{"ً":{"ٌ":160,"ٍ":"الحكم بغير ما أنزل الله - المحياني - ط ١٤٣٧","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/alhokm-mohaiani-v-1437/Alhokm-Mohaiani-v1437.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الحكم بغير ما أنزل الله - مناقشة تأصيلية علمية\nويليه: الفتوى المتأخرة لابن عثيمين ﵀، تُطبع لأول مرة\nالمؤلف: بندر المحياني\nالناشر: يُطلَب من المؤلف\nالطبعة: الثانية، ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م\nعدد الصفحات: ١٥٢\n[ترقيم الكتاب موافق المطبوع]","ْ":"طبعاته:\nالطعبة الأولى: ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nالطبعة الثانية: ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م (أيضا)\nالثانية (منقحة): ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م","ٓ":"1.0","ٔ":3075,"ٕ":1,"ٖ":1770156268,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم عضو هيئة كبار العلماء محمد بن حسن بن عبد الرحمن آل الشيخ","level":1,"page":4},{"title":"مقدمة الكتاب","level":1,"page":5},{"title":"المبحث الأول","level":1,"page":9},{"title":"القاعدة الأولى أهمية الحكم بماأنزل الله","level":2,"page":9},{"title":"الأصل الأول: وجوب الحكم بشرع الله تعالى","level":3,"page":9},{"title":"الأصل الثاني: وجوب التحاكم إلى شرع الله تعالى مع الرضا والتسليم لشريعته","level":3,"page":9},{"title":"الأصل الثالث: الوعيد لمن لم يحكم بشرع الله تعالى","level":3,"page":10},{"title":"الأصل الرابع: الحذر من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ﷺ","level":3,"page":10},{"title":"الأصل الخامس: حكم الله ﵎ أحسن الأحكام","level":3,"page":10},{"title":"الأصل السادس: ما جاء من أحكام شرعية من عند الله فهو روح ونور","level":3,"page":10},{"title":"القاعد الثانية وقوع المرء في شيء من المكفرات لا يلزم منه كفره","level":2,"page":11},{"title":"القاعدة الثالثة كفر الحاكم لا يلزم منه جواز الخروج عليه","level":2,"page":12},{"title":"القاعدة الرابعة الأصل في الأعمال المخالفة للشرع؛ عدم التكفير والتكفير طارئ على هذا الأصل ناقل عنه","level":2,"page":15},{"title":"القاعدة الخامسة مسألة الحكم بغير ما أنزل الله لا تختص بأحد دون أحد","level":2,"page":17},{"title":"القاعدة السادسة الإجمال سبب في كثير من الإشكالات","level":2,"page":18},{"title":"المبحث الثاني التفصيل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله","level":1,"page":20},{"title":"الحالة الأولى: الاستحلال","level":2,"page":20},{"title":"الحالة الثانية: الجحود","level":2,"page":30},{"title":"الحالة الثالثة: التكذيب","level":2,"page":33},{"title":"الحالة الرابعة: التفضيل","level":2,"page":36},{"title":"الحالة الخامسة: المساواة","level":2,"page":38},{"title":"الحالة السادسة: التبديل","level":2,"page":40},{"title":"الحالة السابعة: الاستبدال","level":2,"page":46},{"title":"الحالة الثامنة: التقنين","level":2,"page":57},{"title":"الحالة التاسعة: التشريع العام","level":2,"page":65},{"title":"المبحث الثالث فصول متممة","level":1,"page":76},{"title":"الفصل الأول خلاصة الكلام في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله","level":2,"page":76},{"title":"الفصل الثاني مواضع الاختلاف فيما تقدم","level":2,"page":77},{"title":"الفصل الثالث موافقة ما قررته لأقوال علماء العصر الثلاثة","level":2,"page":78},{"title":"الفصل الرابع موافقة ما قررته لقول اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز","level":2,"page":79},{"title":"الفصل الخامس موافقة ما قررته لقول عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن وإقرار سليمان بن سحمان وأن عمل أهل العلم عليه ونقله عن عامة السلف","level":2,"page":82},{"title":"الفصل السادس موافقة ما قررته لأقوال أصحاب ابن عباس","level":2,"page":84},{"title":"الفصل السابع موافقة ما قررته لقول ابن عباس","level":2,"page":85},{"title":"الفصل الثامن اتهامات وإلزامات الخصوم لمن قال بمثل ما قال به علماء العصر في المسألة","level":2,"page":91},{"title":"أولا: دعوى تجويز الحكم بغير ما أنزل الله!","level":3,"page":95},{"title":"ثانيا: دعوى إغلاق باب التكفير!","level":3,"page":96},{"title":"ثالثا: دعوى تعطيل وإنكار الجهاد والتخذيل عنه!","level":3,"page":97},{"title":"رابعا: دعوى الإرجاء!","level":3,"page":98},{"title":"المبحث الرابع الجواب عن أهم أدلة المخالفين","level":1,"page":111},{"title":"الدليل الأول قول الله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة ٤٤]","level":2,"page":111},{"title":"الدليل الثاني قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء ٦٥]","level":2,"page":114},{"title":"الدليل الثالث قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن","level":2,"page":122},{"title":"الدليل الرابع قوله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: ١٢١]","level":2,"page":124},{"title":"الدليل الخامس قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى ٢١]","level":2,"page":125},{"title":"الدليل السادس قوله تعالى: ﴿ولا يشرك في حكمه أحدا﴾ [الكهف ٢٦]","level":2,"page":126},{"title":"الدليل السابع قوله تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ [الأنعام ٥٧، يوسف ٤٠، ٦٧]","level":2,"page":127},{"title":"الدليل الثامن قوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾","level":2,"page":127},{"title":"الدليل التاسع قوله تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى ١٠]","level":2,"page":129},{"title":"الدليل العاشر قوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ [المائدة ٥٠]","level":2,"page":130},{"title":"الدليل الحادي عشر سبب نزول قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون ...﴾","level":2,"page":131},{"title":"الدليل الثاني عشر سبب نزول آخر","level":2,"page":133},{"title":"الدليل الثالث عشر سبب نزول ثالث","level":2,"page":134},{"title":"الدليل الرابع عشر: دعوى الإجماع من كلام ابن كثير ﵀","level":2,"page":135},{"title":"الفتوى المتأخرة لابن عثيمين ﵀ في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله والتي سميت بـ: \" التحرير في مسألة التكفير \"","level":1,"page":139},{"title":"خاتمة الكتاب","level":1,"page":147},{"title":"فهرس المراجع","level":1,"page":148}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151},"ٜ":{"1":[1,155]},"ٝ":["1,1","1,2","1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155"],"ٞ":{"4":[1],"5":[2],"9":[3,4,5,6],"10":[7,8,9,10],"11":[11],"12":[12],"15":[13],"17":[14],"18":[15],"20":[16,17],"30":[18],"33":[19],"36":[20],"38":[21],"40":[22],"46":[23],"57":[24],"65":[25],"76":[26,27],"77":[28],"78":[29],"79":[30],"82":[31],"84":[32],"85":[33],"91":[34],"95":[35],"96":[36],"97":[37],"98":[38],"111":[39,40],"114":[41],"122":[42],"124":[43],"125":[44],"126":[45],"127":[46,47],"129":[48],"130":[49],"131":[50],"133":[51],"134":[52],"135":[53],"139":[54],"147":[55],"148":[56]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الحكم بغير ما أنزل الله\nمناقشة تأصيلية علمية هادئة","vol":"1","page":1},{"text":"بندر بن نايف المحياني العتيبي\nالطبعة الثانية\nبندر نايف المحياني العتيبي، ١٤٢٧ هـ\n\nالطبعة الثانية\n١٤٣٧ ه - ٢٠١٦ م\nحقوق الطبع والتوزيع محفوظة للمؤلف","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":4},{"text":"تقديم\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:\nفقد قرأت جزءًا من الكتاب الذي ألّفه الشيخ /بندر بن نايف العتيبي، والموسوم بـ (مناقشة تأصيلية علمية لمسألة الحكم بغير ما أنزل الله)، وقد أجاد فيه وأفاد، وبيَّن موقف أهل السنة والجماعة ممن حكم بغير ما أنزل الله، مدعمًا ما ذكره بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وأقوال وفتاوى الأئمة المعتبرين من علماء هذه الأمة.\nفأسأل الله العلي القدير أن يجزي المؤلف خير الجزاء وأن ينفع به وبكتابه المسلمين إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\nعضو هيئة كبار العلماء\nمحمد بن حسن بن عبد الرحمن آل الشيخ\n١/ ٢ / ١٤٢٧ هـ","vol":"1","page":5},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة الكتاب</span>\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:\n\nفلما كانت مسألة الحكم بغير ما أنزل الله من أشد المسائل إشكالًا على طلاب العلم حتى إنه لم يسلم من الخطإ فيها بعضُ الفضلاء فقد اجتهدت ما استطعت في إخراج هذا الكتاب بيانًا للحق راجيًا من الله ﵎ أن ينفع به.\n\nثم إنني حرصت على الإيجاز الذي ألزمت به نفسي لا سيما وقد ضعفت همم طلاب العلم عن القراءة إلا من رحم ربي وقليل ما هم، وأختم مقدمتي هذه بـ:\n\nنُبَذ متفرقة من كلام السلف ﵏\nقال عبادة بن الصامت ﵁: \" إن على الحق نورًا \" (اللالكائي في \" شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة \" رقم ١١٦).","vol":"1","page":7},{"text":"وقال عبد الله بن مسعود ﵁: \" ألا لا يُقلِّدن أحدُكم دينَه رجلًا، إنْ آمن آمن! وإن كفر كفر! فإن كنتم لا بد مقتدين فبالميت، فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة \" (١٣٠).\n\nوقال ابن عمر ﵁: \" ما فرحت بشيء في الإسلام أشد فرحًا بأن قلبي لم يدخله شيء من هذه الأهواء \" (٢٢٧).\n\nوقال حذيفة ﵁: \" إياك والتلون في دين الله، فإن دين الله واحد \" (١٢٠).\n\nوقال الأوزاعي ﵀: \" ندور مع السنة حيث دارت \" (٤٧).\n\nوقال سفيان الثوري ﵀: \" استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء \" (٤٩).\n\nوقال الحسن البصري ﵀: \" يا أهل السنة ترفَّقوا!! فإنكم من أقل الناس \" (١٩).\n\nوقال يونس بن عبيد ﵀: \" ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها \" (٢٣).\n\nوقال سفيان الثوري ﵀: \" إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب؛ فابعث إليهما السلام وادع","vol":"1","page":8},{"text":"لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة \" (٥٠).\n\nوقال أيوب السختياني ﵀: \" إني أُخْبَر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي \" (٢٩).\n\nوقال ﵀: \" إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون \" (٣٥).\n\nوسُئل أبو بكر بن عياش ﵀ مَن السُّنِّي؟ فقال: \" الذي إذا ذُكرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها \" (٥٣).\n\nوقال شاذ بن يحيى ﵀: \" ليس طريق أقصَد إلى الجنة مِن طريق مَن سلك الآثار \" (١١٢).\n\nوقال الفضيل بن عياض ﵀: \" من أتاه رجل فشاوره فدلَّه على مبتدع؛ فقد غش الإسلام \" (٢٦١).\nوقال الأوزاعي ﵀: \" ليس صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله ﷺ بخلاف بدعته إلا أبغض الحديث \" (٧٣٢).\n\nوقال أبو العباس الأصم ﵀: \" طاف خارجيان بالبيت فقال أحدهما لصاحبه: لا يدخل الجنة من هذا الخلق غيري وغيرك! فقال صاحبه: جنة عرضها كعرض السماء والأرض بنيت لي ولك؟! فقال: نعم! فقال: هي لك! وترك رأيه \" (٢٣١٧).","vol":"1","page":9},{"text":"هذا؛ وقد جعلت الكتاب في أربعة مباحث:\n\nالمبحث الأول: قواعد لا بد من معرفتها.\nالمبحث الثاني: التفصيل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله.\nالمبحث الثالث: فصول متممة.\nالمبحث الرابع: الجواب عن أهم أدلة المخالفين.\n\nفاللهم إني أسألك الهدى والسداد","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول</span>\nقواعد لا بد من معرفتها .. وهي ست قواعد\n\nالقاعدة الأولى\nالحكم بما أنزل الله فرض عين على كل مسلم .. وتتضمن ستة أصول\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الأصل الأول: وجوب الحكم بشرع الله تعالى</span>، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٩].\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الأصل الثاني: وجوب التحاكم إلى شرع الله تعالى مع الرضا والتسليم لشريعته</span>، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى","vol":"1","page":11},{"text":"يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الأصل الثالث: الوعيد لمن لم يحكم بشرع الله تعالى</span>، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧].\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الأصل الرابع: الحذر من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ﷺ</span>، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣].\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الأصل الخامس: حكم الله ﵎ أحسن الأحكام</span>، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>الأصل السادس: ما جاء من أحكام شرعية من عند الله فهو روح ونور</span>، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢].","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>القاعد الثانية\nوقوع المرء في شيء من المكفرات لا يلزم منه كفره</span>\nوذلك أن تكفير المعيَّن مشروط بإقامة الحجة.\n\nقال ابن تيمية ﵀: \" وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط؛ حتى تقام عليه الحجة وتُبيَّن له المحجة. ومن ثبت إسلامه بيقين لم يَزُل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة \" (الفتاوى ١٢/ ٤٦٦).\n* أقول: وإقامة الحجة؛ تعني التأكد من توفر شروط تكفير المعيَّن في ذلك المرء؛ كالعلم المنافي للجهل، والقصد المنافي للخطإ، والاختيار المنافي للإكراه، وعدم التأويل السائغ المنافي لوجود التأويل السائغ.\n\n* وعليه: فما قرره أهل العلم مِن الكفر الأكبر؛ فلا يلزم منه كفر كل من وقع فيه، إذ لا بد من إقامة الحجة قبل الحكم بالكفر.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>القاعدة الثالثة\nكفر الحاكم لا يلزم منه جواز الخروج عليه</span>\nوذلك أن لجواز الخروج على الحاكم خمسة شروط:\n١. وقوعه في الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان.\n٢. إقامة الحجة عليه.\n٣. القدرة على إزالته.\n٤. القدرة على تنصيب مسلم مكانه.\n٥. ألاّ يترتب على هذا الخروج مفسدة على المسلمين أعظم من مفسدة بقائه.\n\nقال ابن تيمية ﵀: \" فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين. وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال","vol":"1","page":14},{"text":"أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون \" (الصارم المسلول ٢/ ٤١٣).\nوقال ابن باز ﵀: \" إلا إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا. أو كان الخروج يسبب شرًا أكثر: فليس لهم الخروج؛ رعاية للمصالح العامة. والقاعدة الشرعية المجْمَع عليها أنه (لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه)؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه. أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين. فإذا كانت هذه الطائفة - التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفرًا بواحًا - عندها قدرة تزيله بها وتضع إمامًا صالحًا طيبًا من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشر أعظم من شر هذا السلطان: فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس واغتيال من لا يستحقّ الاغتيال إلى غير هذا من الفساد العظيم فهذا لا يجوز \" (الفتاوى ٨/ ٢٠٣).","vol":"1","page":15},{"text":"وقال ابن عثيمين ﵀ عن الخروج على الحاكم الكافر: \" إن كنا قادرين على إزالته فحينئذ نخرج، وإذا كنا غير قادرين فلا نخرج؛ لأن جميع الواجبات الشرعية مشروطة بالقدرة والاستطاعة. ثم إذا خرجنا فقد يترتب على خروجنا مفسدة أكبر وأعظم مما لو بقي هذا الرجل على ما هو عليه. لأننا [لو] خرجنا ثم ظهرت العزة له؛ صرنا أذلة أكثر وتمادى في طغيانه وكفره أكثر \" (الباب المفتوح ٣/ ١٢٦، لقاء ٥١، سؤال ١٢٢٢).\n\n* وعليه: فما قرره أهل العلم مِن الكفر الأكبر، ووقع فيه الحاكم؛ فإنه لا يلزم منه جواز الخروج عليه ولو أقيمت عليه الحجة، بل لا بد من النظر في الشروط الأخرى المبيحة للخروج.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>القاعدة الرابعة\nالأصل في الأعمال المخالفة للشرع؛ عدم التكفير والتكفير طارئ على هذا الأصل ناقل عنه</span>\nوهذا يعني أن جميع الأعمال المخالفة للشرع غير مكفرة، إلا ما دل الدليل على التكفير به. وتتفرع من هذه القاعدة مسألتان:\n\n١. مَن أراد نقل عمل من الأعمال المنهي عنها من أصله (= عدم الكفر) إلى خلاف أصله (= الكفر) فيلزمه الدليل، فإن لم يأت بدليل فلا عبرة بما قال.\n\n٢. مَن أراد التحذير من التكفير بعمل من الأعمال المنهي عنها، فيكفيه الاستدلال بالأصل، وعدم وجود الدليل الذي ينقل من ذلك الأصل.\n\nقال ابن عبد البر ﵀: \" ومِن جهة النظر الصحيح الذي لا مَدْفع له: أن كل مَن ثبت له عقد الإسلام في وقتٍ بإجماع","vol":"1","page":17},{"text":"من المسلمين، ثم أذنب ذنبًا أو تأول تأويلًا، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام؛ لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر، أو سنة ثابتة لا معارض لها \" (التمهيد ١٦/ ٣١٥).\n\n* أقول: واعتبر في هذه القاعدة بما قرره أهل العلم في نواقض الوضوء على سبيل المثال؛ فلا يجرؤ أحد منهم على نقضِ وضوء صحيح إلا بدليل، ولو قال أحد في شيء من نواقض الوضوء برأيه من دون دليل؛ فإنهم لا يقبلون قوله.