/4bnO2Dy/tdjxwIix3L16g9O5GfSr3jK2MdlFrUKZuNKf7RjoWj/5ar9CufxFAG4ckZHGDSrGcffLUsDLcQrLC+5JAGB9c96lCEYxx6j1oA5jQXFj4g1nRyBGrOt9Au/O5JBh8Dsu9WJ/3qoaBDFoviyexRNnnjy92Oow0kP4BTLH/ANslrY160Nvq+latG4URSG2n/wBpJcAH8HCms74hI2nLaa3GQi2sqC4ODny9wYYxzksoX6SNQB1ZjK8Hk5604owGScYp+C2CpyM8fT1/SlKMTjigBqZVcdaVwSny0pjJyRxRhgAAM0AMIO3API6imupJBBxip1Q9+PagLkngigCM5zlR9B60is4bG0fSpREBj5V4oJAbhSAfSgBm5ipAXB+tPjY4weopo+RskEUsWSxJBHt6UAPJLdBUTghzxUyg4I7UDpSA8tGVwMdKsRNkHAxiowRwKehw3y0wLES4pyhjke9IhO/GOnepQuDmgAQBcA+lTo20jggVGSAMA1Kh54oAercnb1+lTxZxyMdqSPGMkYpwx0FADgd0mP7tPSQhjk4waaqqpXHpUp2kemKAHq6nODWD8QGlk8MXVravsnunit4yGwWLyKuM/jW4PkY4xz3rE8ULDNq+gWsrYL3xm2+vlxOc/mVoAzfHypb+HLDw9Zgxi+nhsox1MaAg598AKPxrsrSNIYEiiQJGihVVRgKOwHtiueu4xe+OrSOVP3Wm2Tzht3HmyNs6f7qt/wB9V0sRygx1+lADo2AdhkgirCsFTJGaqKilvm696fHLGSwSRWweQD0oAuAAjJJFGRuwD09qrBuRtZhnng1IgUdM0AZWu+GNI1k7r2zTzzwLiP5ZV9wwrjdVi8QaD9ng1sya/o1vIk3mLD87hQflkwxOAdp5BB7sBkV6Q6AkEEimsBycsMDnAosBn6D4i0zXI1NjcoZCMmJiAwxwTwfmAPGRkHpmsvxhql5c3aeHNAkKahdIWmn7WsPds/3z0A989xRqngiymke70hhp960m/KjMTt6snQH/AGl2t3zXN6HNd+GtcvG1UeRd6gUy15MTFNtBA8qc8dMfK/PQZ70AehaJpdtoml22n2a4gt0289T6k+/Jz9aq+JtKGs6VJbDCzo/mWzt/yzlX7rfTOKmstas55ktpC9ndScJBcfKz8Z+U9HA9VJAqDxPrkXh3SftjwyXMruIre3jGWmkb7qj9f8D0oA4S+nN74c064Ajt7rSL1YWaZVY2qSfu8kf7D4AJ5Pl7u9dwvizRIraKW91K0s5WQM0M0yiRD3BXPUHIPvXm+sRa1ZavcS640FpBr9rKHtUBdIWCqCT0G5UAfd32MOM1ofDjwtoV1Zm4vrBr28ZFkc3eW2tyjqRnBIeNzzzhhQBD4k1y01W7vdb0yzk1GHfa6fbLGp/0grIZ5BtxnGFVehr0DQfFGma3pkl9bTeQkGfPS4IRoCOu8Hpj1+vNebeFLm1TXtGuFmFtbyy32qToxCrGjZjQ+g4Q9OlZ+v6le+LfFi3Xg+28jOI1dThrra2d7L02r2LDg4yckLQB1fi7x3bGVLG1ge9mkP7qwj4MueB5oH3Rxny/vHjdjJFR23gHW9ft57nxRqxtprpcGC1TO1cZVCT1QE/dHB65J5q98MdC0q00+W7gieXVY5ngvZZxlo5Rjcin0569++cDHeI25cDjA5oA5n4czFNDOkXCRxXukSG1mRAADjlXHf5lwcnr8x9639VsLXU9Om0++jElvcIUcH09R7jqPcVzWsFdA8d6dqUSlLfWf9BuscKJR/qmI7nqv0rrjy4x0HP9MfzoA5v4eXTSaNNp80rSz6VcyWbOwwWCH5T9CCMfQmumx6Y/GuIjFxovxMm2JK1prFupkJX5UlUHofovPu4rsBI6n5wFxQBzPxAsp1gtdf09C13oshmKcZkhI/eLz7fj6c10sMtvqNgkibZLe5iDDuGVhnv7Ee9Vr7UrO1gY3lxFAjcfvXCiuN0PxtoOhaXPaTXodLSeRLZY8yM8WdyBfoGA5PagDofh+88WiPpt4c3GlTNaMxAG4DlG+mwiuiLDcBiuR8DG8ur7V9durSayj1OSPybab74VE2hz6buv8uMGuuOAfm7dqAKPiCyOo6Nd2w+V3jPlt/dccqfwIBrL1af+2Ph3c3W0g3OmmYAdiY810IkB3ZFc54RQDwlJpwl8wwS3FrkDOAJHAH5Y/SgDY8P3L3uh6fdS8PcW0cjDtkqOn5mtEe5xWB4DkMng7RtxGRaxrxxwBj+ldA+AuB6UABYdAeaACTnpionZo4nZEDsiFgpOMn0z2qDR9RN5psd1cpFblidyiUSKuGI+907UAaABFIRjtiobW4NzAsjwyQEsw2SYzwSAeDjkDIx2NOuZfIt5JFjeYohYRp958DoORyaAJFHPpQyj8ar6ddi9s452t5rcyDPlyBd45PXaSMng9T2qpdeINMtNQnsZ59s9vbG7ZcdYxnOPU/LnHoaANMIDwcYpGTsvFQ2V3Hd2sVzCf3U0YlRjxkEAj+dU7HWorjTrjU5V+z2CFjHM5x5kY6yY/unBK+o570AaflkdzipFRdo5rLfWYo7S3vp45obedlXLqFMYZsKSOoySox15HHBrWwvcfpSGjypQKlRQOlRjjBHUninxdh6E0xFlV5qVRxio04PpTweKAJVUelSqoHQYqNCTjHSplGDQA9KkVBu6c0xOCO1TDryRQA5UHNPWPjgUinrz0qRcAcUACqBzjkdK57V1WbxzocYPMFvcyYxnGdij6d66McHPpWJcQiPx1Z3HH7zT5kOM9FeM/wDs1AEfh63km8UeILqRg0KvBbQgdgsYc/rIa6Ty8DjIx2zXPeCgyXGvI6lSNUkPTsUjI/nXSSA+W4XrjigDi9I0iLxgn9tareXFzZTPILazUmGJEDlVYheS2F6n19qp/ELwloeneEL66sbCO1uYNhSaLKsp3qPXnr3rpvh/JHL4M0kxAYW3VDz/ABLwf1zS+P4PP8F6uuQNts0gPuvzD+VAGZB4Aght4Utte16DZ3jvsZ/ADGPoKsJ4Y1aBfLsPFuoRoAf+PiOKZs/UrmtXwpetqfhnTLwuryS26M/H8W35v1BrXVce30oA4jVLTxVoOmXWpP4mgvUtYWl8q4sFQPgcKSrDrU8cnxAghDS2uh3WcDEckiOOmSSeOn06Vo/EF4o/CN