\n\nقال ابن المنذر ﵀: \" إذا تطهر الرجل فهو على طهارته، إلا أن تدل حجة على نقضِ طهارته \" (الأوسط ١/ ٢٣٠).\n\nوقال ﵀: \" وليس مع من أوجب الوضوء من ذلك حجة من حيث ذكرنا، بل قد أجمع أهل العلم على أن من تطهر: طاهر، وقد اختلفوا في نقض طهارته بعد حدوث الرعاف والحجامة ... فقالت طائفة: انتقضت طهارته، وقال آخرون: لم تنقض. قال: فغير جائزٍ أن تُنقض طهارة مجْمَع عليها إلا بإجماع مثله، أو خبر عن رسول الله ﷺ لا معارِض له \" (الأوسط ١/ ١٧٤).","vol":"1","page":18},{"text":"* ثم أقول: فإنْ توقف علماء الإسلام عن قبول القول بنقض عبادة الوضوء إلا إن جاء قائله بدليل، فإن نقضَ الإسلام أولى بهذا التوقف؛ وذلك أن إبطالَ إسلام المرء أبلغ من إبطال وضوئه. فاحفظ هذا فإنه مهم.\n\n* وعليه: فإن الأصل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله أنها غير مكفرة؛ فمن كفر بأي صورة من صور المسألة لزمه الدليل، فإن لم يأت بالدليل فلا عبرة بما قال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>القاعدة الخامسة\nمسألة الحكم بغير ما أنزل الله لا تختص بأحد دون أحد</span>\nفلا تختص بالقاضي ولا الأمير ولا الحاكم الأعلى؛ بل تشمل كل من حكم بين اثنين.\n\nقال ابن تيمية ﵀: \" وكل من حكم بين اثنين فهو قاضٍ، سواء كان صاحب حرب، أو متولي ديوان، أو منتصبًا للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى الذي","vol":"1","page":19},{"text":"يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام \" (الفتاوى ١٨/ ١٧٠).\n\n* وعليه: فالحكم في حق الأمير وغير الأمير على السواء، ومن كفر في أي صورة من صور هذه المسألة؛ لزمه أن يكفر كل من وقع في تلك الصورة؛ أميرًا كان أو غير أمير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>القاعدة السادسة\nالإجمال سبب في كثير من الإشكالات</span>\nقال ابن تيمية ﵀: \" وأما الألفاظ المجملة؛ فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال؛ يوقع في الجهل والضلال والفتن والخبال والقيل والقال \" (منهاج السنة ٢/ ٢١٧).\nوقال ابن القيم ﵀: \" إن هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم - التي هي في الحقيقة جهليات -، إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة محتملة، تحتمل معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى، والإجمال في اللفظ؛ يوجب تناولها بحق وباطل، فبما فيها من الحق: يقبل","vol":"1","page":20},{"text":"من لم يحط بها علمًا ما فيها من الباطل، لأجل الاشتباه والالتباس. ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء، وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع كلها ... فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ولا سيما إذا صادفت أذهانًا مخبطة \" (الصواعق المرسلة ٣/ ٩٢٥).\n\nوقال عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏: \" فإن الإجمال والإطلاق وعدم العلم بمعرفة موانع الخطاب وتفاصيله؛ يحصل به شيء من اللبس والخطإ وعدم الفقه عن الله، ما يُفسد الأديان ويشتت الأذهان ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن \" (عيون الرسائل ١/ ١٦٦).\n\n* وعليه: فالواجب التفصيل في أي مسألة فصّلتها الأدلة الشرعية، ولا يصح إطلاق الأحكام على الأفعال دون اعتبار التفصيل الذي اقتضاه الدليل.\n\nوانطلاقًا من هذه القاعدة؛ إليك:","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثاني\nالتفصيل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله</span>\nوهي تسع حالات؛ ست من الكفر الأكبر بلا خلاف\nتليها ثلاث نازع فيها بعض المتأخرين والحق أنها من الكفر الأصغر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الحالة الأولى: الاستحلال</span>\nصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن الحكم بغير ما أنزل الله أمر جائز غير محرم.\n\nحكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.\n\nودليل ذلك أمران:\n\nالأمر الأول: اتفاق أهل السنة على كفر من استحل شيئًا من المحرمات،","vol":"1","page":23},{"text":"قال ابن تيمية ﵀: \" من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق \" (الصارم المسلول ٣/ ٩٧١).\nالأمر الثاني: اتفاق أهل السنة على كفر من استحل الحكم بغير ما أنزل الله،\nقال ابن تيمية ﵀: \" والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه: كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله تعالى - على أحد القولين - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾\n[المائدة ٤٤]، أي: هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله \" (الفتاوى ٣/ ٢٦٧).\n\nوتتعلق بهذه الحالة ستُّ مسائل\n\nالمسألة الأولى:\nيكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله.","vol":"1","page":24},{"text":"المسألة الثانية:\nالاستحلال أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته هي: اعتقاد حل الشيء.\n\nقال ابن تيمية ﵀: \" والاستحلال: اعتقاد أنها حلال له \" (الصارم المسلول ٣/ ٩٧١).\n\nوقال ابن القيم ﵀: \" فإن المستحل للشيء هو: الذي يفعله معتقدًا حله \" (إغاثة اللهفان ١/ ٣٨٢).\n\nوقال ابن عثيمين ﵀: \" الاستحلال هو: أن يعتقد الإنسان حل ما حرمه الله ... وأما الاستحلال الفعلي فيُنظر: لو أن الإنسان تعامل بالربا، لا يعتقد أنه حلال لكنه يصر عليه؛ فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يستحله \" (الباب المفتوح ٣/ ٩٧، لقاء ٥٠، سؤال ١١٩٨).\n\n* أقول: وما كان أمرًا قلبيًا فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (وانظر المسألة الثالثة والرابعة).","vol":"1","page":25},{"text":"المسألة الثالثة:\nلا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بالاستحلال، ودليل ذلك في قصة الرجل الذي قتل نفرًا من المسلمين، ولمّا تمكن منه أسامة بن زيد ﵄ نطق بالشهادة، فقتله أسامةُ ظنًا منه أنه إنما قالها تخلصًا من السيف، فأنكر عليه النبيُّ ﷺ وقال: \" أقتلته بعدما قال: (لا إله إلا الله)؟! \" (البخاري ٤٢٦٩، ٦٨٧٢). قال أسامةُ: فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ (البخاري ٤٢٦٩، ٦٨٧٢، مسلم ٢٧٣). وفي لفظ: \" أفلا شققت عن قلبه لتعلم أقالها أم لا؟! \" (مسلم ٢٧٣). وفي رواية: \" فكيف تصنع بـ (لا إله إلا الله) إذا جاءت يوم القيامة؟! \" (مسلم ٢٧٥).\n\n* أقول: فلو كان الأخذ بالقرائن معتبرًا في الحكم على ما في القلوب لكان اجتهاد أسامة بن زيد ﵄ أولى بهذا الاعتبار؛ فقد اجتمع في ذلك الرجل من القرائنِ التي تقوي","vol":"1","page":26},{"text":"القول بعدم صدق إسلامه ما لا يكاد أن يجتمع في غيره، ومع هذا فقد ألغى النبيُّ ﷺ اجتهادَ ذلك الصحابي الجليل ولم يقبل منه أخذه بالقرائن للحكم على ما في القلوب، فاجتهادُ غير الصحابي أولى بالإلغاء.\n\nقال الخطابي ﵀: \" وفي قوله (هلّا شققت عن قلبه) دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر، وأن السرائر موكولة إلى الله سبحانه \" (معالم السنن ٢/ ٢٣٤).\n\nوقال ابن تيمية ﵀: \" وكذلك الإيمان؛ له مبدأ وكمال، وظاهر وباطن؛ فإذا علقت به الأحكامُ الدنيوية؛ من الحقوق والحدود - كحقن الدم والمال والمواريث والعقوبات الدنيوية -: علقت بظاهره، ولا يمكن غير ذلك؛ إذ تعليق ذلك بالباطن متعذر، وإن قُدر أحيانًا؛ فهو متعسر علمًا وقدرةً، فلا يُعلم ذلك علمًا يثبت به في الظاهر، ولا يمكن عقوبة من لم يُعلم ذلك منه في الباطن \" (الفتاوى ٧/ ٤٢٢).\nوقال ابن باز ﵀ عمن لا يحكم شرع الله: \" لو ادعى أنه لا يستحله فنأخذ بظاهر كلامه ولا نحكم بكفره \" (علقته من مجلس سماحته، شرح الباب الثالث من كتاب الإيمان من \" صحيح البخاري \"، بتأريخ ٢٧/ ٧/١٤١٧ هـ، بقراءة الشيخ عبد العزيز السدحان وفقه الله).","vol":"1","page":27},{"text":"المسألة الرابعة:\nالاستحلال لا يُعرف من الفعل ولا المداومة ولا الإصرار، وبرهان ذلك من أربعة أوجه:\n\nالوجه الأول: لم يقل به أحد من أهل العلم المتقدمين، ولو كان حقًا لسبقونا إليه.\n\nالوجه الثاني: يلزم منه تعارض دليلين من الإجماع:\n١. الإجماع على عدم كفر أهل الذنوب، قال ابن عبد البر ﵀: \" اتفق أهل السنة والجماعة - وهم أهل الفقه والأثر - على أن أحدًا لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام \" (التمهيد ١٦/ ٣١٥)، وهذا الإجماع مطلق لا قيد فيه، فيعم المذنب المداوِم والمصر.\n٢. الإجماع على كفر من استحل الذنب، قال ابن تيمية ﵀: \" من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق \" (الصارم المسلول ٣/ ٩٧١).","vol":"1","page":28},{"text":"* أقول: فإطلاقهم الإجماع على عدم كفر أهل الذنوب مع إجماعهم على كفر من استحل محرمًا؛ دليل على عدم اعتبار المداومة والإصرار استحلالًا، فاحفظ هذا فإنه مهم.\n\nالوجه الثالث: يلزم منه تكفير أهل الذنوب، وذلك ما أجمع أهل السنة على خلافه، فمن قارف الذنب دهره، وداوم عليه، وأصر عليه - بفعله -: فهو كافر عند من قرر ذلك؛ لأنه يراه مستحلًا ما حرم الله، وليس بكافر بإجماع أهل السنة.\n\nالوجه الرابع: أن حقيقة الاستحلال هي اعتقاد الحل كما تقدم (ص ١١)، ولا يمكن أن يصار إلى معرفة الاعتقاد - معرفة يقينية - إلا بإفصاح صاحب ذلك الاعتقاد عما في نفسه، ولذلك فإننا نجد من العصاة اعترافًا بالذنب وتأثرًا بالنصيحة وربما يعزم أحدهم على التوبة كثيرًا، والاستحلال لا يتصور مع الإقرار بالذنب.\n\nالمسألة الخامسة:\nاستدل بعض من قال أن الاستحلال يُعرف بالفعل؛ بما صح في الرجل الذي تزوج امرأةَ أبيه فأمر النبي ﷺ بقتله (الترمذي ١٣٦٢، النسائي ٣٣٣١، ابن ماجة ٢٦٠٧).","vol":"1","page":29},{"text":"وفي بعض ألفاظ الحديث أنه: أخذ ماله (أبو داود ٤٤٧٥، النسائي ٣٣٣٢). وجاءت زيادة أنه: خمَّس ماله (عزاها ابن حجر في \" الإصابة \" لـ \" النسائي وابن ماجة وابن أبي خيثمة وابن السكن والباوردي وغيرهم \"، وعزاها ابن القيم في \" زاد المعاد \" لـ \" ابن أبي خيثمة في تاريخه \". ولم أجد هذه الزيادة في \" مجتبى \" النسائي ولا في \" سنن \" ابن ماجة رحم الله الجميع).\n\nوالحديث بزيادة التخميس هذه؛ قال عنه ابن القيم ﵀: \" قال يحيى بن معين: هذا حديث صحيح \" (زاد المعاد ٥/ ١٥)، وقال عنه ابن حجر ﵀: \" إسناده حسن \" (الإصابة ١/ ٣١٤، عند ترجمة أبي قرة إياس بن هلال المزني ﵁).\n\n* أقول: وتخميس المال يدل على أنه اعتبره فيئًا، والفيء هو: \" كل مال أُخذ من الكفار بغير قتال \" (قاله ابن كثير ﵀ في تفسيره ٤/ ٣٩٦، الحشر: ٧). وهذا يدل على أنه قُتل مرتدًا (أفاده الطحاوي ﵀ في \" شرح معاني الآثار \" ٣/ ١٥٠).\n\n* ثم أقول: وهذا الاستدلال لا يستقيم؛ لأن الحديث محمول على أن النبي ﷺ علم أن ذلك الرجل يستحل ذلك","vol":"1","page":30},{"text":"الذنب في قرارة قلبه، وبرهانه من أربعة أوجه:\n\nالوجه الأول: أن أهل الجاهلية كانوا يستحلون نكاحَ امرأة الأب، ويرونها من الإرث، فالرجل فعل ما كان أهل الجاهلية يفعلون؛ فأقدم عليه معتقدًا حله.\nقال السندي ﵀: \" (نكح امرأة أبيه): على قواعد أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، يعدون ذلك من باب الإرث، ولذلك ذكر الله تعالى النهيَ عن ذلك بخصوصه بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ﴾ [النساء ٢٢] ... فالرجل سلك مسلكهم في عد ذلك حلالًا؛ فصار مرتدًا، فقُتل لذلك. وهذا تأويل الحديث عند من لا يقول بظاهره \" (شرحه لسنن النسائي تحت الحديث رقم ٣٣٣٢).\n\nالوجه الثاني: أن العلماء ﵏ حملوا الحديث على أن ذلك الرجل عُلم منه الاستحلال.\n\nقال أحمد ﵀: \" نرى والله أعلم أن ذلك منه على الاستحلال \" (مسائل ابنه عبد الله ٣/ ١٠٨٥/١٤٩٨).\n\nوقال الطحاوي ﵀: \" ذلك المتزوج فعل ما فعل من ذلك على الاستحلال كما كانوا يفعلون في الجاهلية؛ فصار","vol":"1","page":31},{"text":"بذلك مرتدًا، فأمر رسول الله ﷺ أن يفعل به ما يفعل بالمرتد \" (شرح معاني الآثار ٣/ ١٤٩).\n\nوقال الشوكاني ﵀: \" لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل ... عالم بالتحريم، وفعَله مستحلًا؛ وذلك من موجبات الكفر \" (نيل الأوطار ٧/ ١٣١).\n\nالوجه الثالث: عدم تكفير أهل العلم من زنا بامرأة أبيه، ولو تكرر منه ذلك الذنب!\n\n* أقول: ولو كان كفر من تزوج امرأة أبيه لمجرد وقوعه عليها من دون استحلال قلبي؛ لكفروا من زنا بامرأة أبيه. فاحفظ هذا فإنه مهم.\nالوجه الرابع - على سبيل التنزل -: أن هذا النص فيه اشتباه، ويجب حمله على النصوص المحكمة الأخرى التي دلت على عدم اعتبار القرائن في الكشف عما في القلب؛ كحديث أسامة ﵁ المتقدم (ص ١٢)، وإجماع أهل السنة على عدم كفر العصاة وإن عظمت ذنوبهم مع أنهم مجمعون على كفر من استحل محرمًا (ص ١١). وحملُ المتشابه على المحكم؛ هو سبيل أهل السنة، خلافًا لأهل البدع،","vol":"1","page":32},{"text":"قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ٧].\n\nالمسألة السادسة:\nقد يصف أهل العلم بعض العصاة بالاستحلال وذلك بالنظر المجرد لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجودًا - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>الحالة الثانية: الجحود</span>\nصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله جاحدًا حكم الله.\n\nحكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.\n\nدليل ذلك أمران:","vol":"1","page":33},{"text":"الأمر الأول: اتفاق أهل السنة على كفر من جحد شيئًا من دين الله، قال ابن باز ﵀: \" وهكذا الحكم في حق من جحد شيئًا مما أوجبه الله ... فإنه كافر مرتد عن الإسلام ... بإجماع أهل العلم \" (الفتاوى ٧/ ٧٨).\n\nالأمر الثاني: اتفاق أهل السنة على كفر من جحد وجوب الحكم بما أنزل الله،\nقال محمد بن إبراهيم ﵀ في هذه الحالة: \" وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل\nالعلم ... فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة \" (تحكيم القوانين ص ١٤).\n\nوتتعلق بهذه الحالة أربع مسائل\n\nالمسألة الأولى:\nيكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام يجحد حكم الله تعالى.","vol":"1","page":34},{"text":"المسألة الثانية:\nالجحود أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته: أن ينكر الشيءَ بظاهرِه مع الإقرار به في باطنه، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]، فدلت الآية على أن الجاحد قد يعتقد في قلبه خلاف ما جحده بظاهرِه.\n\nقال الراغب الأصفهاني ﵀: \" الجحود: نفيُ ما في القلب إثباته، وإثباتُ\nما في القلب نفيه \" (المفردات ص ٩٥، جحد).\n\nوقال الفيروزآبادي ﵀: \" جحده: ... أنكره مع علمه \" (القاموس المحيط ١/ ٣٨٩).\n\n* أقول: وما كان أمرًا قلبيًا فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١١ وما بعدها).\n\nالمسألة الثالثة:\nلا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بأنه جاحد (راجع ما قيل في الاستحلال\nص ١٢ وما بعدها).","vol":"1","page":35},{"text":"المسألة الرابعة:\nقد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بالجحود وذلك بالنظر المجرد لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجودًا - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الحالة الثالثة: التكذيب</span>\nصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله مكذبًا حكم الله.\n\nحكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.\n\nدليل ذلك: اتفاق أهل السنة على كفر من كذَّب اللهَ ورسولَه.\n\nقال ابن تيمية ﵀: \" ثم يقال لهم: إذا قلتم (هو التصديق بالقلب أو باللسان\nأو بهما)، فهل هو التصديق المجمل؟ أو لابد فيه من التفصيل؟ فلو صدّق أن محمدًا رسول الله، ولم يعرف صفات الحق؛ هل يكون مؤمنًا؟ أم لا؟ فإن جعلوه مؤمنًا؛ قيل: فإذا بلغه ذلك فكذّب به؛ لم يكن مؤمنًا","vol":"1","page":36},{"text":"باتفاق المسلمين \" (الفتاوى ٧/ ١٥٢).\n\nوقال ﵀: \" فكل مكذّب لما جاءت به الرسل فهو كافر \" (الفتاوى ٢/ ٧٩).\n\nوتتعلق بهذه الحالة خمس مسائل\n\nالمسألة الأولى:\nيكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام مكذبًا لحكم الله تعالى.\n\nالمسألة الثانية:\nقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣]، فنفى الله عنهم تكذيب النبي ﷺ، وأثبت الجحود في حقهم، مما دل على تغايرهما، ومن الفروق بينهما أن الجاحد يعتقد في قلبه خلاف ما جحد وقد تقدم\n(ص ١٦)، أما المكذب فلا يعتقد في قلبه إلا ما أظهره من التكذيب.","vol":"1","page":37},{"text":"المسألة الثالثة:\nالتكذيب أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته: أن يكذب الشيءَ بظاهره، ويعتقد كذبه\nفي باطنه.\n\nقال ابن القيم ﵀: \" فأما كفر التكذيب فهو اعتقاد كذب الرسل \" (مدارج السالكين ١/ ٣٤٦).\n\n* أقول: وما كان أمرًا قلبيًا فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١١ وما بعدها).\n\nالمسألة الرابعة:\nلا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بأنه مكذب (راجع ما قيل في الاستحلال\nص ١٢ وما بعدها).\n\nالمسألة الخامسة:\nقد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بالتكذيب وذلك بالنظر المجرد لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجودًا - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به","vol":"1","page":38},{"text":"التكفير، فلا يحتج به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الحالة الرابعة: التفضيل</span>\nصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن حكم غير الله أفضل من حكم الله.\n\nحكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.\n\nدليل ذلك أمران:\n\nالأمر الأول: أن معتقد هذا مكذب لقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، أي: لا أحد أحسن من الله حكمًا.\n\nالأمر الثاني: الإجماع، قال ابن باز ﵀: \" من حكم بغير ما أنزل الله يرى ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين \" (الفتاوى ٤/ ٤١٦).\n\nوتتعلق بهذه الحالة ثلاث مسائل","vol":"1","page":39},{"text":"المسألة الأولى:\nيكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام يعتقد أن حكم غير الله تعالى أفضل من حكم الله تعالى.\n\nالمسألة الثانية:\nالتفضيلِ أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته: أن يعتقد أفضلية أمر على آخر.\n\n* أقول: وما كان أمرًا قلبيًا فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١١ وما بعدها).\n\nالمسألة الثالثة:\nلا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بأنه مفضل (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١٢ وما بعدها).","vol":"1","page":40},{"text":"المسألة الرابعة:\nقد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بتفضيل أو تقديم طاعة الشيطان على طاعة الله وذلك بالنظر لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجودًا - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الحالة الخامسة: المساواة</span>\nصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا تساوي حكم غير الله مع حكم الله.\n\nحكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.\n\nدليل ذلك: أن معتقد هذا مكذب لقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، أي: لا أحد أحسن من الله حكمًا.\nقال ابن باز ﵀ معلقًا على الناقض الرابع من نواقض الإسلام: \" ويدخل في القسم الرابع: من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أنها","vol":"1","page":41},{"text":"مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها ... \" (الفتاوى ١/ ١٣٢).\n\nوتتعلق بهذه الحالة أربع مسائل\n\nالمسألة الأولى:\nيكفر في هذه الحالة ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، ما دام يعتقد مساواة حكم غير الله تعالى مع حكم الله تعالى.\n\nالمسألة الثانية:\nاعتقاد المساواة أمر قلبي؛ وذلك أن حقيقته: أن يعتقد التساوي بين أمرين.\n\n* أقول: وما كان أمرًا قلبيًا فإنه لا يُعرف إلا بالتصريح بما في النفس (راجع ما قيل في الاستحلال ص ١١ وما بعدها).\n\nالمسألة الثالثة:\nلا أثر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل بأنه يعتقد المساواة (راجع ما قيل\nفي الاستحلال ص ١٢ وما بعدها).","vol":"1","page":42},{"text":"المسألة الرابعة:\nقد يصف أهل العلم بعضَ العصاة بمساواة طاعة الشيطان بطاعة الله وذلك بالنظر لفعله ولو لم يقترن به اعتقاد قلبي، لكنهم لا يقولون بكفره، فهذا التعبير - وإن كان موجودًا - إلا أنه توسع في العبارة، ولا يراد به التكفير، فلا يحتج به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الحالة السادسة: التبديل</span>\nصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى ويزعم أن ما حكم به هو حكم الله.\n\nحكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.\n\nدليل ذلك: الإجماع، قال ابن تيمية ﵀: \" والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء \" (الفتاوى ٣/ ٢٦٧).\n\nوتتعلق بهذه الحالة ست مسائل","vol":"1","page":43},{"text":"المسألة الأولى:\nالكفر في هذه الحالة له تعلق بحالة الجحود؛ فإن نسبته حكمَه إلى حكم الله تعالى تتضمن جحده حكم الله تعالى الذي تركه.\n\nالمسألة الثانية:\nيكون الحاكم كافرًا في هذه الحالة ولو بدل في مسألة واحدة، أو مرة واحدة، فلا عبرة بالعدد؛ لأن الإجماع لم يُقيَّد بذلك، ولا يصح تقييد الدليل بلا دليل.\n\nالمسألة الثالثة:\nيخطئ من يظن أن التبديل لا يلزم فيه نسبة الحكم الجديد للدِّين، وبيان ذلك من أربعة أوجه:\n\nالوجه الأول: قال ابن العربي - ونقله الشنقيطي عن القرطبي مُقرًّا له -: \" إنْ حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر \" (أحكام القرآن ٢/ ٦٢٥)، (أضواء البيان ١/ ٤٠٧).","vol":"1","page":44},{"text":"الوجه الثاني: قال ابن تيمية ﵀: \" الشرعُ المبدَّل: وهو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البيِّن، فمن قال: (إن هذا من شرع الله) فقد كفر بلا نزاع \" (الفتاوى ٣/ ٢٦٨).\n\n* أقول: فقد فسر المبدل بأنه الحكم المزعوم بأنه من عند الله، وسماه كذبًا على الله ورسوله، ونص على قول الزاعم: (هذا من شرع الله).\n\nالوجه الثالث: لو كان التغيير المجرد هو التبديل للَزِم من هذا تعارض إجماعين:\n١. الإجماع على كفر المبدل، وهو إجماع مطلق لا قيد فيه، قال ابن تيمية ﵀: \" والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء \" (الفتاوى ٣/ ٢٦٧).\n٢. الإجماع على عدم كفر من جار في الحكم، قال ابن عبد البر ﵀: \" وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالمًا به \" (التمهيد ١٦/ ٣٥٨).","vol":"1","page":45},{"text":"* أقول: فوجب القطع بأن صورة التبديل ليست استبدالًا مجردًا، لإطلاقهم الإجماع على التكفير بالتبديل، مع إجماعهم على عدم التكفير بالجور الذي هو استبدال مجرد من نسبة الحكم الجديد للدين. فاحفظ هذا فإنه مهم.\nالوجه الرابع وله تعلق بما قبله: لو لم يكن التبديل غير الاستبدال، للزِم من هذا تكفير أصحاب الذنوب، كحالق اللحية ومسبل الإزار خيلاء؛ لأن كل واحد منهم قد قام بالاستبدال؛ حيث أبدل حكم الله بحكم هواه.\n\nقال ابن حزم ﵀: \" فإن الله ﷿ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]؛ فلْيُلزَم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله \" (الفصل ٣/ ٢٧٨).","vol":"1","page":46},{"text":"المسألة الرابعة:\nاعترض بعضُ الفضلاء على تقرير صورة التبديل على النحو الذي تقدم بأنه لا وجود للتبديل بهذه الصورة، وهذا الاعتراض مردودٌ لأمرين:\n\n١. أما القول بعدم وجوده الآن فقد يكون له حظ من الصواب، وأما القول بعدم وجوده مطلقًا فلا يستقيم؛ وذلك أنه وقع من اليهود تحميم الزاني (= تسويْد وجهه بالفحم) مع ترك إقامة الحد عليه، فقد سألهم النبي ﷺ: \" ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ \" قالوا: نفضحهم، ويجلدون (البخاري ٣٦٣٥)، وفي لفظ: \" لا تجدون في التوراة الرجم؟ \" قالوا: لا نجد فيها شيئًا (البخاري ٤٥٥٦)، ولما قرأ قارؤهم من التوراة وضع يده على آية الرجم، وقرأ ما قبلها وما بعدها (البخاري ٤٥٥٦)، فقد جحدوا حكم الله تعالى، وأتوا بحكم آخر مكانه، وزعموا أن ما جاؤوا به هو حكم الله تعالى.","vol":"1","page":47},{"text":"٢. ليست الغاية أن تنزل صورة التبديل على الحكام المعاصرين ولو بتغيير صورة المسألة! بل المراد ضبط الصورة التي قصدها أهل العلم المتقدمون وحكوا الإجماع على التكفير بها ولو كانت قليلة الوقوع أو نادرة أو حتى معدومة.\n\nالمسألة الخامسة:\nاستشهد بعضُ من يخالف في تقرير صورة التبديل بقول البخاري ﵀: \" فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله ﷺ في الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين \" (\" صحيحه \" قبل الحديث رقم ٧٣٦٩).\n\nوالحق أن هذا الاستشهاد لا يستقيم؛ لأن البخاري أراد قومًا وقعوا في التبديل بالمعنى الذي قررته؛ حيث زعموا أن ترك الزكاة من الدين، واستدلوا على أن الزكاة لا تُؤدَّى إلا للرسول ﷺ بقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة ١٠٣].\n\nوبرهان ذلك فيما قال ابن حجر ﵀: \" قال القاضي عياض وغيره: كان أهل الردة ثلاثة أصناف ... وصنف ثالث","vol":"1","page":48},{"text":"استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي ﷺ، وهم الذين ناظر عمرُ أبا بكر في قتالهم كما وقع في حديث الباب \" (فتح الباري ١٢/ ٢٨٨، قبل الحديث رقم ٦٩٢٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الحالة السابعة: الاستبدال</span>\nصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله مجردًا عما تقدم.\n\nبمعنى أنه يُبْدِل حكم الله تعالى بحكم غيره، ولا يكون مستحلًا، ولا جاحدًا،\nولا مكذبًا، ولا مفضلًا، ولا مساويًا، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.\n\nحكمها: الكفر الأصغر (= لا تخرج من ملة الإسلام).\n\nدليل ذلك أمران:\n١. إجماعهم على عدم تكفير الجائر، قال ابن عبد البر ﵀: \" وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالمًا به \" (التمهيد ١٦/ ٣٥٨)، والجائر هو المستبدل، فلا فرق بينهما؛ حيث إنه","vol":"1","page":49},{"text":"ما أصبح جائرًا إلا بعدما استبدل حكمَ الله بحكم غيره.\n\n٢. عدم وجود دليل يوجب الكفر الأكبر، بحيث نرد به الإجماع المتقدم ونخرج به هذا المسلم من إسلامه الذي دخله بيقين.\n\nوتتعلق بهذه الحالة ست مسائل\n\nالمسألة الأولى:\nهناك فرق بين التبديل والاستبدال، وقد تقدم (ص ٢٠ وما بعدها)، ويمكن إجمال الفرق في وجهين:\n\nالأول وهو في صورة المسألة: أن المبدل يزعم أن ما جاء به هو حكم الله تعالى، أما المستبدل فلا يزعم ذلك.\n\nوالثاني وهو في حكم المسألة: أن المبدل كافر بإجماع أهل العلم، أما المستبدل فلا دليل على تكفيره.\n\nالمسألة الثانية:\nمن كفر بالاستبدال لزمه التكفير بمجرد ترك الحكم بما أنزل الله، لأنه لا يتصور\nأن يكون المرء حاكمًا وتاركًا","vol":"1","page":50},{"text":"لحكم الله ﷿، ثم يجلس بين قومه دون أن يحكم بشيء! فأصبح حكم الاستبدال كحكم الترك - تمامًا - بلا فرق.\n\n* أقول: والتكفير بالترك المجرد لم يقل به أحد من أهل السنة، بل يتعارض مع أثر عبد الله بن شقيق ﵀: \" كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة \" (الترمذي ٢٦٢٢، الحاكم ١/ ٧/١٢، المروزي في \" تعظيم قدر الصلاة \" ٩٤٨، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، كما صححه الألباني في صحيح الترغيب ٥٦٤).\n\nفإن قيل: أليس التكفير بالترك هو ظاهر قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]؟\nفالجواب: بلى، هو ظاهر الآية، ولكن أهل السنة والجماعة أجمعوا على عدم الأخذ بهذا الظاهر، بل نسبوا أخذ الآية على ظاهرها إلى الخوارج والمعتزلة.\n\nقال الآجري ﵀: \" ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ","vol":"1","page":51},{"text":"الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ويقرؤون معها: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام ١]، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر! ومن كفر فقد عدل بربه! فهؤلاء الأئمة مشركون! فيخرجون فيفعلون ما رأيتَ، لأنهم يتأولون هذه الآية \" (الشريعة ٤٤).\n\nوقال ابن عبد البر ﵀: \" وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين، واحتجوا من كتاب الله بآياتٍ ليست على ظاهرها مثل قوله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] \" (التمهيد ١٦/ ٣١٢).\n\nوقال القرطبي ﵀: \" ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]: يحتج بظاهره من يكفر بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حُجَّة لهم فيه \" (المفهم ٥/ ١١٧).\n\nوقال أبو حيان الأندلسي ﵀: \" واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا: هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كافر، وكل من","vol":"1","page":52},{"text":"أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله؛ فوجب أن يكون كافرًا \" (البحر المحيط ٣/ ٤٩٣).\nوقال محمد رشيد رضا ﵀: \" أما ظاهر الآية لم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحد (^١) \" (تفسير المنار ٦/ ٣٣٦).\n\nالمسألة الثالثة:\nمن كفر بالاستبدال لزمه التكفير بكل صورة من صور الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا ما أجمع أهل السنة على خلافه، وبرهان ذلك من جهتين:\n\n١. أنهم اتفقوا على أن من صور الحكم بغير ما أنزل الله ما لا يكون كفرًا أكبر، قال ابن عبد البر ﵀: \" وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالمًا به \" (التمهيد\n_________\n(^١) قوله: (لم يقل به أحد) محمول على أحد وجهين؛ فإما أنه ينقل قول أهل السنة ولم يتعرض لرأي الخوارج، أو أن الصغائر والكبائر تدخلان في عموم الآية، والخوارج لا يكفرون إلا بالكبائر.","vol":"1","page":53},{"text":"١٦/ ٣٥٨).\n\n٢. أن كل من حكم بغير ما أنزل الله لا بد أن يكون مستبدلًا حكم الله بحكم غيره، ولا يتخلف عنه وصف الاستبدال بحال.\n\nالمسألة الرابعة:\nمن كفر بالاستبدال لزمه تكفير من أجمع أهل السنة على عدم كفرهم؛ وهم أصحاب الذنوب؛ لأن العاصي قد استبدل حكم الله بحكم غيره (= الهوى والشيطان).\n\nقال ابن حزم ﵀: \" فإن الله ﷿ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]؛ فلْيُلزَم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله \" (الفصل ٣/ ٢٧٨).","vol":"1","page":54},{"text":"المسألة الخامسة:\nيرى بعض الفضلاء أن الحاكم المستبدل يكون كافرًا الكفر الأكبر إذا استبدل كل الشريعة، وهذا مردود؛ لأن الأدلة الشرعية لم تقل بوجود فرق بين استبدال حكم واحد أو أكثر من حكم، ولا يجوز أن يعلق الكفر بشيء لا دليل عليه .. صحيح أن من استبدل الشريعة كلها فقد يكون أكثر جرمًا من الذي استبدل أقل من ذلك، ولكن محل البحث هو الكفر الذي لا دليل عليه، لا في تحقيق الأشد جرمًا.\n\nولذلك فإنه يقال: إنْ كان مستبدل الشريعة كلها كافرًا، فما حكم من استبدل\nربعها؟ .. نصفها؟ .. ثلثيها؟ .. وهكذا ..، إلى أن نصير إلى السؤال الذي يكشف عدم وجود الدليل، وهو: ما حكم من استبدل الشريعة كلها إلا حكمًا واحدًا؟ .. فإن كفره فقد خالف ما قرره من أن مناط (= سبب = علة) التكفير هو: استبدال الكل! وإن لم يكفره فقد أتى بما لا يتوافق مع العقل الصحيح!","vol":"1","page":55},{"text":"* أقول: فإذا تبيَّن أن الاستبدال الكلي لا يمكن ضبطه؛ فاعلم أنه لا يمكن التكفير به عند من يراه كفرًا أكبر! وذلك أن بلدان المسلمين - التي لا تحكم بالشريعة - لا تخلو من الحكم بدين الله تعالى ولو في جزء يسيرٍ، قل أو كثر، فانتفت علة التكفير التي قال بها وهي (ترك الكل).\n\nالمسألة السادسة:\nاستدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بعقيدة التلازم بين الظاهر والباطن التي قررها أهل السنة، وهذا الاستدلال لا يستقيم لأمرين:\n\n١. لأنه استدلال بما لا دلالة فيه على المراد.\n٢. ولأنه استدلال بمحل النزاع.\n\nوبيان ذلك أن يقال: إن اعتقاد أهل السنة في هذه المسألة يقتضي أن يكون عند المرء من الصلاح أو الفساد في الظاهر بقدر ما عنده من الصلاح أو الفساد في الباطن.\nقال ابن تيمية ﵀: \" ثم القلب هو الأصل؛ فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، ولا يمكن أن","vol":"1","page":56},{"text":"يتخلف عما يريده القلب، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب) ... فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الأعمال علمًا وعملًا قلبيًا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد \" (الفتاوى ٧/ ١٨٧).\n\nوتطبيقًا لهذا الأصل فإنه يقال: لا شك أن من استبدل الشريعة كلها فإن لديه من الفساد في الباطن قدر كبير يساوي ذلك القدر الذي في ظهر منه وهو: استبدال شريعة الله كلها.\n\nلكن محل البحث هو أن يُنظر لهذا الفساد الذي في الظاهر - والذي نتج عن فساد مثله في الباطن - هل بلغ بصاحبه حد الكفر الأكبر ليحكم عليه بالكفر الأكبر؟ أم لا؟ ..\nإن الجواب على هذا السؤال يدعو للنظر في الأدلة الشرعية","vol":"1","page":57},{"text":"الأخرى التي حكمت على هذا الظاهر، ولا علاقة له من قريب ولا من بعيد بقاعدة التلازم بين الظاهر والباطن.\n\nثم إن المخالف قد يقول: ذلك القدر الذي في الظاهر حكمه الكفر الأكبر.\n\nفيقال له: فما الدليل على أن ذلك القدر أوصل صاحبه للكفر الأكبر؟ .. فإن استدل بعقيدة التلازم؛ فقد استدل بمحل النزاع، وبما لا دلالة فيه على المقصود، فلزمه أن يستدل بدليل آخر، وهذا هو المراد.\nويزداد شرح عقيدة التلازم بهذا التطبيق: لو نظرنا إلى لص قاطع طريق لوجدنا أنه لم يقدم على تلك المعصية إلا لخلل في إيمانه، ويزداد ذلك الخلل اتساعًا بقدر ما ازداد من هذا الذنب، ولكن للحكم على ذلك الخلل بالإخراج عن ملة الإسلام أو عدمه فنحن محتاجون للنظر في الأدلة الشرعية التي حكمت على ذلك الذنب الذي ظهر لنا (= قطع الطريق)، فنظرنا فوجدنا أن الأدلة تحكم عليه بنقص الإيمان لا بزواله فلم نكفره.\n\nثم يزداد الأمر وضوحًا بهذا التطبيق الآخر: لا يختلف أهل","vol":"1","page":58},{"text":"السنة في عدم تكفير الزاني ولو زنا ألف مرة! .. فأنت ترى أن ازدياده في الذنب (= الزنا) قد حكم بزيادة فساده في الباطن، ولكن إيصال هذا الفساد لحد الكفر المخرج من الملة لا تعلق له بعقيدة التلازم، بل يؤخذ من الأدلة الشرعية الأخرى التي بينت حكم هذا الظاهر.\n\nوأختم هذا المبحث بما علق به الألباني ﵀ على قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]: \" من آمن بشريعة الله ﵎، وأنها صالحة لكل زمان ولكل مكان، ولكنه لا يحكم - فعلًا - بها؛ إما كلًا وإما بعضًا أو جزءًا، فله نصيب من هذه الآية! له نصيب من هذه الآية، لكن هذا النصيب لا يصل به إلى أن يخرج من دائرة الإسلام \" (سلسلة الهدى والنور، الشريط ٢١٨، الدقيقة ٢٩).","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الحالة الثامنة: التقنين</span>\nصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله بحكم هوَ أتى به من عنده.\n\nبمعنى أنه هو الذي اخترع ذلك الحكم أو القانون، ولا يكون مستحلًا، ولا جاحدًا، ولا مكذبًا، ولا مفضلًا، ولا مساويًا، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.\n\nحكمها: الكفر الأصغر (= لا تخرج من ملة الإسلام).\nدليل ذلك: عدم وجود دليل يوجب تكفيره، فالشريعة لم تعلق الكفر الأكبر على مصدر الحكم، كما أن الأدلة لم تفرق بين من حكم بحكم غيره ومن حكم بحكم نفسه.\n\n* أقول: ولو كان هذا التفريق حقًا لما أغفلته الشريعة، ولورد في الأدلة الشرعية ما يعضده.