4bkkQkxrIQM4UyKD+hrokAA45Hvx+NA7HFy+M9R0qGNvEXhq8tmmlEMRtZkuBI5BwBggjOD2NF5418NXkD2etwy2olGDb39k69888EDqDn3q/41hia40ATEKv9rRHk45COR+uK6VUGBkc5oEebC001UMPhPXtNnsnGf7KvpvMi9QUJO5D1OecGmWs2p2uqRXtxp+o7raB3jtbiX7VbgAHJjkj3MHwSAWUkg4zzXe3WhaTd5N1ptnNkHJkhVj+orzrwz4I0HUtX1cXlqwWFi0QWR4whM04JGG7bAPwz3NAGtrOsaV4z0aS0sboWesW0gntoblRHLFMuSAQcA5GRxng+vTD8D/2ronie2sdRsJ7ezv2f7MZSxEPmR+Y8Qz1bcijJ/ut6mpr648PWV2kem6vrersmVlijuRPAiH7xkLgpjGTye3Uda9LsfKNlAYCHjVFKMQORtGOgHb2xg8DFAHlfirwVJJeWHh/SLtRK65lygzHaqFALP1wXDNtHBZv9kV3vhHw1YeFtN+zWwZ5m5lmZcM564x2AyeO3uSSX+LbS8vLWKLT9aOku8mzO0Ey552gnkHGfu81wmtWEtoUjfVjrciTiOWGZrl2yQxOAsm0nKMoGAMqcnjFAHTx6pZ+H/Geow3d1BbWepxC6V5JkRUlTajrg8gkbW59MdQauS+OPDlu4X+2IJGJ48lTLn/vkGuC1SF9P1jT4NNtNG+ztqSWi3lvaoXG7aSCxZhu5cHIz8oOea7DWtUGj6tFpyajey3UoQxRMIIYTubauW2FgMA84OOmckCgCp4s1e41vTIbbw9o+o3V3HcRXEM0tsYo1ZHDcF9vJGR0PWtqLUfFc6kQ6DZWnOFNxfZ/8dRSO/r2rm9Uub6+vY7m3GsRwsm0W0EkhjedZWSSN3jPyYwCrDA6k5Hy1mgx33hLR7nWLmeO+kgmkdDby3B8rdxOyqwxgAEM2Qdx4OaAOhv8AQPFGq3lve32t6dpktuhVRZwmUfeVjkuefmQelSvpEPDa140u52iyXVLlLZD9QmD0x3rjfF8SJ4XnvLK3GXciW3WxSKCCEkhGV9oJb7mCGOcnAxjHV6l4eSz8KaPaJpa3UMbQC/S0iBeVFXLEAYJy+3PUnNADJNH8GtFJJZPYXV+ynynuLlrgFscZ5JPIqnplvcaMVZ20iC7kBYC30qaViM4+UoVOBuA4Hcd+uj4Y1CPSJdTEtveWunApLDaNCzmxi28u+CcAkMQnOACQOTWdZDXB438NSavdwyRXP2kx+RN5gc+XlmyFACn5ML22888kA14tT1h7uKKXWre1EpxEbjRZoUc+m5pBz7de9bJ07xAzr5mt2igcMqWHHX3c1L43tVuPCWqrsDOtrI6Z7OqllP4MAfwq7oFx/aOiWF7IoVrq3jmIHqVBP5ZIoAzxpGqFSZtfuB1OEtolx9Mqe1YHhvQrg3WuxRa5fRhdQbcYkiUMWjjZicxt1LdsDjpXe7FzkA8VheGIIre/8QiNQiPqBOAOpMMRJ/Mn86AOf8D+F3Xw7FHPq+pJ5M00QjgmEapsldeqrkk4z2rpP+EbgCoH1TVnwc/8frqT9dtQ+CUl+y6mJQwH9qXW3LZ4809PQdeK6Flyw4PHegDIk8M2JtbqMvdn7RA0Lu91I7BD1A3McVyUXga/bzdC/tPUI9DTcQJord0kQtuCLnJDAlvnK9vpXpJXj0zTQhHQ44oA89j+HV3YPcWun+Jr230u5i8prcrvdQBjIYt8vJ7KODiuqfSCPDcej299cQPHbLAtzEQJAFXG4e9a5Q5705Y+9AHn1n4J8S6dLaTWHiNH/s9fKtYZomMbR5OC4VhlgCOf9kd6tr4e8S3dwz6trVnJD5MkBit7bBmDIwUuxyc5bOBxwO9dvtbAApnkHO0cUBYo6dYLa6PbWDSmQ29ssJkXjdhdufx61kPp99J8PZNJhs0kvbe1+yCGY4jkKqBuB7g9R0A6HBBx04iZGXbgr3z1p+DzgD8qAscXLBdf8IVFpCafJbXV7bm1S2eXzGiX7pcuOMKMtnpnAHJwevAkwP3Qb33D+vNSohJ+bj2qUDApDseTdx2xUsQPIPTPWoo0I4PfmrMa4FMQsaso4NSrnGW4xTQpXOOmKoeIdIk1nSnsluWtdzKxkQZxgg/0oAtahqUdhbzOw3tEgcop5IJAB/WtUdMj5Scfh7Vx19oGpNJLc3erq9v5bRyxra8+Tndhdp+9weevIqNF17xLcX76Tq622kzbBBKYHWQFcZCDA4JPLHOT09KAOu1C8i061a7u3KQxEAkKT1IA4APc1LaXcFxJNHBPFI8WA6o4JQ843DPHes3xTaapqGjva6JdLbTk/M7A5K4Pyhs/KScc9sVg2lx4r0/U7qe50qGf7dt8qJbxE2kBiVGRktg5Oeyk+gAB2llcR3VpHPasHhkAKOn8Q45/H+lX48hB2+tcj4Gh1y2tn/t/FtawRLHFAdnGOrErnsMdT3PHSuot721njBt7mOVT0KOGFAEgLjJAzg1kag7Q+LNHL4/eRXEYOec4jbGPfbn8K2E+TOO9ZGvRA+IfDt0rthLiWPb2bdC5z+G3H/AqADQ5pY/Euv27oQryQXCHHUNGEP6xmulTGB6mudnZbPxzaEyYTUbF4guP44mDD/x13/75rfVmwRkUAYPghvs8OoaX5YhFhfTIsYxwjt5iY9sPx9D6Ve8VRPP4Z1WCMMzyWsqqq9SSh4qlEFsPHBGUjXV7QNnPLSwnBH/fDj/vmuj2cMD8xPQetAHFfB+/STwjFaqDm1kZPqGAkz/4/j8Peu2kYKcgn6V5f8G3msNb1zRLhw0lq3GMbcqzK2PruHPsPbHqBwfmzg0AY3jq1F94Q1OAbg4gMq7epZPnA/NRWvZ3UVzYwXNud0U0auh6ZU8j881BeXlnZK02o3MFvCBy0sgVce+e1cF4V8bRx6dLpOkaXqGrmzkdLd4UwjQ5JTczY24Bx3zgHvQM6T4hRyf2LbahDG7/ANl3kN6yKPmZVb5sfQMT+FbGo63p2kx+Zf3cNtGRkGR1UkY5x61zg0/xdrsRj1S8ttEs3GWgs8tMVI6GQ8D6iqgsPB3g+ZbaK0k1HV0XdHDsNxcE+uOi9OvGPxoEaa+MLrV8r4X0ee9iII+2XWYIPwLfM4zngAVwt/HaWGrXUN/q0+p6ney7ptM00yJApyzEOyhmwCWO1eck8dx2LaZ4k8STY1M/2FpDZ3WsEubmQDoGcfd+g7ZHfNVvEvgy20PR4b/wlYrHqGmS+eoUFmuF6OjHOTkE9+e1AGZcaMlpocetavcyWVhZRC4TTLeP7Onmbvk3becnCjBywOfm61Y8JHxBcz6tYSyt5rWObq7OF2XrAYUFePlQopwOCg7nnPu/F8Xi1bR1sJE0/S0N9qiNtwzKpMcYOcEFh0PJGOhFdx4KsBp3h+CS5+S7uz9rui/B81wC2QemOAPYUAcX4Z8W3HiFja3kHnXMzSmKwnTMV3CCWwrEEK6HIB6EYB67hZOmz3OlXV94CvBciWXM9pNOyyoRklFkDDZ8x3Yz1ydxB5rlLbQr6+nsHSabQdSa6aFTkraToodVHAypP4bfflmuaslx4iik+GttLcanv/0yW3XFvMg/hfPyk5/iBB56nNAEHgzTjdeMtLjuoHtLnTIT9otZWLMTGoCsBgfLukXbkclWwSADW7401uU6jc2FywsFtbaadFfLGdQBjAyofPzHkkDDblP8Ovayw628Vr4i059M1bB8oiQBsjn93Kp4OBnbnpknIqlqHhjU7e++2XF9daragQhkVI1nVYn8xO2HOSehU/7x4ABkSXniSQT6rpckdtoLxm1s7NFQFpG/doVAHTzCGBycr09K2PGNhotlYRw+f5eow6e9va26TFHu0wMREDlgSAMLgkkgVz0SS217Jqk16LvSNHMck0bRvHLNdAMFLI54YGRSzfKMgYHynFy/1Gw1zVTNf21xbS2Tw21w9rdo8eTIDCFPJfDfMcAEYwQcYoA47xbZ30ljPeXLXbh5be0tQ1kLQNlSWRVOX2LsXAyBuJPufV/E2p3Vj9gVZZdNtpYpHmm+zecY5AFKRtgEAHLc99uAa4nSzDr2v+E7Gzu7m8t7FJr+WaU4YfvCFBGSeGUAcnhhz3rqtZl1Sz1uS8Nw0djFLGxcTJ5McG0B0aMAsXLdOD1XBHIIBnWF7/aMUrDU4tOv9cgSK7hmhkKxzbNmEbcAH/2Cd2QB2NYPh3Sba48VaLY6BeaxZJaW01yZJ5o5CqN8oZVBKoWYnK7QeeQDzWvbnUb7wtb6KLjTdLt4Jltzd3LPHMShDIRC6rtdgFbBJJ3ZxR4G0nWtR8S63rFxqcUc1tK2niSG1RfN2nLfLjjkDHfk+lAHSato3iFdJvkXxGJ0eB12T2aA8qf4kK4+vam+EB4ih8LaT5Q0y6j+xwlFYyQsF2jGWG/J/AZ5p/i23v4/C9+G1W6eaUCCNVSJQ7uQir9wnksO4+o61o2Hh6eztYbeDXtRWG3QRooWDAUcAf6v0HX2oAcdR1iFQJ9E804P/HrdK/8A6GE/Wsbw74hP2jWZ5dK1NI3vjuKwiTayxohGEY5OVbpx71uy6NMSXbWdSHHUPGPx4Sud8F6IJfClvdXt5qG+533LlbqSMYZi2flI6g5PuTQBZ8JeJ9PawlMz3KeZd3Ei7rSUKFMrlfm246decg10Ft4g0W4lEUGqWbS/88xOu78uv6Vzvg/w5pzeF9PN3E901xCs7ebIzjLjceCSB17DnvzW3D4b8PQuhi0OwQqchhbICD65xQA/xVqg0jRZrv7ZbWbqwVHnUsCeDjaCCTjPetWN8oCWycDnHp3x/j9Koajpdlq9t9l1W2juYWJcJKuQDjGR3zj05rkbb4fRQ3gW4Tbb+Y5L29/OrIMAKcEnJIyCcgAYx6UAdRNr8Vtql7a30MlnaWsKSfbpRthOeCu/G3Iyvfkk+lX9L1G31K2FxbOhjLMF2urggHAIKkgAgA9uorl2+Hulh8rqmshfutGL9sMOhU5HQ4Geewra0Pw3o+gNnSbGO2Z1w0gJLEZ6Enn36mgCwt/N/bx08wQrD5HmrJ543kg7ceXjOOeuasRanYy6hLYw3cD3cKh5IFcF1B7sOo6j865TxV4Tm+3S61ocmoJqNyBFMsE8a5TAHWThcFV6Uul+EP8AhGTc6xHNqWtX7O0xg81Y1d24ZwnC5we5OMYHOKBnT3GpwW+qWWnsCZrxZGjK4wAmM5yc9x0q9tOMVxPgbwfc2LQanqbSR3P2m5uVt2beyeaFXDP3IC5PA5b257nHHp7UACjA4pwSkBycU8dKQ0eToMVKvp6VGozUyDFMkeo4qVBxxUYqZMDHrQA9BjgnFP2kcgkUij8KnUDFACRJj5u9SNFHIyO8aFoySjYztJGDg9uKAMelSKMdKAHbQy4IBBGCD6VUk0LSpT+90yzf6wIePxFXV7Dv6+tSKDQBlr4c0dB+606CLnP7ldn/AKDWL4u0KystMg1ATXkaWV3DM2bqV8LuCtgMxxwxrsQMCq+qWf8AaGm3VmxAW4iaLJGR8wI/rQByfjzTf7KsrTWre+vI/sN0kkrGdpCsZbYxUNkA4Ydu9dEmjXbBWXxDqP3QctHbn8eI+tUbVP8AhKPBE9heMq3Rje1uM8hJ0ypOM/3lDD2x9ab8M9UOoeGo7eYGO705vsk0TcFNvAz74wPqGoAj8VaHqyaYt9Y6vdXV7pzi5gjliiwxUEMuEQE5UkY5znHHWr+mS65f2MF7a6jps1tcRiRB9jkRsEAj/lpxjJ7H6V0Qxxu4Hf2rm4vC93ZSOmla9dWFk7M4tRFHIIyxydpYHAySce9AHnd1PP4T+Kf9p6lKES83744W8xyCnTYCSAXxt6cL0HQdvLfeK/ESqNBsf7AtSRuuNRQG4PPJSPJAI6jdjrW5pfhrT7K9a/lVrzUZDl7u5AaXpjjAAUY7ACtW4nhtoXmuZUiiQZZ3YKFHqSelAHJQfDnSJdQk1DWzJqd1KcsJXIiQgnhV7Lz0JI9K1dW1jQvCtpH9qmhs0UYihiXk46bUUf0Aqn/bGo+Ixs8Nn7HYAkPqUsefM/65IevpuYAccZNXbHwlpVpbXUUkTXU13E0dzdXLeZNMCMEFuw/IUAUVh8ReIcP539gaeSMJGFe6mT13ZKp7YyeOoqlq3g//AIR5bXVfCFnvvrNj58TyszXkbfeyxzlsjIJ44p2law/g28g8P6/KBZuSun3xPBjHAjf0YAgZ6dOnftwVOdmCvb0IoAwvDHiSw8R27m1leCeI7Z7aUbZYD3DD+vTt2xU3iXUV0jS3uVHmXDsIreAcGSVvuqB9eaoeLPCZ1K5i1PRbw6ZrNuMRzqMLIOu2Qdxn/Jqv4XN74i1M6nqiBIdO3WtuifdklHyyzL7Zyq+248ZNAHM3XhptP0nTNFu8Tar4jv1l1IgAFkX55ACOAF46dctjvW+nwu8NeYrNHcvAmStu1wxQEd/Ufn2p9iX1j4o3lzhWttItPIjbOf3jsdxX8mU/T8B2W30JFAHCW/h7R/Dnje1tLO1jitNW06e38nl9zIVY5ye6nH4Vf8BBNIjuvDU+wXmmtuEm0ILiJjlZO3+6Tzgr1NS+MYxb6r4f1Q5X7NfeSzEnaqSqVJ475247Z68U7xLYw2niHTPEEs5tYIMw3Mnm7VAOdm7ORsyzL7F85wKALmt6Ct75txAkYnkQBo5AVWUqRtJIGUYc4dTkZGcgADOtvESaHc2mna3cEtdKTEDzPDjqJAo5UY/1gAHHI4LUuuePNOtFgt9JVtU1C72i2hhOFcnOCWzjb6kZx+NFr4OeRG1O9vMeIpHEovUQFYTtKiNEP/LMAkEdTnPBxQBqX2j2OtwicYWSWPC3Nu2GKHPBIyGHOdpDA+lee6n4I/sDzLy5K3FvAGkiuYLRXMQ/eEh4gVP8fBUgAouQADXZWn23SrZ7iUw6fOivLcwkk2kmOro5/wBWScHB9WJUk7q1NB1+y1m2gljjlt3nQSLDOpRmXjlc8MvI+YcDI+lAGB8PNOW10afxFqlxG9zqUaTyS8BYoVQbATwMheSf8M1kNFYebK80s8rfaGlijhtmhurhpJV8slpcBlVtmDjb8q5PG09pqnhqG5iuRaSfZHuVZZguTDNkYbfGCAcg/eGG9657UII9Nsp5/FMdzqL2ltIIUugj2z8ZxuWMYJ2qPnGQeBnqQCrNb+VZahrcMkqX2nxzpdDUUWZ2LRow27G29AoGOPm6ZzXQ/DzTpNL8HaZby7y7QiV9x53Plz/6Fj3xmuPvdQtfEB07whpUEEUN3dCa5khiMMU0CgPuUH1OVyCeY8d+PS9Rv7bSNNlvLyQQ29uoyTwfZfcknA+tAGR4l33upaXpURAaWcXcp/uxQsG3fi/lr+NbygqM+nXt6cfpWV4VsJyZtY1SMJqF+ASnP+jxD7kQz6dTgDLE9gK3CoOMcHtQM57x1eSW/hi9ihC/absC0hTfsLPIQox9A2fwqLxNEmj/AA+urOBWfZZiziUDJZmAjX8SSKjkuG1rxybKOTNhoqLNOmzIedgTHz3ABJxxggHntP4ib+0PEejaMhIVJDqFxscDCRY2DHcGRlx/umgDW020TT9MtbJW3i1hSIHpuCqBmriENwopxX1xQvynjGKAFZFCYIHFNX/V5I46VKRuGD0pu3YAqY20BYagRgcKBTxGMgntQF2gAACnFfegBrY3rx0pQwzjOeacyj8O1IIwB6UABba/qKcSFPHehUA7UhBJyVIx/eoAVcBwOhqQ5zUapl+mMVLtpDR5MnYVIpxUaR8VKkY96ZJLF2p81xFbQyTTSLFHGpZnbooHc+1CqAOOMCs7xJGzaajkZijuIZZR22LIrMT7AAk+woA0Ib63cK/mLHnA2SH5lzyAR2bHb3qzaXMUzypE4ZomCuB/CSAR+hFc5feFtO1fxLPcahZ+dH9miIJLKGcM2SSOvGB9BWjZIZfFl9NA/wC5ito4JD1BkDO2Mn0Vhn/eFAG6uA2M9acMKTj1rjdW8URfbJoIDPbjTry3WeZlKxsrOoYZ6Dr3I9emafpvxC0i4uxa3KS2fmMypNKymFsf9NFOPr25FAHbIOAPSpB6c1keEpZZfDOmSzSNI72sbMzHJYlQc/4+5rW3/JkUAGRnaOPapc7ADzx6VDGGY5Y4qYjKnB+YCgDnbYf2N4wkjcFbXWk3xlfurcIuGGAMDcgBGf7prGmYeFPiQLiOMJp2trulKtgCTcq5x3+ZlP8A21br26fxJpcupaQ8VuVW7gIntpDg7JkIKnODgHofYmsDxHZL438DJcQWx+1wHzlgfIIlQkPE3Q+q/iKAO7UnAAxxwT/h7U8HPSuW+H+tHVdEUSSedNb4XexG6WMjKSH3IyD/ALSt6EDpYyyscrmgBt7dQ2FnPeXLbIbdGldsZwFGT/KvJPEF7rmq6jp+t6jYB9JdRLZ2LKXjmwcbJMjAkZSShPGcAZJr1u7to722ltriLfDOhjkU9GUjBH5GuX0GxMa6j4O1rbcWsaBrJmb55Lc8ADnqhAGf92gDotF1Wy1nToL7TpA8Ewypxgqe6kdunT2rQPAzXlT3N/8AD3xO02oOX0i+mJlkUZViRjzMfwuMAuP4h8w6HHp8N3Fc2yTWsqvHIodHU5BB6EH3/wA9aAI9W02x1exkstQgSeGTgq/BH0PY+45FcdaTaj8P4xBqDyah4cD4iu8FprNT0Djuo7Y4HtkCu5U4IJPOMU2VBJCyShXVuGVgCCPoaAOb8aeITb6JbxaLPFLqGruLeyMbbgS3Vwe6gc57Ej1rWKW3hvw5sgj/AHNlDsjTPLnGFHuSePfJFcx4A0azm1nUNas4dmnRTvBpcIJKRDpK8fUDe44Ix0Iqb4m39ksWnaTf3Itba8mDTMR8pVSvGccDJBzkZ2kUAUvDXhnVZdCN7ZaxPpupXdw0skpQyI6AkY2OQMM2XBwD8xrWOm+N4owINf06dv8AprZFf/QSa27DXNIu1C2mpWcoA4Ec6twMZ6Htx+dPl1rS4FLTalZoM4G6ZRQBwnivw/4vudCvp9U8RWxtrdDcfZoLUBW2fP1PP8Pqa7jbbeIvDikFxb39uro6/K6BlyGHuCQR7is2/wDGfhVYXgutasmV1KNGkofg9vlql8J9Utb7wiltZyPILAiFmk43HaGyAei5YgewoAj+G1tDbT6nBdWtsupx3DPJKke1mDHBx14DBiBx8rIcc11uq6pZ6NYyXuoTrBBGMlmGSfQD3zXC/ETWtR8EXv8AbGmwQzWupKsU6y52xyoPlbgjkpkH/cFVNN8K3/i7XLfV/E8l69nbjclvdIsXmMcnAiBOxeF5JJbgHtQBprZzfEfbPqMU9l4djJNvDnZLdN2dsdExnA6Hqc4GNWbTdQ06zS2kQ61paYC7NsV1b4HBXGA+PUYb610sYjRQkKqiqMKFXaAPYeg6YqVPkT0oAxLTVJrW2SaczXdm/K3PklZIge0sfBB/2gB7jjNbEbw3EAkjZJopF4YNuVh9e46VWvtNguJPtMRMF0oAWeMANwDgN0Djk/KciuOvfEZtPHS6Z4XtDdlEd9TUPthBAzweiyZBBY/KSQDngqAbi+DNPtNYfVtIZ9Mu5FKyeUFaOQE85VgccgdMVcbQ3u763uNWujeLatvhhEYSMP8A3yBksw7c49u9X7G8hvbcTW5YryrKw2spBwQVxkEHP+SKsqcjoeKAFUdPUD/9efeoNRu4dPsbi8uDiC3jaR+M8AZPFTp1bnA9K57XmGs6zbaBBgwxFbq+IyVCA5RDkYJZhn3VW9aBkng3T3s9KlvbtPLvdSka7uQxJKF8lUP+6uFx7H1qDwe76pe6n4gfeLa9dYrNXXB8hM4b1wzM5GexFN8Z3kt35XhrTHEd9qSt5jgE/ZoP4nIHcj5VzjJPtXQWFtDZ2kVrbIscMCiNEXgKoHHX6UAWQFJB9KdgemKQDFDcDjFAC/jRj06UgIGAe1KAMnAoAXHHelA96QEdAORSgnj3oAUDBwDTsY9M0IQSex9KXaABtoAbkZ46il4PWkUnOMYp2ewGaAFXGcdBUmRTBwfSnUhnlKDAqZBmsyW8calFZwKDtj82UkZKr0UH3JB/AVW0zX21O1vWsrKVJ7LIZJgApkBOUB9cD9VpknQKO1PVSOhx7VW0+4S7tYrmE5jmQMhI6qQCMj6dv8aksNRtr6W4jtZd5gbY7BWChvQHofwJxQBcQADJNSwxqgIRdoJycDgn/Oazb/UBZ3NnCLeWZbqUxs8aEiIbT8zYUjGcdaf4d1JtV05bvdblWZgpgkZlIBwT8wHOc/8A6qANF4Y5o2jljWRG6qwyD+FR3Gk6fdRxx3NlbTLEP3ayRBgn0GOKnjkQj5WBA96mTGR+mDigCC+sYb2xezl8xInAGInKEY9CvIqhH4YsY41RWvgqjAIv5wf0atK0u47q1SeISBG6CSNo268/KwyOn41OG+YBcH60AZqeG7Mcrcajn/sJXHH5vTxobooFtq2owY6nzBJ/6MVq1AQeFx7807cFHPSgDNj0m9Uj/ie3zDP8SQY/SOuRV7jwb42e2uLtv7O18+Ykrx5EVznnIB755PHUf3a9C3AEA4AHPNY/izRF8QaRPZ/KsygtAzZwsgGOcfwkEg+xNAHOrZ6j4V8Vlo7uzjstafAne2Z1hmySI/8AWDAYliDkjJbgV1f2XXtxK6np4HQA2Dn1/wCmtc74evIdf0X/AIR7xCjGWRTErOTubZwyk9pUIBPrwwyM41fDGqXcE76FrhBv7Vd0U4GFvIh0dfRhkBh6kHnsAXltvEOBjUtNJxx/oD//AB6sHxZpHirZb6xp17aXF/poby4YbZ0MyMBvUkyEEHAOPbt1rt0bIBA4PNOxkYwBQByHhyzXxZ4HhTxHcxamLtQ7lIfKMRHVeMcq2Rnj+eecsX1b4Y3sNjPHPqWg3EmyOYMuYnY8AA/dOeoJwTgjBJFdJrNreeGdVfW9IgabTrlidRskGSp/57ov94fxY+99Rmt+GXTPEOlb4jBf2NyvO7DK49Dn3znuDQBNYXtrqFnFd2kolgkGQyjHH06gjkEHvnoRzl+Mry4gsItNsJAl/qchtoSpwYwRmSTqPuqCfriuXn8P6t4BuZ9R8KLJqGkyNuuNMZjvTj70ZPft69M7qu+CLuXxXr954ncSR2MKm00+F1AKg7TI3HHJXGR7jpigDr9NsbfTNPgsbRBHDAgjUA84H5//AK65Gws7fxN401W7vYVubGxP2NY5kDRu6d+edys0oPbkY5zXXavfR6Xpd1fShvLtoXlYL1IAJwPesD4X6f8AZfB9rPMQ9zqBN5M4OdzSc5/Lbn3FAFu48D+GLgEPodivH/LOEJ/IUi+A/DCcf2HZ/LgbjFmuhVQo6UAenSgDGi8H+HYmUpoenBlPBNshI/MVm+FraDTdZvraFVQ+bJGVClVADecgAAA6XBHX+HgEZI60DHp+IzXKXcAi8Wz+Whkkjktb1FU/Nl98Eh9wECmgZe8Y6GuveHb3TTw0qExsSQEccqTjtkDPtVf4f382peGrb7ZHLFd26LDL5nViByeffIPoQw7Gulx04HTJx0P+eO1cdfGbw/4rEz3Xk6ZP5tydxYqMJ+9TA75VZB9JKAsdgsY7cU4jsoOe2axdZ8XaHo0a/bNQi811DJBH88r56YQZPPHpWBdS+LPF0ZhsYW8NaWx+ee4z9qkQjnCg/Jn1469aAsWPFHiO6vbtvDnhA+dqZGJrrP7uyXuWb+/6Dnv9K0/C3hDTvDultZwRrcNcgi7lmXJuCeuRzx8xG3nGeckmr3h3QdP8PaellpkIjReWc8vK3cse5/w4wBiqXi7xF/Y9ulrZqk2p3ORDGxwsa95XP8MY5yfUdqAMTwJclvGPiu1trx57W2kgVFkOSGClWyf4iNgXJ5+UZz1ruQJP4jiuJ+FFh5emz6p9oknhujsgZ+rxqzlpPUF3Z2weg2jJrqdf1qy8PaZLf6jNsijOAFHzO3ZVHc0BYp+L/EEXhvT/ADgvm3cx8q0twMtNIegA+v6VlwPH4K8Ly3+tzfaNRu382fGd9xcMOI1HtjAxwAM4wDUXhrQrvVtb/wCEt8SReTNtC2FkxIFrHjhn/wBog9DyOe+AGaMo8a+KU11o2bRdMXZYeYuFnmP3pAPQYwM9xkd6BF/wTot5b+drmtkSazqeGkABAt4/4YlzyAOpHr1zgGup2tjA/wD1U5VVWJ5Le/U1KF4+b8qAIlDAYApRnaRjFSAA/SlwRwOKB2GCM5J9aGGzBHQVJjAoA46UARgqBnByaASMfKcCpNv4e1KMdKACMkk44/CgnBxn3pRjt2pjIGIoAbk7z2FKXUNkHrT1QL059/SnflQA0SAYx1o3tUgQZzxTsUhni4tJI9Ya7XBSWERuCeQVJK4/Bmz/AMBpFhuLSwuY7EAzTSO0Z6BC5+8foSTWqg+UCpEQdhTJOe1e2vdP0mybRQkjaZgrFKrN5ihGX+HnODxj3qvpWn6nY+GGsrOMvLqJJAMrRrYqygcbiX+Xk9uew611yIPSp0QegAoFY5ceCYPKBXWNajYYywuzliByT8vfA/IYxzVxbeDwp4QuYbFHkSzt5HUSEks2CcnGD1roFUYA4xTvKRlIZQ4IwwOOlAWPMbDw4LFnv/C2qSrJsEOIFhlN1uwWZAXCr2GOo28da6kaT4tjUNF4phmPHyy2Che3Ug5x26Hqa2rLw/pFjc/abPS7OCftJFCqkZ9MCtQpk5VcYoGVNKs7my0a3tri