\n\nوتتعلق بهذه الحالة أربع مسائل","vol":"1","page":60},{"text":"المسألة الأولى:\nأن الحاكم المخترِع للأحكام المخالفة للشريعة قد يكون أشد جرمًا من الحاكم الذي لم يفعل ذلك، ولكن محل البحث هو الكفر الذي لا دليل عليه، لا في تحقيق الأشد أو الأخف جرمًا.\n\nالمسألة الثانية:\nاستدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بأن اختراعه لذلك القانون يُعد منازعة لله تعالى في شيء من خصائصه وهو: التشريع.\n\n* أقول: والحق أن يُفصَّل في حاله، وذلك لأن المقنِّن لا يخلو من حالتين:\n\nالحالة الأولى: أن يقوم بالعمل ويدعي لنفسه حق التشريع بالتصريح لا بمجرد الفعل؛ فهذا كافر الكفر الأكبر بلا شك؛ لأنه مستحل لأمر حرمه الله تعالى.\n\nالحالة الثانية: أن يقوم بالعمل ولا يدعي لنفسه ذلك؛ فهذا لا يكفر لثلاثة أمور:","vol":"1","page":61},{"text":"١. لا دليل على كفره.\n\n٢. عدم تكفير أهل السنة لصديق السوء الذي يقنن للذنب ويزينه ويدعو له .. فهو كافر عند من قرر هذا، مع أنه لا يكفر باتفاق أهل السنة.\n\n٣. عدم تكفير أهل السنة للمصورين الذين لا يستحلون التصوير المحرم، فقد قال الله عنهم في الحديث القدسي: \" من أظلم ممَّن ذهب يخلق كخلقي؟ \" (البخاري ٥٩٥٣، مسلم ٥٥٠٩). وقال عنهم الرسول ﷺ: \" أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله \" (البخاري ٥٩٥٤، مسلم ٥٤٩٤). ولا فرق بينهما؛ إذ المصور جعل نفسه خالقًا مع الله، والمشرع جعل نفسه مشرعًا مع الله، فمن كفر المشرع مع الله فليكفر الخالق! سواء بسواء .. فالمصور كافر عند من قرر هذا، مع أنه لا يكفر باتفاق أهل السنة.\n* أقول: واتفاق أهل السنة على عدم كفر صديق السوء والمصور دليل قاطع على ما قررته آنفًا. فاحفظه فإنه مهم.","vol":"1","page":62},{"text":"المسألة الثالثة:\nاستدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بأن المقنن أصبح طاغوتًا يتحاكم إليه من دون الله، وهذا الاستدلال غير صحيح وبيان خطإه من وجهين:\n\nالوجه الأول: أنه مبني على مقدمة غير صحيحة، وهي القول بأن الطاغوت لا يكون إلا كافرًا! وبرهان خطإ هذه المقدمة من ثلاث جهات:\n\n١. أن الطاغوت يطلق على: (كل رأس في الضلالة)، وذلك أنه مشتق من الطغيان الذي هو: مجاوزة الحد.\n\nقال القرطبي ﵀: \" أي: اتركوا كل معبود دون الله؛ كالشيطان، والكاهن، والصنم، وكل من دعا إلى الضلال \" (تفسيره ٥/ ٧٥، تحت قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦]).\n\nوقال الفيروز آبادي ﵀: \" والطاغوت: ... وكل رأس ضلال، والأصنام، وما عبد من دون الله، ومردة أهل الكتاب \" (القاموس المحيط ٤/ ٤٠٠، طغا).","vol":"1","page":63},{"text":"* أقول: فالطغيان - إذًا - قد يكون مكفرًا وقد لا يصل لحد الكفر، ولذلك قال ابن باز ﵀: \" فحدّك أن تكون عبدًا مطيعًا لله، فإذا جاوزتَ ذلك فقد تعدّيتَ وكنتَ طاغوتًا بهذا الشيء الذي فعلته .. فقد يكون كافرًا وقد يكون دون ذلك \" (شرح ثلاثة الأصول، الشريط ٢، الوجه ب، إصدار تسجيلات \" البردين \" بالرياض).\n\n٢. أن مِن أهل العلم مَن وصف أحدًا بأنه طاغوت بمجرد أن يُتَجَاوَز به الحد، بدون النظر للموصوف نفسه:\n\n(أ). لأنهم عرّفوا الطاغوت بأنه: \" كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع \" قاله ابن القيم ﵀ (أعلام الموقعين ١/ ٥٠).\nوعلق عليه ابن عثيمين ﵀ بقوله: \" ومراده: من كان راضيًا. أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابده وتابعه ومطيعه؛ لأنه تجاوز به حدّه حيث نزّله فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادته لهذا المعبود واتباعه لمتبوعه وطاعته لمطاعه: طغيانًا؛ لمجاوزته الحد بذلك \" (القول المفيد ١/ ٣٠).","vol":"1","page":64},{"text":"* أقول: فلا يلزم من الوصف بالطاغوتية أن يكون الموصوفُ كافرًا؛ لاحتمال أن يكون طاغوتًا باعتبار من اتخذوه لا بالنظر له هو.\n\n(ب). كما أنهم وصفوا الجمادات المعبودة من دون الله بأنها طواغيت، ومن المعلوم بداهة أن الجمادات لا توصف بالإسلام الذي هو نقيضُ الكفر.\n\nقال ابن الجوزي ﵀: \" وقال ابن قتيبة: كل معبود؛ من حجر أو صورة أو شيطان: فهو جبت وطاغوت. وكذلك حكى الزجاج عن أهل اللغة \" (نزهة الأعين النواظر ص ٤١٠، باب الطاغوت).\n\nوقال ابن تيمية ﵀: \" وهو اسم جنس يدخل فيه: الشيطان والوثن والكهان والدرهم والدينار وغير ذلك \" (الفتاوى ١٦/ ٥٦٥).\n\n* أقول: فلو كان كل طاغوت كافرًا لما ساغ وصف الجمادات به.\n\n٣. إطلاق أهل العلم وصف الطاغوت على أهل الذنوب غير المكفرة.","vol":"1","page":65},{"text":"قال الراغب الأصفهاني ﵀: \" الطاغوت عبارة عن: كل متعدٍّ وكل معبود من دون الله ... ولما تقدم: سُمّي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير: طاغوتًا \" (المفردات ص ١٠٨، طغى).\n\nوقال محمد بن عبد الوهاب ﵀: \" والطواغيت كثيرة، والمتبين لنا منهم خمسة: أولهم الشيطان وحاكم الجور وآكل الرشوة ومن عُبد فرضي والعامل بغير علم \" (الدرر السنية ١/ ١٣٧).\n\nوقال ابن عثيمين ﵀: \" وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر أو يدعون إلى البدع أو إلى تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله: طواغيت \" (شرح ثلاثة الأصول ص ١٥١).\n* أقول: فلو كان كل طاغوت كافرًا لما جاز لهم هذا الإطلاق، أو للزم منه\nأن يكونوا مكفرين بالذنوب.\n\nالوجه الثاني: يلزم منه تكفير من اتفق أهل السنة على عدم تكفيره، وهو من قنن للذنب؛ إذ لا فرق - في التقنين - بين من قنن الذنب وبين من قنن الحكم بغير ما أنزل الله، إذ الكل","vol":"1","page":66},{"text":"واقع في تقنين أمرٍ محرم.\n\nمثاله: عصابة نذرت نفسها لقطع الطريق وجعلت عليها رئيسًا ورسمت لنفسها\nنظامًا، فكان هذا الرئيس هو الذي يدعوهم وينظم لهم الاعتداء وقطع السبيل وإخافة المسلمين فيمتثلون، وهو الذي يأمرهم فيأتمرون وينهاهم فينتهون؛ فهذا الرجل أصبح مقننًا للذنب، مع أنه ليس بكافر.\n\n* أقول: ولو كان الأصل الذي بُني عليه التكفير بالتقنين صحيحًا لوجب تكفير مثل هذا، مع أنه من أصحاب الذنوب الذين اتفق أهل السنة على عدم تكفيرهم.\n\nالمسألة الرابعة:\nمع أن هذه الحالة من أشد الحالات نزاعًا بين طلاب العلم، إلا أن علماء العصر\nالثلاثة: ابن باز والألباني وابن عثيمين ﵏ اتفقوا على عدم التكفير بها.\n\nقال ابن باز ﵀: \" فإذا سن قانونًا يتضمن أنه لا حد على الزاني، أو لا حد على السارق ...: فهذا قانون باطل، وإذا استحله الوالي كفر \" (الفتاوى ٧/ ١٢٤).","vol":"1","page":67},{"text":"وانظر كلام الألباني ﵀ بعدم تكفير من شرع القانون إلا إن استحله، في \" سلسلة الهدى والنور \" (الشريط ٨٤٩، الدقيقة ٧٢).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \" الحكم بغير ما أنزل الله ليس بكفر مخرج عن الملة، لكنه كفر عملي [= أصغر]؛ لأن الحاكم بذلك خرج عن الطريق الصحيح. ولا يفرّق في ذلك بين الرجل الذي يأخذ قانونًا وضعيًا من قبَل غيره ويحكمه في دولته وبين من ينشيء قانونًا ويضع هذا القانون الوضعي؛ إذ المهم هو هل هذا القانون يخالف القانون السماوي؟ أم لا؟ (^١) \" (فتنة التكفير ص ٢٥، حاشية ١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الحالة التاسعة: التشريع العام</span>\nصورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله ويجعل هذا الحكم عامًا على كل من تحته.\n_________\n(^١) مراده ﵀: أن العبرة بمخالفة أو موافقة القانون للحكم الشرعي، وأنه لا يُنظر لمصدر ذلكم القانون؛ هل هو من وَضْع ذلك الحاكم؟ أم أنه أخذه عن غيره؟","vol":"1","page":68},{"text":"بمعنى أنه يستبدل حكم الله بحكم غيره، ويلزم كل من تحت سلطانه بهذا الحكم،\nولا يكون مستحلًا، ولا جاحدًا، ولا مكذبًا، ولا مفضلًا، ولا مساويًا، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.\n\nحكمها: الكفر الأصغر.\n\nدليل ذلك: عدم وجود دليلٍ يوجب تكفيره، فالشريعة لم تعلق الكفر الأكبر على تعميم الحكم أو على الإلزام به، كما أن الأدلة لم تفرق بين الحاكم الذي يعمم أو الذي لا يعمم، ولا بين الحاكم الذي يلزم من تحته أو الذي لا يلزم.\n\n* أقول: ولو كان هذا التفريق حقًا لما أغفلته الشريعة، ولورد في الأدلة الشرعية ما يعضده.\n\nوتتعلق بهذه الحالة ستُّ مسائل\n\nالمسألة الأولى:\nصحيح أن من حكم حكمًا عامًا أو ألزم من تحته قد يُعد أكثر جرمًا من الذي لم يحكم الحكم العام أو لم يلزم به، ولكن محل البحث هو: الكفر الذي لا دليل عليه، لا في تحقيق الأشد جرمًا.","vol":"1","page":69},{"text":"المسألة الثانية:\nاستدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة باللازم؛ فرأى أنه لم يستبدل حكم الله بحكم نفسه ثم يجعل ما جاء به حكمًا عامًا على من تحته إلا وهو يعتقد أنه أنفع وأصلح من حكم الله، وهذا الاستدلال مردود من أربعة أوجه:\n\nالوجه الأول: ما قرره أهل العلم من أن لازم المذهب لا يكون مذهبًا إلا إذا عرفه والتزمه. وأن المرء قد يعتقد خلاف ما يلزم من قوله، ولو كان التلازم قويًا بحيث يُنسب القائل للتناقض لو لم يلتزم ذلك اللازم.\n\nقال ابن تيمية ﵀: \" ولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهبًا، بل أكثر الناس يقولون أقوالًا ولا يلتزمون لوازمها؛ فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقدًا للتعطيل، بل يكون معتقدًا للإثبات ولكن لا يعرف ذلك اللزوم \" (الفتاوى ١٦/ ٤٦١).\n\nوقال ﵀: \" فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له؛ فهو قوله، وما لا يرضاه؛ فليس قوله، وإن كان","vol":"1","page":70},{"text":"متناقضًا ... فأما إذا نفى - هوَ - اللزوم لم يَجُز أن يضاف إليه اللازم بحال \" (الفتاوى ٢٩/ ٤٢).\n\nوقال ﵀: \" وأما قول السائل: هل لازم المذهب مذهب؟ أم ليس بمذهب؟ فالصواب: أن [لازم] مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبًا عليه \" (الفتاوى ٢٠/ ٢١٧).\n\nالوجه الثاني: أن هذا اللازم قد يتخلف؛ إذ قد يوجد من يفعل ذلك وهو يعتقد\nأن الشريعة أنفع من حكمه، وتقدم تمثيل ابن تيمية ﵀ بالأقوال الموهمة للتعطيل وأنه لا يلزم منها أن يكون قائلوها من أهل التعطيل.\n\n* أقول: وتخلف اللازم برهان على عدم انضباطه؛ فلا يصح التمسك به، لا سيما في مسائل التكفير التي لا يعتبر فيها إلا اليقين.\n\nالوجه الثالث: أن أهل السنة لا يكفرون إلا بأمر لا احتمال فيه، وذلك أن الحدود تُدرأ بالشبهات، والتكفير أولى أن يدرأ.\nقال ابن تيمية ﵀: \" من ثبت إسلامه بيقين لم يَزُل ذلك","vol":"1","page":71},{"text":"عنه بالشك \" (الفتاوى ١٢/ ٤٦٦).\n\nوقال محمد بن عبد الوهاب ﵀: \" ولا نكفر إلا [بـ] ما أجمع عليه العلماء كلهم \" (الدرر السنية ١/ ١٠٢).\n\nالوجه الرابع: يلزم منه تكفير من اتفق أهل السنة على عدم تكفيره، وهو المشرع للذنب - الذي دون الشرك -؛ فلو أن أبًا شرع الذنب في أهله، وألزمهم به، وخالف من ينكر عليه، ولم يستمع لمن يناصحه؛ فلا يكفر عند أهل السنة، بينما يكفر عند من التزَم القول بهذه المقالة.\n\nالمسألة الثالثة:\nاستدل بعضهم على التكفير بهذه الحالة بحديث تحميم اليهود (راجع ص ٢٢)، فأنزل الله تعالى فيهم (كما في صحيح مسلم ٤٤١٥): ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة ٤١]، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا","vol":"1","page":72},{"text":"أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾\n[المائدة ٤٧]، فيرى أنه لم يحكم بكفرهم إلا لكونهم جعلوا التحميم شرعًا عامًا، وهذا الاستدلال مردود؛ لأن اليهود - الذين يراد الاستدلال على كفرهم بالتشريع العام - قد كفروا بغير التشريع المزعوم، وبيان ذلك من وجهين:\n١. أنهم أنكروا حكم الله في الزاني المحصن، وهو ما صرحت به روايات الحديث، فلما سألهم النبي ﷺ: \" لا تجدون في التوراة الرجم؟ \" قالوا: \" لا نجد فيها شيئًا! \" (البخاري ٤٥٥٦)، ولمّا قرأ قارؤهم من التوراة وضع يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها! (البخاري ٤٥٥٦)، وهذا الإنكار هو الجحود الذي تقدم (ص ١٥) تقرير الاتفاق على أنه كفر أكبر.\n\n٢. أنهم بدلوا حكم الله في الزاني المحصن، فلما سألهم ﷺ: \" ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ \" قالوا: \" نفضحهم ويجلدون \" (البخاري ٣٦٣٥)، فقد غيروا حكم الله ثم نسبوا ما جاؤوا به من عند أنفسهم إلى دين الله، وهذا هو التبديل الذي تقدم (ص ٢٠) تقرير الاتفاق","vol":"1","page":73},{"text":"على أنه كفر أكبر، ولذلك قال ابن عبد البر ﵀: \" وفي هذا الحديث أيضًا: دليل على أنهم كانوا يكذبون على توراتهم، ويضيفون كذبهم ذلك إلى ربهم وكتابهم \" (التمهيد ١٤/ ٩).\n\n* وعليه: فلا يصح الاستدلال بهذه القصة على التكفير بحالة التشريع العام؛ لأن اليهود وقعوا في حالتين اتفق أهل السنة على كفر مَن تلبس بإحداهما - فضلًا عنهما معًا -، فإثباتُ أن كفرهم إنما جاء من التشريع العام يحتاج لدليل آخر.\n\n* أقول: وتعليق التكفير بأمر ظاهر - في الروايات - اتفق أهل العلم على التكفير به (= الجحود أو التبديل أو بهما مجتمعين) أولى من تعليقه بمحل النزاع (= التشريع العام) الذي لا دليل على التكفير به، ولا دليل على أن كفر اليهود علق به.","vol":"1","page":74},{"text":"المسألة الرابعة:\nكانت لابن عثيمين ﵀ فتوى بالتكفير بهذه الحالة إلا أنه رجع عنها، وبيان ذلك على النحو الآتي:\n\nالفتوى المتقدمة\nقال ﵀: \" ... ومِن هؤلاء: مَن يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية، لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه؛ إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه \" (الفتاوى ٢/ ١٤٣).\n\nوقال ﵀: \" لأن هذا المشرع تشريعًا يخالف الإسلام؛ إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد \" (الفتاوى ٢/ ١٤٣).\n\n* أقول: وفي هذه الفتوى ثلاثة أمور لا بد من التنبه لها:","vol":"1","page":75},{"text":"١. أنه استدل على كفر المشرع باللازم، وتقدم (ص ٣٣ وما بعدها) أن في هذا الاستدلال نظرًا.\n\n٢. أنه ﵀ أرجع التكفير في هذه الحالة للاعتقاد، وهو يتفق مع ما قررته في حكم هذه الحالة (ص ٣٢)، إلا أنه قد علق الكفر في هذه الحالة باللازِم الذي لا يلزم. فليتأمل هذا الذين يتمسكون بكلامه في هذه المسألة ومع ذلك يرون أن الإرجاع للاعتقاد في هذه الصورة إرجاء!\n\n٣. أنه لم يلتزم قوله هذا ولم يستعمل التكفير باللازم في غير هذه المسألة، ولو كان التكفير باللازم حقًا لقال به ولقال به غيرُه من العلماء في جميع مسائل التكفير.\n\nالفتوى المتأخرة\nقال ﵀: \" وإذا كان يعلم الشرع ولكنه حكم بهذا، أو شرع هذا، وجعله دستورًا يمشي الناس عليه؛ يعتقد أنه ظالم في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة: فإننا لا نستطيع أن نكفر هذا \"، انظر الفتوى كاملة (ص ٦٩)","vol":"1","page":76},{"text":"المسألة الخامسة:\nيرى البعض أن حالة التشريع العام لم تحدث إلا في الأزمان المتأخرة، ويبني على هذا أنه: لا يصح التمسك في عدم التكفير بأنه (لا يوجد دليل مكفر)، وأن (المتقدمين من أهل العلم لم يكفروا بهذه الحالة)، وفي هذا الرأي خطأ لأمرين:\n١. يلزم منه ألاّ يستدل على التكفير بهذه الحالة بشيء، وهذا ما لا يقول به؛ فقد استدل بقصة التحميم، وتقدم (ص ٣٤) الجواب عن هذا الاستدلال، وأن مناط (= سبب = علة) التكفير في هذه القصة ليست التشريع العام.\n\n٢. أن حالة التشريع العام قد وقعت قبل قرون، ولم يُفت أحد من أهل العلم بالتكفير بها، ومن أمثلة ذلك: الضرائب التي ابتليت بها كثير من بلاد المسلمين منذ عصور، ومن المعلوم أن واضعها يلزِم بها ويعاقب على تركها، مع أنها محرمة، بل من صور الحكم بغير ما أنزل الله، ولو كان هذا الفعل مكفرًا؛ لقال به أهل العلم، ولقرروا أن التشريع العام كفر، ولما سكتوا عن بيانه مع معاصرتهم له.","vol":"1","page":77},{"text":"المسألة السادسة:\nمع أن هذه الحالة من أشد الحالات نزاعًا بين طلاب العلم، إلا أن علماء العصر الثلاثة: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين ﵏ اتفقوا على عدم التكفير بها، (انظر ص ٣٩).","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثالث\nفصول مُتمِّمة </span>.. وهي ثمانية فصول\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الفصل الأول\nخلاصة الكلام في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله</span>\n* أن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يكفر كفرًا أكبر إلا إذا صرَّح بالاستحلال، أو الجحود أو التكذيب أو التفضيل أو المساواة أو نسب ما جاء به لدين الله (= التبديل) أو قنَّن للحكم بغير ما أنزل الله واعتقد لنفسه الأحقية في ذلك أو شرع للحكم بغير ما أنزل الله واعتقد لنفسه أحقية","vol":"1","page":79},{"text":"التشريع مع الله تعالى، وهذا مما لا خلاف فيه.\n\n* أن ما عدا ذلك فهو من الكفر الأصغر (= لا يخرج من الملة = من كبائر الذنوب).\n\n* أن من قال بغير هذا؛ فلم يأت على ما قال بدليل صحيح صريح.\n\nالفصل الثاني\nلم يقع الاختلاف فيما قررته في الحالات التسع إلا في أربعة مواضع\n\n١. ضبط صورة التبديل، والصواب أنه لا يكون مُبدِّلًا إلا إذا صرَّح بنسبة ما جاء به للدِّين (ص ٢٠ وما بعدها).\n٢. الحكم على بعض أفراد الحالة السابعة (الاستبدال)؛ فقد خالف البعض فقال بكفر من استبدل الشريعة كلها، والصواب أنه لا دليل على تكفيره (ص ٢٣).","vol":"1","page":80},{"text":"٣. الحكم على الحالة الثامنة (التقنين)؛ فقد خالف البعض وعدّها من الحالات المكفرة الكفر الأكبر، والصواب أنه لا دليل على التكفير بها (ص ٢٨).\n\n٤. الحكم على الحالة التاسعة (التشريع العام)؛ فقد خالف البعض وعدّها من الحالات المكفرة الكفر الأكبر، والصواب أنه لا دليل على التكفير بها (ص ٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الفصل الثالث\nموافقة ما قررته لأقوال علماء العصر الثلاثة</span>\nلم تختلف فتوى علماء العصر الثلاثة: عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ومحمد ناصر الدين الألباني، ومحمد بن صالح ابن عثيمين ﵏ عما قررته في هذا الكتاب.\n\n* فأما الألباني ﵀ فقد قرر أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفرًا\nإلا بالاستحلال (انظر فتواه في مجلة \" السلفية \"، عدد ٦، ص ٣٤ - ٤٢).\n\n* وقد علَّق ابنُ باز على فتوى الألباني رحمهما الله وأقرها بقوله: \" فألفيتها كلمة قيمة قد أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح وفقه الله أنه لا يجوز لأحد من","vol":"1","page":81},{"text":"الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه \" .. (الفتاوى ٩/ ١٢٤).\n\n* كما قُرئت فتوى الألباني وتعليق ابن باز على ابن عثيمين ﵏ فعلَّق عليها وأقرها إلا في حالة التشريع العام (انظر تعليقاته في كتاب \" فتنة التكفير \").\n\n* ثم إنه تراجع عن المخالفة في هذه الحالة، وتقدم نقل كلامه ﵀ (ص ٣٦).\n\n* أقول: فازدان هذا الكتاب، وشرف، وقوي؛ بموافقة ما مات عليه علماء هذا العصر ﵏ في هذه المسألة، فاللهم لك الحمد في الأولى والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الفصل الرابع\nموافقة ما قررته لقول اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز</span>\nالفتوى الأولى\nالسؤال: متى يجوز التكفير؟ ومتى لا يجوز؟ وما نوع التكفير المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ","vol":"1","page":82},{"text":"فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]؟\nالجواب: ... أما قولك: (متى يجوز التكفير؟ ومتى لا يجوز؟): فنرى أن تبيِّن لنا الأمور التي أشكلت عليك حتى نبين لك الحكم فيها. أما نوع التكفير في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]: فهو كفر أكبر؛ قال القرطبي في تفسيره: (قال ابن عباس ﵁ ومجاهد ﵀: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًا للقرآن وجحدًا لقول الرسول ﷺ فهو كافر) انتهى. وأما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أنه عاص لله لكن حمله على الحكم بغير ما أنزل الله ما يُدفع إليه من الرشوة أو غير هذا أو عداوته للمحكوم عليه أو قرابته أو صداقته للمحكوم له ونحو ذلك: فهذا لا يكون كفره أكبر؛ بل يكون عاصيًا، وقد وقع\nفي كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ١٤١)\nالرئيس ... نائب الرئيس ... عضو ... عضو\nعبد العزيز ابن باز ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله ابن غديان ... عبد الله ابن قعود","vol":"1","page":83},{"text":"الفتوى الثانية\nالسؤال: من لم يحكم بما أنزل الله هل هو مسلم؟ أم كافر كفرًا أكبر؟ و[هل] تقبل منه أعماله؟\nالجواب: ... قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]. لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزًا: فهو كفر أكبر وظلم أكبر وفسق أكبر يخرج من الملة، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك: فإنه آثم يعتبر كافرًا كفرًا أصغر وظالمًا ظلمًا أصغر وفاسقًا فسقًا أصغر لا يخرجه من الملة؛ كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٧٨٠)\nالرئيس ... نائب الرئيس ... عضو\nعبد العزيز ابن باز ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله ابن غديان","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفصل الخامس\nموافقة ما قررته لقول عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن\nوإقرار سليمان بن سحمان وأن عمل أهل العلم عليه ونقله عن عامة السلف</span>\nقال عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏: \" وما ذكرتَه عن الأعراب من الفرق بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومَن لم يستحل؛ فهو الذي عليه العمل، وإليه المرجع عند أهل العلم \" (عيون الرسائل ٢/ ٦٠٥).\n\nوقال سليمان بن سحمان ﵀: \" يعني: أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله ورأى أن حكم الطاغوت أحسن من حكم الله ... فمن اعتقد هذا فهو كافر، وأما من لم يستحل هذا ويرى أن حكم الطاغوت باطل وأن حكم الله ورسوله هو الحق فهذا لا يكفر ولا يخرج من الإسلام \" (عيون الرسائل ٢/ ٦٠٣).","vol":"1","page":85},{"text":"وقد نسبه ابن تيمية ﵀ لـ: \" ابن عباس، وأصحابه \" (الفتاوى ٧/ ٣٥٠)، و\" أحمد ابن حنبل \" (^١) (الفتاوى ٧/ ٣١٢)، و\" غيره من أئمة السنة \" (الفتاوى ٧/ ٣١٢)، و\" غير واحد من السلف \" (الفتاوى ٧/ ٥٢٢)، بل \" عامة السلف \" (الفتاوى ٧/ ٣٥٠) .. كما وصفه ابن القيم ﵀ بأنه قول: \" ابن عباس، وعامة الصحابة \" (مدارج السالكين ١/ ٣٤٥) .. كما اعتبره ابن باز ﵀ قولًا لـ: \" ابن عباس \"، و\" مجاهد \"، و\" جماعة من السلف \" (الفتاوى ٦/ ٢٥٠) .. وانظر (ص ٤٤).\n_________\n(^١) سُئل ﵀ عن الكفر في الآية فقال: \" كفر لا ينقل عن الملة \" (فتاوى ابن تيمية ٧/ ٢٥٤).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الفصل السادس\nموافقة ما قررته لأقوال أصحاب ابن عباس </span>(^١)\nثبت (^٢) عن اثنين من أصحابه تفسير الكفر في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] بأنه الكفر الأصغر، ولا يُعلم لهم مخالف لهم من عصرهم.\n\nقال طاووس ﵀: \" ليس بكفرٍ ينقل عن الملة \" أخرجه الطبري في \" تفسيره \" (٨/ ٤٦٥) والمروزي في \" تعظيم قدر الصلاة \" (٥٧٤).\n\nوقال عطاء ﵀: \" كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق \" أخرجه الطبري في \" تفسيره \" (٨/ ٤٦٤ -\n_________\n(^١) قال ابن تيمية ﵀: \" وأما التفسير: فان أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس؛ كمجاهد وعطاء بن أبى رباح وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس؛ كطاووس وأبى الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم \" (الفتاوى ١٣/ ٣٤٧).\n(^٢) راجع السلسلة الصحيحة للألباني ﵀ ٦/ ١١٤ تحت الحديث رقم (٢٥٥٢).","vol":"1","page":87},{"text":"٤٦٥) والمروزي في \" تعظيم قدر الصلاة \" (٥٧٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الفصل السابع\nموافقة ما قررته لقول ابن عباس</span>\nصحّ عنه ﵁ أنه فسّر الكفر الذي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] بأنه الكفر الأصغر الذي لا ينقل عن الملة (^١)،\nفأخرج\n_________\n(^١) قال ابن تيمية ﵀: \" إذا لم نجد التفسيرَ في القرآن ولا في السنة؛ رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك: لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح؛ لا سيما علماؤهم، وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، مثل: عبد الله بن مسعود ... ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ، وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: \" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل \"، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار أنبأنا وكيع أنبأنا سفيان عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله - يعنى ابن مسعود -: \" نعم ترجمان القرآن ابنُ عباس \"، ثم رواه عن يحيى بن داود عن إسحاق الأزرق عن سفيان عن الأعمش عن مسلم بن صبيح أبى الضحى عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: \" نعم الترجمان للقرآن ابنُ عباس \"، ثم رواه عن بندار عن جعفر ابن عون عن الأعمش به كذلك، فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة، وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح وعُمِّر بعده ابنُ عباس ستًا وثلاثين؛ فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟، وقال الأعمش عن أبى وائل: استخلف عليٌّ عبدَ الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة (وفى رواية: سورة النور) ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا \" (الفتاوى ١٣/ ٣٦٤) ..","vol":"1","page":88},{"text":"عبد الرزاق في \" تفسيره \" عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس ﵁ أنه قال: \" هي به كفر \"، قال ابن طاووس ﵀: \" وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله \" (١/ ١٨٦/٧١٣) .. وهذا إسناد صحيح لا مطعن فيه.\n\nوتتعلق بهذا الفصل ثلاث مسائل\n\nالمسألة الأولى:\nفسّر البعضُ قوله: \" هي به كفر \"؛ بالكفر الأكبر،","vol":"1","page":89},{"text":"وهذا خطأ لأربعة أمور:\n\n١. جاء عن النبي ﷺ مثل هذا، وقد أجمع أهل السنة على أنه كفر\nأصغر؛ وذلك في قوله: \" اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة على الميت \" (مسلم ٢٢٤)، فإجماعهم على أن الكفر في الذي الحديث هو الكفر الأصغر؛ دليل على أن الكفر الذي في أثر ابن عباس كذلك، فاحفظه فإنه مهم.\n\n٢. ثبوت تفسير الكفر الذي في الآية بالكفر الأصغر عن اثنين من أصحاب ابن عباس ﵁ (= طاووس وعطاء رحمهما الله)، وقد تقدم (ص ٤١)، ومذهب الصحابي يُعْرَف من مذهب أصحابه.\n\n٣. تفسير ابن طاووس ﵀ الكفر بأنه الأصغر، والراوي أعلم بمَرْويِّه من غيره.\n\n٤. لم يحك أحد من أهل العلم عن ابن عباس القول بالكفر الأكبر، بل فهموا منه أنه يريد الكفر الأصغر، فمخالفتهم شذوذ وتحريف وإتيان بفهم لا يعرفه أهل العلم.","vol":"1","page":90},{"text":"المسألة الثانية:\nزعم البعضُ أن قول ابن طاووس ﵀: \" وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله \" يحتمل الكفر الأكبر، ولكنه كفر أكبر دون الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا خطأ لثلاثة أمور:\n\n١. أن الكفر درجات، وهذا أمر معلوم بداهة، ومن اللغو أن يحمل قول ابن طاووس ﵀ على تقرير أمرٍ بدهي ليس محل خلاف.\n\n٢. أن الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ أشد درجات الكفر ولا يكاد يكون\nفي الوجود كفر أكبر إلا وهو دونه، فلو لم يكن مراده الكفر الأصغر لكان كلامه عبثًا؛ لأنه لا يقرر أمرًا ذا أهمية.\n\n٣. ثبوت تفسير الكفر الذي في الآية بالكفر الأصغر عن أبيه (= طاووس) وقد تقدم (ص ٤١)، فلا يبعد أن يكون تلقاه من أبيه ثم قال به.","vol":"1","page":91},{"text":"المسألة الثالثة:\nروي أثر ابن عباس ﵄ بلفظ: \" إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، كفر دون كفر \"، وقد تعاقب أهل العلم على تصحيح هذه الرواية، وتأكيد نسبتها، ومنهم من احتج بها، ومنهم من أخذها رأيًا له وقال بها.\n\nفصححها الحاكم، ووافقه الذهبي (\" المستدرك \" مع \" التلخيص \" ٢/ ٣١٣/٣٢١٩)، كما صححها الألباني رحم الله الجميع (السلسلة الصحيحة ٦/ ١١٣، تحت الحديث رقم ٢٥٥٢).\n\nوقال ابن تيمية ﵀: \" وإذا كان مِن قول السلف: (إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق)، فكذلك في قولهم: (إنه يكون فيه إيمان وكفر) ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قالوا: كفروا كفرًا لا ينقل عن الملة، وقد اتبعهم على ذلك: أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة \" (الفتاوى ٧/ ٣١٢).\n\nوقال ﵀: \" وقال ابن عباس وغير واحد من السلف","vol":"1","page":92},{"text":"في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٥] و﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٧]: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم، وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري \" (الفتاوى ٧/ ٥٢٢).\n\nوقال ﵀: \" وقد يكون مسلمًا وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام\nبالكلية، كما قال الصحابة - ابن عباس وغيره -: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف، وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ... كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قالوا: كفر لا ينقل عن الملَّة وكفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم \" (الفتاوى ٧/ ٣٥٠).\n\nوقال ابن القيم ﵀ عن الكفر الأصغر: \" وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. وكذلك قال طاووس. وقال عطاء: هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق \" (مدارج السالكين ١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":93},{"text":"وقال ابن باز ﵀: \" يكون كافرًا كفرًا أصغر وظالمًا ظلمًا أصغر وفاسقًا فسقًا أصغر، كما صح معنى ذلك عن ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف \" (الفتاوى ٦/ ٢٥٠).\n\nوقال ابن عثيمين ﵀: \" لكنْ لمّا كان هذا لا يرضي هؤلاء المفتونين بالتكفير صاروا يقولون: (هذا الأثر غير مقبول، ولا يصح عن ابن عباس)! فيقال لهم: كيف لا يصح وقد تلقّاه مَن هو أكبر منكم وأفضل وأعلم بالحديث؟ وتقولون: (لا نقبل)؟! فيكفينا أن جهابذة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما تلقّوه بالقبول ويتكلمون به وينقلونه. فالأثر صحيح \" (فتنة التكفير ص ٢٤، حاشية ١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الفصل الثامن\nاتِّهامات وإلزامات الخصوم لمن قال بمثل ما قال به علماء العصر في المسألة</span>\nيطلق البعض على من قال بمثل ما قرره علماء العصر الثلاثة ﵏ شيئًا من الاتهامات، ويحاول البعض","vol":"1","page":94},{"text":"إلزام القائل بذلك ببعض اللوازم القبيحة، والجواب عن هذه الاتهامات والإلزامات جوابان؛ مجمل، ومفصّل:\n\nفأما الجواب المجمل\nفأولًا: الإجابة عن الاتهامات .. وذلك من ثلاثة أوجه:\n\n١. أن الاتهام الباطل أمر لا يعجز عنه أحد، لكنه مفتقر للبرهان، كغيره من الدعاوى التي لا يعتد بها ما لم تقم على بينات صحيحة.\n\n٢. أنه لم يسلم منه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ولا أتباعهم، فقد نالهم الكثير من الأذى والتشويه والطعن، فلم ينقص من قدرهم ولم يقدح في دعوتهم.\n\n٣. أنه إن كان في سبيل الله تعالى فهو ممدحة ورفعة وليس مذمة وملامة.\n\nقال الشاطبي ﵀: \" فتردّد الأمر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس، فلا بد من حصول نحو","vol":"1","page":95},{"text":"مما حصل لمخالفي العوائد - لا سيما إذا ادّعى أهلُها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها -؛ إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل. وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح؛ فأدخل في ترجمة الضلّال عائذًا بالله من ذلك؛ إلا أني أوافق المعتاد وأُعَدّ من الموالفين لا من المخالفين. فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئًا \" (الاعتصام ص ٣٤).\n\nوثانيًا: الإجابة عن الإلزامات .. وذلك من ثلاثة أوجه:\n\n١. أن لازم القول لا يلزم أن يكون قولًا، بل قد يكون المُلْزَم به قائلًا بخلافه.\n٢. أن من نفى عن نفسه قولًا فنسبته إليه باللازم كذب، ولو كان لازم قوله يجعله قائلًا به.\n\n٣. أن نسبة القول بمجرد اللازم نسبة ظنية؛ فلا يُقطع بها، فكيف إذا قابل هذا الظنَّ تصريحٌ بخلافه؟!","vol":"1","page":96},{"text":"قال ابن تيمية ﵀: \" ولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهبًا، بل أكثر الناس يقولون أقوالًا ولا يلتزمون لوازمها؛ فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقدًا للتعطيل، بل يكون معتقدًا للإثبات ولكن لا يعرف ذلك اللزوم \" (الفتاوى ١٦/ ٤٦١).\nوقال ﵀: \" فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له؛ فهو قوله، وما لا يرضاه؛ فليس قوله، وإن كان متناقضًا ... فأما إذا نفى هو اللزومَ لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال \" (الفتاوى ٢٩/ ٤٢).\n\nوقال ﵀: \" وأما قول السائل: هل لازم المذهب مذهب؟ أم ليس بمذهب؟ فالصواب: أن [لازم] مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبًا عليه \" (الفتاوى ٢٠/ ٢١٧).\n\nفإن قيل: فكيف تقرر أن لازم القول ليس قولًا وأنت ترد على مخالفيك بالإلزامات؟\n\nفالجواب: أن قائل هذا قد خلط بين أمرين:\n\n١. نسبة لازم القول للمخالف قبل أن يعرفه ويلتزمه؛ وهذا ما لا أقول به.","vol":"1","page":97},{"text":"٢. الرد على المخالف ببيان لوازم قوله، وهذا أمر مطلوب.\n\nولذلك فإن ابن تيمية نفسه من أكثر الناس استعمالًا لِلَّوازم في رده على المخالف؛ ففي بيان فساد القول فوائد؛ منها: إظهار تناقض الخصم، وبيان عجزه، وتوهين قوله، ولعله ينتهي عن قوله إذا عرف لوازمه.\n\nوأما الجواب المفصّل\nفيكون بإيراد تلك الاتهامات والإلزامات والجواب عنها .. وهي أربعة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>أولًا: دعوى تجويز الحكم بغير ما أنزل الله</span>!\nيريدون من مخالفهم أن يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله في الحالات غير المكفرة، وإلا فإنهم يلزمونه ويتهمونه بتجويز الحكم بغير ما أنزل الله! وهذا افتراء وجوابه من ثلاثة أوجه:\n\nالوجه الأول: أن من جوز الحكم بغير ما أنزل الله فهو كافر باتفاق أهل السنة وإن لم يحكم بغير ما أنزل الله، فهل قائل هذا يكفر ابن باز والألباني وابن عثيمين رحمهم","vol":"1","page":98},{"text":"الله؟! (^١)\n\nالوجه الثاني: أن هؤلاء الثلاثة ﵏ صرحوا بأن من جوز (= استحل) ذلك فقد كفر. فلا وجه لإلزامهم بما صرحوا بخلافه.\nالوجه الثالث: أن قائل هذا قد خلط بين مسألتين:\n\n١. التكفير، وهو محل البحث، وفيه النزاع مع المخالف.\n٢. التأثيم، الذي لا خلاف فيه، وهو ما يتوهم الخصمُ أن النزاع فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثانيًا: دعوى إغلاق باب التكفير</span>!\nيريدون من مخالفهم أن يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله في الحالات غير المكفرة، وإلا فإنهم يلزمونه ويتهمونه بإغلاق باب التكفير وإنكار وجود الكفر! وهذا افتراء وجوابه من وجهين:\n\nالوجه الأول: أن الذين خالفوكم في هذه المسألة لهم\n_________\n(^١) فضلًا عن ابن عباس، وطاووس، وعطاء .. بل عامة السلف!","vol":"1","page":99},{"text":"فتاوى بالتكفير ببعض الأفعال والأقوال، بل ومنهم من له فتاوى بتكفير بعض المعيَّنين.\n\nالوجه الثاني: أن قائل هذا قد خلط بين مسألتين:\n\n١. تضييق باب التكفير وقصره على ما ورد في الأدلة.