6a6uUQBp5By7ev8AnngVThi8SRyHfc6XMoztzBIhH1wxzW1njlduKcVDsNtAGTDJ4kjbBttKlJ5/4+JE/wDZDTZb/wASKGX+xLJ/dNQI/nGK3FhAx2qURcdTigDD/tTWAwMmgvjBH7u6Rv54qaLWL6NCX8PakCBgkPbkfrJ/StcwDPXFPWL5DznNAHCeLbm6B+3roOpC24a6T93uTZ92eMq5IkXp05HB6VANXXxXouyO1u11izHnW11bqgIzlVkX5/uNtIZTnGCp6An0EZbapGD3xXHeL/DWoWFwNd8IkC9hYySWQA2z5I3Fe+W7qfvfKfvAUAGiePZrgCx1DRb+PWoVJntIYx0HG5dxGVPH0z3HJ1bvxXexadLcQ+GNVaWNd3luEXIHXkMecZI45NZli+l/EDS4rmCWSy1WzJw0ZCz2knQg+qn34I9+lyw8S3Ok3I0zxdGtpITshv1BFtdccc/wP14b8DQB0unXP2u1hmEUsHmxrII5QA6ZHRvRvb2Nc7f+EpLa7nvvCt6dKu5MvJDjME7Y6unrnuK6ONkBBzkEcEdCPbFPcMDvQgAjvQBxS3vja8RtDvtKgtJpwVbVbeU+WsfQso5PmYPA4ycHHFdVpemW2i6fb2Onr5UEC7EXj8z7k5Ofc+tXVb5BuxmjZltwoA4v4wXs8fhH7Ha7BNeSIrb3VQsYIJZixAC52rycfPVnwx418LPp0Fna6nDa/ZY1hEVy4jYYGMZPDdOoJ6cVkfFQ3FlqOm393YteaQgEd4oG7yl8xHJKgcg7F5PpjjNS26fDi8iWZF0BFkAPzeXEw6fwsQQen+cUAd1Df2lwoeC6hkU8ArIG/kamWWPcQHXj3riV+HHg26jLx2CMrHIeK5cDB54w2Kqr8IvDTXDOPtwQ9EE42j6cZ/WgDvpr21t0LT3EUaAfxOAP1rlbzXNJ1bxRaW2n3y3DSW1xbSNb5cKzBXHzD5c4jbuaZpvwr8K2M4leya7YHgXMhdB/wEYBHsQaPG1/p3haHSZILeNEtbmSVbWHbGXUQShsDPQbhk/gOaBnXadeR3+n295AGEc8ayru64YZ59wP51Q8WaL/AG3os9msz204+eC4jYq0Ug+62Rzj1x2z0p3hqGSz0DTLSeMRzQWsUcijkKwQAjPPf3/OtZhlTx2oA81+FNtoq3V9bTWYTXLGXa32pvMmWPAAwT2XOzK4yApONwFejyOkas7sqqPmJJwFHrmuR8beGWmMviHQJpbLXbW3fy3hUMLkBT8jqc5z0HoSDXH2un+LfGFhFDcJexEMvnSavtji3gclIUQFvvZ+b5fYkZABueM/inp2lBbbRXW6mdjGbrYTBH03EH/loRkcLx6ntVHw14J1fXt974quXS2upPNlt+k90uTsWU5wigYwg45PQius8M+C9O0S8e9d5L+/YBRcXATMagYCoBgKAOMD1rW13XNO0Cwa91W6SCJegJ+ZyOyr3P0oAlubqx0TTZJZ2jtLO0j69FRQMAAfp7mue0W1k8WXdv4g1WAx2UB36ZZsfX/lvIP7xH3f7oz1J4xpNL1f4g3tvc65bNpnh2B/Njs2YCa4IHDNj7oIPT+eci7ceITrt+fDPgwiOKJQl1qMS4jtEAI2x443ccHtyRnnABf1e/ufE99caHoMzRWUJMWoain8JxzDF28w9yOFGe9dRpthb6ZYwWNlEIre3QRxoOdqj36+nXrzVfR9OtdH0qHT7GIRQWyBFTv9T6kkkn1znvWggAAxxxQAuKcBjvSHnkdqAcrkHj0oAcKO9MbO7BJA9qcBt+7nFAC4xS9qXpx60EbRQAg+7yKAp6457UMTjikJK4HegBxBHsaRV4we1JzluecflSgbQMntQAoGOMYp2OKQninY446UAKvHGadTAMU7H0pDPLkHHNQ3d8Lae2gRDJNcP8qL2UfeY+gAIye5IFSKMsMVXnhkTXrO6Cs0fkywMQPuElWBPt8hz77aZJbt76CW7ubWBg9zabfMT+6WGV/PFTaXeR39nHcwBlVwQUbqhB2lT7gg596z1tza61eX7hhAbSNW2jJJRpDwPoam8M281vp2Z18uSeaScpx8m+RnC+xAYZHrnHFAGqGCqS2QADkjPH5VVuNTSPT7W9tl82O5lhVc5HyyOqg49ga5S88QatqsiaVo8N1Z36XgS6cwYEMOThgxyPu4Of4uo5p//CN6/eSTW7a9fQw2zRvA9xBDIJCrblIw2cAgZyAScemAAdnpl2t7CZVUIFkePbuDY2MV7ZHOOmeOnar4xmuZ8OaPb+CvDl0r3LzrGZLqaQKF5AycL0GABxmuVtrDXbG5/tfTtamlEaCeeC4E81viQHaI9oJl2gk5A9PwAPUwFIw3So7O4t7kytazJL5UhifYQdrDqD71yMVx47ltkkij0NxJGGXImRhweoOMHODz9K6HRV1ddKlbURbpfSPI6Rx8omSSoyOuOOe/4ZoA1wMkAU8D9OK55pPFW5hHBo7Ln5WMsoP4jYfepVXxSesukRADoEkbn/vofyoA3ugxxThxWCsPinaubvSAc8j7LJgfT56njh8RbDi+0xmzxizkAB/7+GiwGxgAgingDJwKwki8TqPmudIU54AgkII7/wAXH61NjxIchH0pR2ysh/qKAKXibwmNQuk1bRphp2tQYKTICqzY6JJj7wPT8agsPE8c850LxjYJp97KNoSQBre8HQ7GPBzxlTzyOvbVU+Js4ZdK2+oeTp+Rqh4g0nV9c02ay1Gx0eeF+RmaQFTjhh8vBoAiTw3qWgSeb4Xu1ltBnOmXjlox/wBcpMbk+hyOfatXSvEFtfzGyuVbT9SRcvZ3GA4HqpHDj3XI9cGuPhs/HPhLTEt4ni1axQsCsIMl1bpjgKGADYOOCM/QYxc8IanoninRE0/WtVj1W/3sdt1CLeZCP7qg5yB1Kk49RQB3PlhX9PWpgAMYrmBpWvaSA2i6muoW4/5dNTOWA6/LMuW7/wAQYe9KfGcNgv8AxP8ATr7SXBALSRGaLkE8SRgjHHfH0oA6KSJGPzCuc1b4feGtU3mbS4I5HOTJAPKbPrxgH8Qa0dP8U6BqLBbHV7KZzyEWcbv++eoH4VrAgjI4+vIoA83T4O6ZbSiXS9X1O0lXPzrIuR9CADUo+G+rLgJ421dfXLMc/hu4r0SgDj2oA4mz8F+IY2bz/HOoSROeiwru6Y+8Sf5