\n٢. إنكار وجود الكفر! وهذا ما لا يقول به أحد من أهل السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ثالثًا: دعوى تعطيل وإنكار الجهاد والتخذيل عنه</span>!\nيريدون من مخالفهم أن يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله في الحالات غير المكفرة ثم يرى الخروج عليه وجهاده، وإلا فإنهم يلزمونه ويتهمونه بتعطيل الجهاد وإنكاره والتخذيل عنه! وهذا افتراء وجوابه من وجهين:\n\nالوجه الأول: أن قائل هذا قد بناه على مقدمتين غير صحيحتين:\n\n١. ظنه أن كل من وقع في الكفر أصبح كافرًا، وهذا خطأ؛ فقد يقع المرء في الكفر لكنه لا يكفر؛ لوجود ما يمنع من تكفيره. وقد تقدم (ص ٧).","vol":"1","page":100},{"text":"٢. ظنه أن كفر الحاكم - وحده - يجيز الخروج عليه، وهذا خطأ. وقد تقدم (ص ٧).\n\nالوجه الثاني: أن قائل هذا قد خلط بين مسألتين:\n\n١. ضبط عبادة الجهاد بضوابطها الشرعية.\n٢. إنكار مشروعية عبادة الجهاد، وهذا ما لا يقول به أحد من أهل السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>رابعًا: دعوى الإرجاء</span>!\nيريدون من مخالفهم أن يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله في الحالات غير المكفرة، وإلا فإنهم يلزمونه بالإرجاء وينسبونه للمرجئة الضلّال أو أن شبهة الإرجاء قد دخلت عليه ويتهمونه بذلك! وهذا افتراء، وجوابه من ثلاثة أوجه:\n\nالوجه الأول: عدم معرفتهم بقَدْر أهل العلم الذين خالفوهم في هذه المسألة، وكأن قائل هذا لا يدري أن خصومه في هذه المسألة هم أكابر علماء أهل السنة في هذا","vol":"1","page":101},{"text":"العصر: كابن باز والألباني وابن عثيمين ﵏ .. فمن عرف لهؤلاء الثلاثة قدرهم فإنه لا يسعه إلا أن يحبهم ويدعو لهم ويترحم عليهم وينتفع بعلومهم.\n\nفأما أولهم فهو عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ وحسبك به من ناصر للإسلام والمسلمين وناشر لعقيدة أهل السنة والجماعة.\n\nوأما ثانيهم فهو محمد ناصر الدين الألباني ﵀ فكم نصر الله به من حق وذب به عن سنة الحبيب ﷺ ويكفيه أن اسمه قد اقترن بأئمة الإسلام رواة السنة فإذا ذكر الحديث وأهله ذكر الألباني.\n\nوأما ثالثهم فهو محمد بن صالح ابن عثيمين ﵀ العلامة الفقيه المحقق المدقق والذي نفع الله بعلمه وفقهه وبارك في علمه وعمره.\n\nوهؤلاء الثلاثة هم أئمة الفتوى في زمانهم ولقد اتفقت كلمة أهل السنة على قبولهم والاعتداد بهم وسلّم أهل الحق بإمامتهم في الدين، فرحمهم الله ورضي عنهم وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا.\n\nولا يزال العجب يتملكني ويأخذ مني كل مأخذ، لا أقول: ممن يرميهم بالإرجاء! بل أقول: ممن يحتاج أن يُعرَّف بفضلهم وقدرهم.\n\nووالذي نفسي بيده ما ظننت أن يأتي اليوم الذي يضطر فيه مثلي أن يُسطّر لإخوانه طلاب العلم من أهل السنة دفاعًا عن هؤلاء الأئمة الأعلام، فإلى الله المشتكى.\nالوجه الثاني: أن قائل هذا لم يعرف الفرق بين أهل السنة والمرجئة في باب التكفير، مع أن بينهما كما بين السماء والأرض، فاعتقاد أهل السنة لا يكون إلا حقًا، واعتقاد غيرهم من أهل البدع - كالمرجئة - قد يكون حقًا","vol":"1","page":102},{"text":"فيما وافقوا فيه أهلَ السنة، ولا يكون إلا باطلًا فيما خالفوا فيه أهل السنة.\n\nتنبيه: يخطئ من يظن أن موافقة بعض فرق الضلال لأهل السنة تعد عيبًا على أهل السنة، وذلك أن موافقة بعض أهل البدع لأهل السنة - في غير ما ابتدعوا - أمر ظاهر، بل لا تكاد توجد فرقة مبتدعة تخالف أهل السنة والجماعة في كل شيء.\n\nقال ابن تيمية ﵀ عن الرافضة: \" ليس كل ما أنكره بعضُ الناس عليهم يكون باطلًا؛ بل مِن أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعضُ أهل السنة ووافقهم بعضٌ، والصواب مع مَن وافقهم، لكنْ ليس لهم مسألة انفردوا بها أصابوا فيها \" (منهاج السنة ١/ ٤٤).\n\n* أقول: وحقيقة هذا الفرق تتمثل في أن المرجئة تشترط الاعتقاد - كالاستحلال مثلًا - في جميع الأعمال التي تكفِّر بها، بينما يشترط أهل السنة الاستحلال في بعض الأعمال التي يكفِّرون بها، ولا يشترطونه في بعض.\n\nفإن قيل: فما ضابط العمل الذي يشترط الاعتقاد في التكفير به؟","vol":"1","page":103},{"text":"فالجواب: الضابط في ذلك الدليل، فإن دل الدليل على أن هذا الأمر مكفر الكفر الأكبر؛ كفّر به أهلُ السنة ولم يشترطوا الاعتقاد للتكفير به، وأما الأمر الذي لم يدل الدليل على أنه مكفر - وهو الذنب -؛ فإن أهل السنة لا يكفرون به إلا بشرط الاعتقاد كاستحلال أو جحود.\nمثال ذلك الزنا؛ فلم يأت ما يدل على التكفير به، فلذلك فإن قاعدة أهل السنة فيه\nأن الزاني لا يكفر إلا إن استحل الزنا.\n\nالوجه الثالث: أن قائل هذا لم يعرف آراء المرجئة ولا الأمور التي تنجي من الإرجاء، فقد نص أئمة الإسلام على بعض المسائل التي مَن قالها فقد فارق المرجئةَ وبرئ من الإرجاء، وهي خمس مسائل:\nالمسألة الأولى\nمن قال أن الإيمان قول واعتقاد وعمل؛ فقد فارق المرجئة\n\nقال البربهاري ﵀: \" ومن قال: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص)؛ فقد خرج من الإرجاء كله، أوله وآخره \" (شرح السنة ص ١٢٣، رقم ١٦١).","vol":"1","page":104},{"text":"وإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:\n\nقال ابن باز ﵀ تعليقًا على ما جاء في العقيدة الطحاوية (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان): \" هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ... وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة \" (الفتاوى ٢/ ٨٣).\n\nوقال الألباني ﵀ مُعلِّقًا على العبارة نفسها: \" هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافًا للسلف وجماهير الأمة \" (الطحاوية ١/ ٥١).\n\nوقال ابن عثيمين ﵀: \" الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو الإقرار بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح \" (الفتاوى ١/ ٤٩).\n\nالمسألة الثانية\nمن قال أن الإيمان يزيد وينقص؛ فقد فارق المرجئة\n\nسُئل أحمد بن حنبل ﵀ عمن قال: (الإيمان يزيد","vol":"1","page":105},{"text":"وينقص)؟ فقال: \" هذا برئَ من الإرجاء \" (\" السنة \" للخلال ٢/ ٥٨١/١٠٠٩، وانظر \" السنة \" لعبد الله ١/ ٣٠٧/٦٠٠).\n\nوقال البربهاري ﵀: \" ومن قال: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) فقد خرج من الإرجاء كله، أوله وآخره \" (شرح السنة ص ١٢٣، رقم ١٦١).\n\nوإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:\n\nقال ابن باز ﵀ تعليقًا على ما جاء في العقيدة الطحاوية (والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء): \" هذا فيه نظر، بل هو باطل، فليس أهل الإيمان فيه سواء؛ بل متفاوتون تفاوتًا عظيمًا ... وهو قول أهل السنة، خلافًا للمرجئة \" (الفتاوى ٢/ ٨٣).\nوقال الألباني ﵀: \" فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان لاتفقوا معهم في أن الإيمان يزيد وينقص ...، مع تظافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك \" (الطحاوية ١/ ٥١).\n\nوقال ابن عثيمين ﵀: \" وقد جاء ذلك في القرآن والسنة، أعني إثبات الزيادة والنقصان؛ قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا","vol":"1","page":106},{"text":"عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] \" (الفتاوى ١/ ٥٠).\n\nالمسألة الثالثة\nمن قال بجواز الاستثناء في الإيمان؛ فقد فارق المرجئة\n\nقال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: \" إذا ترك الاستثناء؛ فهو أصلُ الإرجاء \" (\" الشريعة \" للآجري ﵀ ٢/ ٦٦٤).\n\nوقال ابن تيمية ﵀: \" وأما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه والثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة ... وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة: فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم \" (الفتاوى ٧/ ٤٣٨).\n\nوقال ﵀: \" فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم\" (الفتاوى ٧/ ٤٢٩).\n\n* أقول: والاستثناء كأن يقول (أنا مؤمن إن شاء الله)، فأما أهل السنة فيجيزونه في حالات؛ منها: أن يقصد البعد عن تزكية النفس، أو عدم الجزم بقبول العمل ..، لكنهم لا يجيزونه","vol":"1","page":107},{"text":"إن قاله شاكًَّا في إيمانه. وأما المرجئة فلا تجيز الاستثناء مطلقًا.\n\nوإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:\nقال ابن باز ﵀: \" أما في العبادات فلا مانع أن يقول: (إن شاء الله صلّيتُ)، (إن شاء الله صمتُ) لأنه لا يدري هل كمّلها وقُبلت منه؟ أم لا؟ وكان المؤمنون يستثنون في إيمانهم وفي صومهم لأنهم لا يدرون هل أكملوا؟ أم لا؟، فيقول الواحد منهم: (صمتُ إن شاء الله) ويقول: (أنا مؤمن إن شاء الله) \" (الفتاوى ٥/ ٤٠٣).\n\nوقال الألباني ﵀ مُستنكرًا على الحنفية: \" وبناءً على ذلك كله اشتطّوا في تعصبهم، فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر ... \" (الطحاوية ١/ ٥٢).\n\nوقال ابن عثيمين ﵀ عن الاستثناء: \" قول الإنسان: (أنا مؤمن إن شاء الله)؛ إن كان قصده بذلك التبرك، أو أنه: (إيماني وقع بمشيئة الله)؛ فهذا حق ولا إشكال فيه، جائز \" (الباب المفتوح، لقاء ٢٠٨، الوجه أ، الدقيقة ١٧، إصدار تسجيلات \" الاستقامة \").","vol":"1","page":108},{"text":"المسألة الرابعة\nمن قال بأن الكفر يكون بالقول، أو بالعمل؛ فقد فارق المرجئة\nوذلك أنهم لا يعدون الأعمال من الإيمان، فالعمل - عندهم - لا يؤثر على الإيمان قوةً ولا ضعفًا، وعليه: فلا طريق للكفر - عندهم - إلا بالاعتقاد.\n\nقال ابن تيمية ﵀ عمن يشترط الاستحلال في تكفير من سب النبيَّ ﷺ: \" رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السب والشتم ... فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم، وهم الذين يقولون الإيمان هو الاعتقاد والقول \" (الصارم المسلول ٣/ ٩٦٤).\n\nوإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:\nقال ابن باز ﵀ تعليقًا على ما جاء في العقيدة الطحاوية (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه): \" هذا الحصر فيه نظر ... وقد يخرج من الإسلام بغير الجحود لأسباب كثيرة بيّنها أهل العلم في باب (حكم المرتد)، من ذلك طعنه في الإسلام أو في النبي ﷺ \" (الفتاوى ٢/ ٨٣).","vol":"1","page":109},{"text":"وقال الألباني - مُلخِّصًا مُقرًّا كلامَ ابن القيم - رحمهما الله: \" لقد أفاد ﵀ أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود واعتقاد، وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمانَ وإلى ما لا يضاده؛ فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان \" (السلسلة الصحيحة ٧/ ١٣٤، تحت الحديث رقم ٣٠٥٤).\n\nوقال ابن عثيمين ﵀ - مُعدِّدًا شروط التكفير -: \" دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر \" (القواعد المثلى ص ١٤٩).\n\nالمسألة الخامسة\nمن قال بوجوب السمع والطاعة لولاة الأمر ولو جاروا؛ فقد فارق المرجئة\nوذلك أنهم لا يرون لولاة الجور سمعًا ولا طاعة، بل يرون السيف.\n\nقال عبد الله بن طاهر ﵀ عن المرجئة: \" لا يرون للسلطان طاعة \" (\" عقيدة السلف وأصحاب الحديث \"","vol":"1","page":110},{"text":"للصابوني ﵀ ص ٦٨).\nوقال سفيان بن عيينة والأوزاعي رحمهما الله: \" إن قول المرجئة يخرج إلى السيف \" (\" السنة \" لعبد الله بن أحمد رحمهما الله ١/ ٢١٨/٣٦٨).\n\nوقال سفيان الثوري ﵀: \" يرون السيفَ على أهل القبلة \" (\" الشريعة \" للآجري ٢٠٦٢، وانظر \" شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة \" للالكائي ١٨٣٤ رحمهما الله).\n\nوإليك بعض كلام العلماء الثلاثة في هذه المسألة:\n\nقال ابن باز ﵀: \" ويجب على المسلمين طاعة ولاة الأمور في المعروف لا في المعصية، فإذا أمروا بالمعصية فلا يطاعون في المعصية، لكنْ لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها \" (الفتاوى ٨/ ٢٠٣).\nوقال الألباني ﵀ مُعلِّقًا على ما في العقيدة الطحاوية (ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة): \" ومِن الواضح أن ذلك خاص بحُكام المسلمين منهم، لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٥٩] \" (الطحاوية ١/ ٥٨).","vol":"1","page":111},{"text":"وقال ابن عثيمين ﵀: \" مهما فسق ولاة الأمور: لا يجوز الخروج عليهم. لو شربوا الخمر، لو زنوا، لو ظلموا الناس: لا يجوز الخروج عليهم \" (شرح رياض الصالحين ١/ ٧٠٢).\n\n* أقول: فهذه هي أصول المرجئة التي حكاها عنهم ونقضها أهلُ السنة، والتي غابت عن كثير من طلاب العلم؛ فأصبحوا يرمون بالإرجاء من خالفهم ولو لم يكن متلبِّسًا بشيء من آراء المرجئة! فترى آثار السلف تبرِّئ الرجلَ من الإرجاء؛ ثم يأتي من أهل عصرنا مَن يرميه به! فمَن أعلم بالإرجاء وأصوله؟ أئمة السلف؟ أم طلاب العلم هؤلاء؟!\n\n* ثم أقول: وأشد من هذا؛ أن بعض طلاب العلم عمدوا إلى اختياراتهم الاجتهادية في بعض المسائل فجعلوها أصلًا من أصول السنة! واعتبروها من الفروق بين أهل السنة والمرجئة! فرموا مخالفهم فيها بالإرجاء! كمسألة تارك الصلاة تهاونًا، والتي - وإن كنتُ مع القول بأن تاركها كافر كفرًا أكبر - إلا أنها محل خلاف بين المتقدمين من أهل السنة، ولا علاقة لها بالإرجاء لا من قريب ولا من بعيد ما دام","vol":"1","page":112},{"text":"الخلاف فيها مبنيًّا على الأدلة (^١).\nفليُتنبَّه لهذا.\n_________\n(^١) تنبيه: قد يكون للخلاف في (حكم تارك الصلاة تهاونًا) صلةٌ بالمرجئة والخوارج! وذلك فيما لو خرج الخلاف من دائرة النظر في الأدلة إلى الأخذ بالأصول الفاسدة!\n١. فمن بنى عدم تكفيره لتارك الصلاة على أصله القائل بأنه (لا يكفر إلا المستحل) فهو مرجيء.\n٢. ومن بنى تكفيره لتارك الصلاة على أصله القائل بـ (كفر مرتكب الكبيرة) فهو خارجي.\n\n٣. أما من بنى قوله على الأدلة، مع سلامته من أصل المرجئة وأصل الخوارج فهو سني سلفي سواء كفَّر تارك الصلاة أم لم يكفِّره.\n\nوعلماؤنا الثلاثة ﵏ مع اختلافهم في مسألة تارك الصلاة على القولين المعروفَين المأثورَين عن المتقدمين من أهل السنة؛ إلا أنهم بنوا اختياراتهم على الأدلة مع براءتهم من تلك الأصول الفاسدة، فلا سبيل للطعن فيهم بوجه من الوجوه.\n\n* وهذا التفريع - على النحو المتقدم - يشمل كل المسائل التي اختلف أهل السنة فيما بينهم\nفي التكفير بها، إذ لا يقتصر الكلام على مسألة (تارك الصلاة) كما يتوهم البعض! وبراءة علماء السنة ظاهرة؛ فهم - وإن وافقهم بعضُ أهل البدع على القول بالتكفير أو القول بعدم التكفير -؛ إلا أن اجتهاداتهم تدور حول الدليل، وليس لهم من هذه الأصول الفاسدة شيء حتى يتهموا بفساد المعتقد أو ينسبوا لبدعة المرجئة أو الخوارج، وتقدم بيان خطأ من يعيب على أهل السنة موافقةَ بعض أهل البدع لهم في غير ما ابتدعوا (راجع ص ٤٩).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الرابع\nالجواب عن أهم أدلة المخالفين </span>.. وهي أربعة عشر دليلًا\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الدليل الأول\nقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]</span>.\nفإن قيل: إن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر بنص الآية.\n\nفالجواب: أن الكفر هنا هو الكفر الأصغر لا الأكبر، وبرهان ذلك ثلاثة أمور:\n\n١. إجماع أهل السنة على أن الآية ليست على ظاهرها، وقد تقدم (ص ٢٤).\n٢. تفسير ابن عباس ﵄، وقد تقدم (ص ٤٢).","vol":"1","page":115},{"text":"٣. تفسير بعض التابعين (^١) (= أصحاب ابن عباس ﵁ ورحمهم)، وقد تقدم (ص ٤١)، ولا يعلم لهم مخالف من عصرهم.\n\nثم إن قيل: الأصل عند الإطلاق انصراف الكفر للكفر الأكبر.\n\nفالجواب: أن هذا الإيراد لا ثمرة منه؛ لأنه جاء ما يجعل المراد بالكفر في الآية: الكفر الأصغر، وهو تفسير ابن عباس وبعض أصحابه.\n\nثم إن قيل: قد استقرأ ابن تيمية ﵀ لفظ (الكفر) المعرَّف بـ (أل) فوجد أنه لا يأتي إلا أريد به الكفر الأكبر، فقال:\n_________\n(^١) قال ابن تيمية عن تفاسير التابعين ﵏: \" إذا أجمعوا على الشيء فلا يُرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم ويُرجَع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك \" (الفتاوى ١٣/ ٣٧٠).\n\nوقال ﵀: \" من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك: كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه \" (الفتاوى ١٣/ ٣٦١).","vol":"1","page":116},{"text":"\" والكفر المعرَّف: ينصرف إلى الكفر المعروف، وهو المخرج عن الملة \" (\" شرح العمدة \"، قسم الصلاة ص ٨٢).\nفالجواب: أن استقراءه ﵀ جاء على المصدر (الكفر) بينما جاءت الآية باسم الفاعل (الكافر) وفرق بينهما؛ إذ المصدر يدل على الفعل وحده، أما اسم الفاعل فهو دال على الفعل وعلى من قام بالفعل (= الفاعل).\nلذلك فقد جعل ابنُ تيمية - نفسه - القولَ بأن المراد بالكفر في الآية هو الكفر الأصغر؛ قولًا لبعض أئمة السنة، بل لعامة السلف، وتقدم كلامه (ص ٤٤).\n\nقال ابن عثيمين ﵀: \" مِن سوء الفهم قول مَن نسب لشيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال (إذا أُطلق الكفر فإنما يراد به كفر أكبر)؛ مستدلًا بهذا القول على التكفير بآية ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]! مع أنه ليس في الآية أن هذا هو (الكفر)! وأما القول الصحيح عن شيخ الإسلام فهو تفريقه ﵀ بين (الكفر) المعرَّف بـ (أل) و(كفر) مُنكّرًا. فأما الوصفُ فيصلح أن نقول فيه (هؤلاء كافرون) أو (هؤلاء الكافرون) بناءً على ما اتصفوا به من الكفر الذي","vol":"1","page":117},{"text":"لا يخرج من الملة، ففرْق بين أن يوصف الفعل وأن يوصف الفاعل \" (فتنة التكفير ص ٢٥، حاشية ١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الدليل الثاني\nقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]</span>.\nفإن قيل: إن الله نفى الإيمان عمن لم يحكّم الشريعة، وهذا يقتضي الكفر.\n\nفالجواب: أن المنفي هو كمال الإيمان لا أصله (= لا كله)، فالآية تحكم بنقص الإيمان لا بزواله.\n\nوبيان ذلك: أن نفي الإيمان جاء في الشريعة وأريد به نفي الكمال لا نفي الأصل.\nومن أمثلة ذلك: قوله ﷺ: \" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه \" (البخاري ١٣، مسلم ١٦٨). وقوله ﷺ: \" والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن \". قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: \" الذي لا يأمن جاره بوائقه \" (البخاري ٦٠١٦).","vol":"1","page":118},{"text":"* أقول: فإذا عرفت أن نفي الإيمان يأتي في الشريعة ويراد به نفي الكمال، وعرفت أن هذا الاحتمال يوجب التأنّي في التكفير بهذه الآية؛ فاعلم أنه جاء ما يصرف الإيمان المنفي في الآية من الأصل إلى الكمال، ومن هذه الصوارف صارفان اثنان:\n\nالصارف الأول: أن نفي الإيمان في الآية جاء في حق ثلاثة:\n\n١. من لم يحكّم الرسول ﷺ.\n٢. من وجد في نفسه شيئًا على حكم الرسول ﷺ.\n٣. من لم يسلّم بحكم الرسول ﷺ.\n\n* أقول: فمن جعل المنفي هو أصل الإيمان (= كله!) لزمه أن يكفر هؤلاء الثلاثة، مع أنه جاء ما يدل على عدم كفر الثاني والثالث، ومن هذه الأدلة دليلان ظاهران:\nأما أولهما فما قال أنس بن مالك ﵁: لمّا فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب! إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم! فبلغ ذلك","vol":"1","page":119},{"text":"رسول الله ﷺ فجمعهم، فقال: \" ما الذي بلغني عنكم؟ \". قالوا: \" هو الذي بلغك \"، وكانوا لا يكذبون. قال: \" أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس واديًا أو شِعْبًا وسلكت الأنصار واديًا أو شعبًا؛ لسلكتُ وادي الأنصار أو شعب الأنصار \" (البخاري ٣٧٧٨، مسلم ٢٤٣٧). قالوا: \" يا رسول الله؛ قد رضينا \" (البخاري ٤٣٣١، مسلم ٢٤٣٨) .. فرضي الله عن الأنصار وعن جميع أصحاب النبي ﷺ وأرضاهم، فما أبرهم وأصدق إيمانهم وأحبهم لرسول الله ﷺ.\n\nوأما ثانيهما فحديث عائشة ﵂: أن أزواج النبي ﷺ جئنه يناشدنه العدلَ في بنت أبي قحافة (= عائشة ﵂) (البخاري ٢٥٨١، مسلم ٦٢٤٠) .. فرضي الله عن زوجات النبي ﷺ وأرضاهن.\n\n* أقول: فإن كان المنفي عن الثاني والثالث هو الكمال؛ فلا بد أن يكون كذلك في حق الأول، وإن كان الثاني والثالث لا يكفران؛ فالأول كذلك سواء بسواء؛ لأن الوعيد الوارد في حقهم واحد.\n\nوإنْ قارنتَ هذا بقول ابن تيمية ﵀: \" وهذه الآية مما","vol":"1","page":120},{"text":"يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله \" (منهاج السنة ٥/ ١٣١) فقد تجلّى لك الأمر.\nالصارف الثاني وفيه مبحث دقيق: أن الآية نزلت في رجل أنصاري بدري، والبدريون محفوظون من الوقوع في الكفر الأكبر، وذلك أنه جرت بين الزبير وذاك الرجل ﵄ خصومة، فقضى النبي ﷺ بقضاء أغضب الأنصاري فقال: أنْ كان ابن عمّتك؟! (أخرج القصة البخاري: ٢٣٥٩، ٢٣٦٢، ٢٧٠٨، ٤٥٨٥، ومسلم ٦٠٦٥، وأبو داود ٣٦٣٧، والترمذي ١٣٦٣، والنسائي ٥٤٣١).\n\nفانظر كيف غضب ذلك البدري ﵁ ولم يقع منه التسليم الكامل بقضاء النبي ﷺ في ذلك الأمر؟\n\nقال ابن باز ﵀ تعليقًا على قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]:\n\" فمن زعم أنه يجوز الحكم بغيرها [أي: الشريعة]، أو قال: (إنه يجوز أن يتحاكم الناس إلى الآباء)، أو: (إلى الأجداد)، أو: (إلى القوانين الوضعية التي وضعها الرجال)، سواء كانت","vol":"1","page":121},{"text":"شرقية أو غربية، فمن زعم أن هذا يجوز فإن الإيمان منتف عنه، ويكون بذلك كافرًا كفرًا أكبر ... أما الذي يرى أن الواجب تحكيم شرع الله، وأنه لا يجوز تحكيم القوانين ولا غيرها مما يخالف شرع الله، ولكنه قد يحكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه ضد المحكوم عليه، أو لرشوة، أو لأمور سياسية، أو ما أشبه ذلك من الأسباب، وهو يعلم أنه ظالم ومخطئ ومخالف للشرع؛ فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد انتفى في حقه كمال الإيمان وهو بذلك كافر كفرًا أصغر، وظالم ظلمًا أصغر، وفاسق فسقًا أصغر \" (الفتاوى ٦/ ٢٤٩).\nبل قال ابن تيمية ﵀: \" كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه","vol":"1","page":122},{"text":"الغاية؛ دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وُعِد أهله بدخول الجنة بلا عذاب \" (الفتاوى ٧/ ٣٧).\n\nوقال ﵀: \" فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض واجباته كقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] \" (الفتاوى ٢٢/ ٥٣٠).\n\nفإن قيل: فما الدليل على حفظ الله لأهل بدر من الوقوع في الكفر؟\n\nفالجواب: أن الله تعالى قد أوجب لهم الجنة، كما في قصة حاطب ﵁ إذ قال النبي ﷺ في حقهم: \" لعل الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة \" (البخاري ٦٩٣٩).\n\n* أقول: فمن لم يقل بخصوصيتهم وحفظ الله لهم من الوقوع فيما يخرج من ملة الإسلام؛ فقد أوجب تعارض الحديث مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ","vol":"1","page":123},{"text":"وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨، ١١٦]، وذلك أن الكفر والشرك الأكبرين لا يغفران، وأن الله أوجب لأهل بدر الجنة.\nفإن قيل: ألا يحتمل أن يقع أحد من أهل بدر في الكفر لكنه يُوفّق للتوبة من ذلك الكفر فيموت على التوبة فيدخل الجنة، فلا تتعارض النصوص؟\n\nفالجواب من وجهين:\n\n١. أن الله قد غفر لأهل بدر، ولم يُقيِّد ذلك الغفران بالتوبة، والواجب إعمال هذه الفضيلة في حقهم على إطلاقها وعدم تقييد ما أطلقه الله تعالى.\n\n٢. ولو قيل بهذا لعطّلنا تلك الفضيلة! ولما كان لشهودهم بدرًا مزية! وذلك أن أهل العلم متفقون على أن جميع الذنوب - حتى الكفر - تغفر بالتوبة. ولو كان ذنب أهل بدر مغفورًا لهم إذا تابوا منه! لما كان لذلك الفضل ما يميّزهم عن غيرهم.","vol":"1","page":124},{"text":"وأختم هذا المبحث بقول ابن تيمية ﵀: \" قوله لأهل بدر ونحوهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم): إن حُمِل على الصغائر، أو على المغفرة مع التوبة: لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد عُلم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة؛ لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفَّرة باجتناب الكبائر \" (الفتاوى ٧/ ٤٩٠).\n\nفإن قيل: إن الآية تنفي الإيمان عمن لم يتحاكم إلى الشريعة ولا يلزم من ثبوت هذا الحكم أن يكفر ذلك الصحابي لأن الحكم على المعيَّن له شروط وموانع.\n\nفالجواب: أن هذا الصحابي المعيَّن له تميّز على غيره بأن النص قد نزل فيه ولا وجه لتفسير الآية بدون النظر فيمن نزلت، فمع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أنه لا خلاف في دخول من نزل فيه النصُّ دخولًا أوَّليًا.\n\nقال ابن تيمية ﵀: \" والآية التي لها سبب معين؛ إن كانت أمرًا أو نهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبرًا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته أيضًا \" (الفتاوى ١٣/ ٣٣٩).","vol":"1","page":125},{"text":"وقال ابن القيم ﵀: \" فلا يخرج محلُّ السبب عن الحكم، ويتعلق بغيره \" (زاد المعاد ٥/ ٣١٧).\nبل قد نقل الزركشي ﵀ حكاية بعضهم الإجماع على ذلك فقال: \" فإن محلَّ السبب لا يجوز إخراجه بالاجتهاد بالإجماع كما حكاه القاضي أبو بكر في مختصر التقريب؛ لأن دخول السبب قطعي \" (البرهان ١/ ١١٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الدليل الثالث\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ </span>يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠].\nفإن قيل: إن من تحاكم إلى غير الشريعة فقد كفر؛ لأن الله قد حكم عليه بالنفاق.\n\nفالجواب من وجهين:\n\nالوجه الأول: صحيح أن الآية جاءت في شأن المنافقين، لكن معناها محتمل لأمرين:","vol":"1","page":126},{"text":"١. أن إيمانهم صار مزعومًا (= أنهم صاروا منافقين) لكونهم أرادوا الحكم بالطاغوت، وهذا ما يتمسك به المخالف.\n\n٢. أن من صفات أهل الإيمان المزعوم (= المنافقين) أنهم يريدون التحاكم للطاغوت، ومشابهة المؤمن للمنافقين في صفة من صفاتهم - كالكذب - لا توجب الكفر، فعلى هذا؛ فإن من حكم بغير ما أنزل الله فقد شابه المنافقين في صفة من صفاتهم، وهذا لا يوجب لهم الكفر إلا بدليل آخر.\n\n* أقول: وإذا ورد الاحتمال في أمر بين كونه مكفرًا أو غير مكفر؛ لم يُكفَّر به؛ لأن التكفير لا يقوم على أمر محتمل، بل لا يبنى إلا على اليقين، فوجب الاحتياط فيه، لا سيما وأنه لم يدل دليل على أن الحكم عليهم بالنفاق إنما جاء بسبب تحاكمهم لغير الله.\n\nالوجه الثاني: أن إرادة هؤلاء ليست إرادة مطلقة، بل هي إرادة خاصة فيها ما ينافي الكفر به، ومن لم يعتقد وجوب الكفر بالطاغوت فلا شك في كفره الكفر الأكبر.","vol":"1","page":127},{"text":"قال الطبري ﵀: \" ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾ في خصومتهم، ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾\nيعني: إلى من يعظمونه ويصدرون عن قوله ويرضون بحكمه من دون حكم الله ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء ٦٠] يقول: وقد أمرهم أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه فتركوا أمر الله واتبعوا أمر الشيطان \" .. (تفسيره ٥/ ٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الدليل الرابع\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]</span>.\nفإن قيل: إن من أطاع غير الله فيما يخالف أمر الله فقد أشرك.\n\nفالجواب من وجهين:\n\n١. أن ظاهر الآية يوهم بأن كل طاعة شرك، وهذا غير مراد، بل لم يقل به أحد، فـ:\n\n٢. الطاعة المرادة - هنا - هي الطاعة في التحليل والتحريم؛ يعني أنه يوافقهم فيعتقد حلَّ الحرام وحرمة الحلال،","vol":"1","page":128},{"text":"قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏: \" وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ كيف حكم على أن من أطاع أولياء الشيطان في تحليل ما حرم الله أنه مشرك \" .. (عيون الرسائل ١/ ٢٥١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الدليل الخامس\nقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١]</span>.\nفإن قيل: إن الحاكم بغير ما أنزل الله مشارك لله تعالى في حكمه فهو كافر.\n\nفالجواب: أن الآية لا تدل إلا على كفر المبدِّل، وذلك أنها كفَّرت من جمع بين وصفين:\n\n١. التشريع .. ﴿شَرَعُوا لَهُمْ﴾.\n٢. والنِّسبة للدِّين .. ﴿مِنْكَ الدِّينِ﴾.\n\n* أقول: وهذا هو المسمى بالتبديل وتقدم أنه كفر بالإجماع (ص ٢٠).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الدليل السادس\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ٢٦]</span>.\nفإن قيل: إن الحاكم بغير ما أنزل الله قد جعل نفسه مشاركًا لله في حكمه فهو كافر.\n\nفالجواب من وجهين:\n\n١. لا يُسلّم بأن الحاكم بغير ما أنزل الله مشارك لله في حكمه في كل الحالات؛ وذلك أنه إذا نسب ما جاء به للدّين (= المبدل) أو اعتقد أنه يجوز له أن يحكم بغير ما أنزل الله (= المستحل)؛ فهو مشارك لله في حكمه، أما من عداهما فلا يدخل في هذه الآية.\n\n٢. أن من خالف في هذا وأخذ الآية على عمومها لزمه التكفير بكل صور الحكم بغير ما أنزل الله؛ على أنها مشاركة الله في حكمه، وإجماع أهل السنة على عدم كفر الجائر (ص ٢١) كاف في رد هذا الفهم.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الدليل السابع\nقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ﴾ [الأنعام ٥٧، يوسف ٤٠، ٦٧]</span>.\nفإن قيل: إن من وضع أحكامًا من عنده فقد نازع الله في أمر خاص به فهو كافر.\n\nفالجواب من ثلاثة أوجه:\n\n١. لا يُسلّم بأن الحاكم بغير ما أنزل الله يكون منازعًا لله تعالى في الحكم بمجرد فعله من دون أن يدّعي لنفسه الحقَّ في ذلك.\n\n٢. من خالف هذا لزمه تكفير الجائر الذي أجمع أهل السنة على عدم كفره (ص ٢١).\n\n٣. ومن خالف في هذا لزمه - كذلك - تكفير المصور الذي أجمع أهل السنة على عدم كفره (انظر ص ٢٩).\n\nالدليل الثامن\nقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ","vol":"1","page":131},{"text":"اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١].\n\nفإن قيل: إن أهل الكتاب لمّا أطاعوا علماءهم وعبَّادهم في حكمهم بغير ما أنزل الله وصفهم الله بأنهم اتخذوهم أربابًا من دون الله؛ فهذا الاتخاذ شرك.\n\nفالجواب: أن طاعة الأحبار والرهبان لا تخرج عن حالتين:\n\n١. طاعتهم في اعتقاد حل ما حرم الله وحرمة ما أحل الله؛ وهذا كفر مخرج من الملة بلا خلاف.\n٢. طاعتهم في معصية الله بدون اعتقاد حل ما حرم الله ولا حرمة ما أحل الله؛ وهذا ليس بكفر قطعًا؛ لأنه لا دليل على التكفير به، كما يلزم منه تكفير أهل الذنوب الذين أطاعوا أهواءهم أو من دعوهم لمقارفة الذنوب، ويلزم منه تكفير من اتفق أهل السنة على عدم كفره؛ كالذي أطاع الزوجة والولد في معصية الله.\n\nقال ابن تيمية ﵀: \" وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين:\nأحدهما: أن يعلموا أنهم بدَّلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل؛ فيعتقدون","vol":"1","page":132},{"text":"تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل؛ فهذا كفر ... والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام (^١) ثابتًا؛ لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعله أهل المعاصي التي يُعتقد أنها معاص؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب \" .. (الفتاوى ٧/ ٧٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>الدليل التاسع\nقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]</span>.\nفإن قيل: إن من تحاكم لغير الله فقد خالف ما أمر الله ﷿.\n\nفالجواب: أن الآية تدل على وجوب التحاكم إلى الشريعة؛ وهذا ما لا اختلاف فيه، كما لا اختلاف في أن هؤلاء المحكّمين غير ما أنزل الله آثمون وواقعون في ذنب عظيم؛ لكنْ ليس في الآية دلالة على التكفير.\n_________\n(^١) كذا! ولعل العبارة مقلوبة، وصوابها: (أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتًا).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الدليل العاشر\nقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]</span>.\nفإن قيل: إن الله وصف الحكم بغير الشريعة بأنه حكم الجاهلية؛ وهذا يعني أنه كفر.\nفالجواب: إن إضافة الشيء إلى الجاهلية، أو وصفه بأنه من أعمال أهل الجاهلية؛ لا يلزم منها الكفر.\n\nوبرهان ذلك: أن الرسول الله ﷺ قال لأبي ذر ﵁ لمّا عيّر رجلًا: \" إنك امرؤ فيك جاهلية \" .. (البخاري ٣٠، مسلم ٤٢٨٩). كما وصف أمورًا - اتفق أهل السنة على عدم التكفير بها - بأنها من أعمال الجاهلية، منها: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت .. (مسلم ٢١٥٧).\n\n* أقول: فمن قال بالتلازم بين: النسبة للجاهلية والكفر؛ لزمه التكفير بما اتفق أهل السنة على عدم التكفير به؛ وهو: تعيير المسلم، والطعن في الأنساب، والنياحة.\n\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: \" ألا تسمع","vol":"1","page":134},{"text":"قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾\n[المائدة ٥٠]؟ تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون، وهكذا قوله: (ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والأنواء) ... ليس وجوه هذه الآثار كلها - من الذنوب - أن راكبها يكون جاهلًا! ولا كافرًا! ولا منافقًا! ... ولكن معناها: أنها تتبيَّن من أفعال الكفار، محرّمة منهي عنها في الكتاب والسنة \" .. (الإيمان ص ٩٠).\n\nوقال البخاري ﵀: \" باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها؛ إلا الشرك، لقول النبي ﷺ: \" إنك امرؤ فيك جاهلية \" وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨، ١١٦] \" .. (\" صحيحه \" قبل الحديث رقم ٣٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>الدليل الحادي عشر\nسبب نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ </span>أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى","vol":"1","page":135},{"text":"الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠]، قال الشعبي ﵀: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ، لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة. وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت الآية (الواحدي في \" أسباب النزول \" ص ١١٩).\n\nفإن قيل: إن الله حكم عليهم بالنفاق لتحاكمهم إلى الكاهن.\n\nفالجواب من وجهين:\n\n١. أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن الشعبي ﵀ من التابعين فهو مرسل.\n\n٢. لو صح الحديث؛ فإن الآية نزلت في شأن منافق، وتحقّق صفة من صفات المنافقين في مسلم لا يلزم منه وصفه بالنفاق الأكبر؛ إلا أن يدل دليل آخر على أن الوصف بالنفاق إنما جاء لأجل هذه الصفة (= التحاكم لغير الله).","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الدليل الثاني عشر\nسبب نزول آخر</span>، وهو: أن رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ، وقال الآخر إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ: أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف، فقتله .. (الواحدي في \" أسباب النزول \" ص ١١٩).\nوالجواب: أنه من طريق الكلبي عن أبي صالح باذام عن ابن عباس به، ففيه أربع علل:\n١. (محمد بن السائب الكلبي) متروك؛ تركه يحيى بن سعيد وابن مهدي رحمهما الله، بل قال أبو حاتم ﵀: \" الناس مجمعون على ترك حديثه \" .. (انظر تهذيب الكمال ٦/ ٣١٨ - ٣١٩/ ٥٨٢٥).\n٢. (باذام) ضعيف؛ ضعفه البخاري، وابن حجر رحمهما الله. بل قال ابن عدي ﵀: \" ولم أعلم أحدًا من المتقدمين رضيه \" .. (انظر ميزان الإعتدال ٢/ ٣/١١٢٣، تقريب التهذيب ص ١٦٣، الكامل ٢/ ٢٥٨/٣٠٠).","vol":"1","page":137},{"text":"٣. الانقطاع بين باذام وابن عباس ﵄؛ قال ابن حبان ﵀: \" يحدّث عن ابن عباس ولم يسمع منه \" .. (انظر تهذيب التهذيب ١/ ٢١١).