VS8PfDCOHVk1TxHqlxql5bzb4ldvl4Py7s8k9+v516KcAdaaTGTyBkUAOVQDxjj0PSn9qjMkUSlpHVFUZJJxgVg3njfQ4JWt7W5fUbtRxb2ETTsf++cgfiRQM6EKPQce1Q3c1vaW8lxdSpDEi5Z2YKFHuTXMLqPi/WHK6fpdvolrgHz9QbzJW4PIjQ4BH+0TUjeFtOgc6j4n1KbVDB8+6/kUQRHHJEY2qB9c0ARP4lutYZrfwhZLdr91tQnLJapyRlc8ydOg46c1UvND0PQXGveM9RbUrzcAklwp2q392KEZ+vc5yc1fn8XQG2KaDaxyWsS7fts7C3s0A4+VsZb0woPTrXO23hrVfF1/Hql1fvDaMpC3ZTZIyH/ngnSJSMHeTvOOw4IIl1C61Lx/Nc6TpU8mnWIwly6YDIpPIf/bIB/djGAfnbOVrtPDXhvT/AA5paWGmxeXGuCzHlnfuSeuf0HbjGLekaXZ6RYpZ6dbrbQR/dRQPxJPUnPUnk1dA/SgdhoiAPcVIFA6dKO3TFL2oAYUYHC4ApCBtxnBqXtTdq5yOtACKp6E5A7UuCuNzcU4cD09qcRkelAEeMyZB6U7HNOwAOCKDnHNADGyR0po3gYKU85zS9qAGANnIGM9qcQcAFc4pRxThjsOO1ACD16YoJAG6lFIEOcFvwoATLHG0ECpcUo+7gUuKQzy2MBcEjFToQVB45qvgDAFSj5VA6UySUEDgU4AkbSOnWiJcnOee9TrjIx36UAR29jaw3Ut4sEKXEoAkmVAHcDgBj1PSrmQMYHFRN941JECH56DgUAOPlyIUkTchGGBGQRWLpnhDStOuRNYG7hRG3iBLuTywc5+6Dj8K3mA2+/pSwjkn0FADy/zDHQdeMD/PtUiuN3PTtTQADnGfwqRAMdPwoAVQQ30NTiolIGeQMD8acgBjyM8jNADwy5pyEBTjpnpTURRg+1P8tTTAVD1zg+9OjIcZXikIwPlUGlRcc55pAPDAHHanDp7UzZuYEHBFCBst8/Q0AK+FbJ7iud8U+DNF8RqJLq38q8Iwl1Adjr6ZPf8AGui8sE/eP50LFhcA8DpQB5yNI+IfhyBF0fVLfXYE4EN0gWXr2JPI+rVc0/4hXVsCni3w7f6WI+GuUiaSDP4DP5bv613qDaPTvTZFycMMj6UAcWYvh94tYvGumXM0oyeRFMffAw351Wn+HEES50TxDq+mx4x5cd0WQfy75710WqeCPD2pszXmj2bO3V1TY3/fS4Nc3c/Bzw66FLea+tRkkBJQRz7EH8+tAEX/AAivjrTuNL8Y/aEJOftsWWH4sHq1b6X8RvmWbxBpgGeHEGWH4bQKrj4ZXcLL9i8R3VvsztAjwR+KMp7Y/CpJvBnihJUFn4qeBR96TMzlj6bZJGX8RQBonw34qnO648ZyqCv3IbCJQPx5qKLwFetK0l94u1qfJGRHN5Q/IZFNsvDXi+M7LnxpIwDdIrOMnH+8c8/ga0B4Tu2iIm8Ua4+7P3Zo0wPfCf59KAGXHhbwtpkZudY8uUd5dSuWkH/kQkfpVKb4geC/D0P2XSTFcHdkW+mwhlJ+owtaMHw/8OpIr3Ng17Mo5mvJnmLf99ZH5Ct3TtF03TgBY2FragHjyoVTH4gUDOBHjrxVr77PC3hie2jKb/tl8MLtIzwDhfyY9OlQQ+AvFuq38U3ibWrNhGTh1UzkEkcBHARDgfeAz9eteokYYEZwfSkYFmAAxj1FAjntP8E6LBdR3V2k+pXkWAs19MZmXB6gH5Rzk8AYzXSryORj6GmsABxjPtRG2F7mgCU8DJoT7ufWmB/qaEcbQFoGS5IJ4paTjnPHFNBGBzQA8UvPamrICSobDCgHI4OKAF3DPX8KfwPaolOCR0/CpM/KPpQAEjGAab9Oaa/C8cU0H95QA8fnTh7UgIHJ6U5cZ45oAAMcZ5FL0pDx0FNGGPzE57igB4Ipc+2KQZHvSjkZ9aAHjjvRt9zQvT6UufwpDPMYlyASMVIkIzj0pU6VIMDpxTJESAA+lSiPawOTgUqY6nipI8ZPIz2oAVVDDjjJ61IkRBBLEUgHHGKlQYHHFAD8ZGOtGxs/K2OKVeOB+dPHUAcUAIsZHAbn6U8RMTycilA7U8YzjGKAGiEqMKAB+tSxq44bBXoMinAcU5B60AJIhZAo4x2pyFhhW6Y9KcAAOaVk3j09KAHKAvAFBTIwDjFNjTyyScsR0p6Mcf0oAYVZeQC2P1pysyjbtOTz9KlXAHA5pB16YoAiiLbGLHjPSpozwCcdKXyxngmhIivTj29KAGuTwUHU9abKxDqeQoqR1z7Ed6FUjgkn8KAFVgU3DJHamxvvUt0xQAytgcg0bTG2CwC0AMGfNAIINSMgx3z7UMwJUAjNSDGME0AQJsGctknqDUhkSMcYp5Rc8im4UdAM0DsJG4boOKfkdu9M2pnkEHvimAhJOAcetAEqEeYdvb8qc/3Tx+PamKFDBl6n1qUndnPSgLEcnDEAfMQMGnoAoAGM4oZCWLBsUpOH37cjH5UBYbJjcRjgCkG5ZAoXAx6VIV3nOSAR6UnlOP4ufpQFiTtzTGAzgcZp+Pl5NQCNmOd4A9xQGxL8qjaxGRSRqNnqP5U3y37kccZxS+WxXDYNAiUBV6DFI5wABSRfKMCkc8rj1NAxqqCTnI5qRY1Ukg0wOVOCo596e7bAB0JOAKAFKkpg+tMiBUZJ4HSnZznHGBUZVzjAxt96AHqWdzjjHenCMYJ71HG5UEFT1z0zT1ky+0rx7igLBkLuGBninooAx39B0pnQ5xgZp4dWOF6YoAcSR0608EY9KidiF4GKb5oHt7Ug2PN4t/XNTRgnkHpQBhOKfARjB49qYh6hscGpEQrycCnKBnFSbPl9BQA2LLZx0q0gGBjHFVwdgbvz0qxCQFB+77elADgwHTt7U5QHPHQdKjKDJx0z1qxGF7HpQA7BGcdvekDgnGCDTgQPvEU8jaDzjAoAQsyEDt7VIGJxw1RRnc3PYdqmVSDg5weaAHnKsMCn5xjFNWLB9f6UnO/HJC9/SgCTnfjHFHRgBimsDuGDlj0PpUwVc8kZoARByfrSO6IVLNtGcZqbaPw71xnilNU+z65cXQQadZi2ubZcDJ8p/Mkzgk84xzjp07kGdgHw+C3tQxKjkjFYmiXJe/10XUx8q1u1VTJ0jQ28TEfTJY1qWtzbXttHc2c0c8MnKyI4YNg46+lAiYOGB6DinqQqZz2rnfFMssDaTJBNLDCmowLN5b7SyvuUA+oLMlWvDN9Lf6bJJckO63dzECAB8qzOo/RVFAGurrvAHGRSsqtwwzigEI6qBgDmsZtXjTxgmlNewqWs/NW1MZ3k7iN2/OOQD8uM/LnpQM2USNPugClX9KNgznrWV4rubiw8N6pdWbiOe3tpJEYjOCFJ/OgDX47EUxgM56VnaReS3dzqkMgQJaXIijKjG5TFHJk/i5/IfU3zlV+ZgBQA08scdPWnYZVxmqetX0ek6PeagUMotoWl2A43YGcfjV8qpUAnHORnvQAIMKMmn71ycUz5wOowKz/DWoy6ppMN9cQLbSSZDRK2/wAsgkEZ79PQY6UAay7RkkYoQ5PYVn6Zq8GptOLRZv8AR38tjLA8fPTgsBu6dvSrqM55x0oAkOc4B4FOT7ueOfSo1YsxUqQR1qRRhfSgBRx60wsAuQOlKXwxBB9aaThcKDQA7OTgdqMuoGF/HNGc5JBFLHnB60ANVSOWx9KHAJyRjFP+6cCmSHA4wD6GgBuzeOpU5yCKVEYEZbOKEz5WGyMehxSgAyDr0oAcAB1zRtGQSTz2zSF8kjpzxSZ5BY9OKAJN2B8ozik2lufutTQx5zgCnl8BR60ALghSDimqhHT0pxGMj0FIvTrikA8Zxik/AUm4ZODuxTSrZ4emM8/QcUu3DBwM+1CgipgoJ5xQKw6DcSSQBn3qyv3aiRQDxUwBoAVVGQcdal8lQ3SmqD6VIOvTFACpGuMAcUpjUJwD+FKvXp+NSj+lADI4gOTyR3Pap8cYHApg61IM5PFAxjQqORlT7U5ZFVAFPNPB9uTTwuCTgUCHIcc0hiBYkZX2pwp4IFAxNmXGOQKHjyQQcY4p4PcdKeDigCIxybcAg54we/8AKuSh+HehI6qYbprbPMD3chjYdcFS2McdK7EsD3poRS4J+XA6UCOX8W+XY2l3ZRaHqOof2zuExtAMbjGqYck/INqqPTr3zWLo3wxtodMthcatqwu15kEd2QhLYMiDgfIT145/OvRT1xSBACTgA0BY4vS/hza6fdQXDarq91HBIsotri73ROyj5WYY6jA/75FdPpunxadF5MG5VaWSU5wSS7lm6e5NX8gdKUqp6/4YpBY4688daaljqnl31hDqVo08MdrczLGS6sQuQ3UHAP447Vm+BdCvtWax8Wa5eT3N8Y2EMctqkDRg5GSVGWBBO3PZs9+Op1Dwza3muWmqPNLHJajiJVj2v7sSuT+fatrnBHQc9OODTGZOqa9a6Zd2NpfSRQNdbgrTOEHAB4z3yV4yPWuP13V9W8TeKLvwtpNzaWlpLaEyT7PPaRG4flT8p5xg4557iu28R6Lba9pU9jcpDudT5UkkQkELkYDhTxkdaZ4Y0GDQNLjtIVhdxkySpbrB5vPBKqMZA4oEczrHh3xMdR1NdE1iCystRRW3eSTNFIsap8hB7hRluo7c81i3XhjxXq2ix6T4gvNLexhBb7SUmkniwMAgcBiBnBPPXg16oI8MTnr2p20Y/wDrUgsef6X4WI8LXUdlr+pakmo2LRwLeyZQb1+VgCMjgdD+VdmzGNMuwVVGSSeMY9avBB2AFQalaR3+n3FnMCI54mjcr1AIwcfnQFjze3m8Z22v3GvWEMmr6Xfhhb2U10sJiQkFX2kbRkDgDnBG7kVkadZ+PbLU7S6bQ7t/KnlkkhTUkWKQOWJRY84ADNnJDEkcEV2ulQ+ONNjSxmi0fUIIQI4rgzSROyjgFl2sN3fj/wDV1oVyiCXAfA3bOme+M+9AWPM9LPjyCfVd2jvHd6hGBDNLeo8Nu2XIOOQMBlGAMHbk9a7fwuNUj8P2g1w5vypMvIJGSdoJGATtxkjg9a2tv5UoC9COKAsRQlcHoO3NSAoGAB5I7U1oEz93P9KTYI2BC8AUwsPC5c/7IpV6EimmNm+dSQafGuxMd6Q7DS6htpPJ5pzEKuOaRoQz7sc4xmmoyxZDevX1piB85BXAb0NRgBpAD+lTKdygikaPklTt9qQDeisRwM0AkMqgcY4pfKPQtgdcYpQJAOHzimOw5Vz155pGUD5QOvNOUbR71HIoEoY8KRQIcUGMDjjtTACpAJ/4DSnmQeWy5I5zThEyncuCT60ADI2/O75ewppCxqQMjPpT3MgToBSEfJnGW7ikBCluIyeCM859ak8onnLVIrlm4UgAUEHNAHAJ1qZOlQp1qZOlMCWLqfrUy1DF1P1qZaAJI+lSfwrUcfSpP4VoAkXpUidFqNelSJ0WgBwp470wU8d6AHDoKcKaOgpwoAeOlSpUQ6VKlAwqL+IVLUX8QoAmX+Khv4aF/iob+GgBB96lH3KQfepR9ygAj++Klj6Goo/vipY+hpANb7wpyU1vvCnJQAp6UopD0pRTELSt0pKVulIYg60vcUg60vcUABpD94UppD94UAKtO7U1ad2oAUdKD9wUDpQfuCgBT1FA6UHqKB0oABUVz1FSiornqKBD0+5QtCfcoWgY9/uGkH3BSv8AcNIPuCgBO1Ev3TR2ol+6aYBH95fpUg6io4/vL9KkHUUCGS/damQ/dNPl+61Mh+6aQD+9FHeigZ//2Q==' />\n١ - طبقة فلينية.\n٢ - نسيج قشري، تتخلله بعض الخلايا المتصلبة، والألياف، وداخله حبيبات نشا.\n٣ - حزم لحائية خشبية تتألف من لحاء نحو الخارج، وطبقة مولدة  cambium  وأوعية خشبية، وهي تشكل الألياف المنظفة للأسنان، حولها نسيج متخشب، وهذه الأوعية الخشبية والنسيج المتخشب تكون على عدة طبقات يفصل بين هذه الطبقات نيسج خاص، كما يتضح من الرسم التفصيلي.\n٤ - أشعة مخية، تفصل بين الحزم الخشبية اللحائية، وتكون خلاياها مليئة ببلورات السيليس والحماضات وحبيبات النشا (^١).\n* * *\n_________\n(^١) السواك والعناية بالأسنان - د. عبد الله عبد الرزاق السعيد (ص: ٤٥).","vol":"10","page":655}]}