\n\n٤. مرويات الكلبي عن باذام ليست بشيء؛ قال يحيى بن معين ﵀ عن باذام: \" إذا روى عنه الكلبي؛ فليس بشيء \" .. (انظر تهذيب الكمال ١/ ٣٢٦/٦٢٥).\n\nالدليل الثالث عشر\nسبب نزول آخر، وهو قول ابن عباس ﵁: كان أبو برزة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه، فتنافر إليه أناس من المسلمين، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء ٦٠] الآية .. (الواحدي في \" أسباب النزول \"\nص ١١٨، الطبراني في \" الكبير \" ١٢٠٤٥).\n\nقال الهيثمي ﵀: \" رجاله رجال الصحيح \" .. (مجمع الزوائد ٧/ ٦/١٠٩٣٤).\n\nوقال ابن حجر ﵀: \" بسند جيد \" .. (الإصابة ٧/ ٣٢، عند ترجمة أبي بردة الأسلمي ﵁).\n\nفإن قيل: إن الله تعالى نسبهم إلى النفاق لأنهم تحاكموا","vol":"1","page":138},{"text":"إلى الكاهن.\n\nفالجواب من وجهين:\n\n١. أن سياق الآيات يدل على أنهم منافقون، فالآية تذكر صفة من صفاتهم، ولا دلالة في الآية ولا في سبب نزولها على أن تحاكمهم هو السبب في الحكم عليهم بالنفاق، فمن فعل كفعلهم كان مشابهًا لهم، ومن شابه المنافقين في صفة لم يلزم منه أن يكون منافقًا النفاق الأكبر المخرج من الملة.\n٢. أن إرادة هؤلاء النفر إرادة مكفرة، وهي الإرادة المنافية للكفر بالطاغوت، وقد تقدم (ص ٦١).\n\nالدليل الرابع عشر\nقال ابن كثير ﵀ مُعلِّقًا على بعض ما في كتاب التتار (= الياسا = الياسق)\nمن أحكام: \" وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرعَ المحكم المنزّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر. فكيف بمن","vol":"1","page":139},{"text":"تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين \" .. (البداية والنهاية ١٣/ ١٢٨، حوادث سنة ٦٢٤ هـ).\n\nفإن قيل: فهذا فيه الإجماع على كفر من ترك الشريعة وتحاكم لغيرها.\n\nفالجواب: أن هذا الإجماع إنما هو في حق أحد رجلين:\n\n١. من استحل الحكم بغير ما أنزل الله.\n٢. من فضل حكم غير الله على حكم الله.\n\n* أقول: ولا نزاع في كفر المستحل (ص ١١) والمفضل (ص ١٨).\n\nوبرهان ذلك: أن ابن كثير ﵀ إنما حكى الإجماع على كفر التتار ومن فعل كفعلهم، والحالةُ التي وقعوا فيها مكفرة بلا خلاف، وبيان ذلك من وجهين:\n\nالوجه الأول: أنهم استحلوا الحكم بغير ما أنزل الله.\n\nقال ابن تيمية ﵀: \" يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، وأن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، ثم منهم من يُرجّح دين اليهود أو دين النصارى، ومنهم من يرجّح دين المسلمين \" .. (الفتاوى ٢٨/ ٥٢٣).","vol":"1","page":140},{"text":"الوجه الثاني: أنهم فضلوا حكم غير الله على حكم الله.\n\nقال ابن كثير ﵀ عن كتابهم - والذي يحتوي على الأحكام التي وضعها لهم جنكيز خان -: \" وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير \" .. (تفسيره ٢/ ٨٨، المائدة ٥٠).\n* أقول: ومن تأمل هذا وقال به؛ فقد اتفق عنده كلام ابن كثير ﵀ مع كلام أئمة السنة في نقلهم الإجماع الثابت المتقرر في المستحل والمفضل.\n\nثم إنه لو كان في ترك الشريعة والتحاكم لغيرها من دون استحلال أو تفضيل إجماع - كما يقول البعض - لرأيت العلماء يتناقلونه ويقررونه سواء منهم من عاصر ابن كثير ﵀ أو من تقدمه، أو حتى من جاء بعده. كيف وقد حكوا","vol":"1","page":141},{"text":"الإجماع على خلافه؟! وهو: الإجماع على عدم كفر الجائر، وقد تقدم (ص ٢١).","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفتوى المتأخرة لابن عثيمين ﵀ في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله\nوالتي سُمِّيت بـ: \" التحرير في مسألة التكفير </span>\"\nالسؤال (^١):\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أما بعد؛ فهذا السؤال أقدمه عبر الهاتف، وعبر تسجيله في الهاتف أيضًا لفضيلة الوالد الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله، ومتع به، وجعل فيه وفي أمثاله العوض عن سماحة الوالد رحمة الله عليه.\n\nوهذا السؤال حول مسألة كثر فيها النزاع بين طلبة العلم، وكثر بها - أيضًا - الاستدلال من بعض كلمات لفضيلة الوالد\n_________\n(^١) أخذتُ هذه الفتوى من شريط: \" التحرير في مسألة التكفير \"، إصدار تسجيلات \" ابن القيم \" بالكويت، وفصَلْتُ فقراتها بعناوين وضعتها بين قوسين [هكذا].","vol":"1","page":143},{"text":"العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى، أولًا أقول للشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وزادكم الله علمًا، ورفع قدركم في الدنيا وفي الآخرة.\nفضيلة الشيخ سلمكم الله: هنا كثير من طلبة العلم يدندنون حول الحاكم الذي يأتي بشريعة مخالفة لشريعة الله ﷿، ولا شك أنه يأمر الناس بها ويلزمهم بها، وقد يعاقب المخالف عليها ويكافئ أو يجازي بالخير وبالعطاء الملتزم بها، وهذه الشريعة في كتاب الله وفي سنة نبيه ﵊ تعتبر مخالفة ومصادمة لنصوص الكتاب والسنة، هذه الشريعة إذا ألزم هذا الحاكم بها الناس ومع أنه يعترف أن حكم الله هو الحق وما دونه هو الباطل وأن الحق ما جاء في الكتاب والسنة، ولكنه لشبهة أو لشهوة جرى إلزام الناس بهذه الشريعة، كما وقع مثل ذلك كثيرًا في بني أمية وفي بني العباس وفي أمراء الجور الذين ألزموا الناس بأمور لا تخفى على مثلكم بل لا تخفى على كثير من الناس عندما ألزموا","vol":"1","page":144},{"text":"الناس بما لا يرضي الله ﷿ كالأمور الوراثية وجعلوا الملك عاضًّا بينهم كما أخبر النبي ﷺ وقربوا شرار الناس وأبعدوا خيارهم وكان من يوافقهم على ما هم فيه من الباطل قربوه ومن يأمرهم وينهاهم ربما\nحاربوه .. إلى آخره.\n\nفلو أن الحاكم في هذا الزمان فعل مثل هذه الشريعة؛ هل يكون كافرًا بهذه الشريعة إذا ألزم الناس بها؟ مع اعترافه أن هذا مخالف للكتاب والسنة، وأن الحق في الكتاب والسنة؛ هل يكون بمجرد فعله هذا كافرًا؟ أم لا بد أن يُنظر إلى اعتقاده بهذه المسالة؟ كمن - مثلًا - يلزم الناس بالربا، كمن يفتح البنوك الربوية في بلاده، ويأخذ من البنك الدولي - كما يقولون - قروضًا ربوية، ويحاول أن يؤقلم اقتصادها على مثل هذا الشيء، ولو سألته قال: (الربا حرام، ولا يجوز)، لكنْ لأزمة اقتصادية، أو لغير ذلك، يعتذر مثل هذه الاعتذارات، وقد تكون الاعتذارات مقبولة، وقد لا تكون، فهل يكفر بمثل ذلك؟ أم لا؟ ..","vol":"1","page":145},{"text":"ومع العلم أن كثيرًا من الشباب ينقلون عن فضيلتكم أنكم تقولون أن من فعل ذلك يكون كافرًا، ونحن نلاحظ في بلاد الدنيا كلها أن هذا شيء موجود؛ بين مُقلّ ومستكثر، وبين مصرح وغير مصرح، نسأل الله العفو والعافية .. نريد من فضيلتكم الجواب على ذلك عسى أن ينفع الله ﷾ به طلاب العلم، وينفع الله ﷿ به الدعاة إلى الله ﷿؛ لأنه لا يخفى عليكم أن الخلاف كم يؤثر في صفوف الدعوة إلى الله ﷿.\n\nهذا؛ وأني لأنقل لفضيلتكم محبة أبنائكم وطلابكم طلبة العلم في هذه البلاد، ورغبتهم أيضًا في سماع صوتكم، وتوجيهاتكم، ونصائحكم؛ سواء عبر الهاتف أو غير ذلك. والله ﷾ المسؤول أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال.\n\nمُقدّم هذا السؤال لفضيلتكم: ابنكم وطالبكم أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني من مأرب باليمن في يوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ألف وأربعمائة وعشرين من الهجرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.","vol":"1","page":146},{"text":"الجواب:\n\n[مُقدمة]\n\" الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ..\n\n[تأريخ الفتوى]\nففي هذا اليوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام عشرين وأربعمائة وألف؛ استمعت إلى شريط مسجل باسم أخينا أبى الحسن في مأرب، ابتدأه بالسلام عليَّ فأقول: عليك السلام ورحمة الله وبركاته.\n\n[خطر التكفير]\nوما ذكره من جهة التكفير؛ فهي مسألة كبيرة، عظيمة، ولا ينبغي إطلاق القول فيها إلا مع طالب علم يفهم ويعرف الكلمات بمعانيها، ويعرف العواقب التي تترتب على القول بالتكفير أو عدمه، أما عامة الناس؛ فإن إطلاق القول بالتكفير أو عدمه في مثل هذه الأمور يحصل فيه مفاسد.","vol":"1","page":147},{"text":"[نصيحة قيمة]\nوالذي أرى أولًا ألّا يشتغل الشباب بهذه المسألة، وهل الحاكم كافر؟ أو غير كافر؟ وهل يجوز أن نخرج عليه؟ أو لا يجوز؟ .. على الشباب أن يهتموا بعباداتهم التي أوجبها الله عليهم، أو ندبهم إليها، وأن يتركوا ما نهاهم الله عنه كراهة أو تحريمًا، وأن يحرصوا على التآلف بينهم، والاتفاق، وأن يعلموا أن الخلاف في مسائل الدين والعلم قد جرى في عهد الصحابة ﵃ ولكنه لم يُؤدّ إلى الفرقة، وإنما القلوب واحدة، والمنهج واحد.\n\n[التفصيل في المسألة]\nأما فيما يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله: فهو كما في الكتاب العزيز ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كفر، وظلم، وفسق؛ على حسب الأسباب التي بُنيَ عليها هذا الحكم.\nفإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تبعًا لهواه مع علمه بأن الحق فيما قضى الله به: فهذا لا يكفر لكنه بين فاسق وظالم.\n\nوأما إذا كان يَشْرَع حكمًا عامًا تمشي عليه الأمة، يرى أن","vol":"1","page":148},{"text":"ذلك من المصلحة، وقد لُبِّس عليه فيه: فلا يكفر أيضًا؛ لأن كثيرًا من الحكام عندهم جهل في علم الشريعة، ويتصل بهم من لا يعرف الحكم الشرعي، وهم يرونه عالمًا كبيرًا فيحصل بذلك المخالفة.\n\nوإذا كان يعلم الشرعَ ولكنه حكم بهذا، أو شَرَع هذا، وجعله دستورًا يمشي الناس عليه؛ يَعتقد أنه ظالم في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة: فإننا لا نستطيع أن نكفِّر هذا.\n\nوإنما نكفِّر: من يرى أن حكم غير الله أولى أن يكون الناس عليه، أو مثل حكم الله\n﷿؛ فإن هذا كافر؛ لأنه مكذب لقول الله ﵎: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].\n\n[لا تلازم بين التكفير والخروج]\nثم هذه المسائل؛ لا يعني أننا إذا كفرنا أحدًا فإنه يجب الخروج عليه؛ لأن الخروج يترتب عليه مفاسد عظيمة أكبر من السكوت، ولا نستطيع الآن أن نضرب أمثالًا فيما وقع في الأمة العربية وغير العربية.","vol":"1","page":149},{"text":"[من شروط الخروج على الكافر]\nوإنما إذا تحققنا جواز الخروج عليه شرعًا فإنه لابد من استعداد وقوة تكون مثل قوة الحاكم أو أعظم.\n\n[الخروج مع عدم القدرة: سفه]\nوأما أن يخرج الناس عليه بالسكاكين والرماح ومعه القنابل والدبابات وما أشبه هذا؛ فإن هذا من السفه بلا شك وهو مخالف للشرع \" انتهت الفتوى.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>خاتمة الكتاب</span>\nأسأل الله أن يهدي جميع الحكام، وأن يوفقهم للحكم بكتابه وسنة نبيه ﷺ، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يُسخّرهم لخدمة الإسلام والمسلمين.\n\nكما أسأله تعالى أن يهدي ضال المسلمين، وأن يجمع كلمة إخواني طلاب العلم وأهل الحق، وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يريني وإياهم وجميع المسلمين: الحق حقًا ويرزق الجميع اتباعه، والباطل باطلًا ويوفق الجميع لاجتنابه.\n\nوالحمد لله دومًا وأبدًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nأخوك / بندر بن نايف المحياني العتيبي\n٢٧/ ١ / ١٤٢٧ هـ","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>فهرس المراجع </span>(^١)\n*أحكام القرآن / ابن العربي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الفكر.\n*أسباب النزول / الواحدي، عالم الكتب.\n*الإصابة / ابن حجر، تحقيق: جماعة، الكتب العلمية، ط ١.\n*أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن / الشنقيطي، الفكر.\n*الاعتصام / الشاطبي، تحقيق: سليم الهلالي، عفان، ط ١.\n*إعلام الموقعين / ابن القيم، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، الكتب العلمية، ط ٢.\n*إغاثة اللهفان /ابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، الكتب العلمية، ط ١٤١٢ هـ\n- ١٩٩٢ م.\n*الأوسط / ابن المنذر، تحقيق: صغير أحمد محمد حنيف، طيبة، ط ١.\n*الإيمان / أبو عبيد، تحقيق: الألباني، مكتبة المعارف، ط ١.\n*البحر المحيط / أبو حيان الأندلسي، دار إحياء التراث العربي، ط ٢.\n*البداية والنهاية /ابن كثير، تحقيق: جماعة، ابن تيمية.\n*البرهان / الزركشي، تحقيق: جماعة، المعرفة، ط ٢.\n*التحرير في مسألة التكفير \" شريط صوتي \" /ابن عثيمين، إصدار:\n_________\n(^١) قمتُ بترتيبها على الحروف الألف بائيّة، وذكرتُ أولًا اسم الكتاب ثم اسم المؤلف ثم اسم المحقق أو المعِدّ ثم الدار التي طبعت أو نشرت الكتاب ثم رقم الطبعة ثم سنة الطبع.","vol":"1","page":152},{"text":"تسجيلات ابن القيم بالكويت.\n*تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار للطحاوي / ترتيب: خالد محمود الرباط،\nبلنسية، ط ١.\n*تحكيم القوانين / محمد بن إبراهيم، دار القاسم، ط ١.\n*تعظيم قدر الصلاة / المروزي، تحقيق: كمال السيد سالم، العلم.\n*تفسير القرآن العزيز / عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي،\nدار المعرفة، ط ١.\n*تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ابن كثير، ط ١.\n*تفسير المنار / محمد رشيد رضا، دار الكتب العلمية، ط ١.\n*تقريب التهذيب / ابن حجر، تحقيق: أبي الأشبال الباكستاني، العاصمة، ط ١.\n*التمهيد / ابن عبد البر، تحقيق: أسامة إبراهيم، الفاروق.\n*تهذيب الكمال / المزّي، تحقيق: بشار عواد معروف، الرسالة، ط ١.\n*جامع البيان / الطبري، تحقيق: عبد الله التركي، هجر، ط ١.\n*الدرر السنية / أئمة الدعوة النجدية، ط ٥.\n*زاد المعاد / ابن القيم، تحقيق: شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، الرسالة، ط ٢٦.\n*سلسة الأحاديث الصحيحة / الألباني، المعارف، ط ١.\n*سلسلة الهدى والنور \" أشرطة صوتية \" / الألباني، جمع: أبي ليلى الأثري، ٦ أقراص كمبيوتر، فهرسة: أهل الحديث والأثر.\n*السلفية \" مجلة نصف سنوية \"، الرياض، عام: ١٤٢٢ هـ، عدد: ٦.\n*سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، الكتب العلمية.\n*سنن أبي داود، تحقيق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، ابن حزم، ط ١.","vol":"1","page":153},{"text":"*سنن ابن ماجة بشرح السندي وحاشية البوصيري، تحقيق: خليل مأمون شيحا،\nالمعرفة، ط ١.\n*سنن النسائي (المجتبى) بشرح السيوطي وحاشية السندي، المعرفة.\n*السنة / الخلال، تحقيق: عطية الزهراني، دار الراية، ط ١.\n*السنة / عبد الله ابن الإمام أحمد، تحقيق: محمد سعيد القحطاني، دار ابن القيم، ط ١.\n*شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة / اللالكائي، تحقيق: أحمد الغامدي، طيبة، ط ٧.\n*شرح ثلاثة الأصول / ابن عثيمين، الثريا، ط ١.\n*شرح رياض الصالحين / ابن عثيمين، البصيرة، ط ٢.\n*شرح السنة / البربهاري، تحقيق: خالد الردادي، السلف، ط ٣.\n*شرح العقيدة الطحاوية بتعليقات ابن باز والألباني، تحقيق: محمد عبد الفتاح،\nالبصيرة، ط ٢.\n*شرح علل الترمذي / ابن رجب، تحقيق: نور الدين عتر، دار الملاح، ط ١.\n*شرح العمدة \" الصلاة \" / ابن تيمية، تحقيق: خالد المشيقح، دار العاصمة، ط ١.\n*شرح معاني الآثار / الطحاوي، تحقيق: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، ط ٢.\n*الشريعة / الآجري، تحقيق: عبد الله الدميجي، الوطن، ط ٢.\n*الصارم المسلول / ابن تيمية، تحقيق: محمد الحلواني ومحمد شوري، رمادي، ط ١.\n*صحيح البخاري، دار السلام، ط ١.","vol":"1","page":154},{"text":"*صحيح الترغيب والترهيب / الألباني، المكتب الإسلامي، ط ٢.\n*صحيح مسلم بشرح النووي، تحقيق: خليل مأمون شيحا، المعرفة، ط ٤.\n*الصواعق المرسلة / ابن القيم، تحقيق: علي محمد الدخيل الله، دار العاصمة، ط ٢.\n*عقيدة السلف وأصحاب الحديث / الصابوني، تحقيق: نبيل سابق السبكي، ط ١.\n*عيون الرسائل / عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، تحقيق: حسن محمد بوا،\nالرشد، ط ١.\n*فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، إدارة البحوث العلمية والإفتاء، ط ٣.\n*فتح الباري / ابن حجر، جماعة، الريان.\n*فتنة التكفير / الألباني، بتقريظ: ابن باز، وتعليق: ابن عثيمين، إعداد: علي محمد أبو لوز، ابن خزيمة، ط ٢.\n*الفصل / ابن حزم، تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل،\nط ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n*القاموس المحيط / الفيروزآبادي، الكتب العلمية، ط ١.\n*القواعد المثلى / ابن عثيمين، تخريج: أشرف عبد المقصود، أضواء السلف.\n*القول المفيد على كتاب التوحيد / ابن عثيمين، ابن الجوزي، ط ١.\n*الكامل / ابن عدي، تحقيق: جماعة، الكتب العلمية، ط ١.\n*لقاءات الباب المفتوح / ابن عثيمين، البصيرة.\n*مجمع الزوائد / الهيثمي، تحقيق: عبد الله الدرويش، الفكر.\n*مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع: ابن قاسم، عالم الكتب.\n*مجموع فتاوى ورسائل / ابن عثيمين، جمع: فهد السليمان، دار الثريا، ط ٢.\n*مجموع فتاوى ومقالات / ابن باز، الإفتاء، ط ٣.\n*مدارج السالكين / ابن القيم، تحقيق: محمد البغدادي، الكتاب العربي، ط ٢.\n*مسائل الإمام أحمد / لابنه عبد الله، تحقيق: علي سليمان المهنا، مكتبة الدار، ط ١.\n*المستدرك / الحاكم، دراسة: مصطفى عبد القادر عطا، الكتب العلمية، ط ١.\n*المعجم الكبير / الطبراني، تحقيق: حمدي السلفي، إحياء التراث العربي، ط ٢.\n*المفردات / الراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد خليل عيتاني، المعرفة، ط ٢.\n*المفهم / القرطبي، تحقيق: محيي الدين مستو ويوسف بديوي وأحمد السيد ومحمود بزال، ابن كثير، ط ٢.\n*منهاج السنة / ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، ط ١.\n*ميزان الاعتدال / الذهبي، تحقيق: جماعة، الكتب العلمية، ط ١.\n*نزهة الأعين النواظر / ابن الجوزي، تحقيق: محمد عبد الكريم الراضي، الرسالة، ط ٣.\n*نيل الأوطار / الشوكاني، دار النفائس.","vol":"1","page":155}]}